######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_003702 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن طلحة الشافعي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 652 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (ع) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر سيرة النبي والائمة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_003702 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3702_مطالب-السؤول-في-مناقب-آل-الرسول-(ع)-محمد-بن-طلحة-الشافعي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: ماجد ابن أحمد العطية #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # ... مطالب السؤول في مناقب آل الرسول مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن ~~الرحيم الحمد لله الذي حلى الصفوة الطاهرة، من آل نبيه المصطفى، بأصفى ~~المناقب، وأحلهم من (1) شرف العلى وشرف الهدى في أعلى المعارج وأسمى ~~المراتب، وأصفاهم من صفات التطهير والتقديس في العاجلة والآجلة بأسنى ~~المنائح وأهنى المواهب، وأزلفهم إلى المقام القريب منه بمناجاتهم إياه في ~~لوائح الهواجر ودياجر الغياهب، وجعلهم أئمة حق وصدق يهدون بأمره إلى اتباع ~~أقوم الطرائق وأهدى المذاهب، وقرن الصلوات عليهم بالصلاة على النبي في ~~الصلوات (2) وانها لمن أشرف الرغايب، وخصهم من مزايا السجايا بما نقله ~~الثقات الرواة في مباهلة السيد والعاقب، فمودتهم في هذه الحياة الدنيا ~~معدودة في أقسام القروض اللوازم والأحكام اللوازب، وموالاتهم يوم يقوم ~~الناس لرب العالمين جنة منجية من أوصاب العذاب الواصب. # والصلاة والسلام على رسوله محمد، المستخرج من أمشاج الأصلاب الأطاهر ~~والأنساب الأطايب، المستعرج به في أدراج المعارج ليلة الأسراء (3) في # PageV00P016 # أملاك الأفلاك ومناكب الكواكب، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه ~~الخلفاء الراشدين صلوات مشهودة الموارد مشفوهة المشارب. # وبعد: # فأحسن ما نظمته أقلام الأفهام من أقسام الكلام في الحسنات المستحسنات، ~~وحملته بطون أوراق الأنام من نطف مياه الأقلام من سلالة الباقيات الصالحات، ~~وحررته فذلك جرائد الحاسبين لتكميل مراشد الطالبين من جمل سجايا النفوس ~~الزاكيات، وسطرته أيدي الكرام الكاتبين لمن نصب نفسه للقيام به في صحائف ~~الحسنات، وأعده ذخيرة يجدها إذا نفخ في الصور فصعق من في الأرض والسماوات، ~~تأليف لآل المصطفى أئمة الهدى أهل الميامين والنهى ذوي الآيات والبينات ~~وتصنيف مناقب صفاتهم وتعريف مراتب طاعاتهم وتوظيف مذاهب عباداتهم في ~~الاعمال والنيات، فشرفهم باذخ وقدم تقدمهم راسخ، فهم على الحقيقة قرابات ~~السادات وسادات القرابات، وهم العروة الوثقى ومحبهم لا يضل ولا يشقى، ~~وسينال باقتفائهم أقرب القرابات، ولهم الفضائل الناطقة والمنازل السامقة ~~فكيف لا وقد رفع قدرهم رفيع الدرجات، فمناقبهم أبدا تتلا ومحاسنهم على ~~الأبد تجلا ومودتهم منزلة في السور والآيات، فالمقدمون لأنفسهم ذخرا ~~العاملون بلا أسألكم عليه أجرا سينعمون في روضات الجنات. # وقد كنت ms001 من زمن جريان قلم التكليف علي كلفا إلى الغاية بمودتهم، معترفا ~~بأن صفاتهم المشفوعة باتصالهم بالمصطفى صلوات الله عليه تقضي بمحبتهم، ~~والتزمت أيام الاغتراب تأليف كتاب تطلع مطالعه ذراري فضيلتهم، فشرعت فيه ~~ووضعت كيفية ترتيبه في مباديه وجعلت عدة أبوابه عدة أئمتهم فسطرته ورتبته ~~وحررته وبوبته وقمت في حقهم بمفروض خدمتهم. # وسميته " زبدة المقال في فضائل الآل " وضمنته غرائب الفنون من غصون ~~شجرتهم، وجعلته لنفسي أنيسا تطالعه حالتي مقامها ورحلتها، وجليسا تراجعه ~~PageV00P017 # في وقتي سكونها وحركتها، فأجرت أدوار الأقدار من أخطار الأسفار بعض ~~أقضيتها فسلبته، وغيرته يد الاغتيال وجرعت النفس بفقده مرارة حسرتها، فلما ~~أن لفتني الرأفة الرانية من الألطاف الإلهية بعنايتها، وأعرضت عن متاع ~~الدنيا من جاهها ومالها وولايتها، رأى بعض الصالحين عليا أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) فسأله مسائل تتعلق بالمعارف القدسية وربوبيتها فأجابه (عليه ~~السلام) بكلمات فقال: يا أمير المؤمنين لم أحط علما بمعرفتها، فأحاله علي ~~في أن أشرح ذلك له وافصل منه ما أجمله وأبين تفاصيل قوله وجمله، فلما حضر ~~لدي وقص علي حقيقة الحوالة في جواب ما سأله، قابلت أمره (عليه السلام) ~~بالامتثال وبادرت في الوقت والحال إلى استخراج الجواب عن ذلك السؤال، وبعد ~~قيامي بواجب الحوالة وقضاياها وامتثال أمره المطاع باستخراج أجوبتها وشرح ~~أسمائها، ألزمت نفسي تأليف هذا الكتاب قياما بحقه (عليه السلام)، إذ خصني ~~باحسانه وجعلني أهلا لاستنابته إياي في شرح أشكال من العلم اللدني وتبيانه، ~~وليكون خلفا عني ذلك الكتاب الذي غاله الدهر بيد عدوانه فشرعت في تصنيفه ~~وجمعت همتي لتأليفه. # وسميته (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول) (1) ونهجت جدد المطالب ~~واستخرجت زبد المناقب بمحض المعقول والمنقول، فجاء جامعا للفضائل صادعا ~~بالدلائل شارعا مناهج الوصول إلى السؤول، تكفيه منقبة تلقين المناقب وكونه ~~بترتيب مراتب الأئمة الأطايب، قيد العيون والعقول، من قدر قدره قدمه و من ~~خبر خبره خدمه وتلقى وجهه بالتقبيل والقبول، ولما أسرى القلب بعزمه لإدراك ~~هذه المطالب، وأجرى قلم فكره الصائب في تأليف هذه المناقب ناجته نفسه ~~المهتدية بالقول الثابت والنور ms002 الثاقب، بأن هذا التأليف الجامع لشتات هذه # PageV00P018 # الفضائل، الرافع مراتب صفات الأئمة الأفاضل، وإن كانت جواهر مضمونة مشرقة ~~وأنوارا مكنونة متألقة، وأنهارا عيونها مغدقة، وأشجارا فنونها مورقة، ~~وثمارا غصونها مونقة، فلا يستضئ بنور أفقها إلا من يعتقد وجوب القيام ~~بحقها، ولا يرقى في معارج فضائلها وطرقها إلا من حكم التأييد الإلهي لنفسه ~~بتقدمها وسبقها، فإن الدرة الموسومة باليتيمة، والجوهرة الثمينة ذات ~~القيمة، والعقود المنضودة من اللآلي النظيمة والجونة العبق نشرها بأرجاء ~~اللطيمة، بل جهات الخيرات المتصفة بالمكانة العلية والمنزلة العظيمة لا ~~يعظم محلها، إلا من استبان فضلها وعلم قدرها ونبلها وعلم (1) فرعها وأصلها، ~~وكان أحق بها وأهلها، ليتلو سور أخبارها ويبلو سير آثارها ويتنسك بشعائر ~~شعارها، ويتمسك بشريعة نصرها ويسلك شعب أنصارها. # وأنا وإن أمطيت نفسي مطا اجتهادها في سلوك سبيلها، وأعطيت رائد اجتهادها ~~سؤله في إقامة دليلها في تأليف مزاياهم التي لا يستطيع المدرة المغرة حصر ~~تفصيلها، وتصنيف سجاياهم التي يقصر لساني مع بسطته عن تلاوة آياتها ~~وترتيلها، وجمعت منها كلما وصلت إليه مطية الجد والاجتهاد بوخدها وذميلها، ~~ونظمت شوارد فرائدها الممدوحة وفرائد شواردها الممنوحة في عقد تفصيلها، كنت ~~والله مقصرا في جنب ما أولانيه أمير المؤمنين (عليه السلام) من مبار اردفاه ~~وما خصني به من شريف نظره وكمال اعتقاده، وما استندبني له من استخراج أسرار ~~من الغيب لا يمنحها الله تعالى إلا من يجتبيه من عباده، وما شرفني به في ~~المنام النبوي من اقباله حتى كساني رسول الله (ص) ما كان عليه من ابراده، ~~ودعاني دعوة ما ظفر بها إلا من أسعفه الله تعالى باسعاده وأسعده في معاده، ~~فلم أجد شيئا # PageV00P019 # أتمسك به في مقابلة هذا الاحسان ذي المحاسن الحسان، إلا الإستنصار ~~بالمسعفين البيان والبنان، والاستظهار بالمسعدين القلم واللسان، في نشر ~~معالي مناقبهم العظيمة الشأن، الكريمة على الثقلين الإنس والجان، ونثر لآلئ ~~فضائلهم المستخرجة من بحر جواهر القرآن، المرزية عند أهل الإيمان بمنثور ~~الجمان، من اللؤلؤ والمرجان، المستخرج من بحر كيش وعمان (1)، واشاعتها في ~~أشياع العباد، وإذاعتها في ms003 الأصقاع والبلاد، وجعلتها جنة في بطون الأوراق ~~من مواد نطف المداد، ليستخرجها من هو من أهلها فينتفع بها في المعاد يوم ~~قيام الإشهاد، فإن مصنفات الأمة إذا جليت على أهلها تضوعت ولم تضع، وصفات ~~الأئمة إذا تليت على المسامع لا يستمع بها غير المستمع، فما كل من دعاه ~~الهادي إلى سلوك سبيل الهدى بمتبع، ولا كل من وعى سمعه ما يتلى عليه ما لم ~~يوفقه الله بمنتفع، فإن ظفر بها من حباه الله تعالى بإسعاف الإسعاد وهداه ~~إلى سبيل الرشاد، فتأملها بفكره الوقاد وفهمه النقاد وقلبه المنقاد إلى ~~سداد الاعتقاد، فاقتفى سنن سنتهم، واقتدى بنهج طريقتهم، وتقرب إلى الله ~~تعالى بمحبتهم، وعد نفسه من أنصار أسرتهم، وأعد لماله ما يصرفه من ماله في ~~مبرتهم، رزقه الله تعالى الاهتداء بمصباحهم، والارتداء بجلباب صلاحهم، ~~ووقاه حر كل جناح يخشاه بوارف جناحهم، وسقاه يوم العطش الأكبر بكأس ~~اغتباقهم واصطباحهم، وأنا بقيامي هذا في رفع منارهم وشرع شعارهم وجمع ~~مآثرهم وآثارهم، وإن كان غاية ما وصلت إليه القوى البشرية لاستطاعتها، ~~ونهاية ما قدرت عليه ببذل جهدها وطاقتها، كمن قابلت نفسه أنوار شمس الظهيرة ~~بذبالتها، وعدلت السحاب المدرار والغباب التيار ببلة قطرتها، ثم لما كانت ~~هذه الصدقة التي هي من أمير المؤمنين (عليه السلام) # PageV00P020 # باسدائها، والمنة التي تصدق باهدائها، والحالة التي تكررت منه بإعادتها ~~وابدائها، لم يصدرها إلا بأمر إلهي أحاط به علما فأتاه وآت (1) ما أتاه، إذ ~~كل حادث لا يدخل في الوجود إلا وقد قدره الله تعالى وقضاه، وأنفذ حكمه ~~سبحانه فيه وأمضاه، فيجب حمده جل وعلا دائما على ما أولى ويتعين شكره سرمدا ~~على ما منحه وأقناه، حمدا لا تفتصم عراه، وشكرا لا يدرك منتهاه. # وأنا أسأل كل من وقف على كتابي هذا أن يخصني بدعوة ينفعني الله بها يوم ~~ألقاه، ليكون من عتاد المعاد يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، وإذا بلغ القلم ~~مما رقم كنه مطاويه، فاقطع عليه جريه في ايضاعه وتقريبه، وأسرع به إلى ~~مطالب الكتاب وأساليبه، فأشرع الآن ms004 في ترتيبه، وأجمع مواد تهذيبه، وأضع ~~قواعد تفصيله وتبويبه، فأقول والله الموفق المعين: # إعلم أن المقصد المطلوب والمطلب المقصود في هذا الكتاب تحصره مقدمة ~~وأبواب. # أما المقدمة: فهي من قواعد المقاصد وأركانها، فلهذا تعين أولا تقديم ~~كشفها وبيانها، وفيها قسمان: # الأول: في شرح ألفاظا وصفوا بها، والثاني: في إيضاح معان خصوا بموجبها. # القسم الأول: في شرح الألفاظ. # فإنه قد اشتهر وذاع، وقرع الأسماع وعم العظماء (2) والرعاع، استعمال ~~أربعة # PageV00P021 # ألفاظ يوصفون بها وتطلق عليهم عليهم السلام. # اللفظة الأولى: آل الرسول، والثانية: أهل البيت، والثالثة: العترة، ~~والرابعة: # ذوو القربى. # فهذه أربعة ألفاظ، يتعلق بكل واحد منها مقصد سنى ويناط به شرف علي، وكل ~~كلمة منها وإن كانت جلية ففيها معنى خفى، وهذا القسم معقود لكشف معانيها ~~وتفصيل ما قيل فيها. # أما الكلمة الأولى: وهي آل الرسول فأقول: قد تعددت أقوال الناس في تفسير ~~الآل، فذهب قوم إلى أن آل الشخص أهل بيته (1)، وقال آخرون: أن آل النبي هم ~~الذين حرمت عليهم الزكاة وعوضوا عنها خمس الخمس (2)، وقال آخرون: أن آل ~~الشخص من دان بدينه وتبعه فيه (3). # فهذه الأقوال الثلاثة أشهر ما قيل، واستدل من قال بالقول الأول بما أورده ~~القاضي الإمام الحسين بن مسعود البغوي، في كتابه الموسوم (بشرح سنة الرسول ~~(ص)) من الأحاديث المتفق على صحتها، يرفعه بسنده إلى عبد الرحمن ابن أبي ~~ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي إليك هدية سمعتها من النبي ~~(ص). # PageV00P022 # فقلت: بلى فاهدها إلي. # فقال: سألنا رسول الله (ص) فقلنا: يا رسول الله كيف الصلوات عليكم أهل ~~البيت؟ # قال (ص): (قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ~~وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل ~~إبراهيم، إنك حميد مجيد) (1) فالنبي (ص) فسر أحدهما بالآخر فالمفسر والمفسر ~~به سواء في المعنى، فقد أبدل لفظا بلفظ مع اتحاد المعنى فيكون آله أهل بيته ~~وأهل بيته آله فيتحدان في المعنى على هذا القول، ويكشف حقيقة ذلك ms005 أن أصل آل ~~أهل فأبدلت الهاء همزة، ويدل عليه أن الهاء ترد في التصغير فيقال في تصغير ~~آل: أهيل والتصغير يرد الأسماء إلى أصولها (2). # واستدل من قال بالتفسير الثاني، بما أخرجه الأئمة بأسانيدهم المتفق على ~~صحتها، الإمام مسلم بن الحجاج، وأبو داود، والنسائي، يرفعه كل واحد منهم ~~بسنده في صحيحه إلى عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: سمعت رسول الله (ص) ~~يقول: (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ، وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) ~~(3). # PageV00P023 # وبما نقل إمام دار الهجرة، مالك بن أنس في موطأه بسنده أن رسول الله (ص) ~~قال: (لا تحل الصدقة لآل محمد إنما هي أوساخ الناس) (1). # فجعل حرمة الصدقات من خصائص آله (ص)، والذين يحرم عليهم الصدقات، هم بنو ~~هاشم ثم بنو عبد المطلب. # وقد قيل لزيد بن أرقم: من آل رسول الله الذين حرمت عليهم الصدقات؟ # قال: آل علي وآل جعفر وآل عباس وآل عقيل (2)، وهذا التفسير قريب من ~~الأول. # واستدل من قال بالتفسير الثالث، بقوله تعالى: * (إلا آل لوط إنا لمنجوهم ~~أجمعين) * (3) أجمع المفسرون على أن المراد بآله، من آمن به وتبعه في دينه ~~(4). # وإذا ظهر ما قيل في تفسير الآل، فالمعاني كلها مجتمعة فيهم عليهم السلام، ~~فهم أهل بيته وتحرم عليهم الزكاة، وهم داينون بدينه ومتبعون منهاجه وسبيله، ~~فإطلاق اسم الآل عليهم حقيقة فيهم بالاتفاق. # PageV00P024 # وأما اللفظة الثانية: وهي أهل البيت، فقد قيل هم من ناسبه إلى جده ~~الأدنى، وقيل: من اجتمع معه في رحم، وقيل: من اتصل به بنسب أو بسبب، وهذه ~~المعاني كلها موجودة فيهم عليهم السلام، فإنهم يرجعون بنسبهم إلى جده عبد ~~المطلب، ويجتمعون معه في رحم، ويتصلون به بنسبهم وسببهم، فهم أهل بيته ~~حقيقة. # فالآل وأهل البيت سواء اتحد معناهما على ما شرح أولا واختلف على ما ذكر ~~ثانيا، فحقيقتهما ثابتة لهم (عليهم السلام). # وقد روى مسلم في صحيحه، بسنده عن يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا وحصين بن ~~سبره وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما ms006 جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت ~~يا زيد خيرا كثيرا رأيت رسول الله (ص)، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت ~~خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله (ص). # قال: يا ابن أخي لقد كبر سني وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول ~~الله (ص) فما أحدثكم فاقبلوه وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله ~~(ص) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ~~ووعظ وذكر، ثم قال: (أما بعد أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ~~ربي فأجيب وأنا تارك فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ~~فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به - فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال - وأهل ~~بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. # فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته؟ # قال: لا، أهل بيته من حرمت الصدقة بعده (1). وقد تقدم القول في ذلك. # PageV00P025 # وأما اللفظة الثالثة: وهي العترة (فقد قيل العترة وهي العشيرة) (1) (2)، ~~وقيل: # العترة هم الذرية (3)، وقد وجد الأمران فيهم (عليهم السلام) فإنهم عترته ~~وذريته، وأما العشيرة فالأهل الأدنون (4) وهم كذلك. # وأما الذرية: فإن أولاد بنت الرجل ذريته، ويدل عليه قوله تعالى عن ~~إبراهيم (عليه السلام) * (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ~~وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين) * (5). # فجعل الله سبحانه وتعالى هؤلاء المذكورين (عليهم السلام) من ذرية إبراهيم ~~(عليه السلام) ومن جملتهم عيسى (عليه السلام) ولم يتصل بإبراهيم إلا من جهة ~~أمه مريم. # وقد نقل أن الشعبي كان يميل إلى آل رسول الله (ص) فكان لا يذكرهم إلا ~~ويقول هم أبناء رسول الله (ص) وذريته، فنقل ذلك إلى الحجاج بن يوسف # PageV00P026 # وتكرر ذلك وكثر نقله عنه إليه فاغضبه ذلك منه ونقمه عليه، فاستدعاه ~~الحجاج يوما إلى مجلسه وقد اجتمع لديه أعيان المصرين الكوفة والبصرة ~~وعلماؤهما وقراؤهما فلما ms007 دخل الشعبي عليه سلم، فلم يبشر به ولا وافاه حقه ~~من الرد عليه. # فلما جلس قال له: يا شعبي ما أمر يبلغني عنك يشهد عليك بجهلك. # قال: ما هو يا أمير؟ # قال: ألم تعلم إن أبناء الرجل من ينسبون إليه وإن الأنساب لا تكون إلا ~~بالآباء، فما بالك تقول عن أبناء علي أنهم أبناء رسول الله وذريته هل لهم ~~اتصال برسول الله (ص) إلا بأمهم فاطمة؟ والنسب لا يكون بالبنات وإنما يكون ~~بالأبناء. # فأطرق الشعبي ساعة حتى بالغ الحجاج في الانكار عليه وقرع انكاره مسامع ~~الحاضرين، والشعبي ساكت، فلما رأى الحجاج سكوته، أطمعه ذلك في زيادة ~~تعنيفه. # فرفع الشعبي صوته وقال: يا أمير ما أراك إلا متكلما كلام من يجهل كتاب ~~الله تعالى وسنة رسوله ومن يعرض عنهما. فازداد الحجاج غيطا منه وقال: لمثلي ~~تقول هذا يا ويلك. # قال الشعبي: نعم، هؤلاء قراء المصرين حملة الكتاب العزيز، وكل منهم يعلم ~~ما أقول: أليس قد قال الله تعالى حين خاطب عباده بأجمعهم بقوله تعالى: # * (يا بني آدم) * وقال: * (يا بني إسرائيل) * وقال عن إبراهيم: * (ومن ~~ذريته) * إلى أن قال: * (ويحيى وعيسى) * أفترى يا حجاج اتصال عيسى بآدم ~~وبإسرائيل الله وبإبراهيم خليل الله بأي آبائه كان أو بأي أجداد أبيه هل ~~كان إلا بأمه مريم؟ # وقد صح النقل عن رسول الله (ص) أنه قال للحسن: (إن ابني هذا سيد). ~~PageV00P027 # فلما سمع الحجاج ذلك منه أطرق خجلا ثم عاد يلطف الشعبي، واشتد حياؤه من ~~الحاضرين (1). # وإذا وضح ذلك العترة الطاهرة هم ذريته (ص) وأبناؤه وعشيرته فقد اجتمعت ~~فيهم المعاني بأسرها. # وأما اللفظة الرابعة وهي ذوو القربى، فمستنده إلى ما رواه الإمام أبو ~~الحسن علي بن أحمد الواحدي (رض) في تفسيره يرفعه بسنده إلى ابن عباس (رض) ~~قال: لما نزل قوله تعالى: * (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) ~~* (2) قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله تعالى بمودتهم؟ # قال: (علي وفاطمة وأبناؤها) (3) وسيأتي تمام ذلك مستقصى إن شاء الله ~~تعالى ms008 فيما بعد، فهذا تمام الكلام في القسم الأول المختص بالألفاظ ~~المذكورة. # القسم الثاني: في ذكر المعاني التي ذكر اختصاصهم بها. # وهي الإمامة الثابتة لكل واحد منهم، وكون عددهم منحصرا في اثني عشر ~~إماما، أما ثبوت الإمامة لكل واحد منهم فإنه حصل ذلك لكل واحد بمن قبله، ~~فحصلت للحسن النقي (عليه السلام) من أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~وحصلت بعده لأخيه الحسين الزكي (عليه السلام) منه، وحصلت بعد الحسين لابنه ~~زين العابدين (عليه السلام) منه، # PageV00P028 # وحصلت بعد زين العابدين لولده محمد الباقر (عليه السلام) منه، وحصلت بعد ~~الباقر لولده جعفر الصادق (عليه السلام) منه، وحصلت بعد الصادق لولده موسى ~~الكاظم (عليه السلام) منه، وحصلت بعد الكاظم لولده علي الرضا (عليه السلام) ~~منه، وحصلت بعد الرضا لولده محمد القانع (عليه السلام) منه، وحصلت بعد ~~القانع لولده علي المتوكل (عليه السلام) منه، وحصلت بعد المتوكل لولده ~~الحسن الخالص (عليه السلام) منه، وحصلت بعد الخالص لولده محمد الحجة المهدي ~~(عليه السلام) منه. # وأما ثبوتها لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فمستقصى على ~~أكمل الوجوه في كتب الأصول، فلا حاجة إلى بسط القول فيه في هذا الكتاب. # وأما كون عدد الأئمة منحصرا في هذا العدد المخصوص، وهو إثنا عشر فقد قال ~~العلماء فيه، فمنهم من طول فأكثر فأفرط إفراط المليم، ومنهم من قلل فقصر ~~ففرط فنزل عن السنن المستقيم، وكل واحد من ذوي الإفراط والتفريط قد اعتلق ~~بطرف ذميم، والهداية إلى سلوك الطريقة الوسطى جنة ولا يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم، وها أنا أذكر في ذلك ما أعتقده من أحسن نتائج الفطن، وأعده من محاسن ~~الأفكار الجارية، لاستخراج جواهر الخواطر في منن السنن والأقدار، وإن كانت ~~فاطمة كبيرة من الفطن عن إدراك الحكم في السر والعلن، فإنها والدة لقرائح ~~أهل التوفيق والتأييد، من نتائجها كل حسين وحسن وتلخيص ذلك بوجوه: # الوجه الأول: إن الإيمان والإسلام بنيا على أصلين: # الأول: لا إله إلا الله. # والثاني: محمد رسول الله، وكل واحد من هذين ms009 الأصلين مركب من اثني عشر ~~حرفا، والإمامة فرع عن الإيمان المتأصل والإسلام المتقرر، فيكون عدد الأئمة ~~القائمين بها اثني عشر كعدد كل واحد من الأصلين المذكورين. # الوجه الثاني: إن الله سبحانه وتعالى أنزل في كتابه العزيز قوله تعالى: ~~PageV00P029 # * (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا) * (1) ~~فجعل عدة القائمين بهذه الفضيلة والتقدمة والنقبة التي هي النقابة مختصة ~~بهذا العدد، فيكون عدة القائمين بفضيلة الإمامة والتقدمة بها مختصة، ولهذا ~~لما بايع رسول الله (ص) الأنصار ليلة العقبة قال لهم: " اخرجوا إلي منكم ~~اثني عشر نقيبا كنقباء بني إسرائيل " (2) ففعلوا فصار ذلك طريقا متبعا ~~وعددا مطلوبا. # الوجه الثالث: قال الله سبحانه وتعالى: * (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما) * (3) فجعل الأسباط الهداة ~~إلى الحق في بني إسرائيل اثني عشر، فتكون الأئمة الهداة في الإسلام اثني ~~عشر. # الوجه الرابع: إن مصالح معاش العالم لما كانت في حصولها مفتقرة إلى ~~الزمان لاستحالة انتظام مصالح الأعمال، وادخالها في الوجود الدنيوي بغير ~~الزمان، وكان الزمان عبارة عن الليل والنهار، وكل واحد منهما حال الاعتدال ~~مركب من اثني عشر جزء تسمى ساعات، فكانت مصالح العالم مفتقرة إلى ما هو ~~بهذا العدد وكانت مصالح الأمة مفتقرة إلى الأئمة وإرشادها، فجعل عددهم كعدد ~~أجزاء الليل وأجزاء النهار للافتقار إليه كما تقدم. # الوجه الخامس: وهو وجه صباحته واضحة، وأنواره لائحة، وتقريره أن # PageV00P030 # نور الإمامة يهدي القلوب والعقول إلى سلوك طريق الحق، ويوضح لهما المقاصد ~~في سلوك سبل النجاة، كما يهدي نور الشمس والقمر أبصار الخلائق إلى سلوك ~~الطريق، ويوضح لهم المناهج السهلة ليسلكوها، والمسالك الوعرة ليتجنبوها، ~~فهما نوران هاديان أحدهما يهدي البصائر وهو نور الإمامة، والآخر يهدي ~~الأبصار وهو نور الشمس والقمر، ولكل واحد من هذين النورين مجال يتناقلها، ~~فمجال ذلك النور الهادي للأبصار البروج الاثنا عشر، التي أولها الحمل وآخره ~~المنتهى إليه الحوت، فينقل من واحد إلى آخر، فيكون مجال النور الثاني ~~الهادي للبصائر وهو نور الإمامة منحصرا أيضا في ms010 اثني عشر. # تنبيه: قد ورد في الحديث: (إن الأرض بما عليها محمولة على الحوت) (1) وفي ~~هذا إشارة لطيفة، وحكمة شريفة، وهو أن مجال ذلك النور لما كان آخرها الحوت، ~~والحوت حامل لأثقال هذا الوجود، ومقر العالم في الدنيا، فآخر مجال هذا ~~النور وهو نور الإمامة أيضا حامل أثقال مصالح أديانهم وهو المهدي، وسيبين ~~ذلك عند نزول عيسى (عليه السلام) لقتل الدجال، ويظهر على ما نطق به الحديث ~~النبوي، وسيأتي بسط ذلك وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى. # الوجه السادس: وهو من جميع الوجوه أولاها مساقا، وأحلاها مذاقا، وأجلاها ~~إشراقا، وأعلاها في ذرى الحكم طباقا، وتقريره: أن النبي (ص) لما قال: # (الأئمة من قريش) (2) ذكر ذلك حاصرا به كون الأئمة من قريش، فلا يجوز أن ~~تكون الإمامة في غير قرشي، (وإن كان عربيا ومتى عقدت الإمامة لغير قرشي) ~~(3) # PageV00P031 # وإن كان عربيا فإنها لا تنعقد إجماعا، فقد صار هذا الوصف وهو كون محل ~~الإمامة من قريش في درجة الاعتبار نازلا منزلة التعليل بالعلة المنصوص ~~عليها، وكون الإنسان قرشيا صفة شرف يتقدم صاحبها على غيره، وقد أومى رسول ~~الله (ص) إلى ذلك بقوله: (قدموا قريشا ولا تقدموها) (1). # وإذا وضح ذلك فالذي عليه محققو علماء النسب، أن كل من ولده النضر بن ~~كنانة فهو قرشي (فمرد كل قرشي) (2) إلى النضر بن كنانة، فالنضر هو دوحة ~~يتفرع صفة الشرف عليها، وينبعث منها وترجع إليها، وهذه القبيلة الشريفة كمل ~~شرفها وعظم قدرها واشتهر ذكرها، واستحقت التقدم على بقية القبائل وسائر ~~البطون من العرب وغيرها، برسول الله (ص) فنسب قريش انحدر من النضر إلى رسول ~~الله (ص) (وشرف قريش ارتقى لها من رسول الله (ص)) (3) فرسول الله في الشرف ~~بمنزلة مركز الدائرة بالنسبة إلى محيطها فمنه يرقى الشرف، فإذا فرضت الشرف ~~خطا متصاعدا متراقيا متصلا إلى المحيط، مركبا من نقط هي آباؤه أبا فأبا، ~~وجدته (ص) محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، ~~بن كلاب، بن مرة، بن كعب، ms011 بن لؤي، بن غالب، بن فهر، ابن مالك، بن النضر، ~~فالمركز الذي انبعث منه الشرف متصاعدا هو رسول الله (ص) ووجدت المحيط الذي ~~تنتهي إليه الصفة الشريفة القرشية هو النضر بن كنانة، فالخط المتصاعد الذي ~~بين المركز وبين المنتهى المحيط أجزاؤه اثنا عشر جزءا، فإذا كانت درجات ~~الشرف المعدودة متصاعدا اثنتي عشرة، فيلزم # PageV00P032 # أن تكون درجات الشرف متنازلة عن المركز اثنتي عشرة لاستحالة أن يكون ~~الخطان الخارجان من المركز إلى المحيط متفاوتين، فالنبي صلوات الله عليه ~~وسلامه منبع الشرف الذي هو محل الإمامة متنازلا، فيلزم أن يكون الأئمة اثني ~~عشر، فكما أن الخط المتصاعد اثنا عشر فالخط المتنازل اثنا عشر، وهم علي، ~~والحسن، والحسين، وعلي، ومحمد، وجعفر، وموسى، وعلي، ومحمد، وعلي، والحسن، ~~ومحمد، صلوات الله عليهم أجمعين فأول من ثبتت له الصفة بأنه قرشي مالك بن ~~النضر، ولا يتعداه صاعدا وهو الثاني عشر، فكذلك منتهى من ثبتت له الإمامة ~~ولا يتعداه نازلا واستقرت فيه ولا إمام بعد محمد بن الحسن المهدي (عليه ~~السلام) وهو الثاني عشر، فانظر بعين الاعتبار إلى أدوار الأقدار، كيف جرت ~~بإظهار هذه الأسرار في حجب الأستار، بأنوار مشكاة الأفكار، وفي هذا المقدار ~~غنية وبلاغ لذوي الإستبصار. # ولما قضى القلم وطره من مقصوده، واستنفذ فيما رقمه في المقدمة غاية ~~مجهوده، رفع رأسه عن مصافحة طرسه بسجوده، وخلع عنه من لباس نقشه سود بروده، ~~وبعد أن تمم هذه المقدمة بختامها وختمها بتمامها وأحكم أقسام أحكامها ~~وأحكام أقسامها، لم ير الأطناب باستطلاع زيادة في فوائد قلائد نظامها، ولا ~~الإسهاب بايناع ثمر غير ثمرها المستخرجة من أكمامها، فعطف أعطافه وصرف ~~نطافه، وعكف سعيه وطوافه، ووقف من تبعه ومصطافه، على رقم المقاصد الآتية ~~المأتية من أبوابها، ونظم فوائد القلائد السنية في سلك سحابها، وأبرز صفات ~~السجايا الشريفة في أرجاء جلبابها، وإحراز قصبات الأجر بتأليفها، لنجاة ~~النفس يوم مآلها ومآبها، يوم * (ترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها) ~~* (1)، وهذا الآن أوان أن أطلق عنان القلم بجريانه في ميدان البيان، وأرهق ms012 # PageV00P033 # لسان تبيانه بتنضيد جواهره الحسان، المزرية بقلائد العقيان، وافتتح أبواب ~~الكتاب الموصلة من نظر فيها إلى تفصيل صفات الأئمة الأعيان، المحصلة ~~لمقتفيها تنويل قواعد عقائد الإيمان، وقد جعلت أمام الأبواب فاتحة لابد من ~~تلاوتها قبل الاستفتاح، ونزلتها منزلة زجاجة المصباح عند الاستصباح، فمن ~~أصاخ لها بسمع قلبه سمعته حيعلة الفلاح، ومن أشاح عنها بوجهه دعته إلى ~~هاوية مساوئ الاجتراح، وهي هذه: # إعلم أيدك الله بروح منه أن الأئمة الأطهار المعدودة مزاياهم في هذا ~~المؤلف، والهداة الأبرار المقصودة سجاياهم بهذا المصنف، لهم برسول الله (ص) ~~زيادة على اتصالهم به بالنسب الشريف اتصالهم به بواسطة فاطمة (عليها ~~السلام) فبواسطتها زادهم الله تعالى فضل شرف، وشرف فضل، ونيل قدر وقدر نيل، ~~ومحل علو، وعلو محل، وأصل تطهير وتطهير أصل، إنها (عليها السلام) قد خصت ~~بفضل سجايا منصوص عليها بانفرادها، وفضلت بخصائص مزايا صرح اللفظ النبوي ~~بايرادها، وميزت بصفات شرف تتنافس الأنفس النفيسة في آحادها، وألبست شرف ~~صفات غادرت نفائس ملابس الشرف دون إيرادها، ثم شاركت في مناقب اخر وردت ~~مشتركة بينها وبين أولادها، دخلت في عداد من خصهم الله تعالى من القرآن ~~الكريم بإنزال آيات يلزم فرض اعتقادها، فها أنا الآن أشرح هذا الإجمال ~~بتفصيل ما انفردت به وما شاركت فيه وأبين أقسام ذلك تبيينا أوفر عليه حقه ~~من الإيضاح وأوفيه. # فأما ما حصل به الخصوص من النصوص الصحيح سندها، الواضح جددها، فمنه: ما ~~رواه الترمذي وأخرجه بسنده إلى حذيفة بن اليمان، وهو المأمور بتصديقه فيما ~~يحدث به، في جملة حديث طويل يأتي ذكره مستقصى إن شاء الله تعالى قال: قال ~~رسول الله (ص): (إن هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه PageV00P034 # الليلة استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن فاطمة سيدة أهل الجنة) (1). # ومنه: ما نقله الترمذي بسنده عن ابن الزبير، عن رسول الله (ص) أنه قال: # (فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها وينصبني ما ينصبها) (2). # ومنه: ما نقله الترمذي ورفعه بسنده ورواه عن جميع بن عمير التيمي، قال: # دخلت ms013 على عمتي عائشة فقلت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله (ص)؟ # قالت: فاطمة. # قلت: ومن الرجال؟ # قالت: زوجها (3). # ومنه: ما نقله الإمام البخاري والإمام مسلم وأبو داود والترمذي، وهو ما ~~رواه المسور بن مخرمة قال: كان علي (عليه السلام) قد خطب بنت أبي جهل بن ~~هشام ليتزوج بها وعنده فاطمة (عليها السلام)، فخطب النبي (ص) الناس على ~~المنبر، فسمعته يقول في خطبته وأنا يومئذ محتلم: (إن بني هشام استأذنوني في ~~أن ينكحوا ابنتهم عليا فلا آذن لهم، لا آذن لهم، لا تجتمع بنت رسول الله ~~وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا، إن فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد ~~أغضبني) فلما سمع علي ذلك ترك # PageV00P035 # خطبتها (1). # ومنه: ما أورده البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي " رض " في صحاحهم كل ~~واحد منهم يرفعه بسنده عن عائشة قالت: ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا ~~برسول الله (ص) من فاطمة. # وقالت: كانت فاطمة إذا دخلت على رسول الله قام إليها فقبلها وأجلسها في ~~مجلسه. وقالت: كن أزواج النبي عنده لما مرض، لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت ~~فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله (ص) فلما رآها رحب بها وقال: # (مرحبا بابنتي) ثم أجلسها عن يمينه، ثم سارها فبكت بكاء شديدا، فلما رأى ~~جزعها سارها الثانية فضحكت. فقلت لها: خصك رسول الله (ص) من بين نسائه ~~بالسرائر ثم أنت تبكين؟ # فلما قام رسول الله (ص) سألتها ما قال لك رسول الله (ص)؟ قالت: (ما كنت ~~لأفشي عليه (ص) سره). # قالت: فلما توفي صلى الله عليه وآله، قلت: عزمت عليك لما لي عليك من الحق ~~لما حدثتني ما قال لك رسول الله (ص)؟ # فقالت: (أما الآن فنعم، أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبرئيل ~~(عليه السلام) كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضه الآن مرتين، ~~واني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقى الله تعالى واصبري فإنه نعم السلف ~~أنا لك. قالت: # فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي ms014 سارني الثانية فقال: يا فاطمة أما # PageV00P036 # ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟ فضحكت ضحكي ~~الذي رأيت) (1). # فثبت بهذه الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة، كون فاطمة (عليها السلام) ~~كانت أحب إلى رسول الله (ص) من غيرها، وأنها سيدة نساء أهل الجنة، وأنها ~~سيدة نساء هذه الأمة، وأنها بضعة من رسول الله (ص)، وأنه يؤذيه ما يؤذيها، ~~وفي رواية أخرى: يريبني ما يربيها، وأنه (ص) يصيبه ما يصيبها، وأن من ~~أغضبها فقد أغضبه، وهذه من أعظم المناقب وأعلاها، وأقوم المذاهب إلى ذروة ~~الشرف وأسماها، ونفوس المتفاخرين تود لو تحلت بواحدة منها وتتمناها. # وأما المشترك بينها (وبين بنيها) (2) من مزايا الأوصاف، ودخولها فيمن ~~شمله رداء الشرف المحوز الأطراف، وجللهم سربال العلا المشرف الأكناف، ~~وأدخلهم نص الكتاب العزيز والقرآن الكريم في آية المباهلة بغير اختلاف، ~~وجعلهم أهل العبا وسماهم ذوي القربى وإنها لمنقبة معولة الحلب محفلة ~~الأحلاف، وإيضاح ذلك وشرحه: # أما آية المباهلة: فقد نقل الرواة الثقات والنقلة الاثبات، أن سبب نزول ~~آية المباهلة هي قوله تعالى: * (قل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ~~ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) * (3) إنه ~~قدم وفد # PageV00P037 # نجران على رسول الله (ص) ومعهم راهبان مقدمان يقال لأحدهما العاقب والآخر ~~السيد، فدعاهم رسول الله (ص) إلى الإسلام. # فقال الراهبان: قد أسلمنا قبلك. # فقال: (كذبتما إنه يمنعكما من الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب، وأكلكم ~~الخنزير، وقولكم لله ولد). # قالا: هل رأيت ولدا بغير أب، فمن أبو عيسى؟ فأنزل الله تعالى: * (إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا ~~تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جائك من العلم فقل تعالوا) * ~~الآية. # فلما نزلت هذه الآية مصرحة بالمباهلة، دعا رسول الله (ص) وفد نجران إلى ~~المباهلة، وتلا عليهم الآية قالوا له: حتى ننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا. # فلما خلا بعضهم ببعض، قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم وصاحب مشورتهم -: # ما ترى من ms015 الرأي؟ # فقال لهم: والله لقد عرفتم يا معاشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد ~~جاءكم بالفصل فوالله ما لاعن قوم قط نبيا إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا الإقامة ~~على دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا. # فلما أصبحوا جاؤوا إلى رسول الله فخرج إليهم محتضن الحسين آخذا بيد الحسن ~~وفاطمة خلفه وعلي خلفهما ويقول: (اللهم هؤلاء أهلي) قال الشعبي: # قوله تعالى: * (أبناؤنا) * الحسن والحسين (عليهما السلام) * (ونسائنا) * ~~فاطمة * (وأنفسنا) * علي فقال لهم رسول الله (ص): (إذا أنا دعوت فأمنوا) ~~فلما رأى وفد نجران PageV00P038 # ذلك، وسمعوا قوله قال لهم كبيرهم: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو ~~سألوا الله تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا ~~يبقى منكم على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فاقبلوا الجزية. فقبلوها ~~وانصرفوا. # فقال رسول الله (ص): (والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران، ~~ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل ~~الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتى ~~هلكوا) (1). # فانظر بنور بصيرتك أمدك الله بهدايتها، إلى مدلول هذه الآية وترتيب مراتب ~~عبارتها، وكيفية إشارتها على علو مقام فاطمة (عليها السلام) في منازل الشرف ~~وسمو درجتها، وقد بين ذلك (عليه السلام) وجعلها بينه وبين علي تنبيها على ~~سر الآية وحكمتها، فإن الله عز وجل جعلها مكتنفة من بين يديها ومن خلفها ~~ليظهر بذلك الاعتناء بمكانتها، وحيث كان المراد من قوله تعالى * (وأنفسنا) ~~* نفس علي (عليه السلام) مع النبي (ص) جعلها بينهما، إذ الحراسة بالإحاطة ~~بالأنفس أبلغ منها بالأبناء في دلالتها. # وأما جعلهم أهل العبا فقد روى أئمة النقل والرواية فيما أسندوه، واستفاض ~~عند ذوي العلم والدراية فيما أوردوه، ما صرح به الإمام الواحدي في كتابه ~~المسمى بأسباب النزول، يرفعه بسنده إلى أم سلمة زوج النبي (ص) ذكرت: أن ~~رسول الله (ص) كان في بيتها فأتته فاطمة (عليها السلام) ببرمة فيها حريرة ~~فدخلت بها عليه فقال لها: (إدع لي زوجك وابنيك) قالت: فجاء علي ms016 والحسن ~~والحسين فدخلوا # PageV00P039 # فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة، وهو (ص) على دكان وتحته كساء خيبري قالت: ~~وأنا في الحجرة أصلي فأنزل الله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (1). # قالت: وأخذ فضل الكساء فغشاهم به، ثم أخرج يديه فألوى بهما إلى السماء، ~~ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا). # قالت: فأدخلت رأسي البيت وقلت: أنا معكم يا رسول الله؟ # قال لي: (إنك إلى خير، إنك إلى خير). (2) ونقل الترمذي في صحيحه: إن رسول ~~الله (ص) كان من وقت نزول هذه الآية إلى قريب من ستة أشهر إذا خرج إلى ~~الصلاة يمر بباب فاطمة، يقول: (الصلاة أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). (3) وصرح الأستاذ: إن رسول الله (ص) ~~خرج وعليه مرط مرحل أسود فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جاءت ~~فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم # PageV00P040 # تطهيرا) * (1) فهؤلاء أهل بيته المرتقون بتطهيرهم إلى ذروة الكمال، ~~المستحقون لتوقيرهم مراتب الاعظام والإجلال، الموفقون لتأييدهم لانتهاج ~~مناهج الاستقامة والاعتدال، المستبقون لتسديدهم إلى مدارج معارج الفضائل ~~والأفضال: # هم العروة الوثقى لمعتصم بها * مناقبهم جاءت بوحي وإنزال مناقب في الشورى ~~وسورة هل أتى * وفي سورة الأحزاب يعرفها التالي وهم أهل بيت المصطفى ~~فودادهم * على الناس مفروض بحكم وأسجال فضائلهم تعلو طريقة منتهى * رواة ~~علوا فيها بشد وترحال (2) فهذه الأدلة من خصوص النصوص وصحاحها، ووجوهها في ~~دلائلها من مصابيح صباحها، قد أرضعت فاطمة (عليها السلام) درة الفضيلة ~~والشرف بصراحها، وصدعت ألفاظها الفصيحة ومعانيها البليغة في حقها بكمال ~~امتداحها، فلهذا صار لهم (عليهم السلام) بواسطة فاطمة (عليها السلام) مزيد ~~فضل ذي النهج إلى الشرف الواضح، وفضل مزيد ذو ميزان في اعتبار الفخار ~~الراجح، وظهر بها أن فاطمة (عليها السلام) من أهل العبا الذين مدائحهم من ~~المنائح، ومنائحهم من المدائح، والاستفتاح بهم إلى الله تعالى من أفتح ~~المناجح، وأنجح المفاتح، فمن ms017 حاذر انتقال أعماله القبائح وآثر أقبال # PageV00P041 # توفيقه الجامح، فليكثر الابتهال تحت جلبات (1) ليله الجانح وإسبال دمعه ~~السافح، ومقال لسانه النائح يا رب بالخمسة أهل العبا * ذوي الهدى والعمل ~~الصالح ومن هم سفن نجاة ومن * واليهم ذو متجر رابح ومن لهم مقعد صدق إذا * ~~قام الورى في الموقف الفاضح لا تخزني واغفر ذنوبي عسى * أسلم من حر اللظى ~~اللافح فإنني أرجو بحبي لهم * تجاوزا عن ذنبي الفادح فهم لمن والاهم جنة * ~~تنجيه من طائرة البارح وقد توسلت بهم راجيا * نجح سؤال المذنب الطالح لعله ~~يحظى بتوفيقه * فيهتدي بالمنهج الواضح (2) فيا من هو مؤمن خاشع وموقن طائع، ~~الحظ هذه المزايا التي فجر فخرها طالع وفخر فجرها ساطع، (وعرف عرفها ذائع ~~شائع) (3) وأمر أمرها صادع، وأمر آمرها واسع، والمنزلة التي دليل تحقيقها ~~واضح، وبرهان تصديقها قاطع. # وأما كونهم ذوي القربى: فقد صرح نقل الأخبار المقبولة، وأوضح حملة الآثار ~~المنقولة، في مسانيد ما صححوه، وأساليب ما أوضحوه، عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس (رضي الله عنه) لما أنزل قوله تعالى: * (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا ~~المودة # PageV00P042 # في القربى) * (1) قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ # قال (ص): (علي وفاطمة وابناهما). # ومن جملة من نقل ذلك الإمامان الثعلبي والواحدي (رض) (2)، وكل واحد منهما ~~رفعه بسنده، وكذا روى الثعلبي أن رسول الله نظر إلى علي وفاطمة والحسن ~~والحسين (عليهم السلام) فقال: (أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم) (3). # زيادة تبيين إعلم أن أرباب المودة المسؤولة في الآية هم ذوو القربى، فكل ~~من اتصف بالقربى كان من مستحق المودة المنصوص عليها، فإن الحكم المرتب على ~~سبب يثبت في كل محل يكون ذلك السبب موجودا فيه، وهؤلاء المذكورون عليهم ~~سلام الله وإن اشتركوا في ثبوت المودة لهم لاشتراكهم في سببها المقتضي لها ~~لكن درجات ذلك متفاوتة، فكل من كان أقرب إلى رسول الله (ص) كان السبب في ~~حقه أقوى، وقد انعقد إجماع العلماء على أن درجة الولادة راجحة على غيرها من ~~درجات الباقين، ms018 حتى صرحوا في تصانيفهم العلمية وتواليفهم الحكمية، بأن ~~الرجل لو وقف على أقرب الناس إلى زيد أو أوصى لأقرب الناس إلى زيد، وليس له ~~أب تقدم في الوقف والوصية أولاده على جميع أقاربه وإن كان له أب فهل يقدم # PageV00P043 # الأولاد على الأب أو يستوي معهم؟ فيه خلاف مشهور (1). # وفي هذا كشف وبيان بأن فاطمة (عليه السلام) أعلى رتبة في مادة المودة ~~ورتبة القربى، وإذا ظهر بما تقرر من الأساليب المستصوبة، والشآبيب ~~المستعذبة، ما لفاطمة (عليها السلام) من المزايا المهذبة وما حصل بواسطتها ~~للأئمة سلام الله عليهم من زيادة المنقبة وعلو المرتبة، فلابد من الوفاء ~~لها في أحوالها المرتبة، بمثل ما ألتزمه للأئمة (عليهم السلام) في الأبواب ~~الآتية المبوبة، من كيفيات أحوالهم المتقلبة، وأوقات ولادتهم المنجبة، ~~وأيام وفاتهم المندبة. # فأقول قد تقدم القول إن فاطمة (عليها السلام) كانت أحب إلى رسول الله (ص) ~~فإنها كانت آخر أولاده من خديجة (رض) (فإن جميع أولاد رسول الله (ص) كانوا ~~من خديجة (رض)) (2) إلا إبراهيم فإنه كان من مارية القبطية، وكان (ص) قد ~~تزوج بخديجة وعمره خمس وعشرون سنة وكان عمرها يومئذ أربعين سنة وأقامت معه ~~أربعة وعشرين سنة وشهورا، ولم ينكح امرأة حتى ماتت، وتوفيت بعد أبي طالب ~~بثلاثة أيام، وولدت له أولا القاسم وبه كان يكنى، ثم ولدت له الطاهر، ثم ~~الطيب، وولدت له من البنات رقية، وزينب، وفاطمة وكان أكبر بنيه القاسم، ~~وأكبر بناته رقية، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة (عليها السلام) (3). # فكانت (عليها السلام) أصغر بناته والإنسان بطبعه البشرى وإشفاقه الذاتي ~~يميل إلى # PageV00P044 # أصغر أولاده ما لا يميل إلى الأكبر، لا سيما وقد مات جميع أولاده سواها ~~في حال حياته ولم يبق له غيرها من أولاده الذكور والإناث، وكان مولد فاطمة ~~له (ص) ورضي الله عنها وقريش تبني الكعبة قبل النبوة بخمس سنين (1) وتزوجها ~~علي (عليه السلام) في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة (2)، وبنى لها ~~في ذي الحجة وقيل سوى ذلك، وهذا أرجح. # ولما تزوجها بعث ms019 النبي (ص) معها بخميلة، ووسادة من أدم حشوها ليف، ورحاء ~~اليد، وسقا، وجرتين. # وقال لها علي (عليه السلام) ذات ليلة: (والله لقد سنوت - أي استقيت الماء ~~- حتى اشتكيت صدري وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه). # فقالت: (وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي) فأتت النبي (ص) فقال: # (ما جاء بك يا بنية؟). # قالت: (جئت لأسلم عليك) واستحيت أن تسأله، ورجعت. # فقال: (ما فعلت؟). # قالت: (استحييت). # فأتياه جميعا، فقال علي (عليه السلام): (يا رسول الله والله لقد سنوت حتى ~~اشتكيت صدري). # وقالت فاطمة (عليه السلام): (لقد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله عز ~~وجل بسبي فأخدمنا). # PageV00P045 # فقال (ص): (والله لا أعطيكما وادع أهل الصفة تطوى بطونهم ولا أجد ما أنفق ~~عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم). فرجعا فأتاهما النبي (ص) وقد ~~دخلا في قطيفتهما، إذا غطيا رؤوسهما تكشفت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما ~~تكشفت رؤوسهما فثارا. # فقال (ص): (مكانكما). # ثم قال لهما: (ألا أخبركما بخير مما سألتماني). # قالا: (بلى). # قال (ص): (كلمات علمنيهن جبرائيل، تسبحان في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدان ~~عشرا، وتكبران عشرا، فإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ~~ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين). # قال علي (عليه السلام): (فوالله ما تركتهن مذ علمنيهن رسول الله (ص)). # فقال له ابن الكوا: ولا ليلة صفين؟ # فقال (عليه السلام): [قاتلكم الله يا أهل العراق نعم] (1) ولا ليلة صفين) ~~(2). # فولدت فاطمة (عليها السلام) لعلي (عليه السلام) الحسن، والحسين، ومحسنا، ~~وزينب، ورقية، وأم كلثوم، فأما الحسن والحسين (عليهما السلام) فسيأتي تفصيل ~~أمرهما فيما بعد، وأما محسن فدرج سقطا، وأما زينب فتزوج بها عبد الله بن ~~جعفر، فولدت # PageV00P046 # له عبد الله وعونا وماتت عنده، وأما أم كلثوم فتزوج بها عمر بن الخطاب ~~(1) فولدت له ولدين، فلما قتل عمر تزوج بها بعده عون بن جعفر فلم تلد له، ~~فلما مات تزوجها بعده محمد بن جعفر فولدت له، فلما مات تزوجها بعده عبد ~~الله بن جعفر بعد موت زينب فلم تلد له وماتت عنده، وأما ms020 رقية فقيل ماتت ولم ~~تبلغ. # ولما زوج رسول الله (ص) فاطمة من علي (عليه السلام) كان عمرها يومئذ ~~ثماني عشرة سنة، وبنى بها على ما سبق في السنة الثانية من الهجرة، وكان من ~~بركة هذا التزويج والتزوج وآثاره، أن جعله الله سببا لتحريم الخمر ومطهرا ~~منها ومنزها من استعمالها وحارسا للعقل الذي هو أشرف ما وهبه الله للإنسان ~~وجعله مناط التكاليف المتوجه نحوه عن اختلاله وزواله وإلحاق الشارب لها عند ~~خلل عقله بذي الجنون في تخبطه وخباله. # وإيضاح ذلك ما رواه الناقلون ونقله الراوون أن عليا (عليه السلام) قال: ~~لما تزوجت فاطمة (عليها السلام) وأردت الدخول بها أنه كان لي شارف من الغنم ~~- والشارف هي المسنة من الإبل - قال: ودفع إلي رسول الله (ص) شارفا من ~~الخمس، فواعدت صواغا من بني قينقاع يخرج معي فجاء بأذخر لأبيعه من الصواغين ~~فأستعين بثمنه على الدخول بفاطمة (عليها السلام) وعرسها، قال: فعقلت شارفي ~~عند حائط لرجل من الأنصار ومضيت لأجمع الحبال والغرائد والأقتاب، فجئت وقد ~~بقر بطن شارفي وشقت بطونهما واجتثت أسنمتها، قال: فلم أملك عيني إن بكت، ثم ~~قلت: من فعل هذا بشارفي، قالوا: عمك حمزة وها هو ذا في البيت مع شرب غنتهم ~~قينة فقال: # PageV00P047 # ألا يا حمز ذا الشرف النواء * وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات ~~منها * فضرجهن حمزة بالدماء وعجل في شرايجها كبابا * ملهوجة على جمر الصلاء ~~وأصلح من أطايبها طبيخا * لشربك من قديد أو شواء فأنت أبو عمارة والمرجى * ~~لكشف الضر عنا والبلاء فقام إلى شارفيك ففعل بهما ما فعل. # قال علي (عليه السلام) فجئت إلى رسول الله (ص) وهو في بيت أم سلمة ومعه ~~زيد مولاه فقال: (ما لك فداك أبي وأمي يا علي). # فقلت: (إن عمك حمزة فعل بشارفي كذا وكذا) وأخبرته الخبر. فقام رسول الله ~~(ص) ولبس نعليه ورداءه ومشى بين أيدينا واتبعته أنا وزيد، فسلم واستأذن ~~ودخل البيت فقال: (يا حمزة ما حملك على أن فعلت ما فعلت بشارفي ابن أخيك) ~~فرفع رأسه ms021 وجعل ينظر إلى صدر رسول الله (ص) وإلى ساقيه ويصوب النظر إليه ثم ~~قال: ألستم وآباؤكم عبيدا لأبي؟ # فرجع رسول الله (ص) القهقرى فقال: (إن عمك قد ثمل وهما لك علي) فغرمهما ~~النبي (ص) فلما أصبح غدا حمزة إلى رسول الله يعتذر فقال له: (مه يا عم، فقد ~~سألت الله تعالى فعفا عنك) (1). # PageV00P048 # فكان ذلك سبب حراسته العقل الشريف من زواله بشرب الخمر فحرمت لذلك. فاصغ ~~بسمعك لنفعك إلى متلو هذا النبأ العظيم، وانظر ببصيرة قلبك إلى مجلو حكمة ~~حكمه العميم، وتدبر بثاقب فكرك في ما لأجله خصت الخمرة بالتنجيس والتحريم، ~~فإنه لما كان العقل مناط معرفة المصالح والمفاسد، وبه تعلم أقدار مراتب ~~المراشد، وهو على الحقيقة معيار اعتبار الأعمال والمقاصد، وحكم عدل يميز ~~بين صفاء المصادر وإكدار الموارد، وصدر من حمزة في حق علي ما لو أن عقله ~~معه ما أتاه، بل لكان سارع إلى ما اتصل إليه يدا مكانه فمنحه إياه وأتاه، ~~ولكن ما نزح أو حجب عنه عقله قبح لذلك فعله ووضح بما أقدم عليه جهله، فحرم ~~الله سبحانه الخمر وحكم بنجاستها، وأمر رسول الله (ص) كل من كانت عنده ~~بإراقتها، وأوجب الحد على من شربها ترهيبا من مقاربتها، وترغيبا في ~~مجانبتها، لتسلم العقول عن أن يتطرق إليها خلل الزوال، وتحرس على أربابها ~~فلا يشينها زلل الاختلال، ولا يخفى أن في حفظ العقول عليهم منة تقلد أجياد ~~العباد قلائد شكرها، ونعمة يعظم عند ذوي الدراية والمعرفة مقدار قدرها، ~~وهذا الحكم المشتمل على هذه الحكمة مضاف إلى سببه، معدود من مزايا مثيرة ~~ومناقبه شاهد PageV00P049 # بعلو مكانه، من وجد الآجلة عند الله عز وجل وعنايته به فلرعاية التعريس ~~بفاطمة (عليها السلام) أنفذ الله تعالى أقداره، وأنزل ذلك الحكم وأوجب ~~إظهاره، ورفع على أمد الأبد مناره وشرع بغير قيد شعاره، وبسط في أقطار ~~البسيطة آثاره، وقد ورد في اللفظ النبوي صلوات الله على مصدره (الصيد لمن ~~أثاره) فهذه النعمة بحفظ العقول وحراستها عن أفولها، لولا فاطمة لما نضد ~~عقد حصولها، ms022 وكفى بها منقبة يشهد باجتماع الشرف لها من فروعها وأصولها. # ثم لما دخل علي بها في ذي الحجة، من السنة الثانية من الهجرة على ما ~~تقدم، ولدت له في السنة الثالثة من الهجرة الحسن (عليه السلام) وسيأتي ~~تفصيل ذلك في بابه إن شاء الله تعالى، وولدت بعده الحسين (عليه السلام) ~~وبينهما مدة الحمل، وكانت من أكمل النساء عقلا ودينا، وقد وصفها رسول الله ~~به بالاتفاق، وأثبت لها صفة الكمال على الإطلاق، فقال فيما أسندته نقله ~~الصحاح، وروته من ألفاظه الفصاح، يرفعه كل واحد من البخاري ومسلم والترمذي ~~بسنده في صحيحه عنه (ص): # (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة ~~فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد) (1) فأفاض عليها حلة الكمال ~~وناهيك بها خلة من أشرف الخلال. # تنبيه وإيقاظ: إعلم أن رسول الله (ص) قد حكم بصفة الكمال لكل واحدة من ~~هؤلاء الأربع مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة فكل واحدة منهن كاملة في ذاتها، ~~وقد إختصت فاطمة دونهن بحصول أسباب تقتضي علو درجتها في صفتها # PageV00P050 # على رفقتها لم تحصل لواحدة منهن، فتكون باعتبار تلك الزيادة أكمل منهن. # وبيان ذلك: إن صفة الكمال ثابتة لكل واحد من أصليها رسول الله (ص) وخديجة ~~(رض). # أما كمال رسول الله (ص) فإليه المنتهى، وهو الغاية القصوى، وأما خديجة ~~فقد ثبت كمالها بالحديث المذكور، والولد جزء من الأبوين فيضاف إلى كمال ~~فاطمة لذاتها زيادة من كمال أبيها وكمال أمها فتكون أكمل النساء على ~~الإطلاق، وفي ذلك دلالة شافية وتبصرة كافية. # وكانت وفاتها بعد رسول الله (ص) بشهيرات قيل: ستة (1) وقيل: ثلاثة (2) ~~وقيل: شهرين (3) والأول أصح، فإنها توفت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر ~~رمضان سنة إحدى عشرة (4) وهي بنت ثمان وعشرين وأشهر، وغسلها أمير المؤمنين ~~علي (عليه السلام) وصلى عليها، وقيل: صلى عليها العباس (5) ودفنت في البقيع ~~ليلا. # PageV00P051 # إيقاظ وفائدة: نقل عن بعض الشيعة أنه قال: إن فاطمة (عليها السلام) كان ~~عمرها يوم وفاتها ثماني عشرة سنة، وهذا وهم منه، ms023 فإن النقل الصحيح الذي لا ~~خلل فيه أنها ولدت وقريش تبني الكعبة، وهكذا نقله أرباب السير والتاريخ، ~~وفي هذا حجة بالغة على أن عمرها كان ثمان وعشرين سنة، فإن رسول الله (ص) ~~كان عمره لما بنت قريش الكعبة خمسا وثلاثين سنة، قبل النبوة بخمس سنين ~~وكانت قريش في بنيان الكعبة قد اقتسموها أرباعا كل ربع منها لطائفة من ~~قريش، فلما بلغوا من البناء حد الركن، اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود مكانه ~~من الركن، فكل طائفة طلبت ذلك، فلما امتد اختلافهم اتفقوا على أن أول داخل ~~عليهم من باب الحرم يحكموه، فدخل النبي (ص) فقالوا: هذا محمد - وكانوا ~~يسمونه الأمين - رضينا به، فلما حكموه قال: (هلموا ثوبا) فأحضروا ثوبا ~~فبسطه ووضع الحجر فيه، ثم قال: (لتأخذ كل طائفة بربع الثوب) فرفعوه جميعا، ~~فاشتركت الطوائف من قريش كلها في رفعه، فلما وصلوا إلى موضعه من الركن، ~~تناوله النبي (ص) بيده ووضعه مكانه ثم قال: (تمموا البناء) (1) هذه صورة ~~بناء قريش الكعبة وتحكيم النبي (ص) في ذلك وعمره خمس وثلاثون سنة، فإذا ~~كانت فاطمة (عليها السلام) قد ولدت له في ذلك العام ومات (ص) وعمره ثلاث ~~وستون سنة، وماتت بعده بشهيرات فيكون عمرها ثمان وعشرين سنة، فظهر لك أن ~~الذي ذكروه وهم وأن الصحيح هو هذا الذي عليه الجمهور (2). # PageV00P052 # إستبصار لذوي الأبصار: # لما كانت فاطمة (عليها السلام) قد اكتنفتها صفة الشرف لذاتها، وأحاطت بها ~~الفضيلة من جميع جهاتها، من أصلها وفرعها وما بينهما، فأصلها رسول الله ~~محمد (ص) وخديجة، وفرعها الإمامان السيدان الحسن والحسين (عليهما السلام)، ~~وما بينهما علي وفاطمة (عليهما السلام) فلم تكتسب من غيرهم شرفا، ولا اتخذت ~~من سواهم مألفا، وامتزجت بهم أمشاجا أولا وآخرا حتى لا تجد عنه منصرفا، ~~فاقتضت الحكمة الإلهية الواضحة المنهاج، الصادقة في دلالة امتزاج الأمشاج، ~~الصادعة لصحة الاستشهاد عند الإحتجاج، أن كانت مدة سني بقائها في الدنيا ~~بعدة مادة أسماء من اكتنفها، وأنها لما استوفت ذلك العدد نقلها الله تعالى ~~إلى جواره وأزلفها. # وكشف ذلك وإيضاحه: ms024 إن أصلها محمد (ص) وحروفه أربعة وخديجة وحروفها خمسة ~~فتلك تسعة، وفرعها الحسن وحروفه خمسة والحسين وحروفه ستة فتلك أحد عشر، وما ~~بين الأصل والفرع علي وفاطمة (عليهما السلام) وحروفهما ثمانية، فالجملة ~~ثمانية وعشرون، فكان عمرها في الدنيا بقدرها ثمان وعشرين سنة، ووراء هذا ~~الاستبصار زيادة اعتبار فإنها لما كانت ولادتها قبل النبوة بخمس سنين، كانت ~~مقابلة بحروف أمها خديجة وهو أول الأمر، ولما كان من انتقالها عن مكة مسقط ~~رأسها إلى المدينة دار الهجرة إلى وقت وفاتها إحدى عشرة سنة، كان مقابلا ~~بحروف فرعها الحسن والحسن (عليهما السلام) وهو آخر الأمر، ولما كانت من وقت ~~النبوة وبعثة أبيها (ص) إلى وقت الهجرة إلى المدينة ما بينهما اثنتا عشرة ~~سنة، كان PageV00P054 # مقابلا بحروف محمد وعلي وفاطمة فانظر إلى هذا الاعتبار، والحظه بعين ~~الاستبصار، ففيه نور يهدي أرباب الألباب وذوي الأفكار، ويقتدي به من يؤمن ~~أن الأقدار قد تمنح بعض القلوب شيئا من مشكاة الأنوار، حيث بلغ القلم مراده ~~من مقاصده الواضحة، في قواعد المقدمة والفاتحة، أردف ذلك بإثبات الأبواب ~~الشارحة، والفصول المشتملة على تلك المزايا الشريفة والسجايا الصالحة، وهي ~~إثنا عشر بابا لكل إمام باب يخصه، فالأول لعلي المرتضى، الثاني للحسن ~~النقي، الثالث للحسين الزكي، الرابع لعلي بن الحسين، الخامس لمحمد الباقر، ~~السادس لجعفر الصادق، السابع لموسى الكاظم، الثامن لعلي الرضا، التاسع ~~لمحمد القانع، العاشر لعلي المتوكل، الحادي عشر للحسن الخالص، الثاني عشر ~~لمحمد الحجة المهدي، عليهم سلام الله أجمعين. PageV00P055 # الباب الأول: # في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) PageV00P056 # وهو مشتمل على اثني عشر فصلا: # الأول: في ولادته. # الثاني: في نسبه (1). # الثالث: في اسمه وكنيته ولقبه. # الرابع: في صفته. # الخامس: في محبة الله تعالى ورسوله له ومواخاة رسول الله (ص) إياه. # السادس: في علمه وفضله. # السابع: في عبادته وزهده وورعه. # الثامن: في شجاعته وجهاده ومواقفه. # التاسع: في كراماته. # العاشر: في فصاحته وجمل من كلامه. # الحادي عشر: في أولاده. # الثاني عشر: في مبلغ عمره ووفاته ومقتله. # في ولادته وما ms025 يتعلق بها... # PageV00P057 # الفصل الأول في ولادته وما يتعلق بها: # ولد (عليه السلام) في ليلة الأحد الثالث والعشرين من شهر رجب (1) سنة تسع ~~مائة وعشر من التاريخ الفارسي المضاف إلى الإسكندر، وكان ملك الفرس يومئذ ~~مستمرا وكان ملكهم ابرويز بن هرمز، فقيل: ولد بالكعبة البيت الحرام (2)، ~~وكان مولده بعد أن تزوج رسول الله (ص) بخديجة (رض) بثلاث سنين، وكان عمر ~~رسول الله (ص) يوم ولادته ثمان وعشرين سنة. فلما نشأ وكبر أصاب أهل مكة جدب ~~شديد وقحط مؤلم، أجحف بذوي الثروة وأضر إلى الغاية بذوي العيال، فقال رسول ~~الله (ص) لعمه العباس وكان من أيسر بني هاشم: (يا عم إن أخاك أبا طالب كثير ~~العيال وقد أصاب الناس ما ترى فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله، آخذ من ~~بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا، فنكفهما عنه). # قال العباس: نعم. # PageV00P058 # فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ~~ينكشف عن الناس ما هم فيه. # فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا وطالبا، فاصنعا ما شئتما. فأخذ ~~رسول الله (ص) عليا فضمه إليه (1)، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل ~~علي مع رسول الله (ص) حتى بعثه الله عز وجل نبيا فاتبعه وآمن به وصدقه (2). # وبعث رسول الله (ص) يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء (3). # ولما انزل الوحي على رسول الله (ص) وشرفه الله سبحانه وتعالى بالنبوة كان ~~علي (عليه السلام) يومئذ لم يبلغ الحلم، وكان عمره إذ ذاك في السنة الثالثة ~~عشرة، وقيل: # PageV00P059 # أقل من ذلك (1)، وقيل: أكثر منه (2)، وأكثر الأقوال وأشهرها أنه (3) لم ~~يكن بالغا (4)، فإنه أول من أسلم وآمن برسول الله (ص) من الذكور، وقد ذكر ~~(عليه السلام) ذلك وأشار إليه في أبيات قالها بعد ذلك بمدة مديدة نقلها عنه ~~الثقات، ورواها النقلة الأثبات (5): # PageV00P060 # محمد النبي أخي وصنوي (1) * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يضحي ويمسي ~~* يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وعرسي * منوط لحمها بدمي ولحمي ~~وسبطا أحمد ولداي (2) منها * فأيكم ms026 له سهم كسهمي سبقتكم إلى الإسلام طرا * ~~غلاما ما بلغت أوان حلمي (3) وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير ~~خم (4) # PageV00P061 # فويل ثم ويل ثم ويل * لمن يلقى الإله غدا بظلم (1) ونقل عن جابر بن عبد ~~الله قال: سمعت عليا (عليه السلام) ينشد ورسول الله (ص) يسمع (2): # أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي * معه ربيت وسبطاه هما ولدي (3) جدي وجد ~~رسول الله منفرد (4) * وفاطم زوجي لا قول ذي فند (5) # PageV00P062 # صدقته وجميع الناس في بهم * من الضلالة والإشراك (1) والنكد (2) قال: ~~فتبسم رسول الله (ص) وقال: (صدقت يا علي) (3). # ورباه النبي (ص) وأزلفه وهداه إلى مكارم الأخلاق وثقفه، وكان رسول الله ~~(ص) إذا أراد الصلاة خرج إلى شعاب مكة مستخفيا وأخرج عليا معه فيصليان ما ~~شاء الله، فإذا قضيا صلواتهما وأمسيا رجعا إلى مكة إلى مكانهما فمكثا كذلك ~~يصليان على استخفاء من أبي طالب وسائر عمومتهما وقومهما، ثم إن أبا طالب ~~عبر عليهما [يوما] (4) وهما يصليان فقال لرسول الله (ص): يا بن أخي ما هذا ~~[الدين] (2) الذي أراك أن تدين [به] (3)؟ # PageV00P063 # فقال: (يا عم هذا دين الله تعالى ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا ~~إبراهيم، بعثني الله به رسولا إلى العباد، وأنت يا عم أحق من بذلت له ~~النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه). # وقال له علي: (يا أبت قد آمنت برسول الله، واتبعته وصليت معه لله). # فقال له: يا بني أما أنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه (1) ونقل عن يحيى بن ~~عفيف (2) قال: حدثني أبي قال: كنت جالسا مع العباس ابن عبد المطلب بمكة، ~~قبل أن يظهر أمر رسول الله (ص)، فجاء شاب فنظر إلى السماء حين تخلقت الشمس، ~~ثم استقبل الكعبة فقام يصلي، فجاء غلام فقام عن يمينه، ثم جاءت امرأة فقامت ~~خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والامرأة، ثم رفع فرفعا ثم سجد فسجدا، ~~فقلت: يا عباس أمر عظيم [فقال العباس: أمر عظيم]؟ (3) # PageV00P064 # [فقال:] (1) أتعرف من هذا الشاب؟ [فقلت: لا. فقال: هذا] (8) محمد بن ms027 عبد ~~الله ابن عبد المطلب ابن أخي [وقال:] (9) أتدري من هذا الغلام؟ [فقلت: لا. # فقال:] (2) علي بن أبي طالب ابن أخي، أتدري من المرأة؟ [قلت: لا. قال:] ~~(2) هذه خديجة بنت خويلد. إن ابن أخي هذا حدثني أن ربه رب السماوات والأرض ~~أمره بهذا الذي هو عليه ولا والله ما ظهر على (3) الأرض اليوم على هذا ~~الدين غير هؤلاء (4). فهذا تلخيص أمر ولادته وما تبعها. # في نسبه من الطرفين... # PageV00P065 # الفصل الثاني في نسبه من الطرفين (1): # أما من جهة الأب فهو: علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد ~~المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف الهاشمي القرشي، يجتمع هو ورسول الله (ص) في ~~جدهما (هو) (2) عبد المطلب، وكان عبد الله والد رسول الله (ص) وأبو طالب ~~والد علي (عليه السلام) أخوين لأب وأم، كانت أمهما فاطمة بنت عمرو بن عايذ ~~المخزومي القرشي، فهذا نسبه من جهة الأب (3). # وأما من جهة الام: فأمه فاطمة بنت أسد، بن هاشم، بن عبد مناف، تجتمع هي ~~وأبو طالب في هاشم بن عبد مناف، وأسلمت وهاجرت، وكانت هي أم جعفر، وعقيل، ~~وطالب، اخوة علي (عليه السلام) وكان هؤلاء اخوته لأبويه (رض) (4). # PageV00P066 # في اسمه ولقبه وكنيته... PageV00P067 # الفصل الثالث في اسمه ولقبه وكنيته: # أما اسمه: فيسمى حيدره، فسماه النبي (ص) عليا. # وأما لقبه: فالمرتضى، وأمير المؤمنين، والوصي. # وأما كنيته: فأبو الحسن، وأبو تراب، كناه بذلك رسول الله (ص) وكان (عليه ~~السلام) يحب كنيته بأبي تراب، ويفرح إذا دعي بها، وإيضاح سبب ذلك ما أخرجه ~~الإمامان البخاري ومسلم، في صحيحيهما، عن سهل بن سعد الساعدي (رضي الله ~~عنه) قال: # إنه جاءه رجل يوما فقال له: إن فلانا أمير المدينة يذكر عليا عند المنبر. # قال: فيقول ماذا؟ # قال: يقول: أبو تراب؟ فضحك سهل وقال: والله ما سماه به إلا رسول الله (ص) ~~وما كان له اسم أحب إليه منه. فسأل الرجل عن ذلك. فقال: إن رسول الله (ص) ~~[جاء بيت] (1) فاطمة فلم يجد عليا في البيت. # فقال: (أين ms028 ابن عمك؟). # فقالت: (كان بيني وبينه شئ فغاضبني فخرج فلم يقل عندي). # فقال رسول الله (ص) لانسان: (انظر أين هو). # فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد. # فجاءه رسول الله (ص) وهو مضطجع قد سقط رداءه عن شقه (من # PageV00P068 # القيلولة) (1) فأصابه تراب، فجعل رسول الله (ص) يمسحه عنه ويقول: (قم أبا ~~تراب). فصارت أحب كناه إليه (2) في صفته (عليه السلام)... # PageV00P069 # الفصل الرابع في صفته: # كان (عليه السلام) أدم شديد الأدمة، ظاهر السمرة، عظيم العينين، أقرب إلى ~~القصر من الطول، لم يجاوز حد الاعتدال في ذلك، ذا بطن، كثير الشعر، عريض ~~اللحية، أصلع، أبيض الرأس واللحية، لم يصفه أحد من العلماء بالخضاب غير ~~سودة بن حنظلة، فإنه قال: رأيت عليا أصفر اللحية (1)، ولم ينقله غيره ويشبه ~~أن يكون مجمل كلامه أنه قد خضب مرة ثم تركه، وقد انتشر بين المخبرين، ~~واشتهر لأعين المستبصرين، وظهر في زبر الأثرين، وصدر على السنة الآخرين، أن ~~من صفاته التي تخصص بإضافة نسبها إليه، ونعوته التي تقمص بإضافة لباسها ~~عليه الأنزع البطين (2)، حتى صارت عليه علما للناظرين وقدرها الله عز وعلا ~~من صفايا # PageV00P070 # صفاته (عليه السلام) وهو خير القادرين وقد قذف بحر المحاضرة في أصداف ~~الأسماع من لآليها المنظومة مما استخرجته أيدي القرائح من منائح أقسامها ~~الموهوبة ومواهبها المقسومة ما لفت ليت كل قلب إلى التتام غررها المجلوة ~~واستجلاء وجوهها المكثومة من نظم القائل في البحر الكامل: # من كان قد عرفته مدية دهره * ومرت له أخلاف (1) سم منقع فليعتصم بعرى ~~الدعاء ويبتهل * بإمامة الهادي البطين الأنزع نزعت عن الآثام طرا نفسه * ~~ورعا فمن كالأنزع المتورع وحوى العلوم عن النبي وراثة * فهو البطين بكل علم ~~مودع وهو الوسيلة في النجاة إذ الورى * رجفت قلوبهم لهول المجمع (2) فهذا ~~تلخيص ما ورد في صفته، وزبدة ما قيل في حليته، ومما يستفتح أبواب المسامع، ~~من واردات طلائع البدائع، في معنى صفات البطين الأنزع ما هو ألذ عند ~~السامع، من حصول الغنى للبائس القانع، ووصول الأمن إلى قلب الخائف الخاشع، ms029 ~~وهو إنه (عليه السلام) لما اشتمل عليه رسول الله (ص) بتربيته إياه، ~~ومتابعته في هداه، فكان بأوامره ونواهيه يروح ويغتدي، وبشعاره يتجلبب ~~ويرتدي، وباستبصاره في اتباعه يلتم ويهتدي، وعلى الجملة: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي (3) (4). # PageV00P071 # خصه الله عز وعلا من أنوار النبوة المنتشرة في الآفاق بنفس زكية مستنيرة ~~الإشراق، قابلة (1) بصفاتها لانطباع صور مكارم الأخلاق، مطهرة لضيائها (2) ~~من اقتراب كدر الكفر وشقاق النفاق، فنزعت لطهارتها عن ظلمات الشرك، وفتكات ~~الإفك، فكان (عليه السلام) أول ذكر آمن برسول الله (ص) معه بغير شك، ونزعت ~~نفسه إلى تكسير الأصنام والتماثيل، وتطهير المسجد الحرام من الأوثان ~~والأباطيل، وتغيير أساليب الشك والأضاليل، حتى روى الإمام أحمد بن حنبل في ~~مسنده بسنده يرفعه إليه (عليه السلام) (3) قال: (انطلقت أنا والنبي (ص) حتى ~~أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله (ص): (إجلس) فجلست وصعد على منكبي فذهبت ~~لأنهض به فرأى في ضعف الصبي فنزل وجلس إلي نبي الله (ص) فقال: (إصعد على ~~منكبي) فصعدت على منكبيه فنهض بي، فلقد خيل إلي (4) أني لو شئت لنلت أفق ~~السماء، # PageV00P072 # حتى صعدت على البيت وعليه تمثال من صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه ~~وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه حتى استمكنت منه فقال لي رسول الله (ص) ~~(اقذف به). فقذفته فتكسر كما تتكسر القوارير ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول ~~الله (ص) نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس) (1). # ونزعت نفسه عن ارتكاب السيئات فاجتهد في اجتنابها، ونزعت إلى اجتناب ~~الشهوات فجد في قطع أسبابها، ونزعت إلى اكتساب الطاعات فسعى في اقترابها ~~واقتناء ثوابها، ونزعت إلى احتقاب الحسنات فارتدى بجلبابها وانتدى سوى ~~محرابها، فلهذا لما رجحت نفسه الزكية بكثرة ما نزعت عنه من المجتنب، ونزعت ~~إليه من المقترب، اغتدى أحق بصفة الأنزعية وأجرى بها، فباعتبار هذه الألفاظ ~~المستتلاة للمعاني (المستملاة) (2) والمباني المستعلاة والمجاني (المثاني ~~في المستجلاة صارت) (3) له (عليه السلام) لفظة الأنزع من المدائح # PageV00P073 # المستجناة (1) (والمثاني المستجلاة) (2) ولما اكتنفت (3) العناية ms030 ~~الإلهية، وأحاطت الألطاف الربانية، وأحدقت الرأفة الملكوتية، برسول الله ~~(ص) فجعلت قلبه مشكاة لأنوار النبوة والرسالة، وأنزل الله عليه الكتاب ~~والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم، وعلي يومئذ مشمول ببركات تربيته، محصول له ~~ثمرات حنوه عليه، فشفقته لمع من تلك الأنوار بارقها، وطلع من آفاق مشكاتها ~~شارقها، فاستنار قلب علي بتلك الأنوار، وزكى بتلك الأثمار. وصفا من شوائب ~~الأكدار، واستعد لقبول ما يفيض عليه من أسرار العلوم وعلوم الأسرار، ويحل ~~(4) فيه من مقدار الحكم وحكم الأقدار، فتحلى بمنن (5) الايمان وتزين بعوارف ~~المعرفة، واتصف بمحكم الحكمة، وأدرك أنواع العلم فصارت الحكم من ألفاظه ~~ملتقطة، وشوارد العلوم الظاهرة والباطنة به انسه وعيونها من (6) قلبه ~~منفجرة، ولم يزل بملازمة # PageV00P074 # رسول الله (ص) يزيده الله تعالى علما حتى قال رسول الله (ص) فيما نقله ~~الترمذي في صحيحه بسنده عنه: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) (1) فكان من ~~غزارة علمه يذلل (2) جوامح القضايا ويوضح مشكلات الوقائع ويسهل مستصعب ~~الأحكام، فكل علم كان له فيه أثر (وكل حكمة كان له) (3) عليها استظهار، ~~وسيأتي تفصيل هذا التأصيل في الفصل السادس المعقود لبيان علمه وفضله إن شاء ~~الله تعالى وحيث اتضح ما أتاه الله تعالى من أنواع العلم وأقسام الحكمة ~~فباعتبار ذلك وصف (4) بلفظة البطين فإنها لفظة يوصف بها من هو عظيم البطن ~~متصف بامتلائه. # ولما كان (عليه السلام) قد امتلأ علما وحكمة وتضلع من أنواع العلوم ~~وأقسام الحكمة # PageV00P075 # ما صار غذاء له مملوء به، وصف باعتبار ذلك بكونه بطينا من العلم والحكمة، ~~كمن تضلع من الأغذية الجسمانية ما عظم به بطنه فصار باعتباره بطينا، فأطلقت ~~هذه اللفظة نظرا إلى ذلك هذا هو المعنى الذي أهدته هداة الرواة إلى ألسنة ~~الأقلام، ووراءه معنى اطلعت زهرة بروح هداية الإلهام، وأينعت زهره مروج (1) ~~دراية الافهام، يطرب سامعيه ويعجب من يعيه، ولا غرو أن أطرب وأعجب بليغ ~~المعاني وفصيح الكلام، وتقريب تقريره وتهذيب تحريره (2)، أن لفظة بطين هي ~~لفظة فعيل ولفظة فعيل معدولة، فتارة تكون معدولة عن فاعل كشهيد وعليم عن ~~شاهد ms031 وعالم، وتارة عن مفعول كقتيل وجريح عن مقتول ومجروح، وتارة عن مفاعل ~~كخصيم ونديم عن مخاصم ومنادم، وتارة عن مفعل كبديع وعجيب عن مبدع ومعجب، ~~وإذا كان من مجال ما تكون معدولة عنه وأقسامه مفعل فتكون لفظة بطين ههنا ~~معدولة عن مبطن، وقد انتشرت الأخبار في الأقطار وظهرت الآثار في الأمصار، ~~أن عليا (عليه السلام) كان قد حصل على علم كثير ومعرفة وافرة ودراية وافية، ~~أظهر بعضا لشمول (معرفته) (3) مصلحة وعموم منفعته، وأبطن بعضا إلى حين حضور ~~حملته، وكان مما أظهره في بعض القضايا ما حقن به دما قد انعقد بسبب إراقته، ~~وما أنقذ به خلقا جما من الحيرة لأشكال واقعته، حتى حصل له (عليه السلام) ~~الاعتراف بعلمه ومعرفته. # فإنه أحضر إلى عمر بن الخطاب وهو حينئذ أمير المؤمنين، امرأة زانية وهي # PageV00P076 # حامل فأمر برجمها وإقامة حد الزنا عليها. # فقال له علي (عليه السلام): (إنه لا سبيل لك على ما في بطنها). # فردها (عمر (رضي الله عنه) وقال) (1) بمحضر من الصحابة: لولا علي لهلك ~~عمر (2). # ولما ولي علي (عليه السلام) إمرة المؤمنين رفعت إليه واقعة حارت عقول ~~علماء وقتها في حكمها، وحارت أفهامهم عن إدراكها وفهمها، ففوقت يد معرفته ~~لكشف أشكالها صبائب سهمها (3) فانجلت بنور علمه وتأييد حكمه ظلمة اشتباهها ~~وغمه غمها، فإنه تزوج رجل بامرأة لها فرج النساء وفرج الرجال - وهي التي ~~يسميها العلماء الخنثى - وكان للرجل جارية مملوكة له فجعل تلك الجارية ~~صداقا للمرأة التي تزوجها، فدخل بها ووطئها فحبلت منه وولدت له ولدا، وإنها ~~وطئت بفرج الرجال تلك الجارية التي أخذتها صداقا فحبلت الجارية من وطئها ~~فولدت ولدا فصارت المرأة التي هي خنثى اما للولد الذي ولدته من زوجها، وأبا ~~للولد الذي ولدته جاريتها من وطئها، فاشتهرت قضيتها ورفعت إلى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) # PageV00P077 # فحضروا لديه وشرحت له حقيقة القضية، وإن المرأة التي خنثى تحيض وتمنى ~~وتوطأ وتطأ وقد حبلت وأحبلت، وصار الناس متحيري الافهام في (ذلك وفي) (1) ~~إصابة صوابها، مضطربي الأفكار في كيفية جوابها، منتظرين من ms032 علوم أمير ~~المؤمنين ما يعلمون به من حكم فصلها وفصل خطابها، فاستدعى (عليه السلام) ~~غلاميه برقا وقنبرا وأمرهما أن يعتبرا أضلاع الخنثى اعتبارا لا يعترضه شك ~~ولا يبقى معه ريب، ويعداها من الجانبين، فإن كانت الأضلاع (متساوية يتبين) ~~(2) في الجانب الأيمن والأيسر فهي امرأة، وإن كانت متفاوتة (3) والأيسر ~~أنقص من الأيمن بضلع فهو رجل، فأدخلا الخنثى إلى مكان كما أمر أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) فلما أماطا عن أضلاعه لباسها وجرداها وأحاطا علما ~~باعتبارها وعداها، وجدا أضلاع الجانب الأيسر تنقص عن الجانب الأيمن بضلع ~~واحد، فشهدا بذلك عنده على الصورة التي شاهداها، فحكم (عليه السلام) بكون ~~الخنثى رجلا وفرق بينهما وقضى ببطلان ذلك العقد (4). # PageV00P078 # وهذا القضاء الذي قضاه والحكم الذي أمضاه، والتأييد الذي أيده الله تعالى ~~به فهداه إنما يعذب جناه، ويطرب معناه إذ كشف خفي سره ورفع عن وجهه سبل ~~سره. وأنا الآن أكشفه وأوضحه وأصفه وأشرحه. # فأقول: لما خلق الله تعالى آدم (عليه السلام) وحيدا أراد لإحسانه إليه ~~ولخفي حكمه فيه أن يجعل له زوجا من جنسه ويسكن كل واحد منهما إلى صاحبه. ~~فلما نام آدم خلق الله تعالى من ضلعه القصير من جانبه الأيسر حواء، فانتبه ~~فوجدها جالسة عنده كأحسن ما يكون من الصور، فلذلك صار الرجل ناقصا من جانبه ~~الأيسر بضلع واحد والمرأة كاملة الأضلاع من الجانبين، فالأضلاع الكاملة ~~أربعة وعشرون ضلعا في كل جانب اثني عشر فالرجل لذلك نقص منها ضلع واحد ~~فأضلاعه من الجانب الأيمن اثني عشر ومن الجانب الأيسر أحد عشر (1). # وباعتبار هذه الحالة قيل للمرأة إنها ضلع أعوج، وقد صرح الحديث النبوي ~~صلوات الله على مصدره فيما أسنده الأئمة الثقات والمسانيد الصحاح أنه قال: # (إن المرأة خلقت من ضلع أعوج لم تستقم لك على طريق فإن استمتعت بها ~~استمتعت بها وبها عوج وإن [ذهبت] (2) تقيمها كسرتها) (3) ولقد أحسن بعض # PageV00P079 # الأدباء فنظم في ذلك فقال: # هي الضلع العوجاء لست تقيمها * ألا إن تقويم الضلوع انكسارها أتجمع ضعفا ~~واقتدارا على الفتى * أليس عجيبا ضعفها واقتدارها ms033 (1) فانظر إلى كيفية ~~استخراج أمير المؤمنين (عليه السلام) بنور علمه وثابت فهمه وكمال إدراكه ~~وتأييد معرفته وصائب فكرته، ما أوضح (2) به سنن السداد وسبيل الرشاد وأظهر ~~ترجيح جانب الذكورة على الأنوثة من مادة الإيجاد وتتبع ما جعله الله تعالى ~~للأضلاع من صفتي (3) النقص والكمال في الأعداد، وكم مثل هذه من قضايا وارية ~~الرشاد (4) جارية الجواد سارية العهاد، لو رام القلم حصر تعدادها لحصر ~~لسانه عن التعداد، كل منها يشهد له (عليه السلام) عند الاستشهاد بغزارة ~~علمه المستفاد من # PageV00P080 # الطارف والتلاد (1) ويسجل له بذلك بين العباد يوم قيام الأشهاد، وسيأتي ~~إن شاء الله تعالى لهذه النبذة في الفصل السابع زيادة تمام وتتمة ازدياد، ~~فهذا بعض آثار ما أظهره من علمه وأبداه من معرفته. # وأما ما أبطنه منه فلم يبده لفظه مفصلا لتنقله الألسنة، ولا نقله لسانه ~~عن قلبه لتستودعه الأسماع، بل صرح بوجوده وأعرب عن تحققه. # فقال في بعض كلامه المروي عنه (عليه السلام): (إن بين جنبي علما جما لا ~~أجد له حملة) (2). # وقال في جملة كلمات مبسوطة: (بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم ~~اضطراب الأرشية في الطوى البعيد) (3)، فعلم بهذا التقرير أنه (عليه السلام) ~~قد أبطن علما جما، فكان باعتباره بطينا فهذا ما جرى به القدر في صفته قلمه ~~وما وصل إليه إمكان قدرته فرقمه. # كشف وتبيين # PageV00P081 # هذا العلم الجم (1) الذي لم يجد من يعينه، والعلم المكنون الذي أباحته ~~تقتضي اضطراب (2) سامعيه، ليس علما قد اكتسبه بقراءة ودراسة ولا بمباحثة ~~وتكرار، بل هو علم لدني قذف الله تعالى نوره في قلبه من مشكاة تقواه، ~~وألهمه إياه لما تحلى زهده في متاع دنياه، وقد صرح كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله (ص) بذلك، فقال عز من قائل: * (واتقوا الله ويعلمكم الله) * (3) وقال ~~رسول الله (ص): (من زهد في الدنيا علمه الله [تعالى] (4) بلا تعلم وهداه ~~بلا هداية وجعله بصيرا) (5) وهذا لفظ الحديث فيما رواه الحافظ أبو نعيم ~~بسنده في حليته وقد كان علي (عليه السلام) قد أحكم هذين الدليلين ms034 وسلك هذين ~~السبيلين. # أما حصول صفة التقوى له فقد أثبتها رسول الله (ص) بأبلغ الطرق وأعلاها ~~فإنه قال له (ص) يوما: (مرحبا بسيد المسلمين وإمام المتقين) (6) هكذا رواه # PageV00P082 # الحافظ بسنده، وإذا وصفه بكونه إمام أهل التقوى كان مقدما عليهم بزيادة ~~تقواه، فالتقوى ثابتة له بصفة الزيادة على غيره من المتقين. # وأما زهده في الدنيا فقد ذكرنا في الفصل المعقود لذلك ما فيه غنية وكفاية ~~ولا حاجة إلى إعادته هاهنا، ويلزم من حصول صفة التقوى وصفة الزهد له أن ~~يترتب عليها مقتضاهما من حصول العلم المفاض على قلبه من غير دراسة بل ~~بتعليم الله تعالى إياه واعلم بأن اعتبار كون ذلك صفة ذاتية لقلبه جعلنا ~~هذا المقدار مساقا في فضل صفته فذكرناه فيه وأوردناه خاتمة له ولم نجعله في ~~فصل علمه لهذا المعنى فافهمه. PageV00P083 # في محبة الله ورسوله له (عليه السلام)... PageV00P084 # الفصل الخامس في محبة الله تعالى له ومؤاخاة رسول الله (ص) إياه وامتزاجه ~~به وتنزيله إياه منزلة نفسه وميله إليه وإيثاره إياه: # قبل الشروع في المعاقد المقصودة والمقاصد المعقودة في هذا الفصل، لابد من ~~شرح حقيقة المحبة، وكيفية إضافتها إلى الله تعالى وإلى العبد، فإن العقل ~~إذا لم يحط بتصور ذاتها لم ينتظم قضاؤه عليها لا بنفيها ولا إثباتها، ولم ~~يستقم حكمه لها بشئ من نعومتها وصفاتها. # فأقول: المحبة حالة شريفة أخبر الله عز وجل بوجودها منه لعبده، ومن عبده ~~له فقال جل وعلا: * (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) * (1) وقال: * (إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) * (2) وقال: * (إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) * (3)، وقال: * (إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله) * (4) ونقل الرواة الثقات أن رسول الله (ص) ~~أخبر عن الله # PageV00P085 # تعالى أنه قال: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته ~~كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش [بها] (1) ورجله ~~التي يمشي بها وإن سألني أعطيته وإن استعاذني أعذته) (2). # وقال (ص): (إذا أحب الله تعالى عبدا ms035 دعا جبرئيل فقال: إني أحب فلانا ~~فأحبه. قال: فيحبه جبرئيل ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه ~~فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض) (3) وقال في البغض كذلك، فقد ~~صرح كتاب الله ورسوله (ص) بثبوت المحبة ووجودها غير أن اسم المحبة وإن كان ~~واحدا عند الإطلاق فهو يختلف بتفاوت متعلقه، فمحبة الله سبحانه وتعالى ~~لعبده تغاير محبة العبد لربه تعالى. # وإيضاح ذلك: إن حقيقة محبة الله لعبده إرادته سبحانه لإنعام مخصوص يفيضه ~~إلى ذلك العبد من تقريبه وازلافه من مجال الطهارة والقدس وقطع # PageV00P086 # شواغله (1) وتطهير باطنه (2) عن كدورات الدنيا ورفع الحجاب عن قلبه حتى ~~يشاهده كأنه يراه، فإرادته بأن (3) يخص عبده بهذه الأحوال الشريفة هي محبته ~~له فإن كانت إرادته لأن يخصه بما هو دون هذه الأحوال من الإنعام كإرادته أن ~~يثيبه ويدفع عقابه عنه فتسمى هذه الإرادة لهذا المعنى القاصر عن المقام ~~الأول رحمة فالمحبة أخص من الرحمة وكل واحد منهما إرادة الخير لكن يتفاوتان ~~بتفاوت متعلق كل واحد منهما فهذا معنى محبة الله تعالى لعبده. # وأما محبة العبد لله تعالى فهو ميله إلى نيل هذا الكمال وإرادته درك هذه ~~الفضائل. فتكون إضافة المحبة إلى الله تعالى واضافتها إلى العبد مختلفين ~~نظرا إلى الاعتبارين المذكورين. # فإذا وضح معناهما فمن خصه الله تعالى بمحبته على ما تقدم من إرادته ~~بقربه، وازلافه من مقر التقديس والتطهير وقطع شواغله عنه وتطهير قلبه من ~~كدورات الدنيا ورفع الحجاب عن قلبه، فقد أحرز قصبات السابقين وارتدى بجلباب ~~الفائزين المقربين، وهذه المحبة ثابتة لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) ~~بتصريح رسول الله (ص) فإنه صح النقل في المسانيد الصحيحة والأخبار الصريحة ~~مسندي البخاري ومسلم وغيرهما أنه (ص) قال يوم خيبر: (لأعطين الراية غدا ~~رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) فبات الناس # PageV00P087 # (يخوضون) (1) ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ~~(ص) كلهم يرجوا أن يعطاها. # فقال: (أين علي بن أبي طالب؟). # فقيل: هو يا رسول ms036 الله يشتكي عينيه. # قال: (فأرسلوا إليه). # فاتي به فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه ~~الراية. # قال علي (عليه السلام): (يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا). # قال: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الاسلام وأخبرهم بما ~~يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله تعالى [بك] (2) رجلا واحدا ~~خير لك من حمر النعم) فسار علي (عليه السلام) ففتح الله تعالى على يده (3). # PageV00P088 # وسيأتي كيفية الفتح على يده في فصل شجاعته ووقائعه مشروحا إن شاء الله ~~تعالى. # وقال (ص) يوما وقد احضر إليه طيرا ليأكله: (اللهم إئتني بأحب خلقك إليك ~~يأكل معي هذا الطير)، فجاء علي (عليه السلام) فأكل معه منه وكان أنس حاضرا ~~يسمع قول النبي (ص) قبل مجئ علي، فبعد ذلك جاء أنس إلى علي فقال: استغفر لي ~~ولك عندي بشارة ففعل فأخبره بقول النبي (ص) (1) # PageV00P089 # نكتة لطيفة وحكمة شريفة: إعلم أيدك الله بروح منه أن أخبار النبي (ص) ~~وصدق أقواله حق، فإذا أخبر عن شئ فهو محقق لا يرتاب في صحته ذوو الأيمان ~~ولا أحد من المهتدين، وكان (ص) قد اطلع بنور النبوة على أن عليا (عليه ~~السلام) ممن يحبه الله تعالى، وأراد أن يتحقق الناس ثبوت هذه المنقبة ~~السنية والصفة العلية التي هي أعلى درجات المتقين لعلي (عليه السلام) وكان ~~بين الصحابة يومئذ منهم حديثو عهد بالإسلام، ومنهم سماعون لأهل الكتاب ومن ~~فيهم شئ من نفاق، فأحب رسول الله (ص) أن يثبت ذلك لعلي (عليه السلام) في ~~نفوس الجميع فلا يتوقف فيه أحد، فقرن (ص) في خبره بثبوت هذه الصفة وهي ~~المحبة الموصوفة من الجانبين لعلي (عليه السلام) التي هي صفة معينة معنوية ~~لا تدرك بالعيان بصفة محسوسة تدرك بالأبصار أثبتها له، وهي فتح خيبر على ~~يديه فجمع في قوله (ص) في وصف علي بين المحبة والفتح بحيث يظهر لكل ناظر ~~سورة الفتح ويدرك بحاسة (1) فلا يبقى عنده توقف في ثبوت الصفة الأخرى ~~المقترنة بهذه ms037 الصفة المحسوسة فيترسخ (2) في نفوس الجميع ثبوت هذه الصفة ~~الشريفة العظيمة # PageV00P090 # لعلي (عليه السلام)، وهكذا في حديث الطير جعل إتيانه وأكله معه وهو أمر ~~محسوس مرئي مثبت عند كل أحد من علم أن عليا (عليه السلام) متصف بهذه الصفة ~~العظيمة، وزيادة الأحبية على أصل المحبة، وفي ذلك دلالة واضحة على علو ~~مكانه عليه السلام وارتقاء (1) درجته وسمو منزلته واتصافه بكون الله تعالى ~~يحبه وأنه (عليه السلام) أحب خلقه إليه، وكانت حقيقة هذه المحبة قد ظهرت ~~عليه آثارها، وانتشرت لديه أنوارها، فإنه كان قد ازدلفه الله تعالى من مقر ~~التقديس. # فإنه نقل الترمذي في صحيحه أن رسول لله (ص) دعا عليا يوم الطائف فانتجاه ~~فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه فقال رسول الله (ص) (ما انتجيته ولكن ~~الله انتجاه) (2). # PageV00P091 # ونقل عن علي (عليه السلام) أنه قال: (سلوني عن طرق السماوات فاني أعلم ~~بها من طرق الأرض) (1) وكان قد أفاض الله عليه لباس التطهير فإنه ما جرى ~~عليه قلم التكليف إلا وقد طهره الله تعالى، حتى اعتنى رسول الله (ص) ~~بتربيته وتهذيبه ثم بعد ذلك جانته ألطاف الله تعالى بدعوة رسول الله (ص) له ~~فإنه (ص) قال وقد أدخل عليا وفاطمة وولديها تحت كساء: (اللهم طهرهم تطهيرا) ~~(2) وقد تقدم ذكر الحديث، وكان قد صرف عن قلبه أقذار أكدار الدنيا وطهر ~~نفسه عنها، فإنه نقل عنه الثقات انه في مقام عبادته ومقر مناجاته قال: (يا ~~دنيا أبي تعرضت إذهبي عني فقد طلقتك ثلاثا) (3) وسيأتي تمام ذلك مستقصى إن ~~شاء الله تعالى، وكان قد قطع عنه ما يشغله عن الله تعالى ورفع الحجاب عن ~~قلبه وذهب بقلبه إلى ربه وصرف وجهه إليه حتى قال في بعض كلامه المروي: (لو ~~كشف الغطا ما ازددت يقينا) (4) وسيأتي تمام بيانه إن شاء الله تعالى. وفي ~~هذه النبذة المختصرة من # PageV00P092 # الدلالة على حصول حقيقة هذه المنقبة الشريفة له واتصافه بها غنية ومقنع ~~عن زيادة عليها. # وأما مؤاخاة رسول الله (ص) إياه وامتزاجه به وتنزيله إياه منزلة ms038 نفسه ~~وميله إليه وإيثاره إياه فهذا بيانه: # فإنه قد روى الإمام الترمذي في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم (رضي الله ~~عنه) أنه قال: لما آخى رسول الله (ص) بين أصحابه جاءه علي (عليه السلام) ~~تدمع عيناه فقال: # (يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد). قال: فسمعت رسول ~~الله (ص) يقول: (أنت أخي في الدنيا والآخرة) (1). # وروي بسنده أيضا، أن رسول الله (ص) قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (2) ~~وهذا اللفظ بمجرده رواه الترمذي ولم يزده عليه، وزاد غيره ذكر اليوم # PageV00P093 # والموضع فذكر الزمان وهو عند عود رسول الله (ص) من حجة الوداع في اليوم ~~الثامن عشر من ذي الحجة وذكر المكان وهو ما بين مكة والمدينة يسمى خما في ~~غدير هناك فسمي ذلك اليوم يوم غدير خم وقد ذكره علي (عليه السلام) في شعره ~~الذي تقدم ذكره (1) وصار ذلك اليوم عيدا وموسما لكونه كان وقتا خص رسول ~~الله (ص) عليا بهذه المنزلة العلية وشرفه بها دون الناس كلهم. # ونقل عن زاذان قال: سمعت عليا (عليه السلام) في الرحبة وهو ينشد الناس ~~(من شهد منكم رسول الله (ص) يوم غدير خم وهو يقول ما قال) فقام ثلاثة عشر ~~رجلا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله (ص) يقول: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (2) # PageV00P094 # زيادة وتقرير: # نقل الإمام أبو الحسن علي الواحدي في كتابه المسمى بأسباب النزول يرفعه ~~بسنده إلى أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: نزلت هذه الآية: * (يا أيها ~~الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك) * (1) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب ~~(2). فقوله (ص): # (من كنت مولاه فعلي مولاه) قد اشتمل على لفظة من، وهي موضوعة للعموم، ~~فاقتضى أن كل إنسان كان رسول الله (ص) مولاه كان علي (عليه السلام) مولاه. # واشتمل على لفظة المولى وهي لفظة (مستعملة) (3) بإزاء معان متعددة قد ورد ~~القرآن الكريم بها، فتارة تكون بمعنى أولى، قال الله تعالى في حق ~~المنافقين: # * (مأواكم النار هي مولاكم) * (4) معناه أولى بكم، وتارة ms039 بمعنى الناصر ~~قال الله تعالى: * (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى ~~لهم) * (5) معناه # PageV00P095 # أن الله ناصر المؤمنين وأن الكافرين لا ناصر لهم، وتارة بمعنى الوارث قال ~~الله تعالى: * (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون) * (1) معناه ~~وارثا، وتارة بمعنى العصبة قال الله تعالى: * (وإني خفت الموالي من ورائي) ~~* (2) معناه عصبتي، وتارة بمعنى الصديق والحميم قال الله تعالى: * (يوم لا ~~يغني مولى عن مولى شيئا) * (3) معناه حميم عن حميم وصديق عن صديق وقرابة عن ~~قرابة، وتارة بمعنى السيد المعتق وهو ظاهر. # وإذا كانت واردة لهذه المعاني فعلى أيها حملت، إما على كونه أولى كما ~~ذهبت إليه طائفة أو على كونه (ناصرا كما ذهب إليه قوم آخرون، أو على كونه ~~عصبة، أو على كونه وارثا، أو على كونه) (4) صديقا حميما، فيكون معنى الحديث ~~من كنت أولى به وناصره أو وارثه وعصبته أو حميمه وصديقه، فإن عليا منه ~~كذلك، وهذا صريح في تخصيصه (ص) لعلي (عليه السلام) بهذه المنقبة العلية ~~وجعله لغيره كنفسه بالنسبة إلى من دخلت عليهم كلمة من التي (هي من) (5) ~~للعموم بما # PageV00P096 # لم يجعله لغيره، وليعلم أن هذا الحديث هو من أسرار قوله تعالى في آية ~~المباهلة: * (قل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا ~~وأنفسكم) * (1) والمراد نفس علي (عليه السلام) على ما تقدم، فإن الله تعالى ~~لما قرن بين نفس رسول الله (ص) وبين نفس علي وجمعهما بضمير مضاف إلى رسول ~~الله (ص) أثبت رسول الله (ص) لنفس علي (عليه السلام) بهذا الحديث ما هو ~~ثابت لنفسه على المؤمنين عموما، فإنه (ص) أولى بالمؤمنين وناصر المؤمنين ~~وسيد المؤمنين وكل معنى أمكن إثباته مما دل عليه لفظ المولى لرسول الله (ص) ~~فقد جعله لعلي (عليه السلام) وهي مرتبة سامية ومنزلة سامقة ودرجة عليه ~~ومكانة رفيعة خصصه (ص) بها دون غيره، فلهذا صار ذلك اليوم يوم عيد وموسم ~~سرور لأوليائه. # إشارة نافعة وعبارة جامعة... # PageV00P097 # إشارة نافعة وعبارة جامعة إعلم أظهرك الله بنوره على أسرار التنزيل ومنحك ~~بلطفه ms040 تبصرة تهديك إلى سواء السبيل، أنه لما كان الناصر من محامل لفظة ~~المولى، وأن معنى الحديث الناصر (1) (من كنت ناصره فعلي ناصره) (2) فيكون ~~النبي (ص) قد وصف عليا (عليه السلام) بكونه ناصرا لكل من كان النبي (ص) ~~ناصره، فإنه ذكر ذلك بصيغة العموم وإنما أثبت النبي (ص) هذه الصفة، وهي ~~الصفة الناصرية لعلي (عليه السلام) لما أثبتها الله عز وجل لعلي (عليه ~~السلام)، فإنه نقل الإمام أبو إسحق الثعلبي يرفعه بسنده في تفسيره إلى ~~أسماء بنت عميس قالت: لما نزل قوله تعالى: * (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) * (3) سمعت رسول الله (ص) يقول: # (صالح المؤمنين علي بن أبي طالب) (4). # PageV00P098 # فلما أخبر الله فيما أنزله على رسوله (ص) أن ناصره (ص) هو الله وجبريل ~~وعلي ثبتت صفة الناصرية لعلي (عليه السلام) فأثبتها النبي (ص) اقتداءا ~~بالقرآن الكريم في إثبات هذه الصفة له ثم وصفه (ص) بما هو من لوازم ذلك ~~بصريح قوله (ص) فيما رواه الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده أن عليا (عليه ~~السلام) دخل عليه فقال: (مرحبا بسيد المسلمين وإمام المتقين) (1) فسيادة ~~المسلمين وإمامة المتقين لما كانت من صفات نفسه (ص) وقد عبر الله تعالى عن ~~نفس علي (عليه السلام) بنفسه (ص) وصفه بما هو من صفاتها فافهم ذلك. # ثم لم يزل (ص) يخصصه بعد ذلك بخصائص من صفاته نظرا إلى ما ذكرناه حتى روى ~~الحافظ أيضا في حليته بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص) لأبي ~~برزة وأنا أسمع: (يا أبا برزة إن الله عهد إلي في علي بن أبي طالب أنه راية ~~الهدى، ومنار الإيمان، وإمام أوليائي، ونور جميع من أطاعني، يا أبا برزة ~~علي ابن أبي طالب أميني غدا في القيامة، وصاحب رايتي في القيامة على مفاتيح ~~خزائن رحمة ربي وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين من أحبه أحبني ومن أبغضه ~~أبغضني فبشره بذلك) (2) فإذا وضح لك هذا المستند ظهرت حكمه تخصيصه (ص) عليا ~~(عليه السلام) بكثير من الصفات دون ms041 غيره وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. # وقد روى الأئمة الثقات البخاري ومسلم والترمذي (رض) في صحاحهم # PageV00P099 # بأسانيدهم أحاديث اتفقوا عليها وزاد بعضهم على بعض بألفاظ أخرى والجميع ~~صحيح فمنها عن سعد بن أبي وقاص قال: إن رسول الله (ص) خلف عليا (عليه ~~السلام) في غزوة تبوك على أهله فقال: (يا رسول الله تخلفني في النساء ~~والصبيان). # فقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي) ~~قال ابن المسيب: أخبرني بهذا عامر بن سعد عن أبيه فأحببت أن أشافه سعدا ~~فلقيته فقلت له: أنت سمعته من رسول الله (ص)؟ فوضع إصبعيه على اذنيه وقال: ~~نعم وإلا استكتا (1) (2) # PageV00P100 # وقال جابر بن عبد الله (رض) سمعت رسول الله (ص) يقول لعلي (عليه السلام): # (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (1). # وروى مسلم والترمذي بسنديهما أن معاوية بن أبي سفيان أمر سعد بن أبي وقاص ~~وقال: ما منعك أن تسب أبا تراب فقال أما [ما] (2) ذكرت ثلاثا قالهن له رسول ~~الله (ص) فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم سمعت رسول ~~الله (ص) يقول له وخلفه في بعض مغازيه فقال علي (عليه السلام): # (خلفتني مع النساء والصبيان)! فقال له رسول الله (ص): (أما ترضى أن تكون ~~مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). # وسمعته يقول يوم خيبر: (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه ~~الله ورسوله) فتطاولنا إليها فقال (ادعوا لي عليا) فاتي به أرمد فبصق في ~~عينيه ودفع إليه الراية ففتح الله عليه. # ولما نزلت هذه الآية: * (ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا ~~وأنفسكم) * (3) دعا رسول الله (ص) عليا (عليه السلام) وفاطمة (عليها ~~السلام) وحسنا وحسينا # PageV00P101 # فقال: (اللهم هؤلاء أهلي) (1). # ونقل الترمذي بسنده عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله (ص) جيشا ~~واستعمل عليهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فمضى في السرية فأصاب جارية ~~فأنكروا عليه وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله (ص) ms042 فقالوا: إذا لقينا رسول ~~الله (ص) أخبرناه بما صنع علي. # وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر بدؤا برسول الله (ص) فسلموا عليه ثم ~~انصرفوا إلى رحالهم، فلما قدمت السرية فسلموا على رسول الله (ص) فقام رجل ~~من الأربعة فقال: يا رسول الله ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا ~~فأعرض عنه رسول الله، ثم قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثم [قام] ~~(2) الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا، ~~فأقبل إليهم رسول الله (ص) والغضب يعرف في وجهه فقال: (ما تريدون من علي ما ~~تريدون من علي ما تريدون من علي، إن عليا مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن ~~من بعدي) (3). # PageV00P102 # ونقل بسنده عن أم سلمة زوج النبي (ص) أنه قال: (لا يحب عليا منافق ولا ~~يبغضه مؤمن) (1). # وعن أبي سعيد (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (ص) لعلي (عليه السلام): ~~(يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك) (2)، والمراد ~~استطراقه جنبا. # وعن أبي سعيد قال: كنا نعرف المنافقين نحن معاشر الأنصار ببغضهم علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام) (3). # PageV00P103 # وعن ابن عباس: أن النبي (ص) أمر بسد الأبواب إلا باب علي (1). # وروى مسلم والترمذي والنسائي بأسانيدهم عن زر بن حبيش قال: سمعت عليا ~~(عليه السلام) يقول: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة أنه لعهد النبي الأمي ~~إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق) (2). # ونقل الإمام أبو إسحق أحمد بن محمد الثعلبي (رحمه الله) في تفسيره بسنده ~~يرفعه # PageV00P104 # إلى ابن عباس (رضي الله عنه) في تفسير قوله تعالى: * (وعلى الأعراف رجال ~~يعرفون كلا بسيماهم) * (1) إنه قال: الأعراف موضع عال من الصراط، عليه ~~العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين يعرفون محبيهم ببياض ~~الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه (2). وهذه فضيلة مسفر عمود فجرها مثمر عود ~~فخرها. # وروى الترمذي بسنده عن أنس بن مالك قال: بعث النبي (ص) ببراءة مع أبي بكر ~~ثم ms043 [دعاه] (3) فقال: (لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي) فدعا ~~عليا فأعطاه إياه (4). # وعن ابن عباس قال: بعث رسول الله (ص) أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء ~~الكلمات ثم أتبعه عليا (عليه السلام) فبينا أبو بكر في بعض الطريق إذ سمع ~~رغاء ناقة رسول الله (ص) القصواء، فقام أبو بكر فزعا يظن أنه رسول الله (ص) ~~فإذا هو علي (عليه السلام) فدفع إليه كتابا من رسول الله (ص) وأمر عليا أن ~~ينادي بهؤلاء الكلمات، فإنه لا ينبغي أن يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي ثم ~~اتفقا فانطلقا فقام علي (عليه السلام) أيام التشريق ينادي: (ذمة الله ~~ورسوله بريئة من كل مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام ~~مشرك ولا يطوفن بعد اليوم عريان ولا يدخل # PageV00P105 # الجنة إلا كل نفس مؤمنة) قال: فكان علي ينادي بهذه الكلمات فإذا عي قام ~~أبو بكر ينادي بها (1). # وروي عن أم عطية قالت: بعث النبي (ص) جيشا فيهم علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) قالت: فسمعت رسول الله (ص) يقول: (اللهم لا تمتني حتى تريني علي بن ~~أبي طالب) (2). # وروي عن علي (عليه السلام) قال: (كنت إذا سألت رسول (ص) أعطاني وإذا سكت ~~ابتداني) (3). # PageV00P106 # وروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: كنت شاكيا فمر بي رسول الله (ص) وأنا ~~أقول: # اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرا فارفعني، وإن كان بلاء ~~فصبرني. # فقال رسول الله (ص): كيف قلت؟ # فأعدت مقالتي قال: فضربني برجله وقال: (اللهم عافه أو اشفه) شك الراوي ~~بأيهما قال. # قال علي (عليه السلام): (فما اشتكيت وجعي ذلك بعد) (1). # وروى النسائي بسنده عن علي (عليه السلام) أنه قال: (كانت لي منزلة من ~~رسول الله (ص) لم تكن لأحد من الخلائق آتية (بأعلى السحر) (2) فأقول السلام ~~عليك يا نبي الله فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي وإلا دخلت عليه) (3). # PageV00P107 # وعن البراء بن عازب (رضي الله عنه) أن النبي (ص) قال لعلي: (أنت مني وأنا ~~منك) ms044 (1). # وعن عمران بن حصين (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (ص): (إن عليا مني ~~وأنا منه وهو ولي كل مؤمن) (2). # وعن أبي ذر جندب بن جنادة المخصوص من رسول الله (ص) بقوله: (ما أظلت ~~الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر) (3) قال: قال رسول الله (ص): ~~(علي مني وأنا من علي ولا يؤدي [عني] (4) إلا أنا أو # PageV00P108 # علي) (1). # فهذه الأحاديث النبوية مع إختلاف ألفاظها وتعدد رواتها وحفاظها وإن كان ~~كل حديث منها عند تجريد النظر إليه وحده خبرا واحدا يفيد ظنا بمدلوله الخاص ~~به، لكنها جميعها قد اشتركت دلالتها الخاصة في مدلول عام اشتركت كلها فيه ~~ودلت عليه (2) عناية رسول الله (ص) (3) وميله إليه وإشفاقه عليه واستعانته ~~به وتخصيصه بعلو المكانة عنده والمنزلة منه، فصارت جميعها دالة على هذا ~~المعنى المشترك دلالة تكاد تلحق بالتواتر المفيد للعلم، فصارت هذه الأخبار ~~في دلالتها على ذلك نازلة في ضرب المثال، كجماعة من الناس سألوا عن شخص من ~~الأكابر فذكر واحد منهم أن ذلك الشخص كساه الملك خلعة، وذكر آخر أن الملك ~~وهبه جارية، وذكر بعضهم أن الملك أعطاه قربة، وذكر بعضهم أن الملك أسكنه ~~دار، وذكر بعضهم أن الملك أطلق له نفقة، فأخبر كل واحد منهم عن شي غير ما ~~أخبر # PageV00P109 # به الباقون، لكن اتفقت أخبارهم على معنى مشترك دلت أقوالهم (وأخبارهم) ~~(1) عليه وهو إحسان الملك إليه وعنايته به فيحصل للسامعين علم بأن هذا ~~الشخص المذكور له عند الملك منزلة عالية ومكانة خصصه بها يكاد يلحق بعلم ~~اليقين، فكذلك هذه الأحاديث النبوية المتعددة الصادرة منه (ص) في حق علي ~~(عليه السلام) في دلالتها على ما ذكرناه، فهذا تأصيل دلالة إجمالية على ما ~~شرحته آنفا، ثم إنني الآن أزيد على هذا التأصيل وأبسط القول فيه بتفصيل ~~بيان وبيان تفصيل فأقول: قد صرح بعض الأحاديث المتلوة والأخبار المجلوة ~~بثبوت الأخوة، وصرح بعضها بجعله منه بمنزلة هارون من موسى، وبعضها (بأنك ~~مني وأنا منك)، وبعضها (علي مني وأنا من علي)، فهذه الألفاظ الشريفة ms045 ~~النبوية قد دل كل واحد منها على المعنى المختص به، وأنا أوضح كيفية دلالة ~~كل واحد من تلك المعاني على الفضيلة الخالصة لعلي (عليه السلام) منه. # فأول ذلك قوله (ص): (أنت أخي) فاعلم هداك الله سنن السداد أن الأخوة معنى ~~إضافي يستحيل ثبوته لأحد الشخصين دون الآخر، فمن ضرورة كون أحدهما أخا أن ~~تعمهما الاخوة وتشملهما فيكونا في الاخوة سواء، كل واحد منهما أخا لصاحبه ~~غير أن الاخوة لها حقيقة ولتلك الحقيقة لوازم، فإذا ذكرت اللفظة الموضوعة ~~لتلك الحقيقة مضافة إلى شخص دلت على وجود تلك الحقيقة لذلك الشخص إن أمكن، ~~وإن كان غير ممكن حملت تلك اللفظة على لوازم الحقيقة عملا باللفظة ومحافظة ~~على صحته بقدر الإمكان وصيانة له عن الإلغاء، وحقيقة الاخوة بين الشخصين ~~كونهما مخلوقين من أصل واحد بغير واسطة وهذه الحقيقة منتفية هاهنا، فإن ~~النبي (ص) مخلوق من عبد الله وآمنة، وعلي (عليه السلام) مخلوق من أبي طالب ~~وفاطمة بنت أسد، فتعين صرف اللفظة إلى لوازم الحقيقة # PageV00P110 # وحمله على تلك اللوازم، ولوازم حقيقة الاخوة المناصرة والمعاضدة والإشفاق ~~وتحمل المشاق، فيصير معنى قوله: (أنت أخي في الدنيا والآخرة) إنني ناصرك ~~وعضدك ومشفق عليك ومعتن بك، وقد أشار النبي (ص) (إلى كون المناصرة من لوازم ~~الاخوة بقوله (ص)) (1) في الحديث الصحيح: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما). # فقال السامع: أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ # قال: (تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه) (2) فجعل النبي (ص) النصرة من ~~لوازم الاخوة ثم أنه (ص) لما آخى بين أصحابه كان ذلك مطلوبه ومقصوده فعقد ~~الاخوة بين اثنين اثنين منهم حثا على التناصر والتعاضد، وجعل كل واحد ~~مؤاخيا لمن تقرب منه درجة في المماثلة والمساواة، فآخى بين أبا بكر وعمر، ~~وآخى بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وآخى بين طلحة بن عبيد الله والزبير بن ~~العوام، وآخى بين أبي ذر الغفاري والمقداد بن عمرو، وآخى بين معاوية بن أبي ~~سفيان والحتات (3) بن يزيد المجاشعي، فصارت المواخاة المذكورة سببا لاشتمال ~~كل واحد على مناصرة صاحبه ms046 ومعاضدته منزلا لها منزلة اخوة النسب، حتى أن # PageV00P111 # معاوية بن أبي سفيان في أيام ولايته بالشام لما مات الحتات عنده حاز ~~ميراثه بهذه الاخوة فقال الفرزدق الشاعر في ذلك يخاطب معاوية: # أبوك وعمي يا معاوية أورثا * تراثا فيحتاز التراث أقاربه فما بال ميراث ~~الحتات أكلته * وميراث حرب جامد لك ذائبه (1) تنبيه وإيقاظ... # PageV00P112 # تنبيه وإيقاظ: # انظر أيدك الله بنور منه إلى التناسب في الميراث والتقارب في التصاحب بين ~~كل اثنين من المتآخين المذكورين، فإنه لو لم يكن تقارب التعادل في مراتب ~~المنازل حاصلا لمن تآخيا لما انتظم المقصد المطلوب من المؤاخاة في سلك ~~الكمال، ولأحجم بعض النفوس البشرية عن إيفاء ثمرة الإخاء عن التباعد في ~~درجة الاعتدال، ثم أمعن نظرك الصائب وفكرك الثاقب يرشدك إلى سنن الاهتداء ~~لهذه الحال، ويرفدك بحكم اختصاص النبي (ص) عليا بإخوته مع كونه من الآل، ~~وفي ذلك يؤذن بعظيم (1) قدر علي وشرف محله في الحال والمال، ولهذا كان ~~يفتخر بها ويقول في كثير من الأوقات: (أنا عبد الله وأخو رسول الله (ص) لا ~~يقولها أحد بعدي إلا كذاب) (2). وثاني ذلك قوله: (أنت مني بمنزلة هارون من ~~موسى). # إعلم بصرك الله تعالى بخفايا الأسرار وغوامض الحكم أن رسول الله (ص) # PageV00P113 # لما وصف عليا (عليه السلام) بكونه (1) بمنزلة هارون من موسى فلابد في كشف ~~(2) من بيان المنزلة التي كانت لهارون من موسى. # فأقول: قد نطق القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه، بأن موسى دعا ربه عز وجل فقال: * (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي ~~أشدد به أزري وأشركه في أمري) * (3) وإن الله عز وجل أجابه إلى مسؤوله ~~وأجناه من شجرة دعاية ثمرة سؤله فقال عز وجل: * (قد أوتيت سؤلك يا موسى) * ~~(4) وقال في سورة أخرى: * (ولقد أتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون ~~وزيرا) * (5) وقال في سورة أخرى * (سنشد عضدك بأخيك) * (6) فظهر أن من ~~منزلة هارون من موسى كونه وزيرا له، والوزير مشتق من أحد معان ثلاثة: ~~أحدها: من الوزر بكسر ms047 الواو وإسكان الزاي وهو الثقل (7) لكونه وزيرا له # PageV00P114 # يحمل عنه أثقاله ويخففها عنه. # والمعنى الثاني: من الوزر بفتح الواو والزاء وهو المرجع والملجأ (1) ومنه ~~قوله تعالى: * (كلا لا وزر) * (2) فكأن الوزير مرجوع إلى رأيه ومعرفته ~~وإسعاده ويلجأ إليه في الاستعانة به. والمعنى الثالث: من الأزر وهو الظهر ~~(3) ومنه قوله تعالى عن موسى: * (أشدد به أزري) * فيحصل بالوزير قوة الأمر ~~واشتداد الظهر كما يقوى البدن ويشتد به، فكان من منزلة هارون من موسى أنه ~~يشد أزره ويعاضده ويحمل عنه من أثقال بني إسرائيل بقدر ما تصل إليه يد ~~مكنته واستطاعته، هذا من كونه وزيره. # وأما من كونه شريكه في أمره فكان شريكه في النبوة على ما نطق به القرآن ~~الكريم وكان قد استخلفه على بني إسرائيل عند توجهه وسفره إلى المناجاة على ~~ما نطق به القرآن الكريم. # فتلخيص منزلة هارون من موسى: انه كان أخاه ووزيره وعضده وشريكه في النبوة ~~وخليفته على قومه عند سفره، وقد جعل رسول الله (ص) عليا (عليه السلام) منه ~~بهذه المنزلة وأثبتها له إلا النبوة فإنه (ص) استثناها في آخر الحديث ~~بقوله: (أنه لا نبي بعدي) فبقي ما عدا النبوة المستثناة ثابتا لعلي (عليه ~~السلام) من كونه أخاه ووزيره # PageV00P115 # وعضده وخليفته على أهله عند سفره إلى تبوك، وهذه من المعارج الشراف ~~ومدارج الأزلاف، فقد دل الحديث بمنطوقه ومفهومه على ثبوت هذه المزية العلية ~~لعلي (عليه السلام) وهو حديث متفق على صحته. # وثالث ذلك ورابعه قوله (ص) لعلي: (أنت مني وأنا منك) (1) و (وعلي مني ~~وأنا من علي) (2) والكلام فيهما واحد وإيضاح معناهما وتبيين مقتضاهما أن ~~لفظة (من) موضوعة لمعان كثيرة، لكنها في مثل هذا النمط من الكلام حقيقتها ~~الجزئية كقوله تعالى: * (خلق لكم من أنفسكم أزواجا) * (3) وقوله: * (خلق ~~الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجان من مارج من نار) * (4) وكقوله (ص): ~~(فاطمة بضعة مني) فحقيقتها في مثل هذا التركيب من القول الجزئية، ولهذه ~~الجزئية لوازم فإن كون الشئ جزءا من الإنسان كالولد والرأس والعين وسائر ~~الأعضاء والأجزاء ms048 يلازمه أن ذلك الإنسان بجهده يدفع عن جزئه الأذى، ويحميه ~~من تطرق المكاره إليه، ويجتهد في حراسته، وفي إيصال كل ما فيه نفعه إليه، ~~وفي حفظ صحته، هذا من لوازم حقيقة الجزئية، وقد صرح النبي (ص) بهذه اللوازم ~~لما قال: (فاطمة بضعة مني يربيني ما يربيها ويؤذيني ما # PageV00P116 # يؤذيها) (1) وتقدم ذكر ذلك فلما لم يكن إثبات الحقيقة تعين (حمل اللفظ ~~على لوازمها على ما علم من استعمال اللفظ في لوازم الحقيقة) (2) وهاهنا ~~الحقيقة غير مرادة لانتفائها لأن عليا (عليه السلام) ليس جزءا من ذات النبي ~~(ص) ولا النبي (ص) جزءا من ذات علي (عليه السلام) فيكون المراد بهذا القول ~~إثبات لوازم الحقيقة من إرادة حراسته عن المكاره، ومدافعة الأذى عنه، ~~والسعي في إيصال المنافع إليه، والإشفاق التام عليه، وقد تقدم تقرير ذلك في ~~لوازم الاخوة في هذا الأمر ما يحكم لعلي (عليه السلام) بعلو الرتبة (ويسجل ~~له بسمو) (3) المكانة والمنزلة، فقد تضمن هذا الفصل وما قبله من حميد ~~مزاياه، وجميل سجاياه، ومحبة الله ورسوله إياه، ورعايته في منقلبه ومثواه ~~من حين كفله ورباه، وعنايته بأمره حتى هداه منهج هداه، وزوجه ابنته البتول ~~فرفع قدره وأعلاه، وأزلفه من نفسه فاختص بها وآخاه، وخصه بما عمه من المحاب ~~والمنح فحباه ما تطرب تلاوة سورته فؤاد ذي الأحزان، وتسلب حلاوة صورته رقاد ~~النوم الوسنان، ويقطع آثار معرفته إسراع نجح حاجة العجلان، وتطبع أنوار ~~صفته غررا في وجوه الأيام وتحجيلا وحجولا في أطراف # PageV00P117 # الزمان، فهو يصح مزاج القلب السقيم، ويلقح نتاج اللب العقيم، ويهدى ~~معتقديه إلى الصراط المستقيم، ويهدي إليهم أجرهم في الآخرة بالنعيم المقيم، ~~وهذه الخلال مع كمالها في إبداء أوصافه، وإجلال مقامه، في مرتبع الأطوار ~~(1) ومصطافه، تستردف من نعوته التي شرفه بها يربو على شرفه بهاشمه وعبد ~~منافه، ما محله عند الله تعالى في المقام الأمين ذرى وجهه وشرف أعرافه، فيا ~~أيها الطالب للاهتداء بهداه، الراغب في الاقتداء بنقاه، ومن لو قدره حق ~~قدره لأتاه، ولو سأل بذل جهده في هواه لأتاه: ms049 # أصح واستمع آيات وحي تنزلت * بمدح إمام بالهدى خصه الله وفي آل عمران ~~المباهلة التي * بإنزالها أولاه بعض مزاياه وأحزاب حميم وتحريم هل أتى * ~~شهود بها أثنى عليه وزكاه وإحسانه لما تصدق راكعا * بخاتمه يكفيه في نيل ~~حسناه وفي آية النجوى التي لم يفز بها * سواه سنا رشد به تم معناه وأزلفه ~~حتى تبوأ منزلا * من الشرف الأعلى وأتاه تقواه وأكنفه لطفا به من رسوله * ~~بوارق إشفاق عليه فرباه وأرضعه اخلاف أخلاقه التي * هداه بها نهج الهدى ~~فتوخاه وأنكحه الطهر البتول وزاده * بأنك مني يا علي وآخاه وشرفه يوم ~~الغدير وخصه * بأنك مولى كل من كنت مولاه ولو لم يكن إلا قضية خيبر * كفت ~~شرفا في مأثرات سجاياه (2) # PageV00P118 # واعلم أن جملة هذه الآيات المتلوة ووجوه هذه الأبيات المجلوة قد اشتملت ~~على عدة من مناقبه (عليه السلام): # فمنها ما تقدم بيانه وهي آية المباهلة: * (قل تعالوا ندع) * (1) إلى ~~آخرها وآية الأحزاب: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا) * (2) وآية حمعسق: * (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى) * (3) وآية التحريم: * (فإن الله هو موليه وجبريل وصالح المؤمنين) ~~* (4) بأبلغ بيان وأتم تفسير، وكذلك تقدم ذكر قصة خيبر وقضية يوم الغدير، ~~وكذلك ما سواهما من قضايا الشرف ومن آيات التطهير، ولم يبق منها شئ خصه ~~القلم بالإرخاء والتأخير سوى آية المائدة وآية هل أتى وآية النجوى فسيأتي ~~في فصولها المرصدة لها إن شاء الله تعالى بأوضح ذكر وأكمل تقرير فهذا ما ~~حبره القلم وسطره في هذا الفصل بتقدير العليم الخبير. # في فضله وعلمه (عليه السلام)... # PageV00P119 # الفصل السادس في فضله وعلمه: # هذا فصل في أرجائه مجال المقال واسع، ولسان البيان صادع، وثاقب المناقب ~~لامع، وفجر المآثر طالع، ومراح الامتداح جامع، وفضا الفضائل شاسع، فهو لمن ~~تمسك بهداه نافع، ولمن تمسك بعراه رافع، فياله من فصل فضل كؤوس ينبوعه لذة ~~للشاربين، ودروس مضمونة مفرحة للكرام الكاتبين، وعروس مستودعة من مستحسنات ~~حسنات المقربين، يعظم عند التحقيق قدر رفعه، ويعم أهل التوفيق شمول ms050 نفعه، ~~ويتم أجر مؤلفه بجمعه، وهو لمن وقف عليه قيد بصره وسمعه، لم أورد فيه ما ~~يصل إليه وارد الاضطراب، ولا أودعته ما يدخل عليه زائد الارتياب، ولا ضمنته ~~غثا تمجه أصداف الاسماع ولا غثاء تقذفه أصناف الألباب، بل مرتب له اخلاف ~~رواية الخلف عن السلف حتى اكشف بزبد الأوطاب، ونظمت فيه جواهر درر صرحت بها ~~ألسن السنن ونطقت بها آيات الكتاب، وقررته بأدلة نظر محكمة الأسباب ~~بالصواب، هامية السحاب بالمحاب، مفتحة الأبواب للطلاب، مثمرة إن شاء الله ~~تعالى لجامعها جميل الثناء وجزيل الثواب، فمن ذلك قوله تعالى: * (لنجعلها ~~لكم تذكرة وتعيها اذن واعية) * (1) روى الإمام: أبو إسحق الثعلبي في تفسيره ~~يرويه بسنده قال: لما نزلت هذه الآية * (وتعيها اذن واعية) * قال رسول الله ~~(ص) لعلي (عليه السلام): (سألت الله أن يجعلها اذنك يا علي). # PageV00P120 # قال علي: (فما نسيت شيئا بعد ذلك وما كان لي أن أنسى) (1). # وروى الإمامان الثعلبي وأبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (رض) كل واحد ~~منهما يرفعه بسنده، الثعلبي في تفسيره والواحدي في تصنيفه الموسوم بأسباب ~~النزول إلى بريدة الأسلمي قال: سمعت رسول الله (ص) يقول لعلي (عليه ~~السلام): # (إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي وحق على الله تعالى ~~أن تعي) قال: فنزلت: * (وتعيها اذن واعية) * (2). # ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) ~~* (3) نقل الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في تفسيره وفي تصنيفه ~~الموسوم بأسباب النزول بسنده يرفعه إلى ابن عباس (رضي الله عنه) ورواه ~~الإمام أبو إسحق الثعلبي أيضا في تفسيره أن هذه الآية نزلت في علي (عليه ~~السلام) والوليد بن عقبة # PageV00P121 # ابن أبي معيط أخي عثمان لامه، وذلك أنه كان بينهما تنازع في شئ، فقال ~~الوليد لعلي (عليه السلام): اسكت فإنك صبي وأنا والله أبسط منك لسانا وأحد ~~سنانا وأملأ للكتيبة منك. # فقال له علي (اسكت فإنك فاسق) فأنزل الله تعالى تصديقا لعلي (عليه ~~السلام) * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ms051 لا يستوون) * (1) يعني بالمؤمن ~~عليا وبالفاسق الوليد، وكفى بهذه القصة شهادة من الله عز وجل لعلي (عليه ~~السلام) بكمال فضيلته وإنزاله سبحانه وتعالى قرآنا يتلى إلى الأبد بتصدق ~~مقالته، ووصفه إياه بالإيمان الذي هو عنوان علمه ونتيجة معرفته، وقد ضمن ~~هذه حسان بن ثابت شاعر رسول الله (ص) أبياتا من نظمه، وجعلها قائمة في ~~تحسين شعره، وترتيبه مقام رقمه، وفي ذلك دلالة واضحة على كمال درايته وفهمه ~~حيث أودع شعره ما # PageV00P122 # نزل به القرآن من إصابة علي وتسديد سهمه فقال: # أنزل الله والكتاب عزيز * في علي وفي الوليد قرانا فتبوأ الوليد من ذاك ~~فسقا * وعلي مبوأ إيمانا ليس من كان مؤمنا عرف الله * كمن كان فاسقا خوانا ~~سوف يجزى الوليد خزيا ونارا * وعلي لاشك يجزى جنانا فعلي يلقى لدى الله عزا ~~* ووليد يلقى هناك هوانا (1) وفشت هذه الأبيات من قول حسان وتناقلها سمع عن ~~سمع ولسان عن لسان، وأما هذا الوليد بن أبي معيط فإن جده أبا معيط كان أبوه ~~ذكر أن يقول إنه ابن أمية بن عبد شمس، وقيل لم يكن أباه بل كان عبده ~~فاستلحقه فكان ينسب إلى غير أبيه، ثم إن الوليد هذا أسلم يوم فتح مكة ولما ~~تولى عثمان الخلافة ولاه الكوفة إذ كان أخاه لأمه على (2) ما تقدم، فبقي ~~واليا في الكوفة يشرب الخمر حتى صلى الفجر في مسجدها بالناس أربع ركعات وهو ~~سكران (3) ثم التفت إليهم وقال: # أزيدكم! فعلم الناس أنه لا يعقل فقال فيه الحطيئة العبسي: # شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * أن الوليد معاقر الخمر # PageV00P123 # نادى وقد تمت صلاتهم * أأزيدكم ثملا ولا يدري قالوا أبا وهب وقد علموا * ~~أقرنت بين الشفع والوتر حبسوا عنانك إذ جريت لو أنهم * تركوا عنانك لم تزل ~~تجري (1) فاشتهرت قصته وظهر فسقه وشاع بين الناس أمره وافتضح سوء فعله ~~وانكر ذلك عليه، فحده عثمان وعزله عن الكوفة لذلك ثم مات بالرقة (2)، فانظر ~~إلى الحكمة الإلهية التي هي سر هذه القضية فإن عليا (عليه السلام) لما سمى ~~الوليد فاسقا ms052 وأنزل الله عز وجل هذه الآية واخبر أن عليا (عليه السلام) ~~مؤمن وأن الوليد فاسق اجرى قدره وقضاه بما ظهر به في عالم الشهادة والحسن ~~الجمع لعلي (عليه السلام) في تصديقه في قوله للوليد بين الخبر والعيان، ~~فاظهر شرب الوليد الخمر الذي هو أجمع أسباب الفسوق وسوء سمعته بين الناس ثم ~~إقامة الحد عليه على رؤوس الأشهاد ليتيقن ذوو الأبصار من المؤمنين ~~والمنافقين وجود صفة الفسق في الوليد كما سماه علي (عليه السلام) ثم إذا ~~كانت احدى الصفتين المتقابلتين وهي الفسق موجودة في الوليد جزما كانت الصفة ~~المقابلة لها وهي الإيمان موجود لعلي جزما، هذه لطيفة مشيرة برمزها إلى ~~العناية الربانية لعلي (عليه السلام) فتنبه لها. # وفي ذلك آية المباهلة وهي قوله تعالى: * (قل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ~~ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم) * (3) هذه الآية قد تقدم بسط القول فيها # PageV00P124 # وفي بيان سبب نزولها وفي تصريحها بفضيلة فاطمة (عليها السلام) والخمسة ~~أهل العبا (عليهم السلام) بمدلولها غير أني أعدت في هذا الفصل ذكرها لكون ~~فضيلة علي (عليه السلام) بخصوصه من مقاصد محصولها، وقد تقدم من ذلك إنه قد ~~نقل أن المراد بقوله تعالى: * (وأنفسنا) * هو علي (عليه السلام) ويمتنع أن ~~تكون نفس علي هي نفس النبي بعينها فيكون المراد من الآية المساواة بين ~~نفسيهما وهذا يقتضي أن تكون كل واحدة من النفسين متصفة (بمثل جنس صفات ~~الأخرى وإلا لما حصل التساوي بينهما فتكون نفس علي (عليه السلام) متصفة) ~~(1) بمثل صفات النفس النبوية الموصوفة بصفات الكمال جنسا لكن ترك العمل ~~بذلك في صفة النبوة لاختصاصها بالنبي (ص) لاستحالة وجودها في غيره فتبقى ~~صفة الفضيلة والعلم (حاصلة لعلي (عليه السلام) لأن النفس المساوية للنفس ~~المتصفة بالفضيلة والعلم) (2) متصفة بذلك لا محالة (3) وفي هذه الآية ~~الشريفة من الإشارة إلى هذه الفضيلة ما لو اقتصر # PageV00P125 # عليها في حقه لأشرق بها نور فضله، وبرق منها موفور نبله، وسمق بسببها مقر ~~محله، واندفق من وجوب تعظيمه هامر وبله وغامر سجله، كيف وهي جوهرة فردة من ~~عقود منضدة، ms053 ومنقبة واحدة من مناقب متعددة، ومن ذلك ما رواه الحافظ أبو ~~نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد يرفعه بسنده في حليته عن الحسن بن علي ~~(عليهما السلام) قال: # قال رسول الله (ص): (ادع لي سيد العرب) يعني عليا. # فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟ # فقال (ص): (أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب). # فلما جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه فقال لهم: (يا معشر الأنصار ألا أدلكم ~~على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبدا). # قالوا: بلى يا رسول الله. # قال (ص): (هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي فإن جبرئيل (عليه السلام) ~~أمرني بالذي قلت لكم عن الله تعالى) (1). # وروى الإمام الحافظ المذكور، بسنده في حليته عن أنس بن مالك قال: قال ~~رسول الله (ص): (يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين وسيد ~~المسلمين وقائد الغر المحجلين وخاتم الوصيين). # قال أنس: قلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار وكتمته إذ جاء علي (عليه ~~السلام). # PageV00P126 # فقال (ص): (من هذا يا أنس؟). # فقلت: علي. # فقام مستبشرا فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه وعرق وجه علي بوجهه. # فقال علي (عليه السلام): (يا رسول الله لقد رأيتك صنعت شيئا ما صنعت بي ~~[من] (1) قبل). # قال (ص): (وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي وتبين لهم ما اختلفوا ~~فيه بعدي) (2). # ومن ذلك ما رواه الحافظ المذكور يرفعه في حليته بسنده عن علقمة عن عبد ~~الله قال: كنت عند النبي (ص) فسئل عن علي (عليه السلام) فقال: (قسمت الحكمة ~~عشرة أجزاء فأعطي علي تسعة أجزاء والناس جزءا واحدا) (3). # ومن ذلك ما رواه الحافظ المذكور بسنده في حليته عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله (ص): (ما أنزل الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا) * إلا وعلي ~~رأسها # PageV00P127 # وأميرها) (1). # ومن ذلك ما رواه الحافظ المذكور قال: قال رسول الله (ص): (إن الله ~~[تعالى] (2) عهد إلي في علي عهدا. # فقلت: يا رب بينه لي. # فقال: إسمع. # فقلت: سمعت. # فقال: إن عليا راية الهدى وإمام أوليائي ms054 ونور من أطاعني وهو الكلمة التي ~~ألزمتها المتقين، فمن أحبه أحبني ومن أبغضه أبغضني فبشره بذلك. # [فجاء علي] (3) فبشرته. # فقال: (يا رسول الله أنا عبد الله وفي قبضته فإن يعذبني فبذنبي وإن يتم ~~[لي] (2) الذي بشرتني به فالله أولى بي). # [قال] (3) قلت: (اللهم أجل قلبه واجعله ربيعة الإيمان). # فقال الله تعالى: قد فعلت. # PageV00P128 # ثم رفع [إلي] (4) أنه سيخصه من البلاء بشئ لم يخص به أحدا من أصحابي. # فقلت: يا رب أخي وصاحبي. # فقال: [ان] (5) هذا شئ قد سبق أنه مبتلى ومبتلى به) (1). # ومن ذلك ما رواه الإمام البيهقي (رضي الله عنه) في كتابه المصنف في فضائل ~~الصحابة يرفعه بسنده إلى رسول الله (ص) أنه قال: (من أراد أن ينظر إلى آدم ~~في علمه وإلى نوح في تقواه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى ~~عيسى في عبادته فلينظر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)) (2). # فقد أثبت النبي (ص) لعلي (عليه السلام) بهذا الحديث علما يشبه علم آدم ~~وتقوى يشبه تقوى نوح وحلما يشبه حلم إبراهيم وهيبة تشبه هيبة موسى وعبادة ~~تشبه عبادة عيسى (عليهم السلام) وفي هذا تصريح لعلي (عليه السلام) بعلمه ~~وتقواه وحلمه وهيبته وعبادته، وتعلو هذه الصفات إلى أوج العلى حيث شبهها ~~بهؤلاء الأنبياء المرسلين (عليهم السلام) من الصفات المذكورة والمناقب ~~المعدودة. # ومن ذلك ما رواه الإمام الترمذي في صحيحه بسنده وقد تقدم ذكره في ~~الاستشهاد في صفة أمير المؤمنين (عليه السلام) بالأنزع البطين أن رسول الله ~~(ص) قال: # (إنا مدينة العلم وعلي بابها) (3). # PageV00P129 # ونقل الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود القاضي البغوي في كتابه الموسوم ~~بالمصابيح أن رسول الله (ص) قال: (أنا دار الحكمة وعلي بابها) (1) لكنه (ص) ~~خص العلم بالمدينة والدار بالحكمة لما كان العلم أوسع أنواعا وأبسط فنونا ~~وأكثر شعبا وأغزر فائدة وأعم نفعا من الحكمة، خصص الأعم بالأكبر والأخص ~~بالأصغر وفي قول النبي (ص) ذلك إشارة إلى كون علي (عليه السلام) نازلا من ~~العلم والحكمة منزلة الباب من المدينة والباب من ms055 الدار لكون الباب حافظا ~~لما هو داخل المدينة وداخل الدار من تطرق الضياع إليه واعتداد الذهاب عليه ~~وكان معنى الحديث أن عليا (عليه السلام) حافظ العلم والحكمة فلا يتطرق ~~اليهما ضياع ولا يخشى عليهما ذهاب فوصف عليا بأنه حافظ العلم والحكمة، ~~ويكفي عليا (عليه السلام) علوا في مقام العلم والفضيلة أن جعله رسول الله ~~حافظا للعلم والحكمة. # ومن ذلك ما نقله القاضي الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (في ~~تصنيفه المسمى بالمصابيح عن أنس) (2) أن رسول الله (ص) لما خصص جماعة من ~~الصحابة كل واحد بفضيلة خصص عليا بعلم القضاء فقال: (وأقضاهم علي) (3) وقد ~~صدع هذا الحديث بمنطوقه وصرح بمفهومه أن أنواع العلم وأقسامه قد جمعها رسول ~~الله (ص) لعلي (عليه السلام) دون غيره فإن كل واحد ممن # PageV00P130 # خصه رسول الله (ص) بفضيلة خاصة لم يتوقف حصول تلك الفضيلة على غيرها من ~~الفضائل والعلوم فإنه (ص) قال: (أفرضهم زيد بن ثابت وأقرأهم أبي وأعلمهم ~~بالحلال والحرام معاذ بن جبل) (1). # ولا يخفى أن علم الفرائض لا يفتقر إلى علم آخر ومعرفة القراءة لا تتوقف ~~على سواها وكذلك العلم بالحلال والحرام، بخلاف علم القضاء فالنبي (ص) قد ~~أخبر بثبوت هذه الصفة العالية لعلي (عليه السلام) مع زيادة فيها، فإن صيغة ~~أفعل تقتضي وجود أصل ذلك الوصف والزيادة فيه على غيره، وإذا كانت هذه الصفة ~~العالية قد أثبتها له فتكون حاصله له ومن ضرورة حصولها له أن يكون (عليه ~~السلام) متصفا بها ولا يتصف بها إلا بعد أن يكون كامل العقل صحيح التمييز، ~~جيد الفطنة بعيدا عن السهو والغفلة، يتوصل بفطنته (2) إلى وضوح ما أشكل ~~وفصل ما أعضل، ذا عدالة تحجزه أن يحوم حول حمى المحارم، ومروءة تحمله على ~~محاسن الشيم ومجانبة الدنايا، صادق اللهجة ظاهر الأمانة، عفيفا عن ~~المحظورات، مأمونا في السخط والرضا، عارفا بالكتاب والسنة والاتفاق ~~والاختلاف والقياس ولغة العرب، بحيث يقدم المحكم على المتشابه والخاص على ~~العام والمبين على المجمل والناسخ على المنسوخ ويبني المطلق على المقيد ~~ويقضي بالتواتر ms056 دون الآحاد وبالمسند دون المرسل وبالمتصل دون المنقطع ~~وبالاتفاق دون الاختلاف، ويعرف أنواع الأقيسة من الجلي والواضح والخفي ~~ليتوصل بها إلى الأحكام # PageV00P131 # (فليس كل حكم منصوصا عليه ويعرف أقسام الأحكام) (1) من الواجب والمحظور ~~والمندوب والمكروه، فهذه أمور لا يصح اتصاف الإنسان بعلم القضاء ما لم يحط ~~بمعرفتها، ومتى فقد علمه بها لا يصلح للقضاء ولا يصح اتصافه به. # فظهر لك أيدك الله تعالى أن رسول الله (ص) حيث وصف عليا (عليه السلام) ~~بهذه الصفة العالية بمنطوق لفظه المثبت له فضلا، فقد وصفه بمفهومه بهذه ~~العلوم المشروحة المتنوعة الأقسام فرعا وأصلا، وكفى بذلك دلالة لمن خص ~~بهدية الهداية قولا وفعلا على إرتقاء علي (عليه السلام) في مناهج معارج ~~العلوم إلى المقام الأعلى وضربه في أعشار الفضائل المجزات بالتساهم بالقدح ~~المعلى. # زيادة تقرير حصول هذه المناقب واللآلئ وشمول هذه المطالب السنية السناء ~~الحاصلة لعلي (عليه السلام) من مواد علم القضاء كان مناط إفاضة أنوارها ~~عليه أن رسول الله (ص) قبل ذلك لما انتدبه وانتضاه، وآثره وارتضاه، وفوض ~~إليه قضاء اليمن وولاه، أحجم إحجام واجف لقصوره في معرفة أحكامه وقضاياه، ~~فلما أحس رسول الله (ص) ذلك منه أخبره بأن الله تعالى سيرزق قلبه الهدى ~~ويسلك به من التثبيت جددا، ومن حصل له من الله تعالى الهدى والتثبت فلن يضل ~~أبدا. # وحجة ذلك: ما نقله الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث في مسنده يرفعه ~~بسنده إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (أرسلني رسول الله (ص) إلى ~~اليمن قاضيا فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء. # فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا # PageV00P132 # تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك ~~القضاء. # قال (عليه السلام): فمازلت قاضيا وما شككت في قضاء بعد). (1) فهبت عليه ~~النسمات الإلهية من العناية النبوية بألطاف التأييد، ونزل عليه الملكان ~~الموكلان بالمحقين فألبساه رداء التوفيق والتسديد، فوقرت حقائق علم القضاء ~~في صدره ms057 حتى ما على إحاطته بها من مزيد، وأثمرت حدائق فضائله فتحلها ~~بالمعرفة باسقات ذات طلع نضيد، فلما رسخ علمه (عليه السلام) بمواد القضاء ~~رسوخا لا تحركه الهواب، ورسا قدم فهمه في قواعد معرفته بحيث لا يعترضه ~~الاضطراب، فاقتفى رشدا وقضى سددا فوارده التأييد ورافقه التوفيق وصاحبه ~~الصواب، فعند ذلك وصفه رسول الله (ص) بقوله: (أقضاهم علي) إذ وضحت لديه ~~الأسباب، وتفتحت بين يديه الأبواب، وشرحت له الألسن والسنن والآداب، حتى ~~قال له رسول الله (ص): (ليهنئك العلم أبا الحسن لقد شربت العلم شربا ونهلته ~~نهلا) (2). # PageV00P133 # ومن ذلك ما نقله القاضي الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود القاضي البغوي ~~في كتابه المسمى بشرح السنة يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: # سمعت رسول الله (ص) يقول: (إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت ~~على تنزيله). # فقال أبا بكر: أنا هو يا رسول الله؟ # قال (ص): (لا، ولكن خاصف النعل) (1). # وكان علي (عليه السلام) قد أخذ نعل رسول الله (ص) وهو يخصفها فقضى (ص) أن ~~عليا (عليه السلام) يقوم بالقتال على تأويل القرآن كما قام هو (ص) بالقتال ~~على تنزيله فهذا منطوق الحديث. # وأما دلالته على فضيلة علي (عليه السلام) فأقول: إعلم أرشدك الله إلى ~~مناهج الحق ومدارج الهدى أن التنزيل والتأويل أمران متعلقان بالقرآن الكريم ~~فتنزيله مختص برسول الله (ص) فإن الله عز وجل أنزل القرآن عليه لأنواع من ~~الحكم قدرها وأرادها. # فقال تعالى: * (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد) * (2). # PageV00P134 # وقال تعالى: * (وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين) * (1). # وقال تعالى: * (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك ~~لتكون من المنذرين) * (2) إلى غير ذلك من الآيات البينات الدالة على هذا ~~الحكم الذي تنزيله عليه (ص) طريق إلى تحصيلها، هذا أمر يختص برسول الله (ص) ~~ولا يمكنه تحصيل تلك الحكم والمقاصد المنوطة بالقرآن الكريم إلا بتنزيله ~~فمن أنكر تنزيله فقد كذب به وجحده فاتصف بصفة ms058 الكفر على ما قاله تعالى: * ~~(وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) * (3) * (وما يجحد بآياتنا إلا كل ختال ~~كفور) * (4). # فأنكروا تنزيله على ما نطق به القرآن الكريم * (وما قدروا الله حق قدره ~~إذ قالوا ما أنزل الله تعالى على بشر من شئ) * (5) فتعين قتالهم إلى أن ~~يؤمنوا، # PageV00P135 # فقاتل رسول الله (ص) إلى أن دخل الناس في دين الله أفواجا، فهذا بيان ~~القتال على تنزيله. # وأما تأويله: فمعناه تفسيره وما يؤول إليه آخر مدلوله (1) فمن حمل القرآن ~~الكريم على معناه الذي اقتضاه لفظه من مدلول الخطاب وفسره بما تناوله من ~~معانيه المرادة به فقد أصاب سنن الصواب، ومن صرف عن ذلك وصرفه عن مدلوله ~~ومقتضاه وحمله على غير ما أريد به مما يوافق هواه، وتأوله بما يضل به عن ~~نهج هداه، معتقدا أن محمله الذي ادعاه ومقصده الذي افتراه فنجاه هو المدلول ~~الذي أراده الله تعالى فقد الحد في القرآن، حيث مال به عن مدلوله ووضعه في ~~غيره موضوعه، وأثبت به ما لا يحل إثباته وخالف فيه أئمة الهدى واتبع داعي ~~الهوى فاقتدى، فتعين قتاله أن أصر على ضلالته ودام على مخالفته واستمر في ~~جهالته وتمادى في مقالته، إلى أن يفئ إلى أمر الله تعالى وطاعته. # ولهذا جعل رسول الله (ص) القتال على تأويله كالقتال على تنزيله، فقد ظهر ~~مناط القتال على التأويل لما ظهر مناط القتال على التنزيل وقد اشترك ~~الأمران في أن كل واحد منهما قتال مبطل ضال ليرجع عن إبطاله وضلالته ~~وافترقا في أن الجريمة الصادرة من المقاتلين على التنزيل أعظم وأشد من ~~الجريمة الصادرة من المقاتلين على التأويل، فلهذا كانت المقاتلة على أعظم ~~الجريمتين مختصة بمنصب النبوة فقام بها النبي (ص) ودعا إليها وقاتل الذين ~~كفروا حتى آمنوا، وكانت المقاتلة على جريمة التأويل التي هي دون الجريمة ~~الأولى موكولة إلى الإمام لكون الإمامة دون النبوة فهي فرعها فقام بها علي ~~(عليه السلام) ودعا إليها وقاتل # PageV00P136 # الخوارج المتأولين، فإنهم عمدوا إلى آيات من القرآن الكريم نزلت في ~~الكفار واختصت بهم ms059 فصرفوها عن محل مدلولها وحملوها على المؤمنين وجعلوهم ~~محلها واستدلوا عليهم بها. # وأنا أذكر منها ما يستدل به على سوء فعلهم وقبح صنعهم ومروقهم عن الإيمان ~~ومتابعتهم الهوى الهاوي بهم إلى مكان سحيق، وذلك أن أئمة التفسير وعلماء ~~الإسلام أجمعوا على أن قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) * ~~(1) نزلت في اليهود وهي مختصة بهم، وذكروا في سبب نزولها في حقهم وجوها: ~~فقيل: لما دعا رسول الله (ص) اليهود إلى الإسلام قالوا هلم نخاصمكم إلى ~~الأخبار. فقال: بل إلى كتاب الله تعالى. قال: فأبوا. # وقيل: بل لما دعاهم إلى الإسلام قال له بعضهم: على أي دين أنت؟ # فقال: على دين إبراهيم. # فقالوا: إن إبراهيم كان يهوديا. فقال: هلموا بالتوراة فهي بيني وبينكم ~~فأبوا. # وقيل: بل لما أنكروا أن يكون رجم الزاني في التوراة قال: هلموا بالتوراة ~~فهي بيني وبينكم. فأبوا فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وهكذا ذكره الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في كتابه المسمى بأسباب ~~النزول (2)، فقد اتفق الجميع على اختصاصها باليهود، فجاء الخوارج # PageV00P137 # فجعلوها في المسلمين وأقاموها عمدة لهم ومرجعا في اتباع ضلالتهم واحتجوا ~~بها على خروجهم عن الطاعة المفروضة عليهم اللازمة لهم. # فإذا علمت حقيقة المقاتلة على التنزيل والمقاتلة على التأويل، فاعلم أن ~~بين النبي (ص) وبين علي (عليه السلام) من رابطة الاتصال والاخوة والعلاقة ~~ما ليس بين غيرهما، وقد صدع بهذه العلاقة والرابطة ما تقدم من صريح النصوص ~~من قوله (ص) (علي مني وأنا من علي) (1) وقوله (ص): (أنت مني وأنا منك) (2) ~~وقوله (ص): (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) (3) فهذه النصوص مشيرات إلى ~~خصوصية بينهما، فاقتضت تلك الخصوصية أن أعلمه رسول الله (ص) أنه يبلى ~~بمقاتلة الخارجين كما بلي (ص) بمقاتلة الكافرين، وأنه يلقى من الشدائد في ~~أيام إمامته مؤلمات كما لقي النبي (ص) من الشدائد في أيام نبوته وإن تفاوتا ~~في المقادير، فإن الأبعاض التي تشملها الرابطة ms060 يسري إلى جزئياتها شئ من ~~كلياتها. # وقد قال الشافعي: أخذ المسلمون السيرة في قتال المشركين من رسول الله (ص) ~~وأخذوا السيرة في قتال البغاة من علي (عليه السلام) (4). # PageV00P138 # فإذا وضح تفصيل هذا الأمر على ما شرحناه ففيه تبصرة وذكرى في فضيلة علي ~~(عليه السلام) فافهم ذلك وتيقظ له. # ومن ذلك: ما نقله القاضي الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في ~~كتابه المذكور يرفعه بسنده عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله (ص) فأتى منزل ~~أم سلمة فجاء علي (عليه السلام) فقال رسول الله (ص): (يا أم سلمة هذا والله ~~قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي) (1). # فالنبي (ص) ذكر في هذا الحديث فرقا ثلاثة صرح بأن عليا (عليه السلام) ~~يقاتلهم من بعده وهم الناكثون والقاسطون والمارقون، وهذه الصفات التي ذكرها ~~(ص) قد سماهم بها مشيرا إلى أن وجود كل صفة منها في الفرقة المختصة بها علة ~~لقتالهم # PageV00P139 # مسلطة عليه. # وهؤلاء الناكثون: هم الناقضون عقد بيعتهم الموجبة عليهم الطاعة والمتابعة ~~لإمامهم الذي بايعوه محقا، فإذا نقضوا ذلك وصدفوا عن طاعة إمامهم وخرجوا عن ~~حكمه وأخذوا في قتاله بغيا وعنادا كانوا ناكثين باغين، فيتعين قتالهم كما ~~اعتمده طائفة ممن تابع عليا (عليه السلام) وبايعه ثم نقض عهده وخرج عليه ~~وهم أصحاب واقعة الجمل فقاتلهم علي (عليه السلام) فهم الناكثون. # وأما القاسطون: فهم الجائرون عن سنن الحق المائلون (1) إلى الباطل ~~المعرضون عن اتباع الهدى الخارجون عن طاعة الإمام الواجبة طاعته، فإذا ~~فعلوا ذلك واتصفوا به تعين قتالهم كما اعتمده طائفة تجمعوا واتبعوا معاوية ~~وخرجوا لمقاتلة علي (عليه السلام) على حقه ومنعوه إياه فقاتلهم وهي وقائع ~~صفين وليلة الهرير فهؤلاء هم القاسطون. # فإن قيل: معاوية كان من كتاب النبي (ص) وكان خال المؤمنين فكيف تحكم عليه ~~وعلى من معه بكونهم بقتال علي بغاة في فعلهم جائرين عن سنن الصواب بقصدهم ~~قاصدين بما ارتكبوه من بغيهم والجين في زمرة (2) الخارجين عن طاعة ربهم؟ # قلت: لم أحكم عليهم بصفة البغي ولوازمها وضعا واختراعا بل حكمت بها ms061 نقلا ~~واتباعا، فإنه روى الأئمة الأعيان من المحدثين في مسانيدهم الصحاح أحاديث ~~متعددة يرفع كل واحد منهم حديثه بسنده إلى رسول الله (ص) أنه قال # PageV00P140 # لعمار بن ياسر (رضي الله عنه): (تقتلك الفئة الباغية) (1). # وفي حديث آخر: (تقتل عمارا الفئة الباغية) (2) وفي حديث آخر أنه (ص) قال ~~لعمار: (أبشر تقتلك الفئة الباغية) (3). # وهذه أحاديث لا خلل في إسنادها ولا اضطراب في متونها، فثبت فيها أن النبي ~~(ص) وصف الفئة القاتلة عمارا بكونها باغية، وصفة البغي لا ينفك عنها لازمها ~~والبغي: عبارة في اللغة عن الظلم وقصد الفساد (4). فكل من كان باغيا كان ~~ظالما جائرا وكان قاسطا خارجا عن طاعة ربه، فتكون الفئة القاتلة عمارا ~~متصفة بهذه الصفات بخبر الصادق المعصوم (ص) وقد ثبت ثبوتا محكوما بصحته ~~منقولا بالخبر المستند إلى الإدراك بالحواس أن عمارا كان يقاتل بين يدي علي ~~(عليه السلام) لمعاوية وأصحابه في أيام صفين، وأنه في آخر أمره استسقى يوما ~~من صفين فأتي بقعب فيه لبن، فلما نظر إليه كبر وقال: أخبرني رسول الله (ص) ~~إن آخر رزقي من الدنيا ضياح لبن في مثل هذا القعب. # PageV00P141 # فشربه ثم حمل فلم يثن حتى قتل (1) في سنة سبع وثلاثين من الهجرة وعمره ~~يومئذ ثلاث وتسعون سنة ودفن بالرقة (2) وقبره بها الآن (رضي الله عنه). # وروى صاحب كتاب صفوة الصفوة بسنده أن عبد الله بن سلمة قال: سمعت عمارا ~~يوم صفين وهو شيخ في يده الحربة وقد نظر إلى عمرو بن العاص معه الراية في ~~فئة معاوية يقول: إن هذه راية قد قاتلتها مع رسول الله (ص) ثلاث مرات وهذه ~~الرابعة، والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعاف هجر لعرفت أنا على الحق وأنهم ~~على الضلالة (3). # وإذا وضح أن عمارا تقتله الفئة الباغية (وأن أصحاب معاوية قتلوه فيلزم ~~لزوما مجزوما به أنها الفئة الباغية) (4) فثبت لها تلك الأوصاف المقدم ~~ذكرها على # PageV00P142 # لسان رسول الله (ص). # وأما المارقون: فهم الخارجون عن متابعة الحق المصرون على مخالفة الإمام ~~المفروضة طاعته ومتابعته المصرحون بخلعه، وإذا ms062 فعلوا ذلك واتصفوا به تعين ~~قتالهم كما اعتمده أهل حروراء والنهروان فقاتلهم علي (عليه السلام) وهم ~~الخوارج فبدأ علي بقتال الناكثين وهم أصحاب الجمل (1) وثنى بقتال القاسطين ~~وهم أصحاب معاوية وأهل الشام بصفين وثلث بقتال المارقين وهم الخوارج أهل ~~حروراء والنهروان، فقاتل وقتل حسب ما وصفه به رسول الله (ص) على ما تقدم به ~~لفظ الخبر. # ومن ذلك ما نقله الإمام أبو داود سليمان ابن الأشعث في مسنده المسمى ~~بالسنن يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك أن رسول الله (ص) ~~قال: (سيكون في أمتي إختلاف وفرقة قوم يحسنون القيل ويسيؤون الفعل يقرأون ~~القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية هم شر ~~الخلق [والخليقة] (2) طوبى لمن قاتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا ~~منه في شئ من قاتلهم كان أولى بالله منهم). # قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ # PageV00P143 # قال: (التحليق والتسبيد فإذا رأيتموهم فأنيموهم) (1) أي اقتلوهم. # ونقل الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه ووافقه الإمام أبو داود (رضي الله ~~عنه) بسندهما عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي (عليه ~~السلام) الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي (عليه السلام): (أيها الناس إني ~~سمعت رسول الله (ص) يقول: يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قرائتكم إلى ~~قرائتهم بشئ [ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشئ] (2) ولا صيامكم إلى صيامهم بشئ ~~يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون ~~من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي ~~لهم على لسان نبيهم (ص) لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس ~~له ذراع، على عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض، فيذهبون إلى معاوية وأهل ~~الشام ويتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن ~~يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا على سرح الناس ~~فسيروا [على اسم الله] (2)). # قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب ms063 منزلا حتى قال: مررنا على قنطرة ~~فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم: ألقوا ~~الرماح وسلوا السيوف من جفونها فإني [أخاف] (3) أن يناشدوكم كما ناشدوكم ~~يوم حروراء، فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف وشجرهم الناس برماحهم. # PageV00P144 # قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان. # فقال علي (عليه السلام): (التمسوا فيهم المخدج). # فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي (عليه السلام) بنفسه حتى أتى أناسا قد قتل ~~بعضهم على بعض قال: (أخرجوهم) فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر [ثم] (4) قال: # (صدق الله وبلغ رسوله). # قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين الله الذي لا إله ~~إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله (ص)؟ # قال: (اي والذي لا إله إلا هو) حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف) (1). # ونقل البخاري ومسلم ومالك في موطأه أن أبا سعيد الخدري قال: أشهد أني ~~سمعت هذا من رسول الله (ص) وأشهد أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قاتلهم ~~وأنا معه وأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد واتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول ~~الله (ص) الذي نعت (2). # PageV00P145 # ونقل أيضا البخاري والنسائي ووافقهما مسلم وأبو داود وكل منهم في مسنده ~~الصحيح يرفعه إلى سويد بن عقله بسنده قال: قال علي (عليه السلام): (إذا ~~حدثتكم عن رسول الله (ص) حديثا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن ~~أكذب عليه)، وفي رواية: من أن أقول عليه ما لم يقل، وإذا حدثتكم فيما بيني ~~وبينكم فان الحرب خدعة وأني سمعت رسول الله (ص) يقول: (سيخرج قوم في آخر ~~الزمان حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية يقرأون ~~القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ~~فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم ~~القيامة) (1). # فهذه الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة شاهدة لعلي (عليه السلام) على ~~لسان رسول الله (ص) بأنه بمقاتلة هؤلاء أولى بالله تعالى منهم وأن له طوبى ~~وهو ms064 المحل الرفيع في الجنة، وأن في قتلهم أجرا عند الله يوم القيامة وأن ~~لمقاتليهم عند الله ما قضى لهم على لسان نبيهم ما لو علموا به لنكلوا عن ~~العمل استغناء بمقاتلتهم عن بقية الطاعات، وفي هذا دليل واضح لعلي (عليه ~~السلام) بكمال فضيلته واجلال منزلته # PageV00P146 # ورجحان أجره ومثوبته وزيادة تقربه إلى الله تعالى بطاعته وأنه بقتاله ~~إياهم ليرجعوا عن ضلالتهم ويذعنوا للحق الذي أوجبه الله تعالى عليهم من ~~انقيادهم إلى طاعة الله تعالى مقتديا برسول الله (ص) في قيامه بمقاتلة ~~المشركين الجاحدين ليرجعوا عن شركهم وينقادوا لما أوجبه الله تعالى عليهم ~~من إجابة رسوله إلى الدخول في الإسلام والإذعان بالإيمان وناهيك بها فضيلة ~~ومنقبة أثيلة ومزية في الأولى والآخرة عريضة طويلة، فقد صدرت هذا الفصل ~~المقعود لبيان فضله الموفور وعلمه المشهور من الآيات القرآنية والأحاديث ~~النبوية بما فيه شفاء لما في الصدور، ووفاء بالمستطاع المقدور، واهتداء ~~بخروج القلوب الضالة من الظلمات إلى النور، واقتصرت عليها لكونها واضحة ~~جددا راجحة صحة ومعتقدا، وقد جعلت المعقبات الإلهية من بين يديها ومن خلفها ~~لحفظها رصدا ولم أتجاوزها إلى (إيراد) (1) أخبار كثيرة عددا واهية سندا ~~ومستندا، غير أني قد أردفتها من المعقول بمعان مستغربة الإشارات مستعذبة ~~العبارات مهذبة الكلمات مركبة المقدمات معسولة الحلبات موصولة العذبات، ~~تمنح سامعيها طربا لحسن ترتيبها، وتوضح لمن يعيها عجبا من تهذيب تقريبها. # فأقول: قد قضت العقول في أساليب سدادها وأنفذت حكم قضائها في طرق ~~اجتهادها بأن النفس البشرية في اعتياد مجراها وجاري اعتيادها لا تحصل من ~~أنواع العلوم (والمراتب) (2) والفضائل على مرامها ومرادها إلا عند امدادها ~~من الأقدار الربانية بشروطها (وموادها) (2)، فإذا فتحت لها أبواب المواد ~~ومنحت # PageV00P147 # بالقابلية والاستعداد وجدحت بها من الفاعلية أمشاج الارشاد، أدركت صور ~~العلوم والفضائل إدراك العيان وثبتت لها صفة الاتصاف بها بدليل وبرهان، وقد ~~أشار بعض الفضلاء إلى هذه الحال فقال: # أخي لن تنال العلم إلا بستة * سانبيك عن مجموعها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد ~~وبلغة * وإرشاد أستاذ وطول زمان فان ظفرت كفاك منها بهذه ms065 * فقد نلت في ~~العلياء أشرف شان (1) وهذه الشروط والمواد بأسرها كانت حاصلة لعلي (عليه ~~السلام) فإنه كان في غاية الذكاء والفطنة والقابلية والاستعداد من أصل ~~الخلقة، حريصا على متابعة النبي (ص) والتعلم منه وكان رسول الله (ص) أكمل ~~العالم علما وأعلاهم في المعارف والفضائل محلا وكان شديد الحرص في تربية ~~علي (عليه السلام) والإشفاق عليه في تعليمه وإرشاده إلى اكتساب الفضائل ~~وكان في حجره من صغره على ما تقدم ذكره وشرحه في الفصل الأول ملازما له حتى ~~كبر وفي كبره زوجه ابنته فصار صهره وكان يدخل عليه في كل الأوقات، فكانت ~~تلك الشروط والمواد حاصلة له ومن المعلوم الذي لا يشك فيه ذوو الدراية أن ~~التلميذ إذا كان في غاية الذكاء والحرص على التعلم والأستاذ في غاية الفضل ~~والمعرفة والحرص على التعليم ورزق هذا التلميذ ملازمة هذا الأستاذ من صغره ~~مستمرا في خدمته إلى كبره وطالت مدة ملازمته واستمرت له أوقات صحبته، فإنه ~~يبلغ من العلم مبلغا عظيما وينال فيه مقاما رفيعا فوضح بهذا النوع من ~~الاستدلال بطريق الإجمال كمال علمه وعلو مقامه في فضله، وقد صرح (عليه ~~السلام) في مقالاته الصادرة منه وإشاراته المروية عنه بما # PageV00P148 # اقتبسه منه من مشكاة أنوار العلوم النبوية. # فقال مرة: (سلوني عن طرق السماوات فإني أعرف بها من طرق الأرض) (1). # وقال مرة: (لو شئت لأوقرت بعيرا من تفسير بسم الله الرحمن الرحيم) (2). # وقال مرة: (لو كسرت لي الوسادة ثم جلست عليها لقضيت بين أهل التوراة ~~بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل ~~الفرقان بفرقانهم والله ما من آية أنزلت في بر أو بحر ولا سهل ولا جبل ولا ~~سماء ولا أرض ولا ليل ولا نهار إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي أي شئ نزلت) ~~(3) أشار بهذا القول إلى علمه بأحكام هذه الكتب المنزلة ولا يصدر هذا القول ~~منه (عليه السلام) إلا وقد تضلع من أنواع العلوم وأقسام المعارف فهذا تقرير ~~هذا الإجمال. # وأما القول في تفصيل علومه وتعيين فضائله: فاعلم ms066 أن العلوم تنقسم إلى ~~أصول وفروع، فأما الأصول فالقائمون بها هم المتكلمون، وأشهر فرقهم المعتزلة ~~والأشاعرة والشيعة والخوارج، وأئمة هذه الطوائف مرجعها إلى علي (عليه ~~السلام). # أما المعتزلة فينسبون أنفسهم إليه، وأما الأشاعرة فإمامهم أبو الحسن كان ~~تلميذا لأبي علي الجبائي المعتزلي وكان الجبائي ينسب نفسه إليه، وأما ~~الشيعة # PageV00P149 # فانتسابهم إليه ظاهر، وأما الخوارج فكان رؤساؤهم وأكابرهم تلامذة له، ~~وإذا كانت أكابر المتكلمين وأئمة الأصول ينتسبون إليه فكفى ذلك دلالة على ~~علمه بالأصول والذي يشرح هذا القول ويوضحه أن المطلب الأقصى من الأصول علم ~~التوحيد والعلم بالقضاء والقدر والعلم بالنبوة والعلم بالمعاد والبعث ~~وأحوال الآخرة، وقد ذكر (عليه السلام) في كلامه ومواعظه وخطبه من هذه ~~العلوم ما يشهد بكمال معرفته ومتانة إحاطته بعلوم الدين، وها أنا الآن أذكر ~~شيئا من كلامه في ذلك لأقيم به على ثبوت هذه المقالة برهانا ولينقاد به ذوو ~~الجهالة إذعانا وليستفاد بإيراده ما يطلق به لسانا ويحقق بيانا ويزداد ~~الذين آمنوا إيمانا. # فمنه: ما نقله الإمام البيهقي بإسناده عن الشافعي عن يحيى بن سليم عن ~~الإمام جعفر بن محمد عن عبد الله بن جعفر (رض) عن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) أنه قال: (أعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضداد لها ~~من خلافها فإن سنح له الرجاء ولهه الطمع وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص وإن ~~ملكه اليأس قتله الأسف وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ وإن أسعده بالرضاء ~~نسي التحفظ وإن ناله الخوف شغله الحزن وإن أصابته المصيبة قصمه الجزع وإن ~~وجد مالا أطغاه الغنى وإن عضته فاقه شغله البلا وإن أجهده الجوع قعد به ~~الضعف وإن أفرط به الشبع كظته البطنة فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد). # فقام إليه رجل ممن شهد معه وقعة الجمل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن ~~القدر. # فقال: (بحر عميق فلا تلجه). # فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ # فقال: (بيت مظلم فلا تدخله). PageV00P150 # (فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟) (1) فقال: (سر ms067 الله فلا تبحث ~~عنه). # فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ # فقال: لما أبيت فإنه أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض. # فقال يا أمير المؤمنين: إن فلانا يقول بالاستطاعة وهو حاضر. # فقال: (علي به). # فأقاموه فلما رآه قال له: (الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله، ~~وإياك أن تقول واحدة منهما فترتد). # قال: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ # قال (عليه السلام): (قل أملكها بالله الذي إن شاء ملكنيها). # فهذه صورة ألفاظه وعباراته التي نقلها البيهقي (2). # واعلم أن في هذه الكلمات اليسيرة والعبارات الموجزة من المطالب الجليلة ~~والمقاصد العلية السنية ما هو عين الإيمان في القضاء والقدر وأن أفعال (3) ~~الجوارح مرتبطة بما يحصل في القلوب من الدواعي والصوارف وأنه يحدث بسبب من ~~الأسباب الخارجة عن قدرة الإنسان واختياره وذلك أن الإنسان إذا رأى صورة ~~شخص وسمع كلامه ترتب على تلك الرؤية وذلك السماع رجاء لشئ ثم # PageV00P151 # حصول ذلك الرجاء عند تلك الرؤية، وذلك السماع ليس باختيار (ذلك) (1) ~~الانسان أصلا بل هو حاصل سواء أراد الإنسان حصوله أو لم يرد فإذا حصل ذلك ~~الرجاء له ولهه الطمع شاء أو أبى وإذا حصل الطمع أهلكه الحرص شاء أو أبى ~~وهذا برهان قاطع على أن أفعال العباد مترتبة على ما في القلوب من الدواعي ~~والصوارف (وأن تلك الدواعي والصوارف) (2) ترتيب بعضها على بعض ترتيبا ~~اضطراريا لا اختياريا وذلك يحقق القول بالقضاء والقدر. # فما أشرف كلام أمير المؤمنين في هذه المسألة وما أمتنه وأحسنه وأما قوله ~~(عليه السلام): (فإنه أمر بين الأمرين لا جبر ولا تفويض) فشرحه وإيضاحه هو: ~~إن الجبر أن يجري الشئ على خلاف إرادته وهاهنا فعل الإنسان محدث على وفق ~~إرادته فلا يكون جبرا ثم إن حدوث تلك الإرادة في قلب الإنسان ليس من ~~الإنسان وإلا افتقر إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل وهو محال فلابد لها من ~~محدث غير الإنسان وهو الله تعالى وإذا كان كذلك فيلزم أنه لا جبر ولا ~~تفويض، فوضح أن زبدة كلام المتكلمين وحاصل أفكار العقلاء ms068 ليس إلا ما أدرجه ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الألفاظ المختصرة الموجزة. # ومنه: ما نقل عنه (عليه السلام) أنه سأله إنسان يوما عن التوحيد والعدل ~~فقال له في جوابه: (أن لا تتوهمه والعدل أن لا تتهمه) (3) وهاتان اللفظتان ~~مع جزالتهما # PageV00P152 # واختصارهما قد اشتملتا على جميع ما قصده المتكلمون في الكتب المبسوطة في ~~ذلك. # وسئل (عليه السلام) عن (1) المعاصي بمشيئة الله تعالى أم لا؟ # فقال (عليه السلام) للسائل: (هل خلقك الله تعالى كما شئت أو كما شاء؟). # فقال: بل كما شاء. # فقال (عليه السلام): (هل خلقك لما شئت أو لما شاء؟). # فقال: لما شاء. # فقال (عليه السلام): (هل مشيئته غالبة أو مغلوبة؟). # قال: بل غالبة. # قال (عليه السلام): (فإذا خلقك كما شاء ولما شاء ومشيئته غالبة فكيف تفعل ~~ما لا يشاء فكن موقنا مصدقا * (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) *) (2) (3). # وقال له بعض من حضر لديه من الواردين: متى كان ربنا؟ # فقال له (عليه السلام): (متى كان هل لشئ لم يكن فكان هو كائن بلا كينونة ~~كان قبله هو قبل القبل بلا غاية ولا منتهى، انقطعت الغايات دونه فهو غاية ~~كل غاية وسع كل شئ علما) (4). # PageV00P153 # فهذه الكلمات اليسيرة مع جزالتها واختصارها متضمنة من تمهيد قواعد ~~التوحيد وتسديد عقائد التمجيد (1) جمل أدلة ما على إنتاجها من مزيد. # وسئل يوما عن الذكر فقال (عليه السلام): (الذكر بين ذكرين والإسلام بين ~~سيفين والذنب بين فرضين) (2) ومعنى ذلك أن العبد لا يقدر على ذكر الله ~~تعالى ما لم يذكره الله بتوفيقه لذلك الذكر فإذا ذكر العبد الله تعالى، ~~ذكره الله تعالى بالمغفرة فصار ذكر العبد بين ذكرين من الله، ومعنى الثاني ~~أن الكافر يقاتل بالسيف حتى يسلم فإذا أسلم فأراد أن يرجع عن الإسلام خوف ~~بالسيف فصار الإسلام بين سيفين، ومعنى الثالث أن العبد قد فرض عليه أنه لا ~~يذنب فإذا أذنب فرض عليه أن يتوب فكان الذنب بين فرضين، فانظر إلى جزالة ~~هذه الدلالة على علمه بالقواعد الأصولية. # ومنه: قوله في تمجيد ms069 الله تبارك وتعالى وتحميده وتوحيده: (هو الذي لا ~~يبلغ مدحته القائلون ولا يحصي نعماءه العادون ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي ~~لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن، ليس لصفته حد محدود ولا نعت موجود ~~ولا وقت معدود ولا أجل ممدود، فطر الخلائق بقدرته ونشر الرياح برحمته ووتد ~~بالصخور ميدان أرضه، أول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به [وكمال ~~التصديق به] (3) توحيده وكمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له # PageV00P154 # نفي الصفات المحدثة عنه فمن وصفه بحادث فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ومن ~~ثناه فقد جزاه ومن جزاه فقد جهله [ومن جهله فقد أشار إليه] (1) ومن أشار ~~إليه فقد حده ومن حده فقد عده، ومن قال فيم فقد ضمنه، ومن قال علام فقد ~~أخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شئ لا بمقارنة، غير كل ~~شئ لا بمفارقة، ومزايلة فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور ~~إليه من خلقه، متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده. # أنشأ الخلق إنشاء وابتدأه ابتداء، بلا رؤية أجالها ولا تجربة استفادها ~~ولا حركة أحدثها ولا همامة نفس اضطرب فيها، أحال الأشياء لأوقاتها ولاءم ~~بين مختلفاتها وغرز غرائزها وألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتدائها محيطا ~~بحدودها وانتهائها عارفا بأرجائها وأنحائها. # ثم أنشأ سحابا فتق الأجواء وشق الأرجاء ورافق الهواء فأجاز فيه ماء ~~متلاطما تياره متراكما زحاره حمله على متن الريح العاصفة والزعزع القاصفة ~~فأمرها برده وسلطها على شده وقربها إلى حده، الهواء من تحتها فتيق والماء ~~من فوقها دفيق. # ثم إنشاء سبحانه وتعالى ريحا أعتقهم مهبها وأدام مربها وأعصف مجراها ~~وأبعد منشاها فأمرها بتصفيق الماء الزخار وإثارة موج البحار فمخضته مخض ~~السقاء وعصفت به عصفها بالفضاء ترد أوله على آخره وصياحه (2) على مائره حتى ~~عب عبابه ورمى بالزبد ركامه فرفعه في هواء منفتق وجو منفهق فسوى منه # PageV00P155 # سبع سماوات جعل سفلاهن موجا مكفوفا وسقفا محفوظا وسمكا مرفوعا بغير عمد ~~يدعمها ولا دسار ينتظمها ثم زينها بزينة ms070 الكواكب وضياء الثواقب وأجرى فيها ~~سراجا مستطيرا وقمرا منيرا في فلك دائر وسقف سائر ورقيم مائر ثم فتق ما بين ~~السماوات العلى فملأهن أطوارا من الملائكة، منهم سجود لا يركعون وركوع لا ~~ينتصبون وصافون لا يتزايلون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يغشاهم نوم ~~العيون ولا سنة (1) العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان، ومنهم امناء ~~على وحيه وألسنة إلى رسله مختلفون بقضائه وأمره ومنهم الحفظة لعباده ~~والسدنة (لأبواب جنانه، ومنهم الكرام الكاتبون أعمال خلقه الشاهدون) (2) ~~على بريته يوم يبعثون، ومنهم غلاظ شداد (ينتقمون من المجرمين) (3) لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (4). # ومنه قوله: (ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم، إن من صرحت له العبر عما ~~بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحم الشبهات، ألا وإن الخطايا خيل شمس ~~حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فقمحت بهم في النار، ألا وإن التقوى # PageV00P156 # مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة حق وباطل ولئن ~~قل الحق فلربما ولعل ولقلما أدبر شئ فأقبل، لقد شغل من الجنة والنار أمامه ~~ساع سريع نجا وطالب بطئ رجا ومقصر في النار [هوى] (1) اليمين والشمال مضلة، ~~والطريق الوسطى [هي] (2) الجادة، عليها باقي الكتاب وآثار النبوة ومنها ~~منفذ السنة وإليها مصير العاقبة، هلك من ادعى وخاب من افترى وخسر من باع ~~الآخرة بالأولى، ولكل بناء مستقر وكل ما هو آت قريب) (2). # ومنه: (لقد جاهرتكم العبر وزجرتم بما فيه مزدجر، وما يبلغ عن الله عز وجل ~~بعد رسل السماء إلا " الأنبياء إلى " (3) البشر ألا وإن الغاية أمامكم وإن ~~[وراءكم] (4) الساعة تحدوكم، تخففوا تلحقوا فإنما ينتظر بأولكم [آخركم] ~~(5)) (6). # PageV00P157 # فهذه الكلمات الناطقة بحقائق التوحيد الصادعة بالتصديق المصرحة بقواعد ~~الإيمان المبينة عقائد المتقين، من تأملها ونظرها وأحاط بها علما وخبرها ~~استيقن أن أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) كان إمام المتقين في علوم ~~التوحيد وقواعد أصول الدين، وكم مثل هذه من أخوات لها مخدرات (1) لم أر ~~الإطالة بسطرها ومقالات متبرجات صدفتني مخافة الملالة عن ذكرها ونشرها. # وأما علم ms071 الفروع: فالعالم فيه قسمان: أحياء وأموات فقسم يتعلق بالأحياء ~~وهو أنواع من الأحكام وغيرها وقسم يتعلق بالأموات وهو علم الفرائض وقسمة ~~التركات، وباعتبار هذا التقسيم سمى النبي (ص) الفرائض نصف العلم حيث قال: # (تعلموا الفرائض وعلموه فهو نصف العلم [وأنه ينسى وأنه] (2) أول ما ينزع ~~من أمتي) (3) الحديث، ولأمير المؤمنين في جميع ذلك قدم تحقيقات راسخة في ~~مقام الاعتبار. # PageV00P158 # فأما علم الفرائض وقسمة التركات: فله فيه من القضايا ما يحير العقول ~~بالاتفاق ويغني عن تعداد الصور الكثيرة، فيه ذكر ما ظهر في الآفاق وانتشر ~~عنه انتشار أشعة الشمس عند الإشراق، فمن ذلك المسألة المعروفة بالدينارية ~~وشرحها: # إن امرأة جاءت إليه (عليه السلام) وقد خرج من داره ليركب فترك رجله في ~~الركاب فقالت: يا أمير المؤمنين إن أخي قد مات وخلف ستمائة دينار وقد دفعوا ~~إلي من ماله دينارا واحدا وأسألك إنصافي وإيصال حقي إلي. # فقال لها (عليه السلام): (خلف أخوك بنتين؟) فقالت: نعم. # قال (عليه السلام): (لهما الثلثان أربع مائة، وخلف اما؟). # قالت: نعم. # قال (عليه السلام): (لها السدس مائة، وخلف زوجة؟). # قالت: نعم. # قال (عليه السلام): (لها الثمن خمس وسبعون، وخلف معك إثنا عشر أخا؟). # قالت: نعم. # قال (عليه السلام): (لكل أخ ديناران ولك دينار فقد أخذت حقك فانصرفي). # ثم ركب لوقته فسميت هذه المسألة بالدينارية (1) باعتبار ذلك. # ومنه: المسألة المعروفة بالمنبرية وشرحها أنه (عليه السلام) كان على منبر ~~الكوفة فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن ابنتي قد مات زوجها ولها ~~من تركته الثمن وقد أعطوها التسع فأسئلك الإنصاف منهم. # PageV00P159 # فقال: (خلف صهرك بنتين؟). # قال: نعم. # قال: (وأبواه باقيان؟) قال: نعم. # قال: (صار ثمنها تسعا فلا تطلب سواه إرثا) ثم مضى في خطبته (1)، وفي ~~استحضار هذا الجواب وتجريع السائل به صاب الصواب ما يعقل عقول اولي الألباب ~~ويسجل بأنه ممن أتاه الله الحكمة وفصل الخطاب. # وأما قسم الأحكام والعلوم المتعلقة بالأحياء على إختلاف أنواعها: فيكفي ~~في تضلعه منها وتبحره فيها ما نقل عنه (عليه السلام) أنه قال: ms072 (علمني رسول ~~الله (ص) ألف باب من العلم فانفتح لي من كل باب ألف باب) (2). # فالعلوم مع كثرة أصناف أسبابها واختلاف مطالب أربابها لا يعد تزايد ~~أبوابها ولا يجد تباعد شعابها، هذه عشرة من قواعدها الشاملة تفاريع أنواعها ~~ومجاميع أوضاعها، يتفجر من كل قاعدة منها ينابيع علم قدره واف وافر وتفاريع ~~فضل قطره هام هامر. # فأولها علم تفسير القرآن الكريم: وقد استفاض بين الأمة أن رئيس أئمة ~~التفسير وقدوتهم والمقدم عليهم والمشار إليه فيه عبد الله بن عباس (رضي ~~الله عنه) وهو كان # PageV00P160 # تلميذا لعلي (عليه السلام) ومقتديا به وآخذا عنه ومستفيدا منه. # وثانيها علم القراءات: وإمام الكوفيين المشهور بالقراءة بينهم عاصم بن ~~أبي النجود وقد انتشرت قراءته في الدنيا وأخذت عنه من رواية أبي بكر وحفص ~~وهي القراءة المشهورة المذكورة وهو فيها تلميذ لأبي عبد الرحمن السلمي، ~~وأبو عبد الرحمن تلميذ فيها لعلي (عليه السلام) نقلها عنه وأخذها منه وهو ~~(عليه السلام) أخذها واستفادها من رسول الله (ص) فعاصم فيها تلميذ لتلميذ ~~علي (عليه السلام). # وثالثها علم النحو: وقد تقرر في العالم أن أول ما ظهر النحو من علي (عليه ~~السلام) وأنه هو الذي أرشد أبا الأسود الدؤلي إليه. # رابعها علم البلاغة الفصاحة: وكان فيها إماما لا يشق غباره ومقدما لا ~~تلحق آثاره، ومن وقف على كلامه المرقوم الموسوم بنهج البلاغة صار الخبر ~~عنده عن فصاحته عيانا والظن بعلو مقامه فيه إيقانا، وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى في الفصل العاشر بيان ذلك. # وخامسها علم تصفية الباطن وتزكية النفس: فقد أجمع أهل التصوف من أرباب ~~الطريقة وأئمة الحقيقة أن انتساب خرقتهم ومرجعهم في آداب طريقتهم ومردهم في ~~أسباب حقيقتهم إلى علي (عليه السلام). # وسادسها علم التذكر بأيام الله وتحذير عقابه والموعظة والتخويف بآيات ~~كتابه: فالإمام المقتدى في هذه القاعدة المستعذب وقعها المرتقب عند الله ~~تعالى نفعها هو الحسن البصري (رضي الله عنه) وكان تلميذا لعلي (عليه ~~السلام) يفتخر بذلك. # وسابعها علم الزهد والورع: وكان في الصحابة رضوان الله عليهم أجمع ms073 من ~~الزهاد والمشهود لهم به كأبي ذر الغفاري وأبي الدرداء وسلمان الفارسي (رض) ~~وكانوا بأسرهم تلامذة لعلي (عليه السلام) وسيأتي في الفصل المعقود في زهده ~~إن شاء الله تعالى أقسام تفصيله وإقامة دليله. PageV00P161 # وثامنها علم مكارم الأخلاق وحسن الخلق: وقد بلغ في ذلك إلى الغاية القصوى ~~حتى نسب من غزارة حسن خلقه إلى الدعابة وكان مع هذه الغاية في حسن الخلق ~~ولين الجانب يخص ذلك بذوي الدين واللين، وأما من لم يكن كذلك فكان يوليه ~~غلظة وفضاضة للتأديب حتى روي عنه (عليه السلام) أنه قال في هذا المعنى شعر: # ألين لمن لان لي جنبه * وانزو على كل صعب شديد كذا الماس يعمل فيه الرصاص ~~* على أنه عامل في الحديد (1) وتاسعها علم الشجاعة والقوة: واتصافه بذلك ~~أشهر من النهار وأظهر من الشمس لذوي الأبصار، وقد كان في الصحابة (رض) ~~جماعة من الشجعان كخالد ابن الوليد المسمى سيف الله وأبي دجانة الأنصاري ~~وغيرهما (رض) وكان كل منهم معترفا لعلي (عليه السلام) بالرجحان على ~~الشجعان، وسيأتي تمام هذا البيان في الفصل المرصد لذلك إن شاء الله. # وعاشرها وهي القاعدة الواكف صيب صلاحها المزدلف سيب إصلاحها والوارف على ~~الملة ظل جناحها الصارف حكمها عن الأمة محذور جناحها التي من أحكمها علا ~~على شرف الشرف قدم قدره وسما في أوج العلا كوكب ذكره وفاق في الآفاق بفضله ~~عظماء عصره وساق إليه قيامه بأحكامها وافر أجره واجراء وفره وهي علم الفقه ~~(2): الذي هو مرجع الأنام ومجمع # PageV00P162 # الأحكام ومنبع الحلال والحرام وبه يقطع شعب الخصام عند الحكام، وقد كان ~~علي (عليه السلام) متضلعا من أقسامه مطلعا على غوامض أحكامه منقادا له ~~بزمامه مشهودا له فيه بعلو محله ومقامه، ولهذا خصه رسول الله (ص) بعلم ~~القضاء على ما تقدم شرحه وقال (عليه السلام): (لو كسرت لي الوسادة لحكمت ~~بين أهل التوراة) على ما سبق بيانه (1) ولأجل ذلك قال عمر بن الخطاب: أي ~~معضلة ليس لها أبو الحسن (2). # وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس ms074 لها أبو الحسن ~~(3). # وله (عليه السلام) بدائع ووقائع تجلى نهار فقهه فيها فكشف ظلمة دجاها ~~وجلى بأنوار تأييده صدأ إشكالها فكان ابن جلاها وجلى في مضمار سبقه ~~لإدراكها، فأحرز قدح معلاها وحكى بنضار إصابة صوابه منها جيد عاطلها بحلاها ~~قد نقلتها حملة الأحكام وحملتها نقلة قضايا الحكام. # PageV00P163 # فمنها: إن سبعة أنفس خرجوا من الكوفة مسافرين فغابوا مدة ثم عادوا وقد ~~فقد منهم واحد فجاءت امرأته إلى علي (عليه السلام) فقالت: يا أمير المؤمنين ~~إن زوجي سافر هو وجماعة وقد عادوا دونه فأتيتهم وسألتهم عنه فلم يخبروني ~~بحاله وقد اتهمتهم بقتله وأسألك إحضارهم واستكشاف حالهم. # فأحضرهم (عليه السلام) وفرقهم وأقام كل واحد منهم إلى سارية من سواري ~~المسجد ووكل به رجلا يمنع أن يقرب منه أحد ليحادثه ثم استدعى واحدا فحدثه ~~وسأله عن حال الرجل فأنكر فلما أنكر رفع علي (عليه السلام) صوته بالتكبير ~~وقال: (الله أكبر). # فلما سمع الباقون صوت علي (عليه السلام) مرتفعا بالتكبير اعتقدوا أن ~~رفيقهم قد أقر وحكى لعلي (عليه السلام) صورة الحال. # ثم استدعاهم واحدا واحدا فأقروا بقتله بناء على أن صاحبهم قد أخبر عليا ~~(عليه السلام) بما فعلوه، فلما أقروا بذلك قال الأول: يا أمير المؤمنين ~~هؤلاء قد أقروا وأنا ما أقررت. # قال له (عليه السلام): (هؤلاء رفاقك قد شهدوا عليك فما ينفعك إنكارك بعد ~~شهادتهم). # فاعترف أنه شاركهم في قتله، فلما تكمل اعترافهم بقتله أقام عليهم حكم ~~الله تعالى وقتلهم به (1). # فكان ذلك من عجائب فهمه وغرائب علمه. # ومنها: إنه رفع إليه (عليه السلام) أن شريحا القاضي قد قضى في امرأة قد ~~ماتت وخلفت زوجا وابني عم أحدهما أخ من أم وقد أعطى الزوج النصف من تركتها # PageV00P164 # وأعطى الباقي لابن العم الذي هو أخ من الام وحرم الآخر فأحضره علي (عليه ~~السلام) وقال: (ما أمر بلغني عن قضائك في قضية المرأة المتوفاة ذات الزوج ~~وابني العم أحدهما أخ من أم). # قال: يا أمير المؤمنين قضيت (1) بكتاب الله وأجريت ابن العم بكونه أخا من ~~أم ms075 مجرى أخوين أحدهما من أب والآخر من أب وأم. # فأنكر عليه (عليه السلام) وقال: (أفي كتاب الله تعالى إن الباقي بعد ~~الزوج لابن العم الذي هو أخ من أم؟). # قال: لا. # قال: فقد قال الله تعالى: * (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو ~~أخت فلكل واحد منهما السدس) * (2). # فجعل للزوج النصف وأعطى الأخ من الام السدس ثم قسم الباقي بين ابني العم، ~~فحصل لابن العم الذي هو أخ من أم ثلث ولابن العم الذي ليس أخا من أم سدس ~~وللزوج نصف (3) فكملت الفريضة ورد قضاء شريح واستدركه عليه. # ومنها: إنه (عليه السلام) لما كان بالكوفة حاكم يهوديا إلى القاضي شريح ~~بها وادعى على اليهودي بدرع في يد اليهودي فأنكر اليهودي دعواه فطالبه شريح ~~بمن يشهد # PageV00P165 # بها فحضر الحسن بن علي (عليه السلام) يشهد (1) بالدرع فرد شريح شهادته. # فقال: يا أمير المؤمنين كيف أقبل شهادة ابنك لك والولد لا تقبل شهادته ~~لوالده. # فقال له (عليه السلام): (في أي كتاب أو في أي سنة وجدت أن هذه الشهادة لا ~~تقبل!) (2). # ثم عزله عن القضاء وأخرجه إلى قرية تركه بها نيفا وعشرين يوما ثم أعاده ~~إلى مكانه وولايته، وكشف سر هذه الواقعة وحكمه ما صدر من المؤمنين في حق ~~شريح أنه لم يدع علي (عليه السلام) الدرع لنفسه فإنه نائب المسلمين والإمام ~~القائم بمصالحهم فادعى الدرع للمسلمين من بيت المال وشهد الحسن (عليه ~~السلام) بها لهم فتسرع شريح ولم يفحص وتوهم أن الدعوى منه (عليه السلام) ~~لنفسه وأن الدرع له وأن الحسن شهد لوالده، ففعل به (عليه السلام) ذلك ~~تأديبا على توهمه وتركه التفحص عن حقيقة الحال وتسرعه إلى رد الشهادة وقد ~~وقعت للمسلمين لئلا يعود إلى ترك التثبت والفحص عن حقائق الوقائع والقضايا ~~ولا يقدم على التسرع في الأمور قبل إدراكها. # ومن العجائب والغرائب أن جماعة من العلماء منهم إسحاق بن راهويه وأبو # PageV00P166 # ثور وابن المنذر والمزني والإمام أحمد بن حنبل في بعض (1) الروايات عنه ~~لما بلغهم أن عليا ms076 (عليه السلام) ادعى الدرع على اليهودي وشهد ولده الحسن ~~(عليه السلام) بها وأنه أنكر على شريح رد شهادته، استدلوا بذلك على جواز ~~شهادة الولد لوالده فأجازوها (2) وجعلوا ذلك مذهبا لهم وأجروها مجرى شهادات ~~(3) الأخ والشقيق والنسيب الصديق مستندين في ذلك إلى هذه الواقعة مستدلين ~~بفعل علي (عليه السلام) فيها واعرضوا عن كنه سرها وحقيقة أمرها. # ومنها: إن النبي (ص) كان جالسا في المسجد عنده جمع من الصحابة فجاء إليه ~~رجلان فقال أحدهما: يا رسول الله إن لي حمارا ولهذا بقرة وإن بقرته قتلت ~~حماري. # فقال بعض الصحابة: لا ضمان على البهائم. # فقال رسول الله (ص) لعلي (عليه السلام): (إقض بينهما). # فقال علي (عليه السلام) لهما: (أكانا مرسلين؟). # قالا: لا. # قال (عليه السلام): (أفكانا مشدودين؟). # قالا: لا. # قال (عليه السلام): (أفكانت البقرة مشدودة والحمار مرسلا؟). # PageV00P167 # قالا: لا. # قال (عليه السلام): (أفكان الحمار مشدودا والبقرة مرسلة وصاحبها معها؟). # قالا: نعم. # قال (عليه السلام): (على صاحب البقرة ضمان الحمار) (1). # فحكم لصاحب الحمار بوجوب الضمان على صاحب البقرة بحضرة النبي (ص)، والنبي ~~(ص) قرر حكمه وأمضى قضاه. # وفي هذه الواقعة بخصوصها دلالة واضحة للناظرين وحجة راجحة عند المعتبرين ~~وأنه لدى رسول الله (ص) مكين أمين حيث استقضاه بحضرته وعنده أعيان من ~~الصحابة (رض) ثم قرر حكمه وأنفذ قضاه وذلك على ما ذكرناه دليل بين وفي ~~متانة مكانته في العلم آيات للمتوسمين. # ومنها: حديث شارب الخمر، كان يقام الحد بضرب (2) الشارب أربعين سوطا ~~أقامه أبو بكر كذلك مدة ولايته ثم أقامه عمر صدرا من ولايته، فلما انهمك ~~الناس في شربها واستحقروا ضرب الأربعين شاور عمر الصحابة في ذلك، فقال علي ~~(عليه السلام): (نراه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى ~~المفتري ثمانون) فبلغوا به حد المفتري فأخذ عمر بهذا القول من علي (عليه ~~السلام) وصار يجلد في الخمر ثمانين (3). # PageV00P168 # وفي هذه القصة إشارة إلى إحاطة علي (عليه السلام) بمادة غزيرة من الفقه ~~حيث رد الفرع إلى الأصل وجعل للملزوم حكم لازمه واستخرج ms077 ما ذكره فلم يخالفه ~~فيه أحد. # في عبادته وزهده وورعه (عليه السلام)... # ولقد قال ابن عباس (رضي الله عنه) خطبنا عمر فقال: علي أقضانا وأبي ~~أقرأنا وإنا لنترك أشياء من قول أبي (1). # ونقل أن عمر جمع أصحاب رسول الله (ص) يستشيرهم وفيهم علي (عليه السلام) ~~فقال له: قل يا أبا الحسن فأنت أعلمهم وأفضلهم (2). # وقال ابن عباس: أعطي علي (عليه السلام) تسعة أعشار العلم وأنه لأعلمهم ~~بالعشر الباقي (3). # PageV00P169 # الفصل السابع في عبادته وزهده وورعه: # أما عبادته (عليه السلام): فاعلم سلك الله تعالى بنا وبك سبيل السعادة أن ~~حقيقة العبادة هي الطاعة فكل من أطاع الله تعالى وقام بامتثال الأوامر ~~واجتناب المناهي فهو عابد، ولما كانت متعلقات الأوامر الصادرة من الله ~~تعالى على لسان نبيه (ص) متنوعة كانت العبادة بحسب ذلك متنوعة، فمنها ~~الصلاة ومنها الصدقة ومنها الصيام إلى غيرها من الأنواع وكل ذلك كان (عليه ~~السلام) قائما فيه مقبلا عليه مسارعا إليه متحليا به حتى أدرك بمسارعته إلى ~~طاعة الله ورسوله ما فات غيره، فإنه جمع بين الصلاة والصدقة فتصدق وهو راكع ~~في صلواته فجمع بينهما وفي وقت واحد حتى أنزل الله تعالى فيه قرآنا يتلى ~~إلى يوم القيامة. # وشرح ذلك وبيانه: ما رواه الإمام أبو إسحق أحمد بن محمد الثعلبي (رضي ~~الله عنه) في تفسير يرفعه بسنده قال بينا عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) ~~جالس على شفير زمزم يقول: # قال رسول الله (ص) (إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، فجعل ابن عباس لا يقول قال ~~رسول الله (ص)) (1) إلا قال الرجل قال رسول الله (ص). # فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟ # قال: فكشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني أنا ~~جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري سمعت النبي (ص) بهاتين وإلا فصمتا، ~~ورأيته بهاتين وإلا فعميتا يقول عن علي (عليه السلام): (إنه قائد البررة ~~وقاتل الكفرة منصور من نصره مخذول من خذله) أما إني صليت مع رسول الله (ص) ~~يوما من ms078 الأيام الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا فرفع السائل ~~يده إلى السماء وقال: اللهم إشهد أني سألت في مسجد رسول الله (ص) فلم يعطني ~~أحد # PageV00P170 # شيئا، وكان علي (عليه السلام) في الصلاة راكعا فأومى إليه بخنصره اليمنى ~~وكان متختما فيها فأقبل السائل وأخذ الخاتم من خنصره وذلك بمرأى من النبي ~~(ص) (وهو يصلي) (1) فلما فرغ النبي (ص) من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: ~~(اللهم إن أخي موسى سألك فقال: * (رب إشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة ~~من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري ~~وأشركه في أمري) * (2) فأنزلت عليه قرآنا ناطقا * (سنشد عضدك بأخيك ونجعل ~~لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا) * (3) اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، ~~اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ~~ظهري) قال أبو ذر: فما استتم رسول الله (ص) كلامه حتى نزل عليه جبرئيل من ~~عند الله فقال: يا محمد إقرأ. # فقال (ص): (وما أقرأ؟). # فأنزل الله عليه: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (4) (5). # PageV00P171 # وقال الإمام الثعلبي عقيب ما أورد هذه القصة بصورتها: سمعت أبا منصور ~~الجشمازي يقول سمعت محمد بن عبد الله الحافظ يقول سمعت أبا الحسن علي ابن ~~الحسين يقول سمعت أبا هارون الحضرمي يقول سمعت محمد بن منصور الطوسي يقول ~~سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (ص) ورضي عنهم من ~~الفضائل ما جاء لعلي (عليه السلام) (1). # وفي إيراده قول الإمام أحمد (رضي الله عنه) عقيب هذه القصة إشارة إلى أن ~~هذه المنقبة العلية وهي الجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين البدنية ~~والمالية في وقت واحد حتى نزل القرآن الكريم يمدح القائم بهما المسارع ~~إليهما قد اختص بهما علي (عليه السلام) ولم تحصل لغيره. # ومما سارع فيه علي (عليه السلام) إلى طاعة ربه وسابق إلى امتثال الأمر به ~~فانفرد لذلك بعبادة أزلفته إلى ms079 مقام قربه لم يعمل بها أحد غيره من آل رسول ~~الله (ص) ولا من صحبه ما بيانه وشرحه، ما أورده أئمة التفسير: الثعلبي، ~~والواحدي (رض) وغيرهما: أن الأغنياء كانوا قد أكثروا مناجاة رسول الله (ص) ~~وغلبوا الفقراء على المجالس عنده، حتى كره رسول الله (ص) ذلك لطول جلوسهم ~~ومناجاتهم، فأنزل الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر) * (2) فأمر بالصدقة أمام ~~المناجاة، فأما أهل العسرة فلم يجدوا وأما الأغنياء فبخلوا فخف ذلك على ~~رسول الله (ص) واشتد على أصحابه فنزلت الآية التي بعدها رخصة فنسختها. # PageV00P172 # فقال علي (عليه السلام): (إن في كتاب الله تعالى لآية ما عمل بها أحد ~~قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) * (1) لما نزلت كان لي دينار فبعته بدراهم ~~وكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت حتى فنيت الدراهم فنسخت الآية بقوله تعالى: * ~~(أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون) * ~~(2)) (3). # ونقل الثعلبي في تفسيره يرفعه بسنده قال: قال علي (عليه السلام): (لما ~~نزلت هذه الآية: * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول) * دعاني رسول ~~الله (ص) فقال: # (ما ترى، ترى دينارا). # فقلت: (لا يطيقونه). # قال: (فكم؟). # قلت: (حبة أو شعيرة). # قال (ص): (إنك لزهيد) فنزلت * (أأشفقتم) * فبي خفف الله تعالى عن هذه ~~الأمة فلم يعمل بها أحد قبلي ولا أحد بعدي) (4). # PageV00P173 # وقال ابن عمر (رضي الله عنه) ثلاث كن لعلي لو أن لي واحدة منهن كانت أحب ~~إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى ~~(1). # ومما اعتمده من الطاعة وسارع فيه إلى العبادة ما رواه الإمام أبو الحسن ~~علي ابن أحمد الواحدي (رحمه الله) وغيره من أئمة التفسير يرفعه بسنده، أن ~~عليا (عليه السلام) آجر نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلا بشئ من شعير فلما ~~أصبح ms080 وقبض الشعير طحن ثلثه وجعلوا منه شيئا يأكلونه يسمى الحريرة (2) فلما ~~تم إنضاجه أتى مسكين فاخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني فلما تم ~~إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي، فلما تم إنضاجه أتى ~~أسير من المشركين فسأل فأطعموه وطووا علي وفاطمة والحسن والحسين، فاطلع ~~الله تعالى عليهم نبيهم - وان القصد في ذلك الفعل وجه الله تعالى طلبا لنيل ~~ثوابه ونجاة من عقابه - فأنزل الله تعالى: * (ويطعمون الطعام على حبه) * ~~(3) إلى آخر الآيات فاثنى عليهم وذكر المجازاة على هذه الحالة بقوله تعالى: ~~* (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقيهم نضرة وسرورا وجزاهم الله بما صبروا جنة ~~وحريرا متكئين فيها على الأرائك) * (4) (5) إلى آخر الآيات. # PageV00P174 # فكفى بهذه عبادة وباطعام هذا الطعام مع شدة حاجتهم إليه منقبة ولولا ذلك ~~لما عظمت هذه القصة شأنا وعلت مكانا ولما أنزل الله تعالى فيها على رسول ~~الله (ص) قرآنا. # وأعلم أن أنواع العبادة كثيرة وكان علي (عليه السلام) جامعا لجميعها فإن ~~من تيقن حقيقة الآخرة بأحوالها وتحقق شدائد أهوالها وأن كل نفس عند مردها ~~ومالها تلزم بجواب سؤالها وتجثو بين يدي خالقها لجدالها وتجازى على ما ~~أسلفته أعمالها أما بنعيمها وأما بنكالها خليق أن يكون عن ساق جده في ~~عبادته مشمرا وأن يجعل وقته على اكتساب طاعات ربه متوفرا فإنه لا يقصر في ~~العبادة إلا من فقد اليقين ولم يكن من المتقين. # وقد كان علي (عليه السلام) منطويا على يقين لا غاية لمداه ولا نهاية ~~لمنتهاه وقد صرح بذلك تصريحا مبينا فقال (عليه السلام): (لو كشف الغطاء ما ~~ازددت يقينا) (1) فكانت عبادته إلى الغاية القصوى تبعا ليقينه وطاعته في ~~الذروة العليا لمتانة دينه. # وأما زهده وورعه فقد شهد له بذلك رسول الله (ص) وأخبر أن الله تعالى حلاه ~~من الزهد بحليته وحباه بزينة بزته وكساه بزة زينته فقال (ص) ما رواه الحافظ ~~أبو نعيم (رضي الله عنه) بسنده في حليته: (يا علي إن الله تعالى قد زينك ~~بزينة لم يزين العباد بزينة أحب ms081 إلى الله منها، هي زينة الأبرار عند الله ~~الزهد في الدنيا فجعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا ولا تزرأ الدنيا منك شيئا) ~~(2). # وإذا كان الزهد ثابتا لعلي (عليه السلام) فاعلم أرشدنا الله تعالى وإياك ~~إلى سواء السبيل # PageV00P175 # أن الزهد (1) في الشئ لا يتحقق إلا بعد معرفة ذلك الشئ المزهود فيه، ~~والإحاطة بأن مجانبته خير من مقاربته والإعراض عنه أنفع من الإقبال عليه، ~~فإن من لم يعرف الشئ ولم يحط بأن اجتنابه خير من اجتذابه لا يخصه بزهد فيه ~~و نفرة عنه ولا يقدم عليه بميل إليه ولا باقتراب منه إذ النفرة والرغبة ~~ينشئان مما اشتمل عليه ذلك الشئ من المفاسد المنفرة والمصالح المرغبة، وذلك ~~لا يحصل إلا بعد الإحاطة والمعرفة به، وإذا وضح لك توقف الزهد على معرفة ~~المزهود فيه، فاعلم أن أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) لم يزهد في الدنيا ~~إلا بعد أن عرف حقيقتها وأحاط علما بدناءتها واطلع ببصر بصيرته على مساوئها ~~وتحقق السموم القاتلة المودعة فيها، وقد صرح بذلك في كثير من كلماته التي ~~أفصح بإيراد صورها ومعانيها وصدع ببيان عطب طالبيها وفوز مجانبيها. # فقال يوما وقد أحدق الناس به: أحذركم الدنيا فإنها منزل قلعة وليست بدار ~~نجعة، هانت على ربها فخلط خيرها بشرها وحلوها بمرها، لم يصفها لأوليائه ولم ~~يضن بها على أعدائه، وهي دار ممر لا دار مستقر، والناس فيها رجلان رجل باع ~~نفسه فأوبقها ورجل ابتاع نفسه فاعتقها، إن اعذوذب منها جانب فحلا أمر منها ~~جانب فأوبى، أولها عناء وآخرها فناء، من استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها ~~حزن ومن ساعاها فاتته ومن قعد عنها أتته، من أبصر بها بصرته ومن أبصر إليها ~~أعمته فالإنسان فيها غرض المنايا مع كل جرعة شرق ومع كل أكلة غصص لا ينال ~~منها نعمة إلا بفراق أخرى (2). # وقال يوما في مسجد الكوفة وعنده وجوه الناس: (أيها الناس إنا قد أصبحنا # PageV00P176 # في دهر عنود وزمن شديد يعد فيه المحسن مسيئا ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ~~ننتفع بما علمنا ولا ms082 نسأل عما جهلنا ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، والناس ~~على أربعة أصناف منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلالة ~~حده ونضيض وفره، ومنهم المصلت بسيفه والمعلن بشره والمجلب بخيله ورجله قد ~~أهلك نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب يقوده أو منبر يفترعه لبئس ~~المتجران، ترى الدنيا لنفسك ثمنا ومما لك عند الله عوضا، ومنهم من يطلب ~~الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا قد طامن من شخصه وقارب من ~~خطوه وشمر من ثوبه وزخرف من نفسه للأمانة واتخذ [ستر] (1) الله تعالى ذريعة ~~إلى المعصية، ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه وانقطاع سببه فقصرته ~~الحال على حاله فتحلى باسم القناعة وتزين بلباس [أهل] (2) الزهادة وليس ذلك ~~في مراح ولا مغدي، وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع وأراق دموعهم خوف ~~المحشر، فهم بين شريد ناء وخائف مقموع وساكت مكعوم وداع مخلص وثكلان موجع، ~~قد أخملتهم التقية وشملتهم الذلة فهم في بحر أجاج، أفواههم ضامرة وقلوبهم ~~قرحة، قد وعظوا حتى ملوا وقهروا [حتى ذلوا وقتلوا] (3) حتى قلوا، فلتكن ~~الدنيا [في أعينكم] (4) أصغر من حثالة القرظ وقراضة الجلم، واتعظوا بمن كان ~~قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم وارفضوها ذميمة فإنها [قد] (5) رفضت من كان ~~أشغف بها منكم فياما أغر خداعها مرضعة وياما أضر نكالها فاطمة) (2). # وقد نقل عنه (عليه السلام) أنه قال وقد اجتمع حوله خلق كثير: (اتقوا الله ~~فما خلق # PageV00P177 # امرؤ عبثا فيهلو ولا ترك سدى فيلغو، وما دنياه التي تحسنت له بخلف من ~~الآخرة التي قبحها سوء (النظر) (1) عنده وما المغرور بزخرفها الدني بناج من ~~عذاب ربه عند مرده إليه (2)). # وله (عليه السلام) في هذا الباب من التنفير عن الدنيا والتنفير عن ~~مساوئها جواهر حكم مبثوثة (3) في غصون خطبه مندرجة في مطاوي مواعظه، منظومة ~~في عقود كلامه، لم أر اقتطاعها منها ولا فصلها عنها ستأتي مسرودة في الفصل ~~المرصد لبيان فصاحته، وإيراد بلغة من عيون بلاغته إن شاء الله تعالى ~~واقتصرت في ms083 هذا الفصل على هذه النبذة فإنها مع قلتها وافية بالغرض في ~~دلالتها على معرفته بالدنيا، فلهذا لما فهمها اتهمها وحين عرفها صرفها وإذا ~~استبانها أبانها ومذ تحققها طلقها وحيث تبين إقبالها بايضاعها وتيقن ~~احتيالها بخداعها، رفض مقتنى متاعها وادحض مستحلى ارتضاعها، فارتدى لباس ~~الزهادة فيها وامتطى مطي الرغبة عنها، فصار زهده فيها شعارا مدركا بالابصار ~~وأثرا حقيقيا لا يقابل دعوى وجوده بالإنكار حتى توارت منه متون الأخبار ~~وتجاهرت به أقوال أئمة الأمصار. # فمنها: أن ابن النباح خازن بيت المال جاءه يوما فقال: يا أمير المؤمنين ~~قد امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء. # فقال (عليه السلام): (الله أكبر - ثم قام متوكئا على الخازن حتى قام على ~~بيت المال - فقال: # هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه # PageV00P178 # يا بن النباح علي بأشياع الكوفة). # فنودي في الناس فأعطى الناس ووضع الحقوق في مقارها وهو يقول: # (يا صفراء يا بيضاء غري غيري) ها وها حتى ما بقي فيه دينار ولا درهم، ثم ~~أمر بنضحه وقام فصلى فيه ركعتين وانصرف إلى مكانه كما جاء منه لم يصحبه منه ~~شئ (1). # قال مجمع التيمي: كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يكنس بيت المال ~~ويصلي فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة (2). # ومنها: أن هارون بن عنترة قال: قال لي أبي، دخلت على أمير المؤمنين علي ~~(عليه السلام) بالخورنق وهو يرعد تحت سمل قطيفة فقلت: يا أمير المؤمنين إن ~~الله تعالى قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال ما يعم وأنت تصنع بنفسك ما ~~تصنع! # فقال (عليه السلام): (والله ما أرزاكم من مالكم شيئا وإن هذه لقطيفتي ~~التي خرجت بها من منزلي من المدينة وما عندي غيرها) (3). # PageV00P179 # ونقل أن معاوية قال بعد موت علي (عليه السلام) لضرار بن صرد: صف لي عليا. # فقال: أو تعفيني. # قال: بل صفه. # قال: أو تعفيني. # قال: لا أعفيك. # قال: أما إذا لابد فأقول ما أعلمه منه، والله كان بعيد المدى شديد القوى، ~~يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر ms084 العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، ~~يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة ~~طويل الفكرة يقلب كفيه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما ~~جشب، كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويبتدينا إذا أتيناه ويأتينا إذا ~~دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة ولا نبتديه ~~عظمة، إن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين ويحب المساكين، لا ~~يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، فاشهد بالله لقد رأيته في ~~بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه وغارت نجومه وقد مثل في محرابه قابضا على ~~لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وكأني أسمعه وهو يقول: (يا ~~دنيا يا دنيا أبي تعرضت، أم إلي تشوقت!! هيهات هيهات غري غيري قد أبنتك ~~ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كثير، آه من قلة الزاد ~~وبعد السفر ووحشة الطريق). # قال: فذرفت دموع معاوية على لحيته فما يملكها وهو ينشفها بكمه وقد اختنق ~~القوم بالبكاء. # فقال معاوية: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ ~~PageV00P180 # قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها ولا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها (1). # ومما يجري مجراها ويتلوها في ذكراها، قصة سودة بنت عمارة الهمدانية (2) ~~لما قدمت على معاوية بعد موت أمير المؤمنين (عليه السلام) فجعل يؤنبها على ~~تحريضها عليه أيام صفين وآل أمره إلى أن قال: ما حاجتك؟ # فقالت: إن الله تعالى مسائلك عن أمرنا وما افترض عليك من حقنا، ولا يزال ~~يقدم علينا من قبلك من يسمو بمكانك ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل ~~ويدوسنا دوس الحرمل يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف، وهذا بشر بن أرطأة قدم ~~علينا فقتل رجالنا وأخذ أموالنا، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعه فإن ~~عزلته عنا شكرناك وإلا كفرناك. # فقال معاوية: إياي تهددين بقومك [والله] (3) لقد هممت أن أحملك على قتب ~~أشوس فأردك إليه فينفذ فيك حكمه. # PageV00P181 # فأطرقت سودة ساعة ثم قالت: # صلى الإله ms085 على روح تضمنها * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد خالف الحق لا ~~يبغي به بدلا * فصار بالحق والإيمان مقرونا فقال معاوية: من هذا يا سودة؟ # فقالت: هذا والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) والله لقد ~~جئته في رجل كان ولاه صدقاتنا فجار علينا فصادفته قائما يصلي فلما رآني ~~إنفتل من صلاته ثم أقبل علي برحمة ورفق ورأفة وتعطف وقال: (ألك حاجة)؟ # فقلت: نعم، وأخبرته الخبر فبكى، ثم قال: (اللهم أنت الشاهد علي وعليهم، ~~إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك). # ثم أخرج من جيبه قطعة جلد فكتب فيها: (* (بسم الله الرحمن الرحيم قد ~~جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) * (1) فإذا قرأت ~~كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم من يقبضه منك والسلام). # ثم دفع الرقعة إلي فوالله ما ختمها بطين ولا خزمها فجئت بالرقعة إلى ~~صاحبه فانصرف عنا معزولا. # فقال معاوية: اكتبوا لها كما تريد واصرفوها إلى بلدها غير شاكية (2). # وكم مثل هذه القضايا التي كان (عليه السلام) يعتمدها تؤذن بوقوفه مع الحق # PageV00P182 # وتوخيه رضي الله عنه ورغبته في الدار الآخرة وقيامه بأمر ربه وزهده في ~~الدنيا. # وقد نقل الحافظ أبو نعيم (رضي الله عنه) بسنده في حليته أن رسول الله (ص) ~~قال: # (يا علي - وضرب بين كتفيه - لك سبع خصال لا يحاجك فيهن أحد يوم القيامة، ~~أنت أول المؤمنين بالله [إيمانا] (1) وأوفاهم بعهد الله وأقومهم بأمر الله ~~وأرأفهم بالرعية وأقسمهم بالسوية وأعلمهم بالقضية وأعظمهم مزية يوم القيمة) ~~(2) وهذا تصريح بثبوت ما تلوناه من الصفات وما مدحته به سودة من الخلال له ~~(عليه السلام). # ومنها: ما نقله أبو مطرف قال: رأيت عليا (عليه السلام) مؤتزرا بإزار ~~مرتديا برداء، ومعه الدرة يدور كأنه إعرابي بدوي حتى بلغ سوق الكرابيس ~~فقال: (يا شيخ بعني قميصا بثلاثة دراهم)، فلما عرفه ذلك الشيخ لم يشتر منه ~~شيئا (فأتى آخر فلما ms086 عرفه لم يشتر منه شيئا) (3) فأتى غلاما حدثا فاشترى ~~منه قميصا بثلاثة دراهم، ثم جاء أبو الغلام فأخبره فأخذ أبوه درهما ثم جاء ~~به فقال: هذا الدرهم يا أمير المؤمنين. # قال (عليه السلام): (وما شأن هذا الدرهم؟) قال: كان قميصا ثمنه درهمين. # قال (عليه السلام): (باعني رضاي وأخذ رضاه فخذ درهمك وانصرف) (4). # PageV00P183 # ومنها: أنه خرج إلى الناس وعليه إزار مرقوع فعوتب (1) في لبسه. # فقال: (يخشع القلب بلبسه ويقتدي به المؤمن إذا رآه علي) (2). # وقد اشترى يوما ثوبين غليظين فخير بشر (3) فيهما فأخذ واحدا ولبس هو ~~واحدا فرأى في كمه شيئا من الطول عن أصابعه فقال (عليه السلام): (اقطعه لي ~~من هاهنا مع الأصابع) فقطع ما فضل عن أطراف الأصابع (4). # وخرج يوما إلى السوق ومعه سيف ليبيعه فقال: (من يشتري مني هذا السيف ~~فوالذي فلق الحبة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله (ص) ولو كان عندي ~~ثمن إزار ما بعته) (5). # PageV00P184 # ومنها: أنه (عليه السلام) كان قد ولى على عكبرا رجلا من ثقيف فقال هذا ~~الوالي: قال لي أمير المؤمنين (عليه السلام): (إذا صليت الظهر غدا فعد ~~إلي). # قال: فلما كان الغد وصليت الظهر غدوت إليه فلم أجد عنده حاجبا يحبسني ~~دونه، فوجدته جالسا وعنده قدح وكوز [فيه] (1) ماء فدعا بوعاء مشدود عليه ~~ختم، فقلت في نفسي لقد أمنني حتى يخرج إلي جوهرا ولا أدري ما فيه، فلما كسر ~~الختم وحله فإذا فيه سويق فأخرج منه فصبه في القدح وصب عليه ماء (2) وشرب ~~وسقاني فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين أتصنع هذا بالعراق وطعام العراق ~~كثير (3)؟ # فقال (عليه السلام): (أما والله ما أختم عليه بخلا (به) (4) ولكنني أبتاع ~~قدر ما يكفيني فأخاف أن ينقص فيوضع فيه من غيره، وأنا أكره أن أدخل بطني ~~إلا طيبا فلذلك احترزت بما ترى فإياك وتناول ما لا تعلم حله) (5). # PageV00P185 # ومنها: ما حكاه مجاهد قال: قال لي علي (عليه السلام): (جعت يوما بالمدينة ~~جوعا شديدا فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة فإذا أنا بامرأة قد ms087 جمعت ~~مدرا فظننتها تريد بله فأتيتها فقاطعتها كل ذنوب على تمرة فمددت ستة عشر ~~ذنوبا حتى مجلت يداي ثم أتيت الماء فأصبت منه ثم أتيتها فقلت بكفي هكذا بين ~~يديها - وبسط الراوي كفيه وجمعهما - فعدت لي ست عشرة تمرة فأتيت النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فأخبرته فأكل معي منها) (1). # ومنها: ما رواه عمرو بن يحيى عن أبيه قال: أهدي إلى علي (عليه السلام) ~~زقاق من عسل وسمن فتركتهما ليرجع صاحبهما فيردهما إليه، فلما عاد من الصلاة ~~وجدهما قد نقصا فسأل عن ذلك، فقيل له بعثت أم كلثوم فأخذت منه، فبعث إلى ~~المقومين فقوموا ما نقص بخمسة دراهم فبعث إلى أم كلثوم: (ابعثي لي بخمسة ~~دراهم) فأضافهما إليهما وأعادهما (2). # ومثل هذه: أنه وصل إليه (عليه السلام) زقاق عسل جاءت من اليمن فنزل ~~بالحسن ولده (عليه السلام) ضيف فاستسلف الحسن درهما فاشترى به خبزا واحتاج ~~إلى الإدام فطلب من قنبر أن يفتح له زقا من تلك الزقاق، ففتحه وأخذ منه ~~رطلا. # فلما قعد (عليه السلام) ليقسم الزقاق قال (عليه السلام): (يا قنبر قد حدث ~~في هذا الزق حدث). # فقال: صدق قولك يا أمير المؤمنين، وأخبره الخبر فغضب. # فقال (عليه السلام): (علي به). # PageV00P186 # فلما حضر الحسن هم بضربه فأقسم عليه بعمه جعفر. وكان (عليه السلام) إذا ~~سئل بحق جعفر سكن. # فقال (عليه السلام): (ما حملك على ما فعلت وأخذت منه قبل القسمة). # قال: (إن لنا فيه حقا فإذا أعطينا رددناه). # قال: (وإن كان لك فيه حق ولكن ليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع الناس ~~بحقوقهم، لولا أني رأيت رسول الله (ص) يقبل ثنيتك لأوجعتك ضربا). # ثم دفع إلى قنبر درهما وقال: (إشتر به من أجود عسل تقدر عليه). # قال الراوي: فكأني أنظر إلى يدي علي (عليه السلام) على فم الزق وقنبر ~~يقلب العسل فيه ثم شده بيده وجعل يبكي ويقول: (اللهم أغفرها للحسن فإنه لا ~~يعلم) (1). # فهذه الوقائع والقضايا المفصلة التي أسفر له (عليه السلام) فجر نهارها ~~وأبدر لديه قمر ms088 شعارها وظهر عليه سر آثارها وانتشر عنه خبر أسرارها شاهدة ~~له (عليه السلام) أنه في العبادة ابن جلاها وقارع ذروة علاها وضارب في ~~أعشارها بمعلاها وراكب من مطيتها غارب مطاها، قد صدعت بمنطوقها ومفهومها ~~بأنه (عليه السلام) قد حوى مقامات العابدين حتى حل مقام الإمامة واتصف ~~بسمات الزاهدين فبيده زمام الزعامة، فتحلى بالإمامة والعبادة والمحبة ~~والزهد والورع والمعرفة والتوكل والخوف والرجاء والصبر والشكر والرضا ~~والخشية، فهو ذو جنان (2) وتفكر ونسك وتدبر # PageV00P187 # وتهجد وتذكر وتأوه وتحسر وأذكار وأوراد واصدار وإيراد، فكابد من أنواع ~~العبادات ووظائف الطاعات ما لا يكاد الأقوياء ينهضون بحمل أعبائه إلى أن ~~نزل القرآن الكريم بمدحه وأسفر بالثناء عليه من التنزيل وجه صبحه. # حتى نقل الواحدي (رضي الله عنه) في تفسيره يرفعه بسنده إلى ابن عباس (رضي ~~الله عنه) أنه قال: # إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يملك أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا ~~وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية فنزل فيه قوله تعالى: * (الذين ~~ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون) * (1) (2). # ومن تأمل ما قصصناه من الوقائع والقضايا وتدبر ألفاظها ومعانيها وجدها ~~صادعة بالشهادة له (عليه السلام) بهذه المقامات جامعة فيه ما فضله القلم من ~~الصفات، وكفاه شرفا أنزل الله تعالى مدحه في السور والآيات وأنها تتلى ~~بألسنة الأمة إلى يوم القيامة في وظائف الصلوات. # هذه المزايا بعض ما جلى بها * وجنى من الخيرات والبركات وله وظائف طاعة ~~أورادها * معمورة الاناء والأوقات بعبادة وزهادة وتورع * وتخشع وتدرع ~~الأخبات # PageV00P188 # وتقلقل وتوكل وتفكر * وتدبر وتذكر المثلات وإذا الظلام سجى يناجي (1) ربه ~~* متضرعا بالذكر والدعوات يعنو له بخضوع قلب خاشع * وهموع طرف مسبل العبرات ~~علم علت درجاته وفضائل * شرفت معارجها على الشرفات ومناقب نطقت بها آي ~~الكتاب * وحسبها إن جاء شاهدها من الآيات (2) (3) # PageV00P189 # في شجاعته وجهاده ومواقفه (عليه السلام)... PageV00P190 # الفصل الثامن في شجاعته وجهاده ومواقفه: # قبل الشروع في تفاصيل هذه المزايا المشار إليها لابد من بيان حقيقة ~~الشجاعة بذكر ماهيتها ms089 ثم بعد ذلك يقع الكلام في بيان اتصافه (عليه السلام) ~~بها وظهور آثارها منه. # فأقول: الشجاعة عبارة عن قوة في القلب تبعث على الاقدام على ارتكاب ~~الأفعال المخوفة. فكل من حصلت له هذه الحالة فقد اتصف بالشجاعة فيسمى ~~شجاعا، وقد كان (عليه السلام) قد منحه الله تعالى بها وأتاه إياها فإن قوة ~~قلبه الباعثة على إقدامه على ارتكاب الأهوال في ملاقاة الأبطال، والانغماس ~~في تيار الأخطار المختطف مهج الآجال، كانت ظاهرة على أعطافه منتشرة في ~~جوارحه (1) وأطرافه مشتهرة من نعوته وأوصافه منذرة كل من تعرض لنزاله، ~~وجلادة بتجديله وإتلافه، يحذر أجلاد الرجال جلاد مقامه ويفر شداد الأبطال ~~عند اشتداد أقدامه ويفطر غمام نقع مواقفه نفوسا برعد ضربه وبرق حسامه، ~~وتتحاماه الآساد في استدارة رحى الحروب، ويتجافاه المراد عند تضايق مأزق كل ~~أسلوب، له وثبات تقطع رواسي الرؤوس وتقتلع رواسخ القلوب، وثبات إذا تزلزلت ~~(2) الأقدام لكرابة الكروب واختلاف الخطوب. وها أنا الآن آتي على هذا ~~الإجمال بتفصيل يشرحه وتبيين يوضحه فأقول: # إن عليا (عليه السلام) كان خوضه في غمرات الأهوال ونزوله في محال الآجال ~~وحلوله في مواطن شدائد الأحوال غير مكترث بأهوالها ولا مضطرب لأوجالها ولا ~~ملتفت إلى شئ من شدائد أحوالها، قد صار له عادة مألوفة وسجية مستعذبة # PageV00P191 # يأتيها إتيان مستأنس بها ألف لها وهي لكثرتها لا يضبطها حصر ولا يحصرها ~~ضابط ولكن أذكر طرفا صالحا منها ليكون إن شاء الله تعالى وافيا بالكشف ~~والبيان. # فأول ما أبدأ به أن النبي (ص) لما بايع طائفة من الأنصار بيعتي العقبة ~~الأولى والثانية صار المسلمون كلما اشتد عليهم الأذى بمكة هاجروا إلى ~~المدينة فلما علم المشركون بمكة أنه قد صار لهم (1) دار هجرة ورأوا أن أكثر ~~من أسلم قد هاجر من مكة إليها، اجتمع رؤساء قريش لينظروا ما يصنعون بالنبي ~~(ص) فأتاهم إبليس في صورة شيخ نجدي فقال لهم: قد بلغني اجتماعكم لمشاورتكم ~~فأحببت أن أحضركم فما تعدمون مني رأي خير. فأدخلوه معهم واجتمعوا في دار ~~الندوة. # فقال أبو البختري: أرى أن ms090 تحبسوا محمدا في بيت وتسدوا بابه غير كوة يدخل ~~منها طعامه وشرابه وتتربصوا به ريب المنون. # فقال الشيخ النجدي: ليس هذا برأي فإنه له عشيرة فتحملهم الحمية على أن لا ~~تمكنوا منه فتتقاتلوا. # فقالوا: صدق الشيخ. # فقال هشام بن عمرو: أرى أن تركبوه جملا شرودا وتخرجوه من بينكم فيكون ~~هلاكه على يد غيركم وتستريحوا منه. # فقال الشيخ النجدي: بئس الرأي هذا تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاءكم ~~فاتبعوه فتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم ويستتبعهم وله من عذوبة القول وطلاقة ~~اللسان واستمالة القلوب ما قد علمتم، والله لئن فعلتم ليجمعن الناس ~~ويقاتلكم ويخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. # فقالوا: صدق الشيخ. # فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي لا أرى غيره، وهو أن تأخذوا من # PageV00P192 # كل بطن من بطون قريش غلاما وسطا وتدفعوا إلى كل غلام سيفا فيضربوا محمدا ~~ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمه في قبائل قريش كلها (ولا يقدر بنو هاشم ~~على حرب قريش كلها) (1) فيرضون بالعقل فتعطونهم عقله وتخلصون منه. # فقال لهم إبليس لعنه الله: هذا هو الرأي وقد صدق فيما أشار به وهو أجود ~~رأيكم فلا تعدلوا عنه. # فتفرقوا على قول أبي جهل مجمعين على قتل النبي (ص) فأتى جبرئيل (عليه ~~السلام) رسول الله (ص) فأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان ~~يبيت فيه وأذن له الله تعالى في الهجرة، فلما علم النبي (ص) بمكرهم وما ~~عزموا عليه ونهاه جبرئيل عن النوم في مضجعه أمر عليا (عليه السلام) بأن ~~يبيت في المضجع الذي كان يبيت فيه النبي (ص) فقال: (إتشح ببردي الحضرمي ~~فإنه لن يخلص إليك منهم أمر تكرهه). # ثم خرج رسول الله (ص) وأخذ قبضة من تراب فأخذ الله تعالى أبصارهم فلم ~~يبصروه ونزل التراب على رؤوسهم وبات علي (عليه السلام) في المضجع - ~~والمشركون مجمعون على أخذه وقتله ولم يضطرب لذلك قلبه ولا اكترث بهم - فلما ~~أصبحوا صاروا إليه فرد الله كيدهم فقالوا: أين صاحبك؟ # فقال (عليه السلام): (لا أدري) وأقام بعد رسول الله ms091 (ص) بمكة ثلاث ليال ~~وأيامها يرد الودائع التي كانت عند رسول الله (ص) للناس حتى إذا فرغ منها ~~ولم يبق بمكة من المسلمين أحد سواه إلا من هو معذب في الإسلام محبوس عليه، ~~ثم خرج (عليه السلام) طالبا أن يلحق بالنبي (ص) وحده فأقام وحده (2) بينهم، ~~ثم خرج وحده من مكة مع شدة عداوتهم له، وطلب المدينة فوصلها فنزل مع # PageV00P193 # رسول الله (ص) على كلثوم بن هرم (1). # فلو لم يكن الله تعالى قد خص قلبه بقوة، وجنانه بثبات، ونفسه بشهامة، ~~لاضطرب في هذا المقام وإن كان آمنا من أذاهم في مبيته لقول النبي (ص): (لن ~~يخلص إليك منهم شئ تكرهه) فإن النفوس البشرية قد يتيقن عدم الخوف (والأذى) ~~(2) ومع ذلك يظهر عليها الاضطراب من رؤية المخوف، فإن موسى (عليه السلام) ~~مع درجة النبوة فقد أخبره الله تعالى بأنه اختاره لما أمره بالقاء عصاه ~~فألقاها فلما صارت حية خاف وولى مدبرا فقال له الله تعالى: * (أقبل ولا ~~تخف) * (3) وقال تعالى: * (خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) * (4) فلم ~~يمكنه أن يخالف الأمر وكان عليه كساء فلف طرف الكساء على يده ليأخذها فقال: ~~مالك يا موسى أرأيت لو أذن الله لها في أذاك لرد عنك كساؤك شيئا. # فقال: لا ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت (5). # فالنفس البشرية هذا طبعها وكذلك أم موسى لما أمرها الله تعالى بالقاء ~~ولدها # PageV00P194 # في اليم ونهاها عن الخوف والحزن وأخبرها أنه يرده إليها فلما ألقته في ~~اليم داخلها الاضطراب من النفس البشرية حتى كادت لتبدي به وتفضح أمرها لولا ~~أن ربط الله عليها فلم تنطق مع اضطراب القلب، فلولا إن الله تعالى منح عليا ~~(عليه السلام) قلبا متصفا بالقوة التامة التي هي الشجاعة لكان مع امتثال ~~أمر النبي (ص) وأمنه من تطرق الأذى إليه لقول النبي (ص) له يضطرب بالنفس ~~البشرية، فإن مبيت واحد بين زمر من الأعداء قاصدين الفتك به معاندين لدينه ~~مظهرين عداوته ثم إقامته بينهم بعد خروج النبي (ص) ثلاث ليال بأيامهن ثم ~~خروجه من بلدتهم ms092 في شعابها وطرقاتها بين جبالها المختلفة مقدما على مسيرها ~~في أراضي الأعداء وحده مع كثرتهم من أوضح الأدلة وأرجح الحجج على شجاعة قد ~~خصه الله بها، وشهامة منحه إياها. # وكان رسول الله (ص) إذا ألم مؤلم أو آلمه ملم أو أهم عارض أو عرض مهم ندب ~~له عليا (عليه السلام) لما يعلمه من شجاعته وشهامته وخبرته ومعرفته وعزيمته ~~ونهضته فيزدلف إلى ذلك الأمر ازدلاف السيل إلى الوهاد، ويكشف عنه باشتداد ~~عزمه المعتاد، ويثقف منه بسداد سعيه أود المتاد كما نقل أبو محمد عبد الملك ~~بن هشام في السيرة النبوية ما ملخصه: أن رفاعة بن زيد الجذامي قدم على رسول ~~الله (ص) وكتب له رسول الله (ص) كتابا إلى قوم يدعوهم إلى الإسلام، فقدم ~~عليهم بالكتاب ودعاهم إلى الإسلام فاستجابوا له، ثم إن زيدا بن حارثة جهزه ~~رسول الله (ص) بجيش فاتفق أن الجيش أصابوا قوم رفاعة فقتلوا وأسروا وهم لا ~~يعلمون حقيقة حالهم، فجاء من قوم رفاعة جماعة إليه فأعلموه فركب معهم إلى ~~المدينة فدخل على النبي (ص) وعرض الكتاب، وقال: يا رسول الله دونك هذا ~~قديما كتابه حديثا غدره. # فقال رسول الله (ص): (إقرأه)، فلما قرأه فأخبره الخبر قال مقدم جذام وهو ~~مع رفاعة: يا رسول الله اطلق لنا من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هذه. # فحينئذ ندب النبي (ص) عليا (عليه السلام) ليمضي معهم فيطلق الأسارى ~~ويسترجع ما أخذه الجيش من أموالهم. PageV00P195 # فقال علي (عليه السلام): (يا رسول الله إن زيدا لا يطيعني فهو أمير ~~الجيش). # فقال رسول الله (ص): (فخذ سيفي هذا). # فأعطاه سيفه، ثم ركب بعيرا معهم وخرجوا فإذا رسول لزيد على ناقة من إبل ~~جذام، فعرفوها فأنزله علي (عليه السلام) عنها: فقال: يا علي ما شأني؟ # فقال: (لهم مالهم عرفوه فأخذوه)، ثم سار علي وهم معه فلقوا الجيش فأطلق ~~واستنقذ جميع ما في أيديهم حتى لبد المرأة من تحت الرجل، ثم عاد بعد ما جمع ~~لهم جميع أموالهم المتفرقة شتا حتى لم يفقدوا ms093 منها عقالا ولا بتا وسلك في ~~إقامة ما أمر به طريقة لا عوج فيه ولا أمتا (1). # كما نقل الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (رحمه الله) في كتابه ~~الموسوم بأسباب النزول في سبب نزول قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) * (2) إن مولاة لأبي عمر ~~بن صهيب ابن هشام بن عبد مناف، قدمت من مكة إلى المدينة ورسول الله (ص) ~~يتجهز لقصد فتح مكة فلما جاءت إلى رسول الله (ص) قال: (أمسلمة جئت؟). # قالت: لا. # قال (ص): (فما جاء بك؟). # قالت: أنتم الأهل والعشيرة لتعطوني وتكسوني. # فحث رسول الله (ص) بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها فانصرفت، فنزل ~~جبرئيل (عليه السلام) إلى النبي (ص) فأخبره أن حاطب بن أبي بلتعة قد كتب ~~كتابا إلى أهل مكة يقول فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: إن رسول ~~الله (ص) يريدكم فخذوا حذركم. # PageV00P196 # وإنه دفع الكتاب إلى الظعينة المذكورة وأعطاها عشرة دنانير على أن توصل ~~الكتاب إلى أهل مكة، فلما أخبر جبرئيل النبي (ص) بذلك، اختار رسول الله (ص) ~~عليا (عليه السلام) فبعثه ومعه الزبير والمقداد [وعمار وطلحة وأبا مرثد] ~~(1) وقال لهم: (إنطلقوا إلى روضة خاخ فإن فيها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى ~~المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها). # فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان فقالوا: أين الكتاب؟ # فحلفت بالله ما معها كتاب ففتشوا متاعها فلم يجدوا كتابا فهموا بالرجوع ~~وتركوها. # فقال علي (عليه السلام): (والله ما كذبنا رسول الله (ص)) وسل سيفه وجزم ~~عليها وقال: (أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك ولأضربن عنقك) وصمم على ذلك، ~~فلما رأته الجد أخرجت الكتاب من ذؤابتها قد خبته في شعرها (2)، فأخذ الكتاب ~~منها وخلوا سبيلها وعادوا إلى رسول الله (ص) فأخذ الكتاب فوجده على ما ~~أخبره به جبرئيل (عليه السلام) (3). # فاستخرج علي (عليه السلام) بقوة عزمه وتصميم إقدامه وجزمه ومتانة احتياطه ~~وحزمه ذلك الكتاب المرقوم المنفذ من النمام المذموم ms094 إلى مشركي مكة ليحترزوا ~~في أمرهم ويتأهبوا للحرب عند قصدهم فكشف هذه الغمة بشدة بأسه وأبطل هذه ~~المكيدة بقوة أنفاسه. # PageV00P197 # (وأما جهاده في سبيل الله تعالى) (1) واجتهاده في قتال المشركين في ~~الغزوات والسرايا فأشهر من نصرة الأنصار وأظهر من ظهيرة النهار وقد نقل ~~الواحدي (رحمه الله) في كتابه الذي صنفه في أسباب النزول أن الحسن والشعبي ~~والقرطبي (رحمهم الله) قالوا: إن عليا (عليه السلام) والعباس (رضي الله ~~عنه) وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة بن شيبة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه ~~ولو أشاء بت فيه. # وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها. # وقال علي (عليه السلام): (ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس ~~وأنا صاحب الجهاد) فأنزل الله تعالى: * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله) ~~* إلى أن قال: * (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون) * إلى * (أجر عظيم) * (2) ~~(3) فصدق الله بهذه الآيات عليا (عليه السلام) في دعواه وحقق له اتصافه ~~بالجهاد وزكاه ورفع مقامه بذلك وأعلاه. # (وهذا تفصيل شئ من مواطن جهاده) (4) ومواقف قتاله في سبيل الله وجلاده، ~~فمنها ما كان مع رسول الله (ص)، ومنها ما لم يكن معه. # PageV00P198 # فأما مقاماته في الغزوات مع رسول الله (ص) فمنها: ما كان على رأس ثمانية ~~عشر شهرا من قدومه المدينة وعمر علي (عليه السلام) إذ ذاك سبع وعشرون سنة، ~~غزاة بدر التي أودت بالشرك فقصمت مطاه وفصمت عراه وأذاقت كل مشرك حضرها ~~وبال أمره بما قدمت يداه، فسقتهم كأس الدمار وأذاقتهم لباس البوار ونقلت ~~الملأ منهم من منقلب القليب إلى تقليبهم في عذاب النار، فيومها يوم خصه ~~الله بابدار بدره فبشرت بالنصر تباشير فجره، ونشرت ألوية الظفر بقتل صناديد ~~كفره وظهرت فيه من كل مؤمن علانية جهره وسريرة سره وأنزلت آيات القرآن ~~الكريم بتنويه ذكره وعلت على الأيام العظام قدم قدره ونزلت الملائكة ~~المسومة لإمداد رسول ms095 الله (ص) ونصره، وانجلت الغمة عن المسلمين بما أمدهم ~~الله تعالى من جند خلقه وأمره، وانقسمت جموع المشركين يومئذ إلى مجدول ~~بقتله ومخذول بأسره، وكان علي (عليه السلام) خائض لجج غمراته بقلب قلب لا ~~يجف وجري جنان (لا يقف) (1) مشمرا عن ساق شجاعة لا تنصرف وقدم أقدام لا ~~تنحرف ومقدما بعضد عزم لا يضعف وساعد حزم لا يرجف ومسفرا عن بارق همة لا ~~تخلف وسابق قوة لا يقرف يقط بشبا سيفه رقاب الهام قط الأقلام ويحط الرؤوس ~~عن الجثث إلى مصافحة الاقدام ويفجر من مجاري الطلا ينابيع دماء يسقى بها ~~عطاش الرغام، فكان عدد من قتلهم (عليه السلام) يوم بدر من مقاتلة المشركين ~~على ما قيل في المغازي ونقله أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتابه الذي ~~صنفه وسماه بالسيرة النبوية استقلالا واشتراكا واحدا وعشرين قتيلا، منهم من ~~اتفق الناقلون على مباشرته (عليه السلام) قتلهم انفرادا بلا خلاف وهم تسعة، ~~ومنهم من شاركه في قتلهم غيره وهم أربعة، ومنهم من اختلف النقل فيهم فقيل ~~هو باشر قتلهم وقيل غيره ثمانية. # فأما الذين استقل (عليه السلام) بقتلهم بلا خلاف فهم: الوليد بن عتبة بن ~~ربيعة خال # PageV00P199 # معاوية بن أبي سفيان قتله مبارزة، والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية، ~~وعامر ابن عبد الله، ونوفل بن خويلد بن أسد وكان من شياطين قريش، ومسعود بن ~~أبي أمية بن المغيرة، وأبو قبيس بن الفاكه، و عبد الله بن المنذر بن أبي ~~رفاعة، والعاص ابن منبه بن الحجاج، وحاجب بن السايب. # وأما الذين شاركه في قتلهم غيره فهم: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب أخو ~~معاوية، وعبيدة بن الحارث، وزمعة وعقيل ابنا الأسود بن المطلب. # وأما الذين اختلف الناقلون في أنه (عليه السلام) قتلهم أو غيره فهم: طعيم ~~بن عدي، وعمير بن عثمان بن عمرو، وحرملة بن عمرو، وأبو قيس بن الوليد بن ~~المغيرة، وأبو العاص بن قيس، وأوس الجمحي، وعقبة بن أبي معيط صبرا، ومعاوية ~~بن عامر. # فهذه عدة من قيل أنه ms096 (عليه السلام) قتلهم من مقاتلة المشركين يوم بدر، ~~غير النضر بن الحارث فإنه قتله صبرا بعد القفول من بدر فإذا وضح ذلك فقد ~~أجمع أهل المغازي في كتبهم على أن عدة من قتل يوم بدر من مقاتلة المشركين ~~سبعون رجلا (1). # فإذا كان جميع من قتله المسلمون بأسرهم يوم بدر سبعين وقد أضيف إلى علي ~~(عليه السلام) من هذا العدد ما تقدم وفي هذا وحده اسجال بشجاعته لا يتطرق ~~النقص إلى حكمه ولا يداخل سامعيه شك في الإحاطة بعلمه، فإن من قد قد سيفه ~~أوصال أبشار أحد وعشرين قتيلا من سبعين فمزقها وأغمد مصلته في لباتهم ~~فاستخرج رمقها وشرد بأسه نفوسهم عن أجسادهم فازهقها فطارت شعاعا من الفرق ~~فالزمها ذلك وأرهقها وبقي تمام السبعين مضافا إلى جميع المسلمين وكانوا ~~ثلاثمائة وبضعة عشر، كيف لا يتيقن شجاعته من وقف على هذه القصة وتحققها # PageV00P200 # وكشف نقل الثقات من أرباب المغازي وعرف طرقها فصدقها. # ومنها: غزاة أحد وهي في شوال سنة ثلاث من الهجرة وعمر علي (عليه السلام) ~~يومئذ ثمان وعشرين سنة وشهور لم يبلغ تسعا وعشرين سنة، وتلخيص القول في هذه ~~القصة: أن أشراف قريش لما كسروا يوم بدر فقتل بعضهم واسر بعضهم ودخل الحزن ~~على أهل مكة بقتل رؤسائهم وأسرهم تجمعوا وبذلوا أموالا واستمالوا جمعا من ~~الأحابيش من كنانة وغيرهم ليقصدوا النبي (ص) بالمدينة لاستئصال المسلمين، ~~وتولى كبر ذلك أبو سفيان بن حرب فحشد وحشر وقصد المدينة فخرج النبي (ص) ~~بالمسلمين وكانت غزوة أحد، ونفق النفاق بين جماعة من الذين خرجوا مع النبي ~~(ص) فتعاملوا به وأنساهم القضاء المبرم التفكر في سوء ماله ومنقلبه، فرجع ~~من الناس ما يقرب من ثلثهم إلى المدينة وبقي مع النبي (ص) سبعمائة من ~~المسلمين، وقد وصف الله تعالى صورة الحال في هذه الغزاة في سورة آل عمران ~~من قوله تعالى: * (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال) * (1) إلى ~~آخر ستين آية، واشتدت الحرب ودارت رحاها واضطرب المسلمون واستشهد حمزة (رضي ~~الله عنه) وجماعة من المسلمين ms097 وقتل المسلمون من مقاتلة المشركون اثنين ~~وعشرين قتيلا. # نقل أرباب المغازي أن عليا (عليه السلام) قتل منهم سبعة، منهم طلحة بن ~~أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى، و عبد الله بن جميل من بني ~~عبد الدار (2)، وأبو الحكم بن الأخنس، وسباع بن عبد العزى، وأبو أمية بن ~~أبي [حذيفة بن] (3) المغيرة، هؤلاء الخمسة متفق على قتل علي (عليه السلام) ~~إياهم، وأبو سعد بن أبي طلحة، # PageV00P201 # وغلام حبشي لبني عبد الدار قيل استقل بقتلهما (عليه السلام) وقيل قتلهما ~~غيره. # ولما عاد أبو سفيان بمن بقي معه من المشركين عن أحد طالبين إلى مكة، دخل ~~النبي (ص) إلى المدينة فدفع النبي (ص) سيفه وهو ذو الفقار إلى فاطمة (عليها ~~السلام) فقال: (إغسلي عن هذا دمه يا بنية فوالله لقد صدقني اليوم (وفي هذا ~~اليوم) (1) وناولها علي (عليه السلام) أيضا سيفه وقال لها: (وهذا [أيضا] ~~(2) فاغسلي عنه دمه فوالله لقد صدقني اليوم (وفي هذا اليوم)) (3). # قال ابن أبي نجيح: (نادى مناد (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي). # هذا تلخيص ما أورده أبو محمد عبد الملك بن هشام في سيرته (4). وحيث علم ~~ذلك، فإذا انجلت المعركة عن اثنين وعشرين قتيلا من مقاتلة المشركين بأيدي ~~المسلمين وهم سبعمائة وكان من القتلى سبعة، منهم خمسة متفق على أن عليا ~~(عليه السلام) قتلهم، واثنان منهم مختلف فيهما، وبقي من القتلى خمسة عشر ~~مضافة إلى جميع المسلمين، فمن كان ذا نظر صائب وفكر ثاقب وتدبر بخاطر حاضر ~~لا غائب لا يشك أن عليا قد أفاض الله تعالى عليه لباس شجاعة سابغ الأهداب ~~لا يخاف معه في معترك الجلاد وهن التزلزل والاضطراب، ومن ذلك ما ينسخ عن ~~القلوب بحجج اليقين شبه الإرتياب ويفتح لها أبواب الإستبصار فإن فيها تبصرة # PageV00P202 # وذكرى لأولي الألباب. # ومنها غزاة الخندق: فإنه لما بلغ رسول الله (ص) أن قريشا قد تجمعت ~~وقائدها أبو سفيان بن حرب وأن غطفان قد تجمعت وقائدها عيينة بن حصن بن ~~حذيفة بن بدر ms098 واتفقوا مع بني النضير من اليهود على قصد رسول الله (ص) ~~والمسلمين وحصار المدينة، أخذ رسول الله (ص) لحراسة المدينة في عمل الخندق ~~عليها فعمل فيه بنفسه مع المسلمين فاحكمه في أيام، وكان في حفر الخندق آيات ~~من معجزاته (ص) شاهدها المسلمون رأيت أن أذكرها (هاهنا ليزداد من يقف عليها ~~إيمانا وتصديقا لرسوله (ص)) (1). # منها: ما رواه سعيد بن مينا أن ابنة لبشر بن سعد أخت النعمان بن بشير ~~قالت: # دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني جفنة من تمر في ثوبي ثم قالت: يا بنية ~~إذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما. # قالت: فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله (ص) وأنا ألتمس أبي وخالي. # فقال (ص): (تعالي يا بنية، ما هذا معك؟). # قالت: فقلت: يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد ~~وخالي عبد الله بن رواحة يتغذيانه. # قال (ص): (هاتيه). # قالت: فصببته في كفي رسول الله (ص) فما ملأتهما. # ثم أمر بثوب فبسط ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لانسان كان ~~عنده: (اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغدا) فاجتمع أهل الخندق عليه ~~فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وأنه ليسقط من # PageV00P203 # أطراف الثوب (1). # (ومنها: ما رواه جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: اشتد عليهم في بعض ~~الخندق كدية وهي صلابة شديدة تكون في الأرض تعجز حافرها فشكوها إلى رسول ~~الله (ص) فدعا بإناء فيه ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ثم ~~نضح ذلك الماء على تلك الكدية. # فقال من حضرها: فوالذي بعثه بالحق لقد انهالت حتى عادت كالثيب لا نزد ~~فأسا ولا مسحاة) (2) (3). # ومنها: ما رواه جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: عملنا مع رسول الله ~~(ص) في الخندق فكانت عندي شويهة غير جد سمينة قال فقلت: لو صنعناها لرسول ~~الله (ص) [قال] (4): فأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا [منه] ~~(5) خبزا ms099 وذبحت تلك الشاة فشويتها لرسول الله (ص) قال: فلما أمسينا وأراد ~~رسول الله (ص) الانصراف عن الخندق فإنا كنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا ~~رجعنا إلى أهلنا. # قال: قلت: يا رسول الله إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا ووضعنا معها ~~شيئا من خبز هذا الشعير فأحب أن تنصرف معي إلى منزلي، وإنما أريد أن ينصرف ~~معي رسول الله (ص) وحده. # PageV00P204 # قال: فلما إن قلت له ذلك أمر صارخا فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله إلى بيت ~~جابر بن عبد الله. # قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. # فأقبل رسول الله (ص) وأقبل الناس معه. # قال: فجلس وأخرجناها إليه فبرك عليها وسمى الله ثم أكل وتواردها الناس ~~كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس غيرهم حتى صدر أهل الخندق كلهم عنها (1). # ومنها: ما هو زائد على ذلك لم أر الإطالة بذكره وهذه من معجزاته (ص) فإن ~~اصدار الخلق الكثير والجم الغفير من طعام يسير يكاد يأكله الواحد الجائع من ~~المعجزات العظام التي تقضي العقول بأنها من خرق العوائد. ثم عاد الكلام إلى ~~المقصود. # فلما فرغ رسول الله (ص) من الخندق أقبلت قريش بأحابيشها وأتباعها من ~~[بني] (2) كنانة وأهل تهامة في عشرة آلاف وأقبلت غطفان ومن تبعها من أهل ~~نجد ونزلوا من فوق المسلمين ومن أسفل منهم كما قال الله تعالى: * (إذ ~~جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم) * (3) فخرج النبي (ص) بالمسلمين وجعلوا ~~الخندق بينهم وبين القوم، والمسلمون ثلاثة آلاف فارس ووافقت اليهود ~~المشركين على رسول الله (ص) واشتد الأمر على المسلمين كما قد وصف الله # PageV00P205 # تعالى هذه القصة في سورة الأحزاب (1). # وطمع المشركون بسبب كثرتهم وموافقة من وافقهم فركب فوارس من قريش منهم ~~عمرو بن عبد ود وكان من مشاهيرهم، ومنهم عكرمة بن أبي جهل وتواعدوا للقتال ~~وأقبلوا [تعنق] (2) بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق ثم قصدوا مكانا من ~~الخندق [ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت منه وجالت بهم خيلهم في السبخة بين ~~الخندق] (3) وبين المسلمين، فحينئذ خرج علي بن أبي طالب (عليه ms100 السلام) وأخذ ~~نفرا من المسلمين وبادر إلى الثغرة التي عبروا فيها من الخندق فقطع عليهم ~~فجاءوا وقصدوه وأقبل عمر بن عبد ود وقد جعل له علامة ليعرف مكانه وتظهر ~~شهامته فلما وقف ومعه ولده حسل وأصحابه قال: من يبارز؟ # فقال علي (عليه السلام): (أنا أبارزه). # فقال النبي (ص): (إنه عمرو) فسكت. # فقال عمرو: هل من مبارز؟ ثم جعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أن ~~من قتل منكم دخلها أفلا يبرز إلي رجل منكم؟ # فقال علي (عليه السلام): (أنا له يا رسول الله). # فقال (ص): (إنه عمرو) فسكت، ثم نادى عمرو وقال: # ولقد بححت من النداء * لجمعهم هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع * موقف ~~القرن المناجز وكذلك أني لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز # PageV00P206 # إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز فقال علي (عليه السلام): ~~(يا رسول الله أنا له). # فقال (ص): (إنه عمرو). # قال (عليه السلام): (وإن كان عمرا). # فأذن له رسول الله (ص) فخرج إليه وقال: # لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة * والصدق منجي كل ~~فائز إني لأرجو أن أقيم * عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء يبقى * ذكرها ~~عند الهزاهز ثم قال له (عليه السلام): (يا عمرو إنك قد كنت عاهدت الله لا ~~يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه). # قال له: أجل. # قال له (عليه السلام): (فإني أدعوك إلى الله تعالى وإلى رسوله (ص) وإلى ~~الإسلام). # قال: لا حاجة لي بذلك. # قال (عليه السلام): (إني أدعوك إلى النزال). # قال: لم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك. # فقال (عليه السلام): (ولكني والله أحب أن أقتلك). # فحمي عمرو لما سمع بذلك فاقتحم عن فرسه ونزل فعقرها وضرب وجهها ثم أقبل ~~على علي (عليه السلام) فتنازلا وتجاولا ساعة، فضربه علي (عليه السلام) ضربة ~~قتله بها ثم كر على حسل بن عمرو فقتله وخرجت خيلهم منهزمة حتى نزلت الخندق ~~هاربة، وعظم قتل عمرو بن عبد ود وقتل ولده فقال (عليه ms101 السلام): # أعلي تفتخر الفوارس هكذا * عني وعنهم خبروا (1) أصحابي # PageV00P207 # اليوم يمنعني الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس بنابي أردي عميرا (1) ~~حين أخلص صقله * صافي الحديدة يستبض ثوابي (2) إلا ابن عبد حين شد إليه * ~~وحلفت فاستمعوا إلى الكذاب أن لا أصد ولا يولي فالتقى * رجلان يضطربان كل ~~ضراب نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصوابي فغدوت (3) حين ~~تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت ~~المجدل بزني أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الأحزاب # PageV00P208 # ولما قتل عمرو بن عبد ود وقتل ابنه حسلا كان معه عكرمة بن أبي جهل فرمى ~~عكرمة رمحه وانهزم من علي (عليه السلام) ثم بعد قتل عمرو أرسل الله تعالى ~~بالريح على قريش وغطفان ووقع الاضطراب بينهم وبين اليهود فولوا راجعين (1) ~~وقد ردهم الله تعالى بغيظهم لم ينالوا خيرا، فهل يحصل ثبات الجنان وجريان ~~اللسان والأقدام على عمرو بن عبد ود ورفقته وهو معروف من الشجعان إلا عن ~~شجاعة أصلها من مداعسته الأبطال راسخ وفرعها في ممارسة الرجال شامخ، ثم لم ~~يكترث بالمنازلة ولم يقف بسببها عن نظم شعر ينضده ولا عن قريض يورده وينشده ~~فهل ذلك إلا عن شجاعة وافرة وشهامة حاضرة، ثم لما ذهب أبو سفيان بقريش ~~خائبا وهزمت الأحزاب قصد رسول الله (ص) بني قريضة الذين ظاهروا أبا سفيان ~~والأحزاب وهم الذين ذكرهم الله جل وعلا بقوله: * (وأنزل الذين ظاهروهم من ~~أهل الكتاب من صياصيهم) * (2) أي حصونهم، واهتم بغزوهم وسلم رايته لعلي ~~(عليه السلام) وقدمه إلى بني قريضة وجعل الناس يتبعونه ثم جاء رسول الله ~~(ص) وقد أظفره الله تعالى بهم. # ومنها: غزاة خيبر في سنة سبع للهجرة وعمر علي (عليه السلام) يومئذ إحدى ~~وثلاثين سنة، وتلخيص المقصد منها على ما ذكره أبو محمد عبد الملك بن هشام ~~(رحمه الله) في كتاب السيرة النبوية يرفعه بسنده عن ابن الأكوع قال: بعث ~~النبي (ص) أبا بكر # PageV00P209 # برايته وكانت بيضاء إلى [بعض] (1) حصون خيبر، فقاتل ثم رجع ms102 ولم يكن فتح ~~وقد جهد، ثم بعث عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد. # فقال رسول الله (ص): (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله ~~على يديه ليس بفرار). # قال: يقول سلمة بن الأكوع: فدعا رسول الله (ص) عليا (عليه السلام) وهو ~~أرمد فتفل في عينيه ثم قال: (خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك) ~~فخرج يهرول وإنا خلفه نتبع [أثره] (2) حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت ~~الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال: من [أنت] (3)؟ # قال (عليه السلام): (أنا علي بن أبي طالب). # قال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى أو كما قال. فما رجع حتى فتح الله ~~على يديه (4). # وروى بسنده عن أبي رافع مولى رسول الله (ص) قال: خرجنا مع علي (عليه ~~السلام) حين بعثه رسول الله (ص) برايته فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله ~~فقاتلهم فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده فتناول علي (عليه السلام) ~~بابا كان عند الحصن # PageV00P210 # فترس به عن نفسه فلم يزل في يده [وهو يقاتل] (1) حتى فتح الله عليه ثم ~~ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة معي أنا ثامنهم نجهد على أن ~~نقلب الباب فلم نقلبه (2). # وفي هذه بينة ظاهرة وحجة شاهدة بشدة بأسه وكمال قوته وشجاعته، فإن تناوله ~~الباب بيده وتترسه به من أول القتال إلى آخره يقاتل بيد ويترس بأخرى مع عجز ~~ثمانية من رجال الصحابة عن قلبها لما ألقاها دليل راجح وبرهان واضح، فهذا ~~قدر يسير من جهاده ومقاماته وطرق مختصرة من تعداد مواقفه في غزواته وأمر ~~صدر عنه بين يدي رسول الله (ص) أيام حياته وفرض قام به في قتال من كفر ~~بالله تعالى وكذب بآياته يستدل بالمذكور منه على المعرض عنه ويقنع عما لم ~~نشرع فيه بالمنطوق به، فالصنف شاهد النوع والنوع شاهد للجنس، ودلالة الكوكب ~~على المبدع تعالى استتبعت دلالة القمر والشمس وفي ذلك ما يقضي لناظره بثبات ms103 ~~القلب وسكون النفس ويلبس عليه حلل اليقين وينزع عنه ملابس اللبس، ومن بعده ~~فأردفه بذكر شئ من مواقفه التي زلزل فيها ببأسه ثوابت الإقدام ومقاماته ~~التي دفعته إليها الأقدار في مقاتلة بغاة الإسلام وحروبه التي أنذره بها ~~رسول الله (ص) من قتاله الناكثين والقاسطين والمارقين الذين مرقوا من الدين ~~مروق السهام الحاكمة له بشجاعته التي عزم جنانها في الهيجا أثبت من ثبير، ~~ولظى حربها باحتزام النفوس يوم الكريهة أشد حرا من لهب السعير، وسبق ضربها ~~إلى إزهاق المهج كونه من التقدير يمنع مسابقة التقدير، ويكفي في ذلك ما ~~ستقوم به البينة إن شاء الله تعالى بذكر وقعة ليلة الهرير. # فمنها وقعة الجمل: فإن المجتمعين لها رفضوا عليا (عليه السلام) ونقضوا ~~بيعته # PageV00P211 # ونكثوا عهده وغدروا به وخرجوا عليه وجمعوا الناس لقتاله مستخفين بعقد ~~بيعته التي لزمهم فرض حكمها مبقين إلى إثارة فتنة عامة باؤوا بإثمها لم ير ~~إلا مقاتلتهم على إسراع نكثهم لبيعته ومقابلتهم على الإقلاع من مكثهم على ~~الوفاء لله تعالى بطاعته، وكان من الداخلين في البيعة والملتزمين بها ثم من ~~المحرضين ثانيا على نكثها ونقضها طلحة والزبير، فاخرجا عائشة وجمعا ممن ~~استجاب لهما وخرجوا إلى البصرة ونصبوا لعلي (عليه السلام) حبائل الغوائل ~~وألبوا عليه مطيعهم من الرامح والنابل مظهرين المطالبة بدم عثمان مع علمهما ~~في الباطن أن عليا (عليه السلام) ليس بالقاتل، فلما رحل من المدينة طالبا ~~إلى البصرة وقرب منها كتب إلى طلحة والزبير يقول: # أما بعد، فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى ~~أكرهوني وأنتما ممن أرادوا بيعتي وبايعوا ولم تبايعا لسلطان غالب ولا لغرض ~~حاضر، فإن كنتما بايعتما طائعين فتوبا إلى الله تعالى عما أنتما عليه، وإن ~~كنتما بايعتما مكرهين فقد جعلتما السبيل عليكما باظهاركما الطاعة وكتمانكما ~~المعصية، وأنت يا زبير فارس قريش وأنت يا طلحة شيخ المهاجرين ودفعكما هذا ~~الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع لكما من خروجكما منه بعد إقراركما به، ~~وأما قولكما إنني قتلت عثمان بن عفان فبيني ms104 وبينكما من تخلف عني وعنكما من ~~أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل، وهؤلاء بنو عثمان إن قتل ~~مظلوما كما تقولان أولياؤه وأنتما رجلان من المهاجرين وقد بايعتماني ~~ونقضتما بيعتي وأخرجتما أمكما من بيتها الذي أمرها الله عز وجل أن تقر فيه ~~والله حسبكما والسلام (1). # وكتب (عليه السلام) إلى عائشة: أما بعد، فإنك خرجت من بيتك عاصية لله ~~تعالى ولرسوله تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ثم تزعمين أنك تريدين الاصلاح ~~بين الناس فخبريني ما للنساء وقود العسكر، وزعمت أنك طالبة بدم عثمان ~~وعثمان # PageV00P212 # رجل من بني أمية وأنت امرأة من بني تيم بن مرة! ولعمري إن الذي عرضك ~~للبلاء وحملك على المعصية لأعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان وما غضبت حتى ~~أغضبت ولا هجت حتى هيجت فاتقي الله يا عائشة وارجعي إلى منزلك واسبلي عليك ~~سترك والسلام. # فجاء الجواب إليه: يا بن أبي طالب جل الأمر عن العتاب ولن ندخل في طاعتك ~~[أبدا] (1) فاقض ما أنت قاض والسلام (2). # ثم تراءى الجمعان وقرب كل من الآخر ورأى علي (عليه السلام) تصميم (القوم ~~على قتاله) (3) فجمع أصحابه ولم يترك منهم أحدا وخطبهم خطبة بليغة منها: # (واعلموا أيها الناس أني قد تأنيت هؤلاء القوم وراقبتهم وناشدتهم كيما ~~يرجعوا ويرتدعوا فلم يفعلوا ولم يستجيبوا وقد بعثوا إلي أن أثبت للجلاد ~~وأبرز للطعان وقد كنت وما أهدد بالحرب ولا أدعي إليها وقد أنصف القارة من ~~رامها، ولعمري لئن أبرقوا وأرعدوا ورأوا نكايتي فأنا أبو الحسن الذي فللت ~~حدهم وفرقت جماعتهم فبذلك القلب ألقي عدوي وأنا على بينة من ربي لما وعدني ~~من النصر والظفر وإني لعلى غير شبهة من أمري، ألا وأن الموت لا يفوته ~~المقيم ولا يعجزه الهارب ومن لم يقتل يمت وإن أفضل الموت القتل، والذي نفس ~~علي بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش) ثم رفع يده إلى ~~السماء وهو يقول: (اللهم إن طلحة بن عبيد الله أعطاني صفقة يمينه طائعا ثم ~~نكث بيعتي، اللهم فعاجله ولا ms105 تمهله، اللهم وإن الزبير بن العوام قطع قرابتي ~~ونكث عهدي # PageV00P213 # وظاهر عدوي ونصب الحرب لي وهو يعلم أنه ظالم، اللهم فاكفنيه كيف شئت وأنى ~~شئت) (1). # ثم تقارب الناس للقتال وتعبؤا للقاء متسلحين لابسي دروعهم متأهبين لذلك، ~~هذا كله وعلي (عليه السلام) بين الصفين عليه قميص ورداء وعلى رأسه عمامة ~~سوداء وهو راكب على بغلة رسول الله الشهباء فلما رأى أنه لم يبق إلا ~~التصافح بالصفاح والتناطح بالرماح صاح بأعلى صوته: (أين الزبير بن العوام ~~فليخرج إلي). # فقال الناس: يا أمير المؤمنين أتخرج إلى الزبير وأنت حاسر وهو مدجج في ~~الحديد! # فقال علي (عليه السلام): (ليس علي منه بأس) ثم نادى الثانية (أين الزبير ~~بن العوام فليخرج إلي). فخرج إليه الزبير ودنا منه حتى واقفه. # فقال له علي (عليه السلام): (يا أبا عبد الله ما حملك على ما صنعت؟). # فقال الزبير: حملني على ذلك الطلب بدم عثمان. # فقال له علي (عليه السلام): أنت وأصحابك قتلتموه فيجب عليك أن تقيد من ~~نفسك، ولكن أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل الفرقان على نبيه ~~محمد (ص) أما تذكر يوم قال رسول الله (ص): (يا زبير أتحب عليا؟). # فقلت: وما يمنعني من حبه وهو ابن خالي. # فقال لك (ص): (أما أنت فستخرج عليه يوما وأنت ظالم). # فقال الزبير: اللهم بلى قد كان ذلك. # فقال علي (عليه السلام): (فأنشدك بالله الذي أنزل الفرقان على نبيه محمد ~~(ص) أما تذكر يوم جاء رسول الله (ص) من عند ابن عوف وأنت معه وهو آخذ بيدك ~~فاستقبلته أنا فسلم علي وضحك في وجهي وضحكت أنا إليه، فقلت أنت: لا يدع # PageV00P214 # ابن أبي طالب زهوه [أبدا] (1). # فقال لك النبي (ص): (مهلا يا زبير فليس به زهو، ولتخرجن عليه يوما وأنت ~~ظالم له)). # فقال الزبير: اللهم بلى ولكن أنسيت، فأما أن ذكرتني ذلك لأنصرفن عنك، ولو ~~ذكرت هذا لما خرجت عليك. # ثم رجع الزبير إلى عائشة فقالت: ما وراءك يا أبا عبد الله؟ # فقال الزبير: والله ورائي انني ms106 ما وقفت موقفا قط ولا شهدت مشهدا في شرك ~~ولا إسلام إلا ولي فيه بصيرة وإني اليوم لعلى شك من أمري وما أكاد أبصر ~~موضع قدمي، ثم شق الصفوف وخرج من بينهم فنزل على قوم من بني تميم فقام إليه ~~عمر بن جرموز المجاشعي وضيفه فلما نام قام إليه فقتله (2) فنفدت دعوة علي ~~فيه في عاجلته. # وأما طلحة فجاءه سهم وهو قائم للقتال من مروان فقتله ثم التحم القتال ~~واتصلت الحرب وكثر القتل والجرح ثم تقدم رجل من أصحاب الجمل يقال له عبد ~~الله فجعل يجول بين الصفوف وهو يقول أين أبو الحسن ويرتجز فخرج إليه علي ~~(عليه السلام) (وشد عليه بالسيف) (3) وضربه ضربة أسقط بها عاتقه فسقط قتيلا ~~فوقف عليه علي (عليه السلام) وقال: (قد رأيت أبا الحسن فكيف وجدته) ثم لم ~~يزل # PageV00P215 # القتل يؤجج ناره والجمل يفني أنصاره حتى خرج رجل مدجج في السلاح يظهر ~~بأسا ويروم مراسا ويعرض بعلي (عليه السلام) حتى قال: # أضربكم ولو أرى عليا * عممته أبيض مشرفيا (1) فخرج إليه علي (عليه ~~السلام) متنكرا وحمل عليه فضربه ضربة على وجهه فرمى بنصف قحف رأسه ثم انصرف ~~فسمع صائحا من ورائه فالتفت فرأى ابن خلف الخزاعي من أصحاب الجمل فقال: هل ~~لك يا علي في المبارزة؟ # فقال علي (عليه السلام): (ما أكره ذلك ولكن ويحك يا ابن خلف ما راحتك في ~~القتل وقد علمت من أنا) فقال له ابن خلف: ذرني يا بن أبي طالب من مدحك نفسك ~~وادن مني لترى أينا يقتل صاحبه. # فثنى علي عنان فرسه إليه فبدره ابن خلف بضربة فأخذها علي في جحفيه (2) ثم ~~عطف عليه بضربة أطار بها يمينه ثم ثنى بأخرى أطار بها قحف رأسه ثم استعرت ~~الحرب حتى عقر الجمل فسقط وقد احمرت البيداء بالدماء وخذل الجمل وحزبه ~~وقامت النوادب بالبصرة على القتلى. # وكان عدة من قتل من جند الجمل ستة عشر ألفا وسبعمائة وتسعين إنسانا وكان ~~جملتهم ثلاثين ألفا فأتى القتل على أكثر من نصفهم، وقتل من أصحاب ms107 علي (عليه ~~السلام) ألف وسبعون رجلا وكان عدتهم عشرين ألفا وفي مقابلة علي (عليه ~~السلام) ثلاثين ألفا بعشرين ومقاتلتهم حتى قتل (منهم أكثر من نصفهم ولم ~~يقتل) (3) من # PageV00P216 # أصحابه غير عشرة (1). # هم حجة واضحة تشهد بشجاعته وتسجل بشهامته وإذا تأمل الناظر البصير ونظر ~~المتأمل الخبير فيما صدر من علي (عليه السلام) من أقواله وأفعاله علم علما ~~لا يرتاب فيه أنه (عليه السلام) يخوض لجج الحروب وينغمس في غمرات الموت ~~ويصادم ظباء الصوارم ويغمد مصلت سيفه في لباب الكماة ونحور الأبطال ولا ~~يحمل لذلك عبئا ولا يبالي به. # ولما انقضت وقعة الجمل وندمت عائشة على ما كان ورحلت إلى المدينة وسكنت ~~النائرة ورحل علي (عليه السلام) إلى الكوفة، قام إليه أبو بردة بن عوف ~~الأزدي فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت القتلى الذين قتلوا حول الجمل بماذا ~~قتلوا؟ # فقال علي (عليه السلام): (قتلوا بما قتلوا من شيعتي وعمالي بلا ذنب كان ~~منهم إليهم ثم صرت إليهم وأمرتهم أن يدفعوا لي قتلة أصحابي فأبوا علي ~~وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ودماء قريب من ألف رجل من أصحابي من المسلمين ~~أفي شك (أنت من ذلك) (2) يا أخا الأزد؟). # فقال: الآن استبان لي خطأهم وإنك أنت المحق المصيب. # ومنها: حرب صفين المشتملة على وقائع يضطرب لها فؤاد الجليد ويشيب لهولها ~~فؤاد الوليد ويجب منها قلب البطل الصنديد ويذهب بها عناد المريد وتمرد ~~العنيد فإنها أسفرت عن نفوس اساد مختطفة بالصوارم ورؤوس أجلاد مقتطفة ~~باللهاذم وأرواح أكفاء مرهقة بالملاحم وأشباح أشلاء ممزقة بالتصادم وألوف ~~من الباسطين مكلومة الجوارح مذمومة العزائم وأنوف من القاسطين مرغمة ~~الموازن # PageV00P217 # مهشومة بأيدي بني هاشم قد سقت برادها عطاش الوهاد مياه الطلا وشقت بمداها ~~أكنة الأكباد والكلأ وقرت بقتلاها كواسر الجو وكواسب الفلا وأقرت لمولاها ~~على أن سهم بأسه في مواقفها قد علا فأحرز فصل العلا وانه اقتحم لججها وقصم ~~ثبجها وقوم عوجها واضرم بشبا مرهفة نارها وأججها وحكم في عصابة القاسطين ~~بسيفه فأزهق مهجها وانتقم ببأسه فلم يحم أن انتزع أرواحها فأخرجها ms108 فصار ~~شجعانها تتحاماه إذا بدر وفرسانها تخشاه إذا زأر موقنة أنه (عليه السلام) ~~ما ضرب إلا بتر ولا اقترب إلا بتر (1) ولا رقب إلا بقر ولا حرب إلا نحر ولا ~~ثرب إلا ثبر (2) ولا صافح زج رمحه مهجة إلا فارقت جسدها ولا كافح كتيبة إلا ~~افترس ثعلبة أسدها، وهذا حكم اتصف به بطريق الإجمال وثبت له بعموم ~~الاستدلال ولابد من التنصيص على بعض مواقفه في القتال والتخصيص بذكر بعض ~~وقائعه في النزال إذا سمعت نزال فبذلك يصير الاجمال تفصيلا فيأمن من تطرق ~~الاشكال وينقلب دليلا سالما عن خلل الاعتراض والسؤال ولكثرة مواقفه يقع ~~الاقتصار على يسيرها وكأي من حادثة يستغنى في ثبوتها عن طويلها بقصيرها. # فمنها: إن في بعض وقائع صفين، وقد تحركت الخيل للنزال والرجال للقتال خرج ~~من عسكر معاوية فارس مشهود له في أهل الشام يقال له المحزاق بن عبد الرحمن ~~فوقف بين الصفين وسأل المبارزة فخرج إليه من أهل العراق إنسان يقال له ~~المؤمل بن عبيد المرادي فتضاربا بأسيافهما فقتله الشامي ونزل فحز رأسه وحك ~~وجهه بالأرض وكب الرأس على وجهه، فخرج إليه فتى من الأزد يقال له # PageV00P218 # مسلم بن عبد ربه فقتله الشامي ونزل وحز رأسه وحك وجهه بالأرض وكب الرأس ~~على وجهه، فلما رأى علي (عليه السلام) ذلك تنكر والشامي واقف بين الصفين ~~يطلب المبارزة فخرج إليه والشامي لا يعرفه فبدره علي (عليه السلام) بضربه ~~على عاتقه فرمى بشقه فسقط فنزل فاحتز رأسه وقلب وجهه إلى السماء. # ثم ركب ونادى: (هل من مبارز). # فخرج إليه آخر من فرسان الشام فضربه فقتله ونزل فاحتز رأسه وجعل وجهه إلى ~~السماء ثم ركب ونادى: هل من مبارز؟ # فلم يزل يخرج إليه فارس بعد فارس وهو يفعل بهم كالأول إلى أن قتل سبعة ~~فأحجم الناس عنه ولم يعرفوه، وكان لمعاوية عبد يسمى حربا وهو فارس بطل فقال ~~له معاوية: ويلك يا حرب اخرج إلى هذا الفارس فاكفني أمره فإنه قد قتل من ~~أصحابي ما قد رأيت. # فقال له: والله ms109 إني أرى مقام فارس لو نزل إليه أهل عسكرك لأفناهم عن ~~آخرهم، فإن شئت برزت إليه واعلم أنه قاتلي، وإن شئت فاستبقني لغيره. # فقال معاوية: لا والله ما أحب أن تقتل فقف مكانك حتى يخرج إليه غيرك. # وجعل علي (عليه السلام) يناديهم ولا يخرج إليه أحد فرفع المغفر عن رأسه ~~ورجع إلى عسكره، فخرج رجل من أبطال عسكر الشام يقال له كريب بن الصباح فوقف ~~بين الصفين وسأل المبارزة فخرج إليه من عسكر العراق فارس يقال له المبرقع ~~الخولاني (1) فقتله الشامي ثم خرج إليه الحارث الحكمي فقتله أيضا فنظر علي ~~(عليه السلام) إلى مقام فارس بطل، فخرج إليه بنفسه فوقف قبالته ثم قال ~~(عليه السلام): (من أنت؟). # قال: أنا كريب بن الصباح الحميري. # فقال له: (ويحك يا كريب إني أحذرك الله في نفسك وأدعوك إلى كتابه وسنة # PageV00P219 # نبيه محمد (ص)). # فقال له كريب: من أنت؟ # قال (عليه السلام): (أنا علي بن أبي طالب فالله الله في نفسك فإني أراك ~~فارسا بطلا، فيكون لك ما لنا وعليك ما علينا وتصون نفسك عن عذاب الله ولا ~~يدخلنك معاوية نار جهنم). # فقال كريب: ادن مني إن شئت. وجعل يلوح بسيفه فمشى إليه علي (عليه السلام) ~~والتقيا بضربتين فبدره علي (عليه السلام) فقتله فخرج إليه الحارث الحميري ~~فحمل علي عليه فقتله فخرج إليه آخر فقتله، هكذا حتى قتل أربعة وهو يقول: * ~~(الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) * (1) ثم صاح ~~على (عليه السلام): (يا معاوية هلم إلى مبارزتي ولا تفنين العرب بيننا). # فقال معاوية: لا حاجة لي في مبارزتك فقد قتلت أربعة من سباع العرب فحسبك. # فصاح رجل من أصحاب معاوية يقال له عروة بن داود فقال: يا بن أبي طالب إن ~~كان معاوية قد كره مبارزتك فهلم إلى مبارزتي. فذهب علي (عليه السلام) نحوه ~~فبدره عروة بضربة فلم تعمل شيئا وضربه علي فأسقطه قتيلا ثم قال: (انطلق إلى ms110 ~~النار) وكبر على أهل الشام قتل عروة فجاء الليل وحجز بين الفريقين، فهذه مع ~~اختصارها ملخص مما ذكره أهل الفتوح في وقائع صفين وفيها بينة ظاهرة وحجة ~~بالغة (2). # PageV00P220 # ومنها: في بعض أيامها وقد تقاتل (1) الجيشان وعمرو بن العاص في جيش أهل ~~الشام (فخرج (عليه السلام) متنكرا وطلب البراز فخرج إليه عمرو بن العاص وهو ~~لا يعرف أنه علي (عليه السلام) فاطرد بين يديه ليبعده عن عسكره) (2) فتبعه ~~عمرو مرتجزا: # يا قادة الكوفة من أهل الفتن * أضربكم ولا أرى أبو الحسن فرجع علي (عليه ~~السلام) وهو يقول: # أبو حسين فاعلمن والحسن * جاءك يقتاد العنان والرسن فعرفه عمرو فولى ~~راكضا فلحقه علي فطعنه طعنة وقع الرمح في فضول درعه فسقط إلى الأرض وخشي أن ~~يقتله علي فرفع رجليه فبدت سوءته فصرف علي (عليه السلام) وجهه وانصرف إلى ~~عسكره، وانصرف عمرو إلى معاوية فجعل معاوية يضحك على عمرو. # فقال له عمرو: مم تضحك والله لو بدا لعلي من صفحتك ما بدا له من صفحتي ~~إذا لأوجع قذالك وأيتم عيالك وانهب مالك. # فقال له معاوية: لو كنت تحتمل مزاحا مازحتك. # فقال عمرو: ما أحملني للمزاح ولكن إن كان رجل لقي رجلا فصد عنه ولم يقتله ~~قطرت السماء دما! # فقال معاوية: لا، ولكنها تعقب فضيحة الأبد وجبنا، أما والله لو عرفته ما ~~أقدمت عليه (3). # وكان من فرسان معاوية فارس مشهور ومشهود له بالشجاعة يقال له بسر بن # PageV00P221 # أرطأة فلما سمع أن عليا يطلب مبارزة معاوية ومعاوية يمتنع ولا يعرض نفسه ~~لها قال: قد عزمت على مبارزة علي فلعلي أقتله فاذهب بشهرته في العرب إلى ~~آخر الدهر وشاور غلاما له يقال له لاحق، فقال له لاحق: إن كنت واثقا من ~~نفسك فافعل وإلا فلا تبرز إليه فإنه والله الشجاع المطرق: # فأنت له يا بسر إن كنت مثله * وإلا فإن الليث للضبع آكل متى تلقيه فالموت ~~في رأس رمحه * وفي سيفه شغل لنفسك شاغل فقال له بسر: ويحك هل هو إلا الموت ~~ولابد من لقاء الله على ms111 كل الأحوال أما بموت أو بقتل، ثم خرج بسر بن أرطأة ~~إلى علي (عليه السلام) وهو ساكت بحيث لا يعرفه علي (عليه السلام) لحالة ~~كانت صدرت منه، فلما نظر إليه علي (عليه السلام) حمل عليه فسقط بسر عن فرسه ~~على قفاه فرفع رجليه فانكشفت عورته فصرف علي (عليه السلام) وجهه عنه ووثب ~~بسر قائما فسقط المغفر عن رأسه فصاح أصحاب علي (عليه السلام): يا أمير ~~المؤمنين إنه بسر بن أرطأة. # فقال علي (عليه السلام): (ذروه عليه لعنة الله). # فجعل معاوية يضحك من بسر وقال له: لا عليك ولا تستحي فقد نزل بعمرو ~~مثلها. # فصاح فتى من أهل الكوفة: ويلكم يا أهل الشام أما تستحون لقد علمكم ابن ~~العاص في الحروب كشف الأستار: # أفي كل عام فارس ذو كريهة * له عورة وسط العجاجة باديه يكف لها عنه علي ~~سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاوية فقولا لعمرو وابن أرطأة خصاكما * هما ~~كانتا والله للنفس واقيه فلولاهما لم تنجوا من سنانه * وتلك بما فيها عن ~~العود ناهيه (1) # PageV00P222 # فكان بسر بن أرطأة يضحك من عمرو فصار عمرو يضحك منه، وتحامى أهل الشام ~~عليا وخافوه خوفا شديدا، وكان لعثمان مولى يقال له أحمر فخرج ووقف يطلب ~~البراز فخرج إليه مولى لعلي (عليه السلام) يقال له كيسان فحمل عليه مولى ~~عثمان فطعنه فقتله فقال علي (عليه السلام): (قتلني الله إن لم أقتلك) ثم ~~حمل علي عليه فاستقبله بالسيف وهو لا يعرفه فضربه فاتقاه بجحفته ثم مد علي ~~(عليه السلام) يده إليه فقبض على ثوبه ثم رفعه عن فرسه وضرب به الأرض فكسر ~~منكبه وأضلاعه ثم رجع، وكان لمعاوية عبد يقال له حريث وكان فارسا بطلا ~~فحذره معاوية من التعرض لعلي، فلما خرج حريث إلى الحرب تنكر له علي (عليه ~~السلام) وخرج إليه. # وقال عمرو بن العاص لحريث: لا يفوتك هذا الفارس، وقد عرف عمرو أنه علي ~~فحمل حريث على علي (عليه السلام) فداخله علي فضربه ضربة أطار بها قحف رأسه ~~فسقط حريث قتيلا، وعلم معاوية بذلك ms112 فاغتم على حريث غما شديدا ثم قال لعمرو: ~~أنت قتلت حريثا فإنك غررته (1). # ومنها في بعض مصافاتها: خرج العباس بن ربيعة بن الحارث فابلى وخرج إليه ~~من أصحاب معاوية فارس معروف يقال له غرار بن أدهم فقال: يا عباس هل لك في ~~المبارزة. # فقال له العباس: هل لك في النزول فإنه أيسر من القفول. # فقال: نعم. فرمى بنفسه عن فرسه وسلم فرسه إلى غلام له فأخذه ورمى غرار ~~ابن أدهم بنفسه عن فرسه ثم تلاقيا وكف أهل الجيشين أعنة خيولهم ينظرون إلى ~~الرجلين ثم تضاربا بسيفيهما فما قدر أحدهما على صاحبه لكمال لامته - وعلي ~~(عليه السلام) يراهما - ونظر العباس إلى وهن في درع الشامي فضربه العباس ~~على # PageV00P223 # ذلك الوهن فقده باثنين فكبر جيش علي (عليه السلام) وجيش معاوية ثم عطف ~~العباس فركب فرسه. # فقال معاوية لأصحابه: من خرج منكم إلى هذا فقتله فله عندي من المال كذا ~~وكذا. # فوثب رجلان من بني لخم من اليمن فقالا: نحن نخرج إليه. # فقال: أخرجا فأيكما سبق إلى قتله فله من المال ما بذلت له وللآخر مثل ~~ذلك. # فخرجا جميعا ووقفا في مقر المبارزة ثم صاحا بالعباس ودعواه. # فقال: استأذن صاحبي وابرز إليكما. وجاء إلي علي ليستأذنه. # فقال له علي (عليه السلام): (ادن مني). فلما دنا منه أخذ منه سلاحه وأخذ ~~فرسه وخلع علي لباسه ولبس سلاح العباس وما كان عليه وركب فرس العباس وخرج ~~إلى بين الصفين كأنه العباس. # فقال له اللخميان: استأذنت فأذن لك مولاك. # فتحرج علي (عليه السلام) من الكذب فقرأ: * (اذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) * (1) فتقدم إليه أحد الرجلين فالتقيا ~~بضربتين فضربه علي على مراق بطنه فقطعه باثنتين فظن الناس بأنه أخطأه فلما ~~تحرك الفرس سقط الرجل قطعتين وعاد فرسه وصار إلى عسكر علي (عليه السلام) ~~فتقدم الآخر فضربه علي فألحقه بصاحبه ثم جال علي (عليه السلام) جولة ثم رجع ~~إلى موضعه وعلم معاوية أنه علي، فقال: قبح الله اللجاج أنه لقعود ما ركبته ~~إلا ms113 خذلت. # فقال له عمرو بن العاص: المخذول والله اللخميان لا أنت. # فقال له معاوية: اسكت أيها الانسان ليس هذه الساعة من ساعاتك. # PageV00P224 # قال عمرو: فإن لم تكن من ساعاتي فرحم الله اللخميان ولا أظنه يفعل (1). # ومنها: ليلة الهرير التي خاضت فيها ذكور لها زمها وخرصاتها بأيدي فرسانها ~~وصدرت بحمرة بهرامها بعد ورودها بروقة كيوانها واتصلت بها مصافحة الصفاح ~~لصفحات رؤوسها وأبدانها واتخذت لها الصوارم واللهازم من الطلا والكلأ ~~أبدالا من أجفانها فيالها ليلة سما قتامها فكفر كواكبها ونما ظلامها فستر ~~مناكبها حتى خشعت لها الأصوات فلا يسمع إلا زئير وتضارب وهرير وتحارب وزجر ~~وتقاصب وهبر وتواثب وتبر وتقاضب وكر وتغالب ووكز وتسالب ووخز وتجاذب وبز ~~وتشاخب وحز وتساخب وصلصلة تبعث صهيلا وغلغلة تورث غليلا وهمهمة تحدث دخولا ~~وغمغمة تطمث فحولا قد تحطمت رماحها وتثلمت صفاحها واخترمت أرواحها وتواصل ~~غدوها ورواحها فالناس فيها يتلاطمون تلاطم السيول والأمواج ويتصادمون تصادم ~~الفحول عند الهياج لا يمتاز المحق من المبطل لتراكم ظلام الليل الداج ~~وتفاقم قتام نقع العجاج حتى أسفر صباحها وهم بين مجد مشيح ومجدل طريح ~~ومخذول جريح ومقتول نطيح. # هذا وعلي (عليه السلام) فيها كالهزبر الهصور والنمر الجسور لا يعترضه في ~~إدحاض الباطل توهم فتور ولا قصور يختطف نفوسا ويقتطف رؤوسا ويسقي القاسطين ~~من صباب المصائب كؤوسا بحربه الفاصم وضربه القاصم وسيفه الحاسم ورمحه ~~الناظم، كلما قصد فارسا اعدمه والقمه دعاما وكلما أردى قتيلا أعلن بالتكبير ~~اعلانا فأحصيت تكبراته المؤذنة بعدد من قتله وحصرت الاستعلام عدة من جدله ~~فكانت خمس مائة وثلاثا وعشرين قتيلا، فما تحلى بهذه المزايا والخلال ولا ~~أبلى البلاء المذكور في النزال ولا صدرت منه هذه الأفعال إلا عن شجاعة تذل ~~لها الأبطال وتقل لديها الأهوال ولا تقوم بوصفها الأقلام والأقوال ولا ~~يحتاج في # PageV00P225 # تحقيقها أن يثبتها الاستدلال، وعلى الجملة والتفصيل فمقام شجاعته لا ينال ~~وماذا بعد الحق إلا الضلال. # ولما أسفر صبح ليلة الهرير عن ضيائه وحسر الليل جنح ظلمائه كانت القتلى ~~من الفريقين ستة وثلاثين ألف قتيل ms114 هكذا نقله مصنف فتوح الشام (1) ومؤرخ ~~الوقائع التي نسختها (2) ألسنة الأقلام فهي في الرواية منسوبة إليه والعهدة ~~فيها عند تتبعها عليه، وهذه الوقائع المذكورة مع أهوالها الصعاب وصيالها ~~المصلى لظى الطعان والضراب هي بالنسبة إلى وقائع صفين كالقطرة من السحاب. # ومنها: قتل الخوارج الذين قاموا على سوق مخالفة الملة الاسلامية وشاموا ~~بروق جهلهم من مطالع الجاهلية طلبا للحمية واتفقوا على اتباع هوى نفوسهم ~~الأمارة وقلوبهم العمية ومرقوا بذلك من الدين كما يمرق السهم من الرمية ~~فسدد إليهم علي (عليه السلام) سهام الانتقام بأيدي نظراته الإمامية وجرد ~~لهم صوارم الاصطلام بمرهفات عزائمه الهاشمية وحصد رؤوسهم وأخمد من نفوسهم ~~بشبا شفار شنشنته الأخزمية ولا يظهر حقيقة ما ابتدعوه من حالهم وما اتبعوه ~~من استباحتهم واستحلالهم إلا بتفصيل أقوالهم وأعمالهم وما اعتمدوه في تعليل ~~انفصالهم عن الطاعة وجدالهم وها أنا الآن اشرح قصتهم مختصرة واختصرها ~~مشروحة بحيث يعقلها من تلاها ويستوي في معرفتها من سمعها ومن أملاها: # وهو أن عليا (عليه السلام) لما عاد من صفين إلى الكوفة بعد الذي جرى من ~~أمر الحكمين أقام ينتظر انقضاء المدة التي كانت بينه وبين معاوية ليرجع إلى ~~المقاتلة والمحاربة إذ انخذلت (3) طائفة من خواص أصحابه في أربعة آلاف فارس ~~وهم # PageV00P226 # العباد والنساك فخرجوا من الكوفة وخالفوا عليا (عليه السلام) وقالوا: لا ~~حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله، وانحاز إليهم نيف على ثمانية آلاف رجل ~~ممن يرى رأيهم فصاروا في اثني عشر ألفا وساروا حتى نزلوا بحروراء (1) ~~وأمروا عليهم عبد الله ابن الكوا. فدعا علي (عليه السلام) عبد الله بن ~~العباس (رضي الله عنه) وأرسله إليهم لينظر أمرهم ويسمع كلامهم، فأقبل إليهم ~~وقال لهم وأطال فلم يرتدعوا. # وقالوا: ليخرج إلينا علي بنفسه لنسمع كلامه عسى يزول ما بقلوبنا إذا ~~سمعناه. # فرجع ابن عباس فاعلمه بذلك، فركب علي (عليه السلام) في جماعة ومضى إليهم، ~~فلما بلغ إليهم ركب ابن الكوا في جماعة منهم ووافقه فقال علي (عليه ~~السلام): (يا بن الكوا إن الكلام كثير فابرز ms115 إلي من أصحابك لأكلمك). # قال ابن الكوا: وأنا آمن من سيفك؟ # قال: نعم. # فخرج ابن الكوا إليه في عشرة من أصحابه ودنا منه، فقال له علي (عليه ~~السلام) عن الحرب مع معاوية وذكر له رفع المصاحف على الرماح وأمر الحكمين ~~وقال: # (ألم أقل لكم في ذلك اليوم إن أهل الشام يخدعونكم بها فإن الحرب قد عضتهم ~~فذروني أناجزهم فأبيتم، ألم أرد أن أبعث ابن عمي عبد الله بن العباس ليكون ~~لي حكما فإنه رجل لا يخدع فأبيتم وجئتموني بأبي موسى وقلتم قد رضينا به ~~فأجبتكم وأنا كاره ولو وجدت أعوانا غيركم في ذلك الوقت لما أجبتكم ثم شرطت ~~على الحكمين بحضوركم أن يحكما بما أنزل الله من فاتحته إلى خاتمته، والسنة ~~الجامعة وإنهما إن لم يفعلا فلا طاعة لهما علي، كان ذلك أو لم يكن؟). # قال ابن الكوا: صدقت قد كان هذا كله، فلم لا ترجع الآن إلى حرب القوم؟ # PageV00P227 # فقال علي (عليه السلام): (حتى تنقضي المدة التي بيننا وبينهم). # قال ابن الكوا: وأنت مجمع على ذلك؟ # قال (عليه السلام): (نعم، ولا يسعني غيره). # فعند ذلك ضرب ابن الكوا بطن فرسه وصار إلى علي (عليه السلام) هو والعشرة ~~الذين معه، ورجعوا عن دين الخوارج وانصرفوا مع علي (عليه السلام) إلى ~~الكوفة وتفرق الباقون وهم يقولون: لا حكم إلا لله. ثم إنهم أمروا عليهم عبد ~~الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية فقصدوا ~~وعسكروا بالنهروان فخرج علي (عليه السلام) وسار بأصحابه حتى نزل على فرسخين ~~من النهروان ثم راسلهم وكاتبهم فلم يرتدعوا فاركب إليهم ابن عباس وقال: ~~(سلهم [ما الذي نقموا وأنا أردفك فلا تخف منهم). # فلما جاءهم ابن عباس (رضي الله عنه) وقال لهم] (1) ما الذي نقمتم من أمير ~~المؤمنين؟ # فقالوا: نقمنا عليه أشياء لو كان حاضرا لكفرناه بها. وعلي وراءه يسمع ~~ذلك. # فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنك قد سمعت كلامهم وأنت أحق ~~بالجواب، فتقدم علي (عليه السلام) حتى واجه القوم وقال (عليه ms116 السلام): ~~(أيها الناس أنا علي بن أبي طالب فتكلموا بما نقمتم به علي). # فقالوا: إن أول ما نقمنا عليك إنا قاتلنا بين يديك بالبصرة فلما أظفرك ~~الله بهم أبحتنا ما كان في عسكرهم ومنعتنا النساء والذرية فكيف تستحل ما ~~كان في العسكر ولا تستحل النساء والذرية؟ # فقال لهم (عليه السلام): (يا هؤلاء إن أهل البصرة قاتلونا وبدأونا ~~بالقتال فلما ظفرتم اقتسمتم سلب من قاتلكم، ومنعتكم من النساء والذرية فان ~~النساء لم يقاتلن والذرية ولدوا على الفطرة ولم ينكثوا ولا ذنب لهم، وقد ~~رأيت رسول الله (ص) من على المشركين فلا تعجبوا أن مننت على المسلمين فلم ~~أسب نساءهم ولا # PageV00P228 # ذريتهم). # وقالوا: ونقمنا عليك يوم صفين وقت الكتاب إنك قلت لكاتبك: اكتب هذا ما ~~تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان فأبى ~~معاوية أن يقبل إنك أمير المؤمنين (فمحوت اسمك من إمرت المؤمنين) (1) وقلت ~~للكاتب: اكتب هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. فإن ~~لم تكن أمير المؤمنين فنحن المؤمنون فلست أميرنا. # فقال: (يا هؤلاء أنا كنت كاتب رسول الله (ص) يوم الحديبية فقال لي النبي ~~(ص): (اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو). # فقال سهيل: لو علمنا إنك رسول الله لما صددناك ولا قاتلناك. # فأمرني رسول الله (ص) فمحوت اسمه من الكتاب وكتب هذا ما اصطلح عليه محمد ~~بن عبد الله وإنما محوت اسمي من إمرة المؤمنين كما محا رسول الله (ص) اسمه ~~من الرسالة وكانت لي به أسوة). # قالوا: فإنا نقمنا عليك انك قلت للحكمين: انظرا في كتاب الله فإن كنت ~~أفضل من معاوية فأثبتاني في الخلافة وإن كان معاوية أفضل مني فأثبتاه في ~~الخلافة فإن كنت شاكا في نفسك أنك أفضل من معاوية فنحن فيك أعظم شكا. # فقال لهم علي (عليه السلام): (إنما أردت بذلك النصفة لمعاوية لأني لو قلت ~~للحكمين احكما لي وذرا معاوية كان لا يرضى بذلك والنبي (ص) لو قال لنصارى ms117 ~~نجران لما قدموا عليه: تعالوا حتى نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم، كانوا لا ~~يرضون بذلك ولكنه أنصفهم من نفسه فقال كما أمره الله تعالى به * (ندع ~~أبنائنا وأبناءكم ونسائنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين) * (2) فانصفهم من نفسه، فكذا أنصفت من نفسي ولم أعلم ~~بما أراد # PageV00P229 # عمرو بن العاص من خديعة أبي موسى). # قالوا: فإنا نقمنا عليك انك حكمت حكما في حق هو لك. # فقال (عليه السلام): (إن رسول الله حكم فيهم سعد بن معاذ في بني قريظة ~~ولو شاء لم يفعل فحكم فيهم سعد بما علمتم وإنما أقمت حكما كما أقام رسول ~~الله (ص) فهل عندكم شئ غير هذا تحتجون به علي). # فسكت القوم ثم صاح جماعة منهم من كل ناحية: التوبة التوبة يا أمير ~~المؤمنين، واستأمن منهم ثمانية آلاف وبقي على حربه أربعة آلاف، فأقبل علي ~~(عليه السلام) على هؤلاء الذين استأمنوا إليه وقال: (اعتزلوا في وقتكم هذا ~~عني وذروني والقوم) فاعتزل أولئك عنه وتقدم علي (عليه السلام) في أصحابه ~~حتى دنا منهم وتقدم عبد الله بن وهب وتقدم ذو الثدية حرقوص وصاح بصوته ~~وقال: ما نريد بقتالنا إياك إلا وجه الله والدار الآخرة. # فقال علي (عليه السلام): * (هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * (1) ثم التحم القتال بين ~~الفريقين (2) إلى أن اشتد الضرب بينهم فوق الأعناق وامتد اعمال الصعدات ~~الدقاق والمرهفات الرقاق وحامت نفوس المارقين على الحمام. # فشربت منه بالكأس الدهاق * وشامت الأبطال برق الوغى # PageV00P230 # وقامت الحرب بهم على ساق * وصافحتهم بصفاح الردى مالهم واق بقي ولا راق ~~وكان كلا بشبا سيفه وقد نضاه لا عن المحزاق وأسعرت الحرب بينهم بلظاها ~~وأسفرت عن زرقة صبحها وحمرة ضحاها فتجادلوا وتجالدوا بألسنة رماحها وحداد ~~ظباها، وقد تقدم من أبطال الخوارج فارس يقال له الأخنس بن العيزار الطائي - ~~وهو ممن شهد صفين وقاتل فيها - فحمل وشق الصفوف وقصده علي (عليه السلام) ~~فبدره بضربة فقتله، فحمل ذو الثدية على ms118 علي (عليه السلام) ليضربه فسبقه علي ~~(عليه السلام) فضربه ضربة فلق بها البيضة من على رأسه وفلق رأسه وحمل به ~~فرسه وهو لما به من الضربة حتى رمى به في آخر المعركة على شط النهروان في ~~جوف دالية خربة، وخرج من بعده ابن عم له يقال له مالك بن الوضاح وحمل على ~~علي (عليه السلام) فضربه ضربة فقتله، وتقدم عبد الله بن وهب الراسبي ثم ~~صاح: يا بن أبي طالب والله لا تبرح هذه المعركة أو تأتي على أنفسنا أو نأتي ~~على نفسك فابرز إلي وأبرز إليك وذر الناس جانبا. # فلما سمع علي (عليه السلام) كلامه تبسم وقال: (قاتله الله من رجل ما أقل ~~حياءه، أما انه ليعلم أني حليف السيف وخدين الرمح ولكنه قد أيس من الحياة، ~~أو أنه ليطمع طمعا كاذبا) ثم حمل على علي (عليه السلام) فحمل عليه علي ~~(عليه السلام) وضربه ضربة قتله وألحقه بأصحابه القتلى، واختلط القوم فلم ~~يكن إلا ساعة حتى قتلوا بأجمعهم، وقد كانوا أربعة آلاف فما أفلت منهم إلا ~~تسعة أنفس، رجلان هربا إلى خراسان إلى أرض سجستان وفيها نسلهما إلى الآن، ~~ورجلان صارا إلى بلاد عمان وفيها نسلهما إلى الآن، ورجلان صارا إلى اليمن ~~وفيها نسلهما إلى الآن وهم الذين يقال لهم الأباضية، ورجلان صارا إلى بلاد ~~الجزيرة إلى موضع يسمى السن والبوازيج (1) وإلى شاطئ الفرات، وصار رجل إلى ~~تل يقال له تل موزن (2). # PageV00P231 # وغنم أصحاب علي (عليه السلام) منهم غنائم كثيرة، وأما من قتل من أصحاب ~~علي (عليه السلام) قيل: رجلان وقيل: تسعة بعدة من سلم من الخوارج المارقين، ~~وهي من جملة كرامات علي (عليه السلام) فإنه قال: (نقتلهم ولا يقتل منا عشرة ~~ولا يسلم منهم عشرة) (1)، وسيأتي ذلك إن شاء الله مفصلا في فصل كراماته. # فلما قتل بعضهم على بعض ولم يبق منهم سوى التسعة المنهزمين قال علي (عليه ~~السلام): (التمسوا المخدج) فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي (عليه السلام) ~~بنفسه حتى أتى أناسا قد قتل بعضهم على بعض. # قال: ms119 (أخرجوهم) فوجده مما يلي الأرض فكبر علي (عليه السلام) ثم قال: (صدق ~~الله وبلغ رسوله) وقد تقدم القول في ذلك (2). # قال أبو الوضى: فكأني انظر إليه حبشي عليه قريطق (3) إحدى يديه مثل ثدي ~~المرأة عليها شعيرات مثل شعيرات (4) ذنب اليربوع. وهذا أبو الوضى هو عباد ~~بن # PageV00P232 # نسيب القيسي تابعي، يروي هذا القول عنه أبو داود في مسنده (1). # فهذا تلخيص مواقفه (عليه السلام) في منازلة الطوائف المتبعة تضليل ~~أهوائها ومقابلة الناكثين والقاسطين والمارقين بقيامه في مقاتلتها بأعيانها ~~وذكر كيفية قذفه بحقه لازهاق باطلها وكف غلوائها وارهاق عصبها صعود بوارق ~~قاض عليها بشقائها، وقد تضمن هذا الفصل من وقائعه المذكورة ومواقفه ~~المأثورة ما فيه غنية كافية وكفاية مغنية فإنه ملك عصم الشجاعة وأنه أكفى ~~اكفائها ومن تأمل أقدامه (عليه السلام) في مأزق وقائعه ومضائق مواقفه ~~ومعارك كره على الابطال وهجومه على الأقران وافتراس نفوس أخصامه ببأسه ~~قاطعا بحسامه رقاب الهام ومفلقا بشباه مفارق الرؤوس وقادا بحده أوساط ~~المارقين وشاهد غلظته على أعداء الله واستئصال شافتهم وتفصيل أوصالهم ~~وتفريق جموعهم وتمزيقهم كل ممزق غير ثان عنان عزمه وأعمال بطشه عن الإقدام ~~على الصفوف المرصوصة والكتائب المرصوفة والكراديس المصفوفة مبددا شمل ~~اجتماعها مشمرا عن ساق شجاعته لها موغلا في غمرات القتال مولغا صارمه في ~~دماء الطلا والأحشاء تحقق، واستيقن أن هجيراه (عليه السلام) مكابدة الحروب ~~وإدارة رحاها وأن إليه في جميع الأحوال مردها ومنتهاها وأنه فيها قدوة ~~شيخها وكهلها وفتاها، وعلم علما لا يعترضه شك أن الله عز وجل قد أتاه (عليه ~~السلام) خصائص تكاد توصف بالتضاد وحلاه بلطائف تجمع أشتات التعاند، إذ أين ~~هذه الشدة والبطش والغلظة والبأس والقد واللفظ وشق الهام وخفة الاقدام ~~وتذليل الحجاحج والكماة وإلصاق معاطسها الأبية بالرغام من خشوعه وخضوعه ~~راغبا وراهبا وتدرعه من الزهادة والعبادة بسربال سائغ ورداء سائل واتصافه ~~(عليه السلام) برقة قلب وهموم طرف وانسكاب دمع وتأوه حزين واخباب منيب وشظف ~~عيش وجشب غذاء وتقلل قوت وخشونة لباس وتطليق الدنيا وزهرتها ومواصلة ~~الأوراد واستغراق الأوقات بها ms120 والاشفاق على الضعيف # PageV00P233 # والرحمة للمسكين والتخلي بخلال خير لا تتأتى إلا لمنقطع في كن جبل لا ~~يصحب إنسا ولا يسمع من البشر حسا مع المبالغة في معاتبة نفسه على التقصير ~~في الطاعة وهو مطيل في العبادة، هذا إلى فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه وكلامه ~~المتين في الزهد والحث على الاعراض عن الدنيا ومبالغته في مواعظه الزاجرة ~~وزواجره الواعظة وتذكيره القلوب الغافلة (وايقاظه الهمم الراقدة، مطلقا في ~~إيراد أنواع ذلك لسانا لا يفل غضبه ولا يكل حده ويسأم سامعه جنى حكمه ~~وألفاظ بدائعه ولا يمل عند إطالته وإسهابه لاستحلائه واستعذابه بل يفتح ~~لاصغائه إليه مقفل أبوابه ويرفع له مسبل حجابه: # صفات أمير المؤمنين من اقتفى * مدارجها أقنته ثوب ثوابه صفات جلال ما ~~اغتذى بلبانها * سواه ولا حلت بغير جنابه تفوقها طفلا وكهلا فأينعت * معاني ~~المعالي فهي مثل أهابه مناقب من قامت به شهدت * له بازلافه من ربه واقترابه ~~مناقب لطف الله أنزلها * له وشرف ذكره لها في كتابه (1) # PageV00P234 # في كراماته (عليه السلام)... # الفصل التاسع في كراماته: # إعلم أكرمك الله بالهداية إليه أن الكرامات: عبارة عن حالة تصدر مدة ~~التكليف خارقة للعادة لا يؤمر بإظهارها، وبهذا القيد يذهب الفرق بينها وبين ~~المعجزة، فإن المعجزة مأمور باظهارها، لكونها دليلا على صدق النبي دعواه ~~النبوة، فالمعجزة مختصة بالنبي لازمة له، إذ لابد في النبوة من المعجزة فلا ~~نبي إلا وله معجزة، والكرامة مختصة بالولي إكراما له لكن ليست لازمة له، إذ ~~توجد الولاية من غير كرامة فكم من ولي لم يصدر له شئ من الخوارق، إذا عرفت ~~هذه المقدمة فقد كان علي (عليه السلام) من أولياء الله تعالى وقد تقدم ذلك. # وكان له (عليه السلام) كرامات صدرت خارقة للعادة أكرمه الله تعالى بها. # منها: أن الله عز وعلا أطلعه في قتال الخوارج المارقين على مستقبل أمرهم ~~فأخبر به قبل وقوعه فخرق به العادة وكانت كرامة له، وذلك أن الخوارج لما ~~اجتمعوا وأجمعوا على قتاله وكانوا أربعة آلاف على ما سبق بيانه، فبينا علي ~~(عليه السلام) ms121 جالس إذ رأى فارسا مقبلا من ناحية النهروان يركض على فرس ~~فصاح به علي (عليه السلام): (إلي إلي) فجاء إليه فقال له علي (عليه ~~السلام): (ما وراءك)؟ # فقال: إن القوم لما علموا أنك قربت منهم عبروا النهر هاربين. # فقال له علي (عليه السلام): (أنت رأيتهم حين عبروا؟). # قال: نعم. # فقال له علي (عليه السلام): (والذي بعث محمدا (ص) لا يعبرون ولا يبلغون ~~قصر بوران بنت كسرى حتى يقتل الله مقاتلتهم على يدي فلا يبقى منهم إلا أقل ~~من عشرة ولا يقتل من أصحابي إلا أقل من عشرة) ثم نهض (عليه السلام) فركب ~~فرسه حتى وافى القوم متأهبين للقتال فواقعهم على ما سبق حتى قتلوا عن آخرهم ~~سوى تسعة ولم يقتل من أصحابه سوى ما تقدم ذكره قيل: تسعة وقيل: اثنان، ولم ~~PageV00P235 # يعبروا النهر ولا بلغوا قصر بوران بنت كسرى، فوقع الأمر على ما أخبر به ~~(عليه السلام)) (1) فكانت تلك معدودة من كراماته وهذه الوقائع (على هذا ~~الشرح فيما أخبر به عنهم (عليه السلام) نقلها صاحب تاريخ فتوح الشام (رحمه ~~الله)) (2) (3). # ومنها: ما رواه ابن شهرآشوب في كتابه، أن عليا (عليه السلام) لما قدم ~~الكوفة وفد عليه طوائف من الناس وكان فيهم فتى فصار من شيعته يقاتل بين ~~يديه في مواقفه فخطب امرأة من قوم عرب استوطنوا الكوفة فأجابوه فتزوجها، ~~فلما صلى علي (عليه السلام) يوما صلاة الصبح قال لبعض من عنده: (إذهب إلى ~~محلة بني فلان تجد فيها مسجدا إلى جانبه بيتا تسمع فيه صوت رجل وامرأة ~~يتشاجران بأصوات مرتفعة فأحضرهما الساعة، وقل لهما أمير المؤمنين يطلبكما). # فمضى ذلك الانسان فما كان إلا هنيئة حتى عاد ومعه ذلك الفتى وامرأته فقال ~~لهما علي (عليه السلام): (فيم طال تشجاركما الليلة؟) فقال الفتى: يا أمير ~~المؤمنين إن هذه المرأة خطبتها وتزوجتها، فلما خلوت بها هذه الليلة وجدت في ~~نفسي منها نفرة منعتي أن ألم بها، ولو استطعت إخراجها ليلا لأخرجتها عني ~~قبل ظهور النهار فنقمت على ذلك ونحن في التشاجر إلى أن ms122 جاء أمرك فحضرنا بين ~~يديك. # فقال علي (عليه السلام): لمن حضره: (رب حديث لا يؤثر من يخاطب به أن ~~يسمعه غيره) فقام من كان حاضرا ولم يبق عند علي (عليه السلام) غير الفتى ~~والمرأة. # فقال لها علي (عليه السلام): (أتعرفين هذا الفتى؟) # PageV00P236 # فقالت: لا. # فقال: (إذا أنا أخبرتك بحالة تعرفينها فلا تنكريها). # قالت: بلى يا أمير المؤمنين. # قال (عليه السلام): (ألست فلانة بنت فلان؟). # قالت: بلى. # قال (عليه السلام): (أليس كان لك ابن عم وكل واحد منكما راغب في صاحبه؟). # قالت: بلى. # قال (عليه السلام): (أليس إن أباك منعك منه ومنعه عنك ولم يزوجه بك ~~وأخرجه من جواره لذلك؟). # قالت: بلى. # قال (عليه السلام): (أليس خرجت ليلة لقضاء الحاجة فاغتالك وأكرهك ووطئك ~~فحملت فكتمت أمرك عن أبيك وأعلمت أمك فلما آن الوضع أخرجتك ليلا فوضعت ولدا ~~فلفته في خرقة وألقته من خارج الجدران حيث قضاء الحوائج فجاء كلب فشمه ~~فخشيت أن يأكله فرمته بحجر فوقعت في رأسه فشجته فعدت إليه أنت وأمك فشدت ~~أمك رأسه بخرقة من جانب مرطها ثم تركتماه ومضيتما ولم تعلما حاله؟). # فسكتت. # فقال لها (عليه السلام) (تكلمي بحق). # فقالت: بلى والله يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر ما علمه مني غير أمي. # فقال (عليه السلام): (فقد أطلعني الله عليه، فأصبح وأخذه بنو فلان فربى ~~فيهم إلى أن كبر، وقدم معهم الكوفة وخطبك وهو ابنك). # ثم قال للفتى: (إكشف عن رأسك) فكشف رأسه فوجدت أثر الشجة فيه. # فقال (عليه السلام): (هذا ابنك قد عصمه الله مما حرمه عليه فخذي ولدك ~~وانصرفي فلا نكاح بينكما) (1). # PageV00P237 # وفي هذه الواقعة منه (عليه السلام) ما يقضي بولايته ويسجل بكرامته. # ومنها: ما رواه الحسين بن ركدان الفارسي قال: كنت مع أمير المؤمنين علي ~~ابن أبي طالب (عليه السلام) وقد شكى إليه الناس أمر الفرات وأنه قد زاد ~~الماء ما لا نحتمله ونخاف أن تهلك مزارعنا، ونحب أن تسأل الله تعالى أن ~~ينقصه عنا. # فقام ودخل بيته والناس مجتمعون ينتظرونه فخرج وقد لبس ms123 جبة رسول الله (ص) ~~وعمامته وبرده وفي يده قضيبه فدعا بفرسه فركبه ومشى الناس معه وأولاده وأنا ~~معهم رجالة حتى وقف على الفرات فنزل عن فرسه، وصلى ركعتين خفيفتين ثم قام ~~وأخذ القضيب بيده ومشى على الجسر وليس معه غير ولديه الحسن والحسين وأنا، ~~فأهوى إلى الماء بالقضيب فنقص ذراعا فقال (عليه السلام): # (أيكفيكم؟). # فقالوا: لا يا أمير المؤمنين. # فقام وأومى بالقضيب وأهوى به في الماء فنقصت الفرات ذراعا آخر وهكذا إلى ~~أن نقصت ثلاثة أذرع فقالوا: حسبنا يا أمير المؤمنين فعاد وركب فرسه ورجع ~~إلى منزله. وهذه كرامة عظيمة ونعمة من الله جسيمة (1). # ومنها: ما صدر في قضية مقتله (عليه السلام) وتلخيص ذلك أنه (عليه السلام) ~~لما فرغ من قتل الخوارج المارقين عاد إلى الكوفة في شهر رمضان، قام في ~~المسجد فصلى ركعتين ثم صعد المنبر فخطب خطبة حسناء ثم التفت إلى ابنه الحسن ~~فقال: # (يا أبا محمد كم مضى من شهرنا هذا؟). # قال (عليه السلام): (ثلاث عشرة يا أمير المؤمنين). # ثم التفت إلى الحسين فقال: (يا أبا عبد الله كم بقي من شهرنا هذا؟) - ~~يعني رمضان # PageV00P238 # الذي هم فيه - فقال الحسين (عليه السلام): (سبع عشرة يا أمير المؤمنين). # فضرب بيده إلى لحيته - وهي يومئذ بيضاء - فقال: (الله أكبر، والله ~~ليخضبنها بدمها إذ انبعث أشقاها) ثم جعل يقول: # أريد حياته ويريد قتلي * خليلي من عذيري من مرادي و عبد الرحمن بن ملجم ~~المرادي يسمع، فوقع في قلبه من ذلك شئ فجاء حتى وقف بين يدي علي (عليه ~~السلام) وقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين هذه يميني وشمالي بين يديك ~~فاقطعهما أو اقتلني. # فقال علي (عليه السلام): (وكيف أقتلك ولا ذنب لك إلي!! ولو أعلم أنك ~~قاتلي لم أقتلك، ولكن هل كانت لك حاضنة يهودية قالت لك يوما من الأيام: يا ~~شقيق عاقر ناقة صالح؟). # قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين. # فسكت (عليه السلام) وركب، فلما كانت ليلة ثلاث وعشرين من الشهر قام ليخرج ~~من داره إلى المسجد لصلاة ms124 الصبح وقال: (إن قلبي ليشهد أني لمقتول في هذا ~~الشهر) وفتح الباب فتعلق الباب بمئزره، فجعل ينشد: # اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك * ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك ~~فخرج وقتل (1)، وسيأتي شرح ذلك وبيان تمامه في الفصل الموضوع له إن شاء ~~الله تعالى، وهذه من جملة الكرامات المضافة إليه ولم أصرف الهمة على تتبع ~~ما نسب إليه من كراماته وما أكرمه الله تعالى به من خوارق عاداته لكثرة ~~غيرها من مزاياه وتعدد مناقب مقاماته. # PageV00P239 # إذا ما الكرامات اعتلا قدر ربها * وحل بها أعلى ذرى درجاته (1) فإن عليا ~~ذا المناقب والنهى * كراماته العليا أقل صفاته (2) # PageV00P240 # في فصاحته وجمل من كلامه (عليه السلام)... PageV00P241 # الفصل العاشر في فصاحته وجمل من كلامه (عليه السلام) هذا فصل جمع القلم ~~لاجتناء جنى فنونه سبحه واطلع لاستجلاء غرر عيونه صبحه وقرع إلي باب ~~الهداية إلى نيل شجونه فمنح فتحه واشرح إلى ذي سلمه فنصر شرحه ونضد طلحه، ~~فإنه فصل عظيم يشهد لعلي (عليه السلام) بفضل سابغ الأطراف والأهداب بالغ ~~إلى الغاية في أصناف الآداب، قد احتوى على فصاحة ألفاظه وألفاظ فصاحته، ~~وارتوى من بلاغة معانيه ومعاني بلاغته، وتضلع من براعة حكمه وحكم براعته، ~~وتدرع بجزالة بيانه وبيان جزالته، وصدع بعظة زواجره وزواجر عظته، فالفصاحة ~~تنسب إليه والبلاغة تنقل عنه والبراعة تستفاد منه، وعلم المعاني والبيان ~~غريزة فيه ونحيزة له فعصابة الفصحاء على تفاوت طبقاتها دونه وزمرة البلغاء ~~على تباين حالاتها عيال عليه، فعيونها من بدائعه منجبسة وأنوارها من براعته ~~مقتبسة، وها أنا الآن أورد ما روى عنه (عليه السلام) من درر بحره ولئالئ ~~تياره وجواهر معدنه وفرائد قلائده نبذة اقتصر عليها نثرا أو نظما فإن شعب ~~كلامه كثيرة ومناهج قوله متعددة وله من الكلمات المستعذبة والألفاظ الراقية ~~والمعاني البديعة والحكم البليغة والنكت اللطيفة والمطالع المستنيرة ~~والمقاصد المتينة والمواعظ النافعة والزواجر الصادعة والحجج القاطعة والخطب ~~الجامعة والأبيات الرائعة ما يعلو رتبة عن أن يشهد له فاضل أو يصفه بل هو ~~على الحقيقة شاهد بكمال فضل من ms125 عرفه فعرفه، وقد جعلت المقصد المطلوب منه ~~منحصرا في قسمين: # الأول: من كلامه المنثور. # الثاني: من كلامه المنظوم. PageV00P242 # الأول: المنثور، وهو خمسة أنواع: # الأول: في العلم والعقل. # الثاني: في صفة الدنيا. # الثالث: في صفة المؤمنين. # الرابع: في الحكم والأمثال. # الخامس: في الخطب والمواعظ. # فالأول: ما نقل عنه (عليه السلام) في العلم والعقل. # قال (عليه السلام): تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة ومدارسته تسبيح والبحث ~~عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة، فهو معالم الحلال ~~والحرام ومسلك إلى الجنة ومؤنس في الوحدة وصاحب في الغربة ودليل في السراء ~~والضراء وسلاح على الأعداء وزين الأخلاء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم إلى ~~الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم وتقتبس آثارهم ترغب الملائكة في خلقهم ~~ويسبحون لهم في عبادتهم ويضعون لهم أجنحتهم، يستغفر لهم حتى حيتان البحر ~~وهوامه وسباع البر وأنعامه فالعلم حياة القلوب ونور الأبصار من العمى وقوة ~~الأبدان من الضعف، ينزل الله تعالى حامله منازل الأخيار ويمنحه صحبة ~~الأبرار ويرفعه في الدنيا والآخرة، وبالعلم يطاع الله ويعبد، بالعلم يعرف ~~ويؤخذ وبالعلم توصل الأرحام ويعرف الحلال والحرام، فالعلم إمام العقل يلهمه ~~الله السعداء ويحرمه الأشقياء (1). # ما نقل عنه (عليه السلام) في العلم والعقل... # وقال (عليه السلام): عليكم بالعلم فإنه صلة بين الاخوان ودال على المروءة ~~وتحفة في المجالس وصاحب في السفر ومؤنس في الغربة، وأن الله يحب المؤمن ~~العالم # PageV00P243 # الفقيه الزاهد الخاشع الحي الحليم الحسن الخلق المقتصد المتعفف (1). # وقال (عليه السلام): طلاب العلم ثلاثة أصناف فاعرفوهم بصفاتهم ونعوتهم، ~~فصنف طلبوه للمماراة والجدل، وصنف طلبوه للاستطالة والحيل، وصنف طلبوه ~~للتفقه والعمل، فأما صاحب المماراة والجدل فمؤذ متأذ متعرض للمقال في أندية ~~الرجال تحلى بتذكر العلم وخفة الحلم تسربل بالتخشع وتخلى من الورع فدق الله ~~في هذا خيشومه وقطع منه حيزومه، وأما صاحب الاستطالة والحيل فذو خب وملق ~~مستطيل على أمثاله وأشباهه لحلوائهم هاضم ولدينه حاطم فأعمى الله على هذا ~~خبره وقطع من آثار العلماء أثره، وأما صاحب الفقه والعمل فذو كآبة وخشوع ms126 ~~وأنابة وخضوع قد خشع في برنسه وقام الليل في حندسه يخشع داعيا مقبلا على ~~شأنه عارفا بأهل زمانه مستوحشا من أوثق إخوانه فشد الله من هذا أركانه ~~وأعطاه يوم القيامة أمانه وحباه مغفرته ورضوانه. # وقال (عليه السلام): # من تواضع للمعلمين وذل للعلماء ساد بعلمه، فالعلم يرفع الوضيع وتركه يضع ~~الرفيع، ورأس العلم التواضع، وبصره البراءة من الحسد، وسمعه الفهم، ولسانه ~~الصدق، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة أسباب الأمور، ومن ثمراته التقوى ~~واجتناب الهوى وأتباع الحق (2) ومجانبة الذنوب ومودة الاخوان والاستماع من ~~العلماء والقبول منهم، ومن ثمراته ترك الانتقام عند القدرة، واستقباح ~~مقاربة الباطل، واستحسان متابعة الحق، وقول الصدق، والتجافي عن # PageV00P244 # سرور في غفلة، وعن فعل ما يعقب ندامة، والعلم يزيد العقل (1) عقلا ويورث ~~متعلمه صفات حميدة، فيجعل الحليم أميرا، وذا المشورة وزيرا، ويقمع الحرص، ~~ويخلع المكر، ويميت البخل، ويجعل مطلق الفحش مأسورا، وبعيد السداد قريبا. # وقال (عليه السلام): الفقيه كل الفقيه من لم يقنط العباد من رحمة الله، ~~ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن ~~رغبة عنه إلى غيره، ألا لا خير في علم ليس فيه فقه، ألا لا خير في عبادة ~~ليس فيها تفكر، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في نسك ليس ~~فيه ورع (2). # وقال في وصيته لكميل بن زياد: القلوب أوعية وخيرها أوعاها، احفظ ما أقول ~~لك: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع اتباع كل ~~ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤا إلى ركن وثيق، ~~العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الإنفاق ~~والعمل، والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، محبة العالم ~~دين يدان بها، تكسبه الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته، مات خزان ~~المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في ~~القلوب موجودة، إن هاهنا - وأومى بيده إلى صدره - علما لو أصبت له حملة، ms127 بل ~~أصبت لقنا غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بنعم الله على ~~عباده، # PageV00P245 # وبحججه على كتابه، أو معاندا لأهل الحق لا بصيرة له، يقدح الشك في قلبه ~~بأول غارس من شبهة لاذا ولا ذاك، فمنهوم باللذات سلس القياد للشهوات، أو ~~مغرم يجمع الأموال والادخار، أقرب شبها بهم الأنعام السائمة، كذلك يموت ~~العلم بموت حامليه، اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لكيلا تبطل ~~حجج الله وبيناته، أولئك هم الأقلون الأعظمون عند الله قدرا، بهم يحفظ الله ~~حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على ~~حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه ~~الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحهم معلقة في المحل الأعلى، آه آه شوقا ~~إلى رؤيتهم، واستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقم (1). # وقال (عليه السلام): الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، ~~وهمج رعاع تبع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور الحكمة، ولا لجؤوا إلى ركن وثيق ~~(2). # وينبغي للعالم أن يكون صدوقا ليؤمن على ما قال، وأن يكون شكورا ليستوجب ~~المزيد، وأن يكون حمولا ليستحق السيادة، وأن يعمل بعلمه ليقتدي الناس به. # وقال (عليه السلام): كن بالتواضع بالعلم كالجاهل، وكن بالاقتصاد في ~~المنطق كالعي، واكتف بالكفاف من المنطق إن غلبت على العمل، فاحل على العلم ~~تلحق بالعلماء، وإن غلبت على المنطق فأحل على الصمت فإنه سبيل البلغاء، ~~الصمت # PageV00P246 # أجلب للمرؤة (1) وآنفا للحسد، كم من باك على الدنيا طال بكاؤه منها، وكم ~~من مصلح لها بافساد نفسه لها، وكم من مستبق لها إنما جعل نفسه مستباحة لها، ~~وكم من عاجز عن نفسه بالقوة بغيره، المجانبة تجلب المعاندة، وطول الصمت خير ~~من مماراة الجاهل، والقطيعة خير من مواصلة أهل الشر، وبالعلم تنكشف هذه ~~الأشياء. # وقال (عليه السلام): إن أبغض الخلائق إلى الله تعالى رجلان، رجل وكله ~~الله تعالى إلى نفسه، فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة ودعاء ~~ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن الهدى من كان ms128 قبله، مضل لمن اقتدى به ~~في حياته وبعد مماته، حمال خطايا غيره رهن بخطيئته، ورجل قمش جهلا، موضع في ~~جهال الأمة، عاد في أغباش الفتنة عما في عقد الهدنة، قد سماه أشباه الناس ~~عالما وليس به بكر، فاستكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى ~~من آجن وأكثر من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على ~~غيره، فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشوا رثا من رأيه ثم قطع به، فهو ~~من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت، ولا يدري هل أصاب أم أخطأ؟ إن أصاب ~~خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهل خباط جهالات، غاش ~~ركاب عشوات، لم يعض على العلم بضرس قاطع، يذري الروايات إذراء الريح الهشيم ~~(2)، تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعج منه المواريث إلى الله تعالى، من معشر ~~يعيشون جهالا ويموتون ضلالا، وليس فيهم # PageV00P247 # سلعة أبور من الكتاب آثروا تلاوته، وترد على أحدهم القضية في حكم من ~~الأحكام، فيحكم فيها برأيه ثم ترد بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ~~ثم تجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا، والههم ~~واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد. # فأمرهم الله باختلاف فأطاعوه أم نهاهم عنه فعصوه! # أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان لهم على إتمامه! # أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى! # أم أنزل الله تعالى دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وسلم عن تبليغه ~~وإداءه والله سبحانه وتعالى يقول: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (1) وفيه ~~تبيان كل شئ وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا وأنه لا إختلاف فيه فقال تعالى: ~~* (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * (2) فإن القرآن ~~ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ولا تكشف الظلمات ~~إلا به (3). # وقال: قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك هذا ينفر الناس بهتكه (وهذا ~~يضل الناس بتنسكه) (4) (5). # PageV00P248 # أقل الناس قيمة ms129 أقلهم علما إذ قيمة كل امرئ ما يحسنه (1). # كفى بالعلم شرفا أنه يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه وكفى بالجهل ~~ضعة أنه يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه (2). # والناس عالم أو متعلم وسائرهم همج لا خير فيهم (3). # وقال (عليه السلام) للحسن: يا بني جالس العلماء فإنك إن أصبت حمدوك وإن ~~جهلت علموك وإن أخطأت لم يعنفوك، ولا تجالس السفهاء فإنهم خلاف ذلك (4). # وقال (عليه السلام): الناس أربعة: فرجل يعلم ويعلم أنه يعلم فاقبلوه، ~~ورجل يعلم ولا يعلم أنه يعلم فناس فذكروه، ورجل لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم ~~فمسترشد فارشدوه، ورجل لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم فجاهل فارفضوه (5). # PageV00P249 # وقال (عليه السلام): العقل عقلان، عقل الطبع وعقل التجربة وكلاهما يؤدى ~~إلى المنفعة، والموثوق به صاحب العقل والدين، ومن فاته العقل والمرؤة فرأس ~~ماله المعصية، وصديق كل امرئ عقله وعدوه جهله، وليس العاقل من يعرف الخير ~~من الشر ولكن العاقل من يعرف خير الشرين، ومجالسة العقلاء تزيد في الشرف، ~~والعقل الكامل قاهر للطبع السوء، وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساوئها في ~~الدين والرأي والأخلاق والأدب فيجمع ذلك على صدره أو في كتاب ويعمل في ~~إزالتها (1). # وقال (عليه السلام): الإنسان عقل وصورة، فمن أخطأه العقل ولزمته الصورة ~~لم يكن كاملا وكان بمنزلة من لا روح فيه، فمن طلب العقل المتعارف فليعرف ~~صورة الأصول والفضول، فإن كثيرا من الناس يطلبون الفضول ويضيعون الأصول، ~~فمن أحرز الأصل اكتفى به عن الفضل، وأصل الأمور في الإنفاق طلب الحلال لما ~~ينفق والرفق في الطلب، وأصل الأمور في الدين أن يعتمد على الصلوات ويجتنب ~~الكبائر، وألزم ذلك لزوم من لا غنى له عنه طرفة عين، وإن حرمته هلكت فإن ~~جاوزته إلى الفقه والعبادة فهو الحظ، وإن أصل العقل العفاف وثمرته البراءة ~~من الآثام، وأصل العفاف القناعة وثمرتها قلة الأحزان، وأصل النجدة القوة ~~وثمرتها الظفر، وأصل الفعل القدرة وثمرتها السرور، ولا يستعان على الدهر ~~إلا بالعقل ولا على الأدب إلا بالبحث ms130 ولا على الحسب إلا بالوفاء ولا على ~~الوقار إلا بالمهابة ولا على السرور إلا باللين ولا على اللب إلا بالسخاء ~~ولا على البذل إلا بالتماس المكافأة ولا على التواضع إلا بسلامة الصدر، وكل ~~نجدة تحتاج إلى العقل وكل معرفة تحتاج إلى التجارب وكل رفعة تحتاج إلى حسن ~~أحدوثة وكل سرور يحتاج إلى أمن وكل قرابة تحتاج إلى مودة وكل علم يحتاج إلى ~~قدرة وكل مقدرة تحتاج # PageV00P250 # إلى بذل، ولا تعرض لما لا يعنيك بترك ما يعنيك، فرب متكلم في غير موضعه ~~قد أعطبه ذلك (1). # في صفة الدنيا والتحذر منها... # وقال (عليه السلام): لا تسترشد إلى الحزم بغير دليل العقل فتخطئ منهاج ~~الرأي، فإن أفضل العقل معرفة الحق بنفسه، وأفضل العلم (2) وقوف الرجل عند ~~علمه، وأفضل المروءة استبقاء الرجل ماء وجهه، وأفضل المال ما وقى به العرض ~~وقضيت به الحاجة (3) (4). # وقال (عليه السلام): على العاقل ما لم يكن مغلوبا أن لا يشغله شغل عن ~~أربع ساعات: # فساعة يرفع فيها بحاجته إلى (ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي ~~فيها بحاجته إلى) (5) إخوانه الذين يصدقونه عن عيوبه وينصحونه في أموره، ~~وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذته مما يحل ويجمل به، وإن هذه الساعات هي ~~عون على الساعات الاخر (6). # PageV00P251 # وقال (عليه السلام): على العاقل أن لا يكون شغله إلا في ثلاث خصال: إما ~~تزود لمعاده، أو مرمة لمعاشه، أو لذة في غير محرم، وأغلا الأشياء أصلا ~~وأحلاها ثمرة صالح الأعمال، وحسن الأدب، وعقل مستعمل، رويدك لا تشهر ووار ~~شخصك لا يذكر، وتعلم تعلم، واصمت تسلم، ولا عليك إذا عرفك الله دينه أن لا ~~تعرف الناس ولا يعرفوك (1). # النوع الثاني: في صفة الدنيا والتحذر منها. # قال (عليه السلام): أحذركم الدنيا، فإنها خضرة حلوة حفت بالشهوات، وتحببت ~~بالعاجلة وعمرت بالآمال وتزينت بالغرور، لا تؤمن فجعتها ولا يدوم خيرها، ~~ضرارة غدارة غرارة زائلة بائدة أكالة غوالة، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية ~~أهل الرضا بها والرغبة فيها أن تكون فيها كما قال الله تعالى: * (كماء ms131 ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح) * (2) ~~على أن امرؤ لم يكن فيها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها ~~بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا، ولم تنله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه ~~مزنة بلاء، وحري إذا أصبحت له منتصرة أن تسمى له متنكرة، وإن جانب منها ~~اعذوذب واحلولى لأمر منه جانب فأوبى، وإن لقى أمرء من غضارتها رغبا زودته ~~من نوائبها تعبا، ولم يمس امرء منها في جناح أمن إلا أصبح في خوافي خوف، ~~غرور فانية فإن من عليها، من أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر منها ~~لم يدم له وزال عما قليل عنه، كم من واثق بها قد فجعته وذي طمأنينة إليها ~~صرعته وذي خدع قد خدعته # PageV00P252 # وذي أبهة قد صيرته حقيرا وذي نخوة قد صيرته خائفا فقيرا وذي تاج قد أكبته ~~لليدين والفم، سلطانها دول وعيشها رنق وعذبها أجاج وحلوها صبر وغذائها سمام ~~وأسبابها رمام، حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم ومنيعها بعرض اهتضام، ~~عزيزها مغلوب وملكها مسلوب وضيفها مثلوب وجارها محروب، ثم (من) (1) وراء ~~ذلك هول المطلع وسكرات الموت والوقوف بين يدي الحكم العدل ليجزي الذي أساؤا ~~بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ألستم في منازل من كان أطول منكم ~~أعمارا وآثارا وأعد منكم عديدا وأكثف جنودا وأشد منكم عتودا؟ # تعبدوا للدنيا أي تبعد وآثروها أي إيثار ثم ضعنوا عنها بالصغار، فهل ~~بلغكم أن الدنيا سخت لهم بفدية أو أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب؟ بل قد ~~أوهنتهم بالقوارع وضعضعتهم بالنوائب وعفرتهم للمناخر وأعانت عليهم ريب ~~المنون، فقد رأيتم تنكرها لمن دان بها وأجد إليها، ضعنوا عنها الفراق أمد ~~إلى آخر المسند! (2) هل أحلتهم إلا الضنك أو زودتهم إلا التعب أو نورت لهم ~~إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا النار! # أفهذه تؤثرون أم على هذه تحرصون أم إلى هذه تطمئنون! (3) يقول الله جل من ~~قائل: * (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم ~~فيها ms132 لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار # PageV00P253 # وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) * (1) فبئست الدار لمن لم ~~يتهمها ولم يكن فيها على وجل منها. # إعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لأبد، فإنما هي كما نعتها الله تعالى ~~لهو ولعب، واتعضوا بالذين كانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون ويتخذون مصانع ~~لعلهم يخلدون، واتعضوا بالذين قالوا من أشد منا قوة، واتعضوا بإخوانهم ~~الذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا، قد جعل لهم من الضريح أكنانا من ~~التراب أكفانا ومن الرفات جيرانا، فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ~~ضيما قد بادت أضغانهم فهم كمن لم يكن، وكما قال الله تعالى: * (فتلك ~~مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين) * (2) استبدلوا ~~بظهر الأرض بطنا وبالسعة ضيقا وبالأهل غربة جاؤها كما فارقوها بأعمالهم إلى ~~خلود الأبد، كما قال عز وجل: * (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا ~~كنا فاعلين) * (3) (4). # وقال (عليه السلام): أيها الذام للدنيا أنت المجترم عليها أم هي المجترة ~~عليك! فقال قائل من الحاضرين: بل أنا المجترم عليها يا أمير المؤمنين. فقال ~~له (عليه السلام): فلم ذممتها، أليست دار صدق لمن صدقها ودار غنى لمن تزود ~~منها ودار عافية لمن # PageV00P254 # فهم عنها! مسجد أحبائه ومصلى (1) أنبيائه ومهبط ملائكته ومتجر أوليائه، ~~اكتسبوا فيها الطاعة وربحوا منها الجنة فمن ذا يذمها وقد أذنت بانتهائها ~~ونادت بانقضائها وأنذرت ببلائها، فإن راحت بفجعة فقد غدت بمبتغى، وإن اغضرت ~~بمكروه فقد أسفرت بمشتهى، ذمها رجال يوم الندامة ومدحها آخرون، حدثتهم ~~فصدقوا وذكرتهم فذكروا، فيا أيها الذام لها المعني بغرورها متى غرتك! # أم متى استندمت (2) إليك بمصادع آبائك في البلى! # أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى! # كم عللت بدنك ومرضت وأذاقتك شهدا أو صبرا! # فإن ذممتها لصبرها فامدحها لشهدها وإلا فاطرحها لا مدح ولا ذم، قد مثلت ~~لك نفسك حتى ما يغني عنك بكاؤك ولا يرحمك أخاك (3). # وقال (عليه السلام): إن الدنيا قد أدبرت وأذنت بوداع، وإن الآخرة قد ~~أقبلت وأذنت باطلاع، ms133 ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا، ألا وإن السبقة ~~الجنة والغاية النار، الا وانكم في أيام مهل من ورائه يحثه عجل، فمن عمل في ~~أيام مهلة قبل حضور (4) أجله (نفعه عمله ولم يضره أجله، ومن لم يعمل أيام ~~مهله قبل حضور أجله) (5) # PageV00P255 # ضره أجله ولم ينفعه عمله، ولو عاش أحدكم ألف عام كان الموت بالغه ونحبه ~~لاحقه، فلا تغرنكم الأماني ولا يغرنكم بالله الغرور، قد كان قبلكم لهذه ~~الدنيا سكان شيدوا فيها البنيان ووطنوا الأوطان، أصبحت أبدانهم في قبورهم ~~هامدة وأنفسهم خامدة، فتلهف المفرط منهم على ما فرط يقول: يا ليتني نظرت ~~لنفسي، يا ليتني كنت أطعت ربي (1). # وقال (عليه السلام): إن الدنيا ليست بدار قرار ولا محل إقامة، إنما أنتم ~~فيها كركب عرسوا وارتاحوا (2) ثم استقلوا فغدوا وراحوا، دخلوها خفافا ~~وارتحلوا منها ثقالا، فلم يجدوا عن مضحى عنها نزولا (3) ولا إلى ما تركوا ~~بها رجوعا، جد بهم فجدوا وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا، حتى أخذوا بكظمهم، ~~وخلصوا إلى دار قوم لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر قل في الدنيا لبثهم وعجل ~~بهم إلى الآخرة بعثهم وأصبحتم حلولا في ديارهم وظاعنين على آثارهم والمنايا ~~تسير سيرا ما فيه أين ولا بطء، نهاركم بأنفسكم دؤوب وليلكم بأرواحكم ذهوب ~~وأنتم تقتفون من حالهم حالا وتحتذون من أفعالهم مثالا، فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا فإنما أنتم فيها سفر حلول والموت بكم نزول فتتصل فيكم مناياه وتمضي ~~بكم مطاياه إلى دار الثواب والعقاب والجزاء والحساب، فرحم الله من راقب ربه ~~وخاف ذنبه وجانب هواه # PageV00P256 # وعمل لآخرته وأعرض عن زهرة الدنيا (1). # وقال (عليه السلام): كأن قد زالت (عنكم الدنيا كما زالت) (2) عمن كان ~~قبلكم فأكثروا عباد الله اجتهادكم فيها بالتزود من يومها القصير ليوم ~~الآخرة الطويل فإنها دار العمل والآخرة دار القرار والجزاء فتجافوا عنها، ~~فإن المغتر من اغتر بها، لن تعدوا الدنيا إذا تناهت إليها، أمنية أهل ~~الرغبة فيها المطمئنين إليها المغترين بها أن تكون كما قال الله تعالى: * ~~(كماء أنزلناه من السماء فاختلط ms134 به نبات الأرض) * (3) مما يأكل الناس ~~والأنعام إلا أنه لم يصب امرؤ منكم في هذه الدنيا حبره (4) إلا أعقبته عبرة ~~ولا يصبح امرؤ في الحياة إلا وهو خائف منها أن تؤول جائحة أو تغير نعمة أو ~~زوال عافية، والموت من وراء ذلكم وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل، ~~ليجزي كل نفس بما كسبت ويجزي الذين أساؤا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى (5). # وقال (عليه السلام): ما لكم والدنيا، فمتاعها إلى انقطاع وفخرها إلى وبال ~~وزينتها إلى زوال ونعيمها إلى بؤس وصحتها إلى سقم أو هرم ومال ما فيها إلى ~~نفاد وشيك # PageV00P257 # وفناء قريب كل مدة فيها إلى منتهى وكل حي بها إلى مقاربة البلى. أليس لكم ~~في آثار الأولين وآبائكم الماضين معتبر وتبصرة إن كنتم تعقلون! # ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون وإلى الخلف الباقين منكم لا يبقون! # أولستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى! # ميت يبكى وآخر يعزى وصريع مبتلى وعائد يعود ودنف بنفسه يجود وطالب والموت ~~يطلبه وغافل وليس بمغفول عنه على أثر الماضي ويمضي الباقي وإلى الله عاقبة ~~الأمور (1). # وقال (عليه السلام): انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها عن قليل ~~تزيل الساكن وتفجع المترف، فلا تغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم ~~منها، فرحم الله امرءا تفكر واعتبر وابصر أدبار ما قد أدبر وحضور ما قد حضر ~~(2) فكان ما هو كائن من الدنيا، عن قليل لم يكن وكان ما هو كائن من الآخرة ~~لم يزل وكلما هو آت قريب. # فكم من مؤمل (ما) (3) لا يدركه وجامع ما لا يأكله ومانع ما (لا) (5) ~~يتركه ولعله من باطل جمعه أو حق منعه أصابه حراما وورثه عدوانا فاحتمل ما ~~ضره وباء بوزره وقدم على ربه آسفا لاهفا خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو ~~الخسران المبين (4). # PageV00P258 # وقال (عليه السلام): مثل الدنيا مثل الحية، لين مسها قاتل سمها فاعرض عما ~~يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها وكن آنس ما تكون إليها أوحش ما تكون منها، ~~فإن صاحبها ms135 كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته (إلى مكروه) (1) فقد يسر المرء ~~بما لم يكن ليفوته، ويحزن لفوات ما لم يكن ليصيبه أبدا وإن جهد، فليكن ~~سرورك بما قدمت من عمل أو قول وليكن أسفك على ما فرطت فيه من ذلك ولا تكن ~~على ما فاتك من الدنيا حزينا وما صابك منها فلا تنعم به سرورا واجعل همك ~~لما بعد الموت، فإنما توعدون لات (2). # وقال (عليه السلام): انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها، فإنها عن قليل ~~تزيل الساكن وتفجع المترف، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم ~~منها، فرحم الله امرءا تفكر واعتبر وأبصر أدبار ما قد أدبر وحضور ما قد ~~حضر، فكان ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن وما هو كائن من الآخرة لم ~~يزل، اي والله عن قليل تشقي المترف وتحرك الساكن وتزيل الثاوي، صفوها مشوب ~~بالكدرة وسرورها منسوج بالحزن وآخر حياتها مقترن بالضعف فلا يعجبنكم ما ~~يغرنكم منها، فعن كثب تنقلون عنها وكلما هو آت قريب، وهنالك تبلوا كل نفس ~~ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق، وضل عنهم ما كانوا يفترون (3). # PageV00P259 # وقال (عليه السلام): أحذركم الدنيا فإنها ليست بدار غبطة، قد تزينت ~~بغرورها وغرت بزينتها لمن كان ينظر إليها فاعرفوها كنه معرفتها، فإنها دار ~~هانت على ربها، قد اختلط حلالها بحرامها وحلوها بمرها وخيرها بشرها ولم ~~يذكر الله تعالى شيئا اختصه منها لأحد من أوليائه ولا أنبيائه ولم يصرفها ~~عن أعدائه، فخيرها زهيد وشرها عتيد وجمعها نفيد وملكها سليب وعزها يبيد، ~~فالمستمعون بالدنيا تبكي قلوبهم وإن فرحوا يشتد مقتهم لأنفسهم وإن اغتبطوا ~~ببعض ما منها رزقوا، الدنيا فانية لا بقاء لها والآخرة باقية لا فناء لها، ~~الدنيا مقبلة إلى الآخرة والآخرة ملجأ الدنيا وليس للآخرة منتقل ولا منتهى، ~~من كانت الدنيا همه اشتد لذلك غمه ومن آثر الدنيا على الآخرة حلت به ~~الفاقرة (1). # وقال (عليه السلام): إنما الدنيا دار فناء وعناء وغيرة وعبر، فمن فنائها ~~انك ترى الدهر موترا قوسه مفوقا نبله ms136 يرمي الصحيح بالسقم والحي بالموت ~~والبرئ بالتهم، ومن عنائها أنك ترى المرء يجمع ما لا يأكل ويبني ما لا يسكن ~~ويأمل ما لا يدرك، ومن عبرها أنك ترى المرحوم مغبوطا، والمغبوط مرحوما ليس ~~بينهم إلا نعيم زال أو مثلة حلت أو موت نزل، ومن عبرها أن المرء يسوف عليه ~~أمله حتى يختطفه دونه أجله (2). # وقال (عليه السلام): اجعل الدنيا شوكا وانظر أين تضع قدمك منها، فإن من ~~ركن إليها خذلته، ومن آنس بها أوحشته، ومن رغب فيها أوهنته، ومن انقطع ~~إليها قتلته، ومن طلبها أرهقته، ومن فرح بها أترحته، ومن طمع فيها صرعته، ~~ومن قدمها أخرته، ومن أكرمها أهانته، ومن آثرها باعدته من الآخرة، ومن بعد ~~من الآخرة # PageV00P260 # قرب من النار، فهي دار عقوبة وزوال وفناء وبلاء، نورها ظلمة وعيشها كدر ~~وغنيها فقير وصحيحها سقيم وعزيزها ذليل، فكل منعم برغدها شقى وكل مغرور ~~بزينتها مفتون، وعند كشف الغطاء يعظم الندم ويخمد الصدر أو يذم. # وقال (عليه السلام): يأتي على الناس زمان لا يعرف فيه إلا الماحل ولا ~~يطرف فيه إلا الفاجر ولا يؤتمن (فيه) (1) إلا الخائن ولا يخون إلا المؤتمن، ~~يتخذون الفئ مغنما والصدقة مغرما وصلة الرحم منا والعبادة استطالة على ~~الناس وتعديا، وذلك يكون عند سلطان النساء ومشاورة الإماء وإمارة الصبيان ~~(2). # وقال (عليه السلام): إحذروا الدنيا إذا أمات الناس الصلاة وأضاعوا ~~الأمانات واتبعوا الشهوات واستحلوا الكذب وأكلوا الربا وأخذوا الرشا وشيدوا ~~البناء واتبعوا الهوى وباعوا الدين بالدنيا واستخفوا بالدماء وركنوا إلى ~~الرياء وتقاطعت الأرحام، وكان الحلم ضعفا والظلم فخرا والأمراء فجرة ~~والوزراء كذبة والأمناء خونة والأعوان ظلمة والقراء فسقة، وظهور الجور ~~وكثرة الطلاق وموت الفجأة وحليت المصاحف وزخرفت المساجد وطولت المنابر ~~ونقضت العهود وحزنت القلوب واستحلوا المعارف وشربت الخمور وركبت الذكور ~~واشتغل النساء بالنساء وشاركن أزواجهن في التجارة حرصا على الدنيا وعلت ~~الفروج السروج وتشبهن بالرجال، فحينئذ عدوا أنفسكم في الموتى، ولا تغرنكم ~~الحياة الدنيا. # ألا فإن الناس اثنان: بر تقي وآخر شقي، والدار داران لا ثالث لهما ~~والكتاب ms137 واحد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ألا وحب الدنيا رأس كل ~~خطيئة # PageV00P261 # وباب كل بلية ومجمع كل فتنة وداعية كل ريبة، والويل لمن جمع الدنيا ~~وأورثها من لا يحمده، وقدم على من لا يعذره، الدنيا دار المنافقين وليست ~~بدار المتقين، فليكن حظك من الدنيا قوام صلبك وامساك نفسك والتزود ليوم ~~معادك (1). # وقال (عليه السلام): يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت أم إلي تشوقت! هيهات ~~هيهات غري غيري قد بنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك ~~كبير، آه من قلة الزاد ووحشة الطريق (2). # وقال (عليه السلام): إحذروا الدنيا فإن في حلالها حساب وحرامها عقاب ~~وأولها عناء وآخرها فناء، من صح فيها هرم ومن مرض فيها ندم ومن استغنى فيها ~~فتن ومن افتقر فيها حزن ومن أتاها فاتته ومن بعد عنها أتته ومن نظر إليها ~~أعمته ومن نظر بها بصرته، إن أقبلت غرت وإن أدبرت ضرت (3). # النوع الثالث: في صفة المؤمنين في صفة المؤمنين... # قال (عليه السلام): المؤمنون هم أهل الفضائل هديهم السكوت (وهيبتهم ~~الخشوع وسمتهم التواضع) (4)، خاشعين غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، ~~رافعين أسماعهم إلى العلم، نزلت في أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في ~~الرخاء لولا # PageV00P262 # الآجال التي كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين شوقا إلى ~~الموت وخوفا من العقاب (1)، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، ~~فهم كأنهم قد رأوا الجنة ونعيمها والنار وعذابها فقلوبهم محزونة وشرورهم ~~مأمونة وحوائجهم خفيفة وأنفسهم ضعيفة ومعونتهم (2) لإخوانهم عظيمة، اتخذوا ~~الأرض بساطا وماءها طيبا ورفضوا الدنيا رفضا وصبروا، أيامها قليلة فصارت ~~عاقبتهم راحة طويلة تجارتهم مربحة يبشرهم بها رب كريم، أرادتهم الدنيا فلم ~~يريدوها وطلبتهم فهربوا منها. # فأما الليل فأقدامهم مصطفة يتلون القرآن يرتلونه ترتيلا فإذا مروا بآية ~~فيها (تشويق ركنوا إليها طمعا وتطلعت إليها أنفسهم تشوقا فيصيرونها نصب ~~أعينهم، وإذا مروا بآية فيها) (3) تخويف أصغوا إليها بقلوبهم وأبصارهم ~~فاقشعرت منها جلودهم ووجلت قلوبهم خوفا وفرقا، نحلت لها أبدانهم وظنوا أن ms138 ~~زفير جهنم وشهيقها وصلصة حديدها في آذانهم مكبين على وجوههم وأكفهم تجري ~~دموعهم على خدودهم يجازون إلى الله في فكاك رقابهم. # وأما النهار فعلماء أبرار أتقياء قد براهم الخوف، فهم أمثال القداح إذا ~~نظر إليهم الناظر يقول بهم مرض ويقول قد خولطوا وما خولطوا، إذا ذكروا عظمة ~~الله وشدة سلطانه وذكروا الموت وأهوال القيامة وجفت قلوبهم وطاشت لحومهم ~~وذهلت عقولهم، فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله بأعمال زاكية، لا ~~يرضون بالقليل ولا # PageV00P263 # يستكثرون الكثير فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون، ان زكى أحدهم ~~خاف الله وغاية التزكية فقال: أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي مني، ~~اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني كما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون. # ومن علامات أحدهم (1): أن يكون له حزم في لين، وإيمان في يقين، وحرص على ~~تقوى، وفهم في فقه، وحلم في علم، وكيس في رفق، وقصد في غنى، وخشوع في ~~عبادة، وتحمل في فاقة، وصبر في شدة، واعطاء في حق، وطلب لحلال، ونشاط في ~~هدى، وتحرج في طمع، وتنزه عن طمع (2)، وبر في استقامة، واعتصام بالله من ~~متابعة الشهوات، واستعاذة به من الشيطان الرجيم، يمسي وهمه الشكر ويصبح ~~وشغله الذكر، أولئك الآمنون المطمئنون الذين يسقون من كأس لا لغو فيها ولا ~~تأثيم (3). # وقال (عليه السلام): المؤمنون هم الذين عرفوا إمامهم فذبلت شفاههم، وغشيت ~~عيونهم ونهجت ألوانهم حتى عرفت في وجوههم عبرة الخاشعين، فهم عباد الله ~~الذين مشوا على الأرض هونا واتخذوها بساطا وترابها فراشا، رفضوا الدنيا ~~وأقبلوا على الآخرة على منهاج المسيح بن مريم، إن شهدوا لم يعرفوا وإن ~~غابوا لم يفتقدوا وإن مرضوا لم يعادوا، صوام الهواجر قوام الدياجر تضمحل ~~عنهم كل # PageV00P264 # فتنة وتنجلي عنهم كل شبهة (1)، أولئك أصحابي فاطلبوهم في أطراف الأرضين، ~~فان لقيتم منهم أحدا فاسألوه يستغفر لكم. # وقال (عليه السلام): شيعتنا المتباذلون في ولايتنا المتحاببون في مودتنا ~~المتآزرون في أمرنا، (الذين) (2) إن غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، ~~بركة على من جاوروه، سلم لمن خالطوه، ms139 أولئك هم السائحون الناحلون الذابلون، ~~ذابلة شفاههم، خمصة بطونهم، متغيرة ألوانهم، مصفرة وجوههم، كثير بكاؤهم، ~~جارية دموعهم، يفرح الناس ويحزنون، وينام الناس ويسهرون (إذا شهدوا لم ~~يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا وإذا خطبوا الأبكار لم يزوجوا) (3) قلوبهم ~~محزونة، وشرورهم مأمونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، ذبل الشفاه من ~~العطش، خمص البطون من الجوع، عمش العيون من السهر، الرهبانية عليهم لائحة، ~~الخشية لهم لازمه، كلما ذهب منهم سلف خلف في موضعه خلف، أولئك الذين يردون ~~القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر، يغبطهم الأولون والآخرون، لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (4). # وقال (عليه السلام): المؤمن يرغب فيما يبقى، ويزهد فيما يفنى، يمزج الحلم ~~بالعلم # PageV00P265 # والعلم بالعمل، بعيد كسله، دائم نشاطه، قريب أمله، حي قلبه، ذاكر لسانه، ~~لا يحدث بما لا يؤتمن عليه الأصدقاء، ولا يكتم شهادة الأعداء، لا يعمل شيئا ~~من الخير رياء ولا يتركه حياء، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان ~~في الذاكرين لم يكتب من الغافلين، وإن كان من الغافلين كتب في الذاكرين، ~~يعفوا عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ويحسن إلى من أساء إليه، لا ~~يعزب حلمه ولا يعجل فيما يريبه، بعيد جهله، لين قوله، قريب معروفة، غائب ~~منكره، صادق كلامه، حسن فعله، مقبل خيره، مدبر شره، في الزلازل وقور، وفي ~~المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، ~~ولا يدعي ما ليس له، ولا يجحد حقا عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا ~~يضيع ما استحفظ، ولا يرغب فيما لا تدعوه الضرورة إليه، لا ينابز بالألقاب، ~~ولا يبغي على أحد، ولا يهزأ بمخلوق، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ~~مؤد بأداء الأمانات، مسارع إلى الطاعات، محافظ على الصلوات، بطئ عن ~~المنكرات، لا يدخل على الأمور بجهل، ولا يخرج عن الحق بعجز، إن صمت فلا ~~يغمه الصمت، وإن نطق لا يقول الخطأ، وإن ضحك فلا يعلوا صوته سمعه، ولا يجمح ~~به الغضب، ولا يغلبه الهوى، ولا يقهره الشح، ولا تملكه ms140 الشهوة، يخالط الناس ~~ليعلم، ويصمت ليسلم، ويسأل ليفهم، ينصت للخير ليعمل به ولا يتكلم به ليفتخر ~~على ما سواه، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، يبعث (1) نفسه لآخرته، ~~ويعصي هواه لطاعة ربه، بعده عمن تباعد منه نزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ~~(2) ورحمة، ليس بعده تكبرا، ولا قربه خديعة، # PageV00P266 # مقتد بمن كان قبله من أهل الإيمان، إمام لمن بعده من البررة المتقين (1). # وقال (عليه السلام): طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، أولئك ~~قوم اتخذوا أرض الله مهادا وترابها وسادا وماؤها طيبا، وجعلوا الكتاب شعارا ~~والدعاء دثارا، إن الله أوحى إلى عبده المسيح (عليه السلام) أن قل لبني ~~إسرائيل: لا تدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، واكف ~~نقية، وأعلمهم إني لا أجيب لأحد منهم دعوة ولأحد من خلقي قبله مظلمة (2). # وقال (عليه السلام): المؤمن وقور عن الهزاهز، ثبوت عند المكاره، صبور عند ~~البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل ~~للأصدقاء، الناس منه في راحة، نفسه في تعب، العلم خليله، والعقل قرينه، ~~والحلم وزيره، والصبر أميره والرفق أخوه، واللين ولده. # وقوله (عليه السلام): لنوف التكالي (3) هل تدري (4) يا نوف من شيعتي؟ # قال: لا والله. # PageV00P267 # قال: شيعتي: الذبل الشفاه، الخمص البطون، الذين تعرف الرهبانية والربانية ~~في وجوههم، رهبان بالليل، أسد بالنهار، الذين إذا جنهم الليل اتزروا على ~~أوساطهم (وارتدوا على أطرافهم) (1) وصفوا أقدامهم وافترشوا جباههم، تجري ~~دموعهم على خدودهم، يجارون إلى الله في فكاك أعناقهم، وأما النهار: فحكماء ~~علماء، كرام نجباء، أبرار أتقياء. # يا نوف شيعتي: من لم يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولم يسأل ~~الناس ولو مات جوعا، إن رأى مؤمنا أكرمه، وإن رأى فاسقا هجره، هؤلاء والله ~~شيعتي (2). # وقال نوف: عرضت لي حاجة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) علي بن أبي طالب ~~فاستبعت (3) إليه جندب بن زهير، والربيع بن خيثم، وابن أخيه همام بن عبادة ~~بن خيثم وكان من أصحاب البرانس المتعبدين (فأقبلنا إليه) (4) فألقيناه حين ~~خرج ms141 يؤم المسجد، فأفضى ونحن معه إلى نفر متدينين قد أفاضوا في الأحدوثات ~~تفكها وهم يلهى بعضهم بعضا بها فأسرعوا إليه قياما وسلموا عليه، فرد التحية ~~ثم قال: من القوم؟ # PageV00P268 # فقالوا: أناس من شيعتك يا أمير المؤمنين. # فقال لهم خيرا، ثم قال: يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية ~~أحبتنا؟ # فأمسك القوم حياء، فاقبل عليه جندب والربيع فقالا له: ما سمة شيعتكم يا ~~أمير المؤمنين؟ فسكت، فقال همام - وكان عابدا مجتهدا -: أسألك بالذي أكرمكم ~~أهل البيت وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتكم. # فقال (عليه السلام): شيعتنا: هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل ~~الفضائل، والناطقون بالصواب، مأكولهم القوت، وملبسهم الإقتصاد، ومشيهم (1) ~~التواضع، نجعوا لله بطاعته، وخضعوا له بعبادته، فمضوا غاضين أبصارهم عما ~~حرم الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في ~~البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء، رضا عن الله تعالى بالقضاء، فلولا ~~الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى ~~لقاء الله والثواب، وخوفا من أليم العقاب، عظم الخالق في أنفسهم، وصغر ما ~~دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون، وهم والنار ~~كمن رآها فهم فيها يعذبون، صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة، أرادتهم ~~الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فاعجزوها، أما الليل: فصافون أقدامهم، تالون ~~(لأجزاء القرآن) (2) يرتلونه ترتيلا، يعضون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون ~~لدائهم بدواءه تارة وتارة، مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، ~~تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما، ويجارون إليه في فكاك رقاب، ~~هذا ليلهم. # وأما نهارهم: فحكماء علماء، بررة أتقياء، براهم خوف بارئهم، فهم كالقداح، ~~تحسبهم مرضى وقد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة # PageV00P269 # ربهم، وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا استقاموا ~~من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالأعمال الزاكية، لا يرضون له بالقليل، ولا ~~يستكثرون الجزيل، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، ترى لأحدهم قوة ~~في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا على علم، ms142 وفهما في فقه، ~~وعلما في حلم، وكيسا في قصد، وقصدا في غنى، وتحملا في فاقه، وصبرا في شدة، ~~وخشوعا في عبادة، ورحمة لمجهود (1)، واعطاء في حق، ورفقا في كسب، وطلبا في ~~حلال، وتعففا في طمع، وطمعا في غير طبع، ونشاطا في هدى، واعتصاما في شهوة، ~~وبرا في استقامة، لا يغره ما جهله، لا يدع إحصاء ما عمله، يستبطي نفسه في ~~العمل وهو من صالح عمله على وجل، يصبح وشغله الذكر، ويمسي وهمه الشكر، يبيت ~~حذرا من سنة الغفلة، ويصبح فرحا بما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت ~~عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤالها مما إليه تشره، رغبة فيما يبقى، ~~وزهادة فيما يفنى، قد قرن العمل بالعلم (والعلم) (2) بالحلم، يظل دائما ~~نشاطه، بعيدا كسله، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ~~ذاكرا ربه، قانعة نفسه، عازبا جهله، محرزا دينه، ميتا داؤه، كاظما غيظه، ~~صافيا خلقه، آمنا منه جاره، سهلا أمره، معدوما كبره (3)، بينا صبره، كثيرا ~~ذكره، لا يعمل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء، أولئك شيعتنا وأحبتنا ~~ومنا ومعنا، آها شوقا إليهم. # في الحكم والأمثال... # فصاح همام صيحة ووقع مغشي عليه، فحركوه فإذا هو (ميت) (4) قد فارق الدنيا # PageV00P270 # رحمه الله، فغسل وصلى عليه أمير المؤمنين، ونحن معه فشيعه (عليه السلام) ~~(1). # هذه صفتهم وهي صفة المؤمنين وقد تقدم بعضها. # وقال (عليه السلام): الجنة التي أعدها الله تعالى للمؤمنين خطافة لأبصار ~~الناظرين، فيها درجات متفاضلات ومنازل متعاليات، لا يبيد نعيمها، ولا يضمحل ~~حبورها، ولا ينقطع سرورها، ولا يضعن مقيمها، ولا يهرم خالدها، ولا يبوس ~~ساكنها، أمن سكانها من الموت فلا يخافون، صفا لهم العيش، ودامت لهم النعمة، ~~في أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، ولهم فيها من كل الثمرات، ومغفرة من ربهم ~~على فرش منضودة، وأزواج مطهرة، وحور عين كأنهن اللؤلؤ المكنون، وفاكهة ~~كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، * (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام ~~عليكم ms143 بما صبرتم، فنعم عقبى الدار) * (2). # النوع الرابع: في الحكم والأمثال أصدر هذا النوع بما أورده عنه (عليه ~~السلام) عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) فإنه نقل عنه أنه قال: ما إنتفعت ~~بكلام بعد رسول الله (ص) كانتفاعي بكتاب كتبه علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) فإنه كتب إلي: # أما بعد، فإن المرء يسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، ويسره درك ما لم يكن # PageV00P271 # ليفوته، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك (1) منها، ~~وما نلت من دنياك فلا تكن (2) به فرحا، وما فاتك منها فلا تأس عليه حزنا، ~~وليكن همك فيما فاتك بعد الموت، والسلام (3). # وقال (عليه السلام) لجماعة: خذوا عني هذه الكلمات فلو ركبتم المطى حتى ~~تنضوه ما أصبتم مثلها، لا يرجون عبدا إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا ~~يستحي إذا لم يعلم أن يتعلم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا ~~أعلم، واعلموا أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد ~~لا رأس له، فاصبروا على ما كلفتموه رجاء ما وعدتموه (4). # وقال (عليه السلام): الشئ شيئان، شئ قصر عني لم أرزقه فيما مضى ولا أرجوه ~~فيما بقي، وشئ لا أناله دون وقته، ولو استعنت عليه بقوة أهل السماوات ~~والأرض، فما أعجب أمر هذا الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت # PageV00P272 # ما لم يكن ليدركه، ولو أنه فكر لأبصر ولعلم أنه مدبر، واقتصر على ما تيسر ~~ولم يتعرض لما تعسر، واستراح قلبه مما استوعر، فبأي هذين أفني عمري، فكونوا ~~أقل ما تكونون في الباطن أموالا، أحسن ما تكونون في الظاهر أحوالا، فإن ~~الله تعالى أدب عباده المؤمنين أدبا حسنا فقال جل من قائل: * (يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا) * (1) ~~(2). # وقال (عليه السلام): لا تكون غنيا حتى تكون عفيفا، ولا تكون زاهدا حتى ~~تكون متواضعا، ولا (تكون حليما حتى) (3) تكون وقورا، ولا يسلم لك قلبك حتى ~~تحب للمؤمنين ما تحب لنفسك، ms144 وكفى بالمرء جهلا أن يرتكب ما نهى عنه، وكفى به ~~عقلا أن يسلم الناس من شره، فأعرض عن الجهل وأهله، وأكفف عن الناس ما تحب ~~أن يكف عنك، وأكرم من صافاك، وأحسن مجاورة من جاورك، وألن جانبك، وأكفف ~~الأذى، وأصفح عن سوء الأخلاق، ولتكن يدك العليا إن استطعت، ووطن نفسك على ~~الصبر على ما أصابك، وألهم نفسك القنوع، واتهم الرجاء وأكثر الدعاء، تسلم ~~من سورة الشيطان، ولا تنافس على الدنيا (4)، ولا تتبع الهوى، وتوسط في ~~الهمة تسلم ممن يتبع عثراتك، ولا تك صادقا حتى تكتم بعض ما تعلم، احلم عن ~~السفيه يكثر أنصارك عليه، عليك بالشيم العالية تقهر من # PageV00P273 # يناويك، قل الحق، وقرب المتقين، واهجر الفاسقين، وجانب المنافقين، ولا ~~تصاحب الخائنين (1). # وقال (عليه السلام): قل عند كل شدة لا حول ولا قوة إلا بالله تكف بها، ~~وقل عند كل نعمة الحمد لله تزدد منها، (وقل) (2) إذا أبطأت عليك الأرزاق ~~فاستغفر (3) الله يوسع عليك، عليك بالحجة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج، ~~ولا تردك عن منهج، الناس ثلاث: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج ~~رعاع، مفتاح الكرم التقوى ومفتاح الجنة الصبر ومفتاح الشرف التواضع ومفتاح ~~الغني اليقين، من أراد أن يكون شريفا فليزم التواضع، عجب المرء بنفسه أحد ~~حساد عقله، الطمأنينة قبل الحزم ضد الحزم (المغتبط من حسن يقينه) (4) (5). # وقال (عليه السلام): اللهو يسخط الرحمن، ويرضي الشيطان، وينسي القرآن، ~~عليكم بالصدق فإن الله مع الصادقين، المغبون من غبن دينه، جانبوا الكذب ~~فإنه يجانب (6) الايمان، والصادق على سبيل نجاة وكرم، والكاذب على شفا هلك # PageV00P274 # وهون، قولوا الحق تعرفوا به واعملوا الحق تكونوا من أهله وأدوا الأمانة ~~إلى من ائتمنكم ولا تخونوا من خانكم وصلوا أرحامكم وعودوا بالفضل على من ~~حرمكم وأوفوا إذا عاهدتم وأعدلوا إذا حكمتم لا تفاخروا بالآباء ولا تنابزوا ~~بالألقاب ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا وأفشوا السلام وردوا التحية ~~بأحسن منها وارحموا الأرملة واليتيم وأعينوا الضعيف والمظلوم وأطيبوا ~~المكسب وأجملوا في الطلب (1). # وقال (عليه السلام): لا راحة لحسود، ms145 ولا مودة لملول، ولا مروة لكذوب، ولا ~~شرف لبخيل، ولا همة لمهين، ولا سلامة لمن أكثر مخالطة الناس، الوحدة راحة، ~~والعزلة عبادة، والقناعة غنية، والاقتصاد بلغة، وعدل السلطان خير من خصب ~~الزمان، والعزيز بغير الله ذليل، والغني الشره فقير، لا يعرف الناس إلا ~~بالاختبار فاختبر أهلك وولدك في غيبتك، وصديقك في مصيبتك، وذا القرابة عند ~~فاقتك، وذا التودد والملق عند عطلتك، لتعلم بذلك منزلتك منهم واحذر ممن إذا ~~حدثته ملك (2)، وإذا حدثك غمك، وإن سررته أو ضررته سلك معك فيه سبيلك، وإن ~~فارقك ساءك مغيبه بذكر سوأتك، وإن مانعته بهتك وافترى وإن وافقته حسدك ~~واعتدى، وإن خالفته مقتك ومارى، معجز (3) عن مكافاة من أحسن إليه، ويفرط # PageV00P275 # على من بغى عليه، يصبح صاحبه في أجر، ويصبح هو في وزر، لسانه عليه لا له، ~~ولا يضبط قلبه قوله، يتعلم المراء ويفقه الرياء، يبادر الدنيا ويواكل ~~التقوى، فهو بعيد من الإيمان قريب من النفاق، مجانب للرشد مرافق للغي، فهو ~~باغ غاو لا يذكر في المهتدين (1). # وقال (عليه السلام): لا تحدث عن غير ثقة فتكون كذابا، ولا تصاحب همازا ~~فتكون مرتابا، ولا تخالط ذا فجور فترى متهما، ولا تجادل عن المجانين فتصبح ~~ملوما، وقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، واعلم أن من ~~الحزم العزم، واحذر اللجاج تنج من كبوته، ولا تخن من إئتمنك وإن خانك في ~~أمانته، ولا تذع سر من أذاع سرك، ولا تخاطر بشئ رجاء ما هو أكثر منه، وخذ ~~الفضل وأحسن البذل وقل للناس حسنا، ولا تتخذ عدو صديقك صديقا فتعادى صديقك، ~~وساعد أخاك وإن جفاك وإن قطعته فاستبق له بقية من نفسك، ولا تضيعن حق أخيك ~~فتعدم أخوته، ولا يكن أشقى الناس بك أهلك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك، وليس ~~جزاء من سرك أن تسوءه، واعلم أن عاقبة الكذب الذم، وعاقبة الصدق النجاة ~~(2). # ونقل عنه (عليه السلام): أنه رأى جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) وقد ~~تنفس الصعداء، فقال (عليه السلام) (له) (3): يا جابر علام ms146 تنفسك أعلى ~~الدنيا؟ # PageV00P276 # فقال جابر: نعم. # فقال له: ملاذ الدنيا سبعة: المأكول، والمشروب، والملبوس، والمنكوح، ~~والمركوب، والشموم، والمسموع، فألذ المأكولات العسل وهو بصاق من ذبابة، ~~وأجل المشروبات الماء وكفى بإباحته وسياحته على وجه الأرض، وأعلا الملبوسات ~~الديباج وهو من لعاب دودة، وأعلا المنكوحات النساء وهي مبال في مبال ومثال ~~لمثال (1) وإنما يراد (أحسن ما في المرأة) (2) لا قبح ما فيها، وأعلا ~~المركوبات الخيل وهي قواتل، وأجل المشمومات المسك وهو دم من سرة دابة، وأجل ~~المسموعات الغناء والترنم وهو إثم، فما هذه صفته لم يتنفس عليه عاقل. # قال جابر بن عبد الله: فوالله ما خطرت الدنيا بعدها على قلبي. # وقال (عليه السلام): في الأمثال: بالصبر يناضل الحدثان، الجزع من أنواع ~~الحرمان، العدل مألوف والهوى عسوف، والهجران عقوبة العشق، البخل جلباب ~~المسكنة، لا تأمنن ملولا، إزالة الرواسي أسهل من تأليف القلوب المتنافرة، ~~من اتبع الهوى ضل، الشجاعة صبر ساعة، خير الأمور أوسطها، القلب بالتعلل ~~رهين، من ومقك أتعبك (3)، القلة ذلة، المجامعة مسكنة، خير أهلك من كفاك، ~~ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة، من ولع بالحسد ولع به الشؤم، كم تلف من ~~صلف وكم ترف من سرف، عدو عاقل خير من صديق أحمق، التوفيق من السعادة ~~والخذلان من # PageV00P277 # الشقاوة، من بحث عن (1) عيوب الناس فبنفسه بدأ، من كان في حاجة أخيه كان ~~الله في حاجته، من سلم من ألسنة الناس كان سعيدا، من صحب الملوك تشاغل ~~بالدنيا، الفقر طرف من الكفر، من وقع في ألسنة الناس هلك، من تحفظ من سقط ~~الكلام أفلح، كل معروف صدقة، كم من غريب خير من قريب، لو ألقيت الحكمة على ~~الجبال لقلقلتها (2)، كم من غريق هلك في بحر الجهالة، وكم من عالم قد ~~أهلكته الدنيا، خير إخوانك من واساك وخير منه من كفاك، خير مالك ما أعانك ~~على حاجتك، خير من صبرت عليه من لابد لك منه، أحق من أطعت مرشد لا يعصيك، ~~من أحب الدنيا جمع لغيره، المعروف فرض والأيام دول (3)، عند تناهى البلاء ~~يكون الفرج، ms147 من كان في النعمة جهل قدر البلية، من قل سروره كان في الموت ~~راحته، قد ينمي القليل فيكثر ويضمحل الكثير فيذهب، رب أكلة منعت أكلات، ~~أفلح حجة من شهد له خصمه بالفلح، السؤال مذلة والعطاء محبة، من حفر لأخيه ~~بئرا كان بترديه فيها جديرا (4)، املك عليك لسانك، حسن التدبير مع الكفاف ~~أكفى من الكثير مع الإسراف، الفاحشة كاسمها، مع كل جرعة شرقة # PageV00P278 # مع كل أكلة غصة، بحسب السرور يكون التنغيص، الهوى يهوى بصاحبه (1) الهوى، ~~عدوا العقل [الهوى] (2)، الليل أخفى للويل، صحبة الأشرار تورث سوء الظن ~~بالأخيار، من أكثر من شئ عرف به، رب كبير جاهه صغير، رب ملول لا ذنب له، ~~الحر حر ولو مسه الضر، ما ضل من استرشد ولا حار من استشار، الحازم لا يستبد ~~برأيه، آمن من نفسك عندك من وثقت به على سرك، المودة بين الآباء قرابة بين ~~الأبناء (3). # وقال (عليه السلام): من رضى عن نفسه كثر الساخط عليه، من بالغ في الخصومة ~~أثم، ومن قصر عنها (4) ظلم، من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته، إنه ليس ~~لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها، من عظم صغار المصائب ابتلاه ~~الله بكبارها، الولايات (5) مضامير الرجال، ليس بلد بأحق بك من بلد، خير ~~البلاد ما حملك، إذا كان في الرجل خلة رائعة فانتظر أخواتها، الغيبة جهد ~~العاجز، رب مفتون يحسن القول فيه، ما لابن آدم والفخر أوله نطفة وآخره ~~جيفة، لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه، الدنيا تغر وتضر وتمر، إن الله تعالى ~~لم يرضها ثوابا # PageV00P279 # لأوليائه، ولا عقابا لأعدائه، وأن أهل الدنيا كركب، بيناهم حلوا إذ صاح ~~سائقهم (1) فارتحلوا، من صارع الحق صرعه، القلب مصحف البصر، التقى رئيس ~~الأخلاق، ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله، وأحسن منه تيه ~~الفقراء على الأغنياء توكلا (2) على الله، كل مقتصر عليه كاف، الدهر يومان، ~~يوم لك ويوم عليك، فإن كان لك فلا تبطر (3) وإن كان عليك فلا تضجر، من طلب ~~شيئا ناله أو بعضه، الركون إلى الدنيا ms148 مع ما يعاين منها جهل، والتقصير في ~~حسن العمل مع الوثوق بالثواب عليه غبن، والطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار ~~عجز، والبخل جامع لمساوئ الأخلاق، نعم الله على العبد مجلبة لحوائج الناس ~~إليه فمن قام لله فيها بما يجب عرضها للدوام والبقاء، ومن لم يقم فيها بما ~~يجب عرضها للزوال والفناء، الرغبة مفتاح النصب، والحسد مطية التعب، من علم ~~أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه، من نظر في عيوب الناس فأنكرها ~~ثم رضيها لنفسه فذلك الأحمق بعينه، العفاف زينة الفقر (4) والشكر (5) زينة ~~الغنى، رسولك ترجمان عقلك وكتابك أبلغ ما ينطق عنك، الناس أبناء الدنيا ولا ~~يلام # PageV00P280 # الرجل على حب أمه، الطمع ضامن غير وفي، والأماني تعمي أعين البصائر، لا ~~تجارة كالعمل الصالح ولا ربح كالثواب ولا قائد كالتوفيق ولا حسب كالتواضع ~~ولا شرف كالعلم ولا ورع كالوقوف عند الشبهة ولا قرين كحسن الخلق ولا عبادة ~~كأداء الفرائض ولا عقل كالتدبير ولا وحدة أوحش من العجب، ومن أطال الأمل ~~أساء العمل (1). # وسمع (عليه السلام): رجلا من الحرورية يقرأ ويتهجد، فقال: نوم على يقين ~~خير من صلاة في شك (2). # خاتمة رائقة وحكمة فائقة... # [وقال (عليه السلام)]: إذا تم العقل نقص الكلام، قدر الرجل على قدر همته، ~~قيمة كل امرئ ما يحسنه، المال مادة الشهوات، الناس أعداء ما جهلوه، أنفاس ~~المرء خطاه إلى أجله (3). # خاتمة رائقة وحكمة فائقة سئل (عليه السلام) عن أحوال الإسلام والإيمان ~~والكفر والنفاق فذكر ما يطرب سماعه ويعجب إبداعه، فقال (عليه السلام): أما ~~الإسلام: فسهلة شرائعه لمن رزقه، وعزة أركانه على من حرمه، لا يصطلمه ~~محارب، ولا يحاربه فائز، عز لمن تولاه، علو لمن دخل فيه، هاد لمن اقتفاه، ~~زينة لمن تحلى به، نور لمن انتجاه (4)، عصمة لمن # PageV00P281 # تمسك به، شرف لمن عرفه، حجة لمن خاصم به، لب لمن تدبر، يقين لمن عقل، ~~بصيرة لمن عزم، آية لمن توسم، عبرة لمن اتعظ، نجاة لمن صدق، راحة لمن فوض، ~~مودة لمن أصلح، زلفى لمن ارتقب، ثقة لمن ms149 توكل، خير لمن سارع، الحق سبيله، ~~والهدى صفته، والحسنى ثمرته، فهو أبلج المنهاج، مشرق المنار، مضئ المصابيح، ~~جامع الحلية، قديم العزة، يسير المسلك، واضح البيان، الأمر (1) منهاجه، ~~والصالحات مناره، والفقه مصابيحه، والدنيا مضماره، والموت غايته، والقيامة ~~حلبته، والجنة سبقته، والنار نقمته، والمحسنون فرسانه، والله تعالى ولي ذلك ~~كله. # وأما الإيمان: فعلى أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد. # فالصبر: على أربع شعب، فمن اشتاق إلى الجنة صبر عن الشهوات، ومن أشفق من ~~النار صبر على (2) المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ومن ~~ارتقب الموت سارع إلى الخيرات. # واليقين: على أربع شعب: بصيرة الفطنة، وتأول الحكمة، ومعرفة العبرة، ~~واتباع سنة الأولين، فمن أبصر الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف ~~العبرة، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنه كان في الأولين. # والعدل: على أربع شعب: على الفهم، والعلم، والحلم، والحكم، فمن فهم جمع ~~العلم، ومن علم عرف شرائع الحلم، ومن عرف شرائع الحلم لم يضل في الحكم، ومن ~~حكم عدلا لم يفرط في أمره وعاش حميدا. # والجهاد: على أربع شعب: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في ~~المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهور المؤمنين، ومن # PageV00P282 # نهى عن المنكر أرغم أناف الفاسقين، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه، ~~ومن شنأ الفاسقين غضب لله، ومن غضب لله غضب الله له فأزلفه وأعلى مقامه. # وأما الكفر: فعلى أربع دعائم: الشقاق، والغلو، والشك، والشبهة. # والشقاق: من ذلك أربع شعب: الجفاء، والعماء، والغفلة، والعتو، فمن جفا ~~احتقر الحق وجهر بالباطل ومقت العلماء وأصر على الحنث العظيم، ومن عمى نسي ~~الذكر واتبع الظن وطلب المغفرة بلا توبة ولح عليه الشيطان، ومن غفل حار عن ~~الرشد وغرته الأماني وأخذته الحسرة والندامة وبدا له من الله ما لم يكن ~~يحتسبه، ومن عتا عن أمر الله أذله الله بعز سلطانه وصغره بجلاله كما اغتر ~~بربه الكريم. # والغلو: على أربع شعب: التعمق، والتنازع، والزيغ، والشقاق، فمن تعمق (له) ~~(1) لم يثبت (2) إلى الحق ولم يزدد ms150 إلا تمردا في الغمرات ولم ينحسر عنه ~~فتنة إلا غشيته أخرى وانخرق دينه فهو يهوي في أمر مهيج، ومن نازع تخاصم ومن ~~تخاصم انقطع به العمل عن سلوك نهج النجاح، ومن زاغ قبحت عنده الحسنة وحسنت ~~عنده السيئة، ومن شاق اعورت عليه طرقه، واعترض عليه أمره، وضاق مخرجه، وضل ~~هداه إذ لم يتبع سبيل المؤمنين. # والشك: على أربع شعب: الهول، والتردد، والاقدام، والاستسلام، فمن هاله ما ~~بين يديه نكص على عقبيه، ومن تردد في الريب سبقه الأولون فأدركه الآخرون، ~~ومن أقدم بلا بصيرة وطئته سنابك الشيطان، ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة ~~هلك، فمن نجا فمن فضل اليقين، فبأي آلاء ربكما تتمارى. # PageV00P283 # والشبهة: على أربع شعب: إعجاب بالزينة (1)، وسؤال النفس، وتأول العوج، ~~ولبس الحق بالباطل، والزينة (2) باقية على البغية (2) والعجب بها راسخ في ~~الجبلة، فإن النفس تهجم على الشهوة فتسولها، وأن العوج يميل ميلا عظيما، ~~وان اللبس ظلمات بعضها فوق بعض. # وأما النفاق: فعلى أربع دعائم: الهوى، والهوينا، والحفيظة، والطمع. # فالهوى: على أربع شعب: البغي، والعدوان، والشهوة، والطغيان، فمن بغى كثرت ~~غوائله ونصر عليه وتخلى عنه، ومن اعتدى لم تؤمن بوائقه ولم يسلم قلبه ولم ~~يعدل نفسه عن الشهوات وإتيان الخبيثات، ومن طغى ضل عن المحجة بلا حجة. # والهوينا: على أربع شعب: الغرة، والأمل، والهيبة، والمماطلة، وذلك أن ~~الهيبة تؤخر الحق، وتعضد الغرة بالمماطلة في الأمل حتى يقدم الأجل ولولا ~~الأمل علم الانسان (3) ما هو فيه، ولو علم ذلك مات خاليا من الهوى. # والحفيظة: على أربع شعب: الكبر، والفخر، والحمية، والعصبية، فمن استكبر ~~أدبر عن الحق، ومن فخر فجر، ومن حمى أصر، ومن أخذته العصبية جار، وبئس ~~الأمر بين أدبار وفجور وإصرار وجور عن الصراط المستقيم. # والطمع: على أربع شعب: الفرح، والمرح، واللجاجة، والبطر. # في الخطب والمواعظ... # فالفرح مكروه عند الله تعالى، والمرح خيلاء، واللجاجة بلاء فيمن اضطرته ~~حبائل الآثام، والبطر لهو ولعب وشغل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، # PageV00P284 # وكل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها (1). # فهذه أحوال الإسلام ms151 والإيمان والكفر والنفاق ودعائم كل واحدة منها. # النوع الخامس: في الخطب والمواعظ (2) قد اشتمل كتاب نهج البلاغة المنسوب ~~إليه (عليه السلام) على أنواع من خطبه ومواعظه الصادعة بأوامرها ونواهيها، ~~المطلعة أنوار الفصاحة والبلاغة، مشرقة من ألفاظها ومعانيها الجامعة حكم ~~عيون علم المعاني والبيان على إختلاف أساليبها، مودعة فيها ولا يليق نقل ما ~~فيه مع شهرته وكثرة نسخه بمنصب من نصب نفسه لجمع أشتاب المناقب من أرجاء ~~محالها ونواحيها، وإن حصل الإعراض عن نقله لم تظفر يد الطلب بالمقاصد التي ~~تتواخاها وتتبعها (3)، فرأيت أن اقتصر على شئ يسير منها لئلا أخلي هذا ~~النوع الذي هو أحد دعائم هذا الفصل عنها. # فمنها ما ذكره بعد انصرافه من صفين: أحمده استتماما لنعمته، واستسلاما ~~لعزته، واستعصاما من معصيته، وأستعينه فاقه إلى كفايته، إنه لا يضل من ~~هداه، # PageV00P285 # ولا يئل (1) من عاداه، ولا يفتقر من كفاه، فإنه أرجح ما وزن، وأفضل ما ~~(2) حزن، وأشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له] (3)، شهادة ممتحنا ~~إخلاصها، معتقدا مصاصها، نتمسك بها أبدا ما أبقانا، وندخرها لأهوال (4) ما ~~يلقانا، فإنها عزيمة الايمان، وفاتحة الإحسان، ومرضاة الرحمن [ومدحرة ~~الشيطان] (5)، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالدين (6) المشهور، ~~والعلم المأثور، والكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع، والأمر ~~الصادع، إزاحة للشبهات، واحتجاجا بالبينات، وتحذيرا بالآيات، وتخويفا ~~بالمثلات، والناس في فتن، انجذم فيها حبل الدين، وتزعزعت سواري اليقين، ~~واختلف النجر (7)، وتشتت # PageV00P286 # الأمر، وضاق (1) المخرج، وعمى المصدر، فالهدى خامل، والعمى شامل، عصي ~~الرحمن، ونصر الشيطان، وخذل الإيمان، فانهارت دعائمه، وتنكرت معالمه، ودرست ~~سبله، وعفت شركه، أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه، ووردوا مناهله، بهم سارت ~~(2) أعلامه وقام لواءه، في فتن داستهم بأخفافها، ووطئتهم بأظلافها، [وقامت ~~على سنابكها] (3) فهم فيها [تائهون حائرون جاهلون] (4) مفتونون في خير دار، ~~وشر جيران، نومهم سهود، وكحلهم دموع، بأرض عالمها ملجم، وجاهلها مكرم (5). # ومنها: أيها الناس، شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرجوا عن طريق ~~المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح [هذا] ~~(6) ماء آجن، ولقمة يغص ms152 بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع ~~بغير أرضه، فإن أقل يقولوا حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا جزع # PageV00P287 # من الموت، هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من ~~الطفل بثدي أمه، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب ~~الأرشية في الطوي البعيدة (1). # ومن خطبة له (عليه السلام): أما بعد، فإن الدنيا قد أدبرت وأذنت بوداع، ~~وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ~~والسبقة الجنة، والغاية النار. # أفلا تائب من خطيئته قبل منيته (2)! ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه! # ألا وإنكم في [أيام] (3) أمل، من ورائه أجل، فمن عمل في أيام أمله قبل ~~حضور أجله فقد نفعه عمله ولم يضرره أجله، ومن قصر في أيام أمله قبل حضور ~~أجله فقد خسر عمله وضره أجله. # ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة. # ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها. # ألا وإنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لا يستقيم به الهدى يجر به ~~الضلال [إلى الردى] (4). # PageV00P288 # ألا وأنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد، وإن أخوف ما (أخاف) (1) ~~عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به ~~أنفسكم غدا (2). # ومن خطبة له (عليه السلام) في استنفار الناس إلى أهل الشام وقد تثاقلوا: # أف لكم! لقد سئمت عتابكم. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا، وبالذل ~~من العز خلفا! إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في ~~غمرة، ومن الذهول في سكرة. # يرتج عليكم حواري فتعمهون، فكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون. # ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، وما أنتم (لي) (3) ركن يمال بكم، ولا ~~زوافر عز يفتقر إليكم، ما أنتم إلا كإبل (4) ضل رعاتها، فكلما جمعت من جانب ~~انتشرت من آخر (5). لبئس (العمل والعمر) (6) والله سعر نار الحرب أنتم! # PageV00P289 # تكادون ولا (تكيدون، وتنتقص) (1) أطرافكم فلا تتعظون (2)، لا ينام عنكم ~~وأنتم في غفلة ساهون، غلب والله المتخاذلون. # وأيم ms153 الله، إني لأظن بكم أن لو حمس الوغى (3)، واستحر الموت، قد انفرجتم ~~عن ابن أبي طالب انفراج الرأس. # والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه، يعرق لحمه، ويهشم عظمه، ويفري جلده، ~~لعظيم عجزه، ضعيف [ما ضمت عليه جوانح] (4) صدره، أنت فكن ذاك إن شئت، فأما ~~أنا فوالله دون أن أعطي ذلك، ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام، وتطيح ~~السواعد والأقدام، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء (5). # ومن خطبة [له] (عليه السلام) [بعد التحكيم] (6): الحمد لله وإن أتى الدهر ~~بالخطب الفادح، والحدث الجليل فإنه لا ينجوا من الموت من خافه ولا يعطي ~~البقاء من أحبه ألا وإن الوفاء توأم الصدق ولا أعلم جنة أوقى منه وما يغدر ~~من علم كيف # PageV00P290 # المرجع. # ولقد أصحبنا في زمان [قد] (1) اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا ونسبهم أهل ~~الجهل فيه إلى حسن الحيلة. مالهم قاتلهم الله وقد يرى الحول القلب وجه (2) ~~الحيلة ودونها مانع من [أمر] (3) الله تعالى ونهيه فيدعها رأى عين بعد ~~القدرة [عليها] (4) وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين (4). # ومن كلامه لأصحابه في بعض مواقف صفين: # معاشر المسلمين، استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة (5)، وعضوا على ~~النواجذ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، وأكملوا اللامة، وقلقوا السيوف من (6) ~~أغمادها قبل سلها، والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، ونافحوا بالظبي، وصلوا ~~السيوف بالخطا، واعلموا أنكم بعين من الله تعالى، ومع ابن عم رسول الله، ~~فعاودوا الكر، واستحيوا من الفر، فإنه عار في الأعقاب، ونار يوم الحساب، ~~وطيبوا عن أنفسكم نفسا، وامشوا إلى الموت مشيا سجحا، عليكم بهذا السواد ~~الأعظم، والرواق المطنب، فاضربوا بثجة، فإن الشيطان كامن في كسره، وقد قدم # PageV00P291 # للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا. # فصمدا صمدا، حتى ينجلي عمود الحق وأنتم الأعلون، والله معكم، ولن يتركم ~~أعمالكم (1). # وترغيبه فيه (عليه السلام): رحم الله عبدا سمع حكما فوعى، ودعى إلى رشاد ~~فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا، راقب ربه، وخاف ذنبه، وقدم خالصا، وعمل صالحا، ~~اكتسب مذخورا [واجتنب محذورا] (2) ورمى غرضا، وأحرز (3) عوضا، كابر هواه، ~~وكذب مناه، جعل الصبر ms154 مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته، ركب الطريقة الغراء، ~~ولزم المحجة البيضاء، اغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزود من العمل قبل انقطاع ~~الأمل (4). # ومن خطبة يوبخ أهل الكوفة وقد تثاقلوا في الخروج إلى الخوارج معه: # أيها الفئة المجتمعة أبدانهم المتفرقة أديانهم، إنه والله ما عزة دعوة من ~~دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهن الصم الصلاب، وفعلكم يطمع ~~فيكم عدوكم المرتاب إذا دعوتكم إلى أمر فيه صلاحكم والذب عن حريمكم، ~~اعتراكم الفشل وجئتم بالعلل، ثم قلتم كيت وكيت وذيت وذيت، # PageV00P292 # أعاليل وأضاليل وأقوال الأباطيل، ثم سألتموني (التأخير) (1) دفاع ذي ~~الدين المطول (2)، هيهات هيهات! إنه (لا يدفع الضيم الذل) (3)، ولا يدرك ~~الحق إلا بالجد، فخبروني يا أهل العراق مع أي إمام بعدي تقاتلون؟ أم أية ~~دار تمنعون؟ # الذليل والله من نصرتموه والمغرور من غررتموه، أصبحت لا أطمع في نصركم ~~ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم، وأبدلكم بي غيري وأبدلني بكم من هو ~~خير لي منكم، أما إنه ستلقون بعدي ذلا شاملا وسيوفا قاطعة، وأثره قبيحة ~~يتخذها الظالمون عليكم سنة فتبكي عيونكم، ويدخل الفقر بيوتكم وقلوبكم، ~~وتمنون في بعض حالاتكم (4) إنكم رأيتموني فنصرتموني وأرقتم دماءكم دوني، ~~فلا يبعد الله إلا من ظلم. # يا أهل الكوفة: أعظكم فلا تتعضون، وأوقظكم فلا تستيقظون! إن من فاز بكم ~~فقد فاز بالخيبة، ومن رمى بكم فقد (رمى) (5) بافوق ناصل، أف لكم! لقد لقيت ~~منكم برحا، يوما أناديكم ويوما أناجيكم (6) فلا أحرار عند النداء، ولا ثبة # PageV00P293 # عند المصائب، فيالله ماذا منيت به منكم، لقد منيت (1) بصم لا يسمعون وكمه ~~لا يبصرون، وبهم لا يعقلون، أما والله لو أني حين أمرتكم بأمري حملتكم على ~~المكروه مني، فإذا استقمتم هديتم، وإن أبيتم بدأت بكم ولكانت الزلفى (2)، ~~ولكني تراخيت لكم وتوانيت عنكم وتماديتم في غفلتكم، فكنت أنا وأنتم كما قال ~~الأول: # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد (3) اللهم ~~إن دجلة والفرات نهران أصما أبكمان، فأرسل عليهم ماء بحرك وأنزع منهم ماء ~~نصرك، حبذا إخواني الصالحون! إن ms155 دعوا إلى الإسلام قبلوا وقرءوا القرآن ~~فاحكموه، وندبوا إلى الجهاد فطلبوه، فحقيق لهم الثناء الحسن، وآشوقاه إلى ~~تلك الوجوه. # ثم ذرفت عيناه ونزل عن المنبر، وقال (4): إنا لله وإنا إليه راجعون إلى ~~ما # PageV00P294 # صرت إليه، صرت إلى قوم إن أمرتهم (1) خالفوني، وإن اتبعهم تفرقوا عني، ~~جعل الله لي منهم فرجا عاجلا. # ثم دخل منزله فجاء رجل من أصحابه فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس قد ~~ندموا على تثبطهم وقعودهم وعلموا أن الحظ في إجابتك لهم، فلو عاودتهم (2) ~~في الخطبة. فلما أصبح من غد دخل المسجد الأعظم ونودي بالناس فاجتمعوا فلما ~~غص المسجد من الناس صعد المنبر وخطب (هذه الخطبة) (3). # فقال (بعد أن حمد الله تعالى) (4): أيها الناس! ألا ترون إلى أطرافكم قد ~~انتقضت، وإلى بلادكم تغزى وأنتم ذوو عدد جم وشوكة شديدة؟ فما بالكم اليوم ~~لله أبوكم من أين تؤتون ومن أين تسخرون وأنى تؤفكون، انتبهوا رحمكم الله ~~وتحركوا لحرب عدوكم، فقد أبدت الرغوة عن الصريح لذي عينين، وقد أضاء الصبح ~~لذي عشا، فاسمعوا قولي هداكم الله إذا قلت، وأطيعوا أمري إذا أمرت، فوالله ~~لئن أطعتموني لن تغووا، وإن عصيتموني لن (5) ترشدوا، خذوا للحرب أهبتها ~~وأعدوا لها عدتها (6) وأجمعوا لها، فقد شبت وأوقدت نارها، وتحرك لكم # PageV00P295 # الفاسقون لكي يطفؤا نور الله ويغزوا عباد الله، فوالله إن لو لقيتهم وحدي ~~وهم أضعاف ما هم عليه لما كنت بالذي أخافهم، ولا أستوحش (منهم و) (1) من ~~قتالهم، فإني من ضلالهم (2) التي هم عليها، والحق الذي أنا عليه لعلى بصيرة ~~ويقين، وإني إلى لقاء ربي لمشتاق، ولحسن (3) ثوابه لمنتظر، وهذا القلب الذي ~~ألقاهم به، هو القلب الذي لقيت به الكفار مع رسول الله (ص) وهو القلب الذي ~~لقيت به أهل الجمل، وأهل صفين ليلة الهرير، فإذا أنا أنفرتكم فانفروا خفافا ~~وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون. # اللهم اجعلنا وإياهم على الهدى، وجنبنا وإياهم البلوى، واجعل الآخرة لنا ~~ولهم خيرا من الأولى (4). # فلما فرغ من كلامه أجابه الناس ms156 سراعا فخرج إلى الخوارج. # ونقل أن جماعة حضروا لديه، وتذاكروا فضل الخط، وما فيه فقالوا: ليس في # PageV00P296 # الكلام أكثر من الألف، ويتعذر النطق بدونها. # فقال لهم في الحال هذه الخطبة من غير سابق فكرة، ولا تقدم روية، وسردها ~~وليس فيها ألف: (وهي هذه) (1): حمدت من عظمت منته، وسبغت نعمته، وتمت ~~كلمته، ونفذت مشيئته، وبلغت حجته، وعدلت قضيته وسبقت غضبه رحمته، حمدته حمد ~~مقر بربوبيته، متخضع لعبوديته، متضل (2) من خطيئته، معترف بتوحيده، مستعيذ ~~من وعيده، مؤمل من ربه مغفرة تنجيه، يوم يشغل كل عن فصيلته وبنيه. # ونستعينه ونسترشده، ونؤمن به ونتوكل عليه، وشهدت له شهود عبد (3) موقن، ~~وفردته تفريد مؤمن متقن، ووحدته توحيد عبد مذعن، ليس له شريك في ملكه، ولم ~~يكن له ولي في صنعه (4)، جل عن مشير ووزير، عون ومعين ونظير. علم فستر، ~~وبطن فخبر، وملك فقهر، وعصى فغفر، وعبد فشكر، وحكم فعدل، وتكرم وتفضل لن ~~يزول ولم يزل، ليس كمثله شئ، وهو قبل كل شئ وبعد كل شئ، رب متفرد بعزته، ~~متمكن بقوته، متقدس بعلوه، متكبر بسموه، ليس يدركه بصر، ولم يحيط به نظر، ~~قوي منيع، بصير سميع، رؤوف رحيم. # عجز عن وصفه من وصفه، وضل عن نعته من عرفه، قرب فبعد، وبعد # PageV00P297 # فقرب، يجيب دعوة من يدعوه، ويرزقه ويحبوه، ذو لطف خفي، وبطش قوي، ورحمة ~~موسعة، وعقوبة موجعة، رحمته جنة عريضة مونقة، وعقوبته جحيم ممدودة موبقة. # وشهدت ببعث محمد (1) عبده، ورسوله، ونبيه، وصفيه، وحبيبه، وخليله، بعثه ~~في خير عصر، وحين فترة وكفر، رحمة لعبيده، ومنة لمزيده، ختم به نبوته، ~~ووضحت به حجته، فوعظ ونصح، وبلغ وكدح (2)، رؤوف بكل مؤمن، رحيم سخي، ولي ~~رضي زكي، عليه رحمة وتسليم، وبركة وتعظيم، وتكريم من رب غفور رحيم، قريب ~~مجيب حليم. # وصيتكم معشر من حضر بوصية ربكم، وذكرتكم سنة نبيكم، فعليكم برهبة تسكن ~~قلوبكم، وخشية تذري دموعكم، وتقية تنجيكم قبل يوم يذهلكم ويبتليكم، يوم ~~يفوز فيه من ثقل وزن حسنته (3)، وخف وزن سيئته (4)، وعليكم بمسألة ذل ~~وخضوع، وتملق وخشوع وتوبة ونزوع ms157 وليغنم كل منكم صحته قبل سقمه، وشبيبته قبل ~~هرمه، وسعته قبل فقره، وفرغته قبل شغله، وحضره قبل سفره، وحياته قبل موته، ~~قبل يهن ويمرض ويسقم، ويمله طبيبه، ويعرض عنه حبيبه، وينقطع عمره ويتغير ~~عقله، ثم قيل: هو موعوك، وجسمه منهوك، ثم جد # PageV00P298 # في نزع شديد، وحضر كل قريب وبعيد، فشخص ببصره، وطمح بنظره، ورشح جبينه، ~~وخطف عرينه، (وسكن حنينه) (1)، وجذبت نفسه، وبكت عرسه، وحفر رمسه، ويتم منه ~~ولده، وتفرق عنه عدده، وفصم جمعه، وذهب بصره وسمعه، وجرد، وغسل، ونشف وسجى، ~~وبسط له وهئ، ونشر عليه كفنه، وشد منه ذقنه، وحمل فوق سرير، وصلى عليه ~~بتكبير، بغير سجود وتعفير، ونقل من دور مزخرفة، وقصور مشيدة، وفرش منجده، ~~فجعل في ضريح ملحود ضيق مرصود، بلبن منضود، مسقف بجلمود، وهيل عليه عفره، ~~وحثى مدره، وتحقق حذره، ونسي خبره، ورجع عنه وليه، ونديمه ونسيبه وحميمه، ~~وتبدل به قريبه وحبيبه، فهو حشو قبر، ورهين حشير (2)، يدب في جسمه دود ~~قبره، ويسيل صديده من منخره، وتسحق تربته لحمه، وينشف دمه، ويرم عظمه حتى ~~(يوم) (3) حشره، فينشره من قبره (و) (4) ينفخ في صور، ويدعى لمحشر ونشور. # فثم بعثرت قبور، وحصلت سريرة صدور، وجئ بكل نبي (وصديق) (5) وشهيد، ونطيق ~~وقعد لفصل حكمه قدير، بعبده خبير بصير، فكم زفرة تغنيه، # PageV00P299 # وحسرة تضنيه، في موقف مهيل، ومشهد جليل، بين يدي ملك عظيم، بكل صغيرة ~~وكبيرة عليم، فحينئذ يلجمه عرقه، ويحفزه قلقه، فعبرته غير مرحومة، وصرخته ~~غير مسموعة، وبرزت صحيفته وتبينت جريرته فنظر في سوء عمله، وشهدت عينه ~~بنظره، ويده ببطشه، ورجله بخطوه، وجلده بلمسه، وفرجه بمسه، وتهدده منكر ~~ونكير، وكشف له حيث يصير، فسلسل جيده، وغلت يده، وسيق يسحب وحده، فورد جهنم ~~بكرب شديد، وضل يعذب في (جهنم) (1) جحيم، ويسقى شربة من حميم، تشوي وجهه، ~~وتسلخ جلده، يستغيث فيعرض عنه خزنة جهنم، ويستصرخ خفية بندم. # نعوذ برب قدير، من شر كل مصير، ونسأل عفو من رضى عنه، ومغفرة من قبل منه ~~وهو ولي مسألتي، ومنجح طلبتي، فمن زحزح عن تعذيب ms158 ربه جعل في جنته بقربه، ~~وخلد في قصور ونعمة وملك بحور عين وتقلب في نعيم، وسقي من تسنيم مختوم بمسك ~~وعبير يشرب من خمر معذوذب شربه ليس تنزف لبه. # هذه منزلة من خشي ربه، وحذر نفسه وتلك عقوبة من عصى مشيئته، وسولت له ~~نفسه معصيته، لهم قول فصل خير قصص قص ووعظ به ونص، * (تنزيل من حكيم حميد) ~~* (2) (3). # فهذه خطبة أسجلها من علم بيانه المؤتلف، وارتجلها لوقته عرية عن الألف، ~~وجعلها عنوان علمه المتنوع، وفضله المختلف، تشهد أن العناية الربانية مرت ~~له اخلاف العلوم والآداب، واستخرجت بمخضها له من زبد الأوطاب، وأنزلت # PageV00P300 # على قلبه ولسانه معرفة الحكمة وفصل الخطاب. # ومما نقل عنه (عليه السلام) من المنهاج البديع، والازدواج الصنيع، ما جمع ~~بلاغة التصحيف، وبراعة التأليف قوله (عليه السلام): غرك عزك فصار قصار ذلك ~~ذلك فاخش فاحش فعلك فعلك بهذا تهدى والسلام (1). # ومما نقل عنه (عليه السلام) في هذا المقام ما هو أفصح وضعا، وأرجح نفعا، ~~وأبلغ الأنواع البلاغة والفصاحة جمعا قوله: (العالم حديقة، سياجها الشريعة، ~~والشريعة سلطان تجب له الطاعة، والطاعة سياسة يقوم بها الملك، والملك راع ~~يعضده الجيش، والجيش أعوان يكفلهم المال، والمال رزق تجمعه الرعية، والرعية ~~سواد يستعبدهم العدل، والعدل أساس به قوام العالم) (2). # وعنه مما يعد من مقصود هذا المقام من هذا الأسلوب منضد (3) في عقود أقسام ~~المرام المطلوب، ما ذكره في حكم الأحكام المشروعة، في قسمي المرغوب ~~والمرهوب، قوله: # أوجب الله الإيمان تطهيرا من الشرك، والصلاة تنزيها من الكبر، والزكاة ~~سببا للرزق، والصيام ابتلاء للإخلاص، والحج تقوية للدين، والجهاد عز ~~للإسلام، والأمر بالمعروف مصلحة للخلق، والنهي عن المنكر ردعا للسفهاء، ~~وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقنا للدماء، وإقامة الحدود إعظاما ~~للمحارم، وحرم # PageV00P301 # الزنا تصحيحا للأنساب، وشرب الخمر تحصينا للعقول، والسرقة حفظا للأموال، ~~واللواط تكثيرا للنسل، والكذب تشريفا للصدق، وشرع الشهادات استظهارا على ~~الجاحدين، والسلام أمنا للخائفين، والأمانة (1) نظاما للأمة، والطاعة ~~تعظيما للإمامة (2). # من كلامه المنظوم... # PageV00P302 # القسم الثاني: من كلامه المنظوم (عليه السلام) قد تقدم في الفصل ms159 الأول شئ ~~من شعره ونظمه اقتضى ميمون (1) ذلك الفصل إيراده فيه فما حاجة إلى إعادته ~~في هذا الفصل، فإن إعادة الشئ ركاكة وتكراره لغير مزيد مقصد سماجة (2) ~~فنورد ما عداه، فمن ذلك قوله: # دليلك أن الفقر خير من الغنى * وأن قليل المال خير من المثري لقاؤك ~~مخلوقا عصى الله بالغنى * ولم تر مخلوقا عصى الله بالفقر (3) وقوله (عليه ~~السلام): # لكل اجتماع من خليلين فرقة * وكل الذي دون الوفاة (4) قليل وأن افتقادي ~~واحدا بعد واحد * دليل على أن لا يدوم خليل (5) وقوله (عليه السلام): # علل النفس بالكفاف وإلا * طلبت منك فوق ما يكفيها # PageV00P303 # ما لما قد مضى ولا الذي لم * يأت من لذة لمستحليها (1) إنما أنت طول مدة ~~ما * عمرت كالساعة التي أنت فيها (2) وقوله (عليه السلام) يرثي رسول الله ~~(ص): # أمن بعد تكفين النبي ودفنه * بأثوابه أسى على ميت ثوى رزينا رسول الله ~~فينا فلن نرى * بذلك عدلا ما حيينا من الرزى وكان لنا كالحصن من دون أهله * ~~لهم معقل فيه حصين من العدى وكنا برؤياه نرى الفوز والهدى * صباح مساء راح ~~فينا واعتدى (3) وقد غشيتنا ظلمة بعد موته * نهارا وقد زادت على ظلمة الدجى ~~فيا خير من ضم الجوانح والحشا * و يا خير ميت ضمه الترب والثرى كأن أمور ~~الناس بعدك ضمنت * سفينة موج البحر والبحر قد طمى وضاق فضاء الأرض عنهم ~~برحبه * لفقد رسول الله إذ قيل قد قضى فقد نزلت بالمسلمين مصيبة * كصدع ~~الصفا لا شعب للصدع في الصفا فلن يستقل الناس تلك مصيبة * ولن يجبر العظم ~~الذي منهم وهى وفي كل وقت للصلاة بهيجة * بلال ويدعو باسمه كل من دعا ويطلب ~~أقوام مواريث هالك * ولله ميراث النبوة والهدى (4) # PageV00P304 # وقد نقلت هذه المرثية زيادة أخرى فما رأيت اسقاطها فأثبتها على صورتها ~~وهي هذه: # أمن بعد تكفين النبي ودفعه * بأثوابه آسى على هالك ثوى لقد غاب في وقت ~~الظلام لدفنه * عن الناس من هو خير من وطئ الحصا رزينا رسول الله فينا فلن ~~نرى * لذلك عدلا ما حيينا ms160 من الرزى رزينا رسول الله فينا ووحيه * فخير خيار ~~ما رزينا ولا سوى (فمثل رسول الله إذا حان يومه * لفقدانه فليبك يا عيش من ~~بكى وكنا به شم الأنوف بنجوة * على موضع لا يستطاع ولا يرى وهم كالسكارى من ~~توقع هجمة * من الشر يرجو من رجالها على شفا وضاق فضا الأرض عنهم برحبه * ~~لفقد رسول الله إذ قيل قد قضى) (1) (2) # PageV00P305 # وقوله أيضا يرثيه (ص): # ألا طرق الناعي بليل فراعني * وأرقني لما استقل مناديا فقلت له لما رأيت ~~الذي أتى * أغير رسول الله إن كنت ناعيا فحقق ما أشفقت عنه ولم يبل * وكان ~~خليلي عزنا وجماليا فوالله ما أنساك أحمد ما مشت * بي العيس في أرض يجاوزن ~~واديا وكنت متى أهبط من الأرض تلعة * أرى أثرا منه جديدا وعافيا شديد حري ~~الصدر نهد مصدر * هو الموت معدوا عليه وعاديا (1) ومما نقل عنه (عليه ~~السلام) قوله وقيل هما لغيره: # زعم المنجم والطبيب كلاهما * أن لا معاد، فقلت: ذاك إليكما إن صح قولكما ~~فلست بخاسر * أو صح قولي فالوبال عليكما (2) ومما نقل عنه (عليه السلام) ~~قوله: # ولي فرس للخير بالخير ملجم * ولي فرس للشر بالشر مسرج فمن رام تقويمي ~~فإني مقوم * ومن رام تعويجي فإني معوج (3) # PageV00P306 # ومما نقل عنه (عليه السلام): # ولو أني أطعت حملت قومي * على ركن اليمامة والشام ولكن متى أبرمت أمرا * ~~تنازعني أقاويل العظام (1) وقوله يرثي عمه حمزة لما قتل بأحد (عليه ~~السلام): # أتاني أن هندا أخت (2) صخر * دعت دركا وبشرت الهنودا فإن تفخر بحمزة يوم ~~ولى * مع الشهداء محتسبا شهيدا فإنا قد قتلنا يوم بدر * أبا جهل وعتبة ~~والوليدا وشيبة قد تركنا يوم أحد * على أثوابه علقا جسيدا فبوء في جهنم شر ~~دار * عليه لم يجد عنها محيدا فما سيان من هو في جحيم * يكون شرابه فيها ~~صديدا ومن هو في الجنان يذر (3) فيها * عليه الرزق مغتبطا حميدا (4) وقوله ~~أيضا فيه يرثيه (عليه السلام): # PageV00P307 # رأيت المشركين بغوا علينا * ولجوا في الرزاية والضلال وقالوا نحن أكثر إذ ~~نفرنا * غداة الروع ms161 بالأسل النهال فان تبغوا وتفتخروا علينا * بحمزة فهو في ~~الغرف العوالي فقد أودى بعروة يوم بدر * وقد أبلى وجاهد غير آل وقد غادرت ~~كبشهم جهارا * بحمد الله طلحة في المجال فخر لوجهه ورفعت عنه * رقيق الحد ~~حورب (1) بالصقال (2) وقوله (عليه السلام): # ألا أيها الموت الذي ليس تاركي * أرحني فقد أفنيت كل خليل أراك بصيرا ~~بالذين أحبهم * كأنك تسعى نحوهم بدليل (3) وحضر لديه إنسان فقال: يا أمير ~~المؤمنين أسألك أن تخبرني عن واجب وأوجب، وعجيب وأعجب، وصعب وأصعب، وقريب ~~وأقرب. فما انحبس بيانه بكلماته، ولا خنس لسانه في لهواته، حتى أجابه (عليه ~~السلام) بأبياته، فقال: # توب الورى واجب عليهم * وتركهم للذنوب أوجب والدهر في صرفه عجيب * وغفلة ~~الناس عنه أعجب والصبر في النائبات صعب * لكن فوت الثواب أصعب # PageV00P308 # وكلما يرتجى قريب * والموت من كل ذلك أقرب (1) فياما أوضح لذوي الهداية ~~لفظ جوابه المبين، وياما أفصح عند ذوي الدراية نظم خطابه المستبين، فلقد ~~عبر أسلوبا من علم البيان مستوعرا عند المتأدبين، ومهد مطلوبا من حقيقة ~~الإيمان، مستعذبا عند المقربين. # وقال (عليه السلام): إذا أقبلت الدنيا فانفق منها فإنها لا تفنى وإذا ~~أدبرت فأنفق منها فإنها لا تبقى وأنشد: # لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة * فليس ينقصها التبذير والسرف وإن تولت فأحرى ~~أن تجود بها * فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف (2) وقوله (عليه السلام): # إذا جادت الدنيا عليك فجد بها * على الخلق طرا إنها تتقلب فلا الجود ~~يفنيها إذا هي أقبلت * ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب (3) وقوله (عليه ~~السلام): # أصم عن الكلم المحفظات * واحلم الحلم بي أشبه وإني لأكره بعض الكلام * ~~لئلا أجاب بما أكره إذا ما اجتررت سفاه السفيه * علي فإني إذا أسفه كم من ~~فتى يعجب الناظرين * له ألسن وله أوجه (4) # PageV00P309 # وقوله (عليه السلام): # أتم الناس أعلمهم بنقصه * وأقمعهم لشهوته وحرصه فلا تستغل عافية بشئ * ~~ولا تسترخصن داء لرخصه (1) وقوله (عليه السلام) وقد دخل عليه الأشعث بن قيس ~~فوجده قد أثر فيه صبره على العبادة الشديدة ليلا ونهارا فقال: يا أمير ms162 ~~المؤمنين إلى كم تصبر على مكابدة هذه الشدة؟ # فقال الأشعث: فما زادني علي أن قال لي: # أصبر على مضض الإدلاج في السحر * وفي الغدو إلى الطاعات في البكر إني ~~رأيت في الأيام تجربة * للصبر عاقبة محمودة الأثر وقل من جد في شئ يؤمله * ~~فاستشعر الصبر إلا فاز بالظفر (2) وقوله (عليه السلام): # فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه * فكم من جاهل أردى حليما حين آخاه يقاس ~~المرء بالمرء إذا ما هو ماشاه * وللشئ من الشئ مقاييس وأشباه # PageV00P310 # وللقلب على القلب دليل حين يلقاه (1) * # PageV00P311 # في أولاده (عليه السلام)... PageV00P312 # الفصل الحادي عشر في أولاده (عليه السلام) إعلم أيدك الله بروح منه أن ~~أقوال الناس اختلفت في عدد أولاده (عليه السلام) ذكورا وإناثا، فمنهم من ~~أكثر فعد فيهم السقط ولم يسقط ذكر نسبه، ومنهم من أسقطه ولم ير أن يحتسب في ~~العدة، فجاء قول كل واحد بمقتضى ما اعتمده في ذلك ويحسبه، والذي نقل في ~~كتاب صفوة الصفوة وغيره من تأليف الأئمة المعتبرين أن أولاده (عليه السلام) ~~الذكور أربعة عشر ذكرا، والإناث تسع عشرة أنثى، وهذا تفصيل أسمائهم: ~~الذكور: الحسن، والحسين، محمد الأكبر، عبيد الله، أبو بكر، العباس، عثمان، ~~جعفر، عبد الله، محمد الأصغر، يحيى، عون، عمر، محمد الأوسط. # أما الإناث: زينب الكبرى، أم كلثوم الكبرى، أم الحسن، رمله الكبرى، أم ~~هانئ، ميمونة، زينب الصغرى، رمله الصغرى، أم كلثوم الصغرى، رقية، فاطمة، ~~امامة، خديجة، أم الكرام، أم سلمة، أم جعفر، جمانة، نفيسة، وبنت أخرى لم ~~نذكر اسمها ماتت صغيرة. # فهذه عدد أولاده ذكورا وإناثا (1) وذكر قوم آخرون زيادة على ذلك وذكورا ~~فيهم محسنا شقيقا للحسن والحسين (عليهم السلام) كان سقطا (2)، فالحسن ~~والحسين وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى هؤلاء الأربعة من الطهر البتول ~~فاطمة بنت # PageV00P313 # الرسول (ص). # ومحمد الأكبر هو ابن الحنفية، واسمها خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية، ~~وقيل: غير ذلك (1). # وعبيد الله وأبو بكر، أمهما ليلى بنت مسعود. # والعباس وعثمان وجعفر و عبد الله، أمهم أم البنين بنت حزام ابن خالد، ~~ويحيى وعون، ms163 أمهما بنت عميس، ومحمد الأوسط أمه أمامة بنت أبي العاص، وهذه ~~امامة هي بنت زينب بنت رسول الله (ص) المحمولة في الصلاة، وأم الحسن ورملة ~~الكبرى، أمهما أم سعيد بنت عروة (2)، فهؤلاء من المعقود عليهن نكاحه، وبقية ~~الأولاد من أمهات شتى أمهات أولاد، وكان يوم قتله (عليه السلام) عنده أربع ~~حرائر في نكاحه وهن: أمامه بنت أبي العاص بنت زينب بنت رسول الله (ص) ~~تزوجها بعد موت خالتها البتول فاطمة (عليها السلام)، وليلى بنت مسعود ~~التميمية، وأسماء بنت عميس الخثعمية، وأم البنين الكلابية، وأمهات أولاد ~~ثماني عشرة أم ولد (3) والسلام. # في مبلغ عمره ووفاته ومقتله (عليه السلام)... # PageV00P314 # الفصل الثاني عشر في مبلغ عمره ووفاته ومقتله (عليه السلام) قد تقدم ~~القول في ولادته وبيان وقتها، وإذا كان مبدأ عمره مضبوطا وهو الطرف (الأول ~~وكان آخر عمره مضبوطا وهو الطرف) (1) الثاني يستلزم ذلك ظهور مقدار مدة ~~عمره، وقد صح النقل أنه (عليه السلام) ضربه عبد الرحمن بن ملجم صبح ليلة ~~الجمعة (2)، لكن قيل: لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان (3)، وقيل: ليلة الثالث ~~والعشرين من رمضان (4)، ومات ليلة الأحد ثالث ليلة ضربه من سنة أربعين ~~للهجرة (5)، فيكون عمره خمسا وستين سنة (6)، وقيل: بل كان ثلاثا # PageV00P315 # وستين سنة (1)، وقيل: بل كان ثمان وخمسين سنة (2)، وقيل: بل كان سبعا ~~وخمسين سنة (3)، وأصح هذه الأقوال هو القول الأول، فإنه يعضده ما نقل عن ~~معروف أنه قال: سمعت من أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليهما السلام) يقول: ~~(قتل علي (عليه السلام) وله خمس وستون سنة) (4) فهذه مدة عمره. # وأما تفصيل قتله: فقد نقل أنه (عليه السلام) لما فرغ من قتل الخوارج، ~~وأخذ في الرجوع إلى الكوفة سبقه عبد الرحمن بن ملجم المرادي إلى الكوفة ~~يبشر أهلها بهلاك الشراة الخوارج، فمر بدار من دور الكوفة فيها جمع فخرج ~~منها نسوة، فرأى فيهن امرأة يقال لها قطام بنت الأصبغ (5) التميمي بها مسحة ~~من حسن، # PageV00P316 # فنظر إليها فوقعت في قلبه. # فقال لها: يا جارية أيم أنت أم ذات بعل؟ ms164 # فقالت: بل أيم. # قال لها: فهل لك زوج لا تذم خلائقه؟ # فقالت: نعم، ولكن لي أولياء أشاورهم. فتبعها فلما عاودها قالت: إن ~~أوليائي أبوا أن ينكحوني إياك إلا على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة. # قال: لك ذلك. # قالت: وشرط آخر. # فقال: وما (هو) (1) هذا الشرط! # قالت: قتل علي ابن أبي طالب. # فاسترجع وقال: ويحك ومن يقدر على قتل علي وهو فارس الفارسان! # فقالت: لا تكثر علينا، أما المال فلا حاجة لنا فيه ولكن قتل علي فهو الذي ~~قتل أبي. # فقال لها: أما قتل علي فلا، ولكن إن رضيت مني أن أضرب عليا بسيفي ضربة ~~فعلت. # فقالت: قد رضيت، فاترك سيفك عندي رهينة، فدفع إليها سيفه وانصرف. # فلما قدم علي (عليه السلام) الكوفة، واستقبله الناس يهنئونه بالظفر ~~بالخوارج ودخل المسجد فصلى فيه ركعتين ثم صعد المنبر وخطب الناس وقال ما ~~تقدم ذكره في فصل كرامته (2)، ثم دخل منزله فلما كانت الليلة التي تقدم ~~ذكرها خرج من منزله لأجل صلاة الصبح، وكان في داره شئ من الأوز، فلما صار ~~في صحن الدار # PageV00P317 # تصايح الأوز في وجهه فقال (عليه السلام): صوائح تتبعها نوائح، وقيل: ~~صوارخ. # فقال له ابنه الحسن (عليه السلام): يا أبت ما هذه الطيرة! # فقال: يا بني لم أتطير ولكن قلبي يشهد أني مقتول. # ثم خرج فلما وقف في موضع الأذان أذن ودخل المسجد، وقد كان عبد الرحمن بن ~~ملجم تلك الليلة في بيت قطام، فلما سمعت صوت علي (عليه السلام) قامت إلى ~~عبد الرحمن وقالت: يا أخا مراد هذا أمير المؤمنين علي فقم وأقض حاجتنا ~~وأرجع قرير العين ثم ناولته سيفه فأخذ السيف وجاء ودخل المسجد، ورمى بنفسه ~~بين النيام وأذن علي ودخل المسجد، فجعل ينبه من بالمسجد من النيام. # ثم صار إلى محرابه فوقف فيه واستفتح وقرأ، فلما ركع وسجد سجدة ضربه على ~~رأسه، فوقعت الضربة على ضربة عمرو بن عبد ود يوم الخندق بين يدي رسول الله ~~(ص) - وقد تقدم ذكر قتله عمرو ذلك اليوم - ثم بادر وخرج ms165 من المسجد هاربا، ~~وسقط (عليه السلام) لما به، وتسامع الناس بذلك وقالوا: قتل أمير المؤمنين ~~(عليه السلام)، فأقام الحسن (عليه السلام) الصلاة وصلى بالناس ركعتين ~~خفيفتين، وامسك عبد الرحمن فلما احضر بين يدي علي (عليه السلام) وجعل الناس ~~يلطمون وجهه من كل ناحية. # فقال له علي (عليه السلام): ويحك يا أخا مراد بئس الأمير كنت لك. # قال: لا، يا أمير المؤمنين. # قال (عليه السلام): ويحك ما حملك على أن فعلت. # فسكت. # فقال علي (عليه السلام): وكان أمر الله قدرا مقدورا، ثم أمر بحبسه وقال: ~~إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني. # وحثهم على طعامه (1) فلما أحس من نفسه بالموت، جمع بنيه ووصى # PageV00P318 # وصيته المعروفة (1) فلما مات (عليه السلام) غسله الحسن والحسين (عليهما ~~السلام) ومحمد يصب الماء، ثم كفن وحنط وحمل ودفن في جوف الليل بالغري (2)، ~~وقيل: بين منزله وبين المسجد الأعظم (3)، والله أعلم أي ذلك كان. # فلما كان بعد ذلك اتي بابن ملجم، فضربه الحسن (عليه السلام) ضربة على ~~رأسه وتبادره الناس فقتل، وقد نظم بعضهم أبياتا يذكر فيها شيئا من ذلك ~~فقال: # فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبد ~~وقينة * وضرب علي بالحسام المسمم (4) فلا مهر أغلى من علي وإن غلا * ولا ~~قتل إلا دون قتل ابن ملجم (5) وإذا كانت مدة عمره (عليه السلام) خمسا وستين ~~سنة على ما ظهر، فاعلم منحك الله ألطاف تأييده أنه (عليه السلام) كان بمكة ~~مع رسول الله (ص) من أول عمره خمسا وعشرين سنة، منها بعد البعثة والنبوة ~~ثلاث عشرة سنة وقبل النبوة والبعثة اثنتا # PageV00P319 # عشرة سنة، ثم هاجر فأقام بالمدينة مع رسول الله (ص) إلى وقت وفاته (ص) ~~عشر سنين، ثم بقي بعد وفاة رسول الله (ص) إلى وقت قتله مدة ثلاثين سنة، ~~فذلك خمس وستون سنة (1) (والله أعلم بجميع ذلك) (2). # PageV00P320 # 2 - انظر: الفائق في غريب الحديث للزمخشري 1: 67. # 4 - أخبار القضاة لوكيع 2: 197، الغارات للثقفي 1: 192، مناقب الخوارزمي: ~~101 / 105 و 329 / 674، الاخبار الموفقيات: 88 / 35، شرح الأخبار 2: 325 ms166 / ~~668، تذكرة الخواص: # 163، الفصول المهمة: 35. # 1 - انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي 9: 161، تفسير الطبري 4: 150، قصص ~~1 - شرح نهج البلاغة 6: 292، كفاية الطالب: 141، تذكرة الخواص: 183، جمهرة ~~خطب العرب 2: 29. # 2 - التفسير الكبير للرازي 1: 106، تذكرة الخواص: 16، احياء علوم الدين ~~1: 423. # 3 - الطبقات الكبرى: 2: 101، حلية الأولياء 1: 67، مناقب الخوارزمي 90: ~~82، وكذا 91: 85، شرح نهج البلاغة 6: 136، وكذا 20: 283 / 243، كفاية ~~الطالب: 207، شرح الأخبار 2: 311 / 639. # 1 - هذه العلوم - العشرة - تجدها في: مناقب ابن شهرآشوب 2: 52 - 58، كشف ~~الغمة 1: 131 - 134. # 1 - مناقب ابن شهرآشوب 2: 36، ترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ ~~دمشق 2: 483 / 1003، اللآلي المصنوعة 1: 375، فرائد السمطين 1: 101 / 70. # 2 - ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 3: 232 / 1292، الصواعق ~~المحرقة: 201. # 3 - الصواعق المحرقة: 202. # 2 - هذا الشعر تمثل به الإمام (عليه السلام) هو لعمرو بن عدي اللخمي ابن ~~أخت جذيمة الأبرش. # حلية الأولياء 1 / 81، صفة الصفوة 1 / 314، مناقب الكوفي 2: 33 / 519، ~~فضائل الصحابة لابن حنبل 1: 531 / 884، النهاية لابن الأثير 1: 309، غريب ~~الحديث لابن قتيبة 1: 347. # 3 - نثر الدر للأبي 1: 316. # 5 - تذكرة الخواص: 130. # 1 - الفتوح 4: 276، ومناقب الخوارزمي 380: 401، ومناقب ابن شهرآشوب 3: ~~357. # 6 - الفتوح: 4: 284، تاريخ الطبري: 5: 150، الكامل في التاريخ: 3: 395، ~~مناقب ابن شهرآشوب: 3: 357، مناقب الخوارزمي: 393: 413. # القائل رقم الآية PageV00P321 # مطالب السؤول في مناقب آل الرسول تأليف الشيخ كمال الدين محمد بن طلحة ~~الشافعي 582 - 652 الجزء الثاني تحقيق ماجد بن أحمد العطية PageV00P322 # الباب الثاني في الحسن التقي (عليه السلام) ... مطالب السؤول في مناقب آل ~~الرسول الإمام الحسن التقي (عليه السلام)... # وفيه إثنا عشر فصلا: PageV00P324 # الأول: في ولادته. # الثاني: في نسبه أبا واما. # الثالث: في تسميته. # الرابع: في كنيته ولقبه. # الخامس: فيما ورد في حقه من رسول الله (ص) السادس: في علمه. # السابع: في عبادته. # الثامن: في كرمه. # التاسع: في كلامه. # العاشر: في أولاده. # الحادي عشر: في عمره. # الثاني عشر: في وفاته. # في ولادته ونسبه (عليه السلام)... PageV00P325 # الفصل الأول في ولادته (عليه السلام) أصح ما قيل في ولادته أنه ولد في ~~المدينة في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة (1)، وكان والده علي ~~(عليه السلام) قد بنى بفاطمة (عليها السلام) في ذي الحجة من السنة ms167 الثانية ~~من الهجرة (2) وكان الحسن (عليه السلام) أول أولادهما وقيل: ولدته لستة ~~أشهر (3)، والصحيح خلافه، ولما ولد (عليه السلام) وأعلم النبي (ص) به أخذه ~~وأذن في اذنه (4). # الفصل الثاني في نسبه (عليه السلام) # PageV00P326 # حصل للحسن (عليه السلام)، ولأخيه الحسين ما لم يحصل لغيرهما فإنهما، سبطا ~~رسول الله (ص) وريحانتاه، وسيدا شباب أهل الجنة، فجدهما رسول الله (ص)، ~~وأبوهما علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمهما الطهر البتول فاطمة ~~بنت رسول الله (ص) سيدة النساء. # نسب كان عليه وصح الصحي (1) * نورا ومن فلق الصباح عمودا في تسميته (عليه ~~السلام)... # PageV00P327 # الفصل الثالث في تسميته (عليه السلام) إعلم أن هذا الاسم الحسن سماه به ~~جده رسول الله (ص) [فإنه لما ولد (عليه السلام) قال رسول الله (ص)] (1): ~~(ما سميتموه؟). # قالوا: حربا. # قال (ص): (بل سموه حسنا) (2). # PageV00P328 # ثم إنه (ص) عق عنه وذبح كبشا وبذلك احتج الشافعي (رضي الله عنه) في كون ~~العقيقة سنة عن المولود (1)، وتولى ذلك النبي (ص) ومنع أن تفعله فاطمة ~~(عليها السلام) وقال لها: (إحلقي رأسه، وتصدقي بوزن الشعر فضة) ففعلت ذلك ~~(2). # فكان وزن شعره يوم حلقه درهما وشيئا فتصدقت به، فصارت العقيقة والتصدق ~~بزنة (الشعر) (3) سنة مستمرة بما شرعه النبي (ص) في حق الحسن (عليه السلام) ~~وكذلك اعتمل (4) في حق الحسين عند ولادته، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # في كنيته ولقبه (عليه السلام)... # PageV00P329 # الفصل الرابع في كنيته ولقبه (عليه السلام) كنيته: أبو محمد لا غير (1). # وأما ألقابه فكثيرة: التقي، والطيب، والزكي، والسيد، والسبط، والولي، كل ~~ذلك كان يقال له ويطلق عليه (2)، وأكثر هذه الألقاب شهرة به " التقي "، لكن ~~أعلاها رتبة وأولاها به ما لقبه به رسول الله (ص) حيث وصفه وخصه بأن جعله ~~نعتا له، فإنه صح النقل عن النبي (ص) فيما أورده الأئمة الأثبات، والرواة ~~الثقاة، أنه قال: (إن ابني هذا سيد). # وسيأتي هذا الحديث بتمامه في الفصل الآتي ردف هذا إن شاء الله تعالى، ~~فيكون أولى ألقابه " السيد ". # PageV00P330 # فيما ورد في حقه (عليه ms168 السلام) من رسول الله (ص)... PageV00P331 # الفصل الخامس فيما ورد في حقه من رسول الله (ص) هذا فصل أصله مقصود، ~~وفضله معقود، ونقله مشهود، وظله ممدود، وورده مورود، وسدره مخضود، وطلحة ~~منضود، وهو من أسنى السجايا والمدائح معدود، فإنه جمع من أشتات الإشارات ~~النبوية، والأفعال والأقوال الطاهرة الزكية، ما أشرقت به أنوار المناقب، ~~وسمقت بالحسن (عليه السلام) إلى أشرف شرف المراتب، وأحدقت مزايا المآثر به ~~من جميع الجوانب، فإن من امتطا مطا رسول الله (ص) رقى قدم (شرف) (1) شرفه ~~مناكب الكواكب، فبخ بخ لمن خصه الله تعالى من رسوله المصطفى بهذه المواهب. # فمنها: ما اتفقت الصحاح على إيراده، وتطابقت على صحة إسناده، ما رواه ~~الحسن بن أبي الحسن البصري (رضي الله عنه) قال: سمعت أبا بكره - هو نفيع بن ~~الحرث (رضي الله عنه) - يقول: رأيت رسول الله (ص) والحسن بن علي إلى جنبه ~~وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن ~~يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) (2). # PageV00P332 # ومنها: ما رواه الإمامان البخاري، ومسلم (رض) بسندهما، عن البراء، أنه ~~قال: رأيت رسول الله (ص) والحسن بن علي على عاتقه يقول: (اللهم إني أحبه ~~فأحبه) (1). # ومنها: ما رواه الإمام الترمذي بسنده في صحيحه، عن ابن عباس أنه قال: كان ~~رسول الله (ص) حامل الحسن بن علي على عاتقه فقال رجل: نعم المركب ركبت يا ~~غلام. فقال النبي (ص): (ونعم الراكب هو) (2). # ومنها: ما أورده الحافظ أبو نعيم، بسنده في حليته عن أبي بكرة قال: كان ~~النبي (ص) يصلي بنا فيجئ الحسن وهو ساجد وهو (3) صغير حتى يصير على ظهره أو ~~رقبته فيرفعه رفعا رفيقا فلما صلى (4) قالوا: يا رسول الله إنك تصنع بهذا ~~الصبي شيئا لا تصنعه بأحد. # فقال (ص): (إن هذا ريحانتي من الدنيا، وإن ابني هذا سيد وعسى (5) أن يصلح ~~(6) بين فئتين من المسلمين) (7). # ومنها: ما أخرجه الترمذي أيضا في صحيحه، يرويه بسنده عن أنس قال سئل رسول ~~الله (ص) أي أهل بيتك ms169 أحب (8) إليك؟ قال: (الحسن والحسين)، وكان يقول ~~لفاطمة رضي الله عنها: (ادعي إلي ابني)، فيشمهما ويضمهما إليه (9). # PageV00P333 # ومنها: ما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم، كل منهما بسنده إلى أبي هريرة ~~قال: خرجت مع رسول الله (ص) في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى ~~جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف حتى أتى محيا (1) وهو المخدع فقال: (أثم لكع؟ ~~أثم لكع) يعني حسنا فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابا (2)، ~~فلم يلبث إن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه فقال رسول الله (ص): ~~(اللهم إني أحبه وأحب من يحبه) (3). # وفي رواية أخرى: (اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه). # قال أبو هريرة: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن علي بعد ما قال رسول ~~الله (ص) (4) (5). # ومنها: ما رواه الترمذي في صحيحه، بسنده عن أسامة بن زيد قال: طرقت النبي ~~(ص) ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج وهو مشتمل على شئ لا أدري ما هو، فلما ~~فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه فإذا (هو) (6) حسن ~~وحسين (عليهما السلام) على وركيه فقال: (هذان ابناي، وابنا ابنتي، اللهم ~~إني أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما) (7). # PageV00P334 # ومنها: ما رواه الترمذي، بسنده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله (ص): # (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) (1). # وعن ابن عمر إنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: (هم ريحانتاي من الدنيا) ~~(2). # ومنها: ما رواه الإمام النسائي، بسنده عن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: ~~خرج علينا رسول الله (ص) في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنا، فتقدم النبي ~~(ص) ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة فأطالها، قال أبي فرفعت ~~رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله (ص) وهو ساجد فرجعت إلى سجودي، فلما قضى ~~رسول الله (ص) الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك ~~سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر وأنه يوحى إليك قال: (كل ذلك لم ms170 يكن، ~~ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) (3). # ومنها: ما نقله الأئمة أبو داود والترمذي والنسائي (رضي الله عنهم) في ~~صحاحهم، كل منهم بسنده يرفعه إلى بريدة قال: كان رسول الله (ص) يخطب، فجاء ~~الحسن والحسن (عليهما السلام) وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل ~~رسول الله (ص) من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه وقال: (صدق الله، إنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر ~~حتى قطعت حديثي ورفعتهما) (4). # PageV00P335 # ومنها: ما رواه الترمذي، بسنده في صحيحه يرفعه إلى أبو جحيفة (رضي الله ~~عنه) قال: # رأيت رسول الله (ص) وكان الحسن بن علي يشبهه (1). # وعن أنس (رضي الله عنه) قال: لم يكن أحد أشبه برسول الله (ص) من حسن بن ~~علي (2). # وعن علي (عليه السلام) قال: (الحسن أشبه برسول الله (ص) ما بين الصدر إلى ~~الرأس، والحسين أشبه به فيما كان أسفل من ذلك) (3). # ومنها: ما رواه البخاري (رضي الله عنه)، بسنده في صحيحه يرفعه إلى أبي ~~عقبه بن الحرث قال: صلى أبو بكر (رضي الله عنه) العصر ثم خرج يمشي ومعه ~~علي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان فحمله أبو بكر على عاتقه وقال: # بأبي شبيه بالنبي * ليس شبيها بعلي وعلي (عليه السلام) يضحك (4). # PageV00P336 # في علمه (عليه السلام)... PageV00P337 # الفصل السادس في علمه (عليه السلام) كان الله عز وجل قد رزقه الفطرة ~~الثاقبة في إيضاح مراشد ما يعاينه، ومنحه الفطنة الصائبة لاصلاح قواعد ~~الدين ومبانيه، وخصه بالجبلة التي درت لها أخلاف مادتها بصور العلم ~~ومعانيه، ومرت له أطباء الاهتداء من نجدي جده وأبيه فجنى بفكرة منجبة نجاح ~~مقاصد ما يقتفيه، وقريحة مصحبة في كل مقام يقف فيه، ثم اكتنفه (إلى) (1) ~~الأصلان الجد والأب، وفي المثل الساير أن ولد الفقيه نصف الفقيه، وكان يجلس ~~(في مجلس) (2) رسول الله (ص) ويجتمع الناس حوله، ويتكلم بما يشفي غليل ~~السائلين، ويقطع حجج القائلين. # وروى الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (رضي الله عنه)، في تفسيره ~~المسمى بالوسيط ما يرفعه بسنده: أن ms171 رجلا قال: دخلت مسجد المدينة، فإذا أنا ~~برجل يحدث عن رسول الله (ص) والناس حوله فقلت: أخبرني عن * (شاهد ومشهود) * ~~(3). # PageV00P338 # فقال: نعم، أما الشاهد فيوم الجمعة، وأما المشهود فيوم عرفة، فجزته إلى ~~آخر يحدث عن رسول الله (ص). # فقلت: أخبرني عن * (شاهد ومشهود) *. # فقال: نعم، أما الشاهد فيوم الجمعة، وأما المشهود فيوم النحر، فجزتهما ~~إلى غلام آخر كأن وجهه الدينار وهو يحدث عن رسول الله (ص) فقلت: أخبرني عن ~~* (شاهد ومشهود) *. # فقال: نعم، أما الشاهد فمحمد (ص)، وأما المشهود فيوم القيامة، أما سمعته ~~يقول: * (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) * (1) وقال ~~تعالى: # * (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) * (2). # فسألت عن الرجل الأول فقالوا: ابن عباس و (سألت) (3) عن الثاني فقالوا: # ابن عمر وسألت عن الثالث فقالوا: الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان قول ~~الحسن أحسن (4). # ونقل أنه (عليه السلام) يوما إغتسل وخرج من داره في حلة فاخرة، وبزة ~~ظاهرة، بمحاسن سافرة، وقسمات ناضرة، ونفحات ناشرة، ووجهه يشرق حسنا، وشكله ~~قد كمل صورة ومعنى، والإقبال يلوح من إعطافه، ونضرة النعيم تعرف في أطرافه، ~~وقاضي القدر قد حكم أن السعادة من أوصافه، ثم ركب بغلة فارهة غير قطوف، ~~وسار مكتنفا بحاشيته وغاشيته بصفوف، فلو شاهده عبد مناف لأرغم بمفاخرته به ~~معاطس أنوف، وعده وحده لإحراز خصل الفخار يوم التفاخر # PageV00P339 # بألوف، فعرض له في طريقه من محاويج اليهود، هم في هدم قد أنهكته العلة، ~~وارتكبته الذلة، وأهلكته القلة، وجلده يستر عظامه، وضعفه يقيد أقدامه، وضره ~~قد ملك زمامه، وسوء حاله قد حبت إليه حمامه، وشمس الظهيرة تشوى شواه، ~~وأخمصه تصافح ثرى ممشاه، وعذاب عرعر به (1) قد عراه، وطول طواه قد أضعف ~~بطنه وطواه، وهو حامل جر مملو على مطاه، وحاله تضعف عليه القلوب القاسية ~~عند مرآه، فاستوقف الحسن (عليه السلام) وقال: يا بن رسول الله أنصفني. # فقال (عليه السلام): (في أي شئ؟) قال: جدك يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة ~~الكافر، وأنت مؤمن وأنا كافر، فما أرى الدنيا إلا ms172 جنة لك، تتنعم فيها ~~وتستلذ بها وما أراها إلا سجنا لي قد أهلكني ضرها وأتلفني فقرها. # فلما سمع الحسن (عليه السلام) كلامه أشرق عليه نور التأييد، فاستخرج ~~الجواب الحق بفهمه من خزانة علمه، وأوضح لليهودي خطأ ظنه، وخطل زعمه، وقال: # (يا شيخ لو نظرت إلى ما أعد الله تعالى للمؤمنين الذين تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع من نعيم الجنان والخيرات الحسان في الدنيا والآخرة، مما لا عين رأت ~~ولا إذن سمعت، لعلمت أني قبل انتقالي إليه من هذه الدنيا في سجن ضنك، ولو ~~نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في الدنيا والآخرة من سعير نار الجحيم ~~ونكال العذاب المقيم لرأيت أنك قبل مصيرك إليه الآن في جنة واسعة ونعمة ~~جامعة) (2). # PageV00P340 # فانظر إلى هذا الجواب الصادع بالصواب، كيف تفجرت بمستعذبه عيون علمه، ~~وأينعت بمستغربه فنون فهمه، فيا له جوابا ما أمتنه، وصوابا ما أبينه، ~~وخطابا ما أحسنه، صدر عن علم مقتبس من مشكاة نور النبوة، وتأييد موروث من ~~آثار معالم الرسالة. # في عبادته (عليه السلام)... PageV00P341 # الفصل السابع في عبادته (عليه السلام) إعلم وصلك الله بحبل تأييده، ~~وأوصلك بلطفه إلى مقام توفيقه وتسديده، أن العبادة تنقسم إلى ثلاثة أنواع: ~~بدنية، ومالية، ومركبة منهما، فالبدنية كالصلاة والصيام وتلاوة القرآن ~~وأنواع الأذكار، والمالية كالصدقات والصلات والمبرات، والمركب منهما كالحج ~~والجهاد والاعتمار، وقد كان الحسن (عليه السلام) ضاربا في كل واحد من هذه ~~الأنواع بالقدح الفائز والقدح الحائز. # أما الصلاة والأذكار وما في معناهما: فقيامه بها مشهور، واسمه في أربابها ~~مذكور. # وأما الصدقات: فقد صح النقل فيما رواه الإمام الحافظ أبو نعيم (رحمه ~~الله) بسنده في حليته، أنه (عليه السلام) خرج من ماله مرتين، وقاسم الله ~~تعالى ماله ثلاث مرات (ويتصدق به) (1) حتى أن كان ليعطي نعلا (ويمسك نعلا) ~~(2) (3). وسيأتي تمام ذلك في الفصل الثامن المعقود لذكر كرمه وصلاته إن شاء ~~الله تعالى. # وأما العبادة المركبة: فقد نقل الحافظ المذكور في حليته بسنده أنه (عليه ~~السلام) قال: # (إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم ms173 أمش إلى بيته) فمشى عشرين مرة من ~~المدينة # PageV00P342 # إلى مكة على رجليه (1). # وروى صاحب صفوة الصفوة بسنده عن علي بن زيد بن جذعان، أنه قال: # حج الحسن (عليه السلام) خمسة عشر حجة ماشيا وأن الجنائب لتقاد معه (2). # في كرمه (عليه السلام)... # PageV00P343 # الفصل الثامن في كرمه (عليه السلام) الجود والكرم غريزة مغروسة فيه، ~~وصرفه (لصنوف الدنيا) (1) عنه نهج ما زال يقتفيه، وإيصال صلاته إلى ~~المعتفين (2) يعتده من مناقب معانيه، وإبقاء الأموال عنده يعتقده من مثالب ~~من يعانيه، ويرى إخراج الدنيا عنه خير ما يجتبيه من عمله ويجنيه وحجته في ~~ذلك واضحة فإنه حرام على الولد مجامعة مطلقة أبيه، وقد نقل عنه من تتابع ~~أرفاده بموجوده ووقائع استنقاذه فيه جل مجهوده وما يشهد له بكرمه وجوده، ~~وينضده في سلك سجاياه مع ركوعه وسجوده. # فمنها: ما نقل عنه (عليه السلام) فيما رواه سعد بن عبد العزيز قال: إن ~~الحسن (عليه السلام) سمع رجلا يسأل ربه تعالى أن يرزقه عشرة آلاف درهم، ~~فانصرف الحسن إلى منزله فبعث بها إليه (3). # ومنها: إن رجلا جاء اليه (عليه السلام) وسأله حاجة فقال له: (يا هذا حق ~~سؤالك إياي يعظم لدي، ومعرفتي بما يجب لك تكبر علي، ويدي تعجز عن نيلك بما ~~أنت # PageV00P344 # أهله، والكثير في ذات الله عز وجل قليل، وما في ملكي وفاء بشكرك، فان ~~قبلت مني الميسور ورفعت عني مؤنة الاحتفال والاهتمام لما أتكلفه من واجبك ~~فعلت). # فقال: يا بن رسول الله أقبل القليل، وأشكر العطية، وأعذر على المنع. # فدعا الحسن (عليه السلام) بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها. # فقال: (هات الفاضل من الثلثمائة ألف درهم). فأحضر خمسين ألفا. # قال (عليه السلام): (فما فعل الخمسمائة دينار؟). # قال: هي عندي. # قال (عليه السلام): (أحضرها). # فأحضرها، فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل فقال (عليه السلام): (هات من ~~يحملها). فأتاه بحمالين، فدفع الحسن إليهم رداءه لكراء الحمل فقال له ~~مواليه: # والله ما عندنا درهم. فقال (عليه السلام): (لكني أرجو أن يكون لي عند ~~الله أجر عظيم) (1). # ومنها: ما ms174 رواه أبو الحسن المدائني قال: خرج الحسن والحسين و عبد الله بن ~~جعفر (رضي الله عنهم) حجاجا ففاتتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا، فمروا بعجوز ~~في خباء فقالوا: هل من شراب؟ # قالت: نعم. فأناخوا بها وليس إلا شويهة في كسر الخيمة. # فقالت: إحلبوها، وامتذقوا لبنها. # ففعلوا ذلك وقالوا لها: هل من طعام؟ # قالت: لا، إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم، حتى أهئ لكم ما تأكلون. # فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ثم هيئت لهم طعاما، فاكلوا وقاموا حتى ~~أبردوا، فلما ارتحلوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا ~~رجعنا # PageV00P345 # سالمين فألمي بنا فإنا صانعون لك خيرا. ثم ارتحلوا، وأقبل زوجها فأخبرته ~~عن القوم والشاة، فغضب الرجل وقال: ويحك تذبحين شاتي لأقوام لا تعرفينهم ثم ~~تقولين نفر من قريش! # ثم بعد مدة ألجئتها الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها وجعلا ينقلان البعر ~~إليها ويبيعانه ويعيشان منه، فمرت العجوز في بعض سكك المدينة فإذا الحسن ~~(عليه السلام) على باب داره جالس فعرف العجوز وهي له منكرة، فبعث الحسن ~~غلامه فردها. # فقال لها: (يا أمه تعرفيني؟) قالت: لا. # قال: (أنا ضيفك يوم كذا وكذا). # فقالت العجوز: بأبي أنت وأمي. # فأمر الحسن (عليه السلام) فاشترى لها من شاة الصدقة ألف شاة، وأمر لها ~~بألف دينار، وبعث بها غلامه إلى أخيه الحسين (عليه السلام). # فقال: (بكم وصلك أخي الحسن؟) فقالت: بألف دينار وألف شاة. # فأمر لها الحسين بمثل ذلك، ثم بعث بها غلامه إلى عبد الله بن جعفر. # فقال: بكم وصلك الحسن والحسين؟ # فقالت: بألفي دينار، وألفي شاة. # فأمر لها عبد الله بألفي شاة وألفي دينار، وقال: لو بدأت بي لأتعبتهما. # فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة آلاف شاة وأربعة آلاف دينار (1). # ويروى عن ابن سيرين (رحمه الله) أنه قال: تزوج حسن بن علي امرأة، فأرسل ~~إليها # PageV00P346 # بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم (1). # ونقل عنه (عليه السلام) أنه متع (2) امرأتين بعشرين ألف درهم وزقاق من ~~عسل (3). # وأخبار جوده كثيرة لو رام القلم استقصاها لأطال وأذن بملال فاقتصر ms175 على ما ~~سطره، واقتنع بما ذكره. # (فأقول وبالله التوفيق على ما ظهر لي من التحقيق) (4): # كل من علم أن الدنيا غرور والتمتع بها غرور (5)، وإمساكها محذور، ومن ~~اغتر بها (مغرور) (6) يحور فإنه يجود ببذلها، ولا ترغب نفسه في وصلها، وقد ~~كان الحسن (عليه السلام) عارفا بختلها، عازفا عن الركون إلى أهلها، وكان ~~كثيرا يتمثل ويقول: # يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * إن اغترارا بظل زائل حمق (7) ولقد يروى ~~أن عائشة قالت: دخل رجل من أهل الشام المدينة فرأى رجلا راكبا على بغلة ~~حسنة قال: لم أر أحسن منه، فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل لي: # إنه الحسن بن علي بن أبي طالب. فامتلأ قلبي غيظا وحنقا وحسدا أن يكون ~~لعلي ولد مثله، فقمت إليه فقلت: أنت ابن أبي طالب؟ # PageV00P347 # فقال: (أنا ابنه). # فقلت: أنت ابن من ومن ومن، وجعلت أشتمه وأنال منه (ومن أبيه وهو ساكت، ~~حتى استحييت منه) (1) فلما انقضى كلامي ضحك وقال: (أحسبك غريبا شاميا). # فقلت: أجل. # فقال: (فمل معي، إن احتجت إلى منزل أنزلناك وإلى مال أرفدناك وإلى حاجة ~~عاوناك). # فاستحييت والله منه وعجبت من كرم خلقه فانصرفت وقد صرت أحبه ما لا أحب ~~غيره (2). # زيادة إيراد وحسن اعتقاد منار مبرات الأجواد، وآثار مقامات الأمجاد، ~~يتفاوت مقدارها بين العباد بحسب إحضار (3) أقدارها في الإعتقاد، وقد جاد ~~الحسن (عليه السلام) بما لم تجد بمثله نفس جواد، وتكرم بما يبخل به كل ذي ~~كرم وإرفاد، فإنه لا رتبة أعظم من الخلافة وأعلا من مقامها، ولا حكم لملك ~~في الملة الإسلامية إلا وهو مستفاد من أحكامها، ولا ذو أيالة وولاية إلا ~~منقاد ببرة زمامها، وأوقف في (4) قضايا تصرفاته بين نقضها وإبرامها، فهي ~~المتصف (5) الأعلى والمنتصب لها صاحب الدنيا والأمر والنهى، متصل بأسبابه ~~والجاه والمال محصل من أبوابه، والنباهة والشهرة تستفاد # PageV00P348 # باقترابه، والتقدم والتأخر يرتاد من اغضائه وأغضابه، وهو خليفة رسول الله ~~(ص) في أمته لإقامة أحكامه وآدابه، وكان الحسن (عليه السلام) قد تقلد بعقد ~~انعقادها واستبد بعقد إيجادها، وارتدى ms176 بمفوف (1) أبرادها، وبايعته سيوف لا ~~تقر في أغمادها، وتابعته ألوف لا تفر يوم جلادها، وشايعته من قبائل القبائل ~~نفوس آسادها، واشتملت خريدة جيشه على أربعين ألفا كل يعد قتله بين يديه ~~شهادة، ويعتقد قيامه بطاعته عبادة، ويرى كونه من أنصاره وشيعته إقبالا ~~وشهادة، فبينا هو في إقبال أيامها يأمر وينهى وقد أحاط بحال مقامها حقيقة ~~وكنها، فجادله التأييد الرباني حالة لم يدركها سواه ولم يستبنها، فجاد ~~بالخلافة على معاوية وسلمها إليه وخرج عنها، وتكرم بها وحرمها نفسه الشريفة ~~فانسلخ منها، فلا جرم باعتبار هذه الحال وما أسداه (عليه السلام) من الجود ~~والنوال، وما أبداه من التكرم والأفضال، اعترف له معاوية على رؤوس الأشهاد ~~في غصون المقال، فقال له: يا أبا محمد لقد جدت بشئ لا تجود به أنفس الرجال ~~(2). # ولقد صدق معاوية فيما ذكره عقلا ونقلا، وعظم ما أسداه إليه الحسن (عليه ~~السلام) جودا وبذلا، فإن النفوس تتنافس في زينة (3) الدنيا ومتاعها قولا ~~وفعلا، وتحرص على إحرازها واقتطاعها حرما وحلا، وترتكب إلى اكتساب محاب ~~حطامها حزنا وسهلا، ويستعذب في إدراك مناها منها أسرا وقتلا. # وعلى الجملة: # تنبيه وإيقاظ... # فهي معشوقة على الغدر لا * تحفظ عهدا ولا تتم وصلا # PageV00P349 # كل دمع يسيل منها عليها * وبفك اليدين عنها تخلا (1) فمن أخرجها على حبها ~~عنه جدير أن يعد جواد الأمجاد وأن يسجل له بإحراز الفلج إذا تفاخرت أمجاد ~~الأجواد (2). # PageV00P350 # تنبيه وإيقاظ لعل من وقف على هذا التنبيه والإيقاظ أن يحيط علما بما حمل ~~الحسن (عليه السلام) على خلع لباس الخلافة عنه وإلباس معاوية، فرأيت أن ~~أشير إلى ما ينيل نفسه مناها، ويزيل عن فكرته ما عراها، وأذكر ما أورده ~~الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (رحمه الله) عن الحسن البصري وأسنده وأقصه، ~~حسب ما تلاه في صحيحه وسرده، وفيه ما يكشف حجاب الارتياب، ويسعف بمطلوب هذا ~~الباب. # فقال: قال الحسن البصري: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال ~~الجبال، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل ~~أقرانها. # فقال ms177 له معاوية - وكان والله خير الرجلين -: أي عمرو أرأيت إن قتل هؤلاء ~~هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور المسلمين من لي بنسائهم من لي بضيعتهم. # فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس، عبد الرحمن بن سمرة، و عبد الله ~~بن عامر وقال: إذهبا إلى هذا الرجل وقولا له، واطلبا إليه. # فأتياه ودخلا عليه وتكلما، وقالا له وطلبا إليه. # فقال لهما الحسن (عليه السلام): إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا ~~المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. # قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك. # قال: فمن لي بهذا؟ # قالا: نحن لك به. PageV00P351 # فما سألهما شيئا إلا قالا نحن لك به، فصالحه. # قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله (ص) على المنبر، ~~والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: (إن ~~ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) (1) ~~وقد تقدم هذا الحديث عنه (ص). # فكان انقياد الحسن (عليه السلام) لمعاوية وتسلم الأمر إليه والجنوح إلى ~~الصلح من آثار أخبار النبي (ص) ومعدودا من معجزاته (ص). # في كلامه (رضي الله عنه)... # PageV00P352 # الفصل التاسع في كلامه (عليه السلام) نقل الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده ~~فيها أن أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) سأل ابنه الحسن (عليه السلام) عن ~~أشياء من أمر المروءة. # فقال: يا بني ما السداد؟ # فقال: يا أبت السداد دفع المنكر بالمعروف. # قال: فما الشرف؟ # قال: اصطناع العشيرة، وحمل الجريرة. # قال: فما المروءة؟ # قال: العفاف وإصلاح المال. # قال: فما الدقة؟ (1) قال: النظر في اليسير، ومنع الحقير. # قال: فما اللؤم؟ # قال: إحراز المرء نفسه، وبذله عرسه. # قال: فما السماح؟ # قال: البذل في العسر واليسر. # PageV00P353 # قال: فما الشح؟ # قال: أن ترى ما في يدك سرفا، وما أنفقته تلفا. # قال: فما الأخاء؟ # قال: المساواة (1) في الشدة والرخاء. # قال: فما الجبن؟ # قال: الجرأة على الصديق، والنكول عن العدو. # قال: فما الغنيمة؟ # قال: الرغبة في التقوى، ms178 والزهادة في الدنيا هي الغنيمة الباردة. # قال: فما الحلم؟ # قال: كظم الغيظ، وملك النفس. # قال: فما الغنى؟ # قال: رضى النفس بما قسم الله تعالى لها وإن قل، وإنما الغنى غنى النفس. # قال: فما الفقر؟ # قال: شره النفس في كل شئ. # قال: فما المنعة؟ # قال: شدة البأس ومنازعة أعز الناس. # قال: فما الذل؟ # قال: الفزع عند المصدوقة. # قال: فما العي؟ # قال: العبث باللحية وكثرة البزق عند المخاطبة. # قال: فما الجرأة؟ # PageV00P354 # قال: موافقة الأقران. # قال: فما الكلفة؟ # قال: كلامك فيما لا يعنيك. # قال: فما المجد؟ # قال: أن تعطي في الغرم، وتعفو عن الجرم. # قال: فما العقل؟ # قال: حفظ القلب كلما استوعيته. # قال: فما الخرق؟ # قال: معاداتك إمامك، ورفعك عليه كلامك. # قال: فما السناء؟ # قال: إتيان الجميل، وترك القبيح. # قال: فما الحزم؟ # قال: طول الأناة، والرفق بالولاة. # قال: فما السفه؟ # قال: اتباع الدناة، ومصاحبة الغواة. # قال: فما الغفلة؟ # قال: تركك المسجد (1)، وطاعتك المفسد. # قال: فما الحرمان؟ # قال: تركك حظك وقد عرض عليك. # قال: فمن السيد؟ # قال: الأحمق في ماله، والمتهاون في عرضه يشتم فلا يجيب المهتم (2) بأمر # PageV00P355 # عشيرته هو السيد (1). # فهذه الأجوبة الصادرة منه على البديهية، من غير رؤية شاهدة له (عليه ~~السلام) ببصيرة باصرة، وبديهة حاضرة، ومادة فضل وافرة، وفكرة على استخراج ~~الغوامض قادرة. # ومن كلامه (عليه السلام): (كتاب كتبه إلى معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين ~~علي (عليه السلام)) (2) وقد بايعه الناس وهو: # بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن ~~صخر. # أما بعد، فإن الله تعالى بعث محمدا (ص) رحمة للعالمين، فأظهر به الحق ~~وقمع به الباطل، وأذل أهل الشرك وأعز به العرب عامة، وشرف به من شاء منهم ~~خاصة، فقال تعالى: * (وإنه لذكر لك ولقومك) * (3) فلما قبضه الله تعالى ~~تنازعت العرب الأمر من بعده، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقالت ~~قريش: نحن أولياؤه وعشيرته فلا تنازعوا سلطانه، فعرفت العرب ذلك لقريش، ~~ونحن الآن أولياؤه وذو القربى منه ولا غرو أن منازعتك إيانا بغير حق ms179 في ~~الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، والموعد الله تعالى بيننا وبينك، ~~ونحن نسأله تبارك وتعالى أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينتقصنا به في ~~الآخرة. # وبعد، فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رحمه الله) لما نزل به الموت، ~~ولاني هذا الأمر من بعده، فاتق الله يا معاوية وأنظر لامة محمد (ص) ما تحقن ~~به # PageV00P356 # دمائهم، وتصلح به أمورهم والسلام (1). # ومن كلامه (عليه السلام) ما كتب في كتاب الصلح الذي استقر بينه وبين ~~معاوية بعد أن رأى حقن الدماء وإطفاء الفتنة في ذلك وهو: # بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب ~~معاوية أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين، على أن يعمل ~~فيهم بكتاب الله وسنة رسوله محمد (ص) وسيرة الخلفاء الراشدين، وليس لمعاوية ~~بن أبي سفيان أن يعهد لأحد من بعده عهدا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين ~~المسلمين، وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم ~~وحجازهم ويمنهم، وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ~~ونسائهم وأولادهم، وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذ ~~الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى الله من نفسه، وعلى أنه لا ينبغي ~~للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين، ولا لأحد من أهل بيت رسول الله (ص) غائلة ~~سرا ولا جهرا، ولا يحيف أحد منهم في أفق من الآفاق، شهد عليه بذلك الله ~~وكفى بالله شهيدا وفلان وفلان والسلام (2). # ولما تم الصلح وانبرم، التمس معاوية من الحسن أن يتكلم بمجمع من الناس، ~~ويعلمهم أنه قد بايع معاوية وسلم الأمر إليه، فأجابه إلى ذلك فخطب وقد حشد ~~خطبة حمد الله وصلى على رسوله (ص) وهي من كلامه المنقول عنه (عليه السلام) ~~وقال: (أيها الناس إن أكيس الكيس التقى، وإن الحمق الفجور، وإنكم لو طلبتم # PageV00P357 # ما بين جابلق وجابرس رجلا جده رسول الله (ص) ما وجدتموه غيري وغير أخي ~~الحسين، ms180 وقد علمتم إن الله تعالى هداكم بجدي محمد فأنقذكم به من الضلالة، ~~ورفعكم به من الجهالة، وأعزكم به بعد الذلة، وكثركم به بعد القلة، وإن ~~معاوية نازعني حقا هو لي دونه، فنظرت لصلاح الأمة، وقطع الفتنة، وقد كنتم ~~بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، فرأيت أن أسالم ~~معاوية وأضع الحرب بيني وبينه، وقد بايعته ورأيت أن حقن الدماء خير من ~~سفكها، ولم أرد بذلك إلا اصلاحكم وبقاءكم، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع ~~إلى حين (1). # وعنه (عليه السلام) أنه قال: # لا أدب لمن لا عقل له، ولا مروءة لمن لا همة له، ولا حياء لمن لا دين له، ~~ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل وبالعقل تدرك الداران جميعا ومن حرم العقل ~~خسرهما جميعا. (2) وقال (عليه السلام): علم الناس علمك، وتعلم علم غيرك، ~~فتكون قد أنفقت علمك (وعلمت ما لم تعلم) (3). # وسئل عن الصمت، فقال: هو ستر الغي، وزين العرض، وفاعله في راحة وجليسه ~~آمن (4). # وقال (عليه السلام): # PageV00P358 # هلاك الناس في ثلاث: الكبر، والحرص، والحسد، فالكبر هلاك الدين ومنه لعن ~~إبليس، والحرص عدو النفس ومنه أخرج آدم من الجنة، والحسد رائد الجوع ومنه ~~قتل قابيل هابيل (1). # وقال (عليه السلام): لا تأت رجلا إلا أن ترجو نواله، أو تخاف يده، أو ~~تستفيد من علمه، أو ترجو بركته ودعائه، أو تصل رحما بينك وبينه (2). # وقال (عليه السلام): دخلت على أمير المؤمنين وهو يجود بنفسه لما ضربه ابن ~~ملجم فجزعت لذلك، فقال لي أتجزع! # فقلت: وكيف لا أجزع وأنا أراك في حالك هذه. # فقال: ألا أعلمك خصالا أربعا إن أنت حفظتهن نلت بهن النجاة، وإن أنت ~~ضيعتهن فاتك الداران، يا بني لا غنى أكبر من العقل، ولا فقر مثل الجهل، ولا ~~وحشة أشد من العجب، ولا عيش ألذ من حسن الخلق (3). # فهذه سمعت من الحسن يرويها عن أبيه تصلح أن تورد في مناقب أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) وتصلح أن تورد في مناقب الحسن (عليه السلام) فأوردهما في باب ~~أيهما شئت. # وقال (عليه ms181 السلام): ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد. # وقال: أجعل ما طلبت من الدنيا فلم تظفر به بمنزلة ما لم يخطر ببالك، ~~واعلم أن مروءة القناعة والرضا أكبر من مروءة الإعطاء، وتمام الصنيعة خير ~~من ابتدائها. # PageV00P359 # وسئل عن الذل واللؤم فقال: من لا يغضب من الجفوة، ولا يشكر على النعمة. # وسئل عن العقوق فقال: أن تحرمها (1). # ونقل أن إعرابيا دخل المسجد الحرام فوقف على الحسن (عليه السلام) وحوله ~~حلقة فقال لبعض جلساء الحسن: من هذا الرجل؟ فقال له: الحسن بن علي بن أبي ~~طالب. # فقال: الإعرابي: إياه أردت. # فقال له: وما تصنع به يا إعرابي؟ فقال: بلغني إنهم يتكلمون فيعربون في ~~كلامهم، وإني قطعت بواديا وقفارا وأودية وجبالا وجئت لأطارحه الكلام، ~~واسأله عن عويص العربية. # فقال له جليس الحسن: إن كنت جئت لهذا فابدأ بذلك الشاب. وأومى إلى الحسين ~~(عليه السلام) فوقف عليه وسلم فرد عليه السلام ثم قال: (وما حاجتك يا ~~إعرابي؟). # فقال: إني جئتك من الهرقل والجعال والأينم والهمم. # فتبسم الحسين (عليه السلام) وقال: (يا إعرابي لقد تكلمت بكلام ما يعقله ~~إلا العالمون). # فقال الإعرابي: وأقول أكثر من هذا، فهل أنت تجيبني على قدر كلامي؟ # فقال له الحسين (عليه السلام): (قل ما شئت فاني مجيبك عنه). # فقال الإعرابي: إني بدوي وأكثر مقالي الشعر، وهو ديوان العرب. # فقال له الحسين (عليه السلام): (قل ما شئت فاني مجيبك عليه). # فأنشأ يقول: # PageV00P360 # هفا قلبي إلى اللهو وقد ودع شرخيه * وقد كان أنيقا (عفريه) (1) تجراري ~~ذيليه علالات ولذات فيا سقيا لعصريه * فلما عمم الشيب من الرأس نطاقيه ~~وأمسى قد عناني منه تجديد خضابيه * تسليت عن اللهو وألقيت قناعيه وفي الدهر ~~أعاجيب لمن يلبس حاليه * فلو يعمل ذو رأى أصيل فيه رأييه لألفى عبرة منه له ~~في كل عصريه فقال له الحسين (عليه السلام): (يا أعرابي قد قلت فاسمع مني) ~~ثم إنه (عليه السلام) قال أبياتا سيأتي ذكرها في الباب المختص به المعقود ~~لمناقبه إن شاء الله، فقال الإعرابي لما سمعها: ما رأيت ms182 كاليوم قط مثل هذا ~~الغلام أعرب منه كلاما، وأدرب لسانا، وأفصح منه منطقا، فقال له الحسن: يا ~~أعرابي: # هذا غلام كرم الرحمن بالتطهير جديه * كساه القمر القمقام من نور سنائيه ~~ولو عدد طماح نفحنا عن عداديه * وقد أرضيت من شعري وقومت عروضيه فلما سمع ~~الأعرابي قول الحسن قال: بارك الله عليكما مثلكما نجلته الرجال، وعن مثلكما ~~قامت النساء، فوالله لقد انصرفت وأنا محب لكما راض عنكما فجزاكما الله خيرا ~~وانصرف (2). # PageV00P361 # في أولاده، وعمره (عليه السلام)... PageV00P362 # الفصل العاشر في أولاده (عليه السلام) كان له من الأولاد عدد لم يكن ~~لكلهم عقب، بل كان العقب لابنين منهم (بلا خلاف) (1) فقيل: كانوا خمسة عشر ~~(2) وهذه أسمائهم: # الحسن، وزيد، وعمرو، والحسين، و عبد الله، و عبد الرحمن، وعبيد الله، ~~وإسماعيل، ومحمد، ويعقوب، وجعفر، وطلحة، وحمزة، وأبو بكر، والقاسم، وكان ~~العقب منهم للحسن (المثنى) (3) ولزيد ولم يكن لغيرهما منهم عقب، وقيل: كان ~~أولاده أقل من ذلك (4)، (وقيل: كان له بنت واحدة تسمى أم الحسن (5) والله ~~أعلم بحقيقة الحال فيه) (6). # الفصل الحادي عشر (7) في عمره (عليه السلام) # PageV00P363 # قد تقدم ذكر ولادته وما قيل فيها، وأنها كانت في سنة ثلاث من الهجرة، ~~وكانت وفاته (عليه السلام) على ما سيأتي في الفصل المختص بها المذكور إن ~~شاء الله تعالى عقيب هذا الفصل في سنة تسع وأربعين للهجرة، فتكون مدة عمره ~~سبعا وأربعين سنة، منها مع جده رسول الله (ص) سبع سنين، ومع أبيه (عليه ~~السلام) بعد وفاة جده (ص) ثلاثين سنة، وبعد وفاة والده (عليه السلام) إلى ~~وقت وفاته عشر سنين (1). # في وفاته (عليه السلام)... # PageV00P364 # الفصل الثاني عشر في وفاته (عليه السلام) مرض الحسن (عليه السلام) أربعين ~~يوما فقال في بعض الأيام: (أخرجوا فراشي إلى صحن الدار) فاخرج فقال: اللهم ~~إني أحتسب نفسي عندك فإني لم أصب بمثلها (1). # وروى الحافظ أبو نعيم بسنده في حليته عن عمير بن إسحاق قال: دخلت أنا ~~ورجل على الحسن بن علي نعوده فقال: (يا فلان سلني). # قال: لا والله لا نسألك حتى ms183 يعافيك الله ثم نسألك. # قال: ثم دخل ثم خرج إلينا. # فقال: (سلني قبل أن لا تسألني). # قال: بل يعافيك الله ثم نسألك. # قال: (لقد ألقيت طائفة من كبدي، وإني قد سقيت السم مرارا، فلم اسق مثل ~~هذه المرة). # ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه، والحسين (عليه السلام) عند رأسه ~~فقال: # (يا أخي من تتهم؟) # PageV00P365 # قال: (لم... لتقتله؟). # قال: (نعم). # قال: (إن يكن الذي أظن فالله أشد بأسا وأشد تنكلا، وإلا يكن فما أحب أن ~~يقتل في برئ) (1). # ثم قضى رضي الله عنه لخمس خلون من ربيع الأول من سنة تسع وأربعين للهجرة ~~(2) وقيل: خمسين (3)، وصلى عليه سعيد بن العاص (4)، فإنه كان يومئذ # PageV00P366 # واليا على المدينة ودفن بالبقيع وكان تحته إذ ذاك جعدة بنت الأشعث بن قيس ~~PageV00P367 # الكندي فذكر أنها سمته (1)، والله أعلم بحقيقة ذلك، وكان بانقضاء الشهور ~~التي ولي فيها (عليه السلام) الخلافة انقضاء خلافة النبوة، فإن بها كان ~~استكمال ثلاثين سنة وهي التي ذكرها رسول الله (ص) فيما نقل عنه: (الخلافة ~~بعدي ثلاثون ثم تصير ملكا) (2) أو كما قال صلوات الله عليه وسلامه. # PageV00P368 # الباب الثالث في الحسين الزكي (عليه السلام) وفيه إثنا عشر فصلا: ~~PageV00P370 # الأول: في ولادته. # الثاني: في نسبه. # الثالث: في تسميته. # الرابع: في كنيته ولقبه. # الخامس: فيما ورد في حقه من النبي (ص) السادس: في شجاعته وشرف نفسه. # السابع: في كرمه. # الثامن: في كلامه. # التاسع: في أولاده. # العاشر: في عمره. # الحادي عشر: في خروجه من المدينة إلى مكة ثم إلى العراق. # الثاني عشر: في مصرعه ومقتله. # في ولادته ونسبه (عليه السلام)... PageV00P371 # الفصل الأول في ولادته (عليه السلام) ولد بالمدينة لخمس خلون من شعبان ~~سنة أربع من الهجرة (1) وكانت والدته الطهر البتول فاطمة (عليها السلام) ~~علقت به بعد أن ولدت أخاه الحسن بخمسين ليلة (2) هكذا صح النقل، فلم يكن ~~بينه وبين أخيه (عليهما السلام) سوى هذه المدة المذكورة ومدة الحمل من ~~التفاوت، ولما ولد واعلم النبي (ص) به أخذه وأذن في أذنه اليمنى وأقام في ~~أذنه ms184 اليسرى (3). # الفصل الثاني في نسبه (عليه السلام) # PageV00P372 # نسبه هو نسب أخيه الحسن وقد تقدم ذكره (عليه السلام) (1) وبيان ذلك ~~مشروحا، فلا حاجة إلى اعادته. # في تسميته وكنيته ولقبه (عليه السلام)... # PageV00P373 # الفصل الثالث في تسميته (عليه السلام) هذا الاسم سماه به رسول الله (ص) ~~فإنه لما اعلم به أخذه وأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وقال: (سموه ~~حسينا) فكانت تسمية أخيه بالحسن وتسميته بالحسين صادرة من النبي (ص) ثم إنه ~~(ص) عق عنه وذبح كبشا (1) وحلقت والدته (عليها السلام) رأسه وتصدقت بوزن ~~شعره فضة كما أمرها رسول الله (ص) وتقدم ذكره في الفصل المختص بالحسن (عليه ~~السلام). # الفصل الرابع في كنيته ولقبه (عليه السلام) كنيته: أبو عبد الله لا غير ~~(2). # وأما ألقابه فكثيرة: الرشيد، والطيب، والوفي، والسيد، والزكي، والمبارك، ~~والتابع لمرضاة الله، والسبط (3)، فكل هذه كانت تقال له وتطلق عليه، ~~وأشهرها # PageV00P374 # الزكي، لكن أعلاها رتبه ما لقبه به رسول الله (ص) في قوله عنه وعن أخيه: # (أنهما سيدا شباب أهل الجنة) فيكون السيد أشرفهما وكذلك السبط فإنه صح عن ~~رسول الله (ص) أنه قال: (حسين سبط من الأسباط) وسيأتي هذا الحديث في الفصل ~~الخامس تلو هذا الفصل إن شاء الله. # في ما ورد في حقه (عليه السلام) من جهة النبي (ص) قولا وفعلا... ~~PageV00P375 # الفصل الخامس فيما ورد في حقه من جهة النبي (ص) قولا وفعلا وهو فصل ~~مستحلا الموارد والمصادر، مستعلى المحامد والمآثر، مسفر عن جمل من المناقب ~~السوافر، مشعر أن الحسن والحسين (عليهما السلام) أحرزا أعلى المعالي وأفخر ~~المفاخر، فإن رسول الله (ص) خصهما من مزايا العلى (1) بأتم معنى، ومنحهما ~~من سجايا الثناء كل مثنى، فافرد وثنى ومدح وأثنى، وأنزلهما ذروة السناء ~~الأسنى. # فأما ما يخص الحسن (عليه السلام) فتقدم في فصله، وأما تمام المشترك وما ~~يخص الحسين فهذا أوان إحراز حصله. # فمنه: حديث حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) أخرجه الترمذي، في صحيحه ~~يرويه عنه بسنده وقد تقدم طرف منه في فضائل فاطمة (عليها السلام) أن حذيفة ~~قال ms185 لامه: دعيني آتي رسول الله (ص) فاصلي معه، واسأله أن يستغفر لي ولك. # فأتيته فصليت معه المغرب، ثم قام فصلى حتى صلى العشاء، ثم إنفتل فاتبعته ~~فسمع صوتي فقال: (من هذا حذيفة). # فقلت: نعم. # قال: (ما حاجتك غفر الله لك ولامك، إن هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط # PageV00P376 # قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل ~~الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (1). # ومنه: ما أخرجه الترمذي أيضا، أن النبي (ص) أبصر حسنا وحسينا فقال: # (اللهم إني أحبهما فأحبهما) (2). # ومنه: ما رواه ابن الجوزي، بسنده في صفوة الصفوة أن رسول الله (ص) قال: ~~(إن هذان ابناي فمن أحبهما فقد أحبني) (3) يعني الحسن والحسين. # ومن المشترك جملة تقدمت في فضل الحسن، فلا حاجة لإعادتها هاهنا. # ومنه: ما أخرجه الترمذي، بسنده عن يعلي بن مرة قال: قال رسول الله (ص): ~~(حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط) (4). # ومنه: ما نقله الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، والترمذي (رضي الله ~~عنهما) بسندهما كل منهما في صحيحه عن ابن عمر (رحمه الله) وسأله رجل عن دم ~~البعوض. # فقال: ممن أنت؟ # فقال: من أهل العراق. # فقال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي (ص)! # وسمعت النبي (ص) يقول: (هما ريحانتاي من الدنيا) (5). # وروى أنه سأله عن المحرم يقتل الذباب. # PageV00P377 # فقال: يا أهل العراق تسألونا عن قتل الذباب وقد قتلتم ابن رسول الله (ص)! ~~(1) وذكر الحديث وفي آخره وهما سيدا شباب أهل الجنة. # ومنه: ما أخرجه الترمذي (رحمه الله) في صحيحه، بسنده عن سلمى الأنصارية ~~قالت: دخلت على أم سلمة زوج النبي (ص) وهي تبكي، قلت: ما يبكيك؟ # قالت: رأيت الآن رسول الله (ص) في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب وهو ~~يبكي، فقلت: ما لك يا رسول الله (ص)؟ # قال: (شهدت قتل الحسين آنفا). (2) ومنه: ما أخرجه البخاري والترمذي في ~~صحيحيهما، كل منهما يرفعه بسنده عن أنس قال: ms186 أتى عبيد الله بن زياد برأس ~~الحسين (عليه السلام) فجعل في طشت فجعل ينكته، وقال في حسنه شيئا. # قال أنس: فقلت والله إنه كان أشبههم برسول الله (ص)، وكان مخضوبا بالوسمة ~~(3). # وفي رواية الترمذي: فجعل يضرب بقضيب في أنفه. # ولقد وفق الترمذي (رضي الله عنه) فإنه لما روى هذا الحديث وذكر فعل ابن ~~زياد زاده الله عذابا نقل ما فيه اعتبار واستبصار. # فإنه روى في صحيحه بسنده، عن عمارة بن عمير قال: لما قتل عبيد الله بن ~~زياد، وجئ برأسه ورؤوس أصحابه ونضدت في المسجد في الرحبة، فانتهيت # PageV00P378 # إليهم والناس يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى ~~جاءت فدخلت في منخر عبيد الله بن زياد، فمكثت هنيئة ثم خرجت فذهبت حتى ~~تغيبت ثم قالوا: قد جاءت، ففعلت ذلك مرارا (1). # في شجاعته وشرف نفسه (عليه السلام)... # PageV00P379 # الفصل السادس في شجاعته وشرف نفسه (عليه السلام) إعلم وفقك الله على ~~حقائق المعاني ووفقك لإدراكها أن الشجاعة من المعاني القائمة بالنفوس، ~~والصفات المضافة إليها فهي تدرك بالبصيرة لا بالبصر ولا يمكن معرفتها بالحس ~~مشاهدة لذاتها، إذ ليست أجساما كثيفة بل طريق معرفتها والعلم بها بمشاهدة ~~آثارها، فمن أراد أن يعلم أن زيدا موصوف بالشجاعة، فطريقه أن ينظر إلى ما ~~يصدر منه إذا أحدقت الرجال (وصدقت الآجال، وحقت الأوجال) (1) وتضايق ~~المجال، وحاق القتال، فإن كان مجزاعا مهلاعا مزواعا مفزاعا فتراه يستركب ~~الهزيمة ويستبقها، ويستصوب الدنية ويتطوقها، ويستعذب المفرة ويتفوقها، ~~ويستصحب الذلة ويتعلقها، مبادرا إلى تدرع عار الفرار من شبا الشفار، مشيحا ~~عن الفخار باقتحام الأخطار في مقر القراع لكل خطار، فذلك مهبول الأم، مخبول ~~الفهم، مفلول الجمع، معزول عن السمع، ضرب بينه وبين الشجاعة بحجاب مكتوب ~~بينه وبين الشهامة بابراء في كتاب، لا تعرف نفسه سرفا، ولا تجد عن الخساسة ~~والدناءة منصرفا. # وإن كان محزرا (2)، مجزارا، كرارا، صبارا، يسمع من أصوات وقع الصوارم # PageV00P380 # نغم المزامر (1) المطربة، ويسرع إلى مصاف التصادم مسارعته إلى مواصلة ~~النواظر المعجبة، خائضا غمرات الأهوال بنفس مطمئنة ms187 وعزيمة مطنبة، يعد ~~مصافحة الصفاح غنيمة بادرة (2) ومرامحة الرماح فائدة عائدة، ومكافحة ~~الكتائب مكرمة زائدة، ومناوحة المناقب (3) منقبة شاهدة، يعتقد القتل ملحفة ~~طلل الحياة الأبدية، ويسعفه جلل المحامد السرمدية، ويزلفه من منازل الفخار ~~العالية المغرة للشهداء الأحدية، جانحا إلى ابتياع العز بمهجته ويراها ثمنا ~~قليلا جامحا عن ارتكاب الدنايا وإن غادرت جماحه قتيلا: # يرى الموت أحلى من ركوب دنية * ولا يعتدى للناقصين عديلا ويستعذب التعذيب ~~فيما يفيده * نزاهته عن أن يكون ذليلا فهذا مالك زمام الشجاعة وحائزها، وله ~~من قداحها معلاها وفائزها، قد تفوق بها لبان الشرف واغتذاه، وتطوق در سحابه ~~المستحلا وتحلاه، وعبق نشر أرجه المنتشر مما أتاه، ونطق فعله بمدحه وإن لم ~~يفض فاه، وصدق والله واصفه بالشجاعة التي يحبها الله، وإذا ظهرت دلالة ~~الآثار على مؤثرها، وأسفرت عن تحقق مثيرها ومثمرها. # فقد صرح النقلة في صحائف السير بما رأوه (4) وجزموا القول بما نقله ~~المتقدم إلى المتأخر فيما رووه (5) أن الحسين (عليه السلام) لما قصد العراق ~~وشارف الكوفة، سرب إليه أميرها يومئذ عبيد الله بن زياد الجنود لمقاتلته ~~أحزابا، وحزب عليه الجيوش لمقاتلته أسرابا، وجهز من العساكر عشرين ألف فارس ~~وراجل (6) يتتابعون كتائبا وأطلابا، فلما حصروه وأحدقوا به شاكين في العدة ~~والعديد، # PageV00P381 # ملتمسين منه نزوله على حكم بن زياد أو بيعته ليزيد، فإن أبى ذلك فليؤذن ~~بقتال يقطع الوتين وحبل الوريد، ويصعد الأرواح إلى المحل الأعلى ويصرع ~~الأشباح على الصعيد، فتبعت نفسه الأبية جدها وأباها، وعزفت عن التزام ~~الدنية فأباها، ونادته النخوة الهاشمية فلباها، ومنحها الإجابة إلى مجانبة ~~الذلة وحباها، فاختار مجالدة الجنود ومضاربة ضباها، ومصادمة صوارمها وشيم ~~شباها، ولا يذعن لوصمة تسم بالصغار من شرفه (1) خدودا وجباها، وقد كان أكثر ~~هؤلاء المخرجين لقتاله قد شايعوه وكاتبوه وطاوعوه وبايعوه وسألوه القدوم ~~عليهم ليبايعوه، فلما جاءهم كذبوه ما وعدوه، وأنكروه وجحدوه ومالوا إلى ~~السحت العاجل فعبدوه، وخرجوا إلى قتاله رغبة في عطاء ابن زياد فقصدوه، فنصب ~~(عليه السلام) نفسه وإخوته وأهله وكانوا نيفا وثمانين لمحاربتهم (2) ~~واختاروا بأجمعهم القتل على ms188 متابعتهم، ليزيد ومبايعتهم، فأعلقتهم الفجرة ~~الطغاة، وأرهقتهم المردة اللئام، ورشقتهم النبال والسهام، وأوثقتهم من شبا ~~شفارهم الكلام. # هذا والحسين (عليه السلام) ثابت لا تخف حصاة شجاعته، ولا تخف عزيمة ~~شهامته، وقدمه في المعترك أرسى من الجبال، وقلبه لا يضطرب لهول القتال، ولا ~~لقتل الرجال، وقد قتل قومه من جموع ابن زياد جمعا جما، وأذاقوهم من الحمية ~~الهاشمية رهقا وكلما، ولم يقتل من العصابة الهاشمية قتيل حتى أثخن في ~~قاصديه وقتل واغمد ظبة في أبشارهم وجدل فحينئذ تكالبت طغام الأجناد على ~~الجلاد، وتناشبت الأجلاد في المنازلة بالحداد، ووثبت كثرة الألوف منهم على ~~قلة الآحاد، وتقاربت من الأنوف الهاشمية الآجال المحتومة على العباد، ~~فاستبقت الأملاك البررة إلى الأرواح وباء الفجرة بالآثام في الأجساد، فسقطت ~~أشلاؤهم المتلاشية على الأرض صرعى تصافح منها صعيدا، ونطقت حالهم بأن ~~لقتلهم يوما تود لو # PageV00P382 # أن بينها وبين قتلهم أمدا بعيدا، وتحققت النفوس المطمئنة بالله كون ~~الظالم والمظلوم شقيا وسعيدا، وضاقت الأرض بما رحبت على حرم الحسين (عليه ~~السلام) وأطفاله إذ بقي وحيدا، فلما رأى (عليه السلام) وحدته، ورزى أسرته ~~وفقد نصرته، تقدم على فرسه إلى القوم حتى واجههم وقال لهم: يا أهل الكوفة ~~قبحا لكم وتعسا حين استصرختمونا ولهين فأتيناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفا ~~كان في أيماننا وحششتم علينا نارا نحن أضرمناها على أعدائكم وأعدائنا ~~فأصبحتم ألبا على أوليائكم ويدا لأعدائكم (1) من غير عدل أفشوه فيكم ولا ~~ذنب كان منا إليكم فلكم الويلات هلا إذ (كرهتموها تركتموها) (2) والسيف ما ~~شيم والجأش ما طاش والرأي لما يستحصد ولكنكم أسرعتم إلى بيعتنا إسراع الدبا ~~وتهافتم إليها كتهافت الفراش ثم نقضتموها سفها وضلة وفتكا لطواغيت الأمة ~~وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلونا ألا لعنة ~~الله على الظالمين (الذين يصدون عن سبيل الله) (3). # ثم حرك فرسه إليهم والسيف مصلت في يده وهو آيس من نفسه عازم على الموت ~~وقال هذه الأبيات: # أنا ابن علي الخير من آل هاشم * كفاني بهذا مفخرا حين أفخر وجدي رسول ~~الله أكرم ms189 من مشى * ونحن بسراج الله في الخلق يزهر وفاطمة أمي سلالة أحمد * ~~وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر وفينا كتاب الله أنزل صادقا * وفينا الهدى ~~والوحي والخير يذكر ونحن ولاة الأرض نسقي ولاتنا * بكأس رسول الله ما ليس ~~ينكر وشيعتنا في الناس أكرم شيعة * ومبغضنا يوم القيامة يخسر # PageV00P383 # ثم عاد الناس إلى البراز فلم يزل يقاتل ويقتل كل من برز (1) إليه منهم من ~~عيون الرجال حتى قتل منهم مقتلة كبيرة فتقدم إليه شمر بن ذي الجوشن (لعنه ~~الله) في جمعه وسيأتي تفصيل ما جرى بعد ذلك في فصل مصرعه (عليه السلام). # هذا هو كالليث المغضب لا يحمل على أحد منهم إلا نفحه بسيفه فالحقه ~~بالحضيض، فيكفي ذلك في تحقيق شجاعته وكرم نفسه شاهدا صادقا فلا حاجة معه ~~إلى ازدياد في الاستشهاد. # PageV00P384 # في كرمه (عليه السلام)... PageV00P385 # الفصل السابع في كرمه (عليه السلام) وقد تقدم في الفصل المعقود لذكر كرم ~~أخيه الحسن (عليه السلام) قضية المرأة التي ذبحت لهما الشاة، وما وصلها به ~~لما جاءته بعد أخيه الحسن وأنه أعطاها ألف دينار واشترى لها ألف شاة. # وقد اشتهر النقل عنه (عليه السلام) أنه كان يكرم الضيف، ويمنح الطالب، ~~ويصل الرحم، وينيل الفقير، ويسعف السائل، ويكسو العاري، ويشبع الجائع، ~~ويعطي الغارم، ويشد من الضعيف، ويشفق على اليتيم، ويعين ذا الحاجة، وقل أن ~~وصله مال إلا فرقه. # ونقل أن معاوية لما قدم مكة وصله بمال كثير، وثياب وافرة، وكسوات وافية، ~~فرد الجميع عليه ولم يقبله منه (1). # وهذه سجية الجواد، وشنشنة الكريم، وسمة ذا السماحة، وصفة من قد حوى مكارم ~~الأخلاق، فافعاله المتلوة شاهدة له بصفة الكرم، ناطقة بأنه متصف بمحاسن ~~الشيم. # وقد كان في العبادة مقتديا بمن تقدم حتى نقل عنه (عليه السلام) أنه حج ~~خمسا # PageV00P386 # وعشرين حجة إلى الحرم وجنائبه تقاد معه وهو ماش على القدم (1). # في كلامه (عليه السلام)... # PageV00P387 # الفصل الثامن في كلامه (عليه السلام) كانت الفصاحة لدنه (1) خاضعة، ~~والبلاغة لأمره سامعة طائعة، وقد تقدم آنفا من نثره في الفصل السادس في ذلك ms190 ~~المقام الذي لا تفوه فيه الأفواه من الفرق، ولا تنطق الألسنة من الوجل ~~والقلق، ما فيه حجة بالغة على أنه في ذلك الوقت أفصح من نطق. # وأما نظمه فيعد من (2) الكلام جوهر عقد منظوم، ومشهر برد مرقوم. # ومنه: الأبيات التي تقدم ذكرها في موجهته لأهل الكوفة عند استدعاء ~~النزال، في الوقت الذي تزول له القلوب من الزلزال، وهي ردف للكلام المنثور ~~المذكور. # ومنه: ما تقدم الوعد بايراده عند وقوف الاعرابي عليه وعلى أخيه الحسن ~~(عليه السلام) لاستبانة فصاحتهما، وقول الإعرابي ما تقدم من هنا قلبي إلى ~~اللهو وقد ودع شرخيه فأنشده الحسين (عليه السلام) ارتجالا لوقته: # فما رسم شجاني إن محا اية رسميه * سفور درح الذيلين في بوغاء قاعيه ومود ~~حرحف تترى على تلبيد نوبيه * ودلاج من المزن دنا نوء سماكيه أتى مثعنجر ~~الودق يجود من خلاليه * وقد أحمد برقاه فلا ذم لبرقيه # PageV00P388 # وقد جلل رعداه فلا ذم لرعديه * ثجيج الرعد ثجاج إذا أرخى نطاقيه فأضحى ~~دارسا قفرا لبينونة أهليه (1) ومنه: قطعة نقلها صاحب كتاب الفتوح، وأنه ~~(عليه السلام) لما أحاط به جموع ابن زياد يتقدمهم عمر بن سعد وقصدوه وقتلوا ~~من أصحابه، ومنعوهم الماء، وكان له (عليه السلام) ولد صغير فجاءه سهم منهم ~~فقتله، فزمله (عليه السلام) وحفر له بسيفه وصلى عليه ودفنه وقال هذه ~~الأبيات: # غدر القوم وقد ما رغبوا * عن ثواب الله رب الثقلين قتلوا قدما عليا وابنه ~~* حسن الخير كريم الأبوين حنقا منهم وقالوا أجمعوا * نفتك الآن جميعا ~~بالحسين يا لقوم لاناس رذل * جمعوا الجمع لأهل الحرمين ثم ساروا وتواصوا ~~كلهم * باجتياحي للرضا بالملحدين لم يخافوا الله في سفك دمي * لعبيد الله ~~نسل الفاجرين وابن سعد قد رماني عنوة * بجنود كوكوف (2) الهاطلين لا لشئ ~~كان مني قبل ذا * غير فخري بضياء الفرقدين بعلي الخير من بعد النبي * ~~والنبي القرشي الوالدين خيرة الله من الخلق أبي * ثم أمي فأنا ابن الخير ~~تين فضة قد خلصت من ذهب * فأنا الفضة وابن الذهبين من له جد كجدي في الورى ms191 ~~* أو كشيخي فأنا ابن القمرين فاطم الزهراء أمي وأبي * قاصم الكفر ببدر ~~وحنين وله في يوم أحد وقعة * شفت الغل بفض العسكرين # PageV00P389 # ثم بالأحزاب والفتح معا * كان فيها حتف أهل القبلتين في سبيل الله ماذا ~~صنعت * أمة السوء معا بالغرتين (1) عترة البر النبي المصطفى * وعلى الورد ~~بين الجحفلين (2) وقال وقد التقاه وهو متوجه إلى الكوفة الفرزدق بن غالب ~~الشاعر فقال له: يا بن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ~~ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته؟ # فترحم على مسلم وقال: صار إلى روح الله ورضوانه، أما إنه قضى ما عليه ~~وبقى ما علينا وأنشد: # فإن تكن الدنيا تعد نفيسة * فإن ثواب الله أغلا وأنبل وإن تكن الأبدان ~~للموت أنشئت * فقتل امرء في الله بالسيف أفضل وإن تكن الأرزاق قسما مقدرا * ~~فقلة حرص المرء في الكسب أجمل وإن تكن الأموال للترك جمعها * فما بال متروك ~~به المرء يبخل (3) # PageV00P390 # في أولاده، وعمره (عليه السلام)... PageV00P391 # الفصل التاسع في أولاده (عليه السلام) كان له من الأولاد ذكور وإناث ~~عشرة: ستة ذكور وأربع إناث، فالذكور: علي الأكبر، علي الأوسط وهو سيد ~~العابدين وسيأتي ذكره في بابه إن شاء الله، وعلي الأصغر، ومحمد، و عبد ~~الله، وجعفر. # فأما علي الأكبر فإنه قاتل بين يدي أبيه حتى قتل شهيدا. # وأما علي الأصغر جاءه سهم وهو طفل فقتله، وقد تقدم ذكره عند ذكر الأبيات ~~لما قتل. # وقيل: إن عبد الله أيضا قتل مع أبيه شهيدا (1). # وأما البنات: فزينب، وسكينة، وفاطمة (2). # هذا هو المشهور وقيل: بل كان له أربع بنين وبنتان (3) والأول أشهر، وكان ~~الذكر المخلد والثناء المنضد مخصوصا من بين بنيه بعلي الأوسط زين العابدين ~~دون بقية الأولاد. # الفصل العاشر # PageV00P392 # في عمره (عليه السلام) وقد تقدم القول في ولادته (عليه السلام) وأنها ~~كانت سنة أربع من الهجرة، وكان انتقاله إلى الدار الآخرة على ما سيأتي ~~تفصيله وبيانه إن شاء الله في سنة إحدى وستين من الهجرة فتكون مدة عمره ستا ~~وخمسين سنة وأشهر (1). # كان منها ms192 مع جده رسول الله (ص) ست سنين وشهورا، وكان مع أبيه أمير ~~المؤمنين علي (عليه السلام) ثلاثين سنة بعد وفاة النبي (ص)، وكان مع أخيه ~~الحسن بعد وفاة أبيه عشر سنين، وبقى بعد وفاة أخيه إلى مقتله عشر سنين. # في خروجه من المدينة إلى مكة ثم إلى العراق (عليه السلام)... # PageV00P393 # الفصل الحادي عشر في خروجه من المدينة إلى مكة ثم إلى العراق. # هذا فصل للقلم في أرجائه مجال واسع، ومقال جامع، وسمع كل مؤمن وقلبه عند ~~تلاوته إليه وله مصيخ سامع، لكن الرغبة في الاختصار تطوى أطراف بساطه، ~~والرهبة من الإكثار تصدف عن تطويله وإفراطه، وحين وقف على أصله وزائده خص ~~الأصل باثباته، والزائد باسقاطه، وذلك أن معاوية لما استخلف ولده يزيد ثم ~~مات وكتب يزيد كتابا إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو يومئذ والي ~~المدينة يحثه فيه على أخذ البيعة من الحسين (عليه السلام) (1). # فرأى الحسين أمورا اقتضت أنه خرج من المدينة وقصد مكة وأقام بها، ووصل ~~الخبر إلى الكوفة بموت معاوية وولاية يزيد مكانه، فاتفق منهم جمع جم وكتبوا ~~كتابا إلى الحسين يدعونه إليهم ويبذلون له فيه القيام بين يديه بأنفسهم، ~~وبالغوا في ذلك ثم تتابعت إليه الكتب نحو من مائة وخمسين كتابا (2) من كل ~~طائفة وجماعة كتاب يحثونه فيه على القدوم، وآخر ما ورد عليه كتاب من ~~جماعتهم على يد قاصدين من أعيانهم وصورته: # PageV00P394 # بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي أمير المؤمنين. # من شيعته وشيعة أبيه علي أمير المؤمنين، سلام الله عليك. # أما بعد: فإن الناس منتظروك ولا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل يا بن رسول ~~الله والسلام عليك ورحمته وبركاته (1). # فكتب جوابهم وسير إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل فوصل إليهم وجرت له وقائع ~~وقضايا لا حاجة إلى ذكرها، وآل الأمر إلى أن الحسين (عليه السلام) توجه ~~بنفسه وأهله وأولاده إلى الكوفة ليقضي الله أمرا كان مفعولا. # وكان عند وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة واجتماع الشيعة عنده وأخذه البيعة ~~للحسين (عليه السلام)، ms193 كتب والي الكوفة - وهو النعمان بن بشير - إلى يزيد ~~بذلك، فجهز عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فلما قرب منها تنكر ودخل ليلا، ~~وأوهم أنه الحسين (عليه السلام) ودخلها من جهة البادية في زي أهل الحجاز، ~~فصار يجتاز بجماعة جماعة يسلم عليهم ولا يشكون في أنه هو الحسين (عليه ~~السلام) فيمشون بين يديه، ويقولون: مرحبا بابن رسول الله قدمت خير مقدم. ~~فرأى عبيد الله من تباشيرهم بالحسين ما ساءه وكشف أحواله وهو ساكت. # فلما دخل قصر الإمارة وأصبح جمع الناس وقال وأرعد وأبرق وقتل وفتك وسفك ~~وانتهك وعمله وما اعتمده مشهور في تحيله حتى ظفر بمسلم بن عقيل وقتله وبلغ ~~الحسين (عليه السلام) قتل مسلم، وما اعتمده عبيد الله بن زياد وهو متجهز ~~للخروج إلى الكوفة، فاجتمع به ذوو النصح له، والتجربة للأمور، وأهل الديانة ~~والمعرفة، كعبد الله بن عباس، وعمرو بن عبد الرحمن بن الحرث المخزومي، ~~وغيرهما ووردت عليه كتب أهل المدينة من عبد الله بن جعفر، وسعيد بن # PageV00P395 # العاص (1) وجماعة كثيرين كلهم يشيرون عليه أن لا يتوجه إلى العراق وأن ~~يقيم بمكة. # هذا كله والقضاء غالب على أمره، والقدر آخذ بزمامه، فلم يكترث بما قيل له ~~ولا بما كتب إليه، وتجهز وخرج من مكة يوم الثلاثاء وهو يوم التروية الثامن ~~من ذي الحجة، ومعه اثنان وثمانون رجلا من أهله وشيعته ومواليه (2)، فسار ~~فلما وصل إلى الشقوق (3) وإذا هو بالفرزدق الشاعر وقد وافاه هنالك، فسلم ~~عليه ودنا منه فقبل يده فقال له الحسين (عليه السلام): (من أين أقبلت يا ~~أبا فراس؟). # فقال: من الكوفة. # فقال (عليه السلام): (وكيف تركت أهل الكوفة). # قال: خلفت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية، وقد قل الديانون، والقضاء ~~ينزل من السماء والله يفعل في خلقه ما يشاء. وجرى بينهما كلام تقدم ذكر طرف ~~منه في آخر الفصل الثامن، ثم ودعه الفرزدق في نفر من أصحابه ومضى يريد ~~الكوفة. # فقال له ابن عم له من بني مجاشع: يا أبا فراس هذا الحسين بن علي. ms194 # فقال له الفرزدق: نعم، هذا الحسين بن علي وابن فاطمة الزهراء بنت محمد # PageV00P396 # المصطفى (ص) هذا والله ابن خيرة الله وأفضل من مشى على الأرض، وقد كنت ~~قلت فيه قبل اليوم أبياتا غير متعرض لمعروفه بل أردت وجه الله والدار ~~الآخرة فلا عليك أن تسمعها. # فقال ابن عمه: إن رأيت أن تسمعنيها يا أبا فراس. # فقال: قلت فيه وفي أمه وأبيه وجده: # في مصرعه ومقتله (عليه السلام)... # هذا الذي تعرف البطحاء وطئته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير ~~عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا حسين رسول الله والده * ~~أمست بنور هداه تهتدي الأمم هذا ابن فاطمة الزهراء عترتها (1) * في جنة ~~الخلد مجريا به القلم إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي ~~الكرم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم بكفه خيزران ~~ريحه عبق * بكف أروع في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضى من مهابته * فلا يكلم ~~إلا حين يبتسم ينشق نور الدجى من نور غرته * كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم ~~منشقة من رسول الله نبعته * طابت أرومته والخيم والشيم من معشر حبهم دين ~~وبغضهم * كفر وقربهم ملجأ ومعتصم يستدفع الضر والبلوى بحبهم * ويستقيم به ~~الاحسان والنعم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض ~~قيل هم لا يستطيع مجار بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا بيوتهم في ~~قريش يستضاء بها * في النائبات وعند الحكم إن حكموا فجده في قريش من ~~أرومتها * محمد وعلي بعده علم # PageV00P397 # بدر له شاهد والشعب من أحد * والخندقان ويوم الفتح قد علموا وخيبر وحنين ~~يشهدان له * وفي قريضة يوم صيلم قتم مناقب قد علت أقدارها ونمت * آثارها لم ~~ينلها العرب والعجم (1) الفصل الثاني عشر في مصرعه ومقتله (عليه السلام) ~~وهو فصل مضمونه يسكب المدامع من الأجفان، ويجلب الفجائع لإثارة الأحزان، ~~ويلهب نيران الموجدة على أكباد ذوي الإيمان، بما أجرته الأقدار للفجرة من ~~الاجتراء وفتكها، واعتدائها على الذرية النبوية بسفح دمائها وسفكها، ~~واستبائها مصونات ms195 نسائها وهتكها، حتى تركوا لمم رجالها بنجيعها مخضوبة، ~~وأشلاء جثثها على الثرى مسلوبة، ومخدرات حرائرها سبايا منهوبة. # فكم كبيرة من جريمة ارتكبوها واجترموها! # وكم من نفس معصومة أزهقوها واخترموها! # وكم من كبد حرى منعوها ورود الماء المباح وحرموها! # ثم احتزوا رأس سبط رسول الله (ص)، وجثة الحسين (عليه السلام) بشبا ~~الحداد، ورفعوه كما يرفع رأس ذوي الإلحاد على رؤوس الصعاد، واخترقوا به ~~أرجاء البلاد بين العباد، واستاقوا حرمه وأطفاله أذلاء من الاضطهاد، ~~وأركبوهم على أخشاب # PageV00P398 # الأقتاب بغير وطاء ولا مهاد، هذا مع علمهم بأنها الذرية النبوية المسؤول ~~لها المودة بصريح القرآن وصحيح الإعتقاد. # فلو نطقت السماء والأرض لرثت لها ورثتها، ولو اطلعت عليها مردة الكفرة ~~لبكتها وندبتها، ولو حضرت مصرعها عتاة الجاهلية لأبكتها ونعتها، ولو شهدت ~~وقعتها بغات الجبابرة لأعانتها (1) ونصرتها، فيالها مصيبة أنزلت الرزية ~~بقلوب الموحدين فأورثتها، وبلية أحلت الكآبة بنفوس المؤمنين سلفا وخلفا ~~فأحزنتها، فوا لهفتاه لذرية نبوية ظل دمها، وعترة محمدية فل مخذمها، وعصبة ~~علوية خذلت فقتل مقدمها، وزمرة هاشمية استبيح حرمها واستحل محرمها، وأنا ~~الآن افصل هذا الإجمال وأوضحه، وأبين تفصيله وأشرحه: # وهو أن الحسين (عليه السلام) سار (حتى صار على) (2) مرحلتين من الكوفة، ~~فوافاه إنسان يقال له الحر بن يزيد الرياحي ومعه ألف فارس من أصحاب ابن ~~زياد شاكين في السلاح، فقال للحسين (عليه السلام): إن الأمير عبيد الله بن ~~زياد قد أمرني أن لا أفارقك أو أقدم بك عليه وأنا والله كاره أن يبتليني ~~الله بشئ من أمرك، غير أني قد أخذت بيعة القوم. # فقال له الحسين (عليه السلام): (إني لم أقدم هذا البلد حتى أتتني كتب ~~أهله وقدمت علي رسلهم يطلبونني وأنتم من أهل الكوفة فإن دمتم على بيعتكم ~~(وقولكم في) (3) وكتبكم دخلت مصركم وإلا انصرفت من حيث أتيت). # فقال له الحر: والله ما أعلم هذه الكتب، ولا الرسل وأنا فما يمكنني ~~الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا، فخذ طريقا غير هذا وارجع فيه حيث شئت، ~~لأكتب إلى ابن زياد أن الحسين خالفني ms196 فلم أقدر عليه، وأنشدك الله في نفسك. # PageV00P399 # فسلك الحسين طريقا آخر راجعا إلى جهة الحجاز غير الجادة، وسار وأصحابه ~~طول ليلتهم فلما أصبح الحسين (عليه السلام) وإذا قد ظهر الحر وجيشه فقال له ~~الحسين (عليه السلام): (ما وراءك يا بن يزيد؟). # فقال: وافاني كتاب ابن زياد يؤنبني في أمرك وقد سير من هو معي، وهو عين ~~علي ولا سبيل إلى مفارقتك أو نقدم بك عليه. وطال الكلام بينهما فرحل الحسين ~~(عليه السلام) وأهله وأصحابه ونزلوا كربلاء يوم الأربعاء أو الخميس على ما ~~قيل الثاني من المحرم، فقال (عليه السلام): (هذه كربلاء موضع كرب وبلا، هذا ~~مناخ ركابنا، ومحط رحالنا، ومقتل رجالنا). # فنزل القوم وحطوا الأثقال، ونزل الحر بجيشه قبالة الحسين (عليه السلام)، ~~ثم كتب إلى عبيد الله بنزول الحسين بأرض كربلاء، فكتب عبيد الله كتابا إلى ~~الحسين (عليه السلام): # أما بعد، فقد بلغني يا حسين نزولك بكربلاء وقد كتب إلي يزيد بن معاوية أن ~~لا أتوسد الوثير، ولا أشبع من الخمير، حتى ألحقك باللطيف الخبير، أو ترجع ~~إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية والسلام. # فلما ورد الكتاب على الحسين (عليه السلام) وقرأه ألقاه من يده، وقال ~~للرسول: (ما له عندي جواب). # فرجع الرسول فأخبر ابن زياد فاشتد غضبه، وجمع الناس وجهز العساكر وسير ~~مقدمها عمر بن سعد - وكان قد ولاه الري وأعمالها وكتب له بها - فاستعفى من ~~خروجه معه إلى قتال الحسين، فقال له ابن زياد: إما أن تخرج وإما تعيد إلينا ~~كتابنا بتوليتك الري وأعمالها وتقعد في بيتك. فاختار ولاية الري، وطلع إلى ~~قتال الحسين (عليه السلام) بالعسكر، فما زال عبيد الله يجهز مقدما ومعه ~~طائفة من الناس إلى أن اجتمع عند عمر بن سعد اثنان وعشرون ألفا ما بين فارس ~~وراجل. # وأول من خرج إلى عمر بن سعد الشمر بن ذي الجوشن السكوني في أربعة آلاف ~~فارس، ثم زحفت خيل عمر بن سعد حتى نزلوا شاطئ الفرات، وحالوا بين ~~PageV00P400 # الماء وبين الحسين وأصحابه، ثم كتب عبيد الله كتابا ms197 إلى عمر بن سعد يحثه ~~على مناجزة الحسين (عليه السلام)، فعندها ضيق الأمر عليهم، واشتد بهم ~~العطش، فقال إنسان من أصحاب الحسين (عليه السلام) يقال له يزيد بن حصين ~~الهمداني (1) - وكان زاهدا - للحسين (عليه السلام): ائذن لي يا بن رسول ~~الله لآتي إلى ابن سعد فأكلمه في أمر الماء عساه يرتدع فقال له: (ذلك ~~إليك). # فجاء الهمداني إلى عمر بن سعد فدخل عليه ولم يسلم. # قال: يا أخا همدان ما منعك من السلام علي، ألست مسلما أعرف الله ورسوله! # فقال له الهمداني: لو كنت مسلما كما تقول لما خرجت إلى عترة رسول الله ~~تريد قتلهم، وبعد فهذا ماء الفرات تشرب منه كلاب السواد وخنازيرها وهذا ~~الحسين بن علي وإخوته ونساؤه وأهل بيته يموتون عطشا قد حلت بينهم وبين ماء ~~الفرات أن يشربوه، وتزعم أنك تعرف الله ورسوله. # فأطرق عمر بن سعد ثم قال: والله يا أخا همدان إني لأعلم حرمة أذاهم ولكن: # دعاني عبيد الله من دون قومه * إلى خطة فيها خرجت لحين فوالله ما أدري ~~وإني لواقف * على خطر لا أرتضيه ومين أأترك (2) ملك الري والري رغبة * أم ~~أرجع مطلوبا بقتل (3) حسين وفي قتله النار التي ليس دونها * حجاب وملك الري ~~قرة عين يا أخا همدان ما أجد نفسي تجيبني إلى ترك الري لغيري. # فرجع يزيد بن حصين الهمداني فقال للحسين (عليه السلام): يا بن رسول الله ~~إن عمر بن سعد قد رضى أن يقتلك بولاية الري. فلما تيقن الحسين أن القوم ~~مقاتلوه، أمر أصحابه فاحتفروا حفيرة شبيهة بالخندق وجعلوها جهة واحدة يكون ~~القتال منها، # PageV00P401 # وركب عسكر بن سعد وأحدقوا بالحسين واقتتلوا (1) ولم يزل يقتل من أهل ~~الحسين وأصحابه واحدا واحدا إلى أن قتل من أهله وأصحابه ما ينيف على خمسين ~~رجلا فعند ذلك ضرب الحسين بيده الخيمة (2) وصاح: (أما مغيث يغيثنا لوجه ~~الله، أما ذاب يذب عن حرم رسول الله). # وإذا بالحر بن يزيد الرياحي الذي تقدم ذكره قد أقبل على فرسه إليه وقال: ~~يا بن رسول الله ms198 إني كنت أول من خرج عليك وأنا الآن في حزبك، فمرني لأكون ~~أول مقتول في نصرتك، لعلي أنال شفاعة جدك غدا. ثم كر على عسكر عمر بن سعد ~~فلم يزل يقاتلهم حتى قتل والتحم القتال حتى قتل أصحاب الحسين (عليه السلام) ~~بأسرهم، وولده واخوته وبنو عمه وبقي وحده وبارز بنفسه إلى أن أثخنته ~~الجراحات، والسهام تأخذه من كل جانب والشمر في قبيلة عظيمة يقاتله، ثم حال ~~بينه (عليه السلام) وبين رحله وحرمه فصاح الحسين (عليه السلام) (ويلكم يا ~~شيعة الشيطان (3) إن لم يكن دين ولا تخافون المعاد فكونوا أحرارا وأرجعوا ~~إلى أحسابكم إن كنتم أعرابا كما تزعمون، أنا الذي أقاتلكم فكفوا سفهاءكم ~~وجهالكم عن التعرض لحرمي، فإن النساء لم تقاتلكم). # فقال الشمر لأصحابه: كفوا عن النساء وحرم الرجل واقصدوه في نفسه، ثم صاح ~~الشمر بأصحابه وقال: ويلكم ما تنتظرون بالرجل وقد أثخنته السهام وتوالت ~~عليه الرماح والسهام. # فسقط على الأرض فوقف عليه عمر بن سعد وقال لأصحابه: إنزلوا وحزوا رأسه. # فنزل إليه نصر بن خرشبة الضبابي (لعنه الله) ثم جعل يضرب بسيفه في مذبح ~~الحسين، فغضب عليه عمر بن سعد وقال لرجل عن يمينه: ويحك إنزل إلى # PageV00P402 # الحسين فأرحه. فنزل إليه خولي بن يزيد (في النار خلده الله) (1) فاحتز ~~رأسه، ثم سلبوه ودخلوا على حرمه فاستلبوا بزتهن ثم إن عمر بن سعد أرسل ~~بالرأس إلى ابن زياد مع بشر بن مالك (2)، فلما وضع الرأس بين يدي عبيد الله ~~قال: # إملأ ركابي فضة وذهبا * فقد قتلت الملك المحجبا ومن يصلي القبلتين في ~~الصبا * وخيرهم إذ يذكرون النسبا قتلت خير الناس أما وأبا فغضب عبيد الله ~~بن زياد من قوله ثم قال (3): إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته؟ # والله لا نلت مني خيرا ولألحقنك به، ثم قدمه وضرب عنقه. # ثم إن القوم استاقوا الحرم كما تساق الأسارى حتى أتوا الكوفة فخرج الناس ~~فجعلوا ينظرون ويبكون وينوحون، وكان علي بن الحسين زين العابدين (عليه ~~السلام) وقد أنهكه المرض فجعل يقول: (ألا أن هؤلاء ms199 يبكون وينوحون من أجلنا ~~فمن قتلنا!) وكان اليوم الذي قتل فيه (عليه السلام) قيل (4): يوم الجمعة، ~~وهو يوم عاشوراء من المحرم سنة إحدى وستين للهجرة (5) ودفن بالطف بأرض ~~كربلاء من العراق، ومشهده (عليه السلام) به معروف يزار من الجهات والآفاق. # PageV00P403 # وهذه الوقائع أوردها صاحب كتاب الفتوح (1)، فهي مضافة إليه وعهدتها لمن ~~أراد أن يتبعها عند مطالعتها عليه. فهذا تلخيص ما تلقته الأذهان والعقول، ~~مما أهداه إليها المروي والمنقول، وقد ألبس العقول (2) ثوب حداد ما لصبغة ~~سواده فصول، وعلى الجملة فأقول: # ألا أيها العادون إن إمامكم * مقام سؤال والرسول سؤول وموقف حكم والخصوم ~~محمد * وفاطمة الزهراء وهي ثكول وإن عليا في الخصام مؤيد * له الحق فيما ~~يدعي ويقول فماذا تردون الجواب عليهم * وليس إلى ترك الجواب سبيل وقد ~~سؤتموهم في بنيهم بقتلهم * ووزر الذي أحدثتموه ثقيل ولا يرتجى في ذلك اليوم ~~شافع * سوى خصمكم والشرح فيه يطول ومن كان في الحشر الرسول خصيمه * فإن له ~~نار الجحيم مقيل وكان عليكم واجبا في اعتمادكم * رعايتهم إن تحسنوا وتنيلوا ~~فإنهم آل النبي وأهله * ونهج هداهم بالنجاة كفيل مناقبهم بين الورى مستنيرة ~~* لها غرر مجلوة وحجول مناقب جلت أن تحاط بحصرها * نمتها فروع قد زكت وأصول ~~مناقب من خلق النبي وخلقه * ظهرن فما يغتالهن أفول (3) ولما وصل القلم في ~~ميدان البيان إلى هذا المقام، أبدت الأيام من المام الآلام ما منع من إتمام ~~المرام على أتم الأقسام، ولم ير حزم نظام الكلام دون موقف الاختتام، فاختصر ~~مضمون الأبواب واقتصر منه على اللباب، وقصر من إطناب # PageV00P404 # الأطناب، وقصر إسهاب الإستهاب، فجاء محصول فصوله ملخصا (1) من تطويل ~~مبانيه اقتصارا يستغنى بمحصله عن النهاية فيه، وإرشادا يكتفي بمختصره عن ~~بسيطه وحاويه. # PageV00P405 # الباب الرابع في علي بن الحسين (عليه السلام) (زين العابدين (عليه ~~السلام)) الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)... PageV00P407 # هذا زين العابدين قدوة الزاهدين، وسيد المتقين، وإمام المؤمنين شيمته ~~تشهد له أنه من سلالة رسول الله (ص)، وسمته تثبت مقام قربه من الله زلفى، ~~ونفثاته تسجل بكثرة ms200 صلاته وتهجده، واعراضه من متاع الدنيا ينطق بزهده فيها، ~~درت له أخلاف التقوى فتفوقها، وأشرقت لديه أنوار التأييد فاهتدى بها، ~~وألفته أوراد (1) العبادة فأنس بصحبتها، وخالفته وظائف الطاعة فتحلى ~~بحليتها، طالما اتخذ الليل مطية ركبها لقطع طريق الآخرة، وظمأ الهواجر ~~دليلا استرشد به في مفازة المسافرة، وله الخوارق والكرامات ما شوهد بالأعين ~~الباصرة، وثبت بالآثار المتواترة، وشهد له أنه من ملوك الآخرة. # فأما ولادته: فبالمدينة في الخميس الخامس من شعبان سنة ثمان وثلاثين من ~~الهجرة، في أيام جده علي بن أبي طالب (عليه السلام) قبل وفاته بسنتين (2). # وأما نسبه أبا واما: فوالده الحسين بن علي (عليهما السلام) وقد تقدم بسط ~~ذلك. # وأما أمه: فأم ولد اسمها غزالة (3)، وقيل: بل كان اسمها شاه زنان بنت ~~يزدجرد (4)، وقيل: غير ذلك (5). # PageV00P408 # وأما اسمه: فعلي. وكان للحسين (عليه السلام) ولد آخر أكبر من هذا فقتل ~~بين يدي والده وقد تقدم ذكره، وولد طفل صغير فجاءه سهم فقتله وقد تقدم ذكر ~~ذلك، وكان كل واحد منهما يسمى عليا أيضا. # وأما كنيته: فالمشهور أبو الحسن، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو بكر (1). # وأما لقبه: فكان له ألقاب كثيرة، كلها تطلق عليه أشهرها زين العابدين، ~~وسيد العابدين، والزكي، والأمين، وذو الثفنات (2). # وقيل: كان سبب لقبه زين العابدين أنه كان ليلة في محرابه قائما في تهجده، ~~فتمثل له الشيطان في صورة ثعبان ليشغله عن عبادته فلم يلتفت إليه، فجاءه ~~إلى إبهام رجله فالتقمها فلم يلتفت إليه فألمه فلم يقطع صلاته، فلما فرغ ~~منها وقد كشف الله تعالى له فعلم أنه شيطان فسبه ولطمه وقال: (إخس يا ~~ملعون) فذهب وقام إلى إتمام ورده، فسمع صوتا ولا يرى قائله وهو يقول له: ~~أنت زين العابدين ثلاثا. فظهرت هذه الكلمة واشتهرت لقبا له (3). # وأما مناقبه ومزاياه وصفاته فكثيرة: # فمنها: إنه كان إذا توضأ للصلاة يصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي ~~يعتادك عند الوضوء. # فيقول: (أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم) (4). # PageV00P409 # ومنها: كان إذا مشى لا تجاوز يده فخذه، ولا ms201 يخطر بيده، وعليه السكينة ~~والخشوع، وإذا قام إلى الصلاة أخذته الرعدة (ويقول لمن يسأله: أريد أن أقوم ~~بين يدي ربي وأناجيه فلهذا تأخذني الرعدة) (1) (2). # ووقع الحريق والنار في البيت الذي هو فيه، وكان ساجدا في صلاته فجعلوا ~~يقولون له: يا بن رسول الله النار، يا بن رسول الله النار، فما رفع رأسه من ~~سجوده حتى أطفئت. # فقيل: ما الذي ألهاك عنها؟ # قال: (نار الآخرة) (3). # ومنها: ما نقله سفيان قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) ~~فقال: إن فلانا وقع فيك وآذاك. # فقال له: (فانطلق بنا إليه). # فانطلق معه وهو يرى أنه سينتصر لنفسه، فلما أتاه: فقال له: (يا هذا إن ~~كان ما قلته في حقا فالله تعالى يغفره لي، وإن كان ما قلت في باطلا فالله ~~تعالى يغفر لك) (4). # وكان بينه وبين ابن عمه حسن بن الحسن شئ من المنافرة، فجاء حسن إلى # PageV00P410 # علي وهو في المسجد مع أصحابه، فما ترك شيئا إلا قاله من الأذى، وهو ساكت ~~ثم انصرف حسن، فلما كان الليل أتاه في منزله، فقرع عليه الباب فخرج حسن ~~إليه فقال له علي (عليه السلام): (يا أخي إن كنت صادقا فيما قلت لي فغفر ~~الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك، والسلام عليك ورحمة الله) ثم ولى ~~فاتبعه حسن والتزمه من خلفه وبكى حتى رق له، ثم قال له: والله لأعدت إلى ~~أمر تكرهه. # فقال له علي: (وأنت في حل مما قلته) (1). # وكان يقول: (فقد الأحبة غربة) (2) (3). # وكان يقول: (اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لوامح العيون علانيتي، وتقبح ~~سريرتي، اللهم كما أسأت فأحسنت إلي، فإذا عدت فعد علي) (4). # وكان يقول: (إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرون عبدوه ~~رغبة فتلك عبادة التجار، وقوم عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار) (5). # ومنها: إنه ما كان يحب أن يعينه على طهوره أحد، وكان يستقي الماء لطهوره ~~ويخمره قبل أن ينام، فإذا قام من الليل بدأ بالسواك ثم يتوضأ ثم يأخذ في ~~صلاته، وكان ms202 يقضي ما فاته من صلاة نافلة النهار بالليل ويقول: (ليس هذا ~~عليكم بواجب، ولكن أحب لمن عود منكم نفسه عادة من الخير أن يدوم عليها) ~~(6). # وكان لا يدع صلاة الليل في السفر والحضر (7). # PageV00P411 # وكان من كلامه يقول: (عجبت للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو ~~غدا جيفة، وعجبت كل العجب (لمن شك في الله وهو يرى خلقه، وعجبت كل العجب) ~~(1) لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجبت كل العجب لمن عمل ~~لدار الفناء وترك دار البقاء) (2). # وكان إذا أتاه السائل يقول: (مرحبا بمن يحمل زادي إلى الآخرة) (3). # ومنها: ما نقل عن ابن شهاب الزهري أنه قال: شهدت علي بن الحسين يوم حمله ~~عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام، فأثقله حديدا ووكل به حفاظا في ~~عدة وجمع، فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لي، فدخلت عليه ~~وهو في قبة والأقياد في رجليه والغل في يديه فبكيت وقلت: وددت أني في مكانك ~~وأنت سالم. # فقال لي: (يا زهري أوتظن هذا مما ترى علي وفي عنقي مما يكربني، أما لو ~~شئت ما كان وإنه إن بلغ بك ومن أمثالك غم (4) ليذكرون عذاب الله). ثم أخرج ~~يده من الغل ورجليه من القيد ثم قال: (يا زهري لا جزت معهم على ذي منزلتين ~~من المدينة). # فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة فما ~~وجدوه، فكنت فيمن سألهم عنه فقالوا لي: إنا نراه (5) متبوعا إنه لنازل ونحن ~~حوله لا ننام نرصده إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديده. # قال الزهري: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان فسألني عن علي # PageV00P412 # ابن الحسين، فأخبرته فقال لي: إنه قد جاءني في يوم فقده الأعوان فدخل علي ~~فقال: (ما أنا وأنت). # فقلت: أقم عندي. # فقال: (لا أحب). ثم خرج، فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة. # قال الزهري: فقلت: يا أمير المؤمنين ليس علي بن الحسين حيث تظن، إنه ~~مشغول بربه. # فقال: حبذا شغل مثله فنعم ما شغل ms203 به (1). # وكان الزهري إذا ذكر علي بن الحسين يبكي ويقول: زين العابدين (2). # وقال أبو حمزة الثمالي: أتيت باب علي بن الحسين فكرهت أن أصوت، فقعدت حتى ~~خرج فسلمت عليه ودعوت له فرد علي ثم انتهى إلى حائط فقال (عليه السلام): ~~(يا أبا حمزة ترى هذا الحائط). # فقلت: بلى يا بن رسول الله. # قال: (فإني إتكأت عليه يوما، وأنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ~~ينظر في اتجاه وجهي ثم قال لي: يا علي بن الحسين مالي أراك كئيبا، أعلى ~~الدنيا؟ فهو رزق حاضر يأكل منه البر والفاجر. # قال: قلت: ما عليها أحزن وهو كما تقول. # فقال: أعلى الآخرة؟ فهو وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر. # قال: قلت: ما على هذا أحزن هو كما تقول. # فقال: ما حزنك يا علي؟ # PageV00P413 # فقلت: ما أتخوف من فتنة ابن الزبير (1). # فقال: يا علي هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه؟ # قلت: لا. # قال: فخاف الله فلم يكفه؟ # قلت: لا، فغاب عني. فقيل لي يا علي بن الحسين هذا الخضر ناجاك) (2). # وقال سفيان: قال لي علي بن الحسين: (ما أحب لي بنصيبي من الذل حمر النعم) ~~(3). # وقال أبو حمزة الثمالي: كنت يوما عند علي بن الحسين، فإذا عصافير يطرن ~~حوله يصرخن. فقال (عليه السلام): (يا أبا حمزة هل تدري ما تقول هذه ~~العصافير؟). # فقلت: لا. # قال: (فإنها تقدس ربها وتسأله قوت يومها) (4). # ومنها: إنه لما مات علي بن الحسين، وجدوه يقوت مائة بيت من أهل # PageV00P414 # المدينة كان يحمل إليهم ما يحتاجون إليه (1). # وقال محمد بن إسحاق: كان أناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان ~~معاشهم، فلما مات علي بن الحسين (عليه السلام) فقدوا ما كانوا يؤتون به في ~~الليل (2). # وقال أبو حمزة الثمالي: كان زين العابدين يحمل جراب الخبز على ظهره ~~بالليل، فيتصدق به ويقول: (إن صدقة السر تطفئ غضب الرب) (3). # ولما مات (عليه السلام) وغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار في ظهره، فقالوا ما ~~هذا؟ # قيل: كان يحمل جرب الدقيق على ms204 ظهره ليلا ويوصلها إلى فقراء المدينة سرا ~~(4). # وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات ~~علي بن الحسين (5). # وقال سفيان: أراد علي بن الحسين الخروج إلى الحج، فاتخذت له سكينة بنت ~~الحسين أخته زادا أنفقت عليه ألف درهم، فلما كان بظهر الحرة سيرت ذلك إليه، ~~فلما نزل فرقه على المساكين (6). # PageV00P415 # وقال سعيد بن مرجانة: كنت يوما عند علي بن الحسين فقلت: سمعت أبا هريرة ~~يقول: قال رسول الله (ص): (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل إرب منه ~~إربا منه من (1) النار، حتى أنه ليعتق باليد اليد وبالرجل الرجل وبالفرج ~~الفرج). # فقال علي (عليه السلام): (أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟). # فقال سعيد: نعم. # فقال لغلام له - أفره غلمانه، وكان عبد الله بن جعفر قد أعطاه بهذا ~~الغلام ألف دينار فلم يبعه -: (أنت حر لوجه الله تعالى) (2). # وقدم عليه نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان (رض)، فلما ~~فرغوا من كلامهم قال: ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون * (الذين اخرجوا ~~من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك ~~هم الصادقون) * (3). # قالوا: لا. # قال: فأنتم * (الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ~~ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) ~~* (4). # قالوا: لا. # قال: (أما أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد ~~أنكم # PageV00P416 # لستم من الذين قال الله في حقهم * (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا ~~أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ~~آمنوا (ربنا إنك رؤوف رحيم)) * ﴿١﴾ (2) اخرجوا عني فعل الله لكم) (3). # وقال نافع بن جبير يوما لعلي بن الحسين (عليه السلام): أنت سيد الناس ~~وأفضلهم فتذهب إلى هذا العبد فتجلس معه، يعني زيد بن أسلم. # فقال له: (ينبغي للعلم أن يتبع حيث كان) (4). # PageV00P417 # ولما حج هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة، فاجتهد ms205 أن يستلم الحجر ~~الأسود فلم يمكنه، وجاء علي بن الحسين فوقف له الناس وتنحوا حتى استلم فقال ~~جماعة هشام لهشام: من هذا؟ # فقال: لم أعرفه. # فسمعه الفرزدق فقال: لكني أعرفه، هذا علي بن الحسين زين العابدين، وأنشد ~~هشاما من الأبيات التي قالها في أبيه الحسين وقد تقدم ذكرها. # هذا الذي تعرف البطحاء وطئته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير ~~عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم يكاد يمسكه عرفان راحته * ~~ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ~~ينتهي الكرم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل ~~هم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا PageV00P418 # فليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم أي الخليقة ليست ~~في رقابهم * لأولية هذا أوله نعم من يعرف الله يعرف أولية ذا * والدين من ~~بيت هذا ناله الأمم فزاد فيها الأبيات لمخاطبة هشام بذلك فحبسه هشام فقال ~~وهو في الحبس: # أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس يهوى منيها يقلب رأس لم ~~يكن رأس سيد * وعينا له حولاء باد عيوبها فأخرجه من الحبس، فوجه إليه علي ~~بن الحسين عشرة آلاف درهم وقال: # (اعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من ذلك لوصلناك ~~به). # فردها الفرزدق وقال: ما قلت ما كان إلا لله، ولا أرزا عليه شيئا. وردها. # فقال له (عليه السلام): (قد رأى الله مكانك فشكرك، ولكنا أهل بيت إذا ~~أنفقنا شيئا (1) لم نعد فيه) وأقسم عليه فقبلها (2). # وقال رجل لسعيد بن المسيب: ما رأيت أحدا أورع من فلان لرجل سماه. # فقال له سعيد: هل رأيت علي بن الحسين؟ # PageV00P419 # قال: لا. # قال: ما رأيت أحدا أورع منه (1). # (وقال الزهري: لم أر هاشميا أفضل من علي بن الحسين وما رأيت أحدا كان ~~أفقه منه) (2) (3). # وقال طاووس (4): رأيت علي بن الحسين ساجدا في الحجر، فقلت رجل صالح من ~~أهل بيت طيب، لأسمعن ms206 ما يقول فأصغيت إليه فسمعته يقول: (عبدك بفنائك، ~~مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك). # فوالله ما دعوت بهن في كرب إلا كشف عني (5). # وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، وتهيج الريح فيسقط مغشيا عليه (6). # وكان يوما خارجا فلقيه رجل فسبه، فثارت إليه العبيد والموالي فقال لهم ~~(عليه السلام): (مهلا كفوا) ثم أقبل على ذلك الرجل وقال: (ما ستر عليك من ~~أمرنا # PageV00P420 # أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟). # فاستحى الرجل، فألقى إليه علي خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم، فكان ~~الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنك من أولاد الرسل (1). # وكان عنده (عليه السلام) أضياف فاستعجل خادما له بشواء كان في التنور ~~فاقبل الخادم مسرعا، فسقط السفود من يده على رأس بني لعلي بن الحسين تحت ~~الدرجة، فأصاب رأسه فقتله. # فقال علي للغلام وقد تحير الغلام واضطرب: (أنت حر، فإنك لم تتعمده) وأخذ ~~في جهاز ابنه ودفنه (2). # ومنها: إنه (عليه السلام) دخل على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه، فجعل ~~محمد يبكي فقال له علي: (ما شأنك؟). # قال: علي دين. # فقال له: (كم هو؟). # قال: خمسة عشر ألف دينار. # فقال علي بن الحسين: (هو علي) فالتزمه عنه (3). # وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهما السلام): أوصاني أبي فقال: ~~يا بني لا تصحبن خمسة ولا تخالطهم ولا ترافقهم في طريق. # فقلت: جعلت فداك يا أبه من هؤلاء الخمسة؟ # قال: لا تصحبن فاسقا، فإنه يبيعك بأكلة فما دونها. # PageV00P421 # فقلت: يا أبت وما دونها؟ # قال: يطمع فيها ثم لا ينالها. # قلت: يا أبت ومن الثاني؟ # قال: لا تصحبن البخيل، فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه. # قال: قلت: ومن الثالث؟ # قال: لا تصحبن كذابا فإنه بمنزلة السراب، يبعد منك القريب ويقرب منك ~~البعيد. # قال: قلت: ومن الرابع؟ # قال: لا تصحبن أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. # قال: قلت: يا أبت من الخامس؟ # قال: لا تصحبن قاطع رحم فاني وجدته ملعونا في كتاب الله تعالى في ثلاثة ~~في أولاده، ms207 وأسمائهم، وعمره (عليه السلام)... # مواضع (1). # PageV00P422 # وأما أولاده: فقيل كان له تسعة أولاد ذكور ولم يكن له أنثى. # وأسماء أولاده: محمد الباقر، وزيد الشهيد بالكوفة، و عبد الله، وعبيد ~~الله، والحسن، والحسين، وعلي، وعمر (1). # وأما عمره: فإنه مات في الثامن عشر من المحرم سنة أربع وتسعين (2) وقيل: ~~خمس وتسعين (3). # وقد تقدم ذكر ولادته في سنة ثمان وثلاثين فيكون سبعا وخمسين سنة (4) كان ~~منها مع جده سنتين، ومع أبي محمد الحسن عشر سنين، وأقام مع أبيه بعد عمه ~~الحسن عشر سنين، وبقي بعد قتل أبيه تتمة ذلك. # وقبره بالبقيع بمدينة رسول الله (ص) في القبر الذي فيه عمه الحسن، وهو ~~الآن في القبة التي فيها العباس بن عبد المطلب. (5) # PageV00P423 # الباب الخامس في أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) الإمام محمد ~~الباقر (عليه السلام)... PageV00P424 # هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه، ومتفوق دره وواضعه، ومنمق دره ~~وراضعه، صفا قلبه، وزكا عمله، وطهرت نفسه، وشرفت أخلاقه، وعمرت بطاعة الله ~~أوقاته، ورسخت في مقام التقوى قدمه، وظهرت عليه سمات الازدلاف، وطهارة ~~الاجتباء، فالمناقب تسبق إليه، والصفات تشرف به. # فأما ولادته: فبالمدينة في ثالث صفر من سنة سبع وخمسين للهجرة (1) قبل ~~قتل جده الحسين (عليه السلام) بثلاث سنين، وقيل غير ذلك (2). # وأما نسبه أبا واما: فأبوه زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)، ~~وأمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، واسمها فاطمة وتدعى أم الحسن (3)، ~~وقيل: أم عبد الله (4). # وأما اسمه: فمحمد، وكنيته: أبو جعفر، وله ثلاثة ألقاب: باقر العلم، ~~والشاكر، والهادي (5). # PageV00P425 # وأشهرها الباقر، وسمي بذلك لتبقره في العلم، وهو توسعه فيه (1). # وأما مناقبه الحميدة وصفاته الجليلة فكثيرة. # منها: ما رواه جابر الجعفي قال: قال لي محمد بن علي يوما: (يا جابر إني ~~لمشتغل القلب). # قلت له: وما شغل قلبك؟ # قال: (يا جابر إنه من دخل قلبه دين الله الخالص شغله عما سواه، يا جابر ~~ما الدنيا وما عسى أن تكون؟ # هل هي إلا مركب ركبته، أو ثوب لبسته، أو امرأة أصبتها. # يا ms208 جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا بالبقاء (2) فيها، ولم يأمنوا ~~قدوم الآخرة عليهم، ولم يصمهم عن ذكر الله تعالى ما سمعوه بآذانهم من ~~الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة، ففازوا بثواب ~~الأبرار. # إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك، ~~وإن ذكرت أعانوك، قوالين لحق الله، قوامين لأمر الله، فاجعل الدنيا كمنزل ~~نزلت به وارتحلت منه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقضت وليس معك منه شئ، ~~واحفظ الله تعالى فيما استرعاك من دينه وحكمته) (3). # وقال (عليه السلام): (الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى ~~مكان فيه التوكل استوطناه) (4) وقال زيد بن خيثمة: سمعت أبا جعفر يقول: ~~(الصواعق تصيب المؤمن وغير # PageV00P426 # المؤمن، ولا تصيب الذاكر) (1). # وروى عمر مولى غفرة قال: قال أبو جعفر: (ما دخل قلب امرء شئ من الكبر إلا ~~نقص من عقله مثل ما دخله في ذلك، قل أو كثر) (2). # وكان أبو جعفر يقول: (سلاح اللئام قبيح الكلام) (3). # وروى أبو بكر بن عياش عن سعد الإسكاف أنه سمع أبا جعفر يقول: (والله موت ~~عالم أحب إلى إبليس من موت تسعين عابدا) (4). # وقال سعد الإسكاف: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: (عالم ينتفع بعلمه ~~أفضل من ألف عابد) (5). # وقال جابر الجعفي: قال محمد بن علي: (شيعتنا من أطاع الله) (6). # وقال (عليه السلام) في قوله: * (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) * (7). # " قال: (الغرفة الجنة بما صبروا " (8) على الفقر في الدنيا) (9). # (وقال أبو حمزة الثمالي عنه إنه قال في قوله عز وجل * (وجزاهم بما صبروا # PageV00P427 # جنة وحريرا) * (1). # قال (عليه السلام): (بما صبروا على الفقر ومصائب الدنيا) (2)) (3). # وقال خالد بن هيثم: قال أبو جعفر محمد بن علي: (ما اغرورقت عين بمائها ~~إلا حرم الله عز وجل وجه صاحبها على النار، فإن سالت على الخدين لم يرهق ~~وجهه قتر ولا ذلة، وما من شئ إلا له جزاء إلا الدمعة فإن الله يكفر بها ~~بحور الخطايا، ولو أن باكيا بكى في أمة ms209 لحرم الله تلك الأمة على النار) ~~(4). # وروى الأصمعي عن أبي جعفر قال: سمعته يقول لابنه: (يا بني إياك والكسل ~~والضجر، فإنهما مفتاح كل شر، إنك إن كسلت لم تؤد حقا وإن ضجرت لم تصبر على ~~حق) (5). # قال عروة بن عبد الله: سألت أبا جعفر عن حلية السيف فقال لي: (لا بأس به، ~~قد حلى أبو بكر الصديق سيفه). # قال: فقلت له: وتقول الصديق؟ # قال: فوثب وثبة، واستقبل القبلة ثم قال: (نعم الصديق، نعم الصديق، إنه ~~صدق جدي محمدا فيما جاء به عن الله عز وجل، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق ~~الله قوله في الدنيا والآخرة) (6). # PageV00P428 # وقال جابر الجعفي: قال لي أبو جعفر محمد بن علي: (يا جابر بلغني أن قوما ~~بالعراق يزعمون أنهم يحبونا وينالون من أبي بكر وعمر، ويزعمون أني أمرتهم ~~بذلك، كذبوا وبلغهم أني إلى الله منهم برئ، والذي نفس محمد بيده لو وليت ~~لتقربت إلى الله عز وجل بولائهم (1)، لا نالتني شفاعة محمد أو (2) لم أكن ~~أستغفر لهما وأترحم عليهما) (3). # قال أفلح مولى أبي جعفر: خرجت مع محمد بن علي حاجا، فلما دخل المسجد، نظر ~~إلى البيت فبكى حتى علا صوته فقلت: بأبي أنت وأمي إن الناس ينظرون إليك فلو ~~رفعت بصوتك قليلا فقال لي: (ويحك يا أفلح ولم لا أبكي لعل الله أن ينظر إلي ~~منه برحمة فأفوز بها عنده غدا) ثم طاف بالبيت ثم جاء حتى ركع عند المقام، ~~فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من دموعه (4). وكان إذا ضحك قال: ~~(اللهم لا تمقتني) (5). # وقال عبد الله بن عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علما منهم عند # PageV00P429 # أبي جعفر، لقد رأيت الحكم عنده متعلم (1). # وروى عنه ولده جعفر (عليه السلام) قال: كان أبي يقول في جوف الليل في ~~تضرعه: # (أمرتني فلم أئتمر، ونهيتني فلم أنزجر، فها أنا عبدك بين يديك ولا أعتذر) ~~(2). # وقال جعفر: فقد أبي بغلة له فقال: (لئن ردها الله لأحمدنه بمحامد يرضاها) ~~فما لبث أن أتى بها ms210 بسرجها ولجامها فركبها فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه ~~رفع رأسه إلى السماء فقال: (الحمد لله) فلم يزد ثم قال: (ما تركت ولا بقيت ~~شيئا، جعلت كل أنواع المحامد لله عز وجل فما من حمد إلا هو داخل فيما قلت) ~~(3). # ونقل عنه (عليه السلام) أنه قال: (مامن عبادة أفضل من عفه بطن أو فرج، ~~وما من شئ أحب إلى الله تعالى من أن يسأل، وما يدفع القضاء إلا الدعاء، وإن ~~أسرع الخير ثوابا البر، وأسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر ~~من الناس ما يعمى عنه من نفسه، وأن يأمر بما لا يفعله، وأن ينهى الناس عما ~~لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه) (4). # وقال عبيد الله بن الوليد: قال لنا أبو جعفر يوما: (يدخل أحدكم يده في كم ~~صاحبه يأخذ منه ما يريد؟) قلنا: لا. # قال: (فلستم إخواننا كما تزعمون) (5). # PageV00P430 # وقالت سلمى مولاة أبي جعفر: كان يدخل عليه أصحابه فلا يخرجون من عنده حتى ~~يطعمهم الطعام الطيب، ويكسوهم الثياب الحسنة، ويهب لهم الدراهم، فأقول له ~~في ذلك ليقل منه. # فيقول: (يا سلمى ما حسنة الدنيا إلا صلة الاخوان والمعارف) وكان يجيز ~~بالخمسمائة والستمائة إلى الألف، وكان لا يمل من مجالسة إخوانه (1). # وقال الأسود بن كثير: شكوت إلى أبي جعفر الحاجة، وجفاء الإخوان. فقال: # (بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا) ثم أمر غلامه فأخرج كيسا فيه ~~سبعمائة درهم، فقال: (استنفق هذه، فإذا فرغت فاعلمني) (2). # وقال: (اعرف المودة في قلب أخيك بماله في قلبك) (3). # ونقل: عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي أنه قال: كنا عند جابر بن عبد ~~الله فأتاه علي بن الحسين ومعه ابنه محمد وهو صبي، فقال علي لابنه محمد: ~~(قبل رأس عمك) فدنا محمد من جابر فقبل رأسه. # فقال جابر: من هذا؟ وكان قد كف بصره. # فقال علي: (هذا ابني محمد). # فضمه جابر إليه وقال: يا محمد، محمد رسول الله (ص) يقرأ عليك السلام. # فقال لجابر: كيف ذلك يا أبا عبد ms211 الله. # فقال: كنت مع رسول الله (ص) والحسين في حجره وهو يلاعبه، فقال (ص): (يا ~~جابر يولد لابني الحسين ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة # PageV00P431 # نادى مناد: ليقم سيد العابدين. فيقوم علي بن الحسين، ويولد لعلي ابن يقال ~~له محمد، يا جابر إن رأيته فاقرءه مني السلام، واعلم أن بقائك بعد رؤيته ~~يسير) (1). # فلم يعش جابر بعد ذلك إلا قليلا، ومات (رضي الله عنه). # وهذه وإن كانت منقبة واحدة فهي عظيمة تعادل جملا من المناقب. # وأما أولاده: فكان له ثلاثة من الذكور وبنت واحدة. # وأسماء أولاده: جعفر وهو الصادق، و عبد الله، وإبراهيم، وأم سلمة (2). # وقيل: كان أولاده أكثر من ذلك (3). # ونقل الثعلبي في تفسيره أن الباقر (عليه السلام) كان نقش خاتمه هذه: # ظني بالله حسن * وبالنبي المؤتمن وبالوصي ذي المنن * وبالحسين والحسن ~~رواها بسنده في تفسيره متصلا إلى ابنه الصادق (4). # وأما عمره: فإنه مات في سبع عشرة ومائة (5) وقيل: غير ذلك (6)، وقد نيف # PageV00P432 # على الستين، وقيل: غير ذلك (1)، أقام مع أبيه زين العابدين علي بن الحسين ~~بضعا وثلاثين سنة من عمره، وقبره بالمدينة بالبقيع (2) في القبر الذي فيه ~~أبوه، وعم أبيه الحسن، بالقبة التي فيها العباس وقد تقدم ذكر ذلك. # PageV00P433 # الباب السادس في أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) ~~الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)... PageV00P435 # هو من عظماء أهل البيت وساداتهم (عليهم السلام) ذو علوم جمة، وعبادة ~~موفرة، وأوراد متواصلة، وزهادة بينة، وتلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن ~~الكريم، ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسم أوقاته على أنواع ~~الطاعات، بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكر الآخرة، واستماع كلامه يزهد في ~~الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة، ~~وطهارة أفعاله تصدع أنه من ذرية الرسالة. # نقل عنه الحديث، واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم مثل: يحيى ~~بن سعيد الأنصاري، وابن جريح، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، ~~وأيوب السجستاني، وغيرهم (رض) (1) وعدوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها وفضيلة ~~اكتسبوها. ms212 # وأما ولادته: فبالمدينة سنة ثمانين من الهجرة (2)، وقيل: سنة ثلاث ~~وثمانين (3) والأول أصح. # وأما نسبه أبا واما: فأبوه: أبو جعفر محمد الباقر وقد تقدم بسط نسبه. # وأمه: أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (4). # PageV00P436 # وأما اسمه: جعفر، وكنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو إسماعيل (1). # وله ألقاب أشهرها الصادق، ومنها: الصابر، والفاضل، والطاهر (2). # وأما مناقبه وصفاته، فتكاد تفوت عدد الحاصر، ويحار في أنواعها فهم اليقظ ~~الباصر، حتى أن من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى صارت ~~الأحكام التي لا تدرك عللها، والعلوم التي تقصر الأفهام عدد الإحاطة ~~بحكمها، تضاف إليه وتروى عنه. # وقد قيل أن كتاب الجفر الذي بالمغرب ويتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامه ~~(عليه السلام)، وإن في هذه المنقبة سنية، ودرجة في مقام الفضائل علية، وهي ~~نبذة يسيرة مما نقل عنه. # قال مالك بن أنس: قال جعفر يوما لسفيان الثوري: (يا سفيان إذا أنعم الله ~~تعالى عليك بنعمة فأحببت بقائها فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله عز ~~وجل قال في كتابه * (لئن شكرتم لأزيدنكم) * (3) وإذا استبطأت الرزق فأكثر ~~من الاستغفار، فإن الله عز وجل قال في كتابه * (استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين) * (4) يعني في ~~الدنيا * (ويجعل لكم جنات) * (4) في الآخرة. # يا سفيان إذا أحزنك أمر من سلطان أو غيره فأكثر من قول لا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم فإنها مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة) (5). # وقال ابن أبي حازم: كنت عند جعفر بن محمد إذ جاء آذنه فقال: سفيان # PageV00P437 # الثوري بالباب. # فقال: (إئذن له)، فدخل فقال له جعفر (عليه السلام): (يا سفيان " إنك رجل ~~يطلبك السلطان وأنا أتقي السلطان، قم فاخرج غير مطرود). # فقال سفيان: " (1) حدثني حتى أسمع وأقوم. # فقال جعفر (عليه السلام): حدثني أبي عن جدي إن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: (من أنعم الله عليه نعمة فليحمد الله ومن استبطأ الرزق ~~فليستغفر الله، ومن حزنه أمر فليقل لا ms213 حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم). # فلما قام سفيان قال جعفر: (خذها يا سفيان ثلاث وأي ثلاث) (2). # وقال سفيان: دخلت على جعفر بن محمد وعليه جبة خز دكناء وكساء خز فجعلت ~~أنظر إليه تعجبا فقال لي: (يا ثوري مالك تنظر إلينا، لعلك تعجب مما ترى) ~~قال: فقلت له: يا بن رسول الله ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك. # قال: (يا ثوري: كان ذلك زمان افتقار وإقتار وكانوا يعملون على قدر اقتاره ~~وافتقاره وهذا زمان أسبل كل شئ عز إليه) ثم حسر ردن جبته فإذا تحتها جبة ~~صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن، وقال: (يا ثوري لبسنا هذا ~~لله وهذا لكم فما كان لله أخفيناه وما كان لكم أبديناه) (3). # وقال الهياج بن بسطام: كان جعفر بن محمد يطعم حتى لا يبقى لعياله شئ (4). # PageV00P438 # وكان يقول (عليه السلام): (لا يتم المعروف إلا بثلاثة: تعجيله وتصغيره ~~وستره) (1). # وسئل (عليه السلام) لم حرم الله الربا (2) فقال (عليه السلام): لئلا ~~يتمانع الناس المعروف (3). # وذكر بعض أصحابه (عليه السلام) قال: دخلت على جعفر وموسى ولده بين يديه ~~وهو يوصيه بهذه الوصية وكان مما حفظت منها أن قال (عليه السلام): يا بني ~~إقبل وصيتي واحفظ مقالتي فإنك إن حفظتها تعش سعيدا وتمت حميدا يا بني إنه ~~من قنع بما قسم له استغنى ومن مد عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا ومن لم ~~يرض بما قسم الله عز وجل له اتهم الله تعالى في قضائه ومن استصغر زلة نفسه ~~استعظم زلة غيره ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه. # يا بني من كشف حجاب غيره انكشفت عورات نفسه ومن سل سيف البغي قتل به ومن ~~احتفر لأخيه بئرا سقط فيها ومن داخل السفهاء حقر ومن خلط العلماء وقر ومن ~~دخل مداخل السوء اتهم. # يا بني قل الحق لك وعليك وإياك النميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب ~~الرجال يا بني إذا طلبت الجود عليك بمعادنه فإن للجود معادن وللمعادن أصولا ~~وللأصول فروعا ms214 وللفروع ثمرا ولا يطيب ثمرا إلا بفرع ولا فرع إلا بأصل ولا ~~أصل ثابت إلا بمعدن طيب. # يا بني إذا زرت فزر الأخيار ولا تزر الفجار فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها ~~وشجرة لا يخضر ورقها وأرض لا يظهر عشبها. # قال علي بن موسى (عليهما السلام): فما ترك أبي هذه الوصية إلى أن مات ~~(4). # PageV00P439 # وقال أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي وقع الذباب على المنصور فذبه عنه ~~فعاد فذبه حتى أضجره فدخل عليه جعفر بن محمد فقال له المنصور: يا أبا عبد ~~الله لم خلق الله تعالى هذا الذباب؟ # فقال (عليه السلام): (ليذل به الجبابرة) (1). # ونقل أنه كان رجل من أهل السواد يلزم جعفرا ففقده فسأل عنه فقال له رجل - ~~يريد أن يستنقص به - إنه لنبطي. # فقال جعفر (عليه السلام): (أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، وكرمه تقواه، ~~والناس في آدم مستوون) فاستحى ذلك القائل (2). # وقال سفيان الثوري: سمعت جعفر الصادق (عليه السلام) يقول: (عزت السلامة ~~حتى لقد خفي مطلبها فإن تكن في شئ فيوشك أن تكون في الخمول، فان طلبت في ~~الخمول ولم توجد فيوشك أن تكون في الصمت، فإن طلبت في الصمت فلم توجد فيوشك ~~أن تكون في التخلي، فإن طلبت في التخلي فلم توجد فيوشك أن تكون في كلام ~~السلف الصالح، والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها) (3). # وحدث عبد الله بن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: حج أبو جعفر المنصور سنة ~~سبع وأربعين ومائة فقدم المدينة وقال للربيع: ابعث إلى جعفر بن محمد من ~~يأتينا به متعبا، قتلني الله إن لم أقتله. # فتغافل الربيع عنه لينساه ثم عاد ذكره للربيع وقال: ابعث من يأتي به ~~متعبا. # PageV00P440 # فتغافل عنه (1) ثم أرسل إلى الربيع رسالة قبيحة أغلظ فيها وأمره أن يبعث ~~من يحضر جعفرا ففعل، فلما أتاه قال له: يا أبا عبد الله اذكر الله فإنه ~~أرسل إليك إلى ما لا دافع له غير الله. # قال جعفر: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ثم إن الربيع ms215 أعلم ~~المنصور بحضوره، فلما دخل جعفر عليه أوعده وأغلظ وقال: أي عدو الله اتخذك ~~أهل العراق إماما يجبون إليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وتبغيه الغوائل، ~~قتلني الله إن لم أقتلك. # فقال له: (يا أمير المؤمنين إن سليمان (عليه السلام) أعطى فشكر وإن أيوب ~~(عليه السلام) ابتلى فصبر وإن يوسف (عليه السلام) ظلم فغفر فأنت من ذلك ~~السنخ). # فلما سمع المنصور كلامه قال له: إلي وعندي أبا عبد الله أنت البرئ ~~الساحة، السليم الناحية، القليل الغايلة، جزاك الله من ذي رحم أفضل ما جزى ~~ذوي الأرحام عن أرحامهم. ثم تناول يده، فأجلسه معه على فراشه ثم قال: علي ~~بالطيب فاتى بالغالية (2)، فجعل يغلف لحية جعفر بيده حتى تركها تقطر ثم ~~قال: # في حفظ الله وكنفه، ثم قال: يا ربيع إلحق أبا عبد الله جائزته وكسوته. # انصرف أبا عبد الله في حفظه، فانصرف. # قال الربيع: ولحقته فقلت له: إني رأيت قبلك ما لم تره، ورأيت بعدك ما ~~رأيته، فما قلت يا أبا عبد الله حين دخلت؟ # قال: قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، وأكنفني بركنك الذي لا يرام، ~~وأغفر لي بقدرتك علي، فلا أهلك وأنت رجائي، اللهم إنك أكبر وأجل مما أخاف ~~وأحذر، اللهم بك أدفع في نحره، وأستعيذ بك من شره، ففعل الله بي ولي # PageV00P441 # ما رأيت (1). # قال الليث بن سعد: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة فأتيت مكة، فلما أن صليت ~~العصر رقيت أبا قبيس، وإذا برجل وهو يدعو، فقال: يا رب يا رب حتى انقطع ~~نفسه، ثم قال: (يا رب يا رب حتى انقطع نفسه، ثم قال: يا الله يا الله حتى ~~انقطع نفسه، ثم قال: يا حي يا حي حتى انقطع نفسه، ثم قال) (2): يا رحيم يا ~~رحيم حتى انقطع نفسه، ثم قال: يا أرحم الراحمين حتى انقطع نفسه (ثم قال: # يا حي يا حي حتى انقطع نفسه، ثم قال: يا الله يا الله يا الله) (3) سبع ~~مرات، ثم قال: # اللهم إني أشتهي من هذا العنب فأطعمنيه، ms216 اللهم وإن بردي قد أخلقا. # قال الليث: فوالله ما استتم كلامه حتى نظرت إلى سلة مملوءة عنبا وليس على ~~الأرض يومئذ عنب وبردين جديدين موضوعين، فأراد أن يأكل فقلت: أنا شريكك. # فقال لي: ولم؟ # فقلت: لأنك كنت تدعو وأنا أؤمن. # فقال لي: تقدم فكل، ولا تخبأ شيئا. # فتقدمت فأكلت شيئا لم أكل مثله قط، وإذا عنب لا عجم له، فأكلت حتى شبعت ~~والسلة لم تنقص، ثم قال لي: خذ أحب البردين إليك. # فقلت: أما البردان فأنا غني عنهما. # فقال لي: توار عني حتى ألبسهما. # فتواريت عنه فاتزر بالواحد وارتدى بالآخر، ثم أخذ البردين اللذين كانا ~~عليه فجعلهما على يده، ونزل فاتبعته حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال: ~~إكسني # PageV00P442 # كساك الله يا بن رسول الله. فدفعهما إليه. # فلحقت الرجل فقلت: من هذا؟ # فقال: هذا جعفر بن محمد. # قال الليث: فطلبته لأسمع منه فلم أجده (1). فيا لهذه الكرامة ما أسناها، ~~ويا لهذه المنقبة ما أعظم صورتها ومعناها. # وأما أولاده: فكانوا سبعة، ستة ذكور وبنت واحدة (2)، وقيل أكثر من ذلك ~~(3). # وأسماء أولاده: موسى وهو الكاظم، وإسماعيل، ومحمد، وعلي، و عبد الله، ~~وإسحاق، وأم فروة. # وأما عمره: فإنه مات في سنة ثمان وأربعين ومائة (4) في خلافة أبي جعفر ~~المنصور، وقد تقدم ذكر ولادته في سنة ثمانين، فيكون عمره ثمان وستين سنة ~~(5). # هذا هو الأظهر، وقيل: غير ذلك (6). # PageV00P443 # وقبره بالمدينة بالبقيع، وهو القبر الذي فيه أبوه الباقر، وجده زين ~~العابدين، وعم جده الحسن بن علي (عليه السلام) (1)، فلله دره من قبر ما ~~أكرمه وأشرفه، وأعلى قدره عند الله تعالى. # PageV00P444 # الباب السابع في أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) الإمام ~~موسى الكاظم (عليه السلام)... PageV00P446 # هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكبير المجتهد، الجاد في ~~الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، المشهود له بالكرامات، ~~يبيت الليل ساجدا وقائما، ويقطع النهار متصدقا وصائما، ولفرط حلمه وتجاوزه ~~عن المعتدين عليه دعى كاظما (1)، كان يجازى المسئ بإحسانه إليه ويقابل ~~الجاني بعفوه عنه، ولكثرة عبادته كان يسمى بالعبد ms217 الصالح (2)، ويعرف ~~بالعراق باب الحوائج إلى الله (3) لنجح مطالب المتوسلين إلى الله تعالى به، ~~كرامته تحار منها العقول، وتقضي بأن له عند الله تعالى قدم صدق لا تزل ولا ~~تزول. # وأما ولادته: فبالابواء (4) سنة ثمان وعشرين ومائة للهجرة (5)، وقيل تسع ~~وعشرين ومائة (6). # وأما نسبه أبا واما: فأبوه جعفر الصادق بن محمد الباقر وقد تقدم القول ~~فيه. # وأما أمه: أم ولد تسمى حميدة البربرية (7)، وقيل: غير ذلك (8). # PageV00P447 # وأما اسمه: فموسى. # وكنيته: أبو الحسن (1)، وقيل: أبو إسماعيل (2). # وكان له ألقاب كثيرة: الكاظم وهو أشهرها، والصابر، والصالح، والأمين (3). # وأما مناقبه: فكثيرة ولو لم يكن منها إلا العناية الربانية لكفاه ذلك ~~منقبة. # وقد نقل عن الفضل بن الربيع، أنه أخبر عن أبيه: إن المهدي لما حبس موسى ~~بن جعفر، ففي بعض الليالي رأى المهدي في منامه علي بن أبي طالب وهو يقول ~~له: يا محمد * (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) * ~~(4). # قال الربيع: فأرسل إلي ليلا فراعني، وخفت من ذلك فجئت إليه فإذا هو يقرأ ~~هذه الآية، وكان أحسن الناس صوتا، فقال: علي الآن بموسى بن جعفر فجئته به ~~فعانقه، وأجلسه إلى جانبه، وقال: يا أبا الحسن رأيت أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب في النوم يقرأ علي كذا، فتؤمني أن تخرج علي أو على أحد من ولدي. # فقال (عليه السلام): (والله لا فعلت ذلك، ولا هو من شأني). # قال: صدقت. يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار، ورده إلى أهله إلى المدينة. ~~قال الربيع: فأحكمت أمره ليلا فما أصبح إلا وهو على الطريق (5). # وقال هشام بن حاتم الأصم، قال لي أبو حاتم، قال لي شقيق البلخي: # PageV00P448 # خرجت حاجا في سنة تسع وأربعين ومائة، فنزلت القادسية فبينا أنا أنظر إلى ~~الناس في زينتهم وكثرتهم، فنظرت إلى فتى حسن الوجه، شديد السمرة، ضعيف، فوق ~~ثيابه ثوب من صوف، مشتمل بشملة، في رجليه نعلان، وقد جلس منفردا، فقلت في ~~نفسي: هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلا على الناس في طريقهم، والله ms218 ~~لأمضين إليه ولأوبخنه. فدنوت منه فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق * (اجتنبوا ~~كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم) * (1) ثم تركني ومضى فقلت في نفسي: إن هذا ~~الأمر عظيم قد تكلم بما في نفسي، ونطق باسمي، وما هذا إلا عبد صالح، ~~لألحقنه ولأسألنه أن يحالني (2) فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب عن عيني. # فلما نزلنا واقصة (3) إذا به يصلي وأعضاءه تضطرب، ودموعه تجري فقلت: # هذا صاحبي أمض إليه واستحله، فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه فلما رآني مقبلا ~~قال لي: يا شقيق أتل * (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) * ~~(4) ثم تركني ومضى فقلت: إن هذا الفتى لمن الأبدال (5) لقد تكلم على سري ~~مرتين. # فلما نزلنا زبالة (6)، إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة (7) يريد أن ~~يستقي # PageV00P449 # ماء فسقطت الركوة من يده في البئر، وأنا أنظر إليه فرأيته قد رمق السماء ~~وسمعته يقول: # أنت ربي إذا ظمئت إلى الماء * وقوتي إذا أردت الطعاما اللهم سيدي مالي ~~سواها فلا تحرمنيها (1). # قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤها، فمد يده فأخذ الركوة ~~وملأها ماء فتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ~~ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب. # فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم الله ~~به عليك. # فقال: (يا شقيق لم تزل نعمه علينا ظاهرة وباطنة، فأحسن ظنك بربك). # ثم ناولني الركوة فشربت منها، فإذا هو سويق وسكر فوالله ما شربت قط ألذ ~~منه، ولا أطيب ريحا، فشبعت ورويت وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا ثم ~~لم أره حتى دخلنا مكة، فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف الليل قائما ~~يصلي بخضوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلما رأى الفجر جلس ~~في مصلاه يسبح ثم قام فصلى الغداة، وطاف بالبيت أسبوعا وخرج، فتبعته وإذا ~~له غاشية وموال، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس من حوله ~~يسلمون عليه فقلت لبعض من ms219 يقرب منه: من هذا الفتى؟ # فقال: هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. # فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد. # PageV00P450 # ولقد نظم بعض المتقدمين واقعة شقيق معه في أبيات طويلة اقتصرت على ذكر ~~بعضها فقال: # سل شقيق البلخي عنه وما شاهد * منه وما الذي كان أبصر (1) قال لما حججت ~~(2) عاينت شخصا * شاحب اللون ناحل الجسم أسمر سائرا وحده وليس له زاد * فما ~~زلت دائما أتفكر وتوهمت أنه يسأل الناس * ولم أدر أنه الحج الأكبر ثم ~~عاينته ونحن نزول * دون قيد على الكثيب الأحمر يضع الرمل في الإناء ويشربه ~~* فناديته وعقلي محير إسقني شربة فناولني منه * فعاينته سويقا وسكر فسألت ~~الحجيج من يك هذا؟ * قيل هذا الإمام موسى بن جعفر (3) فهذه الكرامات ~~العالية الأقدار، الخارقة العوائد، هي على التحقق جلية المناقب، وزينة ~~المزايا، وغرر الصفات، ولا يؤتاها إلا من فاضت عليه العناية الربانية أنوار ~~التأييد، ومرت له أخلاف التوفيق، وأزلفته من مقام التقديس والتطهير، وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. # ولقد قرع سمعي ذكر واقعة عظيمة ذكرها بعض صدور العراق (4) أثبتت لموسى ~~(عليه السلام) أشرف منقبة، وشهدت له بعلو مقامه عند الله تعالى وزلفى ~~منزلته لديه، وظهرت بها كرامته بعد وفاته، ولا شك أن ظهور الكرامة بعد ~~الموت أكبر دلالة منها حال الحياة وهي: # إن من عظماء الخلفاء مجدهم الله تعالى من كان له نائب كبير الشأن في ~~الدنيا # PageV00P451 # من مماليكه الأعيان في ولاية عامة طالت فيها مدته، وكان ذا سطوة وجبروت، ~~فلما انتقل إلى الله تعالى أقضت (1) رعاية الخليفة له أن تقدم بدفنه في ~~ضريح مجاور لضريح الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بالمشهد المطهر، وكان ~~بالمشهد المطهر نقيب معروف مشهود له بالصلاح كثير التردد والملازمة لضريح ~~(2) (السيد الجليل) (3) والخدمة له قائم بوظائفها. # فذكر هذا النقيب أن بعد دفن ذلك المتوفى في ذلك القبر بات في المشهد فرأى ~~في منامه أن القبر قد ms220 انفتح والنار تشتعل فيه، وقد انتشر منه دخان ورائحة ~~قتار ذلك المدفون فيه إلى أن ملأت المشهد، وإن الإمام موسى (عليه السلام) ~~واقف وصاح لهذا النقيب باسمه، وقال له: (تقول للخليفة يا فلان - وسماه ~~باسمه - لقد آذيتني بمجارة هذا الظالم) وقال كلاما خشنا، فاستيقظ ذلك ~~النقيب وهو يرعد فرقا وخوفا، فلم يلبث أن كتب ورقة وسيرها منهيا فيها صورة ~~الواقعة بتفصيلها. # فلما جن الليل جاء الخليفة إلى المشهد المطهر بنفسه ومعه خدم، واستدعى ~~النقيب ودخلوا إلى الضريح، وأمر بكشف ذلك القبر، ونقل ذلك المدفون إلى موضع ~~آخر خارج المشهد، فلما كشفوه وجدوا فيه رماد الحريق ولم يجدوا للميت أثرا ~~(4). وفي هذه القصة زيادة استغناء عن بقية مناقبه واكتفاء عن بسط القول ~~فيها. # وأما أولاده: فقيل ولد له عشرين ابنا وثماني عشرة بنتا، وأسماء بنيه: # علي الرضا، زيد، إبراهيم، عقيل، هارون، الحسن، الحسين، عبد الله، ~~إسماعيل، # PageV00P452 # عبيد الله، عمر، أحمد، جعفر، يحيى، إسحاق، العباس، حمزة، عبد الرحمن، ~~القاسم، جعفر الأصغر، ويقال: موضع عمر محمد. # وأسماء بناته: خديجة، أم فروة، أسماء، علية، فاطمة، فاطمة اثنتان، أم ~~كلثوم، أم كلثوم اثنتان، آمنة، زينب، أم عبد الله، زينب الصغرى، أم القاسم، ~~حكيمة، أسماء الصغرى، محمودة، امامة، ميمونة (1)، وقيل: غير ذلك (2). # وأما عمره: فإنه مات لخمس بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة للهجرة (3) ~~في خلافة الرشيد هارون، وقد تقدم ذكر ولادته في سنة ثمان وعشرين، وقيل: تسع ~~وعشرين، فيكون عمره على القول الأول خمسا وخمسين (وعلى القول الثاني أربع ~~وخمسين) (4) سنة، وقبره بالمشهد المعروف بباب التين من بغداد المحروسة. # PageV00P453 # الباب الثامن في أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) الإمام علي ~~الرضا (عليه السلام)... PageV00P454 # قد تقدم القول في أمير المؤمنين علي، وفي زين العابدين علي، وجاء هذا علي ~~الرضا ثالثهما، ومن أمعن النظر والفكرة وجده في الحقيقة وارثهما، فيحكم ~~كونه ثالث العليين، نمى إيمانه، وعلا شأنه، وارتفع مكانه، واتسع إمكانه، ~~وكثر أعوانه، وظهر برهانه، حتى أحله الخليفة المأمون محل مهجته، وأشركه في ~~مملكته، ms221 وفوض إليه أمر خلافته، وعقد له على رؤوس الأشهاد عقد نكاح ابنته، ~~وكانت مناقبه علية، وصفاته سنيه، ومكارمه حاتمية، وشنشنته اخزمية، وأخلاقه ~~عربية، ونفسه الشريفة هاشمية، وأرومته الكريمة نبوية، فمهما عد من مزاياه ~~كان (عليه السلام) أعظم منه، ومهما فصل من مناقبه كان أعلا رتبة منه. # أما ولادته: ففي حادي عشر ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين ومائة للهجرة، بعد ~~وفاة جده أبي عبد الله جعفر بخمس سنين (1). # وأما نسبه أبا واما: فأبوه: أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ~~(عليهما السلام) وقد تقدم ذكر ذلك. # وأمه: أم ولد تسمى الخيزران المريسيه (2)، وقيل: شقراء النوبية واسمها ~~أروى (3)، وشقراء لقب لها. # PageV00P455 # (وأما اسمه: فعلي، وهو ثالث العليين أمير المؤمنين وزين العابدين. # وأما كنيته: فأبو الحسن (1)) (2). # وأما ألقابه: فالرضا، والصابر، والرضي (3)، والوفي (4)، وأشهرها الرضا. # وأما مناقبه وصفاته: فما خصه الله تعالى به يشهد له بعلو قدره وسمو شأنه، ~~وهو أنه لما جعله الخليفة المأمون (ولي عهده وأقامه خليفة من بعده، وكان في ~~حاشية المأمون) (5) أناس كرهوا ذلك وخافوا خروج الخلافة عن بني العباس ~~وعودها إلى بني فاطمة، فحصل عندهم من الرضا نفور وافر. # وكان عادة الرضا إذا جاء إلى دار الخليفة المأمون ليدخل عليه يبادر من ~~بالدهليز من الحاشية إلى السلام عليه ورفع الستر بين يديه ليدخل. فلما حصلت ~~لهم النفرة عنه تواصوا فيما بينهم وقالوا: إذا جاء ليدخل على الخليفة ~~أعرضوا عنه ولا ترفعوا الستر له. فاتفقوا على ذلك. # فبينما هم قعود إذ جاء الرضا (عليه السلام) على عادته فلم يملكوا أنفسهم ~~أن سلموا عليه ورفعوا الستر على عادتهم، فلما دخل أقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون كونهم ما وقفوا على ما اتفقوا عليه وقالوا: النوبة الآتية إذا جاء ~~لا ترفعوه له. فلما كان في ذلك اليوم جاء فقاموا وسلموا عليه ووقفوا ولم ~~يبتدروا إلى رفع الستر، فأرسل الله تعالى ريحا شديدة دخلت في الستر حتى ~~رفعته أكثر ما كانوا يرفعونه، فدخل فسكنت الريح فعاد الستر إلى ما كان، ~~فلما خرج عادت الريح ms222 حتى دخلت # PageV00P456 # في الستر فرفعته حتى خرج ثم سكنت فعاد الستر. # فلما ذهب أقبل بعضهم على بعض قالوا: هل رأيتم؟ # قالوا: نعم. فقال بعضهم لبعض: يا قوم هذا رجل له عند الله منزلة ولله به ~~عناية، ألم تروا أنكم لما لم ترفعوا له الستر أرسل الله الريح وسخرها له ~~لترفع الستر له، كما سخرها لسليمان فارجعوا إلى خدمته فهو خير لكم. # فعادوا إلى ما كانوا عليه وزادت عقيدتهم فيه (1). # ومنها: إنه بخراسان امرأة تسمى زينب فادعت أنها علوية من سلالة فاطمة ~~(عليها السلام) وصارت تصول على أهل خراسان بنسبها، فسمع بها علي الرضا فلم ~~يعرف نسبها فأحضرت إليه فرد نسبها وقال: (هذه كذابة) فسفهت عليه وقالت: # كما قدحت في نسبي فأنا أقدح في نسبك. فأخذته الغيرة العلوية فقال (عليه ~~السلام) لسلطان خراسان (2) وكان لذلك السلطان بخراسان موضع واسع فيه سباع ~~مسلسلة للانتقام من المفسدين يسمى ذلك الموضع (بركة السباع) إذا أراد ~~الانتقام من بعض المجرمين الخارجين عليه ألقاه بينهم فافترسوه لوقته. # فأخذ الرضا بيد تلك المرأة وأحضرها عند ذلك السلطان وقال: (هذه كذابة على ~~علي وفاطمة، وليست من نسلهما، فإن من كان حقا بضعة من فاطمة وعلي فإن لحمه ~~حرام على السباع، فألقوها في بركة السباع، فإن كانت صادقة فإن السباع لا ~~تقربها، وإن كانت كاذبة فتفترسها السباع) فلما سمعت ذلك منه قالت: # فأنزل أنت إلى السباع، فإن كنت صادقا فإنها لا تقربك وإلا افترستك. فلم ~~يكلمها وقام فقال له ذلك السلطان: إلى أين؟ فقال له: (إلى بركة السباع، ~~والله لأنزلن إليها) فقام السلطان والناس والحاشية فجاءوا وفتحوا باب تلك ~~البركة فنزل # PageV00P457 # الرضا، والناس ينظرون من أعلى البركة فلما حصل بين السباع أقعت جميعها ~~إلى الأرض على أذنابها، فصار يأتي إلى واحد واحد يمسح وجهه ورأسه وظهره، ~~والسبع يبصبص له هكذا إلى أن أتى على الجميع، ثم طلع والناس يبصرونه فقال ~~لذلك السلطان: (أنزل هذه الكذابة على علي وفاطمة ليبين لك) فامتنعت فألزمها ~~بذلك السلطان وأنزلها أعوانه، فمذ رآها السباع ms223 وثبوا إليها وافترسوها. # فاشتهر اسمها بخراسان بزينب الكذابة وحديثها هناك مشهور (1). # ومنها: حديث دعبل بن علي الخزاعي الشاعر، قال دعبل: لما قلت مدارس آيات ~~قصدت بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا وهو بخراسان ولي عهد المأمون (في ~~الخلافة فوصلت المدينة وحضرت عنده وأنشدته أياما فاستحسنها وقال لي: (لا ~~تنشدها أحدا حتى آمرك) واتصل خبري بالخليفة المأمون) (2) فأحضرني وسألني عن ~~خبري ثم قال لي: يا دعبل أنشدني (3) مدارس آيات خلت من تلاوة. # فقلت: ما أعرفها يا أمير المؤمنين. # فقال: يا غلام أحضر أبا الحسن علي بن موسى الرضا. # فلم يكن إلا ساعة حتى حضر. # فقال له: يا أبا الحسن سألت دعبلا عن مدارس آيات خلت من تلاوة فذكر أنه ~~لا يعرفها. # فقال أبو الحسن: (يا دعبل أنشد أمير المؤمنين). # فأخذت فيها فأنشدتها فاستحسنها، وأمر لي بخمسين ألف درهم، وأمر لي # PageV00P458 # أبو الحسن علي الرضا بقريب من ذلك. # فقلت: يا سيدي إن رأيت أن تهبني شيئا من ثيابك ليكون كفني. # فقال: نعم. # ثم دفع لي قميصا قد ابتذله، ومنشفة لطيفة وقال لي: (احفظ هذا تحرس به) ثم ~~دفع إلي ذو الرياستين - أبو العباس الفضل بن سهل وزير المأمون - صلة وحملني ~~على برذون أصفر خراساني، وكنت أسايره في يوم مطير وعليه ممطر خز وبرنس، ~~فأمر لي به ودعا بغيره جديد لبسه وقال: إنما آثرتك باللبيس لأنه خير ~~الممطرين. # قال: فأعطيت به ثمانين دينارا فلم تطب نفسي ببيعه، ثم كررت راجعا إلى ~~العراق فلما صرت في بعض الطريق خرج علينا الأكراد فأخذونا، وكان ذلك اليوم ~~يوما مطيرا، فبقيت في قميص خلق وضر شديد وأنا متأسف من جميع ما كان معي على ~~القميص والمنشفة، ومفكر في قول سيدي الرضا، إذ مر بي واحد من الأكراد ~~الحرامية تحته الفرس الأصفر الذي حملني عليه ذو الرياستين وعليه الممطر، ~~ووقف بالقرب مني ليجتمع إليه أصحابه وهو ينشد: مدارس آيات خلت من تلاوة ~~ويبكي، فلما رأيت ذلك عجبت من لص من الأكراد يتشيع، ثم طمعت في القميص ~~والمنشفة ms224 فقلت: يا سيدي لمن هذه القصيدة؟ # فقال: وما أنت وذلك ويلك. # فقلت: لي فيه سبب أخبرك به. # فقال: هي أشهر بصاحبها من أن تجهل. # فقلت: من؟ # قال: دعبل بن علي الخزاعي شاعر آل محمد، جزاه الله خيرا. # فقلت له: يا سيدي فأنا والله دعبل، وهذه قصيدتي. # قال: ويلك ما تقول؟ PageV00P459 # قلت: الأمر أشهر في ذلك، فاسأل أهل القافلة. # فاستحضر منهم جماعة وسألهم عني. # فقالوا بأسرهم: هذا دعبل بن علي الخزاعي. # فقال: قد أطلقت كلما أخذ من القافلة خلالة فما فوقها كرامة لك. ثم نادى ~~في أصحابه: من أخذ شيئا فليرده. # فرجع على الناس جميع ما أخذ منهم، ورجع إلي جميع ما كان معي، ثم بدرقنا ~~(1) إلى المأمن فحرست أنا والقافلة ببركة ذلك القميص والمنشفة (2). # فانظر إلى هذا المنقبة ما أعلاها وما أشرفها، وقد يقف على هذه القصة بعض ~~الناس ممن يطالع هذا الكتاب ويقرأه، فتدعوه نفسه إلى معرفة هذه الأبيات ~~المعروفة بمدارس آيات ويشتهي الوقوف عليها، وينسبني في إعراضي عن ذكرها إما ~~إنني لم أعرفها، أو إنني جهلت ميل النفوس حينئذ إلى الوقوف عليها، فأحببت ~~أن أدخل راحة على بعض النفوس، وأن أدفع عني هذا النقص المتطرق إلي ببعض ~~الظنون، فأوردت منها ما يناسب ذلك وهي: # ذكرت محل الربع من عرفات * وأرسلت دمع العين بالعبرات وقل عرى صبر وهاج ~~صبابتي * رسوم ديار أقفرت وعرات مدارس آيات خلت من تلاوة * ومهبط وحي مقفر ~~العرصات لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف والجمرات ديار علي ~~والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذو الثفنات ديار عفاها جور كل منابذ * ولم ~~تعف بالأيام والسنوات ودار لعبد الله والفضل صنوه * سليل رسول الله ذي ~~الدعوات # PageV00P460 # منازل كانت للصلاة وللتقى * وللصوم والتطهير والحسنات منازل جبريل الأمين ~~يحلها * من الله بالتسليم والزكوات منازل وحي الله معدن علمه * سبيل رشاد ~~واضح الطرقات منازل وحي الله ينزل حولها * على أحمد الروحات والغدواة فأين ~~الالى شطت بهم غربة النوى * أفانين في الأقطار مفترقات هم آل ميراث النبي ~~إذا انتموا * وهم خير ms225 سادات وخير حمات مطاعيم في الإعسار في كل مشهد * لقد ~~شرفوا بالفضل والبركات إذا لم نناج الله في صلواتنا * بذكرهم لم تقبل ~~الصلوات أئمة عدل يقتدي بفعالهم * وتؤمن منهم زلة العثرات فيا رب زد قلبي ~~هدى وبصيرة * وزد حبهم يا رب في حسنات ديار رسول الله أصبحن بلقعا * ودار ~~زياد أصبحت عمرات وآل رسول الله غلب (1) رقابهم * وآل زياد غلظ القصرات وآل ~~رسول الله تدمى نحورهم * وآل زياد زينوا الحجلات وآل رسول الله تسبى حريمهم ~~* وآل زياد آمنوا السربات (2) وآل زياد في القصور مصونة * وآل رسول الله في ~~الفلوات فيا وارثي علم النبي وآله * عليكم سلام دائم النفحات لقد آمنت نفسي ~~بكم في حياتها * وإني لأرجو الأمن بعد ممات (3) ومما تلقته الأسماع ~~بالاستماع، ونقلته الألسن في بقاع الأصقاع، أن الخليفة المأمون وجد في يوم ~~عيد انحراف مزاج أحدث عنده ثقلا عن الخروج إلى # PageV00P461 # الصلاة بالناس فقال لأبي الحسن علي الرضا (عليه السلام): يا أبا الحسن قم ~~وصلي بالناس. # فخرج الرضا (عليه السلام) وعليه قميص قصير أبيض، وعمامة بيضاء لطيفة، ~~وهما من قطن وفي يده قضيب، فأقبل ماشيا يأم المصلى وهو يقول: (السلام على ~~أبوي آدم ونوح، السلام على أبوي إبراهيم وإسماعيل، السلام على أبوي محمد ~~وعلي، السلام على عباد الله الصالحين). # فلما رآه الناس هرعوا إليه وانثالوا عليه لتقبيل يده، فأسرع بعض الحاشية ~~إلى الخليفة المأمون فقال: يا أمير المؤمنين تدارك الناس واخرج إليهم وصل ~~بهم وإلا خرجت الخلافة منك الآن. # فحمله على أن خرج بنفسه وجاء مسرعا والرضا (عليه السلام) بعد من كثرة ~~زحام الناس عليه لم يخلص إلى المصلى، فتقدم المأمون وصلى بالناس (1). # فلما انقضى ذلك قال هرثمة بن أعين، وكان في خدم الخليفة إلا أنه كان محبا ~~لأهل البيت إلى الغاية يأخذ نفسه بأنه من شيعتهم، وكان قائما بمصالح الرضا ~~باذلا نفسه بين يديه متقربا إلى الله تعالى بخدمته. # قال: طلبني سيدي الرضا وقال لي: (يا هرثمة إني مطلعك على أمر يكون عندك ~~سر لا تظهره وأنا ms226 حي، وإن أظهرته حالة حياتي كنت خصمك عند الله تعالى) ~~فعاهدته أنني لا أعلم بها أحد ما لم تأمرني. # فقال (عليه السلام): (إعلم إنني بعد أيام آكل عنبا ورمانا مفتوتا فأموت، ~~ويقصد الخليفة أن يجعل قبري ومدفني خلف قبر أبيه الرشيد، وإن الله تعالى لا ~~يقدره على ذلك، فإن الأرض تشتد عليهم فلا يستطيع أحد حفر شئ منها، وإنما ~~قبري في بقعة كذا - الموضع عينه - فإذا أنا مت وجهزت فأعلمه بجميع ما قلت ~~لك، وقل له يتأن في الصلاة علي، فإنه يأتي رجل عربي ملثم على بعير مسرع ~~وعليه # PageV00P462 # وعثاء السفر فينزل عن بعيره ويصلي علي، فإذا صلى علي وحملت، فاقصد المكان ~~الذي عينته لك فاحفر شيئا يسيرا من وجه الأرض تجد قبرا معمولا (1) في قعره ~~ماء أبيض فإذا كشفته ينضب الماء، فهو مدفني (فادفني فيه والله الله أن تخبر ~~بهذا قبل موتي) (2). # قال هرثمة: فوالله ما طالت الأيام حتى أكل عنبا ورمانا كثيرا فمات، فدخلت ~~على الخليفة فوجدته يبكي عليه فقلت له: يا أمير المؤمنين عاهدني الرضا على ~~أمر أقوله لك، وقصصت عليه تلك القصة التي قالها من أولها إلى آخرها وهو ~~يعجب مما أقوله. # فأمر بتجهيزه فلما تجهز تأنى بالصلاة عليه، وإذا بالرجل قد أقبل من ~~الصحراء على بعير مسرعا فلم يكلم أحدا، ثم دخل إلى جنازته فوقف وصلى عليه، ~~وخرج وصلى الناس عليه، وأمر الخليفة بطلب الرجل ففاتهم ولم يعلموا له خبرا، ~~ثم أمر الخليفة بأن يحفر له قبر خلف قبر الرشيد فعجز الحافرون عن الحفر، ~~فذهبت إلى موضع ضريحه الآن فبقدر ما كشف وجه الأرض ظهر قبر محفور كشفت عنه ~~طوابيقه فإذا في قعره ماء أبيض كما قال فأعلمت الخليفة به فحضر وأبصر على ~~الصورة التي ذكرها فنبع (3) الماء فدفن فيه. # ولم يزل الخليفة المأمون يعجب من قوله ولم تزل منه كلمة واحدة عما ذكره، ~~وازداد تأسفه عليه وكلما خلوت في خدمته يقول: يا هرثمة كيف قال لك أبو ~~الحسن؟ فأعيد عليه الحديث فيتلهف عليه (4). # PageV00P463 # فانظر ms227 إلى هذه المنقبة العظيمة، والكرامة البالغة التي تنطق بعناية الله ~~عز وجل، وإزلاف مكانته عنده. # وأما أولاده: فكانوا ستة، خمسة ذكور وبنتا واحدة. # وأسماء أولاده: محمد القانع، والحسن، وجعفر، وإبراهيم، والحسين، وعائشة ~~(1). # وأما عمره: فإنه مات في سنة مائتين وثلاث (2)، وقيل: في سنة مائتين ~~وسنتين من الهجرة (3) في خلافة المأمون وقد تقدم ذكر مولده في سنة ثلاث ~~وخمسين ومائة فيكون عمره تسعا وأربعين سنة (4)، وقبره بطوس من خراسان ~~بالمشهد المعروف به (عليه السلام)، وكان مدة بقاءه مع أبيه موسى أربعا ~~وعشرين سنة وأشهرا، وبعد أبيه خمسا وعشرين سنة. # PageV00P464 # الباب التاسع في أبي جعفر محمد بن علي القانع (عليهما السلام) الإمام ~~محمد القانع (عليه السلام)... PageV00P466 # هذا أبو جعفر محمد الثاني، فإنه تقدم في آبائه (عليهم السلام) أبو جعفر ~~محمد وهو الباقر بن علي، فجاء هذا باسمه وكنيته واسم أبيه فعرف بأبي جعفر ~~الثاني، وهو وإن كان صغير السن فهو كبير القدر رفيع الذكر. # وأما ولادته: ففي ليلة الجمعة تاسع شهر رمضان سنة مائة وخمس وتسعين ~~للهجرة (1)، وقيل: عاشر رجب منها (2). # وأما نسبه أبا واما: فأبوه أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم وقد تقدم ~~ذكر ذلك مبسوطا. # وأمه: أم ولد يقال لها: سكينة المريسية، وقيل: الخيزران (3). # وأما اسمه: فمحمد. # وأما كنيته: فأبو جعفر (4) بكنية جده محمد الباقر وله لقبان: القانع # PageV00P467 # والمرتضى (1). # وأما مناقبه: فما اتسعت حلبات مجالها، ولا امتدت أوقات آجالها، بل قضت ~~عليه الأقدار الإلهية بقلة بقاءه في الدنيا بحكمها وانجالها، فقل في الدنيا ~~مقامه، وعجل القدوم عليه لزيارة حمامه، فلم تطل بها مدته ولا امتدت فيها ~~أيامه، غير أن الله عز وعلا خصه بمنقبة متألقة في مطالع التعظيم، بارقة ~~أنوارها مرتفعة في معارج التفضيل، قيمة أقدارها، بادية لعقول أهل المعرفة ~~آية آثارها، وهي وإن كانت (صورتها واحدة فمعانيها كثيرة وصيغتها وإن كانت) ~~(2) صغيرة فدلالتها كبيرة وهي: # إن هذا أبا جعفر محمدا (عليه السلام) لما توفى والده علي الرضا وقدم ~~الخليفة المأمون إلى بغداد بعد وفاته بسنة، اتفق أنه بعد ms228 ذلك خرج يوما ~~يتصيد، فاجتاز بطرف البلد في طريقه والصبيان يلعبون ومحمد واقف معهم، وكان ~~عمره يومئذ إحدى عشرة سنة فما حولها، فلما أقبل الخليفة المأمون انصرف ~~الصبيان هاربين ووقف أبو جعفر محمد (عليه السلام) فلم يبرح مكانه، فقرب منه ~~الخليفة فنظر إليه، وكان الله عز وجل قد ألقى عليه مسحة من قبول، فوقف ~~الخليفة وقال له: يا غلام ما منعك من الانصراف مع الصبيان؟ # فقال له محمد مسرعا: (يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لأوسعه عليك ~~بذهابي، ولم تكن لي جريمة فأخشاها، وظني بك حسن إنك لا تضر من لا ذنب له ~~فوقفت). # فأعجبه كلامه ووجهه فقال له: ما اسمك؟ # فقال: (محمد). # فقال: ابن من أنت؟ # PageV00P468 # فقال: (يا أمير المؤمنين أنا ابن علي). # فترحم على أبيه وساق إلى وجهته، وكان معه بزاة فلما بعد عن العمارة أخذ ~~بازا فأرسله على دراجة، فغاب عن عينه طويلا ثم عاد من الجو وفي منقاره سمكة ~~صغيرة وبها بقايا الحياة، فاعجب الخليفة من ذلك غاية العجب، ثم أخذها في ~~يده وعاد إلى داره في الطريق الذي أقبل منه. # فلما وصل إلى ذلك المكان وجد الصبيان على حالهم فانصرفوا كما فعلوا أول ~~مرة، وأبو جعفر لم ينصرف ووقف كما وقف أولا، فلما قرب منه الخليفة قال له: ~~يا محمد. # قال: (لبيك يا أمير المؤمنين). # قال له: ما في يدي؟ # فألهمه الله عز وجل أن قال: (يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق بمشيئته ~~في بحر قدرته سمكا صغارا تصيدها بزاة الملوك والخلفاء، فيختبرون بها سلالة ~~أهل النبوة). # فلما سمع المأمون كلامه عجب وجعل يطيل نظره إليه وقال: أنت ابن الرضا ~~حقا. وضاعف إحسانه إليه (1). # وفي هذه الواقعة ما يكفيه من منقبة عن غيرها، ويستغني بها عن سواها. # ولده: أبو الحسن علي وسيأتي ذكره بعده إن شاء الله. # وأما عمره: فإنه مات في ذي الحجة من سنة مائتين وعشرين للهجرة (2) في # PageV00P469 # خلافة المعتصم وقد تقدم ذكر ولادته في سنة مائة وخمس وتسعين فيكون عمره ms229 ~~خمسا وعشرين سنة وقبره ببغداد في مقابر قريش. PageV00P470 # الباب العاشر في أبي الحسن علي بن محمد بن علي (عليه السلام) بن موسى بن ~~جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) الإمام ~~علي النقي (عليه السلام)... PageV00P471 # أما مولده: ففي رجب من سنة مائتين وأربع عشرة سنة للهجرة (1). # وأما نسبه أبا واما: فأبوه: أبو جعفر محمد القانع بن علي الرضا بن موسى ~~وقد تقدم ذلك مبسوطا. # وأمه: أم ولد تسمى سمانة المغربية (2)، وقيل: غير ذلك (3). # وأما اسمه: فعلي. # وكنيته: أبو الحسن (4). # وأما ألقابه: فالناصح، والمتوكل، والفتاح، والنقي، والمرتضى (5)، وأشهرها ~~المتوكل، وكان يخفي ذلك ويأمر أصحابه أن يعرضوا عن ذكره، لكونه كان لقب ~~الخليفة أمير المؤمنين المتوكل يومئذ. # وأما مناقبه: فمنها ما حل في الأذان محل حلاها بأشنافها، واكتنفته شغفا ~~به # PageV00P472 # اكتناف اللئالي الثمينة بأصدافها، وشهد لأبي الحسن أن نفسه موصوفة بنفائس ~~أوصافها، وأنها نازلة من الدرجة النبوية في ذرى أشرافها، وشرفات أعرافها. # وذلك أن أبا الحسن (عليه السلام) كان يوما قد خرج من سر من رأى إلى قرية ~~لمهم عرض له، فجاء رجل من الأعراب يطلبه فقيل له: قد ذهب إلى الموضع ~~الفلاني فقصده، فلما وصل إليه قال له (عليه السلام): (ما حاجتك). # قال: أنا رجل من أعراب الكوفة المتمسكين بجدك علي بن أبي طالب، وقد ركبني ~~دين فادح أثقلني حمله، ولم أر من أقصده لقضائه غيرك. # فقال له أبو الحسن: (طب نفسا وقر عينا) ثم أنزله فلما أصبح ذلك اليوم قال ~~له أبو الحسن (عليه السلام): (أريد منك حاجة الله الله أن تخالفني فيها). # فقال له الاعرابي: لا أخالفك فيها. # فكتب أبو الحسن ورقة بخطه، معترفا فيها أن للاعرابي مالا عينه فيها يرجح ~~على دينه وقال: (خذ هذا الخط، فإذا وصلت إلى سر من رأى فاحضر إلي وعندي ~~جماعة فطالبني به، وأغلظ القول علي في ترك إيفائك إياه، والله الله في ~~مخالفتي). # فقال: أفعل. # وأخذ الخط، فلما وصل أبو الحسن إلى سر من رأى ms230 وحضر عنده جماعة كثيرون من ~~أصحاب الخليفة وغيرهم حضر (1) ذلك الرجل وأخرج الخط، وطالبه وقال كما ~~أوصاه، فألان له أبو الحسن القول ورققه له، وجعل يعتذر إليه، ووعده بوفائه، ~~وطيبة نفسه. # فنقل ذلك إلى الخليفة المتوكل، فأمر أن يحمل إلى أبي الحسن ثلاثون ألف ~~درهم، فلما حملت إليه تركها إلى أن جاء الاعرابي فقال (عليه السلام): (خذ ~~هذا المال إقض منه دينك، وأنفق الباقي على عيالك وأهلك، واعذرنا). # PageV00P473 # فقال له الاعرابي: يا بن رسول الله، والله إن أملي كان يقصر عن ثلث هذا، ~~ولكن الله أعلم حيث يجعل رسالاته فأخذ المال وانصرف (1). # فهذه منقبة من سمعها حكم له بمكارم الأخلاق، وقضى له بالمناقب المحكوم ~~بشرفها بالاتفاق. # ولده: أبو محمد الحسن وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # وأما عمره: فإنه مات في جمادي الآخر لخمس ليال بقين منه من سنة أربع ~~وخمسين ومائتين للهجرة (2) في خلافة المعتز، وتقدم ذكر ولادته في سنة أربع ~~عشر ومائتين فيكون عمره أربعين سنة غير أيام (3)، كان مقامه مع أبيه محمد ~~ست سنين وخمسة أشهر، وبقي بعد وفاة أبيه ثلاثا وثلاثين سنة وشهرا، وقبره ~~بسر من رأى (4). # PageV00P474 # الباب الحادي عشر في أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) الإمام الحسن ~~الخالص (عليه السلام)... PageV00P475 # مولده: سنة إحدى وثلاثين ومائتين للهجرة (1). # وأما نسبه أبا واما: فأبوه: أبو الحسن علي المتوكل بن محمد القانع بن علي ~~الرضا وقد تقدم القول في ذلك. # وأمه: أم ولد يقال لها: سوسن (2). # وأما اسمه: الحسن. # وكنيته: أبو محمد (3). # ولقبه: الخالص (4). # وأما مناقبه: فاعلم أن المنقبة العليا والمزية الكبرى التي خصه الله عز ~~وجل بها، وقلده فريدها، ومنحه تقليدها، وجعلها صفة دائمة لا يبلى الدهر ~~جديدها (5)، ولا تنسى الألسن تلاوتها وترديدها، أن المهدي محمد نسله، ~~المخلوق منه، وولده المنتسب إليه، وبضعته المنفصلة عنه، وسيأتي في الباب # PageV00P476 # الذي يتلو هذا الباب شرح مناقبه وتفصيل أحواله إن شاء الله. # (وكفي أبا محمد الحسن تشريفه لأبي محمد ولد ذكر سواه، وحسبه ذلك منقبة ~~وكفاه، ولم يطل في ms231 الدنيا أيام مقامه ومثواه، ولا امتد له أمد حياته فيها ~~ليظهر للناظرين مآثره ومزاياه. # وأما عمره: فإنه توفى في الثامن من ربيع الأول سنة ستين ومائتين للهجرة ~~(1) في خلافة المعتمد، وقد تقدم ذكر ولادته سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ~~فيكون عمره تسعا وعشرين سنة (2)، كان مقامه مع أبيه ثلاثا وعشرين سنة ~~وأشهرا، وبقي بعد أبيه خمس سنين وشهورا، وقبره بسر من رأى) (3). # PageV00P477 # الباب الثاني عشر في أبي القاسم (عليه السلام) الإمام أبي القاسم المهدي ~~(عليه السلام)... PageV00P479 # محمد بن الحسن الخالص بن علي المتوكل بن محمد القانع بن علي الرضا ابن ~~موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين ~~الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين ابن أبي طالب، المهدي الحجة الخلف ~~الصالح المنتظر عليهم السلام ورحمة الله وبركاته. # فهذا الخلف الحجة قد أيده الله * هداه (1) منهج الحق وأتاه سجاياه وأعلى ~~في ذرى العليا بالتأييد مرقاه * وأتاه حلى فضل عظيم فتحلاه وقد قال رسول ~~الله قولا قد رويناه * وذو العلم بما قال إذا أدرك معناه ترى الأخبار في ~~المهدي جاءت بمسماه * وقد أبداه بالنسبة والوصف وسماه ويكفي قوله مني ~~لإشراق محياه * ومن بضعته الزهراء (مرساه ومسراه) (2) ولن يبلغ ما أويته ~~أمثال وأشباه * فإن قالوا هو المهدي ما ماتوا بمافاه (3) قد رتع من النبوة ~~في أكناف عناصرها، ورضع من الرسالة أخلاف أواصرها، وترع من القرابة بسجال ~~معاصرها، وبرع في صفات الشرف فعقدت عليه بخياصرها، فاقتنى من الأنساب (4) ~~شرف نصابها، واعتلا عند الانتساب على شرف أحسابها، واجتنى جنى الهداية من ~~معادنها وأسبابها، فهو من ولد الطهر البتول، المجزوم بكونها بضعة من ~~الرسول، فالرسالة أصلها وإنها لأشرف العناصر والأصول. # فأما مولده: فبسر من رأى في ثالث وعشرين رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين ~~للهجرة (5). # PageV00P480 # وأما نسبه أبا واما: فأبوه محمد الحسن الخالص بن علي المتوكل بن محمد ~~القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي ~~زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير ms232 المؤمنين، وقد تقدم ذكر ~~ذلك مفصلا. # وأمه: أم ولد تسمى صقيل (1)، وقيل: حكيمة (2)، وقيل: غير ذلك (3). # وأما اسمه: فمحمد. # وكنيته: أبو القاسم (4). ولقبه: الحجة، والخلف الصالح (5)، وقيل: # المنتظر (6). # وأما ما ورد عن النبي (ص) في المهدي من الأحاديث الصحيحة: # فمنها: # PageV00P481 # ما نقله الإمامان أبو داود والترمذي (رض) كل واحد منهما بسنده في صحيحه، ~~يرفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: # (المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ~~جورا وظلما، ويملك سبع سنين) (1). # ومنها: ما أخرجه أبو داود بسنده في صحيحه، يرفعه إلى علي (عليه السلام) ~~قال: قال رسول الله (ص): (لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من ~~أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا) (2). # ومنها: ما رواه أيضا أبو داود في صحيحه، يرفعه بسنده إلى أم سلمة زوج ~~النبي (ص) قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) ~~(3). # ومنها: ما رواه القاضي أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (رضي الله عنه) ~~في كتابه المسمى بشرح السنة، وأخرجه الإمامان البخاري ومسلم (رض) كل واحد ~~منهما بسنده في صحيحه، يرفعه إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): (كيف ~~أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم) (4). # ومنها: ما أخرجه أبو داود والترمذي بسندهما في صحيحيهما، كل واحد منهما ~~يرفعه بسنده إلى عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) أنه قال: قال رسول الله ~~(ص): (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله ~~رجلا مني، أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض ~~قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما). # PageV00P482 # وفي رواية أخرى: (لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ ~~اسمه اسمي). # وفي رواية أخرى: إن النبي (ص) قال: (يأتي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه ~~اسمي). # هذه الروايات عن أبي داود والترمذي (رض) (1). # ومنها: ما نقله الإمام أبو إسحاق ms233 أحمد بن محمد الثعلبي (رض) في تفسيره ~~يرفعه بإسناده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص): (نحن ولد عبد ~~المطلب سادة الجنة، أنا، وحمزة، وجعفر، وعلي، والحسن، والحسين، والمهدي) ~~(2). # فإن قال معترض: هذه الأحاديث النبوية الكثيرة بتعدادها المصرحة بجملتها ~~وأفرادها، متفق على صحة إسنادها، ومجمع على نقلها عن رسول الله (ص) ~~وإيرادها، وهي صحيحة صريحة في إثبات كون المهدي من ولد فاطمة (عليها ~~السلام)، وأنه من رسول الله (ص)، وأنه من عترته، وأنه من أهل بيته، وأن ~~اسمه يواطئ اسمي، وأنه يملأ الأرض قسطا وعدلا، وأنه من ولد عبد المطلب، ~~وأنه من سادات الجنة، وذلك مما لا نزاع فيه، غير أن ذلك لا يدل على أن ~~المهدي الموصوف بما ذكره (ص) من الصفات والعلامات هو هذا أبو القاسم محمد ~~بن الحسن الحجة الخلف الصالح (عليه السلام) فإن ولد فاطمة (عليها السلام) ~~كثيرون، وكل من يولد من ذريتها إلى يوم القيامة يصدق عليه أنه من ولد ~~فاطمة، وأنه من العترة الطاهرة، وأنه من أهل البيت (عليهم السلام) فيحتاجون ~~مع هذه الأحاديث المذكورة إلى زيادة دليل على أن المهدي المراد هو الحجة ~~المذكور ليتم مرامكم. # PageV00P483 # فجوابه: إن رسول الله (ص) لما وصف المهدي (عليه السلام) بصفات متعددة من ~~ذكر اسمه ونسبه ومرجعه إلى فاطمة (عليها السلام) وإلى عبد المطلب، وأنه ~~أجلى الجبهة أقنى الأنف، وعدد الأوصاف الكثيرة التي جمعتها الأحاديث ~~الصحيحة المذكورة آنفا وجعلها علامة ودلالة على أن الشخص الذي يسمى بالمهدي ~~وثبتت له الأحكام المذكورة وهو الشخص الذي اجتمعت تلك الصفات فيه ثم وجدنا ~~تلك الصفات المجعولة علامة ودلالة مجتمعة في أبي القاسم محمد الخلف الصالح ~~دون غيره، فيلزم القول بثبوت تلك الأحكام له وأنه صاحبها وإلا فلو جاز وجود ~~ما هو علامة ودليل ولا يثبت ما هو مدلوله قدح ذلك في نصبها علامة ودلالة من ~~رسول الله (ص) وذلك ممتنع. # فان قال المعترض: لا يتم العمل به بالعلامة والدلالة إلا بعد العلم ~~باختصاص من وجدت فيه بها دون ms234 غيره وتعينه لها، فأما إذا لم يعلم تخصيصه ~~وانفراده بها فلا يحكم له بالدلالة ونحن نسلم أنه من زمن رسول الله (ص) إلى ~~ولادة الخلف الصالح الحجة محمد (عليه السلام) ما وجد من ولد فاطمة (عليه ~~السلام) شخص جمع تلك الصفات التي هي العلامة والدلالة غيره، لكن وقت بعثة ~~المهدي وظهوره وولايته هو في آخر أوقات الدنيا عند ظهور الدجال ونزول عيسى ~~بن مريم (عليه السلام)، وذلك سيأتي بعد مدة مديدة ومن الآن إلى ذلك الوقت ~~المتراخي الممتد أزمان متجددة وفي العترة الطاهرة من سلالة فاطمة (عليها ~~السلام) كثرة يتعاقبون ويتوالدون إلى ذلك الإيان فيجوز أن يولد من السلالة ~~الطاهرة والعترة النبوية من يجمع تلك الصفات فيكون هو المهدي المشار إليه ~~في الأحاديث المذكورة، ومع هذا الاحتمال والإمكان كيف يبقى دليلكم مختصا ~~بالحجة محمد المذكور (عليه السلام). # فالجواب: أنكم إذا عرفتم أنه إلى وقت ولادة الخلف الصالح وإلى زماننا هذا ~~لم يوجد من جمع تلك الصفات والعلامات بأسرها سواه فيكفي ذلك في ثبوت تلك ~~الأحكام له عملا بالدلالة الموجودة في حقه، وما ذكرتموه من احتمال أن ~~PageV00P484 # يتجدد مستقبلا في العترة الطاهرة من يكون بتلك الصفات، لا يكون قادحا في ~~أعمال الدلالة، ولا مانعا من ترتيب حكمها عليها، فإن دلالة الدليل راجحة ~~لظهورها واحتمال تجدد ما يعارضها مرجوح، ولا يجوز ترك الراجح بالمرجوح فإنه ~~لو جوزنا ذلك لامتنع العمل بأكثر الأدلة المثبتة للأحكام (الشرعية) (1) إذ ~~ما من دليل إلا واحتمال تجدد ما يعارضه متطرق إليه، ولم يمنع ذلك من العمل ~~به وفاقا. # والذي يوضح ذلك ويؤكده، أن رسول الله (ص) فيما أورده الإمام مسلم بن ~~الحجاج في صحيحه، يرفعه بسنده قال لعمر بن الخطاب: (يأتي عليك مع امداد أهل ~~اليمن أويس بن عامر من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم ~~له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل) ~~(2). # فالنبي (ص) ذكر اسمه ونسبه وصفته، وجعل ذلك علامة ms235 ودلالة على أن المسمى ~~بذلك الاسم المتصف بتلك الصفات لو أقسم على الله لأبره، وأنه أهل لطلب ~~الاستغفار منه، وهذه منزلة عالية ومقام عند الله عظيم. # فلم يزل عمر بعد وفاة رسول الله (ص) وبعد وفاة أبي بكر يسأل إمداد اليمن ~~من الموصوف بذلك، حتى قدم وفد من اليمن فسألهم فأخبر بشخص متصف بذلك، فلم ~~يتوقف عمر في العمل بتلك العلامة والدلالة التي ذكرها رسول الله (ص) بل ~~بادر إلى العمل بها واجتمع به وسأله الاستغفار، وجزم أنه المشار إليه في ~~الحديث النبوي لما علم تلك الصفات فيه مع وجود احتمال أن يتجدد في وفود ~~اليمن مستقبلا من يكون بتلك الصفات، فإن قبيلة مراد كثيرة والتوالد فيها ~~كثير وعين ما ذكرتموه من الاحتمال موجود، وكذلك قضية الخوارج لما وصفهم ~~رسول الله (ص) بصفات ورتب عليها حكمهم ثم بعد ذلك لما # PageV00P485 # وجدها علي (عليه السلام) موجودة في أولئك في واقعة حروراء والنهروان، جزم ~~بأنهم هم المرادون بالحديث النبوي وقاتلهم وقتلهم، فعمل بالدلالة عند وجود ~~الصفة مع احتمال أن يكون المرادون غيرهم، وأمثال هذه الدلالة والعمل بها مع ~~قيام الاحتمال كثيرة، فعلم أن الدلالة الراجحة لا تترك لاحتمال المرجوح. # ونزيده بيانا وتقريرا فنقول: لزوم ثبوت الحكم عند وجود العلامة والدلالة ~~لمن وجدت فيه أمر يتعين العمل فيه والمصير إليه، فمن تركه وقال: بأن صاحب ~~الصفات المراد بإثبات الحكم له ليس هو هذا، بل شخص غيره سيأتي، فقد عدل عن ~~النهج القويم ووقف نفسه موقف المليم، ويدل على ذلك أن الله عز وجل لما أنزل ~~في التوراة على موسى أنه يبعث النبي العربي في آخر الزمان خاتم الأنبياء، ~~ونعته بأوصافه وجعلها علامة ودلالة على إثبات حكم النبوة له، وصار قوم موسى ~~(عليه السلام) يذكرونه بصفاته ويعلمون أنه يبعث، فلما قرب زمان ظهوره وبعثه ~~صاروا يهددون المشركين به ويقولون: سيظهر الآن نبي نعته كذا وصفته كذا ~~ونستعين به على قتالكم. # فلما بعث (ص) ووجدوا العلامات والصفات بأسرها التي جعلت دلالة على نبوته ~~أنكروه (1) وقالوا: ms236 ليس هذا هو، بل هو غيره وسيأتي. # فلما جنحوا إلى الاحتمال وأعرضوا عن العمل بالدلالة الموجودة في الحال، ~~أنكر الله تعالى عليهم كونهم تركوا العمل بالدلالة التي ذكرها لهم في ~~التوراة وجنحوا إلى الاحتمال، وهذه القصة من أكبر الأدلة، وأقوى الحجج على ~~أنه يتعين العمل بالدلالة عند وجودها، وإثبات الحكم لمن وجدت تلك الأدلة ~~فيه. # فإذا كانت الصفات التي هي علامة ودلالة لثبوت تلك الأحكام المذكورة ~~موجودة في الحجة الخلف الصالح محمد (عليه السلام) تعين إثبات كون المهدي ~~المشار # PageV00P486 # إليه من غير جنوح إلى الاحتمال بتجدد غيره في الاستقبال. # فإن قال المعترض: نسلم لكم أن الصفات المجعولة علامة ودلالة إذا وجدت ~~تعين العمل بها، ولزم إثبات مدلولها لمن وجدت فيه، لكن نمنع وجود تلك ~~العلامة والدلالة في الخلف الصالح محمد (عليه السلام) فإن من جملة الصفات ~~المجعولة علامة ودلالة أن يكون اسم أبيه مواطئا لاسم أب النبي (ص) هكذا به ~~صرح الحديث النبوي على ما أوردوه، وهذه الصفة لم توجد فيه، فإن اسم أبيه ~~الحسن واسم أب النبي (ص) عبد الله وأين الحسن من عبد الله؟ # فلم توجد هذه الصفة التي هي جزء من العلامة والدلالة، وإذا لم يوجد جزء ~~العلة لا يثبت حكمها، فإن الصفات الباقية لا تكفي في إثبات تلك الأحكام، إذ ~~النبي (ص) لم يجعل تلك الأحكام ثابتة إلا لمن اجتمعت تلك الصفات فيه كلها ~~التي جزؤها مواطاة اسمي الأبوين في حقه، وهذه لم تجتمع في الحجة الخلف، فلا ~~تثبت تلك الأحكام له وهذا إشكال قوي. # فالجواب: لابد قبل الشروع في تفصيل الجواب من بيان أمرين يبتني عليهما ~~الغرض: # الأول: إنه شائع في لسان العرب إطلاق لفظة الأب على الجد الأعلى وقد نطق ~~القرآن الكريم بذلك فقال تعالى: * (ملة أبيكم إبراهيم) * (1) وقال تعالى ~~حكاية يوسف (عليه السلام): * (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحق) * ~~(2) ونطق بذلك النبي (ص) في حديث الإسراء أنه قال: قلت: (من هذا؟) قال: # أبوك إبراهيم (3). # فعلم أن لفظة الأب تطلق على الجد وإن علا. ms237 فهذا أحد الأمرين. # PageV00P487 # الأمر الثاني: إن لفظة الاسم تطلق على الكنية وعلى الصفة وقد استعملها ~~الفصحاء ودارت بها ألسنتهم ووردت في الأحاديث حتى ذكرها الإمامان البخاري ~~ومسلم (رض) كل منهما يرفعه إلى سهل بن سعد الساعدي، أنه قال عن علي (عليه ~~السلام): إن رسول الله (ص) سماه بأبي تراب ولم يكن له اسم أحب إليه منه ~~(1). # فأطلق لفظة الاسم على الكنية، ومثل ذلك قال الشاعر: # أجل قدرك أن تسمى مؤمنته (2) * ومن كناك فقد سماك للعرب (3) ويروى من ~~يصفك، فاطلق التسمية على الكناية أو الصفة، وهذا شائع ذائع في لسان العرب. # فإذا وضح ما ذكرناه من الأمرين فاعلم أيدك الله بتوفيقه، أن النبي (ص) ~~كان له سبطان: أبو محمد الحسن وأبو عبد الله الحسين، ولما كان الحجة الخلف ~~الصالح محمد (عليه السلام) من ولد أبي عبد الله الحسين، ولم يكن من ولد أبي ~~محمد الحسن، وكانت كنية الحسين أبا عبد الله فاطلق النبي (ص) على الكنية ~~لفظ الاسم لأجل المقابلة بالاسم في حق أبيه، وأطلق على الجد لفظة الأب ~~فكأنه قال: # يواطئ اسمه اسمي، فهو محمد وأنا محمد وكنية جده اسم أبي، إذ هو أبو عبد ~~الله وأبي عبد الله لتكون تلك الألفاظ المختصرة جامعة لتعريف صفاته وإعلام ~~أنه من ولد أبي عبد الله الحسين بطريق جامع موجز، وحينئذ تنتظم الصفات ~~وتوجد بأسرها مجتمعة للحجة الخلف الصالح محمد (عليه السلام)، وهذا بيان شاف ~~كاف في إزالة ذلك الإشكال فافهمه. # PageV00P488 # وأما ولده: فلم يكن له ولد ليذكر لا أنثى ولا ذكر. # وأما عمره: فإنه ولد في أيام المعتمد على الله، خاف فاختفى وإلى الآن، ~~فلم يمكن ذكر ذلك إذ من غاب وإن انقطع خبره لا توجب غيبته وانقطاع خبره ~~الحكم بمقدار عمره ولا بانقضاء حياته، وقدرة الله واسعة وحكمه وألطافه ~~بعباده عظيمة عامة، ولوازم عظماء العلماء أن يدركوا حقائق مقدوراته وكنه ~~قدرته لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، ولا نقل طرف تطلعهم إليه حسيرا وحده كليلا، ~~وأملى عليهم لسان عجزهم عن الإحاطة به ms238 وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. # وليس ببدع ولا مستغرب تعمير بعض عباد الله المخلصين، ولا امتداد عمره إلى ~~حين، فقد مد الله تعالى أعمار جمع كثير من خلقه من أصفيائه وأوليائه ومن ~~مطروديه وأعدائه، فمن الأصفياء: عيسى (عليه السلام)، ومنهم الخضر، وخلق ~~آخرون من الأنبياء طالت أعمارهم، حتى جاز كل واحد منهم ألف سنة أو قاربها ~~كنوح (عليه السلام) وغيره. # وأما من الأعداء المطرودين: فإبليس، وكذلك الدجال، ومن غيرهم كعاد ~~الأولى، كان فيهم من عمره ما يقارب الألف، وكذلك لقمان صاحب لبد (1). # وكل هذه لبيان اتساع القدرة الربانية في تعمير بعض خلقه، فأي مانع يمنع ~~من امتداد عمر الصالح الخلف الناصح إلى أن يظهر فيعمل ما حكم الله له به؟ # PageV00P489 # وحيث وصل الكلام إلى هذا المقام، وانتهى جريان القلم بما خطه من هذه ~~الأقسام الوسام إلى هذا المقام، فلنختمه بالحمد لله رب العالمين، فإنها ~~كلمة مباركة جعلها الله سبحانه وتعالى آخر دعوى أهل جنانه، وخص بها من ~~اجتباه من خلقه فكساه ملابس مرضاته، فهذا آخر ما حرره القلم من مناقبهم ~~السنية، وسطره من صفاتهم الزكية، ونثره من مزاياهم العلية، وذلك وإن كثر ~~لقليل في جنب شرفهم الشامخ، ويسير فيما آتاهم الله من فضله الراسخ، وأنا ~~أرجو من كرم الله أن يشملني ببركتهم، ويدخلني في زمرتهم، ويجعل هذا المؤلف ~~مسطورا في صحيفة حسناتي المعدودة من حسنتهم، فقد بذلت جهدي في جمع مزاياهم ~~بذل المجد الطالب، ولم آل جهدا في تأليفها وجمعها قضاء لحقهم اللازب، ولسان ~~الحال يقرع باب الاستماع لإسماع الشاهد والغائب (1) (وسأقول) (2): # رويدك إن أحببت نيل المطالب * فلا تعد عن ترتيل آي المناقب مناقب آل ~~المصطفى المهتدى بهم * إلى نعم التقوى ورغبى الرغائب مناقب آل المصطفى قدوة ~~الورى * بهم يبتغي مطلوبه كل طالب مناقب تجلى سافرات وجوهها * ويجلو سناها ~~مدلهم الغياهب عليك بها سرا وجهرا فإنها * تحلك عند الله أعلى المراتب وخذ ~~(3) عندما يتلو لسانك أنها * بدعوة قلب حاضر غير غائب لمن قام في تأليفها ~~واعتنى بها * ليقضي من ms239 مفروضها (4) كل واجب عسى دعوة تزكو بها حسناته * ~~فيحظى من الحسنى بأسنى (5) المواهب فمن سأل الله الكريم أجابه * وجاوره ~~الأقبال من كل جانب (6) ms240