######OpenITI# #META# book_id: 2488 #META# epub_url: https://www.masaha.org/pages/download.php?flink=../upload_book/dl_file/2753.epub&bid=2488 #META# title: مطالب السؤول في مناقب آل الرسول‏ #META# المؤلف: محمد بن طلحة الشافعي‏ #META# المواضيع: أهل البيت #META# عدد الصفحات: 321 #META#Header#End# ### ||| حياة المؤلف # هو كمال الدين، أبو سالم محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن القرشي العدوي ~~النصيبي الشافعي، مفتي دمشق وخطيبها (582- 652/ 1186- 1254 م). # كان من الصدور الأكابر، والرؤساء المعظمين، ذا حشمة وجاه، إماما في ~~الفقه، مفتيا بارعا في الحديث، والأصول، والخلاف، مقدما في القضاء ~~والخطابة، متضلعا في الأدب والكتابة، معروفا بالزهد في الدنيا والإعراض ~~عنها، مع انهماك في العلوم الغريبة وعلم الجفر، ولذا وصف في (كشف الظنون، ~~ص: 734) وفي (هدية العارفين، (ج: 1، ص: 125) بالجفار، ولقبه بروكلمن ~~بالراجي، ومنه تسرب إلى فهرس مكتبة كوبريلي (ج: 1، ص: 460). # قال الصفدي في (الوافي بالوافيات، (ج: 3، ص: 176): (ولد بالعمرية من قرى ~~نصيبين (1)، وبرع في المذهب، وسمع بنيسابور من المؤيد الطوسي، وزينب ~~الشعرية، وحدث بحلب ودمشق، وكان صدرا معظما محتشما، وترسل عن الملوك ..). PageV01P005 # وترجم له معاصره أبو شامة المتوفى (665 ه)، في (ذيل الروضتين، ص: 188) في ~~وفيات (سنة 652 ه) وقال: (وكان فاضلا علما، تولى القضاء ببلاد بصرى، ~~والخطابة بدمشق، ثم طلب لمنصب الوزارة، فأيقظه الله (تعالى)، وزهد في ~~رياسات الدنيا وتزهد وانقطع، وحج في هذه السنة (652 ه)، ولما رجع من الحج ~~أقام بدمشق قليلا، وسمع عليه فيها رسالة القشيري، ثم سافر إلى حلب، فتوفى ~~بها في السابع والعشرين من رجب). # لله درك يا بن طلحة من فتى %~% ترك الوزارة عامدا فتسلطنا # لا تعجبوا من زهده في درهم %~% من فضة فلقد أصاب المعدنا # وقال عنه معاصر آخر له- وهو بهاء الدين الأربلي المتوفى (سنة 692 ه) في ~~كتابه (كشف الغمة، ج: 1، ص: 53) (1): (وقيل في العترة زيادة على ما ذكرنا، ~~ما نقلته من مطالب السئول في مناقب آل الرسول، تصنيف الشيخ العالم كمال ~~الدين محمد بن طلحة، وكان شيخا مشهورا وفاضلا مذكورا. أظنه مات في سنة أربع ~~وخمسين وستمائة، وحاله في ترفعه وزهده، وتركه وزارة الشام، وانقطاعه ورفضه ~~الدنيا حال معلومة قرب العهد بها، وفي انقطاعه عمل هذا الكتاب، وكتاب ~~الدائرة، وكان شافعي المذهب من أعيانهم ورؤساهم). # وترجم له الذهبي في (سير أعلام النبلاء، ج: 23، ص: 293)، ووصفه ms001 بالعلامة ~~الأوحد وقال: (برع في المذهب وأصوله وشارك في فنونه، ولكنه دخل في هذيان ~~علم الحروف! وتزهد، وقد ترسل عن الملوك وولي وزارة دمشق يومين وتركها، وكان ~~ذا جلالة وحشمة .. قال التاج ابن عساكر: وفي (سنة 648) خرج ابن طلحة من ~~جميع ما له من موجود ومماليك ودواب وملبوس، ولبس ثوبا قطنيا وتخفيفة، وكان ~~يسكن الأمينية فخرج واختفى، وسببه أن الناصر كتب تقليده بالوزارة، فكتب هو ~~إلى السلطان يعتذر ...). PageV01P006 # وترجم له في (العبر) أيضا (ج: 5، ص: 213)، وقال: (وكان رئيسا محتشما، ~~وبارعا في الفقه والخلاف، ولي الوزارة ثم زهد وجمع نفسه ..). # وترجم له السبكي في (طبقات الشافعية، ج: 8، ص: 63)، وقال: (تفقه، وبرع في ~~المذهب، وسمع الحديث بنيسابور ... وكان من صدور الناس، ولي الوزارة بدمشق ~~يومين وتركها، وخرج عما يملكه من ملبوس ومملوك وغيره وتزهد ...). # وترجم له ابن كثير في (البداية والنهاية، ج: 13، ص: 186)، في وفيات (سنة ~~652 ه)، قائلا: (الشيخ كمال الدين بن طلحة الذي ولي الخطابة بدمشق بعد ~~الدولعي ثم عزل وصار إلى الجزيرة، فولي قضاء نصيبين، ثم سار إلى حلب، فتوفى بها). # في هذه السنة قال أبو شامة: وكان فاضلا عالما طلب أن يلي الوزارة فامتنع ~~من ذلك، وكان هذا من التأييد، ((رحمه الله تعالى)). # وترجم له ابن قاضي شهبه في (طبقات الشافعية، ج: 2، ص: 153) وقال: (تفقه ~~وشارك في العلوم، وكان فقيها بارعا، عارفا بالمذهب والأصول والخلاف، ترسل ~~عن الملوك وساد، وتقدم وسمع الحديث وحدث ببلاد كثيرة ... قال السيد عز ~~الدين: أفتى وصنف، وكان أحد العلماء المشهورين، والرؤساء المذكورين، وتقدم ~~عند الملوك وترسل عنهم، ثم تزهد في آخر عمره، وترك التقدم في الدنيا، وحج ~~وأقبل على ما يعينه، ومضى على سداد وأمر جميل، توفى بحلب (سنة 652 ه) ودفن ~~بالمقام). # وترجم له الأسنوي في (طبقات الشافعية، ج: 2، ص: 503) وقال: (كان إماما ~~بارعا في الفقه والخلاف، عالما بالأصلين رئيسا كبيرا معظما. # ترسل عن الملوك، وأقام بدمشق بالمدرسة الأمينية، وعينه الملك PageV01P007 # الناصر صاحب دمشق للوزارة، فتنصل منه واعتذر، فلم يقبل منه، فباشرها ms002 ~~يومين ...). # وقال اليافعي في (مرآة الجنان) في وفيات (سنة 652 ه): (وفيها توفي الكمال ~~محمد بن طلحة النصيبي، المفتي الشافعي، وكان رئيسا محتشما، بارعا في الفقه ~~والخلاف ...). # ثم حكى عن ابن الأصمع قال: طلعت جبل لبنان، فوجدت فقيرا فقال: رأيت ~~البارحة في المنام قائلا يقول: # لله درك يا بن طلحة ماجدا %~% ترك الوزارة عامدا فتسلطنا # لا تعجبوا من زاهد في زهده %~% في درهم لما أصاب المعدنا # قال: فلما أصبحت، ذهبت إلى الشيخ ابن طلحة، فوجدت السلطان الملك الأشرف ~~على بابه وهو يطلب الإذن عليه! فقعدت حتى خرج السلطان، فدخلت عليه فعرفته ~~بما قال الفقير، فقال: إن صدقت رؤياه فأنا أموت إلى أحد عشر يوما. وكان ~~ذلك!!). # وترجم له ابن الفوطي في (تلخيص مجمع الآداب) في المجلد الخامس منه (ص: ~~255) برقم (515) بلقبه كمال الدين، ووصفه بالوزير القاضى الخطيب، المنشئ ~~وقال: (كان عارفا بفنون كثيرة من المذهب، والأصول، والفرائض، والخلاف، ~~والتفسير، والنحو، واللغة، والترسل ونظم الشعر، ذكره ابن الشعار في كتابه، ~~وذكر أنه سافر إلى خراسان وسمع رضي الدين المؤيد بن علي الطوسي، واتصل ~~بالملك الأشرف (موسى بن يوسف آخر الأيوبيين بمصر والشام (648- 659)، ~~المتوفى سنة (617 ه) وفوض إليه أموره، وأنفذه رسولا إلى الملوك، وتوجه إلى ~~حلب (سنة 642 ه)، وخاطبه بالوزارة (سنة 648 ه)، وله تصانيف، وهو صاحب ~~الدائرة التي ذكر فيها مدة العالم، ثم تزهد وخرج من جميع ما كان فيه من ~~الوزارة، وتوفي في رجب سنة اثنين وخمسين وستمائة هجرية، ودفن بمقام إبراهيم ~~الخليل (عليه السلام). PageV01P008 # وترجم له ابن العماد في (شذرات الذهب، ج: 5، ص: 259) وقال: (المفتي ~~الرحال، مصنف كتاب العقد الفريد، وأحد الصدور والرؤساء المعظمين .. وتفقه ~~فبرع في الفقه، والأصول، والخلاف، وترسل عن الملوك، وساد، وتقدم وحدث ببلاد ~~كثيرة ..). # وترجمت له بقية المصادر بنحو مما تقدم، وقد أصفقت على الثناء عليه ~~وتبجيله وإطرائه، فلا نطيل ولا نكرر. ### ||| مشايخه: # 1- المؤيد الطوسي: وهو رضي الدين، أبو الحسن المؤيد بن محمد ابن علي ~~الطوسي، محدث نيسابور، بل مسند خراسان المتوفى (سنة ms003 617 ه). # 2- زينب الشعرية: وهي أم المؤيد حرة ناز، زينب بنت عبد الرحمن الشعري، ~~الجرجاني الأصل، النيسابوري، حدثت ستين سنة، وتوفيت (سنة 615 ه). # 3- فتح الدين، أبو الفضائل عبد الخالق بن عبد الحميد الوبري، الخوارزمي. # ترجم له ابن الفوطي في (تلخيص مجمع الآداب، ج: 3، ص: 36) وقال: روى لنا ~~عنه الوزير الكامل كمال الدين، أبو سالم محمد بن طلحة النصيبي. # 4- أبو عبد الله محمد بن الحسن الأخميمي، جاء ذكره في (كشف الظنون، ص: 734). # 5- ابن الأثير الجزري، أبو السعادات المبارك بن محمد الشيباني، المتوفى ~~(سنة 606 ه)، مؤلف: جامع الأصول، والنهاية، وغيرهما. # قرأ عليه كتابه (جامع الأصول) بمدينة الموصل، فقد جاء على الجزء الأول ~~منه مخطوطة مكتبة فيض الله في إسلامبول: PageV01P009 # (قرأ الفقيه الأجل، العالم كمال الدين، أبو سالم محمد بن طلحة بن محمد ~~النصيبي هذا الجزء .. على مصنفه العبد الفقير .. وذلك بالرباط الذي أنشأه ~~المصنف بالموصل، وانتهت القراءة في سابع شهر رمضان الواقع في (سنة 605 ه) (1)). ### ||| تلامذته: # قال الأسنوي: سمع وحدث، وقال ابن قاضى شهبة: سمع الحديث وحدث ببلاد ~~كثيرة، وقال ابن العماد: وحدث ببلاد كثيرة، ويلزم من ذلك أن يكون له تلامذة ~~في شتى البلاد، وأنه سمع عليه ناس كثير في مختلف المدن أينما حل وارتحل، ~~ولكنا لم نعثر منهم إلا على ابن الفوطي، والذين ذكرهم الذهبي في (سير أعلام ~~النبلاء) كنماذج ممن روى عنه، قال: روى عنه الدمياطي، ومجد الدين ابن ~~العديم، وشهاب الدين الكفري، والجمال ابن الجوخي وآخرون. ### ||| مؤلفاته: # 1- إيناس الحكم من أنفاس الحكم: # تفرد بروكلمن بذكر هذا الكتاب ناسبا له إلى ابن طلحة وذكر أن مخطوطة منه ~~في لا ندبرك في بريل برقم (1473) ولم يذكره غيره ممن ترجم لابن طلحة. # 2- تحصيل المرام في تفضيل الصلاة على الصيام: # ذكر في (كشف الظنون، ص: 36) و(هدية العارفين) و(معجم المؤلفين) ومنه ~~مخطوطة في برلين رقم (3569). # 3- الجفر الجامع والنور اللامع: ذكر في (كشف الظنون، ص: 592) و(معجم ~~المؤلفين) يأتي باسم: مفتاح الجفر، وهو PageV01P010 # الذي سماه المؤلف بالدر المنظم كما يأتي جفر علي ms004 بن أبي طالب ((عليه ~~السلام)): # أوله: الحمد لله الذي أطلع من اجتباه من عباده الأبرار .. # نسخه في تبره نجيب باشا بأول المجموعة (469) إلى (93 ب). # 4- دائرة الحروف: ذكره الذهبي في (العبر). # 5- الدر المنظم في السر الأعظم، أو في اسم الله الأعظم. # ذكره ابن العماد في (شذرات الذهب) وجلبي في (كشف الظنون، ص: 734) وقال: ~~واشتهر بجفر ابن طلحة، وذكره في (ج: 2، ص: 1760) باسم مفتاح الجفر الجامع ~~كما يأتي. # أوله: أما بعد، حمدا لله مطلع من يجيبه من عباده الأبرار على خفايا ~~الأسرار، ونسخه شائعه. # منه: مخطوطتان في مكتبة الإمام الرضا ((عليه السلام)) في مشهد، رقم (8327 ~~و10774). # ومنه: مخطوطة من القرن التاسع في مكتبة كويرلي في إسلامبول، رقم (926)، ~~ذكرت في فهرسها (ج: 1، ص: 460). وفي طويقبور منه ثلاث نسخ كما في فهرسها ~~(3، 896- 897). # وفي ولي الدين في مكتبة بايزيد في إسلامبول، رقم (574) من نسخ القرن ~~الثامن، منضمة إلى مطالب السئول، ذكرها الدكتور ششن في نوادر المخطوطات ~~العربية (ج: 2، ص: 353)، ومنه نسخة في المكتبة الظاهرية في دمشق، كما في ~~فهرسها تصوف (ج: 1، ص 520)، وعدة نسخ في دار الكتب بالقاهرة، وذكر بروكلمن ~~عدة نسخ في المكتبات الأوروبية، في برلن، وباريس، وغوطا، وبودليان وغيرها. # 6- زبدة المصنفات في الأسماء والصفات: # ذكر في (هدية العارفين). PageV01P011 # 7- زبدة المقال في فضائل الأصحاب والآل: # هكذا ذكره جلبي في (كشف الظنون، ص: 954) وقال: إنه مختصر مرتب على أربعة ~~أبواب، فيظهر أنه غير كتابه الآخر. # 8- زبدة المقال في فضائل الآل: # الذي ألفه في فضائل الآل فحسب، ورتبه على اثني عشر بابا بعدد أئمة آل ~~البيت ((عليهم السلام))، ثم ضاع منه وفقد، فألف مطالب السئول بدلا عنه. # 9- العقد الفريد للملك السعيد: # ألفه لنجم الدين غازي بن أرتق، قال ابن شاكر في (عيون التواريخ): # جمع فيه كل شيء مليح، وذكر في (كشف الظنون، ج: 2، ص: 1152): إنه مرتب ~~على أربع قواعد. # وذكره في (ج: 2، ص: 1965) باسم نفائس العناصر لمجالس الملك الناصر، ~~ومخطوطاته كثيرة شائعة ذكر بروكلمن جملة منها، منها في يكى جامع في المكتبة ~~السليمانية في ms005 إسلامبول (رقم 985)، كتبت (سنة 767)، ذكرها الدكتور ششن في ~~نوادر المخطوطات العربية (ج: 2، ص: 353)، وتوجد أيضا في المتحف البريطاني، ~~والمكتب الهندي، وبادليان، والإسكوريال، وبرنستون، وغوطا، وباريس، وفي ~~برلين برقم (1/ 5781 و8407)، وفي إسلامبول في ولي الدين رقم (2428)، وفي ~~قليج علي باشا رقم (654)، ويوجد في غيرها أيضا. # وقد طبع بالقاهرة (سنة 1283 و1306 و1311) وتكرر طبعه. # لخصه صالح بن صديق نمازى وسماه الجواهر، يوجد في بادليان وفي مجموعة كارت ~~من مخطوطات جامعة برنستون بالولايات المتحدة. # 10- كتاب في علم الحروف: # منه مخطوطة في بريل في ليدن رقم (2/ 50284)، ذكره بروكلمن. PageV01P012 # 11- مطالب السئول في مناقب آل الرسول: يأتي الكلام عليه. # 12- مفتاح الجفر الجامع ومصباح النور اللامع: # ذكر في (كشف الظنون، ص: 176)، وربما سمي الجفر الجامع، وهو كتاب (الدر ~~المنظم في الإسم الأعظم) وهو الإسم الذي سماه به المؤلف، وقد تقدم وأشرنا ~~هناك إلى بعض مخطوطاته، ومنه مخطوطه في پتنه بالهند رقم (2083). # 13- كتاب الدائرة، ذكره الأربلي في (كشف الغمة) كما تقدم، وذكره الذهبي ~~في (العبر). # 14- مفتاح الفلاح في اعتقاد أهل الصلاح: # ذكر في (هدية العارفين) وذكره فؤاد أفرام البستاني. # 15- منال الطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب: منه نسخة في مكتبة ~~السيد المرعشي العامة في قم رقم (2133)، وهو بعينه كتاب مطالب السئول، يأتي ~~الكلام عليه. # 16- نفائس العناصر لمجالس الملك الناصر في الأخلاق والسلطنة والشريعة. # ذكر في (كشف الظنون، ص: 1965). و(معجم المؤلفين) و(دائرة المعارف) لفؤاد ~~أفرام البستاني، ومنه مخطوطة في برلين رقم (8779)، وأخرى في ولي الدين رقم ~~(2648). وهو كتاب (العقد الفريد للملك السعيد)، وقد تقدم الكلام عليه. # 17- جفر علي بن أبي طالب، ذكره الدكتور ششن في (نوادر المخطوطات العربية ~~ج: 2، ص: 352)، وأن منه مخطوطة في مكتبة تيرة نجيب باشا في إسلامبول بأول ~~المجموعة رقم (469) كتبت (سنة 1013 ه)، ويبدو أنه هو (الجفر الجامع والنور ~~اللامع) لا غير، وقد تقدم برقم (3). PageV01P013 ### ||| رحلاته: # وصفه ابن العماد في الشذرات بالرحال، ولكنه أجل ولم يوضح كما صرح هو وابن ~~قاضي شهبة أنه حدث ببلاد كثيرة، وأجملا في ذلك أيضا، وتراهم ms006 متفقين على أنه ~~ترسل عن الملوك، وذلك يستدعي الرحلات إلى أطراف مترامية، وإن لم يعطوا صورة ~~تفصيلية عن ترسلاته عن الملوك، ممن ولمن وإلى أين؟!. # ونص بعضهم على أنه رحل إلى خراسان، وكانت حاضرتها العلمية يومذاك مدينة ~~نيسابور، وصرح الذهبي وغيره، أنه سمع بنيسابور من المؤيد الطوسي وزينب ~~الشعرية. # كما أنهم متفقون على أنه حج في آخر عمره سنة (652 ه)، ولعله كان آخر ~~حجاته ولم يكن بأولها، ومن المستبعد جدا أن يولد وينشأ في شمال العراق، ولم ~~يدخل بغداد عاصمة العلم، والثقافة، والخلافة، فلا بد أن يكون قد دخلها أكثر ~~من مرة، لطلب العلم وسماع الحديث، والترسل عن الملوك، وفي طريقه إلى الحج، ~~ولكني لم أجد من أشار إلى ذلك، ولو من بعيد. # ورحل إلى القاهرة كما صرح به المقريزي في (السلوك، ج 1:، ق: 2، ص: 396)، ~~كما ذكر المقريزي ترسله عن الملوك (راجع السلوك، ج: 1، ق: 2، ص: 279). ### ||| نظمه: # قد تقدم كلام الصفدي في المؤلف، وأنه (كان عارفا بفنون كثيرة من المذهب ~~والأصول والفرائض .... ونظم الشعر، ذكره ابن الشعار في كتابه ....). # أقول: ابن الشعار هو كمال الدين المبارك بن أبي بكر بن حمدان، أبو ~~البركات الموصلي، وكتابه (عقود الجمان في شعراء هذا الزمان) وقد توفى PageV01P014 # سنة (654 ه)، فهو معاصر تماما مع ابن طلحة، وبلادهما متقاربة، وهذا أيضا ~~عاش أخريات أيام حياته في حلب، وبها توفي كابن طلحة، فليس ببدع إذا ترجم له ~~في شعراء زمانه ترجمة وافيه، وحفظ له كثيرا من نظمه، كما احتفظ بشعر سائر ~~معاصريه. وكتابه عقود الجمان في عشر مجلدات، يوجد ثمان منها في مكتبة أسعد ~~أفندي، في المكتبة السليمانية في إسلامبول بالأرقام (2323- 2330)، ولو كان ~~في متناول اليد لأفدت منه كثيرا. # ولربما ظفرنا بكثير من نظمه، ولكنا لم نعثر على شعر له، إلا ما أدرجه هو ~~في كتابه هذا مما نظمه في أمير المؤمنين والعترة الطاهرة ((عليهم السلام)) ~~خاصة، وما أورده له ابن شاكر في ترجمته من عيون التواريخ. # أما ما أورده هو في كتابه هذا، فما ms007 تجده في الصفحات: # 24، 25، 63 و109 و145 و240 و294. # وأما ما أورده ابن شاكر في ترجمته من (عيون التواريخ) كنماذج من نظمه، ~~فقصيدة دالية ذكرها في (ج: 20، ص: 78)، والشيخ راغب الطباخ في (أعلام ~~النبلاء)، وهي: # ولمياء يصبي (1)حسنها كل ناسك %~% وينسيه أوراد العبادة والزهد # نعمت بها والعمر في عنفوانه %~% بشرخ شباب فؤده حالك البرد # وكان بها ضعف الذي بي من الهوى %~% وقد وجدت أرواحنا لذة الوجد # إلى أن بدا في ليل فودي أنجم %~% من الشيب أبدت نبوة الخلق الجعد # وكان عذاري عندها عذر وصلها %~% فشبت فأضحى العذر في صدها عندي # فاعجب لأمر كان داعية الهوى %~% زمانا فأضحى وهو داعية الصد # وأورد له ابن شاكر في (عيون التواريخ، ج: 20، ص: 78) هذين البيتين: # لا تركنن إلى مقال منجم %~% وكل الأمور إلى الإله وسلم # واعلم بأنك إن جعلت لكوكب %~% تدبير حادثه فلست بمسلم PageV01P015 # كما ذكر له هناك هذين البيتين، أيضا: # إذا حكم المنجم في القضايا %~% بحكم جازم فاردد عليه # فليس بعالم ما الله قاض %~% فقلدني ولا تركن إليه ### ||| كتاب مطالب السئول في مناقب آل الرسول: # ألف ابن طلحة كتابه هذا في مدينة حلب في أخريات حياته، وفرغ منه في 17 ~~رجب (سنة 650 ه)، أي قبل وفاته بسنتين، فقد توفى في 27 رجب (سنة 652). # وما إن تم تأليفه إلا وانتشرت نسخة، وأقبل عليه الناس، واعتمده أعلام ~~عصره، وتناقلته الأيدي، حتى وصل منه نسخة إلى بغداد، في مكتبة معاصره السيد ~~رضي الدين علي بن طاوس الحلي المتوفى (سنة 664)، من أشهر أعلام الشيعة في ~~عصره، صاحب المؤلفات القيمة، والمكانة المرموقة في العهدين العباسي ~~والمغولي، وينقل عنه في كتبه وهو مذكور في فهرس مكتبته المنشور في مجلة ~~المجمع العلمي العراقي برقم (417). # كما واعتمده معاصره الآخر بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي، المتوفي (سنة ~~692)، في كتابه كشف الغمة. # وقد بقيت منه حتى الآن مخطوطات قديمة مكتوبة في عهد المؤلف، وقريبا من ~~عهده، يكشف عن إقبال الناس عليه، وانتشاره في الأوساط، وأصبح مصدرا من ~~المصادر منذ تأليفه حتى الآن. ms008 # وذكره جلبي في كشف الظنون، وإسماعيل باشا في هدية العارفين (ج: 2، ص: ~~125)، وإيضاح المكنون (ج: 2، ص: 499)، باسم (مطالب السئول في مناقب الرسول) ~~بإسقاط الآل! على أن كلمة الآل موجودة في نص المؤلف في مقدمة الكتاب، حيث ~~يقول: (وسميته مطالب السئول في مناقب آل الرسول). # وعلى أنه ليس فيه من سيرة الرسول ولا من مناقبه ((صلى الله عليه وآله )) PageV01P016 # شيء، وإنما يختص بمناقب الآل، مرتب على اثني عشر بابا بعدد الأئمة من ~~عترته ((صلى الله عليه وآله ))، بادئا بأمير المؤمنين ((عليه السلام))، ~~وخاتما بالمهدي (عجل الله فرجه)، وهو الإمام الثاني عشر، وخاتم الأوصياء ~~(صلوات الله عليهم أجمعين). # والحق أن الكتاب من خيرة ما ألفه أهل السنة في آل البيت، لم يمزج فيه ~~الحق بالباطل، ولم يدس فيه مناقب لغيرهم، قال المؤلف في مقدمة الكتاب: # «ألزمت نفسي تأليف هذا الكتاب قياما بحقه ((عليه السلام)) .. فشرعت في ~~تصنيفه، وجمعت همتي لتأليفه، وسميته: مطالب السئول في مناقب آل الرسول، ~~ونهجت جدد المطالب، واستخرجت زبد المناقب، بمحض المعقول والمنقول، فجاء ~~جامعا للفضائل، صادعا بالدلائل، شارعا مناهج الوصول إلى السئول ...». # وعمد إليه أحمد بن عبد الرحيم بن أحمد، من أعلام القرن الثامن، فلخصه ~~وسماه: «المنقول من مطالب السئول» جاء في آخره: «نجز ما اختار نقله من كتاب ~~(مطالب السئول في مناقب آل الرسول) العبد الفقير أحمد بن عبد الرحيم بن ~~أحمد .. أول نهار الثلاثاء، ثامن صفر، سنة 734». # منه مخطوطة في جامعة القرويين في فاس بالمغرب، في جزء ضخم، بخط مشرقي ~~واضح جميل، رقمه (1257)، وتاريخ وقفه سنة (1008 ه)، وصف في فهرسها (ج: 3، ~~ص: 318). # وهذا الكتاب قد تعاورته عدة أسماء منها: مناهل الطالب ومنها زبدة المقال ~~ومنها مطالب السئول. # أما منال الطالب فقد جاء مثبتا على ظهر مخطوطة قديمة من هذا الكتاب هي من ~~أقدم مخطوطاته أو هي أقدمها إطلاقا، وهي في مكتبة السيد المرعشي العامة في ~~قم رقم (2133) وصفت في فهرسها (ج: 6، ص: 143)، كتب عليها بخط قديم (كتاب ~~منال الطالب في PageV01P017 # فضائل الإمام علي بن أبي ms009 طالب) ويتناول فضائل أمير المؤمنين ((عليه ~~السلام)) فحسب، يبدأ بأول الكتاب، وينتهي بانتهاء الباب الأول في أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) ونهاية الفصل الثاني عشر منه في ~~مبلغ عمره ووفاته ومقتله ((عليه السلام))، وليس فيها من الأبواب الأخر في ~~سائر الأئمة شيء، وجاء في آخرها: «وتقدر الفراغ من كتبه في شهور سنة عشرين ~~وستمائة!!). # أما إن النسخة من مخطوطات القرن السابع وكتبت في عهد المؤلف فمما لا مجال ~~للتشكيك فيه، وأما التاريخ، فيسبق تأليف الكتاب بثلاثين عاما!!. # ومن الجائز أن المؤلف كان قد ألف قديما كتابا في مناقب أمير المؤمنين ~~((عليه السلام)) وحده، وسماه (منال الطالب في فضائل الإمام علي بن أبي ~~طالب)، واستنسخ عنه نسخ ومنها نسختنا هذه في (سنة 620 ه). # ثم أضاف إليه مناقب بقية الأئمة الأحد عشر من العترة الطاهرة وسماه (زبدة ~~المقال، في فضائل الآل)، كما صرح به في مقدمة مطالب السئول قال في مقدمة ~~الكتاب: (وقد كنت من زمن جريان قلم التكليف علي، كلفا إلى الغاية بمودتهم ~~... والتزمت أيام الاغتراب تأليف كتاب ... وجعلت عدة أبوابه عدة أئمتهم ... ~~وسميته زبدة المقال في فضائل الآل، وضمنته غرائب الفنون .... فسلبته وغيرته ~~يد الاغتيال وجرعت النفس بفقده مرارة حسرتها ... ألزمت نفسي تأليف هذا ~~الكتاب قياما بحقه ((عليه السلام)) ... وليكون خلفا عن ذلك الكتاب الذي ~~غاله الدهر بيد عدوانه، فشرعت في تصنيفه وجمعت همتي لتأليفه وسميته: مطالب ~~السئول في مناقب آل الرسول ونهجت جدد المطالب، واستخرجت زبد المناقب ... ~~فجاء جامعا للفضائل صادعا بالدلائل ...). # ثم لما فقد منه زبدة المقال، وضاع في خلال أسفاره أعاد بناءه وسماه مطالب ~~السئول في مناقب آل الرسول، كما هو مثبت في صلب مخطوطة PageV01P018 # المتحف البريطاني المكتوبة (سنة 951 ه)، ففيها سماه منال الطالب، ثم غير ~~الإسم بالهامش وكتب: مطالب السئول، وكذلك بظهر المخطوطة الاسمان كلاهما ~~مسجلان عليها. # وهذا التغاير في الاسم وتعدده، أمر معهود في مؤلفات ابن طلحة، فكتابه في ~~الجفر اشتهر بجفر ابن طلحة، وسماه المؤلف تارة الجفر الجامع والنور ms010 اللامع، ~~وتارة: مفتاح الجفر الجامع ومصباح النور اللامع، وأخرى باسم الدر المنظم، ~~راجع مؤلفات ابن طلحة رقم (3 و12). # والعقد الفريد للملك السعيد، ويسمى: نفائس العناصر لمجالس الملك الناصر، ~~راجع مؤلفات ابن طلحة رقم (9 و16). # ومن مخطوطات مطالب السئول ما هو مسجل في المكتبات باسم زبدة المقال، ~~استنادا لما ورد في مقدمته، كما في مخطوطتي داماد إبراهيم رقم (303) وولي ~~الدين رقم (574)، راجع ما يأتي في مخطوطات الكتاب رقم (2 و4). ### ||| مخطوطات مطالب السئول: # 1- مخطوطة قديمة في مكتبة السيد المرعشي العامة في مدينة قم، رقم (2133)، ~~وصفت في فهرسها (ج: 6، ص: 143- 145). # وهي من مخطوطات القرن السابع، نسخة قيمة صحيحة، في (239) ورقة. # 2- نسخة مكتوبة في حياة المؤلف، رأيتها في إسلامبول، في المكتبة ~~السليمانية، من كتب داماد إبراهيم، رقم (303)، باسم: (زبدة المقال)، مخطوطة ~~خزائنية، قيمة، في (128) ورقة. # 3- مخطوطة من القرنين 7 و8، كانت في مكتبة الوجيه الأديب فخر الدين ~~النصيري، ثم انتقلت إلى المكتبة المركزية لجامعة طهران، رقم (1897)، ذكرت ~~في فهرسها (ج: 8، ص: 505) كتبها محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد PageV01P019 # ابن علي بن محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن زيد بن جعفر بن ~~محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق المؤتمن ابن الإمام الصادق ((عليه ~~السلام)). # ذكرت في مجلة معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، المجلد: # الثالث، العدد: الأول، ص: 51. # 4- نسخة من مخطوطات القرن الثامن، رأيتها في مكتبة ولي الدين في ~~إسلامبول، رقم (574)، مقابلة مصححة مسجلة عندهم باسم: زبدة المقال، ينتهي ~~الكتاب بالورقة (210) ب، ومعه «الدر المنظم» إلى الورقة (234)، مكتوب عليها: # لله درك يا بن طلحة من فتى %~% ترك الوزارة عامدا فتسلطنا # لا تعجبوا من زهده في درهم %~% من فضة فلقد أصاب المعدنا # وذكرها الدكتور ششن في نوادر المخطوطات العربية (ج: 2، ص: 353)، «مطالب ~~السئول»، وينبغي التنبيه على أني كنت- عند ما رأيت المخطوطة- قدرتها من ~~مخطوطات القرن العاشر، وكذلك هو في مذكراتي، ولكن زميلي ششن قدرها من القرن ~~الثامن؟!. # 5- مخطوطة في مكتبة الإمام الرضا ((عليه السلام)) في مشهد، رقم ms011 (1837)، ~~كتبها محمد بن نصر الله بن سعد بن نصر الله المنشئ الجزري، المعروف بابن ~~الصيقل، وفرغ منها يوم الخميس حادي عشر شهر رمضان سنة (725) بمدينة سعرد، ~~ذكرت في فهرس المكتبة (ج: 1، ص: 88). # 6- مخطوطة كتبت سنة (896)، على نسخة الأصل بخط المصنف في مدينة حلب، من ~~كتب الأحمدية رقم .....، كانت في مكتبة الأوقاف الإسلامية في حلب، وقد نقلت ~~مخطوطاتها كلها إلى مكتبة الأسد في دمشق. # 7- مخطوطة في مكتبة چستر بيتي، رقم (3730)، فرغ منها الكاتب في 16 ربيع ~~الثاني سنة (938)، ذكرت في فهرسها (ج: 2، ص: 98)، PageV01P020 # وعنها مصورة في مكتبة السيد المرعشي العامة في قم، رقم ... # 8- مخطوطة في المتحف البريطاني، رقم (8279،)، كتبت سنة (951 ه)، ومعه ~~كتاب «المائة منقبة» لابن شاذان في (221) ورقة، كتبها ناصر بن سليمان بن ~~يحيى بن علي. # 9- مخطوطة في مكتبة الإمام الرضا ((عليه السلام)) في مشهد، رقم (1838)، ~~كتبها درويش علي بن شمس الدين الكاظمي سنة (1080 ه). # 10- مخطوطة في مكتبة ملك العامة في طهران، رقم (1171)، فرغ منها الكاتب ~~في تاسع جمادى الأولى سنة (1093 ه)، مذكورة في فهرسها للمخطوطات العربية (ص 687). # 11- مخطوطة في دار الكتب المصرية، رقم (1553) تاريخ ...، # مصححة مقابلة على نسخة صحيحة، وعنها مصورة في معهد المخطوطات بالقاهرة، ~~كما في فهرس مصوراته للتاريخ (ج: 2، ق 4، ص: # 399- 400). # 12- مخطوطة في مكتبة كلية الإلهيات في جامعة الفردوسي في مشهد خراسان، ~~كتبت سنة (1279)، بأول المجموعة رقم (469)، ذكرت في فهرسها (ج: 1، ص: 297). # 13- مخطوطة كتبت في القرن 13، في مكتبة مدرسة المروي في طهران، رقم (427). # 14- نسخة أخرى فيها أيضا، من مخطوطات القرن الثالث عشر، مع كتاب «الخرائج ~~والجرائح» للقطب الراوندي، رقم (657). # 15- مخطوطة غير مؤرخة، في مكتبة الإمام الرضا ((عليه السلام)) في مشهد، ~~رقم (7056). # 16- مخطوطة غير مؤرخة، في مكتبة يكى جامع في المكتبة السليمانية في ~~إسلامبول، رقم (899). PageV01P021 # 17- مخطوطة في مكتبة السيد المرعشي العامة في قم، رقم (1618)، فرغ منها ~~الكاتب يوم الجمعة 17 صفر (سنة 962 ه)، بخط نسخ معرب، في 130 ورقة، ذكرت في ~~فهرسها (ج: 5، ص: 23). # 18- مخطوطة في مكتبة أمير المؤمنين ((عليه السلام)) العامة في النجف ms012 ~~الأشرف، رقم (1152)، كتبها أبو محمد، عباس بن محمد المعروف بالناسخ، في ~~(118) ورقة، وفرغ منها سلخ جمادى الآخر، (سنة 1082)، وبأولها خطه وختمه، ~~والعناوين مكتوبة بالشنجرف، وعليها بلاغات، وتصحيحات، وتعاليق وفوائد ~~منقولة عن الكتب، وبأولها خط طهماسب ميرزا حفيد السلطان فتح علي شاه ~~القاجاري، كتب عليها تملكه لها بخطه الفارسي الجميل، وله بهوامشها بعض ~~التعاليق بالعربية، كتبها في تبريز وأرخها بسنة (1262 ه)، مما يبدو أنه ~~قرأها وأفاد منها وعلق عليها. # 19- نسخة أخرى فيها أيضا في 190 ورقة رقم (591)، وهي ناقصة الآخر تنتهي ~~بحياة الإمام الرضا ومناقبه ((عليه السلام)). ### ||| طبعاته: # 1- طبع في طهران سنة (7- 1285 ه) طبعة حجرية بأمر فرهاد ميرزا معتمد ~~الدولة القاجاري ومساعيه الجميلة، وهو أصح طبعاته السابقة. # 2- طبع في لكهنو بالهند طبعة حجرية أيضا سنة (1302 ه). # 3- وأعادت طبعه على الحروف المكتبة التجارية ومطبعتها في النجف الأشرف ~~سنة (1371 ه)، طبعة تجارية رديئة. ### ||| مصادر ترجمته: # 1- عقود الجمان في شعراء هذا الزمان، لابن الشعار الموصلي المتوفى سنة ~~(654 ه)، مخطوطة مكتبة أسعد أفندي، رقم (2323- 2330) نقل عنه ابن الفوطي في ~~تلخيص مجمع الآداب. # 2- ذيل الروضتين، لأبي شامة المقدسي، المتوفى سنة (665 ه)، PageV01P022 # طبعة دار الجيل، بيروت سنة (1974 م)، ص (188). # كشف الغمة للأربلي المتوفى (سنة 692 ه)، طبعة قم (سنة 1381 ه)، (ج: 1، ص: 53). # 3- تلخيص مجمع الآداب ومعجم الألقاب، لابن الفوطي، المتوفى سنة (723 ه)، ~~والمجلد الخامس منه، الذي حققه إحسان عبد القدوس ونشره في أعداد متتابعة من ~~مجلة (أورينتال كالج مگزين، في لاهور، (العدد: 5، ص: 255)، رقم (515). # 4- سير أعلام النبلاء، للذهبي، المتوفى سنة (748 ه)، طبعة الشركة ~~المتحدة، بيروت سنة (1405 ه)، (ج: 23، ص: 293). # 5- العبر، له أيضا، تحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد، طبعة الكويت، سنة ~~(1386 ه)، (ج: 5، ص: 213). # 6- الوافي بالوفيات، للصفدي، المتوفى سنة (764 ه)، طبعة جمعية المستشرقين ~~الألمان، بيروت، (ج: 3، ص: 176). # 7- عيون التواريخ، لابن شاكر الكتبي، المتوفى سنة (764 ه)، طبعة بغداد، ~~سنة (1980 م)، (ج: 20، ص: 78). # 8- مرآة الجنان، لليافعي، المتوفي سنة (768 ه)، طبعة حيدرآباد بالهند، ~~سنة (1337 ms013 ه)، (ج: 4، ص: 128). # 9- طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي، المتوفى سنة (771 ه)، تحقيق محمود ~~طناحي وعبد الفتاح حلو، طبعة البابي الحلبي، القاهرة سنة (1383 ه)، (ج: 8، ~~ص: 63). # 10- طبقات الشافعية، للأسنوي، المتوفى سنة (772 ه)، طبعة أوقاف بغداد، ~~تحقيق عبد الله الجبوري، سنة (1390 ه)، (ج: 2، ص: 503). # 11- البداية والنهاية، لابن كثير، المتوفى سنة (774 ه)، طبعة PageV01P023 # مطبعة السعادة بمصر، (ج: 13، ص: 186) السلوك للمقريزي (ج: 1، ق: 2، ص: 396). # 12- طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة، المتوفى سنة (851 ه)، طبعة ~~حيدرآباد، تحقيق عبد العليم خان، سنة (1398 ه)، (ج: 2، ص: 153). # 13- الدارس في تاريخ المدارس، للنعيمي، المتوفى سنة (927 ه)، طبعة مجمع ~~اللغة العربية بدمشق، سنة (1947 م)، (ج: 1، ص: 415). # 14- غربال الزمان للعامري اليماني المتوفى (سنة 893 ه)، طبعة دمشق (سنة ~~1405 ه)، ص (537- 538). # 15- النجوم الزاهرة لابن تغري بردي المتوفى (سنة 874 ه)، طبعة دار الكتب ~~بالقاهرة (سنة 1357 ه)، (ج: 7، ص: 33). # 16- شذرات الذهب، لابن العماد، المتوفى سنة (1089 ه)، طبعة مكتبة القدسي ~~بالقاهرة، سنة (1351)، (ج: 5، ص: 259). # 17- كشف الظنون (ج: 1، ص: 734) بشيء من البسط، وفي (360- 592، 954، ~~1152، 1760 و1965)، سانحات دمى القصر للطالوي (ج: 2، ص: 49). # 18- تاريخ الأدب العربي، لبروكلمن، الألماني الأصل (ج: 1، ص: 463)، ~~والذيل (ج: 1، ص: 838- 839)، فهرس مكتبة باريس لذي سلان (ج: 1، ص: 427 و480). # 19- هدية العارفين، لإسماعيل باشا، طبعة تركيا سنة (1951 م)، (ج: 2، ص: 125). # 20- الكنى والألقاب للمحدث الشيخ عباس القمي المتوفى (سنة 1359 ه) طبعة ~~المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف (1389 ه) PageV01P024 # (ج: 1، ص: 343). # 21- أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، للشيخ راغب الطباخ الحلبي، ~~المتوفى سنة (1370 ه)، طبعة حلب، سنة (1341 ه)، (ج: 4، ص: 437)، وفي طبعة ~~دار القلم العربي (ج: 4، ص: 406). # 22- معجم المطبوعات العربية (ج: 1، ص: 147). # 23- الغدير في الكتاب والسنة والأدب، للعلامة الأميني، المتوفى سنة (1390 ~~ه)، طبعة طهران، سنة (1372 ه)، (ج: 5، ص: 413- 417). # 24- الأعلام، للزركلي، المتوفى سنة (1396 ه)، طبعة دار العلم للملايين، ~~بيروت سنة (1984 م)، (ج: 6، ص: 175). # 25- معجم المؤلفين، لكحالة، المتوفى سنة (1408 ه)، (ج: 10، ص: 104). # 26- دائرة المعارف، لفؤاد أفرام البستاني (ج: 3، ص: 308). # 27- الموسوعة ms014 الإسلامية، للسيد حسن الأمين (ج: 2، ص: 84). # 28- بروكلمن، الأصل الألماني (ج: 1، ص: 463)، والذيل (ج: 1، ص: 838). # 29- مجلة تراثنا، تصدرها مؤسسة آل البيت لإحياء التراث في مدينة قم، ~~(العدد: 20 ص: 71- 78). # 30- أعلام العرب في العلوم والفنون، لعبد الصاحب الدجيلي النجفي، (ج: 2، ~~ص: 75- 76) من الطبعة الثانية في مطبعة النعمان في النجف الأشرف (سنة 1368 ~~ه) و(1966 م). # 31- صلة التكملة للحسيني. PageV01P025 # 32- تاريخ الإسلام للذهبي ذكرهما بشار عواد في تعليقاته على سير أعلام ~~النبلاء بهامش ترجمة ابن طلحة. PageV01P026 ### ||| مقدمة # @QUR@04 بسم الله الرحمن الرحيم مطالب السئول الحمد لله الذي جلى الصفوة ~~الطاهرة من آل نبيه المصطفى بأصفى المناقب، وأحلهم من ذرى العلى وشرف الهدى ~~في أعلى المعارج وأسمى المراتب، وأصفاهم من صفات التطهير والتقديس في ~~العاجلة والآجلة باسمى المنائح وأهنى المواهب، وأزلفهم إلى المقام، القريب ~~منه بمناجاتهم إياه في لوافح الهواجر ودياجر الغياهب، وجعلهم أئمة حق وصدق ~~يهدون بأمره إلى اتباع أقوم الطرائق وأهدى المذاهب، وقرن الصلاة عليهم ~~بالصلاة على النبي في الصلوات وإنهما لمن أشرف الرغائب، وخصهم من مزايا ~~السجايا بما نقله الرواة الثقات في مباهلة السيد والعاقب. فمودتهم في هذه ~~الحياة الدنيا مورودة معدودة في أقسام الفروض اللوازم والأحكام اللوازب، ~~وموالاتهم يوم يقوم الناس لرب العالمين جنة منجية من أوصاب العذاب الواصب. # والصلاة والسلام على رسوله محمد، المستخرج من أمشاج الاصلاب الطاهرة ~~والانساب الأطايب، المستعرج به في أدراج المعارج ليلة الإسراء، فرقى أملاك ~~الأفلاك ومناكب الكواكب، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الخلفاء ~~الراشدين، صلاة مشهودة الموارد مشفوعة المشارب. PageV01P031 # وبعد؛ فأحسن ما نظمته أقلام الأفهام من أقسام الكلام في الحسنات ~~المستحسنات، وحملته بطون أوراق الأيام من نطف مياه الأقلام من سلالة ~~الباقيات الصالحات، وحررته فذلكة جرائد الحاسبين لتكميل مراشد الطالبين من ~~جمل سجايا النفوس الزاكيات، وسطرته أيدي الكرام الكاتبين لمن نصب نفسه ~~للقيام به في صحائف الحسنات، وأعده ذخيرة يجدها إذا نفخ في الصور فصعق من ~~في الأرض والسماوات، تأليف لآل المصطفى أئمة الهدى أهل الميامن والهدى ~~والنهى ذوي الآيات والبينات، وتصنيف مناقب صفاتهم وتعريف مراتب ms015 طاعاتهم ~~وتوظيف مذاهب عباداتهم في الأعمال والنيات، فشرفهم باذخ وقدم تقدمهم راسخ ~~فهم على الحقيقة قرابات السادات وسادات القرابات، وهم العروة الوثقى ومحبهم ~~لا يضل ولا يشقى، وسينال باقتفائهم أقرب القربات ولهم الفضائل الناطقة ~~والمنازل السامقة؛ فكيف لا وقد رفع قدرهم رفيع الدرجات فمناقبهم ابدا تتلى ~~ومحاسنهم على الأبد تجلى، ومودتهم منزلة في السور والآيات فالمقدمون ~~لأنفسهم ذخرا العاملون بلا أسألكم عليه أجرا سينعمون في روضات الجنات. # قال مصنف هذا الكتاب: # وقد كنت من زمن جريان قلم التكليف علي، كلفا إلى الغاية بمودتهم معترفا ~~بأن صفاتهم المشفوعة باتصالهم بالمصطفى (صلوات الله عليه) تقضي بمحبتهم، ~~والتزمت أيام الاغتراب تأليف كتاب تطلع مطالعه دراري فضيلتهم، فشرعت فيه ~~ووضعت كيفية ترتيبه في مبادئه وجعلت عدة أبوابه عدة أئمتهم، فسطرته ورتبته ~~وحررته وبوبته وقمت في حقهم بمفروض خدمتهم. وسميته زبدة المقال في فضائل ~~الآل، وضمنته غرائب الفنون من غصون شجرتهم، وجعلته لنفسي أنيسا تطالعه ~~حالتي مقامها ورحلتها، وجليسا تراجعه في وقتي سكونها وحركتها، فأجرت ادوار ~~الأقدار من أخطار الأسفار بعض أقضيتها، فسلبته وغيرته يد الاغتيال PageV01P032 # وجرعت النفس بفقده مرارة حسرتها. فلما أن أزلفتني الرأفة الربانية من ~~الألطاف الإلهية بعنايتها، وأعرضت عن متاع الدنيا من جاهها ومالها ~~وولايتها، رأى بعض الصالحين أمير المؤمنين عليا ((عليه السلام)) فسأله ~~مسائل تتعلق بالمعارف القدسية وربوبيتها، فأجابه ((عليه السلام)) بكلمات، ~~فقال: يا أمير المؤمنين لم احط علما بمعرفتها، فأحاله علي في أن أشرح ذلك ~~له وأفصل منه ما أجمله وأبين تفاصيل قوله وجمله. فلما حضر لدي وقص علي ~~حقيقة الحوالة في جواب ما سأله، قابلت أمره ((عليه السلام)) بالامتثال، ~~وبادرت في الوقت والحال إلى استخراج الجواب عن ذلك السؤال. وبعد قيامي ~~بواجب الحوالة وقضائها وامتثال أمره المطاع باستخراج أجوبتها وشرح أسمائها، ~~ألزمت نفسي تأليف هذا الكتاب قياما بحقه ((عليه السلام))، إذ خصني بإحسانه ~~وجعلني أهلا لاستنابته إياي في شرح اشكال من العلم اللدني وتبيانه، وليكون ~~خلفا عن ذلك الكتاب الذي غاله الدهر بيد عدوانه فشرعت في تصنيفه وجمعت همتي ms016 ~~لتأليفه. # وسميته مطالب السئول في مناقب آل الرسول، ونهجت جدد المطالب، واستخرجت ~~زبد المناقب بمخض المعقول والمنقول، فجاء جامعا للفضائل صادعا بالدلائل، ~~شارعا مناهج الوصول إلى السئول تكفيه منقبة تلقين المناقب وكونه بترتيب ~~مراتب الأئمة الأطايب قيد العيون والعقول من قدر قدره قدمه، ومن خبر خبره ~~خدمه وتلقى وجهه بالتقبيل والقبول، ولما أسرى القلب بعزمه لإدراك هذه ~~المطالب وأجرى قلم فكره الصائب في تأليف هذه المناقب، ناجته نفسه المهتدية ~~بالقول الثابت والنور الثاقب بأن هذا التأليف الجامع أشتات هذه الفضائل ~~والرافع مراتب صفات الأئمة الأفاضل، وإن كانت جواهر مضمونه مشرقة وأنوار ~~مكنونه متألقة، وأنهار عيونه مغدقة واشجار فنونه مورقة وثمار غصونه مونقة، ~~فلا يستضيء بنور أفقها إلا من يعتقد وجوب القيام بحقها، ولا يرقى في معارج ~~فضائلها وطرقها إلا من حكم التأييد الإلهي لنفسه PageV01P033 # بتقدمها وسبقها، فإن الدرة الموسومة باليتيمة والجوهرة ذات القيمة ~~والعقود المنضودة من اللآلئ النظيمة، والجونة العبق نشرها بأرجاء اللطيمة، ~~بل جهات الخيرات المتصفة بالمكانة العلية والمنزلة العظيمة، لا يعظم محلها ~~إلا من استبان فضلها وعلم قدرها ونبلها، وعرف فرعها وأصلها وكان أحق بها ~~وأهلها ليتلو سور اخبارها ويبلو سير آثارها ويتنسك بشعائر شعارها، ويتمسك ~~بشريعة نصرها ويسلك شعب أنصارها. # وأنا وإن أمطيت نفسي مطا اجتهادها في سلوك سبيلها، وأعطيت رائد اجتهادها ~~سؤله في إقامة دليلها في تأليف مزاياهم التي لا يستطيع المدرة المفوه حصر ~~تفصيلها وتصنيف سجاياهم التي يقصر لساني مع بسطه عن تلاوة آياتها وترتيلها، ~~وجمعت منها كل ما وصلت إليه مطية الجد والاجتهاد بوخدها وذميلها ونظمت ~~شوارد فرائدها الممدوحة وفرائد شواردها الممنوحة في عقد تفصيلها، كنت والله ~~مقصرا في جنب ما أولانيه أمير المؤمنين ((عليه السلام)) من مبار إرفاده، ~~وما خصني به من شريف نظره وكمال اعتقاده، وما استندبني له من استخراج أسرار ~~من الغيب لا يمنحها الله (تعالى) إلا من يجتبيه من عباده، وما شرفني به في ~~المقام النبوي من إقباله حتى كساني رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~ما كان عليه ms017 من أبراده، ودعاني دعوة ما ظفر بها إلا من أسعفه الله (تعالى) ~~بإسعاده وأسعده في معاده، فلم أجد شيئا أتمسك به في مقابلة هذا الإحسان ذي ~~المحاسن الحسان إلا الاستنصار بالمسعفين البيان والبنان والاستظهار ~~بالمسعدين القلم واللسان في نشر معالي مناقبهم العظيمة الشأن الكريمة على ~~الثقلين الإنس والجان، ونثر لآلئ فضائلهم المستخرجة من بحر جواهر القرآن ~~المرزبة عند أهل الإيمان بمنثور الجمان من اللؤلؤ والمرجان المستخرج من بحر ~~كيش وعمان، وإشاعتها في أشياع العباد وإذاعتها في الأصقاع والبلاد وجعلها ~~أجنة في بطون الأوراق من مواد نطف المداد، ليستخرجها من هو من أهلها فينتفع بها PageV01P034 # في يوم المعاد يوم قيام الأشهاد. فإن مصنفات الأمة إذا جليت على أهلها ~~تضوعت ولم تضع، وصفات الأئمة إذا تليت على المسامع لا يستمع بها غير ~~المستمع، فما كل من دعاه الهادي إلى سلوك سبيل الهدى بمتبع، ولا كل من وعى ~~سمعه ما يتلى عليه ما لم يوفقه الله بمنتفع، فإن ظفر بها من حباه الله ~~(تعالى) بإسعاف الاسعاد وهداه إلى سبيل الرشاد فتأملها بفكره الوقاد وفهمه ~~النقاد وقلبه المنقاد إلى سداد الاعتقاد، فاقتفى سنن سنتهم واقتدى بنهج ~~طريقتهم وتقرب إلى الله (تعالى وتقدس) بمحبتهم، وعد نفسه من أنصار أسرتهم ~~وأعد لماله ما يصرفه من ماله في مبرتهم رزقه الله (تعالى) الاهتداء ~~بمصباحهم، والارتداء بجلباب صلاحهم ووقاه حر كل جناح يخشاه بوارف جناحهم ~~وسقاه يوم العطش الأكبر بكأس اغتباقهم واصطباحهم. # وأنا بقيامي هذا في رفع منارهم وشرع شعارهم وجمع مآثرهم وآثارهم، وإن كان ~~غاية ما وصلت إليه قوى البشرية لاستطاعتها ونهاية ما قدرت عليه ببذل جهدها ~~وطاقتها، كمن قابلت نفسه أنوار شمس الظهيرة بذبالتها وعدلت السحائب المدرار ~~والعباب التيار ببلة قطرتها. # ثم لما كانت هذه الصدقة التي من أمير المؤمنين ((عليه السلام)) بإسدائها ~~والمنة التي تصدق بإهدائها والحالة التي تكررت منه بإعادتها وإبدائها، لم ~~يصدرها إلا بأمر إلهي أحاط به علما فأتاه وأتى ما آتاه إذ كل حادث لا يدخل ~~في الوجود إلا وقد قدره الله ms018 (تعالى) وقضاه وأنفذ حكمه (سبحانه) فيه ~~وأمضاه، فيجب حمده جل وعلا دائما على ما أولاه وتعين شكره مزيدا على ما ~~منحه وأقناه حمدا لا تنفصم عراه وشكرا لا يدرك منتهاه. وأنا أسأل كل من وقف ~~على كتابي هذا أن يخصني بدعوة ينفعني الله بها يوم ألقاه، ليكون من عتاد ~~المعاد يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، وإذا بلغ القلم مما رقم كنه مطاويه ~~فأقطع عليه جريه في إيضاعه بقريبه وأسرع به إلى مطالب الكتاب وأساليبه، ~~فأشرع الآن في PageV01P035 # ترتيبه وأجمع مواد تهذيبه وأضع قواعد تفصيله وتبويبه، فأقول والله الموفق ~~المعين. # اعلم أن المقصد المطلوب والمطلب المقصود في هذا الكتاب تحصره مقدمة ~~وأبواب. # أأما المقدمة فهي من قواعد المقاصد وأركانها فلهذا يعين أولا تقديم كشفها ~~وبيانها وفيها قسمان: # الأول في شرح ألفاظ وصفوا بها والثاني في إيضاح معان خصوا بموجبها. # القسم الأول في شرح الألفاظ فإنه قد اشتهر وذاع وقرع الأسماع وعم العظماء ~~والرعاع استعمال أربعة ألفاظ يوصفون بها وتطلق عليهم ((عليهم السلام)). # اللفظة الأولى: آل الرسول والثانية أهل البيت والثالثة العترة والرابعة ~~ذوي القربى. فهذه أربعة ألفاظ يتعلق بكل واحدة منها مقصد منى ويناط به شرف ~~على، وكل كلمة منها وإن كانت جلية ففيها معنى خفي وهذا القسم معقود لكشف ~~معانيها وتفصيل ما قيل فيها. # أما الكلمة الأولى وهي آل الرسول ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فأقول: قد ~~تعددت أقوال الناس في تفسير الآل فذهب قوم إلى أن آل الشخص أهل بيته وقال ~~آخرون إن آل النبي هم الذين حرمت عليهم الزكاة وعوضوا عنها خمس الخمس، وقال ~~آخرون آل الشخص من دان بدينه وتبعه فيه، فهذه الأقوال الثلاثة أشهر ما قيل ~~واستدل من قال بالأول بما أورده القاضي الإمام الحسين بن مسعود البغوي في ~~كتابه الموسوم بشرح سنة الرسول ((صلى الله عليه وآله وسلم))، من الأحاديث ~~المتفق على صحتها يرفعه بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب ~~بن عجرة ((رضي الله عنه)) فقال: ألا أهدي لك هدية ms019 سمعتها من PageV01P036 # رسول الله «(صلى الله عليه وآله وسلم))؟، فقلت: بلى فاهدها إلي، فقال: # سألنا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فقلنا: يا رسول الله كيف ~~الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما ~~صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد». # فالنبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فسر أحدهما بالآخر، فالمفسر والمفسر ~~به سواء في المعنى، فقد أبدل لفظا بلفظ مع اتحاد المعنى فيكون آله أهل بيته ~~وأهل بيته آله، فيتحدان في المعنى على هذا القول. # ويكشف حقيقة ذلك أن أصل آل أهل فابدلت الهاء همزة ويدل عليه أن الهاء ترد ~~في التصغير فيقال في تصغير آل أهيل والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها. # واستدل من قال بالتفسير الثاني بما أخرجته الأئمة بأسانيدهم المتفق على ~~صحتها الإمام مسلم بن الحجاج وأبو داود والنسائي يرفعه كل واحد منهم بسنده ~~في صحيحه إلى عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، قال: سمعت رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) يقول: «إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا ~~تحل لمحمد ولا لآل محمد». # وبما نقل إمام دار الهجرة مالك بن أنس ((رضي الله عنه)) في موطئه بسنده ~~أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قال: «لا تحل الصدقة لآل محمد ~~إنما هي أوساخ الناس». # فجعل حرمة الصدقات من خصائص آله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فالذين تحرم ~~عليهم الصدقات هم بنو هاشم ثم بنو عبد المطلب. قد قيل لزيد بن أرقم: من آل ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) الذين حرمت عليهم الصدقات قال: آل ~~علي وآل جعفر وآل PageV01P037 # عباس وآل عقيل وهذا التفسير قريب من الأول. # واستدل من قال بالتفسير الثالث بقوله (تعالى): @QUR@06 إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين على أن المراد بآله من آمن به وتبعه في دينه. # وإذا ظهر ما قيل في تفسير الآل فالمعاني كلها مجتمعة فيهم ms020 ((عليهم ~~السلام)) فهم أهل بيته ويحرم عليهم الزكاة وهم دائنون بدينه ومتبعون منهاجه ~~وسبيله فإطلاق اسم الآل عليهم حقيقة فيهم بالاتفاق. # وأما اللفظة الثانية وهي أهل البيت فقد قيل هم من ناسبه إلى جده الأدنى ~~وقيل من اجتمع معه في رحم وقيل من اتصل به بنسب أو سبب. # وهذه المعاني كلها موجودة فيهم ((عليهم السلام)) فإنهم يرجعون بنسبهم إلى ~~جده عبد المطلب ويجتمعون معه في رحم ويتصلون به بنسبهم وسببهم فهم أهل بيته ~~حقيقة فالآل وأهل البيت سواء، اتحد معناهما على ما شرح أولا واختلف على ما ~~ذكر ثانيا فحقيقتهما ثابتة لهم ((عليهم السلام)). # وقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن حيان قال: # انطلقت أنا وحصين بن سبره وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه ~~قال حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا رأيت رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت خيرا كثيرا حدثنا يا زيد ~~ما سمعت من رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)). # قال: يا بن أخي لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فما أحدثكم فاقبلوه ومالا فلا تكلفونيه ~~ثم قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله PageV01P038 # وسلم) يوما خطيبا بما يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ~~فوعظ وذكر ثم قال: # «أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا ~~تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله ~~واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: «وأهل بيتي اذكركم الله ~~في أهل بيتي اذكركم الله في أهل بيتي». # فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه بأهل بيته قال: لا أهل ~~بيته من حرم الصدقة بعده، وقد تقدم القول في ذلك. # وأما اللفظة الثالثة وهي العترة فقد قيل العترة هي العشيرة وقيل العترة ~~هم الذرية ms021 وقد حصل الأمران فيهم ((عليهم السلام)) فإنهم عترته وذريته وأما ~~العشيرة فالأهل الأدنون وهم كذلك. # وأما الذرية فإن أولاد بنت الرجل ذريته ويدل عليه قوله (عز وجل) عن ~~إبراهيم ((عليه السلام)): @QUR@029 ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف ~~وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين* وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من ~~الصالحين . # فجعل الله (سبحانه وتعالى) هؤلاء المذكورين ((عليهم السلام)) من ذرية ~~إبراهيم ((عليه السلام)) ومن جملتهم عيسى ((عليه السلام)) ولم يتصل ~~بإبراهيم إلا من جهة أمه مريم. # وقد نقل أن الشعبي كان يميل إلى آل رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) فكان لا يذكرهم إلا ويقول هم أبناء رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) وذريته، فنقل ذلك عنه إلى الحجاج بن يوسف وتكرر ذلك وكثر نقله عنه ~~إليه فأغضبه ذلك منه ونقمه عليه، فاستدعاه الحجاج يوما إلى مجلسه وقد اجتمع ~~إليه أعيان المصرين الكوفة والبصرة وعلماؤهما وقراؤهما، فلما دخل الشعبي عليه PageV01P039 # وسلم فلم يبشر به ولا وفاه حقه من الرد عليه، فلما جلس قال له: يا شعبي ~~ما أمر يبلغني عنك يشهد عليك بجهلك؟ قال: ما هو يا أمير؟ قال: # ألم تعلم أن ابناء الرجل من ينسبون إليه وان الأنساب لا تكون إلا ~~بالآباء؟ فما بالك تقول عن ابناء علي أنهم أبناء رسول الله وذريته؟ وهل لهم ~~اتصال برسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) إلا بأمهم فاطمة (عليها ~~السلام)؟، والنسب لا يكون بالبنات وإنما يكون بالآباء. فأطرق الشعبي ساعة ~~حتى بالغ الحجاج في الإنكار عليه وقرع إنكاره مسامع الحاضرين والشعبي ساكت، ~~فلما رأى الحجاج سكوته أطمعه ذلك في زيادة تعنيفه، فرفع الشعبي صوته وقال ~~له: يا أمير ما أراك إلا متكلما كلام من يجهل كتاب الله (تعالى) وسنة رسوله ~~ومن يعرض عنها. فازداد الحجاج غيظا منه وقال: ألمثلي تقول هذا يا ويلك! قال ~~الشعبي: نعم هؤلاء قراء المصرين حملة الكتاب العزيز فكل منهم يعلم ما أقول، ~~أليس قد قال الله (تعالى) حين خاطب عباده بأجمعهم بقوله (تعالى): @QUR@03 ~~يا بني ms022 آدم وقال: @QUR@03 يا بني إسرائيل وقال عن إبراهيم وذريته إلى أن ~~قال ويحيى وعيسى، أفترى يا حجاج اتصال عيسى بآدم وبإسرائيل الله وبإبراهيم ~~خليل الله بأي آبائه كان أو بأي أجداد أبيه، هل كان إلا بأمه مريم؟. وقد صح ~~النقل عن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أنه قال للحسن: # «إن ابني هذا سيد». فلما سمع الحجاج ذلك منه أطرق خجلا ثم عاد يلطف ~~بالشعبي واشتد حياؤه من الحاضرين. # وإذا وضح ذلك فالعترة الطاهرة هم ذريته ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~وأبناؤه وعشيرته فقد اجتمعت فيهم المعاني بأسرها. # وأما اللفظة الرابعة وهي ذوي القربى فمستندها ما رواه الإمام أبو الحسن ~~علي بن أحمد الواحدي (رض) في تفسيره يرفعه بسنده إلى ابن عباس (رض) قال لما ~~نزل قوله (تعالى): @QUR@09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ~~قالوا: يا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) من هؤلاء الذين أمرنا ~~الله (تعالى) بمودتهم قال: «علي وفاطمة وأبناؤهما» PageV01P040 # وسيأتي تمام ذلك مستقصى إن شاء الله (تعالى) فيما بعد. # فهذا تمام الكلام في القسم الأول المختص بالألفاظ المذكورة. # القسم الثاني في ذكر المعاني التي ذكر اختصاصهم بها وهي الإمامة الثابتة ~~لكل واحد منهم وكون عددهم منحصرا في اثني عشر إماما، وأما ثبوت الإمامة لكل ~~واحد منهم فإنه حصل ذلك لكل واحد بمن قبله فحصلت للحسن التقي ((عليه ~~السلام)) من أبيه علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) وحصلت بعده لأخيه الحسين ~~الزكي منه، وحصلت بعد الحسين لابنه علي زين العابدين ((عليه السلام)) منه، ~~وحصلت بعد زين العابدين لولده محمد الباقر ((عليه السلام)) منه، وحصلت بعد ~~الباقر لولده جعفر الصادق ((عليه السلام)) منه، وحصلت بعد الصادق لولده ~~موسى الكاظم ((عليه السلام)) منه، وحصلت بعد الكاظم لولده علي الرضا ((عليه ~~السلام)) منه، وحصلت بعد الرضا لولده محمد القانع منه، وحصلت بعد القانع ~~لولده علي المتوكل منه، وحصلت بعد المتوكل لولده الحسن الخالص منه، وحصلت ~~بعد الخالص لولده محمد الحجة المهدي منه. # وأما ثبوتها لأمير ms023 المؤمنين علي بن أبي طالب فمستقصى على كل الوجوه في ~~كتب الأصول ولا حاجة إلى بسط القول فيه في هذا الكتاب. # وأما كون عدد الأئمة منحصرا في هذا العدد المخصوص وهو اثنا عشر فقد قال ~~العلماء فيه فمنهم من طول فأكثر فأفرط إفراط المليم ومنهم من قلل فقصر ففرط ~~فزل عن السنن المستقيم، وكل واحد من ذوي الإفراط والتفريط قد اعتلق بطرف ~~ذميم والهداية إلى سلوك الطريقة الوسطى جنة ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وها ~~أنا أذكر في ذلك ما أعتقد [من] أحسن نتائج الفطن وأعده من محاسن الأفكار ~~الجارية لاستخراج جواهر الخواطر في سنن السنن والأقدار وإن كانت فاطمة من ~~الفطن عن إدراك الحكم في السر والعلن، فإنها والدة لقرائح PageV01P041 # أهل التوفيق والتأييد من نتائجها كل حسين وحسن وتلخيص ذلك بوجوه. # الأول: أن الإيمان والإسلام يبنى على أصلين أحدهما لا إله إلا الله، ~~والثاني محمد رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)). وكل واحد من هذين ~~الأصلين مركب من اثني عشر حرفا والإمامة فرع على الإيمان المتأصل والإسلام ~~المتقرر فيكون عدد الأئمة القائمين بها اثني عشر كعدد كل واحد من الأصلين ~~المذكورين. # الوجه الثاني: أن الله (سبحانه وتعالى) أنزل في كتابه العزيز قوله ~~@QUR@013 ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا فجعل ~~عدة القائمين بهذه الفضيلة والتقدمة والنقبة التي هي النقابة مختصة بهذا ~~العدد، فيكون عدد القائمين بفضيلة الإمامة والتقدمة بها مختصة. ولهذا لما ~~بايع رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) الأنصار ليلة العقبة قال لهم ~~أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كنقباء بني إسرائيل، ففعلوا فصار ذلك طريقا ~~متبعا وعددا مطلوبا. # الوجه الثالث: قال الله (سبحانه وتعالى): @QUR@015 ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا فجعل الأسباط الهداة ~~إلى الحق في بني إسرائيل اثني عشر فتكون الأئمة الهداة في الإسلام اثني عشر. # الوجه الرابع: إن مصالح معايش العالم لما كانت في حصولها مفتقرة إلى ~~الزمان لاستحالة انتظام مصالح الأعمال ms024 وإدخالها في الوجود الدنيوي بغير ~~الزمان، وكان الزمان عبارة عن الليل والنهار وكل واحد منهما حال الاعتدال ~~مركب من اثني عشر جزءا تسمى ساعات، فكانت مصالح العالم مفتقرة إلى ما هو ~~بهذا العدد، وكانت مصالح الأمة مفتقرة إلى الأئمة وإرشادها فجعل عددهم كعدد ~~أجزاء الليل وأجزاء النهار للافتقار إليه كما تقدم. PageV01P042 # الوجه الخامس: وهو وجه صباحته واضحة وأنواره لائحة، وتقريره أن نور ~~الإمامة يهدي القلوب والعقول إلى سلوك طريق الحق ويوضح لها المقاصد في سلوك ~~سبل النجاة، كما يهدي نور الشمس والقمر أبصار الخلائق إلى سلوك الطريق ~~ويوضح لهم المناهج السهلة ليسلكوها والمسالك الوعرة ليتجنبوها، فهما نوران ~~هاديان أحدهما يهدي البصائر وهو نور الإمامة، والآخر يهدي الأبصار وهو نور ~~الشمس والقمر ولكل واحد من هذين النورين مجال يتناقلها. فمجال ذلك النور ~~الهادي للأبصار البروج الاثني عشر التي أولها الحمل وآخرها المنتهى إليه ~~الحوت فتنقل من واحد إلى آخر فيكون مجال النور الثاني الهادي للبصائر وهو ~~نور الإمامة منحصرا أيضا في اثني عشر. # تنبيه قد ورد في الحديث أن الأرض بما عليها محمولة على الحوت، وفي هذا ~~إشارة لطيفة وحكمة شريفة وهو أن مجال ذلك النور لما كان آخرها الحوت والحوت ~~حامل لأثقال هذا الوجود ومقر العالم في الدنيا، فآخر مجال هذا النور وهو ~~نور الإمامة أيضا حامل أثقال مصالح أديانهم وهو المهدي، وسيبين ذلك عند ~~نزول عيسى ((عليه السلام)) لقتل الدجال ويظهر على ما نطق به الحديث النبوي ~~وسيأتي بسط ذلك وتفصيله في موضعه إن شاء الله (تعالى). # الوجه السادس: وهو من جميع الوجوه أولاها مساقا وأجلاها إشراقا وأحلاها ~~مذاقا وأعلاها في ذرى الحكم طباقا، وتقريره أن النبي (صلوات الله عليه ~~وسلامه) لما قال الأئمة من قريش ذكر ذلك حاصرا به كون الأئمة من قريش. فلا ~~يجوز أن تكون الإمامة في غير قرشي ومتى عقدت الإمامة لغير قرشي وإن كان ~~عربيا فإنها لا تنعقد اجماعا، فقد صار هذا الوصف وهو كون محل الإمامة من ~~قريش في درجة الاعتبار نازلا منزلة ms025 التعليل بالعلة المنصوص عليها، وكون ~~الإنسان قرشيا PageV01P043 # صفة شرف يتقدم صاحبها على غيره وقد أومأ رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) إلى ذلك بقوله: «قدموا قريشا ولا تقدموها». # وإذا وضح ذلك فالذي عليه محققوا علماء النسب أن كل من ولده النضر بن ~~كنانة فهو قرشي، فمرد كل قرشي إلى النضر بن كنانة فالنضر هو دوحة يتفرع صفة ~~الشرف عليها وينبعث منها وترجع إليها. # وهذه القبيلة الشريفة كمل شرفها وعظم قدرها واشتهر ذكرها واستحقت التقدم ~~على بقية القبائل وسائر البطون من العرب وغيرها برسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم))، فنسب قريش ينحدر من النضر إلى رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) وشرف قريش ارتقى لها من رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~فرسول الله في الشرف بمنزلة مركز الدائرة بالنسبة إلى محيطها فمنه يرقى ~~الشرف، فإذا فرضت الشرف خطا متصاعدا متراقيا متصلا إلى المحيط مركبا من نقط ~~هي آباؤه أبا فأبا، وجدته ((صلى الله عليه وآله وسلم)) محمد بن عبد الله بن ~~عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن ~~غالب بن فهر بن مالك بن النضر، فالمركز الذي انبعث منه الشرف متصاعدا هو ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ووجدت المحيط الذي إليه تنتهي الصفة ~~الشريفة القرشية هو النضر بن كنانة فالخط المتصاعد الذي بين المركز وبين ~~المنتهى المحيط اجزاؤه اثني عشر جزءا. فإذا كانت درجات الشرف المعدودة ~~متصاعدا اثني عشر فيلزم أن تكون درجات الشرف متنازلا عن المركز اثني عشر ~~لاستحالة أن يكون الخطان الخارجان من المركز إلى المحيط متفاوتين، فالنبي ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) منبع الشرف الذي نور الإمامة منه يتقد متصاعدا ~~وهو (صلوات الله عليه وسلامه) منبع الشرف الذي هو محل الإمامة متنازلا ~~فيلزم أن يكون الأئمة اثني عشر فكما أن الخط المتصاعد اثني عشر فالخط ~~المتنازل اثني عشر وهم فكما أن الخط المتصاعد اثني عشر فالخط المتنازل اثني ~~عشر وهم ms026 علي والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن ~~ومحمد. فالأول من ثبتت له الصفة بأنه قرشي مالك بن PageV01P044 # النضر ولا يتعداه صاعدا وهو الثاني عشر، فكذلك منتهى من ثبتت له الإمامة ~~ولا يتعداه نازلا واستقرت فيه ولا إمام بعده محمد بن الحسن المهدي وهو ~~الثاني عشر. فانظر بعين الاعتبار إلى أدوار الأقدار كيف جرت بإظهار هذه ~~الأسرار في حجب الأستار بأنوار مشكاة الأفكار وفي هذا المقدار غنية وبلاغ ~~لذوي الاستبصار. # ولما قضى القلم وطره من مقصوده واستنفد فيما رقمه من المقدمة غاية ~~مجهوده، رفع رأسه عن مصافحة طرسه بسجوده، وخلع عنه من لباس نفسه سود بروده. ~~وبعد أن تمم هذه المقدمة بختامها وختمها بتمامها وأحكم أقسام إحكامها ~~وأحكام أقسامها لم ير الاطناب باستطلاع زيادة في فرائد قلائد نظامها ولا ~~الاسهاب بإيناع ثمرة غير ثمارها المستخرجة من أكمامها، فعطف أعطافه وصرف ~~لافه، وعكف سعيه وطوافه ووقف من تبعه ومصطفاه على رقم المقاصد الآتية ~~المأتية من أبوابها، ونظم فرائد القلائد السنية في سلك سحابها، وأبرز صفات ~~السجايا الشريفة في أرجاء جلبابها وإحراز قصبات الأجر بتأليفها لنجاة النفس ~~يوم مآلها ومآبها، يوم ترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها، وهذا الآن ~~أوان أن اطلق عنان القلم بجريانه في ميدان البيان وأرهق لسان تبيانه بتنضيد ~~جواهره الحسان المزرية بقلائد العقيان، وافتتح أبواب الكتاب الموصلة من نظر ~~فيها إلى تفصيل صفات الأئمة الأعيان المحصلة لمقتفيها تنويل قواعد عقائد ~~الإيمان، وقد جعلت أمام الأبواب فاتحة لا بد من تلاوتها قبل الاستفتاح، ~~ونزلتها منزلة زجاجة المصباح عند الاستصباح، فمن أصاخ لها بسمع قلبه أسمعته ~~حيعلة الفلاح ومن أشاح عنها بوجهه دعته إلى هاوية مساوئ الاجتراح. وهي هذه: # اعلم أيدك الله بروح منه أن الأئمة الأطهار المعدودة مزاياهم في هذا ~~المؤلف، والهداة الأبرار المقصودة سجاياهم بهذا لمصنف، لهم برسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) زيادة على اتصالهم به بالنسب الشريف، اتصالهم ~~به بواسطة فاطمة ((عليها السلام)). فبواسطتها زادهم الله PageV01P045 # تعالى فضل شرف ms027 وشرف فضل ونيل قدر وقدر نيل ومحل علو وعلو محل وأصل تطهير ~~وتطهير أصل. إنها ((عليها السلام)) قد خصت بفضل سجايا منصوص عليها ~~بانفرادها، وفضلت بخصائص مزايا صرح اللفظ النبوي بإيرادها، وميزت بصفات شرف ~~تتنافس الأنفس النفيسة في آحادها، وألبست شرف صفات غادرت نفائس ملابس الشرف ~~دون إبرادها، ثم شاركت في مناقب أخر وردت مشتركة بينها وبين أولادها، ودخلت ~~في عداد من خصهم الله (تعالى) من القرآن الكريم بإنزال آيات يلزم فرض ~~اعتقادها. فها أنا الآن أشرح هذا الاجمال بتفصيل ما انفردت به وما شاركت ~~فيه وأبين أقسام ذلك تبيينا أوفر عليه حقه من الإيضاح وأوفيه. # فأما ما حصل به الخصوص من النصوص الصحيح سندها الواضح جددها، فمنه ما ~~رواه الترمذي وأخرجه بسنده إلى حذيفة بن اليمان، وهو المأمور بتصديقه فيما ~~يحدث به في جملة حديث طويل يأتي ذكره مستقصى إن شاء الله (تعالى). قال: قال ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «إن هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط ~~قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن فاطمة سيدة أهل الجنة». # ومنه ما نقله الترمذي بسنده عن ابن الزبير عن رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) أنه قال: «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها وينصبني ما ~~ينصبها». # ومنه ما نقله الترمذي ورفعه بسنده ورواه عن جميع بن عمير التيمي قال: ~~دخلت على عمتي عائشة، فقلت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) من النساء؟، قالت: فاطمة قلت: ومن الرجال قالت: زوجها. # ومنه ما نقله الإمام البخاري والإمام مسلم وأبو داود والترمذي وهو ما ~~رواه المسور بن مخرمة، قال: كان علي ((عليه السلام)) قد خطب بنت أبي جهل بن ~~هشام ليتزوج بها وعنده فاطمة ((عليها السلام)) فخطب النبي ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) الناس على المنبر فسمعته PageV01P046 # يقول في خطبته وأنا يومئذ محتلم: «أن بني هشام استأذنوني في أن ينكحوا ~~ابنتهم عليا فلا اذن لهم ثم لا اذن لهم، لا تجتمع ms028 بنت رسول الله وبنت عدو ~~الله عند رجل واحد أبدا إن فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني» فلما سمع ~~علي ذلك ترك خطبتها. # ومنه ما أورده البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي (رض) في صحاحهم كل واحد ~~منهم يرفعه بسنده عن عائشة قالت: ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا برسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) من فاطمة. # وقالت: كانت فاطمة إذا دخلت على النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قام ~~إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه. وقالت: كن أزواج النبي عنده لما مرض لم ~~يغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) فلما رآها رحب بها وقال: «مرحبا يا ابنتي» ثم أجلسها ~~عن يمينه ثم سارها فبكت بكاء شديدا، فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت ~~فقلت لها: خصك رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) من بين نسائه ~~بالسرائر ثم أنت تبكين. فلما قام رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~سألتها ما قال لك رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قالت: ما كنت ~~لأفشي على رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) سره. قالت: فلما توفى ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قلت: عزمت عليك لما لي عليك من الحق ~~لما حدثتني ما قال لك رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)). فقالت: أما ~~الآن فنعم، أما حين سارني في المرة الأولى فإنه قال: «إن جبرائيل ((عليه ~~السلام)) كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضني الآن مرتين، وإني ~~لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله (تعالى) واصبري فإنه نعم السلف أنا ~~لك» قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: «يا ~~فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟» ~~فضحكت ضحكي الذي رأيت. # فثبت بهذه الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة كون فاطمة PageV01P047 # ((عليها السلام)) أحب إلى رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) من ~~غيرها وإنها سيدة ms029 نساء أهل الجنة وإنها سيدة نساء هذه الأمة وإنها بضعة من ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وأنه يؤذيه ما يؤذيها. # وفي رواية أخرى يريبني ما يريبها وإنه ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ينصبه ~~ما ينصبها وإن من أغضبها فقد أغضبه، وهذه الصفات من أعظم المناقب وأعلاها ~~وأقرب المذاهب إلى ذروة الشرف وأسماها ونفوس المتفاخرين تود لو تحلت بواحدة ~~منها وتتمناها. # وأما المشترك بينها وبين بنيها من مزايا الأوصاف ودخولها فيمن شمله رداء ~~الشرف المفوف الأطراف وجللهم سربال العلا المشرف الأكناف، وأدخلهم نص ~~الكتاب العزيز والقرآن الكريم في آية المباهلة بلا اختلاف وجعلهم أهل العبا ~~وسماهم ذوي القربى، وإنها لمنقبة معسولة الحلب محفلة الأخلاف وإيضاح ذلك وشرحه. # أما آية المباهلة فقد نقل الرواة الثقات والنقلة الأثبات أن سبب نزول آية ~~المباهلة هي قوله (تعالى): @QUR@021 فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين . # إنه قدم وفد نجران على رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ومعهم ~~راهبان مقدمان، يقال لاحدهما العاقب والآخر السيد فدعاهم رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) إلى الإسلام فقال الراهبان: قد أسلمنا قبلك، فقال: ~~«كذبتما إنه يمنعكم من الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب وأكلكم الخنزير ~~وقولكم لله ولد» قالا: هل رأيت ولدا بغير أب فمن أبو عيسى؟ فأنزل الله ~~(سبحانه وتعالى): @QUR@033 إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ~~قال له كن فيكون، الحق من ربك فلا تكن من الممترين، فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم فقل تعالوا الآية فلما نزلت هذه الآية مصرحة بالمباهلة دعا ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وفد نجران إلى المباهلة وتلا عليهم ~~الآية، قالوا له: PageV01P048 # حتى ننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا، فلما خلا بعضهم ببعض قالوا للعاقب- وكان ~~ذا رأيهم وصاحب مشورتهم- ما ترى من الرأي؟، فقال لهم: والله لقد عرفتم يا ~~معاشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل ووالله ما لا عن قوم ms030 قط ~~نبيا إلا هلكوا، فإن أبيتم الإقامة على دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا. فلما ~~أصبحوا جاءوا إلى رسول الله فخرج إليهم وهو محتضن الحسين ((عليه السلام)) ~~آخذ بيد الحسن وفاطمة خلفه وعلي خلفهما ويقول: «اللهم هؤلاء أهلي». قال ~~الشعبي قوله (تعالى): # ابناؤنا الحسن والحسين ((عليهم السلام)) ونساؤنا فاطمة وأنفسنا علي فقال ~~لهم رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «إذا أنا دعوت فآمنوا». # فلما رأى وفد نجران ذلك وسمعوا قوله قال لهم كبيرهم: يا معشر النصارى أني ~~لأرى وجوها لو سألوا الله (تعالى) أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله، فلا ~~تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى منكم على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، ~~فاقبلوا الجزية فقبلوها وانصرفوا. فقال رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)): «والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران ولو تلاعنوا ~~لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم الوادي عليهم نارا ولاستأصل الله نجران وأهله ~~حتى الطير على الشجر ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا». # فانظر بنور بصيرتك أمدك الله بهدايته إلى مدلول هذه الآية ويزيد مراتب ~~عباراتها وكيفية إشاراتها إلى علو مقام فاطمة ((عليها السلام)) في منازل ~~الشرف وسمو درجتها وقد بين ذلك رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~وجعلها بينه وبين علي تنبيها على سر الآية. # وحكمتها، فإن الله (عز وعلا) جعلها مكتنفة من بين يديها ومن خلفها ليظهر ~~بذلك الاعتناء بمكانتها. # وحيث كان المراد من قوله وأنفسنا نفس علي ((عليه السلام)) مع النبي ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) جعلها بينهما إذ الحراسة بالإحاطة بالأنفس أبلغ منها ~~بالأبناء في دلالتها. PageV01P049 # وأما جعلهم أهل العبا، فقد روى أئمة النقل والرواية فيما أسندوه واستفاض ~~عند ذوي العلم والدراية فيما أوردوه ما صرح به الإمام الواحدي في كتابه ~~المسمى بأسباب النزول، يرفعه بسنده إلى أم سلمة زوج النبي. ذكرت أن رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) كان في بيتها فأتته فاطمة ((عليها ~~السلام)) ببرمة فيها حريرة فدخلت بها عليه فقال لها «أدعي لي زوجك وابنيك» ~~قالت: فجاء ms031 علي والحسن والحسين فدخلوا فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) على دكان وتحته كساء خيبري. قالت وأنا في ~~الحجرة أصلي فأنزل الله عز وجل @QUR@011 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا . قالت: أخذ فضل الكساء فغشاهم به ثم أخرج يديه ~~فألوى بهما إلى السماء: ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي وحامتي فاذهب عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا». قالت: فادخلت رأسي البيت وقلت: # أنا معكم يا رسول الله، قال لي: «إنك إلى خير إنك إلى خير». # ونقل الترمذي في صحيحه أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) كان من ~~وقت نزول هذه الآية إلى قريب من ستة أشهر إذا خرج إلى الصلاة يمر بباب ~~فاطمة ((عليها السلام)) يقول: «الصلاة أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا». # وصرح الأستاذ أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) خرج وعليه مرط ~~مرجل أسود فجاء الحسن فادخله ثم جاء الحسين فادخله ثم جاءت فاطمة فأدخلها ~~ثم جاء علي، فأدخله ثم قال @QUR@011 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا فهؤلاء أهل بيته المرتقون بتطهيرهم إلى ذروة الكمال، ~~المستحقون لتوقيرهم مراتب الاعظام والإجلال، الموفقون لتأييدهم لانتهاج ~~مناهج الاستقامة والاعتدال، المستبقون لتسديدهم إلى مدارج معارج الفضائل ~~والأفضال. # هم العروة الوثقى لمعتصم بها %~% مناقبهم جاءت بوحي وإنزال PageV01P050 # مناقب في الشورى وسورة هل أتى %~% وفي سورة الأحزاب يعرفها التالي # وهم أهل بيت المصطفى فودادهم %~% على الناس مفروض بحكم واسجال # فضائلهم تعلو طريقة منتهى %~% رواة علوا فيها بشد وترحال # فهذه الأدلة من خصوص النصوص وصحاحها ووجوهها في دلائلها من مصابيح صباحها ~~قد ارضعت فاطمة ((عليها السلام)) درة الفضيلة والشرف بصراحها، وصدعت ~~ألفاظها الفصيحة ومعانيها البليغة في حقها بكمال امتداحها، فلهذا صار لهم ~~((عليهم السلام)) بواسطة فاطمة ((عليها السلام)) مزيد فضل ذي النهج إلى ~~الشرف الواضح، وفضل مزيد ذو ميزان في اعتبار الفخار الراجح، وظهر بها أن ~~فاطمة ((عليها السلام)) من أهل العبا الذين مدائحهم من ms032 المنائح ومنائحهم من ~~المدائح، والاستفتاح بهم إلى الله (تعالى) من أفتح المناجح وأنجح المفاتح، ~~فمن حاذر انتقال أعماله القبائح وآثر إقبال توفيقه الجامح، فليكثر الابتهال ~~تحت جلباب ليله الجانح وإسبال دمعه السافح ومقال لسانه النائح. # يا رب بالخمسة أهل العبا %~% ذوي الهدى والعمل الصالح # ومن هم سفن نجاة ومن %~% والاهم ذو متجر رابح # ومن لهم مقعد صدق إذا %~% قام الورى في الموقف الفاضح # لا تخزني واغفر ذنوبي عسى %~% اسلم من حر لظى لافح # فإنني أرجو بحبي لهم %~% تجاوزا عن ذنبي الفادح # فهم لمن والاهم جنة %~% تنجيه من طائره البارح # وقد توسلت بهم راجيا %~% لنجح سؤل المذنب الطالح # لعله يحظى بتوفيقه %~% فيهتدي بالمنهج الواضح # فيا من هو مؤمن خاشع وموقن طائع الحظ هذه المزايا التي فجر فخرها طالع ~~وفخر فجرها ساطع، وعرف عرفها ذائع شائع وأمر أمرها صادع وأمر آمرها واسع ~~والمنزلة التي دليل تحقيقها واضح وبرهان تصديقها قاطع. PageV01P051 # وأما كونهم ذوي القربى فقد صرح نقلة الاخبار المقبولة وأوضح حملة الآثار ~~المنقولة في مسانيد ما صححوه وأساليب ما أوضحوه عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس (رض) لما نزل قوله (تعالى): @QUR@09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى . قالوا يا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) من ~~هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «علي ~~وفاطمة وابناؤهما». # ومن جملة من نقل ذلك الإمامان الثعلبي والواحدي ((رضي الله عنهما)) وكل ~~واحد منهما رفعه بسنده، وكذا رواه الثعلبي أن رسول الله نظر إلى علي وفاطمة ~~والحسن والحسين ((عليهم السلام)) فقال: «أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن ~~سالمتم». # زيادة تبيين اعلم أن ارباب المودة المسئولة في الآية هم ذوو القربى، فكل ~~من اتصف [بالقربى] كان من مستحقي المودة المنصوص عليها، فإن الحكم المرتب ~~على سبب يثبت في كل محل يكون ذلك السبب موجودا فيه، وهؤلاء المذكورون ~~(عليهم سلام الله) وإن اشتركوا في ثبوت المودة لهم لاشتراكهم في سببها ~~المقتضى لها، لكن درجات ذلك متفاوتة، فكل من كان ms033 أقرب إلى رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) كان السبب في حقه أقوى، وقد انعقد اجماع العلماء على ~~أن درجة الولادة راجحة على غيرها من درجات الباقين، حتى صرحوا في تصانيفهم ~~العلمية، وتآليفهم الحكمية بأن الرجل لو وقف على أقرب الناس إلى زيد، أو ~~أوصى لأقرب الناس إلى زيد وليس له أب، تقدم في الوقف والوصية أولاده على ~~جميع أقاربه وإن كان له أب، فهل تقدم الأولاد على الأب أو يستوي معهم فيه ~~خلاف مشهور، وفي هذا كشف وبيان بأن فاطمة ((عليها السلام)) أعلى رتبة في ~~مادة المودة ورتبة القرابة. # وإذا أظهر بما تقرر من الأساليب المستصوبة، والشآبيب المستعذبة PageV01P052 # ما لفاطمة ((عليها السلام)) من المزايا المهذبة وما حصل بواسطتها للائمة ~~((سلام الله عليهم)) من زيادة المنقبة وعلو المرتبة، فلا بد من الوفاء لها ~~في أحوالها المرتبة بمثل ما التزم الأئمة ((عليهم السلام)) في الأبواب ~~الآتية المبوبة، من كيفيات أحوالهم المتقلبة وأوقات ولادتهم المنتجبة وأيام ~~وفاتهم المذنبة. # فأقول: قد تقدم القول أن فاطمة ((عليها السلام)) كانت أحب إلى رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم))، فإنها كانت آخر أولاده ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) من خديجة (رض)، فإن جميع أولاد رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) كانوا من خديجة (رض) إلا إبراهيم فإنه كان من مارية القبطية. وكان ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) قد تزوج بخديجة وعمره خمس وعشرون سنة وكان ~~عمرها يومئذ أربعين سنة وأقامت معه اربعة وعشرين سنة وشهورا ولم ينكح امرأة ~~حتى ماتت، وتوفيت بعد أبي طالب بثلاثة أيام وولدت له أولا القاسم وبه كان ~~يكنى، ثم ولدت له الطاهر ثم الطيب، وولدت له من البنات رقية وزينب وأم ~~كلثوم وفاطمة، وكان أكبر بنيه القاسم وأكبر بناته رقية ثم زينب ثم أم كلثوم ~~ثم فاطمة ((عليها السلام)) فكانت أصغر بناته، والإنسان بطبعه البشري ~~وإشفاقه الذاتي يميل إلى أصغر أولاده ما لا يميل إلى الأكبر لا سيما وقد ~~مات جميع أولاده سواها في حال حياته ولم يبق ms034 غيرها من أولاده الذكور ~~والإناث. # وكان مولد فاطمة (صلى الله عليها ورضي عنها) وقريش تبني الكعبة قبل ~~النبوة بخمس سنين، وزوجها بعلي ((عليه السلام)) في شهر رمضان من السنة ~~الثانية من الهجرة وبنى بها في ذي الحجة، وقيل سوى ذلك، لكن هذا أرجح، ولما ~~تزوجها بعث النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) معها بخميلة ووسادة من ادم ~~حشوها ليف ورحاء اليد وسقاء وجرتين، فقال لها علي ((عليه السلام)) ذات ~~ليلة: والله لقد سنوت (يعني استقيت الماء) حتى اشتكيت صدري وقد جاء الله ~~أباك بسبى فاذهبي PageV01P053 # فاستخدميه، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت النبي ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) فقال: «ما جاء بك يا بنيه» قالت: جئت لأسلم عليك ~~واستحيت أن تسأله ورجعت، فقال: ما فعلت قالت: استحيت. # فأتياه جميعا، فقال علي ((عليه السلام)): يا رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة ((عليها ~~السلام)): قد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبي فاخدمنا، فقال ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)): «لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما ~~أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم». فرجعا فأتاهما النبي ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطيا رءوسهما تكشفت ~~أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رءوسهما، فثارا فقال: مكانكما ثم قال ~~لهما: «ألا أخبركما بخير مما سألتماني» قالا: بلى قال: «كلمات علمنيهن ~~جبرئيل تسبحان في دبر كل صلاة عشرا وتحمدان عشرا وتكبران عشرا فإذا أويتما ~~إلى فراشكما تسبحان ثلاثا وثلاثين وتحمدان ثلاثا وثلاثين وتكبران أربعا ~~وثلاثين». # قال علي ((عليه السلام)): فو الله ما تركتهن مذ علمنيهن رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) فقال له ابن الكوا: ولا ليلة صفين؟ فقال: ولا ليلة صفين. # فولدت فاطمة لعلي ((عليهما السلام)) الحسن والحسين ((عليهما السلام)) ~~ومحسنا وزينب ورقية وأم كلثوم. # فأما الحسن والحسين ((عليهما السلام)) فسيأتي تفصيل أمرهما فيما بعد، ~~وأما محسن فدرج سقطا، وأما زينب فتزوج بها عبد ms035 الله بن جعفر فولدت له عبد ~~الله أو عونا وماتت عنده، وأما أم كلثوم فتزوج بها عمر بن الخطاب فولدت له ~~ولدين، فلما قتل عمر تزوج بها بعده عون بن جعفر فلم تلد له، فلما مات ~~تزوجها بعده محمد بن جعفر فولدت له، فلما مات عنها تزوجها بعده عبد الله بن ~~جعفر بعد زينب، PageV01P054 # فلم تلد له وماتت عنده، وأما رقية فقيل ماتت ولم تبلغ. # ولما زوج رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فاطمة من علي ((عليهما ~~السلام))، كان عمرها يومئذ ثماني عشرة سنة وبنى بها على ما سبق في السنة ~~الثانية من الهجرة، وكان من بركة هذا التزويج والتزوج وآثاره أن جعله الله ~~سببا لتحريم الخمر ومطهرا منها ومنزها من استعمالها وحارسا للعقل الذي هو ~~أشرف ما وهبه الله للإنسان، وجعله مناط التكاليف المتوجه نحوه عن اختلاله ~~وزواله وإلحاق الشارب لها عند خلل عقله بذي الجنون في تخبطه وخباله. # وإيضاح ذلك ما رواه الناقلون ونقله الراوون أن عليا ((عليه السلام)) لما ~~تزوج فاطمة ((عليها السلام))، وأراد الدخول بها أنه قال: # كان لي شارف من الغنم- والشارف هي المسنة من الإبل- قال: ودفع إلي رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) شارفا من الخمس، فواعدت صواغا من بني ~~قينقاع يخرج معي باذخر لأبيعه من الصواغين فاستعين بثمنه على الدخول بفاطمة ~~((عليها السلام)) وعرسها، قال فعقلت شارفي عند حائط لرجل من الأنصار ومضيت ~~لأجمع الحبال والغرائر والأقتاب، فجئت وقد بقر بطن شارفي وشقت بطونهما ~~واجتثت اسنمتهما، قال فلم أملك عيني ان بكيت ثم قلت: من فعل هذا بشارفي قالوا: # عمك حمزة وها هو ذا في البيت مع شرب غنتهم قينة فقالت: # ألا يا حمز ذا الشرف النواء %~% وهن معقلات بالفناء # ضع السكين في اللبات منها %~% فضرجهن حمزة بالدماء # وعجل من شرائحها كبابا %~% ملهوجة على جمر الصلاء # وأصلح من أطايبها طبيخا %~% لشربك من قديد أو شواء # فأنت أبو عمارة والمرجى %~% لكشف الضر عنا والبلاء # فقام إلى شارفيك ففعل بهما ما ترى، قال علي ms036 ((عليه السلام)): # فجئت إلى رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وهو في بيت أم PageV01P055 # سلمة ومعه زيد مولاه، فقال: «ما لك فداك أبي وأمي يا علي» فقلت: إن عمك ~~حمزة فعل بشارفي كذا وأخبرته الخبر، فقام رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) ولبس نعليه ورداءه ومشى بين أيدينا واتبعته أنا وزيد فسلم واستأذن ~~ودخل البيت، فقال: «يا حمزة ما حملك على أن فعلت ما فعلت بشارفي ابن أخيك» ~~فرفع رأسه وجعل ينظر إلى صدر رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وإلى ~~ساقيه ويصوب النظر إليه ثم قال: # ألستم وآبائكم عبيدا لأبي؟ فرجع رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~القهقرى فقال: «إن عمك قد ثمل وهما لك علي» فغرمهما النبي ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم))، فلما أصبح غدا حمزة إلى رسول الله يعتذر، فقال له: «مه يا عم ~~فقد سألت الله (تعالى) فعفا عنك» فكان ذلك سبب حراسته العقل الشريف من ~~زواله بشرب الخمر فحرمت لذلك. # فأصخ بسمعك لنفعك إلى متلو هذا النبأ العظيم وانظر ببصيرة قلبك إلى مجلو ~~حكمة حكمه العميم، وتدبر بثاقب فكرك ما لأجله خصت الخمرة بالتنجيس ~~والتحريم، فإنه لما كان العقل مناط معرفة المصالح والمفاسد وبه تعلم أقدار ~~مراتب المراشد، وهو على الحقيقة معيار اعتبار الأعمال والمقاصد وحكم عدل ~~يميز بين صفاء المصادر وأكدار الموارد، وصدر من حمزة في حق علي ما لو أن ~~عقله معه ما أتاه بل لكان سارع إلى ما تصل إليه يدا مكانه فمنحه إياه ~~وأتاه، لكن لما نزح أو حجب عنه عقله قبح لذلك فعله ووضح بما اقدم عليه ~~جهله، فحرم الله (سبحانه) الخمر وحكم بنجاستها وأمر رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) كل من كانت عنده بإراقتها، وأوجب الحد على من شربها ~~ترهيبا من مقاربتها وترغيبا في مجانبتها لتسلم العقول عن أن يتطرق إليها ~~خلل الزوال وتحرس على أربابها فلا يشينها زلل الاختلال. # ولا يخفى أن في حفظ العقول عليهم منة تقلد أجياد العباد فلا بد ms037 من شكرها ~~ونعمة يعظم عند ذوي الدراية والمعرفة مقدار قدرها. PageV01P056 # وهذا الحكم المشتمل على هذه الحكمة مضاف إلى سببه معدود من مزايا مثيره ~~ومناقبه شاهد بعلو مكانة من وجد لأجله عند الله (عز وجل) وعنايته به فكر ~~غاية التعريس بفاطمة ((عليها السلام))، أنقذ الله تعالى أقداره وأنزل ذلك ~~الحكم وأوجب إظهاره ورفع على أمد الأبد مناره، وشرع بغير قيد شعاره وبسط في ~~أقطار البسيطة آثاره. # وقد ورد في اللفظ النبوي صلوات الله على مصدره: الصيد لمن أثاره، فهذه ~~النعمة بحفظ العقول وحراستها عن أفولها لو لا فاطمة لما نضد عقد حصولها، ~~وكفى بها منقبة تشهد باجتماع الشرف لها من فروعها وأصولها. # ثم لما دخل علي بها في ذي الحجة من السنة الثانية من الهجرة على ما تقدم، ~~ولدت له في السنة الثالثة من الهجرة الحسن ((عليه السلام)) وسيأتي تفصيل ~~ذلك في بابه إن شاء الله (تعالى)، وولدت بعده الحسين ((عليه السلام)) ~~وبينهما مدة الحمل، وكانت من أكمل النساء عقلا ودينا وقد وصفها رسول الله ~~به بالاتفاق واثبت لها صفة الكمال على الاطلاق، فقال فيما أسندته نقله ~~الصحاح وروته من ألفاظه الفصاح، يرفعه كل واحد من البخاري ومسلم والترمذي ~~بسنده في صحيحه عنه ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «كمل من الرجال كثير، ولم ~~يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد ~~وفاطمة بنت محمد ((صلى الله عليه وآله وسلم))»، فأفاض عليها حلة الكمال ~~وناهيك بها خلة هي أشرف الخلال. # تنبيه وإيقاظ: # اعلم أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قد حكم بصفة الكمال لكل ~~واحدة من هؤلاء الأربع مريم وآسية وخديجة وفاطمة فكل واحدة منهن كاملة في ~~ذاتها وقد اختصت فاطمة دونهن بحصول أسباب تقتضي علو درجتها في صفتها على ~~رفيقاتها لم تحصل لواحدة منهن PageV01P057 # فتكون باعتبار تلك الزيادة أكمل منهن. # وبيان ذلك أن صفة الكمال ثابتة لكل واحد من أصليها: رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) وخديجة (رض). # أما كمال رسول الله ((صلى ms038 الله عليه وآله وسلم)) وإليه المنتهى وهو ~~الغاية القصوى، وأما خديجة فقد ثبت كمالها بالحديث المذكور والولد جزء من ~~الأبوين، فتضاف إلى كمال فاطمة لذاتها زيادة من كمال أبيها وكمال أمها، ~~فتكون أكمل النساء على الاطلاق وفي ذلك دلالة شافية وتبصرة كافية. # وكانت وفاتها بعد رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بشهيرات قيل ستة ~~وقيل ثلاثة وقيل شهرين، والأول أصح فإنها توفيت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون ~~من شهر رمضان سنة إحدى عشرة وهي بنت ثمان وعشرين سنة وأشهر وغسلها أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) وصلى عليها وقيل صلى عليها ~~العباس ((رضي الله عنه)) ودفنت في البقيع ليلا. # إيقاظ وفائدة: # نقل عن بعض الشيعة أنه قال أن فاطمة ((رضي الله عنها)) كان عمرها يوم ~~وفاتها ثماني عشرة سنة، وهذا وهم منه فإن النقل الصحيح الذي لا خلل فيه ~~أنها ولدت وقريش تبني الكعبة. هكذا نقله أرباب السير والتاريخ وفي هذا حجة ~~بالغة على أن عمرها كان ثمانيا وعشرين سنة فإن رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) كان عمره لما بنت قريش الكعبة خمسا وثلاثين سنة قبل النبوة ~~بخمس سنين، وكانت قريش في بنيان الكعبة قد اقتسموها أرباعا كل ربع منها ~~لطائفة من قريش، فلما بلغوا من البناء حد الركن اختلفوا فيمن يضع الحجر ~~الأسود مكانه من الركن، فكل طائفة طلبت ذلك فلما امتد اختلافهم اتفقوا ~~[على] أن أول داخل عليهم من باب الحرم يحكموه. فدخل النبي (صلى الله عليه PageV01P058 # وآله وسلم) فقالوا هذا محمد ((صلى الله عليه وآله وسلم))- وكانوا يسمونه ~~الأمين- رضينا به، فلما حكموه قال: «هلموا ثوبا» فاحضروا ثوبا فبسطه ووضع ~~الحجر فيه ثم قال: «لتأخذ كل طائفة بربع الثوب» فرفعوه جميعهم فاشتركت ~~الطوائف من قريش كلها في رفعه، فلما وصلوا إلى موضعه من الركن تناوله النبي ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) بيده ووضعه مكانه ثم قال: تمموا البناء. # هذه صورة بناء قريش [الكعبة] وتحكيم النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~في ذلك وعمره خمس وثلاثون ms039 سنة، فإذا كانت فاطمة ((عليها السلام)) قد ولدت ~~له في ذلك العام ومات ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وعمره ثلاث وستون سنة، ~~وماتت بعده بشهيرات فيكون عمرها ثمانيا وعشرين سنة فظهر لك أن الذي ذكروه ~~وهم وإن الصحيح هو هذا الذي عليه الجمهور. # استبصار لذوي الأبصار: # لما كانت فاطمة ((عليها السلام)) قد اكتنفتها صفة الشرف لذاتها وأحاطت ~~بها الفضيلة من جميع جهاتها من أصلها وفرعها وما بينهما فأصلها رسول الله ~~محمد ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وخديجة، وفرعها الإمامان السيدان الحسن ~~والحسين ((عليهما السلام)) وما بينهما علي وفاطمة ((سلام الله عليهما ))، ~~فلم تكتسب من غيرهم شرفا ولا اتخذت من سواهم مألفا، وامتزجت بهم أمشاجا ~~أولا وآخرا حتى لا تجد عنه منصرفا، فاقتضت الحكمة الإلهية الواضحة المنهاج ~~الصادقة في دلالة الامشاج الصادعة لصحة الاستشهاد عند الاحتجاج أن كانت مدة ~~سني بقائها في الدنيا بعده مدة اسماء من اكتنفها وانها [لما] استوفت ذلك ~~العدد نقلها الله (عز وعلا) إلى جواره وأزلفها. # وكشف ذلك وإيضاحه أن محمدا ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وحروفه أربعة ~~وخديجة وحروفها خمسة فتلك تسعة، وفروعها الحسن وحروفه خمسة والحسين وحروفه ~~ستة فتلك احد عشر، وما بين الأصل والفرع علي PageV01P059 # وفاطمة ((عليهما السلام)) وحروفهما ثمانية فالجملة ثمانية وعشرون وكان ~~عمرها في الدنيا بقدرها ثمانيا وعشرين سنة ووراء هذا الاستبصار زيادة ~~اعتبار: # فإنها لما كانت ولادتها قبل النبوة بخمس سنين كانت مقابلة بحروف أمها ~~خديجة وهو أول الأمر، ولما كان وقت انتقالها عن مكة مسقط رأسها إلى المدينة ~~دار الهجرة إلى وقت وفاتها احد عشر سنة كان مقابلا بحروف فرعها الحسن ~~والحسين ((عليهما السلام)) وهو آخر الأمر. # ولما كان من وقت النبوة وبعثة أبيها ((صلى الله عليه وآله وسلم)) إلى وقت ~~الهجرة إلى المدينة ما بينهما اثنتي عشرة سنة كان مقابلا بحروف محمد وعلي ~~وفاطمة، فانظر إلى هذا الاعتبار والخطة بعين الاستبصار ففيه نور يهدي أرباب ~~الألباب وذوي الأفكار ويقتدي به من يؤمن أن الأقدار قد تمنح بعض القلوب ~~شيئا ms040 من مشكاة الأنوار. # وحيث بلغ القلم مراده من المقاصد الواضحة في قواعد المقدمة والفاتحة أردف ~~ذلك بإثبات الأبواب الشارحة والفصول المشتملة على تلك المزايا الشريفة ~~والسجايا الصالحة وهي اثني عشر بابا لكل إمام باب يخصه. # فالأول لعلي المرتضى، الثاني للحسن التقي، الثالث للحسين الزكي، الرابع ~~لعلي زين العابدين، الخامس لمحمد الباقر، السادس لجعفر الصادق، السابع ~~لموسى الكاظم، الثامن لعلي الرضا، التاسع لمحمد القانع العاشر لعلي ~~المتوكل، الحادي عشر للحسن الخالص، الثاني عشر لمحمد الحجة المهدي عليهم ~~أجمعين سلام الله. PageV01P060 ### | الباب الأول في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) PageV01P061 # الباب الأول في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) وهو مشتمل ~~على اثني عشر فصلا: # الأول في ولادته، الثاني في نسبة أبا وأما، الثالث في اسمه وكنيته ولقبه، ~~الرابع في صفته، الخامس في محبة الله (تعالى) ورسوله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) له ومؤاخاة الرسول إياه، السادس في علمه وفضله، السابع في عبادته ~~وزهده وورعه، الثامن في شجاعته وجهاده ومواقفه، التاسع في كراماته، العاشر ~~في فصاحته وجمل من كلامه، الحادي عشر في أولاده، الثاني عشر في مبلغ عمره ~~ووفاته ومقتله. ### | الفصل الأول: في ولادته وما يتعلق بها: # ولد ((عليه السلام)) في ليلة الأحد الثالث والعشرين من شهر رجب سنة تسع ~~مائة وعشر من التاريخ الفارسي المضاف إلى الاسكندر وكان ملك الفرس يومئذ ~~مستمرا وكان ملكهم ابرويز بن هرمز. # وقيل ولد بالكعبة البيت الحرام وكان مولده بعد أن تزوج رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) بخديجة (رض) بثلاث سنين، وكان عمر رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) يوم ولادته ثمانيا وعشرين سنة. # فلما نشأ وكبر أصاب أهل مكة جدب شديد وقحط مؤلم اجحف بذوي الثروة وأضر ~~إلى الغاية بذوي العيال، فقال رسول الله (صلى الله PageV01P063 # عليه وآله وسلم) لعمه العباس وكان من أيسر بني هاشم: «يا عم إن أخاك أبا ~~طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله، ~~آخذ من بنيه ms041 رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفهما عنه» قال العباس: نعم، فانطلقا ~~حتى أتيا أبا طالب فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن ~~الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا وطالبا فاصنعا ~~ما شئتما، فأخذ رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) عليا ((عليه ~~السلام)) فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه فلم يزل علي مع رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) حتى بعثه الله (تعالى) نبيا فاتبعه وآمن به ~~وصدقه، وبعث رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يوم الاثنين وصلى علي ~~يوم الثلاثاء. # ولما أنزل الوحي على رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وشرفه الله ~~(سبحانه وتعالى) بالنبوة كان علي ((عليه السلام)) يومئذ لم يبلغ الحلم وكان ~~عمره إذ ذاك في السنة الثالثة عشرة وقيل أقل من ذلك وقيل أكثر منه وأكثر ~~الأقوال وأشهرها أنه كان لم يكن بالغا فإنه أول من أسلم وآمن برسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) من الذكور وقد ذكر ((عليه السلام)) ذلك وأشار ~~إليه في أبيات قالها بعد ذلك بمدة مديدة نقلها عنه الثقات ورواها النقلة ~~الأثبات. # محمد النبي أخي وصنوي %~% وحمزة سيد الشهداء عمي # وجعفر الذي يضحي ويمسي %~% يطير مع الملائكة ابن أمي # وبنت محمد سكني وعرسي %~% منوط لحمها بدمي ولحمي # وسبطا احمد ابناي منها %~% فأيكم له سهم كسهمي # سبقتكم إلى الإسلام طرا %~% غلاما ما بلغت أوان حلمي # وأوجب لي ولايته عليكم %~% رسول الله يوم غدير خم # [فويل ثم ويل ثم ويل %~% لمن يلقى الإله غدا بظلمي] # ونقل عن جابر بن عبد الله قال سمعت عليا ((عليه السلام)) ينشد PageV01P064 # ورسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يسمع. فقال: # أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي %~% به ربيت وسبطاه هما ولدي # جدي وجد رسول الله منفرد %~% وفاطم زوجتي لا قول ذي فند # صدقته وجميع الناس في بهم %~% من الضلالة والإشراك والنكد # قال فتبسم رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وقال صدقت يا ms042 علي. ~~ورباه النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وأزلفه وهداه إلى مكارم الأخلاق وثقفه. # وكان رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) إذا أراد الصلاة خرج إلى ~~شعاب مكة مستخفيا وأخرج عليا معه فيصليان ما شاء الله فإذا قضيا صلواتهما ~~وأمسيا رجعا إلى مكة إلى مكانهما فمكثا كذلك يصليان على استخفاء من أبي ~~طالب وسائر عمومتهما وقومهما. # ثم إن أبا طالب عبر عليهما وهما يصليان وقال لرسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)): يا بن أخي ما هذا الذي أراك تدين فقال: # «يا عم هذا دين الله (تعالى) ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم ~~بعثني الله (تعالى) به رسولا إلى العباد، وأنت يا عم أحق من بذلت له ~~النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه» وقال له علي ~~((عليه السلام)): يا أبت قد آمنت برسول الله واتبعته وصليت معه لله ~~(تعالى). فقال له: يا بني أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه. # ونقل عن يحيى بن عفيف قال: حدثني أبي قال: كنت جالسا مع العباس بن عبد ~~المطلب بمكة قبل أن يظهر أمر رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فجاء ~~شاب فنظر إلى السماء حين تحلقت الشمس، ثم استقبل الكعبة فقام يصلي، فجاء ~~غلام فقام عن يمينه ثم جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام ~~والمرأة ثم رفع فرفعا ثم سجد فسجدا، فقلت: يا عباس، أمر عظيم! فقال العباس: ~~أمر عظيم: # أتعرف، من هذا الشاب؟ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن PageV01P065 # أخي، أتدري من هذا الغلام؟ علي بن أبي طالب ابن أخي، أتدري من المرأة؟ ~~هذه خديجة بنت خويلد. إن ابن أخي هذا حدثني أن ربه رب السماوات والأرض أمره ~~بهذا الذي هو عليه ولا والله ما على ظهر الأرض اليوم على هذا الدين غير ~~هؤلاء. فهذا تلخيص أمر ولادته وما تبعها. ### | الفصل الثاني: في نسبه من الطرفين: # أما من جهة الاب فهو علي بن أبي طالب واسم أبي طالب عبد ms043 مناف بن عبد ~~المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي، يجتمع هو ورسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) في جدهما هو عبد المطلب وكان عبد الله والد رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وأبو طالب والد علي ((عليه السلام)) ~~أخوين لاب وأم، كانت أمهما فاطمة بنت عمرو بن عابد المخزومي القرشي فهذا ~~نسبه من جهة الاب. # وأما من جهة الأم فأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف تجتمع هي وأبو ~~طالب في هاشم بن عبد مناف، وأسلمت وهاجرت وكانت هي أم جعفر وعقيل وطالب ~~أخوة علي ((عليه السلام)) وكان هؤلاء أخوته لأبويه. ### | الفصل الثالث: في اسمه ولقبه وكنيته: # أما اسمه فكان يسمى حيدرة فسماه النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) عليا. # وأما لقبه فالمرتضى وأمير المؤمنين والوصي وأما كنيته فأبو الحسن وأبو ~~تراب، كناه بذلك رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وكان علي ((عليه ~~السلام)) يحب كنيته بأبي تراب ويفرح إذ دعي بها. # وإيضاح سبب ذلك ما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سهل بن ~~سعد الساعدي (ر ض)، قال: إنه جاء رجل يوما فقال له: إن فلانا أمير المدينة ~~يذكر عليا عند المنبر، قال: # فيقول ما ذا قال: يقول أبو تراب فضحك سهل وقال: والله ما سماه به إلا PageV01P066 # النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وما كان له اسم أحب إليه منه، فسأل ~~الرجل سهلا عن ذلك فقال: إن رسول الله جاء ابنته فاطمة ((عليها السلام)) ~~فلم يجد عليا في البيت فقال: اين ابن عمك فقالت كان بيني وبينه شيء ~~فغاضبني فخرج فلم يقل عندي، فقال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~لانسان: انظر أين هو فقال: يا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) في ~~المسجد راقد، فجاءه رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وهو مضطجع قد ~~سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب فجعل رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب فصارت أحب ms044 كناه إليه. ### | الفصل الرابع: في صفته: # كان ((عليه السلام)) آدم شديد الأدمة، ظاهر السمرة عظيم العينين أقرب إلى ~~القصر من الطول لم يجاوز حد الاعتدال في ذلك، ذا بطن كثير الشعر عريض ~~اللحية أصلع أبيض الرأس واللحية، لم يصفه أحد من العلماء بالخضاب غير سودة ~~بن حنظلة فإنه قال رأيت عليا أصفر اللحية ولم ينقله غيره ويشبه أن يكون ~~محمل كلامه أنه قد خضب مرة ثم تركه، وقد انتشر بين المخبرين واشتهر لأعين ~~المستبصرين وظهر في زبر الأثرين وصدر عن السنة الآخرين، أن من صفاته التي ~~تخصص بإضافة نسبتها إليه ونعوته التي تقمص بإضافة لباسها عليه الأنزع ~~البطين، حتى صارت عليه علما للناظرين وقدرها الله (جل وعلا) من صفايا صفاته ~~((عليه السلام)) وهو خير القادرين، ولقد قذف نجو المحاضرة في أصداف الأسماع ~~من لآلئها المنظومة مما استخرجته أيدي القرائح من منائح أقسامها الموهوبة ~~ومواهبها المقسومة، ما لفت ليت كل قلب الى التتام غررها المجلوة واستجلاء ~~وجوهها الملثومة من نظم القائل في البحر الكامل: # من كان قد عرفته مدية دهره %~% ومرت له أخلاق سم منقع # فليعتصم بعرى الدعاء ويبتهل %~% بإمامه الهادي البطين الأنزع PageV01P067 # نزعت عن الآثام طرا نفسه %~% ورعا فمن كالأنزع المتورع # وحوى العلوم عن النبي وراثة %~% فهو البطين بكل علم مودع # وهو الوسيلة في النجاة إذ الورى %~% رجفت قلوبهم لهول المجمع # فهذا تلخيص ما ورد في صفته وزبدة ما قيل في حليته، ومما يستفتح أبواب ~~المسامع من واردات طلائع البدائع في معنى صفة البطين، لأنزع، ما هو ألذ عند ~~السامع من حصول الغنى للبائس القانع ووصول الأمن إلى قلب الخائف الخاشع، ~~وهو أنه ((عليه السلام)) لما اشتمل عليه رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) بتربيته إياه ومتابعته في هداه فكان بأوامره ونواهيه يروح ويغتدي، ~~وبشعاره يتجلبب ويرتدي وباستبصاره في اتباعه يأتم ويهتدي، وعلى الجملة. # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه %~% فإن قرين بالمقارن يقتدى # خصه الله (عز وعلا) من أنوار النبوة المنتشرة في الآفاق بنفس زكية شريفة ~~مستنيرة ms045 الإشراق، قابلة بصفاتها لانطباع صور مكارم الأخلاق مطهرة لذكائها ~~من اقتراب كدر الكفر وشقاق النفاق، فنزغت لطهارتها عن ظلمات الشرك وفتكات ~~الإفك، فكان ((عليه السلام)) أول ذكر آمن برسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم))، وصلى معه بغير شك ونزعت نفسه إلى تكسير الأصنام والتماثيل وتطهير ~~المسجد الحرام من الأوثان والأباطيل، وتغيير أساليب الشك والأضاليل حتى روى ~~الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بسنده يرفعه إليه ((عليه السلام)). # قال: انطلقت أنا والنبي ((عليه السلام)) حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): اجلس، فجلست وصعد على منكبي، فذهبت ~~لأنهض به فرأى في ضعف الصبي، فنزل وجلس لي نبي الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم))، فقال: اصعد على منكبي فصعدت على منكبه فنهض بي، فلقد خيل إلي أني ~~لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت وعليه تمثال من صفر أو نحاس ~~فجعلت ازاوله عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه حتى PageV01P068 # استكمنت منه، فقال لي رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): اقذف به ~~فقذفته فتكسر كما تتكسر القوارير ثم نزلت، فانطلقنا أنا ورسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس. # ونزعت نفسه عن ارتكاب السيئات فاجتهد في اجتنابها، ونزعت إلى اجتناب ~~الشهوات فجد في قطع أسبابها ونزعت إلى اكتساب الطاعات فسعى في اقترابها ~~واقتنى ثوابها، ونزعت إلى احتقاب الحسنات فارتدى بجلبابها وانتدى سور ~~محرابها، فلهذا لما رجحت نفسه الزكية بكثرة ما نزعت عنه من المجتنب وترقت ~~إليه من المقترب، اغتدى احق بصفة الانزعية وأحرى بها، فاعتبار هذه الألفاظ ~~المستتلاة للمعاني والمباني المستعلاة والمجاني المستحلاة صارت له ((عليه ~~السلام)) لفظة الانزع من المدائح [المستجناة والمثاني المستجلاة] ولما ~~اكتنفت العناية الإلهية وأحاطت الألطاف الربانية واحدقت الرأفة الملكوتية ~~برسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، فجعلت قلبه مشكاة لأنوار النبوة ~~والرسالة وأنزل الله عليه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم، وعلي يومئذ ~~مشمول ببركات تربيته ms046 محصول له ثمرات حنوه عليه، فشفقته لمع من تلك الأنوار ~~بارقها وطلع من آفاق مشكاتها شارقها، فاستنار قلب علي بتلك الأنوار وزكا ~~بتلك الأثمار وصفا من شوائب الأكدار واستعد لقبول ما يفيض عليه من أسرار ~~العلوم وعلوم الاسرار، ويجعل فيه من مقدار الحكم وحكم الأقدار فتحلى بيمن ~~الإيمان وتزين بعوارف المعرفة واتصف بمحكم الحكمة وأدرك أنواع العلم، فصارت ~~الحكم من ألفاظه ملتقطة وشوارد العلوم الظاهرة والباطنة به انسه وعيونها من ~~قلب قلبه منفجرة، ولم يزل بملازمة رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~يزيده الله (تعالى) علما حتى قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~فيما نقله الترمذي في صحيحه بسنده عنه: # «أنا مدينة العلم وعلي بابها» فكان من غزارة علمه يذلل جوامح القضايا ~~ويوضح مشكلات الوقائع ويسهل مستصعب الأحكام، فكل علم كان له فيه أثر وكل ~~حكمة كان له عليها استظهار وسيأتي تفصيل هذا التأصيل PageV01P069 # في الفصل السادس المعقود لبيان علمه وفضله إن شاء الله. # وحيث اتضح ما آتاه الله (عز وعلا) من أنواع العلم وأقسام الحكمة فباعتبار ~~ذلك وصف بلفظة البطين، فإنها لفظة يوصف من هو عظيم البطن متصف بامتلائه ~~ولما كان علي ((عليه السلام)) قد امتلأ علما وحكمة وتضلع من أنواع العلوم ~~وأقسام الحكمة ما صار غذاء له مملوءا به، وصف باعتبار ذلك بكونه بطينا من ~~العلم والحكمة كمن تضلع من الأغذية الجسمانية ما عظم به بطنه فصار باعتباره ~~بطينا فاطلقت هذه اللفظة نظرا إلى ذلك. # هذا هو المعنى الذي أهدته هداة الرواة إلى ألسنة الأقلام، ووراءه معنى ~~اطلعت زهره بروح هداية الإلهام وأينعت زهره مروج دراية الإفهام، يطرب ~~سامعيه ويعجب من يعيه ولا غرو أن أطرب وأعجب بليغ المعاني وفصيح الكلام، ~~وتقريب تقريره وتهذيب تحريره إن لفظة بطين هي لفظة فعيل ولفظة فعيل معدولة، ~~فتارة تكون معدولة عن فاعل كشهيد وعليم عن شاهد وعالم، وتارة عن مفعول ~~كقتيل وجريح عن مقتول ومجروح، وتارة عن مفاعل كخصيم ونديم عن مخاصم ومنادم، ~~وتارة عن مفعل كبديع وعجيب ms047 عن مبدع ومعجب، وإذا كان من محال ما تكون معدولة ~~عنه وأقسامه مفعل فتكون لفظة بطين هاهنا معدولة عن مبطن. وقد انتشرت ~~الأخبار في الأقطار وظهرت الآثار في الأمصار، أن عليا ((عليه السلام)) كان ~~قد حصل على علم كثير ومعرفة وافرة ودراية وافية، أظهر بعضا لشمول معرفته ~~مصلحته وعموم منفعته وأبطن بعضا إلى حين حضور حملته، وكان مما أظهره في بعض ~~القضايا ما حقن به دما قد انعقد بسبب إراقته وما أنقذ به خلقا جما من ~~الحيرة لأشكال واقعته، حتى حصل له ((عليه السلام)) الاعتراف بعلمه ومعرفته ~~فإنه أحضر إلى عمر بن الخطاب وهو حينئذ أمير المؤمنين امرأة زانية وهي حامل ~~فأمر برجمها وإقامة حد الزنا عليها، فقال له علي ((عليه السلام)): # إنه لا سبيل لك على ما في بطنها، فردها عمر (رض) وقال بمحضر PageV01P070 # من الصحابة ((رضي الله عنهم)): لو لا علي لهلك عمر. # ولما ولي علي ((عليه السلام)) أمرة المؤمنين، رفعت إليه واقعة حارت عقول ~~علماء وقتها في حكمها وحارت أفهامهم عن إدراكها وفهمها، ففوقت يد معرفته ~~لكشف إشكالها صائب سهمها فانجلت بنور علمه وتأييد حكمه ظلمة اشتباهها وغمة ~~غمها. فإنه تزوج رجل بامرأة لها فرج النساء وفرج الرجال وهي التي يسميها ~~العلماء خنثى، وكان للرجل جارية مملوكة له، فجعل تلك الجارية صداقا للمرأة ~~التي تزوجها فدخل بها ووطأها، فحبلت منه وولدت له ولدا، وأنها وطأت بفرج ~~الرجال تلك الجارية التي أخذتها صداقا فحبلت الجارية من وطئها، فولدت ولدا، ~~فصارت المرأة التي هي خنثى أما للولد الذي ولدته من زوجها، وأبا للولد الذي ~~ولدته جاريتها من وطئها، فاشتهرت قضيتها ورفعت إلى أمير المؤمنين ((عليه ~~السلام)). فحضروا لديه وشرحت له حقيقة القضية وأن المرأة التي هي خنثى تحيض ~~وتمني وتوطأ وتطأ وقد حبلت وأحبلت، وصار الناس متحيري الأفهام في ذلك وفي ~~إصابة صوابها مضطربي الأفكار في كيفية جوابها، منتظرين من علوم أمير ~~المؤمنين ما يعلمون به من حكم فصلها وفصل خطابها، فاستدعى ((عليه السلام)) ~~غلاميه يرفأ وقنبرا وأمرهما أن ms048 يعتبرا اضلاع الخنثى اعتبارا لا يعترضه شك ~~ولا يبقى معه ريب ويعداها من الجانبين، فإن كانت الاضلاع متساوية في الجانب ~~الأيمن والأيسر فهي امرأة، وإن كانت متفاوتة والأيسر انقص من الأيمن بضلع ~~فهو رجل. فأدخلا الخنثى إلى مكان كما أمر أمير المؤمنين ((عليه السلام)) ~~فلما أماطا عن أضلاعها لباسها وجرداها وأحاطا علما باعتبارها وعداها، وجدا ~~اضلاع الجانب الأيسر تنقص عن الجانب الايمن بضلع واحد فشهدا بذلك عنده على ~~الصورة التي شاهداها، فحكم ((عليه السلام)) بكون الخنثى رجلا وفرق بينهما ~~وقضى ببطلان ذلك العقد. # وهذا القضاء الذي قضاه والحكم الذي أمضاه والتأييد الذي أيده PageV01P071 # (تعالى) به فهداه، إنما يعذب جناه ويطرب معناه إذا كان كشف خفي سره ورفع ~~عن وجهه مسبل ستره وأنا الآن أكشفه وأوضحه وأصفه وأشرحه. # فأقول: لما خلق الله (تعالى) آدم ((عليه السلام)) وحيدا أراد لإحسانه ~~إليه ولخفي حكمه فيه أن يجعل له زوجا من جنسه يسكن كل واحد منهما إلى ~~صاحبه، فلما نام آدم خلق الله (تعالى) من ضلعه القصير من جانبه الأيسر ~~حواء، فانتبه فوجدها جالسة عنده كأحسن ما يكون من الصور فلذلك صار الرجل ~~ناقصا من جانبه الأيسر بضلع واحد والمرأة كاملة الأضلاع من الجانبين، ~~فالأضلاع الكاملة أربعة وعشرون ضلعا في كل جانب اثني عشر، فالرجل لذلك نقص ~~منه ضلع واحد فأضلاعه من الجانب الايمن اثني عشر ومن الجانب الأيسر احد ~~عشر، وباعتبار هذه الحالة قيل للمرأة أنها ضلع أعوج، وقد صرح الحديث النبوي ~~صلوات الله على مصدره فيما أسنده الائمة الثقات والمسانيد الصحاح أنه قال: ~~أن المرأة خلقت من ضلع أعوج لم يستقم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت ~~بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، ولقد أحسن بعض الأدباء فنظم في ذلك فقال: # هي الضلع العوجاء لست تقيمها %~% ألا إن تقويم الضلوع انكسارها # أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى %~% أليس عجيبا ضعفها واقتدارها # فانظر إلى كيفية استخراج أمير المؤمنين ((عليه السلام)) بنور علمه وثاقب ~~فهمه وكمال إدراكه وتأييد معرفته وصائب فكره، ما أوضح ms049 به سنن السداد وسبيل ~~الرشاد، وأظهر ترجيح جانب الذكورة على الأنوثة من مادة الإيجاد، وتتبع ما ~~جعله الله (جل وعلا) للأضلاع من صفتي النقص والكمال في الاعداد، وكم مثل ~~هذه من قضايا وارية الزناد جارية الجواد ساربة العهاد، لو رام القلم حصر ~~تعدادها لحصر لسانه عن التعداد، كل منها يشهد له ((عليه السلام)) عند ~~الاستشهاد بغزارة علمه المستفاد من الطارف والتلاد، ويسجل له بذلك بين ~~العباد يوم قيام الاشهاد. وسيأتي إن شاء الله (تعالى) لهذه النبذة في الفصل PageV01P072 # السابع زيادة تمام وتتمة ازدياد. # فهذا بعض آثار ما أظهره من علمه وأبداه من معرفته، وأما ما أبطنه منه فلم ~~يبده لفظه مفصلا لتنقله الالسنة ولا نقله لسانه عن قلبه لتستودعه الأسماع، ~~بل صرح بوجوده وأعرب عن تحقيقه فقال في بعض كلامه المروي عنه ((عليه ~~السلام))، ان بين جنبي علما جما لا أجد له حمله، وقال في جملة كلمات ~~مبسوطة، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في ~~الطوى البعيدة، فعلم بهذا التقرير أنه ((عليه السلام)) قد أبطن علما جما ~~فكان باعتباره بطينا فهذا ما جرى به القدر في صفته قلمه وما وصل إليه امكان ~~قدرته فيه فرقمه. # كشف وتبيين: # فمن بعض أقواله ((عليه السلام)) في القدر هذا العلم الجم الذي لم يجد من ~~يعيه والعلم المكنون الذي إباحته تقتضي باضطراب سامعيه، ليس علما قد اكتسبه ~~بقراءة ودراسة ولا بمباحثة وتكرار، بل هو علم لدني قذف الله (تعالى) نوره ~~في قلبه من مشكاة تقواه وألهمه إياه لما تجلى زهده في متاع دنياه، وقد صرح ~~كتاب الله (تعالى) وسنة رسوله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بذلك فقال عز ~~وجل @QUR@06 واتقوا الله ويعلمكم الله وقال رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) من زهد في الدنيا علمه الله (تعالى) بلا تعلم وهداه بلا هداية ~~وجعله بصيرا، وهذا لفظ الحديث فيما رواه الحافظ أبو نعيم بسنده في حليته ~~وقد كان علي ((عليه السلام)) قد أحكم هذين الدليلين وسلك السبيلين. # أما حصول ms050 صفة التقوى له فقد أثبتها رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) بأبلغ الطرق وأعلاها، فإنه قال له ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~يوما: «مرحبا بسيد المسلمين وإمام المتقين» هكذا رواه الحافظ بسنده وإذا ~~وصفه بكونه إمام أهل التقوى كان مقدما عليهم بزيادة تقواه PageV01P073 # فالتقوى ثابتة له بصفة الزيادة على غيره من المتقين، وأما زهده في الدنيا ~~فقد ذكرنا في الفصل المعقود لذلك ما فيه غنية وكفاية ولا حاجة إلى إعادته ~~هاهنا، ويلزم من حصول صفة التقوى وصفة الزهد له أن يترتب عليها مقتضاهما من ~~حصول العلم المفاض على قلبه من غير دارسة بل بتعليم الله (تعالى) إياه. # واعلم أن باعتبار كون ذلك صفة ذاتية لقلبه جعلنا هذا المقدار مساقا في ~~فصل صفته، فذكرناه فيه وأوردناه خاتمة له ولم نجعله في فصل علمه لهذا ~~المعنى فافهمه. ### | الفصل الخامس: في محبة الله (تعالى) ورسوله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) له، ومؤاخاة الرسول إياه: # وامتزاجه به وتنزيله إياه منزلة نفسه وميله إليه وإيثاره إياه، قبل ~~الشروع في المعاقد المقصودة والمقاصد المعقودة في هذا الفصل، لا بد من شرح ~~حقيقة المحبة وكيفية إضافتها إلى الله (تعالى) وإلى العبد، فإن العقل إذا ~~لم يحط بتصور ذاتها، لم ينتظم قضاؤه عليها ولا بنفيها ولا إثباتها، ولم ~~يستقم حكمه لها بشيء من نعوتها وصفاتها. # فأقول المحبة حالة شريفة أخبر الله (عز وجل) بوجودها منه لعبده ومن عبده ~~له فقال (جل وعلا) @QUR@07 فسوف يأتي (الله) بقوم يحبهم ويحبونه وقال: # @QUR@07 إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وقال: @QUR@011 إن الله ~~يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وقال: @QUR@07 إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله . ونقل الثقات أن رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) أخبر عن الله (عز وجل) أنه قال: «لا يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ~~ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته وإن استعاذ بي ~~أعذته» وقال ms051 ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «إذا أحب الله (تعالى) عبدا PageV01P074 # دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في ~~السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في ~~الأرض». # وقال في البغض كذلك فقد صرح كتاب الله (جل وعلا) ورسوله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) بثبوت المحبة ووجودها، غير أن اسم المحبة وإن كان واحدا عند ~~الاطلاق فهو يختلف بتفاوت متعلقه فمحبة الله (سبحانه وتعالى) لعبده تغاير ~~محبة العبد لربه (تعالى): # وإيضاح ذلك أن حقيقة محبة الله (تعالى) لعبده، إرادته سبحانه لإنعام ~~مخصوص يفيضه على ذلك العبد، من تقريبه وإزلافه من محال الطهارة والقدس وقطع ~~شواغله عنه وتطهير بدنه عن كدورات الدنيا ورفع الحجاب عن قلبه، حتى يشاهده ~~كأنه يراه فإرادته لأن يخص عبده بهذه الأحوال الشريفة هي محبته له، فإن ~~كانت إرادته لأن يخصه بما هو دون هذه الأحوال من الأنعام، كإرادته أن يثيبه ~~ويدفع عقابه عنه فتسمى هذه الإرادة لهذا المعنى القاصر عن المقام الأول ~~رحمة، فالمحبة أخص من الرحمة وكل واحد منهما إرادة الخير لكن يتفاوتان ~~بتفاوت متعلق كل واحد منهما فهذا معنى محبة الله لعبده. # وأما محبة العبد لله (تعالى) فهي ميله إلى نيل هذا الكمال وإرادته درك ~~هذه الفضائل، فيكون إضافة المحبة إلى الله (تعالى) وإضافتها إلى العبد ~~مختلفين نظرا إلى الاعتبارين المذكورين. # فإذا وضح معناهما فمن خصه الله (عز وعلا) بمحبته على ما تقدم من إرادته ~~بقربه وإزلافه من مقر التقديس والتطهير، وقطع شواغله عنه وتطهير قلبه من ~~كدورات الدنيا ورفع الحجاب، فقد أحرز قصبات السابقين وارتدى بجلباب ~~الفائزين المقربين. # وهذه المحبة ثابتة لأمير المؤمنين علي ((عليه السلام)) بتصريح رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم))، فإنه صح النقل في المسانيد PageV01P075 # الصحيحة والأخبار الصريحة، مسندي البخاري ومسلم وغيرهما أنه ((عليه ~~السلام)) قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب ~~الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، فبات الناس يخوضون ليلتهم ايهم يعطاها، ~~فلما ms052 أصبح الناس غدوا على رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، كلهم ~~يرجو أن يعطاها فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقيل: # هو يا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا ~~إليه» فأتي به فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه ~~الراية، قال علي ((عليه السلام)): يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، ~~قال: «أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما ~~يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله (تعالى) بك رجلا واحدا ~~خير لك من حمر النعم». فسار علي ((عليه السلام)) ففتح الله (تعالى) على ~~يده، وسيأتي كيفية الفتح على يده في فصل شجاعته ووقائعه مشروحا إن شاء الله ~~(تعالى). # وقال ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يوما وقد احضر إليه طير ليأكله: # «اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير»، فجاء علي ((عليه ~~السلام)) فأكل معه منه، وكان أنس ((رضي الله عنه)) حاضرا يسمع قول النبي ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) قبل مجيء علي ((عليه السلام)) فبعد ذلك جاء ~~أنس إلى علي فقال: استغفر لي ولك عندي بشارة، ففعل، فأخبره بقول النبي ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)). # إيقاظ وتنبيه: # نكتة لطيفة وحكمة شريفة. # اعلم أيدك الله بروح منه أن أخبار النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~صدق، وأقواله حق فإذا أخبر عن شيء فهو محقق لا يرتاب في صحته ذوو الإيمان ~~ولا أحد من المهتدين، وكان ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قد اطلع بنور ~~النبوة على أن عليا ((عليه السلام)) ممن يحبه الله PageV01P076 # تعالى، وأراد أن يتحقق الناس ثبوت هذه المنقبة السنية والصفة العلية التي ~~هي أعلى درجات المتقين لعلي ((عليه السلام))، وكان بين الصحابة (رضوان الله ~~عليهم) يومئذ من هم حديثوا عهد بالإسلام، ومن هم سماعون لأهل الكتاب ومن ~~فيهم شيء من نفاق، فأحب رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أن يثبت ~~ذلك لعلي ((عليه السلام)) في نفوس ms053 الجميع فلا يتوقف فيه أحد فقرن ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) في خبره بثبوت هذه الصفة، وهي المحبة الموصوفة من ~~الجانبين لعلي، التي هي صفة معينة معنوية لا تدرك بالعيان بصفة محسوسة تدرك ~~بالأبصار اثبتها له، وهي فتح خيبر على يديه، فجمع في قوله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) في وصف علي بين المحبة والفتح بحيث يظهر لكل ناظر صورة الفتح، ~~ويدرك بحاسته فلا يبقى عنده توقف في ثبوت الصفة الأخرى المقترنة بهذه الصفة ~~المحسوسة، فيترسخ في نفوس الجميع ثبوت هذه الصفة الشريفة العظيمة لعلي ~~((عليه السلام)). # وهكذا في حديث الطير، جعل إتيانه وأكله معه وهو أمر محسوس مرئي مثبت عند ~~كل من علم أن عليا ((عليه السلام))، متصف بهذه الصفة العظيمة، وزيادة ~~الأحبية على أصل المحبة، وفي ذلك دلالة واضحة على علو مكانة علي ((عليه ~~السلام))، وارتفاع درجته وسمو منزلته واتصافه بكون الله (عز وعلا) يحبه ~~وإنه ((عليه السلام)) أحب خلقه إليه وكانت حقيقة هذه المحبة قد ظهرت عليه ~~آثارها وانتشرت لديه أنوارها، فإنه كان قد أزلفه الله (تعالى) من مقر ~~التقديس فإنه نقل الترمذي في صحيحه أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) دعا عليا يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه ~~فقال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «ما انتجيته ولكن الله ~~انتجاه». # ونقل عن علي ((عليه السلام)): سلوني عن طرق السماوات فإني أعلم بها من ~~طرق الأرض، وكان قد أفاض الله عليه لباس التطهير فإنه ما جرى عليه قلم ~~التكليف، إلا وقد طهره الله (تعالى) حتى اعتنى رسول PageV01P077 # الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بتربيته وتهذيبه ثم بعد ذلك جاءته ~~ألطاف الله (تعالى) بدعوة رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) له، فإنه ~~قال- وقد أدخل عليا وفاطمة وولديهما تحت الكساء-: «اللهم طهرهم تطهيرا» وقد ~~تقدم ذكر الحديث وكان قد صرف عن قلبه أقذار أكدار الدنيا وطهر نفسه عنها ~~فإنه نقل عنه الثقات أنه في مقام عبادته ومقر مناجاته قال: يا ms054 دنيا أبي ~~تعرضت اذهبي عني فقد طلقتك ثلاثا، وسيأتي تمام ذلك مستقصى إن شاء الله ~~(تعالى). # وكان قد قطع عنه ما يشغله عن الله (تعالى) ورفع الحجاب عن قلبه، وذهب ~~بقلبه إلى ربه وصرف وجهه إليه (تعالى) حتى قال في بعض كلامه المروي: لو كشف ~~الغطاء ما ازددت يقينا، وسيأتي تمام بيانه إن شاء الله (تعالى) وفي هذه ~~النبذة المخصوصة المختصرة من الدلالة على حصول حقيقة هذه المنقبة الشريفة ~~له واتصافه بها غنية ومقنع عن زيادة عليها. # وأما مؤاخاة رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) إياه وامتزاجه به ~~وتنزيله إياه منزلة نفسه وميله إليه وإيثاره إياه، فهذا بيانه: فإنه قد روى ~~الإمام الترمذي في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم (رض) أنه قال: # لما آخى رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بين أصحابه جاءه علي ~~((عليه السلام)) تدمع عيناه فقال: يا رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم))، آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد. قال: # فسمعت رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يقول: «أنت أخي في الدنيا ~~والآخرة». # وروى بسنده أيضا أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قال: «من كنت ~~مولاه فعلي مولاه» هذا اللفظ بمجرده رواه الترمذي ولم يزد عليه وزاد غيره ~~عليه. ذكر اليوم والموضع فذكر الزمان وهو عند عود رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) من حجة الوداع في اليوم PageV01P078 # الثامن عشر من ذي الحجة، وذكر المكان وهو ما بين مكة والمدينة يسمى خما ~~في غدير هناك، فسمى ذلك اليوم يوم غدير خم وقد ذكره ((عليه السلام)) في ~~شعره الذي تقدم ذكره وصار ذلك اليوم عيدا وموسما لكونه كان وقتا خص رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) عليا بهذه المنزلة العلية وشرفه بها دون ~~الناس كلهم. # ونقل عن زادان قال: سمعت عليا ((عليه السلام)) في الرحبة وهو ينشد الناس: ~~من شهد منكم رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يوم غدير خم وهو يقول ~~ما قال؟، فقام ثلاثة ms055 عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) يقول: «من كنت مولاه فعلي مولاه». # زيادة تقرير: # نقل الإمام أبو الحسن على الواحدي ((رضي الله عنه)) في كتابه المسمى ~~بأسباب النزول يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري (رض) قال: نزلت هذه الآية ~~@QUR@09 يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك يوم غدير خم في علي بن ~~أبي طالب، فقوله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) من كنت مولاه فعلي مولاه قد ~~اشتمل على لفظة من وهي موضوعة للعموم، فاقتضى أن كل إنسان كان رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) مولاه كان علي ((عليه السلام)) مولاه، واشتمل ~~على لفظة المولى وهي لفظة مستعملة بإزاء معان متعددة قد ورد القرآن الكريم ~~بها فتارة تكون بمعنى أولى قال الله (تعالى) في حق المنافقين: @QUR@04 ~~مأواكم النار هي مولاكم معناه أولى بكم وتارة بمعنى الناصر قال الله ~~(تعالى): @QUR@012 ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى ~~لهم معناه أن الله ناصر المؤمنين وأن الكافرين لا ناصر لهم، وتارة بمعنى ~~الوارث قال الله (تعالى): # @QUR@09 ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون معناه وارثا، ~~وتارة بمعنى العصبة قال الله (تعالى): @QUR@06 وإني خفت الموالي من ورائي ~~معناه عصبتي وتارة بمعنى الصديق والحميم قال الله (تعالى) @QUR@05 يوم لا ~~يغني مولى عن PageV01P079 # @QUR@02 مولى شيئا معناه حميم عن حميم وصديق عن صديق وقرابة عن قرابة ~~وتارة بمعنى السيد المعتق وهو ظاهر. # وإذا كانت واردة لهذه المعاني فعلى أيها حملت إما على كونه أولى كما ذهبت ~~إليه طائفة، أو على كونه ناصرا كما ذهب إليه قوم آخرون أو على كونه عصبة أو ~~على كونه وارثا أو على كونه صديقا حميما. فيكون معنى الحديث من كنت أولى به ~~وناصره أو وارثه وعصبته أو حميمه أو صديقه فإن عليا منه كذلك، وهذا صريح في ~~تخصيصه ((صلى الله عليه وآله وسلم)) لعلي ((عليه السلام)) بهذه المنقبة ~~العلية، وجعله لغيره كنفسه بالنسبة إلى من دخلت عليهم كلمة من التي للعموم ms056 ~~بما لم يجعله لغيره. # وليعلم أن هذا الحديث هو من أسرار قوله (تعالى) في آية المباهلة @QUR@014 ~~فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم . # والمراد نفس علي على ما تقدم، فإن الله (جل وعلا) لما قرن بين نفس رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وبين نفس علي وجمعهما بضمير مضاف إلى ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، أثبت رسول الله لنفس علي ((عليه ~~السلام)) بهذا الحديث ما هو ثابت لنفسه على المؤمنين عموما فإنه ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) أولى بالمؤمنين وناصر المؤمنين وسيد المؤمنين، وكل معنى ~~أمكن إثباته مما دل عليه لفظ المولى لرسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) فقد جعله لعلي ((عليه السلام))، وهذه مرتبة سامية ومنزلة سامقة ~~ودرجة علية ومكانة رفيعة خصه ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بها دون غيره ~~فلهذا صار ذلك اليوم يوم عيد وموسم سرور لأوليائه. # إشارة نافعة وعبارة جامعة، وتقرير ذلك وشرحه في بيانه: # اعلم أظهرك الله بنوره على أسرار التنزيل، ومنحك بلطفه تبصرة تهديك إلى ~~سواء السبيل، أنه لما كان الناصر من محامل لفظة المولى PageV01P080 # وأن معنى الحديث: من كنت ناصره فعلي ناصره، فيكون النبي ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) قد وصف عليا بكونه ناصرا لكل من كان النبي ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) ناصره، فإنه ذكر ذلك بصيغة العموم وإنما أثبت النبي ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) هذه الصفة، وهي صفة الناصرية لعلي ((عليه السلام)) لما ~~أثبتها الله عز وعلا لعلي، فإنه نقل الإمام أبو إسحاق الثعلبي يرفعه في ~~تفسيره بسنده إلى أسماء بنت عميس قالت: لما نزل قوله (تعالى): @QUR@013 وإن ~~تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين سمعت رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) يقول: صالح المؤمنين علي بن أبي طالب، فلما ~~أخبر الله فيما أنزله على رسوله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أن ناصره هو ~~الله وجبريل وعلي، ثبت صفة الناصرية لعلي ((عليه السلام))، فأثبتها النبي ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) اقتداء ms057 بالقرآن الكريم في إثبات هذه الصفة له. ~~ثم وصفه ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بما هو من لوازم ذلك بصريح قوله ~~(صلوات الله عليه وسلم) فيما رواه الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده أن عليا ~~((عليه السلام)) دخل عليه فقال: «مرحبا بسيد المسلمين وإمام المتقين» ~~فسيادة المسلمين وإمامة المتقين لما كانت من صفات نفسه ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم))، وقد عبر الله (تعالى) عن نفس علي ((عليه السلام)) بنفسه ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) وصفه بما هو من صفاتها فافهم ذلك. # ثم لم يزل ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يخصه ((عليه السلام)) بعد ذلك ~~بخصائص من صفاته نظرا إلى ما ذكرناه، حتى روى الحافظ أيضا في حليته بسنده ~~عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) لأبي برزة ~~وأنا أسمع: «يا أبا برزة، إن الله عهد إلي في علي بن أبي طالب أنه راية ~~الهدى ومنار الإيمان وإمام أوليائي ونور جميع من أطاعني، يا أبا برزة، علي ~~بن أبي طالب صاحب رايتي غدا في القيامة، وأميني على مفاتيح خزائن رحمة ربي PageV01P081 # وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين. من أحبه أحبني ومن أبغضه أبغضني فبشره ~~بذلك» فإذا وضح لك هذا المستند ظهرت حكمة تخصيصه ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) عليا ((عليه السلام)) بكثير من الصفات دون غيره وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون. # وقد روى الأئمة الثقات البخاري ومسلم والترمذي (رض) في صحاحهم بأسانيدهم ~~أحاديث اتفقوا عليها وزاد بعضهم على بعض بألفاظ أخرى والجميع صحيح. # فمنها عن سعد بن أبي وقاص قال: إن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~خلف عليا ((عليه السلام)) في غزوة تبوك على أهله فقال: # يا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) تخلفني في النساء والصبيان! ~~فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي». # قال ابن المسيب أخبرني بهذا عامر بن سعد عن أبيه فأحببت أن أشافه سعدا ~~فلقيته، فقلت له: أنت سمعته من رسول الله ms058 ((صلى الله عليه وآله وسلم))؟ ~~فوضع اصبعيه على أذنيه وقال: نعم وإلا استكنتا. # وقال جابر بن عبد الله (رض): سمعت رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~يقول لعلي ((عليه السلام)): «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». # وروى مسلم والترمذي بسنديهما أن معاوية بن أبي سفيان أمر سعد بن أبي وقاص ~~قال: ما منعك أن تسب أبا تراب، فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من ~~حمر النعم، سمعت رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يقول له وخلفه في ~~بعض مغازيه فقال علي ((عليه السلام)): خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة ~~هارون من PageV01P082 # موسى إلا أنه لا نبي بعدي» وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا ~~رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» فتطاولنا إليها فقال: # «ادعوا لي عليا» فأتي به أرمد فبصق في عينيه ودفع إليه الراية ففتح الله ~~عليه. ولما نزلت هذه الآية @QUR@012 ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم دعا رسول الله عليا وفاطمة ((عليهما السلام)) وحسنا ~~وحسينا فقال: «اللهم هؤلاء أهلي». # ونقل الترمذي بسنده عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) جيشا واستعمل عليهم علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) فمضى في ~~السرية، فأصاب جارية فأنكروا عليه وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) فقالوا إذا لقينا رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) أخبرناه بما صنع علي، وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر بدءوا برسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فسلموا عليه ثم انصرفوا إلى رحالهم، فلما ~~قدمت السرية فسلموا على رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فقام رجل من ~~الأربعة فقال: يا رسول الله ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا، ~~فأعرض عنه رسول ms059 الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، ثم قام الثاني فقال: # مثل مقالته فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال مقالته فأعرض عنه، ثم قام ~~الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل إليهم رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) والغضب يعرف في وجهه فقال: «ما تريدون من علي ما تريدون من علي ما ~~تريدون من علي، إن عليا مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي». # وبسنده عن أم سلمة زوج النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «لا يحب عليا ~~منافق ولا يبغضه مؤمن» وعن أبي سعيد الخدري (رض) قال: قال رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) لعلي: «يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد ~~غيري وغيرك» والمراد استطراقه جنبا. # وعن أبي سعيد قال: كنا نعرف المنافقين نحن معاشر الأنصار PageV01P083 # ببغضهم علي بن أبي طالب ((عليه السلام))، وعن ابن عباس أن النبي ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) أمر بسد الأبواب إلا باب علي. # وروى مسلم والترمذي والنسائي ((رضي الله عنهم)) بأسانيدهم عن زر بن حبيش ~~قال: سمعت عليا ((عليه السلام)) يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه ~~لعهد النبي الأمي إلى أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. # ونقل الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي ((رحمه الله)) في تفسيره ~~بسنده يرفعه إلى ابن عباس ((رضي الله عنهما)) في تفسير قوله تعالى @QUR@07 ~~وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم أنه قال: الأعراف موضع عال من ~~الصراط عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب ((عليهم السلام)) وجعفر ذو ~~الجناحين، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه، وهذه فضيلة ~~مسفر عمود فجرها مثمر عود فخرها. # وروى الترمذي بسنده عن أنس بن مالك قال: بعث النبي ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) ببراءة مع أبي بكر ثم قال: «لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من ~~أهلي، فدعا عليا فأعطاه إياه» وعن ابن عباس قال: بعث رسول الله أبا بكر ~~وأمره أن ينادي بهذه الكلمات، ثم أتبعه عليا ((عليه ms060 السلام))، فبينا أبو ~~بكر ببعض الطريق إذ سمع رغاء ناقة رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~القصواء، فقام أبو بكر فزعا يظن أنه رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~فإذا علي ((عليه السلام))، فدفع إليه كتابا من رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) وأمر عليا أن ينادي بهذه الكلمات، فإنه لا ينبغي أن يبلغ عني ~~إلا رجل من أهلي، ثم اتفقا فانطلقا فقام علي ((عليه السلام)) أيام التشريق ~~ينادي: ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا ~~يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بعد اليوم عريان ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. PageV01P084 # قال فكان علي ينادي بهذه الكلمات فإذا عي قام أبو بكر فنادى بها. # وروي عن أم عطية قالت: بعث النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) جيشا فيهم ~~علي بن أبي طالب ((عليه السلام))، قالت: فسمعت رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) يقول: «اللهم لا تمتني حتى تريني علي بن أبي طالب ((عليه ~~السلام)). # وروي عن علي قال: كنت إذا سألت رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~أعطاني وإذا سكت ابتدأني. # وروي عن علي ((عليه السلام)) أنه قال: كنت شاكيا فمر بي رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن ~~كان متأخرا فارفعني، وإن كان بلاء فصبرني فقال رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)): «كيف قلت» فأعدت مقالتي قال: فضربني برجله وقال: «اللهم عافه ~~واشفه» شك الراوي بأيهما، قال: قال علي ((عليه السلام)): فما اشتكيت وجعي ~~ذلك بعد. # وروى النسائي بسنده عن علي ((عليه السلام)) أنه قال: كانت لي منزلة من ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) لم تكن لأحد من الخلائق، آتيه بأعلى ~~السحر فأقول: السلام عليك يا نبي الله، فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي وإلا ~~دخلت عليه. # وعن البراء بن عازب (رض) أن النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قال لعلي ~~((عليه السلام)): «أنت مني وأنا ms061 منك». # وعن عمران بن حصين (رض) قال: قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): ~~«إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن». # وعن أبي ذر جندب بن جنادة المخصوص من رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) بقوله: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق PageV01P085 # من أبي ذر» قال: قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «علي مني ~~وأنا من علي ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي». # فهذه الأحاديث النبوية مع اختلاف ألفاظها وتعدد رواتها وحفاظها، وإن كان ~~كل حديث منها عند تجريد النظر إليه وحده خبر واحد يفيد ظنا بمدلوله الخاص ~~به، لكنها جميعها قد اشتركت دلالاتها الخاصة في مدلول عام اشتركت كلها فيه ~~ودلت عليه، وهو عناية رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) [به] وميله ~~إليه وإشفاقه عليه واستعانته به وتخصيصه بعلو المكانة عنده والمنزلة منه، ~~وصارت جميعها دالة على هذا المعنى المشترك دلالة تكاد تلحق بالتواتر المفيد ~~للعلم فصارت هذه الأخبار في دلالتها على ذلك نازلة في ضرب المثال، كجماعة ~~من الناس سئلوا عن شخص من الأكابر فذكر واحد منهم أن ذلك الشخص كساه الملك ~~خلعة، وذكر آخر أن الملك وهبه جارية، وذكر بعضهم أن الملك أعطاه قرية، وذكر ~~بعضهم أن الملك أسكنه دارا، وذكر بعضهم أن الملك أطلق له نفقة فأخبر كل ~~واحد منهم عن شيء غير ما أخبر به الباقون، لكن اتفقت أخبارهم على معنى ~~مشترك دلت أقوالهم [وأخبارهم] عليه، وهو إحسان الملك إليه وعنايته به، ~~فيحصل للسامعين علم بأن هذا الشخص المذكور له عند الملك منزلة عالية ومكانة ~~خصصه بها يكاد يلتحق بعلم اليقين. فكذلك هذه الأحاديث النبوية المتعددة ~~الصادرة منه (صلوات الله عليه) في حق علي ((عليه السلام)) في دلالتها على ~~ما ذكرناه. # فهذا تأصيل دلالة إجمالية على ما شرحته آنفا. # ثم إنني لا أزيد على هذا التأصيل وأبسط القول فيه بتفصيل بيان وبيان ~~تفصيل فأقول: # قد صرح بعض الأحاديث المتلوة والأخبار المجلوة بثبوت الأخوة، وصرح بعضها ~~بجعله ms062 منه بمنزلة هارون من موسى، وبعضها بأنت مني وأنا منك، وبعضها علي مني ~~وأنا من علي. فهذه الألفاظ الشريفة النبوية PageV01P086 # قد دل كل واحد منها على المعنى المختص به، وأنا أوضح كيفية دلالة كل واحد ~~من تلك المعاني على الفضيلة الخالصة لعلي ((عليه السلام)) منه، فأول ذلك ~~قوله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «أنت أخي» فاعلم هداك الله سنن السداد ~~أن الأخوة معنى إضافي يستحيل ثبوته لأحد الشخصين دون الآخر، فمن ضرورة كون ~~أحدهما أخا [للآخر] أن تعمهما الأخوة وتشملهما، فيكونان في الأخوة سواء كل ~~واحد منهما أخا لصاحبه غير أن الأخوة لها حقيقة ولتلك الحقيقة لوازم، فإذا ~~ذكرت اللفظة الموضوعة لتلك الحقيقة مضافة إلى شخص دلت على وجود تلك الحقيقة ~~لذلك الشخص إن أمكن، وإن كان غير ممكن حملت تلك اللفظة على لوازم الحقيقة ~~عملا باللفظ، ومحافظة على صحته بقدر الإمكان وصيانة له عن الالغاء، وحقيقة ~~الأخوة بين الشخصين كونهما مخلوقين من أصل واحد بغير واسطة، وهذه الحقيقة ~~منتفية هاهنا، فإن النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) مخلوق من عبد الله ~~وآمنة، وعلي ((عليه السلام)) مخلوق من أبي طالب وفاطمة بنت أسد، فتعين صرف ~~اللفظ إلى لوازم الحقيقة، وحمله على تلك اللوازم، ولوازم حقيقة الأخوة ~~المناصرة والمعاضدة والإشفاق وتحمل المشاق، فيصير معنى قوله: أنت أخي في ~~الدنيا والآخرة، انني ناصرك وعضدك ومشفق عليك ومعتن بك. # وقد أشار النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) إلى كون المناصرة من لوازم ~~الأخوة بقوله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) في الحديث الصحيح: «انصر أخاك ~~ظالما أو مظلوما» فقال السامع: انصره مظلوما فكيف أنصره ظالما، قال: «تمنعه ~~من الظلم فذلك نصرك إياه» فجعل [النبي] ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~النصرة من لوازم الإخوة. # ثم إنه ((صلى الله عليه وآله وسلم)) لما آخى بين أصحابه كان ذلك مطلوبه ~~ومقصوده، فعقد الأخوة بين اثنين اثنين منهم حثا على التناصر والتعاضد وجعل ~~كل واحد مؤاخيا لمن تقرب منه درجته في PageV01P087 # المماثلة والمساواة، فآخى بين أبي بكر وعمر، ms063 وآخى بين عثمان وعبد الرحمن ~~بن عوف، وآخى بين طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وآخى بين أبي ذر ~~الغفاري والمقداد بن عمرو، وآخى بين معاوية بن أبي سفيان والحباب بن يزيد ~~المجاشعي، فصارت المؤاخاة المذكورة سببا لاشتمال كل واحد على مناصرة صاحبه ~~ومعاضدته منزلا لها منزلة أخوة النسب حتى أن معاوية بن أبي سفيان في أيام ~~ولايته بالشام لما مات الحباب عنده حاز ميراثه بهذه الأخوة، فقال الفرزدق ~~الشاعر في ذلك يخاطب معاوية: # أبوك وعمي يا معاوي أورثا %~% تراثا فيحتاز التراث أقاربه # فما بال ميراث الحباب أكلته %~% وميراث حرب جامد لك ذائبه # إيقاظ وتنبيه: # أنظر أيدك الله بنور منه إلى التناسب في الميراث، والتقارب في التصاحب ~~بين كل اثنين من المتآخيين المذكورين. فإنه لو لم يكن تقارب التعادل في ~~مراتب المنازل حاصلا لمن تآخيا لما انتظم المقصد المطلوب من المؤاخاة في ~~سلك الكمال، ولأحجم بعض النفوس البشرية عن إيفاء ثمرة الإخاء عند التباعد ~~في درجة الاعتدال، ثم أمعن نظرك الصائب وفكرك الثاقب يرشدك إلى سنن ~~الاهتداء لهذه الحال، ويرفدك بحكمة اختصاص النبي ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) عليا باخوته مع كونه من الآل وفي ذلك ما يؤذن بعلو قدر علي وشرف ~~محله في الحال والمآل، ولهذا كان يفتخر بها ويقول في كثير من الأوقات: أنا ~~عبد الله وأخو رسول الله لا يقولها أحد بعدي إلا كذاب. # وثاني ذلك قوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى». اعلم بصرك الله بخفايا ~~الأسرار وغوامض الحكم أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) لما وصف ~~عليا ((عليه السلام)) بكونه منه بمنزلة هارون من موسى (صلى الله عليهما)، ~~فلا بد في كشف سره من بيان المنزلة التي PageV01P088 # كانت لهارون من موسى فأقول: # قد نطق القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بأن ~~موسى دعا ربه (عز وجل) فقال: @QUR@015 واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي ~~اشدد به أزري وأشركه في أمري وإن الله (عز وجل) أجابه إلى ms064 مسئوله وأجناه ~~من شجرة دعائه ثمرة سؤله فقال @QUR@05 قد أوتيت سؤلك يا موسى وقال في ~~سورة أخرى @QUR@011 ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ~~وقال في سورة أخرى @QUR@03 سنشد عضدك بأخيك فظهر أن منزلة هارون من موسى ~~كونه وزيرا له والوزير مشتق من أحد معان ثلاثة، احدها من الوزر بكسر الواو ~~وإسكان الزاي وهو الثقل فكونه وزيرا له يحمل عنه اثقاله ويخففها عنه. # والمعنى الثاني من الوزر بفتح الواو والزاي وهو المرجع والملجأ ومنه قوله ~~تعالى @QUR@03 كلا لا وزر فكأن الوزير مرجوع إلى رأيه ومعرفته وإسعاده ~~ويلجأ إليه في الاستعانة به. # والمعنى الثالث من الأزر وهو الظهر ومنه قوله (تعالى): عن موسى @QUR@03 ~~اشدد به أزري فيحصل بالوزير قوة الأمر واشتداد الظهر كما يقوى البدن ويشتد ~~به، فكان من منزلة هارون من موسى أنه يشد أزره ويعاضده ويحمل عنه من اثقال ~~بني إسرائيل بقدر ما تصل إليه يد مكنته واستطاعته، هذا من كونه وزيره، وأما ~~من كونه شريكه في أمره فكان شريكه في النبوة على ما نطق به القرآن الكريم، ~~وكان قد استخلفه على بني إسرائيل عند توجهه وسفره إلى المناجاة على ما نطق ~~به القرآن فتلخيص منزلة هارون من موسى (صلى الله عليهما) أنه كان أخاه ~~ووزيره وعضده وشريكه في النبوة وخليفته على قومه عند سفره. # وقد جعل رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) عليا ((عليه السلام)) منه ~~بهذه المنزلة وأثبتها له إلا النبوة فإنه ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~استثناها في آخر الحديث بقوله: «غير أنه لا نبي بعدي» فبقي ما PageV01P089 # عدا النبوة المستثناة ثابتا لعلي ((عليه السلام)) من كونه أخاه ووزيره ~~وعضده وخليفته على أهله عند سفره إلى تبوك. # وهذه من المعارج الشراف ومدارج الأزلاف. # فقد دل الحديث بمنطوقه ومفهومه على ثبوت هذه المزية العلية لعلي ((عليه ~~السلام)) وهو حديث متفق على صحته. # وثالث ذلك ورابعه قوله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «أنت مني وأنا منك»، ~~«وعلي مني وأنا من علي» والكلام فيهما واحد. # وإيضاح ms065 معناهما وتبيين مقتضاهما: أن لفظة من موضوعة لمعان كثيرة لكنها في ~~مثل هذا النمط من الكلام حقيقتها الجزئية كقوله (سبحانه وتعالى): @QUR@05 ~~خلق لكم من أنفسكم أزواجا وقوله: @QUR@012 خلق الإنسان من صلصال كالفخار ~~وخلق الجان من مارج من نار وكقوله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «فاطمة ~~بضعة مني»، فحقيقتها في مثل هذا التركيب من القول الجزئية، ولهذه الجزئية ~~لوازم فإن كون الشيء جزءا من الإنسان كالولد والرأس والعين وسائر الأعضاء ~~والأجزاء، يلازمه أن ذلك الإنسان بجهده يدفع عن جزئه الأذى ويحميه من تطرق ~~المكاره إليه، ويجتهد في حراسته وفي إيصال كل ما فيه نفعه إليه في حفظ صحته ~~هذا من لوازم حقيقة الجزئية. وقد صرح النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~بهذه اللوازم لما قال: «فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها ويؤذيني ما ~~يؤذيها»، وقد تقدم ذكر ذلك فلما لم يمكن إثبات الحقيقة هاهنا [تعين حمل ~~اللفظ على لوازمها على ما علم من استعمال اللفظ في لوازم الحقيقة] وهاهنا ~~الحقيقة غير مرادة لانتفائها فإن عليا ((عليه السلام)) ليس جزءا من ذات ~~النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ولا النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~جزءا من ذات علي ((عليه السلام)) فيكون المراد بهذا القول إثبات لوازم ~~الحقيقة من إرادة حراسته عن المكاره ومدافعة الأذى عنه، والسعي في إيصال ~~المنافع إليه والإشفاق التام عليه وقد تقدم تقرير ذلك في لوازم الأخوة في ~~هذا الأمر ما يحكم PageV01P090 # لعلي ((عليه السلام)) بعلو الرتبة ويسجل له بسمو المكانة والمنزلة، قد ~~تضمن هذا الفصل وما قبله من حميد مزاياه وجميل سجاياه ومحبة الله ورسوله ~~إياه، ورعايته في منقلبه ومثواه من حين كفله ورباه وعنايته بأمره حتى هداه ~~منهج هداه وزوجه ابنته البتول، فرفع قدره وأعلاه وأزلفه من نفسه فاختصه بها ~~وآخاه وخصه بما عمه من المحاب والمنح، فحباه ما تطرب تلاوة سورته فؤاد ذي ~~الأحزان وتسلب حلاوة صورته رقاد النوم [من] الوسنان، ويقطع آثار معرفته ~~إسراع نجح حاجة العجلان، وتطبع أنوار صفته غررا في وجوه الأيام ms066 وتحجيلا ~~وحجولا في أطراف الزمان فهو يصح مزاج القلب السقيم ويلقح نتاج اللب العقيم، ~~ويهدي معتقديه إلى الصراط المستقيم ويهدي إليهم أجرهم في الآخرة بالنعيم ~~المقيم وهذه الخلال مع كمالها في إبداء أوصافه وإجلال مقامه في مرتبع ~~الإطراء ومصطافه، يستردف من نعوته التي شرفه بها يربو على شرفه بهاشمه وعبد ~~منافه، محله عند الله (تعالى) في المقام الأمين ذرى أوجه وشرف أعرافه. فيا ~~أيها الطالب للاهتداء بهداه الراغب في الاقتداء بتقاه ومن لو قدره حق قدره ~~لأتاه ولو سئل بذل جهده في هواه لأتاه. # أصخ واستمع آيات وحي تنزلت %~% بمدح إمام بالهدى خصه الله # وفي آل عمران المباهلة التي %~% بإنزالها أولاه بعض مزاياه # وأحزاب، وحاميم، وتحريم، هل أتى %~% شهود بها أثنى عليه وزكاه # وإحسانه لما تصدق راكعا %~% بخاتمه يكفيه في نيل حسناه # وفي آية النجوى التي لم يفز بها %~% سواه سنا رشد به تم معناه # وأزلفه حتى تبوأ منزلا %~% من الشرف الأعلى وآتاه تقواه # وأكنفه لطفا به من رسوله %~% بوارق إشفاق عليه فرباه # وأرضعه أخلاف أخلاقه التي %~% هداه بها نهج الهدى فتوخاه # وأنكحه الطهر البتول وزاده %~% بأنك مني يا علي وآخاه # وشرفه يوم الغدير فخصه %~% بأنك مولى كل من كنت مولاه PageV01P091 # ولو لم يكن إلا قضية خيبر %~% كفت شرفا في مأثرات سجاياه # واعلم أن جملة هذه الآيات المتلوة ووجوه هذه الأبيات المجلوة قد اشتملت ~~على عدة من مناقبه ((عليه السلام)). # فمنها ما تقدم بيانه وهي آية المباهلة @QUR@03 فقل تعالوا ندع إلى آخرها ~~وآية الأحزاب @QUR@011 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا وآية حم عسق @QUR@09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ~~وآية التحريم @QUR@09 فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين بأبلغ ~~بيان وأتم تفسير وكذلك تقدم ذكر قصة خيبر وقضية يوم الغدير، وكذلك ما ~~سواهما من قضايا الشرف ومن آيات التطهير، ولم يبق منها شيء خصه القلم ~~بالارجاء والتأخير سوى آية المائدة وآية هل أتى وآية النجوى فسيأتي في ~~فصولها المرصدة لها إن شاء الله ms067 (تعالى) بأوضح ذكر وأكمل تقرير، فهذا ما ~~حبره القلم وسطره في هذا الفصل بتقدير العليم الخبير. ### | الفصل السادس: في علمه وفضله: # هذا فصل في أرجائه مجال المقال واسع ولسان البيان صادع وثاقب المناقب ~~لامع وفجر المآثر طالع، وصراخ الامتداح جامع وفضاء الفضائل شاسع، فهو لمن ~~تمسك بهداه نافع ولمن تمسك بعراه رافع، فيا له من فصل فضل كئوس ينبوعه لذة ~~للشاربين ودروس مضمونه مفرحة للكرام الكاتبين، وعروس مستودعه من مستحسنات ~~حسنات المقربين يعظم عند التحقيق قدر رفعه ويعم أهل التوفيق شمول نفعه، ~~ويتم أجر مؤلفه بجمعه وهو لمن وقف عليه قيد بصره وسمعه، لم أورد فيه ما يصل ~~إليه وارد الاضطراب ولا اودعته ما يدخل عليه زائد الارتياب، ولا ضمنته غثا ~~تمجه أصداف الاسماع ولا غثاء تقذفه أصناف الألباب بل مرتب له اخلاف رواية ~~الخلف عن السلف حتى اكشف بزبد الأوطاب ونظمت فيه جواهر درر صرحت ألسن السنن ~~ونطقت بها آيات الكتاب PageV01P092 # وقررته بأدلة نظر محكمة الأسباب بالصواب هامية السحاب بالمحاب مفتحة ~~الأبواب للطلاب، مثمرة إن شاء الله لجامعها جميل الثناء وجزيل الثواب، فمن ~~ذلك قوله (تعالى وتقدس): @QUR@07 لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية . # روى الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره يرويه ~~بسنده قال: لما نزلت هذه الآية @QUR@04 وتعيها أذن واعية قال رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) لعلي ((عليه السلام)): «سألت الله (تعالى) أن ~~يجعلها اذنك يا علي». # قال علي: فما نسيت شيئا بعد ذلك وما كان لي [أن] أنسى. # وروى الإمامان الثعلبي وأبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (رض) يرفعه كل ~~واحد منهما بسنده الثعلبي في تفسيره والواحدي في تصنيفه الموسوم بأسباب ~~النزول إلى بريدة الأسلمي ((رضي الله عنه)) قال: سمعت رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) يقول لعلي: «إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك ~~وأن تعي وحق على الله أن تعي» قال فنزلت @QUR@04 وتعيها أذن واعية . # ومن ذلك قوله (سبحانه) @QUR@09 أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا ms068 يستوون ~~نقل الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في تفسيره وفي تصنيفه الموسوم ~~بأسباب النزول بسنده يرفعه إلى ابن عباس (رض) ورواه الإمام أبو إسحاق ~~الثعلبي أيضا في تفسيره، أن هذه الآية نزلت في علي ((عليه السلام)) وفي ~~الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه وذلك أنه كان بينهما تنازع في ~~شيء، فقال الوليد لعلي ((عليه السلام)): # اسكت فإنك صبي وأنا والله أبسط منك لسانا وأحد سنانا واملأ للكتيبة منك، ~~فقال له علي: أسكت فإنك فاسق، فأنزل الله (سبحانه وتعالى) تصديقا لعلي ~~((عليه السلام)) @QUR@09 أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون PageV01P093 # [الآية] يعني بالمؤمن عليا وبالفاسق الوليد، وكفى بهذه القصة شهادة من ~~الله (جل وعلا) لعلي بكمال فضيلته وإنزاله (سبحانه وتعالى) قرآنا يتلى ~~[على] الابد بتصديق مقالته، ووصفه إياه بالإيمان الذي هو عنوان علمه ~~ونتيجة معرفته، وقد ضمن هذه القصة حسان بن ثابت شاعر رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) أبياتا من نظمه، وجعلها قائمة في تحسين شعره وترتيبه مقام ~~رقمه، وفي ذلك دلالة واضحة على كمال درايته وفهمه حيث أودع شعره ما نزل به ~~القرآن من إصابة علي وتسديد سهمه فقال: # أنزل الله والكتاب عزيز %~% في علي وفي الوليد قرآنا # فتبوأ الوليد من ذاك فسقا %~% وعلي مبوأ ايمانا # ليس من كان مؤمنا عرف الله %~% كمن كان فاسقا خوانا # سوف يجزى الوليد خزيا ونارا %~% وعلي لا شك يجزى جنانا # فعلي يلقى لدى الله عزا %~% ووليد يلقى هناك هوانا # وفشت هذه الابيات من قول حسان وتناقلها سمع عن سمع ولسان عن لسان. # وأما هذا الوليد بن أبي معيط فان جده أبا معيط كان أبوه ذكوان يقول أنه ~~ابن أمية بن عبد شمس، وقيل لم يكن ابنه بل كان عبده فاستلحقه فكان ينسب إلى ~~غير أبيه. ثم إن الوليد هذا اسلم يوم فتح مكة ولما تولى عثمان الخلافة ولاه ~~الكوفة إذ كان أخاه لأمه على ما تقدم، فبقي واليا في الكوفة يشرب الخمر حتى ~~صلى الفجر في ms069 مسجدها بالناس أربع ركعات وهو سكران [لا يعقل] ثم التفت ~~إليهم وقال أزيدكم فعلم الناس أنه لا يعقل فقال فيه الحطيئة العبسي: # شهد الحطيئة يوم يلقى ربه %~% أن الوليد معاقر الخمر # نادى وقد تمت صلاتهم %~% أأزيدكم؟ ثملا! ولا يدري # قالوا: أبا وهب- وقد علموا-* أقرنت بين الشفع والوتر؟! PageV01P094 # حبسوا عنانك إذ جريت ولو %~% تركوا عنانك لم تزل تجري # فاشتهرت قصته وظهر فسقه وشاع بين الناس أمره وافتضح بسوء فعله، وأنكر ذلك ~~عليه، فحده عثمان وعزله عن الكوفة لذلك ثم بالرقة. # فانظر إلى الحكمة الإلهية التي هي سر هذه القضية، فإن عليا ((عليه ~~السلام)) لما سمى الوليد فاسقا وأنزل الله (جل وعلا) هذه الآية وأخبر أن ~~عليا ((عليه السلام)) مؤمن وأن الوليد فاسق، أجرى قدره وقضاه بما ظهرته في ~~عالم الشهادة والحس الجمع لعلي ((عليه السلام)) في تصديقه في قوله للوليد ~~بين الخبر والعيان، فأظهر شرب الخمر الذي هو أجمع أسباب الفسوق وسوء سمعته ~~بين الناس ثم إقامة الحد على رءوس الأشهاد، ليتيقن ذوو الأبصار من المؤمنين ~~والمنافقين وجود صفة الفسق في الوليد كما سماه علي ((عليه السلام)). # ثم إذا كانت إحدى الصفتين المتقابلتين وهي الفسق موجودة في الوليد جزما، ~~كانت الصفة المقابلة لها وهي الإيمان موجودة لعلي جزما. # هذه لطيفة مشيرة برمزها إلى العناية الربانية لعلي ((عليه السلام)) فتنبه لها. # ومن ذلك آية المباهلة وهي قوله (تعالى وتقدس): @QUR@014 فقل تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم . # هذه الآية قد تقدم بسط القول [فيها و] في بيان سبب نزولها وفي تصريحها ~~بفضيلة فاطمة والخمسة أهل العبا ((عليهم السلام)) بمدلولها، غير أني أعدت ~~في هذا الفصل ذكرها ليكون فضيلة علي ((عليه السلام)) بخصوصه من مقاصيد ~~محصولها. # وقد تقدمت من ذلك أنه قد نقل أن المراد بقوله [تعالى] وأنفسنا هو علي ~~((عليه السلام)) ويمتنع أن تكون نفس علي هي نفس النبي ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) بعينها، فيكون المراد من الآية PageV01P095 # المساواة بين تقسيهما، وهذا يقتضي أن تكون كل واحدة من النفسين متصفة ms070 ~~بمثل جنس صفات الأخرى وإلا لما حصل التساوي بينهما فتكون نفس علي ((عليه ~~السلام))، متصفة بمثال صفات النفس النبوية الموصوفة بصفات الكمال جنسا، لكن ~~ترك العمل بذلك في صفة النبوة لاختصاصها بالنبي (صلوات الله عليه) لاستحالة ~~وجودها في غيره، فتبقى صفة الفضيلة والعلم حاصلة لعلي ((عليه السلام))، إذ ~~النفس المساوية للنفس المتصفة بالفضيلة والعلم متصفة بذلك لا محالة، وفي ~~هذه الآية الشريفة من الاشارة إلى هذه الفضيلة ما لو اقتصر عليها في حقه، ~~لأشرق بها نور فضله وبرق منها موفور نبله، وسمق بسببها مقر محله واندفق من ~~وجوب تعظيمه هامر وبله وغامر سجله، كيف وهي جوهرة فردة من عقود منضدة ~~ومنقبة واحدة من مناقب متعددة. # ومن ذلك ما رواه الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد ((رحمه الله)) ~~يرفعه بسنده في حليته عن الحسن بن علي ((عليه السلام)) قال: قال رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)): «ادع لي سيد العرب» يعني عليا فقالت عائشة: ~~ألست سيد العرب فقال: «أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب» فلما جاء أرسل إلى ~~الأنصار فأتوه فقال لهم: «يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما أن تمسكتم به ~~لن تضلوا بعده أبدا» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «هذا علي فأحبوه بحبي ~~وأكرموه بكرامتي فإن جبرائيل ((عليه السلام)) أمرني بالذي قلت لكم عن الله ~~(عز وجل)». # وروى الإمام الحافظ المذكور بسنده في حليته عن أنس بن مالك قال: قال رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «يا أنس أسكب لي وضوءا» ثم قام فصلى ~~ركعتين ثم قال: «يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين وسيد ~~المسلمين وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين» قال أنس: قلت اللهم اجعله ~~رجلا من الأنصار وكتمته، إذ جاء علي ((عليه السلام)) فقال: «من هذا يا أنس» ~~فقلت علي فقام مستبشرا، فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه وعرق PageV01P096 # وجه علي بوجهه، فقال علي: يا رسول الله لقد رأيتك صنعت [بي] شيئا ما ~~صنعت بي ms071 قبل؟ قال: «وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي وتبين لهم ما ~~اختلفوا فيه بعدي». # ومن ذلك ما رواه الحافظ المذكور يرفعه في حليته بسنده عن علقمة بن عبد ~~الله، قال: كنت عند النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فسئل عن علي فقال: ~~«قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأعطى علي تسعة أجزاء والناس جزءا واحدا». # ومن ذلك ما رواه الحافظ المذكور بسنده في حليته عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «ما أنزل الله (عز وجل) @QUR@04 يا ~~أيها الذين آمنوا إلا وعلي رأسها وأميرها». # ومن ذلك ما رواه الحافظ [المذكور] بسنده قال: قال رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)): «إن الله عهد إلي في علي ((عليه السلام)) عهدا فقلت: يا ~~رب بينه لي فقال: اسمع فقلت: سمعت فقال: إن عليا راية الهدى وإمام أوليائي ~~ونور من أطاعني وهو الكلمة التي الزمتها المتقين فمن أحبه أحبني ومن أبغضه ~~فقد أبغضني فبشره بذلك، فبشرته فقال: يا رسول الله أنا عبد الله وفي قبضته ~~فإن يعذبني فبذنبي وإن يتم الذي بشرتني به فالله أولى بي، فقال: اللهم اجل ~~قلبه واجعل ربيعه الإيمان فقال الله تعالى: قد فعلت، ثم رفع إلي أنه سيخصه ~~من البلاء بشيء لم يخص به أحدا من أصحابي [فقلت يا رب أخي وصاحبي] قال: ~~هذا شيء قد سبق، إنه مبتلى ومبتلى به» ومن ذلك ما رواه الإمام البيهقي ~~(رض) في كتابه المصنف في فضائل الصحابة يرفعه بسنده إلى رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) أنه قال: «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح ~~في تقواه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى عيسى في عبادته ~~فلينظر إلى علي بن أبي طالب». # فقد أثبت النبي (صلوات الله عليه) لعلي ((عليه السلام)) بهذا PageV01P097 # لحديث علما يشبه علم آدم وتقوى يشبه تقوى نوح، وحلما يشبه حلم إبراهيم ~~وهيبة تشبه هيبة موسى وعبادة تشبه عبادة عيسى ((عليهم السلام)). # وفي هذا تصريح لعلي ((عليه ms072 السلام)) بعلمه وتقواه وحلمه وهيبته وعبادته، ~~وتعلو هذه الصفات إلى أوج العلا حيث شبهها بهؤلاء الأنبياء المرسلين (صلوات ~~الله عليهم أجمعين)، من الصفات المذكورة والمناقب المعدودة. # ومن ذلك ما رواه الإمام الترمذي في صحيحه بسنده وقد تقدم ذكره في ~~الاستشهاد في صفة أمير المؤمنين ((عليه السلام)) بالأنزع البطين، أن رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها». # نقل القاضي الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في كتابه الموسوم ~~بالمصابيح، أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قال: «أنا دار الحكمة ~~وعلي بابها». # لكنه ((صلى الله عليه وآله وسلم)) خص العلم بالمدينة والدار بالحكمة، لما ~~كان العلم أوسع أنواعا وأبسط فنونا وأكثر شعبا وأغزر فائدة وأعم نفعا من ~~الحكمة، خصص الأعم بالأكبر والأخص بالأصغر. # وفي قول النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ذلك إشارة إلى كون علي ((عليه ~~السلام)) نازلا من العلم والحكمة منزلة الباب من المدينة، والباب من الدار ~~لكون الباب حافظا لما هو داخل المدينة وداخل الدار من تطرق الضياع واعتداء ~~يد الذهاب عليه. # وكان معنى الحديث أن عليا ((عليه السلام)) حافظ للعلم والحكمة فلا يتطرق ~~إليهما ضياع ولا يخشى عليهما ذهاب، فوصف عليا بأنه حافظ للعلم والحكمة ~~ويكفي عليا ((عليه السلام)) علوا في مقام العلم والفضيلة أن جعله رسول الله ~~حافظا للعلم والحكمة. PageV01P098 # ومن ذلك ما نقله القاضي الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي ((رضي ~~الله عنه)) في تصنيفه المسمى بالمصابيح مرويا عن أنس ((رضي الله عنه)) أن ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، لما خصص جماعة من الصحابة كل واحد ~~بفضيلة، خصص عليا بعلم القضاء فقال: «وأقضاهم علي». وقد صدع هذا الحديث ~~بمنطوقه وصرح بمفهومه أن أنواع العلم واقسامه قد جمعها رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) لعلي ((عليه السلام)) دون غيره، فإن كل واحد ممن خصه ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بفضيلة خاصة لم يتوقف حصول تلك ~~الفضيلة على غيرها من الفضائل والعلوم، فإنه ms073 ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~قال: «أفرضهم زيد بن ثابت وأقرأهم أبي وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن ~~جبل». ولا يخفى أن علم الفرائض لا يفتقر إلى علم آخر، ومعرفة القراءة لا ~~تتوقف على سواها وكذلك العلم بالحلال والحرام، بخلاف علم القضاء فالنبي ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) قد أخبر بثبوت هذه الصفة العالية لعلي ((عليه ~~السلام)) مع زيادة فيها، فإن صيغة أفعل تقتضي وجود أصل ذلك الوصف والزيادة ~~فيه على غيره. # وإذا كانت هذه الصفة العالية قد أثبتها له فتكون حاصلة له، ومن ضرورة ~~حصولها له أن يكون ((عليه السلام)) متصفا بها، ولا يتصف بها إلا بعد أن ~~يكون كامل العقل صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدا عن السهو والغفلة، يتوصل ~~بفطنته إلى وضوح ما أشكل وفصل ما أعضل ذا عدالة تحجزه عن أن يحوم حول حمى ~~المحارم، ومروءة تحمله على محاسن الشيم ومجانبة الدنايا صادق اللهجة ظاهر ~~الأمانة عفيفا عن المحظورات، مأمونا في السخط والرضا عارفا بالكتاب والسنة ~~والاتفاق والاختلاف والقياس ولغة العرب، بحيث يقدم المحكم على المتشابه ~~والخاص على العام والمبين على المجمل والناسخ على المنسوخ ويبني المطلق على ~~المقيد ويقضي بالتواتر دون الآحاد وبالمسند دون المرسل، وبالمتصل دون ~~المنقطع وبالاتفاق دون الاختلاف، ويعرف أنواع PageV01P099 # الاقيسة من الجلي والواضح والخفي ليتوصل بها إلى الأحكام من الواجب ~~والمحظور والمندوب والمكروه، فهذه أمور لا يصح اتصاف الانسان بعلم القضاء ~~ما لم يحط بمعرفتها ومتى فقد علمه بها لا يصلح للقضاء ولا يصح اتصافه به. # فظهر لك أيدك الله تعالى أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، حيث ~~وصف عليا ((عليه السلام)) بهذه الصفة العالية بمنطوق لفظه المثبت له فضلا ~~فقد وصفه بمفهومه بهذه العلوم المشروحة المتنوعة الاقسام فرعا وأصلا، وكفى ~~بذلك دلالة لمن خص بهدية الهداية قولا وفعلا على ارتقاء علي ((عليه ~~السلام)) في مناهج معارج العلوم إلى المقام الأعلى، وضربه في أعشار الفضائل ~~المجزات بالتساهم بالقدح المعلى. # فائدة زائدة: # [تقرير] حصول هذه المناقب اللألاء وشمول هذه المطالب السنية السناء ms074 ~~الحاصلة لعلي ((عليه السلام)) من مواد علم القضاء، كان مناط إفاضة أنوارها ~~عليه أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قبل ذلك لما انتدبه وانتضاه ~~وآثره وارتضاه، وفوض إليه قضاء اليمن وولاه أحجم إحجام واجف لقصوره في ~~معرفة أحكامه وقضاياه، فلما أحس رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ذلك ~~منه أخبره بأن الله (عز وعلا) سيرزق قلبه الهدى، ويسلك به من التثبيت جددا ~~ومن حصل له من الله (عز وعلا) الهدى والتثبت فلن يضل أبدا. # وحجة ما نقله الإمام أبو داود سليمان بن الاشعث في مسنده يرفعه بسنده إلى ~~علي بن أبي طالب ((عليه السلام))، قال: أرسلني رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) إلى اليمن قاضيا فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن لا ~~علم لي بالقضاء فقال: «إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك ~~الخصمان فلا تقضين حتى PageV01P100 # تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء» قال: ~~فما زلت قاضيا وما شككت في قضاء بعده. فهبت عليه النسمات الإلهية من ~~العناية النبوية بألطاف التأييد ونزل عليه الملكان الموكلان بالمحقين ~~فالبساه رداء التوفيق والتسديد، فوترت حقائق علم القضاء في صدره حتى ما على ~~احاطته بها [من] مزيد، وأثمرت حدائق فضائله فنخلها بالمعرفة باسقات ذات ~~طلع نضيد، فلما رسخ علمه ((عليه السلام)) بمواد القضاء رسوخا لا تحركه ~~الهواب، ورسا قدم فهمه في قواعد معرفته بحيث لا يعترضه الاضطراب، فاقتفى ~~رشدا وقضى سددا فوارده التأييد ورافقه التوفيق وصاحبه الصواب، فعند ذلك ~~وصفه رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بقوله: «أقضاهم علي» إذ وضحت ~~لديه الأسباب وتفتحت بين يديه الأبواب، وشرحت له الالسن والسنن والآداب حتى ~~قال له رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «ليهنئك العلم يا أبا الحسن ~~لقد شربت العلم شربا ونهلته نهلا». # ومن ذلك ما نقله القاضي الإمام أبو محمد حسين بن مسعود البغوي في كتابه ~~المسمى بشرح السنة، يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: ms075 سمعت رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) يقول: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما ~~قاتلت على تنزيله». # فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا فقال عمر: أنا هو يا رسول ~~الله؟ قال: «لا ولكن خاصف النعل» وكان علي ((عليه السلام)) قد أخذ نعل رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وهو يخصفها. # فقضى ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أن عليا ((عليه السلام)) يقوم بالقتال ~~على تأويل القرآن، كما قام هو ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بالقتال على ~~تنزيله فهذا منطوق الحديث. # وأما دلالته على فضيلة علي ((عليه السلام)) فأقول: اعلم أرشدك الله إلى ~~مناهج الحق ومدارج الهدى أن التنزيل والتأويل أمران متعلقان PageV01P101 # بالقرآن الكريم، فتنزيله مختص برسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~فإن الله (عز وجل) أنزل القرآن عليه لأنواع من الحكم قدرها وأرادها فقال ~~(تعالى): @QUR@015 كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ~~بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وقال (سبحانه): (وأنزلنا عليك القرآن ~~تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) وقال عز من قائل: # @QUR@014 وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون ~~من المنذرين إلى غير ذلك من الآيات البينات الدالة على هذه الحكم التي ~~تنزيله عليه ((صلى الله عليه وآله وسلم))، طريق إلى تحصيلها هذا أمر يختص ~~برسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، ولا يمكنه تحصيل تلك الحكم ~~والمقاصد المنوطة بالقرآن الكريم إلا بتنزيله، فمن أنكر تنزيله فقد كذب به ~~وجحده فاتصف بصفة الكفر على ما قال (سبحانه وتعالى): @QUR@014 وما يجحد ~~بآياتنا إلا الكافرون وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور فأنكروا تنزيله ~~على ما نطق به القرآن الكريم @QUR@06 وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما ~~أنزل الله على بشر من شيء، فتعين قتالهم إلا أن يؤمنوا فقاتل رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) إلى أن دخل الناس في دين الله أفواجا فهذا ~~بيان القتال على تنزيله. # وأما تأويله فمعناه تفسيره وما يؤول ms076 إليه آخر مدلوله، فمن حمل القرآن ~~الكريم على معناه الذي اقتضاه لفظه من مدلول الخطاب، وفسره بما تناوله من ~~معانيه المرادة به فقد أصاب سنن الصواب، ومن صدف عن ذلك وصرفه عن مدلوله ~~ومقتضاه وحمله على غير ما أريد به مما يوافق هواه، وتأوله بما يضل به عن ~~نهج هداه معتقدا أن محمله الذي ادعاه ومقصده الذي افتراه فنجاه، هو المدلول ~~الذي أراده الله تعالى فقد الحد في القرآن حيث مال به عن مدلوله ووضعه في ~~غير موضعه، وأثبت به ما لا يحل إثباته وخالف فيه أئمة الهدى واتبع داعي ~~الهوى فاقتدى فتعين قتاله ان أصر على ضلالته ودام على مخالفته واستمر في ~~جهالته وتمادى في مقالته، إلى أن يفيء إلى أمر الله وطاعته. ولهذا جعل رسول PageV01P102 # الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) القتال على تأويله كالقتال على تنزيله ~~فقد ظهر مناط القتال على التأويل كما ظهر مناط القتال على التنزيل وقد ~~اشترك الأمران في أن كل واحد منهما قتال مبطل ضال ليرجع عن إبطاله وضلالته، ~~وافترقا في أن الجريمة الصادرة من المقاتلين على التنزيل، أعظم وأشد من ~~الجزية الصادرة من المقاتلين على التأويل فلهذا كان المقاتلة على أعظم ~~الجريمتين مختصة بمنصب النبوة، فقام بها النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~ودعا إليها وقاتل الذين كفروا حتى آمنوا، وكانت المقاتلة على جريمة التأويل ~~التي هي دون الجريمة الأولى، موكولة إلى الإمام لكون الإمامة دون النبوة ~~فهي فرعها فقام بها علي ((عليه السلام))، ودعا إليها وقاتل الخوارج ~~المتأولين، فإنهم عمدوا إلى آيات من القرآن الكريم نزلت في الكفار واختصت ~~بهم فصرفوها عن محل مدلولها وحملوها على المؤمنين، وجعلوهم محلها واستدلوا ~~عليهم بها، وأنا أذكر منها ما يستدل به على سوء فعلهم وقبح صنعهم ومروقهم ~~عن الإيمان ومتابعتهم الهوى الهاوي بهم إلى مكان سحيق، وذلك أن أئمة ~~التفسير وعلماء الإسلام أجمعوا على أن قوله (سبحانه وتعالى): @QUR@022 ألم ~~تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ~~يتولى ms077 فريق منهم وهم معرضون نزلت في اليهود وهي مختصة بهم وذكروا في سبب ~~نزولها في حقهم وجوها، فقيل لما دعا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~اليهود إلى الإسلام قالوا هلم نخاصمكم إلى الأحبار فقال: «بل إلى كتاب الله ~~(تعالى)» قال: فأبوا وقيل: لما دعاهم إلى الإسلام قال له بعضهم: على اي دين ~~أنت فقال: # «على دين إبراهيم» فقالوا إن إبراهيم كان يهوديا فقال: «هلموا بالتوراة ~~فهي بيني وبينكم» فأبوا وقيل بل لما أنكروا أن يكون رجم الزاني في التوراة ~~قال: «هلموا بالتوراة فهي بيني وبينكم» فأبوا فأنزل الله (تعالى) هذه الآية ~~وهكذا ذكره الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي ((رحمه الله)) في كتابه ~~المسمى بأسباب النزول، فقد اتفق الجميع على اختصاصها باليهود PageV01P103 # فجاء الخوارج فجعلوها في المسلمين وأقاموها عمدة لهم ومرجعا في اتباع ~~ضلالتهم، واحتجوا بها على خروجهم عن الطامة المفروضة عليهم اللازمة لهم. # فإذا علمت حقيقة المقاتلة على التنزيل والمقاتلة على التأويل فأعلم أن ~~بين النبي وبين علي من رابطة الاتصال والأخوة والعلاقة ما ليس بين غيرهما، ~~وقد صدع بهذه العلاقة والرباطة ما تقدم من صريح النصوص من قوله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)): «علي مني وأنا من علي» وقوله: «أنت مني وأنا منك» وقوله: ~~«أنت مني بمنزلة هارون من موسى» فهذه النصوص مشيرات إلى خصوصية بينهما ~~فاقتضت تلك الخصوصية أن أعلمه رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أنه ~~يبلى بمقاتلة الخارجين كما بلى ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بمقاتلة ~~الكافرين، وأنه يلقى من الشدائد في أيام إمامته مؤلمات كما لقي النبي ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) من الشدائد في أيام نبوته، وإن تفاوتا في المقادير ~~فإن الأبعاض التي تشملها الرابطة تسري إلى جزئياتها شيء من كلياتها، وقد ~~قال الشافعي: أخذ المسلمون السيرة في قتال المشركين من رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) وأخذوا السيرة في قتال البغاة من علي ((عليه ~~السلام)). # فإذا وضح تفصيل هذا الأمر على ما شرحناه ففيه تبصرة وذكرى في ms078 فضيلة علي ~~((عليه السلام)) فافهم ذلك وتيقظ له. # ومن ذلك ما نقله القاضي الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في كتابه ~~المذكور يرفعه بسنده عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) فأتى منزل ام سلمة فجاء علي ((عليه السلام)) فقال رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)): «يا أم سلمة هذا والله قاتل القاسطين والناكثين ~~والمارقين من بعدي». # فالنبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ذكر في هذا الحديث فرقا PageV01P104 # ثلاثة صرح بأن عليا ((عليه السلام)) يقاتلهم من بعده، وهم الناكثون ~~والقاسطون والمارقون، وهذه الصفات التي ذكرها ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~قد سماهم بها مشيرا إلى أن وجود كل صفة منها في الفرقة المختصة بها علة ~~لقتالهم مسلطة عليه، وهؤلاء الناكثون هم الناقضون عقد بيعتهم الموجبة عليهم ~~الطاعة والمتابعة لإمامهم الذي بايعوه محقا فإذا نقضوا ذلك وصدفوا عن طاعة ~~إمامهم وخرجوا عن حكمه، وأخذوا في قتاله بغيا وعنادا كانوا ناكثين باغين ~~فيتعين قتالهم كما اعتمده طائفة ممن تابع عليا ((عليه السلام)) وبايعه، ثم ~~نقض عهده وخرج عليه وهم أصحاب واقعة الجمل فقاتلهم علي ((عليه السلام)) فهم ~~الناكثون. # وأما القاسطون فهم الجائرون عن سنن الحق المائلون إلى الباطل المعرضون عن ~~إتباع الهدى الخارجون عن طاعة الإمام الواجبة طاعته، فإذا فعلوا ذلك ~~واتصفوا به تعين قتالهم كما اعتمده طائفة تجمعوا واتبعوا معاوية وخرجوا ~~لمقاتلة علي ((عليه السلام)) على حقه ومنعوه إياه، فقاتلهم وهي وقائع صفين ~~وليلة الهرير فهؤلاء القاسطون. # فإن قيل: معاوية كان من كتاب النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وكان خال ~~المؤمنين فكيف تحكم عليه وعلى من معه بكونهم بقتال علي بغاة في فعلهم ~~جائرين عن سنن الصواب بقصدهم، قاسطين بما ارتكبوه من بغيهم والجين في جملة ~~الخارجين عن طاعة ربهم. # قلت لم أحكم عليهم بصفة البغي ولوازمها وضعا واختراعا، بل حكمت بها نقلا ~~واتباعا، فإنه روى الأئمة الأعيان من المحدثين في مسانيدهم الصحاح أحاديث ~~متعددة رفع كل واحد منهم حديثه بسنده إلى رسول ms079 الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) أنه قال لعمار بن ياسر (رض): «تقتلك الفئة الباغية» وفي حديث آخر: ~~«تقتل عمارا الفئة الباغية» وفي حديث آخر أنه ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~قال لعمار: «أبشر تقتلك الفئة الباغية» وهذه أحاديث لا دخل في إسنادها ولا ~~اضطراب في متونها. PageV01P105 # فثبت بها أن النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وصف الفئة القاتلة عمارا ~~بكونها باغية وصفة البغي لا ينفك عنها لازمها. # والبغي في اللغة عبارة عن الظلم وقصد الفساد فكل من كان باغيا كان ظالما ~~جائرا، ومن كان ظالما جائرا كان قاسطا خارجا عن طاعة ربه، فتكون الفئة ~~القاتلة عمارا متصفة بهذه الصفات بخبر الصادق المعصوم ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)). # وقد ثبت ثبوتا محكوما بصحته منقولا بالخبر المستند إلى الإدراك بالحواس ~~أن عمارا كان يقاتل بين يدي علي ((عليه السلام)) لمعاوية وأصحابه في أيام ~~صفين، وأنه في آخر أمره استسقى يوما من صفين فأتي بقعب فيه لبن، فلما نظر ~~إليه كبر وقال: أخبرني رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أن آخر رزقي ~~من الدنيا ضياح لبن في مثل هذا القعب، فشربه ثم حمل فلم يثن حتى قتل في سنة ~~سبع وثلاثين من الهجرة وعمره يومئذ ثلاث وتسعون سنة ودفن بالرقة وقبره الآن بها. # وروى صاحب كتاب صفة الصفوة بسنده أن عبد الله بن سلمة قال: سمعت عمارا ~~يوم صفين وهو شيخ في يده الحربة، وقد نظر إلى عمرو بن العاص معه الراية في ~~فئة معاوية يقول: إن هذه راية قد قاتلتها مع رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) ثلاث مرات، وهذه الرابعة والله لو ضربونا حتى بلغونا سعاف هجر ~~لعرفت أنا على الحق وأنهم على الضلالة. # وإذا وضح أن عمارا تقتله الفئة الباغية، فثبت لها تلك الأوصاف المقدم ~~ذكرها على لسان رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)). # وأما المارقون فهم الخارجون عن متابعة الحق، المصرون على مخالفة الإمام ~~المفروضة طاعته ومتابعته المصرون بخلعه، فإذا فعلوا ذلك واتصفوا به تعين ms080 ~~قتالهم كما اعتمده أهل حروراء أو النهروان، فقاتلهم علي ((عليه السلام)) ~~وهم الخوارج، فبدأ علي ((عليه السلام)) بقتال PageV01P106 # الناكثين وهم أصحاب الجمل، وثنى بقتال القاسطين وهم أصحاب معاوية وأهل ~~الشام بصفين، وثلث بقتال المارقين وهم الخوارج وأهل حروراء والنهروان فقاتل ~~وقتل حسب ما وصفه به رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) على ما تقدم به ~~لفظ الخبر. # ومن ذلك ما نقله الإمام أبو داود سليمان بن الاشعث في مسنده المسمى ~~بالسنن، يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك ((رضي الله عنهما)) ~~أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قال: # «سيكون في امتي اختلاف وفرقة قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل يقرءون ~~القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. هم شر ~~الخلق طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من ~~قاتلهم كان أولى بالناس منهم»، قالوا يا رسول الله ما سيماهم قال: «التحليق ~~والتسبيد فإذا رأيتموهم فأبيدوهم» أي اقتلوهم. # ونقل الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه ووافقه الإمام أبو داود (رض)، ~~بسندهما عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذي كان مع علي ((عليه السلام)) ~~الذي سار إلى الخوارج فقال علي: أيها الناس إني سمعت رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى ~~قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، ~~يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، ولا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون ~~من الدين كما يرمق السهم من الرمية» لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى ~~لهم على لسان نبيهم ((صلى الله عليه وآله وسلم)) لنكلوا عن العمل وآية ذلك ~~أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع، على عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض ~~فيذهبون إلى معاوية وأهل الشام ويتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم ~~وأموالكم، والله إني لأرجو أن PageV01P107 # يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا على سرح الناس ms081 ~~فسيروا. # قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلا حتى قال مررنا على قنطرة فلما ~~التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا ~~الرماح وسلوا السيوف من جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم ~~حروراء، فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وشجرهم الناس بالرماح، قال: ~~وقتل بعضهم على بعض وما أصيب يومئذ من الناس إلا رجلين، فقال علي ((عليه ~~السلام)): التمسوا فيهم المخدج فالتمسوه فلم يجدوه فقام علي ((عليه ~~السلام)) بنفسه حتى أتى أناسا قد قتل بعضهم على بعض، قال أخرجوهم، فوجدوه ~~مما يلي الأرض فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)). # قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله ~~إلا هو لسمعت الحديث من رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، قال: أي ~~والذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف. # ونقل البخاري ومسلم ومالك في موطئه أن أبا سعيد الخدري قال: # أشهد اني سمعت هذا من رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) واشهد أن ~~علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس ~~فوجد وأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~الذي نعت. # ونقل أيضا البخاري والنسائي ووافقهما مسلم وأبو داود، كل منهم في مسنده ~~الصحيح يرفعه إلى سويد بن غفلة بسنده قال: قال علي ((عليه السلام)): إذا ~~حدثتكم عن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) حديثا فو الله لأن أخر من ~~السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وفي رواية من أن أقول عليه، ما لم يقل ~~وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن PageV01P108 # الحرب خدعة وإني سمعت رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يقول: ~~«سيخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان سفهاء الاحلام يقولون من قول خير ~~البرية يقرءون القرآن لا يجاوز إيمانهم جراجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق ~~السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن ms082 في قتلهم أجرا لمن قتلهم ~~عند الله يوم القيامة». # فهذه الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة شاهدة لعلي ((عليه السلام)) على ~~لسان رسول الله بأنه بمقاتلة هؤلاء أولى بالله (عز وعلا) منهم، وإن له طوبى ~~وهو المحل الرفيع في الجنة، وإن في قتلهم أجرا عند الله يوم القيامة، وإن ~~لمقاتليهم عند الله ما قضى لهم على لسان نبيهم ما لو علموا به لنكلوا عن ~~العمل استغناء بمقاتلتهم عن بقية الطاعات. وفي هذا دليل واضح لعلي ((عليه ~~السلام)) بكمال فضيلته وإجلال منزلته ورجحان أجره ومثوبته وزيادة تقربه إلى ~~الله (عز وعلا) بطاعته، وأنه بقتاله إياهم ليرجعوا عن ضلالتهم ويذعنوا للحق ~~الذي أوجبه الله (تعالى) عليهم من انقيادهم إلى طاعة الله (عز وعلا) مقتديا ~~برسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، في قيامه بمقاتلة المشركين ~~الجاحدين ليرجعوا عن شركهم وينقادوا لما أوجبه الله (تعالى) عليهم من إجابة ~~رسوله إلى الدخول في الإسلام والاذعان بالإيمان، وناهيك بها فضيلة ومنقبة ~~أثيلة ومزية في الأولى والآخرة عريضة طويلة، فقد صدرت هذا الفصل المعقود ~~لبيان فضله الموفور علمه، المشهور من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ~~بما فيه شفاء الصدور ووفاء بالمستطاع المقدور، واهتداء بخروج القلوب الضالة ~~من الظلمات إلى النور واقتصرت عليها لكونها واضحة جددا راجحة صحة ومعتقدا، ~~وقد جعلت المعقبات الإلهية من بين يديها ومن خلفها لحفظها رصدا، ولم ~~أتجاوزها إلى (إيراد) أخبار كثيرة عددا واهية سندا ومستندا، غير أني قد ~~أردفتها من المعقول بمعان مستغربة الإشارات، مستعذبة العبارات مهذبة ~~الكلمات، مركبة المقدمات معسولة الحلبات موصولة العذبات، تمنح PageV01P109 # سامعها طربا لحسن ترتيبها وتوضح لمن يعيها عجبا من تهذيب تقريبها فأقول: # قد قضت العقول في أساليب سدادها وأنفدت حكم قضائها في طرق اجتهادها بأن ~~النفس البشرية في اعتياد مجراها وجاري اعتيادها لا تحصل من أنواع العلوم ~~[والمراتب] والفضائل على مرامها ومرادها، إلا عند امدادها من الأقدار ~~الربانية بشروطها [وموادها]، فإذا فتحت بها أبواب المواد ومنحت بالقابلية ~~والاستعداد، وجدحت بها من الفاعلية أمشاج الإرشاد أدركت صور العلوم ~~والفضائل إدراك العيان، ms083 وثبتت لها صفة الاتصاف بها بدليل وبرهان، وقد أشار ~~بعض الفضلاء إلى هذه الحال فقال: # أخي لن تنال العلم إلا بستة %~% سأنبيك عن مجموعها ببيان # ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة %~% وإرشاد استاذ وطول زمان # فإن ظفرت كفاك منها بهذه %~% فقد نلت في العلياء أشرف شأن # وهذه الشروط والمواد بأسرها كانت حاصلة لعلي ((عليه السلام)) فإنه كان في ~~غاية الذكاء والفطنة والقابلية والاستعداد من أصل الخلقة حريصا على متابعة ~~النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) والتعلم منه. # وكان رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أكمل العالم علما وأعلاهم في ~~المعارف والفضائل محلا، وكان شديد الحرص على تربية علي ((عليه السلام))، ~~والإشفاق عليه في تعليمه وإرشاده إلى اكتساب الفضائل، وكان في حجره من صغره ~~على ما تقدم ذكره وشرحه في الفصل الأول ملازما له حتى كبر، وفي كبره زوجه ~~ابنته فصار صهره وكان يدخل عليه في كل الأوقات، كانت تلك الشروط والمواد ~~حاصلة له ومن المعلوم الذي لا يشك فيه ذوو الدراية أن التلميذ إذا كان في ~~غاية الذكاء والحرص على التعلم، والأستاذ في غاية الفضل والمعرفة والحرص ~~على التعليم، ورزق هذا التلميذ ملازمة هذا الاستاذ من صغره PageV01P110 # مستمرا في خدمته إلى كبره، وطالت مدة ملازمته واستمرت له أوقات صحبته، ~~فإنه يبلغ من العلم مبلغا عظيما وينال فيه مقاما رفيعا. # فوضح بهذا النوع من الاستدلال بطريق الاجمال كمال علمه وعلو مقامه في فضله. # وقد صرح ((عليه السلام)) في مقالاته الصادرة منه وإشاراته المروية عنه، ~~بما اقتبسه من مشكاة أنوار العلوم النبوية فقال مرة: سلوني عن طرق السماوات ~~فإني أعرف بها من طرق الأرض، وقال مرة: لو شئت لأوقرت بعيرا من تفسير بسم ~~الله الرحمن الرحيم، وقال مرة: لو كسرت لي الوسادة ثم جلست عليها لقضيت بين ~~أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم ~~وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية أنزلت في بر أو بحر ولا سهل ~~ولا جبل ولا سماء ولا أرض ولا ليل ولا نهار، ms084 إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي ~~أي شيء نزلت. # أشار بهذا القول إلى علمه بأحكام هذه الكتب المنزلة، ولا يصدر هذا القول ~~منه ((عليه السلام)) إلا وقد تضلع من أنواع العلوم وأقسام المعارف فهذا ~~تقرير هذا الإجمال. # وأما القول في تفصيل علومه وتعيين فضائله، فاعلم أن العلوم تنقسم إلى ~~أصول وفروع، فأما الأصول فالقائمون بها هم المتكلمون وأشهر فرقهم المعتزلة ~~والأشاعرة والشيعة والخوارج وأئمة هذه الطوائف مرجعها إلى علي ((عليه ~~السلام)). # أما المعتزلة فينسبون أنفسهم إليه، وأما الأشاعرة فإمامهم أبو الحسن كان ~~تلميذا لأبي علي الجبائي المعتزلي وكان الجبائي ينسب نفسه إليه. # وأما الشيعة فانتسابهم إليه ظاهر وأما الخوارج رؤساؤهم وأكابرهم PageV01P111 # تلامذة له، وإذا كانت أكابر المتكلمين وأئمة الأصول ينتسبون إليه فكفى ~~ذلك دلالة على علمه بالأصول. # والذي يشرح هذا القول ويوضحه، أن المطلب الأقصى من الأصول علم التوحيد، ~~والعلم بالقضاء والقدر، والعلم بالنبوة والعلم بالمعاد والبعث وأحوال ~~الآخرة. # وقد ذكر ((عليه السلام)) في كلامه ومواعظه وخطبه من هذه العلوم ما يشهد ~~بكمال معرفته ومتانة إحاطته بعلوم الدين. # وها أنا الآن أذكر شيئا من كلامه في ذلك لأقيم به على ثبوت هذه المقالة ~~برهانا، ولينقاد به ذوو الجهالة إذعانا، وليستفاد بإيراده ما يطلق به ~~لسانا، ويحقق بيانا ويزداد الذين آمنوا إيمانا. # فمنه ما نقله الإمام البيهقي بإسناده عن الشافعي عن يحيى بن سليم عن ~~الإمام جعفر بن محمد عن عبد الله بن جعفر (رضي الله عن الجميع) عن أمير ~~المؤمنين ((عليه السلام)) أنه قال يوما: # أعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضداد لها من خلافها، فإن ~~سنح له الرجاء ولهه الطمع وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس ~~قتله الأسف وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن اسعد بالرضى نسي التحفظ ~~وإن ناله الخوف شغله الحزن وإن أصابته المصيبة قصمه الجزع، وإن وجد مالا ~~اطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن اجهده الجوع قعد به الضعف وإن ~~أفرط به الشبع كظته البطنة فكل ms085 تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد. # فقام إليه رجل ممن شهد معه وقعة الجمل فقال: يا أمير المؤمنين ((عليه ~~السلام)) أخبرنا عن القدر، فقال: بحر عميق فلا تلجه، فقال: يا أمير ~~المؤمنين أخبرنا عن القدر، [فقال]: بيت مظلم فلا تدخله، فقال: يا أمير ~~المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ فقال: سر الله فلا تبحث عنه [فقال: يا PageV01P112 # أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر، فقال: لما أبيت فإنه أمر بين أمرين لا ~~جبر ولا تفويض [فقال: يا أمير المؤمنين إن فلانا يقول بالاستطاعة- وهو ~~حاضر- فقال علي ((عليه السلام)): علي به فأقاموه فلما رآه قال له: ~~الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله وإياك أن تقول واحدة منهما فترتد ~~قال: فما أقول يا أمير المؤمنين قال: قل أملكها بالله الذي إن شاء ملكنيها. # فهذه صورة الفاظه وعباراته التي نقلها البيهقي. # واعلم أن في هذه الكلمات اليسيرة والعبارات الموجزة من المطالب الجليلة ~~والمقاصد العلية السنية، ما هو عين الإيمان في القضاء والقدر، وان افعال ~~الجوارح مرتبطة بما يحصل في القلوب من الدواعي والصوارف، وإنه يحدث بسبب من ~~الأسباب الخارجة عن قدرة الانسان واختياره، وذلك أن الانسان إذا رأى صورة ~~شخص وسمع كلامه، ترتب على تلك الرؤية وذلك السماع رجاء لشيء ثم حصول ذلك ~~الرجاء عند تلك الرؤية وذلك السماع، ليس باختيار ذلك الانسان أصلا بل هو ~~حاصل سواء أراد الإنسان حصوله أو لم يرد، فإذا حصل ذلك الرجاء له ولهه ~~الطمع شاء أو أبى، وإذا حصل الطمع أهلكه الحرص شاء أو أبى وهذا برهان قاطع ~~على أن افعال العباد مترتبة على ما في القلوب من الدواعي والصوارف، وأن تلك ~~الدواعي والصوارف ترتيب بعضها على بعض ترتيبا اضطراريا لا اختياريا، وذلك ~~يحقق القول بالقضاء والقدر، فما أشرف كلام أمير المؤمنين في هذه المسألة ~~وما أمتنه وما أحسنه. # وأما قوله ((عليه السلام)) فإنه أمر بين الامرين لا جبر ولا تفويض فشرحه ~~وإيضاحه هو أن الجبر أن يجري الشيء على خلاف إرادته وهاهنا فعل الإنسان ~~محدث على وفق ms086 إرادته فلا يكون جبرا. # ثم إن حدوث تلك الإرادة في قلب الانسان ليس من الإنسان وإلا افتقر إلى ~~إرادة أخرى ولزم التسلسل، وهو محال فلا بد لها من PageV01P113 # محدث غير الانسان وهو الله (سبحانه وتعالى) وإذا كان كذلك فيلزم أنه لا ~~جبر ولا تفويض. # فوضح أن زبدة كلام المتكلمين وحاصل أفكار العقلاء ليس إلا ما أدرجه أمير ~~المؤمنين ((عليه السلام)) في هذه الألفاظ المختصرة الموجزة. # ومنه ما نقل عنه ((عليه السلام)) أنه سأله إنسان يوما عن التوحيد والعدل ~~فقال له في جوابه: التوحيد أن لا تتوهمه والعدل أن لا تتهمه وهاتان ~~اللفظتان مع جزالتهما واختصارهما قد اشتملتا على جميع ما قصده المتكلمون في ~~الكتب المبسوطة في ذلك. # وسئل ((عليه السلام)) عن المعاصي بمشيئة الله أم لا؟ فقال للسائل: هل ~~خلقك الله كما شئت أو كما شاء؟ فقال: بل كما شاء فقال هل خلقك لما شئت أو ~~لما شاء فقال: لما شاء فقال: هل مشيئته غالبة أو مغلوبة؟ قال: بل غالبة ~~قال: فإذا خلقك كما شاء ولما شاء ومشيئته غالبة فكيف تفعل ما لا يشاء؟ فكن ~~موقنا مصدقا وما تشاءون إلا أن يشاء الله. # وقال له بعض من حضر لديه من الواردين: متى كان ربنا فقال له ((عليه ~~السلام)): متى كان هي لشيء لم يكن فكان، هو كائن بلا كينونة كان قبله، هو ~~قبل القبل بلا غاية ولا منتهى انقطعت الغايات دونه فهو غاية كل غاية وسع كل ~~شيء علمه. # فهذه الكلمات اليسيرة مع جزالتها واختصارها متضمنة من تمهيد قواعد ~~التوحيد وتسديد عقائد التحميد، جمل أدلة ما على إنتاجها من مزيد. # وسئل يوما عن الذكر فقال: الذكر بين ذكرين والإسلام بين سيفين والذنب بين فرضين. PageV01P114 # ومعنى ذلك: أن العبد لا يقدر على ذكر الله (تعالى) ما لم يذكره الله ~~(تعالى) بتوفيقه لذلك الذكر، فإذا ذكر العبد الله (تعالى) ذكره الله ~~(تعالى) بالمغفرة فصار ذكر العبد بين ذكرين من الله. # ومعنى الثاني: أن الكافر يقاتل بالسيف حتى يسلم فإذا أسلم فأراد أن ms087 يرجع ~~عن الإسلام خوف بالسيف فصار الإسلام بين سيفين. # ومعنى الثالث: أن العبد قد فرض عليه أنه لا يذنب فإذا أذنب فرض عليه أن ~~يتوب فكان الذنب بين فرضين. # فانظر إلى جزالة هذه الدلالة على علمه بالقواعد الأصولية. # ومنه قوله في تمجيد الله وتحميده وتوحيده: # هو الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصى نعماءه العادون ولا يؤدي حقه ~~المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن ليس لصفته حد ~~محدود ولا نعت موجود ولا وقت معدود ولا اجل ممدود، فطر الخلائق بقدرته ونشر ~~الرياح برحمته ووتد بالصخور ميدان أرضه، أول الدين معرفته وكمال معرفته ~~التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الاخلاص له وكمال الإخلاص ~~له نفي الصفات المحدثة عنه، فمن وصفه بحادث فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ومن ~~ثناه فقد جزأه من جزأه فقد جهله، ومن أشار إليه فقد حده فقد عده ومن قال ~~فيم فقد ضمنه ومن قال علام فقد أخلى منه، كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم ~~مع كل شيء لا بمقارنة، غير كل شيء لا بمفارقة ومزايلة فاعل لا بمعنى ~~الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه متوحدا إذ لا سكن يستأنس به ~~ولا يستوحش لفقده انشأ الخلق إنشاء وابتدأه ابتداء، بلا روية أجالها ولا ~~تجربة استفادها ولا حركة احدثها ولا همامة نفس اضطرب فيها اجل الأشياء ~~لأوقاتها ولاءم بين مخالفاتها وغرز غرائزها وألزمها نجائزها عالما بها قبل ~~ابتدائها محيطا بحدودها وانتهائها عارفا بأرجائها وانحائها. PageV01P115 # ثم أنشأ سحابا فتق الأجواء وشق الارجاء ورافق الهواء، فأجاز فيه ماء ~~متلاطما تياره متراكما زخاره حمله على متن الريح العاصفة والزعزع القاصفة، ~~فأمرها برده وسلطها على شده وقربها إلى حده الهواء من تحته فتيق والماء من ~~فوقه دفيق. # ثم أنشأ (سبحانه) ريحا اعتقم مهبها وأدام مربها وأعصف مجراها وأبعد ~~منشأها فأمرها بتصفيق الماء الزخار واثارة موج البحار، فمخضته مخض السقاء ~~وعصفت به عصفها بالفضاء ترد أوله على آخره وساحبه على مائره حتى ms088 عبب عبابه ~~ورمى بالزبد ركامه فرفعه في هواء منفتق وجو منفهق، فسوى منه سبع سماوات جعل ~~سفلاهن موجا مكفوفا وسقفا محفوظا وسمكا مرفوعا بغير عمد يدعمها ولا دسار ~~ينتظمها، ثم زينها بزينة الكواكب وضياء الثواقب، وأجرى فيها سراجا مستطيرا ~~وقمرا منيرا في فلك دائر وسقف سائر ورقيم مائر، ثم فتق ما بين السماوات ~~العلى فملأهن أطوارا من الملائكة منهم سجود لا يركعون وركوع لا ينتصبون ~~وصافون لا يتزايلون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يغشاهم نوم العيون ~~ولا سنة الغفول ولا فترة الابدان ولا غفلة النسيان، ومنهم أمناء على وحيه ~~وألسنة إلى رسله، مختلفون بقضائه وأمره ونهيه [بقائم نهيه وأمره] ومنهم ~~الحفظة لعباده والسدنة [لأبواب جنانه ومنهم الكرام الكاتبون أعمال خلقه ~~الشاهدون] على بريته يوم يبعثون، ومنهم غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون. # ومنه قوله: ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم إن من صرحت له العبر عما ~~بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحم الشبهات، ألا وإن الخطايا خيل شمس ~~حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فقحمت بهم في النار، ألا وان التقوى مطايا ذلل ~~حمل عليها أهلها وأعطوا ازمتها فأوردتهم الجنة حق وباطل، ولئن قل الحق ~~لربما ولعل ولقلما أدبر شيء فأقبل، لقد شغل من الجنة والنار أمامه ساع ~~سريع نجا وطالب بطيء رجا PageV01P116 # ومقصر في النار، اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة عليها ~~باقي الكتاب وآثار النبوة ومنها منفذ السنة وإليها مصير العاقبة هلك من ~~ادعى وخاب من افترى وخسر من باع الآخرة بالأولى ولكل نبأ مستقر وكل ما هو ~~آت قريب. # ومنه: لقد جاهرتكم العبر وزجرتم بما فيه مزدجر وما يبلغ عن الله [عز ~~وجل] بعد رسل السماء إلا البشر، ألا وإن الغاية أمامكم وإن الساعة تحذركم ~~تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر بأولكم آخركم، فهذه الكلمات الناطقة بحقائق ~~التوحيد الصادعة بالتصديق المصرحة بقواعد الإيمان المبينة عقائد المتقين، ~~من تأملها ونظرها وأحاط بها علما وخبرها استيقن أن أمير المؤمنين عليا ~~((عليه السلام))، كان ms089 إمام المتكلمين في علوم التوحيد وأصول قواعد الدين، ~~وكم مثل هذه من أخوات لها مخدرات لم أر الإطالة بسطرها ومقالات متبرجات ~~صدفتني مخافة الملالة عن ذكرها ونشرها. # وأما علم الفروع فالعالم فيه قسمان احياء وأموات، فقسم يتعلق بالاحياء ~~وهو أنواع من الاحكام وغيرها، وقسم يتعلق بالأموات وهو علم الفرائض وقسمة ~~التركات. وباعتبار هذا التقسيم سمى النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~الفرائض نصف العلم حيث قال: «تعلموا الفرائض وعلموه فإنه نصف العلم وهو أول ~~ما ينزع من أمتي» الحديث. # ولأمير المؤمنين في جميع ذلك قدم تحقيق راسخة في مقام الاعتبار، فأما علم ~~الفرائض وقسمة التركات فله فيه من القضايا ما يحير العقول بالاتفاق، ويغني ~~عن تعداد الصور الكثيرة فيه ذكر ما ظهر في الآفاق وانتشر عنه انتشار أشعة ~~الشمس عند الإشراق. # فمن ذلك المسألة المعروفة بالدينارية وشرحها: أن امرأة جاءت إليه ((عليه ~~السلام))، وقد خرج من داره ليركب فترك رجله في الركاب فقالت: يا أمير ~~المؤمنين إن أخي قد مات وخلف ستمائة دينار وقد دفعوا PageV01P117 # إلي من ماله دينارا واحدا واسألك انصافي وإيصال حقي إلي، فقال لها ((عليه ~~السلام)): خلف أخوك بنتين، فقالت: نعم قال: لهما الثلثان أربع مائة، وخلف ~~أما قالت: نعم قال: لها السدس مائة، وخلف زوجة قالت: نعم قال: لها الثمن ~~خمس وسبعون وخلف معك اثنا عشر أخا قالت: نعم قال: لكل أخ ديناران ولك دينار ~~فقد أخذت حقك فانصرفي. # ثم ركب لوقته فسميت هذه المسألة بالدينارية باعتبار ذلك. # ومنه المسألة المعروفة بالمنبرية وشرحها أنه ((عليه السلام)) كان على ~~منبر الكوفة، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ان ابنتي قد مات زوجها ~~ولها من تركته الثمن وقد أعطوها التسع، فأسألك الانصاف منهم فقال: خلف صهرك ~~بنتين؟ قال: نعم قال: وأبواه باقيان قال: نعم قال: صار ثمنها تسعا فلا تطلب ~~سواه إرثا. ثم مضى في خطبته وفي استحضار هذا الجواب وتجريع السائل به صاب ~~الصواب ما يعقل عقول أولي الألباب ويسجل ممن أتاه الله الحكم وفصل الخطاب. ms090 # وأما قسم الأحكام والعلوم المتعلقة بالأحياء على اختلاف أنواعها فيكفي في ~~تضلعه منها وتبحره فيها ما نقل عنه ((عليه السلام)) أنه قال: # علمني رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ألف باب من العلم فانفتح لي ~~من كل باب ألف باب. فالعلوم مع كثرة أسبابها واختلاف مطالب أربابها لا يعد ~~تزايد أبوابها ولا يحد تباعد شعابها، وهذه عشرة من قواعدها الشاملة تفاريع ~~أنواعها ومجاميع أوضاعها، يتفجر من كل قاعدة منها ينابيع علم قدره واف وافر ~~وتفاريع فضل قطره هام هامر. # فأولها: علم تفسير القرآن الكريم وقد استفاض بين الأمة أن رئيس أئمة ~~التفسير وقدوتهم والمقدم عليهم والمشار إليه فيه، عبد الله بن عباس (رض) ~~وهو كان تلميذا لعلي ((عليه السلام)) ومقتديا به وآخذا عنه ومستفيدا منه. PageV01P118 # وثانيهما: علم القراءات وإمام الكوفيين المشهور بالقراءة بينهم عاصم بن ~~أبي النجود، وقد انتشرت قراءته في الدنيا وأخذت عنه من رواية أبي بكر وحفص، ~~وهي القراءة المشهورة المذكورة وهو فيها تلميذ لأبي عبد الرحمن السلمي وأبو ~~عبد الرحمن تلميذ لعلي ((عليه السلام)) نقلها عنه وأخذها منه، وهو ((عليه ~~السلام)) أخذها واستفادها من رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، فعاصم ~~فيها تلميذ لتلميذ علي ((عليه السلام)). # وثالثها: علم النحو وقد تقرر في العالم أن أول ما ظهر النحو من علي ~~((عليه السلام)) وأنه هو الذي أرشد أبا الأسود الدؤلي إليه. # رابعها: علم البلاغة والفصاحة وكان فيها إماما لا يشق غباره ومقدما لا ~~تلحق آثاره، ومن وقف على كلامه المرقوم الموسوم بنهج البلاغة صار الخبر ~~عنده عن فصاحته عيانا والظن بعلو مقامه فيه إيقانا وسيأتي إن شاء الله ~~(تعالى) في الفصل العاشر بيان ذلك. # وخامسها: علم تصفية الباطن وتزكية النفس، فقد أجمع أهل التصوف من أرباب ~~الطريقة وأئمة الحقيقة أن انتساب خرقتهم ومرجعهم في آداب طريقتهم ومردهم في ~~أسباب حقيقتهم إلى علي ((عليه السلام)). # وسادسها: علم التذكار بأيام الله وتحذير عقابه والموعظة والتخويف بآيات ~~كتابه، فالإمام المقتدى في هذه القاعدة المستعذب وقعها المرتقب عند الله ms091 ~~(جل وعلا) نفعها هو الحسن البصري (رض) وكان تلميذا لعلي ((عليه السلام)) ~~يفتخر بذلك. # وسابعها: علم الزهد والورع وقد كان في الصحابة ((رضوان الله عليهم)) من ~~الزهاد والمشهود لهم به كأبي الدرداء وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي (رض)، ~~وكانوا بأسرهم تلامذة لعلي ((عليه السلام)) وسيأتي في الفصل المعقود في ~~زهده أن شاء الله (تعالى) أقسام تفصيله وإقامة دليله. PageV01P119 # وثامنها: علم مكارم الأخلاق وحسن الخلق، وقد بلغ في ذلك إلى الغاية ~~القصوى حتى نسب من غزارة حسن خلقه إلى الدعابة، وكان مع هذه الغاية في حسن ~~الخلق ولين الجانب يخص ذلك بذوي الدين واللين، وأما من لم يكن كذلك فكان ~~يوليه غلظة وفظاظة للتأديب حتى روي عنه ((عليه السلام)) أنه قال في هذا ~~المعنى: # ألين لمن لان لي جنبه %~% وأنزو على كل صعب شديد # كذا الماس يعمل فيه الرصاص %~% على أنه عامل في الحديد # وتاسعها: علم الشجاعة والقوة واتصافه بذلك أشهر من النهار وأظهر من الشمس ~~لذوي الأبصار، وقد كان في الصحابة (رض) جماعة من الشجعان كخالد بن الوليد ~~المسمى سيف الله وأبي دجانة الأنصاري وغيرهما (رض)، وكان كل منهم معترفا ~~لعلي ((عليه السلام)) بالرجحان على الشجعان، وسيأتي تمام هذا البيان في ~~الفصل المرصد لذلك إن شاء الله (تعالى). # وعاشرها: وهي القاعدة الواكف صيب صلاحها المزدلف سبب اصلاحها والوارف على ~~الملة ظل جناحها الصارف حكمها عن الأمة محذور جناحها، التي من أحكمها علا ~~على شرف الشرف قدم قدره، وسما في أوج العلا كواكب ذكره، وفاق في الآفاق ~~بفضله عظماء عصره وساق إليه قيامه باحكامها وافر أجره وأجزاء وفره، وهي علم ~~الفقه الذي [هو] مرجع الأنام ومجمع الأحكام ومنبع الحلال والحرام وبه يقطع ~~شغب الخصام عند الحكام. وقد كان علي ((عليه السلام)) متضلعا من أقسامه ~~مطلعا على غوامض أحكامه منقادا له بزمامه مشهودا له فيه بعلو محله ومقامه، ~~ولهذا خصه رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بعلم القضاء على ما تقدم ~~شرحه، وقال ((عليه السلام)): لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين ms092 أهل التوراة، ~~على ما سبق بيانه، ولأجل ذلك قال عمر بن الخطاب: أي معضلة ليس لها أبو ~~الحسن وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن. PageV01P120 # وله ((عليه السلام)) بدائع ووقائع تجلى نهار فقهه فيها فكشف ظلمة دجاها ~~وجلا بأنوار تأييده صدأ اشكالها، فكان ابن جلاها وجلا في مضمار سبقه ~~لإدراكها فاحرز قدح معلاها وحلى بنضار إصابة صوابه منها جيد عاطلها بحلاها، ~~قد نقلتها حملة الأحكام وحملتها نقلة قضايا الحكام. # فمنها أن سبعة أنفس خرجوا من الكوفة مسافرين، فغابوا مدة ثم عادوا وقد ~~فقد منهم واحد، فجاءت امرأته إلى علي ((عليه السلام)) فقالت: يا أمير ~~المؤمنين إن زوجي سافر هو وجماعة وقد عادوا دونه فأتيتهم وسألتهم عنه فلم ~~يخبروني بحاله، وقد اتهمتهم بقتله واسألك إحضارهم واستكشاف حالهم، فأحضرهم ~~((عليه السلام)) وفرقهم وأقام كل واحد منهم إلى سارية من سواري المسجد ووكل ~~بهم رجلا يمنع أن يقرب منه احد ليحادثه، ثم استدعى واحدا فحدثه وسأله عن ~~حال الرجل فأنكر، فلما أنكر رفع علي ((عليه السلام)) صوته بالتكبير وقال: # الله أكبر، فلما سمع الباقون صوت علي ((عليه السلام)) مرتفعا بالتكبير ~~اعتقدوا أن رفيقهم قد أقر وحكى لعلي صورة الحال، ثم استدعاهم واحدا واحدا ~~فأقروا بقتله بناء على أن صاحبهم قد أخبر عليا ((عليه السلام)) بما فعلوه، ~~فلما اقروا بذلك قال الأول: يا أمير المؤمنين هؤلاء قد أقروا وأنا ما ~~أقررت، قال له ((عليه السلام)): هؤلاء رفقاؤك قد شهدوا عليك فما ينفعك ~~إنكارك بعد شهادتهم، فاعترف أنه شاركهم في قتله فلما تكمل اعترافهم بقتله ~~أقام عليهم حكم الله (تعالى) وقتلهم به، فكان ذلك من عجائب فهمه وغرائب علمه. # ومنها أنه رفع ((عليه السلام)) أن شريحا القاضي قد قضى في امرأة قد ماتت ~~وخلفت زوجا وابني عم، أحدهما أخ من أم وقد أعطى الزوج النصف من تركتها ~~وأعطى الباقي لابن العم الذي هو أخ من الأم وحرم الآخر، فأحضره على ((عليه ~~السلام)) وقال: ما أمر قد بلغني عن ms093 قضائك في قضية المرأة المتوفاة ذات ~~الزوج وابني العم أحدهما أخ من PageV01P121 # ام، قال: يا أمير المؤمنين قضيت بكتاب الله واجريت ابن العم بكونه أخا من ~~أم مجرى أخوين أحدهما [أخ] من أب والآخر من أب وأم، فأنكر عليه ((عليه ~~السلام)) وقال: أفي كتاب الله (تعالى) أن الباقي بعد الزوج لابن العم الذي ~~هو أخ من أم؟ قال: لا فقد قال الله (تعالى): @QUR@017 وإن كان رجل يورث ~~كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فجعل للزوج النصف ~~وأعطى الأخ من الام السدس ثم قسم الباقي بين ابني العم، فحصل لابن العم ~~الذي هو أخ من أم ثلث ولابن العم الذي ليس أخا من أم سدس وللزوج نصف، ~~فتكملت الفريضة ورد قضاء شريح واستدركه عليه. # ومنها أنه ((عليه السلام)) لما كان بالكوفة حاكم يهوديا إلى القاضي شريح ~~بها، وادعى على اليهودي بدرع في يد اليهودي، فأنكر اليهودي دعواه فطالبه ~~شريح بمن يشهد بها، فحضر الحسن بن علي ((عليهما السلام)) فشهد بالدرع، فرد ~~شريح شهادته فقال: يا أمير المؤمنين كيف أقبل شهادة ابنك لك والولد لا يقبل ~~شهادته لوالده، فقال له علي ((عليه السلام)): في أي كتاب أو في أي سنة وجدت ~~أن هذه الشهادة لا تقبل؟ ثم عزله عن القضاء وأخرجه إلى قرية تركه بها نيفا ~~وعشرين يوما ثم اعاده إلى مكانه وولايته، وكشف سر هذه الواقعة وحكمة ما صدر ~~من أمير المؤمنين في حق شريح أنه لم يدع ((عليه السلام)) الدرع لنفسه فإنه ~~نائب المسلمين والإمام القائم بمصالحهم، فادعى الدرع للمسلمين في بيت المال ~~وشهد الحسن ((عليه السلام)) بها لهم، فتسرع شريح ولم يفحص وتوهم أن الدعوى ~~منه ((عليه السلام)) لنفسه وأن الدرع له وأن الحسن شهد لوالده، ففعل به ~~((عليه السلام)) ذلك تأديبا على توهمه وتركه التفحص عن حقيقة الحال وتسرعه ~~إلى رد الشهادة، وقد وقعت للمسلمين لئلا يعود إلى ترك التثبت والفحص عن ~~حقائق الوقائع والقضايا ولا يقدم على التسرع في الأمور قبل إدراكها. ms094 # ومن العجائب والغرائب أن جماعة من العلماء منهم إسحاق بن PageV01P122 # راهويه وأبو ثور وابن المنذر والمزني والإمام أحمد بن حنبل في احدى ~~الروايات عنه، لما بلغهم أن عليا ((عليه السلام)) ادعى الدرع على اليهودي ~~وشهد ولده الحسن ((عليه السلام)) بها وأنه أنكر على شريح رد شهادته، ~~استدلوا بذلك على جواز شهادة الولد لوالده فأجازوها وجعلوا ذلك مذهبا لهم ~~وأجروها مجرى شهادة الاخ الشقيق والنسيب الصديق، مستندين في ذلك إلى هذه ~~الواقعة مستدلين بفعل علي ((عليه السلام)) فيها وأعرضوا عن كنه سرها وحقيقة أمرها. # ومنها أن النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) كان جالسا في المسجد، وعنده ~~جمع من الصحابة، فجاء إليه ((صلى الله عليه وآله وسلم)) رجلان، فقال ~~أحدهما: يا رسول الله إن لي حمارا ولهذا بقرة، وإن بقرته قتلت حماري. فقال ~~بعض الصحابة: لا ضمان على البهائم فقال رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) لعلي ((عليه السلام)): اقض بينهما، فقال علي ((عليه السلام)) لهما: ~~أكانا مرسلين؟ قالا: لا قال: أفكأنا مشدودين؟ قالا: لا قال: أفكانت البقرة ~~مشدودة والحمار مرسلا؟ قالا: لا قال: أفكان الحمار مشدودا والبقرة مرسلة ~~وصاحبها معها؟ قالا: نعم قال علي: صاحب البقرة ضمان الحمار، فحكم لصاحب ~~الحمار بوجوب الضمان على صاحب البقرة بحضرة النبي ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) والنبي قرر حكمه وأمضى قضاءه. # وفي هذه الواقعة بخصوصها دلالة واضحة للناظرين وحجة راجحة عند المعتبرين، ~~وإنه لدى رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) مكين أمين حيث استقضاه ~~بحضرته وعنده أعيان من الصحابة (رض)، ثم قرر حكمه وانفذ قضاءه، وذلك على ما ~~ذكرناه دليل أمين وفي متانة مكانته في العلم آيات للمتوسمين. # ومنها حديث شارب الخمر، كان يقام الحد على الشارب أربعين سوطا أقامه أبو ~~بكر كذلك مدة ولايته، ثم أقام عمر صدرا من ولايته، فلما PageV01P123 # انهمك الناس في شربها واستحقروا ضرب الأربعين، شاور عمر الصحابة في ذلك ~~فقال علي ((عليه السلام)): نراه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى ~~وعلى المفتري ثمانون، ms095 فبلغوا به حد المفتري فأخذ عمر بهذا القول من علي ~~((عليه السلام)) وصار يجلد في الخمر ثمانين. # وفي هذه القصة إشارة إلى احاطة علي ((عليه السلام)) بمادة غزيرة من ~~الفقه، حيث رد الفرع إلى الأصل وجعل للملزوم حكم لازمه واستخرج ما ذكره فلم ~~يخالفه فيه أحد. # ولقد قال ابن عباس (رض): خطبنا عمر فقال: علي أقضانا وأبو بكر أقرأنا ~~وإنا لنترك أشياء من قول أبي بكر. # ونقل أن عمر جمع أصحاب النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يستشيرهم وفيهم ~~علي ((عليه السلام)): فقال له: قل يا أبا الحسن فأنت أعلمهم وأفضلهم. # وقال ابن عباس: أعطي علي ((عليه السلام)) تسعة أعشار العلم وإنه لأعلمهم ~~بالعشر الباقي. ### | الفصل السابع: في عبادته وزهده وورعه: # أما عبادته ((عليه السلام)) فاعلم سلك الله (تعالى) بنا وبك سبيل السعادة ~~أن حقيقة العبادة هي الطاعة، فكل من أطاع الله تعالى وقام بامتثال الأوامر ~~واجتناب المناهي فهو عابد، ولما كان متعلقات الأوامر الصادرة من الله تعالى ~~على لسان رسوله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) متنوعة، كانت العبادة بحسب ذلك ~~متنوعة، فمنها الصلاة ومنها الصدقة ومنها الصيام إلى غيرها من الأنواع وكل ~~ذلك كان علي ((عليه السلام)) قائما فيه مقبلا عليه مسارعا إليه متحليا به، ~~حتى ادرك بمسارعته إلى طاعة الله ورسوله ما فات غيره، فإنه جمع بين الصلاة ~~والصدقة فتصدق PageV01P124 # وهو راكع في صلاته فجمع بينهما في وقت واحد حتى أنزل الله (تعالى) فيه ~~قرآنا يتلى إلى يوم القيامة. # وشرح ذلك وبيانه ما رواه الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي (رض) في ~~تفسيره يرفعه بسنده، قال: بينا عبد الله بن عباس (رض) جالس على شفير زمزم ~~يقول: قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، إذ أقبل رجل متعمم ~~بعمامة فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، ~~إلا قال الرجل قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، فقال ابن عباس ~~سألتك بالله من أنت قال فكشف العمامة عن وجهه وقال: ms096 يا أيها الناس من عرفني ~~فقد عرفني أنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري، سمعت النبي بهاتين ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) وإلا فصمتا ورأيته بهاتين وإلا فعميتا يقول عن ~~علي ((عليه السلام))، أنه قائد البررة وقاتل الكفرة منصور من نصره مخذول من ~~خذله، أما اني صليت مع رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يوما من ~~الأيام الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده إلى ~~السماء وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) فلم يعطني أحد شيئا وكان علي ((عليه السلام)) في الصلاة راكعا، ~~فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان متختما فيها، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من ~~خنصره وذلك بمرأى من النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وهو يصلي، فلما فرغ ~~النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: # «اللهم ان أخي موسى سألك فقال: رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة ~~من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري ~~وأشركه في أمري، فأنزلت عليه قرآنا ناطقا: # @QUR@011 سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا ~~اللهم وإني محمد نبيك وصفيك اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي ~~وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري». PageV01P125 # قال أبو ذر: فما استتم رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) كلامه حتى ~~نزل عليه جبرئيل من عند الله، فقال: يا محمد اقرأ فقال: وما اقرأ فأنزل ~~[الله] عليه @QUR@017 إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . # وقال الإمام الثعلبي- عقيب ما أورد هذه القصة بصورتها-: سمعت [أبا منصور ~~الحشماذي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الحافظ يقول: # سمعت] أبا الحسن علي بن الحسين يقول: سمعت أبا محمد هارون الحضرمي يقول: ~~سمعت محمد بن منصور الطوسي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من ~~أصحاب رسول الله ((صلى الله ms097 عليه وآله وسلم)) ورضي عنهم من الفضائل ما جاء ~~لعلي بن أبي طالب ((عليه السلام))، وفي إيراده قول الإمام أحمد (رض) عقيب ~~هذه القصة، إشارة إلى أن هذه المنقبة العلية وهي الجمع بين هاتين العبادتين ~~العظيمتين البدنية والمالية في وقت واحد، حتى نزل القرآن الكريم بمدح ~~القائم بهما المسارع إليهما قد اختص بها علي ((عليه السلام)) ولم تحصل ~~لغيره، ومما سارع فيه علي ((عليه السلام)) إلى طاعة ربه وسابق إلى امتثال ~~الأمر به فانفرد لذلك بعبادة أزلفته إلى مقام قربه، لم يعمل به أحد غيره من ~~آل رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ولا من صحبه ما بيانه وشرحه ما ~~أورده أئمة التفسير الثعلبي والواحدي (رض) وغيرهما: أن الأغنياء كانوا قد ~~أكثروا مناجاة رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وغلبوا الفقراء على ~~المجالس عنده حتى كره رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ذلك لطول ~~جلوسهم ومناجاتهم، فأنزل الله تعالى @QUR@017 يا أيها الذين آمنوا إذا ~~ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فأمر بالصدقة ~~أمام المناجاة، فأما أهل العسرة فلم يجدوا، وأما الأغنياء فبخلوا فخف ذلك ~~على رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) واشتد على أصحابه، فنزلت الآية ~~التي بعدها رخصة فنسختها فقال علي ((عليه السلام)) إن في كتاب الله PageV01P126 # (تعالى) لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي @QUR@012 يا ~~أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة لما نزلت ~~كان لي دينار فبعته بدراهم، وكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت حتى فنيت الدراهم، ~~فنسخت الآية بقوله @QUR@030 أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ ~~لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ~~ورسوله والله خبير بما تعملون . # ونقل الثعلبي في تفسيره ((رحمه الله)) يرفعه بسنده قال: قال علي ((عليه ~~السلام)): لما نزلت هذه الآية @QUR@07 يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ~~الرسول دعاني رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فقال: «ما ترى ~~دينارا» فقلت: ms098 لا يطيقونه قال: «فكم» قلت حبة أو شعيرة قال: # «إنك لزهيد» فنزلت @QUR@03 أأشفقتم ... فبي خفف الله (عز وجل) عن هذه ~~الأمة فلم يعمل بها أحد قبلي ولا أحد بعدي. # وقال ابن عمر (رض): ثلاث كن لعلي ((عليه السلام)) لو أن لي واحدة منهن ~~كانت أحب إلي من حمر النعم، تزويجه فاطمة وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية ~~النجوى. # ومما اعتمده من الطاعة وسارع فيه إلى العبادة ما رواه الإمام أبو الحسن ~~علي بن أحمد الواحدي (ره) وغيره من أئمة التفسير، يرفعه بسنده أن عليا ~~((عليه السلام)) آجر نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلا بشيء من شعير، فلما ~~أصبح وقبض الشعير طحن ثلثه وجعلوا منه شيئا يأكلونه يسمى الخزيرة، فلما تم ~~إنضاجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام ثم عمل الثلث الثاني، فلما تم إنضاجه ~~أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي فلما تم إنضاجه أتى أسير من ~~المشركين فسأل فأطعموه وطووا علي وفاطمة والحسن والحسين، فأطلع الله ~~(سبحانه) عليهم نبيهم وإن القصد في ذلك الفعل وجه الله (تعالى) طلبا لنيل ~~ثوابه ونجاة من عقابه، فأنزل الله (سبحانه): @QUR@05 ويطعمون الطعام على ~~حبه إلى آخر الآيات PageV01P127 # فأثنى عليهم وذكر المجازاة على هذه الحالة بقوله (سبحانه): @QUR@021 ~~فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا ~~متكئين فيها على الأرائك إلى آخر الآيات. # فكفى بهذه عبادة وبإطعام هذا الطعام مع شدة حاجتهم إليه منقبة ولو لا ذلك ~~لما عظمت هذه القصة شأنا وعلت مكانا ولما أنزل الله (تعالى) فيها على رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قرآنا، واعلم أن أنواع العبادة كثيرة، ~~وكان علي ((عليه السلام)) جامعا لجميعها، فإن من تيقن حقيقة الآخرة ~~بأحوالها وتحقق شدائد أهوالها، وإن كل نفس عند مردها ومآلها تلزم بجواب ~~سؤالها وتجثو بين يدي خالقها لجدالها وتجازي على ما أسلفته من أعمالها إما ~~بنعيمها وإما بنكالها، خليق أن يكون عن ساق جده في عبادته مشمرا وأن يجعل ~~وقته على اكتساب طاعات ربه متوفرا، فإنه لا ms099 يقصر في العبادة إلا من فقد ~~اليقين ولم يكن من المتقين. # وقد كان علي ((عليه السلام)) منطويا على يقين لا غاية لمداه ولا نهاية ~~لمنتهاه، وقد صرح بذلك تصريحا مبينا فقال ((عليه السلام)): لو كشف الغطاء ~~ما ازددت يقينا، فكانت عبادته إلى الغاية القصوى تبعا ليقينه وطاعته في ~~الذروة العليا لمتانة دينه. # وأما زهده وورعه فقد شهد له بذلك رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، ~~وأخبر أن الله (تعالى) حلاه من الزهد بحليته وحباه بزينة بزته وكساه بزة ~~زينته فقال ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ما رواه الحافظ أبو نعيم (رض) ~~بسنده في حليته: «يا علي إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب ~~إلى الله منها، هي زينة الأبرار عند الله الزهد في الدنيا فجعلك لا ترزأ من ~~الدنيا شيئا ولا ترزأ الدنيا منك شيئا» وإذا كان الزهد ثابتا لعلي ((عليه ~~السلام)) فاعلم- أرشدنا الله وإياك إلى سواء السبيل-، أن الزهد في الشيء ~~لا يتحقق إلا بعد معرفة ذلك الشيء المزهود فيه PageV01P128 # والإحاطة بأن مجانبته خير من مقاربته، والاعراض عنه أنفع من الإقبال ~~عليه، فإن من لم يعرف الشيء ولم يحط بأن اجتنابه خير من اجتذابه لا يخصه ~~بزهد فيه ونفرة عنه ولا يقدم عليه بميل إليه ولا باقتراب منه، إذ النفرة ~~والرغبة ينشآن مما اشتمل عليه ذلك الشيء من المفاسد المنفرة والمصالح ~~المرغبة، وذلك لا يحصل إلا بعد الإحاطة والمعرفة به. وإذا وضح ذلك توقف ~~الزهد على معرفة المزهود فيه، فاعلم أن أمير المؤمنين عليا ((عليه السلام)) ~~لم يزهد في الدنيا إلا بعد أن عرف حقيقتها وأحاط علما بذاتها واطلع ببصر ~~بصيرته على مساوئها وتحقق السموم القاتلة المودعة فيها، وقد صرح بذلك في ~~كثير من كلماته التي افصح بإيراد صورها ومعانيها وصدع ببيان عطب طالبيها ~~وفوز مجانبيها. # فقال يوما وقد احدق الناس به: أحذركم الدنيا فإنها منزل قلعة وليست بدار ~~نجعة، هانت على ربها فخلط خيرها بشرها وحلوها بمرها لم يصفها (يسقها) ~~لأوليائه ولم يضن بها ms100 على أعدائه، وهي دار ممر لا دار مستقر، والناس فيها ~~رجلان رجل باع نفسه فأوبقها ورجل ابتاع نفسه فاعتقها إن اعذوذب منها جانب ~~فحلا أمر منها جانب فأوبى، أولها عناء وآخرها فناء من استغنى فيها فتن ومن ~~افتقر فيها حزن ومن ساعاها فاتته ومن قعد عنها أتته، ومن أبصر بها بصرته ~~ومن أبصر إليها أعمته، فالإنسان فيها غرض المنايا مع كل جرعة شرق ومع كل ~~أكلة غصص لا ينال منها نعمة إلا بفراق أخرى. # وقال يوما في مسجد الكوفة وعنده وجوه الناس: أيها الناس إنا قد أصبحنا في ~~دهر عنود وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا ويزداد الظالم فيه عتوا لا ننتفع ~~بما علمنا ولا نسأل عما جهلنا ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، والناس على ~~أربعة أصناف منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلال حده ~~نضيض وفره، ومنهم المصلت لسيفه المعلن بشره والمجلب بخيله ورجله، قد أهلك ~~نفسه وأوبق دينه لحطام PageV01P129 # يبتزه أو مقنب يقوده أو منبر يفترعه، ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ~~ثمنا ومما لك عند الله عوضا، ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب ~~الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه وقارب من خطوه وشمر من ثوبه وزخرف من ~~نفسه للأمانة واتخذ ستر الله تعالى ذريعة إلى المعصية، ومنهم من أقعده عن ~~طلب الملك ضئولة نفسه وانقطاع سببه فقصرته الحال على حاله فتحلى باسم ~~القناعة وتزين بلباس أهل الزهادة وليس من ذلك مراح ولا مغذى وبقي رجال غض ~~أبصارهم ذكر المرجع وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد ناد وخائف مقموع ~~وساكت مكعوم وداع مخلص وثكلان موجع، قد أخملتهم التقية وشملتهم الذلة فهم ~~في بحر أجاج أفواههم ضامزة وقلوبهم فرحة قد وعظوا حتى ملوا وقهروا حتى ~~ذلوا، وقتلوا حتى قلوا. فلتكن الدنيا أصغر عندكم من حثالة القرظ وقراضة ~~الجلم، واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم وارفضوها ذميمة ~~فإنها رفضت من كان اشغف بها منكم، فياما اغر خداعها ms101 مرضعة وياما أضر نكالها فاطمة. # وقد نقل عنه ((عليه السلام)) أنه قال وقد اجتمع حوله خلق كثير: # اتقوا الله فما خلق الله امرأ عبثا فيلهو وما ترك سدا فيلغو، ما دنياه ~~التي تحسنت له بخلف من الآخرة التي قبحها سوء ظنه عنده وما المغرور بزخرفها ~~الدنيء بناج من عذاب ربه عند مرده إليه. # وله ((عليه السلام)) في هذا الباب من التنفير عن الدنيا والتنقير عن ~~مساوئها جواهر حكم مبثوثة في غضون خطبه مندرجة في مطاوي مواعظه منظومة في ~~عقود كلامه، لم أر اقتطاعها منها ولا فصلها عنها ستأتي مسرودة في الفصل ~~المرصد لبيان فصاحته، وإيراد بلغة من عيون بلاغته إن شاء الله تعالى. ~~واقتصرت في هذا الفصل على هذه النبذة فإنها مع قلتها وافية بالغرض في ~~دلالتها على معرفته بالدنيا، فلهذا لما فهمها اتهمها وحين عرفها صرفها وإذ ~~استبانها أبانها ومذ تحققها طلقها وحيث تبين اقبالها بإيضاعها وتيقن ~~احتيالها بخداعها، رفض مقتنى متاعها PageV01P130 # وادحض مستحلى ارتضاعها، فارتدى لباس الزهادة فيها وامتطى مطا الرغبة عنها ~~فصار زهده فيها شعارا مدركا بالأبصار، وأثرا حقيقيا لا يقابل دعوى وجوده ~~بالإنكار، حتى تواترت منه متون الاخبار وتجاهرت به أقوال أئمة الأمصار. # فمنها أن ابن النباح خازن بيت المال جاءه يوما فقال: يا أمير المؤمنين قد ~~امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء فقال ((عليه السلام)): # الله أكبر ثم قام متوكئا على الخازن حتى قام على بيت المال فقال: # هذا جناي وخياره فيه %~% إذ كل جان يده إلى فيه # يا بن النباح علي بأسباع الكوفة، فنودي في الناس فاعطى الناس ووضع الحقوق ~~في مقارها وهو يقول: يا صفراء يا بيضاء غري غيري، ها وها حتى ما بقي فيه ~~دينار ولا درهم ثم أمر بنضحه، وقام فصلى فيه ركعتين وانصرف إلى مكانه كما ~~جاء منه لم يصحبه منه شيء. # قال مجمع التيمي: كان علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) يكنس بيت المال ~~ويصلي فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة. # ومنها أن هارون بن عنترة قال: قال ms102 لي أبي: دخلت على أمير المؤمنين علي ~~((عليه السلام)) بالخورنق وهو يرعد تحت سمل قطيفة فقلت يا أمير المؤمنين: ~~إن الله تعالى قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال ما يعم وأنت تصنع بنفسك ~~ما تصنع؟ فقال: والله ما أرزأكم من مالكم شيئا وإن هذه لقطيفتي التي خرجت ~~بها من منزلي من المدينة ما عندي غيرها. # ونقل أن معاوية قال بعد موت علي ((عليه السلام)) لضرار بن صرد: صف لي ~~عليا ((عليه السلام)) فقال: أو تعفيني قال: بل صفه قال: أو تعفيني قال: لا ~~أعفيك قال: أما إذ لا بد فأقول ما أعلمه منه: والله كان بعيد المدى شديد ~~القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، ~~يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس PageV01P131 # بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة طويل الفكرة يقلب كفيه ويخاطب ~~نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب. كان والله كأحدنا يجيبنا ~~إذا سألناه ويبتدئنا إذا أتيناه ويأتينا إذا دعوناه ونحن والله مع تقريبه ~~لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة ولا نبتدئه عظمة، إن تبسم فعن مثل اللؤلؤ ~~المنظوم. يعظم أهل الدين ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس ~~الضعيف من عدله، فاشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه ~~وغارت نجومه وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي ~~بكاء الحزين، وكأني اسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت أم إلي ~~تشوقت، هيهات هيهات غري غيري قد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير ~~وعيشك حقير وخطرك كثير، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق، قال: ~~فذرفت دموع معاوية على لحيته فما يملكها وهو ينشفها بكمه وقد اختنق القوم ~~بالبكاء. فقال معاوية: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك: فكيف حزنك عليه ~~يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها ولا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها. # ومما يجري مجراها ويتلوها في ذكراها قصة سودة بنت ms103 عمارة الهمدانية لما ~~قدمت على معاوية بعد موت أمير المؤمنين علي ((عليه السلام))، فجعل يؤنبها ~~على تحريضها عليه أيام صفين وآل أمره إلى أن قال: ما حاجتك فقالت: إن الله ~~(تعالى) مسائلك عن أمرنا وما افترض عليك من حقنا، ولا يزال يقدم علينا من ~~قبلك من يسمو بمكانك ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل ويدوسنا دوس الحرمل، ~~يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف وهذا بسر بن ارطاة قدم علينا فقتل رجالنا وأخذ ~~أموالنا، ولو لا الطاعة لكان فينا عز ومنعه فإن عزلته عنا شكرناك وإلا ~~كفرناك. فقال معاوية: إياي تهددين بقومك يا سودة لقد هممت أن أحملك على قتب ~~اشوس فأردك إليه فينفذ فيك حكمه. فأطرقت سودة ساعة ثم قالت: PageV01P132 # صلى الإله على روح تضمنها %~% قبر فأصبح فيه العدل مدفونا # قد حالف الحق لا يبغي به بدلا %~% فصار بالحق والايمان مقرونا # فقال معاوية: من هذا يا سودة؟ فقالت: هذا والله أمير المؤمنين علي ابن ~~أبي طالب ((عليه السلام))، والله لقد جئته في رجل كان ولاه صدقاتنا فجار ~~علينا فصادفته قائما يصلي، فلما رآني انفتل من صلاته ثم أقبل على برحمة ~~ورفق ورأفة وتعطف وقال: ألك حاجة فقلت: نعم وأخبرته الخبر فبكى ثم قال: ~~اللهم أنت الشاهد علي وعليهم اني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك، ثم أخرج ~~من جيبه قطعة جلد فكتب فيها @QUR@04 بسم الله الرحمن الرحيم* ... @QUR@027 ~~قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ~~ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين فإذا قرأت ~~كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم من يقبضه منك والسلام. # ثم دفع الرقعة إلي فو الله ما ختمها بطين ولا خزمها، فجئت بالرقعة إلى ~~صاحبه فانصرف عنا معزولا، فقال معاوية: اكتبوا لها كما تريد واصرفوها إلى ~~بلدها غير شاكية. وكم مثل هذه القضايا التي كان (عليه السلام) يعتمدها تؤذن ~~بوقوفه مع الحق وتوخيه رضى الله عنه ورغبته في الدار الآخرة وقيامه بأمر ~~ربه وزهده في ms104 الدنيا. # وقد نقل الحافظ أبو نعيم (رض) بسنده في حليته أن رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) قال: «يا علي- وضرب بين كتفيه- لك سبع خصال لا يحاجك أحد ~~يوم القيامة فيهن أنت أول المؤمنين بالله إيمانا وأوفاهم بعهد الله وأقومهم ~~بأمر الله وأرأفهم بالرعية وأقسمهم بالسوية وأعلمهم بالقضية واعظمهم مزية ~~يوم القيامة». # وهذا تصريح بثبوت ما تلوناه من الصفات وما مدحته به سودة من الخلال له ~~((عليه السلام)). # ومنها ما نقله أبو مطرف قال: رأيت عليا ((عليه السلام)) مؤتزرا PageV01P133 # بإزار مرتديا برداء ومعه الدرة يدور كأنه أعرابي بدوي، حتى بلغ سوق ~~الكرابيس فقال يا شيخ بعني قميصا بثلاثة دراهم، فلما عرفه ذلك الشيخ لم ~~يشتر منه شيئا [فأتى آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئا] فأتى غلاما حدثا ~~فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم، ثم جاء أبو الغلام فأخبره فأخذ أبوه درهما ~~ثم جاء به فقال: هذا الدرهم يا أمير المؤمنين قال: ما شأن هذا الدرهم قال: ~~كان قميصا ثمن درهمين فقال: باعني رضاي وأخذ رضاه فخذ درهمك وانصرف. # ومنها أنه خرج إلى الناس وعليه إزار مرقوع فعوتب في لبسه فقال: # يخشع القلب بلبسه ويقتدي بي المؤمن إذا رآه علي. # وقد اشترى يوما ثوبين غليظين فخير قنبر فيهما فأخذ واحدا ولبس هو واحدا، ~~فرأى في كمه شيئا من الطول عن أصابعه فقال: اقطعه لي من هاهنا مع الأصابع، ~~فقطع ما فضل عن أطراف الأصابع. # وخرج يوما إلى السوق ومعه سيف ليبيعه فقال من يشتري مني هذا السيف، فو ~~الذي فلق الحبة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) ولو كان عندي ثمن ازار ما بعته. # ومنها أنه ((عليه السلام)) كان قد ولى على عكبراء رجلا من ثقيف، فقال هذا ~~الوالى: قال لي ((عليه السلام)): إذا صليت الظهر غدا فعد إلي، قال: فلما ~~كان الغد وصليت الظهر غدوت إليه فلم اجد عنده حاجبا يحبسني دونه فوجدته ~~جالسا وعنده قدح وكوز من ماء فدعا بوعاء مشدود، عليه ms105 ختم، فقلت في نفسي لقد ~~امنني حتى يخرج إلي جوهرا ولا أدري ما فيه، فلما كسر الختم وحله فإذا فيه ~~سويق فأخرج منه فصبه في القدح وصب عليه ماء من الكوز وشرب وسقاني فلم أصبر ~~فقلت: يا أمير المؤمنين أتصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك، فقال: ~~وأما والله ما أختم عليه بخلا به ولكنني ابتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن ~~ينقص فيوضع فيه من غيره وأنا أكره أن ادخل بطني PageV01P134 # لا طيبا، فلذلك احترزت بما ترى فإياك وتناول ما لا نعلم حله. # ومنها ما حكاه مجاهد قال: قال لي علي ((عليه السلام)): جعت يوما بالمدينة ~~جوعا شديدا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت ~~مدرا، فظننتها تريد بله فأتيتها فقاطعتها كل ذنوب على تمرة، فمددت ستة عشر ~~ذنوبا حتى مجلت يداي ثم [أتيت] الماء فأصبت منه ثم أتيتها فقلت بكفي هكذا ~~بين يديها- وبسط الراوي كفيه وجمعهما- فعدت لي ست عشرة تمرة فأتيت النبي ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) فأخبرته فأكل معي منها. # ومنها ما رواه عمرو بن يحيى عن أبيه قال: أهدي إلى علي ((عليه السلام)) ~~زقان من عسل وسمن فتركهما ليرجع صاحبهما فيردهما إليه فلما عاد من الصلاة ~~وجدهما قد نقصا فسأل عن ذلك فقيل [له] بعثت أم كلثوم أخذت منه، فبعث إلى ~~المقومين فقوموا ما نقص بخمسة دراهم فبعث إلى أم كلثوم: ابعثي لي بخمسة ~~دراهم، فأضافها إليهما وأعادهما. # ومثل هذه أنه وصل إليه ((عليه السلام)) زقا عسل جاءت من اليمن، فنزل ~~بالحسن ولده ((عليه السلام)) ضيف فاستسلف الحسن درهما فاشترى به خبزا ~~واحتاج إلى الآدام، فطلب من قنبر أن يفتح له زقا من تلك الزقاق ففتحه وأخذ ~~منه رطلا، فلما قعد ((عليه السلام)) ليقسم الزقاق قال: يا قنبر قد حدث في ~~هذا الزق حدث، فقال: صدق قولك يا أمير المؤمنين، وأخبره الخبر فغضب فقال: ~~علي به فلما حضر [الحسن] هم بضربه فأقسم عليه بعمه جعفر وكان ((عليه ~~السلام)) إذا سئل بحق جعفر ms106 سكن، فقال: ما حملك على ما فعلت وأخذت منه قبل ~~القسمة قال إن لنا فيه حقا فإذا أعطينا رددناه قال: وإن كان لك فيه حق ولكن ~~ليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع الناس بحقوقهم، لو لا أني رأيت رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يقبل ثنيتك لأوجعتك ضربا. PageV01P135 # ثم دفع إلى قنبر درهما وقال: اشتر به من أجود عسل تقدر عليه. # قال الراوي: فكأني أنظر إلى يدي علي ((عليه السلام)) على فم الزق وقنبر ~~يقلب العسل فيه، ثم شده بيده وجعل يبكي ويقول: اللهم اغفرها للحسن فإنه لا يعلم. # فهذه الوقائع والقضايا المفصلة التي أسفر له ((عليه السلام)) فجر نهارها، ~~وأبدر لديه قمر شعارها وظهر عليه سر آثارها وانتشر عنه خبر أسرارها، شاهدة ~~له ((عليه السلام)) أنه في العبادة ابن جلاها وفارع ذروة علاها، وضارب في ~~أعشارها بمعلاها وراكب من مطيتها غارب مطاها، قد صدعت بمنطوقها ومفهومها ~~بأنه ((عليه السلام)) قد حوى مقامات العابدين حتى حل مقام الإمامة، واتصف ~~بسمات الزاهدين فبيده زمام الزعامة، فتحلى بالإنابة والعبادة والمحبة ~~والزهد والورع والمعرفة والتوكل والخوف والرجاء والصبر والشكر والرضا ~~والخشية، فهو ذو إخبات وتفكر ونسك وتدبر وتهجد وتذكر وتأوه وتحسر، وأذكار ~~وأوراد وإصدار وإيراد فكابد من أنواع العبادات ووظائف الطاعات ما لا يكاد ~~الأقوياء ينهضون بحمل أعبائه، إلى أن نزل القرآن العظيم بمدحه وأسفر ~~بالثناء عليه من التنزيل وجه صبحه حتى نقل الواحدي (رض) في تفسيره يرفعه ~~بسنده إلى ابن عباس (رض) أنه قال: إن علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) ~~[كان] يملك أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم ~~علانية فنزل فيه قوله تعالى: @QUR@021 الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ~~سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ومن تأمل ما ~~قصصناه من الوقائع والقضايا وتدبر ألفاظها ومعانيها وجدها صادعة بالشهادة ~~له ((عليه السلام)) بهذه المقامات، جامعة فيه ما فصله القلم من الصفات، ~~وكفاه شرفا إنزال الله تعالى مدحه في السور والآيات، ms107 وإنها تتلى بألسنة ~~الأمة إلى يوم القيامة في وظائف الصلوات. PageV01P136 # هذي المزايا بعض ما حلي به %~% وحبي من الخيرات والبركات # وله وظائف طاعة أورادها %~% معمورة الآناء والأوقات # بعبادة وزهادة وتورع %~% وتخشع وتدرع الإخبات # وتقلل وتوكل وتفكر %~% وتدبر وتذكر المثلات # وإذا الظلام سجا ينادي ربه %~% متضرعا بالذكر والدعوات # يعنو له بخضوع قلب خاشع %~% وهموع طرف مسبل العبرات # علم علت درجاته وفضائل %~% شرفت معارجها إلى الشرفات # ومناقب درت له اخلافها %~% بلبانها معسولة الحلبات # نطقت بها آي الكتاب وحسبها %~% أن جاء شاهدها من الآيات ### | الفصل الثامن: في شجاعته وزهادته ومواقفه: # قبل الشروع في تفاصيل هذه المزايا المشار إليها لا بد من بيان حقيقة ~~الشجاعة بذكر ماهيتها، ثم بعد ذلك يقع الكلام في بيان اتصافه ((عليه ~~السلام)) بها وظهور آثارها منه. # فأقول: الشجاعة عبارة عن قوة في القلب تبعث على الاقدام على ارتكاب ~~الأفعال المخوفة، فكل من حصلت له هذه الحالة فقد اتصف بالشجاعة فيسمى شجاعا ~~وقد كان ((عليه السلام)) قد منحه الله (عز وعلا) بها وآتاه إياها، فإن قوة ~~قلبه الباعثة على اقدامه على ارتكاب الأهوال في ملاقاة الأبطال، والانغماس ~~في تيار الأخطار المختطف مهج الآجال كانت ظاهرة على أعطافه، منتشرة في ~~جوائحه وأطرافه مشتهرة من نعوته وأوصافه منذرة كل من تعرض لنزاله وجلاده ~~بتجديله واتلافه، يحذر أجلاد الرجال جلاد مقامه ويفر شداد الابطال عند ~~اشتداد إقدامه ويقطر غمام نقع مواقفه نفوسا برعد ضربه وبرق حسامه، وتتحاماه ~~الآساد في استدارة رحى الحروب وتتجافاه المراد عند تضايق مارق كل أسلوب، له ~~وثبات تقطع رواسي الرءوس وتقتلع رواسخ القلوب، وثبات PageV01P137 # إذا تزلزلت الاقدام لكراهة الكروب واختلاف الخطوب. # وها أنا الآن آتي على هذا الاجمال بتفصيل يشرحه وتبيين يوضحه فأقول: # إن عليا ((عليه السلام)) كان خوضه في غمرات الأهوال ونزوله في محال ~~الأوجال وحلوله في مواطن شدائد الأحوال، غير مكترث بأهوالها ولا مضطرب ~~لأوجالها ولا ملتفت إلى شيء من شدائد أحوالها قد صار له عادة مألوفة وسجية ~~مستعذبة يأتيها إتيان مستأنس بها ألف لها، وهي لكثرتها ms108 لا يضبطها حصر ولا ~~يحصرها ضابط ولكن اذكر طرفا صالحا منها ليكون إن شاء الله وفيا بالكشف ~~والبيان. # فأول ما أبدأ به أن النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) لما بايع طائفة من ~~الأنصار بيعتي العقبة الأولى والثانية، صار المسلمون كلما اشتد عليهم الأذى ~~بمكة هاجروا إلى المدينة، فلما علم المشركون بمكة أنه قد صار للمسلمين دار ~~هجرة ورأوا أن أكثر من اسلم قد هاجر من مكة إليها، اجتمع رؤساء قريش ~~لينظروا ما يصنعون بالنبي ((صلى الله عليه وآله وسلم))، فأتاهم إبليس في ~~صورة شيخ نجدي فقال لهم: قد بلغني اجتماعكم لمشاورتكم فأحببت أن أحضركم فما ~~تعدمون مني رأي خير فأدخلوه معهم واجتمعوا في دار الندوة، فقال ابو ~~البحتري: أرى أن تحبسوا محمدا في بيت تسدوا بابه غير كوة يدخل منها طعامه ~~وشرابه وتتربصوا به ريب المنون. # فقال الشيخ النجدي: ليس هذا برأي فإنه له عشيرة فتحملهم الحمية على أن لا ~~تتمكنوا منه فتتقاتلوا، فقالوا: صدق الشيخ. # فقال هشام بن عمرو، أرى أن تركبوه جملا شرودا وتخرجوه من بينكم فيكون ~~هلاكه على يد غيركم وتستريحوا منه. # فقال الشيخ النجدي: بئس الرأي هذا تعمدون إلى رجل قد أفسد PageV01P138 # سفهاءكم فاتبعوه فتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم ويستتبعهم، وله من عذوبة ~~القول وطلاقه اللسان واستمالة القلوب ما قد علمتم، والله لئن فعلتم ليجمعن ~~الناس ويقاتلكم ويخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم فقالوا: صدق الشيخ النجدي. # فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي لا أرى غيره وهو أن تأخذوا من كل ~~بطن من بطون قريش غلاما وسطا لتدفعوا إلى كل غلام سيفا فيضربوا محمدا ضربة ~~رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في قبائل قريش كلها ولا يقدر بنو هاشم على ~~حرب قريش كلها، فيرضون بالعقل فتعطونهم عقله وتخلصون منه. # فقال لهم إبليس- لعنه الله-: هذا الرأي وقد صدق فيما أشار به وهو أجود ~~رأيكم فلا تعدلوا عنه، فتفرقوا على قول أبي جهل مجتمعين على قتل النبي ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)). # فأتى جبرائيل ((عليه السلام)) النبي ((صلى ms109 الله عليه وآله وسلم)) فأخبره ~~بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، واذن الله (تعالى) له ~~في الهجرة. فلما علم النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بمكرهم وما عزموا ~~عليه ونهاه جبرائيل أن ينام في مضجعه، أمر عليا ((عليه السلام)) بأن يبيت ~~في المضجع الذي كان يبيت فيه النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم))، فقال: ~~«اتشح ببردي الحضرمي فإنه لن يخلص إليك منهم امر تكرهه». # ثم خرج رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وأخذ قبضة من تراب، فأخذ ~~الله (تعالى) أبصارهم فلم يبصروه ونزل التراب على رءوسهم. # وبات علي ((عليه السلام)) في المضجع والمشركون مجمعون على أخذه وقتله ولم ~~يضطرب لذلك قلبه ولا اكترث بهم، فلما أصبحوا ثاروا إليه فرد الله كيدهم ~~فقالوا: أين صاحبك فقال: لا أدري. PageV01P139 # وأقام بعد رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بمكة ثلاث ليال وأيامها ~~يرد الودائع التي كانت عند رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) للناس، ~~حتى إذا فرغ منها ولم يبق بمكة من المسلمين احد سواه إلا من هو معذب في ~~الإسلام محبوس عليه. # ثم خرج ((عليه السلام)) طالبا أن يلتحق بالنبي ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) وحده، فأقام وحده بمكة بينهم ثم خرج وحده من مكة مع شدة عداوتهم له ~~وطلب المدينة فوصلها، فنزل مع رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) على ~~كلثوم بن هرم. # فلو لم يكن الله (تعالى) قد خص قلبه بقوة، وجنانه بثبات ونفسه بشهامة ~~لاضطرب في هذا المقام وإن كان آمنا من أذاهم في مبيته، لقول النبي ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)): «لن يخلص إليك شيء تكرهه». فإن النفوس البشرية قد ~~تتيقن عدم الخوف [والأذى] ومع ذلك يظهر عليها الاضطراب من رؤية المخوف، ~~فإن موسى ((عليه السلام)) مع درجة النبوة وقد أخبره الله (تعالى) بأنه ~~اختاره لما أمره بالقاء عصاه فألقاها، فلما صارت حية خاف وولى مدبرا، فقال ~~له الله (تعالى): @QUR@04 أقبل ولا تخف وقال له (تعالى): @QUR@07 خذها ولا ~~تخف ms110 سنعيدها سيرتها الأولى ، فلم يمكنه أن يخالف الأمر. # وكان عليه كساء فلف طرف الكساء على يده ليأخذها فقال: ما لك يا موسى ~~أرأيت لو اذن الله لها في أذاك أرد عنك كساؤك شيئا؟ فقال: # لا ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت. # فالنفس البشرية هذا طبعها، وكذلك أم موسى لما أمرها الله (تعالى) بإلقاء ~~ولدها في اليم ونهاها عن الخوف والحزن وأخبرها أنه يرده إليها فلما ألقته ~~في اليم داخلها الاضطراب من النفس البشرية حتى كادت لتبدي به وتفضح أمرها، ~~لو لا أن ربط الله عليها فلم تنطق مع اضطراب القلب. PageV01P140 # فلو لا أن الله (تعالى) منح عليا ((عليه السلام)) قلبا متصفا بالقوة ~~التامة التي هي الشجاعة، لكان مع امتثال أمر النبي ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) وأمنه من تطرق الأذى إليه لقول النبى ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~له: يضطرب بالنفس البشرية، فإن مبيت واحد بين زمر من الأعداء قاصدين الفتك ~~به معاندين لدينه مظهرين عداوته، ثم إقامته بينهم بعد خروج النبي ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) ثلاث ليال بأيامهن، ثم خروجه من بلدتهم في شعابها ~~وطرقاتها بين جبالها المختلفة، مقدما على مسيره في أراضي الأعداء وحده مع ~~كثرتهم، من أوضح الأدلة وأرجح الحجج على شجاعة قد خصه الله بها وشهامة منحه إياها. # وكان رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) إذا ألم ملم أو أهم عارض أو ~~عرض مهم، ندب له عليا ((عليه السلام)) لما يعلمه من شجاعته وشهامته وخبرته ~~ومعرفته وعزمته ونهضته، فيزدلف إلى ذلك الأمر ازدلاف السيل إلى الوهاد ~~ويكشف غماءه عنه باشتداد عزمه المعتاد يثقف منه بسداد سعيه أود المئاد. # كما نقل أبو محمد عبد الملك بن هشام في السيرة النبوية ما ملخصه: # أن رفاعة بن زيد الجذامي قدم على رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، ~~وكتب له رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) كتابا إلى قوم يدعوهم إلى ~~الإسلام. فقدم عليهم بالكتاب ودعاهم إلى الإسلام فاستجابوا له، ثم إن زيد ~~بن حارثة جهزه رسول ms111 الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بجيش فاتفق أن الجيش ~~أصابوا قوم رفاعة فقتلوا وأسروا وهم لا يعلمون حقيقة حالهم، فجاء من قوم ~~رفاعة جماعة إليه فأعلموه فركب معهم إلى المدينة فدخل على النبي ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) وعرض الكتاب وقال: يا رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) دونك هذا قديما كتابه حديثا غدره، فقال له رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم) PageV01P141 # ): اقرأه فلما قرأه فأخبره الخبر قال مقدم جذام- وهو مع رفاعة-: يا رسول ~~الله أطلق لنا من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هذه. فحينئذ ندب النبي ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) عليا ((عليه السلام)) ليمضي معهم فيطلق ~~الاسارى ويسترجع ما أخذه الجيش من أموالهم. # فقال علي ((عليه السلام)): يا رسول الله إن زيدا لا يطيعني فهو أمير ~~الجيش فقال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «فخذ سيفي هذا» فأعطاه ~~سيفه ثم ركب بعيرا معهم وخرجوا فإذا رسول لزيد على ناقة من ابل جذام ~~فعرفوها، فأنزله علي ((عليه السلام)) عنها فقال: يا علي ما شأني فقال له: ~~ما لهم عرفوه فأخذوه. # ثم سار علي وهم معه فلقوا الجيش فأطلق واستنقذ جميع ما في أيديهم حتى لبد ~~المرأة من تحت الرجل، ثم عاد بعد ما جمع لهم جميع أموالهم المتفرقة شتى حتى ~~لم يفقدوا منها عقالا ولا بتا، وسلك في إقامة ما أمر به طريقة لا عوج فيها ~~ولا امتا. # وكما نقل الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي ((رحمه الله تعالى)) في ~~كتابه الموسوم بأسباب النزول في سبب نزول قوله (تعالى): # @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم ~~بالمودة . # إن مولاة لعمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف قدمت من مكة إلى المدينة ~~ورسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يتجهز لقصد فتح مكة، فلما جاءت إلى ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قال: # أمسلمة جئت قالت: لا قال: فما جاء بك قالت: أنتم الأهل والعشيرة والموالي ~~وقد ms112 احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني فحث رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها فانصرفت. ~~فنزل جبرائيل ((عليه السلام)) إلى النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~فأخبره أن حاطب بن PageV01P142 # أبي بلتعة قد كتب كتابا إلى أهل مكة يقول فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ~~أهل مكة أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يريدكم فخذوا حذركم. ~~وإنه دفع الكتاب إلى الظعينة المذكورة وأعطاها عشرة دنانير على أن توصل ~~الكتاب إلى أهل مكة، فلما أخبر جبرائيل رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) بذلك، اختار رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) عليا ((عليه ~~السلام)) فبعثه ومعه الزبير والمقداد وقال لهم: # «انطلقوا إلى روضة خاخ فإن فيها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين ~~فخذوه منها وخلوا سبيلها، فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها» فخرجوا حتى ~~أدركوها في ذلك المكان فقالوا: اين الكتاب فحلفت بالله ما معها كتاب ففتشوا ~~متاعها فلم يجدوا كتابا فهموا بالرجوع وتركوها، فقال علي ((عليه السلام)): ~~والله ما كذبنا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وسل سيفه وجزم عليها ~~وقال: أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك ولأضربن عنقك، وصمم على ذلك فلما ~~رأته الجد أخرجت الكتاب من ذؤابتها قد خبأته في شعرها، فأخذ الكتاب منها ~~وخلوا سبيلها وعادوا إلى رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، فأخذ ~~الكتاب فوجده على ما أخبره به جبرائيل ((عليه السلام)). # فاستخرج علي ((عليه السلام)) بقوة عزمه وتصميم إقدامه وجزمه ومتانة ~~احتياطه وحزمه، ذلك الكتاب المرقوم المنفذ من النمام المذموم إلى مشركي مكة ~~ليحترزوا في أمرهم ويتأهبوا للحرب عند قصدهم فكشف هذه الغمة بشدة بأسه ~~وابطل هذه المكيدة بقوة أنفاسه. ### ||| وأما جهاده في سبيل الله (تعالى): # [ومثل ذلك ما نقله الرواة في نصرته لله] واجتهاده في قتال المشركين في ~~الغزوات والسرايا فاشهر من نصرة الأنصار وأظهر من ظهيرة النهار. # وقد نقل الواحدي (ره) في كتابه الذي صنفه في أسباب النزول أن الحسن ms113 ~~والشعبي والقرظي ((رحمهم الله)) قالوا: إن عليا ((عليه السلام)) PageV01P143 # والعباس (رض) وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة بن شيبة: أنا صاحب البيت ~~بيدي مفتاحه ولو أشاء بت فيه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم ~~عليها، وقال علي ((عليه السلام)): ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل ~~الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله (تعالى) @QUR@023 أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا ~~يستوون عند الله إلى أن قال @QUR@020 الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون إلى ~~@QUR@02 أجر عظيم . # فصدق الله بهذه الآيات عليا ((عليه السلام)) في دعواه، وحقق له اتصافه ~~بالجهاد وزكاه ورفع مقامه بذلك وأعلاه. ### ||| وهذا تفصيل شيء من مواطن جهاده: # فمن ذلك ما نقله الثقات في شجاعته ومواقف قتاله في سبيل الله وجلاده. # فمنها ما كان مع رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ومنها ما لم يكن ~~معه، فأما مقاماته في الغزوات مع رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)). # فمنها ما كان على رأس ثمانية عشر شهرا من قدومه المدينة وعمر علي ((عليه ~~السلام)) إذ ذاك سبع وعشرون سنة: غزوة بدر التي أودت بالشرك فقصمت مطاه ~~وفصمت عراه وأذاقت كل مشرك حضرها وبال أمره بما قدمت يداه، فسقتهم كأس ~~الدمار وأذاقتهم لباس البوار ونقلت الملأ منهم من منقلب القليب إلى تقلبهم ~~في عذاب النار. فيومها يوم خصه الله بابدار بدره فبشرت بالنصر تباشير فجره، ~~ونشرت ألوية الظفر بقتل صناديد كفره وظهرت فيه من كل مؤمن علانية جهره ~~وسريرة ستره، وأنزلت آيات القرآن الكريم بتنويه ذكره وعلت على الأيام ~~العظام قدم قدره، ونزلت الملائكة المسومة لإمداد رسول الله (صلى الله عليه PageV01P144 # وآله وسلم) ونصره، وانجلت الغمة عن المسلمين بما أمدهم الله (تعالى) من ~~جندي خلقه وأمره، وانقسمت جموع المشركين يومئذ إلى مجدول بقتله ومخذول ~~بأسره، وكان علي ((عليه السلام)) خائض لجج غمراته بقلب قلب لا يجف وجري ~~جنان لا ms114 يقف، مشمرا عن ساق شجاعة لا تنصرف وقدم إقدام لا تنحرف ومقدما بعضد ~~عزم لا يضعف وساعد حزم لا يرجف، ومسفرا عن بارق همة لا تخلف وسابق بقوة لا ~~يقرف يقط بشبا سيفه رقاب الهام قط الأقلام، ويحط الرءوس عن الجثث إلى ~~مساحقة الأقدام، ويفجر من مجاري الطلا ينابيع دماء يسقي بها عطاش الرغام. ~~فكان عدد من قتلهم ((عليه السلام)) يوم بدر من مقاتلة المشركين على ما قيل ~~في المغازي، ونقله أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتابه الذي صنفه وسماه ~~بالسيرة النبوية استقلالا واشتراكا احد وعشرين قتيلا، منهم من اتفق ~~الناقلون على مباشرته ((عليه السلام)) قتلهم انفرادا بلا خلاف وهم تسعة، ~~ومنهم من شاركه في قتلهم غيره وهم أربعة، ومنهم من اختلف النقل فيهم فقيل ~~هو باشر قتلهم وقيل غيره ثمانية. # فأما الذين استقل بقتلهم بلا خلاف فهم الوليد بن عتبة بن ربيعة خال ~~معاوية بن أبي سفيان قتله مبارزة، والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية وعامر ~~بن عبد الله ونوفل بن خويلد بن أسد- وكان من شياطين قريش- ومسعود بن أبي ~~أمية بن المغيرة، وأبو قبيس بن الفاكه وعبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، ~~والعاص بن منبه بن الحجاج وحاجب بن السائب. # وأما الذين شاركه في قتلهم غيره فهم: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب أخو ~~معاوية، وعبيدة بن الحارث وزمعة وعقيل ابنا الاسود بن المطلب. # وأما الذين اختلف الناقلون في أنه ((عليه السلام)) قتلهم أو غيره فهم: ~~طعيم بن عدي وعمير بن عثمان بن عمرو، وحرملة بن عمرو PageV01P145 # وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن قيس وأوس الجمحي وعقبة بن ~~أبي معيط صبرا ومعاوية بن عامر. # فهذه عدة من قيل أنه ((عليه السلام)) قتلهم من مقاتلة المشركين يوم بدر ~~غير النضر بن الحارث فإنه قتله صبرا بعد القفول من بدر. # فإذا وضح ذلك فقد اجمع أهل المغازي في كتبهم على أن عدة من قتل يوم بدر ~~من مقاتلة المشركين سبعون رجلا، فإذا كان جميع ms115 من قتله المسلمون بأسرهم يوم ~~بدر سبعين، وقد أضيف إلى علي ((عليه السلام)) من هذا العدد ما تقدم وفي هذا ~~وحده اسجال بشجاعته لا يتطرق النقص إلى حكمه، ولا يداخل سامعيه شك في ~~الإحاطة بعلمه فإن من قد قد سيفه أوصال أبشار احد وعشرين قتيلا من سبعين، ~~فمزقها وأغمد مصلته في لباتهم فاستخرج رمقها، وشرد بأسه نفوسهم عن أجسادهم ~~فأزهقها، فطارت شعاعا من الفرق فألزمها ذلك وأرهقها، وبقي تمام السبعين ~~مضافا إلى جميع المسلمين وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر كيف لا يتيقن شجاعته من ~~وقف على هذه القصة وتحققها، وكشف نقل الثقات من أرباب المغازي وعرف طرقها ~~فصدقها. # ومنها غزوة أحد وهي في شوال سنة ثلاث من الهجرة وعمر علي ((عليه السلام)) ~~يومئذ ثمان وعشرون سنة وشهور لم يبلغ تسعا وعشرين سنة. وتلخيص القول في هذه ~~القصة أن أشراف قريش لما كسروا يوم بدر فقتل وأسر بعضهم ودخل الحزن على أهل ~~مكة بقتل رؤسائهم وأسرهم، تجمعوا وبذلوا أموالا واستمالوا جمعا من الأحابيش ~~من كنانة وغيرهم، ليقصدوا النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بالمدينة ~~لاستئصال المسلمين، وتولى كبر ذلك أبو سفيان بن حرب فحشد وحشر وقصد المدينة ~~فخرج النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بالمسلمين وكانت غزوة أحد. ونفق ~~النفاق بين جماعة من الذين خرجوا مع النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~فتعاملوا به، وأنساهم القضاء المبرم التفكر في سوء PageV01P146 # مآله ومنقلبه، فرجع من الناس ما يقرب من ثلثهم إلى المدينة وبقي مع النبي ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) سبعمائة من المسلمين،- وقد وصف الله (تعالى) ~~صورة الحال في هذه الغزوة في سورة آل عمران من قوله (تعالى): @QUR@09 وإذ ~~غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال إلى آخر ستين آية- واشتدت الحرب ~~ودارت رحاها واضطرب المسلمون واستشهد حمزة (رض) وجماعة من المسلمين، وقتل ~~المسلمون من مقاتلة المشركين اثنين وعشرين قتيلا، نقل ارباب المغازي أن ~~عليا ((عليه السلام)) قتل منهم سبعة، منهم طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى ~~وعبد الله بن جميل من بني ms116 عبد الدار، وأبو الحكم بن الأخنس وسباع بن عبد ~~العزى وأبو أمية بن المغيرة هؤلاء الخمسة متفق عليهم على قتله ((عليه ~~السلام)) إياهم، وأبو سعد بن طلحة بن أبي طلحة وغلام حبشي لبني عبد الدار، ~~قيل استقل بقتلهما (رض) وقيل قتلهما غيره. # ولما عاد أبو سفيان بمن بقي معه من المشركين عن احد طالبين إلى مكة، دخل ~~النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) إلى المدينة، فدفع النبي ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) سيفه وهو ذو الفقار إلى فاطمة ((عليهما السلام)) فقال: ~~«اغسلي عن هذا دمه يا بنية فو الله لقد صدقني اليوم» وناولها علي ((عليه ~~السلام)) أيضا سيفه وقال لها: وهذا فاغسلي عنه دمه فو الله لقد صدقني ~~اليوم. وفي هذا اليوم- قال ابن أبي نجيح- نادى مناد: # لا سيف إلا ذو الفقار %~% ولا فتى إلا علي # هذا تلخيص ما أورده أبو محمد عبد الملك بن هشام في سيرته وحيث علم ذلك ~~فإذا انجلت المعركة عن اثنين وعشرين قتيلا من مقاتلة المشركين بأيدي ~~المسلمين وهم سبعمائة وكان من القتلى سبعة منهم خمسة متفق على أن عليا ~~((عليه السلام)) قتلهم، واثنان منهم مختلف فيهما، وبقي من القتلى خمسة عشر ~~مضافة إلى جميع المسلمين PageV01P147 # فمن كان ذا نظر صائب وفكر ثاقب وتدبر بخاطر حاضر لا غائب، لا يشك أن عليا ~~((عليه السلام)) قد أفاض الله (تعالى) عليه لباس شجاعة سابغ الأهداب، لا ~~يخاف معه في معترك الجلاد وهن التزلزل والاضطراب، وفي ذلك ما ينسخ عن ~~القلوب بحجج اليقين شبه الارتياب ويفتح لها أبواب الاستبصار فإن فيها تبصرة ~~وذكرى لأولي الألباب. # ومنها غزوة الخندق فإنه لما بلغ رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، ~~أن قريشا قد تجمعت وقائدها أبو سفيان بن حرب، وأن غطفان قد تجمعت وقائدها ~~عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، واتفقوا مع بني النضير مع اليهود على قصد ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) والمسلمين وحصار المدينة، أخذ رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) لحراسة المدينة في عمل ms117 الخندق عليها فعمل ~~فيه بنفسه مع المسلمين فأحكمه في أيام، وكان في حفر الخندق آيات من معجزات ~~النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) شاهدها المسلمون، رأيت أن اذكرها هاهنا ~~ليزداد من يقف عليها إيمانا بالله وتصديقا لرسوله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) منها ما رواه سعيد بن مينا ان ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن ~~بشير قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم ~~قالت: أي بنيه اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما، قالت: ~~فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وأنا ~~ألتمس أبي وخالي، فقال لي: «يا بنية ما هذا معك؟» قالت: قلت يا رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد ~~وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه قال: هاتيه قالت: فصببته في كفي رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط ثم دحا ~~بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده: «اصرح في أهل الخندق أن ~~هلم إلى الغداء». فاجتمع PageV01P148 # أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه ~~وإنه ليسقط من أطراف الثوب. # ومنها ما رواه جابر بن عبد الله ((رضي الله عنه)) قال: اشتد عليهم في بعض ~~الخندق كدية- وهي صلابة شديدة تكون في الأرض تعجز حافرها- فشكوا إلى رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فدعا بإناء فيه ماء، فتفل فيه ثم دعا بما ~~شاء الله أن يدعو به ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فقال من حضرها: فو ~~الذي بعثه بالحق لقد انهالت حتى عادت كالكثيب لا ترد فأسا ولا مسحاة. # ومنها ما رواه جابر بن عبد الله (رض) قال عملنا مع رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) في الخندق، فكانت عندي شويهة غير جد سمينة قال فقلت: لو ~~صنعناها لرسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قال: فأمرت امرأتي فطحنت ~~لنا ms118 شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة فشويتها لرسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)). # قال: فلما أمسينا وأراد رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) الانصراف ~~عن الخندق، فإنا كنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلنا قال فقلت: ~~يا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا ~~وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير فأحب أن تنصرف معي إلى منزلي، وإنما ~~أريد أن ينصرف معي رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وحده. # قال: فلما أن قلت له ذلك أمر صارخا فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله إلى بيت ~~جابر بن عبد الله، قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. # قال: فأقبل رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وأقبل الناس معه قال: ~~فجلس وأخرجناها إليه فبرك عليها وسمى باسم الله ثم أكل وتواردها الناس كلما ~~فرغ قوم قاموا وجاء ناس غيرهم، حتى صدر أهل PageV01P149 # الخندق كلهم عنها. # ومنها ما هو زائد على ذلك لم أر الإطالة بذكره وهذه من معجزاته ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم))، فإن إصدار الخلق الكثير والجم الغفير من طعام يسير ~~يكاد يأكله الواحد الجائع من المعجزات العظام التي تقضي العقول بأنها من ~~خرق العوائد. # ثم عاد الكلام إلى المقصود فلما فرغ رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) من الخندق أقبلت قريش بأحابيشها وأتباعها من أهل كنانة وأهل تهامة ~~في عشرة آلاف، وأقبلت غطفان ومن تبعها من أهل نجد ونزلوا من فوق المسلمين ~~ومن أسفل منهم كما قال الله (تعالى): @QUR@08 إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل ~~منكم فخرج النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) بالمسلمين، وجعلوا الخندق ~~بينهم وبين القوم والمسلمون في ثلاثة آلاف، ووافقت اليهود المشركين على ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) واشتد الأمر على المسلمين كما قد ~~وصف الله (تعالى) هذه القصة في سورة الأحزاب، وطمع المشركون بسبب كثرتهم ~~وموافقة من وافقهم فركب فوارس من قريش، منهم عمرو بن ms119 عبد ود وكان من ~~مشاهيرهم ومنهم عكرمة بن أبي جهل. وتواعدوا للقتال وأقبلوا تعنق بهم خيلهم ~~حتى وقفوا على الخندق، ثم قصدوا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت ~~منه وعبروه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وبين المسلمين، فحينئذ ~~خرج علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) وأخذ نفرا من المسلمين، وبادر إلى ~~الثغرة التي عبروا فيها من الخندق فقطع عليهم، فجاءوا وقصدوه وأقبل عمرو بن ~~عبد ود وقد جعل له علامة ليعرف مكانه وتظهر شهامته، فلما وقف ومعه ولده حسل ~~وأصحابه قال: من يبارز فقال علي: أنا أبارزه فقال: النبي ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)): «إنه عمرو» فسكت فقال عمرو: وهل من مبارز ثم جعل يؤنبهم ~~ويقول: أين جنتكم التي تزعمون إن من قتل منكم دخلها أفلا يبرز إلي رجل ~~[منكم] فقال: أنا له يا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم) PageV01P150 # وسلم) فقال ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «إنه عمرو» فسكت ثم نادى عمرو وقال: # ولقد بححت من النداء %~% لجمعهم هل من مبارز # ووقفت إذ جبن المش %~% جع موقف القرن المناجز # وكذاك اني لم أزل %~% متسرعا قبل الهزاهز # إن الشجاعة في الفتى %~% والجود من خير الغرائز # فقال علي ((عليه السلام)): يا رسول الله أنا له، فقال ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)): إنه عمرو قال: وإن كان عمرا، فأذن له رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) فخرج إليه وقال: # لا تعجلن فقد أتاك %~% مجيب صوتك غير عاجز # ذو نية وبصيرة %~% والصدق منجى كل فائز # إني لأرجو أن أقيم %~% عليك نائحة الجنائز # من ضربة نجلاء يبقى %~% ذكرها عند الهزاهز # ثم قال له: يا عمرو إنك قد كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى ~~خلتين إلا أخذتها منه قال له: أجل قال له ((عليه السلام)): فإني أدعوك إلى ~~الله وإلى رسوله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وإلى الإسلام، قال: لا حاجة ~~لي بذلك قال: إني أدعوك إلى النزال قال: لم يا بن أخي فو الله ما ms120 أحب أن ~~اقتلك فقال ((عليه السلام)): ولكني والله أحب أن اقتلك، فحمى عمرو لما سمع ~~ذلك فاقتحم عن فرسه ونزل وعقرها ثم أقبل على علي ((عليه السلام)) فتنازلا ~~وتجاولا ساعة فضربه علي ((عليه السلام)) ضربة قتله بها، ثم كر على حسل بن ~~عمرو فقتله وخرجت خيلهم منهزمة حتى نزلت الخندق هاربة وعظم قتل عمرو بن عبد ~~ود وقتل ولده فقال ((عليه السلام)): # أعلي تفتخر الفوارس هكذا %~% عني وعنهم خبروا أصحابي PageV01P151 # اليوم يمنعني الفرار حفيظتي %~% ومصمم في الرأس ليس بنابي # أردى عميرا حين أخلص صقله %~% صافي الحديدة يستفيض ثوابي # إلا ابن عبد حين شد ألية %~% وحلفت فاستمعوا إلى الكذاب # ان لا أصد ولا يولي فالتقى %~% رجلان يضطربان كل ضراب # نصر الحجارة من سفاهة رأيه %~% ونصرت رب محمد بصواب # فغدوت حين تركته متجدلا %~% كالجذع بين دكادك وروابي # وعففت عن أثوابه ولو أنني %~% كنت المجدل بزني أثوابي # لا تحسبن الله خاذل دينه %~% ونبيه يا معشر الأحزاب # ولما قتل عمرو بن عبد ود وقتل ابنه حسل كان معه عكرمة بن أبي جهل فرمى ~~عكرمة رمحه وانهزم من علي ((عليه السلام)) ثم بعد قتل عمرو أرسل الله ~~(تعالى) الريح على قريش وعلى غطفان ووقع الاضطراب بينهم وبين اليهود فولوا ~~راجعين، وقد ردهم الله (تعالى) بغيظهم لم ينالوا خيرا. # فهل يحصل ثبات الجنان وجريان اللسان والأقدام على هذا عمرو بن عبد ود ~~ورفقته وهو معروف من الشجعان إلا عن شجاعة أصلها من مداعسة الابطال راسخ، ~~وفرعها من ممارسة النزال شامخ ثم لم يكترث بالمنازلة ولم يقف بسببها عن نظم ~~شعر ينضده ولا شده عن قريض يورده وينشده فهل ذلك إلا عن شجاعة وافرة وشهامة حاضرة. # ثم لما ذهب أبو سفيان بقريش خائبا وهزمت الأحزاب قصد رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) بني قريضة الذين ظاهروا أبا سفيان والأحزاب وهم ~~الذين ذكرهم الله (جل وعلا) بقوله: @QUR@09 وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب من صياصيهم أي حصونهم واهتم بغزوهم وسلم ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) إلى علي ms121 ((عليه السلام)) رايته، وقدمه إلى بني قريضة وجعل الناس ~~يتبعونه ثم جاء رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وقد أظفره الله ~~(تعالى) بهم. PageV01P152 # ومنها غزوة خيبر في سنة سبع للهجرة وعمر علي ((عليه السلام)) يومئذ احدى ~~وثلاثون سنة، وتلخيص المقصد منها على ما ذكره أبو محمد عبد الملك بن هشام ~~(ره) في كتاب السيرة النبوية يرفعه بسنده عن ابن الأكوع قال: # بعث النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أبا بكر برايته وكانت بيضاء إلى ~~بعض حصون خيبر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد. # ثم بعث عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد. # فقال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «لأعطين الراية غدا رجلا ~~يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار». # يقول سلمة بن الأكوع فدعا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) عليا ~~وهو أرمد، فتفل في عينيه ثم قال: «خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله ~~عليك» فخرج بها يهرول وأنا خلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة ~~تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ فقال: أنا علي بن ~~أبي طالب فقال اليهودي: # علوتم وما أنزل على موسى أو كما قال، فما رجع حتى فتح الله على يديه. # وروى بسنده عن أبي رافع مولى رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قال: ~~خرجنا مع علي ((عليه السلام)) حين بعثه رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من ~~اليهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه ~~فلم يزل في يده وهو يقاتل، حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد ~~رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد حتى نقلب الباب فلم نقلبه. # وفي هذه بينة ظاهرة وحجة شاهدة بشدة بأسه وكمال قوته وشجاعته، فإن تناوله ~~الباب بيده وتترسه به من أول ms122 القتال إلى آخره يقاتل PageV01P153 # بيد ويترس بأخرى مع عجز ثمانية من رجال الصحابة عن قلبه لما ألقاه دليل ~~راجح وبرهان واضح. # فهذا قدر يسير من جهاده ومقاماته وطرف مختصر من تعداد مواقفه في غزواته، ~~وأمر صدر عنه بين يدي رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أيام حياته ~~وفرض قام به في قتال من كفر بالله (تعالى) وكذب بآياته، يستدل بالمذكور منه ~~على المعرض عنه ويقنع عما لم نشرع فيه بالمنطوق به، فالصنف شاهد للنوع ~~والنوع شاهد للجنس ودلالة الكوكب على المبدع (تعالى) استتبعت دلالة القمر ~~والشمس، وفي ذلك ما يقضي لناظره بثبات القلب وسكون النفس ويلبس عليه حلل ~~اليقين وينزع عنه ملابس اللبس. # ومن بعده فأردفه بذكر شيء من مواقفه التي زلزل فيها ببأسه ثوابت ~~الأقدام، ومقاماته التي دفعته إليها الأقدار في مقاتلة بغاة الإسلام وحروبه ~~التي أنذره بها رسول الله (صلى الله عليه أفضل الصلاة والسلام) من قتاله ~~الناكثين والقاسطين والمارقين الذين مرقوا من الدين مروق السهام، الحاكمة ~~له بشجاعته التي عزم جنانها في الهيجاء أثبت من ثبير ولطى حربها باخترام ~~النفوس يوم الكريهة أشد حرا من لهب السعير وسبق ضربها إلى إزهاق المهج كونه ~~من التقدير يمنع مسابقة التقدير ويكفي في ذلك ما ستقوم به البينة إن شاء ~~الله (تعالى) بذكر وقعة ليلة الهرير. # فمنها وقعة الجمل فإن المجتمعين لها رفضوا عليا ((عليه السلام)) ونقضوا ~~بيعته ونكثوا بعهده وغرروا به وخرجوا عليه وجمعوا الناس لقتاله، مستخفين ~~بعقد بيعته التي لزمهم فرض حكمها مسفين إلى إثارة فتنة عامة باءوا بإثمها، ~~لم ير إلا مقاتلتهم على إسراع نكثهم لبيعته ومقابلتهم على الاقلاع عن مكثهم ~~على الوفاء لله تعالى بطاعته. # وكان من الداخلين في البيعة والملتزمين بها ثم المحرضين ثانيا PageV01P154 # على نكثها ونقضها طلحة والزبير، فأخرجا عائشة وجمعا ممن استجاب لهما ~~وخرجوا إلى البصرة ونصبوا لعلي ((عليه السلام)) حبائل الغوائل وألبوا عليه ~~مطيعهم من الرامح والنابل مظهرين المطالبة بدم عثمان، مع علمهما في الباطن ~~أن عليا ((عليه السلام)) ليس بالقاتل، ms123 فلما رحل من المدينة طالبا إلى ~~البصرة وقرب منها كتب إلى طلحة والزبير يقول: # أما بعد، فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى ~~أكرهوني، وأنتما ممن أرادوا بيعتي وبايعوا ولم تبايعا لسلطان غالب ولا لغرض ~~حاضر، فإن كنتما بايعتما طائعين فتوبا إلى الله (عز وجل) مما أنتما عليه، ~~وإن كنتما بايعتما مكرهين فقد جعلتما السبيل عليكما بإظهاركما الطاعة ~~وكتمانكما المعصية، وأنت يا زبير فارس قريش وأنت يا طلحة شيخ المهاجرين، ~~ودفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد ~~إقراركما به، وأما قولكما انني قتلت عثمان بن عفان فبيني وبينكما من تخلف ~~عني وعنكما من أهل المدينة، ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل وهؤلاء بنو ~~عثمان إن قتل مظلوما كما تقولان أولياؤه، وأنتما رجلان من المهاجرين وقد ~~بايعتماني ونقضتما بيعتي وأخرجتما أمكما من بيتها الذي أمرها الله (تعالى) ~~أن تقر فيه والله حسبكما والسلام. # وكتب إلى عائشة: أما بعد فإنك خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين ~~أمرا كان عنك موضوعا، ثم تزعمين أنك تريدين الإصلاح بين الناس فخبريني ما ~~للنساء وقود العساكر! وزعمت أنك طالبة بدم عثمان، وعثمان رجل من بني أمية ~~وأنت امرأة من بني تيم بن مرة ولعمري ان الذي عرضك للبلاء وحملك على ~~المعصية لأعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان، وما غضبت حتى أغضبت ولا هجت حتى ~~هيجت فاتقي الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك وأسبلي عليك سترك والسلام. # فجاء الجواب إليه: يا بن أبي طالب جل الأمر عن العتاب ولن PageV01P155 # ندخل في طاعتك فاقض ما أنت قاض والسلام. # ثم تراءى الجمعان وقرب كل من الآخر ورأى علي ((عليه السلام)) تصميم القوم ~~على قتاله فجمع أصحابه ولم يترك منهم أحدا وخطبهم خطبة بليغة منها: # وأعلموا أيها الناس اني قد تأنيت هؤلاء القوم وراقبتهم وناشدتهم كيما ~~يرجعوا ويرتدعوا فلم يفعلوا ولم يستجيبوا، وقد بعثوا إلي أن ابرز إلى ~~الطعان واثبت للجلاد، وقد كنت وما أهدد بالحرب ولا ms124 ادعى إليها وقد انصف ~~القارة من رامها، ولعمري لئن أبرقوا وأرعدوا ورأوا نكايتي فأنا أبو الحسن ~~الذي فللت حدهم وفرقت جماعتهم، فبذلك القلب ألقى عدوي وأنا على بينة من ربي ~~لما وعدني من النصر والظفر، وإني لعلى غير شبهة من أمري، ألا وإن الموت لا ~~يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ومن لم يقتل يمت، وإن أفضل الموت القتل ~~والذي نفس علي بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش. # ثم رفع يده إلى السماء وهو يقول: اللهم إن طلحة بن عبيد الله أعطاني صفقة ~~يمينه طائعا ثم نكث بيعتي، اللهم فعاجله ولا تمهله اللهم وإن الزبير بن ~~العوام قطع قرابتي ونكث عهدي وظاهر عداوتي ونصب الحرب لي وهو يعلم أنه ~~ظالم، اللهم فاكفنيه كيف شئت وأنى شئت. ثم تقارب الناس للقتال وتعبأوا ~~للقاء متسلحين لابسين دروعهم متأهبين لذلك، هذا كله وعلي ((عليه السلام)) ~~بين الصفين عليه قميص ورداء وعلى رأسه عمامة سوداء وهو راكب على بغلة [رسول ~~الله الشهباء] فلما رأى أنه لم يبق إلا التصافح بالصفاح والتناطح بالرماح، ~~صاح بأعلى صوته: أين الزبير بن العوام؟ فليخرج إلي فقال الناس: يا أمير ~~المؤمنين أتخرج إلى الزبير وأنت حاسر وهو مدجج في الحديد؟ فقال علي ((عليه ~~السلام)): ليس علي منه بأس، ثم نادى الثانية: أين الزبير بن العوام فليخرج ~~إلي فخرج إليه الزبير ودنا منه حتى واقفه فقال له علي (عليه PageV01P156 # السلام): أبا عبد الله ما حملك على ما صنعت فقال الزبير: حملني على ذلك ~~الطلب بدم عثمان فقال له ((عليه السلام)): أنت وأصحابك قتلتموه فيجب عليك ~~أن تقيد من نفسك، ولكن أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل الفرقان ~~على نبيه محمد ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أما تذكر يوم قال لك رسول الله: ~~«يا زبير أتحب عليا» فقلت: وما يمنعني من حبه وهو ابن خالي فقال لك: «أما ~~أنت فستخرج عليه يوما وأنت ظالم؟» فقال الزبير: اللهم بلى قد كان ذلك فقال ~~علي: فأنشدك بالله ms125 الذي أنزل الفرقان على نبيه محمد ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) أما تذكر يوم جاء رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) من عند ابن ~~عوف وأنت معه وهو آخذ بيدك فاستقبلته أنا، فسلمت عليه فضحك في وجهي وضحكت ~~أنا إليه فقلت أنت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه أبدا فقال لك النبي ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)): «مهلا يا زبير فليس به زهو ولتخرجن عليه يوما وأنت ~~ظالم له» فقال الزبير: اللهم بلى ولكن أنسيت، فاما اذ ذكرتني ذلك لأنصرفن ~~عنك ولو ذكرت هذا لما خرجت عليك. # ثم رجع الزبير إلى عائشة فقالت: ما وراءك يا أبا عبد الله فقال الزبير: ~~ورائي انني ما وقفت موقفا قط ولا شهدت مشهدا في شرك ولا إسلام إلا ولي فيه ~~بصيرة وإني اليوم لعلى شك من أمري وما أكاد أبصر موضع قدمي، ثم شق الصفوف ~~وخرج من بينهم فنزل على قوم من بني تميم فقام إليه عمرو بن جرموز المجاشعي ~~وضيفه فلما نام قام إليه فقتله، فنفذت دعوة علي فيه في عاجلته. # وأما طلحة فجاء سهم وهو قائم للقتال من مروان فقتله ثم التحم القتال ~~واتصلت الحرب وكثر القتل والجرح. # ثم تقدم رجل من أصحاب الجمل يقال له عبد الله: فجعل يجول بين الصفوف وهو ~~يقول: اين أبو الحسن ويرتجز فخرج إليه علي (عليه PageV01P157 # السلام) وشد عليه بالسيف وضربه ضربة اسقط بها عاتقه فسقط قتيلا فوقف عليه ~~علي ((عليه السلام)) وقال: قد رأيت أبا الحسن فكيف وجدته. # ثم لم يزل القتل يؤجج ناره والجمل يفني أنصاره حتى خرج رجل مدجج في ~~السلاح يظهر بأسا ويروم مراسا ويعرض بعلي ((عليه السلام)) حتى قال: # اضربكم ولو أرى عليا %~% عممته أبيض مشرفيا # فخرج إليه علي ((عليه السلام)) متنكرا وحمل عليه فضربه ضربة على وجهه ~~فرمى بنصف قحف رأسه ثم انصرف، فسمع صائحا من ورائه فالتفت فرأى ابن خلف ~~الخزاعي من أصحاب الجمل فقال: هل لك يا علي في المبارزة فقال علي ((عليه ~~السلام)): ما أكره ms126 ذلك ولكن ويحك يا بن خلف ما راحتك في القتل وقد علمت من ~~أنا فقال له ابن خلف: ذرني يا بن أبي طالب من مدحك نفسك وادن مني لترى اينا ~~يقتل صاحبه، فثنى علي عنان فرسه اليه فبدره ابن خلف بضربة فأخذها علي ~~بجحفته ثم عطف عليه بضربة أطار بها يمينه، ثم ثنى بأخرى أطار بها قحف رأسه. # ثم استعرت الحرب حتى عقر الجمل فسقط وقد احمرت البيداء بالدماء وخذل ~~الجمل وحزبه وقامت النوادب بالبصرة على القتلى. # وكان عدة من قتل من جند الجمل ستة عشر ألفا وسبعمائة وتسعين إنسانا، وكان ~~جملتهم ثلاثين ألفا فأتى القتل على أكثر من نصفهم وقتل من أصحاب علي ((عليه ~~السلام)) الف رجل وسبعون رجلا، وكان عدتهم عشرين ألفا وفي مقابلة علي ~~((عليه السلام)) ثلاثين ألفا بعشرين، ومقاتلتهم حتى يقتل منهم أكثر من ~~نصفهم ولم يقتل من أصحابه غير عشرهم حجة واضحة تشهد بشجاعته وتسجل بشهامته. PageV01P158 # وإذا تأمل الناظر والبصير ونظر المتأمل الخبير فيما صدر من علي ((عليه ~~السلام)) من أقواله وأفعاله، علم علما لا يرتاب فيه أنه ((عليه السلام)) ~~يخوض لجج الحروب وينغمس في غمرات الموت ويصادم ظباء الصوارم، ويغمد مصلت ~~سيفه في لباب الكمات ونحور الأبطال ولا يحمل لذلك عبا ولا يبالي به. # ولما انقضت وقعة الجمل وندمت عائشة على ما كان ورحلت إلى المدينة، وسكنت ~~النائرة ورحل علي ((عليه السلام)) إلى الكوفة، قام إليه أبو بردة بن عوف ~~الازدي فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت القتلى الذين قتلوا حول الجمل بما ذا ~~قتلوا؟ فقال علي ((عليه السلام)): قتلوا بما قتلوا من شيعتي وعمالي بلا ذنب ~~كان منهم إليهم، ثم صرت إليهم وأمرتهم أن يدفعوا إلى قتلة أصحابي فأبوا علي ~~وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ودماء قريب من ألف رجل من أصحابي من المسلمين، ~~أفي شك أنت من ذلك يا أخا الأزد؟ فقال الآن استبان لي خطأهم وإنك أنت المحق ~~المصيب. # ومنها حرب صفين المشتملة على وقائع يضطرب لها فؤاد الجليد ويشيب لها فود ~~الوليد، ms127 ويجب منها قلب البطل الصنديد، ويذهب عناد المريد وتمرد العنيد، ~~فإنها أسفرت عن نفوس آساد مختطفة بالصوارم ورءوس أجلاد مقتطفة باللهاذ ~~وأزواج أكفاء مرهقة بالملاحم، وأشباح أشلاء ممزقة بالتصادم، وألوف من ~~الباسطين مكلومة الجوارح مذمومة العزائم، وأنوف من القاسطين مرغمة الموازن ~~مشهومة بأيدي بني هاشم، قد سقت برادها عطاش الوهاد مياه الطلا وشقت بهداها ~~أكنة الأكباد والكلى، وقرت بقتلاها كواسر جو الفلا وأقرت لملاها علي أن سهم ~~بأسه في مواقفها قد علا فأحرز فصل العلا، وأنه اقتحم لججها وفثم ثبجها وقوم ~~عوجها واضرم بشبا مرهفه نارها وأججها وحكم في عصابة القاسطين بسيفه فازهق ~~مهجها وانتقم ببأسه فلم يحم أن انتزع أرواحها فأخرجها فصارت شجعانها ~~تتحاماه إذا بدر وفرسانها تخشاه إذا زأر موقنة أنه ((عليه السلام)) ما ضرب ~~إلا بتر PageV01P159 # ولا اقترب إلا بتر ولا رقب إلا بقر ولا حرب إلا نحر ولا ثرب إلا بثر ولا ~~صافح زج رمحه مهجة إلا فارقت جسدها، ولا كافح كتيبة إلا افترس ثعلبة أسدها ~~وهذا حكم اتصف به بطريق الاجمال وثبت له بعموم الاستدلال، ولا بد من التقيض ~~على بعض مواقفه في القتال والتخصيص بذكر وقائعه في النزال إذا سمعت نزال، ~~فبذلك يصير الاجمال تفصيلا فيأمن من تطرق الاشكال وينقلب دليلا سالما عن ~~خلل الاعتراض والسؤال ولكثرة مواقفه يقع الاقتصار على يسيرها، وكأي حادثة ~~يستغني في ثبوتها عن طويلها بقصيرها. # فمنها أن في بعض وقائع صفين وقد تحركت الخيل للنزال والرجال للقتال خرج ~~من عسكر معاوية فارس مشهود له في أهل الشام يقال له المخراق بن عبد الرحمن، ~~فوقف بين الصفين وسأل المبارزة فخرج إليه من أهل العراق إنسان يقال له ~~المؤمل بن عبيد المرادي فتضاربا بأسيافهما فقتله الشامي ونزل فحز رأسه وحك ~~وجهه بالأرض وكب الرأس على وجهه، فخرج إليه فتى من الأزد يقال له مسلم بن ~~عبد ربه فقتله الشامي ونزل وحز رأسه وحك وجهه بالأرض وكب الرأس على وجهه، ~~فلما رأى علي ((عليه السلام)) ذلك تنكر والشامي واقف بين الصفين يطلب ms128 ~~المبارزة، فخرج إليه والشامي لا يعرفه فبدره علي ((عليه السلام)) بضربة على ~~عاتقه فرمى بشقه فسقط فنزل فاحتز رأسه وقلب وجهه إلى السماء ثم ركب ونادى ~~هل من مبارز فخرج إليه آخر من فرسان الشام فضربه فقتله ونزل فاحتز رأسه ~~وجعل وجهه إلى السماء ثم ركب ونادى: هل من مبارز فلم يزل يخرج إليه فارس ~~بعد فارس وهو يفعل بهم كالأول إلى أن قتل سبعة فأحجم الناس عنه ولم يعرفوه. ~~وكان لمعاوية عبد يسمى حربا وهو فارس بطل فقال له معاوية: يا حرب أخرج إلى ~~هذا الفارس فاكفني أمره فإنه قد قتل من أصحابي ما قد رأيت فقال له [حرب]: ~~إني والله أرى مقام فارس لو نزل إليه أهل عسكرك لأفناهم عن آخرهم فإن شئت ~~برزت إليه واعلم أنه قاتلي، وإن PageV01P160 # شئت فاستبقني لغيره، فقال معاوية: لا والله ما أحب أن تقتل فقف مكانك حتى ~~يخرج إليه غيرك. وجعل علي ((عليه السلام)) يناديهم ولا يخرج اليه أحد فرفع ~~المغفر عن رأسه ورجع إلى عسكره فخرج رجل من أبطال عسكر الشام يقال له كريب ~~بن الصباح، فوقف بين الصفين وسأل المبارزة فخرج إليه من عسكر العراق فارس ~~يقال له المبرقع الخولاني فقتله الشامي ثم خرج إليه الحارث الحكمي فقتله ~~أيضا، فنظر علي ((عليه السلام)) إلى مقام فارس بطل فخرج إليه بنفسه فوقف ~~قبالته، ثم قال له: من أنت قال: أنا كريب بن الصباح الحميري فقال له: ويحك ~~يا كريب، إني أحذرك الله في نفسك وأدعوك إلى كتابه وسنة نبيه محمد ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) فقال له كريب: من أنت قال: أنا علي بن أبي طالب، ~~فالله الله في نفسك فاني أراك فارسا بطلا فيكون لك ما لنا وعليك ما علينا ~~وتصون نفسك عن عذاب الله ولا يدخلنك معاوية نار جهنم، فقال كريب: ادن مني ~~إن شئت وجعل يلوح بسيفه فمشى إليه علي ((عليه السلام)) والتقيا بضربتين، ~~فبدره علي فقتله فخرج إليه الحارث الحميري فحمل علي عليه فقتله، فخرج إليه ~~آخر ms129 فقتله [هكذا] حتى قتل أربعة وهو يقول: @QUR@025 الشهر الحرام بالشهر ~~الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ~~واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين . # ثم صاح علي ((عليه السلام)): يا معاوية هلم إلى مبارزتي ولا تفتنن العرب ~~بيننا فقال معاوية: لا حاجة لي في مبارزتك فقد قتلت أربعة من سباع العرب ~~فحسبك، فصاح رجل من أصحاب معاوية يقال له عروة بن داود، فقال: يا بن أبي ~~طالب إن كان معاوية قد كره مبارزتك فهلم إلى مبارزتي، فذهب علي نحوه فبدره ~~عروة بضربة فلم تعمل شيئا وضربه علي فأسقطه قتيلا ثم قال: انطلق إلى النار، ~~وكبر على أهل الشام قتل عروة فجاء الليل وحجز بين الفريقين. # فهذه مع اختصارها ملخص مما ذكره أهل الفتوح في وقائع PageV01P161 # صفين وفيها بينة ظاهرة وحجة بالغة. # ومنها في بعض أيامها وقد تقاتل الجيشان وعمرو بن العاص في جيش أهل الشام ~~فتبعه عمرو مرتجزا: # يا قادة الكوفة من أهل الفتن %~% اضربكم ولا أرى أبا الحسن # فرجع ((عليه السلام)) وهو يقول: # أبو حسين فاعلمن والحسن %~% جاءك يقتاد العنان والرسن # فعرفه عمرو فولى راكضا فلحقه علي فطعنه طعنة وقع الرمح في فضول درعه فسقط ~~إلى الأرض، وخشي أن يقتله علي فرفع رجليه فبدت سوأته فصرف علي وجهه وانصرف ~~إلى عسكره. # وأقبل عمرو إلى معاوية فجعل معاوية يضحك من عمرو فقال له عمرو: مم تضحك ~~والله لو بدا لعلي من صفحتك ما بدا له من صفحتي إذا لأوجع قذالك وأيتم ~~عيالك وأنهب مالك، فقال له معاوية: لو كنت تحتمل مزاحا مازحتك، فقال عمرو: ~~ما أحملني للمزاح ولكن إن كان رجلا لقي رجلا فصد عنه ولم يقتله أقطرت ~~السماء دما؟ فقال معاوية: لا ولكنها تعقب فضيحة الأبد وجبنا، أما والله لو ~~عرفته ما أقدمت عليه. # وكان من فرسان معاوية فارس مشهور مشهود له بالشجاعة يقال له بسر بن ~~ارطاة، فلما سمع أن عليا ((عليه السلام)) يطلب مبارزة معاوية ومعاوية يتمنع ~~ولا يعرض نفسه لها قال: ms130 قد عزمت على مبارزة علي ((عليه السلام)) فلعلي ~~اقتله فاذهب بشهرته في العرب إلى آخر الدهر وشاور غلاما له يقال له لاحق ~~فقال له لاحق: إن كنت واثقا من نفسك فافعل وإلا فلا تبرز إليه فإنه والله ~~الشجاع المطرق: # فانت له يا بسم إن كنت مثله %~% وإلا فإن الليث للضبع آكل # متى تلقاه فالموت في رأس رمحه %~% وفي سيفه شغل لنفسك شاغل # فقال بسر: ويحك هل هو إلا الموت ولا بد من لقاء الله على كل PageV01P162 # الأحوال إما بموت أو قتل. ثم خرج بسر بن ارطاة إلى علي وهو ساكت بحيث لا ~~يعرفه علي لحالة كانت صدرت منه فلما نظر إليه علي حمل عليه فسقط بسر عن ~~فرسه على قفاه فرفع رجليه فانكشفت عورته فصرف علي ((عليه السلام)) وجهه عنه ~~ووثب بسر قائما، فسقط المغفر عن رأسه فصاح أصحاب علي ((عليه السلام)): يا ~~أمير المؤمنين إنه بسر ابن ارطاة فقال علي ((عليه السلام)): ذروه فعليه ~~لعنة الله، فجعل معاوية يضحك من بسر وقال له: ما عليك ولا تستحي فقد نزل ~~بعمرو مثلها. # فصاح فتى من أهل الكوفة: ويلكم يا أهل الشام أما تستحون لقد علمكم عمرو ~~بن العاص في الحروب كشف الأستار: # أفي كل عام فارس ذو كريمة %~% له عورة وسط العجاجة بادية # يكف لها عنه علي سنانه %~% ويضحك منها في الخلاء معاوية # فقولا لعمرو وابن ارطاة ابصرا %~% سبيلكما لا تلقيا الليث ثانية # فلا تحمدا إلا الحيا وخصاكما %~% هما كانتا والله للنفس واقية # فلولاهما لم تنجوا من سنانه %~% وتلك بما فيها عن العود ناهية # فكان بسر بن ارطاة يضحك من عمرو فصار عمرو يضحك منه وتحامى أهل الشام ~~عليا وخافوه خوفا شديدا، وكان لعثمان مولى يقال له أحمر فخرج ووقف يطلب ~~المبارزة فخرج إليه مولى لعلي ((عليه السلام)) يقال له كيسان فحمل عليه ~~مولى عثمان فطعنه فقتله فقال علي: # قتلني الله إن لم اقتلك، ثم حمل علي عليه فاستقبله بالسيف وهو لا يعرفه ~~فضربه فاتقاه علي بجحفته، ثم مد علي ms131 يده إليه فقبض على ثوبه ثم رفعه عن ~~فرسه وضرب به الأرض فكسر منكبه واضلاعه ثم رجع. # وكان لمعاوية عبد يقال له حريث وكان فارسا بطلا، فحذره معاوية من التعرض ~~لعلي، فلما خرج حريث إلى الحرب تنكر له علي ((عليه السلام)) وخرج إليه وقال ~~له عمرو بن العاص لا يفوتك هذا الفارس وقد عرف عمرو أنه علي، فحمل حريث على ~~علي فداخله علي فضربه PageV01P163 # ضربة أطار بها قحف رأسه، فسقط حريث قتيلا وعلم معاوية بذلك فاغتم على ~~حريث غما شديدا ثم قال لعمرو: أنت قتلت حريثا فإنك غررته. # ومنها في بعض مصافاتها خرج العباس بن ربيعة بن الحرث الهاشمي فأبلى وخرج ~~إليه من أصحاب معاوية فارس معروف يقال له عزاز بن أدهم فقال: يا عباس هل لك ~~في البراز؟ فقال له العباس: هل لك في النزول فإنه آيس من القفول فقال: نعم، ~~فرمى بنفسه عن فرسه وسلم فرسه إلى غلام له فأخذه ورمى عزاز بن أدهم بنفسه ~~عن فرسه ثم تلاقيا وكف أهل الجيشين أعنة خيولهم ينظرون إلى الرجلين، ثم ~~تضاربا بسيفيهما فما قدر أحدهما على صاحبه لكمال لأمته، وعلي ((عليه ~~السلام)) يراهما ونظر العباس إلى وهن في درع الشامي فضربه العباس على ذلك ~~فقده باثنين فكبر جيش علي ((عليه السلام)) وجيش معاوية ثم عطف العباس فركب ~~فرسه فقال معاوية لأصحابه: من خرج منكم إلى هذا فقتله فله عندي من المال ~~كذا وكذا، فوثب رجلان من بني لخم من اليمن فقالا: نحن نخرج إليه فقال: ~~أخرجا فأيكما سبق إلى قتله فله من المال ما بذلت له وللآخر مثل ذلك، فخرجا ~~جميعا ووقفا في مقر المبارزة ثم صاحا بالعباس ودعواه فقال: استأذن صاحبي ~~وأبرز إليكما وجاء إلى علي ليستأذنه فقال له علي ((عليه السلام)): ادن مني ~~فلما دنا منه أخذ سلاحه وأخذ فرسه وخلع على لباسه ولبس سلاح العباس وما كان ~~عليه وركب فرس العباس وخرج إلى بين الصفين كأنه العباس فقال له اللخميان: ~~استأذنت فاذن لك مولاك فتحرج علي من ms132 الكذب فقرأ: @QUR@011 أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير فتقدم إليه أحد الرجلين ~~فالتقيا بضربتين فضربه علي على مراق بطنه فقطعه باثنتين، فظن الناس بأنه ~~أخطأه فلما تحرك الفرس سقط الرجل قطعتين وعاد فرسه وصار إلى عسكر علي ~~((عليه السلام)) فتقدم الآخر فضربه علي فألحقه بصاحبه. PageV01P164 # ثم جال علي جولة ثم رجع إلى موضعه وعلم معاوية أنه علي فقال: قبح الله ~~اللجاج إنه لقعود ما ركبته إلا خذلت فقال عمرو بن العاص: المخذول والله ~~اللخميان لا أنت فقال له معاوية: اسكت ايها الإنسان ليس هذه الساعة من ~~ساعاتك، قال عمرو: فإن لم تكن من ساعاتي فرحم الله اللخميين ولا اظنه يفعل. # ومنها ليلة الهرير التي خاضت فيها ذكور لها ذمها وخرصانها بأيدي فرسانها، ~~وصدرت بحمرة بهرامها بعد ورودها بروقه كيوانها واتصلت بها مصافحة الصفاح ~~لصفحات رءوسها وأبدانها واتخذت لها الصوارم واللهازم من الطلا والكلى ~~أبدالا من اجفانها، فيا لها ليلة سما قتامها فكفر كواكبها ونما ظلامها فستر ~~مناكبها حتى خشعت لها الأصوات فلا يسمع إلا زئير وتضارب وهرير وتحارب وزجر ~~وتقاضب وهبر وتواثب وتبر وتقاضب وكر وتغالب ووكز وتسالب ورجز وتجاذب وبز ~~وتساحب وحز وتشاحب وصلصلة تبعث صهيلا، وغلغلة تورث غليلا وهمهمة تحدث دخولا ~~وغمغمة تطمث فحولا، قد تحطمت رماحها وتثلمت صفاحها واخترمت رواحها وتواصل ~~غدوها ورواحها. فالناس فيها يتلاطمون تلاطم السيول والأمواج ويتصادمون ~~تصادم الفحول عند الهياج، لا يمتاز المحق من المبطل لتراكم ظلام الليل ~~الداج وتفاقم قتام نقع العجاج حتى أسفر صباحها وهم بين مجد مشيح ومجدل طريح ~~ومخذول جريح ومقتول نطيح. # هذا وعلي ((عليه السلام)) فيها كالهزبر الهصور والنمر الجسور لا يعترضه ~~في ادحاض الباطل توهم فتور ولا قصور يختطف نفوسا ويقتطف رءوسا، ويسقي ~~القاسطين من صاب المصائب كئوسا بحربه القاصم وضربه القاصم وسيفه الحاسم ~~ورمحه الناظم، كلما قصد فارسا أعدمه وألقمه رغاما وكلما أردى قتيلا أعلن ~~بالتكبير أعلاما فأحصيت تكبيراته المؤذنة بعدد من قتله، وحصرت لاستعلام عدة ~~من جدله فكانت خمسمائة وثلاثا وعشرين ms133 قتيلا، فما تحلى بهذه المزايا والخلال ولا PageV01P165 # أبلى بلاءه المذكور في النزال ولا صدرت منه هذه الأفعال إلا عن شجاعة تذل ~~لها الابطال وتقل لديها الأهوال، ولا تقوم بوصفها الاقوام والأقوال ولا ~~يحتاج في تحقيقها أن يثبتها الاستدلال وعلى الجملة والتفصيل فمقام شجاعته ~~لا ينال وما ذا بعد الحق إلا الضلال. # ولما أسفر صبح ليلة الهرير عن ضيائه وحسر الليل جنح ظلمائه كانت القتلى ~~من الفريقين ستة وثلاثين ألف قتيل، هكذا نقله مصنف فتوح الشام ومؤرخ ~~الوقائع التي نقلتها ألسنة الاقلام فهي في الرواية منسوبة إليه والعهدة ~~فيها عند تتبعها عليه، وهذه الوقائع المذكورة مع أهوالها الصعاب وصيالها ~~المصلى لدى الطعان والضراب هي بالنسبة إلى وقائع صفين كالقطرة من السحاب ~~والشذرة من السخاب. # ومنها قتال الخوارج الذين قاموا على سوق مخالفة الملة الإسلامية، وشاموا ~~بروق جهلهم من مطالع الجاهلية طلبا للحمية واتفقوا على اتباع أهواء نفوسهم ~~الأمارة وقلوبهم العمية ومرقوا بذلك من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ~~فسدد إليهم علي ((عليه السلام)) سهام الانتقام بأيدي نظراته الإمامية وجرد ~~لهم صوارم الاصطلام بمرهفات عزائمه الهاشمية، وحصد رءوسهم وأخمد نفوسهم ~~بشبا شفار شنشنته الأخزمية، ولا يظهر حقيقة ما ابتدعوه من حالهم وما اتبعوه ~~من استباحتهم واستحلالهم إلا بتفصيل أقوالهم وأعمالهم، وما اعتمدوه في ~~تعليل انفصالهم عن الطاعة وجدالهم. # وها أنا الآن اشرح قصتهم مختصرة واختصرها مشروحة بحيث يعقلها من تلاها، ~~ويستوي في معرفتها من سمعها ومن أملاها وهو أن عليا ((عليه السلام)) لما ~~عاد من صفين إلى الكوفة بعد الذي جرى من أمر الحكمين أقام ينتظر انقضاء ~~المدة التي كانت بينه وبين معاوية ليرجع إلى المقاتلة والمحاربة، إذ تحركت ~~طائفة من خواص أصحابه في أربعة آلاف فارس وهم العباد والنساك فخرجوا من ~~الكوفة وخالفوا على PageV01P166 # علي ((عليه السلام)) وقالوا: لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله ~~وانحاز إليهم نيف على ثمانية آلاف رجل ممن يرى رأيهم فصاروا في اثني عشر ~~ألفا وساروا حتى نزلوا بحروراء، وأمروا عليهم عبد الله ms134 بن الكوا. فدعا علي ~~((عليه السلام)) عبد الله بن العباس ((رضي الله عنهما)) وأرسله إليهم لينظر ~~أمرهم ويسمع كلامهم، فأقبل إليهم وقال لهم وأطال فلم يرتدعوا وقالوا: ليخرج ~~إلينا علي بنفسه لنسمع كلامه حتى يزول ما بقلوبنا إذا سمعناه، فرجع ابن ~~عباس فأعلمه بذلك فركب علي ((عليه السلام)) في جماعة ومضى إليهم فلما بلغ ~~إليهم ركب ابن الكوافي جماعة منهم وواقفه فقال له علي ((عليه السلام)): يا ~~ابن الكوا إن الكلام كثير فابرز إلي من أصحابك لأكلمك، قال ابن الكوا: وأنا ~~آمن من سيفك؟ قال نعم، فخرج ابن الكوا إليه في عشرة من أصحابه ودنا منه ~~فقال له علي ((عليه السلام)) عن الحرب مع معاوية وذكر له رفع المصاحف على ~~الرماح، وأمر الحكمين وقال: ألم أقل لكم في ذلك اليوم إن أهل الشام ~~يخدعونكم بها، فإن الحرب قد عظتهم فذروني أناجزهم فأبيتم؟ ألم أرد أن ابعث ~~ابن عمي عبد الله بن العباس ليكون لي حكما فإنه رجل لا يخدع، فأبيتم ~~وجئتموني بأبي موسى وقلتم قد رضيناه فأجبتكم وأنا كاره ولو وجدت أعوانا ~~غيركم في ذلك الوقت لما أجبتكم، ثم شرطت على الحكمين بحضوركم أن يحكما بما ~~أنزل الله من فاتحته إلى خاتمته والسنة الجامعة وإنهما إن لم يفعلا فلا ~~طاعة لهما علي، كان ذلك أو لم يكن؟. # قال ابن الكوا: صدقت قد كان هذا كله فلم لا ترجع الآن إلى حرب القوم؟ ~~فقال علي ((عليه السلام)): حتى تنقضي المدة التي بيننا وبينهم، قال ابن ~~الكوا: وأنت مجمع على ذلك قال: نعم ولا يسعني غيره فعند ذلك ضرب ابن الكوا ~~بطن فرسه وصار إلى علي هو والعشرة التي معه ورجعوا عن دين الخوارج وانصرفوا ~~مع علي إلى الكوفة وتفرق الباقون وهم يقولون لا حكم إلا لله. PageV01P167 # ثم إنهم أمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي ~~المعروف بالثدية فقصدوا وعسكروا بالنهروان فخرج علي ((عليه السلام)) ~~بأصحابه حتى نزل على فرسخين من النهروان ثم راسلهم وكاتبهم فلم يرتدعوا، ~~فأركب ms135 إليهم ابن عباس وقال: سلهم ما الذي نقموا من أمير المؤمنين، فقالوا: ~~نقمنا منه أشياء لو كان حاضرا لكفرناه بها، وعلي وراءه يسمع ذلك فقال له ~~ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنك قد سمعت كلامه وأنت أحق بالجواب. # فتقدم علي ((عليه السلام)) حتى واجه القوم وقال: أيها الناس أنا علي بن ~~أبي طالب فتكلموا بما نقمتم به علي، فقالوا: نقمنا عليك أولا أنا قاتلنا ~~بين يديك بالبصرة فلما أظفرك الله بهم ابحتنا ما كان في عسكرهم ومنعتنا ~~النساء والذرية فكيف تستحل ما كان في العسكر ولا تستحل النساء والذرية. # فقال لهم ((عليه السلام)): يا هؤلاء إن أهل البصرة قاتلونا وبدءونا ~~بالقتال فلما ظفرتم اقتسمتم سلب من قاتلكم، ومنعتكم من النساء والذرية فإن ~~النساء لم يقاتلن والذرية ولدوا على الفطرة ولم ينكثوا ولا ذنب لهم، وقد ~~رأيت رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) من على المشركين، فلا تعجبوا ~~أن مننت على المسلمين فلم اسب نساءهم ولا ذريتهم. # وقالوا: ونقمنا عليك يوم صفين وقت الكتاب إنك قلت لكاتبك أكتب؛ هذا ما ~~تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) ومعاوية بن أبي ~~سفيان فأبي معاوية أن يقبل إنك أمير المؤمنين فمحوت اسمك من امرة المؤمنين ~~وقلت للكاتب أكتب؛ هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي ~~سفيان، فإن لم تكن أمير المؤمنين فنحن المؤمنون فلست أميرنا، فقال: يا ~~هؤلاء أنا كنت كاتب رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يوم الحديبية ~~فقال لي النبي PageV01P168 # ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أكتب؛ هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله ~~وسهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو علمنا أنك رسول الله لما صددناك ولا قاتلناك ~~فأمرني رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فمحوت اسمه من الكتاب وكتب؛ ~~هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله. وإنما محوت اسمي من إمرة المؤمنين كما ~~محا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) اسمه من الرسالة وكانت لي به اسوة. # قالوا: فإنا ms136 نقمنا عليك أنك قلت للحكمين انظرا في كتاب الله فإن كنت أفضل ~~من معاوية فاثبتاني في الخلافة وإن كان معاوية أفضل مني فاثبتاه في ~~الخلافة، فإن كنت شاكا في نفسك أنك أفضل من معاوية فنحن فيك أعظم شكا، فقال ~~لهم علي ((عليه السلام)): إنما أردت بذلك النصفة لمعاوية فإني لو قلت ~~للحكمين احكما لي وذرا معاوية كان لا يرضى بذلك، والنبي ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) لو قال لنصارى نجران لما قدموا عليه: تعالوا حتى ابتهل واجعل ~~لعنة الله عليكم، كانوا لا يرضون بذلك ولكن أنصفهم من نفسه فقال كما أمره ~~الله (تعالى) به: # @QUR@020 تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ~~ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين فأنصفهم من نفسه فكذا انصفت من ~~نفسي ولم أعلم بما أراد عمرو بن العاص من خديعة أبي موسى. # قالوا: فإنا نقمنا عليك أنك حكمت حكما في حق هو لك فقال: # إن رسول الله حكم سعد بن معاذ في بني قريضة ولو شاء لم يفعل فحكم فيهم ~~سعد بما علمتم، وإنما أقمت حكما كما أقام رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) فهل عندكم شيء غير هذا تحتجون به علي. # فسكت القوم ثم صاح جماعة منهم من كل ناحية: التوبة التوبة يا أمير ~~المؤمنين، واستأمن منهم ثمانية آلاف وبقى على حربه أربعة آلاف فأقبل علي ~~((عليه السلام)) على هؤلاء الذين استأمنوا إليه وقال: اعتزلوا في وقتكم هذا ~~عني وذروني والقوم فاعتزل أولئك عنه. PageV01P169 # وتقدم علي ((عليه السلام)) في أصحابه حتى دنا منهم وتقدم عبد الله بن وهب ~~وتقدم ذو الثدية حرقوص وصاح بصوته وقال: ما نريد بقتالنا إياك إلا وجه الله ~~والدار الآخرة فقال علي ((عليه السلام)) @QUR@016 هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . # ثم التحم القتال بين الفريقين إلى أن اشتد الضرب بينهم فوق الأعناق وامتد ~~أعمال الصعدات الدقاق والمرهفات الرقاق. # وحامت نفوس المارقين على الحمام %~% فشربت منه بالكاس الدهاق # وشامت الأبطال برق ms137 الوغى %~% وقامت الحرب بهم على ساق # وصافحتهم بصفاح الردى %~% وما لهم واق بقي ولا راق # وكان كل بشبا سيفه %~% وقد نضاه لاعب منخراق # واستعرت الحرب بينهم بلظاها واسفرت عن زرقه صبحها وحمرة ضحاها، فتجادلوا ~~وتجالدوا بألسنة رماحها وحداد ظباها. # وقد تقدم من أبطال الخوارج فارس يقال له الأخنس بن العيزار الطائي، وهو ~~ممن شهد صفين وقاتل فيها فحمل وشق الصفوف وقصد عليا ((عليه السلام)) فبدره ~~علي بضربة فقتله، فحمل ذو الثدية على علي ليضربه فسبقه علي ((عليه السلام)) ~~فضربه ضربة فلق بها البيضة من على رأسه وفلق رأسه، فحمل به فرسه وهو لما به ~~من الضربة حتى رمى به في آخر المعركة على شط النهروان في جوف دالية خربة. # وخرج من بعده ابن عم له يقال له مالك بن الوضاح وحمل على علي ((عليه ~~السلام)) فضربه ضربة فقتله، وتقدم عبد الله بن وهب الراسبي ثم صاح: يا بن ~~ابي طالب والله لا تبرح هذه المعركة أو تأتي على أنفسنا أو نأتي على نفسك، ~~فابرز إلي وأبرز إليك وذر الناس جانبا فلما سمع علي كلامه تبسم وقال له: ~~قاتله الله ما اقل حياؤه أما أنه ليعلم PageV01P170 # أني حليف السيف وخدين الرمح، ولكنه قد آيس من الحياة أو أنه ليطمع طمعا ~~كاذبا ثم حمل على علي ((عليه السلام)) فحمل عليه علي ((عليه السلام)) وضربه ~~ضربة قتله والحقه بأصحابه القتلى، واختلط القوم فلم يكن إلا ساعة حتى قتلوا ~~بأجمعهم وقد كانوا أربعة آلاف فما أفلت منهم إلا تسعة أنفس، رجلان هربا إلى ~~ارض خراسان إلى أرض سجستان فيها نسلهما إلى الآن، ورجلان صارا إلى عمان ~~فيها نسلهما إلى الآن، ورجلان صارا إلى اليمن فيها نسلهما إلى الآن، وهم ~~الذين يقال لهم الإباضية، ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يسمى السن ~~والبوازيج، وإلى شاطئ الفرات وصار رجل إلى تل يقال له تل موزن. وغنم اصحاب ~~علي ((عليه السلام)) منهم غنائم كثيرة وقتل من أصحاب علي ((عليه السلام)) ~~قيل رجلان وقيل تسعة بعدة من ms138 سلم من الخوارج المارقين، وهي من جملة كرامات ~~علي ((عليه السلام)) فإنه قال نقتلهم ولا يقتل منا عشرة ولا يسلم منهم عشرة ~~وسيأتي ذلك إن شاء الله مفصلا في فصل كراماته. # فلما قتل بعضهم على بعض ولم يبق منهم سوى التسعة المنهزمين، فقال علي ~~((عليه السلام)): التمسوا المخدج فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي ((عليه ~~السلام)) بنفسه حتى أتى ناسا وقد قتل بعضهم على بعض قال: أخروهم فوجده مما ~~يلي الأرض فكبر علي ((عليه السلام)) ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله وقد تقدم ~~القول في ذلك. # قال أبو الوضى: فكاني انظر إليه حبشي عليه قريطق احدى ثدييه مثل ثدي ~~المرأة عليها شعرات مثل شعرات ذنب اليربوع. # وهذا أبو الوضى هو عباد بن نسيب القيسي تابعي يروي هذا القول عنه أبو ~~داود في مسنده. # فهذا تلخيص مواقفه ((عليه السلام)) في منازلة الطوائف المتبعة تضليل ~~أهوائها، ومقابلة الناكثين والقاسطين والمارقين بقيامه في مقاتلتها PageV01P171 # بأعيانها، وذكر كيفية قذفه بحقه لإزهاق باطلها وكف غلوائها وإرهاق عصبها ~~صعود بوارق قاض عليها بشقائها. # وقد تضمن هذا الفصل من وقائعه المذكورة ومواقفه المأثورة ما فيه غنية ~~كافية وكفاية مغنية، فإنه قد ملك عصم الشجاعة وإنه أكفأ أكفائها ومن تأمل ~~إقدامه ((عليه السلام)) في مأزق وقائعه ومضائق مواقفه ومعارك كره على ~~الأبطال وهجومه على الأقران وافتراس نفوس أخصامه، قاطعا بحسامه رقاب الهام ~~ومفلقا بشباه مفارق الرءوس وقادا بحده أوساط المارقين، وشاهد غلظته على ~~أعداء الله واستئصال شأفتهم وتفصيل أوصالهم وتفريق جموعهم وتمزيقهم كل ~~ممزق، غير ثان عن عزمه وأعمال بطشه عن الاقدام على الصفوف المرصوصة ~~والكتائب المرصوفة والكراديس المصفوفة، مبددا شمل اجتماعها مشمرا عن ساق ~~شجاعته لها موغلا في غمرات القتال مولعا صارمه في دماء الطلا والاحشاء، ~~تحقق واستيقن ان هجيراه مكابدة الحروب وإدارة رحاها، وأنه إليه في جميع ~~الأحوال مردها ومنتهاها وأنه فيها قدوة شيخها وكهلها وفتاها، وعلم علما لا ~~يعترضه شك أن الله (عز وجل) قد آتاه خصائص تكاد توصف بالتضاد وحلاه بلطائف ~~تجمع أشتات التعاند، اذ ms139 هذه الشدة والبطش والغلظة والبأس والقد والقط وشق ~~الهام وخفة الاقدام وتذليل الجحاجح، وإذلال الكماة والزاق معاطسها الآبية ~~بالرغام من خشوعه وخضوعه راغبا وراهبا، وتدرعه من الزهادة والعبادة بسربال ~~سابغ ورداء سابل، واتصافه ((عليه السلام)) برقة قلب وهموع طرف وانسكاب دمع ~~وتأوه حزين [وإخبات] منيب، وشظف عيشه وجشب غذائه، وتقلل قوت وخشونة لباس ~~وتطليق الدنيا وزهرتها ومواصلة الأوراد واستغراق الأوقات بها، والإشفاق على ~~الضعيف والرحمة للمسكين والتحلي بخلال خير لا تتأتى إلا لمنقطع في كن جبل ~~لا يصحب إنسا، ولا يسمع من البشر حسا مع المبالغة في معاتبة نفسه على ~~التقصير في الطاعة وهو مطيل في العبادة. PageV01P172 # هذا إلى فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه وكلامه المتين في الزهد والحث على ~~الاعراض عن الدنيا ومبالغته في مواعظه الزاجرة وزواجره الواعظة وتذكيره ~~القلوب الغافلة وإيقاظه الهمم الراقدة، مطلقا في إيراد أنواع ذلك لسانا لا ~~يفل عضبه ولا يكل حده ولا يسأم سامعه جنا حكمه ولا ألفاظ بدائعه، ولا يمل ~~عند إطالته وإسهابه لاستحلائه واستعذابه، بل يفتح لاصغائه إليه مقفل أبوابه ~~ويرفع له مسبل حجابه [من] البحر الطويل: # صفات أمير المؤمنين من اقتفى %~% مدارجها اقنته ثوب ثوابه # صفات جلال ما اغتذى بلبانها %~% سواه ولا حلت بغير جنابه # تفوقها طفلا وكهلا فأينعت %~% معاني المعالي فهي مثل إهابه # مناقب من قامت به شهدت له %~% بإزلافه من ربه واقترابه # مناقب لطف الله أنزلها له %~% وشرف ذكراه لها في كتابه ### | الفصل التاسع: في كراماته: # اعلم أكرمك الله بالهداية إليه ان الكرامة عبارة عن حالة تصدر مدة ~~التكليف خارقة للعادة لا يؤمر بإظهارها. # وبهذا القيد يذهب الفرق بينها وبين المعجزة، فإن المعجزة مأمور بإظهارها ~~لكونها دليلا على صدق النبي في دعواه النبوة، فالمعجزة مختصة بالنبي لازمه ~~له، إذ لا بد في النبوة من المعجزة، فلا نبي إلا وله معجزة. # والكرامة مختصة بالولي إكراما له، لكن ليست لازمة له إذ توجد الولاية من ~~غير كرامة، فكم من ولي لم يصدر له شيء من الخوارق. # إذا عرفت هذه المقدمة، فقد كان ms140 علي ((عليه السلام)) من أولياء الله ~~(تعالى)، وقد تقدم ذلك. # وكان له ((عليه السلام)) كرامات صدرت خارقة للعادة أكرمه الله PageV01P173 # (تعالى) بها منها: أن الله (عز وعلا) أطلعه على قتال الخوارج المارقين ~~على مستقبل أمرهم فأخبر به قبل وقوعه فخرق به العادة وكان كرامة له. # وذلك أن الخوارج لما اجتمعوا واجمعوا على قتاله وكانوا أربعة آلاف على ما ~~سبق بيانه، فبينا علي ((عليه السلام)) جالس إذ رأى فارسا مقبلا من ناحية ~~النهروان يركض على فرس له، فصاح به علي: إلي، إلي، فجاء إليه فقال له علي: ~~ما وراءك؟ فقال إن القوم لما علموا أنك قربت منهم عبروا النهر هاربين: فقال ~~((عليه السلام)): والذي بعث محمدا ((صلى الله عليه وآله وسلم)) لا يعبرون ~~ولا يبلغون قصر بنت كسرى حتى يقتل الله مقاتلتهم على يدي، فلا يبقى منهم ~~إلا أقل من عشرة ولا يقتل من أصحابي إلا أقل من عشرة. # ثم نهض ((عليه السلام)) فركب فرسه حتى وافى القوم متأهبين للقتال فواقعهم ~~على ما سبق حتى قتلوا عن آخرهم سوى تسعة، ولم يقتل من أصحابه سوى ما تقدم ~~ذكره قيل تسعة وقيل اثنان، ولم يعبروا النهر ولا بلغوا قصر بنت كسرى فوقع ~~الأمر على ما أخبر به ((عليه السلام)). # فكانت تلك معدودة من كراماته وهذه الوقائع على هذا الشرح فيما أخبر عنهم ~~((عليهم السلام)) نقلها صاحب تاريخ فتوح الشام ((رحمه الله تعالى)) ومنها: # ما رواه ابن شهرآشوب في كتابه أن عليا ((عليه السلام)) لما قدم الكوفة ~~وفد عليه طوائف من الناس، وكان فيهم فتى فصار من شيعته يقاتل بين يديه في ~~مواقفه فخطب امرأة من قوم عرب استوطنوا الكوفة فأجابوه فتزوجها، فلما صلى ~~علي ((عليه السلام)) يوما صلاة الصبح قال لبعض من عنده: اذهب إلى محلة بني ~~فلان تجد فيها مسجدا إلى جانبه بيت تسمع فيه صوت رجل وامرأة يتشاجران ~~بأصوات مرتفعة فاحضرهما الساعة وقل لهما أمير المؤمنين يطلبكما، فمضى ذلك ~~الإنسان PageV01P174 # فما كان إلا هنيئة حتى عاد ومعه ذلك الفتى وامرأة، ms141 فقال لهما علي ((عليه ~~السلام)): فيم طال تشاجركما الليلة؟ فقال الفتى: يا أمير المؤمنين ان هذه ~~المرأة خطبتها وتزوجتها فلما خلوت هذه الليلة وجدت في نفسي منها نفرة ~~منعتني ان الم بها، ولو استطعت إخراجها ليلا لأخرجتها عني قبل ظهور النهار ~~فنقمت علي ذلك، ونحن في التشاجر إلى أن جاء أمرك فحضرنا إليك، فقال علي ~~((عليه السلام)) لمن حضره: رب حديث لا يؤثر من يخاطب به أن يسمعه غيره، ~~فقام من كان حاضرا ولم يبق عند علي ((عليه السلام)) غير الفتى والمرأة، ~~فقال لها علي ((عليه السلام)): أتعرفين هذا الفتى فقالت: لا فقال: إذا أنا ~~أخبرتك بحالة تعلمينها فلا تنكريها قالت: لا يا أمير المؤمنين قال: ألست ~~فلانة بنت فلان؟ قالت: بلى، قال: أليس كان لك ابن عم وكل واحد منكما راغب ~~في صاحبه قالت: بلى قال: أليس ان أباك منعك منه ومنعه عنك ولم يزوجه بك ~~وأخرجه من جواره لذلك، قالت: بلى قال: ألست خرجت ليلة لقضاء الحاجة فاغتالك ~~وأكرهك ووطأك، فحملت فكتمت أمرك عن أبيك وأعلمت أمك، فلما آن الوضع أخرجتك ~~ليلا فوضعت ولدا فلفته في خرقة وألقته من خارج الجدران حيث قضاء الحوائج، ~~فجاء كلب فشمه فخشيت أن يأكله فرمته بحجر فوقعت في رأسه فشجته فعدت إليه ~~أنت وأمك، فشدت أمك رأسه بخرقة من جانب مرطها ثم تركتماه ومضيتما ولم تعلما ~~حاله، فسكتت فقال لها: تكلمي بحق الله! فقالت: بلى والله يا أمير المؤمنين، ~~إن هذا أمر ما علمه مني غير أمي فقال: قد أطلعني الله (تعالى) عليه فأصبح ~~وأخذه بنو فلان فربى فيهم إلى أن كبر وقدم معهم الكوفة وخطبك وهو ابنك، ثم ~~قال للفتى: اكشف عن رأسك فكشف رأسه فوجدت اثر الشجة فيه فقال ((عليه ~~السلام)): هذا ابنك قد عصمه الله مما حرمه عليه فخذي ولدك وانصرفي فلا نكاح ~~بينكما. # وفي هذه الواقعة منه ((عليه السلام)) ما يقضي بولايته ويسجل بكرامته. PageV01P175 # ومنها ما رواه الحسن بن زكردان الفارسي قال: كنت مع أمير المؤمنين علي بن ms142 ~~أبي طالب وقد شكا إليه الناس أمر الفرات وإنه قد زاد الماء ما لا نحتمله ~~ونخاف أن تهلك مزارعنا ونحب أن تسأل الله (تعالى) أن ينقصه عنا فقام ودخل ~~بيته والناس مجتمعون ينتظرونه فخرج وقد لبس جبة رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) وعمامته وبرده وفي يده قضيبه، فدعا بفرسه فركبه ومشى الناس معه ~~وأولاده وأنا معهم رجالة حتى وقف على الفرات، فنزل عن فرسه وصلى ركعتين ~~خفيفتين ثم قام وأخذ القضيب بيده ومشى على الجسر وليس معه غير ولديه الحسن ~~والحسين وأنا، فأهوى إلى الماء بالقضيب فنقص ذراعا فقال: # أيكفيكم فقالوا: لا يا أمير المؤمنين فقام وأومأ بالقضيب وأهوى به في ~~الماء فنقصت الفرات ذراعا آخر، وهكذا إلى أن نقصت ثلاثة اذرع فقالوا: # حسبنا يا أمير المؤمنين فعاد وركب فرسه ورجع إلى منزله. # وهذه كرامة عظيمة ونعمة من الله جسيمة. # ومنها ما صدر في قضية مقتله ((عليه السلام)) وتلخيص ذلك أنه ((عليه ~~السلام)) لما فرغ من قتل الخوارج المارقين عاد إلى الكوفة في شهر رمضان فأم ~~المسجد، فصلى ركعتين ثم صعد المنبر فخطب خطبة حسناء ثم التفت إلى ابنه ~~الحسن فقال: يا أبا محمد كم مضى من شهرنا هذا؟ قال: ثلاث عشرة يا أمير ~~المؤمنين ثم التفت إلى الحسين فقال: أبا عبد الله كم بقى من شهرنا- يعني ~~رمضان الذي هم فيه- فقال الحسين ((عليه السلام)): سبع عشرة يا أمير ~~المؤمنين، فضرب يده إلى لحيته وهي يومئذ بيضاء فقال: [الله أكبر] والله ~~ليخضبنها بدمها إذا انبعث أشقاها ثم جعل يقول: # أريد حياته ويريد قتلي %~% عذيري من خليلي من مرادي # وعبد الرحمن بن ملجم المرادي يسمع فوقع في قلبه من ذلك شيء، فجاء حتى ~~وقف بين يدي علي ((عليه السلام)) وقال: أعيذك بالله PageV01P176 # يا أمير المؤمنين هذه يميني وشمالي بين يديك فاقطعهما أو فاقتلني، قال ~~((عليه السلام)): وكيف أقتلك ولا ذنب عليك ألا ولو أعلم أنك قاتلي لم أقتلك ~~ولكن هل كانت لك حاضنة يهودية، فقالت لك يوما من الأيام يا ms143 شقيق عاقر ناقة ~~ثمود قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين فسكت ((عليه السلام)) وركب فلما ~~كانت ليلة ثلاث وعشرين من الشهر، فقام ليخرج من داره إلى المسجد لصلاة ~~الصبح وقال: إن قلبي ليشهد اني مقتول في هذا الشهر وفتح الباب فتعلق الباب ~~بمئزره فجعل ينشد: # أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك ~~فخرج وقتل، وسيأتي شرح ذلك وبيان تمامه في الفصل الموضوع له إن شاء الله ~~(تعالى). # وهذه من جملة الكرامات المضافة إليه ولم أصرف الهمة إلى تتبع ما نسب إليه ~~من كراماته وما أكرمه الله (تعالى) به من خوارق عاداته لكثرة غيرها من ~~مزاياه وتعدد مناقب مقاماته، من البحر الطويل: # إذا ما الكرامات اعتلى قدر ربها %~% وحل بها أعلى ذرى شرفاته # فإن عليا ذا المناقب والنهى %~% كراماته العليا أقل صفاته ### | الفصل العاشر: في فصاحته وجمل من كلامه ((عليه السلام)). # هذا فصل جمع القلم لاجتناء جنى فنونه سبحه واطلع الاستجلاء غرر عيونه ~~صبحه وقرع باب الهداية إلى نيل شجونه فمنح فتحه وأسرع إلى ذي سلمة فنصر ~~شرحه ونضد طلحه، فإنه فصل عظيم يشهد لعلي ((عليه السلام)) بفضل سابغ ~~الأطراف والأهداب بالغ إلى الغاية في أصناف الآداب، قد احتوى على فصاحة ~~ألفاظه وألفاظ فصاحته وارتوى من بلاغة معانيه ومعاني بلاغته وتضلع من براعة ~~حكمه وحكم براعته، وتدرع بجزالة بيانه وبيان جزالته، وصدع بعظة زواجره وزواجر PageV01P177 # عظته، فالفصاحة تنسب إليه والبلاغة تنقل عنه والبراعة تستفاد منه وعلم ~~المعاني والبيان غريزة فيه ونحيزة، فعصابة الفصحاء على تفاوت طبقاتها دونه ~~وزمرة البلغاء على تباين حالاتها عيال عليه، فعيونها من بدائعه منبجسة ~~وأنوارها من براعته مقتبسة. وها أنا الآن أورد مما روي عنه ((عليه السلام)) ~~من درر بحره لآلئ تياره وجواهر معدنه وفرائد قلائده نبذة اقتصر عليها نظما ~~ونثرا، فإن شعب كلامه كثيرة ومناهج قوله متعددة وله من الكلمات المستعذبة ~~والألفاظ الرائقة والمعاني البديعة والحكم البليغة والنكت اللطيفة والمطالع ~~المستنيرة والمقاصد المتينة والمواعظ النافعة والزواجر الصادعة والحجج ~~القاطعة ms144 والخطب الجامعة والأبيات الرائعة، ما يعلو رتبة عن أن يشهد له فاضل ~~أو يصفه بل هو على الحقيقة شاهد بكمال فضل من عرفه فعرفه. # وقد جعلت المقصد المطلوب منه منحصرا في قسمين الأول من كلامه المنثور ~~والثاني من كلامه المنظوم. ### | [القسم الاول فى كلامه المنثور] # الاول المنثور وهو خمسة أنواع الأول في العلم والعقل والثاني في صفة ~~الدنيا والثالث في صفة المؤمنين الرابع في الحكم والأمثال الخامس في الخطب ~~والمواعظ. ### | [النوع الأول في العلم والعقل] # الأول ما نقل عنه في العلم والعقل قال ((عليه السلام)): تعلموا العلم فإن ~~تعلمه حسنة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة وبذله ~~لأهله قربه، فهو معالم الحلال والحرام ومسلك إلى الجنة ومؤنس في الوحدة ~~وصاحب في الغربة ودليل على السراء والضراء وسلاح على الأعداء وزين الاخلاء، ~~يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم ترمق أعمالهم وتقتبس ~~آثارهم ترغب الملائكة في خلقهم ويسبحون لهم في عبادتهم ويضعون لهم اجنحتهم، ~~يستغفر لهم حتى حيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه، فالعلم حياة القلوب ~~ونور الأبصار من العماء وقوة الأبدان من الضعف ينزل الله (تعالى) حامله PageV01P178 # منازل الاخيار ويمنحه صحبة الأبرار ويرفعه في الدنيا والآخرة، وبالعلم ~~يطاع الله ويعبد وبالعلم يعرف ويوحد وبالعلم توصل الأرحام ويعرف الحلال ~~والحرام فالعلم إمام العقل يلهمه الله السعداء ويحرمه الاشقياء. # وقال ((عليه السلام)): عليكم بالعلم فإنه صلة بين الأخوان ودال على ~~المروءة وتحفة في المجالس وصاحب في السفر ومؤنس في الغربة وإن الله يحب ~~المؤمن العالم الفقيه الزاهد الخاشع الحيي الحليم الحسن الخلق المقتصد ~~المنصف. # وقال ((عليه السلام)): طلاب العلم ثلاثة أصناف فاعرفوهم بصفاتهم ونعوتهم، ~~فصنف طلبوه للمماراة والجدل وصنف طلبوه للاستطالة والحيل وصنف طلبوه للتفقه ~~والعمل. # فأما صاحب المماراة والجدل فمؤذ متأذ معترض للمقال في أندية الرجال، تحلى ~~بتذكر العلم وخفة الحلم تسربل بالتخشع وتخلى عن الورع فدق الله في هذا ~~خيشومه قطع منه حيزومه. # وأما صاحب الاستطالة والحيل فذو خب وملق مستطيل على أمثاله ms145 وأشباهه، ~~لجوابهم هاضم ولدينهم حاطم فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء أثره. # وأما صاحب الفقه والعمل فذو كآبة وخشوع وإنابة وخضوع، قد خشع في برنسه ~~وقام الليل في حندسه يخشع داعيا مقبلا على شأنه عارفا بأهل زمانه مستوحشا ~~من أوثق إخوانه، فشد الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه وحباه ~~مغفرته ورضوانه. # وقال ((عليه السلام)) من تواضع للمعلمين وذل للعلماء ساد بعلمه، فالعلم ~~يرفع الوضيع وتركه يضع الرفيع ورأس العلم التواضع وبصره البراءة من الحسد ~~وسمعه الفهم ولسانه الصدق وقلبه حسن PageV01P179 # النية. وعقله معرفة أسباب الأمور ومن ثمراته التقوى واجتناب الهوى واتباع ~~الهدى ومجانبة الذنوب ومودة الأخوان والاستماع من العلماء والقبول منهم. # ومن ثمراته ترك الانتقام عند القدرة واستقباح مقاربة الباطل واستحسان ~~متابعة الحق وقول الصدق والتجافي عن سرور في غفلة وعن فعل ما يعقب ندامه، ~~والعلم يزيد العاقل عقلا ويورث متعلمه صفات حميدة، فيجعل الحليم أميرا وذا ~~المشورة وزيرا ويقمع الحرص ويخلع المكر ويميت البخل ويجعل مطلق الفحش ~~مأسورا ويعيد السداد قريبا. # وقال ((عليه السلام)): الفقيه كل الفقيه من لم يقنط العباد من رحمة الله ~~ولم يؤمنهم من عذاب الله ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يترك القرآن رغبة ~~عنه إلى غيره، ألا لا خير في علم ليس فيه فقه ألا لا خير في قراءة ليس فيها ~~تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر ألا لا خير في نسك ليس فيه ورع. # وقال ((عليه السلام)) في وصيته لكميل: يا كميل بن زياد القلوب أوعية ~~فخيرها أوعاها، احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل ~~نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم ~~يلجئوا إلى ركن وثيق. العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال ~~العلم يزكو على الانفاق والعمل والمال تنقصه النفقة، العالم حاكم والمال ~~محكوم عليه، محبة العالم دين يدان به تكسبه الطاعة في حياته وجميل الاحدوثة ~~بعد موته، مات ms146 خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم ~~مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة، ان هاهنا- وأومأ إلى صدره- علما لو أصبت ~~له حملة بل أصبت لقنا غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا يستظهر بنعمة ~~الله على عباده وبحججه على كتابه، أو معاندا لأهل الحق لا PageV01P180 # بصيرة له يقدح الشك في قلبه بأول غارض من شبهة لا ذا ولا ذاك فمنهوم ~~باللذات سلس القياد للشهوات ومغرما بجمع الأموال والادخار أقرب شبها بهم ~~الانعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه اللهم بلى لن تخلو الأرض من ~~قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله وبيناته أولئك هم الأقلون الأعظمون عند ~~الله قدرا، بهم يحفظ الله حججه حتى يؤدونها إلى نظرائهم ويزرعونها في قلوب ~~أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعره المترفون ~~وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة في ~~المحل الأعلى آه آه شوقا إلى رؤيتهم واستغفر الله لي ولك إذا شئت فقم. # وقال ((عليه السلام)): الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة ~~وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور الحكمة ولا لجئوا إلى ركن وثيق. ~~وينبغي للعالم أن يكون صدوقا ليؤمن على ما قال وأن يكون شكورا ليستوجب ~~المزيد وأن يكون حمولا ليستحق السيادة وأن يعمل بعلمه ليقتدي الناس به. # وقال ((عليه السلام)): كن بالتواضع بالعلم كالجاهل وكن في الاقتصاد في ~~المنطق كالعيي، واكتف بالكفاف من المنطق إن غلبت على العمل فاحل على العلم ~~تلحق بالعلماء، وإن غلبت على المنطق فأحل [به] على الصمت فإنه سبيل ~~البلغاء، الصمت أجلب للمروءة وأنفى للحسد كم من باك على الدنيا طال بكاؤه ~~منها، وكم من مصلح لها بإفساد نفسه لها وكم من مستبق لها إنما جعل نفسه ~~مستباحة لها، وكم من عاجز عن نفسه بالقوة بغيره، المجانية تجلب المعاندة ~~وطول الصمت خير من مماراة الجاهل والقطيعة خير من مواصلة أهل الشر وبالعلم ~~تنكشف هذه الأشياء. # وقال ((عليه السلام)): إن أبغض الخلائق إلى الله رجلان رجل وكله ms147 الله ~~(تعالى) إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشغوف بكلام PageV01P181 # بدعة ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدى من كان قبله مضل لمن ~~اهتدى به في حياته وبعد وفاته، حمال خطايا غيره رهن بخطيئته. ورجل قمش جهلا ~~موضع في جهال الأمة عاد في أغباش الفتنة عم عما في عقد الهدنة قد سماه ~~أشباه الناس عالما، وليس به بكر فاستكثر من جميع، ما قل منه خير مما كثر ~~حتى إذا ارتوى من آجن وأكثر من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ~~ما التبس على غيره فإن نزلت به إحدى المهمات هيأ لها حشوا رثا من رأيه ثم ~~قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت ولا يدري هل أصاب أم أخطأ ~~ان أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهل خباط ~~جهالات عاش ركاب عشوات لم يعض على العلم بضرس قاطع، يذرى الروايات إذ راء ~~الريح الهشيم تصرخ من جور قضائه الدماء وتعج منه المواريث إلى الله (تعالى) ~~من معشر يعيشون جهالا ويموتون ضلالا، وليس فيهم سلعة أبور من الكتاب آثروا ~~تلاوته وترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد ~~بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم تجتمع القضاة بذلك عند الإمام ~~الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا، والههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد، ~~فأمرهم الله (عز وجل) بالاختلاف فأطاعوه أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل الله ~~دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه، أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا ~~وعليه أن يرضى أم أنزل الله (تعالى) دينا تاما فقصر الرسول ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) عن تبليغه وأدائه؟، والله (سبحانه وتعالى) يقول: @QUR@06 ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء وفيه تبيان كل شيء وذكران الكتاب يصدق بعضه بعضا ~~وانه لا اختلاف فيه فقال (سبحانه): @QUR@011 ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فإن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تفنى ms148 ~~عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به. # وقال: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك، هذا ينفر PageV01P182 # الناس بتهتكه وهذا يضل الناس بتنسكه، أقل الناس قيمة أقلهم علما إذ قيمة ~~كل امرئ ما يحسنه، كفى بالعلم شرفا إنه يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب ~~إليه، وكفى بالجهل ضعة إنه يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه، والناس ~~عالم أو متعلم وسائرهم همج لا خير فيهم. # وقال ((عليه السلام)) للحسن: يا بني جالس العلماء فإنك إن أصبت حمدوك وإن ~~جهلت علموك وإن اخطأت لم يعنفوك ولا تجالس السفهاء فإنهم خلاف ذلك. # وقال ((عليه السلام)): الناس أربعة فرجل يعلم ويعلم أنه يعلم فاقبلوه ~~ورجل يعلم ولا يعلم أنه يعلم فذاك رجل ناس فذكروه، ورجل لا يعلم ويعلم أنه ~~لا يعلم فمسترشد فارشدوه، ورجل لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم فجاهل ~~فارفضوه. # وقال ((عليه السلام)): العقل عقلان عقل الطبع وعقل التجربة وكلاهما يؤدي ~~إلى المنفعة، والموثوق به صاحب العقل والدين ومن فاته العقل والمروءة فرأس ~~ماله المعصية، وصديق كل امرئ عقله وعدوه جهله، وليس العاقل من يعرف الخير ~~من الشر ولكن العاقل من يعرف خير الشرين، ومجالسة العقلاء تزيد في الشرف ~~والعقل الكامل قاهر للطبع السوء، وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساوئها في ~~الدين والرأي والاخلاق والأدب، فيجمع ذلك في صدره أو في كتاب ويعمل في ~~إزالتها. # وقال ((عليه السلام)): الإنسان عقل وصورة فمن أخطأه العقل ولزمته الصورة ~~لم يكن كاملا وكان بمنزلة من لا روح فيه، فمن طلب العقل المتعارف فليعرف ~~صورة الأصول والفضول، فإن كثيرا من الناس يطلبون ويضيعون الأصول، من أحرز ~~الأصل اكتفى به عن الفضل وأصل الأمور في الانفاق طلب الحلال لما ينفق ~~والرفق في الطلب، وأصل الأمور في الدين أن يعتمد على الصلوات ويجتنب ~~الكبائر وألزم ذلك PageV01P183 # لزوم من لا غنى له عنه طرفة عين، وإن حرمته هلك وإن جاوزته إلى الفقه ~~والعبادة فهو الحظ، وإن أصل العقل العفاف وثمرته البراءة ms149 من الآثام، وأصل ~~العفاف القناعة وثمرتها قلة الأحزان، وأصل النجدة القوة وثمرتها الظفر، ~~وأصل العقل القدرة وثمرتها السرور ولا يستعان على الدهر إلا بالعقل ولا على ~~الأدب إلا بالبحث ولا على الحسب إلا بالوفاء ولا على الوقار إلا بالمهابة ~~ولا على السرور إلا باللين ولا على اللب إلا بالسخاء ولا على البذل إلا ~~بالتماس المكافأة، ولا على التواضع إلا بسلامة الصدر وكل نجدة تحتاج إلى ~~عقل وكل معرفة تحتاج إلى التجارب وكل رفعة تحتاج إلى حسن أحدوثة وكل سرور ~~يحتاج إلى أمن وكل قرابة تحتاج إلى مودة وكل علم يحتاج إلى قدرة وكل مقدرة ~~تحتاج إلى بذل، ولا تعرض لما لا يعنيك بترك ما يعينك فرب متكلم في غير ~~موضعه قد أعطبه ذلك. # وقال ((عليه السلام)): لا تسترشد إلى الحزم بغير دليل العقل فتخطئ منهاج ~~الرأي فإن أفضل العقل معرفة الحق بنفسه وأفضل العلم وقوف الرجل عند علمه ~~وأفضل المروءة استبقاء الرجل ماء وجهه وأفضل المال ما وقي به العرض وقضيت ~~به الحقوق. # وقال ((عليه السلام)): على العاقل ما لم يكن مغلوبا أن لا يشغله شغل عن ~~أربع ساعات فساعة يرفع فيها حاجته إلى ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة ~~يقضي فيها بحاجته إلى إخوانه الذين يصدقونه عن عيوبه وينصحونه في أموره، ~~وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذته مما يحل ويجمل به، وإن هذه الساعات هي ~~عون على الساعات الأخر. # وقال ((عليه السلام)): على العاقل أن لا يكون شغله إلا في ثلاث خصال: إما ~~تزود لمعاده أو مرمة لمعاشه أو لذة في غير محرم، وأعلى الاشياء اصلا ~~وأحلاها ثمرة صالح الأعمال وحسن الادب وعقل PageV01P184 # مستعمل، رويدك لا تشهر ووار شخصك لا تذكر، وتعلم تعلم واصمت تسلم، ولا ~~عليك إذا عرفك الله دينه أن لا تعرف الناس ولا يعرفوك. ### | (النوع الثاني) في صفة الدنيا والتحذر منها. # قال ((عليه السلام)): احذركم الدنيا فإنها خضرة حلوة حفت بالشهوات وتحببت ~~بالعاجلة وعمرت بالآمال وتزينت بالغرور، لا تؤمن فجعتها ولا يدوم خيرها، ~~ضرارة غدارة ms150 غرارة زائلة بائدة أكالة غوالة لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية ~~أهل الرضا بها والرغبة فيها أن تكون كما قال الله عز وجل: @QUR@012 كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح على أن ~~امرأ لم يكن فيها من حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا ~~إلا منحته من ضرائها ظهرا ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزية ~~بلاء! وحري إذا اصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة فإن جانب منها اعذوذب ~~واحلولى، أمر عليه جانب فأوبى، وإن لقى امرؤ من غضارتها رغبا زودته من ~~نوائبها تعبا ولم يمس امرؤ منها في جناح امن إلا أصبح في حوافي خوف، غرور ~~فانية، فان من عليها، من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها لم تدم ~~له وزال عما قليل عنه، كم من واثق بها قد فجعته وذي طمأنينة إليها صرعته، ~~وذي خدع قد خدعته وذي أبهة قد صيرته حقيرا وذي نخوة قد صيرته خائفا فقيرا، ~~وذي تاج قد اكبته لليدين والفم، سلطانها دول وعيشها رنق وعذبها أجاج وحلوها ~~صبر وغذاؤها سمام وأسبابها رمام، حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم ومنيعها ~~بعرض اهتضام، عزيزها مغلوب وملكها مسلوب وضيفها مثلوب وجارها محروب، ثم ~~[من] وراء ذلك هول المطلع وسكرات الموت والوقوف بين يدي الحكم العدل، ~~ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ألستم في منازل ~~من كان أطول منكم أعمارا وآثارا وأعد منكم عديدا وأكثف جنودا وأشد منكم ~~عتودا، تعبدوا للدنيا أي تعبد وآثروها أي إيثار، ظعنوا عنها بالصغار، فهل ~~بلغكم أن الدنيا سخت لهم بفدية أو PageV01P185 # أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب؟، بل قد أوهنتهم بالقوارع وضعضعتهم ~~بالنوائب وعقرتهم للمناخر وأعانت عليهم ريب المنون، فقد رأيتم تنكرها لمن ~~دان بها واجد إليها ظعنوا عنها لفراق أمد إلى آخر المستند هل احلتهم إلا ~~الضنك أو زودتهم إلا التعب أو نورت لهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا النار، ~~أفهذه تؤثرون أم على ms151 هذه تحرصون أم إلى هذه تطمئنون؟. # يقول الله جل من قائل: @QUR@034 من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون* أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا ~~النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون فبئست الدار لمن لم ~~يتهمها ولم يكن فيها على وجل منها، اعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بد ~~فإنما هي كما نعتها الله تعالى @QUR@03 لهو ولعب واتعظوا بالذين كانوا ~~يبنون بكل ريع آية يعبثون، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون واتعظوا بالذين ~~قالوا من أشد منا قوة واتعظوا بأخوانهم الذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ~~ركبانا، قد جعل لهم من الضريح أكنانا ومن التراب أكفانا ومن الرفات جيرانا، ~~فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما قد بادت أضغانهم فهم كمن لم يكن. # وكما قال الله (تعالى): @QUR@012 فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا ~~قليلا وكنا نحن الوارثين استبدلوا بظهر الأرض بطنا وبالسعة ضيقا وبالأهل ~~غربة جاءوها كما فارقوها بأعمالهم إلى خلود الأبد، كما قال (عز وجل): ~~@QUR@010 كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين . # وقال ((عليه السلام)): أيها الذام للدنيا أنت المجترم عليها أم هي ~~المجترمة عليك؟ فقال قائل من الحاضرين: بل أنا المجترم عليها يا أمير ~~المؤمنين، فقال له: فلم ذممتها أليست دار صدق لمن صدقها ودار غنى لمن تزود ~~منها ودار عافية لمن فهم عنها مسجد أحبائه ومنزل ومصلى أنبيائه ومهبط ~~الملائكة ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الطاعة وربحوا منها الجنة PageV01P186 # فمن ذا يذمها وقد آذنت بانتهائها ونادت بانقضائها وأنذرت ببلائها، فإن ~~راحت بفجعة فقد غدت بمبتغى وإن أغضرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى، ذمها رجال ~~يوم الندامة ومدحها آخرون، حدثتهم فصدقوا وذكرتهم فذكروا، فيا ايها الذام ~~لها المعنى بغرورها متى غرتك أم متى استندمت إليك؟ بمصارع آبائك في البلى؟ ~~أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بدنك ومرضت وأذاقتك شهدا وصبرا؟ فإن ~~ذممتها لصبرها فامدحها لشهدها وإلا فاطرحها لا حمد ولا ذم، قد مثلت لك نفسك ~~حتى ms152 ما يغني عنك بكاؤك ولا يرحمك أخوك. # وقال ((عليه السلام)): ان الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع وان الآخرة قد ~~أقبلت وآذنت باطلاع، ألا وإن المصمار اليوم والسباق غدا ألا وإن السبقة ~~الجنة والغاية النار، الا وإنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل، فمن ~~عمل [في] أيام مهلة قبل حضور اجله ضره أجله ولم ينفعه عمله. لو عاش أحدكم ~~ألف عام كان الموت بالغه ونحبه لا حقه فلا تغرنكم الأماني ولا يغرنكم بالله ~~الغرور، قد كان قبلكم لهذه الدنيا سكان شيدوا فيها البنيان ووطنوا الأوطان ~~أصبحت أبدانهم في قبورهم هامدة وأنفسهم خامدة، فتلهف المفرط منهم على ما ~~فرط يقول: يا ليتني نظرت لنفسي يا ليتني أطعت ربي. # وقال ((عليه السلام)): إن الدنيا ليست بدار قرار ولا محل إقامة إنما أنتم ~~فيها كركب عرسوا وارتاحوا ثم استقلوا فغدوا وراحوا، دخلوها خفافا وارتحلوا ~~منها ثقالا فلم يجدوا عن مضحى عنها نزوعا ولا إلى ما تركوا بها رجوعا، جد ~~بهم فجدوا وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا حتى أخذ بكضمهم وخلصوا إلى دار ~~قوم لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر، قل في الدنيا لبثهم وعجل بهم إلى الآخرة ~~بعثهم، فاصبحتم حلولا في ديارهم وظاعنين على آثارهم والمنايا بكم تسير سيرا ~~ما فيه أين ولا بطء، نهاركم بأنفسكم دءوب وليلكم بأرواحكم ذهوب وأنتم ~~تقتفون من حالهم حالا وتحتذون من أفعالهم مثالا، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ~~فإنما أنتم فيها سفر PageV01P187 # حلول والموت بكم نزول، فتتصل فيكم مناياه وتمضي بكم مطاياه إلى دار ~~الثواب والعقاب والجزاء والحساب، فرحم الله من راقب ربه وخاف ذنبه وجانب ~~هواه وعمل لآخرته وأعرض عن زهرة الحياة الدنيا. # وقال ((عليه السلام)): كأن قد زالت عنكم الدنيا كما زالت عمن كان قبلكم، ~~فأكثروا عباد الله اجتهادكم فيها بالتزود من يومها القصير ليوم الآخرة ~~الطويل، فإنها دار العمل والآخرة دار القرار والجزاء فتجافوا عنها فإن ~~المغتر من اغتر بها لن تعدوا الدنيا إذا تناهت إليها أمنية أهل الرغبة، ~~فيها المطمئنين إليها المغترين ms153 بها أن تكون كما قال الله تعالى @QUR@013 ~~كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام ألا ~~إنه لم يصب امرؤ منكم من هذه الدنيا خبرة إلا أعقبته عبرة، ولا يصبح امرؤ ~~في حياة إلا وهو خائف منها أن تؤول جائحة أو تغير نعمة أو زوال عافية، ~~والموت من وراء ذلكم وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل، ليجزي كل ~~نفس بما كسبت وليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. # وقال: مالكم والدنيا، فمتاعها إلى انقطاع وفخرها إلى وبال وزينتها إلى ~~زوال ونعيمها إلى بؤس، وصحتها إلى سقم أو هرم ومال ما فيها إلى نفاد وشيك، ~~وفناء قريب، كل مدة فيها إلى المنتهى، وكل حي بها إلى مقاربة البلى، أليس ~~لكم في آثار الأولين وآبائكم الماضين معتبر وتبصرة إن كنتم تعقلون؟، ألم ~~تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون وإلى الخلف منكم لا يبقون؟، أولستم ترون ~~أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى؟، ميت يبكي وآخر يعزى وصريع مبتلى ~~وعائد يعود ودنف بنفسه يجود، وطالب والموت يطلبه وغافل وليس بمغفول عنه على ~~أثر الماضي يمضي الباقي وإلى الله عاقبة الأمور. # وقال ((عليه السلام)): انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها عما ~~قليل تزيل الساكن وتفجع المترف، فلا تغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة PageV01P188 # ما يصحبكم منها فرحم الله امرأ تفكر واعتبر، وأبصر إدبار ما قد أدبر ~~وحضور ما قد حضر، فكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن فكأن ما هو ~~كائن من الآخرة لم يزل، كل ما هو آت قريب، فكم من مؤمل ما لا يدركه وجامع ~~ما لا يأكله ومانع ما لا يتركه، ولعله من باطل جمعه أو حق منعه أصابه حراما ~~وورثه عدوانا، فاحتمل ما ضره وباء بوزره وقدم على ربه آسفا لاهفا خسر ~~الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين. # وقال ((عليه السلام)): مثل الدنيا مثل الحية لين مسها قاتل سمها فأعرض ~~عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وكن آنس ms154 ما تكون إليها أوحش ما تكون ~~منها، فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور اشخصته إلى مكروه فقد يسر المرء ~~بما لم يكن ليفوته ويحزن لفوات ما لم يكن ليصيبه أبدا وإن جهد فليكن سرورك ~~بما قدمت من عمل أو قول، وليكن أسفك على ما فرطت فيه من ذلك ولا تكن على ما ~~فاتك من الدنيا حزينا، وما أصابك منها فلا تنعم به سرورا واجعل همك لما بعد ~~الموت فإن ما توعدون لآت. # وقال ((عليه السلام)): انظروا إلى الدنيا نظر الزاهد فيها فإنها عن قليل ~~تزيل الساكن وتفجع المترف، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم ~~منها، فرحم الله امرأ تفكر واعتبر، وأبصر إدبار ما قد أدبر وحضور ما قد ~~حضر، فكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن وما هو كائن من الآخرة لم ~~يزل، إي والله عن قليل تشقي المترف وتحرك الساكن وتزيل الثوي، صفوها مشوب ~~بالكدر وسرورها منسوج بالحزن وآخر حياتها مقترن بالضعف، فلا يعجبنكم ما ~~يغركم منها فعن كثب تنقلون عنها وكل ما هو آت قريب، وهنالك تبلو كل نفس ما ~~أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون. # وقال ((عليه السلام)): أحذركم الدنيا فإنها ليست بدار غبطة، قد تزينت ~~بغرورها وغرت بزينتها لمن كان ينظر إليها فاعرفوها كنه معرفتها فإنها دار ~~هانت على ربها قد اختلط حلالها بحرامها وحلوها بمرها PageV01P189 # وخيرها بشرها ولم يذكر الله (تعالى) شيئا اختصته منها لأحد من أوليائه ~~وأنبيائه ولم يصرفها عن أعدائه، فخيرها زهيد وشرها عتيد وجمعها نفيد وملكها ~~سليب وعزها يبيد، فالمستمتعون بالدنيا تبكي قلوبهم وإن فرحوا ويشتد مقتهم ~~لأنفسهم وإن اغتبطوا ببعض ما منها رزقوا، الدنيا فانية لا بقاء لها والآخرة ~~باقية لا فناء لها، الدنيا مقبلة إلى الآخرة والآخرة ملجأ الدنيا وليس ~~للآخرة منتقل ولا منتهى، من كانت الدنيا همه اشتد لذلك غمه ومن آثر الدنيا ~~على الآخرة حلت الفاقرة. # وقال ((عليه السلام)): إنما الدنيا دار فناء وعناء وغير وعبر، ms155 فمن فنائها ~~أنك ترى الدهر موترا قوسه مفوقا نبله يرمي الصحيح بالسقم والحي بالموت ~~والبريء بالتهم، ومن عنائها أنك ترى المرء يجمع ما لا يأكل ويبني ما لا ~~يسكن ويأمل ما لا يدرك، ومن غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا والمغبوط مرحوما ~~ليس بينهم إلا نعيم زال أو مثلة حلت أو موت نزل، ومن عبرها أن المرء يسوف ~~عليه أمله حتى يختطفه دونه أجله. # وقال ((عليه السلام)): اجعل الدنيا شوكا فانظر أين تضع قدمك منها فإن من ~~ركن إليها خذلته ومن أنس بها أوحشته ومن رغب فيها أوهنته ومن انقطع إليها ~~قتلته، ومن طلبها أرهقته ومن فرح بها اترحته ومن طمع فيها صرعته ومن قدمها ~~أخرته، ومن أكرمها أهانته ومن آثرها باعدته من الآخرة ومن بعد من الآخرة ~~قرب من النار، فهي دار عقوبة وزوال وفناء وبلاء، نورها ظلمة وعيشها كدر ~~وغنيها فقير وصحيحها سقيم وعزيزها ذليل، فكل منعم برغدها شقي وكل مغرور ~~بزينتها مفتون وعند كشف الغطاء يعظم الندم ويحمد الصدر أو يذم. # وقال ((عليه السلام)): يأتي على الناس زمان لا يعرف فيه إلا الماحل ولا ~~يطرف فيه إلا الفاجر ولا يؤتمن فيه إلا الخائن ولا يخون إلا المؤتمن، ~~يتخذون الفيء مغنما والصدقة مغرما وصلة الرحم منا والعبادة استطالة على ~~الناس وتعديا، وذلك يكون عند سلطان النساء ومشاورة PageV01P190 # الاماء وإمارة الصبيان. # وقال ((عليه السلام)): احذروا الدنيا إذا أمات الناس الصلوات وأضاعوا ~~الأمانات واتبعوا الشهوات، واستحلوا الكذب وأكلوا الربا وأخذوا الرشا ~~وشيدوا البناء واتبعوا الهوى وباعوا الدين بالدنيا، واستخفوا بالدماء ~~وركنوا إلى الرياء وتقاطعت الأرحام، وكان الحلم ضعفا والظلم فخرا والأمراء ~~فجرة والوزراء كذبة والأمناء خونة والأعوان ظلمة والقراء فسقة، وظهر الجور ~~وكثر الطلاق وموت الفجأة وحليت المصاحف وزخرفت المساجد وطولت المنابر، ~~ونقضت العهود وحزنت القلوب واستحلوا المعازف وشربت الخمور وركبت الذكور، ~~واشتغل النساء بالنساء وشاركن أزواجهن في التجارة حرصا على الدنيا، وعلت ~~الفروج السروج وتشبهن بالرجال، فحينئذ عدوا أنفسكم في الموتى، ولا تغرنكم ~~الحياة الدنيا فإن الناس اثنان: بر تقي ms156 وآخر شقي والدار داران لا ثالث لهما ~~والكتاب واحد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؛ ألا وحب الدنيا رأس كل ~~خطيئة وباب كل بلية ومجمع كل فتنة وداعية كل ريبة والويل لمن جمع الدنيا ~~وأورثها من لا يحمده، وقدم على من لا يعذره الدنيا دار المنافقين وليست ~~بدار المتقين، فليكن حظك من الدنيا قوام صلبك وإمساك نفسك والتزود ليوم معادك. # وقال ((عليه السلام)): يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت أم إلي تشوقت هيهات ~~هيهات غري غيري، قد بنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك ~~كبير آه من قلة الزاد ووحشة الطريق. # وقال ((عليه السلام)): احذروا الدنيا فإن في حلالها حساب وحرامها عقاب، ~~وأولها عناء وآخرها فناء، من صح فيها هرم ومن مرض فيها ندم ومن استغنى فيها ~~فتن ومن افتقر فيها حزن، ومن أتاها فاتته ومن بعد عنها أتته، ومن نظر إليها ~~أعمته ومن نظر بها بصرته، إن أقبلت غرت وإن أدبرت ضرت. PageV01P191 ### | النوع الثالث في صفة المؤمنين: # قال ((عليه السلام)): المؤمنون هم أهل الفضائل هديهم السكون [وهيبتهم ~~الخشوع] وسمتهم الخشوع والتواضع، خاشعين غاضين أبصارهم عن ما حرم الله ~~عليهم، رافعين اسماعهم إلى العلم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في ~~الرخاء، لو لا الآجال التي كتبت عليهم لم تستقر ارواحهم في أبدانهم طرفة ~~عين شوقا إلى الموت وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في ~~أعينهم فهم كأنهم قد رأوا الجنة ونعيمها والنار وعذابها. فقلوبهم محزونة ~~وشرورهم مأمونة وحوائجهم خفيفة وأنفسهم ضعيفة وحوائجهم لإخوانهم عظيمة، ~~اتخذوا الأرض بساطا وماءها طيبا ورفضوا الدنيا رفضا وصبروا أياما قليلة ~~فصارت عاقبتهم راحة طويلة، تجارتهم مربحة يبشرهم بها رب كريم، أرادتهم ~~الدنيا فلم يريدوها وطلبتهم فهربوا منها، فأما الليل فأقدامهم مصطفة يتلون ~~القرآن يرتلونه ترتيلا فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا وتطلعت ~~إليها أنفسهم تشوقا، فيصيرونها نصب أعينهم وإذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا ~~اليها بقلوبهم وأبصارهم، فاقشعرت منها جلودهم ووجلت قلوبهم ms157 خوفا وفرقا، ~~ونحلت لها أبدانهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها وصلصلة حديدها في آذانهم، ~~مكبين على وجوههم وأكفهم، تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله في فكاك ~~رقابهم، وأما النهار فعلماء أبرار اتقياء قد براهم الخوف فهم أمثال القداح ~~إذا نظر إليهم الناظر يقول: بهم مرض ويقول قد خولطوا، وما خولطوا إذا ذكروا ~~عظمة الله وشدة سلطانه وذكروا الموت وأهوال القيامة وجفت قلوبهم وطاشت ~~حلومهم وذهلت عقولهم، فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله بالأعمال ~~الزاكية، لا يرضون بالقليل ولا يستكثرون الكثير فهم لأنفسهم متهمون ومن ~~أعمالهم مشفقون، إن زكى أحدهم خاف مما يقال له فيقول: أنا أعلم بنفسي من ~~غيري وربي أعلم بي مني بنفسي، اللهم لا PageV01P192 # تؤاخذني بما يقولون واجعلني كما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون. # ومن علاماتهم أن يكون له حزم في لين وإيمان في يقين، وحرص على تقوى، وفهم ~~في فقه وحلم في علم وكيس في رفق، وقصد في غنى وخشوع في عبادة وتجمل في فاقة ~~وصبر في شدة وإعطاء في حق وطلب لحلال ونشاط في هدى، وتحرج عن طمع وتنزه عن ~~طبع وبر في استقامة، واعتصام بالله من متابعة الشهوات واستعاذة به من ~~الشيطان الرجيم يمسي وهمه الشكر ويصبح وشغله الذكر، أولئك الآمنون ~~المطمئنون الذين يسقون من كأس لا لغو فيها ولا تأثيم. # وقال ((عليه السلام)): المؤمنون هم الذين عرفوا ما أمامهم فذبلت شفاههم ~~وعشيت عيونهم ونهجت ألوانهم، حتى عرفت في وجوههم عبرة الخاشعين فهم عباد ~~الله الذين مشوا على الأرض هونا، واتخذوها بساطا وترابها فراشا رفضوا ~~الدنيا وأقبلوا على الآخرة على منهاج المسيح ابن مريم، ان شهدوا لم يعرفوا ~~وإن غابوا لم يفتقدوا وإن مرضوا لم يعادوا صوام الهواجر قوام الدياجر تضمحل ~~عنهم كل فتنة وتنجلي عنهم [كل] كربه، أولئك أصحابي فاطلبوهم في أطراف ~~الأرضين فإن لقيتم منهم احدا فاسألوه يستغفر لكم. # وقال ((عليه السلام)): شيعتنا المتباذلون في ولايتنا المتحابون في مودتنا ~~المتوازرون في أمرنا، [الذين] إن غضبوا لم يظلموا وإن رضوا لم ms158 يسرفوا، ~~بركة على من جاوروه سلم لمن خالطوه أولئك هم السائحون الناحلون الذابلون، ~~ذابلة شفاههم خمصة بطونهم متغيرة ألوانهم مصفرة وجوههم كثير بكاؤهم جارية ~~دموعهم، يفرح الناس ويحزنون وينام الناس ويسهرون إذا شهدوا لم يعرفوا وإن ~~غابوا لم يفتقدوا وإذا خطبوا الابكار لم يزوجوا، قلوبهم محزونة وشرورهم ~~مأمونة وأنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة، ذبل الشفاه من العطش خمص البطون من ~~الجوع عمش العيون PageV01P193 # من السهر، الرهبانية عليهم لائحة والخشية لهم لازمة كلما ذهب منهم سلف ~~خلف في موضعه خلف، أولئك الذين يردون القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر ~~يغبطهم الأولون والآخرون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # وقال ((عليه السلام)): المؤمن يرغب فيما يبقى ويزهد فيما يفنى يمزج الحلم ~~بالعلم والعلم بالعمل بعيد كسله دائم نشاطه قريب أمله حي قلبه ذاكر لسانه، ~~لا يحدث بما [لا] يؤتمن عليه الاصدقاء ولا يكتم شهادة الأعداء ولا يعمل ~~شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء، الخير منه مأمول والشر منه مأمون إن ~~كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين وإن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، ~~يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه ويحسن إلى من أساء إليه، لا يعزب ~~حلمه ولا يعجل فيما يريبه بعيد جهله لين قوله قريب معروفه غائب منكره صادق ~~كلامه حسن فعله مقبل خيره مدبر شره، في الزلازل وقور وفي المكاره صبور وفي ~~الرخاء شكور لا يحيف على من يبغض ولا يأثم في من يحب ولا يدعى ما ليس له ~~ولا يجحد حقا عليه يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه لا يضيع ما استحفظ ولا ~~يرغب فيما لا تدعوه الضرورة إليه، لا ينابز بالألقاب ولا يبغي على أحد ولا ~~يهزأ بمخلوق ولا يضار بالجار ولا يشمت بالمصائب، مؤذن بأداء الأمانات مسارع ~~إلى الطاعات محافظ على الصلوات بطيء عن المنكرات لا يدخل على الأمور بجهل ~~ولا يخرج عن الحق بعجز، إن صمت فلا يغمه الصمت وإن نطق لا يقول الخطأ وإن ~~ضحك فلا يعلو صوته سمعه ولا يجمح به ms159 الغضب ولا يغلبه الهوى ولا يقهره الشح ~~ولا تملكه الشهوة، يخالط الناس ليعلم ويصمت ليسلم ويسأل ليفهم ينصت للخير ~~ليعمل به ولا يتكلم به ليفخر على سواه، نفسه منه في عناء والناس منه في ~~راحة يتعب نفسه لآخرته ويعصي هواه لطاعة ربه، بعده عمن تباعد منه نزاهة ~~ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس بعده تكبرا ولا قربه خديعة مقتد بمن كان قبله PageV01P194 # من أهل الإيمان امام لمن بعده من البررة المتقين. # وقال ((عليه السلام)): طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، ~~أولئك قوم اتخذوا أرض الله مهادا وترابها وسادا وماءها طيبا وجعلوا الكتاب ~~شعارا والدعاء دثارا، إن الله أوحى إلى عبده المسيح ((عليه السلام)) أن قل ~~لبني إسرائيل لا تدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة وأبصار خاشعة واكف ~~نقية وأعلمهم أني لا أجيب لأحد منهم دعوة ولأحد من خلقي قبله مظلمة. # وقال ((عليه السلام)): المؤمن وقور عند الهزاهز ثبوت عند المكاره صبور ~~عند البلاء شكور عند الرخاء قانع بما رزقه الله لا يظلم الأعداء ولا يتحامل ~~للاصدقاء، الناس منه في راحة ونفسه منه في تعب العلم خليله والعقل قرينه ~~والحلم وزيره والصبر أميره والرفق أخوه واللين ولده. # وقوله ((عليه السلام)) لنوف البكالي: هل تدري يا نوف من شيعتي؟ قال: لا ~~والله قال: شيعتي الذبل الشفاه الخمص البطون الذين تعرف الرهبانية ~~والربانية في وجوههم رهبان بالليل أسد بالنهار، الذين إذا جنهم الليل ~~اتزروا على أوساطهم وارتدوا على أطرافهم وصفوا أقدامهم وافترشوا جباههم ~~تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله في فكاك أعناقهم. # وأما النهار فحلماء علماء كرام نجباء أبرار اتقياء، يا نوف شيعتي من لم ~~يهر هرير الكلب ولا يطمع طمع الغراب ولم يسأل الناس ولو مات جوعا، إن رأى ~~مؤمنا أكرمه وإن رأى فاسقا هجره، هؤلاء والله شيعتي. # وقال نوف: عرضت لي حاجة إلى أمير المؤمنين ((عليه السلام)) علي بن أبي ~~طالب، فاستتبعت إليه جندب بن زهير والربيع بن خثيم وابن أخيه همام بن عبادة ~~بن خثيم، وكان ms160 من أصحاب البرانس المعبدين، فأقبلنا إليه فألفيناه حين خرج ~~يؤم المسجد فأفضى ونحن معه إلى نفر متدينين PageV01P195 # قد أفاضوا في الأحدوثات تفكها، وهم يلهى بعضهم بعضا بها فأسرعوا إليه ~~قياما وسلموا عليه فرد التحية ثم قال: من القوم؟ فقالوا: ناس من شيعتك يا ~~أمير المؤمنين، فقال لهم: خيرا ثم قال: يا هؤلاء ما لي لا أرى فيكم سمة ~~شيعتنا وحلية احبتنا؟ فأمسك القوم حياء. فأقبل عليه جندب والربيع فقالا له: ~~ما سمة شيعتكم يا أمير المؤمنين فسكت فقال همام: # وكان عابدا مجتهدا- أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم لما ~~أنبأتنا بصفة شيعتكم، فقال: شيعتنا هم العارفون بالله العاملون بأمر الله، ~~أهل الفضائل والناطقون بالصواب مأكولهم القوت وملبسهم الاقتصاد ومشيهم ~~التواضع، بخعوا لله بطاعته وخضعوا له بعبادته فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم ~~[الله] عليهم واقفين اسماعهم على العلم بدينهم نزلت أنفسهم منهم في البلاء ~~كالذي نزلت منهم في الرخاء، رضوا من الله (تعالى) بالقضاء، فلو لا الآجال ~~التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى لقاء ~~الله والثواب وخوفا من أليم العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في ~~أعينهم، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون، وهم والنار كمن رآها ~~فهم فيها يعذبون، صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة، ارادتهم الدنيا ~~فلم يريدوها وطلبتهم فأعجزوها. أما الليل فصافون أقدامهم تالون أجزاء ~~القرآن يرتلونه ترتيلا يعظون أنفسهم بأمثاله ويستشفون لدائهم بدوائه تارة ~~وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على ~~خدودهم، يمجدون جبارا عظيما ويجأرون إليه في فكاك رقابهم، هذا ليلهم، وأما ~~نهارهم فحلماء علماء بررة اتقياء براهم خوف بارئهم، فهم كالقداح تحسبهم ~~مرضى وقد خولطوا وما هم بذلك بل خامرهم من عظمة ربهم وشدة سلطانه ما طاشت ~~له قلوبهم وذهلت منه عقولهم، فإذا استقاموا من ذلك بادروا إلى الله ~~بالأعمال الزاكية لا يرضون له بالقليل ولا يستكثرون الجزيل، فهم لأنفسهم ~~متهمون ومن أعمالهم مشفقون ترى لاحدهم قوة في دين وحزما في ms161 لين وإيمانا في PageV01P196 # يقين، وحرصا على علم وفهما في فقه وعلما في حلم وكيسا في قصد وقصدا في ~~غنى وتجملا في فاقة وصبرا في شدة وخشوعا في عبادة ورحمة لمجهود وإعطاء في ~~حق ورفقا في كسب وطلبا في حلال وتعففا في طمع وطمعا في غير طبع، ونشاطا في ~~هدى واعتصاما في شهوة وبرا في استقامة لا يغره ما جهله ولا يدع احصاء ما ~~عمله، يستبطئ نفسه في العمل وهو من صالح عمله على وجل، يصبح وشغله الذكر ~~ويمسي وهمه الشكر يبيت حذرا من سنة الغفلة ويصبح فرحا بما أصاب من الفضل ~~والرحمة، ان استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤالها مما إليه تشره، ~~رغبته فيما يبقى وزهادته فيما يفنى قد قرن العمل بالعلم والعلم بالحلم، ~~ويظل دائما نشاطه بعيدا كسله قريبا أمله قليلا زلله متوقعا اجله خاشعا قلبه ~~ذاكرا ربه قانعة نفسه عازبا جهله محرزا دينه ميتا داؤه كاظما غيظه صافيا ~~خلقه آمنا منه جاره سهلا أمره معدوما كبره بينا صبره كثيرا ذكره، لا يعمل ~~شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء. أولئك شيعتنا واحبتنا ومنا ومعنا آها ~~[و] شوقا إليهم. # فصاح همام صيحة ووقع مغشيا عليه فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا ((رحمه ~~الله)) فغسل وصلى عليه أمير المؤمنين ونحن معه. # فشيعته ((عليه السلام)) هذه صفتهم وهي صفة المؤمنين وقد تقدم بعضها. وقال ~~((عليه السلام)): الجنة التي أعدها الله (تعالى) للمؤمنين خطافة لأبصار ~~الناظرين، فيها درجات متفاضلات ومنازل متعاليات لا يبيد نعيمها ولا يضمحل ~~حبورها ولا ينقطع سرورها، ولا يظعن مقيمها ولا يهرم خالدها ولا يبؤس ساكنها ~~أمن سكانها من الموت فلا يخافون. # صفا لهم العيش ودامت لهم النعمة في أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من ~~كل الثمرات ومغفرة من ربهم، على فرش منضودة وأزواج مطهرة وحور عين كأنهن ~~اللؤلؤ المكنون وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، والملائكة يدخلون عليهم ~~من ms162 كل باب سلام عليكم بما PageV01P197 # صبرتم فنعم عقبي الدار. ### | (النوع الرابع في الحكم والأمثال) # أصدر هذا النوع بما أورده عنه ((عليه السلام)) عبد الله بن عباس (رض) ~~فإنه نقل عنه أنه قال: ما انتفعت بكلام بعد رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) كانتفاعي بكتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب ((عليه السلام))، فإنه كتب ~~إلي: أما بعد، فإن المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ويسره درك ما لم يكن ~~ليفوته، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك وليكن اسفك على ما نالك منها وما نلت ~~من دنياك فلا تكن به فرحا وما فاتك منها فلا تأس عليه حزنا وليكن همك فيما ~~فاتك بعد الموت، والسلام. # وقال ((عليه السلام)) لجماعة: خذوا عني هذه الكلمات فلو ركبتم المطى حتى ~~تنضوه ما أصبتم مثلها، لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه ولا يستحي ~~إذا لم يعلم أن يتعلم ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، ~~واعلموا أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا خير في جسد لا رأس ~~له فاصبروا على ما كلفتموه رجاء ما وعدتموه. # وقال ((عليه السلام)): الشيء شيئان؛ شيء قصر عني لم ارزقه فيما مضى ولا ~~أرجوه فيما بقى، وشيء لا أناله دون وقته لو استعنت عليه بقوة أهل السماوات ~~والأرض فما أعجب أمر هذا الإنسان، يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوؤه فوت ما ~~لم يكن ليدركه، ولو أنه فكر لأبصر ولعلم أنه مدبر واقتصر على ما تيسر، ولم ~~يتعرض لما تعسر واستراح قلبه مما استوعر، فبأي هذين افني عمري فكونوا أقل ~~ما تكونون في الباطن أحوالا أحسن مما تكونون في الظاهر أحوالا، فإن الله ~~(تعالى) أدب عباده المؤمنين أدبا حسنا فقال جل من قائل: @QUR@011 يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا . # وقال ((عليه السلام)): لا تكون غنيا حتى تكون عفيفا ولا تكون PageV01P198 # زاهدا حتى تكون متواضعا، ولا تكون حليما حتى تكون وقورا، ولا يسلم لك ms163 ~~قلبك حتى تحب للمؤمنين ما تحب لنفسك، وكفى بالمرء جهلا أن يرتكب ما نهي عنه ~~وكفى به عقلا أن يسلم الناس من شره، فأعرض عن الجهل وأهله واكفف عن الناس ~~ما تحب أن يكف عنك، واكرم من صافاك وأحسن مجاورة من جاورك وألن جانبك واكفف ~~الأذى واصفح عن سوء الأخلاق، ولتكن يدك العليا ان استطعت ووطن نفسك على ~~الصبر على ما أصابك وألهم نفسك القنوع واتهم الرجاء وأكثر الدعاء تسلم من ~~سورة الشيطان ولا تتنافس على الدنيا ولا تتبع الهوى وتوسط في الهمة تسلم ~~ممن يتبع عثراتك ولا تكن صادقا حتى تكتم بعض ما تعلم احلم عن السفيه يكثر ~~أنصارك عليه، عليك بالشيم العالية تقهر من يناوئك، قل الحق وقرب المتقين ~~واهجر الفاسقين وجانب المنافقين ولا تصاحب الخائنين. # وقال ((عليه السلام)): قل عند كل شدة لا حول ولا قوة إلا بالله تكف بها، ~~وقل عند كل نعمة الحمد لله تزدد منها، وإذا أبطأت عليك الأرزاق فاستغفر ~~الله يوسع عليك، عليك بالحجة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج ولا تردك عن ~~منهج، الناس ثلاث: عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع، [مفتاح ~~الكرم التقوى] ومفتاح الجنة الصبر ومفتاح الشرف التواضع ومفتاح الغنى ~~اليقين، من أراد أن يكون شريفا فليلزم التواضع، عجب المرء بنفسه احد حساد ~~عقله الطمأنينة قبل الحزم ضد الحزم [المغتبط من حسن يقينه]. # وقال ((عليه السلام)): اللهو يسخط الرحمن ويرضي الشيطان وينسى القرآن، ~~عليكم بالصدق فإن الله مع الصادقين، المغبون من غبن دينه، جانبوا الكذب ~~فإنه يجانب الإيمان والصادق على سبيل نجاة وكرم والكاذب على شفا هلك وهون، ~~قولوا الحق تعرفوا به واعملوا الحق تكونوا من أهله، وأدوا الأمانة إلى من ~~ائتمنكم ولا تخونوا من خانكم وصلوا من قطعكم، وعودوا بالفضل على من حرمكم، ~~وأوفوا إذا PageV01P199 # عاهدتم واعدلوا إذا حكمتم. لا تفاخروا بالآباء ولا تنابزوا بالألقاب ولا ~~تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا وافشوا السلام وردوا التحية بأحسن منها ~~وارحموا الأرملة واليتيم وأعينوا الضعيف والمظلوم وأطيبوا المكسب واجملوا ~~في ms164 الطلب. # وقال ((عليه السلام)): لا راحة لحسود ولا مودة لملول ولا مروءة لكذوب، ~~ولا شرف لبخيل ولا همة لمهين ولا سلامة لمن أكثر مخالطة الناس، الوحدة راحة ~~والعزلة عبادة والقناعة غنية والاقتصاد بلغة، وعدل السلطان خير من خصب ~~الزمان والعزيز بغير الله ذليل والغني الشره فقير. # لا يعرف الناس إلا بالاختبار فاختبر أهلك وولدك في غيبتك وصديقك في ~~مصيبتك وذا القرابة عند فاقتك وذا التودد والملق عند عطلتك لتعلم بذلك ~~منزلتك منهم، واحذر ممن إذا حدثته ملك وإذا حدثك غمك وإن سررته أو ضررته ~~سلك معك فيه سبيلك، وإن فارقك ساءك مغيبه يذكر سوءاتك وإن مانعته بهتك ~~وافترى وإن وافقته حسدك واعتدى وإن خالفته مقتك ومارى، ويعجز عن مكافأة من ~~أحسن إليه ويفرط على من بغى عليه. # يصبح صاحبه في أجر ويصبح هو في وزر، لسانه عليه لا له ولا يضبط قلبه ~~قوله، يتعلم المراء ويفقه الرياء، يبادر الدنيا ويؤاكل التقوى فهو بعيد من ~~الإيمان قريب من النفاق مجانب للرشد مرافق للغي، فهو باغ غاو لا يذكر في ~~المهتدين. # وقال ((عليه السلام)): لا تحدث عن غير ثقة فتكون كذابا ولا تصاحب همازا ~~فتعد مرتابا، ولا تخالط ذا فجور فترى متهما ولا تجادل عن الخائنين فتصبح ~~ملوما، وقارن أهل الخير تكن منهم، وبائن أهل الشر تبن عنهم واعلم أن من ~~الحزم العزم واحذر اللجاج تنج من كبوته، ولا تخن من ائتمنك وإن خانك في ~~أمانته، ولا تذع سر من أذاع سرك ولا تخاطر بشيء رجاء ما هو أكثر منه، وخذ ~~الفضل وأحسن البذل وقل للناس حسنا PageV01P200 # ولا تتخذ عدو صديقك صديقا فتعادى صديقك، وساعد أخاك وإن جفاك وإن قطعته ~~فاستبق له بقية من نفسك ولا تضيعن حق أخيك فتعدم اخوته، ولا يكن أشقى الناس ~~بك أهلك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك وليس جزاء من سرك أن تسوءه، واعلم أن ~~عاقبة الكذب الذم وعاقبة الصدق النجاة. # ونقل عنه ((عليه السلام)) أنه رأى جابر بن عبد الله (رض) وقد تنفس ~~الصعداء فقال ((عليه ms165 السلام)) له: يا جابر علام تنفسك؟ أعلى الدنيا؟ فقال ~~جابر: نعم فقال له: ملاذ الدنيا سبعة؛ المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح ~~والمركوب والمشموم والمسموع. فألذ المأكولات العسل وهو بصاق من ذبابة، وأجل ~~المشروبات الماء وكفى بإباحته وسياحته على وجه الأرض، وأعلى الملبوسات ~~الديباج وهو من لعاب دودة، وأعلى المنكوحات النساء وهي مبال في مبال ومثال ~~لمثال. وإنما يراد أحسن ما في المرأة لا أقبح ما فيها، وأعلى المركوب الخيل ~~وهي قواتل، وأجل المشمومات المسك وهو دم من سرة دابة، واجل المسموعات ~~الغناء والترنم وهو اثم. فما صفته لم يتنفس عليه عاقل. # قال جابر بن عبد الله: فو الله ما خطرت الدنيا بعدها على قلبي. # وقال ((عليه السلام)) في الأمثال: بالصبر يناضل الحدثان، الجزع من أنواع ~~الحرمان العدل مألوف والهوى عسوف والهجران عقوبة العشق، البخل جلباب ~~المسكنة لا تأمنن ملولا، إزالة الرواسي أسهل من تأليف القلوب المتنافرة، من ~~اتبع الهوى ضل، الشجاعة صبر ساعة، خير الأمور أوسطها، القلب بالتعلل رهين ~~من ومقك اتعبك القلة ذلة المجاعة مسكنة خير أهلك من كفاك ترك الخطيئة أهون ~~من طلب التوبة، من ولع بالحسد ولع به الشؤم، كم تلف من صلف وكم قرف من سرف، ~~عدو عاقل خير من صديق أحمق، التوفيق من السعادة والخذلان من الشقاوة PageV01P201 # من بحث على عيوب الناس فبنفسه بدأ، من كان في حاجة أخيه كان الله في ~~حاجته من سلم من ألسنة الناس كان سعيدا، من صحب الملوك تشاغل بالدنيا، ~~الفقر طرف من الكفر، من وقع في ألسنة الناس هلك، من تحفظ من سقط الكلام ~~أفلح، كل معروف صدقة، كم من غريب خير من قريب، لو ألقيت الحكمة على الجبال ~~لزعزعتها، كم من غريق هلك في بحر الجهالة وكم من عالم قد أهلكته الدنيا، ~~خير أخوانك من واساك وخير منه من كفاك، خير مالك ما أعانك على حاجتك، خير ~~من صبرت عليه من لا بد لك منه، أحق من أطعت مرشد لا يعصيك، من أحب الدنيا ~~جمع لغيره، المعروف فرض والأيام ms166 دول، عند تناهي البلاء يكون الفرج، من كان ~~في النعمة جهل قدر البلية، من قل سروره كان في الموت راحته، قد ينمي القليل ~~فيكثر ويضمحل الكثير فيذهب، رب أكلة منعت أكلات، أفلج حجة من شهد له خصمه ~~بالفلج، السؤال مذلة والعطاء محبة، من حفر لاخيه بئرا كان بترديه فيها ~~جديرا، أملك عليك لسانك حسن التدبير مع الكفاف أكفى من الكثير مع الإسراف، ~~الفاحشة كاسمها مع كل جرعة شرقه، مع كل أكلة غصة، بحسب السرور يكون التنغيص ~~العقل عدو الهوى، الهوى يهوي بصاحبه الهوى عدو العقل الليل اخفى للويل، ~~صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، من أكثر من شيء عرف به، رب كبير ~~جاهه صغير، رب ملوم لا ذنب له، الحر حر ولو مسه الضر، ما ضل من استرشد ولا ~~حار من استشار، الحازم لا يستبد برأيه آمن من نفسك عندك من وثقت به على ~~سرك، المودة بين الآباء قرابة بين الأبناء. # وقال ((عليه السلام)): من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه ومن بالغ في ~~الخصومة اثم ومن قصر فيها ظلم من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته، إنه ليس ~~لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها، من عظم صغار المصائب ابتلاه ~~الله بكبارها الولايات مضامير الرجال ليس بلد بأحق بك من بلد، خير البلاد ~~ما حملك، إذا كان في الرجل خلة PageV01P202 # رائعة فانتظر أخواتها، الغيبة جهد العاجز، رب مفتون بحسن القول فيه، ما ~~لابن آدم والفخر أوله نطفة وآخره جيفة لا يرزق نفسه ولا يدفع حتفه، الدنيا ~~تغر وتضر وتمر، إن الله (تعالى) لم يرضها ثوابا لأوليائه ولا عقابا ~~لأعدائه، وإن أهل الدنيا كركب بيناهم حلوا إذ صاح صائحهم فارتحلوا، من صارع ~~الحق صرعه، القلب مصحف البصر، التقى رئيس الأخلاق، ما أحسن تواضع الأغنياء ~~للفقراء طلبا لما عند الله وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالا على ~~الله، كل مقتصر عليه كاف، الدهر يوما يوم لك ويوم عليك فإن كان لك فلا تبطر ~~وإن كان عليك فلا تضجر، من ms167 طلب شيئا ناله أو بعضه، الركون إلى الدنيا مع ما ~~يعاين منها جهل والتقصير في حسن العمل مع الوثوق بالثواب عليه غبن ~~والطمأنينة إلى كل احد قبل الاختبار عجز والبخل جامع لمساوئ الأخلاق، نعم ~~الله على العبد مجلبة لحوائج الناس إليه فمن قام لله فيها بما يجب عرضها ~~للدوام والبقاء ومن لم يقم [فيها بما يجب] عرضها للزوال والفناء، الرغبة ~~مفتاح النصب والحسد مطية التعب، من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ~~يعنيه، من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذلك الاحمق بعينه، ~~العفاف زينة الفقر والشكر زينة الغنى، رسولك ترجمان عقلك وكتابك أبلغ ما ~~ينطق عنك، الناس ابناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب أمه، الطمع ضامن غير ~~وفي والأماني تعمي أعين البصائر، لا تجارة كالعمل الصالح ولا ربح كالثواب ~~ولا قائد كالتوفيق ولا حسب كالتواضع ولا شرف كالعلم ولا ورع كالوقوف عند ~~الشبهة، ولا قرين كحسن الخلق ولا عبادة كأداء الفرائض ولا عقل كالتدبير ولا ~~وحدة أوحش من العجب ومن أطال الأمل أساء العمل. # وسمع ((عليه السلام)) رجلا من الحرورية يقرأ ويتهجد، فقال: نوم على يقين ~~خير من صلاة في شك، إذا تم العقل نقص الكلام، قدر الرجل على قدر همته، قيمة ~~كل امرئ ما يحسنه، المال مادة الشهوات الناس أعداء ما جهلوا، أنفاس المرء ~~خطاه إلى أجله. PageV01P203 # خاتمة رائقة وحكمة فائقة: # سئل ((عليه السلام)) عن أحوال الإسلام والإيمان والكفر والنفاق فذكر ما ~~يطرب سماعه ويعجب إبداعه، فقال: # أما الإسلام فسهلة شرائعه لمن رزقه وعرة أركانه على من حرمه لا يصطلمه ~~محارب ولا يحاربه فائز، عز لمن تولاه علو لمن دخل فيه هاد لمن اقتفاه زينة ~~لمن تحلى به، نور لمن انتحاه عصمة لمن تمسك به شرف لمن عرفه، حجة لمن خاصم ~~به لب لمن تدبر، يقين لمن عقل بصيرة لمن عزم آية لمن توسم عبرة لمن اتعظ ~~نجاة لمن صدق راحة لمن فوض، مودة لمن أصلح زلفى لمن ارتقب ثقة لمن توكل ms168 خير ~~لمن سارع. الحق سبيله والهدى صفته والحسنى ثمرته، فهو ابلج المنهاج مشرق ~~المنار، مضيء المصابيح جامع الحلية قديم العزة يسير المسلك واضح البيان، ~~الأمن منهاجه والصالحات مناره والفقه مصابيحه والدنيا مضماره والموت غايته، ~~والقيامة حلبته والجنة سبقته والنار نقمته والمحسنون فرسانه والله (تعالى) ~~ولي ذلك كله. # فأما الإيمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد فالصبر ~~على أربع شعب: فمن اشتاق إلى الجنة صبر عن الشهوات، ومن أشفق من النار صبر ~~على المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ومن ارتقب الموت سارع ~~إلى الخيرات. # واليقين على أربع شعب: بصيرة الفطنة وتأول الحكمة ومعرفة العبرة واتباع ~~سنة الأولين، فمن أبصر الفطنة تأول الحكمة ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن ~~عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنه كان في الأولين. # والعدل على أربع شعب: على الفهم والعلم والحلم والحكم، فمن فهم جمع العلم ~~ومن علم عرف شرائع الحلم ومن عرف شرائع الحلم لم يضل في الحكم، ومن حكم ~~عدلا لم يفرط في أمره وعاش حميدا. PageV01P204 # والجهاد على أربع شعب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في ~~المواطن وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهور المؤمنين، ومن نهى عن ~~المنكر ارغم آناف الفاسقين، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه، ومن شنأ ~~الفاسقين غضب لله ومن غضب لله غضب الله له فأزلفه وأعلى مقامه. # وأما الكفر فعلى أربع دعائم: الشقاق والغلو والشك والشبهة والشقاق من ذلك ~~على أربع شعب: الجفاء والعماء والغفلة والعتو. فمن جفا احتقر الحق وجهر ~~بالباطل ومقت العلماء وأصر على الحنث العظيم ومن عمي نسي الذكر واتبع الظن ~~وطلب المغفرة بلا توبة ولح عليه الشيطان، ومن غفل حار عن الرشد وغرته ~~الأماني وأخذته الحسرة والندامة وبدا له من الله ما لم يكن يحتسبه، ومن عنا ~~عن أمر الله أذله بعز سلطانه وصغره بجلاله كما اغتر بربه الكريم. # والغلو على أربع شعب: التعمق والتنازع والزيغ والشقاق. فمن تعمق له لم ~~يثب إلى الحق ولم يزدد إلا ms169 تمردا في الغمرات ولم ينحسر عنه فتنة إلا غشيته ~~أخرى وانخرق دينه، فهو يهوى في أمر مريج ومن نازع تخاصم ومن خاصم انقطع به ~~العمل عن سلوك نهج النجاح ومن زاغ قبحت عنده الحسنة وحسنت عنده السيئة، ومن ~~شاق أعورت عليه طرقه واعترض عليه أمره، وضاق مخرجه وضل هداه إذ لم يتبع ~~سبيل المؤمنين. # والشك على أربع شعب: الهول والتردد والإقدام والاستسلام. فمن هاله ما بين ~~يديه نكص على عقبيه، ومن تردد في الريب سبقه الأولون فأدركه الآخرون، ومن ~~أقدم بلا بصيرة وطأته سنابك الشيطان، ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة هلك، ~~فمن نجا فمن فضل اليقين فبأي آلاء ربك تتمارى. # والشبهة على أربع شعب: اعجاب بالزينة وسول النفس وتأول العوج ولبس الحق ~~بالباطل. فالزينة باقية عن البيعة والعجب بها راسخ PageV01P205 # في الجبلة، فإن النفس تهجم على الشهوة فتسولها وإن العوج يميل ميلا ~~عظيما، وإن اللبس ظلمات بعضها فوق بعض. وأما النفاق فعلى أربع دعائم: الهوى ~~والهوينا والحفيظة والطمع، فالهوى على أربع شعب: البغي والعدوان والشهوة ~~والطغيان. فمن بغى كثرت غوائله ونصر عليه وتخلى عنه، ومن اعتدى لن تؤمن ~~بوائقه ولم يسلم قلبه ولم يعدل نفسه عن الشهوات وإتيان الخبيثات، ومن طغى ~~ضل عن المحجة بلا حجة. # والهوينا على أربع شعب: الغرة والأمل والهنية والمماطلة، وذلك أن الهنية ~~تؤخر الحق وتعضد الغرة بالمماطلة في الأمل حتى يقدم الأجل، ولو لا الأمل ~~علم الإنسان علم ما هو فيه، ولو علم ذلك مات خاليا من الهوى. # والدخل والحفيظة على أربع شعب: الكبر والفخر والحمية والعصبية. فمن ~~استكبر أدبر عن الحق، ومن فخر فجر ومن حمى أصر، ومن أخذته العصبية جار، ~~وبئس الأمر بين إدبار وفجور وإضرار وجور عن الصراط المستقيم. # والطمع على أربع شعب: الفرح والمرح واللجاجة والبطر. # فالفرح مكروه عند الله تعالى والمرح خيلاء واللجاجة بلاء فيمن اضطرته ~~حبائل الآثام، والبطر لهو ولعب وشغل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ~~وكل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها. فهذه أحوال الإسلام والإيمان ms170 والكفر ~~والنفاق، ودعائم كل واحد منهما. # شيء من خطبه ومواعظه: ### | النوع الخامس: في شيء من خطبه ومواعظه # مما نقلته الرواة وورثه الثقات عنه ((عليه السلام)): قد اشتمل كتاب نهج ~~البلاغة المنسوب إليه ((عليه السلام)) على أنواع من خطبه ومواعظه الصادعة ~~بأوامرها ونواهيها، المطلعة أنوار الفصاحة والبلاغة مشرقة من ألفاظها ~~ومعانيها الجامعة حكم عيون علم المعاني والبيان على اختلاف أساليبها مودعة PageV01P206 # فيها، ولا يليق نقل ما فيه مع شهرته وكثرة نسخه بمنصب من نصب نفسه لجمع ~~أشتات المناقب من أرجاء محالها ونواحيها، وإن حصل الإعراض عن نقله لم تظفر ~~يد الطلب بالمقاصد التي نتوخاها ونبتغيها فرأيت أن اقتصر على شيء يسير ~~منها لئلا يخلو هذا النوع الذي هو أحد دعائم هذا الفصل عنها. ### ||| فمنها ما ذكره بعد انصرافه من صفين. # أحمده استتماما لنعمته واستسلاما لعزته واستعصاما من معصيته واستعينه ~~فاقة إلى كفايته إنه لا يضل من هداه ولا يئل من عاداه ولا يفتقر من كفاه ~~فإنه أرجح ما وزن وأفضل ما خزن. # وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة ممتحنا اخلاصها معتقدا مصاصها نتمسك بها ~~أبدا ما أبقانا وندخرها لأهوال ما يلقانا فإنها عزيمة الإيمان وفاتحة ~~الإحسان ومرضاة الرحمن. # واشهد أن محمدا عبده ورسوله ارسله بالدين المشهور، والعلم المأثور ~~والكتاب المسطور، والنور الساطع والضياء اللامع والأمر الصادع، إزاحة ~~للشبهات واحتجاجا بالبينات وتحذيرا بالآيات وتخويفا بالمثلات، والناس في ~~فتن انجذم فيها حبل الدين وتزعزعت سواري اليقين، فاختلف النجر وتشتت الأمر ~~وضاق المخرج وعمي المصدر، فالهدى خامل والعمى شامل، عصي الرحمن ونصر ~~الشيطان وخذل الإيمان، فانهارت دعائمه وتنكرت معالمه ودرست سبله وعفت شركه، ~~أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ووردوا مناهله، بهم سارت أعلامه وقام لواؤه ~~في فتن داستهم بأخفافها ووطأتهم بأظلافها، فهم فيها تائهون حائرون مفتونون ~~في خير دار وشر جيران نومهم سهود وكحلهم دموع بأرض عالمها ملجم وجاهلها مكرم. # ومنها: أيها الناس شقوا أمواج اليقين بسفن النجاة وعرجوا عن طريق ~~المنافرة وضعوا تيجان المفاخرة، افلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح، هذا ~~ماء ms171 آجن ولقمه يغص بها آكلها ومجتني الثمرة لغير وقت ايناعها PageV01P207 # كالزارع بغير أرضه، فإن أقل يقولوا حرص على الملك وإن اسكت يقولوا جزع من ~~الموت، هيهات بعد اللتيا والتي والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل ~~بثدي أمه، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم كاضطراب الأرشية في ~~الطوى البعيدة. ### ||| ومن خطبه ((عليه السلام)): # أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وأذنت بوداع، وأن الآخرة قد أقبلت وأشرقت ~~باطلاع ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، والسبقة الجنة والغاية النار، ~~أفلا تائب من خطيئته قبل منيته؟ الا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه، ألا وإنكم في ~~أمل من ورائه أجل، فمن عمل أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله ولم يضره ~~أجله، ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضره اجله، الا ~~فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة الا واني لم أر كالجنة نام طالبها، ~~ولا كالنار نام هاربها، ألا وإنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل ومن لا ~~يستقيم به الهدى يجر به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على ~~الزاد، وإن أخوف ما به عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، تزودوا في الدنيا من ~~الدنيا ما تحوزوا به أنفسكم غدا. ### ||| ومن خطبته في استنفار الناس إلى أهل الشام وقد تثاقلوا: # أف لكم قد سئمت عتابكم، أرضيتم من الآخرة بالحياة الدنيا عوضا وبالذل من ~~العز خلفا؟ إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة ~~ومن الذهول في سكرة، ويرتج عليكم حواري فتعمهون وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم ~~لا تعقلون، ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، ما أنتم لي بركن يمال بكم ولا ~~زوافر عز يفتقر إليكم، ما أنتم إلا كالإبل ضل رعاتها فكلما جمعت من جانب ~~انتشرت من جانب، لبئس العمل لعمر الله سعر نار الحرب، أنتم تكادون ولا ~~تقتدون وتنقص أطرافكم ولا PageV01P208 # تمتعضون، لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، غلب والله المتخاذلون وايم ~~الله اني لأظن بكم أن ms172 لو حمس الوغا واستحر الموت قد انفرجتم عن ابن أبي ~~طالب انفراج الرأس، والله ان امرأ يمكن عدوه من نفسه يعرق لحمه ويهشم عظمه ~~ويفري جلده، لعظيم عجزه ضعيف قلبه حرج صدره، أنت فكن ذاك إن شئت فأما أنا ~~فو الله دون أن أعطي ذاك ضرب بالمشرفية، تطير منه فراش الهام وتطيح السواعد ~~والاقدام ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء. # ومن خطبته [(عليه السلام)] الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح ~~والحدث الجليل فإنه لا ينجو من الموت من خافه ولا يعطى البقاء من أحبه، ألا ~~وإن الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنة أوفى منه وما يغدر من علم كيف المرجع، ~~ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا ونسبهم أهل الجهل فيه إلى ~~حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم الله وقد يرى الحول القلب بوجه الحيلة ودونها ~~مانع من الله (تعالى) ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة، وينتهز فرصتها من ~~لا حريجة له في الدين. ### ||| ومن كلام لأصحابه في بعض مواقف صفين: # معاشر المسلمين استشعروا الخشية وتجلببوا المسكنة وعضوا على النواجذ، ~~فإنه أنبى للسيوف عن الهام وأكملوا اللامة وقلقلوا السيوف من أغمادها قبل ~~سلها والحظوا الخزر وأطعنوا الشزر ونافحوا بالظبى وصلوا السيوف بالخطى ~~واعلموا أنكم بعين من الله (تعالى) ومع ابن عم رسول الله، فعاودوا الكر ~~واستحيوا من الفر فإنه عار في الأعقاب ونار يوم الحساب، وطيبوا عن أنفسكم ~~نفسا وامشوا إلى الموت مشيا سجحا، عليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنب ~~فاضربوا ثبجه فإن الشيطان كامن في كسره، وقد قدم للوثبة يدا وأخر PageV01P209 # للنكوص رجلا، فصمدا صمدا حتى ينجلي عمود الحق وأنتم الأعلون والله معكم ~~ولن يتركم أعمالكم. ### ||| ومن كلامه في خطبته: # رحم الله عبدا سمع حكما فوعى ودعي إلى رشاد فدنا وأخذ بحجزة هاد فنجا، ~~وراقب ربه وخاف ذنبه وقدم خالصا وعمل صالحا، واكتسب مدخورا واجتنب محذورا، ~~ورمى غرضا واحرز عوضا وكابر هواه وكذب مناه، وجعل الصبر مطية نجاته والتقوى ~~عدة وفاته، وركب الطريقة الغراء ولزم المحجة البيضاء، ms173 واغتنم المهل وبادر ~~الأجل وتزود من العمل قبل انقطاع الأمل. ### ||| ومن خطبة يوبخ أهل الكوفة وقد تثاقلوا في الخروج إلى الخوارج معه: # أيتها الفئة المجتمعة أبدانهم المتفرقة أديانهم، إنه والله ما عزت دعوة ~~من دعاكم ولا استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهن الصم الصلاب وفعلكم يطمع ~~فيكم عدوكم المرتاب، إذا دعوتكم إلى أمر فيه صلاحكم والذب عن حريمكم ~~اعتراكم الفشل وجئتم بالعلل، ثم قلتم كيت وكيت وذيت وذيت، أعاليل وأضاليل ~~وأقوال الأباطيل، ثم سألتموني دفاع ذي الدين المطول. هيهات هيهات إنه لا ~~يدفع الضيم الذل ولا يدرك الحق إلا بالجد، فخبروني يا أهل العراق مع أي ~~إمام بعدي تقاتلون أم أية دار تمنعون، الذليل والله من نصرتموه والمغرور من ~~غررتموه، أصبحت لا أطمع في نصركم ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم ~~وابدلكم بي غيري وأبدلني بكم من هو خير لي منكم، أما أنه ستلقون بعدي ذلا ~~شاملا وسيوفا قاطعة وإثره قبيحة يتخذها الظالمون عليكم سنة، فتبكي عيونكم ~~ويدخل الفقر بيوتكم وقلوبكم، وتمنون في بعض حالاتكم أنكم رأيتموني ~~فنصرتموني وأرقتم PageV01P210 # دماءكم دوني، فلا يبعد الله من ظلم. يا أهل الكوفة أعظكم فلا تتعظون ~~وأوقظكم فلا تستيقظون، إن من فاز بكم فقد فاز بالخيبة ومن رمى بكم فقد رمى ~~بافوق ناضل، أف لكم لقد لقيت منكم برحا يوما أناديكم ويوما أناجيكم، فلا ~~أحرار عند النداء ولا ثبة عند المصائب، فيا لله ما ذا منيت به منكم، لقد ~~منيت بصم لا يسمعون وكمه لا يبصرون وبهم لا يعقلون، أما والله لو أني حين ~~أمرتكم بأمري حملتكم على المكروه مني فإذا استقمتم هديتم وإن أبيتم بدأت ~~بكم ولكانت الزلفى، ولكني تراخيت لكم وتوانيت عنكم وتماديتم في غفلتكم فكنت ~~أنا وأنتم كما قال الأول: # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى %~% فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # اللهم إن دجلة والفرات نهران أصمان أبكمان، فأرسل عليهم ماء بحرك وانزع ~~منهم ماء نصرك، حبذا إخواني الصالحون ان دعوا إلى الإسلام قبلوه، وقرءوا ~~القرآن فأحكموه وندبوا إلى الجهاد فطلبوه، ms174 فحقيق لهم الثناء الحسن وا شوقاه ~~إلى تلك الوجوه. # ثم ذرفت عيناه ونزل عن المنبر وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون إلى ما صرت ~~إليه، صرت إلى قوم إن أمرتهم خالفوني وان اتبعتهم تفرقوا عني، جعل الله لي ~~منهم فرجا عاجلا. # ثم دخل منزله فجاءه رجل من أصحابه فقال له: يا أمير المؤمنين إن الناس قد ~~ندموا على تثبطهم وقعودهم وعلموا أن الحظ إجابتك لهم فعاودهم في الخطبة. # فلما أصبح من غد دخل المسجد الأعظم ونودي بالناس فاجتمعوا، فلما أن غص ~~المسجد من الناس صعد المنبر وخطب هذه الخطبة، فقال: أما بعد، حمدا لله ~~(تعالى) أيها الناس، ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت وإلى بلادكم تغزى ~~وأنتم ذوو عدد جم وشوكة شديدة، فما بالكم اليوم لله أبوكم من أين تؤتون ومن ~~أين تسحرون وأنى تؤفكون؟. انتبهوا رحمكم الله وتحركوا لحرب عدوكم فقد ابدت ~~الرغوة عن الصريح لذي عينين وقد أضاء PageV01P211 # الصبح لذي عشاء فاسمعوا قولي هداكم الله إذ قلت وأطيعوا أمري إذا أمرت، ~~فو الله لئن اطعتموني لن تغووا وإن عصيتموني لن ترشدوا، خذوا للحرب أهبتها ~~وأعدوا لها عدتها واجمعوا لها، فقد شبت وأوقدت نارها وتحرك لكم الفاسقون ~~لكي يطفئوا نور الله ويغزوا عباد الله، فو الله أن لو لقيتهم وحدي وهم ~~أضعاف ما هم عليه لما كنت بالذي أهابهم ولا أستوحش من قتالهم، فاني من ~~ضلالتهم التي هم عليها والحق الذي أنا عليه لعلى بصيرة ويقين، وإني إلى ~~لقاء ربي لمشتاق ولحسن ثوابه لمنتظر، وهذا القلب الذي القاهم به هو القلب ~~الذي لقيت به الكفار مع رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، وهو القلب ~~الذي لقيت به أهل الجمل وأهل صفين ليلة الهرير. فإذا أنا نفرتكم فانفروا ~~خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون. اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى وجنبنا وإياهم البلوى واجعل الآخرة ~~لنا ولهم خيرا من الأولى. # فلما فرغ من كلامه أجابه الناس سراعا فخرج بهم إلى الخوارج. # ونقل ms175 ان جماعة حضروا لديه وتذاكروا فضل الخط وما فيه فقالوا: # ليس في الكلام أكثر من الألف ويتعذر النطق بدونها فقال لهم في الحال هذه ~~الخطبة من غير سابق فكرة ولا تقدم روية وسرها وليس فيها ألف: # حمدت من عظمت منته وسبغت نعمته وتمت كلمته ونفذت مشيئته وبلغت حجته وعدلت ~~قضيته وسبقت غضبه رحمته، حمدته حمد مقر بربوبيته متخضع لعبوديته متنصل من ~~خطيئته معترف بتوحيده مستعيذ من وعيده، مؤمل من ربه مغفرة تنجيه يوم يشغل ~~كل عن فصيلته وبنيه ونستعينه ونسترشده ونؤمن به ونتوكل عليه، وشهدت له شهود ~~عبد مخلص موقن وفردته تفريد مؤمن متقن ووحدته توحيد عبد مذعن ليس له شريك ~~في ملكه ولم يكن له ولي في صنيعه جل عن مشير ووزير وعون ومعين ونظير، علم ~~فستر وبطن فخبر وملك فقهر وعصى فغفر PageV01P212 # وعبد فشكر وحكم فعدل وتكرم وتفضل لن يزول ولم يزل، ليس كمثله شيء وهو ~~قبل كل شيء وبعد كل شيء رب متفرد بعزته متمكن بقوته متقدس بعلوه متكبر ~~بسموه ليس يدركه بصر ولم يحط به نظر، قوي منيع بصير سميع رءوف رحيم عجز عن ~~وصفه من وصفه وضل عن نعته من عرفه قرب فبعد وبعد فقرب، يجيب دعوة من يدعوه ~~ويرزقه ويحبوه ذو لطف خفي وبطش قوي ورحمة موسعة وعقوبة موجعة رحمته جنة ~~عريضة مونقة وعقوبته جحيم ممدودة موبقة وشهدت ببعث محمد ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه وخليله بعثه في خير عصر وحين ~~فترة وكفر رحمة لعبيده ومنة لمزيده، ختم به نبوته ووضح به حجته فوعظ ونصح ~~وبلغ فكدح رءوف بكل مؤمن رحيم سخي ولي رضي زكي عليه رحمة وتسليم وبركة ~~وتعظيم وتكريم من رب غفور رحيم قريب مجيب حليم. وصيتكم معشر من حضر بوصية ~~ربكم وذكرتكم سنة نبيكم فعليكم برهبة تسكن قلوبكم وخشية تذري دموعكم وتقية ~~تنجيكم قبل يوم يذهلكم ويبتليكم يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته وخف وزن ~~خطيئته، وعليكم بمسألة ذل وخضوع وتملق وخشوع وتوبة ونزوع وليغنم ms176 كل منكم ~~صحته قبل سقمه وشبيبته قبل هرمه وسعته قبل فقره وفرغته قبل شغله وحضره قبل ~~سفره وحياته قبل موته، قيل يهن ويهرم ويمرض ويسقم ويمله طبيبه ويعرض عنه ~~حبيبه وينقطع عمره ويتغير عقله ثم قيل هو موعوك وجسمه منهوك ثم جد في نزع ~~شديد وحضر كل قريب وبعيد فشخص ببصره وطمح بنظره ورشح جبينه وخطف عرنينه ~~وجذبت نفسه وبكت عرسه وحفر رمسه ويتم منه ولده وتفرق عنه عدده وفصم جمعه ~~وذهب بصره وسمعه وجرد وغسل ونشف وسجى وبسط له وهيئ ونشر عليه كفنه وشد منه ~~ذقنه وحمل فوق سرير وصلى عليه بتكبير بغير سجود وتعفير، ونقل من دور مزخرفة ~~وقصور مشيدة وفرش منجدة فجعل في ضريح ملحود ضيق موصود بلبن منضود مسقف ~~بجلمود، وهيل عليه عفره وحثى مدره وتحقق PageV01P213 # حذره ونسي خبره ورجع عنه وليه ونديمه ونسيبه وحميمه وتبدل به قريبه ~~وحبيبه، فهو حشو قبر ورهين حشر يدب في جسمه دود قبره ويسيل صديده من منخره ~~وتسحق تربته لحمه وينشف دمه ويرم عظمه حتى يوم حشره، فينشره من قبره وينفخ ~~في صور ويدعى لمحشر ونشور فثم بعثرت قبور وحصلت سريرة صدور وجيء بكل نبي ~~وصديق وشهيد ونطيق، وقعد لفصل حكمه قدير بعبده خبير نصير فكم زفرة تغنيه ~~وحسرة تضنيه في موقف مهيل ومشهد جليل، بين يدي ملك عظيم بكل صغيرة وكبيرة ~~عليم فحينئذ يلجمه عرقه ويحفزه قلقه، فعبرته غير مرحومة وصرخته غير مسموعة ~~وبرزت صحيفته وتبينت جريرته فنظر في سوء عمله وشهدت عينه بنظره ويده ببطشه ~~ورجله بخطوه وجلده بلمسه وفرجه بمسه، وتهدده منكر ونكير وكشف له حيث يصير ~~فسلسل جيده وغلت يده وسيق يسحب وحده، فورد جهنم بكرب شديد وظل يعذب في جحيم ~~ويسقى شربة من حميم تشوي وجهه وتسلخ جلده، يستغيث فيعرض عنه خزنة جهنم ~~ويستصرخ خفية بندم نعوذ برب قدير من شر كل مصير ونسأل عفو من رضي عنه ~~ومغفرة من قبل منه، وهو ولي مسألتي ومنجح طلبتي فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل ~~في جنته ms177 بقربه وخلد في قصور ونعمة وملك بحور عين وتقلب في نعيم وسقي من ~~تسنيم مختوم بمسك وعبير يشرب من خمر معذوذب شربة ليس تنزف لبه. هذه منزلة ~~من خشي ربه وحذر نفسه وتلك عقوبة من عصى منشئه وسولت له نفسه معصيته، لهو ~~قول فصل خير قصص قص ووعظ به ونص تنزيل من حكيم حميد. # فهذه خطبة اسجلها من علم بيانه المؤتلف وارتجلها لوقته عرية عن الألف، ~~وجعلها عنوان علمه المتنوع وفضله المختلف تشهد أن العناية الربانية مرت له ~~اخلاف العلوم والآداب واستخرجت بمخضها له منه زبد الأوطاب، وأنزلت على قلبه ~~ولسانه معرفة الحكمة وفصل الخطاب. PageV01P214 ### ||| ومما نقل عنه ((عليه السلام)) من المنهاج البديع والازدواج الصنيع ما جمع بلاغة التصحيف وبراعة التأليف: # غرك عزك فصار قصار ذلك ذلك فاخش فاحش فعلك فعلك بهذا تهدا والسلام. # ومما نقل عنه ((عليه السلام)) في هذا المقام ما هو أفصح وضعا وأرجح نفعا ~~وأبلغ لأنواع البلاغة والفصاحة جمعا قوله: العالم حديقة سياجها الشريعة ~~والشريعة سلطان تجب له الطاعة والطاعة سياسة يقوم بها الملك والملك راع ~~يعضده الجيش والجيش أعوان يكفلهم المال والمال رزق تجمعه الرعية والرعية ~~سواد يستعبدهم العدل والعدل أساس به قوام العالم. # وعنه مما يعد من مقصود هذا المقام من هذا الأسلوب وينضد في عقود أقسام ~~المرام المطلوب ما ذكره في حكم الأحكام المشروعة في قسمي المرغوب والمرهوب ~~قوله: أوجب الله الإيمان تطهيرا من الشرك والصلاة تنزيها من الكبر والزكاة ~~سببا للرزق والصيام ابتلاء للاخلاص والحج تقوية للدين، والجهاد عزا للإسلام ~~والأمر بالمعروف مصلحة للخلق والنهي عن المنكر ردعا للسفهاء وصلة الرحم ~~منماة للعدد والقصاص حقنا للدماء وإقامة الحدود إعظاما للمحارم وحرم الزنا ~~تصحيحا للانساب وشرب الخمر تحصينا للعقول والسرقة حفظا للاموال واللواط ~~تكثيرا للنسل والكذب تشريفا للصدق، وشرح الشهادات استظهارا على الجاحدين ~~والسلام أمانا للخائفين والأمانة نظاما للامة والطاعة تعظيما للامامة. ### | القسم الثاني: من كلامه المنظوم ((عليه السلام)) # قد تقدم في الفصل الأول شيء من شعره ونظمه اقتضى مضمون ذلك الفصل إيراده ms178 ~~فيه، فما حاجة إلى إعادته في الفصل فإن إعادة الشيء ركاكة وتكراره لغيره ~~مزيد مقصد سماجة فنورد ما عداه قوله: PageV01P215 # دليلك ان الفقر خير من الغنى %~% وان قليل المال خير من المثري # لقاؤك مخلوقا عصى الله بالغنى %~% ولم تر مخلوقا عصى الله بالفقر # وقوله: # لكل اجتماع من خليلين فرقة %~% وكل الذي دون الوفاة قليل # وإن افتقادي واحدا بعد واحد %~% دليل على أن لا يدوم خليل # وقوله: # علل النفس بالكفاف وإلا %~% طلبت منك فوق ما يكفيها # ما لما قد مضى ولا للذي لم %~% يأت من لذة لمستحليها # إنما أنت طول مدة ما %~% عمرت كالساعة التي أنت فيها # وقوله يرثي رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)). # أمن بعد تكفين النبي ودفنه %~% بأثوابه آسى على ميت ثوى # رزينا رسول الله فينا فلن نرى %~% بذلك عدلا ما حيينا من الرزى # وكان لنا كالحصن من دون أهله %~% لهم معقل فيه حصين من العدى # وكنا برؤياه نرى الفوز والهدى %~% صباح مساء راح فينا او اغتدى # وقد غشيتنا ظلمة بعد موته %~% نهارا وقد زادت على ظلمة الدجى # فيا خير من ضم الجوانح والحشا %~% ويا خير ميت ضمه الترب والثرى # كأن أمور الناس بعدك ضمنت %~% سفينة موج البحر والبحر قد طمى # وضاق فضاء الأرض عنهم برحبه %~% لفقد رسول الله إذ قيل قد قضى # فقد نزلت بالمسلمين مصيبة %~% كصدع الصفا لأشعب الصدع في الصفا # فلن يستقل الناس تلك مصيبة %~% ولن يجبر العظم الذي منهم وهى # وفي كل وقت للصلاة يهيجه %~% بلال ويدعو باسمه كل من دعا # ويطلب أقوام مواريث هالك %~% ولله ميراث النبوة والهدى # وقد نقلت [في] هذه المرثية زيادة أخرى فما رأيت اسقاطها فأثبتها على ~~صورتها وهي هذه: # أمن بعد تكفين النبي ودفنه %~% بأثوابه آسى على هالك ثوى # لقد غاب في وقت الظلام لدفنه %~% عن الناس من هو خير من وطئ الحصا PageV01P216 # رزينا رسول الله فينا فلن ترى %~% لذلك عدلا ما حيينا من الرزى # رزينا رسول الله فينا ووحيه %~% فخير خيار ما رزينا ولا سوى # وقوله أيضا ms179 يرثيه ((صلى الله عليه وآله وسلم)): # ألا طرق الناعي بليل فراعني %~% وأرقني لما استقل مناديا # فقلت له لما رأيت الذي أتى %~% أغير رسول الله إن كنت ناعيا # فحقق ما أشفقت عنه ولم يبل %~% وكان خليلي عزنا وجمالنا # فو الله ما أنساك أحمد ما مشت %~% بي العيس في أرض يجاوزن واديا # وكنت متى أهبط من الأرض تلعة %~% أرى أثرا منه جديدا وعافيا # شديد حرى الصدر نهد مصدر %~% هو الموت معدوا عليه وعاديا # ومما نقل عنه ((عليه السلام)) قوله وقيل هما لغيره: # زعم المنجم والطبيب كلاهما %~% أن لا معاد فقلت ذاك اليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر %~% أو صح قولي فالوبال عليكما # ومما نقل عنه ((عليه السلام)) قوله: # ولي فرس للخير بالخير ملجم %~% ولي فرس للشر بالشر مسرج # فمن رام تقويمي فاني مقوم %~% ومن رام تعويجي فاني معوج # ومما نقل عنه: # ولو أني أطعت حملت قومي %~% على ركن اليمامة والشآم # ولكني متى أبرمت أمرا %~% تنازعني أقاويل العظام # وقوله يرثي عمه حمزة لما قتل بأحد ((عليهما السلام)): # أتاني أن هذا خل صخر %~% دعت دركا وبشرت الهنودا # فان تفخر بحمزة يوم ولى %~% مع الشهداء محتسبا شهيدا # فإنا قد قتلنا يوم بدر %~% أبا جهل وعتبة والوليدا # وشيبة قد تركنا يوم أحد %~% على أثوابه علقا جسيدا PageV01P217 # فبوئ في جهنم شر دار %~% عليه لم يجد عنها محيدا # فما سيان من هو في جحيم %~% يكون شرابه فيها صديدا # ومن هو في الجنان يدر فيها %~% عليه الرزق مغتبطا حميدا # وقوله أيضا فيه يرثيه ((عليه السلام)): # رأيت المشركين بغوا علينا %~% ولجوا في الزراية والضلال # وقالوا نحن أكثر إذ نفرنا %~% غداة الروع بالاسل النهال # فإن تبغوا وتفتخروا علينا %~% بحمزة فهو في الغرف العوالي # فقد أودى بعروة يوم بدر %~% وقد أبلى وجاهد غير آل # وقد غادرت كبشهم جهارا %~% بحمد الله طلحة في المجال # فخر لوجهه ورفعت عنه %~% رقيق الحد حودث بالصقال # وقوله: # ألا أيها الموت الذي ليس تاركي %~% ارحني فقد أفنيت كل خليل # أراك بصيرا بالذين أحبهم %~% كأنك تسعى نحوهم بدليل # وحضر ms180 لديه إنسان فقال: يا أمير المؤمنين اسألك أن تخبرني عن واجب وأوجب ~~وعجيب وأعجب وصعب وأصعب وقريب وأقرب. فما انبجس بيانه بكلماته ولا خلس ~~لسانه في لهواته حتى أجابه ((عليه السلام)) بأبياته فقال: # توب الورى واجب عليهم %~% وتركهم للذنوب أوجب # والدهر في صرفه عجيب %~% وغفلة الناس عنه أعجب # والصبر في النائبات صعب %~% لكن فوت الثواب أصعب # وكل ما يرتجى قريب %~% والموت من كل ذاك أقرب # فياما أوضح لذوي الهداية لفظ جوابه المبين، وياما أفصح عند أولى الدراية ~~نظم خطابه المستبين، فلقد عبر أسلوبا من علم البيان PageV01P218 # مستوعرا عند المتأدبين، ومهد مطلوبا من حقيقة الإيمان مستعذبا عند ~~المقربين. # وقال ((عليه السلام)): إذا أقبلت الدنيا فأنفق منها فإنها لا تفنى، وإذا ~~أدبرت فأنفق منها فإنها لا تبقى وأنشد: # لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة %~% فليس ينقصها التبذير والسرف # وإن تولت فأحرى أن تجود بها %~% فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف # وقوله: # إذا جادت الدنيا عليك فجد بها %~% على الخلق طرا إنها تتقلب # فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت %~% ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب # وقوله ((عليه السلام)): # أصم عن الكلم المحفظات %~% وأحلم والحلم بي أشبه # وإني لأكره بعض الكلام %~% لئلا أجاب بما أكره # إذا ما اجتررت سفاه السفيه %~% علي فاني إذا أسفه # فكم من فتى يعجب الناظرين %~% له السن وله أوجه # وقوله ((عليه السلام)): # أتم الناس أعلمهم بنقصه %~% وقمعهم لشهوته وحرصه # فلا تستغلن عافية بشيء %~% ولا تسترخصن داء لرخصه # وقوله وقد دخل عليه الاشعث بن قيس فوجده قد أثر فيه صبره على العبادة ~~الشديدة ليلا ونهارا فقال: يا أمير المؤمنين إلى كم تصبر على مكابدة هذه ~~الشدة؟ فقال الأشعث: فما زادني على أن قال لي: # اصبر على مضض الإدلاج في السحر %~% وفي الغدو إلى الطاعات في البكر # إني رأيت وفي الايام تجربة %~% للصبر عاقبة محمودة الأثر # وقل من جد في شيء يؤمله %~% فاستشعر الصبر إلا فاز بالظفر PageV01P219 # وقوله: # فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه %~% فكم من جاهل أردى حليما حين آخاه # يقاس المرء ms181 بالمرء إذا ما هو ماشاه %~% وللشيء من الشيء مقاييس ~~وأشباه # وللقلب على القلب دليل حين يلقاه %~% ### | الفصل الحادي عشر: في أولاده ((عليه السلام)): # اعلم أيدك الله بروح منه أن أقوال الناس اختلفت في عدد أولاده ((عليه ~~السلام)) ذكورا وإناثا، فمنهم من أكثر فعد فيهم السقط ولم يسقط ذكر نسبه، ~~ومنهم من أسقطه ولم ير أن يحتسب في العدة فجاء قول كل واحد بمقتضى ما ~~اعتمده في ذلك وبحسبه. # والذي نقل في كتاب صفة الصفوة وغيره من تأليف الأئمة المعتبرين أن أولاده ~~((عليه السلام)) أربعة عشر ذكرا والإناث تسع عشرة وهذا تفصيل أسمائهم، ~~الذكور: # الحسن، الحسين، محمد الأكبر عبيد الله أبو بكر العباس عثمان جعفر عبد ~~الله محمد الأصغر يحيى عون عمر محمد الأوسط. # الإناث: # زينب الكبرى أم كلثوم الكبرى أم الحسن رملة الكبرى أم هاني ميمونة زينب ~~الصغرى رملة الصغرى أم كلثوم الصغرى رقية فاطمة أمامه خديجة أم الكرام أم ~~سلمة أم جعفر جمانة نفيسة بنت أخرى لم يذكر اسمها ماتت صغيرة. # فهذا عدد أولاده ذكورا وإناثا. وذكر قوم آخرون زيادة على ذلك وذكروا فيهم ~~محسنا شقيقا للحسن والحسين ((عليهما السلام)) كان سقطا فالحسن والحسين ~~((عليهما السلام)) وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى، هؤلاء الأربعة ((رضي ~~الله عنهم)) من الطهر البتول فاطمة بنت الرسول ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)). PageV01P220 # ومحمد الأكبر هو ابن الحنفية واسمها خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية وقيل ~~غير ذلك. # وعبيد الله وأبو بكر أمهما ليلى بنت مسعود. # والعباس وعثمان وجعفر وعبد الله أمهم ام البنين بنت حزام بن خالد. # ويحيى وعون امهما [اسماء] بنت عميس. # ومحمد الاوسط أمه أمامة بنت أبي العاص وهذه أمامة هي بنت زينب بنت رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) المحمولة في الصلاة. # وأم الحسن ورملة الكبرى أمهما أم سعيد بنت عروة. # فهؤلاء من المعقود عليهن نكاحه، وبقية الأولاد من أمهات شتى أمهات أولاد. # وكان يوم قتله ((عليه السلام)) عنده أربع حرائر في نكاحه وهن: أمامة بنت ~~أبي العاص بنت بنت ms182 رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) تزوجها بعد موت ~~خالتها البتول فاطمة ((رضي الله عنها))، وليلى بنت مسعود التميمية وأسماء ~~بنت عميس الخثعمية وام البنين الكلابية، وأمهات الاولاد ثماني عشرة أم ولد ~~والسلام. ### | الفصل الثاني عشر: في مبلغ عمره ووفاته ومقتله ((عليه السلام)): # قد تقدم القول في ولادته وبيان وقتها وإذا كان مبدأ عمره مضبوطا وهو ~~الطرف الأول، وكان آخر عمره مضبوطا وهو الطرف الثاني يستلزم ذلك ظهور مقدار ~~مدة عمره، وقد صح النقل أنه ((عليه السلام)) ضربه عبد الرحمن بن ملجم صبح ~~ليلة الجمعة لكن قيل لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وقيل ليلة الثالث ~~والعشرين من رمضان ومات ليلة PageV01P221 # الأحد ثالث ليلة ضربه من سنة أربعين للهجرة، فيكون عمره خمسا وستين سنة ~~وقيل بل كان ثلاثا وستين سنة وقيل بل كان ثماني وخمسين سنة وقيل بل كان ~~سبعا وخمسين سنة. # وأصح هذه الأقوال هو القول الأول فإنه عضده ما نقل عن معروف أنه قال: ~~سمعت من أبي جعفر محمد بن علي الرضا ((سلام الله عليهما )) يقول قتل علي ~~وله خمس وستون سنة فهذه مدة عمره. # وأما تفصيل قتله فقد نقل أنه ((عليه السلام)) لما فرغ من قتل الخوارج ~~وأخذ في الرجوع إلى الكوفة سبقه عبد الرحمن بن ملجم المرادي إلى الكوفة ~~يبشر أهلها بهلاك الشراة الخوارج، فمر بدار من دور الكوفة فيها جمع فخرج ~~منها نسوة فرأى فيهن امرأة يقال لها قطام بنت الاصبغ التميمي بها مسحة من ~~حسن، فنظر إليها فوقعت في قلبه فقال لها: يا جارية أيم أنت أم ذات بعل؟ ~~فقالت: بل أيم ثم قال لها: فهل لك في زوج لا تذم خلائقه فقالت: نعم ولكن لي ~~أولياء أشاورهم، فتبعها فلما عاودها قالت: إن أوليائي أبوا أن ينكحوني إياك ~~إلا على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة قال: لك ذلك قالت: وشرط آخر فقال: وما ~~هو هذا الشرط قالت: قتل علي بن أبي طالب فاسترجع وقال: ويحك ومن يقدر على ~~قتل علي وهو فارس الفرسان؟ ms183 فقالت: لا تكثر علينا أما المال فلا حاجة لنا ~~فيه، ولكن قتل علي فهو الذي قتل أبي فقال لها: أما قتل علي فلا ولكن إن ~~رضيت مني أن أضرب عليا بسيفي ضربة فعلت فقالت: # قد رضيت فاترك سيفك عندي رهينة، فدفع إليها سيفه وانصرف فلما قدم علي ~~((عليه السلام)) الكوفة واستقبله الناس يهنئونه بالظفر بالخوارج ودخل ~~المسجد، فصلى فيه ركعتين ثم صعد المنبر وخطب الناس وقال ما تقدم ذكره في ~~فصل كرامته ثم دخل منزله. # فلما كان الليلة التي تقدم ذكرها خرج من منزله لأجل صلاة PageV01P222 # الصبح وكان في داره شيئا من الاوز فلما صار في صحن الدار تصايح الأوز في ~~وجهه فقال ((عليه السلام)) صوائح تتبعها نوائح. # وقيل صوارخ. فقال له ابنه الحسن ((عليهما السلام)): يا أبت ما هذه ~~الطيرة؟ فقال: يا بني لم اتطير ولكن قلبي يشهد أني مقتول. ثم خرج. # فلما وقف في موضع الآذان اذن ودخل المسجد وقد كان عبد الرحمن بن ملجم تلك ~~الليلة في بيت قطام، فلما سمعت صوت علي ((عليه السلام)) قامت إلى عبد ~~الرحمن وقالت: يا أخا مراد هذا أمير المؤمنين علي فقم واقض حاجتنا وارجع ~~قرير العين. ثم ناولته سيفه فأخذ السيف وجاء ودخل المسجد ورمى بنفسه بين ~~النيام واذن علي ودخل المسجد فجعل ينبه من بالمسجد من النيام، ثم صار إلى ~~محرابه فوقف فيه واستفتح وقرأ فلما ركع وسجد سجدة ضربه على رأسه فوقعت ~~الضربة على ضربة عمرو بن عبد ود يوم الخندق بين يدي رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) وقد تقدم ذكر قتله عمرا ذلك اليوم. # ثم بادر وخرج من المسجد هاربا وسقط ((عليه السلام)) لما به وتسامع الناس ~~بذلك وقالوا: قتل أمير المؤمنين فأقام الحسن ((عليه السلام)) الصلاة وصلى ~~بالناس ركعتين خفيفتين. # وأمسك عبد الرحمن فلما احضر بين يدي علي وجعل الناس يلطمون وجهه من كل ~~ناحية فقال له علي ((عليه السلام)): ويحك يا أخا مراد أبئس الامير كنت لك؟ ~~قال لا يا أمير المؤمنين قال: ms184 ويحك ما حملك على أن فعلت؟ فسكت فقال علي ~~((عليه السلام)): وكان امر الله قدرا مقدورا. # ثم أمر بحبسه وقال: إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني وحثهم على إطعامه. PageV01P223 # فلما أحس من نفسه بالموت جمع بنيه ووصى وصيته المعروفة. # فلما مات ((عليه السلام)) غسله الحسن والحسين ومحمد يصب الماء ثم كفن ~~وحنط وحمل ودفن في جوف الليل بالغرى وقيل بين منزله وبين المسجد الأعظم ~~والله أعلم أي ذلك كان. # فلما كان بعد ذلك أتي بابن ملجم فضربه الحسن ضربة على رأسه وتبادره الناس ~~فقتل، وقد نظم بعضهم أبياتا يذكر فيها شيئا من ذلك فقال: # فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة %~% كمهر قطام من فصيح وأعجم # ثلاثة آلاف وعبد وقينة %~% وضرب علي بالحسام المصمم # فلا مهر أغلى من علي وإن علا %~% ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم # وإذا كانت مدة عمره ((عليه السلام)) خمسا وستين سنة على ما ظهر، فأعلم ~~منحك الله ألطاف تأييده أنه ((عليه السلام)) كان بمكة مع رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) من أول عمره خمسا وعشرين سنة منها بعد البعثة ~~والنبوة ثلاث عشرة سنة وقبل النبوة والبعثة اثنتا عشرة سنة ثم هاجر فأقام ~~بالمدينة مع رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) إلى وقت وفاته عشر سنين ~~ثم بقي بعد وفاة رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) إلى وقت قتله مدة ~~ثلاثين سنة فذلك خمس وستون سنة. PageV01P224 ### | الباب الثاني في الحسن التقي ((عليه السلام)) # وفيه اثنا عشر فصلا الأول في ولادته الثاني في نسبه أبا وأما الثالث في ~~تسميته الرابع في كنيته ولقبه الخامس فيما ورد في حقه من رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) السادس في علمه السابع في عبادته الثامن في كرمه ~~التاسع في كلامه العاشر في أولاده الحادي عشر في عمره الثاني عشر في وفاته. ### | الفصل الأول: في ولادته ((عليه السلام)) # اصح ما قيل في ولادته أنه ولد بالمدينة في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث ~~من الهجرة وكان ms185 والده علي ((عليه السلام)) قد بنى (1) بفاطمة ((عليها ~~السلام)) في ذي الحجة من السنة الثانية من الهجرة وكان الحسن ((عليه ~~السلام)) أول أولادهما وقيل ولدته لستة أشهر والصحيح خلافه. # ولما ولد ((عليه السلام)) وأعلم النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) به ~~أخذه واذن في اذنه. PageV01P225 ### | الفصل الثاني: في نسبه ((عليه السلام)): # حصل للحسن ولأخيه الحسين ما لم يحصل لغيرهما، فإنهما سبطا رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) وريحانتاه وسيدا شباب أهل الجنة، فجدهما رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وأبوهما علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ~~بن هاشم، وأمهما الطهر البتول فاطمة بنت رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) سيدة النساء. # نسب كأن عليه من وضح الضحى %~% نورا ومن فلق الصباح عمودا ### | الفصل الثالث: في تسميته: # اعلم أن هذا الاسم الحسن سماه به جده رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) فإنه لما ولد ((عليه السلام)) قال الرسول: ما سميتموه؟ قالوا: حربا، ~~قال: بل سموه حسنا، ثم إنه عق عنه وذبح كبشا. # وبذلك احتج الشافعي في كون العقيقة سنة عن المولود وتولى ذلك النبي ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) ومنع أن تفعله فاطمة ((عليها السلام)) وقال لها: ~~«احلقي رأسه وتصدقي بوزن الشعر فضة»، ففعلت ذلك فكان وزن شعره يوم حلقه ~~درهما وشيئا فتصدقت به فصارت العقيقة والتصدق بزنة شعره سنة مستمرة بما ~~شرعه النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) في حق الحسن ((عليه السلام)). ~~وكذلك اعتمد في حق الحسين عند ولادته وسيأتي ذكره إن شاء الله (تعالى). ### | الفصل الرابع: في كنيته ولقبه ((عليه السلام)): # كنيته أبو محمد لا غير وأما ألقابه فكثيرة: التقي والطيب والزكي والسيد ~~والسبط والولي، كل ذلك كان يقال له ويطلق عليه وأكثر هذه الألقاب شهرة به ~~التقي لكن أعلاها رتبة وأولاها به ما لقبه به رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) حيث وصفه وخصه بأن جعله نعتا له، فإنه صح النقل عن النبي ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) فيما أورده الأئمة ms186 الأثبات والرواة الثقات أنه قال: ~~«إن ابني هذا سيد»، وسيأتي هذا الحديث بتمامه في الفصل الآتي ردف هذا إن ~~شاء الله (تعالى)، فيكون أولى ألقابه السيد. PageV01P226 ### | الفصل الخامس: فيما ورد في حقه من رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): # هذا فصل أصله مقصود وفضله معقود ونقله مشهود وظله ممدود وورده مورود ~~وسدره مخضود وطلحه منضود، وهو من اسنى السجايا والمدائح معدود فإنه جمع من ~~اشتات الإشارات النبوية والأفعال والأقوال الطاهرة الزكية، ما أشرقت به ~~أنوار المناقب وسمقت بالحسن ((عليه السلام)) إلى أشرف شرف المراتب واحدقت ~~مزايا المآثر به من جميع الجوانب، فإن من امتطى مطاء رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) رقى قدم شرفه مناكب الكواكب، فبخ بخ لمن خصه الله (تعالى) ~~من رسوله المصطفى بهذه المواهب. # فمنها ما اتفقت الصحاح على إيراده وتطابقت على صحة إسناده ما رواه الحسن ~~بن أبي الحسن البصري ((رضي الله عنه)) قال: سمعت أبا بكرة هو نفيع بن ~~الحارث ((رضي الله عنه)) يقول: رأيت رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني ~~هذا سيد ولعل الله أن يصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين». # ومنها ما رواه الإمامان البخاري ومسلم ((رضي الله عنهما)) بسندهما عن ~~البراء ((رضي الله عنه)) أنه قال: رأيت رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) والحسن بن علي على عاتقه يقول: «اللهم اني أحبه فأحبه». # ومنها ما رواه الإمام الترمذي ((رضي الله عنه)) بسنده في صحيحه عن ابن ~~عباس ((رضي الله عنهما)) أنه قال: كان رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) حامل الحسن بن علي على عاتقه فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام ~~فقال النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «ونعم الراكب هو». PageV01P227 # ومنه ما أورده الحافظ أبو نعيم بسنده في حليته عن أبي بكرة قال: # كان النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يصلي بنا فيجيء الحسن وهو ساجد ~~وهو صغير حتى يصير ms187 على ظهره أو رقبته فيرفعه رفعا رفيقا فلما صلى قالوا: يا ~~رسول الله إنك تصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد فقال: «إن هذا ريحانتي ~~من الدنيا وإن ابني هذا سيد وعسى أن يصلح [به] بين فئتين من المسلمين». # ومنها ما أخرجه الترمذي أيضا في صحيحه يرويه بسنده عن أنس ((رضي الله ~~عنه)) قال: سئل رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أي أهل بيتك أحب ~~إليك قال: «الحسن والحسين» وكان يقول لفاطمة (رضي الله) عنها «ادعي إلي ~~ابني» فيشمهما ويضمهما إليه. # ومنها ما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم ((رضي الله عنهما)) منهما بسندهما ~~الى أبي هريرة ((رضي الله عنه)) قال: خرجت مع رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه حتى جاء سوق بني ~~قينقاع، ثم انصرف حتى أتى مخبأ وهو المخدع فقال: «أثم لكع، أثم لكع» يعني ~~حسنا فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابا، فلم يلبث أن جاء ~~يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه فقال رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)): # «اللهم إني أحبه وأحب من يحبه» وفي رواية أخرى «اللهم إني أحبه فأحبه ~~وأحب من يحبه». # قال أبو هريرة: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن علي بعد ما قال رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)). # ومنها ما رواه الترمذي في صحيحه بسنده عن أسامة بن زيد ((رضي الله عنه)) ~~قال: طرقت النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج ~~وهو مشتمل علي شيء لا أدري ما هو فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت ~~مشتمل عليه فكشفه فإذا PageV01P228 # حسن وحسين على وركيه فقال: «هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما ~~فأحبهما وأحب من يحبهما». # ومنها ما رواه الترمذي بسنده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)): «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». # وعن ابن عمر ((رضي الله عنه)) أنه قال: سمعت رسول ms188 الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا». # ومنها ما رواه الإمام النسائي ((رضي الله عنه)) بسنده عن عبد الله بن ~~شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) في ~~إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنا فتقدم النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~ثم كبر للصلاة، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة فأطالها، قال أبي: فرفعت ~~رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وهو ساجد، ~~فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك ~~سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر وأنه يوحى ~~إليك؟ قال: «كل ذلك لم يكن ابني ارتحلني فكرهت أن اعجله حتى يقضي حاجته». # ومنها ما نقله الائمة أبو داود والترمذي والنسائي ((رضي الله عنهم)) في ~~صحاحهم كل منهم بسنده يرفعه إلى بريده قال: كان رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) يخطب فجاء الحسن والحسين ((عليهما السلام)) وعليهما قميصان ~~أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) من ~~المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه وقال: «صدق الله إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ~~ورفعتهما». # ومنها ما رواه الترمذي بسنده في صحيحه يرفعه إلى أبي جحيفة PageV01P229 # ((رضي الله عنه)) قال: رأيت رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وكان ~~الحسن بن علي ((عليه السلام)) يشبهه. # وعن أنس ((رضي الله عنه)) قال لم يكن أحد أشبه برسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) من الحسن بن علي ((عليه السلام)). # وعن علي ((عليه السلام)) قال: الحسن أشبه برسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه به فيما كان أسفل من ذلك. # ومنها ما رواه البخاري ((رضي الله عنه)) بسنده في صحيحه يرفعه إلى أبي ~~عقبة بن الحارث قال: صلى أبو بكر ((رضي الله عنه)) العصر ثم خرج يمشي ومعه ms189 ~~علي فرأى الحسن يلعب مع الصبيان فحمله أبو بكر ((رضي الله عنه)) على عاتقه ~~وقال: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي؛ وعلي ((عليه السلام)) يضحك. ### | الفصل السادس: في علمه ((عليه السلام)): # كان الله (عز وجل) قد رزقه الفطرة الثاقبة في إيضاح مراشد ما يعانيه ~~ومنحه الفطنة الصائبة لإصلاح قواعد الدين ومبانيه، وخصه بالجبلة التي درت ~~لها أخلاف مادتها بصور العلم ومعانيه ومرت له أطباء الاهتداء من نجدي جده ~~وأبيه، فحبي بفكرة منجية نجاح مقاصد ما يقتفيه وقريحة مصحبة في كل مقام يقف ~~فيه، ثم اكتنفه الاصلان الجد والأب وفي المثل السائر: إن ولد الفقيه نصف ~~الفقيه وكان يجلس في مجلس رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ويجتمع ~~الناس حوله ويتكلم بما يشفي غليل السائلين ويقطع حجج القائلين. وروى الإمام ~~أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي ((رضي الله عنه)) في تفسيره المسمى بالوسيط ~~ما يرفعه بسنده أن رجلا قال: # دخلت مسجد المدينة فإذا أنا برجل يحدث عن رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) والناس حوله فقلت: أخبرني عن شاهد ومشهود قال: # نعم أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم عرفة، فجزته إلى آخر PageV01P230 # يحدث عن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فقلت: أخبرني عن شاهد ~~ومشهود فقال: نعم وأما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم النحر، ~~فجزتهما إلى غلام آخر كأن وجهه الدينار وهو يحدث عن رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) فقلت: أخبرني عن شاهد ومشهود فقال: # نعم أما الشاهد فمحمد ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وأما المشهود فيوم ~~القيامة أما سمعته يقول: @QUR@010 يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا وقال تعالى @QUR@09 ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود فسألت ~~عن الرجل الأول فقالوا: ابن عباس وعن الثاني فقالوا: ابن عمر وسألت عن ~~الثالث فقالوا: الحسن بن علي بن أبي طالب فكان قول الحسن احسن. # ونقل أنه ((عليه السلام)) اغتسل يوما وخرج من داره في حلة فاخرة وبزة ~~ظاهرة بمحاسن سافرة وقسمات ناضرة ونفحات ms190 ناشرة ووجهه يشرق حسنا وشكله قد ~~كمل صورة ومعنى، والاقبال يلوح من أعطافه ونضرة النعيم تعرف في أطرافه ~~وقاضي القدر قد حكم أن السعادة من أوصافه، ثم ركب بغلة فارهة غير قطوف وسار ~~مكتنفا بحاشيته وغاشيته بصفوف، فلو شاهده عبد مناف لا رغم بمفاخرته به ~~معاطس أنوف وعده وحده لاحراز خصل الفخار يوم التفاخر بألوف، فعرض له في ~~طريقه من محاويج اليهود هم في هدم قد أنهكته العلة وارتكبته الذلة وأهلكته ~~القلة، وجلده يستر عظامه وضعفه يقيد أقدامه وضره قد ملك زمامه وسوء حاله قد ~~حبب إليه حمامه وشمس الظهيرة تشوي شواه وأخمصه تصافح ثرى ممشاه وعذاب ~~عرعريه قد عراه وطول طواه قد أضعف بطنه وطواه وهو حامل جر مملوء على مطاه ~~وحاله تضعف عليه القلوب القاسية عند مرآه، فاستوقف الحسن ((عليه السلام)) ~~وقال: يا ابن رسول الله انصفني فقال ((عليه السلام)): في أي شيء قال: جدك ~~يقول «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» وأنت مؤمن وأنا كافر فما أرى الدنيا ~~إلا جنة لك تتنعم فيها وتستلذ بها، وما أراها إلا سجنا لي قد أهلكني ضرها ~~واتلفني فقرها، فلما PageV01P231 # سمع الحسن ((عليه السلام)) كلامه أشرق عليه نور التأييد فاستخرج الجواب ~~الحق بفهمه من خزانة علمه وأوضح لليهودي خطأ ظنه وخطل زعمه فقال: لو نظرت ~~إلى ما أعد الله (تعالى) للمؤمنين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع من نعيم ~~الجنان والخيرات الحسان في الدنيا والآخرة مما لا عين رأت ولا اذن سمعت، ~~لعلمت أنني قبل انتقالي إليه من هذه الدنيا في سجن ضنك، ولو نظرت إلى ما ~~أعد الله لك ولكل كافر في الدنيا والآخرة من سعير نار الجحيم ونكال العذاب ~~المقيم لرأيت أنك قبل مصيرك اليه الآن في جنة واسعة ونعمة جامعة. # فانظر إلى هذا الجواب الصادع بالصواب كيف تفجرت بمستعذبه عيون علمه ~~واينعت بمستغربه فنون فهمه، فيا له جوابا ما أمتنه وصوابا ما أبينه وخطابا ~~ما أحسنه صدر عن علم مقتبس من مشكاة نور النبوة وتأييد موروث من آثار معالم ~~الرسالة. ms191 ### | الفصل السابع: في عبادته ((عليه السلام)): # اعلم وصلك الله بحبل تأييده (1) وأوصلك بلطفه إلى مقام توفيقه وتسديده ~~أن العبادة تنقسم إلى ثلاثة أنواع: بدنية ومالية ومركبة منهما. # فالبدنية: كالصلاة والصيام وتلاوة القرآن وأنواع الاذكار. # والمالية: كالصدقات والصلات والمبرات. # والمركب منها: كالحج والجهاد والاعتمار. # وقد كان الحسن ((عليه السلام)) ضاربا في كل واحد من هذه الأنواع بالقدح ~~الفائز والقدح الحائز. # أما الصلاة والاذكار وما في معناها فقيامه به مشهور واسمه في أربابها مذكور. PageV01P232 # أما الصدقات فقد صح النقل فيما رواه الإمام الحافظ أبو نعيم ((رحمه ~~الله)) بسنده في حليته أنه ((عليه السلام)) خرج من ماله مرتين وقاسم الله ~~(تعالى) ثلاث مرات ماله، ويتصدق حتى إن كان ليعطي نعلا وسيأتي تمام ذلك في ~~الفصل الثامن المعقود لذكر كرمه وصلاته إن شاء الله (تعالى). # وأما العبادة المركبة فقد نقل الحافظ المذكور في حليته بسنده أنه ((عليه ~~السلام)) قال: إني لاستحيي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته فمشى عشرين ~~مرة من المدينة إلى مكة على رجليه. # وروى صاحب كتاب صفوة الصفوة بسنده عن علي بن زيد بن جذعان أنه قال: حج ~~الحسن ((عليه السلام)) خمس عشرة حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه. ### | الفصل الثامن: في كرمه ((عليه السلام)): # الجود والكرم غريزة مغروسة منه وصرفه لصنوف الدنيا عنه نهج ما زال يقتفيه ~~وإيصال صلاته إلى المعتفين يعتده من مناقب معانيه وإبقاء الأموال عنده ~~يعتقده من مثالب من يعانيه ويرى إخراج الدنيا عنه خير ما يجتبيه من عمله ~~ويجتنيه، وحجته في ذلك واضحة فإنه حرام على الولد مجامعة مطلقة أبيه. # وقد نقل عنه من تتابع أرفاده بموجوده ووقائع استنقاذه فيه جل مجهوده وما ~~يشهد له بكرمه وجوده وينضده في سلك سجاياه مع ركوعه وسجوده. # فمنها ما نقل عنه ((عليه السلام)) فيما رواه سعد بن عبد العزيز قال: إن ~~الحسن ((عليه السلام)) سمع رجلا يسأل ربه (تعالى) أن يرزقه عشرة آلاف درهم ~~فانصرف الحسن إلى منزله فبعث بها إليه. # ومنها أن رجلا جاء إليه ((عليه ms192 السلام)) وسأله حاجة فقال له: يا PageV01P233 # هذا حق سؤالك إياي يعظم لدي ومعرفتي بما يجب لك تكبر علي ويدي تعجز عن ~~نيلك بما أنت أهله والكثير في ذات الله (عز وجل) قليل وما في ملكي وفاء ~~بشكرك، فإن قبلت مني الميسور ورفعت عني مئونة الاحتيال والاهتمام لما ~~اتكلفه من واجبك فعلت فقال: يا ابن رسول اقبل القليل واشكر العطية وأعذر ~~على المنع، فدعا الحسن ((عليه السلام)) بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى ~~استقصاها فقال: هات الفاضل من الثلاثمائة ألف درهم، فأحضر خمسين ألفا قال: ~~فما فعل الخمسمائة دينار قال: هي عندي قال: أحضرها فأحضرها، فدفع الدراهم ~~والدنانير إلى الرجل فقال: هات من يحملها فأتاه بحمالين فدفع الحسن إليهم ~~رداءه لكراء الحمل فقال له مواليه: والله ما عندنا درهم فقال: لكني أرجو أن ~~يكون لي عند الله أجر عظيم. # ومنها ما رواه أبو الحسن المدائني قال: خرج الحسن والحسين وعبد الله بن ~~جعفر ((رضي الله عنهم)) حجاجا، ففاتتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا، فمروا بعجوز ~~في خباء فقالوا: هل من شراب؟ قالت: نعم فأناخوا بها وليس الا شويهة في كسر ~~الخيمة فقالت: احلبوها وامتذقوا لبنها، ففعلوا ذلك وقالوا لها: هل من طعام ~~فقالت: لا إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم حتى أهيئ لكم ما تأكلون، فقام ~~إليها احدهم فذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاما فأكلوا وقاموا (1) حتى أبردوا ~~فلما ارتحلوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين ~~فألمي بنا فإنا صانعون إليك خيرا، ثم ارتحلوا، وأقبل زوجها فأخبرته عن ~~القوم والشاة فغضب الرجل وقال: ويحك تذبحين شاتي لاقوام لا تعرفينهم ثم ~~تقولين نفر من قريش؟ ثم بعد مدة ألجأتهما الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها، ~~وجعلا ينقلان البعر إليها ويبيعانه ويعيشان منه، فمرت العجوز في بعض سكك ~~المدينة فإذا الحسن ((عليه السلام)) على باب داره PageV01P234 # جالس فعرف العجوز وهي له منكرة، فبعث الحسن غلامه فردها فقال لها: يا أمة ~~الله تعرفيني قالت: لا قال: أنا ضيفك يوم كذا وكذا فقالت ms193 العجوز: بأبي أنت ~~وأمي فأمر الحسن ((عليه السلام)) فاشترى لها من شاة الصدقة الف شاة، وأمر ~~لها بألف دينار وبعث بها غلامه إلى أخيه الحسين ((عليه السلام))، فقال: بكم ~~وصلك أخي الحسن فقال: بألف دينار وألف شاة فأمر لها الحسين بمثل ذلك، ثم ~~بعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر فقال: بكم واصلك الحسن والحسين ~~فقالت: بألفي دينار وألفي شاة فأمر لها عبد الله بألفي شاة وألفي دينار ~~وقال: لو بدأت بي لأتعبتهما. # فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة آلاف شاة وأربعة آلاف دينار. # ويروى عن ابن سيرين ((رحمه الله)) أنه قال: تزوج الحسن بن علي امرأة ~~فأرسل إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. # ونقل عنه ((عليه السلام)) أنه تمتع امرأتين بعشرين ألف درهم وزقاق من عسل. # وأخبار جوده كثيرة لو رام القلم استقصاءها لا طال واذن بملال فاقتصر على ~~ما سطره واقتنع بما ذكره (1). # فأقول وبالله التوفيق على ما ظهر لي من التحقيق (2) كل من علم أن الدنيا ~~غرور والتمتع بها غرور وإمساكها محذور ومن اغتر بها مغرور يحور فإنه يجود ~~ببذلها ولا ترغب نفسه في وصلها، وقد كان الحسن ((عليه السلام)) عارفا ~~بختلها عازفا عن الركون إلى أهلها وكان كثيرا يتمثل ويقول: # يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها %~% ان اغترارا بظل زائل حمق # ولقد روي أن عائشة قالت: دخل رجل من أهل الشام المدينة فرأى رجلا راكبا ~~على بغلة حسنة قال: لم أر أحسن منه فمال قلبي إليه PageV01P235 # فسألت عنه فقيل لي: إنه الحسن بن علي بن أبي طالب فامتلأ قلبى غيظا وحنقا ~~وحسدا أن يكون لعلي ولد مثله: فقمت إليه فقلت: أنت ابن أبي طالب؟ فقال: أنا ~~ابنه فقلت: أنت ابن من ومن ومن وجعلت اشتمه وأنال منه ومن ابيه! وهو ساكت ~~حتى استحييت منه، فلما انقضى كلامي ضحك وقال: أحسبك غريبا شاميا؟ فقلت: ~~أجل، فقال: فمل معي، ان احتجت إلى منزل أنزلناك وإلى مال ارفدناك وإلى حاجة ~~عاوناك. فاستحييت والله منه وعجبت ms194 من كرم خلقه، فانصرفت وقد صرت احبه ما لا ~~احب غيره. # (زيادة (1) إيراد وحسن اعتقاد): # منار مبرات الأجواد وآثار مقامات الأمجاد يتفاوت مقدارها بين العباد بحسب ~~أخطار أقدارها في الاعتقاد، وقد جاد الحسن ((عليه السلام)) بما لم تجد ~~بمثله نفس جواد وتكرم بما يبخل به كل ذي كرم وأرفاد، فإنه لا رتبة أعظم من ~~الخلافة وأعلى من مقامها، ولا حكم لملك في الملة الإسلامية إلا وهو مستفاد ~~من أحكامها ولا ذو إيالة وولاية إلا منقاد ببرة زمامها، وأوقف في قضايا ~~تصرفاته بين نقضها وإبرامها، فهي المنصف الأعلى والمنتصب لها صاحب الدنيا ~~والأمر والنهي متصل بأسبابه والجاه والمال محصل من أبوابه والنباهة والشهرة ~~تستفاد باقترابه والتقدم والتأخر يرتاد من اغضائه وإغضابه، وهو خليفة رسول ~~الله في أمته لاقامة أحكامه وآدابه وكان الحسن ((عليه السلام)) قد تقلد ~~بعقد انعقادها واستبد بعقد إيجادها وارتدى بمفوف أبرادها، وبايعته سيوف لا ~~تقر في أغمادها وتابعته ألوف لا تفر يوم جلادها وشايعته من قبائل القبائل ~~نفوس آسادها واشتملت جريدة جيشه على أربعين ألفا كل يعد قتله بين يديه ~~شهادة ويعتقد قيامه بطاعته عبادة، ويرى كونه من أنصاره وشيعته إقبالا ~~وشهادة فبينا هو في إقبال ايامها يأمر وينهى وقد أحاط بحال مقامها حقيقة PageV01P236 # وكنها فجادله التأييد الرباني حالة لم يدركها سواه ولم يستبنها، فجاد ~~بالخلافة على معاوية وسلمها إليه وخرج عنها وتكرم بها وحرمها نفسه الشريفة ~~فانسلخ منها. فلا جرم باعتبار هذه الحال وما أسداه ((عليه السلام)) من ~~الجود والنوال وما أبداه من التكرم والافضال اعترف له معاوية على رءوس ~~الاشهاد في غضون المقال فقال له: أبا محمد لقد جدت بشيء لا تجود به أنفس ~~الرجال، ولقد صدق معاوية فيما ذكره عقلا ونقلا وعظم ما أسداه إليه الحسن ~~((عليه السلام)) جودا وبذلا، فإن النفوس تتنافس في رتبة الدنيا ومتاعها ~~قولا وفعلا وتحرص على إحرازها واقتطاعها حرما وحلا، وترتكب إلى اكتساب محاب ~~حطامها حزنا وسهلا ويستعذب في إدراك مناها منها أسرا وقتلا، وعلى الجملة: # فهي معشوقة على الغدر ms195 لا تح %~% فظ عهدا ولا تتمم وصلا # كل دمع يسيل منها عليها %~% وبفك اليدين عنها تخلى # فمن أخرجها على حبها منه جدير أن يعد جواد الأمجاد وأن يسجل له بإحراز ~~الفلج إذا تفاخرت أمجاد الأجواد. # تنبيه وإيقاظ: # لعل من وقف على هذا التنبيه والايقاظ أن يحيط علما بما حمل الحسن ((عليه ~~السلام)) على خلع لباس الخلافة عنه وإلباس معاوية فرأيت أن أشير إلى ما ~~ينيل نفسه مناها ويزيل عن فكرته ما عراها واذكره ما أورده الإمام محمد بن ~~اسماعيل البخاري ((رحمه الله تعالى)) فقال عن الحسن البصري ((رضي الله ~~عنه)) وأسنده وأقصه حسب ما تلاه في صحيحه وسرده، وفيه ما يكشف حجاب ~~الارتياب بمطلوب هذا الباب فقال قال: الحسن البصري: استقبل والله الحسن بن ~~علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: اني لأرى ~~كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية- وكان والله خير الرجلين-: ~~أي عمرو، أرأيت أن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور المسلمين PageV01P237 # من لي بنسائهم من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: ~~عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر وقال: اذهبا إلى هذا الرجل وقولا له ~~واطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه وتكلما وقالا له وطلبا إليه فقال لهما ~~الحسن ((عليه السلام)): إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه ~~الأمة قد عاثت في دمائها، قال: فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، ~~قال: فمن لي بهذا قالا: نحن لك به فما سألهما شيئا إلا قالا نحن لك به ~~فصالحه. # قال الحسن [البصري] ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس ~~مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين ~~عظيمتين من المسلمين». # وقد تقدم هذا الحديث عنه ((صلى الله عليه وآله وسلم))، فكان انقياد الحسن ~~((عليه السلام)) لمعاوية وتسليم ms196 الأمر إليه والجنوح إلى الصلح من آثار ~~أخبار النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ومعدودا من معجزاته (صلوات الله ~~عليه وسلامه). ### | الفصل التاسع: في كلامه ((عليه السلام)): # نقل الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده فيها أن أمير المؤمنين عليا ((عليه ~~السلام)) سأل ابنه الحسن ((عليه السلام)) عن أشياء من أمر المروءة. # فقال: يا بني ما السداد؟ فقال: يا أبت السداد دفع المنكر بالمعروف. # قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة. # قال: فما المروءة؟ قال: العفاف وإصلاح المال. # قال: فما الدقة؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير. PageV01P238 # قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء نفسه وبذله عرسه قال: فما السماح قال: ~~البذل في العسر واليسر قال: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يدك سرفا وما ~~انفقته تلفا، قال: فما الإخاء؟ قال: المساواة في الشدة والرخاء قال: فما ~~الجبن؟ قال: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو قال: فما الغنيمة؟ قال: ~~الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا هي الغنيمة الباردة قال: فما الحلم؟ ~~قال: كظم الغيظ وملك النفس قال: فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم الله ~~لها وإن قل وإنما الغنى غنى النفس قال: فما الفقر؟ قال: شره النفس في كل ~~شيء قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومنازعة أعز الناس قال: فما الذل؟ ~~قال الفزع عند المصدوقة قال: فما العي؟ قال: العبث باللحية وكثرة البزق عند ~~المخاطبة قال: فما الجرأة؟ قال: موافقة الأقران قال فما الكلفة؟ قال: كلامك ~~فيما لا يعنيك قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في الغرم وتعفو عن الجرم قال: ~~فما العقل؟ قال: حفظ القلب كل ما استوعيته قال: فما الخرق؟ قال: معاداتك ~~إمامك ورفعك عليه كلامك قال: فما السنا؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح ~~قال: فما الحزم؟ قال: # طول الأناة والرفق بالولاة قال: فما السفه؟ قال: اتباع الدناة ومصاحبة ~~الغواة قال: فما الغفلة؟ قال: تركك المسجد وطاعتك للمفسد قال: فما الحرمان؟ ~~قال: تركك حظك وقد عرض عليك قال: فمن السيد؟ # قال: الاحمق في ماله والمتهاون في ms197 عرضه يشتم فلا يجيب المهتم بأمر عشيرته ~~هو السيد. # فهذه الأجوبة الصادرة منه على البديهة من غير روية شاهدة له ((عليه ~~السلام)) ببصيرة باصرة وبديهة حاضرة ومادة فضل وافرة وفكرة على استخراج ~~الغوامض قادرة. # ومن كلامه ((عليه السلام)) كتاب كتبه إلى معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين ~~علي ((عليه السلام)) وقد بايعه الناس وهو: PageV01P239 # بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن ابن أمير المؤمنين إلى معاوية ~~بن صخر أما بعد، فإن الله (تعالى) بعث محمدا ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~رحمة للعالمين، فأظهر به الحق وقمع به الباطل وأذل أهل الشرك وأعز به العرب ~~عامة وشرف به من شاء منهم خاصة، فقال: (تعالى) @QUR@06 وإنه لذكر لك ~~ولقومك فلما قبضه الله (تعالى) تنازعت العرب الأمر من بعده. فقالت ~~الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فقالت قريش: نحن أولياؤه وعشيرته فلا تنازعوا ~~سلطانه فعرفت العرب ذلك لقريش ونحن الآن أولياؤه وذو القربى منه ولا غرو ~~إلا منازعتك إيانا بغير حق في الدين معروف ولا أثر في الإسلام محمود، ~~والموعد الله (تعالى) بيننا وبينك ونحن نسأله (تبارك وتعالى) أن لا يؤتينا ~~في هذه الدنيا شيئا ينتقصنا به في الآخرة وبعد، فإن أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب ((رحمه الله)) لما نزل به الموت ولاني هذا الأمر من بعده، فاتق ~~الله يا معاوية وانظر لأمة محمد ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ما تحقن به ~~دمائهم وتصلح به أمورهم والسلام. # ومن كلامه ((عليه السلام)) ما كتب في كتاب الصلح الذي استقر بينه وبين ~~معاوية بعد أن رأى حقن الدماء وإطفاء الفتنة في ذلك وهو: # بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب ~~معاوية بن أبي سفيان صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين، على أن ~~يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله محمد وسيرة الخلفاء الراشدين وليس لمعاوية ~~بن أبي سفيان أن يعهد لاحد من بعده عهدا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين ~~المسلمين وعلى أن الناس آمنون حيث ms198 كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم ~~وحجازهم ويمنهم وعلى أن اصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ~~ونسائهم وأولادهم وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ ~~الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى الله من نفسه وعلى أنه لا ينبغي ~~للحسن بن علي ولا لاخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول PageV01P240 # الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) غائلة سرا ولا جهرا ولا يحيف احد منهم ~~في أفق من الآفاق. # شهد عليه بذلك الله وكفى بالله شهيدا وفلان وفلان والسلام. # ولما تم الصلح وانبرم التمس معاوية من الحسن أن يتكلم بمجمع من الناس ~~ويعلم أنه قد بايع معاوية وسلم الأمر إليه فأجابه إلى ذلك فخطب- وقد حشد- ~~خطبة حمد الله وصلى على رسوله وهي من كلامه المنقول عنه ((عليه السلام)) وقال: # أيها الناس إن أكيس الكيس التقى وإن أحمق الحمق الفجور وإنكم لو طلبتم ما ~~بين جابلق وجابرس رجلا جده رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ما ~~وجدتموه غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم أن الله (تعالى) هداكم بجدي رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فانقذكم به من الضلالة ورفعكم به من ~~الجهالة وأعزكم به بعد الذلة وكثركم به بعد القلة. # وإن معاوية نازعني حقا هو لي دونه فنظرت لصلاح الأمة وقطع الفتنة وقد ~~كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، فرأيت أن أسالم ~~معاوية وأضع الحرب بيني وبينه وقد بايعته ورأيت أن حقن الدماء خير من سفكها ~~ولم أرد بذلك إلا إصلاحكم وبقاءكم وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. # وعنه ((عليه السلام)) أنه قال: لا أدب لمن لا عقل له ولا مروءة لمن لا ~~همة جميعا له ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل ما ~~لم يعلم وبالعقل تدرك الداران جميعا ومن حزم العقل خيرهما. # وقال ((عليه السلام)) علم الناس علمك وتعلم علم غيرك فتكون وقد انفقت ~~علمك علمت. PageV01P241 # وسئل عن الصمت فقال: هو ms199 ستر العي وزين العرض وفاعله في راحة وجليسه آمن. # وقال ((عليه السلام)): هلاك الناس في ثلاث الكبر والحرص والحسد. فالكبر ~~هلاك الدين ومنه لعن إبليس، والحرص عدو النفس ومنه أخرج آدم من الجنة، ~~والحسد رائد الجوع ومنه قتل قابيل هابيل. # وقال ((عليه السلام)): لا تأت رجلا إلا أن ترجو نواله أو تخاف يده أو ~~تستفيد من علمه أو ترجو بركته ودعاءه أو تصل رحما بينك وبينه. # وقال ((عليه السلام)): دخلت على أمير المؤمنين وهو يجود بنفسه لما ضربه ~~ابن ملجم، فجزعت لذلك فقال: أتجزع؟ فقلت: وكيف لا أجزع وأنا أراك في حالك ~~هذه؟ فقال: الا أعلمك خصالا أربعا إن أنت حفظتهن نلت بهن النجاة، وإن أنت ~~ضيعتهن فاتك الداران، يا بني لا غنى أكبر من العقل ولا فقر مثل الجهل ولا ~~وحشة اشد من العجب ولا عيش ألذ من حسن الخلق. فهذه سمعت من الحسن يرويها عن ~~أبيه تصلح أن تورد في مناقب أمير المؤمنين ((عليه السلام))، وتصلح أن تورد ~~في مناقب الحسن ((عليه السلام)) فأوردها في باب أيهما شئت. # وقال ((عليه السلام)): ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد. # وقال: اجعل ما طلبت من الدنيا فلم تظفر به بمنزلة ما لم تخطره بذلك، ~~واعلم أن مروءة القناعة والرضا أكبر من مروءة الاعطاء وتمام الصنيعة خير من ~~ابتدائها. # وسئل عن الذل واللوم فقال: من لا يغضب من الجفوة ولا يشكر على النعمة. ~~وسئل عن العقوق فقال: أن تحرمهما. # ونقل أن أعرابيا دخل المسجد الحرام فوقف على الحسن (عليه PageV01P242 # السلام) وحوله حلقة، فقال لبعض جلساء الحسن: من هذا الرجل فقال له الحسن ~~بن علي بن أبي طالب، فقال الأعرابي: إياه أردت فقال له: وما تصنع به يا ~~اعرابي؟ فقال: بلغني أنهم يتكلمون فيعربون في كلامهم وإني قطعت بواد وقفارا ~~وأودية وجبالا وجئت لإطارحه الكلام وأسأله عن عويص العربية، فقال له جليس الحسن: # إن كنت جئت لهذا فابدأ بذلك الشاب، وأومأ إلى الحسين ((عليه السلام))، ~~فوقف عليه وسلم فرد (عليه السلام) ثم ms200 قال: وما حاجتك يا اعرابي؟ فقال: إني ~~جئتك من الهرقل والجعلل والاينم والهمهم. # فتبسم الحسين ((عليه السلام)) وقال: يا أعرابي لقد تكلمت بكلام ما يعقله ~~إلا العالمون، فقال الأعرابي: وأقول أكثر من هذا فهل يجيبني على قدر كلامي؟ ~~فقال له الحسين ((عليه السلام)): قل ما شئت فإني مجيبك عنه، فقال الأعرابي: ~~إني بدوي وأكثر مقالي الشعر وهو ديوان العرب، فقال له الحسين: قل ما شئت ~~فإني مجيبك عليه، فأنشأ يقول: # هفا قلبي إلى اللهو وقد ودع شرخيه %~% وقد كان أنيقا عصر تجراري ذيليه # علالات ولذات فيا سقيا لعصريه %~% فلما %~% عمم الشيب من الرأس نطاقيه # وأمسى قد عناني منه تجديد خضابيه %~% تسليت عن اللهو وألقيت قناعيه # وفي الدهر أعاجيب لمن يلبس حاليه %~% فلو يعمل ذو رأى أصيل فيه رأييه # لألفى عبرة منه له في كل عصريه فقال له الحسين ((عليه السلام)): يا ~~اعرابي قد قلت فاسمع مني ثم إنه ((عليه السلام)) قال أبياتا سيأتي ذكرها في ~~الباب المختص به المعقود لمناقبه إن شاء الله (تعالى) فقال الاعرابي لما ~~سمعها: ما رأيت PageV01P243 # كاليوم قط مثل هذا الغلام أعرب منه كلاما وأذرب لسانا ولا أفصح منه منطقا ~~فقال له الحسن ((عليه السلام)) يا أعرابي: # هذا غلام كرم الرحمن بالتطهير جديه %~% كساه القمر القمقام من نور ~~سناءيه # ولو عدد طماح نفحنا عن عداديه %~% وقد أرضيت من شعري وقومت عروضيه # فلما سمع الأعرابي قول الحسن قال: بارك الله عليكما مثلكما نجلته الرجال، ~~وعن مثلكما قامت النساء، فو الله لقد انصرفت وأنا محب لكما راض عنكما ~~فجزاكما الله خيرا، وانصرف. ### | الفصل العاشر: في أولاده ((عليه السلام)): # كان له من الأولاد عدد لم يكن لكلهم عقب، بل كان العقب لابنين منهم فقيل ~~كانوا خمسة عشر وهذه أسمائهم: # الحسن وزيد وعمرو والحسين وعبد الله وعبد الرحمن وعبيد الله واسماعيل ~~ومحمد ويعقوب وجعفر وطلحة وحمزة وأبو بكر والقاسم وكان العقب منهم للحسن ~~ولزيد ولم يكن لغيرهما منهم عقب. # وقيل كان أولاده أقل من ذلك وقيل كان له بنت تسمى ms201 أم الحسن والله أعلم ~~بحقيقة الحال فيه. ### | الفصل الحادي عشر: في عمره ((عليه السلام)): # فقد تقدم ذكر ولادته وما قيل فيها وأنها كانت في سنة ثلاث من الهجرة، ~~وكانت وفاته ((عليه السلام)) على ما سيأتي في الفصل المختص بها المذكور إن ~~شاء الله (تعالى) عقب هذا الفصل- في سنة تسع وأربعين للهجرة، فيكون مدة ~~عمره سبعة وأربعين سنة، كان منها مع جده رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)) سبع سنين، ومع أبيه علي ((عليه السلام)) بعد وفاة جده ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) ثلاثين PageV01P244 # سنة، وبعد وفاة والده ((عليه السلام)) إلى وقت وفاته عشر سنين. ### | الفصل الثاني عشر: في وفاته ((عليه السلام)): # مرض أربعين يوما فقال في بعض الأيام: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، فأخرج، ~~فقال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإني لم أصب بمثلها. # وروى الحافظ أبو نعيم ((رحمه الله)) بسنده في حليته عن عمير بن إسحاق ~~قال: دخلت أنا ورجل على الحسن بن علي نعوده، فقال: # يا فلان سلني قال: لا والله لا نسألك حتى يعافيك الله ثم نسألك. قال: ثم ~~دخل ثم خرج إلينا فقال: سلني قبل أن لا تسألني قال: بل يعافيك الله ثم ~~نسألك، قال: لقد ألقيت طائفة من كبدي وإني قد سقيت السم مرارا فلم اسق مثل ~~هذه المرة. ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين عند رأسه، فقال: ~~يا أخي من تتهم قال: لم؟ لتقتله؟ قال: نعم قال: إن يكن الذي أظن فالله أشد ~~بأسا وأشد تنكيلا وإلا يكن فما أحب أن يقتل في بريء. ثم قضى ((رضي الله ~~عنه)) لخمس خلون من ربيع الأول من سنة تسع وأربعين للهجرة، وقيل خمسين وصلى ~~عليه سعيد بن العاص فإنه كان يومئذ واليا على المدينة، ودفن بالبقيع وكان ~~تحته إذ ذاك جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي، فذكر أنها سمته والله أعلم ~~بحقيقة ذلك. # وكان لقضاء الشهور التي ولي فيها ((عليه السلام)) الخلافة انقضاء خلافة ~~النبوة، فإن بها كان استكمال ثلاثين سنة وهي ms202 التي ذكرها رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) فيما نقل عنه: الخلافة بعدي ثلاثون ثم تصير ملكا أو ~~كما قال (صلوات الله عليه وسلامه). PageV01P245 ### | الباب الثالث في الحسين الزكي ((عليه السلام)) # وفيه اثنا عشر فصلا الأول في ولادته الثاني في نسبه الثالث في تسميته ~~الرابع في كنيته ولقبه، الخامس فيما ورد في حقه من النبي ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم))، السادس في شجاعته وشرف نفسه السابع في كرمه، الثامن في كلامه ~~التاسع في أولاده، العاشر في عمره الحادي عشر في خروجه من المدينة إلى مكة ~~ثم إلى العراق، الثاني عشر في مصرعه ومقتله. ### | الفصل الأول: في ولادته ((عليه السلام)): # ولد بالمدينة لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وكانت والدته الطهر ~~البتول فاطمة ((عليها السلام)) علقت به بعد أن ولدت أخاه الحسن بخمسين ليلة. # هكذا صح النقل فلم يكن بينه وبين أخيه سوى هذه المدة المذكورة ومدة الحمل ~~من التفاوت. # ولما ولد واعلم النبي به أخذه وأذن في أذنه اليمنى وأقام في اذنه اليسرى. PageV01P247 ### | الفصل الثاني: في نسبه ((عليه السلام)): # هو نسب أخيه الحسن وقد تقدم ذكره ((عليه السلام)) وبيان ذلك مشروحا فلا ~~حاجة لاعادته. ### | الفصل الثالث: في تسميته ((عليه السلام)): # هذا الاسم سماه به رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)). فإنه لما علم ~~به وأخذه وأذن في أذنه وأقام كما فعل [بأخيه الحسن] قال سموه حسينا، فكانت ~~تسمية أخيه بالحسن وتسميته بالحسين صادرة من النبي ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم)). # ثم إنه ((صلى الله عليه وآله وسلم)) عق عنه وذبح كبشا، وحلقت والدته ~~((عليها السلام)) رأسه وتصدقت بوزن شعره فضة كما أمرها رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم))، وتقدم ذكره في الفصل المختص بالحسن ((عليه ~~السلام)). ### | الفصل الرابع: في كنيته ولقبه ((عليه السلام)): # كنيته ((عليه السلام)) أبو عبد الله لا غير، وأما ألقابه فكثيرة: # الرشيد والطيب والوفي والسيد والزكي والمبارك والتابع لمرضاة الله ~~والسبط. # فكل هذه كانت تقال له وتطلق عليه وأشهرها الزكي، لكن أعلاها ms203 رتبة ما لقبه ~~به رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) في قوله عنه وعن أخيه أنهما سيدا ~~شباب أهل الجنة، فيكون السيد أشرفها وكذلك السبط فإنه صح عن رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) أنه قال: # «حسين سبط من الأسباط». # وسيأتي هذا الحديث في الفصل الخامس تلو هذا الفصل إن شاء الله تعالى). PageV01P248 ### | الفصل الخامس: في ما ورد في حقه ((عليه السلام)): # من جهة النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قولا وفعلا، وهو فصل مستحلى ~~الموارد والمصادر مستعلى المحامد والمآثر، مسفر عن جمل من المناقب السوافر ~~مشعر أن الحسن والحسين ((عليهما السلام)) أحرزا أعلى المعالي وأفخر ~~المفاخر، فإن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) خصهما من مزايا العلى ~~بأتم معنى، ومنحهما من سجايا الثناء كل مثنى، فأفرد وثنى ومدح وأثنى ~~وأنزلهما ذروة السنا الأسنى. # فأما ما يختص الحسن ((عليه السلام)) فتقدم في فصله، وأما تمام المشترك ~~وما يخص الحسين فهذا أوان إحراز حصله. # فمنه حديث حذيفة بن اليمان ((رضي الله عنه)) أخرجه الترمذي في صحيحه ~~يرويه عنه بسنده، وقد تقدم طرف منه في فضائل فاطمة ((عليها السلام))، أن ~~حذيفة قال لأمه: دعيني آتي رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فأصلي ~~معه واسأله أن يستغفر لي ولك. فأتيته فصليت معه المغرب ثم قام فصلى حتى صلى ~~العشاء ثم انفتل فاتبعته، فسمع صوتي فقال: «من هذا حذيفة؟» قلت: نعم قال: ~~«ما حاجتك غفر الله لك ولأمك؟ إن هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه ~~الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن ~~الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». # ومنه ما أخرجه الترمذي أيضا أن النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أبصر ~~حسنا وحسينا فقال: «اللهم إني أحبهما فأحبهما». # ومنه ما رواه ابن الجوزي بسنده في صفوة الصفوة أن رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) قال: «هذان ابناي فمن أحبهما فقد أحبني» يعني الحسن ~~والحسين. PageV01P249 # ومن المشترك جملة تقدمت في ms204 فضل الحسن فلا حاجة لا عادتها هاهنا. # ومنه ما أخرجه الترمذي بسنده عن يعلى بن مرة قال: قال رسول الله ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)): «حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا، ~~حسين سبط من الأسباط». # ومنه ما نقله الإمام محمد بن اسماعيل البخاري والترمذي ((رضي الله ~~عنهما)) بسندهما كل منهما في صحيحه عن ابن عمر ((رضي الله عنهما)) وسأله ~~رجل عن دم البعوض؟ فقال: ممن انت؟ فقال من أهل العراق فقال: انظروا إلى هذا ~~يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم))، ~~وسمعت النبي يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا». # وروي أنه سأله عن المحرم يقتل الذباب؟ فقال: يا أهل العراق تسألونا عن ~~قتل الذباب وقد قتلتم ابن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وذكر ~~الحديث. # وفي آخره وهما سيدا شباب أهل الجنة. # ومنه ما أخرجه الترمذي ((رحمه الله)) في صحيحه بسنده عن سلمى الأنصارية، ~~قالت: دخلت على أم سلمة زوج النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وهي تبكي، ~~قلت: ما يبكيك قالت: رأيت الآن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) في ~~المنام وعلى رأسه ولحيته التراب وهو يبكي، فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: ~~«شهدت قتل الحسين آنفا». # ومنه ما أخرجه البخاري والترمذي في صحيحيهما كل منهما يرفعه بسنده عن أنس ~~((رضي الله عنه))، قال: أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين ((عليه السلام)) ~~فجعل في طست فجعل ينكثه وقال في حسنه شيئا، قال أنس: فقلت والله إنه كان ~~أشبههم برسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وكان مخضوبا بالوسمة. PageV01P250 # وفي رواية الترمذي فجعل يضرب بقضيب في أنفه. # ولقد وفق الترمذي ((رضي الله عنه)) فإنه لما روى هذا الحديث وذكر فعل ابن ~~زياد (زاده الله عذابا) نقل ما فيه اعتبار واستبصار، فإنه روى في صحيحه ~~بسنده عن عمارة بن عمير قال: لما قتل عبيد الله بن زياد وجيء برأسه ورءوس ~~أصحابه ونضدت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليهم والناس ms205 يقولون: قد جاءت ~~قد جاءت فإذا حية قد جاءت تخلل الرءوس حتى جاءت فدخلت في منخر عبيد الله بن ~~زياد، فمكثت هنيئة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: قد جاءت ففعلت ذلك مرارا. ### | الفصل السادس: في شجاعته وشرف نفسه ((عليه السلام)): # اعلم وقفك الله على حقائق المعاني ووفقك لادراكها، أن الشجاعة من المعاني ~~القائمة بالنفوس والصفات المضافة إليه، فهي تدرك بالبصيرة لا بالبصر ولا ~~يمكن معرفتها بالحس مشاهدة لذاتها إذ ليست كثيفة بل طريق معرفتها والعلم ~~بها بمشاهدة آثارها، فمن أراد أن يعلم أن زيدا موصوف بالشجاعة فطريقه أن ~~ينظر إلى ما يصدر منه إذا احدقت الرجال وحدقت الآجال وخفت الأوجال وتضايق ~~المجال وحاق القتال، فإن كان مجزاعا مهلاعا مفزاعا، مرواعا فتراه يستركب ~~الهزيمة ويستبقها ويستصوب الدنية ويتطوقها، ويستعذب المفرة ويتفوقها ~~ويستصحب الذلة ويتعلقها، مبادر إلى تدرع عار الفرار من شبا الشفار مشيحا عن ~~الفخار باقتحام الأخطار في مقر القراع لكل خطار، فذلك مهبول الام مخبول ~~الفهم مفلول الجمع معزول عن السمع، وضرب بينه وبين الشجاعة بحجاب مكتوب ~~بينه وبين الشهامة بإبراء في كتاب لا تعرف نفسه سرفا ولا تجد عن الخساسة ~~والدناءة منصرفا. # وإن كان مجسارا مجزارا كرارا صبارا يسمع من أصوات وقع الصوارم نغم ~~المزامر المطربة، ويسرع إلى مصاف التصادم مسارعته إلى مواصلة النواظر ~~المعجبة، خائضا غمرات الأهوال بنفس مطمئنة وعزيمة PageV01P251 # مطنبه، يعد مصافحة الصفاح غنيمة باردة، ومرامحة الرماح فائدة عائدة ~~ومكافحة الكتائب مكرمة زائدة ومناوحة المقانب منقبة شاهدة، يعتقد القتل ~~يلحفه طلل الحياة الأبدية ويسعفه جلل المحامد السرمدية ويزلفه من منازل ~~الفخار العالية المعدة للشهداء الاحدية، جانحا إلى ابتياع العز بمهجته ~~ويراها ثمنا قليلا جامحا عن ارتكاب الدنايا وإن غادره جماحه قتيلا: # يرى الموت أحلى من ركوب دنية %~% ولا يغتدي للناقصين عديلا # ويستعذب التعذيب فيما يفيده %~% نزاهته عن أن يكون ذليلا # فهذا مالك زمام الشجاعة وحائزها، وله من قداحها معلاها وفائزها قد تفوق ~~بها لبان الشرف واغتذاه، وتطوق در سحابه المستحلى وتحلاه وعبق نشر أرجه ~~المنتشر ms206 مما أتاه، ونطق فعله بمدحه وإن لم يفض فاه وصدق والله واصفه ~~بالشجاعة التي يحبها الله، وإذا ظهرت دلالة الآثار على مؤثرها وأسفرت عن ~~تحقق مثيرها ومثمرها، فقد صرح النقلة في صحائف السير بما رواه وجزموا القول ~~بما نقله المتقدم إلى المتأخر فيما رووه أن الحسين ((عليه السلام)) لما قصد ~~العراق وشارف الكوفة سرب إليه أميرها يومئذ عبيد الله بن زياد الجنود ~~لمقاتلته أحزابا، وحزب عليه الجيوش لمقاتلته أسرابا وجهز من العساكر عشرين ~~ألف فارس وراجل يتتابعون كتائب واطلابا. فلما حصروه وأحدقوا به شاكين في ~~العدة والعديد ملتمسين منه نزوله على حكم ابن زياد أو بيعته ليزيد، فإن أبى ~~ذلك فليؤذن بقتال يقطع الوتين وحبل الوريد، ويصعد الأرواح إلى المحل الأعلى ~~ويصرع الاشباح على الصعيد، فتبعت نفسه الأبية جدها وأباها وعزفت عن التزام ~~الدنية فأباها، ونادته النخوة الهاشمية فلباها ومنحها الإجابة إلى مجانبة ~~الذلة وحباها فاختار مجالدة الجنود ومضاربة ضباها ومصادمة صوارمها وشيم ~~شباها، ولا يذعن لوصمة تسم بالصغار من شرفه خدودا وجباها، وقد كان أكثر ~~هؤلاء المخرجين لقتاله قد شايعوه وكاتبوه وطاوعوه وعاهدوه وبايعوه وسألوه ~~القدوم عليهم ليبايعوه PageV01P252 # فلما جاءهم كذبوه ما وعدوه وأنكروه وجحدوه ومالوا إلى السحت العاجل ~~فعبدوه، وخرجوا إلى قتاله رغبة في عطاء ابن زياد فقصدوه فنصب ((عليه ~~السلام)) نفسه وأخوته وأهله وكانوا نيفا وثمانين لمحاربتهم واختاروا ~~بأجمعهم القتل على متابعتهم ليزيد ومبايعتهم، فأعلقتهم الفجرة الطغام ~~وأرهقتهم المردة اللئام، ورشقتهم النبال والسهام وأوثقتهم من شبا شفارهم ~~الكلام. هذا والحسين ((عليه السلام)) ثابت لا تخف حصاة شجاعته ولا تحف ~~عزيمة شهامته، وقدمه في المعترك أرسى من الجبال وقلبه لا يضطرب لهول القتال ~~ولا لقتل الرجال، وقد قتل قومه من جموع ابن زياد جمعا جما، وأذاقوهم من ~~الحمية الهاشمية رهقا وكلما، ولم يقتل من العصابة الهاشمية قتيل حتى اثخن ~~في قاصديه وقتل واغمد ظبته في أبشارهم وجدل. فحينئذ تكالبت طغام الاجناد ~~على الجلاد وتناشبت الأجلاد في المنازلة بالحداد، ووثبت كثرة الألوف منهم ~~على قلة الآحاد وتقاربت من الأنوف ms207 الهاشمية الآجال المحتومة على العباد، ~~فاستبقت الاملاك البررة إلى الارواح وباء الفجرة بالآثام في الأجساد، فسقطت ~~اشلاؤهم المتلاشية على الأرض صرعى تصافح منها صعيدا، ونطقت حالهم بأن ~~لقتلهم يوما تود لو أن بينها وبين قتلهم أمدا بعيدا، وتحققت النفوس ~~المطمئنة بالله كون الظالم شقيا والمظلوم سعيدا، وضاقت الأرض بما رحبت على ~~حرم الحسين ((عليه السلام)) وأطفاله إذ بقي وحيدا. فلما رأى ((عليه ~~السلام)) وحدته ورزى أسرته وفقد نصرته تقدم على فرسه إلى القوم حتى واجههم ~~وقال لهم: يا أهل الكوفة قبحا لكم وتعسا حين استصرختمونا ولهين فأتيناكم ~~موجفين، فشحذتم علينا سيفا كان في ايماننا وحششتم علينا نارا نحن اضرمناها ~~على أعدائكم وأعدائنا فاصبحتم ألبا على أوليائكم ويدا لأعدائكم، من غير عدل ~~أفشوه فيكم ولا ذنب كان منا إليكم فلكم الويلات هلا إذ كرهتموها تركتموها ~~والسيف ماشيم. والجأش ما طاش والرأي لما يستحصد، لكنكم أسرعتم إلى بيعتنا ~~إسراع الدبا وتهافتم إليها كتهافت الفراش، ثم نقضتموها سفها PageV01P253 # وضلة وفتكا لطواغيت الأمة وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب، ثم أنتم هؤلاء ~~تتخاذلون عنا وتقتلونا؟ ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله. # ثم حرك فرسه إليهم والسيف مصلت في يده وهو آيس من نفسه عازم على الموت، ~~وقال هذه الأبيات: # أنا ابن علي الخير من آل هاشم %~% كفاني بهذا مفخرا حين أفخر # وجدي رسول الله أكرم من مشى %~% ونحن سراج الله في الخلق يزهر # وفاطم أمي من سلالة أحمد %~% وعمي يدعى ذو الجناحين جعفر # وفينا كتاب الله أنزل صادقا %~% وفينا الهدى والوحي والخير يذكر # ونحن ولاة الأرض نسقي ولاتنا %~% بكأس رسول الله ما ليس ينكر # وشيعتنا في الناس أكرم شيعة %~% ومبغضنا يوم القيامة يخسر # ثم دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقاتل ويقتل كل من برز إليه منهم من ~~عيون الرجال، حتى قتل منهم مقتلة كبيرة، فتقدم اليه شمر بن ذي الجوشن في ~~جمعه، وسيأتي تفصيل ما جرى بعد ذلك في فصل مصرعه ((عليه السلام)). هذا وهو ~~كالليث المغضب لا يحمل على أحد ms208 منهم إلا نفحه بسيفه فألحقه بالحضيض، فيكفي ~~ذلك في تحقيق شجاعته وكرم نفسه شاهدا صادقا فلا حاجة معه إلى ازدياد في ~~الاستشهاد. ### | الفصل السابع: في كرمه ((عليه السلام)): # قد تقدم في الفصل المعقود لذكر كرم أخيه الحسن ((عليهما السلام)) قضية ~~المرأة التي ذبحت لهما الشاة وما وصلها لما جاءته بعد أخيه الحسن وأنه ~~أعطاها ألف دينار واشترى لها ألف شاة. # وقد اشتهر النقل عنه ((عليه السلام)) أنه كان يكرم الضيف ويمنح الطالب ~~ويصل الرحم وينيل الفقير ويسعف السائل ويكسو PageV01P254 # العاري ويشبع الجائع ويعطي الغارم ويشد من الضعيف ويشفق على اليتيم ويعين ~~ذا الحاجة، وقل أن وصله مال إلا فرقه. # ونقل أن معاوية لما قدم مكة وصله بمال كثير وثياب وافرة وكسوات وافية، ~~فرد الجميع عليه ولم يقبله منه. # وهذه سجية الجواد وشنشنة الكريم وسمة ذي السماحة وصفة من قد حوى مكارم ~~الأخلاق، فأفعاله المتلوة شاهدة له بصفة الكرم ناطقة بأنه متصف بمحاسن ~~الشيم، وقد كان في العبادة مقتديا بمن تقدم، حتى نقل عنه ((عليه السلام)) ~~أنه حج خمسا وعشرين حجة إلى الحرم وجنائبه تقاد معه وهو ماش على القدم. ### | الفصل الثامن: في كلامه ((عليه السلام)): # كانت الفصاحة لديه خاضعة والبلاغة لأمره سامعة طائعة، وقد تقدم آنفا من ~~نثره في الفصل السادس في ذلك المقام الذي لا تفوه فيه الافواه من الفرق، ~~ولا تنطق الألسنة من الوجل والقلق ما فيه حجة بالغة على أنه في ذلك الوقت ~~أفصح من نطق. # وأما نظمه فيعد من الكلام جوهر عقد منظوم ومشهر برد مرقوم، فمنه الأبيات ~~التي تقدم ذكرها في مواجهته لأهل الكوفة عند استدعاء النزال في الوقت الذي ~~تزول له القلوب من الزلزال، وهي ردف الكلام المنثور المذكور ومنه ما تقدم ~~الوعد بإيراده عند وقوف الأعرابي عليه وعلى أخيه الحسن ((عليهما السلام)) ~~لاستبانة فصاحتهما وقول الأعرابي ما تقدم من شعره: # هفا قلبي إلى اللهو وقد ودع شرخيه # فأنشده الحسين ((عليه السلام)) ارتجالا لوقته: # فما رسم شجاني انمحى آية رسميه %~% سفور درح الديلين في ms209 بوغاء قاعيه PageV01P255 # ومود حرجف تترى على تلبيد نوبيه %~% ودلاح من المزن دنا نوء سماكيه # اتى مثعنجر الودق يجود من خلاليه %~% وقد احمد برقاه فلا ذم لبرقيه # وقد جلل رعداه فلا ذم لرعديه %~% ثجيج الرعد ثجاج إذا أرخى نطاقيه # فأضحى دارسا قفرا لبينونة أهليه %~% # ومنه قطعة نقلها صاحب كتاب الفتوح وأنه ((عليه السلام)) لما أحاط به جموع ~~ابن زياد تقدمهم عمر بن سعد وقصدوه وقتلوا من أصحابه ومنعوهم الماء، وكان ~~له ((عليه السلام)) ولد صغير فجاءه سهم منهم فقتله فرمله عليه الحسين ~~((عليه السلام)) وحفر له بسيفه وصلى عليه ودفنه وقال هذه الأبيات: # غدر القوم وقد ما رغبوا %~% عن ثواب الله رب الثقلين # قتلوا قدما عليا وابنه %~% حسن الخير كريم الابوين # حنقا منهم وقالوا جمعوا %~% نفتك الآن جميعا بالحسين # يا لقوم لأناس رذل %~% جمعوا الجمع لأهل الحرمين # ثم ساروا وتواصوا كلهم %~% باجتياحي للرضا بالملحدين # لم يخافوا الله في سفك دمي %~% لعبيد الله نسل الفاجرين # وابن سعد قد رماني عنوة %~% بجنود كوكوف الهاطلين # لا لشيء كان مني قبل ذا %~% غير فخري بضياء الفرقدين # بعلي الخير من بعد النبي %~% والنبي القرشي الوالدين # خيرة الله من الخلق أبي %~% ثم أمي فأنا ابن الخيرتين # فضة قد خلصت من ذهب %~% فأنا الفضة وابن الذهبين # من له جد كجدي في الورى %~% او كشيخي فأنا ابن القمرين # فاطم الزهراء أمي وأبي %~% قاصم الكفر ببدر وحنين # وله في يوم أحد وقعة %~% شفت الغل بفض العسكرين PageV01P256 # ثم بالأحزاب والفتح معا %~% كان فيها حتف أهل القبلتين # في سبيل الله ما ذا صنعت %~% أمة السوء معا بالعترتين # عترة البر النبي المصطفى %~% وعلي الورد بين الجحفلين # وقال وقد التقاه وهو متوجه إلى الكوفة الفرزدق بن غالب الشاعر فقال له: ~~يا ابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن ~~عقيل وشيعته؟، فترحم على مسلم وقال: صار إلى روح الله ورضوانه أما أنه قضى ~~ما عليه وبقى ما علينا وأنشد: # فإن تكن الدنيا تعد نفيسة %~% فإن ثواب الله ms210 أغلى وأنبل # وإن تكن الابدان للموت انشئت %~% فقتل امرئ في الله بالسيف أفضل # وإن تكن الأرزاق قسما مقدرا %~% فقلة حرص المرء في الكسب اجمل # وإن تكن الأموال للترك جمعا %~% فما بال متروك به الحر يبخل ### | الفصل التاسع: في أولاده ((عليهم السلام)): # كان له من الأولاد ذكورا وإناثا عشرة، ستة ذكورا وأربع إناث فالذكور: علي ~~الأكبر وعلي الأوسط وهو سيد العابدين- وسيأتي ذكره في بابه إن شاء الله ~~(تعالى)- وعلي الأصغر ومحمد وعبد الله وجعفر. # فأما علي الأكبر قاتل بين يدي أبيه حتى قتل شهيدا وأما علي الأصغر جاءه ~~سهم وهو طفل فقتله، وقد تقدم ذكره عند ذكر الأبيات لما قتل، وقيل إن عبد ~~الله أيضا قتل مع أبيه شهيدا. # وأما البنات: فزينب وسكينة وفاطمة هذا هو المشهور. وقيل بل كان له أربعة ~~بنين وبنتان والأول اشهر، وكان الذكر المخلد والثناء المنضد مخصوصا من بين ~~بنيه بعلي الأوسط زين العابدين دون بقية الأولاد. ### | الفصل العاشر: في عمره ((عليه السلام)): # قد تقدم القول في ولادته ((عليه السلام)) وأنها كانت سنة أربع من الهجرة، ~~وكان انتقاله إلى الدار الآخرة على ما سيأتي تفصيله وبيانه إن PageV01P257 # شاء الله في سنة إحدى وستين من الهجرة، فتكون مدة عمره ستا وخمسين سنة ~~وأشهرا كان منها مع جده رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ست سنين ~~وشهورا، وكان مع أبيه أمير المؤمنين علي ((عليه السلام)) ثلاثين سنة بعد ~~وفاة النبي، وكان مع أخيه الحسن بعد وفاة أبيه عشر سنين وبقي بعد وفاة أخيه ~~إلى مقتله عشر سنين. ### | الفصل الحادي عشر: في خروجه من المدينة إلى مكة ثم إلى العراق: # هذا فصل للقلم في أرجائه مجال واسع ومقال جامع وسمع كل مؤمن وقلبه عند ~~تلاوته إليه وله مصيخ سامع، لكن الرغبة في الاختصار تطوي أطراف بساطه ~~والرهبة من الإكثار تصدف عن تطويله وإفراطه وحين وقف على أصله وزائده خص ~~الأصل بإثباته والزائد بإسقاطه. # وذلك أن معاوية لما استخلف ولده يزيد ثم مات وكتب يزيد كتابا إلى الوليد ~~بن عتبة ms211 بن أبي سفيان وهو يومئذ والي المدينة يحثه فيه على أخذ البيعة من ~~الحسين ((عليه السلام))، فرأى الحسين أمورا اقتضت أنه خرج من المدينة وقصد ~~مكة وأقام بها، ووصل الخبر إلى الكوفة بموت معاوية وولاية يزيد مكانه، ~~فاتفق منهم جمع جم وكتبوا كتابا إلى الحسين يدعونه إليهم ويبذلون له فيه ~~القيام بين يديه بأنفسهم وبالغوا في ذلك. ثم تتابعت إليه الكتب نحوا من ~~مائة وخمسين كتابا من كل طائفة وجماعة، كتاب يحثونه فيه على القدوم، وآخر ~~ما ورد عليه كتاب من جماعتهم على يد قاصدين من أعيانهم وصورته @QUR@04 بسم ~~الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي أمير المؤمنين من شيعته وشيعة أبيه أمير ~~المؤمنين علي؛ سلام عليك، أما بعد فإن الناس منتظروك ولا رأي لهم غيرك ~~فالعجل العجل يا ابن رسول الله. والسلام عليك ورحمته وبركاته. # فكتب جوابهم وسير إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل، فوصل إليهم PageV01P258 # وجرت له وقائع وقضايا لا حاجة إلى ذكرها، وآل الأمر [إلى] أن الحسين ~~((عليه السلام)) توجه بنفسه وأهله وأولاده إلى الكوفة ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا، وكان عند وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة واجتماع الشيعة عنده وأخذه ~~البيعة للحسين ((عليه السلام))، كتب والي الكوفة وهو النعمان بن بشير إلى ~~يزيد بذلك، فجهز عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فلما قرب منها تنكر ودخل ~~ليلا وأوهم أنه الحسين ((عليه السلام)) ودخلها من جهة البادية في زي أهل ~~الحجاز، فصار يجتاز بجماعة جماعة يسلم عليهم ولا يشكون في أنه هو الحسين ~~((عليه السلام))، فيمشون بين يديه ويقولون: مرحبا يا بن رسول الله قدمت خير ~~مقدم. فرأى عبيد الله من تباشيرهم بالحسين ما ساءه وكشف أحوالهم وهو ساكت، ~~فلما دخل قصر الإمارة وأصبح، جمع الناس وقال وأرعد وأبرق وقتل وفتك وسفك ~~وانتهك وعمله وما اعتمده مشهور في تخيله حتى ظفر بمسلم بن عقيل وقتله، وبلغ ~~الحسين ((عليه السلام)) قتل مسلم وما اعتمده عبيد الله بن زياد وهو متجهز ~~للخروج إلى الكوفة فاجتمع به ذو النصح له ms212 والتجربة للأمور وأهل الديانة ~~والمعرفة، كعبد الله بن عباس وعمرو بن عبد الرحمن بن الحرث المخزومي ~~وغيرهما ووردت عليه كتب أهل المدينة من عبد الله بن جعفر وسعيد بن العاص ~~وجماعة كثيرين، كلهم يشيرون عليه أن لا يتوجه إلى العراق وأن يقيم بمكة، ~~هذا كله والقضاء غالب على أمره والقدر آخذ بزمامه. فلم يكترث بما قيل له ~~ولا بما كتب إليه، وتجهز وخرج من مكة يوم الثلاثاء وهو يوم التروية الثامن ~~من ذي الحجة، ومعه اثنان وثمانون رجلا من أهله وشيعته ومواليه، فسار فلما ~~وصل إلى الشقوق وإذا هو الفرزدق الشاعر وقد وافاه هنالك، فسلم عليه ثم دنا ~~منه فقبل يده فقال له الحسين ((عليه السلام)): # من أين أقبلت يا أبا فراس؟ فقال: من الكوفة فقال: كيف تركت أهل الكوفة؟ ~~قال خلفت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية، وقد قل الديانون والقضاء ~~ينزل من السماء والله يفعل في خلقه ما يشاء. وجرى PageV01P259 # بينهما كلام تقدم ذكر طرف منه في آخر الفصل الثامن. # ثم ودعه الفرزدق في نفر من أصحابه ومضى يريد مكة فقال له ابن عم له من ~~بني مجاشع: يا أبا فراس هذا الحسين بن علي؟ قال له الفرزدق: نعم هذا الحسين ~~بن علي وابن فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى ((صلى الله عليه وآله وسلم))، ~~هذا والله ابن خيرة الله وأفضل من مشى على الأرض، وقد كنت قلت فيه قبل ~~اليوم أبياتا غير متعرض لمعروفه، بل أردت وجه الله والدار الآخرة فلا عليك ~~أن لا (1) تسمعها فقال ابن عمه: إن رأيت أن تسمعنيها يا أبا فراس. فقال: ~~قلت فيه وفي أمه وأبيه وجده: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته %~% والبيت يعرفه والحل والحرم # هذا ابن خير عباد الله كلهم %~% هذا التقي النقي الطاهر العلم # هذا حسين رسول الله والده %~% أمست بنور هداه تهتدي الأمم # هذا ابن فاطمة الزهراء عترتها %~% في جنة الخلد مجريا به القلم # إذا رأته قريش قال قائلها %~% إلى مكارم هذا ينتهي الكرم # يكاد يمسكه عرفان راحته ms213 %~% ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # بكفه خيزران ريحه عبق %~% بكف أروع في عرنينه شمم # يغضي حياء ويغضى من مهابته %~% فلا يكلم إلا حين يبتسم # ينشق نور الدجى من نور غرته %~% كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم # منشقة من رسول الله نبعته %~% طابت أرومته والخيم والشيم # من معشر حبهم دين وبغضهم %~% كفر وقربهم ملجأ ومعتصم # يستدفع الضر والبلوى بحبهم %~% ويستقيم به الاحسان والنعم # إن عد أهل التقى كانوا ائمتهم %~% أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم # لا يستطيع مجار بعد غايتهم %~% ولا يدانيهم قوم وإن كرموا # بيوتهم في قريش يستضاء بها %~% في النائبات وعند الحكم إن حكموا PageV01P260 # فجده في قريش من أرومتها %~% محمد وعلي بعده علم # بدر له شاهد والشعب من احد %~% والخندقان ويوم الفتح قد علموا # وخيبر وحنين يشهدان له %~% وفي قريضة يوم صيلم قتم # مناقب قد علت أقدارها ونمت %~% آثارها لم ينلها العرب والعجم ### | الفصل الثاني عشر: في مصرعه ومقتله ((عليه السلام)): # وهو فصل مضمونه يسكب المدامع من الاجفان ويجلب الفجائع لإثارة الأحزان، ~~وتلهب نيران الموجدة على أكباد ذوي الإيمان بما أجرته الاقدار للفجرة من ~~الاجتراء، وفتكها واعتدائها على الذرية النبوية بسفح دمائها وسفكها، ~~واستبائها مصونات نسائها وهتكها، حتى تركوا لمم رجالها بنجيعها مخضوبة، ~~وأشلاء جثثها على الثرى مسلوبة، ومخدرات حرائرها سبايا منهوبة، فكم كبيرة ~~من جريمة ارتكبوها واجترموها، وكم من نفس معصومة ازهقوها واخترموها، وكم من ~~كبد حرى منعوها ورود الماء المباح وحرموها، ثم احتزوا رأس سبط رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم))، وجثة الحسين ((عليه السلام)) بشبا الحداد، ~~ورفعوه كما يرفع رأس ذوي الالحاد على رءوس الصعاد، واخترقوا به ارجاء ~~البلاد بين العباد، واستاقوا حرمه وأطفاله اذلاء من الاضطهاد، واركبوهم على ~~أخشاب الاقتاب بغير وطاء ولا مهاد. # هذا مع علمهم بأنها الذرية النبوية المسئول لها المودة بصريح القرآن ~~وصحيح الاعتقاد، فلو نطقت السماء والأرض لرثت لها ورثتها، ولو اطلعت عليها ~~مردة الكفر لبكتها وندبتها، ولو حضرت مصرعها عتاة الجاهلية لأبكتها ونعتها، ~~ولو شهدت وقعتها بغاة ms214 الجبابرة لاغاثتها ونصرتها. # فيا لها مصيبة أنزلت الرزية بقلوب الموحدين فأورثتها وبلية أحلت الكآبة ~~بنفوس المؤمنين سلفا وخلفا فاحزنتها، فوا لهفتاه لذرية نبوية طل دمها وعترة ~~محمدية فل مخذمها وعصبة علوية خذلت فقتل PageV01P261 # مقدمها وزمرة هاشمية استبيح حرمها واستحل محرمها. # وأنا الآن أفصل هذا الاجمال وأوضحه وأبين تفصيله واشرحه. # وهو أن الحسين ((عليه السلام)) سار حتى صار على مرحلتين من الكوفة، ~~فوافاه إنسان يقال له الحر بن يزيد الرياحي ومعه ألف فارس من أصحاب ابن ~~زياد شاكين في السلاح، فقال للحسين ((عليه السلام)): # إن الأمير عبيد الله بن زياد قد أمرني أن لا أفارقك أو أقدم بك عليه، ~~وأنا والله كاره أن يبتليني الله بشيء من أمرك غير أني قد أخذت بيعة القوم ~~فقال له الحسين ((عليه السلام)): اني لم اقدم هذا البلد حتى أتتني كتب ~~أهله، وقدمت على رسلهم يطلبونني، وأنتم من أهل الكوفة فإن دمتم على بيعتكم ~~وكتبكم دخلت مصركم، وإلا انصرفت من حيث أتيت فقال له الحر: والله ما أعلم ~~هذه الكتب ولا الرسل وأنا فما يمكنني الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا، فخذ ~~طريقا غير هذا وارجع فيه حيث شئت لاكتب إلى ابن زياد أن الحسين خالفني فلم ~~أقدر عليه، وأنشدك الله في نفسك. # فسلك الحسين طريقا آخر راجعا إلى جهة الحجاز غير الجادة وسار وأصحابه طول ~~ليلتهم، فلما اصبح الحسين ((عليه السلام)) وإذا قد ظهر الحر وجيشه، فقال له ~~الحسين ((عليه السلام)): ما وراءك يا ابن يزيد فقال: وافاني كتاب ابن زياد ~~يؤنبني في أمرك، وقد سير من هو معي وهو عين علي ولا سبيل إلى مفارقتك أو ~~نقدم بك عليه، وطال الكلام بينهما فرحل الحسين ((عليه السلام)) وأهله ~~وأصحابه ونزلوا كربلاء يوم الأربعاء أو الخميس على ما قيل الثاني من ~~المحرم، فقال ((عليه السلام)): هذه كربلاء موضع كرب وبلاء هذا مناخ ركابنا ~~ومحط رحالنا ومقتل رجالنا، فنزل القوم وحطوا الأثقال ونزل الحر بجيشه قبالة ~~الحسين ((عليه السلام)). # ثم كتب إلى عبيد الله بنزول الحسين ms215 بأرض كربلاء فكتب عبيد PageV01P262 # الله كتابا إلى الحسين ((عليه السلام)). # أما بعد فقد بلغني يا حسين نزولك بكربلاء وقد كتب إلى يزيد بن معاوية أن ~~لا أتوسد الوثير ولا أشبع من الخمير حتى ألحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى ~~حكمي وحكم يزيد بن معاوية والسلام. فلما ورد الكتاب على الحسين ((عليه ~~السلام)) وقرأه ألقاه من يده وقال للرسول ما له عندي جواب. # فرجع الرسول فأخبر ابن زياد فاشتد غضبه وجمع الناس وجهز العساكر، وسير ~~مقدمها عمر بن سعد، وكان قد ولاه الري وأعمالها وكتب له بها فاستعفى من ~~خروجه معه إلى قتال الحسين، فقال له ابن زياد: إما أن تخرج وإما أن تعيد ~~إلينا كتابنا بتوليتك الري وأعمالها وتقعد في بيتك فاختار ولاية الري وطلع ~~إلى قتال الحسين ((عليه السلام)) بالعسكر، فما زال عبيد الله يجهز مقدما ~~ومعه طائفة من الناس إلى أن اجتمع عند عمر بن سعد اثنان وعشرون ألفا ما بين ~~فارس وراجل، وأول من خرج إلى عمر بن سعد الشمر بن ذي الجوشن السكوني في ~~أربعة آلاف فارس، ثم زحفت خيل عمر بن سعد حتى نزلوا جانب الفرات وحالوا بين ~~الماء وبين الحسين وأصحابه. # ثم كتب عبيد الله كتابا إلى عمر بن سعد يحثه على مناجزة الحسين ((عليه ~~السلام))، فعندها ضيق الأمر عليهم واشتد بهم العطش فقال إنسان من أصحاب ~~الحسين ((عليه السلام)) يقال له يزيد بن حصين الهمداني- وكان زاهدا- للحسين ~~((عليه السلام)): ائذن لي يا ابن رسول الله لآتي ابن سعد فأكلمه في أمر ~~الماء عساه يرتدع، فقال له: ذلك إليك فجاء الهمداني إلى عمر بن سعد فدخل ~~عليه ولم يسلم، قال: يا أخا همدان ما منعك من السلام علي ألست مسلما أعرف ~~الله ورسوله؟ فقال له الهمداني: لو كنت مسلما كما تقول لما خرجت إلى عترة ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) تريد قتلهم، وبعد فهذا ماء الفرات يشرب PageV01P263 # منه كلاب السواد وخنازيرها، وهذا الحسين بن علي وأخوته ونساؤه وأهل بيته ~~يموتون عطشا قد حلت ms216 بينهم وبين ماء الفرات أن يشربوه وتزعم أنك تعرف الله ~~ورسوله؟. # فأطرق عمر بن سعد ثم قال: والله يا أخا همدان اني لأعلم حرمة أذاهم ولكن: # دعاني عبيد الله من دون قومه %~% الى خطة فيها خرجت لحيني # فو الله ما أدري وإني لواقف %~% على خطر لا ارتضيه ومين # أأترك ملك الري والري رغبة %~% أم ارجع مطلوبا بدم حسين # وفي قتله النار التي ليس دونها %~% حجاب وملك الري قرة عيني # يا أخا همدان ما أجد نفسي تجيبني إلى ترك الري لغيري. فرجع يزيد بن حصين ~~فقال للحسين ((عليه السلام)): يا بن رسول الله إن عمر بن سعد قد رضي أن ~~يقتلك بولاية الري. # فلما تيقن الحسين أن القوم مقاتلوه أمر أصحابه فاحتفروا حفير شبيهة ~~بالخندق وجعلوها جهة واحدة يكون القتال منها، وركب عسكر ابن سعد واحدقوا ~~بالحسين واقتتلوا، ولم يزل يقتل من أهل الحسين وأصحابه واحدا واحدا إلى أن ~~قتل من أهله وأصحابه ما ينيف على خمسين رجلا، فعند ذلك ضرب الحسين بيده ~~الخيمة وصاح: أما مغيث يغيثنا لوجه الله أما ذاب يذب عن حرم رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم))؟. # وإذا بالحر بن يزيد الرياحي الذي تقدم ذكره قد أقبل على فرسه إليه، وقال: ~~يا ابن رسول الله اني كنت أول من خرج عليك وأنا الآن في حزبك فمرني لأكون ~~أول مقتول في نصرتك لعلي أنال شفاعة جدك غدا، ثم كر على عسكر عمر بن سعد ~~فلم يزل يقاتلهم حتى قتل والتحم القتال حتى قتل أصحاب الحسين ((عليه ~~السلام)) بأسرهم، وولد وأخوته وبنو عمه وبقي وحده وبارز بنفسه إلى أن ~~اثخنته الجراحات PageV01P264 # والسهام تأخذه من كل جانب والشمر في قبيلة عظيمة يقاتله. # ثم حال بينه وبين رحله وحرمه فصاح الحسين: ويلكم يا شيعة الشيطان إن لم ~~يكن [لكم] دين ولا تخافون المعاد فكونوا احرارا وارجعوا إلى احسابكم إن ~~كنتم اعرابا كما تزعمون، أنا الذي أقاتلكم فكفوا سفهاءكم وجهالكم عن التعرض ~~لحرمي فإن النساء لم تقاتلكم، فقال الشمر لأصحابه: كفوا ms217 عن النساء وحرم ~~الرجل واقصدوه في نفسه. # ثم صاح الشمر بأصحابه وقال: ويلكم ما تنتظرون بالرجل وقد اثخنته السهام. ~~فتوالت إليه الرماح والسهام فسقط على الأرض فوقف عليه عمر بن سعد، وقال ~~لأصحابه: انزلوا وجزوا رأسه، فنزل إليه نصر بن حرشة الضبابي ثم جعل يضرب ~~بسيفه في مذبح الحسين فغضب عليه عمر بن سعد وقال لرجل عن يمينه: ويحك انزل ~~إلى الحسين فأرحه، فنزل إليه خولى بن يزيد فاجتز رأسه ثم سلبوه ودخلوا على ~~حرمه فاسلبوا بزتهم. # ثم إن عمر بن سعد ارسل بالرأس الى ابن زياد مع بشر بن مالك فلما وضع ~~الرأس بين يدي عبيد الله قال: # املأ ركابي فضة وذهبا %~% فقد قتلت الملك المحجبا # ومن يصلي القبلتين في الصبا %~% وخيرهم إن يذكرون النسبا # قتلت خير الناس أما وأبا %~% # فغضب عبيد الله بن زياد من قوله ثم قال: إذ قد علمت أنه كذلك فلم قتلته؟، ~~والله لا نلت مني خيرا، ولألحقنك به ثم قدمه وضرب عنقه. # ثم إن القوم استاقوا الحرم كما تساق الأسارى، حتى أتوا الكوفة فخرج الناس ~~فجعلوا ينظرون ويبكون وينوحون، وكان علي بن الحسين زين العابدين ((عليه ~~السلام))، قد انهكه المرض فجعل يقول: ألا إن هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا، ~~فمن قتلنا؟! وكان اليوم الذي قتل فيه (عليه PageV01P265 # السلام) يوم الجمعة، وهو يوم عاشوراء من المحرم سنة إحدى وستين للهجرة ~~ودفن بالطف بأرض كربلاء من العراق، ومشهده به معروف يزار من الجهات ~~والآفاق. # وهذه الوقائع أوردها صاحب كتاب الفتوح فهي مضافة اليه وعهدتها لمن أراد ~~أن يتبعها عند مطالعتها عليه. # فهذا تلخيص ما تلقته الاذهان والعقول مما أهداه اليها المروي والمنقول، ~~وقد ألبس العقول ثوب حداد ما لصبغة سواده فصول وعلى الجملة فأقول: # الا ايها العادون ان امامكم %~% مقام سؤال والرسول سئول # وموقف حكم والخصوم محمد %~% وفاطمة الزهراء وهي ثكول # وإن عليا في الخصام مؤيد %~% له الحق فيما يدعي ويقول # فما ذا تردون الجواب عليهم %~% وليس إلى ترك الجواب سبيل # وقد سؤتموهم في بنيهم بقتلهم ms218 %~% ووزر الذي احدثتموه ثقيل # ولا يرتجى في ذلك اليوم شافع %~% سوى خصمكم والشرح فيه يطول # ومن كان في الحشر الرسول خصيمه %~% فإن له نار الجحيم مقيل # وكان عليكم واجبا في اعتمادكم %~% رعايتهم أن تحسنوا وتنيلوا # فإنهم آل النبي وأهله %~% ونهج هداهم بالنجاة كفيل # مناقبهم بين الورى مستنيرة %~% لها غرر مجلوة وحجول # مناقب جلت أن تحاط بحصرها %~% نمتها فروع قد زكت وأصول # مناقب من خلق النبي وخلقه %~% ظهرن فما يغتالهن أفول # ولما وصل القلم في ميدان البيان إلى هذا المقام أبدت الايام من المام ~~الآلام ما منع من إتمام المرام على أتم الاقسام ولم نرخرم نظام الكلام دون ~~موقف الاختتام فاختصر مضمون الأبواب واقتصر منه على اللباب وقصر من أطناب ~~الأطناب وقصر اسهاب الاسهاب، فجاء محصول فصوله ملخصا من تطويل مبانيه ~~اقتصادا يستغنى بمحصله عن النهاية فيه وإرشادا يكتفي بمختصره عن بسيطه ~~وحاويه. PageV01P266 ### | الباب الرابع في علي بن الحسين (زين العابدين «(عليه السلام)») # هذا زين العابدين قدوة الزاهدين وسيد المتقين وإمام المؤمنين سمته تشهد ~~له أنه من سلالة رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وسمته يثبت مقام ~~قربه من الله زلفى، ونفثاته تسجل بكثرة صلاته وتهجده وإعراضه عن متاع ~~الدنيا ينطق بزهده فيها، درت له أخلاف التقوى فتفوقها وأشرقت لديه أنوار ~~التأييد فاهتدى بها، وألفته أنوار العبادة فأنس بصحبتها وخالفته وظائف ~~الطاعة فتحلى بحليتها. طالما اتخذ الليل مطية ركبها لقطع طريق الآخرة وظمأ ~~الهواجر دليلا استرشد به في مفازة المسافرة، وله الخوارق والكرامات ما شوهد ~~بالاعين الباصرة وثبت بالآثار المتواترة وشهد له أنه [من] ملوك الآخرة. # فأما ولادته فبالمدينة في الخميس الخامس من شعبان سنة ثمان وثلاثين من ~~الهجرة في أيام جده علي بن أبي طالب ((عليه السلام)) قبل وفاته بسنتين. # وأما نسبه أبا وأما فوالده الحسين بن علي ((عليهما السلام)) وقد تقدم بسط ذلك. # وأما أمه فأم ولد اسمها غزالة، وقيل بل كان اسمها شهزنان بنت يزد جرد ~~وقيل غير ذلك. PageV01P267 # وأما اسمه فعلي وكان للحسين ((عليه السلام)) ولد ms219 آخر أكبر من هذا فقتل ~~بين يدي والده، وقد تقدم ذكره وولد صغير طفل فجاءه سهم فقتله وقد تقدم ذكر ~~ذلك وكان كل واحد منهما يسمى عليا أيضا. # وأما كنيته فالمشهور ابو الحسن وقيل أبو محمد وقيل أبو بكر. # وأما لقبه فكان له ألقاب كثيرة كلها تطلق عليه أشهرها زين العابدين وسيد ~~العابدين والزكي والأمين وذو الثفنات. # وقيل: كان سبب لقبه زين العابدين أنه كان ليلة في محرابه قائما في تهجده، ~~فتمثل له الشيطان في صورة ثعبان ليشغله عن عبادته فلم يلتفت إليه فجاءه إلى ~~إبهام رجله فالتقمها فلم يلتفت اليه فآلمه فلم يقطع صلاته، فلما فرغ منها ~~وقد كشف الله (تعالى) له فعلم أنه شيطان فسبه ولطمه فقال: اخس يا ملعون ~~فذهب وقام إلى تمام ورده، فسمع صوتا ولا يرى قائله وهو يقول له: أنت زين ~~العابدين ثلاثا، فظهرت هذه الكلمة واشتهرت لقبا له. # وأما لقبه ومزاياه وصفاته فكثيرة، فمنها أنه كان إذا توضأ للصلاة يصفر ~~لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء فيقول: # أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟!. # ومنها كان إذا مشى لا تجاوز يده فخذه ولا يخطر بيده وعليه السكينة ~~والخشوع، وإذا قام إلى الصلاة أخذته الرعدة ويقول: أريد أقوم بين يدي ~~[ربي] وأناجيه فلهذا تأخذني الرعدة. # ووقع الحريق والنار في البيت الذي هو فيه وكان ساجدا في صلاته فجعلوا ~~يقولون له: يا بن رسول الله النار، يا بن رسول الله النار، فما رفع رأسه من ~~سجوده حتى أطفئت، فقيل: ما الذي ألهاك منها قال: نار الآخرة. # ومنها ما نقله سفيان قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين (عليه PageV01P268 # السلام) فقال: إن فلانا وقع فيك وآذاك! فقال له: فانطلق بنا إليه فانطلق ~~معه وهو يرى أنه سينتصر لنفسه، فلما أتاه قال له: يا هذا إن كان ما قلته في ~~حقا فالله (تعالى) يغفر لي، وإن كان ما قلت في باطلا فالله (تعالى) يغفر لك. # وكان بينه وبين ابن عمه حسن بن الحسن ms220 شيء من المنافرة، فجاء حسن الى علي ~~وهو في المسجد مع أصحابه، فما ترك شيئا إلا قاله من الاذى وهو ساكت ثم ~~انصرف حسن، فلما كان الليل أتاه في منزله فقرع عليه الباب فخرج حسن إليه ~~فقال له علي: يا أخي إن كنت صادقا فيما قلت لي فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا ~~فيه فغفر الله لك والسلام عليك ورحمة الله. ثم ولى فاتبعه حسن والتزمه من ~~خلفه وبكى حتى رق له ثم قال: والله لاعدت لأمر تكرهه فقال له علي: وأنت في ~~حل مما قلته. # وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن يحسن في لوامح العيون علانيتي وتقبح ~~سريرتي، اللهم اسأت فأحسنت لي فإذا عدت فعد علي. # وكان يقول: إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوه ~~رغبة فتلك عبادة التجار، وقوم عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار. # ومنها أنه ما كان يحب أن يعينه على طهوره احد وكان يستقي الماء لطهوره ~~ويخمره قبل أن ينام، فإذا قام من الليل بدأ بالسواك ثم يتوضأ ثم يأخذ في كل ~~صلاته، وكان يقضي ما فاته من صلاة نافلة النهار بالليل ويقول: ليس هذا ~~عليكم بواجب ولكن احب لمن عود منكم نفسه عادة من الخير أن يدوم عليها. وكان ~~لا يدع صلاة الليل في السفر والحضر. # وكان من كلامه يقول: عجبت للمتكبر الفخور (1)الذي كان بالأمس نطفة ثم هو ~~غدا جيفة وعجبت كل العجب لمن أنكر النشأة PageV01P269 # الأخرى وهو يرى النشأة الأولى وعجبت كل العجب لمن عمل لدار الفناء وترك ~~العمل لدار البقاء. # وكان إذا أتاه السائل يقول مرحبا لمن يحمل زادي إلى الآخرة. # ومنها ما نقل عن ابن شهاب الزهري أنه قال: شهدت علي بن الحسين يوم حمله ~~عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام فأثقله حديدا، ووكل به حفاظا في ~~عدة وجمع، فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لي، فدخلت عليه ~~وهو في قبة والاقياد في رجليه والغل في يده فبكيت وقلت، وددت اني في مكانك ms221 ~~وأنت سالم فقال لي: يا زهري أو تظن هذا مما ترى علي وفي عنقي مما يكربني؟ ~~أما لو شئت ما كان وإنه إن بلغ بك ومن أمثالك غم ليذكرن عذاب الله، ثم أخرج ~~يده من الغل ورجليه من القيد ثم قال: يا زهري لاجزت معهم على ذا منزلتين من ~~المدينة، فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكلون به يطلبون المدينة فما ~~وجدوه، فكنت في من سألهم عنه فقالوا لي: أنزلناه متبوعا إنه لنازل ونحن ~~حوله لا ننام نرصده إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديدا. # قال الزهري: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان فسألني عن علي بن ~~الحسين فأخبرته، فقال لي: إنه قد جاءني في يوم فقده الأعوان فدخل علي فقال: ~~ما أنا وأنت فقلت: أقم عندي فقال: لا أحب، ثم خرج، فو الله لقد امتلأ ثوبي ~~منه خيفة. # قال الزهري: فقلت: يا أمير المؤمنين ليس علي بن الحسين حيث تظن أنه مشغول ~~بربه، فقال: حبذا شغل مثله فنعم ما شغل به. # وكان الزهري اذا ذكر علي بن الحسين يبكي ويقول: زين العابدين. # وقال ابو حمزة الثمالي: أتيت باب علي بن الحسين فكرهت أن أصوت فقعدت حتى ~~خرج، فسلمت عليه ودعوت له فرد ثم انتهى إلى PageV01P270 # حائط فقال: يا أبا حمزة ترى هذا الحائط؟ فقلت: بلى يا ابن رسول الله قال: ~~فإني اتكأت عليه يوما وأنا حزين، فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في ~~اتجاه وجهي، ثم قال لي: يا علي بن الحسين ما لي أراك كئيبا حزينا؟! أعلى ~~الدنيا فهو رزق حاضر يأكل منه البر والفاجر، فقلت: ما عليها أحزن هو كما ~~تقول، فقال: أعلى الآخرة فهو وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر، قال: قلت: ما ~~على هذا أحزن هو كما تقول، فقال: ما حزنك يا علي فقلت: ما أتخوف من فتنة ~~ابن الزبير فقال: يا علي هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه؟ # قلت: لا قال: فخاف الله فلم يكفه؟ قلت: لا فغاب ms222 عني فقيل لي: يا علي بن ~~الحسين هذا الخضر ((عليه السلام)) ناجاك. # وقال سفيان: قال لي علي بن الحسين: ما أحب لي بنصيبي من الذل حمر النعم. # وقال أبو حمزة الثمالي: كنت يوما عند علي بن الحسين فإذا عصافير يطرن ~~حوله يصرخن، فقال: يا أبا حمزة هل تدري ما تقول هذه العصافير فقلت: لا قال: ~~فإنها تقدس ربها وتسأله قوت يومها. # ومنها أنه لما مات علي بن الحسين وجدوه يقوت مائة بيت من أهل المدينة كان ~~يحمل إليهم ما يحتاجون إليه. # وقال محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان ~~معاشهم، فلما مات علي بن الحسين ((عليهما السلام)) فقدوا ما كانوا يؤتون به ~~بالليل. # وقال ابو حمزة الثمالي: كان زين العابدين يحمل جراب الخبز على ظهره ~~بالليل فيتصدق به ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب (عز وجل). # ولما مات ((عليه السلام)) وغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار في PageV01P271 # ظهره فقالوا: ما هذا؟ قيل كان يحمل جرب الدقيق على ظهره ليلا ويوصلها إلى ~~فقراء المدينة سرا. # وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات ~~علي بن الحسين. # وقال سفيان: أراد علي بن الحسين الخروج إلى الحج فاتخذت له سكينة بنت ~~الحسين أخته زادا انفقت عليه ألف درهم، فلما كان بظهر الحرة سيرت ذلك إليه ~~فلما نزل فرقه على المساكين. # وقال سعيد بن مرجانة يوما عند علي بن الحسين: سمعت أبا هريرة يقول: قال ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): من اعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل ~~إرب منها إربا منه من النار، حتى أنه ليعتق باليد اليد وبالرجل الرجل ~~وبالفرج الفرج. # فقال علي: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم فقال لغلام له افره ~~غلمانه- وكان عبد الله بن جعفر قد أعطاه بهذا الغلام ألف دينار فلم يبعه-: ~~أنت حر لوجه الله (تعالى). # وقدم عليه نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ((رضي الله ~~عنهم))، ms223 فلما فرغوا من كلامهم قال: ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون ~~الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون ~~الله ورسوله أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا قال: # فأنتم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ ~~قالوا: لا قال: أما أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا ~~أشهد أنكم لستم من الذين قال الله في حقهم: # @QUR@022 والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا اخرجوا عني فعل الله بكم. PageV01P272 # وقال نافع بن جبير يوما لعلي بن الحسين (عليهما السلام)): أنت سيد الناس ~~وأفضلهم فتذهب إلى هذا العبد فتجلس معه- يعني زيد بن أسلم- فقال له: ينبغي ~~للعلم أن يتبع حيث كان. # ولما حج هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة فاجتهد أن يستلم الحجر ~~الاسود فلم يمكنه، وجاء علي بن الحسين فوقف له الناس وتنحوا حتى استلم فقال ~~جماعة هشام لهشام: من هذا؟ فقال: لا أعرفه فسمعه الفرزدق فقال: لكني أعرفه، ~~هذا علي بن الحسين زين العابدين وأنشد هشاما من الأبيات التي قالها في أبيه ~~الحسين وقد تقدم ذكرها: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته %~% والبيت يعرفه والحل والحرم # هذا ابن خير عباد الله كلهم %~% هذا التقي النقي الطاهر العلم # يكاد يمسكه عرفان راحته %~% ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # إذا رأته قريش قال قائلها %~% إلى مكارم هذا ينتهي الكرم # ان عد أهل التقى كانوا ائمتهم %~% أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم # هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله %~% بجده أنبياء الله قد ختموا # فليس قولك من هذا بضائره %~% العرب تعرف من أنكرت والعجم # اي الخليقة ليست في رقابهم %~% لأولية هذا أوله نعم # من يعرف الله يعرف أولية ذا %~% والدين من بيت هذا ناله الامم # فزاد فيها الأبيات لمخاطبة هشام بذلك، فحبسه هشام فقال وهو في الحبس: # أيحبسني بين ms224 المدينة والتي %~% اليها قلوب الناس يهوي منيبها # يقلب رأسا لم يكن رأس سيد %~% وعينا له حولاء باد عيوبها # فأخرجه من الحبس فوجه إليه علي بن الحسين عشرة آلاف درهم وقال: اعذرنا يا ~~أبا فراس فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من ذلك لوصلناك به، فردها ~~الفرزدق وقال: ما قلت ما كان إلا لله لا أرزأ عليه شيئا PageV01P273 # وردها وقال له ((عليه السلام)): قد رأى الله مكانك فشكرك ولكنا أهل بيت ~~إذا أنفذنا شيئا لم نعد فيه، وأقسم عليه فقبلها. # وقال رجل لسعيد بن المسيب ما رأيت احدا أورع من فلان- لرجل سماه- فقال له ~~سعيد: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا قال: # وما رأيت احدا أورع منه. # وقال الزهري: لم أر هاشميا أفضل من علي بن الحسين، وما رأيت أحدا أفقه منه. # وقال طاوس: رأيت علي بن الحسين ساجدا في الحجر فقلت: # رجل صالح من أهل بيت طيب، لأسمعن ما يقول: فأصغيت اليه فسمعته يقول: عبدك ~~بفنائك مسكينك بفنائك سائلك بفنائك فقيرك بفنائك. فو الله ما دعوت بهن في ~~كرب إلا كشف عني. # وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة وتهيج الريح فيسقط مغشيا عليه. # وكان يوما خارجا فلقيه رجل فسبه فثارت إليه العبيد والموالي فقال لهم: ~~مهلا، كفوا، ثم أقبل على ذلك الرجل وقال: ما ستر عليك من أمرنا أكثر، ألك ~~حاجة نعينك عليها؟ فاستحى الرجل فألقى إليه علي خميصة كانت عليه وأمر له ~~بألف درهم. فكان الرجل بعد ذلك يقول: # اشهد أنك من أولاد الرسل. # وكان عنده ((عليه السلام)) اضياف فاستعجل خادما له بشواء كان في التنور، ~~فأقبل الخادم مسرعا فسقط السفود من يده على رأس بني لعلي بن الحسين تحت ~~الدرجة فأصاب رأسه فقتله، فقال علي للغلام- وقد تحير الغلام واضطرب- أنت ~~حر، فإنك لم تعتمده، وأخذ في جهاز ابنه ودفنه. # ومنها أنه دخل على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه، فجعل محمد يبكي فقال له ~~علي: ما شأنك؟ قال: علي دين فقال له: كم هو PageV01P274 # قال: ms225 خمسة عشر ألف دينار فقال علي بن الحسين: هو علي، فالتزمه عنه. # وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ((عليهم السلام)): # أوصاني [أبي] فقال: يا بني لا تصحبن خمسة ولا تخالطهم ولا ترافقهم في ~~طريق، فقلت: جعلت فداك يا أبت من هؤلاء الخمسة؟. # قال: لا تصحبن فاسقا فإنه يبيعك بأكلة فما دونها، فقلت: يا أبت وما دونها ~~قال: يطمع فيها ثم لا ينالها. # قلت: يا ابت ومن الثاني؟ قال: لا تصحبن البخيل فإنه يقطع بك في ماله أحوج ~~ما كنت إليه. # قال: قلت: ومن الثالث؟ قال: لا تصحبن كذابا فإنه بمنزلة السراب يبعد منك ~~القريب ويقرب منك البعيد. # قال: قلت: ومن الرابع؟ قال: لا تصحبن أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. # قال: قلت: يا أبت من الخامس؟ قال لا تصحبن قاطع رحم فإنه وجدته ملعونا في ~~كتاب الله (تعالى) في ثلاثة مواضع. # وأما أولاده فقيل كان له تسعة أولاد ذكورا ولم يكن له أنثى واسماء أولاده ~~محمد الباقر وزيد الشهيد بالكوفة وعبد الله وعبيد الله والحسن والحسين وعلي وعمر. # وأما عمره فإنه مات في ثامن عشر المحرم من سنة أربع وتسعين وقيل خمس ~~وتسعين، وقد تقدم ذكر ولادته في سنة ثمان وثلاثين فيكون سبعا وخمسين سنة، ~~كان منها مع جده سنتين ومع أبي محمد الحسن عشر سنين، وأقام مع أبيه بعد عمه ~~الحسن عشر سنين وبقي بعد قتل أبيه تتمة ذلك. # وقبره بالبقيع بمدينة رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) في القبر ~~الذي فيه عمه الحسن، وهو الآن في القبة التي فيها العباس بن عبد المطلب. PageV01P275 ### | الباب الخامس في أبي جعفر محمد بن علي الباقر ((عليه السلام)) # هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه ومتفوق دره وراضعه ومنمق دره ~~وراصعه، صفا قلبه وزكا عمله وطهرت نفسه وشرفت اخلاقه وعمرت بطاعة الله ~~أوقاته، ورسخت في مقام التقوى قدمه وظهرت عليه سمات الإزدلاف وطهارة ~~الاجتباء، فالمناقب تسبق إليه والصفات تشرف به. # فأما ولادته فبالمدينة في ثالث صفر من سنة سبع ms226 وخمسين للهجرة قبل قتل جده ~~الحسين بثلاث سنين وقيل غير ذلك. # وأما نسبه أبا وأما، فأبوه زين العابدين علي بن الحسين ((عليهم السلام))، ~~وأمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب واسمها فاطمة وتدعى أم الحسن وقيل أم ~~عبد الله. # وأما اسمه فمحمد وكنيته أبو جعفر، وله ثلاثة ألقاب باقر العلم والشاكر ~~والهادي واشهرها الباقر وسمي بذلك لتبقره في العلم وهو توسعه فيه. # وأما مناقبه الحميدة وصفاته الجميلة فكثيرة. # منها ما رواه الجابر الجعفي قال: قال لي محمد بن علي يوما: يا جابر، إني PageV01P277 # لمشتغل القلب، قلت له: وما شغل قلبك قال: يا جابر إنه من دخل قلبه دين ~~الله الخالص أشغله عما سواه. # يا جابر ما لدنيا وما عسى أن تكون؟ هل هي إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو ~~امرأة أصبتها؟ يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا بالبقاء فيها ولم ~~يأمنوا قدوم الآخرة عليهم، ولم يصمهم عن ذكر الله (تعالى) ما سمعوه بآذانهم ~~من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة ففازوا بثواب ~~الأبرار. إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مئونة وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ~~ذكروك وإن ذكرت أعانوك قوالين لحق الله قوامين لأمر الله، فاجعل الدنيا ~~كمنزل نزلت به وارتحلت منه أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه ~~شيء، واحفظ الله تعالى فيما استرعاك من دينه وحكمته. # وقال ((عليه السلام)): الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا إلى ~~مكان فيه التوكل استوطناه. # وقال زياد بن خيثمة: سمعت أبا جعفر يقول: الصواعق تصيب المؤمن وغير ~~المؤمن، ولا تصيب الذاكر. # وروى عمر مولى عفرة قال: قال أبو جعفر: ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر ~~إلا نقص من عقله مثل ما دخله في ذلك قل أو كثر. # وكان أبو جعفر يقول: سلاح اللئام قبيح الكلام. # وروى أبو بكر بن عياش عن سعد الاسكاف أنه سمع أبا جعفر يقول: والله موت ~~عالم أحب إلى إبليس من موت تسعين عابد. # وقال ms227 سعد الاسكاف: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: # عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد. # وقال جابر الجعفي: قال محمد بن علي: شيعتنا من أطاع الله. # وقال ((عليه السلام)) في قوله:@QUR@04 أولئك يجزون الغرفة بما PageV01P278 # @QUR@01 صبروا قال: الغرفة الجنة بما صبروا على الفقر في الدنيا. # وروى أبو حمزة الثمالي عنه أنه قال في قوله (عز وجل)@QUR@07 وجزاهم بما ~~صبروا جنة وحريرا ، قال: بما صبروا على الفقر ومصائب الدنيا. # وقال خالد بن أبي الهيثم: قال أبو جعفر محمد بن علي: ما اغرورقت عين ~~بمائها إلا حرم الله (عز وجل) وجه صاحبها على النار، فإن سالت على الخدين ~~لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، وما من شيء إلا له جزاء إلا الدمعة، فإن الله ~~يكفر بها بحور الخطايا، ولو أن باكيا بكى في أمة لحرم الله تلك الأمة على النار. # وروى الاصمعي عن أبي جعفر قال: سمعته يقول لابنه: يا بني إياك والكسل ~~والضجر فإنهما مفتاح كل شر، إنك إن كسلت لم تؤد حقا وإن ضجرت لم تصبر على حق. # قال عروة بن عبد الله: سألت أبا جعفر عن حلية السيف؟ فقال: لا بأس به قد ~~حلى أبو بكر الصديق سيفه. # قال: فقلت له: وتقول الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم ~~الصديق، نعم الصديق، إنه صدق جدي محمدا فيما جاء به عن الله (عز وجل) فمن ~~لم يقل له الصديق فلا صدق الله قوله في الدنيا ولا في الآخرة. # وقال جابر الجعفي: قال لي أبو جعفر محمد بن علي: يا جابر بلغني أن قوما ~~بالعراق يزعمون أنهم يحبوننا وينالون من أبي بكر وعمر ويزعمون اني آمرهم ~~بذلك، كذبوا فأبلغهم اني إلى الله منهم بريء، والذي نفس محمد بيده لو وليت ~~لتقربت إلى الله (عز وجل) بولائهم! لا نالتني شفاعة محمد إن لم أكن استغفر ~~لهما وأترحم عليهما. # وقال افلح مولى ابي جعفر: خرجت مع محمد بن علي حاجا فلما دخل المسجد نظر ~~إلى البيت فبكى حتى علا صوته فقلت: بأبي ms228 PageV01P279 # أنت وأمي إن الناس ينظرون إليك فلو رفقت (1)بصوتك قليلا فقال لي: # ويحك يا أفلح ولم لا أبكي، لعل الله أن ينظر إلي منه برحمة فأفوز بها ~~عنده غدا. # ثم طاف بالبيت ثم جاء حتى ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع ~~سجوده مبتل من كثرة دموعه، وكان إذا ضحك قال: # اللهم لا تمقتني. # وقال عبد الله بن عطا: ما رأيت العلماء عند احد اصغر علما منهم عند أبي ~~جعفر لقد رأيت الحكم عنده متعلم. # وروى عنه ولده جعفر ((عليهما السلام)) قال: كان أبي يقول في جوف الليل في ~~تضرعه: امرتني فلم آتمر، ونهيتني فلم أنزجر فها أنا عبدك بين يديك ولا أعتذر. # وقال جعفر: فقد أبى بغلة له فقال: لئن ردها الله (تعالى) لأحمدنه بمحامد ~~يرضاها، فما لبث أن أتي بها بسرجها ولجامها فركبها، فلما استوى عليها وضم ~~إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال: الحمد لله فلم يزد. # ثم قال: ما تركت ولا بقيت شيئا، جعلت كل أنواع المحامد لله (عز وجل)، فما ~~من حمد إلا هو داخل فيما قلت. # ونقل عنه ((عليه السلام)) أنه قال: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، ~~وما من شيء احب إلى الله (عز وجل) من أن يسأل وما يدفع القضاء إلا الدعاء، ~~وإن أسرع الخير ثوابا البر وأسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيبا أن ~~يبصر من الناس ما يعمي عنه من نفسه وأن يأمر الناس بما لا يفعله، ولا ينهى ~~الناس عما لا يستطيع التحول عنه وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه. PageV01P280 # وقال عبيد الله بن الوليد: قال لنا أبو جعفر يوما: يدخل أحدكم يده في كم ~~صاحبه يأخذ منه ما يريد؟ قلنا: لا، قال فلستم إخوانا كما تزعمون. # وقالت سلمى مولاة أبي جعفر: كان يدخل عليه أصحابه فلا يخرجون من عنده حتى ~~يطعمهم الطعام الطيب ويكسوهم الثياب الحسنة ويهب لهم الدراهم، فأقول له في ~~ذلك ليقل منه فيقول لي: يا سلمى ما حسنة الدنيا إلا ms229 صلة الإخوان والمعارف ~~وكان يجيز بالخمسمائة والستمائة إلى الألف وكان لا يمل من مجالسة إخوانه. # وقال الاسود بن كثير شكوت إلى أبي جعفر الحاجة وجفاء الإخوان فقال: بئس ~~الأخ اخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا. ثم أمر غلامه فأخرج كيسا فيه سبعمائة ~~درهم فقال: استنفق هذه فإذا فرغت فأعلمني. # وقال: اعرف المودة في قلب أخيك بما له في قلبك. # ونقل عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي أنه قال: كنا عند جابر بن عبد ~~الله ((رضي الله عنه))، فأتاه علي بن الحسين ومعه ابنه محمد وهو صبي، فقال ~~علي لابنه محمد: قبل رأس عمك فدنا محمد من جابر فقبل رأسه فقال جابر: من ~~هذا- وكان قد كف بصره- فقال علي: هذا ابني محمد، فضمه جابر إليه وقال: يا ~~محمد، محمد رسول الله يقرأ عليك السلام فقال لجابر: كيف ذلك يا أبا عبد ~~الله فقال: كنت مع رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) والحسين في حجره ~~وهو يلاعبه، فقال: # «يا جابر يولد لابني الحسين ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة نادى ~~مناد ليقم سيد العابدين فيقوم علي بن الحسين، ويولد لعلي ابن يقال له محمد، ~~يا جابر إن رأيته فأقرئه مني السلام واعلم أن بقاءك بعد رؤيته يسير». فلم ~~يعش جابر بعد ذلك إلا قليلا ومات ((رضي الله عنه))، وهذه وإن كانت منقبة ~~واحدة فهي عظيمة تعادل جملا من المناقب. # وأما أولاده فكان له ثلاثة من الذكور وبنت واحدة. واسماء أولاده PageV01P281 # جعفر وهو الصادق وعبد الله وإبراهيم وأم سلمة، وقيل كان أولاده أكثر من ذلك. # ونقل الثعلبي في تفسيره أن الباقر ((عليه السلام)) كان نقش خاتمه هذه: # ظني بالله حسن %~% وبالنبي المؤتمن # وبالوصي ذي المنن %~% وبالحسين والحسن # رواها بسنده في تفسيره متصلا إلى ابنه الصادق ((عليه السلام)). # وأما عمره فإنه مات في سبع عشرة ومائة، وقيل غير ذلك وقد نيف على الستين، ~~وقيل غير ذلك. # أقام مع أبيه زين العابدين بضعا وثلاثين سنة من عمره، وقبره بالمدينة ~~بالبقيع في القبر الذي ms230 فيه أبوه وعم أبيه الحسن بالقبة التي فيها العباس، ~~وقد تقدم ذكر ذلك. PageV01P282 ### | الباب السادس في أبي عبد الله (جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام)) # وهو من عظماء أهل البيت وساداتهم ((عليهم السلام)) ذو علوم جمة، وعبادة ~~موفرة وأوراد متواصلة وزهادة بينة وتلاوة كثيرة، يتبع معاني القرآن الكريم ~~ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجائبه ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات ~~بحيث يحاسب عليه نفسه، رؤيته تذكر الآخرة واستماع كلامه يزهد في الدنيا ~~والاقتداء بهديه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة وطهارة ~~أفعاله تصدع بأنه من ذرية الرسالة. # نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الائمة وأعلامهم مثل يحيى بن ~~سعيد الانصاري وابن جريج ومالك بن أنس والثوري وابن عيينة وشعبة وأيوب ~~السختياني وغيرهم ((رضي الله عنهم)) وعدوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها ~~وفضيلة اكتسبوها. # وأما ولادته فبالمدينة سنة ثمانين من الهجرة، وقيل سنة ثلاث وثمانين، ~~والأول أصح. # وأما نسبه أبا وأما فأبوه أبو جعفر محمد الباقر وقد تقدم بسط نسبه، وأمه ~~ام فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ((رضي الله عنه)). PageV01P283 # وأما اسمه جعفر وكنيته أبو عبد الله وقيل أبو اسماعيل وله ألقاب أشهرها ~~الصادق، ومنها الصابر والفاضل والطاهر. # وأما مناقبه وصفاته فتكاد تفوت عدد الحاصر ويحار في أنواعها فهم اليقظ ~~الباصر، حتى أن من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى صارت ~~الاحكام التي لا تدرك عللها والعلوم التي تقصر الافهام عن الاحاطة بحكمها ~~تضاف إليه وتروى عنه. # وقد قيل إن كتاب الجفر الذي بالمغرب ويتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامه ~~((عليه السلام)) وان في هذا لمنقبة سنية ودرجة في مقام الفضائل علية. # وهذه نبذة يسيرة مما نقل عنه: قال مالك بن أنس: قال جعفر يوما لسفيان ~~الثوري: إذ أنعم الله (تعالى) عليك بنعمة فأحببت بقاءها فأكثر من الحمد ~~والشكر عليها، فإن الله (عز وجل) قال في كتابه:@QUR@03 لئن شكرتم لأزيدنكم ~~وإذا استبطأ الرزق فأكثر من الاستغفار فإن الله (عز وجل) قال ms231 في ~~كتابه:@QUR@014 استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ~~ويمددكم بأموال وبنين يعني في الدنيا@QUR@04 ويجعل لكم جنات في الآخرة. # يا سفيان إذا أحزنك أمر من سلطان أو غيره فأكثر من قول لا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم، فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة. # وقال ابن أبي حازم: كنت عند جعفر بن محمد إذ جاء آذنه فقال: سفيان الثوري ~~بالباب فقال: ائذن له، فدخل فقال له جعفر: يا سفيان إنك رجل يطلبك السلطان ~~قم فاخرج غير مطرود، فقال سفيان: حدثني حتى اسمع وأقوم، فقال جعفر: حدثني ~~أبي عن جدي أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قال: «من أنعم الله ~~عليه نعمة فليحمد الله، ومن استبطأ الرزق فليستغفر الله، ومن حزنه أمر ~~فليقل لا حول ولا قوة إلا بالله». PageV01P284 # فلما قام سفيان قال جعفر: خذها يا سفيان، ثلاث وأي ثلاث. # وقال سفيان دخلت على جعفر بن محمد وعليه جبة خز دكناء وكساء خز فجعلت ~~أنظر إليه تعجبا، فقال لي: يا ثوري مالك تنظر إلينا لعلك تعجب مما ترى قال: ~~فقلت له: يا بن رسول الله ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك. قال: يا ثوري ~~كان ذلك زمان افتقار وإقتار وكانوا يعملون على قدر إقتاره وافتقاره، وهذا ~~زمان قد أسبل كل شيء عز إليه ثم حسر ردن جبته فإذا تحتها جبة صوف بيضاء ~~يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن، وقال: يا ثوري لبسنا هذا لله وهذا ~~لكم، فما كان الله أخفيناه وما كان لكم أبديناه. # وقال الهياج بن بسطام: كان جعفر بن محمد يطعم حتى لا يبقى لعياله شيء، ~~وكان يقول ((عليه السلام)): لا يتم المعروف الا بثلاثة تعجيله وتصغيره وستره. # وسئل ((عليه السلام)): لم يحرم الله الربا؟ فقال: لئلا يتمانع الناس ~~المعروف. # وذكر بعض أصحابه ((عليه السلام)) قال: دخلت على جعفر وموسى ولده بين يديه ~~وهو يوصيه بهذه الوصية، وكان مما حفظت منها أن قال: يا بني اقبل وصيتي ~~واحفظ مقالتي فإنك إن حفظتها ms232 تعش سعيدا وتمت حميدا. يا بني إنه من قنع بما ~~قسم له استغنى ومن مد عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يرض بما ~~قسم الله (عز وجل) له اتهم الله (تعالى) في قضائه، ومن استصغر زلة نفسه ~~استعظم زلة غيره، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه. يا بني من كشف حجاب ~~غيره انكشفت عورات نفسه، ومن سل سيف البغي قتل به ومن احتفر لاخيه بئرا سقط ~~فيها، ومن داخل السفهاء حقر ومن خالط العلماء وقر ومن دخل مداخل السوء ~~اتهم. يا بني، قل الحق لك وعليك وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب ~~الرجال. يا بني إذا طلبت الجود فعليك PageV01P285 # بمعادنه فإن للجود معادن وللمعادن أصولا وللأصول فروعا وللفروع ثمرا، ولا ~~يطيب ثمر إلا بفرع ولا فرع إلا بأصل ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب. يا بني ~~إذا زرت فزر الأخيار ولا تزر الفجار فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها وشجرة لا ~~يخضر ورقها وأرض لا يظهر عشبها. # قال علي بن موسى: فما ترك أبي هذه الوصية إلى أن مات. # وقال أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي: وقع الذباب على المنصور فذبه عنه ~~فعاد، فذبه عنه حتى اضجره. فدخل عليه جعفر بن محمد فقال له المنصور: يا أبا ~~عبد الله لم خلق الله (تعالى) هذا الذباب؟ # فقال: ليذل به الجبابرة. # ونقل أنه كان رجل من أهل السواد يلزم جعفرا ففقده، فسأل عنه فقال له رجل ~~يريد أن يستنقص به: إنه لبطيء فقال جعفر ((عليه السلام)): # أصل الرجل عقله وحسبه دينه، وكرمه تقواه، والناس في آدم مستوون فاستحى ~~ذلك القائل. # وقال سفيان الثوري: سمعت جعفر الصادق يقول: عزت السلامة حتى لقد خفي ~~مطلبها فإن تكن في شيء فتوشك أن تكون في الخمول فإن طلبت في الخمول ولم ~~توجد فتوشك أن تكون في الصمت، فإن طلبت في الصمت فلم توجد فتوشك أن تكون في ~~التخلي، فإن طلبت في التخلي فلم توجد فتوشك أن تكون في كلام السلف الصالح ms233 ~~والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها. # وحدث عبد الله بن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: حج أبو جعفر المنصور سنة ~~سبع وأربعين ومائة، فقدم المدينة وقال للربيع: ابعث إلى جعفر بن محمد من ~~يأتينا به متعبا قتلني الله إن لم اقتله. فتغافل الربيع عنه لبنساه ثم عاد ~~ذكره للربيع، وقال: ابعث من يأتي به متعبا، فتغافل عنه الربيع ثم أرسل إلى ~~الربيع رسالة قبيحة أغلظ فيها وأمره أن يبعث من يحضر جعفرا. ففعل فلما أتاه ~~قال له: يا أبا عبد الله اذكر الله فإنه أرسل PageV01P286 # اليك إلى ما لا دافع له غير الله، قال جعفر: لا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. # ثم إن الربيع أعلم المنصور بحضوره، فلما دخل جعفر عليه أوعده وأغلظ، ~~وقال: أي عدو الله! اتخذك أهل العراق إماما؟ يجبون إليك زكاة أموالهم وتلحد ~~في سلطاني وتبغيه الغوائل؟ قتلني الله إن لم أقتلك. فقال: # يا أمير المؤمنين إن سليمان ((عليه السلام)) أعطي فشكر وإن أيوب ((عليه ~~السلام)) ابتلي فصبر وإن يوسف ((عليه السلام)) ظلم فغفر فأنت من ذلك السنخ. # فلما سمع المنصور كلامه قال له: إلي وعندي أبا عبد الله أنت البريء ~~الساحة السليم الناحية القليل الغائلة، جزاك الله من ذي رحم أفضل ما جزى ~~ذوي الارحام عن ارحامهم. # ثم تناول يده فأجلسه معه على فراشه ثم قال: علي بالطيب. فأتى بالغالية ~~فجعل يغلف لحيته بيده حتى تركها تقطر ثم قال: في حفظ الله وكلاءته. # ثم قال: يا ربيع ألحق أبا عبد الله جائزته وكسوته، انصرف أبا عبد الله في ~~حفظ الله وفي كنفه، فانصرف. # قال الربيع: ولحقته فقلت له: إني رأيت قبلك ما لم تره ورأيت بعدك ما ~~رأيته، فما قلت يا أبا عبد الله حين دخلت؟ قال: قلت: اللهم احرسني بعينك ~~التي لا تنام واكنفني بركنك الذي لا يرام واغفر لي بقدرتك علي فلا أهلك ~~وأنت رجائي، اللهم إنك أكبر وأجل مما أخاف واحذر، اللهم بك ادفع في نحره ~~واستعيذ بك ms234 من شره، ففعل الله بي ولي ما رأيت. # وقال الليث بن سعد: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة. فأتيت مكة فلما أن صليت ~~العصر رقيت أبا قبيس وإذا رجل جالس وهو يدعو، فقال: # يا رب يا رب، حتى انقطع نفسه، ثم قال: رب رب حتى انقطع نفسه، ثم قال: يا ~~الله يا الله، حتى انقطع نفسه، ثم قال: يا حي PageV01P287 # يا حي، حتى انقطع نفسه، ثم قال: يا رحيم يا رحيم، حتى انقطع نفسه، ثم ~~قال: يا أرحم الراحمين، حتى انقطع نفسه، سبع مرات، ثم قال: اللهم إني أشتهي ~~من هذا العنب فاطعمنيه، اللهم وإن بردي قد أخلقا. # قال الليث: فو الله ما استتم كلامه حتى نظرت إلى سلة مملوءة عنبا- وليس ~~على الأرض يومئذ عنب- وبردين جديدين موضوعين، فأراد أن يأكل فقلت: أنا ~~شريكك فقال لي: ولم فقلت: لأنك كنت تدعو وأنا آمن فقال لي: تقدم فكل ولا ~~تخبئ شيئا. فتقدمت فأكلت شيئا لم آكل مثله قط وإذا عنب لا عجم له فأكلت حتى ~~شبعت والسلة لم تنقص، ثم قال لي: خذ أحب البردين إليك، فقلت: أما البردان ~~فأنا غني عنهما، فقال لي: توار عني حتى البسهما، فتواريت عنه فاتزر بالواحد ~~وارتدى بالآخر ثم أخذ البردين اللذين كانا عليه فجعلهما على يده ونزل، ~~فاتبعته حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال: # اكسني كساك الله يا بن رسول، الله فدفعهما إليه فلحقته فقلت: من هذا ~~فقال: هذا جعفر بن محمد. # قال الليث: فطلبته لأسمع منه فلم اجده. فيا لهذه الكرامة ما أسناها ويا ~~لهذه المنقبة ما أعظم صورتها ومعناها. # وأما أولاده فكانوا سبعة، ستة ذكور وبنت واحدة وقيل أكثر من ذلك. وأسماء ~~أولاده موسى وهو الكاظم واسماعيل ومحمد وعلي وعبد [الله] واسحاق وام فروة. # وأما عمره فإنه مات في سنة ثمان وأربعين ومائة، في خلافة أبي جعفر ~~المنصور وقد تقدم ذكر ولادته في سنة ثمانين فيكون عمره ثمان وستين سنة هذا ~~هو الأظهر وقيل غير ذلك. # وقبره بالمدينة بالبقيع وهو القبر الذي فيه ms235 أبوه الباقر وجده زين ~~العابدين وعم جده الحسن بن علي ((عليهم السلام))، فلله دره من قبر ما أكرمه ~~وأشرفه وأعلى قدره عند الله (تعالى). PageV01P288 ### | الباب السابع في أبي الحسن موسى بن جعفر (الكاظم (عليه السلام)) # هو الإمام الكبير القدر العظيم الشأن الكبير المجتهد الجاد في الاجتهاد، ~~المشهور بالعبادة المواظب على الطاعات المشهود له بالكرامات يبيت الليل ~~ساجدا وقائما ويقطع النهار متصدقا وصائما، لفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين ~~عليه دعي كاظما. كان يجازي المسيء بإحسانه إليه ويقابل الجاني بعفوه عنه، ~~ولكثرة عبادته كان يسمى بالعبد الصالح، ويعرف في العراق بباب الحوائج إلى ~~الله لنجح مطالب المتوسلين إلى الله (تعالى) به، كراماته تحار منها العقول ~~وتقضي بأن له عند الله (تعالى) صدق لا تزل ولا تزول. # وأما ولادته فبالابواء سنة ثمان وعشرين ومائة للهجرة وقيل تسع وعشرين ومائة. # وأما نسبه أبا وأما فأبوه جعفر الصادق بن محمد الباقر، وقد تقدم القول ~~فيه، وأمه أم ولد تسمى حميدة البربرية وقيل غير ذلك. # وأما اسمه فموسى وكنيته أبو الحسن وقيل أبو إسماعيل، وكان له ألقاب ~~متعددة: الكاظم وهو أشهرها، والصابر والصالح والأمين. # وأما مناقبه فكثيرة ولو لم يكن منها إلا العناية الربانية به لكفاه ذلك منقبة. PageV01P289 # وقد نقل عن الفضل بن الربيع أنه أخبر عن أبيه أن المهدي لما حبس موسى بن ~~جعفر، ففي بعض الليالي رأى المهدي في منامه علي بن أبي طالب وهو يقول: يا ~~محمد@QUR@011 فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم قال ~~الربيع: فأرسل إلي ليلا فراعني وخفت من ذلك، فجئت إليه فإذا هو يقرأ هذه ~~الآية، وكان أحسن الناس صوتا فقال: علي الآن بموسى بن جعفر، فجئته به ~~فعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال: يا أبا الحسن رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب في النوم يقرأ علي كذا، فتؤمني أن تخرج علي أو على أحد من ولدي؟ فقال: # والله لا فعلت ذلك، ولا هو من شأني قال: صدقت يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف ~~دينار ورده إلى أهله ms236 إلى المدينة. # قال الربيع فأحكمت أمره ليلا فما اصبح إلا وهو على الطريق. # وقال هشام بن حاتم الاصم: قال لي أبي حاتم: قال لي شقيق البلخي ((رضي ~~الله عنهم)): خرجت حاجا في سنة تسع وأربعين ومائة فنزلت القادسية فبينا أنا ~~أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة ~~ضعيف، فوق ثيابه ثوب من صوف مشتمل بشملة، في رجليه نعلان وقد جلس منفردا، ~~فقلت في نفسي هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلا على الناس في طريقهم، ~~والله لأمضين إليه ولأوبخنه، فدنوت منه فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق ~~اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم، ثم تركني ومضى. # فقلت في نفسي: إن هذا لأمر عظيم قد تكلم بما في نفسي ونطق باسمي، وما هذا ~~إلا عبد صالح، لألحقنه ولأسألنه أن يحالني، فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب ~~عن عيني، فإذا نزلنا واقصة إذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري، فقلت: ~~هذا صاحبي أمضي إليه واستحله، فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه فلما رآني مقبلا ~~قال لي: يا شقيق اتل:@QUR@012 وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى ثم تركني ومضى. PageV01P290 # فقلت إن هذا الفتى من الابدال قد تكلم على سري مرتين، فلما نزلنا زبالة ~~إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من ~~يده في البئر، وأنا أنظر إليه فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول: # أنت ريي إذا ظمئت إلى الماء %~% وقوتي إذا أردت الطعاما # اللهم سيدي مالي سواها فلا تحرمنيها. قال شقيق: فو الله لقد رأيت البئر ~~وقد ارتفع ماؤها فمد يده فأخذ الركوة وملأها ماء، فتوضأ وصلى أربع ركعات، ~~ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب، فأقبلت ~~إليه وسلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: # أطعمني من فضل ما أنعم الله به عليك، فقال: يا شقيق لم تزل نعمه علينا ~~ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك، ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو ms237 سويق ~~وسكر، فو الله ما شربت ألذ منه ولا أطيب ريحا فشبعت ورويت، وأقمت أياما لا ~~اشتهي طعاما ولا شرابا. ثم لم أره حتى دخلنا مكة، فرأيته ليلة إلى جنب قبة ~~الشراب في نصف الليل قائما يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب ~~الليل فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح، ثم قام فصلى الغداة وطاف بالبيت ~~أسبوعا وخرج، فتبعته وإذا له غاشية وموال وهو على خلاف ما رأيته في الطريق ~~ودار به الناس من حوله يسلمون عليه، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه: # من هذا الفتى؟ فقال: هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب ((عليه السلام))، فقلت قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل ~~هذا السيد. # ولقد نظم بعض المتقدمين واقعة شقيق معه في أبيات طويلة اقتصرت على ذكر ~~بعضها فقال: # سل شقيق البلخي عنه وما شاهد %~% منه وما الذي كان أبصر # قال لما حججت عاينت شخصا %~% شاحب اللون ناحل الجسم اسمر # سائرا وحده وليس له زاد %~% فما زلت دائما اتفكر PageV01P291 # وتوهمت أنه يسأل الناس %~% ولم أدر أنه الحج الأكبر # ثم عاينته ونحن نزول %~% دون فيد على الكثيب الاحمر # يضع الرمل في الإناء ويشربه %~% فناديته وعقلي محير # اسقني شربة، فناولني منه %~% فعاينته سويقا وسكر # فسألت الحجيج من يك هذا %~% قيل هذا الإمام موسى بن جعفر # فهذه الكرامات العالية الأقدار، الخارقة العوائد، هي على التحقق جلية ~~المناقب وزينة المزايا وغرر الصفات، ولا يؤتاها إلا من فاضت عليه العناية ~~الربانية وأنوار التأييد ومرت له أخلاف التوفيق وأزلفته من مقام التقديس ~~والتطهير@QUR@013 وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم . # ولقد قرع سمعي ذكر واقعة عظيمة ذكرها بعض صدور العراق أثبتت لموسى ((عليه ~~السلام)) أشرف منقبة، وشهدت له بعلو مقامه عند الله (تعالى) وزلفى منزلته ~~لديه وظهرت بها كرامته بعد وفاته. ولا شك أن ظهور الكرامة بعد الموت أكبر ~~دلالة منها حال الحياة، وهي: أن من عظماء الخلفاء مجدهم ms238 الله (تعالى) من ~~كان له نائب كبير الشأن في الدنيا من مماليكه الأعيان في ولاية عامة طالت ~~فيها مدته وكان ذا سطوة وجبروت، فلما انتقل إلى الله (تعالى) اقتضت رعاية ~~الخليفة له أن يقدم بدفنه في ضريح مجاور لضريح الإمام موسى بن جعفر ((عليه ~~السلام)) بالمشهد المطهر، وكان بالمشهد المطهر نقيب معروف مشهود له بالصلاح ~~كثير التردد والملازمة للضريح والخدمة له قائم بوظائفها، فذكر هذا النقيب ~~أنه بعد دفن ذلك المتوفى في ذلك القبر بات في المشهد فرأى في منامه أن ~~القبر قد انفتح والنار تشتعل فيه وقد انتشر منه دخان ورائحة قتار ذلك ~~المدفون فيه إلى أن ملأت المشهد وأن الإمام موسى ((عليه السلام)) واقف فصاح ~~لهذا النقيب باسمه وقال له: تقول للخليفة يا فلان- وسماه باسمه- لقد آذيتني ~~بمجاورة هذا الظالم وقال كلاما خشنا، فاستيقظ ذلك النقيب وهو يرعد فرقا ~~وخوفا فلم يلبث PageV01P292 # أن كتب ورقة وسيرها متهيئا فيها صورة الواقعة بتفصيلها، فلما جن الليل ~~جاء الخليفة إلى المشهد المطهر بنفسه ومعه خدم، واستدعى النقيب ودخلوا إلى ~~الضريح وأمر بكشف ذلك القبر ونقل ذلك المدفون إلى موضع آخر خارج المشهد، ~~فلما كشفوه وجدوا فيه رماد الحريق ولم يجدوا للميت أثرا. # وفي هذه القصة زيادة استغناء عن بقية مناقبه واكتفاء عن بسط القول فيها. # وأما أولاده فقيل ولد له عشرون ابنا وثماني عشرة بنتا. واسماء بنيه علي ~~الرضا زيد إبراهيم عقيل هارون، الحسن الحسين عبد الله اسماعيل عبيد الله ~~عمر أحمد جعفر يحيى إسحاق العباس حمزة عبد الرحمن القاسم جعفر الأصغر، ~~ويقال موضع عمر محمد. # وأسماء بناته: خديجة، أم فروة، اسماء، علية، فاطمة فاطمة،- اثنتان- أم ~~كلثوم، أم كلثوم- اثنتان- آمنة، زينب، أم عبد الله زينب الصغرى، أم القاسم، ~~حكيمة، اسماء الصغرى، محمودة، إمامة، ميمونة، وقيل غير ذلك. # وأما عمره فإنه مات لخمس بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة للهجرة في ~~خلافة الرشيد هارون، وقد تقدم ذكر ولادته في سنة ثمان وعشرين، وقيل تسع ~~وعشرين، فيكون عمره على القول الأول خمسا وخمسين سنة. # وقبره ms239 بالمشهد المعروف بباب التبن من بغداد المحروسة. PageV01P293 ### | الباب الثامن في أبي الحسن علي بن موسى الرضا ((عليه السلام)) # قد تقدم القول في أمير المؤمنين علي وفي زين العابدين علي وجاء هذا علي ~~الرضا ثالثهما، ومن أمعن النظر والفكرة وجده في الحقيقة وارثهما فيحكم كونه ~~ثالث العليين، نما إيمانه وعلا شأنه وارتفع مكانه واتسع إمكانه وكثر أعوانه ~~وظهر برهانه، حتى أحله الخليفة المأمون محل مهجته وأشركه في مملكته وفوض ~~إليه أمر خلافته وعقد عليه على رءوس الاشهاد عقدة نكاح ابنته، وكانت مناقبه ~~علية وصفاته سنية ومكارمه حاتمية وشنشنته أخزمية وأخلاقه عربية ونفسه ~~الشريفة هاشمية وارومته الكريمة نبوية. فمهما عد من مزاياه كان ((عليه ~~السلام)) أعظم منه ومهما فصل من مناقبه كان أعلى رتبة منه. # أما ولادته ففي حادي عشرين [ذي] الحجة سنة ثلاث وخمسين ومائة للهجرة بعد ~~وفاة جده أبي عبد الله جعفر بخمس سنين. # وأما نسبه أبا وأما فأبوه أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، وقد ~~تقدم ذكر ذلك، وأمه أم ولد تسمى الخيزران المريسية وقيل شقراء النوبية ~~واسمها أروى وشقراء لقب لها. # وأما اسمه فعلي وهو ثالث العليين أمير المؤمنين وزين العابدين وأما كنيته ~~فأبو الحسن. PageV01P295 # وأما ألقابه فالرضا والصابر والرضي والوفي وأشهرها الرضا. # وأما مناقبه وصفاته فمنها ما خصه الله (تعالى) به ويشهد له بعلو قدره ~~وسمو شأنه، وهو أنه لما جعله الخليفة المأمون ولي عهده وأقامه خليفة من ~~بعده وكان في حاشيته أناس كرهوا ذلك وخافوا خروج الخلافة عن بني العباس ~~وعودها إلى بني فاطمة (على الجميع السلام)، فحصل عندهم من الرضا نفور وافر ~~وكان عادة الرضا إذا جاء إلى دار الخليفة المأمون ليدخل عليه، يبادر من ~~بالدهليز من الحاشية إلى السلام عليه ورفع الستر بين يديه ليدخل، فلما حصلت ~~لهم النفرة عنه تواصوا فيما بينهم وقالوا: إذا جاء ليدخل على الخليفة ~~أعرضوا عنه ولا ترفعوا الستر له، فاتفقوا على ذلك. فبينما هم قعود إذ جاء ~~الرضا على عادته فلم يملكوا أنفسهم أن سلموا عليه ورفعوا ms240 الستر على عادتهم. # فلما دخل أقبل بعضهم على بعض يتلاومون كونهم ما وقفوا على ما اتفقوا عليه ~~وقالوا: النوبة الآتية إذ جاء لا نرفعه له. # فلما كان في ذلك اليوم جاء فقاموا وسلموا عليه ووقفوا ولم يبتدروا إلى ~~رفع الستر، فأرسل الله (تعالى) ريحا شديدة دخلت في الستر حتى رفعته أكثر ما ~~كانوا يرفعونه فدخل فسكنت الريح، فعاد الستر إلى ما كان. # فلما خرج عادت الريح حتى دخلت في الستر فرفعته حتى خرج ثم سكنت فعاد الستر. # فلما ذهب أقبل بعضهم على بعض قالوا: هل رأيتم؟! قالوا: نعم فقال بعضهم ~~لبعض: يا قوم هذا رجل له عند الله منزلة ولله به عناية، ألم تروا أنكم لما ~~لم ترفعوا له الستر أرسل الله الريح وسخرها له لترفع الستر له كما سخرها ~~لسليمان؟ فارجعوا إلى خدمته فهو خير لكم، فعادوا إلى ما كانوا عليه وزادت ~~عقيدتهم. PageV01P296 # ومنها أنه كانت بخراسان امرأة تسمى زينب فادعت أنها علوية من سلالة فاطمة ~~((عليها السلام)) وصارت تصول على أهل خراسان بنسبها فسمع بها علي الرضا ~~((عليه السلام)) فلم يعرف نسبها، فاحضرت إليه فرد نسبها وقال: هذه كذابة، ~~فسفهت عليه وقالت: كما قدحت في نسبي فأنا أقدح في نسبك. فأخذته الغيرة ~~العلوية فقال لسلطان خراسان- وكان لذلك السلطان بخراسان موضع واسع فيه سباع ~~مسلسلة للانتقام من المفسدين، يسمى ذلك الموضع بركة السباع إذا أراد ~~الانتقام من بعض المجرمين الخارجين عليه ألقاه بينهم فافترسوه لوقته- فأخذ ~~الرضا بيد تلك المرأة وأحضرها عند ذلك السلطان وقال: هذه كذابة على علي ~~وفاطمة وليست من نسلهما فإن من كان حقا بضعة من فاطمة وعلي فإن لحمه حرام ~~على السباع، فألقوها في بركة السباع فإن كانت صادقة فإن السباع لا تقربها ~~وإن كانت كاذبة فتفترسها السباع. # فلما سمعت ذلك منه قالت: فانزل أنت إلى السباع فإن كنت صادقا لا تقربك ~~وإلا فتفترسك. فلم يكلمها وقام فقال له ذلك السلطان: # إلى اين فقال إلى بركة السباع، والله لأنزلن إليها، فقام السلطان والناس ~~والحاشية وفتحوا باب ms241 تلك البركة، فنزل الرضا والناس ينظرون من أعلى البركة ~~فلما حصل بينالسباع أقعت جميعا إلى الأرض على أذنابها فصار يأتي الى واحد ~~واحد يمسح وجهه ورأسه وظهره والسبع يبصبص له هكذا إلى أن أتى على الجميع، ~~ثم طلع والناس يبصرونه. # فقال لذلك السلطان أنزل هذه الكذابة على علي وفاطمة ليبين لك، فامتنعت ~~فألزمها السلطان بذلك وأنزلها أعوانه، فمذ رآها السباع وثبوا إليها ~~وافترسوها، فاشتهر اسمها بخراسان بزينب الكذابة وحديثها هناك مشهور. # ومنها حديث دعبل بن علي الخزاعي الشاعر، قال دعبل: لما قلت مدارس آيات ~~قصدت بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا وهو PageV01P297 # بخراسان ولي عهد المأمون في الخلافة، فوصلت المدينة وحضرت عنده وأنشدته ~~إياها فاستحسنها وقال لي: لا تنشدها أحدا حتى آمرك، فاتصل خبري بالخليفة ~~المأمون، فأحضرني وسألني عن خبري؟ ثم قال لي: يا دعبل انشدني مدارس آيات ~~خلت من تلاوة، فقلت: ما أعرفها يا أمير المؤمنين فقال: يا غلام أحضر أبا ~~الحسن علي بن موسى الرضا. قال: فلم يكن إلا ساعة حتى حضر، فقال له: يا أبا ~~الحسن سألت دعبلا عن مدارس آيات خلت من تلاوة فذكر أنه لا يعرفها؛ فقال لي ~~أبو الحسن: يا دعبل أنشد أمير المؤمنين. فأخذت فيها فأنشدتها فاستحسنها ~~فأمر لي بخمسين ألف درهم وأمر لي أبو الحسن الرضا بقريب من ذلك، فقلت: يا ~~سيدي إن رأيت أن تهبني شيئا من ثيابك ليكون كفني، فقال: نعم ثم دفع لي ~~قميصا قد ابتذله ومنشفة لطيفة وقال لي: احفظ هذا تحرس به. # ثم دفع لي ذو الرئاستين أبو العباس الفضل بن سهل وزير المأمون صلة وحملني ~~على برذون أصفر خراساني، وكنت أسايره في يوم مطير وعليه مطير خز وبرنس فأمر ~~لي به ودعا بغيره جديد لبسه وقال إنما آثرتك باللبيس لأنه خير الممطرين ~~قال: فأعطيت به ثمانين دينارا، فلم تطب نفسي ببيعه. # ثم كررت راجعا إلى العراق فلما صرت في بعض الطريق خرج علينا الاكراد ~~فأخذونا فكان ذلك اليوم يوما مطيرا فبقيت في قميص خلق وضر ms242 شديد وأنا متأسف ~~من جميع ما كان معي على القميص والمنشفة ومفكر في قول سيدي الرضا، إذ مر بي ~~واحد من الأكراد الحرامية تحته الفرس الاصفر الذي حملني عليه ذو الرئاستين ~~وعليه الممطر، ووقف بالقرب مني ليجتمع إليه أصحابه وهو ينشد مدارس آيات خلت ~~من تلاوة ويبكي، فلما رأيت ذلك عجبت من لص من الأكراد يتشيع، ثم طمعت في ~~القميص والمنشفة فقلت: يا سيدي لمن هذه القصيدة؟ فقال: وما أنت ذاك ويلك ~~فقلت: لي فيه سبب أخبرك به فقال: # هي أشهر بصاحبها من أن تجهل، فقلت: من؟ قال: دعبل بن علي الخزاعي PageV01P298 # شاعر آل محمد جزاه الله خيرا. قلت له: يا سيدي فأنا والله دعبل وهذه ~~قصيدتي، قال: ويلك ما تقول قلت: الأمر اشهر في ذلك فاسأل أهل القافلة. ~~فاستحضر منهم جماعة وسألهم عني فقالوا بأسرهم: هذا دعبل ابن علي الخزاعي، ~~فقال: قد أطلقت كل ما أخذ من القافلة خلالة فما فوقها كرامة لك. # ثم نادى في أصحابه من أخذ شيئا فليرده فرجع على الناس جميع ما أخذ منهم ~~ورجع إلي جميع ما كان معي. # ثم بدرقنا إلى الماء فحرست أنا والقافلة ببركة ذلك القميص والمنشفة. # فانظر إلى هذه المنقبة ما أعلاها وما أشرفها، وقد يقف على هذه القصة بعض ~~الناس ممن يطالع هذا الكتاب ويقرأه، فتدعوه نفسه إلى معرفة هذه الابيات ~~المعروفة بمدارس آيات ويشتهي الوقوف عليها وينسبني في اعراضي عن ذكرها أما ~~انني لم أعرفها أو انني جهلت ميل النفوس حينئذ إلى الوقوف عليها، فأحببت أن ~~ادخل راحة على بعض النفوس وأن ادفع عني هذا النقص المتطرق إلي ببعض الظنون ~~فأوردت منها ما يناسب ذلك وهي: # ذكرت محل الربع من عرفات %~% وأرسلت دمع العين بالعبرات # وقل عرى صبري وهاج صبابتي %~% رسوم ديار أقفرت وعرات # مدارس آيات خلت من تلاوة %~% ومهبط وحي مقفر العرصات # لآل رسول الله بالخيف من منى %~% وبالبيت والتعريف والجمرات # ديار علي والحسين وجعفر %~% وحمزة والسجاد ذي الثفنات # ديار عفاها جور كل منابذ %~% ولم تعف بالأيام ms243 والسنوات # ودار لعبد الله والفضل صنوه %~% سليل رسول الله ذي الدعوات # منازل كانت للصلاة وللتقى %~% وللصوم والتطهير والحسنات # منازل جبريل الأمين يحلها %~% من الله بالتسليم والزكوات PageV01P299 # منازل وحي الله معدن علمه %~% سبيل رشاد واضح الطرقات # منازل وحي الله ينزل حولها %~% على احمد الروحات والغدوات # فأين الألى شطت بهم غربة النوى %~% أفانين في الاقطار مفترقات # هم أهل ميراث النبي إذا انتموا %~% وهم خير سادات وخير حمات # مطاعيم في الاعسار في كل مشهد %~% لقد شرفوا بالفضل والبركات # إذا لم نناج الله في صلواتنا %~% بذكرهم لم تقبل الصلوات # ائمة عدل يقتدى بفعالهم %~% وتؤمن منهم زلة العثرات # فيا رب زد قلبي هدى وبصيرة %~% وزد حبهم يا رب في حسناتي # ديار رسول الله اصبحن بلقعا %~% ودار زياد أصبحت عمرات # وآل رسول الله غلت رقابهم %~% وآل زياد غلظ القصرات # وآل رسول الله تدمى نحورهم %~% وآل زياد زينوا الحجلات # وآل رسول الله تسبى حريمهم %~% وآل زياد آمنوا السربات # وآل زياد في القصور مصونة %~% وآل رسول الله في الفلوات # فيا وارثي علم النبي وآله %~% عليكم سلام دائم النفحات # لقد آمنت نفسي بكم في حياتها %~% وإني لأرجو الأمن بعد مماتي # ومما تلقته الاسماع بالاستماع ونقلته الالسن في بقاع الأصقاع أن الخليفة ~~المأمون وجد في يوم عيد انحراف مزاج احدث عنده ثقلا عن الخروج إلى الصلاة ~~بالناس، فقال لأبي الحسن علي الرضا ((عليه السلام)): يا أبا الحسن قم وصل ~~بالناس: فخرج الرضا ((عليه السلام)) وعليه قميص صغير أبيض وعمامة بيضاء ~~لطيفة وهما من قطن وفي يده قضيب، فأقبل ماشيا يؤم المصلى وهو يقول: السلام ~~على أبوي آدم ونوح، السلام على أبوي إبراهيم وإسماعيل، السلام على أبوي ~~محمد وعلي، السلام على عباد الله الصالحين. # فلما رآه الناس هرعوا إليه وانثالوا عليه لتقبيل يده، فأسرع بعض الحاشية ~~إلى الخليفة المأمون فقال: يا أمير المؤمنين تدارك الناس واخرج PageV01P300 # إليهم وصل بهم وإلا خرجت الخلافة منك الآن، فحمله على أن خرج بنفسه وجاء ~~مسرعا والرضا بعد من كثرة زحام الناس لم يخلص إلى المصلى، ms244 فتقدم المأمون ~~وصلى بالناس فلما انقضى ذلك قال هرثمة بن أعين- وكان في خدمة الخليفة إلا ~~أنه كان محبا لأهل البيت إلى الغاية يأخذ نفسه بأنه من شيعتهم، وكان قائما ~~بمصالح الرضا باذلا نفسه بين يديه متقربا إلى الله (تعالى) بخدمته- قال: ~~طلبني سيدي الرضا وقال لي: يا هرثمة اني مطلعك على أمر يكون عندك سرا لا ~~تظهره وأنا حي، وإن اظهرته حالة حياتي كنت خصمك عند الله (تعالى) فعاهدته ~~انني لا أعلم بها أحدا ما لم تأمرني، فقال: اعلم أنني بعد أيام آكل عنبا ~~ورمانا مفتوتا فأموت، ويقصد الخليفة أن يجعل قبري ومدفني خلف قبر أبيه ~~الرشيد وإن الله (تعالى) لا يقدره على ذلك، فإن الأرض تشتد عليهم فلا ~~يستطيع أحد حفر شيء منها، وإنما قبري في بقعة كذا- لموضع عينه- فإذا أنا ~~مت وجهزت فأعلمه بجميع ما قلت لك، وقل له يتأن في الصلاة علي فإنه يأتي رجل ~~عربي ملثم على بعير مسرع وعليه وعثاء السفر، فينزل عن بعيره ويصلي علي، ~~فإذا صلى علي وحملت فاقصد المكان الذي عينته لك فاحفر شيئا يسيرا من وجه ~~الأرض تجد قبرا معمولا في قعره ماء أبيض، فإذا كشفته ينضب الماء فهو مدفني. # قال هرثمة: فو الله ما طالت الأيام حتى أكل عنبا ورمانا كثيرا فمات فدخلت ~~على الخليفة فوجدته يبكي عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين عاهدني الرضا على ~~أمر أقوله لك، وقصصت عليه تلك القصة التي قالها من أولها إلى آخرها وهو ~~يعجب مما أقوله، فأمر بتجهيزه فلما تجهز تأنى بالصلاة عليه، وإذا برجل قد ~~أقبل من الصحراء على بعير مسرعا فلم يكلم احدا ثم دخل إلى جنازته فوقف وصلى ~~عليه وخرج فصلى الناس عليه وأمر الخليفة بطلب الرجل ففاتهم فلم يعلموا له خبرا. # ثم أمر الخليفة بأن يحفر له قبر خلف قبر الرشيد فعجز الحافرون PageV01P301 # عن الحفر، فذهبت إلى موضع ضريحه الآن وبقدر ما كشف وجه الأرض ظهر قبر ~~محفور كشفت عنه طوابيقه فإذا في قعره ماء أبيض كما قال فأعلمت الخليفة به ~~فحضر ms245 وأبصر على الصورة التي ذكرها، فنضب الماء فدفن فيه. ولم يزل الخليفة ~~المأمون يعجب من قوله ولم تزل منه كلمة واحدة عما ذكرها وازداد تأسفه عليه ~~وكلما خلوت في خدمته يقول: # يا هرثمة كيف قال لك أبو الحسن؟ فأعيد عليه الحديث فيتلهف عليه. # فانظر إلى هذه المنقبة العظيمة والكرامة البالغة التي تنطق بعناية الله ~~(عز وجل) به وإزلاف مكانه عنده. # وأما أولاده فكانوا ستة، خمسة ذكور وبنتا واحدة، واسماء أولاده محمد ~~القانع والحسن وجعفر وإبراهيم والحسين وعائشة. # وأما عمره فإنه مات في سنة مائتين وثلاث وقيل في سنة مائتين وسنتين من ~~الهجرة في خلافة المأمون، وقد تقدم ذكر مولده في سنة ثلاث وخمسين ومائة ~~فيكون عمره تسعا وأربعين سنة. # وقبره بطوس من خراسان بالمشهد المعروف به ((عليه السلام)). # وكانت مدة بقائه مع أبيه موسى أربعا وعشرين سنة وأشهرا، وبعد أبيه خمسا ~~وعشرين سنة. PageV01P302 ### | الباب التاسع في أبي جعفر محمد بن علي القانع (والمرتضى (عليهما السلام)) # هذا أبو جعفر محمد الثاني فإنه تقدم في آبائه ((عليهم السلام)) أبو جعفر ~~محمد وهو الباقر بن علي، فجاء هذا باسمه وكنيته واسم أبيه فعرف بأبي جعفر ~~الثاني، وهو وإن كان صغير السن فهو كبير القدر رفيع الذكر. # وأما ولادته ففي ليلة الجمعة تاسع شهر رمضان سنة مائة وخمس وتسعين للهجرة ~~وقيل عاشر رجب منها. # وأما نسبه أبا وأما فأبوه أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم وقد تقدم ~~ذكر ذلك مبسوطا، وأمه أم ولد يقال لها سكينة المريسية وقيل الخيزران. # وأما اسمه فمحمد وأما كنيته فأبو جعفر بكنية جده محمد الباقر وله لقبان ~~القانع والمرتضى. # وأما مناقبه فما اتسعت حلبات مجالها ولا امتدت أوقات آجالها بل قضت عليه ~~الأقدار الإلهية بقلة بقائه فما الدنيا بحكمها واسجالها فقل في الدنيا ~~مقامه وعجل القدوم عليه لزيارته حمامه، فلم تطل بها مدته ولا امتدت فيها ~~أيامه. غير أن الله (عز وعلا) خصه بمنقبة متألقة في PageV01P303 # مطالع التعظيم بارقة أنوارها مرتفعة في معارج التفضيل قيمة أقدارها بادية ~~لعقول ms246 أهل المعرفة آية أثرها، وهي وإن كانت صغيرة فدلالتها كبيرة. # وهي أن هذا أبا جعفر محمدا ((عليه السلام)) لما توفي والده علي الرضا ~~وقدم الخليفة المأمون إلى بغداد بعد وفاته بسنة، اتفق أنه بعد ذلك خرج يوما ~~يتصيد فاجتاز بطرف البلد في طريقه والصبيان يلعبون ومحمد واقف معهم- وكان ~~عمره يومئذ إحدى عشرة سنة فما حولها- فلما أقبل الخليفة المأمون انصرف ~~الصبيان هاربين، وقف أبو جعفر محمد فلم يبرح مكانه فقرب منه الخليفة فنظر ~~إليه، وكأن الله (عز وجل) قد ألقى عليه مسحة من قبول، فوقف الخليفة وقال ~~له: يا غلام ما منعك من الانصراف مع الصبيان؟ فقال له محمد مسرعا: يا أمير ~~المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لأوسعه عليك بذهابي، ولم يكن لي جريمة فأخشاها ~~وظني بك حسن أنك لا تضر من لا ذنب له، فوقفت. فأعجبه كلامه ووجهه فقال له: ~~ما اسمك فقال: محمد فقال: ابن من أنت فقال: يا أمير المؤمنين أنا ابن علي، ~~فترحم على أبيه وساق إلى وجهته وكان معه، فلما بعد عن العمارة أخذ بازا ~~فأرسله على دراجة فغاب عن عينيه طويلا، ثم عاد من الجو وفي منقاره سمكة ~~صغيرة وبها بقايا الحياة فأعجب الخليفة من ذلك غاية العجب، ثم أخذها في يده ~~وعاد إلى داره في الطريق الذي أقبل منه، فلما وصل إلى ذلك المكان وجد ~~الصبيان على حالهم انصرفوا كما فعلوه أول مرة وأبو جعفر لم ينصرف ووقف كما ~~وقف أولا، فلما قرب منه الخليفة قال له: يا محمد قال: لبيك يا أمير ~~المؤمنين قال له: ما في يدي؟ فألهمه الله (عز وعلا) أن قال: يا أمير ~~المؤمنين إن الله (تعالى) خلق بمشيئته في بحر قدرته سمكا صغارا تصيدها بزاة ~~الملوك والخلفاء فيختبرون بها سلالة أهل النبوة. # فلما سمع المأمون كلامه عجب وجعل يطيل نظره إليه، وقال: أنت ابن الرضا ~~حقا وضاعف إحسانه اليه. PageV01P304 # وفي هذه الواقعة ما يكفيه منقبة عن غيرها ويستغنى بها عن سواها. # ولده أبو الحسن علي وسيأتي ذكره بعده إن ms247 شاء الله. # وأما عمره فإنه مات في ذي الحجة من سنة مائتين وعشرين للهجرة في خلافة ~~المعتصم، وقد تقدم ذكر ولادته في سنة مائة وخمس وتسعين فيكون عمره خمسا ~~وعشرين سنة. # وقبره ببغداد في مقابر قريش. PageV01P305 ### | الباب العاشر في أبي الحسن علي بن محمد بن علي ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ((عليهم السلام)) # أما مولده ففي رجب من سنة مائتين وأربع عشرة للهجرة. # وأما نسبه أبا وأما فأبوه أبو جعفر محمد القانع بن علي الرضا بن موسى وقد ~~تقدم ذلك مبسوطا، وأمه أم ولد تسمى سمانة المغربية وقيل غير ذلك. # وأما اسمه فعلي وكنيته أبو الحسن. # وأما ألقابه فالناصح والمتوكل والفتاح والنقي والمرتضى وأشهرها المتوكل، ~~وكان يخفي ذلك ويأمر اصحابه أن يعرضوا عن ذكره لكونه كان لقب الخليفة أمير ~~المؤمنين المتوكل يومئذ. # وأما مناقبه فمنها ما حل في الآذان محل حلاها باشنافها، واكتنفته شغفا به ~~اكتناف اللآلئ الثمينة بأصدافها، وشهد لابي الحسن أن نفسه موصوفة بنفائس ~~أوصافها، وأنها نازلة من الدرجة النبوية في ذرى أشرافها وشرفات أعرافها. # وذلك أن أبا الحسن كان يوما قد خرج من سر من رأى إلى قرية لمهم عرض له، ~~فجاء رجل من الاعراب يطلبه فقيل له قد ذهب إلى الموضع الفلاني فقصده، فلما ~~وصل إليه قال: أنا رجل من أعراب الكوفة المتمسكين بجدك علي بن أبي طالب، ~~وقد ركبني دين فادح أثقلني PageV01P307 # حمله ولم أر من أقصده لقضائه غيرك، فقال له أبو الحسن: طب نفسا وقر عينا، ~~ثم أنزله [عنده]. # فلما أصبح ذلك اليوم قال له أبو الحسن: أريد منك حاجة، الله الله أن ~~تخالفني فيها، فقال له الاعرابي: لا أخالفك، فكتب أبو الحسن ورقة بخطه ~~معترفا فيها أن للاعرابي مالا عينه فيها، يرجح على دينه وقال: خذ هذا الخط ~~فإذا وصلت إلى سر من رأى احضر الي وعندي جماعة فطالبني به وأغلظ القول علي ~~في ترك ايفائك إياه، والله الله في مخالفتي فقال: أفعل، ms248 وأخذ الخط. # فلما وصل أبو الحسن إلى سر من رأى، وحضر عنده جماعة كثيرون من أصحاب ~~الخليفة وغيرهم، خرج ذلك الرجل وأخرج الخط وطالبه وقال كما أوصاه فألان له ~~أبو الحسن القول ورققه له وجعل يعتذر إليه ووعده بوفائه وطيب نفسه. # فنقل ذلك إلى الخليفة المتوكل، فأمر أن يحمل إلى أبي الحسن ثلاثون ألف ~~درهم، فلما حملت اليه تركها إلى أن جاء الاعرابي فقال: # خذ هذا المال اقض منه دينك وأنفق الباقي على عيالك وأهلك واعذرنا فقال ~~الاعرابي: يا ابن رسول الله، والله إن أملي كان يقصر عن ثلث هذا ولكن الله ~~أعلم حيث يجعل رسالاته، فأخذ المال وانصرف. # فهذه منقبة من سمعها حكم له بمكارم الاخلاق وقضى له بالمناقب المحكوم ~~بشرفها بالاتفاق. # ولده أبو محمد الحسن وسيأتي ذكره إن شاء الله. # وأما عمره فإنه مات في جمادى الآخرة لخمس ليال بقين منه من سنة أربع ~~وخمسين ومائتين للهجرة في خلافة المعتز، وتقدم ذكر ولادته في سنة اربع عشرة ~~ومائتين فيكون عمره أربعين سنة غير أيام، كان مقامه مع أبيه محمد ست سنين ~~وخمسة أشهر وبقي بعد وفاة أبيه ثلاثا وثلاثين سنة وشهرا وقبره بسر من رأى. PageV01P308 ### | الباب الحادي عشر في أبي محمد الحسن بن علي ((عليه السلام)) # مولده سنة إحدى وثلاثين ومائتين للهجرة. # وأما نسبه أبا وأما فأبوه أبو الحسن علي المتوكل بن محمد القانع بن علي ~~الرضا، وقد تقدم القول في ذلك، وأمه أم ولد يقال لها سوسن. # وأما اسمه الحسن وكنيته أبو محمد ولقبه الخالص. # وأما مناقبه فاعلم أن المنقبة العليا والمزية الكبرى التي خصه الله (عز ~~وعلا) بها وقلده فريدها ومنحه تقليدها، وجعلها صفة دائمة لا يبلي الدهر ~~جديدها ولا تنسى الألسن تلاوتها وترديدها، أن المهدي محمدا نسله المخلوق ~~منه وولده المنتسب إليه [و] بضعته المنفصلة عنه. # وسيأتي في الباب الذي يتلو هذا الباب شرح مناقبه وتفصيل أحواله إن شاء ~~الله (تعالى). # وكفى أبا محمد الحسن تشريفه من ربه أن جعل محمدا المهدي من كسبه وأخرجه ms249 ~~من صلبه وجعله معدودا من حزبه، ولم يكن لأبي محمد ولد ذكر سواه وحسبه ذلك ~~منقبه، وكفاه ولم يطل في الدنيا أيام مقامه ومثواه ولا امتد له أمد حياته ~~فيها ليظهر للناظرين مآثره ومزاياه. PageV01P309 ### | الباب الثاني عشر في أبي القاسم ((عليه السلام)) # محمد بن الحسن الخالص بن علي المتوكل بن محمد القانع بن علي الرضا بن ~~موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين ~~الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين بن أبي طالب. # المهدي الحجة الخلف الصالح المنتظر، (عليهم السلام) ورحمة الله وبركاته. # فهذا الخلف الحجة قد أيده الله %~% هداه منهج الحق وآتاه سجاياه # وأعلى في ذرى العلياء بالتأييد مرقاه %~% وآتاه حلى فضل عظيم فتحلاه # وقد قال رسول الله قولا قد رويناه %~% وذو العلم بما قال إذا أدرك معناه # ترى الاخبار في المهدي جاءت بمسماه %~% وقد أبداه بالنسبة والوصف وسماه # ويكفي قوله مني لاشراق محياه %~% ومن بضعته الزهراء مرساه ومسراه # ولن يبلغ ما أوتيه أمثال وأشباه %~% فمن قالوا هو المهدي ما نوا بما فاهوا # قد رتع من النبوة في اكناف عناصرها ورضع من الرسالة أخلاف أواصرها وترع ~~من القرابة بسجال معاصرها وبرع في صفات الشرف فعقدت عليه بخناصرها فاقتنى ~~من الانساب شرف نصابها واعتلى عند الانتساب على شرف احسابها، واجتنى جنى ~~الهداية من معادنها وأسبابها PageV01P311 # فهو من ولد الطهر البتول المجزوم بكونها بضعة من الرسول فالرسالة أصلها ~~وإنها لأشرف العناصر والأصول. # فأما مولده فبسر من رأى في ثالث وعشرين رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين ~~للهجرة. # وأما نسبه أبا وأما فأبوه محمد الحسن الخالص بن علي المتوكل ابن محمد ~~القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي ~~زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين، وقد تقدم ذكر ~~ذلك مفصلا، وأمه أم ولد تسمى صقيل وقيل حكيمه وقيل غير ذلك. # وأما اسمه فمحمد وكنيته أبو القاسم ولقبه الحجة والخلف الصالح وقيل ~~المنتظر. # وأما ما ورد عن ms250 النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) في المهدي من الأحاديث ~~الصحيحة، فمنها ما نقله الإمامان أبو داود والترمذي ((رضي الله عنهما)) كل ~~واحد منهما بسنده في صحيحه يرفعه إلى أبي سعيد الخدري ((رضي الله عنه)) قال: # سمعت رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يقول: «المهدي مني أجلي ~~الجبهة اقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ويملك سبع سنين». # ومنها ما أخرجه أبو داود ((رحمه الله)) بسنده في صحيحه يرفعه إلى علي ~~((عليه السلام)) قال: قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): # «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ~~ملئت جورا». # ومنها ما رواه أيضا أبو داود في صحيحه يرفعه بسنده إلى أم PageV01P312 # سلمة زوج النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قالت: # سمعت رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) يقول: «المهدي من عترتي من ~~ولد فاطمة». # ومنها ما رواه القاضي أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي ((رضي الله عنه)) ~~في كتابه المسمى بشرح السنة، وأخرجه الإمامان البخاري ومسلم ((رضي الله ~~عنهما)) كل واحد منهما بسنده في صحيحه يرفعه إلى أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم ~~وإمامكم منكم». # ومنها ما أخرجه أبو داود والترمذي ((رضي الله عنهما)) بسندهما في صحيحهما ~~يرفعه كل واحد منهما بسنده إلى عبد الله بن مسعود ((رضي الله عنه))، أنه ~~قال: قال رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)): # «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله ~~رجلا مني أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض ~~قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما». # وفي رواية أخرى: «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ ~~اسمه اسمي». # وفي رواية أخرى أن النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) قال: «يلي رجل من ~~أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». # هذه ms251 الروايات عن أبي داود والترمذي ((رضي الله عنهما)). # ومنها ما نقله الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي ((رضي الله عنه)) ~~في تفسيره يرفعه بإسناده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)): «نحن ولد عبد المطلب سادة الجنة أنا وحمزة وجعفر وعلي ~~والحسن والحسين والمهدي». # فإن قال معترض هذه الأحاديث النبوية الكثيرة بتعدادها الصريحة PageV01P313 # بجملتها وأفرادها، متفق على صحة اسنادها ومجمع على نقلها عن رسول الله ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) وإيرادها، وهي صحيحة صريحة في إثبات كون ~~المهدي من ولد فاطمة ((عليها السلام)) وأنه من رسول الله ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم))، وأنه من عترته، وأنه من أهل بيته وأن اسمه يواطئ اسمه وأنه ~~يملأ الأرض قسطا وعدلا، وأنه من ولد عبد المطلب، وإنه من سادات الجنة، وذلك ~~مما لا نزاع فيه غير أن ذلك لا يدل على أن المهدي الموصوف بما ذكره ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) من الصفات والعلامات هو هذا أبو القاسم محمد بن ~~الحسن الحجة الخلف الصالح ((عليه السلام))! فإن ولد فاطمة ((عليها السلام)) ~~كثيرون وكل من يولد من ذريتها إلى يوم القيامة يصدق عليه أنه من ولد فاطمة ~~وأنه من العترة الطاهرة، وأنه من أهل البيت ((عليهم السلام))، فيحتاجون مع ~~هذه الأحاديث المذكورة إلى زيادة دليل على أن المهدي المراد هو الحجة ~~المذكور ليتم مرامكم. # فجوابه: أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) لما وصف المهدي ((عليه ~~السلام)) بصفات متعددة من ذكر اسمه ونسبه ومرجعه إلى فاطمة ((عليها ~~السلام)) وإلى عبد المطلب، وأنه أجلى الجبهة أقنى الأنف وعدد الأوصاف ~~الكثيرة التي جمعتها الأحاديث الصحيحة المذكورة آنفا، وجعلها علامة ودلالة ~~على أن الشخص الذي يسمى بالمهدي وتثبت له الأحكام المذكورة وهو الشخص الذي ~~اجتمعت تلك الصفات فيه، ثم وجدنا تلك الصفات المجعولة علامة ودلالة مجتمعة ~~في أبي القاسم محمد الخلف الصالح دون غيره، فيلزم القول بثبوت تلك الأحكام ~~له وأنه صاحبها، وإلا فلو جاز وجود ما هو علامة ms252 ودليل ولا يثبت ما هو ~~مدلوله قدح ذلك في نصبها علامة ودلالة من رسول الله ((صلى الله عليه وآله ~~وسلم))، وذلك: # فإن قال المعترض: لا يتم العمل به بالعلامة والدلالة إلا بعد العلم ~~باختصاص من وجدت فيه بها دون غيره وتعينه لها، فأما إذا لم PageV01P314 # يعلم تخصيصه وانفراده بها فلا يحكم له بالدلالة، ونحن نسلم أنه من زمن ~~رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) إلى ولادة الخلف الصالح الحجة محمد ~~((عليه السلام)) ما وجد من ولد فاطمة ((عليها السلام)) شخص جمع تلك الصفات ~~التي هي العلامة والدلالة غيره، لكن وقت بعثة المهدي وظهوره وولايته هو في ~~آخر أوقات الدنيا عند ظهور الدجال ونزول عيسى ابن مريم، وذلك سيأتي بعد مدة ~~مديدة ومن الآن إلى ذلك الوقت المتراخي الممتد أزمان متجددة وفي العترة ~~الطاهرة من سلالة فاطمة ((عليها السلام)) كثرة يتعاقبون ويتوالدون إلى ذلك ~~الإبان، فمجوز أن يولد من السلالة الطاهرة والعترة النبوية من يجمع تلك ~~الصفات فيكون هو المهدي المشار إليه في الأحاديث المذكورة، ومع هذا ~~الاحتمال والإمكان كيف يبقى دليلكم مختصا بالحجة محمد المذكور ((عليه ~~السلام)). # فالجواب أنكم إذا عرفتم أنه إلى وقت ولادة الخلف الصالح وإلى زماننا هذا ~~لم يوجد من جمع تلك الصفات والعلامات بأسرها سواه، فيكفي ذلك في ثبوت تلك ~~الأحكام له عملا بالدلالة الموجودة في حقه. # وما ذكرتموه من احتمال أن يتجدد مستقبلا في العترة الطاهرة من يكون بتلك ~~الصفات لا يكون قادحا في إعمال الدلالة ولا مانعا من ترتيب حكمها عليها، ~~فإن دلالة الدليل راجحة لظهورها واحتمال تجدد ما يعارضها مرجوح ولا يجوز ~~ترك الراجح بالمرجوح، فإنه لو جوزنا ذلك لامتنع العمل بأكثر الأدلة المثبتة ~~للاحكام إذ ما من دليل إلا واحتمال تجدد ما يعارضه متطرق إليه، ولم يمنع ~~ذلك من العمل به وفاقا. # والذي يوضح ذلك ويؤكده أن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) فيما ~~أورده الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه يرفعه بسنده: PageV01P315 # قال لعمر بن الخطاب: يأتي عليك مع ms253 امداد أهل اليمن أويس بن عامر من مراد، ~~ثم من قرن كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو اقسم ~~على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل. فالنبي ((صلى الله عليه ~~وآله وسلم)) ذكر اسمه ونسبه وصفته وجعل ذلك علامة ودلالة على أن المسمى ~~بذلك الاسم المتصف بتلك الصفات لو اقسم على الله لأبره وأنه أهل لطلب ~~الاستغفار منه وهذه منزلة عالية ومقام عند الله (تعالى) عظيم. # فلم يزل عمر بعد وفاة رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وبعد وفاة ~~أبي بكر يسأل امداد اليمن من الموصوف بذلك، حتى قدم وفد من اليمن فسألهم ~~فأخبر بشخص متصف بذلك فلم يتوقف عمر في العمل بتلك العلامة والدلالة التي ~~ذكرها رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))، بل بادر إلى العمل بها ~~واجتمع به وسأله الاستغفار وجزم أنه المشار إليه في الحديث النبوي، لما علم ~~تلك الصفات فيه مع وجود احتمال أن يتجدد في وفود اليمن مستقبلا من يكون ~~بتلك الصفات، فإن قبيلة مراد كثيرة والتوالد فيها كثير وعين ما ذكرتموه من ~~الاحتمال موجود. # وكذلك قضية الخوارج لما وصفهم رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ~~بصفات ورتب عليها حكمهم، ثم بعد ذلك لما وجد علي ((عليه السلام)) موجودة في ~~أولئك في واقعة حروراء والنهروان، جزم بأنهم هم المرادون بالحديث النبوي ~~وقاتلهم وقتلهم، فعمل بالدلالة عند وجود الصفة مع احتمال أن يكون المرادون ~~غيرهم. وأمثال هذه الدلالة والعمل بها مع قيام الاحتمال كثيرة. # فعلم أن الدلالة الراجحة لا تترك لاحتمال المرجوح. # ونزيده بيانا وتقريرا فنقول: لزوم ثبوت الحكم عند وجود العلامة والدلالة ~~لمن وجدت فيه أمر يتعين العمل به والمصير إليه، فمن تركه PageV01P316 # وقال بأن صاحب الصفات المراد بإثبات الحكم له ليس هو هذا بل شخص غيره ~~سيأتي فقد عدل عن النهج القويم ووقف نفسه موقف المليم. # ويدل على ذلك أن الله (عز وجل) لما أنزل في التوراة على موسى أنه يبعث ~~النبي ms254 العربي في آخر الزمان خاتم الأنبياء ونعته بأوصافه وجعلها علامة ~~ودلالة على إثبات حكم النبوة له، وصار قوم موسى ((عليه السلام)) يذكرونه ~~بصفاته ويعلمون أنه يبعث، فلما قرب زمان ظهوره وبعثه صاروا يهددون المشركين ~~به ويقولون سيظهر الآن نبي نعته كذا وصفته كذا ونستعين به على قتالكم، فلما ~~بعث ((صلى الله عليه وآله وسلم)) ووجدوا العلامات والصفات بأسرها التي جعلت ~~دلالة على نبوته أنكروه وقالوا: ليس هذا هو بل هو غيره وسيأتي، فلما جنحوا ~~الى الاحتمال وأعرضوا عن العمل بالدلالة الموجودة في الحال أنكر الله ~~(تعالى) عليهم كونهم تركوا العمل بالدلالة التي ذكرها لهم في التوراة ~~وجنحوا الى الاحتمال. # وهذه القصة من أكبر الأدلة وأقوى الحجج على أنه يتعين العمل بالدلالة عند ~~وجودها وإثبات الحكم لمن وجدت تلك الدلالة فيه. # فإذا كانت الصفات التي هي علامة ودلالة لثبوت تلك الاحكام المذكورة ~~موجودة في الحجة الخلف الصالح محمد ((عليه السلام)) تعين إثبات كون المهدي ~~المشار إليه من غير جنوح الى الاحتمال بتجدد غيره في الاستقبال. # فإن قال المعترض: نسلم لكم أن الصفات المجعولة علامة ودلالة إذا وجدت ~~تعين العمل بها ولزم إثبات مدلولها لمن وجدت فيه، لكن نمنع وجود تلك ~~العلامة والدلالة في الخلف الصالح محمد ((عليه السلام))، فإن من جملة ~~الصفات المجعولة علامة ودلالة أن يكون اسم أبيه مواطئا لاسم أبي النبي ~~((صلى الله عليه وآله وسلم)) هكذا به PageV01P317 # صرح الحديث النبوي على ما أوردتموه، وهذه الصفة لم توجد فيه فإن اسم أبيه ~~الحسن واسم أبي النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) عبد الله واين الحسن من ~~عبد الله، فلم توجد هذه الصفة التي هي جزء من العلامة والدلالة وإذا لم ~~يوجد جزء العلة لا يثبت حكمها فإن الصفات الباقية لا تكفي في إثبات تلك ~~الأحكام، إذ النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) لم يجعل تلك الاحكام ثابتة ~~إلا لمن اجتمعت تلك الصفات فيه كلها التي جزؤها مواطأة اسمي الابوين في ~~حقه، وهذه لم تجتمع في الحجة الخلف فلا تثبت ms255 تلك الاحكام له وهذا إشكال قوي. # والجواب: لا بد قبل الشروع في تفصيل الجواب من بيان أمرين بينى عليهما الغرض. # الأول: أنه شائع في لسان العرب إطلاق لفظة الأب على الجد الأعلى، وقد نطق ~~القرآن الكريم بذلك فقال (تعالى): @QUR@03 ملة أبيكم إبراهيم وقال (تعالى) ~~حكاية عن يوسف ((عليه السلام)): @QUR@07 واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ~~ونطق بذلك النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) في حديث الإسراء أنه قال: ~~«قلت من هذا قال: أبوك إبراهيم»، فعلم أن لفظة الأب تطلق على الجد وإن علا ~~فهذا أحد الأمرين: # الأمر الثاني: إن لفظة الاسم تطلق على الكنية وعلى الصفة وقد استعملها ~~الفصحاء ودارت بها ألسنتهم ووردت في الأحاديث حتى ذكرها الإمامان البخاري ~~ومسلم ((رضي الله عنهما)) كل منهما يرفعه إلى سهل بن سعد الساعدي ((رضي ~~الله عنه))، أنه قال عن علي ((رضي الله عنه)): أن رسول الله ((صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) سماه بأبي تراب ولم يكن له اسم احب إليه منه، فأطلق لفظة ~~الاسم على الكنية ومثل ذلك قال الشاعر: # اجل قدرك أن تسمى مؤنثة %~% ومن كناك فقد سماك للعرب # ويروى: ومن يصفك فأطلق التسمية على الكناية أو الصفة وهذا PageV01P318 # شائع ذائع في لسان العرب. # فإذا وضح ما ذكرناه من الأمرين فاعلم أيدك الله بتوفيقه، أن النبي ((صلى ~~الله عليه وآله وسلم)) كان له سبطان: أبو محمد الحسن وأبو عبد الله الحسين ~~((عليه السلام))، ولما كان الحجة الخلف الصالح محمد ((عليه السلام)) من ولد ~~أبي عبد الله الحسين ولم يكن من ولد أبي محمد الحسن، وكانت كنية الحسين أبا ~~عبد الله، فأطلق النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) على الكنية لفظ الاسم ~~لأجل المقابلة بالاسم في حق أبيه، واطلق على الجد لفظة الاب فكأنه قال: ~~يواطئ اسمه اسمي فهو محمد وأنا محمد وكنية جده اسم أبي إذ هو أبو عبد الله ~~وأبي عبد الله لتكون تلك الألفاظ المختصرة جامعة لتعريف صفاته وإعلام أنه ~~من ولد أبي عبد الله الحسين بطريق جامع موجز، وحينئذ ms256 تنتظم الصفات وتوجد ~~بأسرها مجتمعة للحجة الخلف الصالح محمد ((عليه السلام)). # وهذا بيان شاف كاف في إزالة ذلك الإشكال، فافهمه. # وأما ولده فلم يكن له ولد ليذكر لا أنثى ولا ذكر. # وأما عمره فإنه ولد في أيام المعتمد على الله، خاف فاختفى وإلى الآن فلم ~~يمكن ذكر ذلك إذ من غاب وإن انقطع خبره لا توجب غيبته وانقطاع خبره الحكم ~~بمقدار عمره ولا بانقضاء حياته، وقدرة الله (تعالى) واسعة وحكمه وألطافه ~~بعباده عظيمة عامة، ولوازم عظماء العلماء أن يدركوا حقائق مقدوراته وكنه ~~قدرته لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، ولا تقلب طرف تطلعهم إليه حسيرا وحده كليلا، ~~واملى عليهم لسان عجزهم عن الإحاطة به @QUR@07 وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا . # وليس ببدع ولا مستغرب تعمير بعض عباد الله المخلصين ولا امتداد عمره إلى ~~حين فقده مد الله (تعالى) أعمار جمع كثير من خلقه من أصفيائه وأوليائه ومن ~~مطروديه وأعدائه. # فمن الأصفياء عيسى (صلوات الله عليه) ومنهم الخضر (عليه PageV01P319 # السلام) وخلق آخرون من الأنبياء ((عليهم السلام)) طالت أعمارهم حتى جاز ~~كل واحد منهم ألف سنة أو قاربها كنوح ((عليه السلام)) وغيره. # وأما من الأعداء المطرودين فإبليس وكذلك الدجال، ومن غيرهم كعاد الأولى ~~كان فيهم من عمره ما يقارب الألف، وكذلك لقمان صاحب لبد. # وكل هذه لبيان اتساع القدرة الربانية في تعمير بعض خلقه. # فأي مانع يمنع من امتداد عمر الخلف الصالح إلى أن يظهر فيعمل ما حكم الله ~~(تعالى) له به؟. # وحيث وصل الكلام إلى هذا المقام وانتهى جريان القلم بما خطه من هذه ~~الأقسام الوسام، فلنختمه بالحمد لله رب العالمين فإنها كلمة مباركة جعلها ~~الله (سبحانه وتعالى) آخر دعوى أهل جنانه وخصها بمن اجتباه من خلقه وكساه ~~ملابس مرضاته. # فهذا آخر ما حرره القلم من مناقبهم السنية وسطره من صفاتهم الزكية ونثره ~~من مزاياهم العلية، وإن ذلك وإن كثر لقليل في جنب شرفهم الشامخ ويسير فيما ~~آتاهم الله من فضله الراسخ، وأنا ارجو من كرم الله أن يشملني ببركتهم ~~ويدخلني في ms257 زمرتهم ويجعل هذا المؤلف مسطورا في صحيفة حسناتي المعدودة من ~~حسنتهم، فقد بذلت جهدي في جمع مزاياهم بذل المجد الطالب ولم آل جهدا في ~~جمعها وتأليفها قضاء لحقهم اللازم اللازب، ولسان الحال يقرع أبواب الاستماع ~~لأسماع كل شاهد وغائب [وسأقول]: # رويدك ان احببت نيل المطالب %~% فلا تعد عن ترتيل آي المناقب # مناقب آل المصطفى المهتدى بهم %~% الى لقم التقوى ورغبى الرغائب # مناقب آل المصطفى قدوة الورى %~% بهم يبتغي مطلوبه كل طالب PageV01P320 # مناقب تجلى سافرات وجوهها %~% ويجلو سناها مدلهم الغياهب # عليك بها سرا وجهرا فإنها %~% تحلك عند الله أعلى المراتب # وجد عند ما يتلو لسانك آيها %~% بدعوة قلب حاضر غير غائب # لمن قام في تألفها واعتنى بها %~% ليقضي من مفروضها كل واجب # عسى دعوة تزكو بها حسناته %~% فيحظى من الحسنى بأغلى المواهب # فمن سأل الله الكريم أجابه %~% وجاوره الإقبال من كل جانب # مطالب السؤول في مناقب آل الرسول # تأليف # محمد بن طلحة الشافعي # جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة # [![](../Images/logo4.png)](http://www.masaha.org) # # ![](../Images/2753-logo.jpg) # PageV01P321 # ### |EDITOR| ENDNOTES: PageV01P005: ____________ (1) نصيبي: على وزن الجمع، مدينة عامرة من بلاد الجزيرة في شمال العراق على جادة القوافل بين الموصل والشام والنسبة إليها نصيبي ونصيبيني. PageV01P006: ____________ (1) طبعة المطبعة العلمية في قم سنة 1381 ه. PageV01P010: ____________ (1) راجع نص السماع في هامش (تلخيص مجمع الآداب، ج: 3، ص: 179)، فقد نقله الدكتور مصطفى جواد في تعاليقه هناك حرفيا. PageV01P015: ____________ (1) في أعلام النبلاء: يسبي. PageV01P225: ____________ (1) قوله قد بنى بفاطمة وقد ذكر هذه العبارة مرارا الابتناء والبناء الدخول في الزوجة والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها يقال بنى الرجل على أهله ولا يقال بأهله قاله الجوهري وهذا القول فيه نظر فإنه قد جاء في غير موضع في الحديث وغير الحديث. PageV01P232: ____________ (1) ساقطة من ج. PageV01P234: ____________ (1) كذا ولعل الصحيح: ناموا. PageV01P235: ____________ (1) هذه الجملة ليست في ج. (2) ليست الكلمة في ج. PageV01P236: ____________ (1) ليس في ج. PageV01P260: ____________ (1) كذا والظاهر أن لا زائدة والصحيح: أن تسمعها. PageV01P269: ____________ (1) الفجور: ج PageV01P280: ____________ (1) كذا أو ms258 لعله: رققت. ms259