######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010568 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن أبي الأصبع #META# 010.AuthorNAME :: ابن أبي الأصبع المصري ، عبد العظيم بن عبد الواحد (المتوفى : 654هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 654 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العروض وصناعة الكتابة :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر #META# 030.LibURI :: JK_010568 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر # قال العبد الفقير إلى ربه، المستغفر من ذنبه، عبد العظيم بن عبد الواحد ~~بن ظافر بن عبد الله بن أبي الإصبع عفا الله عنه: الحمد لله حمدا يستعذب ~~الحامد مساغه، وصلى الله على من كانت أعظم آياته البلاغة وعلى آله وصحبه ~~مازان حلى الكلام من صيغ له ومن صاغه. # وبعد، فإني رأيت ألقاب محاسن الكلام التي نعتت بالبديع قد انتهت إلى عدد ~~منه أصول وفروع: فأصوله، ما أشار إليها ابن المعتز في بديعه وقدامة في ~~نقده، لأنهما أول من عني بتأليف ذلك. # أما ابن المعتز فهو الذي سماه البديع، واقتصر في كتابه بهذه التسمية على ~~خمسة أبواب، وهي: الاستعارة منفردا بها،، على أن قدامة ذكر الاستعارة ولم ~~يبوب عنها في المحاسن، وإنما جاء بها في ذكر المعاظلة من العيوب، وزعم أن ~~المعاظلة ما استبشع من الاستعارة،، فاقتضى كلامه أن من الاستعارة قبيحا ~~وحسنا، فحسنها من المحاسن، وقبيحها من العيوب، ولم يذكرها في المحاسن، وابن ~~المعتز ذكرها والتجنيس، والطباق متواردا عن قدامة عليهما، ورد الأعجاز على ~~الصدور منفردا به، وختما بخامس عزا تسميته إلى الجاحظ، وهو المذهب الكلامي ~~منفردا به، وإن كان ما قبله من الأسماء الأربعة قد سبقت العرب إلى وضعها، ~~وربما سبق ابن المعتز إلى نقلها وعدها. # وقال ابن المعتز في صدر كتابه: وما جمع قبلي فنون البديع أحد ولا سبقني ~~إلى تأليفه مؤلف، وألفته سنة أربع وسبعين ومائتين وأول من نسخه مني علي بن ~~يحيى بن منصور المنجم، ثم قال بعد سياقه الأبواب الخمسة: ونحن الآن نذكر ~~محاسن الكلام والشعر وإن كانت محاسنهما كثيرة لا ينبغي للعاقل العالم أن ~~يدعي الإحاطة بها حتى يتبرأ من شرود بعضها عن علمه، وأحببنا بذلك أن نكثر ~~فوائد كتابنا للمتأدبين ويعلم الناظر فيه أنا قد اقتصرنا بالبديع على ~~الفنون الخمسة اختيارا من غير جهل بالطريقة، ولا ضيق في المعرفة، فمن أحب ~~أن يقتدي بنا ويقتصر على تلك الخمسة بالبديع فليفعل، ومن أضاف من هذه ms001 ~~المحاسن أو غيرها شيئا إلى البديع وارتأى غير رأينا فله اختياره، وهذا حين ~~ذكر الماسن ثم ذكر الالتفات، وقد توارد عليه هو وقدامة، وذكر اعتراض كلام ~~في كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه في بيت واحد أو جملة واحدة، ~~وهذا الباب سماه قدامة التمام وسماه الحاتمي في الحلية التتميم. وهو مما ~~توارد عليه قدامة، وابن المعتز، ثم ذكر من المحاسن الخروج من معنى إلى ~~معنى، وهو الذي سماه الحاتمي الاستطراد، ناقلا تسميته لا مخترعا وهو من ~~أفراد ابن المعتز، ثم ذكر تأكيد المدح بما يشبه الذم منفردا به وذكر تجاهل ~~العارف، وهو الذي سماه المتأخرون الإعنات والتشكيك وهذه التسمية غير مطابقة ~~من كل وجه، والتشكيك باب مفرد بينه وبين تجاهل العارف فرق سيأتي في موضعه ~~إن شاء الله تعالى، وهو من إفراد ابن المعتز، ثم ذكر الهزل الذي يراد به ~~الجد منفردا به، وذكر حسن التضمين منفردا به، وذكر الكناية منفردا بها، ~~وذكر الإفراط في الصفة متواردا عليها مع قدامة، وسماها قدامة المبالغة، ~~وذكر التشبيه متواردا هو وقدامة عليه، وذكر عتاب المرء نفسه منفردا به، ~~وذكر حسن الابتداءات، منفردا به، وسماه من بعده براعة الاستهلال على اختلاف ~~في شواهده، فهذه اثنا عشر بابا من المحاسن تضاف إلى أبواب البديع الخمسة ~~فيصير بها ما اخترع ابن المعتز جميعه من ذلك سبعة عشر بابا. PageV01P001 ~~وأما قدامة فضمن كتابه الموسوم بنقد الشعر عشرين بابا، وهي: التشبيه ~~والتمام، والمبالغة، والطباق، الجناس متواردا هو وابن المعتز عليهن جميعا، ~~وبقية العشرين مما انفرد به قدامة، وهي: التكافؤ، وإن كان هذا الباب تداخل ~~على قدامة في باب الطباق، وسأبين ذلك في موضعه، وصحة الأقسام، وصحة ~~المقابلات، وصحة التفسير، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وهو باب فرع منه قدامة ~~ستة أبواب، وهي المساواة، والإشارة، والإرداف، والتمثيل، ثم فرع من باب ~~ائتلاف اللفظ مع المعنى أيضا: الطباق، والجناس، وقد مضى ذكر توارده مع ابن ~~المعتز عليهما، وذكر ائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى مع الوزن، وقد ~~جعل المتأخرون ms002 هذين البابين بابا واحدا، وسموه والتهذيب والتأديب. لكن ~~قدامة خص بهما الشعر، ومن سماهما تهذيبا وتأديبا لا يخص بهما الشعر دون ~~النثر، ولا النثر دون الشعر، بشرط أن يعم بالتسمية فيقول: ائتلاف اللفظ مع ~~المعنى مطلقا، من غير أن يذكر الوزن وائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر ~~البيت وقد سماه من بعده التمكين وخص به الشعر أيضا وهو لا يخصه وفرع قدامة ~~من هذا الباب بأبي التوشيح والإيغال فهذه ثلاثة عشر بابا صحت لقدامة منفردا ~~بها، بعد إسقاط ما تداخل عليه، وهو التكافؤ، وإذا أضيفت إلى ما قدمه ابن ~~المعتز من البديع وأضافه إليه من المحاسن صارت عدة الأصول من كتابيهما بعد ~~حذف ما تواردا عليه ثلاثين بابا سليمة من التداخل، وهذه أصول ما ساقه الناس ~~في كتبهم من البديع إلى هلم جرا، ثم اقتدى الناس بابن المعتز في قوله: فمن ~~أحب أن يضيف شيئا من هذه المحاسن أو غيرها إلى البديع فليفعل فأضاف الناس ~~المحاسن إلى البديع، وفرعوا من الجميع أبوابا أخرى، وركبوا منها تراكيب ~~شتى، واستنبطوا غيرها بالاستقراء من الكلام والشعر حتى كثرت الفوائد، ورأوا ~~ابن المعتز قد غلب اسم البديع على اسم المحاسن فسمى كتابه البديع وهو جامع ~~لهما معا فاقتدوا به، لأنه المخترع الأول للتصنيف، فسمى كل من وضع كتابا في ~~ذلك باسم إما مصرح بالبديع أو راجع معناه إليه، وكذلك فعل كل من عرف نوعا ~~منه عند سؤاله عنه، فإنه يقول: هذا الضرب الفلاني من البديع إلا من ألف في ~~مجموع البلاغة، أو تعرف كنه الفصاحة، أو في النقد كتابا، فإن له أن يسميه ~~ما شاء، ولقد وقفت من هذا العلم على أربعين كتابا منها ما هو منفرد به، وما ~~هذا العلم أو بعضه داخل في بعضه كنقدي قدامة وبديع ابن المعتز، وحلية ~~المحاضرة وكشفت عن الحالي والعاطل الذي ذكره الحاتمي في الحلية فلم أجد من ~~يعترف بوقوفه عليه سوى ابن منقذ في بديعه، وكالصناعتين للعسكري، والعمدة ~~لابن رشيق، وتزييف نقد قدامة له، ورسالة ms003 ابن بشر الآمدي التي رد بها على ~~قدامة، وكشف الظلامة للموفق البغدادي، والنكت في الإعجاز للرماني، والجامع ~~الكبير في التفسير له، والتعريف والإعلام للسهيلي، ودرة التنزيل وغرة ~~التأويل للخطيب. وأعجاز القرآن للبالقداني، والكشاف للزمخشري، وإعجاز ~~الجرجاني المسمى بدلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة له، ونظم القرآن للجاحظ، ~~والبيان والتبيين له، وإعجاز ابن الخطيب، ورسالة الصولي التي قدمها على شعر ~~أبي نواس، ورسالته في أخبار أبي تمام، ورسالة ابن أفلح، وشروح أبي العلاء ~~الثلاثة، وهي: ذكرى حبيب، وعبث الوليد، ومعجز أحمد، والمنصف لابن وكيع، ~~والموازنة، للآمدي، والوساطة للجرجاني، والغرر والدرر للمرتضى، وكتاب ~~الصرفة له، والمجاز لأخيه الرضى، وشرح حديث أم زرع للقاضي عياض رحمه الله ~~وما لخصه في آخره من بديع الحديث، والحديقة للحجاري براء مهملة صاحب المسهب ~~في أخبار أهل المغرب، وبديع التبريزي، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي ~~والمثل السائر لابن الأثير الجزري، والإقناع للصاحب ابن عباد، وبديع أبي ~~إسحاق الأجدابي، وبديع شرف الدين التيفاشي، وهو آخر من ألف فيه تأليفا في ~~غالب ظني، وجمع ما لم يجمعه غيره لولا مواضع نقلها كما وجدها ولم ينعم ~~النظر فيها، وبعض الأبواب التي تداخلت عليه. وإذا وصلت إلى بديع ابن منقذ ~~وصلت إلى الخبط والفساد العظيم، والجمع من أشتات الخطإ وأنواعه من التوارد ~~والتداخل، وضم غير البديع والمحاسن إلى البديع، كأنواع من العيوب، وأصناف ~~من السرقات، ومخالفة الشواهد للتراجم، وفنون من الزلل والخلل يعرف صحتها من ~~وقف على كتابه PageV01P002 وأنعم النظر فيه، لا جرم أني لم أعتد بكتابه في ~~عدة ما وقفت عليه من ذلك، وإن كنت قلما رأيت منها كتابا خلا عن موضع نقد، ~~بحسب منزلة واضعه من العلم والدراية، فمن قليل ومن كثير، وكل أحد مأخوذ من ~~قوله ومتروك إلا من عصمة الله من أنبيائه، صلوات الله عليهم وسلامه والسعيد ~~من عدت سقاطته، " وما أبرئ نفسي " ولا أدعي سلامة وضعي دون أبناء جنسي، غير ~~أني توخيت تحرير ما جمعته من هذه الكتب جهدي، ودققت النظر حسب طاقتي، ~~فتحرست من التوارد، وتجنبت التداخل، ms004 ونقحت ما يجب تنقيحه، وصححت ما قدرت ~~على تصحيحه، ووضعت كل شاهد في موضعه، وربما أبقيت اسم الباب وغيرت مسماه إذ ~~رأيت اسمه لا يدل على معناه، إلى أن جمعت جميع ما في هذه الكتب من الأبواب ~~على ما قدمت من الشرائط، فكان ما جمعته من ذلك ستين بابا فروعا بعد ما ~~قدمته من الأصول، وهي: الاحتراس، والمواربة براء مهملة، والترديد، والتعطف، ~~والتفويف، والتسهيم، والتورية، والتوشيح، والاستخدام، والتغاير، والطاعة ~~والعصيان، والتسميط، والمماثلة، والتجزئة، والتسجيع، والترصيع، والتصريع، ~~والتشطير، والتعليل، والتطريز، والتوشيح، والاشتراك، والتلفيف، والعكس، ~~والإغراق، والغلو، والقسم، والاستثناء والاستدراك، وجمع المختلفة ~~والمؤتلفة، والتوهيم، والاستطراد، والتكميل، والمناسبة، والتفريع، ~~والتكرار، ونفي الشيء بإيجابه، والإيداع، والاستعانة والموازنة بزاي معجمة، ~~والتذييل، والمشاكلة، والمواردة، والتهذيب، وحسن النسق، وبراعة التخلص، ~~والانسجام، والحل، والعقد، والتعليق، والإدماج والازدواج، والاتساع، ~~والمجاز، والإيجاز، وسلامة الاختراع من الاتباع، وحسن الإتباع، وحسن ~~البيان، والتوليد، والتنكيت، والاتفاق، والإغراب، والطرفة.وأنعم النظر فيه، ~~لا جرم أني لم أعتد بكتابه في عدة ما وقفت عليه من ذلك، وإن كنت قلما رأيت ~~منها كتابا خلا عن موضع نقد، بحسب منزلة واضعه من العلم والدراية، فمن قليل ~~ومن كثير، وكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا من عصمة الله من أنبيائه، ~~صلوات الله عليهم وسلامه والسعيد من عدت سقاطته، " وما أبرئ نفسي " ولا ~~أدعي سلامة وضعي دون أبناء جنسي، غير أني توخيت تحرير ما جمعته من هذه ~~الكتب جهدي، ودققت النظر حسب طاقتي، فتحرست من التوارد، وتجنبت التداخل، ~~ونقحت ما يجب تنقيحه، وصححت ما قدرت على تصحيحه، ووضعت كل شاهد في موضعه، ~~وربما أبقيت اسم الباب وغيرت مسماه إذ رأيت اسمه لا يدل على معناه، إلى أن ~~جمعت جميع ما في هذه الكتب من الأبواب على ما قدمت من الشرائط، فكان ما ~~جمعته من ذلك ستين بابا فروعا بعد ما قدمته من الأصول، وهي: الاحتراس، ~~والمواربة براء مهملة، والترديد، والتعطف، والتفويف، والتسهيم، والتورية، ~~والتوشيح، والاستخدام، والتغاير، والطاعة والعصيان، والتسميط، والمماثلة، ~~والتجزئة، والتسجيع، والترصيع، والتصريع، والتشطير، والتعليل، والتطريز، ~~والتوشيح، والاشتراك، ms005 والتلفيف، والعكس، والإغراق، والغلو، والقسم، ~~والاستثناء والاستدراك، وجمع المختلفة والمؤتلفة، والتوهيم، والاستطراد، ~~والتكميل، والمناسبة، والتفريع، والتكرار، ونفي الشيء بإيجابه، والإيداع، ~~والاستعانة والموازنة بزاي معجمة، والتذييل، والمشاكلة، والمواردة، ~~والتهذيب، وحسن النسق، وبراعة التخلص، والانسجام، والحل، والعقد، والتعليق، ~~والإدماج والازدواج، والاتساع، والمجاز، والإيجاز، وسلامة الاختراع من ~~الاتباع، وحسن الإتباع، وحسن البيان، والتوليد، والتنكيت، والاتفاق، ~~والإغراب، والطرفة. PageV01P003 وأضفت هذه الأبواب الفروع إلى تلك الثلاثين ~~الأصول فصارت الفذلكة تسعين بابا، ورأيت الأجدابي قد ذكر من محاسن القافية ~~أربعة أبواب منها بابان هما باب واحد سماهما بتسميتين غير مطابقتين ~~لمعناهما، فجعلتهما بابا واحدا على حكم ما أخذت به نفسي من حذف المتداخل، ~~وسميته الالتزام وعند ذكر شواهده يعلم مطابقة تسميته لمسماه، وبابان ~~معناهما حسن سمي أحدهما بتسمية أيضا غير لائقة، فسميته تشابه الأطراف ~~وسنبين حسن هذه التسمية. وباب أيضا سماه بما لا يوافق، فسميته التوأم فسلمت ~~له ثلاثة أبواب عوضت بها ما تداخل في باب التهذيب من ائتلاف اللفظ مع ~~الوزن، والمعنى مع الوزن، وما تداخل في باب التمكين من ائتلاف القافية مع ~~ما يدل عليه سائر البيت لتصح العدة على شرط السلامة تسعين بابا كلها من ~~المحاسن ليس فيها شيء من ضروب العيوب، وهي عند من لا يجعل التهذيب بابا ~~واحدا، وليس ذلك بممتنع، ثلاثة وتسعون بابا ولما أمرني من لا محيد لي عن ~~أمره، ولا محيص عن رسمه، سيد الفضلاء وقدوة البلغاء، وملجأ الأدباء، ومحط ~~رحال الغرباء، وإمام الكرماء، القاضي الأجل الفاضل شرف الدين أبي الحسن بن ~~القاضي الأجل الفقيه الإمام الورع العدل الرضي جلال الدين المكرم أبي الحسن ~~موسى بن الحسن بن سناء الملك: كامل # نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا # أمتعه الله بفضائله، كما أمتع الفضلاء بفواضله، ورحم سلفه، كما رحم به من ~~عرفه، بجمع ما في كتب الناس من ذلك على سبيل الاختصار من الشواهد، وتجنب ~~الإطالة بذكر كل الاشتقاق، إلا إيضاح مشكل، أو كشف غامض، أو زيادة بسط في ~~الكلام، على أنه من كتاب ms006 الله تعالى، أو في بيت قد أهمل تقصي الكلام عليه، ~~بادرت إلى امتثال أمره، واستخرت الله سبحانه وتعالى حالة الشروع في مرسومه، ~~وسألته الإعانة على بلوغ غرضه، والهداية إلى ما يترجح عنده. # ولما أخذت في ذلك عن لي استنباط أبواب تزيد بها الفوائد، ويكثر بها ~~الإمتاع، نسجا على منوال من تقدمني، واتباعا لسنة من سبقني، ففتح علي من ~~ذلك بثلاثين بابا، سليمة من التداخل والتوارد، لم أسبق في غلبة ظني إلى شيء ~~منها، اللهم إلا أن يوجد في زوايا الكتب التي لم أقف على شيء مما اخترعته، ~~فأكون أنا ومن سبقني إليه متواردين عليه، وما أظن ذلك، والله أعلم. ~~PageV01P004 ولما انتهى استخراجي إلى هذا العدد، أمسكت عن الفكر في ذلك ~~ليكون ما أتيت به وفق عدد الأصول من هذا الشأن، وهذا أوان سياقة أبوابي ~~التي استنبطتها، وضروبي التي استخرجتها؛ وهي: التخيير، والتدبيج، والتمزيج ~~والاستقصاء، والبسط، والهجاء في معرض المدح، والعنوان، والإيضاح والفرائد، ~~والحيدة والانتقال، والشماتة، والتهكم، والتندير، والإسجال بعد المغالطة، ~~والإلغاز والتعمية، والتصرف، والنزاهة، والتسليم، والافتنان، والمراجعة، ~~والسلب والإيجاب، والإبهام، والقول بالموجب، وحصر الجزئي وإلحاقه بالكلي، ~~والمقارنة، والمناقضة، والانفصال، والإبداع، وحسن الخاتمة، وألحقت ذلك بما ~~تقدم من الأبواب، فصارت عدة أبواب هذا الكتاب مائة باب وثلاثة وعشرين بابا ~~سوى إذا انشعب من أبواب الائتلاف من الجناس والطباق، والتصدير، ووسمته ~~بتحرير التحبير، وبعض هذه الأبواب وهو الأقل يخص الشعر، وباقيها وهو الأكثر ~~يعم الشعر والنثر، يعلم ذلك من تبحر في هذا الكتاب، فالذي يخص الموزون منها ~~ثلاثة وعشرون بابا مراعاة لاشتراك القرآن العزيز مع النثر ودخوله في بابه، ~~ولانفراد الموزون عن المنثور من كلام المخلوقين فثلاثة عشر بابا لا غير، ~~والله أعلم، وهي: المواربة براء مهملة، والتسميط، والتجزئة، والتسجيع، ~~والترصيع، والتصريع، والتشطير، والتطريز، والعكس، والإغراق، والغلو، ~~والاستدراك، والاطراد، والتفريع والإيداع، والاستعانة، والموازنة، ~~والمشاكلة، والمواردة من الفروع، ومن الأصول الهزل الذي يراد به الجد، ~~وائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى مع الوزن، وباقي الأبواب وهي مائة ~~باب تعم الموزون والمنثور، وتوجد في ms007 الكتاب العزيز إلا الأقل لمن دقق النظر ~~في الاستنباط والله سبحانه وتعالى المسئول في حسن التوفيق إلى التحقيق ~~لنهتدي إلى سبيل الرشد ونهج الصواب وسعادة يرزق بها هذا التأليف حسن القبول ~~من ذوي الألباب، إنه الكريم الوهاب، وهذا حين الشروع في تفصيل جملة ~~الأبواب. # الجزء الاول # باب الاستعارة # حد الرماني الاستعارة بأن قال: هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في ~~أصل اللغة على سبيل النقل. # وقال ابن المعتز: هي استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها ~~وقال ابن الخطيب في إعجازه: الاستعارة ذكر الشيء باسم غيره وإثبات ما لغيره ~~له للمبالغة في التشبيه. وقال أيضا: الاستعارة جعل الشيء الشيء، أو جعل ~~الشيء للشيء لأجل المبالغة في التشبيه. # وقلت: هي تسمية المرجوح الخفي باسم الراجح الجلي للمبالغة في التشبيه، ~~كقول الله تعالى " وإنه في أم الكتاب " وكقوله سبحانه: " واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة " وكقوله عز وجل: " واشتعل الرأس شيبا " . # ولا بد في الاستعارة من اعتبار ثلاثة أشياء أصول: مستعار، ومستعار منه، ~~ومستعار له. فالمستعار في الآية الأخيرة: الاشتعال، والمستعار منه: النار، ~~والمستعار له: الشيب، والجامع بين المستعار منه والمستعار له مشابهة ضوء ~~النار لبياض الشيب، وفائدة ذلك وحكمته وصف ما هو أخفى بالتشبيه لما هو ~~أظهر، وقد جاء الكلام في الاستعارة التي في الآية الأخيرة على غير وجهه، ~~فإن وجه الكلام فيها أن يقال: واشتعل شيب الرأس، وإنما قلب لما يحصل في ~~قلبه من المبالغة لكونه في حالة القلب يستفاد منه عموم الشيب لجميع الرأس، ~~ولو جاء الكلام على وجهه لم يفد ذلك العموم، ومثال ذلك أنك لو قلت في مثاله ~~اشتعلت النار في البيت: لصدق هذا القول على اشتعال النار في جانب واحد من ~~البيت دون بقية جوانبه، وإذا قلت: اشتعل البيت نارا أفاد هذا القول أن ~~النار قد شملت جميع نواحي البيت وجهاته، وعلى هذا فاعتبر الاستعارة لتعلم ~~أنها على قسمين: قسم يجيء الكلام فيه على وجهه فلا يفيد سوى إظهار الخفي ms008 ~~فقط، أو المبالغة فحسب، وقسم يأتي الكلام فيه على غير وجهه فيفيد المعنيين ~~معا، وأحسنها ما قرب منها دون ما بعد ولم يسمع سامع في الاستعارة كقوله ~~تعالى " والصبح إذا تنفس " فإن ظهور الأنوار في المشرق من أشعة الشمس قليلا ~~قليلا بينه وبين إخراج النفس مشابهة شديدة. PageV01P005 وأجل الاستعارات ~~الاستعارة المرشحة كقوله تعالى: " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ~~ربحت تجارتهم " فإن الاستعارة الأولى وهي لفظة الشراء رشحت الثانية وهي ~~لفظتا الربح والتجارة للاستعارة. والله أعلم. # ومن أمثله الاستعارة في السنة النبوية قوله عليه السلام: " ضموا مواشيكم ~~حتى تذهب فحمة العشاء " فاستعار صلى الله عليه وسلم للعشاء الفحمة لقصد حسن ~~البيان، لأن الفحمة هاهنا أظهر للحس من الظلمة فإن الظلمة تدرك بحاسة البصر ~~فقط والفحمة تدرك بحاستي البصر واللمس لأنها جسم والظلمة عرض فكان ذكرها ~~أعني الفحمة أحسن بيانا من ذكر الظلمة. # ومن أمثلة الاستعارة الشعرية قول امرئ القيس: طويل # ؟وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # فإن هذا الشاعر استعار لظلمة الليل السدول المرخاة، لما بين المستعار ~~والمستعار له من اجتماعهما في منع الأبصار من الإبصار، وفائدة هذه ~~الاستعارة نقل الأخفى إلى الأظهر، لأن السدول يدرك بحاستي البصر واللمس، ~~والظلمة تدرك بأحديهما دون الأخرى، ثم تمم بكونه جعل السدول مرخاة لأن ~~ذكرها بدون هذا القيد لا يوفي بالمعنى الذي قصده من منع رؤية ما وراءها، ~~لاحتمال أن تكون مرفوعة، وكذلك قصد في البيت الثاني بقوله تمطي بصلبه... ~~البيت فإنه أراد وصف الليل بالطول فاستعار له صلبا يتمطى به، إذ كان كل ذي ~~صلب يزيد في طوله عند تمطيه شيء، وبالغ في طوله بأن جعل له أعجازا يردف ~~بعضها بعضا، فهو كلما نفد عجز ردفه عجز، فلا تفني أعجازه، ولا تنتهي إلى ~~طرف، كما قيل في قوله تعالى " لابثين فيها أحقابا " قال قتادة: لا انقطاع ~~لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده. وقال الحسن البصري: أما الأحقاب فليس لها ms009 ~~عدد إلا الخلود، ثم أراد أن يصف الليل بعد نهاية الطول بالثقل على قلب ~~ساهره، والضغط لمكابده، فاستعار له كلكلا ينوء به، ولأجل هذه المعاني كانت ~~الاستعارة أبلغ من الحقيقة والعدول إليها أولى لما تعطي من المعاني التي لا ~~تحصل من لفظ الحقيقة. # والاستعارة منها كثيف، وهو استعارة الأسماء للأسماء. وكل ما مر من ~~الأمثلة غير الآية الأخيرة فهو شاهد لها. # ولطيف، وهو استعارة الأفعال للأسماء كقول الله تعالى: " فما بكت عليهم ~~السماء والأرض " وكقول أبي تمام بسيط # من كل ممكورة ذاب النعيم لها ... ذوب الغمام فمنهل ومنسكب # ؟باب التجنيس # حد الرماني التجنيس بأن قال: هو بيان المعاني بأنواع من الكلام يجمعها ~~أصل واحد من اللغة، وجعله قسمين: جناس مزاوجة، وجناس مناسبة، فالمزاوجة ~~كقوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وكقول ~~عمرو بن كلثوم وافر: # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # والمناسبة كقوله سبحانه: " يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار " وأما ~~قدامة وابن المعتز وإن اختلفا في تسمية هذا الباب فقد اتفقا على معناه، ~~فقال قدامة في حده: هو اشتراك المعاني في ألفاظ متجانسة على جهة الاشتقاق ~~كقول زهير: بسيط # كأن عيني وقد سال السليل بهم ... وعبرة ما همو لو أنهم أمم # وهذا الحد بعينه هو تجنيس المناسبة الذي ذكره الرماني، ولولا قول قدامة ~~على جهة الاشتقاق لكان حده بعينه هو حد الرماني المطلق. # وقال ابن المعتز هو أن تجيء الكلمة مجانسة أختها كقول الله تعالى: " فأقم ~~وجهك للدين القيم " وكقول النعمان بن بشير لمعاوية: طويل: # ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم # وهذا بعينه هو تجنيس المناسبة من جهة الاشتقاق ولم يخرج من جاء بعد هؤلاء ~~عما حدوه به، لكنهم فرعوه ثمانية فروع، وعلى هذا التفريع أكثر المتأخرين ~~سوى التبريزي، فإنه نقص من هذه الأقسام أربعة وأثبت أربعة، وخلط في ~~الشواهد، وغير الأسماء، هذا وإن كان متأخرا عمن قسم التجنيس ثمانية أقسام، ~~واخترع أسماءها، فإني لم أقف على صحة ms010 ذلك، ورأيت ابن منقذ قد أتى على ~~الأقسام الثمانية، وفاته قسم تاسع أتى به التبريزي، وسنأتي به في موضعه. ~~PageV01P006 فمن فروع التجنيس تجنيس التغاير، وهو أن تكون إحدى الكلمتين ~~اسما، والأخرى فعلا، وهذا سماه التبريزي التجنيس المطلق، كقوله تعالى: " ~~إني وجهت وجهي " وكقوله تعالى: " أثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا ~~من الآخرة " وكقول الرسول عليه الصلاة والسلام: " عصية عصت الله ورسوله " و ~~" غفار غفر الله لها " و " أسلم سالمها الله " ، وكقول جرير وافر: # كأنك لم تسر ببلاد نجد ... ولم تنظر بناظرة الخياما # وقد فرع التبريزي من هذا القسم ضربا سماه التجنيس المستوفي، وهو أن ~~تتشابه الكلمتان لفظا وخطا، وإحداهما اسم والأخرى فعل، وأنشد فيه قول أبي ~~تمام: كامل # ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله # وهذا الفرع وإن وضعت له تسمية تخالف تسميات الأقسام الثمانية، وكانت له ~~صورة مثاله غير صور الأمثلة، فإنه داخل في القسم الذي إحدى كلمتيه اسم ~~والأخرى فعل، فلذلك لم يعتد به قسما مستقلا. # وتجنيس التماثل، وهو أن يكون الكلمتان اسمين أو فعلين، وهو على ضربين: ~~ضرب تتماثل فيه الكلمتان سواء كانتا اسمين أم فعلين في اللفظ والخط كقول ~~الشاعر: خفيف: # عينه تقتل النفوس وفوه ... منه تحيى عين الحياة النفوسا # وضرب لا تتماثل فيه الكلمتان إلا من جهة الاشتقاق، سواء أكانتا اسمين أم ~~فعلين، كقوله تعالى " فروح وريحان " وقوله سبحانه: " وجنى الجنتين دان " ~~وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الظلم ظلمات " وكقوله عليه السلام: ~~" أسلم تسلم " وكقول البحتري وافر: # نسيم الروض في ريح شمال ... وصوب المزن في راح شمول # وهذان التجنيسان أعني التغاير والتماثل فرعان من التجنيس الذي أصله قدامة ~~وابن المعتز، وباقي الثمانية استخرجها المتأخرون بالاستقراء، وهي تجنيس ~~التصحيف، ولم يذكره التبريزي في أقسام التجنيس، وجعل التصحيف بابا مفردا، ~~تجنيس التصحيف وهو أن يكون النقط فارقا بين الكلمتين كقوله تعالى: " وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون " وكقوله صلى الله عليه وسلم: " لعله كان يتكلم بما لا ~~يعنيه ويتحلى بما لا يغنيه ms011 " وكقول البحتري: طويل # ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه # وتجنيس التحريف، وهو أن يكون الشكل فارقا بين الكلمتين أو بعضهما، وهذا ~~أيضا لم يذكره التبريزي، ومثاله قوله سبحانه: " إن ربهم بهم " وقوله تعالى: ~~" ولكنا كنا مرسلين " وأما قوله سبحانه: " ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر ~~كيف كان عاقبة المنذرين " فهو الغاية التي لا تدرك وكقول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: " الظلم ظلمات " وكقول أبي تمام: كامل # هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام # وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم تبدل فيه الحركة بالحركة وقسم تبدل فيه ~~الحركة بالسكون، وقسم يبدل فيه التخفيف بالتشديد، مثال الأول قول الشاعر: # جبة البرد جنة البرد # والبرد والبرد أردت. # ومثال الثاني قولهم: البدعة شرك الشرك. # ومثال الثالث قولهم: الجاهل إما مفرط وإما مفرط والآيات الثلاث من القسم ~~الأول، والحديث من الثاني، والبيت من الأول أيضا. # وتجنيس التصريف مما لم يذكره التبريزي أيضا، وهو اختلاف صيغة الكلمتين ~~بإبدال حرف من حرف إما من مخرجه أو من قريب منه، كقوله تعالى: " وهم ينهون ~~عنه وينأون عنه " وكقول الرسول عليه السلام " الخيل معقود بنواصيها الخير " ~~. # وكقول الشاعر: بسيط # لا يذكر الرمل إلا حن مغترب ... له بذي الرمل أوطار وأوطان # وتجنيس الترجيع، وهو الذي سماه التبريزي التجنيس الناقص، وسماه قوم تجنيس ~~التذييل، وهو على الحقيقة الذي يوجد في إحدى كلمتيه حرف لا يوجد في الأخرى، ~~وجميع حروف الأخرى موجود في الأولى، وقسم في وسطها وقسم في آخرها: مثال ~~الأول قوله تعالى: " والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق " ومثال ~~الثاني قولهم: من جد وجد، ومثال الثالث البيت الذي ذكر لأبي تمام وهو قوله: ~~" يمدون من أيد " البيت. # وقد تكون الزيادة حرفين: فإما أن يقعا في أول الكلمة ويكونا متقاربين ~~كقولهم: ليل دامس، وطريق طامس، وإما أن يقعا في وسطها كقولهم: ما خصصتني بل ~~خسستني. أو آخر الكلمة ويكونا متباعدين كقولهم: سالب وساكب. أو متقاربين ~~كقولهم: شاحب وشاغب. PageV01P007 ومن القسم الذي توسط في هذا الحرف ms012 الواحد ~~قوله تعالى: " وإنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد " وقالوا: هو الذي ~~يرجع فيه لفظ الكلمة الأولى في الكلمة الأخرى، كقول أبي تمام: طويل # يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب # وعندي أن تسميته تجنيس التداخل لدخول إحدى الكلمتين في الأخرى أو تجنيس ~~التضمين لتضمن إحدى الكلمتين لفظ الأخرى أولى بالاشتقاق، إذ لا معنى ~~لقولهم: يرجع لفظ إحدى الكلمتين في لفظ الأخرى لأن ظاهر الرجوع يؤذن بذهاب ~~قبله ولا ذهاب، أو كما قالوا: تجنيس التذييل وتجنيس العكس، وهو مما لم ~~يذكره التبريزي، وتعريفه أن تكون إحدى الكلمتين عكس الأخرى بتقديم بعض ~~حروفها على بعض: كقوله تعالى: " أن تقول فرقت بين بني إسرائيل " وكقول عبد ~~الله بن رواحة يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسيط # تحمله الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم # وفي عطافيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن مكرم # وكقول البحتري: طويل # إذا احتربت يوما فغاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها # شواجر أرماح تقطع بينهم ... شواجر أرحام ملوم قطوعها # أخذ البحتري معنى البيت الأول من رجل من بني عقيل، وقصر حيث قال: وافر # ونبكي حين نقتلكم عليكم ... ونقتلكم كأنا لا نبالي # والبيت الثاني من بيتي البحتري أردت. # وتجنيس التركيب مما لم يذكره التبريزي، وهو أن تركب كلمة من كلمتين ~~ليماثل بها كلمة مفردة في الهجاء واللفظ، وهو قسمان: قسم تتشابه الكلمتان ~~فيه لفظا وخطا، وقسم يتشابهان فيه لفظا لا خطا. فالأول كقول القائل: مجزوء ~~الكامل # يا من تدل بوجنة ... وأنامل من عندم # كفى جعلت لك الفدا ... ألحاظ عينك عن دمي # وكقول الآخر: متقارب # إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه # ومثال الثاني قول الشاعر: رمل مجزوء # كلكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا # وما الذي ضر مدير ال ... جام لو جاملنا # والأبيات الأولى من القسم الأول، والأخرى من القسم الثاني. # فهذه أقسام التجنيس الثمانية. # وأما القسم الذي جعلته لها تاسعا، وهو الذي ذكره التبريزي وسماه التجنيس ~~المضاف، ms013 وأنشد فيه قول البحتري: وافر # أيا قمر التمام أعنت ظلما ... على تطاول الليل التمام # فهو مع قطع النظر عن الإضافة من تجنيس التحريف، لكن هو قسم قائم بذاته، ~~لاتصال المضاف بالمضاف إليه. والله أعلم. # باب الطباق # الطباق اللغوي الذي أخذ منه الصناعي هو قول العرب: طابق البعير في مشيه ~~إذا وضع خف رجله موضع خف يده، وقد رد ابن الأثير على كل من ألف في الصناعة ~~هذا الباب، وقال: إن الجمع من تسميتهم الضدين في هذا الباب خطأ محض، لأن ~~أصل الاشتقاق يقتضي الموافقة لا المضادة، وهو أولى بالخطإ منهم، لأن القوم ~~رأوا أن البعير قد جمع بين الرجل واليد في موطئ واحد، والرجل واليد ضدان، ~~أو في معنى الضدين، فرأوا أن الكلام الذي قد جمع فيه بين الضدين يحسن أن ~~يسمى مطابقا لأن المتكلم به قد طابق فيه بني الضدين، وهو على ضربين: ضرب ~~يأتي بألفاظ الحقيقة، وضرب يأتي بألفاظ المجاز، فما كان منه بلفظ الحقيقة ~~سمي طباقا، وما كان بلفظ المجاز سمي تكافؤا، فمثال التكافؤ قول أبي الشغب ~~العبسي من إنشادات قدامة كامل: # حلو الشمائل وهو مر باسل ... يحمي الذمار صبيحة الإرهاق # ومن أمثلة التكافؤ قول ابن رشيق: طويل # وقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عجاج # لما كان قوله " حلو " و " مر " خارجا مخرج الاستعارة إذ ليس الإنسان ولا ~~شمائله مما يذاق بحاسة الذوق، كان هذا تكافؤا. # وكل أمثلة التكافؤ صالحة لأن تكون أمثلة لباب المقارنة من الأبواب التي ~~استنبطتها، وستأتي في آخر الكتاب. # وأما الطباق الذي يأتي بألفاظ الحقيقة فقد قسموه إلى ثلاثة أقسام: طباق ~~الإيجاب، وطباق السلب، وطباق الترديد. PageV01P008 فمثال طباق الإيجاب قوله ~~تعالى " وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيى " ، وكقول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم للأنصار رضي الله عنهم: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند ~~الطمع " ، فانظروا إلى فضل هذه العبارة كيف أتت المناسبة التامة فيها ضمن ~~المطابقة. # وكقول علي كرم الله وجهه: من رضي عن نفسه كثر من يسخط ms014 عليه، وكقول دعبل ~~الخزاعي: كامل # لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى # وهذا البيت مع سهولة سبكه وخفة ألفاظه وكثرة الماء في جملته قد جمع بين ~~لفظي التكافؤ والطباق معا، لأن ضحك المشيب مجاز، وبكاء الشاعر حقيقة، وكقول ~~الفرزدق وهو من إنشادات ابن المعتز: كامل # لعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار # يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار # غير أن هذين البيتين من أفضل شعر سمعته في هذا الباب، لأنهما جمعا بين ~~طباقي السلب والإيجاب، ووقع فيهما مع الطباق تكميل لم يقع مثله في باب ~~التكميل، لأن هذا الشاعر لما وصف هؤلاء القوم بالضعف حيث قال: " لا يغدرون ~~" وعلم أنه لو اقتصر على ذلك احتمل الكلام ضربا من المدح، إذ تجنب الغدر قد ~~يكون عن ضعف وعن عفة، أتى بصريح الهجاء ليدل بذلك على أنه أراد بكلامه ~~الأول محض الهجاء، واقتضت الصناعة أن يأتي بذلك في لفظ ينتظم به وبما بعده ~~طباق، فقال: " ولا يفون لجار " فتكمل الهجاء، إذ سلبهم الغدر والعجز ~~والوفاء للؤم وحصل في البيت مع الطباق والتكميل الدالين على غاية الهجاء ~~إيغال حسن، لأنه لو اقتصر على قوله " لا يغدرون ولا يفون " تم له القصد ~~الذي أراده، وحصل المعنى الذي قصده، لكنه لما احتاج إلى القافية ليصير ~~الكلام شعرا أفاد بها معنى زائدا حيث قال: " لجار " لأن الغدر بالجار أشد ~~قبحا من الغدر بغيره فإن قيل: لعنة الشاعر لهم في أول كلامه تدل على أنه ~~أراد بقوله: " لا يغدرون " الهجاء فبطل، تأويله. # قلت: ظاهر الغدر القبح، وإنما يستحسن إذا أريد به وصف فاعله بالقدرة وهو ~~من مذهب الجاهلية والشعر الإسلامي، فيحتمل منه لعنه لهم إذا حلمنا نفي ~~الغدر عنهم على صفة المدح أنه أراد باللعنة المبالغة في استحسان ما وصفهم ~~به، فإن من مذهب العرب ذلك، ألا تراهم كانوا يسمون نوادر الأشعار كالمعلقات ~~وأمثالها المخازي والملاعن، لأن سامعها يقول: أخزاه الله ما أشعره، ولعنه ~~الله ما أصدقه. # وطباق السلب، ms015 وهو أن يأتي المتكلم بجملتين أو كلمتين، إحداهما موجبة ~~والأخرى منفية، وقد تكون الكلمتان منفيتين، وقد تقدم في شعر الفرزدق مثال ~~ما وقع في الكلمتان منفيتين، وأما ما وقعت فيه إحدى الكلمتين منفية والأخرى ~~موجبة فمثاله قول بشر بن هارون وقد ظهر منه فرح عند الموت، وقيل له: أتفرح ~~بالموت؟ فقال: ليس قدومي على خالق أرجوه كمقامي مع مخلوق لا أرجوه، وقد نظم ~~منصور الفقيه هذا المعنى فقال كامل: # قد قلت إذ مدحوا الحياة فأطنبوا ... في الموت ألف فضيلة لا توصف # منها أمان لقائه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف # ومن أمثلة القسم الثاني من طباق السلب قول البحتري: طويل # يقيض لي من حيث لا أعلم الهوى ... ويسري إلى الشوق من حيث أعلم # وطباق الترديد، وهو أن يرد آخر الكلام المطابق على أوله، فإن لم يكن ~~الكلام مطابقا فهو رد الأعجاز على الصدور، ومثاله قول الأعشى بسيط # لا يرقع الناس ما أوهوا وإن جهدوا ... طول الحياة ويوهون ما رقعوا # وقد يقع في الطباق ما هو معنوي، كقوله تعالى: " إن أنتم إلا تكذبون، ~~قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون " ، معناه ربنا يعلم إنا لصادقون، والله ~~أعلم. # باب رد الأعجاز على الصدور # وهو الذي سماه المتأخرون التصدير، وقد قسمه ابن المعتز ثلاثة أقسام الأول ~~ما وافق آخر كلمة في البيت آخر كلمة في صدره، أو كانت مجانسة لها كقول ~~الشاعر: كامل # يلفي إذا ما كان يوم عرمرم ... في جيش رأى لا يفل عرمرم # والثاني ما وافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه كقول الآخر: طويل # سريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعي الندى بسريع # والثالث ما وافق آخر كلمة من البيت بعض كلماته في أي موضع كان، كقول ~~الشاعر طويل: PageV01P009 سقى الرمل جون مستهل غمامه ... وما ذاك إلا حب من ~~حل بالرمل # هكذا عرف ابن المعتز هذا القسم الثالث من التصدير، وهو عندي مدخول ~~التعريف من أجل قوله: ما وافق آخر كلمة من البيت بعض كلماته في أي موضع ms016 ~~كانت، فإنها لو كانت في العجز لم يسم تصديرا لأن اشتقاق التصدير من صدر ~~البيت، فلا بد من زيادة قيد في التعريف يسلم به من الدخل بحيث يقول: بعض ~~كلمات البيت في أي موضع كانت من حشو صدره. وأظن ابن المعتز اتكل في ذلك على ~~البيت الذي جاء به مثالا ولا ألوم ابن المعتز. وهذا ابن الخطيب على تأخر ~~زمانه وإطلاعه لأجل التأخر على أكثر ما قيل. وتقدمه في الفضائل قد جاء على ~~بعض أقسام التصدير بقول الشاعر طويل: # وإن لم يكن إلا معرس ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها # ولم يضع ابن المعتز لهذه الأقسام اسما يعرف بعضها من بعض، والذي يحسن أن ~~نسمي به القسم الأول تصدير التقفية، والثاني تصدير الطرفين والثالث تصدير ~~الحشو. وقد وقع من التصدير في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ولقد استهزئ ~~برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون " وقوله تعالى: ~~" وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين " وفي ~~السنة النبوية من ذلك قوله عليه السلام وقد رأى أبا مسعود البدري يضرب عبدا ~~له. " أبا مسعود، لله عليك أقدر منك عليه " وهذه الأقسام الثلاثة فيما ~~الكلام فيه موجب. وفي التصدير قسم رابع ذهب عنه ابن المعتز، وهو يأتي فيما ~~الكلام فيه منفي، واعتراض فيه إضراب عن أوله كقول الشاعر: طويل # فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد # وقد جاء قدامة من التصدير بنوع آخر غير ما ذكرنا، وسماه التبديل وهو أن ~~يصير المتكلم الآخر من كلامه أولا وبالعكس، كقولهم: اشكر لمن أنعم عليك، ~~وأنعم على من شكرك، ولم أقف لهذا القسم على شاهد شعري فقلت: منسرح. # اصبر على خلق من تعاشره ... واصحب صبورا على أذى خلقك # ولم يفرد له قدامة بابا فأذكره في أبوابه. والله أعلم. # باب المذهب الكلامي # المذهب الكلامي عبارة عن احتجاج المتكلم على المعنى المقصود بحجة عقلية ~~تقطع المعاند له فيه، لأنه مأخوذ من علم الكلام الذي هو ms017 عبارة عن إثبات ~~أصول الدين بالبراهين العقلية وهو الذي نسبت تسميته إلى الجاحظ، وزعم ابن ~~المعتز أنه لا يوجد في الكتاب العزيز، وهو محشو منه، ومنه فيه قوله تعالى ~~حكاية عن الخليل عليه السلام: " وحاجة قومه " إلى قوله عز وجل: " وتلك ~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " وقوله تعالى: " أوليس الذي خلق السموات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى " وقوله سبحانه: " لو كان فيما آلهة ~~إلا الله لفسدتا " وقوله: " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " ومن هذا الباب ~~نوع منطقي، وهو استنتاج النتيجة من مقدمتين، فإن أهل هذا العلم قد ذكروا أن ~~من أول سورة الحج إلى قوله: " وأن الله يبعث من في القبور " منطو على خمس ~~نتائج من عشر مقدمات، فالمقدمات من أول السورة إلى قوله تعالى: " وأنبتت من ~~كل زوج بهيج " والنتائج من قوله تعالى: " ذلك بأن الله هو الحق " إلى قوله: ~~" وأن الله يبعث من في القبور " وتفصيل ترتيب المقدمات والنتائج أن يقال: ~~الله أخبر أن زلزلة الساعة شيء عظيم، وخبره هو الحق، وأخبر عن المغيب ~~بالحق، فهو حق فالله هو الحق، والله يأتي بالساعة على تلك الصفات، ولا يعلم ~~صدق الخبر إلا بإحياء الموتى، ليدركوا ذلك، ومن يأتي بالساعة يحيي الموتى ~~فهو يحيي الموتى، وأخبر أن يجعل الناس من هول الساعة سكارى لشدة العذاب ولا ~~يقدر على عموم الناس بشدة العذاب إلا من هو على كل شيء قدير فالله على كل ~~شيء قدير، وأخبر أن الساعة يجازي فيا من يجادل في الله بغير علم، ولا بد من ~~مجازاته، ولا يجازي حتى تكون الساعة آتية. PageV01P010 ولا تأتي الساعة حتى ~~يبعث من في القبور فهو يبعث من في القبور وأن الله ينزل الماء على الأرض ~~الهامدة فتنبت من كل زوج بهيج والقادر على إحياء الأرض بعد موتها يبعث من ~~في القبور، وأن الله يبعث من في القبور. وقد ساق الرماني في الضرب الخامس ~~من باب المبالغة أن إعجازه إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل، ~~للاحتجاج بقوله تعال: ms018 " قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين " وقوله ~~سبحانه " وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه " ونظائر هذه الآيات، ~~ومن ذلك في الشعر قول النابغة يعتذر إلى النعمان: طويل # حلفت فلم أترك لنفسي ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب # لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغشى وأكذب # ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب # ملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب # كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا # فانظر إلى حذق الشاعر في الاحتجاج بقوله لهذا الملك: أنت أحسنت إلى قوم ~~فمدحوك، وأنا أحسن إلى قوم فمدحتهم، فكما أن مدح أولئك لا يعد ذنبا فكذلك ~~مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنبا. # ومن هذا الباب قول الفرزدق: طويل # لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... ونفس يعاصيها الفتى ويطيعها # ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرارهن شفيعها # يقول هذا الشاعر: لكل إنسان نفسان: مطمئنة تأمر بالخير، وأمارة تأمر ~~بالشر، والإنسان يعاصي الأمارة مرة ويطيعها أخرى، وأنت أيها الممدوح نفسك ~~الأمارة إذا أمرتك بترك الندى شفعت المطمئنة إلى الأمارة في الندى في ~~الحالة التي يقل الشفيع في الندى من النفوس، فأنت أكرم الناس ومن هذا الباب ~~أيضا قول ابن المعتز: مديد # كيف لا يخضر عارضه ... ومياه الحسن تسقيه # كأنه قال: كل نبت يسقى فهو أخضر، وشارب هذا الغلام نبت ومياه الحسن ~~تسقيه، فيكف لا يخضر وعلى هذا فقس. # ومن هذا الباب جواب سؤال مقدر، كقوله تعالى: " وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه " : الآية، لأن التقدير أن قائلا قال بعد قوله تعالى: " ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " الآية، فقد استغفر إبراهيم لأبيه، ~~فأخبر بقوله: " وما كان استغفار إبراهيم " الآية والله أعلم. # باب الالتفات # فسر قدامة الالتفات بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذا في معنى فيعترضه ~~إما شك فيه، أو ظن أن رادا يرده عليه، أو سائلا يسأله عن سببه، فيلتفت إليه ~~بعد فراغه منه فإما ms019 أن يجلي الشك فيه أو يؤكده، أو يذكر سببه كقول الرماح ~~بن ميادة طويل. # فلا صرمه يبدو ففي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه # فكأن هذا الشاعر توهم أن قائلا يقول له: وما تصنع بصرمه، فقال: لأن في ~~اليأس راحة. # وأما ابن المعتز فقال: الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، ~~ومثاله من القرآن العزيز قوله تعالى بعد الإخبار بأن الحمد لله رب ~~العالمين: " إياك نعبد وإياك نستعين " وكقوله سبحانه: " إن أراد النبي أن ~~يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين " وكقوله تعالى: " ألم يروا كم أهلكنا ~~من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ومثال ذلك من الشعر قول ~~جرير وافر: # متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام # أو انصراف المتكلم عن الخطاب إلى الإخبار كقوله تعالى: " حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم بريح طيبة " ومثال ذلك من الشعر قول عنترة كامل: # ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم # ثم قال يخبر عن هذه المخاطبة بقوله: كامل # كيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغيلم # أو انصراف المتكلم من الإخبار إلى التكلم كقوله تعالى: " والله الذي أرسل ~~الرياح فتثير سحابا فسقناه أو انصراف المتكلم من التكلم إلى الإخبار كقوله ~~تعالى: " إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز " وقد جمع ~~امرؤ القيس الالتفاتات الثلاثة في ثلاثة أبيات متتاليات، وهي قوله: متقارب # تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقد PageV01P011 وبات وباتت له ~~ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد # وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود # فخاطب في البيت الأول، وانصرف عن الخطاب إلى الإخبار في البيت الثاني ~~وانصرف عن الإخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب. # وفي الالتفات نوع غير النوعين المتقدمين، وهو أن يكون المتكلم آخذا في ~~معنى فيمر فيه إلى أن يفرغ من التعبير عنه على وجه ما، فيعرض له أنه متى ~~اقتصر على هذا المقدار كان معناه مدخولا من وجه غير الوجه الذي بنى معناه ms020 ~~عليه فيلتفت إلى الكلام، فيزيد فيه ما يخلص معناه من ذلك الدخل، كقول شاعر ~~الحماسة: طويل # فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد # فإن هذا الشاعر بني معناه على أن المقبور قريب من الحي الذي يريد تعاهده ~~بالزيارة، إذ القبور بأفنية البيوت غالبا، فلما فرغ من العبارة عن معناه ~~الذي قدره على هذا التقدير، عرض له كأن قائلا يقول له: وأي قرب بين الميت ~~المدفون تحت التراب والحي، فالتفت متلافيا هذا الغلط بقوله: # ... ... ... ... ... ... بلى كل من تحت التراب بعيد # كأن هذا الشاعر بنى معناه على أن المقبور إلى بعد والفرق بين الاحتراس ~~والالتفات أن الاعتراض والانفصال يكونان في بيت واحد، وفي بيتين، وفي آية، ~~وفي آيتين، والالتفات لا يكونان فيه إلا في بيت واحد وآية واحدة. والله ~~أعلم. # باب التمام # وهو الذي سماه الحاتمي التتميم، وسماه ابن المعتز قبله: اعتراض كلام في ~~كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه، وشرح حده: أنه الكلمة التي إذا ~~طرحت من الكلام نقص حسن معناه أو مبالغته، مع أن لفظه يوهم بأنه تام، وهو ~~على ضربين: ضرب في المعاني وضرب في الألفاظ: فالذي في المعاني هو تتميم ~~المعنى، والذي في الألفاظ هو تتميم الوزن، والأول هو الذي قدمنا حده ومجيئه ~~على وجهين للمبالغة والاحتياط، ويجئ في المقاطع كما يجئ في الحشو، مثل قوله ~~تعالى: " وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين " فجاءت الفاصلة كلها تتميما، لأن المعنى ناقص بدونها، ~~لكنه متى جاء في المقاطع سمي إيغالا، ويكثر مجيئه في الحشو ومثاله قوله ~~سبحانه " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة " فقوله ~~تعالى: " من ذكر أو أنثى " ، تتميم، وقوله: " وهو مؤمن " تتميم ثان في غاية ~~البلاغة التي بذكرها تم معنى الكلام، وجرى على الصحة، ولو حذفت هاتان ~~الجملتان نقص معناه واختل من حسن البيان. # من هذا القسم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: " ما من عبد مسلم يصلي لله ms021 ~~كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة " ~~فوقع التتميم في هذا الحديث في أربعة مواضع: منها قوله: مسلم، وقوله: لله، ~~وقوله: كل يوم، وقوله: من غير الفريضة، ومن أناشيد قدامة على هذا القسم قول ~~الشاعر طويل: # أناس إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عاذوا بالسيوف القواضب # فقوله: ويعطوه تتميم في غاية الحسن، وهذا شاهد ما جاء منه للاحتياط، ~~ومثال ما جاء للمبالغة قول زهير بسيط # من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة من والندى خلقا # فقوله على علاته تتميم جاء للمبالغة، وشاهده من كتاب الله تعالى قوله عز ~~وجل: " ويطعمون الطعام على حبه " إن عاد الضمير على الطعام، وإن عاد على ~~اسم الله فهو للاحتياط. # وأما الذي في الألفاظ فهو الذي يؤتى به لإقامة الوزن، بحيث لو طرحت ~~الكلمة استقل معنى البيت بدونها، وهي على ضربن أيضا: كلمة لا يفيد مجيئها ~~إلا إقامة الوزن فقط، وأخرى تفيد مع إقامة الوزن ضربا من المحاسن، والأولى ~~من العيوب، والثانية من النعوت، وهذا موضع الثانية لا الأولى، ومثالها قول ~~المتنبي كامل: # وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما # فإنه جاء بقوله: " يا جنتي " لإقامة الوزن، وقصدها دون غيرها مما يسد ~~مسدها ليكون بينها وبين قافية البيت مطابقة لو كان موضعها غيرها لم تحصل، ~~والله أعلم. # باب الاستطراد PageV01P012 ذكر الحاتمي في حلية المحاضرة أنه نقل هذه ~~التسمية عن البحتري الشاعر، وهو الذي سماه ابن المعتز الخروج من معنى إلى ~~معنى، وفسره بأن قال: هو أن يكون المتكلم في معنى فيخرج منه بطريق التشبيه ~~أو الشرط أو الإخبار أو غير ذلك إلى معنى آخر يتضمن مدحا أو قدحا أو وصفا ~~أو غير ذلك، ورأيت غالب وقوعه في الهجاء، وإن وقع في غيره ولا بد من ذكر ~~المستطرد به باسمه، بشرط ألا يكون جرى له ذكر في الكلام قبل ذلك، ومن ~~أمثلته في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود " ومن ms022 ~~أمثلته الشعرية قول حسان بن ثابت: كامل # إن كنت كاذبة التي حدثتني ... فنجوت منجا الحارث بن هشام # ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام # فهاذ ما وقع من الاستطراد في الهجاء. # وأما ما جاء منه في المدح والهجاء معا فقول بكر بن النطاح طويل: # عرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى فقالت قم فجئني بكوكب # فقلت لها هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب # سلي كل شيء يستقيم طلابه ... ولا تذهبى يا بدر بي كل مذهب # فأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته أعيا بما رمت مطلبي # فتى شقيت أمواله بنواله ... كما شقيت بكر بأرماح تغلب # وهذا أبدع استطراد سمعته في عمري، فإنه قد جمع أحسن قسم وأبدع تخلص، ~~وأرشق استطراد، وتضمن مدح الممدوح بالكرم، وقبيلته بالشجاعة والظفر، وهجاء ~~أعدائهم بالضعف والخور، وهذا لم يتفق لمن قبله ولا لمن بعده إلى وقتنا هذا. # ومن ظريف الاستطراد وغريبه قول بعضهم وأتى بالاستطراد في المجون وهو غريب ~~جدا خفيف: # اكشفي وجهك الذي أوحلتني ... فيه من قبل كشفه عيناك # غلطي في هواك يشبه عندي ... غلطي في أبي علي بن زاكي # وأحسب أن أول من استطرد بالهجاء السموءل حيث يقول طويل: # وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # وفي النسيب امرؤ القيس حيث قال كامل: # عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حمام # باب تأكيد المدح بما يشبه الذم # أنشد ابن المعتز فيه قول النابغة الذبياني: طويل # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # وقول النابغة الجعدي طويل: # فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا # فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا # وقد رأيت لابن المغربي الوزير مما هو داخل في هذا الباب ما يروق السامع، ~~وهو قوله طويل: # ويعدل في شرق البلاد وغربها ... على أنه للسيف والمال ظالم # ورأيت أحسن من هذا لبعضهم، وهو طويل: # ولا عيب فينا غير أن ms023 سماحنا ... أضر بنا والبأس من كل جانب # فأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب # أبونا أب لو كان للناس كلهم ... أبا واحدا أغناهم بالمناقب # وقد خلط المتأخرون باب الاستثناء بهذا الباب، وكنت أرى أنهما باب واحد، ~~إلى أن نبهني عليه عند قراءته من ألفت له هذا الكتاب، فرأيت إفراده منه، ~~وسيأتي في موضعه بعد الفراغ من أبواب ابن المعتز وقدامة إن شاء الله. # باب تجاهل العارف # وقد سماه من بعد ابن المعتز الإعنات، وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة ~~تجاهلا منه به ليخرج كلامه مخرج المدح أو الذم، أو ليدل على شدة التدله في ~~الحب، أو لقصد التعجب، أو التقرير، أو التوبيخ، وهو على قسمين: قسم يكون ~~الاستفهام فيه عن شيئين أحدهما واقع والآخر غير واقع، وقد ينطق بأحد ~~الشيئين ويسكت عن الآخر لدلالة الحال عليه. # وهو على قسمين: موجب، ومنفي. PageV01P013 وقد جاء منه في الكتاب العزيز ~~ما لا يلحق سبقا، كقوله تعالى: " أبشرا منا واحدا نتبعه " فهذا خارج مخرج ~~التعجب، وقوله سبحانه: " أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل ~~في أموالنا ما نشاء " وهذا خارج مخرج التوبيخ، وقوله عز وجل: " أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " وقوله تعالى: " أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم " وهذان الموضعان خرجا مخرج التقرير. وأما ما جاء منه ~~في المدح فكقول بعض المحدثين بسيط # بدا فراع فؤادي حسن صورته ... فقلت هل ملك ذا الشخص أم ملك # وأما ما جاء منه للذم فكقول زهير بن أبي سلمى وافر: # وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء # وأما ما دل منه على التدله في الحب فكقول العرجي بسيط # بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكن أم ليلى من البشر # وكل ما أوردناه من الآيات في هذا الباب مما نطق فيه بأحد الأمرين لدلالة ~~القرينة على الآخر، وبيت المدح من القسم الأول، والبيتان الأخيران من القسم ~~الآخر، والله أعلم، وهذا كله مما جاء من القسم ms024 الأول. # ومما جاء من القسم الثاني في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ما هذا بشرا إن ~~هذا إلا ملك كريم " فحصل في فصاحة النسوة من المبالغة والتهذيب ما لم يقع ~~في فصاحة العرب حيث شبهوا كل من راعهم حسنه بالجن، وتبعهم المتنبي فقال: ~~طويل # لجنية أم غادة رفع السجف ... .. .... ... ... ... # باب الهزل الذي يراد به الجد # وهو أن يقصد المتكلم مدح إنسان أو ذمه، فيخرج ذلك المقصود مخرج الهزل ~~المعجب، والمجون المطرب، كما فعل أصحاب النوادر، مثل أشعب وأبي دلامة وأبي ~~العيناء ومزبد ومن سلك سبيلهم، كما حكى عن أشعب أنه حضر إعذارا صنعه بعض ~~ولاة المدينة، وكان مبخلا، فدعا الناس ثلاثة أيام وهو يجمعهم على مائدة ~~عليها جدي مشوي، فيحوم الناس حوله، ولا يمسه منهم أحد لعلمهم ببخله، وأشعب ~~في كل يوم يحضر ويرى الجدي، فقال في اليوم الثالث: زوجته طالق إن لم يكن ~~عمر هذا الجدي بعد أن ذبح وشوي أطول منه قبل ذلك. # ومن شواهد الهزل الذي يراد به الجد من الشعر العربي قول الشاعر: طويل # إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب # وقد أنشد ابن المعتز في هذا الباب قول أبي العتاهية بسيط # أرقيك أرقيك باسم الله أرقيكا ... من بخل نفسك عل الله يشفيكا # ما سلم كفك إلا من يتاركها ... ولا عدوك إلا من يرجيكا # والفاتح لهذا الباب امرؤ القيس حيث يقول طويل: # وقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعال # وما رأيت أحسن من قوله ملتفتا: وإن كان بعلها. # باب حسن التضمين # وهو أن يضمن المتكلم كلامه كلمة من بيت، أو من آية، أو معنى مجردا من ~~كلام، أو مثلا سائرا أو جملة مفيدة، أو فقرة من حكمة كقول علي عليه السلام ~~في جواب كتاب لمعاوية: " وما الطلقاء وأبناء الطلقاء، والتمييز بين ~~المهاجرين الأولين وتبيين درجاتهم، وتعريف طبقاتهم، هيهات لقد حن قدح ليس ~~منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها " فضمن كلامه هذا المثل العربي وهو ~~قوله: " لقد ms025 حن قدح ليس منها " وكقوله في آخر هذا الكتاب: وإني مرقل نحوك ~~بجحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع ~~قتامهم متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية ~~بدرية، وسيوف هاشمية عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك " وما هي من ~~الظالمين ببعيد " فضمن كلامه هذه الآية. # ومن إنشادات ابن المعتز في هذا الباب سريع: # عوذ لما بت ضيفا له ... أقراصه مني بياسين # فبت والأرض فراشي وقد ... غنت قفا نبك مصارينى # فضمن هذا الشاعر بيته الأول كلمة من السورة، وبيته الثاني جملة من البيت ~~الذي هو أول القصيدة المشهورة. # وقد وقع من ذلك في الكتاب العزيز ما تضمنه من التوراة كقوله سبحانه: " ~~وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " الآية. # ومن لطيف التضمين في الشعر قول أبي تمام طويل: # لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي ... أرق وأحفى منك في ساعة الكرب # فضمن بيته كلمات من البيت المشهور وهو بسيط PageV01P014 المستجير بعمرو ~~عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار # وفي الكتاب العزيز من هذا الباب ما حكاه فيه سبحانه من صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك قوله: " محمد رسول الله " إلى قوله: " ذل ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل " فضمن كتابنا صفتهم من الكتابين ~~الأولين، والفرق بين التضمين والإيداع والاستعانة والعنوان أن التضمين يقع ~~في النظم والنثر ولا يكون إلا بالنثر ويكون من المحاسن ومن العيوب، ولكنه ~~لا يكون من العيوب إلا إذا وقع في النظم بالنظم، والإيداع والاستعانة وإن ~~وقعا معا في النظم والنثر فلا يكونان إلا بالنظم دون النثر. # وأما العنوان فإنه يقع في النظم والنثر ولا يقع بالنثر، وهو بخلاف ~~التضمين لا يكون إلا من المحاسن دون العيوب، والتضمين منهما معا وسيأتي ~~بيان ذلك في موضعه، والله أعلم. # باب الكناية # وهي أن يعبر المتكلم عن المعنى القبيح باللفظ الحسن، وعن الفاحش بالطاهر، ~~كقوله سبحانه: " كانا يأكلان الطعام " كناية عن الحدث. وكقوله تعالى: " أو ~~جاء أحد منكم من الغائط " كناية عن قضاء الحاجة، وكقوله ms026 عز وجل: " ولكن لا ~~تواعدوهن سرا " كناية عن الجماع، قال امرؤ القيس طويل: # ألا زعمت بسباسة الحي أنني ... كبرت وألا يحسن السر أمثالي # ذهب كل من فسر شعره من العلماء أنه أراد بالسر الوقاع، وكقوله سبحانه: " ~~وقد أفضى بعضكم إلى بعض " يريد به ما يكون بين الزوجين من المباضعة، وكقول ~~الله تعالى: " الخبيثات للخبيثين " ، وهو سبحانه يريد الزنا وعلى الجملة لا ~~تجد معنى من هذه المعاني في الكتاب العزيز يأتي إلا بلفظ الكناية، لأن ~~المعنى الفاحش متى عبر عنه بلفظه الموضوع له كان الكلام معيبا من جهة فحش ~~المعنى، ولذلك عاب قدامة على امرئ القيس قوله طويل: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول # إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول # وقال أعني قدامة: وعيب هذا الشعر من جهة فحش المعنى، يريد أنه عبر عنه ~~بلفظه، فجاء الكلام فاحشا، وهو عيب، ولذلك تنزه القرآن عنه، ولو استعار ~~امرؤ القيس لمعناه لفظ الكناية كما فعل في البيت الذي تقدم هذين البيتين لم ~~يكن إلى عيبه سبيل. # وفي السنة النبوية من الكناية ما لا يكاد يحصى، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا يضع العصا عن كتفه " كناية عن كثرة الضرب أو كثرة السفر. # وحكى ابن المعتز أن العرب كانت تقول: " فلان يخبأ العصا لمن به أبنة " ، ~~وأنشد رجز مجزوء: # زوجك زوج صالح ... لكنه يخبا العصا # ومن أناشيد ابن المعتز لبشار في اثنين كانا يتفاعلان خفيف: # وإذا ما التقى مثنى وبكر ... زاد في ذا شبر وفي ذاك شبر # وأنشد لأبي نواس في الكناية عن جلد عميرة ما لا يدرك شأوه وهو طويل: # إذا أنت أنكحت الكريمة كفؤها ... فأنكح حبيشا راحة ابنة ساعد # وقل بالرفا ما نلت من وصل حرة ... لها ساحة حفت بخمس ولائد # ومن أحسن الكنايات في الهجاء قول بعض الشعراء يهجو إنسانا به داء الأسد، ~~فكنى عن ذلك ورمى أمه بالفجور بطريق الكناية أيضا حيث قال: وافر # أراد أبوك أمك حين زفت ... فلم ms027 توجد لأمك بنت سعد # يريد به عذرة، ثم قال وافر: # أخو لخم أعارك منه ثوبا ... هنيئا بالقميص المستجد # يريد: جذاما فإنه أخو لخم. # وأنشد ابن المعتز في الكناية عن حجام لبعض الشعراء: طويل # إذا عوج الكتاب يوما سطورهم ... فليس بمعوج له أبدا سطر # ومن نخوة العرب وغيرتهم كنايتهم عن حرائر النساء بالبيض، وقد جاء القرآن ~~العزيز بذلك، فقال سبحانه: " كأنهن بيض مكنون " وقال امرؤ القيس طويل: # وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل # ومن مليح الكناية قول بعض العرب وافر: # ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام # سألت الناس عنك فخبروني ... هنا من ذاك يكرهه الكرام # وليس بما أحل الله بأس ... إذا هو لم يخالطه الحرام PageV01P015 فإن هذا ~~الشاعر كنى بالنخلة عن المرأة، وبالهناء عن الرفث، فأما الهناءة فمن عادة ~~العرب الكناية بها عن مثل ذلك، وأما الكناية بالنخلة عن المرأة فمن طريف ~~الكناية وغريبها. # باب الإفراط في الصفة # وهو الذي سماه قدامة المبالغة، وسماه من بعده التبليغ، وأكثر الناس على ~~تسمية قدامة، لأنها أخف وأعرف، ومن أناشيد ابن المعتز فيها: كامل # ملك تراه إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والصفوف قيام # وحد قدامة المبالغة بأن قال: هي أن يذكر المتكلم حالا من الأحوال لو وقف ~~عندها لأجزأت، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره ما يكون أبلغ في معنى ~~قصده، كقول عمرو بن الأهتم التغلبي وافر: # ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا # وأنا أقول: قد اختلف في المبالغة، فقوم يرون أن أجود الشعر أكذبه وخير ~~الكلام ما بولغ فيه، ويحتجون بما جرى بين النابغة الذبياني وبين حسان في ~~استدراك النابغة عليه تلك المواضع في قوله طويل: # لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # فإن النابغة إنما عاب على حسان ترك المبالغة، والقصة مشهورة، والصواب مع ~~حسان، وإن روى عنه انقطاعه في يد النابغة، وقوم يرون المبالغة من عيوب ~~الكلام، ولا يرون من محاسنه إلا ما ms028 خرج مخرج الصدق، وجاء على منهج الحق، ~~ويزعمون أن المبالغة من ضعف المتكلم وعجزه عن أن يخترع معنى مبتكرا، أو ~~يفرع معنى من معنى، أو يحلى كلامه بشيء من البديع، أو ينتخب ألفاظا موصوفة ~~بصفات الحسن، ويجيد تركيبها، فإذا عجز عن ذلك كله أتى بالمبالغة لسد خلله، ~~وتتميم نقصه، لما فيها من التهويل على السامع، ويدعون أنها ربما أحالت ~~المعاني فأخرجتها من حد الإمكان إلى حد الامتناع. # وعندي أن المذهبين مردودان. # أما الأول فلقول صاحبه: إن خير الكلام ما بولغ فيه، وهذا قول من لا نظر ~~له، لأنا نرى أن أكثر الكلام والأشعار جاريا على الصدق، خارجا مخرج الحق، ~~وهو في غاية الجودة ونهاية الحسن وتمام القوة، كيف لا والمبالغة ضرب واحد ~~من المحاسن، والمحاسن لا تنحصر ضروبها، فكيف يقال: إن هذا الضرب على ~~انفراده يفضل سائر المحاسن على كثرتها؟ وهذا شعر زهير والحطيئة وحسان ومن ~~كان مذهبه توخي الصدق في شعره غالبا ليس فوق أشعارهم غاية لمترق، ألا ترى ~~إلى قول زهير طويل: # ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم # والى قول طرفة طويل: # لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه في اليد # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # والى قول الحطيئة بسيط # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # فإنك تجد هذه الأشعار في الطبقة العليا من البلاغة وإن خلت من المبالغة. ~~والذي يدل على أن مذهب أكثر الفحول ترجيح الصدق في أشعارهم على الكذب ما ~~روى عن الحرورية امرأة عمران بن حطان الخارجي أنها قالت له يوما: أنت أعطيت ~~الله عهدا ألا تكذب في شعرك، فكيف قلت كامل مجزوء: # فهناك مجزءة بن ثو ... ر كان أشجع من أسامه # فقال: يا هذه إن هذا الرجل فتح مدينة وحده، وما سمعت بأسد فتح مدينة قط. ~~وهذا حسان يقول بسيط # وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا # وإن أشعر ms029 بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقا # على أن هؤلاء الفحول وإن رجحوا هذا المذهب لا يكرهون ضده، ولا يجحدون ~~فضله، وقلما تخلو بعض أشعارهم منه، إلا أن توخى الصدق كان الغالب عليهم، ~~وكانوا يكثرون منه، ومن أكثر من شيء عرف به، كما أن النابغة ومن شايعه على ~~مذهبه لا يكره ضد المبالغة، وإلا فكل احتجاجاته على النعمان في الاعتذار ~~جار مجرى الحقيقة، كقوله طويل: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب PageV01P016 ~~فعائب الكلام الحسن بترك المبالغة فقط مخطئ، وعائب المبالغة على الإطلاق ~~غير مصيب، وخير الأمور أوساطها، وكيف تعاب المبالغة وقد وجدت في الكتاب ~~العزيز على ضروب: منها المبالغة في الصفة المعدولة من الجارية لمعنى ~~المبالغة فإنها جاءت على ستة أمثلة: فعلان كرحمان، عدل عن راحم للمبالغة ~~ولا يوصف به إلا الله تعالى، لأن رحمته وسعت كل شيء، وفعال معدول عن فاعل ~~للمبالغة كقوله تعالى: " لغفار لمن تاب " " تواب رحيم " " علام الغيوب " " ~~فعال لما يريد " وفعول عدل عن فاعل للمبالغة " كغفور " و " شكور " و " ودود ~~" ، وفعيل عدل عن فاعل، " كرحيم " و " حكيم " و " عليم " و " قدير " و " ~~سميع " و " بصير " ومفعل معدول عن فاعل " كمدعس " و " مطعن " ، ومفعال ~~معدول عن فاعل للمبالغة " كمطعام " و " مطعان " . # والضرب الثاني من المبالغة وهو ما جاء بالصيغة العامة في موضع الخاصة ~~كقولك: أتاني الناس كلهم، ولم يكن أتاك سوى واحد أردت تعظيمه، ومن هذا ~~الضرب قول أبي نواس سريع: # وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # ومن هذا الضرب في الكتاب العزيز قوله تعالى: " إنما يوفى الصابرون أجرهم ~~بغير حساب " فوعدهم سبحانه بجزاء غير مقدر، لمجيئه بالصيغة العامة تعظيما ~~له " وكل شيء عنده بمقدار " والضرب الثالث من المبالغة إخراج الكلام مخرج ~~الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة، والإخبار عنه مجاز، كقول من رأى موكبا ~~عظميا أو جيشا خضما: جاء الملك نفسه وهو يعلم حقيقة أن ما جاء جيشه، وقد ~~جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وجاء ربك ms030 والملك صفا صفا " فجعل ~~مجيء جلائل آياته مجيئا له سبحانه، وكقوله تعالى: " ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه " فجعل نقله بالهلكة من دار العمل إلى دار الجزاء وجدانا للمجازى. # والضرب الرابع من المبالغة إخراج الممكن من الشرط إلى الممتنع، ليمتنع ~~وقوع المشروط، كقوله تعالى: " ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ~~" . # والضرب الخامس من المبالغة ما جرى مجرى الحقيقة، وهو قسمان: قسم كان ~~مجازا فصار بالقرينة حقيقة، كقوله تعال: " يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار " ~~فإن اقتران هذه الجملة بيكاد صرفها إلى الحقيقة فانقلبت من الامتناع إلى ~~الإمكان. # وقسم أتى بصيغة أفعل التفضيل، وهو محض الحقيقة من غير قرينة كقوله تعالى: ~~" أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا " . # والضرب السادس من المبالغة ما بولغ في صفته بطريق التشبيه، كقوله تعالى: ~~" إنها ترمي بشرر كالقصر، كأنه جمالات صفر " فهذه ضروب ما ورد من المبالغة ~~في الكتاب العزيز. # والمبالغة تأتي في الكلام على ضربين: ظاهرة ومدمجة، وكل ما قدمناه من ~~مبالغات الكتاب العزيز من الظاهرة. # ومن المدمجة قوله تعالى: " سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو ~~مستخف بالليل وسارب بالنهار " فإن المبالغة أتت في هذه الآية مدمجة في ~~المقابلة، والجواب: هذه المبالغة بالنسبة إلى المخاطب إلى المخاطب وقد جاء ~~منها في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يحصى كثرة، ولا يلحق بلاغة، ~~كقوله عليه السلام مخبرا عن ربه أنه قال سبحانه: " كل عمل ابن آدم له إلا ~~الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به " وقوله في بقية هذا الحديث: " والذي نفس ~~محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " . ففي هذا الحديث ~~مبالغتان: أحداهما كون الحق سبحانه أضاف الصيام إلى نفسه دون سائر الأعمال ~~لقصد المبالغة في تعظيمه وتشريفه، وأخبر أنه عز وجل يتولى مجازاة الصائم ~~بنفسه، مبالغة في تعظيم الجزاء وشرفه، ونحن نعلم أن الأعمال كلها لله ~~سبحانه ولعبده باعتبارين: أما كونها للعبد فلأنه يثاب عليها، وأما كونها ~~لله تعالى فلأنها عملت لوجهه الكريم، ومن ms031 أجله فتخصيص الصيام من بينها ~~بالإضافة إلى الرب سبحانه، وتخصيص ثوابه بما خصصه به إنما كان للمبالغة في ~~تعظيمه والحض عليه، والمبالغة الثانية إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ~~تقديم القسم لتأكيد الخبر بأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ~~ففضل تغيير فم الصائم بالإمساك عن الطعام والشراب على ريح المسك الذي هو ~~أطيب الطيب على مقتضى ما يفهم من ريح المسك وريح تغير فم الصائم، وأتى ~~المعنى بصيغة أفعل للمبالغة، فجمع هذا الكلام بين قسمي المبالغة المجازي ~~والحقيقي. # ومن أمثله المبالغة في الشعر قول امرئ القيس طويل: PageV01P017 فعادى ~~عداء بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل # فإنه أخبر عن هذا الفرس أنه أدرك ثورا وبقرة وحشية في مضمار واحد، ولم ~~يعرق، ومثله قول أبي الطيب طويل: # وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب # وما يعاب من المبالغة إلا ما خرج به الكلام عن حد الإمكان إلى الاستحالة ~~وأما إذا كان كقول قيس بن الخطيم طويل: # طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائما من دونها ما وراءها # فإن ذلك من جيد المبالغة إذا لم يكن خارجا مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ ~~النهاية في وصف الطعنة، وما سمعت ولا غيري بمستمع مثل قول أبي تمام بسيط # تكاد تنتقل الأرواح لو تركت ... من الجسوم إليها حين تنتقل # فإنه لم يقنع في تصحيح المبالغة وقربها من الوقوع، فضلا عن الجوار بتقديم ~~كاد حتى قال: لو تركت؛ وهذا أصح بيت سمعته في المبالغة وأحسنه وأبلغه، ~~وكقول شاعر الحماسة حيث بالغ في مدح ممدوحه بقوله طويل: # رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد # ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكن ما لا يستطاع شديد # فإن هذا الشاعر ألقى بيده وأظهر عجزه واعترف بقصوره عن شكر بر هذا ~~الممدوح، وفطن إلى أنه لو اقتصر على ذلك لقيل له: عجزك عن شكر هذا الرجل ms032 لا ~~يدل على كثرة بره، وإنما يدل على ضعف مادتك عن الشكر إذ لا يلزم من عجز ~~الإنسان عن شيء تعظيم ذلك الشيء على الإطلاق، لاحتمال أن يكون العجز لضعف ~~في الإنسان فاحترس عن ذلك بقوله: # وما فوق شكري للشكور مزيد # ثم تمم المعنى بأن قال: للشكور أي للمبالغ في الشكر، لأن شكور معدول عن ~~شاكر للمبالغة كما تقدم ثم أظهر عذره في عجزه مع قدرته بأن قال في البيت ~~الثاني: # ولو كان مما يستطاع استطعته # ثم أخرج بقية البيت مخرج المثل السائر حيث قال: # ولكن ما لا يستطاع شديد # فهذا أبلغ شعر سمعته في هذا المعنى لجودة مفردات ألفاظه، وسهولة سبكه ~~ومساواة لفظه لمعناه، ومتانة مبناه، وكثرة معانيه، وصحة المبالغة فيه؛ فإن ~~قيل: لم بالغت في وصف هذا الشعر وهو عندك داخل في القسم المعيب من المبالغة ~~لكونه أخرج الكلام من حد الإمكان إلى حد الامتناع حيث جعل شكر هذا الممدوح ~~لا يستطاع؟ فإني أقول: ليس كل بر يمكن شكره، ولا يقوم المدح بحقه، فإنا لو ~~قدرنا أن إنسانا فك إنسانا من الأسر واستنقذه من القتل لما وفى شكره ببره ~~ولو كان أشكر الناس، واستنفد في شكره بقية عمره، لا سيما لو قدر أن ذلك ~~الممتن ببقاء النفس أضاف إلى ذلك توابع إحسان، وعوارف امتنان، على ممر ~~الزمان، فإن الشكر لا يقوم ببر ذلك الإنسان، ولو تجاوز فيه الشكور حد ~~الإمكان، فقد وضح أن من البر ما لا يؤدي شكره، ومن هذا قول أبي نواس: # لا تسدين إلى عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # وهذا سيد المرسلين الذي بعث بجوامع الكلم، وهو أفصح من نطق بالضاد بقول ~~لعظمة نعم ربه عليه: " لا أحصى ثناء عليك " . ومعلوم أن نعم الله سبحانه لا ~~يقوم شكر جميع العباد بمعشارها، ولا كذلك نعم بعضهم على بعض لكن يشبه شكر ~~أحدنا نعمة صاحبه إلى شكر الرسول صلى الله عليه وسلم نعمة ربه كنسبة نعم ~~بعضنا على بعض إلى نسبة نعم الله تعالى سبحانه على ms033 نبيه أو على عبد من ~~عبيده، وإن كانت نعم الله تعالى على نبيه أعظم من نعمه على سائر خلقه، ~~بدليل قوله تعالى: " وكان فضل الله عليك عظيما " لأن بين بلاغة أحدنا وبين ~~بلاغة الرسول كما بين نعمة أحدنا ونعمة الله سبحانه، وإذا وقع للقضية مثال ~~واحد في الوجود علم إمكان وقوعها، وخرجت بذلك من حد الاستحالة والامتناع ~~إلى حد الجواز والإمكان. PageV01P018 والمذهب المرضي أن المبالغة ضرب من ~~المحاسن إذا بعدت عن الإغراق والغلو، وإن كان الإغراق والغلو أيضا ضربين من ~~المحاسن إذا اقترنا، وعيبين إذا أطلقا، ألا ترى كل مبالغة وقعت في الكتاب ~~العزيز كيف أتت على قسمين: قسم ممكن غير مقترن، وقسم غير ممكن لا يأتي إلا ~~مقترنا، كقوله سبحانه: " يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار " وفي غير الممكن ~~كقوله سبحانه: " سواء منكم من أسر القول ومن جهر به " الآية، لأن المبالغة ~~فيها عرفية، معناه أن علم ذلك متعذر عندكم، وإلا فهو بالنسبة إلى علم الله ~~سبحانه ليس بمبالغة، وقد قال امرؤ القيس في غير الممكن طويل: # من القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا # ولأن قوة الشعر وضعفه وماءه ورونقه أمر خارج عن البديع جملة، والمحاسن ~~بتة، قرب شعر في غاية الجودة ونهاية القوة مع كونه قد بلغ فيه قائله إلى حد ~~الإغراق أو الغلو، ورب شعر في غاية الرداءة مع الخلو عن هذين الضربين، فإن ~~الكلام يكون جيدا بدون البديع، ورديئا مع وجوده، فإنكار المبالغة في الكلام ~~القوي الجيد ما لا سبيل إليه. # وأما قول من قال: إن الكلام لا يحسن بدون المبالغة فإن لم يحمل كلامه على ~~التقييد، وإلا فهو محال بين الإحالة، وأحسب قائل هذا ذهب إلى التمييز بين ~~كلامين استويا في خفة مفردات الألفاظ وتوسط استعمالها وحسن تركيبها وخلو ~~الكلام بعد التركيب عن العيوب جملة وتفصيلا، وتماثلا في جودة المعنى ~~وتمامه، وكثرة الماء فيهما، وتحليا من البديع بما أتى الطبع به عفوا من غير ~~تكلف ولا تعسف، وقد بولغ في أحدهما ms034 مبالغة مرضية والآخر لم يبالغ فيه، فإن ~~ما بولغ فيه أفضل من الآخر، وأكثر النقاد على أن خير الكلام ما كان متوسطا ~~بين الغلو والاقتصاد والسلامة والمتانة الغرابة والاستعمال والتصنع ~~والاسترسال، وما أحسن قول البحتري فيما قدمته من هذا الكلام حيث قال يصف ~~لفظ بعض الكتاب خفيف: # في نظام من البلاغة ما شك ... ك امرؤ أنه نظام فريد # وبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديد # حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنبن ظلمة التعقيد # وركبن اللفظ القريب فأدرك؟ ... ن به غاية المرام البعيد # باب التشبيه # التشبيه عبارة عن العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حال أو عقد، ~~هكذا حد الرماني، وهذا هو التشبيه العام الذي يدخل تحته التشبيه البليغ ~~وغيره، ثم إن الرماني بعد حده قال: والتشبيه تشبيهان: تشبيه شيئين متفقين ~~بأنفسهما كتشبيه الجوهر بالجوهر، كقولك: ماء النيل مثل ماء الفرات، وتشبيه ~~العرض بالعرض كقولك: حمرة الخد كحمرة الورد، وتشبيه الجسم بالجسم كقولك: ~~الزبرجد مثل الزمرد، وتشبيه شيئين مختلفين بالذات يجمعهما معنى مشترك ~~بينهما: كقولك، حاتم كالغمام، وعنترة كالضرغام، والتشبيه المتفق تشبيه ~~حقيقة، والتشبيه المختلف تشبيه مجاز للمبالغة. # وحد التشبيه البليغ إخراج الأغمض إلى الأظهر بالتشبيه مع حسن التأليف، ~~ووقوع حن البيان فيه على وجوه، منها: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة كقوله ~~تعالى: " والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ~~لم يجده شيئا " فهذا بيان إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه ~~الحاسة، وقد اجتمعا في بطلان التوهم مع شدة الحاجة، ولو قيل: يحسبه الرائي ~~ماء لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن لأن الظمآن أشد حرصا عليه، وأكثر ~~تعلق قلب به، وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من أحسن التشبيه، فكيف تضمن مع ~~ذلك حسن النظم وعذوبة الألفاظ وصحة الدلالة. # ومنها إخراج ما لم تجربه العادة إلى ما جرت به العادة، كقوله تعالى: " ~~وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة " وهذا بيان قد أخرج ما لم تجر به العادة ~~إلى ما جرت ms035 به العادة، وقد اجتمعا في معنى الارتفاع في الصورة. # ومنها إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة، كقوله تعالى: " ~~وجنة عرضها كعرض السماء والأرض " وهذا بيان قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة ~~إلى ما يعلم بالبديهة، وقد اجتمعا في العظم وحصل من ذلك الوصف التشويق إلى ~~الجنة بحسن الصفة وإفراط السعة. PageV01P019 ومنها إخراج ما لا قوة له في ~~الصفة إلى ما له قوة في الصفة، كقوله تعالى: " وله الجوار المنشآت في البحر ~~كالأعلام " وهذا بيان قد أخرج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة في ~~الصفة، وقد اجتمعا في العظم إلا أن الجبال أعظم، وفي ذلك العبرة من جهة ~~القدرة فيما سخر الله من الفلك الجارية على الماء مع عظمها ولطفه، وما في ~~ذلك من الانتفاع بحملها الأثقال، وقطعها الأقطار البعيدة في المسافة ~~القريبة. # ومنها إخراج الكلام بالتشبيه مخرج الإنكار كقوله تعالى: " أجعلتم سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر " وهذا إنكار على ~~من جعل حرمة الجماد كحرمة من آمن بالله، وفي ذلك أوفى دلالة على تعظيم حال ~~المؤمن بالإيمان، وأنه لا يساوي به مخلوق ليس على صفته بالقياس. # واعلم أن الشيء لا يشبه بنفسه ولا بغيره من كل وجه، فإن الشيئين إذا ~~تشابها من جميع الجهات اتحدا، ولا يشبه الشيء بما هو دونه في الصفة الجامعة ~~بينهما. # والتشبيه الصناعي على ضربين: تشبيه بأداة، وتشبيه بغير أداة وفائدته قرب ~~المشبه من المشبه به. # وأدوات التشبيه خمسة: الكاف، وكأن، وشبه؛ ومثل، والمصدر، بتقدير الأداة. ~~وفي المصادر ما لا يمكن تقدير الأداة فيه كقول الشاعر بسيط : # فإنما هي إقبال وإدبار # أي ذات إقبال وذات إدبار. # وفي التشبيه نوع آخر لا بد من تقدير الأداة فيه كقوله تعالى: " وأزواجه ~~أمهاتهم " وهو من غير القسمين أعني قسمي المصادر فالذي بالأداة قوله تعالى: ~~" مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " وكقول امرئ القيس طويل: # مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل # والذي بغير أداة كقوله سبحانه: " وهي تمر مر ms036 السحاب " وكقول حسان كامل: # بزجاجة رقصت بما في قعرها ... رقص القلوص براكب مستعجل # وكل ضرب من هذين الضربين مقسم تسعة أقسام: وهذه الأقسام على ضربين أيضا: ~~ضرب متحد، وضرب متعدد، فالمتحد ينقسم وفق عدد أدوات التشبيه الخمس من تشبيه ~~شيء بشيء، إلى تشبيه شيء بخمسة أشياء. والمتعدد أربعة أقسام: من تشبيه ~~شيئين بشيئين، إلى تشبيه خمسة بخمسة، فشاهد تشبيه شيء بشيء قول امرئ القيس ~~طويل: # وجيد كجيد الرئم ليس بفا حش ... إذا هي نصته ولا بمعطل # وشاهد تشبيه شيء واحد بشيئين قوله أيضا طويل: # وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع رمل أو مساويك إسحل # وشاهد تشبيه شيء واحد بثلاثة أشياء قول البحتري سريع: # كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح # وتشبيه شيء واحد بأربعة أشياء قول امرئ القيس متقارب: # كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر # يعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحر # وتشبيه شيء واحد بخمسة أشياء مثل قول الحريري بسيط # يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلح وعن حبب # وأما تشبيه شيئين بشيئين من المتعدد فكقول امرئ القيس طويل: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدي وكرها العناب والحشف البالي # وتشبيه ثلاثة بثلاثة قول ابن المعلى " مجتث " : # ليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقد # خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد # وتشبيه أربعة بأربعة قول امرئ القيس طويل: # له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل # ولقد غير أبو نواس في وجهه حيث قال سريع: # تبكي فتذري الطل من نرجس ... وتمسح الورد بعناب # فإن بيته أخصر وزنا وأبهر حسنا وأقصر معنى. # وشاهد خمسة بخمسة قول أبي الفرج الوأواء بسيط # فأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد # وعندي أن بيت الوأواء هو عين بيت أبي نواس وإنما حصلت فيه زيادة التشبيه ~~لاتساع وزنه، فثبت الفضل لبيت أبي نواس بالسبق إلى نفس المعنى ونفس ~~التشبيه. # واعلم أن زيادة التشبيه بما زاد في بيت أبي الفرج الوأواء عن اللفظ ~~لاتساع الوزن. PageV01P020 ومن التشبيه ms037 نوعان آخران أحدهما تكون أدواته ~~أفعال الظن واليقين كقولك: حسبت زيدا في جرأته الأسد، وعمرا في جوده الغمام ~~والجارية في حسنها القمر، فحاصل ذلك تشبيه الجرئ بالأسد، والجواد بالغمام، ~~والجارية بالقمر، ومنه في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وتحسبهم أيقاظا وهم ~~رقود " حاصل ذلك تشبيه أهل الكهف في حال نومهم بحال الأيقاظ، ومن ذلك في ~~الشعر قول شاعر الحماسة طويل: # وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة. # وذلك أنه لما كانت الشحمة بيضاء شبهوا كل بيضاء بها، وأخرج ذلك مخرج ~~المثل. # والنوع الآخر من التشبيه هو الذي يسمى تشبيه التوليد والتمثيل كقول ~~الكميت بسيط # أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم يشفي بها الكلب # باب عتاب المرء نفسه # وهو من إفراد ابن المعتز، ولم ينشد فيه سوى بيتين ذكر أن الآمدى أنشدهما ~~له عن الجاحظ طويل: # عصاني قومي في الرشاد الذي به ... أمرت ومن يعص المجرب يندم # فصبرا بني بكر على الموت إنني ... أرى عارضا ينهل بالموت والدم # وما أرى في هذين البيتين من عتاب المرء نفسه إلا ما يتحيل به لمعناهما، ~~فيقدر أن هذا الشاعر لما أمر بالرشد وبذل النصح ولم يطع ندم على بذل ~~النصيحة لغير أهلها، وملزوم ذلك عتابه لنفسه فيكون دلالة البيتين على عتابه ~~لنفسه دلالة التزام لا دلالة مطابقة ولا تضمين. # ومثل هذين البيتين قول دريد بن الصمة طويل: # نصحت لعراض وأصحاب عارض ... ورهط بني السوداء والقوم شهدى # وقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد # فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتد # وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد # ولا يصلح أن يكون شاهد هذا الباب إلا قول شاعر الحماسة طويل: # أقول لنفسي في الخلاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر # وكقول ابن السليماني من شعراء الحماسة طويل: # لعمرك إني يوم سلع للائم ... لنفسي ولكن ما يرد التلوم # أأمكنت من نفسي عدوى ضلة ... ألهفي على ما فات لو ms038 كنت أعلم # وقد جاء من هذا الباب في كتاب الله قوله سبحانه وتعالى: " يا حسرتي على ~~ما فرطت في جنب الله " والله أعلم. # باب حسن الابتداءات # هذه تسمية ابن المعتز، وأراد بها ابتداءات القصائد، وقد فرع المتأخرون من ~~هذه التسمية براعة الاستهلال، وخصوا بها ابتداء المتكلم بمعنى ما يريد ~~تكميله ولقد وقع في أثناء القصيدة. # وقد روى أن أحسن ابتداء ابتدأ به مولد قصيدة قول إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي، حيث يقول خفيف: # هل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل # ومن إنشادات ابن المعتز في هذا الباب قول النابغة الذبياني طويل: # كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب # ولعمري لقد أحسن ابن المعتز الاختيار، فإني أظنه نظر بين هذا الابتداء ~~وبين ابتداء امرئ القيس في معلقته حيث قال طويل: # قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل # فرأى أن ابتداء امرئ القيس على تقدمه وكثرة معاني ابتداءاته متفاوت ~~القسمين جدا، لأن صدر البيت جمع بين عذوبة اللفظ وسهولة السبك، وكثرة ~~المعاني بالنسبة إلى العجز ما لم يجمع العجز، فإن ألفاظ العجز غريبة ~~بالنسبة إلى ألفاظ الصدر، والعجز أقل معان من الصدر بخلاف بيت النابغة، ~~فإنه لا تفاوت بين قسميه البتة، فبيت امرئ القيس وإن كان أكثر معان من بيت ~~النابغة، فبيت النابغة أفضل، من جهة ملاءمة ألفاظه، ومساواة قسمية، ومثل ~~بيت النابغة قول زهير طويل: # صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله # فإن قسمي هذا البيت متلائمان، فإن لفظ كل واحد منهما متوسط بين الغرابة ~~والابتذال، وفي كل قسم منهما استعارتان، فقد تساويا في اللفظ والمعنى كبيت ~~النابغة، وهذا من قول امرئ القيس طويل: PageV01P021 خليلي مرا بي على أم ~~جندب ... نقضي لبانات الفؤاد المعذب # وإنما عظم ابتداء معلقة امرئ القيس في النفوس الاقتصار على سماع صدر ~~البيت، فإنه يشغل الفكر بحسنه عن النظر في ملاءمة عجزه أو عدم ملاءمته، وهو ~~الذي قيل عند سماعه للمنشد: حسبك، فإن قائل هذا ms039 الكلام أشعر الناس، لأنه ~~وقف واستوقف، وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في شطر بيت ولم يستنشد ~~العجز منه شغلا بحسن الصدر عنه، وإذا تأمل الناظر في نقد البيت بكماله ظهر ~~له تفاوت القسمين، فعلم جملة أن الابتداء غير موصوف بحسن الابتداء، إذ حسن ~~الابتداء عبارة عن ملاءمة القسمين. # ومن جيد ابتداءات المولدين قول أبي نواس وهو في غاية الحسن طويل: # خليلي هذا موقف من متيم ... فعوجا قليلا وانظراه يسلم # وقوله طويل: # لمن دمن تزداد حسن رسوم ... على طول ما أقوت وطيب نسيم # ومن إنشادات ابن المعتز لأبي تمام بسيط # يا بعد غاية دمع العين إذ بعدوا ... هي الصبابة طول الدهر والكمد # وإذا وصلت إلى قول البحتري طويل: # بودي لو يهوى العذول ويعشق ... ليعلم أسباب الهوى كيف تعلق # وصلت إلى الغاية التي لا تدرك، وما سمع أشد مباينة كبيت جميل وهو قوله: ~~طويل # ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... أسائلكم ل يقتل الرجل الحب؟ # وهذا البيت الذي قال فيه الرشيد إما للمفضل الضبي أو غيره: هل تعرف بيتا ~~نصفه بدوي في، شمله وباقيه مخنث في بذلة فأنشده البيت فاستحسن ذكره. # ولقد أحسن أبو الطيب ما شاء في قوله خفيف: # تراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي # لو لم يكدر صفوه ويقبح حسنه بقوله: # كيف ترثي التي برى كل جفن ... راءها غير جفنها غير راقي # وأكثر ابتداءات أبي العلاء المعري تأتي على سنن الصواب، كقوله: بسيط # يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر ... لعل بالجزع أعوانا على السهر # وكقوله طويل: # طربن لضوء البارق المتعالي ... ببغداد وهنا ما لهن ومالي # وقوله طويل: # مغاني اللوى من شخصك اليوم أطلال ... وفي النوم مغنى من خيالك محلال # وكقوله خفيف: # غير مجد في ملتي واعتقادي ... نوح باك ولا ترنم شاد # فهذه أمثلة ابتداءات القصائد. # وأما أمثلة براعة الاستهلال فمنها قول محمد بن الخياط طويل: # لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي # فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأنفدت ما عندي ms040 # ولقد أحسن البحتري اتباعه في هذا المعنى حيث قال كامل: # أعدت يداه يدي وشرد جوده ... بخلي فأفقرني كما أغناني # ووثقت بالخلق الجميل معجلا ... منه فأعطيت الذي أعطاني # وإذا نظرت إلى فواتح السور الفرقانية جملها ومفرداتها رأيت من البلاغة ~~والتفنن في الفصاحة ما لا تقدر العبارة على حصر معناه، ومن أراد الوقوف على ~~ذلك فليقف على كتابي المنعوت بالخواطر السوانح في كشف أسرار الفواتح والله ~~أعلم. # باب صحة الأقسام # وهذا أول أبواب قدامة وصحة الأقسام عبارة عن استيفاء المتكلم أقسام ~~المعنى الذي هو آخذ فيه، بحيث لا يغادر منه شيئا، ومثال ذلك قوله تعلى: " ~~هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا " وليس في رؤية البرق إلا الخوف من ~~الصواعق، والطمع في الأمطار، ولا ثالث لهذين القسمين. # ومن لطيف ما وقع في هذه الجملة من البلاغة تقديم الخوف على الطمع، إذ ~~كانت الصواعق تقع من أول برقة، ولا يحصل المطر إلا بعد توافر البرقات، فإن ~~تواترها لا يكاد يكذب ولهذا كانت العرب تعد سبعين برقة وتنتجع، فلا تخطئ ~~الغيث والكلأ، والى هذا أشار المتنبي بقوله وافر: # وقد أرد المياه بغير هاد ... سوى عدي لها برق الغمام PageV01P022 فلما ~~كان الأمر المخوف من البرق يقع من أول برقة، أتى ذكر الخوف في الآية ~~الكريمة مقدما أولا، ولما كان الأمر المطمع إنما يقع من البرق ناسخا للخوف، ~~لمجيء الفرج بعد الشدة، والميسرة بعد الأمر المخوف، أتى ذكر الطمع في الآية ~~الكريمة ثانيا، وليكون الطمع بعد الحزن رحمة من الله سبحانه وتعالى بخلقه، ~~وبشرى بحسن العاقبة لعباده، وقد أتى ابن رشيق بهذه الآية من شواهد التفسير، ~~لما كان قوله سبحانه خوفا وطمعا كان مفسرا رؤية البرق، وهو قريب. # ومما جاءت صحة الأقسام فيه مدمجة في المقابلة من الكتاب العزيز قوله ~~سبحانه: " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض ~~وعشيا وحين تظهرون " وقد اعترضت المطابقة بين القسمين المتقابلين واستوعبت ~~أقسام الأوقات من طرفي كل يوم ووسطه. # ومن بديع صحة التقسيم قول علي عليه السلام: ms041 " أنعم على من شئت تكن أميره، ~~واستغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره " فإنه استوعب أقسام ~~الدرجات العليا والسفلى والوسطى، وأقسام أحوال الإنسان وبين الفضل والنقص ~~والكفاف وأتى في ضمن ذلك الطباق بين الغنى والحاجة والمناسبة في أميره ~~ونظيره وأسيره. # ومثال صحة الأقسام من الكتاب العزيز أيضا قوله: " الذين يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم " فلم يترك سبحانه قسما من أقسام الهيئات حتى أتى ~~به، ومثل هذه الآية آية يونس وهي قوله تعالى: " وإذا مس الإنسان الضر دعانا ~~لجنبه أو قاعدا أو قائما " لكن وقعت بين ترتيب الآيتين مغايرة أوجبتها ~~البلاغة، فتضمن الكلام بها الائتلاف، وذلك أن الذكر يجب فيه تقديم القيام ~~لأن المراد به الصلاة والله أعلم. والقيام واجب فيها للمستطيع، والقعود ~~بعده عند العجز عن القيام، والاضطجاع عند العجز عن القعود، والضر يجب فيه ~~تقديم الاضطجاع، وإذا زال بعض الضرر قعد المضطجع، وإذا زال كل الضرر قام ~~القاعد فدعا لتتم الصحة وتكمل القوة، ويحصل التصرف، فإن قلت: هذا التأويل ~~لا يتم إلا إذا كانت الواو هي العاطفة فلم عدل عنها وبها يحصل في الكلام ~~حسن النسق وائتلاف الألفاظ مع المعاني إلى أو التي يسقط معها ذلك؟ قلت: ~~تأثير الضر على أقسام: فإن من الضر ما يصرع المضرور عند وروده، ومنه ما ~~يقعده، ومنه ما يأتي وصاحبه قائم ولا يبلغ به شيئا من هذه الحالات، والدعاء ~~عند أول مس الضر، فإن الضر والجزع عند الصدمة الأولى، فوجب العدول عن الواو ~~لأو لتوخي الصدق في الخبر، والكلام على ذلك موصوف بالائتلاف وبحسن النسق، ~~والخبر بذلك التأويل الأول عن شخص واحد، وبالتأويل الثاني عن أشخاص، فغلبت ~~الكثرة، فوجب الإتيان بأو، وابتدئ بالشخص الذي يصرعه، لأن ضره أشد، فهو ~~أكثر تضرعا فوجب تقديم ذكره لأن تقديمه الأهم، وإذا تقدم ذكر المضطجع أوجب ~~حسن الترتيب أن يليه ذكر القاعد وأن يلي ذكر القاعد ذكر القائم، فحصل حسن ~~الترتيب، وائتلاف الألفاظ بمعانيها، وترجح مجيء أو على مجيء الواو، ولا تدل ms042 ~~عليه من تعدد المضطرين دون الواو. # وكقوله: " يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشاء عقيما " لأنه سبحانه إما أن يفرد العبد: بهبة الإناث ~~أو بهبة الذكور أو يجمعهما له، أو لا يهبه شيئا، ووقعت صحة الأقسام في هذه ~~الآية على ترتيب البلاغة، وهو الانتقال من الأدنى إلى الأعلى فقدم هبة ~~الإناث لتنتقل منها إلى أعلى منها، وهي هبة الذكور، ثم انتقل إلى أعلى منها ~~وهي هبة الإناث والذكور، فجاءت كل أقسام العطية بلفظ الهبة، وأفرد معنى ~~الحرمان بالتأخر لأن أفضاله على عباده أهم من حرمانه إياهم، وتقديم الأهم ~~أولى، وقال في معنى الحرمان: ويجعل عادلا عن لفظ الهبة لتأتي الألفاظ ~~ملائمة للمعاني قياسا على قوله تعالى: " أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه ~~أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما " وهكذا الاعتداد بالماء والنار، ~~فأتى لفظ العطاء بلفظ الزرع، ومعنى الحرمان بلفظ الجعل. # وفي السنة من صحة الأقسام قول رسول الله عليه الصلاة والسلام " ليس لك من ~~مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت " ولا رابع لهذه ~~الأقسام. PageV01P023 ووقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال: رحم الله من ~~تصدق من فضل، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت: فقال الحسن: ما ترك الأعرابي ~~منكم أحدا حتى عمه بالمسئلة. # ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول نصيب طويل: # فقال فريق القوم لا وفريقهم ... نعم وفريق ليمن الله ما ندري # فليس في أقسام الإجابة غير ما ذكر. # وقال بشار طويل: # فراح فريق في الإسار، ومثله ... قتيل، ومثل لاذ بالبحر هاربه # وأوجز من هذا في معناه قول عمرو بن الأهتم خفيف: # اشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل وهارب وأسير # ومن جيد صحة الأقسام قول شاعر الحماسة طويل: # وهبها كشيء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر # فلم يبق في تقسيم المعدوم شيئا حق ذكره، لأن الشيء إما مقدرا لم يوجد، أو ~~قد وجدد وعدم إما بالنزوح أو بالفناء، وكقول أبي ms043 تمام في الأفشين وقد أحرق ~~كامل: # صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتا، ويدخلها مع الفجار # والبارع في هذا الباب قول عمرو بن كلثوم وافر: # نطاعن ما تراخى الصف عنا ... ونضرب بالسيوف إذا غشينا # وأحسب أن أول من نطق بصحة التقسيم زهير حيث قال: طويل # وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمي # ونقل أبو نواس هذا المعنى من الجد إلى الهزل، فقال في الحض على الشرب ~~منسرح: # أمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد مر فاسل عن أمس # وإنما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس # وكنت أظن أن زهيرا هو المبتدئ بصحة التقسيم حتى عثرت على قول امرئ القيس ~~طويل: # وليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال # فاستوعب آلات القتال، ورتبها في البيت على ما يكون عليه في الحرب من ~~الأفضل فالأفضل. فتمت صحة التقسيم بجميع شروطها كما ترى، وما ألطف قول بعض ~~المغاربة خفيف: # شغل الدهر من لقاء حبيب ... ليت شعري متى؟ وكيف؟ وأينا؟ # فاستوعب أقسام الظروف الزمانية والمكانية، وكيف التي يسأل بها عن ~~الأحوال. # والنادر في صحة الأقسام قول عمر بن أبي ربيعة طويل: # تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا أنت مقصر # ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا بعدها يسلى ولا أنت تصبر # باب صحة المقابلات # صحة المقابلات عبارة عن توخي المتكلم ترتيب الكلام على ما ينبغي، فإذا ~~أتى بأشياء في صدر كلامه أتى بأضدادها في عجزه على الترتيب، بحيث يقابل ~~الأول بالأول، والثاني بالثاني لا يخرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق، ~~ومتى أخل بالترتيب كان الكلام فاسد المقابلة، وقد تكون المقابلة بغير ~~الأضداد. # والفرق بين المقابلة والمطابقة من وجهين: أحدهما أن المقابلة لا تكون إلا ~~بالجمع بين ضدين فذين، والمقابلة تكون غالبا بالجمع بين أربعة أضداد: ضدان ~~في صدر الكلام، وضدان في عجزه، وتبلغ إلى الجمع بين عشرة أضداد: خمسة في ~~الصدر، وخمسة في العجز. والثاني أن المطابقة لا ms044 تكون إلا بالأضداد، ~~والمقابلة تكون بالأضداد وبغير الأضداد. PageV01P024 ومن معجز هذا الباب ~~قوله تعالى: " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من ~~فضله " فانظر إلى مجيء الليل والنهار في صدر الكلام، ثم قابلهما في عجز ~~الكلام بضدين، وهما السكون والحركة على الترتيب، ثم عبر عن الحركة بلفظ ~~الإرداف، فاستلزم الكلام ضربا من المحاسن زائدا على المقابلة، وعدل عن لفظ ~~الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل لكون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة، وابتغاء ~~الفضل حركة المصلحة دون المفسدة، وهي تشير إلى الإعانة بالقوة، وحسن ~~الاختيار الدال على رجاحة العقل وسلامة الحس، وإضاءة الظرف الذي تلك الحركة ~~المخصوصة واقعة فيه، ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المأرب، ويتقي أسباب المهالك، ~~والآية سيقت للاعتداد بالنعم، فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه ~~وتابعه ليتم حسن البيان، فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من ~~المنافع والمصالح، التي لو عددت بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة ~~عنها إلى ألفاظ كثيرة. فحصل في الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن، ألا ~~تراه سبحانه جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان، حيث قال: ~~" لتسكنوا ولتبتغوا " بلام التعليل، فجمعت هذه الكلمات المقابلة، والتعليل، ~~والإشارة، والإرداف، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وحسن البيان، وحسن النسق، ~~فلذلك جاء الكلام متلائما آخذة أعناق بعضه بأعناق بعض، ثم أخبرن بالخبر ~~الصادق أن جميع ما عدده من النعم بلفظه الخاص، وما تضمنته العبارة من النعم ~~التي تلزم من لفظ الإرداف بعض رحمته، حيث قال بحرف التبعيض: " ومن رحمته " ~~وكل هذا في بعض آية عدتها عشر كلمات، فالحظ هذه البلاغة الباهرة والفصاحة ~~المتظاهرة. # ومن أمثلة صحة المقابلات قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " ما كان الرفق ~~في شيء إلا زانه، ولا الخرق في شيء إلا شانه " فقابل عليه السلام الرفق ~~بالخرق، والزين بالشين بأحسن ترتيب وأتم مناسبة بين الرفق والخرق ولفظتي ~~شانه وزانه. # ومن أمثلة صحة المقابلات الشعرية قول القائل أحسبه كثيرا في مقابلة ~~الأضداد من أناشيد قدامة طويل: # فوا عجبا ms045 كيف اتفقنا فناصح ... وفي ومطوي على الغل غادر # فإن هذا الشاعر لما قدم ذكر النصح والوفاء في صدر البيت، قابلهما بذكر ~~الغل والغدر في عجزه على الترتيب، لا، الغل ضد النصح، والغدر ضد الوفاء. ~~وقد وقع في مقابلة الأضداد ما جمع بين ستة أضداد وهو بيت أنشده أبو دلامة ~~للمنصور، وقد سأله عن أشعر بيت في المقابلة فأنشده بسيط # ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل # فإن الشاعر قابل أحسن بأقبح، والدين بالكفر، والدنيا بالإفلاس، فجمع بيته ~~ما لم يجمعه بيت قيل قبله في التقابل، ولا خلاف في أنه لم يقل قبله مثله، ~~وأما بعده فقد غير المتنبي في وجوه الناس بقوله بسيط # أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي # فإنه جمع بين عشر مقابلات، قابل أزور بأنثنى، وسوادا ببياض، والليل ~~بالصبح، ويشفع بيغرى، ولفظة لي بلفظة بي على الترتيب، ولا أعلم في باب ~~التقابل أفضل من هذا البيت لجمعه من المقابلات ما لم يجمعه بيت لشاعر قبله ~~ولا بعده إلى يومنا هذا، مع ما فيه من تمكين قافيته، بخلاف البيت الذي ~~أنشده أبو دلامة، فإن قافيته مستدعاة لكون حسن الأشياء التي ذكرها، وقبحها ~~لا يختص بالرجل دون المرأة، والمعنى قد تم بدون ذكر الرجل، ولو كان لما ~~اضطر إلى القافية التي أفاد بها معنى زائدا بحيث يقول: بالبشر لكان البيت ~~نادرا، غير أن المقابلة التي في البيت الذي أنشده أبو دلامة أفضل من ~~المقابلة التي في بيت أبي الطيب، لأن المقابلة التي في البيت الأول ~~بالأضداد، والتي في بيت المتنبي بالأضداد وبغير الأضداد، والمقابلة ~~بالأضداد أفضل مراعاة للاشتقاق، لأن التقابل: التضاد والتناقض، فبيت ~~المتنبي فضل بالكثرة والبيت الأول أفضل بجودة المقابلة، وقد أنشد بعض ~~المؤلفين في هذا الباب قول أبي نواس طويل: # أرى الفضل للدنيا وللدين جامعا ... كما السهم فيه الفوق والريش والنصل ~~PageV01P025 وزعم أن هذا البيت فاسد المقابلة من جهة أنه قابل الدنيا ~~والدين الذين هما طرفان بطرفي السهم، وهما الفوق والنصل، ms046 ونفي الريش لا ~~مقابل له، وعندي أن البيت صحيح المقابلة، لأن أبا نواس قصد أن الممدوح جمع ~~من الدين والدنيا ما ينتفع به، وما لا بد للعاقل المكلف منه، وهما طرفا ~~نقيض، كما جمع طرفا السهم ما لا غنى بالسهم عنه، لأن الفوق موضوع الوتر، ~~والريش الموصل، والنصل المصمى، فشبه الممدوح بالسهم الجامع لمصالح الطرفين، ~~ولما كان الريش والفوق في طرف واحد كانا معا مقابلين للنصل، إذ هو في الطرف ~~الآخر، ولم يضر تعدادهما. وهو يريد الطرف الجامع لهما على أن الإخلال بصحة ~~التقسيم في ظاهر اللفظ لا يفسد صحة المقابلة، فرب كلام وقع في ظاهر لفظه ~~إخلال ببعض أقسامه، لكون ذلك القسم لم يذكر فيه بالفعل، وكان مذكورا فيه ~~بالقوة في باطنه، فجاء ظاهر لفظه يوهم الإخلال وهو بريء منه، كما جاء في ~~قوله تعالى: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه ~~وفضلا " فقدم في صدر الكلام أمران: الوعد بالفقر، والأمر بالفحشاء، ثم قابل ~~الشيئين في الظاهر بشيء واحد وهو الوعد. فأوهم أنه أخل بذكر الأمر، وليس ~~كذلك، وإنما لما كان الفضل مقابلا للفقر، والمغفرة مقابلة للأمر بالفحشاء ~~لأن الفحشاء توجب العقوبة. والمغفرة تقابل العقوبة، استغنى بذكر المقابل عن ~~ذكر مقابله، لأن ذكر أحدهما ملزوم ذكر الآخر، ومثل ذلك من الشعر الفصيح قول ~~القائل وافر: # أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم الترابا # فما صبروا لبأس عند حرب ... ولا أدوا لحسن يد ثوابا # فإن ظاهر لفظ البيتين يؤذن بأن الشاعر أخل بمقابل قوله: # وأسقينا دماءهم الترابا # لأنه قابل اليأس بسلب الصبر، والإنعام بنفي الثواب، وليس الأمر كذلك لأن ~~القتل والأسر داخلان في بأس الحرب، فهما شيء واحد وإن تعدد مقابلهما معا ~~بالصبر، لأنه يكون عليهما. والله أعلم. # باب صحة التفسير والتبيين # وهو أن يأتي المتكلم في أول الكلام، أو الشاعر في بيت من الشعر بمعنى لا ~~يستقل الفهم بمعرفة فحواه دون أن يفسر، إما في البيت الآخر، أو في بقية ~~البيت إن كان الكلام الذي يحتاج إلى التفسير في ms047 أوله. # ووقوع التفسير من الكلام على أنحاء: بعد الشرط، وما هو في معناه، وبعد ~~الجار والمجرور، وبعد المبتدإ الذي التفسير خبره. فمثال ما وقع منه بعد ~~الحروف المتضمنة معنى الشرط قول الفرزدق طويل: # لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم # لألفيت منهم معطيا ومطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم # ومثال ما جاء بعد الجار والمجرور قول الحسين بن مطير الأسدي كامل: # وله بلا حزن ولا بمسرة ... ضحك يواصل بينه وبكاء PageV01P026 وكلا ~~الرجلين - أعني الفرزدق وابن مطير - لم يراعيا الترتيب، وإن كان عدم ~~الترتيب مع حسن الجوار وقرب الملائم لا ينقص به حسن الكلام البليغ، بل هو ~~عندي نوع من صحة التفسير، ألا ترى إلى قوله تعالى: " يوم تبيض وجوه وتسود ~~وجوه، فأما الذين اسودت وجوههم " ثم قال بعد ذلك: " وأما الذين ابيضت ~~وجوههم " ومثل ذلك قول الله تعالى: " بسم الله الرحمن الرحيم " فإنه لما ~~قدم ذكر الأبلغ على ما دونه - وطريق البلاغة الترقي - نعلم من هذا الترتيب ~~أن توخي الملاءمة، وحسن الجوار أولى من حسن الترتيب، إذ كان اسم الله تعالى ~~يختص به دون بقية أسماءه، وكان الرحمن وصفا مختصا به دون بقية صفاته، فأتبع ~~الأخص بالأخص، ولتوخي الملاءمة ومراعاة حسن الجوار عدل عن الإيضاح، وتعمد ~~التقديم والتأخير الذي هو أحد الوجوه الثلاثة التي يحصل بها الإشكال، فإن ~~التنزيل لو كان في آية الطهارة، " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤسكم " لم تختلف العلماء في المسح والغسل، ~~لكن القصد إلى نظم الكلام على الوجه الأحسن من مجاورة الملائم بالملائم ~~ليكون لفظ الكلام مؤتلفا مع معناه، عدل عن ذلك الترتيب إلى التقديم ~~والتأخير، لأن كل من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضوء أصحابه ~~والتابعين لهم بإحسان لم يرو أن أحدا منهم غسل رجليه قبل مسح رأسه، وإذا ~~علم أن مسح الرأس مقدم على غسل الرجلين علم أن الواجب غسل الرجل من حيث إنه ~~سبحانه قدم ذكر مسح الرأس، ليعلمنا ترتيب غسل ms048 الأعضاء في الوضوء كما كانت ~~في الغسل، فإن الغسل يختم فيه بغسل الرجلين، ولما أخر ذكر الرجلين أتى ~~بالتحديد ليعلم أن الأمر فيهما معطوف على الأعضاء المغسولة، لا على العضو ~~الممسوح، فإن المسح لم تضرب له غاية احتراسا ممن يظن أن الرجل ممسوحة، ~~ولعربية الشافعي ومعرفته بكنه بلاغة العرب أوجب الترتيب في الوضوء، لكون ~~الآية جاءت مرتبة للأعضاء، ولم يحفل بالتقديم والتأخير، وإن أوجب لبسا ~~اتكالا على ما في التحديد من دفع ذلك اللبس. وما سمعت ولا غيري بمستمع كقول ~~الله سبحانه وتعالى: " سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن ~~أنفسهم ومما لا يعلمون " فإن صحة التقسيم اندرجت في صحة التفسير، واندمج ~~الترتيب والتهذيب في صحة التقسيم، وحصل الائتلاف من حصول الترتيب، إذ قدم ~~سبحانه النبات، وثنى بأشرف الحيوان، فكان غيره من الحيوان بطريق أولى، ثم ~~ثلث بقوله: " ومما لا يعلمون " فاندرج تحت هذا العموم كل ما اختص الله ~~بعلمه من المولدات الثلاث، بل من جميع المخلوقات من كل موجود سوى الله، ~~فحصل الترقي على سنن الفصاحة، والمشي على نهج البلاغة وأتت الفاصلة في غاية ~~التمكين، فالآية الكريمة لذلك تصلح أن تكون شاهدا للتفسير، والتقسيم، ~~والتهذيب، والائتلاف، والتمكين، وإنما خصصت بها باب التفسير، لأنه أول ~~مذكور فيها، ومنه تتفرع بقية ما انطوت عليه من المحاسن، ولقد أحسن ابن شرف ~~القيرواني في التفسير الواقع بعد الجار والمجرور حيث قال طويل: # لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن # فللخامل العليا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبى وللخائف الأمن # ون أناشيد قدامة فيما جاء من التفسير بعد الحروف المتضمنة معنى الشرط قول ~~صالح بن جناح اللخمي طويل: # لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج # ثم فطن الشاعر إلى أنه أجمل في قوله: وإن كنت محتاجا إلى الحلم، فإنني في ~~بعض الأوقات إلى الجهل أحوج، ولم يبين كونه إذا احتاج إلى الجهل واضطر له ~~هل يقدر على أن يجهل؟ فقال في البيت الثاني طويل: # ولي فرس ms049 للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج # فبين أن عنده حلم لمن يعامله بالحلم، وجهل لمن يعامله بالجهل، وهذا بسط ~~قول عمرو بن كلثوم وافر: # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # لكن بيت ابن جناح أمشى على سنن العدل من بيت ابن كلثوم لاستضاءته بنور ~~القرآن العزيز، وتأدبه بأدبه لأنه عقد بالوزن قوله تعالى: " فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " . # ثم فطن - أعني ابن جناح - إلى كونه لم يتبين العلة التي تحوجه إلى الجهل، ~~فقال في البيت الثالث طويل: PageV01P027 فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن ~~شاء تعويجي فإني معوج # ومثال ما جاء من التفسير بعد خبر المبتدإ بشرط أن يكون المفسر مجملا ~~والمفسر له مفصلا قول ابن الرومي كامل: # آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم # منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم # وهذا أفضل ما سمعته في باب التفسير من الشعر، فإنه راعى فيه الترتيب أحسن ~~مراعاة، فلو كمله بأن يستوعب فيه أقسام منافع النجوم بأن يضيف إلى ما ذكره ~~سقياها الأرض، حصل في بيته صحة التقسيم مع صحة التفسير، وإن كان هذا غير ~~لازم للشاعر، لكنه لو اتفق له ذلك كان أحسن. ولما لحظت ذلك خطر لي أن أعمل ~~معناه على ما وقع لي من صحة التقسيم مع صحة التفسير، فقلت في شرف الدين حسن ~~بن سناء الملك؛ طويل: # لآبائك الماضين يا حسن الندى ... صفات بها لا غير تعلو المراتب # وجوه وآراء وشهب عزائم ... وأيد بديجور الخطوب كواكب # يماط الدجى منها ويهدي بها الورى ... ويرحم من يجنى وتسقى السحائب # ومن بديع التفسير قول أبي جعفر الخراز النظيري من نظر بلنسية، من شعراء ~~المائة السادسة في ابن عباد طويل: # وما زلت أجني منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجني ولا زرع يحصد # ثمار أياد دانيات قطوفها ... لأغصانها ظل علي ممدد # يرى جاريا ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري فوقهن تغرد # ون التفسير نوع لا تعرف صحته، لأنه يأتي مفسرا لشيء مقدر في ms050 النفس، لم ~~يجر له ذكر في الكلام الذي تقدم، لكنه يكون ملزوم الكلام المتقدم من ظاهر ~~اللفظ، ولأن المفسر لا تنحصر تفاصيله كقول المتنبي كامل: # وجلا الوداع من الحبيب محاسنا ... حسن العزاء وقد جلين قبيح # فيد مسلمة وطرف شاخص ... وحشا يذوب ومدمع مسفوح # وذلك أن البيت الثاني لا يصلح أن يكون تفسيرا للبيت الأول، لأن البيت ~~الأول أشار إلى صفات الحبيب، والبيت الثاني يشير إلى أحوال المحب، وإنما ~~لما قال في البيت الأول إن الوداع جلا من الحبيب محاسنا قبح عند رؤيتها، ~~كان كأنه قدر في نفسه أنه عندما تحقق مقارنة تلك المحاسن بقيت حاله على ما ~~شرحه وفسره في البيت الثاني. # ومن مليح التفسير وبديعه قول محمد ابن وهيب في المعتصم بسيط # ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر # ولقد أحسن مجد الملك بن شمس الخلافة حين تناول هذا المعنى ما شاء، فإنه ~~وطأ له توطئة ملائمة، لو اقتصرنا في تفضيله عليها كانت كافية لا سيما وقد ~~زاد فيه زيادة غير خافية عن ذي بصيرة حيث قال كامل: # شيئان حدث بالقساوة عنهما ... قلب الذي يهواه قلبي والحجر # وثلاثة بالجود حدث عنهم ... البحر والملك المعظم والمطر # لكن واسطة الثلاثة خيرها ... وكذاك خير العقد واسطة الدرر # ومن التفسير ضرب يأتي في حشو البيت وهو غريب في التفسير، لأن غالب مجيء ~~التفسير إما في عجز البيت، أو في بيت آخر، وهو قول عمرو بن كلثوم وافر: # ويوم كريهة طعنا وضربا ... أقر به مواليك العيونا # فقوله: " طعنا وضربا " تفسير ليوم الكريهة. # ومن لطيف التفسير وغريبه تفسير وقع بعد الإخبار، وهو غير الأقسام ~~المتقدمة، وذلك قول أبي حية النميري طويل: # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين: كف ومعصم # والمعنى من قول النابغة الذبياني كامل: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد # وبيت أبي حية أجزل لفظا، وأتم معنى، وأحسن رونقا وديباجة. # ومن مليح التفسير الذي وقع في بيت قول بعض المغاربة بسيط # صالوا وجالوا وضاؤوا واحتبوا فهم ... أسد ومزن وأقمار ms051 وأجبال # فإنه أحسن فيه الترتيب، ووقع التفسير في عجز البيت كله، والمفسر في الصدر ~~كل بحيث أتى كل قسم مستقلا بنفسه، وجمع إلى ذلك المساواة، فإن لفظه طبق ~~معناه، ومن التفسير نوع يتقدم التفسير فيه على المفسر، كقول زينب بنت زياد ~~المؤدب من شواعر العرب طويل: PageV01P028 ولا أبى الواشون إلا فراقنا ... ~~وما لهم عندي وعندك من ثار # وشنوا على أسماعنا كل غارة ... وقلت حماتي عند ذاك وأنصاري # غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسيف والماء والنار # فقولها: من مقلتيك وأدمعي ومن نفسي تفسير لبقية البيت. # ومن معجز التفسير ما جاء في الكتاب العزيز منه كقوله تعالى: " والله خلق ~~كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومهم من ~~يمشي على أربع " فذكر سبحانه الجنس الأعلى أولا حيث قال: " كل دابة " ~~فاستغرق أجناس كل ما دب ودرج. ثم فسر هذا الجنس بعد ذلك بالأجناس المتوسطة ~~والأنواع، حيث قال: فمنهم، ومنهم، ومنهم مراعيا للترتيب وذلك أنه قدم ما ~~يمشي بغير آلة لكون الآية سيقت لبيان القدرة وتعجب السامع، وما يمشي بغير ~~آلة أعجب مما يمشي بآلة، فلذلك كان تقديمه ملائما لمقصود الآية، ثم ثنى ~~بالأفضل فالأفضل، فأتى بما يمشي على رجلين، وهو الآدمي والطائر، لتمام خلق ~~الإنسان وكمال حسن صورته، ولما في الطائر من عجب الطيران الدال على الخفة، ~~مع ما فيه من كثافة الأرضية، وثلث بما يمشي على أربع لأنه أحسن الحيوان ~~البهيم وأقواه، تغليبا له على ما يمشي على أكثر من الأربع من الحشرات، وإن ~~كان داخلا فيما يمشي على الأربع، وإنما خص ذلك بالذكر دونه لفضله عليه، ~~فاستوعب الأقسام، وأحسن الترتيب، فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة ~~من المحاسن، وهي صحة التفسير وصحة التقسيم، مع مراعاة الترتيب، والإشارة، ~~وائتلاف اللفظ مع المعنى وحسن النسق. # باب ائتلاف اللفظ مع المعنى # ذا الباب ذكره قدامة وترجمه منفردا، ولم يبين معناه، وشرحه الآمدي فأطال، ~~ولم توف عبارته بإيضاحه؛ وتلخيص معنى هذه التسمية أن تكون ms052 ألفاظ المعنى ~~المطلوب ليس فيها لفظة غير لائقة بذلك المعنى، ومثال ذلك قوله سبحانه: " إن ~~مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " فعدل سبحانه عن الطين الذي أخبر ~~في كثير من مواضع الكتاب العزيز أنه خلق آدم منه، منها قوله تعالى: " إني ~~خالق بشرا من طين " وقوله سبحانه حكاية عن إبليس: " خلقتني من نار وخلقته ~~من طين " فعدل عز وجل. وهو أعلم. عن ذكر الطين الذي هو مجموع الراب والماء ~~إلى ذكر مجرد التراب، لأنه أدنى العنصرين، وأكثفهما لما كان المقصود مقابلة ~~من ادعى في المسيح الإلهية بما يصغر أمر خلقه عند من ادعى ذلك، فهذا كان ~~الإيتان بلفظة التراب أمتن بالمعنى من غيرها من العناصر ولو كان موضعه غيره ~~لكان اللفظ غير مؤتلف بالمعنى المقصود، ولما أراد سبحانه الامتنان على بني ~~إسرائيل بعيسى عليه السلام أخبرهم عنه أنه يخلق لهم من الطين كهيئة الطير ~~تعظيما لأمر ما يخلقه بإذنه، إذ كان المعنى المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ~~ليعظموا قدر النعمة به. # ومن ائتلاف اللفظ مع المعنى أن يكون اللفظ جزلا إذا كان المعنى فخما، ~~ورقيقا إذا كان المعنى رشيقا، وغرسا إذا كان المعنى غريبا بحتا، ومستعملا ~~إذا كان المعنى مولدا محدثا، كقول زهير طويل: # أثافي سفعا في معرس مرجل ... ونؤبا كجذم الحوض لم يتثلم # فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا أنعم صباحا أيها الربع وأسلم # فإن زهيرا لما قصد إلى تركيب البيت الأول من ألفاظ تدل على معنى عربي لكن ~~المعنى غير غريب، ركبه من ألفاظ متوسطة بين الغرابة والاستعمال، ولما قصد ~~في البيت الثاني إلى معنى أبين من الأول وأعرف وإن كان غريبا ركبه من ألفاظ ~~مستعملة معروفة. # ومن شواهد هذا القسم من الائتلاف من الكتاب العزيز قوله تعالى: " قالوا ~~تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين " فإنه سبحانه أتى ~~بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها، فإن والله وبالله أكثر استعمالا ~~وأعرف عند الكافة من تالله لما كان الفعل الذي جاور القسم أغرب ms053 الصيغ التي ~~في بابه، فإن كان وأخواتها أكثر استعمالا من تفتأ وأعرف عند الكافة، ولذلك ~~أتى بعدهما بأغرب ألفاظ الهلاك بالنسبة، وهي لفظة حرض ولما أراد غير ذلك ~~قال في غير هذا الموضع " وأقسموا بالله جهد أيمانهم " لما كانت جميع ~~الألفاظ مستعملة وعلى هذا فقس. والله أعلم. PageV01P029 ومن هذا الباب ~~ملاءمة الألفاظ في نظم الكلام على مقتضى المعنى، لا من مجرد جملة اللفظ، ~~فإن الائتلاف من جهة ما قدمنا من ملاءمة الغريب للغريب والمستعمل للمستعمل، ~~لا من جهة المعنى، بل ذلك من جهة اللفظ. # وأما الذي من جهة المعنى فقوله تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ~~فتمسكم النار " فإنه سبحانه لما نهى عن الركون للظالمين، وهو الميل إليهم، ~~والاعتماد عليهم، كان ذلك دون مشاركتهم في الظلم، أخبر أن العقاب على ذلك ~~دون العقاب على الظلم، وهو مس النار، دون الإحراق والاصطلاء، وإن كان المس ~~قد يطلق ويراد به الاستئصال بالعذاب وشمول الثواب أكبر مجازا، ولما كان ~~المس أول ألم أو لذة يباشرها الممسوس جاز أن يطلق على ما يدل عليه استصحاب ~~تلك الحال مجازا، والحقيقة ما ذكرناه وهو في هذه الآية الكريمة على حقيقته، ~~والله عز وجل أعلم. # باب المساواة # وهذا الباب مما فرعه قدامة من الباب المتقدم عليه، وشرحه بأن قال: هو أن ~~يكون اللفظ مساويا للمعنى حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه وهذا من البلاغة ~~التي وصف بها بعض الوصاف بعض البلغاء فقال: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، ~~ومعظم آيات الكتاب العزيز كذلك، ومنها قوله تعالى: " إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون " فإن قيل: معظم هذه الآية من باب الإشارة، لأن العدل والإحسان ~~والفحشاء والمنكر على قلة هذه الألفاظ تدل على معاني من أفعال البر وضدها ~~لا تنحصر، ولا معنى للإشارة إلا دلالة اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، ~~فكيف تجتمع المساواة والإشارة؟ قلت: المساواة تطلق ويراد بها معنيان: ~~أحدهما أن تكون ألفاظها ألفاظ المعنى الموضوعة له، فتلك هي ms054 التي لا تزيد ~~على المعنى ولا تقصر عنه، وهي التي لا تجتمع مع الإشارة ولا الإرداف ولا ~~غيرهما من الكلام الذي لفظه أقل من معناه، والثاني أن يكون لفظ الكلام غير ~~لفظ معناه الموضوع له، كالإشارة والإرداف وما جرى هذا المجرى، فإن كانت ~~كذلك ولم يأت المتكلم في أثناء الكلام وخلاله بلفظة زائدة على لفظ المقصد ~~الذي قصده لإقامة وزن أو لاستدعاء قافية أو تتميم معنى، أو لإيغال أو سجعة، ~~فتلك أيضا مساواة لأن لكل باب لفظا يخصه، فمتى زاد على ذلك اللفظ الدال على ~~ذلك المعنى المقصود كان الكلام غير موصوف بالمساواة. # ومن هذا الباب في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وقيل يا أرض ابلعي ماءك " ~~الآية فإن قيل: لفظة القوم في قوله تعالى: " وقيل بعدا للقوم الظالمين " ~~زائدة يمنع الآية أن توصف بالمساواة، فإنه لو قال وقيل بعدا للظالمين أجزأ. ~~قلت: لما سبق قوله تعالى: " وكلما مر عليها ملأ من قومه " وقوله سبحانه: " ~~ولا تخاطبني في الذين ظلموا " أوجبت البلاغة أن يقول في آخر الكلام: " بعدا ~~للقوم الظالمين " ، ولو اقتصر سبحانه على لفظة الظالمين دون لفظة القوم ~~لتوهم متوهم أن آلة التعريف في الظالمين للجنس وهو خلاف المراد، فإن المراد ~~بالظالمين هاهنا قوم نوح الذين قدم ذكرهم ووصفهم بالظلم، ونهاه عن المخاطبة ~~فيهم ليرتد عجز الكلام على صدره، ويعلم أن المدعو عليهم هم الذين تقدم ~~ذكرهم احتراسا من وقوع هذا التوهم، ولا يحصل ذلك إلا بذكر القوم فقد صار ~~الإتيان بها يفيد معنى لم يفده الكلام بدونها. # واعلم أن البلاغة قسمان: إيجاز، وإطناب، والمساواة معتبرة في القسمين ~~معا، فأما الإيجاز فكقوله تعالى: " ولكم في القصاص حياة " والإطناب في هذا ~~المعنى كقوله: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ~~" وكقوله سبحانه في قسم الإيجاز من غير هذا المعنى: " خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين " وكقوله تعالى في الإطناب: " إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان " الآية، ولا بد من الإتيان بهذا الفصل لئلا يتوهم أن الإطناب لا ms055 ~~يوصف بالمساواة. # ومن شواهد المساواة قول امرئ القيس متقارب: # فإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد # وإن تقتلونا نقتلكم ... وإن تقصدوا لدم نقصد # وكقول زهير طويل: # ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم # وكقول طرفة طويل: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # باب الإشارة PageV01P030 وهو أيضا مما فرعه قدامة من ائتلاف اللفظ مع ~~المعنى، وشرحه بأن قال: هو أن يكون اللفظ القليل مشتملا على المعنى الكثير ~~بإيماء أو لمحة تدل عليه، كما قال بعضهم في صفة البلاغة: هي لمحة دالة، ~~وشرح هذا الحد أنها إشارة المتكلم إلى معاني كثيرة بلفظ يشبه ..لقلته ~~واختصاره بإشارة اليد، فإن المشير بيده يشير دفعة واحدة إلى أشياء لو عبر ~~عنها بلفظ لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة جدا، ولا بد في الإشارة من اعتبار صحة ~~الدلالة وحسن البيان مع الاختصار، لأن المشير بيده إن لم يفهم المشار إليه ~~معناه بأسهل ما يكون، فإشارته معدودة من العبث، ولهذا قال هند ابن أبي هالة ~~في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يشير بكفه كلها وإذا تعجب قلبها، ~~وإذا حدث اتصل بها فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى " فوصفه ببلاغة ~~اليد كما وصفه ببلاغة اللسان، يعني أنه يشير بيده في الموضع الذي تكون فيه ~~الإشارة أولى من العبارة، وهذا حذق بمواضع المخاطبات. وقوله: " كلها " أي ~~يفهم بها المخاطب كل ما أراده بسهولة فإن الإشارة ببعض الكف تصعب، وبكل ~~الكف تسهل، فأعلمنا هذا الوصاف أنه صلى الله عليه وسلم كان سهل الإشارة، ~~كما كان سهل العبارة. # وهذا ضرب من البلاغة الذي يمتدح بمثله، وهو أيضا من بلاغة الواصف إذ أشار ~~بقوله: كلها إلى كل المقصود الذي تدل عليه الإشارة، ومن حذق الواصف إتيانه ~~بلفظ الإشارة في الوصف، لما أراد أن يصف الإشارة البديعية وقسمها قسمين: ~~قسما للسان وقسما لليد، وقوله: " وإذا تعجب قلبها " ، يعني أنه يشير بها ~~على وجهها إذا كان المعنى الذي يشير إليه على ms056 وجهه ليس فيه ما يستغرب فيعجب ~~منه، فإن الشيء المعجب إنما يكون معجبا لكونه غير معهود، فكأن الأمر فيه قد ~~قلب لمخالفته المعهود، فلذلك يجعل صلى الله عليه وسلم قلب يده في وقت ~~الإشارة إشارة إلى أن هذا الأمر قد جاء على خلاف المعهود، ولذلك تعجب منه. ~~وقوله " وإذا حدث اتصل بها " يعني اتصل حديثه بها فيكون المعنى متصلا، ~~والمفهوم بالعبارة والإشارة متلاحما، آخذة أعناق بعضه بأعناق بعض، وقوله: " ~~فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى " يعني أنه عند انتهاء إشارته يضرب ~~براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى مشيرا إلى أنه ختم الإشارة، لأن الإبهام ~~بها يختم القبض، ولذلك عطف هذه الجملة بالفاء، ولم يأت بها معطوفة بالواو، ~~كما أتى بما قبلها من الجمل لكونها آخر إشاراته، والواو لكونها غير مقتضية ~~للترتيب، يجوز أن يكون المتأخر بها متقدما ولا كذلك الفاء، إذ لا بد أن ~~يكون المعطوف بها متأخرا لكونها موضوعة للتعقيب. # وأما اقتصاره على باطن الإبهام دون ظاهرها فمعناه أنه جعل آخر الإشارة ~~متصلا بأول العبارة اتصالا متلائما كملاءمة باطن الكف التي ضرب بها باطن ~~الإبهام التي ضرب عليها، وهذه أيضا من بلاغة الواصف رضي الله عنه ومن شواهد ~~الإشارة في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وغيض الماء " فإنه سبحانه أشار ~~بهاتين اللفظتين إلى انقطاع مادة الماء من مطر السماء ونبع الأرض، وذهاب ~~الماء الذي كان حاصلا على وجه الأرض قبل الإخبار إذ لو لم يكن ذلك لما غاض ~~الماء. # وكقوله سبحانه: " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين " فالمح كل ما تميل ~~النفوس إليه من الشهوات وتلتذه الأعين من المرئيات، لتعلم أن هذا اللفظ ~~القليل جدا عبر عن معان كثيرة لا تنحصر عدا. وكذلك قوله تعالى: " فانبذ ~~إليهم على سواء " بمعنى قابلهم بما يفعلونه معك، وعاملهم بمثل معاملتهم لك ~~سواء مع ما تدل عليه لفظة سواء من الأمر بالعدل، ومثل هذا المعنى قول زهير ~~وافر: # فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء # يعني: قابلت كل منكرة منك بكفئها. # وإذا علمت ذلك ms057 فانظر ما بين هذا البيت وبين قوله تعالى: " فانبذ إليهم ~~على سواء " لتعلم فرق ما بين الكلامين. # ومن أمثلة هذا الباب قول امرئ القيس وافر: # بعزهم عززت وإن يذلوا ... فذلهم أنالك ما أنالا # فانظر كم تحت قوله: أنا لك ما أنا لا من أنواع الذل، وكذلك قوله للمسيب ~~كامل: # ولأشكرن غريب نعمته ... حتى أموت وفضله الفضل # أنت الشجاع إذا هم نزلوا ... عند المضيق وفعلك الفعل PageV01P031 فالحظ ~~كم تحت قوله وفضله الفضل بعد إخباره بأنه يشكر غريب نعمته حتى يموت من ~~أصناف المدح، وترجيح فضله على الشكر، وفي قوله غريب نعمته غاية المدح، إذ ~~جعل نعمته نعمة لم يقع مثلها في الوجود قط، وكذلك قوله: وفعلك الفعل بعد ~~إخباره بنزول القوم عند المضيق الدال على صبرهم وشجاعتهم، وما في ذلك من ~~ترجيح شجاعة الممدوح عليهم. # وكذلك قوله في صفة الفرس طويل: # على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كز ولا وان # فإنه أشار بقوله أفانين جرى إلى جميع صنوف عدو الخيل المحمودة والذي يدل ~~على أنه أراد الأفانين المحمودة، نفيه عن الفرس الكزوزة والونى، فسلبه صفات ~~القبح من الجماح والحرن والاسترخاء والفتور، وجعله يعطي هذا الجري عفوا من ~~غير طلب ولا حث، وهذا كمال الوصف وتمام النعت، ولو عدت هذه المعاني ~~بألفاظها الموضوعة لها لاحتيج في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة. # ومن الإشارة نوع يقال له اللحن والوحي، وهو يجمع العبارة والإشارة ببعد ~~لا يفهم طريقه إلا ذو فهم، كما قال الشاعر كامل: # ولقد وحيت لكم لكيما تفطنوا ... ولحنت لحنا ليس بالمرتاب # ومثال ذلك ما حكى عن رجل من بلعنبر، أسر في بكر بن وائل فسألهم أن يرسل ~~إلى قومه؛ فقالوا: ترسل بحضرتنا، وخافا أن ينذرهم، فإنهم عزموا على غزو ~~قومه، فحضروا وأحضروه عبدا، فقال له: أتعقل؟ قال: إني لعاقل، فأشار إلى ~~الليل، وقال: ما هذا؟ فقال: الليل؛ فقال: أراك عاقلا، فملأ كفه من الرمل ~~وقال: كم عدد هذا؟ فقال: لا أدري وإنه لكثير، فقال: أيها أكثر: النجوم، أم ~~النيران؟ ms058 فقال: إن كلا لكثرة، فقال: إيت قومي، وأقرئهم السلام وقل لهم: ~~أكرموا فلانا فإن قومه لي مكرمون، يعني أسيرا كان عند قومه من بكر بن وائل، ~~ثم قل لهم: إن العرفج قد أوفى وقد اشتكت النساء، ومرهم أن يعروا ناقتي ~~الحمراء، فقد أطالوا ركوبها، ويركبوا جملي الأصهب، وبآية ما أكلت معكم حيسا ~~وسلوا عن خبري أخي الحارث، فلما قال لهم العبد ذلك قالوا: لقد جن الأعور ~~والله ما له ناقة ولا جمل، فلما سألوا أخاه سأل العبد عما قال له أولا ~~فأخبره، فشرحه، وقال لهم: قد أنذركم، أما الليل فإنه أشار إلى أنكم في ~~عمياء مظلمة، وأما الرمل فإنه أشار إلى أنكم تغزون بمثل عدده، وأما النجوم ~~والنيران، فأشار بذلك إلى كثرة عدد عدوكم، وأما قوله: أوفى العرفج فإنه ~~أشار إلى أن العدو قد استلأموا وركبوا، وأما قوله: اشتكت النساء، أي اتخذوا ~~القرب للغزو، وأما الناقة الحمراء فعني الدهناء، وقوله أطلتم ركوبها، إشارة ~~إلى أنكم قد عرفتم بإيطانها لطول مقامكم بها فأمركم أن ترحلوا عنها، ~~وتنزلوا الصمان، وهو الجمل الأصهب الذي أمر كم بركوبه، ففعلوا فسلموا، وأما ~~الحيس، فإشارة إلى أن عدوكم قد جمع لكم أخلاطا كما جمع الحيس السمن والتمر ~~والأقط والله أعلم. # ومن أمثلة الوحي والإشارة بضرب من الاستعارة قول يزيد بن الوليد لمروان ~~بن محمد، وقد بلغه عنه تلكؤه عن بيعته: أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا ~~قرأت كتابي هذا فاقعد على أيهما شئت. # ومن ذلك قول الحجاج للمهلب: إن فعلت وإلا أشرعت لك صدر الرمح، فقال ~~المهلب متى أشرع الأمير إلى صدر الرمح قلبت له ظهر المجن. # ومن شواهده الشعرية قول امرئ القيس طويل: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # وقوله عمرو بن معد يكرب طويل: # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت # وكقول شاعر الحماسة طويل: # بني عمنا لا تنبشوا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا # وكقول الآخر طويل: # أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا ms059 # وكل هذا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنشده العباس بن مرداس ~~متقارب: # أتجعل نهبي ونهب العبيد # فقال: يا علي، اقطع لسانه عني، فأخذ علي بيده فأخرجه، فقال أقاطع لساني ~~يا أبا الحسن؟ فقال: إني لممض فيك ما أمر، وكل هذا من قوله تعالى: " فما ~~أصبرهم على النار " ويدخل في هذا قوله عز وجل: " وثيابك فطهر " أي بدنك، ~~قال الأصمعي: في تفسير هذا الحرف: تقول العرب فدى لك ثوبي، يريدون نفسه، ~~وأنشد وافر: PageV01P032 ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة ~~إزارى # وقال عنترة كامل: # فشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم # باب الأرداف والتتبيع # هذا الباب مما فرعه قدامة أيضا من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وسماه هذه ~~التسمية، وشرح تسميته بأن قال: هو أن يريه المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه ~~الموضوع له، ويعبر عنه بلفظ هو ردفه وتابعه أي قريب من لفظه قرب الرديف من ~~الردف، مثل قوله تعالى: " واستوت على الجودي " فإن حقيقة ذلك وجلست على هذا ~~المكان، فعدل عن لفظ المعنى الخاص به إلى لفظ هو ردفه، وإنما عدل عن لفظ ~~الحقيقة لما في الاستواء الذي هو لفظ الإرداف من الإشعار بجلوس متمكن لا ~~زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من قولك جلست أو قعدت أو غير ذلك من ألفاظ ~~الحقيقة، إذ كان المراد والله أعلم الإخبار ينفي الأسباب الموجبة خوف أهل ~~السفينة من السفينة في حالتي حركتها وسكونها، وذلك لا يحصل حتى يفهم السامع ~~أنها جلست جلوسا متمكنا لا يمل فيه يوجب الخوف، ولا يحصل إلا بلفظ الاستواء ~~دون غيره، وقد جاء في السنة من أمثلة هذا الباب قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم حكاية عن بعض النسوة في حديث أم زرع حيث قالت: " زوجي رفيع العماد، ~~عظيم الرماد، قريب البيت من المناد " فإنها أرادت مدح زوجها بتمام الخلق ~~والتقدم على قومه ونهاية الكرم، ولو عبرت عن هذه المعاني بألفاظها لاحتاجت ~~بإزاء كل معنى لفظا يخصه، فتكثر ms060 الألفاظ، ولا يدل كل لفظ إلا على معناه ~~فقط، وألفاظ الإرداف كل لفظ منها يدل على جميع ما أرادت من صفات المدح على ~~انفراد، لا، قولها رفيع العماد يدل على تمام الخلق إذ بناء البيوت على ~~مقادير أجسام الداخلين لها غالبا، ويدل على عظم قدر صاحبه، إذ لا يقدر على ~~أن يرفع بيته على البيوت إلا من قدره مرتفع على الأقد، ارويدل على الكرم ~~أيضا، لأن الوفود والضيفان يعمدون إلى قصد البيوت المرتفعة دون بيوت الصرم ~~وكذلك عظم الرماد يدل على عظم القدر وعظم الكرم وكثرة الثروة، ومثله قولها ~~" قريب البيت من الناد " ليسبق إلى الضيف، لأن الضيف يقصد النادي، وهو موضع ~~مجمع رجال الحي للحديث، فإذا كان البيت قريبا منه كان صاحبه إلى الضيف ~~أسبق، ولا تحصل هذه المعاني إلا من لفظ الإرداف، فإن قيل: فإذا كانت كل ~~لفظة من ألفاظ الإرداف تدل على عدة معان فما الفرق بين الإرداف والإشارة؟ ~~قلت: لفظ الإرداف يتضمن مع الدلالة على المعاني الكثيرة زيادة مدح للمدوح، ~~ووصف للموصوف، ولفظ الإشارة لا يتضمن إلا الدلالة على كثرة المعاني فقط. # ومن شواهد هذا الباب الشعرية قول امرئ القيس طويل: # ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل # فإنه أراد أن يصف هذه المرأة بأنها مخدومة، لها من يكفيها أمر بيتها، ~~فعبر عن ذلك بلفظ يدل على أنها موصوفة بالنعمة ودقة البشرة واقتبال الشباب ~~وكثرة الحظوة وعظم الثروة، فعدل عن لفظ هذا المعنى الذي أراده إلى لفظ هو ~~ردفه حيث قال: طويل # ويضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى .. ... ... .... # لأنها لا تنام الضحى إلا وهي مخدومة عندها من يكفيها أمر بيتها، فهي لا ~~تباشر الأعمال، ولذلك تكون منعمة مرفهة غير شظفة ولا ممتهنة، ألا تراه أكد ~~ذلك بقوله: " لم تنتطق عن تفضل " أي لم تشد في وسطها نطاقا على ثوبها الذي ~~تنام فيه كفعل من يريد أن يعمل عملا من النساء، ودل قوله: # ويضحي فتيت المسك فوق فراشها PageV01P033 على أنها حظية عند ms061 الرجال ~~المثرين، وأنهم في غاية الميل إليها مع القدرة بالثروة على الاستكثار من ~~حرائر النساء ومن الإماء، إما لإفراط جمالها، أو لسعد جدها، وأنها ممن يسمح ~~لها من أعلى الطيب وأغلاه بما يبقى فتيته في صبيحة كل ليلة على فراشها، بعد ~~ما يتصعد منه ويلصق بجسمها. ويعلق بشعرها وبشرتها؛ ولا يعطي قوله: إن هذه ~~المرأة لها من يخدمها جميع ما يعطيه قوله: " نؤوم الضحى " فإن هذا اللفظ مع ~~دلالته على أنها مخدومة يدل على كثرة النوم الذي لا يكون إلا من غلبة الدم ~~الطبيعي في سن النمو، وطبيعة الدم حارة رطبة، وهي طبع الحياة ومادتها. ~~فيكون اللون به مشرقا، والماء في الوجه كثيرا، والأخلاق حسنة، لأجل اعتدال ~~المزاج، ولو ترك لفظ الإرداف وعبر عما قصده باللفظ الخاص وهو قوله: إنها ~~مخدومة لم تحصل هذه المعاني التي حصلت من لفظ الإرداف، وكذلك لو قال: إنها ~~من أهل الثروة لم يوف بما أراد من كونها معشقة للمثرين من الرجال، مع ~~القدرة بالثروة على الاستكثار من النساء، وأنها ممن يسمح لها بذلك، فوجب ~~العدول عن لفظ المعنى إلى لفظ الإرداف، لدلالته مع اختصاره على المعاني ~~التي لا يدل عليها لفظ الحقيقة، ولما يتضمن من زيادة الوصف، وقد انتحل ابن ~~رشيق أحد أسمى هذا الباب وهو التتبيع وأفرده بابا من الإرداف، وزعم أن غيره ~~واستشهد عليه بشواهد فيها ما لا يمس به ألبتة، وبقيتها لا يعقل الفرق بينه ~~وبين شواهد الإرداف، وهو يظن أنه قد فرق بينهما منها قول المتنبي طويل: # إلى كم ترد الرسل عما أتوا له ... كأنهم فيما وهبت ملام # وقال: أعني ابن رشيق دل هذا البيت على الشجاعة بلفظ الإرداف، ودل على ~~الكرم بلفظ التتبيع يعني أن الإرداف اشتقاقه من الردف فلفظه أقرب إلى لفظ ~~المعنى؛ والتتبيع: من التتابع، والتابع يكون قريبا ويكون بعيدا. ويعد ذلك ~~على قدامة من أغاليطه وهو أولى بالغلظ منه، لأن التتبيع وإن كان في نفس ~~الأمر كما ظنه لكنه في هذا الموضع أراد به التابع القريب ms062 بدليل أنه ذكره ~~بلفظ التفعيل الدال على النكتتين، ولو لم يقصد ذلك لقال: الإتباع دون ~~البعيد فإن الألفاظ إذا كانت من أجل الوضع تدل على معنيين بحيث لا يتخلص ~~إلى أحدهما دون الآخر إلا بقرينة، كانت حال اقترانها بالقرائن مخلصة للمعنى ~~الذي تدل عليه القرينة. # وقدامة أتى بلفظ التتبيع مقترنا بالإرداف، فعلم أنه أراد التابع القريب ~~والرديف تابع قريب، فلا فرق بينهما في هذا الموضع. # وأما بيت المتنبي الذي أتى به ابن رشيق ليكون دليلا له فهو دليل عليه، ~~لأنه عكس ما فسره به، وذلك أن اللفظ الدال فيه على الكرم هو الذي يجب أن ~~يسمى إردافا لأنه أقرب إلى لفظ الكرم، لكونه صرح فيه بلفظ الهبة، واللفظ ~~الدال على الشجاعة بعيد من لفظ الشجاعة بالنسبة إلى لفظ الكرم، وقدامة رأى ~~الفصحاء قد دلوا تارة على مقاصدهم بألفاظ قريبة من الألفاظ الموضوعة لتلك ~~المقاصد، وطورا بألفاظ بعيدة من الألفاظ الموضوعة لتلك المقاصد فسمي الأول ~~إردافا، والثاني تمثيلا، لأن المثل وإن وجد قريبا من المثل وبعيدا فلا يبلغ ~~قرب التابع القريب ولا الرديف، وسيأتي بيان ذلك في الباب الذي يلي هذا ~~الباب، والله أعلم. # وأخذ ابن الأثير يؤيد ما ذكره ابن رشيق بأن قال: وفي الألفاظ ما يدل على ~~المعنى بظاهره، وفيها ما يدل على المعنى بتأويله، والأول هو الإرداف، ~~والثاني هو التتبيع، ومثال الأول قول عمر بن أبي ربيعة طويل: # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم # وقال: بعد مهوى القرط يفهم منه طول العنق بغير تأويل، بخلاف قول المتنبي: # إلى كم ترد الرسل عما أتوا له # فإن صدر هذا البيت لا يدل على الشجاعة بظاهره، وإنما يدل عليها بالتأويل. # ولو رأى ضياء الدين رحمه الله كتابه الذي سماه تزييف النقد، يرد به على ~~قدامة رأى كتابا يحلف الحالف صادقا أنه ما تكلم فيه بحرف واحد إلا وهو مطبق ~~الجفون ليس له وقت إفاقة ألبتة. # وأما كلامه في هذا الفصل فما هو عندي بالبعيد من كلامه في ms063 هذا الكتاب ~~الذي أشرت إليه. PageV01P034 وأما قول ضياء الدين رحمه الله تعالى: إن مهوى ~~القرط يدل على طول العنق بغير تأويل، فكل مميز من بنى آدم يعلم أن قولنا: ~~طويلة العنق يفارق قولنا: بعيدة مهوى القرط من جهة أن الأول علامة لطول ~~العنق، متى سمع فهم منه هذا المعنى، بخلاف قوله: بعيدة مهوى القرط، فإنه لا ~~يفهم منه معنى طول العنق إلا بالتأويل، وهو أن قرطها إنما كان بعيد موضع ~~الهبوط لطول عنقها، فدلالة الأول دلالة مطابقة، ودلالة الثاني دلالة ~~التزام، وكذلك قول المتنبي: # إلى كم ترد الرسل # فإنه أيضا يدل على الشجاعة بالتأويل، فقد استويا في الدلالة على المعنى ~~بالتأويل، إذ لا يصلح واحد منهما أن يدل على المعنى بظاهره، فلا فرق بينهما ~~من هذا الوجه، وإنما الفرق بينهما من جهة القرب والبعد، فإن لفظ بعد مهوى ~~القرط أقرب إلى لفظ طول العنق من لفظ رد الرسل إلى لفظ الشجاعة، فلا جرم أن ~~الأول يسمى إردافا، والثاني يسمى تمثيلا، لقرب الإرداف من لفظ المعنى، وبعد ~~التمثيل من لفظه، وليس العجب من كون هذا الموضع أشكل على ابن رشيق، فإنه قد ~~أشكل عليه ما هو أوضح منه، وإنما العجب كيف يمشي على ضياء الدين رحمه الله ~~مع رجاحة عقله، وثقوب ذهنه، وسلامة حسه والله أعلم. # باب التمثيل # ذا الباب أيضا مما فرعه قدامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وقال: هو أن ~~يريد المتكلم معنى فلا يدل عليه بلفظه الموضوع له ولا بلفظ قريب من لفظه، ~~وإنما يأتي بلفظ هو أبعد من لفظ الإرداف قليلا، يصلح أن يكون مثالا للفظ ~~المعنى المراد، مثل قوله تعالى: " وقضي الأمر " وحقيقة هذا: أي هلك من قضى ~~هلاكه، ونجا من قدرت نجاته، وإنما عدل عن اللفظ الخاص إلى لفظ التمثيل ~~لأمرين: أحدهما اختصار أمر اللفظ، والثاني كون الهلاك والنجاة كانا بأمر ~~مطاع، إذ الأمر يستدعي آمرا، وقضاؤه يدل على قدرة الآمر، وطاعة المأمور، ~~ولا يحصل ذلك من اللفظ الخاص. # ومن شواهده في السنة قول الرسول ms064 صلى الله عليه وسلم حكاية عن بعض النسوة ~~في حديث أم زرع: " زوجي ليل تهامة، لا حر ولا برد، ولا وخامة ولا سآمة " ~~فعدلت عن لفظ المعنى الموضوع له إلى لفظ التمثيل، لما فيه من الزيادة، وذلك ~~تمثيلها الممدوح باعتدال المزاج المستلزم حسن الخلق، وكمال العقل اللذين ~~ينتجان لين الجانب وطيب المعاشرة، وخصت الليل بالذكر لما في الليل من راحة ~~الحيوان، وخصوصا الإنسان، لأنه يستريح فيه من الكد والفكر، ولكون الليل جعل ~~سكنا، والسكن الحبيب، لا سيما وقد جعلته ليلا معتدلتا بين الحر والبرد، ~~والطول والقصر، وهذا صفة ليل تهامة، لأن الليل يبرد فيه الجو بالنسبة إلى ~~النهار مطلقا، لغيبة الشمس، وخلوص الهواء من اكتساب الحر فيكون في البلاد ~~الباردة شديدة البرد، وفي البلاد الحارة معتدل البرد مستطابه، فقالت: زوجي ~~مثل ليل تهامة، وحذفت أداة التشبيه، ليقرب المشبه من المشبه به، وهذا مما ~~يبين لك لفظ التمثيل في كونه لا يجيء إلا مقدرا بمثل غالبا، ولا كذلك لفظ ~~الإرداف، وإلا فانظر إلى قول صاحبتها في الإرداف: زوجي رفيع العماد فتجدها ~~قد وصفته بصيغة المبتدأ والخبر، لكون الخبر غير المبتدأ لأمثله، إ لا يجوز ~~هاهنا تقدير مثل في الكلام لتعلم أن لفظ الإرداف أقرب إلى لفظ المعنى من ~~التمثيل. # ومن شواهد التمثيل الشعرية قول الرماح بن ميادة طويل: # ألم أك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا # فإن هذا الشاعر أراد أن يقول: ألم أكن قريبا منك، فلا تجعلني بعيدا عنك، ~~فعدل عن هذا اللفظ الخاص إلى لفظ التمثيل، لما فيه من الزيادة في المعنى، ~~لما تعطيه لفظتا اليمين والشمال من الأوصاف التي لا تحصل إلا بذكرهما، وذلك ~~لأن اليمين أشد قوة من الشمال غالبا وهي أقرب إلى ربها من الشمال لأنها بها ~~يأخذ، وبها يعطي، وبها يبطش، وهي مكرمة عنده، قد أهلت لطعامه وشرابه ~~واستغفاره وأذكاره، والشمال مؤهلة لاستنجائه، واستنثاره، والمهنة الدنية، ~~واسم اليمين مشتق من اليمن، وهو البركة، واسم الشمال مشتق من الشؤم، وهو ضد ~~البركة، ولهذا ms065 حض الشارع صلى الله عليه وسلم على التيامن، فقال لأنس لما ~~أراد سقي أبكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو على شمال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وعلى يمينه أعرابي: اسق الأعرابي الأيمن فالأيمن. ~~PageV01P035 وقالت عائشة رضي الله عنها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحب التيامن حتى في وضوئه وانتقاله، وقال عمرو بن كلثوم وافر: # صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا # وقال الله تعالى: " وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود " وقال ~~بعد ذلك: " وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم " فكأن هذا الشاعر قال ~~لممدوحه: ألم أكن مكرما عندك فلا تجعلني مهانا وكنت منك في المكان الشريف، ~~فلا تتركني في المنزل الوضيع، وما سمعت في هذا الباب كقول شاعر الحماسة ~~كامل: # وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا # لأنه أراد أن يقول: أبدين خمص بطنها ودقة خصرها ورجاجة ردفها، التمثيل، ~~وهو يقابل الرياح التي تفعل هذا عند تقابلها، وحصل في البيت مع التمثيل ~~تنكيت عجيب في قوله مع: العشي لأنه إنما خص العشي لأنه الوقت الذي تتخلى ~~فيه النساء من شغلهن، ويبرزن للعبهن، وتنتدي الرجال للحديث، ليتم له ما قصد ~~من اجتماع الحاسدة والغيور اللذين يريان هذه المرأة عند بروزها، وقد قيل: ~~إن أكثر ما تتقابل الرياح في وقت العشي. # ويلتحق بهذا الباب ما يخرجه المتكلم مخرج المثل السائر كقوله تعالى: " ~~ليس لها من دون الله كاشفة " وقوله سبحانه: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي ~~تمر مر السحاب " وقوله عز وجل: " صنع الله " وقوله: " صبغة الله ومن أحسن ~~من الله صبغة " وقوله تبارك وتعالى: " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها " إلى كثير من الآي. # ومما جاء من ذلك في السنة قوله صلى الله عليه وسلم: " الحلال بين والحرام ~~بين " وقوله عليه السلام: " لا ضرر ولا ضرار " وقوله عليه الصلاة والسلام: ~~" خير الأمور أوساطها " وكقوله عليه السلام: " المؤمنون تتكافأ دماؤهم " ~~وقد طوى كتاب أبي أحمد العسكري رحمه الله تعالى من ms066 هذا الباب على بدائع من ~~جوامع الكلم لا يشق غبارها، ولا يقتحم تيارها، فمن أراد ذلك فعليه به. # ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول زهير طويل: # وهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل # وكقول النابغة طويل: # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب # وكقول بشار طويل: # فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه # إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه # وكقول الآخر طويل: # فما الكرج الدنيا ولا الناس قاسم # وكقول الآخر مجزوء الخفيف: # ما على الناس بعدها ... في الدنيات من حرج # وكقول أبي تمام بسيط # والنار قد تنتضي من ناضر السلم # وكقوله وافر: # لسان المرء من خدم الفؤاد # وكقوله وافر: # فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع # وكقوله كامل: # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # وقد استخرجت أمثال أبي تمام من شعره فوجدتها تسعين نصفا وثلاثمائة بيت ~~وأربعة وخمسين بيتا بعد استيعاب أمثال المتنبي فوجدتها مائة نصف وثلاثة ~~وسبعين نصفا وأربعمائة بيت؛ وأنا على عزم أن أخرج من أمثال أبي الطيب ما ~~أخذ من أمثال أبي تمام فأجمعها، وأقدم قبلهما جميع ما وقع من الأمثال في ~~الكتاب العزيز والسنة النبوية وقد أمضيت والحمد لله هذا العزم، وفرغت من ~~كتاب الأمثال بزيادات على ذلك، وهي أمثال الأشعار الستة؛ والحماسة، بعد أن ~~تلوت أمثال القرآن بأمثال دواوين الإسلام الستة، وختمت الجميع بأمثال ~~العامة، لتكون إحماضا يتروح إليه بعد الجد، وقد اقترح على زيادات فيه لم ~~أكملها إلى الآن. ومن أمثلة هذا الباب للمتنبي قوله بسيط # أنا الغريق فما خوفي من البلل # وقوله بسيط # ليس التكحل في العينين كالكحل # ولقد أحسن المعري حيث قال: بسيط # لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر # باب ائتلاف اللفظ مع الوزن PageV01P036 قال قدامة: هو أن تكون الأسماء ~~والأفعال تامة، لم يضطر الشاعر الوزن إلى نقصها عن البقية، ولا إلى الزيادة ~~فيها، ms067 ولا يقدم منها المؤخر، ولا يؤخر منها المقدم، ولا يدخل فيها ما يلتبس ~~به المعنى، ولم يأت قدامة بأمثلة في هذا الباب، ولم يذكر غير ذلك بل قال ~~أعني قدامة: كل شعر سليم من هذا الذي قدمت ذكره هو مثال لهذا الباب، لكنه ~~أتى في عيوب الوزن بأمثلة يجب ذكرها هاهنا ليعلم أن كل بيت جاء بضدها هو ~~شاهد لهذا الباب، كقول القائل يصف درعا كامل: # من نسج داود أبي سلام # فإنه يريد سليمان، لكن الوزن اضطره إلى حذف الياء والنون من سليمان، ~~وتشديد اللام وتقديم الألف على الميم. # ومثل ذلك قول الآخر " رجز " : # حتى إذا خرت على الكلكال # فإنه اضطره الوزن إلى زيادة الألف على بنية هذا الاسم، ومثال ما اضطر ~~الوزن فيه إلى التقديم والتأخير قول الفرزدق طويل: # وما مثله في الناس إلا مملك ... أخو أمه حي أبوه يقاربه # فإن اضطرار الوزن حمله على رداءة السبك، فحصل في الكلام تعقيد يمنع من ~~فهم معناه بسرعة، ولو قال: وما مثله إلا مملك أبوه يقارب خاله لسهل مأخذه، ~~وقرب متناوله، ومهما كان الشعر سليما من مثل هذا كان هو الشعر الذي ائتلف ~~لفظه مع وزنه. # باب ائتلاف المعنى مع الوزن # وهو أن تأتي المعاني في الشعر على صحتها، لا يضطر الشاعر الوزن إلى قلبها ~~عن وجهها، ولا خروجها عن صحتها، كقول عروة بن الورد وافر: # فإني لو شهدت أبا سعاد ... غداة غد بمهجته يفوق # فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوه إلا ما أطيق # فإنه أراد أن يقول: فديت نفسه بنفسي ومالي، فألجأته ضرورة الوزن إلى قلب ~~المعنى كما ترى، ومهما كان الشعر سليما من مثل هذا كان الشعر الذي ائتلف ~~معناه مع وزنه. # باب ائتلاف القافية # مع ما يدل عليه سائر البيت # وهو الذي سماه من بعد قدامة التمكين، وهو أن يمهد الناثر لسجعة فقرته، أو ~~الناظم لقافية بيته، تمهيدا تأتي القافية به متمكنة في مكانها، مستقرة في ~~قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة، متعلقا معناها بمعنى البيت ms068 ~~كله تعلقا تاما، بحيث لو طرحت من البيت اختل معناه واضطرب مفهومه، ولا يكون ~~تمكنها بحيث يقدم لفظها بعينه في أول صدر البيت، أو معنى يدل عليها في أول ~~الصدر، أو في أثناء الصدر، ولا أن يفيد معنى زائدا بعد تمام معنى البيت، ~~فإن الأول يسمى تصديرا والثاني توشيحا، والثالث إيغالا، ولا يقال لشيء من ~~ذلك تمكين ألبتة، وقد جاء من ذلك في فواصل الكتاب العزيز كل عجيبة باهرة، ~~ومنه قوله تعالى: " قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا أو ~~أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد " فإن هذه الآية ~~الكريمة لما تقدم فيها ذكر العبادة والتصرف في الأموال كان ذلك تمهيدا تاما ~~لذكر الحلم والرشد، لأن الحلم: العقل الذي يصح به التكليف، والرشد حسن ~~التصرف في الأموال، وكقوله تعالى: " سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت ~~الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون " وكقوله سبحانه: " قالوا ربنا يعلم إنا ~~إليكم لمرسلون، وما علينا إلا البلاغ المبين " وكقوله تعالى: " قيل ادخل ~~الجنة قال يا ليت قومي يعلمون " وكل فواصل الكتاب العزيز بين تمكين، ~~وتوشيح، وإيغال وتصدير. # ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول أبي تمام وافر: # ومن يأذن إلى الواشين تسلق ... مسامعه بألسنة حداد # وقوله أيضا في غزل هذه القصيدة: # مذاكي حلبة وشروب دجن ... وسامر قينة وقدور صاد # وأعين ربرب كحلت بسحر ... وأجساد تضمخ بالجساد # وقوله طويل: # محاسن ما زالت مساو من النوى ... تغطى عليها أو مساو من الصد # وقوله أيضا طويل: # أموسى بن إبراهيم دعوة خامس ... به ظمأ التثريب لا ظمأ الورد # أتاني مع الركبان ظن ظننته ... لففت له رأسي حياء من المجد # أأتبع هجر القول من لو هجوته ... إذا لهجاني عنه معروفه عندي # نسيت إذا كم من يد لك شاكلت ... يد القرب أعدت مستهاما على البعد ~~PageV01P037 ومن زمن ألبستنيه كأنه ... إذا ذكرت أيامه زمن الورد # وأنك أحكمت الذي بين فكرتي ... وبين القوافي من ذمام ومن عقد # وأصلت شعري فاعتلى رونق الضحى ... ولولاك لم يظهر ms069 زمانا من الغمد # وكقول البحتري طويل: # فلم أر ضرغامين أصدق منهما ... عراكا إذا الهيابة النكس أكذبا # حملت عليه السيف لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا # وكنت متى تجمع يمينك تهتك الضريبة أولا تبق للسيف مضربا # ألنت لي الأيام من بعد قسوة ... وعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا # وألبستني النعمى التي غيرت أخي ... علي فأمسى نازح الود أجنبا # فلا فزت من مر الليالي براحة ... إذا أنا لم أصبح بشكرك متعبا # وكقول المتنبي بسيط # يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم # إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم # ومنها: # وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم # لئن تركن ضميرا عن ميامننا ... ليحدثن لمن فارقتهم ندم # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم # ولم نسمع لمقدم شعرا أشد تمكين قواف من قول النابغة الذبياني كامل: # كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى # زعم الهمام ولم أذقه بأنه ... يروي بريقته من العطش الصدى # باب التوشيح # سمى هذا الباب توشيحا لكون معنى أول الكلام يدل على لفظ آخره، فيتنزل ~~المعنى منزلة الوشاح، ويتنزل أول الكلام وأخره منزلة العاتق والكشح اللذين ~~يجول عليهما الوشاح، وهذا الباب مما فرغه قدامة أيضا، من ائتلاف القافية مع ~~ما يدل عليه سائر البيت، وقال: هو أن يكون في أول البيت معنى إذا علم علمت ~~منه قافية البيت، بشرط أن يكون المعنى المتقدم بلفظه من جنس معنى القافية ~~بلفظه، أو من لوازم لفظه. ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " ، فإن معنى اصطفاء ~~المذكورين تعلم منه الفاصلة، إذ المذكورون نوع من جنس العالمين، وكقوله ~~تعالى: " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون " ، فإنه من كان ~~حافظا لهذه السورة، متفطنا إلى أن مقاطع فواصلها النون المردفة، وسمع في ~~صدر هذه الآية " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار " علم أن الفاصلة " مظلمون ms070 ~~" ، فإن من انسلخ النهار عن ليله أظلم ما دامت تلك الحال. # وكقول الراعي النميري وافر: # فإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصة ضريبتهم رزينا # فإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصى، وتحقق أن ~~القافية مجردة مطلقة، رويها النون وحرف إطلاقها ألف، ورأى في صدر البيت ذكر ~~الزنة، تحقق أن القافية تكون رزينا ليس إلا. # ومن عجائب أمثلة هذا الباب، ما حكي عن عمر بن أبي ربيعة المخزومي أنه ~~أنشد عبد الله بن العباس رضي الله عنهما متقارب: # تشط غدا دار جيراننا # فقال له عبد الله: # وللدار بعد غد أبعد # فقال عمر: هكذا والله قلت، فقال له ابن العباس: وهكذا يكون ويقرب من هذه ~~القصة قصة عدي بن الرقاع العاملي حين أنشد الوليد ابن عبد الملك بحضرة جرير ~~والفرزدق كلمته التي مطلعها كامل: # عرف الديار توهما فاعتادها # حتى انتهى إلى قوله: # تزجي أغن كأن إبرة روقه # ثم شغل الوليد عن الاستماع، فقطع عدي الإنشاد، فقال الفرزدق لجرير: ما ~~تراه يقول؟ فقال جرير: أراه يستلب منها مثلا، فقال الفرزدق، يالكع، إنه ~~سيقول كامل: # قلم أصاب من الدواة مدادها # فلما عاد الوليد إلى الاستماع وعاد عدي إلى الإنشاد قال: # قلم أصاب من الدواة مدادها PageV01P038 قال جرير للفرزدق: أكان قلبك ~~مخبوءا في صدره؟ فقال الفرزدق: شغلني سبك عن جيد الكلام، فقال الفرزدق: ~~والله لما سمعت صدر بيته رحمته، فلما أنشد عجزه انقلبت الرحمة حسدا وعندي ~~أن بين ابن العباس رضي الله عنه وبين الفرزدق في استخراجه العجزين كما ~~بينهما في مطلق الفضل في كل فن، لأن بيت عدي من جملة قصيدة تقدم سماع ~~معظما، قد علم أنها دالية مردفة بألف موصولة مخرجة قصيدة تقدم سماع معظمها، ~~قد علم أنها دالية مردفة بألف موصولة مخرجة قصدية تقدم سماع معظمها، قد علم ~~أنها دالية مردفة بألف موصولة مخرجة بألف من وزن معروف، ثم تقدم في صدر ~~البيت ذكر ظبية تسوق خشفا لها، قد أخذ الشاعر في تشبيه طرف قرنه، مع العلم ~~بسواده ما ms071 دل على عجز البيت، بحيث يسبق إليه من هو دون الفرزدق من حذاق ~~الشعراء، وبيت عمر بيت مفرد لم تعلم قافيته من أي ضرب هي من القوافي ولا ~~رويه من أي الحروف، ولا حركة رويه من أي الحركات، فاستخراج عجزه ارتجالا في ~~غاية العسر ونهاية الصعوبة، لولا ما أمد الله تعالى به هؤلاء القوم من ~~المواد التي فضلوا بها غيرهم، ومن حذق عبد الله بن العباس رضي الله عنهما ~~ودقيق معرفته باختيار الكلام، جعله قافية للعجز الذي أتى بعد " أبعد " ولم ~~يجعلها " أنزح " وكان ذلك ممكنا له، لكون " أبعد " أسرع ولوجا في السمع، ~~وأسبق إلى الذهن، وأدخل في القلب، وأكثر استعمالا وأعرف عند الكافة، وبها ~~جاء القرآن العزيز دون " أنزح " وهي أخف على اللسان، وأولى بالبيان، وربما ~~اختلط التوشيح بالتصدير لكون كل منهما يدل صدره على عجزه. # والفرق بينهما أن دلالة التصدير لفظية، ودلالة التوشيح معنوية. # والفرق بين التوشيح والتمكين أن التوشيح لا بد أن تتقدم القافية معنى يدل ~~عليها، ولا كذلك التمكين، ولا تكون كلمة التوشيح إلا في أول الصدر، وإن لم ~~تكن كذلك فلا توشيح والله أعلم. # باب الإيغال # مسمى هذا النوع إيغالا، لأن المتكلم أو الشاعر أوغل في الفكر حتى استخرج ~~سجعة أو قافية تفيد معنى زائدا على معنى الكلام. # وأصله من الإيغال في السير وهو السرعة، فإن الإيغال في السير يدخل السائر ~~في المكان الذي يقصده بسرعة، يقال: أوغل في الأرض الفلانية أي بلغ منتهاها، ~~أو ما قاربه فكأن المتكلم قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه، وبلغ إلى ~~زيادته عن الحد، كما أن من دخل العريش مثلا من أرض مصر فقد دخل مصر، فإذا ~~أوغل في مصر فوصل إلى الصعيد يقال: قد أوغل في مصر لتجاوزه الحد بالزيادة ~~عليه، فكذلك المتكلم إذا تم معناه ثم تعداه عند الإتيان بسجعة أو قافية ~~بزيادة عليه، فقد أوغل في ذلك المعنى، ولا يكون موغلا حتى ينتهي معناه إلى ~~آخر البيت وهذا الباب مما فرعه قدامة أيضا من ms072 إتلاف القافية مع ما يدل عليه ~~سائر البيت، وفسره بأن قال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن ~~يأتي بقافيته، فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعرا أفاد بها معنى ~~زائدا على معنى البيت نحو قول ذي الرمة طويل: # قف العيس في آثار مية واسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل # فتم كلامه قبل القافية، فلما احتاج إليها أفاد بها معنى زائدا. # وكذلك صنع في البيت الثاني حيث قال: # أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبذير الجمان المفصل # فإنه تم كلامه بقوله: كتبذير الجمان، واحتاج إلى القافية فأتى بها تفيد ~~معنى زائدا، ولو لم يأت بها لم يحصل. # وقد حكى عن الأصمعي أنه سئل عن أشعر الناس فقال: الذي يأتي إلى المعنى ~~الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا، وإلى الكبير فيجعله خسيسا أو ينقضي كلامه قبل ~~القافية، فإن احتاج إليها أفاد بها معنى، فقيل له: نحو من؟ فقال: نحو ~~الفاتح لأبواب المعاني امرئ القيس حيث قال طويل: # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب # فإنه انقضى كلامه عند قوله: " الجزع " ثم أفاد بالقافية معنى زائدا، إذ ~~قال: " لم يثقب " لأن عيون البقر غير مثقبة. # ونحو زهير حيث يقول طويل: # كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنان لم يحطم PageV01P039 ~~فإن حب الفنا أحمر الظاهر، أبيض الباطن، فهو لا يشبه الصوف الأحمر إلا ما ~~لم يحطم، وقد يكون الإيغال تتميما كبيتي امرئ القيس وزهير، ولكن ذلك لا ~~يسمى إلا إيغالا لانتهاء المعنى إلى آخر البيت، وهذا إيغال الاحتياط، وهو ~~دون إيغال المبالغة من جهة الاصطلاح لكونه لم يفد إلا الاحتياط من الدخل ~~دون الإتيان بمعنى زائد على معنى الكلام، والإيغال الذي ليس بتتميم في بيتي ~~ذي الرمة هو إيغال المبالغة. # وأعظم ما وقع في هذا الباب قول الخنساء بسيط # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # وعندي أن هذا البيت لو أفرد بالتمثيل في هذا الباب لأغنى عما ساقه قدامة ~~في باب ائتلاف القافية مع ms073 ما يدل عليه سائر البيت من بابي التوشيح ~~والإيغال، لأن صدره يدل على عجزه دلالة التوشيح، ومعنى جملة البيت كامل دون ~~قافيته وفيه بوجودها زيادة لم تكن له قبلها، فإن هذه المرأة لم ترض لأخيها ~~بأن تأتم به علية الناس، حتى جعلته علما يأتم به أئمة الناس، وهذا تتميم ~~أدمج في صدر لفظ التوشيح، ولم ترض تشبيهه بالعلم، وهو الجبل المرتفع ~~المعروف بالهداية، حتى جعلت في رأسه نارا. وإذا وصلت إلى بلاغة القرآن ~~العزيز، وصلت إلى الغاية القصوى، وذلك قوله تعالى: " ولا تسمع الصم الدعاء ~~إذا ولوا مدبرين " فإن المعنى قد تم بقوله سبحانه: " ولا تسمع الصم الدعاء ~~" ثم أراد وهو يعلم تمام الكلام بالفاصلة فقال: " إذا ولوا مدبرين " فإن ~~قيل: فما معنى مدبرين؟، وقد أغنى عنها قوله: " إذا ولوا " قلت لا يغني عنها ~~قوله: " ولوا " فإن التولي قد يكون بجانب دون جانب، بدليل قوله تعالى: " ~~أعرض ونأى بجانبه " وإن كان ذكر الجانب هنا مجازا، ولا شك أنه سبحانه لما ~~أخبر عنهم أنهم صم لا يسمعون، أراد تتميم المعنى بذكر توليهم في حال ~~الخطاب، لينفي عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة، فإن الأصم يفهم بالإشارة ~~ما يفهمه السميع بالعبارة، ثم علم أن التولي قد يكون بجانب من المتولي، ~~فيجوز أن يلحظ بالجانب الذي لم يتول به، فيحصل له إدراك لبعض الإشارة، فجعل ~~الفاصلة مدبرين ليعلم أن التولي كان بجميع الجوانب، بحيث صار ما كان ~~مستقبلا مستدبرا، فاحتجب المخاطب عن المخاطب، إذ صار من ورائه، فخفيت عن ~~عينيه الإشارة، كما صم أذناه عن العبارة، فحصلت المبالغة في عدم الإسماع ~~بالكلية وهذا الكلام وإن بولغ فيه بنفي الإسماع بتة، فهو من إيغال الاحتياط ~~الذي أدمجت فيه المبالغة في نفي الإسماع، قد يأتي الاحتياط في غير المقاطع ~~من مجموع جمل متفرقة في ضروب من الكلام شتى يجمعها معنى واحد كقوله تعلى: " ~~قل لئن اجتمعت الإنس والجن " الآية، وقوله سبحانه: " قل فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات " وقوله: " فأتوا بسورة من مثله " كما يقول الرجل ms074 لمن يجحده: ~~ما يستحق علي درهما ولا دانقا ولا حبة، ولا كثيرا ولا قليلا، ولو قال: ما ~~يستحق علي شيئا، لأغنى في الظاهر عن ذلك، لكن التفصيل والتنزل دل على ~~الاحتياط وعلى شدة الاستبصار في الإنكار. # ومن إيغال الكتاب العزيز أيضا قوله تعالى: " اتبعوا من لا يسألكم أجرا ~~وهم مهتدون " ، فإن المعنى تم بقوله سبحانه: " من لا يسألكم أجرا " ثم أراد ~~الفاصلة لمناسبة رءوس الآى، فأوغل بها كما ترى، حيث أتى بها تفيد معنى ~~زائدا على معنى الكلام، وجاء في الكلام إيغال حسن بعد تتميم ولقد أحسن ابن ~~المعتز في قوله لابن طباطبا العلوي متقارب: # فأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم # فإنه أعطى بني عمه حقهم من الشرف، واعترف لهم من فضل الأبوين بما اعترف، ~~ثم فطن إلى أنه إن اقتصر على ذلك فضلهم على بنته، فتحيل على المساواة، إذ ~~لا طريق له إلى التفضيل بأن قال: # ونحن بنو عمه المسلم # فجعل هذا الفضيلة قبالة تلك، وهذا القسم من الإيغال يحسن أن يسمى إيغال ~~التخيير، فإنه تخير من القوافي التي تفيد الإيغال قافية يكون ما تفيده ~~موفيا بمقصوده من غير معارضة، فإنه لو قال: " بنو عمه الأفضل " لكونه مسلما ~~لعورض بحمزة رضي الله عنه، وهو إيغال الاحتياط، لكونه تتميما للمعنى؛ وقد ~~ذهب بعض النقاد إلى أنه بهذا الإيغال أراد الاستدلال على استحقاق بني ~~العباس الخلافة وسوى بين بيته، وبيت مروان بن أبي حفصة وهو قوله كامل: ~~PageV01P040 أنى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام # وبين البيتين بون بعيد في الجودة وصحة المعنى، فإن بيت ابن المعتز أصر ~~وزنا وأصح معنى، وأعذب ألفاظا، وأوجز جملا، وأخف محملا مع ما وقع فيه من ~~التلطف لبلوغ الغرض من غير مجاهرة بلفظ ولا مواجهة بمضض، فأما صحة معناه ~~بالنسبة إلى بيت مروان فمن جهة أن مروان زعم أن بني الأعمام أحق بالفضل من ~~بني البنات. فأخذ بعموم هذا الاستدلال، وذهل عن أن هذه القضية التي هو آخذ ~~فيها خارجة من هذا ms075 العموم، لأن بني علي بنو بنات وبنو أعمام، وما ذكره ~~مروان لا يتناول إلا من لم يكونوا بني أعمام من بني البنات، فأما من لم يمت ~~بالقربة من طرفيه ويدلي بالاستحقاق من جهة أبويه، فخارج عما ذكر، ولا يقال ~~هذا ما يرد على مروان، لأنه صرح بالإرث، ولا الأعمام أحق بالإرث من بني ~~البنات، فإني أقول: إن لم يرد بالإرث الفضل فكلامه محال، إذ لا يصح أن يريد ~~إرث المال ولا إرث الخلافة، أما المال فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يورث، وسيأتي بيان ذلك. # وأما الخلافة، فلأن الخلافة لو كانت بالإرث لما وصلت لأبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما قبل العباس رضي الله عنه فإذا أحسن الظن بمروان حمل قوله وراثة ~~الأعمام على وراثة الفضل، وحينئذ يأتي ما ذكرناه، ولم يرد بالأعمام إلا بني ~~الأعمام، وببني البنات إلا بني علي رضي الله عنهم فإنه مدح بالقصيدة ~~الرشيد، وعرض بيحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي، والأول بنو أعمام فقط، ~~والأخر بنو أعمام وبنو بنات، فكانت للأول مزية لم تكن للأخر، قابلها ابن ~~المعتز بأن أباه بنو العم المسلم فكانت هذه بتلك، فحصلت المساواة، فثبت ~~الفضل لبيته على بيت مروان وما يستكثر مثل هذا الجهل من مروان وهو يقول في ~~هذه الأبيات للرشيد كامل: # يا بن الذي ورث النبي محمدا ... دون الأقارب من ذوي الأرحام # فليت شعري ما الذي ورثه العباس رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دون ذوي رحمه، وكيف يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يورث؟ وهذا ~~أفضل الصحابة وأفقههم يحتج على فاطمة عليها السلام في أمر فدك والعوالي، ~~بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما ~~تركناه صدقة " فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يورث فلم منعت فاطمة ما ~~ادعت وإن كان لا يورث فلم يدعي هذا الجاهل أن العباس رضي الله عنه ورثه دون ~~ذوي رحمه؟ وأصل الحديث يروون أن أبا بكر ms076 رضي الله عنه أعطى عليا عمامة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسيفه دون العباس، ثم لم يقنع مروان بهذا حتى قال: ~~كامل: # ما للنساء مع الرجال فريضة ... نزلت بذلك سورة الأنعام # فما أدري على ماذا أحسده، أعلى معرفته بالفرائض، أم على حفظه للقرآن؟ وما ~~أعلم من أين في سورة الأنعام ذكر شيء من الفرائض، أو حكم من أحكام ~~المواريث، أو ذكر نسب أو شيء مما يقارب هذا الشأن، وليتني أعرف في أي موضع ~~من القرآن ذكر أن النساء لا فريضة لهن مع الرجال؟ ومن يقع في مثل هذا لا ~~يستعظم منه خطؤه في البيت الذي ذكرناه له أولا، هذا الفساد من جهة المعنى. # وأما ترجيح اللفظ فإن بيت ابن المعتز من محذوف المتقارب، حروفه ستة ~~وثلاثون حرفا، وبيت مروان من مقطوع الكامل، حروفه اثنان وأربعون حرفا، إلى ~~سهولة سبكه، وجودة تركيبه، وإيجاز جمله وخفة مفرداته، وكثرة استعمال ~~كلماته، " فاعتبروا يا أولي الأبصار " ولم أر من أمثلة هذا الباب ممثل بيت ~~من بيتي الحماسة أغفله النقاد وهو طويل: # وما شنتا خرقاء واهيتا الكلى ... سقى بهما ساق ولما تبللا # بأضيع من عينيك للدمع كلما ... توسمت دارا أو ترسمت منزلا # والبيت الأول أردت، فإنه وقع الإيغال فيه بعد ثلاث جمل: في كل جملة ~~تتميم، الأولى قوله: شنتا، فإن الشنة المزادة العتيقة، وإضافتهما إلى خرقاء ~~التي هي ضد الصناع، يريد أن خرزهما غير محكم، فهما يضيعان الماء أبدا، فصار ~~ذلك تتميمين، ثم قال بعد ذلك واهيتا الكلى أي كلاهما مخروقتان، ثم أوغل ~~بقوله: # سقى بهما ساق ولما تبللا PageV01P041 فإن المزادة إذا ابتلت تمدد أديمها، ~~وانتفخت سيورها، وانسد أكثر بثوقها، وإذا كانت يابسة عدمت ذلك كله، فكانت ~~للماء أضيع منها وهي مبتلة، ثم في مجموع البيتين بعد ذلك تفريع حسن، وستعلم ~~حقيقة التفريع في بابه، فتقدر ما وقع في هذين البيتين منه قدره. # ومن أعجب إيغال وقع في الشعر قول عبد الله بن الزبير الأسدي طويل: # هما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من ms077 الثلج أشهبا # فإن هذا البيت وقع فيه الاستعارة، والتورية، والترشيح، والإيغال. لاحتياج ~~المسافر للركوب، والتورية في قوله حوليا ولو لم يرشح بلفظه الركوب لما حصلت ~~التورية في لفظ حولي، ورشح بمجموع الاستعارة والتورية للإيغال، إذ لو لم ~~يذكر الركوب والحولي، لما حسن أن يقول: أشهبا وقد وقع من الإيغال في الكتاب ~~العزيز قوله تعالى: " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما " ثم ~~احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى، فلما أتى بها أفاد مجيئها ~~معنى زائدا. # والفرق بين التتميم والإيغال من ثلاثة أوجه: أحدهما أن التتميم لا يرد ~~إلا على كلام ناقص شيئا ما، إما حسن معنى أو أدب، أو ما أشبه ذلك، كالبيت ~~الذي تقدم، فإن المعنى بدون قوله: ويعطوه ناقص. والإيغال لا يرد إلا على ~~معنى تام من كل وجه. # والثاني اختصاص الإيغال بالمقاطع دون الحشو مراعاة لاشتقاقه، لأن الموغل ~~في الأرض هو الذي قد بلغ أقصاها أو قارب بلوغه، فلما اختص الإيغال بالطرف ~~لم يبق للتتميم إلا الحشو. # والثالث أن الإيغال لا بد وأن يتضمن معنى من معاني البديع، والتتميم قد ~~يتضمن وقد لا يتضمن، وأكثر ما يتضمن الإيغال التشبيه، والمبالغة، حتى لو ~~قيل: إنه لا يتعدى هذين الضربين لكان حقا، والتتميم يتضمن طورا المبالغة، ~~ويتضمن حينا الاحتياط، ويأتي مرة غير متضمن شيئا سوى تتميم ذلك المعنى؛ ~~والله أعلم. # تمت أبواب قدامة بتمام هذا الباب، بعد أبواب ابن المعتز، وجميعها ثلاثون ~~بابا وهي الأصول. # الجز الثاني # ومن هاهنا نبتدئ في سياقه: أبواب المتأخرين بعدهما، فأولها: # باب الاحتراس # وهو أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه دخل، فيفطن له، فيأتي بما يخلصه من ~~ذلك، والفرق بين الاحتراس، والتكميل، والتتميم أن المعنى قبل التكميل صحيح ~~تام، ثم يأتي التكميل بزيادة يكمل بها حسنه إما بفن زائد أو بمعنى، ~~والتتميم يأتي ليتمم نقص المعنى ونقص الوزن معا والاحتراس لاحتمال دخل على ~~المعنى، وإن كان تاما كاملا، ووزن الكلام صحيحا، وقد جعل ابن رشيق الاحتراس ~~نوعا من التتميم، وسوى بينهما، وقد ms078 ظهر الفرق بينهما، فجعلهما في باب واحد ~~غير سائغ. # والفرق بينه وبين المواربة بالراء المهملة أيضا، أن الاحتراس يؤتى به وقت ~~العمل عند ما يتفطن المتكلم لموضع الدخل، والمواربة يؤتى بها وقت العمل، ~~وبعد صيرورة الكلام، والمواربة بالراء المهملة، تكون بالتصحيف والتحريف ~~واهتدام الكلمة، والزيادة والنقص، والاحتراس بزيادة الجمل المفيدة المتضمنة ~~معنى الانفصال عما يحتمله الكلام من الدخل، والمواربة تكون في نفس الكلام ~~وتكون منفصلة عنه. # والاحتراس لا يكون إلا في نفس الكلام، وسيأتي بيان المواربة وأمثلتها في ~~بابها. # والفرق بين الاحتراس، والمناقضة والانفصال، أن الاحتراس هو ما فطن له ~~الشاعر أو الناثر وقت العمل فاحترس منه. والانفصال ما لم يفطن له حتى يدخل ~~عليه، فيأتي بجملة من الكلام، أو بيت من الشعر ينفصل به عنه ذلك الدخل. # والفرق بين المواربة والانفصال، أن المواربة تكون كما تقدم في كلمة من ~~الكلام، أو في كلام منفصل عنه، والانفصال لا يكون إلا ببيت مستقل، أو جملة ~~منفردة، عن سياق الكلام متعلقة به، داخلة فيه. PageV01P042 من أمثلة ~~الاحتراس في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وقيل بعدا للقوم الظالمين " فإنه ~~تعالى لما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان، أعقبه بالدعاء على الهالكين ووصفهم ~~بالظلم ليعمل أن جميعهم كان مستحقا للعذاب احتراسا من ضعيف بتوهم أن الهلاك ~~ربما شمل من لا يستحق العذاب، فلما دعا على الهالكين ووصفهم بالظلم علم ~~استحقاقهم لما نزل بهم، وحل بساحتهم وظهر من ذلك صدق وعده لنبيه نوح عليه ~~السلام، وأعملنا أنه قد أنجزه وعده الذي قال فيه: " ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون " ، وأعجب احتراس وقع في كتاب الله الكريم قوله سبحانه: ~~" ما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر " ، فإنه تبارك وتعالى لما ~~نفى عن حبيبه ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون بالمكان الذي قضى فيه ~~لموسى عليه السلام الأمر، عرف المكان بالجانب الغربي، ولم يقل في هذا ~~الموضع، كما قال في الإخبار عن موسى عليه السلام: " وناديناه من جانب الطور ~~الأيمن " أدبا مع نبيه وحبيبه محمد ms079 صلى الله عليه وسلم أن ينفي عنه كونه ~~بالجانب الأيمن، ولما أخبر عن موسى عليه السلام ذكر الجانب الأيمن تشريفا ~~لموسى عليه السلام فالمح لطيف هذا الاحتراس من بلاغة الكتاب العزيز جل ~~المتكلم به. # ومثال الاحتراس من السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان إحدى ~~النسوة من حديث أم زرع، حيث وصفت زوجها فقالت: " المس مس أرنب، والريح ريح ~~زرنب، وأغلبه والناس يغلب " فقولها: والناس يغلب احتراس حسن، لأنها لو سكتت ~~على قولها: وأغلبه، لقيل لها: إن رجلا تغلبه امرأة لمغلب ضعيف، فاحترست من ~~ذلك فقالت: والناس يغلب، فناسبت بين قرائنها بجملة تتضمن معنى الاحتراس مما ~~يتوجه على معنى المدح من الدخل الذي ينقص به المعنى، فحصل في الكلام احتراس ~~مدمج في موضع إيغال. ومتى وقع الاحتراس والتتميم في موضع الإيغال أوهم أنه ~~إيغال، فيجب أن نعرف أن الإيغال كون القافية تفيد الكلام معنى زائدا بعد ~~تمام معناه وصحته، والإيغال يفارق التكميل بأمرين: مجيئه في القافية فقط، ~~واختصاصه بالمعاني دون الفنون. # ومن أمثال هذا الباب الشعرية قول الخنساء في أخيها صخر وافر: # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # ثم تخيلت أن قائلا قال لها: لقد ساويت أخاك بالهالكين من إخوان الناس، ~~فيكف أفرطت في الجزع عليه دونهم؟ فاحترست من ذلك بقولها وافر: # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي # باب المواربة # براء مهملة # وهي من ورب العرق بفتح الواو والراء: إذا فسد، فهو ورب بكسر الراء، فكأن ~~المتكلم أفسد مفهوم ظاهر الكلام بما أبداه من تأويل باطنه. وحقيقتها أن ~~يقول المتكلم قولا يتضمن ما ينكر عليه بسببه، لبعد ما يتخلص به منه، هذا إن ~~فطن له وقت العمل وإلا ارتجل حين يجبه به ما يخلصه منه من جواب حاضر، أو ~~حجة بالغة، أو تصحيف كلمة أو تحريفها، أو زيادة في الكلام أو نقص، أو نادرة ~~معجبة، أو ظرفة مضحكة. # فأما شاهد ما وقع من المواربة بالتحريف، فقول عتبان الحروري طويل: # فإن يك منكم ms080 كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب # فمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب # فإنه لما بلغ الشعر هشاما، وظفر به قال له: أنت القائل: # ومنا أمير المؤمنين شبيب # فقال: لم أقل كذا وإنما قلت: # ومنا أمير المؤمنين شبيب # فتخلص بفتح الراء بعد ضمها، وهذا ألطف مواربة وقعت، ودونها قول نصيب ~~طويل: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فوا كمدي من ذا يهيم بها بعدي # وقيل له: اهتممت بمن يفعل بها بعدك، فقال: لم أقل كذا، وإنما قلت: # فوا كمدي ممن يهيم بها بعدي # فتخلص بإبدال كلمة من كلمة، فهذا وأشباهه يحتمل أن يكون الدخل وقع فيه ~~للشاعر وقت العمل، ويحتمل ألا يكون وقع له، وارتجل التخلص عند سماعه، والذي ~~لا يحتمل أن يكون فطن له حتى قيل له قول الأخطل طويل: # لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول # فإلا تغيرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومزحل PageV01P043 فقال ~~له عبد الملك بن مروان: إلى أين يا بن اللخناء؟ فقال: إلى النار، فضحك منه، ~~وسكت عنه، فتخلص بهذه النادرة. # وقد تكون المواربة من غير هذين النمطين، كقوله عليه السلام للعباس بن ~~مرداس حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم متقارب: # أتجعل نهبي ونهب العبيد بني عيينة والأقرع # وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع # وما أنا دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي، اقطع لسانه عني، فقبض علي ~~عليه السلام على يده وخرج به، فقال: أقاطع أنت لساني يا أبا الحسن؟ فقال: ~~إني لممض فيك ما أمر.. فهذه أحسن مواربة سمعتها في كلام العرب، ثم مضى به ~~إلى إبل الصدقة فقال: خذ ما أحببت أو كما قال. # ومن المواربة متصل ومنفصل، وقد أتينا بأمثلة القسمين، فالمتصل منها ما ~~كان تخلصه في نفس الكلام، المنفصل ما كان التخلص فيه من كلام آخر، كالذي ~~تقدم لعلي عليه السلام والأخطل. # ومن أوضح أمثلته قصة كثير مع ms081 عبد الملك بن مروان، وقد أنشده طويل: # على ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدى نسجها فأذالها # فقال له عبد الملك: قول الأعشى في صاحبه خير من قولك هذا في حيث يقول ~~كامل: # كنت المقدم غير لابس جنة ... بالسيف تضرب معلما أبطالا # فقال: الأعشى وصف صاحبه بالخرق، ووصفتك بالحزم. # باب الترديد # وهو أن يعلق المتكلم لفظة من الكلام بمعنى، ثم يردها بعينها ويعلقها ~~بمعنى آخر، كقوله سبحانه وتعالى: " حتى يؤتى مثل ما أوتي رسل الله والله ~~أعلم حيث يجعل رسالاته " فالجلالة الأولى مضاف إليها، والثانية مبتدأ بها ~~وقوله: " ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا " ~~وكقوله عز وجل: " لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا " . # ومن الترديد نوع يسمى الترديد المتعدد، وهو أن يتردد حرف من حروف ~~المعاني، إما مرة أو مرارا، وهو الذي يتغير فيه مفهوم المسمى لتغير الاسم: ~~إما لتغاير الاتصال؛ أو تغاير ما يتعلق بالاسم. ومثال هذا النوع قوله ~~تعالى: " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " فإن اتصال من بضمير المخاطبين ~~الغائبين في الموضعين مع ما تضمنت من من معنى الشرط أصارت المؤمنين كافرين ~~عند وقوع الشرط، وقد يرتد حرف الجر في الجملة من الكلام والبيت من الشعر ~~مرارا عدة في جمل متغايرة المعاني، ومثله قول الشاعر بسيط # يريك في الروع بدرا لاح في غسق ... فليث عريسة في صورة الرجل # وربما كان المتردد غير حرف الجر، كحرف النداء أو غيره، ومثاله قول ~~المتنبي منسرح: # يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل # ومثال المتردد من الجمل غير المتعددة قول أبي نواس بسيط # صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء # فقوله: مسها، ومسته ترديد حسن. # وقد يلتبس الترديد الذي ليس تعددا من هذا الباب بباب التعطف؛ والفرق ~~بينهما: أن هذا النوع من الترديد يكون في إحدى قسمي البيت تارة وفيهما معا ~~مرة، ولا تكون إحدى الكلمتين في قسم والأخرى ms082 في آخر، والمراد بقربهما أن ~~يتحقق الترديد، والتعطف وإن كان ترديد الكلمة بعينها، فهو لا يكون إلا ~~متباعدا، بحيث تكون كل كلمة في قسم. والترديد يتكرر، والتعطف لا يتكرر، ~~والترديد يكون بالأسماء المفردة، والجمل المؤتلفة والحروف، والتعطف لا يكون ~~إلا بالجمل غالبا، والفارق بين الترديد والتكرار أن اللفظة التي تكرر في ~~التكرار لا تفيد معنى زائدا، بل الأولى هي تبيين للثانية وبالعكس، واللفظة ~~التي تتردد تفيد معنى غير معنى الأولى منهما، واشتقاقهما مشعر بذلك، لأن ~~الراد من وجه لا يبلغ إلا الموضع الذي أراده، والكار هو الذي انتهى إلى ~~الموضع المراد، وكر راجعا، ومنه الكر والفر وقول امرئ القيس: مكر مفر وأنه ~~لا يكر إلا بعد الفرار وبيت أبي نواس الذي قدمناه مما جاء الترديد في عجزه ~~دون صدره. وأما ما جاء في الصدر والعجز فكقول أبي تمام طويل: # ديار نوار ما ديار نوار ... كسونك شجوا هن منه عوار # ومثال ما جاء في الصدر والعجز معا قول أبي نواس خفيف: PageV01P044 قل لمن ~~ساد ثم ساد أبوه ... قبله ثم قبل ذلك جده # ومن الترديد نوع آخر يسمى ترديد الحبك، ويسمى بيته المحبوك، وهو أن تبنى ~~البيت من جمل ترد فيه كلمة من الجملة الأولى في الجملة الثانية، وكلمة من ~~الثالثة في الرابعة، بحيث تكون كل جملتين في قسم، والجملتان الأخيرتان غير ~~الجملتين الأوليين في الصورة، والجمل كلها سواء في المعنى، كقول زهير بسيط # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # فقد ردد كلمة من الجملة الأولى في الجملة الثانية، وردد كلمة من الجملة ~~الثالثة في الجملة الرابعة ثنتان في كل قسم، وكل جملتين متفقتان في الصورة ~~غير أنهما مختلفتان، إذا نظرت إلى كل قسم وجملته، وإن اشتركا في المعنى، ~~فإن صورة الطعن غير صورة الضرب، ومعنى الجميع واحد، وهو الحماسة في الحرب، ~~والبيت أعني بيت زهير مع كونه من شواهد الترديد المحبوك، فإنه يصلح أن يكون ~~من شواهد صحة التقسيم، لأنه استوفى فيه أقسام حالات المحارب، ms083 وإن جاءت صحة ~~التقسيم مدمجة في الترديد، والله أعلم. # باب التعطف # وقد سماه قوم المشاكلة # وقد تقدم أن التعطف كالترديد في إعادة اللفظة بعينها في البيت، وأن الفرق ~~بينهما بموضعهما وباختلاف التردد، وثبت أن التعطف لا بد وأن تكون إحدى ~~كلمتيه في مصراع والأخرى في المصراع الآخر، ليشبه مصراعا البيت في انعطاف ~~أحدهما على الآخر بالعطفين في كل عطف منهما يميل إلى الجانب الذي يميل إليه ~~الآخر. # ومن أمثلته قول زهير بسيط # من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا # وكقول عقيل بن علفة طويل: # فتى كان مولاه يحل بفجوة ... فحل الموالي بعده بمسيل # وكقول أبي تمام كامل: # فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدي مر سؤاله # وكقول المتنبي طويل: # فساق إلى العرف غير مكدر ... وسقت إليه المدح غير مذمم # وهذا البيت أفضل بيت سمعته في هذا الباب، فإنه انعطفت فيه ثلاث كلمات من ~~صدره على ثلاث كلمات من عجزه، ففيه بهذا الاعتبار ثلاث تعطفات، وذلك قوله: ~~فساق، فإنها انعطفت على قوله في العجز: وسقت، وقوله: إلي فإنها انعطفت على ~~قوله في العجز: إليه وقوله غير، فإنها انعطفت على قوله في العجز غير، ثم في ~~البيت من المناسبة ما لم يتفق في بيت غيره، فإن كل لفظة في صدره على ~~الترتيب وزن كل لفظة في عجزه: وكل جملة كقوله فساق وسقت وإلي وإليه والعرف، ~~والشكر، وغير مكدر، ومذمم فهذه مفردات الألفاظ، وأما الجمل المركبة فيها ~~فانظراني قوله فساق إلي وسقت إليه والعرف والشكر، وغير مكدر، وغير مذمم، ~~ولم أر مثل هذا اتفق إلا لأبي تمام في البيت الذي قدمته على هذا البيت، ~~لأنه ساوى بيت المتنبي في التعطفات الثلاثة، والمناسبة الناقصة، وفضله بيت ~~أبي تمام بالمناسبة التامة والطباق، وله فضيلة السبق، فثبت له التقدم هذا ~~وقد أتى به توطئة لقوله كامل: # وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله # وقد جاء من التعطف في الكتاب العزيز قوله تعالى: " قل هل تربصون بنا إلا ~~إحدى ms084 الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ~~فتربصوا إن معكم متربصون " فإن التعطف في هذه الآية الكريمة في موضعين. ~~وكذلك جاء في قول سبحانه: " وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم " ، وكقوله سبحانه: " ~~وهم عن الآخرة هم غافلون " والله أعلم. # باب التفويف PageV01P045 اشتقاق التفويف من الثوب الذي فيه خطوط بيض، ~~وأصل الفوف: البياض الذي في أظفار الأحداث، والحبة البيضاء في النواة، وهي ~~التي تنبت منها النخلة، والفوفة القشرة البيضاء التي تكون على النواة، ~~والفوف: الشيء، والفوف: قطع القطن، وبرد مفوف: أي رقيق، فكأن المتكلم خالف ~~بين جمل المعاني في التقفية كمخالفة البياض لسائر الألوان، لأن بعده من ~~سائر الألوان أشد من بعد بعضا عن بعض، إذ هو بسيط بالنسبة إليهما، وكلها ~~مركبة بالنسبة إليه، لأنه قابل لجميع الألوان، وجميع الألوان تقبل التغير ~~إلى لون آخر بحسب التركيب، والشدة والضعف إلا السواد، فإنه لا يقبل تركيبا ~~ألبتة، فهو ضد البياض ونقيضه، ولا جرم أن الجمع بينهما في الكلام يسمى ~~مطابقة، بخلاف بقية الألوان، والتفويف في الصناعة: عبارة عن إتيان المتكلم ~~بمعان شتى من المدح أو الغزل، أو غير ذلك من الفنون والأغراض، كل فن في ~~جملة من الكلام منفصلة من أختها بالتجميع غالبا، مع تساوي الجمل المركبة في ~~الوزنية، ويكون بالجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة. # فمثال ما جاء منه بالجمل الطويلة، قول النابغة الذبياني طويل: # فلله عينا من رأى أهل قبة ... أضر لمن عادى وأكثر نافعا # وأعظم أحلاما وأكبر سيدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا # وأحسب أن أول من نطق بالتفويف المركب من الجمل الطويلة عنترة، فقال كامل: # إن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن نزلوا بضنك أنزل # ومثال ما جاء منه في الجمل المتوسطة قول أبي الوليد بن زيدون بسيط # ته أحتمل، واحتكم أصبر، وعز أهن ... ودل أخضع، وقل أسمع، ومر أطع # ومثال ما جاء منه بالجمل القصيرة قول المتنبي بسيط # أقل أنل أقطع احمل عل سل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سر صل # وقد جاء من التفويف المركب ms085 من الجمل الطويلة في الكتاب العزيز قوله ~~تعالى: " الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو ~~يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطئيتي يوم الدين " ~~وفي الجمل المتوسطة قوله سبحانه: " تولج الليل في النهار، وتولج النهار في ~~الليل، وتخرج الحي من الميت، وتخرج الميت من الحي " ، ولم يأت من الجمل ~~القصيرة شيء في فصيح الكلام. والله أعلم. # باب التسهيم # هو من الثوب المسهم، وهو الذي يدل أحد سهامه على الذي يليه، لكون لونه ~~يقتضي أن يليه لون مخصوص له، بمجاورة اللون الذي قبله أو بعده. # وهذا الباب عرفه من تقدمنى بأن قال: وأن يكون ما تقدم من الكلام دليلا ~~على ما يتلوه، ورأيت هذا التعريف وإن روعي فيه الاشتقاق لا يخص هذا الباب ~~من البديع، بل يدخل معه غيره. والذي عندي أن هذا الباب من مشكلات هذا الفن، ~~ويصلح أن يعرف بقول القائل هو أن يتقدم من الكلام ما يدل على ما تأخر منه، ~~أو يتأخر منه ما يدل على ما تقدم بمعنى واحد أو بمعنيين، وطورا باللفظ، ~~كأبيات جنوب أخت عمرو ذي الكلب، فإن الحذاق ببنية الشعر وتأليف النثر ~~يعلمون أن معنى قولها متقارب: # فأقسم يا عمرو لو نبهاك # يقتضي أن يكون تمامه: # إذا نبها منك داء عضالا # وليثا غضوبا أفعى قتولا، وموتا ذريعا، وسما وحيا، وغضبا صقيلا، كربا ~~شديدا، وغما طويلا، إلى أشياء يعز حصرها، لكن معنى البلاغة تقتضي اقتصارها ~~من ذلك كله على الأول، لكونه أبلغ، وإنما قلت: إنه أبلغ، لأن الليث الغضوب، ~~والأفعى القتول، يمكن مغالبتهما وغلبهما، والسيف الصقيل يمكن التوقي منه، ~~والحيدة عنه، وما كل جريح يتوقع موته، ولا ييئس من برئه، والكرب الشديد، ~~والغم الطويل، يرجى انكشافهما، والسم الوحي، والموت الذريع، يريحان ~~صاحبهما، فأشد من الجميع الداء العضال الذي لا يميت فيريح، ولا يأمل صاحبه ~~مداواته فيستريح، فلذلك علم الحذاق باختيار الكلام وبنيته أن قولها: # فأقسم يا عمرو لو نبهاك # يقتضي أن يكون تمامه: # إذا نبها منك ms086 داء عضالا PageV01P046 دون كل ما ذكرت وما لم أذكر، فإن ما ~~ذكرت هو دليل على ما لم يذكر، إذ لا يخرج ما لم يذكر عن أن يكون أمرا يمكن ~~مغالبته وغلبه، أو شيئا يرجى انكشافه وزواله، أو شيئا يريح بسرعة كالسم ~~الوحي، والموت الذريع وكما يدل الأول على الثاني كما ذكرت كذلك، يدل الثاني ~~على الأول، فإنه لو قيل لحاذق بما يصلح أن يوطأ لقولها إذا نبها منك داء ~~عضالا فإنه لا يجد إلا قولها: فأقسم يا عمرو لو نبهاك، فهذا ما يدل الأول ~~فيه على ما بعده دلالة معنوية. # وأما ما يدل فيه الأول على الثاني دلالة لفظية فقولها: # إذن نبها ليث عريسة ... مفتيا مفيدا نفوسا ومالا # فإن العارف ببنية الشعر إذا سمع قولها: مفيتا مفيدا، تحقق أن هذا اللفظ ~~يوجب أن يتلوه قولها نفوسا ومالا، وكذلك قولها: # وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكى الكلالا # فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا # والبيت الثاني أردت، وإن كان البيت الأول فيه من التسهيم ما فيه لكن ~~الثاني أوضح، لأن قولها، يقتضي أن يتلوه: # فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا # ومن جيد أمثلة التسهيم قول عمرو بن كلثوم وافر: # ونوجد نحن أحماهم ذمارا ... وأوفاهم إذ عقدوا يمينا # واستخراج التسهيم من هذا البيت عسر جدا، وهو مما ينبغي أن يسأل عنه من ~~يتعاطى هذه الصناعة، وطريق استخراجه منه أن يقال: لما قدم في صدر بيته ~~الفخر بصفات المدح في الحرب، أوجبت عليه البلاغة أن يكمل الفخر بصفات المدح ~~في السلم، والسلم لا يكون إلا بالعهود والأيمان، وهذان لا يمدح الإنسان ~~فيها إلا بالوفاء بهما، إذ ليس من المدح أن تقول: حلف فلان ولا استحلف بل ~~تقول: فلان وفى بعهده ويمينه، فلما اقتضى المعنى تكميل المدح في حالة السلم ~~بالأمر الذي هو أس السلم وأصله، كما مدح في حالة الحرب بما هو من صفات ~~المدح في الحرب، اقتضى اللفظ أيضا أن يكون ما يأتي به من الألفاظ مناسبا ms087 ~~لما قدمه، وقد قال في صدر البيت: ونوجد نحن أحماهم، فتعين لمراعاة المناسبة ~~أن يقول في العجز وأوفاهم، لا سيما وهي تعطي المعنى الذي يكمل به المدح، ~~وقال: إذا عقدوا يمينا يريد الحالة التي هي أشد أحوال الحالف، فإنه لو قال: ~~إذا حلفوا لم يعط من المعنى البليغ ما يعطيه عقدوا إذ الحالف قد يحلف لغوا، ~~وتعقيد اليمين يدل على النية والتصميم، قال الله سبحانه: " لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان " فقد اقتضى صدر هذا ~~البيت من جهة اللفظ والمعنى أن يكون تمامه ما ذكره والله أعلم. # ومن أمثلة هذا الباب للمحدثين قول البحتري، وهو مما جاءت دلالته لفظية ~~أيضا طويل: # فليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام # وكقول الآخر خفيف: # من غصون كأنهن قدود ... وقدود كأنهن غصون # وهذا البيت لا يصلح أن يكون شاهدا للتسهيم، لكون أوله لا يقتضي آخره لأنه ~~لو قال: # من غصون كأنهن قدود ... ذات نور مثل الثغور العذاب # أو ذات ورد كأنه الوجنات، حسن أن يكون تماما له، ومتى كان التقدير كذلك ~~انخرم ضابط التسهيم، وإنما ذكرته سهوا كما سها من ذكره قبلي ثم فطنت لذلك ~~بعد إثباته. # والفرق بين التسهيم والتوشيح من ثلاثة أوجه: أدها أن التسهيم يعرف به من ~~أول الكلام آخره، ويعلم مقطعه من حشوه من غير أن تتقدم سجعة النثر ولا ~~قافية الشعر، والتوشيح لا تعرف السجعة والقافية منه إلا بعد أن تتقدم ~~معرفتهما. والآخر أن التوشيح لا يدلك أوله إلا على القافية فحسب، والتسهيم ~~يدل تارة على عجز البيت وطورا على ما دون العجز، بشرط الزيادة على القافية، ~~وما حكيناه عن ابن العباس رضي الله عنه في بيت عمر بن أبي ربيعة، وعن ~~الفرزدق في بيت عدي بن الرقاع فنادر لا يقاس عليه. # والثالث أن التسهيم يدل تارة أوله على آخره، وطورا آخره على أوله بخلاف ~~التوشيح. # وقد جاء من التسهيم في الكتاب العزيز قوله تعالى: " أفرأيتم ما تحرثون، ~~أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون، ms088 لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون " ~~وقوله: " أفرأيتم الماء الذي تشربون " إلى آخر الآية. PageV01P047 فانظر ~~إلى اقتضاء أول كل آية آخرها اقتضاء لفظيا ومعنويا، وائتلاف الألفاظ مع ~~معانيها، ومجاورة الملائم بالملائم، والمناسب بالمناسب، لأن ذكر الحرث ~~يلائم الزرع، وذكر الحطام يلائم التفكه ومعنى الاعتداد بالزرع يقتضي ~~الاعتداد بصلاحه وعدم فساده، فحصل التفكه، وكذلك في بقية الآيات، فإذا علمت ~~ذلك بهرج النقد عندك ما تقدم من الأشعار الفصيحة. والمعاني البليغة. # باب التورية # ويسمى التوجيه، وهي أن تكون الكلمة تحتمل معنيين، فيستعمل المتكلم أحد ~~احتماليها ويهمل الآخر، ومراده ما أهمله لا ما استعمله، كقول علي عليه ~~السلام في الأشعث بن قيس: وهذا كان أبوه ينسج الشمال باليمين، لأن قيسا كان ~~يحوك الشمال التي واحدتها شملة. # ومن شواهد هذا الباب الشعرية قول عمر بن أبي ربيعة خفيف: # أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يجتمعان # هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان # فذكر عمر الثريا وسهيلا ليوهم السامع أنه يريد النجمين المشهورين، لأن ~~الثريا من منازل القمر الشامية، وسهيلا من النجوم اليمانية، وهو يريد ~~صاحبته الثريا، وكان أبوها قد زوجها برجل من أهل اليمن يسمى سهيلا، فتمكن ~~لعمر أن ورى بالنجمين عن الشخصين، ليبلغ من الإنكار على من جمع بينهما ما ~~أراد، وهذه أحسن تورية وقعت في شعر لمتقدم مرشحة، فإن قوله المنكح ترشيح ~~للتورية على قلتها في أشعار المتقدمين وكثرتها في أشعار المحدثين، وخصوصا ~~شعراء العجم العصريين كالأرجاني وأمثاله، وأما البيت الثاني فإنه أبدع من ~~البيت الأول، إذ أخرجه مخرج التعليل، للإنكار الذي وقع في عجز البيت الأول، ~~وجاء فيه مع التعليل تنكيت حسن مدمج في تجنيس الازدواج، فإن قوله إذا ما ~~استقلت وإذا استقل تجنيس ازدواج، والنكتة في ترجيح استقلت على أخواتها فيما ~~يقوم مقامها إشارته بها إلى أن الزوج يبعد بالزوجة عن أهلها ووطنها، فيكون ~~ذلك أشد تأنيبا له على تزويجه، وأدعى لندامته على ذلك، وكان من الاتفاق ~~الحسن أن الرجل يماني القبيلة والبلد، والمرأة شامية، فحصل الاتفاق ms089 مدمجا ~~في الاستخدام، فإنه استعمل في هذا البيت احتمالي كل لفظة من قوله: شامية ~~ويمان، وختم البيت بالتوشيح، وهو دلالة معنى صدر البيت على قافيته، فجاء في ~~البيت سبعة أضرب من البديع: وهي التعليل، والاتفاق، والاستخدام، وتجنيس ~~الازدواج في استقلت واستقل والإدماج والتنكيت، والتوشيح. # وما رأيت لعربي ولا لعجمي مثل تورية وقعت للقاضي عياض صاحب الشفا في ~~تعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم وصاحب الإكمال في شرح مسلم، وغيرهما ~~في بيتين وصف فيهما صيغة نادرة أنشد فيهما الفقيه الإمام الحافظ المتقن ~~العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري ~~نفع الله به، وبلغه من خير الدارين كما بلغه من العلم نهاية مطلبه بالسند ~~المتصل بقائلهما رحمه الله تعالى وهما بسيط # كأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز أنواعا من الحلل # أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرق بين الجدي والحمل # وإذا وصلت إلى ما وقع من التورية في الكتاب العزيز وصلت إلى الغاية ~~القصوى، وهي قوله تعالى: " قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم " فانظر إلى ~~كون الضلال له محملان، وهما الحب وضد الهدى وكيف أهمل أحد الاحتمالين، وهو ~~الحب، واستعمل دلالته على ضد الهدى، والمراد ما أهمل لا ما استعمل فستجده ~~أوجز لفظ وأحلاه، والله أعلم. # باب الترشيح # وهو أن يؤتى بكلمة لا تصلح لضرب من المحاسن حتى يؤتى بلفظة تؤهلها لذلك ~~كما حكيناه عن علي عليه السلام في قوله للأشعث بن قيس: " وهذا كان أبوه ~~ينسج الشمال باليمين " ، فإنهن عليه السلام لو قال ينسج الشمال بيده أو ~~ينسج الشمال وسكت لم يكن في لفظة الشمال تورية ألبتة فلما قصد التورية عدل ~~عن لفظ اليد، وعن الاقتصار على ما قبلها وأتى بلفظ اليمين ليرشح لفظة ~~الشمال للتورية، ولا ينتقد علينا مجيء الآية الواحدة، والبيت الواحد شاهدا ~~على عدة أبواب من المحاسن، فإن ذلك بحسب ما يكون في الكلام من البديع، فإن ~~قيل: فما الفرق بين الترشيح والاستعارة، والتورية، وقد جعلت مثالهما واحدا؟ ms090 ~~قلت: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه: PageV01P048 أحدها أن من التورية ما لا ~~يحتاج إلى ترشيح، وهي التورية المحضة. # والثاني أن الترشيح لا يخص التورية دون بقية الأبواب، بل يعم الاستعارة ~~والطباق وغيرهما من كثير من الأبواب، ألا ترى إلى قول أبي الطيب كامل: # وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لظننت فيه جهنما # فإن قوله: يا جنتي رشحت لفظة جهنم للمطابقة، ولو قال مكانها يا منيتي لم ~~يكن في البيت طباق ألبتة. # الثالث: أن لفظة الترشيح في الكلام المورى غير لفظة التورية فإن التورية ~~في قول علي عليه السلام في لفظة الشمال، والترشيح في لفظة اليمين، فإن قيل: ~~لفظتا الثريا وسهيلا رشحت كل واحدة منهما أختها للتورية، فإنه لولا ذكر ~~سهيل لم تصلح الثريا للتورية، ولولا ذكر الثريا لم يصلح سهيل للتورية، كما ~~أن لفظة اليمين هي التي رشحت الشمال للتورية، فلم يعقل الفرق إذا بين ~~التورية والترشيح. # قلت: كل من لفظتي الثريا وسهيل لا يفتقر في التورية بهما إلى صاحبتهما، ~~بخلاف لفظة اليمين، وذلك أن عمر لو قال خفيف: # أيها المنكح الثريا زيادا ... عمرك الله كيف يجتمعان # لصحت التورية بدون ذكر سهيل؛ لأن الثريا يقع على النجم وعلى المرأة، ~~والنجم لا يجتمع ورجل أبدا، وكذلك لو عكس فقال: # أيها المنكح الخلوب سهيلا ... عمرك الله كيف يجتمعان # لصحت التورية أيضا، لأن سهيلا يقع على الكوكب، وعلى الرجل، والكوكب ~~والمرأة لا يجتمعان، ولا كذلك لفظة اليمين، فإنها لو لم يؤت بها لم يكن في ~~الشمال تورية أصلا ورأسا، وإنما الواقعة التي وقعت لعمر اتفق له فيها ~~موافقة اسم الزوجين لاسمي النجمين فتهيأ له من التورية ما لم يتهيأ لغيره، ~~وتمم المعنى كون الثريا التي هي النجم، وصاحبته شاميين، وسهيل وزوجها ~~يمانيين، فتم لعمر ما أراده من الإنكار عليهما، وعلى من جمع بينهما، وحصل ~~في بيتيه التورية والاتفاق، فلذلك حسنا جدا ومما يبين أن التورية المحضة لا ~~تحتاج إلى ترشيح قول القاضي السعيد ابن سناء الملك رحمه الله تعالى مجزوء ~~الكامل: # يا ms091 هذه لا تستحي ... مني قد انكشف الغطاء # فإن في قوله: قد انكشف الغطاء تورية غير مفتقرة إلى ترشيح، لأن ظاهر ~~اللفظ يدل على أنه أراد انكشاف الأمر، وهو يريد انكشاف العضو فقصد الثاني ~~وورى بالأول، ولا كذلك قول أبي تمام كامل: # كشف الغطاء فأوقدى أو أخمدى # فإن لفظة كشف الغطاء لا تحتمل إلا معنى واحدا، وهو الذي قصده أبو تمام من ~~انكشاف الأمر. # ومن الترشيح للتورية في الكتاب العزيز قوله تعالى: " اذكرني عند ربك ~~فأنساه الشيطان ذكر ربه " ، فإن لفظة ربك رشت لفظة ربه، لأن يكون تورية، إذ ~~يحتمل أن يراد بها الإله سبحانه والملك، فإنه لو اقتصر على قوله تعالى: " ~~فأنساه الشيطان ذكر ربه " لم تدل لفظة ربه إلا على الإله، فلما تقدمت لفظة ~~ربك صلحت للمعنيين. # وأما ترشيح الاستعارة ففي قول بعض العرب طويل: # إذا ما رأيت النسر عز ابن داية ... وعشش في وكريه طارت له نفسي # فإنه شبه الشيب بالنسر لاشتراكهما في البيض، والشعر الأسود بابن داية، ~~وهو الغراب لاشتراكهما في السواد، واستعار التعشيش من الطائر للشيب لما ~~سماه نسرا، ورشح به إلى ذكر الطيران الذي استعاره من الطائر لنفسه، فقد رشح ~~باستعارة إلى استعارة. # وأما ترشيح التشبيه فكقول النابغة الذبياني طويل: # إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب # فإنه رشح بالاستعارة في قوله: أرقلوا إلى التشبيه في قوله: إرقال الجمال، ~~فإنه تشبيه بغير أداة، وفحول النقاد تسمى هذا النوع من التشبيه استعارة، ~~والله أعلم. # باب الاستخدام # وهو أن يأتي المتكلم بلفظة لها معنيان، ثم يأتي بلفظتين تتوسط تلك اللفظة ~~بينهما، ويستخدم كل لفظة منهما لمعنى من معنى تلك اللفظة المتقدمة، وربما ~~التبس الاستخدام بالتورية الضا من كون كل واحد من البابين مفتقرا إلى لفظة ~~لها معنيان. # والفرق بينهما أن التورية استعمال أحد لمعنيين من اللفظة، وإهمال الآخر، ~~والاستخدام استعمالهما معا. # ومن أمثلته قول البحتري كامل: # فسقى الغضا والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانح وقلوب PageV01P049 فإن ~~لفظة الغضا محتملة الموضع والشجر والسقيا الصالحة لهما، ms092 فلما قال والساكنية ~~استعمل أحد معنيي اللفظة، وهو دلالتها بالقرينة على الموضع، ولما قال: ~~شبوه: استعمل المعنى الآخر، وهو دلالتها بالقرينة أيضا على الشجر. # وفي الكتاب العزيز من الاستخدام قوله تعالى: " لكل أجل كتاب، يمحو الله ~~ما يشاء ويثبت " ، فإن لفظة كتاب يراد بها الأمد المحتوم، والكتاب: ~~المكتوب، وقد توسطت بين لفظتي أجل ويمحو، فاستخدمت أحد مفهوميها وهو الأمد، ~~واستخدمت يمحو لمفهوم الآخر، وهو المكتوب والله أعلم. # باب التغاير # وهو تضاد المذهبين إما في المعنى الواحد بحيث يمدح إنسان شيئا بذمه، أو ~~يذم ما مدحه غيره، أو يفضل شيئا على شيء، ثم يعود فيجعل المفضول فاضلا، أو ~~يفعل ذلك مع غيره، فيجعل المفضول عند غيره فاضلا، وبالعكس. فإما التفضيل ~~بين الشيئين المتغايرين من كل وجه فلم يقل به إلا ضياء الدين بن الأثير ~~رحمه الله تعالى، وسنأتي بتفصيل مذهبه في آخر هذا الباب، وأما مدح الإنسان ~~ما ذمه غيره فلم أسمع فيه كقول الإمام علي عليه السلام في خطبة له مدح فيها ~~الدنيا مغايرا لنفسه في ذمها عليها، أم هي المترجمة عليك؟ متى استهوتك، أم ~~متى غرتك؟ كم غرتك؟ بمصارع آباك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم ~~عللت بكفيك، وكم مرضت بيديك، تبغي لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء، لم ~~ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فهي بطلبتك، ولم تدفع عنه بقوتك، قد مثلت لك ~~به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك، وإن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية ~~لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد ~~أحباء الله، ومصلى ملائكته ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا ~~فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها، وقد آذنت ببينها ونادت ~~بفراقها، ونعت نفسها وأهلها فمثلت لهم ببلائها الإبلاء، وشوقتهم بسرورها ~~إلى السرور، راحت بعاقبة، وابتكرت بفجيعة، ترغيبا وترهيبا، وتخويفا ~~وتحذيرا، فذمها رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكرتهم ~~فذكروا، وحدثتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا، فقلت ناظما لمعاني هذه الخطبة ~~على أحد طريقي البلاغة، وهو الإيجاز ms093 خفيف: # من يذم الدنيا بظلم فإني ... بطريق الإنصاف أثنى عليها # وعظتنا بكل شيء لو أنا ... حين جدت في الوعظ من مصطفيها # وأرتنا الوجهين منها فهمنا ... للهوى بالبيان من وجهيها # نصحتنا فلم نر النصح نصحا ... حين أبدت لأهلها ما لديها # أعلمتنا أن المآل يقينا ... للبلى حين جددت عصريها # كم أرتنا مصارع الأهل والأح؟ ... باب لو نستفيق بين يديها # ولكم مهجة بزهرتها اغتر ... رت فأدمت ندامة كفيها # أتراها أبقت على سبإ من ... قبلنا حين بدلت جنتيها # يوم بؤس لها ويوم رخاء ... فتزود ما شئت من يوميها # وتيقن زوال ذاك وهذا ... تسل عما تراه من حادثيها # دار زاد لمن تزود منها ... وغرور لمن يميل إليها # مهبط الوحي والمصلى التي كم ... عفرت صورة بها خديها # متجر الأولياء قد ربحوا الجن؟ ... نة فيها وأوردوا عينيها # رغبت ثم رهبت ليرى كل؟ ... ل لبيب عقباه من حالتيها # فإذا أنصفت تعين أن يث؟ ... نى عليها ذو البر من ولديها # وأما قوله مغايرا لنفسه فإنه في أكثر كلامه يذم الدنيا، ومنه قوله: يا ~~دنيا أبي تعرضت، أم إلي تشوفت؟ هيهات هيهات، غري غيري، قد بنتك ثلاثا لا ~~رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد، وبعد ~~السفر، ووحشة الطريق. # وروى له عليه السلام في ذلك سريع: # يا مؤثر الدنيا على دينه ... والتائه الحيران في قصده # أصبحت ترجو الخلد فيها وقد ... أبرز ناب الموت عن حده # هيهات، إن الموت ذو أسهم ... من يرمه يوما بها يرده # لا يشرح الواعظ صدر امرئ ... لم يعزم الله على رشده PageV01P050 وأما ما ~~جاء من ذلك في الشعر، فقول بعض العرب يمدح قوما بالأنفة كامل: # لا يشربون دماءهم بأكفهم ... إن الدماء الشافيات تكال # فإنه وصف هؤلاء القوم بالأنفة من أخذ الدية عن قتلاهم، فيصير حاصل ما ~~يأخذونه شربهم اللبن، فكأنهم شربوا دماءهم، ثم قال: إن مثل هذا الدم لا ~~يشفي، وإنما يشفي من الدماء ما أخذه مكايلة صاعا بصاع، يعني دما بدم كفء، ~~فحاصل معناه أن الدماء تكال؛ وقال الآخر ms094 مغايرا لهذا المعنى وقد قتل بقتيله ~~دونه معتذرا عن ذلك، مغايرا للمعنى الأول طويل: # فيقتل خير بامرئ لم يكن له ... وفاء ولكن لا تكايل بالدم # ويروى: لم يكن له بواء بباء موضع الفاء، أي كفء مأخوذ من قولهم لمن ~~يقتلونه في دم: بؤبدم فلان، فذهب هذا القائل إلى أن قتيله لا نظير له، فلو ~~ذهب إلى أنه لا يقبل به إلا كفأه لطاح دمه هدرا، إذ لم يجد له كفؤا، فلهذا ~~اضطر إلى قتل من دونه، ثم قال: لا تكايل بالدم، مستدلا بذلك القول على صحة ~~ما أتاه، لكون أرباب الدماء متفاوتي الدرجات، فلا تتكافأ دماؤهم، هذا مذهب ~~الجاهلية، قد أتى الإسلام بخلافه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~المسلمون تتكافأ دماؤهم " ولهذا قال عمر رضي الله عنه لجبلة: الإسلام ساوى ~~بينكما فتغاير المعنيان، وهما مع المغايرة صحيحان، وقد أتى حكم الله في ~~كتابه العزيز مغايرا هذا الحكم، فقوله تعالى: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل " وقوله: " الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى بالأنثى " مما يصحح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تتكافأ ~~دماؤهم " ؛ وقد غايرت أحكام القرآن العزيز أحكام الجاهلية في عدة مواضع، ~~وذم من ابتغى حكم الجاهلية، ومن ذلك ذم الظلم وأهله، وقد كانت العرب تمدحه ~~وتمدح به وأشياء غير ذلك. # ومن هذا قول أبي تمام يغاير جميع الناس في تفضيل التكرم على الكرم، بقوله ~~لأبي سعيد الثغري خفيف: # قد بلونا أبا سعيد حديثا ... وبلونا أبا سعيد قديما # ووردناه سائحا وقليبا ... ودعيناه بارضا وجميما # فعلمنا أن ليس إلا بشق الن؟ ... نفس صار الكريم يدعى كريما # ثم غايره المتنبي فقال على الطريق المألوف منسرح: # لو كفر العالمون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها # كالشمس لا تبتغي بما صنعت ... منفعة عندهم ولا جاها # وهذا المعنى من قول أبي تمام بسيط # لا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر # وكل ذلك من قول بشار خفيف: # ليس يعطيك للرجاء لوا الخو ... ف ولكن يلذ طعم ms095 العطاء # وأبو تمام أخذ معناه الذي غاير فيه الناس من قبل إبراهيم بن سيار، ~~النظام، لأنه غاير فيه جميع العلماء في استدلاله على أن شكر المنعم لا يجب ~~عقلا ولا شرعا، وقال في نظم الدليل كلاما نقحته وحررته فقلت: المعطي لا ~~يعدو بعطائه أحد أربعة أقسام حاصرة: إما للخوف، وإما للرجاء، وإما لطلب ~~الثناء، وإما للعشق في العطاء. # فأما المعطي للخوف، فحثه على ذلك العطاء اتقاؤه ما خافه بعطائه، فلا يجب ~~شكره، والمعطي للرجاء إما أن يرجو المكافأة عن عطائه ممن أعطاه، أو يرجو ~~بذلك ثواب الله، وهو في كلتا حالتيه لا يجب شكره، والمعطي لطلب الثناء حق ~~عطائه أن يثنى عليه، فإذا أثنى عليه، فقد سقط حقه، فلا يجب شكره، والمعطي ~~للعشق في العطاء، مسكن بعطائه غليل قلبه، ومنفس به من كربه، فلا يجب شكره، ~~ووجه الرد على النظام أن يقال: المعطي لطلب الثناء، إما أن يكون عطاؤه ~~موجبا للثناء عليه، أو لا يكون، فإن كان الأول فقد وجب شكر المنعم، وإن كان ~~الثاني فقد فسد التقسيم الأول، وصار للعطاء قسم خامس لغير العلل التي علل ~~بها، ولم تبق علة لهذا التقسيم من العطاء سوى التبذير والعبث، وهذا القسم ~~مرفوض لا يستحق الكلام عليه، فإن قيل المعطي للثناء قد يثني عليه وقد لا ~~يثنى فإن أثنى عليه فقد سقط حقه، فلا يجب شكره، وإن لم يثن عليه خلا عطاؤه ~~عن الفائدة. PageV01P051 قلت: القعود عن أداء الواجب لا يسقط الواجب، فإن ~~تارك الصلاة لا يسقط إخلاله بهذا الواجب وجوبها، ولا يخلو المثنى على ~~المعطي لطلب الثناء إما أن يكون فعل واجبا، فقد وجب شكر المعطي، وإما أن ~~يكون ما فعله غير واجب فقد صار العطاء لا للثناء. ثم أقول: المعطي رغبة في ~~الثناء لا يخلو إما أن يكون المثنى فعل بثنائه واجبا أولا، فإن كان الأول ~~فقد وجب شكر المنعم، وإن كان الثاني، فإما أن يكون عدم الثناء عليه من جهة ~~تقصير المعطي، فقد بينا أن الإخلال لا يسقط وجوب ms096 الشكر، فإن قلت: إنما أثنى ~~المثنى عليه تفضيلا. قلت: هذا محال لأنه تقدم منه العطاء ليشتري به الثناء، ~~فثناء المعطى ثمن لإنعام المعطي، فكيف يعد تفضلا؟! فقد ثبت وجوب شكر ~~المنعم، وفسد تقسيم النظام، ثم قول القائل: لا يخلو المعطي للثناء، إما أن ~~يثني عليه وإما أن لا يثني عليه لازم في جميع الأقسام، فإن المعطي لطلب ~~المكافأة. إما أن يكافأ، وإما أن لا يكافأ، وكذلك المعطى للخوف، ولم يبق ~~قسم لا يدخله هذا الاحتمال، سوى المعطي للعشق في العطاء، فإنه وإن لم يجب ~~شكره على نفس العطاء لكونه مسكنا به غليل قلبه، ومشبعا غرض نفسه، فهو مشكور ~~على عشق أحسن الخلال، وأكرم الفعال، وكيف لا يستحق المنعم الشكر، والمنعم ~~على كل تقدير أحد رجلين: رجل مطبوع على العطاء مجبول عليه، فهو مشكور على ~~كرم طبع، وسماحة جبلته، ورجل غير مطبوع على ذلك فهو يجاهد نفسه، ويغلب طبعه ~~على التكرم حتى يتعمد العطاء ويتكلف الحباء، وهذا كما قال سيد المرسلين ~~محمد صلى الله عليه وسلم: " إنما الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تخاف ~~الفقر وتأمل الغنى " . ومن هنا قال أبو تمام خفيف: # فعلمنا أن ليس إلا بشق الن؟ ... نفس صار الكريم يدعى كريما # ولقد أحسن المتنبي حين أخذ هذا المعنى من أبي تمام، وزاد عليه ونقله من ~~فن المدح إلى فن الأدب، فقال مخرجا ذلك مخرج المثل بسيط # لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال # ومن التغاير تفضيل القلم على السيف، والمعتاد عكس ذل، ويدل عليه قول ~~البحتري في صاحب خراسان المعروف بابن هرمة بسيط # تعنو له وزراء الملك راغبة ... وعادة السيف أن يستخدم القلما # وما سمعت في هذا المعنى مثل قول ابن الرومي بسيط # إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم # فالموت والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم # كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم # وغايره المتنبي فقال على الطريق المألوف بسيط # حتى ms097 رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم # أكتب بها أبدا قبل الكتاب بنا ... فإنما نحن للأسياف كالخدم # فانظر إلى تقصير المتنبي في المعاني وسبكها، وإلى كونه قليل الابتكار لا ~~يتوكأ إلا على المعاني المطروقة، ولا يرى فيها إلا تابعا مقصرا، فإنه أخذ ~~هذا المعنى من قول أبي تمام بسيط # السيف أصدق أنباء من الكتب # فإن حاصل بيت المتنبي مأخوذ من هذا الصدر، ليس في بيته زائد على ما في ~~الصدر، سوى ما أخذه من ابن الرومي وقصر وهو قوله في العجز: # فإنما نحن للأسياف كالخدم # لأن ابن الرومي جعل السيوف خدما للأقلام، والمتنبي جعلها كالخدم، وفرق ~~بين عين الشيء وبشبيهه، ولا يقال: إن صدر بيت المتنبي هو المأخوذ من صدر ~~بيت أبي تمام، فلم قلت: إن بيت المتنبي كله مأخوذ من صدر بيت أبي تمام، ~~لأني أقول: صدر بيت المتنبي مفتقر لما قبله، أو لتقديم ما بعده، لما فيه من ~~الضمائر الظاهرة والمستترة التي متى أفرد لا يوجد فيه ما يعود عليه، فلا ~~يكمل معناه الذي أخذه من بيت أبي تمام حتى يقدر تقديم العجز، فيصير تقدير ~~البيت: نحن للأسياف كالخدم فاكتب بالأسياف قبل أن تكتب بنا، وحاصل هذا كله ~~قول أبي تمام: # السيف أصدق أنباء من الكتب # فلم يرض أبو تمام أن يقول: السيف أصدق أنباء من القلم حتى قال: من الكتب ~~التي لا تكتب إلا بالقلم، والدواة والقرطاس، والكاتب المطلق اليد واللسان ~~والجنان فالحظ الفرق بين كلامه، وكلام المتنبي لتعلم مقدار ما بينهما. ~~PageV01P052 وقد غاير ابن الرومي الناس في إبطال فائدة التناسي حيث قال ~~خفيف: # ومعز عن الشباب مؤس ... بمشيب اللدات والأتراب # قلت لما انتحى يعد أساة ... من مصاب يشيبه ومصاب # ليس تأسو كلوم غيري كلومي ... ما بهم ما بهم وما بي ما بي # فإنه غاير القائل طويل: # ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده ... ولكن متى ما شئت جاوبني مثلي # وأمثاله كثير، وكل ما أتيت به مما غاير فيه الشعراء بعضهم بعضا. # وأما ما يغاير ms098 الشاعر فيه نفسه، فكقول الفرزدق طويل: # ؟ألم تسمعا يا بني حكيم حنينها ... إلى السيف تستبكي إذا لم تعقر # فذكر أن إبله تحن إلى السيف لإلفها به إذا لم يعقرها للضيفان. # وقال يصفها بالجزع من الموت طويل: # ترى النيب من ضيفي إذا ما رأينه ... ضمورا على جراتها ما يجيرها # وهذا من قول بعض الشعراء يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم كامل: # وأبيك حقا إن إبل محمد ... عزل نوائح أن تهب شمال # وإذا رأين لدى الفناء غريبة ... فدموعهن على الخدود سجال # يقول هذا الشاعر: إذا هبت الشمال، وهي من ريح الشتاء، وهبوبها من علامات ~~المحل، أيقنت هذه الإبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينحرها للضيفان ~~والجيران، فهي نوائح لذلك، واستعار لها لفظة عزل: من الرجال الذين لا سلاح ~~معهم يدفعون به عنهم، أي هي لا تمانع؛ ثم قال في البيت الثاني: وإذا رأين ~~ناقة غريبة عرفن أنها ناقة ضيف فتذرى كل واحدة دمعها لا تدري أهي المنحورة ~~أم غيرها؟ وقوله حقا بعد القسم ليست من الحشو الذي تسد به الأبيات لإقامة ~~الوزن، وإنما هي مؤكدة لصدق القسم، إذ المدح في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولو كان في غيره لكانت حشوا لا يفيد إلا إقامة الوزن، وهذا من دقيق ~~ما في الشعر، وهو من لطيف المدح، وقل كل مدح في حق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ومثل هذا التتميم الذي وقع لهذا الشاعر رضي الله عنه في المدح تتميم ~~وقع للأخطل في الهجاء حيث قال بسيط # وأقسم المجد حقا لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر # ومن التغاير ما قاله زبان بن منظور الفزري، وقد اتفق مع النابغة على ~~الغزو، فوقعت جواده على النابغة، فتطير بها ورجع، ومضى زبان فغنم وسلم، ~~فقال النابغة وافر: # تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور # بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير # ومن ينزح به لا بد يوما ... يجيء به نعي أو بشير # فغاير النابغة معظم العرب في ms099 ذلك، وأعجبني مقاله لموافقته قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " لا هامة ولا طيرة ولا صفر " . # وهذه أمثلة التغاير في المعنى الواحد. # وأما تغاير المعنيين المتضادين فإن الترجيح بينهما راجع إلى النظر في ~~مفردات الألفاظ وتركيبها لتعلم كم في كل كلام منهما من ضروب العيوب، وأنواع ~~المحاسن، ويقابل كل ضرب بضرب مثله: فما كانت محاسنه، أكثر وعيوبه أقل كان ~~أفضل من الآخر، وهذا هو الذي أشار إليه ضياء الدين بن الأثير، ووعدت في أول ~~هذا الباب بذكره، فإنه أيضا غاير النقاد في هذا المكان، إذ عادتهم ألا ~~يرجحوا بين الكلامين إلا إذا اشتركا في معنى واحد والله أعلم. # ومثال ما تقع فيه المفاضلة بين الكلامين المختلفي المعنى قول الله سبحانه ~~وتعالى: " وقيل يا أرض ابلعي ماءك " وقال عز وجل: " إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان " الآية، فإن الأولى في الطبقة العليا من البلاغة والفصاحة، ~~والثانية في الطبقة الوسطى بالنسبة إليها، لأن الثانية وإن كانت بليغة ~~فالأولى أبلغ، وإن كنت كثيرة المعاني، فالأولى أكثر، فالأولى أفضل مع كون ~~مقصد الاثنين مغايرا مختلفا، وعلى هذا فقس ترشد والله عز وجل أعلم. # ؟باب الطاعة والعصيان # هذا النوع استنبطه أبو العلاء المعري عند نظره في شعر أبي الطيب المتنبي ~~وشرحه له من قوله طويل: # يرد يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد ~~PageV01P053 وسماه الطاعة والعصيان، أعني المعري، وفسره بأن قال: وهو أن ~~يريد المتكلم معنى من معاني البديع، فيستعصي عليه لتعذر دخوله في الوزن ~~الذي هو آخذ فيه، فيأتي موضعه بكلام غيره يتضمن معنى كلامه، ويقوم به وزنه، ~~ويحصل به معنى من البديع غير المعنى الذي قصده، كهذا البيت الذي ذكرته ~~للمتنبي، فإنه أراد أن يكون في البيت مطابقة، فيحتاج لأجلها أن يقول: # يرد يدا عن ثوبها وهو مستيقظ # حتى إذا قال: # ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد # يكون في البيت مطابقة فلم يطعه الوزن فأتى بقادر مكان مستيقظ. لتضمنه ~~معناه، فإن القادر لا يكون إلا مستيقظا، وزيادة فقد عصاه ms100 في البيت الطباق، ~~وأطاعه الجناس، لأن بين قادر وراقد تجنيس عكس. هذا كلام المعري على هذا ~~البيت، وهذا المعنى من البديع، ولم يأت بشاهد غيره، وتبعه الناس بعد، ~~فأثبتوا هذا الباب وتكلموا فيه بمثل هذا الكلام، واستشهدوا بهذا البيت، ولم ~~يأت أحد منهم بغيره، وأضربوا جميعهم عن النظر فيه، إما لحسن ظنهم بالمعري ~~وموضعه من الأدب، واعتقادهم فيه العصمة من الخطإ والسهو فيه، وإما أن ~~يكونوا قد مر عليهم ما مر عليه في هذا البيت. # والذي ذهب عليهم أن البيت ليس فيه شيء أطاع الشاعر، ولا شيء عصاه، ودليل ~~ذلك أن قول المعري إن المتنبي أراد مستيقظا، ليحصل منها ومن لفظة راقد ~~طباق، فعصته لفظة مستيقظ لامتناعها من الدخول في هذا الوزن، فيحكم على ~~المتنبي، لأنه لو أراد أن يكون في بيته طباق فحسب، كان له أن يقول: يرد يدا ~~عن ثوبها وهو ساهر أو ساهد، ويحصل له غرضه من الطباق بالجمع بين ساهر ~~وراقد، ولا يكون عصاه شيء وأطاعه غيره وإنما المتنبي قصد أن يكون في بيته ~~طباق وجناس، فعدل عن لفظة ساهر وساهد إلى لفظة قادر، لأن القادر ساهر ~~وزيادة، إذ ليس كل ساهر قادرا، والقادر لا بد أن يكون ساهرا، ليحصل بين ~~قادر وراقد طباق معنوي، وجناس عكس، لأن الطباق أنواع: منه المعنوي، كما أن ~~الجناس أنواع: منه جناس العكس، وكما لم يأت بأول نوع من الجناس، كذلك يم ~~يأت بأول نوع من الطباق، وهو الطباق اللفظي، وأتى بالطباق المعنوي، لأن ~~مذهبه ترجيح المعاني على الألفاظ، لا سيما وبالعدول عن الطباق اللفظي حصل ~~في البيت الطباق والجناس معا، وما كان فيه طباق وجناس أفضل مما ليس فيه سوى ~~الطباق فقط، ولو عدل المتنبي إلى ما ذكره المعري من الإتيان بشاهد مثلا ~~لفاته هذا الفضل، وأتى في بيته ما دل على عدم تدقيق النقد، إذ يأتي فيه ~~بأول نوع من الطباق، ولم يقابله بأول نوع من الجناس، مع ثبوت نيته الجمع ~~بنيهما، والله أعلم. # فقد تبين من هذا ms101 البحث أن بيت المتنبي هذا لا يصلح أن يكون شاهدا على هذا ~~الباب، لأنه لم يعصه فيه شيء ولم يطعه غيره، ولا بد إذ قد أثبت هذا الباب ~~لرشاقة تسمية من الإتيان بشاهد يليق به؛ والذي يليق به من الشواهد قول عوف ~~بن محلم السعدي سريع: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # لأنا نعلم أن أول ما يقصده المتكلم إخراج معناه في لفظ مساو له، إذ هو ~~خير ضروب البلاغة لكونه وسطها، وخير الأمور أوسطها، ولذلك وصف به كلام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # قال هند بن أبي هالة في صفته: ويتكلم بجوامع الكلم قولا فصلا، لا فضلا ~~ولا تقصيرا؛ وقالت أم معبد في صفة كلامه أيضا: حلو المنطق فصل لا نزر ولا ~~هذر، كأن منطقه خزرات نظم يتحدرن، وهذا المعنى بلفظه أخذه ذو الرمة فقال ~~طويل: # لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر # فإذا اضطر الوزن إلى الزيادة على اللفظ أو النقص منه اضطرارا، فقد عصته ~~المساواة وأطاعه غيرها مما يأتي في كلامه من البديع بعد الزيادة والنقص ~~الذي استقام بهما الوزن، بشرط أن يكون عدوله عن المساواة إلى غيرها من ~~البديع اضطرارا لا اختيارا. PageV01P054 وقد يعدل المتكلم عن المساواة ~~اختيارا، ولا تكون المساواة عصته إلا في ظن من يرى ظاهر كلامه فيجد فيه ما ~~يوهم بأنه زيادة، ويكون عدوله لمعنى أجل من المساواة، فيكون قد أطاعه ذلك ~~المعنى، ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " قل رب احكم بالحق " فإن ~~ظاهر اللفظ يوهم أن لفظة بالحق مستغنى عنها، للعلم بأن الله سبحانه لا يحكم ~~إلا بالحق، فإنه قد ثبت أنه موصوف بالعدل بالدليل العقلي، فعدل عن ~~المساواة، وأتى بهذه الزيادة ليضمن الكلام ضربا من المحاسن يسمى الافتنان، ~~فإن المراد تعجيل ما يستحقه الكفار من العذاب، ولذلك حصل في الكلام افتنان، ~~وهو الجمع بين الأدب والهجاء، لأن من يستحق الدعاء عليه بالعقوبة ملوم، ~~والله أعلم. # وقد أفردت لهذه الآية الكريمة تأليفا استخرجت ms102 منها ستة عشر ضربا من ~~البديع، خفت من سياقتها في هذا الكتاب من الإطالة، فعلى هذا يكون مراد عوف ~~في بيته الذي قدمناه عند ما وقع المعنى في نفسه، وقصد إخراجه من القوة إلى ~~الفعل أن يقول: إن الثمانين قد أحوجت سمعي إلى ترجمان، وعلم أن الوزن لا ~~يستقيم إلا بزيادة كلمة على ذا اللفظ المساوي معناه، فأتى بها متضمنة معنى ~~الدعاء للمدوح، ليحصل بها في الكلام ضرب من البديع، وهو التتميم، نظرا إلى ~~نقص الوزن، والتكميل نظرا إلى كون المعنى تاما، وليكون عوضا مما فاته من ~~المساواة حذقا منه، ولو أتى بها لا يفيد إلا إقامة الوزن فحسب، كانت عيبا ~~فليسوغ أن يقال: إن في هذا البيت طاعة وعصيانا، لكون الشاعر عصته فيه ~~المساواة التي قصدها وقت الشروع في سبكه وبنيته، وأطاعه التتميم، وعلى هذا ~~يكون كل بيت من شواهد التتميم، وقع التتميم الذي فيه زائدا على معناه غير ~~متمم لنقصه شاهدا للطاعة والعصيان، ومثل هذا هو تتميم الوزن لا تتميم ~~المعنى، والله أعلم. # باب التسميط # وهو أن يعتمد الشاعر تصيير بعض مقاطع الأجزاء، أو كلها في البيت على سجع ~~يخالف قافية البيت، كقول مروان بن أبي حفصة طويل: # هم القوم إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابو، وإن أعطوا أطابوا، ~~وأجزلوا # فأتت بعض أجزاء هذا البيت مسجعة على خلاف قافيته، لتكون القافية بمنزلة ~~السمط، والأجزاء السجعة بمنزلة حب العقد، لكون التسميط يجمع حب العقد ~~ويربطه، والفرق بين التسميط والتفويف، تسجيع بعض أجزاء بيت التسميط، وخلو ~~كل أجزاء بيت التفويف من السجع بتة، والمراد بأجزاء التسميط بعض أجزاء ~~التقطيع، ويسمى تسميط التبعيض. # ومن التسميط نوع آخر يسمى تسميط التقطيع، وهو أن يسجع جميع أجزاء التفعيل ~~على روى يخالف روى القافية، كقولي بسيط # وأسمر مثمر بمزهر نضر ... من مقمر مسفر عن منظر حسن # فجاءت جميع أجزاء التفعيل في هذا البيت من سباعيها وخماسيها مسجعة على ~~خلاف سجعة الجزء الذي هو قافية البيت، والله أعلم. # باب المماثلة # وهو أن تتماثل ألفاظ الكلام ms103 أو بعضها في الزنة دون التقفية، كقول الله ~~سبحانه وتعالى: " وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب، إن كل نفس لما عليها ~~حافظ " فالطارق والثاقب وحافظ متماثلات في الزنة دون التقفية، وقد تأتي بعض ~~ألفاظ المماثلة مقفاة من غير قصد، لأن التقفية في هذا الباب غير لازمة، ~~كقول امرئ القيس متقارب: # فتور القيام، قطوع الكلام ... تفتر عن ذي غروب خصر # كأن المدام، وصوب الغمام ... وريح الخزامى، ونشر القطر # يعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر، المستحر # وكقول الشاعر على أصل الباب في التزام الزنة دون التقفية متقارب: # صفوح، كريم، رصين إذا ... رأيت العقول بدا طيشها # نداه سحوح على أنفس ... به اخضر لما سقى عيشها # والبيت الأول أردت. # والفرق بين المماثلة والمناسبة توالي الكلمات المستويات في المماثلة، ~~وتفارقها في المناسبة ومن أمثلة المماثلة قول أبي ذؤيب وافر: # معتقة، مصفقة، عقار ... شآمية، إذا جليت مروح # فقوله: معتقة، مصفقة، شآمية متماثلة لتساوي الكلام في الزنة، وهذا البيت ~~من أقوى دليل على أن التقفية في المماثلة غير لازمة، إذ لو كانت لازمة لأتى ~~بشآمية على سجع معتقة مصفقة. PageV01P055 لكنه لما لم يأت بأول العجز على ~~سجع أول الصدر، علم أن التقفية في هذا الضرب غير لازمة. ومثله قول أوس بن ~~حجر متقارب: # مليح، نجيح، أخو مأقط ... يكاد يخبر بالغائب # باب التجزئة # وهو أن الشاعر يجزئ البيت من الشعر جميعه أجزاء عروضية، ويسجعها كلها على ~~رويين مختلفين، جزء يجزء، إلى آخر البيت الأول من الجزأين، على روى مخالف ~~لروى البيت، والثاني على روى البيت كقول الشاعر " رمل " : # هندية لحظاتها، خطية خطراتها، دارية نفحاتها # ومثال الثاني الذي سجع كل ثان من أجزائه زائدا على قافيته قول أبي تمام ~~طويل: # تجلى به رشدي، وأثرت به يدي ... وطاب به ثمدي، وأورى به زندي # وكقول المتنبي بسيط # فنحن في جذل، والروم في وجل ... والبر في شغل؛ والبحر في خجل # والتجزئة تفارق التسميط من وجهين: أحدهما تقسيم بيتها على ثلاثة أجزاء ~~مسجعة إن كان سداسيا، أو أربعة مسجعة إن كان ثمانيا. ms104 # والثاني التزام السجع في الأجزاء على قافية البيت والله أعلم. # باب التسجيع # وهو أن يتوخى المتكلم أو الشاعر في أجزاء كلامه، بعضها غير متزنة بزنة ~~عروضية ولا محصورة في عدد معين، بشرط أن يكون روي الأسجاع روي القافية، ~~والفرق بينه وبين التسميط كون أجزائه على روى قافيته، وبينه وبين التجزئة ~~اختلاف زنة أجزائه، ومجيئها على غير عدد محصور معين، ومثاله قول أبي تمام ~~طويل: # تجلى به رشدي، وأثرت به يدي ... وطاب به ثمدي، وأورى به زندي # وقول ديك الجن كامل: # حر الإرهاب وسميه، بر الإيا ... ب كريمه، محض النصاب صميمه # والأجزاء المسجعة من هذا البيت التي هي بعض أجزائه غير متزنة زنة عروضية، ~~وإن تماثلت في زنة بعضها لبعض، والفرق بينه وبين المماثلة، كون أجزائه ~~المسجعة اتزنت زنة غير زنة عروضية، وأتت مفرقا ما بينها، وأتى تسجيعها على ~~روي بيتها، بخلاف أجزاء المماثلة، وتسجيع أجزاء المماثلة على غير روي بيتها ~~والله أعلم. # باب الترصيع # الترصيع كالتسجيع في كونه يجزئ البيت إما ثلاثة أجزاء إن كان سداسيا، أو ~~أربعة إن كان ثمانيا وسجع على ثاني العروضين دون الأول، وأكثر ما يقع ~~الجزءان المسجع والمهمل في الترصيع مدمجين إلا أن أسجاع التسجيع على قافية ~~البيت، والفرق بينه وبين التسميط المسمى تسمي التبعيض أن المسجع من قسمي ~~التسميط معا هي أجزاء عروضية، والمسجع من الترصيع أجزاء غير عروضية لوقوع ~~السجع في بعض الأجزاء، ومثال الترصيع قول أبي صخر من أناشيد قدامة بسيط # وتلك هيكلة خود مبتلة ... صفراء رعبلة في منصب سنم # عذب مقبلها خدل مخلخلها ... كالدعص أسفلها مخضوبة القدم # سود ذوائبها، بيض ترائبها ... محض ضرائبها، صيغت على الكرم # سمح خلائقها، درم مرافقها ... يروي معانقها من بارد شبم # كأن معتقة، في الدن مغلقة ... صفرا مصفقة من رابئ ودم # شيبت بموهبة، من رأس مرقبة ... جرداء مهيبة، في حالق شمم # خالط طعم ثناياها وريقتها ... إذا يكون توالي النجم كالنظم # فهذا القسم من الترصيع يحسن أن يسمى الترصيع المدمج، لا، كل جزء مسجع من ~~أجزائه مدمج في ms105 الجزء الذي قبله فرقا بينه وبين ما ليس كذلك من الترصيع، ~~فإن من الترصيع ما أجزاؤه المسجعة غير مدمجة فيما قبلها، ومثاله قول مسلم ~~بن الوليد بسيط # كأنه قمر، أو ضيغم هصر ... أو حية ذكر، أو عارض هطل # وهذا القسم من الترصيع بلتبس بالتسميط التباسا شديدا، والفرق بينهما أن ~~التسجيع في التسميط على الجزء الأول من الأجزاء العروضية، وفي الترصيع على ~~ثاني العروضيين، ألا ترى التسجيع من التسميط في بيت مروان جاء في الخماسي ~~لما كان من بحر طويل، وجاء التسجيع من الترصيع في بيت مسلم في الخماسي أيضا ~~لما كان البيت من بحر البسيط، لكون الخماسي أول الجزأين من الطويل والخماسي ~~ثاني الجزأين من البسيط، وهذا الوضع مما يسأل عنه من يدعي هذا العلم. ~~ويتنخل من ذلك أن الفرق بين التسميط والترصيع من وجهين: أحدهما كن الترصيع ~~يكون بأجزاء مدمجة وغيرها، والتسميط لا يقع فيه الإدماج ألبتة. PageV01P056 ~~والثاني أن ما لا إدماج في أجزائه من الترصيع يقع التسجيع منه في ثاني ~~العروضين، ومن التسميط في أولهما، والله أعلم. # باب التصريع # التصريع على ضربين: عروضي، وبديعي، فالعروضي عبارة عن استواء عروض البيت ~~وضربه في الوزن والإعراب والتقفية، بشرط أن تكون العروض قد غيرت عن أصلها ~~لتلحق الضرب في زنته. # والبديعي استواء آخر جزء في الصدر، وآخر جزء في العجز في الوزن والإعراب ~~والتفقيه، ولا يعتبر بعد ذلك أمر آخر، وهو في الأشعار كثير، لا سما في أول ~~القصائد، وكثير ما يأتي في أثناء قصائد القدماء؛ ويندر مجيئة في أثناء ~~قصائد المحدثين، ووقوعه في الأعشار دليل على غزر مادة الشاعر، وحكمه في ~~الكثرة والقلة حكمن بقية أنواع البديع، إذ كل ضرب من البديع متى كثر في شعر ~~سمج، كما لا يحسن خلو الكلام منه غالبا، وكل ما جاء منه متوسطا من غير تكلف ~~فهو المستحسن، وقد يأتي بعض أوائل القصائد مصمتا، ويأتي التصريع في أثنائها ~~بعد ذلك. وقد قسمه أهل الصناعة قسمين: قسم سموه تصريع التكميل، وقسم سموه ~~تصريع التشيطر، ورأيت ms106 منهم من جعل هذا القسم الثاني بابا مفردا يسميه ~~التشيطر من غير أن يضيف إليه لفظة التصريع. # ومثال التصريع العروضي قول امرئ القيس طويل: # ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي # ومثال التصريع البديعي قوله في أثناء هذه القصيدة: # ألا إنني بال على جمل بال ... يقود بنا بال ويتبعنا بال # وقوله أيضا بعد تصريع أول القصيدة المعلقة، وإن كان إطلاق التصريع عليها ~~إطلاقا بديعيا، لا عروضيا، إذ أولها عند العروضين مقفى لا مصرع طويل: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل # ومثال ما وقع في أثناء القصيدة وأولها مصمت قوله متقارب: # تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا يضيرك لو تنتظر # فإن أول هذه القصيدة على أصح الروايتين # لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر # ثم والى التصريع بعد قوله: # تروح من الحي أم تبتكر # فقال # أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر # وشاقك بين الخليط الشطر ... وفيمن أقام من الحي هر # وأهل البديع يسمون التقفية تصريعا، إذ لا يعتبرون الفرق بينهما. والتصريع ~~في أثناء القصائد والإصمات في أوائلها يستحسن من القدماء، ويستحسن من ~~المحدثين، لأنه من العرب يدل على قوة العارضة وغزر المادة، وعدم الكلفة ~~وتخلية الطبع على سجيته، وهو من المحدثين دليل على قوة التكلف غالبا، ولا ~~يحسن التصريع لأنه لا يأتي منهم إلا مقصودا، ولا يحسن التصريع إلى ابتداء ~~شعر غير الشعر الذي تقدم ... ألا ترى إلى كون امرئ القيس لما فرغ من ذكر ~~الحماسة في القصيدة الرائية التي ذكرنا منها الأبيات المتقدمة، وشرع في ذكر ~~النسيب صرع، وإذا استقريت أشعارهم وجدت أكثرها كما ذكرت لك. # باب التشطير # هذا أن يقسم الشاعر بيته شطرين، ثم يصرع كل شطر من الشطرين، لكنه يأتي ~~بكل شطر مخالفا لقافية الآخر ليتميز من أخيه، فيوافق فيه الاسم المسمى، ~~وذلك كقول مسلم بن الوليد بسيط # موف على مهج، في ويم ذي رهج ... كأنه أجل، يسعى إلى أمل # وكقول أبي ms107 تمام بسيط # تدبير معتصم، بالله منتقم ... لله مرتغب، في الله مرتقب # وعندي أن بيت أبي تمام أولى من بيت مسلم بهذا الباب، لأنه عمد إلى كل شطر ~~قدره بيتا وصرعه تصريعا صحيحا، وبيت مسلم شطره الأول مصرع تصريعا صحيحا، ~~وشطره الثاني ليس بمصرع لمخالفة روي وسطه روي آخره في الإعراب، اللهم إلا ~~أن يجعل الشطر على ضربين: ضرب يصرع فيه أحد الشطرين دون الآخر، وضرب يصرعان ~~فيه معا. والله أعلم. # باب التعليل PageV01P057 وهو أن يريد المتكلم ذكر حكم واقع، أو متوقع ~~فيقدم قبل ذكره علة وقوعه، لكون رتبة العلة أن تقدم على المعلول، كقوله ~~سبحانه: " لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم " فسبق الكتاب ~~من الله علة في النجاة من العذاب. وكقوله تعالى: " ولولا رهطك لرجمناك " ، ~~فوجود رهطه علة في سلامته من قومه، وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " ~~لولا أخاف أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " فخوف المشقة على ~~الأمة هو العلة في التخفيف عنهم من الأمر بالسواك عند كل صلاة. # ومن الأمثلة الشعرية في ذلك قول البحتري متقارب: # ولو لم تكن ساخطا لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا # فوجود سخط الممدوح هو العلة في شكوى الشاعر الزمان، وكقول أبي القاسم بن ~~هانئ الأندلسي طويل: # ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى ... لما كنت أدري علة للتيمم # فعلل درايته علة التيمم بمصافحة رجل صاحبته صفحة الثرى وهذا من غلو ابن ~~هانئ المعروف فلحى الله غلوه كيف يقول: إنه لم يدر علة التيمم إلا بما ذكر، ~~وقد وردت علة التيمم من نص الكتاب والسنة: أما نص الكتاب فقوله تعالى: " ~~فتيمموا صعيدا طيبا " وما نص السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: " وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا " وحديث عمار بن ياسر في التيمم مشهور وأخرجه مسلم. # أراد ابن هانئ الإغراب في هذا المعنى، فوقع فيما عادته أن يقع فيه من ~~الغلو، وأحسن من قوله قول ابن رشيق القيرواني في تعليل قوله عليه السلام: " ~~وجعلت لي الأرض مسجدا ms108 وطهورا " حيث قال وافر: # سألت الأرض لم جعلت مصلى ... ولم كانت لنا طهرا وطيبا # فقالت غير ناطقة لأني ... حويت لكل إنسان حبيبا # فتخلص مما وقع فيه ابن هانئ لكونه ذكر أنه سأل الأرض عن العلة التي ~~بسببها جعلها الله تعالى لرسوله عليه السلام مسجدا وطهورا، وتلطف في ~~استخراج علة مناسبة لا حرج عليه في ذكرها بنفسه، فكيف وقد ذكرها على لسانها ~~في جواب سؤاله، وأبو تمام الذي فتح له باب هذا المعنى ونبهه على استخراج ~~هذه العلة بقوله طويل: # ربا شفعت ريح الصبا بنسيمها ... إلى الغيث حتى جادها وهو هامع # كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبا فما ترقا لهن مدامع # والبيت الثاني، أردت لأن أبا تمام تلطف لمعناه غاية التلطف، إذ جعل دوام ~~مطر السحاب على هذا الربا إنما كان بمنزلة البكاء من ثاكل دفن محبوبا له، ~~فهو دائم البكاء على قبره، فكأنه جعل العلة في دوام السقيا كون الحبيب تحت ~~تلك الأرض المسقية، ومن هاهنا جعل ابن رشيق العلة في كون الأرض مسجدا ~~وطهورا لكافة الناس الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كونها ~~حوت لكل بشر حبيبا، وهذه كلها أمثلة الكلام الذي جاء على وجهه في تقديم علة ~~حكمه على الحكم، وأما ما جاء منه متقدم المعلول على العلة إغرابا وطرفة، ~~فكقول مسلم بن الوليد بسيط # يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق PageV01P058 ~~فإن هذا البيت لم يسمع في هذا الباب مثله، لأنه مسلما أغرب في معناه بتلطفه ~~في تحسين إساءة الوشي، لإنجائه إنسان عينه من الغرق بالدمع، لامتناعه من ~~البكاء لحذره منه، فغاير في ذلك الناس، أعني استحسان الإساءة، وكأنه سئل عن ~~استحسانه إساءة الواشي، ففسر ذلك بنجاة إنسانه من الغرق، وأدمج في هذا ~~المعنى معنى الاعتذار عن عدم البكاء، وتبيين العلة في ذلك من جهة حذره من ~~الواشي بحبه، وفي ذلك فضيحة محبوبه، واحترس من توهم متوهم أن جمود عينه ~~لغلبة جلده على حبه، وصبره على جزعه، إذ ذلك مناف لصحة ms109 مذاهب الناس في ~~الغزل، وجاء في ضمن ذلك الإدماج بالمبالغة، إذ مفهوم كلامه وملزومه أنه ~~لولا حذره من الواشي لبكى بدمع يغرق إنسانه بحيث لا ينحسر عنه الماء أبدا، ~~فإنه أطلق عليه لفظ الغرق، وهذا حكم كل غريق، هذا إلى ما وقع في البيت من ~~مساواة معناه للفظه، وائتلافه معه ومع وزنه، وحصول المطابقة اللفظية فيه، ~~وعذوبة ألفاظه، وسهولة سبكه، وقرب متناوله، وصحة دلالته، وتمكين قافيته، ~~فاشتمل هذا البيت على ثلاثة عشر نوعا من البديع، وهي الإغراب والطرفة، ~~والتعليق، والإدماج، والاحتراس، والمبالغة، والتعليل، والمطابقة، ~~والمساواة، والتغاير، والتفسير، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ مع ~~الوزن، والتمكين، وقد تشبث القاضي السعيد رحمه الله بأذيال مسلم في هذا ~~المعنى، وأحسن ابتاعه باختيار بعض هذه الأنواع حيث قال خفيف: # علمتني بهجرها الصبر عنها ... فهي مشكورة على التقبيح # فالجامع بين هذا البيت والبيت الذي قبله وقوع الإحسان من الإساءة، فبيت ~~السعيد وإن شارك بيت مسلم في المساواة، والتعليق، وائتلاف اللفظ مع المعنى، ~~وائتلاف اللفظ مع الوزن، وتمكين القافية، والتفسير والتعليل، فقد أعوزه ~~الإغراب والمغايرة والمطابقة والاحتراس والإدماج والمبالغة، على أن صريح ~~بيت السعيد مأخوذ من قول القائل منسرح: # أعتقني سوء ما صنعت ال؟ ... رق فيا بردها على كبدي # فصرت عبدا للسوء فيك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد # وهذان البيتان في معناهما من أحسن ما سمع، وأكمل وأمتن شعر وأفضل، ولولا ~~الإفراط في الإطالة بينت مانيهما، والله أعلم # باب التطريز # وهو أن يبتدئ المتكلم أو الشاعر بذكر جمل من الذات غير مفصلة، ثم يخبر ~~عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب العدد الذي قدره في تلك الجملة ~~الأولى، فتكون الذوات في كل جملة متعددة تقديرا والجمل متعددة لفظا والصفة ~~الواحدة المخبر بها عن تلك الذوات متعددة لفظا، وعدد الجمل التي وصفت بها ~~الذوات لأعدد الذوات عدد تكرار واتحاد لا تعداد تغير، وذلك كقول ابن الرومي ~~وافر: # أموركم بني خاقان عندي ... عجاب في عجاب في عجاب # قرون في رؤوس في وجوه ... صلاب في صلاب في ms110 صلاب # وكقوله وافر: # وتسقيني وتشرب من رحيق ... خليق أن يلقب بالخلوق # كأن الكأس في يده وفيها ... عقيق في عقيق في عقيق # ومثل ذلك قول القائل، وأنا أشك هل هو لأبي نواس أو ابن المعتز وافر: # فثوبي والمدام ولون خدي ... شقيق في شقيق في شقيق # باب التوشيع # هو من الوشيعة، وهي الطريقة في البرد المطلق، فكأن الشاعر أهمل البيت كله ~~إلا آخره، فإنه أتى فيه بطريقة تعد من المحاسن. # وهو عند أهل الصناعة عبارة عن أن يأتي المتكلم أو الشاعر ابسم مثنى في ~~حشو الجز، ثم يأتي تلوه باسمين مفردين هما عين ذلك المثنى، يكون الأخير ~~منهما قافية بيته أو سجعة كلامه، كأنهما تفسير ذلك. وقد جاء من ذلك في ~~السنة ما لا يلحق بلاغة، وهو قوله عليه السلام: " يشب ابن آدم وتشب فيه ~~خصلتان: الحرص، وطول الأمل " . # ومن أمثلة هذا الباب في الشعر قول الشاعر بسيط # أمسى وأصبح من تذكاركم وصبا ... يرثي لي المشفقان الأهل والولد # قد خدد الدمع خدي من تذكركم ... واعتادني المضنيان الوجد والكمد # وغاب عن مقلتي نومي لغيبتكم ... وخانني المسعدان: الصبر والجلد # لا غرو للدمع أن تجري غواربه ... وتحته المضرمان: القلب والكبد ~~PageV01P059 كأنما مهجتي شلو بمسبعة ... ينتابها الضاريان: الذئب والأسد # لم يبق غير خفي الروح في جسدي ... فدى لك الباقيان: الروح والجسد # وهذه الأبيات جيدة، لو لم يقع في البيت الأول منها تقصير عما يجب في مثله ~~على الطريقة المحمودة من طرائق النسيب حيث قال: " يرثي لي المشفقان " ، ~~فإنه ليس من الكلام البليغ قول من يشكو محنة قد رثى لي المشفق منها، وأبلغ ~~منه قول من يقول رثى لي العدو ورق لي الصخر، وأشباه ذلك وما بشعر قلته في ~~هذا المعنى من بأس، وهو بسيط # بي محنتان ملام في هوى بهما ... رثى لي القاسيان: الحب والحجر # لولا الشفيقان من أمنية وأسى ... أودى بي المرديان: الشوق والفكر # ويحسن أن يسمى ما وقع في بيتي تطريف التوشيع، إذ وقع التوشيع في طرفي كل ~~بيت في أوله وآخره، والله أعلم. ms111 # باب العكس والتبديل # وهو أن يأتي الشاعر إلى معنى لنفسه، أو لغيره فيعكسه، فمثال ما عكس ~~الشاعر من المعاني لغيره قول أبي العتاهية يشبه الرايات بالسحاب وافر: # ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب # فعكسه علي بن الجهم فقال يشبه السحابة بالرايات طويل: # فمرت تفوق الطرف حتى كأنها ... جنود عبيد الله ولت بنودها # وما أدري كيف وصف ابن الجهم جنود ممدوحه بالتولي في الحرب! وهو من صفات ~~الذم، فقال الله سبحانه وتعالى: " فلا تولوهم الأدبار " . وقال علي عليه ~~السلام وقد قيل له ورثي عيه درع وهي صدر بلا ظهر: ألا وقيت ظهرك، فقال إن ~~وليت فلا وألت هذا الإنكار وقع مني على ما روى لي عنه، فإن الذي روى لي ~~البيت له ذكر أن عبيد الله المذكور فيه هو ممدوحه بهذه القصيدة، والعهدة ~~على الراوي، ومن هذا القسم قول الشاعر بسيط # قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل # فعكسه غيره فقال بسيط # وربما فات بعض القوم أمرهم ... مع التأني وكان الحزم لو عجلوا # ومن القسم الثاني، وهو عكس الشاعر معنى نفسه قول الأول خفيف: # وإذا الدر زان حسن نساء ... كان للدر حسن وجهك زينا # ومثله قول الآخر طويل: # منعمة الأطراف زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها # ولبعض الشعراء فيمن مدحه، فتغير عليه ومطله بسيط # ها قد غدا من ثياب الشعر في كفن ... وقد تعفت معاني وجهه الحسن # وكان يعرض عني حين أبصره ... فصرت أعرض عنه حين يبصرني # والبيت الثاني أردت: ومن هذا الباب قول بعضهم وافر: # فإن أك في شراركم قليلا ... فإني في خياركم كثير # ويروي للرشيد هارون متقارب: # لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي بسرى نموم مذيع # فلولا دموع كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع # والبيت الثاني أردت، هو كقول أبي نواس كامل: # فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر # ومن مليح العكس والتبديل قول عبد الله بن الزبير الأسدي وافر: # رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا # فرد شعورهن السود بيضا ms112 ... ورد وجوههن البيض سودا # وقد استشهد قوم بهذا البيت على المطابقة، وهو بهذا الباب أولى لما فيه من ~~عكس مطابقة عجزه لصدره، وتبديل الطباق في العجز. # ومن باب العكس في الكتاب العزيز قوله تعالى " ما عليك من حسابهم من شيء ~~وما من حسابك عيهم من شيء " والله أعلم. # باب الإغراق # الإغراق فوق المبالغة، ودون الغلو، ولا يقع شيء من الإغراق والغلو في ~~الكتاب العزيز، ولا الكلام الصحيح الفصيح إلا مقرونا بما يخرجه من باب ~~الاستحالة، ويدخله في باب الإمكان، مثل كاد وما يجري مجراها. # ومن أمثلته قول ابن المعتز طويل: # صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل PageV01P060 ~~فموضع الإغراق من البيت قوله: ظالمين يعني أنها استفرغت جهدها في العدو، ~~فيما ضربناها إلا ظلما، ولا جرم أنها خرجت من الوحشية إلى الطيرية، ولو لم ~~يقل: ظالمين لما حسن قوله فطارت ولكنه بذكر الظلم صارت الاستعارة كأنها ~~حقيقة. وقد أنشد بعض المؤلفين بيتين في هذا الباب مستحسنا لهما وهما ~~متقارب: # أليس عجيبا بأن امرأ ... شديد الجدال دقيق الكلم # يموت وما علمت نفسه ... سوى علمه أنه ما علم # وعندي أن هذين البيتين ليس فيهما إغراق ألبتة، بل لو قيل إنهما ليس فيهما ~~مبالغة لما رد هذا القول، لأن الشاعر أخبر عن نفسه أو نفس من قصده بذلك أنه ~~عارف بجهله، وأنه يموت وما علم سوى ذلك من نفسه، وهذا أصدق الشعر الذي ~~استحسنه أكثر الفحول، وجاءت أكثر أشعارهم عليه، ولو كان قال: إنه يموت وما ~~علم بجهله لكان ذلك إغراقا، فلا تثبت له مبالغة إلا بوجه بعيد، وذلك أنه ~~أثبت لنفسه الجهل المحض، ونفى عنها العلم بتة، وهو لا بد وأن يكون عالما ~~بشيء ما، فنفيه كل العلم عنه وهو يعلم بعضه إنما هو من جهة المبالغة. # ولي في هذا المعنى بيت من أبيات ما به من بأس، وهو من أمثلة الباب طويل: # جهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري # وبيت امرئ القيس في صفة النار ms113 الذي قدمت ذكره في باب المبالغة هو ~~بالإغراق أولى، وقد أشرت إلى ذلك متقدما عند ذكره وهو طويل: # تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي # باب الغلق # وقد رأيت من لا يفرق بين الغلو والإغراق، ويجعل التسميتين لباب واحد، ~~وعندي أن معنى البابين مختلف كاختلاف اسميهما، إلا أن الإغراق أصله في ~~النزع، وأصل الغلو بعد الرمية، وذلك أن الرامي ينصب غرضا يقصد إصابته، ~~فيجعل بينه وبينه مدى يمكن معه تحيقي ذلك الغرض، فإذا لم يقصد غرا معينا، ~~ورمى السهم إلى غاية ما ينتهي إليه بحيث لا يجد مانعا يمنعه من استيفاء ~~السهم قوته في البعد سميت هذه الرمية غلوة فالغلو مشتق منها، ولما كن ~~الخروج عن الحق إلى الباطل يشبه خروج هذه الرمية عن حد الغرض المعتاد إلى ~~غير حد سمي غلوا، قال الله سبحانه وتعالى: " قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم غير الحق " وهو لا يعد من المحاسن إلا إذا اقترن به ما يقربه من ~~الحق، كقد للاحتمال، ولو ولولا للامتناع، وكاد للمقاربة، وأداة التشبيه، ~~وآلة التشكيك، وأشابه ذلك من القرائن اللفظية. # وقد يكون الغلو حقا من جهة المعنى، كالغلو في الدين، فإنه قسمان: حق ~~وباطل، فالحق فحص الإنسان عن دينه، وإفراط ورعه وتحرجه، كقول بعضهم: إنما ~~الزهد في الجلال، والغلو: الباطل، كقول النصارى في المسيح عليه السلام. # وفي قوله تعالى " لا تغلوا في دينكم غير الحق " دليل على أن من الغلو ما ~~هو حق، وهو ما أشرنا إلهي، وإن كان الغلو في الدين دين الله قد يكون في بعض ~~الأحايين حقا فالتوسط خير منه كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير ~~الأمور أوساطها " . # ومن شواهده المستحسنة قول مهلهل وافر: # فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور PageV01P061 وقد ~~قيل: إن هذا البيت أكذب بيت قالته العرب، وإن بيت امرئ القيس في صفة النار ~~أقرب منه إلى الحق، لأن فيه ما يخلص به من الطعن وهو اعترافه ببعد مسافة ~~النار، وأنها لم يدنها ms114 إلا النظر العالي، وقالوا: حاسة البصر أقوى من حاسة ~~السمع، لأن أقوى سمع وأصحه إنما يسمع أعظم صوت من ميل واحد، بشرط حمل الريح ~~ذلك الصوت إلى جهة السامع في الليل عند هدوء الأصوات وسكون الحركات، وحاسة ~~البصر تبصر الجواهر الشفافة، والأجسام الصقيلة، والأجرام المضيئة من بعد ~~يتجاوز الحد بغير واسطة، ورؤية النيران العظيمة المرتفعة مواقدها للناظر ~~المرتفع مكانه ممكنة من البعد ما لم يمنع من ذلك ضوء النهار، ويحول مخروط ~~ظل الأرض دونها، وقد كانت زرقاء اليمامة ترى الجيوش خيلها ورجلها، وتحزر ~~أعدادها من مسيرة ثلاثة أيام، وتنذر به قومها، ويقع الأمر على ما أخبرت به، ~~وقد تواتر الخبر عنها بذلك، وضرب بها المثل، وقد تقدم ذكر النابغة لها في ~~قصة الحمام، فلهذا رجحوا بيت امرئ القيس على بيت مهلهل، وعندي أن بيت مهلهل ~~أقرب إلى الصدق والاستحسان من بيت امرئ القيس على شرطهم، فإنهم شرطوا أن كل ~~كلام تجاوز المتكلم فيه حد المبالغة إلى الإغراق والغلو، واقترن بما يقربه ~~من الإمكان خرج من حد الاستقباح إلى حد الاستحسان، وقد تقدم في بيت مهلهل ~~لولا، وهي من الحروف التي زعموا أن الكلام باقترانه بها يبعد من العيب بتة، ~~وليس في بيت امرئ القيس شيء من ذلك، مع أنه قد صرح في البيت الذي قبله أن ~~النار إنما شبت في وجه النهار، عند رجوع المغيرة، من المغار حيث قال: " تشب ~~لقفال " ، وضوء النهار يمنع من رؤية النيران والكواكب وجميع الأجرام ~~المضيئة، وهذا القدر يدخل بيت امرئ القيس في باب الاستحالة، مع خلوه مما ~~يقربه من الإمكان، والبيت الذي هو عندي من عيوب هذا الباب لمجيء الإفراط ~~فيه غير مقترن بما يخلصه به من ذلك، وليس مما يحتمل تأويلا يقربه من الصدق ~~ميت النمر بن تولب الذي يشبه فيه نفسه بالسيف حيث قال بسيط # أبقى الحوادث والأيام من نمر ... أسباد سيف صقيل أثره باد # تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي # وقد تأول بعضهم هذا البيت تأويلا لو ms115 صح تخلص به قائله من العيب، وهو أن ~~قوله: # بعد الذراعين والساقين والهادي # لم يرد أنك تحفر عنه بعد حفرك على هذه الأعضاء، لأنه لم يرد إلا أعضاء ~~المضروب لا أعضاء الضارب، يعني بعد قده الذراعين والساقين والهادي، وهذا ~~عندي لا يخلصه، فإنه على هذا التأويل لم يخرج عن كونه غلوا غير مقترن بما ~~يخلص. والذي هو أقرب منه بحيث لا يجوز أن يؤتى به في باب الغلو ولا يخرج عن ~~كونه مبالغة قول النابغة في صفة السيوف طويل: # تقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن في الصفاح نار الحباحب # وما تجاوز حد المبالغة فهو غلو، لا سيما وهو غير مقترن، وإذا ثبت أن بيت ~~النابغة أحسن أحواله أن يعد من المبالغة لا من الإغراق، وأن بيت النمر قد ~~تجاوز حدث فهو من الغلو ولما كان ما جاء من الغلو مستحسنا، لا يكون إلا ~~باقترانه بما تقدم، وما جاء منه غير مقترن كان مستقبحا. وجاء بيت النمر غير ~~مقترن علم أنه من الغلو المستقبح. والله أعلم. # باب القسم # وهو أن يريد الشاعر الحلف على شيء، فيحلف بما يكون له مدحا، وما يكسبه ~~فخرا، أو ما يكون هجاء لغيره، وأو ويعدا له، أو جاريا مجرى التغزل والترقق. # فأما الأول فمثاله قول الأشتر النخعي كامل: # بقيت وفرى وانحرفت إلى العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس # إن لم أشن على ابن هند غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس # وأبيات الأشتر تضمنت فخرا له، ووعيدا لغيره، فحصل فيها الأفتان مقترنا ~~بالقسم، وكقول أبي على البصير كامل: # أكذبت أحسن ما يظن مؤملى ... وهدمت ما شادته لي أسلافي # وعدمت عاداتي التي عودتها ... قدما من الإتلاف والإخلاف # وصحبت أصحابي بعرض معرض ... متحكم فيه ومال واف # وغضضت من نارى ليخفي ضوؤها ... وقريت عذرا كاذبا أضيافي # وإن لم أشن على علي خلة ... تضحى قذى في أعين الأشراف PageV01P062 وقد ~~يقسم الشاعر بما يزيد الممدح مدحا، كقول القائل كامل: # آثار جودك في الخطوب تؤثر ... وجميل بشرك بالنجاح يبشر # إن كان لي أمل سواك ms116 أعده ... فكفرت نعمتك التي لا تكفر # وأما ما جاء من القسم في النسيب فكقول الشاعر طويل: # جنى وتجنى والفؤاد مطيعه ... فلا ذاق من يجني عليه كما يجني # فإن لم يكن عندي كعيني ومسمعي ... فلا نظرت عيني ولا سمعت أذني # ومما جاء في الغزل من القسم قول ابن المعتز بسيط. # لا والذي سل من جفنيه سيف ردى ... قدت له من عذارية حمائله # ما صارمت مقلتي دمعا ولا وصلت ... غمضا ولا سالمت قلبي بلابله # وهذا أحسن ما وقع في الغزل من القسم، إذ القسم والمقسم عليه كله داخل في ~~باب الغزل. # ومن أحسن ما سمعت في القسم على المدح قول ابن خرداذبة طويل: # حلفت بمن سوى السماء وشادها ... ومن مرج البحرين يلتقيان # ومن قام في المعقول من غير رؤية ... بأثبت من إدراك كل عيان # لما خلقت كفاك إلا لأربع ... عقائل لم تعقل لهن ثوان # لتقبيل أفواه وإعطاء نائل ... وتقليب هندي وحبس عنان # وإذا انتهيت إلى بلاغة الكتاب العزيز، انتهيت إلى نهاية البلاغة. # ومنه قوله تعالى: " فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " ~~فإنه قسم يوجب الفخر لتضمنه التمدح بأعظم قدرة، وأكمل عظمة للحاصل من ~~ربوبية السماء والأرض، وتحقق الوعد بالرزق، حيث أخبر سبحانه أن الرزق في ~~السماء، وأنه رب السماء، فيلزم من ذلك قدرته على الرزق الموعود به دون ~~غيره، فعلم أن لا رازق سواه، وأنه لا يحرم رزقه من خلقه، وأما ما حصل من ~~الإيغال إذ قال في الفاصلة سبحان بعد تمام المعنى: " مثل ما أنكم تنطقون " ~~فمثل هذا الوعد بما هو واقع معلوم ضرورة لا يرتاب منها أحد، وكقوله تعالى: ~~" لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون " أقسم سبحانه بحياة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم ليعرف الناس عظمته عنده، ومكانته لديه سبحانه، وأخبره بعد القسم ~~بحياته أن المعرضين عنه في سكرتهم تسلية له، كما قال له في غير موضع: " ولا ~~يحزنك الذين يسارعون في الكفر " وقوله: " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ~~فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ms117 " ، وهذه نهاية المحبة ~~وغاية الملاطفة، إذ فداه بآيته، وقد كانوا كذلك، فإنه روى أن أبا جهل قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: " إن لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به " والله ~~أعلم. # باب الاستدراك والرجوع # وهو على قسمين: قسم يتقدم الاستدراك فيه تقرير لما أخبر به المتكلم ~~وتوكيد. وقسم لا يتقدمه ذلك، فمن أمثلة الأول قول القائل وافر: هو ابن ~~الرومي: # وإخوان تخذتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي # وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي # وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي # ولم أسمع في هذا الباب أحسن من أبيات ابن الدويدة المغربي فيمن أودعت ~~عنده وديعة فادعى ضياعها فقال فيه كامل: # إن قال قد ضاعت فيصدق أنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي # أو قال قد وقعت فيصدق أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع # ومن هذا الباب قول القاضي الأرجاني، وهو لطيف جدا " رمل " : # غالطتني إذ كست جسمي ضنى ... كسوة أعرت عن اللحم العظاما # ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما # والبيت الثاني أردت، وقد لطف القائل في شكوى الزمان طويل: # ولي فرس من نسل أعوج سابق ... ولكن على قدر الشعير يحمحم # وأقسم ما قصرت فيما يزيدني ... علوا ولكن عند من أتقدم # هذه كلها شواهد القسم الأول من الاستدراك وأما شواهد القسم الثاني منه، ~~وهو الذي لا يتقدم الاستدراك فيه تقرير ولا توكيد، فمثله قول زهير طويل: # أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله # باب الاستثناء # الاستثناء استثناءان: لغوي وصناعي، فاللغوي؛ إخراج القليل من الكثير، وقد ~~فرغ النحاة من ذلك مفصلا في كتبهم. PageV01P063 الصناعي هو الذي يفيد بعد ~~إخراج القليل من الكثير معنى زائدا، يعد من محاسن الكلام، يستحق به الإيتان ~~في أبواب البديع، ومتى لم يكن في الاستدراك والاستثناء معنى من المحاسن غير ~~ما وضعا له، لا يعدان من البديع. # فمن الاستدراك قول زهير طويل: # أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله # لأن العرب ms118 كانت تعد إتلاف المال في الخمر من المدح البليغ، قال شاعرهم ~~كامل: # شريب خمر مسعر لحروب # فإنه لو اقتصر على صدر البيت دل على أن ما له موفور، وتلك صفة ذم، ~~فاستدرك ما يزل هذا الاحتمال، وتخلص الكلام للمدح المحض، ومن ذلك في القرآن ~~قوله تعالى: " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " فإنه ~~سبحانه لو اقتصر على قوله: " ولم تؤمنوا " لكان فيه تنفير لكونهم ظنوا ~~الإقرار بالشهادتين من غير اعتقادهما إيمانا، فأوجبت البلاغة أن يستدرك ما ~~استدركه، ليعلمهم أن حقيقة الإيمان موافقة الجنان للسان بالتصديق، بدليل ~~قوله: " ولما يدخل الإيمان في قلوبكم " فلما تضمن الاستدراك إيضاح ما أشكل ~~عليهم عد من المحاسن، إذ صار الكلام به موصوفا بحسن البيان لما أقام من ~~الحجة عليهم. # وهذا من الباب الذي قبل هذا، وإنما ذكرته هاهنا لما ذكرت أن الاستدراك ~~والاستثناء الصناعيين لا بد أن يكون في كل واحد منهما معنى زائد غير ما وضع ~~له يدخله في المحاسن. # والاستثناء كقوله تعالى: " فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس " فإن ~~في هذا الكلام معنى زائدا على مقدار الاستثناء، وذلك تعظيم أمر الكبيرة ~~التي أتى بها إبليس من كونه خرق إجماع الملائكة، وفارق جميع الملإ الأعلى، ~~بخروجه مما دخلو فيه من السجود لآدم، وذلك بمثابة قولك: أمر الملك بكذا ~~وكذا فأطاع أمره جميع الناس من أمير ووزير إلا فلانا، فإن الإخبار عن معصية ~~هذا العاصي بهذه الصيغة مما يعظم أمر معصيته، ويفخم مقدار كبيرته بخلاف ~~قولك: أمر الملك بكذا وكذا فعصاه فلان، وفي ضمن ذلك وصف الله سبحانه وتعالى ~~بالعدل فيما ضربه على إبليس من خزي الدنيا وحتمه عليه من عذاب الآخرة. ~~ومثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: " فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " فإن ~~في الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع لتمهيد عذر نوح عليه ~~السلام في الدعاء على قومه، وحكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تعظيم ~~المدة لكون أول ما يباشر السمع ذكر الألف، واختصار اللفظ، فإن لفظ ms119 القرآن ~~أخصر من قولنا تسعمائة سنة وخمسون عاما كيفما قدرت اللفظتين، فلأن لفظ ~~القرآن يفيد حصر العدد المذكور، ولا يحتمل الزيادة عليه، ولا أن ينقص منه، ~~فإن إخبارك عمن سكن دار ثلاثين يوما، بأنه سكن عشرين يوما صادق لأنه سكن ~~العشرين وزيادة، بخلاف قولك: سكن أربعين إلا عشرة أيام، فإن هذا اللفظ لا ~~يحتمل الزيادة. وكقوله سبحانه " فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير ~~وشهيق، خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ~~ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ " فإنه سبحان هذا لما علم أن وصف الشقاء يعم ~~المؤمن العاصي، والكافر المسيء، استثنى من حكم بخلوده في النار بلفظ مطمع، ~~حيث أثبت الاستثناء المطلق وأكده بقوله، " إن ربك فعال لما يريد " ، أي أنه ~~لا اعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار، ولما علم أن أهل السعادة لا ~~خروج لهم من الجنة، أكد خلودهم بعد الاستثناء بما يرفع احتمال الاستثناء، ~~حيث قال: " عطاء غير مجذوذ " أي غير منقطع، ليعلم أن عطاءه لهم الجنة غير ~~منقطع، وهذه المعاني زائدة على الاستثناء اللغوي. # من أمثلة الاستثناء البديعي في الشعر قول النميري طويل: # فلو كنت بالعنقاء أو بأطومها ... لخلتك إلا أن تصد تراني # فإن هذا الاستثناء يتضمن زيادة مدح المادح الممدوح، وذلك أن هذا الشاعر ~~يقول: إنني لو كنت في حال العدم البحت لأن العرب تضرب المثل بالعنقاء لكل ~~شيء متعذر الوجود لخلتك متمكنا من رؤيتي، ليس لك مانع يمنعك منها إلا من ~~جهتك، فأنت في القدرة على غير مغالب، وهذا نهاية المدح. # وكقول أبي نواس طويل: # لمن طلل عاري المحل دفين ... عفا آيه إلا خوالد جون PageV01P064 فهذا ~~الاستثناء تضمن تعظيم الشاعر لما فيه من تعظيم أحبائه، ودل على شرف نفسه ~~وعلو همته، إذ لا يسمو إلا لحب الكرماء من الناس، وذلك أنه استثنى من آيات ~~الطلل ذكره الخوالد الجون وهو يريد الأثافي، ms120 فكونه وصفها بالخلود يدل على ~~عظمها دليل على عظم القدور، وعظم القدور دليل على عظم الكرم، وأكد ذلك ~~بجعلها جونا أي سودا لكثرة الوقود عليها، وإن كان الجون يطلق على الأبيض ~~والأسود ولكن القرينة هاهنا خلصته إلى السواد فتم للشاعر من الفخر إلى أه ~~لهذا الطلل ما أراد، وهذا مثل قول عمر بن أبي ربيعة طويل: # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم # ومن الاستثناء نوع وقع لي فسميته استثناء الحصر، وهو غير الاستثناء الذي ~~يخرج القليل من الكثير، كقول القائل طويل: # إليك وإلا ما تحث الركائب ... وعنك وإلا فالمحدث كاذب # فإن خلاصة هذا البيت قول الشاعر للممدوح: لا تحث الركائب إلا إليك، ولا ~~يصدق المحدث إلا عنك، ولا يحصل هذا الحصر من الاستثناء الأول، فإن قوله ~~تعالى: " فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " لا يمنع أن يقال: إلا خمسين ~~عاما وعاما، لولا توخي الصدق في الخبر، وقوله ورهطه، لولا مراعاة الصدق، ~~ولأن الصيغ التي قدرها المعترض لا يقع مثلها في الكلام الفصيح، فإنها عبارة ~~أهل العي والفهه، فإن قلت: كل الاستثناء موضوع للحصر، فلا اختيار لهذا ~~الاستثناء على الأول، وما قدرته في الاستثناء الأول يلزم مثله في هذا ~~الاستثناء إذا أزلت منه التقديم والتأخير، وأتيت بالكلام على استقامته، ~~قلت: الذي ميز هذا الاستثناء على الأول: هو ما فيه من التقديم والتأخير، ~~فإنه على الصورة التي جاء عليها يفيد حصرا أشد من حصر جنس الاستثناء كله. ~~والله أعلم. # باب الاشتراك # وهو قسمان: معنوي ولفظي، وكل من هذين القسمين معيب، وغير معيب وحسن: ~~فالمعيب المعنوي كقول الفرزدق طويل: # وما مثله في الناس إلا مملك ... أبو أمه حيي أبوه يقاربه # فإن لفظة حي مشتركة بين ضد الميت وبين القبيلة، فلما لم يميز بينهما في ~~البيت بقرينة، أو ما يخلصه من الاشتراك ولا يبينه فيما بعد عد اشتراكا ~~معيبا، على أن البيت معيب من وجه آخر، وهو تعسف السبك، وقد مضى ذكره. # ومثال المعنوي الذي ليس بمعيب ولا يحسن ms121 قول كثير طويل: # وأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي ولم يشعر بذاك القصائر # عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطى شر النساء البحاتر # فإن لفظة قصيرة مشتركة، فلو اقتصر على البيت الأول كان الاشتراك معيبا، ~~لكنه لما أتى بالبيت الثاني زال العيب فبقي الاشتراك ليس بمعيب ولا بحسن، ~~والذي منعه أن يعد حسنا ما في البيتين من التضمين، فإن ذلك جعل له منزلة ~~بين منزلتين. # وأما الاشتراك الحسن المعنوي فهو اشتراك الشاعرين في معنى واحد، إذا شارك ~~الأخير الأول اشتراكا يوجبه له دون الأول، كسائر المعاني التي يتناولها ~~الشعراء بعضهم من بعض. # وأما الاشتراك اللفظي الذي ليس بمعيب مثل اشتراك الناس في مفردات ~~الألفاظ، فإنها ليس أحد أحق بها من أد، فلا يعد الاشتراك في الألفاظ ~~المفردة سرقة، فإن تضمنت معنى من معاني النفس، أو معاني اللفظ عد تناولها ~~سرقة، ومثال الأول قول أبي نواس طويل: # ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقل جفونها # فلفظة الاستعفاء مشتركة بينه وبين الأبيرد في قوله يرثي أخاه أو ابنه ~~طويل: # وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن عظم الأجر # فمثل هذا هو الاشتراك الحسن ومن الاشتراك الحسن اشتراك الشاعرين أو ~~الشعراء في عمل شعر، وتسميه العرب التمليط بحيث يصنع كل واحد قسيما، كما ~~حكى عن امرئ القيس والتوءم إذ قال له: ملط أنصاف أبيات آتيك بها، ثم قال ~~وافر: # أحار ترى بريقا هب وهنا # فقال التوءم: # كنار مجوس تستعر استعارا # فقال امرؤ القيس: # أرقت له ونام أبو سريج # فقال التوءم: # إذا ما قلت قد هدأ استطارا # وأما الاشتراك المعيب فكقول الأسود بن يعفر في صفة الفرس كامل: # بمقلص عبل جهير شده ... قيد الأوابد والرهان جواد PageV01P065 فلفظ قيد ~~الأوابد مشترك بين الأسود وامرئ القيس في قوله: # قيد الأوابد هيكل # وهذا الضرب مما يعد سرقة لتضمن اللفظ معنى الإرداف لا سيما والبيتان من ~~باب الوصف للفرس. # والاشتراك الذي ليس بمعيب ولا بحسن تناول الشاعر اللفظ المتضمن معنى من ~~معاني ms122 البديع بحيث ينقله من فنن إلى فن، وذلك أن يأتي المتكلم بلفظ " قيد ~~الأوابد " مثلا في غير صفة الفرس وهذا وإن لم يقع فذكره مثال يقاس عليه. # وكل هذه الأقسام التي قدمت ذكرها ليست من البديع في شيء، وإنما هي أقسام ~~أحد ضربي الاشتراك. # وأما الضرب الثاني منه، وهو الذي يتعلق بكتابنا، فهو مثل قول امرئ القيس ~~طويل: # كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل # وقول ذي الرمة بسيط # كحلاء في برج صفراء في دعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب # فوقوع الاشتراك بينهما في وصف المرأة بالصفرة، غير أن الأول شبه الصفرة ~~ببيضة النعام، والآخر بالفضة المموهة، فنقل الثاني لكونه من أهل المدر، ~~متأخر الزمان، وقد رأى الخلف والملوك التشبيه العربي إلى التشبيه الملوكي. # والفرق بين الاشتراك اللفظي الذي ليس بمعيب وبين الإيضاح أن الاشتراك في ~~الألفاظ، والإيضاح في المعاني. والله أعلم. # هذا الباب مما ظننت أنني استخرجته ولم أسبق إليه، فلما عثرت عليه بعد ~~إتياني به لغيري غيرته باب سميته باب الفرائد فلينزل موضعه؟ ويعد هذا في ~~أبواب من تقدمني، وموضعه بعد باب الاستثناء، وقد أتيت بالباب، فلينقل باب ~~الاشتراك إلى موضعه. # باب التلفيف # وهو أن يقصد المتكلم التعبير عن معنى خطر له أو سئل عنه، فيلف معه معنى ~~آخر يلازم كلمة المعنى الذي سئل عنه، كقول الله تعالى مخبرا عن موسى عليه ~~السلام وقد قال سبحانه له: " وما تلك بيمينك يا موسى، قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى " وكقول الرسول عليه السلام ~~وقد سئل عن البحر في حديث أوله: إنا نركب البحر، فحواه السؤال عن ماء البحر ~~هلا تجوز به الطهارة؟ فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته. # باب جمع المختلفة والمؤتلفة # رأيت من المؤلفين من فسر هذه التسمية بما لا يليق بها، وقد استشهد عليها ~~بشواهد من جنس ما فسر به، فاطرحت ذلك وفسرتها بما يليق واستشهدت عليها ~~بشواهد مطابقة لتفسيري، وكذلك فعلت في أكثر الأبواب، ومن وقف على ms123 كتابي ~~وكتب الناس في هذا الشأن علم صدق دعواى. # والذي أقول في هذه التسمية: إنها عبارة عن أن يريد الشاعر التسوية بين ~~ممدوحين، فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما، ويروم بعد ذلك ترجيح بمعان تخالف ~~معاني التسوية، كقول الخنساء في أخيها، وقد أرادت مساواته بأبيها مع مراعاة ~~حق الوالد بزيادة فضل لا ينقص بها حق الولد كامل: # جاري أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر # وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا إلى وكر # حتى إذا نزلت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر # وعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري # برقت صفيحة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري # أول فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر # وأول من فتح باب هذا المعنى فيما أظن زهير حيث قال بسيط # هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا # أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا # لكن لشعر الخنساء من الفضل في هذا المعنى ما ليس لغيره، وتداول الناس هذا ~~المعنى بعدها، وابتذله الشعراء، فكان فيه أول تابع من المولدين أبو نواس ~~حيث يقول منسرح: # ثم جرى الفضل فانثنى قدما ... دون مداه بغير ترهيق # فقيل راشا سهما تراد به ال؟ ... غاية والنصل سابق الفوق # وقال البحتري لابن أبي سعيد الثغري كامل: # جد كجد أبي سعيد إنه ... ترك السماك كأنه لم يشرف # قاسمته أخلاقه وهي الردى ... للمعتدي وهي الندى للمعتفي # فإذا جرى من غاية وجريت من ... أخرى التقى شأواكما في المنصف PageV01P066 ~~ومعنى البحتري هذا خالف فيه معاني من تقدمه من أبي نواس والخنساء وزهير، ~~فإنهم رجحوا الأول في الفضل على الثاني ترجيحا لا ينقص من فضل الثاني ولا ~~يغض منه، والبحتري ساوى بين الثاني والأول من غير ترجيح، وكذلك قوله أيضا ~~كامل: # وإذا رأيت شمائل ابنى صاعد ... أدت إليك شمائل ابنى مخلد # كالفرقدين إذا تأمل ناظر ... لم تعل رتبة فرقد عن فرقد # ومقطوعتا البحتري ليستا من شواهد هذا الباب لما فيهما من المساواة دون ~~الترجيح، وإنما ساق ms124 ذكرهما ذكر المعنى الذي ألم به البحتري من المعنى ~~الأول، والله أعلم. # ومن جمع المختلفة والمؤتلفة ضرب يأتي الشاعر فيه بأسماء مؤتلفة ثم يصفها ~~بصفات مختلفة، كقول الشاعر بسيط # لله ليلتنا إذ صاحباى بها ... بدر وبدر سماوي وأرضي # إن الهوى والهواء الطلق معتدلا ... هذا وهذا ربيع طبيعي # بتنا جميعا وكل في السماع وفي ... شرب المدام حجازي عراقي # أسقى وأسقي نديما غاب ثالثنا ... فالدور منا يميني شمالي # ومن جمع المختلفة والمؤتلفة قو العباس بن الأحنف طويل: # وصالكم صرم وحبكم قلى ... وعطفكم صد وسلمكم حرب # فإن الوصل والحب، والعطف والسلم من المؤتلفة، والصرم والقلى والصد والحرب ~~من المختلفة. # وقد جاء الكتاب العزيز من باب المختلفة والمؤتلفة بمعجز لا يلحق سبقا وهو ~~قوله تعالى: " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ~~وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما " فإن القرآن ~~ساوى بين داود وسليمان في المنصب إذ أخبر أن كلا منهما مرشح للحكم وأهل له، ~~ثم رجح سلميان إذ أخبر عنه بأنه سبحانه فهمه القضية القاطعة للحكم بالعدل، ~~ثم عاد إلى المساواة مراعاة لحرمة الوالد وفضله على الولد بقضية صرح فيها ~~بالمساواة، إذ جعل فهم سليمان وجه المعدلة في الحكم فناله فضل الأبوة، فكان ~~بمعنى الخنساء الذي أخرجته مع فصاحتها وشدة بلاغتها في عدة أبيات مسوقا في ~~آية وبعض أخرى، هذا إلى ما تضمن القرآن من الزيادة التي لم تقع للخنساء، ~~وهي النكتة في قوله تعالى " وكنا لحكمهم شاهدين " إذ جمع الضمير الذي أضيف ~~إليه الحكم، ومن حقه أن يكون مثنى لعلمه سبحانه أن الحكم من نوادر الأحكام ~~المعادلة، ومثله يتبع ويعمل به، فأخبر أنه سبحانه شهد عليهما في هذا الحكم، ~~وعلى كل من يحكم به تشريفا لحكم العدل، وإن كان شهيدا على العدل والجور، ~~ولكنه سبحانه يخص العدل بشهادته تشريفا للعدل، كما قال تعالى " تلك حدود ~~الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها " ~~نظرا لمن يعمل بحكم الله تعالى في ms125 الوصايا، ومن يتبعه، وأن حكم العدل يقتدي ~~به، والخطأ ليس بقدوة، ولهذا قال: " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها " والله أعلم. # ؟باب التوهيم # وهو أن يأتي المتكلم في كلامه بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم ~~أراد تصحيفها، ومراده على خلاف ما يتوهمه السامع فيها، كقول المتنبي ~~متقارب: # وإن الفئام التي حوله ... لتحسد أرجلها الأرؤس # فإن لفظة الأرجل أوهمت السامع أن لفظة الفئام بالقاف لا بالفاء، ومراد ~~الشاعر الفئام بالفاء التي هي الجماعات، هكذا روى البيت، والمبالغة تقتضيه، ~~إذ القيام بالقاف يصدق على أقل الجمع من العدد، والفئام بالفاء: الجماعات، ~~وأقل ما تكون كل جماعة أقل الجمع فمفهومها أكثر من مفهوم الأول، وما في ذكر ~~القيام بالقاف من تعظيم الممدوح بقيام الناس على رأسه حاصل في عجز البيت في ~~قوله: # لتحسد أرجلها الأرؤس # فإن مفهوم ذلك قيام من عاد الضمير من أرجلها عليه. # ومن التوهيم قسم آخر، وهو أن يأتي المتكلم بلفظة يوهم بها أن في كلامه ~~لحنا، فإذا انتقد من جهة المعنى وجد فيه جناس من البلاغة يصححه ويمشيه على ~~طريق الإعراب، كقول الرسول عليه السلام: " وما من أيام العمل الصالح فيهن ~~أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام العشر " فإن لفظة العشر توهم أنها جاءت ~~على غير الصواب، إذ كانت مؤنثة، والمعدود بها مذكر. PageV01P067 والانفصال ~~عن هذا الإشكال أنه لما كان العمل في العشر لا يخص الأيام دون الليالي، ~~والمراد التحضيض على العمل فيها، اقتضت البلاغة الإتيان بما يدل عليهما ~~فصرح بلفظ الأيام ليدل بها على ظرف الصيام، وأبدل منها لفظا مؤنثا ليدل به ~~على ظرف القيام، ولما كان لفظ الأيام مؤنثا ساغ أن يبدل منه المؤنث لكون ~~الصناعة لفظية، ولهذا الموضع من البدل نظائر في القرآن: منها قوله تعالى: " ~~أياما معدودات " وقوله تعالى " وتلك الأيام نداولها بين الناس " وقد تخالف ~~طريق الإعراب لأجل صحة المعنى المراد، وفي ذلك قوله تعالى: " وإن يقاتلوكم ~~يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون " والقياس أن يكون ينصرون مجزومة ms126 لأنها معطوفة ~~على مجزوم، ولكن لما كان المراد الإخبار بأنهم لا ينصرون أبدا ألغى العطف، ~~وأبقى صيغة الفعل على حالها، لتدل على الحل والاستقبال، ولو جزم لما دل إلا ~~على الحال. # ومن التوهيم توهيم يوهم أنه طباق أو تورية، أو غير ذلك من المحاسن وليس ~~عند التحقيق كذلك، كقول أبي تمام طويل: # تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر # فإن قوله: حمر، وخضر يوهم أن ذلك طباق، وليس بطباق، إذا الأحمر لا يضاد ~~الأخضر، فهذا شاهد توهيم المطابقة. # وأما شاهد توهيم التورية، فكقولي بسيط # رمى ولا وتر عندي قوس حاجبه ... قلبي فقدرت أن القوس موتور # فإن لفظة موتور توهم أن فيها تورية، وليست بتورية، لأن الصحيح أن يقال: ~~قوس موترة لا موتورة، لأنها من فعل رباعي، والموتور هو الذي ثار لطلب وتره، ~~والوتر والترة والتار بمعنى. # وقد جاء من التوهيم في القرآن الكريم قوله تعالى: " ومن يكرههن فإن الله ~~من بعد إكراههن غفور رحيم " فإن لفظ " غفور رحيم " يوهم أن الغفران والرحمة ~~للمكره لهن، وهما في الحقيقة لهن، وإنما ظهر اللفظ يوهم الأول قبل التدبر. ~~والله أعلم. # باب الاطراد # وهو أن تطرد للشاعر أسماء متتالية يزيد الممدوح بها تعريفا، لأنها لا ~~تكون إلا أسماء آبائه تأتي منسوقة صحيحة التسلسل غير منقطعة، من غير ظهور ~~كلفة على النظم، ولا تعسف في السبك، بحيث يشبه تحدرها باطراد الماء لسهولته ~~وانسجامه، فمتى جاءت كذلك دلت على قوة عارضة الشاعر وقدرته، كقول الأعشى ~~طويل: # أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت الذي ترجو حباءك وائل # وأحسن من هذا البيت قول دريد لكون الأسماء المطردة جاءت في عجز البيت ~~طويل: # قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب # حتى قال عبد الملك بن مروان لما سمع هذا البيت: لولا القافية لبلغ به ~~آدم. # ومن هذا الباب قول الحارث بن دوس الإيادي " رمل " : # وشاب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد وقد أربى على ms127 هؤلاء الشعراء ~~بعض القائلين خفيف: # من يكن رام حاجة بعدت عن؟ ... ه وأعيت عليه كل العياء # ؟فلها أحمد المرجى ابن يحيى ب؟ - ن معاذ بن مسلم بن رجاء فلو لم يقع في ~~هذا البيت التضمين والفصل بين الأسماء بلفظة المرجى لكان غاية لا تدرك، ~~وعقلية لا تملك، هكذا أعظم المؤلفون قبلي أمر هذا البيت، وأثنوا عليه بما ~~حكيته عنهم، وعندي أنه دون بيت دريد بطبقات، وهي أن دريدا اطردت له أربعة ~~أسماء سهلة السبك، مسلسلة الألفاظ بغير فصل في أربعة أجزاء من الطويل: جزآن ~~خماسيان، وجزآن سباعيان، وهذا الشاعر اطردت له خمسة أسماء في ستة أجزاء ~~سباعية، من الخفيف، مع الفصل والتكليف، والتضمين، " ولي في هذا الباب بيت ~~لا بأس به بسيط # أجل ملك إلى العلياء منسوب ... محمد بن أبي بكر بن أيوب # وهو وإن قلت الأسماء فيه، إلا أن كونه في ابتداء القصيدة، وهو مصرع يحسن ~~أن يكون من أمثلة الباب. # وهذه شواهد ما جاء من الاطراد بأسماء إذا فصلت من الإضافة استقل المضاف ~~إليه بنفسه، وأما ما جاء الاطراد فيه بأسماء إذا فصلت لم يستقل المضاف إليه ~~بنفسه، فكقول أبي تمام كامل: # طلبت ربيع ربيعة الممهى لها ... ووردن ظل ربيعة الممدودا PageV01P068 ~~بكريها علويها صعبيها ال؟ ... حصنى شيبانيها الصنديدا # ذهليها مريها مضريها ... يمنى يديها خالد بن يزيدا # نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا # والبيتان الأوسطان أردت. والله أعلم. # الجزء الثالث # باب التكميل # وهو أن يأتي المتكلم أو الشاعر بمعنى من معاني المدح أو غيره من فنون إذا ~~لشعر وأغراضه، ثم يرى مدحه بالاقتصار على ذلك المعنى فقط غير كامل، فيكمله ~~بمعنى آخر، كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة ورأى مدحه بالاقتصار عليها دون ~~الكرم مثلا غير كامل، فكمله بذكر الكرم، أو بالبأس دون الحلم، وما أشبههه، ~~وقد جاء منه في الكتاب العزيز قوله تعالى: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين " فانظر هذه البلاغة، فإنه ~~سبحانه وتعالى علم وهو أعلم ms128 أنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة على المؤمنين ~~وإن كانت صفة مدح، إذ وصفهم بالرياضة لأخوانهم المؤمنين والانقياد لأمورهم ~~كان المدح غير كامل، فكمل مدحهم بأن وصفهم بالعزة على الكافرين فأتى بوصفهم ~~بالامتناع منهم، والغلبة لهم، وكذلك قوله سبحانه " محمد رسول الله والذين ~~معه أشداء على الكفار رحماء بينهم " ومثال التكميل في الشعر قول كعب بن سعد ~~الغنوي طويل: # حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب # فقوله: حليم مدح حسن، وقوله: إذا ما الحلم زين أهله احتراس، لولاه لكان ~~المدح مدخولا، إذ بعض التغاضي قد يكون عن عجز يوهم أنه حلم ، فإن التجاوز ~~لا يكون حلما محققا إلا إذا كان عن قدرة، وهو الذي قصده الشاعر بقوله: " ~~إذا ما الحلم زين أهله " ويعضد هذا التفسير قول سالم ابن وابصة: بسيط # وحلم ذي العجز ذلك أنت عارفه ... والحلم عن قدرة ضرب من الكرم # فحاصل قول الغنوي أن ممدوحه حليم في الموضع الذي يحسن فيه الحلم، ثم رأى ~~أن المدح بمجرد الحلم لا يكمل به المدح، لأن من لم يعرف منه إلا الحلم، ~~ربما طمع فيه عدوه ونال منه ما يذم بسببه، فكمل مدحه بأن قال: # مع الحلم في عين العدو مهيب # ولقد أحسن هذا الشاعر في احتراسه في صدر البيت وعجزه معا باحتراسين ~~حسنين. # أما الذي في الصدر فقد تقدم تنبيهنا عليه، وهو قوله: " إذا ما الحلم زين ~~أهله " ، وأما الذي في العجز فقوله: # مع الحلم في عين العدو مهيب # لأن المهابة قد تكون مع الجهل. # ومن مليح التكميل قول السموءل: طويل: # وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث كان قتيل # فإنه لو اقتصر على صدر البيت كان مدحا غير كامل، لأن موت الجميع قتلى وإن ~~اقتضى وصفهم بالصبر، فهو يحتمل أن يكون عن ضعف وقلة جد في الحروب، فاحترس ~~عن ذلك بأن قال: # وما طل منا حيث كان قتيل # وأحسن من ذلك كله قوله: " حيث كان " فإنه أبلغ وصف في الشجاعة من ms129 التكميل ~~في النسيب قول كثير كامل: # لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها # فقوله: عند موفق تكميل حسن، غلا أنه دون الأول، وإنما كان مثل هذا تكميلا ~~لأنه لو قال: عند محكم لتم المعنى، لكن في قوله عند موفق زيادة كمل بها حسن ~~البيت، والسامع يجد لهذه اللفظة من الموقع الحلو في النفس ما ليس للأولى، ~~إذ ليس كل محكم موفقا، فإن الموفق من الحكام من قضى بالحق لأهله، وفي ذلك ~~إشارة إلى أن عزة تستحق الحسن دون شمس الضحى، فيكون بهذه اللفظة مع التكميل ~~مبالغة، والتكميل هاهنا من تكميل المعاني النفسية لا تكميل المعاني ~~البديعية ولا الفنون. # ومن التكميل الحسن قول أبي الحسين المتنبي وافر: # أشد من الرياح الهوج بطشا ... وأسرع في الندى منها هبوبا # فإنه فطن إلى أنه لو أقتصر على وصفه بشدة البطش دون أن يضيف إلى البطش ~~الكرم كان المدح غير كامل، فكمل المدح في عجز البيت بذكر الكرم، ولم يتجاوز ~~في ذلك كله وصفي الريح التي شبه ممدوحه بها في حالتي بطشه وكرمه، وما حسن ~~بيت أبي الطيب إلا لأنه أشرقت عليه أنوار أوصاف النبوة، فإنه نظر إلى ~~الحديث الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنهما حيث يقول: " كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان؛ كان كالريح ~~المرسلة " . PageV01P069 وما وهم فيه المؤلفون في الموضع أنهم خلطوا ~~التكميل بالتتميم، إذ ساقوا في باب التتميم شواهد التكميل، لأن كلا منهم ~~ذكر قول عوف بن محلم السعدي سريع: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # من شواهد التتميم، ومعنى البيت تام بدون لفظة وبلغتها وإذا لم يكن المعنى ~~ناقصا فكيف يسمى هذا تتميما!!، وإنما هو تكميل، وما غلطهم إلا من كونهم لم ~~يفرقوا بين تتميم الألفاظ وتتميم المعاني، فلو سموا مثل هذا تتميما للوزن ~~لكان قريبا، وإنما ساقوه على أنه من تتميم المعاني البديعة ولذلك أتوا بقول ~~المتنبي طويل: # ويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى ms130 كل ما فيها وحاشاك فانيا # في باب التتميم، وهو مثل الأول، وإن زاد على الأول أدنى زيادة، لما في ~~لفظة حاشاك بعد ذكر الفناء من حسن الأدب مع الممدوح، وربما سومح بأن يجعل ~~هذا البيت في شواهد التتميم لهذه الشبهة. # وأما الأول فمحض التكميل، ولا مدخل له في التتميم اللهم إلا أن يكون ~~مرادهم بالتتميم تتميم الوزن، لا تتميم المعنى، فيجوز بهذا الاعتبار أن ~~يسمى كل ماورد من الحشو الحسن سوءا كان متمما للمعنى أو مكملا تتميما، لأنه ~~به تم الوزن، ويكون من قسم تتميم الألفاظ، وما قدمناه من تتميم المعاني. # ومن مليح التكميل قول النابغة الذبياني في وصف حمار وأتان وحشيين طويل: # فإن هبطا سهلا أثارا عجاجة ... وإن طلعا حزنا تشظت جنادل # فإنه لو اقتصر على وصف صلابة حوافرهما بالمشي في السهل كان المدح لهما ~~غير كامل، حتى يصفهما بالمشي في الحزن، فلا جرم أنه لما أراد تكميل المدح ~~وأوجبت عليه الصناعة أن يقول في عجز البيت: الحزن كما قال في صدره: السهل، ~~فوصفهما بما يوجب لهما بلوغ الغاية في صلابة الحوافر هذا ما نقلته من كلام ~~الناس على هذا البيت، وفيه ما فيه، لأن الاقتصار على وصفهما بالمشي في ~~السهل، وهو يريد وصفهما بصلابة الحوافر، نقص تام في المعنى المراد، فبقية ~~البيت على هذا تتميم لا تكميل. # والفرق بين التتميم والتكميل أن التتميم يرد على المعنى الناقص فيتممه ~~والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله، إذ كان الكمال أمرا زائدا على ~~التمام. # والتتميم لا يكون إلا في المعاني دون الفنون، أعني بالمعاني معاني النفس، ~~لا معاني البديع، التي هي أنواعه، وأعني بالفنون أغراض المتكلم ومقاصده، ~~والتكميل يكون فيهما معا، هذا إذا لم يرد بالتتميم تتميم الوزن كما قدمت. # ومن أحسن التكميل تكميل وقع في قول شاعر الحماسة بسيط # لو قيل للمجد: حد عنهم وخلهم ... بما احتكمت من الدنيا لما حادا # فقوله: بما احتكمت من الدنيا، من التكميل العجيب، والله أعلم. # باب المناسبة PageV01P070 المناسبة على ضربين: مناسبة في المعاني، ~~ومناسبة ms131 في الألفاظ، فالمعنوية أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما ~~يناسبه معنى دون لفظ، كقول الله سبحانه وتعالى: " لا تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " فإنه سبحانه لما قدم نفي إدراك الأبصار ~~له، عطف على ذلك قوله: " وهو اللطيف " خطابا للسامع بما يفهم، إذ معترف ~~العادة أن كل لطيف لا تدركه الأبصار ألا ترى أن حاسة البصر لا تدرك إلا ~~اللون من كل متلون، والكون من كل متكون، فإدراكهما إنما هو للمركبات دون ~~المفردات، ولذلك لما قال: " وهو يدرك الأبصار " عطف على ذلك قوله " الخبير ~~" تخصيصا لذاته سبحانه بصفات الكمال، لأن كل من أدرك شيئا كان خبيرا بذلك ~~الشيء، ومثل ذلك قوله عز وجل: " قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون " لما كان ~~سبحانه هو الجاعل الأشياء على الحقيقة، وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرمدا إلى ~~يوم القيامة، صار الليل كأنه سرمدا بهذا التقدير، وظرف الليل ظرف مظلم لا ~~ينفذ فيه البصر، لا سميا وقد أضاف الإتيان بالضياء الذي تنفذ فيه الأبصار ~~إلى غيره، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة، فصار النهار كأنه معدوم، إذ نسب ~~وجوده إلى غير موجد، والليل كأنه لا موجود سواه، إ جعل كونه سرمدا منسوبا ~~إليه سبحانه فاقتضت البلاغة أن يقول: " أفلا تسمعون " لمناسبة ما بين ~~السماع، والظرف الليلي الذي يصلح للإسماع ولا يصلح لإبصار ولذلك قال في ~~الآية التي تليها: " قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم ~~القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون لأنه لما أضاف ~~جعل النهار سرمدا إليه صار النهار كأنه سرمد، وهو ظرف مضيء تنور فيه ~~الأبصار، وأضاف الإتيان بالليل إلى غيره، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة، ~~فصال الليل كأنه معدوم، إذ نسب وجوده إلى غير موجد، والنهار كأنه لا موجود ~~سواه، إذ جعل وجوده سرمدا منسوبا إليه، فاقتضت البلاغة أن يقول: أفلا ~~تبصرون، إذ الظرف معنى صالح للأبصار، ms132 وهذا من دقيق المناسب المعنوية. ومنها ~~قوله تعالى: " أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون بمشون في مساكنهم ~~إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون، أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ~~فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون " فانظر إلى قوله ~~سبحانه في صدر الآية التي الموعظة فيها سمعية " أولم يهد لهم " ولم يقل ~~أولم يروا، وقال تعالى بعد ذكر الموعظة " أفلا يسمعون " وكيف قال في صدر ~~الآية التي موعظتها مرئية " أو لم يروا " وقال بعد الموعظة: " أفلا يبصرون ~~" وكذلك قوله تعالى: " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى ~~الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا " فإن الكلام لو اقتصر فيه على ~~قوله: " وكفى الله المؤمنين القتال " أوهم ذلك بعض الضعفاء موافقة الكفار ~~في اعتقادهم أن الريح التي حدثت كانت سبب رجوعهم، ولم يبلغوا ما أرادوا، ~~وربما توهموا ألا تكون من عند الله وإنما تقع اتفاقا كما يجري في حروب ~~المشركين بعضهم لبعض، فأخبر في فاصلة الآية عن نفسه بالقوة والعزة، ليعلم ~~المؤمنين ويزيدهم يقينا وثباتا على أنه الغالب الممتنع، وأن حزبه كذلك، ~~وإنما هو تنوع النصر للمؤمنين ليزيدهم إيمانا بعميم قدرته، فينصرهم مرة ~~بالقتال كيوم بدر، وتارة بالريح كيوم الأحزاب، ومرة بالرعب كبني النضير، ~~وطورا ينصر عليهم كيوم أحد، وحينا يعلمهم أن الكثرة لا تغني شيئا، وأن ~~النصر من عنده كيوم حنين وأمثال ذلك في الكتاب العزيز كثيرة لمن استقراه. # ومن أمثلة المناسبة المعنوية في الشعر قول المتنبي طويل: # على سابح موج المنايا بنحره ... غداة كأن النبل في صدره وبل # فإن بين لفظة السباحة، ولفظة الموج، ولفظة الوبل تناسبا معنويا صار البيت ~~به متلاحما شديد ملاءمة الألفاظ وأحسن منه قول ابن رشيق القيرواني طويل: # أصح وأقوى ما رويناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم # أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير تميم ~~PageV01P071 وهذا أحسن شعر سمعته في المناسبة المعنوية، لأنه ناسب فيه بين ~~الصحة والقوة، والرواية والخبر المأثور، ms133 والقدم مناسبة معنوية إذ هذه ~~الألفاظ يناسب بعضها بعضا، وكذلك ناسب في البيت الثاني بين الأحاديث ~~والرواية والعنعنة مناسبة معنوية أيضا، وأحسن من المناسبة الواقعة في البيت ~~الأول ما وقع في البيت الثاني من صحة ترتيب العنعنة حيث أتى بها صاغرا عن ~~كابر، وآخرا عن أول، كما يقع سند الأحاديث، لأن السيول فرع، والحيا أصله، ~~ولذلك جعلها تروي عن الحيا إذ هي بمنزلة الولد، وهو بمنزلة الوالد، وكذلك ~~الحيا فرع، والبحر أصله، ولذلك جعل الحيا يروي عن البحر، إذ الحيا بمثابة ~~الولد والبحر بمثابة الوالد، ثم نزل البحر بمنزلة الولد، وجود الممدوح ~~بمنزلة الوالد له لقصد المبالغة في المدح، ولذلك جعل البحر راويا عن جود ~~الممدوح، وهذا الذي تقتضيه الصناعة من الأدب مع الممدوح وحسن المبالغة في ~~وصف جوده وفي الناس من سمى المناسبة المعنوية ملاءمة، إلا قدامة فإنه جعل ~~الملاءمة ائتلاف ألفاظ الكلام بالمعنى الذي المتكلم آخذ فيه، وقصده بذلك أن ~~يقال في لفظة من ألفاظ المعنى: لو كان موضع هذه غيرها لكان الكلام مؤتلفا ~~بمعانيه وألفاظه ملائمة له وما ذكرته من المناسبة فيه زيادة على هذا ~~المقدار، إذ غيرها من الألفاظ يوفي بما قاله الناس في تفسير الائتلاف، ~~ويزيد عليه زيادة معلومة عند أرباب النقد. # وأما المناسبة اللفظية فهي توخي الإتيان بكلمات متزنات، وهي على ضربين: ~~تامة وغير تامة، فالتامة أن تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة وأخرى ليست ~~بمقفاة، فالتقفية غير لازمة للمناسبة. # ومن شواهد المناسبة التي ليست بتامة في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ق ~~والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب " ~~ومن شواهد التامة في السنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان يرقي به ~~الحسنين عليهما السلام " أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ~~ومن كل عين لامة " فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لامة " ولم يقل ملمة، ~~وهي القياس، لمكان المناسبة اللفظية التامة؛ ومثله قوله عليه السلام " ~~ارجعن مأزورات غير مأجورات " والمستعمل موزورات، لأنه من الوزر غير ms134 مهموز ~~فلفظ به النبي صلى الله عليه وسلم مهموزا لمكان المناسبة اللفظية التامة، ~~وهذا من الفصاحة العجيبة. # وأما ما جاء من السنة من أمثلة المناسبة الناقصة، فكقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ~~الموطئون أكنافا " فناسب صلى الله عليه وسلم بين أخلاق وأكناف مناسبة اتزان ~~دون تقفية. ومما جمع بين المناسبتين قوله عليه السلام في بعض دعائه: " ~~اللهم إني أسألك رحمة تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي، وتصلح ~~بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ~~ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء؛ اللهم إني أسألك الفوز في القضاء، ونزل ~~الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء " فناسب صلى الله عليه وسلم بين ~~قلبي وأمري، وغائبي وشاهدي، مناسبة غير تامة بالزنة دون التقفية، ثم ناسب ~~بين القضاء والشهداء والسعداء والأعداء مناسبة تامة بالزنة والتقفية، ومن ~~أمثلة المناسبتين الناقصة والتامة الشعرية قول أبي تمام طويل: # مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل PageV01P072 ~~فناسب حبيب بين مها وقنا مناسبة تامة، وبين الوحش والخط وأوانس وذوابل ~~مناسبة غير تامة، وهذا البيت من أفضل بيوت المناسبة لما انضم إليها فيه من ~~المحاسن، فإن فيه مع المناسبتين التشبيه بغير أداة والمساواة، والاستثناء، ~~والطباق الفظي، وائتلاف اللفظ مع المعنى والتمكين، فأما المناسبة فقد ~~ذكرناها، وأما التشبيه ففي قوله: مها وقنا، فإن التقدير كمها وقنا، فحذف ~~الأداة ليدل على قرب المشبه من المشبه به، وأما الاستثناء البديعي ففي ~~قوله: إلا أن هاتا أوانس وقوله: إلا أن تلك ذوابل ليثبت للموصوفات التأنيس ~~والتحبب، وينفي عنهن النفار والتوحش، وكذلك فعل في الاستثناء الثاني، فإنه ~~أثبت به لهن اللين واللدونة؛ ونفى عنهن ما يستهجن، وأما المطالبة ففي قوله ~~الوحش والأوانس، وهاتا وتلك فإن هاتا للقريب، وتلك للبعيد، وأما المساواة ~~فلأن لفظ البيت لا يفضل عن معناه، ولا يقصر عنه، وأما الائتلاف فلكون ~~ألفاظه من واحد متوسطة بين الغرابة والاستعمال، وكل لفظة ms135 منها لائقة ~~بمعناها، لا تكاد يصلح موضعها غيرها، وأما التمكين فلأن قافية البيت مستقرة ~~في موضعها، غير نافرة من محلها، ومن غير أن يتقدمها شيء من لفظها يدل ~~عليها، كما يقع في التوشيح والتصدير وقد غلط الأمدي في تغليط أبي تمام في ~~هذا البيت، حيث زعم أنه نفى عن النساء لين القدود، معتقدا أن الرماح سميت ~~ذوابل للينها، والمعروف عند أهل اللسان ضد ذلك، لأن العرب تقول رمح ذابل ~~إذا كان صلب الكعوب، ومن ذلك قولهم ذبلت شفتاه إذا يبستا، ولا تعرف العرب ~~الذابل إلا اليابس الذي جفت رطوبته، ومن ذلك قولهم: نوارة ذابلة إذا جف ~~ماؤها وأخذت في اليبس، وأوب تمام لا يشك أحد أنه أبصر من الآمدي باللغة، ~~وأقعر منه بمعرفة اللسان العربي، ويقرب من هذا البيت قول البحتري طويل: # فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا # فناسب بين أحجم وأقدم مناسبة تامة، وكذلك بين قوله: فيك وعنك، ومطمعا ~~ومهربا، إلا أن مناسبة هاتين الجملتين غير تامة، وقد حصل في هذا اللفظ أيضا ~~المطابقة في أحجم وأقدم، والمساواة والائتلاف والتمكين، فقد استوى هو وبيت ~~أبي تمام فيما ذكرنا وزاد عليه بيت أبي تمام بالتشبيه والاستثناء، ففضل بيت ~~أبي تمام بالمعاني، وفضل بيت البحتري بالألفاظ، لأن ألفاظه أكثر استعمالا ~~وأعذب مذاقا، وللمناسبة التامة فيه نصاعة وظهور أكثر من المناسبة التي في ~~بيت أبي تمام، وإذا قست ما بين البيتين بما قدمت من كلام الرسول صلى الله ~~عليه وسلم سقطا دون كل جملة منه، إذ كل جملة منه يلي بعضها بعضا؛ ومفردات ~~الألفاظ تسير إلى معاني شتى، وإلا فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم تهدي ~~بها قلبي، وما يحصل بها من منافع الدنيا والآخرة، ويتوقى من مضار الدنيا ~~والآخرة بهدية القلب، والى قوله " وتجمع بها أمري " وما يكون من اجتماع ~~الأمر من عدم التذبذب في كل شيء وحصول التثبت وإلى قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " وتصلح بها غائبي " وما تشير هذه الجملة إليه من ms136 إصلاح الباطن، وما ~~يكون في ذلك من الإخلاص، وكذلك قوله: وتدفع بها شاهدي، فإن من أصلح الله ~~سبحانه باطنه أصلح الله تعالى ظاهره، وما وقع في ضمن هاتين الجملتين مع ~~المناسبة من المطابقة بين غائبي وشاهدين وبذلك فاعتبر بقية الدعاء؛ وكذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم: الفوز بالقضاء فإنه رب قضاء نزل بغير صابر محتسب، ~~فأوبقه وقل من يفوز عند نزول القضاء وكذلك قوله: ونزل الشهداء، أي قراهم أو ~~منزلتهم، وهي أرفع المنازل، وما أعد لهم، ومثله قوله: وعيش السعداء، والنصر ~~على الأعداء؛ فالحظ بدقيق النظر ما اشتملت عليه الألفاظ من المعاني تجدها ~~لا تدخل تحت الإحصاء إلى سلاسة هذا النظم وعذوبة هذا اللفظ وعلوه مع كونه ~~مستعملا معروفا، وفصاحته على كونه متداولا مألوفا، ووضوح معانيه، وحسن ~~البيان فيه، بحيث لا يفتقر أحد إلى السؤال عن لفظ فيه قد استوى في فهمه ~~الذكي والبليد والقريب من العل والبعيد، وما فيه من الماء والديباجة التي ~~لا توفى العبارة بها، ولا يقدر البليغ على أن يصفها؛ وهذا أمر يدركه كل ذي ~~ذوق سليم، وذهن مستقيم، والله أعلم. # باب التفريع PageV01P073 التفريع نوعان: أحدهما أن يبدأ الشاعر بلفظة هي ~~إما اسم، وإما صفة، ثم يكررها في البيت مضافة إلى أسماء وصفات يتفرع من ~~جملتها أنواع من المعاني في المدح وغيره، كقول أبي الطيب المتنبي متقارب: # أنا ابن اللقاء أنا ابن السخاء ... أنا ابن الضراب أنا ابن الطعان # أنا ابن الفيافي أنا ابن القوافي ... أنا ابن السروج أنا ابن الرعان # طويل النجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل السنان # حديد اللحاظ حديد الحفاظ ... حديد الحسام حديد الجنان # وهذا النوع لم أسبق إلى استخراجه، وإنما لم أثبته فيما ابتكرته من ~~الأبواب لكونه نوعا من التفريع، فالذي يجب أن يسمى به تفريع الجمع، لأن كل ~~بيت ينطوي على فروع من المعاني شتى من المدح تفرعت من أصل واحد؛ والنوع ~~الآخر من التفريع وهو الذي تقدمني الناس باستخراجه وتسميته، إنما يتفرع منه ~~معنى واحد من أصل واحد، إما في ms137 بيت أو أبيات، وإما في جملة من الكلام أو ~~جمل، وهو أن يصدر الشاعر أو المتكلم كلامه باسم منفي بما خاصة ثم يصف الاسم ~~المنفي بمعظم أو صافه اللائقة به إما في الحسن أو القبح، ثم يجعله أصلا ~~يفرع منه معنى في جملة من جار ومجرور متعلقة به تعلق مدح أو هجاء أو فخر أو ~~نسيب أو غير ذلك، يفهم من ذلك مساواة المذكور بالاسم المنفي الموصوف كقول ~~الأعشى بسيط # ما روضة من رياض الحزن معشبة ... غناء جاد عليها مسبل هطل # يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل # يوما بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل # وقد سمى بعض المتأخرين هذا القسم من التفريع النفي والجحود لتقدم حرف ~~النفي على جملته. وأكثر ما يقع الأصل في بيت والتفريع منه في بيت آخر إما ~~قريبا منه، وإما بعيدا عنه، وقد يقع منه ما يكون الأصل والفرع معا في بيت ~~واحد كقول أبي تمام بسيط # ما ربع مية معمورا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب # ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب # ومن التفريع نوع غير النوعين الأولين، وهو تفريع معنى من معنى من غير ~~تقدم نفي ولا جحود، كقول ابن المعتز سريع: # كلامه أخدع من لفظه ... ووعده أكذب من طيفه # وهو مختص بمعاني النفس دون معاني البديع، والله أعلم. # باب التكرار # وهو أن يكرر المتكلم اللفظة الواحدة لتأكيد الوصف أو المدح أو الذم أو ~~التهويل أو الوعيد، فأما ما جاء منه للذم فكقول عبيد بن الأبرص كامل: # هلا سألت جموع كن؟ ... دة يوم ولوا أين أينا # وكقول مهلهل بن ربيعة أخي كليب في التهديد والوعيد مديد: # يا لبكر أنشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار # وأما ما جاء منه للمدح فكقول كثير عزة في عمر بن عبد العزيز طويل: # فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم # وكقول أبي تمام خفيف: # بالصريح الصريح والأروع الأر ms138 ... وع منهم وباللباب اللباب # وأما ما جاء منه في النسيب وهو لطيف جدا لبعض المحدثين متقارب: # يقلن وقد قيل إني هجعت ... عسى أن يلم بروحي الخيال # حقيق حقيق وجدت السلو ... فقلت لهن محال محال # وقد يجيء التكرار بالأسماء المضمرات أو المبهمات، كما يجيء بالمظهرات ~~كقول الهذلي طويل: # رفوني وقالوا يا خويلد لاترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # وأما ما جاء منه للمدح منه للمدح في الكتاب العزيز فكقوله سبحانه: " ~~والسابقون السابقون أولئك المقربون " وأما ما جاء منه للتهويل والوعيد ~~فكقوله تعالى: " الحاقة ما الحاقة " وقوله عز وجل: " القارعة ما القارعة " ~~وأما ما جاء منه للاستبعاد فكقوله تعالى: " هيهات هيهات لما توعدون " ومما ~~جاء في السنة من التكرار قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية عن أم ~~زرع: " أبو زرع وما أبو زرع " في معرض المدح. # ؟باب نفي الشيء بإيجابه PageV01P074 وهو أن يثبت المتكلم شيئا في ظاهر ~~كلامه وينفي ما هو من سببه مجازا. والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي ~~أثبته كقوله سبحانه وتعالى: " ... أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان ~~يسمعون بها " فإن ظاهر هذا الكلام يقتضي نفي هذه الجوارح، وملزومه يقتضي ~~إثبات الإلهية لمن يكون له مثل هذه الجوارح؛ وباطن الكلام يوجب نفي الإلهية ~~عمن يكون له، فضلا عمن لا يكون له، لأنه المراد، وكقوله سبحانه: " لا ~~يسألون الناس إلحفا " فإن ظاهره نفى الإلحاف في المسألة، لا نفي المسألة، ~~والباطن نفي المسألة بتة، وعليه إجماع المفسرين، وهو منقول عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما وكقوله تعالى: " ولا شفيع يطاع " فالظاهر نفى شفيع يطاع، ~~والمراد نفي الشفيع مطلقا. # ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول امرئ القيس طويل: # على لاحب لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا # وظاهر هذا الكلام يقتضي إثبات منار لهذه الطريق، ونفي الهداية به مجازا، ~~وباطنه في الحقيقة يقتضي نفي المنار جملة وتقدير المعنى أن هذه الطريق لو ~~كان لها منار لكان لا يهدي به، فيكفف لا منار لها؟ كما تقول ملن تريد ms139 أن ~~تسلبه الخير: ما أقل خيرك، فظاهر كلامك يدل على إثبات خير قليل وباطنه نفي ~~الخير كثيره وقليله. # ومن أمثلة هذا الباب أيضا قول الزبير بن عبد المطلب يمدح عملية بن عبد ~~الدار، وكان نديما له طويل: # صبحت بهم طلقا يراح إلى الندى ... إذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره # ضعيف يحث الكأس قبض بنانه ... كليلا على وجه النديم أظافره # وظاهر البيتين يقتضي أن للممدوح مفاقر لم تحضره إذا انتشى، وأن له أظافر ~~تخمش وجه نديمه خمشا خفيفا. وباطن الكلام في الحقيقة نفي المفاقر جملة ~~والأظافر بتة. # ومن هذا الباب قسم يوجب فيه المتكلم لنفسه شيئا وينفيه بعينه عن غيره، أو ~~ينفي عن موصوف ما صفة يوجبه لموصوف آخر، كقول السموءل طويل: # وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول # وكقول الآخر طويل: # هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج # باب الإيداع # هذا الباب يسميه من لا يعرف اصطلاح أهل هذه الصناعة تضمينا، وكذلك يسمى ~~الباب الذي بعده، وقد تقدم الفرق بين هذه الأبواب في باب التضمين، وشرح هذه ~~التسمية أن يعمد الشاعر أو المتكلم إلى نصف بيت لغيره يودعه شعره سواء أكان ~~صدرا أم عجزا، وأما الناثر فإن أتى في نثره بنصف بيت لغيره سمى إيداعا، وإن ~~كان لنفسه سمى تفصيلا، ومثال ما وقع من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ~~يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات " وإن ~~أوقعت الفصاحة مثل هذا غير مقصود، وكان من الأدب ألا يذكر هذا والله أعلم. # والموهم أنه مودع في الكتاب العزيز قول امرئ القيس مجزوء الرمل: # وجفان كالجواب ... وقدور راسيات # إن صحت الرواية أنه كذلك، وإن روى التقديم والتأخير فبطل ذلك ومثال ما ~~وقع من ذلك في النثر قول علي عليه السلام في جواب كتابه لمعاوية: " ثم زعمت ~~أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليست بالجناية ~~عليك، فيكون العذر إليك " . # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # وهذا ms140 عجز بيت تمثل به أيضا عبد الله بن الزبير وقد قال أهل الشام له: يا ~~بن ذات النطاقين على سبيل المعيرة لها بذلك، نظر إلى أنها كانت خادمة لا ~~مخدومة، على طريقة الجاهلية في مدح النساء وذمهم، فأنشد طويل: # وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # لأن هذا الاسم من فخر أسماء رضي الله عنها، فإنه سماها به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عندما أخرجت له ولأبيها رضي الله عنه زاد الهجرة، فأخذ ~~الإمام عجز هذا البيت فأودعه كلامه بعد أن وطأ له توطئة لائقة به. ملائمة ~~له. # ومن شواهده في الشعر قول أبي نواس طويل: # تغنى وما دارت له الكأس ثالثا ... تعزى بصبر بعد فاطمة القلب # وقد يجتمع الإيداع والتضمين في شعر واحد، كقول علي ابن الجهم في فضل ~~الشاعرة، وبنان المغنى مجزوء الرمل: # كلما غنى بنان ... اسمعي أو خبرينا PageV01P075 أنشدت فضل ألا ... حييت ~~عنا يا مدينا # عارضت معنى بمعنى ... والندامى غافلينا # فوقع التضمين في البيت الأول، والإيداع في البيت الثاني وكنت نظرت إلى ~~بيت لأبي الطيب وهو طويل: # تذكرت ما بين العذيب بارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق # فأودعت كل قسيم منه بيتا من قصيدة مطلعها طويل: # أعر مقلتي إن كنت غير مرافقي ... دموعا لتبكي فقد حي مفارق # فقد نضبت يوم الوداع مدامعي ... وشابت لتشتيت الفراق مفارقي # والبيتان منهما: # إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... تذكرت ما بين العذيب وبارق # ويذكرني من قدها ومدامعي ... مجر عوالينا ومجرى السوابق # وإن أخذ نصف بيت لغيره، فابتدأ به وثنى عليه تتمة البيت لا غير فذلك ~~تمليط. # وإن بنى عليه كل ما يخطر له من أبيات لتمام غرضه، فذلك توطيد، والله ~~أعلم. # باب الاستعانة # وهو أن يستعين الشاعر ببيت لغيره، في شعره بعد أن يوطئ له توطئة لائقة به ~~هنا بحيث لا يبعد ما بينه وبين أبياته، وخصوصا أبيات التوطئة له، وقد شرط ~~بعض النقاد التنبيه عليه، إن لم يكن البيت مشهورا، وبعضهم لم يشترط ذلك، ~~وهو الصحيح، فإن أكثر ms141 ما رأينا ذلك في أشعار الناس غير منبه عليه، وأما ~~الناثر فإن أتى في أثناء نثره ببيت لنفسه سمى ذلك تشهيرا، وإن كان البيت ~~لغيره سمى استعانة، كقول علي عليه السلام في خطبته المعروفة بالشقشقية: ~~بينا هو يستقبلها في حياته، إذ عقد لآخر بعد وفاته سريع: # شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخي جابر # فهذا البيت للأعشى استعان به علي عليه السلام كما ترى: ومثال الاستعانة ~~في الشعر قول الحارثي طويل: # وقائله والدمع سكب مبادر ... وقد شرقت بالماء منها المحاجر # وقد أبصرت حمان من بعد أنسها ... بنا وهي منا موحشات دواثر # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر # فقلت له والقلب مني كأنما ... ييقلبه بين الجوانح طائر # بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر # فاستعان هذا الشاعر ببيتي حرقة بنت تبع، وأرشق من هذا وأخصر قول أبي نواس ~~بسيط # حتى تغني وما تم الثلاث له ... حلو الشمائل محمود السجيات # يا ليت حظى من مالي ومن ولدي ... أني أجالس ليلى بالعشيات # ووقع لي من طريق الاستعانة أبيات هجوت بها متطببا يهوديا طويل: # رأيت أبا الخير اليهودي ممسكا ... بقارورة كالورس راق حليبها # وقد رش منها فوق صفحة وجهه ... وقال: لقد أحيا فؤادي طيبها # فقلت له: ما هذه؟ قال: بولة ... لأسود يشفى الداء مني قضيبها # قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها # ولا يضر تصحيف الحرف أو تحريفه من الكلام المتقدم، ليدخل في معنى الكلام ~~المتأخر عند الاستعانة كما فعلت ببيت من الحماسة حيث قلت طويل: # إذا ما خليل صد عنك ملالة ... وأصبح من بعد الوفا وهو غادر # فلا تحتفل واستغن بالله إنه ... على أن ترى عنه غنيا لقادر # وهبه كشيء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر # فإن هذا البيت كان نسيبا، وكان أوله وهبها فحرفت ضمير التأنيث لضمير ~~التذكير حتى دخل في معناي. # والفرق بين هذا القسم من الاستعانة، وبين المواربة، أن المواربة تكون في ~~كلام المتكلم ms142 نفسه، والاستعانة لا تكون إلا بكلام غيره، وإن ابتدأ ببيت ~~غيره وبنى عليه فذلك تأسيس، مشتق من أس البناء، فإن هذا الشاعر يكون قد جعل ~~بيت غيره أساسا بنى عليه شعره، والله أعلم. # باب الموازنة # وهو أن تأتي الجملة من الكلام، أو البيت من الشعر متزن الكلمات، متعادل ~~اللفظات في التسجيع والتجزئة معا في الغالب، كقول امرئ القيس متقارب: # أفاد، وساد، وقاد، وزاد ... وشاد، وجاد، وزاد، وأفضل # وكقول الآخر متقارب: # وهوب، مهيب، رحيب الفناء ... ربيع، مرئ، رفيع الذرا PageV01P076 والفرق ~~بين الموازنة والمماثلة التزام التسجيع في الموازنة، وخلو المماثلة عنه، ~~والفرق بينها أعني الموازنة وبين التجزئة مخالفة تسجيع أجزاء التجزئة، ~~ومشابهة تسجيع أجزاء الموازنة. # باب التذييل # وهو أن يذيل المتكلم كلامه بجملة يتحقق فيها ما قبلها من الكلام، وتلك ~~الجملة على قسمين: قسم لا يزيد على المعنى الأول، وإنما يؤتى به للتوكيد ~~والتحقيق. # وقسم يخرجه المتكلم مخرج المثل السائر ليحقق به ما قبله. # وإما أن يكتفي بما يتضمن من زيادة المعنى والفرق بينه وبين التكميل أن ~~التكميل يرد على معنى يحتاج إلى الكمال، ولا كذلك معنى التذييل. # ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز متضمنا القسمين معا قوله تعالى: " إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى ~~بعهده من الله " ففي هذه الآية الكريمة تذييلان: أحدهما قوله تعالى: " وعدا ~~عليه حقا " ، فإن الكلام قد تم قبل ذلك، ثم أتى سبحانه بتلك الجملة لتحقق ~~ما قبلها. # والآخر قوله سبحانه: " ومن أوفى بعهده من الله " ، فخرج هذا الكلام مخرج ~~المثل السائر لتحقيق ما تقدمه، فهو تذييل ثان للتذييل الأول وقد جاء في ~~السنة من هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: " من هم بحسنة ولم يعملها ~~كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب ~~عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، ولا يهلك على الله إلا هالك " فقوله ~~صلى ms143 الله عليه وسلم: " ولا يهلك على الله إلا هالك " ، تذييل في غاية ~~الحسن، خرج الكلام فيه مخرج المثل. # ومن هذا الباب في الشعر قول النابغة الذبياني طويل: # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب # فقوله: أي الرجال المهذب من أحسن تذييل وقع في شعر. # وكقول بعض العرب كامل: # ودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل # فعجز هذا البيت كله تذييل حسن، وكلا التذييلين من بيت الأعرابي وبيت ~~النابغة من القسم الثاني من التذييل، وهو الذي خرج الكلام فيه مخرج المثل، ~~وتذييل النابغة من القسم الوجيز من البلاغة لاختصار لفظه، وتذييل الأعرابي ~~من القسم البسيط منهما، وإنما بسط الكلام فيه لما تضمن معنى التذييل من ~~المطابقة في قوله أركبه وأنزل وتذييل النابغة خال من ذلك، ولقد أحسن بعض ~~المحدثين في هذا الباب حيث قال المتقارب: # صدقتكم الود أبغي الوصال ... وليس المكذب كالصادق # فجازيتموني بطول البعاد ... وكم أخجل الحب من واثق # فكل من عجزي البيتين تذييل من القسم الثاني، لخروج الكلام فيهما مخرج ~~المثل. # وأحسن من ذلك كله قول الحطيئة طويل: # نزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد # فإن عجز البيت كله تذييل خرج مخرج المثل في غاية الحسن، لأن صدر البيت ~~استقل بالمعنى المراد على انفراده، وفيه مع اتصاله بالعجز تعطف حسن في ~~قوله: يعطي ويعط، وبالتعطف صار بين العجز والصدر ملاحمة وملاءمة شديدة، ~~ورابطة وثيقة، مع أن العجز إذا انفرد استقل مثلا وتذييلا، كما أن الصدر إذا ~~انفرد استقل بالمعنى المقصود من جملة البيت، والغرض المطلوب والتمثيل أيضا، ~~وقل أن يوجد بيت بين صدره وعجزه مثل هذا التلاحم على استقلال كل قسم بنفسه ~~وتمام معناه ولفظه. ومن التذييل الحسن قول أبي الشيص كامل: # وأهنتني فأهنت نفسي عامدا ... ما من يهون عليك ممن أكرم # فعجز البيت كله تذييل في ضمنه مطابقة لذكره الهوان والكرامة. # ومن بعيد التذييل قول ابن نباتة السعدي بسيط # لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا ms144 بلا أمل # فإنه لما انقضى ما أراده من المدح بقوله: # لم يبق جودك لي شيئا أؤمله # ثم احتاج إلى تتميم البيت وأراد إتمامه بتكرار المعنى المتقدم فيه ~~استحسانا له وتوكيدا، وكره التكرير لا لمعنى زائد، وعلم أن لا مزيد على ~~معناه في بابه، فأخرجه مخرج المثل حيث قال: # تركتني أصحب الدنيا بلا أمل PageV01P077 ليحصل ما أراده من التوكيد ~~وزيادة المعنى، لأن المدح إذا خرج مخرج المثل كان أسير في الأرض، وفي ضمن ~~ذلك لهج الناس بالمدح الخارج مخرج المثل، وهذا البيت وإن نظر فيه إلى قول ~~المتنبي بسيط # تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فلا يقول لشيء ليت ذلك لي # فبيت ابن نباته أفضل من بيت المتنبي، لأنه أحسن الأدب مع ممدوحه، فلم ~~يجعله في حيز من يتمنى شيئا، وجعل قدرته وجوده أصارا مادحة قد بلغ كل ~~أمنيته فلم يبق له أمل: وإن كان في بيت المتنبي زيادة من جهة المبالغة في ~~قوله: دون مبلغه واستعارة في اللفظ لقوله: تمسي الأماني صرعى ففي بيت ابن ~~نباتة أن كل ما جعله المتنبي للممدوح، جعله ابن نباتة لشاعر الممدوح من ~~نعمته وزيادة المبالغة في المدح بكونه أخرج المدح مخرج المثل كما بينا، فهو ~~أسير وأبقى، وإذا أنصف الناظر في البيتين وجد معنى بيت المتنبي بكماله في ~~صدر بيت ابن نباتة لأن حاصل بيت المتنبي أن الممدوح قدر على كل الأماني، ~~وهذا قد استقل به صدر بيت ابن نباتة، والذي في صدر البيت هو الذي في عجزه ~~لأنه ملزومه، أعني بيت المتنبي، وكله في قول ابن نباتة: # لم يبق جودك لي شيئا أؤمله # وعجز بيت ابن نباتة ملزوم صدره، لأن من نال كل أمل صحب الدنيا بلا أمل، ~~غير أن ابن نباتة لكونه أخرج العجز مخرج المثل صار كأنه قد استأنف معنى آخر ~~مستقلا بجميع معنى بيت المتنبي، مع كونه زاد بأن جعل للممدوح، حسن أدب معه، ~~وبالغ بإخراج المدح مخرج المثل، فقد ترجح بيت ابن نباتة على بيت المتنبي من ~~وجوه شتى، والله ms145 أعلم. # وقد يختلط على بعض الناس هذه الأبواب الأربعة، وهي باب الإيغال، ~~والتكميل، والتمكين، والتذييل، وأنا أشير إلى الفرق بينها فأقول: الإيغال ~~لا يكون إلا في الكلمة التي فيها الروي وما يتعلق بها، وهو أيضا مما يأتي ~~بعد تمام المعنى كالتكميل والتذييل وأما التمكين فيفارق هذه الأبواب مزن ~~كونه عبارة عن استقرار القافية في مكانها، لكنها لا تزيد معنى البيت شيئا، ~~ومتى حذفت القافية نقص المعنى، مع كونها غير نافرة من البيت، والتكميل وإن ~~أتى بعد تمام المعنى فهو يفارق الإيغال من وجهين، أحدهما: كونه يأتي في ~~الحشو والمقاطع، والإيغال التذييل لا يكونان إلا في المقاطع دون الحشو، ~~والإيغال والتذييل لا يخرجان عن معنى الكلام المتقدم، والتميل لا بد أن ~~يأتي بمعنى يكمل الغرض المتقدم إما تكميلا بديعيا أو تكميلا عروضيا، لأنه ~~يكون بمعنى البديع كمطابقة تكمل جناسا، أو مبالغة تكمل تشبيها، أو بالفنون، ~~والفنون عند أهل الصناعة هي ما ينتجها المتكلم من الأغراض والمقاصد ~~كالمديح، والهجاء، والرثاء، والفخر، والوصف، وغير ذلك، والتذييل يفارق ~~الإيغال لكونه يزيد على الكلمة التي تسمى إيغالا، آخذا في البيت من الجزء ~~الذي هو الضرب إلى أول العجز والله أعلم. # باب المشاكلة # وهي أن يأتي المتكلم في كلامه أو الشاعر في شعره باسم من الأسماء ~~المشتركة في موضعين فصاعدا من البيت الواحد، وكذلك الاسم في كل موضع من ~~الموضعين مسمى غير الأول، تدل صيغته عليه بتشاكل إحدى اللفظتين الأخرى في ~~الخط والفظ، ومفهومهما مختلف، ومن انشادات التبريزي في هذا الباب قول أبي ~~سعيد المخزومي مديد: # حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتال # وأنشد فيه قول الشماخ بسيط # كادت تساقطني والرحل أن نطقت ... ورقاء حين دعت ساقا على ساق # وقال التبريزي: فلفظة الآجال الأولى أسراب البقر الوحشية، والثانية منتهى ~~الأعمال، وبينهما مشاكلة في الخط واللفظ، وكذلك ساق الأولى التي هي ذكر ~~الحمام، والثانية التي هي ساق الشجرة، وعندي أن ما أنشده التبريزي في هذا ~~الباب داخل في أحد قسمي التجنيس المماثل، والذي ينبغي أن تفسر به المشاكلة ms146 ~~قولنا: إن الشاعر يأتي بمعنى مشاكل لمعنى في شعر غير ذلك الشعر، أو في شعر ~~غيره بحيث يكون كل واحد منهما وصفا أو نسبا أو غير ذلك من الفنون، غير أن ~~كل صورة أبرز المعنى فيها غير الصورة الأخرى، فالمشاكلة بينهما من جهة ~~الغرض الجامع لهما، والتفرقة بينهما من جهة صورتيهما اللفظية، ومثال مشاكلة ~~الشاعر نفسه قول امرئ القيس في صفة الفرس طويل: # وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل PageV01P078 ~~وقوله في صفة الفرس أيضا طويل: # إذا ما جرى شوطين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب # فامرؤ القيس في هذين البيتين قاصد وصف الفرس بشدة العدو، غير أنه أبرز ~~المعنى الأول في صورة الإرداف، حيث قال: قيد الأوابد فجعله يدرك الوحش ~~إدراك المطلق للمقيد، وأبرز الثاني في صورتي وصف وتشبيه بغير أداة، إذ شبه ~~عدوه بعد جريه شوطين، وعرقه بهزيز الريح تمر بهذا الشجر الذي يسمع للريح ~~فيه هزيز كفيف الفرس الحاد إذا خرق الريح بشدة عدوه، فكل معنى من هذين ~~المعنيين مشاكل لصاحبه إذ الجامع بينهما وصف الفرس بشدة العدو، غير أن قدرة ~~الشاعر تلاعبت به، فأبرزته في صور مختلفة، فهذا ما شاكل الشاعر فيه نفسه. # وأما ما شاكل فيه غيره فكقول جرير بسيط # إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا # فإن مشاكلة قول عدي بن الرقاع كامل: # وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم # وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم # فالمشاكلة بين الرجلين من جهة أن كلا منهما وصف العيون بالمرض والفتور، ~~فأبرز معناه في صورة غير الصورة الأخرى بحسب قوة عارضته في السبك، وحسن ~~اختياره الفظ، وجودة ذهنه في الزيادة والنقص في التفضيل بين هذين الشعرين: ~~شعر جرير، وعدي، بحيث لا يسعه هذا المكان. وقد اعترض على بيت عدي الأول بما ~~اعترض به على بيت أبي تمام الذي يقول فيه طويل: # جذبت نداه ms147 غدوة السبت جذبة ... فخر صريعا بين أيدي القصائد # فإن بعض الناس قال: ظباء جاسم كظباء غيرها من المواضع، فليس لذكرها فائدة ~~إلا كونها قافية ليصير بها الكلام بيتا من الشعر، كما أن غدوة السبت في بيت ~~أبي تمام كغدوة الأحد وغيره من الأيام، فذكرها دون غيرها لا يفيد معنى ~~زائدا، وإذا لم يفد معنى علم أنه حشو جئ به لإقامة الوزن، وقد اعترض على ~~قول امرئ القيس طويل: # ورضت فذلت صعبة أي إذلال # باعتراض ظاهره يشبه الاعتراض على بيتي عدي وأبي تمام، وباطنه يخالفهما، ~~فإن ابن سنان الخفاجي خطأ أبا هاشم في كونه ذهب إلى أن بيت امرئ القيس معيب ~~بالحشو الذي لا يفيد معنى، لأنه قال: صعبة، حشو أو لفظة، فذلت، وسب أبا ~~هاشم أقبح سب، والصواب مع أبي هاشم، لأن الذي قاله الخفاجي يردي به عليه ~~قوله لو قال الشاعر، فرضت فذلت لم يكن في الكلام دليل على أن ثم صعوبة، ~~وهذا عين الخطأ من الخفاجي، لأنه دل على وجود الصعوبة مرتين بقوله: فرضت، ~~وقوله: فذلت، إذ لا يراض إلا الصعب، ولا يذل إلا ما كان ذا صعوبة، ولو لم ~~يكن ثم صعوبة لكان قوله: فذلت، خطأ، لأن ما ليس بصعب فهو ذليل، إذ لا واسطة ~~بين الذل والصعوبة، فبيت امرئ القيس معيب، بخلاف بيتي عدي وأبي تمام. # والرد على هذا المعترض الذي اعترض على بيتي عدي وأبي تمام بأن قال: ذكر ~~عدي جاسم دون غيرها من المواضع لأنها معروفة بأدم الظباء، وأدمة اللون دليل ~~على الحرارة واليبس، وذلك يوجب شدة سواد العيون ونقاء بياضها، ولهذا قال: ~~أحور، والحور نقاء بياض العين وشدة سوادها، وكذلك ذكر أبي تمام غدوة السبت ~~وهو الوقت الذي وقعت فيه عطية الممدوح دليل على تعظيم العطية وتفخيم أمرها ~~وجعلها من الغرائب التي لم يقع قبلها مثلها، فلأجل ذلك أرخ يوم وقوعها، وإذ ~~لا يؤرخ إلا الكوائن العظام، والحوادث الجسام، ولو لم يذكر وقت وقوعها ~~معينا باسمه لم تحصل هذه المبالغات التي تزيد الممدوح ms148 مدحا فدل على أنه قصد ~~بها إفادة هذه المعاني، لا إقامة الوزن، ولو قصد إقامة الوزن فحسب، لما ~~اقتصر على غدوة السبت دون غيرها مما يسد مسدها، فإنه لو قال: # جذبت نداه بالمدائح جذبة # استقام له الوزن، لو لم يكن أراد ما ذكرت، وقد عيب من هذا البيت قوله: ~~جذبت نداه وما ناسبها من ألفاظ البيت، فإنهم قالوا: هذا دليل على أن نداه ~~عسر على طالبه، صعب على محاوله، كما عابوا على ليلى الأخيلية قولها كامل: # ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما # حتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الجيوش زعيما PageV01P079 ~~وقالوا: لا يتحاج إلى أن يجذب لقضاء الحوائج حتى تتخرق قميصه إلا متقاعد عن ~~الحوائج، وهذا الاعتراض غير جار على طريق الحق، فإن المعطي لا بد وأن يعطى ~~بسبب من نفسه عشقا في العطاء، فلا يحتاج إلى أحاديث تجذبه، وإما أن يعطي ~~بسبب من خارج، والأول مطاوع لغرض نفسه، مسكن لغليل قلبه، ليست عليه مشقة في ~~عطية، والأجر على قدر المشقة، وقد تقدم ذكر هذا الفصل، ونحن هاهنا مفتقرون ~~إلى إعادته، والمشكور كل الشكر من غالب نفسه الأمارة، وأرغم أنف شيطانه، ~~وأعطى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المتصدق لا يخرج الصدقة ~~حتى يفكها من لحيي سبعين شيطانا " أو كما قال، وقال صلى الله عليه وسلم " ~~إنما الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر، وتأمل الغنى " ، وخير ~~المعطين من كان السبب الذي يجذبه إلى العطاء، سماع المدح والثناء، فقد ثبت ~~أن بيتي عدي وأبي تمام مبرآن مما وسما به من العيب، وكذلك بيت الأخيلية، ~~وهو يزيد عليهما بما تضمن من وصف الممدوح بالصبر على أذى أرباب الحوائج، ~~والرضا من العيش بأدنى ملبس وأدنى عيش، مع القدرة التي دلت عليها بقولها: # ... ... ... ... رأيته ... تحت اللواء على الجيوش زعيما # فلزم من ذلك أن لذته في اقتناء المحامد، لا في انتخاب الملابس، وما قيل ~~إنه أحوج ذوي الحاجات إلى تخريق قميصه مدفوع بوصفها الممدوح بإفراط ms149 الحياء، ~~فإن من كان بهذه المثابة كان أسرع إلى قضاء الحوائج للمحتاجين حال رؤيتهم، ~~ويحمل تخريق القميص إما على كثرة المطالبين، وازدحام المحتاجين، أو على ما ~~قدمناه من الرضا بأدنى العيش، والله أعلم. # باب المواردة # وهي توارد الشاعرين المتعاصرين اللذين تجمعهما طبقة واحدة على معنى واحد ~~إما مجردا، أو ببعض ألفاظه أو بأكثرها أو كلها، فإن كان أحدهما أقدم، أو ~~طبقته أرفع، حكم له على صاحبه بالسبق، وقد رأيت من يجعل اتفاق الشاعرين من ~~طبقتين مختلفتين في عصرين متباينين إذا تقارب ما بينهما بعض التقارب في ~~الأمرين، أو في القوة والقدرة تواردا، فمثال الأول قول امرئ القيس طويل: # وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل # وقول طرفة طويل: # وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد # ومثال ما جاء من القسم الثاني ما جرى لابن ميادة وقد أنشد محمد بن زياد ~~الأعرابي قوله طويل: # ونواره ميل إلى الشمس ظاهر # فقال له محمد: أي يذهب بك؟، هذا للحطيئة، فقال ابن ميادة: الآن علمت أني ~~شاعر حين وافقته، والله أعلم. # باب التهذيب والتأديب # التهذيب عبارة عن ترداد النظر في الكلام بعد عمله لينقح، ويتنبه منه لما ~~مر على الناثر أو الشاعر حين يكون مستغرق الفكر في العمل، فيغير منه ما يجب ~~تغييره، ويحذف ما ينبغي حذفه، ويصلح ما يتعين إصلاحه، ويكشف عما يشكل عليه ~~من غريبه وإعرابه، ويحرر ما لم يتحرر من معانيه وألفاظه، حتى تتكامل صحته، ~~وتروق بهجته، فإنه من رزق من أرباب البلاغة وأصحاب الفصاحة جودة ذهن، وغوص ~~فكر، وكمال عقل، واعتدال مزاج، وحسن اختيار، ووقف على أقوال النقاد في ~~حقيقة البلاغة، وكنه الفصاحة، وما عد من محاسن الكلام وعيوبه، ووقى شح ~~نفسه، بحيث يسمح بطرح ما لا يقدر على تغييره من كلامه، كان كلامه موصوفا ~~بالمهذب، منعوتا بالمنقح، وإن قل ابتكاره للمعاني، وقد كان زهير معروفا ~~بالتنقيح، فإنه روى أنه كان يعمل القصيدة في شهر ، وينقحها في أحد عشر شهرا ~~حتى سمى شعره الحولي ms150 المحكك ولا جرم أنه قلما يسقط منه شيء، ولهذا كان عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه على جلالته في العلم، وتقدمه في النقد يقدمه على ~~سائر الفحول من طبقته؛ قال ليلة لعبد الله بن العباس وهم سائرون إلى الشام: ~~أنشدني شعر أشعر القوم، فقال: ومن ذاك؟ قال: زهير، قال: وبم استحق عندك ذلك ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيته لا يعاضل بين الكلام، ولا يتبع حوشي الألفاظ، ~~ولا يمدح الرجال إلا بما يكون للرجال، وما ذاك إلا لتنقيحه شعره، وترداد ~~نظره في كلامه ولهذا المعنى أشار أبو تمام بقوله كامل: # خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب ~~PageV01P080 فإنه إنما خص تهذيب الفكر بالدجى لكون الليل تهدأ فيه الأصوات، ~~وتسكن الحركات، فيكون الفكر فيه مجتمعا، والخاطر خاليا، ولا سميا في وسط ~~الليل عندما تأخذ النفس حظها من الراحة، وتنال قسطها من النوم، ويخف عليها ~~ثقل الغذاء، فحينئذ يكون الذهن صحيحا، والصدر منشرحا، والقلب منبسطا، ~~واختياره وسط الليل دون السحر مع ما فيه من رقة الهواء، وخفة الغذاء، وأخذ ~~النفس سهمها من الراحة، لما يكون في السحر من انتباه أكثر الحيوان الناطق ~~والبهيم، وارتفاع معظم الأصوات وجرس الحركات، وتقشع الظلماء، بطلائع ~~الأضواء. وببعض ذلك يتقسم الفكر، ويتذبذب الخاطر ويشتغل القلب، ويتفرق ~~مجتمع الهم، ووسط الليل خال عما ذكرنا، ولهذا خص أبو تمام تهذيب الفكر ~~بالدجى عادلا عن الطرفين لما فيهما من الشواغل التي ذكرناها، وإنما دخلت ~~لفظة الدجى على وسط الليل، لأنها جمع دجية، وطرف الليل لقربهما من الشمس لا ~~يكون غيهبهما شديد الظلمة، والدجى شدة الظلمة، لأنه مجموع ظلمات، وإن كان ~~الدجى قد يطلق على الليل كله، سواء كان مظلما أو مقمرا، لكنه إطلاق مجازي ~~حقيقته ما ذكرناه، وأبو تمام أراد هاهنا الحقيقة لا المجاز، لقصد المبالغة، ~~ولما لحظ أبو تمام أن لفظة الدجى لعمومها وصلاحيتها في حالتي المجاز ~~والحقيقة إلى أن تكون اسما لليل كائنا ما كان احترس من ذلك بما جاء به ~~التذييل حيث قال: # ... ... ... ... ... والليل أسود ms151 رقعة الجلباب # ليخلص من الاشتراك الحاصل من لفظة الدجى على انفرادها، وليتبين أنه أراد ~~الليالي السود التي سمتها العرب بالدآرى، لا الليالي البيض، ولا غيرها من ~~الليالي التي فيها وقت مضئ في الجملة فرارا من ليل لا يخلو من الأصوات ~~والحركات، مبالغة في وصف القصيدة بالتنقيح المرضي، في الوقت المختار لذلك، ~~وقد جمع الكتاب العزيز هذه المعاني وأتى بها في أوجز لفظ وأجزله حيث قال ~~سبحانه " إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا " واعلم أن التهذيب لا ~~شاهد له يخصه، لأنه وصف يعم كل كلام منقح محرر، إلا أنا نلخص فيه ما يعرف ~~به، وهو أن نقول: كل كلام قيل فيه لو كان موضع هذه الكلمة غيرها، أو لو ~~تقدم هذا المتأخر، أو تأخر هذا المتقدم، أو لو تمم هذا النقص، أو تكمل هذا ~~الوصف، أو لو حذفت هذه اللفظة بتة، أو لو طرح هذا البيت جملة، أو لو وضح ~~هذا المقصد أو تسهل هذا المطلب، لكان الكلام أحسن، والمعنى أبين، فهو خال ~~من التهذيب، عار من التنقيح والتأديب. # ومن أمثلة ما ذكرناه قول سيف الدولة بن حمدان يخاطب أخاه ناصر الدولة ~~طويل: # وما كان لي عنها نكول وإنما ... تجاوزت عن حقي ليغدو لك الحق # فإن سيف الدولة كما قيل: كان قد عمل أولا: وما كان عنها لي نكول ثم فطن ~~إلى أن هذا السبك يستثقل لقرب الحروف المتقاربة المخارج بعضها من بعض، وإذا ~~قدم لفظة " لي " على لفظة عنها سهل التركيب، وحصل التهذيب، فتقول وما كان ~~لي عنها نكول لفصل لفظة عنها بين لي وبين نكول. # ومن الأمثلة المبينة لهذا الباب قول القاضي السعيد ابن سناء الملك طويل: # تغنى عليها حليها طرب بها ... وفاحت فقلنا: هذه الروضة الغنا # فإنه لو لم يقدم في صدر هذا البيت لفظة مشتقة من الغناء حصل بها في هذا ~~البيت من الرونق ما لا يحصل بدونها، لكان البيت خاليا من التهذيب، فإن ~~بوجودها حصل في البيت تصدير وتجنيس وائتلاف وتهذيب، وانتفى عنه من ms152 العيوب ~~عدم الائتلاف، وقلق القافية، وبذلك تقدم التهذيب، وذلك أنه لو كان قال ~~طويل: # زهت بأزاهير الجمال وحسنها ... وفاحت فقلنا هذه الروضة الغنا # لتبين قلق هذه القافية وتمكن تلك القافية الأولى، بسبب ما في البيت من ~~التصدير. PageV01P081 ومما جاء في الكتاب العزيز من أمثلة هذا الباب قوله ~~تعالى: " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك " فإن حسن ~~الترتيب في نظم الكلام البليغ أمر مطلوب، ومن حسن الترتيب في الجمل الفعلية ~~تقديم الفعل، وتعقيبه بالفعل، ثم الإتيان بالمفعول، فإن كان في الكلام ~~مفعولان أحدهما تعذر وصول الفعل بنفسه إليه، والآخر تعدى إليه بنفسه قدم ما ~~تعدى إليه الفعل بنفسه، وإذا علم ذلك كان لقائل أن يقول: لو توخى حسن ~~الترتيب في عجز الآية لأتى وزن صدرها، والجواب أن حسن الترتيب منع منه في ~~صدر الآية مانع قوي، وهو مخافة أن تتوالى ثلاثة أحرف متقاربات المخارج، ~~فيثقل الكلام بسبب ذلك، فإنه لو جاء الكلام فيه مرتبا لقيل: لئن بسطت يدك ~~إلي، والطاء والتاء والياء متقاربات المخارج، فلذلك حسن تقديم المفعول الذي ~~تعدى الفعل إليه بالحرف على المفعول الذي تعدى إليه بنفسه، ولما أمن هذا ~~المحذور في عجز الآية بما اقتضته البلاغة من الإتيان باسم الفاعل موضع ~~الجملة الفعلية، لتضمنه معنى الفعل الذي تصح به المقابلة، جاء الكلام على ~~ترتيبه من تقديم المفعول الذي تعدى الفعل إليه بنفسه، على المفعول الذي ~~تعدى الفعل إليه بالحرف، وهذا من أحسن شواهد التهذيب والترتيب، والله أعلم. ~~وكنت قد اطلعت على وصية وصى بها أبو تمام أبا عبادة البحتري في عمل الشعر، ~~كان أبو تمام ارتجلها فجاءت محتاجة إلى تحرير بعض معانيها، وإيضاح ما أشكل ~~منها، وزيادات يفتقر إليها فحررت منها ما يجب تحريره، وأضفت إليها ما تتعين ~~إضافته، وذكرتها في كتابي المنعوت بالميزان في الترجيح بني كلام قدامة ~~وخصومه وعلمت أن هذا الباب من هذا الكتاب أحوج إليها من ذلك، فأثبتها هاهنا ~~بعد أن رأيت تقديم مقدمة يحتاج إليها، ويجب الاعتماد عليها، ms153 وهي التي يجب ~~على من كان له ميل إلى عمل الشعر وإنشاء النثر أن يعتبر أولا نفسه، ~~ويمتحنها بالنظر في المعاني وتدقيق الفكر في استنباط المخترعات، فإذا وجد ~~لها فطرة سليمة، وجبلة موزونة، وذكاء وقادا، وخاطرا سمحا، وفكرا ثاقبا، ~~وفهما سريعا، وبصيرة مبصرة، وألمعية مهذبة، وقوة حافظة، وقدرة حاكية، وهمة ~~عالية، ولهجة فصيحة، وفطنة صحيحة، وإن كانت بعض هذه الأوصاف غير لازمة لرب ~~الإنشاء، ولا يضطر إليها أكثر الشعراء، لكنها إذا كملت في الشاعر والكاتب ~~كان موصوفا في هذه الصناعة بكمال الأوصاف النفسية التي إذا أضيفت إليها ~~الصفات الدرسية تكمل وتجمل من حفظ اللغات العربية، وتوابعها من العلوم ~~الأدبية كالنحو والتصريف، والعروض والقوافي، وما سومح به الشعراء من ~~الضرورات التي يلجئ إليها ضيق الوزن والتزام التقفية، ليعلم ما يجوز له ~~استعماله، وما يجب عليه إهماله، ولينعم النظر في كتب البلاغة، ليعرف محاسن ~~اللفظ مفردا ومركبا، ومعانيه، ويحيط بما يتفرع من أصول النقد من البديع ~~الذي هو رقوم الكلام، ونتائج مقدمات الأفهام، وليجعل عمدته على كتاب الله ~~العزيز وليميز إعجازه أدق تمييز، فإنه البحر الذي لا تفنى عجائبه، ولا يظمأ ~~فيه راكبه، منه استخرجت درر المحاسن، واستنبطت عيون المعاني، وعرف كنه ~~البلاغة، وتحقق سر الفصاحة، وكذلك سنة الرسول عليه الصلاة والسلام فإن ~~صاحبها بعث بجوامع الكلم، وبدائع الحكم، صلى الله عليه وسلم، وليحفظ أشعار ~~العرب وأمثالها، وأنسابها وأيامها وسائر أخبارها، ومحاسن أثاراها، ومقاتل ~~فرسانها الأنجاد، نوادر سمحائها الأجواد، ولا غنى به عن معرفة النجوم ~~والأنواء، وعلم بهيئة المساء، وتعقل الآثار العلوية، والحوادث الأرضية، ~~والمشاركة في الطب والطبائع والحساب، وما يحتاج إليه الكتاب من الفقه ~~والحديث، ونقل التاريخ الصحيح ويكون ذلك المكتسب، من وراء أشياء لا تكتسب، ~~ولا تحصل بالطلب، بل هي مما يجبل عليه الإنسان، ومن مواهب الرحمن، من عقل ~~راجح، وذهن صاف، ورأي سديد ينتج ذلك مزاج معتدل ليحسن اختياره، ويجود ~~انتخابه، فيتخير الألفاظ الرقيقة، والمعاني الرشيقة، ويتقن تأليف الكلام، ~~وتركيب الألفاظ، وما بإيراد أبيات قلتهن في هذا المعنى من ms154 بأس وهي خفيف: # انتخب للقريض لفظا رقيقا ... كنسيم الرياض في الأسحار # فإذا اللفظ رق شف عن المع؟ ... نى فأبداه مثل ضوء النهار # مثل ما شفت الزجاجة جسما ... فاختفى لونها بلون العقار PageV01P082 وأحسن ~~من قولي ومن كل ما قيل علي ما بلغني في هذا المعنى قول أبي تمام في الحسن ~~بن وهيب كامل: # لم يتبع شنع اللغات ولا مشى ... رسف المقيد في طريق المنطق # تنشق في ظلم المعاني إن دجت ... منه تباشير الكلام المشرق # وكقول البحتري فيه كامل: # فإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبه # فاللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا ويبعد نيله في قربه # حكم سحائبها خلال بنانه ... هطالة وقليبها في قلبه # كروض مؤتلفا بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه # وكأنها والسمع معقود بها ... شخص الحبيب بدا لعين محبه # هذا إذا أراد المتكلم أن ينعت فاضلا، أو يسمى أديبا كاملا، فتعلو بين ~~العلماء درجته، وتطير بين الفضلاء سمعته، ويقبل قوله في لفظ كل كلام ~~ومعناه، وليحذر من أن يقف خاطره بسبب معاندة الزمان، وتواتر صروف الحدثان، ~~وتعذر المكسب، وعز المطلب وتقدم الجهال، واختصاص الأرذال بالأموال، فيكون ~~ذلك داعيا إلى ترك الاشتغال، وسببا في فتور عزمه عن تحصيل العلوم، وذريعة ~~لقعوده عن رياضة نفسه، واستعمال خاطره، فيلحق بالأخسرين أعمالا، والمخطئين ~~أفعالا وأقوالا، بل يكون اجتهاده في ذلك اجتهاد راغب في الكمال، شديد ~~الأنفة من مساومة الجهال، عاشق في تزكية نفسه، مائلا للتقدم بنفس العلم على ~~أبناء جنسه، وما أحسن قول القائل طويل: # تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل # فإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل # ولا بد للمجتهد من يوم تحمد فيه عاقبة اجتهاده، ويحصل فيه على مراده، وإن ~~كان قصير الهمة مهين النفس، قد أوتي طبعا في العمل سليما، وذهنا مستقيما، ~~فظن أنه يستغني بذلك عن الاشتغال، ويبعد عم مماثلة الجهال، إدلالا بطبعه، ~~واتكالا على حذقه، كأكثر شعراء زماننا وكتابه، والمنتظمين في سلك أرباب ~~آدابه، حاشا من احتفل ms155 بالأدب احتفالا أوجب لذوي الآداب، والانتفاع بهذا ~~الكتاب، فلا يأنف من عرض ما يسمح به خاطره على من يحسن الظن بمعرفته، ~~ويتحقق أن مرتبته في العلم فوق مرتبته، ولا تهمل ذلك فإن خطره عظيم، " وفوق ~~كل ذي علم عليم " ، هذا وإن كنت في ذلك كمن يصف الدواء ولا يستعمله، ويأمر ~~بالعرف ولا يمتثله، غير أني أنهج الطريق، وأحض على التوفيق، لتحصل لي مثوبة ~~الدلالة، وأكسب أجر الهداية، فإن الدال على الخير كفاعله، والمحرض على ~~العمل كعامله، وليعتمد الراغب في نظم الشعر، وإنشاء النثر في وقت العمل على ~~وصية الإمام أبي تمام التي وعدت سالفا بنشرها، وهذا أوان ذكرها، وهي ما ~~أخبر به الثقة عن أبي عبادة البحتري الشاعر أنه قال: PageV01P083 كنت في ~~حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم، ولم أكن وقفت على تسهيل ~~مأخذه، ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمام، وانقطعت إليه، واتكلت في تعريفه ~~عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة: تخير الأوقات، وأنت قليل الهموم، ~~وصفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات، إذا قصدت الإنسان تأليف شيء ~~أو حفظه، قصد وقت السحر، وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة، ~~وقسطها من النوم، وخف عنها ثقل الغذاء، وصفا من أكثر الأبخرة والأدخنة جسم ~~الهواء، وسكنت الغمائم، ورقت النسائم، وتغنت الحمائم، وتغن بالشعر فإن ~~الغناء مضماره الذي يجري فيه، واجتهد في إيضاح معانيه، فإن أردت النسيب ~~فاجعل اللفظ رقيقا، والمعنى رشيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة وتوجع ~~الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، والتعلل باستنشاق النسائم، وغناء ~~الحمائم، والبروق اللامعة، والنجوم الطالعة، والتبرم بالعذال والعواذل، ~~والوقوف على الطلل الماحل، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فاشهر مناقبه، ~~وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقاومه، وأرهف من عزائمه، ورغب في مكارمه، ~~وتقاص المعاني، واحذر المجهول منها، وإياك أن تشين شعرك بالعبارة الزرية، ~~والألفاظ الوحشية، وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام، وكن كأنك ~~خياط يقدر الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر أرح نفسك، ms156 ولا تعمل ~~إلا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه، فإن ~~الشهوة نعم المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من أشعار الماضين، ~~فما استحسن العلماء فاقصده، وما استقبحوه فاجتنبه ترشد، إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: الذي أوردته قبل هذه الوصية في بيت أبي تمام الذي هو: # خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى # البيت، وما فسرت به الدجى واختياره لوسط الليل دون طرفيه يناقض قوله في ~~هذه الوصية: واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو ~~حفظه، أن يختار وقت السحر. # قلت: المقصد في البيت غير المقصد في الوصية، فإن المقصد في البيت ~~التنقيح، وفي الوصية العمل والحفظ، والتنقيح يحتاج إلى خلو الخاطر وتدقيق ~~النظر، وغوص الفكر أكثر من وقت الحفظ والعمل، والله أعلم. وما رأيت ولا ~~رويت مثل وصية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وصى بها كاتبا له يقول فيا: ~~ألق دواتك، واجمع أداتك، وأرهف حدى قلمك إرهافا، واحترس عند شقه احتراسا ~~فإنك إن لم تتائم لسانه كدرت بيانه، واستصلب المقط، وحرف القط، فإن لم تسمع ~~لقطتك طنينا غير خفي، وتنظر لها حرفا كذباب المشرفي وإلا أعد القطة، فالقلم ~~حف، وقرب بين الحروف، وباعد بين الصفوف، وتصفح ما كتبته وكرر النظر فيما ~~حبرته، ليظهر لك رأيك قبل أن يخرج عنك كتابك، فالحظ هداك الله ما اختص الله ~~سبحانه هؤلاء القوم من الخصائص التي أطلعهم على علوم ليست علومهم والى ما ~~لم يهتد إليه أرباب تلك العلوم، ولم يدركها فهم حاذق من أرباب الفهوم، حتى ~~صارت كلمات أحدهم قدوة يقتدى بها أرباب المعارف من الكتاب، وعلما يهتدى به ~~من ضل ومن أولى الألباب. # وكنت قد جمعت فصولا يحتاج إليها العامل في البلاغتين، والواضع في ~~الصناعتين، من عدة كتب من كتب البلاغة، وحذفت منها ما لا يحتاج إليه، ~~ونقحتها، وحررتها، وها أنا ذا أسوقها خاتمة لهذا الباب، والله الموفق ~~للصواب، وهي: ينبغي لك أيها الراغب في العمل، السائل فيه عن ms157 أوضح السبل، أن ~~تحصل المعنى عند الشروع في تحبير الشعر وتحرير النثر قبل اللفظ، والقوافي ~~قبل الأبيات، ولا تكره الخاطر على وزن مخصوص، وروى مقصود، وتوخ الكلام ~~الجزل، دون الرذل، والسهل، دون الصعب، والعذب دون المستكره، والمستحسن دون ~~المستهجن، ولا تعمل نظما ولا نثرا عند الملل، ولا تؤلف كلاما وقت الضجر، ~~فإن الكثير معه قليل، والنفيس به خسيس، والخواطر ينابيع إذا رفق بها جمت، ~~وإذا عنف عليها نزحت، واكتب كل معنى يسنح، وقيد كل فائدة تعرض، فإن نتائج ~~الأفكار تعرض كلمعة البرق، ولمحة الطرف، إن لم تقيد شردت وندت، وإن لم ~~تستعطف بالتكرار عليها صدت، والترنم بالشعر مما يعين عليه، قال الشاعر بسيط # تغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لقول الشعر مضمار PageV01P084 ~~وقد يتحيل الشاعر حينا ويستعصي عليه الشعر زمانا، كما روى عن الفرزدق أنه ~~قال: لقد يمر على الزمن وإن قلع ضرس من أضراسي لأهون علي من أن أقول بيتا ~~واحدا، فإذا كان كذلك فاتركه حتى يجيئك عفوا، وينقاد إليك طوعا، وإياك ~~وتعقيد المعاني وتقعير الألفاظ، واعمل في أحب الأغراض إليك، وفيما وافق ~~طبعك، فالنفوس تعطي على الرغبة ما لا تعطى على الرهبة، واعمل الأبيات مفرقة ~~بحسب ما يجود بها الخاطر، ثم انظمها في الآخر، واحترس عند جمعها من عدم ~~الترتيب، وتوخ حسن التنسيق عند التهذيب، ليكون كلامك بعضه آخذا بأعناق بعض، ~~فهو أكمل لحسنه، وأمتن لرصفه وجمل المبدأ والتخلص والمقطع، فإن ذلك أصعب ما ~~في القصيد، واجتهد في تجويد هذه المواضع، وتجنب معارض أرباب الخواطر فيها، ~~وتواردهم عليها، وميز في فكرك محط الرسالة، ومصب القصيدة قبل العمل، فإن ~~ذلك أسهل عليك، وأشعرها أولا، ونقحها ثانيا، وكرر التنقيح، وعاود التهذيب، ~~ولا تخرجها عنك إلا بعد تدقيق النقد وإنعام النظر، وقد كان الحطيئة يعمل ~~القصيدة في شهرين، وينقحها في شهرين اقتداء بزهير، فإنه كان راويته، وقد ~~كان زهير يعمل القصيدة في شهر واحد وينقحها في حول كامل، حتى قيل لشعره: ~~المنقح الحولي، والحولي المحكك. وفي ذلك يقول عدي بن ms158 الرقاع كامل: # وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها # نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها PageV01P085 وفي ~~الناس من رزق بديهة حسنة، وحدة خاطر، ونفاذ طبع؛ وسرعة نظم، يرتجل القول ~~ارتجالا، ويأتي به عفوا صفوا، فلا تقعد به عن قوم قد أتعبوا خواطرهم، وكدوا ~~نفوسهم في التهذيب، وبذلوا جهدهم في التنقيح والتأديب واحذر إذا كاتبت من ~~الإسراف في الشكر، فإنه إبرام يوجب للكلام ثقلا، ولا تطل الدعاء فإنه يورث ~~مللا، ولا تجعل كلامك مبنيا على السجع كله، فتظهر عليه الكلفة، ويبين فيه ~~أثر المشقة، ويتكلف لأجل السجع ارتكاب المعنى الساقط، واللفظ النازل، وربما ~~اشتد عيب كلمة المقطع رغبة في السجع، فجاءت نافرة من أخواتها، قلقة في ~~مكانها بل اصرف كل النظر إلى تجويد الألفاظ، وصحة المعاني، واجتهد في تقويم ~~المباني، فإن جاء الكلام مسجوعا عفوا من غير قصد، وتشابهت مقاطعه من غير ~~كسب كان، وإن عز ذلك فاتركه وإن اختلفت أسجاعه، وتباينت في التقفية مقاطعة، ~~فقد كان المتقدمون لا يحلفون بالسجع ولا يقصدونه بتة، إلا ما أتت به ~~الفصاحة في أثناء الكلام، واتفق عن غير قصد ولا اكتساب، وإنما كانت كلماتهم ~~متوازنة، وألفاظهم متناسبة، ومعانيهم ناصعة، وعبارتهم رائقة وفصولهم ~~متقابلة، وجمل كلامهم متماثلة، وتلك طريقة الإمام علي عليه السلام، ومن ~~اقتفى أثره من فرسان الكلام، كابن المقفع، وسهل بن هارون، وإبراهيم بن ~~العباس، والحسن بن سهل، وعمرو بن مسعدة، وأبي عثمان الجاحظ، وغير هؤلاء من ~~الفصحاء والبلغاء، ولا تجعل كل الكلام شريفا عاليا، ولا وضيعا نازلا، بل ~~فصله تفصيل العقود، فإن العقد إذا كان كله نفيسا، لا يظهر حسن فرائده، ولا ~~يبين كمال واسطته، وانظر إلى نظم القرآن العزيز كيف جمع طبقات البلاغة ~~الثلاث، ليظهر فضل كل طبقة في بابها، وتبين محكم أسبابها، ويعلم أن أدناها ~~بالنسبة إليها يعلو على أعلى الطبقات من كلام البلغاء، ويربى عليها، فإن ~~الكلام إذا كان منوعا افتنت الأسماع فيه، ولم يلحق النفوس ملل من ألفاظه ~~ومعانيه، واعلم أن الألفاظ أجساد ms159 والمعاني أرواحا، فإذا قويت الألفاظ فقو ~~المعاني، وإذا أضعفتها فأضعفها لتتوازن قوى الكلام، وتتناسب في الأفهام، ~~واقصد القوافي السهلة المستحسنة، دون المستصعبة المستهجنة، والأوزان ~~المستعملة الحلوة، دون المهجورة الكزة، فإن الشعر كالجواد، والقوافي ~~حوافره، والألفاظ صورته، والمعاني سرعته، والأوزان جملته، واجعل كلامك كله ~~كالتوقيعات، وعليك بالمقطعات فإنها في القلوب أحلى وأكمل، وفي المجالس أرشق ~~وأجول، وبالأسماع أعلق، وبالأفواه أعبق، فإذا نثرت منظوما فغير قوافي شعره ~~إلى قوافي سجعه، وإذا أخذت معنى بيت من بيت فتجنب الألفاظ جملتها ما ~~استطعت، أو معظمها، وغيرا لوزن والقافية، وزد في معناه، وانقص من لفظه، ~~واحترس مما طعن عليه به، لتكون أملك له من قائله وإن كان التفضيل قد يقع ~~بغير ما ذكرت، ومما يقدم به المتكلم على غيره حسن الأدب مع الممدوح، كقول ~~ابن نباتة السعدي في سيف الدولة بن حمدان عفا الله عنه بسيط # لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل # فإنه أحسن الأدب مع ممدوحه، بخلاف المتنبي، فإن المتنبي قال في هذا ~~المعنى بسيط # تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي # فإن المتنبي جعل ممدوحه ممن يصح منه التمني لو كانت بقيت له أمنيته. وابن ~~نباتة جعل مادح ممدوحه لم تبق له أمنيته، ورفعه عن أن يكون هو ممن يصح أن ~~يتمنى شيئا، فكل ما جعله المتنبي لممدوحه، جعله ابن نباتة لشاعر ممدوحه، ~~وهذا الأدب من قول الله سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: " ~~الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين " ~~فأسند أفعال الخير كلها لله، وأسند فعل الشر لنفسه، حسن أدب مع ربه. صلى ~~الله عليه وسلم. PageV01P086 ومثل ذلك قوله تعالى: " ليجزي الذين أساءوا ~~بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " مقتضى الصناعة أن يؤتى بتجنيس ~~الازدواج في صدر الآية، كما أتى به في عجزها، لكنه منع منه توخي التأديب ~~والتهذيب في نظم الكلام، وذلك أنه لما كان الضمير الذي في " ليجزي " عائدا ~~على الله سبحانه، وجب أن ms160 يعدل عن لفظ المعنى الخاص إلى ردفه، حتى لا تنسب ~~السيئة لله تعالى، فقال سبحانه في موضع .. " بالسيئة " " بما علموا " فعوض ~~عن تجنيس المزاوجة الإرداف، لما في الإرداف من حسن الأدب مع الله تعالى، ~~ليعلمنا ذلك، ولما كان قوله تعالى " وجزاء سيئة سيئة مثلها " قد أمن فيه ~~هذا المحذور، أتى الكلام فيه على مقتضى الصناعة، والله أعلم. # ومن أحسن ما وقع في هذا قوله تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم ~~النار " لأنه سبحانه أدمج وهو أعلم في هذا الكلام وصف نفسه بالعدل فعلق فن ~~الفخر بفن الأدب، إذ ظاهر الآية التأدب والموعظة، ووصف نفسه تعالى بالعدل ~~فخر متعلق بذلك، مع ما في لفظ هذا الكلام من الملاءمة التي حصل بها ائتلاف ~~اللفظ بالمعنى ،لأن الركون إلى الظالم دون فعل الظالم نفسه، ومس النار دون ~~إحراقها والدخول فيها، والعدل يقتضي أن يكون العقاب على قدر الذنب، فكان ~~ذلك المساس ملائما للركون دون غيره، فانظر ما انطوى عليه نظم هذه الألفاظ ~~السبع من المعاني، وأنواع البديع، والائتلاف الذي دلت عليه الملاءمة، ~~والإدماج، والتعليق والافتنان، والبسط، إذ عدل عن قوله " إلى الظالمين " ~~إلى قوله " إلى الذين ظلموا " لما يحتمل الأول من الاستمرار في الظلم على ~~سبيل الندور، ليلائم المعنى لفظ الركون ولفظ المساس، والمبالغة، لأنه إذ ~~نهى عن الركون إلى من وقع منه الظلم في وقت دون وقت كان النهي عن الركون ~~لمن استمر منه الظلم بطريق أولى، لترى ما تحت نظم هذا الكتاب العزيز من ~~الخبايا التي هذا بعضها، وما خفي منها أكثر مما ظهر، والله أعلم. # وإذا تقاربت الديار، تقاربت الأفكار، ولهذا قيل: الشعر محجة يقع فيها ~~الخاطر على الخاطر، كوقوع الحافر على الحافر. واعلم أن من الناس من شعره في ~~البديهة أبدع منه في الروية، ومن هو مجيد في رويته وليست له بديهة، وقلما ~~يتساويان، ومنهم من إذا خاطب أبدع، وإذا كاتب قصر، ومنهم من بضد ذلك، ومن ~~قوى نظمه ضعف نثره، ومن قوى نثره ضعف نظمه، وقلما يتساويان، ms161 وقد يبرز ~~الشاعر في معنى من معاني مقاصد الشعر دون غيره من المقاصد، ولهذا قيل: أشعر ~~الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، وعنترة إذا ~~كلب، والأعشى إذا طرب. # وإياك وتعقيد المعاني بسوء التركيب، واستعمال اللفظ الوحشي، فإن خير ~~الكلام ما سبق معناه إلى القلب، قبل وصول جملته إلى السمع، فإن علي بن عيسى ~~الرماني ذكر أن أسباب الإشكال ثلاثة وكلها تغير الكلام عن الأغلب، ~~كالتقديم، والتأخير، وسلوك الطريق الأبعد، وإيقاع المشترك وقد جمع هذه ~~الأسباب الثلاثة قول الفرزدق طويل: # وما مثله في الناس إلا مملك ... أبو أمه حي أبوه يقاربه # فإن الممدوح: إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، خال هشام ابن عبد ~~الملك، فأبو أم هشام بن عبد الملك وهو المملك أبو إبراهيم ابن هشام بن ~~إسماعيل المخزومي، فجد المملك وهو المملك لأمه أبو الممدوح، فالممدوح على ~~هذا خال المملك، وحاصل معنى هذا البيت: وما مثل هذا الممدوح إلا ابن أخته، ~~وأما التقديم والتأخير مع قوله وما مثله البيت فإن صحته وما مثله في الناس ~~حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه، فلما قدم وأخر حصل التعقيد. وأما سلوك ~~الطريق الأبعد، فقوله: أبو أمه أبوه، وكان يجزئه قوله: جده أبوه. وأما ~~المشترك ففي قوله حي لصلاحية اللفظ لضد الميت، وللقبيلة. انتهى كلام ~~الرماني. # وليكن كلامك سليما من التكلف، بريئا من التعسف، وليحط لفظك بمعناك، ~~وتشتمل عبارتك على مغزاك، واحذر الإطالة إلا فيما تحمد فيه، فإن البلاغة ~~لمحة دالة، وقيل: سرعة جواب في صواب، وقيل: أن تقول فلا تبطئ، وأن تصيب فلا ~~تخطئ، والصحيح من حدها أنها إيضاح المعنى بأقرب الطرق أسهلها، وإذا روعي ~~الاشتقاق فيها قيل في حدها: هي بلوغ المتكلم بعبارته أقصى ما في نفسه، ~~وإيصال ذلك لمخاطبه بأقرب الطرق وأسهلها والعي إكثار من مهدار، وإخطاء بعد ~~إبطاء، كما جاء في المثل: " سكت ألفا ونطق خلفا " . PageV01P087 وقدر اللفظ ~~على قدر المعنى لا زائدا عليه، ولا ناقصا عنه، كما قيل في مدح بعض البلغاء: ~~كانت ms162 ألفاظه قوالب لمعانيه، وقيل في آخر: كان إذا أخذ شبرا كفاه، وإن أخذ ~~طومارا ملأه واستعمل التطويل في مكانه، والتقصير في مكانه، فقد قيل: إذا ~~كان الإيجاز كافيا، كان الطويل عيا، وإذا كان التطويل واجبا، كان التقصير ~~عجزا ولهذا حد بعضهم البلاغة بأنها إيجاز من غير إخلال، وإطناب من غير ~~إملال، وما أحسن ما أنشده الجاحظ في هذا الموضع، وهو كامل: # يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء # وإياك أن تفرط فتكثر، أو تفرط فتقصر، وقد ذكر في كتابه المترجم بالبيان ~~والتبيين أن الفارسي: سئل عن البلاغة فقال: معرفة الفصل من الوصل. # وسئل اليوناني عنها فقال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. # وسئل الرومي عنها فقال: حسن الاقتصار عند البديهة، والغزارة يوم الإطالة. # وسئل الهندي عنها فقال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. ~~وقال مرة: التماس حسن الموقع، والمعرفة بساعات القول، وقلة الخرق بما التبس ~~من المعاني، أو غمض وشرد في اللفظ وتعذر، ورتبته أن تكون الشمائل مذروبة ~~يعني المتكلم، والألفاظ معدلة، واللهجة نقية، وألا يكلم سيد الأمة بما يكلم ~~به الأمة، ويكون في قوله فضل التصرف في كل طبقة، ولا يدقق المعاني كل ~~التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، بل يصفيها كل التصفية، ويهذبها غاية ~~التهذيب. # ثم قال، أعني الجاحظ، وأما البراعة فقد قالوا فيها: يعني أهل اللغة: إنها ~~الحذق بطريقة الكلام وتجويده، وأما الفصاحة فمختلف فيها فمن قائل بأنها ~~جزالة اللفظ، وحسن المعنى، وقيل: الاقتدار على الإبانة عن كل معنى كامن في ~~النفس، بعبارات جليلة، ومعان نقية بهية، والذي صح في تعريفها: أنها خلوص ~~الألفاظ من التعقيد المبعد عن إدراك معانيها، وعن العيوب التي تعرض فيها، ~~فإن اشتقاقها من الفصيح، وهو اللبن الذي خلص من رغوته أو لبئه، وإلا فانظر ~~إلى قصص الكتاب العزيز كيف أتت تارة وجيزة، ومرة بسيطة كما قلت في وصفه في ~~القصيدة التي مدحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل: # به قصص تأتيك طورا بسيطة ... ليفهمها من بسطها المتبلد # وطورا بإيجاز يبث لذي ms163 حجا ... له زند فهم ثاقب ليس يصلد # وعلى الجملة، مهما كان الإيجاز كافيا، والمعنى به واضحا، فالإطالة إن لم ~~تكن عيا كانت عبثا، ولم تزل الأجلاء المتقدمون يحمدون ذلك، ويذمون ما سواه، ~~ويدلك على اختيار هذا المذهب ما يحكى عن أحمد بن يوسف الكاتب، فإنه قال: ~~دخلت يوما على المأمون وفي يديه كتاب، وهو يعاود قراءته تارة بعد أخزى، ~~ويصعد نظره فيه ويصوبه، قال: فلما مرت على ذلك مدة التفت إلى وقال: يا ~~أحمد، أراك مفكرا فيما تراه مني، فقلت: نعم، وقى الله أمير المؤمنين ~~المكاره، وأعاذه من المخاوف، فقال: إنه لا مكروه في الكتاب، ولكني قرأت فيه ~~كلاما وجدته نظير ما سمعت الرشيد رحمه الله يقوله في البلاغة، فإني سمعته ~~يقول: البلاغة التباعد عن الإطالة، والتقريب من البغية، والدلالة بالقليل ~~من اللفظ على الكثير من المعنى، وما كنت أتوهم أن أحدا يقدر على المبالغة ~~في هذا المعنى، حتى قرأت هذا الكتاب، ورمى به إلي وقال: هذا كتاب عمرو بن ~~مسعدة إلينا، قال: فقرأته، فإذا فيه كتابي إلى أمير المؤمنين، ومن قبلي من ~~قوداه وسائر أجناده في الانقياد والطاعة على أحسن ما تكون عليه طاعة جند ~~تأخرت أرزاقهم، وانقياد كافة تراخت أعطياتهم، فاختلت لذلك أوالهم، والتاثت ~~معه أمورهم، فقال: فلما قرأته قال لي: يا أحمد، إن استحساني هذا الكلام ~~بعثني على أن أمرت للجند قبله بعطياتهم لسبعة أشهر، وأنا على مجازاة الكاتب ~~بما يستحقه محله من صناعته، وروى أيضا عن المأمون أنه أمر عمرو بن مسعدة ~~الكاتب هذا أن يكتب لرجل يعني به إلى بعض العمل بالوصية عليه، وأن يختصر ~~كتابه ما أمكنه حتى يكون ما يكتب به في سطر واحد، فكتب إليه عمرو بن مسعدة: ~~كتابي إليك كتاب واثق بمن كتب إليه، معنى بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة ~~والعناية حامله، إن شاء الله تعالى. وقد كان جعفر بن يحيى من تقدمه في هذه ~~الصناعة يقول لكتابه: إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيعات ~~فافعلوا. PageV01P088 وأما قول ms164 قيس بن خارجة لما قيل له: ما عندك في حمالات ~~داحس؟ فقال: عندي قرى كل نازل، ورضا كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى ~~أن تغرب، آمر فيها بالتواصل، وأنهى عن التقاطع، فإن ذلك لم يخرجه مخرج ~~المدح للإطالة المذمومة، لأن الإطالة المذمومة هي إطالة العبارة عن المعنى ~~الواحد بالألفاظ الكثيرة، وإنهما أراد قيس الإكثار من المعاني، فإذا كثرت ~~المعاني احتاج المتكلم إلى كثرة الألفاظ للعبارة عنها لإيضاحها وليوفي ~~بمقصوده فيها، ومتى طال الكلام كذلك كانت إطالته بلاغة لاعيا، فإن حقيقة ~~البلاغة إيجاز من غير إخلال، وإطناب من غير إملال، لاسيما خطب الإملاكات، ~~والسجلات التي تقرأ على رءوس الجماعات، فالمحمود في هذه المواضع الإطناب، ~~والمذموم الإسهاب، وإنما كان الإطناب محمودا، والإسهاب مذموما، لأن الإطناب ~~تفخيم الأمر وتقويته وتوكيده وشد أواخيه، والإسهاب مأخوذ من السهب وهو ~~المتسع من الفلاة التي لا ينتهي النظر فيه إلى علم يهتدى به، ولا معلم يؤوى ~~إليه، فكأن المسهب اتسع في الكلام اتساعا لا فائدة فيه، وقد شفيت الغليل في ~~هذا الباب، وخرجت فيه عن شرط الكتاب، لاحتياج العامل إليه، واعتماد الناقد ~~عليه. # باب حسن النسق # حسن النسق من محاسن الكلام، وهو أن تأتى الكلمات من النثر والأبيات من ~~الشعر متتاليات، متلاحمات تلاحما سليما مستحسنا، لا معيبا مستهجنا، ~~والمستحسن من ذلك أن يكون كل بيت إذا أفرد قام بنفسه، واستقل معناه بلفظه، ~~وإن ردفه مجاوره صار بمنزلة البيت الواحد، بحيث يعتقد السامع أنهما إذا ~~انفصلا تجزأ حسنهما، ونقص كمالهما، وتقسم معناهما، وهما ليسا كذلك، بل ~~حالهما في كمال الحسن وتمام المعنى مع الانفراد والافتراق كحالهما مع ~~الالتئام والاجتماع. # ومن شواهد هذا الباب في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وقيل يا أرض ابلعي ~~ماءك، ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا ~~للقوم الظالمين " . فأنت ترى إتيان هذه الجمل معطوفا بعضها على بعض بواو ~~النسق على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة لأنه سبحانه بدأ بالأهم، إذ كان ~~المراد إطلاق أهل السفينة من سجنها، ولا ms165 يتهيأ ذلك إلا بانحسار الماء عن ~~الأرض، فلذلك بدأ بالأرض، فأمرها بالابتلاع، ثم علم سبحانه أن الأرض إذا ~~ابتلعت ما عليها من الماء ولم تقطع مادة الماء تأذى بذلك أهل السفينة عند ~~خروجهم منها وربما كان ما ينزل من السماء مخلفا لما تبتلعه الأرض، فلا يحصل ~~الانحسار فأمر سبحانه السماء بالإقلاع بعد أمره الأرض بالابتلاع، ثم أخبر ~~بغيض الماء عند ما ذهب ما على الأرض، وانقطعت مادة السماء، وذلك يقتضي أن ~~يكون ثالث الجملتين المتقدمتين، ثم قال تعالى: " وقضي الأمر " ، أي هلك من ~~قدر هلاكه، ونجا من قضيت نجاته، وهذا كنه الآية، وحقيقة المعجزة، ولا بد ~~وأن تكون معلومة لأهل السفينة، ولا يمكن علمهم بها إلا بعد خروجهم منها، ~~وخروجهم منها موقوف على ما تقدم، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون هذه الملة ~~رابعة الجمل، وكذلك استواء السفينة على الجودي، أي استقرارها على المكان ~~الذي استقرت فيه استقرارا لا حركة معه، لتبقى آثارها آية لمن يأتي بعد ~~أهلها، وذلك يقتضي أن يكون بعد ما ذكرنا، وقوله سبحانه: " وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين " ، هذا دعاء أوجبه الاحتراس ممن يظن أن الهلاك ربما شمل من لا ~~يستحق، فدعا سبحانه على الهالكين، ووصفهم بالظلم احتراسا من هذا الاحتمال، ~~وذلك يقتضى أن تكون بعد كل ما تقدم، والله أعلم. # فانظر إلى حسن هذا النسق، وكيف وقع القول فيه وفق الفعل سواء. # ومن شواهد هذا الباب الشعرية قول زهير طويل: # ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم # فإنه نسق على هذا البيت اثنى عشر بيتا كل بيت معطوف على ما قبله بالواو ~~عطف تلاحم من غير تضمين. # وحسن النسق تارة يكون في الأبيات بحيث يعطف بيت على بيت كما قدمنا من شعر ~~زهير، وتارة في جمل البيت الواحد، كقول ابن شرف القيرواني بسيط # جاور عليا ولا تحفل بحادثة ... إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل # سل عنه، وانطق به، وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل ~~PageV01P089 فالحظ حسن هذا النسق؛ وصحة هذا الترتيب فيه، واستيعاب ms166 هذا ~~التقسيم، ووضوح هذا التفسير، وما رأيت من شواهد حسن النسق مما هو داخل في ~~القسم الأول منه كقول أبي نواس كامل: # وإذا جلست إلى المدام وشربها ... فاجعل حديثك كله في الكاس # وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للناس # فإن حسن النسق لاءم بين فنين متضادين في هذين البيتين: وهما المجون ~~والزهد حتى صارا كأنهما فن واحد، والله أعلم. # باب الانسجام # وهو أن يأتي الكلام متحدرا كتحدر الماء المنسجم، سهولة سبك وعذوبة ألفاظ، ~~حتى يكون للجملة من المنثور والبيت من الموزون وقع في النفوس وتأثير في ~~القلوب ما ليس لغيره، مع خلوه من البديع، وبعده عن التصنيع. وأكثر ما يقع ~~الانسجام غير مقصود، كمثل الكلام المتزن الذي تأتى به الفصاحة في ضمن النثر ~~عفوا كمثال أشطار، وأنصاف، وأبيات وقعت في أثناء الكتاب العزيز ورويت عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن وقع من ذلك في غير القرآن بيتان فصاعدا سمى ~~ذلك شعرا وإن لم يقصد، وأما القرآن العزيز فلم يقع فيه إلا مثال النصف، أو ~~البيت الواحد، والبيت المفرد لا يسمى شعرا، وعلى ذلك أدلة لا يتسع هذا ~~المكان لذكرها، وقد أتيت بها مستقصاة في كتابي المنعوت بالميزان الذي شرعت ~~في عمله، أرجح فيه بين كلام قدامة وبين كلام خصومة، ولم يتكلم. # ومثال الانسجام الذي وقع في الأشعار المقصودة قول الإمام أبي تمام بسيط # إن شئت ألا ترى صبرا لمصطبر ... فانظر على أي حال أصبح الطلل # وكقوله أيضا كامل: # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # وكقول البحتري طويل: # فيا لائمي في عبرة قد سفحتها ... لبين، وأخرى قبلها لتجنب # تحاول مني شيمة غير شيمتي ... وتطلب مني مذهبا غير مذهبي # وكقول إسحاق بن إبراهيم الموصلي طويل: # على عصر أيام الصبابة والصبا ... ووصل الغواني والتذاذي بالشرب # سلام امرئ لم تبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب # ومن هذا الباب للمتقدمين أكثر لامية الشنفري كقوله طويل: # وفي الأرض مناى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن ms167 خاف القلى متحول # وكقول امرئ القيس طويل: # أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمر القلب يفعل # ولم أسمع في الانسجام كقول عبد الصمد بن المعذل يرثي الأمير سعيد بن سلم ~~بقوله خفيف: # كم يتيم خبرته بعد يتم ... وعديم نعشته بعد عدم # كلما عضت الحوادث نادى ... رضى الله عن سعيد بن سلم # والبيت الثاني أردت. # وكقول شاعر الحماسة طويل: # ألا ليقل من شاء ما شاء إنما ... يلام الفتى فيما استطاع من الأمر # قضى الله حب المالكية فاصطبر ... عليه، فقد تجري الأمور على قدر # وقد يحصل الانسجام مع البديع الذي أتت به القريحة عفوا من غير استدعاء ~~ولا كلفة، كقول أبي تمام بسيط # إن شئت ألا ترى صبرا لمصطبر ... فانظر على أي حال أصبح الطلل # فأنت ترى انسجام هذا الكلام مع كون البيت قد وقع فيه المبالغة، والتعليق، ~~والإشارة، فإنه علق عدم صبر المصطبرين برؤية الطلل على تلك الحالة، وأشار ~~بقوله: " على أي حال أصبح الطلل " إلى أحوال كثيرة لو عبر عنها بلفظها ~~لاحتاجت إلى ألفاظ كثيرة، وعلق أحد الأمرين بالآخر، إذ جاء بلفظ الشرط ~~والمشروط. # ومن الانسجام في الكتاب العزيز قوله تعالى: " قال إنما أشكو بثي وحزني ~~إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون " والآية التي بعدها. وقوله تعالى " ~~خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " . # وقوله سبحانه: " ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده ~~وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون " وأكثر القرآن من شواهد هذا الباب. ~~PageV01P090 ومن الانسجام في السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~وصف القرآن: " إن الله أنزل هذا القرآن آمرا وزاجرا، وسنة خالية ومثلا ~~مضربا، فيه نبأكم، وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا ~~يخلقه طول المدد، ولا تنقضي عجائبه، هو الحق، ليس بالهزل، من قال به صدق، ~~ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن قسم به أقسط ومن عمل به أجر، ومن ~~تمسك به هدى إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من ms168 غيره أضله الله، ومن حكم ~~بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، وحبل ~~الله المتين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن ابتعه، لا يعوج ~~فيقوم، ولا يريغ فيستعتب " . # فانظر إلى انسجام هذه العبارة وما جاء فيها من البديع غير مقصود، تشهد ~~الخواطر السليمة أنه كلام مسترسل غير مرو ولا مفكر، فصلوات الله وسلامه على ~~من بعث بجوامع الكلم، وأوتى هذه الفصاحة الرائعة، وعلى آله وصحبه وسلم. # باب براعة التخلص # وهو امتزاج آخر ما يقدم الشاعر على المدح من نسب أو فخر أو وصف أو أدب أو ~~زهد أو مجون أو غير ذلك بأول بيت من المدح. وقد يقع ذلك في بيتين متجاورين، ~~وقد يقع في بيت واحد، وهذه وإن لم تكن طريقة المتقدمين في تغالب أشعارهم، ~~فإن المتأخرين قد لهجوا بها وأكثروا منها، وهي لعمري من الماسن وهذا الباب ~~قديم، وهو من أجل أبواب المحاسن، ويسمى معرفة الفصل من الوصل. # وقد ذهب أصحاب الإعجاز إلى أنه وجه الإعجاز، وهو دقيق في عين الغبي خفي ~~يخفى على غير الحذاق من ذوي النقد. وهو مبثوث في الكتاب العزيز من أوله إلى ~~آخره، فإنك تقف من الكتاب العزيز على مواضع تجدها في الظاهر فصولا متنافرة ~~لا تعرف كيف تجمع بينها، فإذا أنعمت النظر وكنت ممن له دربة بهذه الصناعة، ~~ظهر لك الجمع بينهما، كقوله سبحانه وتعالى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ~~من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه ~~هو السميع البصير، وأتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا ~~من دوني وكيلا. ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا " فإنك إذا نظرت ~~إلى قوله تعالى: " وآتينا موسى الكتاب " وجدت هذا الفصل مباينا لما قبله ~~حتى تفكر فتجد الوصل بين الفصلين في قوله: " سبحان الذي أسرى بعبده " فإنه ~~سبحانه أخبر بأنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم ليريه من آياته، ويرسله ~~إلى عباده، كما أسرى بموسى من مصر ين خرج ms169 منها خائفا يترقب، فأتى مدين، ~~وتزوج بابنة شعيب، وأسرى بها فرأى النار، فخاطبه ربه وأرسله إلى فرعون، ~~وآتاه الكتاب، فهذا الوصل بين هذين الفصلين، وأما الوصل بين ما ذكرت وبين ~~قوله تعالى: " ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا " فقد كان على بني ~~إسرائيل نعمة عليهم قدما حيث نجاهم في السفن، إذ لو لم ينج أباهم من أبناء ~~نوح لما وجدوا، وأخبرهم أن نوحا كان شكورا، وهم ذريته، والولد سر أبيه، ~~فيجب أن يكونوا شاكرين كأبيهم. # وأما في الشعر فأتم الناس براعة في التخلص وأول من أحسن في ذلك من ~~القدماء في غالب ظني زهير، حيث قال بسيط # إن البخيل ملوم حيث كان ول؟ ... كن الكريم على علاته هرم # ولقد اتفق له في هذا البيت اتفاق صالح حيث جاء مدمجا من جهة عروضه، ~~فامتزج المعنيان والقسيمان امتزاجا كليا لفظيا ومعنويا مع ما وقع في البيت ~~من المطابقة اللفظية، ثم تأنث المتأخرون في ذلك، فمن مجيد مبرز، ومن ضعيف ~~مقصر، فمن المجيدين في ذلك الذي أتى فيه بما لا يلحق سبقا مسلم بن الوليد، ~~حيث قال طويل: # أجدك ما تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر # سريت بها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر # فإن التخلص وقع في بيت واحد، وهو أحسن قسميه، إلى ما جاء في البيت من ~~التعليق والإشارة، فإنه علق الغزل بالمدح، حيث أشار إلى فرط حب يحيى لولده ~~جعفر، وهو الممدوح، وفي ذلك مدحه بالبر لأبيه، الذي أوجب له ذلك عليه، وفي ~~وصفه بالبر لأبيه جما خير الدنيا والآخرة، فأدمج المبالغة في التعليق. # ومن المجيدين في ذلك أيضا أبو نواس حيث يقول طويل: # تقول التي من بيتها خف محملى ... يعز علينا أن نراك تسير PageV01P091 أما ~~دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير # فقلت لها، واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى في إثرهن عبير # ذريني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير # وكقول أبي تمام كامل: # لا والذي هو عالم أن ms170 النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم # ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم # وكقوله حيث يقول وافر: # لقد أنست مساوئ كل دهر ... محاسن أحمد بن أبي دؤاد # وكقوله معتذرا في وصف الإبل طويل: # سرت تحمل العتبى إلى العتب والرضا ... إلى السخط والعذر المبين إلى الحقد # وكقوله بسيط # يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود # أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود # ومما تقدم فيه غيره قوله بسيط # إساءة الحادثات استنبطى نفقا ... فقد أظلك إحسان ابن حسان # وكقوله بسيط # لم يجتمع قط في مصر ولا طرف ... محمد بن أبي أيوب والنوب # وكقوله كامل: # فالأرض معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس # على أن أبا الطيب المتنبي قد أتى في هذا الباب بما لا يقصر به عن لحاق ~~أبي تمام ولا أمثاله من المجيدين، ويكفيه من ذلك قوله بسيط # مرت بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشادن العربا # فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا # وأما إذا وصلت إلى ابن حجاج في هذا الباب، فإنك تصل إلى ما لا تدركه ~~الألباب، ومن ذلك قوله وافر: # وقد بادلتها فمبالها لي ... بمشورة استها ولها قذالي # كما لابن العميد جميع مدحى ... ودنيا ابن العميد جميعها لي # وكقوله خفيف: # فبهم قد أمنت خوف معادي ... وبهذا الوزير خوف زماني # ومن براعة التخلص في الكتاب العزيز قوله تعالى: " نحن نقص عليك أحسن ~~القصص " فإنه سبحانه أشار بقوله: أحسن القصص إلى قصة يوسف، فوطأ بهذه ~~الجملة إلى ذكر القصة مشيرا إليها بهذه النكتة من باب الوحي والرمز، وإنما ~~كانت أحسن القصص بكون كل قضية منها كانت عاقبتها إلى خير، فإن أولها رميه ~~في الجب، فكانت عاقبته السلامة، وبيع ليكون عبدا فاتخذ ولدا، ومراودة امرأة ~~العزيز له فعصمه الله، ودخوله السجن، وخروجه ملكا، وظفر إخوته به أولا، ~~وظفر بهم آخرا، وتطلعه إلى أخيه بنيامين، واجتماعه به، وعمى ms171 أبيه، ورد ~~بصره، وفراقه له، ولأخيه، واجتماعه بهما، وسجود أبويه وإخوته له تحقيقا ~~لرؤياه من قبل. # وكقوله تعالى: موطئا للتخلص لذكر مبدأ خلق المسيح عليه السلام: " إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا " الآية. والله أعلم. # ؟باب الحل # وهو أن يعمد الكاتب إلى شعر ليحل منه عقد الوزن فيصيره منثورا، كما روى ~~عن إبراهيم بن العباس الصولي أنه قال: ما اتكلت قط في مكاتباتي إلا على ما ~~يجلبه خاطري، ويجيش به صدري، إلا قولي: " فأبدلوه آجالا من آمال " فإني ~~حللت قول مسلم بن الوليد بسيط # موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل # وقولي: وقد صار ما يحرزهم يبرزهم، وما يعقلهم يعتقلهم، فإني حللت فيه قول ~~أبي تمام طويل: # فإن باشر الإصحار فالبيض والقنا ... قراه، وأحواض المنايا مناهله # وإن يبن حيطانا عليه فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقله # والبيت الثاني أردت. # ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات " فإن ذلك حل قول امرئ القيس " رمل " : # وقدور راسيات ... وجفان كالجواب # على أن بعض الرواة ذكر أنه وضعه بعض الزنادقة، وتكلم على الآية الكريمة، ~~وأن امرأ القيس لم يصح أنه تلفظ به، والله أعلم. # باب العقد # وهو ضد الحل، لأنه عقد النثر شعرا. PageV01P092 ومن شرائطه أن يؤخذ ~~المنثور بجملة لفظه أو بمعظمه، فيزيد فيه، أو ينقص منه، أو يحرف بعض كلماته ~~ليدخل به في وزن من أوزان الشعر، ومتى أخذ معنى المنثور دون لفظه كان ذلك ~~نوعا من أنواع السرقات بحسب الآخذ الذي يوجب استحقاق الأخذ للمأخوذ، ولا ~~يسمى عقدا إلا إذا أخذ المنثور برمته، وإن غير منه بطريق من الطرق التي ~~قدمناها كان المبقى منه أكثر من المغير بحيث يعرف من البقية صورة الجميع، ~~كما فعل أبو تمام في كلام عزى به علي عليه السلام الأشعث بن قيس في ولده، ~~فعقده أبو تمام شعرا فقال طويل: # وقال علي في التعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم # أتصبر للبلوى عزاء ms172 وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم # ومنه قول أبي العتاهية سريع: # ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر # فإنه عمد إلى قول علي بن أبي طالب عليه السلام: ما ابن آدم والفخر، وإنما ~~أوله نطفة وآخره جيفة، فقعده شعرا. # وكقوله، أعني أبا العتاهية وافر: # كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديا # وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا # فإنه عقد قول بعض الحكماء في الإسكندر حين مات: إن كان الملك أمس أنطق ~~منه اليوم، فهو اليوم أوعظ منه أمس، والله أعلم. # باب التعليق # وهو أن يأتي المتكلم بمعنى في غرض من أغراض الشعر، ثم يعلق به معنى آخر ~~من ذلك الغرض يقتضى زيادة معنى من معاني ذلك الفن، كمن يروم مدحا لإنسان ~~بالكرم فيعلق بالكرم شيئا يدل على الشجاعة، بحيث لو أراد أن يخلص ذكر ~~الشجاعة من الكرم لما قدر. ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " أذلة ~~على المؤمنين أعزة على الكافرين " فإنه سبحانه لو اقتصر على وصفهم بالذل ~~على المؤمنين، لاحتمل أن يتوهم ضعيف الفهم أن ذلهم عن عجز وضعف، فنفى ذلك ~~عنهم، وكمل المدح له بذكر عزهم على الكافرين، ليعلم أن ذلهم للمؤمنين عن ~~تواضع لله سبحانه، لا عن ضعف ولا عجز بلفظ اقتضت البلاغة الإتيان به، ليتمم ~~بديع اللفظ كما تمم المدح، فحصل في هذه الألفاظ الاحتراس مدمجا في ~~المطابقة، وذلك تبع للتعليق الذي هو المطلوب من الكلام. # ومن أمثلة التعليق قول المتنبي طويل: # إلى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام # فعلق الكرم بالشجاعة لكونه شبه رسل العدو بالملام في الهبة، فهو كثير ما ~~يردهم عما يطلبون منه تهاونا بمرسلهم، وشجاعة عليهم، وتسرعا إلى حربهم، ~~ورغبة في ما دون سلمهم، ثم حصل من التشبيه الذي علق به الكرم بالشجاعة وصفه ~~بغاية الكرم، إذ دل على أنه عاشق في الجود، ولا يسمع فيه ملاما، ولا يصغي ~~إلى عاذل، وقد يعلق المتكلم فنا من فنون الكلام بمعنى ms173 من معاني البديع، وما ~~سمعت في ذلك أحلى من قول بعض العراقيين في بعض القضاة، وقد شهد عنده برؤية ~~هلال الفطر، فلم يجز الشهادة " رمل مجزؤ " : # أترى القاضي أعمى ... أم تراه يتعامى # سرق العيد كأن ال؟ ... عيد أموال اليتامى # فعلق خيانة القاضي في أموال اليتامى بما قدمه من خيانته في أمر العيد ~~برابطة التشبيه. # ومن مليح التعليق قول المتنبي في صفة الليل، وهو من الصنف الأول من ~~التعليق وافر: # أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد به على الدهر الذنوبا # فإنه علق فن عتاب الزمان بفن الغزل اللازم من فن الوصف بواسطة أداة ~~التشبيه، فعلق الافتنان بالتشبيه، فأحسن ما شاء. # ومن أحسن ما سمعت في التعليق قول أبي نواس، وهو من الصنف الثاني من ~~التعليق " مجزوء الوافر " : # لهم في بيتهم نسب ... وفي وسط الملا نسب # لقد زنوا عجوزهم ... ولو زنيتها غضبوا # فإنه علق هجاءهم بفجور أمهم بدعونهم في النسب، فكان في ذلك هجاء أبيهم، ~~لكونهم لم يرضوا نسبتهم إليه، فكأن الشاعر رأى هجاءهم بفجور أمهم دون ~~هجائهم بدناءة أبيهم ناقصا، فيتم ما أراد من هجائهم بما قال، وظرف ما شاء ~~بقوله: " ولو زنيتها غضبوا " . # ومثله قوله أيضا إلا أن فيه زيادة على كل ما قدمنا لكونه يجمع صنفي ~~التعليق. # أما التعليق الأول فلأنه علق على التهكم بالهجاء، ولم يقتصر على الهجاء. ~~PageV01P093 وأما الثاني فكونه علق الافتنان الذي هو الهجاء والفخر على ما ~~بينه بمعنى التشبيه والإدماج وافر: # فأعرض هيثم لما رآني ... كأني قد هجوت الأدعياء # وقد آليت لا أهجو دعيا ... ولو بلغت مروءته السماء # ومن لطيف تهكمه في هذا البيت قوله: # ولو بلغت مروءته السماء # وقد أدمج الافتنان في التهكم لأن معناه أني لا أهجو إلا من بلغت مروءته ~~الغاية القصوى. # وكذلك قصد الشعراء وعقلاء البلغاء، يتخيرون لهجائهم كما يتخيرون لمديحهم. # وقد وقع لي في هذا الباب من المدح ما لا بأس بذكره، وهو الصنف الأول من ~~التعليق طويل: # تخيل أن القرن وافاه سائلا ... فقابله طلق الأسرة ذا بشرا # ونادى فرند السيف ms174 دونك نحره ... فأحسن ما تهدي اللآلي إلى النحر # فإني علقت ذكر الكرم بذكر الشجاعة، حيث وصفت الممدوح بطلاقته وتهلله ~~استبشارا بالقرن لما تخيله سائلا، واهدائه فرند السيف وهو جوهره إلى نحره ~~لما تخيل الفرند لآلئا، هذا إلى ما وقع في البيت الثاني من التورية بذكر ~~النحر، والترشيح بذكر اللآلي. # ومن التعليق العجيب قولي أيضا مما علقت فيه الاستعطاف بالعتب بطريق ~~الإدماج طويل: # ؟أإخواننا بالله ما لجفائكم ... غدا لي بعد السلم وهو مصالت # أحين أمنتم من ملامي وأيقنت ... نفوسكم أني مدى الدهر ساكت # تخليتم عني وخنتم مواثقا ... لها بعد توكيد العهود تهافت # وأقررتم عين الحسود عليكم ... فسرت نفوس بالبعاد شوامت # سأصبر حتى ينفد الصبر كله ... وينطق حالي والقوافي صوامت # وأعطفكم بالشعر ما ذر شارق ... وأخلبكم بالنثر ما عج قانت # وأعذر إن عرضت يوما بعتبكم ... ليحيا وداد بالتجنب مائت # وهأنا موصيكم وصية ناصح ... لكم وده عند الحفيظة ثابت # بأن تتحاموا من فوات بوادري ... فإن بعيدا رد ما هو فائت # وأن تهدموا ما قد بنيتم وتعطشوا ... من الود غرسا قد غدا وهو نابت # ومن التعليق فرع يسمى تعليق الشرط، وهو أن يعلق المتكلم مقصوده على شرط ~~يلزم من تعليقه مبالغة في ذلك المعنى، أو نوعا من المحاسن زائدا على وقوع ~~المشروط لوقوع الشرط، وذلك كقول أبي تمام طويل: # فإن أنا لم يحمدك عني صاغرا ... عدوك فاعلم أنني غير حامد # فعلق صحة حمده لممدوحه على حمد عوده صاغرا إن لم يحمد الممدوح عدوه صاغرا ~~لا يكون الشاعر له حامدا. وقد استقصيت الكلام على هذا البيت في باب ~~المقارنة والفرق بين التعليق التكميل شدة ملاحمة الفنين في التعليق، ~~واتحادهما، وإن وجد لفظيهما فيه وتخليص أحدهما من الآخر في التكميل، ولأن ~~من التعليق تعليق الشرط، ومنه تعليق الفنون بالمعاني، والله أعلم. # باب الإدماج # وهو أن يدمج المتكلم غرضا له في ضمن معنى قد نحاه من جملة المعاني ليوهم ~~السامع أنه لم يقصده، وإنما عرض في كلامه لتتمة معناه الذي قصد إليه، كقول ~~عبيد الله بن عبد ms175 الله لعبد الله بن سليمان بن وهيب حين وزر للمعتضد، وكان ~~ابن عبيد الله قد اختلت حاله، فكتب لابن سليمان طويل: # أبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم # فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم # فأدمج شكوى الزمان، وشرح ما هو عليه من الاختلال في ضمن التهنئة وتلطف في ~~المسألة، ودقق التحليل لبلوغ الغرض، مع صيانة نفسه عن التصريح بالسؤال، ~~وحمايته من الإذلال، لا جرم أن ابن سليمان فطن لذلك ووصله واستعمله. # ومن لطيف الإدماج قول ابن نباتة السعدي طويل: # ولا بد لي من جهلة في وصاله ... فمن لي بخل أودع الحلم عنده PageV01P094 ~~فإنه أدمج الفخر في الغزل حين جعل حلمه لا يفارقه بتة، ولا ترغب نفسه عنه ~~جملة، وإنما عزم على أن يودعه، إذ كان لا بد له من وصل هذا المحبوب، لأن ~~الوادائع تستعاد، ثم استفهم عن الخل الصالح أن يستودع الحلم بلفظ يشعر ~~بالاستبعاد والتعذر، فيكون مفهوم الخطاب بقيا حلمه لعدم من يصلح لأن يودعه ~~عنده وأدمج الفخر في الغزل من جهة تصريحه بذكر الحلم، ورشح بالإدماج الطباق ~~بين الحلم والجهل، ثم أدمج فيهما شكوى الزمان لتغير الإخوان بحيث إنهم لم ~~يبق منهم من يستصلح لمثل هذا الشأن في الإشارة. # ومثل هذا الإدماج ما وقع لبعض الأندلسيين في قوله وافر: # أأرضى أن تصاحبني بغيضا ... مجاملة وتحملني ثقيلا # وحقك لا رضيت بذا لأني ... جعلت وحقك القسم الجليلا # والبيت الثاني أردت، لأنه أدمج فيه الغزل في العتاب من الفنون، والمبالغة ~~في القسم من البديع. # ومن شواهد الإدماج في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وله الحمد في الأولى ~~والآخرة " فإن هذه الجملة أدمج فيها المبالغة في الحمد في ضمن المطابقة، إذ ~~أفرد نفسه سبحانه بالحمد حيث لا يحمد سواه، إذ قال: وهو أعلم: " وله الحمد ~~في الأولى والآخرة " . # والفرق بين التعليق والإدماج أن التعليق يصرح فيه بالمعنيين المقصودين ~~على شدة اتحادهما، والإدماج يصرح فيه بمعنى غير مقصود قد أدمج فيه المعنى ~~المقصود، والله أعلم. # باب الإزدواج ms176 # وهو أن يأتي الشاعر في بيته من أوله إلى آخره بجمل: كل جملة فيها كلمتان ~~مزدوجتان، كل كلمة إما مفردة أو جملة. وأكثر ما يقع هذا النوع في أسماء ~~مثناة مضافة كقول أبي تمام متقارب: # وكانا جميعا شريكي عنان ... رضيعى لبان، خليلى صفاء # ومن الازدواج نوع يؤتى فيه بكلمتين صورتهما واحدة، ومفهومهما واحد، كقول ~~ابن الرومي: مجزوء الكامل: # أبدانهن وما لبس؟ ... ن من الحرير معا حرير # أردانهن وما مسس؟ ... ن من العبير معا عبير # وكقول بعض العرب بسيط # ومطعم النصر يوم النصر مطعمه ... أني توجه والمحروم محروم # فقوله: ومطعم النصر مطعمه، والمحروم محروم، ازدواج، والفرق بينه وبين ~~التجنيس المماثل اختلاف معنى الكلمتين في التجنيس واتفاقهما في الازدواج، ~~على أن الرماني قد عد الازدواج تجنيسا، وذكر منه قوله تعالى: " فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه " وأفرده غير الرماني بابا، واستشهد عليه بالبيت الثاني ~~من شواهد هذا الباب وأمثاله بغير ذلك، والله أعلم. # باب الاتساع # وهو أن يأتي الشاعر ببيت يتسع فيه التأويل على قدر قوي الناظر فيه، وبحسب ~~ما تحتمل ألفاظه، كقول امرئ القيس طويل: # إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل # فإن هذا البيت اتسع النقاد في تأويله، فمن قائل تضوع مثل المسك منهما ~~نسيم الصبا، ومن قائل تضوع نسيم الصبا منهما، ومن قائل تضوع المسك منهما ~~تضوع نسيم الصبا، وهذا هو الوجه عندي، ومن قائل تضوع المسك منهما بفتح ~~الميم يعني الجلد بنسيم الصبا. # وكقوله في صفة الفرس طويل: # مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل # لأن الحجر يطلب جهة السفل لكونها مركزه، إذ كل شيء يطلب مركزه بطبعه الذي ~~جبل عليه، فالحجر يسرع انحطاطه إلى السفل من العلو من غير واسطة، فكيف إذا ~~أعانته قوة دفاع السيل من عل، فهو حال تدحرجه يرى وجهه في الآن الذي يرى ~~فيه ظهره لسرعة تقلبه، وبالعكس، ولهذا قال الشاعر، مقبل مدبر معا يعني يكون ~~إدباره وإقباله مجتمعين في المعية، ولا يعقل الفرق بينهما، وحاصل الكلام ms177 ~~وصف الفرس بلين الرأس، وسرعة الانحراف، وشدة العدو، لكونه قال في صدر البيت ~~إنه حسن الصورة، كامل النصبة في حالتي إقباله وإدباره، وكره وفره، ثم شبهه ~~في عجز البيت بجلمود صخر حطه السيل من العلو لشدة العدو، فهو في الحالة ~~التي يرى فيها لبته يرى فيها كلفه وبالعكس. # هذا ولم تخطر هذه المعاني بخاطر الشاعر في وقت العمل. PageV01P095 وإنما ~~الكلام إذا كان قويا من مثل هذا الفحل احتمل لقوته وجوها من التأويل بحسب ~~ما تحتمل ألفاظه، وعلى مقدار قوى المتكلمين فيه، ولذلك قال الأصمعي: خير ~~الشعر ما أعطاك معناه بعد مطاولة، وقد غلط بعض الناس في تفسير هذا الكلام، ~~وغلط الأصمعي فيه لسوء تفسيره، لأنه توهم أن الأصمعي أراد الشعر الذي ركب ~~من وحشي الألفاظ، أو وقع فيه من تعقيد التركيب ما أوجب له غموض معناه، ولو ~~كان كذلك كان ذلك شرا للشعر، وإنما أراد الأصمعي الشعر القوي الذي يحتمل مع ~~فصاحته، وكثرة استعماله ألفاظه، وسهولة تركيبه، وجودة سبكه معاني شتى يحتاج ~~الناظر فيه إلى تأويلات عدة، وترجيح ما يترجح منها بالدليل وجميع فواتح ~~السور المعجمة من هذا الباب، فإن العلماء قد اتسعوا في تأويلها اتساعا ~~كبيرا، وإن ترجح من جميع أقوالهم كونها أسماء للسور، ثم اختلفوا في إعراب ~~ما يتأتى فيه الإعراب منها، فبعضهم يرى فيه الحكاية، كما يرى ذلك في صاد، ~~وقاف، ونون، فإن هذه الأسماء محكية ليس إلا، وبعضهم يرى الإعراب في المجموع ~~خاصة، وينشد قول شريح بن أوفى العبسي قاتل محمد بن طلحة السجاد طويل: # يناشدني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم # وأما ما جاء من باب الاتساع في غير الفواتح فقوله تعالى: " وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم " الآية فإن لفظها محتمل تأويلات ~~شتى، فإن ظاهر الآية يقتضي إباحة الجمع بين تسع، ثم قوله بعد: " رباع " . " ~~فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " ومن لم يعدل في الأربع جاز أن يعدل في ~~الثلاث، فلم نزل إلى الواحدة؟ وهذه الظواهر مفتقرة إلى ms178 تأويلات تميط عنها ~~هذه الإشكالات. والله أعلم. # باب المجاز # المجاز عبارة عن تجوز الحقيقة، بحيث يأتي المتكلم لاسم موضوع لمعنى ~~فيختصره إما بأن يجعله مفردا بعد أن كان مركبا، أو غير ذلك من وجوه ~~الاختصار، أو يذكر ما هو متعلق به، أو كان من سببه لفائدة. # والمجاز جنس يشتمل على أنواع كثيرة، كالاستعارة والمبالغة والإشارة، ~~والإرداف، والتمثيل، والتشبيه، وغير ذلك مما عدل فيه عن الحقيقة الموضوعة ~~للمعنى المراد، فهذه الأنواع وإن كانت من المجاز فلكونها متعددة جعل لكل ~~منها اسم يعرف به، ويميزه عن غيره من جنسه، كما جعل لأنواع جنس الحيوان من ~~الأسماء التي تعرف أنواعها بالفصول، كالفرس، والجمل، والطائر، والإنسان ~~وغير ذلك من قسمي الناطق والبهيم، وقد خص النقاد نوعا من أنواع المجاز ~~بإبقاء اسم المجاز عليه، وهو أقسام: منها: حذف الموصوف وإبقاء الصفة تدل ~~عليه، كقوله تعالى: " هو الذي أرسل رسوله " فإن المراد هو الذي أرسل محمدا ~~رسوله، وحذف الفاعل الذي فعله المستند إليه دال عليه كقوله تعالى: " حتى ~~توارت بالحجاب " . # ومنها حذف الأجوبة كقوله تعالى في حذف جواب لو: " ولو أن قرآنا سيرت به ~~الجبال " الآية. # ومنها الإتيان بجواب عن سؤال مقدر لدلالة الجواب عليه كقوله سبحان. " قيل ~~ادخل الجنة " فإن المعنى كأن قائلا قال: فما كانت عاقبة هذا الذي نصر الحق ~~وبذل نفسه في ذات الله، فيقال: قيل له: ادخل الجنة. # ومنها الاسم المضاف الذي حذف المضاف منه، وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله ~~تعالى: " وأشربوا في قلوبهم العجل " أي حب العجل، وقوله تعالى: " ويا سماء ~~أقلعي " أي ويا مطر السماء، أو يا سحاب السماء، أو يا سحاب لكونه بالنسبة ~~للمخاطب عاليا، وكل ما علا الإنسان من سقف وسحاب وغيره يسمى سماء، وقد ~~تجاوزت العرب حذف المضاف إلى حذف مضاف ثان بعد حذف المضاف الأول، كقول جرير ~~وافر: # إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # فقوله: إذا نزل السماء، يريد مطر السماء، وهذا القسم الأول من المجاز، ~~وقوله: رعيناه يريد رعينا ما ينبته مطر ms179 السماء، وهذا القسم الثاني من ~~المجاز، وإنما اتفقوا على اسم المجاز على هذا القسم لخلوه من معنى زائد عن ~~تجوز الحقيقة، يليق أن يكون تسميته من جنسه، كالاستعارة، والتشبيه، ~~والمبالغة، والإرداف، والإشارة وغير ذلك، فلما لم يكن في هذا القسم غير ~~تجوز الحقيقة اختصار أفرد باسم المجاز، إذ لا يليق به غيره، والمراد بذلك ~~الاختصار. # باب الإيجاز PageV01P096 الإيجاز اختصار بعض ألفاظ المعاني ليأتي الكلام ~~وجيزا من غير حذف لبعض الاسم، ولا عدول عن لفظ المعنى الذي وضع له، فإن ~~الاختصار أن نحذف بعض الاسم كما قدمناه، فهو مجاز، وإن كان بتغير لفظ ~~المعنى بوجه من وجوه التغير كان من أنواع المجاز التي قدمنا ذكر بعضها، ~~كالاستعارة، والإشارة، والإرداف وغير ذلك. # ومثاله أن يقتص المتكلم قصة بحيث لا يغدر منها شيئا، في ألفاظ قليلة ~~موجزة جدا، بحيث لو اقتصها غيره ممن لم يكن في مثل طبقته من البلاغة، أتى ~~بها في أكثر من تلك الألفاظ، وأكثر قصص الكتاب العزيز من هذا القبيل، كقصة ~~موسى عليه السلام في " طه " ، فإن معانيها أتت بألفاظ الحقيقة تامة غير ~~محذوفة، وهي مستوعبة في تلك الألفاظ. # وقد رأيت أكثر العلماء على تقديم الأعشى في اقتصاصه قصة السموءل في أدراع ~~امرئ القيس الشاعر التي أودعها عنده لما قصد قيصر، ووفاء السموءل بها، حتى ~~سلمها لأهل امرئ القيس وبذل دونها دم ولده وهو يشاهده، وهي بسيط # كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار # بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار # إذ سامه خطتي خسف فقال له ... مهما تقول فإني سامع حار # فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر فما فيهما حظ لمختار # فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري # إن له خلفا إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير عوار # مالا كثيرا وعرضا غير ذي دنس ... وإخوة مثله ليسوا بأشرار # جروا على أدب مني بلا نزق ... ولا إذا شمرت حرب بأغمار # وسوف يخلفه إن كنت قاتله ... رب كريم ms180 وبيض ذات أطهار # لا سرهن لدينا ضائع هدرا ... وكاتمات إذا استودعن أسرارى # فقال يقدمه إذ قام يقتله ... أشرف سموءل فانظر للدم الجاري # أأقتل ابنك صبرا أو تجئ بها ... طوعا فأنكر هذا أي إنكار # فشد أوداجه والصدر في مضض ... عليه منطويا كاللذع بالنار # واختار أدراعه ألا يسب بها ... ولم يكن عهده فيها بختار # وقال: لا نشتري عارا بمكرمة ... واختار مكرمة الدنيا على العار # والصبر منه قديما شيمة خلق ... فزنده في الوفاء الثاقب الواري # فانظر كيف أغنى الأعشى عن تحفظ القصة بطولها من يريد حفظها بهذه الأبيات ~~التي استوعبها فيها مع ما انطوت عليه ألفاظها التي خرجت كلها مخرج الحقيقة ~~من المدح للسموءل بالوفاء، ولابنه بالصبر على البلاء، والتحريض للممدوح على ~~التخلق بمثل هذا الخلق، ليبقى له مثل هذا الذكر، والاحتراس في البيت الذي ~~يقول فيه: # أأقتل ابنك صبرا أو تجئ بها # فإنه لما أضمر فيه ذكر الأدراع، فطن إلى أن البيت مفتقر إلى شرح إن لم ~~يؤت به يتوقف السامع في فهمه، فاحترس عن ذلك بقوله: # واختار أدراعه ألا يسب بها # ليوضح أن الضمير في البيت الذي قبله يعود على الأدراع، فتلافى في ذلك ~~الخلل، واستغنى عن الشرح المطول. # وقد ذكر الحاتمي في الحلية بعد هذه الأبيات قول بعض العرب يمدح بني كعب ~~بقوله طويل: # لعمري لنعم الحي حي بني كعب ... إذا نزل الخلخال منزلة القلب # وقال الحاتمي: إذا ريعت ربة الخلخال، فأبدت ساقها للهرب فتكون قد أنزلت ~~الخلخال منزلة القلب في الظهور، لأن عادة المرأة من العرب أن تبدى معصمها ~~وتستر ساقها، ولا عار عليها في ذلك، وحاصل هذا الكلام مدح الحي بالمحاماة، ~~وشدة البأس عند الخوف. # وقد قيل فيه غير ذلك، وهو أن المرأة من الروعة تذهل فتلبس الخلخال موضع ~~القلب دهشا وحيرة، والمرجع في التفسيرين إلى مقصد واحد. PageV01P097 وعندي ~~أن هذا البيت لا يصلح أن يكون من شواهد الإيجاز، لأن حقيقة الإيجاز إخراج ~~المعاني في قوالب ألفاظها الحقيقة الموضوعة لها، فإن الإيجاز إيجازان: ~~إيجاز مجازى، وإيجاز حقيقي، فما ms181 كان منه حقيقيا بقي عليه اسم الإيجاز، وما ~~كان مجازيا وضعوا لكل قسم منه اسما يخصه ويناسب اشتقاقه، فإن المجاز إيجاز، ~~وهو حذف بعض الكلام لدلالة الباقي عليه، أو للاستغناء بالقرينة، كقوله ~~تعالى: " واسئل القرية " والإشارة والإرداف والتمثيل إيجاز، لكن هذه ~~الأبواب تجيء بغير ألفاظ المعاني الموضوعة لها، وقول هذا الشاعر: # إذا نزل الخلخال منزلة القلب # وهو يريد إذا ارتاعت فلبست خلخالها في معصمها، أو ذهلت للخوف عن تخفرها، ~~معلوم أنه غير لفظ المعنى الخاص، وهذا بالإشارة أولى، فإن شئت جعلته من ~~شواهد الإشارة، ومن شواهد الاتساع، أو منهما، ثم ذكر أعني الحاتمي بيتي ~~لبيد، وهما " رمل " : # وبنو الديان أعداء للا ... وعلى ألسنهم ذلت نعم # زينت أحسابهم أنسابهم ... وكذاك الحلم زين للكرم # ولفظ البيت الأول لفظ الأرداف، فلا يصلح أن يكون من شواهد الإيجاز، لأنه ~~أراد أن يقول: بنو الديان أجواد، فعدل عن هذا اللفظ إلى لفظ هو ردفه، وهو ~~ذكر معاداتهم للا ليبالغ في وصفهم بالجود، والبيت الثاني جاء بلفظ الإشارة، ~~إذ التزيين يكون بضروب من المحاسن، فإن قيل: إذا كان المجاز نوعا من ~~الإيجاز جاز أن يسمى كل صنف من ذلك النوع إيجازا. # قلت للتسميات علامات تعرف بها المسميات، ومن سمى النوع باسم الجنس فهو ~~غير معرف لذلك النوع، فإنك لو قلت في حد الإنسان: هو حيوان، من غير ذكر ~~الفصل لكنت غير معرف لحقيقته، لكونك لم تأت إلا بالقدر القدر المميز، ولما ~~كان من الإيجاز ما يدل على المعنى بلفظ المعنى بلفظ الموضوع له، ومنه ما ~~يدل على المعنى بلفظ هو ردف لفظه تارة، وبلفظ هو مثل لفظه، أو به، وبلفظ ~~مستعار من لفظه حينا والحقيقة أصل، والمجاز فرع، والإيجاز أصل نفي الاسم ~~الأصلي على الكلام الذي دل لفظه على معناه بظاهره، وسمى ما دل على معناه ~~بالتأويل بأسماء مجازية، إذ كانت مسمياتها مجازية. # ومن أمثلة الإيجاز قول النابغة الذبياني في اقتصاصه قصة الزرقاء. للنعمان ~~بسيط # فاحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع واردي الثمد ms182 # يحفه جانبا نيق وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد # قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد # فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم ينقص ولم يزد # وكملت مائة منها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد # فإن النابغة سرد هذه القصة بألفاظ الحقيقة عرية عن الحشو الخشن والمعيب، ~~ولم يغادر منها شيئا، ويروى البيت الأول سراع بسين مهملة، وهو أبلغ في وصف ~~نظر الزرقاء، ويدل على صحة هذه الرواية أن قوله: واردى الثمد يغني عن قوله: ~~شراع بشين معجمة فلم يبق الإسراع بسين مهملة لما يدل عليه من المبالغة في ~~حدة نظر الزرقاء بدليل قوله بعد هذا البيت: وأسرعت حسبة. # فإن قيل: فما الفرق إذا بين الإيجاز والمساواة؟ قلت: المساواة لا تكون ~~إلا في المعنى المفرد يعبر عنه بلفظ مساو له لا يزيد عليه ولا يقصر عنه، ~~والإيجاز يكون في ذكر القصص والأخبار التي تضمنت معاني شتى متعددة، وخلاصة ~~ذلك أن المساواة في معاني الجمل التي تتركب منها الأبيات والفصول، والإيجاز ~~في الأبيات والفصول. # ومن الإيجاز نوع يختصر فيه بعض اللفظ ويؤتى بلفظ الحقيقة كقوله سبحانه: " ~~والذين تبوءوا الدار والإيمان " فإن تقديره تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان، ~~كما تقول: " رجز " : # علفتها تبنا وماء باردا # وكما قال الشاعر كامل مجزوء: # ورأيت زوجك في الوغى ... متقلد سيفا ورمحا PageV01P098 أي ومعتقلا رمحا ~~ومن إيجاز الكتاب العزيز قوله سبحانه وتعالى: " إن الله يأمر العدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون " فإنه عز وجل أمر في أول الآية بكل معروف، ونهى بعد ذلك عن كل منكر ~~ووعظ في آخرها أبلغ موعظة وذكر ألطف تذكير بألفاظ اتفق فيها ضروب من ~~المحاسن مع كونها ألفاظ الحقيقة، وهي صحة الأقسام، لأنها استوعبت جميع ~~أقسام أجناس المعروف والمنكر، والطباقين اللفظي والمعنوي وحسن النسق ~~والتسهيم، وحسن البيان، والإيجاز، وائتلاف لفظ الكلام مع معناه، والمساواة، ~~وصحة المقابلة، وتمكين الفاصلة، فأما استيعاب الأقسام فلأنه سبحانه أمر ~~بالعدل، وهو معاملة المكلف نفسه وغيره بالإنصاف، ثم ms183 أمر بعد العدل ~~بالإحسان، وهو اسم عام يدخل تحته التفضل بعد العدل، وقدم ذكر العدل لأن ~~العدل واجب، وتلاه بالإحسان لأن الإحسان مندوب، ليقع وضع الكلام على أحسن ~~ترتيب، وخص ذا القربى بالذكر بعد دخوله في عموم من أمره بمعاملته بالعدل ~~والإحسان لبيان فضل ذي القربى وفضل الثواب عليه، ونهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي بصيغة تعريف الجنس ليستغرق كل ما يجب أن ينهى عنه، كما استغرق كل ما ~~يجب أن يؤمر به، والمطابقة اللفظية في قوله تعالى: " يأمر " " وينهي " ، ~~والمعنوية في قوله سبحانه " بالعدل والإحسان " وإيتاء ذي القربى وقوله " ~~الفحشاء والمنكر والبغي " فإن الثلاثة الأخر أضداد الثلاثة الأول، لأن ~~الأول من الفعل الحسن، والآخر من الفعل القبيح، فطابق بين الحسن والقبح ~~مطابقة معنوية. # وحسن التنسيق في ترتيب عطف بعض الجمل على بعض كما ينبغي، حيث قدم العدل ~~وعطف عليه الإحسان الذي هو جنس عام، وخص منه نوعا خاصا، وهو إيتاء ذي ~~القربى، وعطفه عليه، ثم أتى بالأمر مقدما، وعطف عليه النهي ثانيا، ثن رتب ~~جمل المنهيات كما رتب جمل المأمورات في العطف، بحيث لم يتأخر في الكلام ما ~~يجب تقديمه ولم يتقدم في ما يجب تأخيره. # وأما التسهيم فهو أن صدر الآية يدل على عجزها كما يدل صدر البيت المسهم ~~على عجزه. # وأما حسن البيان فلأن لفظ الآية لا يتوقف في فهم معناه أحد إذ سلم من ~~التعقيد في نظمه، فقد دل على معناه دلالة واضحة بأقرب الطرق، واستوى في ~~فهمه الذكي والبليد، والقريب من هذه الصناعة والبعيد. # وأما الإيجاز فهو دلالة الألفاظ القليلة الحقيقية على المعاني الكثيرة من ~~غير إشارة ولا إرداف ولا حذف. # وأما ائتلاف لفظ الكلام مع معناه، فلأن كل لفظة لا يصلح مكانها غيرها. # وأما المساواة فلأن ألفاظ الكلام قوالب لمعانيه، لا تزيد عليها، ولا تقصر ~~عنها. # وأما صحة المقابلة فلأن النهي قابل الأمر، والمنهيات قابلت المأمورات مع ~~مراعاة الترتيب. # وأما تمكن الفاصلة فلأن مقطع الآية مستقر في مكانه، مطمئن في موضعه ~~ومعناه متعلق بما قبله ms184 إلى أول الكلام، لأنه لا تحسن الموعظة إلا بعد الأمر ~~والنهي، فإن الوعد والوعيد لا يقعان إلا بعد امتثال الأمر أو مخالفته ~~والتذكرة بعد الموعظة. # ومن إيجاز الكتاب العزيز أيضا قوله: " ولكم في القصاص حياة " لأنه قد ~~أجمع النقاد على أن أبلغ كلام قيل في هذا المعنى قول القائل: " القتل أنفى ~~للقتل " وإذا نظرت بين هذا الكلام وبين لفظ القرآن وجدت هذا الكلام ليس فيه ~~من ضروب البديع سوى الإيجاز، مع كونه لم يخل من عيب، ووجدت لفظ القرآن قد ~~جمع الآجام والإيضاح والإشارة والكناية والطباق وحسن البيان والإبداع، وسلم ~~من العيب الذي جاء في ذلك الكلام. # فأما الإيجاز فلأن اللفظ المماثل من لفظ القرآن للأول هو قوله تعالى: " ~~القصاص حياة " وهو عشرة أحرف، والأول أربعة عشر حرفا، وأما الإيضاح فإن ~~لفظة القصاص أوضحت المعنى المراد، إذ هو قتل مقيد، لا قتل مطلق، وأما ~~الإشارة، ففي قوله سبحانه: " حياة " فإن هذه اللفظة أشارت إلى أن القتل ~~الذي أوجبه العدل يكف القتل الذي يأتي به العدوان، وفي ذلك حياة الأحياء. # والكناية في قوله تعالى: القصاص فإنه كنى بهذه اللفظة عن الموت المستحق ~~الذي يوجبه العدل. PageV01P099 وأما الطباق ففي قوله " القصاص حياة " لأن ~~القصاص الموت، فكأنه سبحانه قال: الموت حياة، وهذا طباق معنوي. وأما حسن ~~البيان، فكون المخاطب فهم المراد من هذا النظم من غير توقف، وأما الإبداع ~~فلأن في كل لفظة من هذا الكلام عدة من المحاسن، وأما السلامة من العيوب ~~بالنسبة فلأن الكلام خلا عن التكرار الذي وقع في الكلام الأول، فإن قيل لا ~~يعد التكرار الذي وقع في قول القائل: " القتل أنفى للقتل " عيبا لاختلاف ~~المعنى قلت: لكن اللفظ إذا اختلف معناه واتحدت صيغته اتحادا لا يعد تحسينا ~~وكان الكلام به معيبا، فهذا عيب لفظ الكلام الأول الذي سلم منه لفظ القرآن، ~~وأما عيب المعنى فلأن القائل سمى الخاص باسم العام، فإن مطلق القتل صالح ~~للقصاص ولغيره، كما أنه صالح للعدوان ولغيره، وهذه العبارة موجبة للبس ~~المضاد لحسن البيان ms185 الذي هو خارج مخرج العدوان ولفظ القرآن مخلص للعدل. # وإذا وصلت في هذا الباب إلى قوله تعالى: " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ~~فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه ~~من المرسلين " فإنه سبحانه أتى في هذه الآية الكريمة بأمرين ونهيين، وخبرين ~~متضمنين بشارتين، في أسهل نظم، وأحسن لفظ، وأوجز عبارة، ولم يخرج الكلام عن ~~الحقيقة في شيء من ذلك. # واعلم أن الإيجاز على ضربين: ضرب بسيط وضرب مختصر، ويكون البسيط مختصرا ~~بالنسبة لغيره، فالبسيط كقصة يوسف عليه السلام من قوله: " نحن نقص عليك ~~أحسن القصص " إلى آخر القصة، والمختصر مثل قوله على لسان يوسف عليه السلام: ~~" هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ~~وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي " اختصر القصة ~~كلها في هذه الآية، لأنه ذكر أصول الأسباب المستلزمة جميع المسببات التي هي ~~جملة القصة، فإن قوله: " هذا تأويل رؤياي من قبل " اقتصر على ذكر رؤياه ~~التي كانت سبب حسد اخوته حين فعلوا به ما فعلوا، وذكر خروجه من السجن الذي ~~كان سببا في الملك الذي كان سببا في اجتماعه بأبيه واخوته، فكأنه قد اقتص ~~جميع القصة مختصرة لمن يشارك في علمها، فالأولى لعلم تفاصيلها، والثانية ~~لعلم جملها، وهذا أحسن إيجاز وقع في كلام، والله أعلم. # باب سلامة الاختراع من الإتباع # وهو أن يخترع الأول معنى لم يسبق إليه ولم يتبع فيه كقول، عنترة في وصف ~~الذباب كامل: # هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم # وكقول ابن الرقاع في تشبيه قرن الخشف كامل: # تزجى أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها # وكقول ذي الرمة في تشبيه الليل طويل: # وليل كجلباب العروس أدرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد # وكقول النابغة الذبياني في وصف النسور طويل: # تراهن خلف القوم زورا عيونها ... جلوس الشيوخ في مسوك الأرانب # فهذه اختراعات المتقدمين التي سبقوا إليها، ولم يلحقوا ms186 فيها. # وما اختراعات المولدين التي سبق إليها قائلها ولم يتبع فيها قول السيد ~~الحميري في علي عليه السلام بسيط # لكن أبو حسن والله أيده ... قد كان عند اللقا للطعن معتادا # إذا رأى معشرا حربا أنامهم ... إنامة الريح في أبياتها عادا PageV01P100 ~~قال الحاتمي بعد إيراد هذين البيتين في هذا الباب: لم يسبق السيد إلى هذا ~~المعنى، ولم يتبع فيه، فإنا ما سمعنا من شبه إنسانا بالريح غيره، وهذا وهم ~~من الحاتمي لأن هذا المعنى لعبد الله بن العباس رضي الله عنه في الحديث ~~الصحيح الذي وصف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجود في كل زمان، ~~وخصوصا في شهر رمضان حيث قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود ~~الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، كان كالريح المرسلة " فغاية ما ~~فعله السيد أنه نقل المعنى من الوصف بالجود إلى الوصف بالشجاعة، وإلا فنفس ~~المعنى في الموضعين تشبيه الإنسان بالريح، غير أن السيد أخذ المعنى نثرا، ~~فعقده بالوزن شعرا فله هذه الفضيلة لا فضيلة الاختراع، وعلى هذا يكون باب ~~حسن الإتباع أحق بهذا الشعر من باب سلامة الاختراع، ومن الجب كيف ذهب ذلك ~~على الحاتمي مع تقدمه في الأدب وحذقه بالنقد هذا على أننا جعلنا تشبيه ~~الحميري نفس الإمام علي رضي الله عنه بالريح مجازا، والحقيقة في ذلك غير ~~هذا، لأن لفظ البيت يدل على أنه شبه بإنامة الإمام محاربيه بإنامة الرياح ~~عادا، فالشاعر إنما شبه إنامة بإنامة، لأنفس المنيم بنفس الريح، ومن ~~اختراعات المحدثين قول ابن الرومي في تشبيه الرقاقة حين يبسطها الخباز في ~~القطعة المشهورة التي أولها بسيط # لا أنس ما أنس خبازا مررت به ... يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر # إلى قوله: # إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمي فيه بالحجر # وإذا وصلت إلى قول ابن حجاج في هذا البيت وصلت إلى الغاية التي لا تلحق، ~~حيث يقول في رئيس كان قريبا من قلبه، بعيدا من رفده طويل: # وإني والمولى الذي أنا عبده ... طريفان ms187 في أمر له طرفان # بعيدا تراني منه أقرب ما ترى ... كأني يوم العيد من رمضان # ومتى شئت أن تتلاشى في هذه المعاني عندك قديمها وحديثها فتدبر ما جاء من ~~هذا الباب في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: " إن الذين تدعون من دون الله ~~لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ~~ضعف الطالب والمطلوب " فانظر إلى غرابة هذا التمثيل الذي يتضمن هذا الإفراط ~~في المبالغة مع كونه جاريا على الحق خارجا مخرج الصدق، إذا اقتصر فيه على ~~ذكر أضعف المخلوقات وأقلها سلبا لما تسلبه، وتعجيز كل من دون الله سبحانه ~~كائنا من كان عن خلق مثله، ثم نزل بهم في التمثيل عن رتبة الخلق إذ هي مما ~~يعجز عن مثلها كل قادر غير الله عز وجل إلى استنقاذ النزر التفه الذي تسلبه ~~الذباب على ضعفها، لأن الظفر بنفسها أيسر من الظفر بما تسلبه، ولم يسمع مثل ~~هذا التمثيل في بابه لأحد قبل نزول القرآن العزيز، ولم يتناوله متناول كما ~~فعل في أكثر المعاني إلى الآن، ولو تتبع ذلك في الكتاب الكريم لوجد لهذا ~~الموضع أمثال شتى كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " حمى الوطيس " و " ~~مات حتف أنفه " " ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " ، " والسعيد من وعظ بغيره ~~" في أشياء كثيرة مما اخترعه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتبع فيه إلى ~~الآن. # باب حسن الإتباع # وهو أن يأتي المتكلم إلى معنى اخترعه غيره فيحسن إتباعه فيه، بحيث يستحقه ~~بوجه من وجوه الزيادات التي وجب للمتأخر استحقاق معنى المتقدم إما باختصار ~~لفظه، أو قصر وزنه أو عذوبة قافيته وتمكنها، أو تتميم لنقصه، أو تكميل ~~لتمامه، أو تحليته بحلية من البديع يحسن بمثلها النظم، ويوجب الاستحقاق ~~كقول جاهلي في وصف جمل له طويل: # وعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاد شوقي من معاهدها ذكر # وقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب فاصبر، إن عادتك الصبر # فأحسن ابن المعتز ابتاعه في هذا المعنى حيث قال يصف ms188 خبله طويل: # وخيل طواها القود حتى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخط ذبل # صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بنا أيد سراع وأرجل PageV01P101 فإن ~~ابن المعتز عمد إلى معنى البيتين المتقدمين فعمله في صدر بيته الثاني، وذلك ~~أن حاصل قول الجاهلي في بيته: إن هذا الجمل لا ذنب له. وإنما ضربته مرة بعد ~~أخرى لما هيج لي ذكر معاهد هذه المعشوقة من الشوق، فتوهمت أنه بالضرب يخرج ~~عن حد الاستطاعة، ويأتي من السير بما ليس في الطاقة، وأكد كون هذا العود لا ~~ذنب له بقوله في البيت الثاني: # وقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب فاصبر، إن عادتك الصبر # يعني أنك لولا اشتياقي لذلفاء لم تكن محتاجا إلى الضرب جملة، وأكد هذا ~~التأكيد بكونه شهد له أن عادته الصبر فإن قيل: ظاهر قوله: قليل الذنب يدل ~~على ذنب قليل، ولذلك قال عاودت ضربه أي أنه أذنب فضربته بها ثم لما اشتقت ~~عاودت ضربه، فالضرب الأول، استحقاقا، والثاني ظلما. # قلت: لو انفرد البيت الأول من الثاني ساغ هذا التأويل حملا على الظاهر ~~لكنه، مع انضمامه إلى البيت الثاني لا يسوغ، فإنه قال فيه: # وقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب .. ... ... ... ... # وآلة التعريف في الضرب للجنس، لأن ذلفاء هي التي سببت لك الضرب أولا ~~وأخرا، فإنك لولاها ما هاج لي من شوقي لمعاهدها فأذهلني حتى توهمت أن الضرب ~~يخرج بك عن الحد الذي لم تكن محتاجا إليه، ويدل على صحة ذلك شهادته له ~~بالصبر مطلقا في كل حال، إذ الألف واللام فيه للجنس أيضا، وإذا كان صابرا ~~مطلقا دل صبره على شدة السير ومتابعته يجري ذلك الجري، فلا يقع ضربه إلا ~~ظلما، وأما قوله: قليل الذنب، فعلى عادة العرب في استعمال هذه اللفظة، وهي ~~تريد مطلق النفي في قولهم: فلان قليل الخير وهم يريدون نفي الخبر عنه كثيره ~~وقليله، وكل هذا حاصل في قول ابن المعتز " صببنا عليها ظالمين سياطنا " فإن ~~قوله: صببنا هو عين قول العرب " عاودت ضربه " وما دل عليه لفظه ms189 من كون ~~الضرب كان ظلما هو عين قول ابن المعتز: ظالمين بلفظ الإيجاز، فحسن البيان ~~في كلام ابن المعتز بخلاف كلام الأول، لأن دلالة اللفظ في كلام ابن المعتز ~~دلالة مطابقة، ودلالة الأول دلالة التزام، ولم يعوز ابن المعتز من معنى ~~الأول إلا التعليل، فإنه ذكر العلة التي لأجلها ضرب جملة ظلما كما أعوز ~~الأول من معنى ابن المعتز ذكر ثمرة الضرب وفائدته، فإن ابن المعتز لما قال: # صببنا عليها ظالمين سياطنا # قال عقيب ذلك: فطارت، وأدمج في ضمن هذه المبالغة التي هي ثمرة الضرب وصف ~~الخيل بعدوها من موجبات الضرب، وحقق ظلمه لهن أنها لما خرجت من الوحشية إلى ~~الطيرية فقد أحسن ابن المعتز الإتباع غاية الإحسان. # ومن حسن الإتباع اتباع أبي نواس جريرا في قوله " الوافر " : # إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا # حيث قال ونقل المعنى من الفخر إلى المديح: سريع # ليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # فزاد على جرير زيادات: منها أن جريرا أخرج كلامه مخرج الظن حيث قال: حسبت ~~وإن كانت قد تقع بمعنى العلم خرجت المبالغة إلى حد الغلو، وعيب الكلام بما ~~هو أشد من التقصير. # ومنها أن جريرا لم يذكر من العالم سوى نوع الإنسان، وأبو نواس زاد على ~~جرير بما يتضمنه ذكر العالم من الملائكة والجن والأفلاك وكل موجود سوى الله ~~سبحانه، وأخرج كلامه مخرج الإسجال، بثبوت دعواه في هذا الممدوح بتعظيم قدرة ~~الله تعالى على الإتيان بهذا الخارق الذي لا يقدر عليه غيره، واتبع أبا ~~نواس في هذا المعنى الوزير المغربي فقال بسيط # حتى إذا ما أراد الله يسعدني ... رأيته فرأيت الناس في رجل # فإن الوزير أحسن إتباعه لأبي نواس بما وقع له من الزيادات، منها الإيجاز، ~~فإنه عمل معنى عجز بيت أبي نواس في بعض عجز بيته، فنقله من ثمانية عشر حرفا ~~إلى أربعة عشر حرفا، والتعليل في كونه جعل العلة في إسعاده رؤية هذا ~~الممدوح، وجعل ذلك مراد الله سبحانه ليحقق مدحه بتحقيق وقوعه، وإن ms190 كان قد ~~قصر عن أبي نواس في كونه اقتصر من العالم على ذكر الناس، كما فعل جرير، فقد ~~جبر ذلك الوهن بما زاد من المبالغة في المدح فإنه جعل ممدوحه ابتداء سعادته ~~ونقص من اللفظ. على أن ذكر الناس في بيتي جرير والوزير ملائم لذكر جرير بني ~~تميم وذكر الوزير لفظة رجل، ولو لم يكن بيت أبي نواس أخصر وزنا من بيت جرير ~~لكادا يتساويان. PageV01P102 ومن أحسن ما سمعت في حسن الإتباع إتباع منصور ~~الفقيه المصري رحمه الله تعالى عنترة في قوله كامل: # إني أمرؤ من خير عبس منصبا ... شطري، وأحمي سائري بالمنصل # فإن الفقيه قال في شريف سبه وكان شريفا من جهة أبيه دون أمه " مجتث " : # من فاتني بأبيه ... ولم يفتني بأمه # ورام شتمي ظلما ... سكت عن نصف شتمه # فإن هذا الفقيه رحمه الله تعالى أحسن غاية الإحسان من وجوه: أحدها ~~الإيجاز، فإنه عمل معنى عنترة الذي جاء به بيت من تام الكامل، المركب من ~~اثنين وأربعين حرفا في بيت من المجتث مركب من ستة وعشرين حرفا. # والمطابقة المعنوية حيث قال بأبيه وأمه، فإنه طابق في ذلك بين الذكر ~~والأنثى. # هذا وبيته الذي أتى فيه على معنى غيره وزاد ما أبديناه من الزيادة بيت ~~توطئه، كبيت وقع فيه من الإغراب والطرفة ما لم يقع في مثله، وهو قوله: # سكت عن نصف شتمه # ومن هذا الباب قول ابن الرومي طويل: # تخذتكم درعا حصينا لتدفعوا ... نبال العدا عني فكنتم نصالها # وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها # فإن أنتم لم تحفظوا لمودتي ... ذماما فكونوا لا عليها ولا لها # قفوا وقفة المعذور عني بمعزل ... وخلوا نبالي للعدا ونبالها # فاتبعه ابن سنان الخفاجي الحلبي فقال كامل: # أعددتكم لدفاع كل ملمة ... عونا فكنتم عون كل ملمة # وتخذتكم لي جنة فكأنما ... نظر العدو مقاتلي من جنتي # فلأنفضن يدي يأسا منكم ... نفض الأنامل من تراب الميت # وألطف ما قيل في هذا المعنى قول القائل وافر: # وإخوان تخذتهمو دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي # وخلتهم ms191 سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي # وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي # وقد تقدمت هذه الأبيات، وإنما أتيت بها هاهنا ليظهر لطفها بالنسبة إلى ما ~~تقدمها في معناها. # ومن مليح حسن الإتباع ما وقع بي ابن الرومي وبين أبي حية النميري فيما ~~قاله في زينب أخت الحجاج حيث قال طويل: # تضوع مسكا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات # يخمرن أطراف البنان من التقى ... ويبرزن شطر الليل معتجرات # فهن اللواتي إن برزن قتلنني ... وإن غبن قطعن الحشا حسرات # والبيت الأخير أردت، فإن ابن الرومي اتبعه فيه فقال وأتى بمعنى البيت ~~كاملا في نصف بيت: كامل: # ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم # وغير السعيد ابن سناء الملك رحمه الله من وجوه قائلي هذا المعنى قديما ~~وحديثا حيث قال طويل: # إذا هجرتني شيبتني بهجرها ... وإن واصلتني شيبتني بطيبها # ومن محاسن هذا الباب أيضا إتباع المعري أبا عبادة البحتري في قوله كامل: # أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء # صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجب وبر راح وهو جفاء # فقال المعري بسيط # لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر # لأنه استوعب معنى البيتين في صدر بيته، وأخرج العجز مخرج المثل السائر ~~الصحيح، وعوض عما فاته من بديع الألفاظ مثل المطابقة المقابلة بالتجنيس ~~والتمثيل، ففي بيت أبي عابدة من الإغراب والطرفة معنى لم يفت أبا العلاء، ~~فإن كون الصلة بعينها قطيعة، والبر بنفسه جفاء، من الغريب الظريف، ولا جرم ~~أنه أتى بذكر التعجب من ذلك، وكذلك طلب الاختصار من الإنسان، وجعل ما هو من ~~أقوى أسباب الزيادة سببا في قطع الزيادة من الغريب الطريف أيضا، وإذا نظرت ~~إلى ما في بيت المعري من كونه يسد في التمثيل به مسد البيتين مع إيضاح ~~معناه وما فيه من حسن البيان، وكون ما فيه من التجنيس والتصدير ليكون صلة ~~بين المعنى والزيادة، وأسا لقافيته المستجادة، ثبت الفضل لبيت المعري. # ولقد أحسن ms192 البحتري في إتباع الحزين الكناني في قوله بسيط # يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم # فإن البحتري قال بسيط PageV01P103 إن أطرق استوحشت للخوف أفئدة ... ويملأ ~~الأرض من أنس إذا ابتسما # ومن حسن الإتباع اتباع ابن المعتز بشار في قول بشار طويل: # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # فإن ابن المعتز قال: طويل: # إذا شئت أوقرت البلاد حوافرا ... وسارت ورائي هاشم ونزار # وعم السماء النقع حتى كأنه ... دخان وأطراف الرماح شرار # فإن بشارا قال فوق رءوسنا والليل لا يخص رءوسهم لعموم ظلمته الآفاق، وابن ~~المعتز تخلص من هذا الدخل بقوله: وعم السماء النقع دليل على كثرة الجيش ~~وانتشاره، ولذلك قال في بيت التوطئة: أوقرت البلاد حوافرا، وكان مثل هذا ~~لائقا به لمكانه من الملك. # ومن حسن الإتباع إتباعي ابن الرومي في قوله بسيط # سد السداد فمى عما يريبكم ... لكن فم الحال مني غير مسدود # فإني اتبعته في هذا المعنى فقلت كامل: # هبني سكت أما لسان ضرورتي ... أهجى لكل مقصر عن منطقي # فإن بيت ابن الرومي وقع فيه من المحاسن أربعة عشر ضربا، وهي التجنيس في ~~قوله سد السداد، والتفسير في قوله عما يريبكم، والاستدراك في قوله: لكن وما ~~بعدها، والاستعارة في قوله: فم الحال، والتصدير فيما بين القافية وأول ~~البيت، والتمثيل، فإن البيت خرج مخرج المثل، والمساواة، لأن لفظ البيت طبق ~~معناه، والائتلاف، لأن كل لفظة من مفردات ألفاظه لا يصلح مكانها غيرها، ~~والإرداف في قوله: لكن فم الحال، العجز كله: فإنه أراد أن يقول: سوء حالي ~~ينطق بذمكم، فعبر عن المعنى بلفظ هو ردفه حيث قال: # لكن فم الحال مني غير مسدود # فرارا من التصريح بالذم والافتنان لأنه أشار إلى فن الفخر بوصف نفسه ~~بالسداد، والبيت من فن العتاب، والتعليق لأن فن الفخر متعلق بفن العتاب، ~~والإدماج لأن الإشارة فيه مندمجة في التفسير في قوله: عما يريبكم، لأن كل ~~ما يريب لو عدد بلفظه الموضوع له لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة، والتعطف في ذكر ~~الفم ms193 في صدر البيت مع ذكره في عجزه، والتهذيب لمجيء جملة صدره على ترتيب ~~الوضع اللغوي البليغ، من تقديم الفعل على الفاعل، وتقديم الفاعل على ~~المفعول، وتقديم المفعول الذي تعدى الفعل بنفسه إليه على الفعل الذي تعدى ~~إليه بالحرف، وكذلك رتب العجز من تقديم حرف الاستدراك على الجملة ~~الابتدائية، وتقديم المبتدإ على الخبر. # واتفق في بيتي سبعة عشر ضربا من البديع، وهي المطابقة في السكوت النطق، ~~واستعارة اللسان للضرورة، والمبالغة في قولي: أهجى والتكميل في قولي: لكل ~~مقصر، والتفسير في قولي: من منطقي، والتمكين من أجل أن القافية مستقرة في ~~مكانها، والمساواة في كون لفظ البيت طبق معناه، والائتلاف في أن كل لفظة لا ~~يقوم غيرها مقامها، والإيجاز في تفاصيل البيت وجملته بالنسبة إلى البيت ~~الذي قبله، فإن قولي هبني سكت أوجز من قول ابن الرومي: سد السداد فمى، لأن ~~ملخص كلامي سكت، وملخص كلامه: سد فمي. وقولي: لسان ضرورتي، أوجز من قوله فم ~~الحال مني، وقولي: أهجي، أوجز من قوله غير مسدود، فهذا إيجاز تفاصيل البيت، ~~وأما إيجاز جملته فلأن حروف بيتي اثنان وأربعون حرفا، وبيت ابن الرومي خمسة ~~وأربعون حرفا، مع أنهما قد استويا في عدة المتحركات، إذ كل بيت منهما سبعة ~~وعشرون متحركا والانسجام بالنسبة، لأن بيتي جاء عريا عن الكلفة بخلاف بيته، ~~والإيضاح لأن المعنى المراد في ألفاظ بيتي أشد وضوحا من معناه، فإن بيتي لا ~~يفتقر في دلالته على معناه لشيء مقدر بخلاف بيته، ومفردات ألفاظي أشد وضوحا ~~لمعانيها من مفردات بيته، لأن قولي: أهجى، أدل على معنى الهجاء بظاهره من ~~قوله: عما يريبكم، وكلا البيتين المراد به التهديد بصريح الهجاء نطقا دون ~~هيئة، وفي قولي هبني سكت، إشارة إلى أني لا أسكت، ثم قلت على حكم التنزل ~~الجدلي: وهبني سكت أيسكت لسان ضرورتي؟ وفي قول ابن الرومي: # سد السداد فمى عما يريبكم PageV01P104 إسجال على نفسه بالسكوت عن هجوهم، ~~وهذا غير مراده الذي أراده من التهديد، وإذا وضح معنى الكلام هذا الوضوح في ~~لفظ قد انتخبت ms194 مفرداته وحسن تركيبه وسهل فهمه، كان موصوفا بحسن البيان دون ~~غيره، ومنعوتا بالتهذيب دون سواه، وإذا استوى البيتان في المعنى وكان ~~أحدهما أخصر وزنا وأبلغ معنى وكانت محاسنه أكثر، وعرى مما وقع في أخيه من ~~العيوب، كان قائل موصوفا بحسن الإتباع، وبيتي كذلك، لا سيما وقد وقع فيه مع ~~هذا الإبداع، وهو تضمن كل لفظة بديعا أو بديعين، مثل تضمن هبني سكت، ~~الترشيح للاستعارة التي في لسان ضرورتي، وفيها بعدها الضرب الجدلي الذي ~~سماه أهل الصناعة المذهب الكلامي، وفي الضرب تفسير وتمكين، وفي جملة البيت ~~ما تقدم، فحصل في البيت سبعة عشر ضربا من البديع قد تقدم ذكرها مفصلة، ~~وسياقها جملة: المطابقة، المذهب الكلامي، الترشيح، الاستعارة، المبالغة، ~~التكميل، التفسير، التمكين، المساواة، الائتلاف، الإيجاز، الإيضاح، حسن ~~البيان، الإبداع، التهذيب، الانسجام، حسن الإتباع، ففضل بيتي بيت ابن ~~الرومي بثلاثة أضرب من البديع، وخلوه من العيب الذي بسببه امتنع به أن يوصف ~~بالانسجام. # ومن حسن الإتباع إتباع الأخطل النابغة الذبياني في قوله طويل: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # فقال طويل: # وإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما صنع الدهر # فهذا من الإتباع الذي ليس بحسن، وإنما ذكرته في هذا الباب لأذكر بعده ~~الإتباع الحسن فيبين فضله: # والضد يظهر حسنه الضد # ومنه قول علي بن جبلة طويل: # وما لامرئ حاولته منك مهرب ... ولو رفعته في السماء المطالع # بلى هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع # فإني رأيت أكثر العلماء رجحوا هذا البيت على بيت النابغة، وفي الشعرين ~~عندي بحث يضيق عنه هذا المكان، ومثل هذا المعنى قول سلم الخاسر بسيط # فأنت كالدهر مبتوتا حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب # ولو ملكت عنان الريح أصرفها ... في كل ناحية ما فاتك الطلب # وتناوله البحتري فقال: كامل: # ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن ... ينجيهم من خوف بأسك مهرب # وكل هذه المعاني متلاشية في جنب قول الله تعالى: " يا معشر الجن الإنس إن ~~استطعتم أن تنفذوا من ms195 أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " ~~وقد جاء من ذلك في السنة النبوية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نصرت ~~بالرعب، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل " ~~. # ومن حسن الإتباع إتباع نصيب الأعشى في قول الأعشى طويل: # وإن عتاق العيس سوف تزوركم ... ثناء على أعجازهن معلق # فقال نصيب طويل: # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # ومنه ابتاع أبي تمام عنترة في قول عنترة كامل: # فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم # فقال: أعني أبا تمام بسيط # لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه ... لخر يلثم منه موطئ القدم # وابتعه البحتري فقال كامل: # ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر # واتبعه المتنبي فقال: كامل: # لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا # وكل هذا من قوله تعالى: " يوم نقول لجهنم هل امتلأت " الآية، وقوله ~~سبحانه: " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها " الآية وقوله عز وجل: " تكاد ~~تميز من الغيظ " ، والله أعلم. # باب حسن البيان # حسن البيان عبارة عن الإبانة عما في النفس بألفاظ سهلة بليغة بعيدة من ~~اللبس، كما قال الشاعر خفيف: # خطباء على المنابر فرسا ... ن على الخيل قالة غير خرس # لا يعابون صامتين وإن فا ... هوا أبانوا ولم يفوهوا بلبس # والبيت الثاني أردت. PageV01P105 وهو أعني حسن البيان إما بالأسماء ~~والصفات المنفردة وإما بهما مؤتلفة، ودلالة الأول متناهية، ودلالة الثاني ~~غير متناهية، فإن قائلا لو قال: قد انتهى تأليف الشعر بحيث لا يمكن أن يؤتى ~~بقصيدة إلا وقد قيلت من قبل، كان قوله محالا، إلا أن تقول: أردت الوزن ~~والتقفية لا غير، وأما جملة القصيد ومجموع صورتها فلا، لأن دلالة التأليف ~~غير متناهية، كما أن الأعداد الممكنة ليس لها نهاية، غير أن البيان فيه ~~الأقبح والأحسن، والوسائط بين هذين الطرفين، فالأقبح كبيان باقل وقد سئل عن ~~ثمن ظبي كان معه، فأراد أن يقول: أحد عشر، فأدركه العي، حتى ms196 فرق أصابع يديه ~~وأدلع لسانه، فأفلت الظبي، وهذا أقبح بيان، مع أن قد بالغ في الإفهام، ~~لكونه أخرج تعريف العدد من السماع إلى العيان، ومن هاهنا يعلم أنه ليس كل ~~إيجاز بلاغة، ولا كل إطالة عيا، فإنه لا إيجاز في الإفهام أوجز من بيان ~~باقل، لأن المخاطب فهم عنه بمجرد نظرة واحدة، ومع ذلك ضرب به المثل في العي ~~بهذا البيان، والأحسن أن يقول: أحد عشر، والوسائط أن يقول مثلا: ستة وخمسة، ~~أو عشرة وواحد، أو خمسة وخمسة وواحد، والوسائط تعلو وتسفل بحسب قربها من ~~البلاغة وبعدها بالنسب والإضافات، وبيان الكتاب العزيز وكل كلام بليغ فصيح ~~من الأحسن دون الأقبح ودون الوسائط، لكن الأحسن أيضا تتفاوت طبقاته ~~كالوسائط، فمنه الأعلى والأدنى والأوسط بالنسبة، وحقيقة حسن البيان إخراج ~~المعنى المراد في أحسن الصور الموضحة له، وإيصاله لفهم المخاطب بأقرب الطرق ~~وأسهلها، لأنه عين البلاغة، وقد تكون العبارة عنه تارة من طريق الإيجاز، ~~وطورا من طريق الإطناب كثرة العبارة بسبب كثرة المعاني، والإسهاب كثرة ~~العبارة عن المعنى الواحد، والمعاني القليلة، والأول بعينه هو حد البلاغة ~~وحقيقتها، وبه جاء كل بيان القرآن، كقول الله تعالى وقد أراد أن يحذر من ~~الاغترار بالنعم " كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا ~~فيها فاكهين " وكقوله تعالى وقد أراد أن يبين عن الوعد " إن المتقين في ~~مقام أمين " الآية، وكقوله عز وجل وقد أراد أن يبين عن الوعيد " إن يوم ~~الفصل ميقاتهم أجمعين " وكقوله في الاحتجاج القاطع للخصم: " وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو ~~بكل خلق عليم " وكقوله تبارك وتعالى وقد أراد أن يبين عن تقريع الكفار: " ~~أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين " وكقوله تعالى وقد أراد أن ~~يبين عن التحير: " ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون " ~~وكقوله تعالى وقد أراد أن يبين عن العدل: " ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه " ~~وأمثال هذه المواضع كثيرة لمن يتتبعها. ms197 # ومما جاء من ذلك في الشعر قول أبي العتاهية منسرح: # يضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكر # وكقول الآخر طويل: # له لحظات عن خفافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل # فإن هذين الشاعرين أرادا مدح هذين الممدوحين بالخلافة، ووصفهما بالقدرة ~~المطلقة وعظم المهابة بعد الله سبحانه، فإذا نظر أحدهما نظرة، أو حرك ~~القضيب مرة، أو أطرق مفكرا لحظة، اضطرب الخوف والرجاء في قلوب الناس، ~~فأبانا عن هذه المعاني أحسن إبانة بخلاف قولي طويل: # بكفيه نفع العالمين وضرهم ... فنعمى لذي حسني وبؤسي لمجرم # فإني أردت الإبانة عن معنى أبي العتاهية والذي بعده، فأبنت عنه بيانا غير ~~حسن ولا قبيح، ولم يكن في قوتي الإبانة عن المعنى بأحسن بيان كما فعلا، فإن ~~بيتي يصلح أن يكون في شواهد الوسائط في هذا الباب، وإن كان أبو العتاهية ~~والذي بعده ألما في معناهما بالحزين الكناني حيث يقول في عبد الله بن عبد ~~الملك بن مروان، وقد وفد عليه وهو عامل مصر لأبيه بسيط # لما وقفت عليه في الجموع ضحى ... وقد تعرضت الحجاب والخدم # حييته بسلام وهو مرتفق ... وضجة الناس عند الباب تزدحم # في كفه خيزران ريحها عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم # يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم # والبيت الأخير أردت. PageV01P106 والفرق بين ما سميته في بيت أبي ~~العتاهية والذي بعده حسن بيان وبين الإشارة، أن الإشارة لا تكون بلفظ ~~الحقيقة، وحس البيان يكون بلفظ الحقيقة وبغيره، فما كان منه بلفظ الحقيقة ~~فهو من البيان الأحسن، وما كان بغير لفظ الحقيقة فهو من البيان الحسن، ولا ~~بد أن يكون لفظه أقرب إلى لفظ الحقيقة من لفظ الإشارة، كما أن لفظ الإشارة ~~أقرب إلى لفظ المعنى من لفظ الإرداف، ولفظ الإرداف أقرب من لفظ التمثيل، ~~ألا ترى أن لحظات الناظر تدل على الغضب والرضا أسرع ما يدل قيد الأوابد على ~~سرعة عدو الفرس، والإنسان يجد الفهم يسرع إلى مدلول اللحظات أقرب من سرعته ~~إلى مدلول قيد الأوابد والفرق ms198 أيضا بين حسن البيان والإيضاح، أن الإيضاح ~~يكون بالعبارة الفاضلة والعبارة النازلة، وحسن البيان لا يكون إلا بالعبارة ~~الفاضلة، والله أعلم. # باب التوليد # التوليد على ضربين: من الألفاظ ومن المعاني، فالذي من الألفاظ على ضربين ~~أيضا، توليد المتكلم من لفظه ولفظ غيره، وتوليده من لفظ نفسه، والأول هو أن ~~يزوج المتكلم كلمة من لفظه إلى كلمة من غيره، فيتولد بينهما كلام ينقض غرض ~~صاحب الكلمة الأجنبية، وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة. # مثاله ما حكى أن مصعب بن الزبير وسم خيله بلفظة عدة فلما قتل وصار إلى ~~العراق رآها الحجاج فوسم بعد لفظة عدة لفظة الفرار فتولد بين اللفظتين غير ~~ما أراده مصعب. # ومن لطيف التوليد قول بعض العجم، وهو توليد المتكلم ما يريد من لفظ نفسه ~~وافر: # كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشي العذب صاد # وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد # فإن هذا الشاعر ولد من تشبيه العذار باللام، وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص، ~~وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النوم، فحصل في البيت ~~توليد وإغراب وإدماج، وهذا من أغرب ما سمعت في ذلك، وهو الثاني من التوليد ~~اللفظي. # ومن توليد الألفاظ توليد المعنى من تزويج الجمل المفيدة. # ومثاله ما حكى أن أبا تمام أنشد أبا دلف: # على مثلها من أبع وملاعب # فقال: من أراد نكتة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فولد بين ~~الكلامين كلاما ينافي غرض أبي تمام من وجهين: أحدهما خروج الكلام من النسيب ~~إلى الهجاء بسبب ما انضم إليه من الدعاء، والثاني خروج الكلام من أن يكون ~~بيتا من شعر إلى أن صار قطعة من نثر. # ومن هذا الضرب قول الشاعر طويل: # ألوم زيادا في ركاكة عقله ... وفي قوله أي الرجال المهذب # وهل يحسن التهذيب منك خلائقا ... أرق من الماء الزلال وأطيب # تكلم والنعمان شمس سمائه ... وكل مليك عند نعماك كوكب # ولو أبصرت عيناه شخصك مرة ... لأبصر منه شمسه وهو غيهب # فإن هذا الشاعر زوج مدحة ممدوحه ms199 بتهذيب الأخلاق إلى قول النابغة أي ~~الرجال المهذب فتولد بين الكلام ما ينافي غرض النابغة، حيث أخرج الشاعر ~~كلامه مخرج المنكر على النابغة ذلك الاستفهام، وأوضح مناقضته للنابغة في ~~بيته الثاني، وهو قوله: وهل يحسن التهذيب، البيت، وزوج قوله في عجز البيت ~~الثالث: # وكل مليك عند نعماك كوكب # إلى قول النابغة: # فإنك شمس والملوك كواكب # بدليل قول الشاعر عن النابغة: # تكلم والنعمان شمس سمائه # البيت، فتولد بين الكلامين قوله طويل: # ولو أبصرت عيناه شخصك مرة ... لأبصر منه شمسه وهو غيهب # فهذا الضرب الأول من التوليد بأقسامه، وهو ما تولد من اللفظ. # وأما الضرب الثاني منه، وهو ما تولد من المعاني، كقول القطامي بسيط # قد يدرك المتأنى بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل # فقال من بعده بسيط # عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق # فمعنى صدر هذا البيت معنى بيت القطامي بكماله، ومعنى عجز البيت مولد ~~بينهما، وهو قوله: # إن التخلق يأتي دونه الخلق # والقطامي أخذ معناه من عدي بن زيد العبادي حيث قال سريع: # قد يدرك المبطئ من حظه ... والخير قد يسبق جهد الحريص # وعدي نظر إلى قول جمانة الجعفي طويل: # ومستعجل والمكث أدنى لرشده ... لم يدر في استعجاله ما يبادر PageV01P107 ~~ومن التوليد توليد بديع من بديع كقول أبي تمام طويل: # له منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب # فإنه ولد قوله: قيد النواظر من قول امرئ القيس: " قيد الأوابد " لأن هذه ~~اللفظة التي هي قيد انتقلت بإضافتها من الطرد إلى النسيب، فكأن النسيب تولد ~~من الطرد، وتناول اللفظة المفردة لا يعد سرقة كتناول هذه اللفظة. # ومن التوليد نوع آخر وهو توليد المعاني، والذي مضى توليد الألفاظ، وهو أن ~~يزوج المتكلم معنى من معاني البديع بمعنى فيه، فيتولد بينهما فن مدمج في فن ~~كقولي طويل: # شفيعي عند الغيد مسود وفرتي ... إذا ما غدا غيري وشافعه الوفر # فإني لما زوجت التجنيس بالمبالغة تولد بينهما تفضيل الشباب على المال، ~~فالتجنيس قولي: وفرتي والوفر والمبالغة تسميتي ms200 الشباب شفيعا والوفر شافعا، ~~وفعيل من أبنية المبالغة بخلاف فاعل، وتفضيل الشباب جاء مدمجا في الغزل، ~~لأن البيت بمعناه الذي قصد التغزل، وهذا توليد كما ترى، ولا يقع في الكتاب ~~العزيز من التوليد إلا توليد المعاني البديعية، ومن ذلك ما وقع في قوله ~~تعالى: " قل رب احكم بالحق " فإني استخرجت من هذه الآية أربعة عشر نوعا من ~~البديع أمهاتها خمس، وهي: الأرداف والتتميم والائتلاف والتهذيب، وتولد من ~~هذه الأمهات تسعة أضرب، وهي الإيضاح والإدماج والافتنان وحسن البيان ~~والمقارنة والامتزاج والإيجاز والإبداع، والمثل السائر، وشرح ذلك يضيق عنه ~~هذا المكان، وقد أفردته في صحيفة على انفراده، والله أعلم. # باب التنكيت # وهو أن يقصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون أشياء كلها يسد مسده، لولا نكتة ~~في ذلك الشيء المقصود ترجح اختصاصه بالذكر دون ما يسد مسده، ولولا تلك ~~النكتة التي انفرد بها لكان القصد إليه دون غيره خطأ ظاهرا عند أهل النقد. # ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله سبحانه: " وأنه هو رب الشعرى " ~~فإنه سبحانه وتعالى خص الشعري بالذكر دون غيرها من النجوم، وهو رب كل شيء، ~~لأن العرب كان قد ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي كبشة عبد الشعرى، ودعا خلقا ~~إلى عبادتها، فأنزل الله سبحانه: " وأنه هو رب الشعرى " التي ادعيت فيها ~~الربوبية دون سائر النجوم. وكقوله تعالى: " وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم " فإنه سبحانه إنما خص " تفقهون " دون " تعلمون " لما في ~~الفقه من الزيادة على العلم، والمراد الذي يقتضيه معنى هذا الكلام والتفقه ~~في معرفة كنه التسبيح من الحيوان البهيم والنبات والجماد الذي تسبيحه بمجرد ~~وجوده الدال على قدرة موجده ومخترعه. # ومن غريب التنكيت قوله تعالى: " والله خلق كل دابة من ماء " فإنه يقال: ~~لم اقتصر على ذكر الماء دون بقية العناصر التي يكون الله سبحانه المولدات ~~الثلاث منها؟، فيقال: النكتة التي رجحت الاقتصار على الماء دون بقية ~~العناصر قوله " كل دابة " بلفظ الاستغراق لكل ما دب، وليس في العناصر ~~الأربعة ما ms201 يعم جميع المخلوقات إلا الماء، ليدخل الحيوان البحري فيها. # من أمثلة هذا الباب الشعرية قول الخنساء وافر: # يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس # فخصت هذين الوقتين وإن كانت تذكره في كل وقت، لما في هذين الوقتين من ~~النكتة المتضمنة تأبين الميت، والمبالغة في وصفه بالشجاعة والكرم، لأن طلوع ~~الشمس وقت الغارات على العدى، ووقت غروبها وقت وقود النيران للقرى. # ومن أمثلة الباب أيضا قول المتنبي كامل: # لو مر يركض في سطور كتابه ... أحصى بحافر مهره ميماتها # فإنه إنما خص الميمات دون غيرها من الحروف، لكونها تشبه الحوافر من جهة ~~استدارتها، فإن قيل: إن كان أراد تشبيه الحوافر فالعدول إلى العينات أولى، ~~لأنها بالحوافر أشبه، ولا سيما عنده، حيث شبه الحافر بالعين، في قوله لسيف ~~الدولة منسرح: # أول حرف من اسمه كتبت ... سنابك الخيل في الجلاميد PageV01P108 قلت: ~~يترجح ذكر الميمات دون العينات لوجهين: أحدهما أن الميمات في الكلام أكثر ~~من العينات، لأنها تقع أصلا وزائدة، والعينات لا تقع إلا أصلية، والثاني ~~أنها أصغر شكلا، واختصاص ما هو أصغر وأكثر في باب الإحصاء أمدح للموصوف ~~بالإحصاء من ذكر ما هو أقل وأكبر وإنما مدحه بالإحصاء في حالة الركض، لأن ~~الإحصاء يدل على ثبات الجأش وحضور الحس وعدم الدهش والطيش في وقت الركض. # ومن دقيق ما وقع في البيت من ملاءمة الألفاظ بعضها لبعض الدالة على ~~الائتلاف قوله: مهره ولم يقل طرفه لكونه الطرف يقع على المهر، وعلى القارح ~~فيتخلص من الاشتراك الموجب عدم الملاءمة لأن صغر حافر المهر ملائم لصغر شكل ~~الميم، فحصل في البيت إدماج الائتلاف في المبالغة وتعليق المدح بالنبات ~~بالوصف، وهذا من ألطف ما وقع في هذا الباب. # ومن بديع أمثلة هذا الباب قول عنترة، وهو مما يسأل عنه كامل: # ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم # فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم # فإن لفظة الحمولة تدل على الرحيل، وكذلك كونها وسط الديار وعلوفتها هذا ~~الحب المخصوص يدل على بعد الرحلة، فإنه ms202 حب يقوي أعصاب الإبل، وهذا العدد من ~~الحلوبات السود الصقيلة الحسان يدل على كثرة المال وانتخابه، وكذلك لا يكون ~~إلا للملوك، فهو يدل على أن المعشوقة من بنات الملوك، وفي ذلك فخر لمن يميل ~~إليها، والله أعلم. # باب الاتفاق # وهو أن تتفق للشاعر واقعة تعلمه العمل في نفسه، فإن للسبق إلى معاني ~~الوقائع التي يشترك الناس في مشاهدتها أو سماعها فضلا لا يجحد، كما اتفق ~~لبعض شعراء مصر، ويقال إنه الرضى بن أبي حصينة، وقد أغزى الملك الناصر صلاح ~~الدين حاجبه حسام الدين لؤلؤ الإفرنج الذين قصدوا الحجاز من بحر القلزم، ~~فظفر الحاجب بهم، فقال ابن أبي حصينة في تهنئته مخاطبا للإفرنج بسيط # عدوكم لؤلؤ والبحر مسكنه ... والدر في البحر لا يخشى من الغير # ثم قال بعد أبيات مخاطبا للملك الناصر رحمه الله بسيط # فأمر حسامك أن يحظى بنحرهم ... فالدر مذ كان منسوب إلى البحر # وكما قال ابن الساعاتي وقد قصد الملك الناصر رحمه الله بيت يعقوب من حصون ~~الشام فقال مخاطبا الإفرنج طويل: # دعوا بيت يعقوب فقد جاء يوسف # وكما اتفق لي وقد لقي الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب بن عمه الملك ~~الظافر الخضر بن يوسف بن أيوب رحمهم الله تعالى بملتقى الخابور والفرات، ~~فاتفق لي أن قلت طويل: # غدا مجمع البحرين شاطئ فراتنا ... ألم تر موسى فيه قد لقى الخضرا # وكما قلت عند اجتماع الملك الأشرف هذا بأخيه الملك الكامل رحمهما الله ~~تعالى بمصر من قصيدة أهنئ فيها مصر بذلك مخبرا عنها طويل: # تقول وموسى قد أتى لمحمد ... أهل ليلة الإسراء عاد بها الدهر؟! # وكقولي من قطعة هنأت بها فخر الدين عثمان بن قزل رحمه الله تعالى ~~بمولودين جاءاه في ليلة واحدة " مجتث " : # ليهن علياك بدرا ... ن زينا الخافقين # الآن صرت يقينا ... عثمان ذا النورين # ومن الاتفاق أن يتفق للشاعر أسماء لممدوحه ولآبائه يمكنه أن يستخرج منها ~~مدحا لذلك الممدوح، ولو لم تتفق تلك الأسماء على ما هي عليه لما اتفق ~~استخراج ذلك المدح، كقول ms203 أبي نواس كامل: # عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع # وقد وقع في هذا البيت مع لطيف الاتفاق مليح الازدواج في قوله: # عباس عباس، والفضل فضل ... والربيع ربيع ولأبي نواس # من القسم الأول من الاتفاق ما لم يتفق مثله في مرثية يرثى بها خلفا ~~الأحمر منسرح: # وكان ممن مضى لنا خلفا ... وليس إذ بان منه من خلف # فإنه اتفق له من اسم المرثي تورية حسنت موقع هذا البيت إلى أن أتى في ~~الطبقة العليا والغاية القصوى. # باب النوادر PageV01P109 وهو الذي سماه قدامة قديما الإغراب والطرفة، ولم ~~يفرد له بابا في المحاسن فاذكره في أبوابه، وسماه من بعده التطريف، وسماه ~~قوم النوادر، وقوم أبقوا عليه تسمية قدامة، وأفردوه بابا، فتبعتهم في ذلك، ~~وأتيت به، وهو آخر أبواب من تقدمني من جميع الناس في غالب ظني وهو أن يأتي ~~الشاعر بمعنى غريب لقلته في كلام الناس وليس من شرطه على رأي قدامة فيه غير ~~ذلك وقال: لا يكون في المعنى إغراب إلا إذا لم يسمع مثله، والاشتقاق يعضد ~~التفسير الثاني، والشواهد تعضد تفسير قدامة، لأن شواهد الباب وقع فيها ما ~~يجوز أن يكون قائله لم يسبق إليه، وما يجوز أن يكون قد سبق إليه على قلته، ~~واستدل قدامة على مراده بقول الناس: ورد طريف غريب، إذا جاء في غير وقته، ~~أما كونه لم يرقط فهذا محال، وإنما المراد لم يوجد مثله في ذلك الزمان. # ومن أمثلته للأوائل مدح زهير للفقراء والأغنياء معا فإنه غريب، إذ العادة ~~جارية بمدح الأغنياء غالبا، لأنه يقال: ما سمع قط مدح فقير حتى قال طويل: # على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل # ومن الغريب الطريف قول أبي تمام كامل: # لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس # ومن الغريب الطريف أيضا قول دريد طويل: # ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد سل من ماجد محض # فإنه ما سمع من ms204 مدح من لا يعرفه قبله، وتبعه أبو نواس في ذلك فقال في ~~القطعة التي أولها طويل: # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس # مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جني ويابس # حبست بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس # ولم أدر منهم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الديار البسابس # ومن الإغراب اللطيف قول القائل كامل: # عرض المشيب بعارضيه فأعرضوا ... وتقوضت خيم الشباب فقوضوا # إن كان في الليل البهيم تبسطوا ... خفرا وفي الصبح المنير تقبضوا # ولقد سمعت وما سمعت بمثلها ... بيتا غراب البين فيه أبيض # ومن لطيف الإغراب وطريفه قول بعضهم " البسيط " : # ظلت تبشرني عيني إذا اختلجت ... بأن أراك وقد كنا على حذر # فقلت للعين أما كنت صادقة ... إني ببشراك لي من أسعد البشر # فما جزاؤك عندي لست أعرفه ... بلى جزاؤك أن أحبوك بالنظر # وأستر المقلة الأخرى فأحجبها ... عن أن تراك كما لم تأت بالخبر # ومن الإغراب قسم آخر، وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى متداول معروف ليس ~~بغريب في بابه فيغرب فيه بزيادة لم تقع لغيره، ليصير بها ذلك المعنى ~~المعروف غريبا طريفا، وينفرد به دون كل من نطق بذلك المعنى، وبيان ذلك أن ~~تشبيه الحسان بالشمس والبدر متداول معروف، فلما أراد أبو تمام ارتكاب هذا ~~المعنى، وفطن إلى أنه قد ذهبت طلاوته لكثرة ابتذاله تحيل له في زيادة طريفة ~~لم تقع لغيره يصير بها المعنى غريبا بعد أن كان معروفا، فقال طويل: # فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع # فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع # فإن حاصل كلامه تشبيه المرأة الموصوفة بالشمس، لكن التشكيك الذي أدخله في ~~كلامه وذكر يوشع بعد إغرابه في التوطئة بإخباره بان هذه المرأة ردت بها ~~الشمس برغم الليل، نقل المعنى من المعرفة إلى الغرابة، فلا جزم أنه استحقه ~~بذلك دون كل من تناوله، ودون المبتدئ به ومن هذا القسم قول المتنبي بسيط # يطمع الطير فيهم طول أكلهم ms205 ... حتى تكاد على أحيائهم تقع # فإنه عمد إلى المعنى المعروف في هذا الفن من كون الطير تقع على القتلى ~~وتتبع الجيوش ثقة بالشبع، فتجاوز بزيادة المبالغة المستحسنة إلى ما قال، ~~والذي حسن البيت جدا إتيانه فيه بلفظة " تكاد " فإنها قلبت المستحيل ممكنا، ~~فساغت المبالغة، وحصل له ما أراد من الإغراب والطرفة. # ومن الإغراب أيضا قول ابن شرف القيرواني كامل: PageV01P110 غيري جنى وأنا ~~المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم # لو لم يبغضه عنده ابن رشيق حين أنشده إياه وقال: هل سمعت بهذا المعنى؟ ~~فقال: سمعته وأخذته أنت أفسدته، فقال: ممن؟ فقال: من النابغة الذبياني حيث ~~قال: طويل # وكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذى العرى يكوي غيره وهو راتع # فأما إفساده فلأنك قلت في صدر بيتك إنك عوقبت بجناية غيرك، ولم تعاقب ~~صاحب الجناية. ثم قلت في عجز بيتك: إن صاحب الجناية قد شركك في العقوبة: ~~فناقض معناك، وذلك أنك شبهت نفسك بسبابة المتندم، وسبابة المتندم أول شيء ~~يتألم في المتندم، ثم يشركها المتندم في الألم فإنه متى تألم عضو من ~~الحيوان تألم كله لأن المدرك من كل مدرك حقيقته، وحقيقته على المذهب الصحيح ~~هي جملته المشاهدة منه، والمكوى من الإبل: يألم وما به عر البتة، وصاحب ~~العر لا يألم جملة، فمن هاهنا أخذت المعنى وأفسدته، غير أن ابن شرف هذا له ~~في هذا الباب ما لا يلحق، وهو قوله " رمل " : # قلم قلم أظفار العدا ... وهو كالإصبع مقصوص الظفر # أشبه الحية حتى أنه ... كلما عمر في الأيدي قصر # والبيت الثاني أردت، وأما الأول فهو من باب الإغراب في البرد لأنه لا ~~نكاية للعدى في تقليم أظفارهم، بل ذلك مما يحسن صورهم، ويزداد به نشاطهم، ~~ويماط به الأذى عنهم عند تناول الطعام والشراب، وتقبل بذلك النفوس عليهم، ~~ولا يقال: إنه أراد بالأظفار السلاح، فإن ذلك من الغيب الذي لا يعلم، إذ ~~ليس في الكلام ما يشعر بهذه الاستعارة ومما يفسد هذا التأويل قوله: ~~كالإصبع، فإنه ذكر الإصبع، والمراد به ظاهر اللفظ فإنه يدل على أن ms206 الظفر ~~على ظاهره إلا أن يتأول الإصبع، وأما تشبيه القلم بالإصبع فهو تشبيه يسلبه ~~جميع المنافع والمضار، فإن الإصبع الواحدة على انفرادها قلما تعمل عملا، ~~وإن عملت عملا كان غير متقن وكانت غير متمكنة منه، فلا معنى لها على ~~انفرادها، وأنت ترى من ولد خداجا ليس في كفه إلا إصبع واحدة غير منتفع ~~بيده، ويشاهد ما بها من القبح، ولا يكون للإصبع جمال إلا مع انضمامها إلى ~~أخواتها، واستعارة قصر الظفر له من أبرد الاستعارات، إلا أنه كفر بحسنات ~~البيت الثاني سيئات البيت الأول أن الحسنات يذهبن السيئات وقد أتى أيضا في ~~هذا الباب بما هو أحسن من الأول وهو قوله بسيط # أغنيتني عن جميع الناس كلهم ... ولم أجد مغنيا من سائر البشر # كالحمد تجزي المصلى حين يقرأها ... وليس يغنيه عنها سائر السور # هذا على مذهب الجمهور، فإنه مذهب مالك والشافعي وأحمد، إلا أبا حنيفة ~~وصاحب الشعر مالكي، إذ هو مذهب أهل المغرب ولابن رشيق في هذا الباب ما لا ~~يشق غباره وهو قوله " رجز " : # كأنما الصبح الذي تفرا ... ضم إلى الشرق النجوم الزهرا # فاختلطت فيه فصارت فجرا # وقوله أيضا متقارب: # وما ثقلت كبرا وطأتي ... ولكن جررت ورائي السنينا # وقد رأيت الحجاري صاحب الحديقة وصاحب المسهب في أخبار أهل المغرب سمى هذا ~~الباب في الحديقة مناقلة، وفسره بأن قال: هو من مناقلة الخيل، وهي وضع ~~الفرس في الوعر يده موضع رجله مخالفا لمشيته المعتادة، وأنشد فيه قول ابن ~~الرومي سريع: # تستغفر الناس بأيديهم ... وهن يستغفرن بالأرجل # فيا له من عمل صالح ... يرفع الله إلى أسفل # فأغرب بمخالفة العادة. حيث ذكر أن هذه النسوة يفعلن بالأرجل ما يفعله ~~الناس بالأيدي، والارتفاع إلى الأسفل من أغرب الغريب. # ومن نوادر الإغراب قول الأرجاني كامل: # شعري إذا ما قيل يرويه الورى ... بالطبع لا بتكلف الإلقاء # كالصوت في قنن الجبال إذا بدا ... للسمع هاج تجاوب الأصداء # ومن مليح هذا الباب قول بعضهم طويل: # تواضع كالنجم استبان لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع # ومن دونه يسمو ms207 إلى النجم صاعدا ... سمو دخان النار وهو وضيع # ومن الإغراب نوع يغرب المتكلم فيه بأن يخرج معنى المدح في لفظ الغزل، ~~فيأتي المدح هزازا للمعاطف من الطرب، يكاد يؤكل بالضمير ويشرب، كقول أبي ~~تمام في صفة عمورية بسيط PageV01P111 ما ربع مية معمورا يطيف به ... غيلان ~~أبهى ربا من ربعها الخرب # ولا الحدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب # سماحة غنيت منا العيون بها ... عن كل حسن بدا أو منظر عجب # وحسن منقلب تبقى عواقبه ... جاءت بشاشته من سوء منقلب # وكقول ابن سنان الخفاجي كامل: # صبحتهم باللاذقية فالتقى ... بحران ماء راكد وعتاق # سبق الظلام لها فعضت ورودها ... تبعا وأنت لمثلها سباق # حتى إذا متع الضحى وتمارت ال؟ ... أبصار أيكما له الإشراق # غادرتها دمنا على أطلالها ... يبكي الخليط وتذكر الأشواق # وسننت دين قراك في عرصاتها ... فالنار تضرم والدماء تراق # والبيت الرابع أردت، وإنما ذكرت ما قبله وما بعده لارتباطه بذلك، ولما في ~~المجموع من كمال حسن المعنى، دون انفراد أحد الأبيات وما رأيت في عصرنا ~~أغرب معان من القاضي السعيد بن سناء الملك رحمه الله. # ومن غرائب معانيه قوله في عمياء تظرفا سريع: # شمس بغير الليل لم تحتجب ... وما سوى العينين لم تكسف # بغمده المرهف لكنها ... تقتل بالغمد بلا مرهف # أبصرت منها الخلد في جؤذر ... ومقلتي يعقوب في يوسف # وقوله كامل: # ومع المشيب فبعد عندي صبوة ... يبلى القميص وفيه عرف المندل # ؟أنا جد أنصار النبي لأنني ... يا أشهل العينين عبد الأشهل # وكقوله طويل: # فلا تنكروا منها الخضاب فإنها ... هي الغصن في أطراف الورق الخضر # وكقوله طويل: # عليك زكاة فاجعليها وصالنا ... لأنك في العشرين وهي نصاب # وكقوله في صبي مستحسن ضرب وحبس طويل: # بنفسي الذي لم تضربوه لريبة ... ولكن ليبدو الورد في سائر الغصن # وقالوا له شاركت في الحسن يوسفا ... فشاركه أيضا في الدخول إلى السجن # وغرائب معانيه لو استقصيت لخرجنا بها عن الغرض المطلوب من الكتاب. # ومما وقع لي من باب الإغراب والطرفة قولي طويل: # أراني لا ينفك ms208 نجمي هابطا ... تراه يراه ربنا حسب الرجم # حنتني الليالي فاغتديت كأنني ... أفتش دهري في التراب على نجمي # فصرت إذا قوسا وعقلي راميا ... ورامي الذي أصمى الرمايا به سهمي # وقولي طويل: # تحلمنا الأيام وهي سفيهة ... فيهدي إلينا برها من عقوقها # وتهدي الدراري وهي من حيرة ترى ... وقد رجعت من مستقيم طريقها # كما تحدث الطيش الطلى من سكونها ... فتغرب شمس العقل عند شروقها # ومن الإغراب والطرفة نوع لا يكون الإغراب فيه في ظاهر لفظه، بل في ~~تأويله، وهو الذي إذا حمل على ظاهره كان الكلام به معيبا جدا وإذا تؤول رده ~~التأويل إلى نمط الكلام الفصيح، وأميط من ظاهره حدث العيب، فيكون التأويل ~~هو الموصوف بالإغراب لا الظاهر، وذلك كقوله: " حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ~~" فإنهم أمسوا كما أصبحوا، فتكون لفظة فأصبحوا حشوا لا فائدة فيه، ومثل هذا ~~يتحاشى عنه نظم القرآن، فإنك إذا قلت أصبح العسل حلوا وهو قد أمسى كذلك، ~~كان قولك أصبح حشا، لكن لما كان الأشقياء حالهم حال المرضى، وكان المريض ~~تشتد عليه الآلام في الليل، وتخف في النهار، فتكون حاله عند الصباح صالحة ~~بالنسبة إلى حاله بالليل، إلا المريض الذي لا يرجى برؤه، فإنه يصبح كما ~~أمسى، فإذا أصبح كذلك يئس من فلاحه، ولما أشبهت حال هؤلاء الأشقياء حال ~~المريض الذي قد تيقن هلاكه، أخبر عنهم بأنهم أصبحوا كما أمسوا خاسرين، وعلى ~~هذا تكون لفظة أصبحوا قد تضمنت معنى أخرجها عن كونها حشوا، ورد الكلام الذي ~~جاءت فيه إلى حده من الفصاحة، فعد التأويل الذي فعل بها ذلك غريبا طريفا، ~~والله أعلم. # هذا آخر أبواب المتقدمين، وقد بقيت أبواب الأجدابي الثلاثة التي أولها: # باب الالتزام PageV01P112 وهو أن يلتزم الناثر في نثره، أو الشاعر في ~~شعره، قبل روي البيت من الشعر حرفا فصاعدا على قدر قوته، وبحسب طاقته، ~~مشروطا بعدم الكلفة وقد جاء من ذلك في الكتاب العزيز مواضع رائعة الحسن، ~~كقوله تعالى: " والطور وكتاب مسطور " وقوله سبحانه: " فلا أقسم بالخنس ~~الجواري الكنس " وقوله تعالى: " والليل وما وسق والقمر ms209 إذا اتسق " وقوله عز ~~وجل " فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر " وقوله تعالى: " أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها " وقوله عز من قائل: " ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك ~~لأجرا غير ممنون " وقوله جلت قدرته: " فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في ~~الغي ثم لا يقصرون " وقوله جل جلاله " كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق ~~وظن أنه الفراق، والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ المساق " وقوله عز ~~وجل: " لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا " ~~وأشياء كثيرة من فواصل القرآن العزيز تعجز الفصحاء أشد تعجيز وقد جاء في ~~السنة من ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أم زرع حكاية عن ~~الأولى من النسوة قولها: " لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى، وقول أم زرع في ~~صفة حالها مع أبي زرع: فعنده أنام فأتصبح، وأقول فلا أقبح " وقولها في صفة ~~الخادم " لا تقش طعامنا تقشيشا ولا تملأ بيتنا تعشيشا، ولا تبث حديثنا ~~تبثيثا، ولا تنفث ميرتنا تنفيثا " ، هذه رواية، وليست من أمثلة هذا الباب، ~~والرواية الأخرى التي من أمثلة الباب تتمة القرائن الشينية، وهي قولها: ولا ~~تخرج حديثنا تعشيشا. وقولها أعني أم زرع: " فتزوجت بعده رجلا سريا، ركب ~~فرسا شريا، وأراح على نغما ثريا " ، وكقول السادسة منهن: " إن أكل اقف وإن ~~شرب اشتف وإن رقد التف " ، وكقول الثامنة: " المس مس أرنب، والريح ريح زرنب ~~" ، ومن هذا الباب في الشعر قول امرئ القيس طويل: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول # إذا ما بكى من خلفها انحرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول # وقد أكثر المتأخرون من هذا الباب قاصدين عمله، وما وقع منه لمتقدم فغير ~~مقصود، حتى عمل المعري من ذلك ديوانا كاملا مفردا من ديوان شعره المعروف ~~بسقط الزند، ومنه قوله طويل: # لك الحمد أمواه البلاد بأسرها ... عذاب وخصت بالملوحة زمزم # هو الحظ غير الوحش يستاف أنفه ... خزامى وأنف العود بالعود يخزم # وكقول بعضهم بسيط # سلم على قطن إن ms210 كنت نازله ... سلام من كان يهوى مرة قطنا # أحبه والذي أرسى قواعده ... حبا إذا ظهرت آياته بطنا # ما من غريب وإن أبدى تجلده ... إلا تذكر عند الغربة الوطنا # ومن مليح ما جاء في الالتزام قول أبي نواس كامل: # وأما وزند أبي علي إنه ... زند إذا استوريت سهل قدحكا # إني لتأبى الصنع عالي همتي ... من غيركم وتعاف إلا مدحكا # باب تشابه الأطراف # هذا الباب سماه الأجدابي التسبيغ، وفسره بأن قال: هو أن يعيد لفظ القافية ~~في أول البيت الذي يليها، والتسبيغ زيادة في الطول، ومنه قولهم: درع سابغة، ~~إذا كانت طويلة الأذيال، وهذه اللفظة في اصطلاح العرضيين عبارة عن زيادة ~~حرف ساكن على السبب الخفيف في آخر الجزء، وعلى هذا لا تكون هذه التسمية ~~لائقة بهذا المسمى، فرأيت أن أسمى هذا الباب تشابه الأطراف، لأن الأبيات ~~فيه تتشابه أطرافها وما بأبيات قلتهن في هذا النوع من بأس، وهي طويل: # خليلي إن لم تعذراني في الهوى ... ولم تحملا عني اذهبا ودعاني # دعاني إليه الحب فالحب آنفا ... دعاني قلبي إذ دعاه جناني # جناني في سكر فلا رعى عنده ... بكأس بها ساقي الغرام سقاني # سقاني من لم يعنه من صبابتي ... ووجدي به ما شفني وعناني # عناني منه ما براني ولم يكن ... ليرثي لما قد حل بي ودهاني # دهاني الهوى من حيث لم أدر عندما ... رأى ما شجى قلبي الكئيب عياني # عياني على قلبي تعدى بنظرة ... إلى ناظر باللحظ منه رماني # رماني بسهم من كنانة لحظه ... أصاب فؤادي شجوه فشجاني PageV01P113 شجاني ~~بسقم من مراض جفونه ... وغض حياء منه حين سباني # سباني بسحر ليس يبطل بالرقى ... تقر له في بابل الملكان # ومنه في الكتاب العزيز قوله تعالى: " الله نور السموات والأرض مثل نوره ~~كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري " وأنشد فيه ~~قول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج طويل: # إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها # شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها # سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء ms211 رجال يحلبون صراها # وأحسن من هذه الأبيات قول أبي نواس سريع: # خزيمة خير بني خازم ... وخازم خير بني دارم # ودارم خير تميم وما ... مثل تميم في بني آدم # إلا البهاليل بنو هاشم ... وهم سيوف لبني هاشم # باب التوءم # وهذا الباب أيضا سماه الأجدابي التشريع، وفسره بأن قال: هو أن يبني ~~الشاعر البيت أو الناثر النثر على قافيتين إذا اقتصر على إحداهما كان البيت ~~له وزن، وإن كمله على القافية الأخرى كان له وزن آخر، وتكون القافيتان ~~متماثلتين، وتكونان مختلفتين، وهذه التسمية وإن كانت مطابقة لهذا المسمى ~~فهي غير معلومة عند الكافة، فسميته التوأم، وهو أن يكون للبيت كما ذكر ~~قافيتان، وصحة القول في تفسيره أن يقال: أنه متى اقتصر به على القافية ~~الأولى كان من ضرب ذلك البحر الذي عمل الشاعر بيته منه، فإذا استوفى أجزاءه ~~وبناه على القافية الثانية كان البيت من ضرب غير ذلك الضرب من ذلك البحر، ~~وغالبه أن يختلف الرويان وإن جاز توافقهما، هذا إن كان الكلام شعرا، وذلك ~~كقول الشاعر كامل: # وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... هدج الرئال، تكبهن شمالا # ألفيتنا نفرى العبيط لضيفنا ... قبل القتال، ونقتل الأبطالا # فإن هذا الشاعر لو اقتصر على الرئال، والقتال كان الشعر من الضرب المجزوء ~~المرفل من الكامل، فإذا أتممت البيتين صارا من الضرب التام المقطوع منه، ~~فقدر أن لكل بيت من هذين البيتين قافيتين على تساوي القافيتين في الردف ~~وتماثل الرويين وإن اختلف المجرى فيهما، وعلى هذا بنى الحريري قوله في ~~المقامات كامل: # يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى، وقرارة لأكدار # لأن اقتصاره على قوله شرك الردى تجعل الشعر من الضرب المجزوء من الكامل، ~~وتمامه يجعله من الضرب المضمر المقطوع منه، وإن اختلف القافيتان والرويان ~~والمجرى فيهما، وقد جاءت من هذا الباب في الكتاب العزيز أكثر سورة الرحمن ~~كقوله تعالى: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات ~~والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلآء ربكما تكذبان " يرسل عليكما ~~شواظ من نار وغاس ms212 فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان وهكذا إلى آخر السورة ~~فإنه يجوز الاقتصار على أولى الفاصلتين دون الثانية لو كان التنزيل كذلك، ~~والله أعلم. # هذا آخر ما جمعته من كتب الناس بعد التنقيح والتحرير، وتغيير ما حسن فيه ~~التغيير، وقد تكملت الأبواب بهذه الثلاثة التي عوضت بها ما تداخل في باب ~~التمكين التهذيب تسعين بابا غير متداخلة ولا متواردة، والله أعلم. # الجزء الرابع # ومن هاهنا أشرع في إثبات الأبواب التي استنبطتها، والأنواع التي ~~استخرجتها مفصلة مكملة، فأولها: # باب التخيير # وهو أن يأتي الشاعر ببيت يسوغ أن يقفي بقواف شتى، فيتخير منها قافية ~~مرجحة على سائرها بالدليل، تدل بتخيرها على حسن اختياره، كقول الشاعر بسيط # إن الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت PageV01P114 ~~فإنه يسوغ أن يقول: فكيف حال غريب ما له حال أي ما له مال، ما له نشب، ما ~~له سبب، ما له صفد، ما له سبب، ما له خطر، ما له أحد، ما وجد، ما له شيع، ~~وإذا نظرت إلى قوله: ما له قوت وجدتها أبلغ من الجميع، وأدل على الفاقة، ~~وأمس بذكر الحاجة، وأبين للضرورة، وأشجى للقلوب، وأدعى للاستعطاف، فلذلك ~~رجحت على كل ما ذكرناه ومن هذا النوع في الكتاب العزيز قوله تعالى في أول ~~الجاثية: " إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من ~~دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من ~~رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون فالبلاغة ~~تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى: المؤمنين، لأنه سبحانه ذكر العالم ~~بجملته، حيث قال: السموات والأرض، ومعرفة ما في العالم من الآيات دالة على ~~صفاته لتقدم الموصوف وجودا واعتقادا على الصفات وكذلك قوله في الدالة على ~~أن المخترع له قادر عليم حكيم وإن دل على وجود صانع مختار فدلالتها على ~~صفاته مرتبة على دلالتها على ذاته، فلا بد أولا من التصديق بذاته حتى تكون ~~هذه الآيات دالة الثانية: لقوم يوقنون، فإن نفس ms213 الإنسان وتدبر خلق الحيوان، ~~أقرب إليه من الأول، وتفكره في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأول، وكذلك ~~معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار، وإنزال الرزق من السماء، ~~وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح، تقتضي رجاحة العقل ورصانته، ليعلم ~~أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم الكلي التي هي أحسن منه، وعوارض ~~عنه، ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضا بعد قيام البرهان على أن للعالم ~~الكلي صانعا مختارا، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة لقوم ~~يعقلون وأن احتيج للعقل في الجميع، إلا أن ذكره هاهنا أمس بالمعنى من ~~الأول، إذ بعض من يعتقد صانعا للعالم ربما قال: إن بعض هذه الآثار يصنع ~~بعضا، فلا بد إذا من التدبر بدقيق الفكر وراجح العقل ، ومنه قوله تعالى: " ~~فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر " ولا يجوز التبديل بينهما، إذ ~~لا يجوز النهي عن انتهار اليتيم لمكان تأديبه، وإنما ينهى عن قهره وغلبته، ~~كما لا يجوز أن ينهر السائل إذا حرم، وليرد ردا جميلا، ومن ذلك قوله تعالى: ~~" إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " فإن قوله ~~تعالى: " وإن تغفر لهم " ربما أوهم بعض الضعفاء أن الفاصلة لو كانت " غفورا ~~رحيما " كانت أنسب لمكان " وإن تغفر لهم " ويذهل عن كونهم يستحقون العذاب ~~دون الغفران، وإن قوله " العزيز الحكيم " بعد قوله " وإن تغفر لهم " أنسب، ~~لأن من يغفر لمن يستحق العذاب إنما يكون من لا فوقه أحد يرد عليه حكمه، ومن ~~كان كذلك كان عزيزا ممتنعا من الرد عليه، ومن كان حكيما وضع الشيء في ~~موضعه، وإن كان ظاهر فعله موهما بأنه على خلاف الحكم، لخفاء وجه الحكمة ~~بمكنون الغيب عن المخلوق القائم عن إدراك أسرار الربوبية. # ومن التخيير ضرب غير هذا، وهو أن يؤتى بقطعة من الكلام أو بيت من الشعر ~~قد عطف بعض جمله على بعض بأداة التخيير كقوله تعالى: " فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ms214 أو تحرير رقبة " وكقول الشاعر ~~بسيط # خلو التفاخر أو حلوا اليفاع إذا ... ما أسنت الناس أولبوا الصريخ ضحى # ولا يكون هذا الضرب من المحاسن حتى تكون الجمل المعطوف بعضها على بعض ~~متضمنه صحة التقسيم كما جاء في الآية الكريمة، إذ حصر سبحانه وتعالى فيها ~~أنواع الكفارة التي لا يجزئ الموسر غيرها، كما جاء في البيت من حصر أعظم ~~الأسباب التي نفاخر بمثلها، وهي نهاية الكرم، وغاية الشجاعة إذا لا يحل ~~بالمكان المرتفع من الأرض في المجاعة ليدل على بيته إلا الجواد المؤثر، كما ~~قال شاعر الحماسة وافر: # له نار تشب على يفاع ... إذا النيران ألبست القناعا # ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا PageV01P115 كما أنه ~~لا يبادر إلى تلبية الصريخ عند الضحى، وهو وقت الغارات إلا أشجع القوم، ومن ~~هذا القسم من التخيير قوله سبحانه وتعالى: " قل كونوا حجارة أو حديدا أو ~~خلقا مما يكبر في صدوركم " فانظر إلى حسن هذا التخيير وصحة الترتيب في ~~الانتقال من الأدنى إلى الأعلى حتى بلغ النهاية في أوجز إشارة بقوله سبحانه ~~بعد الانتقال من الحجارة إلى الحديد الذي هو أصلب منها: " أو خلقا مما يكبر ~~في صدوركم " غير حاصر لهم في صنف من الأصناف. # والفرق بين التخيير بأو وحسن النسق من وجهين: أحدهما أن حسن النسق يكون ~~بجميع حروف العطف وغالبا ما تقع الواو، وربما وقع منه شيء بالفاء للتعاقب، ~~أو بثم للمهلة والتراخي، ووقوعه بالواو أكثر، والتخيير لا يكون إلا بأو ~~التي هي للتخيير خاصة. # والثاني أن التخيير يشترط فيه صحة التقسيم، ولا كذلك حسن النسق، والفرق ~~بين تخيير مقطع الكلام دون كل مقطع يسد مسده وبين التسهيم أن صدر كلام ~~التخير لا يدل إلا على المقطع فقط، وصدر كلام التسهيم يدل على ما زاد على ~~المقطع، إلى أن يبلغ عجز البيت، والفرق بين التخير والتوشيح التوطئة بتقديم ~~لفظة القافية في أول البيت من التوشيح، ولا كذلك التخيير، والله أعلم. # باب التدبيج # وهو أن يذكر الشاعر أو الناثر ألوانا يقصد ms215 الكناية بها أو التورية بذكرها ~~عن أشياء من مدح أو وصف أو نسيب أو هجاء أو غير ذلك من الفنون، أو لبيان ~~فائدة الوصف بها كقوله تعالى: " ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود " فإن المراد بذلك والله أعلم الكناية عن المشتبه والواضح من ~~الطرق، لأن الجادة البيضاء هي الطريق الملحوب التي كثر السلوك فيها جدا، ~~وهي أوضح الطرق وأبينها، ولهذا قيل: ركب بهم المحجة البيضاء ودونها المراء، ~~ودون الحمراء السوداء التي كأنها في الخفاء والالتباس ضد البيضاء في الظهور ~~والوضوح. ولما كانت هذه الألوان الثلاثة في الظهور للعين طرفين وواسطة، ~~فالطرف الأعلى في الظهور البياض والطرف الأسفل في الخفاء السواد، والأحمر ~~بينهما على حكم وضع الألوان في التركيب، وكانت ألوان الجبال لا تخرج عن هذه ~~الألوان الثلاثة، والهداية بكل علم نصب للهداية تنقسم هذه القسمة، أتت ~~الآية الكريمة على هذا التقسيم، فحصل فيها التدبيج وصحة التقسيم، وهي مسوقة ~~للاعتداد بالنعم على ما هدت إليه من السعي في طلب المصالح والمنافع، ~~والفرار من المضار والمعاطب. # ومن التدبيج الحسن قول الحريري: فمذ أزور الحبيب الأصفر، واغبر العيش ~~الأخضر، أسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، ~~فحبذا الموت الأحمر، إلا أن تدبيج الآية الكريمة جاء بلفظ الكناية لبيان ~~فائدة الوصف بالألوان، وتدبيج المقامة أتى بطريق التورية. # ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول ابن حيوس الدمشقي خفيف: # إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم يوم نائل أو نزال # تلق بيض الوجوه سود مثار النقع خضر الأكناف حمر النصال # وكقول بعض العرب طويل: # زياد بن عين عينه تحت حاجبه ... وبيض الثنايا تحت خضرة شاربه PageV01P116 ~~وقد ساق بعض النقاد هذا البيت من شواهد العيوب، وقال: وجه العيب فيه كون ~~العين لا تكون إلا تحت الحاجب، والثنايا تحت الشارب، وقد قال بعضهم في الرد ~~على هذا العائب: الشاعر أراد أنه غير مشوه، قد خلق في أحسن تقويم، فلم تأت ~~صورته مخالفة للصور، وعندي أن مثل هذا لا يعد عيبا، ولا ms216 يحتاج فيه إلى تكلف ~~مثل هذا العذر، فإنه قد ورد مثله في الكتاب العزيز للتوكيد والتهويل ليحصل ~~الازدجار عن فعل من حل به ذلك، وهذا من بليغ الموعظة، وهو قوله سبحانه " ~~فخر عليهم السقف من فوقهم " والسقف لا يكون إلا من فوق ولا سيما في هذا ~~الموضع، لأنه سبحانه رفع فيه الاحتمال الذي يتوهم من أن السقف قد يكون تحت ~~بالنسبة، فإن كثيرا من السقوف يكون أرضا لقوم وسقفا لآخرين، فرفع تعالى هذا ~~الاحتمال بجملتين، وهما قوله تعالى " عليهم " ولفظة " خر " لأنها لم تستعمل ~~إلا فيما هبط أو سقط من العلو إلى السفل، ومن ذلك أيضا حديث أبي بكر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: " ألا إن الزمان قد استدار ~~كهيئته يوم خلق الله السموات الأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ~~ثلاثة متواليات، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، الذي بين جمادى ~~وشعبان " ورجب لا يكون إلا كذلك، وإنما هو صلى الله عليه وسلم لما أراد أن ~~يخبر عن شهر فرد غير موال للأشهر الحرم التي قبله عرفه بأنه بين هذين ~~الشهرين احتراسا من كونه لو اقتصر على قوله: ورجب توهم بعض السامعين أنه ~~ربما أراد صفر، لا سيما وقد كانت الجاهلية تحل صفر عاما، وتحرمه عاما، ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: صفر، في حديث خرجه الترمذي وأبو داود، وربما ~~ظن الظان أنه أراد برجب صفر وسماه رجبا ليعرف بتعظيمه، إذ الترجيب التعظيم، ~~فاحترس من وقوع هذا اللبس بأن عرفه بأنه هو الذي بين جمادى، ليقطعه عما ~~قبله، وبين شعبان، ليقطعه عما بعده، والتأويلات أوسع وأفسح من أن يخطئ معها ~~عربي متقدم في لغته التي وضعها، وهو أعرف بمواقعها منا، لا سيما وقد قال ~~امرؤ القيس مما يؤيد ذلك متقارب: # لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر # وفرج الفرس لا يكون إلا من دبر، لأن فرجها الذي يسد بذنبها هو ما بين ~~قائمتي رجليها من عجب الذنب، إلى حافر ms217 الرجلين، وفي بعض ذلك ما يخرج بيت ~~الشاعر عن العيب. # ومن التدبيج قول أبي تمام في مرثيته لمحمد بن حميد الطوسي طويل: # تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر # وكقول البحتري طويل: # تحسنت الدنيا بعدلك فاغتدت ... وآفاتها بيض وأكنافها خضر # باب التمزيج # وهو أن يمزج المتكلم معاني البديع بفنون الكلام، أعني أغراضه ومقاصده ~~بعضها ببعض بشرط أن تجمع معاني البديع والفنون في الجملة أو الجمل من ~~النثر، والبيت أو البيوت من الشعر، كقول بكر بن النطاح طويل: # بذلت لها ما قد أرادت من المنى ... لترضى فقالت: قم فجئني بكوكب # فقلت لها: هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب # سلي كل شيء يستقيم طلابه ... ولا تذهبي يا بدر بي كل مذهب # فأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته أعيا بما رمت مطلبي # فتى شقيت أمواله بعفاته ... كما شقيت بكر بأرماح تغلب # فإن التمزيج وقع في الثلاثة المتواليات من هذا الشعر بعد الأول، فأما ~~الأول من الثلاثة فإنه مزج في صدره العتاب بالغزل بالمراجعة حيث قال: # فقلت لها هذا التعنت كله PageV01P117 لارتباط هذا الصدر بما قبله بسبب ~~المراجعة التي فيهما إذ قال: " فقالت " ، وأتى في عجز البيت بالتذييل ~~ليتحقق العتاب، ويستدل على صحة ما ادعاه من التعنت، فمزج المذهب الكلامي ~~بالتذييل في العجز، كما مزج العتاب والغزل في الصدر، مع الارتباط بما قبل، ~~وحقق ذلك بالمراجعة الحاصلة فيهما، فوقع التمزيج في البيت المذكور من ~~الفنون في العتاب. والغزل ومن المعاني في المراجعة بسبب الارتباط والتذييل ~~والمذهب الكلامي، ثم مزج المبالغة بالقسم في البيت الثاني من الثلاثة، ~~والمدح بالغزل بواسطة الاستطراد، وأتى بالطامة الكبرى في البيت الثالث من ~~الثلاثة، إذ مزج فيه الإرداف بالتشبيه والشجاعة بالكرم ومدح قبيلة الممدوح ~~بمدحه وذم أعداءها والإيغال بالتشبيه. # فأما الإرداف ففي قوله: شقيت أمواله بعفاته فإن أراد أن يقول: فتى جواد، ~~فعدل عن هذا اللفظ إلى ردفه، لما في لفظ شقاوة الأموال بالعفاة من زيادة ~~المعنى، وديباجة اللفظ التي لا ms218 توجد في لفظ الحقيقة، والتشبيه في قوله: كما ~~شقيت هذه القبيلة بهذه القبيلة والقبائل المتعادون كثير، وإنما اقتصر على ~~هاتين القبيلتين لما في ذكرهما من النكتة التي يزيد بها معنى المدح، وخص ~~الممدوح به وأراد تكميل المدح ورأى أنه لو اقتصر على مدحه بالكرم كان المدح ~~غير كامل، وأراد تكميل المدح بالشجاعة فأوجبت عليه الصناعة أن يأتي ~~بالتنكيت في عجز البيت بحيث يكون بين العجز والصدر ارتباط يوجب لهما ~~التلاحم، فوصل بينهما بكاف التشبيه مقتصرا على ذكر القبيلتين اللتين في ~~ذكرهما نكتة حسنة، وهي مدح قبيلة الممدوح، والتعريض بذم قبيلة أعدائه، ~~والمدح لقبيلة الممدوح مدح له، فيكمل له المدح الذي أراده، والتمزيج الذي ~~قصده، والفرق بين التمزيج والتكميل والافتنان والتعليق والإدماج، فإن هذه ~~الأبواب الخمسة ربما اشتبهت على كثير من الناس لكونها تجمع المعاني والفنون ~~غالبا إذ أن التكميل لا يكون إلا في معاني النفوس وأغراضها معا في البديع، ~~ولا يكون أحد الأمرين فيه قد اتحد بالآخر، بحيث لا يظهر من الكلام إلا صورة ~~أحد الأمرين دون الآخر، وإنما يؤخذ المعنى الآخر من الكلام بطريق القوة ~~لشدة امتزاج المعنيين أو الفنين أو أحدهما بالآخر، وهذه حال التمزيج بمعاني ~~النفوس ومعاني البديع والفرق بين التمزيج والافتنان أن الافتنان لا يكون ~~إلا بالجمع بين فنين من أغراض المتكلم كالغزل والمدح والعتاب، والهجاء، ~~والتهنئة، والتعزية، والتمزيج بخلاف ذلك، إذ هو يجمع الفنون والمعاني ويكون ~~الأمران فيه متداخلين، والفنان فيه ظاهران، والفرق بين التمزيج والتعليق أن ~~التعليق كالافتنان في اختصاصه بالفنون دون المعاني وظهور الفنين فيه معا، ~~إلا أن أحدهما متعلق بالآخر، والافتنان لا يكون إلا بالجمع بين فنين من ~~أغراض المتكلم كالغزل والمدح، والعتاب والهجاء، والتهنئة والتعزية، ~~والتمزيج بخلاف ذلك، إذ هو يجمع الفنون والمعاني، ويكون الأمران فيه ~~متداخلين أي أحد الفنين فيه متعلقا بالآخر ولا بد، وكلاهما يفارق الامتزاج ~~في ظهور صور الأشياء التي تكون فيه، فإنها تمتزج في الامتزاج بحيث لا يظهر ~~منها لكل شيئن إلا صورة واحدة، والفرق بين التمزيج ms219 والإدماج أن الإدماج ~~كالتعليق، لا يكون إلا بالفنون دون المعاني بخلاف التمزيج، وإن اشتبه ~~التمزيج في إيجاد الصور لا يكون إلا بالمعاني البديعية دون المعاني ~~النفسية، ودون الفنون، والفرق بين التعليق والتكميل دقيق وقد جاء في الكتاب ~~العزيز من التمزيج قوله تعالى " رب احكم بالحق " فإنها امتزج فيها فنا ~~الأدب والهجاء بمعنى الإرداف والتتميم وتولد من ذلك ما استخرجته منا من ~~بقية المحاسن، فكان ذلك أربعة عشر نوعا يضيق هذا المكان عن ذكرها مفصلة، ~~وقد ذكرتها مفصلة في " بديع القرآن " العزيز والله أعلم. # باب الاستقصاء # وهو أن يتناول الشاعر معنى فيستقصيه إلى أن لا يترك فيه شيئا، كقول ابن ~~الرومي في صفة الحديث كامل: # وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز # إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز # شرك العقول ونزهة ما مثلها ... للمطمئن وعقله المستوفز PageV01P118 فانظر ~~إلى كون هذا الشاعر وصف حديث هذه المحبوبة بنهاية الوصف الحسن اللائق ~~بمثله، حيث قال: وحديثها السحر الحلال، لفعله في العقول فعل السحر، وجعله ~~حلالا لصدق الوصف، وليضمن كلامه في صفته معنى قول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم " إن من البيان لسحرا، فإن سحر البيان سحر حلال، ثم رجع فاستدرك فيه ~~فقال: # ... ... ... ... ... لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز # لكون قتل المسلم بغير حق حرام، فحصل في البيت طباق معنوي، فكأنه قال سحر ~~حلال لو لم يجن حرام، فطابق بين الحلال والحرام وأحدث براءة المسلم المقتول ~~بالحديث من الإيغال الذي في قافية البيت، وهو قوله: المتحرز لأن المتحرز لا ~~يقع في شيء من موجبات القتل، وفي ذلك مبالغة في وصف الحديث بإفراط الالتذاذ ~~الذي يزهق حبه النفس، ثم فكر فيما يعرض من الملل بسبب، طول الحديث فاحترس ~~عن تلك بقوله: إن طال لم يملل ثم رأى أنه متى اقتصر على وصفه بالحسن حالة ~~الإطالة دون الإيجاز كان مقصرا، فقال: وإن هي أوجزت إلى آخر البيت، ثم أراد ~~وصفه بميل النفوس إليه إما اضطرارا أو اختيارا ms220 فقال، في الميل الاضطراري: ~~شرك العقول، فأخبر أنه يصيد العقول قنصا، ثم قال في الميل الاختياري مقسما ~~له قسمين حاصرين في حالتي الريث والعجل كامل: # .. ... ... ونزهة ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز # وليس للمختار حالة زائدة على هاتين الحالتين إما أن يكون مطمئنا، أو ~~مستوفزا، فإن كان مطمئنا كان هذا الحديث نزهته، وإن كان مستوفزا كان عقلته، ~~فلم يبق في هذا المعنى مقالا لمن بعده، ولقد أحسن ابن مناذر في استقصائه ~~معنى من معاني الغزل حيث قال طويل: # فوالله ما أدري أيغلبني الهوى ... إذا جحد جد البين أم أنا غلبه # فإن استطع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه # فإنه لما علم أنه متى اقتصر على البيت الأول لا يكون مستقصيا للمعنى أتى ~~بتفصيل ما أجمله في البيت الأول بما جاء به في البيت الثاني، ليكون قد أتى ~~على جميع ما يجب ذكره من المعنى الذي قصده: وإذا وصلت في هذا الباب إلى قول ~~البحتري في صفة إنضاء الإبل خفيف: # كالقسي المعطفات بل الأس؟ ... هم مبرية بل الأوتار # وصلت إلى الغاية في الشعر، لأنه جمع مع الاستقصاء المبالغة والرمي على ~~الترتيب، على مقتضى البلاغة، والتتميم في موضعين، في قوله: المعطفات، ~~وقوله: مبرية والإيغال في القافية، وقد جاء في الكتاب العزيز من ذلك ما لا ~~يلحق سبقا، وهو قوله تعالى: " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ~~تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء ~~فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت " فانظر إلى استقصاء هذا المعنى حين لم يبق ~~فيه بقية لأحد، وذلك أنه بعد قوله: " جنة من نخيل وأعناب " قال: " تجري من ~~تحتها الأنهار " وكمل الوصف بقوله: " له فيها من كل الثمرات " فأتى بكل ما ~~في الجنان ليشتد الأسف على إفسادها ثم قال " وأصابه الكبر " ثم استقصى ~~المعنى الذي يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر " وله ذرية " ولم ~~يقتصر على كونه له ذرية حتى قال: " ضعفاء " ثم ذكر استئصالها بالهلاك في ms221 ~~أسرع وقت حيث قال: " فأصابها إعصار فيه نار " فلو اقتصر على ذكر الإعصار ~~لكان كافيا، لكن لما علم الله سبحانه: " فيه نار ثم أخبر باحتراقها لاحتمال ~~أن تكون النار ضعيفة لا يقوم إحراقها بإطفاء أنهارها وتجفيف كل أوراقها ~~وثمارها، فأخبر بإحراقها احتراسا من ذلك، وهذا أحسن استقصاء وأتمه، بحيث لم ~~يبق في المعنى المقصود موضع استدراك، والفرق بين الاستقصاء والتتميم، ~~والتكميل كون التتميم يرد على معنى ناقص فيتمم بعضه، والتكميل يرد على ~~التام فيكمل وصفه، والاستقصاء له مرتبة ثالثة، فإنه يرد على الكامل فيستوعب ~~كل ما تقع عليه الخواطر من لوازمه، بحيث لا يترك لآخذه مجالا لاستحقاقه من ~~هذه الجملة، والله أعلم. # ؟باب البسط PageV01P119 وهو أن يأتي المتكلم إلى المعنى الواحد الذي ~~يمكنه الدلالة عليه باللفظ القليل، فيدل عليه باللفظ الكثير ليضمن اللفظ ~~معاني أخر يزيد بها الكلام حسنا، لولا بسط ذلك الكلام بكثرة الألفاظ لم ~~تحصل تلك الزيادة ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " قل أئنكم ~~لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل ~~فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء ~~للسائلين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء ~~أمرها " فانظر هداك الله إلى هذا البسط في الآيات الكريمات بالنسبة إلى ~~قوله في غير موضع. من القرآن: " الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما ~~في ستة أيام " لتعلم أنه بسط سبحانه الكلام في هذه الآية ليفيد البسط معاني ~~من تفصيل الأخبار، وإيضاح المعنى وتفسير ذلك الإجمال، وإخراجها مخرج ~~التفريع لمن جعل لله تبارك وتعالى أندادا من مخلوقاته فإن قلت التفريع يحصل ~~بقوله: " الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام " فما فائدة ~~البسط؟ قلت فائدته جليلة، فإن الاستدلال بما قرب من نظر الخصم أوضح من ~~الاستدلال بما بعد، فإن تقدير أقوات الحيوان البري والبحري، وتخصيص ms222 كل صنف ~~بقوت مألوف يميل إليه بطبعه، كاللحوم للسباع، والحب للبهائم، والأوساخ وما ~~أشبهها للهمج، والبقول وسائر الخضروات لغير هذه الأصناف، وجميع بعض أصناف ~~الحيوان البهيم البري والبحري، وتركه تلك الأقوات الموجبة لكفاية ما يخرج ~~من الأرض من جميع الحيوان أقرب لفهم المخاطب، ولاحتمال أن يقع في بعض ~~النفوس أن هذه الأمور من صنع السموات والأرض، لا من صنع صانعهما كما يعتقد ~~بعض الناس فاقتضت البلاغة أن يقدم ذكر الأرض لقربها من المخاطب، ولأن ~~الأنداد منها كالحجارة التي نحتت وعبدت والأنصاب التي نجرت من الأخشاب، ~~والصور التي اتخذت من المعادن، وليعرف بعظمة قدرته في خلقه الأرض كلها في ~~يومين، ثم ثنى بذكر الجبال التي تثبت الأرض، وتكون الجواهر المعدنية منها. # ثم يذكر البركة التي لولاها لما نبت النبات، ولا عاش الحيوان، ولا تنوع ~~الجماد، ولا حصلت المنافع التي بها قوام الأجسام، ممتنا بذلك على عباده، ~~وحق له الامتنان، ثم ثلث بذكر تقدير الأقوات، ليحض بذلك على التوكل، ويبعث ~~النفوس على الاشتغال عن الفكر في التكسب بصالح الأعمال، ثم أخبر أن ذلك كله ~~في يومين آخرين، بقوله سبحانه: " في أربعة أيام " يعني. والله أعلم. أنه ~~أرسى الجبال وبارك في الأرض وقدر فيها أقواتها، مع خلقه لها في أربعة أيام، ~~ثم ختم بذكر خلق السموات السبع، والعناصر الأربعة، إذ هي سموات بالنسبة إلى ~~المخاطب، غير أنه أفرد من ذلك السموات السبع بالذكر، منبها على فضلها ~~بالنسبة إلى العناصر وعظمتها، وما تعرف العرب وغيرهم من نجومها، والهداية ~~بها، وأنوائها، وإنزال الغيث من جهتها، ومقدمات ذلك من الرعد والبرق ~~والرياح، ومنافع النيرين، ثم أخبر سبحانه أنه خلق ذلك كله في يومين ثم ~~اقتصر عز وجل في هذه الآية الكريمة على ذكر الأفلاك السبعة دون الفلكين ~~الآخرين، منطقة البروج والأطلس، لكون السبعة هي المعروفة عند العرب الذين ~~نزل عليهم القرآن وجاء بلسانهم، لأن معرفة الفلكين الآخرين موقوفة على علوم ~~ليست من علوم العرب، فإن قلت: فالعرب تعرف الأنواء وكواكبها في الفلك ~~الثامن، فلم اقتصر على ms223 ذكر السبعة دونه؟ قلت: إنما عرفت الأنواء بالقمر ~~لحلوله في المنازل، ومسير القمر أسرع مسير، وهي كثيرا ما تتأمله، لسفرها ~~فيه وسراها، وعرفت الكواكب السيارة لقرب سيرها بالنسبة، وعرف مسير المنازل ~~أيضا بحركاتها القسرية وأما حركة فلكها التي دلت عليها كواكبه الثابتة، ~~فليس من علوم العرب وإن كانت تعرفها، كما ذكرت تنقل القمر، وقد ذكره الله ~~سبحانه على انفراده، وخصه من بين الأفلاك السبعة بالذكر لميزته، فقال ~~تعالى: " والسماء ذات البروج " فأفاد سبحانه بهذا البسط حصول ضروب من ~~البديع في الكلام لولا البسط لم تحصل، وهي المذهب الكلامي والإدماج ~~والإرداف والتفسير. PageV01P120 فأما المذهب الكلامي ففي قوله تعالى: " ذلك ~~رب العالمين " فإنها نتيجة قوله تعالى: " ثم استوى إلى السماء " إلى قوله ~~سبحانه: " قالتا أتينا طائعين " فإن تقدير الكلام في ذلك والله أعلم. لا ~~تطيع السماء والأرض إلا رب العالمين، فإنهما عبارة عن العالمين، وقد أطاعت ~~الله سبحانه فهو رب العالمين، والإدماج: إدماج الإرداف في المذهب الكلامي، ~~لأنه وهو أعلم أن يقول: " قل أئنكم لتكفرون " بالقادر المطلق، فعدل عن ~~اللفظ الخاص إلى لفظ هو ردفه حيث قال: بالذي فعل وصنع وعدد من قدرته ما لا ~~يقدر عليه غيره، والتعليق في كونه تبارك وتعالى علق فن الفخر بفن العتاب، ~~إذ وصف نفسه صادقا بما هو أهله، وأثنى على ذاته بما يستحقه في ضمن العتب ~~الموبخ، والتقريع المثرب حيث قال: أئنكم لتكفرون، وتجعلون، والتفسير في ~~قوله " ذلك رب العالمين " فإنه أتى بهذه الجملة مفسرة لذلك الإجمال الذي في ~~قوله تعالى: الذي خلق وفعل وصنع، فأتى بالصفات قبل ذكر الموصوف، ولما أراد ~~تبيين ذكر الموصوف وتعريفه قال سبحانه: " ذلك رب العالمين " فهذه فائدة ~~البسط والإطناب في الكلام الذي عدل فيه عن الإيجاز والاختصار. # ومما جاء من ذلك في السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الدين ~~النصيحة " قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم " وحاصل هذا الكلام إذا ورد من طريق الاختصار أن يقول بعد ~~تخصيص الله تعالى بالذكر ms224 وكتابه ونبيه أن يقول: وللمسلمين فإنها لفظة جامعة ~~للأئمة وللعامة، فبسط هذه اللفظة ليفرد الأئمة بالذكر من جملة المسلمين، ~~ولم يمكن الاقتصار على الأئمة فيكون المعنى ناقصا، إذ تمامه لا يكون إلا ~~بذكر عامة المسلمين، فأتى بذلك البسط ليفيد تتميم المعنى بعد تخصيص من يجب ~~تخصيصه بالذكر، والله أعلم. # ومن شواهد البسط الشعرية للمتقدمين قول امرئ القيس كامل: # نظرت إليك بعين جازئة ... حوراء حانية على طفل # فإن حاصل البيت تشبيه عين هذه الموصوفة بعين الظبية، فبسط الكلام ليزيده ~~البسط معنى لولاه لم يوجد فيه، فإن لنظر الظبية إلى خشفها عاطفة عليه بحنو ~~واشفاق من الحسن ما ليس لمطلق نظرها أو لنظرها في غير هذه الحالة. # ومن أمثلته للمحدثين قول ابن المعتز في الخيري منسرح: # قد نفض العاشقون ما صنع ال؟ ... دهر بألوانهم على ورقه # فإن حاصل هذا المعنى الإخبار بصفرة الخيرى فبسط هذا اللفظ الذي لو اقتصر ~~عليه حصل به المراد، لما في البسط من إدماج الغزل في الوصف بغير لفظ ~~التشبيه، ولا قرينته المعتادة، إذ هو من قسمي التشبيه اللذين بأداة وبغير ~~أداة، بل تشبيه لا ظاهر ولا مقدر يفهم من فحوى الخطاب، إذ مفهوم اللفظ أن ~~صفرة الخيرى تشبه صفرة ألوان المهجورين. # من هذا الباب أيضا قول البحتري وقد تقدم في باب حسن الإتباع كامل: # أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء # صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجبا وبر راح وهو جفاء # فإن حاصل البيتين أنك قطعتني عنك خجلا من كثرة عطائك، فبسط هذا الكلام ~~لتحصل زيادات من البديع لولا البسط ما حصلت كالطباق في البيت الأول، بذكر ~~السواد والبياض، والمقابلة في البيت الثاني بذكر الصلة والقطيعة، والغدو ~~والرواح، والبر والجفاء، وعلى هذا فاعتبر ما تسمعه من الكلام الذي يقع فيه ~~مثله، وقسه عليه. # والفرق بين البسط والاستقصاء أن الاستقصاء هو حصر كل ما يتفرع من المعنى ~~ويتولد عنه، ويكون من سببه ولوازمه، بحيث لا يترك فيه موضعا قد أخلقه بجدة ~~الآخذ له، فيستدركه ليستحقه ms225 بذكره، والبسط نقل المعنى من الإيجاز إلى ~~الإطناب بسبب بسط العبارة عنه، وإن لم يستقص كل ما يكون من لوازمه، والله ~~أعلم. # ؟باب الهجاء في معرض المدح # وهو أن يقصد المتكلم إلى هجاء إنسان فيأتي بألفاظ موجهه ظاهرها المدح ~~وباطنها القدح، فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه، كقول بعضهم في بعض الأشراف ~~وافر: # له حق وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل # وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرسول PageV01P121 فأما ~~ألفاظ البيت الأول على انفرادها فلا تكاد تصلح إلا للمدح ولا يفهم منها ~~غيره؛ وأما البيت الثاني لو انفرد أيضا لما فهم منه مدح ولا هجاء، وكان إلى ~~باب من الأبواب أقرب من هذين البابين، لكمه لما اقترن بالأول أهل نفسه ~~وأخاه للهجاء، وعدل بألفاظهما عن الثناء وحصل من اجتماعهما ما ليس لكل ~~منهما على انفراده. # ومن أمثلة هذا الباب أيضا قول عبد الصمد بن المعدل أو أبي العميثل في أبي ~~تمام وقد كانت في لسانه حبسة رمل مجزوء: # يا نبي الله في الشع؟ ... ر ويا عيسى بن مريم # أنت من أشعر خلق الله ... ما لم تتكلم # فإن حال هذين البيتين حال البيتين اللذين قبلهما، إذ الأول منهما إذا ~~انفرد كان مدحا محضا، وإ؟ذا اجتمعا صار هجوا بحتا، غير أن ثاني الآخرين ~~مخالف لثاني الأولين. # ومن ملح هذا الباب قول السعيد بن سناء الملك رحمه الله في قواد سريع: # لي صاحب أفديه من صاحب ... حلو التأني حسن الإحتيال # لو شاء من رقة ألفاظه ... ألف ما بين الهدى والضلال # يكفيك منه أنه ربما ... قاد إلى المهجور طيف الخيال # وهذا النمط غير النمط الأول الذي قدمناه، وهذا من لطيف التوجيه، ولقد ~~تشبثت بأذيال القاضي السعيد رحمه الله في هذا المقطوع بقولي فيمن ادعى ~~الفقه والكرم وانتحل هاتين الشيمتين دون بقية الشيم، وهو ممن يتهم سريع: # ابن فلان أكرم الناس لا ... يمنع ذا الحاجة من فلسه # وهو فقيه ذو اجتهاد وقد ... نص على التقليد في درسه # يستحسن البحث على وجهه ... ويوجب الدخل ms226 على نفسه # وكل توطئة وقعت في هذا النمط الثاني صالحة للمدح البحت فإذا اقترنت ~~بأبيات المعاني انقلب ما كان فيها مدحا تهكما، وصارت هي بنفسها هجاء، والذي ~~أفرد هذا الباب بنفسه عن باب التهكم مع أن الذي فيه من المدح تهكم هو أن ~~التهكم لا تخلو ألفاظه من لفظة من اللفظ الدال على نوع من أنواع الذم، أو ~~لفظة يفهم من فحواها الهجو، وسيأتي بيان ذلك في باب التهكم، وألفاظ المدح ~~في هذا الباب لا يقع فيها شيء من ذلك، ولا تزال مفرقة ومجتمعة تدل على مجرد ~~المدح حتى يقترن بها ما يصرفها عن ذلك، وشواهد التهكم لا تخلو عن ألفاظ ~~التهكم في أبيات التوطئة، وأبيات المعاني، وما يقع في هذا الباب من التهكم ~~إنما يقع في التوطئة دون أبيات المعاني، والله أعلم. # باب العنوان # وهو أن يأخذ المتكلم في غرض له من وصف أو فخر أبو مدح أو هجاء أو عتاب أو ~~غير ذلك، ثم يأتي لقصد تكميله بألفاظ تكون عنوانا لأخبار متقدمة، وقصص ~~سالفة، كقول أبي نواس بسيط # يا هاشم بن خديج ليس فخركم ... بقتل صهر رسول الله بالسدد # أدرجتم في إهاب العير جثته ... لبئس ما قدمت أيدكم لغد # إن تقتلوا ابن أبي بكر فقد قتلت ... حجرا بدارة ملحوب بنو أسد # ويوم قلتم لعمرو وهو يقتلكم ... قتل الكلاب لقد أبرحت بالولد # ورب كندية قالت لجارتها ... والدمع ينهل من مثنى ومن وحد # ألهى امرأ القيس تشبيب بغانية ... عن ثأره وصفات النؤي والوتد # فقد أتى أبو نواس في هذه الأبيات بعدة عنوانات: منها قصة قتل محمد بن أبي ~~بكر، وقتل حجر أبي امرئ القيس، وقتل عمرو بن هند كندة في ضمن هجاء من أراد ~~هجوه، ومعيرة المهجو بما أشار إليه من الأخبار الدالة على هجاء قبيلته ~~وملوكهم، ومثل ذلك قول أبي تمام في استعطافه مالك بن طوق على قومه كامل: # رفدوك في يوم الكلاب وشققوا ... فيه المزاد بجحفل كلاب # وهم بعين أباغ راشوا للعدا ... سهميك عند الحارث الحراب # وليالي الثرثار ms227 والحشاك قد ... جلبوا الجياد لواحق الأقراب # فمضت كهولهم ودبر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب # ثم قال بعد ذلك: كامل # لك في رسول الله أعظم أسوة ... وأجلها في سنة وكتاب # أعطى المؤلفة القلوب رضاهم ... كملا ورد أخائذ الأحزاب # والجعفريون استقلت ظعنهم ... عن قومهم وهم نجوم كلاب PageV01P122 حتى إذا ~~أخذ الفراق بقسطه ... منهم وشط بهم عن الأحباب # ورأوا بلاد الله قد لفظتهم ... أكنافها رجعوا إلى جواب # فأتوا كريم الخيم مثلك صافحا ... عن ذكر أحقاد وذكر ضباب # فانظر إلى ما أتى به أبو تمام في هذه الأبيات من العنوانات من السيرة ~~النبوية وأيام العرب كيوم الكلاب، وأخبار بني جعفر بن كلاب مع ابن عمهم ~~جواب، وكقوله أيضا لأحمد بن أبي دواد: وافر: # تثبت إن قولا كان زورا ... أتى النعمان قبلك في زياد # فأرث بين حي بني جلاح ... لظى حرب وحي بني مصاد # وغادر في صدور الدهر قتلى ... بني بدر على ذات الإصاد # فأتى بعنوان مشيرا إلى قصة النابغة حين وشى به الواشون إلى النعمان، وما ~~جر ذلك السعي من الحروب التي انطوت عليها قطعة من أيام العرب، وكقوله لابن ~~أبي دواد أيضا: كامل # فاسمع مقالة زائر لم تشتبه ... آراؤه عند اشتباه البيد # أسرى طريدا للحياء من التي ... زعموا وليس لرهبة بطريد # كنت الربيع أمامه ووراءه ... قمر القبائل خالد بن يزيد # فالغيث من زهر سحابة رأفة ... والركن من شيبان طود حديد # وغدا تبين ما براءة ساحتي ... لو قد نفضت تهائمي ونجودى # هذا الوليد رأى التثبت بعد ما ... قالوا يزيد بن المهلب مودى # فتزحزح الزور المؤسس عنده ... وبناء هذا الإفك غير مشيد # وتمكن ابن أبي سعيد من حجى ... ملك بشكر بني الملوك سعيد # ما خالد لي دون أيوب ولا ... عبد العزيز ولست دون وليد # نفسي فداؤك أي باب ملمة ... لم يرم فيه إليك بالإقليد # لما أظلتني غمامك أصبحت ... تلك الشهود على وهي شهودي # من بعد ما ظنوا بأن سيكون لي ... يوم ببغيهم كيوم عبيد # نزعوا بسهم قطيعة يهفو به ... ريش العقوق فكان غير سديد # وإذا ms228 أراد الله نشر فضيلة ... ما كان يعرف فضل عرف العود # لولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسود # العنوانات في بعض هذه الأبيات، وإنما جئت بجملتها لئلا يتجرأ حسنها، فمن ~~عنواناتها إشارته إلى خبره مع ابن أبي دواد فيما نقل عنه من غضه من مضر على ~~سبيل الحسد له، حتى حجبه عنه وجفاه، ولم يرجع إليه إلا بشفاعة خالد بن يزيد ~~الشيباني، ثم ذكر قصة يزيد بن المهلب حين هرب من حبس الحجاج، وكتب فيه إلى ~~الوليد بما أحفظه عليه، حتى حلف على قتله، فاستشفع بسليمان أخيه، واستجار ~~به، فأجاره، وأرسل به مع ولده أيوب، وولد الوليد عبد العزيز، ووصى ولده ألا ~~يدع يده من يده إلا بعد أمانه، وألا يوصل إليه بسوء إلا بعد قتله، ثم أشار ~~إلى قصة عبيد بن الأبرص مع النعمان حين لقيه في ويوم بؤسه وقتله، وهذه ~~القصص معروفة عند الأخباريين، فلم أطل بسياقة تفاصيلها، والكتاب العزيز ~~محشو بعنوانات العلوم، فمنها قوله سبحانه: " ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم ~~يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من ~~جبال فيها من برد " الآية، فإن فيها عنوان العلم المعروف بالآثار العلوية، ~~ومن ذلك قوله تعالى: " انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من ~~اللهب " وهذا عنوان العلم المنسوب إلى أقليدس، لأن المثلث الشكل أول ~~أشكاله، وهو أصل الأشكال، وهو شكل إذا نصب في الشمس لا يوجد له ظل لتحديد ~~رؤوس زواياه، والله أعلم. # ومن ذلك قوله تعالى: " وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من ~~الموقنين " ثم ذكر سبحانه في تفسير ذلك ملكوت السموات، مدمجا فيه ملكوت ~~الأرض، فإن أفول الكواكب والنيرين إنما يكون بما يحول بين الأبصار وبينها ~~من مخروط ظل الأرض، وهذا عنوان العلم المعروف بالمجسطي والله أعلم وقوله ~~تعالى في بقية الآية المذكورة: " فلما جن عليه الليل رأى كوكبا " إلى آخر ~~الآية، وهذا عنوان علم الكلام في ترتيب نظم الدليل على حدوث العالم ms229 بما دل ~~عليه أفول الكواكب من التغيير، والله أعلم. PageV01P123 باب الإيضاح # وهو أن يذكر المتكلم كلاما في ظاهره لبس، ثم يوضحه في بقية كلامه، كقول ~~الشاعر طويل: # يذكرنيك الخير والشر كله ... وقيل الخنا والعلم والحلم والجهل # فإن هذا الشاعر لو اقتصر على هذا البيت لأشكل مراده على السامع، لجمعه ~~بين ألفاظ المدح والهجاء، فلما قال بعده طويل: # فألقاك عن مكروها متنزها ... وألقاك في محبوبها ولك الفضل # أوضح المعنى المراد، ورفع اللبس، وأوضح الشك وقد يكون الإيضاح في الوصف ~~الذي لا يتعلق به مدح ولا هجاء، وذلك أن يخبر المتكلم بخبر واحد عن شيء ~~واحد يقع التعجب منه، ويشكل الأمر فيه، ثم يوضح ذلك الإشكال بأن يخبر عنه ~~بما يفهم منه كشف اللبس عن الجزء الأول، كقول ابن حيوس الدمشقي كامل: # ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه # فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه # فإنه لو اقتصر على البيت الأول أشكل الأمر على السامع من جهة الوجه وإن ~~كان حسنا لا يغني به النديم عن الخمر فأوضح اللبس في البيت الثاني. والفرق ~~بين الإيضاح والتفسير أن التفسير تفصيل الإجمال، والإيضاح رفع الإشكال، لأن ~~المفسر من الكلام لا يكون فيه إشكال ألبتة، وقد جاء من الإيضاح في الكتاب ~~العزيز قوله تعالى " كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من ~~قبل " فإنه لو قدر الاقتصار على هذا المقدار لالتبس الأمر على المخاطب ~~لكونه لا يدري هل أراد الله تعالى بقوله حكاية عنهم " هذا الذي رزقنا من ~~قبل " الإشارة إلى صنف الثمرة، أو مقدار اللبس بقوله " وأتوا به متشابها " ~~يعني والله أعلم أشياء يشبه بعضها بعضا، وهي متغايرة الأصناف، لأن الوجه ~~الثاني يوجب اللبس الذي وقع الفرار منه، لأنه لا يدري هل قولهم: " هذا الذي ~~رزقنا من قبل " أي غير ما رزقنا، وحقيقته أو غيره، لكنه هو في المقدار ~~مثله، فلما قال سبحانه: " وأتوا به متشابها " ارتفع هذا اللبس أيضا لكون ~~البلاغة تقتضيه، وإنما اقتضته البلاغة لكونه ms230 من المعلوم، إذ المداومة على ~~مأكول واحد توجب السأم والملل، وإن كمال التنعم وتمام التفكه التلون في ~~المطاعم، والتفنن في المآكل، فعلم من فحوى الخطاب أنه أراد سبحانه وهو أعلم ~~الصنف لا المقدار ومن الإيضاح قوله تعالى: " ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ~~نحن نرزقكم وإياهم " وقال في غير هذا الموضع " ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق نحن نرزقهم وإياكم " ثم قال سبحانه في الأولى: " نحن نرزقكم " ، وفي ~~الثانية: " نحن نرزقهم " ، وإيضاح هذا الإشكال أن يقال: إنه سبحانه لما قال ~~في الأولى " ولا تقتلوا أولادكم من إملاق " دل هذا اللفظ على أن الفقر كان ~~حاصلا بقتلهم الأولاد بسبب وجوده، فلا جرم أنه سبحانه وتعالى قال: " نحن ~~نرزقكم " أي ما يغني فقركم، ولما قال في الثانية " ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق " ، دل على أنهم أغنياء وإنما هم يخشون الفقر فلا جرم أنه قال: نحن ~~نرزقهم، أي لا تظنوا أنكم ترزقون الأولاد من رزقكم فتفتقرون، نحن نرزقهم. # ومثل هذه الآية قوله تعالى: " إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من ~~الميت ومخرج الميت من الحي " فلقائل أن يقول: لم قدم التمدح بذكر الحب قبل ~~النوى؟ ولم قال سبحانه: يخرج الحي من الميت، بلفظ الفعل؟، ثم قال: " ومخرج ~~الميت من الحي " بلفظ الفاعل، والجواب أن يقال: تقديم الحب على النوى من ~~المهم، والبلاغة تقديم المهم، كما قيل: إن المهم المقدم فإن ما كان مهما ~~فتقديم التمدح به أولى، لأنه قوت المخاطب وقوت دوابه، وذكر ذلك إنما هو في ~~معرض الاعتداد بالنعم عليه، فكان تقديمه أولى، والنوى إنما ذكر لتتميم ~~المعنى، ليكمل التمدح فإنه في ذكره إشارة إلى الاعتداد على المخاطب بما ~~يتفكه به، وطريق التهذيب والترتيب أن يكون ذكر ما يتفكه به بعد ذكر الأقوات ~~التي لا غنى عنها، ولا بد للحيوان منها. PageV01P124 وأما قوله: " يخرج ~~الحي " بلفظ الفعل عند تقديم إخراج الحي لما في الحي من الحركة التي تعينه ~~عند الخروج، فخروجه أسهل على مخرجه من خروج الميت من الحين فاقتضت البلاغة ~~تقديمه بلفظ ms231 الفعل المقتضى للحال والاستقبال ليكون ذكر خروج الميت بعده ~~انتقالا من الأدنى إلى الأعلى، وجعل خروج الميت مستندا إلى لفظ الفاعل ~~المضاف الدال على المضي ليكون خروج الأصعب مفروغا من وقوعه، ليكون أدل على ~~القدرة وأبلغ في التمدح، والله أعلم. # ومن الإيضاح نوع يتقدم الإيضاح فيه على الإشكال كقوله تعالى: " نساؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " إذ لو لم تتقدم تسمية النساء بالحرث، وهو ~~موضع الزرع لوهم متوهم من قوله " أنى شئتم " إباحة الوطء في غير المكان ~~المشروع، والله أعلم. # باب التشكيك # وهو أن يأتي المتكلم في كلامه بلفظة تشكك المخاطب هل هي حشو أو أصلية لا ~~غنى بالكلام عنها، مثل قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ~~" فإن لفظة " بدين " تشكك السامع هل هي فضلة، إذ لفظة " تداينتم " تغني ~~عنها، والناظر في علم البيان يعلم أنها أصلية، لأن لفظة الدين لها محامل، ~~وتقول: داينت فلانا المودة يعني جازيته ومنه " كما تدين تدان " . ومن ذلك ~~قول رؤبة " رجز " . # داينت أروى والديون تقضى ... فمطلت بعضا وأدت بعضا # وأمثال هذا. # وكل هذا هو الدين المجازى الذي لا يكتب ولا يشهد عليه، ولما كان المراد ~~في الآية الكريمة تبيين الدين المالي الذي يكتب ويشهد عليه وفيه، وتبيين ~~الأحكام المعلقة به، وما ينبغي أن يعمل فيه، أوجبت البلاغة أن تقول " بدين ~~" معناه يكتب ويشهد فيه، ليقول: " فاكتبوه " ، والله أعلم. # ومن التشكيك ضرب آخر، وهو أن يأتي المتكلم بجمل من المعاني في كلامه، كل ~~جملة معطوفة على الأخرى بأو التي هي موضوعة للتشكيك لا التي للتخيير ~~والإباحة، كقول البحتري سريع: # كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو بر أو أقاح # ومن التشكيك نوع التبس على بعض المؤلفين حتى أدخله في باب تجاهل العارف، ~~وهو أن يرى المتكلم شيئا شبيها بشيء فيشكك نفسه فيه، لقصد تقريب المشبه من ~~المشبه به، ثم يعود عن المجاز إلى الحقيقة، فيزيل ذلك التشكيك، فإن لم يعد ~~إلى الحقيقة فهو تجاهل العارف وإن عاد فهو التشكيك المحض، وهو كقول ms232 سلم ~~طويل: # تبدت فقلت الشمس عند طلوعها ... بجلد غنى اللون عن أثر الورس # فلما كررت الطرف قلت لصاحبي ... على مرية ما هاهنا مطلع الشمس # فانظر كيف رجع إلى التحقيق بعد التشكيك، وقد خفى هذا الفرق عن ابن رشيق ~~وغيره حتى أدخلوه في باب تجاهل العارف، وهذا خلاف قول أبي تمام طويل: # فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع # فإن سلما رجع عن التشكيك وأبو تمام لم يرجع، فكان بيت سلم من التشكيك ~~المحض، وبيت حبيب من تجاهل العارف، وقد ظهر الفرق بين البابين، والله أعلم. # باب الحيدة والانتقال PageV01P125 وهو أن يجيب المسؤول بجواب لا يصلح أن ~~يكون جوابا عما سئل عنه، أو ينتقل المستدل إلى الاستدلال غير الذي كان آخذا ~~فيه، وإنما يكون هذا بلاغة إذا أتى به المستدل بعد معارضة بما يدل على أن ~~المعترض لم يفهم استدلاله، فينتقل عنه إلى استدلال يقطع به الخصم عند فهمه، ~~وقد جاء في الكتاب العزيز من ذلك قوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السلام ~~في قوله للجبار: " ربي الذي يحيي ويميت " فقال الجبار: " أنا أحيي وأميت " ~~ثم دعا بإنسان فقتله، ودعا بمن وجب عليه القتل فأعتقه، فلما علم الخليل أنه ~~لم يفهم معنى الإماتة والإحياء اللذين أرادهما انتقل إلى استدلال آخر فقال: ~~" إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب " فأتاه باستدلال لا ~~يجد لاسمه اسما مشتركا معه، فتعلق بظاهره على طريق المغالطة، أو لأنه لم ~~يفهم إلا ذلك الوجه الذي تعلق به، فلا جرم أن الجبار انقطع وأخبر الله ~~سبحانه عنه بذلك حيث قال تعالى: " فبهت الذي كفر " وفيه نوع يحيد المسئول ~~عن خصوص الجواب إلى عمومه، لتفيد تلك الحيدة زيادة بيان لا تحصل بخصوص ~~الجواب كقول عائشة رضي الله عنها وقد سألتها امرأة أتدخل المرأة الحمام؟ ~~فقالت: " كل امرأة وضعت ثيابها في غير بيتها فقد عصت " أو كما قالت: " ~~فانظر إلى حيدتها عن الخصوص إلى العموم، لتفيد زيادة في البيان، وتستوعب ~~جميع أحكام ms233 الباب " صواب الحديث: ما من امرأة خلعت ثيابها في غير بيتها، ~~إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب. فهذا مثال ما يأتي من الحيدة بسبب ~~سوء فهم الخصم أو لقصد الزيادة المفيدة. # وأما ما يأتي بسبب صحة المعارضة على طريق المغالطة كقول الشاعر منسرح: # رأيته في الظلام منبطحا ... يضرب في باب سرمه بوق # فقلت ماذا؟ فقال يبهتني ... أنت تقول القرآن مخلوق # وقول الآخر منسرح: # قالت أحب العذار أول ما ... يبدو على الخد غير معوج # قلت: اسكتي لا يقال لائطة ... قالت: وإلا عذارك الثلجى # باب الشماتة # وهو إظهار المسرة بمن نالته محنة، أو أصابته نكبة، ولم أستمع في ذلك مثل ~~قول ابن الرومي كامل: # لا زال يومك عبرة لغدك ... وبكت بشجوعين ذي حسدك # فلئن بكيت لطالما نكبت ... بك همة لجأت إلى سندك # لو تسجد الأيام ما سجدت ... إلا ليوم فت في عضدك # يا نعمة ولت غضارتها ... ما كان أقبح حسنها بيدك # فلقد غدت بردا على كبدي ... لما غدت نارا على كبدك # ورأيت نعمى الله زائدة ... لما استبان النقص في عددك # لم يبق لي مما برى جسدي ... إلا بقايا الروح في جسدك # وقد جاء من الشماتة في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم " فلفظة " ذق " شماتة، وبقية الكلام تهكم. # وأما الشماتة المحضة في القرآن فقوله تعالى لفرعون: " آلآن وقد عصيت قبل ~~وكنت من المفسدين " . # باب التهكم # يقال: تهكمت البئر إذا تهدمت، وتهكم عليه: اشتد غضبه. والمتهكم المتكبر ~~وقال أبو زيد: تهكمت: تعتبت، وهكمت، عيرته تهكيما عبته، وعلى هذا يكون ~~التهكم إما لشدة الغضب قد أوعد بلفظ البشارة أو لشدة الكبر وتهاونه ~~بالمخاطب قد فعل ذلك أو ذكر بفعله عند العقوبة على سبب المعيرة له، فهذا ~~أصله. # وهو في الاستعمال عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار، والوعد ~~في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء، فشاهد البشارة من الكتاب العزيز ~~قوله تعالى: " بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما " وقد مر في الباب الذي ~~قبله قوله تعالى: " ذق إنك ms234 أنت العزيز الكريم " وهو شاهد الاستهزاء بلفظ ~~المدح. # ومن التهكم قول الزمخشري في تأويل قوله تعالى: " له معقبات من بين يديه ~~ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " قال: هم الحرس من حول السلطان يحفظونه على ~~زعمه من أمر الله على سبيل التهكم به، فإنهم لا يحفظونه من أمر الله في ~~الحقيقة إذا جاء، والله أعلم. # ومنه أيضا قوله تعالى: " قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين " ~~فقوله سبحانه " إيمانكم " تهكم، والله أعلم. # ومن السنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم " بشر مال البخيل بحادث أو وارث ~~" . PageV01P126 وشاهد المدح في موضع الاستهزاء قول ابن الذروى في ابن أبي ~~حصينة من أبيات خفيف: # لا تظنن حدبة الظهر عيبا ... فهي في الحسن من صفات الهلال # ؟وكذاك القسي محدودبات وهي أنكى من الظبا والعوالي # وإذا ما علا السنام ففيه ... لقروم الجمال أي جمال # وذنابى القطاة وهي كما تع ... لم كانت موصوفة بالجلال # وأرى الانحناء في منسر البا ... زي لم يعد مخلب الرئبال # كون الله حدبة فيك إن شئ ... ت من الفضل أو من الإفضال # فأتت ربوة على طود حلم ... طال أو موجة ببحر نوال # ما رأتها النساء إلا تمنت ... لو غدت حلية لكل الرجال # ثم ختمها بقوله: # وإذا لم يكن من الهجر بد ... فعسى أن تزورني في الخيال # وكقول ابن الرومي سريع: # فيا له من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل # وأحسب أن أول من نطق بالتهكم في شعره امرؤ القيس، حيث يقول: متقارب: # فأنشب أظفاره في النسا ... فقلت هبلت ألا تبصر # فإن قوله للثور هبلت ألا تبصر من التهكم اللطيف. وأطرف ما سمعت في التهكم ~~قول حماد عجرد مجزوء الكامل: # فيا ابن نوح يا أخا ال؟ ... حلس ويا بن القتب # ومن نشا والده ... بين الربا والكثب # يا عربي يا عربي ... يا عربي يا عربي # والفرق بين التهكم والهزل الذي يراد به الجد أن التهكم ظاهره جد وباطنه ~~هزل، وهو ضد الأول، لأن الهزل الذي يراد به الجد يكون ظاهره هزلا وباطنه ~~جدا. ms235 # ؟باب التنذير # وهو أن يأتي المتكلم بنادرة حلوة، أو مجنة مستطرفة، وهو يقع في الجد ~~والهزل ومن لطيف ما جاء منه في الجد وبديعه قوله تعالى: " فإذا جاء الخوف ~~رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت " فانظر مبالغته ~~سبحانه وتعالى في وصف المنافقين بالجبن والخوف حيث أخبر عنهم بالخبر الصادق ~~أنهم عند الخوف تدور أعينهم عند النظر كحالة من يغشى عليه من الموت، ولو ~~اقتصر سبحانه وتعالى على قوله " كالذي يغشى عليه " كان كافيا في المقصود، ~~لكن أراد الزيادة على المقدار الذي قصد من المبالغة، فأوغل بقوله سبحانه " ~~من الموت " إذ حالة المغشى عليه من الموت أشد من حالة غيره، ولا شك في أن ~~المنافقين من الجبن والخوف من الموت بهذه المثابة، وذلك الذي دعاهم إلى ~~النفاق، فإن من كان قوي النفس شجاع القلب، لا يرتضي النفاق، إذ هو لا يخشى ~~الموت ولا يخافه، وفي هذا الكلام من طريف التندير لمن يتدبره ما يبهرج كل ~~نادرة. # وأما ما جاء منه في الهزل فكقول أبي تمام فيمن سرق له شعرا، وهو محمد بن ~~يزيد الرقى خفيف: # من بنو بحدل من ابن الحباب ... من بنو تغلب غداة الكلاب # من طفيل من عامر أو من الحا ... رث أم من عتيبة بن شهاب # إنما الضيغم الهصور أبو الأش؟ ... بال هتاك كل خيس وغاب # من عدت خيله على سرح شعري ... وهو للحين راتع في كتاب # يا عذارى الكلام صرتن من بع؟ ... دي سبايا تبعن في الأعراب # ؟لو ترى منطقي أسيرا لأصبح؟ ... ت أسيرا ذا عبرة واكتئاب # ثم ختمها بقوله: ؟طال رغبي إليك مما أقاسي؟ - ه ورغبي يا رب فاحفظ ثيابي ~~وكقوله في هجاء موسى بن إبراهيم الرافقي كامل: # عجبا لقوم يسمعون مدائحي ... لك لم يقولوا قم فأنت مصاب # نبزوا بكذاب مسيلمة فقد ... غلطوا ومانوا بل أنا الكذاب # وما رويت ألطف من قول ضياء الدين موسى بن ملهم الكاتب في الرشيد عمر ~~الفوى وكان به داء الثعلب وهو من نوادر ما قيل في ms236 أقرع وافر: # أقول لمعشر غلطوا وغضوا ... من الشيخ الرشيد وأنكروه # هو ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى يضع العمامة تعرفوه # والفرق بين التندير وما قبله من باب التهكم وما يلتبس بالتهكم من الهزل ~~الذي يراد به الجد أن التندير ظاهره وباطنه هزل بخلاف البابين، والله أعلم. # ؟باب الإسجال بعد المغالطة PageV01P127 وهو أن يقصد الشاعر غرضا من ~~ممدوح، فيأتي بألفاظ تقرر بلوغه ذلك الغرض، فيسجل عليه ذلك، مثل أن يشترط ~~لبلوغ ذلك الغرض شرطا يلزم من وقوعه وقوع ذلك الغرض، ثم يقرر وقوع ذلك ~~الغرض مغالطة، ليقع المشروط كقول بعض المحدثين بسيط # جاء الشتاء وما عندي لقرته ... إلا ارتعادي وتصفيقي بأسناني # فإن هلكت فمولانا يكفنني ... هبني هلكت فهبني بعض أكفاني # وقد تأتى المغالطة بلا إسجال إذا أراد المتكلم إخفاء مراده فسأل عن شيء ~~وهو يريد غيره بشرط أن يكون المسئول عنه يتعلق بمراده تعلقا قريبا لطيفا، ~~كقول أبي نواس خفيف: # أسأل القادمين من حكمان ... كيف خلفتم أبا عثمان # فيقولون لي جنان كما س ... رك من حالها فسل عن جنان # ما لهم لا يبارك الله فيهم ... كيف لم يغن عندهم كتماني # فإنه سأل عن أخى سيد جنان وإنما أراد جنانا، ويقع الإسجال بغير مغالطة، ~~وهذا القسم هو الذي يأتي في الكتاب العزيز كثيرا، ومنه قوله تعالى: " ربنا ~~وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم " والله أعلم. # باب الفرائد # هذا باب مختص بالفصاحة دون البلاغة، لأن مفهومه إتيان المتكلم بلفظة ~~تتنزل من كلامه منزلة الفريدة من حب العقد تدل على عظم فصاحته وقوة عارضته، ~~وشدة عربيته، حتى إن هذه اللفظة لو سقطت من الكلام لعز على الفصحاء غرامتها ~~وهي كقول أبي نواس كامل: # وكأن سعدي إذ تودعنا ... وقد اشرأب الدمع أن يكفا # فلفظة اشرأب من الفرائد التي لا نظير لها في فصيح الكلام، ولا يقع مثلها ~~إلا على سبيل الندور، وكقوله أيضا بسيط # حتى إذا ما غلا ماء الشباب لها ... وأفعمت في تمام الجسم والعصب # فاستعارة الغليان لماء الشباب من الفرائد البديعة، وكذلك قول أبي تمام ms237 ~~وافر: # وقدما كنت معسول الأماني ... ومأدوم القوافي بالسداد # فلفظة مأدوم من الفرائد التي لا يقدر على نظيرها، ولا يعثر على شبيهها ~~وكقول البحتري في المعتز بالله خفيف: # لا بس حلة الوفاء ومن أب ... هة السيف أن يكون محلى # فقوله أبهة من الفرائد الغريبة في مكانها التي يعجز الفصحاء عن الإتيان ~~بها، وقد جاء في الكتاب العزيز من ذلك غرائب يعز حصرها، منها قوله سبحانه ~~وتعالى: " فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين " وانظر إلى قوله تعالى: " ~~فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا " فألفاظ هذه الجملة كلها فرائد معدومة ~~النظائر، وكقوله عز وجل: " حتى إذا فزع عن قلوبهم " فانظر إلى لفظة " فزع " ~~وغرابة فصاحتها، تعلم أن الفكر لا يكاد يقع على مثلها وكقوله تبارك وتعالى: ~~" يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور " وهذه الفريدة في هذه الآية أعجب من ~~كل ما تقدم، فإن لفظة " خائنة " سهلة مستعملة، كثيرة الجريان على ألسن ~~الناس، لكن على انفرادها، فلما أضيفت إلى " الأعين " حصل لها من غرابة ~~التركيب ما جعل لها في النفوس هذا الموقع العظيم، بحيث لا يستطاع الإتيان ~~بمثلها، ولا يكاد يقع في شيء من فصيح الكلام شبهها، وأشباه ذلك في الكتاب ~~العزيز لا يدخل تحت الحصر، وقد ورد في السنة النبوية على صاحبها الصلاة ~~والسلام مواضع شريفة، منها قوله عليه السلام: استذكروا القرآن فإنه أشد ~~تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقلها فالمح لفظتي استذكروا، وتفصيا لترى ~~ما يذهل عقل السامع فصاحة، ويروعه جزالة وحلاوة، وكذلك قوله عليه السلام: " ~~إذا ذكر الصالحون فحى هلا بعمر " فإن لفظة " حى، هلا " من الفرائد العجيبة ~~وفيها من الفصاحة ما يعجز عن مثله كل فصيح، وعلى هذه الأمثلة فقس ترشد إن ~~شاء الله تعالى. # باب الإلغاز والتعمية PageV01P128 ويسمى المحاجاة، والتعمية أعم أسمائه، ~~وهو أن يريد المتكلم شيئا فيعبر عنه بعبارات يدل ظاهرها على غيره، وباطنها ~~عليها، وهو يكون في النثر والشعر، فمما جاء منه في النثر ما أملاه على ~~السيد الشريف العالم الفاضل تاج الدين والشرف ابن الحلبي ms238 أبقاه الله من ~~رسالة ذكر أنها أملاها عليه منشئها، فحفظها ثم نسيها، ولم يبق على خاطره ~~منها إلا ما أذكره، وهو، بلغني أيدك الله أنك ركبت الأفق، وسرت تطأ ذوائب ~~النجم من عن يمين جعفر، وشمال سعيد، حتى أتيت إلى الضرير، فطفقت تستحسن ~~عينيه مليا، وقصدت ابنة الوادي فبقرت بطنها عن خمس كأصابع الكف، وأتاك ~~الغلام ببيضاء من ملاح القرية، فأصليت الجميع نارا تلظى، فبردت بنارهن نارا ~~محرقة، ورأيت عثمان وهو يسر أبا بكر فقتلته. # ومنها ورويت أن الشافعي قال: لا بأس بالمرأة إذا احتاجت أن تبيع زوجها ~~لتنفق ثمنه. # وذكر لي الشريف تاج الشرف أن منشئها كان شريفا عباسيا، وانسى اسمه. # ومن النثر الذي جاء في هذا الباب قول ابن جراح ملغزا في دملج: ماشئ وجهه ~~قمر، وقلبه حجر، إن نبذته صبر، واعتزل البشر، وإن قرعته ملأ الأسماع، وإن ~~أدخلته السوق أبى أن يباع، وإن فككت شطره دعا لك، وإن ركبت نصفه الآخر ~~هالك، وربما كثر مالك، وإن رخمته آلمك عند الفجر، وأورثك الضجر وقت العصر. # ومثال ما أتى من هذا الباب في الشعر قول بعض العرب ملغزا في الأيام " رجز ~~" : # وسبعة كلهم إخوان ... ما إن يموتون وهم شبان # لم يرهم في موضع إنسان # ومن ذلك قول أبي العلاء المعري ملغزا في الإبرة مما أنشدنيه الفاضل عفيف ~~الدين علي بن عدلان النحوي عفا الله عنه طويل: # سعت ذات سم في قميصي فغادرت ... به أثرا والله شاف من السم # كست قيصرا ثوب الجمال وتبعا ... وكسرى وعادت وهي عارية الجسم # وللمعري ملغزا في الهريسة: طويل # أتتنا وما لاح الصباح وقد سرت ... إلينا الدجى إن الحرائر لا تسرى # منعمة بيضاء ما نفحاتها ... بعطر ولكن هن أشهى من العطر # لها والد عال وأم كريمة ... وحاضنة سوداء جائشة الصدر # إذا أودعت سرا غلا في ضميرها ... فباتت من السر المصون على الجمر # وكقوله ملغزا في قطعة ملح من ملح الطعام من إنشاد المذكور طويل: # وبيضاء من سر الملاح ملكتها ... فلما قضت إربي حبوت بها صحبي ms239 # فباتوا بها مستمتعين ولم تزل ... تحثهم بعد الطعام على الشرب # وأمثلة هذا الباب من الشعر لا تحصى كثرة. # باب التصرف # وهو أن يأتى من قوة الشاعر إلى معنى فيبرزه في عدة صور، تارة بلفظ ~~الاستعارة، وطورا بلفظ الإيجاز، وآونة بلفظ الإرداف، وحينا بلفظ الحقيقة، ~~كقول امرئ القيس يصف الليل طويل: # وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # فإنه أبرز هذا المعنى في لفظ الاستعارة، تم تصرف فيه فأتى به بلفظ ~~الإيجاز، فقال: طويل: # فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل # فإن التقدير: فيا لك من ليل طويل، فحذف الصفة، لدلالة التشبيه عليها، ثم ~~تصرف فيه فأخرجه بلفظ الإرداف فقال طويل: # كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل # ثم تصرف فيه فعبر عنه بلفظ الحقيقة فقال طويل: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل # ولا شبهة في أن هذا إنما يأتي من قوة الشاعر وقدرته، ولذلك أتت قصص ~~القرآن الكريم في صور شتى من البلاغة ما بين الإيجاز والإطناب واختلاف ~~معاني الألفاظ، وشهرة ذلك تغني عن شرحه. والله أعلم . # باب النزاهة # وهو يختص غالبا بفن الهجاء، وإن وقع نادرا في غيره، فإنه عبارة عن نزاهة ~~ألفاظ الهجاء وغيره من الفحش حتى يكون الهجاء كما قال فيه أبو عمرو بن ~~العلاء وقد سئل عن أحسن الهجاء فقال: الذي إذا أنشدته العذراء في خدرها لا ~~يقبح عليها، مثل قول جرير كامل: # لو أن تغب جمعت أحسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا # وكقوله وافر: PageV01P129 فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا ~~كلابا # وكقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي طويل: # ظللت كأني لرماح دريئة ... أطاعن عن أبناء حرب وفرت # وقال ابن الأعرابي: أهجي بيت وأمضه قول الشاعر طويل: # وقد علمت عرساك أنك آيب ... تخبرهم عن جيشهم كل مرتع # ومن شواهد هذا الباب للمولدين قول أبي تمام: بسيط # مودة ذهب أثمارها شبه ms240 ... وهمة جوهر معروفها عرض # وقوله: # بني لهيعة ما بالي وبالكم ... وفي البلاد مناديح ومضطرب # لجاجة لي فيكم ليس يشبهها ... إلا لجاجتكم في أنكم عرب # وكالذي قاله معد بن الحسين بن جبارة لرجل كان يدعو قوما إلى سماع قينة ~~له، ثم انكشف له بعد ذلك أنهم ينالون منها القبيح بسيط # ألم أقل لك إن القوم بغيتهم ... في ربة العود لا في رنة العود # لا تأسفن على الشاة التي عقرت ... وأنت غاد بها في مسرح البيد # فانظر إلى هذه المعاني ونزاهة ألفاظها، وقس على ذلك. # وقد وقع من النزاهة في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وإذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه ~~مذعنين أفي قلوبهم مرض، أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل ~~أولئك هم الظالمون " فإن ألفاظ الذم للمخبر عنهم في هذه الآية أتت منزهة ~~عما يقع في غير هذا القسم من الهجاء واتفق في هذه الآية من النزاهة صحة ~~الأقسام، فإنه لم يبق بعد قوله " أفي قلوبهم مرض " إلى قوله " أن يحيف الله ~~عليهم ورسوله " قسما من هذا المعنى حتى ذكره، لأن المرض عبارة عن إبطان ~~الكفر، والريبة والشك والتردد وذكر الخوف من الحيف، فذكر جميع الأقسام التي ~~هي أسباب القعود عن الإجابة لحكم الله ورسوله، وحصل مع ذلك الافتنان، فإنها ~~تضمنت فن الفخر بوصف نفسه ورسوله بالعدل مدمجا في الإيغال الذي وقع في ~~فاصلة الآية، فإن ملزوم قوله تعالى " بل أولئك هم الظالمون " وصفه ورسوله ~~بالعدل، فاقترن التشكيك بصحة الأقسام، وأدمج الافتنان في الإيغال، فسبحان ~~المتكلم بهذا الكلام. # باب التسليم # وهو أن يفرض المتكلم فرضا محالا إما منفيا أو مشروطا بحروف الامتناع، ~~ليكون ما ذكره ممتنع الوقوع لامتناع وقوع مشروطه، ثم يسلم بوقوع ذلك تسليما ~~جدليا، ويدل على تقدير عدم الفائدة في وقوعه على تقدير وقوعه، كقوله: " ما ~~اتخذ الله من ولد وما كان معه من إليه إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم ~~على بعض ms241 " فكأن معنى الكلام والله أعلم أنه ليس مع الله سبحانه من إليه، ~~وكأن قائلا قال: لو سلمنا أن معه إلها للزم من ذلك التسليم ذهاب كل إله بما ~~خلق، وعلو بعضهم على بعض، فلا يتم في العالم أمر ولا ينفذ حكم، والواقع ~~خلاف ذلك، ففرض إلهين فصاعدا محال، ومثال ذلك قول الطرماح بسيط # لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد # فهذا أيضا على تقدير التسليم أن الله سبحانه وتعالى لا يجوز أن تخفى عليه ~~خافية، فقال الشاعر: لو كان مما يجوز أن يخفى عليه شيء من خلقه خفيت عليه ~~هذه القبيلة. # باب الافتنان # وهو أن يفتن المتكلم فيأتي بفنين متضادين من فنون الكلام في بيت واحد أو ~~جملة واحدة مثل النسيب والحماسة والهجاء والهناء والعزاء. # فأما ما افتن فيه بالجمع بين النسيب والحماسة فكقول عنترة كامل: # إن تغد في دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس، المستلئم # وكقول عبد الله بن طاهر بن الحسين وافر: # أحبك يا ظلوم وأنت عندي ... مكان الروح من جسد الجبان # ولو أني أقول مكان روحي ... خشيت عليك بادرة الطعان # ومما جمع فيه بين تهنئة وتعزية قول بعض الشعراء ليزيد بن معاوية حين دفن ~~أباه وجلس للناس بسيط # اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا # لا رزء أصبح في الأقوام تعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا # وأحسن شعر فنن فيه بالجمع بين تهنئة وتعزية قول أبي نواس للعباس بن الفضل ~~بن الربيع يعزيه بالرشيد ويهنئه بالأمين طويل: # تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائن PageV01P130 ~~حوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساو مرة ومحاسن # وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت غابن # والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدا. ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله ~~تعالى: " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " فجمع هذا الكلام ~~بين الوعد والوعيد. # ومما جمع فيه بين التعزية والفخر قوله سبحانه: " كل من ms242 عليها فان ويبق ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام " . # باب المراجعة # وهو أن يحكى المتكلم مراجعة في القول، ومحاورة في الحديث جرت بينه وبين ~~غيره أو بين اثنين غيره بأوجز عبارة وأرشق سبك وأسهل ألفاظ، إما في بيت ~~واحد، أو في أبيات، أو جملة واحدة، كقول عمر بن أبي ربيعة " رمل " : # بينما ينعتني أبصرنني ... مثل قيد الرمح يعدو بي الأغر # قالت الكبرى: ترى من ذا الفتى ... قالت الوسطى لها: هذا عمر # قالت الصغرى وقد تيمتها ... قد عرفناه، وهل يخفى القمر؟ # وفي الأبيات خبئان يدلان على قوة عارضة الشاعر وحذقه بمعرفة وضع الكلام ~~مواضعه: أحدهما، وهو الذي يدل على قوة العارضة، أن قوافي الأبيات لو أطلقت ~~لكانت كلها مرفوعة كما قيل في أرجوزة رؤبة التي أولها " رجز " : # قد جبر الدين الإله فجبر # فإنهم قالوا: إنها تزيد على التسعين شطرا، ولو أطلقت قوافيها لكانت كلها ~~مفتوحة. # والخبء الآخر كونه جعل التي عرفته وعرفت به وشبهته تشبيها يدل على شغفها ~~به هي الصغرى، ليدل بدليل الالتزام على أنه فتى السن إذ الفتية من النساء ~~لا تميل إلا للفتى من الرجال غالبا وختم قوله بما أخرجه مخرج المثل السائر ~~موزونا، ولا يقال إنما مالت الصغرى له دون أختها لضعف عقلها وعدم تجربتها، ~~فإني أقول: قد تخلص من هذا الدخل بكونه أخبر أن الكبرى التي هي أعقلهن ما ~~كانت رأته قبل، وإنما كانت تهواه على السماع به، فلما رأته وعلمت أنه ذلك ~~الموصوف لها، أظهرت من وجدها به على مقدار عقلها ما أظهرت من سؤالها عنه ~~فحسب، ولم تتجاوز ذلك، أو سألت عنه وقد علمته لتلتذ بسماع اسمه من باب ~~تجاهل العارف الذي توجبه شدة الوله والعقل يمنعها من التصريح، والوسطى ~~سارعت إلى التعريف باسمه للعلم، فكانت دون الكبرى في الثبات الذي توجبه ~~سنها وتوسطها، والصغرى لكون منزلتها في الثبات دون الأختين أظهرت من معرفته ~~وصفته ما دلت به على شدة شغفها به، وكل ذلك وإن لم يكن كذلك فألفاظ الشعر ~~تدل عليه. # ومن جيد أمثلة ms243 هذا الباب قول أبي نواس مجزوء الرمل: # قال لي يوما سليما ... ن وبعض القول أشنع # قال صفني وعليا ... أينا أتقى وأنفع # قلت إني إن أقل ما ... فيكما بالحق تجزع # قال: كلا قلت: مهلا ... قال قل لي: قلت: فاسمع # قال: صفه قلت: يعطى ... قال: صفني قلت: تمنع # وإلى لطافة البحتري في باب المراجعة تنتهي الرياسة حيث قال خفيف: # بت أسقيه صفوة الراح حتى ... وضع الكأس مائلا يتكفا # قلت: عبد العزيز تفديك روحي ... قال: لبيك قلت: لبيك ألفا # هاكها، قال: هاتها، قلت: خذها ... قال: لا أستطيعها، ثم أغفى # باب السلب والإيجاب # وهو أن يقصد المادح أن يفرد ممدوحه بصفة مدح لا يشركه فيها غيره، فينفيها ~~في أول كلامه عن جميع الناس، ويثبتها لممدوحه بعد ذلك، كقول الخنساء في ~~أخيها طويل: # وما بلغت كف امرئ متناولا ... من المجد إلا والذي نلت أطول # وما بلغ المهدون للناس مدحة ... وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل # فقصد أبو نواس أخذ معنى الثاني من البيتين فلم يتهيأ له أخذه إلا في ~~بيتين، وقصر عنه بعد ذلك تقصيرا كثيرا، وناهيك بأبي نواس، وذلك أنه قال ~~طويل: # إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني # وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني PageV01P131 ~~أما كون معنى البيتين من معنى البيت الثاني من شعر الخنساء فلأن حاصل بيتي ~~أبي نواس أنك فوق ثنائنا الصالح عليك، وإن مدحنا غيرك كان له لفظ المدح ولك ~~معناه، وهذا كله هو عين قول الخنساء: # وما بلغ المهدون للناس مدحة # لأن حاصل قولها إن مدح المادحين فيك أفضل من مدحهم للناس، وإن أطنبوا في ~~مدح الناس هو قول أبي نواس في بيته الأول طويل: # فأنت كما نثني وفوق الذي نثني # وقصر أبو نواس عن لحاقها في الزيادة التي هي قولها: وإن أطنبوا، وقولها: ~~" وما بلغ المهدون للناس " فكل هذه المبالغات قصر عنها أبو نواس، وأما قول ~~أبي نواس في بيته الثاني " فأنت الذي نثني " هو عين قولها إلا الذي فيك ms244 ~~أفضل فإن مفهومه أن كل من يهدي مدحا لأحد من البشر له فيك فضل مما أهدى ~~لغيرك، ووجه تقصير أبي نواس في هذا المعنى أنه جعل ممدوحه يمدح بالنية دون ~~القول، وبالتأويل دون التصريح، والخنساء جعلت أخاها ممدوحا من جميع الناس ~~بالتصريح والمعنى بأفضل ما مدح به كل الناس، فبين المعنيين من البون ما ~~تراه. # ومن هذا الباب ما يقع في التشبيه والإخبار وغيرهما بحيث يكون للمشبه أو ~~المخبر عنه صفات فينفي بعضها ليثبت بعضها وينفي واحدة ليوجب أختها، أو ~~يسلبها ويوجب غيرها، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام " ~~أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " فسلب ~~النبوة ليوجب بقية المنازل التي كانت لهارون من موسى عليهما السلام. # ومن ذلك قول الشاعر طويل: # فصرت كأني يوسف بين اخوتي ... ولكن تعدتني النبوة والحسن # فسلب نفسه هاتين الصفتين من صفات يوسف عليه السلام ليثبت ما عداهما مما ~~امتحن به يوسف من إخوته، وهذا البيت وإن كان من شواهد الاستدراك فهو مما ~~يليق أن يستشهد به هاهنا. # ومن ذلك قول ابن الرومي طويل: # كأنا مع الجدران في جنباته ... دمى في انقطاع الرزق لا في المحاسن # لما كانت الدمى موصوفة بهاتين الصفتين، وكانت إحداهما لائقة بالمعنى الذي ~~قصده، أثبتها ونفى ما عدها من الصفة التي لا تليق بغرضه، والله أعلم. # باب الإبهام # وهو أن يقول المتكلم كلاما يحتمل معنيين متضادين، لا يتميز أحدهما على ~~الآخر، ولا يأتي في كلامه بما يحصل به التمييز فيما بعد ذلك، بل يقصد إبهام ~~الأمر فيهما قصدا، والفرق بينه وبين الاشتراك المعيب أن الاشتراك لا يقع ~~إلا في لفظة مفردة لها مفهومان، لا يعلم أيهما أراد المتكلم، والإبهام لا ~~يكون إلا في الجمل المركبة المفيدة، ويختص بالفنون كالمديح، والهجاء، ~~وغيرهما، ولا كذلك الاشتراك، والفرق بينه وبين الإيضاح أن البيت الملتبس ~~الذي يفتقر إلى الإيضاح يتضمن ألفاظ المديح الصريح والهجاء البين فيكون فيه ~~مدح وهجاء، والإبهام لا يفهم من ms245 ألفاظه مدح ولا هجاء البتة، بل يكون لفظه ~~صالحا للأمرين، وإن لم يكن فيه من لفظ المدح والهجاء شيء. # ومثاله ما حكى أن بعض الشعراء هنأ الحسن بن سهيل بصهر المأمون مع من ~~هنأه، فأثاب الناس كلهم وحرمه، فكتب إليه: إن أنت تماديت على حرماني عملت ~~فيك بيتا لا يعلم أحد مدحتك فيه أم هجوتك؟ فاستحضره وسأله عن قوله، فاعترف، ~~فقال: لا أعطيك أو تفعل، فقال مجزوء الخفيف: # بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن # يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من؟ # فلم يعلم أراد بقوله: " ببنت من " في الرفعة أو في الضعة، فاستحسن الحسن ~~منه ذلك، وناشده، أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته؟ فقال: لا والله، إلا نقلته ~~من شعر شاعر مطبوع كان بعث به، ففصل قباء عند خياط أعور اسمه زيد، قال له ~~الخياط على طريق العبث به: سآتيك به لا يدري أباء هو أم دواج فقال الشاعر: ~~لئن فعلت لأعلمن فيك بيتا لا يعلم أحد ممن سمعه أدعوت لك فيه أم دعوت عليك؟ ~~ففعل الخياط، فقال الشاعر مجزوء الرمل: # جاء من زيد قباء ... ليت عينيه سواء # فما علم أحد هل أراد أن الصحيحة تساوي السقيمة أو العكس، قال: فاستحسن ~~الحسن صدقه، أضعاف استحسانه حذقه، وأضعف جائزته. # ومن إبهام العرب قول رجل من بني عبد شمس بن سعد بن تميم طويل: # تضيفني وهنا فقلت أسابقي ... إلى الزاد شلت من يدي الأصابع PageV01P132 ~~ولم تلق للسعدي ضيفا بقفرة ... من الأرض إلا وهو صديان جائع # فإن ظاهر الشعر مبهم معناه، فيظن سامعه أنه أراد ضيفا من البشر، فيكون قد ~~هجا به نفسه، وإنما هو يصف ذئبا غشى رحله في الليل وهو بالقمر وهو فخر محض، ~~والله أعلم. # باب القول بالموجب # وهو أن يخاطب المتكلم مخاطبا بكلام فيعمد المخاطب إلى كل كلمة مفردة من ~~كلام المتكلم فيبني عليها من لفظة ما يوجب عكس معنى المتكلم، وذلك عين ~~القول بالموجب، لأن حقيقته رد الخصم كلام خصمه من فحوى لفظه كقول ابن حجاج ~~خفيف: # قلت: ms246 طولت قال، لي: بل تطول؟ ... ت وأبرمت قلت: حبل ودادي # ومن شواهده أيضا كامل: # إن قال: قد ضاعت فيصدق أنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي # أو قال: قد وقعت فيصدق أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع # وقد مر هذان البيتان في باب الاستدراك، والفرق بين القول بالموجب وبين ~~التعطف من وجهين: أحدهما أن اللفظة التي تزيد في التعطف لا تكون مع أختها ~~في قسم واحد، وإنما تكون كل لفظة في شطر. والثاني أن الثانية من كلمتي ~~التعطف لا تكون عكس معنى الكلام، وهذه تعكس معناه، والله أعلم. # ؟باب حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي # وهو أن يأتي المتكلم إلى نوع ما فيجعله بالتعظيم له جنسا بعد حصر أقسام ~~الأنواع منه والأجناس كقوله تعالى " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ~~ويعلم ما في البر والبحر " الآية فإنه سبحانه تمدح بأنه يعلم ما في البر ~~والبحر من أصناف الحيوان والنبات والجماد حاصرا لجرئيات المولدات ورأى أن ~~الاقتصار على ذلك لا يكمل به التمدح، لاحتمال أن يظن ضعيف أنه يعلم الكليات ~~دون الجزئيات، فإن المولدات وإن كانت جزئيات بالنسبة إلى جملة العالم فكل ~~واحد منها كلي بالنسبة إلى ما تحته من الأجناس والأنواع والأصناف، فقال ~~لكمال التمدح " وما تسقط من ورقة إلا يعلمها " وعلم أن علم ذلك يشاركه فيه ~~من مخلوقاته كل ذي إدراك، فتمدح بما لا يشارك فيه، فقال: " ولا حبة في ~~ظلمات الأرض " ثم ألحق هذه الجزئيات بعد حصرها بالكليات حيث قال: " ولا رطب ~~ولا يابس " لأن جميع المولدات لا تخرج عن هذين القسمين، وتنظم إليها ~~الأمهات التي هي العناصر الأربع التي تولدت منها المولدات، ثم قال: " إلا ~~في كتاب مبين " إشارة إلى أن علمه بذلك علم من معلومه مقيد في كتاب مبين ~~فهو يأمن الضلال والنسيان كما قال: " علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ~~ينسى " ومثل هذا التمدح قوله تعالى: " عالم الغيب والشهادة " فإنه سبحانه ~~لما تمدح بعلم الغيب، وعلم أن التمدح بذلك على انفراده لا يحصل ms247 به كمال ~~التمدح، فقال: " والشهادة " لأن علم الغيب بالنسبة إلينا علم كلي، وعلم ~~الشهادة بالنسبة إلينا علم بالجزئيات، والاقتصار على علم الغيب يوهم بعض ~~الضعفاء أنه لا يعلم من المشاهدات ما يعلمه، فكان التمدح بعلم الشهادة ~~أبلغ، ولذلك شاع الانتقال إليه. # وكقول الشاعر طويل: # إليك طوى عرض البسيطة جاهل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر # وكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشباه كما اجتمع النسر # فبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر # والبيت الأخير أردت، فإن هذا الشاعر قصد تعظيم الممدوح وتفخيم أمر داره ~~التي قصده فيها، ومدح يومه الذي لقيه فيه، فجعل الممدوح جميع الورى والدار ~~التي لقيه فيها الدنيا، واليوم الذي رآه فيه الدهر فجعل الجزئي كليا بعد ~~حصر أقسام الجزئي، أما جعله الجزئي كليا فلأن الممدوح جزء من الورى، والدار ~~جزء من الدنيا، واليوم جزء من الدهر، وأما حصر أقسام الجزئي فلأن العالم ~~عبارة عن أجسام وظروف زمان وظروف مكان، فقد حصر ذلك. # باب المقارنة PageV01P133 وهو أن يقرن الشاعر الاستعارة بالتشبيه أو ~~المبالغة، أو غير ذلك من المعاني في كلامه بوصل يخفي أثره ويدق موضعه، إلا ~~عن الحاذق المدمن النظر في هذه الصناعة ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز ~~قوله تعالى: " وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون " فإن هذه ~~الآية الكريمة اقترن فيها التنكيت بتجنيس التغاير، أما التنكيت ففي قوله ~~تعالى " على ظهورهم " والنكتة في ترجيح الحمل على الظهور دون الرؤوس كون ~~الظهور أقوى للحمل، فأشار بها سبحانه إلى ثقل الأوزار، والتجنيس بين ~~أوزارهم ويزرون، لأن الأولى اسم، والثانية فعل وأكثر ما يقع ذلك بالجمل ~~الشرطية، كقول إدريس بن اليمان من شعراء المغرب طويل: # وكنت إذا استنزلت من جانب الرضا ... نزلت نزول الغيث في البلد المحل # وإن هيج الأعداء منك حفيظة ... وقعت وقوع النار في الحطب الجزل # فإن هذا الشاعر لاءم بين الاستعارة بقوله في صدر البيت الأول. # وكنت إذا استنزلت من جانب الرضا # وبين التشبيه بقوله في عجز ms248 البيت: " نزلت نزول الغيث " : أي مثل نزول ~~الغيث، أحسن ملاءمة، إذ جعل أول العجز فعلا مضارعا للفعل الذي في الصدر، ~~ومصدر ذلك الفعل هو الذي لاءم بين القسمين في المعنى، فحصل بذلك التلاحم ~~اللطيف، والاتصال الدقيق، وقارن بين الاستعارة والتشبيه أحسن مقارنة، وكذلك ~~فعل في البيت الثاني حيث قال بعد ذكر تهييج الحفيظة: وقت وقوع النار، فهذا ~~مثال ما اقترنت فيه الاستعارة بالتشبيه، وأما ما اقترنت فيه الاستعارة ~~بالمبالغة فمثاله قول النابغة الذبياني طويل: # وأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع # فإنه سمى الممدوح ربيعا استعارة لكونه يحيا به النبات والحيوان وسماه ~~سيفا لأنه تموت به الأقران، وفي ضمن كل استعارة منها مبالغة تامة أما ~~الأولى منها فجارية على التحقيق بأن إحياء الربيع أعم من إحياء الكريم فجعل ~~الكريم ربيعا مبالغة ممكنة جارية على التحقيق، وأما الثانية فإنها أبلغ من ~~الأولى حيث جعل سيفا أعيرته المنية قاطعا، فإنه لو عكس حتى يجعله مستعيرا ~~للمنية كان ذلك بليغا، والأول أبلغ فقد اقترن في هذا البيت المبالغة ~~والتكميل، فإنه لما فرغ من صدر البيت ورأى نفسه قد مدح ممدوحه بمجرد الكرم ~~وعلم أن المدح غير كامل، فكمله بالشجاعة فحصل في البيت تكميل مقترن ~~بالمبالغة. # ومن أحسن ما سمعت في المقارنة قول أبي تمام طويل: # فإن أنا لم يحمدك عني صاغرا ... عدوك فاعلم أنني غير حامد # فإن هذا البيت وقعت فيه مقارنتان: إحداهما في ظاهره، والأخرى في باطنه، ~~فوقع في ظاهره المبالغة مقترنة بالتكميل في قوله: " يحمدك عدوك صاغرا " ، ~~لأن حمد العدو مبالغة، وكونه صاغرا تكميل، وفي باطن البيت الافتنان مقترن ~~بالإدماج، إلا أن الافتنان فيه مدمج في المبالغة، وذلك أنه لا يقدر على أن ~~يجعل عدو الممدوح يمدحه صاغرا إلا بما يجيد فيه من المدائح التي تدعو ~~استجادتها واستحسانها كل من يسمعها إلى حفظها واللهج بها من صديق وعدو، ~~فيضطر العدو إلى أن يلهج بتلك المدائح المقولة فيه: وهو صغير عند نفسه وعند ~~من يسمعها، يقول: ليس بعاقل من يعادي ms249 من يقال فيه مثل هذا فيصغر عند نفسه ~~وعند غيره، ويهون مقداره، وفي ذلك افتخار للشاعر ومدح للممدوح ،وهذان فنان: ~~أحدهما مديح، والآخر افتخار، الأول ظاهر وهو المديح، والثاني باطن وهو ~~الافتخار وحصل بسبب ذلك في البيت تعليق لطيف، وهو تعليق صحة مدح الشاعر على ~~مدح عدو الممدوح له صاغرا، فإنه شرط على نفسه أنه ما لم يمدح ممدوحه عدوه ~~فهو غير حامد له. # ومن أحسن ما سمعت في ذلك قول تميم بن مقبل طويل: # لدن غدوة حتى نزعنا عشية ... وقد مات شطر الشمس والشطر مدنف # وهذا مما اقترن فيه الإرداف بالاستعارة، لأنه عبر عن الغروب بموت شطر ~~الشمس في أول العجز، واستعار للشطر الثاني الدنف في آخر العجز، وهذا بليغ ~~جدا، حيث أتت المقارنة فيه في قسم واحد. # والفرق بين المقارنة والتعليق والإدماج أنها في المعاني، وذانك في الفنون ~~والمعاني معا. PageV01P134 ومن المقارنة ما يقرنه الشاعر من شعره غيره ~~بشعره، وهو عكس الإبداع والاستعانة، لأن الشاعر في هذين البابين يقدم شعر ~~نفسه على شعر غيره وفي المقارنة يقدم شعر غيره على شعر نفسه، كما قال ~~الرشيد هارون للجماز يوما: أجز وابده، الملك لله وحده، فقال الجماز: ~~وللخليفة بعده وللمحب إذا ما حبيبه بات عنده، وهذا شاهد القسم الثاني منها. # ومن المقارنة ما يقرنه الشاعر من شعر نفسه فيكون في فن، فإذا قرن البيت ~~بآخر صار من فن غيره، وقد جاء من شواهد هذا القسم ما استشهدنا به في باب ~~الهجاء في معرض المدح، وهو الذي قاله بعض الشعراء في بعض الأشراف وافر: # له حق وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل # وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرسول # فإن البيت الأول مدح محض، فلما اقترن بالثاني صار هجوا بحتا، وهذا أوضح ~~فرق بين المقارنة والتعليق والإدماج. # باب المناقضة # وهو تعليق الشرط على نقيضين: ممكن ومستحيل، ومراد المتكلم المستحيل دون ~~الممكن، ليؤثر التعليق عدم وقوع المشروط، فكأن المتكلم ناقض نفسه في ~~الظاهر، إذ شرط وقوع أمر بوقوع نقيضين، ms250 ومثال ذلك قول النابغة الذبياني ~~وافر: # وإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب # فإن تعليقه وقوع حلم المخاطب على شيبه ممكن، وعلى شيب الغراب مستحيل، ~~ومراده الثاني لا الأول، لأن مقصوده أن يقول: إنك لا تحلم أبدا. # والفرق بينه وبين نفي الشيء بإيجابه أن هذا الباب ليس فيه نفي ولا إيجاب، ~~ونفي الشيء بإيجابه ليس فيه شرط ولا معناه. # ومن المناقضة نوع آخر يرجع أصله إلى الأول، وهو أن يأتي في لفظ الوعد ما ~~يدل على الوعيد، فيسر المخاطب ويسوءه في وقت واحد، فيتوجه على ذلك اللفظ ~~إشكال يوضحه بعده، كقوله تعالى: " إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون " ~~فقوله سبحانه: " إنا كاشفوا العذاب " وعد، ووصف كشف العذاب بالقلة وعيد، ~~فهو يسر ويسوء في حالة واحدة، وإنما وصفه بالقلة المنافية للكرم من أجل أنه ~~علق كشف العذاب بشرط عدم العود إلى موجب العذاب، فاقتضت البلاغة أن يقول ~~قليلا ليدمج في دلائل النبوة الإخبار بالغيب، وهو وقوع العود، فيرشح بذكر ~~لفظة " قليلا " للإيضاح والإخبار بوقوع العود الذي اقتضى أن يكون كشف ~~العذاب قليلا من أجله. والشرط المأخوذ من قوة الكلام هو الذي يرد هذا النوع ~~إلى النوع الأول. والله أعلم. # باب الانفصال # وهو أن يقول المتكلم كلاما يتوجه عليه فيه دخل إذا اقتصر عليه، فيأتي ~~بعده بما ينفصل به عن ذلك إما ظاهرا أو باطنا يظهره التأويل كقوله تعالى: " ~~وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون " فإن على ظاهر هذه الآية حصل من جهة أن ~~الطائر يطير بجناحيه، فيكون الإخبار بذلك عريا عن الفائدة، والانفصال عن ~~ذلك هو أنه سبحانه لما قال: " وما من دابة في الأرض " أوجبت البلاغة أن ~~يردف ذلك بقوله " ولا طائر " في السماء أو في الجو " يطير بجناحيه " فأراد ~~الإيجاز، فوجب أن يحذف إحدى الجملتين إما في السماء أو يطير وما فيها من ~~الضمير، ولا سبيل إلى حذف الفعل، ms251 لأنه الذي يتعلق به الجار والمجرور الذي ~~يمر بجناحيه وذكره مطلوب في الآية، لأن ذكر الجناح يفصل صاحبه من الهمج ~~الذي يظهر وهو يخال أنه يطير كالنمل والجعلان وغير ذلك، لأن هذا الصنف قد ~~ذكر في صنف ما دب ودرج في الأرض، والآية قصد بها صحة التقسيم، لأنه سبحانه ~~لما استوعب كل ما يدب على الأرض في صدرها أراد الإتيان بما يعم الذي يطير ~~في الجو، ولا يطير في الجو إلا طائر، ولا يسمى طائرا إلا إذا طار بجناحين، ~~ولا تسمى آلة الطيران جناحا إلا إذا كانت ذات قصب وريش وأباهر وخوافي ~~وقوادم، فقوله سبحانه: " ولا طائر " بعد ذكر الدواب موضح لما أراد من صحة ~~التقسيم، ولفظة طائر رشحت لفظة يطير لمجيئها بعدها، ولفظة يطير رشحت ~~الإتيان بلفظة الجناحين، فحصل من مجموع ذلك الانفصال عن الدخل المتوجه على ~~ظاهر الآية، والله أعلم. # وكقول أبي فراس مجزوء الرمل: # في حرام الناس إن كن؟ ... ت من الناس تعد # ؟ولقد نبيت إبلي؟ - س إذا راك يصد # ليس من تقوى ولكن ... ثقل فيك وبرد PageV01P135 فإن أبا فراس لو اقتصر ~~على البيت الثاني لكان الهجاء فيه غير مخلص، وكان يتوجه دخل بسبب احتمال ~~البيت للمدح، والإتيان به في معرض الهجو، فانفصل عن هذا الدخل بالبيت ~~الثالث. # والفرق بينه وبين الاحتراس عموم الاحتراس وخصوص هذا الباب، لأن البيت ~~المدخول من هذا الباب يكون الدخل المتوجه عليه من جهة كونه صالحا لضدين من ~~الفنون، وهو في سياق أبيات مقصودة في فن واحد منهما، والاحتراس يكون بيته ~~مدخولا من هذا الوجه وغيره، والله أعلم. # ؟باب الإبداع PageV01P136 وهو أن تكون مفردات كلمات البيت من الشعر، أو ~~الفصل من النثر، أو الجملة المفيدة، متضمنة بديعا بحيث تأتي في البيت ~~الواحد والقرينة الواحدة عدة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جملته، ~~وربما كان في الكلمة الواحدة المفردة ضربان فصاعدا من البديع، ومتى لم تكن ~~كل كلمة بهذه المثابة فليس بإبداع، وما رأيت في جميع ما استقريت من الكلام ~~المنثور والشعر ms252 الموزون كآية كريمة من كتاب الله تعالى: استخرجت منها إحدا ~~وعشرين ضربا من المحاسن، وهي قوله تعالى: " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا ~~سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين " . وهي المناسبة التامة بين أقلعي وابلعي، والمطابقة بذكر الأرض ~~والسماء، والمجاز في قوله " يا سماء " فإن المراد والله أعلم يا مطر ~~السماء، والاستعارة في قوله " أقلعي " ، والإشارة في قوله تعالى " وغيض ~~الماء " فإنه عبر بهاتين اللفظتين عن معان كثيرة، والتمثيل في قوله تعالى " ~~وقضي الأمر " فإنه عبر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بلفظ فيه بعد عن لفظ ~~المعنى الموضوع له، والإرداف في قوله تعالى: " واستوت على الجودي " فإنه ~~عبر عن استقرارها بهذا المكان، وجلوسها جلوسا متمكنا لا زيغ فيه ولا ميل، ~~بلفظ قريب من لفظ المعنى، والتعليل، لأن غيض الماء علة الاستواء، وصحة ~~التقسيم إذ استوعب سبحانه أقسام أحوال الماء حالة نقصه، إذ ليس إلا احتباس ~~ماء السماء، واحتقان الماء الذي ينبع من الأرض، وغيض الماء الحاصل على ~~ظهرها. والاحتراس في قوله تعالى: " وقيل بعدا للقوم الظالمين " إذ الدعاء ~~يشعر بأنهم مستحقوا الهلاك احتراسا من ضعيف يتوهم أن الهلاك لعمومه ربما ~~شمل من يستحق ومن لا يستحق فتأكد بالدعاء على الهالكين لكونهم مستحقين ذلك، ~~والإيضاح في قوله للقوم ليتبين لهم أن القوم هم الذين سبق ذكرهم في الآية ~~المتقدمة عليها، حيث قال تعالى: " وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه " ~~وفي قوله قبل ذلك " ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون " فأتى سبحانه ~~في آخر هذا الآية بلفظة القوم التي الألف واللام فيها للعهد ليبين أنهم ~~القوم الذين سبق ذكرهم ووصفهم بالظلم كما وصفهم في أول الكلام بالظلم، وذلك ~~مما يوضح المعنى ويبينه، فعلم أن لفظة القوم هاهنا ليست فضلة في الكلام، ~~وأنها يحصل بسقوطها لبس في المعنى، وعدم بيان الكلام محتاج له، والمساواة، ~~لأن لفظ الآية لا يزيد على معناها، وحسن النسق لأنه سبحانه عطف القضايا ~~بعضها على بعض بحسن ترتيب حسبما ms253 ما وقعت وائتلاف اللفظ مع المعنى، لأن كل ~~لفظة لا يصلح موضعها غيرها، والإيجاز لأنه سبحانه اقتص القصة بلفظها ~~مستوعبة بحيث لم يخل منها بشيء في أخصر عبارة، والتسهيم، لأن أول الآية إلى ~~قوله تعالى: أقلعي يقتضي آخرها، والتهذيب، لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات ~~الحسن كل لفظة سمحة سهلة، مخارج الحروف عليها رونق الفصاحة، مع الخلو عن ~~البشاعة والتركيب، سليمة من التعقيد وأسبابه، والتقديم والتأخير والحذف ~~المخل والزيادة المسهبة وحسن البيان من جهة أن السامع لا يتوقف في فهم معنى ~~الكلام، ولا يشكل عليه شيء من هذا النظام، والتمكين، لأن الفاصلة مستقرة في ~~قرارها، مطمئنة في مكانها، غير قلقة ولا مستدعاة، والانسجام، وهو تحدر ~~الكلام بسهولة كما ينسجم الماء وينساب انسياب العليل من الهواء، وما في ~~مجموع الآية من الإبداع وهو الذي سمى به هذا الباب من أن كل لفظة لا تخلو ~~عن أن يستخرج منها ضرب أو ضربان من البديع، فهذه آية عدة ألفاظها سبع عشرة ~~لفظة تتضمن إحدا وعشرين ضربا من البديع غير ما يتعدد من ضروبها، فإن ~~الاستعارة وقعت منها في موضعين: وهما استعارة الابتلاع للأرض، والإقلاع ~~للسماء. والمجاز في مكانين، في قوله سبحانه " ويا سماء " وفي الإشارة ~~والتمثيل والإرداف لأن المجاز مجازان: مجاز بالحذف، ومجاز بالتغيير، وقد ~~وقعا معا فانظر رحمك الله إلى عظمة هذا الكلام، لتعلم ما انطوى عليه نظمه، ~~وما تضمنه لفظه، وقد وقع لي بيت من قصيدة أشرفية وقع فيه ستة عشر ضربا من ~~البديع بعد ما تكرر فيه من ضروب البديع، وهو طويل: # فضحت الحيا والبحر جودا فقد بكى ال؟ ... حيا من حياء منك والتطم البحر ~~PageV01P137 فاتفقت فيه الاستعارة في ثلاثة مواضع: في افتضاح الحياة، ~~وبكائه، وحيائه، والمبالغة إذ جعلت الممدوح يفضح الحيا والبحر بجوده، ~~والتفسير في قولي " جودا " وقولي " من حياء منك " ، والإغراق لما في جملة ~~القافية من زيادة المبالغة، والترشيح بذكر الاستعارة الأولى للاستعارة ~~الثانية، والتجنيس بين الحيا والحيا، التورية في قولي والتطم البحر ~~والترشيح للتورية بذكر البكاء، فإن ذكره ms254 هو الذي يرشح للتورية، وصحة ~~التقسيم في حصر القسمين اللذين يضرب بهما المثل في الجود، إذ لا ثالث لهما، ~~والتصدير في كون البحر مذكورا في صدر البيت، وهو قافية، والتعليل في كون ~~العلة في بكاء الحيا والتطام البحر فضيحتهما بجوده، والتسهيم في كون صدر ~~البيت عطف بعضها على بعض بأصح ترتيب، والإرداف، لأني عبرت عن نهاية جوده ~~بفضوح الحيا والبحر، والتمثيل في كوني عبرت عن عظم الجود ببكاء الحيا من ~~الحياء والتطام البحر، فهذا ما في تفاصيل البيت وأما ما في جملته، ~~فالمساواة، لكون لفظه قالبا لمعناه، وائتلاف لفظه مع معناه في كون ألفاظ ~~البيت ملائمة مختارة، لا يصلح موضع كل لفظة غيرها، ولم يحصل فيه من تعقيد ~~السبك والتقديم وأسبابه وسوء الجوار ما يوجب له الاستثقال. والإبداع هذا ~~بابه، لكون كل لفظة من مفرداته تتضمن نوعا أو نوعين من البديع، فقد حصل فيه ~~ستة عشر ضربا من البديع، وتكررت الاستعارة فيه في ثلاثة مواضع، والترشيح في ~~موضعين، والتفسير في موضعين، وهو ثنتا عشرة لفظة، والله عز وجل أعلم. # ؟باب حسن الخاتمة # يجب على الشاعر والناثر أن يختما كلامهما بأحسن خاتمة، فإنها آخر ما يبقى ~~في الأسماع، ولأنها ربما حفظت من دون سائر الكلام في غالب الأحوال فيجب أن ~~يجتهد في رشاقتها ونضجها وحلاوتها وجزالتها، وقد رأيت القاضي الفاضل عبد ~~الرحيم رحمه الله تعالى كثيرا ما كان يحترز في ذلك ويتوخاه، فيأتي منه بكل ~~نكتة ترقص لها القلوب، وتغنى عن النسيب في المحبوب، فمن ذلك خاتمة كتاب ~~أجاب به القاضي السعيد بن سناء الملك رحمه الله حيث قال: وهذا القاضي مسؤول ~~في أن يتخولنا ببدائعه ويؤمننا دثور الفكر بروائعه، ولا يضن علينا بما هو ~~سهل عليه من منافعه وإلا دخل فيمن منع الماعون، وخرج من الذين هم لأمانات ~~الفضيلة وعهدها راعون. # وقوله في خاتمة رسالة كتبها للملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى في ~~حق أولاد ابن أبي اليسر، وقد قصدوه بعد موت أبيهم، فخلع عليهم ، فأعلموا ~~الفاضل بذلك، وسألوه ms255 كتابا إليه على يدهم بالوصية عليهم، والإذن لهم في ~~تقبيل يده، فقال في آخره، وإن يبسط لهم وجهه الكريم عند مثولهم وسلامهم، ~~لينزع بشره حداد الحزن عن قلوبهم كما نزع بره حداد المآتم عن أجسامهم؟ لا ~~زال مولانا عاقلة الدهران جنى على أوليائه وداهم ولا عدموه منعما إن سألوه ~~أعطاهم، وإن لم يسألوه بدأهم، والمتقدم في جميع فنون البلاغة، وخصوصا هذا ~~النوع منها على بلغاء البدو والحضر، بل على جميع فصحاء البشر، حاشا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام، فمن خواتم ~~كلامه قوله في آخر جواب أجاب به معاوية: ثم ذكرت أن ليس لي ولأصحابي عندك ~~إلا السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار، متى ألفيت بني عبد المطلب من الأعداء ~~ناكلين، وبالسيوف مخوفين، لبث قليلا يلحق الهيجا حمل فسيطلبك من تطلب، ~~ويقرب منك ما تستبعد، وإني مرقل نحوك بجحفل من المهاجرين والأنصار ~~والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم متسربلين سرابيل الموت، ~~أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، عرفت ~~مواقع نضالها في أخيك وخالك وجدك، " وما هي من الظالمين ببعيد " . # وأما حسن الخاتمة في الشعر فقليل في أشعار المتقدمين، وأكثر ما عني بذلك ~~المحدثون، فمن المجيدين في ذلك أبو نواس، حيث قال في خاتمة قصيدة مدح بها ~~الأمين كامل: # فبقيت للعلم الذي تهدى به ... وتقاعست عن يومك الأيام # وكقوله في خاتمة قصيدة مدح بها الخصيب عامل مصر كامل: # أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر # لا تعقدا بي عن مدى أملي ... شيئا فما لكما به عذر # ويحق لي إذ صرت بينكما ... ألا يحل بساحتي فقر # وكقوله فيه طويل: PageV01P138 وإني جدير إذ بلغتك بالغنى ... وأنت بما ~~أملت منك جدير # فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور # وكقوله للعباس بن الفضل بن الربيع طويل: # إليك غدت بي حاجة لم أبح بها ... أخاف عليها شامتا فأدراي # فأرخ عليها ستر معروفك الذي ... سترت به قدما على عواري # وكقول أبي تمام ms256 في خاتمة القصيدة التي ذكر فيها فتح عمورية بسيط # إن كان بين ليالي الدهر من رحم ... موصولة وذمام غير منقضب # فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب # أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب # وكقوله في خاتمة قصيدة اعتذر بها إلى ابن الهيثم كامل: # أأقنع المعروف وهو كأنه ... قمر الدجى إني إذا للئيم # مثر من المال الذي ملكتني ... أعناقه ومن الوفاء عديم # فأروح في بردين لم يلبسهما ... قبلي فتى وهما الغنى واللوم # وكقوله في قصيدة استعطف بها ابن الزيات طويل: # أكابرنا عطفا علينا فإننا ... بنا ظمأ برح وأنتم مناهل # وكقوله في خاتمة قصدية اعتذر فيها إلى موسى بن إبراهيم الرافقي طويل: # فإن يك ذنب عن أوتك هفوة ... على خطاء مني فعذري على عمد # وكقوله في خاتمة قصيدة مخاطبا مالك بن طوق بسيط # لا توقظوا الشر عن قوم فقد غنيت ... دياركم وهي تدعي زهرة النعم # هذا ابن خالكم يهدي نصيحته ... من يتهم فهو فيكم غير متهم # وكقول أبي الطيب المتنبي في خاتمة قصيدة من السيفيات وافر: # فلا حطت لك الهيجاء سرجا ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقا # وكقوله في خاتمة أخرى من السيفيات بسيط # لا زلت تضرب من عاداك عن عرض ... يعاجل النصر في مستأخر الأجل # وكقوله أيضا لسيف الدولة وقد ذكر الخيل بسيط # فلا هممت بها إلا على ظفر ... ولا وصلت بها إلا إلى أمل # وكقوله فيه أيضا طويل: # أخذت على الأرواح كل ثنية ... من العيش تعطي من تشاء وتحرم # فلا موت إلا من سنانك يتقى ... ولا رزق إلا من يمينك يقسم # وكقوله في خاتمة القصيدة التي هنأ بها أبا وائل بخلاصه من الأسر متقارب: # فذي الدار أغدر من مومس ... وأخدع من كفة الحابل # تفانى الرجال على حبها ... ولا يحصلون على طائل # وقوله في خاتمة قصيدة ودع بها ابن العميد طويل: # فجد لي بقلب إن رحلت فإنني ... أخلف قلبي عند من فضله عندي # فلو فارقت جسمي إليك حياته ... لقلت أصابت غير مذمومة العهد PageV01P139 ~~وجميع خواتم ms257 السور الفرقانية في غاية الحسن ونهاية الكمال، لأنها بين أدعية ~~ووصايا وفرائض، وتحميد وتهليل، إلى غير ذلك من الخواتم التي لا يبقى في ~~النفوس بعدها تطلع ولا تشوف إلى ما يقال، كالدعاء الذي ختمت به سورة ~~البقرة، والوصايا التي ختمت بها آل عمران، والفرائض التي ختمت بها النساء، ~~والتبجيل والتعظيم الذي ختمت بهما المائدة، والوعد والوعيد الذي ختمت بهما، ~~الأنعام، والتحريض على العبادة بوصف حال الملائكة التي ختمت به الأعراف، ~~والحض على الجهاد وصلة الأرحام اللذين ختمت بهما الأنفال، ووصف الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ومدحه والاعتداد على الأمم به، ووسيلته ووصيته، والتهليل، ~~الذي ختمت به براءة وتسليته عليه السلام التي ختمت بها سورة يونس، ومثلها ~~خاتمة هود، ووصف القرآن ومدحه الذي ختمت بها سورة يونس، ومثلها خاتمة هود، ~~ووصف القرآن ومدحه الذي ختمت به يوسف، والرد على من كذب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم الذي ختمت به الرعد، ومدح القرآن وذكر فائدته والعلة في إنزاله ~~الذي ختمت به إبراهيم، ووصية الرسول التي ختمت بها الحجر، وتسلية الرسول ~~عليه السلام وطمأنينته ووعد الله سبحانه الذي ختمت به النحل، والتحميد الذي ~~ختمت به سبحان وتحضيض الرسول صلى الله عليه وسلم على الإبلاغ والإقرار ~~بالبشرية والأمر بالتوحيد الذي ختمت به الكهف، وقد أتيت على نصف القرآن ~~ليكون مثالا لمن نظر في بقيته ولم أطل بالبقية لكثرة سور النصف الأخير ~~والله أعلم. # هذا آخر الأبواب التي استنبطها، وهي ثلاثون بابا، وبها تكملت عدة أبواب ~~الكتاب مائة وواحد وعشرون بابا سليمة من التداخل والتوارد، بعد ما حذفت من ~~أبواب ليس فيها للمتقدمين سوى الأسماء ومسمياتها متداخلة في غيرها، ومن ~~أأنعم النظر في الكتب التي نظرت فيها ودقق الفكر في كتابي، وقع على صحة ما ~~ذكرت، فرحم الله من نظر فيه، وسد ما يجده من الخلل، واغتفر ما يقع عليه من ~~السهو الزلل، وعمل بقولي سريع: # ما أحسن الإغضاء من منصف ... يعلم أن الكامل الله # إن أبصرت عيناك عيبا فجد ... بفضل عفو عند رؤياه # قال ms258 صاحب الكتاب: كنت قد سودت من هذا الكتاب نسخة قبل هذا النسخة مختصرة ~~جدا حسبما ما رسم لي من ألفته له، ورسم أن يبيضها الفاضل ضياء الدين موسى ~~بن ملهم الكاتب، وفقه الله تعالى، فلما بيضها تفضل وكتب في آخرها بسيط # هذا كتاب بديع ما رأى أحد ... مثلا له في مبانيه ومعناه # حوى تصانيف هذا العلم أجمعها ... وزادنا جملا عما سمعناه # لا تعجبوا من لطيف الحجم قام به؟ ... ذا الفن أجمع أقصاه وأدناه # فقد رأيتم عصا موسى كم التقفت ... ولم يزيد قدرها عما عهدناه # لقد عجبت من غفلة السابقين إلى هذا العلم عما اهتدى إليه هذا المصنف، ~~وكيف مروا معرضين عما استخرج من درر هذا المؤلف، وصفوا صورة جواد وتركوا ~~وصف سبق، وشببوا بظبي وأضربوا عن حسن عينيه وعنقه، واشتغلوا عن حمد الغيث، ~~وشكر ودقه، بالإطناب في تشبيه رعده وبرقه، فذكر ما نسوه، وكمل ما نقصوه لا ~~جرم أنه سبق أولهم، وأصبح أفضلهم وكل هذا بسعادة من صنف لأجله كتابه، وقصد ~~به بابه وجنابه، فإن سعادته ترد الآجن عذبا، واليابس رطبا، وتنشر موتى ~~الإملاق قبل المعاد، وتغير اسمي شر وظلوم بسعدي وسعاد، وهمته تنظر من أعلى ~~العلو إلى الشمس، وقدرته تكاد ترد الماضي وتصير اليوم أمس، لا زال بابه ~~مقصودا، وقاصده محسودا، والقدر من أعوانه معدودا، وإن كان القدر بهذا القدر ~~مسعودا. # تم الكتاب بحمد الله تعالى وحسن توفيقه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه ~~وسلم. PageV01P140 ms259