######OpenITI# #META# المؤلف: أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسن الفهري المعروف بالبونسي (651هـ) #META# bkid: 31931 #META# pdfcs: 2 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: كنز الكتاب ومنتخب الآداب (السفر الأول من النسخة الكبرى) ¶ المؤلف: أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسن الفهري المعروف بالبونسي (651هـ) ¶ المحقق: حياة قارة ¶ الناشر: المجمع الثقافي، أبو ظبي ¶ عام النشر: 2004 ¶ عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم مسلسل واحد) ¶ أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# auth: البونسي #META# Lng: إبراهيم بن أبي الحسن (علي) بن أحمد الفهري، أبو إسحاق الأندلسي الشريشي المعروف بالبونسي #META# الناشر: المجمع الثقافي، أبو ظبي #META# max: 843 #META# عام النشر: 2004 #META# onum: 13666 #META# pdf: 1 #META# bk: كنز الكتاب ومنتخب الأدب #META# authinf: البُونَسي (573 - 651 هـ = 1177 - 1253 م) ¶ أديب، له اشتغال بالتراجم. من أهل شريش، من قرية (بُونَس) Bonanza له كتب، منها (التعريف والإعلام في رجال ابن هشام) و (التبيين والتنقيح لما ورد من الغريب في كتاب الفصيح) و (كنز الكتاب) كبير وصغير ¶ نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# bver: 1 #META# over: 1 #META# ndata: بسم الله8D6757FFه وخيره. #META# bkord: 6289 #META# archive: 15 #META# عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم مسلسل واحد) #META# الكتاب: كنز الكتاب ومنتخب الآداب (السفر الأول من النسخة الكبرى) #META# seal: 1BB0F46C #META# oauth: 2664 #META# authno: 2637 #META# ad: 651 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 651 #META# cat: الأدب والبلاغة #META# iso: كنز الكتاب ومنتخب الادب #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# المحقق: حياة قارة #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. # حدثنا الشيخ الفقيه الأستاذ المقرئ العلم أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ ~~الصالح المرحوم أبي الحسن # علي بن أحمد الفهري رضي الله عنه قراءة مني عليه في شهر صفرسنة ثلاث ~~وثلاثين وستمائة. # قال: # الحمد لله المحمود في كل أوان، المسبح بكل لسان، الكائن قبل الأمكنة، ~~والموجود في عدم الأزمنة، # الدائم الذي لا يلحقه الفوت، والقيوم الذي قهر عباده بالموت، القادر الذي ~~انقاد كل شي لأمره، والجواد # الذي نطقت الألسنة بشكره. مبدع السمع والأبصار، ومكور الليل على النهار، ~~المنفرد بالإحسان # والفضل، والحاكم بين العباد بالعدل، جل عن المثل والنديد، وتعالى عن ~~التكييف والتحديد. زين # بالمصابيح السماء المبنية، وقدر الأقوات في الأرض المدحوة، يبسط النعم ~~لعباده ترفيها وإنعاما، # ويقدرها إذا شاء تنبيها وإلهاما. هدانا بمنهج الرشد بتوفيقه فسلكناه، ~~ونهانا عن سبيل الغي بلطفه # فتركناه، أشاد مثوى البلاغة في أجنتنا، وحلى بالفصاحة عذبات ألسنتنا، ~~وتمم نعمته على عباده # تتميما، وعلمنا ما لم نكن نعلم، وكان فضله علينا عظيما. # نحمده حمدا يملأ الأفواه والصدور، ويفوق حمد كل حامد وشكور، نستنزل به ~~الرحمة التي وسعت # كل شيء، ونستكشف الغمة عن كل ميت وحي، ونستوجب PageV01P069 ~~به المزيد من نعمه، والعصمة من نقمه، # ونشكره شكرا يحظينا لديه، ويقربنا زلفى إليه، ونسأله النجاة من غواية ~~الشيطان، والتجاوز عن # سيئاتنا والغفران. # ونصلي على سيدنا محمد نبيه ورسوله المصطفى، وصفيه أكرم الأنبياء وسائل، ~~وأعظمهم فضائل، # المبعوث لخير الأمم، بالمعجزات والحكم، خير من افتتحت بذكره الدعوات، ~~واستنجحت بالصلاة عليه # الطلبات، المرسول لأهل الإسلام قمرا منيرا، ولأهل والضلال قدرا مبيرا، ~~أزكى الأنام عودا ونجارا، # وأعلاهم منصبا وفخارا. بعثه الله والآفاق بدياجي الكفر مظلمة، ورايات ~~الباطل منجدة ومتهمة، فنسخ # الملل، وأوضح السبل، ونقل الناس عن عبادة الأوثان، إلى عبادة الرحمن، ~~وصدع بالرسالة، وبالغ في # الدلالة، وجلا غياهب الضلال والردى، وأحيا القلوب بنور الإيمان والهدى، ~~ودمغ الباطل بالحق، # وحض على الإيمان والصدق، فآمن به المرشدون وكفر به الملحدون، فالمؤمنون ms001 ~~ربحوا وأمروا، # والكافرون خابوا وخسروا. # صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة الاتصال، تتكرر تكرر البكر والآصال. ~~صلاة لا يلحقها # اضطراب، ولا يستطيع حصرها الحساب، وعليه من لطائف التسليم ما يربي كثرة ~~على عدد النجوم، # ويزري شذاه بالمسك المختوم، ويوافق احتفاله رضى الحي القيوم. # أما بعد، # فإني رأيت حلية الأدب السامي المحل والرتب أجمل ما يتحلى به أهل الهمم، ~~ومطارفه أحسن ما # يلبسه أولو المجد والكرم، وذخائره أنفس ما يقتنى، وأزاهره أبهج مايجتنى، ~~لأنه للإنسان بالصواب # منطق، وللسان من عقاله مطلق. وله بدور من الأفكار مطالعها، وأنهار من ~~الألباب مشارعها. فالقلوب # لبدوره فلك، والخواطر لأنهاره مسلك. تشتمل الصدور على بدوره اشتمال ~~الكمام على النوار، وتدفق # القرائح بأنهاره تدفق الديمة المدرار. وله ميدان تجول فيه الأذهان جولان ~~الكماة في الميدان. وله بحر # تغوص فيه الخواطر، فتستخرج منه PageV01P070 ~~اللالئ والجواهر. تنظم منها الألسنة عقودا تروق في العيان، # وتحلى بها أجياد الملوك والأعيان. # ولما أقمت على مطالعة نظمه ونثره، ومريت أخلافه لاجتلاب دره، واقتبست ~~أنوار بدوره، # وارتشفت العذب الشهي من ثغوره، وحامت مدة على مشارعه طير جناني، حويت ~~خطيره وانقاد # شارده في عناني، وارتاض لي منه ما تشعب، وانفتح مقفل ما تغلق وتأشب. ~~فملكت منه حظا وافرا، # وعلقا سنيا عن مثال نور البدر سافرا. # على أن ميدانه في زماننا عاطل من الرهان، ومصونه قد عاد في قبضة ~~الامتهان، وقد أفلت بدوره # ونجومه، ودرست معالمه ورسومه، وعريت الهمم من مطارفه، وزهد في اكتساب ~~معارفه، وأبته # الطباع، ومجته الأسماع، وأوضعت عنه القلوب أي إيضاع، وصدت عنه النفوس ~~صدود الجبان عن # ميدان الحرب، أو الخاشع الأواه عن ندي الشرب. فحامله اليوم (أضيع من قمر ~~الشتاء) وأهون ممن # دب فوق البطحاء حين حظي أهل البطالة، وبلغوا البغية بغير آلة، ونالوا ~~الدرك بغير سبب، وآثروا # الراحة على الطلب، وصارت قيمة المرء على قدر فضته وذهبه، لا على قدر ~~معرفته وحسبه، وهان # على كل إنسان أن يثلم قدره، ويسلم له وفره. # فكم من فدم قد غلظ طبعه، وصم عن ms002 الواجب سمعه، وبعد فهمه، وطال في جمع ~~المال همه، وأدلج # في طلابه وأسرى، وتكبر على الناس لما أترب وأثرى، وجهل أن الدهر بالناس ~~قلب، وأن حمامه # كلمح البصر أو هو أقرب. # زمان نبذ فيه الطلب بالعراء، ولحظ الطالب بعين الازدراء، ومالت النفوس مع ~~الأهواء، حتى # تلاعبت بالعقول تلاعب الأفعال بالأسماء. قل فيه المتناظرون وعدم ~~المتذاكرون: PageV01P071 # واستوثق الناس مما في أكفهم ... حتى لقد نبتوا بخلا على العقد # قد تخلقوا باللوم، وزهدوا في طلب العلوم، وصموا عن قول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم طلب العلم # فريضة على كل مسلم. وعن قوله أيضا عليه السلام "العالم يدعو له كل شيء ~~حتى الحوت في # البحر". # وعن قوله أيضا "ما سلك أحد طريقا في طلب العلم إلا سلك الله به طريقا إلى ~~الجنة". # وعن قول أبي عبد الله الشافعي رحمه الله: (طلب العلم أفضل من صلاة ~~النافلة). # وأشباه هذه الأقوال كثيرة لا تحصى، ولايتسع الديوان لأن تستقصى. وجدوا في ~~الاكتساب، ولهوا # عن القائل بالصواب: # العلم ينفع في دنيا وآخرة ... والمال لا بد يرمي المرء في العطب # ويروى في التعب. # وعن قول الفطن الأريب الناظم المصيب: # إذا المرء لم يكسب سوى المال وحده ... فألأم مكسوب لألأم كاسب PageV01P072 ~~فلما رأيته كل يوم إلى نقصان، ومصونه يزداد مهانة مع الأحيان، بادرت ~~للتأليف، وجمعت في هذا # التصنيف من لبابه الباهر، وزهره العاطر، لمعا كسقط الزند عند الاقتداح، ~~أو المرهفات في ليل النقع # يوم الكفاح. وانتقيت من توليده المخترع، ونادره المستبدع، لمحا يخال بدر ~~التم في لباتها، ويتنشق # العنبر الهندي من هباتها. وشحتها توشيح الهدي، وثقفتها تثقيف القسي، ~~وألفت فيه من النثر البديع، # والنظم المطبوع والحكايات المستطرفة، والأخبار المستظرفة، والنوادر ~~المستحسنة المساق، والأشعار # المهذبة الرقاق، ما يلتذ سماعه على التحقيق والاتفاق، وتجنح إليه القلوب ~~والأذهان، جنوح الطير إلى # الأوكان، لمن نشأ في جزيرة الأندلس من الكتاب والأدباء، ولمن ورد عليها ~~من جلة الفصحاء والبلغاء # المتحلين بحلية الأدب، المقيمين أود لسان العرب، ممن طاف على رؤسائها في ~~المائة الخامسة، ومن # كان ms003 علما بها في المائة السادسة. # وأكثر ما عولت على المتأخرين من الأدباء والماهرين، تنبيها على محاسنهم ~~وآثارهم، وترغيبا في # رسائلهم وأشعارهم. وأضربت عن ذكر المتقدمين، لتكرر أخبارهم على ~~المتأدبين. وربما ألممت # بعض إلمام بكلام من في عصرنا من مشاهير وأعلام. # ولئن كانت سوق الأدب كاسدة، وجمرته هامدة، فلا بد في كل حين من بنين، ~~يحلون عاطله، ويجلون # فضائله. ولكل مجال من رجال يعنون بالأنباء، ويقومون بالأعباء. # وعمدت إلى كتاب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" تأليف أبي الحسن علي بن ~~بسام أحد صيارفة # النثار والنظام، فألفت من جواهره المفترقة، PageV01P073 ~~وقطفت من أزاهره المونقة. # وكذلك تصفحت كتاب "قلائد العقيان في محاسن الأدباء والأعيان" تأليف ~~معاصره أبي النصر أحد # أهل النظم والنثر. واغترفت من درره السنية، وغرره البهية، ما استحسنت ~~إثباثه في كتابي، # وحصلت به على مرغبي وطلابي، ولم أقصد إلى الطعن على فاضل، ولا للتعصب ~~لقائل على قائل. # فقد سبقني المؤلفون إلى ترتيب المتقدمين والمتأخرين، والتفضيل بين ~~السابقين والمقصرين، في غير # ما كتاب ألفوه، وتصنيف جامع صنفوه، ولا تعرضت إلا لليسير من التفصيل، ~~وللغامض من المعاني # والتأويل، فشرحت أكثر ما ورد فيه من الغريب، وسلكت في ذلك سنن الاختصار ~~والتقريب، لتكمل # بذلك فائدة الكتاب، ويرغب في اقتنائه ذوو الألباب، وشرفته بالشاهد من ~~القرآن العظيم، ومن حديث # الرسول صلوات الله عليه والتسليم. # وقسمته على أربعة عشر بابا، أودعتها من الآداب فنونا عجابا، وجعلت كل باب ~~منها متفردا بمعناه # لا يشركه غيره في مقصده ولامنحاه. ضمنتها أسنى الفوائد، وللبيان فيها ~~مصادر وموارد، ولم أخله # من مثل سائر، وبيت من الغريب نادر، وتشبيه مصيب، واختراع عجيب. PageV01P074 # أول الأبواب: # - باب في الفصاحة والشعر. # - باب في رسائل من منتخب النثر. # - باب في حكايات حسان. # - باب في الحب وما قيل فيه. # - باب في النسيب والتغزل. # - باب في المعاتبة والاستعطاف. # - باب في الأنوار وحدائق الأزهار. # - باب في صفة الخمر وسقاتها. # - باب في مدح الغلمان المعذرين. # - باب في ذم الغلمان المعذرين. # - باب في الفكاهة والمجون. # - باب في أوصاف شتى وفنون. ms004 # - باب في الاستدعاء. # - باب في أيام الأنس ولياليه. PageV01P075 # نظمت جميعها نظم الدر في السلك، وأضفت الشيء إلى مثله إضافة الاستحقاق ~~والملك ولم أمت # سبيلي إلى الإسهاب، ولا تعلقت بإطناب الإطناب، خيفة من الملل ورغبة عن ~~الكسل. نخلت فيه # نصيحتي، وبذلت جهد قريحتي. وإن لم أكن اخترعت، فلعلي قد انطبعت، وأتقنت ~~ما صنفت # وجمعت. # على أني ما ألفته إلا بذماءنفس تالفة، وحال متغيرة كاسفة، وقلب عليل، ~~وذهن كليل، وصدر بنيران # الخطوب مشعول، وفكر بحسام النوائب مفلول، في زمان دأبه عداوة الأحرار، ~~والإساءة لذوي # الأخطار، لاينفك عن إحالة الأحوال، وأن يمحق بشاشة أهل الوفاء محق ~~الليالي سماوة الهلال. واها # له كم رفع من غبي، ووضع من علي، وأسعط من أنوف بالرغام، وأسقط من سادة ~~إسقاط حروف # الإدغام: # يحط من لا تفي الدنيا بقيمته ... جورا ويرفع أقواما بلا قيم # أعاتبه فما يعتبني، وأسالمه فيصول ويرهبني، حتى أتعجب من أمري، وأنشد في ~~سري وجهري: # من أين أبخس لا في ساعدي قصر ... عن المساعي ولا في مقولي خطل # إن نظمت الكلام أحكمته، وإن نثرثه ثقفته وقومته: # إن لم أكن فارس الهيجاء من هوج ... فإنني فارس القرطاس والقلم # ولي لسان يظل الدر مقتسما ... ما بين منتثر منه ومنتظم # على أني لم أرض بالشعر بضاعة، ولا اتخدت الاستجداء به حرفة ولا PageV01P076 ~~صناعة، علما بأن مرتبته تقصر عن غايات أهل الفضل، وتنقص عن درجات ذوي ~~النبل؛ بل صنت نطفة وجهي عن البذل، # ولم أعرض خدي بالتخدم للذل، ورضيت بالقناعة مالا وافيا، وبإقراء كتاب ~~الله سبحانه وتعالى شغلا # كافيا. فلما يسر الله المعين في جمعه وتحصيله، وترتيب أبوابه وفصوله ~~سميته: "كنز الكتاب ومنتخب # الآداب"، روضت به بستان الأدب وكان ماحلا، وحليت به جيد الزمان وكان ~~عاطلا، وقد أبرزته في # معرض الملح الأدبية مجلوا، وبلسان الفصاحة متلوا. وأنا أسأل الله تعالى ~~العصمة من الزلل، والنجاة # من الهذر والخطل، وعلى الله أتوكل، وهو حسبي فيما أقول وأفعل. PageV01P077 ### | AUTO الباب الأول: في الفصاحة والشعر # قال أبو إسحاق: الفصاحة ميدان لا يقطع إلا ms005 بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ~~ببصائر البيان. كما أن البلاغة كنز لا # يصل إليه إلا الجهابذة الحذاق، ولا يتناول وبالأيدي، ولا يبصر بالأحداق. ~~ووجه البلاغة للبليغ سافر، # ومعناها له واضح ظاهر. # والبليغ من تشكو يده سرعة خاطره، ويغمر الدر أرض قرطاسه بمواطره؛ إن دعا ~~البيان أجابه # طائعا، وانثال عليه من كل فج طالعا، فإن أطال في الخطاب، ملك أعنة القلوب ~~بالصواب، وإن أوجز # واختصر، لم يخل بالمعنى المراد ولا قصر، فأسمع باللفظ الفصيح، حقيقة ~~المعنى الصحيح. # وخير ماأوتي المرءبعد عقل راجح ودين صالح، خلق رضي، وأدب وضي، وذكاء في جنانه، # وفصاحةفي لسانه. فمن تجمعت فيه هذه الخصال، سلم من آفات الجهال، وعدل عن ~~المحال، وفاز # بنيل الكمال، ونسق روائق الألفاظ نسقا، وملك رقاب المعاني رقا. ولاشيء ~~أحسن من ذهن ثاقب، # ومنطق صائب. PageV01P078 # وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فيم الجمال؟ فقال: في اللسان. وقال ~~ابن المقفع: (الكلام أزمة # القلوب التي تقودها إلى رشدها وغيها). وقال عامر بن شراحيل الشعبي: ~~(الكلام مصائد العقل). وقال # بعض الحكماء: (عقل المرء مدفون تحت لسانه). وقال بعض البلغاء: (اللسان ~~أداة يظهر بها حسن # البيان، وظاهريخبر عن الضمير، وشاهد ينبئ عن غائب، وحاكم يفصل به الخطاب، ~~وناطق يرد به # الجواب، وشافع تدرك به الحاجات، وواصف يعرف الحقائق، وواعظ ينهى عن ~~القبيح، ومزين يدعو # إلى الحسن، وزارع يحرث المودة، وحامد يستأصل الضغينة). # وقال بعضهم: (الحظ للمرء في أذنه، والحظ منه لغيره في لسانه). وقال خالد ~~بن صفوان لرجل: # (يرحم الله أباك. فلقد كان يقر العين جمالا، والأذن بيانا). وتكلم أحد ~~الفصحاء، فقال له رجل سمعه: # (لكل شيء إدام، وكلامك إدام الكلام). # وسمع أحدهم رجلا بليغا يتكلم. فقال: (كلام هذا الوبل على المحل، والعذب ~~البارد على الظمأ). # وقال مسلمة بن عبد الملك: (مروءتان ظاهرتان: الرياش والفصاحة). يقال: ريش ~~ورياش لما ظهر # من اللباس. # قاله أبو عبيدة. وقال PageV01P079 ~~مجاهد: الريش المال، والريش أيضا مصدر قولهم: راشه يريشه ريشا. # والريش أيضا ما ستر من لباس أو معيشة. والرياش الخصب. ms006 والرياش أيضا ~~الأثاث. وقيل هو # جمع الريش. وقرأ عاصم في رواية أبان بن يزيد العطار والمفضل بن يعلى ~~الضبي عنه (وريشا ولباس التقوى). في # سورة الأعراف. ورويت هذه القراءة أيضا عن الحسن قاله أبو عبيد. # وريش الطائر ما ستره الله به. وقال الشاعر في معنى كلام هؤلاء البلغاء: # كفى بالمرء عيبا أن تراه ... له وجه وليس له لسان # وما حسن الرجال لهم بزين ... إذا لم يسعد الحسن البيان # وتكلم بعض الأدباء في مجلس المأمون بكلام أعجبه. فقال له من تكون؟ فقال: ~~ابن أدب أعز الله # أمير المؤمنين. فقال له: (نعم النسب الذي PageV01P080 ~~انتسبت إليه) قال: وهذا من كلام الحكماء؛ الأدب أشرف النسب. # وقال ميمون بن مهران: (من فاته الأدب لم ينفعه النسب). # وقال الشاعر في المعنى: # لكل شيء حسن زينة ... وزينة العالم حسن الأدب # قد يشرف المرء بآدابه ... فينا وإن كان دني النسب # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (عز الشريف أدبه). # وقال بعض الحكماء: (من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان قبل ذلك وضيعا). # وقرأت في بعض تواليف الحافظ أبي الطاهر أحمد بن محمد السلفي، رحمه الله ~~على شيخنا أبي # الحسن علي بن هشام روايته عنه. قال عبد الله بن PageV01P081 ~~عائشة: ولد لكسرى مولود فجيء ببعض أهل # الأدب وجيء بالمولود فوضع بين يديه. فقال له كسرى: ما خير ما أوتي هذا ~~المولود؟ فقال: عقل # يولد معه قال: (فإن عدمه ذاك) قال: مال يستره. قال: فإن عدمه ذاك. قال: ~~أدب حسن يعيش به بين # الناس. قال: فإن عدمه ذاك. قال: صاعقة محرقة. # وفي هذا المعنى يقول الشاعر: # ما وهب الله لامرىء هبة ... أحسن من عقله ومن أدبه # هما حياة الفتى فإن عدما ... فإن فقد الحياة أشبه به # قال أبو إسحاق: # وقول ابن عائشة: ولد لكسرى، يقال بكسر الكاف وبفتحها. والكسر مذهب عبد ~~الملك بن قريب # الأصمعي فيما حكى أبو حاتم عنه. والفتح مذهب أبي العباس المبرد. PageV01P082 # وقال أبو علي البغدادي هما لغتان. واختار أبو حاتم الفتح. وقال: هو ms007 الوجه ~~عندنا. وأنشده: # أخمدت كسرى وأمسى قيصر ... مغلقا من دونه بابا حديد # ومنع ابن قتيبة الفتح. # وكسرى اسم لملك الفرس، وقيصر اسم لملك الروم، وهرقل اسم لملكهم أيضا، ~~والنجاشي اسم لكل # ملك من ملوك الحبشة، وخاقان اسم لملك الترك وتبع اسم لملك اليمن، والقيل ~~اسم لملك حمير، وقيل: # بل القيل أقل درجة من الملك، وفرعون اسم لملك العمالقة. كل هذا من قول ~~أبي عمر المطرز وابن # خالويه وكان اسم فرعون فيما ذكر المفسرون مصعبا وقيل الوليد بن مصعب. PageV01P083 # وقال بعض الحكماء: (ماورثت الآباء الأبناء شيئا أفضل من الأدب، لأنها ~~بالأدب تكتسب المال، # وبالجهل تتلفه). # وفي الخبر أن سليمان بن داود عليهما السلام خير بين العلم، والمال، ~~والملك فاختار العلم فأوتي # الملك والمال معا. وقال بعض الحكماء: (خير ما أوتي العبد في الدنيا ~~الحكمة، وخير ما أوتي العبد في # الآخرة الجنة). وبهذا فسر بعض أهل العلم قول الله تعالى (ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة) الآية. وهو مذهب الحسن. وقيل المراد # به نعم الدنيا ونعم الآخرة وهو مذهب قتادة وأكثر أهل العلم. # وقال ابن مسلم بن شهاب الزهري (ما أحدث الناس مروءة أعجب إلي من ~~الفصاحة). # ورأيت بعض تواليف الحافظ أبي عمر النمري رحمه الله. قال: PageV01P084 # أنشدني بعض الأدباء لخلف الأحمر: # خير ما ورث الرجال بنيهم ... أدب صالح وحسن الثناء # هو خير من الدنانير والأو ... راق في يوم شدة ورخاء # تلك تفنى والدين والأدب الصا ... لح لا يفنيان حتى اللقاء # وقال بعض الأدباء المتأخرين: (العلم أكرم منهاج، وسراج وهاج، ما صدي من ~~سقاه صوب صفائه، # ولاعري من كساه ثوب بهائه، ولاحاد عن الحق لسان من يرويه، ولا خاف من ~~الخلق جنان من # يحويه. # وجمع العلوم كمال، والأدب منها جمال، وهو لسان النبي العربي). # (فقيه يلحن حمار يطحن)، (كاتب غير أديب، أشبه الحيوان بذيب). (رب وزير ~~يعجب الناس وهو # ساكت، فإذا تكلم فكل حاسد شامت)، وفي هذا المعنى يقول الشاعر: # وفي الصمت ستر للعيي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما # وقال الآخر: PageV01P085 # لسان ms008 الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # وكائن ترى من ساكت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم # وقال الخليل (رحمه الله): # أي شيء من اللباس على ذي الس ... رو أبهى من اللسان البهي # ينظم الحجة السنية في السل ... ك من القول مثل سلك الهدي # وترى اللحن بالحبيب أخي الهي ... أة مثل الصدي على المشرفي # فاطلب النحو للحجاج وللشع ... ر مقيما والمسند المروي # والخطاب البليغ عند جواب ال ... قول تزهى بمثله في الندي # قال ابن زياد الأعرابي: سمعت رجلا يوصي بنيه، فقال: يابني أصلحوا ~~ألسنتكم، فإن الرجل تنوبه # النائبة فيستعير من أخيه دابته وثوبه، ولا يجد من يعيره لسانه. # وقال محمد بن سيرين: ما رأيت على رجل أحسن من فصاحة، ولا PageV01P086 ~~رأيت على امرأة أحسن من شحم وقال مسلمة بن عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح ~~من الجذري في الوجه. # وروى الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: أتى عمر رضي الله ~~عنه على قوم # يرمون رشقا لهم فأساؤوا الرمي. فقالوا: يا أمير المؤمنين نحن قوم ~~متعلمين، فقال لهم: لإساءتكم في # لحنكم شر من إساءتكم في رميكم أو في رشقكم. رحم الله امرأ أصلح من لسانه. ~~وكان عمر رضي الله # عنه يقول: (تعلموا العربية فإنها تثبث العقل). # وقيل للحسن البصري رحمه الله: (إن لنا إماما يلحن)، فقال: أخروه. وروى ~~زيد بن الحباب عن أبي # الربيع السمان عن عمرو بن دينار أن ابن عمر وابن عباس كانا يضربان ~~أولادهما على اللحن. PageV01P087 # وحكى النضر بن الشميل عن الخليل بن أحمد أنه قال لحن أيوب بن كيسان فقال ~~أستغفر الله. وحكى # يحيى بن أكثم عن نفسه قال: فبينما أنا جالس مع المأمون إذ دخل الدار فتى ~~أبرع الناس زيا وهيئة # ووقارا وهو لا يلتفت إعجابا بنفسه. فنظر إليه المأمون فقال: يا يحيى. إن ~~هذا الفتى لا يخلو أن # يكون هاشميا أو نحويا. ثم بعثنا من يتعرف ذلك منه، فعاد الرسول إلينا ~~فأخبرنا أنه نحوي. فقال # المأمون: ms009 يا يحيى. أعلمت أن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس، وعلو ~~الهمة منزلة بني هاشم # في شرفهم. يا يحيى من قعد به نسبه، نهض به أدبه. # وفي معنى قول المأمون هذا يقول الشاعر: # كن ابن من شئت واتخذ أدبا ... يغنيك مأثوره عن الحسب # وقال الآخر: # إن الفتى من يقول ها أنذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي PageV01P088 ~~وقال الآخر: # فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # أسكن الواو من قوله: (أن أسمو) ضرورة على التشبيه بالألف. والوجه نصبها. # وقال الآخر: # مالي عقلي وهمتي حسبي ... ما أنا مولى ولا أنا عربي # إن انتمى منتم إلى أحد ... فإنني منتم إلى أدبي # وقال أبو الطيب في هذا المعنى: # ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي # وفي معناه أيضا قول علي بن العباس الرومي: # فلا تتكل إلا على ما فعلته ... ولا تحسبن المجد يورث بالنسب # وليس يسود المرء إلا بنفسه ... وإن عد آباء كراما ذوي حسب # وقال بعض الحكماء: (من كثر أدبه دام شرفه). # وقال الشاعر: # وخير ما يجمع الفتى أدب ... يزينه حين تعرض النوب # لا يعرف الله حق معرفة ... من لم يكن عاقلا له أدب # قال إبراهيم المأمون: (من قعد به نسبه نهض به أدبه) من كلام الأصمعي. PageV01P089 # وشرف بني هاشم الذي أشار إليه المامون معلوم وهو الشرف الباذخ الصميم، ~~لأنهم فضلوا الناس # بطيب الأروم، لكونهم قبيلة المصطفى صلوات الله عليه والتسليم. جاء في ~~الحديث عن واثلة بن # الأسقع بن عبد العزيز الليثي قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: "إن الله ~~اصطفى (كنانة) من ولد # (إسماعيل)، واصطفى من بني (كنانة) (قريشا)، واصطفى من (قريشا) (بني ~~هاشم)، واصطفاني من # (بني هاشم) " الحديث. # وفي الحديث أيضا عن عثمان بن الضحاك عن ابن عباس: "إن قريشا كانت نورا ~~بين يدي الله # تعالى قبل أن يخلق آدم بألفي عام يسبح ذلك النور فتسبح الملائكة بتسبيحه. ~~فلما خلق الله آدم ألقى # ذلك النور في صلبه" فقال رسول ms010 الله صلى الله عليه وسلم: "فأهبطني الله ~~إلى الأرض في صلب آدم # وجعلني في صلب نوح وقذفني في صلب إبراهيم ثم لم يزل ينقلني من الأصلاب ~~الكريمة والأرحام # الطاهرة حتى أخرجني بين أبوين لم يلتقيا على سفاح قط". # وفي الحديث أيضا عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: إنا لقعود ~~بفناء النبي صلى الله # عليه وسلم إذ مرت بنا امرأة فقال بعض القوم: هذه ابنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال أبو # سفيان: مثل محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النتن. فانطلقت المرأة ~~فأخبرت النبي صلى # الله عليه وسلم، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال: ~~"مابال أقوال تبلغني # عن أقوام. إن الله عز وجل خلق السماوات سبعا فاختار العليا منها فأسكنها ~~من شاء من خلقه، ثم خلق # الخلق فاختار من الخلق بني آدم PageV01P090 ~~واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر واختار من # مضر قريشا واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم. فأنا من خيار ~~الخيار. فمن أحب # العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم". # قال الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري: (فليعلم ~~صاحب الحديث أن كل # مضري عربي، وأن مضر شعبة من العرب، وأن كل قرشي مضري، وأن قريشا شعبة من مضر، # وأن كل هاشمي قرشي، وأن هاشما شعبة من قريش وأن كل علوي هاشمي). # وقد اختلف في العلوية لم سموا علوية، فقيل إنه انتماء إلى علي رضي الله ~~عنه. وقيل إنه انتماء إلى # أعلى الرتب برسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال أبو إسحاق: # فهذا بيان شرف بني هاشم قد جئت به، وأرجع بحول الله إلى ما كنت بسبيله وسببه. # قال النبي عليه السلام: "الحكمة تزيد الشريف شرفا، وترفع المملوك حتى ~~تجلسه مجالس الملوك". # وقال علي رضي الله عنه: قيمة كل امرئ ما يحسن ومن حديث محمد بن مسلم بن ~~شهاب الزهري # في هذا المعنى قال: قدمت على عبد ms011 PageV01P091 ~~الملك ابن مروان فقال لي: من أين قدمت يازهري؟ قلت: من مكة. # قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟ قال: قلت: عطاء بن أبي رباح. قال: فمن ~~العرب أم من # الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: وبم سادهم؟ قال: قلت: بالديانة ~~والرواية. قال: إن أهل الديانة # والرواية ينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت طاووس بن كيسان. قال: ~~فمن العرب أم من # الموالي؟ قال: قلت: من الموالي قال: وبم سادهم؟ قال: قلت: بما سادهم به ~~عطاء، قال: فمن يسود # أهل مصر؟ قال: قلت يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: ~~قلت: من الموالي # قال: فمن يسود أهل الشام؟ قال: قلت مكحول قال فمن العرب أم من الموالي؟ ~~قال قلت: من الموالي، # عبد أعتقته امرأة من هذيل. قال: قلت فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن ~~مهران. قال: فمن # العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال فمن يسود أهل خراسان؟ ~~قال: قلت: الضحاك بن # مزاحم. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي قال: فمن يسود ~~أهل البصرة؟ قال: # قلت: الحسن بن أبي الحسن قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من ~~الموالي. قال: ويحك # فمن يسود أهل الكوفة قال: قلت: إبراهيم PageV01P092 ~~النخعي قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من العرب. # قال ويلك يا زهري فرجت عني، والله لتسودن الموالي على العرب، حتى يخطب ~~لها على # المنابر والعرب تحتها. قال: قلت: ياأمير المومنين إنما هو أمر الله ~~ودينه، من حفظه ساد، ومن # ضيعه سقط. # وقال الحجاج لخالد بن صفوان: من سيد أهل البصرة؟ فقال: الحسن قال الحجاج: ~~وكيف ذلك وهو # مولى؟ فقال: احتاج إليه الناس في دينهم، واستغنى عنهم في دنياهم. وما ~~رأيت أحدا من أشراف أهل # البصرة إلا وهو يروم الوصول إليه في حلقته ليستمع إلى قوله ويكتب علمه. ~~فقال الحجاج: هذا والله # السؤدد). # وحكي عن العباس بن مصعب قال: خرج من مرو أربعة من أولاد العبيد ما منهم ms012 ~~أحد إلا وهو إمام # عصره: عبد الله بن المبارك، ومبارك عبد، وإبراهيم ابن ميمون الصائغ، ~~وميمون عبد، والحسين بن # واقد وواقد عبد، ومحمد ابن ميمون الشكري، وميمون عبد. # وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عيه أنه قال: (عليكم بتعلم ~~العربية، فإنها تدل على # المروءة، وتزيد في المودة). # قال أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي: بقيت زمانا أقول ما PageV01P093 ~~معنى زيادتها في المودة حتى ظهر لي أنها المشاكلة. وذلك أن المعرفة بكل ~~صناعة تجمع بين أهلها. وفي هذا المعنى # يقول الشاعر: # أدب بيننا تولد منه ... نسب والأديب صنو الأديب # وقال الآخر: # إذا كان التآلف باتفاق ... وحسن تشاكل ثم الإخاء # وقرأت في شعر أبي تمام في هذا المعنى: # إن يكد مطرف الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد # أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدر من غمام واحد # أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد # وهذه الأبيات في قصيدة له خاطب بها علي بن الجهم. فلما وقف ابن الجهم على ~~القصيدة أخذ في # وصف أبي تمام وتفضيله. فقال له أحد الحاضرين: والله لو كان أبو تمام أخاك ~~مازدت على مدحك # له. فقال له علي بن الجهم: إلا يكن أخا بالنسب فإنه أخ بالأدب. # وقول أبي تمام في هذه الأبيات التي ذكرناها مأخوذ من قول PageV01P094 ~~الفرزدق: # يا بشر أنت فتى قريش كلها ... ريشي وريشك من جناح واحد # وتبع البحترى أبا تمام، فقال: # وأقل ما بيني وبينك أننا ... نرمي القبائل عن قبيل واحد # وقرأت في كتاب الذيل لأبي علي البغدادي، قول الشاعر: # العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاطلب هديت فنون العلم والأدبا # كم من حسيب أخي عي وطمطمة ... فدم لدى القول معروف إذا انتسبا # في بيت مكرمة آباؤهم نجب ... كانوا الرؤوس فأضحى بعضهم ذنبا # وحامل معرق الآباء في أدب ... قال المعالي به والمال والحسبا # أمسى عزيزا عظيم الشأن مشتهرا ... في خده صعر قد ظل محتجبا # وصاحب العلم معروف به أبدا ... نعم الخليط إذا ما صاحب صحبا # وقال الآخر: # العلم ms013 يجلو العمى عن قلب صاحبه ... كما يجلي سواد الظلمة القمر # وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها ... ولا البصير كأعمى ماله بصر PageV01P095 ~~وقال الآخر: # العلم ذخر وكنز لا نفاد له ... نعم القرين إذا ما صاحب صحبا # قد يجمع المرء مالا ثم يتلفه ... عما قليل فيلقى الذل والتعبا # يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلن به درا ولا ذهبا # ومما رويت بالإجازة من شعر أبي الغنائم سالم بن المحسن المقرئ في فضل ~~العلم والحث على # طلبه، قوله: # طلاب العلم همة كل شخص ... شريف النفس محمود الفعال # وربتما تقمصه زري ... فطال به إلى رتب المعالي # وليس بنافع لكن وعي ... عريقا في الرياسة والجلال # ورب ممول وافى فقيرا ... لمعرفة الحرام من الحلال # فأيهما الغني غني علم ... أم الساعي به جهل السؤال # كلام الناس كلهم سواء ... ولكن ما تساوى في المقال # فللعلماء ألسنة طوال ... تطول على المثقفة العوالي # على الجهلاء للعلماء فضل ... كما فضل اليمين على الشمال # فلا تقصد بعلم تقتنيه ... سوى مرضاة ربك ذي الجلال # فمكتسب العلوم لنيل دنيا ... غريق في الجهالة والضلال PageV01P096 ~~ومن يبغي بها الأخرى مفازا ... فقد حاز المعاني والمعالي # وقال بعض الحكماء: حياة الروح العفاف، وحياة الحلم العلم، وحياة العلم ~~البيان. # قال أبو إسحاق: # وقد باين الله سبحانه بين الخواطر كما باين بين البصائر، فجبل بعضها على ~~الفهم والبيان، فظهر # فيها واستبان، وجبل بعضها على الجهل والعي، فما تعرف الرشد من الغي، ولا ~~المكروه من # المحبوب، ولا المتروك من المطلوب. ولذلك قال صعصعة بن صوحان العبدي ~~لمعاوية بن أبي سفيان # حين سأله أن يصف الناس، فقال: (خلق الناس أخيافا. فطائفة للعبادة، وطائفة ~~للتجارة، وطائفة للبأس # والنجدة، وطائفة خطباء، ورجرجة يكدرون الماء ويغلون السعر، ويضي # قون الطريق فيما بين ذلك). # قوله: (خلق الناس أخيافا) سماهم: أخيافا لاختلاف أصولهم وطبائعهم. وإذا ~~كان الإخوة لأم واحدة # وآباء شتى فهم أخياف أيضا. قال أبو محمد بن قتيبة وغيره، أصل الخيف في ~~الخيل. وهو أن تكون # إحدى عيني الفرس زرقاء والأخرى كحلاء. # وقال الشاعر: # الناس أخياف ms014 وشتى في الشيم ... وكلهم يجمعهم بيت الأدم PageV01P097 ~~وقوله: رجرجة: أصل الرجرجة فيما قال أبو محمد بن قتيبة وغيره من أهل اللغة: ~~بقية تبقى من # الماء في الحوض كدرة خاثرة لا يقدر أحد أن يشربها. هذا هو أصلها. فشبه ~~صعصعة شرار الناس # وسقطهم بها. وقد شبههم بها أيضا الحسن البصري وذلك أنه لما خرج يزيد بن ~~المهلب، ونصب # رايات سودا وقال: (أدعوكم إلى سنة عمر). فقال الحسن في خبر طويل، نصب ~~نصبا علق عليه # خرقا ثم أتبعه رجرجة من الناس هباء. # والرجرجة أيضا: ما مجت الإبل من أفواهها. # قال ابن الأعرابي: كان صعصعة أحد الخطباء وتكلم ذات يوم في مجلس فأطال، ~~فقال له بعض # القرشيين: جهدت نفسك أبا عمر حتى عرقت وربب صدغاك. فقال صعصعة: (إن ~~العتاق نضاخة # بالعرق). وقال يحيى بن معين: (صعصعة وزيد وسيحان بنو صوحان كانوا خطباء ~~من عبد القيس. # قتل زيد وسيحان يوم الجمل). PageV01P098 # وقال غير يحيى: كان صعصعة بن صوحان العبدي مسلما على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه # وسلم. ولم يلقه ولم يره، صغر عن ذلك، وكان سيدا من سادات قومه عبد القيس، ~~وكان فصيحا خطيبا # عاقلا لسنا دينا فاضلا بليغا يعد في أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ~~وصعصعة بن # صوحان هذا هو الذي قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قسم المال الذي ~~بعث اليه أبو موسى # الأشعري. وكان المال ألف ألف درهم، وفضلت منه فضلة. فاختلفوا عليه حيث ~~يضعها فقام عمر # خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (أيها الناس قد بقيت لكم فضلة بعد ~~حقوق الناس، فما تقولون # فيها؟ فقام صعصعة بن صوحان هذا وهو غلام شاب. فقال: ياأمير المومنين إنما ~~يشاور الناس فيما لم # ينزل الله فيه قرآنا، فأما ما أنزل الله فيه القرآن ووضعه مواضعه، فضعه ~~في مواضعه التي وضعه # الله فيها. فقال له عمر: صدقت، أنت مني وأنا منك). # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم ~~على سبيل نجاة، وهمج ms015 # ساع، لكل ناعق أتباع يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم ~~يلجؤوا إلى ركن وثيق). قوله # رضي الله عنه: (عالم رباني). فالرباني هو العالم الحكيم التقي. وفي كتاب ~~الله عز وجل (ولكن كونوا ربانيين) وقال # الحسن؛ أي فقهاء وقال: ابن جبير: أي حكماء PageV01P099 ~~أتقياء. وقال ابن زيد: أي كونوا مدبري أمر الناس. # وقال مجاهد بن جبر: الربانيون فوق الأحبار وقيل: الرباني هو العالم ~~الكامل العلم. # وقال أبو عمر المطرز عن أبي العباس ثعلب: العرب تقول: رجل رباني وربي إذا ~~كان عاملا # معلما. # وقال محمد بن الحنفية حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة. # وقال أبو العباس ثعلب: (إنما قيل للفقهاء ربانيون لأنهم يربون العلم؛ أي ~~يقومون به). # وقال أبو إسحاق الزجاج: الرباني: منسوب إلى علم الرب، والألف والنون فيه ~~للمبالغة، كما يقال # للعظيم اللحية لحياني، وللعظيم الرقبة رقباني، PageV01P100 ~~وكذلك صاحب علم الرب، وهو الدين الذي أمر به # الرب سبحانه وتعالى، وقاله أيضا أبو الحسن الرماني. وقال غيرهما: الرباني ~~هو الذي يدير الأمور # ويصلحها في الولاية. # يقال: رب أمره يربه ربابة وربا؛ وهو ربان، إذا أصلحه بتدبيره، وقال علقمة: # وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربتني فضعت ربوب # الربوب جمع رب. ونظيره: نعس ينعس وهو نعسان. وأكثر ما يجيء فعلان من فعل ~~يفعل بكسر # العين في الماضي وفتحها في المستقبل. نحو عطش يعطش فهو عطشان، وغضب يغضب فهو # غضبان، وما كان مثله من بابه. # ورب أيضا وأرب بمعنى دام، أقام. # قرأت في كتاب (النوادر) لأبي علي البغدادي: دخل أبو جعفر محمد بن علي بن ~~الحسين على عمر # بن عبد العزيز رضي الله عنهما. فقال: يا أبا PageV01P101 ~~جعفر أوصني. قال: أوصيك أن تتخذ صغير المسلمين # ولدا، وأوسطهم أخا، وأكبرهم أبا. فارحم ولدك وصل أخاك وبر أباك. وإذا ~~صنعت معروفا فربه. # قال أبو علي: فربه أي أدمه. يقال: رب بالمكان وأرب؛ إذا أقام وأدام. قال بشر: # أرب على مغانيها ملث ... هزيج ودقه حتى عفاها # ومنه قول أبي تمام الطائي، ms016 قرأته في شعره: # بملث على الفراق مرب ... ولشأو الهوى البعيد طلوب # وقول علي رضي الله عنه: (ساع لكل ناعق) أي يعدو عدوا شديدا إلى كل مصوت وصائح. # ومنه قول الأخطل: # فانعق بضأنك ياجرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا # وقال صاحب العين: نعق الراعي بالغنم ينعق نعيقا: إذا صاح بها زجرا. ونعق ~~الغراب نعاقا ونعيقا. # والناعقان: كوكبان من كواكب الجوزاء، أحدهما رجلها اليسرى، والأخرى ~~منكبها الأيمن، وهو الذي # يسمى PageV01P102 ~~الهنعة. وهما أضوأ كوكبين في الجوزاء. # وأصل النعيق: الصياح، فالناعقان الكوكبان المضيئان من الجوزاء، لأنهما ~~كالراعيين الصائحين # بالغنم. # وأنشدنا شيخنا أبو الحسن علي بن هشام. قال: أنشدنا الفقيه الحافظ أبو ~~الطاهر أحمد بن محمد # السلفي لنفسه في معنى قول علي رضي الله عنه وصعصعة: # ترى فئة لدى الهيجاء أسدا ... وآلافا منازلهم حجال # وأقواما خواطرهم جماد ... وقوما جل شعرهم ارتجال # وللديوان كتاب كفاة ... تعنوا في تأدبهم وجالوا # وللأخبار والسنن الجلايا ... ومعرفة الرجال كذا رجال # تعالى الله لم يخلق كفاء ... وفي هذا البساط لنا مجال # ونظر المأمون إلى الحسن بن رجاء في ديوانه، فقال له: من أنت ياغلام؟ قال ~~له الحسن: الناشئ في # دولتك، المتقلب في نعمتك، وصريح أدمك، عبدك وابن عبدك الحسن بن رجاء. ~~فقال له المأمون: # بالأدب تفاضلت العقول. وأمر له بألف دينار، وأمر أن يجعل له ديوان في ~~خاصته من مجالس # الديوان. فكان ذلك سبب حرص الحسن على الأدب والزيادة منه. PageV01P103 # ودخل وفد من العرب على هشام بن عبد الملك، وفيهم درواس بن حبيب، وعليه ~~شملتان، وله ذؤابة، # وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة، فأحجم القوم وهابوا هشاما، فوقعت عين هشام ~~على درواس # فاستصغره. فقال للحاجب: ما يشاء أحد أن يصل إلي ألا قدر حتى الصبيان. ~~فعلم درواس أنه يريده، # فقال: ياأمير المومنين إن دخولي لم يخل منك بشيء، ولا أتنقصك. ولكن هؤلاء ~~القوم قدموا لأمر # فأحجموا عنه. (وإن الكلام نشر والسكوت طي). لا يعرف إلا بنشره. قال: ~~فانشره لاأبالك. وأعجبه # كلامه فقال: ياأمير المؤمنين إنه أصابتنا سنون ثلاث: سنة ms017 أذابت الشحم، ~~وسنة أكلت اللحم، وسنة # أنتقت العظم. وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله ففرقوها على عباده، ~~وإن كانت لهم فعلام # تحبسونها عنهم، وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي ~~المتصدقين، ولا يضيع أجر # المحسنين. وإن الوالي من الرعية لكالروح من الجسد، ولا حياة له إلا بها. # فقال هشام: ماترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذرا. وأمر أن تقسم في ~~البوادي مائة ألف درهم، # وأمر لدرواس بمائة ألف. فقال: ياأمير المؤمنين ارددها إلى جائزة العرب. ~~فإني أخاف أن تعجز عن # بلوغ كفايتهم. قال: فهنا حاجة. فقال: ما لي في خاصة نفسي دون عامة ~~المسلمين حاجة. # قال:، ولما أمر المأمون بقبض ضياع عبد الملك بن صالح الهاشمي دخل عليه ~~ابنه محمد. فقال: # السلام عليك ياأمير المومنين محمد بن عبد الملك ابن سليل نعمتك، وابن ~~دولتك، وغصن من أغصان # دوحتك. أتأذن PageV01P104 ~~لي في الكلام؟ قال نعم. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم، # ثم قال: نسأل الله تعالى حياطة ديننا ودنيانا، ورعاية أقصانا وأدنانا ~~ببقائك يا أمير المومنين، ونسأله # أن يزيد في عمرك من أعمارنا، وفي آثارك من آثارنا، ويقيك الردى بأسماعنا ~~وأبصارنا مقام العائذ # بظنك الهارب إلى حرمك وفضلك، الفقير إلى رحمتك وعفوك. فأعجب المأمون ~~بكلامه. وأمر برد # ضياع أبيه عليه. # ودخل محمد بن معاذ الرازي على أبي محمد عبد الله العلوي العمري وهو ببلخ، ~~فقال له العمري: ما # تقول فينا أهل البيت؟ فقال: وما أقول في غرس غرس بماء الوحي، وطين عجن ~~بماء الرسالة. فهل # يفوح منها إلا مسك الهدى، وعنبر التقى. فقال له: أحسنت. وأمر أن يحشى فمه ~~درا. ثم زار العمري # من غده محمد بن معاذ فقال له محمد: إن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك. ~~فلك الفضل زائرا # ومزورا. # وحكى أن المعتصم صار ذات يوم إلى خاقان يعوده وهو مريض، والفتح ابنه ~~يومئذ غلام صغير. # فقال له المعتصم حين دخل إلى أبيه: أيما أملح؟ دار أمير المومنين، أو دار ~~أبيك؟ ms018 فقال له: الفتح: إذا # كان أمير PageV01P105 ~~المؤمنين في دار أبي فهي أحسن. وكان في يد المعتصم فص. فقال له: يا فتح ~~رأيت شيئا # أحسن من هذا الفص؟ فقال: نعم يا أمير المومنين، اليد التي فيها الفص أحسن. # ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيان يلعبون على الطريق، فيهم عبد الله ~~بن الزبير فهرب # الصبيان وبقي عبد الله. فقال له عمر لم لم تفر كما فر أصحابك؟ فقال له: ~~لم يكن لي جرم فأفر منك، # ولا كان الطريق ضيقا فأوسعه عليك. # وكان إياس بن معاوية أذكى الناس، وأفهمهم وأفصحهم. حكي أنه دخل الشام وهو ~~غلام صغير، # فوصل إلى القاضي في حق له، فتكلم قبل خصمه، وكان الخصم شيخا. فقال له ~~القاضي: أتقدم شيخا # كبيرا؟ فقال له: الحق أكبر منه. فقال له القاضي: اسكت. فقال: ومن ينطق ~~بحجتي؟ قال ما أظنك # تقول حقا، فقال: لا إله إلا الله، فقام عند ذلك القاضي، ودخل على عبد ~~الملك، فأخبره بخبره. فقال: # اقض حاجته الساعة. وأخرجه من الشام لئلا يفسد على الناس. # وحكى الأصمعي، قال: قدم أعرابي إلى بعض الولاة، فقال له الوالي: قل PageV01P106 ~~الحق، وإلا أوجعتك ضربا. # فقال له الأعرابي: وأنت أيضا، فاعمل بالحق، فو الله لما تواعدك الله به ~~من العقوبة إن أنت خالفته، # أعظم مما تواعدتني به من ضربك إياي. # ولما ولى المامون يحيى بن أكثم قضاء البصرة أراد بعض أهلها أن يضع منه ~~لحداثته، فقال له: كم # سن القاضي؟ قال: كسن عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مكة، فجعل ابن # أكثم جوابه احتجاجا. وكانت سن عتاب حين ولاه النبي عليه السلام مكة إحدى ~~وعشرين سنة. وقيل # ثلاثا وعشرين. # ودخل وفد العراق على عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فافتتح شاب فيهم ~~الكلام. فقال عمر: كبروا # كبروا؛ أي يتكلم الكبير منكم. فقال الغلام: لو كان هذا بالسن يا أمير ~~المؤمنين لتقدمك شيوخ بني # مروان. # وقال مروان بن الحكم لحويطب بن عبد العزى: تأطر إسلامك، أيها الشيخ، ms019 حتى ~~سبقك الأحداث. # فقال حويطب: الله المستعان، والله لقد هممت بالإسلام غيرما مرة. كل ذلك ~~يعوقني أبوك عنه، # وينهاني، ويقول: تضع شرفك، وتدع دين آبائك لدين محدث، وتصير تابعا. فأسكت ~~مروان وندم # مروان على ما قال. PageV01P107 # وحكى الصلت بن مسعود. قال: كنا عند سفيان بن عيينة فتضاجرنا. فقال سفيان: ~~أليس من الشقاء # أن أجالس التابعين ثم أجالسكم. جالست ضمرة بن سعيد وجالس أبا سعيد الخدري ~~وجالست عبد الله # بن دينار، وجالس جابرا حتى عد جماعة من التابعين. فقال له غلام كان في ~~المجلس: أتنصف يا أبا # محمد؟ فقال: نعم. فقال الغلام: والله لشقاء التابعين بمجالستك بعد ~~الصحابة أشد من شقائك بمجالستنا # بعد التابعين، قال: فأبلس ابن عيينة، وتمثل بشعر أبي نواس: # خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام # مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام # قال أبو إسحاق: # قوله: أبلس، يريد سكته. يقال: أبلس الرجل فهو مبلس، إذا سكت حزنا. PageV01P108 # قال العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا # قال نعم أعرفه وأبلسا # وانجلت عيناه من فرط الأسا # وأنشد لرؤبة: # وحضرت يوم الخميس الأخماس ... وفي الوجوه صفرة وإبلاس # يعني اكتئابا وكسوفا. قال أبو عبيدة: المبلس الساكت اليائس. # وفي حديث عمران بن حصين فيما روى يحيى بن سعيد عن هشام PageV01P109 ~~عن قتادة عن الحسن عن عمران # أنه قال: كنا في سفر مع النبي عليه السلام، فرفع صوته بهاتين الآيتين، ~~(يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم). فتأشب أصحابه حوله، # وأبلسوا حتى ما أوضحوا بضاحكة، أي سكتوا حزنا. # ويقال: المبلس الساكت المنقطع الحجة، ويقال: المبلس الحزين النادم. ~~والإبلاس أيضا: اليأس من # رحمة الله. قال الله تعالى (أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون). أي آيسون من ~~الخير والرحمة. # فأما إبليس، فاسم أعجمي معرف، يدل على ذلك ترك صرفه، لأنه لا ينصرف ~~للعجمة والتعريف. # هذا قول أبي إسحاق الزجاج وغيره من جلة النحويين. وقال أبو عبيدة وغيره: ~~إبليس مشتق من # أبلس؛ أي يئس من رحمة الله، ولم ينصرف لأنه معرفة ولا نظير له ms020 في ~~الأسماء، فشبه بالأسماء # الأعجمية التي لا تجرى. # وقال: إسحاق لا يجري، وهو من أسحقه الله إسحاقا. # وأيوب من آب يؤوب على وزن فيعول كقيوم من قام يقوم. # ورد هذا القول غيره من النحويين وأبو بكر بن السراج وأبو الحسن الرماني ~~وغيرهما، وقالوا هي # ألفاظ من العجمة أعربت ووافقت ألفاظ العربية. PageV01P110 # وأما قول أبي عبيدة ومن قال بقوله، لا نظير لإبليس في أسماء العرب، فمردود ~~لأنهم يقولون: # إحريض لصبغ أحمر قال الراجز: # ملتهب كلهب الإحريض ... يزجى خراطيم غمام بيض # وهو إفعيل مثل إبليس، وإغريض للطلع، وثوب إضريج مشبع الصبغ، وقيل: هو من الصفرة # خاصة. قال النابغة: # تحييهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج فوق المشاجب # وقال الآخر: # والبغايا يركضن أكسية الإض ... ريج والشرعبي ذا الأذيال # وقالوا: سيف إصليت للماضي الكثير المضاء. قال الراجز: # كأنني سيف بها إصليت # وقالوا سيف إبريق، وهو إفعيل من البريق. قال ابن أحمر: # تقلدت إبريقا وعلقت جعبة ... لتملك حيا ذا زهاء وجامل PageV01P111 ~~وقالوا: إزميل ووزنه إفعيل. قال الشاعر: # هم منعوا الشيخ المنافي بعدما ... رأى حمة الإزميل فوق البراجم # وأشبه هذه كثيرة. وإنما سبيل إبليس كسبيل إنجيل في أنه معرف غير مشتق، ~~قاله الرماني وغيره. # وقد قيل: إن إنجيل من النجل وهو في الأصل. وقال أبو العباس ثعلب: أبلس ~~الرجل إذا سكت حزنا # وكآبة. وأخرد إذا سكت حياء، وأقرد إذا سكت ذلا. وأنشد. عن ابن الأعرابي: # ولست بقوال لمولاي إن جنى ... هلكت ولا إن ضامك القوم أقرد # ولست بقوال لذي الزاد أبقه ... فإنك إن لم تبق زادك ينفد # وفي الحديث عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني وفيه أيضا عن عطاء ~~الخراساني أن # رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وإياكم والإقراد". قالوا يا رسول ~~الله وما الإقراد؟ قال: "الرجل # منكم يكون أميرا أو PageV01P112 ~~عاملا فيأتيه المسكين والأرملة فيقول لهم: مكانكم حتى أنظر في حوائجكم. ويأتيه # الشريف والغني فيدنيه، ويقول: عجلوا قضاء حاجته ويترك الآخرين مقردين". # ونظر الحطيئة إلى ابن عباس وهو يتكلم في مجلس عمر، فقال: ms021 من هذا الذي نزل ~~عن الناس في # سنه، وعلاهم في قوله؟ وقد روى هذا الخبر أبو عمرو بن العلاء رحمه الله. ~~فقال: نظر الحطيئة إلى # ابن عباس في مجلس عمر غالبا عليه. فقال: من هذا الذي برع الناس بعلمه ~~ونزل عنهم بسنه؟ # فقالوا: عبد الله بن عباس. فقال فيه أبياتا، منها قوله: # إني وجدت بيان المرء نافلة ... تهدى له ووجدت العي كالصمم # وكان عمر يقول: (نعم ترجمان القرآن ابن عباس) وقال القاسم بن محمد: ما ~~رأيت في مجلس ابن # عباس باطلا قط، وما سمعت فتوى أشبه بالسنة من فتواه. # وروى سليمان بن مهران الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق أنه PageV01P113 ~~قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس، وإذا تكلم، قلت أفصح الناس، ~~وإذا تحدث قلت: أعلم الناس. # وفيه يقول حسان بن ثابث من أبيات له: # إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه ... رأيت له في كل أحواله فضلا # إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بمنتظمات لا مدى بينها فصلا # كفى وشفى ما في النفوس فلم يدعلذي أرب في القول جدا ولا هزلا # وكان عمرو بن دينار يقول: (مارأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس؛ ~~الحلال والحرام # وتفسير القرآن والعربية والشعر والطعام). # وحضر مجلسه رجل من الزهاد فسمع القارئ يقرأ (وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها). فقال الرجل: والله ما أنقذهم منها. وهو يريد # رجوعهم إليها. قال ابن عباس: خذوها من غير حكيم. # ووفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم PageV01P114 ~~والزبرقان بن بدر، فتكلم أحدهم بكلام أعجبه. فقال: "إن من البيان لسحرا". # وفي حديث عبد الله بن عمر فيما روى زيد بن أسلم عنه. قال: أقبل رجلان من ~~المشرق فخطبا، # فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان ~~لسحرا". # وسمع عمر بن عبد العزيز رحمه الله رجلا يتكلم فقال: "هذا والله السحر ~~الحلال". وهذا مما نظمه # أبو تمام في قوله: # فأين قصائد لي ms022 فيك تأبى ... وتأنف أن أهان وأن أذالا # من السحر الحلال لمجتنيه ... ولم أر قبلها سحرا حلالا # وفي حديث أبي بن كعب فيما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن مروان ~~بن الحكم PageV01P115 ~~عن عبد الرحمن بن عوف عن أبي بن كعب أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن من # الشعر حكمة". وهذا حديث اجتمع فيه من الصحابة من يروي بعضهم عن بعض. # وفي حديث عبد الله بن مسعود فيما روى عبيدة السلماني عنه. قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه # وسلم: "إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما". # قال أبو إسحاق: # والسحر في هذا الحديث والذي قبله، معناه: البيان في فطنة. # وقال: # وقال صاحب العين: السحر عمل يقرب إلى الشيطان ومن السحر: الأخذة التي ~~تأخد العين حتى # تظن أن الأمر كما ترى وليس كذلك، وجمعها: PageV01P116 # الأخذ. # والسحر والحيلة والكهانة نظائر، وسمي سحرا لخفاء سببه؛ ولذلك يوهم قلب ~~الشيء عن حقيقته، # كفعل السحرة في وقت موسى عليه السلام لما أوهموا أن العصي والحبال قد ~~انقلبت حيوانا. قال الله # تعالى (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى). ومعنى قوله عليه السلام: "وإن من ~~الشعر حكما"؛ أي موعظة، لأن كل كلمة وعظتك أو # زجرتك أو دعتك إلى مكرمة وصلاح ونهتك عن منكر وقبيح، فهي حكمة. وعلى هذا ~~يتأول قوله: # "الحكمة ضالة المؤمن". فأما قوله (يؤتي الحكمة من يشاء). فقال ابن عباس: ~~الحكمة: هي المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه # ومحكمه ومتشابهه، وحلاله وحرامه وأمثاله، ومقدمه ومؤخره. # وقال قتادة: الحكمة: الفهم. وقال مجاهد: الحكمة: العقل والفقه والإصابة ~~في القول. وقيل غير هذه # الأقوال. وأما الحكم فمعروف. # قال أبو بكر بن دريد: يقال للرجل إذا حكم بين الناس: حكم يحكم حكما، فإذا ~~صار حكيما يقال له: # حكم يحكم، ومنه قول النمر بن PageV01P117 ~~تولب: # وأبغض بغيضك بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما # وقد حكم الرجل يحكم حكمة وحكما وهو حكيم. ومنه قول النابغة: # احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام ms023 شراع وارد الثمد # أي كن حكيما مصيبا كما كانت هذه الفتاة حكيمة. ومن نظر بين اثنين بالعدل، ~~والمنع من الجور فهو # حكم. قال الله عز وجل (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها). # ويقال: حكم الحاكم بين القوم؛ أي ألزم كل فريق منهم ما يجب عليه، ومنع من الجور. # وقال صاحب العين: "الحكم: الله تبارك وتعالى وهو أحكم الحاكمين وهو ~~الحكيم"، والحكمة مرجعها # إلى العلم والحلم والعدل. # وقال أبو إسحاق الزجاج: أصل الحكم في اللغة تعديل الشيء ومنع الجور أن ~~يدخله. فمن ذلك # قولهم: أحكمت زيدا، أي منعته من أن يجهل على الناس، ومن هذا قول جرير: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم # إني أخاف عليكم أن أغضبا PageV01P118 ~~أي امنعوهم أن يتعرضوا إلي. ويقال: حكمت الفرس وأحكمتها، وفرس محكومة ~~ومحكمة؛ إذا جعلت # في رأسها الحكمة. والحكمة ما أحاط من اللجام بالحنكين وفيهما العذاران، ~~وسميت حكمة لأنها تمنعه # من الجور مما يراد منه # وفي الحديث المأثور: "في رأس كل عبد حكمة"، إذا هم بسيئة فشاء الله أن ~~يقذعه بها قذعه، ومعنى # قذعه: منعه. # قال أبو العباس: أحكم فلان عمله، إذا بالغ فيه فأصاب حقيقته. وأمر محكم ~~لاخلل فيه، وأمر # مستحكم؛ إذا لم يكن فيه مطعن. ويقال: قد أحكمت فلانا التجارب؛ ومعناه أن ~~التجارب قد جعلته # محكما يمنع من الجور عن القصد. وكل عمل محكم فقد منع من الفساد. ويقال ~~هذه قصيدة محكمة # وحكيمة؛ بمعنى قول الأعشى: # وغريبة تأتي الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها # وقال عمرو بن مالك: # قوال محكمة نقاض مبرمة ... فتاح مبهمة حباس أوراد # ويقال: احتكم فلان في مال فلان، إذا جاز فيه حكمه. والاسم الأحكومة ~~والحكومة. والإحكام والإتقان # والانتظام والاتساق نظائر في اللغة. فأما قوله تعالى في قضاء يحيى بن ~~زكريا عليهما السلام (وآتيناه الحكم صبيا). # فمعناه الفهم في قول أكثر أهل العلم. وقال معمر: قال الصبيان ليحيى: PageV01P119 # تعال حتى نلعب. فقال يحيى: ما للعب خلقت. فهذا معنى قوله (وآتيناه الحكم صبيا). # وفي الحكمة أقوال شتى، وقد جئنا ms024 ببعضها. وقيل: إن الحكمة المعرفة بالدين ~~والفقه. وقيل: هي العلم # بالأحكام التى لا يدرك علمها إلا من قبل الرسل عليهم السلام. وقيل: ~~الحكمة شيء يجعله الله تعالى # في القلب ينوره، كما ينور البصر فيدرك الشيء المبصر. وقيل هي التي تقف ~~بالمرء على مر الحق # الذي لا يشوبه باطل. قال الله تعالى (حكمة بالغة). # رجع # وسئلت عائشة رضي الله عنها، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل ~~بشيء من الشعر؟ # فقالت: نعم، كان يتمثل بشعر ابن رواحة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # قال أبو إسحاق: # كذا ورد هذا الخبر، والصحيح ما روى أبو بكر محمد بن يحيى الصولي PageV01P120 ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان يقول: (ويأتيك من لم تزود ~~بالأخبار). فيقول له أبو بكر رضي الله عنه إنما هو # (ويأتيك بالأخبار ما لم تزود). فيقول صلى الله عليه وسلم: (ذا وذاك واحد ~~سواء) والدليل على صحة # خبر أبي بكر الصولي قول الله تعالى (وما علمناه الشعر وما ينبغي له). ~~والمعنى أي أن يقوله. وجعل الله عز وجل ذلك علما من # أعلام النبي عليه السلام لئلا تدخل الشبهة على من أرسل إليهم. فيظنوا أنه ~~صلى الله عليه وسلم قوي # على القرآن، بما في طبعه من القوة على إنشاء الشعر، ولا اعتراض على هذا ~~الملحد فيما يتفق # الوزن فيه من القرآن، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن ما وافق وزنه ~~وزن الشعر، ولم # يقصد به إلى الشعر، ليس بشعر. # ولو ثبث أن يكون شعرا، لكان كل من نطق بكلام موزون، من العامة الذين لا ~~يعرفون وزن الشعر، # شاعرا. وقد بين الأئمة المتقدمون هذا المعنى بيانا شافيا. # والبيت المتقدم الذكر (ستبدي لك الأيام) ثابث في قصيدة طرفة بن العبد، ~~أحد الشعراء الستة، وأول # القصيدة: # لخولة أطلال ببرقة تهمد # ولما قال كعب بن مالك: # جاءت سخينة كي تغالب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب PageV01P121 ~~قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد شكرك الله ms025 يا كعب على قولك ~~هذا". وهذا البيت لكعب # بن مالك في قصيدة له قالها في يوم الخندق، وهو آخر بيت منها، وفيها يقول: # نأوي إلى ظل اللواء كأنه ... في صعدة الخطي فيء عقاب # ومواعظ من ربنا تهدى لنا ... بلسان أزهر طيب الأثواب # أعيت أباكرب وأعيت تبعا ... وأبت بسالتها على الأعراب # عرضت علينا فاشتهينا ذكرها ... من بعدما عرضت على الأحزاب # حكما يراها المجرمون بزعمهم ... حرجا ويفقهها أولو الألباب # جاءت سخينة كي تغالب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب # قوله: (نأوي إلى ظل اللواء)؛ أي نرجع إليه. واللواء؛ لواء الحرب، ولواء ~~الأمير وهو معروف، # وجمعه ألوية مثل: سقاء وأسقية ووعاء وأوعية، واللواء ممدود، ويجوز قصره. ~~وقال زهير في مده: # وتوقد ناركم شررا ويرفع ... لكم في كل مجمعة لواء # وقال حسان بن ثابث في قصره، من أبيات له قالها في مسافع بن عياض بن صخر: # لو كنت من هاشم أو من بني أسد ... أو عبد شمس أو أصحاب اللوى الصيد # يعني بأصحاب اللواء، بني قصي. # وفي حديث أبي سعيد الخدري فيما روى عطية عنه قال: قال النبي PageV01P122 ~~صلى الله عليه وسلم: "يرفع للغادر لواء بقدر غدرته يوم القيامة فيقال هذا ~~لواء غدرة فلان". # فأما اللوى بالقصر فهو ما التوى من الرمل، ويكتب بالياء وجمعه ألواء. قال ~~ذو الرمة: # ولم تبق ألواء الثماني بقية ... من الرطب إلا بطن واد وحاجر # وقوله: فيء العقاب، فالعقاب الطائر المعروف. # ويقال للراية العقاب تشبيها بالطائر،، ومنه قول الشاعر: # مراس لا يكون له كفاء ... إذا جال الكفيف عن العقاب # يعني: عن اللواء. والفيء: ما تحول عن جهة الغداة برجوع الشمس عنه. ويقال: ~~تفيأت في الشجر # وفيأت الشجر. قال الله تعالى: (يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل). قال ~~قتادة وغيره من أهل العلم: يعني أول النهار وآخره. وجاء # على توحيد اليمين، وجمع الشمال، لأن اليمين وإن كان واحدا هنا فمعناه ~~الجمع، وقيل: لما كان تفيؤ # الظل # على ناحية الشمال وأكثر منه على ناحية اليمين، أفرد اليمين وجمع الشمال، ~~فالشمائل للكثرة # والسعة، وقيل: رد ms026 اليمين على لفظ ما، والشمائل على معناها. كقوله تبارك ~~وتعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله). ففي: يتخذ # ضمير مفرد عائد على لفظ (من) والضمير الظاهر في يحبونهم عائد على PageV01P123 ~~معناها، وذلك لإبهام من وما. مرة يجعل الكلام فيهما على اللفظ. ومرة على ~~المعنى، لأن المبهم موقوف على بيان غيره له، # وقرأ أبو عمرو بن العلاء ويعقوب بن إسحاق تتفيأ بتاءين؛ وجمهور القراء ~~بياء وتاء، والتذكير # والتأنيث معلوم. # وقرأ عيسى بن عمر الثقفي بتاءين مثل أبي عمرو. إلاأنه قرأ ظلاله بضم ~~الظاء وفتح اللام الأولى، # جعله جمع ظلة كقراءة حمزة والكسائي في سورة يس (هم وأزواجهم في ظلال على ~~الأرائك متكئون) فالظلال جمع ظل أو ظلة. والظلل جمع # ظلة مثل ظلمة وظلم. والظلة والسترة من النظائر. فأما قوله تعالى (لهم من ~~فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل). فسمي ما تحتهم ظللا لأنها # تظل من تحتهم. قال أبو العباس: (والفرق بين الظل والفيء، أن الفيء ما نسخ ~~بالشمس، لأنه هو # الراجع، والظل مالا شمس فيه. فكل فيء ظل، وليس كل ظل فيئا). ولذلك يقال: ~~أهل الجنة في ظل # لا في فيء، لأنها PageV01P124 ~~لا شمس فيها، كما قال تعالى (وظل ممدود) قال واصل: الفيء الرجوع. قال الله ~~تعالى (حتى تفيء إلى أمر الله) وقال # (فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم). وجمع الفيء أفياء وفيوء. # وقال ابن مقبل: # تظل الرجال القاعدين فيوءها ... على الحوض مادامت قياما كما هيا # وقول كعب: (وأبت بسالتها) أي امتنعت، لأن أبى وامتنع، وترك من النظائر، ~~والإباء، والامتناع، # والترك معناها واحد. يقال أبى يأبى إباء، وتأبى تأبيا. قال الشاعر: # بأي نجوم جودك يستضاء ... أبا حسن وشيمتك الإباء # وقال صاحب العين: أبى يأبى إباء، إذا ترك الطاعة ومال إلى المعصية كقول ~~الله عز وجل حكاية # عن فرعون (ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى) وكل من ترك شيئا فقد أباه. ~~ومن امتنع عن أمر ورده، فقد أباه. يقال لرجل أبي وقوم # أبيون وأباة. قال الشاعر: ms027 PageV01P125 # أبي الضيم من نفر أباة # وكل من أمر بشيء فلم يفعله متعمدا لذلك فقد أباه، وإذا أباه فقد امتنع من ~~فعله، وذلك لقضاءالله # سبحانه. وحقيقة الإباء؛ الانتفاء للشيء بإيقاع فعل بدلا منه. # قال: والأبى مقصورا داء يأخذ المعز في رؤوسها فلا تكاد تسلم. يقال: أبيت ~~العنز تأبى أبى شديدا. # وعنز أبية وتيس أب. # قال الشاعر: # أقول لكناز توكل فإنه ... أبى لا أظن الضأن منها نواجيا # وأصل هذا كله الامتناع؛ فالعنز الأبية تأبى الاستقرار للداء الذي بها ~~فإذا أبت الاستقرار فقد امتنعت، # ومنه قول المتلمس: # تعيرنى أمي رجال ولن ترى ... أخا كرم إلا بأن يتكرما # ومالي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابن ما # فأما الأباء بالفتح والمد والهمز فأطراف القصب. وقوله: (بسالتها)، أي ~~حرمتها. والبسل: الحرام. PageV01P126 # قال زهير: # بلاد بها نادمتهم و(ألفتهم) ... فإن تقويا منهم فإنهم بسل # وقال الآخر: # بكرت تلومك، بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي # وكل شيء تصعب وتمنع فلم يقدر عليه فقد بسل، ومنه قول الأعشى: # أجارتكم بسل علينا محرم ... وجارتنا حل لكم وحليلها # وقال أبو تمام: # يتبع هواه ولا لقاح لرهطه ... بسل وليست أرضه بحرام # وحكى بعض الأدباء أن البسل كان في الجاهلية في قبائل من العرب بثمانية ~~أشهر حرما من كل # سنة. قد عرفت العرب ذلك لهم لا ينكرونه ولايدفعونه، وكانوا يسيرون به إلى ~~أي بلاد العرب شاؤوا # ولا يخافون منهم سطوة، وعلى ذلك جاء قول زهير: (فإنهم بسل) وبهذا سمي ~~الشجاع باسلا، ومنه # قوله: # ما غركم بالأسد الباسل PageV01P127 ~~وتأويله أن يكون ممنوعا من قرنه محرما عليه قربه. # والباسل أيضا الكريه المنظر. يقال: ماأبسل وجه فلان، إذا كان قبيحا. وجمع ~~الباسل: البسل، ويثقل # ويخفف، وقد يكون البسل الحلال، ومنه قول الشاعر: # أيثبت مازدتم وتلغى زيادتي ... دمي إن أسيغت هذه لكم بسل # أي حلال، فيكون البسل من الأضداد، مثل (أسروا الندامة) و(شاموا السيوف) ~~وما أشبه ذلك. فأما # قول الله تبارك وتعالى (وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت). فمعناه في ms028 قول ~~مجاهد وغيره من أهل العلم: تسلم وهو المعروف في اللغة. # تقول العرب: أبسل الرجل بجريرته، إذا أسلم لها. قال الشاعر: # هنالك لا أرجو حياة تسرني ... سجيس الليالي مبسلا بالجرائر # وقال ابن عباس: معناه: تفضح، وقال قتادة معناه: تحبس. وقال PageV01P128 ~~يحيى بن زياد الفراء معناه: ترتهن. # وقيل معناه: تخزى، وقيل: معناه ترتهن للهلكة. # وفي الحديث أن أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك مات فأبسل ماله بدينه، فبلغ ~~عمر رضي الله # عنه ذلك، وكان قد أوصى له فرده وباعه ثلاث سنين متوالية، وقيل أربع سنين ~~فقضى دينه. فقوله: # أبسل ماله بدينه؛ أي أسلم، وذلك لما كان المال بالدين مستغرقا ... # قال الخطابي: وكان رد عمر المال، بيع أصول النخل على وجه النظر للورثة ~~والإبقاء عليهم، ورأى # أن يبيع ثمرها ثلاث سنين أو أربع سنين فيقضى منها دينه، أي يؤاجرها وإن ~~كان. والحديث بلفظ # البيع، والمراد به الإجارة. وبيع المنفعة كبيع الدين. قال: أما قول عمر ~~في دعائه (آمين وبسلا) # فمعناه: إيجابا يارب وتحقيقا له؛ وهو أن يدعو الداعي، فإذا فرغ من دعائه ~~قال آمين وبسلا. قال # الراجز: # لا خاب من نفعك من رجاكا ... بسلا وعادى الله من عاداكا PageV01P129 ~~رجع # وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يضع لحسان # بن ثابث منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى اللله ~~عليه وسلم. أو يقال # ينافح. وخرج مسلم في كتابه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لحسان: "إن روح # القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله"، ومعنى ينافح: يدافع ويذب. ~~يقال: نفحت الدابة # برجلها إذا رمحت به. قالت عائشة، وسمعته صلى الله عليه يقول: "هجاهم ~~حسان"، يعني قريشا، # فشفى واشتفى حين قال في أبي سفيان: # هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء # أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء # هجوت محمدا برآ حنيفا ... رسول الله شيمته الوفاء # ويروى: ولست له بسيء عوض: بند، ms029 والسيء والند المثل، والسيء أيضا: المكان القفر. # فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # ثكلت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع غايتها كداء PageV01P130 ~~ويروى: # عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء # وكذا ثبث في شعره. # تبارين الأعنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء # ويروى: (ينازعن الأعنة مصغيات). # تظل جيادنا متمطرات ... يلطمهن بالخمر النساء # فإن أعرضتم عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وآنكشف الغطاء # وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعز الله فيه من يشاء # وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ليس به خفاء # وقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء # لنا في كل يوم من معد ... قتال أو سباب أو هجاء # أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء # وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء # قال حسان بن ثابث، هذه القصيدة يجيب بها أبا سفيان بن الحارث حين هجا ~~رسول الله صلى الله # عليه وسلم وأولها: # عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء PageV01P131 ~~وحكى أبو بكر محمد بن الحسين بن دريد عن السكن بن سعيد عن عباد بن عباد عن ~~أبيه قال: أنشد # النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابث قصيدته التي أولها: (عفت ذات ~~الأصابع فالجواء) فلما # انتهى إلى قوله: # هجوت محمدا وأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء # قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جزاؤك على الله الجنة يا حسان". ~~فلما انتهى إلى قوله: # فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وقاك الله يا حسان حر النار" # فلما قال حسان: # أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء # قال من حضر: (هذا أنصف بيت قالته العرب). قال مصعب الزبيري: (هذه ~~القصيدة، قال حسان # صدرها في الجاهلية وآخرها في الإسلام). # وقوله: (برا حنيفا). فالحنيف المسلم الذي يستقبل قبلة البيت الحرام على ~~ملة إبراهيم وكان حنيفا # مسلما، والحنيف أيضا كل من أسلم في أمر الله فلم يلتو في شيء. والجميع ~~الحنفاء. # وقال بعض أهل العلم؛ ms030 قيل له حنيف لأنه تحنف عن الأديان كلها؛ أي مال إلى الحق. # وفي الحديث: "أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة وهي ملة النبي صلى PageV01P132 ~~الله عليه وسلم لا حرج فيها ولا ضيق". # وقال عمربن الخطاب رضي الله عنه: # حمدت الله حين هدى فؤادي ... إلى الإسلام والدين الحنيف. # وقال غيره: # أبعد حلم المسلم الحنيف ... راقتك ذات العقد والشنوف # قال أبو حاتم: قلت للأصمعي من أين عرف في الجاهلية الحنيف؟ فقال: لأنه من ~~عدل عن دين # اليهود والنصارى فهو حنيف عندهم. # وكان كل من حج البيت سمي حنيفا. وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا الحج ~~قالوا: هلموا نتحنف. # وقال أبو بكر بن دريد: الحنيف العادل عن دين إلى دين، وبه سميت الحنيفية ~~لأنها مالت عن # اليهودية والنصرانية. # وقال صاحب العين: الحنف ميل في صدر القدم فالرجل أحنف، والرجل حنفاء. ~~وسمي الأحنف # لحنف كان به. وقالت حاضنته وهي ترقصه: # والله لولا حنف برجله PageV01P133 ~~ما كان في صبيانكم كمثله # وأصل الحنف الميل، وقيل: الاستقامة. فسمي المستقيم حنيفا على التفاؤل، ~~كما سمي اللديغ سليما # تفاؤلا بالسلامة. وكما قيل للمهل # كة مفازة تفاؤلا بالفوز والنجاة. هذا كله يحكى عن الرياشي وابن قتيبة ~~وغيرهما. وقال الزجاج: # أصله الميل، فالمعنى أنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام، فلا شك أن معناه ~~قد صار الاستقامة على # دين إبراهيم، كيف تصرفت الحال في أصله. ولو استدل مستدل على أن أصله ~~الاستقامة لشرف # الحنيفية، فاشتق لها مما يليق بمعناه، كان وجها. قال هذا أبو الحسن ~~الرماني. # وقول حسان: # فإن أبي ووالده وعرضي # البيت. # روي أن حسان بن ثابث استأذن على عائشة رضي الله عنها، بعدما كف بصره، ~~فدخل عليها # فأكرمته فلما خرج عنها، قيل لها: هذا من القوم، فقالت: أليس الذي يقول: # فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # فهذا البيت يغفر له كل ذنب. # وقوله: (وعرضي لعرض محمد صلى الله عليه وسلم)؛ عرض الرجل مختلف فيه. قيل ~~عرضه ما # يمدح به أو يذم. وقيل: عرضه خليقته المحمودة. PageV01P134 # وقيل: عرضه: حسبه. ms031 وقيل عرضه: ناحيته التي يصونها عن المكروه والنسب كأنها ~~ترجع إلى قدره، وأصله. # واختار الرماني هذا القول، وقال: هو # أحسن الأقوال كأنك إذا قلت: عرضه، فإنما قلت: الجهة التي يمدح منها أو ~~يذم. فقد تكون حسبه، وقد # تكون دينه، وقد تكون أفعاله. # وقولهم: عرض الرجل رائحته الطيبة، أي الناحية التي أتت بهذه الريح. وهذا ~~الباب متسع، وفيه # اشتراك. # وقوله: # فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء # جاء على حذف (من). كأنه قال: من يهجوه ومن يمدحه. ومثله في القرآن العظيم ~~قوله سبحانه (إن الذين كفروا وظلموا) # أي: والذين ظلموا، لأن الوعيد مستحق على الكفر وعلى الظلم، وقوله: # وعند الله في ذاك الجزاء # أي على ذلك؛ لأنك تقول: جازيته على كذا، ولا تقول جازيته في كذا. # والكلام في معاني هذه الأشعار يخرجنا عما قصدناه، ويؤول بنا إلى غيرما ~~أردناه. # رجع # وخرج أبو عيسى في (جامعه) PageV01P135 ~~عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة # القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول: # خلوا بني الكفار عن سبيله ... فاليوم نضربكم على تنزيله # ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله # فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله، وفي حرم الله تقول الشعر. ~~فقال له رسول الله # صلى الله عليه وسلم: (خل عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من وضح النبل). # وفي حديث آخر (من وقع النبل). # وعن جابر بن سمرة بن عمرو قال: جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ~~مائة مرة، فكان # أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أيام الجاهلية، وهو ساكت، فربما تبسم ~~معهم. وهذا كقول أبي # سلمة بن عبد الرحمن. # وذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال، لم يكونوا منخرقين ولا PageV01P136 ~~متماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا ~~أريدأحد منهم على شيء من أمر دينه # دارت حماليق عينيه كأنه مجنون. # ومثل هذا ما روى حماد بن عبد الرحمن عن الحسن أنه قيل له: أكان ms032 أصحاب ~~رسول الله صلى الله # عليه وسلم يمزحون؟ قال: نعم، ويتقارضون، أي يقولون الشعر، وهو القريض، ~~ومنه قول عبيد بن # الأبرص حين استنشده النعمان قصيدته، وهو قد أمر بقتله فقال: (حال الجريض ~~دون القريض). # وقال أبو زيد يقال: فلان يقرض فلانا تقريضه، إذا مدحه أو ذمه، وهما ~~يتقارضان الخير والشر، # وفلان يقرض صاحبه إذا مدحه. وقال عمر بن الخطاب لعمرو بن معدي كرب حين ~~أثنى على سعد: # لشد ما تقارضتما الثناء. # وعن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: مر عمر بحسان بن ~~ثابث، وهو ينشد # الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال له: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير ~~منك، يعني رسول الله # صلى الله عليه PageV01P137 ~~وسلم، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال له: أنشدك الله. أسمعت رسول الله صلى الله # عليه وسلم يقول: أجب عني يا حسان، اللهم أيده بروح القدس ... قال: نعم. # وذكر عن علي بن زيد بن جدعان أنه قال: أنشد كعب بن زهير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في # المسجد: (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول). # وعن عبد الوهاب بن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي بكرة قال: كنت عند ~~النبي صلى الله # عليه وسلم، وعنده أعرابي ينشده، فقلت: يا رسول الله أشعرا أم قرآنا؟. ~~فقال: في هذا مرة، وفي هذا # مرة. # وعن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي أنه قال: كان الرجلان من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه # وسلم يتناشدان الشعر، وهما يطوفان حول البيت. # وعن محمد بن عبد الله المرادي عن عمرو بن مرة وعن عبد الله بن PageV01P138 ~~سلمة، فقال: كنا عند عمار بصفين، وعنده شاعر ينشده، فقال رجل: أيقال الشعر ~~فيكم وأنتم أصحاب محمد وأصحاب بدر. فقال # له عمار: إن شئت فاسمع، وإن شئت فاذهب، إنه لما هجانا المشركون شكونا ذلك ~~إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم فقال: قولوا لهم كما يقولون لكم، فإن كنا لنعلمه ~~الإماء بالمدينة. # وعن الأعمش عن أبي خالد ms033 الوالبي، قال: كنت أجلس في حلقة من أصحاب محمد ~~صلى الله عليه # وسلم، فلعلهم ألا يذكروا إلا الشعر حتى يتفرقوا. # وعن إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن كثير بن أفلح أنه قال: كان آخر ~~مجلس جالسنا فيه # زيد بن ثابث مجلسا تناشدنا فيه الشعر. PageV01P139 # وعن عمر بن أبي زائدة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي قال: كان أبو بكر ~~شاعرا، وكان # عمر شاعرا، وكان علي أشعر الثلاثة رضي الله عنهم. # وكانت عائشة رضي الله عنها، وهي التي غذاها الإيمان وزكاها القرآن، ~~وفضلها الرحمن ... وفي # شعر العرب. وتتمثل بقول لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # قال أبو الزناد: ما رأيت أحدا أروى لشعر من عروة. # فقيل له ما أرواك يا أبا عبد الله؟ فقال: وماروايتي في رواية عائشة، ما ~~كان ينزل بها شيء إلا # أنشدت فيه شعرا. # وروى يوسف بن عمرو وكان من كبار أصحاب ابن وهب، عن ابن وهب عن أبي ~~الزناد، PageV01P140 ~~عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: (رويت للبيد اثنى عشر ألف بيت) ~~قال هذا أبو عمر بن # عبد البر. # وكان بعض السلف يقول: إعطاء الشاعر من بر الوالدين. # وأعطى الحسن بن علي شاعرا فأنكر ذلك عليه بعض جلسائه، فقال: إن خير ما ~~بذلت من مالك، ما # وقيت به عرضك. # ومدح نصيب الشاعر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فأجزل له من كل صنف: ~~أعطاه إبلا وخيلا # وثيابا ودنانير ودراهم، فقيل له: أتصنع هذا بمثل هذا العبد الأسود؟ فقال ~~أما والله، إن كان جلده # أسود فإن ثناءه لأبيض، ولقد استحق بما قال أكثر مما قال، وإنما أخذ رواحل ~~تنضى وثيابا تبلى، # وأعطى مديحا يروى وثناء يبقى. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنة هرم بن سنان المري ما PageV01P141 ~~وهب أبوك لزهير؟ فقالت: # أعطاه مالا وأثاثا أفناه الدهر. فقال لها عمر لكن ما أعطاكموه لا يفنيه الدهر. # وقال معاوية لابن الأشعث بن قيس: ماكان جدك قيس ms034 ين معدي كرب أعطى الأعشى؟ ~~فقال: أعطاه # مالا وظهرا ورقيقا وأشياء نسيتها، فقال معاوية: لكن ما أعطاكم الأعشى لا ينسى. # ويروى عن بعضهم أنه قال: إني لا أحب البقاء، وكالبقاء عندي حسن الغناء. ~~وقال الشاعر في هذا # المعنى # فأثنوا عليه لا أبا لأبيكم ... بأفعاله إن الثناء هو الخلد # وقال ابن عباس: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي عليهم الحرف من القرآن الذي ~~أنزله الله بلغة # العرب، رجعوا إلى ديوانها، والتمسوا معرفة ذلك منه. # وعن سفيان عن أسامة بن زيد عن عكرمة مولى ابن عباس عن PageV01P142 ~~ابن عباس قال: إذا أعيتكم العربية في القرآن، فالتمسوها في الشعر، فإنه ~~ديوان العرب. # قال أبو إسحاق: # فإن احتج أحد علينا بقول الله تبارك وتعالى (والشعراء يتبعهم الغاوون) ~~وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يمتلىء # جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا" قلنا له: أما الآية، ~~فإنما أنزلها سبحانه في # شعراء المشركين الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين. والدليل على ذلك، # أن الله تعالى قد استثنى المؤمنين منهم، فقال في الآية الأخرى (إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا). إلى آخر الآية. ومعنى: وانتصروا # من بعد ما ظلموا، أي ردوا على الكفار الذين كانوا يهجون النبي عليه ~~السلام. قاله ابن عباس، وأما # الغاوون، فقال: هم الكفار يتبعهم ضلال الإنس والجن. وقال ابن زيد: ~~الغاوون والشعراء هاهنا # المشركون. لأن الغاوي لا يتبع إلا غاويا مثله. وقال عكرمة: الغاوون عصاة ~~الجن. وروى عن # مجاهد نحوه، وعن مجاهد أيضا هم الذين يتبعونهم ويروون شعرهم. وعن الطبري: ~~الشعراء، شعراء # المشركين، يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة الجن. # والمراد بقوله: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" فيما روى عن ابن عباس: ~~ابن رواحة وحسان بن # ثابث وكعب بن مالك. PageV01P143 # ومعنى: (وذكروا الله كثيرا) فيما قال ابن زيد: أي في شعرهم، وقيل: لم ~~يشغلهم الشعر عن ذكر الله # عز وجل. إنما هاجوا من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما قول ms035 النبي ~~عليه السلام: "لأن # يمتلئ جوف أحدكم قيحا" الحديث، فذكر عن أبي عمرو عامر بن شراحيل بن عبد ~~الشعبي أنه قال: # إنما عني به الشعر الذي هجي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد أبو ~~عبيدة معمر بن المثنى # وغيره من أهل العلم هذا القول، وقال: تأويل الحديث عندي غير هذا؛ لأن ~~الشعر الذي هجي به # النبي عليه السلام لو لم يكن إلا شطر بيت لكان كفرا، فكأنه إذا حمل وجه ~~الحديث على امتلاء القلب # منه، فقد رخص في قليله، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه ~~فيشغله عن القرآن، # وعن ذكر الله، فيكون الغالب عليه من أي الشعر كان. فأما إذا كان القرآن ~~والعلم أكثر من الشعر في # الجوف، فليس ممتلئا منه. هذا قول أبي عبيدة وغيره، وهو صحيح موافق. # ومعنى (يريه): يأكل القيح جوفه. قاله أبو عبيد وأنشد لسحيم عبد بني ~~الحسحاس بن هند: # وراهن ربي مثل ما قد ورينني ... وأحمى على أكبادهن المكاويا # وقال الفراء: الورى داء يصيب الرجل والبعير في أجوافهما. مقصور، يكتب ~~بالياء. # ويقال في دعاء العرب (به الورى وحمى خيبرى وشر ما يرى فإنه PageV01P144 ~~خيسرى). # كان أبو عمرو الشيباني والأصمعي يقولان: لا نعرف الورى من الداء بفتح ~~الراء، وإنما هو الوري # بتسكين الراء. من قولهم وراه الداء يريه وريا. وأنشد الأصمعي: # قالت له وريا إذا تنحنح ... ياليته يبقى على الدرحرح # وأنشد أبو عمرو: # هلم إلى أمية إن فيها ... شفاء الواريات من الغليل # ومنه قول عبد بني الحسحاس وقد كتبناه. # ويقال للساعل يسعل وهو مبغض إليهم: وريا وقحابا، وللمحبوب: عمرا وشبابا. ~~والعمر والعمر # واحد. والقحاب: السعال. # وقال أحمد بن عبيد الداء هو الوري بتسكين الراء فصرف إلى الورى. # وقال أبو العباس أحمد بن يحي: الوري بتسكين الراء المصدر، والورى بفتح ~~الراء الاسم. PageV01P145 # وقال يعقوب: إنما قالوا الوري لمزاوجة الكلام، وقد يقولون في المزاوجة مالا ~~يقولون في الإفراد. # قالوا: إني لآتيه بالغدايا والعشايا، فقالوا الغدايا لمكان العشايا، ~~وغداة لا تجمع على غدايا. # وقال ms036 الأصمعي معنى: حتى يريه؛ أي حتى يدوى جوفه. # وقال صاحب الأفعال وري الإنسان والبعير ورى دوي جوفه ووراه الماء وريا: ~~أفسد جوفه، ووري # الكلب سعر أشد السعار. # قال أبو علي والورى: الخلق مقصور، يكتب بالياء، ويقال ماأدري أي الورى ~~هو، أي: أي الخلق. # وأنشد لذي الرمة: # وكاين ذعرنا من مهاة ورامح ... بلاد الورى ليست له ببلاد PageV01P146 ### || AUTO فصل في الكتابة # قال: وأما الكتابة فهي تلو الخلافة في القدر، وقريبة منها في الخطر، وهي ~~أجل ما طلب وأشرف ما فيه # رغب، وأحسن ما عمل وأفيد ما انتحل، وأبهج ما به تحلي، وأعذب ما سمع ووعي. ~~ووصف الله # تعالى بها ملائكته المقربين، فقال سبحانه وهو أصدق القائلين (وإن عليكم ~~لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون). # وهي منصوصة في غير ما موضع في كتابه المكرم، وبها فسر قوله تعالى (علم ~~الإنسان ما لم يعلم) ولا نشك أنها من الله # تبارك وتعالى هبة وإلهام، وزيادة فيمن خص بها من الأنعام. لا تتعاطاها ~~الأفهام، ولا ينفك بابها من # استغلاق واستبهام، وما زال حاملها للدولة قلبا، ولرحاها قطبا. جديرا أن ~~يكون النجح معقودا بنواصي # آرائه، واليمن معهودا في مذاهبه وأنحائه، يبدي فوائده، ويخفي مكائده، ~~وينطق بفصل مشكلات # الأمور لسانه، وتخط محكماتها بنانه، وتقتبس أنوار السياسة منه، وتؤخذ ~~آثارها عنه، وهو مدبرها # ولسانها، وحامل لوائها PageV01P147 ~~وترجمانها، وشهابها المستنار، وحسامها الماضي الغرار، يحسم عللها، ويرم # خللها، ويزين مراتبها، ويجلي ترائبها، ويكسوها من جميل تدبيره بهجة ~~وبهاء، ويطلع برقة سياسته # في آفاقها نورا وضياء، ولذلك قال أبو تمام في محمد بن عبد الملك الزيات: # ألقى إليك عرى الأمر الإمام فقد ... شد العناج من السلطان والكرب # يعشى إليك وضوء الراي قائده ... خليفة إنما آراؤه شهب # إن تمتنع منه في الأوقات رؤيته ... فكل ليث هصور غيله أشب # أو تلق من دونه حجب مكرمة ... يوما فقد ألقيت من دونك الحجب # والصبح تخلف نور الشمس غرته ... وقرنها من وراء الأفق محتجب # وهذه الأبيات في قصيدة له. # وقوله: يعشى إليك؛ أي يلتمس نور الصواب ms037 فيما تأمره به، وتشير عليه. قال ~~أبو زيد يقال: عشي # الرجل عشى شديدا، ورجل أعشى وهو الذي لا يبصر بالليل. # وقرأ ابن عباس (ومن يعش عن ذكر الرحمن) بفتح الشين وهو من عشي يعشى، ~~وقرأت الجماعة بضم الشين من عشا يعشو، # ومعناه يعرض، قاله قتادة. وقال غيره: تظلم عينه. PageV01P148 # وقال أبو موسى هارون بن الحارث: يقال عشا الرجل يعشو عشوا: وهو أن يستضيء ببصر # ضعيف، أو ضوء ضعيف في ظلمة. وقال أبو بكر بن دريد: العشو مصدر عشوت إلى ~~ضوء نارك، # أعشو عشوا: إذا قصدته بليل، ثم صار كل قاصد عاشيا. # وقال صاحب العين العشو: إتيانك نارا ترجو عندها هدى أو خيرا. والعاشية كل ~~شيء يعشو بالليل # إلى ضوء نار من أصناف الخلق، من الفراش ونحوه. وأنشدوا: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # وقال ابن الأعرابي: فلان يعشو إلى فلان، إذا أتاه طالبا ما عنده. # قال: وجاء رجل من بني كلاب إلى عمر بن العزيز يشكو عاملا له فقال له: أين ~~كنت عن والي # المدينة؟ فقال: عشوت إلى عدلك، وعلمت إنصافك منه، فكتب إلى والي المدينة بعزله. # قال أبو علي البغدادي: وهذه الأقوال الثلاثة متفقة في المعنى، وإن PageV01P149 ~~اختلفت العبارات عنها وزادت ونقصت. قال: والعشا في العين مقصور يكتب بالألف ~~لأنهم يقولون رجل أعشى، وامرأة عشواء. # وأنشد: # فإن يمس عندي الهم والشيب والعشا ... فقد بن مني والسلام تفلق # ويقال: فتنة عشواء: أي يعشى فيها حتى لا يهتدي الطريق فيها، فظهور الواو ~~في عشواء، يدل على # أن العشا من الواو، وكذلك قلت: عشي يعشى أصل الياء فيه واوا. # وقال صاحب العين: العشواء من النوق التي لا تبصر ما أمامها، وذلك أنها ~~ترفع رأسها فلا تتعاهد # موضع أخفافها. قال زهير: # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم # قال أبو علي، وهذا صحيح في الاشتقاق، وأصله من عشا العين. PageV01P150 # وقال أبو الحجاج الأعلم في تفسير بيت زهير وقوله: (خبط عشواء)، أي لا تقصد ms038 ~~ولاتجئ على # بصر. يقال: عشا يعشو إذا جاء على بصر وهداية، وعشى يعشى إن أصابه العشا؛ ~~يريد أن المنايا # تخبط في كل ناحية كأنها عشواء لا تبصر، فمن أصابته في خبطها ذلك هلك، ومن ~~أخطأته عاش # وهرم. وإنما يريد أنها لا تترك الشاب لشبابه، ولا تقصد الكبير لكبره، ~~وإنما تأتي لأجل معلوم). # ومثل قول زهير قول الآخر: # من لم يمت عبطة يمت هرما ... للموت كأس والمرء ذائقها # وقوله: عبطة وهو فتى شاب. يقال: مات فلان عبطة إذا مات في شبابه وطرأة ~~سنه. والعبيط: الدم # الطري. # رجع # وقال أبو تمام أيضا في ابن عبد الملك: # وأنت شهاب في الملمات ثاقب ... وسيف إذا ما هزه الحق فاضل # مورث نار والإمام يشبها ... وقائل فصل والخليفة فاعل PageV01P151 ~~فإنك إن صد الزمان بوجهه ... لطلق ومن دون الخلافة باسل # قوله: وأنت شهاب: أي كالشهاب؛ وهو الكوكب المنقضي في أثر مسترق السمع. # وقال أبو إسحاق الزجاج، كل أبيض ذي نور يقال له شهاب، ومنه قول الشاعر: # إنما مصعب شهاب من الل ... ه تجلت عن وجهه الظلماء # فأما القبس فاسم لقطعة النار تقتبس في عود أو في غيره، ومنه قول أبي زبيد: # في كفه صعدة مثقفة ... فيها سنان كشعلة القبس # وفي معنى قول أبي تمام يقول أبو إسحاق المهدي: # وقد علم السلطان أني لسانه ... وكاتبه الكافي الشديد الموفق PageV01P152 ~~أوازره فيما عرى وأمره ... برأي يريه الشمس والليل أغسق # فيمناي يمناه ولفظي لفظه ... وعيني له عين بها الدهر يرمق # ولي فقر تضحي الملوك فقيرة ... إليها لدى أحداثها حين تطرق # أرد بها رأس الجموح فينثني ... وأجعلها سوط الحرون فيعنق # قوله: أؤازره: أي أعاونه. قال الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام ~~(واجعل لي وزيرا من أهلي) أي صاحبا ألجأ إليه. # والوزير: مشتق من الوزر، وهو الجبل، وقيل من العذر وهو الثقل، ومعنى قوله ~~(اشدد به أزري) أي # ظهري، يريد قوتي، خص الظهر لأن القوة فيه، ومنه قولهم: فلان شديد الأزر: ~~أي القوة. وقال # تعالى: (كزرع أخرج شطأه فآزره) أي أعانه حتى ms039 ساواه. وقال امرؤ القيس: # بمحنية قد آزر الضال نبتها ... مجر جيوش غانمين وخيب # وقرئ شطأه بفتح الطاء وإسكانها، فتح الطاء ابن كثير إلا عبد الوهاب بن ~~فليح وعبد الله بن ذكوان # عن ابن عامر، وأبدل الهمزة واوا عيسى ين عمر الهمذاني الأعمى. PageV01P153 # وأما قوله: فآزره، فتفرد ابن عامر بقصره فقرأ: فازره؛ فعله. وقد توهم قوم ~~من أهل الضعف في # النحو وعلم التصريف، أن الوزير من هذا اللفظ، وليس كذلك، لأن فاء الفعل ~~من الأزر همزة، ومن # الوزير واو. وتقول أزرني فلان أي أعانني، ووازرني صار لي وزيرا، ولو كان ~~منه لقيل فيه: # أزير. فتدبره. # قال الله تعالى (كلا لا وزر) أي: لا ملجأ ولا جبل. قاله ابن عباس وغيره ~~فالوزير من هذا دون ريب. فأما ما # جاء في الحديث: "ارجعن موزورات غير مأجورات" فهو من الوزر. وأكثر أهل ~~اللغة يخطئ من # رواه مأزورات بالألف. إلا أنه روى عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب أنه ~~قال: يجوز على أن # تتبعه مأجورات ليكون الكلام على لفظ واحد. # وقوله: والليل أغسق، يقال ليل أغسق وليل غاسق، وغسق الليل: اجتماع ظلمته، ~~وقيل بدء ظلمته، # وقال زهير: # ظلت تجول يداها وهي لا هية ... حتى أنار جنح الاظلام والغسق # وأصل الغسق: الجريان بالضرر، من قولهم: غسقت القرحة إذا جرى صديدها. ~~ويقال غسقت عينه # غسقا؛ إذا جرى دمعها بالضرر الباعث له. والغسقان صديد أهل النار، وفيه ~~أقوال كثيرة. وفي كتاب # الله تعالى (حميم PageV01P154 ~~وغساق) قرئ يالتثقيل والتخفيف. وسمي الليل غاسقا لجريانه بالضرر في إخراج ~~السباع والهوام # من آجامها وأماكنها. وكل شيء أسود فقد غسق. قال الله تعالى (أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر). والمراد بغسق الليل في هذه الآية: ~~صلاة المغرب والعشاء، وبالدلوك # صلاة الظهر والعصر، وبقرآن الفجر صلاة الصبح. فهذه الآية متضمنة جميع ~~أوقات الصلوات، لأن # دلوك الشمس، وهو ميلها؛ هو من لدن زوالها إلى مغيبها. وقيل: الدلوك الميل ~~وهو قول ابن عباس # وجماعة من العلماء، وهو مذهب مالك رحمه الله، وهو ms040 اختيار الطبري. # قال ابن مسعود وابن زيد دلوكها: غروبها. واختاره القتبي وقال: العرب ~~تقول: دلك النجم: إذا غاب. # ذكر هذا أبو عباس المهدوي في كتابه، وقال فيه: (قال بعض أهل اللغة: من ~~قال إن الدلوك الزوال، # فإنما قيل له ذلك، PageV01P155 ~~لأن الناظر إلى الشمس يدلك عينه لشدة شعاعها، ومن قال هو الغروب، فإنه يدلك # عينه ليتبينها. والشاهد أن الدلوك الزوال، قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~"أتاني جبريل عليه السلام # لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر" فهذا موافق لقول ابن عباس ومجاهد ~~وغيرهما ومقوله. # والاختيار الطبري. # وإذا كان الدلوك الزوال، فالمراد به في الآية صلاة الظهر والعصر. قال ~~الشاعر: # بادر قبل الدلوك يتبعه ... وسنان يمشي كمشية النزف # فهذا يحتمل القولين جميعا. # وسمى الله سبحانه صلاة الفجر (قرآنا) لأن الصلاة لا تتم ولا تكتمل إلا ~~بالقراءة؛ لأنها ركن من # أركانها، وجزء من أجزائها. # وفي حديث أبي هريرة قال الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين". ~~الحديث، أي # القراءة. فسمى القراءة صلاة. ووجه القسمة فيما ذكر العلماء، أن نصف سورة ~~الحمد عبادة وثناء، # ونصفها مسألة ودعاء وطلب. ولم يرد به التقسيط في آي السور، وحروفها وتجزئت # ها على السواء. فحقيقة القسمة بالمعنى لا باللفظ. ودليل على أنه أراد ~~قسمة المعاني دون الألفاظ. PageV01P156 # قوله "فهذه بيني وبين عبيدي". يعني قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) ولا ~~يجوز أن يكون المتلو بينه تعالى وجل وبين عبده، # لأن المتلو كلام الله سبحانه وتعالى وليس للعبد فيه شرك. # رجع # وقال الأحنف بن قيس: حلية الولاة وزينتهم: وزراؤهم، ومن فسدت بطانته لم ~~يصلح شأنه، وكان # كمن غص بالماء. وقال: ليس شيء أهتك للوالي من صاحب يحسن القول ولا يحسن ~~الفعل. وما # أحسن هذا من قول الأحنف وأبلغه! ولقد كان رحمه الله من دهاة الحكماء وجلة ~~الحلماء وقدوة النبلاء # والفصحاء، وخيرة العقلاء، وأحد الشعراء، لأن النبي صلي الله عليه وسلم ~~دعا له بالمغفرة، وذلك أنه # بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه بني سعد، فسمع ms041 رسوله إليهم ~~وهو يدعوهم إلى # الإسلام، فقال وهو شاب صغير: مادعاكم إلا لخير، وما حسن إلا حسنا. فبلغ ~~الرسول قوله هذا إلى # النبي عليه السلام فقال: (اللهم اغفر للأحنف) وأعلم بذلك الأحنف وهو يطوف ~~بالبيت في زمن # عثمان فقال: هذا أوفى عمل عندي. # وكانت وفاته رحمه الله بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة مصعب بن الزبير، ~~ومشى مصعب في # جنازته وحضرها. # وفي هذا المعنى من المنثور البديع والمزدوج المطبوع: # أنا عين السلطان ولسانه، وعنوانه وترجمانه. أذناي كمائم أسراره، وجوانحي ~~عيبة إعلانه وأسراره. # أنا خاصته وصفيه وسميه. أنا المدير الحازم، والجليس PageV01P157 ~~الملازم، ومطفئ جمرة الحرب العوان، وقاتل # العدو بلا صارم ولا سنان، قلمي يفل القواصل، ويتخلل الأباطح والمعاقل، ~~ويهز المحاضر والمحافل، # ويقمع الحواسد والعواذل. # أنا كاهل الدولة وهاديها، ومجيب صارخها ومناديها، ووسطى سلكها ومدير ~~فلكها؛ إن جالت أناملي # في مهرق، أسمعت الصم بلاغة وبيانا، واستنزلت العصم إبداعا وإحسانا. أصرد ~~الصكوك فأنظمها # تنظيما بلسان أمضى من السنان اللهذم، وكلام أقطع من الحسام الأخذم، تخدي ~~بها الرفاق في الآفاق، # وتهدي بها القطار في الأقطار. قد احتويت على المملكة بأسرها، وتحكمت في ~~طيها ونشرها، أنا # قطب مدارها و(جهينة أخبارها) وسر اختيارها واختبارها، ومظهر مجدها ~~وفخارها. أعقد عقود # الولايات لكل وال، وأمنحهم من المبرة كل صافية المنهل، ضافية السربال؛ إن ~~تليت سورها في # المحاضر، أو جليت صورها على المنابر، عقلت المستوفز والعابر، وشغلت خاطر ~~كل خاطر. فلا # غرو أن فزت منها بأعلى القداح، وإن حللت محل الأنملة من الرماح. # وفي المعنى أيضا: أنا للخلافة يمناها النافعة، وراحتها القابضة والدافعة، ~~صاحب ديوانها، ومشيد # أركانها، ومفتاح نيلها، ومصباح ليلها، أستجلب فوائدها، وأقيد شواردها، ~~لولا قلمي لأصبح عقد # الجراحات محلولا، ودم الجنايات مطلولا، ويد التناصف مغلولة، وصوارم ~~التعاطف مفلولة، ورسم # الرسوم دارسا، وعلم التحقيق متشاكلا متلابسا. فأنا عارضها الماطر، وبحرها ~~الزاخر، مفتاح كل غلق # مبهم، ومصباح كل غسق مظلم. أقسم بالسوية، وأعدل بين الرعية. أحسن المعاني ~~وأحققها، وأناقش # الحسبانات وأدققها. فأنا PageV01P158 ~~القسطاس المستقيم، ومالك أعنة التأخير والتقديم. أحتلب ms042 درر الأموال، # وأستجلبها إلى بيت المال. أقتدح كل زناد، وأهز مثمر الأعواد، فإلى ساحتي ~~ترد المطايا، وعن # راحتي تصدر الهبات والعطايا. وحسبك من يراع يرزق الجنود، ويستجلب الحشود، ~~ويكرم الوفود. # فلولا قلمي لعادت أغصان الإكتساب ذاوية، وبيوت الأموال على عروشها خاوية. ~~فأسرعت إليها # البؤسى، وأصبحت (كفؤاد أم موسى) فهو لا محالة متجرها الأربح، وميزانها ~~الأرجح، تدر ألبانها، # وتثمر أفنانها، ويستمر إفضالها وإحسانها. فلا جرم أني رأس مالها، وقطب ~~أعمالها وعمالها. # وفي المعنى: كاتب فضله راتب، وحقه واجب. لسانه لسان الملك، ومكانه واسطة ~~السلك، أقلامه # رماح، ورسائله صفاح، وألفاظه وأخلاقه فساح. إن سئل أجاب، وإن قرطس أصاب. # وفي المعنى: الكتاب والج الأبواب، جرئ على الحجاب، مفهم لا يفهم، وناطق ~~لا يتكلم، به يشخص # المشتاق، إذا أقلقه الفراق. القلم مجهز لجيوش الكلام، يسكت واقفا وينطق ~~سائرا. على أرض بياضها # مظلم، وسوادها يضيء كأنما يقبل بساط سلطان، أو يفتح نوار بستان. # وقد قسم ابن مقلة الكتاب على خمسة أصناف: كاتب خط، وكاتب PageV01P159 ~~لفظ، وكاتب عقد، وكاتب حكم، وكاتب تدبير. # وزاد أبو محمد بن السيد على هذه الخمسة كاتب المجلس، وكاتب العامل، وكاتب ~~الجيش، وكاتب # المظالم، وكاتب الديوان، وكاتب الشرطة. وقال: كاتب الخط هو الوراق ~~والمحرر وكاتب اللفظ هو # المرسل وكاتب العقد هو كاتب الحساب الذي يكتب للعامل وكاتب الحكم هو الذي ~~يكتب للقاضي # ونحوه ممن يتولى النظر في الأحكام. وكاتب التدبير هو كاتب السلطان، ~~أوكاتب وزير دولته. ثم قال: # وهؤلاء الكتاب الخمسة، يحتاج كل واحد منهم إلى أن يتمهر في علم اللسان، ~~حتى يعلم الإعراب، # ويسلم من اللحن، ويعرف المقصور والممدود، والمقطوع والموصول والمذكر ~~والمؤنث، ويكون له # بصر بالهجاء؛ فإن الخطأ في الهجاء كالخطأ في الكلام. وليس على واحد منهم ~~أن يمعن في معرفة # النحو واللغة إمعان المعلمين الذين اتخذوا هذا الشأن صناعة وصيروه بضاعة. ~~ولا إمعان الفقهاء # الذين أرادوا بالإغراق في PageV01P160 ~~الفقه؛ فهم كلام الله، وفهم كلام رسوله، وكيف تستنبط الأحكام والحدود # والعقائد بمقاييس كلام العرب ومجازاتها. إنما عليه أن يتعلم من ms043 ذلك ما لا ~~يسعه جهالته، ثم يكثر بعد # ذلك من معرفة ما يخص صناعته. # ويحتاج كل واحد منهم أيضا إلى العفة ونزاهة النفس، وحسن المعاملة للناس، ~~ولين الجانب، # وسماحة الأخلاق، والنصيحة لمخدومه فيما يقلده إياه، ثم يحتاج كل واحد ~~منهم بعد ما ذكرناه إلى أمور # تخصه لا يحتاج إليها غيره. # ثم قسم أبو محمد رحمه الله أقسامهم وصفاتهم، ورتب مراتبهم، رذكر آلاتهم ~~كما قال هو في كتاب # (الاقتضاب) بأوجز قول، وأقرب بيان إن شاء الله. # وإنما نذكر مراتب الكتاب على ما كانت عليه في القدم. وأما اليوم، فقد ~~تغيرت عن وسمها المعلوم. # ولكل دهر دولة ورجال، ولكل حال إدبار وإقبال. انتهى كلامه. # فمن أراد أن يقف على ما خصهم به من الصفات، وأوجب لهم من الآلات في فصول ~~على الحكم # مشتملات، وعلى أنواع الفوائد محتويات، فليطالع ذلك الكتاب لئلا يلحقه ~~فيما ذكرناه شك، أو يخامره # ارتياب. # ومن كلام أبي حفص بن برد في وصف القلم والدواة والمداد: # المداد كالبحر، والقلم كالغواص، واللفظ كالجوهر، والقرطاس PageV01P161 ~~كالسلك، والدواة كالقلب، القلم # كالخاطر، والصحيفة كاللسان. والعقل أب والعلم أم والفكر ابن، والقلم خادم. # ما أعجب سنان القلم! يشرق ظلمة، ويلفظ نورا. قلم الكاتب أمضى من سنان ~~المحارب. # القلم سهم تنفذ به المقاتل، وشفرة تطبق بها المفاصل. # إذا أخد الكتاب شكتهم للكلام، واخترطوا ظباة الأقلام، فكم من عرش يثل، ~~ودم يطل، وجيش يفل، # وجبار يذل. وما عبئت كتائب، ولا سريت مناقب، ولا انتضيت سيوف، ولا ازدلفت ~~صفوف، حتى # تخط الأقلام في الطروس، ما تحبه أو تأباه النفوس. # على غيث الأقلام يتفتح زهر الكلام. # ما أصوغ القلم يجلى الحكم. قاتل الله القلم كيف يفل السنان، وهو يكسر ~~بالأسنان. # القلم يقلم أظفار الدهر، ويتملك الأقاليم بالنهي والأمر. PageV01P162 ### || AUTO فصل ما يستحسن من صفات الأقلام # بخط اليراعة ينال حظ البراعة، وأفضل أقلام الكتاب، المنتخبة للكتاب، مالم ~~يكن في طوله تعوج، # ولا في صلابته ترجج. وكانت خصوصية العنصر الذي نماه، وسجية المنبت الذي ~~إليه منتماه، قد # أخذت به بين ms044 الرقة المتناهية التي لا تستحسن، والغلظ المفرط الذي يستخشن، ~~وأقرته على المقدار # الذي لا يقع اختيار الكاتب على سواه، ولا يتعداه اقتراحه ولا يتخطاه. # ثم انتحى بريه ذو يمين رفيقة بسكين رقيقة، فأجاد شقه، وأحكم قطه فجاء به ~~غير شاق ولاعاق، # سلس الجريان إذا أرسل، موافقا للبنان إذا أعمل، معطيا لقياده، غير بخيل ~~بمداده، تتبناه الأنامل # فترأمه، وتواصل العمل به فلا تسأمه. # فهو للأنامل مطية، وعلى الكتابة معونة قوية، قصبه قد استوفى من الماء ~~ريه، ومن الشمس حظه # وزيه، حتى اصفر ليطه، واعتدل خوطه، وتناصف شكله فهو أولى باليد من ~~البنان. # قال: وسمي قلما لأنه قلم، أي قطع وسوي كما يقلم الظفر. وكل عود PageV01P163 ~~يقطع ويحد في رأسه ويعلم بعلامة # فهو قلم، ولذلك قيل للسهام أقلام. # قال تعالى (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) وكانت سهاما ~~مكتوبة فيها أسماؤهم. وقيل هي في هذه الآية الأقلام التي يكتبون بها # التوراة. وإلقاؤهم الأقلام كان حين تنازعوا في كفالتها رغبة لفضلها. # فالقلم أيضا السهم الذي يحال بين القوم. كل إنسان وقلمه. وهو القدح. # والقلم قص الظفر، يقال قلمه تقليما، ومقالم الرمح كعوبه، ويقال للقلم: ~~المزبر بالزاي، والمذبر # بالذال. سمي بذلك لأنه يزبر به ويذبر: أي يكتب. وقد فرق بعض اللغويين بين ~~زبرت وذبرت. # فقال: زبرت بالزاي أي كتبت، وذبرت بالذال أي قرأت. ويقال للذي يقلم به ~~مقلم وللذي يبرى به # مبرى ومبراة، وقد بريته أبريه بريا. ويقال لما يسقط من التقليم القلامة، ~~وهي القلومة من طرفه، ولما # يسقط عن البري البراية. # ويقال لعقدة الكعوب، واحدها: كعب. ويقال لما بين عقدة الأنابيب واحدها: ~~أنبوب والأنابيب، # والكعوب تستعمل أيضا في الرماح، وفي كل عود فيه عقد. وليط القلم لونه، ~~فإن قشرت منه قشرة # قلت: تليطت من القلم ليطه، ويقال لطرفيه اللذين يكتب بهما السنان، ~~واحدهما: سن والشعيرتان # واحدتهما شعيره. # وقيل لأعرابي: ما القلم؟ ففكر ساعة، وجعل يقلب يديه، وينظر إلى أصابعه ثم ~~قال: لا أدري؟ فقيل # له: توهمه في نفسك. فقال: هو ms045 عود قلم من جوانبه كتقليم الأظفور. # وجمع القلم أقلام كقولك في جمع جبل أجبال وجبال. وإذا قطع طرف القلم PageV01P164 ~~وهيىء للكتابة بعد البري قيل فيه: قططته أقطه قطا. والمقط بفتح الميم ما قط ~~من رأسه، ويقال: قضمته أقضمه قضما. قال فيه # المقنع الكندي: # يحفى فيقضم من شعيرة أنفه ... كقلامة الأظفور في تقلامه. # فإن انكسرت سنه قيل قضم يقضم قضما على مثل حذر يحذر حذرا، فإن جعلت سنه ~~الواحدة أطول # من الأخرى عند قطه، قلت حرفته تحريفا، وقلم محرف، فإن جعلت سنيه مستويتين # قلت: قلم مبسوط، فإن سمع له صوت عند الكتابة فذلك الصريف والصرير، فإذا ~~كثر المداد في # رأسه حتى يقطر قيل: رعف القلم يرعف رعافا، شبه برعاف الأنف، ومج يمج مجا، ~~وأرعفه الكاتب # إرعافا وأمجه إمجاجا. ويقال للكاتب: استمدد ولا ترعف ولا تمجج ولا تمج. ~~أي لا تكثر من المداد # حتى يقطر. # قال أبو إسحاق: # ومن المنظوم البديع التهذيب، الرائق التذهيب، الصادر عن الطبع الذكي، ~~المؤيد بالأدب الوضي، # الرفيع الدرر، الواضح الغرر، الذي فاق كل وصف، واحتوى على كل رقة ولطف، ~~واطرد ماء # الفصاحة على حواشيه، ولاح نور البلاغة على ألفاظه ومعانيه في صفة الأقلام ~~والكتاب، الآخذين # مجامع الإتقان والصواب، قول ابن المعتز: # قلم ما أراه أم فلك يج ... ري بما شاء قاسم ويسير PageV01P165 ~~خاضع في يديه يلثم قرطا ... سا كما قبل البساط شكور # ولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغير # وهذا كقول الآخر: # فزادت لدينا خطوة حين أقبلت ... وفي إصبعيها أسمراللون مرهف # أصم سميع ساكن متحرك ... ينال جسيمات العلا وهو أعجف # رجع # كم منايا وكم عطايا وكم حت ... ف وعيش تضم تلك السطور # نقشت بالدجى نهارا فما أد ... ري أخط فيهن أم تصوير # هكذا من أبوه مثل عبيد الل ... ه ينمي إلى العلا ويصير # عظمت منة الإله عليه ... فأراك الأمير وهو الوزير # وفي هذا يقول الآخر: # ذا المغتدي مائع الأنفاس منهله ... وصار أعلاه في القرطاس أسفله # كساه من خطه وشيا وقلده ... درا من اللفظ لم بفصم مكلله ms046 PageV01P166 ~~فأي زهرة بستان تماتله ... وأي در على اللبات يعدله # وفي المعنى أيضا: # قصير الأنابيب لكنه ... يطول مضاء طوال الرماح # إذا عب للنقس في دامس ... ودب من الطرس فوق الصباح # تجلت له مشكلات الأمور ... ولان له الصعب عند الجماح # وأنشد الصولي لطلحة بن عبيد الله: # وإذا أمر على المهارق كفه ... بأنامل يحملن شختا مرهفا # متقاصرا متطاولا ومفصلا ... وموصلا ومشتتا ومؤلفا # ترك العداة روا جفا أحشاؤها ... وقلاعها قلعا هنالك رجفا # كالحية الرقشاء إلا أنه ... يستنزل الأروى إليه تلطفا # بأبيات غير هذه. # وفي المعنى: # قلم قلم أظفار العدى ... وهو كالإبرة مشقوق الظفر PageV01P167 ~~أشبه الحية إلا أنه ... كلما عمر في الأيدي قصر # وقال أبو بكر الأصبهاني: # أخرس ينبيك بإطراقه ... عن كل ما شئت من الأمر # يذري على قرطاسه دمعة ... يبدي بها السر ولا يدري # كعاشق أخفى هواه وقد ... نمت عليه عبرة تجري # تبصره في كل أحواله ... عريان يكسو الناس أو يعري # يرى أسيرا في دواة وقد ... أطلق أقواما من الأسر # في أبيات غير هذه. # وقد أكثر الشعراء في صفة الأقلام، وفضوا عن البيان كل ختام بألفاظ تريك ~~السحر مسطورا، والدر # النفيس منظوما ومنثورا، ووصفوا الأقلام بأبدع الصفات، وبوؤا الكتاب أرفع ~~الدرجات، وفضلوا القلم # على السيف في مذاهبه، وجعلوا له التقديم في مراتبه. # فاخر كاتب فارسا فقال الفارس: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر، فقال ~~الكاتب: القلم خادم # للسيف، إن تم مراده، وإلا إلى PageV01P168 ~~السيف معاده، أما سمعت قول أبي تمام: # السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب # بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب # والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب # فقال الكاتب: أما سمعت قول الآخر هو أبو الفتح البستي: # إذا افتخر الأبطال يوما بسيفهم ... وعدوه مما يكسب المجد والكرم # كفى قلم الكتاب مجدا ورفعة ... مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم # قول أبي تمام: (السيف أصدق أنباء) يروى أنباء بالفتح، وإنباء بالكسر، ~~والفتح أجود وهو المختار. # والأنباء جمع نبأ، والنبأ ms047 الخبر، والأنباء يستدل بها كما يستدل بالأخبار. # وقال صاحب العين: النبأ مهموز وهو الخبر. تقول: جاءني عن فلان نبأ أي ~~خبر، وإن لفلان نبأ أي # خبر. قال الله تعالى (وجئتك من سبإ بنبإ يقين). أي بخبر. وأنبأ زيد ~~عمروا، أي أخبره. والمنبئ المخبر، وهو أيضا المنبئ # بسكون النون وبفتحها. PageV01P169 # قال النابغة: # وأنبأه المنبئ أن حيا ... حلولا من حزام أو جذام # والفعل منه أنبأته، واستنبأته. والنبيء بالهمز: الطريق الواضح يأخذ بك ~~إلى حيث تريد. # وقال بعضهم: النبئ: الرسول من النبإ، فعيل بمعنى مفعل أي منبئ، كما قيل ~~للمدبر الذي يحكم # الصنع بحسن تدبيره: حكيم؛ بمعنى محكم عدل للمبالغة، وكما قيل حبيب بمعنى ~~محبب، فإذا همزت # النبي جمعته على النبآء، لأنه غير معتل كقولك: حكيم وحكماء، وعليم ~~وعلماء، وعظيم وعظماء. # قال العباس بن مرداس: # يا خاتم النبآء إنك مرسل ... بالحق كل هدى السبيل هداكا # فإذا لم يهمز وهو الاختيار، جمعته على الأنبياء، كما يقال وصي وأوصياء، ~~وولي وأولياء، وتقي # وأتقياء. # قوله: فإذا لم يهمز وهو الاختيار، اتباعا للحديث المأثور. # قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب (القراءات): (القراءة المقروء بها ~~عندنا بإسقاط الهمز من # النبي والأنبياء والنبيئين في كل القرآن، لأن الجمهور PageV01P170 ~~الأعظم من القراء والعامة عليها. وكذلك أكثر # العرب مع حديث رويناه مرفوعا إن كان حفظ. حدثنا محمد بن ربيعة عن حمزة بن ~~حبيب الزيات # عن حمران بن أعين أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبيء ~~الله، فقال: لست بنبيء # الله، ولكني نبي الله. قال أبو عبيد معناه أنه أنكر عليه الهمز). # وقال أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي: إنما سميت الأنبياء لأنهم قد ~~ارتفعت منزلتهم، واستعلت # درجتهم على سائر الخلق. قال: والقراءة بالهمز تفرد بها نافع وحده، وقال ~~غيره: النبيء الطريق، # وسمي رسل الله أنبياء لأنهم الطريق إلى الله عز وجل. والنبوءة بالهمز ~~قياسها. قاله أبو الحسن # الرماني. PageV01P171 # والنبئ بالهمز، لأنه أنبأ عن الله أي أخبر، والنبأة: صوت الكلام نبا به، ~~قال الشاعر: # يصيخ للنبأة ms048 أسماعه ... إصاخة الناشد للمنشد # وفي الحديث: "لا تصل على المكان النبيء" قال أبو سليمان الخطابي سمعت ابن ~~سعدويه يقول # سمعت ابن اليمان يقول: معناه المرتفع المحدودب، مأخوذ من النبوة وهي ~~الارتفاع، قال أوس بن # حجر: # لأصبح رثما دقاق الحصى ... مكان النبيء من الكاثب # والكاثب موضع. # والإنباء بالكسر معناه الإظهار للنبأ وهو الخبر، والإنباء والإخبار ~~والإعلام نظائر. PageV01P172 # وقال أبو علي الفارسي في (الحجة)، قال أبو زيد، يقال: نبأت من أرض إلى أرض ~~أخرى، فأنا أنبأ # نبأ إذا خرجت منها، وليس اشتقاق النبي من هذا وإن كان من لفظه، ولكن، من ~~النبأ الذي هو الخبر، # كأنه المخبر عن الله سبحانه. # وقال غير أبي علي كل ما جاء في القرآن من هذا اللفظ فهو بمعنى الخبر، ~~وهوالذي يتعدى إلى # مفعولين، أحدهما بحرف الجر، وقد يحذف حرف الجر فيتعدى الفعل فينصب. قال ~~الله تعالى (فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا) أي # بهذا، وقال الشاعر: # أدان وأنبأه الأولون ... بأن المدان ملي وفي # وتقول العرب: أنبأت زيدا عمروا أخاك بمعنى أعلمته قال عنترة: # نبئت عمرا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم # فمن جعل نبئت بمعنى أخبرت نصبغير على الحال، ومن جعلها بمعنى أعلمت ~~نصبغير على # المفعول الثاني. # وقول أبي تمام (بيض الصفائح): الصفائح جمع صفيحة وهي العراض من السيوف. ~~قال الشاعر: # ضربناهم حتى إذا ارفض جمعهم ... علوناهم بالمرهفات الصفائح # وهي أيضا الصفاح واحدتها صفحة، قال أيو العباس: أصلها ما كان من ظاهر PageV01P173 ~~الشيء. يقال لظاهر جلدة الإنسان: صفحته، وكذا هو من كل شيء، ومن هذا قولهم ~~صافحته أي لقيت صفحة كفه صفحة # كفي. # وفي الحديث فيما روى محمد بن كامل العماني، وعن أبان العطار عنثابث ~~البناني عن أنس بن مالك # قال: صافحت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أر خزا ولا قزا كان ألين ~~من كف رسول الله # صلى الله عليه وسلم وفيه التسبيح للرجال، والتصفيح للنساء، أي التصفيق ~~لأنها تضرب بصفحة كف # على صفحة كف أخرى. وتقول نظر إليه صفحا؛ أي بقدر ms049 ما أبدى صفحته لم يجاوز ~~ذلك. ويقال # صفحت عنه، أي لم أؤاخذه بذنبه، وأبديت له على صفحة جميلة. والصفح ~~التجاوز، ومنه صفحت # الورقة أي تجاوزتها إلى غيرها. وفي كتاب الله عز وجل (فاصفح الصفح ~~الجميل) وفيه (فاعفوا واصفحوا) ومنه قول الحارث بن هشام # أخي أبي جهل شقيقه: PageV01P174 # فصفحت عنهم والأحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد # أي لم أجادلهم لأقبض صفاحهم، أو أريهم ذلك في نفسي. # والرواية الصحيحة في بيت الحارث بن هشام بن الحارث المذكور: (فصدفت عنهم ~~والأحبة فيهم). # وهذا البيت في أبيات له قالها معتذرا من فراره يوم (بدر) # يقول فيها: # الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا فرسي بأشقر مزبد # ووجدت ريح الموت من تلقائهم ... في مأزق والخيل لم تتبدد # وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي # فصدفت عنهم، البيت. # وقال الآخر: # صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا: القوم إخوان # والفعل منه صفح يصفح صفحا، وتصفح تصفحا وتصافحوا تصافحا، وصافحته. مصافحة ~~والمراد # به: التجاوز عن الذنب. # فأما قول لبيد يصف السحاب: # كأن مصفحات في ذراه ... وأنواحا بأيديها المآلي PageV01P175 ~~فالمصفحات هنا النساء يلقين صفحات أكفهن لبعضهن على بعض فيضربن بها في ~~المناحات. # والأنواح جمع نوح، ونوح جمع نائحة؛ والمآلي جمع مئلاة، وهي خرقة تمسكها ~~النائحة تتلقى بها # دمعها وتشير بها إذا ناحت. فشبهلبيد لمعان البرق بلمع النائحة بمئلاتها ~~إذا ناحت. وفي هذا التشبيه # يقول امرؤ القيس: # وتخرج منه لامعات كأنها ... أكف تلقى الفوز عند المفيض # وقول أبي تمام أيضا: # بين الخميسين لا في السبعة الشهب # يعني بالسبعة الشهب الدراري السبعة، وهي أعلام يستدل بها: زحل والمشتري ~~وعطارد والمريخ # والزهرة والشمس والقمر ... # ولقول أبي تمام هذا خبر ذكره أبو بكر الصولي في شرح شعر أبي تمام. # وللسبعة تصرف في جلائل الأمور، فالأيام سبعة والسماوات سبع والأرضون سبع ~~بدليل قوله تعالى # (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) والبحار سبعة. وأبواب جهنم - ~~أعاذنا الله منها - سبعة. في أشباه لهذا معروفة. ومن شأن العرب # أن يبالغوا بالسبعة وبالسبعين ms050 من العدد كما قال الله جل وعز (إن تستغفر ~~لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) PageV01P176 ~~فأما قول الشاعر: # يا معطي الخير الكثير من سعه # إليك جاوزنا بلادا مسبعة # وفلوات بعد ذاك مضبعه # فالبلاد المسبعة هي الكثيرة السباع، والفلوات المضبعة هي الكثيرة الضباع. ~~ويقال أسبع الراعيان، # إذا وقع السبع في مواشيهم، والمسبع الذي أغارت السباع على غنمه. ويقال ~~أسبع فلان عبده إذا # أهمله. قال أبو ذؤيب: # صحب الشوارب لا يزال كأنه ... عبد لآل أبي ربيعة مسبع # وقال رؤبة: # إن تميما لم يراضع مسبع ... ولم تلده أمه مقنعا # والمسبع الذي تموت أمه فيتولى رضاعه نسوة فيغتذي بينهن. وقال بعضهم: ~~المسبع ولد الزنا. وعبد # مسبع في لغة هذيل هو الذي ينتهي إلى سبعة آباء في العبودية. والمسب # ع أيضا المولود لسبعة أشهر، وأمه مسبع. PageV01P177 # وقال صاحب العين سبعت فلانا عند فلان، إذا وقعت فيه وقعة مضرة. وقاله يعقوب. # وقال ابن قتيبة: سبعت الرجل: وقعت فيه، وأطعمته السبع. # وفي حديث عبد الله بن مسعود فيما روى الحميدي، عنس # فيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن رجل عن عبد الله: أن الرجل ليهم بالأمر من ~~أمر الإمارة # والتجارة، فيقول الله تبارك وتعالى للملك اصرفه عن عبدي، فإني إن أنا ~~يسرته له أدخلته النار # فيصرفه عنه فيظل يتظنى بجيرانه: من سبعني من سبعني، وإن صرفه عنه إلا الله. # وقول الآخر (إن الله أقسم بالقلم)، يعني قول الله تعالى (ن والقلم) فقد ~~نوه به لما ذكره في الكتاب العزيز # معتدا به في نعمه على خلقه، وفي هذا دليل على شرفه وعظيم شأنه لما فيه من ~~المنافع. # وفي الخبر عنابن عباس أنه قال أول ما خلق الله القلم. قال له اكتب قال، ~~وما أكتب، قال: اكتب ما # هو كائن إلى يوم القيامة. وقال تعالى (الأكرم PageV01P178 ~~الذي علم بالقلم)، أي علم الإنسان الخط بالقلم. وشأن القلم رفيع. # رجع # وممن فضل القلم على السيف فأحسن علي بن العباس التنوخي حيث يقول: # إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت ms051 خوفه الأمم # فالموت والموت لا شيء يغالبه ... ما زال يتبع ما يجري به القلم # بذاقضى الله للأقلام قد بريت ... إن السيوف لها مذ أرهفت خدم # وقال أبو عبد الله محمد بن غالب الرصافي: # قد يسكت السيف والأقلام ناطقة ... والسيف في لغة الأقلام لحان # وقال ابن الرومي في تفضيله: PageV01P179 # لعمرك ما السيف سيف الكمي ... بأخوف من قلم الكاتب # له شاهد إن تأملته ... ظهرت على سره الغائب # أداة المنية في جانبيه ... فمن مثله رهبة الراهب # ألم تر في صدره كالسنان ... وفي الردف كالمرهف القاضب # سنان المنية في جانب ... وحد المنية في جانب # وقد فضله التهامي على الرمح فأحسن حيث يقول: # قلما دبر الأقاليم حتى ... قال فيه أهل التناسخ أمرا # يتبع الرمح أمره إن عشري ... ن ذراعا بالرأي تخدم شبرا # وناقضه أبو العلاء المعري فقال: # دع اليراع لقوم يفخرون به ... وبالطوال الردينيات فافتخر # فهن أقلامك اللائي إذا كتبت ... مجدا أتت بمداد من دم هدر # وقد ذكرت في فصل الأوصاف والتشبيهات من مليح النظام، جملة أبيات من أحسن ~~ما قيل في # السيف وأبلغه وأنفسه في سوق الأدب وأسوغه، تنخرط في PageV01P180 ~~سلك ما جمعت، وترتبط مع ما في تحريره شرعت. # وقد ساوى بين الشيئين ومدح كلتا الخطتين، أبو بكر بن قزمان، فقال: # يمسك الفارس رمحا بيد ... وأنا أمسك فيها قصبه # وكلانا بطل في فعله ... إن الاقلام رماح الكتبة # وهذا مما تظرف فيه أبو بكر وحلى به جيد العصر، وراق له زهرا جنيا، وتأوج ~~عرفا ذكيا، وألهج # على كل لسان، وحل من كل عين محل الإنسان. # وفي تفضيل السيف وتقديمه يقول أبو عبد الله بن أبي الخصال الكاتب المجيد ~~في أول مخمسته # المشهورة: # الحمد لله أضحى الدين معتليا ... وبات سيف الهدى الظمآن قد رويا # إن كنت ترتاح للأمر الذي قضيا ... فخذه نشرا ودع عنك الذي طويا PageV01P181 ~~السيف أصدق أنباء من الكتب # هو المقيد للآثار والحكم ... لولا وقائعه في سائر الأمم # لم يحفل الناس بالقرطاس والقلم ... أين اليراعة من صمصامة خذم # في حده الحد بين الجد واللعب ms052 # والسمهرية يتلوه ويتبعه ... ما مال عرش رماح الخط يرفعه # خد ما تراه ودع ما كنت تسمعه ... فالعلم في شهب الأرماح أجمعه # بين الخميسين لا في السبعة الشهب # وهذه المخمسة طويلة حسنة بديعة مستحسنة. # وأحسن ما أذكر في صفة القلم قول أبي تمام: # لك القلم الأعلى الذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل # له الخلوات اللائي لولا نجيها ... لما احتفلت للملك تلك المحافل # لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل # له ريقة طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل # فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل # إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل # أطاعته أطراف القنا وتقوضت ... بنجواه تقويض الخيام الجحافل # إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل PageV01P182 ~~وقد رفدته الخنصران وشددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل # رأيت جليلا شانه وهو مرهف ... ضنى وسمينا خطبه وهو ناحل # وهذه الأبيات في قصيدة له في محمد بن عبد الملك الزيات قرأتها في شعره، ~~وهي قصيدة اتخذها # البيان قلبا، وضم عليها شغافا وخلبا، قصر عنها كل ناظم، واغترف من بحرها ~~كل ماهر في النظام # وعالم قوله. (لعاب الأفاعي القاتلات) البيت، أخذه أبو الحسن علي بن عطية ~~بن الزقاق فقال: # تمج سما وجنى نخلة ... فريقها يرجى كما يرهب # وبعد هذا البيت # يريك من صيغتها جوهرا ... ينظم في الطرس ولا يثقب # خرساء لكن لها منطقا ... أقر بالسبق له يعرب # كأنه اقتدى في البيت الثاني بقول ابن المعتز في سليمان بن وهب: # إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... تفتح نورا أو تنظم جوهرا PageV01P183 ~~وهذا المعنى أخذ القاضي أبو الحسن علي بن أحمد بن لبال الشريشي حين قال: # إذا اضطربت سمر اليراع بكفه ... ترى دررا تنحط من فم أرقم # وخطا كما ألقت على صحن خدها ... عروس الربى وشي الرياض المنمم # وفي معناه أيضا قول الآخر: # إذا اضطربت في كفه خلت صعدة ... وإن سقطت من كفه خلت أرقما # ومن قول شاعرنا أبي العباس أحمد بن شكيل في القاضي ms053 أبي حفص ابن عمر: # له قلم تنقاد بيض الظبا له ... وإن لقحت حرب وزرق اللهازم # به عرف الأقوام ما هو كائن ... وما هو جار في نفوس العوالم # علا فهو للآجال أصدق ناسخ ... وناس وللأرزاق أعدل قاسم # إذا جال في القرطاس ساقط لؤلؤا ... يزين به أسلاكه كل ناظم # وإن ظل ساري الفكر أطلع أحرفا ... تنير النهى منها بسود فواحم # دعاه أناس ترجمان ضميره ... وهل لبليغ حاجة في النواجم PageV01P184 ~~وأنشدني بعض الأدباء: # إذا بدا القلم الأعلى براحته ... مطرزا لرداء الفخر بالقلم # رأيت ما اسود في الأبصار أبيض في ... بصائر لحظها للفهم غير عم # كروضة نمقت من وشي زهرتها ... وافتر نوارها عن ثغر مبتسم # قوله: رأيت ما اسود في الأبصار البيت، منظوم من كلام أحد البلغاء: صورة ~~الخط في الأبصار # سواد، وفي البصائر بياض. ومن قول الآخر: بضياء الحكمة استنارة المراد. # وقال الشاعر في المعنى: # لا عجيب إن كان شعرك نورا ... وهو يغشى البياض بالتسويد # إنما النور بالسواد من العي ... ن وهذا البياض للتأكيد # وقال أبو الطيب في المعنى: # دعانى إليك العلم والحلم والحجى ... وهذا الكلام النظم والنائل النثر # وما قلت من شعر تكاد سطوره ... إذا كتبت تبيض عن نورها الحبر # وقال أبو الحسن التهامي، وهو مما استحسنته: # يا رب معنى بعيد الشأو تسلكه ... في سلك لفظ قريب الفهم مختصر PageV01P185 ~~لفظ يكون لعقد القول واسطة ... ما بين منزلة الإسهاب والخصر # إن الكتابة صارت نحو أنمله ... والجود فالتقيا منه على قدر # ترد أقلامه الأرماح صاغرة ... عكسا كعكس شعاع الشمس للبصر # وفي كتابك فاعذر من يهيم به ... من المحاسن ما في أحسن الصور # الطرس كالوجه والنونات دائرة ... مثل الحواجب والسينات كالطرر # وفي معنى هذا البيت يقول الآخر: # فنوناته من حاجبيه استعارها ... ولا ماته من قده المتعاطف # ومن صدغه الموحي اسوداد مداده ... ومن وصله المحيي ابيضاض الصحائف # في المعنى أيضا قول الآخر: # انظر إلى أثر المداد بطرسه ... كبنفسج الخد المشوب بورده # ما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئا ولا ألفاته من قده # وكأنما أنقاسه من شعره ... وكأنما ms054 قرطاسه من خده # وأنشدني بعض الأدباء: # خطه بهجة أزاهر روض ... جاده من حجاه وبل سكوب # ما العوالي على خدود الغواني ... غير ما حاز رقه المكتوب PageV01P186 ~~وقال أبو الفضل الدارامي وضمنه وصف معذر: # وكاتب أهديت نفسي له ... فهي من السوء فدى نفسه # سلط خديه على مهجتي ... فاستأصلتها وهي من غرسه # كأنما خط على خده ... مثل الذي قد خط في طرسه # فلست أدري بعدما حل بي ... بمسكه أتلف أم نقسه # وهذا كقول الآخر: # وشادن أسرف في صده ... وزاد في التيه على عبده # الحسن قد بث على خده ... بنفسجا يرنو على ورده # رأيته يكتب في طرسه ... خطا يباري الدر من عقده # فخلت ما قد خطه كفه ... للحسن قد خط على خده # قوله: الحسن قد بث على خده، أي أظهر وفرق. قال أبو بكر بن دريد: كل شيء ~~فرقته فقد بثثته، # وفي التنزيل (كالفراش المبثوث). PageV01P187 # ويقال: بثثته سري إذا أطلعته عليه. وانبث الجراد في الأرض: أي تفرق. والبث ~~أيضا ما يجده # الإنسان من غم أو كره في نفسه. قال الله تعالى (إنما أشكو بثي وحزني إلى ~~الله). وأصل البث: التفريق، فقولهم أبثثته سري؛ لأنه # فرق بينه وبين سره بإطلاع غيره عليه. # والبث: الغم الذي من شأن صاحبه أن يبثه إلى خليله. # وقيل لتقسم القلب به، وهو تفريق أسباب الغم فيه. # وقال بعضهم في صفة الكتاب: # قوم إذا أخذوا الأقلام من قصب ... ثم استمدوا بها ماء المنيات # نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لا ينالبحد المشرفيات # ومما ينسب إلى أبي تمام ولم أقرأه في شعره: # مداد مثل خافية الغراب ... وقرطاس كرقراق السراب # وألفاظ كألفاظ المثاني ... وخط مثل وشي يد الكعاب # كتاب لو رأته الكتب قالت ... سرقت الحسن من أم الكتاب PageV01P188 ~~كزهر الروضة الغناء باتت ... ترشف نيلها ريق السحاب # كلام تقرع الآذان منه ... بلفظ وقعه وقع الهضاب # إذا بلغ القلوب حيين منه ... كما يحيين من برد الشراب # ومما اخترت في وصف الكتب من المنثور المطبوع، والكلام الحر الرفيع رقعة ~~لبعض الفصحاء، # خاطب بها مراجعا لبعض ms055 الفقهاء وهي: # ورد كتابك غاية الفصاحة، ومنتهى البلاغة والرجاحة، فقبلته عشرا، وأقبلته ~~مني رأسا وشعرا، # وحين فضضت ختامه سقط بصري على شكل مشق خطه فاندمج، ووسع بين أسطاره ~~فانفرج. فياله # من كتاب قصر وطال، وجمد قلم كاتبه وسال، نتيجة برهان. مقدمتاه: الطبع ~~والبراعة والجزالة # والإصابة. جمع بين مبدإ البلاغة وآخرها، في سحاة طولها الشفر، وعرضها ~~الظفر. ولا غرو، فمن # علم الأصول استنبط الفروع، ومن انتقى القليل، استغنى عن شعب الجموع، ~~ولذلك جعلته إماما # اخترته، ومثالا امتثلته، ولو أسهبت ما بلغت غاية الوصف، ولا أعطيته من ~~حقه النصف. فلله فطنة # فطرته، ويد سطرته، وصحيفة احتوته، وأنامل لوته. ما أبدع ما وسق، وأعجب ما ~~نظم واتسق، (إن هذا إلا سحر يؤثر) # ودر ينثر، وأنفاس تعبق، ونفوس تسبى وتسرق. أعراض كقطع الروض، ومعان ~~كأبكار الغواني # أدرن قدودا، وكسين من وشي الكلام عقودا. ملك عيني نورا، ويدي مسكا ~~وكافورا، ودخلت نفسي منه # قوة لا أعرفها فكيف أصفها ولا أدريها، فكيف أحكيها. ماأنضر جناه، وأزهر ~~سناه. وأبهر لفظه # ومعناه. ضمن من بدائع الكلام فقرا شوارد، وقلد من نواصع الحكم دررا فرائد. PageV01P189 # قوله: (مشق خطه فاندمج) المشق: خط فيه خفة، والمشق: السرعة في الكتابة، وهو ~~يعزى إلى أهل # الأنبار. والعرب تقول مشقه بالرمح، إذا طعنه طعنا خفيفا متتابعا. ومنه ~~قول ذي الرمة يصف الثور # والكلاب: # فظل يمشق طعنا في جواشنها ... كأنه الأجر في الأعمال يحتسب # ويروى (في الأقتال)، وهم الأعداء واحدهم: قتل. # قال الأعشى: # رب رفد هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقتال # ويقال: إن المشق في الخط مد الحروف، والقول الأول أوفق، لأن مد الحروف هو ~~مطها وتعظيمها، # فأما قولهم: رقمت الكتاب رقما، ونمقته نمقا ونمقته تنميقا، ونبقته تنبيقا ~~النون قبل الباء، وبنقته تبنيقا: # الباء قبل النون، وحبرته تحبيرا، ورقشته ترقيشا، وزبرجته زبرجة وزبراجا، ~~وزخرفته زخرفة. # فهذا كله كناية عن الكتابة الحسنة. # والوشم والإعجام والترقيش كناية عن النقط. وقد استوفى أبو محمد بن السيد ~~رحمه الله هذا النوع # وأكمله وقوله: (في سحاة طولها الشفر) ms056 يقال لقشرة تقشر من الكتاب: سحاة ~~وسحاية وسحاءة. والجميع # سحاءات وسحايات. وسحاء مكسور ممدود، وسحا مفتوح مقصور وسحايا، ويقال: ~~سحوت الكتاب # سحوا وسحيته سحيا، إذا قشرت منه قشرة. ويقال لها أيضا خزامة، ويقال لها ~~أيضا إضبارة وضبارة PageV01P190 ~~بكسر الضاد. ويقال ضبرت الكتاب بالتخفيف وضبرته بالتشديد. والإضبارة هي ~~السحاة، والإضبارة # أيضا صحف تجمع وتشدد وكما يقال: سحوت الكتاب، كذلك يقال: سحوت الشحم عن ~~الجلد أسحوه # سحوا؛ إذا قشرته عنه، ويقال أيضا: سحوت الطين بالمسحاة سحوا. # وقد يقال سحيت بالياء أسحيه سحيا. والسحاة أيضا والمسحاة الماعون الذي ~~يسحى به الطين؛ أي # يقشر. # قال النابغة: # ردت عليه أناصيه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد # وقوله، (ما أبهر لفظه ومعناه) أي ما أشد نوره وضياءه لأن الباهر الممتلئ ~~نورا. قال الأعشى: # حكمتماني فقضى فيكما ... أبلج مثل القمر الباهر # وفي الحديث المروي عنعبد خير عنعلي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ~~قلتلعلي أصلي الضحى # إذا بزغت الشمس؟ قال (لا حتى تبهر البتيراء)، يريد بالبتيراء: الشمس، أي ~~حتى ترتفع الشمس # ويشتد ضوؤها، ويقوى شعاعها. # والباهر أيضا المعلن بالشيء، المظهر له حتى يعلم ويعرفه من كان يجهله، PageV01P191 ~~وهو أيضا المبتهر، يقال منه ابتهر فلان لفلانة، أي ذكرها مشتهرا بها، ومنه ~~قول الشاعر: # وقد بهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمرا # قاله الخطابي وحكى عن ابن الفارسي عن الغلابي عن ابراهيم بن عمر في قول ~~عمر بن أبي # ربيعة: # ثم قالوا: تحبها قلت: بهرا ... عدد القطر والحصى والتراب # قال: كنت أحسب قوله: بهرا، دعاء عليهم، كقولهم جدعا وتعسا وبعدا وسحقا ~~وما أشبه ذلك، كقول # ابن ميادة: # فبعدا لقومي إذ يبيعون مهجتي ... بجارية بهرا لهم بعدها بهرا # يدعو عليهم، من قولهم: بهره الأمر يبهره بهرا إذا غلبه، حتى فسرهالأصمعي؛ ~~قال: معناه قلت لهم # معلنا غير مكتتم لذلك فأما حديث أبي موسى الأشعري وهوعبد الله بن قيس: ~~حتى ابهار الليل. PageV01P192 # فقال أبو عبيد القاسم ين سلام الخزاعي البصري: بهرة الليل: وسطه وقال أبو ~~سعيد الضرير: ms057 قد يبهار # الليل قبل أن ينتصف، وإنما ابهراره: طلوع نجومه إذا تتامت، لأن الليل إذا ~~أقبل أقبلت فحمته، فإذا # تطالعت نجومه واشتبكت ذهبت تلك الفحمة. # رجع # وفي المعنى: كتاب كتب إلي أمانا من الدهر، وهناني أيام العمر. كتاب أوجب ~~من الاعتداد أوفر # الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد. عددته من حجول العمر وغرره، ~~واعتددته من فرص # العيش وغرره، كدت أبليه طيا ونشرا. قبلته ألفا ويد حامله عشرا. نسيت ~~بحسنه الروض والزهر، # وغفرت للزمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، هو أنفس طالع، وأكرم متطلع، ~~وأحسن واقع، وأجل # متوقع. سمر بلا سهر، وصفو بلا كدر. تمتعت منه بالنعيم الأبيض، والعيش ~~الأخضر، واستلمته # استلام الحجر. هو نعمة سابغة، وحكمة بالغة، ألصقته بالكبد، وشممته شميم ~~الولد، أبصرت منه # الزهر جنيا، واستنشقته المسك ذكيا، ووردت الماء مريا، والعيش هنيا، وسمعت ~~السحر بابليا. مطلعه # مطلع أهلة الأعياد، وموقعه موقع نيل المراد. # وفي المعنى: # وردني أعزك الله كتابك النير بسناك، والعاطر بشذاك. # يسبي كل مهجة ومقلة بمعجز (الصابي) PageV01P193 ~~ومخجل (ابن مقلة) يختال من خضر السنادس في أرفع # الملابس. زاهية أرضه من رقوم بنانك، حالية سماؤه من نجوم بيانك. كتاب ~~يقود من البلاغة كتائب، # لم يعد مثلها مهلهل في الذنائب تلقيته تلقي الأمير المعظم، وصافحته ~~مصافحة الأثير المكرم، لمحته # فكان أحسن من ورد الأسيل، واستفحته فكان أطيب من برد الأصيل، وعاينت ~~بعذوبته حر الغليل، # فصنع صنع الزلال، عرض للشمال في الدمن جنا النحل، وأطرف من بواكر النخل. # فيالك من جديد جدد أنسي، ورد من عصر الشباب أمسي، مجدني بحديقة تنم ~~بأنفاس عبيقة لأبكار # معان حلين بدر ألفاظ، أسحر من غوان، يقتلن بسحر ألحاظ. تجتلي العيون ~~ببستانه أبهى زهر، # وتجتني القلوب من أفنانه أشهى ثمر، روض طرز البنفسج بهاره، ونور الليل ~~نواره، فنقسه نوره، # والبياض كافوره، يذم له الحلي المزين، ويحسد رقمه الوشي المعين كالمفصل ~~ذي الشذور، على # نحور الحور. # قال أبو إسحاق: # هذا كلام فائق، ومزدوج رائق، وليست هذه الألفاظ أظنها دررا وغررا، أحظى ~~عند النفوس من ms058 # يسراها وأحلى في العيون من كراها. آمال مجموعة، ومحاسن مزينة مسموعة. # رياحين أرواح، وصبوح تعوطيت على وجه الصباح. PageV01P194 # وفي المعنى أيضا: # وافتني أطال الله بقاءك، أحرف كأنها الوشم في الخدود. تميس في حلل ~~إبداعها كالغصن الأملود، # وإنك لسابق هذه الحلبة التي لا يدرك غبارها في مضمارها ولايضاف سرارك إلى ~~إبدارها. # وما أنت في أهل البلاغة إلا نكتة فلكها ومعجزة تتشرف الدول إلى تملكها ~~وما زالت تشيد البناء، # وتخلد الثناء، وتحفظ الأرجاء، وتمد الرجاء. # وفي المعنى أيضا: # وردني - أعزك الله - كتاب ألذ من مراشف الأحباب الأتراب جلوت منه زهر ~~المعاني في رياض # الشعر، وعروس الأماني، الربيع قبل أوانه فتقسم نظري بين شقائقه وحوذانه ~~وورده من أبكار درر، # وأنواع غرر بعضها من بنات الفكر، وبعضها من آيات مبتسمة منه، وألسنة سررك ~~ناطقة عنه، # فطرد العبوس النفوس، وكان خطابا ما أحسب، وبيانا ما أعذب! ملأ جوانحي ~~مسرة، وبسط نكير أن # يصير روض النهي في حلى روض الربا، ودرر الأفكار البحار. ولما ارتفع ناظري PageV01P195 ~~في تلك المراتع، وربع خاطري في تلك المرابع، هزتني وازدهتني خفة الأزمنة، ~~فلو كنت ممن يشرب الراح، لطرت # بلا جناح. # وفي المعنى أيضا: # لو اتخذت - أيدك الله - حر وجهي طرسا، وإنسان عيني نقسا، وما في الأرض من ~~شجرة أقلاما # على حين ألهمت الحكمة إلهاما، لما بلغت ما في الضمير من كرم وخير فعذرا ~~عذرا في الحصر، عن # جلاء تلك الغرر # ذلك الغمر بالغمر. ووافاني خطابك الكريم نظما ونثرا، رقيق الحواشي ولا ~~نزرا فاقتطعت منه زهرا # ووردت به المنى بحرا. وما هذا الإعراب والكلم خطبة وشعر، أم فتنة وسحر؟ ~~شد ما أبدع أحدهما. # فكيف إذا اجتمعا: نظم ونثر رائع الأعلام، يقرب من الأفهام، ويبعد نيله عن ~~الأوهام. أحسن ما أملاه # خاطر، ناظر. يالها من ألفاظ ومعان، اطردت في سلك إبداع وبيان، نفعت به ~~النعم الروائح والغوادي، # ووريت بمضمنه زنادي، وأخصب من مستودعه مرادي، وتصفحت منه الطول PageV01P196 ~~وافي الذوائب متصل السحائب، وألبست ثوب الإجمال سابغ الأذيال واسع الأظلال، ~~فلقد اشتملت على البيان، ms059 وأصبحت # بديع هذا الزمان. # وفي المعنى أيضا: # وقفت - أعزك الله - على كتابك، فأجلت نظري حلال، وفتقت به ثبج بحر إلا ~~أنه زلال، فرأيت # كيف يزدحم في العلم من البلاغة في المذهب الأمم، فما شئت من فقرة محذوة ~~بأمثالها بأشكالها، مما # اتصلت به يد الإحاطة، بصحة البراعة، وتزينت الصناعة. فهو مؤنسي، شغل ~~مجلسي. أخد بيانه # بحاستي سمعي وناظري حافتي فكري وخاطري. وأراني الدر إلا إذا لم ينظم، ~~والسحر لو صيغ عقدا # لأخجل الدر والعقيان، أوحيك بردا لعطل الديباج يهز أعطاف الضمائر، ويسري ~~في الخواطر، وتتلقاه # النفوس تلقي إلى بدائعه، فتنة بمبادئه ومقاطعه. فلله قريحة أذكت ناره. ~~وأطلعت أنواره لغير جهام، # وأن سيفها لغير كهام، وإن ثمدها لعد وبحار، وإن زندها لمرخ وعفار. طلع ~~علينا طلوع البدر في # الغسق، وضمخ أفقنا بخلوق ذاك الخلق، زند ذكائه فأورى، ولمحنا PageV01P197 ~~كوكب سمائه فأعشى، وشاهدنا به # البلاغة والرئيس المتعاطي للفصاحة مرؤوسا، وتحققنا أنك علم العلم وشهاب ~~لم يزل يجري قصب # السبق في ميادينه، ويهدي الفص من رياحينه. # وفي المعنى أيصا: # وقفت على ما أتحفني سيدي من نظمه البديع، وخطه المزري بزهر الربيع، موشحا ~~بغرر ألفاظه # التي لو أعيرت حليتها، لعطلت قلائد النحور، وأبكار معانيه التي لو قسمت ~~حلاوتها، لأعذبت موارد # البحور. فسرحت طرفي في رياض جادتها سحائب العلم والحكم، وهب علينا نسيم ~~الفضل والكرم، # وابتسمت عنها ثغور المعالي والهمم. فلم أدر، وقد حيرتني أصنافها، وبهرتني ~~نعوتها وأوصافها، حتى # كستني اهتزازا وإعجابا. وأنشأت بيني وبين التماسك سترا وحجابا. # أدهتني بها نشوة راح؟ أم ازدهتني لها نخوة ارتياح، وانتظم عندي منها عقد ~~ثناء وقريض؟ أم قرع # سمعي غناء معبد وغريض فياله من كتاب حوى رتبة الإعجاز والإبداع، وأصبح ~~نزهة القلوب # والأبصار والأسماع، فما من جارحة إلا تود لو كانت أذنا تلتقط درره ~~وجواهره، أوعينا تجتلي # وتجتني مناظره، أو لسانا يدرس محاسنه ومفاخره. # وفي المعنى أيضا: # كتاب كريعان الشباب، وكلام كجريال المدام، وخط في رقعته كزهر الربيع ووشم ~~في صحيفة كدر # النحور رقق في نظامه. روض جاده من ms060 العلم PageV01P198 ~~صوب قلمك، وهب فيه نسيم آدابك، وطلعت عليه # شمس ذكائك والتهابك علمك، وافتر عنه صدف فهمك، نظمته يد براعتك، وأسلكته ~~فيالك من روض # صبرت قاطفه ناظري، وناهيك عن عقد جعلت حقه خاطري هو كتاب كريم، ألقي إلي ~~من أخ حميم، # ما زلت أنظر من حبره في ليل مسود عن صبح الود، فقلت عند ذلك: لله در ~~مهديه، وبنفسي أفديه، # من صديق صادق الإخاء، صحيح الوفاء، قيدني بقيد بره، فونيت عن غاية شكره. # قوله: (وجعلت حقه خاطري) الحق بضم الحاء، وعاء مستدير من خشب. قال: # وثديا مثل حق العاج رخصا ... حصانا من أكف اللامسينا # وتسميه العامة حقة. والجميع: الحقق. قال رؤبة بن العجاج: # سوى مساحيهن تقطيط الحقق # الحقق والحق أيضا: أصل الورك الذي فيه رأس عظم الفخد. والأحق من PageV01P199 ~~الخيل الذي يضع حافر رجله في موضع حافريه إذا مشى، وهو عيب قال الشاعر: # فأقدر من عتاق الخيل نهد ... جواد لا أحق ولا شئيت # الشئيت: الذي يقصر موقع حافر رجله عن موقع حافر يده، وهو عيب. والأقدر ~~الذي تجاوز حافر # رجله موقع يده وهو مدح. # وقال أبو بكر بن دريد الحق من الإبل هو الذي استحقت أمه من العام الثالث ~~الحمل. سمي الذكر حقا # بكسر الحاء، والأنثى حقة وهو حينئذ ابن ثلاث سنين في قولالأصمعي، قال ~~الراجز: # إذا سهيل مغرب الشمس طلع ... فابن اللبون الحق والحق جذع # وقال آخرون إنما سمي حقا لأنه استحق أن يحمل عليه. ويقال: أتت الناقة على ~~حقها إذا جاوزت # وقت نتاجها. وأجممعوا على أن الحق دون الجذع من الإبل بسنة، وذلك حين ~~يستحق الركوب. # والأنثى حقة إذا استحقت الفحل. وتجمع أيضا على الحقائق. PageV01P200 # قال الشاعر: # ليست بأنياب ولا حقائق ... بيض جلاء ذات مخ زاهق # والفعل منها حقت تحق حقة. فالحقة مصدر. # وقال صاحب العين الحق نقيض الباطل. تقول: حق الشيء يحق ويحق حقا: معناه ~~وجب وجوبا. # والحقيقة ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه، تقول بلغت حقيقة هذا أي بلغت ~~يقين شأنه. وفي # الحديث: "لا يبلغ أحدكم ms061 حقيقة الإيمان حتى لا يعيب على مسلم بعيب هو فيه) ~~وحقيقة الرجل ما لزمه # الدفاع عنه، من أهل بيته. والجميع: الحقائق ويقال: أحق الرجل يحق؛ إذا ~~قال قولا حقا وادعى حقا # يوجب له. # وفي كتاب الله تعالى (الحاقة ما الحاقة) والحاقة اسم القيامة والنازلة ~~التي حقت فلا كاذبة لها. PageV01P201 # ويقال أحق فلان الحق، إذا أظهره حتى يعرف أنه حق. ومنه قوله تعالى (ليحق ~~الحق ويبطل الباطل) وأصل الباب كله وضع # الشيء في موضعه. والحق: الصدق والصواب والصحيح نظائر في اللغة. # رجع # قال أبو إسحاق: # ومما اخترت في هذا المعنى من المنظوم، وانتخبت من الكلام المفهوم، الفائت ~~شأوه، العذب صفوه، # الذي مزج من الفصاحة بالرقة والحلاوة، ولاحت عليه من البلاغة غضارة ~~وطلاوة، واشتملت ألفاظه # على أنواع الإبداع، كما اشتملت على النور الأقماع، وبدت عليه للبيان ~~شواهد، أيدها اختبار الناقد، # بأنها أسنى الفوائد، وأنفس الذخائر والقلائد، كلام تعمر به أندية الأنس ~~والسرور، وتشفى به من # الأوصاب النفوس والصدور، ويصقل صدى الألباب، وتوشح حدائق الآداب. # فلو نظم في سلك لزينت به النحور، وأغنى عن در البحور. لفظ كأنما شرب ~~الشمول ممزوجة # بالسلسبيل. لو شاء أن يذهب في صخرة تسهل الطيب له مذهبا. يوقظ الأنس من ~~نومته ويشتهيه، # ويوقد شهاب الذهن الخامد ويشهيه. فمن ذلك المنظوم العذب الذي يسني كل لب، ~~قول أبي القاسم بن # الجد: PageV01P202 # أما ونسيم الروض طاب به فجر ... وهب له من كل زاهرة نشر # تحامى له عن سره زهر الربى ... ولم يدر أن السر في طيه نشر # ففي كل شهب من أحاديث طيبه ... تمائم لم يعلق بحاملها وزر # لقد فغمتني من ثنائك نفحة ... ينافسني في طيب أنفاسها العطر # تضوع منها العنبر الورد فانثنت ... وقد أوهمتني أن منزلها السحر # سرى الكبر في نفسي بها ولربما ... تجانف عن مسرى ضرائبي الكبر # وشيب بها معنى من الراح مطربا ... يخيل لي أن ارتياحي بها سكر # أبا عامر أنصف أخاك فإنه ... وإياك في محض الهوى الماء والخمر # أمثلك يبغي في سمائي كوكبا ... وفي جوك الشمس ms062 المنيرة والبدر # ويلتمس الحصباء في ثغب الحصى ... ومن بحرك الفياض يستخرج الدر # عجبت لمن يهوى من الصفر تومة ... وقد سال في أرجاء معدنه التبر PageV01P203 ~~قوله، (سرى الكبر في نفسي) يقال: سرى وأسرى لغتان معا نطق بهما القرآن. قال ~~الله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) # وقال تعالى وجل (والليل إذا يسري) فهذا من أسرى. وأجمع القراء على الهمز ~~في قوله تعالى (فأسر بأهلك) في سورة (هود) # و(الحجر) و(الدخان) (أن أسر بعبادي) في (طه) و(الشعراء) إلا الحرميين، ~~فإنهما لم يهمزا، لأنه عندهما من سرى # يسري. وقال لبيد: # إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه ... قضى عملا والمرء ما عاش عامل # وقال امرؤ القيس: # سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان # فأما بيت النابغة: # سرت عليه من الجوزاء سارية # فيروى على الوجهين: سرت وأسرت. # وقوله: # أمثلك يبغي في سمائي كوكبا # البيت PageV01P204 ~~كقول أبي تمام: # أعندك الشمس قد راقت محاسنها ... وأنت مشتغل الأحشاء بالقمر # وقال أبو القاسم أيضا: # سلام كأنفاس الأحبة موهنا ... سرت بشذاه العنبري صبا نجد # سلام كإيماض الغزالة بالضحى ... إلى الروضة الغناء غب الحيا العد # على من تحراني بمعجز شكره ... فأعجز أدنى عفوه منتهى جهدي # غزاني من السحر الحلال بلأمة ... مضاعفة التأليف محكمة السرد # دلاص من النظم البديع حصيفة ... ترد سنان السيف منثلم الحد # عليهامن الإحسان والحسن رونق ... كماديس متن السيف من صدإ الغمد # وفيها على الطبع الكريم أدلة ... كما افتر ضوء السقط عن كرم الزند # أبا عامر لا زال ربعك عامرا ... بوفد الثناء الحر والسؤدد الرغد # لقد سمتني في حومة القول خطة ... لففت لها رأسي حياء من المجد # قوله: (غب الحيا العد) أي: آخر الحيا وعقبه، والحيا: المطر. PageV01P205 # وقال النابغة الذبياني: # إذا حل في الأرض البرية أصبحت ... كئيبة وجه غبها غير طائل # أي آخر أمرها. # وكتب أبو الحسن بن الزقاق إلى صديق له: # سلام كما نم النسيم علا الزهر ... وخاضت جفون العين إغفاءة الفجر # وهز هبوب الريح عطف أراكة ... فمالت كما مال النزيف من السكر # على من إذا ms063 ودعته أودع الحشى ... لهيبا تلظى في الجوانح والصدر # ومن لم يزل نشوان من خمرة الصبا ... كما لم أزل نشوان من خمرة الذكر # عسى الله أن يدني التزاور بيننا ... فأنقل من عسر الفراق إلى اليسر # قال: وكتب أبو الحسين بن جبير إلى أبي عبد الله الرصافي مستنجزا عدته في ~~منظوم وعده به: PageV01P206 # ألا هل نسيم للرصافي مبلغ ... تحية مشتاق يفتقها زهرا # فتى كلما استعرضت بالخير ذاته ... زكت مثل ما خلصت من سبكه التبرا # علقت به في الدهر علق مضنة ... فأعددته ذخرا وحسبي به ذخرا # فأدتني الأيام منه مودة ... عقدنا على حكم الإخاء بها صهرا # على أن سيهديها إلي عقيلة ... من الفكر يثني الطرس من فوقها خدرا # ولم أتهم تسويفه غير أنني ... أقول له شوقي لعل له عذرا # فكتب إليه أبو عبد الله مراجعا: # لنعم القوافي الزهر يمم راكب ... فحل فحياني بها تحفة بكرا # مسحت على عيني مستشفيا بها ... وقبلتها، شكرا لمرسلها، عشرا # وغصت على مكنونها فوجدته ... من الكلم الرطب الذي يصف الدرا # خلا أنها كادت تسيل لدونة ... فجف عليها حبرها صدفا خضرا # ملاح صفات الخط حتى كأنها ... تصور فيها الحسن سطرا يلي سطرا # فوالله ما أدري أآية كاتب ... أم الا ... استبدت به سحرا # أم ابن جبير إذ وشتها يمينه ... أراني بها غصنا من النور مفترا # فإن كثيرا ما تناول مهرقا ... ......... PageV01P207 # وهل هي إلا نفحة من وداده ... تطيبني عرفا وترجح بي سكرا # تنفس ...... ... ......... # أيا منهضي من حيث آتي مقصرا ... وقابل عذري ... العذرا # ...... ... ......... # فليتك في صدري كما أنت حاضر ... وقد ركب ... وانتهب الشعرا # ...... ... ......... # لقد ... أني عنيت بأمرها ... فلم أخل من شغلي بها الفكر والصدرا # ولكن لها عذر سيبدو وإنما ... أشير له نظما لأذكره نثرا # وكلام أبي عبد الله عذب سهل، ونظمه مثقف ... الإصباح، بل كما انشق البدر ~~ولاح، أعبق من # المسك، وأعذب من صفو المدام، شيب بماء الغمام، وكان كثير ... كلامه، فائز ~~المقداح في نثاره # ونظامه. ذكرلي من طريف أخباره. وأنشدني بديع أشعاره، من أثق به من بعض ~~إخوانه ممن يشهد # مجالس أنسه ms064 في عصره وزمانه، وعمر معه أندية السرور بالغداة والعشي، واختص ~~به اختصاص # الماء بالري. # ومن شعره المليح الطيار، المتلو في الآفاق والأقطار، قوله: PageV01P208 # طرقت مطلع الثريا وولت ... والثريا تشم ريح الوقوع # تحت جنح من الدجى أو رثته ... عبقا في قميصه المخلوع # أيها الليل هل درى البدر أني ... بت من أخته مكان الضجيع # أمكنتني من العناق فلما ... جلب الفجر ساعة التوديع # عمدت بردها بغصن وقامت ... تنفض الطل أحمرا من دموع # وقوله: # أيها الآمل خيمات النقا ... خف على قلبك تلك الحدقا # إن سربا حشي الحي به ... ربما غرك حتى ترمقا # لاتثرها فتنة من ربرب ... ترعد الأسد لديهم فرقا # وانج عنها لحظة سهمية ... طالما بلت ردائي عرقا # وإذا قيل نجا الركب فقل ... كيفما سالم تلك الطرقا # يا رماة الحي موهوب لكم ... ما سفكتم من دمي يوم النقا # ما تعمدتم ولكن سبب ... قرب الحين وأمر سبقا # والتفاتات تلقت عرضا ... مقتل الصب فخلته لقى # وعذاب شاء أن ألتذه ... سفه الحب ومحتوم الشقا PageV01P209 ~~آه من جفن قريح لم يزل ... بعدكم في بحر دمع غرقا # وحشا غير قرير كلما ... رمت أن يهدأ عنكم خفقا # وفؤاد لم أضع قط يدي ... فوقه خيفة أن يحترقا # ما بنجم عكفت عيني على ... رعيه ليس يريم الأفقا # ولعين خلعت فيه الكرى ... كيف لم تخلع عليه الأرقا # أيها النوام ما أهدأكم ... عن قلوب سهدتنا قلقا # ما الذي تبغون من تعذيبنا ... بعد أن ذابت عليكم حرقا # قومنا فوزوا بسلوانكم ... ودعوا لله من تشوقا # وارحموا في غسق الظلماء من ... بات بالدمع يبل الغسقا # عللونا بالمنى منكم ولو ... بخيال منكم أن يطرقا # وعدونا بلقاء منكم ... فكثير منكم ذكر اللقا # لو خشينا الجور من جيرتنا ... لانتصفنا قبل أن نفترقا # واصطبحنا الآن من فضلة ما ... قد شربنا ذلك المغتبقا # فسقى الله عشيات الحمى ... والحمى أكرم هطال سقى # قد رز قناها وكانت عيشة ... قلما فازبها من رزقا PageV01P210 ~~لا وسهم جاء منكم نحونا ... إنه أقتل سهم فوقا # وحلى نجد سنجري ذكرها ... أوسعتنا في الهوى مرتفقا # ما حلا بعدكم العيش لنا ms065 ... مذتبا عدتم ولا طاب البقا # فمن المنبي إلينا خبرا ... وعلى مخبرنا أن يصدقا # هل درت بابل أنا فئة ... تجعل السحر من السحر رقى # تنقش الآية في أضلاعنا ... فتقينا كل شيء يتقى # من بيان الوزر الأعلى ... الذي يخجل السحر إذا ما نطقا # إلى غير هذا من كلامه الجزل، الدال على ذكاء الطبع والنبل. # رجع # وكتب إليه الأديب أبو بكر بن الأغر رحمه الله: # رعى الله طيبا زار في النوم مضجعي ... وقد رنقت عيني تروم غرارا # يقول أنا العبق الرصافي فاغتنم ... حديثي درا تارة وعقارا # فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... بأكرم طيب في التغبة زارا # فمتع سمعي لؤلؤا من حديثه ... وخامر عطفي نشوة ووقارا PageV01P211 ~~وسار وأبقى من سنى ومودة ... بعيني نورا ولقلبي نارا # فراجعه أبو عبد الله رحمه الله: # يضيء بعيني كلما شق لحظها ... إذا أفقي، ياابن الآغر، أنارا # أخ شطت الأوطان بيني وبينه ... فلم نغن إلا بالوداد جوارا # إذا أتلفت منا النفوس سجية ... فما ضرنا في أن نشتت ديارا # أقيه بنفس قد نشرت إخاءه ... عليها دثارا في الورى وشعارا # وقول أبي بكر رأيتك في الكرى ... وقد رنقت عيني تروم غرارا # ألم يدر أني مذ كلفت بقربه ... خيال إذا اشتاق الزيارة زارا # وأن بعيدا أن ترى العين مثله ... أشد اهتزازا للعلى ووقارا # رجاحةعلم صادف النبل عندها ... مكانا فكانا معصما وسوارا # يمينا أبا بكر، وأحلف صادقا ... وقد قلتها، فيما أظن مرارا # لقد كدت، والركبان تسري بذكركم ... أطير إليكم لو وجدت مطارا # فهل عندكم أني أرى باجتماعنا ... ...... كبارا # سررت بكم حتى كأن لقاءكم ... ثنى معطفى لدن المهز # وحتى كأني من مصافحتي لكم ... ......... # ولما تنازعنا الأحاديث بيننا ... رأيت بياني في اللسان معارا # وأني في قصدي سبيل خطابكم ... كمن غار ...... PageV01P212 # فلقطها منكم لآلئ منطق ... تخاض إليهن العلوم بحارا # فوالله ما أدري لحسن حديثكم ... أألقيت سحرا أم سقيت عقارا # ودار أبو إسحاق لاذم عهدها ... سأشكر منهاللزمان نهارا # وساعات أنس قد نعمنا بها معا ... جنيت بها بيض الأماني ثمارا # الطرف من فرحي بها ... وتو جدأوقات السرور قصارا # وكتب ms066 إليه الأديب أبو بكر الكتندي رحمه الله: # أعندكم يا ساكن الري أنكم ... بمرأى على بعد المسافة من حمص # أتقضي الليالي أن تلم بمنزل ... ألفناه ما بين الأراكة والدعص # وإني حريص أن يعود كما مضى ... زمان وما حرص المقادير من حرصي # فراجعه أبو عبد الله بقوله: # سلام أبا بكر عليك ورحمة ... تحية صدق من أخ بك مختص PageV01P213 ~~لعمري وما عمري بصدع زجاجة ... عليك فقد تدني الليالي كما تقصي # لقد بان عني يوم ودعت صاحب ... برئ أساليب الوداد من النقص # أقول لنفسي حين طارت بك النوى ... أخوك فريشي من جناحك أو قصي # فباتت على ظهر اليراع إليكم ... تطير بها في الوكر أجنحة الحرص # إلي أبا بكر نحوم بأنفس ... ظماء إلى عهد الأجيرع أو حمص # كأن لم نزر تلك الربى وكأنها ... عرائس تزهاها المواشيط للنص # ولا رتعت تلك الأراكة فوقنا ... تلوث إزار الظل في كفل الدعص # وكانت لنا فيما هناك مآرب ... نطيع الهوى العذري فيها ولا نعصي # ليالينا بالري والعيش صالح ... وظلك عنها غير منتقل الشخص # وما ذكرها إلا شفى من علاقة ... تتبعها نفسي تتبع مستقصي # وددت أبا بكر، لو انني عالم ... وللكون زند ليس يقدح بالخرص # هل الغيب يوما فارج لي بابه ... فأنظر منه كيف أنسك في حمص PageV01P214 ~~بأزرق مسلول الحسام معربد ... إذا عب في كأس تحرك للرقص # وما معصم ريان دار سواره ... على مثل ماء الورد في بشر رخص # بأبهج منه في العيون إذا نهى ... ولا سيما والشمس جانحة القرص # خليج كخيط الفجر تنجر فوقه ... ذيول عشيات مزخرفة القمص # وقال أيضا: # بانة الجزع هل لديك وفاء ... فيداوي جوى ويحفظ عهد # هكذا تنقضي حشاشة نفسي ... ظمأ هكذا وماؤك عد # بانة الجزع كيف آمل بقيا: ... أمل لا عب وشوق مجد # بدمي أنت ما ترجح ظل ... من كثيب وما ترنح قد # ليت شعري هل يمزجن هجير ... شخص ظلي بشخص ظلك بعد # وقال أيضا وهي من أنبل شعره، وأجمل بنيات فكره: # أدرها فالغمامة قد أجالت ... سيوف الماء في لمم البطاح # وراق الروض طيلوسا بهيا ... تردد ms067 فيه أنفاس الرياح # تقول وقد ثنى قزح عليه ... ثياب الغيم معلمة النواحي # خذوا للصحو أهبتكم فإني ... أعرت المزن قادمتي جناح PageV01P215 ~~إلى غير هذا من كلامه المسبوك تبره، الرائق جمانه ودره. # وقال أبو محمد بن سفيان في المعنى: # باابن الملوك أتتني منك معجزة ... تنأى وإن قربت في عين راجيها # يشق سامعها من جيبه طربا ... ويسمع الصخرة الصماء داعيها # لو أن هاروتهم لاحت لناظره ... لقال ما السحر إلا بعض ما فيها # سجلة هي لا بل روضة رشفت ... ريق الغمامة فاخضرت حواشيها # وقال أبو بكر بن عمار في المعنى: # لولا الصحيفة ما سلوت فإنه ... قد قام منها لو علمت مقام # وصلت إلي مع الأصيل وإنما ... وصلت إلي حديقة ومدام # برد من الكافور نمنم درجه ... مسكا ودر عليه عنه ختام PageV01P216 ~~من قطعة هي قطعة الديباج أو ... هي قطعة البستان وهي كلام # فكأن أسطرها غصون أراكة ... ومن القوافي فوقهن حمام # نادمتها والراح يلهب كأسها ... عذب اللمى ساجي الجفون غلام # وتشاكلا حسنا فعانق قده ... ألف وعارض عارضيه لام # وقال أبو بكر أيضا: # لله در عقيلة أبرزتها ... من خدر فكرك في حلى الإنشاد # فرعاء عاطرة الذوائب واللمى ... غيداء حالية الطلى والهادي # خلصت إلي مع الأصيل فعارضت ... صلة الحبيب أتى بلا ميعاد # خط من النظم البديع أفادني ... حظ الكرام وخطة الأمجاد # وشي سخت يدك الصناع برقمه ... فكسوتنيه مذهبا بأياد # يفدي الصحيفة ناظري فبياضها ... ببياضه وسوادها بسواد # أهدي تحيتك الزكية طيبها ... كافور قرطاس ومسك مداد # وقال أبو بكر أيضا: # ألفظك أم كأس الرحيق المعتق ... وخطك أم روض الربيع المنمق # ونظمك أم سلك من الدر ناصع ... يروق على جيد العروس المطوق # بعثت بها يا قطعة الروض قطعة ... فغمت بها عرف النسيم المخلق PageV01P217 ~~ثلاثة أبيات وهيهات إنما ... بعثت بها الجوزاء في صفح مهرق # هي السحر أسرى في النفوس من الهوى ... وكيف يكون السحر في لفظ منطق # وهذه الأبيات في قطعة كتب بها إلى المعتصم جوابا على ثلاثة الأبيات التي ~~ودعه المعتصمبها حين # استأذنه ابن عمار في السراح من عنده (بالمرية). وأبيات ms068 المعتصم هي قوله: # يا فاضلا في شكره ... أصل المساء مع الصباح # هلا رفقت بمهجتي ... عند التكلم بالسراح # إن السماح ببعدكم ... والله ليس من السماح # وقال أبو الحكم بن مذحج في المعنى: # أما وعقيلة لك غازلتني ... بغنج السحر من جفني فلان # لقد أهديت لي منها عروسا ... معرسها سويداء الجنان PageV01P218 ~~جلت من رقة التعريض صفحا ... أرق من الحسام الهندواني # وأخشى أن أكون لها ظلوما ... إذا سميتها سحر البيان # وهذه الأبيات في قطعة له راجع بها ابن عمه أبا الوليد بن حزم عن أبيات ~~كتب بها إليه، أولها: # أعمرو كم أطامنها حياء ... فتطغيها معاتبة الأماني # وإن وقف الغرام بها قليلا ... فعذر أخيك في جفني فلان # وقال أبو الحسين بن سراج في المعنى: # كتاب يزدري بالسحر عينا ... وسمت به زمانك وهو غفل # معان تعبق الآفاق عنها ... يشيب لها حسودك وهو طفل # وقال أبو الحسن بن الزقاق في المعنى: # وموضحة كمثل النصل تجري ... مع الأبصار كالماء القراح PageV01P219 ~~ترى حبك المداد بجسم نور ... كمخضر الفرند على الصفاح # كأن سواده في صفحتيها ... يقايا الليل في وجه الصباح # وفي المعنى يقول بعضهم: # الحسن أجمعه في رقعة طويت ... على تباريح أشجان وأشواق # تقابل العين منها روضة أنف ... لم يسق أزهارها غير الحجا ساق # وأحسن ما أذكر في المعنى قول أبي تمام في الحسن بن وهب، من قصيدة قرأتها ~~في شعره يقول # فيها: # لعمر بني أبي دنيا وعمري ... وعمر أبي وعمر بني عدي # لقد جلى كتابك كل بث ... جوى وأصاب شاكلة الرمي # فضضت ختامه فتبلجت لي ... غرائبه عن الخبر الجلي # وكان ألذ في عيني وأندى ... على كبدي من الزهر الجني # وأحسن موقعا مني وعندي ... من البشرى أتت بعد النعي # وضمن صدره ما لم تضمن ... صدور الغانيات من الحلي # فكائن فيه من معنى لطيف ... وكائن فيه من لفظ بهي PageV01P220 ~~وكم أفصحت من بر جليل ... به ووأيت من وأي سني # كتبت به بلا لفظ كريه ... على أذن ولا خط قمي # فأطلق من عقالي في الأماني ... ومن عقل القوافي والمطي # رسالة من تمتع ms069 منذ حين ... ومتعنا من الأدب الرضي # فيا ثلج الفؤاد وكان رضفا ... ويا شبعي برونقه وري # بيان لم ترثه تراث دعوى ... ولم تنبطه من حسي بكي PageV01P221 ### | AUTO الباب الثاني: في الرسائل المنتخبة # قال أبو إسحاق: قد جمعت في هذا الباب من الرسائل الفصاح، الفائزة القداح، ~~الممتزجة بالأرواح، امتزاج العذب # الزلال بصفو الراح، المحتوية على أنواع الفصاحة، والمشتملة على فنون ~~البلاغة والرجاحة، # والألفاظ المهذبة المساق، والفقر الغريبة الازدواج والاتفاق؛ الباسقة ~~الأفنان، المتناسقة الجمان، المهذبة # الأعجاز والصدور، المقصرة بالدر على الترائب والنحور، الأنيقة الديباج، ~~المعسولة المجاج فقرا # رائقة بهجة، وألفاظا عطرة أرجة، جادتها ديم الأدب الموفى، وبرزت كالذهب ~~المصفى. درر حيثما # أديرت أضاءت، ومشم من حيث ما شم فاحا. فكأنما خلقت من السحر، حين صورت في الطروس # بالحبر. تريك النجوم الزهر في أفلاكها، والجواهر المنظومة في أسلاكها، ~~رائقة لمجتليها، مفيدة # لمجتنيها. إن أبصرت قصرت بالوشي المحبر، أو تنسمت زهدت في نفحات المسك ~~والعنبر، تكسب # الخامل نباهة، وتفيده رفعة ووجاهة، ألمت بالإبداع إلماما، وأمسكت له ~~عنانا وزماما: # ضرب الحلم والوقار عليها ... دون عور الكلام بالأسداد # انتخبتها من كلام أعيان الأدباء المتأخرين، ومشاهير الكتاب الماهرين، ممن PageV01P222 ~~نهض به شرفه وحسبه، # ورفعه علمه وأدبه، وسما به فهمه وذكاؤه، وألحفه بأردية المجد كلفه بالأدب ~~واعتناؤه، وجمع بين # طريف البيان وتليده، وألقى إليه كل منصف بإقليده، وهوي فروع الأدب ~~وأصوله، وأحكم جمله # وفصوله، وملك أعنة اليراع والعوالي، واستخدم الأحرار والموالي. # فمنها رسالة كتب بها أبو القاسم بن الجد رحمه الله عن أحد الأمراء ~~بولاية: # كتابنا أبقاكم الله وعصمكم بتقواه، ويسركم لما يرضاه، وأسبغ عليكم نعماه. ~~وقد رأينا والله بفضله # يقرن جميع آرائنا بالتسديد، ولا يخلينا في كافة أحوالنا من النظر السديد، ~~أن تولي فلان بن فلان # محل ابننا، الناشئ في حجرنا، أعزه الله، وسدده، فيما قلدناه من مدينتي ~~فلانة وفلانة وجميع أعمالهما، # حرسهما الله على الرسم الذي تولاه غيره قبله، فأنفذنا ذلك له لما تنسمناه ~~من مخايل النجابة قبله، # ورضيناه بما نرجو أن يحتذيه ويمثله، وجرى عليه قوله ms070 وعمله، ونحن من وراء ~~اختباره، والفحص # عن أخباره، لانني - بحمد الله - في امتحانه وتجريبه، والعناية بتخريجه، ~~وتدريبه. والله تعالى يحقق # مخيلتنا فيه، ويوفقنا من سداد القول والعمل لما يرضيه. فإذا وصل إليكم ~~خطابنا فالتزموا له السمع # والطاعة، PageV01P223 ~~والنصح واتباعه، وعظموا بحسب مكانه منا قدره، وامتثلوا في كل عمل من أعمال الحق # نهيه وأمره. # والله تعالى يمده بتوفيقه وهدايته، ويعرفكم يمن ولايته بمنه وعزته. # وكتب أيضا في المعنى: # كتابنا أطال الله في طاعته عمرك، وشد بتقواه أزرك، وعضد بالتوفيق ~~والتسديد أمرك، من فلانة # حرسها الله، وقد رأينا، والله ولي التوفيق، والهادي إلى سواء الطريق، أن ~~تجدد عهدا إلى عمالنا، # عصمهم الله، بالتزام أحكام الحق، وإيثار أسباب الرفق، لما نرجوه في ذلك ~~من الصلاح الشامل، # والخير العاجل، والله يوفقنا لما يرضيه من قول وعمل بمنه. # وأنت - أعزك الله - تستغني بإشارة التذكرة، وتكتفي بلمحة التبصرة، بما ~~تأوي إليه من السياسة # والتجربة. فاتخذ الحق إمامك، وقلد يده زمامك، وأجر عليه في القوي والضعيف ~~أحكامك، وارفع # لدعوة المظلوم حجابك # ولا تسد في وجه المضطهد المقهور بابك، ووطئ للرعية، حاطها الله، أكنافك، ~~وابذل لها إنصافك، # واستعمل عليها من يرفق بها ويعدل فيها، واطرح كل من يحيف عليها ويؤذيها، ~~ومن سبب عليها من # عمالك زيادة، أو خرق في أمرها عادة، أو غير رسما، أو بدل حكما، أو أخذ ~~لنفسه منها درهما ظلما، # فاعزله PageV01P224 ~~عن أعماله، وعاقبه في بدنه وماله، والزمه رد ما أخذ تعديا إلى أهله، واجعله ~~نكالا لغيره، لا # يقدم أحد على مثل فعله، إن شاء الله. # وفي المعنى لأبي مروان بن أبي الخصال: # كتبناه، أيدك الله بنعمائه، ووفر حظك من حبائه وأوجب لك رتبة أوليائه، ~~ونحن نحمد الله إليك الذي # لا إله غيره، ولا مرجو إلا خيره، ونستمده فضل إحسانه، وعوارف امتنانه، ~~وهو بالإجابة ملي # وبأوليائه عفي. # وقد بلغنا ما يجري بفلانة وجهاتها من استطالة أهل العدى وتشغيب ذوي ~~الأهواء، وخروجهم عن # حدود الاستواء، حتى صار البغي ظهرا تمتطيه الغواة، وسننا تسلكه العتاة، ~~وغمر منار ms071 الحق فصار # موضوعا، وخفض علمه وكان مرفوعا، فأعظمنا ما اتصل، وبادرنا إلى حسم ما ~~أعضل. فخاطبناك # لتطول في الحق يدك، ويسهل في تنفيذه مقصدك، مزاحما في الحقائق بمنكب ~~وصدر، ملجما في # الوفاء بأكمل عذر، مرغما أنف المبطل وإن كان في الدنيا ذا قدر. فتوخ ذلك ~~والزمه حتى يعتدل # المائل، ويقصر المتطاول، ويتعاطى الناس الحقائق بينهم منيبين، ويأتوا ~~إليها مذعنين، ولذلك ظهر. # والله كفيل، وعلى ما نقول وكيل. PageV01P225 # فانهض نهوض من يأوي من الحق إلى ركن شديد، وقصر عتيد، وسمع بما وافاك من ~~قبلنا. ليكون # أهيب لمجانيك، وأذهب مع جانيك بحول الله تعالى. # وله في المعنى: # كتبناه، أبقاك الله وأكرمك بتقواه، واعتمدك بسوابغ نعماه، ونحن بحمد الله ~~على مذاهبه الحسنى، # ونسأله العمل الذي هو إلى رضاه أقرب وأهدى. # وقد اتصل بنا أنك في إنفاذ الأحكام، بعيد المنة واهن القوة، حتى لقد ~~استشرى هنالك أهل الغواية، # واستطال أولو البغي في الإذاية، فشقي المحق بالمبطل، وأعياك ذلك الداء ~~المعضل. # فإذا ورد كتابنا هذا، فاصدع بالحق جاريا على السنن، وانهض في الأقضية غير ~~ضعيف المنن، # وانظر من هنالك من المتصرفين في غير معهود، أو في أمر من عندنا غير ~~محدود. فاكفف عن # الرعية يديه، واستظهر بعهدنا هذا حجة عليه، ولا ترهب في رفع الاعتداء ~~أحدا. ونحن من وراء # العضد لك كما يجب، وحمايتك كما تظن وتحسب. # واعلن بقراءة ما وافاك من قبلنا ليرعوي الجاهل، وينتبه من سنته الغافل، ~~إن شاء الله. # وله في المعنى: # كتبناه أعزك الله وأكرمك بتقواه، ووصل آلاءك ونعمك، وجنبك المحاذير ~~وعصمك. والنعم مكتنفة، # والنفوس بأجزال السيادة مستشرفة. PageV01P226 # وقد بلغنا أنك ربما لنت في الأحكام، وأغضيت منها على بعض الاهتضام، لطوائف ~~هنالك مجبولة # على الجدل، مجدودة عن الخير في القول والعمل. ونحن نتقدم إليك أن تجري ~~الأحكام على مقتضاها، # وتنفذ الأقضية من أباها، صادعا بأمر الله كما يجب، محتسبا في ذاته، ومثلك ~~يحتسب غير هائب ذا # مكانة، ولا مخل بحق ذي استكانة. وكل ما تأتيه من ذلك فنحن لك عليه ظهير، ms072 ~~وأنت به مجزى # ومشكور. فتفقد ذلك لديك، واجعله أوكد الفروض عليك، ليرتدع الجريء، ويذوق ~~وبال إساءته # المسيء، ويسكن في ظل الأمن العف البريء، وأعلن بما خطبناك به، لتستشعره ~~القلوب القاسية # فتلين، وتتصوره الفئة الباغية فتذل وتستكين، إن شاء الله تعالى. # وله في المعنى: # كتبناه، أكرمك الله بتقواه، ووصل لديك نعماه، وآثرك بحسناه. ونحن نحمد ~~الله على آلائه، لا رب # غيره، ثم نؤكد لديك التشدد في أحكامك، وبث العدل بين أقوامك، وكف أيدي ~~أهل العداء، وحملهم # على طريق الاستواء، وأن تتفقد كذلك أحوال العمال عندكم، وتراعي سير ~~المتصرفين من ... سيبا # بينكم، فإن جاؤوا عن الحق ناكبين، وتولوا عنه مدبرين، صرفتهم إلينا ~~بالاقتصار، واضطررتهم إلى # ركوب الجادة أشد الاضطرار. فإن الله تعالى قد فرض ذلك على الولاة للرعية، ~~وجعل الراعي # مسؤولا عن الرعية المرعية. PageV01P227 # فاصدع بأمر الله غير واهن الأيد، ولا ضعيف الكيد، ومتى وافقك في حق موافق، ~~وتجانف عن # سبيل القصد متجانف، طالعتنا بشأنه لنريه طريق رشده، ونأخذ بالأدب فوق ~~يده. إن شاء الله. # وله في المعنى: # كتبناه، أعزك الله وأكرمك بتقواه، وسلك بك السبيل المؤدية إلى رضاه. ونحن ~~نحمد الله إليك على # مواهبه الجسيمة، وعوارفه المقيمة، ونسأله لك مزيد الآلاء، ووفور الحباء. ~~ثم نؤكد عليك أشد التأكيد، # ونأخذ بالموثق الشديد، في إجراء الأحكام لديك على حدودها المحدودة، ~~وشرائطها المعهودة، من غير # أن تمد إليها يد القاصر، أو تبالي فيها غبن الخاسر. # فقد بلغنا عن بعض المتصرفين هنالك اعتداء، ووردت منهم أنباء، وربما قد ~~قبض إليهم من غواة # أهل الجهة شيطان، وكان لهم منهم على الشر أعوان وأقران. فتتبع ذلك جاهدا ~~واحسمه، والزم جانب # العدل ولا ترمه، وانهض في الحقائق حزما، وكن في ذات الله سهما، ولا تحمل ~~رعيتنا ظلما ولا # هضما. ومن عاندك من الولاة والمتصرفين، ووافقك من العمال المشتغلين، ~~خاطبتنا به، لنحمله على # القصد، ونريه سبيل الرشد. # فلا يتطرق - بعد هذا العهد - أحد إلى الرعية إلا في معروف، أو أمر على ~~الاجتماع موقوف. # ومتى هنت أو لنت، فإنما يجري ms073 بعد عليك محبوب، وإلى قصورك منسوب. والله ~~تعالى يحسن في # طاعته عونك، ويصل يدك، ويوالي صونك بعزته. PageV01P228 # وكتب أبو عبد الله بن أبي الخصال في المعنى: كتابنا فسح الله في طاعته ~~مهلك، ووجه إلى مرضاته # عملك، وأنهضك بما قلدك وحملك، وتمم عوارفه الحسنى قبلك، من حضرة فلانة، ~~حرسها الله، ونحن # نحمد الله على ما أتانا من فضله، ونعتصم بعروته وحبله، ونصلي أعم الصلاة ~~وأزكاها على محمد # رسوله المخصوص بالفضل كله، ثم نعهد إليك، وصل الله توفيقك، أن تحضر لما ~~قلدته ذهنك، وتجمع # له نفسك، فإن من رتب من الأمر حيث رتبت، وحسب من القيام بالمهمات حيث ~~حسبت، لم يشغله أن # ينام عن قضية تجري ببلده، ولا أن تدركه غفلة عن تفقد ما تحت يده. والرعية ~~بكل جهة من جهاتكم # قد تأذت بما بلغها من الضرر، وتوخي فيها من سوء السير، حتى نفدت إلينا ~~طوائف الشاكين، # وكثرت عندنا أرفاع المتظلمين، ومن أمرهم بين ومشكل، وفي الناس محق ومبطل، ~~ويتعذر علينا، # بتنائي ديارهم والبعد عن مساقط أخبارهم، أن نتوصل من أمرهم إلى معرفة ~~الصحيح من السقيم، # والمعوج من القويم. ولم نخل كثيرا مما يرفعونه من قول مزور، وباطل في ~~صورة الحق مصور. # وعندما التبس الكذب من ذلك بالصدق، والتف المبطل بالمحق، صددنا كثيرا من ~~أرفاعهم عن # الوصول، وصرفنا دونها وجه القبول، وأوعزنا إلى جماعتهم، لما خفناه من ~~تلبسهم في الأمور، # وشوبهم PageV01P229 ~~المباح بالمحظور، بأنا لا ننظر لأحد منهم في حق يدعيه، ولا أمر يوجبه أو ~~ينفيه، إلا أن # يأتي ببيان من قاضي بلده، وكتاب ينطق عن صحة ما بيده. # فأقصروا وتوقفوا. وفي ونفوسنا - علم الله - من قبلهم ما يشق حمله، ولا ~~يخف مثله، ويمكن أن # يكون فيهم الصادق والبر، والوجل المضطر، لكن الخير أردنا، والبر قصدنا، ~~ولما وقع هذه رسمنا # إلى كافة القضاة عهودا في تصفح الشكاوي، والفحص عنها، وألزمناهم القيام ~~بها، وتبرأنا إليهم من # وزرها، وتخففنا بإسنادها إليهم من دركها وإصرها. والقرب لهم في ذلك معين، ~~وتعرف الحقائق # عندهم بسبب المجاورة ms074 سهل مكين. # ولا امتراء عندنا أن هؤلاء الرافعين لو وجدوا في بلادهم إشكاء وألفوا عند ~~متقلدي الأمور - فرد # ظلاماتهم وفاء لما تجشموا إلينا بعد المشقة، ولا تحملوا نحونا عظيم ~~الكلفة والمشقة، ولولا أنا لا نخلي # بعضهم من التعسف، ولا نبرئهم من سوء التكلف، لشددنا في جهة عارضة الكلام، ~~ولثقلنا عليهم وطأة # الملام. # ونحن قد قلدناك من شكاوى العامة بعملك في اللطيف والجليل، وسمناك PageV01P230 ~~القيام بالخفيف منها والثقيل، # فتفقد ما قبلك حق تفقده، وتعهده أحفى تعهده. فإنك إذا أمعنت التطلع، ~~وواليت إلى جانب الرعية # التلفت والتسمع، لم يشذ عن عملك متى يجري بنظرك، لاجتماعه وانحصاره، وقرب ~~ما بين مسافاته # وأقطاره. فتأمل بجهتك الأحوال وصورها وتفقد مع الأحيان شأن الرعية ~~وخبرها، وكل ما رفعته إليك # من أحوالها، وتظلمت فيه من عمالها، فأجرهم على الحق كيف جرى، وعمم بنظرك، ~~ولا تخص # قضية دون أخرى. فكل بك معصوب، وأنت عليه محاسب، وبه مطلوب. وملاك أمرك ~~ومداره، على # الحكام الذين استنبتهم في الأقطار الناصية، ونصبتهم في الجهة النائية؛ ~~فشرطهم الثقة والديانة، # والصون والأمانة، فإنهم إذا كانوا بهذه الصفة، جرت الأمور على سيرها ~~الراشدة، واستمرت على # مناهجها القاصدة، وأمنت في جهة الرعية، وأمنا بك فيها من اللبس. فلا تقلد ~~أمر المسلمين إلا معروفا # بالديانة والعفاف، وتقيا ليقنع بالكفاف، ويتنزه عن الإسفاف. # وتحفظ من كل منهوم لا يشبع، ومسف لا يتورع؛ فإن الجشع أعمى لا يرى ولا يسمع. # وبعد توليتك إياهم، فأشرف عليهم إشرافا يتعقب أعمالهم، ويتصفح أحوالهم. ~~فإن رأيت منهم جنفا، أو # من نقض عليك من أطراف الحق طرفا، صرفته مذموما، وأخرته ملوما. فتفقد هذا ~~من أمرهم، فإنك # مضطر إليه في تعرف أحوال الرعية التي لا نرضى بهضمها، ولا نقر أحدا على ~~ظلمها، ولاتتعهده. PageV01P231 # ونتقدم إليك به مراعاة اللوازم الجارية هناك. # فاجعل أهم أمورك أن تتصفحها وتلمحها، فما لم يكن منها في عهودنا موجودا، ~~ولا من قبلنا محدودا، # ولا في مصالح المسلمين موضوعا ولا معدودا، فهو رد على كل وال رسمه، ~~ومصروف على كل من # ألزمه، ms075 لا يؤدى منه فتيل، ولا يحمل منه نقير، والزكوات كلها على تباينها ~~في الصفة، وأنواعها # المختلفة، تجري على موجب فريضتها، ويوقف بها على حد شريعتها؛ لا تحرف ولا ~~تبدل، عن # جهتها، ولا تعدل. ولتؤخذ من النصاب بأعيانها، ولتنه أشد النهي عن قبض ~~أثمانها. # وقد ارتفع في بعض شكاوي الرعية أنها تطلب برسم الحالي، وهو لا يطلب به ~~الحاضر عن # الغائب، ولا يؤخد فيه الباقي بعد الذاهب. # فهذا الصنف من الجور ترفعه رفعا تاما، وترد حكمه، وتعفي أثره ورسمه. وأي ~~عامل من عمال # الرعية تعدى بعد ذلك عليها، أو تسبب بزيادة تخصه إليها، ويبين عندك ~~تعديه، وعلمت صحة # استهدافه وتصديه، فارفع أمره إلى الوالي، فإن غل يد أذيته، وأنفذ عزله عن ~~رعيته بذلك، وإلا رفعت # أمره إلينا مع سائر ما يتوقف لديك من الأمور التي تقصر عنها يدك، وتنقطع ~~دون النفوذ عنها غايتك # وأمرك، لينفذ في ذلك من عهدنا ما تقف منازعك عنده، ويسهل لك كل صعب بعده. # هذه - أعزك الله - أمثال مضروبة، وهداياتها منصوبة، وقوانين موضوعة، ~~وأعلام على طرق # الحق مرفوعة. وفي أكثر ما كانت الأرفاع ترد، وعصائب المتظلمين تحتشد. ~~وأنت إذا كشفت غيبها، # وتقصيت طرقها، وأعطيتها من بحثك وتأملك حقها، ارتفعت الشبهة، وراحت ~~العلة، وتوفرت على # المتظلمين PageV01P232 ~~الرحلة، وهدأت الرعية، فتفرغت لأشغالها، ولزمت مصالح أعمالها. # فانظر - أعزك الله - في هذه الأمثلة والجمل إلى أقصى ما تنقسم إليه ~~أقسامها. وقفها على حد ما # تقفه عليه الشريعة وأحكامها. # وتطلعنا وكيد إلى ما يتجدد من نفوذك، ونهوضك بهذه الوصاة الجامعة والحجة ~~البالغة. فاستجمع # لإقامتها؛ فقد وقع إليك الإصغاء، وستبلغنا من قبلك الأنباء، ويتصل عندك ~~الذكر والثناء، وبعد هذا # موطن يكون فيه المثوبة والجزاء. # ولتقرأ كتابنا هذا على الكافة بالمسجد الجامع، شرفه الله، ليستمعه من ~~توجه إليه الخطاب، وتسير # بأنبائه الركاب، وتتلقاه بعد الشهود الغياب. وتبلغ منا أعم سلام وأجزله ~~وأزكاه وأحفله. والسلام # المضاعف الأحفى عليك ورحمة الله. PageV01P233 ### || AUTO فصل ومن أحسن ما كتبوا في التقديم إلى أحكام مدينة # قلدنا فلان بن فلان، ms076 سلمه الله، الأحكام بفلانة وجهاتها، وتخيرناه لذلك ~~بعد أن خبرناه، واستخلفناه # عليها وقد عرفناه، ووثقنا بدينه، ورجونا حسن تحصينه، لأنه إن احتاط سلم، ~~وإن أضاع أثم، فليقم # الحق على أركانه، وليضع العدل في ميزانه، وليساو بين خصومه، وليأخذ من ~~الظالم إلى مظلومه، # وليقف في الأمر عند اشتباهه، ولينفذه عند اتجاهه. ولا يقبل غير المرضي في ~~شهادته، ولا يتعرف # سوى الاستقامة من عادته، وليعلم أن الله مطلع على خفياته، وسائله يوم ~~ملاقاته. # وفي المعنى لأبي نصر كتاب تقليد وتولية، وتشييد رتبة علية. أمر بإنفاذه ~~فلان - أيده الله - لفلان # بن فلان أبقاه الله، لينظر في أحكام المدينة بفلانة وأقطارها، ويحسم عنها ~~أدواء مردتها ودعارها ويعم # بالحماية كل جهة منها وناحية، ويظل من هجير الإباحة أكنافها الضاحية، ~~وأمره أن يتقي الله حق # تقاته ويخشى يوما يأتي فيه لميقاته، وأن يحذر ما أعد من العذاب الأليم، ~~(يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) وحد له رعي من PageV01P234 ~~يجب رعيه، ويعلم جريه في ذات الله وسعيه، ومشاورة الفقهاء فيما أشكل، ~~والاعتضاد بهم فيما حام عنه # ونكل، واستفتاءهم فيما يقع من الأمورالشرعية، والقوانين المرعية، وأن ~~يكون لأهل الشر بمرصد، # ويقف لهم في ثنية كل مقصد، ويفتح من تواريهم كل باب موصد، وأن يكتحل ~~بالسهاد، وألا ينتحل # غير الجد والاجتهاد، وألا يصيخ إلى افتراء مفتر، ولا يقضي على اجتراء ~~مجتر، وأن يعم الجهة # بالاحتراس، ويضم إلى البحث عن الفجار كل عالم بالانتهاز والافتراس، ممن ~~لا يعلق به اتهام، ولا # يقع عليه إبهام، وليتنزه عن الرشى، ولا تعلق له بدلو ولا رشا، وليقم ~~الحدود، ولايعدها باجتهاد غير # محدود. # فمن قرأه، فليقف عنده ولا يتعده، ومن عارضه بتعديه، أو ناقضه فيما يعيده ~~من إنكاره ويبديه، فقد # تعرض لنكال يستقبله، وعقاب يستوبله. # وله في المعنى: # كتاب تأكيد واعتناء، وتقليد ذي منة وغناء، أمر بإنفاذه فلان، أيده الله، ~~لفلان بن فلان، صانه الله، # ليتقدم لولاية المدينة بفلانة وجهاتها، ويضرح ما تكاثف من العدوان، PageV01P235 ~~في جنباتها، تنويها ms077 أحظاه # بعلائه، وكساه رائق ملائه، لما علمه من سنائه، وتوسمه من غنائه، ورجاه من ~~حسن منابه، وتحققه # من طهارة ساحته وجنابه، وتيقن، - أيده الله - أنه مستحق بما ولاه، مستقل ~~بما تولاه، لا يعتريه # كسل، ولا يثنيه عن إمضاء صوارم ولا أسل، لم يكل الأمر منه وإلى وكل، ولا ~~ناطه بمناط عجز ولا # فشل، وأمره أن يراقب الله تعالى في أوامره ونواهيه، وليعلم أنه زاجره عن ~~الجور وناهيه، وسائله # كما حكم به وقضاه، (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله). # فليتقدم إلى ذلك بحزم لا يخمد توقده، وعزم لا يقد تعقده، ونفس مع الخير ~~ذاهبة، وعلى سنن البر # والتقوى راكبة. ويقدم للاحتراس من عرف اجتهاده، وعلم أرقه في البحث ~~وسهاده، وحمدت أعماله، # وأمن تفريطه وإهماله، ويضم إليهم من يحذو حذوهم، ويقفو شأوهم، ممن لا ~~يستراب بمناحيه، ولا # يصاب خلل في ناحية من نواحيه، وأن يذكي العيون على الجناة، وينفي عنها ~~لذيذ السنات، وأن # يفحص عن مكامنهم، حتى يغص بالروع نفس آمنهم، فلا يستقر بهم موضع، ولا يقر ~~منهم مخب ولا # موضع فإذا ظفر PageV01P236 ~~منهم بمن ظفر، بحث عن باطنه، وبث السؤال في مواضع تصرفه ومواطنه، فإن # لاحت شبهة أبداها الكشف والاستبراء، وتعداها البغي والافتراء، نكله ~~بالعقوبة أشد نكال، وأوضح له # منها ما كان ذا إشكال، بعد أن يبلغ أناه، ويقف على طرف مداه، وحد له ألا ~~يكشف بشرة بشر إلا في # حد يتعين، وإن جاءه فاسق بنبأ أن يتبين، وأن لا يطمع في صاحب مال موفور، ~~وأن لا يسمع من # مكشوف في مستور، وأن يسلك السنن المحمود، وينزه عقوبته من الإفراط، وعفوه ~~من تعطيل # الحدود، وإذا انتهت إليه قصة مشكلة أخرها إلى غده، فهو على العقاب أقدر ~~منه على رده، فقد يبين # في وقتنا ما لا يبين في وقت، والمعالجة بالعقوبة من المقت، وأن يتعهد ~~هفوات ذوي الهنات، وأن # يستشعر الإشفاق، ويخلع التكبر، فإنه من ملابس أهل النفاق، وليحسن لعباد ~~الله اعتقاده، ولا يرفض # زمام العدل ومقاده، وأن يعاقب ms078 المجرم على قدر زلته. ولا يغتر عند ذلته. ~~وليعلم أن الشيطان أغواه، # وزين له هواه، فيشفق من عثاره، وسوء آثاره، وسيشكر الله على ما وهب له من ~~العافية، وألبسه من # ملابسها الضافية، ويذكره جل وتعالى في جميع أحواله، يفكر في الحشر ~~وأهواله، ويتذكر وعدا ينجز # فيه ووعيدا (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ~~أن بينها وبينه أمدا بعيدا)، والأمير - PageV01P237 ~~أيده الله - ولي له ما مد عدلا وبسط، وبريء منه إن جار وقسط، فمن # قرأه فليقف عند حده ورسمه، وليعرف له حق قطع الشر وحسمه، ومن وافقه من ~~شريف أو مشروف، # وخالفه في نهي عن منكر أو أمر بمعروف، فقد تعرض من العقاب إلى ما يذيقه ~~وبال جهله (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله). # وفي المعنى لأبي مروان بن أبي الخصال: # كتاب مبرة مجددة، وأثرة مؤكدة، وحرمة متصلة الأسباب ممهدة، أمر به أبو ~~فلان - أيده الله - لفلان # ابن فلان صانه الله، وأمده بتقواه. قدمه به إلى خطة أحكام المدينة بحاضرة ~~فلانة، حين أخيفت سبل # السيارة، وظهر فيها أهل الفسق والدعارة، وصدوا المسلمين عن وجوه المعيشة ~~والتجارة، لما رجاه # من قيامه بالخطة واضطلاعه، وتوقده على حسم الشر واجتماعه، مع ما بلاه ~~قديما وحديثا من حميد # أثره، ورضيه على الامتحان من مختبره، وتحققه من حسن مذاهبه وسيره، واعتقد ~~فيه تغيير # المنكرات، وقطع المسكرات، وكف أهل العدوان والاستطالات، ورد الجائرين عن ~~القصد إلى سواء # الطريق. وعهد إليه أن يبث الاحتراس في سبل المسلمين ومسالكهم، ويذكي ~~العيون في طرقهم # ومناكبهم، إرصادا للمحاربين، وأخذا فوق أيدي المفسدين، ليتصرف الناس في ~~معائشهم آمنين، # ويمشوا في مناكب الأرض مطمئنين، وجعل عليه إقامة الحدود، وإنفاذ الأحكام ~~فيها على واجب حقها # المحدود، إلا ما كان قتلا أو رفعا، فإنه مأمور فيه برده إليه - أيده الله ~~- يشامله بحسن نظره، ويقابل # كل PageV01P238 ~~إجرام من العقاب بقدره، حذرا أن توقع الحدود في غير مواقعها، أو يصاب بها ~~غير مواضعها، # فليمض أبو فلان في غير ms079 ما استثناه عليه من الحدود ظاهر القنا والأيد، ~~وليتولها غير ضعيف الكيد، # دون أن يرعى في فاسق شفاعة مثيل، وأن يخل من حدود الله بفتيل، وأجرى له ~~من الورق عشرة # دنانير، يقبضها مشاهرة من الخراج، ليرفع من همته، ويعف بها في طعمته، ~~وليستمر على صيانته، # ويزيد نزاهة إلى نزاهته، ولئلا يجد ذو الظن لسوء ظنه مسلكا، ولا يجعل على ~~نفسه للإساءة دركا. # فمن قرأ هذا الكتاب أو أقرئه من جميع العمال وذوي الأمر، وأتباعهم وكافة ~~الناس على طبقاتهم # وأصنافهم، فليقف عندما يسمعه، ولا يتعرض لعقاب يكف عناه ويردعه، والله ~~الموفق. # لا رب غيره. # تجديد ولاية في المعنى: # كتابنا أدام الله احتماءك، وأنار لنجوم السعد سماءك، وجعل إلى طاعته ~~اعتزاءك وانتماءك. وقد ورد # كتابك الأثير، ووقفنا على ما حواه، وعرفنا سره ونجواه، وما كان لفلان أن ~~يعترضك ويرمي # غرضك. وقد وجهنا إليه ما يكف اعتداءه، ويصرف عنك إعادته بمكروه وابتداءه، ~~فشمر عن ساعد # الاكتفاء، وهب من ذلك الإغفاء، وأرنا منتهى غنائك، وتوخ بالاجتهاد معارضة ~~تقريبك وإدنائك، # وشف الشدة ببنان، ولا تقطع بأثر دون عيان، وسد سمعك عن النمائم، ولا تغمد ~~النصل قبل شق # الكمائم، وأقل عثرات ذوي الهيآت، وادرإ الحدود بالشبهات، وتجاوز عنهم غير ~~مرتاب، وخذ فيهم # برخص السنة PageV01P239 ~~والكتاب، وامزج لسواهم الصاب بالضرب، واقرع في نكالهم النبع بالغرب، والله ~~المستعان. # وفي المعنى: # ما وقع بتلك الجهة نعلمه، ولم يخف عنك توجع السلطان منه وتألمه، فانهد ~~لتلافي الأمر، وإطفاء # ذلك الجمر، واسع في حسم علله، ورم خلله، واجر إلى ما يتعرف به حميد أثرك، ~~ويعرف به حسن # نظرك، ولا يغرك عرض ولا يكون لك في غير تهدين ما نشاء غرض، وإياك أن ~~يرتفع عليك أمر # ينعى، أو يبلغ عندك ما يلقى به ما يحفظ لك ويرعى. # وكتب أبو نصر بتولية مواريث، وهو مما أحسن فيه: # كتاب توجيه وتكريم وتقليد وتقديم. أمر بإنفاذه فلان - أيده الله - لفلان ~~- أبقاه الله - ليتقدم # للمواريث بفلانة وأعمالها، ويرم ما وجد من اختلالها، وينظم ما تناثر من ms080 ~~عقد فوائد استقلالها، إحظاء # أفاض عليه ملبسه، وأورى له زنده فاقتبسه، لما عهده من حسن يقينه، وعلمه ~~من ورعه ودينه، # وتحققه من حياطته وتحصينه، فليتقدم إلى ذلك معظم القدر، منشرح الصدر، ~~موثرا للأمانة، مستكثرا # للصيانة، مجتهدا فيما يعود على بيت المال بنفع، مدافعا عن تحيفه PageV01P240 ~~أشد دفع. لا يغفل من واجباته واجبا، ولا يهمل من جنبات ارتفاقه جانبا، # ولا يدع رسما من رسومه داثرا، ولا يترك أحدا بحق من # حقوقه مستأثرا، وأن يبحث عمن يتوفى بحثا يعلم به حقيقة وارثه وعاصبه، ~~ويسلم بسببه بيت المال # من غاصبه. فإن وجد مالا لا وارث له ولا مدعيا، ولا باحث عن وجوبه له ولا ~~مستدعيا، رفعه إلى # بيت المال، وحمله إليه أحق احتمال. وإن وجد مالا يدعيه مدع، وله شبهة ~~ربما اقتضت صدقه، # وأمضت له حقه، جعله في ثقاف، وصيره في جملة الأوقاف، بعد الإشهاد على ~~وزنه إن كان عينا، أو # مبلغه إن كان دينا، حتى يبين حق مدعيه ويتضح، أو تثبت دعواه وتفتضح. وحد ~~له افتقاد أراضيها، # وارتجاع ذاهبها - بتعد إن كان - وماضيها، وتثمير عامرها، وإنفاذ مبيع ~~غامرها، بعد الشهادة فيها # بالسداد، والمبالغة في الإشادة في تسويقها، والإنشاد، حتى لا يدرك فيها ~~غبن، ولا يشترك في ترقيدها # أب وابن، مجوزا له في ذلك ما ينفذه ويمضيه، محمولا فيه على ما تقتضيه صحة ~~تقويمه وتقتضيه. # لا اعتراض عليه فيما بدأه من ذلك أو تممه، ولا انتقاض لما عقده منه ~~وأبرمه، ما لم تختل أعماله، # ولم يبن انهماله. # فمن قرأه فليسلك معه السنن القويم، وليتقبل فيه الرأي الكريم. إن شاء الله. PageV01P241 ### || AUTO فصل ومن أبلغ ما كتبوا لمن ثار وتعدى وتعرض للخلاف وتصدى # أما بعد فك الله غرب انتزائك، وعدل بك عن انتمائك للضلال واعتزائك، فقد ~~سلكت مجهلا وذهبت # مذهبا مستوبلا، دلاك في مهاوي الغرور، ومناك بأماني زور، حداك إلى ~~ركوبها، وسقاك بذنوبها، # استصغارنا لأمرك، واحتقارنا لملتهب جمرك، فوالله لئن لم تقف في مكانك، ~~وتنحرف عن طغيانك، # وتصح من تهورك وخذلانك، لأجهزن نحوك كتائب ms081 كالليل البهيم، (ما تذر من شيء ~~أتت عليه إلا جعلته كالرميم)، تزأر زئير الضراغم، وتزخر # كالبحر المتلاطم، فتنتشف ماءك وتكتشف سماءك، وتغنم طارفك وتلادك، وتخرب ~~أرضك وبلادك، # حتى تعود قاعا صفصفا ولا تجد منها مجيرا ولا منصفا، فتغدو خاوية على ~~عروشها كأن لم تغن # بالأمس وما من أهلها إلا حبيس أورهين رمس، ولولا أنا لا ندفع إلا إثر ~~وعيد، ولا نوقع إلا بعد نهي # نبدئ ونعيد، لكانت مكان الكتب الكتائب، وسمعت بدلا من معانيه اصطكاك ~~الركائب، وما بعد هذا إلا # من يشير إلى الوقائع، ويثير لك غباره الطلائع، والسلام على من اتبع الهدى. PageV01P242 # وله في المعنى: # أما بعد، أراك الله إخفاق مخائلك، وأعلقك في شركك وحبائلك، وأراك وبال ~~بغيك وغوائلك، فقد # أورثك ضلالك عن الرشاد وسنا، وأراك سيء أمرك حسنا، وثنى لك إلى مهالكك ~~عنانا ورسنا، # فركبت لخلافنا ظهرا، وأبديت أسرار عصياننا جهرا، وسيحدوك كيدك إلى الفرار ~~فلا تطيق نفاذا، # ويدعوك إلى الاعتصام فلا تجد ملاذا، فما ناوأنا مناوئ، ولا عارضنا من ~~الغواية غاو إلا عاجله # حمامه، وقاتله عنا رمحه وحسامه، ولولا أنا لا نوقع قبل وعيد، ولا نزمع ~~إلا بعد نهي مبدئ ومعيد، # لوجهنا إليك جيشا تتزاحم أفواجه كالبحر إذ تتلاطم أمواجه، تغدو كقطع ~~الليل مواكبه، وتبدو من # الأسنة كواكبه، فيثيرون قتاما يعتم به جوك إعتاما، فلا ترى إلا لمع سنان، ~~ولا تسمع إلا صولة بطل # فيها صدع جنان، فيعود اغتباطك ندما، ووجود أنصارك وأشياعك عدما، فتلوم ~~نفسك حين لا يغني # الملام، وتستسلم ولا ينفعك الاستسلام، لكنا كففنا بأسنا حتى يقدمه ~~الإنذار، وتوقفنا حتى يعرب عنا # الإعذار، ثم يأتي من بعد ذلك يوم عبوس قمطرير، لا يشرق فيه إلا ذابل أو ~~حسام طرير، وقد عودنا # الله سبحانه ذلك في أعدائنا، وأراناه في إعادتنا وإبدائنا، وهو بعزته ~~يولي صنعه الجميل معنا، ويحمي # من النوائب موضعنا، بمنه وكرمه. # وفي المعنى لأبي بكر بن القصيرة: PageV01P243 # أما بعد يا أمة لا تعقل رشدها. ولا تجرى إلى ما تقتضي نعم الله عندها، ولا ~~تقلع ms082 عن أذى تفشيه قربا # وبعدا جهدها، فإنكم لا ترعون لجار حرمة، ولا ترقبون في مومن إلا ولا ذمة، ~~قد أعماكم عن # مصالحكم الأشر، وأضلكم، ضلالا بعيدا البطر، ونبذتم المعروف وراء ظهوركم، ~~وأتيتم بما ننكره # مقتديا في ذلك صغيركم بكبيركم، وخاملكم بمشهوركم، ليس فيكم زاجر، ولا ~~منكم إلا غوي وفاجر، # وما نرى إلا أن الله عز وجل شاء مسخكم، وأراد فسخكم ووسخكم فسلط عليكم ~~الشيطان الرجيم يغركم # ويغريكم، ويزين لكم قبيح معاصيكم، وكأنكم به، وقد نكص على عقبيه، وقال ~~إني بريء منكم، # وترككم في صفقة خاسرة، لا تستقيلونها إن لم تتوبوا لا في دنيا ولا في آخرة. # وحسبنا هذا إنذارا لكم، وإعذارا قبلكم، فتوبوا وأنيبوا وأقلعوا وانزعوا، ~~واقضوا من أنفسكم جميع من # وترتموه، وانصفوا جميع من ظلمتموه وغشمتموه، ولا تستطيلوا على أحد بعد، ~~ولا يكن منكم إلى أداة # صدر ولا ورد، وإلا عاجلكم من عقوبتنا ما يجعلكم مثلا سائرا، وحدثا غابرا، ~~فاتقوا الله في أنفسكم # وأهليكم، وإياكم والاغترار فإنه يورطكم فيما يوذيكم، ويلقيكم إلى ما يشمت ~~به أعاديكم، وكفى بهذه # تبصرة وتذكرة، ليس لكم بعدها حجة ولا معذرة، وما توفيقي إلا بالله. # وفي المعنى لأبي القاسم بن الجد: كتابنا أبقاكم الله وسددكم وأراكم PageV01P244 ~~مصالحكم وأرشدكم، وجعل إلى سبيل التخلص مقصدكم. وقداتصل بنا ما حملكم عليه ~~الاغترار، # وأنكرناه، وحقه الإنكار، من الجريرة # التي جرها سفهاؤكم، والفتنة التي أثارها غوغاؤكم، وضعف عن كفها حلماؤكم، ~~في العبث بذلك الغلام # والتخطي بعد ذلك إلى حز رأسه، وتفريق أشلائه، وتحريق أوصاله وأعضائه، ~~وركوبكم الرؤوس في # مواقعة الآثام، وسفك الدم الحرام، وما لكم في المعاصي من الجرأة ~~والإقدام، بدعة لم تبتدع قبلها، # ولاأتت الجاهلية مثلها، وشقا لعصا الطاعة وقطعا لحبلها، وتحولا إلى ظل ~~العصيان من ظلها، # وتعرضا للعقوبة ورغبة في الارتسام بدلها، فعل من غمط النعمة، واستعجل ~~النقمة، واختار على # العافية المحنة. وسنفرغ بحسم هذه الأمور، ونحدث لكم فيها الأحكام من قدر ~~ما أحدثتم من الفجور، # ونعجل لكم الآن بعض مالكم فيه أدب يزعكم، وتقديم يردعكم. فأوجبنا ms083 في ~~الخطيئة على من قتل # الغلام ظلما، وانتهك حرمته جرما، غرامة ألف وخمس مائة دينار، ولا مناص ~~لهم عن أدائها، ولا # عذر في التأخر عن قضائها، وأمرنا فلانا أن يستوفي عددها، ويستعجل أمدها، ~~ويتحاشى منها أهل # الصلاح والعفاف، ويؤخذ بها أهل التسرع إلى الشر والإسفاف. فإن أخذ هذه ~~على أيدي السفهاء، # وانقطعت بها أسباب العداء، وإلا أنزلنا بهم العقاب الأشنع، والنكال ~~الأوجع. فارتدعوا مما أنتم عليه # مما لم تزالوا تجروا إليه من ثورة في الشر إثر ثورة، وفورة في النفاق بعد ~~فورة، واعلموا أن # استطالتكم تورثكم الندامة، وأن استقامتكم تعقبكم السلامة، فاختاروا ما ~~شئتم من الاعوجاج أو # الاستقامة. فإن لكل عندنا جزاء معلوما، وجزءا من الثواب أو العقاب ~~مقسوما. ولا حول ولا قوة إلا # بالله. # ومن إنشائه أيضا في المعنى: # كتابنا أبقاكم الله وعصمكم بتقواه، ويسركم من الاتفاق والائتلاف إلى ما PageV01P245 ~~يرضاه، وجنبكم من الشقاق والخلاف ما يسخطه وينعاه. # من حضرة فلانة، حرسها الله، وقد بلغنا ما تأكد بين أعيانكم من أسباب ~~التباعد والتباين، ودواعي # التحاقد والتباغض، والتناقض والتدابر، وتمادي التقاطع والتهاجر، وفي هذا ~~على فقهائكم وصلحائكم # مطعن بين، ومغمر لا يرضاه مومن دين. فهلا سعوا في إصلاح ذات البين سعي ~~الصالحين، وجدوا # في إبطال أعمال المفسدين، وبذلوا في تأليف الآراء جهد المجتهدين، ورأينا ~~- والله الموفق للصواب # - أن نعذر إليكم بهذا الخطاب، فإذا وصل إليكم وقرئ عليكم (الأمارة ~~بالسوء) وارغبوا في السكون # والهدوء، ونكبوا عن طريق البغي الذميم المشنوء، واحذروا من دواعي الفتن، ~~وعواقب الإحن، ما # يجر ردي الضمائر، وفساد السرائر، وعمى البصائر، ووخيم المصائر، وأشفقوا ~~على أديانكم # وأعراضكم، وأخلصوا السمع والطاعة لوالي أموركم، وخليفتنا في تدبيركم ~~وسياسة جمهوركم، أبي # فلان الكريم علينا أبقاه الله وأدام عزته بتقواه. واعلموا أن يده فيكم ~~كيدنا، ومشهده كمشهدنا، فقفوا # عندما يحثكم عليه، ويدعوكم إليه، ولا تختلفوا في أمر من الأمور لديه، ~~وانقادوا أسلس انقياد بحكمه # وعزمه، ولا تقيموا على ثبج عناد بين حده ورسمه. والله PageV01P246 ~~تعالى يفيء بكم إلى الحسنى، وييسركم إلى ما ms084 فيه صلاح الدين والدنيا بمنه وكرمه. # ومن إنشاء أبي نصر في المعنى: # كتابنا أراكم الله مراشدكم، وحسن منازعكم ومقاصدكم، وألحف السداد مصادركم ~~ومواردكم. يوم كذا # من شهر كذا عن جيش لجب، ونصر غير محتجب، وبأس إليكم منسرب، وحنق عليكم مضطرب # ملتهب. والله تعالى يكف طغيانكم، ويكفي عدوانكم، ويتأدى من قبل الأمير ~~أبي فلان الذي أمرناه # عليكم ووليناه، وأمرناه أن يتولى من أمركم ما توليناه، وهو يمنى يدينا، ~~وأسنى من لدينا. لسانه # لساننا، وأعوانه فيكم مرهفنا وسناننا، يسرعها لمن اعتدى، ويرفعها عمن طاع ~~واهتدى، حتى يسوي # عوجكم، ويزيل هرجكم، ويسكن وهجكم، ويوضح في الاستقامة سننكم ومنهجكم. ~~فأعلنوا له بالسمع # والطاعة، وابلغوا في إقامة رسومه والوقوف عند حدوده أبعد غاية الاستطاعة. # ولا تحملوا أمره على ما حملتم عليه أمر من تقدم، فيحيق بكم النكال ولا ~~ينفعكم الندم. ولا تغتروا # بمن أغضى لكم عن أذى، وأطبق جفنه منكم عن قذى فبالله إن سام منكم بارق ~~خلاف، ولم تأتلفوا # لديه أحسن ائتلاف، ليجزينكم أسوأ جزاء، ويزيل ما بكم من انتزاء، حتى ~~تعودوا لحما على وضم، # ولا يبقى منكم PageV01P247 ~~غير مهيض مهتضم، كما قال ربنا في قوم تقيلوا شياطينهم (فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم). # فقد صح عندنا أنكم في سنن الغدر سالكون، وعلى وثن البغي والمكر عاكفون. ~~فنكبوا عن هذه # السبيل، وتبرؤوا من هذا المذهب الوبيل، واستشعروا إعدادا للطاعة وإسراعا، ~~وأظهروا اشتمالا # لجلابيبها وادراعا. وهو مجاز لمحسنكم بالإحسان الحميد، ولمسيئكم بالعقاب ~~الشديد. وقول الله تعالى # لكم حسيب، وعليكم شهيد (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك ~~بظلام للعبيد) # ومن إنشائه في المعنى: # أما بعد، فإن الأيدي قد امتدت، ودواعي التعدي قد اشتدت، وأموال الناس ~~تنتهب، وزواجر كتاب الله # لا ترتهب، وأنت تنام عن كف هذا الانتهاب، وتلين في موضع السطوة والإرهاب، ~~تعتكف على # الراح وراحاتها، وتقف عند بكرها وروحاتها، وقديما أفسدت الراحة الأحوال، ~~وجرت إلى أهلها # الأهوال فدعها فليس بأوانها، واكتف من صحيفة الشر بعنوانها، PageV01P248 ~~وأكثر الصولة، واحذر أن تكون # للمكروه عندك جولة، ms085 ولينب عن سوطك سيفك، حتى يرهب خيالك وطيفك، والله ~~الموفق للرشاد. PageV01P249 ### || AUTO فصل ومن أحسن ما كتبوا في المبايعة # ما أنشأ أبو عبد الله ابن أبي الخصال رحمه الله: # الحمد لله الذي رفع ذكر الإسلام وأعلاه، وجعله دينه الذي اختاره واصطفاه، ~~وتكفل الأئمة هداه، # ليستخلفنهم في الأرض وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضاه، عهدا منه جل وعلا ~~مسؤولا، ووعدا بالإنجاز # موصولا، وميراثا لعباده الصالحين مبذولا. # وصلى الله على من أيده بتنزيله، وائتمنه على تحريمه وتحليله، ودعا ~~بالحكمة والموعظة الحسنة # إلى سبيله، محمد نبيه المصطفى ورسوله الذي بين عن الرحمن، وأوضح معالم ~~الإيمان، وسن بيعة # الرضوان، وأعطى صفقات الأيمان، وعقد على لزوم الطاعة، وحذر من مفارقة ~~الجماعة، صلى الله # عليه، وعلى سائر رسله وأنبيائه، وعلى صفوته وخيرته من أرضه PageV01P250 ~~وسمائه. فلن يزال الناس بخير ما سلكوا سبيله، وأموا دليله، واتبعوا قيله، ~~وتمسكوا بما بلغ إليهم، وكانوا شهداء على الناس، وكان # الرسول شهيدا عليهم رضي الله عن الخلفاء الراشدين الذين قطعوا في الدين ~~الاختلاف، وأوجبوا على # أنفسهم الاستخلاف، ورأوا أن ينظروا للمسلمين بعد مماتهم، كما نظروا لهم ~~في حياتهم، فصار حق # الأئمة معظما، وعقد الأمة منتظما، وشمل الإسلام مجموعا، ودعاء الإمام ~~مسموعا. # وإن الأمير الأجل أبو فلان، أقصى الله في أمره، وخلد على الأنام جمال ~~سيره، لما انتظم أمره # واتسق، وتمهد ملكه واستوسق، وقمع أهل الشقاء والعناد، وقضى حق الله في ~~العباد، وغرقت كفه # المباركة بالأعنة في الجهاد، وتعود عاتقه في سبيل الله حمل النجاد، ووطئت ~~كتائبه المنصورة أقاصي # الأغوار والأنجاد، اطلع في عواقب الأمور، وصدق نفسه - نفس الله مهلها - ~~عن المقدور، ولاحظ # قول القائلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ ~~فتلقاها بالتصديق، وأجابها # عن الصديق، فاهتدى بهداه، PageV01P251 ~~واقتفى أثره وجرى في مداه، واحتمل - أيد الله أمره - وفسح طويلا # عمره في صلاح من وكل إلى فضله، ووضع على يدي رأفته وعدله، نصب الارتياء ~~والإرتياد، # وتعب الإصدار والإيراد، ولم يستبد دون المشاورة، وهو أحق الناس ~~بالاستبداد. # وما زال الفضل ms086 يتميز، إلى أهله يتحيز، ونور الله بين يدي عقده وحله، ~~يرشده إلى من رأى الناس # دون محله، فقلد الأمير الأجل أبا فلان، رفع الله أعلامهما، وأطال ~~أيامهما، عهده ونصبه إماما للناس # بعده. ولم يأل نصحا لله ولمن استرعاه أمورهم، وولاه تدبيرهم، تخيرا أسس ~~على التقوى، وشد # بالعزم الأقوى. والله يجزيه على سعيه المبرور، وعمله المذخور، أفضل ما ~~جزى به إماما استخلفه # في أرضه، وقام بحقه وفرضه، وعدل في بسطه وقبضه، وأعمل راية الرفق فيما ~~يعم البشر، ويضم # النشر. # وورد عقده المطاع على عامله بفلانة وأعمالها، أبي فلان بن فلان، وجماعة ~~المسلمين بها، أعزهم # الله، وحرسها، يتضمن ما انشرحت إليه الصدور، وسكن إليه الجمهور، وأمن ~~بعقده المحذور، وشملت # به المسرة، واستشرفت نحوه المنابر والأسرة وأمده بالبيعة له، وأخذها على ~~من قبله فقام أبو فلان # بهذا PageV01P252 ~~المهم الجسيم، والعهد الكريم، قيام المجد المشيح، المجتهد النصيح، ودعا ~~كافة الناس إلى هذه # البيعة المباركة التي وصلت بالتقوى أسبابها، وفتحت إلى الحسنى أبوابها، ~~فأتوها عجالا، وابتدروها # أرسالا، وأهلوا بالتكبير والتحميد إهلالا، ودخلوا فيها مسرعين، وأجابوا ~~داعيها مهطعين، وشكروا الله # تعالى على ما وفق له أمير المسلمين وناصر الدين، من جمع كلمتهم على من هو ~~متقيل رأيه الأسنى، # وتلوه في الخلائق الحسنى، وسألوه تبارك وتعالى أن يديم في يدي أمير ~~المسلمين طيالها، ويديم # اتصالها، ويمد بكرها وآصالها، حتى لا يخلع أثوابها إلا بعد مهل، لم يبلغه ~~شأو الخلفاء، ولا تناولوه # بيد الاستيفاء، ثم يصير الأمر إلى وارث مجده، وولي عهده. والأمة راضية ~~مقرة، والإمامة في # نصابها مستقرة، وصنع الله الجميل يراوحها ويغاديها، ويقضي بإعزاز ~~أوليائها، وإذلال أعاديها. # وحين عمت المسلمين هذه البشرى، PageV01P253 ~~وجاءتهم المذاهب بها تترى، أعطوا صفقة أيمانهم مبتدرين، # واختاروا من اختار الله لهم وإمامهم العادل مستبصرين، وبايعوا الأمير ~~الأجل، ولي عهد المسلمين # على السمع والطاعة، وبذل الجهد والاستطاعة، وعلى أن يكونوا لمن راده ~~حزبا، وعلى من حاده # حربا، ولا يألوه نصحا في القل والكثر، والعسر واليسر والرضا والسخط، ~~والقرب والشحط، والمكره # والمنشط، وفي كل ms087 منحى من أنحائه ومتوجه. وجعلوا الله على أنفسهم لذلك ~~كفيلا وأشهدوا على الوفاء # به. (وكفى بالله شهيدا) (وكفى بالله وكيلا) وكتب الملأ من بني فلان، ومن ~~تلاهم أسماءهم في هذا الكتاب، ليكون باقيا في الأعقاب وثابتا # مع الأحقاب. ودانوا الله تعالى بما أمضوه وعقدوه، وارتضوه واعتقدوه، ~~والتزموا الوفاء به وشددوه، # ورضى الله تعالى يهديهم، ويده جل وتعالى فوق أيديهم وذلك في شهر كذا من ~~سنة كذا. # قول أبي عبد الله رحمه الله: (ولاحظ قول القائلة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم) حديث مأثور، # وخبر مشهور. روى الشافعي عن إبرهيم بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف PageV01P254 ~~عن أبيه محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى ~~عليه وسلم فسألته عن شيء # فأمرها أن ترجع إليه. فقالتيا رسول الله أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ تعنى ~~الموت. فقال لها رسول الله # صلى الله عليه وسلم: إن لم تجديني فإيتي أبا بكر. قالالشافعي: في هذا ~~الحديث دليل على أن الخليفة # بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه. # ومن إنشاء الفقيه الكاتب الماهر شيخنا أبي عمرو بن محمد عبد الله بن غياث ~~ما كتب به عن أهل # (شريش) في بيعة أمير المؤمنين أبي يوسف المنصور رحمة الله عليهم: # الحمد لله الذي يسر أسباب الخير وسهلها، وأدنى قطاف الأماني وذللها، وأهل ~~للخلافة خلفاء كمالهم # أهلها، وأسس قواعدها على قواعد البر والتقوى وأصلها، وجعل الفتوحات ~~خدماءها وخولها (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا PageV01P255 ~~ممسك لها) والصلاة على سيدنا محمد المبتعث بشيرا ونذيرا إلى كافة الأمم. ~~والكفر قد أغواها وخذلها، وحملها # من الطغيان والعصيان على ما حملها، فبين سنن السنن والفرائض وأوضح سبلها، ~~وصدع بأمر الله # حتى شفى أدواءها، وحسم عللها، والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، ~~القائم بأمر الله، آخر # الأعصار، وقد بشر به أولها، الواضح العلامات والدلالة، علمها من علمها، ~~وجهلها من جهلها. # والدعاء لصاحبه وخليفته سيدنا ومولانا أمير المؤمنين الذي ms088 تمم تلك ~~البداءات وأكملها، وسقى نفس # الخلافة من ينابيع العدل نميرها وسلسلها. ولسيدنا ومولانا الخليفة ~~المرتضى أمير المؤمنين ابن أمير # المؤمنين، المتكفل لطائفة التوحيد بالنصر الذي اكتفلها وكفلها، ومد لها ~~ظلال النجاة بجميع الأرجاء # والجهات ورفع ظللها، ولابنه الأمير الأجل المنصور الناصر لدين الله أبي ~~يوسف ابن الخليفة # المرتضى مبلغ الخلافة أملها، ومسوغها جذلها، المعد لطائفة الزيغ من البيض ~~والسمر قراها ونزلها، # المجلي غياهبها، والكفر قد أسبلها، وسد لها بفتوحات تشتمل على أقاليم لم ~~تصخ للدعوة الإمامية # أسماعها، فسبق سيفها عذلها، وإن الله تعالى لما بعث محمدا صلى الله عليه ~~وسلم إلى الناس كافة # بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، دعا إلى الهدى، وأوضح ~~طرق الشريعة منفسحة # المدى، ووعد وأوعد، وألان وشدد، ويسر وما عسر، وبشر وما نفر، فهدى به من ~~هدى إلى الصراط # المستقيم، والمنهاج القويم، ثم بشر بذخيرة الوجود، وسر النبإ المقصود، ~~الإمام المعصوم، المهدي # المعلوم، فلاحت بشائره بالمغرب الأقصى، وانتشرت أنوار هدايته فيما دنا من ~~الأقاليم وقصا، متميزا # بالعلامات، مبرزا بالدلالات، فأحيا السنن والفرائض بعد دروسها، وبسط وجوه ~~الأماني بعد عبوسها، # على PageV01P256 ~~حين انقراض الحقائق، وجهل الخلائق، فقطع أسباب تلك العلائق، وبسط العدل في ~~المغارب # والمشارق، ثم أكمل الله تلك البداية، وأبدأ الهداية بخليفته أمير ~~المؤمنين المشرق الجبين، عن أنوار # الفتح المبين، ثم ولى أمره العزيز احتياطا للدين ابنه الخليفة الأهدى ~~أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين # الذي يأوي العدل منه إلى (ربوة ذات قرار ومعين)، المأثور الآثار، الواضح ~~الآيات وضوح النهار. # ثم انعقدت البيعة عن إجماع من الجماعة الطاهرة، والطائفة الظاهرة، علما ~~منهم بمخائل الاعتناء # الإلهي ودلالاته، إذ الخلفاء ورثة الأنبياء، و(الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته) ونظرا لدين الله وعصمة لعبيده، وأخذا بعقوده - كما # أمر - وعهوده، للأمير الأجل المنصور الناصر لدين الله أبو يوسف بن ~~الخليفة أمير المؤمنين بن # أمير المؤمنين، أيد الله أمرهم، وأعز نصرهم، فاستقر الأمر في قراره، ~~وانتهى إلى قطب مداره، # فاقتدى بهم سلف الموحدين، وكافة المسلمين وبايعوه بيعة الرضوان، وأعطوه ~~صفقة ms089 الأيمان ومواثيق # الأيمان، فشدت أركان الإيمان، ونفخت الأرواح في الأجسام، ونادى منادي ~~الحق في الأنام، هي بيعة # الرضوان يشرع وسطها باب السلامة، فادخلوها بسلام، فتلقى عبيده كافة أهل ~~(شريش) ذلك المنادي # أفواجا، وسلكوا إلى الطاعة منهاجا، وبادروا إلى الفرض الذي إليه البدار ~~يجب، بقلوب تكاد شوقا إلى # ذكره - أيده الله - تجب، وبايعوه بيعة خالصة، أداها صفاء الاعتقاد إلى ~~الألسنة، وخط الأيدي من # حاضر وباد بإخلاص من الضمائر، في السرائر والظواهر، على الأمن والأمانة، ~~والعدل والسمع # والطاعة، في المنشط والمكره، والعسر واليسر، اقتداء ببيعة نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم # الرضوانية، وأخذا بالمواثيق والعهود الأيمانية، PageV01P257 ~~وعلى ما بويع عليه إمامنا المهدي رضي الله عنه # وخليفتاه بعده، حسب الوعد السابق له من الله، (ولن يخلف الله وعده). تلوح ~~البركات في وجوه مساعيهم، وتنثال # الخيرات عليهم بخلوص معتقدهم لها وتصافيهم، وكلما مدوا أيديهم للمبايعة ~~تلا عليهم لسان الإسلام (يد الله فوق أيديهم) # وأقبلوا على الطاعة، وموافقة الجماعة، ورسموا الخطوط، وأشهدوا الله على ~~ضمائرهم لعلمه بها، (وكفى بالله عليما). # (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا ~~عظيما). # وذلك في مستهل جمادى الآخرة سنة ثمانين وخمس مائة. # ومن إنشاء بعض أهل العصر، وهو بلدينا الفقيه الحافظ أبو الحسن علي بن ~~إبراهيم بن الفخار: # الحمد لله مفيض النعم المتواترة، ومسبغ المنن المتكاثرة، ومرسل الآيات ~~المتظاهرة، الذي وقفت # الأوهام عن حمى عظمته قاصرة، وبقيت الأفهام دون جلاله حائرة صاغرة، ~~وصلواته وبركاته على # محمد نبيه، وأمين وحيه، المؤيد بالمعجزات القاهرة، والبراهين الباهرة، ~~ورضوانه عن الخلفاء # الراشدين، الهادين المهتدين، الذين أرسلوا من الفضل سماء ماطرة، فأحيت من ~~العدل أرضا هامدة # ورسوما داثرة، ونستوهب الدعاء لسيدنا الخليفة الإمام المبارك PageV01P258 ~~الأوحد، الميمون الأسعد أهل المقامات # الطاهرة، والكرامات الظاهرة، بالسنة ناطقة، ونيات صادقة، بأن يؤتيه الله ~~خير الدنيا والآخرة، # ويسبغ عليه نعمه الباطنة والظاهرة، ويقمع به الطغاة والجبابرة، والحمد ~~لله الذي لم يخل بلاده، ولا # أهمل عباده، من خليفة تجتمع عليه الأمة، وتدوم به النعمة، ms090 يحفظ دينه ~~القويم، وينهج بأهله صراطه # المستقيم، ويعصمهم من تشعب الأهواء ويمنعهم من تغلب الأعداء، ويحتقن في ~~أهبها متحرم الدماء، # ويقطع دونهم أيدي الاعتداء، ويقيم الشريعة على الطريقة الواضحة، ويجري ~~حدودها وأحكامها على # سبيل أعلامها اللائحة. وأوجب على الأمة طاعته فرضا حتما، وأمرهم بالذب ~~عنه والقيام دونه أمرا # حزما، وجعلها مقرونة بطاعته وطاعة رسوله. فقال تعالى (يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). عصاما ربط به عباده ~~إلى سلوك # سبيله، وبين الرسول عليه السلام أن تقلد بيعته والقيام بدعوته أوجب خصال ~~الملة الحنيفة. فقال # صلى الله عليه وسلم: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية". # قال أبو إسحاق: # ذهب أبو الحسن في الآية التي استشهد بها، وهي قوله تعالى (يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). إلى أن أولي الأمر: ~~الأمراء، وهو # مذهب أبي هريرة وابن عباس وجماعة من الصحابة، وأولي العلم، ومذهب جرير بن ~~عبد الله # ومجاهد وغيرهما، أن أولي العلم هم العلماء، PageV01P259 ~~وقيل أولو العلم بالقرآن وطاعة الله تعالى اتباع أوامره # وامتثالها، والانتهاء عما نهى عنه، وطاعة رسوله واتباع سنته # رجع # والحمد لله الذي أقرها في نصابها الشريف، وقدرها في بيتها المنيف، وجعلها ~~مطردة في أهلها، # اطراد الكعوب، جارية بين باسطي فضلها، وناشري أهلها، على أسلوب الذين ~~عرفتهم وعرفوها، # وألفتهم وألفوها، وكانوا أحق بها وأهلها، إذ صلحت بهم كما يصلحون بها ~~وتلك نعمة لا يقام بشكرها، # ولا يحاط بقدرها. حفظ بها حوزة الإسلام، وعصم ببركتها أمة محمد نبيه عليه ~~السلام، حين وقع # الإجماع والإصفاق، وحصل الارتباط والاتفاق، على مبايعة من شهدت له خصائص ~~الصفات، وقامت # له حقائق السمات، بأنه مستحق الخلافة ومستوجبها، ونجمها الثاقب وكوكبها، ~~ومستودع آياتها # الصادقة، وحامل رايتها الخافقة، الذي يملؤها عدلا، ويسعها بفضله فضلا، ~~ويحمي ذمارها، ويؤمن # أكنافها وأقطارها، ويفني أعداءها، ويحفظ أرجاءها. الأمير الأجل الأسعد ~~أبو فلان المخصوص # بالنصر والتأييد، المقرون الآراء بالنجح والتسديد، جعل الله خلافته ~~محفوفة بطول البقاء وامتداد # العمر، مقرونة باتصال ms091 السعد واستيلاء الأمر، ولما سمع عبيدها اللائذون ~~بأمن حرمها، المعتصمون # بواقي عصمها، المسندون لعميم فضلها وامتنانها، المتعرفون عظيم عدلها ~~وإحسانها، أهل فلانة من # عقد هذه البيعة السعيدة، وارتباط عقودها الحميدة، ووافى داعيها، فإن ~~بابها قد فتح لداخليه بسلام، # ولواءها المنصورقد رفع لمبتغيه PageV01P260 ~~الكرام، أجابوه مسرعين بألسنة ناطقة، ونيات صادقة، وصدور # منشرحة، وقلوب منفسحة، مبادرين الانتظام في سلك الطاعة، مسارعين لاقتفاء ~~سنن الطائفة # المنصورة والجماعة، وأعطوا صفقة أيديهم، ويد الله فوقها، متطوقين على ما ~~يرضي الله تبارك # وتعالى طوقها، والتزموها بيعة رضوان، وعقيدة إيمان، واعتقدوا بها السمع ~~والطاعة على كل حال # وفي كل زمان، وعلموا أن الله سبحانه قد صنع بها صنعا كريما، والتزموا ~~الوفاء بها. (ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما). وكتب ~~العبيد المستبشرون أسماءهم بسواد عيونهم، في صفحات قلوبهم ويقينهم، شاهدين ~~على أنفسهم بما # التزموه من هذه البيعة السعيدة، وارتبطوا له من العهود الوكيدة، (وكفى ~~بالله شهيدا). وذخروها إلى (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت ~~من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا). وذلك في شهر # كذا من سنة كذا. # ثم ختم الرقعة بهذا الدعاء: اللهم اجعلها خلافة عقدت على التقوى معاقدها، ~~وعمرت بالوفاء معاهدها، # واجمع القلوب على حب خليفتك، على عبادك وسلطانك في بلادك، وألف عليه كلمة ~~الإسلام، وانصر # به دين نبيك محمد عليه السلام، وآو العباد منه إلى ربوة ذات قرار ومعين، ~~واجعلها كلمة باقية في # عقبه إلى يوم الدين. # اللهم وفقه للخير وأعنه عليه، وأصلح الرعية به وعلى يديه، وأطل اللهم ~~عمره، وأدم تأييده ونصره، # وأبقه خليفة سعيدا مجاهدا في سبيلك، متبعا سنة رسولك، وأيده بجندك القوي، ~~ونصرك العلي، وأعل # كعبه، وانصر حزبه، واهلك من حاده وأعد حربه، (إنك على كل شيء قدير)، وأنت ~~(نعم المولى ونعم النصير). PageV01P261 # ومن إنشاء الكاتب أبي بكر بن أخيل من أهل عصرنا: # الحمد لله الذي جعل الخلافة نظاما لا ينحل، ولزاما لا يختل، يحفظ بها ~~الإسلام، ويتصل ما سنه # النبي عليه ms092 السلام، فهي، كمال الدين والدنيا، وجمال كلمة الله العليا، ~~تحقن الدماء وتحوط الأموال، # وتقيم من أود الحق ما مال، وتمحو رسم الحرام وتثبث الحلال، وتأخذ للضعيف ~~من القوي، وتجري # الكافة على المنهج الواضح السوي، بالمبادرة إلى انعقادها وارتباطها، ~~والمحافظة على قواعدها # الموصلة وأشراطها، أوكد ما تتقدم إليه الأمر، وتستنزل به الرحمة PageV01P262 ~~السابغة والنعمة، فهي كمال الكمال # وتمام التمام، الجنة الواقية والعصمة الباقية لجميع الأنام، والحمد لله ~~الذي جعلها في حماة أمره العظيم، # وولاة حزبه الكريم على التوالي والدوام، والصلاة على محمد نبيه هادي ~~الأمة بعد ضلالتها، ومنقذها # من حيرة جهالتها، التي أمسك بحجرها عن النار وأبان لها واضح المنار، وعلى ~~آله وأصحابه # المهاجرين والأنصار، الذين سلكوا طريقته، وعرفوا حقيقته، وعلى خلفائه ~~الذين حاطوا أمته، وتمموا # نعمته، والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، محيي رسمه بعد الدثور، ~~ومعيد بدأته في إقامة # الحق وصلاح الجمهور، قام رضي الله عنه، والجور قد ظهر، وحزب الباطل قد ~~مهر، والإسلام قد # درس رسمه، ولم يبق منه إلا اسمه، وكل ذي رأي معجب برأيه، منقاد بأعنة ~~هواه في ذميم سعيه، # فشحذ بصائر الأمة، وأنقذها من ضلالة تلك الغمة، وأطلع عليها أنوار ~~الهداية والعصمة، حتى عاد # الإسلام جديدا غضا، وعرفها واجباته نافلة نافلة، وفرضا فرضا، فلما استنار ~~المسلك والمنهج، وفتح # - لمن قدرت له السعادة - الباب الذي يلج، لحق بالرفيق الأعلى، وجل مقامه ~~الكريم وعلا، وخلع # أشعة أنواره، وهداية آثاره، على صاحبه المرتضى، وسيفه المنتضى، سيدنا ~~ومولانا الخليفة أمير # المومنين، فسد ذلك المكان، وكان للأمة كما كان، يتعب لنعيمها، ويدأب في ~~إصلاح فاسدها وحفظ # قويمها، وسلك بها طريقة صاحبه الإمام المهدي في الرفق بالضعيف منها ~~والقوي، كفلها كذلك مدة # عمره، متوخيا لها النصيحة في نهيه وأمره، ثم تقلد الأمر بعد ذلك سالكا ~~تلك المسالك الخليفة الإمام # أمير المؤمنين أبو يعقوب ابن سيدنا ومولانا أمير المومنين، أعز الله بهم ~~الدين فاقتفى آثارهم # الواضحة، ومقاصدهم الصالحة، لا يغب الأمة إحسانه وإنعامه، ولا يعدل بهم ~~عن سنن الخلفاء آبائه # الراشدين إحكامه، ms093 يحفظهم ليلا ونهارا، PageV01P263 ~~ويلحظهم بعين الرفق إسرارا وجهارا، ثم نشأ الشاب التائب، # الدائم على طاعة ربه الدائب، الأمير الأجل المنصور الناصر لدين الله عز ~~وجل أبو يوسف ابن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، وصل الله لهم عادة النصر ~~والتمكين، فظهر لأبيه من مخائله الكريمة، # وشمائله الجميلة الوسيمة وكرم النجيرة والشيمة، ماأداه إلى أن استكفاه، ~~فتعرف اليمن والأمان في كل # ما أتاه، ولم تزل عيون الموحدين. - أيدهم الله - إليه ممتدة، ونفوسهم ~~لتعظيمه وتقديمه معدة، لما # شاهدوه من هديه وإخباته، وتعرفوه منه في جميع حالاته وأوقاته، ومواضع ~~مشاهده وخلواته. والسعد # يعدهم بإنجاز ذلك الوعد، وإحراز الحظ الأسنى منه والعيش الرغد. فلما ~~استحكمت السعادة، تحركت # منهم الرغبة الوكيدة والإرادة، فاجتمع الملأ الأعلى من أهل الحضرة ~~المعظمة الذين يقتدى بآثارهم، # ويهتدى بمنارهم، على مبايعته بيعة إيمان وأمان، وعدل وإحسان، فأعطوا بذلك ~~صفقة الأيمان # والأيمن، واثقين بما لهم بها من الفضل والإحسان، والخيرات الحسان، وإنها ~~بيعة شابهت بيعة # الرضوان، نفثت في الأموات روح الحياة، وجمعت الأهواء المفطورة على ~~الاختلاف والشتات، # وعرفت أن لله تعالى بهذه الأمة أكبر العنايات، ولما نفذ الأمر لعبيدهم ~~أهل فلانة بادر الجميع منهم # إلى عقد البيعة الكريمة، وشكر النعمة الجسيمة، واثقين بما لهم فيها من ~~الصلاح الشامل للجمهور # المتعرف به كافة الأمور، المشرف لأعقابهم على ومر الدهور، حظ ساقه إليهم ~~وافد السعادة، فقد # عودهم الله بطاعتهم التي هي طاعة الرحمن ومادة الأمان أكرم العادة، فأعطى ~~الجميع منا صفقة # أيمانهم، حافظين إيمانهم وأمانهم، وبايعنا بنفوس منشرحة، وآمال منفسحة، ~~وعهود مؤكدة، والأيمان # مشددة، والآراء مسددة، سيدنا الخليفة الأمير الأجل المنصور أبا PageV01P264 ~~يوسف ابن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، أعز الله بهم الدين على ما بويع به ~~الإمام المعصوم المهدي المعلوم رضي الله عنه، # والخليفتان من بعده، وعلى السمع والطاعة، بيعة مجددة مؤكدة، في السر ~~والجهر، والعسر واليسر، # والمكسل والمنشط. وأكدنا في ذلك عهود المغتبط المرتبط، وأوقفنا بمحضر ~~كافة الناس بذلك شهادة # الأشياخ والأعيان واعتقدناه أشرف ما ضمت عليه اليدان. # فالحمد لله الذي من علينا بهذا ms094 المقام الشريف، والعهد الكريم المنيف، ~~الذي اهتزت له نفوس الكافة # إعجابا وارتياحا، واتخذوا التحدث به والشكر له هجيراهم مساء وصباحا، ~~وتعرفوا من بركاته # ومتوجهاته يمنا شاملا ونجاحا، وإنها لنعمة جلت عن الشكر والذكر، وبهرت ~~بآياتها الباهرة خواطر # الفكر، والله سبحانه المسؤول أن ينهض عبيده بالتزام الطاعة، جهد ~~الاستطاعة، وبشكر سيدنا الخليفة # الأمير الأجل المنصور أبي يوسف ابن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين على ~~اعتنائهم بالأمة، وإفاضتهم # عليها عوارف النعمة والرحمة، ولينصر أعلامهم غربا وشرقا، ويجعل حامد ~~أمرهم، وجاحد خيرهم، # الأخس الأشقى بمنه ويمنه. # وكتب العبيد شهادتهم بما فيه عنهم وعن كافتهم، في مستهل جمادى الأخرى سنة ~~ثمانين وخمسمائة. # قوله: (واتخذوا التحدث به والشكر له هجيراهم)؛ أي كلامهم مترددا بينهم ~~المرة بعد المرة. # وفي حديث عمر أنه كان يطوف بالبيت، وهو يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة # وقنا عذاب النار. ماله هجيرى غيره. # والهجيرى أيضا، إسم مصدر، ولم يأت صفة، قاله أبو علي. يقال ما زال PageV01P265 ~~ذلك هجيراه: أي عادته قال ذو الرمة: # رمى فأخطأ والأقدار غالبة ... فانصعن والويل هجيراه والخرب # وللأديب الكامل أبي عبد الله الرصافي في مدح السيد المكرم أبي سعيد ابن ~~أمير المؤمنين رحمة الله # عليهم قصيد فريد، اشتملت على أنواع البلاغة أبياته، وحسن إثباته، وهو: # من عاند الحق لم يعضده برهان ... وللهدى حجة تعلو وسلطان # ما يظهر الله من آياته فعلى ... أتم حال وصنع الله إتقان # من لم ير الشمس لم يحصل لناظره ... بين النهار وبين الليل فرقان # الحمد لله حمد العارفين به ... قد نور القلب إسلام وإيمان # عقل وثابت حس يقضيان معا ... للأمر أن سراج الأمر عثمان # السيد المتعالي كنه سؤدده ... عما تحاول ألباب وأذهان PageV01P266 ~~من زار حضرته العليا رأى عجبا ... الملك في الأرض والإيوان كيوان # كنا إلى الملإ العلوي ننسبه ... لو ناسب الملأ العلوي إنسان # كأنما يتعاطى فصل منطقه ... عن التكلم لقمان وسحبان # يغضي عن الذنب عفوا وهو مقتدر ... ويترك البطش حلما وهو غضبان # وفطنة من وراء الغيب صادقة ... منها على فضلها في ms095 الحلم عنوان # مزية ما أراها قبله حصلت ... لواحد من ملوك الدهر مذ كانوا # أستغفر الله إلا قصة سلفت ... قد كان فهمها يوما سليمان # وما جرى ذكره في مضمر وفم ... إلا تعطر إسرار وإعلان # يريك باسم نور من أسرته ... لكنه من نمير البشر ريان # لو كان للبدر عند التم مبسمه ... لم يدرك البدر بعد التم نقصان # مرأى عليه اجتماع للنفوس كما ... تشبثت بلذيذ النوم أجفان # للعين والقلب في إقباله أمل ... كأنه للشباب الغض ريعان # مبارك لم يزل يرضي الندى بيد ... لها على هبة الآلاف إد مان # يا جيشه لا تدع من جود راحته ... أهم وفر الفتى خيل وشجعان # المنتقي الخيل أفذاذا مكرمة ... قد حسنت خلق منها وألوان # والمصطفي الجند آسادا محربة ... قنيصها في الوغى رجل وفرسان PageV01P267 ~~من كل أبيض مثل النصل منتهض ... بالجيش إن عز ديوان وميدان # يغشى الكريهة منها باسل بطل ... على الكتيبة مقدام فطعان # سار من النقع في ظلماء فاحمة ... والشهب في أفق المران خرصان # ومعتد ومن الخطي في يده ... عصا تلقف منها الجيش ثعبان # لا يخدم الأمر فيما كان من أرب ... الاهي ملء عين المجد يقظان # ممن له حد سيف أو شبا قلم ... شراره في الوغى والفهم نيران # يسل مقوله إن سام منصله ... وللخطاب كما للحرب أوطان # قد يسكت السيف والأقلام ناطقة ... والسيف في لغة الأقلام لحان # يا أيها السيد المنهل قائله ... مذ كان والعارض الهتان هتان # الأرض للقطر ما لم تهم عاطشة ... والنجم في الأفق ما لم تسر حيران PageV01P268 ~~ليهنإ اليوم أهل الأرض إنهم ... بالأمن في ظلك المممدود سكان # عدلا ملأت به الدنيا فأنت بها ... بين العباد وبين الله ميزان # بني الخليفة والمجد الذي سبقت ... به كرام أرومات وأزمان # من قيس عيلان أقمار العلاء وما ... أدراك يا مجد ما قيس وعيلان # أبيات معلوة في كلها لكم ... بأس كريم على التقوى وبنيان # فلو لحقتم زمان الوحي نزل في ... تلك الصفات مكان الشعر قرآن # أثبتم الملك في خضراء باسقة ... حتى خمائلها عدل وإحسان # ليت الجياد سرت عني مبلغة ... بشرى ms096 يسر بها أهل وجيران # إني أنخت ركابي من بلادكم ... بحيث تنعم أرواح وأبدان # مخيمات من الجوزاء عيشتها ... فيما اشتهى رائد واختار لهفان # الماء صداء والسلطان سيدنا ... أبو سعيد ونبت الأرض سعدان # تلك الشمائل إن لم تسر في بدن ... روحا فهن له روح وريحان # وإن يكن لفظها راحا وحاش لها ... فقد ثنتني حتى قيل نشوان PageV01P269 ~~يا كوكب الدين والدنيا وإن طمست ... مما لك بك في الدنيا وأديان # هام الورى بك حتى ما يرى أحد ... إلاله بك شغل أو له شان # فكل عين عدت مرآك عابرة ... وكل قلب تسلى عنك خوان # شغفت غرناطة حبا ومنك لها ... بالحل وصل وبالترحال هجران # مولاي ماذا عليها مذ حللت بها ... من أن يقار بها ناس وبلدان # إذا تذكرت أوطانا سكنت بها ... فلا يكن منك للأضلاع نسيان # في كل ناحية شوق وأعوزها ... من ذا الذي يعتريه عنك سلوان # فإنما أنت زوار لتشفيها ... من بعدما شفها وجد وتحنان # والكل غرناطة إن تمس شيقة ... إليك قرطبة لم يسل جيان # دم لليالي وللأيام ما اختلفت ... تزهى بمنظرك الباهي وتزدان # وفي جنودك من عدو ذي شيع ... في البيض بيض وفي السودان سودان # ومن هنا سور للفتح طائلة ... فيها إذا تليت ذكرى وتبيان PageV01P270 ~~من لم يصخ نحوها والسيف ملتحف ... فسوف يقرؤها والسيف عريان # موت العدا بالظبا دين وإن مطلت ... به سيوفك فالأيام ضمان # فكن من الظفر الأعلى على ثقة ... منك الظبا ومن الأعناق إذعان # لا زال كل عدو في مقاتله ... دم إلى سيفك الريان ظمآن # قال أبو إسحاق: # أثبت هذه القصيدة الفريدة التي أنزل فيها القوافي من أعلى معاقلها، وأصاب ~~أغراض المعاني في # شواكلها، أطلعها في سماء البيان غرة زاهرة، وأظهرها للعيان آية باهرة. ~~أرق من فرند الحسام، # وأعذب من المدام ممزوجة بماء الغمام. وشحت هذا الباب بأزهارها، وحليت ~~جيده بدررها # وجواهرها. # وأرجع إلى إثبات منثور كالزهر الغض، لأعطف أنواع البيان بعضها على بعض. PageV01P271 ### || AUTO فصل ومن أحسن ما كتبوا في مخاطبة الأمراء # ما كتبه أبو عبد الله بن أبي الخصال إلى ms097 أمير المسلمين وناصر الدين رحمة ~~الله عليه: # أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، وهديه هدي الأئمة المتقين، ~~وتجاوزه تجاوز البررة # الأكرمين (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين). ولا ~~زال على آثارهم مقتديا، ولمآثرهم محييا، وعلى سننهم في الإيراد والإصدار # محتذيا. # كتبناه عن اعتراف بإحسانه، والتحاف بأمانه، واعتصام بحبل طاعته وسلطانه، ~~ودعاء إلى الله تعالى # جده في حسن الدفاع لنا خاصة، وللمسلمين كافة، عن علو مكانه، والله عز وجل ~~اسمه، يستجيب له # الأدعية البرة، ويوالي لديه النعم الثرة، ويجنيه من كل رأي يرتئيه، ومنحى ~~كريم ينتحيه، غبطة دائمة # ومسرة، وأن الكتاب الجليل، والصفح الجميل، طالعنا من تلقائه ناصع الأغر، ~~واضح الحجول # والغرر، رافعا للخطر، واقعا من قلوب البشر، موقع صيب المطر، فشفى غلل ~~الصدور، وفاض على # الجمهور، وأجمل بإذهاب الروع وكشف المحذور، وخلصت بشراه إلى عذارى ~~الخذور. وتخلصنا - # والحمد له - ثم له من خطة PageV01P272 ~~ضيق، وأسغنا ما كنا لا نسيغه من ريق، وأخذ بحظه من أنعامه كل # فريق، وعاذ الكل من عفوه الواسع بأمنع معاذه، وعلموا أنه - أعلى الله ~~أمره - كظم غيظا، وهو # يقدر على إنفاذه. # وإنا لنرجو أن تكون هذه المأثرة التي رفعت لها الأبصار، وتهادت حديث ~~جلالتها الأمصار، من # أوثق أعماله عند مآله، وأرجح قربه في منقلبه، فهنأه الله ما من سعة الحلم ~~أتاه، وبارك له فيما خوله # ووأولاه (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله) والحمد لله الذي ذخر ~~هذه المنة الخطيرة لأيامه، وسلكها في نظامه، وصير له من ذكرها # في الآفاق ما تزين الملوك لإعظامه، وتعجب من نقائصها وتمامه. ونحن بما به ~~أمر - أيد الله أمره - # آخذون، وبالموعظة الحسنى للعوام لافظون. وما زلنا - علم الله - نحذرهم ~~ونتقيهم، ونرفق بهم كل # الرفق ونداويهم، ولما نلنا بفضل الله، ثم بفضله الموهوب، واطمأنت بإحسانه ~~القلوب، بادرنا حضرته # الجليلة معلمين، ولما افترض الله علينا معلنين، وبآلائه وحسن بلائه ~~معترفين. فجوزي خير جزاء # العارفين المنعمين، ولقاه يوم الفزع الأكبر فوز الناجين الآمنين، ولا ~~حرمه الله اغتفار الزلات، وإقالة ms098 # العثرات التي تجمع الدنيا والدين، وأيدينا بيد الأمير الأجل، والينا، ~~أيده الله، في هذا الأمر وسواه # شابكة بموصوله وأوامره، أمضاها الله في التظافر والائتلاف، مطاعة مقبولة، ~~ولا ندخر عنه في حال # من الأحوال نصيحة، ولا نألوه محافظة صريحة وموالاة في ذات الله تعالى ~~صحيحة، وإنه ليرى من # الرفق ما نراه، ويرعى من أمور العامة ما نرعاه. والله يرفع مسعاه، وييسره ~~لما يرضاه. PageV01P273 # وكتب أيضا في المعنى: # أطال الله بقاء الأمير الأجل، السيد الأفضل، وصيته في كل مكرومة طائر ~~ذاهب، وأيامه منن، # ومواهب. ولازال سعده ثاقب، ومجده عاقب، وهمته المآثر الخالدة المناقب. # كتبته، كتب الله لك واضح الآثار، وأعبق الأخبار، وبلغك أقصى الآمال ~~والأوطار، عن إعظام # وإكبار، وتشوق وادكار، ورواح في شكرك وابتكار، واعتراف بما للإسلام من ~~ديم غزار، وتربية # كتربية عمرو بن شأس لعرار وإني، وإن كنت نشأة ناديهم، ورهن أياديهم، لأرى ~~لك من الحق ما # كنت أرى لشيوخهم الموقر قعدد علاهم، وشبابهم الناضرة أفنان صباهم. سقى ~~الله معاهدهم ورباهم، # وأجمل في كل ناد وندي ذكراهم. وما من يد للحلة أرعاها كيد أنت موليها ~~ومولاها. عوضتني من # تلك الأنهار بحرا زاخرا، ومن تلك النجوم بدرا باهرا، وأعدت لي به بعد ~~المشيب عهد الشباب # ناضرا، وأريتني كل غائب من الملوك حاضرا: # ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا # نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى بذلك إذ أتى متأخرا PageV01P274 ~~وذلك الذي ليس الكمال والجلال رحمته سيماه، ولألاؤه أن يزال الأمير الأجل ~~الأوحد الأفضل أبو # فلان، كبت الله عداه، وأقر به عيون علاه. # تضاءلت لقدره الأقدار، وتقاصرت دونه الأخطار، قام الله تعالى بحقه فحببه ~~إلى خلقه: # وإذا أحب الله عبده يوما ... ألقى عليه محبة الناس # هذه الحضرة، حاضرها وباديها، وأعلامها وهواديها، لاهجة بحمده، داعية ~~لمجده، ومعترفة بحسن # آثاره، متواضعة لما بهرهم وراقهم من سكينته ووقاره: # ملك عليه تحية وسلام ... ألقت عليه جمالها الأيام # وكتب أيضا في المعنى: # وردت ورود منهل الغمام ... وسيبك والحيا هام وهام # فهذا أخضر النفحات نضر ... وهذا أحمر الصفحات ms099 دام # هما سر الحياة ولا حياة ... بغير الغيث في ظل الحسام # وما اعتدل الزمان وطاب ... إلا بعدل سجية الملك الهمام # لقد فازت دمشق بتاشفين ... وطار لها به أعلى السهام PageV01P275 ~~وما فوق التى نالوا محل ... وبين ظهورهم هدي الإمام # ولما لم أفد لقضاء حق ... أزرتنديه وفد السلام # أطال الله بقاء الأمير الأجل، الملك الأوحد الأفضل، رالأفئدة تهوى إليه، ~~والقبول يوضع له، والمحبة # تلقى عليه. والآمال تخيم لديه، ومقاليد السيادة والسياسة في يديه، ولا ~~زال يحوز المدى، ويزجي # كتائب النصر، وجيوش الهدى، ويأخد كل تقية على العدى، وهو - أيده الله - ~~لا يزال في انتظام # منقبة، واقتحام عقبة، وموارد ومصادر مرتقبة، ومساع كل سماء لها أرض، ~~وأداء حقها على # الحاضروالبادي فرض. # فالحمد لله الذي ثناه عن مغزاه راضيا، ولحقوق الثغر قاضيا، وهنيئا له ~~وللإسلام به، يمن المآب # والمقفل، وانفتاح كل مرتج مقفل، وغزو العدو في عقره المنيع، وأمره ~~الجميع، ولقد حلت عليهم # المنايا وحامت، لولا جدر دونهم قامت، وستجعلها العزائم # بحول الله دكا، تصكهم بوادرها صكا ساعده القدر، وحالفه الظفر، ولا زال ~~يغزو وينصر، وعدوه # يصرع ويعفر، بحول الله وطوله. واقرأ على حضرته الجليلة أعم السلام ~~وأوفاه، وأبره وأحفاه، ثم # السلام المجدد عليها ورحمة الله وبركاته. PageV01P276 # قوله في القطعة (في ظل الحسام) الظل هنا يريد به: العز والمنعة. ومنه قول ~~الفرزدق: # فلو كنت مولى الظل أو في ظلاله ... ظلمت ولكن لا يدي لك بالظلم # معناه: لو كنت ذاعز، أو في ظلال ذي عزة. وقال أبو تمام: # القوم ظل الله أسكن دينه ... فيهم وهم جبل الملوك الراسي # وفي حديث أنس بن مالك: "السلطان ظل الله في الأرض" معناه ما ذكرناه. # وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن ~~هذا السلطان # الذي ذكت له الرقاب، وخضعت له الأجساد، ما هو؟ قال: "ظل الله في الأرض ~~فإذا أحسن فله الأجر، # وعلكيم الشكر، وإذا أساء فعليه الإصر، وعليكم الصبر" وقد يكون الظل بمعنى ~~الستر، ومنه قول # القائل للرجل الشريف: أنا ms100 ظلك: أي في سترك وذراك. ولا أزال الله عنا ظلك. ~~ومن هذا ظل # الشجرة، وكذلك ظل الليل وهو سواده. قال ذو الرمة: # قد أعسف النازح المجهول معسفه ... في ظل أخضر يدعو هامه البوم # ويروى: في ظل أغضف. # وقد يكون الظل أيضا بمعنى القرب والدنو والاختصاص، ومنه قول أبي صخر ~~الهذلي: PageV01P277 # ورنقت المنية فهي ظل ... على الأبطال دانية الجناح # ومن هذا قولهم: أظلنا شهر الصوم، وأظلنا الأمير وما أشبه هذا من كلامهم. # رجع # وكتب بعض الأدباء في هذا المعنى بعد الصدر: # وإنى، أعز الله الملك الكريم، لما أضاءت لي أهلة مفاخره في سماء النجار، ~~وأشرقت شموس مكارمه # على مفارق الأحرار، وأبصرت شمائله الزهر تثير من الهموم كامنها، ومحاسنه ~~الغر توقظ من الآمال # قائمها، تيقنت أن القلوب بحق انقادت له في أعنتها، وتهادت إليه النفوس ~~بأزمتها؛ فآليت ألا ألم إلا # بحماه، ولا أحط رحلا إلا في ذراه، علما بأنه نثرة الفجر، وغرة الدهر. ~~فتيممت ساريا في طالع # نوره، متيمنا بيمن طائره، بأمل متحقق الربح، موفق النجح، حتى حللت بدوحة ~~المجد، وأنخت بذروة # السعد، فجعلت أنثر من جواهر الكلام، ما يربي على جواهر النظام، وأنشر من ~~عطر الثناء، ما # يزري بالروضة الغناء، وحاش للفضل أن يعطل ليلي من أقمارك، أو تجلي أفقي ~~من أنوارك، فأرى # منخرطا في غير سلكك، منحطا إلى غير ملكك، لا جرم أنه من استضاء بالهلال ~~غني عن الذبال، # ومن استنار بالصباح، ألقى سنا المصباح. تالله ما هزت آمالي ذوائبها إلى ~~سواك، ولا حدت أطماعي # ركائبها إلى حاشاك، ليكون لذلك في آثار الموسمي للماحل، وعلى جمال الحلي ~~للعاطل، بسيادتك # الأولية، ورياستك الأزلية، التي يقصر عن وصفها إفصاحي، ويعي عن بعضها ~~ثنائي وإيضاحي. # فالقراطيس عندبث مناقبك تفنى، والأقلام في رسم آثارك تحفى. PageV01P278 # ومنها: والسعيد من نشأ في دولتك، وظهر في جملتك، واستضاء بغرتك، والفائز ~~بالسبق من لحظته # عيون رعايتك، وكنفه حرز حمايتك. فأنت الذي أمنت بعدله نوائب الأيام، ~~وقويت بفضله دعائم # الإسلام، تختال بك المعالي اختيال العروس، وتخضع لجلالك أعزة النفوس، ms101 ~~بسابقة أشهر من الفجر، # وفطنة أنور من البدر، وهمة أبعد من الزهر: # لقد فاز من أضحى بكم متمسكا ... يمد إلى تليد عزكم يدا # سلكت سبيل الفضل خلقا مركبا ... وغيرك لا يأتيه إلا تجلدا # يهنيكم مجد تليد بنيتم ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا # وإنما أهدي لمولاي خدمتي، وأضع في ميزان اختياره همتي، لأمتاز في جملة ~~عبيده، وأشهر في # خدمته وعديده: # وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجده # وكل نوال كان أو هو كائن ... فلحظة طرف منك عندي نده # فكن في اصطناعي محسنا كمجرب ... يبن لك تقريب الجواد وبعده # إذا كنت في شك من السيف فابله ... فإما تنفيه وإما تعده # وما الصارم الهندي إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده # وكتب بعضهم بعد الصدر: # ثم إن شكري نعمة الله علي بما جدده من ملاحظة سيدنا حالي، وتداركه بطب ~~التطول مرض آمالي، # بما لا أؤمل مع المبالغة والإغراق فيه، فك نفسي بحال من رق أياديه، غير ~~أني أحسن لها النظر، # وأجمل عليها الأحدوثة والخبر، وأدخل في جملة الشاكرين؛ إذ هو، أيده الله، ~~كعبة فضل، وغمامة # بذل، وحسام حق، ولسان صدق، يحمده أولياؤه، ويشهد له بالفضل أعداؤه، PageV01P279 ~~والليالي بأفعاله مشرقة، والأقدار من خوفه مطرقة، ومازال، أبقاه الله، ينصر ~~نباهتي عن الخمول، ويستنقذني من التعبد # للتأميل، فصرت أعجز عن أوصاف نعمته شكرا، وتنطق حالي عن آثارها فخرا، فأقول: # لما تحصنت من دهري بخلعته ... سمت بحملانه ألحاظ إقبالي # وواصلتني صلات منه رمت بها ... أختال في حلل للجاه والمال # فلينظر الدهر عقبى ما صبرت له ... إذ كان من بعض حسادي وعذالي # ألم أكده بحسن الانتصار إلى ... أن صنت حظي عن حل وترحال # بلغت من لا تجوز السؤل قائله ... ولا يدافع عن فضل وأفضال # ياعارضا لم أشم مذ كنت بارقه ... إلا رويت بغيث منه هطال # رويد جودك قد ضاقت به هممي ... ورد عني برغم الدهر إقلالي # لم يبق لي أمل أرجو نداك به ... دهري لأنك قد أفنيت آمالي # وكتب قريع دهرنا، وأديب عصرنا، الوزير الأجل أبو ms102 عمرو محمد بن عبد الله ~~بن غياث شيخنا، في # المعنى: # الحمد لله موالي الآلاء، ومسبغ النعماء، وجاعل هذا الإقبال، الموذن ~~بالإقبال. عنوان الفتوحات التي # تفتح لها أبواب السماء، ويرتبطها النصر ارتباط الري في الماء، ويخدمها ~~بالسعد الذي تتلاعب مواده # بصروف الدهر تلاعب الأفعال بالأسماء، والصلاة على سيدنا محمد خاتم الرسل ~~والأنبياء، الذي ما # ضل ولا غوى، ولا نطق عن الهوى، فتختلف عليه مختلفات PageV01P280 ~~الأهواء. السراج الوهاج الذي بهرت آياته، وأشرقت إياته وأخرست معجزاته ~~ألسنة الفصحاء البلغاء، وصدعت بأمر الله في تبليغ رسالاته # عزماته مصممة المضاء والإمضاء، ودعا فأسمع بالأسنة واللهى صم العدا في ~~الصخرة الصماء. # والرضا عن الخلفاء الراشدين الهادين إلى السبيل السواء، السالكين من ~~أفعاله وأقواله على المحجة # الحنيفية البيضاء، بأخلاق خلقن من التمني فلاقت كل داء بالشفاء، وعن ~~الإمام المعصوم المهدي # المعلوم الكافي أكف البغي والاعتداء، وعن أصحابه الأئمة الخلفاء ~~المذخورين للأمر العزيز يتوارثه # الأبناء عن الآباء، وراثة مورث العلياء بما توارث من ثراث الأنبياء: # فغار الكفر في ظلم الدياجي ... ولاح الدين في حلل الضياء # والدعاء لسيدنا ومولانا الخليفة الأتقى، ملجأ الدين الأوقى، الموفق ~~الآراء، النافخ أرواح أشباح الأمل # والرجاء بجميع الجهات والأرجاء، المجلي غياهب الظلماء، عن أنوار ~~الاقتداء، سيف الله المحلى # بالمحامد والثناء، المعيد منار الكفر كمنبت الهباء، المصير أهله كهشيم ~~الغثاء: # بعزم يلبس الأيام يمنا ... ويطوي الأرض منشور اللواء # ونصر للرياح به هبوب ... لأقصى الأرض من غير انتهاء # فيصعقهم بصاعقة المنايا ... ويمطرهم شآبيب الفناء # وبعد، فإنه لما كانت هذه (الجزيرة الأندلسية) غربية المعنى على الإطلاق، PageV01P281 ~~فذة الحسن باصطفاق واتفاق، يتمثل بها في الآفاق، وتحدو بأوصافها حداة ~~الرفاق، وتزهى بمنظرها الرائق، وبخيرها # الفائق على الشام والعراق، وكانت بين عدوين يقطعان عنها فيما سلف ~~الإرفاق، من الأمن والأرزاق، # أحدهما البحر الذي هي منه كالمعصم في سوار أو الخصر في نطاق. والثاني ~~الكفر الذي أحدق بها # إحداق الأشفار بالأحداق، وكانا يطمسان أنوارها كالأجفان للنواظر عند ~~الإرتداد والإنطباق، وكلاهما # قد فغر عليها فاه لإضرام الأعلاق، وإطفاء الأنوار الواضحة الإشراق، حتى ms103 ~~عاد بدرها هلالا في # قبضة المحاق، وكادت تبكي عيون السبعة الطباق، إلى أن تلافاها النظر ~~المهدي، والأمر الإمامي، # فأحيا رمقها الخافت، وأعاد كمالها الفائت، فاعتصمت منه أوثق اعتصام، ~~وتوقت منه بأوقى واق، ولم # يزل النظر الإمامي يستمد لها على الدوام، ويلقيه خليفة إلى خليفه وإمام ~~إلى إمام، فيقع منها موقع # الماء الزلال على شدة الأوام، إلى أن أفضى النظر إلى الخليفة العلي ~~الإمام المرضي، المقتفي، أثر # المهدي أبي عبد الله محمد ابن الخلفاء الأئمة المؤيد بالنصر الحفي، الذي ~~لا يكتحل جفنه بمنام، ولا # يخلو خاطره النير عن اهتبال بها وبغيرها وعن اهتمام، فأطلع بآفاقها بدر ~~تمام، يحمل بين جوانحه # إقبال PageV01P282 ~~ضرغام، في ذكاء إياس وعلم ابن العباس وحلم الأحنف ورصانة (رضوى) اختصاصا بواحد # جمع له ما في الأنام، منبسط الوجه رحيب الصدر، يفيض بكفه من كل أنملة بحر ~~إنعام، ويهمي بها # من أفضاله واكف غمام، ويسل على من عاداه سيف انتقام، يجلب له الحمام، قبل ~~وقت الحمام، # وتخدمه صروف الدهر في كل مقام، وييسر له السعد كل مرام، حتى عادت لياليه ~~مشرقة كالأيام، # مجلية دياجي الظلم، وسدف الإظلام. صنو الخليفة الذي تزهى الدنيا به شرفا، ~~ومجتني الخلافة حسبا # ونسبا وسلفا، المقتفي من سنن آبائه الخلفاء ما اقتفى، السيد المعظم ~~الشأن، الموقر المكان أبو إسحاق # المحتسب نفسه وبنيه وماله في نصر الدين وحياطة المسلمين قربات عند الله ~~وزلفى، المجلي من # الضلال والمحال ظلما وسدفا، المفضي عزائمه حتى لا يذر على الأرض كافرا ~~متمردا ولا منافقا # متشوفا، ولا عادلا عن المحجة البيضاء الحنيفية ولا منحرفا. يقود جيوشا ~~يضيق عنها ذرع الزمان، # ويخشى سطوتها طارق الحدثان، وينصرف بأمر الله الذين هم حزبه الملوان: # فمن سره المحيا فسمع وطاعة ... ومن يحسد الموتى يدنه بعصيان PageV01P283 ~~ما منهم إلا روضة ندى، وهضبة هدى، وغمام يحتدى، وحسام به يردى من يردى، ~~ببأسهم على # الدهر يستعدى، وبأنوارهم يقتدى ويهتدى، ملائك لكنهم في الحرب أسود عواجس ~~لهم ملابس، قد # استلموها للحرب فهي ملابس، كتائب ومواكب، تحسدها الكواكب، بواسل بأيديهم ms104 ~~عواسل، كأن أسنتهم # النجوم، نثرتها سماء الدين العلي وفهي لشياطين الكفر رجوم، تقلدوا بوارق ~~وأرسلوها صراعق. ليلهم # عجاجهم، ونور التوحيد سراجهم، بركاتهم قد وضحت وضوح النهار، ولاحت ~~كتائبهم مخايل # الاستبشار: # حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم ... ولووا عمائمهم على الأقمار # وتقلدوا يوم الوغى هندية ... أمضى إذا سلت من الأقدار # ولله إقبال نفخ في شخص الأمن روحه، وجر على الحق كفه، فكان فسيحه، وشفى ~~من الدين لواعجه # وتباريحه، وأهب على الكفر زعزعا ريحه، وركب على ليليه المظلمة سرجه ~~ومصابيحه. فبشرى ثم # بشرى للأندلس والإسلام، وبحمص فكم قد تزخرفت لهذا الإقبال، كأنها جنة ~~الرضوان، فادخلوها # بسلامنزه الله عن السرار بدور كمالهم، وضاعف إشراقا أنوار جلالهم، ولا ~~يضحنا من وارف ظلالهم، # ومن علينا بقبولهم وإقبالهم. # ثم ختم الرسالة بهذه القصيدة الفريدة، التي تختال لها المعالي كما تختال ~~بالحلي والحلل الكواعب # الخريدة، وهي: PageV01P284 # إذا لم يجبني الدهر حين أسائله ... سيتلو لسان الأمر ما أنا قائله # فللملأ الأعلى حديث تذيعه ... لنا ألسن الأيام فهي رسائله # صحائفها إذ تجتلى صفحاتها ... تبشر بالفتح الذي حان آجله # وهل جرت الأقدار إلا بنصره ... فآجله فيه تساوى وعاجله # أما هو أمر الله ليس يفوته ... مراد إذا ما شاءه فهو فاعله # ولما تشكت أرض أندلس وقد ... عراها من الشوق المبرح قاتله # وألقت إلى الأنباء واعي سمعها ... عسى الأمر قد زمت إليها رواحله # وحنت حنين الجذع لكن رجاؤها ... يراسلها لا تحزني وتراسله # فمولاك مصروف إليك اعتناؤه ... ولا شيء عن أسباب نصرك شاغله # فقالت وأنى لي بذلك برهة ... وهذا محل الصبر أقوت منازله # إلى أن تلافاها البشير وجاءها ... كما جاء يعقوب القميص وحامله # وإذا سمعت ذكر البشير تزخرفت ... بزي جنان الخلد أو ما يشاكله # وقابل شكواها الخليفة بالرضا ... فجد وأبواب الفتوح تقابله # ووجه جيشا والسعود تقوده ... بحزم كإعصار الرياح قنابله # درار دوار فوق أفلاك ضمر ... تريك ارتداد الطرف كيف تعاجله # تباري الرياح العاصفات ولا يرى ... لها أثر في الترب حين تزاوله # فمن منعل بالبرق أجرد سابح ... سليم شظاه لم يحرق أباجله PageV01P285 ~~ومن أخضر خاض ms105 الدجى إذ سرى به ... وخاضت به نهر النهار أسافله # ومن أشقر كالتبر إذ سال ماؤه ... عليه فغشاه من التبر سائله # ومن أشهب كالشيب حل بمفرق ... فسال على المسود منه يزايله # وورد ولكن كالدهان مهفهف ... أقب أسيل الخد نهد مراكله # عليه هزبر ترجف الأرض خوفه ... براثنه أسيافه وعواسله # عجبت له في الحرب مر لقاؤه ... وقد عذبت للواردين مناهله # عجبت له مذكان في المهد لم يزل ... يقوم به الملك الذي شق بازله # أما هو سيف الله سل على العدى ... وما غمده إلا التقى وحمائله # هو السيد الأعلى المحبب للورى ... هو الفذ لكن لا تعد فضائله # فأنى يضاهى أو يباهى علاؤه ... وقد جمعت شمل المعالي شمائله # قدوم أبي اسحاق يمن ورحمة ... وأمن وفتح يجمع الكل شامله # فلله يوم قد تجلى بأفقه ... وليس له بالأفق نور يماثله # تخدناه عيدا لا نرى العيد غيره ... أواخره محمودة وأوائله # فقل لذوي الإلحاد ما كان ظنكم ... بذي لجب لجاته وصواهله # إذا أم أرض الشرك تنشد أهلها ... صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله PageV01P286 ~~إذا حل حزب الله يوما بساحتي ... أصيبت من الكفر الصريح مقاتله # ألم يعلموا أن صالت الأسد في الوغى ... وعن لها لا تستطيع تصاوله # ألم يعلموا أن الغمام إذا همت ... سحائبه لا تستطيع تساجله # ألم يعلموا أن البحار تمدها ... إذاهي فاضت بالنوال أنامله # ألم يعلموا أن الزمان تهابه ... حوادثه في كل أمر يحاوله # حسام ولكن في يد الأمر مرهف ... سنان ولكن في يد الحق عامله # وهذا البيت مما أجاد فيه الاستدراك والتقسيم، ودافع في صدر كل حديث ~~وقديم، سلك فيه مسلك # البلغاء من المتأخرين، واحتذى حذو المجيدين منهم والماهرين، كقول أبي بكر ~~بن عمار: # غصن ولكن النفوس رياضه ... رشأ ولكن القلوب عراره # وكقوله أيضا: # ببدر ولكن من مطالعه الوغى ... وليث ولكن من براثنه الهندي # وكقوله أيضا: # بدور ولكن السماء محارب ... وأسد ولكن العرين حروب # وكقول حسان بن المصيصي: PageV01P287 # جر الذيول ولكن من محافله ... على التناد ولكن من شبا الأسل # رجع # تهيم به زهر النجوم بأفقها ... فطورا تناجيه ms106 وطورا تغازله # وهل هي إلا من أسارير وجهه ... فمن ذايباهيه سنى أو يعادله # فلا خطب إلا وهي عنه تذوده ... ولا حادث إلا وعنه تناضله # إذا قيل شمس فهي من بعض نوره ... وإن قيل بحر فالبحار جداوله # ولو كان هذا البيت في مدح الرسول، لبلغ به غاية السؤل، وألقى إليه كل ~~ناظم طائعا وأعطاه صفقة # يده مبايعا: # فلو وهب الدنيا لأقسم أنها ... أقل نوالا للأنام يناوله # ولولم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله # لو أن ما أولى الورى فاض في الثرى ... لضل به البحر المحيط وساحله # قرارة علم ثم رضوى رصانة ... ودوحة فضل ثمرتها فواضله # له شيم مأثورة الفضل لم تزل ... وسائل من أعيت عليه وسائله # همت ببساط الأرض سحب هباته ... وعمت جميع العالمين نوافله # سمي خليل الله أندلس غدت ... مقام وحيث الغزو فيها تواصله # وأنت ولي الله ناصر دينه ... ومن يخذل الإسلام فالله خاذله # وكل ولي أو عدو فإنه ... بما عامل الله الكريم يعامله # وياحمص بشرى ثم بشرى عميمة ... بحزب هدى وافاك والله كافله PageV01P288 ~~قوله: # ولو لم يكن في كفه غير نفسه # البيت # هو لمسلم بن الوليد وقد تمثل به أبو تمام في قصيدة له مدح بها المعتصم ~~وفي مدح السيد أبي إسحاق # هذا يقول الأديب الكامل أبو العباس أحمد بن شكيل رحمه الله قصيدته ~~الفريدة وهي: # بشراي دالت دولة المعصوم ... بحيا العفاة ونصرة المظلوم # بقدوم إبراهيم سيدنا الرضا ... قدمت وفود السعد خير قدوم # حيت محياه المواسم والتقت ... منه العيون على أغر وسيم # وتحدث الحي الجميع بقربه ... فتروحوا في نضرة ونعيم # فالظل ممدود كأنا في ذرى ... عدن به والشرب من تسنيم # والأرض راجفة وما رجفاتهم ... إلا لأن بها قلوب الروم PageV01P289 ~~شهد الزبور بها وللإله ... فضلا على المنثور والمنظوم # عذبت موارد جوده فلو انني ... أوردتها لشربت شرب الهيم # حاولت مدحته فبت بليلة ... ما ليل مهجور وليل سليم # تبت القوافي في يدي فأنسها ... بجلاله فتفر من تنظيم # حتى كأني مفحم أو أن بي ... عيا وذاك العي غير ذميم ms107 # ولقد وثقت بحلمه فنظمتها ... سعيا لعمرك ليس بالمذموم # مدح الأمير ابن الخليفة قربة ... لله كالتكبير والتعظيم # قل للذي شاد النسيب مقدمآ ... مدح الأمير أحق بالتقديم # فإذا طربت إلى النسيب فنفثة ... بعد الصلاة على ذوي المعصوم # وإذا بلغت إلى الخيام فبلغن ... مني الخيام ودائع التسليم # لهفي على حي حلال قوضوا ... خيم الربا لبناء خيم الخيم # ومضوا ولو أن النجوم نواظر ... عاروا عيون الشهب بالتغييم PageV01P290 ~~ولأن عين الشمس عين رفعوا ... ظلل العجاج على عماد الكوم # لاثوا مدثرة السجوف وظللوا ... فوق الحدوجعلى شقيقة ريم # قمر الجمال فسل بها وبخدرها ... من هالة محفوفة بنجوم # جربت لذات النفوس فلا أرى ... كالركب يخبط في حشى الديموم # مترنمين على ذرى كيرانهم ... وصريرهابدل من الترنيم # في كل طامسة الصوى لا يهتدي ... فيها الدليل بمعلم معلوم # كانت صحائف قفرها غفلا فقد ... رسم السرى وخدي بها ورسيمي # قل للمطي تجلدي لا بد من ... صنو الخليفة فاقعدي أو قومي # سيري على اسم الله في أملي فقد ... ضمن المطالب جود إبراهيم # سيري إلى ملك رضى في ماله ... حق لسائله وللمحروم # القائد الخيل العتاق كأنها ... سيدان رمل أو نجوم رجوم PageV01P291 ~~فيها قتات الطير يرتع بالضحى ... ولها انقضاضة لقوة يحموم # نضح الحميم جلودها فتضوعت ... فكأن مسكا رشح كل أديم # من كل ورد خاض بحرا من دم ... فنجا بلون الأحمر المذموم # أو أشقر غشته شمس جبينه ... شفقا وعطفاه هبوب نسيم # أو أصهب شرب المدام أديمه ... فأقل فارسه برسم قديم # أو أشهب رقمت قراطس جلده ... فأتى الوغى بكتابه المرقوم # أو أبلق كالقدح يحسب أنه ... قد قلدت منه الوغى ببريم # أو أدهم أرخى الظلام سدوله ... منه على طرف أحم بهيم # خيل الأمير أعدها فكلاهما ... خلف من النعمان واليحموم # يا خيل مولانا أبيني حالة ... فلقد خلطت الضمر بالتطهيم # أمع الأعنة تمرحين تجاذبا ... وعلى الكتيبة شدة التصميم PageV01P292 ~~إن كنت غزلان الصريمة فاسنحي ... أو كنت عقبان السراء فحومي # لما استهل بها الثغور صوارخا ... طلعت طلوع العارض المركوم # تقع السنابك بالصفا فترى به ... آثارها كالطابع المختوم # قالت جموع الروم حين وطئتهم ms108 ... ويل لبيض رؤوسنا المخطوم # فيها بروق المشرفية لمعا ... تعد الكماة بجحفل مهزوم # والزاعبية كل صل مطرق ... شره لسد المهجة المكتوم # والخافقات كأن أفئدة العدى ... أكسبنها الخفقان بالتعليم # والمسردات من الدلاص كأنها ... عرض السلامة رد للتجسيم # وأراك في الجيش اللهام وأهله ... قلبا يصان بجؤجؤ وحزيم PageV01P293 ~~ولو انفردت من الفوارس للعدى ... لهزمتهم بالآي من حاميم # الله حزبك لا الخميس وأهله ... والنصر جندك ليس كل شتيم # إن الإمام رآك في أعماله ... كالبدر يسطع ليلة التتميم # فرمى ظلام الظلم منك بنير ... عدل رؤوف بالعباد رحيم # يقظ نقاب ظنونه كيقينه ... إن العلوم نتائج الترجيم # بات الطغاة على المضاجع غفلا ... عما يراد وبات غير نؤوم # تأبى السياسة أن يهوم ساعة ... أنى تحامي الملك يالتهويم # وهو الحكيم يزينه سفه الوغى ... إن الحليم هناك غير حليم # بشر يتامى المسلمين بوالد ... منه يحوط ذمار كل يتيم # والممحلات من البلاد بوابل ... من جوده يحيي الأنام سجوم # ولتنذر الروم الطغاة بعاصف ... من باسه مثل الدبور عقيم # ظنوا به قد زارهم متوشحا ... بنجاد عضب الشفرتين صميم # في عصبة التوحيد يقدمهم بأب ... هة الجلالة في حلى التكريم # يرتد طرف العين عنه مهابة ... ويجل لولا الحلم عن تكليم PageV01P294 ~~فإذا تنادينا بحضرته روت ... عنا النحاة غرائب الترخيم # وإذا رأوا جري القضاء بأمره ... فهموا يقين الحزم والمحزوم # كم ذا أفضل مدحه ولو انني ... كنت ابن صفوان خطيب تميم # لعجزت عن وصف الأمير وإنما ... يومي الخديم بمقصد مفهوم # أجد الثناء عليه يعدل حجة ... وعلى ذويه كعمرة التنعيم # إن القوافي ذو تقل لقدره ... ليقل عنها قدر كل عظيم # إن كن درا فهي من تنظيمي ... أوكن زهرا فهي من تنجيمي # وإذا انتسبن نمين أكرم معشر ... من آل قحطان وأشرف خيم # صدفية كندية ترعى المنى ... فلربما أكلت مرار سمومي # دفنت بأنقرة مع الضليل فاس ... تخرجتها من ثوبه المسموم # عربية في بقعة عجمية ... فرت إلى صدري من التعجيم # فمن ادعى السحر الحرام فإنني ... بحلال هذا السحر حق زعيم # وإلى أبي إسحاق مولانا الرضى ... يا نفس أمي جل من مأموم PageV01P295 ~~وخذي أمانا ms109 من زمانك عنده ... فلقد أجاز عليك حكم ظلوم # من مبلغ عني الخطوب بأنني ... آوي لركن ليس بالمهدوم # فات الغنى كفي فكم من حاسد ... فرح وكم من صاحب مهموم # فطلبت جدواه ليحدقني غنى ... سيان فيه حاسدي وحميمي # ورجوت خدمته ليخدمني الورى ... فأفوز باسم الخادم المخدوم # قال أبو إسحاق: # قد جئت بهذه القصيدة على طولها، وأثبتها بكمالها، لانطباعها، وقلة ~~فضولها. وكل منصف يشهد # بتفضيلها. فبمثلها يحل الكتب ويسير حيث شاء الركب، ولله در أبي العباس ~~فلقد كان في النظم طويل # الباع، كثير الانطباع، متأخرا بذ الأوائل، وحط من مراتبه كل متطاول وقوله: # فإذا تنادينا بحضرته روت ... عنا النحاة غرائب الترخيم # يريد أن السيد الممدوح ذو هيبة ووقار وسكينة وجلالة، فإذا تنادوا بحضرته ~~تنادوا بلفظ خفيف # سهل، لأن الترخيم تخفيف اللفظ وتسهيله، فإذا قلت: رخم الاسم فمعناه سهل ~~النطق به بحذفك منه. # قال الأصمعي: أخذ عني الخليل معنى الترخيم وذلك أنه لقيني فقال لي: ما ~~تسمي العرب الكلام # السهل؟ فقلت له: العرب تقول: جارية رخيمة: إذا كانت سهلة الكلام قالذو ~~الرمة فأوضح معناه: PageV01P296 # لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر # فالهراء الكثير، والنزر القليل، فأراد أن كلام هذه الجارية محذوف ~~الأطراف، ليس فيه زيادة على ما # يراد، فعمل الخليل باب الترخيم. # وأنشدني بعض أشياخي قولابن المعتز وهو من أملح ماقيل في تكرير اللفظ ~~وأحسنه، وفيه ذكر # الترخيم: # لساني لسري كتوم كتوم ... ودمعي بحبي نموم نموم # ولي مالك شفني حبه ... بديع الجمال وسيم وسيم # له مقلتا شادن أحور ... ولفظ سحور رخيم رخيم # فدمعي عليه سجوم سجوم ... وجسمي عليه سقيم سقيم # ومما يستحسن أيضا من تكرير اللفظ، قول الفقيه أبي غالب منصور بن إسماعيل ~~لكنه في طريق # الزهد، ومقصد أولي التوفيق والرشد، وهو: # إذا كنت تزعم أن الفراق ... فراق الحياة قريب قريب # وأن المقدم ما لا يفوت ... على ما يفوت معيب معيب # وأن المعد جهاز الرحيل ... ليوم الرحيل مصيب مصيب PageV01P297 ~~وأنت على ذاك لا ترعوي ... فأمرك عندي عجيب عجيب # وزاد الهروي ms110 محمد بن القاسم من قوله: # وأن الموفق في الحالتين ... لقصد السبيل عجيب عجيب # وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجملة من الصحابة، ابن مسعود وغيره ~~(ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك)، وتبعهم على # هذه القراءةسليمان ين مهران الأعمش قال أبو الفتح عثمان بن جني هذا من ~~أحق الأشياء بالترخيم، # لأنه موضع قد ذهبت فيه قواهم، ولم ينفعهم شكواهم، فضعفوا عن تتميم نداء ~~مالك؛ خازن النار وابن # صفوان الذي ذكر أبو العباس، هو خالد بن صفوان، وكان إذا ذكر الغريب من ~~الكلام بحضرته قال # (ليس هو بغريب وإنما نحن الغرباء فيه). # وقوله: # إن القوافي ذو تقل لقدره # البيت # جاء به على لغة طيء، لأنها تجعل ذو مكان الذي ولا تغيره عن حاله في جميع ~~الإعراب بل يجيء # به على هيئة واحدة في إفراده وتثنيته وجمعه، وتذكيره وتأنيثه. قال أبو ~~حاتم: وهي لغة كثير من # فصحاء العرب. PageV01P298 # وأنشد أبو زيد: # فإن بيت تميم ذو سمعت به ... فيه تنمت وأرست عزها مضر # ومثله قول الحسن بن هانئ: # حب المدامة ذو سمعت به ... لم يبق في لغيره فضلا # وقوله: (يا نفس أمى جل من مأموم) معناه اقصدي. يقال منه: أمه يؤمه أما: ~~إذا قصده. والأمة # الجماعة من هذا المعنى، لأنها تؤم جهة واحدة، ومنه الأمة: القدوة للأنام ~~في الخير. كقوله تعالى (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله) # لأنه يؤتم به ومنه الأمة: القامة لأن العين تمتد إليها وتؤمها. ومنه أيضا ~~الأمة: الاستقامة، لأنها تؤم، # أي تقصد على طريقة واحدة خلاف التخليط في المذاهب. ومنه أيضا الأمة: ~~الحين، للجماعة التي تؤم # جهة واحدة. ومنه أيضا الأمة: أهل الملة الواحدة كقولهم: أمة موسى، وأمة ~~عيسى، وأمةمحمد صلى # الله عليهم وسلم. # ذكر معنى هذا كله أبو عبيدة معمر بن المثنى. والمأموم: # المقصود إليه، والمأموم: المصلي خلف الإمام. والمأموم الذي شج مأمومه، ~~وهي من الجراح التي # تبلغ أم الدماغ، وأم الدماغ هي الجلدة التي قد جمعته. # قال ذو الرمة: PageV01P299 # كأنه بين شرخي رحل ساهمة ... حرف إذا ms111 ما استرق الليل مأموم # أي مشجوج. ورجل مموم: إذا أصابه الموم. # وقوله: (ورجوت خدمته ليخدمني الورى) البيت، من قول أبي تمام في أبي سعيد ~~محمد بن يوسف # الثغري: # ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم ... فإني لم أخدمك إلا لأخدما # ومثله أيضا قول أبي جعفر محمد بن عبد الملك في الحسن بن سهل من قصيدة له: # لم أمتدحك رجاء المال أطلبه ... لكن لتلبسني التحجيل والغررا # ومن مدائح الأديب أبي العباس قوله: # الله أكبرهذا وجه إسحاقا ... هذا الهلال وهذا الشمس إشراقا # هذا الإمام الذي طابت مخابره ... وطاب نفسا وأغصانا وأوراقا # هذا الذي جيدت الدنيا بنائله ... وأورق الصخر من جدواه إيراقا # هذا الذي أمن الفج العميق به ... وطير الروم والصلبان إشفاقا # هذا الذي هجر الأوطان محتسبا ... في طاعة الله يفني العمر إنفاقا PageV01P300 ~~يا فرحة الثغر بالملك المؤيد بل ... يافرحة الدين والدنيا بإسحاقا # لما تجلى رأته عين طاعتنا ... جمرا فأعضاؤنا قد صرن أحداقا # لكنما مقلة الإذفنش قد شخصت ... فما تديرمن الإطراق حملاقا # في قلبه منك نيران مسعرة ... تفني الجوانح إلهابا وإحراقا # نزل الجحيم أتاه قبل مهلكه ... فإن تمادى به كفر فقد ذاقا # في أبيات غير هذه، وفي قصائده انطباع وتطويل، يشهدان له بالتقديم ~~والتفضيل. وقد أثبت من # كلامه في هذا الديوان ما يعذب سماعه، ويحسن استطلاعه. # وكتب أبو النصر: # أطال الله بقاء الأمير الأجل صفوة المجد الصميم، وغرة الزمن البهيم الذي ~~استظهرت المعالي بعلياه، # وفخرت الأواخر على الأوائل بلقياه، للملك يبرئه من أوصابه ويبقيه في ~~قصابه، ويقيه من استلابه # واغتصابه. # قد تحولت الرئاسة، أيدك الله، إذ تحولت عنها حولا، وعاثت فيها الأيام، ~~وكانت لها خولا، فعادت # كالأفق غابت شمسه، والجسد ذهبت نفسه، والأنامل عدمت ظفرا، والديار ~~الأوائل أصبح أهلها سفر # المحصب غداة النفر، أو كنصيب بعل ليلى بالجفر فهي تبدو كالمعصم فارقه ~~السوار، والكمام تساقط # عنه النوار. لا تتحرك من سكونها، ولا تأوي طير الآمال إلى وكونها. وكيف PageV01P301 ~~ينبسط انقباضها؟ ويرتفع بعدك انخفاضها، وكنت لها بدرا فهجرت مطلعها، وفؤادا ~~فأقفرت أضلعها. وكم راقت بك # صفحتها، ms112 وهبت بأذكى من المسك نفحتها، حتى كأن الشبيبة حشو لوائها، أو ~~الغزالة بعض أضوائها. # فأجفانها عليك باكية، وإليك بمضض الثكل شاكية. تتفجع على ملك كان لها ~~جمالا، وتتوجع على سير # غدت لها يمينا وشمالا. ولئن فارقت منها معهدا مألوفا، ومشهدا بالكتائب ~~محفوفا، بما يبدو منها سنان # لامع، ولا يغدو لها مطيع ولا سامع. وكيف يؤلف جسم بغير فؤاد؟ ومن يركب ~~نمورا بعد جواد؟ وما # تركتها إلا بعد أن ألحفتها بالبهاء، وأجريتها إلى أمد الانتهاء. وقد تهجر ~~نفائس الأعلاق، وتبلى # المليحة بالطلاق. # ولم تحط - أيدك الله - إنما الملك حط من فلكه، وعطل من حلى ملكه. فالنجوم ~~إذا غارت أورثت # المطالع ارتدادا، وكستها بعد الإنارة تعدادا. والتاج تضربه المفارق، ~~ويهون بعده المفرق المفارق، # والشمس تتهاداها المغارب والمشارق. # وله في المعنى وضمنها شكية. # أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، الذي أشرق به الإسلام وأنار، ~~ولاح به للعدل علم # ومنار، للحقائق يجلو ظلامها، ويزيل عن يد الباطل زمامها. # قد أولاني - أيده الله - من إسعافه، ووطأني من أكنافه، وثنى إلي من عدله ~~وإنصافه، ما عصم حالي # من اختلالها، وشفاها من اعتلالها، فما تألمت من حادث إلا شفاه، ولا شكوت ~~من أمر كارث إلا كفاه، # والله يقارضه بثواب يعدو لديه حاملا، ويجعله في الحشر كالئا وكافلا، بمنه. PageV01P302 # ووقع - أدام الله تأييده - أمر فزعت إليه في وقعه، ورجوت إليه جبر صدعه، ~~وذلك أن فلانا، وفقه # الله فيما جعل إليه، وأوضح له مشكل ما يقع بين يديه، لم يقنع مني منذ ولي ~~إلا بالتحيف والاهتضام، # والمثول بين يديه في المحاكمة والاختصام، ولم يرض بوكيل يكون عوضا، وأجعل ~~أمري إليه # مفوضا، فعدلت - أيدك الله - أحكامي عنه، وأزلتها منه، وآليت أن أصرفها ~~إلى من يزيل تخييلها، # ويسلك بها سبيلها. # وقد كان خاطبه القاضي فلان - وفقه الله - بعقود، أثارتها غوائل وحقود، ~~ليس بها على مثبتها، # وليس عليه قبل تثبتها. فلما أعاد نظرها، وأجاد تدبرها، بان لديه تدليسها، ~~واستبان إليه تلبيسها، # فشاور، الفقهاء بالأندلس والعدوة، واتخذهم قادة وهو القدوة، فأجمعوا على ms113 ~~تقطيعها، والتنكيل لمشيعها # ومذيعها. ونفذت بذلك فتاويهم، واتفق عليها قاضيهم، فتلوم فلان المذكور في ~~ذلك واشتمل عليها # واحتوى، ثم زعم أنها ضاعت من مستودعه، وأخذت من مرفعه. وأنا أضرع إلى ~~أمير المسلمين - # أيده الله - في مخاطبتي بإسلامها إلي، وصرفها علي، والله تعالى يبقيه ~~للعدل سراجا وهاجا، ولا يبقي # به من الأمور اعوجاجا. # وله في مثل ذلك: # أطال الله بقاء الأمير الأجل، ناصر الدولة، ومحي الملة، الحميد الشيم، ~~البعيد مناط الهمم خافقة، # وآيات الأمل نافقة، لديه سنيات الأعمال، لو أن النجوم - أيدك الله - عن ~~أفلاكها منتقلة، وبمنازلها # مستبدلة، لما اتضحت إلا في جبينك، ولا ارتاحت إلا إلى يمينك. هذا ومنها ~~الثريا والسماك، ومطالعها # بروج وأفلاك. # فكيف لا تحتشد لديك الهمم، وترد موارد نداك الأمم، ومكانها PageV01P303 ~~حضيض، وليس لها إشراق ولا وميض. وإني وإن كنت من هذا الصنف الأرضي، والجنس ~~البشري، # فلي نفس لا تقنع بمكانها، ولا تقر إلا في مرفع كيوانها. فهي لا تعرج إلا ~~على السها، # ولا تتفرج إلا في سدرة المنتهى ولذلك لم تبد # الابتسام إلا إلى ملكك، ولم أر الانتظام إلا في سلكك، وقد سرت مسير ~~الشمس، ولم يبق لي غيرك من # ملوك الإنس، فما استسغت عند ملك لهم جيشا، ولا وجدت رقيقهم إلا خيشا، ~~فعلمت أني في فنائك # أستقر، وأن عيني باجتلاء عينك تقر، فقوضت إليك رحلي، وبشرت بخصبك محلي، ~~وجعلت أخب # وأخذ، ولا ألوي على من أجد، إلى أن فرغت من الأرض وصحوت من سراها، وقربت ~~لي الفلك # فقلت: (بسم الله مجراها ومرساها) وما زلت بين قوادمها وخوافيها، ألاحظ ~~المنايا حينا وحينا أوافيها، حتى حط لي في جانب # حضرتك الشراع والسفين، وآويت منها (إلى ربوة ذات قرار ومعين) فقلت ~~(ادخلوها بسلام آمنين) وقدمت كتابي بين يدي لقائي، وجعلته طليعة رجائي، # ورأيه - أيده الله - فيما يراه من تنويه الوصول، والتوجيه المأمول. إن ~~شاء الله. PageV01P304 # قال أبو إسحاق: # لم يذكر أبو نصر في جواز البحر إلا ثلاث كلمات، وأعرض عن ذلك إعراض ~~الخاشع عن # الملهيات، وأمسك عنه إمساك ms114 الزاهد عن الشهوات، وأين هو من قول أبي الوليد ~~بن حزم طود الذكاء # والفهم في أبي العلاء بن زهر حيث يقول: # يا بن زهر طإ الثريا عبيرا ... وحصى البيد لؤلؤا وعقيقا # وتلق الهواء وهو طليق ... كمحياك حين تلقى الصديقا # ما ترى الريح كيف هبت رخاء ... لك بعد الهبوب ريحا خريقا # وضحى البحر هيبة لك لما ... جئته سالكا عليه طريقا # غمرته من راحتيك بحار ... صاح من وجهها الغريق الغريقا # فرق اللج منه حين استطارت ... منه أحشاؤه فريقا فريقا # جزه ياابن الكرام أرضا ذلولا ... أو فقده إن شئت طرفا عتيقا # وانتض الحزم حيث كنت حساما ... واصحب النجح حيث كنت رفيقا PageV01P305 ~~وتفيأ علاك ظلا ظليلا ... وتنشق ذكراك مسكا فتيقا # ومن قولالرصافي أبي عبد الله المنزه عن التعقيد والاستكراه، حيث يقول في ~~هذا المعنى من قصيد # فريد له في ملك متواضع أواه: # تسنم الفلك في شط البحار وقد ... نودين ياخير أفلاك العلا سيري # فسرن يحملن أمر الله من ملك ... بالله منتصر بالله منصور # تومي له بسجود كل محركة ... منها ويوليه حمدا كل تصدير # لما تسابقن في بحر الزقاق به ... غادرن شطيه في شك وتحيير # أهز من موجه أثناء مسرور ... أم خاض من لجه أحشاء مذعور # كأنه سالك منه على وشل ... في الأرض من مهج الأسياف مقطور # من السيوف التي ذابت بسطوته ... وقد رمى نار هيجاها بتسعير # ذو المنشآت الجواري في أجرتها ... شكل الغدائر من شكل وتضفير # من كل عذراء حبلى في ترائبها ... ردعان من عنبر ورد وكافور # تخالها بين أيد من مجاذفها ... يغرقن في مثل ماء الورد مبخور PageV01P306 ~~وربما خاضت التيار طائره ... بمثل أجنحة الفتح الكواسير # كأنما عبرت تحتال عائمة ... في زاخر من ندى يمناه معصور # حتى رمت جبل الفتحين من كثب ... بساطع من سناه غير مبهور # والقصيد طويل مستعذب في الأسماع والعقول. # وكتب أبو النصر أيضا: # أطال الله بقاء الأمير الأجل شهاب الرئاسة المستنارة، وحسامها الماضي ~~القرار، معتليا على أسلاكها، # مغتديا بين فرقدها وسماكها. # كتبت، أيده الله، وقد حللت هذا الجناب، ونزلت عن ms115 متون الركاب، صادرا عن ~~قلعة حماد، ومسرعا # إسراع الجياد إلى الآماد. وعندي من التطلع إلى علائهما ما لو كان بجفن ما ~~رمق، أو بلسان ما نطق، # أو بنجم ما ظهر، أو بفجر ما اشتهر. وقد كنت واليت مطالعته من كل أرض، ~~وقضيت منه كل سنة # وفرض، وأعلنت بإشعاره إعلاني بالإيمان، وكلفت بشيمه الطاهرة كلفي بطاعة ~~الرحمن. وما زالت # الأيام تعد لمفاوضته وتمني، وتبعد سبب مداخلته وتدني، حتى قربته تقريب ~~اللفظ من المعنى، # وصرت منه قاب قوسين أو أدنى، فعصف قدر أجراني بحكمه وقضائه، وعداني عن ~~اقتداء ذلك الحظ # واقتدائه، PageV01P307 ~~فأصبحت في ديار بكر بن وائل ... ونزعت عن تلك الربا والخمائل. # والآن أرجو تقريب ذلك الوعد؛ إذ كنت باقيا على العهد. والأمير الأجل ~~يحلني من اعتنائه محلا # رفيعا، ويشفع الود الذي اتخذته بين يديه شفيعا. إن شاء الله. PageV01P308 ### || AUTO فصل ومن أحسن ما كتبوا في صدور الرسائل # أطال الله بقاء الأمير الأجل، السيد الأفضل. وجوانب أمره محمية، وهممه ~~علية، ومراميه في الكلام # قصية، وسيرته في الأولياء حفية، والفجاج إلى سؤدده مطوية، ولا زال له في ~~كل فضيلة شفوف # ومزية. # كتبته، - أيده الله - من مدينة كذا، كما يجب من إجلال قدره، وإجمال ذكره، ~~وتوفيه والقيام بشكره. # وقد علم - أيده الله - مالي في طاعته الممهدة بعدله، سقى الله أكنافها، ~~وأمن أوساطها وأطرافها. # وفي المعنى: # أطال الله بقاء الأمير الأجل، وسعده حاشد حافل، وصنع الله تعالى لأوامره ~~العلية كافل، ولا زال # الأمن يشمل بلاده، والنصر يصحب أجناده، والرعب يذعر أضداده، ويكثر سواده. # كتبته عن طاعة أرجو عند الله تعالى قرضها، وأقيم في السر والجهر فرضها، ~~والله المستعان على # حفظ حدودها، ومراعاة مواثيقها وعهودها. # وفي المعنى: # أطال الله بقاء الوزير الأجل، السيد الأفضل، وموارده خيرة، وأيامه صاحية ~~مستنفرة، والدنيا # بمحاسنه مفتخرة. # كتبته أيده الله والود تليد، والعهد حميد، والثناء مبدئ ومعيد. PageV01P309 # وفي المعنى: # أطال الله بقاء سيدي الأكرم، ومنادي الأفخم، وسندي الأعصم، وفسح مهله، ~~وتمم آلاءه الحسنى قبله، # وأنهضه بأعباء ما حمله. # كتبته، وعندي لك ms116 البر الأحفى، والإكرام الموفى، وقد توافت لك كتب كثيرة، ~~ومطالعات خطيرة، # واصلت فيها الاهتمام، ووفيت الذمام. ومثلك - ولا مثل لك - حفظ عهود ~~الإخوان، وعلم أن حسن # العهد من الإيمان. # وفي المعنى: # سيدي الأعلى، وظهيري في الجلى، لا زالت الخيرات إليك وافدة، والمسرات ~~عليك واردة، ودمت # وأيامك وأوطارك مساعفة مساعدة. # سيدي الأعلى، وظهيري الأعز الأحمى، وصفي الأكرم الأولى، تمليت النعمى، ~~واجتليت الحسناء # والحسنى، وبلغت من الدارين الحظ الأسنى، ولا زالت آمالك تتيسر وتتسنى. # وفي المعنى: # أطال الله بقاء الفقيه الأجل، المشاور الأفضل، كبيري الموقر المبجل، ~~محمية أرجاؤه، متأتية أوطاره # وأهواؤه، عبقا ذكره وثناؤه، ولا زال معمورا بالآمال ذراه وفناؤه. # وكتبته، أدام الله عزك، عن مصافاة في ذات الله معقودة، وموالاة على البر ~~والتقوى مشدودة، وأندية # بمحاسنه مشهودة، ومظاهرة بقيادته معضودة، والله، عز اسمه، يتكفل بسجاياه ~~المحمودة، ويجزيه # أعلى مراتب شفوفه المعهودة. # وفي المعنى: # أيد الله الفقيه الأجل، الإمام الحافظ الأكمل، قاضي الجماعة الأورع ~~الأفضل، بعصمته وتقواه، وجعله # في كنفه المنيع وحماه، وتولاه بالحياطة فيما PageV01P310 ~~يتولاه، وكافأه على جميل نظره وصالح مسعاه، ولا زال متقلبا في رحمته ورضاه. # آخر: # أيد الله الفقيه الأجل الإمام الأوحد قاضي الجماعة، وأعد له كرامة ~~الأبرار، وأخلصه بخالصة ذكرى # الدار، وأدام الحق به عالي الشعار، والعدل واسع المضمار، منتشر الأنوار. # كتبته، وأنا أبره وأعظمه، وأوجب حقه وأقدمه وأوفي شكره وأتممه. # آخر: # أطال الله بقاء الرئيس الأجل، الزعيم السيد الأفضل، لابتناء سؤدد ومجد، ~~واقتناء شكر وحمد. # ولازال أوفى الناس بذمة وعهد. # كتبته، والشوق في نحره مبتدر، والقلب في أمره منحدر، وقد كان الزمان ~~بأنسه استدار وأشرق به # الأفق ونار، وزار الفضل كله حين زار، ثم استقل ظاعنا بظعنه وسار، فلا جرم ~~أن العيش استحال، # وأن الليل على قصره طال: # وما ذقت طعم الماء إلا وجدته ... سوى ذلك الماء الذي كنت أعرف # وفي المعنى: # سيدي وكبيري ووليي، وظهيري الذي أعده لمهمات أموري أعزك الله بالتقوى، ~~وأوردك من رضاه # المنهل الأروى، وأسبغ عليك النعمى، وجعلك وإياي في كنفه الأحمى. # كتبته ms117 كما يكتب الصديق شاكرا لما أوليتني من مشاركة بره، ومكارمة ثره، ~~وقد تقدم ذلك غير ما # مره. PageV01P311 # وفي المعنى: # سيدى الأعلى، وعلقي الأنفس الأغلى، الذي أزور منه على البعد أكرم مزور، ~~ويحط الشوق شخصه # في الضمير حط حقيقة لا حط زور، وبقيت موفي حقوق المبرة غير منزوف ولا ~~منزور، ولا زلت # موجود المشاركة والاهتبال، ماثلا في كل خاطر وبال، تجبر مهيضا، وتستفيد ~~الشكر والأجر عريضا. # وفي المعنى: # أيد الله الفقيه الأجل، الإمام الأوحد الأكمل، قاضي القضاة الأقصى ~~الأعدل، تأييد ولي أجمع على # محبته الأهواء، وقيض له في العدل والسياسة الظهراء، وما زال علمه يقتبس، ~~وذكره على الأسماء # يحتبس، ومحله الجليل يعظم ويقدس. # وفي المعنى: # أطال الله بقاء الفقيه الأجل، الإمام القاضي الأفضل، هضبة السؤدد والحلم، ~~وحامل لواء المجد # والعلم. والعدل يعتصم بناديه، والفضل يتسم بواديه، ولازالت البشائر ~~تستقبل وافديه، وتروح وتغدو # إلى رائحه وغاديه. # وفي المعنى: # أطال الله بقاء الفقيه الأجل، وثناؤه يعبق، وشأوه في المجد وغاياته يسبق، ~~ولا زالت الأيام في # اعتلائه وارتقائه تتأنق، ووجه أفقه يتألق ببشره ويتطلق. # وفي المعنى: # سيدي الأعلى، ومعتمدي في الجلى، المقلد المنتضى، والعماد المرتضى، الذي ~~ارتاح لذكره الأرج، # واجتلى من ذكره كل مبهج، لا زال أمرك رشيدا، ونظرك سديدا، ووطؤك على أهل ~~العقوق شديدا، # ومداك في كل صالحة بعيدا، وذكرك، أعزك الله، يجري، والخبر يثبث ويسري، ~~وتذكر أخلاق الفتى # وهو لا يدري. PageV01P312 # وفي المعنى: # أطال الله بقاء السيد الشريف المشرق منتماه، الطيب معتزاه، الباهر مجده ~~وسناه، ودرر بيانه تتقلد، # وغرر لسانه تعمر عمر الدهر وتخلد، ولا زال قدوة علم، وهضبة سؤدد وحلم. # وفي المعنى: # أطال الله بقاء رئيسي الأسنى، المأنوس المغنى، مرتديا بالنصر، معتليا على ~~مفرق النسر، قد هبت # نوافح معاليك، أيدك الله، فطاب مسراها ووكفت سحاب أياديك، فصاب نداها ~~بنسيم تلك مدى الأيام # عاطر، وغمام هدى على الأنام ماطر. # وفي المعنى: # سيدي الأعلى وعمادي الأسنى، ومشرعي الأصفى، وحظي الأكرم الأوفى. لا زلت ~~ظافرا بآمالك، # وممتعا بذويك وآلك، محفوظا من المكاره في نفسك ms118 الكريمة ومالك. # كتبته يا أهلي عن العهد الأكرم، الموثق الذمم. يا سادتي الأخلاء، وإخواني ~~الأصفياء، وأهل مودتي # الأوفياء الكرماء. أدام الله لكم البشرى وافية، وأوردكم موارد النعمى ~~صافية، وألبسكم ملابس الكرامة # سابغة ضافية. # كتبته شاكرا لصلاتكم، ومتحققا فضل مساهمتكم وموالاتكم. أيها الأخ الصميم، ~~والولي الحميم، # والماجد الكريم حالفك السقي العميم، وعاقدك الترفيع والتعظيم، ولا برحتك ~~النضرة والنعيم، وسقى # بلدا أمست به علاك تحله من المزن ما تروي به وتشيم. PageV01P313 ### || AUTO فصل ومن أحسن ما كتبوا في استفتاح الصداقة # قديما تواصل الناس على البعد، وتهادوا ثمر الإخلاص عن الود، وإن لم يتقدم ~~سبب موجب # للتواصل، ولم يرد رائد مقتض للتراسل، وما أقول إن مخالطة تمكنت لا سبب ~~لها، ومباسطة تهدت لا # باعث عليها. فإن جنوح النفس لاستصفاء الفضلاء، واقتناء مودات الأولياء، ~~أقوى أسباب الارتباط، # وأرعى أبواب الاختلاط. ومحال أن تنجذب نفس، إلى من ليس لها به أنس، أو ~~يكلف ضمير بمن # ليس له به حظ موفور. وقد تحلت مخاطبتي إياك، بحلي المحبة فيك، والمعرفة ~~بجميل مذاهبك # ومساعيك، والرغبة في اقتناء خلتك، وادخار صداقتك، لما اشتهرمن أحوالك ~~الجميلة، وظهر من # خلالك النبيلة، ومن كان على ما أنت عليه، فمرغوب فيه، منجذب إليه، مطلوب ~~إخاؤه، مخطوب # صفاؤه، محبوب على البعاد، مفدى حتى من الأضداد. # وفي المعنى: # إن كانت المعرفة لم تحق، (فكم أثر أهدى من عين)، (وكم خبر أغنى عن خبر). ~~وإن كانت الألفة لم # تتفق. فرب طارف حديث، أكرم من تالد موروث. ومنابت الفضل باسقة الفروع، ~~حميدة الجميع، # طيبة الجنى، جميلة المخبر والمرأى، لا تروق إلا بما يرف، ولا تثمر إلا ~~بما يشف. وأنت أعزك # الله، في أطيبها معدنا، وأكرمها موطنا، ومن أزكاها مغرسا، وأسراها منبتا، ~~ولا يرد منك إلا ما يعبق # نسيمه، ويلذ شميمه، ويروق منظره، ويفوق مخبره، وما زلت PageV01P314 ~~أعرف لك الحق الوكيد، والسبق البعيد، # والسعي الحميد، والقول السديد. فلاشك أنك غرة في وجه الدهر البهيم، ~~ومعذرة من إساءة هذا الزمن # المليم؛ فما أخطأت عنك الفراسة، ولااختلفت فيك الرئاسة؛ بل ms119 أوفيت على ~~المقدار المظنون، وأتيت # من وراء المتيقن المضنون. ولئن أخذت في ذكر فضائلك، أو عطرت كلامي بطيب ~~شمائلك، فلسان # الأيام بها أفصح، ولها أشرح، وإن عدلت إلى وصف ما أعتقده فيك وأضمره، ~~وأطويه من ودادي لك # وأنشره، فشاهد الضمير بها أنطق، وعنه أصدق، فليس إلا الإتفاق والإصطلاح، ~~على ما تتناجى به # النفوس والأرواح. # وفي المعنى: # وربما تهيأت الصداقة، وتمكنت العلاقة، على تنائى الديار، وبعد الأمصار، ~~بالأخبار السائرة، # والأنباء المتواترة ببارع المناقب، وباهر المذاهب، وجميل التناسب، وسامي ~~المنازل، وجميل # الفضائل، فتتعارف القلوب ويجمعها عقد الوداد، وإن تناءت الأشخاص في ~~البلاد، وينتظم سلك # الصفاء، وإن لم يكن سبيل إلى اللقاء. وقد خطبت ودك، ورجوت أن أجده موطأ ~~الكنف، مهيأ اللطف، # سلس الزمام، سهل المرام، لما فضلك الله بضروب من المفاخر وصنوف من ~~المآثر، تتأملها أعين # النظار، وتتحملها ألسن الأخبار، ويخطها سواد الليل على بياض النهار، ~~ويحدد بها حادي الرفاق إلى # أقاصي البلاد والآفاق، ويسري بها سراة الركبان، إلى أقاصي البلدان، حتى ~~لقد أسمعوها كل أذن # صما، وأروها كل عين عميا. فألوية الحمد عليك خافقة، وألسنة المجد بفضلك ~~ناطقة. والله تعالى # يبقيك للمكارم نظاما، وللأفاضل إماما، بمنه. # وفي المعنى: # إن كانت المداخلة بيننا لم يفرج لها باب، ولا علقت بها أسباب، ولا رمي PageV01P315 ~~لها في محصبها جمار، ولاعطف بنا نحو كعبتها اعتمار، فقد جمعتنا في معرف ~~المعرفة مواقف، وضمتنا من معالم العلم # معاهد ومآلف، ووشحت بيننا من أواصر الأدب أنساب، وضربت علينا في مدارس ~~الطلب قباب، ولا # غرو من تداني القلوب على تنائي الديار، وائتلاف النفوس مع اختلاف النجار، ~~فقد تتعارف الأنداد # على البعاد، وتتناكر الأضداد مع قرب السواد والوساد، وربما ألف تشاكل ~~الشيم والأخلاق، بين # مستوطن الشام وساكن العراق، وقديما حن زهر الغور إلى نسيم نجد، وامتزج ~~عنبر الشحر بمسك # الهند، على أني لا أدعي رتبتك في فنون العلم والآداب، ولا أتعاطى إلا ~~بشرط القياد والأصحاب، # ومن يضاهي محل الفرقد، بمنبت الغرقد، ويشبه رتبة التقليد، بدرجة النظر ~~والتوليد، أو يقارن بين ms120 # الالتباس والبيان، ويعارض قوة القياس بضعف الاستحسان؛ لكني وإن لم أعد في ~~رعيلك، ولا أضيف # مبرمي إلى سجيلك، فعندي من بضائع الكلم ما ينفق في سوقك، ولدي من سوامي ~~الهمم ما يعبق # ببسوقك، ولعل بعض كلامي يمد في ذراك، ويحظى برضاك، ويصادف عندك رأيا ~~جميلا، ويستوقف # لحظك ولو قليلا. بقيت حلية للدهر فائقة، وغرة في وجهه رائقه. # وفي المعنى: PageV01P316 # أما وأحاديث فضلك صحيحة الإسناد، وأدلة سروك قوية العماد، ومطالع علمك ~~وفهمك ساطعة # الأنوار، ومناهج هديك وسعيك واضحة الصوى والمنار، فلا عجب أن تحوم على ~~سرعة مداخلتك # حوائم الألباب، وتنتهز في التماس مواصلتك فرص الدواعي والأسباب، ولم أزل ~~مولعا برائق صفتك، # وملتمسا سبب معرفتك، حرصا على التجمل بحليتك، ورغبة في التيمن بصلتك، ~~لأنك، والله يبقيك، # أحق من احتذي على مثاله، واقتدي بصالح أعماله، واستقرت آثار البر في ~~مواقع خطاه، وانتسخت # أخبار الزهد والقصد من صحائف هداه، وأجدر بمن اتخذ صاحبا، وسلك من سبلك ~~أثرا لاحبا، أن # يأمن في جدك مسالك العثار، ويعدم في جوارك نقع الفتن المثار، والله تعالى ~~يبقيك لأشتات الفضائل # نظاما وفي كل صالحة إماما، ويوسع النعمة بك وفيك سبوغا وتماما. # ولما اتفق شخوص فلان إلى الحضرة، وعلمت أن انجذابه إلى جنباتك، ووعيت عنه ~~جملا حسانا من # صفاتك، رأيت أن أصحبه خطابا، وأمد في ساحة الانتظام طنبا وأسبابا، حرصا ~~على أن يتوكد في # ذات الله إخاؤنا، وتتفق في سبيل مرضاته وطرق طاعاته أنحاؤنا، وحملته مع ~~ذلك من لطائف الحمد، # ومخائل الود، ما إذا أعرته ناظر تأملك، وصادق تحملك، علمت به خلوص ضميري، ~~وصفاء نميري، # وسلامة عهودي، ودمانة تهائمي ونجودي. # وفي المعنى: # كتبته عن ضمير اندمج على سر اعتقادك صدره، وتبلج في أفق ودادك بدره، ومال ~~على صفحات # ثنائك مسكه، وصار في راحتك ملكه. ولما ظفرت بفلان، حملته من تحيتك زهرا ~~جنيا، يوافيك عرفه # ذكيا، ويقضي من حقك فرضا مقضيا، على أن شخص جلالك لي ماثل، وبين ضلوعي ~~نازل، لايمله # خاطر، ولا يحل عقده ناثر. PageV01P317 ### || AUTO فصل ومن أحسن الجواب ms121 على أنواع هذا الخطاب # مرحبا بك أيها البر الفاتح، والروض النافح، فما أحسن تولجك، وأعطر تأوجك، ~~لقد فتحت بالمخاطبة # بابا طال ما كنت له هيابا، ورفعت حجابا ترك قلبي وجابا، وما زلت أحوم ~~عليها شرعة، فلا أسيغ # منها جرعة، وأغازلها أملا، فلا أطيقها عملا، وألاحظها أمدا، فأموت دونها كمدا: # وفي تعب من يحسد الشمس نورها ... ويطمع أن ياتي لها بضريب # إلى أن وردني كتابك الخطير، مشتملا على ضرب من الكلام، رائع الإعلام، ~~يقرب من الأفهام، # ويبعد نيله عن الأوهام، قد أرهفت نواحيه بالتهذيب، وطرزته بكل معنى غريب، ~~وحسنت معانيه # باللفظ الرائع المهيب، فازددت به تهيبا ورعبا، وعاينت منه مركبا صعبا، ~~وقلت التغافل عن الجواب، # أولى بذي الصواب، إذ ليس بأديب من يقيس الشبر بالباع، والمد بالصاع، ~~والجبان بالشجاع. فمن # طلب فوق طاعته افتضح، ومن تعسف الخرق النازح رزح، ومن سبح في البحر فكم عسى أن # يسبح، لاجرم أنه اقتضى في المراجعة صديق لنا، كريم علينا، لم يلتفت إلى ~~معذرة، ولاسمح في # نظرة، فتكلفتها بحكم عزمته تحت قراح خصر، ونازح PageV01P318 ~~بصر. فقد يكدي على علمك الخاطر، ويخوي # النجم الماطر، وربما عاد اللسن في بعض الأوقات لكنا، والجواد كودنا، وبحر ~~القريحة ثمدا، وحسام # الذهن معضدا؛ فإن تفضلت بالإغضاء، وسامحت في الاقتضاء، وسلمت لك في اليد ~~البيضاء، وبرزت # لشكرك في الفضاء، واجتليت منه، أدام الله عزك، بمعنى تعذر تلاقينا عند ~~قرب تدانينا، فصولا # حسانا، حسبتها برهانا، ورأيت السحر الحلال عيانا؛ ولئن اعترض عائق الزمان ~~من دون ذلك الأمل # وقد عادنا من أمم، وصار أدنى من يد لفم، فإن نفوسنا، بحمد الله، في ~~المقاصد والأغراض، متلاقية # على موارد الإخلاص والإمحاض، والله تعالى يحفظ جواهرنا من الأعراض، ~~ويصونها من الانتكاث # والانتقاض، بمنه وطوله، إنه على كل شيء قدير، بيده الأمر والتدبير، وأما ~~ما جلاه سيدي من # صورة الود، في معرض الجد، فقد ثوى بين الجوانح محلالا يؤم الدهر عقده ~~حلا، ولا يزال حبي في # رعيه مسهدا، وقلبي لصونه ممهدا، إن شاء الله، وأقرأ عليك، يا ms122 سيدي ~~المعظم، في خلدي سلاما # شريف النصاب، كريم الأحساب. والسلام الأتم على سيدي الأعظم، ورحمة الله. # وفي المعنى: # أهلا بمجدك النافح، وودك المصافح، الذي سفر عن الأنس محياه، وبعث إلى ~~النفس نفس السرور # ورياه، ففعم أرجاءها، وأولاها رجاءها، وإني بمفاتحتك لأسر من حاتم ~~بالضيف، ومن الهائم بالطيف، # كما أني بحلتك أغبط من عمرو بالصمصامة، ومن المحل بصوب الغمامة، فخذني في ~~زمام ودادك # منقادا، وأطلعني في سماء اعتقادك كوكبا وقادا، لا يغور ولا يغيب، ولا ~~يحجبه أبدا PageV01P319 ~~عنك مغيب، ودونك من صفائي منها لا يحلأ وارده ولا تكدره موارده، ومن إخلاصي ~~غصنا لا يدركه ذبول، ولا # تغبه صبا للتعاهد ولا قبول، بحول الله تعالى. # وكتب أبو عبد الله بن أبي الخصال مجاوبا لمستأذن في الزيارة: # أيها الساطع نشرا وأرج ... كيف يستأدننا من قد ولج # كيف يستأذن من مسكنه ... في عيون ونفوس ومهج # ما على المسك ولا البدر ولا الصب ... ح من اذن إذا الصبح انبلج # إنما أنت سنى تهدي شذى ... في سنى بالقلب والروح امتزج # وافتني لسيدي وظهيري، لازالت هممه تعلو الهمم وتفوتها، ونفائسه تغذو ~~النفوس وتقوتها، رقعة خلع # عليها سناه، وعنيت بحوكها يمناه، فجاءت كالحلة يضاحك الشمس إبريزها، ~~ويحاسن الروض تفويفها # وتطريزها. بدائع ينحط عن ذروتها البديع، ويقتبس من جذوتها الأشقر الصديع. ~~سامرها الأدب # معينا، وخامرها الطبع معينا، فجلاها حورا عينا؛ فلله طرسك وما نسق، وبرك ~~لقد علا وبسق. # وأهلا بك من عريق سبق، وسليل خطي صدق. لشد ما استوليت PageV01P320 ~~على مداك، واستويت إلى سماء منتداك، وتقيلت أباك وطعنت في ثغر النحور عداك ~~ولعا لك من منتم إلى سابق لم يلحقه عثار، ولا شق له غبار. وحبذا منتماك. ~~لقد ذكر جوارا، وحرك من عهدنا الماضي حوارا. لا جرم أن عهدي بك ناضر، وإنه # بك على الغيبة القصية حاضر، وياماء من أنبأك أني صاد، ويا صبح قد كانت ~~عيني لك بمرصاد. # ومحال أن يستأذن على النفس مناها، وعلى الكبد الحرى ريها وبشراها، وعلى ~~العين الساهرة كراها: # أنت الكرى مؤنسا عيني وبعضهم ms123 ... مثل القذى مانعا عيني من الوسن # ورعى الله داعيا إلى البر دعا، ورحم الله من نبت على دمنته المرعى. # وأقرأ عليك سلاما هو المسك فتيتا، والدر نظيما وشتيتا. # يواليك مقيلا ومبيتا. والسلام المجدد المردد عليك، ورحمة الله وبركاته. # ولغيره: # أما البلاغة فأنت ابن بجدتها، وأما الفصاحة فأنت لا بس بردتها، وأما ~~البراعة فأنت رافع علمها، # وممسك بعنانها وقلمها، ولا غرو فمن غذي بصفو الأدب، ورقي منه أسنى الرتب، ~~أتى من الإبداع # بالعجب العجيب، وتقنص شأوه بالسهم المصيب. ولما فضضت ختام كتابك الخطير، ~~وتأملت ما # أودعته منه في السطور، رأيت بدائع دوتها السحر، ولآلئ يزدهى بها النحر، ~~وغرائب يعذب بها لو # مازجه البحر؛ فاعترفت إليك بالتقصير، وقلت أنى يقاس السها PageV01P321 ~~بالبدر المنير. وماكفاك، أبقاك الله، # حتى قابلتني بما لو قوبلت به النجوم لانحطت إليك من سمائها، والغيوم ~~لترقرقت عليك من أرجائها، # أو السموم لسمحت بنسيمها وأندائها، وذلك ما أبديته مما أديته، بل أهديته ~~من تلك الرسالة المطبوعة # المساق، الغريبة الازدواج والاتفاق، التي أنت رب قلائدها، وأبو فوائدها، ~~وولي خرائدها، وواحد # أقرانه جلالة، وقريع دهره جزالة، ونسيج وحده أصالة. # فالحمد لله الذي أخطرني ببالك، وعرضني على اهتبالك، ولله زمان سبب فتح ~~باب مخاطبتك، وأوان # خلع علي حلة مواصلتك، ومازال ودك في طي الجوانح، وإن شط المزار، وعيانك ~~في أنحاء # الضلوع، وإن نزحت الديار، وقد تقحمت لمجاوبتك لجة، وآثرت بمعارضتك ما هو ~~على حجة، لا # زال جدك مقبلا، وسعدك متصلا، بمنه. والسلام. PageV01P322 ### || AUTO فصل ومن أحسن ما كتبوا إلى الإخوان وأطلعوه من غرر البيان # يا سيدي، وأعظم عدوي والعسق الخطير في معتقدي. الحميد عهده، الوكيد على ~~مر الأيام عقده، # ومن أبقاه الله قريب المراد، خصيب المراد. وردني، أعزك الله، كتابك ~~الأثير، والنفيس الخطير، فسر # بما أهداه من صلاح حالك، كما أساء بما أداه من اشتغال بالك، بإعياء ~~المذهب، في سوء المطلب، وما # سد الله بابا، إلا فتح أبوابا. فهون على النفس العزيزة أعاد الله أنسها ~~وانس فوت مالم يحتم، وتعذر # مالم يقسم، ولا ms124 تكترث لسهم أخطأ، وحظ أبطأ، فما كل ساع يحظى، ولا كل غريم ~~يقضى، ولا كل # سهم يصيب، واذكر قول حبيب: # وقد يكهم السيف المسمى منية ... وقد يرجع المرء المظفر خائبا # فانتض، أعزك الله، من أثواب الغربة، إنك غير مملول الصحبة، وتنزه عن نوال ~~المذلة، رب مكثر # بعد قلة، وانصرف راشدا، ولا تهب حاسدا، فالحاسد لئيم، والمحسود كريم، ~~وأقبل إلي، مغتبطا بما # لدي، فحالي حالك، ومالي مالك، لا يخونك عسر، ما دام لي يسر: PageV01P323 # ولا تتبع التثريب نفسا جهدتها ... على فوت حظ نيله لم يقدر # فقد يخلف المطلوب ما ظن معذر ... وتجني المنى عفوا يمين المعذر # إذا كنت في قدر الدراري رفعة ... فقل لليتامى رب نجح مقهقر # ولا تيأسن من عودة الدهر إنه ... يمر ويحلي ليس هذا بمنكر # وما تتقي من شامت عند نبوة ... وحدك أمضى من فتور بأحور # ولا عار في تقصير جد بسائق ... إذا لم يكن في باعه بالمقصر # ذرالهم في الأعراض إن أعرض القنا ... بجوهر فهم يزدري كل جوهر # ففي كفك اليمنى يسير من المنى ... إذا أعسرت كف الغني بمعسر # وفي سحرك المنظوم تعجيز بابل ... وفي وشيك المرقوم تكسير عبقر # أدال الله يدي من بينك، بأوبة يقربها لمح عيني وعينك، وحرس مهجتك ~~الكريمة، إنها الحظ # والغنيمة. # قوله (فقد يخلف المطلوب ما ظن معذر): المعذر في طلب الحاجات، هو المبالغ ~~المجتهد الذي أعذر: # أي أتى بعذر صحيح. والمعذر # بفتح العين وتشديد الدال مكسورة، هو المتواني في أمره، فهو مقصر فيه، ~~ويوهم أن له عذرا ولا # عذر له. ويكون أيضا بمعنى معتذر، أدغمت التاء في الدال. والاعتذار يكون ~~بحق مرة، وبباطل مرة. # ويقال أعذر في الأمر، إذا قصر فيه. # وقرأ ابن عباس والضحاك PageV01P324 ~~وحميد (وجاء المعذرون من الأعراب). بالتخفيف، وتابعهم يعقوب. ورواها قتيبة ~~بن مهران عن # الكسائي ورواها أبو كريب عن أبي بكر بن عياش عن عاصم. ووجه التخفيف فيه ~~أي الذين بالغوا # في العذر. ومنه قولهم (قد أعذر من أنذر). وقرأ الجمهور وجاء المعذرون. ~~بالتثقيل. على أن الأصل # المعتذرون، ms125 فأدغمت التاء في الذال كالمزمل والمدثر والمذكر وشبهها. # قال المفسرون مجاهد وقتادة وغيرهما: هم نفر من غفار جاؤوا النبي عليه ~~السلام فاعتذروا إليه، فلم # يقبل منهم لعلمه صلى الله عليه وسلم أن اعتذارهم باطل. # وقرأت في النوادر قول أبي بكر بن دريد ليس المقصر واحدا كالمقصر. حكم ~~المعذر غير حكم # المعذر. # وقوله (ذر الهم في الأعراض) الأعراض جمع عرض، وهو معلوم. PageV01P325 # وقوله (إن أعرض القنا) أي: إن أعرض القنا عنك، هو من قولهم: أعرضت عن فلان، وأعرض # هو عني. ومعناه: تنحيت عنه وتنحى هو عني، فأريته عرض وجهي وأراني عرض ~~وجهه. ويقال # أيضا: أعرض لك الشيء إذا بدا. ومعناه أراك عرضه. ومنه قول عمرو بن كلثوم: # وأعرضت اليمامة واشمخرت ... كأسياف بأيدي مصلتينا # وفي هذا اللفظ اشتراك، وبابه متسع. # وقوله: (أعسرت كف الغني بمعسر) يقال: أعسر الرجل يعسر إعسارا، فهو معسر ~~إذا افتقر، ورجل # أعسر، يقال ذلك أيضا للذي يعمل بشماله. وعسر الشيء عسرا. وفي كتاب الله ~~تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). قال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والضحاك: اليسر: الإفطار في السفر، والعسر: الصوم فيه وفي المرض. # وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة وهو محصور: ~~(إنه مهما تنزل # بامرئ شديدة، يجعل الله بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين). # قال أبو سليمان قوله: لن يغلب عسر يسرين إنما هو تأويل قوله تعالى (فإن ~~مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا). وفي ظاهر التلاوة # عسران ويسران؛ إلا أن المراد به عسر واحد؛ لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر PageV01P326 ~~مذكور بلفظ التنكير مرتين. فكأن كل واحد منهما غير الآخر. # وقال الفراء: العرب إذا ذكرت نكرة، ثم أعادتها بنكرة مثلها صارت اثنتين. ~~كقولك: إذا اكسبت # درهما فأنفق درهما. فالثاني غير الأول. وإذا أعدتها بمعرفة فهي كقولك: ~~إذا كسبت درهما فأنفق # الدرهم، فالثاني هو الأول. # قال الفراء: (ومن هذا قول بعض الصحابة: لن يغلب عسر يسرين. وقال بعض ~~المتأخرين: (هما # سواء لا فرق بينهما، والذي ms126 استشهد به الفراء غير ذلك. وذلك أن القائل إذا ~~قال: إن في الدار زيدا إن # في الدار زيدا مرتين، لم يدل على أنه غير زيد واحد، كما لم يدل على أكثر ~~من دار واحدة). # قال: وقول عمر (لن يغلب عسر يسرين) معناه أن للعسرين يسرين. إما فرج عاجل ~~في الدنيا، وإما # ثواب في الآخرة. # وقال محمد بن المؤمل في قوله تعالى (إن مع العسر يسرا) قال: هو من مظاهر ~~القول، يراد به التوكيد كقوله (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون). # وكقول الشاعر: # إذا التياز ذو العضلات قلنا ... إليك إليك ضاق بها ذراعا # وكقول الآخر: PageV01P327 # هلا سألت جموع كند ... ة حين ولوا أين أينا # وقوله: (من مظاهر القول) مما يؤكد ويقوي القول؛ من الظهير، وهو العون. # وقوله: (تكسير عبقر). عبقر موضع باليمن ينسج فيه الديباج. # قال الأصمعي: إذا استحسنت العرب الشيء واستجادته قالت فيه عبقري. وأصله ~~أن عبقر موضع # تجود فيه صناعة الوشي. قال الراجز: # متكئات فوق فرش العبقر ... في جنة الله الجليل الأكبر # وقال ذو الرمة: # حتى كأن رياض القشع ألبسها ... من وشي عبقر تحليل وتنجيد # وفي حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أريت في المنام أنازع # على قليب بدلو بكرة، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف. ~~والله يغفر له، ثم جاء # عمر بن الخطاب فاستحالت غربا، فلم أر عبقريا يفري فريه حتى روى الناس ~~وضربوا بعطن". ومنه # قول زهير: PageV01P328 # بخيل، عليها جنة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا # قال: # والمراد بهذا، والله أعلم، قصر مدة خلافة أبي بكر رضي الله عنه لأنها ~~كانت، فيما ذكر، سنتين # وثلاثة أشهر وعشرة أيام. وطول مدة خلافة عمر رضي الله عنه، لأنها كانت ~~عشر سنين وستة أشهر # وأربعة أيام. ذكر هذا أهل العلم بالتاريخ. # رجع # جواب الرسالة المتقدمة: # يا مولاي وسيدي، ورب النعم الجسيمة، سيدي ذا الأيادي الغر، والنعم الخضر، ~~والمواهب الجزيلة، # والمذاهب الجميلة، والهمة العالية، والرتبة السامية، والآداب المنخولة، ms127 ~~والشمائل المعسولة، ومن أطال # الله بقاءه، والآمال موقوفة عليه، وحنان النجاح في يديه، والسعد دائم، ~~والحسود راغم، تجري الأقدار # على مرغوبه، في تسيير مطلوبه. # كتبته، أبقى الله مولاي وسيدي، عن العهد الكريم، والود السليم، لاغاية له ~~فأحدها، ولانهاية فأقف # عندها؛ لكنني أحيل على معهود، غير محدود، ولما بعدت الدار، وشط المزار، ~~لم يبق من التواصل، # غير التراسل، فهو عند الاضطرار، تواصل الأحرار، بقينا نتعلل بالحروف، ~~ونقيم الصفة مقام # الموصوف، فجفت الموارد، وقل الصادر والوارد، فلا وصل إلا بخيال يسري، أو ~~نسيم يجري: # ولما أتتني الريح من نحو أرضكم ... وقد ضمخت بالطيب كل المسالك # تذكرني عهدا كريما وجيرة ... كراما نماهم كل أروع تائك PageV01P329 ~~وإذ أنا شرقي العذيب بفتية ... تملكهم أخلاقهم كل مالك # يبذون أبناء الزمان نجابة ... ورقة آداب ولين عرائك # حننت ونار البين بين جوانحي ... تثير سحابا عن هموم هوائك # وأيقنت أن الطيب أطيب ... ... قد اكتنفت بيتي علي بن مالك # فتى لو ألمت بالقبور حلاوة ... شمائله أحيا بها كل هالك # ولو خاطب الكفار في نبذ كفرهم ... لعاد إلى نهج الهدى كل آفك # ولو أن نور البدركان كنوره ... لما استصعبت سير الدجى نفس سالك # مهذبة أعراقه في نجاره ... مقابلة من سامك حذو سامك # فمن قاسه بالناس جهلا بقدره ... يكن مثل من قاس اللجين بآنك # فلونهما قد يستوي عند ناظر ... وبينهما بون بعيد لسابك # وهذا كقول أبي جعفر التطيلي: # والناس كالناس إلا أن تجربهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصر PageV01P330 ~~كألأيك مشتبهات في منابتها ... وإنما يقع التفضيل بالثمر # وفي المعنى: # يا مولاي ومؤيدي، ومصادي ومعقلي، ومصدري في الحادثات وموردي، الرفيع ~~المزير، القليل # الشكل والنظير، ومن أطال الله بقاءه خافقا لواء عزه، وشاهقا بناء حرزه، ~~قد طوقني مولاي ومؤيدي # لا يحيط بها قول ولا ذكر، ولا يبلغها وصف ولا نشر، ولا يؤديها عني عمل ~~ولا شكر: # وكيف أؤدي شكر من إن شكرته ... على بر يوم زادني مثله غدا # فإن رمت أقضي حق بعض الذي مضى ... رأيت له فضلا علي مجددا # فالله ولي جزائك، على ما كان ms128 من نعمائك، ووصل كتابك أسر الكتب عندي منظرا ~~ومخبرا، وأجلها # موردا ومصدرا، أشهى من لمحة الحبيب، وغفلة الرقيب، فحل من قلبي محل الماء ~~من الظمآن، # والوصل بعد الهجران، والنماء بعد النقصان، والشفاء بعد السقم، والوجود ~~بعد العدم. فحمدت الله على # ماأعلمتني فيه من سلامة حوبائك، وشكرته على ذلك شكر المعتد ببقائك، ~~المبتهل إليه في حسن # ولائك، ودوام نعمائك. # فلما فرغت من قراءة الكتاب، أخذت في الجواب، فأنفذته نحوك متطلعا ما ~~عندك، فلما تأخر جوابك، # ظننت أن كتابي لم يصل، فأردفته بكتابي هذا مؤكدا عليك، بل راغبا في ~~إجابتي نحو بابك، # ومطالعتي بكتابك، وحركني ما أنا عليه من محبتك، والشوق إلى رؤيتك، أن قلت ~~أبياتا يسيرة من # الشعر، تشهد لي ببعض الأمر، فلك الفضل في الإصغاء إليها، وعليها، وهي: PageV01P331 # أحن شوقا إلى أبي الحسن ... كأن أهلي لديه أو وطني # ما في حنيني إليه من عجب ... صبري عنه من أعظم المحن # ما باختيار صبرت عنه ولو ... أعطيته مني الوصل لم أبن # أوحكم القلب في زيارته ... لطار شوقا إليه من بدني # أقسمت بالله يا أبا حسن ... ماذقت مذ غبت لذة الوسن # ولست أعتد مدة سلفت ... لم تك فيها معي من الزمن # ولا أريد المقام في بلد ... لم تك من ساكنيه يا سكني # يريد قومي بأن أثاقبهم ... ولا يكاد الفؤاد يسعدني # كم أكثروا عذله فقلت لهم ... حب بني مالك تملكني # ياقوم إني إذا أبنت لهم ... خشيت ربي بأن يعذبني # كم لعلي علي من منن ... غر وكم نعمة قد ألبسني # وكم أياد بيض له قبلي ... يؤدني حملها ويثقلني # فلست أقضيه حقها أبدا ... لكن لساني الشكر ليس منى # لا زال في عزة وفي شرف ... ما سجع الهاتفات في فنن # وفي المعنى: # يامولاي بعلائه، وسيدي بسنائه، وتتابع مننه وآلائه. دوحة ظلال، وروضة ~~آمال، الذي إن كاثرت # به كثر، أو فاخرت بحمده بهر، ومن أدام الله بهجة أيامه، ومتع العباد بعدل ~~أحكامه. # كتبته، أبقى الله مولاي وسيدي، إثر ما ورد كتابه الرائق، بل شهابه ~~الطارق، مطرزا بسحر بيانه، ms129 # موشحا بوشي بنانه، يرفل في أثواب البلاغة الضافية، ويكرع في PageV01P332 ~~مواردها الصافية لفظ سكر في المراشف، لدن المعاطف، إن سمته أطمع، أورمته ~~امتنع، سوانح أفكار، بين نظم ونثار، كلاهما أليق بالنفس من ذمائها، وأشهى ~~إليها من حياتها، تكاد الأقلام تدعيه، والقراطيس تعيه، إن قرئ فالأسحار # ساجدة، أو نشر فالأعلاق كاسدة، نقده معجز، ونيله معوز، وحق لمن انتمى ~~البحر إلى كرمه، # وتواضع النجم إلى هممه، وحل السحر بين لسانه وقلمه، أن تقلده الكتابة ~~دررها، وتكسوه البلاغة # تحجيلها وغررها. وكيف لا، وفكره قد غذته الفطن بمائها، وأنارته العلوم من ~~سناها وسنائها، فالذكاء # يعده، وبحار العلوم تمده. لا جرم أن من تعاطى شأو مباراته، وتعرض إلى ~~ميدان مجاراته، أتعب # خاطره، وأسهر ناظره، وفصح اليقين ظنونه، وأرتج باب القول دونه. ولما ~~تطلعت العين في رقومه، # وسفرت إلى الفؤاد بمنثوره ومنظومه، طوى خلبه عليه، مغتبطا بما لديه، فكم ~~غلة برد، وأنس جدد # بل كم أمل بلغ، وجذل سوغ. كتاب هو من العين انسانها، ومن الحياة أمانها، ~~ماذكر من الشوق إلا # الذي أجده، ولا وصف من الود غير ما أعتقده، ولما أردت الأخذ في مراجعته، ~~أيده الله، خذلتني # فكري، وسكنت بلاغته حصري، فرأيت التجامل عن التثاقل، أولى من العتاب في ~~رد الجواب. # وفي المعنى: # أطال الله بقاء الفقيه الوزير، والسيد الفاضل المزير، أبي فلان مولي ~~المحاسن ومالكها، وباني # المفاخر وسامكها، اللابس من الحمد سبع دروع، والماجد بأكرم PageV01P333 ~~أصول وأنجب فروع. إنسان عين # زمانه، وحاوي قصب السبق في زمانه، ذو المجد المؤثل، والقدر المرفل، ومعال ~~خفضت كل عال. # كبت الله حاسديه، وأنمى غبطته وكثر غابطيه، وتمم نعماءه، وحرس من فرده ~~الحاسدين سماءه. # كتبته عن لسان يخدم ما أضمره، وجنان يستقل كثيره ويستنيره، وذكر أعطر من ~~الند يعبق شذاه، # والروض ينفح في نداه، وأطيب من الراح، تشج بالبارد القراح. أعيده ترديدا، ~~فأجده لذيذ المذاق # جديدا. تشوفت النفس تفديك، إلى جميل ذكر تهديك، وشكر تضوع برياه، بجام ~~تنم حمياه، فسمحت # القريحة بنزر وجهت به على عجل، مستقيلا ما مر ms130 من عثار فيه أو زلل، فتصفح ~~بمثل عطفك، على # شريطة الصفح ما قصر عن جليل وصفك. والسلام. # وفي المعنى: # يامولاي إقرارا، وإلى الحق بدارا، اعترافا وقولا بما سلف من آلائك التي ~~هي الكواكب شهرة، # والحصى كثرة: ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب. # ومن أطال الله بقاءه بعدل يضعه، وجميل يصنعه، وشكر يمسك لواءه، ومجد يشيد سناءه. # كتبته، أيدك الله، وأنا في مخاطبتي إياك بين فقر تعرض، وحصر يعترض، وخاطر ~~يقدم، وقلم # يحجم، وحق لمن أجال فكره في منصبك المنيف، ومحلك الرفيع الشريف، ومجدك ~~الكثيف وجلالك، # وكريم خلالك، ولو كانت له براعة سحبان PageV01P334 ~~ويراعة بديع الزمان، أن يدهش جنانه، ويخرس لسانه، # وترعش بنانه، غير أن الإدلال، يقتضي الاسترسال، فكل يحل عقده، وينفق مما ~~عنده، وإن كنت في # ذلك كمن سابق الجواد بمطية، وفاخر غانما بعطية. ولما ورد كتابه الخطير ~~الذي هو ريحانة النفس، # وسر السرور والأنس، مددت يد البدار إليه، ووقفت وقوف الحريص عليه، فاطردت ~~لي البلاغة من # أثنائه، وتضوع المسك من أرجائه، وأدارت الفصاحة عليه جريالها، وسحبت ~~مختالة أذيالها، وقد # انتظم فيه وشي صنعاء بزهر الرياض، وسحر بابل بغنج الأعين المراض. وقد أخذ ~~النثر صدر # ميدانه، وتلاه القريض ثانيا من عنانه، ولما هزت السطور قدودها، وأقامت ~~الأبيات بنودها، واستولى # القصيد أمده، واستوفى عدده، أعدت القوافي سلاحها، وسددت رماحها، فحميت ~~جنابها، ومنعت # ركابها، فتحامت الروي اضطرارا، وركبت العروض اختيارا، فنمت ببعض ~~المشاكلة، وإن كان بعدا # عن المماثلة: # إلى ذي شيمة شغفت فؤادي ... فلولاه لقلت بها النسيبا # وكيف لا أحن إلى سليل أكارم، وأحرص على شقيق مكارم، وأتشوق إلى رضيع مجد، ~~تشوق حران # إلى بدر نجد، وله مشاهد أحلى لدي من الشهاد، وأشهى إلي من الغمض عقب ~~السهاد. كل يشهد بسبق # أوليته، وعتق سجيته، PageV01P335 ~~وكريم محتده، وطيب مولده. ولئن قصرت يد الجزاء عن مقارضة قرضه، # وتأدية ما حق من وكيد فرضه، لأشكرن ما ألبستنيه من باهر حلاه، وجللنى من ~~فاخر نعماه، وله # الفضل الكامل، والبر الشامل، في قبول جهدي، من مبذول وجدي، ليحوز ms131 ~~المنتين، وينظم النعمتين، # وذو الجلال والكمال، يأخذ له بأكمل الفضل، وأطول الطول، ويتم نعمته عليه، ~~كما أتمها على البراة # المنجبين آبائه الأكرمين، إنه ولي المنعمين، لا شريك له. # وكتب أبو نصر إلى أبي محمد بن السيد البطليوسي: # أطال الله بقاء الفقيه الأجل، غمامي المستهل، وحسامي المستل، والأيام ~~تتشرف ببقائه، والهمم # تتشوف إلى لقائه. اليوم أغفر للأيام ذنوبها، وأعطر صباها وجنوبها، وأبعث ~~من حمدي لها عبقا # وريا، وأدير عليها الشكر حميا، وأخلع عن المطايا عقالا، ولا أكلفه وخذا ~~ولا إرقالا، ولا أبتغي بها # مراقا، وأجعل ظهورها علي حداقا، فقد أرتني لخيامك أعلاما، وشفتني من آلام ~~بعادك وكانت آلاما # وسأحل من فنائك ضيفا، وأراك شخصا بعد أن تمنيتك طيفا. # وأنفذته من الجزيرة وقد ابتسم ثغر الصباح، ووسم وقع أيدي المطايا خدود ~~البطاح، وللغمام انسجام # يحكي نداك، وللخليج فيض كأنه يداك، وللجو عبوس أكسب الروض طلاقة محياك، ~~وساعة لقياك، # وسأوافيك، فأهصر أفنان PageV01P336 ~~تحفيك، وألتقط الدر النفيس من فيك. وقد أتممت الكتاب الذي كنت بدأته، # وحليت به العصر وقلدته، وقد خصصتك بالذكر فيه، وأنت بفضلك تتأمله ~~وتجتليه، فتعلم به # إخلاصي، وتتحقق به غاية اختصاصي، ولك الفضل في مراجعة تطلعها بدرا علي، ~~وأجدها نورا # يسعى بين يدي. إن شاء الله عز وجل. # فراجعه الأستاذ أبو محمد: # أطال الله بقاء ذي الوزارتين الجليل، الكاتب النبيل، قريع دهره، وبديع ~~عصره، الذي عليه تثنى # الخناصر، وبمثله يفاخر المفاخر، مرقى من المراتب أعلاها، ملقى من المآرب ~~أقصاها: # ليس بالمنكر أن برزت سبقا ... غير مدفوع عن السبق العراب # وافاني، أدام الله عزك، كتاب شغل حاستي سمعي وناظري، وملأ حافتي فكري ~~وخاطري، أراني # الدر إلا أنه لم ينظم، والسحر إلا أنه لم يحرم؛ بل لو صيغ عقدا لأخجل ~~الدر والعقيان، أو حيك بردا # لعطل الديباج والخسروان، فلله قريحة أذكت ناره، وأطلعت أنواره، إن مزنها ~~لغير جهام، وإن سيفها # لغير كهام، وإن ثمدها لعد وبحار، وإن زندها لمرج وعفار. # وحبذا سيدي أدام الله عزه، وقد طلع علينا طلوع البدر في الغسق، وضمخ ms132 ~~أفقنا بخلوق ذلك الخلق، # فاقتد حنا زند ذكائه فأورى، ولمحنا كوكب سمائه PageV01P337 ~~فأعشى، وشاهدنا به البلاغة شخصا محسوسا، # والرئيس المتعاطي للفصاحة مرؤوسا، أقدمه الله خير مقدم، وأغنمه أفضل ~~مغنم، بمنه، ورأيتك، أطال # الله بقاءك، قد نحلتني فضلا، لم أكن له أهلا، وحليتني بمفاخر وحلى، ~~اقتبستها مما لك من مآثر # وعلى، وقد أبى الله إلا أن يكون لك الفضل، من بعد ومن قبل. والخليل ~~بالخليل يزهى وينجح: (وكل # إناء بالذي فيه يرشح). ولازالت أندية المجد بك معمورة، وألوية الحمد عليك ~~منشورة، بحول الله # تعالى وكرمه. # وفي المعنى لأبي نصر: # أطال الله بقاء ذي الوزارتين الأجل عمادي الأعلى، وكوكبي المجتلى، منتظما ~~للرئاسة في سلك، # مبتسما عن ذكائه وعنائه كل ملك. ما أحق - أدام الله عزك - دولة أنت كوكب ~~سمائها، والمستقل # بأعبائها، أن تنتظم لواليها أشتات البلاد، وتشتمل عليه أهواء العباد، ~~وتنفسح له مضيقات الآماد، # برأيك السديد الذي إذا اقتدح أورى، وإذا سرى إلى صبحه صار حميد السرى. ~~هذا لو كان صاحبك # من الأمر عاريا، وتقلده تطاولا عليه وتعاديا، دون إجماع من الأمة، واطلاع ~~لملمة. فكيف إذا كان # ملكا عراقي الأخلاق، حميري الأعراق، يشرق لسناه الظلام، وتعبق من أرجه ~~الليالي والأيام، وتفرق # من سطواته الليوث في الآجام. # لقد جمعتكما مشاكلة، وألفت بيكما مماثلة، أقامت للمعارف عندكما سوقا، ~~وأوضحت بكما لأقاليمها # طريقا. # فللآداب عندكما جولة، ودولتكما تزدري بسيف الدولة. لا جرم أنه بك - أيدك ~~الله - أظهر، وحظه # من الذكاء بك أوفر. PageV01P338 # وأنفذته من فلانة، من منزل الوزير الجليل أبي فلان، قارض الله عارفتي تهممه ~~وتحيفه، فإنه أسالها # جداولا، وأحل منهما منازلا مخضرة ومناهلا، فلو شاهدتني وأنا أمرح بين ~~نعماه مراحا، وأقترح ما # شاءت علي علياه اقتراحا، لرأيت عيشا هنيا، وأنسا من الوحشة عريا. وأبصرت ~~منه - أعزه الله - # علقا للفضائل سنيا، وقد رجوتك لجزائه، وأملتك لوفائه. وأنت - إن شاء الله ~~- لندائه مجيب، ولفعله # مثيب، وأقرأ عليك سلاما كإشراق راحنا، والتصاق ارتياحنا، ورحمة الله ~~تعالى وبركاته. # وكتب أبو عبد الله بن أبي الخصال: # بلوشة نخبة من ms133 العرب ... همهم في السماح والأدب # ضنوا بأحسابهم، وجودهم ... منتهب مالهم من النشب # كم فيهم للأخ الغريب إذا ... حل بهم من بني أخ وأب # ومؤثر للعبيد زار على ... كل حميم مشابك النسب # جادوا على عذرهم ولو بخلوا ... لقام لعذر حاضر النوب # الوزراء الظهراء الجلة، مكارمهم مستهلة، وسيادتهم مستقلة، وعليهم للندى ~~أدلة، وحلتهم لبني # الحاجات حلة، فلا تخونت عزتهم ذلة، ولا خامرت خدهم، وهم الصوارم الماضية، ~~كلة. ضيفهم مكرم # بعقوتهم وناديهم، وجارهم في PageV01P339 ~~الأزمات من أوسط أهاليهم، بل تتخطاهم إليه الصفوة والخلاصة (ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). # يتنافسون في الإحسان، ويتقارعون على الضيفان من كل موضوع الخوان، مبدئ ~~بنفوس الإخوان: # حبيب إلى الزوار غشيان بيته ... جميل المحيا شف وهو أديب # وكتب أيضا: # أبا عبد الإله اسلم مليا ... ودم في أسبغ النعمى عليا # وثق بالله وارج الفضل منه ... فقدما كنت مفضالا وفيا # تلقتك المكارم والأيادي ... فألفيت الزمان بها رخيا # سيدي الأعلى، وكبيري المفدى، تسنت أوطارك، وتأتت أقدارك، وعز في كل حال ~~محلك ومقدارك. # كتبته، وقد صدر النجيب السري، والذكي الألمعي، أبو فلان - أعزه الله - ~~وقد ألفى لك في كل دار # إخوانا، وأصفياء على البر أعوانا، وذلك بفضل ما أسديت، وكرم ما قدمت ~~وأوليت. وأنت - بحمد # الله - إلى كل النفوس حبيب. وكل حر فله فيك ومنك نصيب. وسيخبرك بما ~~انقضى، والله يتمم # الأمل المرتضى، ويعينك بسيف العدل المنتضى. ورسمته، واليوم قر، والريح ~~صر، والشيخ في هذه # الشبرات غر، والنفس إلى أنبائك مطلعة، والأذن مستمعه. أمدك الله بحسن ~~الصنيع، وأبقاك مشكورا. PageV01P340 # وكتب: # سيدي الأعظم، ومعتمدي الأكرم، وسندي الأعظم، ومن أبقاه الله محمود الذمم، ~~محسود الهمم. لم أزل # - أعزك الله - أستنزل قربك براحة الوهم، عن ساحة النجم، وأنصب لك شرك ~~المنى، في خلس # الكرى، وأعلل فيه نفس الأمل، بضرب سابق المثل: # ماأقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الدون ممن داره صول # وما ظنك، وقد نزل على مسافة يوم، وطالما نفر عن حالة نوم، ودنا حتى هم ~~بالسلام، وقد كان من # خدع الأحلام. ms134 وناهيك من طير، وقد حمت حول المورد الخصر، وذممت الرشأ ~~بالقصر، ووقف بي # ناهض القدر، وقفة العير بين الورد والصدر. فهلاوصل ذلك الأمل بباع، وسمح ~~الزمن بإجماع، # وطويت بيننا رقعة أميال، كما زويت مراحل أيام وليال. وما كان على الأيام ~~لو غفلت قليلا، حتى # أشفي بلقائك غليلا، وأتنسم من روح مشاهدتك نفسا بليلا. ولئن أقعدتني ~~بعوائقها عن لقاء حر، # وقضاء بر، وسفر قريب، وظفر PageV01P341 ~~غريب، فما تحيفت ودادي، ولا ارتشفت مدادي، ولا غاضت كلامي، # ولا أخفت أقلامي. وحسبي بلسان النبل رسولا، وكفى به أملا وسولا. وفي ~~الكتاب بلغة الوطر، # ويستدل على العين بالأثر. على أني إنما وحيت وحي المشير باليسير، وأملت ~~فهمك على المسطور # في الضمير، وإن فرغت للمراجعة ولو بحرف، أو لمحة طرف، وصلت صديقا، وبللت ريقا، # وأسددت يدا، وشفيت صدى، لا زالت أياديك بيضا، وجاهك عريضا، ولياليك ~~أسحارا، ومساعيك # أنوارا. # وأقرأ على سيدي الأعظم سلاما أرج الأرجاء، منبلج الصباح والمساء. والسلام ~~المعاد المتمم على # سيدي الأعلى، ورحمة الله تعالى وبركاته. # ثم ختم الرقعة بهذه الأبيات: # هو الدهر لا يبقي بمر ويحلو لي ... وسيان عندي ما يجد وما يبلي # إذا أشكلت يوما عليه ملمة ... فمن ظهر قلبي يستمد ويستملي # سألقي بحد الصبر صم خطوبه ... ولو صيغ فيها الشيب من حدق النبل # وأعرض عن شكواه إلا شكية ... لها من هوى مرآك ضرب من الخبل # روى لي أحاديث المنى فيك غضة ... ولكنها لم تخل من غلط النقل # وجادت بقرب الدار غير متمم ... ويارب جود قد من شيم البخل # تراءى لي العذب النمير فليتني ... بردت لهاتي منه في نغبة النهل # أتحجب شمس الفضل بردة ليله ... ولو وصلت أردانها ظلمة الجهل # ويخشن مسراها لموطئ أخمصي ... ولو نبتت في جنحها إبر النحل # أجل قيد هذا الدهر أضيق حلقة ... وأقصر للخطو الوساع من الكيل # سأبعث طيفي كل حين لعله ... يصادف من نجوى خيالك ما يسلي PageV01P342 ~~ودونك من روض السلام تحية ... تنسيك غض الورد في راحة الطل # ولبعضهم في المعنى: # سيدي، وأعظم عددي، وأعز من شددت ms135 على حبل إخائه يدي، وأعددت ذخر صفائه ~~لأبدي، ومن # أبقاه الله راضيا عن الزمن، في المقام والظعن. لم أزل - أعزك الله - مذ ~~صم اغترابك، ونعق # غرابك، أتعجب من تحولك، وأتشوق لما يرد من قبلك، فلم أظفر من خبرك بيقين، ~~ولا وقفت من # كيفية مقرك على ثلج مبين، إلى أن ورد (جهينة أخبارك)، وعيبة أسرارك، ~~الأديب أبو فلان، فكشف # من صورة أمرك ما التبس، ووصف من جلية حالك ما سر وآنس، وذكر أن ذلك القطر ~~- أنسه الله - # رحبت بك معاهده، وعذبت لك موارده، واشتملت عليك أفياؤه، وتضاحكت إليك ~~أرجاؤه. ولا غرو من # نفاقك حيثما احتللت، وقبولك أينما انتقلت، فمن تحلى بمثل حلاك لم يضع كيف ~~تصرف، ولا عدم # للطف أينما انحرف، والله يصنع لك صنعا جميلا، وينيلك أينما سلكت آملا وسؤلا. # ووصل خطابك الخطير، فجلى عن وجه برك وسيما، وشخص من عهدك عميما، وأهدى إلي من # رياض فضلك نسيما، ومن عرار حمدك شميما، فيا حسن موقعه من الضمير، ويا نبل ~~منزعه الجميل # المشكور. PageV01P343 # وكتب أيضا، وقد قدم عليه بعض إخوانه: # حالي - أعزك الله - قد شافهت نجيها، وعلمت لا محالة خفيها. لم تغدف دونك ~~قناعا، ولا انقبضت # عنك استجماعا. والإعراب عنها جهل، والحجاب دونها سهل، وربما كان لسان ~~الصامت أنطق، # وشاهد الجمال أصدق. # ولما وردت، يمن الله موردك ومصدرك، وجب القرى، ولو ببرض من الثرى، وتعينت ~~المبرة، ولو # بمثقال الذرة، على أني لو نظرت إلى قدرك لوقفت خجلا، وانصرفت وجلا. لكن ~~جهد المقل جلل، # ونزر المدل محتمل. فمهد بفضلك للعذر كنفا، وأوسعه لطفا وتبا لدهر لا ~~يخجله ضياعك، وتؤلمه # أوجاعك. والله يقيله عثرة الأدب، ويرفع من خده الترب. بمنه. # ومن جيد المنظوم في هذا المعنى، قول الشاعر أظنه أبا بكر العلاف: # للخل قدر بخلتين ... مني نقدا بغير دين PageV01P344 ~~لأنني في الوصال أصفو ... عن كل ريث له وزين # وأنني لا أزال أحنو ... حنو هين عليه بين # وبعد هذا وذاك سر ... كالصفو من خالص اللجين # ومحض ود بغير مذق ... وصدق عهد بغير مين # فإذا ms136 دنا بالوصال مني ... أسكنته في سواد عيني # وإن جفاني وصدعني ... حفظت ما بينه وبيني # ولم أشب وهو لي مشوب ... مازلت من أمره بشين # ومن جيده أيضا قول الآخر: # نصل الصديق إذا أراد وصالنا ... ونصدعنه صدوده أحيانا # إن صدعني كنت أكرم معرض ... ووجدت عنه مذهبا ومكانا # لا مفشيا بعد القطيعة سره ... بل كاتما من ذاك مااسترعانا # إن الكريم إذا تقطع وده ... كتم القبيح وأظهر الإحسانا # وأنشد ابن خالويه: # هجرتك لا قلى مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود # كهجر الحائمات الورد لما ... رأت أن المنية في الورود PageV01P345 ~~تفيظ نفوسها ظمأ وتخشى ... حذارا وهي تنظر من بعيد # تصد بوجه ذي البغضاء عنه ... وترمقه بألحاظ الودود PageV01P346 ### || AUTO فصل فصول مستحسنة من رسائل في الشفاعة والوسائل # سيدي الأعلى ومعتمدي الأسنى، وذخر أيدي الأسرى وعارفة زمني الحسنى، ومن ~~أبقاه الله مبلغ # المنى، مسوغ النعمى، لئن كانت الأيام - أعزك الله - قد قلصت أديال ~~أحوالك، وسلطت هجيرها # على برد ظلالك، وكدرت بأقذاء صروفها صفو آلائك، فما استلانت نبعك، ولا ~~أحالت عن عادة # الجميل طبعك، ولا عفت في مرابع السناء والثناء ربعك. فقد يجري الجواد وهو ~~منكوب، ويتجمل # الحر وبه ندوب، والله يجبر الصدع، ويجمل الصنع، بعزته. # ويتأدى خطابي - أعزك الله - من يد فلان آملك - أبقاه الله - وقد علمت ما ~~دهي به وطنه من # خطوب الزمن، وضروب المحن، وتغلب عباد الوثن، ودفعته الضرورة إلى استرفاد ~~الأحرار، # والتكسب بالأشعار، وهو ممن يتصرف في الصناعة بلسان منع، ويأوي منها إلى ~~طبع غير طبع، وله # في قبول عفو المنيل إجمال، وعنده في شكر الغرب المختصر احتفال. ولما عرف ~~ما بيننا من عهد لا # يفارق نصابه كرم، ولايلحق شبابه هرم، اتخذ خطابي هذا عنوان شعره، ولسان ~~أمره، ودليلا على # موضعه، ومشيرا إلى مقصده، ومنزعه، وأنت بسروك تصدق آمله إن شاء الله. ~~والسلام. # وفي المعنى: PageV01P347 # من حل محلك - أعزك الله - في كرم النصاب، واخضرار الجناب، لم يخل كنفه من ~~آمل يرده، # وفاضل يعتمده، فالمنزع الرحب ينتابه الكرام، والمورد العذب كثير الزحام ~~ومن حداه ms137 ذكرك، وهداه # يسرك، أبو فلان واسمه أشهر من أن ... عليه أو أشير إليه، وله من ذواته ~~وأدواته شوافع، وعنده من # طرف الحكم وغرائب الأدب بدائع، وكان تحت نعمة وافية الجناح، وحرمة سائلة ~~الأوضاح، تكبره # الكبراء، وتوثره الأمراء، وتحسد سامي قدره الأنداد، وينجح بنثره ونظمه ~~الطرس والمداد، ثم عطف # الدهر عليه، وانتشف مالديه، ورماه بأنفذ سهامه، وأجور أحكامه، فاضطر إلى ~~التغرب في البلاد، # والتقلب ما بين مبرات الأمجاد، وقد حط رحله ببابك، والتحف بأطنابك، وأنت ~~إلى الجميل أهوى، # وبحسن الصنع أولى، والله تعالى يبقيك حلية فخار، وكعبة زوار، بمنه. # وفي المعنى: # سيدي الأعلى، ومعتمدي الأقوى، وظهيري الأكرم الأوفى، لا زالت تعقد الآمال ~~عليك، وتخب # الركاب إليك، وتلقى الرحال لديك، وتتأثل النعم في يديك. # كتبته - أدام الله عزك - ولا مزيد على ما بالنفس من توق، وبالقلب من ~~صبابة إلى تلك المعاهد # وشوق، أمتع الله بك السيادة، ولا أعدمك آلاءه المعتاده، ويتأدى من قبل ~~فلان - أبقاه الله - وقد # انقطعت به الحبال، وتقلصت عنه الظلال، وأتعبته المطامع والآمال، وشكته ~~البكر والآصال، وكلما # رمنا له تعلقا تعرضت القواطع PageV01P348 ~~وأعرض الإقبال، ومن أنواع الداء ما لا طب له إلا الانتقال، ومن # زالت به الدار، فحقه الزوال. وسألني، والذمام يطيعه، وإدارة الخير لا ~~تضيعه، مخاطبتك، فأجبته، # ولعل الله تعالى قد اختارك لمثواه، وجعلك رب نعماه، لا زلت للأحرار ~~مصطنعا، ولحاجات الأولياء # موضعا، وأقرأ عليك - دام عزك - أعم سلام وأوفاه، وأبره وأحفله. ثم السلام ~~المردد المجدد عليك، # ورحمة الله تعالى وبركاته. # وله في المعنى: # أطال الله بقاء الأمير الأجل، الملك السيد الأفضل، وعدله ممدود، وناديه ~~بكل صالحة مشهود، ورفقه # معهود، وباب ملكه مورود، ولازال تفتح به، بعد الوفود وفود. الأمير الأجل ~~- أيده الله - بما وضع # الله له من القبول، والعدل المطرد الموصول، تتسابق الحسنات إليه، وتترادف ~~الخيرات عليه، والله # عز اسمه يدخر له ما يجريه من المكرمات على يديه، ويتم له النعمة الراهنة ~~لديه، وأن فلانا - أعزه # الله - من أعيان كذا، وذوي السلف الطاهر فيهما طاعته - أعزه الله ms138 - ذكر ~~أنه سعي بينه وبين فلان # بفساد، وتنكر له بعد البر المعتاد، وهو بعدل الأمير الأجل - أيده الله - ~~لائذ، ومن كل ما ينفق عليه # عائذ، وسبق له إلى هذه الحضرة تكرار أشهر بها عينه، وأثبت المودة بين ~~أهلها وبينه، وقام بين يديه # من وسائل أوليائه فيها ما يؤنس مقصده، ويقيم أوده، على أن الأمير الأجل - ~~أيده الله - لكرم # السجية، والشيم الرضية، وسيره الفاضلة في الرعية، لا يحتاج معه إلى شفيع، ~~ولا يتوسل إليه بأجدى # من خلقه الرفيع. أمده الله بحسن الصنيع، وأبقاه مشكورا من الجميع، بجوده ~~ومجده. والسلام. # وفي المعنى لابن طاهر: PageV01P349 # أطال الله بقاء الأمير الأجل ناصر الدولة ومعز الملة، وأيده، وأعلى يده: ~~الشفاعات - أيدك الله - # على قدر ملتحفيها، ولكل عندك منزلة يوافيها، ولما تأمل ذو الوزارتين ~~الفاضل أبو فلان - أبقاه الله # - مالك في الناس، من الطول والإيناس، بما جبلت عليه من شرف السجية، ~~والهمم العلية، حتى مالت # إليك الأهواء، وارتفع لك بالحمد اللواء، قصد ذراك، واعتقد اليمن في أن ~~يراك، فيملأ من زهر العلا # أجفانا، ومن نهر الندى جفانا، ويستبدل من صد الزمان إقبالا، ومن تهاون ~~الأيام اهتبالا، وله قدم # الوجاهة، وقدم النباهة، ويدل عليه بيانه، كما يدل على الجواد عنانه، ~~وأرجو أن ينال بك الآمال # غضة، والأيادي مبيضة، فأقوم على منبر الثناء خطيبا، وأوقد على جمر الآلاء ~~عودا رطيبا، لازلت # للقاصدين ملاذا، وللراغبين عياذا. # وكتب في المعنى أبو مروان بن أبي الخصال: # سيدي الأكرم، وملاذي الأعصم، دمت في السعد الأدوم، والثناء الأفخم، أما ~~أعزك الله بما ألتزمه من # برك، أتحامى كثرة التكليف، وأميل إلى جانب التخفيف، وكنت اعتقدت بعدما ~~أسعفت فيه من # مرغوب ألا أكلف سواه مجدك، فأحوز رتبة المخلف عندك، (لكني أرى الحديث ~~شجونا). وهذا الفتى، # موصل الرقعة، هو في أهل الصيانة معدود، وله في تخدم جوانح الأعيان مناب ~~محمود، وعنده عيال، # وفي حاله إقلال، وهو مطلوب بعدد يؤده PageV01P350 ~~وإن قل، ومخل بوفره فيما أخل، فإن وسعه الاحتمال، ووقع # له الاحتيال، أنعمت باله ونعشت عياله، وكأنما ms139 حزت الحسنى له، ثم يثبت لك ~~في ديوان المنعمين # ذكر جميل، ولن يضيع من الخير فتيل. وأما ما أتوخاه من شكر هذه إليك فما ~~يتصل مع الأبد، # ويقصر فيه اليوم مع الغد. # وفي المعنى لأبي عبد الله أخيه: # سيدي الأعلى، وعمادي الأوثق الأسنى، وحظي الأكرم الأوفى. بقيت لضيم ~~تدفعه، وباطل تدعه، # وعلم في إقامة الدين ترفعه. أبر الأعمال ظلامة ترد، ودعامة في الحق تشد، ~~وباب جور عن الناس # يغلق ويسد. # وإن المؤذن أبا فلان - أبقاه الله - طرف عن خطته في الأذان، بما أدركه من ~~بغي، وخبيث سعي، # وأعلمت أن قاضي الجماعة - أدام الله توفيقه - أشار بإعادته إلى أذانه، ~~وإثباته في الرتبة الأولى من # مكانه. ولم أشك أن إشارته - وصل توفيقه - أمضى من التصريح، واللسان ~~الفصيح. غير أن # المؤذن المذكور عناني بعض أمره، وتوجه إلي لشد أزره، ولعل الخطة تسعه، ~~ومن كان أمله فيها # موضعه، وإن ضاق عنهما الاحتمال، فالذي بغي عليه أولى أن ينصر، وأحق أن ~~يؤخد بيده إذا عثر. # وأنت بفضلك تأتي هذا الأمر من بابه، وتحرز إن شاء الله فضل ثوابه. ~~والسلام. PageV01P351 # وله في المعنى: # خططت هذه الأحرف، أطال الله بقاء ذي الوزارتين الأجل، السيد الأوحد ~~الأكمل، على استحثاث # حفز، ووقت أوجب أن أوجز، وعظيم شغل بلد الخاطر وأعجز. وهي متأدية إليه من ~~يدي، وفي # صحبة كبدي. والجلاء من هذا أن سليل نعمتك القاسم ولدي، يمم تلك الحضرة ~~التي بك بهاؤها، # ولأجلك يجب اعتمادها، واتخاذها مبتغى سبب، من تقييد سنة وأدب. فاضممه ~~أيها السيد إليك ابنا، # واستخدمه، إن شئت عبدا قنا، فمن رضاي ورضاه، أن تكون سيده ومولاه. ولم ~~أملك مزيدا على هذه # الأحرف. والله المستعان. # ولغيره في المعنى: # أكرم يد - أعزك الله - يقلدها المرء جيد مجده، ويزين بها ديوان حمده، ما ~~سد خلة من حسيب، # أقعدته يد الدهر المريب، وموصله - وصل الله حرمتك بالسلامة، من قلد ~~الأيام أبو فلان - رضي الله # عنه - فإنه توسل بي إلى مكارمك في ترميق حالته، والرم لحوالته، فإنما جفت ~~غضارته بعد النعمة، ms140 # وبدلته بالتقتير من رغد النعمة، وحولته إلى الضيق بعد السعة، وإلى التجول ~~من الدعة، ومثلك، # ولامثيل لك، رق لما به، ورعاه لشرف نصابه، واغتنم الصنيعة فيه، وحقق ~~ضماني عنده وما # يرتجيه. فإنك ستجزل بما تسديه، أجمل الذكر، وأحفل الشكر، مع الأجر ~~المغبوط والذخر المحوط. # والله تعالى لا يعدمك ارتهان المنن وارتباط الأحرار، ويحرسك من حوادث ~~الليل والنهار. PageV01P352 # وفي فصل: # وفلان ممن يأوي إلى خير وصلاح، ويستضيء من طلب العلم بمصباح، وبحسب ذلك أحب # حياطته، وأريد إرادته، ورغبتي حفية لدى مجدك في أن تضعه منك ببال، وتخفف ~~ما يطرأ عليه من # أثقال، وتقلده من محافظتك ما يحصل به على مزية حال، حتى يرى عليه أثر ~~الشافع، وتلذ خبره أذن # السامع، وثقتي بما خططت لك من سطوري هذه أغنتني عن الاحتفال، والإلحاف في ~~السؤال، وأنت # أرطب عودا، وأخصب نائلا وجودا، من أن يثنيك # عن العلا ثان، أو يفتقر المشفوع لك فيه إلى ضمان. بقيت للفضل ربعا يحط ~~لديه، وثمالا يعول # عليه. والسلام. # وفي فصل: # وفلان أعزه الله بتقواه، وأعانه على مانواه، ممن له من العلم حظ وافر، ~~ووجه سافر، وعنده دواوين # أغفال، لم تفتح لها على الشيوخ أقفال. وقصد تلك الحضرة ليقيم أود متونها، ~~ويعاني رمد عيونها، وله # إلينا وسائل أوجبت الإشادة بذكره، والاعتناء بأمره، وله عندنا مكانة حفية ~~تقتضي مخاطبتك بخبره، # وإنهاضك إلى قضاء وطره، وأنت - إن شاء الله - تسدد عمله، وتقرب أمله، ~~وتسبب أسباب العون # له. # وفي فصل: # أما وكنف برك لمن أمك من أهل الفضل ممهد، وجفن رعايتك لهم PageV01P353 ~~مسهد، ومنزل حفايتك بهم متعهد، # فكل وعر يلقونه في سبيل قصدك مستسهل، لا يمر لهم دونك منهل، ولا يضل بهم، ~~وأنت العلم، # مجهل، وممن رأى أن يقتحم نحوك ظهره لحجة ومحجة، ويقرن في أم كعبة فضلك ~~بين عمرة وحجة، # ويرحل إلى حضرتك المألوفة مهاجرا، ويعتمدها في طلب العلم تاجرا، ليجتهد ~~في جمعه وكسبه # اجتهاد مغترب، ويملأ من فوائده وفرائده وعاء غير سرب. ومذهبه الاقتباس من ~~أنوارك، والالتباس # من الدهر بجوارك، ms141 والاستئناس بأسرة بشرك ومسرة حوارك فلان، وله في الفضل ~~مذهب، يبهرج # عنده الذهب، وعنده في النبل غرائب، لا يفارق زندها اللهب وستقربه ~~فتستغربه، وتخبره، فتكبره، # إن شاء الله. # وفي فصل كتبه أبو القاسم بن الجد إلى أبي الحسن بن الأخضر رحمة الله ~~عليهما: # إذا كان عهد الإخاء مما رقمته يد الطلب، في صفحة الأدب، لم ينسخ له الدهر ~~حكما، ولا أحال # الزمن منه رسما؛ بل يتجدد على تقادم الأحقاب، ويتردد أبدا في غضارة، ~~الشباب وإنما هو في # الحقيقة نسب لا يخفى، ورحم لا يجف لها ثرى، وذمام تثنى عليه الخناصر، ~~والتحام تشير إليه # البناصر. فالأديب صنو الأديب، وكفى شاهدا بتمازج القلوب. وفي علمك ما سلف PageV01P354 ~~بيننا من العهد المزري حسنه بزمن الورد، سقاه الله صوب العهاد، ولا زال ~~مخضر المراد، فما كان إلا غرة انتهزت # من تهاتف البيض الغرائر، ولمعة اقتبست من تضاحك الترائب تحت سود الغدائر. # ولما علم أبو فلان، حليف شكرك، وأليف برك، ما بيننا من المناسب ~~الروحانية، والمذاهب الأدبية، # استنهضني لشكر ما خصصته به من تقريب محل، وتخفيف كل. فنهضت في ذلك نهوض المبدئ # المعيد، والتحفت برداء الثناء عليك في المحفل المشهود، وسرني كون هذا ~~الفتى الدمث الخليقة، # السديد الطريقة، من إنشاء تخريجك وتفهيمك، وأغصان تثقيفك وتقويمك، فإنه ~~يقوم بشكرما تسديه # إليه، ويفي بصون ما تودعه لديه، وليس كل من أولي الجميل يشكر، ولا كل شجر ~~وإن سقي يثمر، # وأنت بسروك توسع قريحته ذكاء، وصفحتهجلاء، حتى يخلص خلوص الذهب، ويتخصص بحلية # الأدب، محرزا في ذلك ذكرا يشيع خبره، ويفوح عنبره، والله تعالى يبقيك ~~لهذا الشأن تذيع أسراره، # وترفع مناره. # وكتب أيضا لغيره في المعنى: # من دفعته الأيام - أعزك الله - إلى التقلب في الأقطار، والتكسب بالأشعار، ~~لم يخف عليه تواضع # الأحرار، في النجود والأغوار. على أن رسم الشعر قد درس أوكاد، ومرتاد ~~البر قد عدم المراد # والمراد؛ إلا أن صاحب هذا الشأن لا بد أن يتصرف، أنجح أو أخفق، ويتسوق ~~كسد أو نفق. PageV01P355 # وأبو فلان ممن دخل ذلك ms142 الصنع فأحمده، وتخيل يمن معاودته فاعتمده، وله في ~~صنعة القريض باع، # وبشكر ما يولى اضطلاع، وبين فكيه لسان كشقة مبرد، أو ظبة حسام فرد، ولما ~~كنت - أعزك الله # مقدما في أعلام مصرك، وأعيان عصرك، وعلم ما بيننا من سهم الوداد، وكريم ~~الإعتقاد، سألني # مخاطبتك راغبا في أن تسدد له هنالك غرضا، وتسهل من حياض امله فرصا، وترفع ~~له في سبيل # التزكية منارا، وتقلده من صوغ التحلية طوقا وسوارا، فأجبته لما يمت به ~~إلى من وكيد ذمام، وحميد # إلمام، والثقة بنزول رغبتي إليك على طرف ثمام، وشرف اهتمام. وأنت بسروك ~~تدنيه من كنفي # قبولك وإقبالك، ولا تخليه من الأنس بتهممك واهتبالك، حتى يصدر وهجيراه ~~شكر إجمالك ونشر # صنيعة من جاهك أو مالك إن شاء الله. # وله في المعنى: # من عهد - أعزك الله - أنس فنائك، وحسن اعتنائك، وألف برد أفيائك، ولين ~~أرجائك، لم يحبسه # عنك مسكن ولا وطن، ولا لذ له في غير حجرك وظلك وسن، فمولي الجميل محبوب، ~~ومكان الأنس # مطلوب، وفي علمك أن النفوس تلتمس الرجحان، وتعتمد الفضل حيث كان. # وفلان ممن قيده إحسانك، واستعبده امتنانك، فهو لا يعدل بك أحدا، ولا PageV01P356 ~~يحل عن عصمة تأميلك يدأ، فإذا بعد عن جنابك لم يسغ له قرار، ولا اطمأنت به ~~دار. وقد بعثه صدق الانقطاع إليك، على حسم # العلق الموجبة لبعده عن ظل جناحك، وأنس التماحك، ولم يبق له في غير ~~مكانك، سبب يجذبه، ولا # أمل يصدقه أو يكذبه. وأنت بمجدك توالي اصطناعه، وتراعي انقطاعه، وتلحظ ~~بعين تهممك ضياعه. PageV01P357 ### || AUTO فصل ومن أحسن ما كتبوا في التهنئة من الكلام الرفيع والنثر ~~المشتمل على كل معنى بديع: # ابن أبي الخصال: # سكن الزمان فلا يد مذمومة ... للحادثات ولا سوام تذعر # أطال الله بقاء الأمير الأجل، الملك الأكرم الأفضل، والبشائر إليه تستبق، ~~والفتوح في أعدائه تتسق، # وألوية نصره تخفق، ووفود التهنئة نحوه تزدحم، والحتوف على أقتاله تقتحم، ~~والمنايا فيهم شرقا # وغربا تحتكم، وسيوف الحق في أوصالهم تطبق وتصمم. # كتبته، كتب الله لكم الذكر الأرفع، والسعد ms143 الأنصع، والفضل الأعم الأوسع، ~~عن دعاء يرفعه # إخلاص، وولاء لا يضعه انتقاص، وشكر يستنزل النعم، كما يستنزل العصم ~~اقتناص، واستمساك بآيه # وظله الذي هو من PageV01P358 ~~الأيام مناص، وعلى الكرام جنن واقية ودلاص، وتشيع في علاه، وتسرع إلى # رضاه. يكافئ إحسانه منه عموم واختصاص. والله الملي بتتميم ما يعجز عنه ~~الشكر، ولا يبلغ كنهه # الذكر. فقد أوضح لنصر الإسلام سننا، وأبلى المسلمين والأمير المؤيد منه ~~بلاء حسنا، وأوسع العيون # الساهرة قرة ووسنا، وأعاد الليل، وقد كان معترك الهموم الوالجة سكنا، ~~بمهلك المارقين الناكثين الذين # جعل الله لمهلكهم موعدا، (ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا). # اطلع الله عليهم فقلاهم ومقتهم، وعمهم، لاجترائهم وافترائهم، بعذاب ~~سحتهم. لجوا في الضغائن # والإصرار، و(بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار). فتلك ~~أنواحهم في آفاق الديارمرتقية، وأرواحهم في أطباق النار ملتقية، كادوا # الإيمان، وآسفوا الرحمن، وتقارضوا الإفك والبهتان، واستخفوا الجهال، ~~وأملوا الآمال. # وما بقاء فلان الطريد الملعون، وقد فجع بخليله المفتون، ورسوله المجنون، ~~وجمعه الذي أودت به # رحى الحرب الزبون، ونعى إليه نفسه الخبيثة رأس الكفرة PageV01P359 ~~غشتون. وصمد القدر إلى اعترافهم، # وشرع في خفض أعلامهم، وبدأ بنقض إبرامهم. فباطلهم بائر زاهق، وآخرهم ~~بأولهم لاحق، ونظامهم # التالي في التناثر متسابق. # فالحمد لله الذي ما شاء صنع، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ذكر ~~المؤمنين بنعمته تخويفا # وتحذيرا، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. واستدرج الظالمين فاستكبروا في ~~أنفسهم وعتوا # عتوا كبيرا حتى إذا ذلت الرقاب وخضعت، ونكست الأبصار وخشعت، ومال البأس ~~بالرجاء، # وضاقت بما رحبت فسحات الأرجاء؛ تداركهم منه الجميل وصفحه، وجاءهم نصره ~~العزيز وفتحه. # وكم قد رأينا السحب قاسية جامدة، والأرض خاشعة هامدة، فمن بنعمته المطر، ~~وتلاحق اليسر من # أمره واحدة كلمح البصر. فإذا آثار رحمة الله قد وضحت وتبينت، والأرض قد ~~أخذت زخرفها # وازينت. PageV01P360 # حكمة من الله بالغة، ونعمة في طي المكروه سابغة. فلولا الكدر ما عذب الصفو، ~~ولولا الذنب لما # عرف العفو. فهنيئا للأمير الأجل، الملك الأفضل ما ارتداه في تلك ms144 المواطن ~~من النصر، وأفرغ عليه # من الصبر، وانتشر له من الصيت العالي والذكر. فلقد ألفاه الأمير أيده ~~الله في تلك الشدائد أشد ركن، # وأثبث ردء. ولقد كافح عن ملكه، ودرأ عن سطانه أكرم درء. دافع الله له عن ~~حوبائه ومتع دولته # الغراء بمشهده السامي وغنائه، وجزاه من نصيحته الحفية، وموالاته الصريحة ~~الوفية أحسن جزائه. # مكان القول - أيده الله - متسع، ولسان البيان عن غايته منقطع. وحسبي ~~اعتراف بأياديه، وخدمتي # تقتضي حق ناديه، والله تعالى يظهر أمره ويعليه، وعلى أكرم ما عوده يجريه. # وأقرأ على حضرته الجليلة أرفع التحيات وأوفاها، وأبرها وأتقاها، وأدومها ~~وأبقاها. ثم السلام # المضاعف المردد، الموالي المجدد عليها ورحمة الله. # وفي المعنى لأبي عبد الله بن أبي الخصال: # كتابنا بعد صدرنا عن الغزو الذي نحن فيه. والحمد لله بين أمر جميل، وصنيع ~~جليل، وعمل مبرور # يرفع، وسعي مشكور، يضمن لصحائف القبول ويستودع. # ونحن نشرحه لك حسب اتفاقه، ونسوق القول على اتساقه، لتتلقى فضل الله بما ~~تلقيناه من شكره، # وتقدر صنعه الكريم حق قدره. # فكانت وجهتنا هذه - تقبلها الله - معقودة أولا على قصد العدو المنيخ على PageV01P361 ~~(طليطلة) - أعادها الله # - لرفعه عن عقرها، ودفعه عن أفقها وقطرها، إذ كان الدفاع عن أهلها من ~~قواعد الصلح وعقوده، # وشروط السلم وعهوده. فترامت إلى العدو - دمره الله - الأنباء بازدلافنا ~~إليه، ووردته عيونه بمقدمنا # عليه، فاستشعر الخوف روعه، وفض بمهابتنا جمعه، ووردنا الخبر بقفوله، ونحن ~~إذ ذاك لم نتعد # (غافق) - حرسها الله - فهناك عقدنا الضمير على النفوذ لوجهتنا، والتمادي ~~في غزوتنا، حتى نطأ # بلاده وطء مقيد، ونعيد مصانعها كالطريق المعبد، فسرنا حتى وافينا (قلعة ~~رباح) - حرسها الله - # فوصل إلينا بها كتاب عامل أريلية # يذكر أن الجمع المنفصل آنفا عن (طليطلة) تألف مرة في حفل، وأقبل يريد غدر ~~مسطاسة في ثلاثة # آلاف، بين خيل ورجل، ودنا حتى اضطرب محلته بوادي الرمل فاستخرنا الله على ~~قصده، واستعناه PageV01P362 ~~سبحانه على حطمه، وصمدنا تلقاءه، وصممنا لا ننوي إلا لقاءه، ووصلنا نحوه ~~السير فأدركناه، # وحثثنا السعي وواليناه، حتى لحقناه بدار ms145 الفائزة، فبتنا بها ناجزين ~~لبيتنا، عامدين لطيتنا. # فورد أيضا كتاب عامل أريلية المذكور، وأن هذا العدو المحتل بوادي الرمل ~~أسر رجلا من أهل # أريلية فحدثه بما أردناه، وأخبره بقصدنا إياه، فكع عن المصامدة، وضعف عن ~~المقاومة، ونكص على # أعقابه، ورأى أن وجه الحزم في انقلابه. فحمدنا الله تعالى على ما أوهن من ~~كيده، وأضعف من أيده، # ورأينا عندما صح لدينا من خبره وتبيناه من صدره، أن نجعل الغزو إلى جهتي ~~مكادة وشنت أولاليه، # فتقدمنا نحوهما، ويممنا بين أفقهما، فقدمنا بين أيدينا من العسكر - أنماه ~~الله - ألفا وخمس مائة # فارس، تصبحهم مغيرة، وتحل بهم دائرة مبيرة، فصبحوا مكادة وأحرقوها من ~~جميع جهاتها، وشنوا # الغارة على، ذواتها، واكتسحوا ما وجدوا من غنيمتهم، واستوعب القتل والأسر ~~من ألفي خارج # مدينتهم، ثم تلوناهم نحن في جمعنا PageV01P363 ~~الموفور، ولوائنا المنصور، فقدمناها فما اضطربنا الأبنية، ولا # نصبنا الأخبية، حتى دمرناها تدميرا، وجعلناها هباء منشورا. ودام أعداء ~~الله ثبوتا فرشقتهم السهام، # وطالعهم الحمام، واشتد عليهم القتال، وضاق بهم المجال، حتى دخلت المدينة ~~عليهم من أبوابها، # وألجأهم الحصر إلى الترقي في أسبابها، والتعلق بذوائب قصابها، واستبيح ~~حمى المدينة بأخلائها، # واستولى السبي والحريق على أرجائها، وصار أمر أعداء الله آخرا إلى أن ~~تحزبوا بالقصبة لمنعتها، # واعتصموا بذروتها وعقوتها، وكانوا عددا جما لا طمع لنا في غلبتهم إلا في ~~الأمد الطويل، والاستعداد # الجليل. فأمسكنا عنهم بعد أن جد عليهم البلاء، وأخذ القتل منهم والسباء، ~~ومس كثيرا منهم القرح، # وأثخنهم الجرح، وخلال محاولتنا أمر مكادة أنفذنا إلى شنت أولاليه من ~~عسكرنا، وقره الله، من # عاجلها بالحيف، وتقبلها بالسيف، فقتل رجالها، وأسر عيالها، وألحقها ملحق ~~أختها مكادة في التغيير، # والحريق المستطير، وصدر عنها، وقد زلزلت قواعدها، وخربت معاهدها، وعوجلت ~~بقطع الدابر، # وغودرت كالرسم الداثر، وتركت تنوء بالجد العاثر. وحين فراغنا من حطم تلك ~~الجهات، وتدويخ تلك # الساحات، أخذنا في الصدر باللواء منشورا، والجمع موفورا، والفتح يشرق ~~نورا، فأبنا، وبلاء الله # عندنا حسن جميل، وظل السلامة على الأولياء ممدود ظليل. والحمد لله على ms146 ما ~~عرفنا من الظفر، # وسوغنا من الغنم الأوفر، حمدا يتكفل بمزيد النعم، ويقتضي دوام صنعه ~~الأكرم. لا رب غيره. PageV01P364 # وطالعناك لتأخذ من النعمة المتجددة بقسمك، وتضرب فيها بسهمك، وتبثها هنالك، ~~حتى يستوي # الأولياء في ذلك، وتبلغ سلاما عميما ورحمة الله. # وكتب أيضا في المعنى: # كتابنا، كتب الله لنا ولكم، ميسم الظهور، واضح الطريقة مستقيما، وعرفنا ~~وإياكم صنعه الجميل، # شامل المبرة عميما، وتمم علينا وعليكم في عصمة الأولياء، والنصر المؤزر ~~على الأعداء نعمته # تتميما، وأوزعنا من لطائف ذكره، ووظائف شكره، ما يستمده لزيما ويستصحبه ~~مستديما. # من فلانة - حرسها الله - ونحن نمهد لنشر سنن الله تعالى وآلائه، وذكرما ~~أولاه من حسن بلائه، # ونصلي على محمد خاتم أنبيائه، وعلى صحابته الأكرمين، وأهل بيته الطاهرين، ~~صلاة تقتضي حقه # وحق أصفيائه، وتستر في البر بتمامه ووفائه. # وبعد، فإن الله جلت قدرته، وعزت لأوليائه نصرته، وسما الدين القيم ~~وأسرته، وجعل لهم على # أعدائهم (لسان صدق عليا)، وخذل من كان للشيطان وليا، ووعد - جل وتعالى - ~~وكان وعده مأتيا، وأمره (حتما مقضيا)، # ليحضرنهم حول جهنم جثيا، و(لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا)، ~~ولا أغنى ممن عم شره العباد، وأظهر في الأرض الفساد، PageV01P365 ~~ورد عن سننه اللاحب الجهاد، ومنع خيل أولياء الله الجهاد. فسبيل هلكته - ~~بحمد الله - قد انتهجت، وجدة # شياطينه قد أخلقت - بحول الله - وأنهجت، وما اشتدت أزمة على من اتقى الله ~~إلا انكشفت # وانفرجت، ولا أينعت للباطل أيكة إلا اجتثت بيد الحق عروقها بعدما وشجت. ~~فسيوف أولياء الله تأخذ # من أعدائه فوق ما تدع، ويفرق منهم ما كان الطغيان يجمع، وكتائب الإيمان ~~دأبا تحصد ما ينميه # الكفر ويزرع، ودونكم - أعزكم الله - من متجدد الوقائع فيهم فتحا مبينا ~~يشرق لألاؤه ويسطع، # ويروق منه المرأى المبهج والمسمع. فتوح - بحمد الله - تتبارى، وإقبال ~~سافر لا يتوارى، وحجج # عالية يسلم لبرهانها الساطع من يتمارى، وما بين تلك الوقائع التي طحنتهم ~~رحاها، وبين هذه التي # صلي بحرها من أمها ونحاها، إلا عشية أو ضحاها. فنفوسهم بتقاضاها الإصباح ~~والإمساء، ودماؤهم ms147 # تحقن بإراقتها في حقها الدماء، وتروى منها كل يوم القلوب الحرار والأسل ~~الظماء، وتؤدي إلى # الطاعة الضافية فيها الهيجاء، (ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ~~ما يشاء). وإنما صار إليهم الأمير الأجل، ولي العهد، مكن الله ظفره، وخلد # في كل صالحة أثره، تحت جناح ليل، وفي سرعان خيل، وخف معه من الأبطال كل ~~ساحب ذيل، # وطالب نيل، فادرعوا معه السرى، وخلطوا نار الحرب بنار القرى، (وسقط ~~العشاء بهم على أسود # شرى)، فجادت بأنفسها أحساب للصيانة تتبدل، وحرصوا على الموت فوهب لهم ~~العمر الأطول، # واستوى في الذب عن الدين المكره والبطل، وكشف الله PageV01P366 ~~تلك المارقة المثيرة، وقد اخترم منها نفوس # أثيرة. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة. # وآب الأمير - أيده الله - ومن معه من حزب الله الغالبين، غالبين - بحول ~~الله - ظاهرين. وقد # كفى الشاهدين والغائبين، وهذه - أعزكم الله - منن تترى عليكم وفودها، ~~وتؤديها # إليكم بيض الليالي وسودها، وتقذف بها إلى الأغوار طبقا عن طبق نجودها، ~~ومن حق من يسهر # لكراكم، ويتهمم ببشراكم، ويحدوكم إلى الدعاء الصالح بذكراكم، ويلحظكم على ~~البعد بعين رعايته # ويراكم، أن تمهدوا له - أعلى الله يده - فلأنفسكم تمهدون، وفي مصالحكم ~~تجهدون، وأكرم مسؤول # تسألون، وأنتم تقرأون وتتلون (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون). # يسرنا الله وإياكم لإخلاص تنفع فضيلته، ولا ترد وسيلته، وتصدق بوارقه، ~~ولا تكذب مخيلته، # بوجوده ومجده، ويبلغون - أعزكم الله - سلاما كثيرا أثيرا. ثم السلام ~~المجدد المردد عليكم ورحمة # الله وبركاته. # وكتب أيضا إلى بعض الأمراء: # عاد الرئيس إلى الأمير كما ارتضى ... ومضى مضاء المشرفي المنتضى # ظفرت يداه بكوكب سنى له ... في كل مظلمة طريقا أبيضا # ورمى به أغراضه فأصابها ... وكأنما كانت ديونا تقتضى # أطال الله بقاء الأمير الأجل، الملك الأعز الأفضل. وسعوده تنتظم، ووفوده PageV01P367 ~~تزدحم، ووقوده يشب ويضطرم، وسيوفه في رقاب الأعادي تحتكم. ولازال اليسر من ~~رواده، والنصر من أمداده، والعيث # بين عاتقه ونجاده. # كتبته، وقد أرسل من عنانى، ms148 وأطلق لساني، ومد من يدي وبناني، ونور أفقي ~~وجناني، ورود علقه # الأخطر، ووافده الميمون المنظر، وحسامه الذكر، وولي أيامه الأفصح الأكبر، ~~وسفيره في كل إقبال، # ورسوله في كل أمر ذي بال، الرئيس الأجل، الزعيم الأوحد الأفضل، أبي فلان ~~ذي الشيم الزهر، # والأخلاق الغر، أحسن الله ذكراه، وشكر تأديبه وسراه، وحفظ به مجده وعلاه، ~~وتمام أدواته الباهرة # وحلاه. فهنأه الله بالنعمة الجليلة في إيابه، وأرصد له مكافآت جده ~~وانتدابه، ولا زال عن ملكه نائبا، # ولسعده صائبا، وبنصره ضاربا وبيمن نقيبته غالبا. # ولما كانت التهنئة بوروده من فروض خدمته، وحقوق نعمته، وأدنى القرب إلى ~~همته، نفثت بهذه # الرقعة على الهرم، ورسمتها في ضوء مصباح يهدي بصري في الظلم: # وإن ستين إلى أربع ... قد أحوجت عيني إلى ترجمان # وفي لساني إن نبا ناظري ... خير كثير وبحسبي لسان # أدعو إلى الله وأثني به ... على الأمير اليوسفي الهجان # أين الذي كان له المغربان ... طرا وقد دان له المشرقان # لازالت دعوته عالية، وفتوحه متوالية. والسلام الأتم المردد على حضرته ~~العالية، ورحمة الله # وبركاته. PageV01P368 # وكتب غيره يهنئ بأخذ معقل: # جراحة الأيام - أيدك الله - هدر، وجنايتها قدر، وليس للمرء حيلة، وإنما ~~هي ألطاف الله جميلة، # تستنزل الأعصم من هضابه، وتأخذ المغتر بأثوابه، أحمده عودا وبدءا على ~~النعمة التي ألبسك # سربالها، والفتنة التي أطفأ عنك اشتعالها، والرئاسة التي حما فيها حماك، ~~ورد خاتمها إلى يمناك، وقد # تناولته يد خشناء، فاستقالته يدك الحسناء، فلم يكن عنده أهلا لتلك ~~البنانة، ولارآه شكلا لخنصر # الخيانة، والأعناق تقطعها المطامع، والنفاق يستو عرفيه الطامع فأقر الله ~~عز وجل الحال في نصابها، # وأبرزها في كمالها تترى بين أترابها، ووضعت الحرب أوزارها، وأخفت الأسود ~~أغيالها، وزآرها، # ومن كانت مذاهبه كمذاهبك، وجوانبه للسلامة كجوانبك، أعطته القلوب ~~أسرارها، وأعلقته المعاقل # أسوارها، وانجلت عنه الظلماء، وأكرم قرضه الجزاء، فليهنك الإياب ~~والغنيمة، وهما المنة العظيمة، # وليكن لهما من نفسك مكان، ومن شكرك لله بالموهبة إعلان، وأما حظي منها، ~~فحظ مسلوب أمكنه # سلبه، وذي مشيب عاوده شبابه وطربه، ولما اقترنالي كانا ms149 معظم آمالي، وعلمت ~~أن بهما زوال # الخلاف، وتوطؤ الأكناف، وأن بالصدر تبتلج الصدور، ويبتهج PageV01P369 ~~السرور، بادرت إلى توفية الحق لك، # وتعرفت الحال بك، مشيعا بالدعاء في مزيدك، ضارعا في الإدامة لتأييدك، فإن ~~الوقت إساءة وأنت # إحسانه، والخير عين وأنت إنسانه. والسلام. # وفي المعنى لأبي نصر: # أطال الله بقاء القائد الأعلى، ونجوم السعد في سمائه متقدة، وأفئدة المجد ~~لعلائه معتقدة، ولازالت # الأيام تطلع به سرورا، وتدع الدين به مسرورا. فقد ألبس الإسلام ظهورا، ~~وجعل يومه مشهورا. وما # تزال عزمات القائد الأعلي فائزات القدح المعلى، فإذا رمى غرضا قرطسه، ~~وإذا أم علما نكسه، وإن # قاتل كتيبة كتب إليها من المنايا كتبا تقع عليها وتسقط، والبيض تشكلها، ~~والأسنة تنقط. ورب يوم # هياج التهبت جوانبه بتوقد الهجير، وحامت كماته على نهر أو غدير. والقتام ~~قد تكاثف كحاثر # الأنفاس، وترادف فمنع من تداني الأشخاص. والأسنة تبدو كأنها أنجم السماء، ~~والسيوف تلوح كأنها # جداول ماء، فأوردهم منها غدرا، لم يطيقوا عنها صدرا، وثنى إليهم قنا ~~أطرافها قصد، وكأنها في # سماء النقع للكماة رصد، فصبح قلمرية بكل فتى كالحسام المهند، طويل نجاد ~~السيف رحب PageV01P370 ~~المقلد، فحال بسيطها بالغارة الشعواء، وأراها بأنه منسجم الأهواء. فقد ~~أحماها وهو مباح، وأرواح فوارسها # تستباح، فكأن وميض بيضه بروق وخواطف، وهاماتهم أزهار وهو قاطف، ولله ~~عقائل من سبيهم # زفوا إليه، ولم يخطبهن إلا بحرابه، ولا أولم لهن غير طعنه وضرابه، فبرزن ~~في يوم مهول، ينظرن # نظر ذهول، وقد نشرن الغدائر حزنا، وأسبلن المدامع مزنا، والشموس لهن ~~حواسد، وهن لديه ملقيات # كواسد. ولا بطل يرنو إلى كاعب، وسيفه في يده كمخراق لاعب، فعدن معطلات ~~حتى من التأمل، # وأبدين الكآبة لما ضعفن عن التجمل. وكم من خود كانت عن الحرير مرتفعة، ~~وصونا عن الشمس # متلفعة. بدت للعيون، واكتسبت ملابس هون، فزعت بالويل، وسعت بين أرجل ~~الخيل. لم تلق حافظا، # ولم تر بالحثر لها لاحظا. فأرض الروم من وقائع القائد الأعلى قد اختلس ~~فؤادها، ويئس من استقلالها # عوادها، فلازالت الدولة به محمية الأقطار، مقضية الأوطار، ms150 تتوالى عليها ~~الفتوح توالي العهاد على # الروض، والوراد على الحوض. # قوله: (في هذا المزدوج كحاثر الأنفاس وتداني الأشخاص) جمع فيها بين السين ~~والصاد، لأنهما من # مخرج واحد، وهو المخرج التاسع من مخارج الفم، ولا شتراكهما في الصفير ~~والهمس؛ فالجمع بينهما # في مثل هذا جائز، كما فعل الراجز حيث يقول: PageV01P371 # يا أم عمرو عجلي بقرص # وعجلي قبل طلوع الشمس # وخبزة مثل جماء الترس # أنشده أبو علي في كتابه (المقصور والممدود) عن ابن الأنباري عن أبي ~~العباس عن ابن الأعرابي. # وله في المعنى: # كتابنا - أبقاكم الله - والمسرات تردكم، والخيرات تعتمدكم، يوم كذا من ~~شهر كذا، وقد فتح الله لنا # وللمسلمين، وشفى بنصره صدور قوم مومنين، وأورثنا أرض الشرك وما كنا لها ~~وارثين. وشرح ذلك # أننا خرجنا ذائبين عن هذا الدين أن يستباح، وحامين لحماه أن يباح، فنفرنا ~~خفافا وثقالا، وما حللنا # الموثق عقالا، إلى أن احتللنا بلاد الروم وهي آمنة تحسب أنها لا تراع، ~~وساكنة لم يحركها قراع، قد # انتشر أهلها انتشار سوامها، فرويت آمال المسلمين بعد أوامها، وظلوا ~~يستاقون النعم، ويوافون المغنم # الأعم، حتى وافينا قاعدتهم العظمى، وقد تسامت عن الحوادث فما تخشى لها ~~إناخة، وصمت عن # الكوارث فما إليها إصاخة. فرأينا معقلا لا يبلغه النجم، ولا يصيبه منه رجم، PageV01P372 ~~أشب الجوانب، منسرب الذوائب، قد اخترقت الجداول ساحاته، ودبجت الأزاهر ~~مساحاته. وأدواحه تنعطف في أكف الرياح، # وتكاد تنعصف من الارتياح، قد نشرت ورقها ذوائب الحسان، وزهرت لتأميلها ~~كأنها زهرة بستان. # فرأينا روضا تروق، وأرضا كأنما خلع عليها الشروق، فضربت المحلات بها ~~مضاربها، وأخذت # جوانبها كلها مشارقها ومغاربها، فلما رأى أهلها ذلك سقط في أيديهم، وحل ~~البلاء في ناديهم، فلم يبرز # منهم ذلك اليوم أحد، وصار الرعب بيننا وبينهم حد، فبتنا بعد أن هدمنا ~~صوامعها والكنائس، وخلعنا # ألسنة تلك النواقس، فلما بدا من الفجر سفور، ونشر للصبح كافور، برز لنا ~~منها أسود على عقبان، # وجرد كأنهم الكثبان، ونحن مستلمون بالسلاح، معلنون بدعوة الفلاح. فحملوا ~~علينا حملة ظننا أن # الجبال إلينا زاحفة، وكادت ms151 القلوب منها تعود واجفة، فصبرنا لحر طعانهم، ~~وتجرعنا مرارة مرانهم، # وأقبلناهم وجوها تتهلل إذا عبس الحمام، وأنفسا تتجلد كلما عضها الحسام. ~~فتجرعنا الغصص # وتجرعوا، وأشرعنا إليهم مثل ما إلينا أشرعوا، وتواقفنا طويلا وقد حمت ~~الصدور، وكؤوس المنايا # تدور، وعزائم البأس تنتضى، والأرواح تقتضى، إلى أن صدق المسلمون في ~~الجلاد والطعان، # وحملوا عليهم كأنهم العقبان، فولى المشركون أمامهم منهزمين، وتولاهم ~~المسلمون بالسيوف ملتزمين، # ووقفوا لهم دون المعقل فلم يكن لهم منفذ، وما نجا منهم ولا فذ. وتحصل ~~للمسلمين من دوابهم # وأسلابهم ما استوفروه حظا، وأقروا به لحظا، والحمد لله رب العالمين. وصلى ~~الله على محمد خاتم # النبيين. PageV01P373 # وله في المعنى: # أطال الله بقاء الأمير الأجل للأرض يتملكها، ويستدير بسعده فلكها. قد ~~استبشر الملك - أيدك الله - # وحق له الاستبشار. فقد أومأ إليه السعد وأشار، بما اتفق له من توليتك، ~~وخفق عليها من ألويتك. # ولقد حبي منك بملك أمضى من السهم المسدد، رحب المقلد، يتقدم حيث يتأخر ~~الذابل، ويكرم إذا # بخل الوابل، ويحمي الحمى كربيعة بن مكدم، ويسقي الظبى نجيعا كلون العندم. ~~فهنيئا للأندلس، لقد # استردت عهد خلفائها، واستجدت رسوم تلك الإمامة بعد عفائها، فكأن لم تمر ~~أعاصيرها، ولم يمت # حكمها ولا ناصرها اللذان عمرا رصافة والزهرا، ونكحا عقائل الروم. وما ~~بذلا إلا المشرفية مهرا. # والله أسأله إظهار أيامك، وبه أرجو انتشار أعلامك، حتى يكون عصرك أجمل من عصرهم، # ونصرك أغرب من نصرهم، بمنه وطوله. # وكتب أبو بكر بن عمار إلى المعتمد بن عباد عند منصرفه ظافرا من غزوة بهذا ~~المنظوم: PageV01P374 # بشراك قد كملت لنا بشرانا ... وهناك ما بك سرنا وهنانا # فتح فتحت به افتتاحك للهدى ... وجعلت من مربلة عنوانا # ظللت من شجر العوالي ديننا ... ورقمت من روض الندى دنيانا # حملتنا تيجان سعيك للهدى ... فلتحملن من شكرنا تيجانا # أجنيتنا ثمر المنى من دوحة ... لم تتخذ غير الوغى بستانا # فتحا تقلد بالسيوف جواهرا ... قد فصلت بدم العدى مرجانا # خلعت به كف السرور على المنى ... برد النجاح مطرزا رضوانا # وسرى نسيم النصر في غصن العلا ms152 ... فاهتز حتى خلته نشوانا # لله حاجبك الذي جردته ... سيفا إذا نبت السيوف أبانا # غصن من العلياء أبدى روضة ... وطلى وأثر حسنه إحسانا # قمر أعد من الجواد لحربه ... فلكا ومن حلق الدروع عنانا # ماء إذا عنت العداة فإن عنت ... نار تثير من العجاج دخانا # أهدى نسيم الفتح من روض الظبا ... غضا يعطر حمصنا أردانا # وجلى عروس الملك لم ينقد لها ... في المهر إلا مرهفا وسنانا # عرس يعود على عدوك مأتما ... ومسرة تهدي له أحزانا # غنت به في دوح حمصحمائم ... نعبت على غرناطة غربانا PageV01P375 ~~عجبا لواهي الحبل في صنهاجة ... ضاهى متين الحبل في قحطانا # أسرع لصرعته أبا عمرو فقد ... قدت له كف الردى أكفانا # أي جاريك العلا طرفا ولم ... تترك ظباك لراحتيه لبانا # هون عليك فكم جموح قبله ... ألجمته هذا الحسام فلانا # وارتع وإن تبغ ارتياحك منهم ... فلقد قبضت نفوسهم أثمانا # سينير رمحك كوكبا ترمي به ... من نجل إسحاق الردى شيطانا # ويشب سيفك في الوغى نارا تقر ... رب رأس باديس لها قربانا # قدر من الله العظيم معجل ... من يستطيع دفاع ما قد آنا # أبشر فقد لاح الصباح لناظر ... ورأوا لملكك فيهم برهانا # إن كنت من لخم وسدتهم فقد ... ساد النبي محمد عدنانا # ولئن تملكت الزمان فإنما ... أعطيت حقك فيه لا عدوانا # أنت القريب من النفوس محلة ... هذا وإن عرشت في كيوانا # والله لا صححت أيمان امرئ ... حتى يصحح حبكم إيمانا PageV01P376 ~~إن كنت معتقدا هواكم ملة ... فلقد تلوت بمدحكم قرآنا # كيف السبيل لشكرما أوليتنا ... ونداك أفحم من أعد لسانا # حملتنا ثمر الأيادي مفضلا ... أشفق فقد أثقلتنا أغصانا # أمطرتنا سحب المكارم ثرة ... أمسك فقد خوفتنا الطوفانا # لا صبح أشرق من جبينك في وغى ... قد حيرت في ليلها الأجفابا # أحيان تصدر عن أعاديك الظبا ... وردا وقد أوردتها سوسانا # في مجلس أجريت فيه دماءهم ... راحا جعلت لها القنا ريحانا # ياأيها الملك الذي عهدي به ... من كان ظمآنا إلى ظمآنا # مالي يعطلني زماني بعدما ... حليت فيه بمدحك الأزمانا # إني تجرت ورأس مالي حبكم ... أيحل لي أن أشتكى ms153 خسرانا # بدد دجى ليلي بأقمار الندى ... فلقد بقيت بليلها حيرانا # وامنن بتسريحي وصك يقتضي ... برئي ونصحي للزمان أمانا # واقبل إليك جواد شكري مسرجا ... إن أنت أعددت الندى ميدانا # لوكان أحرارا عداؤك موئلي ... لدعوت أن تستاقهم عبدانا # لكن هوى بهم الضلال وأصبحت ... هاماتهم لسيوفكم أجبانا # قال أبو إسحاق: # نكتفي بهذا القصيد الفريد الزاهي، على نكتة الخطبة، ودرة التاج، ووسطى ~~العقود. والمنظوم في هذا # المعنى كثير الأنواع والضروب، ومنه المتعارف المعاني والقصي الغريب، وأبو ~~بكر بن عمار # مشهور في أكابر الأدباء، وأعلام الشعراء، مديد الباع، كثير الانطباع. PageV01P377 # وكتب أبو نصر يهنئ بولاية: # سيدي الأعلى، ومعتمدي للجلى، وبدر أسعدي المجتلى، ومن أطال الله بقاءه، ~~والأيام ترقيه أرفع # مراتبها، وتنتظم مجده على ترائبها. لقد سرني - دام عزك - أن حلي بك ذلك ~~الكرسي بعد عطله، # وحفي منك بفارسه وبطله، فأنس بعد نفاره، واقتبس نارا من مرخه وعفارهوقد ~~قذي ناظره، وشجي # خاطره، أسفا على نزولكم عن أعواده، وكلفا بكم لم يزلكم عن فؤاده، فالحمد ~~لله الذي أصارالأمر إلى # أربابه، وأعاد إليه أيام شبابه، وسقى الله تلك الحضرة فإنها مشرقة، وغصون ~~المنى فيها مورقة. فكم # حمدت عصرها، وواليت جني الأماني وهصرها، ورحم الله الذاهبين منها، فلقد ~~أجروني في ميدان # البر طلقا، وأروني الدهر صبحا وفلقا، لا أرى مثلهم منجدا ولا معينا، ولا ~~يزال دمعي أبدا عليهم # معينا، والله تعالى يبقي سيدي الأعلى جابرا لذلك الصدع، ورادعا للوعتهم ~~وأنالها بالردع. # أبو عبد الله بن أبي الخصال: # أطال الله فيما ترضاه يقاءك، ومكن سعدك وعلاءك، وأظهر مجدك وسناءك، وعمر ~~بالآمال فناءك، # ورفع في كل صالحة بناءك، ولازلت تتعرف من نعمه المزيد، وتجتلي الصنع ~~الجميل الحميد، وتدرك # الشأو الصالح البعيد. # كتبته - أدام الله عزك - وقد بلغني ما نيط بك من الأمر، وقلدت من حماية ~~الثغر، فسألت الله تعالى # لك أعم الآضطلاع والاكتفاء، وأتم الاستقلال ... ، PageV01P378 ~~وأن يؤيدك بنصره العزيز، ويكتبك في أهل السبق # والتبريز، وأن يجعلك في كنفه المنيع الحريز، وأن يظهرك على من يليك من ~~الأعزاء، ويبقيك # ميمون الأمر منصور ms154 اللواء، وهو تعالى بمنه يستجيب لك صالح الدعاء، ويمدك ~~بالتوفيق والتسديد # في جميع الأنحاء. # وله يهنئ بولاية القضاء: # أطال الله بقاء الوزير الفقيه الجليل، ذي القدر النبيل، والذكر الجميل، ~~والمجد الأثيل، والبيت # المعرض في المكارم المستطيل. وجنابه بديم النعم خضل، ومكانه بوفود السعد ~~مسبل هطل، وأيامه # تتبارى في معال له تبنيها، وحظوظ تدنيها والقدر موافق فيها. # مثلك - أدام الله عزك - من السادات، المهيئين لدرجات المجد والسيادات، ~~المعرقين في الوجاهة، # المشرقين في مطالع النباهة، إذا تبوؤوا ذروة علاء، واقتعدوا غارب سناء، ~~وانتظموا مع النجوم في # سلك سماء، فإنما حازوا تراث آباء عن آباء. وتلك سبيله في خطة القضاء التي ~~هامت بمعاليه، # ومثلت ضارعة تناديه، وتشبثت به تشبث العاطل بالحلي، والعاطش بالمنهل ~~الروي، حتى رق لها # الزمان، فاطمأنت لها الدار واستقر بها المكان. PageV01P379 # فهنيئا لها من فاضل أروع فازت بعلو هممه، # وأصبحت في ذممه، وعزت بكرمه؛ فالعدل لباغيه متاح، والحق لسائله مباح، ~~ولئن عمت هذه النعمة # أممآ، وشفت صدورا ونفت لمما. فإني لمخصوص منها بفضل مزية، وحصة على ~~الحضيض علية، # لما يجمعنا من أذمة تربي على النسب، وترجح وزنا بأواصر الحسب. ولذلك ~~ابتدرت المساهمة # ابتدارا، ورفقت بما بيننا نداءا وشعارا. والله يعرفنا وإياه بركة ما ~~قلده، ويطيل مدته ويفسح أمده. وبي # إلى مطالعتك ظمأ وبرح، وشوق لا يأتي عليه تفسير ولا شرح. والله تعالى ~~يعرفك السداد في القول # والعمل، ويبلغك أقصى العمر والأمل بقدرته. # ولبعضهم يهنئ بولاية الوزارة: # في إحاطتك الوافية، ودرايتك الوافرة، إني بك - أعزك الله - راجح ميزان ~~الذخر، منهل ماء الفخر، # ثري أرض الود، عطر رائحة العهد، وأن بشراي تتابعت، وأن هلالك في الوزارة ~~طلع بدرا، وأن # مداك بها صار شفعا وكان وترا، فقلت ساقها شغفها، وزانها شرفه لا شرفها. ~~فليهنك حلولك بفرقديها، # وجمعك بين نيريها. وإنك مقلدها من خلالك فذا وتوءما، وملبسها من صفاتك PageV01P380 ~~طرزا وعلما، حسن يقين، ومتانةدين، وطيب جذم، ورسوخ ورع وعلم، وأدبا كالروض ~~نبهته الصبا، وكرما كالغيث عمر # الربا. ولقد قعدت للتهنئة فأقبلت علي هواديها، وانقادت ms155 علي من حاضرها ~~وباديها، فإن تقدمت فلفرط # الهبة، وإن تأخرت فلعظم الهيبة. # قوله: (فقلت ساقها شغفها وزانها شرفه لا شرفها) من قول أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه، وذلك # أنه لما عهد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالخلافة، ودفع إليه عهده ~~مختوما، وعمر لا يعرف # ما فيه. فلما عرف ما فيه رجع إلى أبي بكر حزينا كهيئة الثكلى، وهو يقول: ~~(حملتني عبئا لا # أضطلع به، وأوردتني موردا لا أدري كيف الصدر عنه). فقال له الصديق: ~~(ماآثرتك بها، ولكني # آثرتها بك، وما قصدت مساءتك ولكن رجوت إذخال السرور على المؤمنين بك). ~~ومن هذا أخد # الحطيئة قوله: # ما آثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بها الأمر # وتبعه الحسين بن مطير فقال: # مبتلة الأطرف زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها # ويروى: (محصرة الأوساط). وتبعه الآخر فقال: # وتزيدين أطيب الطيب طيبا ... إن تمسيه أين مثلك أينا PageV01P381 ~~وأخذه علي بن العباس الرومي فقال: # وأحسن من جيد المليحة عقدها ... وأحسن من سربالها المتجرد # إنما هو: (وأحسن من عقد المليحة جيدها). وما وقع في الكتاب وهم. فانظره. # ويروى: (آنق من عقد المليحة) وأخذه الشريف الرضى فقال: # حليه جيده لا ما يقلده ... وكحله ما بعينيه من الكحل # قال أبو إسحاق: # وفي حفظي أبيات لأبي بكر الصولي من النظم المستحسن، والكلام العذب الحسن، ~~وهي في معنى # التهنئة بالوزارة؛ غريبة المنحى والمنزع، ويحسن إثباتها في هدا الموضع. فقال: # ليهنك يا خير مستوزر ... خلافة خير الورى جعفر # إمام هدى عمنا جوده ... فأصبح كالعارض الممطر # أتم من الشمس في حسنها ... وأزهر من بدرها الأزهر # وليت أمورا فأوردتها ... موارد محمودة المصدر # وحطت الإمام وأمواله ... على رغم باغ ومن مكبر PageV01P382 ~~وقد أقبلت نحونا فتنة ... تروع بجانبها الأوعر # فأشرق رأيك في ليلها ... ؤأوضح للسامع المبصر # وأصلحت بالعدل من جورها ... وأسرعت بالعرف في المنكر # وكانت سعودك في نحسها ... أتم سعود من المشتري # بحزم يجلي الدجى والعمى ... ورأي يقيم صغا الأصعر # فقومت في ساعة بيعة ... تميل لغيرك في أشهر # وددت إليها على رغمهم ms156 ... شوارد من معشر نبر # فألسنة الناس مجموعة ... فمن بين داع ومستبشر # بقيت ولا زلت في نعمة ... تدوم وتبقى على الأعصر # قوله: (خلافة خير الورى جعفر) هو جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن طلحة ابن ~~المؤمن بن جعفر # المتوكل. بويع له بالخلافة لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس ~~وتسعين ومائتين، وسنه # يومئذ ثلاث عشرة سنة. ودامت خلافته خمسا وعشرين سنة إلاستة عشر يوما. ~~استوزر في مدة # خلافته اثني عشر وزيرا، وكانت في أيامه أمور وعجائب لم تكن قبل مدته. وله ~~ألف أبو بكر محمد # بن يحيى الصولي قائل هذه القصيدة، كتاب (الشبان) تسمى المقتدر بالله. ~~وكان دري اللون. أحور، # أصهب، ربع القامة توفي يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر شوال سنة عشرين ~~وثلاث مائة. PageV01P383 # وقوله: (فأشرق رأيك في ليلها) معناه أضاء. وفي كتاب الله تعالى (وأشرقت ~~الأرض بنور ربها). أي أضاءت بنور ساطع ظهر # فيها. # قال الشاعر: # أشرقت دارنا وطاب جناها ... واسترحنا من الثقيل فراس # وقوله تعالى (فأخذتهم الصيحة مشرقين) أي حيث طلعت عليهم الشمس، لأن ~~المشرقة، والمشرقة بفتح الراء وضمها حيث # يقعد المشرق في الشمس. # قال الشاعر: # تحبين الطلاق وأنت عندي ... بعيش مثل مشرقة الشتاء # ويقال: شرقت الشمس شروقا إذا طلعت. # قال امرؤ القيس: # فصبحه عند الشروق غدية # وأشرقت، إذا أضاءت. قال الله تعالى (يسبحن بالعشي والإشراق). ويقال: ~~(لاأفعل ذلك ماذر شارق): أي ماطلع قرن الشمس. # ويقال: المشرق والمغرب، والشرق والغرب لمطلع الشمس ومغربها. PageV01P384 # وقال أبو بكر بن دريد: الشرق والمشرق صد الغرب والمغرب والمشرقان والمغربان ~~مشرقا الشتاء # والصيف ومغرباهما. والمشارق مطالع الشمس كل يوم، وكذلك المغارب، حتى تعود ~~إلى المشرق # الأول في الحول. # وأيام التشريق أيام يشرق اللحم في الظل. # وقال صاحب العين: أيام التشريق. كانوا يشرقون اللحم في تلك الأيام للشمس، ~~وهي الأيام # المعدودات، والأيام المعلومات عشر ذي الحجة. # ويقال: شرق الرجل يشرق شرقا بكسر الراء في الماضي، وفتحها في المستقبل، ~~وفي المصدر إذا # اغتص. قال عدي بن زيد: # لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت ms157 كالغصان بالماء اعتصاري # وقال أبو تمام: PageV01P385 # أغنيت عني غناء الماء في الشرق # ويقال: شرق الثوب بالصبغ إذا احمر واشتدت حمرته. ولطم فلان فلانا فشرق ~~الدم في عينيه إذا # احمرت. # وذكر الأصمعي أن رجلا لطم رجلا بآخر فاشرورقت عينه، واغرورقت، فقدم إلى ~~الشعبي فقال: # لها أمرها حتى إذا ماتبوأت ... بأخفافها مأوى تبوأ مضجعا # يعني أنه لا يحكم فيها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها. # وأصل الباب الطلوع. # وفي الحديث (لاتشريق إلا في مصر وفي مسجد جامع) أي: لا صلاة عيد. # وسمي الغصص شرقا لأنه يطلع راجعا. وكذلك شرق الثوب بالصبغ إذا اشتدت ~~حمرته مشبه # بالشمس الطالعة. # وقولهم: ناقة شرقاء، إذا شقت أذنها بنصفين طولا، لأنه شق يطلع منه ضوء ~~وكذلك الشاة. PageV01P386 # والشرق أيضا طائر من الطير والصوائد مثل الصقر. # قال الشاعر: # قد اغتدي والصبح ذو فليق # بملجم أكلف شوذنيق # أجدل أو شرق من الشروق # وقوله: (يقيم صغا الأصعر)؛ أي ميل المائل. وقد ذكر الصغا مشروحا في موضعه ~~من الجزء الثاني # من هذا المجموع. # والصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها ورؤوسها، فتلوي أعناقها إلى ناحية من ~~أجله. فشبه المتكبر على # الناس، المعرض عنهم تكبرا لذلك. # وفي الحديث (كل صعار ملعون). # يقال: رجل صعار؛ وهو ذو الكبر والأبهة، لأنه يميل بوجهه، ويعرض عن الناس. ~~قال المتلمس: # وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من ميله قتقوما # وقال بشر بن خازم: PageV01P387 # ألا يا عين فابكي لي سميرا ... إذا صعرت من الغضب الأنوف # وسميرا أخوه. # وذكر الصعار مالك بن أنس رحمه الله، وفسره بالنمام. وفي كتاب الله تعالى ~~(ولا تصعر خدك للناس). قرأه ابن كثير وابن # عامر وأبو جعفر يزيد بن القعقاع ويعقوب (ولا تصعر) بغير ألف مشدد العين. ~~وقرأ سائر السبعة # بالألف من غير تشديد. وقيل هما لغتان بمعنى: لا تعرض بوجهك عن الناس ~~تجبرا وتكبرا. # حكى سيبويه أن ضاعف وضعف بمعنى ... صاعر وصعر. وقال الأخفش: لا تصاعر ~~بالألف لغة # أهل الحجاز، وبغير ألف مع التشديد لغة بني تميم. وروى شبل عن ابن كثير ms158 PageV01P388 ~~(ولا تصعر) بإسكان الصاد. # وروى ذلك عن الحسن وعاصم الجحدري. والمشهور عن ابن كثير تشديد العين من ~~غير ألف كما # تقدم. # وقرأت في كتاب النوادر لأبي علي البغدادي أخبرنا أبو عبد الله يعنى أبا ~~بكر بن دريد. قال: أخبرنا # عبد الرحمن عن عمه قال: قال أعرابي كبير السن: أصبحت والله تقيدني ~~الشعرة، وأعثر بالبعرة. # وقد أقام الدهر صعري، بعد أن أقمت صعره. قال أبو علي: (الصعر: الميل) ~~ومعنى صعري في هذا # الخبر، أي ميلي إلى اللهو والصبا والعوج الذي كان في زمان الشبيبة. # يقال: رجل أصعر: أى مائل العنق، وكذلك المتكبر على الناس، يميل بوجهه عن ~~الناس إلى ناحية # من الكبر. # رجع # وكتب بعض الأدباء إلى صديق له مهنئا بالابتناء بأهله. وأهل الرجل زوجه. ~~والتأهل: التزوج، # وأهل الرجل أيضا أخص الناس به، وأهل الإسلام من يدين، به وأهل القرآن: من ~~يقرؤه، ويقوم # بحقوقه. وأهل البيت سكانه. وقولهم: مرحبا وأهلا، أي اختصاصا بالتحية ~~والتكرمة. وأصل الباب: # الاختصاص. ويقال أهلته لهذا الأمر: أي جعلته أهلا له. والأهلي خلاف البري. # وأول الرسالة: # بأيمن طائر وأتم سعد ... يكون من الكريمين اجتماع # أما أنه المجد اليفاع، والحسن المطاع، تعارفت الطباع، فتلاءمت الأنفس PageV01P389 ~~الشعاع، كما التقى الكوكبان، واقترن النيران كما حاصر الريح الضيغم، وهاصر ~~النسيم الغصن المنعم: # كما راق فوق المعطف الصارم العضب ... كما التفت الصهباء والبارد العذب # بل كما فاوت القداح، ونظم الوشاح، واعتلق الروض عبقه، واعتنق شن طبقه، ~~فحبذا النسب، شابكه # الصهر والحسب، عانده التقي البر على حين جرت الأيامن، واكتنف الحرم ~~الآمن، فبالبنين والرفاء، # والنعيم والصفاء، والثروة والنماء، والعزة القعساء الشماء، وعلى الموافقة ~~والوفاق، والدوام والاتفاق، # والحظوظ والحدود، والبسطاط الممدود، وتتابع البشرى بالفارس المولود، ~~ومالي تأودت أعطافا، # وتأنقت أوصافا، وتهللت جذلا، وبسطت في الدعاء مذلا. أهناني الأرب؟ أم صفا ~~لي المشرب؟ وقد # غبت عن اليوم المشهود، وما علمت الإذن للوفود. ولم أقم في السماط، سافرا ~~عن وجه الاغتباط، # أتلقى الدالج بمبرور التحية، وأبدي الخارج بحكم السرور والأريحية، وأتخدم ~~وقع الوحي والإيماء، # وأتقدم من ms159 المصافاة والموالاة في الغفير الجماء. كلا، ولا شهدت ليلة ~~الزفاف، وما حلت من محاسنها # الأفواف، حيث دارت المنى سلاما، وصارت العلا دوحة ألفافا، وأبدى رونق ~~السيف حلاء، وأبرز # عقيلة الحي هداء. هنالك جلت النعماء، ونهلت الأظماء. فياله منظرا، ووعدا ~~منتظرا، لو ناجيته من # كثب، وكرعت منه في المنهل الأعذب، ولنعم ما PageV01P390 ~~منح ذلك الموكب لماسح أهداها جملا، فكأنما أسداها # أملا، أثلج الفؤاد، وأورى الزناد، وأحقب المراد، وفاء بالنفس أوكاد، وقلت ~~عن قراه، نفس جندلت # يسراه، وأوجب لذكراه، وقد كان من الحق أن أهاجر، وأعصي الناهي والزاجر، ~~فأرقى جوارا، # وأشفى بالمحاضرة أوارا، ولكنها الأيام تزع، ويغيرما أود تقع، فأبسط عذرا، ~~وإني لك ذخرا، وطب # مدى الدهر خبرا وخبرا، وتملكها منه أيادي غرا. والسلام. # وكتب بعض الأدباء عن أمير زف ابنته إلى صهره: # قد انتظمنا انتظام السلك، وصرحنا عن مشارب الحال الجامعة لنا قذاه كل إفك ~~وشك، وظهر الحق # المبين من المين، (وتبين الصبح لذي عينين)، وأنفذت الهديةالمقتضاة محفوفة ~~بالحرم والمحارم، # مكنوفة بالكرائم، تم بالأعلام الأكارم. وأنا أسأل الله في متوجهها ~~ومنقلبها الرعاية الموصولة بك، # والكفاية المعهودة منك، حتى يفئ عليها ظلك، ويبوء بها مثوى الحماية محلك، ~~ويحميها حرزك # ومكانك، ويأويها عزك وسلطانك، ثم حسبي عليها كرمك وكنفك، وخليفتي عليها ~~برك ولطفك. فهي # الآن ملكك، وأنت الكريم المسجح، وبضاعة متجري وأنت المربح المنجح، والله ~~يبقيك ويعليك، وتشد # قبضتك على رقاب أمانيك وأراجيك. ذخر الأبد، وعماد الأهل والولد، وعندك ~~ثمرة النفس وفلذة الكبد. # فارقتها عن شدة ضنانة، وأسلمتها بعد طول صيانة، وما زفت إلا إلى كريم ~~يحملها محمل الأمانة، # ويقضي فيها الديانة، ويرعى لها حق انقطاعها عن أهلها، واغترابها عن ~~ملائها ومنشئها. وهو حكم # الله الواجب، وقدره الغالب، PageV01P391 ~~وسنته المشروعة، ومشيئته المتبوعة. ولنا في رسول الله أسوة، وفيما # قاله في مثل هذه قدوة. وتلا قوله تعالى (وهو الذي خلق من الماء بشرا ~~فجعله نسبا وصهرا) وقد قال عليه السلام: "فاطمة بضعة مني فمن أكرمها فقد # أكرمني ومن أهانها فقد أهانني اللهم بارك لها ms160 وبارك عليها". # وقد تصور لي أن قطعة مني فاقت منفصلة عني، فلما تفكرت في خروجها إليك، ~~وأنت من أنت # تماسكت، وتراجعت عند ذلك وتمالكت. والله تعالى يطلعني من سلامة الوصول، ~~وكرامة الحلول، ما # يقر العين، ويسر النفس بمنه. # وذكر أبو منصور في كتابه قال: لما زف بختيار ابنته إلى تغلب بالموصل، أمر ~~أبا إسحاق الصابي # فكتب عنه فصلا في المعنى استحسنه البلغاء وتحفظوه، وهو: # وقد توجه أبو النجم بدر الحرمي وهو الأمين على ما يلحظه، والولي بما PageV01P392 ~~يحفظه، يحمل الهدية وإنما نقلت من وطن إلى وطن، ومن معرس إلى معرس، ومن ~~مأوى بر وانعطاف، إلى مأوى كرم # وألطاف، ومن منبت درت له نعماؤه، إلى منشإ يجود عليه سماؤه، وهي بضعة مني ~~انفصلت إليك، # وثمرة من جناني حصلت لديك، ومابان عني من وصلت حبله بحبلك، وتخيرت له ~~بارع فضلك. # جواب هذا الفصل من إنشاء أبي الفرج الببغاء قال بعد الصدر: # وأما أبو النجم فقد أدى الأمانة إلى أهلها، وسلم الذخيرة الجليلة إلى ~~متقبلها، فجلت عن العز في # وطنها، وأوت من حمى الأسد إلى مستقرها، وسكنها، منتقلة من عطن الفضل ~~والكمال، إلى كنف # السعادة والإقبال، وصادرة عن أنبل ولادة ونسب، إلى أشرف نصاب وحسب وفي ~~اليسير من لوازم # فروضها، وواجبات حقوقها، ما يغني عن الوصاة بها. وكيف يوصي الناظر بنوره، ~~أو يحض القلب # على حفظ سروره؟ PageV01P393 # قال أبو إسحاق: # وكناية الأدباء عن الزوجة بالهدية، كناية رفيعة سنية، وكان شعراء العرب ~~في الجاهلية، وصدر # الإسلام يشببون بالنساء، ويعلنون بأسمائهم، حى توعدهم عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه على ذلك، # وعهد إليهم ألا يشبب أحد منهم بامرأة معلنا باسمها. وقد نفى نصر بن ~~الحجاج بن علاط البهزي من # المدينة، وكان فتى جميلا، من أحسن أهل المدينة صورة حين سمع امرأة تنشد: # هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج # وحكى الفضل بن موسى عن داوود العطار، أنه قال: سمع سليمان بن عبد الملك ~~في معسكره صوت # غناء، فدعا بهم، ms161 فقال: أما أن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة، وأن الجمل ~~ليخطر فتضبع له # الناقة، وأن التيس لينهب PageV01P394 ~~فتستحرم له العنز، وأن الرجل ليغني فتشتاق إليه المرأة. أخصوهم. فقال له # عمر بن عبد العزيز إنها مثلة وطلب إليه فخلى سبيلهم. # قال: ولما كان ذلك من أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عاد الشعراء بعد ~~ذلك يكنون عن # النساء بالشجر، والثياب، والأزر، والحلل، وما أشبهها. من ذلك قول أحدهم: # فيا سرحة الركبان ظلك بارد ... وماؤك عذب لو يباح لشارب # ومنه قول حميد بن ثور الهلالي: # أبى الله إلا أن سرحة مالك ... على كل أفنان العضاه تروق # فالسرحة في هذين البيتين كناية عن امرأتين. # وقال الآخر: # يا سرحة حرمت علي وإنها ... لألذ من ماء الحياة وأعذب # ما بعد ظلك لي مقيل فاعلمي ... كلا ولالي بعد مائك مشرب # والسرحة: الشجرة الملياء، ليس فيها شوك، ترتفع وتطول. وقال عمر بن PageV01P395 ~~أبي ربيعة: # فواعديه سرحتي مالك ... أو الربا بينهما أسهلا # وانتصاب (أسهلا) في هذا البيت بإضمار فعل كأنه قال: ائتني مكانا أسهلا. ~~ومثله قول الآخر: # ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام # كنى بالنخلة عن امرأة. وقال أبو بكر بن الأنباري في قول ليلى تصف الإبل: # رموها بأثواب خفاف فلن ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا # معناه: بأنفس. وقال الآخر: # ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري # أى: فدى لك أهلي، وقيل نفسي. # ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار ليلة العقبة: "أبايعكم على PageV01P396 ~~أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم". أخذ البراء بن معرور بيده ~~وقال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع # منه أزرنا؛ أي أنفسنا ونساءنا. # وعن إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي في قول الله تعالى وجل في سورة ~~المدثر (وثيابك فطهر) قال: معناه # نساءك طهرهن. # وعن ابن عباس والنخعي، وغيرهما من أهل العلم بالتفسير، أن معناه ونفسك فطهر. # وعن مجاهد فيه: أي وعملك فأصلح. والعرب تقول: فلان طاهر الثوب، ونقي ~~الثوب. ms162 إذا كان حسن # العمل، طاهرا من الذنوب، ومن كل فعل مذموم. قال الشاعر: # طاهر الثوب لا يقارب حوبا ... أريحي متوج ذو نوال # وقال الآخر: # مطهر الثوب لا كفاء له ... من قومه حين يذكر الكرم # فأما حديث أبي سعيد: إن الميت يبعث في ثيابه التي مات فيها، فقال PageV01P397 ~~فيه الخطابي أبو سليمان هذا يتأول على وجهين: # أحدهما أن يكون الثياب كناية عن العمل الذي يموت عليه ويختم له به، ويدل ~~على ذلك حديث # الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"يبعث العبد على مامات # عليه". # ويقال: فلان دنس الثوب، إذا كان خبيث الفعل والمذهب. ولبس الرجل ثوب غدر ~~إذا غدر. قال # الشاعر: # فإني بحمد الله لا ثوب غدرة ... لبست ولا من ريبة أتقنع # ويروى: (لاثوب غادر) ويروى: (ولا من فجرة). # والوجه الآخر، أن يراد بالثياب ما يلبس ويكتسى؛ يريد أنهم يبعثون من ~~قبورهم، وثيابهم عليهم ثم # يحشرون إلى الموقف حفاة عراة. # وروى بعض الصحابة أنه لما حضره الموت قال: أحسنوا كفني فإن الميت يبعث في ~~ثيابه التي مات # فيها. PageV01P398 # وفي الحديث فيما روى قتيبة عن الليثي عن هشام ابن سعيد عن عطاء الخرساني ~~قال: كان عمر بن # الخطاب قد خطب إلى علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم فقال علي: إنها صغيرة، ~~وإني مرسلها إليك # حتى تنظر إلى صغرها. فأرسلها إليه، وقال لها: قولي له إن أبي يقول لك: هل ~~رضيت الحلة؟ # فجاءته وقالت له ما قال لها أبوها. فلما نظر إليها، قال: نعم، قد رضيتها. ~~فكنى عنها رضي الله عنه # بالحلة. # والحلة ثوبان: إزار ورداء. ولا تسمى حلة حتى تكون جديدة تحل عن طيها. # وقال الله تعالى وجل (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) فاللباس في هذه الآية ~~كناية عن الأنفس، لأن النساء يصرن بمنزلة ما يلبس. # وقال النابغة الجعدي: # إذا ما الضجيج ثنى عطفه ... تثنت عليه فكانت لباسا # وقد كنت العرب عن النساء بغير ما ذكرناه من الشجر، والحلل والأزر. من ذلك ms163 ~~قول علقمة: # يحملن أترجة نضح العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم # فجعل الأترجة كناية عن امرأة. ومنه قول عنترة: PageV01P399 # ياشاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم # فكنى بالشاة عن المرأة. وقال الأعشى: # فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها # وقال ابن نمير: # كأن على الظعائن يوم بانوا ... نعاجا ترتعي بقل البراث # البراث: الأماكن السهلة. واحدها: برث، مفتوح الأول قاله أبو العباس فكنى ~~بالنعاج عن النساء. # ومثله قول امرئ القيس: # هما نعجتان من نعاج تبالة ... لدى جؤذرين أو كبعض دمى هكر # وفي كتاب الله تعالى (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة). # فهذا كله كناية عن النساء. والنعجة عند العرب: البقرة الوحشية. قال امرؤ القيس: # فبينا نعاج يرتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهذب # وكل هذه الكنى، إنما تقع على الفتيات والكواعب الحسان الخفرات؛ من PageV01P400 ~~كل طفلة عروب هيفاء، ريا المخلخل: # إلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... إذا ما اسبكرت بين درع ومجول # وما سوى هذا الجنس من ذوات الأسنان اللاتي لايعلقن بقلب إنسان، فلهن ~~أسماء غير مستحسنات # بألفاظ وصفات مختلفات، كمثل ما ورد في كتاب "أنواع الأسجاع" من تأليف ابن ~~أبي الزلازل. قال: # وجدت في كتاب أبي أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي حدثني محمد بن سهل ~~قال: أخبرنا عمارة # بن وثيمة قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد قال: أخبرنا المفضل بن ~~موسى المروزي PageV01P401 ~~قال لي أبو حنيفة ألا أحدثك حديثا ظريفا. قلت: بلى. قال أخبرنا حماد بن ~~سليمان عن إبراهيم النخعي عن # رجل يقال له عبد الله أظنه ابن بجينة. قال: جاء زيد بن حارثة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال # له النبي عليه السلام: أتزوجت يا زيد؟ قال: لا. قال: تزوج تستعف مع عفتك ~~ولا تزوج خمسا من # النساء. قال: وماهن يارسول الله؟ قال: لا تزوج شهبرة، ولا لهبرة، ولا ~~نهبرة، ولا هيذرة ولا لفوتا. # قال زيد والله يارسول الله ماأعرف مما قلت شيئا. قال: أما ms164 الشهبرة ~~فالزرقاء البدينة، وأما اللهبرة # فالطويلة المهزولة، وأما النهبرة فالعجوز المدبرة، وأما الهيدرة فالقصيرة ~~القبيحة الدسيمة، وأما اللفوت # فذات الولد من غيرك. # قال المروزي: وضحك أبو حنيفة لها ضحكا طويلا وكان لا يضحك إلا تبسما. # وذكر الخطابي أبو سليمان هذا الحديث ولم يسنده. وهذه الأسماء فيه. إلا ~~أنه قال هيذرة بالدال # معجمة، وقال: الهيذرة الكثيرة الهذر؛ وهو الكلام الذي لايعبأ PageV01P402 ~~به. يقال: هذر الرجل في منطقه يهذر هذرا، ورجل هذار ومهذار. قال: وأرى ~~اللهبرة، إنما هي النهبلة، وهي العجوز المدبرة. يقال شيخ # نهبل، وعجوز نهبلة. قال الشاعر: # مأوى اليتيم ومأوى كل نهبلة ... تأوي إلى نهبل كالنسر علفوف # وقال في الشهبرة، هي الفانية. يقال شهبرة وشنهبرة، وشهبرية. وقال في ~~النهبرة، إن كان محفوظا # فهي التي قد أشرفت على الهلاك. والنهابر المهالك. ومنه الحديث: "من جمع ~~مالا من تهاوش أذهبه # الله في نهابر". # وقال في اللفوت كما جاء في الحديث. قال: وسميت لفوتا لأنها لا تزال تلتفت ~~إلى ولدها وتشتغل به # عن الزوج. # قال ابن الأعرابي: أوصى بعض الأعراب ابن عم له أراد التزوج. فقال له: ~~إياك والحنانة، وهي # التي كان لها زوج قبلك فطلقها، فهي تحن إليه. وإياك والمنانة. وهي التي ~~لها شيء تعطيك منه، فتمن # عليك بذلك. وإياك والمسوفة. وهي التي إذا أراد زوجها منها الخلوة، تقول ~~له سوف سوف حتى # يكسل وينام. وإياك واللفوت وهي التي لها ولد من غيرك، فهي تلتفت إليه ~~وتشتغل به عنك. وإياك # والمشفاة؛ وهي التي دفنت ثلاثة أزواج. # قال ابن الأعرابي أنشدنا المفضل: # مشفاة إذا علقت بقرن ... دنا ذاك القرين من الحمام # وفي الحديث "خير نسائكم العطرة المطرة" فالعطرة من العطر، والريح PageV01P403 ~~الطيبة، يريد المرأة التي تكثر استعمال الطيب. قال حسان بن ثابث: # شأنها العطر والفراش ويعلو ... ها لجين ولؤلو منظوم # والمطرة من المطر، يريد التي تكثر الاغتسال والتنظف بالماء. # وقال أبو عمر المطرز: المطر: كثرة السواك. # وحكى عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال: وصف أعرابي جارية فقال: ~~(بيضاء فضة، # عطرة مطرة، ms165 مشياص خفرة). والمشياص: الكثيرة السواك. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالأبكار فإنهن أطيب أفواها ~~وأنتق أرحاما وأرضى # باليسير". # وقد ذكر أبو علي البغدادي في نوادره، أسماء زوج الرجل بألفاظ مختلفة ~~باشتقاقها وتفسيرها. فإن # قال قائل أيما أفصح؟ زوجك بلفظ التذكير، أو زوجتك بإثباث علامة التأنيث؟ ~~قيل له: زوجك على # لفظ التذكير، لأن الله تعالى يقول في كتابه العزيز (أمسك عليك زوجك) وقال ~~الله تعالى (اسكن أنت وزوجك الجنة) وقال (ولهم فيها أزواج مطهرة). فأزواج ~~جمع زوج # بطرح الهاء، ولا يصح أن يكون جمع زوجة. # وأنشد أبو العباس المبرد: # وأراكم لدى المحاماة عندي ... مثل صون الرجال للأزواج PageV01P404 ~~فإن قال: لم لفظ التذكير أفصح وأكثر في الاستعمال، والمعنى مؤنث؟ قيل له ~~لما كانت الإضافة # تلتزم الاسم في أكثر الكلام، كانت مبنية له، وكانت بطرح الهاء أفصح؛ إذ ~~كانت أخف مع الاستغناء # بدلالة الإضافة عن دلالة هاء التأنيث. # وحكى أبو عبيدة قال: رأيت الأصمعي يوثر ترك الهاء في الزوجة، ويرى أن ~~أكثر كلام العرب # عليه. وكان الكسائي يرى أن أكثر كلام العرب بالهاء، ومن ذلك قول الفرزدق: # فإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبلها # ومنه قول الآخر: # فبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والطامعون علي ثم تصدعوا # قال الكسائي: وطرح الهاء لغة لأزد شنوءة. وكان أبو العباس المبرد يقول ~~بقول الأصمعي من أن # الوجه طرح الهاء، وبه قال أبو الحسن الرماني. # وقال صاحب العين. الزوج: امرأة الرجل، وهي لغة في الزوجة، زوجة الرجل. ~~والزوج يقال # للذكر، ويقال للأنثى وهو لفظ مشترك. فالزوج المرأة التي لها بعل، والزوج: ~~الرجل الذي له امرأة، # والزوج ضد الفرد. وأصل الزوج: الشكل. يقال: زاوج بين هذين؛ أي شاكل ~~بينهما. وقال أبو بكر # بن دريد: كل اثنين زوج، وكل أنثى وذكر: زوجان. وفي كتاب الله تعالى PageV01P405 ~~(وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى) فيه (من كل زوجين اثنين). ويقال: لفلان # زوجان من الحمام؛ أي ذكر وأنثى، وقوله سبحانه وتعالى (سبحان الذي خلق ~~الأزواج كلها) أي الأصناف. # والزوج ms166 النمط ويقال الديباج. قال لبيد: # من كل محفوف يظل عصيه ... زوج عليه كلة وقرامها # وقال الله تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن ~~إليها) وقال تعالى (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها) # فمن نعمة الله على عباده، أن جعل للرجل زوجا من شكله، لأن الشكل إلى شكله ~~أسكن، وله آلف، # وبه آنس. وقال: # يألف الشكل شكله ... ليس هذا بمشكل # فجعل جل وعز المرأة من شكل الرجل، ليتم نعمته على عباده، وتعظم منته ~~عليهم. فله النعمة # السابغة، والحجة البالغة، تبارك وتعالى علوا كبيرا. # رجع # ولما وصلت قطر الندى بنت خمار بن أحمد بن طولون المعروف بخمارويه إلى ~~المعتضد بمدينة # السلام. قال علي بن العباس الرومي في PageV01P406 ~~ذلك: # ياسيد العرب الذي قدرت له ... باليمن والبركات سيدة العجم # أسعد بها كسعودها بك إنها ... ظفرت بما فوق المطالب والهمم # ظفرت بمالئ ناظريها بهجة ... وضميرها نبلا وكفيها كرم # شمس الضحى زفت إلى بدر الدجى ... فتكشفت بهما عن الدنيا الظلم # قوله: (ظفرت بمالئ ناظريها) البيت، كقول أبي تمام: # ملء عيني سماحة وجمالا ... وفؤادي مهابة وجلالا # إلا أن قول ابن الرومي أتم وأكمل، لا شتماله على ثلاثة ألفاظ تتضمن ثلاثة ~~معان، وألفاظ أبي تمام # أربعة، واقعة على معنيين في الحقيقة، فتأمله. # ولما زفت الأترجة بنت أشناس إلى الحسين بن الأفشين وأقيم لهما العرس الذي ~~جاوز الحد في # المقدار، ولم ير مثله في سالف الأعمار، وكانا غايتين في الحسن والجمال، ~~والبهجة والكمال. قال # المعتصم فيهما: # زفت عروس إلى عروس ... بنت رئيس إلى رئيس # أيهما كان ليت شعري ... أجل في الصدور والنفوس PageV01P407 ~~أصاحب المرهف المحلى ... أم ذو الوشاحين والشموس # قال أبو إسحاق: # وهذا الاسم، أعني العروس، يشترك فيه المذكر والمؤنث. # فمن وقوعه على المذكر قول الشاعر: # كأن الصبا والشيب يطمس نوره ... عروس أناس مات في ليلة العرس # فأما قول امرئ القيس: # لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر # فيحتمل الوجهين. # وكتب بعضهم يهنئ بمولود: # إن أحق ما انبسط ms167 فيه للتهنئة لسان، وتصرف في ميادين معانيه بيان وبنان، ~~أمل رجي فتأبى زمانا، # واستدعي فلوى عنانا، وطاردته المنى فأتعبها حينا، وغازلته الهمم فأشعرها ~~حنينا، ثم طلع غير # مرتقب، وورد من صحبة المناصح في جحفل لجب، فكان كالمشير إلى ما بعده من ~~مواكب الآمال، # والدليل إلى ما وراءه من كواكب الإقبال، أو كالصبح افترت عن أنوار الشمس ~~مباسمه، والبرق # تتابعت إثر وميضه غمائمه، وفي هذه الجملة ما دل على المولود، الذي بشر ~~بترادف الحظوظ # وتضاعف السعود، ونيل الأمل المولود. فياله نجم سعادة، طلع في أفق سيادة، ~~وغصن سناء، تفرع # من دوحة هناء. لقد تهللت وجوه المحاسن باستهلاله، وأقبلت وفود الميامن ~~لاستقباله، ونظمت له قلائد # التمائم، من جوهر المكارم، وخص بالثدي الحوافل، بلسان الفضائل، PageV01P408 ~~وما كان منبت الشرف بانفراد تلك الأرومة الكريمة إلا مقشعر الربا، مغبر الثرى. # فأما وقد اهتز في أيكة السيادة قضيب، ونشأ من # بيت النجابة نجيب، فأخلق بذلك المنبت أن تعاوده نضرته، وترف عليه حبرته، ~~ويراجعه رونقه # وبهاؤه، وتضاحكه أرضه وسماؤه. فالحمد لله الذي ثنى الأمل بعد جماحه، وعاد ~~يختال في حلية غرر # الجذل وأوضاحه، وهو المسؤول أن يهنئك منه صنعا يحسن في مثله الحسد، ~~ويتمنى لفضله النسل # والولد. # وفي المعنى لأبي عبد الله بن أبي الخصال: # هنيئا - أعزك الله - بهلال جلا غياهب الحندس. وطلع بين الجواري الكنس لله ~~درهن من جوار # خمس، كالجواري الخمس، طلعن بين القمر والشمس، إلا أنهن كالدر المكنون، لا ~~يلمحن بالعيون، لقد # استزدن به جمالا، وحسن بهاء وكمالا، فجئن ككعوب قناة ركب عليها سنانها، ~~وألفاظ علا جاء آخرا # بيانها؛ بل كبيت القصيد، من عروض المديد، ركب من ستة أجزاء كساها الآخر ~~ثوب بهاء، فضل # دونهن بالروي، وخص من العافية بأحسن الزي. PageV01P409 # فلله أصل أثمرته أبراعه، لقد عظم بسوقه وارتفاعه. أنجب، فما تهصر أغصانه ~~باليدين، وأعرب، # فتعدى فعل كرمه إلى مفعولين # وله في المعنى: # هنيئا - أعزك الله - بهلال، طلع بأفق جلال، وفرع كريم، تولد بين فهر ~~وتميم، ما أزكى ثراه، # وأسنى منتماه، بطل زمانا بالطلوع، ms168 ولوى أعرافا بالبسق والفروع، حتى جاء ~~في زمان جمع المحاسن # وجند، وبدا في مكان فضله ذو التحصيل فأنشد: # فمن تكن الحضارة أعجبته ... فأي رجال بادية ترانا # ومن ربط الجحاش فإن فينا ... قنا سلبا وأفراسا رهانا # لقد تشوفت إليه الدفاتر، وتزينت له الأقلام والمحابر، وقرت به عين ~~العليا، وابتهجت للقائه الدنيا. # انظر إلى الأشجار كيف افترت عن جذل مباسمها، وإلى الأزهار كيف شققت من ~~طرف كمائمها، # وإلى الأنهار كيف سحبت ذيولها، وإلى الأطيار كيف رجعت خفيف أغانيها ~~وثقيلها. فصل به - # أعزك الله - قوادم سعدك بالخوافي، (وارم أعداءك بثلاثة الأثافي)، واسعد بهذا PageV01P410 ~~الولد، مثل اليوم بالأمس والغد. ثلاثة تألفت منها الشهور، واجتمعت الأعوام ~~والدهور. سوغك الله ما أتاك وبلغك في # الدارين هناك بقدرته. والسلام. # قال أبو إسحاق: # كان هذا المولود ولد بالبادية زمن الربيع، بعد ولدين تقدماه وسبقاه في ~~عنصره ومنتماه. فلذلك أنشد # أبو عبد الله رحمه الله ماأنشده، ونبه على طيب النجار والمحتد، وأبلغ ~~فيما نص، وخصه من الثناء # الجميل بما خص. # وقوله: # (فمن تكن الحضارة أعجبته) في الحضارة لغتان معروفتان: الحضارة بفتح ~~الحاء، والحضارة # بكسرها وكذلك الغشاوة والغشاوة. كسر الغين في الغشاوة أفصح ويجوز فيها ~~الضم، أعني في الغين # من الغشاوة. وحكى يعقوب عن أبي زيد: البداوة بفتح الباء، والحضارة بكسر الحاء. # وعن الأصمعي: البداوة بالكسر، والحضارة بالفتح. وحكى أبو علي البغدادي ~~عنهما مثل ذلك. وقال # أبو سليمان الخطابي في (شرح غريب الحديث): البداوة: الخروج إلى البادية، ~~وفيهما لغتان. # قال أبو زيد: البداوة والحضارة، يعني بالكسر. وقال الأصمعي: البداوة: ~~والحضارة بالفتح. وأنشد: # فمن تكن الحضارة أعجبته ... فأي رجال بادية ترانا PageV01P411 ~~فقول الخطابي مخالف لما حكى يعقوب وأبو علي. # وقال صاحب العين: البادية اسم الأرض التي لا حضر فيها، وإذا خرج الناس من ~~الحضر إلى # المراعي والصحاري قيل: قد بدوا بدءا. والاسم البدء. # وقال الله تعالى وتبارك (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من ~~البدو). يروى أن مسكن يعقوب عليه السلام كان بأرض كنعان، وكانوا أهل # مواش وبرية. ms169 # ويقال: أهل البدو وأهل الحضر، ويقال: بدا الشيء يبدو بدوا إذا ظهر. وبدا ~~لفلان في هذا الأمر بدا # وبدءا. ونظير بدا: ظهر وعلن، ويلتبس به بدأ يبدؤ بداء بالهمز، وليس منه ~~في لفظ ولا معنى؛ لأن # الأول من الظهور، والثاني من الإستئناف. # وفي كتاب الله تعالى (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي). ~~قرأه أبو عمرو بن العلاء (بادئ) بالهمز على معنى: اتبعوك في أول # الرأي، ولم يفكروا ولم ينظروا ورواها نصير بن يوسف عن الكسائي. # وقرأ القراء الستة بادي بغير همز. والمعنى: اتبعوك في ظاهر الأمر. PageV01P412 # وفي حديث عائشة رضي الله عنها فيما روى أبو بكر بن أبي شيبة عن شريك عن ~~المقدام بن شريح # عن أبيه عنهما. قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدو إلى هذه ~~التلاع وأنه أراد البداوة # مرة، فأرسل إلي ناقة محرمة من إبل الصدقة" قال: والناقة المحرمة: هي التي ~~لم تركب ولم تذلل، # وأعرابي محرم إذا لم يخالط أهل الحضر. ويقال: سوط محرم وهو الذي لم يكمل ~~دباغه. قال # الشاعر: # وإن قليل المال للمرء مفسد ... يحز كما حز القطيع المحرم # وذلك أنه إذا لم يبالغ في دباغه، كان أشد لضربه. # قال أبو بكر بن دريد: القطيع: السوط من العقب. والجميع قطع. # قال: والحضر خلاف البدو، ويقال: حضرت القوم أحضرهم حضورا: إذا شهدتهم. ~~والحاضر خلاف # الغائب. وحاضرت الرجل محاضرة وحضارا، إذا عدوت معه. وحاضرته إذا جاثتته ~~عند السلطان أو # في خصومة. والحضيرة: الجماعة ما بين الخمسة إلى العشرة يغزى بهم. قالت ~~الجهينية: PageV01P413 # فرد المياه حضيرة ونقيصة ... ورد القطاة إذا اسمأل التبع # ومحضر القوم: مرجعهم إلى المياه بعد النجعة. ويقال أحضر الفرس إحضارا: ~~إذا عدا عدوا شديدا. # واستحضرته استحضارا. ومن نوادر كلامهم (فرس محضير) ولا يكادون يقولون ~~محضارا. وإبل # حضار، وهي الإبل البيض، ولا واحدلها من لفظها مثل الهجان سواء. وقال أبو ذؤيب: # معتقة صرف يكون سباؤها ... بنات المخاض شومها وحضارها # وألقت الشاة حضيرتها، وهو ما تلقيه بعد الولد من المشأمة وغيرها. ms170 وحضرة ~~الرجل: فناؤه. # وأصل الباب الحضور خلاف الغيبة، فمنه إحضار الفرس، لأنه أحضر ما عنده من ~~العدو. ومنه # الحضيرة: الجماعة، يغزى بهم، أي من حضر من غير احتشاد. ومنه حضيرة الشاة، ~~ما تلقيه بعد # الولد من المشأمة وغيرها، وهو ما يحضرها من ذلك بعد الولادة. ومنه ~~الحضار: الإبل البيض لأنها # على ألوان أهل الحضر من البياض دون البادية. PageV01P414 # رجع # وولد لأبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله، وهو المتسمى من الألقاب ~~السلطانية بالمقتدر مولود، # فكتب إليه أبو بكر الصولي بأبيات يقول فيها: # بالرشد والإقبال والجد ... والطائر الميمون والسعد # هناك ياخير الورى قادم ... أقبل للبيعة والعهد # مبارك الطلعة ميمونها ... مومن للحل والعقد # لو بين المنبر عن نفسه ... شكا إليه شدة الوجد # وفيها يقول: # تنطق بالسؤدد أعطافه ... كنطق عيسى وهو في المهد # زارك عن شوق إلى قربه ... زورة معشوق على وعد # وما أحسن قول أبي بكر بن عمار في المعتمد، وولد له ابن وابنة في يوم واحد: # اهنأ بنجليك من أنثى ومن ذكر ... لا يعدم الضوء بين الشمس والقمر # وقبله قال ابن الرومي: # شمس وبدر ولدا كوكبا ... أقسمت بالله لقد أنجبا # ثلاثة تشرق أنوارها ... لا بدلت من مشرق مغربا # تبارك الله وسبحانه ... أي شهاب منكم أثقبا # إن طاب أو طبتم فما أبعدت ... فروع مجد أشبهت منصبا PageV01P415 ~~أنتم أناس بأياديكم ... يستغفر الدهر إذا أذنبا # إذا جنى الدهر على أهله ... وزاد في عدتكم أعتبا # وأخذ معنى أول هذه الأبيات بعضهم فقال: # شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى ... حتى إذا اجتمعا أتت بالمشتري # قال: ولما قدم أبو القاسم الهوزني من الحضرة بعد النبوة التي خلصت إلى ~~غربه، والروعة التي # كادت تذهب بروحه وسربه، كتب إليه أبو القاسم بن الجد برقعة يهنيه فيها ~~بالعافية، وبنعم الله التي # أثوابها عليه سابغة ضافية: # وكمنعمة لا يستقل بشكرها ... إلى الله في طي المكاره كامنه # قد يجتنى - أعزك الله - من شجرة المساءة ثمر المسرة، ويجتلى وجه المحبوب ~~غب المكروه # مشرق الأسرة، وربما تهجم القدر وضميره مبتسم، وتصلب الزمن وعهده محتشم؛ ~~وإنما ms171 ينظر إلى # مواقع الأقدار في الإصدار، وتحمد مجاري الأعمال عند المآل. وفي هذه ~~المقدمة دلالة على النبوة # التي ما اعتكر جنحها، إلاريثما وضح صبحها، ولا نعب بالبعد غرابها، حتى ~~التفت إلى PageV01P416 ~~سانح السعد ركابها، ولا استطارلها في قلب الولي صدع، حتى اشتمل منها على ~~أنف العدو جدع، وما ذاك إلا أن # سلطان الحق أنجدك وأيدك، وبرهان الفضل قام معك وأطال يدك، وحاش للعلم أن ~~يلبس حامله # خمولا، وأن يحث له نحو الإذالة حمولا، فوشكان ما استقلت بك أيدي الآثار، ~~في الصدور العثار، # وخاصمت عنك ألسن السنن عوارض المحن، وما سرت إلا وظل الكرامة عليك ظليل، ~~وصنع الله # لك رسيل، وبك كفيل. فلئن أوحش مسيرك لقد آنس ظهورك، ولئن سمج اغترابك لقد ~~حسن اقترابك؛ # ولئن سخنت العين بعدك، لقد بين البين فقدك. فالحمد لله الذي أوشك مقدمك، ~~وأعلى قدمك، ورفع في # كل مكرمة علمك، وإياه تعالى أسأل، أن يهنيك ويهنئ فيك عارفة السلامة، ~~ويبقيك بعيد الصيت رفيع # القدر في الظعن والإقامة. ولولا ترددي في عقابيل سقم لزمت جسمي شهورا، ~~واتخذته ربعا معمورا، # لما استنبت في التهنئة خطابا، ولحثثت نحوك ركابا. وأنت بسروك توسع العذر ~~قبولا، وتقبله وجها # جميلا. # وكتب يهنئ من صدر عن بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي محمد عليه الصلاة ~~والسلام: # كتبت، وقد هزني وافد البشرى، واستخفني رائد المسرة الكبرى، بما سناه الله ~~تعالى من قدومك # محوط الجوانب والأرجاء، منوط الفخار بذوائب الجوزاء، مخطوط الأثر في ~~مواطئ الرسل ومواطن # الأنبياء. فيالها حجة مبرورة ما أتم PageV01P417 ~~مناسكها، وأوضح في مناهج البر مسالكها، لقد شهد فيها الميقات # بخلوص إحلالك وإحرامك، واهتز البيت العتيق لطوافك واستلامك، ورضيت ~~(المروة) و(الصفا) # عن كمال أشواطك، وتهلل (بطن المسيل) لسعيك فيه وانحطاطك، ثم بالموقف ~~الأعظم من (عرفة) # سطع عرف دعائك وتخشعك، وارتفع خفض رغبتك وتضرعك، في البيت المكرم من ~~المزدلفة حظي # تقربك وتزلفك، وزكا تهجدك وتنفلك، وعند (الإفاضة) فاضت الرحمة عليك، ~~وكملت النعمة لديك. # وأما (منى) ففيها قضيت مناك وأوطارك، وقبلت هداياك وجمارك، وحطت خطاياك ~~وأوزارك، ms172 فما # صدرت عن تلك المعالم المكرمة، والشعائر المعظمة، إلا وهي راضية عن عجك ~~وثجك، شاهدة لك # بكمال حجك، مشفقة من فراقك وبعدك، متعلقة لو أمكنها ببردك، وقبل أو بعد ~~ما تأنست بك يثرب، # ورفع لك في جنباتها مضرب، فشافهت منازل التنزيل، وطالعت معاهد الرسول، ~~وقضيت من زيارة # القبر الكريم واجبا، وقمت بينه وبين المنبر ضارعا وراغبا. فما حجب عنه ~~عليه السلام زورك # وإلمامك، وقصدك وائتمامك، وصلاتك وسلامك؛ بل كان لكل ذلك واعيا سامعا، ~~ويكون لك بحول الله # شاهدا شافعا، فهنأك الله، وما منحك من جزيل الأجر في موقف الحرمين، وأطار ~~لك من جميل الذكر # في الخافقين. PageV01P418 # ولما قعد بي عن قصدك ما قعد، ولم يمكني الوفود عليك في جملة من وفد، استنبت ~~كتابي منابي، # والسلام. # قال أبو إسحاق: # وأبو القاسم بن الجد هذا ممن له في الآداب السبق والتقديم، وفي المجد ~~والحسب محل إلى جانب # الجوزاء مقيم، وكان مليح الكلام في المنثور والمنظوم، تصرف في النوعين ~~تصرفا غير مذموم. # وهو القائل في صفة المطر بعد تمادي القحط وتوالي الكدر: # لله تعالى في عباده أسرار، لا تدركها الأفكار، وأحكام، لا تنالها ~~الأوهام، تختلف والعدل متفرق # وتفترق والفضل مجتمع متسق، ففي منحها نفائس المأمول، وفي محنها مداوس ~~العقول، وفي فوائدها # حدائق الإنعام رائقة، وبين أرجاء شدائدها بوارق الإعذار والإنذار خافقة، ~~وربما تفتحت كمائم # النوائب عن زهر المواهب، وانسكبت غمائم الرزايا، بنفحات العطايا، وصدع ~~ليل اليأس صبح # الرجاء، وخلع عامل البأس والي الرخاء، وذلك بتدبير اللطيف الخبير، وتقدير ~~العزيز القدير. # ولما ظنت بتثبط الغيث الظنون، وانقبض من تبسط الشك اليقين، واسترابت حياض ~~الوهاد، بعهود # العهاد، وتأهبت رياض النجاد، لبرود الحداد، PageV01P419 ~~واكتحلت أجفان الأزهار، بإثمد النقع المثار، وتعطلت # أجياد الأنوار، من حلي الديمة المدرار، أرسل الله تعالى بين يدي رحمته ~~ريحا بليلة الجناح، مخيلة # النجاح، سريعة الإلقاح، فنظمت عقود السحاب، نظم النجاب، وأحكمت برود ~~الغمام، رائقة الأعلام. # وحين ضربت تلك المخيلة في الأفق قبابها، ومدت على الأرض أطنابها، لم تلبث ~~أن انتهك رواقها، # وأنبتك ms173 وشيكا نطاقها، وانبرت مدامعها تجري بأجفان المشتاق، غداة الفراق، ~~وتحكي بنان الكرام، عند # أريحية المدام، فاستعبرت الرياض ضحكا ببكائها، واهتزت رباب النبات طربا ~~لتغريد مكائها، # واكتست ظهور الأرض من فيض آلائها، خضر ملائها، فكأن صنعاء قد نشرت على ~~بساطها بساطا # مفوفا، وأهدت إليها من زخارف بزها ومطارف وشيها ألحافا وتحفا، وخيل ~~للعيون أن زهر النجوم، # قد طلعت من مواقع التخوم، ومباسم الحسان، قد وصلت بافترار الغيطان، فيا ~~برد موقعها على القلوب # والأكباد، ويا خلوص ريها إلى غلل النفوس الصواد، كأنما استعارت أنفاس ~~الأحباب، أو ترشفت # شنب الثنايا العذاب، أو تحملت ماء الوصال، إلى نار البلبال، أو سرت على ~~أنداء الأسحار وريحان # الآصال. لقد تبين للصنع الجميل من خلال ديمها تنفس ونصول، وتمكن للشكر ~~الجزيل في ظلال # نعمها معرس ومقيل. PageV01P420 # فالحمد لله على ذلك ما انسكب قطر، وانصدع فجر، وتوقد قبس، وتردد نفس، وهو ~~الكفيل تعالى # بإتمام النعماء، وصلة أسباب الحياة والحياء بمنه. # وفي هذا المعنى فصل لأبي عمر الباجي يقول فيه: # إن لله تعالى وجل قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل، ومنحا يجعلها ~~لقوم صلاحا وخيرا، # وعلى آخرين فسادا وضيرا. فلا نظير له ولا نديد (وهو الذي ينزل الغيث من ~~بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد) وبعد ما كان من إمساك الحيا، ~~وتوقف السقيا،، # قد ريع به الآمن، واستطير له الساكن، ورجفت الأكباد فزعا، وذهلت الألباب ~~جزعا، وأذكت ذكاء # حرها، ومنعت السماء درها، واكتست الأرض غبرة بعد خضرة، ولبست شحوبا بعد ~~نضرة، وكادت # برود الأرض تزوى ونعم الله تطوى. نشر الله العزيز الكريم رحمته، وبسط ~~نعمته، وأتاح منته، # وأزاح محنته، فبعت الرياح لواقح، وأرسل الغمام سوافح، بماء دفق، ورواء ~~غدق، من سماء طبق، # واستهل جفنها فدمع وسح دمعها فهمع، وصاب وبلها فنقع، فاستوفت PageV01P421 ~~الأرض ريا، واستكملت من نباتها أثاثا وريا، فزينة الأرض مشهورة، ومنة الرب ~~موفورة، والقلوب ناعمة بعد بؤسها، والوجوه # ضاحكة بعد عبوسها، وآثار الجزع ممحوة، وسور الشكر متلوة. ونحن نستزيد من ~~الواهب نعمة # التوفيق، ونستهديه في ms174 قضاء الحقوق، إلى سواء الطريق، ونستعيذ به من المنة ~~أن تصير فتنة ومن # المحنة أن تعود محنة، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # قال أبو إسحاق: # وذكرت بهذا المزدوج البديع المساق والترتيب، خبر الأعرابي أبي مجيب إذ هو ~~في معناه، وكان # رجلا من بني ربيعة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم فيما ذكر ابن الأعرابي ~~قال: لقد رأيتنا في # أرض عجفاء، وزمان أعجف، وشجر أغشم في قف غليظ وحارة مدرعة غبراء، فبينما ~~نحن كذلك، إذ # أنشأ الله من السماء غيثا مستكفا أنشأه مسبلة غزالية، ضخاما PageV01P422 ~~قطره جودا زاكيا نزله رزقا لنا، فنعش # أموالنا ووصل طرقنا وأصابنا. وإنا لبنوطة بعيدة الأرجاء، فاهرمع مطرها ~~حتى رأيتنا، وما نرى إلا # غير السماء والماء، وصهوات الطلح يضرب السيل النجاف، وملأ الأودية ~~فرعبها، فما لبثنا إلا عشرا # حتى رأيناها روضة تندى. # تفسير غريب هذا الخبر. قال قاسم بن ثابث: قوله مدرعة؛ أي أكل ما حولها. ~~وشاة درعاء؛ إذا # ابيض رأسها وسائرها أسود. ويقال ماء مدرع؛ إذا أكل ما حوله من الكلأ. ~~والمستكف؛ المستدير، # وكل مستدير كفة. وكل مستطيل فحرفه كفة، وكل شيء جمعته فقد كففته. واستكف ~~القوم الشيء، إذا # أحدقوا به، واستكف السائل إذا بسط كفه يسأل. وتكفف السائل الأبواب إذا مد PageV01P423 ~~كفه للسؤال. ويقال كف عن الشيء يكف كفا إذا انقبض عنه. قال الله تعالى: ~~(ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم) وكفة الميزان بالكسر، كف الذي توضع فيه # الدراهم. وكفة الثوب بالضم حاشيته. والكفة بالضم أيضا ما يصاد به الظباء ~~يجعل كالطوق. والكفف # دارات الوشم. والمكفوف الأعمى. وأصل الباب الجمع. # وقال أبو إسحاق الزجاج: أخذ من المنع. تقول كففته عن كذا أي منعته. وفي ~~كتاب الله تعالى (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)، # وانتصاب كافة على الحال. # والغزالي: أفواه الجراد. شبه تحلب المطر بالغزالي. # وقوله: (ووصل به طرقنا لأنهم لا يقدرون على الضرب في البلاد) كذا قال ~~قاسم. قال: وهذا # كالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلا شكا إليه الجدب ~~فقال: يا ms175 رسول الله # هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله لنا. # والنوطة المفازة، وجمعها نياط سميت بذلك لأنها كأنها من بعدها منوطة ~~بمفاوز أخر لا تكاد تنقطع. # والإهرماع كالإنهمال. اهرمع الرجل في منطقه وحديثه، يهرمع اهرماعا، وهو ~~مهرمع، والعين # تهرمع، إذا درت الدمع سريعا. ورجل مهرمع أي سريع البكاء. # وقوله (رعب الأودية) أي ملأها. قال الشاعر: PageV01P424 # يقابل جوعهم بمكللات ... من الفرني يرعبها الجميل # والنجاف واحدتها نجفة، وهي تكون في بطن الوادي شبه جدار ليس بحد عريض. # رجع # وكتب بعض الأدباء إلى صديق له قدم من سفر: # طلعت طلوع البدر بعد محاقه ... وأبت كما آب الربيع المزايل # وردني، أطال الله بقاء عمادي الأعظم، وملاذي الأعصم، كتابه الأكرم، يبشر ~~بقدومه، وتطلع المجد # من رسومه، فجذب الزهو عطفي، وجاد صوب النعمة والمسرة ربعي وكهفي، ~~وجاذبتني النفس إليه # عناق السباق، واستخفني الطرب والجذل حتى كدت أطير بجناح الاشتياق، وحق ~~لمن أرهفت طبعه # وغربه، وأمنت بمحاماتك سربه، وكنت شرق طرفه إذا نظر وغربه، أن يحل إلى ~~لقياك، ويهيم # بعلاك، ولا يستقر حتى يجمعه وإياك أرض، ويتمكن له من قضاء حقك فرض. ولولا ~~أني قد وردت # من الساقة على اختلال قد أخذت في سده ورمه، وانتشار قد شرعت يدي في جمعه ~~وضمه، لأعملت # إليك ركابي، قبل كتابي، ولقدمت إعمال قدمي، وأخفيت شباة قلمي، وعندما ~~أفرغ من حالي ومعاناتها، # ونستطب - إن شاء الله - من سد خلاتها، أنقض إلى ذلك الأفق انقضاض الأجدل، ~~وأركب صهوة # العجل. والله تعالى يعرفك يمن مقدمك، ويورد الإخوان مشارع كرمك، بمنه. PageV01P425 ### || AUTO فصول من كلامهم في معنى التعزية # لما توفي الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن أصبغ، كتب أبو عبد الله ~~محمد بن أبي الخصال إلى # بنيه رقعة افتتحها بهذه الأبيات: # أعلمت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي # جبل هوى، لو خر في البحر، اغتدى ... من وقعه، متتابع الأرباد # ياليت أني ما اقتنيتك صاحبا ... كم قنية جلبت أسى لفؤاد # برد الضلوع بمن تحب بقاءه ... مما يجر حرارة الأكباد # ياسادتي المعظمين وكبرائي، ms176 وأنصاري المقدمين وظهرائي، والعمدة المنيعة ~~الذين أعدهم من خير # العتاد لمن ورائي. كلأكم الله وكلأ المجد فيكم بعصمته المطيفة، وتكفل ~~بهممكم الباسقة المنيفة، # وحجبكم بصونه عن صروف الأيام وحوادثها العنيفة، وأحسن عزاء المسلمين ~~وعزاءكم في البحر # الذي أسلمنا بعده إلى ضحضاح، والجبل الذي كنا نلوذ بظله فتركنا أي ترك ~~إلى أجرد PageV01P426 ~~صاح، ندفع ظالمنا ببنان وراح. وقد كنا نذوده من جلالته ومهابته بأمضى سيوف ~~وأنفذ رماح. يا حرها على # الأكباد، ويالها مصيبة فتت على الأعضاد، وعمت أهل الربا والوهاد، وقدحت ~~في الجوانح والعيون # نار الجوى والسهاد: # إذا ما دعونا الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر # فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر # أشهد لقد اسود ناظري من الأرض حين نعي، وتمنيت أني دعيت فأجبت حين دعي: # وأقبل ماء العين من كل زفرة ... إذا وردت لم تستطعها الأضالع # فجعنا به حين نظم الفضائل كلها نظما، واستولى على أمد التقوى شدا وحزما، ~~واستوى على ذروة # المعالي سيدا ضخما، نراه للإسلام أمنة وسكنا، ونعتده قيما على أمانات ~~الدهر مؤتمنا، ونعتقده ممن # بشر الله من المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا: # وكنت أرجي أن أملاه حقبة ... فحال قضاء الله دون رجائيا # ألا ليمت من شاء بعدك، إنما ... عليك، من الأشياء كان شائيا # ولئن سر بيومه الشامت والكاشح، فما ألوى به الخطب الفادح الكالح، إلا PageV01P427 ~~حين لم يبق مشرق ولا مغرب إلا وله فيه مثن ومادح، ووراءه - بحمد الله - ~~منكم من يدافع عن مجده وينافح، ويسمو من # المكارم إلى حيث سما، ويرمي في المآثر إلى حيث رمى، وينتمي إلى جرثومة ~~العرب إلى أكرم # منتمى. فالتعزي عليه بكم ماثل، والسلوان عن الأحزان بمكانكم الساد لمكانه ~~حاصل، وكلكم بعد ذلك # السيد الماجد سيد فاضل، لا يتكل على الحسب، ولا يقصر عن أهل الرتب. # وإني، وإن عزيتكم - أعزكم الله - لممن يعزى بمجده، ويجد به حق وجده، ولا ~~يرى فقدا كفقده. كان # في كل فضيلة قريع دهره، ونسيج وحده. وأنتم ms177 - بحمد الله - السادون في ~~الدين والدنيا مسده من # بعده. وأعتذر إليكم - أعزكم الله - من أشغال وكيدة مستحقة، وفكر في أشتات ~~مسترقة، ولو أعملت # في هذا الرزء قدمي، مكان قلمي، لما بلغت قدره، ولقد شهدت بقلبي مع من ~~شهده وحضره، وفيكم - # بحمد الله - من ترفع إليه الأبصار إجلالا، فترى فيه من الماضين - رحمكم ~~الله - مشابهة كريمة # وأمثالا. وأنتم - أعزكم الله - تجعلون سيره وهديه إماما ومثالا، وتملؤون ~~الحضرة بهاء وجمالا. # بدور يسري بها السارون، ويقتدي بها المقتدون، ولا يتجاوزها المنتهون. أقر ~~الله بكم عيون الأولياء، # وأفاض عليكم سوابغ النعماء، وأشرب قلوبكم جميل الصبر والعزاء، بكرمه. ~~وأقرأ عليكم أعم السلام # وأنماه، وأبره وأحفاه، ثم السلام المردد، عليكم ورحمة الله وبركاته. # قوله: (فما ألوى به الخطب الفادح الكالح، إلا حين لم يبق مشرق ولا مغرب ~~إلا وله فيه مثن ومادح) # من قطعة شعر قرأتها في النوادر لأبي علي أولها: # مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح # وما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح PageV01P428 ~~فأصبح في لحد من الأرض ميتا ... وكانت به حيا تضيق الضحاضح # فما أنا من رزء وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح # كأن لم يمت حي سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح # لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح # سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تقض ... فحسبك مني ما تحن الجوانح # وكتب أبو القاسم بن الجد في المعنى: # لا بد من فقد ومن فاقد ... هيهات ما في الناس من خالد # كن المعزي لا المعزى به ... إن كان لا بد من الواحد # إذا لم يكن بد من تجرع الحمام، وتشتت النظام، وانصداع شمل الكرام، فمن ~~الاتفاق السعيد، والقدر # الحميد، أن يرث أعمار البيتة الكريمة مشيد علاها، وتسلم من القلادة ~~وسطاها، فمدار الكناية على # معلاها، وفخار الحلبة بمحرز مداها، وفي هذه النبذة إشارة إلى من فرط من ~~الإخوة الفضلاء، ودرج # من السادات النجباء، فإنهم، وإن كانوا في ms178 رتبة الفضل صدورا، وبدوا في ~~سماء النبل بدورا، فإن # شمس علاك أبهر أضواء، وأزهر أنوارا، وظل حمايتك على بنيهم ومخلفيهم أندى ~~آصالا، وأبرد # أسحارا. PageV01P429 # ونعي إلي، أوشك الله سلوانك، ولا أخلى من شخصك الكريم مكانك، الوزير أبو ~~فلان برد الله ثراه، # وكرم مثواه، فكأنما طعن ناعيه في كبدي، وظعن حاديه بذخيرة خلدي. لا جرم ~~أني دفعت إلى غمرة # من التلدد لو صدم بها الدهر لحار، أودهم بمثلها الحزم لخار، ثم ثابت إلي ~~نفسي وقد وقدها الجزع، # وعضها الوجع، فأطلت الاسترجاع، وجمعت الجلد الشعاع، وهاأنا عند الله ~~أحتسبه جماع فضائل، # وجمال محامل، وحديقة مكارم ضرحت، وصحيفة محاسن درست وامحت؛ وما اقتصرت من رسم # التعزية المألوف، على القليل المحذوف، إلا لعلمي بأن التعزي لا يورد عليك ~~غريبا، ولا يسمعك من # موعظة عجيبا، فيك يقتدي اللبيب، وعلى مثالك يجتزئ الأريب، وإلى غرضك يرمى ~~المصيب، وفي # تجافي الأقدار عن حوبائك، وسقوطها دون فنائك، ما يدعو إلى حسن العزاء، ~~ويهون جلائل الأرزاء، # لا صدع الله جمعك، ولا قرع بنبأة المكروه سمعك، بعزته. # وفي المعنى للكاتب الماهر أبي عبد الرحمن بن طاهر: # أقمت لهفان وقد أسمع الناعي، فأضرم نار الأسى بين أضلاعي، للرزية العظمى، ~~التي رمى سهمها، # فأصمى، بوفاة من جمعت فيه المحاسن والخلال، وزال كما تزول الجبال، وقل له ~~المشابه والنظير، # ومات بموته البشر الكثير، أبو فلان رب الشرف الصميم، والحسب العد الكريم، ~~أو سعه الله رحماه، # وجعل الجنة مأواه، فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ على الرزية فيه، PageV01P430 ~~ليتني بالنفس أفديه، فأما القلب فمنحل # ومستلب، وأما الدمع فمنهل ومنسكب. سقى الله جدثه سبل القطر، ونفعه بحسن ~~المذهب وجلالة # القدر، وجزاه جزاء المحسنين، وأنزله دار المقامة في عليين، وهناك الله ~~ميراثه من الرئاسة، ومكانه # من النفاسة، ومنحك العمر الطويل، وأمتعك العز الظليل، وساعدك بكل ما ~~تهواه الزمان، ولا زال بك # يتحفل ويزدان. # قول أبي عبد الرحمن رحمه الله: (ومات بموته البشر الكثير) مأخوذ من قول ~~الشاعر: # لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير ms179 # ولكن الرزية فقد قرم ... يموت بموته بشر كثير # ويروى: يموت من آجله. وهذا من قول عبدة بن الطبيب يرثي قيس بن عاصم: PageV01P431 # عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما # تحية من غادرته عرض الردى ... إذا زار عن شحط بلادك سلما # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما # والمتقدم بهذا المعنى امرؤ القيس حيث يقول: # فلو أنها نفس تموت جميعة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا # أخذه أبو العباس أحمد بن عبد ربه صاحب (كتاب العقد) فقال: # من يرتجى بعدك أو يتقى ... وفي يديك الجود والباس # ماعشت عاش الناس في نعمة ... وإن تمت مات بك الناس # وقول الشاعر: (فقد قرم) القرم: هو السيد الكريم من الرجال، وأصله الفحل ~~من الابل يكرم ويصان، # فلا يمتهن ولا يذلل بالحبل، وإنما يعد للضراب. قال الشاعر: # فحز وظيف القرم في نصف ساقه ... وذاك عقال لا ينشط عاقله # ويقال له أيضا المقرم. قال الشاعر: PageV01P432 # إذا مقرم منا مضى لسبيله ... تخمط فينا ناب آخر مقرم # ومثل هذا قول المرار الأسدي: # وإذا فلان مات عن أكرومة ... رقعوا معاوز فقده بفلان # وفي حديث علي رضي الله عنه، أخبرنا أبو الحسن القرم كنى به عن نفسه. # قال: وعزى عبد الرحمن بن أبي بكرة سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إن من طال # عمره فقد الأحبة، ومن قصر عمره كانت مصيبته في نفسه. قال: ونظر أعرابي ~~إلى قوم يدفنون # حريمة لهم، فقال: نعم الصهر صاهرتم، تأمنون به العار، وتكفون به سوء ~~الأحدوثة، وما لمضنون # بها من النساء أكرم من قبر. # وحكى الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: غفلنا ولم يغفل الدهر، ولم نتعظ ~~فيه بغيرنا، حتى وعظ # غيرنا بنا. فقد أدرك السعادة من تنبه، وأدرك الشقاء من غفل، وكفى ~~بالتجربة واعظا. PageV01P433 # قال: وسمعت أعرابيا يقول لقوم يدفنون ميتا لهم: جافى الله عن ميتكم الثرى، ~~وأعانه على طول # البلى، وآنسه في الهوة الظلماء، حين تتصدع عنه الأقرباء. قال: ودخلت على ~~امرأة من العرب # بأعلى الأرض في ms180 خباء لها، وبين يديها بني لها، قد نزل به الموت، فقامت ~~إليه فأغمضته، وعصبته، # وسجته، ثم قالت: يا ابن أخي. قلت: ما تشائين؟ قالت: ماأحق من ألبس ~~النعمة، وأطيلت به النظرة، # ألايدع التوثق من نفسه قبل حل عقدته، والحلول، بعقوته والمحالة بينه وبين ~~نفسه. قال: وما تقطر # من عينيها دمعة صبرا واحتسابا، ثم نظرت إليه فقالت: والله ما كان مالك ~~لبطنك، ولا عمرك لعرسك. # ثم أنشدت: # رحيب الذراع بالتي لا تشينه ... وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا # قال: وحجت امرأة من العرب ومعها ابن لها، فأصيبت به، فلما دفن قامت على ~~قبره، وهي مرجعة # فقالت: والله يا بني لقد غذوتك رضيعا، وفقدتك سريعا، ولم تكن بين الحالين ~~مدة ألتذ بعيشك منها، # فأصبحت بعد النضارة والغضارة ورونق الحياة صديعا، تحت أطباق الثرى جسدا ~~هامدا. أي بني، لقد # سحبت الدنيا أذيال الفناء، وأسكنتك دار البلى، ورمتني بعدك بالداهية ~~الدهياء. أي بني لقد أورث # الحزن نفسي فادحة وهي لقلبي شاذخة. ثم قالت: أي رب، منك العدل، ومن خلقك ~~الجور، وهبت لي # قرة عين فلم تمتعني به كبيرا، بل PageV01P434 ~~سلبتنيه وشيكا، وأمرتنى بالصبر، ووعدتني عليه بالأجر، فصدقت # وعدك، وأصبت قضاك. اللهم ارحم غربته، واستر عورته، يوم تكشف الهنات ~~والسوءات. ثم # انصرفت، فلما أرادت الخروج إلى أهلها عادت إلى قبره، وقفت عليه وقالت: أي ~~بني، قد تزودت # لسفري، فياليت شعري؛ ما زادك لسفرك، وبعد طريقك، ويوم ميعادك. اللهم إني ~~أسألك له الرضى # برضائي عنه. ثم قالت: استودعتك من استودعنيك في أحشائي جنينا، واثكل ~~الوالدات. ما أمض # حرارة قلوبهن. وأقلق مضاجعهن، واثكل الوالدات. ما أطول ليلهن. وأقصر ~~نهارهن، واثكل الوالدات # ما أقل أنسهن، وأكثر وحشتهن، واثكل الوالدات ما أبعدهن من السرور. ~~وأقربهن من الأحزان. # ثم لم تزل تقول من الكلام مثل هذا، حتى أبكت من سمعها، ثم حمدت الله عز ~~وجل، واسترجعت # وصلت عند قبره ركعات وانطلقت. # قال: وسمعت صالحا المري يعزي رجلا على ابن له توفي فقال له: إن كانت ~~مصيبتك بابنك لم # تحدث لك ms181 موعظة في نفسك، فمصيبتك بابنك جلل في مصيبتك في نفسك، فإيا ها فابك. # قال: وماتت أخت لرجل فوجد عليها وجدا شديدا، فقال له رجل آخر: # وإذا تصبك مصيبة فاصبر لها ... عظمت بلية مبتلى لا يصبر # قال: ونالت أعرابيا مصيبة، فسمعته يقول: إنها والله جعلت سود الرؤوس ~~بيضا، وبيض الوجوه # سودا، هونت المصائب، وشيبت الذوائب. # قال: وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا عزى عن ميت، قال لوليه: ليس PageV01P435 ~~مع العزاء مصيبة، ولا مع الجزع فائدة. والموت أهون ما بعده. # واذكروا فقد نبيكم، تهون عندكم مصيبتكم، صلى الله علي محمد، وعظم أجركم. # قال: وكان علي رضي الله عنه يقول إذا عزى أهل الميت؛ إن تجزعوا فمحل جزع، ~~وإن تصبروا # ففي ثواب الله العوض من كل فائت، صلى الله على محمد وعظم أجركم. # ولما قتل زيد بن الخطاب بن نفيل أخو عمر لأبيه، حزن عليه أخوه عمر رضي ~~الله عنه حزنا # شديدا، وقال: ما هبت الصبا إلا وأنا أجد منها ريح زيد. وقال رضي الله عنه ~~حين نعي ابنه: رحم # الله أخي، سبقني إلى الحسنيين، أسلم قبلي واستشهد قبلي. ولما أنشده متمم ~~بن نويرة اليربوعي راثية # في أخيه مالك. قال رضي الله عنه لو كنت أحسن الشعر لقلت في أخي زيد ما ~~قلت في أخيك مالك، # فقال له متمم: لو أن أخي ذهب على ما ذهب عليه أخوك لما حزنت عليه. فقال ~~له عمر: ما عزاني # أحد بأحسن مما عزيتني به. PageV01P436 # وكتب أبو نصر في تعزية وضمنها غريقا: # أتاني ورحلي بالعراق عشية ... وأيدي المطايا قد قطعن بنا نجدا # نعي أطار القلب عن مستقره ... وكنت على قصد فأغلطني القصدا # نعوا والله باسق الأخلاق لا يخلف، ورموا قلبي بسهم أصاب صميمه وماأخلف. ~~لقد سام الردى فيه # حسنا ووسامة، وطوى بطيه نجدة وقسامة،، فتعطل منه الندى والندي، وأشكل فيه ~~الهدى والهدي. كم # راع البدر ليلة إبداره، وروع العدو في عقر داره. وكم سل السيوف طول ~~قراعه، ودل عليه الضيوف # موقد النار بيفاعه، وتشوف إليه السرير ms182 والمنبر، وتصرف فيه الثناء المحبر. ~~أي فتى غدا له البحر # ضريحا، وأعدى عليه الحين ماء وريحا، فتبدل من ظل علا ومفاخر، إلى قعر ~~طامي اللجج زاخر، # وعوض من صهوات الخيل، بلهوات اللجج والليل، غريق حكى مقلتي في دمعها، ~~وأصاب نفسي في # سمعها، ومن حزن أني لا أستسقي له الغمام فماله قبر تجوده، ولا ثرى تروى ~~به تهائمه ونجوده، وقد # آليت ألا أودع الريح تحية، ولا يورثني هبوبها أريحية، فهي التي أثارت من ~~الموج حنقا، ومشت # عليها خببا وعنقا، PageV01P437 ~~حتى أعادته كالكثبان وأودعته قضيب بان. وواأسفا لزلال غاض في أجاج، # وسلسال فاض عليه بحر عجاج. وما كان إلا جوهر آب إلى عنصره، وغاب عن عين ~~مبصره، ولقد # آن للحسام، أن يغمد ولا يشام، وللعذارى ألا يحجبهن الخفر والاحتشام، ينحن ~~فتى ما درت الشمس إلا # ضر أو نفع ويبكين من لم يدع فقده للأنس من منتفع. صديق ما حمدت فيه ~~الأيام إلا ذممتها، ولا # بنيت به أركان المنى إلا هدمتها. فكم غدونا بروضة موشية، ووقفنا بالسراة ~~عشية، وبتنا لم نرم # السهر، ولم نشم برقا إلا الكأس والزهر؛ ولو غير الحمام زحف إليه جيشه، أو ~~سوى البحر رجف # إليه ارتجاجه وطيشه، لثناه من أسرته من يتهيبه ليث الشرى، ويرهبه البطل ~~الباسل إذا استشرى، # من كل أروع، إن عجل إليه المكروه ثبطه، أوجاءه الشر تأبطه؛ لكنه الموت لا ~~ترده الصوارم ولا # الأسل، ولا يفوته ذئاب الغضا العسل وذكرت بمعنى هذا المزدوج الكافي، قول ~~الأديب الكامل أبي # عبد الله الرصافي من أبيات له في المعنى وهي: PageV01P438 # يا بدر حمص والسرار ثلاثة ... عد عودة لا توحش الأياما # أما البهاء فقد خلعت رداءه ... يوم ادرعت من الخليج غماما # وقضت وفاتك أن أقول لعبرتي ... يا ماء كن سقيا له وسلاما # والنهر لا تبق الربيع بشطه ... زهرا ولاألف القضيب حماما # فلقد أرقت به حشاشة مهجة ... ثنت المشارب مسكة ومداما # ماذا عليه وقد علاك مفاضة ... تياره لو لم يقلك حساما # وأبو نصر قدوة الكتاب، وصاحب إبداع في كتابته وإغراب، مختص ms183 بالانطباع، ~~وجودة القريحة # وذكاء الطباع، وهو القائل في المعنى: # أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، الشائع عدله، السابغ فضله، ~~العظيم سلطانه، العلي # شأنه، السني قدره ومكانه. في سعد يصرف عنه أعين النوائب، وجد يضرب دونه ~~أوجه المصائب. # كل رزء - أدام الله تأييده - وإن عظم وجل، حتى استولى منه على النفوس ~~الوجل، إذا عدا بابه، # وأخطأ حجابه. فقد أخطأ - بحمد الله - المقتل، وصد عن سواء الغرض وعدل. ~~وإذا كانت أقدار الله # تعا لى غالبة لا تطاول، وأحكامه نافذة لاتزاول، فالصبر لمواقعها أولى، ~~والتسليم لجوازها أقرب # لرضى المولى، والتزام أوامره أشرف وأعلى. # كتبته - أدام الله تأييدك - والنفس بنار زفرتها محترقة، والعين لعبرتها ~~شرقة مغرورقة، لما نفذ به # قدر الله المقدور، وقضاؤه المسطور، من وفاة الأمير الأجل أبي فلان قدس ~~الله روحه، وسقى # ضريحه، فياله رزء أقصم الظهر، ووسم النجوم الزهر، وأبكى الأجفان، وأذكى ~~الأحزان، بمكانته من # الدولة المنيفة، ومنزلته من السورة الرفيعة الشريفة، وعند الله عز وجل ~~تحتسبه ذخيرة PageV01P439 ~~عظمى، ونسأل له المغفرة والرحمى. فإنه كان - نضر الله وجهه - متوفر الهمة ~~على الجهاد، من أهل الجد # في ذلك والاجتهاد. وحسبه أنه لم يقض نحبه إلا في عسكره، فأدركه الموت ~~مهاجرا، ومع الله سبحانه # وتعالى تاجرا، وأرجو أن يكون الله تبارك وتعالى قد قرن له فاتحة السعادة، ~~بخاتمة الشهادة. # وأن أمير المسلمين أورى في الرئاسة زندا، من أن تضعضعه الخطوب وإن أهمت، ~~أو توجعه # الحوادث إذا ادلهمت. والله يحسن عزاءه على فجعه، ولا يدني كارثة من ولعه. # ولغيره في المعنى: # الدنيا، صرف الله عنك صروفها، على الفجائع مبنية، وقصاراها كدر أومنية، ~~(وإن الحازم من وطن # لأحداثها)، وأيقن بانتكاثها، فأوسعها صدرا رحيبا، وقلبا صليبا. # كتبته - أطال اله بقاءك - والدمع محدور، وقد حم قضاء ونفذ مقدور، بوفاة ~~الشيخ أبي فلان أبينا # وقرة أعيننا. كان نضر الله وجهه ولقاه مغفرته ورحمته، ورفع في دار ~~المقامة منزلته. فناهيك أسفي # عليه وتوجعي، وما أو قد نار الأسى بين أضلعي، فأي ذهن - أعزك الله - ~~ينطاع، أم أي كلام ms184 # يستطاع، واللسان معقول، والفؤاد منقول، والشجو دائم، والدمع ساجم، لما ~~طرقت به الأيام، وقرعت # به أسماع الأنام. فإنا لله وإنا إليه راجعون. لقد أظلمت لهذا الرزء ~~الآفاق، وأدرك بدر تمامها المحاق، # وإلى الله الشكوى، فهو PageV01P440 ~~الذي أضحك وأبكى، وهكذا تزول الجبال، وينصرم المآل، ويتهدم البناء، # ويضمحل السنا والسناء. وما أعزيك - أعزك الله - وأترك نفسي، وقد شرذتما ~~سكني وأنسي، ونالني # من الكرب لهذا الخطب ما لو شهدته لراعك المنظر، ولجعلت نفسك الكريمة تنفطر. # وفي فصل: # وإن الدنيا لفي حداد، لما قصدت به من داهية نآد، فقد كان قائما بأعبائها، ~~مبيدا لأعدائها، فهي تبكيه # بأدمع سجام، وتندبه في كل مقام، فيا سرع ما سلبته المنون، وقد قرت به ~~العيون، وفخر به المجد # والفخار، وأناب قدره على الأقدار، وعند الله تعالى نحتسبه كريم النصاب ~~قرما رفيعا، وطودا منيعا، # وقد تساوينا في الرزية، فلنعد إلى التسلية بذلك أوفر ذخرا، وأعظم أجرا. # وفي هذا المعنى من المنظوم الجزل المشتمل على فنون الانطباع، والنبل ~~الموقظ من نوم الغفلة # والسنة، والداعي إلى الادكار والموعظة الحسنة، المذكر بانصداع الشمل، ~~وفراق الوطن والأهل، # وانخرام النظام، وتجرع كؤوس الحمام، قصيد فريد للأديب الكامل أبي العباس ~~أحمد بن شكيل في # رثاء والده أبي الحكم، وتوفي في شوال سنةثلاث وستمائة رحمة الله عليه ~~وبركاته: # حذار حذار من ركون إلى الزمن ... فمن ذا الذي يبقيعليه ومن ومن # ألم تر للأحداث أقبلها المنى ... وأقتلها ما عرض المرء للفتن # تسر من الدنيا بما هو ذاهب ... ويبكي على ما كان منها ولم يكن PageV01P441 ~~أرى دارنا ليست بدار إقامة ... أردنا ثواء عندها وهي في ظعن # فكم سكن الدنيا ملوك أعزة ... تفانوا فلم تستبق منهم لها سكن # وكم في الثرى دست جبين متوج ... فأصبح بالأقدام يوطا ويمتهن # وذي جنة كانت تقيه من الردى ... أتاه الردى فاعتاض منها ثرى الجنن # وكالصقر فوق السابقات اعتضت به ... أعالي أعواد من النعش فارجحن # ومن ضاقت الدنيا به وبجيشه ... طوت شخصه في قيد شبر من الكفن # ومحتجب لا يخرق الإذن حجبه ... ولجن مناياه ms185 عليه وما أذن # وذي حرس لا يغفلون احتراسه ... رمته فلم ينصر عليها ولم يعن # وماسح عطفيه من الدرن انبرت ... له الدود أكلا فانثنى درن الدرن # وذي أمل من دونه أجل له ... غدا شركا ما كان قبل له وسن # فما أعثر الآمال في أجل الفتى ... وأقرب أيام السرور من الحزن # عفاء على الدنيا فإن نعيمها ... كأضغاث أحلام تلذ بلا وسن # فبينا الفتى في ظلها إذ تقلبت ... به فاتقته وهي قالبة المجن # لعمرك إني قد حزنت فلم أهن ... وكنت جدير الرزء بالحزن والوهن # دهتني المنايا في أبي حكم أبي ... ومن قبل واريت الشقيق أبا الحسن # فيالكما بدري علاء تساقطا ... وكانا سنا عيني وأسناهما الأسن # تضمن شوال مناياهما معا ... فبينهما حول وفقدهما قرن PageV01P442 ~~تلا فقد هذا فقد ذا متتابعا ... فشمس تلت بدرا وأصل تلا غصن # خلا منهما النادي وكانا وقاره ... فزلزل رضوى واستطيرت به حضن # ولم يبق روضي بعد هلكهما الحيا ... وكنت أسقي منهما السحب الهتن # فلله صبري بل شجوني فإنني ... نشرت اصطباراوانطويت على شجن # بدا أعظم الأرزاء واكتتم الأسى ... فناقضت جل الناس في السر والعلن # فقلت لجسمي خاليا أنت والضنى ... وللروح بئس الروح مالك لم تبن # فقال فؤادي هل أذوب من الأسى ... فقلت تعجل لا أبا لك وافعلن # وقالت دموعي هل أفيض وإن جرى ... معي الدم مسفوحا فقلت افعلي وإن # أبعد يعيش سلوة وتصبر ... لقد فسدت عندي صنائعه إذن # فأين الأيادي السالفات التي بها ... شهيد علي الطفل والكهل واليفن # وأين حنان كنت أعرفه به ... فيا قلب ما أشجى عليه وما أحن # وكم منن من دون من تتابعت ... علي له، والناس من بلا منن # وكم من عظيم قد وقاني بنفسه ... فهان ولولا عطفه بي لم يهن # سأثني عليه بالذي هو أهله ... وإن يك تقصير فإقصار ذي لسن # أبي ما أبي لا يبعد الله مثله ... ومن مثله ذو اليسر في عسرة الزمن # جواد يزين الجود منه تواضع ... ففوق الذي أبدى من الجود ما أكن # إذا سئل المعروف أسبل وابلا ... وإن هو لم يسأل تفجر ms186 أو هتن PageV01P443 ~~ولم يدخر في أمسه قوت يومه ... نزاهة نفس لا كمن حاط واختزن # ولو قال أبو العباس رحمه الله: (قناعة نفس) عوض (نزاهة نفس) لكان المعنى ~~أطبع، والمساق أبهى # وأبدع. على أن قوله مطبوع موافق، وسنا البلاغة عليه لافح ورائق، لأنه كان ~~في النظم قدوة أهله، # وسالك فجاجه وسبله، حسن التصرف في ميدانه، ومبرزا أمام حلبته وفرسانه، ~~ولم أقصد بهذا التنبيه # الطعن عليه، ولا نسبة التقصير إليه، فلست ممن يعدل السبج بالذهب، ولا ~~يعرف الفرق بين النبع # والغرب. # رجع # شبيبته بين المكارم واللها ... وشيبته بين الفرائض والسنن # لعمري لنعم المرء حيا وهالكا ... لدافنه الفخر العظيم بمن دفن # فبورك من قبر وطهر من ثرى ... وقدس من روح وعوفي من بدن # رجوت له عفو المهيمن إنه ... هو الملك الغفار ذو الطول والمنن # له الملك في الدارين والحكم مثل ما ... له الملوان والذي فيهما سكن # وأرجو له حب النبي محمد ... فذنب محبيه بغفرانه قمن # وأرجو لسقياه سقاية مورد ... حلا حوضه ما بين أيلة واليمن PageV01P444 ~~فقد قام بالتوحيد والخمس عمره ... وصلى على المختار واتبع السنن # خليلي إن الصبر صبر ولا أرى ... سواه لشجوي إنه أعصم الجنن # قفا حييا القبر الذي حله أبي ... معي إنه رأي بريء من الغبن # ولست وإن أنحى الزمان بصرفه ... علي ونالتني صروف من المحن # بفاقد شيء من أبي غير شخصه ... ولا بائع القربى ببخس من الثمن # عسى الله في الفردوس يجمع بيننا ... فإن الردى إن كان يجمعنا حسن # قوله: (الملوان والذي فيهما سكن) الملوان: الليل والنهار. قال: ابن مقبل: # ألا يا ديار الحي بالسبعان ... أمل عليها بالبلى الملوان # ويقال: الليل والنهار أيضا الجديدان. قال سويد بن عامر: # فالخير والشر مقرونان في قرن ... فكل ذلك يأتيك الجديدان # ولهما أسماء سوى ما ذكرنا. # وفي رثاء أخيه أبي الحسن رحمه الله يقول، وذلك في شوال من سنة اثنتين ~~وستمائة: # رضى بقضاء الله فهو مصيب ... وصبرا على الأحداث فهي تثوب # خليلي قدوارى التراب أحبتي ... فلم يبق لي فوق التراب حبيب # أقلا وقوفا بالمنازل ms187 أوقفا ... فإن الذي تستبعدان قريب PageV01P445 ~~ألم تخبرا عن صاحب القبر إنه ... بمرأى من الأهلين وهو غريب # تناذره الخلان يأسا فأصبحوا ... لهم جيئة من حوله وذهوب # وأي نوى أنأى من القبر شقة ... وأي بقاء بالممات يطيب # على الجدث المهجور عوجا فسلما ... سقاه الحيا الوسمي حين يصوب # وإلا فعيني، إن أبى الغيث، مزنة ... يدر شمال صوبها وجنوب # إذا هاجها ذكر الأحبة أجهشت ... وأسبل دمع بالدماء مشوب # تأوبني همي فبت كأنني ... على مستقلات النجوم رقيب # كأن اطلاع الشهب بين محاجري ... فمن ناظري تبدو، وفيه تغيب # كأن الدجى، والشهب همي وناره ... إذا شب منها في الضلوع، لهيب # تقطع أنفاسي فأقطع ليلتي ... حنينا، كما حنت روائم نيب # أقول ونفسي والأسى قد تمازجا ... وقلبي من حر الفراق يذوب # ألا مثل لي إنه لي معجز ... وإني لأمثال الورى لضروب # إذا قلت في شيء كأني كنته ... وسر اتخاذ المشبهين عجيب # أنا الميت والثكلان والصب والشجي ... فأي شبيه بعد ذاك أصيب # وما سكني إلا ضريح كأنه ... لأنسي به، ظبي أحم ربيب # أعاود لثم الترب فيه كأنه ... لرشفي له، ثغر أغر شنيب # أقام علي في ثراه مغيبا ... وللبدر من بعد الطلوع غروب # بعيدا عن الإخوان رهن قرارة ... تضوع من أنفاسه وتطيب PageV01P446 ~~على سفر لا زاد فيه سوى التقى ... ولا ظاعن الأقوام عنه يؤوب # أخي سلبتنيه الخطوب مشيحة ... وما الدهر إلا سالب وسليب # وكنت أرجي أن تزيد حياته ... حياتي، فشانتها علي شعوب # وكنت أرجيه لكل ملمة ... فقال الردى إن الرجاء كذوب # وكان سريعا حين يدعى إلى الندى ... وكم من فتى يدعى وليس يجيب # وكان حيا في المحل يعلم ضيفه ... إذا أمه أن المحل خصيب # وكان أخا حلم يزينك شاهدا ... وتأمن منه الغيب حين يغيب # ولم يك ذا عيب ولا كان عائبا ... ولكن نقي اللبستين أديب # فتى هو حد السيف إن رمت ضيمه ... وغصن لمن رام السماح رطيب # غني عن الأقوام ليس بباسط ... يدا لثواب وهو كان يثيب # جميل فأما وجهه فمنور ... طليق وأما صدره فرحيب # رزيناه لما لم يكن فيه مطعن ms188 ... ولم يك راجي الخير منه يخيب # وألوى به المقدار غضا شبابه ... تميل إليه أعين وقلوب # فضاعف وجدي واستحر مصابه ... وولى عزائي عنه وهو مريب # وليس كمفقود تقادم عهده ... وغطى عليه مسحق ومشيب # أقول، وقد غنت حمامة أيكة ... ومال بها بين الأراك قضيب # أساجعة الأغصان نوحا، فإنني ... على النوح من بين اللحون طروب # سقيت حميا الشوق، فالهم سكرها ... وأكثر ما ألهى المشوق نحيب PageV01P447 ~~ومستبشر أبدى السرور لنكبة ... ألمت بنا والحادثات ضروب # فقلت انتظر عقبى الزمان فربما ... سقاك ذنوبا إن كفاك ذنوب # فنحن بكينا نبتغي الأجر في البكا ... ونحن صبرنا والصبور لبيب # وما جزعي للحادثات استكانة ... ولكنه للهالكين نصيب # ولا جلدي عنهم سلوا وقسوة ... ولكن عود الأكرمين صليب # فطوبى لمن لم يعن إلا بنفسه ... ويا ربنا إني إليك أتوب # وله يرثي جدته للأم ونقلتها من خطه: # أدار البلى أما عمرت بمعشري ... فأنت التي تدعين قفرا وبلقعا # على كثرة الأهلين أوحشت زائرا ... وألهبت أكبادا وأجريت مدمعا # إليك مآب الكل منهم ملبث ... قليلا، ومنهم من تولى وودعا # ألا ليت شعري كيف مس الثوى بها ... فإني أرى فيها مهادا ومضجعا # مضاجع ليس النوم فيها بلذة ... ولا النوم فيها أن تهب وتهجعا # إلى الحشر، واسم الحشر وفق لشكله ... جماع أمورما أهم وأشنعا # مقام يعم الإنس والجن هو له ... ويحشر فيه الوحش سربا مفزعا # تبدل فيه أرضه غير أرضنا ... وتطوى السموات العلى طية معا # فيالك يوما قل سعي الورى له ... وما فيه للإنسان إلا الذي سعى # تغر بدنيا ليس تترك منزلا ... أنيسا ولا شملا لقوم مجمعا # رماني الردى قصدا فأقصد مهجتي ... وأخطأ جثماني فأخفى وأوجعا # أصبت بأصل كنت فرعا لفرعه ... وشأن الردى أن يهصر العود أجمعا PageV01P448 ~~فنفسي التي أبكي، وإن كنت باكيا ... عليها، فدمعي قد تقسم أدمعا # دعتها المنايا فاستجابت دعاءها ... سريعا وداعي الموت أسرع من دعا # فخلت علي الأرض حتى كأنما ... حرام على الأجفان أن تتطلعا # وحتم عليها أن تصوب فما همت ... على ممحل إلا وأصبح مهرعا # بكى بعدها المحراب شوقا لقربها ... وروض منها الترب خصبا ms189 فأينعا # وصلى عليها كاتبا ها وصحبها ... وجيرتها شيخا وكهلا ومرضعا # سأثني عليها بالذي هي أهله ... فإن ثنائي طاب قيلا ومسمعا # وما المدح والتأبين مما يردها ... ولكنه قد صار مبكى ومجزعا # عليك سلام لا تلاقي بيننا ... سلام امرئ أمسى بفقدك موجعا # وله يرثي ابنين لأبي الحجاج يوسف بن مطروح من خطه أيضا: # قف بربع الأسى وقوف الطليح ... وشب الدمع بالدم المسفوح # واقض من واجب البكاء فعينا ... ك تجودان عن فؤاد قريح # إن شدو الزمان نوح الثكالى ... وحمياه كل دمع سفوح # وسيفنى كما فنينا ويلقى ... مالقينا من فرقة ونزوح # وتغول المنون منا أناسا ... ذهبوا إذ مضوا بجسمي وروحي PageV01P449 ~~وأرى الدهر شامتا بالمعالي ... في سليلي فتى بني مطروح # طلعا طلعة الهلال علينا ... واستسرا سراره في الضريح # هصرت منهما المنون قضيبي ... ن فمالا معا إلى التصريح # يا ترابا أجن شخصيهما أج ... ننت ركني علا وبابي مديح # وصغيرين غير أن المعالي ... قد يمتعن بالصغير الصريح # أرجت تلكم البطاح لطيب ... ساطع منهما بعرف نفوح # ليس مسكا وإنما هوطيب الذ ... ذكر تسري بعرفه كل ريح # ضل سعي البكاة إلا على أح ... مد، يانفس أسعديني ونوحي # مر إذ لا محمد الحي باق ... فاستشفا ثماد قلبي القريح # أسعداني يافرقدان وغورا ... فرقدا الأرض غورا في الصفيح # كيف تبقى النجوم بعدهما لم ... تنكدر والجبال ذات جنوح # كيف لم تلفظ المقابر موتا ... ها ويبدو الأديم غير صحيح # ليس إلا أن التصبر أجدى ... من بكاء يدوم غير مريح # ولقد قلت للوزير أبي الحج ... جاج صبرا لريب دهر مشيح PageV01P450 ~~مثل مفقودك استباح حمى الصب ... ر كما مثلك ارعوى للنصيح # فاصطبر وارتقب مراجعة الحس ... نى من الله فهو غير شحيح # قوله في أول القصيدة (وقوف الطليح) يريد الفاتر المعيي. # يقال طلح الرجل يطلح طلحا: إذا عيي وفتر. قال الشاعر: # لقد طلح البين القذوف ركائبي ... فهل أرين البين وهو طليح # ويقال: ناقة طليح أيضا بغير هاء. وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى لأبي حية ~~النميري: # وقالوا حمامات فحم لقاؤها ... وطلح فزيرت والمطي طليح # وفي حديث عمر ms190 بن الخطاب رضي الله عنه أن كفار قريش لما بلغهم إسلامه ~~ثاروا عليه، فما برح # يقاتلهم حتى طلح. والطلح أيضا، النعمة. قاله ابن السكيت وأنشد قول ~~الشاعر: # كم رأينا من أناس هلكوا ... ورأينا الملك عمرا بطلح # أي: صاحب نعمة. # وكتب لأحد أصحابه يعزيه في ابنة أخ له من خطه أيضا: # صبرا أبا عبد الإله عن التي ... سلبت جميل الصبر يوم تولت # عن درة جلى الضريح جمالها ... وعقيلة بالمكرمات تحلت # حجبت بترب القبر عن أبصارنا ... لكنها بين الجوانح حلت PageV01P451 ~~بخل الغمام بصوبه عن تربها ... فسقيتها العبرات لما انهلت # عزت على الكرماء من مفقودة ... ودهت مصيبتها الجلال فجلت # لو تستبين الأرض قدر جلالها ... بكم لألقت شخصها وتخلت # ريحانة ذبلت وقرت أعين ... ألقتك أيام السرور وقلت # حازت بكم شرف العمومة فانجلت ... شمسا دهاها الكسف حين تجلت # فاصبر فإن الحر من إن تدعه ... للصبر طابت نفسه وتسلت # فالموت أمر عم فينا حكمه ... خضعت لعزته الرقاب وذلت # وقال أيضا يرثي: # وخبرني الناعون ما صنع الردى ... بأسماء من أفعاله النكرات # فكذبت ما قالوا، وإن كان صادقا ... فيا خير منعى، وشر نعات # أساءت بأسماء الخطوب صنيعها ... إلينا، فأنست سالف الحسنات # طوى الترب منها في حشاه سريرة ... من المجد، والأسرار للمهجات # وروض ظمآن الثرى من سماحها ... فأنبت زهر الحمد أي نبات # سقاها الحيا، والفخر في ذاك للحيا ... وإلا سقاها سائل العبرات # وإلا سقاها جودها في ضريحها ... فقد كان مثل الغيث في اللزبات # وقالوا: عجوز. قلت: رب صنيعة ... تزيد بها حسنا على الفتيات # مضت سلفا، والكل يقفو سبيلها ... مشيعة بالبر والصلوات # شفى النفس أن لم يخل منها مكانها ... ولم تك مثل الأعظم النخرات # ولكنها أبقت فروعا كثيرة ... حياة لها من بعد كل ممات # كمثل أبي بكر، ومثل سليله ... خليلي أبي إسحاق خير لداتي PageV01P452 ~~لعمر المنايا لا تفوز بمثلها ... فقد فعلتها أعظم الفعلات # تداعت سماء العز فانفطرت لها ... وأضحت نجوم الفخر منكدرات # وبات الأسى فيها يقض مضاجعي ... ويمنع أجفاني لذيذ سنات # فقل للمنايا قد وترت سراتنا ... ترات بظني منهم بترات ms191 # فلو كنت شخصا ما اجترأت عليهم ... وجنبتهم عن هيبة وهبات # خليلي من عليا مراد تصبرا ... ففي الصبر أعوان على الحسرات # وكف الدموع الواكفات فإنما ... دموع الفتى وقف على العرصات # فيارب من تبكيه يضحك فرحة ... وأنت عليه دائم الترحات # فإنك لاق من سرور ومن أسى ... وما هوآت لا محالة آت # وقال أبو العباس أيضا في رثاء الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: # أحق ما كان من قلبي تباريح ... فليهنئ العين أن الدمع مسفوح # تألق البرق غوريا فسح له ... سحب من الدمع لما هبت الريح # ياأيها البرق إني عنك في شغل ... دون المزار فياف بيننا فيح # تخدي النجائب حولا في نفانفها ... لا يأتيهن إعياء وتطليح # وكيف بالسير في جرداء بلقعة ... أقرى مراتعها القيصوم والشيح PageV01P453 ~~وسوف أجشم نفسي سير تلك إلى ... بيت أطاف به في فلكه نوح # قبر بيثرب همي لو ظفرت به ... ومقصد بجبال الطفمطروح # من كان في جفنه دمع يضن به ... فإن دمعي لأهل البيت ممنوح # آل النبي لقد سقيتم عللا ... كأس المنايا فمغبوق ومصبوح # صلى الإله على أشلاء منجدل ... بكربلاء يحيي روحه الروح # أوفى على معرك الأبطال محتسبا ... ليت شعاراه تهليل وتسبيح # يافارسا هاشميا ما أضربه ... تثاقل القوم إذ ناداهم روحوا # طاروا وأثبت في الهيجاء أخمصه ... صبرا، وكان له عنها مناديح # حتى ثوى الفارس الحجاج يتبعه ... من هاشم الخير فرسان جحاجيح # لم يتقوا الضرب بالأكتاف إذ صرعوا ... بل النجيع على اللبات منضوح # تندى الوجوه نجيعا وهي مشرقة ... كأنها في دجى الهيجا مصابيح # لو كنت شاهد يوم الروع قلت له ... لشائح القوم جلد دونهم شيح # ولا اختضبت أمام الصف من جسد ... جودا بنفسي، وبعض الجود مربوح # ضلت حلوم أناس كيف لم يردوا ... نار الكفاح، وزند الحرب مقدوح PageV01P454 ~~أم الحسين بهم عدنا فلم يلجوا ... باب الجنان عيانا وهومفتوح # أما ابن حرب فدع حربا وأسرته ... تلك الجسوم لو ان العرض ممدوح # طافوا برأس ابن خير الناس كلهم ... بئس الطواف ونعم الرأس والروح # ولست أبسط قولا في دعيهم ... كل الدعيين ملعون ms192 ومقبوح # ياعين جودي على قتل الحسين دمآ ... وابكي جهارا، فإن الوجد تصريح # ويا لساني عاود مدحه أبدا ... وإن أيسر ما فيه الأماديح # قوله رحمه الله: (فياف بيننا فيح)، أي: أرض مقفرة متسعة بعيدة. قال ~~الشاعر: # وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح # وقوله: # (ولست أبسط قولا في دعيهم). فالدعي يعني به عبيد الله بن زياد دعي ابن ~~أمية. ووالده كان يقال له # زياد بن أبي سفيان ويقال زياد بن أبيه وزياد ابن أبه وزياد بن سمية بكل ~~هذه الأسامي كان يدعى # وكان قبل الاستخلاف ببني أمية. يدعى بزياد بن عبيد الثقفي وأمه سمية ~~جارية للحارث بن كلدة # الثقفي وكان زياد طويلا جميلا يكسر إحدى عينيه. وفي زياد هذا قال الفرزدق ~~للحجاج: PageV01P455 # وقبلك ما أعييت كاسر عينه ... زيادا فلم تعلق علي حبائله # وبعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إصلاح فساد وقع باليمن، فلما رجع من ~~وجهته خطب # خطبة لم يسمع الناس مثلها، فقال عمرو بن العا ص: أما والله لو كان هذا ~~الغلام قرشيا لساق الناس # بعصاه، فقال أبوسفيان بن حرب: والله إني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه. ~~فقال له علي بن أبي # طالب رضي الله عنه: ومن هو يا أبا سفيان؟ قال أنا. فقال له علي: مهلا يا ~~أبا سفيان. وأنشد في ذلك # أبو سفيان أبياتا من الشعر وهي: # أما والله لولا خوف شخص ... يراني يا علي من الأعادي # لأظهر أمره صخر بن حرب ... ولم يكن المقالة عن زياد # وقد طالت مجاملتي ثقيفا ... وتركي فيهم ثمر الفؤاد # وفي زياد وأخويه، يقول يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري وقيل ان عبد الرحمن ~~بن الحكم هو # القائل: # إن زيادا ونافعا وأبا ... بكرة عندي من أعجب العجب # هم رجال ثلاثة خلقوا ... من رحم أنثى كلهم لأب # ذا قرشي، كما يقول، وذا ... مولى وهذا ابن عمه عربي # وحكى الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أنه قال: قال عبيد PageV01P456 ~~الله بن زياد ما هجيت بشىء أشد علي من قول ms193 ابن مفرغ: # فكر ففي ذاك إن فكرت معتبر ... هل نلت مكرمة إلا بتأمير # عاشت سمية ما عاشت وما علمت ... أن ابنها من قريش في الجماهير # وليزيد بن مفرغ في هجاء زياد وبنيه أشعار كثيرة كقوله: # أعباد ما للروم عنك محول ... ولالك أم من قريش ولا أب # وقل لعبيد الله: مالك والد ... بحق، ولا يدري امرؤ كيف تنسب # وقصته مع عباد وعبيد الله أخيه مشهورة. وقال هو أو غيره في زياد: # زياد لست أدري من أبوه ... ولكن الحمار أبو زياد # وفيه أيضا يقول: # شهدت بأن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع # ولكن كان أمرا فيه لبس ... على وجل شديد وارتياع # وفيه يقول عبد الرحمن بن الحكم حين اعتذر من هجائه من أبيات PageV01P457 ~~له: # زياد من أبي سفيان غصن ... تهادى ناضرا بين الجنان # أراد أخا وعما وابن عم ... فما أدري بعين ما تراني # وأنت زيادة في آل حرب ... أحب إلي من وسطى بناني # وعبيد الله هو الذي وجه عمر بن سعد بن أبي وقاص لقتال الحسين بن علي رضي ~~الله عنهما، حين # ولاه يزيد (الكوفة) وهو (بالبصرة) فخرج مسرعا حتى قدم الكوفة، وبعث عمر ~~بن سعد لقتال الحسين # وأردفه شمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله، والخبر مشهور. وقتل الدعي ~~عبيد الله ابراهيم بن # الأشتر ليلة التقائه معه بالمجاز وقيل حارر وهو اسم نهر بناحية الموصل. ~~وكان إبراهيم بن الأشتر # على جيش المختار بن عبيد، وعبيد الله على جيش لعبد الملك بن مروان، ~~فتقاتلا في ذلك الموضع، # حتى دخل عليهما الليل من يوم عاشوراء سنة سبع وستين بعد قتل الحسين بست ~~سنين، وتمادى # القتل، فقتل إبراهيم عبيد الله، وانهزم أصحابه أشد هزيمة. فلما كان عند ~~الصبح قال إبراهيم # لأصحابه: إني قتلت البارحة رجلا، فوجدت عليه أثر طيب، فما أراه إلا عبيد ~~الله بن زياد فالتمسوه، # فإني قسمته بنصفين، فرميت ذراعيه نحو المشرق، وساقيه نحو المغرب ~~فالتمسوه. فوجدوه كما ذكر، # فلما قتل عبيد الله حز رأسه، وبعث به المختار بن عبيد بن ms194 مسعود إلى علي ~~بن الحسين، PageV01P458 ~~وحكى الرسول الذي مشى برأسه إلى علي بن الحسين، قال: دخلت على علي بالرأس، ~~وهو يتغذى، فقال: # سبحان الله. لقد أدخل رأس أبي عبد الله، يعني الحسين على عبيد الله بن ~~زياد، وهو يتغدى. # رجع # وقال أبو العباس أيضا: # يابرق برقا بين مروة والصفا ... باكر بسقيا الحج دينا قد عفا # واهد الحجيج إلى معالم مكة ... فلقد تركتهم حيارى وقفا # حمل عمامك ديمة من زمزم ... وانضح برياها القلوب الرجفا # واكحل جفوني من سوافي ريحها ... إني أشح بتربها أن ينسفا # بين الحجون إلى الحطيم لأحمد ... أثر زكامنه الثرى وتشرفا # بمنى بجمرته إلى عرفاته ... ناهيك مسعى للنبي وموقفا # والحجر والحجر الأحم تألقت ... أنواره فأبى الهدى أن تكسفا # ومقام إبراهيم يدعو ربه ... قد أثرت قدماه في صم الصفا # والبيت ذو الأستار تمسح ركنه ... ورق الحمام عياذة وتعطفا PageV01P459 ~~ياليت أني في ذراه حمامة ... أدع الهديل سدى وأبكي المصطفى # يا عين بكي للدفين بطيبة ... ولمفرق بدم الوصي تغلفا # أخوين خيرهما بحرة يثرب ... ثاو وآخر بالعراق تخلفا # شلت يمين الملجمي فإنه ... ترك الإمامة بالإمام على شفا # أرت الشماتة بالوصي أمية ... لا سرها قتل الوصي ولا شفى # ودت أمية لو يصاب بسيفها ... يكفيك جمره يا أمية لو كفى # أشفاكم من يوم بدر قتله ... تلك الشهادة ما بذلك من خفى # وابكي على السبطين بعد أبيهما ... حبا لجدهما الرحيم الأرأفا # عمري لقد جار الضلال على الهدى ... بالطف في قتل الحسين وطففا # واها لها من عثرة لو تتقى ... واها لها من ضلة لو تقتفى # ماكان أجدرها بأن تدع الظبا ... متشظيات والقنا متقصفا # رضيت قريش أن يقتل هاشم ... فعلى قريش بعد هاشم العفا # لا دردر العبشمية كم لها ... من فتكة فيهم علت أن توصفا PageV01P460 ~~لو أن صقرا في مكان أمية ... لحما لحام على الحسين ورفرفا # أو أن ليثا يوم خر مكانها ... غرثا لمهد للحسين وألطفا # أو أن سرب قطا غداة شكا الصدى ... وافاه مج لورده ما استخلفا # منعوه ماء النهر ليت مدامعي ... معه إذا لسقى الركاب ولا ms195 اشتفى # إني لأشرق بالزلال تذكرا ... هم وأقلق بالنعيم تأسفا # يا ليت شعري كيف كان على العصا ... رأس الحسين ونوره كيف انطفا # أم كيف تقرع بالقضيب ثنية ... كانت ملذا للنبي ومرشفا # إن يرفعوا رأس الحسين فقبله ... رفعوا لواذا من أبيه المصحفا # إيها حديثا عن فؤادي إنه ... ذكر الرسول وآله فتشوفا # مالي طربت بذكرهم فكأنني ... عاقرت من ذكر الأحبة قرقفا # أقم الصلاة على النبي فإنها ... تذر الذنوب الشم قاعا صفصفا # صلى الإله على النبي وآله ... من ضم خمستهم كساء قد صفا # يارب إني قد أنست بحبهم ... فاجعلهم لي عن سواهم مصرفا # قوله: (والحجر والحجر الأحم) يعني الأسود، وإنما قال: الأحم ليقوم له ~~الوزن. وفضل هذا الحجر # عظيم، وشرفه معلوم، وذكر أنه يمين الحي القيوم. PageV01P461 # حدث يحيى بن سليم عن ابن جريج قال: سمعت محمد ابن عباد ابن جعفر المخزومي ~~يقول: سمعت # عبد الله بن عباس يقول: إن هذا الركن الأسود، هو يمين الله في الأرض، ~~فصافح به عباده مصافحة # الرجل أخاه. # وقال القاضي أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني كتب إلي الشيخ أبو ~~الفتوح طاهر بن علي # الرفاء المصري وأجاز لي الرواية عنه قوله: # في الحجر الأسود سركما ... في غامضات العلم أسرار # فهو يمين الله في أرضه ... والله للأشياء يختار # وإنما الأمثال مضروبة ... وفي رموز القول تذكار # وطاعة الله وعصيانه ... عقباهما الجنة والنار # والوصي الذي ذكر هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسنذكر بعد هذا طرفا ~~من خبره. # والملجمي هو عبد الرحمن بن ملجم التجوبي. وقيل PageV01P462 ~~السكوني، وقيل الحميري. قال الزبير بن بكار: # تجوب رجل من حمير كان أصاب دما في قومه، فلجأ إلى مراد فقال: جئت إليكم ~~أجوب البلاد، فقيل # له: أنت تجوب. فسمي به. وهو اليوم في مراد، وهم رهط ابن ملجم المرادي ثم ~~التجوبي، وأصله من # حمير، ولم يختلفوا أنه حليف لمراد، وعداده، فيهم، وكان فاتكا ملعونا ~~انتدب من لقايا الخوارج لقتل # علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقتله ليلة الجمعة لثلاث عشرة، وقيل ms196 لإحدى ~~عشرة ليلة خلت، # وقيل بقيت من رمضان. سنة أربعين، وفي ذلك يقول شاعرهم: # علاه بالعمود أخو تجوب ... فأوهى الرأس منه والجبينا # وقبض رحمة الله عليه ورضوانه في أول ليلة من العشر الأواخر منه. # وذكر المزني عن الشافعي عن سفيان بن عيينة قال: قال لي جعفر بن محمد توفي ~~علي بن أبي # طالب وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقتل الحسين بن على، وهو ابن ثمان وخمسين ~~سنة، وتوفي # علي بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفي محمد بن علي بن الحسين ~~وهوابن ثمان # وخمسين سنة. PageV01P463 # قال سفيان: قال لي جعفر بن محمد وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين سنة، فتوفي ~~فيها رحمة الله # عليه وعليهم. # (حبا لجدهما الرحيم الأرأفا) جاء به منصوبا على المدح للمبالغة فيه. ~~ومثله قول الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم # فنصب (ليث) على المدح. وقال الآخر: # الخائض الغمر والميمون طائره ... خليفة الله يستسقى به المطر # نصب الخائض والميمون وخليفة الله على المدح والترفيع. # ومثله أيضا قول الآخر: # لقد حملت قيس ين عيلان ... حربها على مستقل بالنوائب والحرب # أخاها إذا كانت غضابا سمالها ... على كل حال من ذلول ومن صعب # فنصب (أخاها) على المدح. ولولا ذلك لخفضه على البدل من مستقل. # وقال يونس في قوله عز وجل (والمقيمين الصلاة)، وفي قوله تعالى PageV01P464 ~~(والصابرين في البأساء والضراء): نصبهما على المدح. ونظير هذا من الكلام: # مررت بزيد الرجل الصالح. فإن خفضته جعلته بدلا من زيد، وإن رفعته على ~~إضمار هو. والنصب # على المدح والذم والترحم والاختصاص؛ إنما هو بإضمار: أعني. فمثال النصب ~~على المدح ماذكرناه # من الأبيات، ومن قول الله عز وجل. ومثال الذم قوله عز وجل في صفة ~~المنافقين (مذبذبين بين ذلك) وقوله تعالى (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا) # و(حمالة الحطب) على قراءة عاصم ومنه قول الشاعر: # سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور # وقول النابغة: # وجوه قرود تبتغي من تخادع # نصب عداة الله، ووجوه قرود على الذم. ونظيره في الكلام: مررت ms197 بزيد ~~الفاجر. والفاسق. ومثال # الترحم قولك: مررت بزيد المسكين والضعيف. ومنه قول الشاعر: PageV01P465 # ولقد خبطن بيوت يشكر خبطة ... أخوالنا وهم بنو الأعمام # فنصب (أخوالنا) على الترحم، ومنه قول امرئ القيس: # فأسقي به أختي ضعيفة إذ نأت ... وإذ بعد المزار غير القريض # فنصب ضعيفة على الترحم. فأما قول ذي الرمة: # وأنتم بني قيس إذا الحرب شمرت ... حماة الوغى والخائضون العواليا # فانصبه إن شئت على المدح، وإن شئت على الاختصاص. ومن المنصوب على ~~الاختصاص قول # الشاعر: # إنا بني منقر قوم ذوو شرف ... فينا سراة بني سعد وناديها # ويروى هذا البيت على مساق آخر وهو: # إنا بني منقر لا ننتمي لأب ... عنه ولا هو بالآباء يشرينا # أي يبيعنا. كأنه قال: إنا، أعني بني منقر. وهذه الوجوه التي ذكرناها ~~كثيرة في الشعر والكلام. # رجع # وقول أبي العباس (أم كيف تقرع بالقضيب ثنية) الحسين. وذلك أنه لما قتل ~~رضي الله عنه يوم # عاشوراء سنة إحدى وستين، قتله سنان بن أنس، وقيل سنان بن PageV01P466 ~~أبي سنان النخعي، وقيل قتله شمر بن ذي الجوشن الأبرص الضبابي، وأجهز خولي ~~بن يزيد الأصبحي لعنة الله عليهم ثلاثتهم وسخطه. # حز رأسه خولي، وأتى به عبيد الله بن زياد، وهو يقول: # أو قر ركابي فضة وذهبا ... إني قتلت الملك المحجبا # خير عباد الله أما وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا # فقال له عبيد الله بن زياد: فلم قتلته إن كان خير عباد الله أما وأبا؟ ~~فضرب عنقه ثم أمر بحمل # الرأس إلى يزيد بن معاوية، فحكى القوم الذين حملوه، أنهم نزلوا منزلا من ~~المنازل، ووضعوا الرأس # بين أيديهم، فرأوا يدا من حديد قد خرجت فكتبت على جبين الحسين بالدم: # أترجو أمة قتلت حسينا ... شفاعة جده يوم الحساب # ويروى أن هذا البيت وجد مكتوبا في كنيسة من كنائس الروم، وعليه تاريخه مذ ~~كتب، فعد تاريخه # فوجد قبل الإسلام بثلاث مائة سنة. فلما وصل الرأس إلى يزيد جعل ينكث ~~بقضيب كان في يده على # ثنية الحسين وهو يقول: # نفلق هاما من رجال أعزة ... علينا ms198 وهم كانوا أعز وأظلما # فقال له أبو برزة نضلة بن عبيد الأسلمي: ارفع قضيبك فطال والله ما رأيت ~~رسول الله صلى الله # عليه وسلم يكب عليه يقبله فذلك الذي عنى أبو العباس بقوله: (أم كيف تقرع ~~بالقضيب) البيت. PageV01P467 # وحكى أبو عمر المطرز عن أحمد بن يحيى بن ثعلب عن عمر بن شبة قال: دخل سنان ~~بن يزيد # النخعي على الحجاج: فقال له الحجاج كيف صنعت بالحسين؟ فقال: دسرته بالرمح ~~دسرا، وهبرته # بالسيف هبرا، ووكلته إلى امرئ غيري وكلا فقال الحجاج: ألا والله لا ~~تجتمعون في الجنة أبدا. وأمر # له بخمسة آلاف درهم. فلما ولي قال: لا تعطوه إياها. # وحكى مروان بن معاوية الفزاري عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي مسلم النخعي ~~انه قال: رأيت # رأس الحسين قد جيء به، فوضع بدار الإمارة بالكوفة بين يدي عبيد الله بن ~~زياد. ثم رأيت رأس # عبيد الله بن زياد قد جيء به، فوضع في ذلك الموضع بين يدي المختار بن ~~عبيد. ثم رأيت رأس # المختار قد جيء به، فوضع في ذلك الموضع بين يدي المصعب، ثم رأيت رأس ~~المصعب قد جيء # به، فوضع ذلك الموضع بين يدي عبد الملك بن مروان، فرأى عبد الملك مني ~~اضطرابا يوم جيء # برأس المصعب، فسألني، وأخبرته بالقصة. وقلت: وهذا رأس المصعب بين يديك، ~~فوقاك الله يا أمير # المومنين. قال: فوثب عبد الملك عن ذلك المجلس وأمر بهدم الطاق الذي كان عليه. PageV01P468 # رجع # وقال أبو العباس أيضا يمدح أهل البيت صلوات الله عليهم. وقد سئل بعض ~~الجفاة عن تفضيلهم # وتطهيرهم وتقديمهم على من سواهم فقال: # عاديت في الله قوما أنكروا رصدا ... للدين تطهير أهل البيت ذي الحجب # ياأهل بيت النبي المصطفى حربي ... ممن يخفض من أقداركم حربي # من لم يقل إن خير الناس كلهم ... أنتم، فقد سد باب الصدق بالكذب # الله طهركم والرجس أذهبه ... عنكم، شهادة رب العرش في الكتب # وقائل لا، جوابا عن طهارتكم ... ويل لقائلها، إن كان لم يتب # أخو الرسول، أبو السبطين، أكرم من ms199 ... يمشي على الرتب أو يرقى على الشهب # يا من يفاخربالأنساب، هل لك في ... فخر فحب النبي المصطفى حسبي # وحب فاطمة والمرتضى حسن ... وصنوه وعلي كاشف الكرب # يوم البعير ويوم النهروان ... وفي صفين داوى شكاة الدين بالقضب # ما كنت أجعل شكا في أبي حسن ... ولو رمتني جميع العجم والعرب # وقال أيضا في المعنى ردا على ذلك الجافي المذكور بعينه: # لقد طهر الرحمن آل محمد ... وأذهب عنهم رجسهم وهدوا كلا # عجبت لقوم لا يرون وصية ... أبا حسن للأمر يوم انتدوا أهلا # أما كان في آل النبي محمد ... بزعمهم من يشهد العقد والحلا # كذبتم، أخوهم كان فيهم وعمه ... أشد الورى رأيا وأوثقهم إلا PageV01P469 ~~فمن كان يدعوه الرسول لنصره ... إذا لقحت حرب ومن كان للجلا # ومن كان في دار النبي خليفة ... كهارون من موسى، ومن بسط العدلا # ومن كان مولى من يوالي محمدا ... ومن كان أسمى في المناسب أو أعلى # فموسى وهارون كأحمد والرضا ... علي فهل من ثالث نال ذا الفضلا # أخوة خير الناس خير مزية ... فأين بكم عن هذه أوضحوا السبلا # وأربعة والمصطفى خامس لهم ... أفاض عليهم مرطه وتلا فصلا # وفيهم علي بالكساء ملفعا ... وفي سورة الإنسان أمداحه تتلى # وإني لأعطي أول الفضل رتبة ... وإن لامني قوم لأول من صلى # قوله رحمه الله: (ومن كان في دار النبي خليفة) إلى آخر الأبيات، إشارة ~~إلى علي بن أبي طالب # رضي الله عنه. ذلك أن عليا أول من آمن بالله من الناس بعد خديجة، وأول من ~~صلى مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم معها، وأنه صلى القبلتين، وهاجر وشهد (بدرا) ~~و(حديبية) وسائر المشاهد، # وأبلى يوم (بدر) و(أحد) و(الخندق) و(خيبر) بلاء عظيما، ولم يتخلف عن مشهد ~~شهده الرسول # عليه السلام إلاغزوة (تبوك)، فإن رسول الله صلى الله عليه خلفه على ~~(المدينة) وعلى عياله، وقال # له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي PageV01P470 ~~بعدي)، وقال له عليه السلام: (أنت أخي وصاحبي). # وآخى بينه وبين نفسه صلى الله عليه وسلم يوم آخى بين المهاجرين والأنصار، ms200 ~~وقال له: # "أنت ولي كل مؤمن بعدي، وأنت الذائذ عن حوضي يوم القيامة، تذود عنه ~~الرجال كما يذاد البعير # الصادي". وزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة في سنة اثنتين ~~من الهجرة، وهي سيدة # أهل الجنة ماخلا مريم ابنة عمران، وقال لها: "زوجتك سيدا في الدنيا ~~والآخرة" وفضائله رضوان # عليه كثيرة لا تحصى، وخصوصية بالنبي صلى الله عليه وسلم مشهورة. وكان رضي ~~الله عنه يقول: # "أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يقولها أحد غيري إلا كذاب". وروى عن جماعة ~~من الصحابة عن النبي # عليه السلام انه قال يوم (خيبر) لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ~~ويحبه الله ورسوله، # ليس بفرار يفتح الله على يديه. ثم دعا لعلي وهو أرمد، فتفل في عينيه، ~~وأعطاه الراية، ففتح الله # عليه. ولما نزلت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا). دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وعليا وحسنا وحسينا، وهو في بيت # أم سلمة، فأقعد عليا عن يمينه، وفاطمة عن شماله، وحسنا وحسينا في حجره، ~~وألقى الكساء على # نفسه صلى الله عليه وعليهم، وقال: "اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم ~~الرجس وطهرهم تطهيرا" # وإلى هذه الفضائل أشار أبو العباس في أبياته المذكورة. # وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله، ومكانه من العلم PageV01P471 ~~والفضل والورع معلومة: كل من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه في خلافته، فهو باغ. على هذا عهدت # مشايخنا لقوله عليه السلام: "تقتل عمار الفئة الباغية" يعني عمار بن ياسر ~~بن عامر العبسي. وقتل # عمار رحمه الله (بصفين) وكان مع علي رضي الله عنه، ووجد مقتولا على باب ~~سرادق معاوية. # وأتى يومئذ رجلان إلى معاوية يختصمان في رأسه وسلبه، أحدهما: أبو الغادية ~~الجهني، والآخر هوى # بن ماتع. وقيل هوى بن جزء طعنه أبو الغادية واحتز هوى رأسه، ويقال إنهما ~~اختصما في رأسه، # وسلمه إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال لهما، اخرجا عني، فإني سمعت ms201 ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم يقول: "أولعت قريش بعمار يا ويح عمار يدعوهم إلى ~~الجنة ويدعونه إلى النار". # وفي مقتل عمار يقول الحجاج بن غزية الأنصاري من أبيات رثاه بها: # قال النبي له تقتلك شرذمة ... سيطت لحومهم بالبغي فجار # فاليوم يعلم أهل الشام أنهم ... أصحاب تلك وفيها العار والنار # وكان أهل الشام يسمون قتل عمار فتح الفتوح. وفي عمار قال رسول الله PageV01P472 ~~صلى الله عليه وسلم، وقد سمع رجلا من المهاجرين قد أغلظ عليه في شيء، فقال: ~~"عمار جلدة ما بين عيني وأنفي فمن بلغ # منه فقد بلغ مني" وأشار بيده فوضعها على عينيه. # وقال أبو العباس في طريقة الصوفية: # حدثني الشوق عن تباريحي ... أن ضنى الجسم صيقل الروح # وأن صفر الوجوه مسفرة ... تشرق في الليل كالمصابيح # وأن روح الإله مطلع ... على المحبين في التراويح # أفلح عبد جفا الكرى سهرا ... بين سجود وبين تسبيح # خلا بمولاه غير ملتفت ... في الجمع للفرق غير تلويح # أصبح منبت سيره فله ... من لطف مولاه أي ترويح # شاهد ماغاب في سريرته ... وطار إحساسه مع الريح # لا مثل من لونت مسالكه ... فتاه بين المهامه الفيح # عرض بالحق في المثال له ... والفوز، لو ناله بتصريح # مولاي إني عليك معتمد ... فجد بفضل علي ممنوح # ونجني فالذنوب مغرقتي ... وأنت نجيت تابعي نوح # وفي المعنى أيضا يقول: # أجيرة بيتي مالكم بكم السهو ... أمرلكم شجو وطاب لي الشجو # خدعتكم واستأثر القلب بالهوى ... لكم مره البادي وفي كبدي الحلو PageV01P473 ~~أبت كبد المشتاق أن تسأم الجوى ... ولو سئمت لم يسأم الجسد النضو # لقد سقمت أهواؤكم فزللتم ... ولو صحت الأهواء لا تصل الخطو # ولي سيد لم يعلم الناس كنهه ... قريب فإن هاجرته بعد الشأو # جواد إذا فر المسيء بذنبه ... إليه فأدنى جوده الصفح والعفو # تشاغل أقوام بخدمة عزة ... فعزوا وأعلى عزهم ذلك القتو # رددت بحبيه على الناس حبهم ... وهل كنت أستسقي وفي يدي الدلو # وما سرني أن أملك الأرض كلها ... وأن فؤادي من محبته خلو # ولو أن قلبي في يدي بلا هوى ... لجن ms202 فما ظني به وهو الحشو # إذا هاج لي شوق تيممت نحوه ... على أن من أحببت ليس له نحو # وليس له أين وليس له لدن ... وليس له مثل وليس له صنو # أمثله في خاطري فيفوتني ... وبالقلب من عرفانه التيه والزهو # وقد طار حتى قر في مطلع الهدى ... فسوداؤه حضر وأضلاعه بدو # أواصله في كل خطرة خاطر ... ولا لعب عند الوصال ولا لهو # وقوفا على سفل البساط تجلة ... ولولا انبساطي كان موقفي العلو # فواحسرتي إن خاب مسعاي عنكم ... ولو خاب أيضا ما اعترى حبي السهو # ولا كهذا فليهو من كان ذا هوى ... وإلا فحب الناس أكثره لهو # سقيت الهوى صرفا فعربدت صاحيا ... ولكن صحوي دون أيسره النشو # حنانيك إن الحب كأس شربتها ... على ظمأ صفوا فكدرني الصفو # فدونكم يا أيها الشرب فانعموا ... دموعي لكم خمر ونوحي لكم شدو PageV01P474 ~~قال أبو إسحاق: # انتهى ما اختلسته واختطفته، ومن أزهار كلامه واقتطفته. ويا حسنها من ~~أزاهر، وبدائع وجواهر. # أفكار وألباب، أحسن من ساعات الوصال والاقتراب، بعد يأس من الأحباب، ~~أمنية راغب، وعقيلة # مبتغ وطالب. موالك للقلوب والأسماع، وأفتن من الحسناء سافرة القناع: # لو كن في فلك لكن كواكبا ... أو كن في وجه لكن عيونا # وكان الأديب أبو العباس رحمه الله فريد الإبداع في زمانه، معروفا ~~بانطباعه وإتقانه، وله في أنواع # المديح قصائد سلطانيات، توليك كثرة طائل، وتدلك على أنبل قائل. بصير ~~بمعاني اللغات والآداب، # كثير التندير في كلامه والإغراب، وقد أثبت في هذا الديوان من شعره المليح ~~المعاني، السالم المباني، # ما يسترق القلوب والنفوس، وتتيه بحسنه المهارق والطروس. # ولد لعشر ليال خلت من شهر رجب الفرد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وتوفي ~~رحمه الله ضحى # يوم الثلاثاء الثالث عشر لجمادى الأخرى سنة خمس وستمائة. # وقال الفقيه الوزير أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي البلنسي من أهل ~~عصرنا، في مدح # الرسول وأزواجه، والصحابة وأهل البيت، وسمى هذه القصيدة: "نتيجة الحب ~~الصميم وزكاة المنثور # والمنظوم" نفعه الله بما صنف ونظم في أهل البيت، وفي تعزيز نبينا المصطفى ~~المكرم، ms203 وفي # أزواجه، أمهات المؤمنين PageV01P475 ~~الخفرات الطاهرات، العفائف المكرمات، وبلغه من إحسانه الجزيل ما أمله، # وتقبل دعاءه وعمله فقال رضي الله عنه وأجاد في النسق والنظام، وضمن أولها ~~ذكر مثال نعل النبي # عليه السلام: # يا من لصب يرى أشجانه النظر ... مهما تبدى له من حبه أثر # يفي له الصبر عند النائبات فإن ... يلح له أثر لم يبق مصطبر # وذاك غير ذميم من مواقعه ... إذا تعقبه التنقيح والنظر # فلا يبالي الشجى وجدا يعالجه ... في ذاك لو طار من حافاته الشرر # ولا يروي اعتذارا عن لواعجه ... فما عن الرشد والتوفيق معتذر # هدى أضل عزاء المستهام بما ... رأى فيا لضلال بالهدى يفر # رأى مثالا لنعل المصطفى فهفا ... به النزاع وهاجت شوقه الذكر # وليس نكر نزاع عند رؤيته ... لكن قساوته في مثلها نكر # أعوذ بالله من قلب يطالعها ... فلا يرى بأليم الوجد ينفطر # وحاش لله أن تهدى الضلوع على ... أبصار آثار من حيزت له الأثر # من صرحت بمزايا فضل سؤدده ... آي الكتاب وشادت مدحه السور # محمد خير خلق الله كلهم ... ممن نمت يمن أو من نمت مضر # وغيرهم من جميع العالمين فلا ... يزغ بذي العقل عن سمت الهدى البصر # فيا مطار الحشى شوقا لرؤيته ... والعين تشتاق مهما أبصر الأثر # مثال نعل النبي المصطفى عوض ... من نعله حين حالت دونه الغير # فمرغ الشيب في ذاك المثال عسى ... بذاك شوبك للأعمال يغتفر # واستشعرن لثمها في لثم ممتثل ... به حذاء لها أودى به العصر PageV01P476 ~~ففي مشابه آثار الأحبة ما ... يرى به وجد مشغوف ويستعر # واركب من الشوق نحو المصطفى متنا ... شجو الضلوع فلا يفنى ولا يذر # وادأب على ذك واصبر تجن خير جنى ... في جنة إنما يحظى بها الصبر # وفي الصلاة عليه أي ما وطر ... فلا يعوقنك عن إدمانها وطر # واذكر مواعده الحسنى لمنتهج ... سبيلها يتقراها ويغتفر # وناد في كل ناد إذ تمر به ... نداء من أحكمت من حبه المرر # صلى الإله وأهل الأرض كلهم ... مع السماء وشمس الأفق والقمر # والأنجم الزهر من أعلى معارجها ... والنور والظلمات البهم ms204 والغرر # والوحش في القفر والطير المطيفة في ... جو السماء تعالى ثم تنحدر # وكل ما ضمنه علو وضمنه ... سفل من الخلق مما ليس ينحصر # أزكى صلاة وأنآها مدى شرف ... بكل معنى لدى الإعياء يعتبر # كالشمس في أفق كالمسك في عبق ... كالدر في نسق بل دونها الدرر # على البشير النذير المنتقى كرما ... من محتد طاب منه الخبر والخبر # من معشر إنما هم منظرا بشر ... لكن مزاياهم يعنى بها البشر # على المبارك منهم مذهبا وأبا ... وشيمة شأنها في الذكر مستطر # على الذي ابتهجت سبل النجاة به ... على الذي ختمت فخرا به النذر # على ابن آمنة المرجو نائله ... يوم القيامة إذ يهدى له الظفر # على المؤثل دون الأنبياء إذا ... جد الحساب وأدت فيحها سقر # على الذي كلمته الشاة مشعرة ... بسمها فانثنى عن قصدها الضرر PageV01P477 ~~على الذي لم تهد تحيتها ... إليه مهما رأته الأرض والشجر # على الذي كان يستسقى الغمام به ... فتستدر به من صوبه الدرر # على الذي نبعت بالري أنمله ... للواردين فهال الورد والصدر # فيا ليمن محيا إن سألت به ... في الجذب جاءك وفق البغية المطر # ويا ليمنى ويسرى ما عطاؤهما ... في أعسر العسر إلا اليمن واليسر # وضوعفت بركات الأرض فانبعثت ... مشاهب الخصب بالأرزاق تبتدر # على الذي أسعد الأيام مبعثه ... فاستشعرت طيبها الآصال والبكر # على الذي حبه موت بمخلصه ... على مشارع صفو ما بها كدر # صلاة صدق وإخلاص إذا صدرت ... عن الضمير فلا ريب ولا سدر # تزور تربته دأبا نوافحها ... فيستمد شذاها الروض والزهر # إذا انبرى رائح منها ييممها ... باراه في قصده المحمود مبتكر # فلا تزال بها الآذان عالية ... يحدوبها السفر أو يحلو بها السمر # بلا انقضاء ولا عد ولا أمد ... ما غرد الورق أو ما أورق الشجر PageV01P478 ~~وبعده صلوات الله عاطرة ... على الصحابة تتلو زمرة زهر # جماعة تحسب الصديق أولهم ... وتلوه في تناهي فضله عمر # وللشهيد ابن عفان مكانته ... وفي علي أثارت سرها الأثر # وللزبير حوارى النبي سنا ... جلالة هي في عين العلا حور # وطلحة الخير لا تهمل فضائله ... وفيض كف له بالجود ms205 تنفجر # ومل إلي الخال سعد فهو من قصفت ... به الأكاسر قصفا والقنا كسر # في موقف يعذر الفرار فيه فما ... ثناه عن هوله جبن ولا خور # والمستقل بشورى القوم مؤتمنا ... على الخلافة يأباها وينشمر # ذاك الأمين ابن عوف فارض عنه وعن ... جميعهم فهم أهل الرضى الزهر # ثم اذكرن عامرا واعمر بمدحته ... أسماع كل عباد الله ما عمروا # ذاك الذي طلق الدنيا وزخرفها ... فما تعلقه من غمرها غمر # فياله من أمير بات مدركه ... في كل ما كان يأتيه ويأتمر PageV01P479 ~~وما تأخر عن إهمال واجبه ... ذكر ابن زيد ولكن قبله أخر # هم الألى سبقت ذكراهم وهم ... أهل السوابق لا مين ولا هذر # وكلهم وسعيد عاشر لهم ... لايدعي شأوهم في الفخر مفتخر # وأمر حمزة لا يخفى على أحد ... ولا مكانته في الدين تفتقر # عم النبي وليث الحرب ما برحت ... تشقى بأسيافه الأعداء والجذر # ومدره البأس عباس وموقفه ... مستسقيا وغزالى السحب تنهمر # ساقي الحجيج وعم المصطفى وأبو ال ... أملاك تنبيك عنه الكتب والسير # وفي بنيه معاني المجد أجمعها ... قد قر في كل سمع عنهم خبر # وكل أبناء من حبرت مدحته ... له برود ثناء دونها الحبر # ولا كسبطي رسول الله من أحد ... وهل كفاطمة من صفها بشر # ومن دنت من رسول الله نسبته ... دنوها لهم لم يختطر خطر # وكل ذي رحم منه فإن له ... بذاك فخرا قواه ليس ينبتر # وسائر الصحب والأنصار أولهم ... أهل الثناء فهم آووا وهم نصروا PageV01P480 ~~أيامهم بيضت وجه النبي رضى ... وسودت أوجه القوم الألى كفروا # وإنهم لخيار فارع حقهم ... فسنة الحق ألا تهمل الخير # وانظم إلى سلك من تهدي الثناء له ... أزواجه فلهن الشأن والخطر # خديجة البرة العليا مكانتها ... وزيرة الصدق في الإسلام والوزر # وأم كل بنيه غير من ولدت ... عقيلة القبط أدى ذلك الأثر # وهي المحياة من جبريل مبشرة ... ببيت در فحمت عندها البشر # وبعدها ابنة أعلى الناس منزلة ... عند الرسول بما أعلاه مختبر # فتلك عائشة المشهور موضعها ... من حبه فاعذروها إن عرا أشر # وليس من شأنها لكن مكانتها ... حرى به ms206 فليزايل صدرك الوحر # علامة الدين أم المؤمنين متى ... يحضرنها العلم يضمن سبقها الحضر # وحفصة بنت فاروق الهدى فلها ... سعي من السر عند الله مدخر # صوامة ونهار الصيف محتدم ... قوامة والدجى مرخى لها الأزر # وكل أزواجه بالدين مشتمل ... وكلهن بتقوى الله مؤتزر # وكلهن لنا أم مباركة ... من كل من ضمت الأبيات والحجر # مباركات تولى الله معتليا ... تطهيرهن فهن الصون والطهر # وإن غدون احتقارا للحلى عطلا ... فخير زينتهن الدين والخفر # وما حلاهن بالأصواف مدركة ... وكل ما طال منها فهو مختصر # كذاك وصف الصحاب الغر تعجز عن ... أدناه ما نظموا منه وما نثروا PageV01P481 ~~فليس إلا الرضى عنهم وصدق هوى ... فيهم توفر عن إخلاصه العذر # وذكر ما ساعد الإمكان ذاكرة ... فالعجز من بعد بذل الجهد مغتفر # وليس عجز ولكن شأو حقهم ... شيء يقصر عنه الطول والقصر # فيا لساني وقلبي ما يعوذكما ... عما يحق لهم عي ولا حصر # أوتيتما حسن إدراك فلا تنيا ... واجريا لمدى باغيه مؤتجر # وبالغا إن ونى بعد المدى بكما ... في الاجتهاد فإعذار الفتى عذر # وأي عتب على من رام مجتهدا ... مثل الذي رمتما فاعتاقه قدر # خصا وعما عسى ألا يفوتكما ... من الصحابة لا أنثى ولا ذكر # وكررا وأعيدا أنتم فئة ... غيث الرضى مستهل كلما ذكروا # واستجزل الدخر من إخلاص حبك يا ... قلبي لهم فلنعم الزاد والدخر # وفي الدعاء رجاء لا يخيب ولا ... يغب مرتقب منه ومنتظر # فاصدع به يالساني ضارعا أبدا ... ففي الضراعة ما يقضى به الوطر # ويا إلهي أمتعني بحبهم ... حتى يعمر بي أحشاءه العفر # وجاز يا رب قلبي عن محبتهم ... عفوا يزودني إذ جد بي السفر # واصرف عنان اعتنائي نحو خدمة ما ... يرضيك عن زللي ما امتدبي العمر # كمل ما أسداه الفقيه العلم وألحمه، ويا حسن ما أنشأه ونظمه من الثناء ~~الجميل وتممه، ولقد سلك # سبيلا لا يعدم سالكه ثوابا، ولا يزداد من الله تعالى إلا دنوا واقترابا، ~~والله تعالى ينفعه بما قال، ويأ # جره كما أطنب في الثناء على من يحب وأطال، وكل ما ذكره من مناقب الرسول ms207 ~~عليه السلام # وأصحابه معلوم مشهور، وفي الكتب بالأسانيد الصحاح مذكور، وجاء بالعشرة ~~رضي الله عنهم على # النسق الواجب، في الأماكن من الفضل والمراتب، والسنن الذي اتفق عليه ~~الأئمة والعلماء المتقدمون # سرح هدي الأمة. PageV01P482 # قال الحافظ أبو عمر رحمه الله في كتاب (الصحابة): وقف جماعة من أئمة السلف ~~وأهل السنة في # علي وعثمان، فلم يفضلوا واحدا منهما على صاحبه، منهم مالك بن أنس ويحيى ~~بن سعيد القطان # وابن معين. وأهل السنة اليوم على تقديم أبي بكر في الفضل على عمر، وتقديم ~~عمر على عثمان، # وتقديم عثمان على علي، وعلى هذا جماعة أهل الحديث من زمن أحمد بن حنبل؛ ~~إلا خواص من # جلة الفقهاء، وأئمة العلماء، فإنهم على ما ذكرناه عن مالك ويحيى وابن ~~معين. فهذا ما بين أهل الفقه # والحديث في هذه المسألة، وهم أهل السنة. # قال: وكان يحيى بن معين يقول: من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعرف ~~لعلي سابقته # وفضله، فهو صاحب سنة. ومن قال أبو بكر وعمر وعلى وعثمان، وعرف لعثمان ~~سابقته وفضله، # فهو صاحب سنة. # قال يحيى بن معين: خلوت بأحمد بن حنبل على باب عثمان بن مسلم فقلت: ما ~~تقول؟ قال: أقول: # أبو بكر وعمر وعثمان. # وفي الحديث عن محمد بن طلحة عن أبي عبيدة بن الحكم عن الحكم بن جحل قال: ~~قال لي علي # رضي الله عنه: لا يفضلني أحد على PageV01P483 ~~أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري. وأنكر ابن معين قول من قال: # كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر، ثم عمر، ثم ~~عثمان، ثم # نسكت. وتكلم فيه بكلام غليظ، لأن القائل بذلك، قد قال بخلاف ما اجتمع ~~عليه أهل السنة من السلف # والخلف من أهل الفقه. والأثر أن عليا أفضل الناس بعد عثمان. هذا مما لم ~~يختلفوا فيه، وإنما اختلفوا # في تفضيل علي وعثمان. # وقول أبي الربيع: (وللزبير حواري النبي) البيت، هو أبو عبد الله الزبير ~~بن العوام بن خويلد بن # أسد ابن عبد العزيز بن قصي، ms208 وفي قصي يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه، ~~وهو حواريه، وابن # عمته صفية بنت عبد المطلب. # وقال عليه السلام: "الزبير ابن عمتي وحواري من أمتى". # وقال عليه السلام: "لكل نبي حواري وحواري الزبير" وسمع ابن عمر رجلا ~~يقول: أنا ابن الحواري # فقال: (إن كنت ابن الزبير وإلا فلا). # قال محمد بن السائب: # الحواري الخليل، وأنشد قول جرير: # أفبعد مقتلهم خليل محمد ... ترجو العيون مع الرسول سبيلا # رقال غيره، الحواري: الناصر، وأنشد: # ولكنه ألقى زمام قلوصه ... فيحيا كريما أو يموت حواريا PageV01P484 ~~وقال غيره: الحواري: الصاحب المستخلص. وقيل غير ذلك. # وأصل الحور في اللغة: شدة البياض. # وقوله: (ومل إلى الخال سعد) يعني سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن ~~وهب. وقيل: # وهب بن عبد مناف الزهري القرشي. # جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فجاء سعد فقال: # أنت خالي، وكان سعد مجاب الدعوة مشهورا بذلك، لأن النبي عيه السلام دعا ~~له وقال: "اللهم سدد # سهمه وأجب دعوته" وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وذلك في سرية عبيدة ~~بن الحارث. وفي # ذلك يقول سعد: # ألا هل جاء رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي # أذود بها عدوهم ذيادا ... بكل حزونة وبكل سهل # فما يعتد رام من معد ... بسهم مع رسول الله قبلي # ولما قتل عن راية المشركين من بني عبد الدار يوم أحد من قتل، أخذ اللواء ~~غلام لهم أسود، وكان # اللواء قد انتكس فنصبه العبد وبربر يسب. رماه سعد بسهم أصاب ثغرته، فسقط ~~العبد صريعا، فأقبل # أبو سفيان، وقال: من رداه من رداه؟ أي، من رماه، ومن أصابه. PageV01P485 # يقال: رديت الرجل، إذا رميته. وأكثر ما يستعمل رديت في رمي الحجارة. # وسعد والزبير جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه، فقال لكل واحد ~~منهما: "ارم فداك أبي # وأمي" وكان سعد بن أبي وقاص من القراء وكان يكنى أبا إسحاق. # وقوله: (ذاك الأمين ابن عوف) يعني عبد الرحمن بن ms209 عوف. روى عن رسول الله ~~صلى اله عليه # وسلم أنه قال: "عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء أمين في الأرض". وقال ~~فيه عبد الرحمن: سيد # من سادات المسلمين. وفي الحديث فيما روى ميمون بن مهران عن ابن عمر أن ~~عبد الرحمن ين # عوف قال لأصحاب الشورى، هل لكم أن أختار لكم، وأشفى منها؟ فقال علي رضي ~~الله عنه: أنا أول # من رضي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عيه وسلم يقول: "أنت أمين في أهل ~~السماء، أمين في # أهل الأرض". # ومناقبهم رضوان الله عليهم أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصى وتحصر، وهم ~~الأولياء الذين # طلقوا الدنيا ثلاثا، وتركوا أسباب زخارفها رثاثا. آيات فضلهم ظاهرة، ~~وأقمار شرفهم وسؤددهم نيرة # باهرة، ومراتبهم عالية، وأماكنهم هائلة، ورحمة الله عليهم متواترة ~~متوالية، رضي الله عنهم أجمعين. # وقال الوزير الأجل أبو عمرو بن غياث شيخنا في رثاء ابن لأحد أعيان بلدنا: # هذي المطالع أين بدري الساري ... أترى اعتراه مداره بسرار # أومل مطلعه فمال إلى الثرى ... يسري على فلك به دوار PageV01P486 ~~هيهات أعجله الأفول بأفقه ... إن الأفول لآفة الأقمار # يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار # لهفي عليك وقل لهفي أن أرى ... حيا وما غير البكاء شعار # ياموت كبدي قد أخذت ولم تدع ... إلا أنين الحزن تحت دثار # أقسمت لو أني بمقلة نائم ... ما إن أحست غير دمعي الجاري # بك كنت أبصر يا بني وها أنا ... أعمى وإني من ذوي الأبصار # بك كنت أسطو أو أصول على العدى ... في جنح ليل أو ضياء نهار # بك كنت منتصرا فما أسلمتني ... للنائبات ولا أضعت ذماري # لهفي عليك وتم لهفي دائما ... ضعفت قواي وبددت أنصاري # سلبتك عني النائبات بسرعة ... سلب النواظر من حمى الأشفار # كنت المهند حيث شمتك لم تزل ... في نصرتي أمضى من الأقدار # والسيف مهما شيم رد لغمده ... معنى الغمود صيانه الأشفار # إن تعذلوني لست أول واله ... أو تعذروني قد بدت أعذاري # إن كنت معترفا فمن حكم الأسى ... أو كنت أنكر ms210 لم يفد إنكاري # لو كان دمعي قدر بعض تفجعي ... أغنى الورى عن وابل الأمطار # ياأيها المغتر من أيامه ... دار انقلاب صروفها بك دار # لاتخدعنك بوارق من أفقها ... وحذارمنها ما استطعت حذار # لا تخدعنك من الزمان مسرة ... خلق الزمان مساءة الأحرار # وإليك يا دنيا فلست بغافل ... عما جرى لبنيك أو هو جار # أجهلت ما تطوى عليه بذي الورى ... أو ما دريت بأنني بك دار # كم كدت من أهل العلوم وغيرهم ... حتى من الرهبان والأحبار PageV01P487 ~~وفتكت بالأبطال دون أسنة ... وقواضب فتكات ليث ضار # وإذا قتلت بلا قتال لم يفد ... كسب المهند والقنا الخطار # دار الفناء نعدها لبقائنا ... عين المحال بقاء هذي الدار # دار الرحيل نعدها لقرارنا ... كيف القرار بغير دار قرار # مكارة غرارة غدارة ... وثابة سلابة الأعمار # أكالة أبناءها قتالة ... من غير خوف مطالب بالثار # دراكة الأوطار من مطلوبها ... قد أمنت من طالب الأوتار # إن أقبلت فلترتقب إدبارها ... لا بد للإقبال من إدبار # أو أوردت فلترتقب إصدارها ... لا بد للإيراد من إصدار # وإذا صفت حينا تشوف صفاءها ... للحين بالأقداروالأكدار # إسكندر طوافها جوابها ... فتكت به وبجيشه الجرار # جيش يظل به الفضاء معضلا ... ترك الإكام كأنهن صحار # أين الفراعنة الذين تمردوا ... وتجبروا سفها على الجبار # أين الذين إلى الرياح تعرضوا ... صاروا لنا خبرا من الأخبار # عصفت عليهم للمنون عواصف ... نقلتهم منها لدار بوار # وهذه القصيدة طويلة، ذكربها أسماء أفناهم الملوان، وأخلق جديدهم ~~الجديدان، وعفت آثارهم خطوب # الأزمان، ولا يبقى على الخدمان، إلا القائم الدائم الواحد المنان، وكل ~~شيء بعده فمنقطع وفان. # وقوله: # يا كوكبا ما كان أقصر عمره PageV01P488 ~~البيت بكماله لأبي الحسن التهامي. # وقوله: # جيش يظل به الفضاء # البيت بكماله للنابغة الذبياني. # وقال أيضا: # رجاء كان فانقطع الرجاء ... وللأشياء حد وانتهاء # إذا سبق القضاء فلا مرد ... لما فينا به سبق القضاء # يريد المرء أن يوتى مناه ... ويأبى الله إلا ما يشاء # فلا تغتر بالدنيا وذرها ... فعقباها وعقبانا فناء # إذا ما افتر عن أمل صباح ... فراقب مابه يأتي المساء # فيا مغرور إن أثرى تنبه ... فما ms211 تحت الثرى يعني الثواء # ويا مغرور بالفاني بعز ... يسوم الذل حيث هو البقاء # سيفنى كل مخلوق سريعا ... فلا يبقى الخلاء ولا الملاء # ألا يا موت حسبك لم تدع لي ... بما يقوى به عندي العزاء # سلبت الروح عن جسم ضعيف ... فأين الرفق أو أين الحياء # إذا لم ترث يوما للثكالى ... بدت منك القساوة والجفاء # ألاهل مبلغ مني سلاما ... يهب مع الرياح به رخاء PageV01P489 ~~إلى القبر الذي في كل حين ... يطوف به المكارم والعلاء # إلى شخص إذا أنصفت فيه ... فقل فضل الرجال به النساء # أسامعة نداي إذا أنادي ... شقيت وخبت إن خاب النداء # دعوت وما أرى لك من جواب ... أينبو عن مسامعك الدعاء # بكتك إذا عدمت الأنس حتى ... بكت لي الأرض حزنا والسماء # وكادت شهبهاتنقض ثكلى ... لتبكيني وأدمعها دماء # فكم أخفيت حبك في ضميري ... وأما الآن قد برح الخفاء # ولو يجدي البكاء عليك شيئا ... لكان لكل جارحة بكاء # ولو تفدى من الدنيا بشيء ... لقل بما حوته لها الفداء # ولو وقيت بشيء من رداها ... لدامت والنفوس لها وقاء # ومنها: # فليتك في محلك من فؤادي ... دفنت ولا يطول بي الشقاء # وإلا في سواد العين مني ... فعيني فيك أو قلبي سواء # فإنك قد ثويتهما زمانا ... وليت يدوم بينهما الثواء # ومنها: # عجبت لهالة عجلت أفولا ... وكم عن ..... # فيا بعضي فقدت الكل مني ... وهل للبعض عن كل بقاء # سأدعو الله في سر وجهر ... محلك حيث حل الأولياء PageV01P490 ~~ونفسي سوف تقضى عن قريب ... وليس لحزنها فيك انقضاء # قوله: # يريد المرء أن يوتى مناه # البيت بكماله لأبي الدرداء عويمر بن عامر وقيل ابن قيس الأنصاري رحمه ~~الله، روى من حديث # ابن عيينة، ومن حديث إسماعيل بن عباس أيضا، أنه قيل لأبي الدرداء: مالك ~~لا تقول الشعر، وكل # لبيب من الأنصار قال الشعر. قال: وأنا قد قلت شعرا. فقيل: وما هو فقال: # يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبي الله إلا ما أرادا # يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما استفادا # كذا قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيره. ms212 # وقال الوزير أبو عمرو أيضا: # سحوا دموعكم وإلا كفكفوا ... فالمجد يبكي والمكارم تهتف # والحزن جل كأنما هذا الورى ... يعقوب والمفقود منه يوسف # رزء عظيم حل حتى إنه ... لوقوعه اهتز المقام الأشرف # ياكوكبا أو يا هلالا اطفأت ... أنواره ريح ولكن حرجف PageV01P491 ~~هل تكسف الأقمار غير كوامل ... أعلمتم أن الأهلة تكسف # بكت السماء لفقده ونجومها ... والأرض قد كادت تميد وترجف # ونعته إذ سمعت به أم القرى ... وبكى الحطيم وزمزم ومعرف # والعالم الأعلى يطيب بقبره ... وعليه أفواج المعالي عكف # عجبا لقبر حل منه ضريحه ... أن ليس ينبت في ثراه الزخرف # لو كان بالدنيا الذي بي أصبحت ... منها المعالم وهي قاع صفصف # ياليتهم دفنوه بين جوانحي ... تسقيه فيها سحب دمعي الوكف # أو ليس أهل الأرض طرا أثكلوا ... فجفونهم أبدا نجيعا تذرف # سكان أحناء الجوانح ربعكم ... منكم خلاء والأسى مستخلف # عيناي أفقدني الردى إحداهما ... أو ليست الأخرى لدمعي تضعف # ويداي أفقدني الردى يمناهما ... وليست الأخرى ... تعطف # والقصيد طويل، ولفظه لفظ جزيل، ومعناه معنى جليل، والنظير في مساقه نزر ~~قليل. وكلام الوزير # الأجل كله رفيع، ومنحاه بديع، يحل من القلوب في صميمها، ويزين العيون ~~بهجة بأزاهر آداب حياة # النفوس في نسيمها، كثيرا ما يأتي بالمبدعات، ويبرز من خاطره أنواع ~~المعجزات، حتى كان ما أنزل # على الملكين أو مرتبط في مجاج أقلامه. # وفي رثاء أحد الأعيان يقول أبو الحسن بن عطية رحمه الله: # كذبت ظنونك ما العزاء جميلا ... أو ما رأيت دم العلا مطلولا PageV01P492 ~~هذا جواد أبي شجاع مخبرا ... أن الجواد انقض منه قتيلا # ولطالما لبس الدروع غلائلا ... ولطالما جر الرماح ذيولا # وسرى إلى الغارات وهي كتيبة ... ملء الفضاء فوارسا وخيولا # واستقبل الزمن البهيم فلم تزل ... أيامه غررا به وحجولا # حتى استفاض عليه بحر حمامه ... يربد فيه أسنة ونصولا # في مأزق ضنك المسالك رتلت ... فيه الظبى سور الردى ترتيلا # حام الكماة فكر كرة ضيغم ... لم يرض إلا السمهرية غيلا # لبس الشهادة حلة حمراء من ... علق تعم السامري فضولا # يا شد ما اتخذ المنية خلة ... من بعد ما ms213 اتخذ الحسام خليلا # وأجال عادية الجياد محاربا ... وأذال أعناق التلادمنيلا # يا راحلا ركب الحمام مطية ... هل ترتجي بعد الرحيل قفولا # غادرت معمور المكارم بلقعا ... وتركت ربع المعلوات محيلا # إن كنت ودعت الحياة فإنما ... ودعت داء في القلوب دخيلا # إن كان واراك الصفيح فإنما ... وارى رقيق الشفرتين صقيلا # أزرى به طول الضراب وغادرت ... في مضربيه الحادثات فلولا # أما الأنام عيونهم وقلوبهم ... فلقد ملئن مدامعا وغليلا # عندي حديث عن وجيب ضلوعهم ... لو كنت تصغي للحديث قليلا # لم تبق من نطف المدامع قطرة ... إلا وراح مصونها مبذولا PageV01P493 ~~مازلت صبا بالشهادة في الوغى ... حتى وجدت إلى الوصال سبيلا # فبكى الحصان الأعوجي تحمحما ... والهند واني الجراز صليلا # واغرورقت عين السماء وربما ... رفعت كواكبها عليك عويلا # وتغير الصبح المنير فخلته ... مما تسربل بالشحوب أصيلا # ياحسرة نفت الرقاد وأطلعت ... للشيب في رأس الوليد نصولا # ما كان أجدرنا لمصرع أرقم ... أن تغتدي بي حيث حل حلولا # أببعده نبغي الحياة إذن فلا ... نقع م البكا منا عليه غليلا # قل للمؤمل كف عن شأو المنى ... رمت المنون فأصمت المأمولا # واهتف بمن ركب السرى نسرا فما ... تجدي السرى بعد الوزير فتيلا # خلع ابن لبون ثياب حياته ... فاخلع وجيفا بعده وذميلا # يا حامليه إلى الثرى رفقا به ... فالمجد أصبح للثرى محمولا # خضوا به قلبي الشجي لفقده ... ولتجعلوه من الضريح بديلا # أو فاكفليه يا سماء فإنه ... مااعتاد نجم في سواك أفولا # كان الشهاب المستضيء فلم ينب ... عن نوره نور السماك دليلا PageV01P494 ~~كان الغمام المستهل فما لنا ... نشكو وإن همت السحاب محولا # عظم المصاب وقد أصيب بمعرك ... أخذت به منه العداة ذحولا # والرزء ليس يحل أو يلفي الذي ... أصماه سهم الحادثات جليلا # أين الذي هدمت صوارمه الطلى ... وغدا بتشييد العلاء كفيلا # أين الذي ملكت حلاه نواظرا ... ومسامعا وقرائحا وعقولا # وسرى فسمينا النجوم حبا حبا ... وحبا فسمينا الغمام بخيلا # من ذا يسد مكانه في غارة ... تركت سوابقها الحزون سهولا # أم من ينوب منابه لحوادث ... تذر العزيز بحكمهن ذليلا # أو لم يكن يغشى الحروب منازلا ... فيشبها ms214 بحسامه مسلولا # أو ما غدا بجياده فتبخترت ... مرحا ورجعت الغناء صهيلا # ما باله نبذ السوابح والقنا ... وأقام عن شغل بها مشغولا # ما باله ترك الجفون سحائبا ... ما باله ترك الجسوم طلولا # يا دهر أما غلت منه مثقفا ... لدن المهز وصارما مصقولا # يا قبر كيف وسعت منه سحابة ... وطفاء ساجية الذيول هطولا # قد زرت موضع قبره فكأنما ... قابلت منه روضة وقبولا # ونشرت حر ثنائه فكأنما ... عاطيت منه السامعين شمولا PageV01P495 ~~ما راعنا موت الوزير فلم يزل ... حيا لمن يتأول التنزيلا # لكن جزعنا للفراق وقد نوى ... عنا إلى دار القرار رحيلا # الله أنزله الجنان ومد من ... رضوانه ظلا عليه ظليلا # وقال أبو الحسن أيضا: # ألا يا واقفا بي عند قبري ... سل الأجداث عن صرف الليالي # وعن حالي فإن عيت جوابا ... فعبرتها تجيب أخا السؤال # لئن شمت العدو بنا فمهلا ... سينقل للصفائح كانتقالي # وأي شماتة في ترك دنيا ... لذي أمل رأى عنها ارتحال # وكنت أقيم بين الناس فيها ... فصرت إلى المهيمن ذي الجلال # ومعنى هذه القطعة من قول الحصري في ابنه: # لا يشمتن الأعادي ... فليس بالموت عار # لا الياسمين المندى ... يبقى ولا الجلنار # وقال أبو الحسن أيضا: PageV01P496 # أإخواننا والموت قد حال بيننا ... وللموت حكم نافذ في الخلائق # سبقتكم للحين والعمر حلبة ... وأعلم أن الكل لا بد لا حقي # بعيشكم أو با ضطجاعي في الثرى ... ألم يك في حلو من الود رائق # فمن مر بي فليمض بي مترحما ... ولا يك منسيا وفاء الأصادق # وقال أبو الحسن أيضا: # بيني وبين الحادثات خصام ... فيما جنته على العلا الأيام # كسفت هلال سمائها من بعدما ... وافاه من كرم الخلال تمام # ورمت قضيب رياضها بتقصف ... غضا سقاه من الشباب غمام # فاليوم بستان المكارم ما حل ... واليوم نور المعلوات ظلام # رامت صروف الحادثات فأدركت ... من كان لم يبعد عليه مرام # أودت بمهجته الليالي بعدما ... فخرت به الأسياف والأقلام # وغدا وراح المجد ذا ثقة به ... أن يردع الأحداث وهي جسام # وبدت عليه من حلاه شمائل ... لا تهتدي لنعوتها الأوهام # كالروض لما دبجته ms215 غمامة ... والمسك لما فض عنه ختام # ناحت عليه الشهب وهي عوابس ... وبكى عليه الغيم وهو جهام # وانجاب ظل الأنس فهو مقلص ... وامتد ليل الخطب فهو تمام # واربد نور الشمس في رأد الضحى ... حتى استوى الإشراق والإظلام PageV01P497 ~~ما للمدامع لا يطل بها الثرى ... والسادة الكبراء فيه نيام # أكذا يباد حلاحل ومهذب ... أكذا يقال مسود وهمام # تعس الزمان فإنما أيامه ... ومقامنا في ظلها أحلام # لترى الديار وهن بعد أنيسها ... درس المعالم والجسوم رمامن # والنسر مقتنص بأشراك الردى ... وبنات نعش في الدجى أيتام # بأبي قتيل قاتل حسن العزا ... مذ أقصدته من المنون سهام # غدرت به أم اللهيم وطالما ... فل الخميس المجر وهو لهام # وأبى له إلا الشهادة ربه ... ومضاؤه والبأس والإقدام # يا عين شانك والمدامع فاسجمي ... ولتعلمي أن الهجوع حرام # إن الذي كان الرجاء مشيدا ... بوفائه غدرت به الأيام # فتك الردى بأبي شجاع فتكة ... زلت لها رضوى وخر شمام # فقدت لها الآداب والألباب ... والأحساب والإسراج والإلجام # بدر وليث أقفرت من نوره ... وآبائه الهالات والآجام # ندبته أبكار الحروب وعونها ... وبكاه حزب الله والإسلام # أي السيوف قضى عليه وبينه ... قدما وبين ظبا السيوف ذمام PageV01P498 ~~وبأي لحد أو دعوه وإنه ... ماقط أودع في الضريح حسام # ما كان إلا التبر أخلص سبكه ... فاسترجعته تربة ورغام # يا حامليه قفوا علينا وقفة ... يشفى بها قبل الوداع هيام # ردوا ولي الله حتى نشتفي ... من أروع شفيت به الآلام # لا تسلموه إلى الثرى فلسيفه ... مذ كان من أعدائه استسلام # ولتدفنوه في الجوانح والحشا ... إن كان يقنعه بهن مقام # واستنشقوا لثنائه عرفا كما ... ينحط عن نفس الصباح لثام # أعزز علي بزهرة مطلولة ... أمست ولا غير الضريح كمام # أعزز علي بضيغم ذي سطوة ... أجماته بعد الرماح رجام # إن كان أفنته الحروب فشدما ... فنيت بمنصله الطلى والهام # أوراح مهجور الفناء فطالما ... هجرت به أرواحها الأجسام # أمضرجا بد مائه هي ميتة ... وقف عليها السيد القمقام # البأس والإقدام أو ردك الردى ... إن كان أنجى غيرك الإحجام PageV01P499 ~~قد كنت في ذاك المقام مخيرا ... لكن ثبت وزلت الأقدام ms216 # لم تلف فيه سوى الفرارأو الردى ... فاخترت صرف الموت وهو زؤام # فأبت لك الذم المكارم والعلا ... والسمهري اللدن والصمصام # الليل بعدك سرمد لا ينقضي ... فكأنما ساعاته أعوام # والأنس غم والسرور كآبة ... والنوم سهد والحياة حمام # لمن اطرحت المجد وهو كأنه ... طلل تعفيه صبا وغمام # ولمن تركت الصافنات كأنها ... موسومة باللؤم وهي كرام # ولقد عهدتك كوكبا أبراجه ... جرد المذاكي والسماء قتام # وعهدت سيفك جدولا في ورده ... يوم الكريهة للنفوس زمام # بكت السوابق من تسمى أرقما ... والحرب سلم إنه ضرغام # زفرت لموت أبي شجاع زفرة ... لم يبق ساعتها لهن حزام # عمت رزيته القلوب فكلها ... كأس وأنواع الهموم مدام # كثر العويل عليه يوم نعيه ... حتى كأن العالمين حمام # وحكت دموع الغانيات عقودها ... لو لم يكن لعقودهن نظام # يا حاملين النعش أين جياده ... يا ملبسيه الترب أين اللام # أين السماحة والفصاحة والنهى ... منه وأين الجود والإكرام PageV01P500 ~~أضحى لعمر الله دون جلاله ... ستر من الأجداث ليس يرام # أأبا شجاع إن حجبت بربوة ... فالزهر منبته ربى وأكام # قم تبصر الخفرات حولك حسرا ... إن كان يمكنك الغداة قيام # واسمع عويل بكائها فلقد بكت ... لبكائها الأصواء والأعلام # ضجت لمصرعك النوادب ضجة ... سدت مسامعها لها الأيام # أبشر بدار الخلد منك بموعد ... واهنأ ففيها غبطة ودوام # مر الغمام على ثراك محييا ... فعلى الغمام تحية وسلام # هاهنا كمل الباب بعون الله وتأييده. PageV01P501 ### | AUTO الباب الثالث: في حكايات حسان وأخبار ملوك وأعيان # قال أبو اسحاق: وقد جمعت في هذا الباب جملة من حكايات مستغربة، مشتملة ~~على أخبار مستعذبة، تضمنت محاسن # أعيان وملوك، تحلت أزمانهم من فضائلهم بقلائد وسلوك. عمروا أندية النشوة، ~~وارتشفوا ثغور # الأماني عذبة حلوة، في عز متصل الإقبال، وسعد مبين الأسباب والحبال، ~~وقمعوا الطغاة والعدى، # وأحيوا مامات من البذل، والندى، وتشمروا نحو الوغى، وأظهروا سنن الهدى، ~~واسترخصوا الحمد # بالثمن الغالي، ونالوا العلى والمعالي. ففي تلك الشيم والشمائل يحسن قول ~~القائل: # يا أيها التالي كتاب محاسن ... هو ذلك القصص المعلى فاقصص # وكان للأدب في أيامهم نفاق، ولأهله رواء وإشراق، أنا لوهم ms217 المبرة ~~والإكرام، وأفاضوا عليهم سوابغ # النعم والإنعام، وقلدوهم بعض الأمور، فأقاموا في أوانهم في ثروة بر ~~وحبور، فنظموا أسلاك القريض # من مدائحهم، ونشر مفاخرهم، ودونوا حسن سيرهم وآثارهم. # حكى الوزير الكاتب أبو المغيرة بن حزم عن نفسه. قال: PageV02P505 # نادمت المنصور بن أبي عامر في منية # السرور الجامعة بين روضة وغدير، فلما تضمخ النهار بزعفران العشي، ورفرف ~~غراب الليل # الدجوجي، وأسبل الليل جنحه، وتقلد السماك رمحه، وهم النسر بالطيران، وعام ~~في بحر الأفق زورق # الدبران، أو قدنا مصابيح الراح واشتملنا ملاء الارتياح، وللدجن فوقنا ~~رواق مضروب، غنتنا عند # ذلك جارية من جواريه تسمى أنس القلوب: # قدم الليل عند سير النهار ... وبد البدر مثل نصف سوار # فكأن النهار صفحة خد ... وكأن الظلام خط عذار # وكأن الكؤوس جامد ماء ... وكأن المدام ذائب نار # نظري قد جنى علي ذنوبا ... كيف مما جنته عيني اعتذاري # يالقومي تعجبوا من غزال ... جائر في محبتي وهو جاري # ليت لو كان لي إليه سبيل ... فأقضي من حبه أو طاري # قال: فلما أكملت الغناء، أحسست بالمعنى فقلت: # كيف كيف الوصول للأقمار ... بين سمر القنا وبيض الشفار # لو علمنا بأن حبك حق ... لطلبنا الحياة منك بثار # وإذا ما الكرام هموا بشىء ... خاطروا بالنفوس في الأخطار # قال: فعند ذلك بادر المنصور إلى حسامه، وغلظ في كلامه، وقال لها، قولي ~~واصدقي إلى من # تشيرين بهذا الحنين والتشوق. فقالت الجارية: إن كان الكذب أنجى فالصدق ~~أولى وأحرى. والله ما # كانت إلا نظرة ولدت في القلب فكرة فتكلم الحب على لساني، وبرح الوجد ~~بكتماني، والعفو مضمون PageV02P506 ~~عنك عند المقدرة، والصفح معلوم منك عند المعذرة، ثم بكت، فكأن دمعها در ~~تناثر من عقد، أوطل # تساقط من ورد، وأنشدت: # أذنبت ذنبا عظيما ... فكيف منه اعتذاري # والله قدر هذا ... ولم يكن باختياري # والعفو أحسن شيء ... يكون عند اقتدار # قال: فعند ذلك صرف المنصور وجه الغضب إلي، وسل سيف السخط علي. فقلت: أيدك ~~الله، إنما # كانت هفوة جرها القدر، وصفوة ولدها النظر، وليس للمرء إلا ما قدر له لا ms218 ~~ما اختاره وأمله. فأطرق # المنصور قليلا، ثم عفا وصفح، وتجاوز عنا وسمح، وخلى سبيلي، فسكن وجيب ~~قلبي وغليلي، # ووهب الجارية لي، فبتنا بأنعم ليلة وسحبنا فيها للصبا ذيله، فلما شمر ~~الليل غدائره، وسل الفجر # بواتره، وتجاوبت الأطيار بضروب الألحان، في أعالي الأغصان، انصرفت ~~بالجارية إلى منزلي، # وتكامل سروري وجذلي. # قول الجارية: # وبدا البدر مثل نصف سوار # من قول الأمير تميم بن المعز: # وانجلى الغيم عن هلال تبدى ... في يد الأفق مثل نصف سوار # وقول أبي المغيرة: # وإذا ما الكرام هموا بشيء # البيت. PageV02P507 # أخذه ابن الزقاق فقال: # وأحمد الناس في الصبابة من ... جل أمانيه في غوائله # وأول هذه الأبيات: # أقبل يختال في غلائله ... ويشتكي الظلم من خلاخله # مهفهف الخصر غير مفعمه ... مطوق الجيد غير عاطله # يحمل زهر النجوم وهو رشا ... منابت الزهر من خمائله # تتبعه الريح حيث سار وقد ... هامت برياه أو شمائله # فتلثم الترب من مواطئه ... أو أثر المسك من ذلاذله # بت به ليتني قتيل هوى ... لا يتمنى بغير قاتله # (وأحمد الناس) البيت. وقول الجارية في القطعة الثانية: (والعفو أحسن ~~شيء)، معناه واضح. # ومنه قول أبي يحيى بن صمادح: # مالي وللبدر لم يسمح برؤيته ... لعله ترك الإجمال أو هجرا # إن كان ذلك لذنب ما شعرت به ... فأكرم الناس من يعفو إذا قدرا # وفي العفو قالت الحكماء: (أولى الناس بالعفو أقدرهم عليه). PageV02P508 # وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلي ~~عقل، ومن عفو # إلى قدرة). # وقال رجل مذنب للمنصور، وقد سخط عليه: ذنبي أعظم من نقمتك علي، وعفوك ~~أعظم من ذنبي، # فرضي عنه. # وقال له رجل آخر، قد استوجب العقاب، وهو قد مثل بين يديه: الإنتقام عدل، ~~والتجاوز فضل، # ونحن نعيذ أمير المومنين بالله، أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، دون أن ~~يبلغ أرفع الدرجتين. # وقال له آخر في المعنى: إن عاقبت جزيت، وإن عفوت أحسنت. # والعفو أقرب للتقوى. # ونظم الشاعر هذا المعنى فقال: # فإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة ms219 في الأجر # وقال الآخر أيضا في المعنى: # إن كان جرمي قد أحاط بحرمتي ... فأحط بجرمي عفوك المأمولا # ومن أناشيد أبي عبد الله محمد بن الحسين النيسابوري في كتاب (أدب ~~الصحبة). PageV02P509 # قال: أنشدني ابن أبي زائدة عن أبيه المنصور: # أذنبت ذنبا عظيما ... وأنت أعظم منه # فجد بحلمك أولا ... فاصفح بعفوك عنه # إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه # وأنشد فيه أيضا: # هبني أسأت كما تقو ... ل فأين عاقبة الأخوه # إذا أسأت كما أسأ ... ت فأين فضلك والمروه # وأنشد فيه أيضا: # قيل لي قد أسا إليك فلان ... ومقام الفتى على الذل عار # قلت قد جاءنا وأحدث عذرا ... دية الذنب عندنا الإعتذار # وأنشد فيه أيضا: # اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا PageV02P510 ~~لقد أطاعك من أرضاك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا # ولما أسر معاوية جميل بن كعب ومثل بين يديه قال: الحمد لله الذي أمكنني ~~منك. ألست القائل يوم # الجمل: # أصبحت الأمة في أمر عجب ... والملك مجموع غدا لمن غلب # فقلت قولا صادقا غير كذب ... إن غدا تهلك أعلام العرب # قال: لا تقل ذلك فإنها مصيبة. قال له معاوية: وأي نعمة أكبرمن أن يكون ~~الله قد أمكنني من رجل، # وأظفرني برجل قتل في ساعة واحدة عدة من حماة أصحابي. آضربوا عنقه. فقال: ~~اللهم اشهد أن # معاوية لم يقتلني فيك ولا لأنك ترضى قتلي على حطام الدنيا؛ فإن فعل فافعل ~~به ما هو أهله؛ وإن لم # يفعل، فافعل به ما أنت أهله. فقال معاوية: قاتلك الله لقد سببت فأبلغت في ~~السب، ودعوت فبالغت في # الدعاء. ثم أمر به فأطلق. # وتمثل معاوية بأبيات للنعمان بن المنذر ولم يقل النعمان غيرها فيما ذكر ~~ابن الكلبي وهي: # تعفو الملوك عن الجلي ... ل من الذنوب لفضلها PageV02P511 ~~ولقد تعاقب في اليسي ... ر وليس ذاك لجهلها # الا ليعرف فضلها ... ويخاف شدة نكلها # وما أحسن قول يحيى بن المبارك العدوي القارئ المعروف باليزيدي في هذا ~~المعنى يعتذر للمأمون: # أنا المذنب الخطاء والعفو واسع ... ولو ms220 لم يكن ذنب لما عرف العفو # سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما ... كرهت وما إن يستوي السكر والصحو # تنصلت من ذنبي تنصل ضارع ... إلى من لديه يغفر العمد والسهو # فإن تعف عني كان خطوي واسعا ... وإن لم يكن عفو فقد قصر الخطو # ولما أدخل إبراهيم المهدي على المأمون وهو في زي امرأة ومعه، امرأتان، ~~قال له المأمون: هيه يا # إبراهيم. فقال: يا أمير المومنين، ولي الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب ~~للتقوى، ومن ناوله # الزمان فاستولى عليه الاغترار بما مد له في أسباب الشقاء، أمكن عادية ~~الدهر من نفسه، وقد جعلك # الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف ~~فبفضلك. # قال المأمون: بل العفو يا إبراهيم فكبر ثم خر ساجدا. فأمر المأمون ~~بالمقنعة فصيرت على صدره # ليرى الناس الحال التي أخذ عليها. ثم قال إبراهيم بعد ذلك قصيدة يشكر ~~فيها للمأمون صنعه به. # يقول فيها: PageV02P512 # إن الذي قسم المكارم كلها ... من صلب آدم للإمام الشافع # جمع القلوب عليك جامع أهلها ... وحوى ودادك كل خير جامع # فبذلت أعظم ما يقوم بحمله ... وسع النفوس من الفعال البارع # وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع # قول المأمون: (هيه يا إبراهيم) هي كلمة يستفهم بها من أراد أن يشار عليه ~~برأي، أو أمر، وهي # مبنية على السكون. وقد تكلم بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # وقال يعقوب: تقول للرجل، إذا استزدته من عمل أو حديث: إيه. فإن وصلت قلت: ~~إيه حدثنا. يعني: # إيه بالتنوين. وقال ذو الرمة: # وقفنا فقلنا إيه عن أم سالم ... وما بال تكليم الديار البلاقع # فجاء بغير تنوين في الأصل لأنه نوى الوقف. وإذا أسكته أو كففته أو أغريته ~~بالشيء قلت: إيها يا # فلان، فإذا تعجبت من حسن الشيء أو من طيبه: واها له ما أطيبه. # قال أبو النجم: # واها لريا ثم واها واها PageV02P513 ~~ثم قال أبو النجم: # واها لسلمى ثم واها واها ... هي المنى لو أننا قلناها ms221 # يا ليت عيناها لنا وفاها ... بثمن رضي به أباها # وكلها على لفظ واحد، في الواحد والاثنين والحمع والتأنيث. قاله أبو حاتم وغيره. # وقول إبراهيم (أمكن عادية الدهر من نفسه). عادية الدهر: شيء يقال له: كف ~~عنا يا فلان عاديتك، # وهو ما عداك من المكروه. قال أبو تمام: # مالي بعادية الأيام من قبل ... لم يثن قيد النوى كيدي ولا حيلي # والعادية شغل من أشغال الدهر يعدوك من أمر؛ أي يشغلك. قال علقمة: # تكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب # أراد فاعلت، فحذف الألف لا لتقاء الساكنين، فلذاك قال عواد. ولولا ذلك ~~لقال عوائد. # وقال زهير: # فصرم حبلها إذ صرمته ... وعادك أن تلاقيها عداء # أي شغل. ويروى: (وعادى أن تلاقيها). PageV02P514 # ودخل إبراهيم بن المهدي يوما علي المأمون بعد مدة من الظفربه، وللعفو عنه، ~~فقال له المأمون: إن # هذين قد حملاني علي قتلك. وأشار إلى المعتصم وإلي العباس بن المأمون. ~~فقال: ياأمير المومنين ما # أشارا عليك إلا بما يشار به على قتلك ولكن تدع ما تخاف بما ترجو. # وأنشد: # رددت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي # فبؤت منك وما كافيتها بيد ... هما حياتان من موت ومن عدم # البر بي منك وطا العذر عندك ... لي فيما أتيت فلم تعذر، ولم تلم # وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم # وقرأت هذه الأبيات في (النوادر) على خلاف هذه الحكاية، وهي: # رددت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي # فأبت منك وما كافأتها بيد ... هما الحياتان من وفر ومن عدم # وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم PageV02P515 ~~فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي # ما كان ذاك سوى عارية رجعت ... اليك لو لم تهبها كنت لم تلم # ومما اعتذر به أبو الوليد بن زيدون إلى ابن جهور فصل يقول فيه. # يامولاي الذي ودادي له، واعتدادي به، واعتمادي عليه، أبقاك الله ماضي حد ~~الغرار، ms222 واري زند # الأمل، ثابث عهد النعمة، إن سلبتني - أعزك الله - لباس إنعامك، وعطلتني ~~من حلي إيناسك، # وغضضت مني طرف حمايتك، بعد أن نظر الأعمي إلي تأميلي لك، وسمع الأصم ~~ثنائي عليك، # وأحس الجمادي بإسنادي إليك. فلا غرو، فقد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء ~~المشتفى به، (ويؤتى # الحذر من مأمنه)، وإني لأتجلد فأقول: هل أنا إلا يد ادماها سوارها، وجبين ~~عضه إكليله، ومشرفي # ألصقه بالأرض صاقله، وسمهري عرضه على النار مثنيه. (والغيث محمود ~~عواقبه)، والنبوة PageV02P516 ~~غمرة ثم تنجلي، والنكبة: (سحابة صيف عن قريب تقشع) وسيدي إن أبطأ معذور: # وإن يكن الفعل الذي شاء واحدا ... فأفعاله التي تروق ألوف # فيا ليت شعري ما الذنب الذي أذنبت، ولم يسعه عفوك، ولست أخلو من أن أكون ~~بريئا. فأين العدل؟ # أو مسيئا فأين الفضل؟ لو أنني أمرت بالسجود لآدم فأبيت، وعكفت على العجل، ~~واعتديت في # السبت، وتعاطيت فعقرت، وشربت من النهر الذي ابتلى به جنود طالوت، وقدت ~~الفيل لأبرهة، # وعاهدت قريشا على ما في الصحيفة، وتأولت في بيعة العقبة، ونفرت إلى العير ~~ببدر، وانعزلت # لثلث الناس يوم أحد، وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة PageV02P517 ~~وأنفت من إمارة أسامة، وزعمت أن خلافة الدين فلتة ورويت رمحي من كتيبة ~~خالد) وضحيت بالأشمط الذي عنوان السجود به، لكان فيما # جرى علي ما يسومني نكالا، ويدعني ولو على المجاز عقالا: # وحسبك من حادث بامرئ ... يرى حاسديه له راحيمنا # فكيف ولا ذنب لي إلا نميمة أهداها كاشح، ونبأ جاء به فاسق. ووالله ما ~~غششتك بعد النصيحة، ولا # انحرفت عنك بعد الصاغية. ففيم عبث الجفاء بأذمتي؟ وعاث في مودتي؟ وإني ~~غلبني المغلب، وفخر # علي الضعيف (ولطمني غير ذات السوار) ومالك لا تمنعني قبل أن أفترس، ~~وتدركني ولما أمزق. # وقد زانني اسم خدمتك، وأبليت الجميل في سماطك، وقمت المقام المحمود على بساطك: PageV02P518 # ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما # والفضل كثير، وقد جئت منه باليسير. # والعفو عن المذنب: ترك عقوبته. # وأصل العفو في اللغة هو ما سهل ms223 وزاد. وفي كتاب الله تعالى (فمن عفي له من ~~أخيه شيء) أي # يسر. وفيه (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) أي ما فضل وزاد. # قال أبو اسحاق: # وذكرت بحكاية أبي المغيرة، حكاية قرأتها في النوادر # لأبي علي البغدادي، حذت في المطرف حذوها، وزهت بالإغراب زهوها. # حدث أبو علي بسند عن منصور البرمكي قال: كان لهارون الرشيد جارية غلامية، ~~يعني وصيفة في # قد الغلام، وكان المأمون يميل إليها، وهو إذ ذاك أمرد، فوقفت يوما تصب ~~على يد الرشيد من إبريق # معها، والمامون جالس خلف الرشيد، فأشار إليها يقبلها، فأنكرت ذلك بعينها، ~~وأبطأت في الصب، # على قدر نظرها إلى المأمون واشارتها إليه. فقال الرشيد: ماهذا. ضعي ~~الإبريق من يدك. ففعلت. # فقال: والله لئن لم تصدقيني لأقتلنك. فقالت: ياسيدي أشار PageV02P519 ~~إلي عبد الله كأنه يقبلني فأنكرت ذلك، فالتفت إلى المأمون فنظر إليه كأنه ~~ميت لما دخله من الجزع والخجل، # فرحمه وضمه إليه وقال: يا عبد الله أتحبها؟ قال: نعم يا أمير المومنين. ~~قال: هي لك قم، فادخل بها في تلك القبة. ففعل، ثم قال # له: هل قلت في هذا الأمر شيئا. قال: نعم يا سيدي، ثم أنشده: # ظبي كتبت بطرفي ... من الضمير إليه # قبلته من بعيد ... فاعتل من شفتيه # ورد أخبث رد ... حتى قدرت عليه # وفي هذا المعنى يقول أحد البلغاء: (اللحظ يعرب عن اللفظ) وقال الآخر: (رب ~~كناية تغني عن # إيضاح) (ورب لحظ يدل على ضمير). ونظمه الشاعر، فقال: # جعلنا علامات المودة بيننا ... دقائق لحظ هن أخفى من السحر # فأعرف منها الوصل في لين لحظها ... وأعرف منها الهجر بالنظر الشزر # ومثل هذا قول بعض الحكماء: (والعين باب القلب). فما كان في القلب ظهر في ~~العين. وقال # الشاعر: PageV02P520 # العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من المحبةأو بغض إذا كانا # والعين تنطق والأفواه صامتة ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا # وقال محمود الوراق: # وإذا تلاحظت العيون وأومأت ... وتحدثت عما تجن قلوبها # ينطقن والأفواه صامتة فما ... يخفى عليك بريئها أو مريبها # وقرأت في (النوادر) لأبي علي ms224 قول إبراهيم بن المهدي في المعنى: # إذا كلمتني بالعيون الفواتر ... رددت عليها بالدموع البوادر # فلم يعلم الواشون ما دار بيننا ... وقد قضيت حاجاتنا بالضمائر # ومثل هذا قول الأمير تميم: # سبحان من خلق الخدو ... د شقائقا تتبسم # وأعارها الألحاظ فه ... ي بلحظها تتكلم # ومثله قول الآخر أيضا: PageV02P521 # أشارت بلحظ العين خيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلم # فأيقنت أن اللحظ قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم # ومثله قول الآخر أيضا: # أشارت بعينها إشارة خائف ... إلي حذار الكاشحين فسلمت # فرد عليها الطرف مني سلامها ... وأومأ اليها بالهوى فتبسمت # وأنشدني بعض الأدباء في المعنى: # إذا نحن خفنا الكاشحين ولم نطق ... كلاما تكلمنا بأعيننا سرا # فنقضي ولم يعلم بنا كل حاجة ... ولم نكشف البلوى ولم نهتك السترا # وقال أبو نواس الحسن بن هانئ في المعنى: # وحثحثت كأسها مقرطقة ... لو مني الحسن ما تعداها # تجمع عيني وعينها لغة ... مخالف لفظها لمعناها # إذا اقتضاها طرفي لها عدة ... عرفت مردودها لفحواها # يا لغة تسجد اللغات لها ... ألغزها عاشق وعماها # وهذا المعنى مليح بليغ. أراد باللغة: اللحظ، لأنه كلام الأعين. ومعنى PageV02P522 ~~البيت الذي من هذه القطعة، أي: أعيننا غضاب وقلوبنا راضية. فلذلك قال: ~~(مخالف لفظها لمعناها). # وقوله (بفحواها) أي بظاهر أمرهما. يقال: عرفت فحوى كلامه وقال أبو تمام: # فحواك عين على جواك يا مذل ... حتى م لا يتقضى قولك الخطل # ويجوز مده وقصره، قاله أبو علي في كتاب المقصور والممدود قال: وقال أبو ~~زيد: سمعت من # العرب من يقول فحوى بفتح الحاء. وهو مقصور لا يجوز مده وحكى عن اللحياني: ~~فحواء كلامه # بضم الفاء وفتح الحاء، والمد قال: وهذا نادر. # وقوله: # يا لغة تسجد اللغات لها # معنى السجود هنا: الخضوع والتذلل. ومنه قول الشاعر: # بجمع يظل البلق في حجراته ... ترى الأكم منه سجدا للحوافر PageV02P523 ~~كأنه قال: مذللة للحوافر. والسجود أيضا خفض الرأس على جهة التعظيم. ومنه ~~قول الأعشى: # من يلق هودة يسجد غير متئب ... إذا تعمم فوق الرأس واتضعا # ومنه قوله تعالى وعز (وادخلوا الباب سجدا) في أحد ms225 الأقوال، وقيل معناه: ~~ركعا عن ابن عباس # وغيره. وروى أن الباب جعل قصيرا ليدخلوه ركعا فدخلوا متوركين على ~~أستاههم. والسجود # والخضوع والتذلل نظائر في اللغة. والسجود في اسماء الدين معروف، وهو وضع ~~الوجه على # الأرض. ومنه قول حميد بن ثور الهلالي: # فلم نكذب وخررنا سجدا ... نعطي الزكاة ونقيم المسجدا # وقال صاحب العين سجدنا لله سجودا ويقال: سجد يسجد سجودا، وأسجد للسجاد ~~إذا خفض رأسه من # غير وضع لجبهته. قال الشاعر: # فكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانة لم تحنف PageV02P524 ~~وقرأت في كتاب (الأدب): (أسجد الرجل إذا طأطأ، وسجد إذا وضع جبهته بالأرض). # ومما جاء من السجود كناية عن الركوع حديث عبد الله بن عمر فيما روى عن ~~عبد الرحمان بن أبي # الزناد عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر انه كان يقول في صلاة الخوف: ~~"يقوم الإمام وتقوم # معه طائفة، وتكون طائفة بينهم وبين العدو، فيسجد سجدة واحدة بمن معه، ثم ~~ينصرف الذين سجدوا # سجدة، فيكونون مكان أصحابهم الذين كانوا بينهم وبين العدو، وتقوم الطائفة ~~الأخرى الذين لم يصلوا، # فيصلون مع الإمام سجدة ثم ينصرف الإمام، وتصلي كل واحدة من الطائفتين ~~لأنفسهم سجدة سجدة، # فإن كان الخوف أكثر من ذلك فليصلوا قياما على أقدامهم، أو ركبانا علي ~~ظهور الدوائب". # قال موسى بن هارون الطوسي: كل سجدة في هذا الحديث فمعناها ركعة. سمعت أبا ~~خيثمة يقول: # أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة. ويقال نساء سجد؛ وهن الفاترات الأعين ومنه قوله: # ولهوي إلى حور المدامع سجد # والإسجاد أيضا: إدامة النظر في فتور وسكون، وقيل له ذلك لأنه كفعل ~~المتذلل. قال الشاعر وهو # كثير: PageV02P525 # أغرك منى أن دلك عندنا ... وإسجاد عينيك الصيودين رابح # وحكى أبو الوليد بن زيدون عن نفسه قال: كنت أيام شبابي وغمرة التصباب، ~~أهيم بغادة تدعى ولادة # فلما قدر اللقاء، وساعد القضاء كتبت الي بهذين البيتين: # ترقب إذا جن الظلام زيارتي ... فإني رأيت الليل أكتم للسر # وبي منك ما لو كان بالبدر ما بدا ... وبالليل ما أدجى وبالنجم لم ms226 يسر # قال: فلما طوى النهار كافوره، ونشر الليل عنبره، أقبلت بقد كالقضيب، وردف ~~كالكثيب، وقد أطبقت # نرجس المقل، على ورد الخجل، وملنا عند ذلك إلى روض مدبج، وظل سجسج، قد ~~قامت رايات # أشجاره، وفاضت سلاسل أنهاره، وتفتحت كمائم أزهاره وتأرجت نفحات نواره، ~~ودر الطل منثور، # ووجيب الراح مزور. فلما ارتشفنا كؤوسها، وأغربنا في الأفواه بدورها ~~وشموسها، وشببنا نارها، # أدركت فيها ثارها، وبرح كل واحد منا بحبه، وشكا إليه ما بقلبه، وبتنا ~~ليلتنا نجني أقحوان الثغور، # ونقطف رمان الصدور، فلما شمر الليل ذيله، وجيش الصبح خيله، وولى الظلام ~~منهزما، وأقبل ابن # ذكاء مبتسما، ودنت ساعة الوداع صباحا، عانقتها وأنشدتها ارتياحا: # ودع الصبر محب ودعك ... ذائعا من سره ما استودعك # يقرع السن على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطى إذ شيعك # يا أخا البدر سناء وسنى ... حفظ الله زمانا أطلعك # إن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك # قوله: (إن يطل بعدك ليلي) البيت، ليس أبو الوليد اخترعه، وإنما ألم فيه PageV02P526 ~~بقول جميل فاقتلعه وهو: # يطول اليوم إن شحطت نواها ... وحول نلتقي فيه قصير # ويروى: (يطول اليوم لاألقاك فيه). وهذا البيت جامع لطرفي الطول والقصر. ~~ولا يزال الناس # يستقصرون أمد السرور وإن طال، ويستطيلون أمد المكروه وإن قصر. # ويحكى عن أبي حاتم العتبي انه قال: سمعت أعرابيا وذكر امرأته فقال: كاد ~~الغزال يكونها لولا ما # تم منها، ونقص منه، وما كانت أيامي معها إلا كأباهيم قطا قصرا ثم طالت ~~بعدهاشوقا اليها، فوا أسفا # عليها. قال: والعرب تقول في هذا المثل: (مر بنا يوم كعقرب قصرا) إذا مر ~~عليهم يوم سرور. # وألم فيه أبو الوليد أيضا بقول مهلهل: # فإن يك بالذنائب طال ليلي ... فقد أبكي من الليل القصير # وأخذه بعض المتأخرين فقال: # يطول النهار لميعادها ... ويقصر لي عند إسعادها # وليلي إذا ما دنت لحظة ... وما ينقضي عند ابعادها PageV02P527 ~~وقد جمعه أبو العباس بن سيد في بيت واحد فقال: # فالليل إن وصلت كالليل إن هجرت ... أشكو من الطول ما أشكو من ms227 القصر # ومنه قول عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: # فيالك من ليل تقاصر طوله ... وما كان ليلي قبل ذلك يقصر # والمقصود بهذا أن أيام السرور ولياليه قصيرة، وأيام الحزن ولياليه طويله، ~~كما ذكرنا، ولذلك قال ذو # الرمة: # ولو شئت قصرت النهار بطفلة ... هضيم الحشا براقة المتبسم # وأما حديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "يتقارب ~~الزمان حتي تكون السنة # كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة" فذكر حجاج بن ~~المنهال عن حماد بن سلمة # قال: سألت أبا سنان # عن معني هذا الحديث، فقال: ذلك من استذاذ العيش يكون. يريد، PageV02P528 ~~والله أعلم، زمان خروج المهدي # وربوع الأمنة في الأرض ببسطه العدل فيها. # وقرأت في النوادر قول علي بن بسام: # لاأظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم الليل ليست تغور # ليلي كما شاءت فإن لم تجد ... طال وإن جادت فليلي قصير # وهذان البيتان منقولان من قول علي بن الخليل وهو: # لا أظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم الليل ليست تزول # ليلي كما شاءت قصير إذا ... جادت وإن ضنت فليلي طويل # وأخذ هذا المعنى ابن خليل من قول يزيد بن عبد الملك بن مروان وهو: # لا أسأل الله تعميدا لما صنعت ... نامت وقد أسهرت عيني عيناها # فالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها PageV02P529 ~~رجع لقول علي: # تصرف الدهر على حكمها ... فهو على ما صرفته يدور # ومن هذا المعنى قول عبد الصمد في أبيات له: # ونحن ضجيعان في مجسد ... فلله ما ضمن المجسد # فياليلة الوصل لا تنفدي ... كما ليلة الهجر لا تنفد # وأبلغ ماأذكر في طول الليل، قول علي بن العباس الرومي قرأته أيضا في ~~(النوادر): # رب ليل كأنه الدهر طولا ... قد تناهى فليس فيه مزيد # ذي نجوم كأنهن نجوم الش ... شيب ليست تزول لكن تزيد # ومثله قول أبي بكر محمد بن أحمد الغساني: # وليل كفكري في صدود معذبي ... وإلا كأنفاسي عليه من الوجد # وإلا كعمر الهجر منه فإنه ... إذا قسته بالوصف كان بلا حد PageV02P530 ~~وقال أيضا: ms228 # أطال ليلي الصدود حتى ... يئست من غرة الصباح # كأنه إذ دجى غراب ... قد حصر الأرض بالجناح # ومثله قول الآخر: # ألا ياليل هل لك من براح ... وهل لأسير نجمك من سراح # ألا يا ليل طلت علي حتى ... كأنك قد خلقت بلا صباح # وذكروا أن أبا الوليد بن زيدون كان شديد الكلف بولادة قد جعل حبها ~~ومواصلتها شعاره وعناده، # وهي ولادة ابنة محمد بن عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الرحمان الناصر ~~المتسمى من الألقاب # السلطانية بالمستكفي بالله. بويع له بالخلافة بقرطبة يوم السبت لثلاث ~~خلون من ذي القعدة سنة أربع # عشرة وأربع مائة، وانقرضت مدة خلافته في جمادى الأخرى سنة ست عشرة، فيما ~~ذكر أبو مروان # بن حيان. وكانت ولادة هذه من الأدب والظرف، والحلاوة واللطف، واحدة نساء ~~زمانها، وفذة وقتها # وأوانها، بحيث تختلس القلوب والألباب، وتعيد الشيب إلي أخلاق الشباب، ~~بحسن منظر ومخبر، # وعذوبة مورد ومصدر، وجمال فائق في خلقها، وبراعة وذكاء في طبعها وخلقها، وكان PageV02P531 ~~فناؤها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وأعيان ذلك العصر، وميدانا بجياد النظم ~~والنثر. يعشو أهل الأدب # إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب علي خلافة عشرتها، إلى ~~سهولة حجابها، وكثرة # منتابها، تخلط ذلك من فعلها بعلو نصاب، وكرم انتساب، وطهارة أثواب، وشرف ~~أثواب. والله تعالى # يسمح لها، ويغفر زللها، فلقد اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها ~~السبيل، وذلك لمجاهرتها # بلذاتها، وقلة مبالاتها، وكانت قد رسمت على عاتقي ثوبها بيتين وهما: # أنا والله أصلح للمعالي ... وأمشي مشيتي وأتيه تيها # وأمكن عاشقي من عض نهد ... وأعطي قبلتي من يشتهيها # قال أبو الحسن بن بسام: هكذا وجدت هذا الخبر، وأبرأ إلى الله من عهدة ~~قائليه، وإلى الأدب من # غلط النقل إن كان وقع فيه. # قلت: وأنا أيضا أحكيه عن ناقليه، ولا أعتمد على تصحيحه ولا أدعيه، فلأهل ~~النبل والفضل عن # هذا الخبر وأشباهه مناديح، وكم خبر حكي ودون، وهو غير صحيح. ولولادة ~~أخبار يفوت إحصاؤها # ويقل استقصاؤها، وكانت في ذكاء خاطرها، وكثرة نوادرها، آية من آيات ~~فاطرها. ms229 ذكروا أنها مرت # ذات يوم بالوزير أبي عامر ابن عبدوس وكان من أعيان المصر، في ذلك العصر، PageV02P532 ~~وكان ممن هذى باسمها، وتعرف على حكمها، وكانت أمام داره بركة تتولد من ~~الأمطار، وربما استمدت بشيء ومما # كان ثم من الأقذار، فمرت به، وهو قاعد قد نشر كميه، ونظر في عطفيه، وحسن ~~أعوانه إليه، فقالت # له: أبا عامر: # أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر # وهذا البيت لأبي نواس من أبيات له في الخصيب والد ابراهيم عامل مصر. ~~فتركته لا يحير حرفا، # ولا يرد طرفا. # وطال عمرها وعمر أبي عامر المذكور حتى أوفيا على الثمانين وهو لا يدع ~~مواصلتها، ولا يغفل # مراسلتها، وتحيف الدهر المستطيل حال ولادة حتى لم يترك لها شيئا من الوفر ~~إلا أباده. فكان أبو # عامر هذا يحمل كلها، ويرفع ظلها، على جذب واديه، وركود روائحه وغواديه، ~~أثرا جميلا أبقاه، # وطلقا من الظرف جرى إليه حتى استوفاه. # وأما أبو الوليد أحمد بن زيدون فعلم من أبناء العلى، ومحاسنه مدى الأيام ~~تتلى، وتطرز بكلام الكتب # وتحلى، مرتبه في ذرى المجد، مطنب بالفخار، ومحتده زاكي النجار، وأخباره ~~مع الملوك مشهورة، # مروية في الكتب مسطورة، وحين هم بدره بالكمال، وأشرف علي احتفال الحال، ~~تداركه حيف # الزمن، فاعتقل وامتهن وحيل بينه وبين ولادة حتى يئس من لقائها، أو أن ~~ينال نظره في محياها # بنكبة اشتدت بها حسراته، وتوقدت لها لوعاته وزفراته، فشجيت نفسه، وقلته ~~الأيام كما (قلت صخرا # سليمى عرسه) فعند ذلك قال قصيدته الفريدة التي ضربت في الإبداع بأعلى ~~سهم، وقصر عنها ابن # أوس PageV02P533 ~~وابن الجهم، وعجز عن مثلها كل ناظم وناثر، وفتنت سمع كل أديب وشاعر، وأعلم ~~فيها ولادة # باقامته على ودها، وحفظ عهدها، وأولها: # بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم ولا جفت مآقينا # يكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا # حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سودا وكانت بكم بيضا ليالينا # إذ جانب العيش طلق من تألفنا ... ومورد اللهو صاف من تصافينا # وإذ هصرنا غصون الأنس دانية ... قطوفها فجنينا ms230 منه ما شينا # ليسق عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلا رياحينا # من مبلغ الملبسينا بانتزاحكم ... حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا # أن الزمان الذي لا زال يضحكنا ... أنسا بقربكم قد عاد يبكينا # غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نغص وقال الدهر آمينا # فانحل ما كان معقودا بأنفسنا ... وانبث ما كان موصولا بأيدينا # وقد يكون وما يخشى تفرقنا ... فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا PageV02P534 ~~لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم ... رأيا ولم نتقلد غيره دينا # لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا ... أن طالما غير النأي المحبينا # والله ما طلبت أهواؤنا بدلا ... منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا # ولا استفدنا خليلا عنك يشغلنا ... ولا اتخذنا بديلا منك يسلينا # يا ساري البرق عاد القصر فاسق به ... من كان صرف الهوى والود يسقينا # ويا نسيم الصبابلغ تحيتنا ... من لوعلى البعد حيا كان يحيينا # ياروضة طالما أجنت لواحظنا ... وردا حلاه الصبا غضا ونسرينا # ويا حياة تملينا بزهرتها ... منى ضروباولذات أفانينا # لسنا نسميك إجلالا وتكرمة ... وقدرك المعتلى عن ذاك يغنينا # إذا انفردت وما شوركت في صفة ... فحسبنا الوصف ايضاحا وتبيينا # يا جنة الخلد ابدلنا بسلسلها ... والكوثر العذب زقوما وغسلينا # كأننالم نبت، والوصل ثالثنا ... والسعد قد غض من أجفان واشينا # سران في خاطر الظلماء تكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يفشينا # لا غرو أنا ذكرنا الحزن حين نأت ... عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا # إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا ... مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا # أما هواك فلم نعدل بمنهله ... شربا وإن كان يروينا فيظمئنا # لم يخف أفق جمال أنت كوكبه ... سالين عنه، ولم نهجره قالينا PageV02P535 ~~نأسى عليك وقد حثت مشعشعة ... فينا الشمول وغنانا مغنينا # لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا ... سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا # دومي على العهد مادمنا محافظة ... فالحر من دان إنصافا كمادينا # أبدي وفاء وإن لم تبذلي صلة ... فالطيف يقنعنا والذكر يكفينا # وفي الجواب متاع إن شفعت به ... بيض الأيادي التي مازلت تولينا # عليك مني سلام الله ما بقيت ... صبابة بك نخفيها فتخفينا # البيت الرابع والخامس من ms231 هذه القصيدة، يشبه قول الحارث بن هشام في أبيات له: # إذ نلبس العيش صفوا ما يكدره ... طعن الوشاة ولا ينبوبنا الزمن # ومثله أيضا قول الآخر: # هناك تغنينا الحمام ونجيني ... جنى اللهو يحلو لي لنا ويطيب # وقد أثبت من هذا المعني في الجزء الثاني من هذا المجموع، ما اقتضته ~~المشاكلة، وألفته المماثلة، # وحسنته نسقا ونظاما، وفتقت من زهره الأرج كماما. # وقوله: # وقد تكون وما يخشى تفرقنا PageV02P536 ~~البيت، كقول أبي أيوب سليمان بن أبي أمية: # أناجيك من بعد كان لم يكن قرب ... وألقاك بالذكر ومن دونك الحجب # وقوله: (يا جنة الخلد) معناه: يا جنة البقاء، لأن الخلود هو البقاء طول ~~الأبد. فكل من يدخل الجنة # فهو خالد فيها، وكل من يدخل النار من المعذبين الجاحدين فهو خالد فيها، ~~لقوله تعالى (وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين) ~~وأهل الجنة # فيها مخلدون خالدون طول الأبد لقوله تعالى (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين وأنتم فيها خالدون). # والخلود والدوام والبقاء والتأبيد نظائر في اللغة. # وقال صاحب العين: الخلود البقاء في دار لا يخرج منها. # والفعل: خلد يخلد خلودا، وخلده تخليدا. والخلد اسم من أسماء الجنان. وحد ~~الخلود الوجود في الشيء # إلى غير نهاية. ويقال: خلده في السجن، وخلده في الديوان، إذا أوجده هناك. ~~ويقال: أخلد فلان إلى # كذا وكذا، والمعنى ركن إليه ورضي به. قال الله تعالى وجل (ولكنه أخلد إلى ~~الأرض واتبع هواه). # والخلد البال. تقول: وقع ذلك في خلدي، أي في بالي. والخلد أيضا ضرب من ~~الجرذان عمي لم # تخلق لها عيون، واحدها خلدة # بكسر الخاء والجميع خلدان. والخوالد الأثافي في مواضعها، والجبال ~~والحجارة تسمى أيضا PageV02P537 ~~خوالد. قال الشاعر: # فتأتيك حذاء محمولة ... تفض خوالدها الجندلا # يعني بالخوالد هنا القوافي، كنى عنها بالحجارة. ومثله قول أبي تمام: # وكأنما هي في السماع جنادل ... وكأنما هي في العيون كواكب # فأما الجنة فمعروفة، سميت جنة لأن الشجرة تجنها، أي تسترها. وكل شيء وقاك ~~وسترك فهو جنة؛ # ومنه سميت الدرع جنة. واستجن فلان ms232 إذا استتر بشيء، والمجن: الترس لستره ~~صاحبه، وسمي القبر # جننا من هذا. # وقال المقنع الكندي أو رافع بن هرم اليربوعي: # وصاحب السوء كالداء العياء إذا ... ما ارفض في الجسم يجري هاهنا وهنا # فذاك إن عاش كن عنه بمعزلة ... أومات يوما فلا تشهد له جننا # ويروي: # إن عاش ذلك فأبعد عنك منزله ... أو مات ذاك فلا تعرف له جننا # وللقبر أسماء غير الجنن هو الريم والرمس والجدث والحدب. قاله أبو علي. ~~وقال الشاعر: PageV02P538 # ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعة إلا جنينا # يعني مدفونا، أي قد ماتوا كلهم. وقد يسمى الروح جنانا، لأن الجسم يجنه. # وجنان الناس معظمهم قال الشاعر: # جنان المسلمين أو دمسا ... وإن جاورت أسلم أو غفارا # وكان أهل الجاهلية يسمون الملائكة جنا لا ستتارهم عن العيون. والجنين: ~~الولد في الرحم، والجميع # الأجنة. قال الله تعالى (أنتم أجنة في بطون أمهاتكم) ويقال: أجنت الحامل ~~ولدها. وقال الشاعر: # وقد أجنت علقا ملقوحا ... ضمنه الأرحام والكشوحا # ويقال جن الولد يجن جنا، وكذلك جن الليل، وهو يجن جنا ومجنة، وجن عليه ~~الليل، إن غطى عليه # وستره بظلمته، وأجنه الليل: أي ستره. وجنة الليل أيضا بإسقاط الألف لغة، ~~وبها قرأ علي بن أبي # طالب رضي الله عنه، وجملة من الصحابة أبو هريرة، وغيره في قوله تعالى في ~~سورة النجم (عندها جنة المأوى) # وقال الهذلي، وقرأته في النوادر لأبي علي البغدادي: # من المربعين ومن آزل ... إذا جنه الليل كالناحط PageV02P539 ~~وجن الليل: اختلاط ظلمته. قال الشاعر: # حتى يجئ وجن الليل يوغله ... والشوك في وضح الرجلين مركوز # ويقال: جنان الليل وجنون الليل. وقال الشاعر: # ولولا جنون الليل أدرك ركضنا ... بذي الرمث والأرض عياض بن ناشف # وجن الشباب: حدته ونشاطه. وفي الحديث: "الشباب شعبة من الجنون" وذلك أن ~~الجنون آفة تنال # العقل فتزيله، وكذلك الشباب، قد يسرع إلى غلبة العقل بما له من قوة الميل ~~الى الشهوات، وشدة # النزاع إليها، وكذا قول بعضهم (الغضب جنون ساعة). # وقال حسان بن ثابت: # إن شرخ الشباب والشعرا لأس ... ودما ms233 لم يعاص كان جنونا # قال: (ما لم يعاص) ولم يقل (يعاصيا) كما يجب، لأنه أراد ما لم يعاص كل ~~واحد منهما. وقيل: إن # الشعر الأسود داخل تحت ذكر الشباب، فلهذا استغنى بالضمير الواحد واكتفى به. # وفي حديث عبد الله بن عمر: "متعنا بأسماعنا وأبصارنا واجعله الوارث منا" ~~فقال: وجعله بلفظ # الواحد، وقد تقدم ذكر الأسماع والأبصار بلفظ PageV02P540 ~~الجماعة ففي هذا وجهان: أحدهما أن تكون التاء راجعة # إلى ضمير الفعل وهو الإستمتاع بهما. # والوجه الآخر: أن تكون الإشارة بها إلى واحد واحد من كل سمع ومن كل بصر. # قاله أبو سليمان الخطابي، وقال في معني هذا الحديث قولين: أحدهما أن يكون ~~معنى الوراثة منهما # أن تبقى صحتهما عند ضعف الكبر فيكونا وارثي سائر الأعضاء الباقين بعدها. # والقول الآخر أن يكون دعي بذلك للأعقاب والأولاد. والأول أصح. # وبالقول الثاني قال ابن سراج. # وحكي ان الحسن كان يقول في دعائه (اللهم إني أعوذ بك من صناديد القدر ~~وجنون العمل). قال ابن # الأعرابي: الصنايد: الشدائد والدواهي، وجنون العمل الإعجاب به حتى يبطل ~~عمله. وأنشد: # فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت # ويقال: جن الرجل وأجنه الله فهو مجنون، والجميع مجانين. # قال الشاعر: PageV02P541 # شكوتم إلينا مجانينكم ... ونشكو إليكم مجانينا # فلولا المعافاة كناكهم ... ولولا البلاء لكانوا كنا # وسمي المجنون مجنونا لأنه قد أطبق على قلبه. وأصله من الجن، وهو الستر، ~~ويقال بالرجل جنة # ومجنة أي جنون. قال الله سبحانه (أم يقولون به جنة) وقال (وما صاحبكم ~~بمجنون) وقال الشاعر: # من الدارميين الذين دماؤهم ... شفاء من الداء المجنة والخبل # وأرض مجنة كثيرة الجن. والجنة والجنان جماعة ولد الجان. والجان هو أبو ~~الجن خلق من نار، ثم # خلق منه نسله، وسموا جنا لأنهم استجنوا من الناس فلا يرون. # قال الحسن في قوله تعالى (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) يعني ~~إبليس خلقه الله تعالى قبل آدم عليه السلام. ونار السموم؛ الحارة # التي تقتل. والجان أيضا الحية البيضاء. قال الله سبحانه (فلما رآها تهتز ~~كأنها ms234 جان) # وفي حديث عبد الله بن عمر قال: شرب رجل من سقاء، فانساب في بطنه جان، ~~فنهى رسول الله # صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية واختناث الأسقية هي أن تمال، فيشرب ~~من أفواهها، وعند # ميلها يحدث فيها تكسر PageV02P542 ~~ورخاوة، وبذلك سمي المخنث من الرجال. وفي الحديث أن رسول الله صلى # الله عليه وسلم دخل على أم سلمة، وعندها مخنث. # وشرب أحد الشعراء من سقاء اختثنه حتى روى فألغز وقال: # أخذت مخنثا فلثمت فاه ... فيا طيب المخنث من لثيم # رجع # وقوله (والكوثر العذب)، والكوثر فوعل: من الكثرة، والواو فيه زائدة ~~كزيادتها في الدولس، وهو # فوعل أيضا من الدلس. والدلس: اخفاء العيب وستره في حين البيع. والكوثر ~~نهر في الجنة للنبي # خاصة تتشعب منه أنهار الجنة. قالته عائشة رضي الله عنها، وروى نحوه عن ~~النبي عليه السلام، # وقال عطاء: هو حوض النبي عليه السلام. ويومئذ قول عطا حديث أبي سعيد سنان ~~ين مالك بن # سنان الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لي حوضا طوله ما بين ~~الكعبة إلى بيت # المقدس أبيض من اللبن آنيته عدد النجوم" وفي حديث أنس، فيما روى أبو بن ~~بكر أبي شيبة، عن # علي بن PageV02P543 ~~مسهر عن المختار عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكوثر نهر ~~وعدنيه ربي # في الجنة عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد ~~النجوم" ويقال: الكوثر # هو الخير الذي أعطاه الله تعالى وجل النبي محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأمته يوم القيامة. # وقال بعضهم: الكوثر: العجاج الملتف بعضه ببعض، وأنشد: # وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا # أي حتى التف بعضه بعض. # وقال الحسن: الكوثر: القرآن. # وقوله: (زقوما وغسلينا) قال ابن زيد: لا يعلم أحد ما الزقوم ولا الغسلين. ~~وعن قتادة طعام الزقوم # شر الطعام وأبشعه. # والغسلين غسالة أجواف أهل النار. ووزنه فعلين من غسل الجراح والدبر. # رجع # قال: فلما خلص أبو الوليد من اعتقاله، وتنسم من الدهر صلاح حاله، بعد أن ~~أعوز ms235 نفسه الجلد، وملأ # جوانحه الوجد والكمد، كر إلى (الزهراء) ليتوارى في نواحيها، ويتسلى برؤية ~~مراقبها، فوافاها، # والربيع قد خلع عليها برده ونثر على PageV02P544 ~~بساطها سوسنه وورده، وأغصان ثمارها مورقة، ونواحيها # مشرقة، قد سالت جداولها، وغنت بلابلها، فراح أبو الوليد بين روض يانع، ~~وريح طيبة المسرى، # وارتاح ارتياح جميل ببوادي القرى، فتشوق إلى لقاء ولادة، وحن وخاف تلك ~~النوائب والمحن، فكتب # إليها يصف فرط قلقه، وضيق أمده وطلقه، ويعاتبها على اغفال تعهده، ويذكرها ~~بحسن محضره معها # ومشهده، فقال: # إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا ... والأفق طلق ووجهالأرض قد راقا # وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنه رق لي فاعتل إشفاقا # والروض عن مائه الفضي مبتسم ... كما شققت عن اللبات أطواقا # يوم كأيام لذات لنا انصرمت ... بتنا لها حين نام الدهر سراقا # نلهو بما يستميل العين من زهر ... جال الندى فيه حتى مال اعناقا # كأن أعينه إذ عاينت أرقي ... بكت لما بي فجال الدمع رقراقا # ورد تألق في ضاحي منابته ... فازداد منه الضحى في العين اشراقا # سرى ينافحه نيلوفر عبق ... وسنان نبه معه الصبح أحداقا # كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا ... إليك لم يعدعنها الصدر أن ضاقا # لو كان وفى المنى في جمعنا بكم ... لكان من أكرم الأيام أخلاقا # لا سكن الله قلبا عن ذكركم ... فلم يطر بجناح الشوق خفاقا # لو شاء حملي نسيم الريح حين هفا ... وافاكم بفتى أضناه ما لاقى PageV02P545 ~~كان التجازي بمحض الود مذ زمن ... ميدان أنس جرينا فيه إطلاقا # فالآن أحمد ماكنا بعهدكم ... سلوتم وبقينا نحن عشاقا # في أشعار له كثيرة هي في كتاب ابن بسام وغيره مسطورة. وفي أبي الوليد ~~يقول أبو الحسن بن # بسام: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء مخزوم، أحد من جر ~~الأيام جرآ، وفات # الأنام طرا، وصرف السلطان نفعا وضرا، ووسع البيان نظما ونثرا، إلى أدب ~~ليس للبحر تدفقه، ولا # للبدر تألقه، وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر اقترانه، وحظ من ~~النثر غريب المباني، # شعري الألفاظ والمعاني. # وفيه يقول أبو نصر الفتح بن محمد في ms236 (القلائد): # ذو الوزارتين أبو الوليد بن عبد الله بن زيدون زعيم الفئة القرطبية، ~~ونشأة الدولة الجهورية الذي # بهر في نظامه، وطلع كالبدر ليلة تمامه، فجاء من القول بسحر، وقلده أبهى ~~نحر، لم تصرفه إلا بين # ريحان وراح، ولم يطلعه إلا في سماء مؤانسات وأفراح، ولا تعدى به الرؤساء ~~والملوك ولا تردى # منه إلا حظوة كالشمس عند الدلوك، فشرف بضائعه، وأرهف بدائعه وروائعه، ~~وكلفت به تلك الدولة # حتى صار ملهج لسانها وحل محل انسانها. # قلت أنا: وكان رحمه الله شهاب ذكاء متألقا، وبحر بيان متدفقا، يقذف ~~بلسانه من البيان لؤلوآ مكنونا، # ويبث من البلاغة ضروبا وفنونا، وفيما أثبت له في التصانيف، وسطر في ~~التواليف، من النظم الذي # أرهفه بالتهذيب، وطرزه بكل معنى عجيب، وبناه من اللفظ الصحيح، ووشحه ~~بالوشي المليح، ونثره # البديع، المزري بالدر الرفيع، دليل على أنه كان يملك من البيان بحرا لا يمتطى PageV02P546 ~~له ثبج، ولا تخاض به اللجج. وناهيك من تحرير حل من ابن عباد غرة في جبين ~~ملكه، وواسطة في منتظم سلكه، # واستقل من دولته بأعبائها، ولاح بدرا منيرا في سمائها، أشرق من لآلئه ~~الإظلام، وعبقت بأرجه # الليالي والأيام، ولا يتسع هذا المجموع لاثباث محاسنه وفنونه، وتصرفه في ~~سهول الإبداع وحزونه، # ولو أشرت إلى ذلك، لخرجت عما قصدت إليه من غرضي، واعتمدت عليه. وقد أثبت ~~له فيه ما # يشهد له بالسبق، وفي الثناء عليه بالحق. # وحكى أبو العباس أحمد بن عبد ربه في كتاب (العقد) عن أبي زيد الأسدي قال: ~~دخلت يوما على # سليمان بن عبد الملك مروان فوجدته جالسا على دكان مبلط بالرخام الأحمر، ~~مفروش بالديباج # الأخضر، في وسط بستان قد أينع وأثمر، ويشق البستان من جانبيه ميدان ينبت ~~الربيع، وعلى رأس # سليمان وصائف. كل واحدة أحسن من الأخرى كأنما شردن من الجنان، عن غفلة من ~~الرضوان، # يصمين بسهام الجفون، ويسبين بقدود تحكى تثني الغصون، ويسفرن عن بدور، ~~ويبسمن عن در لم # تقلد مثله النحور. والشمس قد مالت للغروب، وحكت لون المحب ساعة وداع ~~المحبوب، وهب ms237 النسيم # على الغصون فتمايلت، وحنت الأطيار فتجاوبت فقلت: السلام عليك أيها ~~الأمير، ورحمة الله # وبركاته، وكان مطرقا، فعندما مثلت بين يديه، وسلمت عليه، رفع رأسه إلي ~~وقال: أبا زيد في هذا # الوقت غشيت حينا. فقلت أصلح الله الأمير، أو قد قامت القيامة؟ قال: نعم. ~~على أهل الحب. ثم قال # لي: يا أبا زيد ما يصلح في هذا الوقت؟ قلت: أصلح الله الأمير. قهوة صفراء ~~في زجاجة بيضاء، PageV02P547 ~~تناولينها جارية هيفاء، رخيمة الدال بديعة الشكل أشربها من كفها، واجعل ~~نقلي رضاب فمها. فأطرق # الأمير وتحدرت عبراته، وهاجت لو عاته، وتحركت سواكنه، وبكى حتى بل ~~سرباله. فلما رأى # الوصائف حاله تنحين عنه، فعند ذلك قال لي: أبا زيد هذا والله آخر يوم من ~~أيامك، وانصرام مدتك، # بالله لأضربن عنقك. أو لتخبرني ما الذي أوقع هذه الصفة في قلبك. # فقلت: نعم، أصلح الله الأمير، كنت جالسا على باب أخيك سعيد، فإذا أنا ~~بجارية قد خرجت إلى باب # القصر كالغزال، انفلت من شبكة صائد، وعليها قميص سكب اسكندراني، تبصر ~~العين من فوقه # رمانتي صدرها، ونقش تكتها، وفي رجليها نعلان أحمران، فتعجبت أيها الأمير ~~من بياض رجليها، # في حمرة نعليها، ولها ضفيرتان تضربان خصريها، قد أسبلتهما على منكبيها، ~~وصدغان كأنهما نونان # وحاجبان كأنهما قوسان، وعينان ليستا لحور الجنان، بالسحر مملوءتان. ~~فأبصرت أحسن سواد، رأيته # في بياض، من لحاظ معتلة، في جفون ليست بمراض، وعقدها في نحرها يبرق، ~~والشمس فوق # إزارها تشرق. فلما وصلت إلى باب القصر، تنهدت تنهدا جاوبتها الحيطان، ~~قالت: عباد الله من لي # بدواء مالا يشتكى، وعلاج مالا يوسى. طال والله الحجاب ومنع الجواب، ولزم ~~الاكتئاب، فالفؤاد # مختلس، والنوم محتبس، والحزن دائم، والدمع ساجم. فرحم الله قوما عاشوا ~~تجلدا، وماتوا تبلدا، ولو # وجدنا إلى العزاء سبيلا، لكان الأمر أمرا جميلا. ثم أسبلت عبرات حكت ~~تناثر اللؤلؤ الرطب، على # الورد الغض، ثم رفعت رأسي فقلت: أيتها الجارية إنسية أم جنية، أرضية أم ~~سمائية؟ فقد أعجبني ما # رأيت من حسنك، وأذهلني ما سمعت من منطقك، ms238 فسترت وجهها بكمها. ثم قالت: ~~عذرا أيها المتكلم # الأديب فما أوحش الوحيد بلا مساعد، والغريب عن أوطانه، والنازح عن أحبابه ~~وخلانه. ثم # انصرفت، فوالله - أيها الأمير - ما رأيت حسنا بعده، الا سمج في عيني PageV02P548 ~~لحسنها، ولا ذقت طيبا إلا عاد علقما لشجوها. فاستوي الأمير جالسا، وعبراته ~~تسكب. فقال: يا أبا زيد كاد الجهل يستفزني، # والصبا يعود لي، والحلم يغرب عنى. أتعرف تلك الجارية؟ قلت: لا، أعرفها ~~أيها الأمير. قال: تلك # الذلفاء التي يقول فيها الشاعر: # إنما الذلفاء ياقوتة ... أخرجت من كيس دهقان # اشتراها أخي الوليد بألف ألف درهم، وهي عاشقة للذي باعها، فلا يتمتع بها ~~أخي ولا غيره إلا على # تلك الحال. ووالله ما يموت من رآها إلا بحسرتها، ولا يدخل القبر إلا ~~بغصتها، ولكن في الصبرة # سلوة، وفي توقع الموت بهتة. قم أبا زيد واكتم، فقلت: أفعل أيها الأمير، ~~وأمر لي ببدرة فأخذتها # وانصرفت. # قال الأصمعي في الأنف الذلف؛ وهو قصره وصغر أرنبته: يقال رجل أذلف، ~~وامرأة ذلفاء. # قال أبو النجم: # للشم عندي بهجة ومودة ... وأحب بعض ملاحة الذلفاء # وقال العجاج: # بسلهبين فوق أنف أذلفا PageV02P549 ### || AUTO فصل # وحكى إقبال الدولة بن مجاهد قال: حضرت عند صهري المعتمد بن عباد، والنهار ~~قد نشر من غيمه # ندى ند، وأسكب من قطره ماء ورد، وأبدى من برقه لسان نار، وأظهر من قزحه ~~بستان آس حف # بنرجس وجلنار، والروض قد بعث رياه، وبث الشكرلسقياه. فكتب الى الطبيب ~~الأديب أبي محمد # المصري: # أيها الصاحب الذي فارقت نف ... سي وعيني منه الستا والسناء # نحن في المجلس الذي يهب الرا ... حة والمسمع الغنى والغناء # نتعاطى التي تسمى من الل ... ذة والرقة الهوى والهواء PageV02P550 ~~فاته تلف راحة ومحيا ... قد أعدا لك الحيا والحياء # فوافاه الطبيب المذكور، فألفى مجلسا قد اتلعت أباريقه أجيادها، وأقامت به ~~خيل السرور طرادها. # وأعطته # الأماني انطباعها وانقيادها، وأهدت الدنيا ليومه مواسمها وأعيادها، وخلعت ~~عليه الشمس شعاعها، # ونشرت فيه الحدائق ايناعها، فأديرت الراح، وتعوطيت الأقداح، وخامر النفوس ~~الابتهاج والارتياح. # ؤأظهر المعتمد في ذلك اليوم ms239 من إيناسه، ما استرق به نفوس جلاسه. ثم دعا ~~بكبير، فشربه عندما # تناوله من يد المدير. فكان كالشمس غربت في ثبير، وعندما تناوله قام ~~الطبيب ينشد شعرا بمثله: # اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في قصر حمص ودع غمدان لليمن # فأنت أولى بتاج الملك تلبسه ... من هوذة بن علي وابن ذي يزن # فطرب المعتمد حتى زحف عن مجلسه، وأسرف في انبساطه وتأنسه. وأمر للطبيب ~~المصري بخلعة # لا تصلح إلا للخلفاء، فخلعت عليه، وأدناه حتى أجلسه مجلس الأكفاء، وأمر ~~له بدنانير عددا، وملأ # بالمواهب منه يدا. # قول الطبيب: # اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا # شطر بيت لأبي زمعة جد أمية بن أبي الصلت، من شعر قاله في معدي كرب بن ذي ~~يزن، أوله: PageV02P551 # ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... ريم في البحر للأعداء أحوالا # يمم قيصر لما حان رحلته ... فلم يجد عنده بعض الذي سألا # وفيها يقول: # أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا # فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في دار غمدان دارا منك محلالا # ثم اطل المسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا # تلك المكارم لاقعبان من لبن ... شيبا بماءفعادا بعد أبوالا # قوله: (إذ شالت نعامتهم)، العرب تضرب زوال النعامة مثلا في الفرار # فتقول: (شالت نعامة القوم) إذا فروا أو هلكوا وانقرضوا. قال الشاعر: # أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني # وقال الآخر: # يا ليتنا أمنا شالت نعامتنا ... إما إلى جنة إما إلى نار # والعرب تقول: أشرد من نعامة، أي أسرع في الفرار من النعامة. PageV02P552 # وقال الشاعر: # هم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا وأشرد من نعام # والنعامة في اللغة: باطن القدم، فمن مات فقد شالت رجله، أي ارتفعت، ~~وأنشدوا قول الشاعر: # تنعمت لما جاءني سوء فعلهم ... ألا إنما البأساء للمتنعم # والنعامة أيضا: الجلدة التي تغطى الدماغ، والنعامة: الظلمة. وابن ~~النعامة: عرق في باطن القدم. # وقوله: (تلك المكارم) البيت، تمثل به عمر بن عبد العزيز رحمه الله، حين ~~وفد عليه الرجل الذي # انتسب ms240 الى قتادة بن النعمان، الذي أصيبت عينه يوم أحد، فسأله عمر: من ~~أنت؟ فقال الرجل: # أنا ابن الذي سالت على الخذ عينه ... فردت بكف المصطفى أيما رد # فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما حد # فقال: عمر بن عبد العزيز: (تللك المكارم لاقعبان من لبن) البيت بكماله. # ووصل الرجل وأحسن جائزته. # وقد روي أن عيني قتادة بن النعمان الذي انتسب اليه الرجل، الوافد على PageV02P553 ~~عمر، سقطتا معا يوم أحد فردهما النبي صلى الله عليه وسلم وروى هذا الحديث: ~~محمد بن أبي عثمان، عن مالك بن أنس عن # محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن أخيه قتادة بن ~~النعمان. قال: # (أصيبت عيناي يوم (أحد) فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأعادهما # مكانهما، وبصق فيهما فعادتان تبرقان). # قال الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني: هذا حديث غريب عن مالك، تفرد ~~به عمار بن # نصر وهو ثقة. # وحكى الحسين بن الضحاك قال: دخلت ذات يوم على الحسن بن PageV02P554 ~~سهل في فصل الخريف، وقد جاء الوسمي، برش خفيف، واليوم قد تجلى في أحسن منظر ~~وأعجبه. # وروائح المجلس تتضوع بأذكى نشر وأطيبه. # والحسن جالس على سرير آبنوس، وأمامه أباريق مترعة بالخمر وكؤوس، وهو ينظر # الى بستان أنيق، والطير تشدو في أفنانه بلحن يطرب، وعلى رأسه غلام، كأنه ~~البدر، وجبينه قد جمع # بين الليل والصباح، وثغره بين العقيق والأقاح. فسلمت، فرد السلام علي. ~~ونظر كالمستنطق الي # فقلت: # ألست ترى ديمة تهطل ... وهذا صباحك مستقبل # وهذا العقار وقد راعنا ... بطلعته الشادن الأكحل # وقد أشكل العيش في يومنا ... فيا حبذا عيشنا المشكل # فقال: العيش مشكل، فما ترى؟ قلت: مباكرة القصف، وتقريب الإلف. فقال: شرط ~~أن تبيت. قلت: # لك الوفاء على أن يكون هذا الواقف على رأسك يسقيني. فضحك الحسن وقال: ذلك ~~لك على مافيه، # ثم دعا بالطعام والشراب، ففقدت الغلام ساعة، ثم إذا به قد جاء من الحمام، ~~بجبين مشرق، وكأن # وجهه ms241 بدر زاهر، وقده غصن ناضر، فقلت: # جرده الحمام عن درة ... تلوح فيها عكن غضه PageV02P555 ~~كأنما الرشح على خده ... طل على تفاحة عضه # ياليته زودني قبلة ... أو لا فمن وجنته عضه # فقال لي الحسن: قد عمل فيك النبيذ، فقلت: # سقياني وصرفا ... بنت حولين قرقفا # واسقيا المرهف الغري ... ر سقى الله مرهفا # بأبي ماجن السري ... رة يبدي تعطفا # فإذا رمت ذاك من ... ه تأبى وعنفا # وإذا هب للمنا ... م فقدما تخففا # فتغاضب الغلام، وقام وقعد، واشتد حنقه ووعبد ثم قال لي الحسن: أقبل على ~~شرابك. وقام، فناولني # الغلام قدحا، والحسن قد خرج، فشربت وأعطاني نقلا فقلت: اجعل لي عوضه ~~قبلة، فأبى، فقال له # فرج، غلام PageV02P556 ~~الحسن، وكان يتصرف علينا: بحياتي، يابني، اسعفه بما طلب، فضحك، ثم دنامني، كأنه # يعطيني نقلا، وتغافل، فاختلست منه قبلة، فقال: هي حرام: فقلت: # هون الأمر عليه فرج ... بتأبيه فسقيا لفرج # وبنفسي نفس من قال وقد ... كان ما كان حرام وحرج # وبت تلك الليلة ناعم بال بذلك الغزال، فلما أصبح، انصرفت، ثم عدت الى ~~الحسن، حين طلع # النهار، فقال لي: كيف مبيتك البارحة؟ # فقلت: # تألفت طيف غزال الحرم ... فواصلني بعدما قد صرم # فغض الجفون على غفلة ... وأعرض إعراضة المحتشم # فمازلت أبسطه مادحا ... وأفرط في اللهو حتى ابتسم # وحكمني الريم في نفسه ... بشيء ولكنه مكتتم # فقال لي الحسين: يافاسق! أظن ما ادعيت في النوم كان في اليقظة. وأصلح ~~الأشياء بنا، أن نزيل # العار عنا، بهبته لك. فخذه، لا بارك الله لك فيه. # قال: وكان ابن الضحاك هذا، شديد الكلف بالغلمان، ومغلبا حجة اللوطي على ~~الزان. وهو القائل في # بشر غلام أبي عيسى بن الرشيد، حين حجبه، ووكل PageV02P557 ~~به حافظه، ومراقبه، لما بلغه أن أخاه عيسى يتعشقه. واشتد لذلك حنقه، وقلقه. # وكان ذلك الغلام بشر يفضل ربات الحجال، في الحسن والجمال، فقال: # ظن من لا كان ظنا ... بحبيبي بحماه # أرصد الباب رقيبي ... ن به فاكتنفاه # فإذا ما اشتاق ودي ... ولقائي منعاه # جعل الله رقيبي ... ه من السوء فداه # وحكى أبو ms242 بكر بن الاشبيلي قال: # حضرت مجلس أنس الوزير الكاتب أبي بكر بن عمار بقصر الرشيد، فلما تمكن منا ~~الأنس، ودارت # بيننا الكأس، ارتجل أبو بكر أبياتا من الشعر، وقام ينشدها، وجعل يرفع بها ~~صوته، ويرددها وهي: # ما ضر أن قيل إسحاق وموصله ... ها أنت أنت وذي حمص وإسحاق # أنت الرشيد ودع ما قد سمعت ... به وإن تشابه أخلاق وأعراق # لله درك داركها مشعشعة ... واحضر بساقيك مادامت بناساق # وحكى الكاتب أبو نصر في كتاب (القلائد) له قال: PageV02P558 # دعيت يوما الى منية المنصور بن أبي عامر ببلنسية، وهي منتهى الجمال ومزهى ~~الصبا والشمال، # وعلى وهي بنائها وسكون الحوادث برهة في فنائها، فوافيتها، والصبح قد ~~ألبسها قميصه، والحسن قد # شرح بها عويصه. وبوسطها مجلس، قد تفتحت للروضة أبوابه، وتوشحت بالأزر ~~المبهجة أثوابه. # يخترقه جدول كالحسام المسلول، وينساب فيه انسياب الأيم بين الطلول. ~~وضفتاه بالأدواح محفوفة، # وهو يروق كالخريدة المزفوفة. # وفيه يقول علي بن أحمد أحد شعرائها وقد دخله مع لمة من وزرائها: # قم فاسقني والرياض لابسة ... وشيا من النور حاكه القطر # والشمس قد عصفرت غلائلها ... والروض تندى ثيابه الخضر # في مجلس كالسماء لاح لنا ... من وجه من قد هويته بدر # والنهر مثل الفجر حف به ... من الندامى كواكب زهر PageV02P559 ~~فحللت في ذلك المجلس، وفيه أخدان، كأنهم الولدان وهم في عيش لدن، كأنهم منه ~~في جنة عدن. # فأنخت لديهم ركائبي وعقلتها، وقلدت بهم رغائبي واعتقلتها. وأقمنا نتنعم ~~بحسنه، طول ذلك اليوم. # ووافى الليل، فذدنا عن الجفون، طروق النوم. وبتنابليلة كأن الصبح منها ~~مقدود؛ والاغصان تميد # كأنها قدود. والمجرة تبصرها نهرا؛ والكواكب تخالها في الجو زهرا. ~~والثريا، كأنها راحة تشير؛ # وعطارد، لنا بالطرب مشير. فلما كان من الغد، وافيت الرئيس أبا عبد الرحمن ~~بن طاهر زائرا. # فأفضينا في الحديث، حتى انتهينا إلى ذكر منتزهنا بالأمس؛ وما نلنا من ~~المسرات والأنس. فقال لي # الرئيس: وما بهجة مكان، قد بان قطينه وذهب؛ وسلب الزمان بهجته وانتهب، ~~وباد فلم يبق إلا # رسمه؛ ومحاه الحدثان، فما يكاد يلوح وسمه. ms243 عهدي به عندما فرغ من تشييده، ~~وتنوهي في تنميقه # وتنضيده. # وقد استدعاني اليه المنصور، في يوم حلت فيه الشمس بيت شرفها، واكتست ~~الأرض بزخرفها. # فحللت به، والدوح تميس معاطفه؛ والنور يخجله قاطفه. والمدام تطلع فيه ~~كواكبها وتغرب؛ وقد حل # فيه قحطان ويعرب. وبين يدي المنصور، مائة غلام؛ ما يزيد أحدهم على العشر، ~~غير أربع؛ ولا # يحل سوى الفؤاد من مربع. وهم يديرون رحيقا، خلتها وكؤوسها درا PageV02P560 ~~وعقيقا. فأقمنا به، والشهب تغازلنا؛ والأفلاك تنازلنا؛ ووهب المنصور في ذلك ~~اليوم ما يزيد على العشرين ألفا، من صلات # متصلات، وأقطاع ضياع. ثم توحش الرئيس لذلك العهد وأفصح ما بين ضلوعه من ~~الوجد. وأنشد: # سقيا لمنزلة الحمى وكثيبها ... إذ لا أرى زمنا كأزماني بها # وحكى الأستاذ أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي قال: دعيت ~~إلى مجلس أنس؛ في # ليلة كأن سماءها روضة، تفتحت النجوم وسطها زهرا؛ وتفجرت المجرة خلالها ~~نهرا. وشاحها اليسر؛ # وسوارها البدر. والمجلس قد احتشد به الأنس والطرب، وقرع فيه نبع السرور ~~بالغرب. فكان # كالشمس ضياء، وبدر التمام بهجة وبهاء، قد فاح نسيم رنده وآسه، ولاح سراج ~~توقد أكواسه، وأبدت # سرور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المحاسن أزرارها، والراح يديرها غزال ~~أوطف، وزهر # الأماني يقطف، والحدثان قد غض طرفه، والسرور قد نشر سجفه، فقلت مرتجلا: # يا رب ليل قد هتكت حجابه ... بزجاجة وقادة كالكوكب # يسعى بها ساق أغر كأنها ... من خده ورضاب فيه الأشنب PageV02P561 ~~بدران بدر قد أمنت غروبه ... يسعى ببدر جانح للمغرب # فإذا نعمت برشف بدر غارب ... فانعم بلثمك نيرا لم يغرب # حتى ترى زهر النجوم كأنها ... حول المجرة ربرب في مشرب # والليل منحفز يطير غرابه ... والصبح يتبعه ببازأشهب # وقد ذكر أبو محمد معنى هذا البيت الأخير، حين وصف مجلس أنس، فأحسن في صفة سقاته، # والصبح قد أقبل بميقاته. فسمى الخمر بأحسن أسمائها، وأثنى عليها بآلائها. ~~ونبه الندماء من نومهم. # وحضهم على اصطباح يومهم. فقال: # صاح نبه كل صاح نصطبح ... فضلة الزق الذي كان اغتبق # قهوة تحكى الذي في ms244 أضلعي ... من جوى الحب ومن نفح الحرق # من يدي ساق بدا من خده ... بدر تم تحت فرع كالغسق # خلتها إذ غربت في ثغره ... شمسها ألقت بخديه شفق # وكأن الصبح عين فجرت ... وكأن الليل زنجي غرق PageV02P562 ~~وكأن النجم سرب لمها ... راعه السرحان صبحا فافترق # وهذا المعنى، قد تداوله الأدباء، وحام على مسرعه الخطباء منهم والشعراء. ~~وقصدوه قصد الظمآن # للنهر المطرد، وشدوا على أفنانه شدو الطائر الغرد. أخذه أبو أحمد المنفتل فقال: # بتنا كأن حداد الليل شملتنا ... حتى غدا الليل في ثوب سحولي # كأن ليلتنا والصبح يتبعها ... زنجية هربت قدام رومي # قوله: (في ثوب سحولي) أي: في ثوب منسوب الى سحول، وهو موضع باليمن، تنسب ~~إليه الثياب، # والسحل: الثوب الأبيض، وكل ثوب من قطن أبيض، يقال له سحل، وهو معروف عند ~~العرب. ومنه # قول طرفة: # وذالت كما ذالت وليدة مجلس ... تري ربها أذيال سحل ممدد # ومنه أيضا قول الهذلي يصف حمر وحش: # غدرناها وكانت في مصام ... كأن سراتها سحل نسيج # قال هذا الأصمعي وأبو عبيدة. PageV02P563 # وفي الحديث، فيما روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول ~~الله صلى الله # عليه وسلم لما مات، كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. # وقد اختلف أهل العلم في كفنه صلى الله عليه وسلم. فروى هشام، عن قتادة، ~~عن سعيد بن المسيب # عن أبي هريرة قال: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربطتين، وثوب ~~نجراني. وعن ابن # عباس أنه قال: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء، وقميصه ~~الذي مات فيه. وعن # جعفر ابن محمد، عن أبيه، أنه كفن في ثوبين صحاريين وثوب حبرة. # قال: والصحرة، حمرة خفية الغبرة. يقال: ثوب أصحر، وصحاري. وملاءة صحراء ~~وصحاريه. # وقال بعض أهل اللغة: الأصحر ما كان لونه لون الصحراء من الأرض. # وقال الأصمعي: الأصحر قريب من الأصهب ويقال: إن الصحاري منسوب الى صحار: ~~وهي قرية # باليمن. وروى معمر عن الزهري، عن أبي سلمة: أن أبا بكر ms245 أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم في # البيت الذي توفي فيه؛ فكشف عن وجهه برد حبرة، ثم أكب عليه فقبله. # قال أبو سليمان الخطابي: وأصح هذه الأخبار حديث عائشة؛ لأنها أعلم بباطن ~~أمره. إذ كان حجب # عنه الناس، ووليه نساؤه، وأهل بيته. وقد مات صلى الله عليه وسلم في بيت ~~عائشة وفي حجرها، # ودفن في حجرتها PageV02P564 ~~لم يخف عليها شيء من أمره. ويشبه أن يكون - والله أعلم - لما مات سجي ببرد، # فمن رآه سجي ظن أنه قد كفن فيه. # قال: وقد جاء عن عائشة، ما رفع الإشكال في هذا الباب أخبرنا ابن داسة، ~~أخبرنا أبو داوود، أخبرنا # أحمد بن حنبل، أخبرنا الوليد بن مسلم أخبرنا الأوزاعي، عن الزهري، عن ~~القاسم بن محمد، عن # عائشة قالت: أدرج رسول الله صلى اللله عليه وسلم في ثوب حبرة، ثم أخر عنه. # قال أبو إسحاق: ومما يؤيد قول أبي سليمان، حديث مالك عن يحيى بن سعيد ~~قال: بلغني أن أبا بكر # الصديق، قال لعائشة، وهو مريض: في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقالت: في ثلاثة # أثواب بيض سحولية والحديث بطوله في (الموطأ). وفيه أيضا عن هشام بن عروة، PageV02P565 ~~عن أبيه، عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، كفن في ثلاثة أثواب، # بيض سحولية، ليس فيها قميص، ولا عمامة. # رجع # وأخذه أبو بكر بن ظهار فقال: # عللاني فإنما أنا حيث ... جاد روض الهوى من الوصل غيث # وكأن الظلام لما تولى ... نمر راعه من الفجر ليث # وإنما ألم الأستاذ أبو محمد في قوله: # والليل منحفز يطير غرابه # البيت. # بقول الأمير تميم بن المعز، في لفظه ومعناه. حيث يقول: # وكأن الصباح في الأفق باز ... والدجى في مخالبيه غراب # وقد كرره تميم في قوله أيضا: # وانظر إلى الليل كالزنجي منهزما ... والصبح في إثره يعدو بأشهبه # وأخذه أبو الحسن التهامي فقال: PageV02P566 # أحيي ليالي بتها وتميتني ... ويميتهن تبلج الأنوار # حتى رأيت الفجر ترفع كفه ... بالضوء رفرف خيمة كالقار # والصبح ms246 قد غمر النجوم كأنه ... سيل طما فطفا على النوار # وأخذه أبو محمد الصقلي فقال: # مازلت أشرب كأسه من كفه ... ورضابه نقل على ما أشرب # حتى انجلى الإصباح عن إظلامه ... كالستر يرفع عن مليك محجب # وأخذه الآخر فقال: # في ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدى مثل وقف العاج # والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجى بسراج # وأخذه أبو جعفر بن الأبار فقال: # والصبح ينشر من سناه صوارما ... والليل يرفع من دجاه سدولا PageV02P567 ~~وكأن جنح الليل طرف أدهم ... متضمن من صبحه تحجيلا # وما أحسن قول ابن المعتز في هذا المعنى وهو: # فإن شئت غادتني السقاة بكأسها ... وقد فتح الإصباح في ليله فما # فخلت الدجى والليل قد مد خيطه ... رداء موشى بالكواكب معلما # وفي هذا المعنى من قول ابن المعتز؛ أنشد أبو بكر ابن دريد، عن عبد ~~الرحمان، عن عمه، عبد # الملك الأصمعي لرجل من العرب: # كأن بقايا الليل في أخرياته ... ملاء تنقى من طيالسة خضر # تخال بقاياهالتي أسأر الدجى ... تمد وشيعا فوق أردية الفجر # شبهها بالوشيع، لما تراءى في خلاله، من خيوط بياض وسواد # قال: ولهذين البيتين، خبر عجيب، ونبأ غريب، يجنح لسماعه كل أديب. ويستحسن ~~موقعه في # القلوب. حكاه أبو علي البغدادي عن أبي بكر بن دريد، عن أبي حاتم، وعبد ~~الرحمان، ابني أخي # الأصمعي عن الأصمعي. # قال: نزلت بقوم من غني مجتورين، هم وقبائل من بني عامر بن صعصعة فحضرت ~~ناديا لهم، # وفيهم شيخ طويل الصمت، عالم بالشعر وأيام الناس. يجتمع إليه فتيانهم، ~~ينشدونه أشعارهم. فإذا سمع # الشعر الجيد، قرع الأرض قرعة، بمحجن في يده، فينفذ حكمه على من حضر، ببكر ~~للمنشد. وإذا # سمع ما لا يعجبه، قرع رأسه بمحجنه، فينفذ حكمه عليه، بشاة، إن كان ذا ~~غنم، وابن مخاض، إن كان # ذا إبل فإذا أخذ ذلك، ذبح لأهل النادي. # فحضرتهم PageV02P568 ~~يوما، والشيخ جالس بينهم. فأنشده بعضهم بيتين في وصف قطاة: # غدت في رعيل ذي أداوى منوطة ... بلباتها مدبوغة لم تمرخ # إذا سربخ عطت مجال سراته ... تمطت فحطت بين ms247 أرجاء سربخ # فقرع الأرض: بمحجنه وهو لا يتكلم، ثم أنشده آخر في وصف ليلة: # كأن شميط الصبح في أخرياتها # ملاء ........... # البيتين المذكورين. # قال: فقام الشيخ كالمجنون، مصلتا سيفه حتى خالط البرك، فجعل يضرب يمينا ~~وشمالا وهو يقول: # لا تفرغن في أذني بعدها ... ما يستفز فأريك فقدها # إني إذا السيف تولى ندها ... لا أستطيع بعد ذاك ردها # وهو معنى مشهور. وفي الأشعار منه كثير. # وأرى أبا جعفر التطيلي إليه أومأ، وعليه نبه، وبه أنبأ، حيث يقول: # كم ليلة جبت مثنى طولها بفتى ... شتى التسالك بين النفع والضرر # حتى بدا ذنب السرحان لي ولها ... كأنما هو زند بالصباح يري PageV02P569 ~~وفي قوله أيضا، من قطعة، هي ثابثة في مكانها من هذا الكتاب: # والصبح يقدح في الظلماء نائرة ... كأنها نفثة المصدور عن حنق # والشرق يفهق والآفاق واردة ... وأنجم الليل قد أيقن بالبلق # وقد أخذ الوزير الأجل أبو عمرو بن غياث شيخنا بيت تميم: وانظر الى الليل ~~كالزنجي البيت، فقال # من قصيدة له طويلة: # يا ساريا مل السرى الكوكب ... وأنت تسري كم وكم تدأب # كأن لم تبصر كميت الدجى ... يرهقه من صبحه أشهب # ومن قولي فيه من قصيدة في التغزل: # كم ليلة بتها حران مكترثا ... رهن الأسى وظلام الليل معتكر # ما بين ضدين من نار مؤججة ... ودمع عيني بماء الشوق ينهمر # ما بين خدين لا والله ما اجتمعا ... إلا لأمر كبار ليس يحتقر # حتى رأيت كميت الليل منهزما ... وأشهب الصبح قد وافى به السحر # وفيما أثبت منه كفاية، ومن الذي في وسعه أن يحيط بالغاية؟ # والأستاذ ابو محمد بن السيد رحمه الله في أدباء (الأندلس) وأعلامها ~~مشهور؛ وله من النحو والأدب # حظ موفور. وكان منفردا في فهمه ونبله؛ ومعروفا بالصحة في حكايته ونقله ~~وله (شروحات) # وتواليف دلت على ذكائه، وبراعته، وتهذيبه، وفصاحته: منها كتابه على (أدب ~~الكتاب) المسمى # بكتاب (الاقتضاب) وشرحه PageV02P570 ~~(لسقط الزند) للمعري، جود فيه وأتقن، وبالغ في الإيضاح وأحسن. وبلغ # في (المثلث) الغاية؛ بل زاد علي النهاية. الى رقة الطبع والمنزع؛ وحلاوة ~~المعاني ms248 والمشرع. سريع # الارتجال؛ مليح الوصف لأهل الحسن والجمال. وله في التغزل معشرات، أحسن ~~إيات من الشمس، # وأجرى من النفس في النفس. عارض فيها أبا الحسن الحصري فما قصر عنه، وان ~~لم يكن ساواه، # فلقد دنا في الإبداع منه. # مولده سنة أربع وأربعين وأربع مائة. وتوفي ببلنسية في رجب الفرد سنة إحدى ~~وعشرين وخمس # مائة. رحمة الله عليه وبركاته. ذكر مولده ووفاته ابن الصيرفي في تاريخه ~~وحكى أنه حضر مع ابن # ذي النون، المتسمى من الألقاب السلطانية بالقادر بالله رئيس طليطلة. أحيا ~~الله بنور الإيمان رمقها # ووسمها، وأعاد PageV02P571 ~~في ديوان المسلمين رسمها، مجلس أنس في (المنية) المتناهية في البهاء ~~والإشراق، # الجامعة لمحاسن (اليمن) و(العراق) التي تتفجر أبدا وتقطر، وتكاد من ~~الغضارة تمطر، والقادر بالله # قد التحف بالوقار، وارتداه، وحكم العقار في جوده ونداه، والدولاب يئن ~~كناقة اثر الحوار، أو كثكلى # من حر الأوار، والمجلس قد راق في أعين الناظرين، ونغمات العود والقيان ~~تنحر السامعين، فكأنه # لحسنه الشمس في الحمل، وأهله قد ابتهجوا بنيل الأمل، والجو قد عنبرته ~~أنواره، والروض قد ذهبته # أنداؤه. والأسد قد فغرت أفواهها، ومجت أمواهها. فقال: أبو محمد مرتجلا: # يا منظرا إن رمقت بهجته ... أذكرني حسن جنة الخلد # تربة مسك وجو عنبرة ... وغيم ند وطش ما ورد # والماء كاللازورد قد نظمت ... فيه اللآلي فواغر الأسد # كأنما جائل الحباب به ... يلعب في حافتيه بالنرد # تراه يزهى إذا يحل به ال ... قادر زهو الفتاة بالعقد # تخاله إن بدا لناظره ... بدرا بدا في مطالع السعد # كأنما ألبست حدائقه ... ما حاز من شيمة ومن مجد # كأنما جادها فروضها ... بنائل من يمينه رغد # الرغد، النفع الواسع الكثير، الذي ليس فيه تعب ولا عناء. PageV02P572 # وقال أبو بكر ابن دريد الرغد: السعة في العيش والمرعى. # يقال: عيش راغد، ورغد ورغيد. # وقال صاحب العين عيش رغد رغيد: رفيه. # وقال أبو عبيدة: الرغد، الكثير الذي يقيك من ماء، أو عيش، أوكلاء، أو ~~مال. يقال: قد أرغد فلان، # اذا أصاب عيشا واسعا. # وأرغد الرجل ماشيته، إذا تركها وسومها ms249 فى المرعى. والرغيدة، الزبدة فى ~~بعض اللغات. # وقال الأعشى يصف نيل مصر، بالرغد والكثرة: # زبدا بمصر يوم يسقي أهلها ... رغدا تفجره النبيط خلالها # وقال الله سبحانه (وكلا منها رغدا حيث شئتما). # قرأ النخعي، ويحي بن وثاب، رغدا، بإسكان الغين، وفتحها الجمهور من ~~القراء. وهي اللغة # المستعملة الفصيحة. ويقال: قوم رغد، ونساء رغد. # وحكى بعض الرواة: أن المعتمد بن عباد اختص ذات يوم، بجواريه PageV02P573 ~~وكرائمه، وشرب حتى أخذت منه الحميا ثارها؛ وأبدت له الاماني اسفارها. فمشت ~~بين يديه جارية، من تلك الجواري؛ وهي # كالشمس تحلت بالدراري، وعليها غلالة، لا تخفي نضرة جسمها، وقد أسلبت ~~ذوائب، يخفى ضوء # الشمس في مدلهمها. فسكب المعتمد عليها إناء ماء ورد، كان بين يديه. ~~فامتزج الدل لينا واسترسالا؛ # وتشاكل طيبا وجمالا. فأدركت المعتمد أريحية الطرب؛ ومالت به راح الأدب فقال: # وهويت سالبة النفوس غريرة ... تختال بين أسنة وبواتر # ثم تعذر عليه المقال؛ أو شغلته عنه تلك الحال. فأمر بعض الخدم، أن يسير ~~إلى النحلي، ويأمره # بإجازة البيت. فلما بلغ الرسول إلى النحلي، وأعلمه بالحال، وأضاف إلى ~~البيت من حينه: # راقت محاسنها ورق أديمها ... فتكاد تبصر باطنا من ظاهر # وتمايلت كالغصن هزته الصبا ... والتف في ورق الشباب الناضر # يندى بماء الورد مسبل شعرها ... كالطل يسقط من جناح الطائر PageV02P574 ~~تزهى برونقها وحسن جمالها ... زهو المؤيد بالثناء العاطر # ملك تضاءلت الملوك لقدره ... وعنا له صرف الزمان الجائر # وإذا لمحت جبينه ويمينه ... أبصرت بدرا فوق بحر زاخر # فلما وصلت الأبيات الى المعتمد ولمحها، استغربها واستملحها. وتعجب من ~~موافقة الغرض، # واستعذاره. وأمر في الحين بإحضاره. فلما وصل إليه، قال له: أصبت وأحسنت. ~~أو معنا كنت؟ فقال # له النحلي: يا قاتل المحل أو ما تلوت (وأوحى ربك إلى النحل). فزاد ~~المعتمد هذا الجواب عجبا؛ واهتز له استغرابا وتعجبا. # وقرب النحلي وأدناه، ووهب له من المال ما أرضاه به، وأغناه. # وحكى الفقيه الكاتب، أبو محمد بن عبدون، أنه ساير المتوكل على الله أبا ~~المظفر بن الأفطس إلى # مدينة (شنترين)، أعاد الله للمسلمين ملكها؛ ms250 وزين PageV02P575 ~~بنور الإيمان سلكها؛ وطهر بالهدى رجسها وإفكها # وهي على ضفة نهر، استدار بها استدارة القلب بالساعد؛ فحكت واسطة عقد، على ~~نحر كاعب ناهد. # قد أطلت على خمائلها إطلال العروس من منصتها، واقتطعت في الجو أكثر من ~~خصتها. ولها جناب # خصيب، يروق منه مرأى عجيب. فمروا بقصر يلبش، وقد سالت جداوله، واختالت ~~خمائله. فما # تجول به العين إلا في مدينة غشاء، أو بقعة أنيقة زهراء. فتلقاهم الأديب ~~أبوزيد بن مقانا، قاضي # حضرته. فأنزلهم، وأورى بالمبرة زنده لهم، وقدم لهم طعاما، واعتقد قبوله ~~منه، منا عليه وإنعاما. # فطعموا، وقعد القاضي بباب المجلس رقيبا لا يبرح، وعين المتوكل حياء منه ~~لا تجول ولا تمرح. # فخرج أبو محمد، وقد أضرمه بتثقيله، وحرمه راحة رواحه ومقيله، فلقي ابن ~~خيرون منتظرا له، وقد # أعد لحلولهم منزله، فصار معه أبو محمد إلى مجلس، قد ابتسمت ثغور نواره، ~~وخجلت خدود ورده # من زواره. وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المجالس أزرارها. وحين حضروقت # الأنس وحينه، وتأرجتأزهاره ورياحينه، وجه من يرقب المتوكل حين يقوم ~~جليسه، ويزول موحشه لا # أنيسه. فأقام الرسول، والقاضي بمكانه لا PageV02P576 ~~يريمه، قد لازمه كأنه غريمه. فما انفصل، حتى ظن أن # عارض الليل قد نصل. فلما علم أبو محمد بانفصال القاضي عن المتوكل، وقد ~~أضر به من شدة # التثقل، بعث إليه قطيع خمر، وطبق ورد، وكتب إليه: # إليكها فاجتلها منيرة ... وقد خبا حتى الشهاب الثاقب # واقفة بالباب لم يؤذن لها ... إلا وقد كاد ينام الحاجب # فبعضها من المخاف جامد ... وبعضها من الحياء ذائب # فلما رآها المتوكل، وضعها أمامه، وكتب إلى أبي محمد ببيتين هما: # قد وصلت تلك التي زففتها ... بكرا وقد شابت بها ذوائب # فهب حتى نسترد ذاهبا ... من يومنا إن استرد ذاهب # فصار إليه أبو محمد، ونقل ما كان في المجلس، فوضع بين يدي المتوكل، وباتا ~~ليلتهما، لا يريمان # السهر؛ ولا يشيمان برقا إلا الكأس والوتر. # قال واصطبح المعتمد في بعض أيام ملكه، وسعده مستقيم على فلكه، والدهر من ~~خدامه، والنصر # ملازم لأعلامه والأرض ms251 قد نشرت ملاءها؛ وسحبت رداءها وجرت فوقها ذيول ~~السحاب؛ فاكتست # أحسن جلباب. واهتز الروض لتغريد حمامه؛ وبرز الورد من كمامه، والأشجار قد ~~نشرت شعرها؛ PageV02P577 ~~والاماني قد أماطت عبوسها، وأبدت بشرها، وهو إذ ذاك في قصره الذي طويل ~~الوصف فيه قصير، # والواصف دون بلوغ مداه حسير. # فدخل عليه ابنه الرشيد فأمره بإحضار أهل أنسه، المختصين بمشاهدة مجلسه؛ ~~من الوزراء الكرام، # والكتاب، والأدباء المشاهير الأعلام، ممن اشتهر بالذكاء والفصاحة، وسمي ~~بالجزالة والرجاحة، فلما # كمل أنس المجلس وراق، وقام السرور به على ساق. قال لهم المعتمد: قلت ~~البارحة بيت شعر وهو: # بعثنا بالغزال إلى الغزال ... وبالشمس المنيرة للهلال # وأحب أن يذيل عليه. وذلك أنه، كان قد أمر بصناعة غزالين من ذهب، فصنعا ~~معا من سبع مائة # مثقال خالصة. فأهدى أحدهما إلى ابنه الرشيد. والآخر إلى الحرة المصونة ~~ابنة ابن مجاهد. وقال # البيت المذكور. فذيله الأديب أبو القاسم بن مرزقان فقال: # فذا سكني أسكنه فؤادي ... وذا نجلي أقلده المعالي PageV02P578 ~~شغلت بذا وذا خلدي ونفسي ... ولكني بذاك رخي بال # دفعت إلى يديه زمام ملكي ... محلى بالصوارم والعوالي # فقام يقرعيني في مضاء ... ويسلك مسلكي في كل حال # فدمت للعلاء ودام فينا ... فإنا للكفاح وللنزال # فسر المعتمد بهذا القول واستحسنه، وقرب أبا القاسم من نواله ومكنه، ~~واستغرب إصابته الغرض، # وأثبت له راتبا جزلا وفرض وأمره ألا يغيب عن مجلسه؛ وأدناه زيادة على ما ~~كان في يومه وأمسه. # قوله: (فذا سكني) قال أبو بكربن دريد السكن، صاحبك الذي تسكن إليه. فقال: ~~فلان سكني وقال الله # تبارك وتعالى: (فالق الإصباح وجعل الليل سكنا) أي تسكن فيه الحركات. ~~والسكن أيضا، الرحمة والبركة، قال الله تعالى وجل (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) # قرأ حمزة، والكسائي، وخلف بن هشام في اختياره، وحفص عن عاصم بالتوحيد، PageV02P579 ~~وقرأ سائر القراء بالجمع لأنها صلوات جماعة. والإفراد لأنه مصدر يقع على ~~القليل والكثير. وقد وافق حمزة والكسائي # وحفصا عن التوحيد، جماعة من غير السبعة، منهم الأعمش وحميد وابن وثاب. # والتوحيد اختيار أبي عبيد. وقال: الصلاة ms252 بالتوحيد عندي، أكثر من الصلوات. ~~ألا تسمع قول الله # تعالى (وأقيموا الصلاة) للصلوات، لا يتكلم بها إلا على العدد، كقولك: ~~ثلاث صلوات، وأربع وخمس. # وقال صاحب العين سكن يسكن سكونا، إذا ذهبت حركته. ويقال: سكنت الريح، ~~وسكن المطر، # وسكن الغضب وسكن في معنى سكت. وهو المستعمل في أشياء كثيرة وفي كتاب الله ~~تعالى (ولما سكت عن موسى الغضب)، أي # سكن. شبه سكوت الغضب، بسكوت الناطق، من حيث كان ثؤره، كالناطق، وسكونه ~~كالسكوت، وقيل # هو من المقلوب. والمعنى ولما سكت موسى عن الغضب فهو كقولهم: أدخلت ~~القلنسوة في رأسي # والسكن بسكون الكاف، هو العيال، وهم أهل البيت، ومنه قول الشاعر: # ليس بأسفى ولا أقنى ولا سعل ... يسقى دواء قفي السكن مربوب PageV02P580 ~~والسكن أيضا المنزل، والسكن السكان، والسكينة الوداعة والوقار. يقال: فلان ~~ساكن هاديء وقور # وفي حديث أبي هريرة فيما روى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه، إذا ثوب ~~بالصلاة، فلا تأتوها # وأنتم تسعون، واتوها وعليكم السكينة. أي: الوقار. فهي فعيلة، من السكون ~~الذي يراد به الوقار، لا # السكون الذي هو ضد الحركة. # فأما قوله تعالى: (أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم) فاختلف أهل ~~العلم فيه. فقال علي رضي الله عنه: السكينة ريح هفافة، لها وجه # كوجه الانسان رواه سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الاحوص عن علي. PageV02P581 # والهفافة السريعة المر، يقال: هفت، تهف، هفيفا. # ومنه قول ذي الرمة: # إذا ما نعسنا نعسة قلت غننا ... بخرقاء وارفع من هفيف الرواحل # وقال مجاهد: لها رأس وذنب، كرأس الهر وذنبه. وكذا قال ابن عباس، إلا أنه ~~قال: لها عينان، لهما # شعاع، اذا التقى الجمعان، أخرجت رأسها، ونظرت إليهم، فينهزم الجيش من ~~الرعب، وعنه أنه قال: # هي طست من ذهب، كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء. # قوله: (هي طست) فالطس مؤنثة أعجمية معربة. يقال: الطس، والطست، والطسة ~~بفتح الطاء، # والطسة بكسرها # وتصغيرها طسيسة والجميع طساس، وطساة ، وطسوس، وطسوت أيضا، وطسيس. وهو من الجمع # الشاذ، مثل كلب وكليب، وفحل وفحيل. # وقال وهب هي روح ms253 من الله، يكلمهم، اذا اختلفوا في شىء بينه لهم. الضحاك: ~~هي الرحمة. عطاء: # هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها. PageV02P582 # وقال الحسن كانت سكينة بني إسرائيل، ما في التابوت من ميراث الأنبياء، وكان ~~فيه عصا موسى، # وعمامة هارون الصفراء، ورصاص اللوحين اللذين رفعا. جعل الله لهم ذلك ~~سكينة. لا يفرون عنه # أبدأ، وتطمئن قلوبهم إليه. # وقال مقاتل في تفسيره: كان في التابوت رأس كرأس الهرة، إذا صاح كان الظفر ~~لبني اسرائيل. # والسكن أيضا: الناروالجميع الإسكان. قال الراجز: # قومن بالدهن وبالإسكان # والمسكين الذى لا شيء له. وربما جعل الناس المسكين في غير موضعه، ~~فيجعلونه الفقير قال أبو # عبيدة وليس كذلك، لأن الفقيرالذي له شىء، والمسكين الذي لا شيء له. وأنشد ~~أبو عبيدة: # أما الفقير الذي كانت حلوبته # البيت. PageV02P583 # فأما قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) فقال أبو ~~حاتم أحسبه أنهم كانوا # شركاء في سفينة لا يملكون سواها فخالف أبا عبيدة. # والمسكنة مصدر فعل المسكين. يقال: تمسكن الرجل إذا صار مسكينا ووزنه ~~مفعيل. والسكان، ذنب # السفينة الذي تعدل به. والسكين، فعيل من قولهم: # ذبحت الشيء، حتى سكن اضطرابه. يذكر ويؤنث وجمعه السكاكين وأصل الباب كله ~~السكون. وهو # ضد الحركة، لأن السكون، والهدوء، والثبوث، نظائر وكذلك الاستقرار ~~والاطمئنان والثبات والمسكن # والمأوى والمثوى نظائر. # وقال الله تبارك وتعالى (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) أي: اجعلها تأوي ~~فيه، وتسكن إليه. ويقال: اسكن؛ أي استقر في مكانك، # ولا تتحرك. ويقال: سكن يسكن سكونا، وأسكنه إسكانا. وسكنه تسكينا، وساكنه ~~مساكنة. وفلان # يتمسكن لربه. # رجع # وحكى إبراهيم الموصلي قال: جمع الرشيد ذات يوم بين المغنين، فلم يبق أحد ~~من الرؤساءإلا # حضر. وكنت فيهم. وحضر معنا أبو صدقة PageV02P584 ~~مسكين المدني، وكان يوقع بالقضيب، مطبوعا حاذقا، # طيب العشرة، مليح النادرة. فاقترح الرشيد حين عمل فيه النبيذ، صوتا. فأمر ~~ابن جامع، صاحب # الستارة أن يغنيه إياه، ففعل؛ فلم يطرب عليه. ثم فعل ذلك بجماعة ممن حضر، ~~فلم يحرك منه أحد. # فقال صاحب الستارة لمسكين المدني: يأمرك أمير ms254 المومنين، إن كنت تحسن هذا ~~الصوت تغنيه. قال # إبراهيم: فاندفع فغناه، فأمسكنا جميعا متعجبين، من جرأة مثله على الغناء ~~بحضرتنا، في صوت، قد # قصرنا فيه، عن مراد الخليفة. # قال إبراهيم: فلما فرغ منه، سمعت الرشيد يقول، وقد رفع صوته: أحسنت - ~~والله يا مسكين - # وأجملت، أعده! فأعاده بقوة ونشاط، واجتماع قلب، فأحسن فيه كل الإحسان، ~~فقال الرشيد: أحسنت - # والله يا مسكين وأجملت. ثم أمر برفع الستارة بيننا وبينه، فقال له مسكين: ~~ياأمير المومنين، إن لهذا # الصوت خبرا عجيبا. قال: وما هو؟ قال: كنت عبدا خياطا لبعض آل الزبير، ~~وكانت لمولاي علي # ضريبة أدفع إليه كل يوم درهمين، فإذا فرغت من ضريبتي، تصرفت في حوائجي ~~وكنت مولعا # بالغناء، ومحبا له. فخطت يوما قميصا لبعض الطالبيين، فدفع إلي درهمين، ~~وتغذيت عنده، وسقاني # أقداحا، PageV02P585 ~~فخرجت، وأنا فرحان جذلان. # فلقيتني سوداء، على عاتقها جرة، وهي تغني هذا الصوت؛ فأذهلتني عن كل مهم، ~~وأنساني ما # سمعت منها كل حاجة. فقلت لها: بحق صاحب القبر، ألا ألقيت علي هذا الصوت. ~~فقالت: وحق # صاحب القبر، لا ألقيته عليك، إلا بدرهمين. فأخرجت - والله يا أمير ~~المومنين - الدرهمين اللذين # أعددتهما للضريبة، ودفعتهما إليها فحدرت الجرة عن عاتقها، وقعدت توقع ~~عليها، واندفعت تغنيه. فما # زالت تردده علي، حتى كتب في صدري. وانصرفت إلى مولاي؛ فلما رآني، قال: ~~هلم خراجك # فقلت: كان وكان. فقال يا ابن اللخناء ألم أتقدم إليك، إني لا أقبل لك ~~عذرا، في حبة تكسرها، ثم # بطحني، فضربني خمسين جريدة، بأشد ضرب يكون. وحلق رأسي، ولحيتي. فبت - يا أمير # المومنين - أسوء خلق الله حالا. وأنسيت الصوت، من حرارة ما نالني من ~~الضرب. فلم يكن شيء، # هو أشد علي من نسيان الصوت فلما أصبحت، غطيت رأسي، وأخذت جلمي في كمي، ~~ومضيت نحو # الموضع الذي لقيت فيه السوداء. فبقيت كالمتحير، لا أعرف لها إسما، ولا ~~منزلا، فلم أبرح على تلك # الحال، حتى بصرت بها مقبلة؛ فأنسيت كل ما نالني عند رؤيتها، وملت إليها، ~~فقالت: أنسيت، ورب # الكعبة، الصوت. فقلت لها: الأمر ms255 كما ظننت. وعرفتها ما اتفق PageV02P586 ~~لي، وما كان من حلق رأسي، # ولحيتي، بعد ضربي. وقلت: أرعى في الأجر وردديه علي فقالت: وحق القبر، ومن ~~فيه، لارددته # عليك الا بدرهمين، فأخذت جلمي، فرهنته على درهمين، دفعتهما إليها. فحدرت ~~الجرة عن رأسها، # وفعلت كما فعلت بالأمس، واندفعت تغني؛ فساعة مرت في الصوت، قلت لها: ردي ~~علي الدرهمين، # لا حاجة بي في غنائك. # فقالت: والله، لا تراهما، ولا تطمع في ردهما إليك أبدا ثم قالت: كأني بك، ~~وقد أخذت مكان الأربعة # دراهم، أربعة آلاف دينار من الخليفة. ثم جعلت تغنيه، وتوقع على جرتها، ~~وتردده علي، حتى رسخ # في قلبي ثم مضت عني، وانصرفت إلى مولاي حذرا، وجلا منه. فلما رآني، قال: ~~هلم خراجك، # فلويته لساني، فقال: يا ابن اللخناء! ألم يكفك ما مر عليك في أمسك؟ فقلت: ~~أصدقك ولا أكذبك. إني # اشتريت بخراجي، أمس واليوم، هذا الصوت، ثم اندفعت أغني، فقال لي: ويحك ~~معك مثل هذا # الصوت، منذ يومين، ولم تعلمني، امرأته طالق، لو كان يملك شيئا سواك ~~لأعتقتك وأما حلق الرأس # واللحية فلا حيلة لي فيهما، وأما خراجك، فقد وهبه الله لك إلى أن ينبت ~~شعرك. قال: واستضحك # الرشيد، وقال له: ما أدري أيها أحسن، أحديثك أم غناؤك؟ وقد أمرت لك بما ~~حكمت به السوداء. ولم # يبرح من مجلسه، حتى قبض الأربعة آلاف دينار. # قال: وكان الشعر المذكور: PageV02P587 # قف بالمنازل ساعة فتأمل ... هل بالديار لزائر من منزل # ما بالديار من البلى ولقد أرى ... أن سوف يحملني البلى في محمل # وحكى بعض الوزراء بإشبيلية، قال: خرج المعتمد في بعض الأيام، يريد ~~(لورقة) ليتطلع على # أحوالها، ويتفقد جميع أعمالها. فاشتد وجده بمن كان يهوى، وتحقق أنه على ~~البعد ليس يقوى. وألم به # شغفه وهيامه، وغلب على قلبه غرامه فوصل (لورقة) ليلا، واستدعى القائد أبا ~~عيسى بن اليسع في # ساعة لم يخف فيها زائر من مراقب، ولم يبد في الأفق غير نجم ثاقب فريع ~~القائد أبو عيسى لذلك، # وجزع جزعا شديدا هنالك، حتى ودع من ms256 تخلف؛ وأوصى بما خلف، وسار إلى ~~المعتمد فوصل، وما # للأمن إلى قلبه وصول، وهو يتخيل أن الجو صارم ونصول. فلما مثل بين يديه، ~~وسلم عليه، قربه # المعتمد وآنسه، وسكن رعبه وتوجسه، PageV02P588 ~~وأخذا في الحديث ساعة. وليس للمعتمد في كتمان حاله استطاعة # فقال للقائد: خرجت من (اشبيلية)؛ فحدث في النفس غرام طوته ضلوعي؛ وكفكفت ~~به غرب دموعي # بفتاة هي الشمس، أو كالشمس إخالها: لا يجول قلبها ولا خلخالها. وفيها ~~أقول عند وداعها، يوم تفطر # كبدي وانصداعها: # ولما التقينا للوداع غدية ... وقد خفقت في ساحة القصر رايات # بكينا معا حتى كأن عيوننا ... بجري الدموع الحمرمنها جراحات # وقد زارتني هذه الليلة في مضجعي؛ وأبرأتني من توجعي وأمكنتني من عناقها، ~~وبردت كبدي من # إحراقها لما سقتني سلسال رضابها ومتعتني من دلالها وخضابها. فقلت: # أباح لطيفي طيفها الخد والنهدا ... فعض بها تفاحة وجنى وردا # ولو قدرت زارت على حال يقظة ... ولكن حجاب البين ما بيننا مدا # أما وجدت عنا الشجون معرجا ... ولا وجدت منا خطوب النوى بدا PageV02P589 ~~سقى الله صوب القطر أم عبيدة ... كما قد سقت قلبي على حره بردا # هي الظبي جيدا والغزالة منظرا ... وروض الربا عرفا وغصن النقا قدا # فأكثر القائد استعادتها، وكرر استجادتها؛ فأمر له المعتمد بخمس مائة ~~مثقال، وولاه (لورقة) من حينه. # قال أبو إسحاق: # أجاد المعتمد في قوله وانطبع، وأحسن ما شاء وإن لم يكن اخترع، وشكر للطيف ~~حين زاره ما صنع # وقوله: بردت كبدي. فيه لغتان: بردت بالتشديد، وبردت بالتخفيف. # وينشد قول الراجز: # قد علمت أني مروي هامها ... وبارد الغليل من أوامها # إذا عقدت الدلوفي خطامها # خطامها: رشاؤها. # وأنشد أبو زيد: PageV02P590 # قد وردت من بحر ذي عدوق ... خوامصا جاءت من العقيق # ترتشف الماء ارتشاف الريق ... كأنما يبردن بالغبوق # قال هذا قاسم في (الدلائل). وحكى عن الحسين، عن أحمد بن يحيى عن ابن ~~الاعرابي. قال: تقول # العرب: وسقني وأبرد. # ومعناه: ايتني به باردا. وأسقني وأبرد غليلي. قال: وزعم بعض أهل العربية ~~أنك تقول: بردت # الماء: من الإبراد، وبردته من الإسخان ms257 وقال: هو من الأضداد. وكان ينشد في ~~ذلك بيتا يغلط فيه: # عابت الماء في الشتاء فقلنا ... برديه تصادفيه سخينا # وإنما هو: بل رديه فأدغم اللام في الراء كما يقرأ (بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون). # قال: وفي الحديث، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما فتح (خيبر)، وهي ~~مخضرة من الفواكه؛ # فواقع الناس للفاكهة؛ فمغثتهم الحمى، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: "يا أيها # الناس إن الحمى رائد الموت، وسجن الله في الأرض. فبردوا لها الماء في ~~الشنان؛ ثم صبوه عليكم # فيما بين الصلاتين". PageV02P591 # قال: يعني المغرب والعشاء الآخرة: قال: ففعلوا فذهبت عنهم. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # "إن الله لم يخلق وعاء مليء شرا من بطن، فإن كان لا بد فاجعلوا ثلثا ~~للطعام وثلثا للشراب وثلثا # للريح". وكذلك الحديث الآخر في الحمى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أمرنا أن نبردها # بالماء. وأن نبردها. والرجل مبرد وبارد. والأبردان: الغداة والعشي. ~~والأبردان أيضا: الظل والفيء، # سميا بذلك لبردهما، وطيب الهواء فيهما. ويقال لهما أيضا: البردان. # فأما الحديث المروي عن أبي هريرة في (الموطأ)، وغيره: ان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: # "إذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" فليس من ~~بردي النهار اللذين هما # الغداة والعشى، ولا من بردي الظل والفيء. وإنما الإبراد في هذا الحديث ~~يراد به انكسار وهج # الشمس بعد الزوال. وسمي ذلك إبرادا، لأنه بالإضافة، إلى حر الهاجرة برد. ~~قاله أهل العلم: أبو # سليمان وغيره. # وحكى عن محمد بن كعب القرظي أنه قال في قوله: "أبردوا بالصلاة" قال: كلام ~~العرب، إذا كان # القوم في سفر، فزالت PageV02P592 ~~الشمس، وهبت الأرواح، تنادوا: أبردتم، أبردتم بالرواح. وكان يعد إبرادا حين # تزول الشمس وقول المعتمد في صفة الجارية: لا يجول قلبها ولا خلخالها ~~فالقلب بضم القاف هو # السوار. قال فيه الشاعر، وهو خالد بن يزيد بن معاوية من أبيات له: # تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا ms258 يجول ولا قلبا # وبعده: # فلا تكثروا فيها الملام فإنني ... تخيرتها منهم زبيرية قلبا # أحب بني العوام طرا لحبها ... ومن أجلها أحببت أحوالها كلبا # إذا نزلت أرضا تحبب أهلها ... إليها وإن كانت منازلها جدبا # فإن تسلمي أسلم وإن تتنصري ... يعلق رجال بين أعينهم صلبا # ويروى: (أحب بني العوام طرا بحبها). # وقلب النخلة بالضم أيضا، وهي شطبة بيضاء، تخرج في وسطها، كأنها قلب فضة. ~~سميت بذلك، # لبياضها. والجميع قلوب. PageV02P593 # وقوله في هذه القطعة: # تخيرتها منهم زبيرية قلبا # هو بفتح القاف. يقال: هو عربي قلب، وعربية قلب. # قال أبو عبيدو إن شئت قلت: عربية قلبة. وإن شئت ثنيت، وهوالمحض. # قال ابن الاعرابي يقال: إنه لعربي محض، وقلب، وهو الخالص المحض. # وتجوز التثنية فيها. فإذا جمعت وحدت. # وفي حديث علي رضي الله عنه، فيما روى سفيان، عن أبي رزين عنه، أنه كان ~~يقرأ: (إياك نعبد وإياك نستعين) وكان # قرشيا قلبا يعني قرشيا خالصا محضا والذي يراد من هذا الحديث، أن عليا كان ~~يقرأ إياك بالهمز وهو # قرشي، والقرشيون ليس من لغتهم الهمز وفي الحديث، ان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أتى بأسير # يرعد، فقال: ادفوه يريد أدفئوه، من الدفء. فذهبوا به، فقتلوه، فوداه رسول ~~الله صلى الله PageV02P594 ~~عليه وسلم # قال أبو سليمان: ولو كان يريد معنى القتل، لقال دافوه، أو دافوه، ~~بالتثقيل. يقال: دافيت الأسير، # وداففته، إذا أجهزت عليه. ويقال: دافوه بالتخفيف لغة جهينة. # قال ابو بكر بن دريد ويقال دأفت الأسير بالدال، وذأفت بالذال معجمة، إذا ~~أجهزت عليه. # وقرأ أبو سوار الغنوي "هياك نعبد وهياك نستعين" بالهاء فيهما بدلآ من ~~الهمز. قالوا: وهي لغة قليلة # الإستعمال، وأكثر ما تجيء في الشعر. # أنشد أبو حاتم عن الأخفش: PageV02P595 # فهياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليه مصادره # وأنشد إسماعيل الأسدي، عن يموت بن المزرع البكري البصري. # قال: أنشدتني أم الهيثم القبرية لنفسها: # دعوت عياضا يوم صعدة دعوة ... وعاليت صوتي ياعياض بن طارق # وقلت له هياك والبخل إنه ... إذا عدت الأخلاق شر الخلائق # وحكى الحسن ms259 بن أبي مهران عن أحمد بن يزيد الحلواني عن عيسى بن مينا ~~قالون، أنه قال: كان # أهل المدينة لا يهمزون، حتى همز ابن جندب فهمزوا. وابن جندب هو مسلم بن ~~جندب الهذلي، # القاص، يكنى أبا PageV02P596 ~~عبد الله. أخذ القراءة عرضا عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وسمع ابن عمر # وأسلم مولى عمر. وروى عنه القراءة نافع بن أبي نعيم، وزيد بن أسلم، ويحيى ~~بن سعيد الأنصاري، # وابن أبي ذيب. # قال مالك رحمه الله: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب فقال: يا أبا محمد أي ~~الأيام خير، فقال: سل # عن ذلك القاضي مسلم بن جندب فذهب فسأله فقال: يوم النحر، ثم رجع إلى ~~سعيد، فأخبره بما قال له # مسلم، فقال سعيد: أعرابي يعظم الدماء. أعظم هذه الأيام يوم الجمعة. # رجع # ونذكر هنا بعض ما قيل في طيف الخيال. إذ الشيء يذكر بالشيء، للشبه ~~والمثال. # قال: أبو القاسم الشريف: PageV02P597 # إن طيف الخيال زار طروقا ... والمطايا بين القنان وشعب # زارني واصلا على غير وعد ... وانثنى هاجرا على غير ذنب # كان قلبي إليه رائد عيني ... فعلى العين منه منة قلبي # وقال أيضا: # ألم خيال من أميمة طارق ... ومن دون مسراه اللوى والأفارق # ألم بنا لم ندر كيف لمامه ... وقد طال ما عاقته عنا العوائق # نعمنا به حتى كأن لقاءنا ... وما هو إلا غاية الزور صادق # وهذا كقول الطائي الصغير وهو البحتري: # ويكفيك من حق تخيل باطل ... ترد به نفس اللهيف فترجع # وقال الشريف أيضا: # وسدني كفه وعانقني ... ونحن في سكرة من الوسن # وبات عندي إلى الصباح وما ... شاع التقاء لنا ولم يبن # خادعني ثم عد خدعته ... بمقلتي منة من المنن # وقال أبو الحسن التهامي: # أهدى لنا طيفها نجدا وساكنه ... حتى اقتنصنا ظباء البدو والحضر PageV02P598 ~~فبات يجلو لنا من وجهها قمرا ... من البراقع لولا كلفة القمر # وراعها حر أنفاسي فقلت لها ... هواي نار وأنفاسي من الشرر # وزاد در الثنايا در أدمعها ... فالتف منتظم منه بمنتثر # فما نكرنا من الطيف الملم بنا ... ممن هويناه ms260 إلا قلة الخفر # فسرت أعثر في ثوب الدجى ولها ... والجو روض وزهر الشهب كالزهر # وللمجرة فوق الأرض معترض ... كأنها حبب يطفو على نهر # وللثريا ركود فوق أرحلنا ... كأنها قطعة من فروة النمر # قوله: # أهدى لنا طيفها نجدا وساكنه # نجد: بلد، سمي نجدا لعلوه عن انخفاض تهامة، وأصل النجد العلو. يقال: لكل ~~مرتفع من الأرض؛ # نجدة. ورجل نجدي؛ منسوب إلى نجد، ورجل نجد، بين النجدة، إذا كان جلدا ~~قويا. قيل له ذلك. # لاستعلائه على قرنه. # ويقال: استنجدت فلانا، فأنجدني؛ أي: استعنته على خصمي فأعانني. # كما يقال: استرشدته، فأرشدني. قال الشاعر: # إذا استنجدتهم ودعوت بكرا ... لتنصرني كسرت بهم همومي PageV02P599 ~~وقال أبو عبيدة: يقال: نجدت الرجل، أنجده. إذا غلبته وأنجدته إذا أعنته ~~ومنه حديث معاوية أنه # قال: إني لألقى الرجل، أعلم أن في نفسه علي شيئا، فأستثيره، فيثورني بقدر ~~ما يجد في نفسه، # فيوسعني شتما وأوسعه حلما. ثم ألقاه بعد ذلك صديقا، استنجده فينجدني، ~~وأريده، فيقبل إلي. # والنجد أيضا، الكرب والغم، لعلوه على صاحبه. # والنجاد: ما علا على العاتق من حمالة السيف. وفي كتاب الله تعالى ~~(وهديناه النجدين) أي: الطريقين: طريق # الخير، وطريق الشر. سميا بذلك، لظهور الإنسان فيهما. # والنجد أيضا، ما يزين به البيت، من أنواع البسط والثياب. # يقال: نجدت البيت تنجيدا. وقال ذو الرمة: # حتى كأن رياض القف ألبسها ... من وشي عبقر تجليل وتنجيد # والنجاد، هو الذي يفرش البيوت، وهو أيضا المنجد رجع: # وقال أيضا: # وأراد الخيال لثمي فصير ... ت لثامي دون المراشف سترا # اصرفي الكأس من رضابك ... عني حاش لله أن أرشف خمرا PageV02P600 ~~ولو ان الرضاب غير مدام ... لم تكوني في حالة الصحو سكرى # وقال أيضا: # عبسن من شعر في الرأس مبتسم ... ما نفر البيض مثل البيض في اللمم # وقبلتني توديعا فقلت لها ... كفي فليس ارتشاف الخمر من شيمي # لو لم يكن ريقها خمرا لما انتطقت ... بلؤلؤ من حباب الثغر منتظم # ولو تيقنت غيرالراح في فمها ... ما كنت ممن يصد اللثم باللثم # وزاد ريقتها بردا تحدرها ... على حصى برد من ms261 ثغرها شبم # والبيت الثاني من هذه القطعة، يشبه قول الرضي: # وقبلته فوق اللثام فقال لي ... هي الخمر إلا أنها بفدام # وقال الإيادي علي بن محمد: # طيف يزورك من حبيب هاجر ... أهلا به وبطيفه من زائر PageV02P601 ~~شق الدجى وسرى فأمعن في السرى ... حتى ألم فبات بين محاجري # يحدو به هيف القضيب المنثني ... نحوي وسالفة الغزال النافر # لله درك من خيال واصل ... أسرى فأنصف من حبيب هاجر # عللت غلة قلب صب هائم ... وقضيت ذمة فيض دمع ماطر # وقال أبو الحجاج الرمادي: # لا شكرعندي للحبيب الهاجر ... بل كل شكري للخيال الزائر # فكأنما يخشى العيون نهاره ... فيزورني تحت الظلام الساتر # نومي يريه لناظري فكأنه ... قبل المنام قد اختفى في ناظري # وقال أبو العباس بن سيد: # إن التي بخلت علي بوصلها ... شحا، وأغرتني بها اللوام # بعدت فقربها التذكر والكرى ... حتى تساوت يقظة ومنام # فلذاك أعتقد التخيل وصلة ... والطيف، إذ لا يمكن الإلمام # ولرب ممنوع تضن به النوى ... فتجود لي بوصاله الأحلام # وقال أبو إسحاق الخفاجي: PageV02P602 # يا حبذا والطيف ضيف طارق ... طيف على شحط أجد مزارا # تلوي الشمول به قضيبا ربما ... عاطى بسوسان هناك عرارا # فلثمت فيما قد لثمت علاقة ... خدا يسيل مع العقارعقارا # ما إن دريت وقد نعمت بلثمه ... ماذا رأيت أجنة أم نارا # وقال الأستاذ أبو محمد بن صارة: # وزائرة والليل ملق جرانه ... أتاني بها وجدي وفرط ولوعي # فباتت تعاطيني سلاف رضابها ... وبت أهاديها جمان دموعي # فأي مهاة بت مقتنصا لها ... ولكن بقلبي في كناس ضلوعي # وأنشدني بعض الأدباء: # ضن بالقرب إذ أنا يقظا ... ن وأعطى كثيره في المنام # فالتقينا كما اشتهينا ولا عي ... ب سوى أن ذاك في الأحلام # وإذا كانت الملاقاة ليلا ... فالليالي خير من الأيام # وهذا كقول أبي تمام الطائي: PageV02P603 # الليالي أحفى بقلبى إذا ما ... جرحته النوى من الأيام # يا لها لذة تنزهت الأر ... واح فيها سرا من الأجسام # مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام # قال أبو إسحاق: # وطيف الخيال، ما عرض للإنسان، وخطر بباله، من ms262 كل شىء. والطيف مصدر من ~~قولهم: طاف # يطيف، وقيل: هو من الواو. # وأصله: طيوف # قال أبو اسحاق الزجاج: يقال: طفت عليهم أطوف. وطاف الخيال يطيف. # وقال أبو الحسن الكسائي: الطيف: اللمم ، والطائف: ما طاف حول الإنسان. # وقال أبو عمرو بن العلاء: الطيف: الوسوسة. وأنشد غيره: # أنى ألم بك الخيال يطيف # وقال أبو الحسن الرماني: الطائف؛ طائف الجن والشيطان: # وكل شيء يغشى القلب من وسواسه فهو طيفه، وأنشد: # أرقني زائر طيف أرقا # يعني أنه رأى خيالها في منامه. # وأنشد نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء، قول حسان بن ثابث: PageV02P604 # ما هاج حسان رسوم المنام ... ومظعن الحي ومبنى الخيام # جنية أرقني طيفها ... تذهب صبحا وترى في المنام # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، والكسائي ويعقوب "إذا مسهم طيف من الشيطان ~~تذكروا" بغير ألف ولا # همز # وقرأ سائر السبعة: نافع، وغيره (طائف) على وزن فاعل وقرأ ابن عباس، وابن ~~جبير، طيف # بتشديد الياء مكسورة # ومعنى قراءة أبي عمرو ومن وافقه؛ أنهم جعلوه مصدر طاف الخيال، يطيف طيفا. ~~مثل كال يكيل # كيلا، وباع يبيع بيعا. ويحتمل أن يكون مخففا من طيف، كميت من ميت # ومعنى قراءة نافع، ومن وافقه؛ أنهم جعلوه أيضا مصدرا كالعاقبة والعافية. ~~قاله أبو محمد مكي. قال: # وفعل أكثر في المصادر من فاعل. PageV02P605 # ومعنى قراءة ابن عباس وابن جبير. ومن وافقهما، أنهم جعلوه، من طاف يطوف. ~~فالأصل فيه # طيوف. # حكى أبو زيد: طاف الرجل، يطوف طوفا: إذا أقبل وأدبر. وأطاف يطيف إذا جعل ~~يستدير بالقوم، # ويأتيهم من نواحيهم ويشهد لهذا القول، قول امرىء القيس: # أطافت به جيلان ..... # وقيل: الطائف، ما طاف به من وسوسة الشيطان. والطيف من اللمم. والمس: ~~الجنون. # وقال أبو بكر بن دريد طاف يطوف طوفا: إذا دار حول الشيء. # وأطاف به، يطيف إطافة: إذا ألم به. # ويقال: أطاف فلان بهذا الأمر: إذا أحاط به. والطوافون: المماليك. لقوله ~~تعالى (طوافون عليكم). # والطوف، خشب يجمع بعضه إلى بعض، ويركب عليه في البحر # والطوفان؛ مصدر لطاف يطوف. PageV02P606 # فأما ms263 قولهم طاف بالبيت. فتقول فيه: فهو طواف. قال: والطائف الذي بالغور؛ ~~إنما سمي طائفا # بالحائط الذي بنوا حوله في الجاهلية؛ حصنوها به. وفي ذلك يقول أمية بن ~~أبي الصلت: # نحن بنينا طائفا حصينا ... نقارع الأعداء عن بنينا # وأصل الباب كله، الدور، والطائف. والدائر، والحائل نظائر. # والطائفة من كل شيء: قطعة منه. يقال: طائفة من الناس، ومن الليل. # وقال صاحب العين الطوفان؛ الماء الذي يغشى كل مكان. كما قال تعالى وجل ~~(فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) وكان سيلا عظيما. # وطوفان الليل: شدة سواده. وهو مشبه بالماء الذي يغشى كل شيء. ومنه قول ~~العجاج: PageV02P607 # وعم طوفان الظلام الأثأبا # والأثأب: شجر شبه الطرفاء إلا أنه أكبر. # وحكى بعض وزراء (اشبيلية) أن المعتمد بن عباد وجه ابنه المعتد بالله إلى ~~(شلب) واليا؛ وكانت # بلغة شبابه؛ ومألف أحبابه التي عمر نجودها غلاما؛ ويذكر عهودها احلاما. ~~فقال يخاطب ابا بكر بن # عمار: # ألا حي أوطاني بشلب أبا بكر ... وسلهن هل عهد الوصال كما أدري؟ # وسلم على قصر الشراجيب عن فتى ... له أبدا شوق إلى ذلك القصر # منازل آساد وبيض نواعم ... فناهيك من غيل وناهيك من خدر # فكم ليلة قد بت أنعم جنحها ... بمخصبة الأرداف مجدبة الخصر # وبيض وسمر فاعلات بمهجتي ... فعال الصفاح البيض والأسل السمر # وليل بسد النهر لهوا قطعته ... بذات سوارمثل منعطف النهر # نضت بردها عن غصن بان منعم ... نضيركما انشق الكمام عن الزهر # وقصر (الشراجيب) الذي ذكر؛ كان متناهيا في الإشراق؛ مباهيا لزوراء PageV02P608 ~~(العراق). ركضت فيه جياد راحاته؛ وجرى الدهر مطيعا بين بكره وروحاته. أيام ~~لم تحل عنه تمائمه، # ولا خلت من أزهار الشباب كمائمه. وكان يعتدها مجبى ماله؛ ومنتهى اعماله، ~~الى بهجة جنباتها؛ وطيب نفحاتها وهباتها، # والتفاف حمائلها؛ وتقلدها لنهرها مكان حمائلها، وفيها يقول أبو بكر ~~الداني: # ألا علم المعتد بالله أنني ... بحضرته في جنة شقها نهر # وما هو نهر أعشب النبت حوله ... ولكنه سيف حمائله خضر # فلما صدر عنها، وقد حسنت آثاره في تدبيرها؛ وانسدلت رغائبه على صغيرها ~~وكبيرها. نزل # المعتمد عليه مشرفا ms264 لأوبته؛ ومعرفا بسمو قدره لديه ورتبته. فأقام يومه ~~عنده مستريحا؛ وجرى في # ميدان الأنس بطلا مشيحا. # وكان المعتمد واجدا على ابنه الراضي؛ فذكرته الحميا بعده عنه ونواه؛ فحن ~~عند ذلك للقياه، وزال ما # كان يجد عليه؛ فأمر بإحضاره بين يديه. فلم يات ابنه الراضي إلا وقد مالت ~~بالمعتمد نشوته؛ بعدما # ازدهته من الطرب أريحيته. فلما وصل ابنه الراضي؛ ألفاه قد أغفى في ~~منتداه؛ وهو PageV02P609 ~~طريح في منتهى مداه. فأقام تجاهه؛ ينتظر انتباهه. وصنع في أثناء ذلك شعرا؛ ~~أتقنه وجوده. فلما استيقظ أبوه # من نومه، أنشده: # ألآن تعود حياة الأمل ... ويدنو شفاء فؤاد معل # فقد وعدتني سحاب الرضا ... بوابلها حين جادت بطل # ويورق للعز عصن ذوى ... ويطلع للسعد نجم أفل # أيا ملكا أمره نافذ ... فمن شا أعز ومن شا أذل # ولا غرو إن كان منك اغتفار ... وإن كان منا جميعا زلل # فمثلك وهو الذي لم يزل ... يعود بحلم على من جهل # وحكى أبو الحسين بن سراج أنه حضر الكتاب والوزراء، مجلس أنس (بالزهراء)؛ ~~في يوم غفل # عنه الدهر، فلم يرمقه بطرف؛ ولم يطرقه بصرف. أرخت به المسرات عهدها؛ ~~وأبرزت له الأماني # خدها. وأباحت للرائدين حماها؛ وأرشفتهم لماها فلم يزالوا ينتقلون من قصر ~~الى قصر؛ ويبتدلون # الغصون بجني وهصر. ويتوقلون في تلك الغرفات؛ ويتعاطون الكؤوس بين تلك ~~الشرفات. حتى # استقروا بالروض، بعدما قضوا من تلك الآثار PageV02P610 ~~أوطارا؛ ورمقوا بالاعتبار أقطارا فحلوا منه في درانيك # ربيع مفوفة بالأزهار؛ مطرزة بالجداول والأنهار. والغصون تختال في ~~أدواحها؛ وتنثني في أكف # أرواحها. وآثار الديار قد أشرفت عليهم، كثكالى ينحن على خرابها؛ وانقراض ~~أطرابها. والوهي # بمشيدها لاعب؛ وعلى كل جدار غراب ناعب. وقد محت الحوادث ضياءها؛ وقلصت ظلالها # وأفياءها. وطال ما أشرقت بالخلائف وابتهجت، وفاحت من شذاهم وتأرجت أيام ~~نزلوا خلالها؛ # وتفيؤوا ظلالها، وعمروا حدائقها وجناتها؛ ونبهوا الآمال من سناتها، ~~وراعوا الليوث في آجامها؛ # وأخجلوا الغيوث عند انسجامها. فأضحت ولها بالتداعي تلفع واعتجار، ولم يبق ~~من آثارها إلا نؤي # وأحجار، وقد وهت قبابها، وهرم شبابهاوقد يلين الحديد؛ ms265 ويبلى على طيه ~~الجديد. فبيناهم يتعاطونها # صغارا وكبارا؛ ويديرونها تأنسا واعتبارا، إذا برسول المعتمد قد وافاهم ~~برقعة فيها مكتوب: # حسد القصر فيكم الزهراء ... ولعمري وعمركم ما أساء # قد طلعتم بها شموسا صباحا ... فاطلعوا عندنا بدورا مساء # فعند ذلك، صاروا إلى قصر البستان بباب (العطارين)؛ فألفوا مجلسا يحار فيه ~~الوصف؛ قد احتشد # فيه اللهو والقصف، وتوقدت نجوم مدامه؛ وتأودت قدود خدامه. وأربى على ~~الخورنق والسدير؛ # وأبدى صفحة البدر من أزرار المدير. فأقاموا ليلتهم لم يطرقهم نوم؛ ولا ~~عدلهم عن طيب اللذات سوم PageV02P611 ~~وحكى بعض الأدباء أن الوزراء الثلاثة بني القبطورنة، باتوا في أيام ~~الصباحين، استطابوا الهوى؛ # بين الجنوب والصبا، في (المنية) المسماة (بالبديع)؛ وذلك في أوان الربيع. ~~وبروض كان المتوكل # كلفا بموافاته؛ مبتهجا بحسن صفاته. وكان يستفزه الطرب متى ذكره، وينتهز ~~الأنس منه، روحاته # وبكره؛ ويدير حمياه على ضفة نهره؛ ويخلع فيه سره لطاعة جهره، ويقطف ~~رياحينه وزهره، ويقف # عليه اغفاءه وسهره. فطردوا خيل اللذات حتى أنضوها؛ ولبسوا برود السرور ~~وما نضوها. حتى # صدعتهم العقار؛ وطلحتهم تلك الأوتار فلما هم رداء الفجر أن يبدى؛ وجبين ~~الصبح أن يتبدى، # استيقظ أبو محمد وقال: # يا شقيقي أتى الصباح بوجه ... ستر الليل ضوؤه وبهاؤه PageV02P612 ~~فاصطبح واغتنم مسرة يوم ... لست تدري بما يجيء مساؤه # ثم استيقظ أبو بكر فقال: # يا أخي قم تر النسيم عليلا ... باكر الروض والمدام شمولا # لا تنم واغتنم مسرة يوم ... إن تحت التراب نوما طويلا # ثم استيقظ أبو الحسن فقال: # يا صاحبي ذرا لومي ومعتبتي ... قم نصطبح خمرة ما خير ما ذخروا # وبادرا غفلة الأيام واغتنما ... فاليوم خبر ويبدو في غد خبر # وفي معنى هذه الأبيات يقول أبو بكر الغساني من أبيات له: # سقني يا غلام فالعيش عض ... وعيون الخطوب عنا رقود # لا تبع عاجل السرور وبادر ... فعساه يعود أولا يعود # وقرأت في النوادر لأبي علي البغدادي مثل هذا المعنى: # لا تدع لذة يوم لغد ... وبع الغي بتعجيل الرشد # إنها إن أخرت عن وقتها ... باختداع النفس يوما لم تعد # فاشغل النفس ms266 بها عن شغلها ... لا تفكر في حميم وولد PageV02P613 ~~أوما خبرت عما قيل في ... مثل باق على مر الأبد # إنما دنياي نفسي فإذا ... تلفت نفسي فلا عاش أحد # قال: وكان أبو محمد، أحد هؤلاء الثلاثة أعجوبة ذلك العصر؛ وفارس ميداني ~~النظم والنثر. وقد # تردى من الفصاحة برداء كبريائها؛ وتزين بتاج بهائها؛ وقعد على ثبج ~~جوزائها، وتصرف في # ساحاتها وأرجائها وهو القائل: # ومنكرة شيبي لعرفان مولدي ... ترجع والأجفان ذات غروب # فقلت يسوق الشيب من قبل وقته ... زوال نعيم أو فراق حبيب # وهو القائل أيضا: # إذا ما الشوق أرقني ... وبات الهم من كثب # فضضت الطينة الحمرا ... ء عن صفراء كالذهب # وقال أيضا: # يا خليلي لقلب ... نيل من كل الجهات # إن هام بليلي ... وبريا والبنات # وبأن صادته أسمى ... بين بيض خفرات # بلحاظ ساحرات ... وجفون فاترات # وبجيد الظبية ارتا ... عت فظلت في التفات # وبعيني مغزل تر ... عى غزالا في فلاة # تتمشى بين أترا ... ب لها حور لات PageV02P614 ~~وعليها الوشي والخ ... زوبرد الحبرات # راعها لما التقينا ... ما درت من فتكات # عثرت ذعرا فقلنا ... والعا للعثرات # ضحكت عجبا وقالت ... لأخص الفتيات # راجعيه ثم قولي ... ائتنا في السمرات # وارقب الأعداءواحذر ... من عيون ناظرات # فإذا أعلق فيها الن ... نوم أشراك السنات # وعلا البدر جلابي ... ب لباس الظلمات # فاطرق الحي تجدنا ... من وراء الحجرات # فالتقينا بعد يأس ... بدليل النفحات # وتلازقنا اعتناقا ... كالتواء الألفات # ونفثنا بيننا شج ... وا كنفث الراقيات # وبردنا لوعة الح ... ب بماء العبرات # وتشاغلنا ولم نع ... لم بأن الصبح آت # وبدت فيه تباشي ... ر مشيب في شوات # قوله: (بين أتراب لها حور لذات). لدة الرجل؛ الذي ولد معه، أو قرب من ~~ميلاده، والجمع لدات # ولدون أنشد يعقوب: PageV02P615 # صفواء أعجلها الشباب لداتها ... موسومة بالحسن غير قطوب # تخطو على فرديتين غداهما ... غدق بساحة حائر يعبوب # يقول: سبقت أقرانها في الشباب. ومنه قول ابن قيس الرقيات: # لم تلتفت للداتها ... ومضت على غلوائها # يقال: كان ذلك في غلوائه؛ أي حين يغلو فيطول. وغلا النبت، يغلو غلوا: إذا ~~طال، وكذلك غلا # الصبي: إذا ms267 شب. # قال الحارث بن خالد: # خمصانة قلق موشحها ... رؤد الشباب غلا بها عظم # رؤد الشباب؛ أى ناعمة الشباب. ويقال للجارية، إذا شبت شبابا حسنا، وجاوزت ~~لداتها؛ قد غلا بها # عظم. # وأنشد أبو حاتم عن أبي زيد قول الراجز: # حتى إذا غلا بني واحتجن ... وزانه الشحم وللشحم زين # وقول الشاعر: (موسومة بالحسن): أي عليها سمة من الحسن. وقوله في PageV02P616 ~~البيت الثاني: (على برديتين): أي على ساقين، كأنهما برديتان، في بياضهما ~~وصفائهما، واملساسهما. # قال العجاج: # كأنما عظامها بردي ... سقاه رياحائر روي # قال: والبردي أعقد له. ويقال: مكان حائر؛ إذا كان مطمئن الوسط مرتفع ~~الحروف. # وفي حديث العباس بن عبد المطلب، رحمه الله قال: كنت لدة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. # وقوله وبدت فيه تباشي ... ر مشيب في شوات # تباشير كل شيء: أوائله. # قال أبو الحسن الرماني: ولم أسمع منه فعلا، ومنه تباشير الصبح. # قال الشاعر: # تباشروا بعد ما طال الوجيف بهم ... بالصبح لما بدت منه تباشير # وقوله في شوات: أي في شعر رأسي النابت على شواتي؛ وهي جلدة رأسه. والجميع ~~شوى. قال الله # تبارك وتعالى (نزاعة للشوى). وقال الأعشى: PageV02P617 # قالت قتيلة ماله ... قد جللت شيبا شواته # أم لا أراه كما عهد ... ت صحا وأقصر عاذلاته # وحكى عن أبي عبيدة أنه قال: أنشد الأخفش أبو الخطاب أبا عمرو بن العلاء، ~~بيت الأعشى: # قالت قتيلة ماله ... قد جللت شيبا شواته # فقال أبو عمرو لأبي الخطاب: صحفت، إنما هي سراته، ولكنك رأيت الراء ~~منتفخة فصيرتها واوا. # قال: فغضب أبو الخطاب، وأقبل علي وقال: إنما هيشواته، وهو الذي صحف، ~~والله؛ لقد سمعت هذا # باليمامة من عدة من الناس. # قال أبو عبيدة: فأخذنا بقول أبي عمرو. فما مضت إلا أيام حتى قدم علينا ~~رجل محرم، من آل # الزبير، فسمعته يحدثه بحديث فقال: اقشعرت شواتي، فعلمت أن أبا الخطاب ~~وأبا عمرو أصابا # جميعا. # وسراة كل شيء: أعلاه. وقال أبو ذؤيب: # إذا هي قامت تقشعر شواتها # وقال أبو تمام: PageV02P618 # خضبت خدها إلى لؤلؤ العق ... د دما أن رأت شواتي ms268 خضيبا # أي خضبت خدها بالدمع المشوب بالدم. والشوى أيضا إخطاء المقتل يقال: رماه ~~فأشواه؛ إذا أخطأ # مقتله. قال ابن مقبل: # أرمي النحور فأشويها وتثلمني ... ثلم الإناء فأعدو غير منتصر # وأنشد الأصمعي: # لا يسلمون قريحا حل وسطهم ... يوم اللقاء ولا يشوون من قرحوا # قال: ويقال أشواه؛ إذا لم يصب مقتله. وشواه؛ إذا أصاب منه المقتل. والشوى ~~أيضا؛ اليدان # والرجلان. # يقال فرس عبل الشوى: أى غليظ القوائم. قال امرؤ القيس: # سليم الشظى عبل الشوى شيج النسا ... له حجبات مشرفات على الفال # ويقال: كل مصيبة ما أخطأتك شوى، وكل ذلك شوى ما سلم دينك: أي هين. # قال الشاعر: # وكنت إذا الايام أحدثن هالكا ... أقول شوى ما لم يصبن صميمي PageV02P619 ~~والشوى أيضا: رذال المال. قال الشاعر: # أكلنا الشوى حتى إذا لم نجد شوى ... أشرنا إلى خيراتها بالأصابع # رجع # وأبو محمد القائل أيضا مخاطبا لأبي نصر الخاقاني: # أبا النصر إن الجد لا شك عاثر ... وإن زمانا شاء بينك جائر # فلا توجت من بعد بينك راحة ... براح ولا حنت عليها المزامر # ولا اكتحلت من بعد نأيك مقلة ... بنوم ولا ضمت عليها المحاجر # ولي رغبة جاءتك وهي مدلة ... تسوق إليك المجد وهو أزاهر # لتعلم أني عن جوابك عاجز ... ومعتذر فيه فقل أنا عاذر # وكيف أجاري سابقا لم يقم له ... هبوب الصبا والعاصفات الخواطر # إذا قيل من هذا يقولون كاتب ... وإن قيل من هذا يقولون شاعر # وإن أخذ التحقيق فيك بحقه ... فقيل ومن هذا يقولون ساحر # تشيعك الألباب وهي أواسف ... وتتبعك الالحاظ وهي مواطر # وكتب الكاتب أبو الحسين بن جبير إلى أبي عبد الله محمد بن غالب الرصافي: PageV02P620 # يعز علينا أن يقصر بالعلا ... زمان ومازال الزمان يقصر # عجبت لدهر غض منك سفاهة ... لقد غض من عين بها كان يبصر # فأجابه أبو عبد الله بقوله: # أيا شائقي ملء الضلوع ودونه ... مها ويمد الخطو فيها فيقصر # ويا عضدي عند المليم وناصري ... على نوب الدنيا ومثلك ينصر # بصرت بحالي منعما ومن الذي ... يحس بأحوال الصديق ويبصر # شمائل تكني عن إعانتك التي ms269 ... تناهى بها في الطيب خيم وعنصر # ستقدم من شكري عليك عقيلة ... سوى مجدها يحصى الثناء ويحصر # يتيمة نظم لا تزال بحسنها ... توارثها بعدي بلاد وأعصر # وكتب إلى بعض إخوانه: # خليلي أبا بكر فهل تم حيلة ... يكون إليها في نواك رجوعي # سيخبرك السلوان أني رمته ... فحال اشتياقي دونه ونزوعي # ولو كنت في غير الضلوع مخيما ... عذرت على هذا الحنين ضلوعي # وكتب أبو محمد بن القبطورنة أيضا إلى أبي الحسين بن سراج (بقرطبة) وجماعة ~~من إخوانه: # يا سيدي وأبي هدى وجلالة ... ورسول ودي إن طلبت رسولا PageV02P621 ~~عرج بقرطبة إن آنت بلغتها ... بأبي الحسين وناده تمويلا # واذا سعدت بنظرة في وجهه ... فاهد السلام لكفه تقبيلا # واذكر له شكري وشوقي مجملا ... ولو استطعت شرحته تفصيلا # بتحية تهدى إليه كأنما ... جرت على زهر الرياض ذيولا # وأشم منها المصحفي على النوى ... نفسا ينسي السوسن المبلولا # وإلى أبي مروان منها نفحة ... تهدي بها نور الربى مطلولا # وإذا لقيت الأصبحي فسقه ... من صفو ودي قرقفا وشمولا # وأبو علي بل منه ريقة ... مسكا بماء غمامة محلولا # واذكر لهم زمنا يهب نسيمه ... أصلا كنفث الراقيات عليلا # مولى ومولي نعمة وكرامة ... وأخا إخاء مخلصا وخليلا # بالحير لا عبست هناك غمامة ... إلا تضاحك إذخرا وجليلا # يوما وليلا كان ذلك كله ... سحرا وهذا بكرة وأصيلا PageV02P622 ~~لا أدركت تلك الأهلة دهرها ... نقصا ولا تلك النجوم أفولا # قال أبو إسحاق: # (الحير) الذي ذكره أبو محمد في هذه الأبيات؛ هو (حير الزجالي) معروف خارج ~~(باب اليهود # بقرطبة). وفيه يقول أبو عامر بن شهيد: # لقد أطلعوا عند باب اليهو ... د شمسا أبى آلحسن أن تكسفا # تراه آليهود على بابها ... أميرا فتحسبه يوسفا # وفيه يقول ويصفه وكان في ذلك الأوان من أبدع المواضع وأجملها؛ وأتمها ~~حسنا وأكملها، قد جعل # منه مرمرا صافي البياض؛ يخترقه جدول كالحية النضناض، وكانت به جابية؛ كل ~~لجة فيها كابية. قد # قربست باللازورد سماؤه؛ وتأزرت به جوانبه وأرجاؤه، والروض قد اعتدلت ~~أسطاره؛ وابتسمت عن # كمامها أزهاره. قد منع الشمس أن ترمق ثراه؛ ويعطر النسيم ms270 بهبوبه عليه ~~ومسراه. شهد به أبو محمد # بن القبطرنة المذكور مع الجلة؛ من أصحابه ليالي وأياما؛ كأنما تصورت من ~~لمحات الاحباب؛ أوقدت # من صفحات الشباب، PageV02P623 ~~وكانت لأبي عامر بن شهيد به مشاهد؛ أعطاه فيها الدهر ما شاء، ووالى عليه # الصحووالانتشاء، وكان هو وصاحب الروض المدفون، بإزائه، أليفي صبوة؛ ~~وحليفي نشوة. عكفافيه # على جريالهما؛ وتصرفا بين زهوهما واختيالهما، حتى رداهما الردى؛ وعداهما ~~الحمام عن ذلك # المدى؛ فتجاورا في الممات، تجاورهما في الحياة، حين تقلصت عنهما وارفات ~~تلك الظلال؛ عند بلوغ # الآجال. وإلى ذلك العهد أشار أبو عامر، وبه عرض، وبكثرة تشوقه إليه صح ~~ومرض، حيث قال # عند موته مخاطبا لصاحبه المذكور، وأمر أن يدفن بإزائه، وتكتب هذه الأبيات ~~عند قبره: # يا صاحبي قم فقد أطلنا ... أنحن طول المدى هجود # فقال لي لن تقوم منها ... مادام من فوقنا الصعيد # تذكركم ليلة نعمنا ... بظلها والزمان عيد # وكم سرور همى علينا ... سحابة ثرة تجود # كل كأن لم يكن تقضى ... وشؤمه حاضر عتيد # حصله كاتب حفيظ ... وضمه صادق شهيد # يا ويلنا إن تنكبتنا ... رحمة من بطشه شد يد # يا رب عفوا فأنت مولى ... قصر في حقه العبيد # أضيف هذا المنظوم، إلى كلام منثور في لوح، وغرز عند رأس قبره، رحمة الله عليه. PageV02P624 # قال: وكان أبو عامر في ذلك الأوان؛ قدوة الوزراء والأعيان. وكان كل شاعر ~~وكاتب، بين صلة منه # وراتب، يحضرون مجالس آدابه؛ ولا ينفصلون عن بابه. وكان له بباب الصومعة ~~من الجامع، # موضع لا يفارقه أكثر نهاره؛ ولا يخليه من نثر درره وأزهاره. فبينما هو ~~قاعد فيه ليلة سبع # وعشرين من رمضان، مع جملة من الوزراء، والإخوان، وبهاء ذلك الزمان، وهم ~~قد حفوا به، وهو # يخلط لهم الجد بالهزل؛ ولا يفرط في انبساط مستهتر، وانقباض جزل. وإذا ~~بجارية من أعيان # المصر؛ وأهل العفاف في ذلك العصر، وهي في جملة من جواريها؛ بين من يسترها ~~ويواريها؛ قد # جعلت ترتاد موضعا لمناجاة ربها؛ وتبتغي منزلا لاستغفار ذنبها. وهي مع ذلك ~~حذرة متنقبة؛ خائفة # ممن يرمقها مترقبة، ms271 وأمامها طفل لها، كأنه بدر على غصن آس؛ أو ظبي يمرح ~~في كناس. فما # وقعت عينها على أبي عامر ولت سريعة؛ وتولت وجلة مروعة؛ خيفة منها على ~~نفسها أن يشبب بها # أو يشهرها باسمها، ويعرف بمنصبها. فلما نظر إليها ووقعت عينه عليها، ~~وتحقق خبرها، قال قولا # فضحها به وشهرها: # وناظرة تحت طي القناع ... دعاها إلى الله للخير داعي # سعت بابنها تبتغي منزلا ... لوصل التبتل والانقطاع # فجاءت تهادى كمثل الرؤوم ... تراعي غزالا بأعلى يفاع # وجالت بأربعنا جولة ... فحل الربيع بتلك البقاع PageV02P625 ~~أتتنا تبختر في مشيها ... فحلت بواد كثير السباع # وريعت حذارا على طفلها ... فناديت يا هذه لا تراعي # غزالك تفرق منه الليوث ... وتنصاع منه كماة المصاع # فولت وللمسك من ذيلها ... على الأرض خط كظهر الشجاع # وأخبار أبي عامر معروفة، ومنازعه شريفة. وقد أثبت ابن بسام في كتابه؛ من ~~نوادره القصار # والطوال؛ وتعريفاته السائرة سير الأمثال؛ ما لا يحاط بإحصائه؛ ولا يلحق ~~غاية انتهائه. وفيه يقول: # كان أبو عامر بن شهيد (بقرطبة) ينبوع آماتها؛ ومادة حياتها، وحقيقة ~~ذاتها، ومعنى أسمائها # ومسمياتها. نادرة الفلك الدوار؛ وأعجوبة الليل والنهار إن هزل؛ فسجع ~~الحمام؛ وإن جد؛ فزئير الأسد # الضرغام. له نظم كما اتسق الدر على النحور؛ ونثر كما خلط المسك بالكافور. # وقد أثبتنا من مقطوعاته الغزليات في هذا التأليف، ما فيه أمنية الخالي، ~~ولهو اللاهي؛ ويشهد له # بالتقديم والتناهي. ويجنح بالكبير إلى الصبا؛ ويكون حجة لمن صبا. # حكى عن نفسه رحمه الله قال: لما قدم زهير فتى ابن عامر حضرة PageV02P626 ~~قرطبة من (المرية)، ومعه وزيره أحمد بن عباس؛ وجه عن جماعة من الكتاب، ~~والأعيان، والمشاهير من الأصحاب، والإخوان؛ كأبي الاصبغ عبد العزيزالطبني، ~~وأبي حفص بن برد، وأبي بكر بن الحناط وأبي عبد الله المرواني، # وغيرهم من الأكابر، وتخلفت أنا، فسأل عني، وأمر PageV02P627 ~~بإحضاري، فوافاني رسوله بدابة، فركبت # وسرت إليه. فلما وصلت وجدت أحمد بن عباس غائبا عن المجلس، وألفيت كل من ~~كان فيه مراقبا # لقدومه. فتحرك أهل المجلس لدخولي، ورحب بي الكل منهم عند حلولي ms272 فلم أستو ~~قاعدا إلا وابن # عباس قد أقبل يجر ذيل الخيلاء؛ ويسبل رداء الكبرياء، وهو يترنم؛ والإعجاب ~~يخامره؛ والزهو # يسايره. فسلمت عليه تسليم من يعرف حق الرجال، وجمعت في كلامي بين الإيجاز ~~والإكمال. فرمز # رمزا خفيفا، ورد علي السلام ردا ضعيفا. فعلمت أن في أنفه نعرة؛ لا تخرج ~~إلا بسعوط الكلام، ولا # ترام إلا بمثقب النظام فرأيت الأصحاب يصغون إلى تهمهمه؛ ويصيخون إلى ~~ترنمه. فسألتهم عن # ذلك. فقال لي أبو عبد الله الحناطي وكان كثير التعصب علي؛ جالبا في ~~المحافل ما يسوء الأولياء # إلي: الوزيرحضره قسيم من شعره؛ وهو يسألنا إجازته فعلمت أني بذلك المراد؛ ~~وعلي في الإجازة # الاعتماد فاستشهدته فقال مرض الجفون ولثغة في المنطق. فأخذت القلم ~~مستعجلا؛ وكتبت مرتجلا # على القسيم مذيلا ولما أمرت به ممتثلا: # مرض الجفون ولثغة في المنطق ... سببان جرا عشق من لم يعشق # من لي بألثغ لا يزال حديثه ... يذكي على الأكباد جمرة محرق # ينبي فينبو في الكلام لسانه ... فكأنه من خمر عينيه سقي # لا تنعش الألفاظ من عثراثها ... ولو آنها كتبت له في مهرق PageV02P628 ~~فأقمت ساعة، ثم سلمت، ومشيت عنهم إلى منزلي فلم ألبث أن ورد علي بعضهم، ~~وأعلمني أن ابن # عباس، لم يرض بما جئت به من البداية، ونسبني إلى التقصير فيه، وسألني أن ~~أحمي عليه مكاوي # الكلام؛ وأن أقرع سمعه بضروب من الإقماع والإفحام. وذكرلي أن ادريس بن ~~اليماني هجاه فأفحش؛ # فلم أستحسن الإفحاش. فقلت فيه معرضا؛ إذ التعريض من محاسن القول: # أبو جعفر رجل كاتب ... مليح شبا الخط حلو الخطابه # وذو عرق ليس ماء الحياء ... ولكنه رشح فضل الجنابه # جرى الماء في سفله جري لين ... فأحدث في العلو منه صلابه # قوله: # وذو عرق ليس ماء الحياء # يشبه قول أبي الوليد بن زيدون؛ لكنه زاد فيه زيادة لطيفة، ونكتة ظريفة فقال: PageV02P629 # مخضت في آسته الأيور حليبا ... فعلت عينه من الزبد نقطه # وأخذ هذا المعنى أبو الحسن بن الزقاق، فقال يهجو أزرق: # وأزرق والأمور لها اشتباه ... ويوتى العين من قبل العجان # ولما ms273 شك أسفله العوالى ... جرى في عينه زرق السنان # وقوله (فأحدث في العلو منه صلابة) البيت، كقول بعض الأدباء، في قريب من ~~هذا المعنى: # صلبت ولان القاع منها فاستها ... لولا ليانة قاعها لم تصلب # ومثله قول النابغة الذبياني: # جفت أعاليه وأسفله ندي # وهذا الكلام كله إقذاع، ومرفوض بالإجماع. # والمناسبة التي بين قطعة أبي عامر وبينه، جرتني إليه؛ وأحوجتني للتعريج ~~عليه. فلذلك تعلق # بإطنابي؛ واثبته في كتابي. وليس الهجاء مما يليق بهذا الديوان؛ لما فيه ~~من الفحش والبهتان. فلذلك # نبذته نبذ الكراع من الأديم؛ وحذفته حذف الهاء في الترخيم وقول أبي عامر ~~في صفة الألثغ، مما # انطبع فيه، ولا سيما على البديه. # ومن جيد ما قيل في صفة الألثغ، قول أبي الحجاج الرمادي وهو: PageV02P630 # الراء لا ترجو الوصال ولا أنا ... الهجر يجمعنا فنحن سواء # فإذا خلوت كتبتها في راحتي ... وبكيت منتحبا أنا والراء # وفي هذا المعنى أيضا يقول الأديب الظريف الأستاذ أبو القاسم بن العريف: # أيها الألثغ الذي شف قلبي ... جد بحرف ولو نطقت بسبي # هجرك الراء مثل هجري سواء ... فكلانا معذب دون ذنب # فإذا شئت أن أرى لي مثلا ... في هواني خططت راء بجنبي # وقال أبو نواس الحسن بن هانىء: # وبأبي ألثغ لاججته ... فقال في غنج واختناث # لما رأى مني خلافي له ... ما لقي الناث من الناث # قارعته صفراء كرخية ... قد جلبت من كرم حراث # إبريقنا منتصب ساعة ... وتارة مبترك جاث PageV02P631 ~~وأخذ هذا المعنى أحد الظرفاء فقال: # اليوم يوم ثلاثا ... فاسق النديم ثلاثا # في ود ظبي رخيم ... يقول للكأس كاثا # وحكى أبو بكر محمد بن أحمد المصحفي قال: دخلت يوما على الوزير أبي عامر ~~بن شهيد، أعوده # في العلة التي مات منها؛ فتأنس بي، وسألني عن حالي، وجرى الحديث بيننا ~~إلى أن شكوت له تجني # من كنت أهواه علي، وتألفه من كان ينسب الخمول والتقصير إلي، ونفاره عني؛ ~~وتماديه في البعد # مني. وأعلمته بما أنا من الاحتدام والقلق؛ وما أكابد من الأشجان والأرق، ~~فقال لي سأسعى في صلاح # ذات البين؛ وأوضح ms274 له ما زخرف من الإفك والمين. ويزول الخلاف، وتؤول الحال ~~إلى الائتلاف. ثم # خرجت عنه، وأنا مسرور عنا له داع إلى الله تعالى في صحته، وبرئه من ~~اعتلاله. فلقيت ذلك # المتجنى، مع بعض الأصحاب، فوليت عنهم، ولم أدن منهم فأنكر ما رأى منا ذلك ~~الصديق؛ وسأل # المتجني عن السبب الموجب للانصرام والتفريق. فأخبره بما جرى واتفق، من ~~التهاجر الذي سبق، # والسبب الموجب للإعراض. فجدا في مشيهما، وأسرعا في الانتهاض، حتى لحقاني، ~~وعزم علينا في # الكلام؛ فتكلمنا وتعاتبنا، ومشينا، حتى وصلنا دار أبي عامر، واستأذن ~~عليه، فأذن لنا، ودخلنا. فلما # رآنا أبو عامر ضحك، وقال: من كان الذي تولى إصلاح ما كنا سررنا بفساده؟ ~~فقلت: قد كان ما كان. # فأطرق قليلا ثم PageV02P632 ~~أنشد: # من لا أسمي ولا أبوح به ... أصلح بيني وبين من أهوى # أرسلت من كابد الهوى فدرى ... كيف تداوى مواضع البلوى # ولي حقوق في الحب ظاهرة ... لكن إلفي يعدها دعوى # يارب إن الرسول أحسن لي ... يا رب فاحفظه لي من الأسوا # وحكى بعض الوزراء بإشبيلية ممن عني بالاخبار، والبحث على السير والآثار. ~~أن أبا المطرف عبد # الرحمان بن هشام بن عبد الجبار، المتسمى من الألقاب السلطانية بالمستظهر ~~بالله، أحد أمراء بني # أمية؛ خطب حبيبة، ابنة عمه المستعين سليمان بن الحكم، فلوته أمها شنف، ~~المدعوة بأم الحكم. وكان # بقلبه منها نار تتوقد؛ وشوق يتزيد، وجوى ناره لا تخمد، وولوع يتجدد مع ~~الاحيان ويتأكد. عافت # عيناه منه الكرى؛ وكاد النحول يخفيه فما يرى. وكانا قد نشأ معا في وقت ~~واحد؛ وعن طارف وتالد. # فلما اشتد بها كلفه؛ وأقلقه شغفه، وخامرت لوعات الأسى فكره؛ وأضاقت أسباب ~~المنع والصد صدره # كتب إليها بقوله: # وجالبة عذرا لتصرف رغبتي ... وتأبى المعالي أن نجيزلها عذرا # يكلفها الأهلون ردي سفاهة ... وهل حسن بالشمس أن تمنع البدرا PageV02P633 ~~وماذا على أم الحبيبة إذ رأت ... جلالة قدري أن أكون لها صهرا # جعلت لها شرطا علي تعبدي ... وسقت إليها في الهوى مهجتي مهرا # تعلقتها من عبد شمس غريرة ... محدرة من صيد ms275 آبائها غرا # حمامة بنت العبشميين رفرفت ... فطرت إليها من سراتهم صقرا # لقد طال صوم الحب عنك فما الذي ... يضرك عنه أن تكوني له فطرا # وإني لأستشفي بمري بداركم ... هدوءا واستسقى لساكنها قطرا # وألصق أحشائي ببرد ترابها ... لأطفئ من نار الأسى بكم جمرا # فإن تصرفيني يا ابنةالعم تصرفي ... وعيشك كفؤا مد رغبته سترا # وإني لأرجو أن أطوق مفخري ... بملكي لها، وهي التى عظمت فخرا # وإني لطعان اذا الخيل أقبلت ... جرائرها حتى ترى جونها شقرا # وإني لأولى الناس من قومها بها ... وأنبههم ذكرا وأرفعهم قدرا # وعندي ما يصبي الحليمة ثيبا ... وينسي الفتاة الخود عذرتها البكرا # جمال واداب وخلق موطأ ... ولفظ إذا ما شئت أسمعك السحرا # فللمسبل النعمى علي بفضله ... حقائق نعمى لا أمل لها نشرا # وأبصرها ذات يوم؛ فأومأ إليها بالسلام؛ فلم ترد عليه خجلا منه فكتب إليها: # سلام على من لم يجد بكلامه ... ولم يرني أهلا لرد سلامه PageV02P634 ~~سلام على الظبي الذي كلما رمى ... أصاب فؤادي عامدا بسهامه # بنفسي حبيب لم يجد لمحبه ... بطيف خيال زائر في منامه # ألم تعلمي ياعذبة الماء أنني ... فتى فيك مخلوع عذار لجامه # وإني وفي حافظ لأذمتي ... إذا لم يقم غيري بحفظ ذمامه # يبشر ذاك الشعر شعري أنه ... سيوصل حبلي بعد طول انصرامه # وما شك طرفي أن طرفك مسعدي ... ومنقذ قلبي من حبال غرامه # عليك سلام الله من ذي تحية ... وإن كان هذا زائدا في اجترامه # ومن شعره أيضا فيها قوله: # تبسم عن در تنظم في الورس ... وأسفر عن وجه ينوب عن الشمس # غزال براه الله من نور عرشه ... لتقطيع أنفاسي، وليس من الإنس # وهبت له ملكي وروحي ومهجتي ... ونفسي ولا شيء أعز من النفس # وقال أيضا فيها: # طال عمر الليل عندي ... مذ تولعت بصدي # يا غزالا نقض الو ... د ولم يوف بعهدي # أنسيت العهد إذ بت ... نا عى مفرش ورد PageV02P635 ~~واجتمعنا في وشاح ... وانتظمنا نظم عقد # وتعانقنا كغصني ... ن وقدانا كقد # ونجوم الليل تحكي ... ذهبا في لاز ورد # وهذا تشبيه مصيب؛ ساقه في لفظ مختصر ms276 عجيب. ومثله في الحسن وانطباع ~~الألفاظ والمعاني، قول # أبي بكر محمد بن أحمد الدمشقي الغساني، وهو: # كأن نجوم الليل حول مجرها ... وقد حد منها للغروب عزائم # جفون حماها الشوق أن تطعم الكرى ... فأعينها مستيقظات نوائم # ووصف النجوم وقد ظهرت في الماء، بعض الشعراء المجيدين فأحسن: # انظر إلى زهر النجوم وقد بدت ... في النهر يعجب ذاتها من ذاتها # فكأنها سرب الحسان تطلعت ... لترى من المرآة حسن صفاتها # وقال الأديب أبو تمام غالب بن رباح الأندلسي: # أصل السرى والليل في خوضي له ... بحر ركبت عليه أسبح زورق # والأفق قد نظم النجوم كأنها ... در تناثر في بساط أزرق PageV02P636 ~~وهذا لفظ أبي محمد بن وكيع حيث يقول: # حتى بدت زهر النجوم كأنها ... در نثرن على بساط أزرق # قال: وهنأه بعض الشعراء بالخلافة، يوم بويع في قصيد كتب به إليه؛ في رق ~~مبشور، واعتذر من # ذلك ببيتين وهما: # الرق مبشور وفيه بشارة ... ببقا الإمام الفاضل المستظهر # ملك أعاد العيش غضا شخصه ... وكذا يكون به طوال الأدهر # فأجزل صلته، ووقع على ظهر رقعته بهذه الأبيات: # قبلنا العذر في بشر الكتاب ... لما أحكمت من فصل الخطاب # وجدنا بالجز مما لدينا ... على قدر الوجود، بلا حساب # فنحن المنعمون إذا قدرنا ... ونحن الغافرون أذى الذباب # ونحن المطلعون بلا امتراء ... شموس المجد من فلك الثواب # قوله: (أذى الذباب). الأذى، هو الضرر بالشيء. والأذى: كل ما تأذيت به. ~~قال امرؤ القيس: PageV02P637 # وإذا أذيت ببلدة ودعتها ... ولا أقيم بغير دار مقام # يقال: أذي الرجل يأذى أذى. ورجل آذ: إذا كان شديد التأذي. # وحكي أن رجلا من بني أمية، وقف للرشيد على طريقه، وبيده كتاب، وفيه أربعة أبيات: # يا أمين الله إني قائل ... قول ذي صدق ولب وحسب # لكم الفضل علينا ولنا ... بكم الفضل على كل العرب # عبد شمس كان يتلوها شما ... وهما بعد لأم ولأب # فصل الأرحام منا إننا ... عبد شمس عم عبد آلمطلب # فاستحسن قوله الرشيد، وأمر له لكل بيت بألف دينار. وقال: لو زدتنا ~~لزدناك. # قوله: # قول ذي صدق ولب ms277 وحسب # اللب: العقل. وهو مأخوذ من لب النخلة، على جهة التشبيه بريه وجمعه ألباب. # قال أبو بكر بن دريد: اللب العقل. PageV02P638 # يقال: لب الرجل يلب؛ إذا صار لبيبا. # ولب كل شيء؛ الخالص منه. وهو داخل الشيء الذي يركبه القشر. ويقال: لب ~~بالمكان لبا، وألب به # إلبابا؛ إذا لزمه وأقام به. # واللبة من الصدر؛ موضع القلادة والجميع لبات. قال امرؤ القيس: # كأن على لباتها جمر مصطل ... أصاب غضى جزلا وكف بأجذال # والتلبيب؛ مجمع ما في موضع اللبب من ثياب الرجل. # ومنه قولهم: أخذ فلان بتلابيب فلان وكل من جمع ثيابه، وتحزم فهو متلبب. ~~ويشبه به المتسلح # بالسلاح. # وقال صاحب العين اللبب: البال. تقول: الأمر منه في لبب رخي: أي في بال ~~رخي وسمى بذلك. # لأن فيه اللب. وقال أبو تمام: # سأشكر فرجة اللبب الرخي ... ولين أخادع الدهر الأبي # واللبب من الرمل؛ شبه حقف بين معظم الأرض، وجلدها، وهو مسترق الرمل. قال ~~ذو الرمة: # براقة الجيد واللبات واضحة ... كأنها ظبية أفضى بها لبب # وقال أبو تمام: PageV02P639 # ألوى بصبرك إخلاق اللوى وهفا ... بلبك الشوق لما أقفر اللبب # وسمي لببا للزوم بعضه بعضا؛ كلزوم لب الشيء له، وكذلك المتلبب المتحزم ~~بثيابه، بعضها ببعض. # وأخذ بتلبيبه؛ إذا لزمه في ذلك الموضع. ومنه: لبيك وسعديك: أي ملازمة ~~لأمرك، وإسعادا لك. وهو # مصدر. مثنى للتكثير والمبالغة في التأكيد، لا تثنية حقيقة؛ بمنزلة قوله ~~تعالى (بل يداه مبسوطتان) أي نعمتاه. على # تأويل اليد هنا على النعمة. # وذهب يونس بن حبيب البصري في لبيك؛ إلى أنه اسم مفرد، وليس بمثنى، وان ~~ألفه إنما انقلبت # ياء لاتصالها بالمضمر على حد لدي وعلي. # وذهب سيبويه؛ إلى أنه مثنى، بدليل قلب ألفه ياء مع المظهر، وأكثر الناس ~~على مذهب سيبويه. # قال أبو بكر بن الانباري ثنوا لبيك كما ثنوا حنانيك: أي تحننا بعد تحنن. # وأصل لبيك: لببك؛ فاستثقل الجمع بين ثلاث باءات؛ فأبدل من الثالثة ياء، ~~كما قالوا من الظن # تظنيت. والأصل تظننت. # قال الشاعر: PageV02P640 # يذهب بي في الشعر كل فن ... حتى ms278 يرد عني التظني # أراد التظنن. ومثله تسريت سرية. والأصل تسررت من السر؛ وهوالنكاح. ومثله ~~لبيك. واشتقاقها # كما اختلف في صيغتها. فقيل: معنى لبيك: اتجاهي وقصدي إليك؛ مأخوذ من ~~قولهم: دارى تلب # دارك: أيتواجهها. وقيل: معناها محبتي لك؛ مأخوذ من قولهم: امرأة لبة؛ إذا ~~كانت محبة لولدها، # عاطفة عليه وقيل معنى لبيك: إخلاصي لك؛ مأخوذ من قولهم: حسبه لباب؛ اذا ~~كان خالصا محضا. # ومن ذلك لب الطعام، ولبابه: أي خالصه. # وقيل معنى لبيك أي أنا مقيم على طاعتك. وإجابتك، مأخوذ من قولهم: قد لب ~~الرجل بالمكان، وألب؛ # إذا أقام فيه، ولزمه. # قال الشاعر: # محل الهجر أنت به مقيم ... ملب ما تزول ولا تريم # وقال الآخر: # لب بأرض ما تخطاه العنم PageV02P641 ~~قال أبو بكر بن الانباري: وإلى هذا المعنى، يذهب الخليل، وخلف الاحمر. # وفي حديث عبد الله بن عمر: أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ~~(لبيك اللهم لبيك لبيك # لا شريك لك). والمعنى؛ إجابة لك، وإقامة عندك وملازمة وعن ابن جريج، عن ~~ابن شهاب قال: # كانت تلبية قريش، وأهل مكة في الجاهلية، تلبية إبراهيم خليل الرحمان عليه ~~السلام؛ حتى كان # عمرو بن يحيى فزاد فيه بعد قوله له: (لبيك لا شريك إلا شريكا هو لك تملكه ~~وما ملك). قال: وتلبية # نزار، ومضر: (لبيك حقا حقا تعبدا ورقا. جئناك للنصاحة ولم نأت للرقاحة). ~~وفي رواية أخرى: # (جئناك للرباحة) والنصاحة؛ إخلاص العمل. والناصح؛ الخالص من كل شيء. ~~يقال: نصحت العسل؛ # إذا صفيتها. # وقال: نفطويه نصح الشيء؛ اذا خلص. وأنصح له القول؛ اذا أخلصه له. وفي ~~كتاب الله تعالى (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم). # وفي الحديث عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن PageV02P642 ~~تميم بن أوس بن خارجة الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن ~~الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين # النصيحة" قال أبو عبد الله المازري في كتاب (المعلم) له: النصيحة تحتمل ~~أن تكون مشتقة من # نصحت العسل؛ اذا صفيته. ms279 وتحتمل أن تكون من النصح؛ وهي الخياطة. ويقال ~~للإبرة: المنصحة # والنصاح: الخيط الذي يخاط به. والناصح الخائط. فمعناه أنه يلم شعت أخيه ~~بالنصح، كما تلم # المنصحة خرق الثوب. وهذا القول، وقول نفطويه، متفقان في المعنى، ~~والاشتقاق؛ لأنه يصفو لأخيه، # كما يصفو العسل إذا نصح قال أبو سليمانوالرباحة: الربح. يقال: ربح وربح ~~ورباح ورباحة. # والرقاحة: جمع المال، وكسبه. والرقاحي: التاجر. وفلان يرقح معيشته: معناه ~~يصلحها. قال الحارث # بن حلزة: PageV02P643 # يترك ما رقح من عيشه ... يعيش فيه همج هامج # ويروى يعبث فيه: أي يعبد فيه. # قال: وكانت تلبية قيس عيلان، ومن والاها، وكان بينهما، وبين بكر بن عبد ~~مناة بن كنانة، وكانوا لا # يستطيعون أن يدخلوا مكة متفرقين: # والله لولا أن بكرا دونكا # يبارك الناس ويهجرونكا # ما زال منا غنج ياتونكا # العنج الجماعة في السفر، قال: وكانت تلبية عك: # أتتك عك عانيه # عبادك آم يمانيه # على قلاص ناجيه # العانية: الخاضعة الأعناق، يقال: عنا الرجل يعنو: إذا خضع وذل. قال الله ~~تبارك وتعالى (وعنت الوجوه للحي القيوم) أي # ذلت. قاله ابن عباس وغيره PageV02P644 ~~ولذلك قيل للأسير: عان. وقوله: (عبادك أم يمانية) يريد اليمانية. جعل # أم بدلا من اللام، وهي لغة لهم، كقول أبي هريرة: (طاب أم ضرب) يريد: طاب ~~الضرب؛ أي حل القتال. # رجع # قوله: عبد شمس كان يتلوهاشما: يريد أنهما كانا أخوين، وأبوهما عبد مناف ~~بن قصي. واسم هاشم: # عمرو. وفيه يقول الشاعر: # عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف # وبفعله ذلك سمي هاشما. # وحكى أبو المطرف عبد الرحمان بن فتوح، عن نفسه قال بينما أنا ذات ليلة في ~~رمضان؛ أطوف # بالمسجد الجامع (بألمرية) وأردد قول العباس بن الأحنف: # وأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروع بالتحريش فيه وبالعتب # إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى ... فأين حلاوة الرسائل والكتب PageV02P645 ~~وإذا بفتى وسيم، كما شب عقيق خديه؛ وتم شاربه بالتذكير عليه، وكأنما طبعت ~~الصوارم من عينيه، # واستعير اللين من عطفيه فسلم علي سلاما؛ ارتاحت له نفسي؛ وتنسمت منه ~~أنسي، فرددت ms280 عليه # السلام، رد من توسم فيه سمة الفهم، متحققا بالاختبار لا بالوهم. فقال لي: ~~بحرمة الأدب ألا ما أعدت # علي إنشادك فأنشدته القطعة بجملتها. فقال لي: وريت بك زنادي؛ وسقتك ~~الروائح والغوادي. أخبرني # عن السبب الموجب لإنشادك البيتين، وترديدهما. # فقلت له: بليت بخل مولع بالخلاف؛ قليل الإنصاف. إن لا ينته غضب؛ وإن ~~استعتبته عتب. وقد # يعلم الله اشفاقي لفرقته؛ وتشوقي لرؤيته. فقال لي: جنبك الله عتبه؛ وقلب ~~لك قلبه. ثم ولى عني، وقد # غرس الله في قلبي ثمرة وده؛ وأشفقت من بعده. فبت ليلتي تلك مستأنسا ~~بخياله؛ مسرورا بوصاله، # حتى بدت غرة الصبح لامعة، كأنها عجاج سل من تحته منصل؛ وخليجه ينساب كأنه ~~جدول فقمت # بانيا على قصده؛ فلم ألبث أن سمعته ينشد، ويطلب منزلي، فوصل، وقرع الباب، ~~فأذنت له فدخل، # فقمت إليه، ورحبت به، فقال لي: يا ابن الكرام هذا يوم قد تكاثف غيمه؛ ~~وتجهم أفقه، وخفق قلب # رعده، ولمع برقه. ونحن لا نجد السبيل إلى الخمر، فبم نقطعه. فقلت: الرأي ~~إلى سيدي، أبقاه الله. # فقال لي: كيف ذكرك لرجال مصرك؛ ووقوفك على نبهاء عصرك. قلت: خيرذكر. فقال ~~أخبرني من # أعذبهم لفظا، وارجحهم وزنا قلت: الرقيق حاشية الظرف، الأنيق ديباجة ~~اللطف، أبو حفص بن برد. # قال: فمن أقواهم استعارات، وأصحهم تشبيهات، قلت: البحر العجاج، السراج ~~الوهاج أبو عامر بن # شهيد. قال: فمن أذكرهم للأشعار، وأقصهم للأخبار. قلت: الحلو الظريف، ~~البارع اللطيف، أبو الوليد # بن زيدون. قال: فمن أكلفهم بالبديع، وأشغفهم بالتقسيم والتتبيع. قلت: ~~الراتع في روض الحسب، # المستظل بمرخ PageV02P646 ~~الأدب، أبو بكر يحيى بن إبراهيم الطبني. وأنشد: # وخاطب قسا في عكاظ مجاوبا ... على البعد سحبان فألجمه قس # فما رأيت فتى أظرف منه، على صغر سنه، فتذاكرنا بقية يومنا، الى أن فرق ~~اقبال الليل بيننا. # فبقيت أنشد بمفاخره، وأذكر مآثره، وأرى أنه في الدهر إحدى غرائبه، ~~وأعجوبة من عجائبه. # قال أبو إسحاق: # نسب أبو المطرف البيتين اللذين في أول الحكاية، للعباس بن الأحنف ونسبهما ~~غيره، لأبي حفص # الشطرنجي، مولى المهدي. ms281 وقرأتهما في النوادر لأبي علي البغدادي لغيرهما: # تحبب فإن الحب داعية الحب ... وكم من بعيد هو مستوجب القرب # تفكر فإن حدثت أن أخا هوى ... نجا سالما فارج النجاة من الحب # وآحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروع بالتحريش فيه وبالعتب # إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى ... فأين حلاوة الرسائل والكتب PageV02P647 ~~هذا ما ثبت في (النوادر): لست أدري، أكملت القطعة. أم بقي منها شىء؟ وأخذ ~~المعنى الأخير منها # كشاجم فقال: # لولا اطراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا # هو الشراب أخو الحياة وماله ... من لذة حتى يصيب غليلا # وأخذه الآخر، وضمنه اعتذار تأخير هدية. فقال: # أخر ما عنده لتطلبه ... ولذة الصيد حين تطرده # وأخذه أبو بكر بن عمار فقال: # فلولاامتناع الفتاة الكعا ... ب لما كملت لذة الناكح # وهو معنى قد ولج بابه، وتجوذ بت أهدابه، وأصله من المثل السائر: (تمنعي ~~أشهى لك). # وحكى إبراهيم بن المهدي عند نفسه قال: خرجت في بعض الأيام، من عند ~~المامون، فطفت في أزقة # بغداد متنزها، حتى أتيت الى زقاق، وفيها دار بأعلاها شباك مطل. فنظرت إلى ~~الشباك، فرأيت كفا # ومعصما، دله عقلي، PageV02P648 ~~وكدت لا أتمسك على مركوبي فالتفت إلى خائط بمقربة من الدار، فمشيت إليه، # وسألته عن صاحب الدار. فقال لي: هو رجل من تجار البز. فسألته عن اسمه. ~~فقال: فلان بن فلان. # فقلت: أهو ممن يشرب النبيذ؟ قال لي: نعم، وأحسب أن عنده اليوم راحة. فقلت: # ومن ينادمه؟ فقال: تجار مثله. فبينما أنا واقف مع الخائط أسأله، إذ أقبل ~~فتيان راكبان في أول # الدرب. فقال الخائط: هذان منادماه اليوم. فسألته عن أسمائهما. فقال: فلان ~~وفلان. فقلت: أكون اليوم # طفيليا. فحركت دابتي، وداخلتهما. وقلت لهما: جعلت فداكما قد استبطاكما ~~أبو فلان - أعزه الله - # أعني صاحب الدار. وسايرتهماحتى بلغنا الباب، فأجلاني وقدماني. فدخلت، ~~ودخلا. فلما رآني معهما، # لم يشك أني منهما، بسبيل أو قادم قدمت عليهما، فرحب بي، وأقعدني في أجل ~~المراتب، ثم جيء # بالطعام، فأكلنا طعاما مختلف الألوان لا أدري، أطعمه طيب، ms282 أم رائحته. ~~وكنت قبل أن أدخل المنزل، # قد شممت رائحة تلك الألوان، فتمنيتها، وشغلني عنها الكف والمعصم. فقلت ~~حينئذ: هذه الألوان! # فمن لي بالكف والمعصم. ثم سرنا الى مجلس المنادمة، فحللنا في أحسن منزل ~~فشربنا أقداحا، ثم # أقبلت جارية راعني جمالها، كأنها قمر، فسلمت، وقعدت، وجئ بعود، فوضع في ~~حجرها، فجسته، # فاستبنت حذقها في جسها للعود، ثم اندفعت تغني: # توهمه طرفي فأصبح خده ... وفيه مكان الوهم من ناظري أثر # وصافحه كفي فآلم كفه ... فمن لمس كفي في أنامله عقر PageV02P649 ~~ومر بفكري خاطرا فجرحته ... ولم أر شيئا قط يجرحه الفكر # فهيجت بلابلي، وطربت بحسن شعرها، ثم غنت: # أشرت اليها هل عرفت مودتي ... فردت بطرف العين إني على العهد # فجدت عن الإظهار حفظا لسرها ... وحادت عن الإظهار أيضا على عمد # فصحت: السلاح وفجأني من الطرب، ما لم أملك به نفسي، ثم اندفعت تغني: # أليس عجيبا أن بيتا يضمني ... وإياك لا نخلو ولا نتكلم # سوى أعين تشكو الهوى بجفونها ... وتقطيع أنفاس على النار تضرم # إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكف يسلم # فحسدتها - والله - على معرفتها بالغناء، وإصابتها المعنى، وأنها لم تخرج ~~عن المعنى الذي ابتدأت # به غناءها. فقلت: بقي عليك يا جارية، فضربت بعودها الأرض، وقالت: متى ~~كنتم تحضرون # مجالسكم البغضاء؟ فتغير القوم لذلك، فندمت على ما كان مني، ثم قلت: أما ~~عندكم عود غير هذا؟ # قالوا: بلى. فأتيت بعود، وأصلحت من شأنه، ثم غنيت: # ما للمنازل لا يجبن حزينا ... أصممن أم بعد المدى فبلينا PageV02P650 ~~روحوا العشية روحة مذكورة ... إن متن متنا وإن حيين حيينا # فما أتممت الغناء، حتى قامت الجارية، فأكبت على رجلي تقبلهما. وقالت: ~~معذرة يا سيدي. فوالله ما # سمعت أحدا يغني هذا الشعر غناءك. وقام مولاها، والرجلان، ففعلوا كفعلها ~~وطربوا، واستحسنوا # الشراب، فشربوا بالطاسات، ثم اندفعت أغني: # أفي الحق أن أمسي ولا تذكرينني ... وقد سجمت عيناي من ذكرك الدما # إلى الله أشكو بخلها وسماحتى ... لها عسل مني وتبذل علقما # فداوي مصاب العقل أنت دواؤه ... ولا تتركيه ذاهل العقل مغرما ms283 # إلى الله أشكو أنها أجنبية ... وإني لها بالود ما عشت مكرما # فطرب القوم حتى خرجوا عن عقولهم، أو كادوا. فأمسكت عنهم ساعة، حتى ~~تراجعوا ثم غنيت: # هذا محبك مطويا على كمده ... فاضت مدامعه سحا على جسده # له يد تسأل الرحمان راحته ... مما به ويد أحرى على كبده # فجعلت الجارية تصيح: هذا والله، هذا والله، لا ما كنا فيه. وسكر القوم، ~~وكان صاحب المنزل حسن # الشرب، صحيح العقل. فأمر الغلمان أن PageV02P651 ~~يخرجوا الرجلين الى منازلهما، وخلوت معه، فشربنا ساعة، # ثم قال لي: يا سيدي ذهب ما مضى من أيامي باطلا، اذ كنت لا أعرفك. فمن أنت ~~يا مولاي؟ ولم # يزل يلح علي، حتى أخبرته الخبر. فبادر الي، وجعل يقبل رأسي، ويقول: يا ~~سيدي، ولا تكون هذه # المحاسن إلا لمثلك. وإني لجالس مع الخلافة، ولا أشعر. # ثم سألني عن قصتي، فأخبرته بما رأيت من الكف والمعصم. فقال للجارية: ~~قومي، فقولي لفلانة # تنزل. فلم يزل ينزل إلي جواريه، واحدة بعد أخرى، فأنظر إلى كفها ومعصمها ~~وأقول: ليس هي، # حتى قال لي: والله ما بقي غير أمي، وأختي. ووالله لأنزلتهما اليك. فعجبت ~~من كرمه، وسعة صدره. # فقلت: جعلت فداك أبدأ بالأخت قبل الأم، فعسى أن تكون هي. فبرزت، فلما ~~رأيت كفها ومعصمها. # قلت: هي هذه. فأمر غلمانه، فصاروا إلى عشرة من جيرانه، فأقبلوا معهم، ~~وأمر ببدرتين، فيهما # عشرون ألف درهم. ثم قال للمشائخ: هذه أختي فلانة، أشهد كم أني قد زوجتها ~~من سيدي ابراهيم بن # المهدي. وأمهرتها عنه عشرة آلاف درهم فرضيت، وقبلت النكاح. ودفع إليها ~~البدرة، وفرق الأخرى # على المشايخ. وقال: انصرفوا راشدين، بارك الله عليكم. ثم قال: يا سيدي، ~~أمهد لك في بعض # البيوت، فتنام مع أهلك. وأحشمني ما رأيت من كرمه. فقلت: بل أحضر عمارية، ~~وأحملها الى # منزلي. فقال: ذلك لك. فكان ما أمرت به. فوالله لقد تبعها من الجهاز ~~ماضاقت عنه البيوت. فجاءني # منها ولد، يقوم رأس أمير المؤمنين، أيده الله. # حدث إبراهيم بن المهدي بهذه الحكاية، في مجلس: أبي ms284 العباس المأمون في ~~اليوم الذي أذخل عليه # الزنادقة العشرة، والطفيلي معهم، ساعة جيء بالرجل الطفيلي فقال المأمون ~~من هؤلاء القوم قد نفذت # عدتهم؟ فقيل له: PageV02P652 # وجد مع القوم، فجيء به. فسأله المأمون عن قصته، فقال له: أنا رجل طفيلي. # وخبره مشهور. فأمر المأمون بتأذيبه، على فرط تطفيله، ومخاطرته بنفسه وكان ~~إبراهيم بن المهدي # قائما، بين يدي المأمون. فقال: يا أمير المؤمنين هب لي ذنبه، وأحدثك ~~بحديث عجيب في التطفيل # عن نفسي. قال: قل يا إبراهيم. فحدثه الحكاية المذكورة فتعجب؛ المأمون من ~~كرم ذلك الرجل. وأطلق # الطفيلي، وأعطاه عطية سنية، وأمر ابراهيم باحضار ذلك الرجل فصار بعد ذلك ~~اليوم من خواص # المأمون وأهل مودته ولم يزل معه على أحسن الأحوال في المنادمة وغيرها. # ومما يناسب هذه الحكاية، حدث أبو محمد الشعبي الوراق، وكان على باب ~~(خراسان)، على الجسر # الأول، عن حماد بن إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الموصلي قال: بينا أنا ذات ~~يوم عند المأمون، وقد # جلا وجهه، وطابت أنفاسه، إذ قال: يا اسحاق هذا يوم خلوة وطيب. فقلت: طيب ~~الله عيش أمير # المؤمنين، وأدام سروره وفرحه. فقال: يا غلمان صدوا علينا الباب، واحضروا ~~الشراب. قال: ثم أخذ # بيدي، وأدخلني مجلسا غير المجلس الذي كنا فيه، واذا به قد نصب فيه كل ما ~~يحتاج اليه، حتى كأنه # كل شيء كان قد تقدم الإذن فيه. فأكلنا وشربنا، وأخذنا في لذتنا، وأقبلت ~~الستارات من كل ناحية، # بضروب من الغناء، وصنوف من اللهو. فلم نزل على ذلك، الى آخر أوقات ~~النهار. قال: فلما غربت # الشمس، فقال لي: يا إسحاق! خير أيام الفتى أيام الطرب. قلت هو والله يا ~~أمير المؤمنين. قال: فاني # فكرت شيئا. فهل لك فيه؟ قلت: يا سيدي أو أتأخر عن أمير المؤمنين، أطال ~~الله بقاءه. قال: لعلنا # نباكر الصبوح في غدوة غد، وقد عزمت على دخلة إلى دارالحرم، فكن PageV02P653 ~~بمكانك، ولا ترم، فاني وافيك عن قريب. فقلت: السمع والطاعة يا أمير ~~المؤمنين! # ثم مضى الى دار النساء، فما علمت به خبرا ms285 إلى أن ذهب من الليل عامته. # قال إسحاق: وكان المأمون من أشغف خلق الله بالنساء، وأشدهم ميلا اليهن. ~~فعلمت أن النبيذ قد غلب # عليه، وأنهن قد أنسينه أمري، وما كان تقدم له من ذكري لسرعة رجوعه. فقلت ~~في نفسي: هو - # أعزه الله - في لذته، وأنا هنا في غير شيء. وفي بقية، وعندي صبية، قد كنت ~~اشتريتها. وكانت # نفسي متطلعة إلى افتضاضها، فنهضت مسرعا عند ذكرها. فقال الخدم: يا سيدي! ~~أي شيء عزمت، # وأين تريد. قلت: أريد الإنصراف. قالوا: فإن طلبك أمير المؤمنين. قلت: انه ~~أدام الله سروره من لذة # طربه، واشتغاله، وما هو فيه يشتغل عن طلبي. وقد كان بيني وبينه موعد، قد ~~جاز وقته، ولا وجه # لجلوسي قال إسحاق وكنت مصدق القول في دار المأمون، مسموع القول، لا أعارض في شيء. # فخرجت أبادر الباب، فلقيني غلمان الباب، وأصحاب النوبة. فقالوا: يا سيدي ~~إن غلمانك قد انصرفوا، # وكانوا قد جاؤوك بدابة، فلما علموا بمبيتك في الدار انصرفوا. قلت: لأصبر، ~~وأنا أتمشى الى الدار # وحدي. قالوا: نحضرك دابة من دواب النوبة. قلت: لا حاجة لي بذلك. قالوا: ~~فنمشي بين يديك # بمشعل. قلت: ولا أريد ذلك. ومضيت حتى اذا صرت ببعض الطريق، وجدت حركة ~~البول، فعدلت # الى بعض الأزقة، لئلا يراني أحد من العوام أبول على الطريق فبلت حتى إذا ~~قمت لبعض الحيطان، # اذا بشيء معلق من بعض ذلك الدور الى الزقاق. فما تمالكت أن تماسحت، ثم ~~دنوت الى ذلك الشيء، # لا أعرف ما هو فاذا أنا بزنبيل معلق كبير، بأربعة آذان فاذا هو ملبس ~~بديباح، وفيه أربعة أحبل PageV02P654 ~~إبريسم فلما نظرت إليه، وتبينته قلت: والله، إن لهذا لسببا، وإن له امرا. ~~وأقمت ساعة أروي أمره، # وأفكر فيه، حتى اذا طال ذلك، قلت: والله لأتجاسر، ولأجلسن فيه، يكون ذلك ~~ما يكون. ثم لففت # رأسي بردائي، وجلست في جوف الزنبيل. فلما أحس من كان على ظهر الحائط ~~بثقله جذبوا الزنبيل # اليهم، حتى انتهوا إلى ظهر الحائط، فإذا بأربعة جوار صغار، يقلن لي: انزل ms286 ~~بالرحب والسعة. # أصديق أم جديد؟ فقلت: لا بل جديد. فقلن: يا جارية قومي بين يديه بالشمعة ~~وأبدرت بين يدي # بشمعة، حتى نزلت الى دار نظيفة بها من الحسن والظرف والنظافة ما حرت له، ~~ثم أدخلتني الى # مجالس مفروشة ومناص مرصوصة، بصنوف من الفرش الذي لم أر مثله إلا في دار ~~ملك أو خليفة، # فجلست في أدنى مجلس من تلك المجالس، فما شعرت بعد ساعة إلا بضجة وجلبة ~~وستور قد رفعت # في ناحية من نواحي الدار، وإذا بوصائف يتساعين، في أيدي بعضهن الشمع، ~~وبعضهن المجامر، # يسجر فيهن فيهن العود والعنبر، واذا بينهن جارية، كأنها قمر طالع على ~~الغصون، فما تمالكت عند # رؤيتها أن نهضت فقالت: مرحبا بك من زائر، وليس تلك عادتك. وجلست، ورفعت ~~مجلسي عن # الموضع الذي كنت فيه. فقلت: عن ما قصد: والله، الى ذلك، ولا أعلم كان وقع ~~الي. فقالت: فعلى كل # حال أنسيت. قلت: انصرفت من عند بعض اخواني، PageV02P655 ~~وظننت أني على وقت، فخرجت في وقت ضيق، فحركني البول، فعدلت إلى هذا الطريق ~~فوجدت زنبيلا معلقا، # فحملني النبيذ أن جلست فيه فان كان خطأ، فالنبيذ حملني عليه، وإن كان ~~صوابا فالله ألهمنيه. قالت: لا ضير، إن شاء الله. وأرجو أن تحمد عواقب ~~أمرك. فما صناعتك؟ قلت: بزاز قالت أين: مولدك؟ قلت: بغداد، قالت: وأي الناس؟ # قلت: من أوساطهم. قالت: حياك، وقرت دارك. فهل رويت من الأخبار شيئا. قلت: ~~شيئا ضعيفا # فقالت: ذاكرنا شيئا مما حفظت. قلت: جعلت فداك، ان للداخل دهشة، ولكن ~~تبتدئين بشيء من ذلك، # فأتأنس بالمذاكرة. قالت: لعمري، لقد صدقت. فهل تحفظ لفلان قصيدته التي ~~يقول فيها كذا وكذا. ثم # أنشدتني لجماعة من الشعراء الأقدمين، والمحدثين، من أحسن أشعارهم، ~~وأقاوليهم، وأنا مستمع أنظر # من أي أحوالها أعجب: من ضبطها، أم من حسن لفظها، أم من حسن اقتدارها على ~~اللفظ، والنحو، # ومعرفة وزن الشعر. ثم قالت: أرجو أن نذهب عنك بعض ما بك من الإنقباض، ~~فقلت: أي والله، قد # كان ذلك ثم قالت: فإن: رأيت أن ms287 تنشدنا من بعض ما تحفظ فافعل قال: فاندفعت ~~أنشد لجماعة من # الشعراء، فاستحسنت نشيدي، وأقبلت تسألني عن أشياء تمر في شعري كالمختبرة ~~لي، وأنا أجيبها بما # أعرف في ذلك، وهي مصغية الي، ومستحسنة لما آتي به، حتى إذا أتيت على ما ~~فيه مقنع، قالت: # والله ما قصرت، وما توهمت فيك ما ألفيت، وما رأيت في أبناء التجار وأبناء PageV02P656 ~~السوقة مثل ما معك، فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس؟ قلت: قد نظرت في شيء ~~من ذلك. فقالت: يا جارية أحضرينا ما # عندك. فما غابت عنا شيئا، حتى قدمت إلينا مائدة لطيفة، قد جمع عليها ~~غرائب الطعام السري، # فقالت: إن الممالحة أول الرضاع، فدونك. فتقدمت، فأقبلت أعتذر بعض ~~الاعتذار، وهي مع ذلك # تحثني وتضع بين يدي، وإني لمتقسم القلب لما أرى من ظرفها وعقلها، وحسن ~~خفرها، وكثرة أدبها، # حتى رفعت المائدة، وأحضرت آنية النبيذ فوضعت بين يدي صينية وقنينة وقدح ~~ومغسل، وبين يديها # مثل ذلك، وفي وسط المجلس من صنوف الرياحين وغرائب الفواكه، مالم أره ~~اجتمع لأحد، إلا لولي # عهد أو سلطان، قد عبئ أحسن تعبئة، وهيء بأحسن تهيئة # وحكى نصر بن علي الجهضمي قال: كان رجل طفيلي يجاورنا، فكنت إذا دعيت إلى ~~مكان، ركب # بركوبي، ومضى معي. فدعاني ذات يوم جعفربن سليمان أميرالبصرة، فركبت، وركب ~~الطفيلي معي. # فقلت: والله، لأفضحنه اليوم. فلما حضرت المائدة، أقبلت على الطفيلي، ~~فقلت: حدثنا ابن زياد عن # أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله صلى PageV02P657 ~~الله عليه وسلم. قال: "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله"، # "ومن مشى الى طعام ولم يدع اليه فقد دخل سارقا وخرج مغيرا"، قال: فأقبل ~~الطفيلي علي، # وقال أبا عمرو. وتروي هذا الحديث، على مائدة الأمير. ولعل لا يحضرها أحد، إلا # وهو يظن بك أنك تقصده به. أما علمت أن ابن زياد هذا كذاب، متروك الحديث، ~~وأن أبان بن طارق # كان يمشي في السكك، فيلعب به الصبيان. أين أنت من حديث أبي عاصم عن ابن ~~جريح، عن ms288 أبي # الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم، PageV02P658 ~~قال: "طعام الواحد كافي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة" # قال نصر: فكأني لقمت حجرا في فمي. فلما خرجنا أقبل علي الطفيلي وجعل يقول: # ومن ظن ممن يلاقي الحروب ... بألا يصاب فقد ظن عجزا # وحكى بعض الأدباء، قال: كان بسوسة إفريقية رجل أديب ظريف، فهام بغلام ~~جميل من غلمانها، # يروق العين منظره، ويسترق الأحرار مخبره فلما استولى على ذلك الرجل ~~غرامه، وكلفه، وتمادى به # أسفه وشغفه، عمد الى المدام، ليداوي بها بعض ما يجد من الآلام، فشرب منها ~~فوق المقدار، وأسرف # حتى غلبت على عقله سورة العقار، وحمله السكر على خلع ثوب الوقار، فأخذ ~~قبس نار، وجاء الى # دار ذلك الغلام ليحرقها؛ فرأى ذلك من فعله بعض الجيران، فأطفأ النار، ~~وسلمت الدار، وبقي عليها # من الستر أوقى صدار. فلما أصبح، جيء بالرجل إلى الحاكم، لما وشى به أهل ~~النمائم، PageV02P659 ~~فسأله لم فعل ذلك، فأنشأ يقول: # لما تمادى على بعادي ... وأضرم النار في فؤادي # ولم أجد من هواه بدا ... ولا معينا على السهاد # حملت نفسي على وقوفي ... ببابه حملة الجواد # فثار من بعض نار قلبي ... أقل من قدحة الزناد # فاحترق الدار دون علمي ... ولم يكن ذاك من مرادى # فاستظرفه قاضي البلاد، وتحمل عنه قيمة ما أفسد. # قال أبو عبد الله الحميدي: فكنت أظن أن هذه المعنى مما تفرد به هذا الرجل ~~حتى أخبرت أن # نصربن أحمد دخل على أبي الحسين المثنى في PageV02P660 ~~إثر حريق المربد فقال له: هل قلت في هذا شيئا؟ فقال: ما قلت شيئا ولكن ~~أنشدك ارتجالا: # أتتكم شهود الورى تشهد ... فما يستطيعون أن يجحدوا # فيامر بديون ناشدتكم ... على أنني منكم كمد # جرى نفسي صعدا نحوكم ... فمن حره احترق المربد # وهاجت رياح حنيني لكم ... فظلت بها ناركم توقد # فلولا دموع جرت لم يكن ... حريقكم أبدا يخمد # قوله: # وهاجت رياح حنيني لكم # البيت. # كقول أبي اسحاق الحصري: # ولقد تنسمت الرياح لعلني ... أرتاح أن يبعثن منك نسيما # فأثرن من حرق الصبابة كامنا ms289 ... وأذعن من سر الهوى مكتوما # وكذا الرياح إذا مررن على لظى ... نار خبت ضرمنها تضريما PageV02P661 ~~وفي معناه يقول ابن هذيل القرطبي: # روحني عائدي فقلت له ... مه لا تزدني على الذي أجد # أما ترى النار وهي خامدة ... عند هبوب الرياح تتقد # قوله: (مه) معناه: اكفف. يقال: مهمهت بالرجل؛ إذا زجرته. ومثله صه. ~~ومعناه: اسكت. # وفي الحديث عن: ابن عباس، أن النبي عليه السلام دخل على عثمان بن مظعون ~~حين مات. فأكب # عليه ثم رفع رأسه، فكأنهم رأوا أثر البكاء في عينيه، ثم جثا عليه ~~الثانية؛ فرفع رأسه فرأوه يبكي، ثم # جثا عليه الثالثة، ثم رفع رأسه، وله شهيق فعرفوا أنه يبكي، فبكى القوم. ~~فقال النبي صلى الله عليه # وسلم: "مه. إنما هذا من الشيطان. ثم قال: استغفروا الله". # وفي الحديث أيضا، فيما روى معمر عن الزهري، عن صفوان بن PageV02P662 ~~عبد الله بن صفوان، أنه قال: قام رجل يوم صفين. فقال: اللهم العن أهل الشام. # فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: مه. لا تسب أهل الشام جما غفيرا؛ فإن ~~منهم الأبدال. # قول علي رضي الله عنه: (جماء غفير) كلمة معناها: الوفور والكثرة. # وحكى أبو عمر المطرز فيها ثلاث لغات. يقال: جاء القوم جما غفيرا. وهذا ~~أفصحها. وكذا جاءت # في حديث أبي ادريس الخولاني قلت: يا رسول الله: كم الرسل من ذلك؟ قال: ~~ثلاث مائة وثلاثة عشر # جما غفيرا. الحديث. # وجاء القوم جماء الغفير، والجماء الغفير، وعلى هذه اللغة الثالثة جاء قول ~~الشاعر: # كبيرهم وطفلهم جميعا ... هم الجماء في اللوم الغفير # وقال الكميت: # وقد كان جلتهم والرعا ... ع جماء في شنآني غفيرا # وحكى غير أبي عمر وجاء القوم جما الغفير، بالإضافة. قال أبو عمر PageV02P663 ~~وقد تناظر فيها أبو العباس أحمد بن يحيى ومحمد بن يزيد في الاعتلال لها، ~~والاحتجاج لإلزامها، النصف من الإعراب. # وحكى عن البصريين، ومن يقول بالاشتقاق. الجماء، مشتقة من قولهم بئر جمة ~~أي كثيرة الماء. # والغفير؛ مأخوذ من الغفر، وهو الستر، ومنه سمى المغفر، لأنه يغطي الرأس ~~ويستره. ms290 والمعنى أنهم # لكثرتهم يغطون وجه الأرض وحكى غير أبي عمر أن المعنى: جاءوا جميعا. ~~والجماء الغفير؛ بيضة # الحديد التي تجمع الشعر. والمعنى أنهم جاءوا مجتمعين، كاجتماع البيضة، ~~وما تحتها من جمة الشعر، # وهو اجتماعه. والغفير من قولهم: غفرت المتاع، إذا غطيته وسترته. وانتصابه ~~على الحال قال أبو # حاتم: تقول العرب: هم فيها الجما الغفير بالنصب على توهم جما غفيرا. لأن ~~الحال لا يكون معرفة. # قال: وهذا مثل قوله: # لا هيثم الليلة للمطي # وهيثم معروف بعينه. وإنما تنصب في النفي النكرات، وترفع المعارف. ومثل ~~قوله: لا هيثم الليلة # للمطي: قول معاوية: كان إذا أتته معضلة شديدة يقول: (معضلة ولا أبا حسن لها). # وحكى سلمة، عن الفراء أنه قال: هذه معرفة وضعت في موضع PageV02P664 ~~النكرة، وأعطيت إعرابها. كأنه قال: معضلة ولا رجل لها كأبي حسن، يؤخذ علمها ~~من قبله # وحق التبرئة أن تقع على النكرة كقولك: لا باكية لخمرة، ولا حامية للجيش. # وكقول الشاعر: # تعدو الذئاب على من لا كلاب له # رجع # وما أحسن قول ابن الرومي في المعنى المتقدم: # لا تغرين جوى بلوم إنه ... كالريح لا يغري الناربالإحراق # وقول عبد المحسن أيضا: # قبلتها أشتفي بقبلتها ... فزادني ذلك اللمى ألما PageV02P665 ~~ولأبي العشائر في المعنى وهو: # ما بال ريقك ليس ملحا طعمه ... ويزيدني عطشا إذا ما ذقته # وحكى أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قال: ارتاح محمد بن عبد الله بن ~~طاهر يوما للمنادمة، وقد # حضره وزيره ابن طالوت، وكان أخص الناس به، وأحضرهم لخلواته. فأقبل عليه، ~~وقال: لا بد لنا # في يومنا هذا، من ثالث تطيب بقوله المعاشرة، وتلذ بمؤانسته المنادمة. فمن ~~ترى أن يكون؟ واعفنا # من شرس، الأخلاق، أو دنس الأعراق، أو طاهر الأخلاق. فأعمل ابن طالوت ~~فكره، ثم قال: أيها # الأمير، خطر ببالي رجل، ليست علينا من مجالسته مؤنة. قد خلي من إبرام ~~المجالس، وبرئ من ثقل # المؤانس. خفيف الوطأة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أردت. قال: ومن ذلك؟ ~~قال: ماني الموسوس. # قال: أحسنت والله فلتتقدم إلى أصحاب الثمانية والعشرين ms291 في طلبه برقعة PageV02P666 ~~رقعة. فما كان إلا هنيهة، واقتنصه صاحب الكرخ، وجاء به إلى باب الأمير ~~فأخذ، وحذف ونظف، وأدخل الحمام، وألبس ثيابا # نظافا، وأدخل على الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأمير. فقال محمد: ~~وعليك السلام ياماني. ألم يأن # لك أن تزورنا على حين شوق منا إليك، ومنازعة قلوب نحوك. فقال ماني الشوق ~~شديد، والحب # عتيد، والمزار بعيد، والحجاب صعب، والبواب فظ. فلو سهل لنا في الإذن، ~~لسهلت علينا الزيارة # فقال الأمير: ألطفت في الاستئذان، فلتلطف لك في الاذن، لا يمنعن ماني أي ~~وقت جاء، أو ورد، من # ليل أونهار. ثم أذن له في الجلوس، فجلس، ودعا له بالطعام، فأكل، ثم غسل ~~يديه وأخذ مجلسه وكان # محمد قد تشوق إلى السماع من تنوسة جارية ابنة المهدي. فأحضرت، فكان أول ~~ما غنت به: # ولست بناس إذ غدوا فتحدرت ... دموعي على الخدين من شدة الوجد # وقولي وقد زالت بليل حمولهم ... بواكر تخدي لا يكن آخر العهد # فقال لها ماني: أحسنت وبحق الأمير ألا ما زدت فيه: # وقمت أناجي الفكر والدمع جائر ... بمقلة موقوف على الضر والجهد # ولم يعدني هذا الأمير بعزة ... على ظالم قد لج في الهجر والصد PageV02P667 ~~فاندفعت الجارية تغنيه. فقال الأمير: أعاشق أنت يا ماني؟ فاستحيى، وغمز ابن ~~طالوت ألا يبوح له # بشيء، فيسقط من عينه. فقال: مبلغ طرب وشوق. كان كامنا فظهر. وهل بعد ~~المشيب صبوة؟ # ثم اقترح محمد على تنوسة بهذا الصوت: # حجبوها عن الرياح لأني ... قلت يا ريح بلغيها السلاما # لو رضوا بالحجاب كان ولكن ... منعوها عند الرياح الكلاما # فغنته فطرب محمد، ودعا برطل فشرب. فقال ماني: ما على قائل هذا الشعر، لو ~~زاد فيه: # فتنفست ثم قلت لطيفي ... آه إن زرت طيفها إلماما # خصها بالسلام سرا وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما # فكان أثقف لدبيب الصبابة بين الأحشاء؛ وألطف تغلغلا الى كبد الصدى من ~~زلال الماء، مع حسن # تأليف نظامه، والانتهاء بالمعنى الى غاية تمامه. فقال محمد: أحسنت يا ~~ماني. ثم أمر تنوسة بإلحاقهما # بالبيتين الأولين، والغناء ms292 بهما. ففعلت، ثم غنت بهذين البيتين: # يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى صبابة فأقيما # ما مررنا بدار زينب إلا ... هتك الدمع سري المكتوما PageV02P668 ~~فاستحسنه محمد. فقال ماني: لولا رهبة التعدي، لأضفت إلى هذين البيتين، لا ~~يردان على سمع ذي # لب، فيصدران إلا عن استحسان لهما فقال محمد: الرغبة في حسن ما تأتي به ~~حائلة دون كل رهبة. # فهات ما عندك. فقال: # ظبية كالهلال لو تلحظ الصخر ... بطرف لغادرته هشيما # واذا ما تبسمت خلت إيما ... ض بروق أو لؤلؤا منظوما # فقال محمد: أحسنت والله يا ماني. فأجز هذا الشعر: # لم تطب اللذات إلا بمن ... طابت به اللذات تنوسه # غنت بصوت أطلقت عبرة ... كانت بحسن الصبر محبوسه # فقال ماني على البديه: # وكيف صبر النفس عن غادة ... أظلمها إن قلت طاووسه # وجرت إن شبهتها بانة ... في جنةالفردوس مغروسه # وغير عدل إن عدلنا بها ... جوهرة في البحر مغموسه # ثم سكت، فقال محمد: عدافي وصلك لها، فقال ماني: # جلت عن الوصف فما فكرة ... تلحقها بالنعت محسوسه PageV02P669 ~~فقال محمد: أحسنت، فقالت تنوسة: وجب شكرك يا ماني، فساعدك دهرك، وعطف عليك إلفك، # وقارنك سرورك، وفارقك محذورك. والله يديم لنا ذلك ببقاء من به اجتمع ~~شملنا فقال لها ماني عند # قولها: (وعطف عليك إلفك) مجيبا: # ليس لي إلف فيقطعني ... فارقت نفسي الأباطيل # ثم أنشأ يقول: # أنا موصول بنعمة من ... حبله بالمجد موصول # أنا مغبوط بزورة من ... طبعه بالحمد مأمول # ثم أومأ إليه ابن طالوت بالقيام فنهض وهو يقول: # ملك قل النظير له ... زانه الغر البهاليل # طاهري في مركبه ... عرفه في الناس مبذول # دم من يشقى بصارمه ... مع هبوب الريح مطلول # يا أبا العباس صن ... أدبا حده بالدهر مفلول # فقال محمد: وجب جزاؤك، لشكرك على غير نعمة تقدمت. ثم أقبل على ابن طالوت ~~فقال: ليست # خساسة المرء، ولا اتضاح المنظر، ولا نبو العين عن الظاهر، بمذهب جوهرية ~~الأدب المركبة في # الإنسان. وما أخطأ صالح ابن عبد PageV02P670 ~~القدوس حيث يقول: # لا يعجبنك من يصون ثيابه ... حذر الغبار وعرضه مبذول # ولربما ms293 افتقر الفتى فرأيته ... دنس الثياب وعرضه مغسول # قال ابن طالوت فما رأيت أحضر ذهنا منه؛ إذ تقول له الجارية: (عطف عليك ~~إلفك)، وإبعاده عند # قولها ذلك بقوله: # ليس لي إلف فيقطعني ... فارقت نفسي الأباطيل # فلم يزل محمد بن عبد الله بن طاهر مجريا عليه رزقا سنيا حتى توفي. PageV02P671 ### | AUTO الباب الرابع: في الحب # قال أبو إسحاق: # وقد أثبت في هذا الباب السابغ الأطناب؛ المتصل الأسباب، من الأحاديث، ~~وأقوال العلماء، # والحكماء، جملا تعيد سامعها ثملا، دون تعاطي أكواس العقار؛ وإصاخة إلى ~~تحنين المزاميز # والأوتار. # والحب نقيض البغض، وخلافه. وأصل الحب: الإرادة. بدليل قولهم: أحببت أن ~~أفعل كذا؛ بمعنى: # أردت أن أفعل. يقال منه: أحبه يحبه إحبابا. وحبه حبا. وتحبب تحببا. وحببه ~~تحبيبا. # وقال صاحب العين: المحبة: الحب. وقد استعاروا لفظ الحب، لميل الطباع. ~~كقولهم: فلان يحب ولده # أن يميل طبعه إليه، والحب أيضا، الجرة الضخمة. سميت بذلك لأنها تضم ما ~~يحب. فأما الحب بفتح # الحاء، فجمع حبة؛ من بر، أو شعير، أو زبيب، ونحو ذلك. وحبة القلب؛ ثمرته. ~~والحب بكسر الحاء؛ # القرط؛ من حبة واحدة. # وقد تنازع الناس في ابتداء وقوع الحب، وكيفيته. وهل كون وقوع عن نظر، ~~وسماع، واختيار، أم # عن اضطرار. PageV02P672 # وسئل حماد الراوية عن الحب فقال: الحب شجرة أصلها الفكر، وعروقها الذكر، ~~وأغصانها السهر، # وأوراقها السقم، وثمرها المنية. # وسئل بعض الحكماء عن الحب فقال: هو أغمض مسلكا في القلب، من الروح في ~~الجسد. وليس أمر # الهوى إلى الرأي فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره. بل قدرته أغلب، وجانبه ~~أعز من أن تنفذ فيه حيلة # حازم أو لطف محتال # وقال معاذ بن جبل: الحب أصعب ما ركب، وأسكر ما شرب، وأفظع ما لقي، وأحلى ~~ما اشتهي، # وأوجع ما بطن، وأشهر ما علن. وأنه لكما قال الشاعر: # وللحب آيات إذا هي صرحت ... تبدت علامات لها غرر صفر # فباطنه سقم وظاهره جوى ... وأوله ذكر وآخره فكر # والهوى آمر مطاع، وقائد متبع. يفتن الأذهان، ويشجع الجبان. وعلامته نحول ~~الجسم، واصفرار # اللون، وخشوع البصر، ms294 وتواتر التنفس، وسرعة الدمع. # وقال علي رضي الله عنه: (آفة العقل الهوى). وقال عبد الله بن PageV02P673 ~~عباس: (الهوى إله معبود). وتلا قول امره تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه). # وقال بعض الحكماء: - الهوى جليس ممتع، واليف مونس، ومالك قاهر. يملك ~~الأبدان وأرواحها، # وامقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس واراها. توارى على الأبصار ~~مدخله؛ وخفي عن # القلوب مسلكه. # وسئل أبو نوفل المدني: هل سلم أحد من الحب والهوى؟ فقال: نعم، الجلف ~~الجافي الذي ليس له # فضل ولافهم. فأما من في طبعه أدنى ظرف، أو أقل لطف، أو معه دماثة أهل ~~(الحجاز) وحلاوتهم، # ورقة أهل (العراق) وأدبهم؛ فهيهات هيهات. وما رأيت فاضلا يسلم من الهه؛ ~~لكن في الناس من يملك # نفسه، ويغلب هواه، ولا يظهر ما كمن في قلبه. # قوله: (الجلف الجافي) يريد الأعرابي الجافي في خلقته وأخلاقه. # وقال أبو حاتم عن أبي عبيدة: الجلف هو الجافي، الخالي الجوف مثل الدن ~~الفارغ. ويقال للشاة # المسلوخة بلا رأس، ولا بطن: جلف. وإنما يقال للرجل: جلف؛ إذا وصف ~~بالجفاء، وقلة العقل. يراد # أن جوفه هواء خال من العقل. وأنشد يعقوب، لقيس بن الخطيم: PageV02P674 # كأن لباتها تبددها ... هزلى جراد، أجوازه جلف # يعني بلا رؤوس، ولا قوائم. فشبه ما على لبات هذه المرأة من صنعة الذهب ~~بالجراد. والجلف من # كل شيء: ما كان غير نظيف، ولا محكم. # أنشد ابن الأعرابي، عن أبي صالح الفزاري: # الوحش خير من مبيت بته ... بجنوب زخة عندآل معارك # جاؤوا بجلف من شعير يابس ... بيني وبين غلامهم ذي الحارك # والوحش؛ أن يبيت الرجل طاويا. ومنه قول حميد يصف الذئب: # وإن بات وحشا طاويا لم يضق بها ... ذراعا ولم يصبح لها وهو خاشع # ويقال: بات القوم أو حاشا، وقد أوحشوا مذليلتين، أو ثلاث: أي ذهب زادهم، ~~والرجل موحش بين # الإيحاش، ويقولون: توحش للدواء: أي أخل جوفك من الطعام. # وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فيما روى نعيم بن حماد PageV02P675 ~~عن سفيان، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أبي عثمان بن ms295 شبة، قال: سمعت عليا ~~يقول في صلاة المغرب اللهم العن # فلانا الجلف الجافي. وقيل لأعرابي: صف لنا الحب، فانتحب ثم قال بالقلب ~~وثبته، وبالفؤااد وجبته، وبالأحشاء ناره، # وسائر الأعضاء خدامه، العقل من الحب ذاهل، والجسم ناحل، والدموع هوامل. ~~مرور الأيام # المخلقات تجدده؛ والإساءة من المحبوب لاتفسده. ثم أومأ بيده إلى قلبه ~~وأنشأ يقول: # ألا فتخلص إنما أنت شامت ... لما لم يكن يا قلب ينفعك الزجر # كأن دموعي غصن طرفاء حركت ... أعاليه أرياح وأهطله قطر # قال أبو إسحاق: # وهو يتولد، ويتسبب من النظر، وتكرر اللمح بالبصر. والدليل على هذا، قول ~~الرسول عليه السلام: # "النظر سهم مسموم من سهام إبليس. فمن تركه خوفا من الله، أثابه الله ~~إيمانا يجد حلاوته في قلبه". # وقال عليه السلام: "لاتتبع النظرة النظرة. فإنما لك الأولى وليست لك ~~الآخرة". ولهذا المعنى، دخلت # (من) في قوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم). PageV02P676 # لأن النظرة الأولى لاتملك، فوجب التبغيض لذلك. ولم يقل ذلك في الفروج؛ ~~لأنها تملك. وغض # البصر عن جميع المحرمات؛ عن كل ما يخشى الفتنة من أجله واجب. # ولما وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس؛ كان فيهم غلام ~~أمرد، ظاهر الوضاءة؛ # فأجلسه النبي عليه السلام وراءه. وقال: "كانت خطيئة داوود النظر". # وفي الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه # وسلم: "لاتجالسوا أولاد الملوك، فإن لهم فتنة كفتنة العذارى". # وجاء عنه عليه السلام أنه قال: "غضوا أبصاركم عن الغلمان المرد فإن لهم ~~فتنا كفتن النساء". # وقال سعيد بن حميد الكاتب: # نظرت وقادتني إلى الحتف نظرة ... إليك بمكنون الضمير تشير # فلا تصرفن الطرف في كل منظر ... فإن معاريض البلاء كثير PageV02P677 ~~وقال مهيار في المعنى: # نظرة عادت فعادت حسرة ... قتل الرامى بها من جرحا # وقال الآخر في المعنى: # نظرة كانت لحيني سببا ... جلب الحين لها ما جلبا # وقال ابن الرومي فيه: # أورثت قلبي سقاما ... نظرة فيها سقام # وقال الأديب الكامل، أبو العباس أحمد بن عبد ربه: ms296 # نظرتك نظرة بالخيف كانت ... جلاء العين بل كانت قذاها # فآها كيف تجمعنا الليالي ... وآها من تفرقنا وآها # وقال المؤمل بن أميل: # شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر # وقال غيره: # الحب داء رجال يقتلون به ... ظلما وأول أسباب الهوى النظر # قد كنت أحذره حتى ابتليت به ... لو كان ينفعني الإشفاق والحذر PageV02P678 ~~وقال ادريس بن اليماني: # عن الهوى إن تسل: أصل الهوى النظر ... وربما قاد حتف المهجة البصر # وقال فيه أبو محمد بن عبد البر: # لا تكثرن تأملا ... واحبس عليك عنان طرفك # فلربما أرسلته ... فرماك في ميدان حتفك # وقال أبو محمد الجزيري: # واغضض الطرف تسترح من غرام ... تكتسي فيه ثوب ذل وشين # فبلاء الفتى اتباع هوى النف ... س وبدء الهوى طموح بعين # وجاء عن ابن عباس أنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه، فمربنا غلام ~~من الأنصار، جميل # الوجه، فحد إليه نظره، فقال له (جبريل) عليه السلام "لم فعلت ذلك يا رسول ~~الله"؟ فقال: "رأيت وجها # جميلا فسبحت الله أحسن PageV02P679 ~~الخالقين". # وقال سفيان بن عيينة: كنت عند بكر بن عبد الواحد بن زيد، فمر به غلام من ~~(ثقيف) حسن # الصورة، فحدق إليه بصره، ثم قال: (أترانا لا نشتهي الذكران من الرجال، ~~وشرب الخمر في # البساتين؛ ولكن خوف الله تبارك وتعالى يمنعنا). # وفي كتاب الشيخ أبي حامد رحمه الله، أن أهل مصر مكثوا أربعة أشهر، لم يكن ~~لهم غذاء إلا النظر # إلى وجه يوسف الصديق عليه السلام. كانوا إذا جاعوا، نظروا إلى وجهه، ~~فيشغلهم جماله عن ذلك. # ألا ترى أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: (ما بال النسوة اللاتي قطعن ~~أيديهن)، لأنهن أبلغن في ملاحظة جماله، حتى ما أحسسن # بذلك. # وسئل أعرابي عن الهوى، فقال: هو داء تداوى به النفوس الصحاح، وتسيل منه ~~الأرواح، وهو سقم # مكتتم، وجمر مضطرم، وأنشد: # الحب داء عياء لادواء له ... يضل فيه الأطباء النحارير # قد كنت أحسب أن الواصفين غلوا ... في وصفه فإذا بالقوم تقصير # وكان عامر الشعبي رحمه الله ms297 يقول: إنما سمى الهوى هوى، لأنه يهوي بصاحبه. PageV02P680 # وحقيقة الحب أنه أريحية؛ تحدث في النفس داعية إلى مالايجوز في العقل. وذلك ~~أن اتباع الهوى # مذموم. قال الله تبارك وتعالى (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~فإن الجنة هي المأوى). # وقال الطبيب إبقراط: الهوى بين المتصافيين؛ هو امتزاج النفس بالنفس، كما ~~الماء إذا امتزج بالماء، # عسر تخليصه على من رامه. والنفوس أرق من الماء، وألطف مسلكا. # فلذلك لاتزيله مرور الأيام، ولا يخلقه تصرف الدهر، ولايدفعه دافع دق عن ~~الأوهام مسلكه، وخفي # عن الأبصار موضعه، وحارت العقول في كيفية تمكنه، غير أن ابتداء حركته، ~~وعظيم سلطانه هما # من القلب. ثم ينقسم على سائر الأعضاء؛ فيبدي الرعدة في الأطراف، والصفرة ~~في الألوان، والثقل # في اللسان، والزلل، والعثار في المنطق، حتى ينسب صاحبه إلى النقص مما ~~يلحقه من الإضطراب، # والتغيير في جميع أحواله. وألمه أشد الآلام. وعلاج صاحبه، يعزب عن ~~الأطباء وذوي الأفهام. # ولذلك قال أبو تمام: # أما الهوى فهو العذاب فإن جرت ... فيه النوى فأليم كل أليم # قال: وأحبت امرأة رجلا؛ فما فرطت في حبه، فجاءت أختها، فقالت لها: كيف ~~أنت من حب فلان؟ # فقالت: حرك، والله، حبه الساكن، وسكن المتحرك. ثم أنشأت تقول: # قد كنت أسمع بالمحب وشجوه ... فأظل منه معجبا أتفكر PageV02P681 ~~حتى ابتليت من الهوى فعظيمة ... كاد الفؤاد من أجلها يتفطر # فقالت: والله، لا أذهب حتى أسأله؛ كيف هو من حبك. فجاءته، فسألته: كيف ~~أنت من حب فلانة؟ # فقال لها: (الهوى هوان)، ولكن خولف باسمه، وإنما يعرف ذلك من استبكته ~~المعارف والطلول مثلي. # وأنشد: # للحب نار على قلبي مضرمة ... لم يبلغ النار منها غير معشار # الماء ينبع منها في محاجرنا ... ياللرجال لماء فاض من نار # وهذا كقول أبي بكر بن دريد من أبيات أربعة قرأتها في (النوادر) لأبي علي: # عجبا لنار ضرمت في صدره ... فاستنبطت من جفنه ينبوعا # لهب يكون إذا تلبس في الحشا ... قيظا فيظهر في الجفون ربيعا # وقال مزروع البصري: بينما أنا أسير في أزقة (البصرة)؛ ms298 إذ سمعت صوت رجل؛ ~~فوقفت عليه، # وهو ينشد، فقلت له: ما تقول؟ فأنشد: # قلبي إلى ماضرني داعي ... يكثر أشواقي وأوجاعي PageV02P682 ~~لعل ما أبقى على ماأرى ... يوشك أن ينعاني الناعي # كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي # قال: فقلت له: ما العشق؟ فقال هو ارتياح في الخلقة، وفرح يجول في الروح، ~~وسرور تسببه # الخواطر، في مستقر غامض، ومحل لطيف المسالك، يتصل بأجزاء القوى، وينساب ~~في الحركات. # وهو أنس العقل، وبشاشة الخواطر. وأنشد: # كل النفوس لها في قتلها قود ... إلا نفوس أبادتها الدمى القتل # وكل جرح له شيء يلائمه ... إلا جروحا جنتها الأعين النجل # وقال الضحاك: بينما أنا أطوف بالبيت؛ إذ سمعت جارية تقول: اللهم مالك يوم ~~القضاء، وخالق # الأرض والسماء، فارحم أهل الهوى، واستنقذهم من البلاء، واعطف عليهم قلوب ~~أودائهم بالصفاء، # إنك سميع الدعاء، فقلت: يا هذه، أما تتقين الله، وأنت في الطواف، فأقبلت ~~علي بوجه، كأنه فلقة # قمر. وقالت: إليك عني! لايرهقك الحب؟ فقلت: وما الحب؟ قالت: جل، والله، ~~أن يخفى، وخفي أن # يرى، له كمون ككمون النار في الحجر إن قدحته أورى؛ وإن تركته توارى. # وأنشدني بعض الأدباء لسعيد بن حميد: PageV02P683 # ولم أر مثل الحب أسقم ذا هوى ... ولا مثل حكم الحب كيف يجور # لقد صنت نفسي في الضمير لوانه ... يصان لدى الطرف النموم ضمير # وأنشدني غيره في المعنى: # ليس خطب الهوى بخطب يسير ... لا ينبيك عنه مثل خبير # ليس أمر الهوى يدبر بالرأ ... ي ولا بالقياس والتفكير # إنما الأمر في الهوى خطرات ... محدثات الأمور بعد الأمور # وأنشد أبو نصر في (القلائد) قول الأديب أبي جعفر الأعمى التطيلي: # هو الهوى وقديما كنت أحذره ... السقم مورده والموت مصدره # يالوعة وجلا من نظرة آمل ... الآن أعرف رشدا كنت أنكره # جد من الشوق كان الهزل أوله ... أقل شيء إذا فكرت أكثره # ولي حبيب دنا لولا تمنعه ... وقد أقول نأى لولا تذكره # وقال الآخر في المعنى: # يا عاذلي قد كنت قبلك عاذلا ... حتى ابتليت فصرت صبا ذاهلا # الحب أول ما يكون ms299 لجاجة ... فإذا تمكن صار شغلا شاغلا PageV02P684 ~~هذا من لفظ العباس بن الأحنف حيث يقول: # الحب أول ما يكون لجاجة ... تاتي به وتسوقه الأقدار # حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار # وسئل أحد البلغاء عن الحب، فقال: # من كان لم يدر ماحب أحس به ... أو كان في غفلة أو كان لم يجد # فالحب أوله روع وآخره ... مثل الحرارة بين الخلب والكبد # وأنشد أبو نصر في قلائده، قول أبي القاسم بن العطار: # الحب تسبح في أمواجه المهج ... لو مد كفا إلى الغرقى به الفرج # بحر الهوى غرقت فيه سواحله ... فهل سمعتم ببحر كله لجج # بين الهوى والردى في لحظه سبب ... هذي القلوب وهذي الأعين الدعج # دين الهوى شرعة غفل بلا كتب ... كما مسائله ليست لها حجج # لا العذل يدخل في سمع المشوق ولا ... شخص السلو على باب الهوى يلج PageV02P685 ~~كأن عيني وقد سالت مدامعها ... بحر يفيض على آفاقه خلج # وقالت علية أخت ابراهيم بن المهدي: # وضع الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج # ليس يستحسن في أمر الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج # وقليل الحب صرفا خالصا ... لك خير من كثير قد مزج # وقال الآخر، وقرأته في (النوادر) لأبي علي البغدادي: # من كان يزعم أن سيكتم حبه ... حتى يشكك فيه فهو كذوب # الحب أغلب للفؤاد بقهره ... من أن يرى للستر فيه نصيب # وإذا بدا سر الفؤاد فإنه ... لم يبد إلا والفتى مغلوب # إني لأبغض عاشقا متسترا ... لم تتهمه أعين وقلوب # وقال العتبي سمعت أعرابيا يقول: مسكين العاشق، الريح يقلقه، ولمعان البرق ~~يؤرقه، ورسوم الديار # تحرقه، والعذل يؤلمه، والتذكير يسلمه، والبعد يجرحه، والقرب يهيجه، ~~والليل يضاعف بلاءه، والنوم # لايوجد حذاءه، PageV02P686 ~~ولقد تداويت بالبعد والقرب فما نجح فيه دواء، ولا عزاني عنه عزاء. ولقد ~~أحسن الذي يقول: # وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد # بكل تداوينا فلم يشف مابنا ... على أن قرب الدار خير من البعد # القرب نقيض البعد، ونظيره الدنو والمجاورة. وأصل القرب، والبعد، ms300 والدنو؛ ~~أن توصف بها # الأجسام؛ كما أن الحركة والسكون، إنما هما في الأصل للأجسام، وقد يقال: ~~هذا المعنى قريب من # ذاك، على معنى المشاكلة، كمقاربة معنى الدلالة، لمعنى الحجة، ومعنى ~~الإشتباه لمعنى الإلتباس، # ومعنى العمل لمعني اليقين، ومعنى الدوام لمعنى الخلود، ومعنى اللزوم ~~لمعنى البقاء، وقالوا: كل قرب # كون، وليس كل كون قربا. ومسافة القرب معقولة، كما أن مسافة البعد معقولة ~~أيضا. وهما أصلان # يستدل بهما على الكون، لأن الشيئين، أو الجزءين في أول حال وجودهما، لا ~~يخلوان من أن يكونا # متلاصقين، أو متباينين. فما تلاصق كنى عنه بالبعد والتقارب والتباين، على ~~مراتب معقولة. # والقرب أيضا؛ قرب الفرس؛ وهو كشحه: وهو من لدن الشاكلة إلى مراق البطن، ~~وكذلك من لدن # الرفع إلى الإبط: قرب من كل جانب. # ويقولون: فرس لاحق الأقراب فيجمعون. وإنما له قربان؛ ولكن لسعته جمعوه. ~~كما يقولون: شاة # عظيمة الخواصر. وإنما لها خاصرتان. وقد بينا هذا في داخل الكتاب. PageV02P687 # ويقولون: فرس مقرب؛ وهو الذي قد قرب مربطه، ومعلفه لكرامته. والجميع ~~المقربات، والمقاريب. # ويقول: قرب الفرس تقريبا. وتقريبه دون الجري ويقال: قد حيا فلان وقرب؛ ~~إذا قال: حياك الله، # وقرب دارك. # والقربان: ما تقربت به إلى الله تعالى، تبتغي قربة، وتقربا ووسيلة. قال ~~الله تعالى (إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر). ذكر أهل # العلم، أن القربان الذي تقبله الله عز وجل؛ قربان هابيل؛ وكان كبشا حبسه ~~الله عنده، حتى أخرجه # لإبراهيم عليه السلام فداء لابنه، والقربان الذي لم يتقبله الله، قربان ~~قابيل، وكان زرعا. وكان علامة # تقبل القربان، أن تأتي نار من السماء فتأكله. # وقربان الملك قرابينه، ووزراؤه. يقال: هذا قربان من قرابين الملك. مجموع ~~بالنون. وهم الذين # يستشفع بهم إلى الملوك. وأنشد أبو بكر بن دريد في قرابين الملك: # ومالي لا أحبهم ومنهم ... قرابين الإله بنو قصي # وقال صاحب العين: القرب: طلب الماء ليلا. تقول: قرب الماء يقربه، وقد ~~قربه قربا؛ إذا طلبه ليلا، # قال الشاعر: PageV02P688 # عسلان الذيب أمسى قاربا ... برد الليل عليه ms301 فنسل # ولا يقال لطالب الماء نهارا قارب، وقال الكميت: # هاج الصوادي والحران فاندلقت ... وانقض سائقها الحادي لها القرب # والقارب: سفينة صغيرة تكون مع أصحاب السفن البحرية، تستخف لحوائجهم. ~~والجمع: القوارب. # والقراب للسيف والسكين، والفعل منه: قربت قرابا بالتشديد. ولغة أخرى: ~~قربت قرابا. ويقال: قرب # فلان أهله قربانا، كناية عن الغشيان. وما قربت هذا الأمر، ولا قربت فلانا ~~قربانا ولا قربا. # ويقال: أقربت الشاة فهي مقرب؛ إذا دنا ولادها. وكذلك الأتان. ولا يقال ~~للناقة إلا أدنت فهي مدن. # رجع # وقرأت في كتاب (النوادر) لأبي علي أخبرنا أبو بكر. قال: أخبرنا أبو حاتم ~~عن الأصمعي. قال: # كان بشر بن أبي مروان شديدا على العصاة، فكان إذا ظفر بالعاصي أقامه على ~~كرسي، وسمر كفه # في الحائط بمسمار، ونزع الكرسي من تحته، فيضطرب حتى يموت معلقا. وكان فتى ~~من بني عجل # مع المهلب، وهو يحارب الأزارقة، وكان عاشقا لابنة عم له. PageV02P689 # فكتبت إليه تستزيره، فكتب إليها: # لولا مخافة بشر أو عقوبته ... أو أن يشد على كفي مسمار # إذا لعطلت ثغري ثم زرتكم ... إن المحب إذا ما اشتاق زوار # فكتبت إليه: # ليس المحب الذي يخشى العقاب ولو ... كانت عقوبته في إلفه النار # بل المحب الذي لا شيء ينفعه ... أو يستقر ومن يهوى به الدار # قال: فلما قرأ كتابها، عطل ثغره، وانصرف إليها، وهو يقول: # أستغفر الله إذ خفت الأمير ولم ... أخش الذي أنا فيه غير منتصر # فشأن بشر بلحمي فليعذبه ... أو يعف عفو أمير خير مقتدر # فما أبالي إذا أمسيت راضية ... يا هند مانيل من شعري ومن بشري # ثم قدم (البصرة)؛ فما أقام إلا يومين، حتى وشي به واش إلى بشر. فقال: علي ~~به، فأتي به فقال: # يافاسق، عطلت ثغرك! هلموا الكرسي. فقال: أعز الله الأمير إن لي عذرا، ~~فقال: وما عذرك؟ فأنشد # الأبيات، فرق له وكتب إلى المهلب، فأثبته في أصحابه. # وحكى أبو العباس أحمد بن عبد ربه في كتاب (العقد). قال: قال رجل من ~~الأدباء: لقد جلت في # مشارق الأرض، ومغاربها، حتى وصلت ms302 إلى حقائقها، فوجدت الإنسان إنما فضل ~~الحيوان بالنطق # المعبر عن النفس، المخبر بما يهجس في الحس، ويتصور في الضمير. ورأيت ~~اللسان خادم الجنان، # بتصرفه يتصرف، PageV02P690 ~~ومع توقفه يتوقف. ووجدت العقل إمام الخواطر؛ وزمام النواظر، وجلاء # البصائر. ومالك الأفهام، وسلطان الأوهام. وشهدت الهوى يخدع العقل ويسحره؛ ~~ويملك اللب ويقهره، # ويغلب اللبيب ويبهره، حتى يرتبط بملكه؛ وينخرط في سلكه. وعهدته لا يعلق ~~إلا بذوي الأفهام # اللطيفة، والأوهام الشريفة. فمن اتسع بالأدب باعه؛ واشتد في الظرف ذراعه، ~~وزكا أصله وفرعه، # وكرم ذهنه وطبعه، وشق بحره وسمعه. وألف من الحلاوة جوا غذيا؛ وصادف من ~~النظافة ثرى ثريا. # ولذلك قال عبيد الريحاني: لا يخلو أحد من صبوة إلا أن يكون وحشي الخلقة، ~~منقوض البنية، خلاف # تركيب الاعتدال. وقال الرسول عليه السلام: "عجب ربنا سبحانه من شاب ليست ~~له صبوة". # وقال الأعمش: (كانوا يستحبون أن تكون للشاب صبوة). # وروى عن ابراهيم بن يزيد النخعي، إنه كان يعجبه أن تكون للصبي إذا نشأ ~~صبوة. وإنما كان # يعجبهم ذلك منه، وإن كان ترك الصبا أسلم له، لأنه إذا تاب وارعوى، كان ~~أشد لاجتهاده في الطاعة، # وأبعد له من أن يعجب بعمله، وذكر للأعمش هذا الكلام، عن ابراهيم، فقال: ~~يخاف، ويحذر، ويجتهد. # وقال أبو حازم: إن الرجل ليعمل السيئة؛ إن عمل حسنة قط، أنفع له PageV02P691 ~~منها. وإن الرجل ليعمل الحسنة؛ إن عمل سيئة قط، أضر عليه منها. # قال ابن الأعرابي: معناه؛ أن يعمل الذنب؛ فلا يزال منه مشفقا وجلا أن ~~يعاوده فينفعه ذلك. ويعمل # الحسنة فيحتسبها على ربه، ويعجب بها، وينسى فضل الله عليه فيها فتهلكه. # وقال الحسن: إن الرجل ليذنب الذنب، فما يزال كئيبا حتى يلقى ربه؛ وإذا ~~مال الرجل إلى الهوى # قبل: صبا يصبو صبا وصبوة. قال الشاعر: # وما يستوي الصابي ومن ترك الصبا ... وان الصبا للعيش لولا العواقب # وكانوا يقولون (الغريب من ليس له حبيب). # وحكى يحي بن الفضيل، عن الأصمعي أنه قال: كنت في بعض البوادي، فقال لي ~~أعرابي: يا # أصمعي! أنت بهذه البلدة غريب. ms303 فقلت له: نعم. فقال: هيهات هيهات! (إنما ~~الغريب من جفاه # الحبيب). وقال الشاعر: # وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة ... غزال كحيل المقلتين ربيب # فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى ... ولكن من تنأين عنه غريب PageV02P692 ~~وشكا مؤدب أولاد سعد بن سليمان إلى سعد بعض أولاده. فقال له سعد: وما يريبك ~~منه؟ قال: # إنه يتعشق، ويشغل باله. فقال له سعد: دعه يتعشق، فإنه يظرف، وينظف، ويلطف. # قال أبو إسحاق: # والفرق بين الحب والعشق: أن الحب في غالب الأمر عار من الشهوة؛ بل في كل ~~الأمر. لأن الله # تعالى قال في كتابه العزيز (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه). # وقال تعالى: (والله يحب الصابرين) وقال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله). # وفي حديث أبي هريرة فيما روى حفص بن عاصم عنه: إن من السبعة الذين يظلهم ~~الله - عز وجل # - في ظله، يوم لاظل إلا ظله رجلا لقى آخر فقال له: والله إني لأحبك في ~~الله عز وجل، وقال # الآخر مثل ذلك. # وفي كتاب (الشهاب): PageV02P693 # "حبذا المتحابون من أمتي" وفي الحديث الصحيح: "لايزال العبد يتقرب إلي # بالنوافل حتى أحبه". ومحبة الباري سبحانه للعبد؛ رحمته إياه، وتوفيقه ~~للعمل بطاعته. ومحبة العبد لله # تعالى إنابته إليه، وعمله بطاعته، وانتهاؤه عن معصيته. فكنى عن هذا كله ~~بالمحبة. وليس في هذا # كله شهوة. إنما هو إرادة ورغبة في حمد الله، والثناء عليه. وحب المؤمن ~~للمؤمن هو إرادته مدحه، # والثناء عليه قضاء لحقه. فإذا قيل: المومن يحب المومن؛ فمعناه أنه يريد ~~مدحه، ويلهج بالثناء عليه. # ولا يقال: المومن يريد المومن؛ لأن المحبة لما كانت تستعمل على ميل ~~الطباع، أخرجت ذلك المخرج # في الكلام، للمبالغة فيما يراد من التعظيم في الصفة. وليس العشق كما ~~ذكرنا، لأنه ممزوج بالشهوة، # وهو لذاذاة تصدر عن فرط. # اللحظ، وكثرة الإستحسان بمناسبة روحانية ومجاذبة فلكية، وهو مخصوص ~~بالشباب؛ فإن صادف # مسنا، فذلك فتنة مضلة، نعوذ بالله منها. # وقال بعض الحكماء: العشق ضرورة شغل نفس فارغة. وقال أرسطوطاليس: العشق ~~ضرورة داخلة # على النفوس. ms304 PageV02P694 # وقال بعض الحكماء: العشق طمع يتولد في القلب، وينمى، وتسري إليه مواد ~~الحركة، فكلما قوي، # ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الفكر والهيمان، وضيق ~~الصدر. فإذا فسد الفكر، # أدى ذلك إلى الجنون؛ فربما قتل العاشق نفسه، وربما مات غما وحزنا، وربما ~~نظر إلى معشوقه، # فمات فرحا، وربما شهق الشهقة، فخفي روحه أربعة وعشرين ساعة، فيظن أنه قد ~~مات فيدفن حيا. # وربما تنفس الصعداء، فخفي روحه في تامور قلبه، وينضم القلب عليه فلا ~~ينفرج حتى يموت. وقد # ترى العاشق إذا سمع بذكر محبوبه تستحيل لونه، ويموت دمه، ويخفق قلبه. ~~وهذا كله صحيح موجود # عند أهل العشق. # وقال الشاعر، وقيل هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي: # سقيم لايموت ولا يفيق ... قد أقرح جفنه الدمع الطليق # شديد الحزن يحزن من رءاه ... أسير الصبو ناظره أريق # ضجيع صبابة وحليف هون ... تحمل قلبه ما لا يطيق # يظل كأنه مما اجتواه ... يسعر في جوانبه الحريق # قال: ولما ارتحلت ليلى عن قيس، جعل يقبل موضع رجليها من الأرض، PageV02P695 ~~وحول خبائها. فلما رأى ذلك قومه، أقبلوا على أبيه بالعذل واللوم. فقال ~~ذريح، لما رأى حاله تلك: قد جنيت عليك يابني! فقال # له قيس: قد كنت أخبرك أني مجنون بها، فلم ترض إلا بقتلي. # فالله حسيبك، وحسيب أمي. وأقبل قومه يعذلونه في تقبيل التراب، فأنشأ يقول: # فما حبي لطيب تراب أرض ... ولكن حب من وطئ الترابا # فهذا فعل شيخينا جميعا ... أرادا لي البلية والعذابا # وكان من أمره بعد ذلك ماعلم، وشهر. نعوذ بالله من آفة العشق، وفتنته. # وقال حامد البلخي: سمعت أعرابيا ينشد: # أهاج سرور القلب مني حرارة ... فأورثه سقما على آخر الدهر # فقلت له: هل للسقم من الحب دواء؟ فقال: إلتقاء الشفتين، بضم البدنين. ~~وقيل لهند بنت الحسن: ما # ألذ شيء في الدنيا؟ فقالت: قبلة فتاة فتى ضمهما هوى. وعيشك ما ذقتها. PageV02P696 # وقال جالينوس: محادثة الرجل من يهوى، تسل التعب والنصب من مفاصله سلا. # وقال بعض الحكماء: صفو العيش؛ الخلوة بمن تحب. وسئل بعض الظرفاء فقيل ms305 له: ~~ما أحب شي # إليك في الدنيا؟ فقال: خلوة بمن أحب، لايرانا إلا الموت. # وقال أبو صخر الهذلي في هذا المعنى، من قصيدة قرأتها في (النوادر) لأبي علي: # تمنيت من حبي علية أننا ... على رمث في البحر ليس لنا وفر # على دائم لايعبر الفلك موجه ... ومن دوننا الأهوال واللجج الخضر # فنقضي هم النفس في غير رقبة ... ويغرق من نخشى نميمته البحر # فالرمث أعواد يضم بعضها إلى بعض، فيركب عليها في البحر. # ويروى: (على رمث في الشرم). والشرم: البحر من قولهم: شرمت الشيء إذا ~~شققته. والبحر؛ من # قولهم بحرت الشيء؛ إذا شققته أيضا شقا واسعا. وقيل: الشرم لجة البحر، ~~ومنه البحيرة، وهي الناقة # المشقوقة الأذن، والناقة بحيرة وهجورة. ويقال للبحر أيضا: البضيع من ~~قولهم: بضعت الشيء إذا # شققته. # قوله: (ويغرق من نخشى نميمته) أي: أفشاه للحديث. قال أبو زيد: PageV02P697 # يقال منه: رجل نم، من قوم # نمين، وأنماء. وامرأة نمة، من نسوة نمات. # قال الشاعر: # ولا أكتم الأسرار لكن أنمها ... ولا أترك الأخبار تغلي على قلبي # وقال الآخر: # إن النموم أغطي دونه خبري ... وليس لي حيلة في مفتري الكذب # ومثل هذا البيت قول الآخر: # لي حيلة فيمن ين ... م وليس في الكذاب حيله # من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله # ويروى: (من كان يكذب ما أراد). PageV02P698 # وحكى الزبير بن أبي بكر قال: حج مروان بن عبد الملك مع الوليد بن عبد الملك ~~بن مروان، فلما # كانوا بوادي القرى، جرت بينه وبين أخيه الوليد بن عبد الملك محاورة، ~~والوليد يومئذ خليفة، فغضب # الوليد فأمضه فتفوه مروان بالرد عليه. فأمسك عمر بن عبد العزيز على فيه ~~فمنعه من ذلك. فقال # لعمر: قتلتني! رددت غيظي في جوفي. فما راحوا من وادي القرى حتى دفنوه. # فله يقول الشاعر: # لقد غادر الركب اليمانون إذ غدوا ... بوادي القرى جلد الجنان مشيعا # فساروا فلا مروان للحي إذ شتوا ... وللركب إذ أمسوا مضلين جزعا # وذكر غير الزبير، أن الشعر لجرير بن عطية. PageV02P699 # قال: وكان مروان أخا يزيد بن ms306 عبد الملك لأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وزاد: # أبا خالد فارقت مروان عن رضى ... وكان يزين الأرض أن تريا معا # قال: ومثل النمام: القتات، والقساس أيضا مثله. وقد فرق بعض أهل اللغة ~~بينهم، فقال: النمام: هو # الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم حديثهم. # والقتات: هو الذي يتسمع على القوم، وهم لايعلمون، ثم ينم حديثهم. # والقساس: الذي يقس الأخبار؛ أي يسأل الناس عنها، ثم ينشرها، ومثل ذلك ~~قولهم: رجل نمل. # والنملة مثل القلق بالخبر. # والنمل: هو الذي لايكتم الخبر، ولا يستطيع الصبر عليه، وهو أيضا النمال. ~~وقد نمل ينمل. # وقال الكميت: # ولا أزعج الكلم المحفظات ... إلى الأقربين ولا أنمل PageV02P700 ~~أي: لا أمشي بالنميمة. # ويقال: رجل نمل الأصابع؛ الذي لايكاد يكف أصابعه عن العبث، وكذلك إذا كان ~~خفيف الأصابع في # العمل، وكذلك الفرس؛ وهو الذي لايكاد يستقر. # قال هذا قاسم في الدلائل، وأنشد: # لسنا بإخوان أقوام يغيرهم ... قول العداة ولاذو النملة النمل # قال: وفي حديث عمر رضي الله عنه أنه قال للحطيئة: إياك والشعر! قال: ~~لاأقدر ياأمير المؤمنين # على تركه؛ مأكلة عيالي، ونملة على لساني، قال: فشبب بأهلك، وإياك وكل ~~مدحة مجحفة! قال: يا # أمير المؤمنين! وما المدحة المجحفة؟ # قال: تقول: بنو فلان خير من بني فلان. إمدحهم ولا تفضلهم، قال: أنت يا ~~أمير المومنين أشعر # مني. # قال: والنم، والقت، والقس، والتحسس بالحاء، والتجسس بالجيم نظائر في ~~اللغة، ومتقاربات في # المعنى. # قال الشاعر: # تجنيت سعدى رهبة أن يشيد لي ... إذا زرت سعدى الكاشح المتحسس # يروى بالجيم؛ من قولهم (تجسس) وبالحاء من قولهم (تحسس)، وقرأ الحسن. PageV02P701 # رجع # وسأل ابراهيم بن المهدي بعض المجانين. ما المحاسن؟ فأنشده: # يقولون في البستان للعين نزهة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسن # إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن # ورأيت في بعض تواليف الحافظ أبي نعيم بسند، عن جابر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه # وسلم: "النظرة إلى الخضرة والوجه الحسن يزيدان في البصر". PageV02P702 # فصل # قال: ومن غريب الأحاديث والحكايات في ms307 معنى الحب، ماروى عن أبي عبد الله ~~عكرمة مولى ابن # عباس لله، قال: بينما نحن عند عبد الله بن عباس، إذ أقبل فتية يحتملون ~~فتى من بني عذرة، قد بلي # بدنه، وكانت له حلاوة، وجمال. فجاءوا به حتى وقفوا بين يديه، وقالوا: ~~استشف لهذا الفتى يا ابن عم # رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما الذي به؟ قال: فترنم الفتى بصوت ~~خفي، لا يستبين، وقال: # بنا من جوى الأحزان والحب لوعة ... تكاد لها نفس المحب تذوب # ولكنما ألفى حشاشة مقولى ... على مابه عود هناك صليب # وما عجب موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب # ثم شهق شهقة فمات، فقال ابن عباس: هل رأيتم غلاما مثل هذا؟ والله، إنه ~~لقتيل الهوى، لادية له، # ولا قود فيه، فأنشد بعض أهل المجلس: PageV02P703 # قضى الله في القتلى قصاص دمائهم ... ولكن دماء العاشقين جبار # تطل دماء العاشقين وثأرها ... لدى الحدق المرضى وذلك ثار # وأنشد آخر منهم: # ما يذكر الدهر لي سعدى وقد فقدت ... إلا ترقرق دمع العين فاطردا # ياللرجال لمعشوق بلا ترة ... لاتأخذون له عقلا ولا قودا # قال عكرمة: فقال ابن عباس: نرغب إلى الله في العافية، ومازال يتعوذ بالله ~~من الحب بقية يومه. # قول الشاعر: # قضى الله في القتلى قصاص # أي: فرض الله في القتلى قصاص دمائهم وأوجب، والقصاص: الأخذ من الجاني مثل ~~ما جنى، # والقصاص، والمقاصة، والمعاوضة، والمبادلة: نظائر في اللغة. # يقال منه: قص يقص قصا وقصصا، وأقصه به إقصاصا، واقتص منه اقتصاصا. # واستقص استقصاصا؛ إذا طلب القصاص، وقاصه مقاصة وقصاصا. # وقال أبو بكر بن دريد: قص الشيء بالمقص يقصه قصا. وقص الحديث يقصه قصصا. PageV02P704 # وقوله تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص)، يعني القرآن اقتفاء الأثر قصص ~~أيضا. قال الله تعالى (فارتدا على آثارهما قصصا). # والقصاص التقاص، من الجراحات والحقون شيء لشيء. # واقتص منه: أخذ منه. قال الله تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولي ~~الألباب). # وقال صاحب العين: القص: الصدر هو المشاش المغروسة فيه أطراف شراسيف ~~الأضلاع في وسط # الصدر. ms308 # والقصة من القصاص معروفة. والقصة الجص. # وفي هذا اللفظ اشتراك، وبابه مشيع. # وقوله: (دماء العاشقين جبار): يعني أن دماءهم هدر لادية فيها. # وفي حديث أبي هريرة فيما روى، عن عبد الرزاق عن معمر، عن همام بن منبه ~~عنه، النار جبار، PageV02P705 ~~ورواه مسلمة بن علقمة، عن داوود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي ~~هريرة. قال: قال # رسول الله صلى عليه وسلم: (النار جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي ~~الركاز الخمس). # وقوله: النار جبار، قال الخطابي: يتأول على وجوه: أحدها أن يكون معنى ذلك ~~إباحة النار، # واقتباسها من غير إذن موقدها، وأنه إذا أخذ منها جذوة، لم يلزمه لها قيمة. # وقال بعضهم: تأويله: النار تطير بها الريح، فتحرق متاعا لقوم، يريد أنه ~~لايلزم موقدها غرامة. # ومنهم من فرق بين النار يوقدها رجل، ليصطلي بها، أو يشوي عليها لحما، ~~وبين أن يوقدها عبثا لا # لأرب، فرأى ما تجني تلك هدرا، وماتجني هذه الغرامة. وأنكر بعضهم هذه ~~اللفظة، وزعم أنها # تصحيف، وإنما هو: البئر جبار. # وذلك أن أهل (اليمن) يميلون النار. فكتبها بعضهم بالياء فرأى القارئ ~~البئر، فصحفها بالنار، كذا قال # أبو بكر بن المنذر. PageV02P706 # وقال يحيى بن معين: أصله البئر جبار، ولكنه صحفه معمر، وقال أبو عمر بن عبد ~~البر: في قول # يحيى بن معين نظر. وذكر أبو الحسن الدارقطني الحديث في كتاب (العلل) ~~فقال: قال إسحاق بن # ابراهيم بن هانئ، عن أحمد بن حنبل: إنما هو البئر جبار، وأهل (صنعاء) ~~يكتبون النار بالياء على # الامالة، فصحفوا على عبد الرزاق البئر بالنار، والصحيح البئر. # قال أبو الحسن الدارقطني: إسحاق هذا له عن أحمد مسائل، وكان ألزم إليه من ابنه. # وفي الحديث عنه عليه السلام "جرح العجماء جبار". وهذا دون خلاف، ~~والعجماء: هي البهيمة، # سميت عجماء لامتناعها من الكلام، قال امرؤ القيس: # صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل # وانما وشحنا أبواب هذا الكتاب بهذه الأخبار؛ رغبة في استكمال فوائده، ~~واستغراب مقاصده، # واستحسان مصادره، وموارده. # رجع # وحكى الفضل بن الحباب، ms309 عن الرياشي قال: خرج جماعة من PageV02P707 ~~أهل (البصرة) يريدون الحج. فلما # كانوا ببعض الطريق، إذا غلام واقف على المحجة وهو ينادي: أيها الناس! هل ~~فيكم أحد من أهل # (البصرة)؟ قال: فملنا إليه، وقلنا له: ماتريد؟ قال: إن مولاي يريد أن ~~يوصي إليكم. فسرنا معه؛ فإذا # شخص ملقى على بعد من الطريق، تحت شجرة لا يحير جوابا، فسلمنا عليه وجلسنا ~~حوله، فلما أحس # بنا رفع طرفه، وهو لايكاد يرفعه ضعفا. ثم أنشأ يقول: # يا بعيد الدار من وطنه ... مفردا يبكي على شجنه # كلما جد البكاء به ... زادت الأسقام في بدنه # ثم أغمي عليه طويلا، ونحن جلوس عنده، فأقبل طائر فوقع على بعض أغصان ~~الشجرة، وجعل # يغرد، ففتح عينيه ثانية، وجعل يستمع تغريد الطائر، وأنشأ يقول: # ولقد زاد الفؤاد شجى ... طائر يشدو على فننه # شفه ما شفني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه # ثم تنفس، وفاظت نفسه، فلم نبرح من عنده حتى كفناه، وتولينا الصلاة عليه. ~~فلما فرغنا من دفنه، # سألنا الغلام عنه، فقال هذا العباس بن الأحنف. # قال أبو اسحاق: ومن مليح شعر العباس قوله: PageV02P708 # تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم # فإنك إلا تغفر الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم # فطوبى لمن أغفى من الليل ساعة ... وذاق اغتماضا إن ذاك لناعم # وقوله أيضا: # أغب الزيارة لما بدا ... له الهجر أو بعض أسبابه # وما صد عنها ولكنه ... طريد ملالة أحبابه # وقوله أيضا: # إن قال لم يفعل وإن سيل لم ... يبدل وإن عوتب لم يعتب # حب بهجراني ولو قال لي ... لا تشرب البارد لم أشرب # وقوله أيضا في مشي النساء: # شمس مقررة في خلق جارية ... كأنما كشحها طي الطوامير # كأنها حين تمشي في وصائفها ... تخطو على البيض أو خضر القوارير # والطوامير، جمع أطمار، وأطمار جمع طمر: وهو الثوب الخلق، ومثله في PageV02P709 ~~الجودة والحسن في مشي النساء، قول ابن مقبل في النوادر لأبي علي: # يهززن للمشي أوصالا منعمة ... هز الجنوب معا عيدان يبرينا # أو كاهتزاز رديني تداوله ... أيدي ms310 التجار فزاد وامتنه لينا # ويروى: (هز الكماة). # يمشين هيل النقا مالت جوانبه ... ينهال حينا وينهاه الثرى حينا # قوله: عيدان، وزنه فيعال، وهو من: عدن، إذا أقام، والنون فيه أصلية، وهو ~~جمع عيدانة. والعيدانة: # النخلة إذا طالت، ونفذت عروقها إلى الماء. # والنقى من الرمل: قطعة محدودبة يكتب بالياء، ويكتب بالألف، لأنك تقول في ~~تثنيته: نقوان ونقيان، # والواو أكثر. قاله أبو علي البغدادي، وأنشد: # كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهال # ويروى: (وإسهال) # قال أبو علي: وبنات النقا، وشحم النقا، وشحمة الأرض: دود بيض يدخل في ~~الرمل تشبه بها # الأصابع. PageV02P710 # قال الراعي: # وفي القلب والحناء كف بنانها ... كشحم النقا لم يعطها الزندقادح # وقال ذو الرمة: # وأبدت لنا كفا كأن بنانها ... بنات النقا تخفى مرارا وتظهر # وقال: والنقا أيضا: كل عظم فيه مخ، وجمعه أنقاء. # وأنشد أبو محمد بن رستم لابن لجإ: # طويلة والطول من أنقائها # أي: من عظامها الممخة. # وقال محمد بن القاسم: النقى: العظم الممخ، مقصور يكتب بالياء. # ومثله في الحسن في المعنى قول ذي الرمة: PageV02P711 # ولم تمش مشي الأدم في رونق الضحى ... بخرعابك البيض الحسان الخرائد # ومثله قول الآخر: # يمشين في الريط والمروط كما ... تمشي الهوينا سوارح البقر # وقرأت في النوادر لأبي علي، قول عمر بن أبي ربيعة في المعنى: # أبصرتها غدوة ونسوتها ... يمشين بين المقام والحجر # بيضا حسانا خرائدا قطفا ... يمشين هونا كمشية البقر # قد فزن بالحسن والجمال معا ... وفزن رسلا بالدل والخفر # قوله (قطفا): هو جمع قطوف، وهي التي تقارب خطوها من المشي، قال امرؤ القيس: # فجاءت قطوف المشي هيابة السرى # وقوله: (هونا ورسلا) أي: رفعا. ومثله في الاستحسان، قول الحطيئة في ~~المعنى: # حصان لها في البيت زي وبهجة ... ومشي كما تمشي القطاة قطوف # ومثله أيضا قول الكميت في المعنى: PageV02P712 # يمشين مشي قطا البطاح تأودا ... خمص البطون رواجح الأكفال # والقطا في هذا البيت، والذي قبله، ضرب من الطير معروف يستحسن مشيه، ~~واحدته قطاة، ويقال # في جمعه أيضا: قطوات. # قال الأخطل: # مصاحبة خوصا كأن رحالها ms311 ... على قطوات من قطا عالج حقب # ومن أمثالهم: (لو ترك القطا لنام)، ولايكتب إلا بالألف. # والقطا أيضا، جمع قطاة، وهو مابين الوركين، ويكتب بالألف أيضا، قال ~~النابغة الجعدي: # على أن حاركه مشرف ... وظهر القطاة ولم يحدب # وقال امرؤ القيس: # يدير قطاة كالمحالة أشربت ... إلى سند مثل العبيط المذأب # ويقال في مثل يضرب للرجل الأحمق (ما تعرف قطاته من لطاته)، ولطاته جبهته، ~~فمعناه: مايعرف # من حمقه، أعلاه من أسفله. # ومثل ماذكرنا من حسن مشي النساء، قول الآخر: # ألا إن قلبي لدى المعصرات ... يمشين مشي إراخ البقر PageV02P713 ~~والمعصرات في هذا البيت جمع معصر، وهي الجارية إذا قاربت الإدراك، قال ~~الشاعر: # جارية بسفوان حارها ... قد أعصرت أو قد دنا إعصارها # وقال الآخر: # فكان مجنى دون من كنت أتقى ... ثلاث جوار كاعبان ومعصر # ويقال: إن صلاة العشي، إنما سميت عصرا لأن مدى وقتها يقارب غروب الشمس، ~~وهو من هذا # المعنى. # وفي الحديث عن عبد الله بن فضالة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى عليه ~~وسلم: "حافظ على # العصرين". # والعصران: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. لأن العصرين عند ~~العرب: الغداة # والعشي، وهما أيضا الليل والنهار. وقال حميد بن ثور الهلالي: PageV02P714 # ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما # فجعلهما يوم وليلة، ومنه قول الآخر: # أماطله العصرين حتى يملنى ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم # والعصر أيضا الدهر، ومن قول حميد بن ثور أخذ ابن المعتز قوله: # ألم تر أن الدهر يوم وليلة ... يكران من سبت عليك إلى سبت # فقل لجديد العيش لابد من بلي ... وقل لاجتماع الشمل لابد من شت # وقول البحتري في مشي النساء بديع مستحسن أيضا، وهو: # لما مشين بذي الأراك تشابهت ... أعطاف قضبان به وقدود # في حلتي حبر وروض فالتقى ... وشيان: وشي ربي ووشي برود # وسفرن فامتلأت عيون زانها ... وردان: ورد جنى وورد خدود # وضحكن فاغترف الأقاحي من ندى ... غض وسلسال الرضاب برود # وأنشد أبو محمد بن قتيبة للأعشى، مايستحسن في هذا المعنى: # كأن مشيتها من بيت ms312 جارتها ... مشي السحابة لاريث ولا عجل # رجع PageV02P715 ~~وقرأت في (النوادر) لأبي علي البغدادي، قال الفضل بن محمد العلاف، لما قدم ~~بغاء ببني نمير # أسرى كنت أذهب إليهم، فأسمع منهم، فلا أعدم أن ألقى الفصيح منهم. فأتيتهم ~~يوما في عقب مطر؛ # وإذا فتى منهم حسن الوجه، قد نهكه المرض وهو ينشد: # ألا يا سنا برق على قلل الحمى ... لهنك من برق علي كريم # لمعت اقتداء الطير والقوم هجع ... فهيجت أسقاما وأنت سليم # فهل من معير طرف عين خلية ... فانسان طرف العامري كليم # رمى قلبه البرق اليماني رمية ... بذكر الحمى وهنا فبات سقيم # فقلت له: ياهذا! إنك لفي شغل عن هذا. فقال: صدقت يا أخي! ولكن أيقظني ~~البرق فتذكرت. ثم # اضطجع فما لبث غير ساعة، حتى مات، فتوهمنا عليه غير الحب. # وحكى عن سعيد بن حميد أنه قال: رأيت (بالبصرة) شابا، وفي يده PageV02P716 ~~مدية، والناس حوله، وهو ينادي بأعلى صوته ويقول: # يوم الفراق من القيامة أطول ... والموت من ألم التفرق أجمل # قالوا الرحيل فقلت لست براحل ... لكن مهجتي التي تترحل # ثم بقر بطنه، وخر ميتا. فسألت عن شأنه، فقيل لي: كان يهوى فتى لبعض ~~الملوك، فحجب عنه # يوما واحدا، ففعل ما ترى. # وحكى عن الحميد أنه قال: رأيت رجلا متعلقا بكم صبي، وهو يتضرع إليه ويظهر ~~له المحبة، # فالتفت إليه الصبي وقال: إلى متى هذا النفاق الذي تظهر، فقال له: قد علم ~~الله أني صادق فيما أقول؛ # حتى لو قلت لي مت لمت، فقال له الصبي: إن كنت صادقا فمت، قال: فتنحى ~~الرجل وغمض عينيه # فوجده ميتا. # قال أبو إسحاق: # وشبيه بهذا، لكن من غير علاقة الحب؛ بل من الزهد في الدنيا، والإنابة، ~~للرب ماحكى أبو القاسم # خلف بن عبد الملك بن بشكوال PageV02P717 ~~في فوائده عن أبي محمد بن عتاب بسند إلى منصور بن محمد # البصري، قال: أرسل أمير المومنين من سر من رأى إلى نصر بن علي الجهضمي، ~~وكان زاهدا، # يامره بتقلد القضاء فأبى، فروجع في ذلك ثلاث مرات فأبى، فأمر ms313 أمير ~~المومنين إن هو لم يجب قيد # وأوتي به. # فأعلم بذلك نصر، فقال: أنظروني اليوم، فدخل الحمام، واغتسل وتنظف، وخرج ~~إلى داره فأعد # أكفانه وحنوطه، وبعث إلى رجل كان يغسل الموتى، فتقدم إليه بما يريد من ~~غسله، ثم استقبل القبلة # فصلى ركعتين، ودعا بما دعا، وتمدد فمات، وغسل وكفن. # قال منصور: وكنت فيمن صلى عليه، فلما علم السلطان بخبره، ندم على ماكان ~~منه إليه. وكانت # وفاته رحمة الله عليه سنة خمسين ومائتين، فيما ذكره PageV02P718 ~~أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري. # وخرج أبو القاسم أيضا في (الفوائد) بسند إلى القاسم بن ثابت بن حزم ~~السرقسطي، أن الوالي # بسرقسطة أراد تقديم قاسم القضاء بها، فأمر أباه ثابثا أن يعلمه بذلك، ~~فأعلمه أبوه بالخبر، فأبى، فأخبر # أبوه الوالي بذلك، فقال: إن لم يفعل ما أمرته به، أخرجته عن بلدي، فقال ~~له أبوه: يابني تكلفني في # آخر عمري الخروج عن بلدي، والتطوف بالبلدان. فقال له: يا أبت أمهلني إلى ~~غد. فلما أتى الليل، # صار قاسم في محرابه، فصلى طول ليلته، وأصبح ميتا في محرابه رحمة الله ~~عليه، وندم الوالي # على ذلك، وقال: ليتني لم آمره بما يكره. # قال أبو إسحاق: # وإنما جئت بهذين الخبرين اعتبارا وإجلالا، وإعلاما بمكانة هذين العالمين ~~العاملين عند الله تبارك # وتعالى. PageV02P719 # وقرأت في (ذيل النوادر) لأبي علي قال: استعمل النعمان بن بشير على صدقات ~~بلي وعذرة. فبينما # أنا، يقول النعمان، في بعض مياههم، إذ رأيت بيتا مفردا إلى ناحية، وإذا ~~بفنائه رجل مستلق وامرأة # قاعدة، وهو يتغنى ويقول: # جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني # فقالا نعم تشفى من الداء كله ... وقاما مع العواد يبتدران # فما تركا من رقية يعلمانها ... ولا سلوة إلا وقد سقياني # وما شفيا الداء الذي في كله ... وما ذخرا نصحا وما ألواني PageV02P720 ~~فقالا شفاك الله والله مالنا ... بما ضمنت منك الضلوع يدان # فقلت للمرأة: ما قصته؟ فقالت: هو مريض ما تكلم بكلمة، ولا أن أنة منذ وقت ~~كذا إلا الساعة، ثم # فتح عينيه ms314 وأنشأ يقول: # وكان من أمهاتي باكيا أبدا ... فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا # تسمعيه فإني غير سامعه ... إذا حملت على الأعناق معروضا # ثم خفت فمات فغمضته، وغسلته، وكفنته، وصليت عليه، ودفنته، وقلت للمرأة: ~~من هو؟ فقالت: هو # قتيل الحب عروة بن حزام. # وحكى عمرو بن بحر الجاحظ، قال: كنت جالسا بالرقة عند صديق لي، وكان معنا ~~فتى يتعشق # جارية مغنية، كانت معنا في المجلس، فضربت العود، وغنت: # علامة ذل الهوى ... على العاشقين البكا # ولا سيما عاشق ... إذا لم يجد مشتكى # فقال لها الفتى: أحسنت والله ياسيدتي!. أفتأذنين لي أن أموت؟. فقالت: مت ~~راشدا. فوضع رأسه # على الوسادة، وأطبق فمه، وغمض عينيه، فحركناه PageV02P721 ~~فوجدناه ميتا. # وحكى أبو عمرو بن بحر أيضا، قال: قصدت أمير المومنين المتوكل على الله، ~~لتأديب ولده. فلما # رآني استبشع منظري، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وصرفني، فلما خرجت، لقيت ~~محمد بن ابراهيم # وهو يريد الانحدار إلى مدينة السلام، فرغب إلي في النهوض معه، فأجبته إلى ~~ذلك، فلما وصلنا # أحضر الطعام، فأكلنا ووضع الشراب، فشربنا، وضربت ستارة، وأمر عوادة له ~~تغني، فغنت: # كل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب # ليت شعري أنا خصصت بهذا ... دون غيري أم هكذا الأحباب # ثم سكتت، وأمر طنبورية تغني، فغنت: # وارحمتا للعا شقينا ... ماذا يلاقي العاشقونا # هم يظلمون ويهجرو ... ن ويقطعون ويصبرونا # يتجلدون ويظهرو ... ن تجلدا للشامتينا # ثم قالت لها العوادة: فيصنعون ماذا؟ فقالت: يصنعون هكذا. ورمت بيدها PageV02P722 ~~إلى الستارة فهتكتها وبرزت كأنها قمر، فرمت بنفسها في الماء. # وكان على رأس محمد غلام قائم يضاهيها في الجمال، وكانت بيده مذبة يدب بها ~~عن محمد، فرمى # المدية من يده، وصار إلى الموضع الذي رمت فيه بنفسها، وأنشأ يقول: # أنت التي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمينا # لا خير بعدك في البقا ... والموت زين العاشقينا # ورمى بنفسه في المكان ثم عانقها في الماء، وغاصا جميعا، فما ظهرا بعد. # فلما رأى ذلك محمد راعه، وقال: ياعمرو، لتحدثني بحديث يسليني عن هذه ~~القضية، وإلا لحقتك # بهما فتحيرت، ثم ms315 حضرني خبر ظريف مثله. فقلت له: # إن سليمان بن عبد الملك بن مروان جلس يوما إلى المظالم فعرضت له بطاقة ~~فيها مكتوب: إن رأى # أمير المومنين، أيده الله، أن يخرج لي فلانة، يعني بعض خدمه، فتغني لي ~~بثلاثة أصوات فعل، # فاغتاظ سليمان لذلك، وأمر من ياتيه برأس صاحب تلك البطاقة، ثم أتبعه ~~رسولا آخر يأمره PageV02P723 ~~بإدخاله عليه، فلما مثل بين يديه، قال له: ماحملك على ما صنعت؟ فقال: الثقة ~~بحلمك، والتوكل على عفوك، # فأمر له بالجلوس حتى لم يبق من بني أمية أحد، وخلا المجلس، فأمر بإخراج ~~الجارية بعودها، # فخرجت به معها، ووضع لها كرسي، فجلست عليه، فقال له: اختر! فقال: تغني: # تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعدماكنا نطافا وفي المهد # فزاد كما زدنا، فأصبح ناميا ... ولسنا وإن متنا بمنتقضي العهد # ولكنه باق على كل حادث ... ورائدنا في ظلمة القبر واللحد # فغنت ذلك، فقال له سليمان: قل. قال: تأمر لي برطل، فأوتي به فشربه، ثم ~~قال: تغني: # إذا قلت مابي يابثينة قاتلي ... من الحب قالت ثابت ويزيد # وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت: ذاك منك بعيد # يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود # فغنت ذلك، فقال له سليمان: قل. قال: تأمر لي برطل فأوتي به، فشربه. ثم ~~قال: تغني: # لقد كنت خير الناس لو دام ودها ... ولكنما الدنيا متاع غرور PageV02P724 ~~وكنا جميعا قبل أن تظهر الهوى ... بأحسن حالي غبطة وسرور # فما لبث الواشون حتى بدت لهم ... بطون الهوى مقلوبة بظهور # فغنت ذلك، فقال سليمان: قل. قال: تأمر لي برطل، فآوتي به، فشربه، فلما ~~استتمه وثب على قبة # سليمان، ورمى بنفسه على دماغه، فمات، فقال سليمان: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، أتراه الجاهل توهم # أني أخرج له جاريتي، ثم أردها إلى ملكي!. # وقال لأحد الغلمان: ياغلام خذ بيدها، فانطلق بها إلى أهله، إن كان له ~~أهل، وإلا بعها وتصدق بثمنها # عنه، فأخذ الغلام بيدها، وكان في ناحية الدار حفرة، قد أعدت لماء المطر، ms316 ~~فجذبت يدها من يد الغلام، # وقالت: # من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في العشق بلا موت # ورمت بنفسها في تلك الحفرة على رأسها فماتت، فهذا ما كان من أمرهما، ~~فتعجب محمد من ذلك، # وكساني، وانصرفت. # وحكى بعض الرواة، قال: كان محمد بن حميد الطوسي جالسا في بعض الأيام مع ~~ندمائه، فغنت # جارية له من وراء الستارة: # يا قمر القصر متى تطلع ... أشقى وغيري بك يستمتع # إن كان ربي قدقضى ما أرى ... منك على رأسي فما أصنع PageV02P725 ~~وكان على رأس محمد غلام بيده قدح يسقيه، فرمى بالقدح عن يده، وقال: تصنعين ~~هكذا. ورمى # بنفسه من الدار إلى دجلة. فهتكت الجارية الستارة، ثم رمت بنفسها على أثره ~~فنزل الغاصة خلفهما، # فلم يوجد واحد منهما، وقطع محمد الشراب، وقام عن مجلسه. # وكان لرجل من التجار جارية كان يحبها حبا شديدا، فاعتلت ذات يوم، فأخذ في ~~عمل حساء. فبينما # هو يحرك ما في القدر، إذ قالت الجارية: آه!. فدهش الرجل وسقطت الملعقة من ~~يده، وجعل يحرك # مافي القدر بيده حتى تساقطت أصابعه، وهو لايشعر. فلما رأت الجارية ذلك، ~~قالت: ما هذا؟. فقال: # هذا من أجل قولك: آه. # قال: وخرج أبو حامد في كتابه، قال: (إن بعض المحبين خلا بمحبوبه، فقال ~~له: أنا، والله، أحبك # بقلبي كله، وأنت تعرض عني بوجهك كله، فقال له المحبوب: إن كنت تحبني، فأي ~~شيء تنفق # علي؟. فقال له: ياسيدي أملكك ما أملك، ثم أنفق عليك روحي حتى أهلك). # وحكى علي بن عاصم قال: قال لي رجل بالكوفة من بعض إخواني: هل لك في عاشق ~~تراه؟. قلت: # بلى، فمشيت معه إلى فتى كأنما نزع الروح من جسده، وهو موتزر بإزار مرتد ~~بآخر، وهو قاعد # متفكر، وبيده وردة. فذكرنا له بيتا من الشعر، فتهيج وقال: # جعلت من وردتها ... غنيمة فوق يدي PageV02P726 ~~أشمها من حبها ... إذا علاني جهدي # فمن رأى مثلي فتى ... بالسقم أضحي مرتدي # ثم أطرق إلى الأرض، فقلت: ماشأنه؟. فقال لي: عشق جارية لبعض أهله، فأعطى ~~فيها كل ما ms317 # يملك، وهو سبع مائة دينار، فأبى أهلها أن يبيعها منه، فنزل به ماترى. # ونقلت من كتاب (العقد) قال أبو زيد الأسدي: # كانت بالمدينة قينة من أحسن الناس وجها، وأكملهم عقلا، وأفضلهم أدبا. ~~قرأت القرآن، وروت # الأشعار، وتعلمت الإعراب، فو قعت عند يزيد بن عبد الملك، فأخذت بمجامع ~~قلبه. فقال لها ذات # يوم: مالك قرابة تحبين أن أصطنعهم، وأهدي إليهم معروفا. قالت: يا أمير ~~المومنين! أما قرابة، فلا، # ولكن بالمدينة ثلاثة نفر كانوا أصدقاء لمولاي، وأحب أن ينالوا من خير ما ~~صرت إليه، فكتب إلى # عامله بالمدينة في إشخاصهم، وأن يعطي كل واحد منهم عشرة آلاف درهم ففعل ~~ذلك. فلما وصلوا # إلى باب يزيد، استؤذن لهم عليه، فأذن لهم، فدخلوا فأكرمهم، وسألهم عن ~~حوائجهم فأما الإثنان، فذكرا # حوائجهما، وأما الثالث فسأله عن حاجته. فقال: يا أمير المومنين! مالي PageV02P727 ~~حاجة، فقال له: ويحك! ألست أقدر على حاجتك. قال: بلى، يا أمير المومنين. ~~ولكن حاجتي لا أحسبك تقضيها. فقال: ويحك! سلني، فإنك لاتسلني حاجة أقدر ~~عليها إلا قضيتها. قال: يا أمير المومنين، حاجتي أن تامر جاريتك التي # أكرمتنا لها أن تغني صوتا؛ أشرب عليه ثلاثة أرطال. فتغير وجه يزيد، وقام ~~من مجلسه، فدخل على # الجارية، فأعلمها بذلك، فقالت: وما عليك، يا أمير المومنين؟ قال: سأفعل ~~ذلك. فلما كان من الغد، أمر # بالفتى، فأحضر وأمر بكراسي ثلاثة من ذهب، فوضعت؛ فقعد يزيد على أحدها، ~~وقعدت الجارية على # الثاني، وقعد الفتى على الثالث. ثم دعا بالطعام، فأكلوا جميعا، ثم أتى ~~بصنوف الرياحين، والطيب، # فوضعت، ثم أمر بثلاثة أرطال، فملئت. ثم قال للفتى: قل ما تريد، وسل عن ~~حاجتك. فقال: تأمرها يا # أمير المومنين تغني: # لا أستطيع سلوا عن مودتها ... أو يصنع الحب بي غير الذي صنعا # أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدني ... حتى إذا قيل هذا صادق نزعا # وزادني رغبة في الحب أن منعت ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا # فأمرها، فغنت، وشرب يزيد، وشرب الفتى، وشربت الجارية. ثم أمر PageV02P728 ~~بالكؤوس فملئت. ثم قال: أذكر حاجتك! ms318 فقال: تامرها يا أمير المومنين تغني: # تخيرت من نعمان عود أراكة ... لهند ولكن من يبلغه هندا # ألا عرجا بي بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لآرضكما قصدا # فأمرها، فغنت، وشرب يزيد، وشرب الفتى، وشربت الجارية، ثم أمر بالكؤوس ~~فملئت. ثم قال: أذكر # حاجتك! فقال: تامرها يا أمير المومنين تغني: # مني الوصال ومنكم الهجر ... حتى يؤلف بيننا الدهر # والله لا أنساكم أبدا ... ما لاح نجم أو بدا فجر # فلم تستتم الأبيات، حتى خر الفتى مغشيا عليه، فقال يزيد للجارية: قومي ~~فانظري ما حاله. فقامت # الجارية، فحركته، فإذا هو ميت. فقال لها يزيد: ابكيه. قالت لاأبكيه، يا ~~أمير المومنين، وأنت حي # أبدا. قال لها: ابكيه، فو الله لو عاش، لما خرج الأبك. # ونقلت من كتاب (الأغاني). قال سليمان المنقدي: قلت لهند بنت الوضاح: ~~انشديني بعض ماقلت في # المغيرة بن سعيد. ولم ير الناس أحدا بلغ به الهوى، ما بلغ بها فأنشدت: # يحن إلى من بالعقيقة قلبه ... حنينا يبكي الطير في غصن السدر # تنفست لما هاج قلبي بذكره ... فأمسكت من خوف الحريق علي الصدر # ووالله لو فاضت على الجمر لوعتي ... لأحرق أدنى حرها لهب الجمر PageV02P729 ~~فقلت: يا هذه، أكل هذا من الحب، قالت: بأبي أنت وآمي، كيف ولورأيتني ~~وعنفوان هواي، لرأيت # خبلا يذوب الحديد لحرارته. ولقد عذلني من يغمه بعض ما بي فقلت: # لحى الله من يلحى على الحب عاشقا ... ولا كان في قرب ولا زال في بعد # وماذا عليهم أن تراءى وصالنا ... وإن نم ما كنا نسر من الوجد # ثم تنفست، فخشيت على بدني من حرارة نفسها. فقلت: ما هذا التنفس؟ فقالت: ~~على حلاوة ذلك # الدهر، ورطوبة أغصانه، وإني وإياه، لكما قالت هالة بنت قيس التميمية: # أراني قد حييت وكنت ميتا ... إذا طرق الخيال بمن هويت # رضيت ذهاب نفسي في رضاه ... رضيت بذاك ياربي رضيت # قال: فلمح عليها شيئا خوفا من وفاتها. # ونقلت منه أيضا: قال أبو المنجاب رأيت في الطواف، فتى نحيف الجسم، بين ~~الضعف، يلوذ، # ويتعوذ، ويقول: # وددت لو ms319 أن الحب يجمع كله ... ويقذف في قلبي وينغلق الصدر # فلا ينقضي مافي فؤادي من الهوى ... ومن فرحي بالحب أو ينقضي العمر # فقلت له: يا فتى! أما لهذه البنية حرمة تمنعك من هذا الكلام؟ قال: بلى. ~~والله، ولكن الحب ملأ قلبي # ببراح التذكير، ففاضت الفكرة. وإني PageV02P730 ~~لأدعو الله أن يثبته في قلبي، ويجعله ضجيعي في قبري. هذا # دعائي. وانصرف من جهتي. # وحكى عن قيس بن محمد العبدي، قال: إني لبالمزدلفة بين النائم واليقظان؛ ~~إذ سمعت صوتا شجيا، # وبكاء حزينا، فاتبعت الصوت، فإذا بجارية كأنها قمر، ومعها عجوز فلطئت ~~بالأرض ألاحظها من # حيث لاتراني، وأمتع عيني بحسنها، وهي تقول: # دعوتك يامولاي سرا وجهرة ... دعاء ضعيف القلب من محمل الذنب # بليت بقاسي القلب لا يعرف الهوى ... وأقتل خلق الله بالعاشق الصب # فإن كنت لم تقض المودة بيننا ... فلا تخل من حب له أبدا قلبي # قال: فقمت إليها، وقلت لها: بنفسي أنت مع هذا الوجه الحسن، يمتنع عليك ~~ماتريدين؟ فقالت: نعم. # والله، وإنما يفعل ذلك تصبرا وفي قلبه مني أكثر مما في قلبي منه. فقلت ~~لها: كم ذا البكاء. قالت: # أبدا، لويصير الدمع دما، وتنطفئ نفسي غما. فقلت: إن هذه الليلة آخر ليلة ~~من ليالي الحج. فلو سألت # الله تبارك وتعالى التوبة مما أنت فيه، والمغفرة لما سلف، رجوت أن يذهب ~~الله حبه من قلبك. قالت: # يا هذا؛ عليك بنفسك، في طلب رغبتك، PageV02P731 ~~فإني قدمت رغبتي إلى من ليس يجهل بغيتي، وحولت وجهها عني. # وحكى عبد الصمد بن علي الهاشمي قال: بينما أنا نائم في الحجر؛ إذ سمعت ~~نشيجا، وبكاء خفيا، # خلف ستر، وقائلا يقول: # عفا الله عمن يحفظ العهد جهده ... ولا كان عفو الله للناقض العهد # ضنيت وهاج الحزن والدمع سره ... فغاض له صبري وقاض له وجدي # قال: فرفعت الستر؛ فإذا بامرأة مسفرة، كأنها فلقة قمر، أو شمس طالعة، ~~تجلت عنها غمامة. فقلت: # يا هذه! لو سألت الله تبارك وتعالى الجنة مع هذا التضرع، والبكاء ما ~~حرمك. وهذا وجهك الحسن، # لاتسترينه، فسترته، وقالت: ms320 سبحان من خلق فسوى، ويعلم السر والنجوى. وأنا ~~والله فقيرة إلى رحمة # ربي، والجمع بيني وبين حبي. وقد سألت الله كلا الأمرين، رجاء فضله، ~~واتكالا على عفوه وطوله، # وولت عني، فراعني، والله، قولها حتى استعذت بالله من الشيطان الرجيم. # وحكى أبو الفرج عن أحمد بن عبد الله بن عيسى، قال: خرج قوم من PageV02P732 ~~أصحابنا إلى (الشام)، فبينما هم يسيرون في بعض الطريق، في يوم شديد الحر؛ ~~إذ رفع لهم قصر. فقال بعضهم لبعض: لو ملنا # إلى هذا القصر، فقلنا بفنائه حتى يذهب الحر. فملنا إليه. فبينما نحن ~~كذلك؛ إذ انفرج لنا باب القصر # عن مثل الغزال المروع، فنظرنا فإذا جارية، كأنها قضيب بان في كثيب. ~~فقالت: ممن القوم؟ فرماها # كل واحد منا بحدقته. وقلنا أصاميم من هاهنا. فقالت: هل فيكم أحد من ~~(مكة)؟ فقلت: نعم. أنا رجل # من (بني مخزوم)، من أهلها، وسكانها. فأنشأت تقول: # يا من يسائل عنا أين منزلنا ... بالأقحوانة منا منزل قمن # إذ نلبس العيش صفوا ما يكدره ... طعن الوشاة ولاينبوبنا زمن # وإن ذا القصر حقا ما به وطني ... لكن مكة فيها الدار والوطن # ثم شهقت شهقة، فخرجت عجوز، فنضحت على وجهها الماء، وقالت: لك في كل يوم ~~مثل هذا # مرات، والله للموت خير لك من الحياة على مثل هذا. فقلت للعجوز: ماقصة هذه ~~الجارية؟ فقالت: # كانت، والله، لرجل من قريش، من أهل مكة فباعها، فهي لاتزال تحن إليه. # وحكي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، مر بطريق في المدينة، فسمع PageV02P733 ~~جارية تترنم، وتقول: # وهويته من قبل قطع تمائمي ... متماشيا مثل القضيب الناعم # وكأن نور البدر غرة وجهه ... ينمي ويصعد في ذؤابة هاشم # فدق عليها الباب، فخرجت فقال: ويلك أحرة أم مملوكة؟ قالت: يا خليفة رسول ~~الله! مملوكة. قال: # فمن هويت؟ فبكت، ثم قالت: يا خليفة رسول الله! بحق القبر، إلا ما انصرفت ~~عني. قال: وحقه، لا # أريم أو تعلميني، فبكت وقالت: # وأنا التي لعب الغرام بقلبها ... فبكت لحب محمد بن القاسم # قال: ويلك ابني أردت! ms321 فقالت: ومتى صرت هاشميا؟ قال. صدقت، والله. فصار ~~إلى المسجد، وبعث # إلى مولاها، فاشتراها منه، وبعث بها إلى محمد بن القاسم ابن جعفر بن أبي ~~طالب رضي الله عنهم # وقال: هؤلاء، والله، فتن الرجال. وكم قد مات منهن من كريم، وعطف عليهن من سليم. # وحكى الضحاك قال: إني لفي الطواف، وقد مضى أكثر الليل، وإذا بامرأة كأنها ~~الشمس طلعت، على # قضب غرس في كثيب، وهي تقول: PageV02P734 # رأيت الهوى حلوا إذا اجتمع الوصل ... ومرا على الهجران لا بل هو القتل # وقد ذقت طيبه على القرب والنوى ... فأبعده وجد وأقربه خبل # وحكى مهاجر بن قبيصة قال: أني لأسير بين (العلياء) و(جرش) أريد الحج؛ إذ ~~سمعت نشيجا من # هودج، فدنوت فإذا بصوت شجي، وكلام خفي وامرأة تقول: # وما غاب شخصه ... غير أنني ... رأيت النوى قذافة بالتصبر # فإن تجمع اللهم بيني وبينه ... يفز بالهوى قلبي ويفرج منظري # فلا تعطني في الحج يا رب غيره ... فحسبي به من كل شيء مقدر # فقلت لها: يا هذه! سألت الله عظيما، ومتى عهدك به؟ قالت: كنت قائما قبيل، ~~فدخل علي من باب # الهودج فلثم وجهي، فانتبهت للثم، وهو مختلط بقلبي، فقلت لها: فبالذي يجمع ~~بينك وبينه، ألا أريتني # الموضع الذي لثمه، فرفعت السجف وأشارت إلى خال في خدها. فما خلته إلا ~~عقربا لدغت فواد. # فقلت لها جعلت فداك! وقد جعلت ذلك وقفا عليه، قالت: نعم، والله إلى يوم ~~التنادي. PageV02P735 # وحكى أبو الفرج. قال: كان لفتى من التجار جارية من أجمل الناس، وكان معجبا ~~بها، فأنفق عليها # ماله كله، حتى قلت ذات يده، وضعف حاله، فذكرت له ذلك ذات يوم، فقال: ~~مابلغني قط شيء إلا # والذي صرت إليه أعظم. فقالت: هل لك في خير عوض، قال وماذاك؟ قالت: ~~تبيعني، وتنتفع بثمني؛ # فإن أصبت خيرا، وصلتك وإن تكن الأخرى، فقد أصبت مني عوضا. قال: فعرضها ~~على عبد الله بن # جعفر، فلما نظر إليها، أعجب بها، فقال: بكم هي؟ فقال: ما أدري؟ ولكن اعط ~~فيها ما شئت. فأعطاه # مائة ألف درهم. ms322 فلما أخذ المال، نظر إلى الجارية، وجعل يقول: # ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري # عليك سلام الله لاوصل بيننا ... ولا زور إلا أن يشاء ابن جعفر # فلما سمع عبد الله بن جعفر قوله، رق له، وقال: يا فتى! هي لك والمال، ~~بارك الله لك فيهما. فانطلق # الفتى بالجارية والمال. # وحكى أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: كان بالكوفة رجل يدعى ليث بن ~~زياد، وكانت له # جارية، قدرباها، وأحسن أدبها، فخرجت فائقة في كل فن، مع كمال الجمال، ~~فبقى معها مدة طويلة، # حتى ضعفت حاله، وقل ما بيده، فتبينت الجارية منه الاقلال. فقالت: يا ~~مولاي! لو بعتني، كان أصلح # لك مما أراك فيه؛ وإن كنت أظن أني لا أصبر عنك. فقصد رجلا من النهيكيين ~~يعرفها، ويعرف # فضلها، وباعها منه بمائة ألف درهم. فلما قبض المال، ووجه بها إلى النهيكي ~~جزع عليها جزعا # شديدا، فلما استقرت الجارية عند النهيكي PageV02P736 ~~نزل بها من الوجد بمولاها، مالم تستطع دفعه ولا كتمانه، فباحت به، وأنشأت تقول: # أتاني البلا حقا فما أنا صانع ... أمصطبر للبين أم أنا جازع # كفى حزنا أني على حر جمرة ... آقاسي نجوم الليل والقلب نازع # فإن تمنعوني أن أموت بحبه ... فإني قتيل، والعيون هوامع # فلما سمع النهيكي شعرها دعابها، وأرادها، فامتنعت منه، وقالت له: ياسيدي ~~إنك لاتنتفع بي. فقال # لها: ولم ذلك؟ قالت: لما بي. فقال: وما بك، صفيه لي. قالت أجد في كبدي ~~نيرانا تتوقد، لايقدر على # إطفائها أحد. فلا تسأل عما وراء ذلك. فرحمها ورق لها، وبعث بها إلى ~~مولاها، وسأله عن خبره، # فوجد عنده مثل الذي عندها، فرد عليه الجارية، ووهب له من ثمنها خمسين ~~ألفا، ولم تزل عنده حتى # مات. # وحكى محمد بن عبيد، قال: كانت عندي جارية، وكنت أحبها فبعتها، فتبعتها ~~نفسي، فصرت إلى # مولاها مع جماعة من إخوانه، فسألته أن ينيلني، وأزيده خمسين دينارا، فأبى ~~علي، فانصرفت من # عنده، وفي قلبي منها ما لا أقدر أن أصفه، فرمت الصبر، ms323 فلم أقدر عليه، فبت ~~ساهرا لا أدري ما # أصطنع؟ فلما اشتد ما بي من الجهد، وكتبت اسمها في يدي، واستقبلت القبلة، ~~فكلما طرقني طارق من # ذكرها، رفعت يدي إلي السماء وقلت: يا مولاي! هذه قصتي. فلما كان في السحر ~~من اليوم الثاني، إذا # برجل يضرب علي الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا مولى الجارية، فخرجت إليه. ~~فقال لي: خذ # الجارية، بارك الله لك PageV02P737 ~~فيها. فقلت له: خذ دنانيرك والربح. فقال: ما كنت لآخذ دينارا ولا درهما، # فقلت: ولم ذلك؟ قال: لأني أتاني البارحة آت في منامي. فقال لي: رد ~~الجارية على ابن عبيد، ولك # على الله الجنة، قال ابن عبيد: فأنشدته عند ذلك: # لو تراني وقد هدت كل عين ... ودموعي تجري على الخدين # رب ياسيدي بفضلك والقد ... رة يسر وصال قرة عيني # وحكى أبو الفرج، قال: # كان للحسن بن رجاء جارية رائعة الجمال، فائقة الكمال، فعلم بها المعتز ~~بالله، فأخذها منه، وكان # الحسن يحبها حبا شديدا وتحبه، فشرب معها المعتز ذات ليلة، فسكر قبلها، ~~وبقيت وحدها جالسة، ولم # تبرح من المجلس هيبة منه، فتذكرت ما كانت فيه، فأخذت العود، وغنت عليه، ~~بصوت حزين، عن # قلب قريح: # لا كان يوم الفراق يوما ... لم يبق للمقلتين نوما # شتت مني ومنك شملا ... فسر قوما وساء قوما # يا قوم مالي ووجد قلب ... يسومني في العذاب سوما # مالامني الناس فيه إلا ... بكيت كيما أزاد لوما # فلما فرغت من صوتها، رفع المعتز رأسه إليها، والدمع يتحدر على خدها، ~~كالفريد انقطع سلكه، # فسألها عن الخبر، وحلفها أن يبلغها أملها، فأعلمته الخبر، فردها إلى ~~الحسن، وأحسن إليه، وألحقه في # ندمائه. PageV02P738 # وحكى حماد بن إسحاق الموصلي، عن ابراهيم ابن المهدي، أنه قال: حججت مرة مع ~~الرشيد، فبينما # نحن في الطريق، وقد انفردت وحدي، وأنا أسير على دابتي، إذ غلبتني عيناي، ~~فخرجت بي الدابة # عن الطريق، فانتبهت بعد حين، وأنا على غير الجادة. واشتد علي الحر، وعطشت ~~عطشا شديدا، # فبعد ذلك ارتفع لي خيال، فعمدت إليه، فإذا بقبة، وتحتها بئر، ms324 وذلك بين ~~(مكة) و(المدينة)، ولم أربها # انسانا، فاطلعت في القبة؛ فإذا أنا بأسود نائم، فلما أحس بي، فتح عينيه ~~واستوى جالسا، فرأيت أسود # عظيم الصورة، راعتني هيئته. فقلت يا أسود! اسقني من هذا الماء. فال: يا ~~أسود! اسقني من هذا # الماء، محاكيا لي. وقال: ان كنت عطشان، فانزل فاشرب. وكان تحتي برذون ~~خبيث، نفور، فخشيت # أن أنزل عليه، فينفر، فضربت رأسه، وما نفعني الغناء قط، أكثر مما نفعني ~~ذلك اليوم، وذلك أني # رفعت صوتي، وغنيت: # كفنوني إن مت في درع أروى ... واستقوالي من بئر عروة مائي # فلها مربع بجنب أجاج ... وصيف بالقصر قصر قباء # سخنة في الشتاء باردة في الص ... صيف بدر في الليلة الظلماء # فرفع الأسود رأسه، وقال: أيما أحب اليك، أسقيك ماء وحده، أو ماء وسويقا؟ ~~قلت: الماء والسويق، # فاخرج قعسا له، فصب السويق في القدح، وسقاني، وأقبل يضرب بيديه على رأسه، وصدره، # ويقول: واحر صدراه! واناراه! اللهب في فؤاداه. يا مولاي! زدني. وأنا ~~أزيده، وأشرب السويق. ثم PageV02P739 ~~قال لي: يامولاي! إن بينك، وبين الطريق أميالا، ولست أشك أنك تعطش، ولكن ~~أملأ قربتي هذه، # وأحملها قدامك. فقلت: افعل. فملأ قربته، ورفعها الي، وصار قدامي يمشي، ~~وهو يخجل في مشيته، # غير خارج عن الايقاع. فإذا أمسكت لأستريح، أقبل علي فيقول: يامولاي! أعطشت؟ # فأغنيه، حتى أوقفني على الجادة، ثم قال لي: سر رعاك الله، ولا سلبك، ~~فأكساك من هذه النعم، بكلام # أعجمي معناه هذا الدعاء. فلحقت بالرفقة، والرشيد قد بث الخيل يطلبونني، ~~حين فقدني. فبشر بي # حين رأوني؛ فلما أتيته، قصصت عليه القصة، فقال: علي بالأسود. فما كان إلا ~~هنيهة، حت مثل بين # يديه، فقال له: ويلك، ما حز في صدرك؟ فقال: يا مولاي ميمونه. قال: ومن ~~ميمونه؟ قال: بنت # حبشية. قال: ومن حبشية؟ قال: بنت بلال. فأمر من يستفهمه؛ فإذا الأسود، ~~عبد لبني جعفر الطيار # وإذا السوداء التي يهواها، لقوم من بني الحسن بن علي رضوان الله عليهم. ~~فأمر الرشيد عند ذلك # بابتياعها له؛ فأبى مواليها أن يقبلوا ثمنا، ms325 ووهبوها للرشيد فاشترى ~~الأسود، وأعتقه، وزوجه منها، # ووهب له من ماله (بالمدينة) حديقتين، وثلاث مائة دينار. # وحكى أبو الفرج عن حماد الراوية، قال: خرجت في بعض الطرق، أريد (البصرة)؛ ~~فبينما أسير، إذ # لقيت غلاما يرعى إبلا، وهو يتغنى ويقول: # ألا لله قلبي كيف يصبو ... بخود لاتريد له ثوابا # أحب وما أحب سوى كريم ... له أصلان قد فرعا وطابا # وقد زعمت لبانة أن رأسي ... تغير لونه منه وشابا PageV02P740 ~~لبانة هجركم أبلى فؤادي ... ومن يبل الهوى فقد استرابا # قال: فوقفت عليه، وقلت: أعد علي ما قلت. فقال امض راشدا، واستعذ بالله. ~~فقلت: ومم استعيذ. # قال: من هجر محبوب، أو قلة نصيب. قلت: ويحك! وإنك لتعشق. فقال: أهل العشق ~~كرام، وأهل # السلو لئام. قلت: فلمن هذا الشعر؟ فقال: هو لي. قلت: فمن لبانة؟ قال: ~~جارية لبعض أهلي، كلفت بها # زمنا، وأخذت منها أمانا. فأبى المقدار؛ وشط المزار، وتباعد الجوار. ~~ياشيخ! هل لك في القرى. قلت: # نعم، على اسم الله عز وجل. فأتاني بوطب فيه لبن، فشربت منه، وترنمت وقلت: # وإني لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهي الصادي الشراب المبردا # علاقة حب لج في سنن الصبا ... فأبلى وما يزداد إلا تجددا # اذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # قال فبكى ثم قال: # ولو أن مابي بالحصى فلق الحصى ... وبالريح لم يسمع لهن هبوب # ولو أننى أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم تكتب علي ذنوب # قال: فوعدته، ثم انصرفت عنه. # وحكى أبو بكر الصولي، قال: رأيت رجلا من أهل الأدب، قد ذهل PageV02P741 ~~عقله، وتبين فكره، فاستوقفته، وقلت: يا فلان! ماحالك؟ وأين النعمة؟ فقال: ~~تغير قلبي، فتغيرت النعمة. فقلت: بم تغير؟ # قال: بالحب، ثم بكى، وأنشأ يقول: # إن التجمل شيء لست أحسنه ... وكيف أخفي الهوى والدمع يعلنه # أم كيف صبر محب قلبه وجل ... الهجر ينحله والشوق يحزنه # أم كيف ينسى الهوى من أنت همته ... وفترة اللحظ من عينيك تفتنه # فقلت: والله لقد أحسنت. فقال: قف قليلا حتى أسمعك. فوقفت فقال: # خل ms326 دمع العين ينهمل ... إن من تهواهم وارتحلوا # كل دمع صانه كلف ... فهو يوم البين منهمل # ثم تركني، ومضى لشأنه. # وحكى بعض الرواة، عن علي بن الجهم، قال: # كانت ماردة، جارية للرشيد، وكان بها مولعا، فغاظته ذات يوم، فانقطعا PageV02P742 ~~عن الكلام مدة، فتكبرت على الرشيد أن ترجع إليه بدلالة الحب. وتكبر الرشيد ~~عليها بعزة الملك. فكتبت إلى عنان، جارية # الناطفي، تستشيرها في ابتداء الصلح، فكتبت عنان إليها: # الحب أرزاق ولكنما ... للحب أسباب تقويه # فساعدي مولاك في كل ما ... يطلبه منك ويرضيه # لاتستزيديه النوى كارها ... لكن بما يهوى استزيديه # فانما يرعى الهوى بالهوى ... وليس يرعى الحب بالتيه # فلما قرأت الأبيات علمت أنها قد نصحتها، فتزينت أحسن زينة، ثم جاءت إلى ~~الرشيد، فأكبت عليه، # فقال لها: كيف كان هذا؟ وما حملك على ما فعلت الآن؟ فأخبرته الخبر، فضحك ~~وأمر لعنان بجائزة # سنية، وأمرت لها هي بمثلها. # وحكى علي بن الجهم أيضا، قال: كان للمتوكل جارية تدعى محبوبة، وكانت في ~~نهاية من الظرف، # والأدب، والحسن، والجمال. فكان المتوكل معجبابها؛ فغضب عليها لسبب اتفق ~~بينهما، ومنع جواري # القصر من كلامها. فبقيت في حجرتها لايكلمها أحد أياما. فرأته ليلة من ~~الليالي، كأنه قد PageV02P743 ~~صالحها. فلما أصبح دخلت عليه. فقال لي: يا علي. قلت: لبيك وسعديك يا أمير ~~المومنين، قال: أعلمت أني رأيت # محبوبة في منامي، وكأني قد صالحتها وصالحتني. فقلت: إذا يقر الله عينك ~~ويسرك، فبينما نحن في # ذلك من حديثها؟ إذ جاءت وصيفة له فقالت: يا مولاي. سمعت صوت عود عند ~~محبوبة. فقام المتوكل # ودخل عليها وهي تضرب عودها وتقول: # أدور في القصر لا أرى أحدا ... أشكو إليه ولا يكلمني # حتى كأني أتيت معصية ... ليست لها توبة تخلصني # فهل شفيع لنا إلى ملك ... قد زارني في الكرى فصالحني # حتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجره فصار مني # قال: فلما رأت أمير المومنين أكبت على رجليه تقبلهما. فقال لها: ما هذا؟ ~~قالت له: يامولاي رأيتك # البارحة في منامي، كأنك قد صالحتني. فقال لها: وأنا ms327 - والله - رأيتك في ~~ليلتي هذه، كأنك قد # صالحتني. فردها إلى مرتبتها، كأحسن ما كانت. # وحكى بعض الرواة، قال: كان لهارون الواثق جارية؛ كان يحبها حبا شديدا. ~~فوقع بينه، وبينها عتاب # ذات ليلة. فقالت له: يامولاي! إن كنت تستطيل علي بعز الخلافة، ونخوة ~~الملك، فإني استطيل عليك، # بدلالة الحب، PageV02P744 ~~وسلطان الهوى. أتراك لم تسمع قط بخليفة قبلك، عشق فذل لمعشوقته، واستوفت منه # حقها كاملا. ولكن يامولاي، ما أرى لك نظيرا في طاعتك ومحبتك. فقال الواثق ~~عند ذلك: لله در # العباس بن الأحنف حيث يقول: # أما تحسبيني أرى العاشقين ... قليلا ولست أرى لي نظيرا # لعل الذي بيديه القلوب ... سيجعل في الصبر خيرا كثيرا # وقرأت في (النوادر) لأبي علي، عن معاوية بن صدقة الجحدري قال: كان رجل من ~~مجاشع، يقال # له سعد بن مطرف، يهوى ابنة عم له، يقال لها سعاد. فكان ياتيها، ويتحدث ~~إليها، ولا يعلمها بما هو # عليه من حبها، حتى سل جسمه، ونحل بدنه. فبينما هو ذات يوم معها جالس؛ إذ ~~نظر إليها، وجعل # يقول: # وما عرضت لي نظرة مذ عرفتها ... فأنظر إلا مثلت حيث أنظر # أغار على طرفي لها فكأنني ... إذا رام طرفي غيرها لست أبصر # وأحذر أن يطغى إذا بحت بالهوى ... فأكتمها جهدي هواي وأستر # فلما سمعت ذلك، ساءها، وكرهت أن ينتشر خبرها، فأقصته، وأظهرت هجره، فكتب إليها: # مت شوقا وكدت أهلك وجدا ... يوم أبدى الحبيب هجرا وصدا # بأبي من إذا دنوت إليه ... زادني القرب منه نأيا وبعدا # لا وحبيه لا وحق هواه ... ما تناسيته ولا خنت عهدا # حاش لله أن أكون خليا ... من هواه وقد تقطعت وجدا # كيف لاكيف عن هواه سلوي ... وهو شمس الضحى إذا ما تبدى PageV02P745 ~~فكانت تحب مواصلته، وتشفق من الفضيحة، فتظهر هجره، وتبعده. فلم يزل عليل ~~القلب والبدن. # قوله: (ولا خنت عهدا)، أصل العهد: العقد الذي يوثق به. يقال عهد عهدا. ~~وأهل العهد، هم # المعاهدون؛ ومنه المعاهدة. والإعتهاد مثل التعاهد. ومنه قول الطرماح: # ويطيع الذي قد أوجبه الل ... ه عليه فليس يعتهده # وسمي ms328 الذمى معاهدا، لأنه عاهد، وبايع على ما هو عليه، من إعطاء الجزية. ~~فإذا أسلم، ذهب عنه # اسم المعاهد. وعهيدك: الذي تعاهده ويعاهدك. وقال الشاعر، هو نصر بن سيار: # فللترك أوفى من نزار بعهدها ... ولا يأمنن العهد يوما عهيدها # والعهد: الوصية. # قال صاحب العين: عهد يعهد عهدا. وهو من الوصية، والتقدم إلى صاحبك، ومن ~~ذلك اشتق العهد # الذي يكتب للولاة من الوصية والتقدم إليه، ويجمع على العهود، والعهد: ~~الالتقاء والإلمام. يقال: مالي # بفلان عهد، وإنى PageV02P746 ~~لقريب العهد به، وبعيد العهد به، أي: الالتقاء. والعهد: المنزل الذي لايزال ~~القوم إذا # انتأوا عنه، رجعوا إليه. قال رؤبة: # هل تعرف العهد المحيل أرسمه ... عفت عوافيه وطال قدمه # والمعهد: الموضع الذي تعهد به شيئا. والجمع المعاهد. # قال النابغة: # أهاجك من سعداك مغنى المعاهد # وقال أبو تمام: # قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان ناشد # والعهد: الأمان. قال الله تعالى (لا ينال عهدي الظالمين). # هذا في بعض الأقوال. وقيل: العهد في الآية: معناه النبوة، وقيل الامامة. ~~وقيل: الأمر بالوفاء للظالم # فيما عقده من ظلمه. # وقال الحسن: ليس لهم عند الله عهد يعطيهم عليه خيرا في الآخرة؛ فأما في ~~الدنيا، فقد يعاهدون، # فيوفى لهم. فكانه على هذا التأويل طاعة، يحتسب بها في الآخرة ويجوز في ~~هذا الحرف في العربية # الرفع لافي القراءة، لأنه في المصحف الظالمين بياء. PageV02P747 # قال يحي بن زياد الفراء: لأن ما نالك، فقد نلته. وتقول: نالني خيرك، ونلت خيرك. # وقرأ أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود برفع الظالمين، ونصب العهد. والعهد: ~~اليمين. ومنه قولهم: # علي عهد الله وميثاقه # والعهد: المطر، وهو الذي يردف الوسمي. وكل مطر يكون بعد مطر؟ فهو عهد. ~~والجميع عهاد، # ومنه قول الشاعر: # هراقت نجوم الصيف فيها سجالها ... عهادا بنجم المربع المتقدم # وقال أبو بكر بن دريد: العهدة والعهدة: مطر السنة، والجمع عهاد وعهود. ~~قال الشاعر: # أمير عم بالمعروف حتى ... كأن الأرض أسقاها العهادا # وقال الآخر: # مستنير كالبدر عام العهود # ويقال: عهدت الروضة فهي معهود: إذا أصابها ms329 عهاد من المطر. ومنه قول أبي ~~تمام الطائي: PageV02P748 # سقى عهد الحمى صوب العهاد ... وروض حاضر منه وباد # ويروى (سبل العهاد). وقال أبو النجم: # ترعى السحاب العهد والفتوحا # والفتوح هنا مطر بعد مطر. والعهدة: كتاب الشراء والجميع العهد. وإذا كان ~~في الشيء فساد قيل: # إن فيه العهدة. وهذا كله عن أهل اللغة. فأما قول أبي تمام الطائي: # ليالينا بالرقمتين وأهلها ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد # فالعهد الأول، وهو الوقت الذي عهد هابه قبل فرقتها. والعهد المتكرر، هو ~~المطر، وقد بينه بقوله في # البيت الثاني: # سحاب متى تسحب على النبت ذيلها ... فلا رجل ينبو عليه ولاجعد # هذا قول أبي بكر الصولي. قال: والعهد: الملح. تقول منه: ملح فلان على ~~ركبته؛ يراد به أن عهده # غير محفوظ عنده؛ إنما هو مضيع. ومنه قول مسكين الدارمي: # لا تلمها إنها من نسوة ... ملحها موضوعة فوق الركب PageV02P749 ~~وإنما قال موضوعة؛ لأن الملح يذكر ويؤنث. # وأصل الباب كله: العهد الذي هو العقد؛ وإنما قيل لمطر السنة عهد؛ لأنه ~~ينعقد به النبات. # وعهدت فلا نا بمكان كذا وكذا، وأحدثت به عهدا. وأصله العقد على الالتقاء، ~~والالمام. ثم كثر حتى # سمى نفس الالمام عهدا. والعهد، والعقد، والأمر، نظائر في اللغة. وعهد ~~الوالي معروف. والفرق بين # العهد، والأمر، أن الأمر له صيغة متميزة من صيغة الخبر، وغيره من أنواع ~~الكلام، وليس كذلك # العهد. وقد اختلف في العهد، إذا أقسم به. # فقالت طائفة من الفقهاء: كفارة يمين. وقالت طائفة: لاكفارة # فيه. وقد أكد الله سبحانه أمر العهد في كتابه العزيز (وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسئولا)، وكل عهد يحسن فعله، فلا ينبغي حله. وإذا # عاهد الإنسان على معصية، فحل ذلك العهد واجب عليه. واليمين على المعصية، ~~سبيلها كسبيل العهد # على المعصية. # وقد جاء عن النبي عليه السلام: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليات الذي هو خير # وليكفر عن يمينه". وقد بسطنا القول في هذا اللفظ، وفي غيره؛ إذا عرض لنا؛ ~~ليقف على ذلك كله # أهل المعرفة، والفهم؛ ms330 فتتحصل لهم جمل من أنواع العلم، مما تشتد حوائجهم ~~إليه، وتعظم لهم الفوائد، # والانتفاع PageV02P750 ~~به، عند وقوفهم عليه. والله الموفق للصواب، وعنده حسن الثواب. # وقوله في البيت الرابع من القطعة: (وقد تقطعت وجدا). التقطيع، مغص يجده ~~الإنسان في أمعائه. # والتقطيع أيضا القد. يقال: هذا شيء حسن التقطيع أي القد، ويقال: قطع فلان ~~على فلان تقطيعا؛ إذا # لونه عليه. والفرق بين قطع بالتشديد، وقطع بالتخفيف، أن التشديد في ~~الكثرة والمبالغة، والتخفيف # فيما قل. ويقال: هذا الثوب يقطعك إقطاعا، ويقطع لك تقطيعا؛ اذا صلح عليك ~~قميصا ونحوه. # ويقال: قطعهم الله أحزابا، فتقطعوا. قال الله سبحانه: (وقطعناهم في الأرض أمما). # ويقال للفرس الجواد: انه ليقطع الخيل؛ وذلك اذا خلفها ومضى. قال: # يقطعهن بتقريبه ... ويأوي إلى حضر ملهب # ويقال للأرنب السريعة الشديدة: مقطعة النياط. والنياط: المفازة. وقيل عرق ~~في البطن. والباب # متسع، واللفظ مشترك. # رجع # قال: وكان للمأمون جارية، كان يحبها حبا شديدا. فعتب عليها في شيء، وقع ~~بينهما، فأعرض عنها، # وأعرضت عنه؛ ثم أسلمه العزاء، وأقلقه الشوق، فأرسل إليها يطلب مراجعتها، ~~فأبطأ الرسول عنه، # ثم رجع إليه، فقال المأمون: PageV02P751 # بعثتك مرتادا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا # وناجيت من أهوى وأنت مقرب ... فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى # ونزهت عينا في محاسن وجهها ... ومتعت باستظراف نغمتها أذنا # أرى أثرا منها بعينك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من عينها حسنا # ثم إن المأمون أقبل مسترخيا لها؛ فسلم عليها فلم ترد عليه، وكلمها فلم ~~تجبه، فأنشأ يقول: # أجيبي ليس يوجعك الكلام ... ولا يؤذي محاسنك السلام # أنا المامون والملك الهمام ... ولكني بحبك مستهام # يخف عليك ألا تقتليني ... فيبقى الناس ليس لهم إمام # وحكى أبو نواس، قال: وقع بين الرشيد، وجارية له، هجر فاعتراها صلف الحسن. ~~واعترى هارون # تيه الخلافة، والأمر والنهي، ونخوة السلطان. فلا هي تبدأه بالكلام، ولا ~~هو يبدأها. فوقع هارون من # سببها في أمر عظيم. فدعا بدعبل الخزاعي الشاعر، فقص عليه الخبر، فقال: ~~أنا أردها عليك، يا PageV02P752 ~~أمير المومنين. فكتب إليها دعبل: ms331 # أين الشباب وأية سلكا ... ضحك المشيب برأسه فبكى # لاتعجبي يا سلم من رجل ... وجد السبيل اليه مشتركا # قصر الملامة في هوى رشأ ... بل أين يوجد كل من هلكا # يا ليت شعري كيف نومكما ... يا صاحبي اذا دمي سفكا # لاتأخذي بظلامتي أحدا ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا # وبعث بالرقعة اليها؛ فلما قرأتها الجارية، وقعت في أسفلها: تعزز علينا ~~بأبهة السلطان، وتكبرنا عليه # بتيه الحسن؛ فلينظر أينا أشد عذابا وأبقى. # فلما نظر هارون إلى الرقعة، قال: أراجعها - والله - على رغم أنفي، لأن ~~عذابها أشد من عذابي. # وحكى إسحاق بن ابراهيم الموصلي، قال: بعث إلي الرشيد ذات PageV02P753 ~~ليلة؛ فأتيته متخوفا. فأجلسني وانسني. فبينما أنا قاعد معه؛ إذ جاءت جارية ~~كأنها لؤلؤة، فأقعدها في حجره، ثم قبلها، # وقال: يا إسحاق! غني. فأخذت العود، وغنيت: # جئن من الروم فيا حبذا ... يرفلن في المرط ولين الملا # مقرطقات في صنوف الحلى ... يا حبذ البيض بتلك الحلا # قال: فتبسمت الجارية، ودعا برطل فشرب، وسقاها، وسقاني. وقال لي: أعد. ثم ~~دعا برطل، # فشرب، وسقاها وسقاني. وقال: علي بفلانة، وفلانة، جاريتين من جواريه، ~~فمثلتا بين يديه؛ فأقعد # الواحدة عن يمينه، والأخرى عن شماله، وأمر يده عليهما، وقال. أروعني ~~يااسحاق! قلت: قل: أيها # الأمير، فأنشد: # ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان # مالي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني # ماذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني PageV02P754 ~~ثم أمر لي بخمسين ألف درهم، وأمرني بالإنصراف فانصرفت. وفي جواريه الثلاث ~~يقول هارون أيضا: # ثلاث قد حللن حمى فؤادي ... وأعطين الرغائب من فؤادي # نظمت قلوبهن بخيط قلبي ... فهن قرابتي حتى التنادي # فمن يك حل من قلبي محلا ... فهن مع النواظر في السواد # قال أبو إسحاق: # وذكرت بهذه الحكاية، حكاية سلكت في الظرف سبيلها؛ ومزجت بالرقة معناها، ~~وتأويلها؛ فأنار # صبحها، وفاز قدحها. وهي أن المستعين سليمان بن الحكم، أحد خلفاء بني ~~أمية، كان في مدته # (بقرطبة) أمن الله أرجاءها، وأخصب أفناءها، كلفا بثلاث جوار، كن نهاية في ~~الجمال، والحسن ms332 # والدلال. فجلس يوم أنس، فدعا الواحدة، فأقعدها في حجره، والثانية عن ~~يمينه، والثالثة عن شماله. # وأنشأ يقول: # عجبا يهاب الليث حد سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان # وأقارع الأهوال لامتهيبا ... منها سوى الإعراض والهجران PageV02P755 ~~وتملكت نفسي ثلاث كالدمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان # ككواكب الظلماء لحن لناظر ... من فوق أغصان على كثبان # هذي الهلال وتلك بنت المشتري ... حسنا وهذي أخت غصن البان # حاكمت فيهن السلو إلى الهوى ... فقضى بسلطان على سلطاني # فأبحن من قلبي الحمى وتركنني ... في عز ملكي كالأسير العاني # ما ضر أني عبدهن صبابة ... وبنو الزمان وهن من عبداني # إن لم أطع فيهن سلطان الهوى ... كلفا بهن فلست من مروان # لاتعذلوا ملكا تذلل في الهوى ... ذل الهوى عز وملك ثاني # وإذا الحبيب أحب أمن إلفه ... خطب القلى وحوادث السلوان # وكان سليمان من أهل الشراسة والحزم والذكاء والفهم، لما بويع وقدم عليه ~~أبو العباس بن مدوس، # رسول أهل الثغر بالبيعة من قبل منذر بن يحيي، فخلى سبيله ووصله بصلة وكتب إليه: # قد بعثنا إليك أكرمك الل ... ه بشيء نزر فلا نستقله # وتقبله وابسط العذر حتى ... يبسط الله كفنا المنهله # فإذا كان جاءك الخير يترى ... بنوال عليك حتى تمله PageV02P756 ~~ورفع إليه بعض خدامه بشعر يعتذر إليه، فوقع على ظهر كتابه: # قرأنا ما كتبت به الينا ... وعذرك واضح فيما لدينا # ومن يكن القريض له شفيعا ... فترك عتابه فرض علينا # وكتب إليه القاضي أبو القاسم بن مقدام شاكيا ضيق حاله، بأبيات أولها: # أهل ترضى لعبدك أن يذالا ... وأن يبقى على الدنيا عيالا # فبعث إليه بصلة، وكسوة، ووقع له على ظهر رقعته، بهذه الأبيات: # معاذ الله أن تبقى عيالا ... وأن ترضى لمثلك أن يذالا # وكيف وأنت منقطع إلينا ... وقد علقت يداك بنا حبالا # ودونك من نوافلنا يسير ... ولكنا انتقيناه حلالا # وأشباه هذا من أفعاله كثيرة؛ لكنه تحمل في قيامه بالأمر إثما عظيما؛ ~~وتقلد من دماء المسلمين عبئا # جسيما. فكم هتك من أستار، وحزب من أمصار، وكانت أيامه، أيام استطال على ~~الرعية، وخلافته # خلافة غير مرضية، ms333 ولم تزل كذلك حتى PageV02P757 ~~قتل سنة سبع وأربعمائة. قتله علي بن حمود بيده، بعد أن استفتى الفقهاء في ذلك، # فأفتوه بقتله؛ لأنه قتل هشاما المؤيد، في خبر طويل، ليس من غرضي ~~استقصاؤه. # وحكى أبو الفضل الكاتب، قال: أحب غلام جارية، وكان معها في مكتب واحد؛ ~~فلم يزل الغلام # يتلطف بمؤدبه، حتى صار قريبا منها. فلما كان في بعض الأيام، ترقب غفلة من ~~الغلمان، فكتب في # لوح الجارية: # ماذا تقولين فيمن شفه سقم ... من أجل حبك حتى صار حيرانا # فلما قرأت الجارية ما كتب، وقعت أسفله شفقا عليه ورحمة له: # إذا رأينا محبا قد أضر به ... طول الصبابة أوليناه إحسانا # وحكي أن بعض ولد جعفر بن سليمان؛ أصابته علة مجهولة، فكان PageV02P758 ~~يختلف إليه خصيب الطبيب، وكان ماهرا في صناعة الطب، فكان يحلف أن مابه من ~~علة، وأنه لعاشق. # فأشار يوما إلى أهله أن يسقوه نبيذا، ففعلوا، فلما سكر، طلب رقعة، فأحضرت ~~له، فكتب فيها: # ولقد قلت لقومي ... حين جاؤوا بخصيب # ليس والله خصيب ... للذي بي بطبيب # إنما يعلم مابي ... من به مثل الذي بي # فلما وقف والده على الرقعة، ونظر إلى الأبيات، ازداد عنده جاها، وشرفا، ~~وكشف عن أمره؛ فإذا # هو يتعشق بعض جواري القصر، فأمر له بها، وأحسن إليه. # قال: وقال أبو الطيب محمد بن القاسم النميري: مارأيت شابا، ولا شيخا من ~~ولد العباس أصون # لنفسه، ولا أضبط لجأشه، من أبي العباس عبد الله بن المعتز. وكان يعيب ~~الحب، وينكره، ويقول: # إنما هو ضرب من الحمق. وإذا رأى منا مطرقا، اتهمه به، ويقول له: وقعت ~~والله يا فلان، وذهل # عقلك، وسخف رأيك إلى أن رأيناه قد حدث له سهو شديد، وفكر زائد، وزفير ~~متتابع، وسمعناه ينشد: # أسر الحب أميرا ... لم يكن قبل أسيرا PageV02P759 ~~فارحموا ذل عزيز ... صار عبدا مستجيرا # فقلنا له: جعلنا فداك! هذه أشياء كنت تنكرها وتعيبها منا. ونحن الآن ~~ننكرها منك. فكان يرجع عن # بعض ذلك تصبرا، وتحملا، ثم لايلبث أن يظهر مستوره، حتى تحققنا أمره، ودخل ~~في ms334 جملة # المرحومين. فسمعته ذات يوم، وهو ينشد: # كن إذا أحببت عبدا ... للذي تهوى مطيعا # لن تنال الوصل حتى ... تلزم النفس الخضوعا # فكتبت إليه: # بكت عينه وشكا حرقة ... من الوجد في القلب ماتنطفي # فقلت له سيدي ما الذي ... أرى بك، قال سقام خفي # فقلت: أعشق فقال: اقتصر ... على ما تراه أما تكتفي # ثم سرت إليه، فقال: يا أبا الطيب! لقد عصيت ابليس أكثر مما عصى ربه، إلى ~~أن أوقعني في # حباله. فأخبرني بقصته. فسعيت بلطف التدبير، وأعانني حزم النظر، حتى فاز ~~بالظفر. # وحكى محمد بن عبد الله العتبي فقال: كانت لعمر بن عبد العزيز، رضي الله ~~عنه، جارية بارعة # الجمال؛ جامعة للكمال. فنظرت إليه يوما، وهو يبكي، من خشية الله عز وجل. ~~فقامت عند ذلك، # ولبست أحسن ملبس، وتحلت بنفيس الجوهر، وتطيبت بأذكى الطيب، وأقبلت، وهي تقول: # وكأنها لما اسبكرت مزنة ... وسط الرياض ضميرها لم يرعد # فلما نظر إليها عمر، قال لها: والله إنك لقرة العين؛ ولكن من PageV02P760 ~~أوبقته ذنوبه، وكثرت عيوبه؛ فالبكاء مثله قليل. وأنشأ يقول: # من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشمس والشعثا # ويألف الظل كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوما راغما جدثا # في ظل مظلمة غبراء موحشة ... يطيل تحت الثرى في جوفها اللبثا # تجهزي بجهاز تبلغين به ... يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا # ثم مسح عينيه، وأدناها من نفسه؛ فلما رأته الجارية قد ألفها، وحن إليها، ~~قالت: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) إلى آخر ~~الآية، ثم # قالت: يا أمير المومنين؛ أين أنت، من قول امرئ القيس: # من القاصرات الطرف لودب محول ... من الذر فوق الأنف منها لأثرا # يا أمير المومنين! الذي جمعنا في الدنيا، قادر أن يجمعنا في الآخرة في ~~الجنة، ومستقر الرضوان # والرحمة. # قال: فانشرح إليها، وبقي معها بقية يومه. # وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله من الفضلاء، وأحد الشهداء. ودام في ~~الخلافة سنتين وستة # أشهر وأربعة عشر يوما. وكان للعدل في أيامه ظهور، ولأهله حبور ms335 وسرور. PageV02P761 # وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يقول: (إن من ذريتي رجلا بوجهه ~~شين يملأ # الأرض عدلا). وكان الرجل الذي ذكر عمر - رضي الله عنه - عمر بن عبد ~~العزيز؛ لأن أمه هي # أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وكانت في وجهه شجة من ضربة دابة. ~~بويع له بعهد # عمه سليمان بن عبد الملك في يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وسبعين. # وكانت وفاته في رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر. # وحكى أبو حاتم، عن الأصمعي، قال: أخبرني نافع بن أبي نعيم أنه لما مات ~~عمر بن عبد العزيز، # رثاه أحد موالي أهل المدينة، فقال: # قد غيب الدافنون اللحد إذ دفنوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين # من لم يكن همه عينا يفجرها ... ولا النخيل ولا ركض البراذين # قال: والأبيات التي أنشدها عمر بن عبد العزيز رحمه الله هي لعبد الله بن ~~عبد الأعلى القرشي، # وهي عشرة أبيات قرأتها في النوادر لأبي علي البغدادي وأولها: # تجهزي بجهاز تبلغين به ... يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا PageV02P762 ~~وسابقي بغية الآمال وانكمشي ... قبل اللزام فلا منجى ولا غوثا # ولا تكدي لمن يبقى وتفتقري ... إن الردى وارث الباقي وماورثا # واخشي حوادث صرف الحينفي مهل ... واستيقني لا تكوني كالذي انتجثا # عن مدية كان فيها قطع مدته ... فوافق الحرث محروثاكما حرثا # لا تأمني فجع دهر مورط خبل ... قد استوى عنده من طاب أو خبثا # يارب ذي أمل فيه على وجل ... أضحى به آمنا أمسى وقد جئثا # من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشمسوالشعثا # ويألف الظل كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوما راغما جدثا # في قعر موحشة غبراء مقفرة ... يطيل تحت الثرى في جوفها اللبثا # ويروى في رمسها، مكان جوفها. # وقوله: (أمسى وقد جئثا) أي: فزع، والمجؤوثمن الرجال: المخوف الذي ذهب ~~فؤاده، من شدة الفزع. # وحكى أبو نواس قال: كنت في بعض الأيام عند يحي بن سليمان بن الفضل بن ~~الربيع، وهو صبي # صغير، فأخرج ms336 إلى رقعة، وفيها مكتوب: # ياسيدي! قد أماتت خطرات الهجر قلبي، وتولدت فظاعته في الأحشاء. PageV02P763 # وتعلم أن لذة العيش في الدنيا وصل المحبين؛ فلولا كتابك الذي قرأت هذه ~~الساعة، لسفكت سيوف # الهجر دمي، وناطت ناره على كبدي. # وبعد هذا مكتوب: # كتاب أتاني من حبيب بخطه ... فما أضعف النعمى وما أوجب الشكرا # فلم أر مثلى لم أمت مذ قرأته ... لقد رزقت نفسي التجلد والصبرا # وظلت تناجيني بما في ضميرها ... أنامل خطت لي بأقلامها السحرا # فقلت له: ياسيدي، يا ابن الوزير، لمن هذه الرقعة؟. ورجوت أن استخف به ~~لصغر سنه، فأنشدني # هذين البيتين: # أجود بمكنون التلاد وإنني ... بسرك عمن سالني لضنين # سأصفيك ودي ما حييت وإن أمت ... بودك عظمي في التراب دفين # ثم قال لي: ياحسن، قل في الفراق، والهجر، واللقاء، والوصل. # فقلت: # لا بارك الله في الفراق ولا ... بارك في الهجر ما أمرهما # بل بارك الله في اللقاء كما ... بارك في الوصل ما أكدهما # لو ذبح الهجر والفراق كما ... تذبح شاة لما رحمتهما # وحكى عبد الله بن المعتز عن الزبير بن بكار، قال: # رأيت بالثغر رجلا، عليه أثر الذلة والاستكانة، كثير التنفس، وحركات الحب ~~لا تخفى. فسألته عن # خبره، حين خلوت به، فكان جوابه إلى، تحدر أدمعه، وقال: PageV02P764 # أنا في أمر رشاد ... بين غزو وجهاد # بدني يغزو الأعادي ... والهوى يغزو فؤادي # وحكى أبو نواس أيضا، قال: حدثني سليمان بن ابراهيم، قال: بينما أنا ذات ~~يوم أمشي في أزقة # البصرة، إذ سمعت جارية تترنم وتقول: # يا دولة العز من بعد الخمول ويا ... إقبال دنيا بلا شيء من الكدر # يا فرحة الصب بالمحبوب إذ ظفرت ... منه اليدان به في ساعة الظفر # يابرد غلة أم غاب واحدها ... مسافرا ثم وافاها من السفر # ياراحة النفس يا برد العليل إذا ... أتاه بعد اتصال الوصل بالسهر # يافرحة في قلوب الناس كلهم ... ياطلعة الشمس بل يا طلعة القمر # أصبحت أملح من في الناس من بشر ... كأنك الأمن بعد الخوف والحذر # غصن من البان تثنيه الرياح على ... زهر الرياض اذا ms337 هبت مع السحر # فقلت لانسان كان خلفي: لقد جمعت هذه محاسن الدنيا. فمن تخاطب؟ قال: هي ~~عاشقة لابن مولاها، # وأبوه قد حال بينهما. # وحكى أبو العباس محمد بن يزيد، قال: لما قدم علينا محمد بن طاهر، قال: هل ~~عندكم موسوم بأدب، # منسوب إلى معرفة، يستراح إليه؟ فأرسل بي إليه. فلما دخلت عليه، سلمت، فرد ~~علي السلام، # وأمرني بالدنو، فدنوت، ثم التفت إلي، بعد أن أمهلني ساعة. فقال لي: أنت ~~أديب (العراق). PageV02P765 # فقلت: كذا يزعم من يودني. فقال: أنشدني ما استحسنه منك. فأنشدته من أشعار ~~المتقدمين. فقال لي: ليس # عن هذا أسألك؛ وان كنت لم تفارق الصواب. فقلت: الأمير أولى بالهداية ~~والإرشاد، فليردني إلى # موضع إرادته. فالتفت إلي، باقبال وبشر، فقال: أناجيك بما كمن في الضمير، ~~وتحكم من سر الهوى، # لي حبيب خلفته مقيما (بنيسابور) وأنا (ببغداد)، وجعل يقول: # أقام ببلدة ورحلت عنها ... كلانا بعد صاحبه غريب # أقل الناس في الدنيا سرورا ... محب قد نأى عنه الحبيب # ثم تنفس الصعداء، وقال: اعذر أيها الأستاذ، فما أوحش الغريب بلا حبيب! ~~جعلت حبه تحفة نفسي، # وأسكنته قلبي، ومحل ناظري من مقلتي. فقلت له: أيها الأمير! استبدل به ~~بديلا؛ واتخذ غيره خليلا. # فان الهوى ما ألفته النفس؛ فلعلها عند معاينة العوض، تقع قناعة، وزهادة ~~في الأول. فقال: هيهات # ياأستاذ! وأنشد: # ولما أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل # تسلى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي # ثم قال: يا أستاذ! هيهات حب من ذهب بذخائر القلب والحشا، وجرى مجرى الروح ~~في الأعضاء. # لا سبيل إلى زواله، الا بزوال النفس عن جثمانها. والله، إن مت، فما أموت ~~إلا بغصة فراقه، ولا # أفارق الدنيا، إلا على البعد منه. أما سمعت قول أبي تمام: PageV02P766 # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل # فبينما أنا معه، وقد أخذ في ذكره؛ إذ دخل علينا حاجبه بكتاب من عند حبيبه ms338 ~~(بنيسابور). فلما أراد # أن يتناوله، استولى عنه من السرور، ما أزال عنه خمرة الكآبة. فلما فكه، ~~وقرأه، ناولنيه. فقرأت فيه: # لعمري لئن قرت بقربك أعين ... لقد سخنت بالبعد منك عيون # فما أقبح الدنيا إذا كنت نائيا ... وما أحسن الدنيا بحيث تكون # فسر أو أقم وقف عليك محبتي ... محلك من قلبي عليك مصون # فلما كان بعض أيام استدعاني، وقال: ليهنئك رؤية السرور. قلت: وماذاك؟ ~~قال: اعلم أن الحبيب # قادم عن قريب. ثم استعبر، وبكى. فقلت: الحمد لله الذي ألف بينكما بعد ~~الفراق. فلم ألبث إلا قليلا، # حتى دخل الحاجب، فقال: قدم فلان. فقال: ائذن له، فدخل غلام، كأن وجهه ~~البدر ليلة تمه، قد ركب # على غصن بان؛ أو قضيب خيزران. يرفل في عصب (اليمن)، أدعج العينين، مقرون ~~الحاجبين، # أسيل الخدين. أرق من الهواء؛ وأحسن من الماء، وأضوء من سليل الأنواء. ~~فدعا الأمير بكرسي من # فضة، مرصع بالديباج الأحمر، مكلل بالدر؛ فأجلسه عليه، وقعد هو بين يديه، ~~وقال: التذلل للحبيب؛ # هو الحسيب. ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم، وقال لي: ينصرف الأستاذ راشدا، ~~ويقبل العذر. # وقال سعيد بن حميد: # اليوم أيقنت أن الحب متلفة ... وأن صاحبه منه على خطر. PageV02P767 # كيف الحياة لمن أمسى على شرف ... من المنية بين الخوف والحذر # يلوم عينيه أحيانا بذنبهما ... ويحمل الذنب أحيانا على القدر # وقال غيره في المعنى: # وما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى عذبالمذاق # تراه باكيا في كل حال ... مخافة فرقة أو لاشتياق # فتسخن عينه عند التنائي ... وتسخن عينه عند التلاقي # فيبكي إن نأوا حذرا عليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق # وهذه القطعة في معناها كقول الآخر: # لقد كنت أبكي قبل أن تشحط النوى ... فكيف إذا ما غبت عنك أكون # ومنه قول أبي تمام الطائي: # بكته بما أبكته أيام صدرها ... خلي وما يخلو له من هوى صدر # وأخذ هذا المعنى أيضا الأديب أبو حاتم الحجاري الأندلسي فقال: PageV02P768 # وزائر زارني قد هجعت ... عيناي حين تبلح الفجر # بكيت للقرب ثم قلت له ... من ثمر الوصل ms339 يجتنى الهجر # وفي معناه قول أبي بكر الغساني: # يواصلني طورا ويهجر تارة ... الا رب هجر جر أسبابه اللقا # وفي معناه أيضا قول سعيد بن حميد: # ما كنت أيام كنت راضية ... عني بذاك الرضى بمغتبط # علما بأن الرضى سيعقبه ... منك التجني وكثرة السخط # فكل ما ساءني فعن خلق ... وكل ما سرني فعن غلط # وقد جمعه أبو الطيب في بيت واحد فقال: # أي يوم سررتني بوصال ... لم ترعني ثلاثة بصدود # وقبل هؤلاء، قال العباس بن الأحنف في المعنى: # إذا رضيت لم يهنني ذلك الرضى ... لصحة علمي أن سيعقبه عتب PageV02P769 ~~وأبكي إذا ما أذنبت خوف عتبها ... فأسألها مرضاتها ولها الذنب # وصالكم هجر وحبكم قلى ... وعطفكم صد وسلمكم حرب PageV02P770 ### || AUTO فصل # قال أبو اسحاق: والولوع بالجمال، سجية ركبها الله في الظرفاء، وفطنة خص ~~الله بها أهل الفهم والذكاء. وليس # بأريب عندهم من خرج عن حد الهوى. وفي هذا المعنى قال أحدهم: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # وقال الآخر: # وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ... ولا خير فيمن لا يحب ويعشق # وهو مذهب جوهري، ومنهج علي، يخص الله سبحانه به من شاء من عباده، ولا ~~ينكر الميل إلى # الجمال، إلا جاف فدم. قد عزب عنه الفهم، وعرته من الجهل نوائبه؛ وادلهمت ~~في جوانحه غياهبه. # وقد قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأحب الجمال حتى في شراك نعلي. # وفي الحديث (أن الله عز وجل جميل يحب الجمال). وسمي الباري PageV02P771 ~~سبحانه جميلا، لانتفاء النقص عنه. والمعروف عندنا أن الجميل من بني آدم، من ~~له صورة حسنة، تامة الصفات. وحسن الصورة، مبعد للنقص والشين عنها. وقال بعض ~~أهل العلم: يجوز أن يجعل جميل في هذا الحديث بمعنى # مجمل. كما يقال كريم للرجال المكرم. فكريم بمعنى مكرم. وقيل: إن الحسن ~~أول سعادة المرء، ورائد # اليمن، وسائق النجح. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أعطي حسن خلق وحسن صورة وحسن زوجة ~~فقد أعطي # خير الدنيا والآخرة). وقال ms340 عليه السلام: "اطلبوا الحوائج عند حسان ~~الوجوه" ونظم هذا بعض الشعراء # فقال: # حسن ظني اليك أصلحك الل ... ه إذ قال مفصح إفصاحا # ودعاني اليك قول رسول الل ... ه دعاني فلا عدمت النجاحا # إن أردتم حوائجا عند قوم ... فتلقوا بها الوجوه الصباحا # وقال الآخر: # سلوا الحاجات أصبحهم وجوها ... ولا تسلو اللئام ولا القباحا # وقال الآخر: # حدثنا عن خلد خالد ... وخالد حدث عن عامر PageV02P772 ~~إن رسول الله في مجلس ... قد قال للبادي وللحاضر # إذا أردتم حاجة فاقصدوا ... كل صبيح حسن الناظر # وقال: # لقد صدق الرسول وقال حقا ... وخير القول ما قال الرسول # إذا الحاجات عزت فاطلبوها ... إلى من وجهه حسن جميل # وقال عليه السلام: "ان الله لا يعذب حسان الوجوه سود الحدق". والله تعالى ~~وجل بلطف حكمته، # وشريف صنعته، لم يخلق الصورة مختارة الصفات، سالمة من الشين والآفات، إلا ~~عن فضل منه # كامل؛ وعز شامل. ولا خص أهل الجمال بالصفات السنية؛ والأخلاق الرضية، إلا ~~وقد استوجبوا ذلك # منه. والدليل على ذلك، أن الله تبارك وتعالى لم يخلق نبيا قط، إلا وقد ~~بهر أهل زمانه، بسماحته # وحسنه وإحسانه. # والتخلق في سنن الحب بالعفاف، دأب الفضلاء والأشراف، والمنهج الذي سلكه ~~منهم الأتقياء، وأهل # الورع والأولياء. # ورأينا في كتاب (الوشاح) لأبي القاسم المواعيني - رحمه الله -: العشق إذا ~~تزين بالعفاف، فهو # معنى شريف. PageV02P773 # وقال بعض المفسرين في قول الله تبارك وتعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو إلا المتقين) أي من اتقى الله في خلته: يعني في صداقته، # فهو خليل وإلا فهو عدو. # وجاء عن ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما، أن أهل المعاصي في الدنيا، يعادي ~~بعضهم بعضا يوم # القيامة. # وفي هذا المعنى، يقول القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي رحمه الله: وكل ~~مودة في الله تبقى # على الأيام من سعة وضيق، وكل مودة فيما سواه فكالحلفاء في لهب الحريق. # وقال أبو الحسن التهامي في معناه: # شيئان ينقشعان أول وهلة ... ظل الشباب وخلة الأشرار # وعن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل أهل PageV02P774 ~~الورع، ms341 من أتته جارية حسناء، ذات وجه جميل، وحسب كريم، وراودته عن نفسه، ~~فقال: إني أخاف الله رب العالمين". # وقال كعب الاحبار. في بعض ما أنزل الله على موسى عليه السلام: "إن الشاب ~~العابد التارك شهوته # من أجلي، أو من خشيتي، أبشره بكرامتي، وعزتي وجلالي، لو أقسم علي أن أزيل ~~له الجبال من # أماكنها لفعلت". # وحكى يحي بن عمر أن عبد الرحمان بن القاسم خرج إلى الحج، فبينما هو قاعد ~~بالأبواء، إذ أتته # جارية كأحسن ما يكون من الجواري، فجلست اليه، فمد يده ليعطيها شيئا، ~~فقالت: لا والله، ما أريد # هذا منك، وإنما أيد منك ما يكون من الرجال إلى المرأة. فأدخل رأسه بين ~~ركبتيه وجعل يبكي، فجاء # أصحابه فوجدوه على تلك الحال، فسألوه فأخبرهم بالقصة، فجعلوا يبكون فقال ~~لهم: وما يبكيكم؟ # فقالوا: نبكي لأنا لو ابتلينا بمثل ما ابتليت به، لم نأمن على أنفسنا ~~الفتنة. فبينما عبد الرحمن ابن # القاسم نائم، اذ رأى في منامه رجلا حسن الصورة، فقال له: من أنت؟ فقال: ~~أنا يوسف بن يعقوب. # فقال له ابن القاسم: لقد كان شأنك مع امرأة العزيز عجبا. فقال له يوسف ~~عليه السلام: وأنت شأنك # مع صاحبة الأبواء أعجب، لأني هممت، وأنت لم تهم. PageV02P775 # قال: وسليمان بن يسار أخا عطاء. اتفق له مثل ما اتفق لابن القاسم رحمة الله ~~عليهما. # وحكى أن أعرابيا عشق جارية، ذات حسن وجمال، واشتد بها كلفه. فقيل له: ما ~~كنت تصنع بفلانة، # لو ظفرت بها في مكان لا يراكما أحد؟ فقال: كنت، والله، أفعل ما أفعله، ~~بحضور أهلها؛ شكوى # وحديث عذب، واجتناب ما يسخط الرب. ورحم الله أبا عبد الله نفطويه في قوله: # ليس الظريف بكامل في ظرفه ... حتى يكون عن الحرام عفيفا # فإذا تعفف عن محارم ربه ... فهناك يدعى في الأنام ظريفا # وقال أيضا: # وكم ظفرت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والحذر # وكم خلوت به يوما فيقنعني ... منه الفكاهة والتقبيل والنظر # أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر ms342 # كذلك الحب لا إتيان فاحشة ... لا خير في لذة من بعدها سقر # قوله (من بعدها سقر). يعني النار أعاذنا الله منها. وسميت سقر، لشدة PageV02P776 ~~ايلامها. من قولهم: سقرته الشمس تسقره سقرا؛ إذا آلمت دماغه. ومنه السقر ~~بالسين والصاد، لشدة ألمه في صيده. والسين # الأصل. والصاد مبدلة منها من أجل القاف. وقرأ زكرياء بن يحى بن عباد في ~~سورة لقمان (وأسبغ عليكم نعمه) بالصاد # من أجل الغين، ولا تنصرف سقر للتأنيث والتعريف. # رجع # وحكى عن العتبي أنه قال: سألت عن الظرف. فقيل لي: الظرف في أربع: الحياء ~~والكرم، والعفة # والنزاهة. # وقال بعضهم: الظرف في أربع: كلف النفس، وسخاء الكف، وعفة الفرج، وكتمان السر. # وقال بعضهم: الظرف في ثلاثة: كلف النفس، وعفة الفرج، وكتمان السر. وكان ~~أبو حاتم رحمه الله # يختم القرآن في كل أسبوع، ويتصدق كل يوم بدينار. # وحكى أبو عمرو البصري، قال: سمعت أبا عثمان الخزاعي يقول لأبي حاتم: كنت ~~البارحة بين # النائم واليقظان، كأني في المحراب، اذ سمعت قائلا يقول: # أبو حاتم عالم بالعلوم ... وأهل العلوم له كالخول PageV02P777 ~~عليكم أبا حاتم إنه ... له بالقراءة علم جلل # فإن تفقدوه فلن تدركوا ... له ما حييتم بعلم بدل # فبكى أبو حاتم سرورا بما قال. وفيه يقول أبو عمر والبصري: # إلى من تفزعون إذا فجعتم ... بسهل بعده في كل باب # ومن ترضونه من بعد سهل ... إذا أودى وغيب في التراب # وقال مروان بن عبد الملك: سمعت الرياشي، ونحن على قبر أبي حاتم نترحم ~~عليه، وهو يقول: # ذهب معه بعلم كبير فقال له بمحضر أصحابه: كتبه. فقال العباس: الكتب تودي ~~ما فيها ولكن صدره. # ومع علمه الفائق، وفعله الجميل، كان يميل إلى أبي العباس محمد بن يزيد ~~المبرد. إذ كان يلزم # حلقته، وهو غلام. وكان أبو العباس وسيما جميلا، وفيه يقول أبو حاتم، وقد ~~اشتد به هيامه: # ماذا لقيت اليوم من ... متمجن خنث الكلام # وقف الجمال بخده ... فسمت له حدق الأنام # حركاته وسكونه ... نجني بها ثمر الأثام # وإذا خلوت بمثله ... وعزمت فيه على اعتزام ms343 # لم أعد أفعال العفا ... ف وذاك وكد للغرام # نفسي فداؤك يا أبا العب ... اس حل بك اعتصام PageV02P778 ~~فارحم أخاك فإنه ... نزر الكرى بادي السقام # وأنله ما دون الحرا ... م فليس يرغب في الحرام # وحكي أن أبا العباس أحمد بن عمرو بن سريج الشافعي، وأبا بكر بن داوود ~~القياسي اجتمعا يوما في # مجلس الوزير أبي الحسن على بن عيسى بن الجراح، فتناظرا في الإيلاء فقال ~~أبو العباس بن سريج # لأبي بكر بن داوود: أنت بقولك: (من كثرت لحظاته، دامت حسراته) أبصر منك ~~بالكلام في الإيلاء # فقال له أبو بكر: لئن قلت ذلك، فإني أقول: # أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما # وأحمل من ثقل الهوى ما لو انه ... يصب على الصخر الأصم تهدما # وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي رده لتكلما # رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى حبا صحيحا مسلما PageV02P779 ~~فقال له أبو العباس: لم تفتخر علي؟ لو شئت أيضا أنا لقلت: # ومطاعم للشهد من نغماته ... قد بث أمنعه لذيذ سناته # صبا بحسن حديثه وكلامه ... وأكرر اللحظات في وجناته # حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراته # فقال أبو بكر: يحفظ عليه ما قال، حتى يقيم شاهدي عدل، على أنه ولى بخاتم ~~ربه. فقال له أبو # العباس: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك: # أنزه في روض المحاسن مقلتي # فضحك الوزير أبو الحسن، وقال: لقد جمعتما ظرفا ولطفا. # قال: وكان القاضي شريح بن الحارث رحمه الله من كبار التابعين والفضلاء، ~~والمتورعين والعلماء # المتقدمين. استقضاه عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي ~~الله عنهم، # ومعاوية رحمه الله. فكانت مدة ولايته القضاء ستين سنة. وكان ذا فطنة، ~~وذكاء وعقل، وأعلم الناس # بالقضاء. وكانت زوجه زينب امرأة من بني تميم. وكان يحبها حبا شديدا. ~~فأخذها ذات يوم في شيء # غاظه، وعتب عليها فيه، واشتد احتدامه حتى ضربها بالسوط. فلما عاين حالها ~~ندم على ضربها، # ورق لها، وبكى شفقا عليها ثم قال: # رأيت ms344 رجالا يضربون نساءهم ... فشلت يميني يوم أضربزينبا PageV02P780 ~~أأضربها في غير ذنب أتت به ... فما العدل مني ضرب من ليس مذنبا # فزينب شمس والنساء كواكب ... إذا طلعت لم تبق منهن كوكبا # وهذا البيت الثالث لفظ النابغة حيث يقول: # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # ومن هذا المعنى جرى المثل في قولهم: (السراج لا يضيء بالنهار). # ومنه أخذ إبراهيم بن العباس قوله: # ما كنت فيهن إلا كنت واسطة ... وكن دونك يمناها ويسراها # واليه أشار بشار في قوله: # ولكن جواري الحي اذ كنت فيهم ... قباح فلما غبت صرن ملاحا # ولبعض شعراء (كندة) في معنى قول النابغة PageV02P781 ~~يمدح عمرو بن هند: # تكاد تميد الأرض بالناس أن رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب # هو الشمس وافت يوم سعد فأفضلت ... على كل ضوء والملوك كواكب # وأخذه نصيب فقال: # هو البدر والناس الكواكب حوله ... وهل تشبه البدر المضيء الكواكب # وإلى هذا المعنى أشار أبو تمام الطائي في قوله: # وقالت أتنسى البدر قلت تجلدا ... إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر # قال أبو اسحاق: # ولا شك في أن الصالحين، مالكون لشهواتهم، مراقبون الله تعالى في خلواتهم، ~~متيقنون أن الله عز # وجل مجازيهم على أعمالهم. فلا يخطر نزغ الشيطان ببالهم. # ومن هذا المعنى يقول أحد البلغاء منهم، أظنه نابغة بني شيبان: # إن من يركب الفواحش سرا ... حين يخلو بفعله غير خالي PageV02P782 ~~كيف يخلو وعنده كاتباه ... شاهداه وربنا ذو الجلال # وقال الآخر: # إذا ما خلوت الدهر يوما ... خلوت ولكن قل علي رقيب # ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليه يغيب # وقال الآخر في المعنى: # ياراكب الذنب أما تستحي ... الله في الخلوة رائيكا # غرك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا # وقد قال الله في كتابه العزيز المنير (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم ~~مغفرة وأجر كبير). فالعبد الورع الديان، يخاف من عقاب الرحمان، يخشى الله # تعالى في غيبة الناس عنه، أشد من ms345 خشيته، إذا شاهدوه وتدانوا منه. # وأثبت هنا من كلامهم في معنى العفاف، قطعا من النظم السري، واللفظ ~~الأدبي؛ ضمنوها معنى # العفاف، وأباحوا اللثم والارتشاف، تعللا للنفوس الصادية والمهج، ولم يروا ~~في ذلك من بأس ولا # حرج. # فمنها قطعة للأديب الكامل أبي الوليد بن حزم يقول فيها: PageV02P783 # وكم ليلة كاد المنى يستفزني ... ولا رقبة دون الأماني ولا ستر # وفي ساعدي بدر على غصن بانة ... يود مكاني بين لباته البدر # وفي لحظه كالسكر لا من مدامة ... ولولا اعتراض الشك قلت هو السكر # وقد سلبته الراح سورة كبره ... ومال على عطفيه وانقطع العدر # وبين ضلوعي، يعلم الله، حاجة ... طواها عفافي لا كما زعم الغير # فلم يك الا ما أباح لي التقى ... ولم يبق إلا أن يحل لي الخمر # وقال أبو الوليد أيضا: # وكم ليلة ظافرت في ظلها المنى ... وقد طرفت من أعين الرقباء # وفي ساعدي حلو الشمائل مترف ... لعوب بيأسي تارة ورجائي # أطارحه حلو العتاب وربما ... تغاضب فاسترضيته ببكائي # وفي لحظه من سورة الكأس فترة ... تمت إلى ألحاظه بولاء # وقد عابثته الراح حتى رمت به ... لقى بين ثنيي بردتي وردائي # على حاجة في النفس لو شئت نلتها ... ولكن حمتني عفتي وحيائي # وقال أبو الحجاج الرمادي: # وليلة راقبت فيها الهوى ... على رقيب غير وسنان # والراح ما تنزل من راحتي ... وقتا ومن راحة ندماني PageV02P784 ~~ورب يوم قيظه منضج ... كأنه أحشاء ظمآن # أبرز في خديه لي رشحه ... طلا على ورد وسوسان # وكان في تحليل أزراره ... أقود لي من ألف شيطان # فتحت الجنة من جيبه ... فبت في دعوة رضوان # مروة في الحب تنهى بأن ... يجاهر الله بعصيان # وقال أيضا: # ليالي بعت العاذلين أمانتي ... بفتكي ووليت الوشاة آذاني # وإذ لي ندمانان ساق وقينة ... رشيقان بالأرواح يمتزجان # أمد الى الطاووس في تارة يدي ... وفي تارة آوي إلى الورشان # فكنت أدير الكأس حتى أراهما ... يميلان من سكر ويعتدلان # ونفضي إلى نوم فإن كنت جاهلا ... مكاني فوسطى العقد كان مكاني # فكانا لما في الجسم من رقة الضنى ... يكادان عند الضم يلتقيان ms346 # فلو تبصر المضنى وبدراه حوله ... لقلت السها من حوله القمران # وما بي فخر بالفجور وإنما ... نصيب فجوري الرشف والشفتان # وما أبدع قول البحتري في هذا المعنى حيث يقول: # بات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح PageV02P785 ~~كأنما يضحك عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح # تحسبه نشوان مهما رنا ... للفتر من أجفانه وهو صاح # بت أفديه ولا أرعوي ... لنهي ناه عنه ولحي لاح # أمزج كأسي بجنا ريقه ... وإنما أمزج راحا براح # يساقط الورد علينا وقد ... تبلج الصبح نسيم الرياح # أغضيت عن بعض الذي وقد يتقى ... من حرج في حبه أو يباح # سحر العيون النجل مستهلك ... لبي وتوريد الخدود الملاح # ومثل هذا في الحسن وتضمين المعنى قول أبي جعفر بن الأبار: # عاطيته كأسا كأن سلافها ... من ريقه المعسول أووجناته # حتى إذا ما السكر مال بعطفه ... وعنا بحكم الوصل في نشواته # هصرت يدي منه بغصن ناعم ... لم أجن غير الحل من ثمراته # وأطعت سلطان العفاف تكرما ... والمرء مجبول على عاداته # ومثله أيضا قول ابن فرج الجياني: # وطائعة الوصال عففت عنها ... وما الشيطان فيها بالمطاع PageV02P786 ~~بدت في الليل سافرة فهانت ... دياجي الليل سافرة القناع # وما من لحظة إلا وفيها ... إلى فتن القلوب لها دواعي # فملكت الهوى جمحات شوقي ... لأجري في العفاف على طباعي # وبت بها مبيت السقب يظما ... فيمنعه الكعام عن الرضاع # كذاك الروض ما فيه لمثلي ... سوى نظر وشم من متاع # ولست من السوائم مهملات ... فأتخذ الرياض من المراعي # وفي هذا المعنى الشريف، يقول أبو الحسن الحصري الكفيف: # قالت وهبتك مهجتي فخذ ... ودع الفراش ونم على فخذي # وثنت إلى مثل الكثيب يدي ... فأجبتها نعم الأريكة ذي # وهممت لكن قال لي أدبي ... بالله من شيطانك اتعذ # قالت عففت فعفت قلت لها ... مذ شئت باللذات لم ألذ # وفي هذا المعنى يقول الأديب أبو جعفر الأعمى التطيلي من قصيدة له: # فلو تراني قد استسلمت مرتقبا ... منها حنان الرضى أو جفوة الغضب # حتى إذا ما ألانت تلك جانبها ... والقلب مهما أرم تسكينه يجب PageV02P787 ~~طفقت ألثم ms347 كفيها وقد جنحت ... إلي تضحك بين العجب والعجب # ثم افترقنا وقد ساءت حفائظنا ... إن اجتمعنا ولم نأثم ولم نحب # لله مثلي ما أدنى سجيته ... من المعالي وأنآها من الريب # كم مأثم مستلذ قد هممت به ... فلم يدعني له ديني ولا حسبي # وقد كرر أبو جعفر هذا المعنى أيضا حيث يقول: # سرت وقد وقع الساري بجانبه ... والشمس تضرب دهم الليل بالبلق # بدر لملتمس، غصن لمعتنق ... خمر لمغتبق، مسك لمنتشق # وأقبلت تحسب الظلماء تكتمها ... وقدرمتها نجوم الليل بالحدق # والصبح يقدح في الظلماء نائرة ... كأنها نفثة المصدور عن حنق # والشرق يفهق والآفاق واردة ... وأنجم الليل قد أيقن بالغرق # كأنما الروض أهداها وشيعها ... فاستصحبت لمة من طيب العبق # تتوجت بالدجى فالشعر من غسق ... والخد من شفق والثغر من فلق # ألهو بمسك شذاها لا أحاول ما ... وراء ذاك ولو حاولت لم أطق # فبت أحسب أني قد طرقت بها ... روضا شممت لها طيبا ولم أذق # وعلى هذا الروي أثبت هنا لأبي الحسن بن الزقاق بعض قصيدة له: # زارتك من رقبة الواشي على فرق ... حتى تبدى وميض المرهف الذلق PageV02P788 ~~فخفض الجأش منها أن ملك يدي ... نهر يغص به الواشون من شرق # سكنتها بعدما جالت مدامعها ... بمقلتيها فرندا في ظبا الحدق # فأقبلت بين صمت من خلاخلها ... وبين نطق وشاح جائلقلق # وأرسلت من مثنى فرعها غسقا ... في ليلة أرسلت فرعا من الغسق # تبدو هلالا ويبدو حليها شهبا ... فما تفرق بين الأرض والأفق # غازلتها والدجى الغربيب قد خلعت ... منه على وجنتيها حلة الشفق # حتى تقلص ظل الليل وانفجرت ... للفجر فيه ينابيع من الفلق # فودعت وعيون المزن تسعده ... عند الفراق بدمع واكف غدق # وقال أبو الحسن أيضا: # مذرق الصبح راقني الغسق ... أحسن حالي في الدجى الأرق # قد ذهبت دولة العتاب وقد ... جاءت خيول الأعتاب تستبق # وأشرق الدهر حين أسفر من ... أم سليمان خدها الشرق # جارية: بعضها، إذا برزت ... ضوء صباح، وبعضها غسق # إن وصلت فالسرور متصل ... أو فارقت فالعزاء مفترق # ممشوقة القد بت معتنقا ... لها، وبعض الغصون يعتنق PageV02P789 ~~لمياء تأسو ببرد ms348 ريقتها ... ما أثرت في فؤادي الحدق # أرشف منها مقبلا رتلا ... كأن ماء الكروم أغتبق # عاينت من خصر المهفهف ما ... أخبر عنه وشاحها القلق # وذقت من ثغرها المنظم ما ... حدث عنه مسواكها العبق # تقول لي موهنا وقد علمت ... أن فؤادي من هجرها فرق # لا تخف الكاشحين إن نطقوا ... فيك بمين وهبهم صدقوا # أنت من القلب بالسواد فثق ... بحبل من بالوشاة لا يثق # فبت أنهى الهموم عن خلدي ... بلثم خد كأنه شفق # في جنح ليل يكاد يحسده ... في حسنه أو ضيائه الفلق # أطلع بدري وبدر غيهبه ... فاستوت الأرض فيه والأفق # قوله: راقني الغسق أي: أعجبني. تقول: راقني الشيء ويروقني روقا: إذا أعجبك. # قال العتبي: ذكر أعرابي امرأة فقال: تبسم عن حمش اللثات كأقاح النبات، ~~فالسعيد من ذاقه، والشقي # من راقه. أي من أعجبه ولم ينله. وقال ذو الرمة: # وساعفت حاجات الغواني وراقني ... على البخل رقراقاتهن البلائح # وقوله: (لمياء) يريد أن لها لثة لمياء. واللمى: سمرة تضرب إلى السواد، PageV02P790 ~~وليست بحمراء وهي الحوة، والحمة. ولثة حواء وحماء. ويكون اللمى أيضا في ~~الشفتين؛ فإذا كان فيهما فهو سمرة تخالطها # حمرة. وقال ذو الرمة: # لمياء في شفتيها حوة لعس # وقد شرحنا هذا البيت في مكانه، من الجزء الثاني من هذا المجموع، ونبهنا ~~على معناه البديع. # وقوله: # أرشف منها مقبلا رتلا # ..................... # يعني؛ فما حسن الثغر مليح الصفة معجبا لمن رآه؛ وإنما يوصف بالرتل: ~~الكلام السهل السالم من # التقعير، الحسن التأليف. يقال: # ترتل في كلامك: أي حسنه وسهله في بيان. وقال امرؤ القيس: # راعت فؤادك إذ عرضت لها ... بدلالها وكلامها الرتل # وقال أيضا: # مبتلة هيفاء زان حديثها ... بهاء وتأييد الخطيب المرتل PageV02P791 ~~فاستعار أبو الحسن الرتل للفم؛ إذ الكلام منه يبين. # وقال بعض المتأخرين: # ألا حبذا خل عزيز وحبذا ... كلام لبنت السالمي رتيل # وقال أبو الحسن أيضا: # ومفتان قتول الدل ريا ... يجاذب خصرها ردف رداح # سرت إذ نامت الرقباء نحوي ... ومسك الليل تمريه الرياح # وقد غنى الحلي على طلاها ... بوسواس فجاوبه الوشاح # يحاذر من عمود الصبح نورا ... مخافة ms349 أن يلم به افتضاح # فلم أرقبلها والليل داج ... صباحا بات يذعره صباح # وقال أبو الحسن أيضا رحمه الله: # دعوت وراء السجف منها جداية ... مراتعهافي أضلع وقلوب # تمسح عن أجفانها سنة الكرى ... براحة فضي البنان خضيب # فغازلتها والليل ملق جرانه ... إلى أن تمادى نجمه لغروب PageV02P792 ~~ونازعتها شكوى ألذ من الكرى ... تسكن من لذغ بنا ووجيب # فيا ليت أن النسر قص جناحه ... وياليت أن الصبح غير قريب # قوله: # دعوت وراء السجف منها جداية # فالجداية من أولاد الظباء بمنزلة الجدي من أولاد الغنم. يقال للذكر ~~والأنثى جداية. قاله أبو علي، # وأنشد لعنترة: # وكأنما التفتت بجيد جداية ... رشأ من الغزلان حر أرثم # وقال أبو جعفر بن الأبار: # ومنعم غض القطاف ... عذب الغروب للارتشاف # قد صيغ من در الجما ... ل وصين في صدف العفاف # وسقته أندية الشبا ... ب بمائها حتى أناف # فتروضت منه الريا ... ض وسلفت منه السلاف # مهما أردت وفاقه ... يوما تعرض للخلاف # لما تصدى للصدو ... د ومال نحو الإنحراف # هيأت من شركي له ... فعل اللطاف من الظراف # فسقيته ماء بها ... وأدرت صافية بصاف # حتى ترنح مائلا ... كالغصن مال به انعطاف PageV02P793 ~~فوردت جنة نحره ... ونعيمها داني القطاف # وضممت ناعم قده ... ضم المضاف إلى المضاف # فورعت في حين الجنى ... وكففت عن فرق الكفاف # وعصيت سلطان الهوى ... وأطعت سلطان العفاف # وقال أبو جعفر أيضا وأحسن: # لم تدر ما خلدت عيناك في خلدي ... من الغرام ولا ما كابدت كبدي # أفديك من زائر رام الدنو فلم ... يسطعه من غرق في الدمع متقد # خاف العيون فوافاني على عجل ... معطلا جيده إلا من الغيد # عاطيته الكأس فاستحيت مدامتها ... من ذلك الشنب المعسول والبرد # حتى إذا غازلت أجفانه سنة ... وصيرته يد الصهباء طوع يدي # أردت توسيده خدي وقل له ... فقال كفك عندي أفضل الوسد # فبات في حرم لا غدر يذعره ... وبت ظمآن ولم أصدر ولم أرد # بدر ألم وبدر التم ممتحق ... والأفق محلولك الأرجاء من حسد # تحير الليل فيه أين مطلعه ... أمادرى الليل أن البدر في عضدي # وتروى هذه القطعة لادريس ms350 بن اليماني، وهي لمن كانت منهما، بديعة PageV02P794 ~~متقنة في معناها، رفيعة مزجت من العفاف، بعذوبة وحلاوة، ولاح عليها من ~~الإبداع نضارة وطلاوة. # وقوله في أول القطعة: (ولا ما كابدت كبدي). يقال منه: كابد يكابد مكابدة. ~~والكبد: المشقة والشدة. # قال الله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد). قال ابن عباس: معناه في شدة ~~من حمله وولادته، ورضاعته ونبت أسنانه، وقيل: # يكابد أمر الدنيا والآخرة. وهذا قول قتادة، ومعناه ما ذكرنا. وقال ~~الشاعر: # لقيتهم والمنايا غير دافعة ... لما أمرت به والملتقى كبد # أي شديد، ويقال للخصوم: إنهم لفي كبد من أمرهم، وبعضهم يكابد بعضا. ~~والرجل يكابد الليل، إذا # بات ساهرا مغموما. # قال الشاعر: # أكابد هذا الليل حتى كأنما ... على نجمه ألا يغور يمين # وتقول: كابدت الليل بكابد شديد؛ أي بمكابدة شديدة، قال العجاج: # وليلة من الليالي مرت ... كابدتها بكابد وجرت PageV02P795 ~~وقال لبيد: # عيني هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام النساء في كبد # ويروى (وقام الخصوم في كبد) أي؛ في حزن شديد ومشقة. وأنشد الأصمعي لبعض ~~الخوارج: # ألا في الله لا في النفس شالت ... بداود وأسرته الجذوع # إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فأسفر عنهم وهم ركوع # أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع # وحكى بعض الرواة، قال: خرج ذو الرمة، ومزاحم العقيلي من (الجفر) وأخرجا ~~معهما روايا # لأهلهما، وكانوا (بالدهناء). فجن عليهما الليل، فباتا الى رجل من بني ~~عدي، يقال له جزء بن عبد # الله. فلما كان في وسط الليل، أخذ ذو الرمة وجع في بطنه، فمات منه قبل أن ~~يصبح. فخرج PageV02P796 ~~جزء بالروايا حين أصبح، فطرق أهلهما عند العتمة، فنعاه اليهم، فقال مسعود ~~أخو ذو الرمة: # نعى لي جزء ذا الرميمة موهنا ... فبت بليل إذ نعاه أكابده # ألا سوف أبكي ذا الرميمة حقبة ... كما لوبي الأولى بكتني أوابده # إلى الله أشكو لا إلى الناس آنني ... وليلى كانا موجع مات واجده # غصصت بريقي حين جاء نعيه ... وما الماء حتى حر في الصدر بارده # قول مسعود: # ألا سوف أبكي ذا الرميمة حقبة ms351 # كقول لبيد يخاطب ابنتيه: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # وأخذه أبو تمام الطائي فقال: # ظعنوا فكان بكاي حولا بعدهم ... ثم ارعويت وذاك حكم لبيد # وفي حديث حذيفة بن اليماني فيما روى محمد بن قيس عن عمرو ابن مرة، قال: ~~قال قوم لحذيفة: # إن خيارنا قوم يكابدون هذا الليل؛ فاذا PageV02P797 ~~نعس أحدهم، ربط جوزه إلى سماء البيت، ثم قام يصلي فقال: # حذيفة: قبح الله قوما أولئك خيارهم. خياركم من لم يترك دنياه لآخرته، ولا ~~آخرته لدنياه. وهذا الذي # قال حذيفة، هو قول النبي عليه السلام إلا أنه جاء على التقديم والتأخير. # ومنه قول عبد الله بن عمر (احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لأخراك ~~كأنك تموت غدا). # والحرث والاحتراث؛ اصلاح المال وتثميره. وفي كتاب (الشهاب) للقضاعي: ~~"أصلحوا دنياكم # واعملوا لأخراكم". # وقد نظم أبو القاسم الألبيري في هذا المعنى قوله، حيث يقول: # المال ذل وذل ... ألا يرى لك مال # فاحرص كأنك باق ... فما لذي الفقر حال # واقنع فإنك فان ... غدا فكل محال # وقوله: (ربط جوزه إلى سماء البيت)؛ أي وسطه. جوز كل شيء وسطه. والجميع ~~أجواز. قال # الشاعر: PageV02P798 # باتت تنوش الحوض نوشا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا # أي أوساطها. والنوش: التناول. # قال يعقوب: يقال ناش فلان فلانا ليأخذ برأسه، ونهش إلى فلان ليأخذ برأسه. ~~وهما سواء. # ومثله أيضا: التناوش. يقال تناوش القوم: إذا تناول بعضهم بعضا في القتال، ~~وهي المناوشة # والمهاوشة. # في حديث قيس بن عاصم فيما روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عنه قال: "إذا ~~مت فغيبوا قبري # عن بكر بن وائل، فإني كنت أناوشهم". أو قال (أهاوشهم في الجاهلية) وحقيقة ~~المعنى في الهوش؛ # الفساد والاختلاط. # قاله أبو سليمان الخطابي. ومنه هوشات الشوق. ومن المناوشة، قوله تعالى ~~(وأنى لهم التناوش من مكان بعيد) وقرئ هذا الحرف # بالهمز، ويترك الهمز. قرأه نافع بن أبي عامر اليحصبي، وحفص عن عاصم ~~ويعقوب بن خليفة # الأعشى، PageV02P799 ~~ويعقوب بن اسحاق الحضرمي بغير همز،. جعلوه مشتقا من ms352 ناش ينوش؛ إذا تناول. ~~قال الشاعر: # كغزلان خذلن لجذع نخل ... تنشن الدانيات من الغصون # وقرأه أبو عمرو. وحمزة والكسائي، وأبو بكر بن عياش عن عاصم بالهمز وتحتمل ~~قراءتهم وجهين: # أحدهما: أن يكون من التناول كالقراءة الأولى. فلما انضمت الواو جاز ~~همزها، كقولهم: أدور في # جمع دار. # والوجه الثاني: أن يكون معناه: التأخر والرجوع. # ومن ذلك قول الشاعر: # تمنى أن تؤوب إلي مي ... وليس إلى تناوشها سبيل # أي: إلى رجوعها. وقال الآخر: PageV02P800 # تمنى نئيشا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور # وقرأت في (النوادر) لأبي علي قول أم ضيغم البلوية في معنى العفاف: # وبتنا فويق الحي لا نحن منهم ... ولا نحن بالأعداء مختلطان # وبتنا يقينا ساقط الطل والندى ... من الليل بردا يمنة عطران # نغذ بذكر الله في ذات بيننا ... إذا كان قلبانا بنا يردان # ونصدر عن زي العفاف وربما ... نقعنا غليل النفس بالرشفان # وقال سعيد بن حميد: # زائر زارنا على غير وعد ... مخطف الكشح مثقل الأرداف # غالب الخوف حين غالبه الشو ... ق وأخفى الهوى وليس بخافي # غض طرفي عنه تقى الله واختا ... ر على بذله بقاء التصافي PageV02P801 ~~ثم ولى والخوف قد هز عطفي ... ه ولم يخل من لباس العفاف # والشريف الرضي ممن أوضح معنى العفاف وبينه، وأبدى سره وأعلنه، حيث يقول ~~من أبيات له: # بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى ... يلفنا الشوق من قرن إلى قدم # وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم # وباتت الريح كالغبرا تجاذبنا ... على الكثيب فضول الريط واللمم # وأكتم الصبح عنها وهي غافلة ... حتى تكلم عصفور على علم # فقمت أنفض بردا ما تعلقه ... غير العفاف وراء الغيب والكرم # قوله: # وبات بارق ذاك الثغر # البيت. # كقوله في قطعة أخرى: # أبكى ويبسم والدجى ما بيننا ... حتى أضاء بثغره ودموعي # وقوله: (وباتت الريح) البيت، كقول ابن المعتز: # والريح تجذب أطراف الرداء كما ... أفضى الشفيق إلى تنبيه وسنان # وأخذه ابن نباتة فقال: PageV02P802 # إذا ما الصبح أسفر نبهتني ... جنوب مسها مس الشفيق # وأخذ بيت الرضي أبو ms353 بكر بن عمار فقال: # بحيث اتخذنا الروض جارا يزورنا ... هداياه في أيدي الرياح النواسم # تبلغنا أنفاسه فنردها ... بأعطر أنفاس وأذكى لناسم # تسير الينا ثم عنا كأنها ... حواسد تسعى بيننا بالنمائم # وقال بعض المتأخرين: # فاجتنينا من المنى كل غض ... ووصلنا صبوحنا بالغبوق # ثم بتنا ندير كأس الحميا ... ورضابا يزري بصرف الرحيق # غير أن العفاف لم يرض خلا ... غير مص الشفاه والتعنيق # قوله: # وصلنا صبوحنا بالغبوق # فالصبوح: شرب الغداة. والغبوق: PageV02P803 # الشرب بالعشي. وفي نصف النهار: القيل. وبين المغرب والعتمة الصفح والصفح ~~بفتح الفاء # وبتسكينها. وفي السحر: الجاشرية. قال الشاعر: # وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت الجاشرية أو سقاني # وهذا الذي قلنا، حكاه أبو العباس المبرد عن البصريين، وحكاه أيضا أبو ~~العباس ثعلب عن الكوفيين، # قالا: وكل شراب يشرب في أي زمان كان فهو الصفح. يقال: أتاني فصفحته أي ~~فسقيته. وأتاني # فأصفحته؛ أي حرمته وزودته. وسلك هذا المعنى المتقدم بلدينا القاضي أبو ~~الحسن بن لبال فانطبع فيه # حيث قال: # ومهفهف عبث الشمول بقده ... عبث الفتور بلحظه الوسنان # عضت خلاخله وجال وشاحه ... ولوى مآزره على كثبان # ما كنت أحسب قبل رؤية وجهه ... أن البدور تدور في الأغصان # غازلته حتى بدالي ثغره ... فحسبته درا على مرجان # كم ليلة عانقته فكأنما ... عانقت من عطفيه غصن البان PageV02P804 ~~يطغى ويلعب تحت عقد سواعدي ... كالمهر يلعب حتى ثني عنان # وهذا البيت، مليح المساق، بديع في معنى العناق. # وفي معناه يقول أبو الحسن بن الزقاق: # ومرتجة الأعطاف أما قوامها ... فلدن وأما ردفها فرداح # ألمت فبات الليل من قصر بها ... يطير وماغير السرور جناح # فبت وقد زارت بأنعم ليلة ... تعانقني حتى الصباح صباح # على عاتقي من ساعديها حمائل ... وفي خصرها من ساعدي وشاح # وهو القائل أيضا في المعنى: # وآنسة زارت مع الليل مضجعي ... فعانقت غصن البان منها إلى الفجر # أسائلها أين الوشاح وقد سرت ... معطلة منه معطرة النشر # فقالت وأومت للسوار نقلته ... إلى معصمي لما تقلقل في خصري # وأحسن ما أذكر في معنى العناق، قول الشاعر، قرأته في (النوادر) لأبي علي: # خلوت ms354 فنادمتها ساعة ... على مثلها يحسد الحاسد # كأنا وثوب الدجى مسبل ... علينا لمبصرنا واحد PageV02P805 ~~أخذ هذا المعنى عبد الله بن المعتز، فقال: # ما أقصر الليل على الرواقد ... وأهون السقم على العائد # يفديك ما أبقيت من مهجتي ... لست لما أوليت بالجاحد # كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد # فلوترانا في قميص الدجى ... حسبتنا من جسد واحد # وقول علي بن الجهم أيضا في المعنى: # سقى الله ليلا ضمنا هجعة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذب # فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب # وقرأت في (النوادر) قول علي بن العباس الرومي في المعنى: # أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تداني # وألثم فاها كي تموت حرارتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان # ولم يك مقدار الذي بي من الجوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان # كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحين يمتزجان # وقال القاضي أبو الحسن رحمه الله: PageV02P806 # ألمت وما غير الوشاح وشاح ... ولا غير أطراف الثدي رماح # ولا غير ما فوق الروادف بانة ... ولا غير ما فوق الجيوب صباح # ولا ورد إلا ما حوت وجناتها ... ولا غير منظوم الثغور أقاح # فبتنا وما تحت الوشاح محرم ... علينا وما فوق الوشاح مباح # وكان القاضي أبو الحسن رحمه الله للعلياء سماكا وسها، تتيه بمفاخره ~~(شريش) على (حمص) # وتزهى، وكانت له سجايا أعذب من الرشفات، وأحلى من النمير والفرات، مبرأة ~~من السهو، منزهة # من التكبر والزهو. # غذته الأصالة بزلالها؛ ورفته العفة تحت ظلالها، فرقى من المعالي أعلى ~~هضابها، وبذ أتراب الإنابة # وجميع أربابها، لم تعرف له قط صبوة؛ ولا خطت قدماه في زلة خطوة. أعف ~~الناس باطنا وظاهرا؛ # وأطهرهم أردانا ومآزرا. حامل فقه وآداب؛ متفننا في اللغات والإعراب. جليل ~~المقدار؛ سليم الإعلان # والإسرار، عدلا في أحكامه؛ جزلا في نقضه وإبرامه. محلى بالسكينة والوقار؛ ~~معلما بسيما الأخيار # والأبرار، ملتزما للتواضع والتأنيس؛ برا بالرائد والجليس، ومهابة الحال، ~~والصواب في المقال. ولي # القضاء، وهو كاره لخطته؛ خائف من وطأته، إبقاء منه على صيانته، وحفظا ~~لديانته. وفي ms355 ذلك يقول: # كنت مذ كنت خائفا ... أن ألي خطة القضا # لم أردها وإنما ... ساقها نحوي القضا # مع أنه كان - رحمه الله - قاصدا قصد المتورعين؛ سالكا منهج المشرعين، ~~عارفا بالأحكام # وحقائقها؛ حافظا لجلائلها ودقائقها، جاريا في PageV02P807 ~~أحكامه على السنن القويم؛ سالكا لمنهج الشرع المستقيم. # صادق اللهجة؛ ساطع شهاب المقالة والحجة، مشكورا بكل لسان؛ مجيبا إلى كل ~~ناء ودان. تلوح أنوار # البر على أفعاله؛ ويقتدى بصالح أعماله. وكان له نظم كانتظام الجواهر، ~~وابتسام الأزاهر. وله في # ميدان الكلام المطبوع سبق وظهور، وتصرفه في سهوله وحزونه مشهور، وقد أثبت في هذا # المجموع، ما ترتشفه الأنفس الصادية ماء نميرا، وتتخذه الآذان سميرا، ~~ويملأ القلوب سرورا، # والعيون مهجة ونورا. # وله قصائد سلطانيات، ومقاطع إخوانيات، ومزدوجات من النظم والنثر مطبوعات، ~~في أوصاف # شتى ومعان مختلفات. طاب نشرها، وفاح عنبرها. أشهر من الفجر إذا تمكن ~~الإسفار، وأنور من # البدر ليلة الإبدار. # فمن ذلك قوله يخاطب بعض إخوانه، وهو الأديب الكاتب أبو الوليد يونس ابن ~~محمد القسطلي: # ياخليلي بالركاب سحيرا ... عرجا بالجزيرة الخضراء # حيث هز الغدير عطفيه ... مما أفلتته أنامل الحصباء # وانبرى يستحيل بين شواطي ... ه زلالا من درة بيضاء PageV02P808 ~~ووشى القطر جانبيه فباهى ... بأزاهيره نجوم السماء # وانثنى معطف القضيب اختيالا ... لغناء الحمامة الورقاء # وتراءى أبو الوليد فخرت ... لسناه كواكب الجوزاء # ورقى رتبة الوزارة حتى ... حل تاجا بمفرق الوزراء # فهنيئا لك الجزيرة ماذا ... حزت منه من السنا والسناء # فاحفظيه من الحوادث حتى ... تنجلي بيننا وجوه اللقاء # وقال أيضا يخاطب الفقيه القاضي ابن أخيل: # سائل بغرته الهلال المقمرا ... أشذى تفاوح عرفه أم عنبرا # وسل البراعة في أنامل كفه ... شذرا يصوغ بطرسه أم جوهرا # أم حالت القرطاس كافورا بها ... فسرت تمج عليه مسكا أذفرا # أم صدر غانية تمزق جيبها ... فغدت تحوك الوشي فيه مصورا # ولعلها رأت الوشيج لدى الوغى ... فحكت لراحته الوشيج الأسمرا # يامن تخيل من كتابة أخيل ... ... تدرهم نوره وتدنرا # هلا حسبت به السماء صحيفة ... والليل حبرا والكواكب أسطرا # قاض أتى والحق غصن ذابل ... فسقاه ماء العدل حتى أثمرا ms356 PageV02P809 ~~وقال يخاطب الأديب أبا العباس أحمد بن سيد: # يا سيدي والزمان يبلى ... وعهد ودي لكم جديد # إن فرقت بيننا الليالي ... فودكم في الحشا عتيد # وكتب إلى الحجاج صحبة الفقيه أبي بكر بن عبد الله بن حباسة الشريشي: # متى أقول وقد كلت ركائبنا ... من السرى وارتكاب البيد في البكر # يانائمين على الأكوار ويحكم ... شدوا المطي بذكر الله في السحر # أما سمعتم بحادينا وقد سجعت ... ورق الحمائم فوق الأيك والسمر # هذي البشائر يا حجاج قد وجبت ... غدا تحطون بين الركن والحجر # وقال أيضا، وكتب بها إلى حمص، وقد حن إلى أحبائه ومعاهده، في ظلال أمنها ~~مع إخوانه # وأصحابه، وزمان جاد له بالآمال، ولأيامه غرر وحجول، تروق العيون في البكر ~~والآصال: # سلام على حمص وإن غير البلى ... معاهد منها نلت فيها الأمانيا # وحق لهامني السلام لأنني ... وردت بها ماء الشبيبة صافيا # وفي وجنات الدهر إذ ذاك رونق ... كما رونق الصقل الحسام اليمانيا PageV02P810 ~~وقال أيضا: # إذا أبصر المحزون أرض شذونة ... وحسن محياها أفاق من الحزن # كأن على غيطانها ومتونها ... دبابيج خضرا أحكمتها يد المزن # مذانب تندى في مروج كأنها ... عذار بخدي ذي جمال وذي حسن # وفي هذا المعنى، من مدح المواطن، والثناء على مبهج الأقطار الأريضة ~~والأماكن كما يثني على # إخوان المودة والتصافي. قول معاصره ومراسله أبي عبد الله الرصافي، حيث يقول: # كم للصدور ببرجه ... من انفساح وفرجه # قطر عليه ضمان ... من حيث ما يتوجه # إن يبسط النفس أنسا ... ويملإ العين بهجه # وقول أبي عبد الله الرصافي أيضا: PageV02P811 # خليلي ما للريح قد عبقت نشرا ... وما لرؤوس الركب قد رنحت سكرا # هل المسك مفتوقا بمدرجة الصبا ... أم القوم أجروا من بلنسيةذكرا # خليلي عوجابي قليلا فإنه ... حديث كبرد الماء في الكبد الحرى # قفا غير مأمورين ولتصديا بها ... على ثقة للمزن فاستسقيا القطرا # بجسر معان والرصافة إنه ... على القطر أن يسقي الرصافة والقطرا # بلادي التي ريشت قويدمتي بها ... فريخا وآوتني قرارتها وكرا # ومنها: # وقالوا هل الفردوس ما قد وصفته ... فقلت وما الفردوس في الجنة الأخرى # بلنسية تلك ms357 الزبرجدة التي ... تسيل عليها كل لؤلؤة نهرا # هي الدرة البيضاء من حيث جئتها ... أضاءت ومن للدر أن يشبه البدرا # خليلي إن أصدر إليها فإنها ... هي الوطن المحبوب أو طنتها الصدرا PageV02P812 ~~ولم أطو عنها الخطو هجرا لها إذن ... فلا لثمت نعلي مناكبها الخضرا # ولكن إجلالا لتربتها التي ... تضم فتاها الندب أو كهلها الحرا # أكارم عاث الدهر ما شاء فيهم ... فبادت لياليهم فهل أشتكي الدهرا # تقضوا فمن نجم هنالك ساقط ... أبى الله أن يرعى السماك أو النسرا # والقصيد كبير. وقد أثبت منه ما فيه منشرح للصدر. # وقال أبو عبد الله أيضا: # ولا كالرصافة من منزل ... سقتها الغمائم صوب الولي # أحن إليها ومن لي بها ... وأين السري من الموصل # وفي بلنسية يقول الكاتب أبو نصر مثنيا عليها ومتشوقا إليها: # سقى الله عهدا سالفا ومودعا ... أسال فؤادي في المحاجر أدمعا # وحادك يا روضا من المزن واكفا ... لتبصر عيني من نباتك ممرعا # وخص بسقياه بلنسية المنى ... وحيى مرادا للأماني ومربعا # معاهد عادت للجنائب ملعبا ... وكانت مقيلا للسرور ومربعا # زمان بنو عبد العزيز ولاتها ... وجودهم يحكي السحائب همعا PageV02P813 ~~وقد أرجت منهم وطاب نسيمها ... كأن فتيق المسك عنهم تضوعا # وقد كان هذا القطر أزهر مبهجا ... ترى الزهر في بطحائه متضلعا # فعاد ذراه موحشا بعد أنسه ... وأصبح منهم خالي الربع بلقعا # أطاف بهم صرف الزمان فودعوا ... فلا مجد إلا قد تولى وودعا # بكيت لهم حتى القيامة حسرة ... وحق لعيني أن تفيض وتهمعا # وقد كمل هذا الغرض في الجزء الثاني من هذا الكتاب ويا بعد ما بينه وبين ~~قول أبي تمام ذي # الاصابة والصواب، في قصيدته الثائية التي ذم في آخرها المنازل المالكية، ~~حيث يقول: # والمالكية لم تكن لي منزلا ... فمقابر اللذات من قبراثا # لم آتها من أي وجه جئتها ... إلا حسبت بيوتها أجداثا # بلد الفلاحة لو أتاها جرول ... أعني الحطيئة لاغتدى حراثا # تصدى لها الأذهان بعد صقالها ... وترد ذكران العقول إناثا # أرض خلعت اللهو خلعي خاتمي ... فيما وطلقت السرور ثلاثا PageV02P814 ### || AUTO فصل # جملة من شعر القاضي أبي الحسن ms358 رحمه الله في أوصاف شتى. قال: # نشرت ثلاث ذوائب من شعرها ... لتظلني حذر الوشاة الرمق # فكأنني وكأنها وكأنه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق # وقال في معنى العناق: # لا مثل ضمى عليا وهو يتحفني ... سلافة هي برء العاشق الدنف # عانقته ورداء الوصل يجمعنا ... حتى الصباح عناق اللام للألف # أخذ هذا من قول الآخر: # يامن إذا قرأ الإنجيل ظل له ... قلب الحنيف عن القرآن منصرفا # رأيت شخصك في نومي يعانقني ... كما يعانق لام الكاتب الألفا # وقال في الجلم: PageV02P815 # ومعتنقين ما اتهما بعشق ... وإن وصفا بضم واعتناق # لعمر أبيك ما اجتمعا لمعنى ... سوى حال القطيعة والفراق # وفي الخطاف: # أهلا بخطاف أتانا زائر ... غرد يذكر بالزمان الباسم # لبست سرابيل الصباح بطونه ... وظهوره ثوب الظلام العاتم # وقال يصف الشيب: # بكت دمي أن رأت مشيبي ... يضحك في مفرق الجبين # نور غصن الشباب مني ... هل ينكر النور في الغصون # فقلت لا تحزني أسيما ... ونشفي أدمع الجفون # كأنه أشار في البيت الثالث إلى قول ابن الرومي، أومأ إليه بالإيماء الخفي: # قد يشيب الفتى وليس عجيبا ... أن يرى النور في العشيب الرطيب # وفي هذا المعنى يقول الآخر أيضا: PageV02P816 # فلا تنكري منه المشيب فإنه ... غبار صروف الدهر فوق قرونه # هبيه كمثل الروض لما تأزرت ... رباه، بدا نواره في غصونه # وقال القاضي أيضا: # قوس الشيب قناتي ... بعد أن كانت سويه # وغدا يشدو برأسي ... أنا عنوان المنيه # وقال أيضا في المعنى: # تعجبت أن رأت مشيبي ... يضحك في مفرقي سميه # لا تعجبي فالبياض زي ... من زي قومي بني أميه # وقال يصف البدر: # أنظر إلى البدر في السماء وقد ... حفت بحقويه الأنجم الزهر # كأنه بركة مفضضة ... حف بها من جنابها زهر # وقال أيضا: # يا من أتى يخرص الزيتون فارغة ... ويستدل على ما فات بالورق # أتعلم الغيب دون الناس كلهم ... لا والذي خلق الإنسان من علق # وإنما أتت فيما تستدل به ... كثاقب الدر في داج من الغسق # فتب إلي الله واحذر من عواقبه ... (من يركب البحر لا يأمن من الغرق) PageV02P817 ~~وسأله سائل عن أكل لحم ms359 ابن آدم ميتا. أيجوز للمضطر إليه أم لا؟ فقال: # وإذا اضطررت لآدمي ميت ... فلتهربن منه هروب الآبق # فالما لكي يرى سواء أكله ... مع قتله هذا كلام الصادق # والشافعي يرى مباحا أكله ... للبائس المضطر خيفة عائق # يعتاقه من جوعه فلربما ... يغتاله فيموت ميتة فاسق # وقال أيضا: # هاك مني بيتا سيكثر إن م ... ت على ألسن الرواة اختلافه # إنما تنظر العيون لشخصي ... ن لمن ترتجيه أو من تخافه # وقال أيضا: وكلف ذلك في فتى وسيم جزار، كأنه كوكب دري من كواكب الأسحار. ~~قد أطلعه # الحسن شمسا في فلكه؛ وأومأ كل من رآه اليه بتملكه. لا ينفك دمع عاشقه عن ~~أن ينهل أو ينسكب، # ولا قلبه عن غرام ونصب. يخلط جده باللعب، ويضحك بين العجب والعجب: # يا هلالا قد تبدى ... فوق أزرار الجيوب # وقضيبا يتثنى ... فوق أحقاف الكثيب # كن كما شئت ودعني ... فيك من قول كذوب # لست جزارا ولكن ... أنت جزار القلوب # ولما ورد عليه الخبر بتأخيره عن القضاء، واستراحه من أمر وليه، ولم يزل ~~فيه مبغضا، حمد الله # سرا وجهرا، وملأ الأسماع ثناء عليه وشكرا، كأنه كان خائفا مذعورا، فجاءته ~~بالآمان البشرى، أو # فقيرا بائسا بالمنزل الرحب والقرى. وسر PageV02P818 ~~بذلك سرور حاتم طىء بالضيف؛ أو العاشق المهجور # بإلمام الطيف. فعاد بعد اكتئابه مستبشرا جذلا. وأنشأ يقول بلسان السرور ~~مرتجلا: # حملت على القضاء ولم أرده ... وكان علي أثقل من ثبير # فلما أن عزلت جعلت أشدو ... لقد أنقذت من شر كبير # وهذا المصراع الثاني من قصيدة مهلهل التي أولها: # أليلتنا بذي جشم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري # وأنقدني بياض الصبح منها ... لقد أنقذت من شر كبير # شهدت جنازته - رحمة الله عليه وبركاته - في اليوم الثالث، وهو يوم ~~الثلاثاء من شهر ذي القعدة # سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة وأنا يومئذ غلام يافع بين يدي أستاذي خاضع ~~متواضع. مولع بالأدب # وجماله؛ ومقتبس أنوار العلم من رجاله: # أقول لسائل عني ملح ... طلاب العلم ريحاني وراحي # فخرجت خارج المدينة بعد صلاة العصر، وهي قد ألقت من فيها ms360 من أهلها ~~وساكنيها؛ واجتمع # قاصيها إلى دانيها. والناس بين باك ملء عينيه، ومسترجع عاض على يديه. ~~وصلي عليه، ثم دفن # الحلم والورع معه في قبره، وتعطل جيد الزمان من نظمه ونثره. PageV02P819 # رجع # وحكى محمد بن عرفة عن نفسه قال: دخلت على محمد بن داوود الأصبهاني في ~~مرضه الدي مات # منه. فقلت له: كيف تجدك يا سيدي؟ فقال: حب من تعلم أوردني ما ترى. فقلت ~~له: كيف بالاستمتاع # به مع القدرة عليه. فقال: الاستمتاع به علي ضربين: # أحدهما: النظر المباح، والاخر: اللذة المحظورة، يمنعنيها ما حدثني به ~~أبي، عن أشياخه عن ابن # عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، انه قال: "من عشق فعف وكتم ومات فهو شهيد". # وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري، انه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. (العشق في # غير ريبة كفارة للذنوب). # وكان يحي بن معاذ يقول: لو كان لي من الأمر شيء ما عذبت العشاق؛ لان ~~ذنوبهم ذنوب # اضطرار، لا ذنوب اختيار. # وروى عن النبي عليه السلام، قال: "الصبر ثلاثة: صبرك عن المعصية، وصبرك ~~علي المصيبة، # وصبرك على الطاعة، فالصبر على المصيبة ثلاث مائة درجة. والصبر على الطاعة ~~ستمائة درجة. # والصبر عن المعصية تسعمائة درجة". # وقيل ان الله تبارك وتعالي يمحص خطايا أهل الهوى، ويكفر سيئاتهم لطول ~~محنتهم، بطول محبتهم. PageV02P820 # وفي هذا المعنى قال المؤمل: # يكفي المحبين في الدنيا عذابهم ... والله لا عذبتهم بعدها سقر # وقال بعض الحكماء: (اغلق أبواب الشهوات بأقفال الزهادة، وافتح أبواب البر ~~بمفاتيح العبادة؛ فإن # ذلك يدنيك من السعادة، وتستوجب به من الله الزيادة). # وحكي أن رجلا راود امرأة عن نفسها، فقالت له: أما أنك قد سمعت الحديث، ~~وقرأت القرآن فأنت # أعلم؟ فقال لها: اغلقي أبواب القصر. فأغلقتها، فدنا منها، فقالت له: بقي ~~باب لم أغلقه. قال: أي باب؟ # قالت: الباب الذي بينك وبين الله، فزال عنها وانصرف. # وحكى أن رجلا من العرب قال: خرجت في طلب ضالة، فاذا أنا بجارية كأنها ~~علم، فراودتها عن # نفسها، فقالت: ويلك. أمالك ms361 زاجر من عقل، إذ لم يكن لك ناه من دين. فقلت ~~لها: والله ما ترانا إلا # الكواكب. فقالت: فأين مكوكبها؟ فوالله، لقد زال بكلامها عن نفسي ما كان ~~خطر بها. # وحكي أن رجلا من أهل (البصرة) عشق جارية مملوكة وكان يعلم ذلك، فعاتبها ~~يوما على ذلك، # فقالت له: والله يا مولاي ما كان الا الجميل. ثم انه كمن لهما بحيث لم ~~يعلمهما، فسمعهما يتحدثان # ويتشاكيان، ثم انتحب الرجل مليا، وبكى حبا لها. فقالت له لجارية: أكل هذا ~~الذي بك من حبي؟ فقال: # أي والله فقالت: فليفرخ روعك، ولتطب نفسك؛ فإن الله فرج عنك، فاصنع بي ما ~~شئت، فانه لا مانع # لك. فاشتد بكاؤه، لما سمع قولها PageV02P821 ~~وأنشأ يقول: # أما الحرام فلست أركب محرما ... وطلاب مثلك في الحلال شديد # إن امرءا أمسيت ملك يمينه ... يقضي عليك بحكمه لسعيد # قال: فلما تفرقا من مكانهما، مشي اليه مولاها، وقال له: اني قد وهبت لك ~~فلانة. وسأله عن خبرهما. # فقال له: ما كان بيننا يعلم الله. ألا ما قال الشاعر: # لا والذي تسجد الجبال له ... مالي بما تحت ثوبها خبر # ولا بفيها ولا هممت بها ... ما كان إلا الحديث والنظر # قال: وأحب رجل امرأة، فأفرط في حبها، فلقيها في بعض الأيام. فأعلمها ~~يذلك، فأخبرته أنها تجد به # أكثر مما يجد بها. ثم التقيا بعد مدة، فلم يكن بينهما الا ما أحل الله. ~~ثم بقيا على تلك الحال مدة طويلة، # الى أن ماتت المرأة من شدة حب ذلك الفتى. فكان يجيئ إلى قبرها ويصلي ~~عليه. فجاء ذات يوم، # وصلى وقعد متفكرا، فغلبته عيناه وهو قاعد عند القبر، فرآها في منامه. ~~فقال لها؛ كيف أنت؟ وما # لقيت بعد الموت. فقالت: لقيت خيرا وأنشأت تقول: # نعم المحبة يا حبي ونعم هوى ... حب يقود إلى خير وإحسان PageV02P822 ~~فقال: علي ذلك إلى ما صرت إليه. فقالت: # إلى نعيم وخير لا زوال له ... في جنة الخلد ملك ليس بالفاني # ثم قال لها أذكريني فإني لست أنساك. ثم قالت: لا والله ms362 ما أنساك، ولقد ~~سألت الله تعالى قربك، # فأعني على ذلك بالإجتهاد ثم ولت عنه. فقال لها: متى أراك؟ فقالت له سآتيك ~~عن قريب إن شاء الله. # فلم يعش الفتى بعد ذلك إلا سبعة أيام ومات يرحمه الله. # قال: ورأيت في كتاب (الأغاني) عن ابراهيم بن عثمان العذري، قال: رأيت عمر ~~بن ميسرة، وهو # كهيئة الخيال لا يكلم أحدا. وكان أهله يرون أنه عاشق، فيسألونه عن علته، ~~فيبكي ويقول: # يسائلني ذو اللب عن أصل علتي ... وما أنا بالمبدي إلى الناس علتي # سأكتمها صبرا على حر جمرها ... وأسترها إذ كان في الستر راحتي # إذا كنت قد أبصرت موضع علتي ... وكان هوانيفي مواضع لذتي # صبرت على ما بي احتسابا ورغبة ... ولم أك أحدوثات أهلي وخلتي # قال: فما ظهر فحوى أمره، ولا علم أحد بقصته حتى حضره الموت. فقال: إن ~~التي كان بي من # أجلها هذا الألم، هي فلانة ابنة عمي. والله ما حجبني عنها PageV02P823 ~~وألزمني الصبر على الضر إلا خوف الله تعالى. فمن ابتلى في هذه الدنيا بما ~~ابتليت به، فلا يكن أحد أوثق عنده بسره من نفسه. ولولا أن الموت نزل بي هذه ~~الساعة، ما أعلمكم بقصتي، فاقرؤوها منى السلام. ومات في الحين رحمه الله. # قوله: # سأكتمها صبرا على حر جمرها # كتم الشيء؛ إخفاؤه مع الداعي إلى اظهاره. ولا يقال لمن أخفى أمرا لا يدعو ~~إليه داع: كاتم. ونظير # الكتمان؛ الإخفاء والإسرار. # يقال: كتم زيد الأمر يكتمه كتما، واستكتمه استكتاما، وكاتمه مكاتمة، ~~وتكاتم القوم تكتما. # وقال صاحب العين: الكتمان: نقيض إعلان السر. # ورجل مكتام السر؛ إذا كان معروفا بذلك. وناقة كتوم؛ وهي التي لا ترغو إذا ~~ركبها صاحبها: أي لا # تصيح. والجميع الكواتم. وإنما تفعل ذلك لصبرها على السير، وإنها لا تضجر ~~منه، ولا تسيمه. وقال # الشاعر: # ولم تبق إلا كل ادماء حرة ... كواتم لم تضجر ولم تتبلد # والكاتم من القسي: التي لا ترن. والكاتم أيضا: الخارز. # قال الشاعر: # فسالت دموع العين ثم تحدرت ... فلله دمع ساكت ونموم PageV02P824 ~~فما شبهت الا مزادة ms363 كاتم ... وهت أو وهى من بينهن كتوم # فكاتم بمعنى خارز، وكتوم بمعنى خروز. # وتقول: أكتمت الرجل؛ إذا وجدته كاتما لسرك. كما تقول: أحمدته. وقال ~~الشاعر: # لأ كتمت عبد الله والله عالم ... بمستودعات ما لهن كتوم # فمعنى أكتمته: وجدته كاتما. ومستودعات يعنى: كلمات مستودعات. وقال ~~الشاعر: # لئن كتمت أسماء فينا صنيعة ... فقد تكتم الأرضون والزرع فاسد # والكثمان يحسن على أحوال، ويقبح علي أحوال أخر. فكتمان السر الذي تضر ~~إذاعته ضررا لا # يستحق بجرم، ولا يقصد به نفع واجب حسن. وكتمان السر الذي تعتدل فيه ~~الأمور، يحسن فعله # وتركه. # وكتمان العلم والشهادة قبيح في الجملة. # وفي الحديث عن عبد الرحمان الحبلي عن عبد الله بن عمر بن العاصي ان رسول ~~الله صلى الله # عليه وسلم قال: "من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" PageV02P825 # وفي الحديث أيضا عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي ~~الله عليه # وسلم "من سئل عن علم يعلمه فكتم الجم بلجام من نار". # وقيل: من ورع العالم أن يتكلم، ومن ورع الجاهل أن يسكت. # وعن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم. وتلا قول الله ~~تبارك وتعالى (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما ~~بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون). وهذا # تغليظ للحال في كتمان علوم الدين. # وذكر أبو الحسن الرماني في قوله تبارك وتعالى (ويلعنهم اللاعنون) أربعة أقوال: # أولها: أن اللاعنين هم الملائكة والمومنون. # وعزا هذا القول إلى قتادة والربيع وغيرهما. قال: وهو الاختيار لقوله ~~تعالى في وعيد الكفار (أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) # فلعنة الله الكاتمين كلعنة الكافرين. # القول الثاني: قيل اللاعنون دواب الأرض وهوامها يقول: منعنا المطربمعاصي ~~بني آدم. قال: وهو # قول مجاهد وعكرمة. والقائل أن يقول، كيف جاز أن يقال للبهائم وهوام الأرض ~~اللاعنون. وجوابة # أنه لما أضيف إليها PageV02P826 ~~فعل من يعقل، عوملت معاملة من يعقل. كما قال (أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ms364 ~~رأيتهم لي ساجدين). # القول الثالث: اللاعنون كل شيء، سوى الثقلين والإنس والجن. كذا روى عن ~~ابن عباس فيما حكاه # الفراء. # القول الرابع: قال ابن مسعود إذا تلاعن المتلاعنان، ويروى الرجلان، رجعت ~~اللعنه على المستحق # لها، فان لم يستحقها أحد منهما، رجعت عى اليهود الذين كتموا ما أنزل الله. # والمعنى بقوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا). # الآية. في قول أكثر أهل العلم: أهل الكتاب؛ من اليهود والنصارى. قاله ابن ~~عباس ومجاهد والربيع # والحسن وقتادة والسدي، وجماعة سواهم. وقيل يعني بها كل من كتم ما أنزل ~~الله. وكل من كتم شيئا # من علوم الدين. فالوعيد لازم له، لأنه قد فعل مثل فعل أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى. # روى عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار، سألوا نفرا من اليهود عما في ~~التوراة، فكتموهم اياه، # فكان ذلك من فعلهم سبب نزول الآية. وقيل: نزل هذا الوعيد فيهم. إذ معلوم ~~من حالهم الكتمان. # والكتاب المذكور في الآية. قيل: PageV02P827 # هو التوراة والانجيل. وقيل: كل كتاب أنزله الله. وأصل اللعن الابعاد على ~~جهة الطرد. # قال الله سبحانه (وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله) أي أبعده الله. ~~فإذا أخبر الله تعالى أنه لعن عبدا فمعناه الاخبار، فإنه أبعده من # رحمته. إذا قيل: لعنه الله، فمعناه الدعاء، كأنه قيل: أبعده الله. ولا ~~يجوز لعن من لا يستحق العقوبة. # إذ اللعن في الحكم؛ الإبعاد من رحمة الله بإيجاب العقوبة. فدبره. # قال الشماخ: # دعوت له القطا ونفيت عنه ... مقام الذيب كالرجل اللعين # أراد مقام الذئب اللعين. # والكتمان؛ اختيار من الكاتم وقصد، وليس كالنسيان؛ لأن النسيان اضطرار. ~~وتعلم العلم واجب ثم # العمل به، وهذه الآية التي استقصيت الكلام عليها، مضمنة الزجر عن كتمان ~~علم الدين، والحض # عليه والترغيب فيه، وألزم شيء للعالم، بيان ما يعلمه، وافشاؤه وذكره عند ~~من لم يوته الله منه شيئا # امتثالا لقوله تعالى (لتبيننه للناس ولا تكتمونه) الآية. # ولقول الرسول عليه السلام لأبي هريرة: "يا أبا هريرة علم الناس القرآن ~~وتعلمه فإنك إن مت وأنت ms365 # كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق، PageV02P828 ~~وعلم الناس سنتي وان كرهوا الحديث بطوله". # ومن أحسن ما يذكر هنا وألقيه بما ذكرته، حكاية الحسن بن أبي الحسن البصري ~~مع الحجاج بن # يوسف. # حكى عبد الملك بن قريب الأصمعي في أخباره عن أبي نعامة، قال: كنا جلوسا ~~ذات يوم عند الحسن # في المسجد الجامع؛ فإذا الحجاج بن يوسف قد أقبل على برذون أبيض، وحوله ~~شرطه يسعون، حتى # انتهى الى الحلقة، فسلم ثم نزل فجلس بيني وبين الحسن. # قال أبو نعامة: وكان الحسن يحدث حديثا فمضى في حديثه، ولم يقطعه من أجل ~~الحجاج حتى فرغ # منه. ثم أقبل على الحجاج يسائله، فقال الحجاج: أيها الناس. ان هذا الشيخ ~~مبارك معظم لأمر الله جل # وعز، عالم بحق أهل القبلة، ناصح لأهل هذي الملة، صاحب استقامة، ونصيحة ~~للعامة. فعليكم بهذا # الشيخ. فألزموه واحضروا مجلسه. فان مجلسه مجلس يعرف فضله، وترتجى عاقبته. ~~فلولا الذي # لزمنا من هذه البلية، وحق الرعية، لأ حببت مشاهدتكم، وحضور شيخكم. ثم نهض ~~فانصرف؛ فما # لبثنا أن جاءت من عنده سفرة عليها أطعمة من كل ضرب. وجاءت أشربة وتحف ~~فوضعت بيننا. # فأكل من أكل، ثم رفع ذلك. وقام شيخ كبير، فاستقبل الحسن بوجهه، فسلم ثم ~~قال: يا أبا سعيد؛ شيخ # كبير من أهل، الديوان، وعطائى حقير زهيد. وانه لما خرج عطائي كلفت فيه ~~فرسا وسلاحا. وما فيه # يحتمل ذلك، ولا فيه فضل من عيالي. وان علي لدينا ما أصل إلى الخروج منه. ثم بكى PageV02P829 ~~بكاء شديدا. فرفع الحسن رأسه، فبكى أشد من بكائه، ثم قال: ان سلطاننا هذا ~~أخفر ذمة الله، وتحول عباد الله، # وقتلهم علي الدينار والدرهم، وقطعهم عضوا عضوا. أخذه من كل خبيث، وأنفقه ~~في كل سرف # مضغة قليلة، وندامة طويلة. أما إذا خرج عدو الله، فصاحب مراكب رفافه؛ ~~وسرادقات هفافه؛ وإذا # خرج أخوه المسلم فطاويا، راجلا مهموما، مالهم أراحنا الله منهم. # قال: فسعي هذا إلى الحجاج ووالله ما برحنا، حتى جاء حرسيان، في أعناقهما ~~سيفان. فقالا للحسن: ms366 # أجب الأمير. قال أبو نعامة: فخفنا والله. وكانت مخوفة. فانطلقت معه أنا ~~وثابت حتى دخلنا على # الحجاج، وهو قاعد على سريره، وبيده قضيب يضرب به. والغضب ظاهر في وجهه، ~~فانتهى إليه # الحسن، فسلم ووقف بين يديه. فقال له الحجاج: يا حسن. أنت صاحب الكلمات ~~قبيل. قال: نعم، # أصلح الله الأمير. قال: فنكس الحجاج رأسه، وأطرق طويلا، ثم رفع رأسه، ~~فقال: أعدهن يا علي. # فاعادهن كلهن، ما أسقط منهن واحدة. فأطرق الحجاج أيضا طويلا، ثم رفع ~~رأسه، فقال: وما دعاك # إلى هذا. قال: ما أخذ الله تبارك وتعالى علينا في كتابه، في قوله (وإذ ~~أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) قال: وكان ~~الحسن يفسرها: # لتتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل فأطرق أيضا طويلا، ثم رفع رأسه فقال: اذهب ~~أيها الرجل، فتكلم # بما بدا لك، فانما أنت والد في أنفسنا، غير ظنين عندنا ولا متهم؛ بل ناصح ~~لخاصتنا وعامتنا، فليس # مثلك يؤاخذ بقول ما كان؛ لأنك ما تريد إلا خيرا. # قال: فانصرف الحسن - رحمه الله - الى مجلسه. تمت الحكاية. # فهكذا يجب للعالم أن يكون حاله، وتصدق أقواله وأعماله. PageV02P830 # قال: وذكر المدائني أن رجلا أحب جارية، فطلب منها قبلة، فأبت عليه، ~~فأنشدها: # سألت عطا المكي هل في تعانق ... وقبلة مشتاق الفؤاد جناح # فقال: معاذ الله أن يذهب التقى ... لتخليص أكباد بهن جراح # فقالت الجارية: أنت سمعت عطاء. يقول هذا. وسألته عنه فاجابك بهذا. فقال: ~~نعم، فأباحت له ما # طلب. وقالت له: اياك أن تتعدى ما أمرك به عطاء. # قوله: (معاذ الله)؛ أي أعوذ به معاذا. والمعاذ: الملجأ؛ لأن معنى: أعوذ ~~بالله: ألجأ إلى الله، وأستعينه # وأستجير به. ومعاذ الله منصوب على المصدر، كأنه وضع موضع عوذا وعياذا ~~وعطاء المكي، هو # عطاء بن أبي رباح يكنى أبا محمد، وكان أسود أعور أفطس، أشل أعرج، ثم عمى ~~يعد ذلك. وكان # أبوه أسود، وأمه سوداء. اسمها بركة. واسم أبي رباح أسلم مولى آل ابن خثيم ~~القرشي الفهري. قاله # البخاري وكان عطاء فصيح اللسان إذا ms367 تكلم، يستمع له ويقبل قوله. # وقال اسماعيل بن مسلم: كان عطاء يطيل الصمت؛ فإذا تكلم يخيل الينا أنه ~~يؤيد. وكان من القراء. # سمع ابن عباس، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وابن عمر وجابر بن عبد الله. وروى ~~عنه عمرو بن دينار، # وقيس بن PageV02P831 ~~سعد، وحبيب بن ثابث ومالك بن أنس. # وتوفي سنة خمس عشرة ومائة وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقال يحيى بن معين ~~حج سبعين حجة # وتوفي وله مائة سنة. # فأما عطاء بن يسار مولى ميمونة بنت الحارث، زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فمدني ويكنى أبا # محمد أيضا. وقيل أبا عبد الله، وأخوه سليمان بن يسار، وموسى، وعبد الملك، ~~وعبيد الله أيضا # اخوته. وكلهم من أهل الفقه والحديث. أدرك زمان عثمان، وهو صغير. وكان ~~صاحب قصص، # ولأبيه يسار عن رسول الله صلي الله عليه وسلم رواية، وكان عطاء من القراء ~~أيضا. وسمع من أبي # هريرة وابن عمر وقد جاءت عنه روايات عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء. ~~قال محمد بن يحي # بن الحذاء، في كتاب PageV02P832 ~~"التعريف": ولا يعرف له، يعنى عطاء، ادراكهما. وتوفي عبادة سنة أربع # وثلاثين بالرملة من الشام، وهو ابن ثنتين وسبعين سنة. روى عن هشام بن ~~عروة، أنه قال: ما رأيت # قاضيا خيرا من عطاء بن يسار. وقال مالك رحمه الله؛ بلغني أن عطاء كان ~~يلبس ثوبين مصبوغين # بالزعفران. وروى عنه زيد بن أسلم، وعمرو بن دينار وتوفي سنة اثنتين ~~ومائة. وقيل سنة ثلاث. # وقيل توفي سنة أربع وتسعين. # قال محمد بن يحيى: وهذا أقرب للصواب. # وأما عطاء بن السائب بن زيد الثقفي فكوفي، يكنى أبا زيد. أدرك على بن أبي ~~طالب رضي الله # عنه، وروى عنه شعبة بن الحجاج، وأبو بكر بن عياش، وحفص بن سليمان. حدث ~~أبو بكر بن # عياش عنه، قال: مشيت أنا وأبي مع علي بن أبي طالب. فقال علي لأبي: من ~~هذا؟ فقال: ابني. # فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة. فما زلت أتعرف الخير. # وكان من القراء أيضا. أخذ القراءة عن أبي ms368 عبد الرحمان السلمي. # وحدث قاسم بن أصبغ PageV02P833 ~~البياني، عن أحمد بن زهير، عن أبيه عن جرير، عن واصل بن سليم. قال: # صحبت عطاء بن السائب في طريق مكة. فكان يقرأ القرآن في ليلتين. وتوفي ~~رحمه الله سنة ست # وثلاثين ومائة. # وأما عطاء بن يزيد الليثي، فمدني ويكنى أبا محمد أيضا. وقيل أبا يزيد سمع ~~أبا أيوب، وتميما # الداري، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة. ولم يذكره أبو عمرو في طبقات ~~القراء. # وسمع منه الزهري، وروى مالك عن ابن شهاب، عن عطاء، عن عطاء بن يزيد ~~الليثي، عن أبي # أيوب الأنصاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لمسلم أن ~~يهجر أخاه فوق ثلاث" # فذكر الحديث. # وروى مالك أيضا عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري ~~أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم. قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن". PageV02P834 # وتوفي سنة سبع ومائة وهو ابن ثنتين وثمانين سنة وأما عطاء بن عبد الله ~~الخرساني، ويقال عطاء # بن ميسرة. قاله أبو بكر البزاز وغيره، فهو مولى آل المهلب بن أبي صفرة. ~~ويقال مولى المطلب. # ويكنى أبا عثمان وقيل أبا الوليد وقيل أبا أيوب. # ولد سنة خمسين وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة. وقيل سنة ثلاث وثلاثين ~~ومائة. ودفن ببيت # (المقدس). وقال يحيى بن معين: قد روى مالك عن عطاء الخرساني، وعطاء ثقة، ~~قد رأى ابن عمر # وسمع منه. # وقال عمرو بن علي الفلاس: عطاء ليس به بأس. روى عنه مالك وغيره. # وكان عطاء كثير الجهاد إلى بلاد الروم، وكان يقوم من الليل في بلاد ~~الروم، فينادي في خبائه: يا # يزيد بن يزيد، ويا عبد الرحمان بن يزيد، ويا هشام بن الغاز. ويا فلان ويا ~~فلان، يعنى من كان حوله # ومعه. قوموا. فإن قيام الليل، وصيام النهار، أيسر من مقطعات الحديد، ~~وشراب الصديد، النجا النجا. PageV02P835 # قال أبو اسحاق: # قد جئت بهذه الأسماء وبعض أخبارها، وإن لم تكن شرط كتابي تشريفا وتتميما ~~لفوائده؛ واستعذابا # لمصادره ms369 وموارده. # وأرجع إلى اكمال باب الحب، والنهي عن ارتكاب الذنب، واجتناب ما فيه سخط الرب. # سئل أبو هريرة عن تأويل قول الله تبارك وتعالى (الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش إلا اللمم). فقال: (النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة). # وعن ابن عباس؛ ان اللمم كل ما دون الزناء، وعنه أيضا أنه قال: والرجل يلم ~~بذنب ثم يتوب. # وقال: ألم تسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: # إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك لا ألما PageV02P836 ~~والشعر لأبي خراش الهذلي ومعنى ألما: أي لم يلم بذنب. والعرب تدخل (لا) على ~~الفعل الماضي، # وتقرنها به، فتنوب مناب (لم) إذا قرنت بالفعل المستقبل. # قال الله تبارك وتعالى (فلا صدق ولا صلى) أي؛ لم يصدق، ولم يصل. يريد فلا ~~صدق بربه ولا صلى له. وقال تعالى # (فلا اقتحم العقبة) أي؛ لم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. قاله ابن زيد ~~وعن ابن عباس العقبة: جبل في جهنم وقيل: # هو تمثيل معناه: لم يفعل ما أمر به والاقتحام في اللغة: الدخول على شدة وضغط. # وقال ذو الأصبع العدواني يخاطب ابن عم له: # لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني # أي لم تفضل علي. (فلا) في هذه المواضع كلها بمعنى (لم)؛ لأن (لم) نفي ~~للفعل الماضي. وهو من # عوامل الجزم. والجازم لا يدخل على الفعل الماضي لأنه مبني. # رجع # وعن مجاهد والحسن أنهما قالا في معني الآية (إلا اللمم). قالا: هو الذي ~~يأتي الذنب ثم لا يعود. PageV02P837 # وعن أبي صالح: اللمم: الزنية ثم يثوب. # وقال بعض أهل العلم: اللمم صغار الذنوب # وقال نفطويه: اللمم: أن يأتي ذنبا لم بكن له بعادة. # وفي الحديث عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عائشة: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قال # لها: "يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله فإن العبد إذا ألم بذنب ~~ثم تاب واستغفر الله غفر # له". # وعن ابن عباس وسئل عن الآية (إلا اللمم) فقال ألستم أعرابا. أما سمعتم قوله: ms370 # ومن زيارته لمام # قال سفيان: يريد قول الشاعر: # بأهلي من تبغضه عزيز ... علي ومن زيارته لمام # ويروى تحببه. # ومن أمسي وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام # أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامة سقي البشام # قال: ومثله الإلمام واللمة. # حكى أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: يقال: ألممت به إلماما. ~~وماأتيته إلا لماما. وقال # الشاعر: PageV02P838 # لئن آثرت بالحب أهل بلادها ... على نازح من أرضها لا ألومها # وهل يستوي من لا يرى غير لمة ... ومن هو ثاو عند ليلى مقيمها # والعرب تقول: ما تأتينا إلا لما ما وإلماما؛ أي في الحين بعد الحين. وقال ~~الشاعر: # رياشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما # وقال جرير: # كلا يومي أمامة يوم صد ... وإن لم تأتنا إلا لماما # وعن الحميدي عن سفيان عن أبي حسين: اللمام: الفينة بعد الفينة. # قال صاحب العين: الفينة بعد الفينة. يريد الحين بعد الحين. قال: ولا يكون ~~اللمم أن يهم ولا يفعل؛ # لأن العرب لا تقول: ألم؛ إلا إذا فعل الإتيان؛ لا أنه هم به ولم يفعله. # قال: واللمم في الاستثناء صحيح، لأن الإلمام بالفاحشة فاحشة. فاللمم من ~~جنس الفواحش، وهو # مستثنى من جملة الكبائر، وسائر الفواحش. وهو فاحشة مغفورة إذا لم يصر ~~عليها فاعلها بدليل قوله: # (إن ربك واسع المغفرة). والمغفرة لا تكون إلا عن ذنب. PageV02P839 # رجع # ولله در القائل: # فيا نفس ما لقيت من لاعج الهوى ... ويا قلب ما جرت عليك النواظر # ويا عيني مالي ومالك كلما ... هممت بوصل قام لي منك زاجر # وان الحجا والصون والحلم والتقى ... لدي لربات الخدور ضرائر # أقول وقد نم الحلي بحرسه ... علينا ولا حت للصباح تباشير # أيا رب حتى الحلي مما أخافه ... وحتى بياض الصبح مما أحاذر # وبتنا وبات الناس ساءت ... ظنونهم وثوبي، مما حرم الله، طاهر # قوله: (لربات الخدور ضرائر). الضرائر: جمع ضرة. ومنه قول امرئ القيس: # عنيف بتجميع الضرائر فاحش # وضرة الإبهام: لحمة تحتها، ومثلها ضرة الضرع. والضراء من الضر. وقوم ~~أضراء. والضرار # مصدر ضارة. وفي الحديث ms371 (لا ضرر ولا ضرار). ومنه: الضرار: أي الضر. وإذا ~~أضر بالرجل # المرض قلت: رجل ضرير، وامرأة ضريرة. والضرير: الرجل الذاهب البصر. # والضرورة: اسم لمصدر الاضطرار. # وقال صاحب العين: الضر والضر لغتان. يعني بفتح الضاء وضمها. فإذا PageV02P840 ~~جمعت بين الضر والنفع: فتحت الضاد. قال الله تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعا ~~ولا ضرا). # وقال ابن دريد الضر: الهزال بعينه. # وضريرا الوادي: جانباه وكل شيء دنا منك فزاحمك فقد أضر بك. قال الشاعر: # لأم الأرض ويل ما أجنت ... بحيث أضر بالحسن السبيل # ونظير الضر: الأذى والألم. وأصل الباب: الانتقاض؛ لأن الضرر انتقاض الحق. ~~والضرير البصر # منتقض النور. والضرتان المرأتان للرجل؛ سميتا بذلك: انتقاض كل واحدة ~~منهما ما كان لضرتها. # لأن ما كان للواحدة صار مقتسما بين الاثنتين. # وقوله: # أيارب حتى الحلي مما أخافه # البيت. # أخذه ابن الزقاق، فقال من أبيات له: # وقد غنى الحلي على طلاها ... بوسواس فجاوبه الوشاح PageV02P841 ~~تحاذر من عمود الصبح نورا ... مخافة أن يلم بنا افتضاح # وفي هذا المعنى من العفاف، يقول بعض أهل العصر من قصيدة له: # كم ليلة بتنا ونحن بمعزل ... عن كل واش في الهوى يلحاني # والليل قد أرخى السدول وجنحه ... مذ كان مشتمل على الكتمان # وكواكب الآفاق تسري وقدا ... والراح تطلع أنجما ببناني # ومنادمي عذب المراشف أحور ... بالأنس منه وبالوصال حباني # لما رأى ظمئي لخمرة ثغره ... مزج الكؤوس بريقه وسقاني # وسقيته حتى تمايل عطفه ... والقد لينا مثل خوط البان # وتحيرت أجفانه وتمكنت ... سنة الكرى من طرفه الوسنان # وسدته عضدي وبات معانقي ... وبردت حر الوجد بالرشفان # ورغبت عن فعل اللئام وعفتي ... تنهى عن الآثام والعصيان # ما نلت إلا ما أباح لي التقى ... لو حلت الصهباء للإنسان # في أبيات غير هذه. # وفيما أثبت من الحكايات والأخبار، ورقائق هذه الأشعار، ما فيه المقنع ~~والكفاية. ولا يتسع هذا # الديوان لاستقصاء الغاية. ويجب على كل من ابتلى بالهوى أن يكتم هواه، ولا ~~يبوح به إلي سواه، # وأن يحذر نفسه عواقب ربه، ويشغل بخشيته تعالى شعاب قلبه. ومن ظفر بمن ~~يهوى ms372 فليعف، # ويتجنب مالا يحل ويكف، ويعلم ان التقى حبل الله؛ فمن تمسك به عصمه، ومن ~~رغب عنه كبته # وقصمه. والرفيع من رفع نفسه عن الدنيات، والوضيع من مال مع النفس PageV02P842 ~~الأمارة بالسوء الى الشهوات. # نسأل الله ربنا أن يعصمنا من الهوى، وأن يحفظنا من المكاره، ويجنبنا ~~البدع والأهواء، ويسلك بنا # المحجة البيضاء، ويمن علينا بهداه، ويوفقنا الى ما يحبه ويرضاه، ويعمر ~~قلوبنا بمحبته، ويدخلنا في # رحمته، ويختم لنا بجنته، بطوله وعزته. # كمل السفر الأول من النسخة الكبرى من كتاب "كنز الكتاب ومنتخب الآداب" ~~بحمد الله وعونه # والصلاة على سيدنا ومولانا محمد نبيه المصطفى وعلي آله وصحبه وسلم ~~تسليما. # وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر المحرم مفتتح عام ثلاثة وتسعين ~~وتسعمائة عرف الله # بركته وخيره. PageV02P843 ms373