######OpenITI# #META# المؤلف: #META# المحقق: الدكتور سهيل زكار #META# الناشر: التكوين للتأليف والترجمة والنشر #META# الطبعة: ٠ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ٢٠٠٧ م #META# الصفحات: ٨٤٦ #META#Header#End# ### | * تكملة تاريخ دمشق* لسبط ابن الجوزي واليونيني * 555 692 ه / 1160 1291 م PageV01P557 ### || * من مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي* 555 654 ه / 1160 1256 م PageV01P559 ### ||| * السنة الخامسة والخمسون وخمسمائة # وفي يوم الجمعة سلخ صفر أرجف على المقتفي بالموت فانزعج الناس ، فوقع إلى ~~الوزير بعافيته ، فطابت قلوب الناس ، فلما كان صبيحة الأحد ثاني ربيع الأول ~~أصبحت دار الخلافة مغلقة إلى الظهر ، وركبت العساكر لحفظ البلد فتحقق الناس ~~موته ، فلما كان قريب الظهر ، فتحت الأبواب ودعي الناس إلى بيعة ولي العهد. ### |||| * بيعة المستنجد بالله # واسمه يوسف بن محمد المقتفي ، وكنيته أبو المظفر ، ولد في ربيع الأول سنة ~~ثمان عشر وخمسمائة وأمه أم ولد يقال لها طاووس وأدركت خلافته ، وتوفيت في ~~هذه السنة ، ولما تولى أسقط الضرائب على الغنم ، والخيل ، والتمر ، والسمك ~~، وغيره ، وبسط العدل ، وكف الناس عن الظلم وعمل العزاء في بيت النوبة ~~ثلاثة أيام ، وكان رجل يرفع إلى المقتفي أخبار البلد ، فلما ولي المستنجد ~~كتب إليه على العادة ، فقال المستنجد : ما هذا؟ قالوا : صاحب خبر ، فأمر به ~~فضرب حتى سال دمه ، ثم أمر به فحبس. ### |||| * فصل # وفيها توفى قيماز الأرجواني أمير الحاج بعد نظر الخادم ، وكان شجاعا ~~عادلا ، رفيقا بالحاج ، محسنا إليهم ، دخل الميدان في دار الخلافة يلعب ~~بالكرة ، فسقط من الفرس على رأسه فخرج من أذنه دم ، فمات فحزن الخليفة عليه ~~، والناس لخيره وحسن سيرته ، وأمر أرباب الدولة يمشون في جنازته ، فمشوا ~~إلى الشونيزية ، فدفن بها ، وحج بالناس عشر سنين. ### |||| * فصل # وفيها توفي المقتفي بالله أمير المؤمنين ، واسمه محمد بن المستظهر ، PageV01P561 # وكنية أبو عبد الله ، وقد ذكرنا أيامه ، وسبب وفاته أنه خرج إلى بعض ~~منتزهاته في حر شديد فيقال إنه أكل رطبا كثيرا أياما متواترة ، فحم حمى ~~حادة ، وعاد مريضا ، فاتصل به المرض حتى صار تراقيا ، والرتاقى دمل يخرج في ~~العنق ، وبه مات أبوه المستظهر ، وماتا جميعا في ربيع الأول ، وبين وفاة ~~المقتفي والسلطان محمد ثلاثة أشهر ، وكذا السلطان محمود مات قبل المستظهر ~~بثلاثة أشهر ، وكذلك المقتفي مات ملك شاه ms001 قبله بثلاثة أشهر ، ومات المقتفي ~~بعد غرق بغداد بسنة ، وكذا المستظهر ، وكانت وفاة المقتفي ليلة الأحد ثاني ~~ربيع الأول عن ست وستين سنة ، وقيل عن خمس وستين سنة وأحد عشر شهرا ومولد ~~المقتفي في سنة تسع وثمانين وأربعمائة ، وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة ~~وثلاثة أشهر ، وأحد وعشرين يوما وأمه أم ولد تسمى بغية النفوس ، ويقال نسيم ~~، ودفن بداره بعد أن صلى عليه المستنجد ، وكبر أربعا ، ثم نقل بعد ذلك إلى ~~الرصافة ، وحج في أيامه نظر الخادم ، وقيماز الأرجواني ، وسمع المقتفي ~~الحديث من أبي الفرج واسمه عبد الوهاب بن هبة الله ابن السيبي ، وحكى عفيف ~~الناسخ ، وكان صالحا ، قال : رأيت في المنام قائلا يقول : إذا اجتمعت ثلاث ~~خاءات كان آخر خلافته ، فقلت خلافة من؟ قال : المقتفي ، فلما دخلت سنة خمس ~~وخمسين وخمسمائة مات. ### ||| * السنة السادسة والخمسون وخمسمائة # وفيها في ربيع الأول نقل المقتفي إلى الرصافة ليلة الأربعاء ، وأنزل ~~تابوته في الزبزب ، ومعه جميع أرباب الدولة. # وفيها قتل طلائع بن رزيك بمصر ، وفيها قدم أبو الخير القزويني بغداد ، ~~وجلس بالنظامية وذكر مذهب الشافعي ، وثارت الحنابلة عليه. ### |||| * فصل # وفيها توفي الصالح طلائع بن رزيك ، أبو الغارات ، وزير الديار PageV01P562 # المصرية أقام وزيرا سبع سنين على أحسن الوجوه ، وبسط العدل والإحسان ، ~~فلما كان العاشر من رجب وثب عليه باطني بين القصرين فضربه بسكين في رأسه ، ~~ثم في ترقوته فحمل إلى داره ، وقتل الباطني ومات طلائع من الغد ، فحزن ~~الناس عليه ، وبكوا وأقيمت المآتم بين القصرين والشوارع ومصر لأنه كان ~~جوادا محسنا مشفقا على الرعية ، دينا صالحا كاسمه ، كثير الصدقات ، حسن ~~الآثار بنى جامعا على باب زويلة ، وآخر بالقرافة في سنة أربعين وخمسمائة ~~وبنى تربة إلى جانبه ، وهو مدفون بها ، وعمر المساجد ، وكان يفتقد أرباب ~~البيوت ، وكان فاضلا شاعرا ، وله ديوان مليح ، ورثاه الشعراء وقام بعده ~~ولده رزيك بن طلائع بأمر الوزارة ، ولقب بمجد الاسلام ابن الصالح طلائع سنة ~~تسع وأربعين وخمسمائة ، وقتل في دهليز القصر سنة ست وخمسين وخمسمائة. ### ||| * السنة السابعة والخمسون وخمسمائة ...... # وفيها حاصر ms002 نور الدين محمود بن زنكي حصن حارم ، واجتمع الفرنج وراسلوه ~~ولاطفوه ، وكانوا خلقا عظيما ، فرجع إلى حلب ، وكان معه مؤيد الدين أسامة ~~بن مرشد بن منقذ الذي أخرجه عمه من شيزر ونزل بدار إلى جانبها مسجد ، وكان ~~قد نزل بها عام أول وحج ثم عاد إلى المنزل بعد عوده من الغزاة فكتب على ~~حائط المسجد : # لك الحمد يا مولاي كم لك منة %~% علي وفضل لا يحيط به شكري نزلت بهذا المقام إذ كنت قافلا %~% من الغزو موفور النصيب من الأجر ومنه رحلت العيس في عامي الذي %~% مضى نحو بيت الله والركن والحجر فأديت مفروضي وأسقطت ثقل ما %~% تحملت من وزر الشباب على ظهري (7 ) # وفيها توفيت زمرد خاتون بنت جاولي أخت الملك دقاق بن تاج الدولة تتش بن ~~ألب أرسلان ، وأم شمس الملوك اسماعيل ، وشهاب الدين محمود ابني بوري بن ~~طغتكين. PageV01P563 # قرأت القرآن على أبي محمد بن طاووس ، وأبي بكر القرطبي ، وسمعت الحديث من ~~نصر بن ابراهيم المقدسي وغيره ، وكانت محبة للعلماء وأهل الخير حنفية ~~المذهب ، وهي التي بنت مسجد خاتون على الشرف بأرض صنعاء من دمشق ، وأوقفت ~~عليه الأوقاف الكثيرة ، وليست خاتون التي بنت خانقاه الصوفية على الشرف ~~القبلي من القبلة ، تلك بنت معين الدين أنر زوجة نور الدين محمود بن زنكي ، ~~وتزوجها صلاح الدين ، وسنذكرها بعد الثمانين وخمسمائة ، ودفنت بجبل قاسيون ~~، وهي التي بنت مدرسة خاتون بدمشق. # وأما صاحبة هذه الترجمة فهي التي ساعدت على قتل ابنها شمس الملوك اسماعيل ~~لما كثر فساده وسفكه للدماء وقتله خواص أبيه ومصادرات الناس ومواطأة الفرنج ~~على بلاد المسلمين ، فأراحت منه العباد ، وطهرت منه البلاد. # وقال الحافظ ابن عساكر : دبرت عليه حتى قتل بحضرتها ، وأقامت أخاه محمودا ~~مكانه ، وقد ذكرنا ذلك ، وتزوجها أتابك زنكي طمعا في دمشق فلم يظفر بطائل ، ~~ونقلها إلى حلب ، ولما قتل أتابك على قلعة جعبر عادت إلى دمشق فأقامت مدة ، ~~ثم حجت على طريق العراق ودخلت بغداد وعادت إلى الحج فجاورت بها سنة حتى ~~توفيت ، ودفنت بالبقيع ، وكان ms003 قد قل ما بيدها فبلغني أنها كانت بالمدينة ~~تغربل القمح والشعير وتتقوت بأجرهما ، وكانت كثيرة البر والصدقات والصوم ~~رحمها الله تعالى. # وفيها أقام نور الدين بحمص أياما ، ثم نزل بلاد الفرنج فنزل بالبقيعة تحت ~~حصن الأكراد عازما على حصار طرابلس ، ومعه خلق عظيم وضربوا خيامهم ، ولم ~~يكن للمسلمين يزك ولا طليعة ظنا من نور الدين أنهم لا يقدمون عليه ، فبينما ~~الناس وسط النهار لم يرعهم إلا ظهور الصلبان من وراء الجبل الذي عليه الحصن ~~، فالسعيد من ركب فرسه PageV01P564 # ونجا ، وخرج نور الدين من خيمته وعليه قباء فركب نور الدين فرس النوبة ~~وفي رجله شبحة قطعها كردي فنجا نور الدين ، وقتل الفرنج وأسروا خلقا عظيما ~~، واستولوا على العسكر بما فيه ، وكان من قلة الحزم حيث غفلوا عن العدو ، ~~ولم يستظهروا باليزك والطلائع ، وجاء نور الدين إلى حمص فلم يدخلها ، ~~واجتمع إليه من نجا من المعركة ، وأرسل إلى حلب ودمشق ، وأحضر الخيام ~~والسلاح والخيل وفرقها في الناس ، ومن قتل أبقى أقطاعه على ولده ، والا ~~فأهله وكان من عزم الفرنج قصد حمص ، فلما بلغهم نزول نور الدين على البحيرة ~~قالوا : ما فعل هذا الا عن قوة فتوقفوا وفرق في يوم واحد مائتي ألف دينار ، ~~وجاء رجل وادعى أنه ذهب له شيء كثير وكان الأمر بخلافه ، فكتب النواب إلى ~~نور الدين أنه مبطل في دعواه ، فكتب إليهم لا تكدروا عطاءنا فإني أرجو من ~~الله الأجر على القليل والكثير ، وكتب إليه النواب إن الإدارات والوقوف ~~كثيرة في البلاد على الفقراء والفقهاء والصوفية ، ولو حملناها إليك في هذا ~~الوقت لاستعنت بها وتعيد العوض ، فغضب وكتب إليهم : ( إن الله لا ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (8) وهل أرجو النصر إلا بهؤلاء ، وهل ~~تنصرون إلا بضعفائكم ، فكتب النواب إليه فإذا لم تغير عليهم شيئا ، وقد ~~وقعت في هذه الورطة العظيمة ، فلو أمرتنا لاقترضنا من أرباب الأموال ما ~~نستعين به على جهاد العدو فقد نفدت الخزائن ، ويطمع العدو في الاسلام ، ~~فبات مفكرا وقال في نفسه : نقترض ثم ندفع ms004 العوض ، ثم قال : ما أفعل ، وبات ~~قلقا إلى وقت السحر فنام فرأى انسانا ينشد : # احسنوا مادام أمركم %~% نافذا في البدو والحضر واغنموا أيام دولتكم %~% انكم منها على خطر # فقام مرعوبا مستغفرا مما خطر له وعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى ، فكتب ~~إليهم : لا حاجة لي في أموال الناس وعاد الفرنج إلى بلادهم. PageV01P565 ### ||| * السنة التاسعة والخمسون وخمسمائة # وفيها حارب أمير ميران أخاه نور الدين ، فكسره نور الدين ، وسنذكره في ~~ترجمة أمير أميران في السنة الآتية. # وفيها فتحت حارم في شهر رمضان في هذه السنة وكان السبب فيه ان نور الدين ~~لما أصابه بالبقيعة ما اصابه بعث إلى ملوك الأطراف : إلى أخيه قطب الدين ~~بالموصل ، وفخر الدين قرا أرسلان بالحصن ، ونجم الدين ألبي بماردين ، ~~وغيرهم يطلب النجدة ، فأخبره نجم الدين بأنه جمع العساكر مجدا وعلى مقدمته ~~زين الدين علي كوجك ، وأما فخر الدين قرا أرسلان فقال له أصحابه : على أي ~~شيء قد عزمت؟ قال : على القعود فإن نور الدين قد أثر فيه الصوم والصلاة فهو ~~يلقي نفسه والناس معه في المهالك ، فوافقوه. # فلما كان من الغد نادى في عسكره بالمسير إلى الغزاة فقيل له في ذلك فقال ~~: إن نور الدين قد كاتب زهاد بلادي المنقطعين عن الدنيا وذكر لهم ما جرى ~~على المسلمين من الفرنج ، وطلب منهم الدعاء وسألهم أن يحثوا المسلمين على ~~الجهاد ، وقد قعد كل واحد معه جماعة يقرؤون كتب نور الدين ويبكون ويدعون له ~~وعلي ، فإن تأخرت خرج أهل بلادي عن طاعتي ، ثم سافر بنفسه ، ولما اجتمعت ~~العساكر على حلب سر نور الدين بقدومها ، وسار على حارم فنازلها ، فبلغ ~~الفرنج فحشدوا وجاؤوا في ثلاثين ألفا وفيهم البرنس صاحب أنطاكية ، والقومص ~~صاحب طرابلس وابن جوسلين والدوك ، وهو رئيس القوم ، وكان فيهم من الرجالة ~~مالا يحصى ، ولما تراءى الجمعان صعد نور الدين على تل عال فشاهد من الفرنج ~~ما أذهله وهاله ، فنزل وانفرد عن العساكر ، ونزل عن فرسه وصلى ركعتين ومرغ ~~وجهه على التراب وبكى ، وقال : يا سيدي هذا الجيش ms005 جيشك ، والدين دينك ، ومن ~~محمود في الناس ، افعل ما يليق بك. PageV01P566 # وحملت الفرنج على الميمنة وفيها عسكر حلب فاندفعوا بين أيديهم ليبعدوا عن ~~الراجل ، وتبعهم الفرنج ، فعطف نور الدين على الرجالة فحصدهم بالسيف ، ~~ورجعت الفرنج فلم يروا إلا الرجالة على الأرض فانخلعت قلوبهم ، وأحاط بهم ~~المسلمون فذلوا وخضعوا ، وعمل فيهم السيف فلم يبق منهم إلا من نجا به فرسه ~~، وأسر نور الدين ابن جوسلين من ملوكهم وستة آلاف من أكابرهم ، وغنم ما كان ~~معهم من الأموال والخيل والسلاح والخيام وغير ذلك ، وفتح حصن حارم في حادي ~~عشرين رمضان يوم الجمعة ، وعاد إلى حلب بالأسارى والغنائم وامتلأت حلب منهم ~~فبيع الأسير بدينار وفرقهم نور الدين على العساكر وأعطى أخاه وصاحب الحصن ~~الأموال العظيمة والتحف الكثيرة ، وعادوا إلى بلادهم ، ثم فاداهم نور الدين ~~وكان قد استفتى الفقهاء فاختلفوا فقال قوم : يقتل الجميع ، وقال آخرون : ~~يفادى بهم ، فمال نور الدين إلى الفدية ، فأخذ منهم ستمائة ألف دينار معجلا ~~وخيلا وسلاحا وغير ذلك ، فكان نور الدين يحلف بالله أن جميع ما بناه من ~~المدارس والربط والمارستانات وغيرها من هذه المفاداة ، وجميع ما وقفه منها ~~، وليس فيها من بيت المال درهم واحد. ### ||| * السنة الستون وخمسمائة* فصل # ..... فيها فتح نور الدين بانياس عنوة وكان معه أخوه نصرة الدين أمير ~~ميران فأصابه سهم فأذهب إحدى عينيه ، فقال له نور الدين : لو كشفت عما أعد ~~لك من الأجر لتمنيت ذهاب الأخرى ، وكان ولد معين الدين الذي سلم أبوه ~~بانياس للفرنج قائما على رأس نور الدين ، فقال له نور الدين : للناس بهذا ~~الفتح فرحة واحدة ، ولك فرحتان ، قال : يا مولانا ولم؟ قال : لأن اليوم ~~بردت جلدة أبيك من نار جهنم. PageV01P567 # وفيها فوض نور الدين شحنكية دمشق إلى صلاح الدين يوسف بن أيوب على ما قيل ~~فأظهر السياسة ونفذت الأمور فقال عرقلة (9): # رويدكم يالصوص الشآم %~% فإني لكم ناصح في مقالي وإياكم من سمي النبي %~% يوسف رب الحجى والجمال فقطع أيدي النساء %~% وهذا يقطع أيدي الرجال ### |||| * فصل # وفيها توفي أمير ميران ms006 بن زنكي أخو نور الدين محمود أصابه سهم على بانياس ~~في عينه ، وقد ذكرنا أن نور الدين لما مرض كاتب أمير ميران الأمراء ، فلما ~~برأ نور الدين سار إليه وأخذ حران منه فطرده فمضى إلى صاحب الروم ، وجيش ~~الجيوش في سنة تسع وخمسين وخمسمائة ، وانضم إليه خلق كثير وكان نور الدين ~~نازلا على رأس الماء فالتقوا فكسر نور الدين وقتل أخو مجد الدين بن الداية ~~ونهب عسكر نور الدين ، ورجع أمير ميران إلى صاحب حصن كيفا مستجيرا به ، ~~فيقال إنه مات عنده ، ويقال انه شفع فيه نور الدين فقبل شفاعته ، ومات بدمشق. ### ||| * السنة الحادية والستون وخمسمائة # وفيها فتح نور الدين العريمة وصافيتا وهدم قلعتاهما وسورهما ، ومضى إليه ~~غازي بن حسان صاحب منبج ، وأعطاه الرقة ### ||| * السنة الثانية والستون وخمسمائة # ..... وفيها عاد أسد الدين شيركوه إلى مصر ، وهي المرة الثانية ، وسببه ~~أن العاضد كتب إلى نور الدين محمود يستنجده على شاور ، وأنه قد اشتد الأمر ~~وظلم وسفك الدماء ، وما كان في قلب نور الدين من شاور لأنه غدر بأسد الدين ~~واستنجد الفرنج ، فسار أسد الدين من دمشق منتصف ربيع الأول ومعه ابن أخيه ~~صلاح الدين ، فنزل الجيزة PageV01P568 # غربي مصر على البحر ، وكان شاور قد أعطى الفرنج الأموال وأقطعهم ~~الاقطاعات ، وأنزلهم دور القاهرة ، وبنى لهم أسواقا ، وكان يتقدمهم الملك ~~مرى وابن بيرزان ، فأقام أسد الدين على الجيزة شهرين ، ثم عدى إلى بر مصر ~~والقاهرة في خامس عشرين جمادى الآخرة. ### |||| * ذكر وقعة البابين # ولما عدى أسد الدين صعد إلى البابين ، وخرج شاور والفرنج ورتب العساكر ، ~~فجعل الفرنج في الميمنة مع ابن بيرزان ، وعسكره في الميسرة ، وأقام الملك ~~مري في القلب في شوكة الفرنج والخيالة ، ورتب أسد الدين عساكره فجعل صلاح ~~الدين في الميمنة ، والأكراد في الميسرة ، وأسد الدين في القلب ، فحمل ~~الملك مري على القلب فتعتعه ، وكانت أثقال المسلمين خلفهم ، فاشتغل الفرنج ~~بالنهب ، وحمل صلاح الدين على شاور فكسره ، وفرق جمعه ، وعاد أسد الدين إلى ~~صلاح الدين ، فحملا على الفرنج فانهزموا فقتلوا منهم ألوفا ms007 ، وأسروا مائة ~~وسبعين فارسا ، وطلبوا القاهرة ، فلو ساق أسد الدين خلفهم لملك القاهرة ، ~~وإنما حول إلى الاسكندرية فتلقاه أهلها طائعين ، وولى عليها ابن أخيه صلاح ~~الدين ، فأقام بها ، وسار أسد الدين إلى الصعيد ، واستولى عليه ، وأقام ~~يجمع أمواله ويجبي خراجه. # وخرج شاور والفرنج من القاهرة فحصروا الاسكندرية ، فأقاموا عليها أربعة ~~أشهر ، وأهلها يقاتلون مع صلاح الدين ويقوونه بالمال ، وبلغ أسد الدين فجمع ~~عرب البلاد ، وسار إلى الاسكندرية ينجد صلاح الدين ، وعاد شاور إلى القاهرة ~~، وراسل أسد الدين وأعطاه إقطاعا بمصر وعجل له مالا فعاد إلى الشام ، وصلاح ~~الدين يتبعه ، واعتذر إلى نور الدين بكثرة الفرنج والمال ورأى صلاح الدين ~~ما فعله أهل الاسكندرية ، فلما ملك أحسن إليهم وسنذكره. PageV01P569 # ثم إن الفرنج طلبوا من شاور أن يكون لهم شحنة بالقاهرة وتكون أبوابها ~~بأيدي فرسانهم ، ويحمل إليهم في كل سنة مائة ألف دينار ، ومن سكن منهم ~~القاهرة يبقى على حاله ، ويعود بعض ملوكهم إلى الساحل ، وكان نور الدين ~~ينظر من ستر رقيق ، ويخاف على مصر غلبة الفرنج فسار بعساكره إلى الساحل ~~وفتح المنطيرة ، وقلاعا كثيرة ، فخاف من كان بمصر من الفرنج فعادوا إلى ~~الساحل في سنة أربع وستين وخمسمائة ، وسنذكره. ### ||| * السنة الثالثة والستون وخمسمائة # وفيها .... ### ||| * السنة الرابعة والستون وخمسمائة # وفي المحرم ملك نور الدين محمود قلعة جعبر ، خرج صاحبها مالك العقيلي ~~فأخذه بنو كلاب وذهبوا به إلى نور الدين ، فأحسن إليه وأكرمه وقال أنت عاجز ~~عن حفظها فاختر ما سميت من البلاد والاقطاعات فامتنع ، فأرسل إليها نور ~~الدين فخر الدين مسعود بن علي الزعفراني ومجد الدين ابن الداية فحصراها ، ~~فلم يقدرا عليها ، ثم ان صاحبها طلب من نور الدين سروج وأعمالها ومالا ~~فأعطاه وتسلمها ، وهذه القلعة ما زالت في يد بني مالك من أيام السلطان ملك ~~شاه إلى هذه السنة ، وبلغ نور الدين أنهم كان لهم رجال يقطعون الطريق. # وفي صفر خرج الفرنج من عسقلان والساحل طالبين الديار المصرية ، فنزلوا ~~على بلبيس وأغاروا على الريف فقتلوا وأسروا ، فأخرج شاور من كان بالقاهرة ms008 ~~من الفرنج ، وقتل البعض وهرب الباقون ، وأمر شاور أهل مصر أن ينتقلوا إلى ~~القاهرة وأحرق مصر ، وسار الفرنج من بلبيس فنزلوا على القاهرة في تاسع صفر ~~، وضايقوها وضربوها بالمناجيق ، فلم يجد شاور بدا أن كتب لنور الدين بأمر ~~العاضد ، وكان الفرنج لما وصلوا إلى مصر في المرتين الأولتين اطلعوا على ~~عوراتها وطمعوا فيها ، وعلم PageV01P570 # نور الدين فاسترجع وخاف عليها ، وجاءته كتب العاضد وشاور ، فقال نور ~~الدين لأسد الدين : خذ العساكر وتوجه إليها ، وقال لصلاح الدين : اخرج معه ~~فامتنع ، وقال : يا مولانا يكفي مالقينا من الشدائد ، فقال : لابد من خروجك ~~، فما أمكنه مخالفة نور الدين فساروا إلى مصر ، وبلغ الفرنج فرجعوا إلى ~~الساحل ، وقيل إن شاور أعطاهم مائة ألف دينار ، وجاء أسد الدين فنزل على ~~باب القاهرة ، فاستدعاه العاضد إلى القصر وخلع عليه في الايوان خلع الوزراء ~~، وسر أهل مصر بوصوله. # وقيل انه لم يستدعه وإنما بعث إليه بالخلع والأموال والاقامات ، وللأمراء ~~الذين معه ، وأقام مكانه وأرباب الدولة يترددون إلى خدمته كل يوم وشاور لم ~~يقدر على منعهم لكثرة العساكر وكون العاضد مائلا إلى أسد الدين ، فكاتب ~~الفرنج واستدعاهم وقال يكون مجيئكم إلى دمياط في البحر والبر ، وبلغ أعيان ~~المصريين فاجتمعوا عند أسد الدين وقالوا : شاور هو فساد العباد والبلاد ، ~~وقد كاتب الفرنج وهو يكون سبب هلاك الاسلام ، ثم إن شاور خاف لما تأخر وصول ~~الفرنج فشرع في عمل دعوة لأسد الدين والأمراء ويقبضهم ، فنهاه ابنه الكامل ~~وقال : والله لئن لم تنته من هذه لأعرفن أسد الدين ، فقال له شاور : والله ~~لئن لم أفعل هذا لنقتلن كلنا ، فقال له ابنه لأن نقتل والبلاد بيد المسلمين ~~، خير من أن نقتل والبلاد بيد الفرنج ، وكان أسد الدين قد شارط لشاور ثلث ~~البلاد ، فأرسل أسد الدين يطلب منه المال فجعل يتعلل ويماطل وينتظر وصول ~~الفرنج إلى البلاد فقتلوه ، وسنذكره في موضعه ، ولما قتل بعث العاضد منشورا ~~بالوزارة لأسد الدين بخط الفاضل وعليه بخط العاضد نسخة الأيمان إلى أسد ~~الدين ، وحلف كل واحد لصاحبه بالوفاء ms009 والطاعة والصفاء ، فتصرف أسد الدين ~~شهرين ومات ، ولما احتضر أوصى لابن أخيه صلاح الدين ، فاختلف عليه جماعة من ~~الأمراء وسنذكره في عقيب وفاة أسد الدين ، وبلغ نور الدين اتفاق الأمراء ~~على صلاح الدين في ذلك. انتهى. PageV01P571 ### |||| * فصل # وفيها توفي صاحب دمشق وهو مجير الدين بن محمد بن بوري بن أتابك طغتكين ~~ببغداد ، ودفن بداره التي عند النظامية ، وبلغ نور الدين فجلس له في العزاء ~~، وقد ذكرنا سيرته. ### |||| * فصل # وفيها قتل شاور كما ذكرنا وقائعه إلى هذه السنة ، وكان جبارا لا ينظر في ~~عاقبة الأمور سفاكا للدماء ، ممدوحا قد مدحه عمارة اليمني الشاعر بقصائد. ### |||| * ذكر مقتله # عزم على عمل دعوة لأسد الدين والأمراء ثم يقتلهم وأن ابنه الكامل نهاه ، ~~واختلفوا في كيفية مقتله على أقوال : # أحدها : ان الأمراء اتفقوا على قتله لما علموا بمكاتبته للفرنج ، وأن أسد ~~الدين تمارض ، وكان شاور يخرج إليه كل يوم والطبل والبوق يضرب بين يديه على ~~عادة وزراء مصر ، فجاء ليعود أسد الدين فقتلوه. # والقول الثاني : أن صلاح الدين وجرديك اتفقا على قتله فأخبرا أسد الدين ~~فنهاهما ، وقال : لا تفعلا فنحن في بلاده ومعه عساكر عظيم فسكتا ، واتفق أن ~~أسد الدين ركب إلى زيارة الشافعي ، فأقام عنده ، وجاء شاور على العادة لأسد ~~الدين ، فالتقاه صلاح الدين وجرديك وقالا : انزل هو في الزيارة فامتنع ، ~~فجذباه فوقع إلى الأرض فقتلاه. # والقول الثالث : انهما لما جذباه لم يمكنهما قتله بغير أمر أسد الدين ~~وسحبه الغلمان إلى الخيمة ، وانهزم أصحابه إلى القاهرة ليجيشوا عليهم ، ~~وعلم أسد الدين فعاد مسرعا ، وجاء رسول من العاضد برقعة يطلب من أسد الدين ~~رأس شاور ، وتتابعت الرسل ، وكان أسد الدين قد بعث PageV01P572 # إلى شاور مع الفقيه عيسى يقول : لك في رقبتي أيمان وأنا خائف عليك من ~~الذي عندي فلا تجىء ، فلم يلتفت وجاء على العادة فجذبوه بالقوة عن فرسه ~~وأدخله جرديك إلى الخيمة ، وحز رأسه ، فلما عاد أسد الدين استرجع ، وبعثوا ~~برأسه إلى العاضد فسر به ، ودعا العاضد ولد شاور الكامل فقتله في الدهليز ، ~~وقتل ms010 أخاه ، واستوزر أسد الدين على ما ذكرنا ، وقتل شاور في ربيع الآخر. # وفيها توفي أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين ، أقام في الوزارة شهرين ~~وأياما لأنه وزر في ربيع الآخر ، وتوفي فجاءة يوم السبت ثاني عشرين جمادى ~~الآخرة ، وكانت وزارته شهرين وخمسة أيام ، وكان كثير الأكل للحوم الغليظة ، ~~وكان يواتر التخم والخوانيق ، فاعتراه خانوق عظيم فقتله ، ودفن بظاهر ~~القاهرة إلى أن مات أخوه نجم الدين أيوب ، فحملا جميعا إلى مدينة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فدفنا في رباطيهما ، ولما مات كان قد أوصى إلى ابن أخيه ~~صلاح الدين ، فاختلف الأمراء عليه ومنهم عز الدين الياروقي رأس الأتراك ، ~~وسيف الدين علي بن أحمد الهكاري المشطوب ملك الأكراد ، وشهاب الدين محمود ~~صاحب حارم ، وهو خال صلاح الدين وجماعة ، وكل واحد منهم رام أن يكون له ~~الأمر ، فبادر العاضد واستدعى صلاح الدين ، وخلع عليه في الايوان خلعة ~~الوزارة ، وكتب عهده كما فعل بأسد الدين ، ولقبه الملك الناصر ، وقيل إنما ~~لقبه المستضيء بعد ذلك ، وشرع الفقيه عيسى في تفريق البعض عن البعض ، ~~واصلاح الأمور لصلاح الدين ، وبذل صلاح الدين الأموال وأحسن إلى جميعهم ، ~~وأقام نائبا عن نور الدين يدعى لنور الدين على المنابر بعد العاضد ولصلاح ~~الدين بعدهما. # وذكر الحافظ ابن عساكر أسد الدين فقال : قد ولي دمشق ، وأقام يحارب ~~الفرنج ، وفتح حصونا كثيرة ، وكان شجاعا مقداما صارما مهيبا ، وحج سنة خمس ~~وخمسين وخمسمائة وذكر فتوح مصر. PageV01P573 # انتهت ترجمة أسد الدين والحمد لله وحده ، وصلى على أشرف خلقه محمد ~~صلى الله عليه وسلم . ### ||| * السنة الخامسة والستون وخمسمائة # وفيها نزلت الفرنج على دمياط يوم الجمعة ثالث صفر ، وجدوا في القتال ، ~~وأقاموا عليها ثلاثة وخمسين يوما يضربونها بالمناجيق ويزحفون إليها ليلا ~~ونهارا ، ووجه صلاح الدين إليها العساكر مع شهاب الدين خاله وتقي الدين ، ~~وطلب من العاضد مالا فبعث بشيء كثير ، فكان صلاح الدين يقول : ما رأيت أكرم ~~من العاضد جهز إلي في حصار الفرنج ألف ألف دينار سوى الثياب وغيرها. # وأشعل نور الدين بلاد الفرنج بالغارات ms011 ، ووقع فيهم الوباء والفناء ، ~~فرحلوا بعد أن مات منهم خلق كثير ، وكان رحيلهم في ربيع الآخر ، وفي شعبان ~~سار نور الدين إلى الكرك فنازله وضربه بالمناجيق ، وجمع ملوك الساحل فجاؤوه ~~فتأخر إلى البلقاء. # وفي شوال كانت بالشام زلازل هائلة بحيث وقع معظم دمشق وشرفات الجامع ~~وسقطت رؤوس المنابر ، وكانت تهتز مثل النخل في ريح عاصف ، وكانت بحلب أعظم ~~بحيث وقع نصف القلعة والبلد ، فهلك من أهلها ثمانون ألفا تحت الهدم ، ~~وتهدمت أسوار جميع القلاع وخرج أهلها إلى البراري ، ووقعت قلعة حصن الأكراد ~~بحيث لم يبق للسور أثر ، وكذا حماة وحمص ، فلولا أن نور الدين كان بالبلقاء ~~والفرنج في قتاله سار وأخذ حصن الأكراد ، وجاءه ما شغل قلبه من ناحية الشرق ~~ودمشق ، أما من ناحية المشرق فوفاة أخيه ، قطب الدين مودود بالموصل ، وأما ~~من دمشق فوفاة العمادي وكان نائبه في حلب وغيرها ، وكانت له بعلبك وتدمر ، ~~وكان عزيزا عند نور الدين وصاحبه وحاجبه ، وبلغه أيضا وفاة مجد الدين ابن ~~الداية بحلب وكان صاحب بره. PageV01P574 # وسار نور الدين إلى حلب خوفا عليها من العدو ، لأن أسوارها تهدمت ، وفرق ~~نور الدين العساكر في القلاع خوفا عليها من العدو ، ولأنها بقيت بغير أسوار ~~، وكانت هذه الزلزلة عامة في الدنيا وأخربت قلاع المسلمين وبلادهم بالشام ~~وحلب والعواصم وأنطاكية ، ونزلت إلى اللاذقية وجبلة وجميع بلاد الساحل إلى ~~الداروم ، ويقال انه لم يمت من دمشق إلا رجل واحد أصابه حجر وهو على درج ~~جيرون ، لأن أهلها خرجوا إلى الصحراء. # ثم امتدت الزلزلة وقطعت الفرات فوصلت إلى الموصل وسنجار ونصيبين والرها ~~وحران والرقة وماردين وغيرها ، وامتدت إلى بغداد وواسط والبصرة وجميع بلاد ~~العراق ، ولم ير الناس زلزلة من أول الاسلام مثلها أفنت العالم. # وفيها أمر نور الدين بعمارة جامع داريا القائم الآن ، وكان قديما عند قبة ~~أبي سليمان الداراني ، فأحرقوه لما نزلت الفرنج على داريا في أيام مجير ~~الدين ، أمر أن يعمر نور الدين في هذه السنة هذا الجامع في وسط القرية .... ### |||| * فصل # وفيها توفي مودود بن زنكي ms012 صاحب الموصل ، ولقبه قطب الدين أخو نور الدين ~~محمود ، كان أسمر اللون ، وتام القامة ، وعادلا منصفا ، ولما احتضر أوصى ~~إلى ولده زنكي ولقبه عماد الدين ، وكان أكبر ولده وأعزهم إليه ، وتوفي قطب ~~الدين ، وقد جاوز الأربعين وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة. # وفيها توفي أبو بكر ابن الداية ، ويلقب مجد الدين من أكابر أمراء نور ~~الدين كان شجاعا دينا بنى بحلب خانقاه ، وهي باقية إلى هلم جرا ، واتفق موت ~~العمادي في هذه السنة وكان من أعظم أمرائه ، ولما مات PageV01P575 # بكى نور الدين وقال : قص جناحاي ، وأعطى أولاد العمادي بعلبك وقدم على ~~العساكر سابق الدين عثمانابن الداية أخا مجد الدين ، ودفن مجد الدين بحلب ~~والعمادي بقاسيون في تربة قريبة من تربة شركس شمالها وهي أول تربة بنيت في ~~الجبل ، واسمه مكتوب على بابها ، وقفت على باب التربة وعليها مكتوب «هذه ~~تربة العمادي محمد». ### ||| * السنة السادسة والستون وخمسمائة # وفي أول محرم سافر نور الدين إلى سنجار ففتحها ، وسلمها إلى عماد الدين ~~زنكي ابن أخيه ، وسار فنزل على الموصل وأخذها من عبد المسيح وكان بها ، ~~وأزال من الموصل الضمانات والمكوس ، وعدل وأحسن إلى أهله ، وأعطى عمر الملا ~~ستين ألف دينار من فتوح الفرنج ، وأمر بعمارة الجامع النوري وسط البلد ، ~~وأعطى جزيرة ابن عمر والموصل لابن أخيه سيف الدين ، وأقام عشرين يوما ، ~~وكان يحب الموصل ، فقيل له : لو أقمت بها ، فقال : ومن يجاهد الكفار ويحفظ ~~بلاد المسلمين ، ثم رحل نحو الشام ومعه عبد المسيح ، وقد أحسن إليه وأقطعه ~~اقطاعا كبيرا ، وكان قد أخذ الموصل ، وهذا كله بأمر الخليفة لأن نور الدين ~~ما كان يعمل شيئا حتى يستأذنه ، ثم قال نور الدين لعبد المسيح : ويحك ما ~~هذا الاسم القبيح ، أما كان في الدنيا مسلم يغيره ، وكيف وافقك عليه أخي ~~قطب الدين؟. ### |||| * فصل # وفيها بعث الخليفة (المستضيء) رسولا إلى نور الدين محمود يعرفه بخلافته ، ~~ويطلب البيعة له ، فبعث نور الدين إلى الخليفة شرف الدين ابن أبي عصرون ~~نائبا عنه في الخدمة. # وفيها بنى صلاح الدين بالقاهرة المدرسة ms013 الصلاحية للشافعية وكان موضعها ~~حبس المعونة ، وبنى بها أيضا مدرسة المالكية بالقرب من دار PageV01P576 # العدل ، وولى صدر الدين عبد الملك بن درباس الكردي القضاء بالقاهرة ومصر ~~وأعمالها ، وفي جمادى الأولى خرج صلاح الدين بالعساكر إلى الشام فأغار على ~~غزة وعسقلان والرملة ، ومضى إلى ايلة ، وكان بها قلعة فيها جماعة من الفرنج ~~، والتقاه الاسطول في البحر فافتتحها وقتل من فيها ، وشحنها بالرجال والعدد ~~، وكان على الحاج منها خطر عظيم ، ثم عاد إلى القاهرة في جمادى الآخرة. ### ||| * السنة السابعة والستون وخمسمائة # وفيها خطب لبني العباس بمصر بعد انقطاع الخطبة عن بني العباس فيها مائتي ~~سنة وثماني سنين. # وفيها بعث الخليفة الخادم صندل المقتفوى ، وهو أكبر الخدم إلى نور الدين ~~جواب ابن أبي عصرون بالخلع لنور الدين ، وفيها طوق فيه ألف دينار ، ~~والفرجية والعمامة ، ولصلاح الدين دونها ، وبعث لنور الدين سيفين قلده ، ~~سيفا للشام ، وسيفا لمصر ، وزينت بغداد وضربت القباب. # وفي هذه السنة أخذ نور الدين الحمام الهوادي في جميع البلاد في الأبراج ~~تنفذ إليه الأخبار ، وسببه اتساع مملكته ، فكانت من حد بلاد النوبة إلى ~~همذان ، وكان أهم ما عنده قلع الفرنج من الساحل ، فكان إذا تحرك الفرنج ~~لقصده ، أو تحرك لقصدهم ، كتب الكتب على أجنحة الطيور إلى البلاد البعيدة ، ~~يستدعي العساكر ، فيأتون إليه بسرعة. ### |||| * فصل # وفيها توفي العاضد واسمه عبد الله بن يوسف بن الحافظ أبو محمد ، ولم يل ~~أبوه الخلافة ، وقد ذكرناه ، وأمه أم ولد يقال لها ست المنى ، ولد سنة أربع ~~وأربعين وخمسمائة وبويع في رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، وهو ابن احدى ~~عشرة سنة ، وكانت أيامه احدى عشرة سنة وشهورا ، واختلفوا في سبب وفاته على ~~أقوال : PageV01P577 # أحدهما : أنه تفكر في أموره فرآها في إدبار ، فأصابه ذرب عظيم فمات منه. # والثاني : أنه لما خطب لبني العباس بلغه فاغتم فمات ، وقيل ان أهله أخفوا ~~عنه ذلك وقالوا : ان سلم فهو يعلم ، وان مات فلا ينبغي أن ينغص على هذه ~~الأيام التي بقيت من عمره. # والثالث : أنه لما أيقن بزوال دولته كان ms014 في خاتم له فص مسموم فمصه فمات ، ~~وختم صلاح الدين على ما في القصر من الأموال والذخائر والتحف والجواهر ~~والعبيد والخدم والخيل والمتاع وغيره ، وكان في القصر من الجواهر النفيسة ~~ما لم يكن عند خليفة ولا ملك ، مما قد جمع على طول السنين ، فمنها القضيب ~~الزمرد وطوله قبضة ونصف ، والجبل الياقوت الأحمر ، والدرة اليتيمة مثل بيض ~~الحمام ، والياقوتة الحمراء ، وتسمى الحافر ، وزنها أربعة عشر مثقال ، ومن ~~الكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة مائة ألف مجلد ، ووجد عمامة القائم ~~وطليسانه بحاله ، بعث بهما البساسيري إلى المستنصر ، ووجد أموالا لا تحد ~~ولا تحصى ، وأفرد أهل العاضد ناحية عن القصر وأجرى عليهم جميع ما يحتاجون ~~إليه وسلمهم إلى قراقوش فعزل الرجال عن النساء واحتاط عليهم وفرق الأموال ~~التي أخذها من القصر في العساكر وباع بعض الجواري والعبيد وأعطى القاضي ~~الفاضل من الكتب ما أراد وبعث إلى نور الدين بعمامة القائم وطيلسانه وهدايا ~~وتحفا وطيبا ومائة ألف دينار ، وكان نور الدين بحلب فلما حضرت بين يديه قال ~~: والله ما كان بنا حاجة إلى هذا ، ما وصل إلينا عشر معشار ما أنفقناه على ~~العساكر التي جهزناها إلى مصر وما قصدنا بفتح مصر إلا فتح الساحل وقلع ~~الكفار منه ، وانقضت أيام المصريين بموت العاضد وعددهم أربعة عشر على عدة ~~بني أمية إلا أن أيامهم طالت فملكوا مائتين وثماني سنين ، وبنوا أمية ملكوا ~~نيفا وتسعين سنة ، وقد ذكرنا سيرة المصريين على وجه التفصيل وتقلب الأحوال. PageV01P578 ### ||| * السنة الثامنة والستون وخمسمائة # وفيها بعث صلاح الدين إلى نور الدين هدية فيها فيل وحمار عتابي ، فبعث ~~بها نور الدين إلى بغداد ، وخرج الناس للقائهما ، وعجبوا من خلقة الحمار ، ~~وكان بمحلة العتابيين رجل نحوي قاصر في كل شيء ، قد تعلق بطرف من النحو ، ~~وكان يدعي دعاوى عظيمة ، فخرج مع الناس يتفرج ورآه بعض الظراف ، فقال : يا ~~قوم ليس بعجب أن يحمل الفتى حمار عتابي ، عندنا عتابي حمار ، فضحك الناس. # وفيها سار نور الدين إلى الموصل وصلى في الجامع الذي بناه وسط البلد ، ~~وتصدق بمال ms015 عظيم ، ولما علم صلاح الدين أن نور الدين قد توجه إلى الموصل ~~خرج بعساكر مصر فحصر الكرك والشوبك ، ونهب أعمالها ، وكان جماعة من العرب ~~نازلين بأرض الكرك ينقلون الأخبار إلى الفرنج وإذا أغاروا على البلاد دلوهم ~~على المسلمين ، فنهبهم صلاح الدين ، وقتل البعض ، وأجلى من بقي منهم عن أرض ~~الكرك ، وكتب إلى نور الدين كتابا يخبره بما جرى من العربان وأن لا يبقى ~~منهم أحد وأن يدرك ديارهم فانهم آفة على المسلمين ، ودليل الكفار على ~~الاسلام ، فلذا أبدتهم بحيث أن العدو إذا نهض لا يجد بين يديه دليلا ، ولا ~~يستطيع حيلة ، ولا يهتدي إليه سبيلا ، وهو كتاب طويل. # ثم عاد صلاح الدين إلى مصر ، قيل هي أول غزاة ، وذكر القاضي أبو المحاسن ~~يوسف بن رافع بن تميم الموصلي ، ويعرف بابن شداد قاضي حلب رحمه الله في سيرة ~~صلاح الدين الكرك والشوبك لأنهما في طريق الديار المصرية ، وكانوا يغيرون ~~على القوافل منها ، فقصد تسهيل الطريق لتتصل البلاد بعضها ببعض ، فحصرهم في ~~هذه السنة ، فلم يظفر منهم بطائل وتأخر فتحهما إلى ما بعد الفتوح. # وعاد نور الدين من الموصل ، وقطع الفرات وقصد بلاد الروم ففتح PageV01P579 # نور الدين بهسنا ، ومرعش وقلاعا من أعمال قليج أرسلان ، وبينما نور الدين ~~يفتح هذه القلاع إذ جاءه خبر من حمص بأن الفرنج قد نزلوا عليها ، فرجع إلى ~~الشام ومعه ابن الدانشمند قد وعده بخلاص بلاده ، فلما أخذ نور الدين بهسنا ~~، ومرعش ، والمرزبان خاف منه قليج أرسلان ، فأجابه إلى ما أراد ، ورد بلاد ~~الدانشمند ، وشرط عليه نور الدين تجديد اسلامه ، لأنه كان يتهم بالزندقة ، ~~وأنه متى طلب منه النجدة بعساكره ينجده ، وأن يزوج ابنته بابن أخيه سيف ~~الدين غازي صاحب الموصل ففعل ، وبعث نور الدين فخر الدين عبد المسيح مع ابن ~~الدانشمند إلى ملطية وسيواس ومعه عسكر في خدمته فأقام عنده حتى توفي نور ~~الدين ، ورجعت البلاد إلى قليج أرسلان. # وفيها قدم القطب النيسابوري (10) من حلب إلى دمشق بعثه نور الدين مدرسا ~~بالمدرسة الأمينية ، وقيل لم يدرس بالأمينية ms016 بل بالزاوية الغربية بجامع ~~دمشق زاوية الفقيه نصر ، وشرع نور الدين لبناء مدرسة للشافعية إلى جانب ~~الجاروخية ، فأدركه أجله دون بنائها ، وكان قد وضع نور الدين المحراب وبعض ~~البنيان ، وهيأ أمرها على حاله ، فجاء العادل أبو بكر بن أيوب فأزال ذلك ~~البناء وبناها البناء المحكم ودفن بها (11). # وفيها بعث تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين جيشا إلى المغرب مع مملوك له ~~اسمه قراقوش فالتقاه عسكر من عند عبد المؤمن ، فهزمه بعد أن أقام الدعوة ~~العباسية بإفريقية ، فعاد إلى القاهرة مهزوما. ### |||| * فصل # وفيها توفي نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان وكان عاقلا شجاعا حليما ~~رحيما جوادا ، عاطفا على الفقراء والمساكين ، محبا للصالحين قليل الكلام ~~جدا لا يتكلم إلا عن ضرورة ، ولما قدم مصر سأله ولده صلاح الدين أن يكون هو ~~السلطان فقال : أنت أولى ، فكان يلعب بالأكرة دائما. PageV01P580 # قال القاضي ابن شداد : كان شديد الركض بالخيل يلعب بالأكرة ، ومن يراه ~~يلعب بها يقول : ما يموت إلا من وقوعه عن الفرس ، وركب يوما من داره ، وخرج ~~من باب النصر يريد الميدان ، فشب به فرسه ، فوقع على رأسه فحمل إلى داره ، ~~فمكث ثمانية أيام ، وتوفي ليلة الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة ، دفن ~~إلى جانب أخيه أسد الدين في بيته بالدار السلطانية ، ثم نقلا بعد سنين إلى ~~مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان صلاح الدين قد عاد من الكرك فبلغه خبره ~~في الطريق فحزن عليه وتأسف حيث لم يحضره. ### |||| * فصل # خلف من الذكور ستة : صلاح الدين ، وأبا بكر العادل ، وتوران شاه شمس ~~الدولة ، وشاهنشاه ، وطغتكين سيف الاسلام وبوري تاج الاسلام ، وهو الأصغر ، ~~وشمس الدولة الأكبر ، ومن البنات ست الشام وربيعة خاتون. ### ||| * السنة التاسعة والستون وخمسمائة # وفيها كتب صلاح الدين إلى نور الدين يستأذنه في انفاذ جيش إلى اليمن ، ~~فأذن فبعث أخاه توران شاه شمس الدولة ، فسار إليها في رجب ، وكان باليمن ~~رجل يقال له عبد النبي يلقب بالداعي من أصحاب المصريين ، وكان ظالما فاتكا ~~، فحصره شمس الدولة في قصر زبيد ms017 مدة ، ثم طلب الأمان ، فأمنه ، فلما نزل ~~إليه وكل به ، وسار شمس الدولة ففتح صنعاء وحصون اليمن والمدائن ، فيقال ~~انه فتح ثمانين حصنا ومدينة واستولى على أموالها وذخائرها وقتل الخارجي ~~وعبد النبي بن مهدي ، وولى على زبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ أبا الميمون ~~، وكان من الفضلاء جوادا ممدحا. # وفيها أكثر نور الدين الصدقات والصلوات وزاد في الأوقاف وكسا PageV01P581 # اليتامى وزوج الأرامل وأغنى الفقراء ، وكشف المظالم بحيث لم يبق في بلاده ~~مظلمة إلا وردها ، وبعث محمد بن خالد القيسراني أمينا على مال القصر ، ~~ومستوفيا لحواصل البلاد ، فأكرمه صلاح الدين ، وقال : نحن مماليك نور الدين ~~افعل ما أمرك ، إلا أن جماعة من الأكابر قد تصرفوا في أماكن لا يمكن ~~انتزاعها منهم ولا يرضون بأن ينقص انتفاعها ، فعلم ابن خالد ان طاعته إنما ~~هي مخادعة ومراوغة ، فسكت ولم يشافهه ، ومات نور الدين في شوال وبطل ذلك الأمر. # وفيها قبض صلاح الدين على جماعة من أعيان الدولة المصرية مثل داعي الدعاة ~~وعمارة اليمني وغيرهما ، بلغه أنهم يجتمعون لاثارة الفتن ، واتفقوا على ~~السودان وكاتبوا الفرنج ، وأنهم يريدون قتل صلاح الدين والغز ، ورتبوا مع ~~السودان يبكروا وينادوا بشعار المصريين ، وكان زين الدين ابن نجية الواعظ ~~قد اطلع على ذلك ، فخاف من صلاح الدين ، فأنهى إليه الحال ومادبروا فقبض ~~عليهم ، وقتل داعي الدعاة وصلب عمارة وسنذكره. ### |||| * فصل** وفيها توفي عبد النبي بن مهدي # وقفت على تاريخ بمصر فرأيت أن شمس الدولة لما سار إلى اليمن ، وكان ~~أعيانها قد كتبوا إلى صلاح الدين يسألونه أن يبعث إليهم بعض أهله ، فلما ~~وصل شمس الدولة إلى مكة صعد صاحبها إلى أبي قبيس فتحصن عليه بقلعة بناها ، ~~وأغلق باب الكعبة ، وأخذ المفاتيح ، فجاء شمس الدولة فطاف بالبيت وصلى ~~ركعتين ، وصعد إلى باب الكعبة ، وقال : اللهم ان كنت تعلم أني جئت إلى هذه ~~البلاد لاصلاح العباد ، وتعهدها فيسر علي فتح الباب ، وإن كنت تعلم أني جئت ~~لغير ذلك فلا تفتحه ، ومد يده فجذب القفل فانفتح ، فدخل شمس الدولة إلى البيت PageV01P582 # وصلى ms018 ودعا ، فلما بلغ أمير مكة ذلك نزل إلى خدمته وحمل المفاتيح واعتذر ، ~~وقال خفت منك ، والآن فأنا تحت طاعتك ، فقال : إذا أخذت منك مفاتيح مكة ~~فلمن أعطيها؟ ثم خلع عليه وعلى أصحابه وطيب قلوبهم ، وسار إلى اليمن ، ~~فانهزم عبد النبي بين يديه إلى زبيد ، وكان أبوه المسمى بالمهدي قد فتح ~~البلاد ، وقتل خلقا كثيرا ، وشق بطون الحوامل وذبح الأطفال على صدورهن ، ~~وكان يرى رأي القرامطة ، ويظهر أنه داعية لأهل مصر ويستتر باليمن ، وكان قد ~~مات قبل دخول شمس الدولة اليمن بسنين ، وملك بعده ولده عبد النبي ، ففعل ~~باليمن ما فعله أبوه وسبى نساءهم واستعبدهم ، وكان أبوه لما مات بنى عليه ~~قبة عظيمة وصفح حيطانها بالذهب الأحمر والجواهر ظاهرا وباطنا بحيث لم يعمل ~~في الدنيا مثلها ، وجعل فيها قناديل الذهب وستور الحرير ، ومنع أهل البلد ~~من زبيد إلى حضر موت أن يحجوا إلى الكعبة ، وأمرهم بالحج إلى قبر أبيه ، ~~وكانوا يحملون إليها الأموال في كل سنة ما لا يحد ولا يحصى ، ويطوفون حولها ~~مثل ما يطوفون بالكعبة ، ومن لم يحمل مالا قتله ، وكانوا يقصدونها من الشحر ~~، فاجتمع فيها أموال عظيمة ، وأقام عبد النبي على الظلم والفسق والفجور ~~وذبح الأطفال وسفك الدماء وسبي النساء إلى أن دخل شمس الدولة اليمن ، وجاء ~~إلى زبيد فيقال أنه حصر عبد النبي فيها وابنه وقيده وقتله ، وقد ذكرناه ، ~~ويقال إنه انهزم بين يديه ، وجاء إلى قبة أبيه فهدمها وأخذ ما فيها من ~~المال والجواهر والفضة ، وكان على ستمائة جمل ، ونبش القبر وأحرق عظام أبيه ~~وذراها في الريح ، ومضى إلى صنعاء ، فحلف شمس الدولة لا ينتهي عنه حتى ~~يقتله ويحرقه كما فعل بأبيه ، وسار خلفه فرجع إلى زبيد ، وعاد شمس الدولة ~~إليها فظفر به فأخذ ما كان معه ، وقتله. ### |||| * فصل # وفيها توفي أبو القاسم نور الدين محمود بن زنكي بن أقسنقر ، الملك ~~العادل. PageV01P583 # أعلم أن سيرة نور الدين أولى ما صرفت العناية إليها ، واعتمد في اقتناء ~~الفضائل عليها ، تحث الطالب على نيل المطالب ، وتعدل بهمة الراغب على ms019 تحصيل ~~الرغائب ، وقد ذكر العلماء سيرته ، وسطر الفضلاء ترجمته ، وقد جمعت في ~~كتابي هذا ما تفرق في تواريخهم من محاسن أخباره ، وأتيت على معظم مآثره ~~وآثاره. ### |||| * فصل* في صفته وطرف من أخباره # ذكر الحافظ ابن عساكر أنه ولد في سنة احدى عشرة وخمسمائة ، وكان معتدل ~~القامة ، أسمر اللون ، واسع الجبهة حسن الصورة بلحيته شعرات خفيفة في حنكه. # قال : ونشأ على الخير والصلاح ، وقراءة القرآن ، والعبادة ، وكان قليل ~~المحافظة للجند ، وكان أبوه زنكي يقدمه على أولاده ويرى فيه مخايل النجابة ~~، قال : وفتح نيفا وخمسين حصنا ، منها تل باشر ، وأعزاز ، ومرعش ، وبهسنا ، ~~وتل خالد ، وحارم ، والمرزبان ، ورعبان ، وكسيون ، والرها ، وكسر برنس ~~أنطاكية وقتله ، وقتل معه ثلاثة آلاف ، وأخذ منه ثلاثة آلاف دينار وخمسمائة ~~زردية ، وخمسمائة حصان ، وخمسمائة أسير ، واتسع ملكه ، ففتح : الموصل ~~والجزيرة ، وديار بكر ، والشام والعواصم ، ودمشق وبعلبك وبانياس ومصر ~~واليمن ، وخطب له في الدنيا ، وأظهر السنة بحلب وأزال الأذان بحي على خير ~~العمل ، وبنى بها المدارس وأوقف الأوقاف ، وبنى سور دمشق والمساجد والمدارس ~~، وأسقط ما كان يؤخذ من دار بطيخ وسوق الخيل والغنم والكيالة وجميع المكوس ~~، وعاقب على شرب الخمر ، وكان في الحرب ثابت القدم حسن الرمي يتقدم أصحابه ~~، ويتعرض للشهادة ، ويسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير ، ~~ووقف أوقافا على المرضى والمجانين ، وبنى PageV01P584 # المكاتب لليتامى ، وبنى المارستان بدمشق ، ووقف على سكان الحرمين ، وأقطع ~~أمراء العرب القطائع لئلا يتعرضوا للحجاج ، وأمر بإكمال سور المدينة ، ~~وأجرى إليها العين التي تأخذ من أحد من عند قبر حمزة ، وهيأ الربط والجسور ~~والخانات والقناطر ، وجدد كثيرا من قنى السبيل ، ووقف كتبا كثيرة في مدارسه ~~، وكان حسن الخط ، كثير المطالعة للكتب الدينية ، متبعا للآثار النبوية ، ~~مواظبا على الصلوات الخمس في الجماعات ، عاكفا على تلاوة القرآن ، حريصا ~~على فعل الخيرات ، عفيف البطن والفرج ، مقتصدا في الانفاق ، متحريا في ~~المطعم والمشرب والملبس ، لم يسمع منه كلمة فحش قط في رضاه ولا في غضبه ، ~~هذا إلى ما جمع الله فيه من العقل المتين والرأي الصائب الرزين ms020 ، والاقتداء ~~بسنة السلف الصالحين ، حتى روى حديث المصطفى وأسمعه ، وكان قد استجيز له ~~ممن سمعه وجمعه حرصا على الخير في نشر السنة والحديث ، ورجاء به أن يكون ~~ممن حفظ على الأمة أربعين حديثا ، كما جاء في الحديث ، فمن رآه شاهد من ~~جلال السلطنة وهيبة المملكة ما يبهره ، فإذا فاوضه رأى من نصافته وتواضعه ~~ما يحيره ، يحب الصالحين ويوافيهم ويزورهم في أماكنهم لحسن ظنه فيهم ، هذا ~~قول ابن عساكر ، وذكر كلاما طويلا. # وقال الجزري في تاريخ الموصل (12): قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمة من ~~قبل الاسلام إلى يومنا هذا ، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين ، وعمر بن ~~عبد العزيز ملكا أحسن سيرة من نور الدين ، ولا أكثر تحريا للعدل والانصاف ~~منه ، ثم ذكر من عدله وزهده وفضله وجهاده واجتهاده من أحسن ما ذكره الحافظ ~~ابن عساكر. # قال : وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف فيما يخصه إلا من ملك اشتراه من ~~سهمه من غنائم الكفار ، وكان يحضر الفقهاء ويستفتيهم فيما يحل له من تناول ~~الأموال ، فأفتوه من جهات عينوها ، فلم يتعد إلى غيرها ، ولم يلبس حريرا قط ~~ولا ذهبا ولا فضة ، ومنع من بيع الخمر في PageV01P585 # بلاده ، وكان يحد شاربه عند الناس ، وكان كثير الصيام وله أوراد في الليل ~~والنهار ، وكان يقدم أشغال المسلمين عليها ، ثم يتمم أوراده ، وكان قد تزوج ~~الخاتون بنت معين الدين ، فطلبت منه زيادة نفقة فقال : قد فرضت لها ما ~~يكفيها والله لا أخوض جهنم بسببها ، وهذه الأموال ليست لي وإنما هي ~~للمسلمين ، وأنا خادمهم فلا أخونهم فيها ، ولي بحمص ثلاثة دكاكين اشتريتها ~~من الغنائم قد وهبتها إياها ، وكان يحصل منها قدر يسير. # قال وكان يلعب بالأكرة كثيرا ، فكتب إليه بعض الصالحين ينكر عليه ويقول : ~~تتعب الخيل في غير فائدة ، فكتب إليه نور الدين بخطه : والله ما أقصد اللعب ~~، وإنما نحن في ثغر والعدو منا قريب ، فربما وقع الصوت فتكون الخيل قد ~~أدمنت على سرعة الانعطاف بالكر والفر ، وإذا طلبنا العدو أدركناه ، ولو ~~تركناها بحالها لصارت جهاما لا ms021 ينتفع بها ، فنيتي في لعب الأكرة هذه. # قال وأهديت إليه عمامة مذهبة من مصر فوهبها لشيخ الصوفية أبي الفتح بن ~~حموية (13) فبعث بها إلى العجم فبيعت بألف دينار قال : وكان عارفا بمذهب ~~أبي حنيفة ، وليس عنده تعصب على أحد. # قال : وكان يوما يلعب بالأكرة في ميدان دمشق فجاءه رجل فوقف بازائه وأشار ~~إليه ، فقال للحاجب : اسأله ما حاجته فسأله فقال : لي مع نور الدين حكومة ، ~~فرمى الصولجان من يده فجاء إلى مجلس القاضي كمال الدين الشهرزوري ، وتقدمه ~~الحاجب يقول للقاضي قد قال : لاتنزعج واسلك معه ما تسلكه من آحاد الناس ، ~~فلما سوى بينه وبين خصمه كآحاد الناس ، فلم يثبت له عليه حق ، وكان يدعي ~~ملكا له في نور الدين ، فقال نور الدين للقاضي والعدول : هل ثبت له علي حق؟ ~~قالوا : لا ، فقال : اشهدوا أني قد وهبت الملك له ، وقد كنت أعلم أن لا حق ~~لك عندي ، وإنما حضرت معك لئلا يقال عني أني دعيت إلى مجلس الشرع فأبيت. PageV01P586 # ودخل يوما إلى خزائنه فرأى مالا كثيرا فقال : من أين هذا؟ قال : بعث به ~~القاضي كمال الدين (14) من مال الأوقاف ، فقال : ردوه إليه وقولوا له : إن ~~رقبتي رقيقة لا أقدر على حمله غدا ، رقبتك غليظة تقدر على حمله ، قال : ~~ونور الدين أول من بنى دار العدل بدمشق ، وسماها دار الكشف ، وسببه أن ~~الأمراء لما قدموا دمشق اقتنوا الأملاك ، واستطالوا على الناس وخصوصا أسد ~~الدين شيركوه ، وكثرت الشكاوى إلى القاضي ، فلم يقدر على الانتصار من أسد ~~الدين ، فأمر ببناء دار العدل. # وأحضر أسد شيركوه أصحابه وديوانه ، وقال : إن نور الدين ما بنى هذه الدار ~~إلا بسببي وحدي لينتقم مني ، وإلا فمن هو الذي يمتنع عن كمال الدين ، والله ~~لئن أحضرت لدار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه ، فإن كان بينكم وبين أحد ~~منازعة فأرضوه بمهما أمكن ، ولو أتى على جميع ما في يدي ، فإن خروج أملاكي ~~من يدي أهون من أن يراني نور الدين بعين ظالم ، ويسوي بيني وبين آحاد ~~العوام ، ففعلوا وأرضوا الخصوم ms022 ، فجلس نور الدين في دار العدل وقال للقاضي ~~: ما أرى أحدا يشكو من شيركوه ، فأخبره الخبر فسجد وقال : الحمد لله الذي ~~جعل أصحابنا ينصفون من نفوسهم قبل حضورهم عندنا ، فكان نور الدين يقعد في ~~دار العدل في كل اسبوع أربعة أيام أو خمسة ، ويحضر عنده العلماء والفقهاء ، ~~ويأمر بإزالة الحاجب والبواب ، ويوصل إليه الشيخ الضعيف والعجوز الكبيرة ، ~~ويسأل الفقهاء عما أشكل عليه. # قال : وكان نور الدين إذا حضر الحرب شد تركاشين وحمل قوسين وساس الحرب ~~بنفسه فقال له القطب النيسابوري : لا تخاطر بنفسك فأنت عماد الاسلام ~~والمسلمين فلو أصبت في معركة والعياذ بالله لا يبقى من يقوم مقامك وذهبت ~~البلاد ، فقال له : من محمود حتى يقال له هذا ، ومن حفظ البلاد قبلي إلا ~~الله تعالى. # قال : وكان إذا مات أحد من جنده أو قتل وله ولد ، فان كان كبيرا PageV01P587 # أقر الاقطاع عليه ، وإن كان صغيرا رتب معه من يتولى أمره حتى يكبر فكان ~~الأجناد يقولون : هذه أملاكنا ، ونحن نقاتل عليها لأننا نتوارثها ، قال : ~~ما كان يكل الجند على الأمراء بل يتولاهم بنفسه ويباشر خيولهم وسلاحهم ~~مخافة أن يفضي الأمر إلى خفضهم ، ويقول : نحن كل وقت في النفير فإذا لم تكن ~~أجنادنا كاملي العدة دخل الوهن على الاسلام. # قال : وبنى جامعه بالموصل ، وفوض عمارته إلى الشيخ عمر الملاء ، وكان من ~~الصالحين فقيل له : إنه لا يصلح لمثل هذا ، فقال : إذا وليت بعض الأجناد ، ~~أو بعض العمال لا يخلو من الظلم ، وبناء الجامع لا يفي بظلم رجل مسلم ، ~~وإذا وليت هذا الشيخ غلب على ظني أنه لا يظلم ، فإذا كان الاثم عليه لا علي. # وكان عمرا الملاء من الصالحين ، وإنما سمى الملاء لأنه كان يملأ تنانير ~~الآجر ويأخذ الأجرة ، فيتقوت بها ، وكان ما عليه مثل القميص والعمامة ما ~~يملك غيره ، ولا يملك من الدنيا شيئا ، وكان عالما بفنون العلوم ، وجميع ~~الملوك والعلماء والأعيان ، يزورونه ويتبركون به ، وصنف كتاب سيرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وكان يعمل مولد رسول الله صلى الله عليه ms023 وسلم كل سنة ، ~~ويحضر عنده صاحب الموصل والأكابر ، وكان نور الدين يحبه ويكاتبه ، وكان ~~مكان الجامع النوري خربة واسعة ما شرع أحد في عمارتها إلا وقصر فأشار عمر ~~على نور الدين بعمارتها جامعا فاشتراها ، وانفق عليها أموالا كثيرة ، قيل ~~ستين ألف دينار ، ويقال ثلاثمائة ألف دينار ، فتم في ثلاث سنين ، ولما تم ~~جاء نور الدين إلى الموصل وهي المرة الأخيرة ، فصلى فيه ، ووقف علييه قرية ~~بالموصل ، ورتب فيه الخطيب والمؤذنين والحصر والبسط وغيرها ، ثم دخل عمر ~~الملاء على نور الدين وهو جالس على دجلة فترك بين يديه دساستين الخرج وقال ~~: يا مولانا أشتهي أن تنظر فيها ، فقال نور الدين : يا شيخ نحن عملنا هذا ~~لله ، دع الحساب إلى يوم الحساب ، ثم رمى بالدساتين في دجلة. PageV01P588 # قال : وبنى جامع حماة على العاصي ، وهو من أحسن الجوامع ، وقال : وقع بيد ~~نور الدين أفرنجي من أكابر الملوك ، ففدى نفسه بمال عظيم ، فشاور نور الدين ~~أمراءه فأشاروا عليه ببقائه في الأسر خوفا من شره ، فأرسل نور الدين إليه ~~يقول : أحضر المال ، فأحضر ثلاثمائة ألف دينار ، فأطلقه نور الدين ، فعند ~~وصوله إلى مأمنه مات ، فطلب الأمراء سهمهم من المال ، فقال نور الدين : ما ~~تستحقون منه شيئا لأنكم نهيتم عن الفداء ، وقد جمع الله لي الحسنيين الفداء ~~وموت اللعين ، وخلاص المسلمين منه فبنى بذلك المارستان بدمشق ومدرسة ودار ~~الحديث بدمشق ، ووقف عليها الأوقاف. # حكى ابن الأثير قال : وبلغني أن وقوف نور الدين في أبواب البر بالشام في ~~وقتنا هذا وهو سنة ثمان وستمائة تغل كل شهر تسعة آلاف دينار صورية ، ليس ~~فيها ملك فيه كلام ، بل حق ثابت بالشرع باطنا وظاهرا صحيح الشراء. # قلت : رحم الله المجد أشار إلى ذلك ، أما في زماننا هذا فقد تشعث وقفه ~~وتغيرت صفاته ، ولم يبق منه إلا آثاره وبركاته. # حكى ابن الأثير أيضا أن بعض الأمراء كان يحسد القطب النيسابوري على قربه ~~من نور الدين فنال منه ، فقال : يا مسكين لو نظرت في عيب نفسك لشغلك عن ~~عيوب الناس ، وإن ms024 صح ما قلت فله حسنة ، واحدة يغفر الله له بها كل زلة وهي ~~العلم ، وأنت وأصحابك ليست لك عند الله حسنة ، والله لئن عدت إلى ذكره أو ~~ذكر غيره بسوء لأؤدبنك ، فكف عنه. # قال : ما كان أحد من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هيبته فإذا دخل عليه ~~فقير أو عالم أو رب خرقة قام ومشى إليه وأجلسه إلى جانبه ، ويعطيه الأموال ~~، فإذا قيل له في ذلك ، يقول : هؤلاء لهم حق في بيت المال ، فإذا قنعوا ~~ببعضه فلهم المنة علينا. PageV01P589 # وذكره العماد الكاتب في أول البرق الشامي وأثنى عليه ، وقال : وفي سنة ~~تسع وستين وخمسمائة وهي التي توفي فيها نور الدين أكثر من الصدقات والأوقاف ~~، وعمارة المساجد المهجورة ، وتعفيه آثار الآثام ، واسقاط كل ما كان فيه ~~الحرام ، فما أبقى سوى الجزية وما يحصل من قسمة الغلات على قويم المناهج. # قال : وأمرني أن أكتب مناشير لجميع أهل البلاد ، فكتبت أكثر من ألف منشور ~~، وحسبنا ما تصدق به في تلك الشهور ، فكان ثلاثين ألف دينار ، وكان له برسم ~~نفقته الخاصة في كل شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس يصرفها في كسوته ~~وملبوسه ومأكوله ، حتى أجرة خياطة وجامكية طباخه ، ويستفضل منها ما يتصدق ~~به في آخر الشهر ، وقيل إن قيمة القراطيس مائة وخمسون درهما ، وقيل كل ستين ~~قرطاسا أو سبعين بدينار. # قال : وما كان يصل إليه من الهدايا وغيرها يبعثه إلى القاضي يبيعه ويعمر ~~به المساجد المهجورة ، ولا يتناول منه شيئا ، وأمر بإحصاء مساجد دمشق ~~فأحصيت ، فكانت مائة مسجد ، فأوقف الأوقاف على جميعها ، وذكر العماد جملة ~~من فضائله ولمعة من فواضله ، ومن المساجد جامع قلعة دمشق ، ومسجد عطية بباب ~~الجابية ، ومسجد الرياحين ، ومسجد سوق الصاغة ، ومسجد دار البطيخ ، ومسجد ~~العباسي ، ومسجد بجوار بيعة اليهود ، ومسجد الكشك وأشياء أخرى. # قلت : وذكره جدي في المنتظم بكلمات يسيرة فقال : ولي الشام سنين ، وجاهد ~~الكفار ، وكأن أصلح من كثير من الولاة ، وكان يتدين بطاعة الخليفة ، والطرق ~~آمنة في أيامه ، والمحامد كثيرة ، وذكر بناء المارستان بدمشق ، وجامع ms025 ~~الموصل ، وكان يميل إلى التواضع ، ويحب العلماء وأهل الدين ، وقد كاتبني ~~مرارا ، وذكر أسره لملك الفرنج وأنه أخذ منه ثلاثمائة ألف دينار ، وشرط ~~عليه أن لا يغير على بلاد الاسلام سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام ، وأخذ ~~منه رهائن على ذلك ، هذا ما ذكره جدي في المنتظم في ترجمة نور الدين. PageV01P590 # قلت : وقد صنف كتابا سماه الفخر النوري فيه أحاديث العدل والجهاد ومواعظ ~~وغير ذلك ، وصنف نور الدين أيضا كتابا في الجهاد وهو بدمشق. # قلت : وقد نقل ذكره علماء السير مما وقع لهم من سيرته وما يستدل به على ~~صالح سريرته ، وقد وقع لي مآثر لم يذكروها ومفاخر لم يسطروها ، ولم تكن ~~لغيره من ملوك الجاهلية ولا الاسلام ، ولا رأوها ولو في احتلام ، وكان ~~مشغولا بالصيد ويصيد الغزلان ، فمن ذلك أنه كان في عزمه أن يفتح بيت المقدس ~~، فعمر منبرا وقبلة بجامع حلب على اسم القدس فتوفي قبل الفتوح ، فلما ملك ~~صلاح الدين البيت المقدس حمل المنبر إليه وأبقى القبلة بجامع حلب. # ومنها أنه كان له عجائز بدمشق وحلب فكان يخيط الكوافر (15) ويعمل ~~السكاكير للأبواب ويبيعها العجائز ولا يدري أحد ، فكان يوما يصوم ويفطر على ~~أثمانها ، وحكى شرف الدين يعقوب ولد المعتمد رحمه الله ان في دارهم سكرة من ~~عمل نور الدين بخوزستان ، وهي باقية إلى سنة خمسين وستمائة يتبركون بها. # ومنها ما حكاه الشيخ أبو عمر شيخ المقادسة رحمه الله قال : كان نور الدين ~~يزور والدي الشيخ أحمد في المدرسة الصغيرة التي على نهر يزيد المجاورة ~~للدير ، ونور الدين الذي بنى هذه المدرسة ، والمصنع والفرن ، قال : فجاء ~~يوما لزيارة جدي ، وكان في سقف المسجد خشبة مكسورة ، فقال له بعض الجماعة : ~~يا نور الدين لو كشفت السقف وجددته ، فنظر إلى الخشبة وسكت ، فلما كان من ~~الغد جاء معماره ومعه خشبة صحيحة فزرقها موضع المكسورة ومضى ، فعجب الجماعة ~~، فلما عاد إلى الزيارة قال بعض الحاضرين : يا نور الدين ما تعذبنا به في ~~كشف سقف ، فقال : لا والله ، وإنما الشيخ رجل صالح ms026 ، وانما أزوره لأنتفع به ~~، وما أردت أن أزخرف له المسجد وأنقض ما هو صحيح ، وهذه الخشبة يحصل بها ~~المقصود ، فدعوني مع حسن ظني فيه ، فلعل الله ينفعني به. PageV01P591 # ومنها ما حكاه لي رجل صالح من أهل حران فقيه الشيخ حياة في سنة خمسين ~~وستمائة قال : لما قتل أتابك زنكي على قلعة جعبر ، وملك نور الدين قلعة حلب ~~تصدق وأزال المكوس ، ورد المظالم ، وأنا حديث عهد بعرس ، وقد ركبني دين ، ~~فقالت لي زوجتي : قد سمعت أوصاف نور الدين واحسانه للناس ، فلو قصدته ~~وأنهيت إليه حالك لقضى دينك ، قال : فخرجت من حران ، وليس معي سوى درهمين ، ~~فتركت عندها درهما وتزودت بدرهم ، وأتيت الفرات وقت القائلة فعبرت جسر منبج ~~، وأبعدت عن أعين الناس ، وخلعت ثيابي ونزلت وتوضأت للصلاة وصليت ركعتين ~~وإذا على جانبي شخص ملفوف في عباءة ، فقال لي : يا فقير من أين أنت؟ قلت : ~~من حران ، قال وإلى أين؟ قلت : إلى حلب ، قال فما تصنع فيها؟ فقلت : أنا ~~فقير مديون ، وقد بلغني احسان نور الدين إلى الخلق ، فقصدته لعله يقضي ديني ~~، فقال : فأين أنت من نور الدين ، ومن يوصلك إليه وكم عليك دين؟ فقلت : ~~خمسون دينارا ، فأخرج يده من العباءة ، وبحث في الرمل وأخرج منه قرطاسا ~~وألقاه إلي ، وقال : خذ فاقض به دينك وارجع إلى أهلك ، قال فأخذته فعددته ~~وإذا به خمسون دينارا والتفت فلم أره ، فبهت ، وبت في مكاني أتفكر هل أرجع ~~إلى حران أم أمضي إلى حلب ، وترجح عندي المضي إلى حلب ، وقلت في نفسي : ~~فهذه أوفي بها ديني ، فمن أين أتقوت ، ثم قمت وقصدت طريق حلب فبت بباب ~~بزاعة ونمت في الليل فأصبحت تحت قلعة حلب وقت الصباح ، فصليت وقعدت تحت ~~القلعة ، وإذا قد فتح بابها ونزل نور الدين في أهبة عظيمة والأمراء بين ~~يديه حتى جاء إلى الميدان ، فلما أراد أن يدخل نظر إلي فرمقني طويلا ، ~~فأشار إلى خادم بين يديه ، فجاء الخادم إلي وقال : قم فأخذني وصعدني القلعة ~~، قال : فندمت على مجيئي إلى حلب وقلت : يا ليتني ms027 قبلت من ذلك الرجل الصالح ~~ولعل نور الدين توهم أني اسماعيلي. PageV01P592 # قال : فلما كان بعد ساعة عاد نور الدين إلى القلعة ، وجلس في الديوان ، ~~ومد سماط عظيم ولم يمد يده إليه وإذا قد فتح باب عن يمينه صغير وخرج منه ~~خادم ، وعلى يده طبق خوص مغطى بمنديل ، فوضعه بين يديه وفيه عصارة عليها ~~رغيف ، فتأملتها من بعيد وهي ثردة فتناول منها شيئا وأكل الناس وأكلت معهم ~~، وصرف الناس ، وبقيت قاعدا خائفا فأومأ إلي فقمت إلى بين يديه وأنا خائف ~~أرعد فقال : من أين أنت؟ قلت : من حران ، قال : وما الذي أقدمك؟ قلت : علي ~~دين وبلغني احسانك فقصدتك لتقضي ديني ، قال : وكم دينك؟ قلت : خمسون دينارا ~~قال : أما قد أعطاك أمس صاحب العباءة على الفرات خمسين دينارا ، هلا رجعت ~~إلى أهلك وأنت عليك خرقة الفقر ، وإذا حصل القوت للفقير فما يطلب شيئا آخر ~~، ما يضيع تعبك ورفع سجادته وكانت زرقاء وإذا بقرطاس مثل القرطاس الذي ~~أعطاني صاحب العباءة ، قال : فبكيت بكاء كثيرا وقلت : لا آخذ شيئا حتى ~~تخبرني بصاحب العباءة ، قال : هو أمر لا يلزمك ، فقلت : يا مولانا أنا غريب ~~وضيف ولي حرمة فبالله عليك ، فقال : احلف أنك لا تتحدث بهذا في حال حياتي ، ~~فحلفت له فكشف القباء وإذا بتلك العباءة على جسده ، وقال : أنا ذاك الفقير ~~، فقلت : ما الذي أعطاك هذه المنزلة ، بأي شيء وصلت إلى هذا فقال بقوله ~~تعالى : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) (1) ولابد من السبب ، ~~لما التقينا بالأفرنج على حارم ، ونصرنا الله عليهم ، وعدت إلى حلب التقاني ~~في الطريق شاب حسن الوجه طيب الرائحة فسلم علي ، وقال : يا محمود أنت من ~~الأبدال وقد أعطاك الله الدنيا فاشتر بها الآخرة ، وسله مهما شئت ثم علمني ~~كلمات ، وقال إذا طلبت أمرا فاذكرها ، فقلت له : بالله من أنت؟ فقال : أنا ~~أخوك الخضر ، ثم غاب عني ، فإذا عزمت على أمر وأردت أذهب إلى مكة أو إلى ~~المدينة أو إلى أي بلد شئت ، لبست العباءة ، وتكلمت بتلك الكلمات ، وأغمض ~~عيني فما ms028 افتحها إلا وأنا في تلك البقعة. PageV01P593 # قلت وحكى لي نجم الدين الحسن بن سلام ، أحد عدول دمشق وأعيانها ، وكان ~~صديقنا وصاحبنا رحمه الله ، قال : ملك الأشرف بن العادل دمشق وبنى مسجد أبي ~~الدرداء في القلعة ، وأفرده عن الدور ، ودخلت عليه يوما وهو فيه فقال لي : ~~يا نجم الدين كيف ترى هذا المسجد قد عمرته وأفردته عن الدور ، وما صلى فيه ~~أحد منذ زمان أبي الدرداء ، إلى الآن؟ فقلت له : الله الله يا مولانا ، ما ~~زال نور الدين منذ ملك دمشق يصلي فيه الصلوات الخمس ، فقال : من أين لك ~~هذا؟ فقلت : حدثني والدي ، وكان من أكابر عدول دمشق ، وكان أبوه يلقب ~~بالسعيد ، أنه لما نزلت الفرنج على دمياط بعد وفاة أسد الدين وضايقوها ~~أشرفت على الأخذ ، فأقام نور الدين عشرين يوما صائما لا يفطر إلى على الماء ~~، فضعف وكاد يتلف ، وكان مهيبا لا يتجاسر أحد يخاطبه في ذلك ، وكان له إمام ~~يقال له يحيى ضرير يصلي به في هذا المسجد ، وكان يقرأ القرآن ، وله عنده ~~حرمة ، فاجتمع إليه خواص نور الدين وخدمه وقالوا : خفنا على السلطان ونحن ~~في هيبة لا نقابله ، وأنت تدل عليه ، ونحن نسألك ان يتناول ما يحفظ به من ~~قوته ، فقال : نعم إذا صليت به غداة الفجر سألته ، قال : فلما كان في تلك ~~الليلة رأى الشيخ يحيى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : يا ~~يحيى بشر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط قال : فقلت يا رسول الله ربما لا ~~يصدقني وأريد له أمارة ، قال : قل له بعلامة يوم حارم ، قال : وانتبه يحيى ~~وهو ذاهب العقل ، فلما صلى نور الدين خلفه الفجر وسلم ، شرع يدعو ، ففاته ~~أن يتحدث معه ، فقال له نور الدين : يا يحيى ، قال : لبيك يا مولانا ، قال ~~: تحدثني أو أحدثك؟ قال : فارتعد يحيى وخرس ، فقال له : أنا أحدثك رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة ، وقال لك كذا وكذا؟ فقال : نعم يا ~~مولانا ، ما معنى قوله عليه السلام بعلامة يوم ms029 حارم؟ فقال له نور الدين : ~~لما التقينا خفت على الاسلام لأني رأيت من كثرة الأفرنج ما هالني ، فانفردت ~~عن العسكر فنزلت ومرغت وجهي على التراب PageV01P594 # وقلت : يا سيدي من محمود في الفئتين ، الدين دينك ، والجند جندك ، وهذا ~~اليوم هو فافعل ما يليق بكرمك ، قال : فنصرنا الله عليهم. # قلت : وحدثني شهاب الدين النابلسي عم جمال الدين البانياسي ، وكان على ~~ديوان جامع دمشق ، أول ما قدمت الشام اجتمعت به في درب العشاريين في قاعة ~~الوزير صفي الدين بن شكر وزير العادل ، وكان هناك جماعة ، فاشتغل الوزير ~~بالحديث معهم ، وكان الشهاب إلى جانبي ، فتذاكرنا نور الدين ، فقال : كان ~~أبي يخدم نور الدين في أسفاره ومقامه يتصيد في أرض قطنا ويعفور وأنا معه ، ~~فبينما أنا ذات يوم وقد ركب من الخيم ليذهب إلى الصيد ، وإذا برجل أعجمي قد ~~أقبل من ناحية دمشق ، وكان معه خيل ومماليك ، وكان تاجرا ، فلما وصل إلى ~~نور الدين ، وكان صديقه ، فقال : أين أرمغان؟ فقال : حاضر ومضى نور الدين ، ~~فلما عاد استدعاه فأحضر قماشا وعدة مماليك ، وفيهم مملوك مستحسن جدا فقبل ~~المملوك ورد الباقي ، وكان له خادم أبيض اسمه سهيل قد رباه فقال له : يا ~~سهيل خذ هذا المملوك إليك وادفع إلى التاجر خمسمائة دينار وخلعة وبلغة ، ~~قال أبو الشهاب : فحدثني سهيل قال : لما قال لي كذا قلت في نفسي : إنا لله ~~وإنا إليه راجعون ، هذا ما اشترى مملوكا قط يساوي خمسين دينارا يشتري ~~مملوكا بخمسمائة دينار ، قال : ففعلت ما أمرني به فتركني أياما ، وقال : يا ~~سهيل أحضر المملوك كل يوم مع المماليك يقف في الخدمة ، قال : فأحضرته ، ~~فلما كان بعد أيام قال لي : أحضره وقت العشاء الآخرة إلى الخيمة ونم أنت ~~وإياه على باب البرج ، قال : فقلت في نفسي : هذا الشيخ في زمن شبابه ما ~~ارتكب كبيرة ، ولما ارتفع سنه يقع فيه والله لأقتلنه قبل أن يقع في معصية ، ~~قال : فعمدت إلى كاذة لي فأصلحتها وقلت : والله لأقتلنه قبل أن يصل إليه ، ~~وجئت بالمملوك إلى الخيمة وأنا قلق ، فسهرت ms030 عليه الليل ونور الدين في أعلى ~~البرج ، فلما كان وقت الصبح غلبتني عيناي فنمت ، ثم انقلبت فوقعت يدي على PageV01P595 # خد الغلام ، وإذا به مثل الجمرة قد أخذته الحمى ، فأخذته ومضيت به إلى ~~خيمتي فلما أصبحت أحضرت الطبيب ، قال : هذا مرض سماوي ، فلما كان وقت الظهر ~~مات فغسلته وكفنته. # فلما كان اليوم الثاني دعاني نور الدين فدخلت عليه فقال : اقعد فقعدت ، ~~فقال يا سهيل : «ان بعض الظن اثم» قال : فاستحييت ، فقال : قد عرفت حالي ~~وأنت ربيتني ، هل عثرت لي على عثرة؟ قلت : حاشى الله ، قال : فلم حملت ~~الكاذة وحدثتك نفسك بالسوء ما أنا معصوم ، ولما رأيت الغلام وقع في قلبي ~~منه مثل النار ، فقلت انه من تسويل الشيطان فقلت لك : اشتره لعلي يذهب عني ~~ما أنا فيه ، فلم يذهب فقالت لي نفسي : أريد أن أراه كل يوم فأمرتك باحضاره ~~، فقالت : ما اقنع إلا بأن تحضره فلما كان في تلك الليلة ما تركتني أنام ، ~~وبقيت أنا واياها في حرب إلى وقت السحر ، فهممت أن أفتح باب البرج أصعده ~~إلى عندي ، فجاءتني اليقظة ، وكشفت رأسي وقلت : الهي محمود عبدك المجاهد في ~~سبيلك ، الذاب عن دينك ودين نبيك صلى الله عليه وسلم ، عمر المدارس والربط ، ~~وأوقف الأوقاف وفعل ما فعل أيختم له بمثل هذا؟ قال : فسمعت هاتفا يقول : يا ~~محمود قد كفيناك أمره لابأس عليك فعلمت أنه قد حدث ، وأما أنت يا سهيل جزاك ~~الله عن الصحبة خيرا ، والله القتل أهون علي من الوقوع في المعصية ، ثم قدم ~~سهيلا وأحسن إليه. # وحكى لي الكمال ابن البانياسي ، ابن أخي الشهاب قال : حكى من يتولى أوقاف ~~نور الدين أنه أجر بعض بساتينه لرجل من دمشق على ستمائة درهم ، فأصاب ~~البساتين جائحة ، فجاء ذلك الرجل يتضرر ، فاسقطوا عنه ثلاثمائة درهم ، فلما ~~كان بعد أيام جاء الرجل ومعه ستمائة درهم ، وهو يبكي ، فقلنا له : مالك؟ ~~قال : رأيت في المنام وقد خرج علي نور الدين من القبر وبيده جوكان ، وقال : ~~أنت تكسر وقفي وأراد أن يضربني ، فقال : أنا تائب ms031 ورمى بالدراهم ، فقلنا له ~~: خذها فقال : لا والله أخاف أن يضربني. PageV01P596 # وحكى شيخنا تاج الدين الكندي ، رحمه الله ، قال : ما تبسم نور الدين إلا ~~نادرا ، وحكى لي جماعة من المحدثين انهم قرأوا عليه حديث التبسم ، وكان ~~يرويه فقالوا له : تبسم : فقال : لا أتبسم من غير عجب. # وحدثني رجل من أهل حران قال : خرج يوما نور الدين من حران قاصدا إلى ~~الرها ، فاجتاز على نهر وفقير نائم على جنب النهر فوقف وسلم عليه ، فرفع ~~اصبعا واحدة ، فحرك الفقير اصبعين ، ومضى نور الدين باكيا ، فقيل له : ما ~~هذا؟ قال : أشار الفقير إلي ، وقال : في أي شيء أنت ، هذا كله لماذا؟ فقلت ~~: من أجل رغيف واحد ، فأشار إلي باصبعيه فأنا آكل كل يوم رغيفين وأنا مثلك ~~، وذكر الأستاذ الجزري في تاريخه قال : كان نور الدين قد جمع العساكر من ~~الموصل والجزيرة وديار بكر ليتركها بالشام في مقابلة الفرنج ويتوجه بنفسه ~~إلى مصر ، فإنه رأى من صلاح الدين فتورا في غزو الفرنج ، وكان المانع لصلاح ~~الدين خوفه من نور الدين ، فكان يقصر في غزوهم ، وما كان يرى نور الدين إلا ~~خلاص القدس منهم واستئصالهم من السواحل ، فمضى إلى دمشق وأقام يتجهز فأدركه ~~أجله وهو على هذه النية. ### |||| * ذكر وفاته # كان ختن ولده اسماعيل يوم الفطر ، وهنىء بالعيد والطهور ، ومدحه الشعراء ~~، وخرج نور الدين يوم الأحد إلى المصلى بالأمراء والأجناد ، والقدر يقول : ~~هذا آخر الأعياد ، فمرض وبدأ به الخوانيق ، وما كان يرى الطب ، قال الرحبي ~~الطبيب : فاستدعانا ، فدخلنا عليه ونحن جماعة من الأطباء وهو في قلعة دمشق ~~في بيت صغير ، كان يتعبد فيه ، وقد استحكم منه المرض واستحكمت الخوانيق على ~~حلقه ، فما كان يسمع له صوت فشرعنا في مداواته ، فلم ينجع فيه الدواء مع ~~حضور أجله ، وكانوا قد أشاروا عليه بالفصد في أول المرض ، فامتنع وكان ~~مهيبا فما روجع ، وكانت وفاته يوم الأربعاء حادي عشر شوال ، ودفن بالقلعة ، PageV01P597 # ثم نقل إلى مدرسته التي أنشأها مجاورة الخواصين ، ويقال إنها كانت دار ~~عمر بن عبد العزيز ، وقيل ms032 دار سليمان بن عبد الملك ، وعاش ثمانيا وخمسين ~~سنة ، وكانت أيامه ثمانيا وعشرين سنة وستة أشهر ، وقال عرقلة في مدرسة نور ~~الدين : # ومدرسة سيفنى كل شيء %~% وتبقى في نمي علم ونسك تضوع ذكرها شرقا وغربا %~% بنور الدين محمود بن زنكي يقول وقوله حق وصدق %~% بغير كناية وبغير شك دمشق في المدائن بيت ملكي %~% وهذي في المدارس بيت هلكي # ورثاه رحمه الله تعالى جماعة من الشعراء فقال العماد الكاتب فيه : # عجبت من الموت كيف اهتدى %~% إلى ملك في سجايا ملك وكيف ثوى الفلك المستدير %~% في الأرض والأرض وسط الفلك # وقال أيضا : # يا ملك أيامه لم تزل %~% لفضله فاضلة فاخرة ملكت دنياك وخلفتها %~% وصرت تملك بها الآخرة # وحكى أبو اليسر شاكر بن عبد الله قال : تعدى بعض أمراء صلاح الدين على ~~رجل وأخذ ماله ، فجاء إلى صلاح الدين فلم يأخذ له بيده فجاء إلى قبر نور ~~الدين فشق ثيابه وحثا التراب على رأسه ، وجعل يستغيث : يا نور الدين بن ~~أتابك ، ويبكي ، وبلغ صلاح الدين فاستدعاه وأعطاه ماله ، فازداد بكاؤه فقال ~~له صلاح الدين : ما يبكيك وقد انصفناك؟ فقال : انما أبكي على ملك انتصفت ~~ببركاته بعد موته ، كيف يأكله التراب ، ويفقده المسلمون. PageV01P598 ### |||| * ذكر ألقاب نور الدين # السلطان الملك العادل ، العالم ، العامل ، الزاهد ، العابد الورع المجاهد ~~المرابط ، نور الدين ، وعدته ، وركن الدين وسيفه ، قسيم الدولة وعمادها ، ~~اختيار الخلافة ومعدها ، رضي الامامة وأميرها ، فخر الملة ومجيرها وشمس ~~المعالي وملكها ، سيد ملوك الشرق والغرب وسلطانها ، محيي العدل في العالمين ~~، منصف المظلومين من الظالمين ، ناصر دولة أمير المؤمنين. # وذكر ألفاظا أخر ، ثم إن نور الدين أسقط الجميع قبل موته وقال : اللهم ~~وأصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي ، وروي أنه كتب رقعة بخطه إلى وزيره خالد ~~بن القيسراني يأمره أن يكتب له صورة ما يدعى له به على المنابر ، وكان ~~مقصوده صيانة الخطيب عن الكذب ، ولئلا يقول ما ليس فيه ، ثم قال : وأرى أن ~~يقال على المنبر ، اللهم وأصلح عبدك الفقير إلى رحمتك ، الخاضع لهيبتك ، ~~المعتصم بقوتك ، المجاهد ms033 في سبيلك ، المرابط لأعداء دينك أبا القاسم محمود ~~بن زنكي بن أقسنقر ، ناصر أمير المؤمنين ، قال : هذا ما يدخله كذب ولا تزيد ~~، فكتب نور الدين بخطه على رأسه ، مقصودي أن لا يكذب على المنبر ، أنا ~~بخلاف كلما يقال أأفرح بما لا أعمل إنه عمل عظيم ، الذي كتبت به جيد ، اكتب ~~به نسخا إلى البلاد ، فكتب ، وكان يقول لأصحابه حرام على كل من صحبني ، ولا ~~يدفع إلي قصة مظلوم لا يستطيع الوصول إلي. # وذكر ابن الأثير في تاريخه وقال : كان مجلس نور الدين مثل مجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يسمع لأحد فيه كلمة إلا مفيدة ، فلما ملك صلاح الدين ~~دمشق حضر الحافظ ابن عساكر مجلسه ، فسمع لغطا كثيرا وكل واحد يتحدث مع ~~الآخر ، وليس للمجلس هيبة ، فبكى الحافظ وقال : يرحم الله نور الدين ، فلقد ~~حضرت مجلسه مرارا فما سمعت أحدا ينطق إلا جوابا ، فما هذا اللغط ، فبلغ ~~صلاح الدين فقال : إذا حضر الحافظ عندنا فلا يتكلم أحد بكلمة. PageV01P599 ### |||| * ذكر ما جرى بعد وفاته # كان ولده الصالح لم يبلغ الحلم فأجلسوه مكانه ، وحضر القاضي كمال الدين ~~الشهرزوري وشمس الدين بن المقدم وجمال الدين ، وريحان وهو أكبر الخدم ~~والعدل أبو صالح ابن العجمي أمين الأعمال ، والشيخ اسماعيل خازن بيت المال ~~، وتحالفوا أن تكون أيديهم واحدة ، وأن شمس الدين ابن المقدم إليه تقدمه ~~العساكر وتربية الملك الصالح ، ووصل كتاب صلاح الدين من انشاء الفاضل إلى ~~دمشق وفيه : أدام أيام مولانا الملك الصالح ورفع قدره ، وأعظم أجر المملوك ~~في مولانا السلطان الملك العادل وأجره ، اصدر خدمته هذه يوم الجمعة رابع ~~عشر ذي العقدة ، وفيه أقيمت الخطبة بالاسم الكريم ، وصرح بذكره في الموسم ~~العظيم ، والجمع الذي لا لغو فيه ولا تأثيم ، وأشبه يوم المملوك فيه أمسه ~~في الخدمة ووفى بما لامه من حقوق النعمة ، وجمع كلمة الاسلام لعلمه أن ~~الجماعة رحمة ، والله تعالى يخلد ملك مولانا السلطان الملك الصالح ، ويصلح ~~به وعلى يديه ، ويديم النعماء عليه ، وذكر فصولا تتعلق بالتهنئة والتعزية. # ولما بلغ ms034 الفرنج وفاة نور الدين قصدوا بانياس طمعا في البلاد ، فراسلهم ~~شمس الدين ابن المقدم ، وخوفهم بأس صلاح الدين ، فلم يلتفتوا فصالحهم على ~~مال ودفعه إليهم في ذلك الوقت ، وبلغ صلاح الدين فشق عليه ، وكتب إلى شرف ~~الدين ابن أبي عصرون يقول : لما بلغني وفاة المرحوم ، خرجت من مصر لقصد ~~الجهاد وتطهير البلاد من أهل الكفر والعناد ، فبلغني حديث الهدية المؤذنة ~~بذل الاسلام ، وشين شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وسيدنا الشيخ أولى من ~~جرد لسانه في إنكار هذا الأمر فإن بلسانه تغمد السيوف وتتجرد الحقوق. # واما سيف الدين غازي فقد كان سار عن الموصل لنجدة عمه نور الدين ، ووصل ~~إلى حران فبلغه وفاة عمه فاستولى على الجزيرة بأسرها ما خلا قلعة جعبر ، ~~وكان نور الدين قد أبطل المكوس والخمور من PageV01P600 # الجزيرة ، فأعادها سيف الدين وأقام مناديا ينادي في الأسواق وبيده باطية ~~خمر وقدح وهو يشرب ، فكثر الترحم على نور الدين ، وأراد سيف الدين العبور ~~إلى الشام والاستيلاء على حلب فقال له الأمراء : ارجع إلى بلدك فقد ملكت ~~الجزيرة ولم يملكها أبوك ، وصلاح الدين بين يديك ، فكتب إلى أمراء نور ~~الدين يلومهم حيث ملكوا سيف الدين الجزيرة ، ويقول : سوف أصل إلى خدمة ابن ~~مولاي وأجازي انعام والده علي ، وما عاملني به ، وكان شمس الدين بن الداية ~~في قلعة حلب حاكما عليها هو وأخواه مجد الدين أبو بكر وسابق الدين عثمان ، ~~وكانوا أعز الناس على نور الدين ، وكان نجم الدين أبو بكر رضيع نور الدين ، ~~وكانت شيزر لشمس الدين علي بن الداية ، وقلعة تل باشر لأخيه سابق الدين ~~عثمان وحارم لبدر الدين أحمد أخيهما ، وكان نور الدين قد اسكنهم معه بقلعة ~~حلب ولا يصدر إلا عن رأيهم ، فلما مات نور الدين لم يشكوا أنهم أحق بتربية ~~ولده من غيرهم ، وكان أوجههم شمس الدين ، وكان بالقلعة معه شاذبخت الخادم ، ~~فلما وصل سيف الدين إلى الفرات أرسل شمس الدين إلى دمشق فطلب الملك الصالح ~~ليدفع به سيف الدين ، فقالوا : ان سيرتموه إليه استولى على ms035 تربيته ، ~~فاعتذروا إليه ، وأقام الملك الصالح بدمشق تمام هذه السنة. # انتهت ترجمة نور الدين رحمة الله عليه وصلى على أشرف خلقه محمد وآله. ### ||| * السنة السبعون وخمسمائة* فصل # ملك صلاح الدين ..... # لما انقضت نوبة الاسطول فسار إليها بعساكره ، وكان ابن المقدم قد كاتبه ~~والقاضي كمال الدين بن الشهرزوري ، وابن الجاولي والأعيان ، PageV01P601 # وكان بالقلعة ريحان الخادم فعزم على قتاله فجهز إليه عسكر دمشق ، وركب ~~صلاح الدين من الجسورة والتقاه أهل دمشق بأسرهم وأحدقوا به ، فنثر عليهم ~~الدراهم والدنانير ، وجاء صلاح الدين فدخل دمشق ، ولم يغلق في وجهه باب ولم ~~يمنعه مانع. # وقال القاضي الفاضل ، فملكنا دمشق عناية لا عنوة ، وكان عسكر دمشق لما ~~رأوا فعل العوام بصلاح الدين انكفؤوا راجعين إلى القلعة ، ونزل صلاح الدين ~~بدار العقيقي وكانت دار أبيه ، ونزل أخوه شمس الدين بدار عمه أسد الدين ~~شيركوه ، وتمنعت عليه القلعة أياما ، ثم سلمها إليه ريحان الخادم ، وأحسن ~~صلاح الدين إلى ابن المقدم والقاضي ابن الشهرزوري ، ومشى إلى دار كمال ~~الدين فانزعج وخرج إلى لقائه ، ودخل صلاح الدين فجلس وباسطه ، وقال : يا ~~كمال الدين لما كنت في الشحنكية قد كانت بيننا هنات ومشاحنات وكان كمال ~~الدين يكرهه فكان كل واحد منهما ينقض على الآخر أحكامه فقال له صلاح الدين ~~ما مشيت إليك إلا لأزيل ما في خاطرك من الوهم ، وأعرفك أن ما في قلبي لك ما ~~تكره ، فطب نفسا وقر عينا ، فالأمر أمرك والبلد بلدك. # قلت : ومشي صلاح الدين إلى دار كمال الدين من أحسن ما سطر في السير ، وهو ~~دليل على تواضعه وعفوه بعد ما قدر ، فيا طوبى لمن جاء بعده إن فكر واعتبر ، ~~وعرف قدر انعام الله عليه فحمد وشكر ، وأكثر الشعراء في أخذ صلاح الدين ~~دمشق ، ثم ان صلاح الدين أسكن أخاه طغتكين قلعة دمشق ، وطغتكين هو سيف ~~الاسلام ، ثم كتب إلى الملك الصالح بن نور الدين كتابا يتواضع له فيه ~~ويخاطبه بمولانا وابن مولانا ، ويقول : إنما جئت من مصر خدمة لك لأؤدي ما ~~يجب من حقوق المرحوم ms036 فلا تسمع ممن حولك فتفسد أحوالك وتختل أمورك ، وما ~~قصدي إلا جمع كلمة الاسلام على الفرنج ، فعرض كتابه على أرباب دولته وفيهم ~~خالد ابن محمد بن القيسراني وغلمان أبيه وابن العجمي ، فأشاروا إليه بأن PageV01P602 # يكاتبه بالغلظة ، فكتب إليه منكرا عليه ، وينسبه إلى كفر النعمة ، وحجد ~~احسان والده وأوعده وهدده ، وبعث بالكتاب مع ينال بن حسان صاحب منبج ، ~~فأغلظ لصلاح الدين في الجواب وقال : السيوف التي ملكتك مصر هي التي تردك ، ~~وأشار إلى سيفه فغضب صلاح الدين وقال : والله لولا أنك رسول لضربت عنقك ، ~~والله ما جئت إلى هاهنا شرها ولا طمعا في الدنيا ، وفي مصر كفاية ، وما جئت ~~إلا لأستنقذ هذا الصبي من يد مثلك وأمثالك ، فأنتم سبب زوال دولته ، ثم ~~طرده بغير جواب ، فعاد إلى حلب واستناب صلاح الدين بدمشق أخاه سيف الاسلام ~~ظهير الدين طغتكين ، وسار إلى حمص فأخذها ، وفتح حماة ، وسار إلى حلب ~~فاستغاثوا عليه بالاسماعيلية وأعطوهم ضياعا ومالا فأرسلوا إليه جماعة من ~~فتاكهم ورآهم ناصر الدين خمارتكين صاحب أبي قبيس فعرفهم ، لأنه كان منازعا ~~لهم ، وأنكر عليهم مجيئهم ، وسبق إلى خيمة صلاح الدين ليخبره فأدركوه على ~~باب الخيمة ، ثم أرادوا الهجوم على صلاح الدين ، وكان أمير جنوده سيف الدين ~~طغريل ، فجذب السيف وقتل واحدا منهم ، واجتمع الغلمان على الباقين فقتلوهم ~~، ورحل صلاح الدين عن حلب في أول رجب وجاء إلى حمص ، ثم نازل بعلبك فأخذها ~~في رمضان من الخادم يمن الريحاني ، ووصل عسكر الموصل إلى حلب ، وانضاف ~~إليهم عسكر حلب ، ونزلوا تل السلطان فساق عليهم وبغتهم وكان مقدمهم عز ~~الدين مسعود أخو سيف الدين غازي ، فكسرهم كسرة عظيمة وانهزموا إلى حلب ، ~~وغنم أثقالهم وأسر رجالهم ، فجاء فحصر حلب وهي المرة الثانية من حصار حلب ، ~~والمرة الأولى من كسرة الموصل ، ورجع صلاح الدين فنازل حصن بارين وأخذه من ~~ابن الزعفراني ، وكان من أكابر أمراء نور الدين ولقبه فخر الدين واسمه ~~مسعود ، وأعطى مدينة حماة لخاله وقيل لابن خاله وصهره ابن شهاب الدين محمود ~~، وأعطى حمص لناصر الدين ms037 محمد بن أسد الدين شيركوه ، وجاءته رسل حلب ، ~~واتفق الحال أن يكون بدمشق نائبا عن الملك PageV01P603 # الصالح ابن نور الدين فأجابهم ، وشفع في بني الداية وقال : لابد منهم ~~فلهم علينا حقوق كثيرة ، فقالوا : نعم ، وفارقوه على ذلك وجاءته الخلع ~~والتشريفات من الخليفة ولأهله ، ولقب بالملك الناصر. ### |||| * فصل # وفيها وصلت النبوية من العراق بين عشرة آلاف فارس وراجل فنزلوا بزاعة ~~والباب فقتلوا ثلاثة عشر ألفا من أمراء الاسماعيلية ، وسبوا نساءهم ~~وذراريهم ، وعادوا إلى العراق ومعهم الغنائم والرؤوس على رماحهم وعلى القصب ~~عشرون ألف أذن ، وبعث صلاح الدين العساكر فأغاروا على البلاد الاسماعيلية ~~وأحرقوا سرمين ومعرة مصرين ومصيات ، وضياع جبل السماق وقتلوا معظم أهله. # وفيها استخدم صلاح الدين العماد الكاتب ، وسببه أنه التقى القاضي الفاضل ~~على حمص ومدحه بأبيات من الشعر ، فدخل الفاضل على صلاح الدين وقال له : ~~تأتيك تراجم الأعاجم وما يحلها مثل العماد فقال : مالي عنك مندوحة أنت ~~كاتبي ووزيري وقد رأيت على وجهك البركة فإذا سلمت غيرك تحدث الناس ، فقال ~~الفاضل : هذا يحل التراجم وربما أغيب أنا ولا أقدر على ملازمتك ، فإذا غبت ~~قام مقامي وقد عرفت فضل العماد وخدمته للدولة النورية ، فاستكتبه. # وفيها استوزر سيف الدين غازي صاحب الموصل جلال الدين أبا الحسن علي بن ~~جلال الدين الوزير الأصبهاني فظهر منه من الكفاية والنهضة وحسن التدبير ~~والكتابة مالم يكن في أحد ، وكان عمره خمسا وعشرين سنة ...... ### ||| * السنة الحادية والسبعون وخمسمائة # وأما أخبار الشام فإن الحلبيين نقضوا الصلح الذي كان بينهم وبين صلاح ~~الدين ، وسببه أن سيف الدين غازي لامهم على ذلك ، وأرسل PageV01P604 # رسولا ، ووقع له كتابين أحدهما إلى صلاح الدين ليأخذ منه عهدا للمواصلة ~~ويكشف ما عنده ، والكتاب الثاني إلى الحلبيين يلومهم على الصلح ويخبرهم أنه ~~مقبل بعساكر الشرق ، وكان صلاح الدين بدمشق فبدأ به الرسول وقد ربط ~~الكتابين في منديله لتغفله ، فلما دخل على صلاح الدين غلط فناوله كتاب ~~الحلبيين لسعادة صلاح الدين فتأمله وعلم أن الرسول غلط فلم يقل له كلمة ~~وفهم الرسول ، فقام وخرج من ms038 عنده ولم يمكنه الاستدراك ، وكتب صلاح الدين ~~إلى مصر لأخيه الملك العادل أبي بكر بتجهيز العساكر المصرية إلى الشام سرعة ~~، وجمع سيف الدين العساكر من الجزيرة ، وكان أخوه عماد الدين زنكي بسنجار ~~عاصيا له مائلا إلى صلاح الدين ، فصالحه وجاء سيف الدين فقطع الفرات ونزل ~~عليها وبعث إلى أمراء حلب وكمشتكين الخادم وتقرر بينهم أمر ، وسار إلى حلب ~~والتقاه الملك الصالح بن نور الدين فاعتنقه سيف الدين وبكى ، ونزل بظاهر ~~حلب بعين المباركة ، وصعد القلعة جريدة ، وكان أمراء حلب يركبون كل يوم إلى ~~خدمته ، ثم رحل إلى تل السلطان ومعه عساكر الشرق وديار بكر والحلبيين ~~فكانوا عشرين ألفا ما بين فارس وراجل ، وبلغ صلاح الدين ، وهو بدمشق ولم ~~يكن عنده سوى ستة آلاف وما رأى التخلف عن لقائهم وكان في انتظار العسكر ~~المصري فسار ونزل حماة وترك اثقاله بها ، وسار إلى جباب التركمان ، وجاءه ~~رسول الحلبيين يخوفونه بأسهم ويأمرونه بالرجوع إلى مصر. # قال رسولهم : فوافيته وهو في خيمة صغيرة على بساط لطيف ، وتحته سجادة ، ~~وبين يديه مصحف ، وهو مستقبل القبلة إلى جانبه زرديته وسيفه وقوسه وتركاشه ~~معلق في عمود الخيمة ، فلما رأيته وقع في خاطري أنه المنصور ، لأنني فارقت ~~سيف الدين والأمراء وهم على طنافس الحرير والخمور تروق والخواطي تعمل ، ~~وليس في خيامهم خيمة إلا وفيها أنواع المحرمات ، فأديت إليه الرسالة ، وجاء ~~وقت الظهر PageV01P605 # فضج العسكر بصوت الآذان ، وفي كل خيمة إمام فقال لي : الحق بأصحابك وقل ~~لهم يستعدوا للقائي فإني عند طلوع الشمس نازل عليهم و ( يحكم الله ~~بيننا وهو خير الحاكمين ) (1). # قال : ففارقته وأنا على بصيرة من نصره وخذلانهم ، وسقت عامة الليل ~~فوافيتهم وقت الفجر وهم سكارى ، فطلبت سيف الدين فقيل هو نائم قال : والله ~~ما انتظر الشمس إلا وأعلام صلاح الدين قد أقبلت والكوسات تخفق وأصحابنا ~~نيام فقاموا مسرعين وكان يوم الخميس عاشر شوال وكان على ميمنة صلاح الدين ~~ابن خاله شهاب الدين محمود ، وعلى ميسرته ابن زين الدين صاحب إربل وصاحب ~~بصرى وهو في القلب ، وكان ms039 في ميمنة المواصلة مظفر الدين ابن زين الدين صاحب ~~إربل ، وعلى ميسرته الحلبيون وسيف الدين في القلب ، وكان صلاح الدين قد وقف ~~على تل عال فحمل ابن زين الدين فطحن ميسرة صلاح الدين ، وحمل الحلبيون على ~~ميمنته فتعتقوها ، فنزل إليهم واتفق وصول العساكر المصرية في تلك الساعة مع ~~تقي الدين عمر ، وعز الدين فرخشاه وناصر الدين محمد بن أسد الدين فهال ذلك ~~الحلبيين من دق الكوسات ، وكثرة الأطلاب ، والعدد الوافرة والخيل العربية ، ~~فانخذلوا وولوا منهزمين ، وساق صلاح الدين خلفهم وأسر أمراءهم ، ونجا سيف ~~الدين بنفسه ، وعاد صلاح الدين إلى خيامهم فوجد سرادق سيف الدين مفروشا ~~بالرياحين والمغاني جلوس في انتظاره ، والخمور تروق ومطابخه بقدورها ، وفيه ~~اقفاص الطيور فيها أنواع من القماري والبلابل والهزارات ، فأرسل صلاح الدين ~~بما كان في السرادق والمغنين والخمور والطيور إليه وقال للرسول قل له : ~~اشتغالك بها أليق من مباشرة الحروب ، ولا تعد إلى مثلها ، ثم فرق صلاح ~~الدين الخزائن والخيل والخيام على أصحابه وأعطى عز الدين فرخشاه سرادق PageV01P606 # سيف الدين ، وكان عز الدين قد أبلى في ذلك اليوم بلاء حسنا ، ثم سار صلاح ~~الدين فنزل على منبج وبها قطب الدين ينال بن حسان فقاتله ، واتفق وقوع ثلمة ~~في السور وطلب الأمان على نفسه فأمنه ، فخرج سليبا ، وأخرج صلاح الدين من ~~الحصن ثلاثمائة ألف دينار وعرض عليه المقام عنده فامتنع وكان بينه وبين ~~صلاح الدين شنآن قديم ، فأنف أن يكون تبعا له ، فسار إلى الموصل فأقطعه سيف ~~الدين الرقة ، وسار السلطان لفتح حصن بزاعة ، ونازل أعزاز فأقام عليه ~~ثمانية وعشرين يوما ، وفتحه في ذي الحجة. ### |||| * فصل # وفيها وثبت الاسماعيلية على صلاح الدين وهو على أعزاز ، جاءه ثلاثة في زي ~~الأجناد ، فضربه واحد بسكين في رأسه وكان في عمته زرد مدفون فلم يجرحه ~~وخدشه السكين في خده وقتل داود بن مسكلان وقتل الثلاثة ، فرحل صلاح الدين ~~فنزل على حلب ، فبعث الملك الصالح اخته الخاتون بنت نور الدين إلى صلاح ~~الدين في الليل ، فدخلت عليه فقام قائما وقبل الأرض ms040 وبكى على نور الدين ، ~~فسألت أن يرد عليهم أعزاز فقال : سمعا وطاعة وأعطاها إليها ، وقدم إليها من ~~الجواهر والتحف والمال شيئا كثيرا ، واتفق مع الملك الصالح أن له حماة وما ~~فتحه إلى مصر ، وأن يطلق الصالح أولاد الداية. # وسار إلى بلاد الاسماعيلية فنصب المناجيق على مصيات ، ونهب العساكر ~~بلادهم ، وقتلوا وسبوا وكان مقدم الاسماعيلية سنان بن محمد ، وأرسل إلى ~~شهاب الدين محمود صاحب حماة خال صلاح الدين يقول له : نحن جيرانك وقد فعل ~~ابن اختك ما فعل ، والمصلحة رحيله عنا ، فاشفع إليه ، فما أمكنه مخالفتهم ، ~~فأخبر صلاح الدين وقال أخاف على نفسي فرحل إلى دمشق. PageV01P607 ### |||| * فصل # وفيها قدم شمس الدولة أخو صلاح الدين من اليمن إلى دمشق في سلخ ذي الحجة ~~، وفيها فوض سيف الدين غازي أمر الموصل إلى مجاهد الدين قيماز الخادم ، ~~وكان قبل ذلك نائب سيف الدين. ### ||| * السنة الثانية والسبعون وخمسمائة # ..... وفيها تزوج صلاح الدين بالخاتون عصمة الدين ، بنت الأمير معين ~~الدين أنر زوجة نور الدين محمود ، وكانت بقلعة دمشق ، زوجها منه شرف الدين ~~بن أبي عصرون. # وفيها كانت نوبة الكنز مقدم السودان بالصعيد ، جمع كل أسود بالصعيد ، ~~وسار إلى القاهرة في مائة ألف ليعيد الدولة المصرية ، فخرج إليه الملك ~~العادل سيف الدين ، وأبو الهيجاء الهكاري ، وعز الدين موسك ، وقتل الكنز ~~بمن معه ، ويقال انهم قتلوا منهم ثمانين ألفا ، وعادوا إلى القاهرة فقال ~~العماد الكاتب : قتل الكنز وما انتطح فيها عنزان. # وفيها سار صلاح الدين إلى مصر واستناب أخاه شمس الدولة على الشام ، وجاءت ~~الفرنج إلى داريا فأحرقوها ، ونهبوا وعادوا. # وفيها أمر صلاح الدين قراقوش بعمارة سور على القاهرة ومصر وضيع فيه ~~أموالا كثيرة ، ولم ينتفع به أحد. # وفيها أبطل صلاح الدين الخفارة التي كانت تؤخذ من الحاج بجدة مما يحمل في ~~البحر ، وعوض صاحب مكة في كل سنة ثمانية آلاف اردب قمح تحمل إليه في البحر ~~، ويحمل مثلها فتفرق في أهل المارستان في القصر ، ووقف عليهما الأوقاف وعلى ~~أهل الحرمين .... PageV01P608 ### ||| * السنة الثالثة والسبعون وخمسمائة* فصل # ..... وفيها كانت ms041 وقعة الرملة في جمادى الآخرة خرج صلاح الدين من مصر ~~بالعساكر على عسقلان ثم رحل يريد تل الصافية فازدحمت العساكر على الجسر ~~يريدون العبور ، فلم يشعروا إلا وقد خالطهم الفرنج فبعث تقي الدين عمر ~~وقاتل ، ثم قتل من المسلمين خلق كثير وانهزمت عساكر الاسلام وأسر كثير ، ~~منهم الفقيه عيسى وغيره ، ولولا أن الليل حجز بينهم لم يبق من المسلمين أحد ~~، وسار صلاح الدين في الليل إلى مصر من غير دليل ولا ماء ، ولا زاد ، وكانت ~~هذه الوقعة من أعظم الوقائع أبلت في الاسلام فأوهنت صلاح الدين ، لأنه كاد ~~أن يتلف جوعا وعطشا ، ونهبت خزائنه وقتل رجاله وأسر أبطاله ، وكان مقدم ~~الفرنج أرناط وكان من أكبر ملوك الفرنج ، وكان نور الدين قد أسره في وقعة ~~حارم وحبسه في قلعة حلب ، فأطلقه الملك الصالح فجاء ومعه ملوك الفرنج ، وما ~~أتلف عسكر المسلمين إلا أنهم تفرقوا في الغارات ، وكانوا زيادة على عشرين ~~ألفا ، ووقعت الكسرة ومعظمهم لم يعلم فلما رجعوا من الغارات لم يجدوا صلاح ~~الدين ولم يكن لهم حصن يأوون إليه فدخلوا الرمل ، وتبعهم الفرنج قتلا وأسرا ~~، ومن سلم منهم مات جوعا وعطشا وكان يوما عظيما على الاسلام لم يجبره إلا ~~وقعة حطين. # ورجع أرناط بجمعه إلى حماة فأناخ عليها ، وبها شهاب الدين محمود خال صلاح ~~الدين ، وهو يومئذ مريض ، وعنده سيف الدين المشطوب فقاتلهم العسكر وأهل ~~حماة قتالا عظيما ، ولولا المشطوب لملكوها وقطعوا أشجارها وأحرقوا ضياعها ، ~~ورحلوا إلى حارم وبها كمشتكين الخادم عاصيا على الملك الصالح اسماعيل ، ~~فنصبوا عليها المناجيق وقاتلوها أياما فلجأت الضرورة إلى مصالحة الملك ~~الصالح فبعث إليه النجدة فرحلوا إلى أنطاكية وقتل كمشتكين وأبو صالح بن ~~العجمي ، وبلغ صلاح الدين PageV01P609 # نزول الفرنج على حماة ، فجمع العساكر بمصر ، وسار إلى الشام فقدم دمشق ~~وبها أخوه شمس الدولة مشغول بلذاته ولهوه ، وكان قد بعث إلى الفرنج بمال ~~مصانعة ، فعز على صلاح الدين ولامه وقبح فعله ، وقال أنت مشغول باللعب ~~وتضييع أموال المسلمين ، وكان وصول صلاح الدين إلى دمشق في شوال ms042 ، واستناب ~~بمصر أخاه العادل أبا بكر ... ### |||| * فصل # وفيها توفي كمشتكين الخادم خادم نور الدين محمود وكان من أكابر خدمه ، ~~ولاه قلعة الموصل نيابة عنه ، فلما مات نور الدين هرب إلى حلب ، وخدم شمس ~~الدين ابن الداية ، ثم جاء إلى دمشق وأخذ الملك الصالح ، وجاء به إلى حلب ~~وقد ذكرناه وأقطعه الملك الصالح حارم وأقام بها ، وعصى عليه ، فلما حصره ~~الفرنج صالحه وقد ذكرناه. # واختلف في قتله على قولين : أحدهما أن كمشتكين حسد أبا صالح ابن العجمي ~~وزير الملك الصالح ، فوضع عليه الاسماعيلية فقتلوه ، واستقل كمشتكين بالأمر ~~فقيل للملك الصالح ما قتل وزيرك إلا الخادم ليستبد بالأمر ، فحبسه وطالبه ~~بتسليم قلعة حارم ، فكتب إلى نوابه أن يسلموها قال العماد الكاتب : فلما ~~طال أمره قصر عمره. # والثاني أنهم لما امتنعوا من تسليم قلعة حارم خرج إليها الملك الصالح من ~~حلب ومعه الخادم فقال : مرهم بتسليمها فلم يقبلوا ، فعلقه منكوسا ودخن تحت ~~أنفه ، فمات ، وعاد الملك الصالح إلى حارم فأخذها وسلمها بعد ذلك إلى مملوك ~~أبيه جرديك ... ### |||| * فصل # وفيها توفي شهاب الدين محمود خال صلاح الدين ، كانت له حماة فنزلت عليه ~~الفرنج وهو مريض فتوفي ، وأعطاها صلاح الدين لناصر الدين منكورس بن ~~خمارتيكن صاحب صهيون ، وقيل إنما أعطى صلاح PageV01P610 # الدين حماة لتقي الدين عمر ، وقيل في السنة الآتية ، وكان ناصر الدين ~~نائبا عن تقي الدين ...... ### ||| * السنة الرابعة والسبعون وخمسمائة* فصل # وفيها عصى شمس الدين ابن المقدم ببعلبك وكان صلاح الدين قد أعطاه اياها ، ~~وقدم صلاح الدين دمشق فأرسل إلى ابن المقدم يطلبه ، فاعتذر خوفا من شمس ~~الدولة لأنه طلب منه بعلبك فامتنع ، فخرج صلاح الدين من دمشق ونزل على ~~بعلبك وأقام تسعة أشهر يحاصرها فنفد ما عنده ، فأرسل إلى السلطان يطلب ~~العوض فأعطاه بارين وكفر طاب ، وخرج شمس الدين بن المقدم إليها وسلم صلاح ~~الدين بعلبك إلى أخيه شمس الدولة ، وفيها مات الهنفري ملك الفرنج ، بلغ ~~صلاح الدين أنه يريد أن يغير على دمشق فبعث عز الدين فرخشاه ابن أخيه بعسكر ~~دمشق إلى ms043 عين الجر وقال : تقيم هناك إلى مرج عيون ، فإن جاؤوك ، فأرسل كتب ~~الطيور إلي ولا تواقفهم حتى آتيك ، فسار فنزل مرج عيون فلم يشعر إلا بطلائع ~~الهنفري قد خالطوه ، فاضطر إلى القتال فاقتتلوا أشد قتال ، فجرح الهنفري ~~وأثقلته جراحه فأوثقوه وأخذوه ، وانهزموا وغنمهم فرخ شاه ومات هنفري بعد ~~أيام ، وجاء صلاح الدين فنزل قصر يعقوب وبعث السرايا والغارات إلى بلد ~~الفرنج ..... ### ||| * السنة الخامسة والسبعون وخمسمائة # وفيها كان السلطان نازلا على تل القاضي ببانياس ، فأجمع رأيه مع بقية ~~المسلمين على أن يقتحموا على الكفار ديارهم ، ويستوعبوا ما بقي في أيديهم ~~من الغلات في يوم واحد ، ثم رجعوا فرحلوا صوب البقاع ، فنهضوا ليلة الأحد ~~ثاني عشر محرم ، فلما أصبح جاءه الخبر بأن الفرنج PageV01P611 # قد خرجوا فالتقاهم ، وأنزل الله نصره على المسلمين ، فأسر فرسانهم ~~وشجعانهم ، وانهزمت رجالتهم في أول اللقاء. # فأسر مقدم الداوية والاسبتار ، وصاحب طبرية وابن بيزران صاحب الرملة ، ~~وابن القومصية ، وقسطلان يافا ، وصاحب جينين ، وصاحب جبيل ، وكانت وقعة ~~عظيمة ، فخلص بعضهم ومات بعضهم في الأسر ، وخلص الفقيه عيسى ، وكان قد أخذ ~~من الرملة وقد ذكرناه ، وحسب من القطيعة بستين ألف دينار ، وقيل إن وقعة ~~مرج عيون كانت في المحرم ، وهذه وقعة مخاضة بيت الأحزان. # وفيها سار السلطان في ربيع الأول إلى حصن يعقوب ويسمى قصر يعقوب وبيت ~~الأحزان عند المخاضة ، فنصب عليه المناجيق ، وخلع على النقابين ، وباشر ~~القتال بنفسه فعلقوا النقوب ، وأحرقوا الأخشاب فسقطت الأبراج ، فصاحوا ~~الأمان ، وعاجلهم المسلمون ففتحوه عنوة ، وكان عرض سوره عشرة أذرع وطوله ~~أربعون ذراعا فقتل المسلمون منهم ألفا وخمسمائة ، وخلصوا من أسارى المسلمين ~~مائة أسير ، وكان بيت الأحزان الذين يزعمون أن يعقوب كان ينفرد فيه ويبكي ~~على يوسف كنيسة ، فجعله السلطان مسجدا وذكر الشعراء هذا الحصن فقال أحمد بن ~~نقاذة الدمشقي ويلقب بالنشو : # فقال : # هلاك الفرنج أتى عاجلا %~% وقد آن تكسير صلبانها ولو لم يكن قددنا حتفها %~% لما عمرت بيت أحزانها # وكتب الفاضل إلى بغداد كتاب كسر الفرنج ، فأمر الخليفة بضرب البوقات ~~والدبادب على أبواب الأمراء ms044 ما عدا طبول الخليفة ، ولم يشهد تقي الدين هذه ~~الغزاة ، وسببه ان قليج أرسلان نزل على حصن رعبان في عشرين ألفا وادعى أنه ~~له ، فسار تقي الدين إليه في PageV01P612 # ألف فارس وهزمه ، فكان تقي الدين يدل بهذه الوقعة حيث هزم ألوفا بألف ، انتهى. # وفيها ختن السلطان ولده الملك العزيز عثمان فاتخذ له يوسف بن الحسين ، ~~ويعرف بابن المجاور معلما وتسلم فرخشاه بعلبك ومات المستضيء ...... ### ||| * السنة السادسة والسبعون وخمسمائة* فصل # وفيها توفي سيف الدين صاحب الموصل # وفيها سار صلاح الدين إلى بلاد الروم ، وسببه ان نور الدين محمد ابن قرا ~~أرسلان بن سكمان بن أرتق صاحب حصن كيفا قد انتمى إليه ، وكان عز الدولة ~~قليج ارسلان بن مسعود بن قليج أرسلان قد زوجه ابنته فأساء العشرة معها ، ~~فكتبت إلى أبيها تشكوه فبعث إليه ، إما أن تحسن عشرتها ، وإما أن تفارقها ، ~~فلم يلتفت إليه ، وكاتب صلاح الدين فسار في نجدته فالتقاه ابن أرتق على نهر ~~يقال له الأزرق بين بهسنا وحصن منصور ، ثم عبرا منه إلى النهر الأسود ، ~~وجاءت رسل قليج وتقرر الصلح وعاد السلطان إلى بلاد ليون فأخربها ونهبها ، ~~فصالحه على مال واسارى ، فرجع إلى دمشق .... # وفيها توفي الملك المعظم شمس الدولة أخو صلاح الدين لأبيه ، واسمه توران ~~شاه ، ولقبه فخر الدين ، وكان أكبر من صلاح الدين ، وقد ذكرنا أخباره ~~ودخوله إلى اليمن وأخذه لبعلبك ، وكان جوادا سمحا حسن الأخلاق ، إلا أنه ~~كان في نفسه من الملك ويرى انه أحق به من صلاح الدين ، وكانت تبدو منه ~~كلمات في حال سكره ، وبلغ صلاح الدين فأبعده إلى اليمن فسفك الدماء وقتل ~~الأرامل وأخذ الأموال ، وأعطاه بعلبك ، فبلغه عنه أشياء فخاف منه فأبعده ~~عنه إلى الاسكندرية ، PageV01P613 # فأقام بها منعكفا على لهوه ولعبه ، ولم يحضر حروب أخيه صلاح الدين ، ~~فتوفي بالاسكندرية في هذه السنة ، فأرسلت أخته ست الشام وكانت شقيقته ~~فحملته في تابوت إلى دمشق فدفنته في تربتها التي أنشأتها على الشرف الشمالي ~~عند العوينة ، وبنت عليه قبة وبهذه التربة ولدها حسام الدين بن ms045 لاجين ، ~~وزوجها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه ، ودفنت هي بعد الكل ، ~~وسنذكرها إن شاء الله تعالى. ### |||| * فصل # وفيها توفي سيف الدين غازي بن مودود بن غازي بن أقسنقر صاحب الموصل ، ابن ~~أخي نور الدين ، وكان من أحسن الناس صورة عاقلا وقورا غيورا للدماء مع شح ~~كان فيه ، قال المجد ابن الأثير : كان قد علق عليه سل ، وطالت علته ، ~~وأجدبت البلاد قبل موته ، وخرج الناس يستسقون وخرج سيف الدين معهم ، ~~فاستغاث إليه الناس وقالوا : كيف يستجاب لنا والخمور والخواطىء والمظالم ~~بيننا؟ فقال : قد أبطلتها ، ورجع البلد وفيهم رجل صالح يقال له أبو الفرج ~~الدقاق ، فأهرق الخمور لا غير ، ونهب العوام دكاكين الخمارين ، فاستدعي ~~الدقاق إلى القلعة وقيل له : أنت جرأت العوام على السلطان ، وضرب على رأسه ~~، فانكشف رأسه واطلق ، ونزل مكشوف الرأس ، فقيل له غط رأسك ، فقال : لا ~~والله لا أغطيه حتى ينتقم ممن ظلمني فمات الزردار والذي ضربه بعد قليل ومرض ~~سيف الدين وتوفي. ### |||| * ذكر حكايته مع الشيخ ابن أحمد أبي الحداد الزاهد : # كان أبو أحمد قد انقطع في قرية من بلاد الموصل يقال لها الفضيلية ، ومنها ~~أصله ، وهي على فراسخ من الموصل. # حدثني أبو بكر القديمي واسماعيل الشعار ، وكانا قد صحبا الشيخ أبا أحمد ~~قالا : كان سيف الدين يزور الشيخ أحمد ، فقال له : يا سيف PageV01P614 # الدين أي فائدة في زيارتك وأنت تشرب الخمر وتبيح المحرمات وتمكس المسلمين ~~، فان كنت تدع هذا والا فلا تجيء إلى عندي ، فقال : يا سيدي أنا تائب إلى ~~الله من جميع ما قلت ، وترك الجميع وعاد إلى ما كان عليه. # وكان للشيخ طاقة على باب الزاوية ينظر من يجيء من دمشق ، قال : فبينما ~~نحن عنده ذات يوم وإذا بسيف الدين قد أقبل وصعد إلى الدرج ، فقال لي أبو ~~أحمد : أغلق الباب في وجهه ، وقل له ما لك عندي شغل ، وادفعه إلى أسفل ~~الدرج ، قال أبو بكر القديمي : فخرجت فاستحييت منه ، فقال لي سيف الدين : ~~يا شيخ افعل بي ما أمرك الشيخ وأدار ظهره ms046 إلى فدفعت في ظهره حتى أنزلته إلى ~~أسفل الدرج ، فقعد يبكي وقد صاح الجند بأسرهم ، فأشار إليهم أن اسكتوا ، ثم ~~قال لي : يا شيخ أبا بكر اصعد إلى الشيخ وقل له : مالي توبة؟ قال : فصعدت ~~إليه وأخبرته فقال : قل له : يجوز قد أذنت له ، قال : فخرجت وقلت : له بسم ~~الله ، فدخل على الشيخ فبكى وقبل يده وتاب إلى الله تعالى ، وعاد إلى ~~الموصل ، فأقام مدة يسيرة ، ومات يوم الأحد ثالث صفر ، ولم يبلغ ثلاثين سنة ~~، وكانت ولايته عشر سنين وشهورا. # وأراد أن يعهد إلى ولده سنجر شاه ، فامتنع أخوه عز الدين مسعود من ذلك ، ~~وقال له مجاهد الدين قيماز وأكابر الأمراء : قد علمت استيلاء صلاح الدين ~~على البلاد وقربه منا وسنجر شاه صبي لا رأي له وأخوك عز الدين كبير السن ~~صاحب رأي وشجاعة ، اعهد إليه واجعله وصيا على أولادك ففعل ، وكانت الرعية ~~قد خافت من عز الدين مسعود لا قدامه على سفك الدماء وحدته ، فلما ولي تغيرت ~~أخلاقه فصار رفيقا بالرعية قريبا منهم محسنا إليهم. # ولما مات سيف الدين كان صلاح الدين في حدود الروم ، فأرسل إليه مجاهد ~~الدين قيماز الفقيه أبا شجاع بن الدهان البغدادي ، يطلب منه أن يكون مع عز ~~الدين كما كان مع أخيه سيف الدين ، ويبقي عليه الجزيرة PageV01P615 # وما بيده من حران والرها والرقة والخابور ونصيبين وقاطع الفرات ، فقال ~~صلاح الدين : أما ما خلف عليه من بلاد الموصل فهو باق على حاله ، وأما ما ~~ذكره من بلاد الجزيرة فإنما كانت بيده بشفاعة الخليفة على شرط أن يقوي ثغور ~~المسلمين بالمال والعساكر ، أما الآن فالخليفة قد فوض أمرها إلي ، لا أفعل ~~فيها إلا ما أراه من المصلحة .... ### ||| * السنة السابعة والسبعون وخمسمائة # وفيه عاد صلاح الدين من دمشق إلى القاهرة واستناب بدمشق ابن أخيه عز ~~الدين فرخشاه بعساكر الشام فبلغ قريبا من تيماء ، وبلغ البرنس فرجع إلى ~~الكرك ، وأمر صلاح الدين أخاه سيف الدين بالمسير إلى اليمن فأقام يتجهز. # وفيها توجه صلاح الدين إلى الاسكندرية فخيم بظاهرها ms047 عند عمود السواري ، ~~وقال : نقم تجاه الشيخ أبي طاهر السلفي ونسمع من ابن عوف موطأ مالك بزاويته ~~على الطرشوشي ، وتم له ولأولاده السماع ، وكان واليها فخر الدين قراجا. # وكان في هذه السنة بالمزة خطيب يقال له العالم ، زور على صلاح الدين خطا ~~بزيادة في جامكيته ، ووقف عليه فرخشاه فعلم باطن الحال ، فهم بالايقاع به ~~فهرب إلى القاهرة واستجار بالسلطان فأجاره ، وقال : ما أخيب قصدك ، وكتب له ~~توقيعا بما طلب وحج بالناس من العراق طاشتكين. ### |||| * فصل # وفيها توفي الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي ، صاحب حلب ~~، وكان مرضه بالقولنج بدأ به في رجب. # وذكر ابن الأثير في تاريخه : أنه لما اشتد به المرض ، وضعف وصف له ~~الأطباء قليل خمر ، فقال : لا أفعل حتى أسأل الفقهاء ، فسأل الشافعية ~~فأفتوه بالجواز ، وسأل العلاء الكاشاني فأفتاه أيضا ، ولم يفعل وقال : إن PageV01P616 # كان الله قرب أجلي أيؤخره شرب الخمر؟ قال : لا ، قال : فوالله لا لاقيت ~~الله وقد لقيت ما حرم علي ، فمات ولم يشربه. # قلت : أخطأ الكاشاني فإن الخمر لا يباح عند أبي حنيفة وجميع أصحابنا ~~للتداوي ، وكذا عند مالك وأحمد ، وعند الشافعي يجوز للضرورة ، وعندنا ان ~~الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حرم عليها. # ولما اشتد مرضه أحضر الأمراء واستحلفهم لعز الدين صاحب الموصل ، فقيل له ~~: لو أوصيت إلى ابن عمك عماد الدين صاحب سنجار ، وهو تربية أبيك ، وزوج ~~اختك ، وشجاع كريم ، وعز الدين له من الفرات إلى همذان؟ فقال : إن هذا لم ~~يخف عني ، ولكن علمتم استيلاء صلاح الدين على الشام ومصر واليمن ، وعماد ~~الدين لا يثبت له ، وعز الدين له العساكر والأموال فهو أقدر على حفظ حلب ، ~~ومتى ذهبت حلب ذهب الجميع ، فاستحسنوا قوله. # وتوفي في الخامس والعشرين من رجب ، ولم يبلغ عشرين سنة وكانت أيامه ثماني ~~سنين وشهرا ، وأقام الحلبيون النوح عليه والمأتم ، وفرشوا الرماد في ~~الأسواق وأقاموا مدة على ذلك ، وجرى عليهم ما لم يجر على أحد ، لأنه كان ~~صالحا كما سمي ، عادلا منصفا حسن السيرة على ms048 أسلوب أبيه ، وتزوج عز الدين ~~أم الملك الصالح في شوال ، وأقام في قلعة حلب إلى سادس عشر شوال ، وعلم أنه ~~لا يمكنه حفظ الشام مع الموصل لملازمته الشام ، وألح عليه الأمراء في طلب ~~الزيادات ودلوا عليه لأنهم اختاروه ، وضاق عليه ، فسار إلى الرقة ، واتفق ~~مع أخيه عماد الدين صاحب سنجار ، وتقايضا ، ورحل عماد الدين إلى حلب في ~~سادس عشر المحرم سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ، وكتب صلاح الدين إلى الخليفة ~~يستأذنه في الاستيلاء على حلب ، ويقول بأن جماعة الأتابكية يسعون في تفريق ~~الكلمة ، ويستنهضون الفرنج لقتال المسلمين ، ويستعينون علينا بالاسماعيلية ~~، وأقام بمصر منتظرا الجواب ..... PageV01P617 ### ||| * السنة الثامنة والسبعون وخمسمائة # وفي المحرم سار سيف الدين طغتكين إلى اليمن ، فنزل بزبيد وبها حطان ، ~~فأمره أن يسير إلى الشام ، فجمع أمواله وذخائره وأسبابه فنزل بظاهر زبيد ، ~~فقبض عليه سيف الاسلام وأخذ جميع ما كان معه ، وكان قيمته ألف ألف دينار ، ~~ثم قتله بعد ذلك ، وكان عثمان الزنجبيلي بعدن ، فلما بلغه ذلك سار إلى ~~الشام بعد أن اثر في اليمن آثارا كثيرة ، وأوقف أوقافا ، وله مدرسة بمكة ، ~~ورباط بالمدينة وغيرها. # وفي خامس المحرم خرج صلاح الدين من مصر ، فنزل البركة قاصدا إلى الشام ، ~~وخرج أرباب الدولة لوداعه ، وأنشده الشعراء ابياتا في الوداع فسمع قائلا ~~يقول في ظاهر الخيم : # تمتع من شميم عرار نجد %~% فما بعد العشية من عرار # وطلب القائل فلم يوجد ، فوجم السلطان ، وتطير الحاضرون فكان كما قال ~~اشتغل السلطان بالشرق والفرنج ، ولم يعد بعدها إلى مصر ، وسار السلطان على ~~ايلة والحسي ووادي موسى ، وكان فرخشاه بدمشق فبلغه ان الفرنج قد اجتمعوا ~~عند الكرك لقصد السلطان ، فخرج من دمشق فنزل طبرية وعكا ودبورية فقصدوه ~~فالتقاهم وكسرهم ، وقتل منهم ألوفا وأسر ، وساق عشرين ألفا من الأنعام ~~وغيرها ، وفتح حصنا مشرفا على السواد على شقيف يقال له حصن جلدك ، وقتل من ~~فيه ، وأسكنه المسلمين وجعلهم طلائع ، وساق إلى بصرى ، فالتقى السلطان ~~عندها فسر به ودخلا دمشق في صفر. # وفيها كانت وقعة الحاجب لؤلؤ مع الفرنج ، خرج البرنس ms049 صاحب الكرك إلى ايلة ~~فأقام بها ، ومعه الأخشاب على الجمال والصناع بعمل المراكب ، وكان قصده مكة ~~والمدينة والغارات في البحر ، فلما تم عملها ركب فيها ووصل إلى عيذاب في ~~بحر القلزم ، فأخذ مراكب التجار PageV01P618 # ونهب وقتل وأسر ، وسار يريد جدة ، وبلغ الخبر إلى سيف الدين العادل أخي ~~السلطان ، فأمر حسام الدين الحاجب لؤلؤ ، فركب في بحر القلزم وسار خلفهم ، ~~وساعده الريح فأدركهم ، وقد اشرفوا على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، فهرب ~~بعضهم في البر ، وأسر الباقين ، فأخذ مائة وسبعين أسيرا ، وخلص أموال ~~التجار ، وردها إليهم ، واستولى على مراكبهم ، وعاد إلى القاهرة وكتبوا إلى ~~السلطان بذلك ، فقال : تضرب رقاب الأسارى بعضهم بالقاهرة وبعضهم بمكة ~~والمدينة ففعلوا ، وكتب القاضي الفاضل إلى الخليفة كتابا في هذا المعنى : ~~وكان الفرنج قد ركبوا من الأمر نكرا ، وافتضوا من البحر بكرا ، وعمروا ~~مراكب شحنوها بالمقاتلة والأزواد ، وضربوا بها سواحل تهامة وأوغلوا في ~~البلاد ، وما ظن المسلمون إلا ان الساعة قد نشر مطوى شروطها ، وطوى منشور ~~بساطها ، فثار غضب الله لفناء بيته المحرم ، ومقام أنبيائه المعظم ، وضريح ~~نبيه المفخم ، صلى الله عليه وسلم ، وزخر من فضل الله أنه كان البيت إذ قصدوه ~~أصحاب الفيل ، ووكلوا الأمور إلى الله ، فكان حسبهم ونعم الوكيل ، فلم يبق ~~من العدو خبرا ولا أثر ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ) (1).... ### ||| * السنة التاسعة والسبعون وخمسمائة # وفي يوم الأحد عاشر المحرم تسلم السلطان آمد ودخل إليها وجلس في دار ~~الامارة ، ثم سلمها وأعمالها إلى نور الدين محمد بن قرا أرسلان ، وكان وعده ~~بها لما جاء إلى خدمته ، ولما أخذها صلاح الدين خرج الرئيس محمود بن علي ~~ومحمد بن كيكلدي منها بأموالها وحريمها إلى الموصل ، وأعانهما صلاح الدين ~~بدواب تنقل بعض قماشهما ، فحملا ما خف حمله ، وعجزا عن حمل كثير من الذخائر ~~والأسلحة. # وفي المحرم عاد السلطان فقطع الفرات قاصدا إلى حلب ، واجتاز في PageV01P619 # طريقه بعين تاب ، وبها ناصح الدين محمد بن خمارتكين ، ونزل إليه ، وقام ~~بالضيافة ، فأبقاها عليه ، وجاءه ابن الساعاتي فأنشده : # وانهض ms050 إلى حلب في كل سابقة %~% سيوفها تغني عن الفلك ما فتحها غير إقليد الممالك %~% والداعي إلى جميع الخلق والملك # فنازل حلب في سادس عشر المحرم ، ونزل بالميدان الأخضر وباشر القتال بكرة ~~وعشيا ، وزحف يوما أخوه تاج الملوك بوري فجاءه سهم في عينه ، فوقع مريضا ، ~~ومات في الثالث والعشرين من صفر ، ثم علم عماد الدين زنكي أنه لا طاقة له ~~به ، وضج من اقتراح الأمراء عليه ، فقال لحسام الدين طمان : اخرج إلى صلاح ~~الدين وسله في الصلح فخرج سرا ولم يعلم به أحد ، فقرر الصلح وأن يرد إليه ~~سنجار وأعمالها ، والخابور ، ونصيبين ، وأنه يسلم إليه قلعة حلب ، وعلم ~~الناس بالصبح ، فخرجوا إلى صلاح الدين فخلع عليهم ، وجعل أهل حلب تحت ~~القلعة اجانة وثيابا وصابونا ، وصاحوا على عماد الدين : يا فاعل ، يا صانع ~~، انزل فاغسل الثياب مثل المخانيث ما يصلح لك غير هذا ، وعملوا فيها ~~الأشعار وتغنوا بها في الأسواق ، ومنها : # وبعت بسنجار خير القلاع %~% ثكلتك من بائع مشتري # فلما كان اليوم العشرون من صفر توفي تاج الملوك أخو السلطان ، فحزن عليه ~~حزنا عظيما وجلس للعزاء ، ونزل إليه عماد الدين فالتقاه السلطان وأكرمه ~~وخدمه ، وقدم له الخيول والتحف الجليلة ، وعاد عماد الدين إلى القلعة وأقام ~~السلطان كئيبا حزينا وكان يبكي ويقول : ما وفت حلب بشعرة من أخي ، وقيل انه ~~قال : ما غلت حلب ببوري ، والأول أليق بالسلطان لأنه ما كان في البيت مثل ~~بوري ، وسار عماد الدين من يومه إلى سنجار ، وأقام السلطان في المخيم غير ~~مكترث بحلب لما جرى عليه من وفاة أخيه ، ثم صعد القلعة سلخ صفر ، فأنشده ~~القاضي ابن PageV01P620 # زكي الدين محمد بن علي القرشي ، قاضي القضاة بدمشق أبياتا منها : # وفتحكم حلبا بالسيف في صفر %~% مبشر بفتوح القدس في رجب # فعجب الناس من رمية من غير رام ، فكان كما قال ، ولكن بعد أربع سنين ، ~~وهو الذي خطب بالقدس لما فتحه السلطان ، وولى السلطان القضاء بحلب محي ~~الدين بن الزكي والقلعة سيف الدين يازكيج ، والديوان ناصح الدين اسماعيل بن ~~العميد ms051 ، وأعطى تل باشر وتل خالد لبدر الدين دلدرم بن بهاء الدين ياروق ، ~~وأعطى قلعة أعزاز لعلم الدين سليمان بن جندر ، ثم رحل عن حلب يوم السبت ~~ثاني عشرين ربيع الآخر ، ودخل دمشق ، وكان دخوله دمشق ثالث جمادى الأولى ~~فأقام بها أياما ثم خرج إلى الفوار ، فأقام بها على رأس الماء. # وفيها بعث الخليفة عسكرا إلى دقوقا فأخذها # وفيها كانت غزاة بيسان ، ورحل السلطان من الفوار في جمادى الآخرة ، فنزل ~~بيسان وقد هرب أهلها فقدم بين يديه جرديك النوري ، وجاولي الأسدي وجماعة من ~~النورية فجاؤوا إلى عين الجالوت والفرنج إلى الفولة ، فصادفوا على عين ~~جالوت طائفة من الفرنج فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا مائة فارس ، ورحل ~~السلطان إلى الفولة يطلب المصاف فتحصن الفرنج في الداخل ، ولم يخرج منهم ~~أحد ، فلما كان في الليل ساروا طالبين عكا ورحل السلطان خلفهم يقاتل الساقة ~~فقتل منهم جماعة فدخلوا عكا وعاد السلطان على صفورية فنهب وأحرق وعاد إلى دمشق. # ثم خرج في رجب إلى الكرك ، وكان أخوه سيف الدين العادل قد كتب إليه يطلب ~~منه أن يعوضه بحلب عوض مصر ، فكتب إليه أن يوافيه على الكرك ، فالتقيا على ~~الكرك ، ونصب السلطان عليها المناجيق ، وحشد الفرنج ونزلوا الوالة ، قريبا ~~من الكرك ، فرأى السلطان أن حصار PageV01P621 # الكرك يطول فعاد إلى دمشق ومعه أخوه الملك العادل ، فأعطاه حلب ، فسار ~~إليها وبها ولده السلطان الملك الظاهر غازي ، وسيف الدين يازكيج ، فسلمها ، ~~إليه ، وقدم الظاهر دمشق مع يازكيج في شوال ، وأقام الظاهر في خدمة أبيه ~~راضيا في الظاهر ، وفي الباطن فيه ما فيه. # وفيها وصل عبد الرحيم شيخ الشيوخ من بغداد رسولا إلى صلاح الدين ومعه ~~محيي الدين أبو حامد محمد ابن قاضي القضاة كمال الدين ابن الشهرزوري رسولا ~~من المواصلة ، فأغلظ محي الدين على السلطان وقال : تحلف لعز الدين ان هذه ~~الجزيرة وما يقطع الفرات من ناحية الشرق يكونوا مضافين إلى عز الدين ولا ~~تعلق لك بهم ، وإلا جاء البهلوان وملول العجم إليك ، واتفقوا عليك ، فغضب ~~السلطان وقال : أنا ms052 قاصد إليكم ، فإذا فرغت منكم سرت إلى البهلوان ... # وفيها توفي تاج الملوك بوري كما ذكرنا ابن أيوب أخو صلاح الدين ، وكنيته ~~أبو سعيد ، ولد في ذي الحجة سنة ست وخمسين وخمسمائة وكان الله عز وجل قد جمع ~~فيه مكارم الأخلاق ، ولطف طباع وكرما وشجاعة ، وفضلا وفصاحة ، وكان أديبا ~~وشاعرا مترسلا ، وله ديوان شعر ذكره العماد في الخريدة ، وأثنى عليه ، ~~وأنشد مقطعات من شعره ... ### ||| * السنة الثمانون وخمسمائة # وفيها كتب زين الدين بن نجية الواعظ من مصر إلى صلاح الدين يشوقه إليها ، ~~وكان السلطان بدمشق : أدام الله أيام مولانا السلطان الملك الناصر ، وقرنها ~~بالتأييد والنصر والتسديد ، أو ما يشتاق مولانا إلى مصر ونيلها وخيرها ~~وسلسبيلها ، ودار ملكه ، ودارة فلكه وبحرها وخليجها ونشرها وأريجها ، ومقسم ~~مقاسمها ، وأنيس أبياتها ، وقصور معزها ، ومبارك عزها ، وجيزتها وجزيرتها ، ~~وبركها وبركتها ، وتعلق القلوب بقلوبها ، واستئلاف النفوس لأسلوبها ، ~~وملتقى البحرين ، PageV01P622 # ومرتقى الهرمين ، وروضة جنانها ، وجنة رضوانها ، ومشاهدها ومجامعها ، ~~ومساجدها وجوامعها ، ونواضر بساتينها ومناظر ميادينها ، وساحات سواحلها ، ~~وآيات فضائلها؟!. # وذكر ابن نجية كلاما طويلا من هذا الجنس فكتب إليه السلطان : ورد كتاب ~~الفقيه زين الدين أدام الله توفيقه ، لا ريب أن الشام أفضل وأن أجر ساكنه ~~أجزل ، وإن القلوب إليه أميل ، وإن زلاله البارد أحلى وأنهل ، وإن الهواء ~~في صيفه وشتائه أعدل ، وإن الجبال فيه أجمل ، والجمال به أكمل ، وإن القلب ~~به أروح ، والروح به أقبل ، ودمشق فعاشقها بها مستهام ، وما على محبها ملام ~~، وما في ربوتها ريبة ، ولكل نور فيها سيبه ، وساجعاتها على المنابر الورق ~~، وهزاراتها وبلابلها تعجم وتعرب ، وكم فيها من جواري ساقيات وسواقي جاريات ~~، وثمار بلا أثمان ، وروح وريحان وفاكهة ورمان ، وخيرات حسان ، وكون الله ~~تعالى أقسم (والتين والزيتون) يدل على فضله المكنون ، وقال صلى الله عليه وسلم ~~: الشام صفوة الله من بلاده ، يسوق إليها خير أمة من خلقه ، وعامة الصحابة ~~اختاروا المقام بالشام ، وفتح دمشق بكر الاسلام ، وما ينكر ان الله تعالى ~~ذكر مصر ، ولكن على لسان فرعون بقوله : (أليس لي ملك مصر) (1) لكن هذا أخرج ms053 ~~مخرج العتب له والذم ، ألا ترى أن يوسف عليه السلام نقل منها إلى الشام ، ثم ~~المقام بدمشق أقرب إلى الرباط وأوجب للنشاط ، وأين قطوم المقطم من النيربين ~~، وأين دار منيف من ذروة الشرف المبين ، وأين لبانة لبنان من الهرمين ، وهل ~~هما إلا مثل السلعتين ، وهل للنيل من طول نيله وطول ذيله برد بردا في نفع ~~العليل ، وما لذاك الكثير من طلاوة هذا القليل ، وإن فاخرتنا بالجامع وفيه ~~البشر ظهر بذلك قصر القصر ، ولو كان لهم بانياس لما احتاجوا إلى قياس ~~المقياس ، ونحن لا نجفو الوطن كما جفاه ، ولا نأبى فضله كما أباه ، وحب ~~الوطن من PageV01P623 # الإيمان ، ونحن لاننكر أن اقليم مصر إقليم عظيم الشأن ، ولن نقول كما قال ~~المجلس الفاصلي : ان دمشق تصلح أن تكون بستانا ، ولا نشك أن أحسن ما في ~~البلاد البستان ، ولعل زين الدين يرجع إلى الحق ويوافق على ما هو الأحق. # قلت : عاب السلطان على ابن نجية كون أصله ومنشأه بدمشق ، وفضل عليها مصر ~~، وليس من طارفه ولا تلاده ، وكان أولى أن يتشوق إلى السلطان من غير وصف ~~لما فيه مضاهاة لوطنه وبلاده. ### |||| * فصل # وفيها هجم السلطان نابلس كانت عساكر الشرق وصلت إليه لنجدته فيها : نور ~~الدين ابن قرا أرسلان صاحب الحصن وآمد وديار بكر ، ومظفر الدين بن زين ~~الدين ، والعادل من حلب ، وتقي الدين عمر ، فخرج من دمشق ونزل الكرك ونصب ~~عليها المناجيق ، وكان أعظم مهماته فتحه ، لكونه على طريق مصر ، وبلغ ~~الفرنج فجمعوا الفارس والراجل وقصدوه ، ونزلوا الواله قريبا من الكرك ، ~~فاغتنم السلطان خلو الساحل منهم ، وسار على البلقاء ونزل الغور وهجم نابلس ~~فقتل وسبى ونزل على سبسطيه وبها الرهبان والأقساء وعندهم الودائع فطلبوا ~~منه الأمان ، وأن يطلقوا ما عندهم من الأسارى ، فأمنهم ، ثم سلك الغور وطلع ~~على عقبة فيق ، وعاد إلى دمشق ، وكان عنده رسل الحلبية شيخ الشيوخ ، وشيخ ~~الشيوخ بالرحبة ، وحج بالناس من العراق طاشتكين. ### |||| * فصل # وفيها توفي ايلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن ايلغازي بن أرتق ، ولقبه قطب ~~الدين صاحب ماردين ms054 وكانت وفاته في جمادى الآخرة ، وخلف ولدين صغيرين ، وكان ~~جوادا شجاعا عادلا منصفا عاقلا ، والحمد لله وحده وصلى على أشرف خلقه محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم. PageV01P624 ### ||| * السنة الحادية والثمانون وخمسمائة # وفيها قطع السلطان الفرات ، ونزل على حران سادس عشرين صفر ، وسار السلطان ~~ونزل على الموصل ، وضايقها وخرج إليه أهلها العوام والخواص فقاتلوه وظهروا ~~عليه ، وجاءه الملوك زين الدين صاحب إربل ، وسنجر شاه صاحب الجزيرة ، وعسكر ~~ديار بكر ، وكان القتال يعمل كل يوم وتخرج المواصلة إليه عراة يقاتلون ، ~~فبينما هو على ذلك جاءه الخبر بوفاة شاه أرمن صاحب أخلاط ، وجاءت كتب ~~مقدميها يطلبونه ، فشاور الأمراء فأشاروا إليه بقصد أخلاط ، لما رأوا أنهم ~~لا طمع لهم في الموصل ، وقالوا : ما تفوت الموصل فسار إلى أخلاط وفي مقدمته ~~ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه ، وتقي الدين عمر فوصلوا ميافارقين ، ~~وبها الأسد يرنقش ، مملوك صاحب آمد فامتنع عليهم وقال : أنا وصي يتامى ~~أستاذي قطب الدين وبعد هذا فالأمر للخاتون والدتهم ، فأرسل إليها صلاح ~~الدين خادما ووعدها أن يتزوجها ، ويزوج ابنه احدى بناتها ، فأجابت وسلمت ~~إليه ميافارقين وأعطاها الهتاخ ، وأعطى يرنقش جبل جور ، وكان الحاكم على ~~أخلاط الوزير مجد الدين بن الموفق ، وهو الذي كاتب السلطان فبعث إليه ~~الفقيه عيسى ليكشف الحال ، فغالطه وقال : في القلعة سيف الدين بكتمر ، وبها ~~ابنة البهلوان زوجة شاه أرمن ، وربما جاء البهلوان بعساكر أذربيجان وهمذان ~~والشرق ، فنزل قريبا من أخلاط ، وأرسل إلى السلطان يقول : هذه البلاد لا ~~بنتي ، وهي في القلعة ، والمصلحة تبقى المودة بيننا ودوام الصداقة ، فرجع ~~السلطان إلى الجزيرة ، ورجع البهلوان إلى بلاده بعد أن حمل إليه سيف الدين ~~بكتمر أموالا وهدايا ، وولى السلطان على ميافارقين وديار بكر مملوكه سنقر ~~الخلاطي. # وعاد إلى الموصل ، وهذه المرة الثالثة ، وهي الأخيرة فنزل الاسماعيليات ، ~~وقيل نزل على كفر رمان بدجلة ، وعزم أن يشتي بذلك المكان ، واستعد PageV01P625 # المواصلة للحصار ، فأشار أمراء عز الدين عليه أن يخرج إليه النساء بكتاب ~~يتشفعن إليه ، فخرجوا معهن والدة عز الدين مسعود فأكرمهن ووعدهن الاحسان ms055 ، ~~وقرر عماد الدين الصلح وخطب للسلطان بالموصل ، وأعطى شهرزور والبوازيج ، ~~ووقف عليها قرية تعرف بباقيلا على ورثة شيخ الشيوخ ببغداد ، ورحل عن الموصل ~~يريد الجزيرة. # قال العماد : وكان السلطان قد لازم قراءة القرآن في شهر رمضان ، واشتد ~~الحر ، وقيل إنه قد رد النساء اللائي خرجن يشفعن ، فندم على ردهن فمرض مرضا ~~شديدا فتناثر شعر رأسه ولحيته ، وقيل إنه سقي وضعف ضعفا خيف عليه منه وأرجف ~~بموته ، وأقام على نصيبين وقد ايسنا منه ، ثم تماثل فحمل في محفة إلى حران ~~، ونزل بظاهرها وبنى بها دارا سماها دار العافية. ### |||| * فصل # وكانت المنجمون قد حكموا بأن يهب رمل هواء مزعج يهلك الناس ، فحفروا ~~سراديبا واختفوا ، وظهر كذب المنجمين. ### |||| * فصل # وفيها توفيت عصمة خاتون بنت معين الدين زوجة السلطان صلاح الدين ، وكانت ~~قبله زوجة السلطان نور الدين محمود ، وكانت من أعف النساء وأكرمهن وأحزمهن ~~، ولها صدقات وبر عظيم ، بنت بدمشق مدرسة لأصحاب أبي حنيفة في حجر الذهب ~~قريبة من حمام أركش وتعرف بمدرسة خاتون ، وبنت للصوفية رباطا على الشرف ~~القبلي خارج باب النصر على بانياس ، وبنت تربة بقاسيون على نهر يزيد ودفنت ~~بها ، ووقفت على هذه الأماكن أوقافا كثيرة ، وكانت وفاتها في رجب ، وبلغ ~~السلطان وفاتها وهو مريض بحران ، فتزايد مرضه ، وحزن عليها وتأسف وكان يصدر ~~عن رأيها ، ومات بعدها أخوها سعد الدين PageV01P626 # مسعود بن معين الدين أنر في هذه السنة ، وكان من أكابر الأمراء ، زوجه ~~السلطان أخته ربيعة خاتون لما تزوج أخته الخاتون ، فلما توفي مسعود بن أنر ~~تزوج ربيعة الخاتون مظفر الدين بن زين الدين. # وفيها توفي محمد بن أسد الدين شيركوه ، ولقبه ناصر الدين ابن عم صلاح ~~الدين ، كان السلطان يخافه لأنه يدعي أنه أحق بالملك منه ، وكان يبلغ ~~السلطان عنه هذا ، وكان قد فارق السلطان من حران وجاء إلى حمص ، وكان زوج ~~أخت السلطان ست الشام ، وكانت وفاته بحمص يوم عرفة بقي يتناثر لحمه ، وقيل ~~إنه سم ، وقيل مات فجأة فنقلته زوجته ست الشام إلى تربتها بالعوينة شمالي ~~دمشق ، فدفنته ms056 بها عند أخيها شمس الدولة ، ولما بلغ السلطان وفاته أبقى على ~~ولده أسد الدين شيركوه حمص وتدمر والرحبة وسلمية ، اقطاع أبيه ، وخلع عليه ~~وكتب له منشورا بها ، والحمد لله وحده وصلى على أشرف خلقه محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. ### ||| * السنة الثانية والثمانون وخمسمائة* فصل # قطع السلطان الفرات ، ووصل إلى حلب ، وخرج منها يريد الشام فتلقاه أسد ~~الدين صاحب حمص وأخته سفري خاتون بتل السلطان ، ومعها الهدايا العظيمة ، ~~وسار إلى حمص فأطلق المكوس وأزال الضمانات ، وقال لأخيه العادل أبي بكر : ~~اقسم التركة بينهم على فرائض الله تعالى ، وكان قد خلف شيركوه وسفري وزوجته ~~ست الشام ، فصعد العادل إلى قلعة حمص وأقام أياما فقسم التركة ، وكان قد ~~خلف أموالا عظيمة وجواهر ومناطق الذهب والفضة ، فكان مبلغ التركة ألف ألف ~~دينار ، وكان القاضي نجم الدين بن أبي عصرون حاضر القسمة ، فقام يوما فوقعت ~~من تحت ذيله منطقة مجوهرة ، فنسبه العادل إلى ما لا يليق ، وكان PageV01P627 # نجم الدين منزها عن ذلك ، لأنه كان عفيفا جوادا شريف النفس فحلف للعادل ~~أنني ما علمت بها ، وصدق ، وإنما الحساد وجدوا طريقا للقول. # وفيها دخل سيف الاسلام إلى مكة ، ومنع من الأذان بحي على خير العمل ، ~~وقتل جماعة من العبيد كانوا يؤذون الناس ، وأغلق أمير مكة باب البيت وصعد ~~إلى أبي قبيس ، فأرسل إليه وطلب المفتاح فامتنع من إنفاذه ، فقال سيف ~~الاسلام : قل لصاحبك إن الله نهانا عن أشياء فارتكبناها ، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : لا تأخذوا المفتاح من بني شيبة ، فنأخذه ونستغفر الله ~~تعالى ، فبعث إليه بالمفتاح. # وفيها قسم السلطان البلاد بين أولاده وأهله برأي القاضي الفاضل ، فإنه ~~لما مرض أشار عليه بذلك. # وفيها ظهر الخلاف بين الفرنج ، وتفرقت كلمتهم ، وكان ذلك سببا لسعادة ~~الاسلام. # وفيها غدر البرنس صاحب الكرك ، واسمه أرناط ، وكان أخبث الفرنج وأشرهم ، ~~فقطع الطريق على قافلة جاءت من مصر إلى الشام ، وفيها خلق عظيم ومال كثير ، ~~فاستولى على الجميع قتلا وأسرا ونهبا ، فأرسل إليه السلطان يوبخه على ما ~~فعل ، ويقول أين العهود ms057 والمواثيق ، رد ما أخذت ، فلم يلتفت وشن الغارات ~~على المسلمين وفتك فيهم ، فنذر السلطان دمه وأقام السلطان بدمشق بتجهز ~~للقاء العدو ، واستدعى العساكر من الشرق والغرب ...... ### ||| * السنة الثالثة والثمانون وخمسمائة # وفيها فتح البيت المقدس ، وعكا وحصون الساحل وسببه وقعة حطين ، خرج ~~السلطان من دمشق غرة المحرم بعساكر الشام فنزل بصرى يرتقب وصول أخته ست ~~الشام وابنها ابن لاجين ، وكان قد بلغه ان البرنس يرتقب وصولهم فخاف من ~~غدره ووصل الحاج في أواخر المحرم ، PageV01P628 # وخلا سر السلطان منهم ، فسار إلى الكرك فقطع الأشجار ، ورعى الزرع ، وفعل ~~بالشوبك مثله ، وأقام ينتظر عسكر مصر وكان عند مسيره إلى الكرك أمر ولده ~~الأفضل أن ينزل على رأس الماء بطائفة من العسكر ، ينتظر باقي عسكر الشرقية ~~، فأنهض الأفضل طائفة للغارة على طبرية ، وجعل مقدم العساكر الشرقية مظفر ~~الدين بن زين الدين وعلى عسكر الشام صارم الدين قيماز النجمي فنازلوا طبرية ~~، وتقدم بدر الدين دلدرم مقدم عسكر حلب إلى طبرية ، فخرج إليه مقدم الداوية ~~والاسبتار بجماعة معهم فقاتلوهم فقتلهم دلدرم وأسر بعضهم ، وسار إلى صفورية ~~ففعل كذلك ، وعاد بالأسارى إلى الأفضل وهو على شعب الشهاب وجاء السلطان إلى ~~تسيل قرية غربي نوى وصعد تلها وعرض العساكر ، وسر بما رأى ، واندفع يوم ~~الجمعة سابع عشرين ربيع الأول نحو فيق ورحل الأفضل معه فالتقوا على ~~الأقحوانة ، وكان يقصد المسير إلى العدو يوم الجمعة تبركا بأدعية الخطباء ، ~~وخيم على ساحل البحيرة في اثني عشر ألفا من الفرسان ، فأما الرجالة فيقال ~~أنهم كانوا في ثمانين ألفا بين فارس وراجل ، فنزلوا الصفورية ، وتقدم ~~السلطان إلى طبرية فنصب عليها المناجيق ، ونقب أسوارها ، ففتحها يوم الخميس ~~رابع عشر ربيع الآخر ، وتمنعت القلعة عليه وبها الست زوجة القومص ، وتقدم ~~الفرنج فنزلوا لوبية يوم الجمعة عند طلوع الشمس ، وملك المسلمون عليهم ~~الماء ، وكان يوم حارا ، والتهب الغور عليهم ، وأضرم مظفر الدين بن زين ~~الدين النار في الزرع ، وباتوا الليل والمسلمون حولهم ، فلما طلع الفجر يوم ~~السبت قاتلوا إلى الظهر ، وطلعوا إلى تل حطين والنار تضرم ms058 حولهم ، فهلكوا ~~وتساقطوا من التل ، وكان القومص معهم ، فحمل وفتح له السلطان دربا فصعد إلى ~~صفت ، وعملت السيوف في الفرنج قتلا وأسرا ، وأسر من الملوك كاي وأخوه جفري ~~وبرنس الكرك والهنفري ، وصاحب جبيل وبيروت وصيدا ، ومقدم الداوية والاسبتار ~~، وغيرهم وجىء إلى السلطان بصليب الصبوت ، وهو مرصع بالجواهر واليواقيت في ~~غلاف من PageV01P629 # الذهب ، وهو عند النصارى مثل المسيح ، والذي أسر الملك درباس الكردي ، ~~والذي أسر البرنس إبراهيم غلام المهراني. # فلما رآهم السلطان نزل وسجد لله تعالى ، وجاء إلى خيمته فاستدعاهم ، فجلس ~~الملك عن يمينه ، وبرنس الكرك إلى جانب الملك ، ونظر السلطان إلى الملك وهو ~~يلهث عطشا ، فأمر له بقدح من ثلج وماء فشرب منه وسقى البرنس ، فقال ما أذنت ~~في سقيه ، وكان السلطان قد نذر أن يقتل البرنس بيده ، فقال له : غدار حلفت ~~وغدرت ونكثت ، وجعل يعدد عليه غدراته ، ثم قام إليه فضربه بالسيف على كتفه ~~، وتممه المماليك ، وقطعوا رأسه وأطعموا جثته الكلاب. # فلما رآه الملك قتيلا ، خاف وطار عقله ، فأمنه السلطان ، وقال : هذا غدار ~~كذاب ، غدر غير مرة ، ثم عرض السلطان الاسلام على الداوية والاسبتار فمن ~~أسلم منهم استبقاه ، ومن لم يسلم قتله ، فقتل خلقا عظيما ، وبعث بباقي ~~الملوك والأسارى إلى دمشق إلى الصفي بن القابض ، فاعتقل الأعيان في القلعة ~~، وباع الأسارى بثمن بخس ، حتى باع بعض الفقراء أسيرا بنعل فقيل له : هذا ~~ثمن بخس ، فقال : أردت هوانهم. # ودخل القاضي ابن أبي عصرون إلى دمشق وصليب الصلبوت منكسا بين يديه ، وعاد ~~السلطان إلى طبرية ، فأمن صاحبتها ، فخرجت بنفسها ومالها إلى عكا ، وولى ~~طبرية قيماز النجمي ، وأما القومص فإنه خرج من صفت إلى طرابلس فمات بها. # فقيل انه مات من جراحات كانت به ، وقيل إن امرأته سمته ، وقيل هذا كان ~~سببا في هلاك دين النصرانية وأكثر الشعراء في هذه الوقعة. ### |||| * ذكر فتح عكا # وفيها لغتان المد والنسبة إليها عكاوي ، وعكه بالهاء. # وسار السلطان من طبرية فنازلها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر ، PageV01P630 # وليس بها من يحميها لأن وقعة حطين أبادتهم ، وكانوا ثلاثين ms059 ألفا ، فطلبوا ~~منه الأمان على نفوسهم وما يقدرون على حمله ، فأمنهم ودخلها يوم الجمعة غرة ~~جمادى الأولى وبها من الأسارى المسلمين أربعة آلاف ، فاستنقذهم وجعل ~~الكنيسة جامعا وولاها ولده الأفضل ، وولى القضاء والخطابة والامامة عبد ~~اللطيف ابن أبي النجيب الشهرزوري ، وغنم المسلمون أموالا لا تحصى ، ولما ~~دخلوا عكا ركز كل واحد رمحه على دار فأخذها وما فيها ، وأعطى السلطان ~~الفقيه عيسى جميع ما يختص بالداوية ، ولم يحضر هذه الفتوح العادل سيف الدين ~~أخو السلطان ، فجاء ففتح في طريقه مجدل يابا ويافا ، وحضره الملك العزيز ~~لأنه تقدم مع العسكر المصري ، ومضى إلى مصر ، وما عاد اجتمع بأبيه وفارق ~~أباه في شعبان ، والسلطان على صور. # وكتب العماد الكاتب إلى بغداد كتابا أوله ( ولقد كتبنا في ~~الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) (1) والحمد لله على ~~انجاز هذا الوعد ، وعلى نصرة هذا الدين الحنيف من قبل ومن بعد ، وجعل من ~~بعد عسر يسرا ، وأحدث من بعد أمر أمرا ، وهون هذا الأمر الذي ما كان ~~الاسلام يستطيع عليه صبرا ، وخوطب النبي بقوله : (ولقد مننا عليك مرة أخرى) ~~(2) فالأولى في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ، والأخرى في هذه ~~الدولة التي عتق فيها من رق الكتابة ، والزمان كهيئته قد استدار ، والحق ~~ببهجته قد استنار ، والكفر قد رد ما عنده من الشعار ، والخادم يشرح من هذا ~~الفتح العظيم ، والنصر الكريم ، ما يشرح صدور المؤمنين ، ويسوء وجوه ~~الكافرين ، ويورد من البشرى ما أنعم الله به في يوم الخميس الثالث والعشرين ~~من ربيع الآخر سلخه ، وتلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما عدموا فيه نفوسا ~~وجسوما ، PageV01P631 # فأصبحوا قد هووا في الهاوية ( كأنهم أعجاز نخل خاوية ) (1) ~~وأصبحت البلاد إلى الاسلام ضاحكة ، كما كانت بالكفر باكية ففي يوم الخميس ~~الأول فتحت طبرية ، والجمعة والسبت كانت الكسرة التي ما أبقت منهم بقية لا ~~يقوم لهم بعدها قائمة ، ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ) (2). # وفي يوم الخميس سلخ الشهر فتحت عكة بالأمان ، ورفعت بها أعلام الايمان ~~وهي أم ms060 البلاد ، وأخت إرم ذات العماد ، وصليب الصلبوت عندنا مأسور ، وقلب ~~الكفر الأسير بخشبة المكسور مكسور ، وأنصار الصليب وأعوانه قد أحاطت به يد ~~القبضة ، وعلق رهنه ، فلا يقبل فيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، ~~وطبرية قد رفعت أعلام الاسلام عليها ، وهو خير يوميها ، وصارت البيع مساجد ~~يعمرها من يؤمن بالله واليوم الآخر ، وصارت المذابح مواقف لخطباء المنابر ، ~~وعد الحصون التي فتحت. # وقال في آخر الكتاب وما يتأخر النهوض إلى البيت المقدس ، وهذا أوان فتحه ~~، وقد دام عليه ظلام الضلال ، وقد آن أن يسفر الهدى عن صحة السلام. ### |||| * ذكر ما فتح السلطان في هذه السنة* من بلاد الفرنج وطبرية وعكا # لما فتح عكا راح إلى تبنين ، وتسلمها وتسلم صيدا وبيروت وجبيل وغيرها ~~والداروم والرملة ويبنا وبيت جبرين والخليل وعسقلان ، فكان بين أخذ الفرنج ~~وبين خلاصها خمس وثلاثون سنة ، لأنهم ملكوها في جمادى الآخرة سنة ثمان ~~وأربعين وخمسمائة ، وفوض السلطان القضاء والخطابة إلى جمال الدين عبد الله ~~بن عمر قاضي اليمن ، وتسلم السلطان PageV01P632 # هذه الأماكن في أربعين يوما ، أولها ثامن عشرين جمادى الأولى وآخرها ~~الثامن من رجب. ### |||| * ذكر فتوح القدس # سار إليه السلطان فنازله يوم الأحد منتصف رجب ، وكان المنجمون قد قالوا ~~له : تفتح القدس ، وتذهب عينك الواحدة ، فقال رضيت أن أفتحه وأعمى ، وكان ~~قد نزل على غربيه أولا ، ثم انتقل إلى شماليه من باب العمود إلى برج ~~الزاوية ، ومن هذا المكان أخذه الفرنج ، وكان مشحوتا بالبطارقة والخيالة ~~والرجالة ما يزيد على ستين ألفا ، غير النساء والذرية ، فنصب عليها ~~المناجيق وآلة القتال ، وتعلق النقابون بالسور ، وقاتل الفرنج قتالا شديدا ~~، فلما رأوا أن المسلمين قد ظهروا عليهم سقط في أيديهم وأيقنوا بالخذلان ، ~~فصاحوا الأمان ، فبطل عنهم القتال واستقر الأمر على أن يخرجوا بأنفسهم ~~وأموالهم وذراريهم ، سوى الخيل الحربية والسلاح ، بعد أن يؤدي كل واحد منهم ~~عشرة دنانير ، وعن المرأة خمسة دنانير ، وعن الصبي أربعة دنانير ، وعن ~~الطفل دينارا ، ومن عجز منهم كان رقيقا سيملك ، ومن أراد من النصارى ~~الإقامة ، فليقم وتؤخذ منه الجزية ، وأقر ms061 بأيديهم القمامة ، وعينوا أماكن ~~يزورونها ، وسلموا البلد يوم الجمعة سابع عشرين رجب ليلة المعراج ، فكان ~~استيلاء الفرنج عليه اثنتين وتسعين سنة لأنهم أخذوه في سنة إحدى وتسعين ~~وأربعمائة ، وفتح في هذه السنة وهي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، ودخل ~~السلطان الصخرة وغسلها بالماورد ، وقيل غسلها بلحيته وهو يبكي ، ومحا الصور ~~منها ، وكسر الصلبان ، وأحرق دار الداوية ، وعمر المسجد الأقصى ، وفرق ~~الأموال التي أخذها من الفرنج ، وكانت نيفا وثلاثمائة ألف دينار على ~~العلماء والفقهاء والصوفية ، وكان قد حضر معه هذا الفتح زهاء على عشرة آلاف ~~عمامة من جميع الأجناس ، وتطاول جماعة من الأعيان على الخطابة ، فذكر ~~السلطان قوله ابن زكي الدين : PageV01P633 وفتحه حلبا بالسيف في صفر %~% مبشر بفتوح القدس في رجب # قال الفاضل : إنه أنطق الله السلطان بالغيب ، فأعطاه الخطابة وابن زكي ~~الدين قاضي القضاة بدمشق. # وقال ابن القادسي في ذيله : إن صلاح الدين خطب بالبيت المقدس ، وهو وهم ~~منه ، وخلص السلطان من القدس ثلاثة آلاف من أسارى المسلمين ، وبعث مع ~~الفرنج الذين كانوا في القدس من أوصلهم إلى صور ، وكان بها مركيس. # قلت : ولقد ضيع السلطان الحزم بتسيير الفرنج إلى صور ، ولم ينظر في عواقب ~~الأمور ، فإن اجتماعهم بصور كان سببا لأخذهم البلاد ، وقتلهم بعكا من قتلوا ~~من الأعيان وأجناد الاسلام ، وقد كان الواجب عرضهم على الاسلام فإن أبوا ~~فالسيف ، «وهو أصدق أنباء من الكتب» وأنى وكيف ، وما أشبه هذه القضية بفدية ~~الأسارى يوم بدر حيث أشار بعض الصحابة بأخذ ذلك القدر ، وبعضهم أشار بضرب ~~الرقاب ، وما صدر ذلك الرأي إلا عن صدر ، فلا جرم قتل منهم يوم أحد سبعون ، ~~وأسر سبعون من المسلمين كما فعلوا يوم بدر بالمشركين. # وكان القاضي الفاضل بدمشق مريضا لم يحضر هذا الفتح ، فأمر السلطان العماد ~~الكاتب أن يكتب كتابا إلى بغداد بالفتح ، فكتب في أوله : ( وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم ~~أمنا ) (1)، والحمد لله الذي أنجز ms062 لعباده الصالحين وعد الاستخلاف ، وقهر ~~بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف ، وخص سلطان الديوان العزيز بهذه الخلافة ، ~~وبذل الأمن به من بعد المخافة ، وادخر هذا الفتح الأسنى والنصر الأهنى ~~لخادم المقام النبوي ، PageV01P634 # ومنحه أخلص أوليائه ، وأخص أصفيائه بعد أن انقرض من الملوك الماضية ~~والقرون الخالية على حسرة تمنيه ، وفوات ترجيه ، وتقاصرت عنه الهمم وتخاذلت ~~عنه ملوك الأمم فلله الحمد الذي حقق بفتحه ما كان في النفس ، وبدل وحشة ~~الكفر فيه من الاسلام بالأنس ، وجعل عز يومه ما حيا ذل أمس ، وأسكنه العالم ~~والفقيه بعد البطرك والقس ، وعباد الصليب ومستقبلي الشمس ، وأخرج أهل يوم ~~الجمعة من أهل يوم الأحد ، وقمع من كان يقول بالتثليث أهل قل هو الله أحد ، ~~وقد فتح الخادم بأمر الله من الداروم إلى طرابلس ، وجميع ما حوت مملكة ~~الفرنج إلى نابلس وغسلت الصخرة بدموع الباكين من المؤمنين ، ونزع لباس ~~اليأس عنها بإفاضة ثواب المحسنين ، ورجع الاسلام غريبه منه إلى داره ، وطلع ~~قمر الهدى من سراره ، وعادت الأرض المقدسة إلى ما كانت عليه من التقديس ، ~~وأمنت المخاوف بها ، وفيها ، فصارت صباح السرى ، ومناخ التعريس ، وأقصي من ~~المسجد الأقصى من الله الأبعدون ، وتوافد إليه المصطفون المقربون ، وخرس ~~الناقوس برحيل المسيحيين ، وخرج المفسدون بدخول المصلحين ، وقال المحراب ~~لأهله : مرحبا وأهلا ، ورفعت الأعلام الاسلامية على منبره فأخذت من بره ~~أوفى نصيب ، وتلت بألسنة عزتها ( نصر من الله وفتح قريب ) (1)، ~~وغسلت الصخرة بدموع المتقين من دنس الكافرين ، وأبعد أهل الالحاد من قربها ~~بقرب الموحدين. # وذكر بها مانسي من عهد المعراج النبوي والاعجاز المحمدي ، وعاد الاسلام ~~بإسلام البيت المقدس إلى تقديسه ، ورجع بيت الله من التقوى إلى تأسيسه ، ~~وذكر العماد فصولا في هذا المعنى. ### |||| * فصل # وفي شعبان سار السلطان إلى صور فوصلها غرة رمضان فوجدها مدينة حصينة ، ~~وهي في البحر مثل السفينة ، والبحر محيط بها ، من PageV01P635 # جوانبها وليس لها طريق في البر إلا من مكان واحد فيه سبعة أبراج ، وبه ~~المركيس ، وكان شجاعا حازما ، وقد انضوى إليه جميع من كان بالقدس والساحل ~~من الفرنج ms063 ، وأقام السلطان ينتظر الاصطول من مصر ، فوصل فقاتلهم في البر ~~والبحر ، واتفق أن الاصطول غفل ليلة فكبسه الفرنج فأخذوا المراكب ، ورمى ~~بعضهم نفسه في البحر ، فتأخر السلطان في سلخ شوال ، ووصل إليه من بغداد تاج ~~الدين أبو بكر حامد أخو العماد الكاتب ، فالتقاه السلطان وأكرمه ، وكان معه ~~رسالة تذكرة مشحونة بالعتاب على أسباب ، منها : ان الخليفة عتبه لأجل ابن ~~البوشنجي ويلقب بالرشيد ، وكان صبيا ببغداد ، ولا يؤبه له فخرج إلى الشام ، ~~واتصل بصلاح الدين ، وقيل له هذا من بيت كبير .... ### ||| * السنة السادسة والثمانون وخمسمائة # وفي سابع المحرم دخل ألب أرسلان بن السلطان طغريل إلى بغداد وهو صبي صغير ~~وعليه كفن وبيده سيف مشهور كأنه يطلب عفو الخليفة وجاء فنزل بباب النوبي ، ~~وباس العتبة فبكى أهل بغداد ، ورق له الخليفة ، وأنزله دار ابن العطار ~~مقابل المخزن ، وأكرمه وأحسن نزله ، وعفا عن جرائم أبيه وما فعل ابن يونس ، ~~واستدعاه إلى باب الحجرة وخلع عليه خلعة السلطنة ، وطوقه بطوق من ذهب ، ~~واجتمع بولي العهد أبي نصر محمد. # وفيها تسلم الخليفة قلعة الحديثة ، بعد حصار كثير ، وفيها بنى الخليفة ~~دار الفلك ، ورتب فيها ابنة السيد العلوي ، ويقال لها ست الجدود. # وأما حديث السلطان ، فإن هذه السنة دخلت وهو مرابط على الخروبة ، وفي ~~ربيع الآخر تسلم شقيف أرنون بالأمان بعد الحصار الطويل ، وضيق على صاحبها ~~أرناط ، بدمشق فسلمه ، ومضى إلى صور ، وفي هذا الشهر قدمت العساكر ~~الاسلامية على السلطان ، وفيهم الملك الظاهر صاحب حلب ، وأسد الدين شيركوه ~~صاحب حمص ، وسابق PageV01P636 # الدين عثمان صاحب شيزر ، وعز الدين إبراهيم ابن المقدم وغيرهم ، فتقدم ~~السلطان إلى تل كيسان وعزم على لقاء الفرنج ، وقد وصل رسول الخليفة فخر ~~الدين نقيب العلويين بمشهد التين ومعه خمسة أحمال نفط ، وتوقيع بعشرين ألف ~~دينار تقترض من التجار على الخليفة فشق على السلطان وقال : أنا في يوم واحد ~~أخرج مثل هذا وأضعافه ، وما أنا مضطر ، ورد عليه الجميع ، فأشار عليه بعض ~~أصحابه بأخذ النفط للغزاة فأخذه ، ورد التوقيع ، وقال : يرحم الله العاضد ~~وصل ms064 إلي منه في عشرين يوما بمقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار ، ومثلها عروض. ### |||| * حديث حريق الأبراج # كان للافرنج ثلاثة أبراج من الخشب والحديد ، وألبسوها جلود البقر المسقاة ~~بالخل والخمر لئلا تعمل فيها النار ، وطموا خندق عكا ، وسحبوا الأبراج على ~~العجل إلى السور ، فأقبلت مثل الجبال ، وأشرفت على البلد ، وفي كل برج ~~خمسمائة مقاتل ، فأيس المسلمون من البلد ، وقد حيل بينهم وبين السلطان ، ~~والعساكر ، واجتهدوا في الوصول إلى البلد فلم يقدروا ، ورماهم الزراقون ~~الذين في البلد بالنفط فلم يحترق منها شيء ، وكان بعكا شاب دمشقي يقال له ~~ابن النحاس ، ليس له في الديوان اسم ، وكان عارفا بالنفط والحريق ، فهيأ ~~ثلاثة قدور ، وقال لقراقوش : انصب لي منجنيقا ، فانتهره وقال : قد عجز ~~الصناع فمن أنت؟ فقال : قد عملت قدورا لله تعالى وما أريد منكم شيئا ، وما ~~يضركم أن أرمي بها في سبيل الله ، فإن نفعت وإلا فاحسبني واحدا منهم ، فقال ~~قراقوش : ما يضرنا ذلك ، ثم نصب له المنجنيق فرمى قدرة واحدة في البرج ، ~~فاحترق بمن فيه ، ثم فعل ذلك بالثاني والثالث فكبر المسلمون وسمع السلطان ~~وكبر العساكر ، وفرح قراقوش والأمراء وطموه بالخلع والأموال ، فلم يأخذ ~~منها شيئا ، وقال : أنا فعلت هذا لله تعالى ، وكان ذلك صبيحة يوم الجمعة ~~العشرين من ربيع الأول. PageV01P637 # قلت وقد اجتمعت بابن النحاس في حلب سنة ثلاث وستمائة وحكى لي صورة الحريق ~~، وكان يحضر مجالسي ، فطاب قلبه يوما فقال للناس : اشهدوا أن نصف ثوابي في ~~حريق الأبراج لفلان عني. # وبعد يومين من حريق الأبراج وصل عماد الدين زنكي صاحب سنجار إلى خدمة ~~السلطان ، فالتقاه وتعانقا وسار به السلطان إلى خيمته ، فترجل عماد الدين ~~قبل السلطان ومشى في خدمته بمقدار ما لبس السلطان زرموجته ، ودخل السلطان ~~الخيمة ، وقدم له السلطان من الطرف ما يقدم لمثله وبسط له الثياب الأطلس ، ~~فمشى عليها ، وأنزله في طرف الميسرة. ### |||| * حديث ملك الألمان # وفي هذه السنة قطع الألمان خليج القسطنطينية إلى بلاد قليج أرسلان في ~~ستمائة ألف جاؤوا من أفرنجة ، فخاف منهم ملك القسطنطينية ms065 ، فقالوا : لا تخف ~~نحن ما جئنا إلا لنخلص القدس ، وصليب الصلبوت ، ونملك بلاد المسلمين ، فلما ~~دخلوا بلاد قليح أرسلان لم يكن له بهم طاقة فاحتاج إلى مسالمتهم ، وكتب إلى ~~السلطان يعتذر بالعجز عنهم ، وساروا طالبين ووقع فيهم الوباء ، فدفنوا ~~كثيرا من سلاحهم ظنا منهم إذا عادوا أخذوها ، فهلكوا ، وأخذ المسلمون ما ~~دفنوه ، ووصلوا إلى نهر طرسوس فتخلص منهم ابن ليون بقلاعه لأنه أرمني ، وهم ~~روم فأراد الملك أن يسبح ، وكان ماؤه باردا فنهوه ، وقالوا : لا تفعل فأنت ~~متعوب ، فقال : لابد فسبح فأخذته الحمى ، فأقاموا على النهر بسببه ، فأوصى ~~إلى ولده الذي كان في صحبته ومات ، فسلقوه في خل وحملوا عظامه ليدفنوه في القدس. # ولما مات اختلفوا على ولده ، لأنه كان له آخر أكبر منه فكانوا يميلون ~~إليه ، فتأخر عنه أكثرهم ، ودخل أنطاكية في جيش قليل ، وسأل البرنس PageV01P638 # أن يخلي له القلعة ليضع أمواله وأثقاله فيها ، وكان في البرنس خبرة ~~فأجابه إلى ذلك ظنا منه أنه لا يتفق عوده إليها ، وكان كما ظن ما عاد ، ~~وأخذ البرنس الجميع. # ثم سار إلى طرابلس ، وجعل أهل الجبال يقتلونهم وينهبونهم ، فما وصلوا ~~طرابلس إلا في نفر يسير ، فأقاموا أياما ، وساروا إلى عكا فلقيهم الافرنج ~~واستبشروا بهم ، ووصل رسول ملك القسطنطينية يعتذر إلى السلطان من الروم ، ~~وكان صديق السلطان ، وأنه خطب للخليفة والسلطان بقسطنطينية ، وانقطعت أخبار ~~عكا عن السلطان ، فندب أقواما للسباحة وأعطاهم المال في أوساطهم ، والطيور ~~في أعبابهم فترد الأخبار ، ثم احترز الفرنج بعد ذلك بشباك نصبوها في ~~المساقاة ، فإذا جاء سابح وقع فيها ، فامتنع الناس. # وبعث قراقوش يشكو قلة الميرة ، فرتب لهم السلطان بطسة كبيرة وجعل فيها ~~نصارى من أهل بيروت كانوا قد أسلموا ، فقال : ارفعوا الصلبان على البطسة ~~كأنكم قاصدين الفرنج ، ففعلوا ذلك ، فخرج إليهم الفرنج في الشواني ، فقالوا ~~: نراكم قاصدين البلد ، فقالوا : ما أخذتموه بعد؟ قالوا : لا ، فقالوا : ~~وراءنا بطسة أخرى ردوها عن البلد ، فذهبوا ، عنهم ، فردوا القلوع إلى البلد ~~ودخلوا الميناء ، وكبر المسلمون وامتاروا أياما. # وأما ابن ملك الألمان فإنه ms066 أعد دبابة عظيمة ، فدخل تحتها ألوف من الناس ، ~~ولها رأس عظيم برقبة طويلة إذا نطحت السور دخلت فيه وهدمته ، وعمل بطسة لها ~~خرطوم طويل ، إذا أرادوا قلب السور انقلب بالحركات ، وزحفوا إلى برج الذبان ~~، فأحرق المسلمون جميع ذلك ، وطلبت العساكر الشرقية العود إلى بلادها ، ~~فقال السلطان : في هذه الحالة اصبروا إلى زمان الشتاء ، فأما عماد الدين ~~صاحب سنجار فأقام وأما سنجر شاه صاحب الجزيرة ، فأصر على الرحيل ، ودخل على PageV01P639 # السلطان فقبل يده ، وسار من ساعته ، وكتب السلطان وراءه كتابا يقول فيه ، ~~وفي أوله كلاما منه : # من ضاع مثلي من يديه %~% فليت شعري ما استفادا # فقرأ الكتاب ولم يلتفت ، وسار فلقيه تقي الدين عند عقبة فيق ، فقال له : ~~إلى أين؟ فأخبره فقال : ارجع ، فقال : ما أرجع ، وكان تقي الدين مقداما ~~فقال : ارجع يا صبي وإلا رجعت مقهورا فرجع فسأل تقي الدين السلطان فعفا عنه. # وفيها كتب السلطان إلى يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، أمير الغرب ، كتابا ~~يستنجد به على يد شمس الدين بن منقذ ، ودخل فصل الشتاء فأعطى السلطان ~~العساكر دستورا وأقام في نفر يسير. # وفي ذي الحجة مات ابن ملك الألمان ، واستشهد بعكا جماعة ، منهم جمال ~~الدين محمد بن أرككز خرج في شاني يقاتل ، فاحتاطت به مراكب الفرنج وعرضوا ~~عليه الأمان ، فقال ما أضع يدي إلا في يد مقدمكم الكبير ، فجاء إليه المقدم ~~الكبير ، فأخذ بيده وعانقه وألقى نفسه وإياه في البحر فغرقا. # وفيها تسلم صلاح الدين الشوبك بعد حصار شديد بالأمان ، وفيها ملك سيف ~~الدين صنعاء ، وأعطاها لولده شمس الملوك الذي ادعى الخلافة ، وحج بالناس من ~~بغداد طاشتكين ...... # وفيها توفي يوسف بن علي بن بكتكين صاحب إربل ، ولقبه زين الدين وهو أخو ~~مظفر الدين ، وزين الدين ، كان عند السلطان في هذه السنة على الخروبة ، ~~فمرض في رمضان ، فارتحل من الخروبة إلى الناصرة ، فأقام يمرض نفسه ، وكان ~~عنده أخوه مظفر الدين يمرضه فيقال إنه سقاه سما فمات ، وظهرت على مظفر ~~الدين أمارات ذلك ، فإنه لم يكترث بموته ، ولا تأسف ms067 عليه ، وبلغ السلطان ~~فحزن عليه PageV01P640 # وبكى لأنه صاحبه ومصافيه وشاكره وداعيه ، وحزن المسلمون عليه لمكان عفته ~~وشبابه وغربته. # وقال العماد : اتينا مظفر الدين نعزيه ظنا منا أنه قد حزن عليه حزن الأخ ~~على أخيه ، فكأننا جئنا نهنئه ، وإذا به مشغول عن العزاء بحيازة أمواله ~~وأسبابه ، والقبض على عماله وكتابه ، ثم أرسل مظفر الدين إلى السلطان يطلب ~~منه إربل وينزل عن حران والرها ، فأجابه إلى ذلك ، وسأله كتابا إلى صاحب ~~إربل في هذا المعنى ، والله تعالى أعلم. ### ||| * السنة السابعة والثمانون وخمسمائة # وفيها استيلاء الفرنج على عكا ، اشتد عليها الحصار في جمادى الآخرة ، وطم ~~الفرنج الخنادق ، ونصبوا المناجيق والدبابات والسلالم ، ومل المسلمون من ~~السهر والتعب والقتال وكثرت فيهم الجراح ، وكان الفرنج قد صنعوا تلا من ~~تراب يقدمونه يسيرا يسيرا ويقاتلون من ورائه ، لأن المسلمين أحرقوا أبراجهم ~~ومناجيقهم ودباباتهم ، فعملوا هذا التل وشرفوه ، فصار للمقاتلة مثل الحائط ~~، وجاء كتاب أهل عكا إلى السلطان يقولون قد عجزنا وما بقي إلا طلب الأمان ~~والتسليم ، فلم يرد على السلطان خبر أشد من ذلك ، لأنه كان قد نقل إلى عكا ~~جميع سلاح الساحل والقدس ودمشق وحلب ومصر ، فقال : إني هاجم على القوم من ~~البر ويخرج المسلمون من البلد ، فقالوا : ما هذا مصلحة فقد نرى ما بين ~~أيدينا من الخنادق والرجالة كالسور ، وبعدهم الخيالة ، وهم أضعاف عددنا ، ~~ولم يوافقوه ، ولما كان يوم الجمعة سابع عشر رجب ، والسلطان قد ركب ~~والعساكر بأسرها ، وإذا بأعلام الفرنج قد ظهرت على عكا وقت الظهر ، وصاح ~~الفرنج صيحة عظيمة ، وطلع علم على القلعة وآخر على مأذنة الجامع ، وملأوا ~~الأبراج بالأعلام ، ودخلوا عكا وأسروا من كان بها ، واستولوا على جميع ما ~~كان فيها ، وكانوا قبل ذلك قرروا على أهلها مائتي ألف دينار ، وألفي أسير ، ~~وصليب الصلبوت ، ويخرج PageV01P641 # من بها من المسلمين سالمين بأموالهم وأهلهم ، وأخبروا السلطان ، فأجابهم ~~، فقال الفرنج : سلموا إلينا المال والأسارى ، واقنعوا بأماننا حتى نسلم ~~إليكم أصحابكم ، فقال السلطان : وأي أمانة لكم ، ونخاف من غدركم ، والبلد ~~وما فيه قد صار بأيديكم ، وتوقف ms068 الحال. # فلما كان يوم السبت سابع عشرين رجب خرج الفرنج من عكا ، ووقفوا وسط المرج ~~بين تل كيسان والعياضية ، وأحضروا المسلمين موثقين في الحبال ، وكانوا زهاء ~~عن ستة آلاف مسلم ، وحملوا عليهم حملة رجل واحد ضربا وطعنا ، فقتلوهم فنزل ~~المسلمون يشاهدونهم ولا يعلمون ما يصنعون بهم لبعدهم عنهم ، فعادوا وأخبروا ~~السلطان فبكى بكاء شديدا ، ويقال انه لطم على رأسه ونتف لحيته ، ووقع ~~العويل والبكاء في العسكر ، ورحل السلطان من منزله. ### |||| * ذكر ما جرى بعد انفصال أمر عكا # ولما كان غرة شعبان يوم الأحد رحل الفرنج من عكا ومقدمهم الانكلتار ، ~~وكان ملكا عظيما ، فسار في البر بالفارس والراجل ، والمراكب في البحر ، ~~ومعهم فيها أزوادهم ، فنزلوا على نهر القصب ، وكانوا ثلاثة أقسام : الملك ~~العتيق واسمه كاي في المقدمة مع الساحلية ، والانكلتار والفرنسيسية معه في ~~الوسط وأولاد الست أصحاب طبرية في الساقة والسلطان في أعراضهم ، وجرى بينهم ~~قتال على نهر القصب قتل فيه أياز الطويل ، مملوك السلطان ، وكان فارسا ~~عظيما في دبوسه عشرة أرطال حديد ، وكان يضرب الفارس ويهشمه ، فقاتل في ذلك ~~اليوم قتالا عظيما ، وقتل من الفرنج جماعة ، فتقنطر به فرسه فقتلوه ، فحزن ~~السلطان عليه ودفن على تل عال مشرف على بركة. # وطلب الانكلتار الاجتماع بالملك العادل سيف الدين ، وركبا كل واحد في نفر ~~يسير فقال له الانكلتار : إنما جئنا لنصرة أفرنج الساحل ، PageV01P642 # فردوا عليهم ما أخذتم ، واحقنوا دماء الفريقين ، فقال العادل : حتى اجتمع ~~بالسلطان. ### |||| * ذكر وقعة أرسوف # لما كان السبت رابع عشر شعبان أصبح الفرنج على نصبة ، وصف السلطان عساكره ~~، فاندفع جماعة من المسلمين ، وثبت العادل وقيماز النجمي وعسكر الموصل وكان ~~مقدمهم خرم شاه ولقبه علاء الدين ولد عز الدين مسعود ، فلقبه السلطان في ~~ذلك بالملك السعيد ، ثم غارت عليهم عساكر المسلمين ، فولا حيطان أرسوف لحل ~~بهم الحتوف. # وذكر محمد بن القادسي في ذيله وقال : انهزم صلاح الدين في ذلك اليوم ورجع ~~في عسكر الموصل ، وكانوا فوارس. # وقد حكى القاضي ابن شداد ، وكان حاضرها ، وليس المخبر كالمعاين ، فقال : ~~ما انهزم السلطان ms069 ، إنما بقي في سبعة رجال ، وأعلامه واقفة وكوساته تخفق ، ~~فلما رأى ما نزل بالمسلمين ، صاح فيهم وحرضهم ، ووقف في ظلته ، فلما رآه ~~الناس في ظلته ثابتا أتت العساكر إليه ، فتراجع الفرنج إلى منزلته ، وقتل ~~من الفريقين جماعة ، وأما قول ابن القادسي إنه قتل من الانكلتار مائة ألف ~~وأربعين ألفا ، فإن الفرنج ما بلغت عدتهم يوم أرسوف ثلاثين ألفا ، قال ~~القاضي : قتل منهم خمسون افرنجيا وقيل أقل. ### |||| * حديث خراب عسقلان # وسار السلطان من أرسوف ، فنزل عسقلان ، فأجمع الأمراء على خرابها ، فبكى ~~السلطان على خرابها ، وقال : إن فقد أولادي أهون علي من خرابها ، أو أن ~~أنقض منها حجرا ، فقالوا : اخربها والا جرى عليها ما جرى على عكا ، وهذه ~~بين يافا والقدس ، ولا يمكن حفظ الموضعين ، واختر أيهما شيء ، وجاء الخبر ~~نزول الفرنج على يافا ، فأمر بخرابها ، وكان PageV01P643 # فيها شيء كثير فأجابه المسلمون فنهبوها ، وأخربوا بعض السور والسلطان ~~يبكي وينتحب ، وبعث الانكلتار يعرض على العادل أن يزوجه بأخته ، فأجاب ~~العادل ، فاجتمعوا وأوقفوا الأمر ، وقالوا : إن تنصر العادل ودخل في دينها ~~، وإلا غضب المسيح على الانكلتار ، فتوقف الحال على ما ذكر الأقساء ، وكان ~~الانكلتار يجتمع بالعادل في كل وقت ، ويتهاديان ، وكان خديعة من الاثنين ، ~~وبعث الانكلتار إلى السلطان يقول : لابد من القدس ، وصليب الصلبوت فادفعهما ~~إلينا ولك من قاطع الأردن إلى ناحية الشرق ، فقال السلطان : أما القدس فهو ~~أعظم عندنا مما هو عندكم ، انه مسرى نبينا صلى الله عليه وسلم ، ومجمع ~~الملائكة ، فلا يتيسر ان ننزل عنه ، وأما صليب الصلبوت فهلاكه عندنا قربة ~~عظيمة فلا يجوز أن نفرط فيه إلا لمصلحة راجعة إلى الاسلام هي أوفى منه ، ~~فقال الانكلتار للعادل : اجمع بيني وبين السلطان ، فقال : الملوك إذا ~~اجتمعوا تقبح الحرب بينهم بعد ذلك ، فإذا انتظم الصلح حسن الاجتماع ، وعاد ~~الفرنج إلى الرملة ، وطلع السلطان إلى القدس في ذي القعدة ، وأخذ في تحصينه ~~، وشرع ينقل الحجارة هو وأولاده ، على أكتافهم وأمراؤه وأجناده ، والقضاة ~~والفقراء والعلماء ، والعامة والخاصة. # وفيها عزل السلطان أبا حامد محمد بن عبد ms070 الله بن أبي عصرون عن قضاء دمشق ~~، وولى محيي الدين بن زكي الدين ، قالوا ، سبب عزل ابن أبي عصرون عن قضاء ~~دمشق مداخلته الجند ، واشتغاله بما اشتغل به الأمراء من اتخاذ الخيول ~~والمماليك والبرك ، ومباشرة الحروب ، ومعاملة الأمراء ومداينتهم ، فتبرم ~~السلطان منه وعزله ، وفيها حج بالناس من بغداد طاشتكين. ### |||| * فصل # وفيها توفي أسعد بن المطران الطبيب ، ويلقب بالموفق ، وكان نصرانيا أسلم ~~على يد السلطان ، وكان غزير المروءة ، حسن الأخلاق كريم PageV01P644 # العشرة جوادا مهيبا متعصبا للناس عند السلطان ، ويقضي حوائجهم ، وكان قد ~~صحبه صبي من المسلمين اسمه عمر ، وكان حسن الصورة فأحسن إليه ، وكان الموفق ~~يحب أهل البيت ، ويبغض ابن عنين الشاعر لخبث لسانه ولقبح هجائه وثلبه ~~لأغراض الناس ، ويحرض السلطان على نفيه من البلاد ، وقال اليس هو القائل : # سلطاننا أعرج وكاتبه %~% أعمش والوزير منحدب # فهجاه ابن عنين وقال : # قالوا الموفق شيعي فقلت لهم %~% هذا خلاف الذي للناس منه ظهر فكيف يجعل دين الرفض مذهبه %~% وما دعاه إلى الاسلام غير عمر # وكان الموفق يعود الفقراء المرضى ، ويحمل إليهم من عنده الأشربة والأدوية ~~حتى أجرة الحمام ، وزوجه السلطان بجارية له يقال لها جورة ، وكانت من حظايا ~~السلطان ، ونقل معها جهازا عظيما ، وقال ليلة عرسها احملوا إليه المطبخ ، ~~فنزل الموفق جامع دمشق ليصلي العصر ، فجاء إليه صوفية الخانكاه وطلبوا منه ~~سماعا بالخانكاه ، فقال : سمعا وطاعة ، وقام فدخل إلى الخانكاه الصميصاطي ~~واستدعى مطبخ السلطان من دار العقيقي ، وأحضر المغاني والحلاوة الكثيرة إلى ~~الخانكاه ، ونزلت العروس مع حظايا السلطان إلى دار العقيقي ، فأقمن طول ~~الليل ، وهو عند الصوفية ، وهم يرقصون ، وما علموا أنها ليلة عرسه فاستحى ~~أن يعرفهم ، فلما كان في آخر الليل قيل للصوفية : ايش عملتم الرجل الليلة ~~عريس على جارية السلطان ، والساعة يبلغ السلطان فيغضب فجاؤوا إليه بأجمعهم ~~، واعتذروا وسألوه أن يمضي فقال : لا والله إلى الصباح ، وبلغ السلطان فقال ~~: ألام على هذا وتقريبه ، فكانت وفاته في ربيع الأول بدمشق ، ودفن بقاسيون ~~على قارعة الطريق عند دار زوجته جورة ، ولما مات اشترت زوجته ms071 دارا وبنت إلى ~~جنبها مسجدا ، وبنت له تربة وهي PageV01P645 # تعرف اليوم بتربة جورة ولما قدمت الشام سنة ثلاث وستمائة كانت جورة ، ~~باقية وكانت صالحة عابدة. ### |||| * فصل # وفيها توفي القاضي أبو القاسم قاضي حماة ، واسمه الحسين ، بن حمزة ابن ~~الحسين كان فاضلا جوادا سمحا لا ينزل قدره عن النار ، يضيف الخلائق من ~~الخاص والعام ، وما اجتمع أحد بحماة من الأكابر إلا وأضافه ، وكان صلاح ~~الدين يحبه ، وكذا العادل وتقي الدين ، وبلغني أن العادل اجتاز بحماة فأرسل ~~إلى القاضي يقول له : أريد الحمام خلوة ، فأخلاه فما خرج العادل من الحمام ~~إلا وقد جهز له من الفواكه ، وكان قد تزوج بدمشق خطلخ خاتون بنت سودكين ~~فأولدها ابنة وسماها زينب ومات القاضي وهي صغيرة ، فلما بلغت تزوجها رجل من ~~أهل حماة يقال له اسماعيل بن العرباض ، ثم مات عنها ، قلت فتزوجتها في سنة ~~عشرين وستمائة وتوفيت في سنة ثلاث وأربعين وستمائة وأنا ببغداد ، فدفنوها ~~بتربتي بقاسيون ، وخلف أبو القاسم ولدا ذكرا ، وللولد أولاد ، ومات القاضي ~~وهو على قضاء حماة رحمه الله تعالى. # وفيها توفي الأمير سليمان بن جندر من أكابر أمراء حلب ومشايخ الدولتين ~~النورية والصلاحية ، وهو والد صديقنا علم الدين بن سليمان ، وشهد سليمان مع ~~السلطان حروبه كلها ، وهو الذي أشار بخراب عسقلان لتتوفر العناية على حفظ ~~القدس ، ولما صعد السلطان إلى القدس مرض سليمان فطلب المسير إلى حلب فأذن ~~له السلطان ، فسار فتوفي بغباغب في أواخر ذي الحجة وحمل إلى حلب فدفن بها. # وفيها توفي حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين ، ابن أخت صلاح الدين صاحب ~~نابلس ، واسمها ست الشام ، وكان شجاعا مقداما جوادا ، توفي ليلة الجمعة ~~تاسع رمضان بدمشق ، وبينه وبين وفاة تقي PageV01P646 # الدين ساعات ، ففجع السلطان بابن أخيه وابن اخته في يوم واحد ، ودفن ~~بالتربة التي أنشأتها والدته بالعوينة بظاهر دمشق. # وفيها توفي الصفي بن القابض وزير صلاح الدين ، واسمه نصر الله ، وكان قد ~~خدم السلطان لما كان بشحنكية دمشق ، وأمده بالمال ، فرأى له ذلك فلما ملك ~~استوزره ، وكان ms072 شجاعا ثقة دينا أمينا ، فلما نزل الفرنج داريا ، والسلطان ~~في الشرق جمع من أهل دمشق سوادا عظيما ، وخرج إلى ظاهر البلد ، فظنوهم ~~عسكرا فرحلوا وكان كثير المعروف ، وكتب أملاكه لمماليكه لأنه لم يكن له ~~ولدا ، وبنى بالعقيقة مسجدا ودفن به في رجب ، ويعرف اليوم بمسجد الصفى .... ### ||| * السنة الثامنة والثمانون وخمسمائة # وفيها في ربيع الأول ولي جدي مدرسة الشيخ عبد القادر ، فذكر الدرس بها. # وقال ابن القادسي : وفي جمادى الأولى جلس الشيخ أبو الفرج بن الجوزي عند ~~تربة أم الخليفة المجاورة لمعروف الكرخي ، فتاب مائة وثلاثون شخصا ومات ~~ثلاثة في المجلس بوجدهم. # وفيها حبس الخليفة طاشتكين أمير الحاج ، وكان في قلبه مه من نوبة ابن ~~يونس وتقصيره في القتال ، ونقل إلى الخليفة انه يكاتب صلاح الدين ، وكبر ~~عنه ابن يونس ، فاعتقله تحت التاج واختفى خبره بحيث أقام سنين لم يطلع له ~~على خبر. # وفيها كانت نوبة الخويلفة ، وكان السلطان قد كتب إلى مصر يستدعي العساكر ~~، فاجتمع على بلبيس خلق عظيم وقافلة عظيمة فيها أموال الدنيا ، وكان ~~الانكلتار يترقب مجيئهم فبعث السلطان يحذرهم وقال ابعدوا في البرية ، وبلغ ~~الانكلتار قربهم ، فركب من تل الصافية في ألف فارس مردفين بألف راجل ، ~~وساروا حتى نزلوا ماء يقال له الحسي ، PageV01P647 # وجاء الانكلتار فكبسهم بغتة قبيل الصبح وهم غارون ، فالسعيد من نجا بنفسه ~~، وكانت نوبة لم يجر مثلها في الاسلام ، ساقوا من الجمال ثلاثة آلاف جمل ، ~~ومن الخيل ألفا وخمسمائة فرس ، ومن البغال مثلها ، ومن المسلمين خمسمائة ~~أسير ، ومن العين ألفا ألف دينار ، ومن الثياب مثلها ، وكان في القافلة فلك ~~الدين أخو العادل لأمه ، فنجا على فرسه وعاد الفرنج إلى تل الصافية في سادس ~~عشر جمادى الآخرة وبلغ السلطان فأسقط في يده وقال : الأمر لله. # ولما حصل ذلك بيد الافرنج ، عزموا على قصد مصر ، ثم عدلوا إلى القدس ، ~~وبعث الانكلتار إلى البلاد الساحلية ، فاستدعى الفارس والراجل ، فجاءه خلق ~~عظيم ، فسار من الرملة إلى بيت نوبة ، ووصل الانكلتار إلى القبيبة في نفر ~~يسير ، وشاهد القدس ، وعاد إلى ms073 بيت نوبة. # وكان السلطان في القدس ، فشاور الأمراء ، وقال : أنتم جند الاسلام ومنعته ~~ودماء المسلمين وأموالهم وأهاليهم متعلقة بكم ، فإن خفتم طووا البلاد طيا ، ~~وكنتم المطالبين بذلك ، فقالوا : نحن مماليكك وما تطير رؤوسنا إلا بين يديك ~~، وافترقوا على هذا ، فلما كان في الغد اختلفوا فقال بعضهم : ما نقيم حتى ~~يكون السلطان معنا ، نخاف أن يجري علينا ما جرى على أهل عكا. # وبلغ السلطان فبعث إليهم يقول : هذا مجد الدين فرخشاه ابن أخي يكون عندكم ~~، وأكون أنا من وراء أذب عنكم ، فقالوا : ما هذا برأي وانما نخرج ونصدقهم ~~الحملة ، فإن قهرناهم وإلا نسلم العسكر ونمضي إلى دمشق ، فعز عليه ذلك خوفا ~~على القدس ومن فيه من المسلمين ، وبات ليلة الجمعة ساهرا باكيا متضرعا ، ~~وبعث بالصدقات إلى الفقراء ، وطلع الفجر فجلس إلى الضحى يدعو ومضى إلى ~~المسجد الأقصى ، فدخل المقصورة وسجد وبكى وتضرع إلى الله تعالى. # وكان جرديك في اليزك ، فجاءت منه رقعة يقول : قد ركبوا بأسرهم ، PageV01P648 # وبات السلطان ليلة السبت قلقا لم يعرف المنام ، فلما طلع الصباح جاء ~~جرديك مسرعا فقال السلطان : يهنيك رحلوا نحو الرملة ، فسجد السلطان وانكشفت ~~أخبارهم ، وسبب رحيلهم ذلك لأن السلطان كان أمر بطم الصهاريج والآبار التي ~~كانت حول القدس ، فقال لهم الانكلتار : ومن أين نشرب؟ قالوا : من العيون ~~التي حول القدس ، فقال يتخطفوننا فحكموا منهم ثلاثمائة من علمائهم ، وحكم ~~الثلاث مائة اثني عشر ، وحكم الاثنا عشر ثلاثة على عادتهم في النوازل ، ~~فباتوا يتشاورون فترجح عندهم الرحيل ، وقالوا : السلطان حاضر ، ومعه ~~العساكر ، فارحلوا فرحلوا طالبين عكا ، وكانوا قد أخذوا يافا وحصنوها. # فأقام السلطان بالقدس حتى تيقن وصولهم إلى عكا ، فخرج فنزل على يافا ~~وحصرها وتعلق النقابون في الأسوار ، وملك المدينة وأشرفوا على أخذ القلعة ~~فصاح أهلها الأمان ، ونهب المسلمون البلد فوقف مماليك السلطان على الأبواب ~~كل من خرج ومعه شيء أخذوه ، وعز ذلك على الأمراء والأكراد ، وسلموا القلعة ~~، وبعث السلطان لها جماعة من أصحابه وبقي فيه من الفرنج أربعون رجلا ، ~~فبينماهم على ذلك إذ لاحت مراكب يسيرة ms074 ، فرأوا علم السلطان عليها فظنوا أنه ~~قد أخذها فتوقفوا ، وقويت نفوس الفرنج الذين في القلعة ، وعلموا أنها مراكب ~~الانكلتار فرمى واحد نفسه في الماء ، وسبح إليهم وقال : تقدموا فأرسوا إلى ~~المينا ، وكانت خمسة وثلاثين مركبا ، ووصل الانكلتار ، فهرب المسلمون من ~~البلد وتأخر السلطان إلى يازور ، وجاء الانكلتار فنزل في منزلة السلطان ، ~~ولم يكن معه سوى عشرين فارسا ، وثلاثمائة راجل ، وعشرين خيمة ، والسلطان في ~~ألوف ، فبعث إلى السلطان يقول : أنت سلطان عظيم ، ومعك هذا الجيش الكثير ، ~~ومعظم عساكر المسلمين ، فكيف رحلت عن منزلتك عند وصولي ، وليس عندي أحد ، ~~ولا طلعت من البحر إلا بزربولي؟! فغضب السلطان ، وبات على غضب ، فلما PageV01P649 # أصبح ركب وركبت العساكر والانكلتار نازل على حاله لم يصل إليه من الفرنج ~~أحد ، فحمل إليه المسلمون ، وهو في عشرين فارسا وثلاثمائة راجل ، فلم يتحرك ~~، فعظم على السلطان وصاح بالأطلاب : ويحكم وكم معه وأنتم عشرة آلاف وزيادة ~~، فلم يجبه أحد وقال له الجناح أخو المشطوب : قل لعلوقك الذين ضربوا الناس ~~بالأمس وأخذوا كسبهم ، ويقال ان الانكلتار أخذ رمحه وحمل من طرف الميمنة ~~إلى طرف الميسرة ، فلم يعترض أحد وساق السلطان من حينه إلى النطرون. # ونزل في خيمة صغيرة وحده وانفرد ، ولم يتجاسر أحد أن يكلمه ، وجاءت رسل ~~الانكلتار إلى السلطان يقول : قد هلكنا نحن وأنتم وما طلبت الصلح لتقصير ~~وضعف مني بل حرصا على المصلحة العائد نفعها علينا وعليكم. # ثم وقع الاتفاق على أن البلاد الساحلية التي بأيدي الفرنج هي لهم ، ~~والبلاد الجبلية التي فيها القلاع تبقى بأيدي المسلمين ، وما بين العملين ~~يكون مناصفة ، واختلفوا في عسقلان ، ثم اتفقوا انها تكون للفرنج خرابا لا ~~تعمر ، وأعطاهم السلطان القمامة ، وكتبوا كتاب الصلح ، واتفقوا ولم يؤاخد ~~السلطان الجناح بل عفا عنه ، وكان عفوه من كمال عفو السلطان ، لأن الناس ~~كلوا وملوا وعلتهم الديون وذلوا ، وخاف السلطان أيضا على البيت المقدس ، ~~وانعقد الصلح ، وارتفعت أصوات الفريقين وضجوا فرحا وسرورا ، وكان يوما ~~عظيما ، واختلط الفريقان وزال بينهم الشنآن ، وسار الانكلتار في البحر ~~طالبا بلاده ، فمات ms075 قبل أن يصل إليها ، وعاد السلطان إلى دمشق ، وعزم على ~~الحج فقيل له : البلاد خراب ، وما نأمن من غدر الفرنج فتوقف. ### |||| * فصل # ووصل إلى السلطان كتاب في غرة السنة من اليمن أن ثلاثة أنهار من الحبشة ~~تغيرت ، كانت عذبة فصار الواحد أجاجا ، والآخر لبنا والثالث دما. PageV01P650 # وحج بالناس من بغداد فلك الدين ، ومن الشام درباس الكردي. ### |||| * فصل # وفيها توفي سنان بن سليمان ، صاحب الدعوة بقلاع الشام ، وأصله من البصرة ~~، وكان في حصن ألموت ، فرأى منه صاحب الأمر في تلك البلاد نجابة وشهامة ~~ويقظة ، فسيره إلى حصون الشام ، وكانت له معرفة وسياسة وحذق في استجلاب ~~القلوب ، وكان مجيئه إلى الشام في أيام نور الدين محمود ، فأقام واليا ~~ثلاثين سنة ، وجرت له مع السلطان قصص ، وبعث إليه جماعة فوثبوا عليه ، وقد ~~ذكرناه وفي عزم السلطان قصده ، ولم يعطه طاعة قط ، ولما صالح السلطان ~~الأفرنج وعزم على قصده توفي. # ويحكى عنه الغرائب والعجائب ، وفي الجملة أنه كان كما وصفنا ولم يقم أحد ~~بعده مقامه. ### |||| * فصل # وفيها توفي سيف الدين المشطوب ملك الهكارية ، واسمه علي بن أحمد الهكاري ~~، كان شجاعا صابرا على الحرب مطاعا في قبيلته ، دخل مع أسد الدين شيركوه ~~إلى مصر في المرات الثلاث ، وشهد فتح مصر ولزم خدمة السلطان ، فكان ممن أسر ~~بعكا ففدى نفسه بخمسين ألف دينار عجل منها عشرين ألفا ، وأعطاهم رهائن ~~بالباقي ، وأطلق فأحسن السلطان إليه وأعطاه نابلس وأعمالها فجار ديوانه على ~~أهلها ، فاتفق أن السلطان اجتاز بنابلس من القدس في عوده إلى دمشق ، فاجتمع ~~أهلها وشكوا إلى السلطان واستغاثوا فقال : ما لهؤلاء؟ قالوا : يتظلمون من ~~المشطوب ، وهو راكب بين يديه ، فقال : يا علي لو كان هؤلاء يدعون لك حتى ~~يسمع الله ، فكيف وهم يدعون عليك. # واختلفوا في وفاته ، فقال العماد الكاتب : مات المشطوب في نابلس في PageV01P651 # آخر شوال ، وقال القاضي ابن شداد : مات في القدس ، وصلي عليه في المسجد ~~الأقصى ، ودفن بداره. # وفيها توفي قليج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق ، صاحب ~~بلاد الروم ms076 ولقبه عز الدين. # وفيها توفي المركيس صاحب صور ، قدم عليه راهبان فلزما الكنيسة وتعبدا ~~عبادة زائدة ، وبلغه خبرهما فقربهما ، ولم يكن يصبر عنهما ، فأغفلوه ليلة ~~وذبحاه فأخذا وقررا فقالا : نحن من الاسماعيلية ، فقتلا وسر الانكلتار ~~بقتله ، لأنه كان يضاهيه ويضاده ، ويراسل السلطان في الاعانة عليه ، فلما ~~قتل استقل الانكلتار بالأمر ، وزوج الانكلتار زوجة المركيس بكندهري ابن أخت ~~ملك الانكلتار من أبيه ، وابن أخت ملك الافرنسيس من أبيه ، وأقام الانكلتار ~~كندهري وهي حامل ، وما ذاك عيب عندهم في دين النصرانية ، ويكون الولد ~~منسوبا لأمه ، وكان الملك في المملكة فأقام كندهري ملك الافرنج سبع سنين ..... ### ||| * السنة التاسعة والثمانون وخمسمائة # ويقال لها سنة الملوك مات صلاح الدين ، وبكتمر شاه أرمن وعز الدين صاحب ~~الموصل ..... # وفيها توفي بكتمر بن عبد الله مملوك شاه أرمن بن سكمان صاحب خلاط ، مات ~~شاه أرمن ولم يخلف ولدا ، فاتفق خواصه على بكتمر ، فضبط الأمور وأحسن إلى ~~الرعية ، وعدل فيهم ، وصاحب العلماء والصوفية ، وكان حسن السيرة متصدقا ~~صالحا دينا جاءه أربعة من الصوفية ، وكان لا يمنع صوفي ، فتقدم إليه واحدا ~~فمنعه الخازندارية ، فقال دعوه فتقدم وبيده قصة فأخذها منه فضربه بسكين فشق ~~جوفه ، فمات من ساعته ، فأخذوهما وقرروهما فقالا : نحن من الاسماعيلية ، ~~وكانوا قد شفعوا إليه في أمر لا يليق ، فلم يقبل شفاعتهم فعملوا هذا ، ~~فأحرقوا ، وذلك في جمادى الأولى وخلف بكتمر ولدا صغيرا ... PageV01P652 ### |||| * فصل # وفيها توفي عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي بن أقسنقر صاحب الموصل ، كان ~~خفيف العارضين أسمر مليح اللون ، عادلا منصفا محسنا عاقلا جوادا ، صبر على ~~حصار صلاح الدين للموصل ثلاث مرات حفظا على البلاد ، وفرق الأموال ودارى ~~حتى سلم له الملك ، وكان قد بنى في داره مسجدا يخرج إليه في الليل ، ويصلى ~~فيه أورادا كانت له ، ويلبس فرجية أهداها له الشيخ عمر المسنائي الصوفي ~~فيصلي فيها ، وكان قد خرج من الموصل في جهاد ، لقتال الملك العادل سيف ~~الدين بن أيوب ، وكان على حران بعد موت صلاح الدين ، ثم عاد في سابع عشرين ~~شعبان ms077 مريضا فاحتضر فجعل يتشهد ويذكر الله تعالى ويقر بالشهادتين ، وعذاب ~~القبر ، ومنكر ونكير والصراط والحساب والميزان ، وتوفي ودفن بمدرسته التي ~~أنشأها بالموصل بمقابر دار السلطنة ، وكانت أيامه ثلاث عشرة سنة وستة أشهر ~~، وأوصى بالملك إلى ولده الأكبر نور الدين أرسلان شاه ، وكان أخوه شرف ~~الدين مودود يروم السلطنة ، فصرفها عنه أخوه عز الدين إلى ولده نور الدين ~~أرسلان شاه ، وقام بالأمور مجاهد الدين قيماز أحسن قيام .... ### |||| * فصل # وفيها توفي الملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي ~~بن مروان ، من أولاد خلفاء بني أمية ، وذكر ابن القادسي ، أن شاذي مملوك ~~بهروز ، وهذه من هنات ابن القادسي ، وما كان شاذي مملوكا قط ولا جرى على ~~أحد من بني أيوب رق ، وإنما شاذي خدم بهروز الخادم في قلعة تكريت ، استنابه ~~فيها وقد ذكرناه. ### |||| * ذكر طرف من أخباره # ولد صلاح الدين بتكريت في سنة اثنتان وثلاثين وخمسمائة ، ونشأ في PageV01P653 # حجر أبيه أيوب ، وربي في الدولة النورية ، وولاه نور الدين دمشق ، وخرج ~~مع عمه أسد الدين إلى مصر فملكها ، وقد ذكرنا ذلك أولا ، وكان شجاعا سمحا ~~جوادا مجاهدا في سبيل الله ، يجود بالمال قبل الوصول إليه ، ويحيل به ، ~~ومتى عرف وصول حمل وقع عليه بأضعافه ، وما خيب أحدا بالرد وإن لم يكن عنده ~~شيء لطف به كأنه غريم يستمهله ، وكان مغرما بالإنفاق في سبيل الله وحسب ما ~~أطلقه ووهبه مدة مقامه على عكا مرابطا للفرنج من رجب سنة خمس وثمانين ~~وخمسمائة إلى يوم انفصاله عنها في شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ، مدة ~~ثلاث سنين وكسر ، فكان اثني عشر ألف رأس من الخيل العراب والأكاديش الجياد ~~، للحاضرين معه في الجهاد ، والقادمين عليه من البلاد ، غير ما أظلقه من ~~الأموال في أثمان الخيل المصابة في القتال. # وقال العماد : ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب ، ولا جاءه قود إلا ~~وهو مطلوب وما كان يلبس إلا ما حل لبسه وتطيب به نفسه ، كالكتان والقطن ~~والصوف ، ويخرج عالي أثمان كسوته في أثمان المعروف ، ومجالسه ms078 منزهة عن ~~الهزء والهزل ، ومحافله حافلة بأهل العلم والفضل ، وما سمعت منه قط كلمة ~~فحش ولا كلمة تسقط ولا لفظة تسخط ، ويؤثر سماع الأحاديث بالاسانيد ، ويتكلم ~~عنده في العلم الشرعي المفيد ، ويلين للمؤمنين ويغلظ على الكافرين ، ومن ~~جالسه لا يعلم أنه جليس سلطان ، بل يعتقد أنه أخ من الإخوان ، تقيا صفيا ، ~~مارد سائلا ، ولا صد نائلا ، ولا أخجل ولا خيب أملا. # قال : وشكا إليه أيوب بن كنعان دينا ، مبلغه اثنا عشر ألف دينار ، فقضاه ~~عنه ، قال : وكتب إليه سيف الدولة بن منقذ ، نائبه بمصر ، أن بعض الضمان ~~انكسر عليه مال كثير ، وربما وصل إلى الباب ويتمحل ، فلما كان بعد أيام وصل ~~ذلك الرجل إلى الباب ، وتمحل وبلغ السلطان ، فأرسل إليه يقول احذر أن تقع ~~في عين ابن منقذ. PageV01P654 # قال العماد : ورأى معي يمما دواة محلاة ، فأنكر علي ، وقال : ما هذا؟ فلم ~~أكتب بعد بها عنده أبدا ، قال : وكان محافظا على الصلوات في أوقاتها ، ~~مواظبا على مفروضاتها ومسنوناتها ، وما رأيته يصلي إلا في جماعة ، ولم يؤخر ~~صلاة من ساعة إلى ساعة ، ولا يلتفت إلى قول منجم ، وإذا عزم على أمر توكل ~~على الله الذي يقدم ويؤخر. # وذكره القاضي ابن شداد في السيرة وأثنى عليه ، وحكى عنه العجائب ، فمن ~~ذلك أنه قال : كان حسن العقيدة ، كثير الذكر لله تعالى ، وإذا جاء وقت ~~الصلاة ، وهو راكب نزل فصلى وما تركها إلا في مرضه ، الذي كات فيه ثلاثة ~~أيام اختلط فيها ذهنه ، وكان قد قرأ عقيدة القطب النيسابوري ، وعلمها ~~أولاده الصغار ، لترسخ في أذهانهم من الصغر وكان يأخذها عليهم. # وأما الزكاة فإنه مات ولم تجب عليه قط ، وأما صدقة النوافل فاستنفدت ~~أمواله كلها ، وكان يحب سماع القرآن ، واجتاز يوما على صبي صغير بين يدي ~~أبيه ، وهو يقرأ القرآن ، فاستحسن قراءته ، فوقف عليه وعلى أبيه مزرعة. # قال : وكان شديد الحياء ، خاشع الطرف ، رقيق القلب ، سريع الدمعة ، شديد ~~الرغبة في سماع الحديث ، وإذا بلغه عن شيخ رواية عالية ، وكان ممن يحضر ~~عنده استحضره ، وسمع عليه ، وأسمع ms079 أولاده ومماليكه وأمرهم بالقعود عند ~~سماعه إجلالا له ، وإن لم يكن يحضر عنده ولا يطرق أبواب الملوك ، سعى إليه ~~وسمع منه ، وروى عنه ، وتردد إليه ، ومضى إلى الاسكندرية ، وسمع الحديث ~~الكثير من الحافظ السلفي ، ومن ابن عوف الموطأ ، وكان مبغضا لكتب الفلاسفة ~~، وأرباب المنطق ، ومن يعاند الشريعة ولما بلغه عن السهروردي ما بلغه أمر ~~ولده الملك الظاهر بقتله ، وكان محبا للعدل له اثنان وخمسون مجلسا للعلم ~~تحضره القضاة والفقهاء ، ويصل إليه الصغير والكبير والشيخ والعجوز ، وما PageV01P655 # استغاث إليه أحد إلا وأجابه وكشف ظلامته ، واستغاث إليه زهير الدمشقي على ~~تقي الدين عمر وقال : ما يحضر معي مجلس الشرع ، فأمر تقي الدين بالحضور معه ~~، وكان أعز الناس عليه تقي الدين. # قال : ولقد ادعى رجل على السلطان أن سنقر الخلاطي مملوكه مات على ملكه ، ~~قال : فأخبرته فأحضر الرجل ، وتزحزح عن طراحته وساواه في الجلوس ، فادعى ~~الرجل ، فرفع السلطان رأسه إلى جماعة الشيوخ من الأمراء الخيار ، وهم وقوف ~~على رأسه ، فقال : لمن تعرفون سنقر الخلاطي؟ قالوا : نشهد أنه مملوكك ، ~~وأنه مات على ملكك ، ولم يكن للرجل بينة فأسقط في يد الرجل ، قال : قلت يا ~~مولانا رجل غريب ، وقد جاء من خلاط في طمع ونفدت نفقته ، وما يحسن أن يرجع ~~من المولى خائبا ، فقال : يا قاضي هذا إنما يكون على غير الوجه ، ووهب له ~~خلعة ونفقة وبغلة وأحسن إليه. # قال : وفتح آمد ووهبها لابن قرا أرسلان ، واجتمع عنده وفود بالقدس ولم ~~يكن عنده مال فباع ضيعة من بيت المال ، وفرق ثمنها فيهم ، قال : وسألت ابن ~~بير زان يوم انعقاد الصلح عن عدة الفرنج الذين كانوا على عكا وهو جالس ، ~~فقال للترجمان : قل له كانوا خمسمائة ألف إلى ستمائة ألف ، قتل منهم أكثر ~~من مائة ألف ، وغرق معظمهم ، وكان يوم المصاف يدور على الأطلاب ويقول : هل ~~أنا إلا واحد منكم ، وكان في الشتاء يعطي العساكر دستورا وهو نازل على برج ~~عكا ، ويقيم طول الشتاء في حلقته في نفر يسير ، قال : وكنا على الرملة ~~فجاءه كتاب بوفاة ms080 تقي الدين ، فقال : وقد خنقته العبرة : مات تقي الدين ، ~~ولم يعلم بذلك أحد حتى عاد العدو ، ولقد واجهه الجناح على يافا بذلك الكلام ~~القبيح فما قال له كلمة وقد استدعاه فأيقن بالهلاك ، وارتقب الناس أن يضرب ~~رقبته فأطعمه فاكهة جاءته من دمشق وسقاه ماء وثلجا ، قال : وكان للمسلمين ~~لصوص يدخلون خيام الفرنج في الليل ويسرقونهم ، فسرقوا ليلة صبيا فباتت أمه PageV01P656 # تبكي طوال الليل ، فقال لها الفرنج : إن السلطان رحيم القلب فاذهبي إليه ~~، فجاءته وهو على تل الخروبة راكب ، فعفرت وجهها وبكت فسأل عنها ، فأخبروه ~~بقصتها فرق لها ودمعت عيناه ، وتقدم إلى مقدم اللصوص بإحضار الطفل ، ولم ~~يزل واقفا حتى أحضره ، فلما رأته بكت وأخذته وأرضعته ساعة ، وضمته إليها ، ~~وأشارت إلى ناحية الفرنج ، فأمر أن تحمل على فرس وتلحق بالفرنج ففعلوا. # وقال : وكان حسن العشرة ، طيب الخلق ، حافظا لأنساب العرب ، عارفا ~~بخيولهم ، طاهر اللسان ، والقلم ، فما شتم أحد قط ، ولا كتب بيده ما فيه ~~أذى مسلم ، وما حضر بين يديه يتيم إلا ويترحم على مخلفه وجبر قلبه وأعطاه ~~ما يكفيه ، فإن كان له كافل وإلا كفله ، وسرق من خزانته يوما ألفا دينار ، ~~وجعل في الكيسين فلوس فما قال شيئا ، وذكر القاضي من مناقبه وسطر من فضائله ~~ما زين به التواريخ والسير. # قلت : حكى لي المبارز سنقر الحلبي قال : كان الحجاب يزدحمون على طراحته ~~فجاء سنقر الخلاطي ، ومعه قصص فقدم له قصة ، وكان السلطان قد مد يده اليمنى ~~على الأرض ليستريح ، فداسها سنقر الخلاطي ، ولم يعلم ، وقال له : علم عليها ~~فلم يجبه ، فكرر عليه القول ، فقال له : يا طواشي أعلم بيدي أو برجلي؟ فنظر ~~سنقر فرأى يد السلطان تحت رجله فخجل وتعجب الحاضرون من هذا الحلم ، ثم قال ~~السلطان : هات القصة فعلم عليها ، وما زال السلطان على هذه الأخلاق حتى ~~توفاه الله تعالى إلى مقر رحمته ورضوانه. # ولما كان السادس عشر من صفر وجد كسلا ، وحم حمى صفراوية ، وكان قد ركب ~~فالتقى الحاج ، فركب وبكى ، وتأسف حيث لم يكن معهم ، وأصبح يوم ms081 السبت ~~والحمى بحالها ، وتزايد به المرض حتى ضعف ، وأجمع الأطباء على أنه لا يفصد ~~فخالفهم الرحبي وفصده ، فكان سبب وفاته ، وحجب عن الرجال ، وتولاه النساء ~~وأحضر الأفضل PageV01P657 # والأمراء ، سعد الدين مسعود ، أخو بدر الدين مودود ، وشحنة دمشق ، وناصر ~~الدين صاحب صهيون ، وسابق الدين عثمان صاحب شيزر ابن الداية ، وميمون ~~القصري وأيبك الفارسي ، وأيبك فطيس ، وحسام الدين بشارة ، وسامة الجبلي ، ~~وغيرهم فاستحلفهم لنفسه ، وكان عنده أبو جعفر إمام الكلاسة يقرأ القرآن ، ~~فلما انتهى إلى قوله تعالى ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم ~~الغيب والشهادة ) وقد كان غاب ذهنه فقال صحيح ، وكانت وفاته يوم الأربعاء ~~بعد صلاة الفجر السابع والعشرين من صفر ، وغسله الخطيب الدولعي ، وصلى عليه ~~القاضي محيي الدين بن الزكي ، وبعث إليه القاضي الفاضل الأكفان والحنوط من ~~أحل الجهات ، ودفن بدار البستان موضع جلوسه. # قال ابن القادسي : ودفن معه سيفه ، قال الفاضل هذا يتوكأ عليه في الجنة ، ~~وهو وهم من ابن القادسي ، لأن سيفه بعث به ولده الأفضل إلى بغداد ، ~~وسنذكره. # وعمل الأفضل العزاء ثلاثة أيام وحزن الناس عليه حزنا لم يحزن قبله مثله ~~على غيره. # قال العماد : دخلنا عليه ليلة الأحد للعيادة ، ومرضه في زيادة ، وفي كل ~~تضعف القلوب ، وتتضاعف الكروب ، ثم انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء ~~سحرة يوم الأربعاء ، ومات لموته رجاء الرجال ، وأظلم لغروب شمسه فضاء ~~الأفضال ، ودفن بقلعة دمشق في مسكنه ، ودفن جماع الكرم والفضل في مدفنه ، ~~ورثاه الشعراء ، وبكاه الفصحاء ، فمن ذلك قصيدة ذكرها العماد في البرق ~~الشامي ، عددها مائتان وعشرون بيتا ذكرت ههنا غررها ، وسطرت دررها فأولها يقول : # شمل الهدى والملك عم شتاته %~% والدهر ساء وأقلعت حسناته # ومنها : PageV01P658 بالله أين الناصر الملك الذي %~% لله خالصة صفت نياته أين الذي مذ لم يزل مخشية %~% مرجوة وثباته وهباته أين الذي كانت له طاعاته %~% مبذولة ولربه طاعاته أين الذي مازال سلطانا لنا %~% يرجى نداه وتتقى سطواته أين الذي شرف الزمان بفضله %~% وسمت على الفضلاء تشريفاته لا تحسبوه مات شخصا واحدا %~% بل عم كل ms082 العالمين مماته ملك عن الاسلام كان محاميا %~% أبدا لماذا أسلمته حماته قد أظلمت مذ غاب عنا دوره %~% لما خلت من بدره داراته دفن السماح فليس تنشر بعد ما %~% أودى إلى يوم النشور رفاته الدين بعد أبي المظفر يوسف %~% أقوت قواه واقفرت ساحاته بحر خلا من وارديه ولم تزل %~% محفوفة بوفوده حافاته من لليتامى والأرامل راحم %~% متعطف مفضوضة صدقاته لو كان في عصر النبي لأنزلت %~% من ذكره في ذكره آياته بكت الصوارم والصواهل إذ خلت %~% من سلها وركوبها عزماته يا وحشة الاسلام حين تمكنت %~% من كل قلب مؤمن روعاته ما كان أسرع عصره لما انقضى %~% فكأنما سنواته ساعاته يا راعيا للدين حين تمكنت %~% منه الذئاب واسلمته رعات ما كان ضرك لو أقمت مراعيا %~% دينا تولى مذ رحلت ولاته فارقت ملكا غير باق متعبا %~% ووصلت ملكا باقيا راحاته فعلى صلاح الدين يوسف دائما %~% رضوان رب العرش بل صلواته # وكتب الفاضل إلى الظاهر وهو بحلب كتاب التعزية يقول فيه : ( لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) الآية : كتبت إلى الملك الظاهر أحسن الله ~~عزاءه في مصابه ، وجعل الخلف فيه لمماليك المرحوم وأصحابه ، والدموع قد ~~حفرت النواظر ، والقلوب قد بلغت الحناجر ، فإني قد ودعت أباك مخدومي وداعا ~~لا نلتقي بعده ، وأسلمت إلى الله PageV01P659 # طالبا فضله ورفده ، ولم تدفع عنه جنوده القضاء ، ولا ردت عنه الأسلحة ~~والخزائن البلاء ، والعين تدمع والقلب يخشع ، ولا نقول ما يسخط الرب وإنا ~~عليك يا يوسف لمحزونون : وفي آخر الكتاب : فإن اتفقتم ما عدمتم إلا شخصه ، ~~وإن اختلفتم فالمصائب المستقبلية هو لها عظيم .. # قلت : قد فات الفاضل شيئان أحدهما النعيم ، والثاني عند قوله هو لها عظيم ~~، كان ينبغي أن يقول : ( ذلك تقدير العزيز العليم ) ### |||| * ذكر ما خلفه ، واختلفوا فيه # ذكر القاضي ابن شداد في سيرة السلطان وقال : توفي ، ولم يخلف سوى سبعة ~~وأربعين درهما ناصرية وجرما واحدا صوريا ذهبا ولم يخلف دارا ولا عقارا ولا ~~ضيعة ولا بستانا ولا سقفا ولا غيره. # وقال العماد الكاتب : لم يخلف في خزائنه ms083 سوى ستة وثلاثين درهما ، ودينارا ~~واحدا ذهبا ذكر بمعنى ما ذكر ابن شداد. ### |||| * ذكر فتوحاته : # أول ما فتح الديار المصرية ، والحجاز ومكة والمدينة ، واليمن من زبيد إلى ~~حضر موت متصلا بالهند ، وفي الشام : دمشق وبعلبك وحمص وبانياس وحماة وحلب ~~وأعمالها ، ومن حصون الساحل بلاد القدس وغزة والداروم وتل الصافية وعسقلان ~~ويافا وقيسارية وحسي وعكا وطبرية والشقيف وصفد وكوكب والكرك والشوبك ونابلس ~~وصيدا وبيروت وجبيل وجبلة واللاذقية والشغر وبكاس وصهيون وبلاطنس وحصن ~~برزية وقد ذكرنا تلك الحصون. # ومن الشرق حران والرها والرقة ورأس العين وسنجار ونصيبين وجملين والموزر ~~، وسروج وديار بكر وميافارقين وآمد وحصونها وشهرزور والبوازيج ، وخطب له ~~على المنابر من باب همذان إلى الفرات ، ومن الفرات إلى حضر موت ، ومن ~~المغرب إلى إفريقية. PageV01P660 # ويقال انه فتح ستين حصنا ، وزاد على نور الدين بمصر والحجاز والمغرب ~~واليمن والقدس ، والساحل وبلاد الفرنج ، وديار بكر ، ولو عاش لفتح الدنيا ~~شرقا وغربا وبعدا وقربا ، وإن كان مبدأ فتوحه مصر بهمة نور الدين وأمواله ~~وعساكره ورجاله ، وبينهما مقاربة في السيرة والعدل والأيام واجتناب الآثام ~~وكلاهما لم يبلغ ستين سنة ولا خلا من فضيلة ومنقبة حسنة ، وقد ذكرنا أن نور ~~الدين ولد في سنة إحدى عشرة وخمسمائة ، وتوفي سنة تسع وستين وخمسمائة ، ~~وولد صلاح الدين سنة اثنتان وثلاثين وخمسمائة وتوفي سنة تسع وثمانين ~~وخمسمائة وقد ذكرنا ذلك. ### |||| * ذكر أولاده # كانوا ستة عشر ذكرا وابنة واحدة ، وكان أكبر أولاده الأفضل علي ولد بمصر ~~سنة خمس وستين وخمسمائة يوم عيد الفطر ، وأخوه لأبيه وأمه خضر الملقب ~~بالظافر ، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وأخوهما لأبيهما وأمهما موسى ~~ويلقب قطب الدين ، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة ، وأخوه لأبيه وأمه ~~يعقوب الأعز ، ولد بمصر سنة اثنتان وسبعون وخمسمائة ، وغازي الملك الظاهر ، ~~ولد بمصر سنة ثمان وستين وخمسمائة ، وأخوه لأبيه وأمه الزاهد داود ولد بمصر ~~سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة ، والمعز اسحاق ولد سنة سبعين وخمسمائة ، والمؤيد ~~واسمه مسعود ولد بدمشق سنة احدى وسبعين وخمسمائة ، والأشرف محمد ولد بالشام ~~سنة خمس ms084 وسبعين وخمسمائة ، وأخوه لأبيه وأمه ملك شاه ، ويلقب بالغالب ولد ~~بالشام سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ، وأخوهما لأبيهما وأمهما أبو بكر ، ويلقب ~~بالنصرة ولد بحران بعد وفاة أبيه في سنة تسع وثمانين وخمسمائة. # وأما البنت فاسمها مؤنسة خاتون ، تزوجها الكامل محمد بن العادل ماتت عنده ~~، وكان لصلاح الدين ولد اسمه اسماعيل مات في حياة أبيه. PageV01P661 ### |||| * ذكر قضاته ووزرائه وكتابه # القاضي كمال الدين بن الشهرزوري ، وشرف الدين بن أبي عصرون ، وولده أبو ~~حامد ومحيي الدين بن زكي الدين ، ووزيره صفي الدين بن القابض ، وكتابه : ~~الفاضل ، والعماد ، وكان الفاضل حاكما على الجميع ، وهو المشار إليه بالسيف ~~والقلم ، لا يصدر السلطان إلا عن رأيه ، ولا يمضي في الأمور إلا بمضائه. ### |||| * ذكر ما تجدد بعد وفاته # كان أخوه العادل سيف الدين لما توفي بالكرك ، فقدم دمشق معزيا للأفضل ، ~~فأقام ثم رحل إلى الجزيرة ، إلى البلاد التي أعطاه إياها السلطان ، وهي : ~~حران والرها وسميساط ، والرقة وقلعة جعبر ، وميافارقين ، وديار بكر ، وكان ~~له بالشام : الكرك والشوبك ، وبعث الأفضل ضياء الدين ابن الشهرزوري رسولا ~~إلى الخليفة ، ومعه زردية السلطان وسيفه وحصانه وكزا غنده ، ودبوسه وتحفا ~~كثيرة ، وعاب الناس عليه بحيث بعث بعدة السلطان إلى بغداد ، وكتب كتابا إلى ~~الخليفة بيد ابن الشهرزوري ، فمنه : أصدر العبد خدمته هذه ، وصدره معمور ~~بالولاء ، وقلبه مغمور بالصفاء ، وذكر كلاما طويلا ، فقيل لابن الشهرزوري : ~~( لله الأمر من قبل ومن بعد )، وأما العادل فإن المشارقة ثاروا ~~عليه ، واستثاروا عز الدين صاحب الموصل وأصحابه ، فأشار عليه المجد ابن ~~الأثير بالخروج ، وأشار عليه مجاهد الدين قيماز بالمقام ليظهر حقائق الأمور ~~، ويراسل جيرانه : ابن زين الدين صاحب إربل ، وسنجر شاه صاحب الموصل ، ~~وعماد الدين صاحب سنجار ، وخرج عز الدين من الموصل واجتمعا على حران ، ~~فاستنجد العادل بأولاد أخيه ، فجاءته عساكر الشام ، ومصر ومرض عز الدين على ~~نصيبين بالاسهال وترك العساكر مع أخيه عماد الدين ورجع إلى الموصل جريدة ~~فمات بها ، ثم إن الملك العزيز قدم إلى الشام وتقدم في منزلته ، وقدمت معه ~~العساكر على PageV01P662 # الأفضل ، وبعث إليه ms085 العادل ارحل إلى مرج صفر ، فرحل وهو مريض ، وكان قصد ~~العادل أن يبعده عن البلد لتصل العساكر ، فوصل الظاهر من حلب ، والمنصور من ~~حماة ، وشيركوه من حمص ، والأمجد من بعلبك في نجدة الأفضل ، فقال العادل : ~~قد تقرر أنه يرجع إلى مصر ، ويقع الاتفاق ، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه ~~، واشتد مرض العزيز ، ولو لا مرضه ما صالح ، فأرسل العزيز كبراء دولته فخر ~~الدين شركس وغيره ، فحلف الملوك وطلب مصاهرة العادل ، فزوجه ابنته خاتون ، ~~ورجع كل واحد إلى بلده ، وذلك في شعبان. # وقال العماد الكاتب : ولما انفصلت العساكر عن دمشق شرع الأفضل في اللهو ~~واللعب ، واحتجب عن الرعية ، وانقطع إلى لذاته فسمي : الملك النوام ، وفوض ~~الأمر إلى وزيره ابن الجزري ، وحاجبه الجمال محاسن ابن العجمي فأفسدا عليه ~~الأحوال ، وكانا سببا لزوال دولته ، واستبدلا بكبراء الأمراء والأجناد ~~أراذل الناس ، ففسدت أمور العباد. ### ||| * السنة التسعون وخمسمائة* فصل # ..... وفيها عاد الاختلاف بين الأخوين العزيز والأفضل ، وقد ذكر العماد ~~القصة ، فقال : لما كان العزيز نازلا على الفوار رحل أبو الهيجاء والأسدية ~~عشية الاثنين رابع شوال ، وكانوا أكثر العسكر ، وأخبر العزيز بهم فما بالى ~~بانصرافهم وقال : صفونا من أكدارهم ، ولم يأمر أصحابهم باتباعهم ، وبقي في ~~خواصه تلك الليلة ورحل ، واتفق الكامل ، والأفضل أن يكون ثلث البلاد للعادل ~~، وثلثان للأفضل ، وهو السلطان ، واستناب الأفضل بدمشق أخاه قطب الدين موسى ~~، وخاف العزيز من الأسدية الذين بالقاهرة أن يفعلوا كما فعل أصحابهم ، ~~ويمنعوه من دخولها ، وكان قد استناب بها بهاء الدين قراقوش ثقة بمودته ، ~~فلما وصل إلى القاهرة PageV01P663 # خرج قراقوش والأسدية إلى لقائه فأكرمهم وأحسن إليهم ، ولما وصل العسكر ~~إلى بلبيس غلا السعر ، وظهرت ندامة الأسدية ، فخاف العادل من ميلهم إلى ~~العزيز وغدرهم ، وأخبر الأفضل وقال : المصلحة الصلح فأسرى إلى الأفضل ولقيه ~~على فرسخ ، وقرر الصلح ، واستبشر الناس بذلك وعفا العزيز عن الأسدية ، ~~وأحسن إليهم ، واجتمع العزيز والأفضل وعاد الأفضل إلى دمشق ، وأقام العادل ~~عند العزيز. # وأما الأفضل فإنه لما عاد إلى دمشق ازداد وزيره الجزري من الأفعال ~~القبيحة ms086 ، وآذى الأكابر من الدولة ، والأفضل يسمع منه ولا يعدي أحدا ، ولا ~~يخالفه ، فكتب قيماز النجمي وأعيان الدولة إلى العادل يشكونه ، فأرسل ~~العادل إلى الأفضل يقول : ارفع يد هذا الأحمق السيء التدبير القليل التوفيق ~~، فلم يلتفت واتفق مع العزيز على النزول إلى دمشق ، فسارا إلى الشام ~~فاستشار الأفضل أصحابه فكل أشار عليه أن يلتقي عمه وأخاه ، ولا يخالفهما ~~إلا الجزري فإنه أشار عليه بالعصيان ، فاستعد للحصار ، وحلف الأمراء ~~والمقدمين ، وفرقهم في الأبراج وعلى الأسوار ، فراسلوا العزيز والعادل ~~وأصلحوا أمرهم في الباطن ، واتفق العادل مع عز الدين ابن الحمصي على فتح ~~الباب الشرقي ، ففتحه ابن الحمصي ، فدخلا البلد من غير قتال ، فنزل العزيز ~~دار عمته ست الشام ، ونزل العادل دار العقيقي ، ونزل الأفضل إليهما وهما في ~~دار العقيقي ، فدخل عليهما وبكى بكاء شديدا ، فأمره العزيز بانتقاله إلى ~~صرخد ، فأخرج وزيره الجزري في الليل في جملة الصناديق خوفا من القتل ، فأخذ ~~أموالا عظيمة ، وهرب إلى بلاده ، وكان العزيز قد قرر مع العادل أن يكون ~~نائبه بمصر ، ويقيم العزيز بدمشق ، ثم ندم فأرسل إلى الأفضل رسالة فيها ~~صلاح حاله فأذاعها ، ووصلت إلى العادل فغضب العزيز ، ورسم عليه بالخروج ~~فخرج إلى مسجد خاتون بأهله وعياله ، وسلم العزيز بصرى إلى العادل ، وكان ~~بها الظافر ، وأقام العزيز بدمشق أربعة أيام ، وصلى PageV01P664 # الجمعة عند مكان قبر والده بالكلاسة ، وأمر ببناء القبة ، والمدرسة إلى ~~جانبها ، وأمر محيي الدين بن زكي الدين بعمارة المدرسة العزيزية ، ونقل ~~السلطان من الكلاسة في سنة اثنتان وتسعين وخمسمائة ، وكان الأفضل قد شرع في ~~بناء تربة عند مشهد القدم بوصية من السلطان ، فإنه قال : تكون تربتي على ~~الجادة التي يمر بها الصادر والوارد ، فيترحم علي فارتفع قامة ، وجاء ~~العزيز فحصر دمشق وأخربها ، وكان العزيز إذا جلس في مجالس لهوه جلس على ~~بابه كأنه برد دار ، فلما كان آخر الليلة من مقدمه بدمشق ، وكانت ليلة ~~الاثنين تاسع شعبان قال العادل لولده الملك المعظم : ادخل فقبل يده واطلب ~~منه دمشق ، وكان المعظم قد راهق الحلم ، فدخل فقبل ms087 يده وطلب منه دمشق ، ~~فدفعها إليه وأعطاه سبحته ، وقيل استناب العادل فيها وأعطاها للمعظم عيسى ~~بن العادل على سنن في سنة أربع وتسعين وخمسمائة ، ورحل تاسع شعبان إلى مصر ~~، ومضى الأفضل إلى صرخد ، ونفى العادل ابن الحمصي الذي فتح له الباب الشرقي ~~وكان قد أعطاه عشرة آلاف دينار ، فاستردها منه ، واجتاز العزيز في طريقه ~~إلى مصر بالقدس ، فعزل أبا الهيجاء السمين عنه ، وولاه سنقر الكبير ، ومضى ~~أبو الهيجاء إلى بغداد ، وسنذكره ...... ### ||| * السنة الحادية والتسعون وخمسمائة # ........ وفيها كانت الوقعة العظيمة ، وتعرف بوقعة الزلاقة [اقرأ : ~~الأرك] بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وبين ألفنش ملك طليطلة ، وكان ~~ألفنش قد استولى على جزيرة الأندلس وقهر ولاتها ، وكان يعقوب مشغولا عن ~~نصرتهم بالخوارج الخارجين عليه ، وبينه وبين الأندلس زقاق ، وعرضه ثلاثة ~~فراسخ ، ويحتاج في عبوره إلى مشقة عظيمة ، وطمع الناس في المسلمين بهذا ~~السبب ، وكتب ألفنش إلى يعقوب كتابا نسخته : باسمك اللهم فاطر السموات ~~والأرض ، وصلى الله على المسيح عيسى بن مريم الفصيح ، أما بعد أيها الأمير ~~إنه لا يخفى على ذي عقل لازب ، وذكاء ثاقب PageV01P665 # أنك أمير الملة الحنيفية ، كما أنا أمير الملة النصرانية ، وغير خاف عنك ~~ما عليه نوابك بالأندلس من التخاذل ، والتقاعد ، والتكاسل ، واهمال أمور ~~الرعية والاشتمال على اللذات الدنية ، ولما أظهروا العصيان ، وادرعوا ~~بالخذلان سلطني الله عليهم ، فأذقتهم الخسف ، وأسمتهم العسف ، أخلي منهم ~~الديار وأمحو الآثار ، وأسبي الذراري والولدان ، وامثل بالكهول والشبان ، ~~وقد جعلت ألوفا من العذارى المسلمات مملوكات لبنات الفرنجيات ، ولا عذر لك ~~في التخلف عن نصرتهم ، وقد أمكنتك يد القدرة ، وأنت قادر على النصرة ، مع ~~أنكم تعتقدون أن الله فرض لكم في كتابكم ، فقال عشرة منا بواحد منكم ، وقد ~~زاغ عنكم الصواب ، وكذبتم الكتاب ، و ( الآن خفف الله عنكم وعلم ~~أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين ) (1)، ونحن اليوم الواحد منا يقتل العدد منكم فقد أظفرنا ~~الله بكم ، وأقدرنا عليكم لا تقدرون دفاعا ، ولا تستطيعون امتناعا ، ثم ~~بلغني ms088 أنك أخذت في الاحتيال ، وأشرفت على ربوة القتال ، وجمعت جمعا من ~~البربر والعرب الذين ادرعوا العار ، وعبدوا الدرهم والدينار ، وأحلوا ~~الحرام ، وباينوا دين الاسلام ، وتظل عاما تنتظر حوادث الزمان ، وتقلب ~~الحدثان ، تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، وهذا الفعل بمثلك أحرى ، فلا أدرى ألجبن ~~أبطأ بك ، فضللت في غيك أم التكذيب بما أنزل على نبيك ، فإن كنت عاجزا عن ~~العبور إلي خائفا من أهوال الزقاق ، فإني أذكر لك ما فيه الرفق بك ، ~~والارتفاق ، وهو أن تعاهدني بالأيمان المغلظة ، والأقسام المعظمة ، ودفع ~~الرهائن ، وتوجه إلي جملة من المراكب لأعبر إليك ، وأبارزك في أعز الأماكن ~~عليك ، فإن كانت الدبرة لك ، كانت غنيمة ساقها الله إليك ، وإن كانت لي ~~كانت يدي العليا ، واستحقيت إمارة الملتين ، والتقدم على الفئتين ، والله ~~تعالى يوفق للسعادة ، ويسهل الإرادة ، فإنه لا رب غيره ، ولا خير إلا خيره ~~، والسلام. PageV01P666 # والكتاب بخط وزير ألفنش ، وكان نصرانيا قد قرأ العربية ، فلما قرأ يعقوب ~~كتابه استشاط غضبا ، وأدركته حمية الاسلام ، والغيرة على الإيمان ، فكتب ~~على رأس الكتاب بخطه ( ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ~~ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ) (1) وكتب تحت الآية : # ولا كتب إلا المشرفية عندنا %~% ولا رسل إلا الخميس العرمرم # ثم قام من ساعته ، فشد ذنب فرسه ، ولبس سلاحه وسار إلى زقاق سبتة ، فنزل ~~عليه ، وجمع الشواني والمراكب ، وعرض جنده فكانوا مائتي ألف مقاتل ، مائة ~~ألف يأكلون بالديوان ، ومائة ألف مطوعة ، وعبر الزقاق إلى مكان يقال له ~~الزلاقة ، وجاءه ألفنش في مائتي ألف فارس وأربعين ألفا من أعيان الفرنج من ~~أعيان المقاتلة ، فجرى بينهم قتال لم يجر في الجاهلية ولا الاسلام ، ثم إن ~~الله أنزل نصره على الاسلام ، فهرب ألفنش في نفر يسير إلى طليطلة ، وغنم ~~المسلمون ما كان في عسكره ، فكان عدة من قتل من الفرنج مائة ألف وستة ~~وأربعين ألفا ، وعدة الأسارى ثلاثين ألفا ، ومن الخيام مائة ألف خيمة ~~وخمسون ألفا ، ومن الخيل ثمانون ألفا ، ومن البغال مائة ألف ، ومن الحمير ~~أربعمائة ألف تحمل أثقالهم ، لأنهم لا جمال ms089 لهم ، ومن الأموال والجواهر ~~والثياب ما لا يحد ولا يحصى ، وبيع الأسير بدرهم ، والسيف بنصف درهم ، ~~والحصان بخمسة دراهم ، والحمار بدرهم ، وقسم يعقوب الغنائم بين المسلمين ~~على مقتضى الشريعة ، فاستغنوا إلى الأبد ، ووصل ألفنش طليطلة على أقبح حال ~~، فحلق رأسه ولحيته ، ونكس صليبه وآلى أن لا ينام على فراش ، ولا يقرب ~~النساء ، ولا يركب فرسا ولا دابة حتى يأخذ بالثأر وأقام يجمع الجزائر ، ~~والبلاد ، ويستعد ، وقيل إنما كانت هذه الواقعة سنة تسعين وخمسمائة. PageV01P667 # وحج بالناس من بغداد سنجر الناصري ، ومن الشام قراسنقر وأيبك فطيس ~~الصلاحيان ، ومن مصر الشريف إسماعيل بن ثعلب الجعفري ، من ولد جعفر بن أبي ~~طالب .... ### ||| * السنة الثانية والتسعون وخمسمائة # ....... وفيها كانت وقعة يعقوب بن يوسف أيضا مع ألفنش ، قد ذكرنا أنه حشد ~~وجمع جمعا أكثر من الأول ، والتقوا فهزمه يعقوب وساق خلفه إلى طليطلة ، ~~وضربها بالمناجيق ، وضيق عليها ولم يبق إلا فتحها فخرجت إليه والدة ألفنش ~~وبناته ونساؤه وأهله ، وبكين بين يديه وسألنه إبقاء البلد عليهن ، فرق لهن ~~ومن عليهن بها ، ووهب لهن المال والجواهر ، وردهن مكرمات بعد القدرة ، ولو ~~فتح طليطلة فتح إلى مدينة النحاس ، وعاد إلى قرطبة ، فأقام شهرا يقسم ~~الغنائم ، وجاءته رسل ألفنش يسأله الصلح ، فصالحه مدة ، وأمن أهل الأندلس ، ~~وقيل إن هذه الوقعة كانت في سنة احدى وتسعين وخمسمائة. # وفيها ظهر ببوصير قرية بصعيد مصر وهي التي قتل فيها مروان الجعدي بيت ~~هرمس الحكيم وفيه أمثلة كباش وضفادع وقوارير كلها نحاس ، وفيه أموات لم تبل ~~ثيابهم. # وحج بالناس من بغداد ألب قرا ، مملوك طاشتكين ، وكان الخليفة قد أفرج عن ~~طاشتكين من الحبس في هذه السنة ، وحج من مصر الشريف إسماعيل بن ثعلب ~~الجعفري .... ### ||| * السنة الثالثة والتسعون وخمسمائة # وفيها قدم حسام الدين أبو الهيجاء السمين بغداد ، وخرج الموكب للقائه في ~~زي عظيم ، ورتب الأطلاب على ترتيب الشام ، وكان في خدمته عدة من الأمراء ، ~~وكان معه ولدا أخيه عز الدين كرد ، والغرز ، وأول ما تقدم طلب كرد ، ثم ~~الغرز ، ثم أمير أمير ، وجاء هو بعد ms090 الكل في PageV01P668 # العدد الكامل ، والسلاح التام ، وخرج جميع من ببغداد للقائه وكان رأسه ~~صغير وبطنه كبير جدا ، بحيث كان على ركبة البغلة ، وكان قد رآه عند الحربية ~~رجل كواز ، فعمل في ساعته كوزا من طين ، وسبق بغلته في السوق ، فلما اجتاز ~~به ضحك وعمل أهل بغداد بعده كيزانا ، وسموها أبا الهيجاء السمين على صورته ~~، وأنزله الخليفة بدار العميد غربي بغداد بعد أن عبر إلى الجانب الشرقي ، ~~وقبل عتبة باب النوبي ، وقام له الخليفة وأكرمه بالضيافات ، ثم أمره أن ~~يجرد جماعة من أصحابه مع عسكر الخليفة إلى همذان ، فجرد جماعة ، فلما بعدوا ~~من بغداد نهبوا خزانة الخليفة ، وقتلوا جماعة من العسكر ، ومضوا إلى الموصل ~~والجزيرة ، وعاد عسكر الخليفة إلى بغداد ، وقد حرجوا فنقله الخليفة إلى ~~الجانب الشرقي إلى دار عند النظامية كانت لسلطان دمشق مجير الدين أبق ، ~~ووكل به ، ثم خلع عليه بعد ذلك : الجبة ، والفرجية ، والعمامة السوداء ، ~~والقباء الأسود ، وبين يديه الخيل بمراكب الذهب ، وقد شاهدته وأنا صغير في ~~هذه السنة ، وأعطاه الأموال والرجال ، وسار إلى همذان. # وفيها انقضت الهدنة التي كانت بين صلاح الدين والفرنج ، فقصدوا بيروت ~~وبها سامة الجبلي ، فهرب ، واستولى الفرنج عليها فقال بعض الدمشقيين هذه ~~الأبيات : # سلم الحصن ما عليك ملامه %~% ما يلام الذي يروم السلامه إن أخذ الحصون لا من قتال %~% سنة سنها ببيروت سامه أبعد الله تاجرا سن ذا %~% وأخزى بخزيه من سامه ### |||| * فصل # وحج بالناس من بغداد شمس الدين اصبه ومن الشام سيف الدين محمد بن تميرك. # وفيها توفي سيف الاسلام طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح PageV01P669 # الدين ملك اليمن من زبيد إلى حضر موت ، وقمع الخوارج ، وكان شجاعا شهما ، ~~وقد ذكرناه ، وكانت وفاته في شوال بزبيد ، وولي بعده ولده شمس الملوك ~~إسماعيل ، وادعى الخلافة وسنذكره .... ### ||| * السنة الرابعة والتسعون وخمسمائة # وفيها نزلت الفرنج في المحرم على تبنين ، فأرسل العادل محيي الدين ابن ~~زكي الدين إلى العزيز إلى مصر يستنجده ، فخرج بجيوشه إلى الشام ، فوصل في ~~ربيع الأول ، وكانوا ضايقوا الحصن ، ونقبوه من كل ms091 جانب ، وأشرف على الأخد ، ~~ونقبوه سربا سربا ، وكانوا يستظلون من المطر ، وجعلوا النقوب بيوتا ~~يسكنونها ، وكان الفرنج يحدقون بالمسلمين من النقوب ، ويحدثونهم ، وكان ~~المسلمون مع العادل نازل بهم عند هونين ومعه شيركوه صاحب حمص ، والأمجد ~~صاحب بعلبك ، وعز الدين ابن المقدم ، ودلدرم صاحب تل باشر ، وجاءهم العزيز ~~فساروا جميعا إلى هونين ، فلو تأخر يوما أخذت تبنين ، وقتل من فيها ، وأرسل ~~الله تلك الليلة مطرا عظيما ، وريحا شديدة ، وأوقع في قلوب الفرنج الرعب ، ~~وقيل جاءكم سلطان مصر ، والعساكر فتركوا المناجيق والدبابات ، والآلات ~~بحالها ، والخيم وما فيها ، وهربوا في الليل إلى صور ، ثم بعثوا يطلبون ~~الصلح ، فصالحهم العزيز على قاعدة صلح صلاح الدين ، وخلع العزيز على المعظم ~~عيسى بن العادل ، وأعطاه صنجقا ومنشورا بدمشق ، وعاد إلى مصر ، ومضى العادل ~~إلى ماردين فحصرها في رمضان ، وملك الربض ولم يبق سوى القلعة. # وفيها حج بالناس من بغداد إيلبا ، ومن دمشق زين الدين قراجا ، مملوك صلاح الدين. ### |||| * فصل # وفيها توفي جرديك بن عبد الله النوري ، كان من أكابر أمراء نور الدين ، ~~ثم خدم صلاح الدين في جميع غزواته ، وهو الذي قتل شاور PageV01P670 # بمصر ، وابن الخشاب ، بحلب ، وكان شجاعا جوادا ، ولاه صلاح الدين القدس ، ~~ثم أخذه منه الأفضل. # أبو الهيجاء ، وقد ذكرناه ........ ### |||| * فصل # وفيها توفي عماد الدين صاحب سنجار ، واسمه زنكي بن مودود بن زنكي بن ~~آقسنقر ابن أخى نور الدين ، وقد ذكرناه في السنين ، وكان عاقلا جوادا ، وهو ~~الذي قايض حلبا بسنجار ، ولم يزل مع السلطان صلاح الدين في غزواته مجاهدا ، ~~وكان ميمون النقيبه ، وكان السلطان يحترمه مثل ما كان يحترمه نور الدين ، ~~ويعطيه الأموال والهدايا ، والتحف الكثيرة ، ولما توفي صلاح الدين خرج مع ~~أخيه عز الدين إلى لقاء العادل ، وكانت وفاته بسنجار ، ولما احتضر أوصى إلى ~~أكبر أولاده ، وهو قطب الدين محمد ، ويلقب الملك المنصور ...... # وفيها توفي قيماز بن عبد الله مجاهد الدين الخادم الرومي ، الحاكم على ~~الموصل ، وهو الذي بنى الجامع المجاهدي ، والرباط ، والمدرسة ، والمارستان ~~بظاهر الموصل على دجلة ، ووقف عليهم الأوقاف ، وكان ms092 عليه رواتب كثيرة بحيث ~~لم يدع بالموصل بيت فقير إلا وأغنى أهله ، وكان دينا صالحا ، عادلا كريما ~~يتصدق كل يوم خارجا عن الرواتب بمائة دينار ، وله حكايات مشهورة ، ولما مات ~~عز الدين محمود وولي ابنه أرسلان شاه حبسه وضيق عليه ، وآذاه فتوفي في ~~الحبس ، فأخرج ملفوفا في كساء ، فلما وصل إلى باب البلد قال البوابون : ~~قفوا حتى نستأذن فأبقي على قارعة الطريق حتى أذن له ، وكان لعز الدين مسعود ~~جارية يقال لها أفضل أولدها الجهة الأتابكية التي بنت في قاسيون التربة ~~والمدرسة ، وكانت زوجة الملك الأشرف رحمه الله ، وكان عز الدين قد زوج أفضل ~~أم الأتابكية مجاهد الدين قيماز. PageV01P671 ### |||| * فصل # وفيها توفي أبو الهيجاء السمين الكردي ، ولقبه حسام الدين ، وقد ذكرنا ~~أنه قدم بغداد ، وبعثه الخليفة إلى همذان ، فلم يتم له أمر ، واختلفت ~~الأمراء عليه ، وتفرق عنه أصحابه فخاف من الخوارزمي ، واستحيى أن يعود إلى ~~بغداد ، فسار يطلب الشام على دقوقا ، فلما وصل إليها مرض وأقام بها أياما ، ~~فتوفي ، وبلغني أنه كان نازلا على تل فقال : ادفنوني فيه ، فحفروا له قبرا ~~على رأس التل ، وظهرت بلاطة عليها اسم أبيه فدفنوه عليه. # والحمد لله. ### ||| * السنة الخامسة والتسعون وخمسمائة # دخلت هذه السنة والعادل على ماردين ، وتوفي الملك العزيز في المحرم ، ~~وكتبت الصلاحية إلى الأفضل وهو بصرخد ليقدم عليهم ، فسار إلى مصر فجعلوه ~~أتابك ولد العزيز ..... ### |||| * فصل ... # وفيها توفي الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين صاحب مصر ، وقد ذكرنا أنه ~~ولد سنة سبع وستين وخمسمائة وكان العزيز ، لطيفا كثير الخير ، رفيقا ~~بالرعية. # حكى لي المبارز سنقر الحلبي رحمه الله قال : نفد ما بيده بمصر ، فلم يبق ~~في الخزانة درهم ولا دينار ، فجاء رجل من أهل الصعيد إلى يازكش ، سيف الدين ~~فقال : عندي للسلطان عشرة آلاف دينار ، ويوليني قضاء الصعيد ، فدخل يازكش ~~على العزيز ، فأخبره فقال : والله لا بعت دماء المسلمين وأولادهم بملك ~~الأرض وكتب ورقة ليازكش ، بألف دينار ، وقال اخرج فاطرد هذا المدبر ولولاك ~~لآذيته. PageV01P672 # وقد ذكرنا أنه وهب دمشق للملك المعظم وكان ms093 يطلق عشرة آلاف دينار ، وعشرين ~~ألفا ، وكان سبب وفاته أنه خرج إلى الفيوم يتصيد ، فلاح له ظبي فركض خلفه ~~فكبا به الفرس فدخل قربوس السرج في فؤاده ، فحمل إلى القاهرة ، فمات في ~~العشرين من المحرم ، ودفن عند الشافعي عن سبع وعشرين سنة وشهور ، وقيل عن ~~ثمان وعشرين سنة. # وقال ابن القادسي : كان قد ركب وتبع غزالة فوقع فاندقت عنقه ، وبقي أربعة ~~أيام ، ومات ، وكانت الوصية إلى أمير كبير اسمه يازكش ، فوثبت الأسدية عليه ~~فقتلته ، وهذه من هنات ابن القادسي بقوله : اندقت عنقه ، والملك العزيز ما ~~اندقت عنقه ، إنما دخل قربوس السرج في فؤاده ، وأقام بالقاهرة اسبوعين ، ~~ونص على ولده ناصر الدين محمد ، وكان أكبر أولاده ، وكان له عشرة أولاد ، ~~ولم يذكر عمه العادل في الوصية ، فأما سيف الدين يازكش فكان مقدم الأسدية ~~كبير القدر فيهم ، وعاش بعد العزيز مدة طويلة ، وسنذكره ، والحمد لله. ### |||| * ذكر ما جرى بعد وفاته # كان لابنه محمد عشر سنين ، وكان مقدم الصلاحية فخر الدين جهركس ، وأسد ~~الدين سراسنقر ، وزين الدين قراجا فاتفقوا على ناصر الدين محمد ، وحلفوا له ~~الأمراء ، وكان سيف الدين يازكش مقدم الأسدية غائبا بأسوان ، فقدم فصوب ~~رأيهم ، وما فعلوه إلا أنه قال : هو صغير السن لا ينهض بأعباء الملك ، ~~ولابد من تدبير كبير يحسم المواد ، ويقيم الأمور ، والعادل مشغول بالشرق ~~بماردين ، وما ثم أقرب من الأفضل ، فجعله أتابك العسكر فلم يمكن الصلاحية ~~مخالفة الأسدية ، فقالوا : افعلوا ، فكتب يازكش إلى الأفضل يستدعيه ، وهو ~~بصرخد ، وكتبت الصلاحية إلى من بدمشق من أصحابهم يقولون : قد اتفقت الأسدية ~~على الأفضل ، وإن ملك حكموا علينا فامنعوه من المجيء ، فركب عسكر دمشق ~~ليمنعوا الأفضل ففاتهم ، وكان الأفضل قد التقى PageV01P673 # نجابا من عند جهركس إلى من في دمشق بهذا المعنى ، ومعه كتب فأخذها منه ، ~~وقال : ارجع فرجع إلى مصر ، ولما وصل الأفضل إلى مصر التقاه الأسدية ، ورأى ~~جهركس النجاب فقال : ما أسرع ما عدت فقال له الخبر ، فساق هو وقراجا إلى ~~القدس فتحصنا به ، ثم أشارت الأسدية على الأفضل بقصده ms094 دمشق ، وأن العادل ~~مشغول بماردين فكتب إلى الظاهر فأجابه ، وقال : اقدم حتى أساعدك. ### |||| * ذكر حصار دمشق # فقام الأفضل وسار بالعساكر إلى الشام واستناب بمصر سيف الدين يازكش ووصل ~~إلى دمشق فأحدق بدمشق وبلغ العادل وهو على ماردين ، وقد أقام عليها عشرة ~~أشهر ولم يبق إلا تسليمها وصعدت أعلامه على القلعة ، وسمعوا بوفاة العزيز ~~فتوقفوا ، فرحل عنها وترك ولده الكامل محمدا عليها ، وجاء العادل ، ومعه ~~دلدرم ، وابن المقدم وجماعة من الأمراء ، وكان الأفضل نازلا في الميدان ~~الأخضر ، فأشار عليه جماعة من الأمراء أن يتأخر إلى مشهد القدم ، حتى يصل ~~الظاهر ، وصاحب حمص والأمراء ، وكانت مكيدة ، فتأخر إلى مشهد القدم ، ودخل ~~العادل ، ومن معه من العسكر إلى دمشق ، وجاء الظاهر بعسكر حلب ، وجاء عسكر ~~حماة ، وحمص ، وبشارة من بانياس ، وعسكر الحصون ، وسعد الدين مسعود صاحب ~~صفد ، وضايقوا البلد ، وكسروا باب السلامة ، وجاء آخرون إلى باب الفراديس ، ~~فيقال ان الناصح ابن الحنبلي ، وأخاه الشهاب وأصحابهما كسروا باب الفراديس ~~، وكان العادل في القلعة قد استأمن إليه جماعة من المصريين مثل ابن كمدان ، ~~وقيماز الجمدار الخادم ، وبلغه فركب وخرج إليهم ، وجاء إلى جيرون والمجد ~~أخو الفقيه عيسى قائم على فرسه يشرب الفقاع ، فصاح العادل «يا فعلة يا ~~صنعة» إلى ههنا ، فخرجوا وأغلق باب السلامة وجاء إلى باب الفراديس ، فوجدهم ~~قد كسروا الأقفال بالمرزبات ، فقال : من فعل هذا؟ قالوا : الحنابلة ، فسكت ~~ولم يقل شيئا. PageV01P674 # قلت : وحكى لي الملك المعظم عيسى رحمه الله قال : لما رجعنا من باب ~~الفراديس ، ووصلنا إلى باب مدرسة الحنابلة رمى على رأس أبي حب الزيت فأخطأه ~~، ووقع في رقبة الحصان فوقع الحصان ميتا ، فنزل أبي وركب غيره ، ولم ينطق ~~بكلمة ، وجاء جهركس وقراجا في الليل من جبل سنير فدخلا دمشق ، وأما ~~المواصلة ، فساقوا على الملك الكامل فرحلوه من ماردين ، فجاء يقصد دمشق ، ~~وجمع التركمان ، وأما دمشق فإنه لما اشتد الحصار عليها قطعوا أشجارها ، ~~ومياهها الداخلة إليها ، وانقطعت عن أهلها الميرة ، وضجوا فبعث العادل إلى ~~الظاهر يقول : أنا اسلم إليك دمشق على أن ms095 تكون أنت السلطان ، وتكون دمشق لك ~~لا للأفضل ، فطمع الظاهر فأرسل إلى الأفضل يقول : أنت صاحب مصر ، فآثرني ~~بدمشق ، فقال : دمشق لي من أبي ، وإنما أخذت مني غصبا فلا أعطيها لأحد ، ~~فوقع الخلف بينهما ووقع التقاعد ، وخرجت السنة على هذا. # ولما مات العزيز كتب الفاضل إلى العادل يعزيه يقول : حياة طيبة تقف فيها ~~المواقف الجسيمة ، وتنقلب عنها بالأمور السالمة ، والعواقب الرحيمة ، ولا ~~نقص الله له عددا ولا أعدمه نفسا ، ولا ولدا ، ولا كدر له مشربا ولا موردا ~~، وأعظم أجره في ولده العزيز رحمه الله على ذلك الكريم ونضره ، وإلى سبيل ~~الجنة يسره وكتب فيها : # وإذا محاسن وجهه بليت %~% فعفا البلى عن وجهه الحسن # قال وكان مدة مرضه بعد عوده من الفيوم مدة اسبوعين ، فأحرق القلب وأجرى ~~العين ، قلت وهذا البيت من أبيات أولها : # إنى أرقت وذكر الموت أرقني %~% فقلت للدمع : أسعدني فأسعدني إني أظن البلى لو كان يعرفه %~% عف البلى عن بقايا وجهه الحسن ### |||| * فصل # وفيها توفي الملك المنصور الغازي المجاهد أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد ~~المؤمن صاحب المغرب ، الذي كسر ألفنش على الزلاقة ، PageV01P675 # ولم يكن لألفنش مع كثرة جيوشه به طاقة ولم يكن في ولاة المغرب من له سيرة ~~كسيرته ، وقد أثنى عليه أصحاب السير ، وذكره عبد المنعم بن عمر في تاريخه ، ~~وأثنى عليه وقال : لما توفي أبوه يوسف ، قام بالأمر أحسن قيام ، فأقر ~~العيون بما قرر من قواعد الاسلام ، ويسر كلمة التوحيد ، وأذل من الكفر كل ~~جبار ، ورفع غاية الاجتهاد فتضوع باجتهاده كل ناد ، وأمر بالمعروف ، ونهى ~~عن المنكر ، ونشر نشره أذكى من العنبر ، وصوب كرمه أعلى من ضوء القمر ~~الأنور ، وأقام الحدود على العالمين خصوصا على أهله ، وعشيرته الأقربين ، ~~فاستقامت الأمور ببركاته ، وظهرت الفتوحات العظيمة بعزماته ، وانتشرت ~~الخيرات بكراماته ، وذكر هزيمته لملك الفرنج ، واسمه الأدفنش بالديار ~~المغربية. # قلت وحكى لي الشيخ الصالح الفاضل أبو العباس بن ما سيف المغربي اللواتي ~~بالديار المصرية بالقرافة في سنة أربعين وسبعمائة ، من فضائل الملك المنصور ~~يعقوب بن يوسف المذكور ms096 ، وكان أبو العباس قد صحبه زمانا وانتفع به واستفاد منه. # قلت : وكلما حكيته عنه فهو على المشاهدة والعيان ، لا من فلان وفلان ، ~~قال : فمن ذلك أنه قدم بلدة فاس رجل شريف ، وكان فاضلا لطيفا ، وكان يعظ ~~بصوت طيب ، فجلس بها فمال الناس إليه وأرادوا أن يبايعوه ، وبلغ خبره إلى ~~يعقوب ، فكتب إليه كتابا يقول : قد بلغنا قدومك البلاد ، ووصول بركتك إلى ~~أهلها ، ونحن نسألك أن تقدم إلينا لنأخذ حظنا منك كما أخذ أهل البلاد حظهم ~~، وبعث إليه بعشرة آلاف دينار ، فخاف الشريف ، واجتمع إليه أهل البلاد ~~وقالوا : متى وقعت في يده قتلك ، فأظهر العصيان ، ونحن أهل الجبال معك ، ~~فقال الشريف : معاذ الله أن أكون سببا لإراقة دم مسلم ، ولكني أسير إليه ~~وأستعين بالله عليه ، وبلغ يعقوب قوله ، فلما قرب من مراكش ، خرج يعقوب ~~واستقبله وأنزله معه في قصره ، وجمل إليه المال والتحف ، وجلس يسمع كلامه. PageV01P676 # واتفق عبور يعقوب للقاء الفنش ومن عادتهم يوم المصاف أن يصلي الخليفة ~~بالناس الفجر ، ويركب ومعه خمسة آلاف من القراء ملبسين الدروع حاملين ~~الأسلحة ، فيقرأون سبعا من القرآن ويدعو الخليفة ، ولا يدعو غيره ، وكان له ~~طبال اسمه حماد مقدم الطبالين ، وخلفه مائة كوس ، وليس في العسكر من له طبل ~~سوى الخليفة ، فإذا فرغ من الدعاء بعد القراءة ، قال حماد : قال لبيك فيقول ~~: اضرب الطبل فيدق الكوسات ، وتحمل العساكر وهاتان الخصلتان لا يشارك ~~الخليفة فيهما أحد : الدعاء وقوله : يا حماد اضرب الطبل. # فلما كان في هذا اليوم الذي التقى فيه يعقوب صلى الخليفة بالناس ، وركب ~~والشريف عن يمينه ، ولما فرغ من قراءة السبع ، التفت إلى الشريف فقال : يا ~~شريف ادع فقال : الله الله يا أمير المؤمنين العفو هذه وظيفة أمير المؤمنين ~~، فقال : لابد فما أمكنه مخالفته خوفا منه ، فمد يده ودعا وعجب الناس ، ~~ولما فرغ من الدعاء قال له : يا شريف قل لحماد يضرب الطبل ، فقال : العفو ~~يا أمير المؤمنين ، فقال لابد فقال : يا حماد اضرب الطبل ، وفضرب وحملوا ثم ~~التفت إلى الشريف ، وقال : يا شريف ms097 إن كان خطر ببالك أنك تحكم في البلاد ، ~~وأطاعتك أهل فاس والجبال في هذا الأمر ، ورأيت مناما ، فهو هذا الذي رأيت ~~ما يحصل لك من الخلافة سواه ، فنزل وقبل الأرض ، وكسر الله الفنش. # ولله در هذه المكارم ولو كان غير يعقوب لحل بالشريف العظائم. # ومنها ما حكاه لي أبو العباس أيضا قال : كان ليعقوب ابن أخت لم يكن ~~بمراكش أحسن صورة منه ، وله ثماني عشرة سنة ، فقدم مراكش رجل يرقص الدب ~~ومعه امرأته ، فرآها ابن أخت يعقوب فأعجبته ، فأرسل إليها فأخذها فوقف ~~زوجها ليعقوب فقال : يا أمير المؤمنين إني رجل غريب ، وقد غصبني ابن أختك ~~وأخذ زوجتي ، فقال له : اتبعني وجاء إلى قصر ابن أخته وقال للرجل : قف ~~هاهنا ، ثم دخل القصر PageV01P677 # واستدعى ابن أخته وقال له : لم أخذت زوجة هذا الرجل ، فأنكر ، فدعا ~~بالرجل وقال له : قد أنكر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لي كليبة قد ربتها ~~المرأة تحضر كل امرأة في القصر ، وأحضر الكليبة فهي تعرفها من بين ألف ~~امرأة ، فإن وقفت عندها وإلا فاقتلني ، فقال للرجل : اخرج ثم قال لابن أخته ~~لا تبقي امرأة في القصر إلا وتخرج ، فأخرج النساء ، وخرجت المرأة بينهن وقد ~~غير زيها وألبسها الحلي والجواهر والثياب الفاخرة وأطلق الكلبة ، فجاءت ~~فوقفت عندها فاستدعى الرجل ، وقال : زوجتك بما عليها ، ثم التفت إلى ابن ~~أخته وقال قصرك مملوء بالجواري المستحسنات ، وأنت تمد عينك إلى امرأة رجل ~~غريب جاء من بلاد بعيدة فأخذتها غصبا ، ثم قال لغلمانه : أعطوه الرماح ، ~~وهذه قتلة المغاربة ، فخرجت أمه حاسرة فبكت بين يديه ، وقالت : مالي غيره ، ~~فقال والله لابد ، وقتله. # ومنها ما حكاه أبو العباس أيضا قال : اشتهرت امرأة بالزهد ، وأنها ما ~~تأكل الخبز ، فبعث إليها يعقوب وقال : أقيمي عندي في القصر أياما لأتبرك بك ~~، فأقامت عنده أياما فدخلت بعض جواريه إلى السقاية يوما فرأت الزاهدة تأكل ~~الخبز في بيت الماء فبهتت ، وجاءت إليه فأخبرته فقال لها : والله لئن سمع ~~هذا غيري منك لأقتلنك ، ثم بحث عن ذلك فوجده صحيحا ، فأرسل إلى ms098 الزاهدة ~~خمسمائة دينار ، وثيابا ، وقال لها : قد حصل لنا البركة بمقامك عندنا ، وقد ~~سألني بنو عمي أن تقيمي عندهم في قصرهم لتصل إليهم بركتك ، فانتقلت إليهم ~~ولم يظهر أمر المرأة. # قال : وكان جوادا سمحا يهب مائة ألف دينار ، وخمسين ألفا ، ويفتقد أرباب ~~البيوت ، ويكرم العلماء والفقهاء ولم يسمع منه كلمة فحش ، وكان عادلا ~~متمسكا بالشرع ، ويصلي بالناس الصلوات ، ويلبس الصوف على جسده ، ويقف ~~للمرأة والضعيف ويأخذ لهم الحق. # قلت يعقوب هذا هو الذي راسله صلاح الدين بشمس الدين ابن PageV01P678 # منقذ يستنجد به في سنة سبع وثمانين وخمسمائة ومدحه ابن منقذ بأبيات من ~~الشعر فأعطاه لكل بيت ألف دينار. ### |||| * ذكر وفاته # قال علماء الأندلس : مرض يعقوب مرضا أشفى منه على الموت ، فأوصى إلى ولده ~~أبي عبد الله محمد ، وأن لا يخفوا موته وأن يصلي عليه المسلمون ، ويدفن على ~~قارعة الطريق ليترحم عليه من يمر به ، وتوفي في ربيع الأول ، فكانت مدة ~~أيامه خمس عشرة سنة ، وبايع الناس ولده محمدا واستمر على سيرة أبيه ، ثم ~~اختلفت الأهواء ، ودخل النقص على البيت بموت يوسف ، قلت : وعهدي بالشيخ أبي ~~العباس باقيا في سنة أربعين وستمائة ، وبلغني أنه توفي في سنة ثلاث وخمسين ~~وستمائة بالقرافة بمصر ، وقد جاوز المائة سنة ، وجرى بينى وبينه مذاكرة في ~~القرافة في سنة ثلاث وخمسين وستمائة ، في ترك الصلاة وما حكمه ، فقال : ~~انشدني ابن الرمامة واسمه محمد بن جعفر المرسي الحافظ قال : # أنشدني أبو الفضل طاهر النحوي لنفسه يقول هذه الأبيات : # في حكم من ترك الصلاة وحكمه %~% إن لم يقربها كحكم الكافر وإذا أقربها وجانب فعلها %~% فالحكم فيه للحسام الباتر وبه يقول الشافعي ومالك %~% والحنبلي تمسكا بالظاهر وأبو حنيفة لا يقول بقتله %~% ويقول بالضرب الشديد الزاجر هذي أقاويل الأئمة كلهم %~% وأجلها ما قلته في الآخر المسلمون دماؤهم معصومة %~% حتى تراق بمستنير باهر مثل الزنا والقتل في شرطيهما %~% وانظر إلى ذاك الحديث السائر # ومعنى قوله في أول الأبيات : تمسكا بالظاهر ، يعني قوله عليه السلام «بين ~~العبد والكفر ترك الصلاة» ومعنى قوله ms099 : «لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ~~ثلاث» الحديث. PageV01P679 ### ||| * السنة السادسة والتسعون وخمسمائة # وفيها كان ابتداء جلوسي عند قبر الإمام أحمد بن حنبل في يوم الأربعاء ، ~~ويجتمع خلق عظيم وتهب في تلك المجالس من القبول نسيم ويعرف فيها نضرة ~~النعيم ويصحبها كل ما رد من طيب وكل كريم بكل تكريم ( سلام قولا من ~~رب رحيم ) (1). # ودخلت هذه السنة والحصار ، وكان أتابك أرسلان شاه الموصلي قد رحل الملك ~~الكامل من ماردين ، فقدم دمشق ومعه خلق كثير من التركمان وعسكر الرها وحران ~~فتأخر الأفضل بالعساكر إلى عقبة شيحورا سابع عشر صفر ، ووصل الكامل تاسع ~~عشر صفر ، ونزل بجوسق أبيه على الشرف ، ودخل الأفضل إلى مرج صفر ، ورحل ~~الظاهر إلى حلب وأحرقوا ما عجزوا عن حمله ، وسار الأفضل إلى مصر ، وأحضر ~~العادل بني الحنبلي : الناصح ، وأخاه شمس الدين ، وغيرهما وكان الأفضل قد ~~وعد الناصح بقضاء دمشق ، والشهاب بالحسبة ، فقال لهم العادل : ما الذي ~~دعاكم إلى كسر باب الفراديس ومظاهرة أعدائي علي ، وسفك دمي ، فقال له ~~الناصح : أخطأنا وما ثم إلا عفو السلطان ، فقال العادل : فما بدا مني إليكم ~~ما يوجب ذلك ، ولو لا أن يقال عني أني شنقت فقهاء ما أبقيت منكم أحدا ولكن ~~البلد لكم هبوه لي ، فأخرجهم إلى حلب. # وجرت بعد هذا واقعة عظيمة شفع في الشهاب الحنبلي إلى العادل فرده ، وكان ~~يذكر الدرس في حلقة الحنابلة ، ويأخذ مغل الوقف ، وكان في الحنابلة رجل ~~مصري يقال له نصر يخدم الشيخ العماد ، فأقام الشهاب سنين لا يعطيهم شيئا ، ~~فنهضوا واستغاثوا إلى العادل وهو في دار العدل ، وكان الملك الأشرف ، ~~والمعظم ، وأولاد العادل وقوفا في الخدمة ، فقال PageV01P680 # نصر : يا سلطان العالمين ، هذا الرجل الوقف معه مدة يأكله ، ولا يوصل ~~إلينا شيئا ، وكان ذلك في حدود سنة عشر وستمائة ، فقال العادل : كم له معه سنة؟. # فقال نصر : من كسر باب الفراديس ، فقال الملك الأشرف : ذا تاريخ ميشوم ، ~~فضحك العادل والجماعة. # وأما الأفضل فإنه لما سار إلى مصر أرسل العادل وراءه أبا محمد نجيب الدين ms100 ~~العدل أن يقول له : ترفق فإنا لك مثل الوالد ، وعندي كل ما تريد فقال للعدل ~~: قل له إن صح ما قلت فأبعد عنك أعدائي الصلاحية ، وبلغ الصلاحية ، فقالوا ~~للعادل : ايش قعودنا ، قم بنا ، وساروا خلف الأفضل مرحلة مرحلة ، فنزل ~~الأفضل بلبيس ، ونزل العادل السائح ، فرجع الأفضل ، وضرب بهم المصاف فكسروه ~~، وتفرق عنه أصحابه ، ودخل القاهرة ، وأغلق أبوابها ، وجاء العادل فنزل ~~البركة ودخل سيف الدين يازكش بين العادل والأفضل واتفقوا أن يعطيه العادل ~~ميافارقين وجبل جور ، وديار بكر ، ويأخذ منه مصر ، ورحل الأفضل من مصر في ~~ربيع الآخر ، ودخل العادل القاهرة ، وأحسن إلى يازكش ، وقال للأفضل جميع من ~~معك كاتبني إلا سيف الدين ، وقدم العادل يازكش وحكمه في البلاد ، ورد ~~القضاء إلى صدر الدين عبد الملك بن درباس الكردي ، وولى شيخ الشيوخ ابن ~~حموية التدريس بالشافعي ، ومشهد الحسين ، والنظر في خانقاه الصوفية ، وجلس ~~الوزير صفي الدين عبد الله بن علي وزير العادل في دار السلطنة في حجرة ~~الفاضل ، ونظر في الدواوين ، قال العماد : أعطى القوس باريها ، وأجرى ~~الأمور على أحسن مجاريها ، وسار الأفضل إلى ميافارقين ، واستدعى العادل ~~ولده محمد الكامل إلى مصر ، فخرج من دمشق في ثالث شعبان ، وودعه أخوه عيسى ~~المعظم إلى رأس الماء ، وقال العماد : وسرت معه إلى مصر وأنشدته هذه ~~الأبيات : PageV01P681 دعتك مصر إلى سلطانها فأجب %~% دعاءها فهو حق غير مكذوب قد كاد يهيضني دهري فأدركني %~% محمد بن أبي بكر بن أيوب # ورحل الكامل إلى مصر في عاشر رمضان ، والتقاه العادل من العباسة وأنزله ~~دار الوزارة ، وكان قد زوجه العادل ببنت أخيه صلاح الدين فدخل بها ، ولم ~~يقطع العادل الخطبة لولد العزيز ، ثم إنه جمع الفقهاء وقال : هل يجوز ولاية ~~الصغير على الكبير؟ فقالوا : الصغير مولى عليه ، قال : فهل يجوز لكبير أن ~~يولى عليه وينوب عنه؟ قالوا : لا ، لأن الولاية من الأصل إذا كانت غير ~~صحيحة ، فكيف تصح النيابة؟ فقطع خطبة ابن العزيز ، وخطب لنفسه ، ولولده ~~الكامل محمد بن بعده. # ونقص النيل في هذه السنة فلم يبلغ ثلاث ms101 عشرة ذراعا ، ووقع الغلاء والوباء ~~، وحج من العراق آقسنقر المسمى وجه السبع ، ومن الشام سامة الجبلي. ### |||| * فصل # وفيها توفي خوارزم شاه ، واسمه تكش بن أرسلان شاه بن أتسز ، من ولد طاهر ~~بن الحسين ، ويلقب علاء الدين ، وكان شجاعا ملك الدنيا من الصين ، والهند ، ~~وماوراء النهر إلى خراسان ، إلى باب بغداد ، كان نوابه في حلوان وكان ~~ديوانه مائة ألف مقاتل ، وهو الذي كسر مملوكه ميانجق عسكر الخليفة وأزال ~~دولة بني سلجوق ، وكان حاذقا بعلم الموسيقا ، لم يكن في زمانه ألعب منه ~~بالعود ، وحكى أن الباطنية جهزوا إليه رجلا ليقتله ، وكان يحترز كثيرا فجلس ~~ليلة يلعب بالعود ، وشرع الخيمة فاتفق أنه غنى بيتا بالعجمية وفيه «بينم» ~~ومعناه : قد أبصرتك فخاف الباطني منه وارتعد وهرب ، فأخذ وحمل إليه فقرره ، ~~فأقر فقتله ، وكان يباشر الحروب بنفسه حتى ذهبت احدى عينيه في الحرب ، وكان ~~يقول : الملك إذا لم يباشر الحرب بنفسه لا يصلح للملك ، لأنه يكون مثل ~~المرأة ، وكان قد عزم على PageV01P682 # قصد بغداد ، فجمع وحشد ووصل إلى دهستان فتوفي بها في رمضان ، فحمل في ~~تابوت إلى خوارزم فدفن عند أهله وأقام ولده محمد مقامه. # وفيها توفي القاضي الفاضل ، واسمه عبد الرحيم بن علي بن حسن أبو علي ~~البيساني الكاتب ، ولد ببيسان في سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، واشتغل بعلم ~~الأدب والرسائل ، فبرع فيه وصار أوحد زمانه في فنه ، وكان صلاح الدين يقول ~~في ملأ من الناس : لا تظنوا ملكت البلاد بسيوفكم ، بل بقلم الفاضل ، وكان ~~يستشيره في أموره ، وقد ذكرنا طرفا من ذلك ، وكان كثير العبادة تاليا ~~للقرآن ، وقد استعان بآيات من الكتاب في كثير من رسائله ، ورسائله عشرة ~~مجلدات ، وسمع قائلا يقول بيت شعر ، وهو هذا : # لقد ضاع شعري على بابكم %~% كما ضاع در على خالصة # فقال : لو قلعت عينا هذا الشعر لأبصر ، وسمع أيضا قائلا يقول : # «إن المداد خلوق ثوب الكاتب # فقال : الكاتب النحس ، انتهى. # وكان الفاضل ممدحا ، قال العماد : مدح بمائة ألف بيت من الشعر ، وكان ~~الفاضل متحيرا من الناس إذا سلم ms102 عليه من لا يعرفه آذاه ، وإذا التقاه إنسان ~~ولم يسلم عليه أعناه. ### |||| * ذكر وفاته # لما تيقن الفاضل استيلاء العادل على القاهرة دعا على نفسه بالموت خوفا من ~~ابن شكر وزير العادل ، فإنه كانت بينه وبينه وحشة ، فخاف أن يستدعيه ويهينه ~~، فقام تلك الليلة يبكي ويتضرع ويصلي ، فأصبح ميتا ، وحكي عن الملك المحسن ~~بن صلاح الدين أنه قال : اتفق يوم وفاة الفاضل يوم دخول العادل القاهرة ، ~~دخل من باب النصر ، وخرجنا PageV01P683 # بجنازته من باب زويلة ، ودفن بتربته في القرافة ، وبنى مدرسة بالقاهرة ~~ووقف عليها أوقافا نقل إليها بعض كتبه ، وكانت كتبه مائة ألف مجلدة ، ووقف ~~على الأسارى وقفا عميما ، فاستنقذ به خلقا عظيما ، وهجاه ابن عنين الشاعر ، ~~فأشار على صلاح الدين بنفيه إلى البلاد فنفاه إلى الهند ، وهجاؤه معروف ، ~~وقد قال فيه الوجه : # في كتبه قلم يريك به القضاء مقدرا %~% ما نور الظلماء غير مداده إذ نورا ### |||| * فصل # .... وفيها توفى قيماز النجمي ، ولقبه صارم الدين ، كان من أكابر مماليك ~~نجم الدين أيوب ، وكان عظيم القدر عند صلاح الدين ، إذا فتح بلدا سلمه إليه ~~، واستأمنه عليه ، وكان كثير الصدقات ، وأفعال الخير ، بنى القنطرة بين ~~خسفين ونوى وغيرها ، والمدرسة المجاورة لداره بدمشق بجنب باب القلعة ، وكان ~~العادل قد جعله بدمشق مع ولده الملك عيسى ثقة به ، فتوفي بدمشق في جمادى ~~الأولى ، وظهرت له أموال عظيمة فيقال إنه وجد له في أسفل البركة مائة ألف دينار. # وفيها توفي الحاجب لؤلؤ بن عبد الله الذي ذكرنا أنه أخذ مراكب الفرنج في ~~بحر القلزم ، وكان جوادا شجاعا ، كثير الصدقات. # قال العماد : وقع الغلاء بمصر في السنة الماضية ، وهذه ، فكان يخبز كل ~~يوم أربعة وعشرين ألف رغيف ، يفرقها على الفقراء ، وفي غير الغلاء كان يخبز ~~كل يوم اثني عشر ألفا ، وكان صائما قائما متعبدا ، وكانت وفاته بالقاهرة في ~~جمادى الأولى والله أعلم ..... ### ||| * السنة السابعة والتسعون وخمسمائة # وفيها استناب الخليفة نصير الدين ناصر بن مهدي في الوزارة ، وأذن للقاضي ~~ابن الشهرزوري في الخروج من بغداد. PageV01P684 # وفيها كانت حوادث ms103 عظيمة لم يتجدد مثلها في السنين الماضية ، منها : هبوط ~~النيل ، ولم يعهد ذلك في الاسلام ، إلا مرة واحدة ، فإنه بقي منه شيء يسير ~~، واشتد الغلاء ، والوباء بمصر ، فهرب الناس إلى المغرب ، والحجاز ، واليمن ~~، والشام ، وتفرقوا تفرق أيدي سبأ ، ومزقوا كل ممزق أعظم من سنة اثنتين ~~وأربعمائة في أيام المستنصر ، فإن كان الناس في هذه السنة كان الرجل يذبح ~~ولده الصغير وتشاركه أمه في طبخه وشيه ، وأحرق السلطان جماعة فعلوا ذلك ، ~~ولم ينتهوا وكان الرجل يدعو صديقه وأعز الناس عليه إلى منزله فيضيفه ، ~~فيذبحه ويأكله ، وفعلوا بالأطباء كذلك ، وكانوا يدعونهم ليبصروا المرضى ~~فيقتلونهم ويأكلونهم ، وفقدت الميتات والجيف من كثرة ما أكلوها ، وكانوا ~~يخطفون الصبيان من الشوارع فيأكلونهم ، وكفن السلطان في مدة يسيرة مائتي ~~ألف وعشرين ألفا ، وامتلأت طرقات المغرب ، والحجاز والشام برمم الناس وصلى ~~إمام جامع الاسكندرية في يوم على سبعمائة جنازة. # قال العماد الكاتب : وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة اشتد الغلاء ، وامتد ~~البلاء ، وتحققت المجاعة ، وتفرقت الجماعة ، وهلك القوي ، فكيف الضعيف ، ~~ونحف السمين ، فكيف العجيف ، وخرج الناس حذر الموت من الديار ، وتفرق فريق ~~مصر في الأمصار ، ولقد رأيت الأرامل على الرمال ، والجمال باركة تحت ~~الأحمال ، ومراكب الفرنج واقفة بساحل البحر على اللقم تسترق الجياع باللقم ~~، وجاءت في شعبان زلزلة عظيمة هائلة من الصعيد فعمت الدنيا في ساعة واحدة ~~فهدمت مدينة نابلس ، وبنيان مصر ، فمات تحت الهدم خلق كثير ، ثم امتدت إلى ~~الشام ، والساحل ، فهدمت نابلس ، فلم تبق بها جدارا قائما إلا حارة السمرة ~~، مات تحت الهدم ثلاثون ألفا. # وهدمت عكا وصور وجميع قلاع الساحل ، وامتدت إلى دمشق فرمت بعض المنارة ~~الشرقية بجامع دمشق ، وأكثر الكلاسة ، والمارستان النوري ، PageV01P685 # وعامة دور دمشق إلا القليل ، وهرب الناس إلى الميادين ، وسقط من الجامع ~~ست عشرة شرفة ، وتشققت قبة النسر ، وخسف بالكلاسة ، وتهدمت بانياس ، وهونين ~~وتبنين وخرج قوم من بعلبك يجنون الريباس من جبل لبنان ، فالتقى عليهم ~~الجبلان ، وماتوا بأسرهم. # وتهدمت قلعة بعلبك مع عظم حجارتها ، ووثيق عمارتها ، وامتدت إلى : حمص ، ~~وحماة ، وحلب ، والعواصم ، وقطعت ms104 البحر إلى قبرس ، وانفرق البحر فصار ~~أطوادا ، وقذف بالمراكب إلى الساحل ، فتكسرت ، ثم امتدت إلى خلاط ، ~~وأرمينية ، وآذربيجان ، والجزيرة ، وأحصي من هلك في هذه السنة على وجه ~~التقريب فكان ألف ألف انسان ، ومائة ألف انسان ، وكان قوة الزلزلة في مبدأ ~~الأمر بمقدار ما يقرأ الانسان سورة الكهف ، ثم دامت بعد ذلك أياما. # فقال بعض البلغاء : أما بعد ، فإنه لما حدث بملك الشام حادث الزلازل ، ~~ووجد في أكثرها أعظم البلايا والبلابل ، حتى طمت الأرض من أرض الجزيرة إلى ~~بلاد الساحل ، وهدمت الحصون والمعاقل ، وأخربت ما لا يحصى من الدور ~~والمنازل ، وسوت الأعالي من البنيان بالأسافل ، وأوحشت من أهلها المجالس ، ~~والمحافل ، وشدخت كثيرا من الهام بالجنادل ، وفصلت من الأعضاء والمفاصل ، ~~وأبانت من الأقدام والأكف والأنامل ، وأدبر القطان من الأوطان إدبار النعام ~~الجافل ، وخلا كثير من السكان في الموارد والمناهل ، وكثرت في الدنيا ~~اليتامى والأرامل ، وأرمضت قلوب الفاقدات ، وأرمضت عيون الثواكل ، وأخمصت ~~كثيرا من أجنة الحوامل ، ووضعت الطيور لهولها في الحواصل. # فكان ما حدث منها عبرة للبيب العاقل ، وحسرة على المصر الغافل ، وتنبيها ~~على اخلاص التوبة المتغافل ، وإزعاجا للمتباطىء عن الطاعة والمتثاقل ، وما ~~ظلم الله عباده بإهلاك النسل والناسل ، ولكنهم لما تعاموا عن الحق ، ~~وتمادوا في الباطل وأضاعوا الصلوات ، وعكفوا على PageV01P686 # الشهوات والشواغل ، وأهدروا دم المقتول ، وأرشوا في ترك القاتل ، ~~وارتكبوا الفجور ، وشربوا الخمور ، وانتشر فسقهم في القبائل ، وأكلوا الربا ~~والرشا وأموال اليتامى ، وهو شر المآكل ، وزهدوا فيما رغبوا فيه ، وطمعوا ~~في الحاصل ، ومن بقي منهم إنما يستدرج في أيام قلائل ، وما جرى على البلاد ~~فعبرة وموعظة للخارج والداخل. # والله يمن على الإسلام ، وأهله بفرج عاجل ، ويوفقهم للقيام بمرضاته من ~~أداء الفرائض والنوافل ، ويكفيهم من عذابه الأليم الهائل ، وينجيهم من ~~عقابه الآجل والعاجل ، فهو مجيب المضطر ، ومعطى السائل وفارج الكرب الفادح ~~والخطب النازل. # وفي مستهل ذي القعدة حوصرت دمشق ، وجاء الأفضل ، والظاهر ، وكان العادل ~~بمصر ، وبشارة ببانياس ، وقد أقطعها العادل مع تبنين وهونين وغيرهما لجهركس ~~، فلما نزل الأفضل والظاهر على دمشق ، جاء بشارة ms105 بجنده لهما ، فقاتلوا دمشق ~~أياما ، وكان بها الملك المعظم عيسى ، وبلغ العادل ، فجاء فنزل نابلس ، ~~وبعث وأصلح الأمراء ، وزحف الأفضل والظاهر فوصلوا إلى باب الفراديس ، ~~وأحرقوا فندق تقي الدين ، وقاتلهم المعظم وحفظ البلد ، وأقاموا شهرين ، وفي ~~شهر ذي القعدة وقعت المصلحة للعادل ، والخلف بين الأخوين فرحلوا سلخ ذي ~~القعدة ، وجاء العادل فدخل دمشق ومضى المعظم وجهركس ، وقراجا فحاصروا ~~بانياس وبها حسام الدين بشارة فقاتلهم فقتل ولده وأخرجوه من البلاد وتسلمها ~~جهركس وسلم قراجا صرخد. ### |||| * فصل # وحج بالناس طاشتكين ، وكان الخليفة أفرج عنه ، ورد عليه إقطاعه وماله ، ~~وتوفي جدي ، والعماد عقيب هذه الزلازل. ### |||| * فصل # وفيها توفى عز الدين ابن المقدم ، واسمه إبراهيم بن محمد بن عبد PageV01P687 # الملك ، وأبوه محمد المقتول بعرفات ، وكان إبراهيم شجاعا ، عاقلا ، وله ~~قلعة بارين وفامية ، ومنبج ، والراوندان ، وعدة حصون مدعينه إليها الملك ~~الظاهر فأخذها وبقيت له بارين فتوفي ودفن في العقيبة ، وكان له بنات ... ### |||| * فصل # وفيها توفى العماد الكاتب ، واسمه محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد ~~الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن اله بتشديد اللام ، وهو اسم فارسي ~~ومعناه بالعربية العقاب ، وكنيته أبو عبد الله بن أبي الفرج الأصبهاني ~~المشد ، ويعرف بابن أخي العزيز ، وقد ذكرنا جملة من أخباره وعباراته وآثاره ~~، وذكره الحافظ ابن عساكر فقال : ولد بأصفهان في سنة تسع عشرة وخمسمائة ، ~~وبها نشأ وتفقه على مذهب الشافعي على أبي منصور سعيد بن محمد بن الرزاز ، ~~مدرس النظامية ، وسمع عليه الحديث ، واستقل بعلم الأدب والكتابة والإنشاء ، ~~وبرع فيها ، وخدم الوزير يحيى بن هبيرة ، وكان أحد كتابه وشعرائه ، ثم سافر ~~إلى الشام ، وقدم دمشق في أيام نور الدين محمود بن زنكي ، وأنزله القاضي ~~ابن الشهرزوري كمال الدين في المدرسة التي في نواحي باب الفرج عند باب ~~القصر ، وكان نجم الدين أيوب بدمشق فقصد زيارته ليرفع من قدره ومدحه ~~العماد. # وقد ذكرناه في سنة اثنتين وستين وخمسمائة ، ثم مدح نور الدين ، وأسد ~~الدين ، وصلاح الدين وكان فاضلا عارفا بالأدب ، أخذه عن ابن ms106 الخشاب ، وكان ~~القاضي الفاضل يقول : العماد كالزناد الوقاد ، يعني أن النار في باطنه ، ~~وظاهره فيه قترة ، وله الترسل والنظم والنثر ، وكان حافظا لدواوين العرب ، ~~وصنف المصنفات الحسان ، وكان القاضي الفاضل يحبه ويثني عليه ، ويمازحه ، ~~وهو الذي استخدمه عند صلاح الدين ، وقد ذكر العماد نفسه في الخريدة ، ومبدأ ~~حاله ، وأن عمه العزيز لما توفي كان طفلا ، وقد ذكرنا أن عمه العزيز قتل ~~بتكريت ، وأن أبا العماد صودر بأصبهان ، وخرجوا منها وقدموا بغداد في سنة ~~أربع وثلاثين PageV01P688 # وخمسمائة ، وأنه عاد إلى أصبهان في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة في زي طلبة ~~العلم ، فإنه لقي بها الفضلاء ، وصحب العلماء ، وخرج منها في سنة ثمان ~~وأربعين وخمسمائة على نية الحج ، ثم عاد إليها ، ثم سافر إلى بغداد مع أبيه ~~في سنة احدى وخمسين وخمسمائة [فاتصل بالوزير يحيى بن هبيرة ومدحه] بقصائد ~~واستكتبه واستنابه بواسط وأعمالها. # وفيها برز العادل إلى القصير طالبا حلب ، وكان الأفضل بحمص عند شيركوه ، ~~فجاء إلى عمه العادل فالتقاه عند ثنية العقاب ، فأكرمه وعوضه عن ميافارقين ~~صميصات ، وسروج ، وقلعة نجم ، وقد أتى في المرج وحضر ، وتسلم الملك الظاهر ~~فامية من شمس الدين ابن المقدم في صفر ، ونزل العادل إلى حمص. # وجات في شعبان زلزلة عظيمة هائلة فشققت قلعة حمص ورمت المنظرة التي على ~~القلعة وأخربت حصن الأكراد ، وتعدت إلى جزيرة قبرس وامتدت إلى نابلس فأخربت ~~ما بقى. # وفيها شرع الشيخ أبو عمر شيخ الفارسية رحمه الله في بناء الجامع بالجبل ، ~~وكان بقاسيون رجل فامى يقال له أبو داود محاسن ، وأدركته في سنة ست وستمائة ~~فوضع أساسه وبلغ قامة ، وأنفق عليه ما كان يملكه ، وبلغ ابن زين الدين مظفر ~~الدين فبعث إلى الشيخ أبي عمر مالا فتممه ، ووقف عليه وقفا ، وبعد ذلك أراد ~~ابن زين الدين أن يسوق الماء إليه من برزة ، وبعث إليه ألف دينار ، فقال ~~المعظم عيسى رحمه الله : طريق الماء كله قبور ، وكيف يجوز أن ينبش عظام ~~المسلمين ، اشتروا بغلا واعملوا مدارا ، وبالباقي مكانا ، وأوقفوا عليه ولا ~~تؤذوا أحدا ففعلوا ms107 ..... ### ||| * السنة الستمائة # دخلت سنة ستمائة ، وفي أول هذه السنة سافرت من بغداد إلى الشام ، وهي أول ~~رحلتي ، فاجتزت بدقوقا ، وبها خطيبها ، ويقال له الحجة ، PageV01P689 # وكان يعظ بها ، وروى لنا الحديث ، وسمع بالعراق ابن البطي وغيره ، وجلست ~~بدقوقا ، ثم قدمت إربل ، فاجتمعت بشيخ كيس ظريف يقال له محيى الدين ~~الساقاني ، وأنشدني مقطعات لغيره ، ثم قدمت الموصل ، وجلست بها ، وحصل لي ~~القبول التام بحيث أن الناس كانوا ينامون ليلة المجلس في الجامع من كثرة ~~الزحام ، وأدركت بها جماعة من علماء الإسلام ، وحملة حديث المصطفى ~~عليه السلام ، فسمت الأحاديث النقورية على أبى طاهر أحمد بن عبد الله بن ~~أحمد بن محمد الطوسى الخطيب ، وغيره ، ثم قدمت حران فجلست بها ، وسمعت ~~الخطيب فخر الدين ابن تيمية ، وابن الطباخ ، وعبد القادر الرهاوي ، وغيرهم. # ثم قدمت حلب ، وجلست بها ، وسمعت شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، من ~~افتخار الدين ، وأسباب النزول من عبد الرحمن ابن الأستاذ وغيرهما ، ثم سمعت ~~شمائل النبي صلى الله عليه وسلم من افتخار الدين سنة ثلاث وستمائة ، مرة ثانية ~~، ثم قدمت دمشق ونزلت بقاسيون عند الفارسية ، وجلست به وبجامع دمشق ، فكانت ~~مجالسي ولله الحمد والمنة مثل غرفات الجنة ، ثم زرت البيت المقدس المخصوص ~~بالإعظام ، وقبر الخليل عليه السلام ، وجلست بالبيت المقدس ، وذكرت فضله ~~الذي هو على التقوى مؤسس. # وعدت إلى قاسيون فأقمت بها إلى سنة ثلاث وستمائة ، ورجعت إلى حلب ، ~~وأدركت بالشام شيخنا تاج الدين الكندي ، وجمال الدين بن الحرستاني القاضي ، ~~وشمس الدين ابن الشرازي ، وشرف الدين ابن الموصلي ، وبني عساكر ، وقرأت على ~~الشيخ موفق الدين الحنبلي ، وداود بن ملاعب ، وابن صصرى ، وخلق كثير ، ~~وصحبت الشيخ أبا عمر شيخ الفارسية وشاهدت منه الزهد في الدنيا ، والورع ~~والفضل ، والتواضع ، ومن أخيه الموفق ونسيبه العماد ما يرد به عن الصحابة ~~والأولياء والأفراد ، فأنساني حالهم أهلي وأوطاني ، مع بقاء أعياني ، ثم ~~عدت إليهم PageV01P690 # بعد ذلك على نية الاقامة عسى أن أكون رفيقهم في دار الإقامة ، وأنشدت ~~بلسان الظاهر والباطن أقول : # فألقت عصاها واستقر بها النوى ms108 ### |||| * فصل # وفيها كانت كسرة المواصلة سار نور الدين صاحب الموصل إلى تل أعفر ، ~~ففتحها بالسيف ، وكانت لقطب الدين ابن عماد الدين صاحب سنجار ، فاستنجد قطب ~~الدين بالملك الأشرف ابن العادل ، فجاء ومعه سنجر شاه صاحب الجزيرة ، ~~والصالح صاحب آمد ، والأوحد أخو الأشرف صاحب ميافارقين في عساكر ديار بكر ، ~~واجتمعوا في خلق عظيم ، وكان صاحب الموصل نازلا على كفر ذمار في عسكر ~~الموصل لا غير ، وكان الحر شديدا والأشرف على يوسري في ألوف ، فساق عليهم ~~نور الدين في أول مرة ، ثم كانت الكسرة عليه لسوء تدبيره ، لأنهم كانوا ~~أضعافهم مستريحين وهو متعوب عطشا فانهزم وأسروا جماعة من أمرائه منهم : ~~المبارز سنقر ، الجبلي ، وولده الظهير غازي ، وذلك في يوم السبت تاسع عشر ~~شعبان ، ودخل نور الدين الموصل وتحصن بها ، واستعد للحصار ، وجاء الأشرف ~~فنزل كفر ذمار ، وتراسلا واصطلحا في آخر ذي الحجة ، وأطلق الأمراء الذين ~~أسرهم إلا المبارز سنقر ، وولده الظهير غازي فإنهما أقاما في سجن حران مدة ~~حتى شفع فيهما قطب الدين بن زين الدين فأطلقهما وتزوج الأشرف أخت نور الدين ~~صاحب الموصل. ### |||| * فصل # وفيها وثب ناصر الدين بن أرتق صاحب ماردين على عمه زوج أمه نظام الدين ، ~~وغلامه لؤلؤ فألحقهما بالهالكين ، واستولى ، وكانا قد حكما عليه وقترا ~~الرزق عليه ، وكان ناصر الدين وأخوه حسام الدين نازلين بحرزم لا يمكنهما ~~النظام ولؤلؤ من سكنى القلعة ، ويقال إن لؤلؤ دس PageV01P691 # إلى حسام الدين من سقاه السم فرمى كبده قطعا ، وبقى ناصر الدين فخاف أن ~~يجري عليه ما جرى على أخيه ، ويصير له تعبا ، فكان النظام ولؤلؤ يأكلون ~~البلاد على اسم ناصر الدين ، وكان يصعد إلى القلعة للسلام على النظام ، ~~فصعد على العادة وضبط له الأمراء الباب ، فدخل على النظام وقد تهيأت له ~~الأسباب وعنده أم ناصر الدين فضربه بالباقرون فقامت إليه في وجهه ، وقالت : ~~تأن فما يفوت ، فقال : اذهبي وإلا ألحقتك بالنظام ، ثم قتله ، وخرج واتفق ~~دخول لؤلؤ فالتقاه في الدهليز وكان أعور ذهبت احدى عينيه في حصار ماردين ، ~~فضربه بالباقرون في ms109 عينه الصحيحة على أفعاله القبيحة ، وطلع السطح فرمى به ~~للعوام ، فانهزم أصحاب لؤلؤ والنظام ، وملك القلعة بما فيها واستولى على ~~ذخائر يحير وصفها ، وبعث ناصر الدين بأطراف لؤلؤ إلى الموصل ، وميافارقين ~~وجبل جور ، واستقامت له الأمور. # وفيها حج بالناس طاشتكين ........ ### ||| * السنة الحادية وستمائة # وفي جمادى الآخرة عزل الخليفة الناصر ولده أبا نصر محمد عدة الدنيا ~~والدين عن ولاية العهد ، اجتمع أرباب الدولة في دار الوزير ابن مهدي ~~والقضاة ، والعلماء ، والفقهاء والأمراء ، وأخرج الوزير رقعة بخط ولي العهد ~~إلى والده مضمونه أنه حين ولاه العهد لم يكن يعلم ما يجب عليه ولا قدر ذلك ~~، وأنه سأل أباه إقالته وعزله وأنه لا يصلح لذلك ، وشهد عليه أبو منصور ~~سعيد بن الرزاز ، وأبو نصر أحمد بن زهرة العدلان بذلك ، وأن الخليفة أقاله ~~، وانشأ محمد بن محمد القمي كتابا إلى البلدان بذلك ، وهذا محمد القمي هو ~~الذي ناب في الوزارة ، وعزل في أيام المستنصر بالله ولقبه المكين. # وفي جمادى الآخرة عقيب هذه الواقعة وقع حريق في دار الخليفة لم يجر في ~~الدنيا مثله ، فتحت أبواب الدار في الليل ، وركب الوزير ابن PageV01P692 # مهدي وأرباب الدولة إلى خزانة السلاح ، فرأوا النار قد لعبت فيها ، ~~واجتمع جميع من ببغداد من : السائقين ، والفراشين بالقرب ، والروايا ~~والصناع ، والفعلة وأقاموا يوما وليلة يقلبون الماء على النار ، وهي تزداد ~~، فاحترق جميع ما كان في الخزانة من الأسلحة والأمتعة والقسي ، والنشاب ~~والرماح ، والجروخ ، والسيوف والجواشن والزرديات ، وقدور النفط والخوذ ~~المرصعة بالجواهر ، واليواقيت ، وعملت النار وساعدها الهواء ، ودبت إلى ~~الدور ، والتاج ، والدار البيضاء ، فخرج الخليفة منها إلى دجلة ، واحترقت ~~خزانة الرؤوس [وفيها] رأس البساسيري ، ورأس ابن منكلي ، ورأس طغريل وغيرها ~~، ويقال إن قيمة ما ذهب ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف دينار ، وكان ذلك عبرة ~~لمن اعتبر ، وفكرة لمن افتكر. ### |||| * فصل # وفيها جاءت الفرنج إلى حماة ، وأخذوا النساء الغسالات من باب البلد على ~~العاصي ، وخرج إليهم الملك المنصور ابن تقي الدين وثبت وأبلى بلاء حسنا ، ~~وكسر الفرنج عسكره ، ووقف على الصافة من المرقنطة إلى ms110 باب حماة ، ولولا ~~وقوفه ما أبقوا أحدا من الناس. # وحج بالناس من العراق وجه السبع ، ومن الشام صارم الدين برغش العادلي ~~والي قلعة دمشق ، وزين الدين قراجا صاحب صرخد ، وجاء أبو محمد يوسف ، وقرأ ~~عزل ولي العهد بمكة والمدينة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ..... ### |||| * فصل # وفيها توفي الملك ابن بكتمر صاحب خلاط ، كان شابا لم يكن في الدنيا أحسن ~~منه ، ولم يبلغ عشرين سنة قتله الهزار ديناري ، وقيل بل غرقه في البحر ، ثم ~~قتل الهزار ديناري بعده وسنذكره ، والحمد لله وحده وصلى الله على أشرف خلقه ~~محمد وآله وصحبه وسلم. PageV01P693 ### ||| * السنة الثانية وستمائة # وفيها استوزر الخليفة نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الحسني ، وخلع عليه ~~خلعة الوزارة : القميص ، والدراعة ، والعمامة ، وخرج من باب الحجرة ، فقدم ~~له فرس من خيل الخليفة ، وبين يديه دواة فيها ألف مثقال ذهب ، ووراءه المهد ~~الأصفر ، وألوية الحمد ، وطبول النوبة ، والكوسات تخفق ، والعهد منشور بين ~~يديه ، وجمع أرباب الدولة مشاة بين يديه ، وضربت الطبول والبوقات له ~~بالرحبة في أوقات الصلوات الثلاث : المغرب ، والعشاء ، والفجر ، فقال الناس ~~: يا ليت شعرنا ماذا أبقى الخليفة لنفسه. # وفيها هرب أبو جعفر محمد بن حديدة الوزير الانصاري من دار ابن مهدي ، ~~وكان محبوسا بدار المطبخ عند ابن مهدي ليعذبه ، فحلق ابن حديدة رأسه ولحيته ~~، وخرج فلم يظهر خبره إلا من مراغة بعد مدة ، وعاد إلى بغداد .. # وفيها توجه ناصر الدين صاحب ماردين إلى خلاط بمكاتبة ، فجاء الملك الأشرف ~~فنزل على دنيسر ، وأقطع بلاد ماردين ، فعاد ناصر الدين إلى بلده ، بعد أن ~~غرم مائة ألف دينار ، ولم يسلموا إليه خلاط. # وفيها أغار ابن لاون على بلاد حلب ، وأخذ الجشار من نواحي حارم فبعث ~~الملك الظاهر فارس الدين ميمون القصري ، وأيبك فطيس ، وابن تركمان ، وحسام ~~الدين ابن أمير تركمان ، فنزلوا على حارم فقيل لميمون : كن على حذر فتهاون ~~، وكبسهم ابن لاون ، وقتل جماعة من المسلمين وثبت أيبك فطيس ، وابن ~~التركمان ، وقاتلا قتالا شديدا ، ولولاهم لأخذ ميمون ، وبلغ الظاهر فخرج من ~~حلب ms111 ، ونزل مرج دابق ، وجاء إلى حارم ، فهزم ابن لاون إلى بلاده وكان قد ~~بنى قلعة فوق دربساك ، فأخربها وعاد إلى حلب. PageV01P694 # وحج بالناس من العراق وجه السبع ، ومن الشام الشجاع بن علي بن السلار ...... ### |||| * فصل # وفيها توفي طاشتكين بن عبد الله التستري أمير الحاج والحرمين ولقبه مجير ~~الدين حج بالناس ستا وعشرين حجة ، وكان في طريق الحج مثل الملوك ، فحسده ~~ابن يونس ، وقال للخليفة : إنه يكاتب صلاح الدين ، وزور عليه كتابا فحبسه ~~مدة ، ثم تبين له أنه بريء من ذلك فأطلقه ، وأعطاه خوزستان ، ثم أعاده إلى ~~إمرة الحج ، وكانت الحلة السيفية إقطاعه ، وكان جوادا شجاعا ، سمحا قليل ~~الكلام يمضي عليه الأسبوع لا يتكلم ، استغاث إليه رجل يوما فلم يكلمه ، ~~فقال الرجل : الله كلم موسى فقال : أنت موسى؟ فقال الرجل : وأنت الله؟ فقضى حاجته. # وكان حليما التقاه رجل فاستغاث إليه في بوابه ، فلم يجبه فقال له الرجل ~~أحمار أنت؟ فقال طاشتكين : لا ، وقام يوما إلى الوضوء فحل حياصته وتركها ~~موضعه ، ودخل ليتوضأ ، وكانت الحياصة تساوي خمسمائة دينار فسرقها الفراش ~~وهو يشاهده ، فلما خرج طلبها فلم يجدها فقال أستاذ داره : اجمعوا الفراشين ~~، وأحضروا المعاصير ، فقال له طاشتكين لا تضرب أحدا فالذي أخذها ما يردها ، ~~والذي رآه ما يغمز عليه ، فلما كان بعد مدة رأى على الفراش الذي سرق ~~الحياصة ثيابا جميلة وبزة ظاهرة ، فاستدعاه سرا وقال له : بحياتي هذه من ~~ذيك؟ فخجل؟ فقال لا بأس عليك فاعترف فلم يعارضه ، وكان قد جاوز تسعين سنة ~~فاستأجر أرضا وقفا ثلاثمائة سنة على جانب دجلة ليعمرها دارا ، فكان ببغداد ~~رجل يحدث في الخلق ، يقال له قبيح المحدث فقال : يا أصحابنا نهنئكم مات ملك ~~الموت ، فقالوا : وكيف؟ فقال : طاشتكين عمره مقدار تسعين سنة استأجر أرضا ~~ثلاثمائة سنة ، فلولا علم أن ملك الموت قد مات ما فعل هذا ، فتضاحك الناس. PageV01P695 # وكانت وفاته بتستر ، وأوصى أن يحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام ، فحمل في تابوت فدفن كما أوصى. ### |||| * فصل # وفيها توفى مسعود ومودود ابنا الحاجب مبارك ms112 بن عبد الله ، فمسعود لقبه ~~سعد الدين صاحب صفد ، ومودود لقبه بدر الدين شحنة دمشق وأمهما أم فرخشاه بن ~~شاهنشاه بن أيوب ، وأصل أمهما من المنظرة ، ففرخشاه أخوهما لأمهما ، ~~واختهما ست عذراء صاحبة المدرسة المجاورة لقلعة دمشق ، وكانا أميرين كبيرين ~~، لهما مواقف كثيرة مع صلاح الدين ، وتقدمت وفاة بدر الدين مودود ، فإنه ~~مات بدمشق يوم الأحد خامس شهر رمضان ، وتوفى سعد الدين بصفد يوم الاثنين ~~خامس شوال ، فبينهما شهر ، والحمد لله وحده وصلواته على أشرف خلقه محمد ~~وآله وصحبه وسلم. ### ||| * السنة الثالثة وستمائة # وفيها فارق وجه السبع الحج ، وقصد الشام ، وكان في الحج العراقي جمع من ~~الأعيان ، فبكوا وضجوا ، وسألوه فقال : مولانا أمير المؤمنين محسن إلي وما ~~أشكو إلا من الوزير ابن مهدي يقصدني لقربي من مولاي ، وما عن الروح عوض ، ~~وسار إلى الشام ودخل الحجاج بغداد وعليهم وحشة وكآبة ، وأمر الخليفة أن لا ~~يخرج الموكب إلى لقائهم ولا يخرج إليهم أحد وأدخل الكوس ، والعلم ، والمهد ~~في الليل ، وأقام الخليفة حزينا أياما. # وأما وجه السبع فوصل إلى دمشق فالتقاه العادل وأولاده وخدمه ، وأحسنوا ~~إليه وأكرموه ........ # وفيها قبض الخليفة على عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر ~~الذي أحرقت كتبه في الرحبة ، واستأصله ، وأصبح يطلب من الناس ، وكان قد ~~بلغه فسقه وفجوره ......... PageV01P696 # وفيها نزلت الفرنج على حمص ، وكان الظاهر قد بعث يوسف خطلخ الجبلي إليها ~~نجدة لأسد الدين ، وأمر في هذه المرة الصمام ابن العلائي صاحب حمص. # وفيها فارقت دمشق قاصدا إلى حلب ، وجلست بقاسيون وودعت الناس ، فلم يتخلف ~~بدمشق إلا اليسير ، وامتلأ جامع الجبل بالناس فصاحوا علينا من الشبابيك ~~والأبواب : لا ، لا ، لا ، يعني قوموا فاخرجوا ، فخرجنا إلى المصلى ، وكان ~~شيخنا تاج الدين الكندي حاضرا ، فلما خرج من الباب زحموه فانكشف رأسه ، ~~ووقعت عمامته فعز علي وسألته أن يمضي إلى دمشق ولا يحضر في المصلى ، فامتنع ~~وقال : لا والله حتى يتم المجلس ، وتاب في ذلك اليوم زيادة عن خمسمائة شاب ~~، وقطعوا شعورهم ، وكان سيف الدين ابن بيرك حاضرا ms113 ، وجرى الكلام في ~~المغناطيس وأنه يعشق الحديد ثم قلت والحبارى يعشق الشمس ، ولهذا كلما مالت ~~الشمس إلى جهة مال الحبارى إليها فصاح شمس الدين بن بيرك : كلنا اليوم حبارى. # وحج بالناس مجاهد الدين ياقوت وهي أول حجة حجها ، وحج صدر جهان ، ووصلت ~~إلى حلب في ذي الحجة واجتمعت بالنقاش الحلبي الشاعر ، ولقبه تاج الدين ، ~~واسمه مسعود بن أبي الفضل أبو الفتح فأنشدني مقطعات من شعره ، وكتبها لي ~~بخطه ، ومولده سنة أربعين وخمسمائة ، ومدح الملك الأمجد صاحب بعلبك ، قلت : ~~وهجا مسعودا صاحب شيزر بيتين هما عينا الذم ، وسبب ذلك أنه حكى عن نفسه قال ~~: اشتريت من دمشق فاكهة بأربعين درهم** ، 350 ، وقوسين بأربعين درهما ، ~~فقصدت شيزر ، فنزلت بخان في الربض وأخبر مسعود صاحبها بي فاستدعاني ، فدخلت ~~عليه ، وقدمت له الهدية وأنشدته أبياتا غزلا ومديحا فلما انتهينا أخرج من ~~تحت طراحته خمسة دراهم ، وقال : أنفق عليك هذه الليلة فطباخنا مريض ، فنزلت ~~إلى الخان فلما كان PageV01P697 # صبيحة ذلك اليوم جاءني أستاذ داره ، وقال : الأمير يسلم عليك ، ويقول لك ~~: كم ثمن الفاكهة والقوسين؟ فقلت : معاذ الله أن أذكر لهما ثمنا ، وإنما ~~أهديتهما للأمير ، فقال : لابد ، فقلت : اشتريتهما من دمشق بثمانين درهما ، ~~واكتريت لي ولهما بغلا بعشرين درهما ، فعاد ومعه مائة درهم وقال : هو يعتذر ~~إليك وما في الخزانة شيء ، فامتنعت من أخذها وخرجت من شيزر ولم أبت بها وقلت : # ما أليق النحس بمسعود كم %~% على الورى يا ساكني شيزر فيا ملوك الأرض هموا به %~% فإنه والله شيء زري # قلت عهدى بالنقاش في سنة ثمان وستمائة في الحياة ، وقدم دمشق في سنة تسع ~~وستمائة ، وأنشد الجماعة قطعا من قصائده ، وأفادهم من فرائد فوائده ، إلا ~~أنه كان باطنه كالزناد الوقاد ، وظاهره كالجليد والجماد ، ومن رآه نسبه إلى ~~البلاهة وعدم الذكاء والفقاهة ، فإذا أنشد تساقط من ألفاظه مثل الجمان ، ~~وقد شاهدته ، وليس الخبر كالعيان ، ولم أقف على تاريخ وفاته ...... ### ||| * السنة الرابعة وستمائة # ........ قلت وحججت أنا في هذه السنة وهي الرابعة وستمائة ورأيت من ~~الموتى ما أذهلني وخصوصا ms114 في النقرة والعسيلة فإني رأيت فيها ما يزيد على ~~خمسة آلاف ميت ومشينا ثلاثة أيام في الأموات ..... ### |||| * فصل # ..... وفيها وصل النجم خليل قاضي العسكر الحنفي إلى بغداد رسولا من ~~العادل وأخرج في مقابلته السهروردي ، وسنقر السلحدار ومعهما الخلع للعادل ~~وأولاده ، وكان في خلعة العادل : الطوق والسواران. PageV01P698 # وفيها ملك الأوحد ابن العادل خلاط ، كاتبه أهلها بعد قتل ابن بكتمر ~~الهزار ديناري ، ويأخذ بثأر أخي [ابن بكتمر] فسار إلى أخلاط وخرج الهزار ~~ديناري للقائه فضربه فأبان رأسه ، وعاد إلى أرزن الروم ، وبقيت خلاط بغير ~~ملك وكان الأوحد صاحب ميافارقين فكاتبوه فجاء إليهم واستولى عليها وكانوا ~~جبابرة وشرط عليهم بالملازكردية (1) والمقدمون ، فشرع فيهم فأبادهم ، ~~وغرقهم في بحر خلاط وبدد شملهم. # وفيها حج بالناس ياقوت وحججت معه ، وهي أول حجاتي ، وكانت الوقفة يوم ~~الأربعاء ، وعدت إلى العراق ، وحج من الشام زين الدين دلدرم ، وشيخ الشيوخ ~~صدر الدين وأولاده ، وشبل الدولة الحسامي وخلق كثير .... ### |||| * فصل # .... وفيها توفى قراجا الصلاحي صاحب صرخد ، ولقبه زين الدين ، كان شجاعا ~~جوادا ، توفي بدمشق ، ودفن بقاسيون ، وقبره عند تربة ابن تميرك في قبة على ~~الجادة ..... ### ||| * السنة الخامسة وستمائة # وفيها تكاملت دار المضيف ببغداد بالجانب الغربي للحجاج ، والواردين من ~~البلاد ، ورتب الخليفة لهم فنون الأطعمة والزاد ، وإذا عادوا من الحج رتب ~~فيهم الدنانير والثياب. # وفيها زلزلت نيسابور زلزلة عظيمة ، ودامت عشرة أيام فمات تحت الهدم خلق ~~كثير ، وحج بالناس من العراق ياقوت ، ومن الشام حسام الدين قيماز والي ~~القدس ...... PageV01P699 ### ||| * السنة السادسة وستمائة # وفيها نزلت الكرج على خلاط ، وبها الملك الأوحد بن العادل في عسكر خلاط ، ~~وجاء ملك الكرج ، ويقال له إيواني في خلق عظيم وتحصن الأوحد في القلعة ، ~~وحصر أبواب البلد وضايقه وأشرف على أخذه ، فأصبح ذات يوم فقال له منجمه : ~~البشارة لي ، قال : وكيف؟ قال : ما تبيت الليلة إلا في قلعة خلاط ، فشرب ~~الخمر حتى ثمل وركب في جيوشه ، وقصد باب أرجيش ، وخرج إليه المسلمون ~~فقاتلوه ورأوا ما لا قبل لهم به ، فبينما هم كذلك إذ عثر به جواده فقتل ms115 ~~عليه جماعة من خواصه ، وأخذ أسيرا فحمل إلى القلعة فبات بها ورحل الكرج عن ~~البلد ، وفرج الله عن أهله ، ثم اتفق مع الأوحد على أن يرد إيواني ما فتح ~~من بلاد المسلمين ، ويطلق الأسارى ومائة ألف دينار ، ويزوج إيواني ابنته من ~~أخي الأوحد ، وقيل إنما كانت وقعة إيواني بعد حصار سنجار في سنة سبع ~~وستمائة (1). # وفي ربيع الأول نزل العادل على سنجار بعساكر الشام ، ومصر ، وديار بكر ، ~~وحلب ، ومعه أولاده ، وأقام بضربها بالمناجيق إلى رمضان ، ولم يبق إلا ~~تسليمها فأرسل الظاهر أخاه المؤيد يشفع في السنجارية فلم يشفعه ، ومات ~~المؤيد في هذه السنة ، وكره المشارقة مجاورة العادل فاتفقوا عليه وصاحب ~~إربل وأرسل الخليفة إلى ابن الضحاك ، وآقباش يشفع إلى العادل فيهم ، وتقاعد ~~العسكر عن القتال ، وخذله صاحب حمص ، فرحل بعد أن أخذ نصيبين ، والخابور ، ~~ونزل حران وفرق العساكر ، وعزم صاحب إربل ، والموصل ، وماردين ، والجزيرة ، ~~وحلب على قتال العادل ، ثم صالحوه ، واتفقوا. # وحج بالناس من العراق ياقوت ، ومن الشام فخر الدين إياس الشمامي ...... PageV01P700 ### |||| * فصل # ..... وفيها عصى قطب الدين سنجر الناصري بتستر بعد موت طاشتكين ، وكان ~~زوج ابنته ، فبعث إليه الخليفة عز الدين نجاح الشرابي ، ومؤيد الدين القمي ~~نائب الوزارة ، فلما قربوا من تستر هرب سنجر بأمواله وأهله إلى صاحب شيراز ~~أتابك نرسي ، وقيل سعد ، فحلف له أن لا يسلمه ، ثم نكث وغدر به ونهب أمواله ~~، وجميع ما كان معه وارتكب من النساء الفواحش ، وسلمه إلى نواب الخليفة ~~فعادوا به إلى بغداد فأدخل سنجر بعد الملك والسلطنة على بغل في السنة ~~الآتية. ### |||| * فصل # وفيها خرجت من دمشق إلى نابلس إلى الغزاة ، وكان الملك المعظم عيسى ~~رحمه الله بها ، جلست بالجامع يوم السبت خامس ربيع الأول وكان الناس من باب ~~المشهد الذي لزين العابدين إلى باب الناطفانيين ، وإلى باب الساعات ، وكان ~~القيام في الصحن أكثر بحيث امتلأ جامع دمشق ، وحزروا ثلاثين ألفا ، وكان ~~يوما لم ير بدمشق مثله ولا بغيرها ، وكان قد اجتمع عندي شعور كثيرة ، وقد ~~وقفت على حكاية أبي قدامة الشامي ms116 مع تلك المرأة التي قطعت شعرها ، وبعثت به ~~إليه وقالت : اجعله قيدا لفرسك في سبيل الله ، فعملت من الشعور التي اجتمعت ~~عندي شكلا لخيل المجاهدين ، ولما صعدت المنبر أمرت بإحضارها فحملت على ~~أعناق الرجال ، وكانت ثلاثمائة شكال ، فلما رآها الناس صاحوا صيحة عظيمة ، ~~وقطعوا مثلها ، وقامت القيامة ، وكان المبارز المعتمد إبراهيم رحمه الله ~~والي دمشق حاضرا وجميع الأعيان ، فلما نزلت من المنبر يطرق لي ويمشي بين ~~يدي إلى باب الناطفانيين ، فتقدم إلى فرسي فأمسك بركابي وأركبني ، وخرجت من ~~باب الفرج إلى المصلى ، وجميع من كان بالجامع بين يدي ، وسرنا من الغد إلى ~~الكسوة ومعنا خلق مثل التراب. PageV01P701 # وكان معنا من قرية واحدة يقال لها زملكا ، من قرى دمشق ، ثلاثمائة رجل ~~بالعدد والسلاح ، وأما من غيرها فخلق كثير ، والكل خرجوا احتسابا وجئنا إلى ~~عقبة فيق ، والطير لا يقدر أن يطير من خوف الفرنج ، فسرنا على الجادة إلى ~~نابلس ، ووصلت أخبارنا إلى عكا ، وخرج المعظم فالتقانا ، وسر بنا ، وجلست ~~بجامع نابلس وأحضرنا الشعور ، فأخذها وجعلها على صدره ووجهه وجعل يبكي ، ~~وكان يوما عظيما ، ولم أكن اجتمعت به قبل ذلك اليوم ، وخدمنا وأكرمنا ~~وخرجنا إلى نحو بلاد الفرنج فخرجنا وهدمنا وقطعنا أشجارهم ، وأسرنا جماعة ، ~~وقتلنا جماعة ولم يتجاسروا أن يخرجوا من عكا ، فأقمنا أياما ، ثم عدنا ~~سالمين إلى الطور المطل على الناصرة ، والمعظم معنا ، فقال : أريد أن أبني ~~عليه قلعة ، فطلب أخاه الملك الأشرف ، وعساكر الشرق وحلب وشرع في عمارة ~~الطور ، وأقام العسكر تحته من ذي الحجة هذه السنة سنة ثماني وستمائة ، فعمل ~~سوره ودارا واستوى ، وخاف الفرنج ، فأرسلوا إلى العادل فصالحهم وأعطوا ~~العسكر دستورا فتفرقوا ، والمعظم يعمر الطور إلى قبيل وفاة العادل فلا يحصى ~~ما غرم عليه. ### |||| * فصل # ..... وفيها توفي أتابك نور الدين صاحب الموصل ، واسمه أرسلان بن عز ~~الدين مسعود ، وكان متكبرا جبارا بخيلا ، فاتكا سفاكا للدماء حبس أخاه علاء ~~الدين ، فمات في حبسه ، وولى الموصل رجلا ظالما يقال له السراج ، فأهلك ~~الحرث والنسل ، وكان نور الدين يسىء التدبير ، وهو الذي ms117 كسره الأشرف على ~~يوسري ، وعرض لنور الدين مرض السل فأقام يذوب ذوبانا ، ومات في صفر وخلف ~~ولدين : مسعودا ولقبه القاهر وزنكي ، وأوصى إلى بدر الدين لؤلؤ أن يكون ~~مسعود السلطان ، وزنكي في شهرزور ، وبعث بدر الدين العماد ابن يونس إلى ~~بغداد يطلب الخلع مع بدر الدين محمد سبط العقاب فخلع عليه ...... PageV01P702 ### ||| * السنة الثامنة وستمائة # وفيها عاد نجاح الشرابي والقمي من تستر إلى بغداد ، وبين يديهما سنجر ~~مملوك الخليفة الذي عصى عليه راكبا على بغل ببرذعة ، وفي رجليه سلسلة ، ~~وحبس ، وجمع القمي القضاة والفقهاء والأعيان ، وأخرج كتبه إلى المخالفين في ~~الدولة وإلى نوابه يقول : من لقيتم من عسكر الخليفة ، وقرأها على الجماعة ~~فأفتوا بإراقة دمه وأيس سنجر والناس من نفسه ، فقال القمي : فإن أمير ~~المؤمنين قد عفا عن ذنبه وصفح عن جرمه ، وأفاض الخلع عليه ، وجمع بينه وبين ~~أهله في الصاغة في دار طاشتكين بدار الخليفة. # وفيها قدم رسول جلال الدين حسن صاحب ألموت يخبر بأنهم تبرأوا من الباطنية ~~وبنوا المساجد والجوامع ، وقد أقيمت الجمعة والجماعات عندهم ، وصاموا رمضان ~~، فسر الخليفة والناس بذلك ، وقدمت خاتون أم جلال الدين حاجة ، فاحتفل لها ~~الخليفة. # وفيها بعث الخليفة خاتمه إلى وجه السبع بالشام ، وبعث معه العادل رسولا ، ~~فأكرمه وولى وجه السبع الكوفة إقطاعا. # وفي شعبان قدم ايدغمش من همذان إلى بغداد ، وكان منكلي مملوك أزبك قد ~~طرده من همذان فاحتفل له الخليفة وأخرج جميع أرباب الدولة للقائه وقام له ~~بالضيافة العظيمة .... ### |||| * فصل # ...... وفيها حج بالناس من العراق علاء الدين محمد بن ياقوت ، نيابة عن ~~أبيه ، ومعه ابن أبي فراس يدبره ، وفي الحج أم جلال الدين ، وحج بالناس ~~الصمصام أخو سياروخ على حج دمشق ، ومن القدس الشجاع علي بن السلار أميرا ~~على حج القدس ، وكانت ربيعة خاتون بنت أيوب ، أخت صلاح الدين في الحج ، ~~فلما كان يوم النحر بمنى ، PageV01P703 # بعد ما رمى الناس الجمرة ، وثب الاسماعيلية على رجل شريف من بني عم قتادة ~~أشبه الناس به ، وظنوه إياه فقتلوه عند الجمرة ، ويقال إن الذي قتله ms118 كان مع ~~أم جلال الدين فثار عبيد مكة والأشراف ، وصعدوا على جبلين بمنى ، وهللوا ~~وكبروا ، وضربوا الناس بالحجارة والمقاليع والنشاب ، ونهبوا الناس يوم ~~العيد والليلة ، واليوم الثاني وقتل من الفريقين جماعة ، فقال ابن أبي فراس ~~لمحمد بن ياقوت : ارحلوا بنا إلى الزاهر إلى منزلة الشاميين فلما حملت ~~الأثقال على الجمال حمل قتادة والعبيد عليهم ، فأخذوا الجميع إلا القليل ، ~~وقال قتادة : والله ما كان المقصود إلا أنا ، والله لا أبقيت من حاج العراق ~~أحدا ، وكانت ربيعة خاتون بالزاهر ومعها ابن السلار وأخو سياروخ وحاج الشام ~~، فجاء محمد بن ياقوت أمير الحاج العراقي فدخل خيمة ربيعة خاتون مستجيرا ~~بها ومعه خاتون أم جلال الدين ، فبعثت ربيعة ابن السلار إلى قتادة تقول : ~~ما ذنب الناس قد قتلت القاتل ، وجعلت ذلك وسيلة إلى نهب المسلمين ، وأنت ~~تحللت الدماء في الشهر الحرام في الحرم والمال ، وقد عرفت من نحن ومن أولاد ~~أخي ، والله لئن لم تنته لأفعلن ولأفعلن ، فجاء إليه ابن السلار فخوفه ~~وهدده ، وقال : ارجع عن هذا وإلا قصدك الخليفة من العراق ، ونحن من الشام ، ~~فكف عنهم وطلب مائة ألف دينار فجمعوا له ثلاثين ألفا من أمير الحاج العراقي ~~ومن خاتون أم جلال الدين ، وأقام الناس ثلاثة أيام حول خيمة ربيعة خاتون ~~بين قتيل ، وجريح ، ومسلوب ، وجائع ، وعريان ، وقال قتادة : ما فعل هذا إلا ~~الخليفة وإن عاد قرب أحد من بغداد إلى هاهنا لأقتلن الجميع ، ويقال إنه أخذ ~~من المال والمتاع وغيره ما قيمته ألفا ألف دينار ، وأذن للناس في الدخول ~~إلى مكة ، فدخل الأصحاء والأقوياء فطافوا وأي طواف ، ومعظم الناس ما دخلوا ~~، ورحلوا إلى المدينة فدخلوا بغداد على غاية من الفقر ، والذل ، والهوان ، ~~ولم تنتطح فيها شاتان. PageV01P704 # وفيها توفي شركس بن عبد الله الصلاحي ، ويقال إياز شركس ، ويقال جهاركس ، ~~يعني أنه اشتري بأربعة دنانير ، وكان من أمراء صلاح الدين ، شهد معه ~~الغزوات كلها ، وقد ذكرنا انحرافه عن الأفضل ، وكان العادل قد أعطاه بانياس ~~، وتبنين ، والشقيف ، وهونين وقلعة أبي الحسن ، وتلك البلاد وأقام بها ms119 ، ~~وكان التردد إلى دمشق فمرض بها وتوفي في صفر ، ودفن بقاسيون ، وكان قد خلف ~~ولدا فأقره العادل على ما كان لأبيه ، وقام بأمره صارم الدين خلطبا ~~التبنيني أحسن قيام ، وسد تلك الثغور ، وقوم الأمور على أحسن نظام ، واشترى ~~صارم الدين ضيعة بوادي بردا تسمى الكفر ، وقفها على تربة فخر الدين وعمر له ~~فيه قبة عظيمة على الجادة ، وقابل احسانه إليه بالحسنى وزيادة ، وأقام صارم ~~الدين بالحصون إلى سنة خمس عشرة وستمائة ، وانتزعتها منه يد الأيام وانتقضت ~~تلك السنون وأهلها ...... ### ||| * السنة التاسعة وستمائة # وفيها خلع الخليفة على ايدغمش الفرجية ، والعمامة ، وخلعا تقارب خلع ~~السلطنة ، وأعطاه مالا ، وأمره أن يبرز خيامه ليسير إلى همذان ، وأعطاه ~~الكوسات والأعلام. # وفيها صرف خالي أبو محمد يوسف عن الحبسة والنظر في الوقف العام ، ورد ذلك ~~إلى شرف الدين ابن البخارى ، فولى أبو البركات يوسف ابن أبي البركات يوسف ~~بن المبارك ابن هبة الله الحسبة ، والوقف العام. # وفيها كانت نوبة سامة الجبلي ، اجتمع العادل وأولاده : الفائز ، والكامل ~~، والمعظم عيسى بدمياط ، وكان سامة بالقاهرة قد استوحش منهم ، واتهموه ~~بمكاتبة الملك الظاهر صاحب حلب ، وحكى لي المعظم أنه وجد كتبا إليه ، ~~وأجوبة ، فخرج سامة من القاهرة كأنه يتصيد ، وتم PageV01P705 # اجتماع الملوك بدمياط ، وساق إلى الشام في مماليكه يطلب قلعة كوكب ، ~~وعجلون ، وكان ذلك يوم الاثنين سلخ جمادى الآخرة ، فأرسلوا الحمام من دمياط ~~إلى بلبيس يخبرهم خبره ، فقال العادل : من ساق خلفه فله أمواله وقلاعه ، ~~فقال المعظم : أنا ، وركب من دمياط يوم الثلاثاء غرة رجب ، وكنت أنا معه ، ~~فقال لي : أنا أريد أن أسوق فسق مع قماشي ، ودفع لي بغلة ، وساق ومعه ~~نفريسير ، وعلى يده حصان ، فكان صباح يوم الجمعة جهز ساق مسيرة ثمانية أيام ~~في ثلاثة أيام فسبق سامة فانقطع عنه مماليكه ومن كان معه ، وبقى وحده بفرس ~~، فجاء إلى بلد الداروم ، وكان المعظم قد مسك عليه من البحر إلى الزرقاء ، ~~فرآه بعض الصيادين في تربة الداروم فعرفه ، فقال له : انزل ، فقال : هذه ~~ألف دينار وأوصلني إلى الشام فأخذها ms120 الصياد ، وجاء رفاقه فعرفوه ، وأخذوا ~~به على طريق الخليل عليه السلام ليحملوه إلى عجلون ، فدخلوا به القدس يوم ~~الأحد سادس رجب جاء بعد المعظم بثلاثة أيام ، فقال المعظم رحمه الله : ما ~~كنت خائفا إلا أن يصادفني في الطريق غلمانه فيقتلونني ، لو رماني أيدكين ~~بسهم قتلني ، فأهلك الله أيدكين ، والجميع فأنزل سامة في صهيون ، وبعث إليه ~~بطعام وثياب ولاطفه وراسله وقال : أنت شيخ كبير وبك نقرس ، وما يصلح لك ~~قلعة سلم إلي كوكب ، وعجلون وأنا أخلفك على مالك وملكك وجميع أسبابك ، ~~وتعيش بيننا مثل الوالد ، فا متنع وشتم المعظم ، وذكر كلاما قبيحا ، فلما ~~آيس المعظم منه بعثه إلى الكرك فاعتقله ، واستولى على قلاعه وأمواله ~~وذخائره ، وخيله ، فكانت قيمة ما أخذ منه ألف ألف دينار. # وحج بالناس من العراق حسام الدين بن أبي فراس نيابة عن محمد بن ياقوت ، ~~وكان معه خلع ومال لقتادة حتى سكت عنهم ، ومن الشام شجاع الدين بن محارب ~~على إيلة ..... # وفيها توفى الملك الأوحد صاحب خلاط ، واسمه أيوب بن أبي بكر PageV01P706 # ولقبه نجم الدين ، قد ذكرنا سفكه لدماء المتقدمين من أهل خلاط ، فلم يطل ~~عمره وابتلي بأمراض مزمنة كان يتمنى الموت منها ، وكان قد استزار أخاه ~~الأشرف من حران ، فأقام عنده أياما واشتد مرضه فطلب الرجوع إلى حران لئلا ~~يتخيل منه الأوحد ، فقال له الأوحد : يا أخي كم تلح ، والله إني ميت ، وأنت ~~تأخذ البلاد ، وكان الأوحد قد صاغ للأشرف طلعة ذهب من خمسمائة دينار للسنجق ~~، وبقيت في الخزانة ، واشتغلوا بمرض الأوحد وتوفي ، وملك الأشرف وأول ركوبه ~~في خلاط والسنجق بتلك الطلعة ، وكانت وفاة الأوحد بملاز كرد ، فدفن بها ، ~~وجاء الأشرف فدخل خلاط ، فأحسن إلى أهلها ، وخلع عليهم وعدل فيهم فأحبوه ~~وأطاعوه ، وقدموا من البلاد ، وسروا بموت الأوحد ، فكانت مدة ملكه خلاط أقل ~~من خمس سنين ، لأنه ملكها في سنة أربع وستمائة ... ### ||| * السنة العاشرة وستمائة # وفيها ورد شمس الدين ابن التبني رسولا من العادل ، لما حوصر بدمشق ، ~~واقترض له أموال التجار ، وضمنها ، فرأى العادل له ذلك فأحبه ms121 وقربه وحسده ~~الصفي بن شكر فأبعده عنه ، وكان شمس الدين سيد الأجواد وسيد الأمجاد ، ~~والأولى عند ذكره طي ذكر حاتم طي. # وحج بالناس ابن أبي فراس نيابة عن محمد بن ياقوت ، ومن الشام صديق بن ~~تمرتاش ولقبه الغرز التركماني على ايلة بحاج الكرك ، والقدس ، وحج فيها خضر ~~، ويلقب الملك الظافر بن صلاح الدين على تيماء ومعه حج الشام ، ويعقوب ~~الخياط المغاري ، وكان مقيما بمغارة الجوع بقاسيون وكان صديق الظافر يقال ~~له الشمر ، فلما وصل الظافر إلى بدر وجد عسكر الكامل محمد صاحب مصر قد سبقه ~~خوفا على اليمن منه ، فقالوا : ترجع فقال قد بقي بيني وبين مكة مسافة يسيرة ~~، والله ما قصدي اليمن ، وإنما أريد الحج فنفذوا بي واحتاطوا بي حتى PageV01P707 # أقضي المناسك ، وأعود إلى الشام ، فلم يلتفتوا إليه فأراد أن يقاتلهم ، ~~فلم يكن له طاقة ، فرجع الشام ، وعاد يعقوب الخياط معه ولم يحج .... ### |||| * فصل # ..... وفيها توفي سنجر بن عبد الله الناصري ، صهر طاشتكين ، وقد ذكرنا ~~عصيانه على الخليفة ، وعفوه عنه ، وكان بخيلا مع كثرة البلاد والأموال ، ~~وتولى إمارة الحج في سنة تسع وثمانين وخمسمائة ، وعاد في صفر سنة تسعين ~~وخمسمائة ، فاعترض الحاج رجل بدوي من عنزة يقال له دهمش في جمع يسير ، ومع ~~سنجر خمسمائة فارس ، فلم يلقه وذل ، وطلب دهمش منه خمسين ألف دينار ، ~~فجمعها سنجر من الحاج ، وضيق عليهم ، ولما ورد بغداد وكل عليه الخليفة بذلك ~~المال وأخذه منه ، ورده إلى أصحابه وعزله عن إمارة الحاج ، وولاها طاشتكين ~~، وكانت وفاته في شوال ، ففتح له جامع القصر وصلى عليه قاضي القضاة ابن ~~الدامغاني ، ومشى أرباب الدولة في جنازته ، ودفن بالشونيزية. ### ||| * السنة الحادية عشرة وستمائة # وفيها عزل الخليفة عماد الدين ابن الدامغاني ، وولى الزنجاري القضاء ~~وفيها ملك أقسيس بن محمد الكامل اليمن ، ويلقب بالملك المسعود وكان جبارا ~~فاتكا ، قيل إنه قتل باليمن ثماني مائة شريف ، وخلقا من الأكابر والعظماء ، ~~ولو لم يحج المعظم ، وظن أهل اليمن أنه واصل إليهم لما قدر أقسيس على اليمن. ### |||| * فصل # وفيها أخذ المعظم قلعة ms122 صرخد من ابن قراجا ، وعوضه عنها مالا وإقطاعا. # وحج بالناس من العراق ابن أبي فراس نائبا عن محمد بن ياقوت ، PageV01P708 # ومن الشام العلم الفقيه نصر الله الجعبري إمام المعظم ، وحج المعظم في ~~هذه السنة ، ومعه جماعة من خواصه : عز الدين أيبك ، وعماد الدين بن موسك ، ~~والظهير بن سنقر الحلبي وغيرهم ، وسلكوا طريق العلاء ، وتبوك ، وجدد المعظم ~~البرك ، والمصانع ، وأحسن إلى الناس ، وتلقاه سالم أمير المدينة وخدمه ، ~~وقدم له الخيل والهدايا ، وسلم إليه مفاتيح المدينة وفتح الأهراء ، وأنزله ~~في داره ، وخدمه خدمة عظيمة ، وسار إلى مكة فالتقاه أمير مكة ، وحضر في خدمته. # وحكى لي قال : قلت له : أين ننزل؟ فأشار إلى الأبطح بسوطه ، وقال هناك ، ~~فنزلنا بالأبطح ، وبعث لنا هدايا يسيرة ، وحج السلطان على مذهب أبي حنيفة ، ~~وأحيا السنة ، وأتى بجميع المناسك أحرم قارنا ، وبات بمنى ليلة عرفة ، وصلى ~~بها الصلوات الخمس ، وسار إلى عرفة وقضى نسكه كما أمر الله تعالى ، وقد ~~رأيت كتفيه بعد ما عاد ، وقد أكلته الشمس وانكشط ، وقيح ، فقلت : ما هذا؟ ~~قال : ما غطيت رأسي ولا كتفي منذ ثلاثة عشر يوما ، وتصدق على فقراء الحرمين ~~بمال عظيم ، وحمل المنقطعين وزودهم وأحسن إليهم ، ولما عاد إلى المدينة شكا ~~إليه سالم جور قتادة ، فوعده ينجده عليه ، ولما عاد كنت مقيما بالكرك ، ~~فخرجت إلى لقائه مع جماعة من الأعيان والأمراء ، والفقهاء ، والفقراء فما ~~التفت إلى أحد منهم ، فلما رآني ترجل عن ناقته وعانقني ، وسرنا إلى زيراء ، ~~وكان لقاؤنا له على غدير الطرفاء في البرية ، وشرع يحكي لي صفة حجه ، وما ~~فعل ، وكان والده العادل على خربة اللصوص ، فقال : أريد أن ابغته حتى لا ~~يلتقيني أحد ، وسار إليه واجتمع به ، وحكى خدمة سالم ، وتقصير قتادة فجهز ~~جيشا مع الناهض ابن الجرخي إلى المدينة ، والتقاهم سالم وأكرمهم ، وقصدوا ~~مكة فانهزم قتادة عنهم إلى البرية ، ولم يقف بين أيديهم ..... ### ||| * السنة الثانية عشرة وستمائة # وفيها قدم مسعود الجوادي رسولا من الملك الأشرف إلى الخليفة ، PageV01P709 # فالتقاه الموكب ، وكان معه نسر رماه الملك الأشرف للخليفة ، فعلق ms123 النسر ~~بباب البدرية ، ونثروا عليه دنانير. # وفيها أخذ ابن لاون أنطاكية من الفرنج يوم الأحد رابع عشرين شوال ، وكنت ~~في ذلك اليوم قد جلست عند الملك الظاهر بحلب في دار العدل ، فلما انقضى ~~المجلس نزلت من المنبر ، فقام الظاهر والتقاني ، وأجلسني إلى جانبه ودفع ~~إلي بطاقة جاءته من حارم تخبره بذلك ، ثم إنه عاد البرنس إلى طرابلس بعد ~~ذلك أخذها من ابن لاون. # وفيها مات ولد الخليفة علي ، وقتل منكلي ، وحج بالناس ابن أبي فراس. ### |||| * فصل # وفيها توفى علي ابن الخليفة أبو الحسن ، ويلقب بالملك المعظم كان جوادا ، ~~كثير الصدقات ، وافر المعروف ، كريم الأخلاق ، حسن العشرة مرض أياما ، ~~وتوفي في ذي العقدة ، وصلي عليه بتاج الخليفة ، وأخرج التابوت وبين يديه ~~أرباب الدولة ، لم يتخلف سوى الخليفة ، وحمل إلى تربة أم الخليفة فدفن معها ~~في القبة. # ومن العجائب أنه يوم الجمعة دخل رأس منكلي على خشبة وقد زينتت بغداد ، ~~وظهر السرور ، فلما وصل الرأس إلى درب حبيب وافق في تلك الساعة ، وفاة ابن ~~الخليفة فرد الرأس إلى عقد اللكافين ورمي في بيت في خان ، وكوسات منكلي ~~مشققة ، وأعلامه منكسة ، وانقلب ذلك السرور حزنا ، وأمر الخليفة بالنياحة ~~عليه في أقطار بغداد ، ففرشوا البواري والرماد ، وخرج العواتق ونشرن شعورهن ~~ولطمن ، وقام النوائح في كل ناحية ، وعظم حزن الخليفة بحيث أنه امتنع من ~~الطعام والشراب ، وغلقت الأسواق ، وعطلت الحمامات ، وبطل البيع والشراء ، ~~وجرى في بغداد ما لا يجري في بلد آخر ، وكان الخليفة قد رشحه وشد جميع ~~فتيان بغداد إليه من العلماء والأعيان والأجناد ، ففعل الله في ملكه ما ~~أراد ، وخلف ولدين : أبا عبد الله الحسين ، ولقبه المؤيد ، ويحيى ولقبه ~~الموفق ..... PageV01P710 ### |||| * فصل # وفيها توفي منكلي بن عبد الله الخارج بهمذان ، وقد ذكرنا أنه هرب في ~~الليل ، فضل عن أصحابه ، وجاء إلى بيت صديق له في بعض القرى ، وكان رئيسها ~~، فنزل عليه ، وكان تحته فرس سابق ، وسلاح له قيمة فأطعمه وسقاه ، فقام ~~الرجل فقتله ، وأخذ رأسه ، وقيل إن الرجل قيده ، ثم قتله وحمله إلى أزبك ms124 ، ~~فبعث به إلى ابن زين الدين ، فبعث به إلى الخليفة فكان عاقبة أمره ما ذكرنا ~~، وهذا دأب الدنيا ، وصلى الله على أشرف خلقه محمد وآله وصحبه وسلم. ### ||| * السنة الثالثة عشرة وستمائة # وفيها توفي الملك الظاهر صاحب حلب ، ووصل إلى الملك العادل أبو العباس ~~عبد السلام ابن أبي عصرون رسولا من حلب من الملك العزيز محمد بن الظاهر سأل ~~تقريره على ما كان عليه والده. ### |||| * فصل # وفيها نزل الأشرف من خلاط إلى حران في شعبان إلى الجلوس بجامع حران ، ~~وقال : إلى الآن ما دخلت حران ، فضربت له خركاه في الجامع ، وحضر ، وكان ~~يوما مشهودا ، وجلس في الخركاه ، وجاء الفخر ابن السمية الخطيب ، فقعد عنده ~~، وكتبوا إلي رقاعا كثيرة ، فجمعتها وقلت : اتركوا هذه إلى يوم مجلس شيخكم ~~يجيب عنها ، فهو يطول روحه عليكم ، أما هذا اليوم ، فالوقت لا يحتمل فأعجب ~~الأشرف ، وانقضى المجلس ، فقلت للأشرف : لابد لي في هذه السنة من شيئين ~~الحج على بغداد ، والثاني الاعتكاف بالرقة ، فقال : مبارك ، وخرجت من حران ~~في آخر شعبان أريد الرقة ، فبينما أنا بين مسكنة والرقة ، وإذا جاء بيني ~~وبينهم رجل عليه بغلطاق أحمر ، فقلت لأصحابي : هذه شمائل الملك المعظم ، ~~فقالوا : المعظم في دمشق أي شيء جاء به إلى هاهنا ، فلما PageV01P711 # قربوا منا إذا به المعظم ، وقد أعيت ناقته ، فنزل وتحدثنا ، وأكلنا شيئا ~~كان معنا ، وأعطانا ناقته ، وأخذ فرسي ، وقال : أين أخي؟ فقلت : في الزراعة ~~، وساق فاجتمعا وفاوضه في أمر حلب ، وكان الأشرف قد حلف لشهاب الدين طغريل ~~الخادم ، وأنه أتابك محمد العزيز ولد الظاهر ، فشق على المعظم ، ولم يقل ~~شيئا وجاءا إلى الرقة وأنا معتكف بالخانكاه ، وحضرا عندي ، وسار المعظم إلى ~~دمشق وجهزني الأشرف إلى الحج ، وعمل لي سبيلا مثل سبيله ، وتوجهت إلى بغداد. ### |||| * فصل # وحج بالناس من العراق ابن أبي فراس ، ومن الشام الفقيه علم الدين الجعبري ~~، وعدت من الحج على تبوك والعلاء وجمعت بين زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وبين زيارة الخليل في المحرم ، ولله المنة وفي الحديث «من زارني وزار ms125 أبي ~~إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة» ، وإن لم يتفق على نقل هذا ~~الحديث الثقات ، والأعمال بالنيات .... ### |||| * فصل # ....... وفيها توفي الملك الظاهر صاحب حلب ، واسمه غازي بن صلاح الدين ، ~~وقد ذكرنا أنه ولد بمصر سنة ثمان وستين وخمسمائة بالقاهرة ، وكان مهيبا له ~~سياسة وفطنة ، وكانت دولته معمورة بالعلماء والفضلاء ، مزينة بالملوك ~~والأمراء ، وكان محسنا إلى الرعية ، وإلى الوافدين عليه ، وحضر معظم غزوات ~~والده ، ولما استقر العادل بدمشق ضم إليه الأمراء الصلاحية كميمون القصري ، ~~والمبارز ابن يوسف بن خطلج ، وسنقر الحلبي ، وسرا سنقر ، وأيبك فطيس ، ~~وغيرهم ، وكان في دولته من أرباب العمائم القاضي بهاء الدين ابن شداد ، ~~والشريف الافتخار الهاشمي ، وبنو العجمي ، والقيسراني وبنو الخشاب وغيرهم ، ~~وكان ملجأ الغرباء ، وكهف الفقراء يزور الصالحين ويتفقدهم ، ويغيث PageV01P712 # الملهوف ، وكان يتوقد ذكاء ، وفطنة ، سريع الإدراك جلست عنده في سنة ~~اثنتي عشرة وستمائة ، وكان الأشرف قد أرسلني إليه في قضايا لا يطلع عليها ~~كاتب ، وكتب كتابا بيده إلى الظاهر ، وكان جلوسي في يوم أخذ ابن لاون ~~أنطاكية ، وقد ذكرته ، وكان بحلب فقير يحضر مجالسي قبل ذلك في سنة ثلاث ~~وستمائة وأربع ، وخمس وكان ذلك الفقير يقوم في المجلس ويصيح : واه واه ، ~~فيزعج الحاضرين ، وكان صالحا والظاهر تغير حاله ، فلما جلست في سنة ثلاث ~~عشرة وستمائة عند الظاهر بقي ذلك الفقير يحترق ، ويقول : كيف أعمل ويرددها ~~، فقال الظاهر : قدموه إلى عندي ، فقدموه فقال له : هذا الذي يقول الشيخ ما ~~هو بمليح ، قال : بلى ، قال : فإن أردت أن تصيح صح ، فعجب الحاضرون. # وحضرني في ذلك المجلس رجل عجمي يقال له أبو بكر النصيبي ، وكان صالحا ، ~~وكان يحمل عصا أبنوس ، فطابت قلوب الجماعة في ذلك اليوم ، وبكوا ، فقام ~~النصيب ودار ، وجاء إلى الظاهر ، وقال : أنت فرعون ما تتحرك ، وثار في وجهه ~~مثل التفاحتين ، وخرج من المجلس فمات بعد ثلاث ، وحضرنا عنده يوم الخميس في ~~دار العدل فجىء بامرأة قد كذبت على شخص واعترفت بالكذب ، فقال للقاضي ابن ~~شداد : ما يجب عليها؟ قال التأديب ، قال : تضرب ms126 بالدرة شريعة ، ويقطع ~~لسانها سياسة ، فقلت له : الشريعة هي السياسة الكاملة ، ما عداها يكون ~~تغاضبا عليها ، فأطرق ، فأدبت المرأة ، وسلمت من قطع اللسان. # وله من هذا الجنس نوادر في الموارد والمصادر. ### |||| * ذكر وفاته # توفى ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة بعلة الذرب ، ودفن بقلعة حلب ~~، ثم نقل بعد ذلك إلى مدرسته التي أنشأها ، وقام بعد ذلك ولده العزيز محمد ~~، وشهاب الدين طغريل الخادم أتابكه ، وقد اطرد هذا في قلعة حلب قبل أن يموت ~~، وخلف ولدا صغيرا ، ويكون أتابكه PageV01P713 # والمقيم بأمره خادما ، وقد ذكرناه فيما تقدم ، وعزل وزيره شمس الدين ابن ~~أبي يعلى الموصلي ، ومضى إلى الروم ، وقام أتابك طغريل بأمر الملك العزيز ~~أحسن قيام ، وأجمل نظام ، فاستمال الملك الأشرف يدنيه منه شيئا ويقصيه منه ~~شيئا ، فاستمال المماليك بحسن تدبيره ، ورد كيد الأعداء في نحورهم بتحريره ...... ### ||| * السنة الرابعة عشرة وستمائة # وفيها قدم شيخ الشيوخ تاج الدين ابن حموية إلى بغداد رسولا من العادل ، ~~وقدم بعده ولده فخر الدين رسولا من الكامل ، وخلع عليه خلعة بطيلسان. # .... وفيها قدم محمد خوارزم شاه إلى همذان بقصد بغداد في أربعمائة ألف ~~على ما قيل ، وقيل ستمائة ألف ، واستعد له الخليفة ، وفرق الأموال والسلاح ~~وأرسل إليه الشهاب السهروردي في رسالة ، فأهانه واستدعاه وأوقفه إلى جانب ~~تخته ، ولم يأذن له في القعود ، فحكى الشهاب قال : استدعاني فأتيت إلى خيمة ~~عظيمة لها دهليز لم أر في الدنيا مثله ، والدهليز والشقة أطلس والأطناب ~~حرير ، وفي الدهليز ملوك العجم على اختلاف طبقاتهم منهم : صاحب همذان ، ~~وأصبهان ، والري وغيرهم ، فدخلت إلى خيمة أخرى إبريسم ، وفي دهليزها ملوك ~~خراسان : مرو ، ونيسابور ، وبلخ ، وغيرهم ، ثم دخلت خيمة أخرى ملوك ماوراء ~~النهر في دهليزها ، كذلك ثلاث خيام ، فدخلنا عليه وهو في خركاه عظيمة من ~~ذهب ، وعليها سجاف مرصع بالجواهر ، وهو صبي له شعرات قاعد على تخت ساذج ~~وعليه قباء بخاري يساوي خمسة دراهم ، وعلى رأسه قطعة من جلد تساوي درهما ، ~~فسلمت عليه فلم يرد ، ولا أمرني بالجلوس فشرعت خطبت خطبة بليغة ، ذكرت فيها ~~فضل ms127 بني العباس ، ووصفت الخليفة بالزهد ، والورع ، والتقى ، والدين ، ~~والترجمان يعيد عليه قولي ، فلما فرغت قال للترجمان : قل له : هذا الذي ~~تصفه ما هو في بغداد ، بل أنا اجيء وأقيم PageV01P714 # الخليفة يكون بهذه الأوصاف ، ثم ردنا بغير جواب ، ونزل الثلج عليهم فهلكت ~~دوابهم ، وركب خوارزم شاه يوما فعثر به فرسه ، فتطير ووقع الفساد في عسكره ~~، وقلت الميرة ، وكان معه سبعون ألفا من الخطا ، فرده الله ونكب بتلك ~~النكبة العظيمة وسنذكرها. ### |||| * فصل # وفيها انفسخت الهدنة بين المسلمين والفرنج وجاء العادل من مصر بالعساكر ~~الشامية وخرج الفرنج من عكا ومقدمهم ملك الهنكر ، في خمسة عشر ألفا ، وكان ~~شجاعا مقداما ، فنزلوا عين الجالوت ، ومعه جميع ملوك الساحل ، فلما أصبحوا ~~ركب الهنكر في أوائلهم وقصد العادل ، وكان العادل على تل بيسان ، فنظر فرأى ~~أنه لا قبل له بهم ، فتأخر فقال له المعظم : إلى أين؟ فشتمه بالعجمية وقال ~~: بمن أقاتل أقطعت الشام مماليكك ، وتركت أولاد الناس الذين يرجعون إلى ~~الأصول ، وذكر كلاما في هذا المعنى ، وساق فعبر الشريعة عند نرقا وجاء ~~الهنكر إلى بيسان وبها الأسواق ، والغلال والمواشي شيء لا يعلمه إلا الله ~~تعالى ، فأخذ الجميع ، وارتفع العادل إلى عجلون ، ومضى المعظم فنزل بين ~~نابلس والقدس على عقبة اللين خوفا على القدس ، وأقام الفرنج على بيسان ثلاث ~~أيام ، ورحلوا طالبين قصر ابن معين الدين ، وسار العادل فنزل رأس الماء ، ~~وصعد الفرنج عقبة الكرسي إلى خربة اللصوص ، والجولان ، وأقاموا ثلاثة أيام ~~ينهبون ويقتلون ويأسرون ، ثم عادوا فنزلوا الغور ، وبعث العادل أثقاله إلى ~~بصرى ، ونساءه ، وأقام على رأس الماء جريدة ، ولما نزل الفرنج الغور جاء ~~العادل فنزل عالقين. ### |||| * حديث صعودهم إلى الطور # لما رجعوا من خربة اللصوص ووصلوا إلى تل الفرس قريبا من نوى ، رجعوا ~~ونزلوا تحت الطور يوم الأربعاء ثامن عشرين شعبان ، PageV01P715 # وأقاموا إلى ثاني يوم من رمضان ، وكان يوما كثير الضباب ، فما أحس بهم ~~أهل الطور إلا وهم عند الباب قد ألصقوا رماحهم بالسور ، ففتح المسلمون ~~الباب وخرج إليهم الفارس والراجل ، وقاتلوهم حتى رموهم إلى قسوم ms128 أسفل الطور ~~، فلما كان يوم الثلاثاء رابع رمضان طلعوا بأسرهم ، ومعهم سلم عظيم ، ~~فرجعوا من ناحية باب دمشق ، وألصقوا السلم بالسور ، فقاتلهم المسلمون قتالا ~~لم يجر في الإسلام مثله ، ودخلت رماح الفرنج من المرامي من كل ناحية ، فضرب ~~بعض الزراقين السلم بالنفط فأحرقه ، وقتل عنده جماعة من أعيان الفرنج منهم ~~كند كبير فلما رأوه مقتولا صاحوا وبكوا وكسروا رماحهم ، واستشهد في ذلك ~~اليوم من أبطال المسلمين بدر الدين محمد بن أبي القاسم ، وسيف الدين ابن ~~المزربان ، وكان من الصالحين الأجواد ، وأغلق المسلمون باب الطور وجبن ~~جماعة منهم عن القتال ، وبات الناس عشية الأربعاء يداوون جراحاتهم ، وضربوا ~~مشورة ، واتفقوا على أنهم يقاتلون قتال الموت لا يسلمون أنفسهم لئلا يجري ~~عليهم ما جرى على أهل عكا ، وكان في الطور أبطال المسلمين وخيار عسكر الشام ~~، وقال الأمير الحلبي في تلك الوقعة هذين البيتين : # قل للخليفة لا زالت عساكره %~% لها إلى النصر إصدار وإيراد إن الفرنج بحصن الطور قد نزلوا %~% لا تغفلن فحصن الطور بغداد # وأنشدني إياها الأمير الحلبي ، وبات الناس على عزم القتال ، وأوقد الفرنج ~~حول الطور النيران ، فلما كان وقت السحر يوم الخميس سادس رمضان رحلوا ~~طالبين عكا ، وجاء المعظم وصعد الطور ، وبكى على بدر الدين بن أبي القاسم ، ~~وابن المرزبان ، ومن قتل ، وأطلق المال والخلع ، وطيب قلوب الناس ، ثم اتفق ~~العادل ، والمعظم على خراب الطور في السنة الآتية وسنذكره. PageV01P716 ### |||| * فصل # وفيها وصل الفرنج إلى جزين قرية قريبة من شعراء [بانياس] لما عادوا عن ~~الطور ، فقصد ابن أخت الهنكر صيدا ، وقال : لابد لي من أهل هذا الجبل ، ~~فنهاه صاحب صيدا وقال هؤلاء رعاة وبلادهم وعر ، فلم يقبل ، وصعد خمسمائة من ~~أبطال الفرنج إلى جزين ضيعة الميارنة ، فأخلاها أهلها ، وجاء الفرنج فنزلوا ~~بها وترجلوا عن خيولهم ليستريحوا فتحدرت عليهم الميارنة من الجبل ، فأخذوا ~~خيولهم ، وقتلوا عامتهم ، وأسروا ابن أخت الهنكر ، وهرب من بقى منهم إلى ~~صيدا ، وكان معهم رجل يقال له الجاموس من المسلمين قد أسروه ، فقال لهم : ~~أنا أعرف إلى صيدا طريقا ms129 سهلا أوصلكم إليها ، فقالوا : إن فعلت أغنيناك ، ~~فسلك بهم أودية وعرة والمسلمون خلفهم يقتلون ويأسرون ، ففهموا أن الجاموس ~~غرهم فقتلوه ، ولم يفلت إلى صيدا سوى ثلاثة أنفس بعد أن كانوا خمسمائة ، ~~وجاؤوا إلى دمشق بالأسارى ، وكان يوما عظيما. ### |||| * فصل # ....... وفيها توفى الأمير بدر الدين محمد أبي القاسم أبو عبد الله ~~الهكاري الذي استشهد على الطور ، أبلى في ذلك اليوم بلاء حسنا ، وكان من ~~المجاهدين له المواقف المشهودة في قتال الفرنج ، وكان من أكابر أمراء ~~المعظم ، يستشيره ويصدر عن رأيه ، ويثق به لصلاحه ودينه ، وكان سمحا لطيفا ~~، دينا ، ورعا ، بارا بأهله ، وبالفقراء ، والمساكين ، كثير الصدقات دائم ~~الصلاة ، بنى بالقدس مدرسة للشافعية ، ووقف عليها الأوقاف ، وبنى مسجدا ~~قريبا من الخليل عليه السلام عند يونس على قارعة الطريق ، وكان ملازما ~~لمجالسي بالقدس ، وكان يتمنى الشهادة دائما ويقول : ما أحسن وقع سيوف ~~الكفار على وجهي وأنفي ، فاستجاب الله دعاءه ورزقه الشهادة ، ونقل من الطور ~~إلى القدس فدفن بتربته رحمه الله . PageV01P717 ### ||| * السنة الخامسة عشرة وستمائة # وفيها أعيد خالي أبو محمد يوسف إلى الحسبة ، وأفرج الخليفة عن ولده أبي ~~نصر محمد ، وأذن له في الركوب إلى حيث شاء. # وفيها نزلت الفرنج على دمياط في ربيع الأول ، وكان العادل بمرج الصفر ، ~~فبعث العساكر التي كانت عنده إلى مصر إلى الكامل في مقاتلة الفرنج ، وأقام ~~الملك المعظم بالساحل بعسكر الشام في مقاتلة الفرنج. # وفيها استدعى العادل الملك المعظم عيسى ، وقال : قد بنيت هذا الطور ويكون ~~سببا لخراب الشام ، وقد سلم الله من كان فيه من أبطال المسلمين وسلاح ~~الدنيا والذخائر ، وأرى من المصلحة خرابه ليتوفر من فيه من المسلمين والعدد ~~على حفظ دمياط ، وأنا أعوضك ، فتوقف المعظم وبقي أياما لا يدخل إلى العادل ~~، فبعث إليه فأرضاه بمال ، ووعده بمصر ببلاد ، فأجابه فبعث فنقل ما كان فيه ~~من العدد والذخائر إلى القدس ، وعجلون والكرك ودمشق. # وفي يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر كسر الملك الأشرف ملك الروم كيكا وسس. # وفي جمادى الأولى أخذ الفرنج برج السلسلة ، وأرسل الكامل شيخ ms130 الشيوخ صدر ~~الدين إلى العادل يخبره ويستصرخ ، فلما اجتمع بالعادل أخبره ، ودق يده على ~~صدره ، ومرض مرض الموت. # وفي جمادى الآخرة التقى المعظم بالفرنج على القيمون ، فنصر عليهم ، وقتل ~~منهم مقتلة عظيمة ، وأسر من الداوية مائة فارس ، وأدخلهم القدس منكسة ~~أعلامهم. # وفيها وصل رسول خوارزم شاه إلى العادل ، وهو بمرج الصفر ، فبعث في الجواب ~~الخطيب الدولعي ، والنجم خليل قاضي العسكر ، PageV01P718 # فوصلا إلى همذان فوجدا الخوارزمي قد اندفع بين يدي الخطا ، وقد خامر عليه ~~عسكره ، فسارا إلى حد بخارا فاجتمعا بولده جلال الدين ابن محمد ، فأخبرهما ~~بوفاة العادل ، فرجعا إلى دمشق ، وحج بالناس من بغداد آقماش الناصري ..... ### |||| * فصل # ..... وفيها توفى الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد بن أيوب بن شاذي ~~بن مروان ، وكنيته أشهر من اسمه ، سألته عن مولده فقال : فتوح الرها يعني ~~سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ، وقد ذكرنا أحواله مع أخيه صلاح الدين في إعطائه ~~إياه مصر ، ثم حلب ، ثم الشرق ، والكرك والشوبك ، وما يتعلق بذلك ، وما جرى ~~بينه وبين أولاد أخيه في ممر السنين إلى أن استقر له الملك ، وامتد من بلاد ~~الكرج إلى همذان ، والجزيرة ، والشام ، ومصر ، والحجاز ، ومكة ، والمدينة ~~واليمن إلى حضر موت وكان لبيبا خليقا بالملك معدد ، أحسن التدبير حليما ~~صفوحا مدبرا للملك على الوجه المرضي عادلا ، مجاهدا ، دينا عفيفا ، متصدقا ~~، آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، طهر جميع ولايته من الفساد والخواطىء ~~والقمار والمخانيث والمكوس والمظالم ، وكان الحاصل من هذه الجهات بدمشق على ~~الخصوس مائة ألف دينار فأبطل الجميع لله تعالى ، وكان واليه المبارز ~~المعتمد قد أعانه على ذلك أقام رجالا على عقاب قاسيون وجبل الثلج ، وحوالي ~~دمشق بالجامكية والجراية يحرسون أحدا يدخل دمشق بمنكر ، فكان أهل الفساد ~~يتحليون ويجعلون زقاق الخمر في الطبول ويدخلون بها إلى دمشق ، فمنع من ذلك ~~وبلغني أن بعض المغاني دخلت على العادل في عرس فقال لها : أين كنت؟ قالت : ~~ما قدرت أجىء حتى وفيت ما علي للضامن ، فقال : وأي ضامن؟ قالت : ضامن ~~القينات ، فقامت عليه القيامة وطلب المعتمد ، وعمل ms131 به ما لا يليق ، وقال : ~~والله لئن عاد بلغني مثل ذلك لأفعلن ولأصنعن. PageV01P719 # ولقد فعل العادل في غلاء مصر عقيب موت العزيز ما لم يفعله غيره ، كان ~~يخرج بالليل بنفسه ومعه الأموال يفرقها في أرباب البيوت والمساكين ، ولولاه ~~لمات الناس كلهم ، وكفن في يوم من ماله ثلاثمائة ألف من الغرباء ، وكان إذا ~~مرض أو تشوش مزاجه خلع ما عليه وباعه حتى فرسه ، وتصدق به ، وثبت له على ~~زكي الدين القاضي قاضي دمشق لبيت المال عشرون ألف دينار ، وشرع القاضي ~~يستدينها من الناس فقالت له بعض حظاياه : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المنام ، وهو يوصيك بالقاضي فاستقيلها عنه ، ورده إلى القضاء ، وقد ذكرنا ~~مواقفه مع أخيه ، وغزواته ، وتدبيره مع الانكلتار ، ولولاه ما انتظم الصلح. ### |||| * ذكر وفاته # قد ذكرنا وصول شيخ الشيوخ بخبر برج دمياط ، وأنه انزعج ودق بيده على صدره ~~، وأقام مريضا إلى يوم الجمعة سابع أو ثامن جمادى الآخرة فتوفى في عالقين ~~وكان المعظم قد كسر الفرنج على القيمون يوم الخميس خامس جمادى الآخرة ، ~~وقيل يوم الأربعاء ، ولما توفي العادل لم يعلم بموته غير كريم الدين ~~الخلاطي ، فأرسل الطير إلى نابلس إلى المعظم ، فجاء المعظم يوم السبت إلى ~~عالقين فاحتاط على الخزائن ، وصبر العادل ، وجعله في محفة ، وعنده خادم ~~يروح عليه ، وقد رفع طرف سجافها وأظهروا أنه مريض ، ودخلوا به دمشق يوم ~~الأحد ، والناس يسلمون على الخادم وهو يومي إلى ناحية العادل ، ودخلوا به ~~القلعة وكتموا موته ، ومن العجائب أنهم طلبوا له كفنا فلم يقدروا عليه ، ~~وأخذوا عمامة الفقيه ابن فارس فكفنوه بها ، وأخرجوا قطنا من مخدة فلفوه به ~~، ولم يقدروا على فأس فسرق كريم الدين فأسا من الخندق ، فحفروا له به في ~~القلعة. # وكنت قاعدا إلى جانب المعظم عند باب الدار التي فيها الإيوان ، وهو PageV01P720 # واجم ، ولم أعلم بحاله ، فلما دفن أبوه قام قائما وشق ثيابه ، ولطم على ~~رأسه ووجهه ، وكان يوما عظيما وعمل العزاء ثلاثة أيام بالإيوان الشمالي ، ~~ولما رأيت المعظم بلغ به الحال تكلمت في ms132 أول يوم ، فلما انقضى العزاء عتبني ~~المعظم ، وقال : يا سبحان الله أنت صاحب العزاء ايش كان حاجة إلى كلامك مع ~~ابن؟؟؟ ، وكان الناصح قد تكلم في ذلك اليوم ، فقلت : لابد من الكلام فقال : ~~وإذا كان ولابد فليكن يوم الثالث فلا يتكلم معك أحد ، فامتثلت ما أمر ، ~~وعمل له العزاء في الدنيا كلها ، ونودي ببغداد : من أراد الصلاة على الملك ~~العادل الغازي المجاهد في سبيل الله فليحضر إلى جامع القصر ، فحضر الناس ~~ولم يتخلف سوى الخليفة ، وصلوا عليه صلاة الغائب ، وترحموا عليه ، وتقدموا ~~إلى خطباء الجوامع بأسرهم ففعلوا ذلك بعد صلاة الجمعة ، وفوض إلى الملك ~~المعظم نوبة بدر الدين حسن في اليوم الثالث ، وكتب به إليه وكان الصالح ~~إسماعيل ، وأخوه قطب الدين أحمد بدمشق فمقام الصالح فتوجه إلى بصرى وأحمد ~~فتوجه إلى مصر ، وأقام العادل بالقلعة إلى سنة تسع عشرة وستمائة ، ثم نقل ~~إلى تربته التي أنشأها عند دار العقيقي ومدرسته. ### |||| * ذكر أولاده # كان له عدة أولاد منهم : شمس الدين ممدود والد الجواد يونس ، والكامل ~~محمد ، والأشرف موسى ، والمعظم عيسى ، والأوحد أيوب ، والفائز إبراهيم ، ~~وشهاب الدين غازي ، والعزيز عثمان شقيق المعظم ، والأمجد شقيقهما أيضا ~~والحافظ أرسلان ، والصالح إسماعيل ، والمغيث محمود ، ومجير الدين يعقوب ، ~~وتقي الدين عباس ، وقطب الدين أحمد ، والقاهر إسماعيل ، وخليل أصغرهم. # وكان له عدة بنات أفضلهن ضيفة خاتون صاحبة حلب أم الملك العزيز ، ~~وسنذكرها. PageV01P721 ### |||| * ذكر ما تجدد بعد وفاته # لما دخل رجل رد المعظم المكوس والخمور ، وما كان أبوه أبطله ، فقلت له : ~~قد خلفت سيف الدين غازي ابن أخي نور الدين ، فإنه كذا فعل لما مات نور ~~الدين ، فاعتذر بقلة المال ، والفرنج ، وسار المعظم إلى بانياس وراسل ~~الصارم التبنيني ، وهو بتبنين في تسليم الحصون فأجابه فأخرب بانياس وسار ~~إلى تبنين ، وهدمها ، وكانت؟؟؟ بلة البلاد وملجأ العباد وأعطى بلاد جهاركس ~~لأخيه العزيز ، وزوجه ببنت جهاركس ، وبعث إليه أخوه الكامل بالخلع ، وقال : ~~أدركني ، وجاءت الفرنج فنزلوا على شارمساح ، وأخلى لهم المسلمون الخيام ~~فطمعوا ، ثم رجع إليهم الكامل فكسرهم ، وقتل منهم خلقا ms133 كثيرا ، وعادوا إلى ~~دمياط ، ونزل الصارم وولده ناصر الدين وأصحابه من الحصون ، فأكرمهم المعظم ~~، وخلع عليهم وأحسن إليهم وأظهر أنه ما اخرب بانياس إلا خوفا من استيلاء ~~الفرنج عليها. ### |||| * فصل # وفيها قدم الصفي ابن شكر وزير العادل دمشق من الشرق ، وكان العادل قد نقم ~~عليه ونفاه إلى الشرق فمضى إلى آمد ، فأقام بها فلما مات العادل كتب الكامل ~~إليه يطلبه ، فقدم دمشق ونزل بظاهرها ببيت رانس على المؤيد العقرباني ، ~~فخدمه المؤيد ، وكان قد قل نظره فأقام أياما ، ثم توجه إلى مصر. # وفيها توفى كيكاوس صاحب الروم ، ولقبه عز الدين ، كان جبارا ظالما سفاكا ~~للدماء ولما عاد إلى بلده من كسرة ، اتهم أقواما من أمراء دولته أنهم قصروا ~~في قتال الحلبيين ، فسلق بعضهم في القدور وجعل آخرين في بيت وأحرقهم ، ~~فأخذه الله بغتة مات سكرانا فجأة ، وقيل بل ابتلي في بدنه فتقطع ، وكان ~~أخوه علاء الدين كيقباذ محبوسا في قلعة ، PageV01P722 # وقد أمر بقتله ، فبادر الأمراء فأخرجوه وأقاموه في الملك ، وكانت وفاة ~~كيكاوس في شوال وهو الذي اطمع الفرنج في دمياط. # وفيها توفي محمد بن تكش ، خوارزم شاه وصل العراق في أربعمائة ألف ، ووصل ~~إلى همذان يريد بغداد ، وقيل كان معه ستمائة جتر ، تحت كل جتر ألف ، وكان ~~قد أفنى ملوك خراسان ، وما وراء النهر ، وقتل صاحب سمرقند ، وكان حسن ~~الصورة أخلى البلاد من الملوك ، واستقل بها ، فكان ذلك سببا لهلاكه ، ولما ~~نزل همذان كان في عسكره سبعون ألفا من الخطا ، فكاتب القمي عساكره ، ووعدهم ~~بالبلاد فاتفقوا مع الخطا على قتله ، وبعث القمي إليهم بالأموال والخيول ~~والخلع سرا ، فكان ذلك سببا لوهنه ، ولما علم خوارزم شاه بذلك سار من همذان ~~طالبا خراسان ، فنزل بمرو ، والتقى في طريقه الخيل والخلع والكتب المنفذة ~~إلى الخطا ، فلم يمكنه الرجوع لفساد عسكره ، وكان خاله من الخطا ، وكانوا ~~حلفوه أن لا يطلعه على ما دبروه عليه ، فجاء إليه في الليل وكتب له في يده ~~صورة الحال ، ووقف بازائه فنظر إلى السطور ، وفهمها وهو يقول : خذ لنفسك ~~فالساعة ms134 تقتل ، فقام وخرج من تحت ذيل الشقة ومعه ولداه : جلال الدين وأخوه ~~، وركب وسار بهما ، ولما خرج من الخيمة دخل الخطا والعساكر من بابها ظنا ~~منهم أنه فيها ، فلم يجدوه فنهبوا الخزائن والخيول والخيام والجواري ، ~~فيقال إنه كان في خزانته عشرة آلاف ألف دينار ، وألف حمل قماش أطلس وغيره ، ~~وعشرون ألف فرس وبغل ، وكان له عشرة آلاف مملوك مثل الملوك ، وتمزق الجميع ونهب. # وأما خوارزم شاه فهرب إلى البحر ، وركب في مركب سفينة صغيرة إلى جزيرة ، ~~وهرب ولده جلال الدين إلى الهند ، ومعه أخوه ، وصعد خوارزم شاه إلى الجزيرة ~~، وبها قلعة فتحصن بها فأدركه الموت دون صعود القلعة ، ودفنوه على ساحل ~~البحر ، وجاء الخطا فدلوا عليه فنبشوه PageV01P723 # وقطعوا رأسه وأخذوه وعادوا ، وتفرقت الممالك بعده ، وظهر التتر على الخطا ~~بعد سنين ، وصار الخطا تبعا لهم وأخذوا البلاد ..... ### |||| * فصل # وفيها توفى القاهر صاحب الموصل ، وترك ولدا صغيرا اسمه محمود ، وكان طفلا ~~فأخرج بدر الدين لؤلؤ زنكي أخا القاهر من الموصل واستولى عليها. ### ||| * السنة السادسة عشرة وستمائة # وفي أول المحرم أخرب المعظم القدس ، كان قد توجه إلى أخيه الكامل إلى ~~دمياط ، وبلغه أن طائفة من الفرنج على عزم القدس فاتفق الأمراء على خرابه ~~وقالوا : قد خلا الشام من العساكر ، فلو أخذه الفرنج حكموا على الشام ، ~~وكان بالقدس أخوه العزيز الأمير عثمان ، وعز الدين أيبك أستاذ الدار ، وكتب ~~إليهما المعظم بخرابه فتوقفا وقالا : نحن نحفظه ، فكتب المعظم إليهما : لو ~~أخذوه لقتلوا كل من كان فيه وحكموا على دمشق وبلاد الإسلام ، فألجأت ~~الضرورة إلى إخرابه ، فشرعوا في السور أول يوم من المحرم ، ووقع في البلد ~~ضجة مثل يوم القيامة ، وخرج النساء المخدرات ، والبنات والشيوخ ، والعجائز ~~، والشباب ، والصبيان إلى الصخرة ، والأقصى فقطعوا شعورهم ومزقوا ثيابهم ، ~~بحيث امتلأت الصخرة ومحراب الأقصى من الشعور ، وخرجوا هاربين ، وتركوا ~~أموالهم وأهاليهم ، وما شكوا أن الفرنج تصبحهم ، وامتلأت بهم الطرقات ، ~~فبعضهم إلى مصر ، وبعضهم إلى الكرك ، وبعضهم إلى دمشق ، والبنات المخدرات ~~يمزقن ثيابهن ويربطنها على أرجلهن من الحفا ، ومات خلق كثير ms135 من الجوع ، ومن ~~العطش ، وكانت نوبة لم يكن مثلها في الاسلام ، ونهبت الأموال التي كانت لهم ~~في القدس ، وبلغ القنطار الزيت عشرة دراهم ، وأكثر الشعراء في ذم دولة ~~المعظم ودعوا عليها ، فقال بعض أهل العلم : PageV01P724 في رجب حلل الحميا %~% وأخرب القدس في المحرم |من أبيات ولم يعذره أحد . | # وفيها نفى المعظم ابن المشطوب من مصر ، وكان قد اتفق مع الفائز ابن ~~العادل على الكامل ، واستحلف العساكر ، وعرف الكامل فرحل إلى أشمون ، وعزم ~~على التوجه إلى اليمن ، وأيس من البلاد ، وعلم المعظم فقال له : لا بأس ، ~~وركب المعظم آخر النهار ، وجاء إلى خيمة ابن المشطوب ، وقال : قولوا لعماد ~~الدين يركب حتى نسير ، فأخبروه فخرج من الخيمة بغير صباغات ، ولحق المعظم ، ~~فأبعد به عن العسكر وقال له : الملك الأشرف قد طلبك ، وهو محتاج إليك فتسير ~~إليه الساعة ، فقال : ما في رجلي صباغات ، ولا معي أحد من غلماني ، ولا ~~قماشي ، فوكل به جماعة ، وأعطاه خمسمائة دينار ، وقال كل مالك يلحقك ، ~~والله لا يضيع لك خيط واحد ، وسار به الموكلون ، ورجع المعظم إلى خيمته ~~فوقف حتى جهز خيله وغلمانه وثقله ، ولم يبق له خيطا واحدا ، وساروا خلفه ، ~~وعاد المعظم إلى خيمته ، وجاء إليه الكامل فقبل الأرض بين يديه وخاف الفائز ~~خوفا عظيما. # وأما ابن المشطوب فاجتاز بظاهر دمشق ، وسار إلى حماة ، وأقام بها فبعث ~~إليه الأشرف منشورا بأرجيش بلد خلاط وزيادة ، وبعث إليه بالخلع ، فسار إلى ~~الأشرف فأكرمه وأحسن إليه ، فصار يركب بالشبابة ويعمل له سلطنة أعظم من ~~الأشرف وتجبر وطغا وبغا وخامر على الأشرف ، وطلع إلى ماردين وقصد سنجار ، ~~وجرى عليه ما سنذكره. # وفيها في شعبان أخذت الفرنج دمياط ، وكان المعظم قد جهز إليها ابن الجرخي ~~الناهض في خمسمائة راجل ، فهجموا على الخنادق وكانوا طموا الخنادق ، وضعف ~~أهل دمياط ، وأكلوا الميتات ، وعجز الكامل عن نصرتها ، ووقع فيهم الفناء ، ~~والوباء ، فراسلوا الفرنج على أن يسلموا لهم PageV01P725 # البلد ويخرجون منها بأهلهم وأموالهم ، واجتمع الأقساء وحلفوهم على ذلك ، ~~فركبوا في المراكب ، وزحفوا في البحر والبر ، وفتح ms136 لهم أهل دمياط الأبواب ، ~~فدخلوا ورفعوا أعلامهم على السور ، وغدروا بأهله ، ووضعوا فيهم السيف قتلا ~~وأسرا ، وباتوا تلك الليلة في الجامع يفجرون بالنساء ، ويفضحون بالبنات ، ~~وأخذوا المنبر ، والمصاحف ورؤوس القتلى ، وبعثوا بها إلى الجزائر ، وجعلوا ~~الجامع كنيسة وكان أبو الحسن بن قفل بدمياط ، وسألوا عنه ، فقالوا : هذا ~~رجل صالح من مشايخ المسلمين تأوي إليه الفقراء ، فما تعرضوا له ، ووقع على ~~الإسلام كآبة عظيمة ، وبكى الكامل والمعظم بكاء شديدا ، ثم تأخرت العساكر ~~عن تلك المنزلة ، فكان المعظم يقول لي بعد ذلك : لو كان الدعاء الآن يسمع ، ~~لسمع دعاء أهل دمياط ، فإن الله تعالى أخبرنا أنه يستجيب دعاءنا في عدة ~~مواضع من كتابه ، وإنما أهل دمياط لما كثر فسقهم ، وفجورهم سلط الله عليهم ~~من انتقم منهم ( وإذا أردنا أن نهلك قرية ) (1) الآية. # ثم قال الكامل للمعظم : وقد سقط في يده قد فات ما ذبح ، وجرى المقدور بما ~~هو كائن ، وما في مقامك هاهنا فائدة ، والمصلحة أن تنزل إلى الشام تشغل ~~خواطر الفرنج وتستجلب العساكر من الشرق. ### |||| * فصل # وكتب المعظم إلي وأنا بدمشق كتابا بخطه يقول في أوله : أخوه عيسى الكاملي ~~قد علم الأخ العزيز ، وذكر ألقابا كثيرة ، وقال : قد جرى على دمياط ما جرى ~~، وأريد أن تحرض الناس على الجهاد ، وتعرفهم ما جرى على إخوانهم أهل دمياط ~~من الكفرة أهل العناد ، وإني كشفت ضياع الشام فوجدتها ألفي قرية منها ألف ~~وستمائة أملاك لأهلها ، وأربعمائة سلطانية ، وكم مقدار ما تقوم هذه ~~الأربعمائة من العساكر؟ وأريد أن PageV01P726 # تخرج الدماشقة ليذبوا عن أملاكهم ، الأصاغر منهم والأكابر ، ويكون لقاؤنا ~~وهم في صحبتك إلى نابلس في وقت سماه. # فجلست في جامع دمشق ، وقرأت كتابه عليهم فأجابوا بالسمع والطاعة ، وقالوا ~~: نمتثل أمره بحسب الاستطاعة ، وتجهزوا ، فلما حل ركابه بالساحل وقع ~~التقاعد من الأماثل لأن لكل مقام مقالا ، وللحرب رجالا وكان تقاعدهم سببا ~~لأخذه الثمن ، والخمس من أموالهم ، والمؤاخذة على أفعالهم ، وكتب إلي يقول ~~: إذا لم يخرجوا فسر أنت إلي وأقدم علينا ، فخرجت إلى الساحل ، وهو نازل ~~على قيسارية ms137 ، فأقمنا حتى فتحها عنوة ، ثم سرنا إلى النقر ، ففتحه وهدمه ، ~~وعاد إلى دمشق بعد أن أخرب بلاد الفرنج. ### |||| * فصل # وفيها ألبس زكي الدين القباء والكلوتة وكان في قلبه منه حزازات ، كان ~~منعه من إظهارها حياؤه من العادل ، وخوفه من الشناعات ، وكان يشكو إلي ~~مرارا ويقول إنه لا ينفذ الأحكام ، ولا يقيم معالم الاسلام قال : وكنت أقول ~~له : يا قاضي أما قد ثبت عندك هذا الأمر؟ فيقول : بلى ، فأقول : فلم لا ~~تحكم به؟ فيقول : ما أحكم ، واتفق موت العادل ، ومرض ست الشام عمة الملك ~~المعظم ، وكانت قد أوصت بدارها مدرسة ، وأحضرت زكي الدين والشهود وأشهدتهم ~~عليها ، وأوصت إلى القاضي ، وبلغ المعظم فعز عليه ، وقال : يحضر إلى دار ~~عمتي بغير إذني ، وسمع كلامها هو والشهود ، ثم اتفق أن القاضي أرسل إلى ~~أخضر جابي المدرسة العزيزية ، وطلب منه حسابها ، فأغلظ له في القول ، فأمر ~~بضربه ، فضرب بين يديه كما تفعل الولاة ، فوجد المعظم سبيلا إلى إظهار ما ~~كان في نفسه ، وكان الجمال المصري وكيل بيت المال عدو القاضي ، فجاء فجلس ~~عند القاضي في مجلس الحكم والشهود حاضرون ، والناس فبعث المعظم مع صديق ~~غلام عماد الدين بن موسك ببقجة فيها : قباء ، وكلوتة ، وأمره أن PageV01P727 # يحكم بين الناس ، وهما عليه ، فقام من خوفه فلبسهما ، وحكم بين اثنين ~~وكان أضر ما عليه حضور الجمال المصري عنده ، وكان هذا القاضي قد سلب ~~التوفيق وإلا فلو قال : اشهدوا علي إنني قد عزلت نفسي عن الحكم ، وما ألبس ~~هذه لتخلص ، والقتل أهون مما جرى عليه ثم إن القاضي مرض ، ورمى كبده قطعا ، ~~وكانت حركة شنيعة ، وواقعة قبيحة لم يجر في الإسلام أقبح منها ، وكانت من ~~غلطات المعظم ، ولقد قلت له : ما فعلت إلا بصاحب الشرع؟ ولقد وجبت عليك دية ~~القاضي ، فقال : هو الذي أحوجني ولقد ندمت ، قلت بعد أن سارت بفعلك الركبان ~~، وتحدث الناس في البلدان ، وقال ابن عنين في ذلك : # يا أيها الملك المعظم سنة %~% أحدثتها تبقى على الآباد تجري الملوك على طريقك بعدها %~% خلع القضاة وتحفة الزهاد ms138 # وكان ابن عنين قد تزهد ، فبعث إليه قنينة خمر ونردا وقال : سبح بهذا ... ### |||| * فصل # وفيها توفيت ست الشام بنت أيوب أخت صلاح الدين ، والعادل ، وشقيقة شمس ~~الدولة ، كانت سيدة الخواتين عاقلة كثيرة البر والصلاة ، والإحسان والصدقات ~~، وكان يعمل في دارها من الأشربة والمعاجين والعقاقير في كل سنة بألوف ~~دنانير ، تفرقها على الناس ، وكان بابها ملجأ القاصدين ، ومفرج المكروبين ، ~~وهي أم حسام الدين بن لاجين ، وتزوجها ناصر الدين محمد بن أسد الدين صاحب ~~حمص ، وبنت لها مدرسة وتربة بالعوينة على الشرف الشمالي من دمشق ، وأوقفت ~~عليهما وعلى المدرسة الجوانية أوقافا كثيرة ، وكانت وفاتها في ذي القعدة ، ~~ودفنت بتربتها بالعوينة ، وكانت لها جنازة عظيمة ، وكان شبل الدولة كافور ~~الحسامي خادمها ، فتولى أمرها ، قال : وقد اجتمع لست الشام PageV01P728 # وأختها ربيعة خاتون ما لم يجتمع لأحد ، لأنا قد ذكرنا فيما تقدم أن فاطمة ~~بنت عبد الملك بن مروان كان لها ثلاثة عشر محرما ، كل واحد منهم خليفة ، ~~وأمها عاتكة بنت يزيد بن معاوية حرمت على عشرة من الخلفاء ، وذكرناه ، وبنت ~~صاحب ماردين كان لها عدة محارم ، وست الشام وأختها كان لها نيف وثلاثون ~~محرما من الملوك ، سوى أولادهم ، وأولاد أولادهم ، فإخوتها أربعة : صلاح ~~الدين ، والعادل ، وسيف الإسلام ، وشمس الدولة ، فمن أولاد صلاح الدين : ~~العزيز ، وولده محمد ، والأفضل ، والظاهر ، وولده محمد العزيز ، وابنه ~~الناصر يوسف ، والزاهر ، والظاهر ، ومن أولاد العادل الكامل وأولاده ~~الثلاثة أقسيس صاحب اليمن ، وأبو بكر العادل صاحب مصر ، وأيوب الصالح صاحب ~~مصر أيضا ، وابن العادل أبو بكر صاحب الكرك ، وابن الصالح أيوب تورانشاه ~~المقتول بمصر ، والملك المعظم عيسى بن العادل ، وولده داود الناصر ، والملك ~~الأشرف بن العادل ، والصالح اسماعيل بن العادل ، والأوحد بن العادل ، صاحب ~~خلاط ، وشهاب الدين غازي وولده ، والحافظ صاحب قلعة جعبر ، وابن سيف ~~الإسلام صاحب اليمن الذي ادعى الخلافة ، وفرخ شاه بن شاهنشاه ، وولده ~~الأمجد وغيرهم. ### |||| * فصل # وفيها توفي الملك المنصور محمد بن عماد الدين زنكي صاحب سنجار ، كان ملكا ~~عادلا ، جوادا قدم سنجار في سنة ثلاث وستمائة ، وجلس ms139 بالمدرسة العمادية ~~ظاهر سنجار بشفاعة الخليفة ، وقد ذكرناه ، وكانت وفاته في هذه السنة وهي ~~سنة ست عشرة وستمائة ، وخلف عدة أولاد : سلطان شاه ، وسيف الدين زنكي ، ~~ومظفر الدين ، وعدة بنات .... ### ||| * السنة السابعة عشرة وستمائة # وفيها نافق ابن المشطوب وعاث في الأرض بسنجار ، وساعده صاحب ماردين ، ~~وكان نجم الدين ابن أبي عصرون مع ابن المشطوب ، PageV01P729 # قد زور له ، فسار الأشرف ونزل على دنيسر ، وجاء الملك الصالح فأصلح بين ~~صاحب ماردين والأشرف ، ودخل ابن المشطوب إلى تل أعفر ، وسار إليه فارس ~~الدين ابن صبرة من نصيبين ، وبدر الدين لؤلؤ من الموصل ، وحصراه في تل أعفر ~~، فأنزله بدر الدين لؤلؤ بالأمان ، وحمله معه إلى الموصل ، ثم قيده ، وبعث ~~به إلى الأشرف ، فألقاه الحاجب علي في الجب فمات بالقمل والجوع ، وكان نور ~~الدين ابن عماد الدين صاحب قرقيسيا مع الأشرف ، وقد كاتب عليه ، واتفق مع ~~ابن المشطوب ، فاعتقله الأشرف وبعث به مع العلم تعاسيف على قرقيسيا وعانة ، ~~وعلق نور الدين برجليه تحت القلعتين وعذبه فسلمت إلى تعاسيف جميع بلاده ، ~~وأراد الأشرف أن يرميه في الجب ، فتشفع إلى الملك المعظم ، فشفع فيه إلى ~~الأشرف ، فأطلقه وسار نور الدين إلى دمشق وأحسن المعظم إليه فاشترى في ~~العقيبة بستان ابن حيوس وأقام به. ### |||| * فصل # وفيها قتل صاحب سنجار أخاه ، فسار الأشرف إليها فأخذها ، وعوض صاحب سنجار الرقة. # وفيها عزل المعظم المبارز المعتمد من ولاية دمشق ، وولى العدل خليل. # وفيها كان أول ظهور التتر ، وعبورهم جيحون ، وكان أول ظهورهم من وراء ~~النهر سنة خمس عشرة وستمائة ، وقبل عبورهم جيحون قصدوا بخارا ، وسمرقند ، ~~فقتلوا أهلها وسبوهم ، وحصروا خوارزم شاه ، فانضم إليهم الخطا وصاروا تبعا ~~لهم ، وكان خوارزم شاه قد أخلى البلاد من الملوك ، فلم يجدوا أحدا يردهم ، ~~ووصل التتر إلى الري وقزوين ، وهمذان في هذه السنة ، فقتلوا أهلها وأحرقوا ~~مساجدها ، وسبوا ، ثم توجهوا إلى بلاد أذربيجان ففعلوا كذلك. PageV01P730 ### |||| * فصل # وحج بالناس من بغداد آقباش الناصري ، وقتل بمكة ، ولم يحج أحد من العجم ~~بسبب التتر ، وحج من الشام المبارز المعتمد ms140 ، وعاد حج العراق. # وفيها توفي الملك الفائز ابن العادل ، واسمه إبراهيم ، وكان قد حالف ابن ~~المشطوب ، والأمراء بمصر على الكامل ، ولو لا المعظم لتم لهم ما أرادوا ~~ولما كانت وقعة البرلس ، قال الكامل للفائز : هؤلاء الفرنج قد استولوا على ~~البلاد ، وقد أبطى علينا الملك المعظم ، وما لملوك الشرق غيرك ، فقم وتوجه ~~إلى الأشرف ، وعرفه ما نحن فيه من المضايقة ، فسار إلى الشرق ، وكان الأشرف ~~على الموصل ، فمرض الفائز بين سنجار والموصل ، وقيل إنه سم فمات ، فردوه ~~إلى سنجار فدفن عند تربة عماد الدين زنكي والله أعلم ..... ### |||| * فصل # وفيها توفي الشيخ عبد الله اليونيني ، أسد الشام ، وأصله من قرية من قرى ~~بعلبك يقال لها يونين ، كان صاحب رياضات ، ومجاهدات وكرامات واشارات ، لم ~~يقم لأحد من الناس تعظيما لله تعالى ، ويقول : لا ينبغي القيام لغير الله ، ~~صحبته مدة ، وما كان يدخر شيئا ، ولا يمس يده دينارا ولا درهما ، وكان ~~زاهدا ، ورعا عفيفا ، وما لبس طول عمره إلا الثوب الخام ، وقلنسوة من جلد ~~الماعز تساوي نصف درهم ، وفي الشتاء يبعث له بعض أصحابه فروة قرض يلبسها ثم ~~يؤثر بها في البرد ، وكان إذا لبس الثوب يقول هذا لفلان وهذا لفلانة. # وقال لي يوما : يا سيدي أنا أبقى في هذه الزاوية أياما ، وكنا ببعلبك ، ~~ما آكل شيئا فقيل له : فأنت صاحب القبول ، فكيف تجوع؟ قال : يا سيد لأن أهل ~~بعلبك يتكل بعضهم على بعض فأجوع أنا. # وحدثني عبد الله خادمه عنه قال : كان يأخذ ، ورق اللوز ، فيفركه PageV01P731 # ويستفه ، وكان الملك الأمجد يزوره ، ويحبه ، وكان الشيخ يهينه فما قام له ~~يوما قط ، وكان يقول له : يا مجيد أنت تظلم ، وتفعل ، وتصنع ، وهو يعتذر ~~إليه ، وأظهر العادل قراطيس سود ، فقال الشيخ عبد الله : يا مسلمين انظروا ~~إلى هذا الشيخ الفاعل الصانع يفسد على الناس معاملاتهم ، وبلغ العادل ~~فأبطلها. ### |||| * ذكر طرف من أخباره وكراماته # كنت قد اجتمعت به في الشام في سنة ستمائة إلى سنة ثلاث وستمائة وكان له ~~تلميذ اسمه توبة ، وكان من الصالحين الأجواد ، وسافرت ms141 إلى العراق في سنة ~~أربع وستمائة ، وحججت ، فلما كان يوم عرفة صعدت جبل عرفات ، وإذا بالشيخ ~~عبد الله قاعد على الجبل مستقبل الكعبة ، وعليه الثوب الخام ، وعلى رأسه ~~القلنسوة السوداء ، فسلمت عليه فرحب بي وسألني عن طريقي ، وقعدت عنده إلى ~~قريب الغياب ثم قلت له : ما تقوم تروح إلى المزدلفة؟ فقال : اسبقني أنت فلي ~~رفاق ، فنزلت من الجبل وأتيت المزدلفة ، ووقفت بها ، وجئت إلى منى فدخلت ~~مسجد الخيف ، وإذا بالشيخ توبة خارج من المسجد ، فسلم علي فقلت له : أين ~~نزل الشيخ ، ظنا مني أنه قد حج معه ، فقال : أيما شيخ؟ فقلت : عبد الله ، ~~قال : خلفته ببعلبك ، ففطنت فقلت مبارك ، ففهم فلزم بيدي وبكى قال : وبالله ~~حدثني ايش معنى هذا؟ فقلت : رأيته البارحة على عرفات ، وحدثته الحديث ~~فحدثني توبة قال : قال لي الشيخ : ما هو صحيح منك فلان فتى ، والفتى لا ~~يكون غمازا ، فلما عدت إلى الشام عتبني الشيخ ، فقلت : توبة تلميذك ، فقال ~~: لا تعد إلى مثلها فإنه لم يأمره أن يتحدث له بكرامة في حال حياته. # وحدثني القاضي جمال الدين ابن يعقوب قاضي كرك البقاع ببعلبك ، قال كنت ~~يوما عند الجسر الأبيض في مسجد هناك ، وقت السحر وإذا بالشيخ عبد الله قد ~~جاء ، فنزل ثورا يتوضأ ، وإذا بنصراني عابر على PageV01P732 # الجسر ، ومعه بغل عليه حمل خمر ، فعثر البغل عند الجسر ، وليس في الطريق ~~أحد فصعد الشيخ من النهر ، وصاح بي : يا فقيه تعال ، قال : فجئت من النهر ، ~~فقال : عاوني فعاونته حتى رفعنا الحمل على البغل ، وراح النصراني ، قال : ~~فقلت في نفسي : مثل هذا الشيخ يفعل كذا ، ثم مشيت خلف البغل إلى العقيبة ~~فجاء إلى الخمار فحط الحمل ، وفتح الزقاق ، وقلب ليكيله ، وإذا به قد صار ~~خلا ، فقال له الخمار هذا خل فبكى ، وقال : والله ما كان إلا خمرا من ساعة ~~، وإنما أنا أعرف العلة ، ثم ربط البغل في الخان وعاد إلى الجبل ، وكان ~~الشيخ قد صلى الظهر في المسجد الذي عند الجسر ، وقعد يسبح ، فدخل عليه ~~النصراني ، وقال : يا سيدي ms142 أنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، وصار فقيرا. # وحكى لي جماعة من أهل بعلبك قالوا : كان جالسا يوما في زاويته ، وإذا ~~بامرأة طالعة وبين يديها دابة تسوقها عليها نحاس وثياب فربطتها ، وجاءت ~~إليه فسلمت عليه ، فقال لها : من أين أنت؟ فقالت : نصرانية من جهة المنيطرة ~~، قال : وما الذي جاء بك إلى عندي؟ قالت : رأيت السيدة مريم في المنام ، ~~فقالت : اذهبي فاخدمي الشيخ عبد الله اليونيني إلى أن تموتي ، قالت : فقلت ~~لها يا سيدتي فذاك مسلم ، فقالت صحيح إنه مسلم ولكن قلبه [مؤمن] فقال لها ~~الشيخ : أجادت مريم ما عرفني غيرها ، فأعطاها بيتا في الزاوية ، فأقامت ~~تخدمه ثمانية أشهر ، فمرضت ، فقال لها الشيخ : ايش تشتهين؟ قالت أموت على ~~دين السيدة مريم ، فقال صيحوا بالقسيس ، فقال : خذ هذه إليك ، وخذ قماشها ، ~~وكان خمسمائة درهم ، فماتت عند القسيس. # وحكى بعض أهل بعلبك أنها ما ماتت إلا مسلمة عند الشيخ ، وتصدق بما خلفت. # وكان يأوي في الشتاء إلى عيون الفاسريا بظاهر دمشق لأجل سخونة PageV01P733 # الماء ، وقد بنى له على رأس العين مسجدا صغيرا يأوي إليه ، وكان الدماشقة ~~يخرجون من دمشق إلى زيارته ، فحكت لي امرأة صالحة قالت : خرجت من دمشق بعد ~~العصر ، فوصلت إلى العيون بعد العشاء الآخرة فتوضأت ، وطلعت إلى باب ~~الزاوية ، وكانت ليلة مقمرة وإذا بالسبع نائما على باب الزاوية ورأسه على ~~عتبتها فيئست ولم أقدر أتحرك ، فسحبت ركبتي إلى نحو القبلة ، فلما كان وقت ~~السحر هرول السبع ومضى ، وخرج الشيخ فرآني فقال : ويحك وايش كان عليك منه ، ~~ومن هذا كثير. # وكان الشيخ شجاعا لا يبالي بالرجال قلوا أو كثروا ، وكان قوسه ثمانين ~~رطلا ، وما فاته غزاة الشام قط ، وكان يتمنى الشهادة ، ويلقي نفسه في ~~المهالك ، حكى لي عنه خادمه عبد الصمد قال : لما دخل العادل إلى بلاد ~~الفرنج ، ووصل إلى صافيتا ، كان الشيخ في الزاوية ببعلبك ، فقال لي : يا ~~صميد انزل إلى الفقيه عبد الله اطلب لي منه بغلة ، قال فأحضرت البغلة ms143 ~~فركبها وخرجت معه فبتنا في هونين ، وقمنا نصف الليل فجئنا إلى المحدثة قبل ~~الصبح ، فقلت : لا تتكلم هاهنا ، فهذا مكمن الفرنج ، قال : فرفع صوته وقال ~~: الله أكبر ما أبركك من يوم أمضي إلى صاحبي ، وساق إليهم وقد شهر سيفه ، ~~فقلت في نفسي : شيخ وتحته بغلة وبيده سيف يسوق إلى طلب الفرنج ، قال : ~~فانكسر قلبي ، وفترت همتي فقلت له : احمد ربك فإن الله قد نظر إليك أنت ~~واحد تريد تلاقي مائة حمار وحش على بغلة. # قال : وجئنا إلى حمص ، فجاءنا الملك المجاهد أسد الدين ، وقدم له حصانا ~~من خيله ، فركبه ودخل معهم ، فعمل العجائب ، وكان يقول للفقيه محمد : في ~~وفيك نزل ( إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ) (1) أنا من الرهبان وأنت من الأحبار. PageV01P734 ### |||| * ذكر أخلاقه # قد ذكرنا أن الملك الأمجد كان يزوره ويحبه ، وكان الشيخ يهينه ، فما قام ~~له قط ، وكان يقول له : يا مجيد أنت تظلم ، وتفعل ، وتصنع ، وهو يعتذر إليه ~~، وقد ذكرنا أن العادل أظهر قراطيس سود ، فقال الشيخ عبد الله : انظروا يا ~~مسلمين إلى هذا الشيخ الفاعل الصانع يفسد على الناس معاملاتهم ، وبلغ ~~العادل فأبطلها ، وقد ذكرنا أخباره وكراماته وحكاياته ، وقد ذكرنا حكايته ~~مع النصراني ومع المرأة التي كان معها الدابة ، وعليها النحاس والثياب. # وحكى عبد الصمد خادمه قال : لما كان يوم الجمعة نزل فصلى الجمعة بجامع ~~بعلبك ، وهو صحيح ليس به شيء ، ودخل الحمام قبل الصلاة واغتسل ، وكان عليه ~~ثوبان ثوب قد سماه لأم أيدمر ، والآخر سماه لأم بهجة ، وجاءه داود المؤذن ، ~~وكان يغسل الموتى فقال له : ويحك يا داود انظر كيف تكون غدا ، فما فهم داود ~~، وقال : يا سيدي كلنا غدا في غفارتك ، ثم صعد الشيخ إلى المغارة ، وكان قد ~~أمر الفقراء أن يقطعوا صخرة عند اللوزة التي كان ينام تحتها ويقعد عندها ، ~~وعندها قبر وكان في نهار الجمعة قد نجرت الصخرة ، وبقي منها مقدار نصف ذراع ~~، فقال لهم : لا تطلع الشمس إلا وقد فرغتم منها. # قال : وبات طول الليل يذكر أصحابه ومعارفه ms144 ، ويدعو لهم ويقول : يا سيدي ~~فلانة اجتزت بها في الموضع الفلاني أعطتني شربة ماء فشربتها ، وقليل ماء ، ~~فتوضأت به ، اغفر لها ، وفلان أحسن إلي فأحسن إليه ، وطلع الصبح فصلى بي ، ~~وخرج إلى الصخرة التي كان يجلس عليها ، فجلس عليها وبيده سبحته ، وقام ~~الفقراء يتممون الصخرة ، وطلعت الشمس ، وقد فرغوا منها ، والشيخ قاعد نائم ~~والسبحة بيده وجاء خادم من القلعة في شغل فرآه نائما قاعدا بحاله فما تجاسر ~~أن يوقظه ، فقعد ساعة فطال عليه ، فقال : يا عبد الصمد ما أقدر أقعد أكثر ~~من هذا ، فتقدمت إليه وقلت : PageV01P735 # سيدي ، سيدي ، فما تكلم فحركته فإذا به ميت ، وقد فرغوا من الصخرة ، ~~وعملوا فيها ساعة ، وهو ميت ، وارتفع الصياح ، وكان صاحب بعلبك في الصيد ، ~~فأرسلوا وراءه فجاء فرآه على تلك الحال ، لا وقع ولا وقعت السبحة من يده ، ~~وهو كأنه نائم ، فقال : دعونا نبني عليه بنيانا ، وهو على حاله ليكون ~~أعجوبة الدنيا أن الانسان يموت وهو قاعد ، ولا يتغير فقالوا : إتباع السنة ~~أولى ، وطلع داود فغسله ، ودفع الثوبين إلى المرأتين ، ولما ألحدوه قال له ~~الحفار : يا شيخ عبد الله اذكر ما عاهدتنا عليه ففتح عينيه ، ونظر إليه ~~شزرا ، ودفن عند اللوزة يوم السبت في العشر الأول من ذي الحجة ، وقد جاوز ~~ثمانين سنة رحمه الله ، ونفعنا ببركته. # اقتصرنا على هذه اللمعة من فضائل الشيخ عبد الله وصفاته ، وأحواله ~~وكراماته ، وكان يستوحش من الناس لما حصل له من الانسان ، فتارة يكون بجبل ~~لبنان هاجرا للأوطان وتارة بالغسولة وبثنية العقاب يفر من الأسباب ، وتارة ~~بضمير يستنشق روائح الغوير ..... ### ||| * السنة الثامنة عشرة وستمائة # وفيها توجه الملك المعظم إلى أخيه الأشرف ، واجتمعا على حران ، وكتب صاحب ~~ماردين ناصر الدين إلى الأشرف يسأله أن يصعد المعظم إليه ، فسأله فسار إلى ~~ماردين ، ونزل صاحب ماردين ، والتقاه من دنيسر وأصعده إلى القلعة ، وخدمه ~~خدمة عظيمة ، وقدم له التحف والجواهر ، وتحالفا واتفقا على ما أرادا ، وزوج ~~المعظم احدى بناته ، وزوج ناصر الدين ابنه بنته الأخرى ، وخلع على الجميع ~~وأعطاهم الأموال ، ورجع المعظم ms145 إلى حران ، ووصلت الأخبار بوصول التتر إلى ~~كرمان شاهان قريبا من بغداد ، وانزعج الخليفة ، وأمر الناس بالقنوت في ~~الصلاة ، وحصن بغداد واستخدم العساكر. # وفي جمادى الآخرة فتحت دمياط. PageV01P736 ### |||| * ذكر السبب # وكان المعظم من أحرص الناس على خلاص دمياط ، والغزاة ، وكان مصافيا لأخيه ~~الكامل ، وكان الأشرف مقصرا في حق الكامل ، وكان مباينا له في الباطن ، ~~فلما اجتمعت العساكر على حران ، قطع بهم المعظم الفرات ، وسار الأشرف في ~~آثاره ، وجاء المعظم فنزل حمص ، ونزل الأشرف سلمية ، وكنت قد خرجت من دمشق ~~إلى حمص لطلب الغزاة ، فإنهم كانوا على عزم الدخول إلى طرابلس ، فاجتمعت ~~بالمعظم على حمص في ربيع الآخر فقال لي : قد سحبت الأشرف إلى هاهنا بأسناني ~~، وهو كاره ، وكل يوم أعاتبه في تأخره ، وهو يكاسر ، وأخاف من الفرنج أن ~~يستولوا على مصر ، وهو صديقك وأرى أن تقوم تروح إليه فقد سألني عنك مرارا ، ~~ثم كتب إلى أخيه كتابا بخطه نحو ثمانين سطرا ، وأخذتها ومضيت إلى سلمية ، ~~وبلغ الأشرف وصولي ، فخرج من الخيمة والتقاني ، وعاتبني على انقطاعي عنه. # وجرى بيني وبينه فصول ، وقلت له : المسلمون في ضائقة ، وإذا أخذ الفرنج ~~الديار المصرية ملكوا إلى حضر موت ، وعدوا إلى مكة ، والمدينة ، والشام ، ~~وأنت تلعب ، قم الساعة وارحل ، فقال : ارموا الخيام والدهليز ، وسبقته إلى ~~حمص ، والمعظم عينه إلى الطريق ، فلما قيل له : قد وصل ، ركب والتقاني ، ~~فقال : ما نمت البارحة ، ولا أكلت اليوم شيئا ، فقلت : غدا يصبح أخوك على ~~حمص ، فدعاني ، ولما كان الغد أقبلت الأطلاب ، وجاء طلب الأشرف ، والله ما ~~رأيت أجمل منه ، ولا أحسن رجالا ولا أكمل عدة ، وسر المعظم سرورا عظيما ، ~~وجلسوا تلك الليلة ، يتشاورون ، فاتفقوا على الدخول في سحر إلى طرابلس ، ~~ويشوشوا على الفرنج ، وكانوا على حال ، فأنطق الله الأشرف من غير قصد ، ~~وقال للمعظم : يا خوند عوض ما ندخل الساحل ، وتضعف خيلنا وعساكرنا ، ويضيع ~~زماننا ما نروح إلى دمياط ، ونستريح؟ فقال له المعظم : قول رماة PageV01P737 # البندق؟ قال : نعم فقبل المعظم قدمه ، ونام الأشرف ، فخرج المعظم من ~~الخيمة كالأسد الضاري ms146 يصيح : الرحيل ، الرحيل إلى دمياط ، وما كان يظن أن ~~الأشرف يسمح بذلك ، وساق المعظم إلى دمشق ، وتبعته العساكر ، ونام الأشرف ~~في خيمته إلى الظهر وانتبه ، فدخل الحمام ، فلم ير حول خيمته أحدا ، فقال : ~~وأين العساكر؟ فأخبروه الخبر ، فسكت وساق إلى دمشق ، ونزل القصير يوم ~~الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى ، فأقام إلى سلخ جمادى ، وعرض العساكر تحت ~~قلعة دمشق ، وكان هو وأخوه المعظم في الطيارة في القلعة ، وساروا إلى مصر ~~غرة جمادى الآخرة. # وأما الفرنج فإنهم خرجوا بالفارس والراجل ، وكان البحر زائدا جدا فجاؤوا ~~إلى ترعة فأرسوا إليها ، وفتح المسلمون عليهم الترع من كل مكان فأحدقت بهم ~~عساكر الكامل ، فلم يبق لهم وصول إلى دمياط ، وجاء أسطول المسلمين فأخذوا ~~مراكبهم ، ومنعوهم أن يصل إليهم ميرة من دمياط وكانوا خلقا عظيما وانقطعت ~~أخبارهم عن دمياط وكان فيهم مائة كند وثماني مائة من الخيالة المعروفين ~~وملك عكا والدوك واللوكان نائب البابا ، ومن الرجالة ما لا يحصى ، فلما ~~عاينوا الهلاك أرسلوا إلى الكامل يطلبون الصلح والرهائن ويسلمون دمياط ، ~~فمن حرص الكامل على خلاط دمياط أجابهم ، ولو أقاموا يومين أخذوا برقابهم ، ~~فبعث إليهم الكامل ابنه الصالح أيوب ، وابن أخيه شمس الملوك وجاء ملوكهم ~~إلى المنصورة في ثالث رجب ، فجلس الكامل مجلسا عظيما ، أحضر ملوك الفرنج ، ~~والخيالة ، ووقف : المعظم ، والأشرف ، والملوك في خدمته وقام الحلي الشاعر ~~فأنشد : # هنيئا فإن السعد راح مخلدا %~% وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا حبانا إله الخلق فتحا بدا لنا %~% مبينا وإنعاما وعزا مؤبدا تهلل وجه الدهر بعد قطوبه %~% وأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا ولما طغا البحر الخضم بأهله %~% طغاة وأضحى بالمراكب مزبدا PageV01P738 أقام لهذا الدين من سل عزمه %~% صقيلا كما سل الحسام مجردا فلم ينج إلا كل شلو مجدل %~% سوى منهم ومن تراه مقيدا ونادى لسان الكون في الأرض رافعا %~% عقيرته في الخافقين ومنشدا أعباد عيسى إن عيسى وحزبه %~% وموسى جميعا يخدمون محمدا # من أبيات ، هذين البيتين بيت القصيدة ، وقع الصلح بين الكامل والفرنج يوم ~~الأربعاء تاسع رجب وسار بعض الفرنج إلى ms147 البر وبعضهم في البحر إلى عكا وتسلم ~~الكامل دمياط ووصلت العساكر الشرقية والشامية وقد أخذ الكامل دمياط. ### |||| * فصل # وحج بالناس ابن أبي فراس ، ومعه كتاب إلى مكة والمدينة بإعادة ولي العهد ~~أبي نصر إلى العهد ، وكتب إلى الآفاق بذلك. # وعاد المعظم إلى الشام ، وأقام الأشرف بمصر عند الكامل ، فغير الله ~~القلوب ، وصارا متصادقين ، واتفقا على المعظم ، وولى المعظم الجمال المصري ~~قضاء دمشق ، وقرأ منشوره بهاء الدين ابن أبي اليسر في شهر رجب .... # وحج بالناس من اليمن أقسيس بن الكامل ، ولقبه الملك المسعود في عسكر عظيم ~~فجاء إلى الجبل ، وقد لبس وأصحابه السلاح ، ومنع علم الخليفة أن يصعد الجبل ~~، وأصعد علم أبيه الكامل ، وعلمه ، وقال لأصحابه : إن اطلع البغاددة علم ~~الخليفة فأكسروه وانهبوهم ، ووقفوا تحت الجبل من الظهر إلى غروب الشمس ~~يضربون الكوسات ، ويتعرضون للحاج العراقي ، وينادون : يا ثارات ابن المقدم ~~، فأرسل ابن أبي فراس أباه ، وكان شيخا كبيرا إلى أقسيس ، فأخبره بما يجب ~~من طاعة الخليفة ، وما يلزمه في ذلك من الشناعة ، ويقال إنه أذن في صعود ~~العلم قبيل الغروب ، وقيل لم يأذن ، وبدا من أقسيس في تلك السنة جرأة عظيمة. PageV01P739 # وحكى لي شيخنا جمال الدين الحصيري ، قال : رأيت أقسيس قد صعد إلى قبة ~~زمزم وهو يرمي حمام مكة بالبندق ، قال : ورأيت غلمانه في المسعى يضربون ~~الناس بالسيوف في أرجلهم ، ويقولون اسعوا قليلا قليلا ، فإن السلطان نائم ~~سكران في دار السلطنة التي في المسعى ، والدم يجري من ساقات الناس. # وفيها نقل العادل من قلعة دمشق إلى مدرسته التي أنشأها عند دار العقيقي ~~والله أعلم ...... ### ||| * السنة العشرون وستمائة # وفيها عاد الأشرف من مصر إلى الشام قاصدا إلى الشرق ، والتقاه المعظم ، ~~وعرض عليه النزول بالقلعة فامتنع ، ونزل بجوسق أبيه ، وبدت الوحشة بين ~~الإخوة : الكامل ، والأشرف ، والمعظم ، وأصبح الأشرف في وقت السحر ، وساق ~~ونزل ضمير ، ولم يعلم المعظم برحيله ، وسار يطوي البلاد إلى حران ، وكان ~~الأشرف استناب أخاه شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين على خلاط لما سافر إلى ~~مصر ، وجعله ولي عهده بعده ms148 ، عينه ومكنه في جميع بلاده ، فسولت له نفسه ~~بالعصيان وأعانه عليه قوم آخرون ، وهم ابن زين الدين ، والمشارقة ، والملك ~~المعظم وقالوا : نحن من ورائك ، ولما وصل الأشرف إلى حران ، قال لي المعظم ~~: أما عندك خبر ما قد شنع علي أخي أنني أردت أن أمسكه؟ فقد كان في الجوسق ~~لو أردت أن أمسكه مسكته ، والله ما خطر لي ذلك أبدا. ### |||| * فصل # وحج بالناس من العراق ابن أبي فراس ، ومن الشام الشرف يعقوب صاحب جهاركس ~~بن محمد. # وفيها توفي الأمير مبارز الدين سنقر الحلبي الصلاحي ، والد الظهير ، كان ~~مقيما بحلب ، ثم انتقل إلى ماردين ، فخاف الأشرف منه ، فبعث إلى PageV01P740 # المعظم ، وقال : مادام المبارز في الشرق ما آمن على نفسي ، فأرسل المعظم ~~الظهير غازي إليه ، وقال : أنا أعطيه نابلس ، وايش أراد فجاء الظهير إلى ~~ماردين ، وعرف المبارز رغبة المعظم فيه ، وأنه يقطعه من الشام ايش أراد ، ~~فقال له صاحب ماردين : فإنه رأى بالشام الذل والهوان ، وكان يتمنى أنه ما ~~وجد ، ولا كان ، فسار عن ماردين وكان مسيره إلى الشام في سنة ثمان عشرة ~~وستمائة ، ووصل إلى دمشق ، وخرج المعظم للقائه ، ولم ينصفه ، وجاء فنزل في ~~دار شبل الدولة الحسامي بقاسيون التي انتقلت إلى الصوفية ، وأقام بها ~~والمعظم معرض عنه ، ويماطله باليوم وغدا حتى تفرق عنه أصحابه ، وكان معه ~~جملة من المال والخيل العربية المنسوبة ، والجمال ، والبغال ، والسلاح ~~والمماليك شيء كثير ، ففرق للأمراء والأكابر ، وكان جاري لأني كنت مقيما ~~بتربة بدر الدين حسن على ثورا ، وكان يزورني وأزوره ، ويشكو إلي إعراض ~~المعظم عنه ، وما فعله ، وكده الظهير به ، وكيف خدعه ، وأنا أسأله وأسليه ~~وأهون عنه ، وأقول : كل الأشياء فضلتك ، ولقد وقع لي كتاب فيه حديث ملوك ~~اليمن ، وبينما أنا قاعد أقرأه ، فدخل فقال : ايش تقرأ؟ قلت : أخبار ملوك ~~اليمن ، فقال : إقرأ علي ، فقرأت فلان الملك عاش ألف سنة ومات بالغم ، ~~وفلان عاش سبعمائة سنة ومات بالغم ، وذكرت من هذا الجنس ، فقال : وأنا أموت ~~بالغم ، وكان طول النهار يجلس مهموما مغموما ، وما يفيد فيه العذل ms149 حتى ~~انقطع أكله ، فأقام عشرين يوما لا يدخل في فيه إلا الماء ، ومات كمدا في ~~شعبان في دار شبل الدولة ، فقام شبل الدولة بأمره أحسن قيام ، وجهزه أحسن ~~جهاز ، وكان صديقه من أيام شمس الدولة أخي ست الشام ، ويقال إن المبارز كان ~~مملوك شمس الدولة ، واشترى له كافور تربة على رأس زقاق شبل الدولة بألف ~~درهم عند المصنع ، وحضر جنازته خلق عظيم لأنه كان محسنا إلى الناس ، ولم ~~يكن في زمانه من الصلاحية وغيرهم أكرم ولا أشجع من المبارز ، وكانت له ~~المواقف المشهودة مع صلاح الدين وغيره ، ولما مات وجد في صندوقه منشور فيه PageV01P741 # جملة ما أنفق في نعال الخيل وذلك ثمانية عشر ألف درهم ، فسألت كاتبه عن ~~ذلك ، فقال : هذا ما يتعلق بنعال دوابه ، وإنما كان يستعرض الفرس الثمين ~~بخمسمائة دينار فأكثر ، فينعله أولا قبل أن يركبه ، فإذا صلح أعطى صاحبه ~~ثمنه ، وخلع عليه ، وإن لم يصلح أعطى صاحبه مائتي درهم واعتذر إليه ، قلت : ~~وجرت عقيب ذلك واقعة اعترض بعض الأمراء فرسا وأنعله ، ثم ركبه فلم يصلح ، ~~وجاء صاحبه يطلبه فقال الأمير لغلامه : اقلع نعاله وأعطه له ، وما كانت ~~الدراهم تساوي عند المبارز قليلا ولا كثيرا ، وحكى لي الظهير ولده قال : ~~وصل مع أبي إلى الشام ذهب ، وجمال وغيرها ما قيمته مائة ألف دينار ، ومات ~~وليس له كفن ، وما كفنه إلا شبل الدولة ....... ### ||| * السنة الحادية والعشرون وستمائة # وفيها ظهر جلال الدين خوارزم شاه في أذربيجان ، واستولى عليها ، فبعث ~~المعظم إليه رجلا صوفيا يقال له الملو في رسالة ، واتفق المعظم ، وابن زين ~~الدين مع الخوارزمي على الأشرف وبعث المعظم ولده الناصر داود إلى ابن زين ~~الدين رهينة ، وعبر الفرات عند الحربية ، ومضى إلى إربل ، واستولى بدر ~~الدين لؤلؤ على الموصل ، وأظهر أن محمود ابن القاهر مات. # وحج بالناس من بغداد ابن أبي فراس ومن الشام الشجاع علي بن السلار ، وجرت ~~بالعراق واقعة عجيبة بقرية يقال لها بعقوبا ، فيها نخل كثير تولاها ناظر ~~يتشيع ، وكان بها رجل من أهلها له نخل ms150 ، فصادره الناظر وأخذ منه ألفي نخلة ~~، فجعل يسب الناظر ، ويدعو عليه ، فبلغ الناظر فأحضروه ، وأمر بضربه فقال ~~له : بالله عليك أنصفني ، فقال : قل قال : أنتم تسبون أبا بكر وتقولون أخذ ~~فدك من فاطمة ، وإنما في فدك نخيلات يسيرة وتأخذ أنت مني ألفي نخلة وأسكت؟ ~~فضحك الناظر ورد عليه نخيله. PageV01P742 ### |||| * فصل # وفيها قدم أقسيس من اليمن على أبيه الكامل بالقاهرة ، ويلقب بالملك ~~المسعود ، وما جاء من اليمن إلا طمعا في أخذ دمشق ، والشام ، وكان معه من ~~الهدايا شيء عظيم من جملة ذلك ثلاثة أفيلة أحدهم كبير ، ويدعى بالملك ، ~~وعليه محفة بدرابزين يقعد فيها عشرة أنفس ، وفياله راكب على رقبته ، وبيده ~~كلاب حديد يضربه كيف ما أراد ، وخرج الكامل للقاء ولده ، فلما قربوا من ~~الكامل أمرهم سواسهم فوضعوا رؤوسهم على الأرض بين يدي الكامل خدمة له ، ~~وكان في الهدية : مائتا خادم ، وأحمال عود ، وند ، ومسك ، وعنبر ، وتحف ~~اليمن ، وفيها بنى الكامل دار الحديث التي بين القصرين والله أعلم. ### ||| * السنة الثانية والعشرون وستمائة # وفي ربيع الأول وصل خوارزم شاه جلال الدين إلى دقوقا ، ففتحها عنوة ، ~~وأوقع السيف في أهلها ونهب أموالهم ، وسبى حريمهم ، وهتك نساءهم وأحرق ~~البلد ، وهدم سوره ، وكانوا قد عصوا عليه وسبوه في الأسواق ، وبالغوا في ~~شتمه ، وعزم على قصد بغداد ، فانزعج الخليفة ، وأخرج المال ، وفرق في ~~العساكر ألف ألف دينار ، ونصب المناجيق على الأسوار ، وفرق السلاح ، وفتح ~~الأهراء. # وحكى لي المعظم قال : كتب إلي يقول أنت تحضر ، ومن عاهدني واتفق معي ، ~~حتى نقصد الخليفة فإنه كان السبب في هلاك أبي ومجيء الكفار إلى البلاد ، ~~ووجدنا كتبه إلى الخطا ، وتواقيعه لهم بالبلاد والخيل والخلع. # قال المعظم : فكتبت إليه أنا معك على كل أحد إلا الخليفة ، فإنه إمام ~~المسلمين. # قال : وبينما هو على عزم بغداد وكان قد جهز جيشا إلى الكرج إلى تفليس ، ~~فكتبوا إليه : أدركنا فما لنا بالكرج طاقة ، وبغداد ما تفوت ، فسار PageV01P743 # إلى تفليس ، فخرج إليه الكرج فضرب معهم مصافا ، فقتل منهم سبعين ألفا ، ~~وفتح تفليس عنوة ، وقتل منها ثلاثين ms151 ألفا ، فصاروا مائة ألف ، وذلك في سلخ ~~ذي الحجة. # وفيها صلب المعظم ابن الكعكي ورفيقا له منكسين على رؤوسهما وكان ابن ~~الكعكي رأس حزب ، وخلفه جماعة ، فكانوا ينزلون على الناس في البساتين ~~يقتلون وينهبون ، والمعظم في الكرك ، وبلغه أن ابن الكعكي قال للصالح ~~إسماعيل ، وكان ببصرى : أنا آخذ لك دمشق ، فكتب إلى والي دمشق بأن يصلب ابن ~~الكعكي ورفيقه منكوسين ، فصلبهما في العشر الأواخر من رمضان فأقاما أياما ~~لا يتجاسر أحد أن يطعمهما ، ولا يسقيهما فماتا. # وأخذ المعظم دمشق بعد ما ماتا فمرض مرضا عظيما أشفى منه ، ثم أبل ، ولم ~~يزل ينتقض عليه حتى مات. # وكان رفيق ابن الكعكي رجلا خياطا شهد له أهل دمشق بالصلاح ، والبراءة مما ~~كان فيه ابن الكعكي. ### |||| * فصل # وحج بالناس من العراق ابن أبي فراس ، ومن الشام علي بن السلار وتوفي ~~الخليفة. ### |||| * فصل # وفيها توفى الإمام الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن الإمام المستضيء ~~بالله ، وقد ذكرنا أنه ولد في رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ، بالخلافة غرة ~~ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة ، وقد ذكرنا سيرته مفرقة في السنين ، ~~وكانت وفاته ليلة الأحد سلخ رمضان عن تسع وستين سنة ، وكانت خلافته سبعا ~~وأربعين سنة إلا شهورا PageV01P744 # وأياما ، ولم يبلغ من بني أمية ولا من بني العباس هذا العدد إلا المستنصر ~~من المصريين ، فإنه ولي ستين سنة ، ومن الملوك سنجر. # وكان له خادم اسمه رشيق قد استولى على الخلاقة ، فأقام مدة يوقع عن ~~الخليفة ، وكان قد قل بصره ، قيل ذهب مرة ، وكانت به أمراض مختلفة ، منها : ~~عسر البول ، والحصى ، ولقي منه شدة ، وشق ذكره مرارا وما زال يعتريه حتى ~~قتله ، وغسله أبو محمد يوسف خالي ، وكان قد عمل له ضريحا عند موسى بن جعفر ~~، فأمر الظاهر بحمله إلى الرصافة ، فحمل في تابوت ، ودفن عند أهله ، وقيل ~~توفي سابع عشرين رمضان ، وبويع أبو نصر محمد. ### |||| * فصل** في بيعة الإمام الظاهر بأمر الله : # قد ذكرنا أن أباه خطب له بولاية العهد في سنة خمس وثمانين وخمسمائة ، ~~وعمره ms152 إذ ذاك أربع عشرة سنة ، لأنه ولد في المحرم سنة سبعين وخمسمائة ، ~~وخطب له على المنابر ، وعزل في سنة احدى وستمائة ، ثم أعيد إلى العهد في ~~سنة ثمان عشرة وسبعمائة ، ولما مات أبوه استدعى القمي تقي الدين الوزير ، ~~وقشتمر والأعيان إلى البدرية فشاهدوا الناصر ميتا ، فبايعوا أبا نصر محمدا ~~، ولقبوه بالظاهر ، وهذه البيعة الخاصة ، ثم بويع البيعة العامة : حضر ~~القضاة ، والأعيان فبايعوه ، وكان جميل الصورة أبيض ، مشربا بحمرة ، حلو ~~الشمائل شديد القوى ، أفضت الخلافة إليه وله اثنتان وخمسون سنة إلا شهورا ، ~~فقيل : ألا تفتتح؟ فقال : قد فات الزرع ، فقيل له : يبارك الله ، فقال : من ~~فتح دكانا بعد العصر ايش يكتسب؟ ولما بويع أحسن إلى الناس ، ولم يؤاخذ أحدا ~~ممن سعى في خلعه ، وكان الناس يظنون خلاف ذلك ، وخاف الخونة واستعدوا ~~للهلاك ، وكتبوا وصاياهم ، فقابل الإساءة بالإحسان ، والتجاوز PageV01P745 # والإمتنان وصلى على أبيه بالتاج ، وعمل العزاء ثلاثة أيام ، وفرق الأموال ~~، وأبطل المكوس ، وأزال المظالم. ### |||| * ذكر فتوحاته # خوزستان ، وششتر ، وتشتمل على أربعين قلعة ، وهمذان ، وأصبهان وحمل إليه ~~خراجها ، وتكريت ، ودقوقا والحديثة ، وفي أيامه فتح صلاح الدين البيت ~~المقدس ، والساحل. ### |||| * ذكر عماراته # رباط الأخلاطية ، ورباط الحريم ، ومشهد عبيد الله ، وتربة عون ، ومعين ~~عند تربة الخلاطية ، وتربة والدته ، والمدرسة التي إلى جانبها ، والرباط ~~المقابل لها الذي كان دار والدته ، ومسجد سوق السلطان ، ورباط المرزبانية ، ~~ودور المضيف بالمحال ، ودار ضيافة الحاج ، ودار المنسا ، ودار الملك ، ~~وجعلها رباطا ، والدار البيضاء التي كان يسكنها عند التاج ، وغرم على هذه ~~الأماكن أموالا جليلة ، ونقل الكتب السنية بالخطوط المنسوبة ، والمصاحف ~~الشريفة إلى النظامية ، ورباط الأخلاطية والرباط الذي إلى جانب تربة والدته ~~، ورباط الحريم ، وغير ذلك. # وفيها توفي سيف الدين ابن علم الدين ، واسمه علي بن سليمان بن جندر ، كان ~~من أكابر أمراء حلب كثير الخير ، والصدقات الدارة والبر الوافر ، وبنى بحلب ~~مدرستين إحداهما لأصحاب أبي حنيفة ظاهر حلب ، والأخرى للشافعية داخل حلب ، ~~ووقف عليهما الأوقاف ، وبنى الخانات في الطرقات ، وكان حنفي المذهب ، وله ~~الغزوات المشهورة ، والمواقف المذكورة ، وكان صديقي خدمني ms153 مدة إقامتي بحلب ~~وكانت وفاته بحلب في العشر الأواخر من جمادى الأولى. # وفيها توفي الملك الأفضل علي بن صلاح الدين ، ولد بمصر سنة خمس وستين ~~وخمسمائة وكان فاضلا شاعرا ، حسن الحظ ، وقد ذكرنا PageV01P746 # تقلب الأحوال به في جميع الحالات ، حتى ألقاه الدهر في صميصات ، ومما ~~يعزى إليه من الشعر أنه كتب إلى الخليفة لما أخرج من دمشق ، واتفق عليه ~~العادل والعزيز : # مولاي إن أنا بكر وصاحبه %~% عثمان قد غصبا بالسيف حق على فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي %~% من الأواخر مالاقى من الأول # وبلغني أنه كان ينكر هذا الشعر أنه له ، وقد ذكرنا من شعره لما قصده ~~العزيز من مصر ، وكانت وفاته بصميصات يوم الجمعة في ربيع الأول ، ونقل إلى ~~حلب فدفن بظاهرها ...... ### ||| * السنة الثالثة والعشرون وستمائة # وفيها قدم الأشرف دمشق وأقام ، وفيها توجه خالي إلى مصر إلى الكامل ، ~~وهذه أول سفرة سافرها خالي إلى الشام ومصر. # وفيها توفي الجمال المصري القاضي ، وولى المعظم القاضي الخوئي ، واسمه ~~أحمد بن خليل بن سعادة ، وكنيته أبو العباس ، واستدعاه وعرض عليه القضاء ~~فامتنع وقال : أنا رجل غريب ، والدماشقة فيهم كثرة ، فقال : لابد وولاه ~~قضاء القضاة في ربيع الآخر ، وخلع عليه. ### |||| * فصل # وفيها فوض إلي المعظم التدريس بمدرسة شبل الدولة بقاسيون ، وحضر أعيان ~~دمشق لم يتخلف منهم أحد. # وحج بالناس من العراق ابن أبي فراس ، ومن الشام علي بن السلار. # وفيها توفي المبارز المعتمد ، واسمه إبراهيم بن موسى ولد بالموصل وقدم ~~الشام ، وخدم فرخشاه ابن شاهنشاه ابن أخي صلاح الدين ، وتقلبت به الأحوال ، ~~واستنابه بدر الدين الشحنة بدمشق ، ثم ولاه PageV01P747 # العادل استقلالا ، فأحسن السياسة ، وتلطف بالرعية ، فكان للكبير منهم ~~ولدا وللصغير ، والدا ، وللمتوسط أخا ، وله واقعات عجيبة. ### |||| * ذكر طرف من أخباره # كان دينا ، عفيفا ، نزها ، اصطنع عالما من النساء والرجال وستر عليهم ~~كبائر الأحوال ، وكانت دمشق في أيام ولايته حرة طاهرة ، ودلائل الخيرات بها ~~ظاهرة ، ومما جرى له أنه كان في دمشق رجل فاتك وإلى جانب بيته قوم لهم ولد ~~صغير في آذانه ms154 حلق ذهب ، فاغتاله الرجل يوما فخنقه ، وأخذ الحلق من أذنه ، ~~وأخرجه فدفنه في الباب الصغير ، وفقدته أمه ، فاتهمت الرجل به فعذبه ~~المبارز عذابا أليما فلم يقر وأطلق ، وفي قلب المرأة النار من فقد ولدها ، ~~فطلقت زوجها وتزوجت القاتل ، وأقامت معه مدة فقالت له يوما وهي تداعبه : قد ~~مضى الابن وأبوه وكان منهما ما كان ، وكان الزوج قد مات أنت قتلت الصغير؟ ~~قال : نعم ، وأخذته ودفنته بالباب الصغير ، قالت : فأرني قبره ، فأخذها ، ~~وخرج بها إلى المقابر ، وحفر القبر ، ورأت ولدها فلم تتمالك وضربت القاتل ~~بسكين فشقت بطنه ودفعته ، فألقته في القبر ، وجاءت إلى المبارز فحكت له ~~الحكاية ، فقام وخرج معها إلى القبر فكشفته ، فقال لها : أحسنت ، والله ~~ينبغي لنا كلنا أن نشرب لك فتوة. # وحكى لي قال : لما حرم العادل الخمر ركبت يوما من باب الفرج ، فإذا برجل ~~في رقبته طبل ، وهو يتمايل تحته فقلت : أمسكوه وشقوا الطبل ، فشقوه وإذا ~~فيه ركوة خمر ، فبددتها وضربته الحد ، فقلت له : فمن أين علمت؟ قال : رأيت ~~رجليه وهي تلعب ، فعلمت أنه حامل شيئا ثقيلا ، وكان لداره بابان : باب كبير ~~عليه الغلمان والنواب ، وباب سر في زقاق آخر ، فكان البوابون إذا أمسكوا ~~امرأة في الليل من بيت معروف ، وحملوها إليه يقول : انزلوا حتى أقررها ، ثم ~~يقول لها : يا بنتي أنت من بيت كبير ، وأهلك رجال معروفون فما الذي جرأك ~~على هذا؟ فتقول : PageV01P748 # يا سيدي قضى الله ، فيقول لها : ستر الله عليك ، ويبعث معها الخادم من ~~باب السر إلى بيتها ، فأقام على هذا نحوا من أربعين سنة ، وكان في قلب ~~المعظم له شحناء ، لأنه كان مشفقا عليه ، ويحفظه من أماكن يدخل إليها بدمشق ~~في الليل ، وهو شاب ، فيأمر غلمانه أن يتبعوه من بعيد وكان العادل من مصر ~~يكتب إليه بذلك ، فلما مات العادل أظهر ما كان في قلبه منه ، واعتقله مدة ~~في القلعة ، فلم يظهر عليه ، ولا على أحد من أولاده وحاشيته أنه أخذ من أحد ~~من الرعية ما مقداره مثقال حبة من خردل ، ولا غير ms155 ما كان عليه من العفة ~~والأمانة والصلاح ، والديانة ، ولا غير ولا بدل ، ثم أنزله من القلعة إلى ~~داره ، وحجر عليه في وطنه وبالغ في التشديد ، والعجب من الحجر على الحر ~~البالغ العاقل الرشيد ، وكانت وفاته في حادي عشر ذي القعدة ، ودفن بقاسيون ~~في التربة التي أنشأها بالجبل عن ثمانين سنة. # وحكى أنه ولي دمشق نيابة بدر الدين الشحنة أول ولاية صلاح الدين ، ثم ~~استقل بالولاية إلى أن عزل في سنة سبع عشرة وستمائة ، وصلاح الدين فتح دمشق ~~في سنة سبعين وخمسمائة أو إحدى وسبعين وخمسمائة ، وكانت ولايته نيابة ~~واستقلالا قريبا من خمسين سنة ، قالوا : ولم يؤخذ على المبارز شيء إلا أنه ~~كان يحبس وينسى ، فعوقب بمثل ذلك ، أقام محبوسا خمس سنين إلا أياما. # وجرت لي معه واقعة عجيبة ، كنت في كل ليلة جمعة أزوره ، وانقطعت عنه مدة ~~بسبب غلق باب داره في بعض الأوقات ، فرأيت في المنام كأن قبره في روضة ~~خضراء ، والقبر معمول بالفص الأخضر ، وليس هو من جنس فصوص الدنيا ، نظرت ~~لحسنه ورونق المكان ، فهتف بي هاتف : لو رأيت ما في باطن القبر ، قلت : فما ~~في باطنه؟ قال : الدر ، والياقوت والمرجان ، وما يستغني عن قراءة كتاب الله ~~تعالى ، فانتبهت وفهمت الإشارة فأنا في كل ليلة أقرأ ما تيسر من القرآن ، PageV01P749 # وأهديه إليه وإلى أهلي وأصحابي ومعارفي ، ف رضياللهعنه رضا الأبرار ~~وجمعنا وإياه في دار القرار ، فلقد كان محسنا إلي ، ومتفضلا علي ، خدمني ~~بنفسه وجاهه وماله ، وجمع لي بين خيري الدنيا بتفضله وإفضاله. ### |||| * فصل # وفيها : توفي البدر الجعبري والي دمشق أقام واليا بها مدة ، وكان ذا ~~مروءة ، خدم القاهر بحلب وغيره ، وحمل إلى بالس فدفن عند أهله. ### |||| * فصل # وفيها : توفي كافور بن عبد الله الحسامي ، ولقبه شبل الدولة ، خادم ست ~~الشام ، كان عاقلا دينا صالحا ، له حرمة وافرة في الدولة ، ومنزلة عالية ~~عند الملوك ، بنى مدرسة على نهر ثورا لأصحاب أبي حنيفة ، ووقف عليهم ~~الأوقاف ، ونقل إليها الكتب الكثيرة ، وفتح للناس طريقا من الجبل إلى دمشق ~~قريبة عند القفارات ms156 ، على طريق عين الكرش ، وبنى المصنع الذي على باب ~~الزقاق ، والخانكاه للصوفية إلى جانب مدرسته ومصنعا آخر عند المدرسة ، وله ~~صدقات دارة ، وإحسان كثير ، وتوفي في رجب ، ودفن إلى جانب مدرسته. # وقد سمع الحديث على شيخنا تاج الدين الكندي ، وروى اعتقاد الطحاوي وغيره. # وفيها : توفي الإمام الظاهر أمير المؤمنين ، محمد بن أحمد ، وقد ذكرنا ما ~~جرى عليه من الشدائد ، والتعصب الوافر الزائد ، وما تجرع من الغصص في ~~أوقاته ، وما وفت ولايته مدة يسيرة فكانت خلافته تسعة أشهر وأياما ، ~~وياليتها دامت أعواما ، وتوفي في رجب ، ومع هذا فإنه قام من أوامر الله بما ~~عليه وجب ، وغسله محمد الخياط الشاعر ، وحصل له مال وافر ، وحكى لي أنه دخل ~~يوما إلى الخزائن ، فقال له خادمها : في أيامك تمتلىء ، فقال : ما جعلت ~~الخزائن لتمتلىء ، بل لتتفرغ وتنفق في سبيل الله ، فإن الجمع شغل التجار. PageV01P750 ### |||| * فصل* في خلافة ولده أبي جعفر منصور بن محمد ، ولقبه المستنصر بالله؟ # بويع يوم مات أبوه البيعة العامة ، واستبشر الناس بطلعته ، وسعدوا ~~بولايته ، فإنه ظهر منه مخايل الكرم ، والاحسان ، والعدل ، والامتنان ، ~~وتوفي في سنة أربعين وستمائة ، وسنذكره هناك إن شاء الله تعالى. # وفيها توفي يونس بن بدران ، ويلقب بالجمال المصري ، كان وكيل بيت المال ~~في أيام العادل ، فلما مات العادل ، وألبس المعظم القاضي ابن زكي الدين ~~القباء والكلوتة ، ولى الجمال المصري قضاء القضاة بدمشق ، وكان فاضلا ، ~~عفيفا ، مهيبا ، ورعا ، نزها ، ودفن بداره ، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### ||| * السنة الرابعة والعشرون وستمائة # وفيها عاد الأشرف إلى بلاده ، وقدم رسول الانبروز على المعظم بعد اجتماعه ~~بالكامل يطلب الفتوح ، فأغلظ عليه ، وقال : قل لصاحبك : ما أنا مثل الغير ، ~~ما له عندي سوى السيف. # وفي شعبان أمر المعظم الجمال عبد الله بن الحافظ عبد الغني أن يرتب مسند ~~أحمد على أبواب الفقه ، فقعد في الكلاسة ، ومعه جماعة من المحدثين منهم ~~الشرف الإربلي ، فرتبوه فمات المعظم ، وهم على ذلك. ### |||| * فصل # وحج بالناس من الشام الشجاع بن السلار ، ومن ميافارقين شهاب الدين غازي ~~بن العادل ، وكان ثقله ms157 على ستمائة جمل ، ومعه خمسون هجينا كل هجين عليه ~~مملوك ، وجهزه الأشرف جهازا عظيما ، وسار غربي الفرات على قرقيسيا ، ~~والكيسان ، والقمر ، والعين وشنانا ، وكلها قرى فيها عيون جارية ، ونخل ~~كثير ، ومنها يجلب التمر إلى الشام ، وعلى كربلاء فزار المشهد ، ثم دخل ~~الكوفة وزار مشهد أمير المؤمنين. PageV01P751 # وحج بالناس من العراق قيران شمس الدين ، مملوك الخليفة ، وبعث الخليفة ~~لشهاب الدين فرسين ، وبغلة وألف دينار ، وقال : هذه من ملكي للفقهاء في ~~طريق الحاج وأوصى أمير الحاج بخدمته وتصدق في مكة والمدينة وعاد إلى العراق ~~، ولم يصل الكوفة بل سار غربي الطريق الذي سلكها ، فكاد يهلك ومن معه عطشا ~~حتى وصل إلى حران. ### |||| * فصل # وفيها توفي الملك المعظم عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب : العالم ، ~~الفقيه ، الفاضل ، المجاهد في سبيل الله الغازي ، النحوي اللغوي. ### |||| * ذكر طرف من أخباره # ولد بالقاهرة في سنة ست وسبعين وخمسمائة ، ونشأ بالشام ، وقرأ القرآن ، ~~وتفقه على مذهب أبي حنيفة على فخر الدين الحصيري ، وحفظ المسعودي ، واعتنى ~~بالجامع الكبير ، وقرأ الأدب على تاج الدين الكندي ، فأخذ عنه كتاب سيبويه ~~، وشرحه للسيرافي ، والحجة في القراءات لأبي علي الفارسي ، والحماسة ، وقرأ ~~عليه الإيضاح لأبي علي حفظا ، وسمع مسند أحمد على حنبل بدمشق ، وعلى ابن ~~طبرزد أشياء من مسموعاته ، وسمع السيرة لابن هشام على ابن المحلي بمصر ، ~~وغير ذلك ، وشرح كتب الجامع الكبير ، والرد على الخطيب والعروض ، وله ديوان ~~شعر ، ومن تصنيفه العروض ما كان يقيم وزن الشعر في بعض الأوقات ، فكنت أقول ~~له : فيك ضرب من النبوة ، ( وما علمناه الشعر ) (1)، وكان شجاعا ~~مقداما ، كثير الحياء متواضعا ، مليح الصورة ، ضحوكا غيورا ، جوادا ، حسن ~~العشرة ، محافظا على الصحبة والمودة ........ # وكان إذا خرج إلى الغزاة لا ينام إلا على جل الفرس ، وزرديته مخدته ، ولا ~~يقطع الإشتغال بالقرآن ، وبالجامع الكبير ، وسيبويه ، وكان دائما يركب ، ~~فإذا نزل مد السماط ، فإذا أكل الناس قضى الحوائج إلى الظهر. PageV01P752 # وكان في أيام الفسخ مع الفرنج يرتب النيران على الجبال من باب نابلس إلى ~~عكا ، وعلى عكا جبل قريب ms158 منها يقال له الكرمل ، كان عليه المنورون ، وبينهم ~~وبين الجواسيس علامات ، وكان له في عكا أصحاب أخبار ، وأكثرهم نساء الخيالة ~~، فكانت طاقاتهم في قبالة الكرمل ، فإذا عزم الفرنج على الغارة فتحت المرأة ~~الطاقة ، فإن كان يخرج مائة فارس أوقدت المرأة شمعة واحدة ، وإن كانوا ~~متئتين شمعتين ، وإن كانوا يريدون حوران أو ناحية دمشق ، أشارت إلى تلك ~~الناحية ، وكذا إلى نابلس ، فكان قد ضيق على الفرنج الطرق ، وكان يعطي ~~النساء والجواسيس في كل فسخ جملة كثيرة ، فقلت له في بعض الأيام : هذا ~~إسراف في بيوت الأموال ، فقال : أنا أستفتيك لما عزم الإنبروز على الخروج ~~إلى الشام ، أراد أن ينزل عكا بغتة ، ويسير إلى باب دمشق ، فبعث فارسا ~~عظيما ، وقال : أخف مجيئنا إلى البلاد لغير بغتة ، وكان بعكا امرأة مستحسنة ~~، فكتبت إلي تخبرني ، فبعثت لها ثيابا ملونة وعنبرا ، ومقانع حرير فلبستها ~~، واجتمعت بالفارس فدهش وقال : من أين هذا؟ قالت : من عند صديق لنا من ~~المسلمين ، فقال : من هو؟ فقالت : الكريدي ، فصلب على وجهه ، وقام فخرج من ~~عندها ، قال : فما زالت تلك المرأة تتلطف بالفارس وتهاديه حتى صارت كتب ~~الإنبروز تجيء إليه مختومة فيبعثها إليه ، ويقول له : تكتب ما تريد ، فلو ~~لم أدار عن المسلمين ، فلو جاء الإنبروز ، وساق إلى أهل الشام ، ومواشيهم ~~وأموالهم ما لا يعد ولا يحصى ، فأنا أفدي المسلمين بالشيء اليسير ، وأحفظ ~~الخطير بالحقير. # وكان المعظم قد أمر الفقهاء أن يجردوا له مذهب أبي حنيفة ، دون صاحبيه ، ~~فجردوا له المذهب في عشر مجلدات ، وسماه التذكرة ، فكان لا يفارقه سفرا ولا ~~حضرا ، يطالعه دائما ، فكتب على ظهر كل مجلدة : أنهاه حفظا عيسى بن أبي بكر ~~بن أيوب ، فقلت له : ربما يؤخذ هذا عليك ، لأن أكبر مدرس في الشام يحفظ ~~القدوري مع تفرغه ، وأنت مشغول بتدبير PageV01P753 # الممالك تكتب خطك على عشر مجلدات أنك قد حفظتها ، فقال : ليس الاعتبار ~~بالألفاظ ، وإنما الاعتبار بالمعاني ، بسم الله فاسألوني عن جميع مسائلها ، ~~فإن قصرت كان الصحيح معكم ، وإلا فسلموا إلى ما قلت. # حكى لي سعد الدين ms159 مسعود والي الخوان ، قال : كنت واليا بالشوبك ، وكان ~~بها راهب منفرد في بعض الجبال ، فجاءني كتاب المعظم بنفيه ، فنفيته فغاب ~~سنة ، وجاءني بكتاب المعظم : أعده إلى مكانه وتوص به ، فبحثت عن قصته ، ~~وإذا به قد بعث به إلى البحر ، كشف له أخبار الإنبروز على وجهها ، وإنما ~~نفاه حتى لا يتهم وأطلق له أرضا يعيش منها ، وأعطاه مائة دينار. # وكان يحب الفقهاء يحرضهم على الاشتغال بالعلم ، فيقول : من حفظ نص الجامع ~~الكبير للكرماني أعطيته مائة دينار ، ومن حفظ الإيضاح لأبي علي في النحو ~~أعطيته مائتي دينار ، فحفظ جماعة الكتابين ، ووفى لهم بما شرطه. ### |||| * ذكر وفاته # كان قد جهز العساكر إلى طرابلس خوفا من اتفاق الإنبروز وخوفا من الكامل ، ~~ومرض في نصف شوال ، وكان عنده رسل الخوارزمي ، فحكى لي نجم الدين بن سلام ، ~~قال : غرم عليهم في مدة تسعة أشهر تسعمائة ألف درهم ، واشتد مرضه ، وأصابه ~~ذرب عظيم بحيث أنه رمى قطعة كبده ومصرانا ، وكثرت الأقوال أنه سقي السم ، ~~واتهم به جماعة ، وربك الخبير ، وآخر عهدي به ليلة الجمعة تاسع عشرين ذي ~~القعدة ، دخلت عليه آخر النهار ، وعنده ولده الملك الناصر داود ، وكريم ~~الدين الخلاطي ، ويعقوب الحكيم ، في محفة قد زمن ، وقد تغيرت أحواله ، وطلع ~~الموت في محاسن وجهه المليح ، فبكيت فقال : حاشاك ، حاشاك ، وتحته طراحة ~~خفيفة بندقي ومخدة ، ولحاف من جنسها ، وعلى رأسه PageV01P754 # كوفية ، وعند رأسه صينية أسبادوره (1) فيها تراب ، فقلت لكريم الدين : ما ~~هذه؟ قال : يتيمم لكل صلاة ، وكان المعظم يقول : والله ما فاتني صلاة قط ، ~~قال كريم الدين : بات الليلة التي مات في صبيحتها ساهرا ، فطفت عينه قبل ~~الفجر ، وكان قد قام قياما عظيما ، ففتح عينيه وقد كادت الشمس أن تطلع ، ~~ولم يقدر أن يتيمم فصلى بالإيماء ، وكان دائما يقول : ما أظن يدخل ملك إلى ~~الجنة ، ويقول : الموت خير من الحياة ، والحاجة إلى الناس ، ويقول : وقد صح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا يجتمع غبار في سبيل الله ، ودخان ~~جهنم في منخري عبد أبدا ، وكم في ms160 منخري من تراب في سبيل الله. # وتوفي في ثالث ساعة من نهار الجمعة أول يوم من ذي الحجة ، وغسله النجم ~~خليل ، وكريم الدين يصب عليه ، وكان قد أوصى أن لا يدفن في القلعة ، ويخرج ~~إلى الميدان بقاسيون فيدفن على باب تربة والدته تحت الشجرة ، فلم تنفذ ~~وصيته ودفن في القلعة ثم أخرج بعد ذلك بمدة لما ملك الأشرف دمشق على حال ~~غير مرضي بين يديه نصف شمعة والعزز خليل معه ، وبلغني أن الحمالين طلبوا ما ~~يربطوه به على النعش ، فقيل لأحدهم : اربطه بعمامتك ، ودفن مع والدته في ~~التربة عند الباب ، وفيها أخوه المغيث. # وعملنا له العزاء ثلاثة أيام في جامع دمشق ، وجرى على الرعية في وفاته ما ~~لم يجر على غيرهم عند موت أحد من الملوك ، رأيت بنات البيوت اللاتي لم ~~يخرجن قط من خدورهن من أوائل الليل ، يأتين إلى تحت القلعة ، وقد شققن ~~ثيابهن ، ونشرن شعورهن ، ومعهن الدرادكة فليطمن عليه ، ثم يمشين في الأسواق ~~، ويلطمن إلى الصباح أقمن على ذلك شهرا ، وكذلك في الميادين طول النهار. PageV01P755 # وتكلمت أول يوم في عزائه ، فغلبني البكاء ، وكان محسنا للرعية ، ذابا عن ~~حريمهم ، رفيقا بهم يعرف صغيرهم ، وكبيرهم ، وكان يحضر مجالسي بجامع دمشق ، ~~وبالقدس ، ويبكر إلى جامع دمشق ، فيقعد عند المنبر الذي عند باب المشهد بين ~~العامة ، فلما رجع من الحج سنة احدى وعشرين وستمائة ، حضر مجلسي بجامع دمشق ~~، فأنشد قصيدا لجدي رحمه الله . # سلام على الدار التي لا نزورها %~% على أن هذا القلب فيها أسيرها # من أبيات ، فلما فرغ من القصيدة بكى ، وزاد بكاؤه ، فخفت عليه لا يفتضح ~~بين الناس ، فقلت : لا نسى الله لك مواقفك في رضائه ، وسهرك الليالي في ~~جهاد أعدائه : ### |||| * ذكر ما بنى من المدارس وغيرها # بنى مدرسة بقاسيون ، ودفن فيها والدته ، وأخاه المغيث ، ومدرسة القدس ، ~~ودار المضيف ، واعتنى بأرض الحجاز ، فبنى حمامين بعمان للرجال والنساء ، ~~وأقام لهم الضيافة عند زواحهم إلى مكة ومجيئهم ، وأباحهم الحمامين ، وزرع ~~طريق الحجاز من باب الجابية إلى مكة ، وحفر البرك والمصانع ، وأوقف على ms161 ~~الحاج ضياعا من الساحل ، وعلى المدارس ، ولو عاش لسار الناس إلى مكة بغير ~~دليل ، وكان قد حج في سنة احدى عشرة وستمائة على طريق تبوك والمعلى ، ففعل ~~ما ذكرناه في طريقها ، وكانت المعلى لبني صخر ، وهي قلعة فأخذها منهم ، ~~ورتب فيها جماعة ، وعمر المساجد عند جعفر الطيار ، وأقام الضيافات للزوار ، ~~وبنى سور دمشق والطارمة التي عند الباب الجديد ، والطيارة التي عند باب ~~السر المشرفة على دار المعظم العتيقة وبنى الخان على باب الجابية ، وبنى ~~الدار والجسر والقصر والقيسارية وغير ذلك. ### |||| * ذكر ثناء الخلفاء والملوك عليه # لما قدم خالي في سنة ثلاث وعشرون وستمائة ، قال لي : أمرت من PageV01P756 # الديوان أن لا أخاطبه إلا بمشهد الظاهر بالشام ، وهو الملك ، ولما اجتمعت ~~بالملك الظاهر في سنة اثنتي عشرة وستمائة ، قال لي : والله هو واسطة العقد ~~وعين القلادة ، ولو لا همته وأنه مشغول بجهاد الأعداء لما قر لي في حلب ~~قرار ، وكان الكامل يقول : وهل انبت الشعر من رؤوسنا إلا الملك المعظم. # وقال لي الكامل في مصر : ومن حفظ علي البلاد ، وأحياني بعد الموت غيره ، ~~يشير إلى نوبة ابن المشطوب ، وكان الأشرف يقول : الله بيني وبين التي ولدت ~~فيها ، ومعناه أنه ولد قبل المعظم بشهر ، أو بليلة ، وكان يقف في خدمة ~~العادل فوق المعظم ، على ما جرت به عادتهم في كبر السن. ### |||| * ذكر طرف من شجاعته # قد ذكرنا أنه التقى الفرنج على القيمون وقتل منهم مائة فارس وأسر منهم ~~مائة فارس ودخل بهم القدس منكسة أعلامهم وكسر الفرنج غير مرة ، وأخرب ~~قيسارية ، والنقر ، ودعوق وحصونا كثيرة في الساحل ، وكان بالغور حرامي يقال ~~له قنديل معه مائة راجل ، فكان يقطع الطريق من بيسان وأريحا ، فحكى المعظم ~~قال : بلغني أن الفرنج قاصدين القدس ، فخرجت من دمشق بعد الظهر وما معي غير ~~ركبدار وقلاوون مملوكي ، وقلت للجماعة اتبعوني ، وسقت فبت بالطريق ، وسقت ~~في الليل فأصبحت في بيسان فتغديت ، وساق معي والي بيسان ، وأنسيت قنديل ، ~~فسقت أريد أريحا فبينما أنا في عدوة بيسان ، وإذا بقنديل قد خرج ومعه ms162 رجاله ~~، ولم يكن معي عشرة خيالة ، قال : فوقفت وصحت فيه : والك أنت قنديل؟ قال : ~~نعم وبيده قوس لو ضرب بسهمه الجبل لنفذ منه ، فقلت لبعض المماليك : انزل ~~إليه ، فقلت اكتفه بوتر قوسه فكتفه ، وانهزم أصحابه ، وأخذت وتر القوس بيدي ~~وسقت إلى قراوا ، وهو ساكت فالتقاني رؤساء قراوا ، فخافوا ونزلت عندهم وقلت ~~لهم هذا برؤوسكم ما أعرفه إلا منكم في القدس ، PageV01P757 # ونمت عندهم إلى السحر ، وركبت فدخلت القدس ، وكانت عادته أن يبيت من دمشق ~~إلى القدس في الطريق ليلة واحدة وبعض أخرى ، فلما كان من الغد جاؤوا وهو ~~معهم ، فقلت : اخرجوا واشنقوه ، وكان شابا مليحا شجاعا فقال : يا خوند عوض ~~ما تشنقني فاستبقني أحمي بلادك ، وأجاهد الكفار بين يديك ، قال : فرق له ~~قلبي وخلعت عليه ، واستحلفته ، وأطلقته فنزل إلى الغور فأقام فيه الخفراء ، ~~فأمنت الطريق ، وحفظت الأموال ، ولما نزلت الفرنج على الطور ، جاهدهم جهادا ~~عظيما ، وحفظ الباب ، فلما رأى الغلبة خرج إليهم فقتل منهم جماعة ، ثم ~~استشهد رحمه الله . ### |||| * ذكر أولاده # كان له ثلاثة من الذكور : الملك الناصر داود ، وعبد العزيز ، يقال له ~~المغيث ، وعبد الملك يقال له القاهر ، ومن البنات سبع ، وقيل تسع عشرة ، ~~انتهت ترجمته والله أعلم. ### ||| * السنة الخامسة والعشرون وستمائة # وفيها نزل جلال الدين الخوارزمي على خلاط مرة ثانية ، وهجم عليه الشتاء ، ~~فرحل عنها إلى أذربيجان ، وخرج الحاجب علي من خلاط بالعسكر ، واستولى على ~~خوي ، وسلماس ، وهجوان ، وتلك النواحي ، وأخذ خزائن الخوارزمي وعائلته ، ~~وعاد إلى خلاط فقيل له : بئس ما صنعت ، وهذا يكون سبب هلاك العباد والبلاد ~~فلم يلتفت. # وفيها نجزت مدرسة الركن الفلكي بقاسيون ، وذكر فيها ملك شاه الدرس. # وفيها في ربيع الأول كانت الوقعة على باب صور ، بين العزيز عثمان وصارم ~~الدين وكند الفرنج قريبا من صور ، فلما تعالى النهار خرج الفارس والراجل ~~بأغنامهم ومواشيهم ، وخرج عليهم المسلمون فقتلوا PageV01P758 # وأسروا منهم سبعين فارسا وساقوا الجميع ، ولم يسلم من الفرنج سوى ثلاثة ~~أنفس ، وكانت الوقعة عظيمة. # وحج بالناس من الشام علي بن السلار ........ ### ||| * فصل* السنة السادسة والعشرون ms163 وستمائة # وفي صفر ولى الملك الناصر محيي الدين يحيى بن الزكي أقضى القضاة بدمشق ، ~~وقرأ عهده بهاء الدين بن أبي اليسر بالكلاسة. # وفيها أعطى الكامل الإنبروز البيت المقدس ، ووصل الإنبروز إلى يافا ، ~~وخرج الكامل من مصر ، فنزل تل العجول ، وكان الملك الناصر داود قد بعث ~~الفخر ابن بصاقة إلى الملك الأشرف يستدعيه إلى دمشق ، فوصل إلى النيرب ، ~~ونزل بستانه ، وكان عز الدين أيبك قد أشار إلى الناصر بمداراة الكامل ، ~~وقال له : لا تبعث إلى الأشرف وداوي الأخضر فخالفه وقال الأشرف للناصر : ~~أنا أمضي إلى الكامل وأصلح حالك معه ، ومضى إليه فوجده قد دفع القدس إلى ~~الإنبروز فشق عليه ولام الكامل ، فقال : ما أحوجني إلى هذا إلا المعظم ، ~~أشار إلى أن المعظم أعطى إلى الإنبروز من الأردن إلى البحر وأعطاه الضياع ~~التي من باب القدس إلى يافا وغيرها ، ولما اجتمع الأشرف والكامل اتفقا على ~~حصار دمشق ووصلت الأخبار بتسليم القدس إلى الفرنج فقامت القيامة في جميع ~~بلاد الاسلام واشتدت العظائم بحيث ان أقيمت المآتم وأشار الملك الناصر داود ~~بأن أجلس بجامع دمشق واذكر ما جرى على البيت المقدس فما أمكنتني مخالفته ~~ورأيت من جملة الديانة الحمية للاسلام موافقته ، فجلست بجامع دمشق ، وحضر ~~الناصر داود على باب مشهد علي ، وكان يوما مشهودا لم يتخلف من أهل دمشق أحد ~~، وكان من جملة الكلام : انقطعت عن البيت المقدس وفود الزائرين ، يا وحشة ~~المجاورين ، PageV01P759 # كم كان لهم في تلك الأماكن من ركعة ، وكم جرت لهم على تلك المساكن من ~~دمعة ، تا لله لوصارت عيونهم عيونا لما وفت ، ولو تقطعت قلوبهم أسفا لما ~~شفت ، أحسن الله عزاء المؤمنين ، يا خجلة ملوك المسلمين ، لمثل هذه الحادثة ~~تسكب العبرات ، لمثلها تنقطع القلوب من الزفرات ، لمثلها تعظم الحسرات. # وذكر كلاما طويلا ، وأكثر الشعراء في حديث القدس ، وحكى أن فقيرا بات ~~بالقدس سمع قائلا يقول في الليل هذه الأبيات : # إن يكن بالشآم قل نصيري %~% وتهدمت ثم دام هلكي فلقد أصبح الغداة خرابي %~% سمة العار في حياة الملوك # ومضى عز الدين ms164 أيدمر إلى الكامل من نابلس ، وكان الناصر قد أهانه فأعطاه ~~عشرة آلاف دينار ، وعرفه الإنعام ، وكان الكامل عزم على العود إلى مصر ، ~~فقال : جاءني مفتاح الشام ، ونمى إلى الأشرف والكامل أني قد أفتيت بقتالهما ~~على المنبر ، فأرعدا وأبرقا ، وتواعدا عليه ، وتهددا ولذكر الله أكبر ، ~~فتوكلت على الله ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه واعتمدت عليه ، ومن يعتمد ~~عليه يصفو له شربه ، وأحيط بدمشق من كل جانب وحل بها من الخراب والفساد ~~العجاب ، وقبض الناصر على الفخر بن بصاقة ، وابن عمه المكرم ، ورماهما في ~~الجب ، واستأصلهما وقيدهما ، وكان قد اتهم الفخر بالأشرف ، وأنه لما مضى في ~~الرسالة واطىء على الناصر ، وقال : هذا صبي لا يصلح للملك ، وأنت أولى ~~فبلغني أنهما في الجب تغاضبا ، فقال الفخر للمكرم : يا مكرم بعد الأمر ~~والنهي ، والجاه أصارنا الدهر إلى الحبوس والقيود؟ فسبحان مزيل النعم ، ~~فقال له المكرم : سبحانك ، أي أنت كنت السبب. ### |||| * فصل # وفيها دخل الإنبروز إلى القدس ، والحصار على دمشق ، وجرى له PageV01P760 # عجائب منها أنه لما دخل الصخرة رأى قسيسا قاعدا عند القدم ، يأخذ من ~~الفرنج القراطيس ، فجاء إليه كأنه يطلب منه الدعاء ، ولكمه فرماه إلى الأرض ~~، وقال : يا خنزير السلطان قد تصدق علينا بزيارة هذا المكان تفعلوا فيه هذه ~~الأفاعيل ، لئن عاد واحد منكم دخل على هذا الوجه لأقتلنه. # وحكى صورة الحال قوام الصخرة ، قالوا : ونظر إلى الكتابة التي في القبة ، ~~«وقد طهر هذا البيت المقدس صلاح الدين من المشركين» ، فقال : ومن هم ~~المشركون؟ وقال للقوام : هذه الشباك التي على أبواب الصخرة من أجل ايش؟ ~~قالوا : لئلا تدخلها العصافير ، فقال : قد أتى الله إليكم بالجبارين. # قالوا : ولما دخل وقت الظهر ، وأذن المؤذن قام جميع من معه من الفراشين ~~والغلمان ومعلمه ، وكان من صقلية يقرأ عليه المنطق فصولا ، فصلوا ، وكانوا ~~مسلمين ، قالوا : وكان الإنبروز أشقر في عينيه ضعف ، لو كان عبدا ما ساوى ~~مائتي درهم ، قالوا : والظاهر من كلامه أنه كان دهريا ، وإنما كان يتلاعب ~~بالنصرانية ، قالوا : وكان الكامل قد تقدم إلى القاضي شمس ms165 الدين قاضي نابلس ~~أن يأمر المؤذنين مادام الإنبروز في القدس لا تصعدوا المنبر ، ولا تؤذنوا ~~في الحرم فأنسي القاضي أن يعلم المؤذنين ، وصعد عبد الكريم المؤذن في تلك ~~الليلة في وقت السحر ، والإنبروز نازل في دار القاضي فجعل يقرأ الآيات التي ~~تختص بالنصارى مثل قوله تعالى ( ما اتخذ الله من ولد ) (1) ( ~~ ذلك عيسى ابن مريم ) (2) ونحو هذا ، فلما طلع الفجر استدعى القاضي ~~عبد الكريم ، وقال له : إيش عملت؟ السلطان رسم كذا وكذا ، قال : فما عرفتني ~~والتوبة. # فلما كانت الليلة الثانية ما صعد عبد الكريم المأذنة ، فلما طلع الفجر ~~استدعى الإنبروز القاضي ، وكان قد دخل القدس في خدمته وهو الذي PageV01P761 # سلم إليه القدس ، فقال له : يا قاضي أين ذاك الرجل الذي طلع البارحة ~~المنارة ، وذكر ذاك الكلام ، فعرفه أن السلطان أوصاه ، فقال الإنبروز : ~~أخطأتم يا قاضي تغيرون أنتم شعاركم ، وشرعكم ، ودينكم لأجلي فلو كنتم عندي ~~في بلادي هل كنت أبطل ضرب الناقوس لأجلكم؟ الله ، الله لا تفعلوا هذا أول ~~ما تنقصون عندنا ، ثم فرق في القوام ، والمؤذنين ، والمجاورين جملة أعطى كل ~~واحد عشرة دنانير ، ولم يقم بالقدس سوى ليلتين ، وعاد إلى يافا ، وخاف من ~~الداوية فإنهم طلبوا قتله. ### |||| * فصل # وفيها اشتد الحصار على دمشق ، فألجت الضرورة أن الناصر خرج إلى عمه ~~الكامل ، وأعطاه الكرك ، وعجلون ، والصلت ، ونابلس ، والقدس ، والخليل ، ~~وأخذ منه الشوبك ، وسلم إليه دمشق ، وكان نزوله على دمشق في ربيع الآخر من ~~هذه السنة ، وتسلمها في غرة شعبان ، أقاموا عليها أربعة أشهر ، وسلم الكامل ~~دمشق إلى الأشرف. # ونزل الخوارزمي على خلاط ، وأقام عليها إلى السنة الثانية ، ونزل عليها ~~الثلج ، وحفر أسرابا له ولأصحابه ، ولم يزل حتى أخذها عنوة في السنة ~~الآتية. # وسار الكامل إلى حماة ، فحصرها وأخذها من الناصر قليج أرسلان ، وأعطاها ~~لمحمود ابن المنصور ، ولقبه المظفر ، وكلاهما ابنا أخيه. # وسار الناصر إلى الكرك ، وكان قد بكى بين يدي الكامل على الشوبك ، فقال ~~الكامل : أنا مالي حصن يحمي رأسي ، وافرض أنك وهبتني إياه ، فسكت ، وأقام ~~الأشرف بدمشق فدخل عليه ابن ms166 عنين الشاعر فلم ير منه ما كان يعهده من مجالس ~~المعظم ، وما كان يجري فيها من الهنات وقذف المحصنات ، فإن ابن عنين كان ~~هجاء خبيث اللسان ، فشرع فيما كان يفعله فنهاه الأشرف ، وقال : ما مجالسي ~~كما عهدته ، يكفيني ما أنا فيه PageV01P762 # حتى أضيف إليه ثلب أعراض المسلمين ، فخرج من عنده وكان شاعرا لبيبا كثير ~~الكلام فأخذ يصنف هجاءه وقد عمل فيه. # وكنا نرجى بعد عيسى محمدا %~% لينقذنا من شدة الضر والبلوى فأوقعنا في تيه موسى كما ترى %~% حيارى فلا من لديه ولا سلوى # وبلغ الأشرف ، فقال : هذا الملعون إذا لم يكن عندي من ولا سلوى ، فعند ~~من؟ وأمر بقطع لسانه ، فدخل على جماعة وحلف بأنه ما قال هذا ، فقال الأشرف ~~: ما أفلت من لسانه أحد ، ولابد من قطعه ، فهرب إلى بلاد زرع وحوران ، وسكت ~~الأشرف عنه. ### |||| * فصل # وفيها توفي أقسيس الملك المسعود بن الكامل صاحب اليمن بلغه موت الملك ~~المعظم في سنة خمس وعشرين وستمائة فطمع في الشام ، فتجهز جهازا لم يسبقه ~~إليه أحد من الملوك ، ونادى في بلاد اليمن في التجار : من أراد صحبة ~~السلطان إلى الديار المصرية ، فليتجهز ، فجاء التجار من الهند بأموال ~~الدنيا والأقمشة والجواهر ، فلما تكاملت المراكب بزبيد جمع التجار وقال : ~~اكتبوا إلي بضائعكم ، وما معكم لأحميها من الزكاة والمؤن ، فكتبوها ، فصار ~~يكتب لكل تاجر برأس ماله إلى بعض بلاد اليمن ، ويستولي ، ففعل بالجميع كذا ~~، فاجتمعوا واستغاثوا ، وقالوا : نحن جئنا من بلدان شتى وفينا من أهل : ~~الاسكندرية ، والقاهرة ، ومصر ، والشام ، والروم ، ولنا مدة سنين عن أهلنا ~~، وقد اشتقنا إليهم ، فخذ أموالنا وأطلقنا نروح إلى أهلنا ، فلم يلتفت ~~إليهم وأخذ الجميع ، وبلغني أنه كان ثقله في خمسمائة مركب ، ومعه ألف خادم ~~، ومائة قنطار عنبر وعود ومسك ، ومائة ألف ثوب ، ومائة صندوق أموال ، ~~وجواهر ، وركب الطريق إلى مكة ، ولما وصل بعض الطريق مرض مرضا مزمنا ، فما ~~دخل مكة إلا وقد فلج ، ويبست يداه ، ورجلاه ، ورأى في نفسه PageV01P763 # العبر ، فلما احتضر بعث إلى رجل مغربي بمكة قال : والله ما ms167 أرضى لنفسي من ~~جميع ما معي كفنا اتكفن به ، فتصدق علي بكفن ، فبعث له بنصفيتين بغدادي ، ~~ومائتي درهم ، فكفنوه فيهما ، ودفن بالمعلى. # وحكي أن الهواء ضرب بعض المراكب ، فرجعت إلى زبيد ، فأخذها أصحابها ، ~~وبلغني عن الكامل أنه سر بموته ، ولما جاء خزنداره إليه ما سأله كيف مات ، ~~بل قال : كم معك من المال والتحف؟ وقد ذكرنا ما فعل أقسيس ، وضربه الحرم ~~بالبندق ، فعوقب سريعا ، وضربه القدر ضربا وجيعا. ### ||| * السنة السابعة والعشرون وستمائة # وفيها بعث الأشرف أخاه الصالح إسماعيل فحصر بعلبك وضربها بالمناجيق ، ~~وضايقها ، وتوجه إليها الملك الأشرف ، وكانوا قد ضربوا بيت الماء الذي ~~للأشرف قريبا من الشيخ عبد الله اليونيني ، فقامت قيامة الأشرف وضرب ~~الفراشين وطردهم ، وضرب خيمته ناحية ، ودخل الصفي مرزوق ابن الأمجد ، ~~والأشرف صاحبهما. # وفيها أخذ خوارزم شاه خلاط ، بعد أن أكلوا الميتات ، والجيف وبيعت قطعة ~~من جلد بألف درهم ، فلما كان في جمادى الأولى زحف عليها من كل جانب ، ونصب ~~المناجيق ، وطم الخنادق ، وكان قد أقام عليها عشرة أشهر ، فدخلها بالسيف ~~فنهبها ، وهتك نساءها ، وأخذ مجير الدين ، وتقي الدين بن العادل ، وكانا ~~بها ، وأخذ الكرجية زوجة الأشرف ودخل بها من ليلته ، وكان عز الدين أيبك قد ~~خنق الحاجب عليا ، وكان مع الخوارزمي مماليك الحاجب ، فقالوا لخوارزم شاه : ~~هذا قتل أستاذنا ، فقال : اقتلوه فقتلوه ، وبلغ الأشرف وهو بدمشق ، والكامل ~~بالرقة ، فخرج من دمشق ، وجاء إلى الرقة ، وكتب صاحب الروم كيقباذ إلى ~~الأشرف يقول : هذا يستولي على البلاد ، والمصلحة أن تجيء إلى عندي فعندي ~~المال ، PageV01P764 # والرجال ، فشاور الكامل ، فقال : مصلحة ، وقطع الكامل الفرات إلى ناحية ~~مصر في سبعة آلاف مقاتل ، وليس له عدو ، وسار الأشرف إلى حران في سبعمائة ~~فارس ، وعدوه الخوارزمي ، فأقام بحران ، وكتب إلى حلب ، والموصل ، والجزيرة ~~، فجاءته العساكر ، فرحل يريد الروم ، ومعه من المقدمين : أخوه شهاب الدين ~~غازي ، والعزيز عثمان ، والجواد ، وشمس الدين صواب والأمراء ، واجتمع ~~الأشرف بصاحب الروم ، وبلغ خوارزم شاه ، فسار إليهم فوقع في طريقه بسبعة ~~آلاف من الروم جاؤوا نجدة لصاحب الروم ، وقد ms168 نزلوا في مرج يستريحون. # وحكى لي الأمير عماد الدين ابن موسك صورة الحال فقال : لما وصلنا إلى ~~الروم ، وخرج عسكر أرزنجان نجدة لنا ، وكانوا في اثني عشر ألفا ، فنزلوا في ~~مرج ، ورموا سلاحهم ، وسيبوا دوابهم ترعى ، ولم يعلموا بمسير الخوارزمي فمر ~~بهم في طريقه فقتلهم وأسرهم ، ولم ينفلت منهم إلا اليسير ، وكان في خامس ~~عشرين رمضان نهار الأربعاء ، فضعفت قلوب العساكر وخافوا ، وأقمنا مقامنا ~~إلى عشية الخميس ، فوصل الجاسوس ، وأخبر أن العدو يصبحنا يوم الجمعة ، ~~فرتبنا الأطلاب : الحاشية في الأول ، ثم بعدهم العرب ، وبعدهم الحلبيون ثم ~~صواب ، ثم الجواد ، ثم العزيز ، ثم شهاب الدين ، ثم تبعتهم أطلاب الروم ، ~~وصاحب الروم في طلب خاص ، وكنا في أرض وعرة ، فخرجنا إلى وطأة ، وإذا ~~بطلائع الخوارزمي ، فأخذ منهم العرب مائة فارس ، وقتلوا مائة فارس ، ولم ~~يتقدموا إلينا ، ونزلوا ونزلنا ، وبيننا وبينهم جبل ، وإلى جانبه واد عظيم ~~، وخفنا خوفا شديدا ، وليس معنا زاد ، ولا ماء ، ولا علف لدوابنا ، وقال ~~الأشرف لا نحشر إلا تحت حوافر خيولنا ، أين المفر؟ فلما كان وقت السحر قبيل ~~طلوع النجم ، أمر الخوارزمي بمن بقي من عسكر أرزنجان ، وكانوا خمسمائة فضرب ~~رقابهم. # فلما كان بكرة السبت ثامن عشرين رمضان ، قطعوا إلينا الوادي ، PageV01P765 # ووقف الخوارزمي على رأس الجبل وسنجقه في الوادي ، ووقع القتال ، وأرسل ~~الله ضبابا فلم ير أحد كفه ، ونصرنا الله عليهم ، فانكسروا ووقع معظمهم في ~~الجبال والأودية ، وقاتل الروم قتالا شديدا ، وكان من وقع من رأس الجبل إلى ~~الوادي أكثر ، فأصبحوا بين قتيل وأسير ، وغنم الناس أموالهم ، وخيلهم ~~وسلاحهم ، وامتلأت الجبال ، والأودية بنتنهم ، وشبعت الطيور ، والوحوش من ~~دمائهم ، ولحومهم. # وقال الأشرف للرومي : لابد لي من خلاط ، فأعطاه وأصحابه وإخوته ، وجميع ~~الأعيان من الأموال ، والخلع ، والثياب ، والخيل ، والتحف ما قيمته ألفي ~~ألف دينار ، ورجع الرومي إلى بلاده ، وجرد مع الأشرف بعض عسكره ، وسار ~~الأشرف ، فنزل أرزن الروم ، وكان صاحبها قد سار مع الخوارزمي ، فأخذها منه ~~وبعث به إلى صاحب الروم ، وسلم أرزن إلى نواب صاحب الروم ، وسار إلى خلاط ، ~~ولما ms169 وصل الخوارزمي إلى خلاط أخذ جميع ما كان له فيها ، والكرجية ، ومجير ~~الدين وتقي الدين ، ونزل أرجيش وجاء الأشرف فنزل خلاط ، وسار خلف الخوارزمي ~~، فأبعد عنه ، وتراسلا ، واصطلحا على أن يطلق الخوارزمي من عنده من الأسارى ~~، فأطلق مجير الدين ، وتقي الدين ، ولم يطلق الكرجية ، وعاد الأشرف إلى ~~دمشق مستهل جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وستمائة ، فأقام شهرا وطلع إلى ~~أخيه الكامل إلى مصر. # قلت : ومن العجائب أنه كانت لي عادة أن أجلس الثلاثة أشهر بجامع دمشق ، ~~فلما كان في يوم السبت ثامن عشرين رمضان اليوم الذي التقى فيه الخوارزمي ، ~~وثار الضباب ، وكان آخر مجالسي بجامع دمشق ، وحضره الصالح إسماعيل ، وكان ~~نائب الأشرف بدمشق ، فقال الصالح وكان بالقبة لنجم الدين بن سلام : قل ~~للشيخ يدعو للسلطان بالنصر ، فأشار إلى ، فدعوت وأمن الجماعة ، فثار في ~~ساعة الدعاء ضباب عظيم ، وغشي أهل المجلس ما غشيهم ، وغبت أنا أيضا ، فلما أفقت PageV01P766 # قلت : نصر الأشرف اليوم ، فتعجبت الجماعة ، فوصل الخبر بعد عشرة أيام ~~بالواقعة كما ذكرنا ، وأن الضباب الذي كان عندهم كان عندنا ، وأنهم نصروا ~~في الساعة التي دعونا فيها. # وفيها استخدم شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين العزيز الجاموس على ديوانه ~~، وأعطاه الكوسات والأعلام ، وقدمه على جماعته ، ودعي بالصاحب العزيز ~~الأمير عز الدين ، ومكنه من البلاد والعباد فبدا منه من الكبر والتجبر ~~والظلم والعدوان بحيث كان كالجلندي الذي يأخذ كل سفينة غصبا عند كسرى ~~أنوشروان ، وكان غازي قد اقترض من البدر ابن المسجف الشاعر لما توجه إلى ~~مكة عشرة آلاف درهم ، وكتب له توقيعا على الجهات ، فمطله الجاموس وأحاله ~~على جهات منكسرة ، ولقي منه أمورا عسرة ، فهجاه بأبيات وكتب بها إلى غازي ~~فمنها .. # أبوه الذي أفتى قديما بسبكم %~% جهارا وهذا الابن من ذلك الصلب فأبعده وقيت الردى عند دياركم %~% وقابله بالإعراض والفتك والصلب فقد قيل بيتا سائرا في مثاله %~% وسار مسير الشمس في الشرق والغرب ومن ربط الكلب العقور ببابه %~% فعقر جميع الناس من رابط الكلب # ومات الجاموس في هذه السنة وهي سنة سبع وعشرين ms170 وستمائة ، بميافارقين ، ~~فاستولى غازي على تركته ودوابه ، وغلمانه ولعنه غازي ، وقال : ظلم الرعية ~~ووسخ أعراضنا ، فدعوا علينا بسببه ، وجاء عمه من دمشق ، يطلب تركته ، فسبه ~~غازي ، وقال : ايش جاءني؟ وأعطى عمه ألف درهم ..... # وفيها توفي الحاجب علي الموصلي ، وكان خصاصا أول زمانه ، ثم خدم طغتكين ~~بدمشق ، وكان فقيرا. # وحكى لي أخوه عثمان قال : كان طغتكين يقعد عندي على الدكان بسوق النحاسين ~~بدمشق ، والحاجب يحمل سرموجته ، وهو قائم ، وكان PageV01P767 # أخوه عثمان ، وهو يسوق على الدواب من قاسيون إلى دمشق يبيع الحجارة ، ~~وكنت أقول له : بكم عملت اليوم؟ فيقول : بدرهمين ، فتقلبت بهما الأحوال حتى ~~صار الحاجب نائبا للملك الأشرف بالشرق وخلاط ، وكان شهما مقداما جوادا ، ~~بنى الحمامات ، وأوقف عليها الأوقاف ، وكان عادلا منصفا لا يحابي أحدا ، ~~فكان الأمراء وأرباب الدولة يخافونه ويتقونه ، وكان مهيبا ، وساق خلف ~~الخوارزمي ، وأخذ البلاد منه ، ونهب عياله وقد ذكرناه. # وكان سبب هلاكه أنه لما جاء الأشرف إلى دمشق ، واتفق مع أخيه الكامل على ~~المقايضة بالشرق ، بلغ الحاجب ، فكتب إلى الأشرف يقول له : الله الله لا ~~تفعل ، فليس هذا مصلحة لوجوه : # أحدها لأنك إنما قطعت الفرات لتنجد ابن أخيك الناصر ، فإذا أخذت منه دمشق ~~فأي حرمة تبقى لك عند الملوك ، فإن كان الماء والبساتتين والفرجة ، فهذه ~~سنجار أصح من دمشق ، وهي وسط البلاد. # والثاني أن الخوارزمي معاهد الملك المعظم ، فما يتخلى عن ولده وهو قريب ~~منا ، ومتى أخذ خلاط أخذ جميع البلاد. # والثالث أنك اليوم ملك الشرق والشام ، والخليفة والمواصلة والروم يخدمونك ~~، تصبح مثل بعض الأمراء ، تصير تبعا ، وحكمك اليوم على عشرة آلاف فارس ، ~~ودمشق ما تقيم بأكثر من أربعمائة فارس وذكر كلاما ، فوقع الكتاب في يد ~~الكامل ، فقال : ما كفى الخصاص ما فعل ، وأخذه لأهل الخوارزمي ، وفتحه ~~علينا هذا الباب الذي ما نقدر نسده ، حتى يكتب مثل هذا الكتاب ، ثم أمر ~~كاتبه أن يكتب كتابا إلى خلاط إلى عز الدين أيبك مملوك الأشرف بقتل الحاجب ~~، وكان أيبك عدو الحاجب ، وبعث بالكتاب إلى الأشرف وقال : علم عليه ، فعلم ms171 ~~عليه ، وقال بعد أيام : مسكين الحاجب علي كتب الكامل كتابا بهلاكه ، وعلمت عليه. PageV01P768 # قلت : سبحان الله كيف سمحت نفس الأشرف بهلاك رجل مسلم قد خدمه مدة سنين ، ~~وحفظ بلاده من السلاطين ، وكسر جيوش المخالفين ، وكان الأشرف يغيب تارة ~~بالشام ، وتارة بمصر ، والحاجب يسوس تدبيره على أحسن نظام ، وما خان الحاجب ~~في درهم ولا دينار ، ولا قصر في خدمة ربه آناء الليل وأطراف النهار ، ولكن ~~حبه لدمشق هو الذي هون عليه هلاك الحاجب ، وأنساه خدمة المشفق الصاحب ، ~~ولما وصل الكتاب إلى أيبك رمى الحاجب في جب ، وأخذ جميع ماله ، وبعث به في ~~جماعة من الأرمن فخنقوه ، ولما فتحت خلاط عمد مماليكه إلى أيبك فقطعوه ، ثم ~~اعتقل الأشرف أخا الحاجب علي في قلعة دمشق ، واستأصله ، ثم أطلقه ، وسار ~~الخوارزمي فنزل على أعمال توريز. # وفيها مات الحلي الشاعر وقد ذكرناه لما أخذ المسلمون دمياط ، والحمد لله وحده. ### ||| * السنة الثامنة والعشرون وستمائة # وفي جمادى الأولى ، ذكر التقي بن الصلاح الدرس في المدرسة التي وقفتها ~~ابنة حسام الدين لاجين ابن ست الشام على الشافعية بدمشق ، المجاورة إلى ~~مرستان نور الدين ، وفي رجب ذكر الناصح بن الحنبلي الدرس في المدرسة التي ~~أنشأتها ربيعة خاتون بنت أيوب بقاسيون ، وحبس الأشرف علي الحريري بقلعة عزتا. # وفي رمضان ساق التتر خلف جلال الدين خوارزم شاه من بلاد توريز ، فانهزم ~~بين أيديهم إلى ديار بكر ، وكان قد استحلف صاحب آمد متى قصدوه فتح له باب ~~آمد ، وكان ظهرا له ، فجاء إلى آمد فلم يفتح له الباب ، ورموه بالحجارة من ~~السور ، فأخذ على وجهه وحده في أطراف الجبال ، فوصل إلى قرية من أعمال ~~ميافارقين فقتل فيها وسنذكره. # وجاء التتر إلى ميافارقين وطلبوه ، فقال سيف الدين غازي : والله ما PageV01P769 # أعلم أين هو ، فقاتلوا ميافارقين أياما فلم يقدروا عليها ، فعادوا إلى ~~أسعرد ، فقتلوا نيفا وعشرين ألفا ، وأخذوا من البنات المستحسنات ما أرادوا ~~وأخربوها ، وعادوا إلى خلاط ، وكانت بوادر الشتاء ، ووصلت طائفة منهم إلى ~~نصيبين والجزيرة. انتهى. ### |||| * فصل # وحج بالناس من دمشق شبل الدولة ms172 كافور العادلي. # وفيها قتل عز الدين أيبك الأشرفي في توريز ، وقيل خنق في الجب ، كما فعل ~~بالحاجب علي. # وفيها قتل الأمجد صاحب بعلبك ، واسمه بهرام شاه بن فرخشاه ابن شاهنشاه بن ~~أيوب ، قد ذكرنا أن صلاح الدين أعطاه بعلبك عند وفاة أبيه في سنة ثمان ~~وسبعين وخمسمائة ، فأقام بها إلى سنة سبع وعشرين وستمائة ، خمسين سنة حتى ~~حصره الأشرف ، وأخرجه منها ، وساعده شيركوه صاحب حمص ، وكان في قلبه عليه ~~أحقاد قديمة ، كما يكون بين الأهل ، وكان المعظم يحب صاحب بعلبك ويحترمه ، ~~ويعظمه ، ولقد رأيته يقبل يده ، وكان يتردد على الكامل والأشرف ، والناس ~~فلما مات المعظم بانت الأحقاد البدرية ، والأضغان المخفية ، وقد ذكرنا أنهم ~~أخرجوه من بعلبك وجاء إلى دمشق. ### |||| * ذكر وفاته # ذكر لي جماعة أنه سرقت له حياصة لها قيمة ، ودواة تساوي مائتي دينار ، ~~فاتهم بها بعض مماليكه ، فظهرت عليه ، وأخفاها عند بعض تلك المماليك فأخذ ~~المملوك السارق ، وحبسه في خزانة في دار فرخشاه ، وكانت الخزانة خلف الأمجد ~~، وتهدد المملوك بقطع اليد والصلب ، فلما كانت ليلة الأربعاء ثاني عشر شوال ~~جلس على عادته بين يدي الخزانة التي فيها المملوك على الحالة التي يجلس ~~أمثاله عليها ، وعنده عباس ابن PageV01P770 # أخي الشريف البهاء الكاتب ، وابن فهيد اليهودي وبيده الأسطرلاب ، ليأخذ ~~له طالع الوقت ، وكان يلعب مع العباس بما جرت عادتهم بلعبه ، فقال له ابن ~~فهيد : يا مولانا انظر إلي فهذه ساعة سعيدة ، لو أردت أخذ دمشق أخذتها ، ~~فقال له : لا تكلمني فقد تعين لي اللعب ، وكان مع المملوك الذي في الخزانة ~~سكين صغيرة فعالج رزة باب الخزانة قليلا قليلا فقلعها ، وهجم فأخذ سيف ~~الأمجد وجذبه وضربه به فصاح لا والك يا مأبون والمملوك يضربه ، فحل كتفه ~~ونزل السيف إلى نحره ثم ضربه ضربة أخرى ، فقطع يده وطعنه في خاصرته ، ~~وانهزم فصعد السطح ، فصعدوا خلفه فألقى نفسه إلى الدار ، فمات وقطعه ~~الغلمان قطعا ، وغسل الأمجد ، وكفن ، وحمل إلى تربة أبيه التي على الميدان ~~على الشرف الشمالي ، فدفن بها. # وكان شاعرا ، فاضلا ، فصيحا ، وله ms173 ديوان شعر مليح ، وكان جوادا ممدحا ، ~~وقد مدحه خلق كثير ، وجزاهم الجوائز السنية ، وقد ذكرنا مدح النقاش الحلبي ~~له ، وكان صديقي ، وكنت إذا صعدت جبل لبنان للزيارة ، أجتاز ببعلبك فيخدمني ~~، ويحسن إلي واجتمعت به عند الشيخ عبد الله اليونيني وأنشد من شعره : # كم يذهب هذا العمر في الخسران %~% ما أغفلني فيه وما أنساني ضيعت زماني كله في لعب %~% يا عمر فهل بعدك عمر ثاني يا ليتهم عادوا إلى الأوطان %~% كي تجتمع الأرواح بالأبدان كم رام بي العذول عنهم بدلا %~% هذا غلط عمري قصير فاني # ورآه بعض أصحابه في المنام ، فقال له : ما فعل الله بك؟ فأخذ ينشد يقول : # كنت من ذنبي على وجل %~% زال عني ذلك الوجل أمنت نفسي بوائقها %~% عشت لما مت يا رجل PageV01P771 # وكان الأمجد قد قتل ولدا له شابا مليحا ، وقيل خنقه ، وقيل بنى عليه ~~بنيانا ، وسنذكره في ترجمة العزيز عثمان بن العادل في سنة ثلاثين وستمائة. # وفيها توفي خوارزم شاه ، واختلفوا في اسمه ، فقيل تكش ، سمعت الملك ~~المعظم يقول : ليس هو من بني سلجوق ، وإنما هو من نسل طاهر بن الحسين ، ~~وجده تكش هو الذي أزال مملكة السلجوقية ، وملك محمد أبو جلال الدين البلاد ~~، وكان مآله إلى ما ذكرنا ، طلع جزيرة فمات بها ، فقطع الخطا رأسه ، وتمزق ~~ملكه ، وكان ابنه جلال الدين هذا قد هرب إلى الهند ، وعاد منها فنزل على ~~همذان ، وقصد بغداد ، وجعل طريقه على دقوقا ، فقتل أهلها ، وقد ذكرناه ، ~~وقد طلبه عسكره إلى تفليس ، فسار على إربل ، ووصل إلى حسان وتلك النواحي ، ~~وعزم على حصار إربل ، فضايقه ابن زين الدين ، وعاهده أنه من أصحابه ، فجاء ~~إلى بلاد الكرج ، فاستولى عليها ، وراسله المعظم باطنا بالملق الصوفي ، ~~وظاهرا بالركين مملوكه ، وجاء به فأنزله على خلاط وصاهره وزوجه ابنته ~~الكبرى ، ويقال لها دار مرشد وجهازها الذي جهزه أبوها ما جهزه ملك لا بنته ~~، واتفق موت المعظم ، وأخذ خوارزم شاه خلاط ، وفعل فيها ما فعل وآخر أمره ~~مجيء التتر خلفه ، وأنه انهزم إلى بلاد ميافارقين ، وتاه في ms174 الجبال ، فوقع ~~به فلاح من قرية يقال لها مين دار ، فرآه راكبا على سرج مرصع باليواقيت ، ~~وعلى لجام فرسه الجواهر وسلاحه كله مجوهر ، فقال : من أنت؟ فقال : خوارزم ~~شاه ، وكل عساكر الخوارزمي قد قتلوا ، فقيل إن الفلاح شره إلى ما كان معه ، ~~فأنزله وأطعمه ، وأمنه ونام عنده ، فضربه بفأس فقتله وأخذ ما كان معه وبلغ ~~شهاب الدين غازي ، فأرسل إلى الفلاح ، فأنكر ، فقرره فأقر وأحضر الفرس ، ~~والسلاح ، وقال : دفنته إلى جانب القرية ، وكان طرخان خال الخوارزمي ، قد ~~وصل إلى شهاب الدين ، فأنزله في قصره ، وأمر بحمل الخوارزمي ليلا من القرية ~~، وقال لخاله : انظر هل هو هذا ، فلما رآه بكى ، وقال : نعم ، فدفنوه ليلا ~~، وأخفوا قبره مخافة أن ينبش. PageV01P772 # وبلغني في مقتل خوارزم شاه وجه آخر ، أنه لما كسبه التتر خرج من الخيمة ~~ليلا ، ومعه جماعة من أصحابه ، وقصد ميافارقين ، وكان معه جواهر نفيسة ، ~~فبات بقرية عند أرمن ، فقال : أنا خوارزم شاه ، وأعطاهم جواهر ، وقال : ~~احملوني إلى شهاب الدين غازي ، فحملوه إلى سفينة وكان تحته فرس سرجه ، ~~ولجامه ذهب مجوهر ، فأنزلوه في السفينة وبها رجل كردي ، كان خوارزم شاه قد ~~قتل أهله ، فضربه في صدره بحربة ، وأخرجها من ظهره ، فقتلوا الكردي ، ~~وأخذوا ما كان على خوارزم شاه ، وحياصته ، وفرسه ، وكان فيها جوهر عظيم ، ~~وألقوه في بئر ، وبلغ شهاب الدين غازي ، فأرسل إليهم ، فأخذهم ، وأخذ ما ~~أخذوه ، وسألهم عن خوارزم شاه ، فأخرجوه من البئر ، فقتلهم شهاب الدين ~~وغسله وكفنه ، ودفنه خارج ميافارقين ، فعفى شهاب الدين موضع قبره. # وقيل قتل في سنة تسع وعشرين وستمائة ، ثم تفرقت عساكره تفرق أيدي سبأ ، ~~وكم فتك وقتل من المسلمين ، وسبى وزالت أيامه ، وبقيت آثامه ، وكان كثير ~~الفساد للعباد والبلاد. # وحكى خالي أبو محمد يوسف محيي الدين ، قال : بعثني الخليفة إليه في رسالة ~~، وهو على خلاط ، فدخلت عليه ، وبين يده المصحف ، وهو يقرأ فيه ، ويبكي ~~فقلت له : تقرأ في المصحف وتبكي ، وأنت تفعل بالمسلمين ما تفعل ، وقد قتلت ~~في دقوقا عشرين ألف مسلم ، وسبيت نساءهم ، وفعلت وفعلت؟ ms175 فقال : هذا عسكر ~~عظيم ، مسيرة خمسة أيام مالي عليهم طاقة ، ولا أحكم عليهم ولا يلتفتون إلي ~~، ومع هذا فإنه كان سدا بين المسلمين والكفار ، وسندا لأهل الإسلام من ~~الفجار ، وكان يدفع التتر عن المسلمين ، فلما هلك انفتح السد. # ولقد حكى لي الأمير عماد الدين بن موسك قال : لما كسر الخوارزمي دخل ~~عثمان العزيز ، وغازي ، وجماعة من الأعيان فهنأوا الأشرف بالكسرة ، فقال : ~~تهنوني بهذا ، سوف ترون غب هذا ، والله لتكونن هذه PageV01P773 # الكسرة سببا لدخول التتر بلاد المسلمين ، ما كان الخوارزمي إلا مثل السد ~~الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج ، فكان كما قال. # وكان الخوارزمي إذا لقي التتر اقتتلوا عشرة أيام بلياليها ، يترجلون عن ~~خيولهم ، ويلتقون بالسيوف ، وأحدهم يأكل ويبول ، وهو يقاتل ..... ### ||| * السنة التاسعة والعشرون وستمائة # وفيها عاد التتر إلى الجزيرة ، وحران ، ووصلوا إلى جسر بدايا ، فقتلوا ~~وأسروا وسبوا ، وخرج إليهم عسكر حران فما رجع منهم إلا القليل ، وخرج ~~الكامل والأشرف من مصر لدفع التتر عن البلاد. # وقتل في هذه النوبة صديقنا عز الدين بن سعد بن كوجبا الحلبي ، وكان شابا ~~حسنا صالحا ، ورجع التتر إلى خلاط وعبر الكامل والأشرف الفرات ، ونزلا على ~~آمد في ذي الحجة ، وولى الأشرف القاضي عماد الدين عبد الكريم ابن الحرستاني ~~قضاء القضاة بدمشق ، وقرأ بهاء الدين ابن أبي اليسر عهده. # وفيها فتح الكامل آمد ، واستولى على قلاعها ، وذخائرها ، وأخذ صاحبها معه ~~إلى مصر ، خامر عليه ، فاعتقله إلى أن مات الكامل ، وقتل في السنة الآتية ~~....... ### ||| * السنة الثلاثون وستمائة # وفيها فتح الكامل آمد ، وقد كان ضربها بالمناجيق ، وأنذر صاحبها الملك ~~المسعود ، وكان ضد أبيه ، واسمه مودود بن الصالح ، وأعطاه إقطاعات كثيرة ، ~~فلم يلتفت ، فلما رأى الغلبة ، خرج إلى الكامل ، وفي رقبته منديل ، فوكل ~~عليه ، ودخل البلد وتسمله ، واستولى على أولاده وأمواله وذخائره ، وطلب منه ~~تسليم القلاع ، فسلم الجميع وبقي حصن كيفا عاصيا ، فبعث الكامل الأشرف ، ~~وشهاب الدين غازي ، ومعهما PageV01P774 # صاحب آمد تحت الحوطة ، فلم يسلموا ، فعذبه الأشرف عذابا عظيما وكان يبغضه. # قال لي الأشرف : وجدنا في قصره خمسمائة حرة ms176 من بنات الناس للفراش ، ثم ~~سلمت القلعة في صفر ، وعاد الأشرف إلى دمشق ، وسمع البخاري على الحسين بن ~~المبارك بن الزبيدي ، وتوفيت للأشرف ابنة فدفنها في بستان العلاء بن ~~القلانسي بقاسيون ، عند دير الحنابلة ظنا منه أن ابن القلانسي لا يتوقف في ~~مثل هذا ، ولو دفنها في داره ، فشق على العلاء ذلك ، وقال : هذا المكان وقف ~~، وبلغ الأشرف ، فاشترى تربة الشرف يعقوب ، ونقلها إليها ، واشترى لها ملكا ~~، ووقفه عليها ، وسأله المقادسة أن يكون وقفا عليهم دون غيرهم فأجابهم. # ثم اجتمعا عنده بعد ذلك في النيرب ، فقال له بعض أصحابه : قد خصصت بهذه ~~الدار المقادسة ، ولهم الضياع ، والأوقاف والغريب إذا ورد أين ينزل؟ فالتفت ~~إلي وقال : هذا الصحيح ، فهل يمكن أن يضاف إلى الوقف ما قال في حق الغرباء؟ ~~فقلت : بعد أن حكم الحاكم لا يجوز تغييره بإجماع الفقهاء ، إنما قبل حكم ~~الحاكم ففيه خلاف ، وكان الكامل بدمشق فأمر باستئصال ابن القلانسي وهلاكه ، ~~فقال الأشرف لا حاجة إلى هذا ، فلا يدخل علي بعد. # وفيها فتحت دار الحديث الأشرفية المجاورة لقلعة دمشق ليلة النصف من شعبان ~~، وأملى بها ابن الصلاح الحديث ، ووقف عليها الأشرف الأوقاف ، وبها نعل قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم . # وفيها نزل ناصر الدين صاحب ماردين من قلعته ، وجاءته عساكر الروم ، ~~فحصروا حران ، والرها والرقة واستولوا على الجزيرة ، وفعلوا بالجزيرة مالا ~~تفعله التتر ، وكان القاضي علاء الدين الكردي في المستحم يتوضأ ، فجاءه حجر ~~المنجنيق فقتله ، وكان بالرها. PageV01P775 ### |||| * فصل # وفيها توفي صفي الدين ابن شكر ، وزير العادل سيف الدين ، واسمه عبد الله ~~بن علي ، وأصله من الدفيرة قرية من قرى مصر ، وكان وزيرا مهيبا ، فاضلا ، ~~له معرفة بقوانين الوزارة ، وكان على دولة العادل به جلالة ، وكانت عنايته ~~مصروفة إلى العلماء ، والفقهاء ، والفضلاء ، والأدباء ، والمدارس في أيامه ~~عامرة ، والأوقاف عليها ظاهرة ، والعلم نافق السوق ، وأحواله جارية على ~~النظام ، ثم انقضت تلك السنون وأهلها ، وكان مالكي المذهب محبا لمن في ~~العلم يرغب ، وصنف كتابا سماه «البصائر برواية الأوائل والأواخر» ومن جملة ~~ما ms177 ذكر فيه من فضائل دمشق ، قال الصادق الذي أجمل القول : «قد وكل الله ~~تعالى بكل بلد ملكا إلا دمشق فإنه يحرسها بعينه». # وكان العادل قد انحرف عنه آخر عمره ، ونفاه إلى آمد ، فأقام بها حتى توفي ~~العادل ، فأرسل الملك الكامل إليه ، واجتمع به ، وكان قد قد نظره ، وكان في ~~أيام العادل يسير إليه ، ويجتمع عنده في درب الشعارين. ### |||| * فصل # وفيها توفي الملك العزيز عثمان بن العادل ، شقيق المعظم لأبيه وأمه ، ~~وكان صاحب : بانياس وتبنين وهونين والحصون ، وهو الذي بنى الصبيبة ، وكان ~~عاقلا قليل الكلام ، مطيعا لأخيه المعظم ، وكان بعد موت المعظم قد عامل على ~~قلعة بعلبك في سنة خمس وعشرين وستمائة ، وكتب إليه ولد الملك الأمجد يقول ~~قد نشرت باب السر ، فسر إلينا وقت السحر ، وكان بالصبيبة ، فساق منها أول ~~الليل والمسافة بعيدة فجاءهم ، وقد طلعت الشمس ، ففات الغرض ، ونزل مقابل ~~بعلبك ، فبعث الأمجد إلى الناصر داود يقول قد عرفت ما كان بيني وبين المعظم ~~، وكنت صديق من صادقه ، وعدو من عاداه ، وأريد ترحل العزيز عني ، فأنفذ PageV01P776 # الناصر إلى العزيز ، فرحل إلى بانياس ، وما عاد إلى دمشق إلا مع الكامل ، ~~فإنه سار إليه والتقاه من القدس ، وقال : أنا آخذ لك دمشق ، وأعطاه مالا ، ~~وأحسن إليه ، وكان العزيز أحد الأسباب الموجبة لأخذ دمشق من الناصر ، وكذا ~~الصالح إسماعيل ، وأيدمر ، وأما صاحب بعلبك ، فعلم بما فعل ولده ، ووقف على ~~نشر الباب ، فيقال : إنه خنق ولده ، وقيل بنى عليه بنيانا ، وكانت وفاة ~~العزيز يوم الإثنين عاشر رمضان ببستانه في الناعمة ، ببيت لهيا ، وحمل ~~تابوته فدفن بقاسيون في تربة المعظم عند والدته وأهله ..... ### |||| * فصل # وفيها توفي مظفر الدين ابن زين الدين ، واسمه كوكبوري بن علي بن بكتكين ~~في إربل ، قد ذكرنا مواقفه مع صلاح الدين في حطين وغيرها ، وأنه خدم صلاح ~~الدين ، وزوجه أخته ، وملكه الشرق ، وأن أخاه زين الدين مات بالناصرة ، ~~وطلب إربل عوض حران ، وأعطاه إياها ، وبعد موت صلاح الدين ما زال منتميا ~~إلى بيت العادل مصافيا لهم ، حتى مال الأشرف إلى ms178 بدر الدين لؤلؤ ، وعزم على ~~أخذ إربل منه ، فاستنجد عليه بالخليفة المستنصر فنهاه عنه ، فقدم بغداد ~~ومعه مفاتيح إربل والقلاع ، فالتقاه الموكب ، وجلس له جلوسا عاما في صحن ~~السلام ، وقعد في شباك المبايعة ، وحضر أرباب الدولة ، وصعد على الدرج ، ~~وبايع الخليفة ، وطلب منه يده ليقبلها فناوله إياها ، فجعل يقبلها ويبكي ، ~~ويقول : الحمد لله على هذا المقام ، ما وصل إليه غيري ، وخاطبه الخليفة ~~بأجمل خطاب ، وقدم للخليفة الخيل والتحف والهدايا ، وأعطاه الخليفة أضعاف ~~ذلك ، وخلع عليه خلعة السلطنة ، وعاد إلى إربل ، وقطع خطبة بني العادل ، ~~واقتصر على خطبة الخليفة ، وكان كثير الصدقات غزير البر والصلات ، حكى ~~جماعة عنه أنه كان يقول : لما أخذت إربل آليت على نفسي أن أقسم مغلها ثلاثة ~~أقسام : قسم أنفقه في أبواب البر ، وقسم للجند PageV01P777 # وما يخصني ، وقسم ادخره لعدو يقصدني ، وكان يعمل في كل سنة مولد النبي ~~صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول تجتمع فيه الدنيا من : العلماء ، والفقهاء ، ~~والوعاظ ، والقراء ، والصوفية ، والفقراء من كل صنف ، ويضرب الخيام في ~~الميدان ، وينزل من القلعة بنفسه ، فيقرأ القراء ، ويعظ الوعاظ ، ويمد ~~سماطا أوله عنده ، وآخره في القلعة ، وتحضره الخلائق فلا يبقى إلا من يأكل ويحمل. # وحكى لي من حضر بعض السنين ، فقال : عددت على السماط مائة فرش قشلمش ، ~~وخمسة آلاف رأس شوي ، وعشرة آلاف دجاجة ، ومائة ألف زبدية ، وثلاثين ألف ~~صحن حلوى ، ثم يخلع فيه على الأعيان ، ويفرق فيه الأموال على أقدارهم ، ولا ~~يحضر هذا السماط أحد من عسكره ، ثم يقوم في الميدان فيدخل الخانكاه ، وقد ~~اجتمع فيه من الصوفية ما بين ثماني مائة إلى ألف ، فيأخذون في السماع من ~~بعد الظهر إلى الفجر ، وهو يرقص بينهم ، فإذا كان من الغد بعث إليهم من ~~يكتب أسماءهم وكل شيخ ومعه جماعة ، فيعطي المشايخ على قدر طبقاتهم من ~~المائة دينار إلى الخمسين ، والثلاثين ، ولأتباعهم على حدة ، ومن شاء أن ~~يسافر ، ومن شاء أن يقيم أياما. # وكان قد بنى دار المضيف يدخلها جميع الأجناسس لا يمنع منها أحد ، ويعطي ~~كل ms179 واحد على قدر حاله ، وهي حيزا عظيما ، وقسمه أربعة أقسام : مكان للزمناء ~~، ومكان للعميان ، ومكان لليتامى ، ومكان للمساكين ، وأجرى عليهم الجرايات ~~، والجوامك ، والكساوي ، وكان يركب كل يوم بكرة فيدخل إليهم ، ويقعد ~~اليتيمة ، والمسكينة على فخذه ، ويقول : ايش تريدين تأكلين ، ايش تريدين ~~تكتسين؟ فمهما طلبت أحضره ، وإذا كبرت اليتيمة زوجها ، وأقام لكل واحد من ~~الزمناء قائدا يخدمه ، وكان في كل سنة يبعث بالأموال والجواهر إلى الشام مع ~~ديوان فيشتري بها الأسارى من بلاد الفرنج ، ويعودون إلى إربل فيقيموون في PageV01P778 # قرية على باب إربل يقال لها بيت النار ، فلا يدخلون إربل حتى يجهز غيرهم ~~لئلا ينقطع عمله ، وإذا خلص الأسير أعطوه كسوة ونفقة توصله إلى أهله ، فكان ~~يخلص في كل سنة خلقا كثيرا ، فلما توفي أحصى ما تخلص من الأسارى ، فكانوا ~~ستين ألف أسير ما بين رجل وامرأة ، وكان يبعث في كل سنة بمال يفرق في ~~الحرمين وعشرة آلاف دينار تنفق في السبيل ، وألف دينار برسم إجراء الماء ~~إلى البرك التي بعرفات. # وحكت زوجته ربيعة خاتون قالت : كان ثوبه يساوي خمسة دراهم من خام ، فقلت ~~له : لو لبست ألين من هذا ، فإن بدنك ما يحتمل الخشن ، فقال : أيما أصلح ~~وأكثر أجرا ، أنني ألبس ثوبا بعشرة دراهم ، أو ألبس ثوبا بخمسة دراهم ، ~~وأتصدق بخمسة على فقير أو مسكين ، وكانت أمواله استنفدتها الصدقات ، فكان ~~يرسل الجواهر فيبيعها بدمشق ، ويشتري الأسارى. # وحكى لي بإربل أنه كان ينفق على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار ، ~~وعلى الخانكاه مائتي ألف ، وعلى دار المضيف مائة ألف ، وعلى الأسارى مائة ~~ألف ، وفي الحرمين ، والسبيل ثلاثين ألف دينار غير صدقات السر. # قلت : ومع هذه المناقب فلا يسلم من ألسنة الناس ، ويقولون : هذا يصادر ~~ديوانه ، ودواوينه ، وكتابه ويستأصلهم ، ولعله اطلع منهم على خيانات فرأى ~~أخذ الأموال وإنفاقها في أبواب البر ، والقربات أولى. # وذكروا أشياء أخر ، من ذا من ألسنة الناس يسلم؟ اللهم غفرا. # وكانت وفاته في رمضان بقلعة إربل ، وأوصى أن يحمل إلى مكة فيدفن في حرم ~~الله تعالى ، وقال ms180 : أستجير به ، فحمل في تابوت إلى الكوفة ، ولم يتفق رواح ~~الحج في هذه السنة إلى مكة ، فدفن عند أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وكان ~~أيوب بن الكامل في آمد ، وإسماعيل ابن PageV01P779 # العادل في سنجار ، فسار كل واحد منهما إلى إربل ليأخذها لنفسه ، وجرى ما ~~لا يليق بين الإثنين ، وكان سبقهما عسكر الخليفة فتسلمها ورجعا ، وكانت قد ~~عصت وبقلعتها خادمان ففتحت عنوة ، وجرى بها ما لا يجوز من النهب والقتل ، ~~والذل ، والهوان ....... ### ||| * السنة الحادية والثلاثون وستمائة # وفيها اجتمع الكامل وإخوته ، وأسد الدين صاحب حمص والعساكر الشامية ، ~~والمصرية ، وساروا ليدخلوا بلاد الروم من عند النهر الأزرق ، فوجدوا ~~العساكر الرومية قد حفظوا الدربند ، ووقفوا على رؤوس الجبال ، وسدوا الطرق ~~بالحجارة ، والأخشاب ، فامتنعت العساكر من الدخول ، وكان الأشرف ضيق الصدر ~~من جهة الكامل ، لأنه طلب منه الرقة تكون برسم علف دوابه إذا عبر الفرات ، ~~فامتنع وقال : ما يكفيه كرسي بني أمية ، واجتمع أسد الدين صاحب حمص بالأشرف ~~، وقال : إن حكم على الروم أخذ جميع ما بأيدينا ، فوقع التقاعد ، فلما رأى ~~الكامل ذلك عبر الفرات ، ونزل السويداء ، وجاءه صاحب خرت برت ، وهو من بني ~~أرتق فقال : عندنا طريق سهلة تدخل منها ، فجهز الكامل من بين يديه ولده ~~الصالح أيوب ، والملك الناصر داود ، وصواب الخادم ، فما راعهم إلا علاء ~~الدين بعساكر الروم ، وكان الناصر قد تأخر وتقدم صواب في خمسة آلاف ، وقاتل ~~فأسر صواب ، والمظفر صاحب حماة ومن معه ، وقتل منهم جماعة ، وانهزم الباقون ~~، وعاد الكامل إلى آمد ولم يتقدم ، فأطلق الرومي صوابا والأمراء ، وأحسن ~~إليهم ، فجاؤوا إلى آمد وأعطى الكامل ولده الصالح أيوب حصن كيفا ، وأقام ~~صواب بآمد ، وعاد الكامل إلى الشام بالعساكر ، وعمر الأشرف مسجد جراح بظاهر ~~الباب الصغير. # وقدم رسول الإنبروز ، ومعه هدايا فيها دب أبيض ، وشعره مثل شعر السبع ، ~~ينزل البحر يتصيد السمك ، ثم يأكله ومعه طاووس أبيض. PageV01P780 ### |||| * فصل # وفيها توفي أتابك شهاب الدين طغريل مملوك الملك الظاهر ، صاحب حلب ، ~~وعتيقه ، وكان صالحا عفيفا ، زاهدا عابدا ، صحبني مدة ، وأنزلني في ~~الخانكاه الني ms181 بناها بظاهر حلب على باب الأربعين عند القناة ، وكان دائما ~~يبيت عندي أول قدومي الشام في سنة ستمائة إلى سنة ست وستمائة ، وكان كثير ~~الصدقات والإحسان يقسم الليل أثلاثا : الثلث الأول يجري فيه حكايات ~~الصالحين وأحوال الناس ، ومحاسنهم ، وينام الثلث الأوسط ، ويحيي الثلث ~~الأخير قراءة وصلاة وبكاء ، وكان واسطة خير عند الظاهر ، ويحب الصالحين ~~ويزورهم ، ولما توفى الظاهر قام بأمر ولده العزيز أحسن قيام ، واستمال ~~الأشرف يحفظ عليه البلاد ، ويدفع الأعادي ، والحساد ، ولما استعاد الأشرف ~~تل باشر ، دفعها إلى الخادم ، وقال : تكون هذه برسم صدقاتك وما يمونك من ~~المغارم ، فإنك تكره أن تتصرف في أموال الصغير فنقل من الأموال والذخائر كل ~~نفيس خطير ، وكان قد طهر حلب من الفسق والفجور ، والمكوس والخمور ، وكان ~~الملك الأشرف يقول لي : إن كان لله تعالى في الأرض ولي ، فهو هذا الخادم ~~الذي فعل ما عجز عنه الفحول ، فلما ترعرع الملك العزيز بن الظاهر في سنة ~~تسع وعشرين وستمائة ، تحدث عليه أقوام أرادوا قصد أذى أتابك ، وقالوا : ~~رضيت لنفسك أن تكون تحت حجر هذا الخادم ، فأخذ منه تل باشر ، وأزال الحجر ، ~~والتحق بالأكابر ، وأقام أتابك لا ينفذ له أمر فمرض ، وتوفي في هذه السنة ، ~~ودفن بباب الأربعين على الجادة .... ### |||| * فصل # وفيها توفي الركن الفلكي ، واسمه منكورس ، فلك الدين ، أخي العادل لأمه ، ~~وكان من كبار الأمراء ، ولاه العادل بصرى والشام نيابة عنه ، وكان دينا ~~صالحا عفيفا عادلا ، منصفا ، قليل الكلام ، كثير الصدقات والخيرات ، ملازما ~~لجامع دمشق لخمس صلوات ، وكان يخرج PageV01P781 # في وقت السحر إلى الجامع وحده ، وبيده طوافه فلا يتبعه من غلمانه أحد ، ~~وبنى بقاسيون مدرسة وتربة ، فأوقف عليها الأوقاف الكثيرة ، وتوفي في جيرود ~~من قرى دمشق ، وحمل إلى قاسيون ، فدفن بتربته إلى جانب مدرسته ...... # وفيها توفي كريم الدين الخلاطي الأمير ، كان كيسا لطيفا حسن الملتقى ، ~~متعصبا ذا مروءة خدم الأشرف ، والمعظم ، والكامل ، وحج بالناس أميرا من ~~الشام ، وتوفي بدمشق ، ودفن بقاسيون عند مغارة الجوع ..... ### ||| * السنة الثانية والثلاثون وستمائة # وفيها شرع الأشرف في بناء خان الزنجاري ms182 بالعقيبة مسجدا ، وكان خانا ~~مشهورا بالفجور والخواطىء ، وشرب الخمور ، فسبحان من بدل ذلك المكان ~~بالذكار والصلوات ، وقراءة القرآن. ### |||| * فصل # وفيها خرجت عساكر الروم نحو آمد ، فأقاموا عليها أياما ، ثم نازلوا ~~السويداء فأخذوها ، وقيل في هذه السنة أخذوا : الرها ، وحران ، والرقة ، ~~ونزل إليهم صاحب ماردين ، وأخذوا من الأموال ما لا يحصى ..... ### |||| * فصل # وفيها توفي صواب مقدم عسكر العادل ، الذي أسره الروم ، وكان خادما عاقلا ~~شجاعا ، جوادا ، وكان العادل والكامل ، يعتمدان عليه ، وكان حاكما على ~~الشرق ..... ### ||| * السنة الثالثة والثلاثون وستمائة # وفيها قطع الأشرف والكامل الفرات ، واستعاد الكامل : حران ، والرها ، ~~وغيرها من بلاد الشرق ، وأخرب قلعة الرها ، واندفعت عساكر PageV01P782 # الروم قبل وصوله ، ونزل على دنيسر فأخربها إلا الجامع ، واستباحوا الفروج ~~والأموال ، وبينما هم على دنيسر إذ جاء كتاب بدر الدين لؤلؤ إلى الأشرف ~~يقول : قد قطع التتر دجلة في مائة طلب ، كل طلب خمسمائة فارس ، ووصلوا إلى ~~سنجار ، فخرج إليهم معين الدين ابن كمال الدين بن مهاجر ، فقتلوه على باب ~~سنجار ، وقطع الكامل ، والأشرف الفرات إلى ناحية دمشق ، ورجع التتر ، ولما ~~قطعا الفرات عادت عساكر الروم ، وجاءت الخوارزمية إلى صاحب ماردين ، فنزل ~~إليهم ، وأحرقوا نصيبين ، وفعلوا فيها أعظم مما فعل الكامل بدنيسر ، وتوجهت ~~العساكر ، فنازلوا آمد ، وخرجت السنة والحصار على آمد ، وفتحت في السنة ~~الآتية .... ### ||| * السنة الرابعة والثلاثون وستمائة # وفيها نزل التتر على إربل بالفارس والراجل ، وحاصروها مدة ونصبوا عليها ~~المناجيق ونقبوا سورها ودخلوها عنوة ، وقتلوا كل من فيها ، وسبوا وفضحوا ~~البنات ، وأخذوا الأموال ، وصارت الآبار والدور قبور أهلها ، ونتنت المدينة ~~من كثرة الجيف ، وكان بادكين مملوك الخليفة في القلعة ، فقاتلهم ، ونقبوا ~~القلعة ، وجعلوها سردابا ، وطرقا ، وقلت عندهم المياه ، ومات بعضهم عطشا ، ~~ولم يبق إلا أخذها ، فمن الله على من بقي من أهلها ، فرحلوا عنها في ذي ~~الحجة ، وقد عجزوا عن حمل ما أخذوا من الأموال والغنائم ، ثم هرب بعد ذلك ~~بادكين إلى بغداد ، واستخدم الصالح أيوب الخوارزمية الذين بقوا من أصحاب ~~جلال الدين ، فانضموا إلى الصالح أيوب بن الكامل ، وانفصلوا عن الرومي. ms183 ### |||| * فصل # وفيها بدت الوحشة بين الأشرف والكامل ، وسببه أن الأشرف طلب منه الرقة ، ~~فقال : الشرق قد صار له ، وأنا كل يوم في خدمته فتكون هذه برسم عليق دوابي ~~، وجعلت الفلك ابن المسيري واسطة ، فكتب الفلك إلى PageV01P783 # الكامل يخبره ، فكتب الكامل إلى الفلك كتابا غليظا شنيعا ، وكان الكامل ~~قد عزم على أخذ الروم ، قال أسد الدين للأشرف : متى أخذ الروم نبقى بين ~~يديه يقلبنا كيف شاء ، واتفقا عليه ، ولما عادوا من الروم إلى دمشق فهم ~~الكامل ذلك ، فخاف وعجل الرجوع إلى مصر ، فبعث إليه الأشرف يقول : أخذت مني ~~الشرق ، وقد افتقرت بهذه البواكير ، ودمشق مالي فيها بستان ، فبعث إليه ~~الكامل بعشرة آلاف دينار ، فردها وقال : أنا أدفع هذه لأميرين ، فغضب ~~الكامل ، وقال : إيش يعمل بالملك يكفيه عشرة المغاني ، وتعلمه لصناعتهم ، ~~فتنمر عليه الأشرف وقال : والله لأعرفنه قدره ، فأرسل إلى : حلب ، وحماة ، ~~وبلاد الشرق ، وقال : قد عرفتم بخل الكامل وطمعه في البلاد ، فحلفوا ~~واتفقوا ، ولما وصل الكامل إلى قلعة القاهرة باس العتبة ، وقال : رأيت روحي ~~في قلعتي ، فلما مات الأشرف في سنة خمس وثلاثين وستمائة ، قال : والله لو ~~لم يمت لراحت البلاد منا ، فقيل له : لك من باب الموصل إلى اليمن فايش ~~تلتفت إليه ، فقال : اسكتوا كان كريما ، والكرم ما معه حديث ، وكان الملك ~~الأشرف ، قد اتفق مع الملك الناصر ، ثم انحرف عنه ومضى إلى الكامل .... # وفيها توفي الشهاب أحمد الأمير ، كان شجاعا جوادا من خواص الكامل ، ~~وأرباب سره ، كيسا متواضعا حسن المحضر ..... ### |||| * فصل # وفيها توفي الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر صاحب حلب ، ولد في ذي ~~الحجة سنة تسع وستمائة ، وتوفي والده وهو طفل ، ونشأ تحت حجر شهاب الدين ~~الخادم ، فرتب أموره أحسن ترتيب ، وقام بدولته القيام العجيب إلى أن ترعرع ~~في سنة تسع وعشرين ، فاشتغل بالأمر ، وفك عن نفسه الحجر ، وتوفي بحلب ، ~~ودفن في القلعة ، وكان حسن الصورة ، كريما عفيفا ، ولم يبلغ أربعا وعشرين ~~سنة ، وحكى الحلبيون أن أحواله تغيرت وتوفي في شوال وأقاموا ولده الملك ~~الناصر يوسف بعده. PageV01P784 ### |||| * فصل ms184 # وفيها توفي علاء الدين كيقباذ صاحب الروم ، كان عاقلا شجاعا كسر ~~الخوارزمي ، وكسر الكامل ، واستولى على بلاد الشرق ، وزوجه الكامل ببنته ~~وأولادها منه ، وكان عادلا منصفا مهيبا ، ما وقف له مظلوم إلا وكشف ظلامته. ### |||| * فصل # وفيها توفي الكمال ابن مهاجر ، كان كثير المال ، والصدقات ، مات بدمشق في ~~جمادى الأولى ، فجأة ودفن بقاسيون ، وأخذ الأشرف جميع ما وجد له بدمشق تبلغ ~~قيمته ثلاثمائة ألف دينار ، أراني الأشرف من ذلك مسبحة فيها مائة حبة مثل ~~بيض الحمام ، والحمد لله. ### ||| * السنة الخامسة والثلاثون وستمائة # وفيها توفي الأشرف ، والكامل والخطيب ، والقضاة ، وولي الجواد دمشق ، ~~واختلفت الخوارزمية على الصالح أيوب بن الكامل ، وأرادوا القبض عليه ، فهرب ~~إلى سنجار ، وترك خزائنه ، وأثقاله ، وعبر الفرات من عند دير شير ، فنهبوا ~~الجميع ، ولما وصل سنجار سار إليه بدر الدين لؤلؤ ، فحصر في ذي القعدة ، ~~فأرسل الصالح إلى لؤلؤ يسأله الصلح فقال : لابد من حمله إلى بغداد في قفص ، ~~وكان لؤلؤ والمشارقة يكرهون مجاورته ، وينسبونه إلى التكبر ، والتجبر ، ~~والظلم فألجأت الضرورة إلى أن بعث الصالح إلى الخوارزمية ، وهم على حران ~~يستنجدهم ، فيقال : أنه بعث إليهم بدر الدين قاضي سنجار ، وحطه من السور في ~~حبل ، فشرط الخوارزمية كل ما أرادوا ، وساقوا جرائد من حران ، وكبسوا بدر ~~الدين لؤلؤ على سنجار فنجا وحده على فرس سابق ، فنهبوا أمواله وخزائنه ~~والخيام والخيل وجميع ما كان معه في عسكره. # وبلغني أن الدواة المفضضة تساوي مائتي درهم بيعت بخمسة PageV01P785 # دراهم ، والطشت والإبريق بعشرين درهما ، واقتسموا الكوسات والنقارات من ~~ذلك اليوم ، واستغنوا إلى الأبد جميعهم ..... ### |||| * فصل # وفيها توفي خطلبا بن عبد الله التبنيني المجاهد المرابط ، الدين الصالح ، ~~العاقل ، مات يوم الإثنين ثالث شعبان ، ودفن في تربته التي أنشأها بقاسيون ~~، ودفن بها شركس ، وهو الذي أنشأ هذه التربة ، ووقف عليها الأوقاف ، وأقام ~~في الثغور مدة سنين يجاهد العدو ، ويحفظ البلاد على المسلمين ، وكان كثير ~~الصدقات ، دائم المعروف والصلات ، طاهر اللسان كثير الفضل والاحسان. # وفيها توفي الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب ولد سنة ثلاث ms185 وسبعين ~~وخمسمائة ، وكان أكبر أولاد العادل بعد ممدود ، وكان العادل قد عهد إليه ~~لما رأى من ثباته وعقله ، وسداده في إصداره وإيراده. ### |||| * ذكر نبذة من أخباره وما جرى بعد وفاته # سيرته مفرقة في السنين ، كان شجاعا زكيا مهابا ، فطنا يحب العلماء ~~والأماثل ، ويلقي عليهم المشكلات من المسائل ، وتكلم على صحيح مسلم بكلام ~~مليح ، ولفظ فصيح ، ويثبت بين يدي العدو ، ولما نزل الفرنج على دمياط ما ~~أبقى قلما في خزائنه وذخائره ، وأما عدله فإليه المنتهى ، وفضله فهو ~~المشتهى ، جلست عنده بدار الوزارة في القاهرة في سنة تسع وستمائة ، وحضر ~~شيخ الشيوخ قال : لما حصر الفرنج دمياط ، صعد الكامل على مكان عال وقال لي ~~: ما ترى ما أكثر الفرنج ما لنا بهم طاقة ، قال : فقلت له : أعوذ بالله من ~~هذا الكلام ، قال : ولم؟ قلت : لأن السعد موكل بالمنطق ، فأخذت الفرنج ~~دمياط بعد قليل ، فلما طال الحصار صعد على مكان وقال : # يا فلان ترى الفرنج ما أقلهم ، والله ما هم شيء ، قلت : أخذتهم PageV01P786 # والله ، قال : وكيف؟ قلت : في يوم كذا وكذا ، فأخذوا دمياط ، وقد قلت ~~اليوم كذا فالملوك منطقون بخير وشر ، فأخذ دمياط بعد قليل. # وكانت وفاة الملك الكامل ليلة الأربعاء ، حادي عشرين رجب في بيت صغير ~~بدار الفضة ، ولم يعلم أحد بموته ، ولا حضره أحد من شدة هيبته ، ودخلوا ~~عليه فوجدوه ميتا ، وكان مرضه نيفا وعشرين يوما بالإسهال والسعال ، والنزلة ~~في حلقه ، ونقرس في رجليه ، وأظهروا موته يوم الجمعة ، ولم يحزن عليه أحد ، ~~ولا لبسوا ثياب الحزن ، ولحق الناس بهتة ، ونعقوا في الحلقة في ذلك النهار ~~باتفاق الجواد ، وسيف الدين بن قليج ، والخدام ، وعز الدين أيبك ، وعماد ~~الدين بن الشيخ ، وسنذكر القصة ، وبلغ من عدله أن بعض الركبدارية استغاث ~~إليه يوما وقال : إن أستاذي استخدمني ستة أشهر بغير جامكية ، فأحضر أستاذه ~~، وأنزله عن فرسه وخلعه ثيابه ، وألبسها للركبدار ، وأركبه الفرس ، وألبس ~~الجندي ثياب الركبدار ، وقال للجندي : احمل مداسه واخدمه ستة أشهر كما خدمك. # وكان إذا سافر لا يتجاسر أحد أن يأخذ من ms186 فلاح علاقة تبن ، ولا دجاجة ، ~~وإن دعت إلى ذلك الحاجة. # ولقد بلغني أنه شنق جماعة من الأجناد على آمد على علاقة من شعير ، هذب به ~~المأمور ، والأمير وكانت الطرق في أيامه آمنة بحيث يسير الراكب وحده ، ولا ~~يحتاج إلى حمل عدة ، وكان الأشرف قد توفي أول هذه السنة ، واستولى الصالح ~~إسماعيل على دمشق ، وجاء الكامل فحصره ، وكان خالي محيي الدين بدمشق ، فدخل ~~بينهما في الصلح ، وأعطاه الكامل بعلبك مضافة إلى بصرى بعد أن حوصرت دمشق ~~حصارا شديدا ، وقتل عليها جماعة ، وزحف الناصر داود بعسكره من باب توما ، ~~وتعلقوا بالنقوب ، ولم يبق إلا أخذها ، فأرسل الكامل فخر الدين ابن شيخ ~~الشيوخ إليه ، فرحله إلى أرض برزة ، وكان الصالح قد أرسل للكامل يقول : قد ~~بلغني أنك تعطيها الناصر ، وأنت أحق ، PageV01P787 # وسلمها إلى الكامل في آخر جمادى الأولى ، فأقام بها إلى ثاني عشرين رجب ، ~~فتوفي ودفن بالقلعة بعد ما صلوا عليه وأظهروا موته. ### |||| * ذكر ما جرى بعد وفاته # اجتمع الأمراء ، وفيهم سيف الدين بن قليج ، وعز الدين أيبك والركن ~~الهيجاوي ، وعماد الدين ، وفخر الدين ابنا الشيخ ، وتشاوروا وانفصلوا على ~~غير شيء ، وكان الملك الناصر بدار سامة فجاءه الهيجاوي والركن في الليل ، ~~وبينا له وجه الصواب ، وأرسل إليه عز الدين أيبك يقول : أخرج المال ، وفرقه ~~في مماليك أبيك ، والعوام معك ، وتملك البلد ويبقوا في القلعة محصورين ، ~~فما اتفق ، وأصبحوا يوم الجمعة في القلعة فحضر من سمينا بالأمس ، وذكروا ~~الناصر ، والجواد ، وكان أضر ما على الناصر عماد الدين لأنه كان يجري في ~~مجلس الكامل مباحثات ، فيخطئه فيها ويستجهله ، فيبقى في قلبه ، وكان فخر ~~الدين يميل إلي ، فأشار عماد الدين بالجواد ووافقوه ، وراح الهيجاوي يوم ~~الجمعة إلى الناصر وهو في دار سامة ، فدخل عليه وقال له : ايش قعودك في بلد ~~القوم ، قم فقام وخرج وركب ، وجمع من في دمشق من دار سامة إلى القلعة ، وما ~~شك أحد أن الناصر طلع القلعة ، وساق ، فلما تعدى مدرسة العماد الكاتب ، ~~وخرج إلى الرفاق ، عرج على باب الفرج ، فصاحت العامة ms187 : لا ، لا ، لا ، ~~وانقلبت دمشق ، وخرج الناصر من باب الفرج إلى القابون ، ووقع بهاء الدين بن ~~ملكيشو في الناس وغلمانه بالدبابيس فاتكون فيهم فهربوا ، وأما الجواد فإنه ~~فتح الخزائن ، وأخرج المال ، فبلغني أنه فرق ستة آلاف ألف دينار ، وخلع ~~خمسة آلاف خلعة ، وأبطل المكوس ، والخمور ونفى الخواطي ، وأقام الناصر ~~بالقابون أياما ، وعزموا على قبضه ، فرحل وبات بقصر أم حكيم ، وخرج خلفه ~~أيبك الأشرفي ليمسكه ، وعرف عماد الدين بن موسك ، فبعث إليه في السر ، فساق ~~في الليل إلى عجلون ، ووصل أيبك إلى قصر أم حكيم ، وعاد إلى دمشق. PageV01P788 ### |||| * ما جرى بين الناصر والجواد # سار الناصر من عجلون إلى غزة ، فاستولى على الساحل ، فخرج إليه الجواد في ~~عسكر مصر ، والشام ، فبلغني أنه قال للأشرفية : كاتبوه وأطمعوه ، فكاتبوه ~~واغتر بهم ، فساق من غزة في سبعمائة فارس إلى نابلس بأثقاله وخزائنه ~~وأمواله ، وكانت على سبعمائة جمل على ما بلغني ، وترك العساكر مقطعة خلفه ، ~~وضرب دهليزه على صبصطية ، والجواد على جينين ، فساقوا عليه ، وأحاطوا به ~~فساق في نفر يسير نحو نابلس ، وأخذوا الجمال بأحمالها ، والخزائن ، ~~والجنائب ، والجواهر واستغنوا للأبد ، وافتقر هو ، وبلغني أن عماد الدين ~~ابن الشيخ وقع بسفط صغير فيه اثنتي عشرة قطعة من الجوهر ، وفصوص ليس لها ~~قيمة فدخل على الجواد فطلبه منه فأعطاه إياه. # قالوا : وهذه الأموال كانت على الجمال هي التي جهز بها المعظم دار مرشد ~~ابنته لما زوجها للخوارزمي أخذها الناصر منها ظنا أنه يعوضها إذا فتح ~~البلاد ، ففعل الله في ملكه ما أراد والناصر لا يلوي على شيء إلى الكرك ، ~~وكانوا قد أشاروا عليه في غزة أن يبعث الأموال والخزائن والأثقال إلى الكرك ~~على الزوبرة ، ويجمع عسكره ، ويسير إليهم جريدة ، فإن ظهر عليهم وإلا سلمت ~~خزائنه وأمواله ، وأموال عسكره ، فاغتر بمكاتبة الأشرفية ، ولله في خلقه ~~أسرار خفية. # حكى لي أن الكامل لما توفي اختلفت أصحابه فيمن يولون ، فقالوا لفخر الدين ~~بن الشيخ : ما تقول في الجواد ، فقد اتفق الأمراء عليه؟ فقال : المصلحة أن ~~يولى بعض الخدام نائبا عن ابن ms188 أستاذنا العادل ، متى شاء عزله ، ومتى شاء ~~أبقاه ، ولا تولوا أحدا من بيت الملك ما يقدر أحد بعد ذلك عليه ، ويحكم ~~علينا ، وبلغ الجواد ، فجاءه وقال : يا فخر الدين أنا وأنت ربينا في خدمة ~~الكامل ، وبيننا خبز وملح ، وأنا مملوكك ووعده أن يعطيه خبز مائة وخمسين ~~فارسا ، وعشرة آلاف دينار ، فقال : والله ما PageV01P789 # وافقنا إلا على ما فيه مصلحة ابن أستاذي ، فلما أيس منه ، فرق ضياع الشام ~~على الأمراء ، وخلع عليهم ، وفرق الخزائن وكان فيها تسعمائة ألف دينار ، ~~وتوجه فخر الدين إلى مصر ومعه جماعة من الأمراء بعد أن تردد إلى الناصر ~~بالقابون دفعات ... ### |||| * فصل # وفيها توفي الملك الأشرف أبو الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب ولد بالقاهرة ~~في سنة ست وسبعين وخمسمائة ، وكان في مبدأ أمره بالقدس تحت ابن الزنجبيلي ~~عثمان ، قال لي المعظم : أنا أخذت له : حران ، والرها ، والشرق ، وجهزته من ~~عندي بالخيل ، والعدة والمماليك ، وتقلبت به الأحوال حتى صار شاه أرمن ، ~~وكسر المواصلة ، والروم ، والخوارزمي ، وأخاه شهاب الدين ، وكان جوادا ~~عادلا ، عاقلا ، لو كانت الدنيا بيده ودفعها إلى أقل الناس ما استكثرها له ~~، وكان ميمون النقيبة ، وما كسرت له راية قط ، ولما أيقن بالموت أخذ بعض ~~مماليكه سنجقه ليكسره ، وقال ما يحمله غيره ، فقال له : لا تفعل فو الله ما ~~كسر قط ، وحضر مجالسي بخلاط ، وحران ، ودمشق في ذي الحجة يوم عرفة بعد ~~العصر بجامع التوبة التي أنشأه ، وبكى بكاء شديدا ، واعتق مماليكه وجواريه ~~، وكان عفيفا عن المحارم ما خلا بامرأة إلا أن تكون زوجة ، أو جارية ، ولما ~~صعدت إلى خلاط اجتمعت به بالقلعة جلس يوما في منظرة فعبت على المعظم في ~~قضية بلغته عنه ، وقال : والله ما مددت عيني إلى حريم أحد ، ولا ذكر ولا ~~أنثى ، ولقد كنت يوما قاعدا هاهنا في هذه الطيارة ، فدخل الخادم فقال : على ~~الباب امرأة عجوز ، تذكر أنها من عند بنت شاه أرمن صاحب خلاط ، فأذنت لها ~~فدخلت ومعها ورقة من بنت شاه أرمن ، تذكر أن الحاجب علي قد قصدها ms189 ، وأخذ ~~ضيعتها وقصده هلاكها ، وما تتجاسر أن تظهر خوفا منه ، قال : فكتبت على ~~الورقة بإطلاق القرية ، ونهي الحاجب عنها ، فقالت العجوز : فهي تسأل الحضور ~~بين يديك ، PageV01P790 # فعندها سر ما يمكن ذكره إلا للسلطان ، فقلت : بسم الله ، فقامت وغابت ~~ساعة ، ثم جاءت ، فدخلت ومعها امرأة ما رأيت في الدنيا أحسن منها ، وكأن ~~الشمس تحت نقابها ، فخدمت ، وقمت لها لكونها بنت شاه أرمن ، فقلت : وأنت في ~~هذا البلد وما علمت بك ، فسفرت عن وجه ضاءت منه المنظرة ، فقلت لها : غطي ~~وجهك وأخبريني حالك ، فقالت : بنت شاه أرمن صاحب هذه البلاد : مات أبي ~~واستولى بكتمر على الممالك ، وتغيرت الدول ، وكان لي ضيعة أعيش منها أخذها ~~الحاجب علي ، وما أعيش إلا من عمل النقش ، غير أني ساكنة في دور الكرى ، ~~قال : فبكيت ورق قلبي لها ، وأمرت الخادم أن يكتب لها توقيعا بالضيعة ، ~~والوصية ، وأمرت لها من الخزانة بقماش ودار تصلح لسكنها ، وقلت : بسم الله ~~في حفظ الله ، فقالت العجوز : يا خوند ما جاءت إلا حتى تحظى بك الليلة ، ~~فلما سمعت كلامها أوقع الله في قلبي تغير الزمان وأن يملك خلاط غيري ، ~~وتحتاج بنتي أن تقعد مثل هذه القعدة ، قال : فقلت : يا عجوز معاذ الله ، ~~والله ما هو شيمتي ، ولا خلوت بغير محارمي فخذيها ، وانصرفي وهي العزيزة ~~الكريمة ، ومهما كان لها من الحوائج فهذا الخادم تنفذ إليه ، فقامت وهي ~~تبكي ، وتقول : صان الله عاقبتك كما صنتني ، قال : فلما خرجت افتنتني نفسي ~~، وقالت : في الحلال مندوحة عن الحرام ، تزوجها ، فقلت : ويحك يا نفس خبيثة ~~، فأين الحياء والكرم ، والمروءة ، والله ما فعلته أبدا. # قال : وقال لي : مات لي مملوك بالرها ، وخلف ولدا لم يكن في زمانه أحسن ~~منه صورة ، ولا أظرف ، وكان من لا يفهم باطن حالي يتهمني به ، وكنت أحبه ، ~~وهو عندي أعز من الولد ، وبلغ عشرين سنة فضرب غلاما له فمات ، فاستغاث ~~أولياؤه فقلت : أثبتوا أنه القاتل ، فاثبتوا وجاؤوا يطلبون الثأر ، فاجتمع ~~عليهم مماليكي وخواصي ، وقالوا : نعطيكم عشر ديات ، فأبوا وقالوا : لابد من ~~الاستيفاء ، فقلت ms190 : سلموه PageV01P791 # إليهم ، فسلموا فقتلوه ، ولو طلبوا ملكي دفعته إليهم ، ولكن خفت من الله ~~أن أمنعهم حقهم لغرض نفسي. # وكنت عنده بخلاط فقدم عليه النظام بن أبي الحديد ، ومعه نعل النبي صلى ~~الله عليهم وسلم ، فعرفته بقدومه ، فقال : يحضر ، فلما دخل عليه ومعه النعل ~~، قام قائما ونزل من الإيوان ، وأخذ النعل فقبله ، ووضعه على عينيه ، وبكى ~~وخلع على النظام وأعطاه نفقة ، وأجرى عليه جراية ، وقال : تكون في الصحبة ~~نتبرك بك ، وانفصلت عن خلاط ، وأقام عنده فبلغني أنه قال : هذا النظام يطوف ~~البلاد ، وما يقيم عندنا ، وأنا أوثر أن يكون عندي قطعة منه ، ثم بات مفكرا ~~ورجع عن ذلك الخاطر ، ولما أخذ دمشق حكى لي قال : عزمت على أخذ قطعة منه ، ~~ثم فكرت فقلت : ربما يجيء بعدي من يفعل مثل فعلي فيتسلسل الحال ، ويؤدي إلى ~~استئصاله بمرة ، فتركته وقلت : من ترك شيئا لله عوضه الله أمثاله ، ثم أقام ~~عندي النظام شهورا ، واتفق أنه مات وأوصى لي بالنعل ، فأخذت النعل بأسره ، ~~ولما فتح دمشق اشترى دار قيماز النجمي ، وجعلها دار حديث ، وترك النعل فيها ~~، ونقل إليها الكتب الثمينة ، وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة ، وكان فطنا ذكيا. ### |||| * فصل* ما عمر من الأماكن # بنى مسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق وزخرفه ، وكان عامة مقامه به ، والمسجد ~~الذي عند باب النصر ، ومسجد القصب بالعقيبة ، وجامع بيت الأبار ، ووقف ~~عليها الأوقاف ، وبنى في بستان النيرب بنيانا عظيما ، وكان حسن الظن ~~بالفقراء ، يحسن إليهم ، ويزورهم ، ويفتقدهم بالمال والأطعمة ، وقصته مع ~~أصحاب الشيخ حياة لما بددوا المسكر بين يديه مشهورة ، وكان يقول : وبها ~~نصرت ، وكان طول ليالي رمضان لا يغلق PageV01P792 # باب القلعة ، وجفان الحلوى خارجة إلى الجوامع والزوايا ، والربط وبيت ~~الأبار ، والمزة إلى أبي القاسم المسعودي ، وعمر الخلخال ، وإلى الجبل ~~وغيره ، وكان إنعامه العام شاملا للخاص والعام. # ولما فارقت دمشق بسبب ما جرى في حديث القدس ، طلعت إلى الكرك ، وأقمت عند ~~الملك الناصر ، وكنت أتردد إلى القدس ونابلس من سنة ست وعشرين إلى سنة ثلاث ~~وثلاثين وستمائة ، ثم جرت أسباب أوجبت ms191 قدومي إلى دمشق ، فسر بقدومي وزارني ~~، وأحسن إلي ، وفصل لي خلعة سنية ، فامتنعت من لبسها ، فقال : لا بالله ولو ~~ساعة ليعلم الناس بأنك قد رضيت ، وزال ما كان بيننا من الوحشة وبعث لي ~~بغلته الخاص ، وعشرة آلاف درهم ، وجلست في جامع التوبة ليلة عرفة ، وحضر ~~وبكى وأعتق مماليكه وجواريه ، وقال لي : قد رجع الحق إلى نصابه ، ومثلك ~~يصلح أن يكون في خراب نابلس ، والقدس ، والكرك ، والله إن دمشق تغار عليك ~~أن تكون في غيرها ، وأقمنا معه من سنة ثلاث وثلاثين ، إلى أن توفي في سنة ~~خمس وثلاثين وستمائة في أرغد عيش ، وأحسن حال ، وأهنأ بال. ### |||| * ذكر وفاته # مرض في رجب مرضين مختلفين في الأعالي والأسافل ، وكنت كل يوم أعوده أنا ~~والأماثل ، وكان الجرائحي يخرج العظام من رأسه ، وهو يسبح الله ويحمده ~~ويوحده ويقدسه ، ثم اشتد الذرب ، فكان يتحامل إلى أن غلب ، فلما أيس من ~~نفسه قال لوزيره جمال الدين بن جرير : يا جمال الدين في أي شيء تكفنوني؟ ~~فقال : حاشاك من ذلك ، فقال : دعني من ذلك ، فما بقي في قوة تحملني أكثر من ~~نهار غد ، وتواروني ، فقال : عندنا في الخزانة نصافي ، فقال : حاشى الله أن ~~تكفنوني من هذه الخزانة التي لا تخلو من الخيانة ، وكان عماد الدين بن موسك ~~حاضرا فقال : قم أحضر الوديعة التي هي إلى الله ذريعة ، فقام عماد الدين ، ~~ومضى وعلى رأسه PageV01P793 # مئزر صوف أبيض تلوح منه أنوار الرضى ، ففتحه وإذا فيه خرق الفقراء الشيوخ ~~، وكان في الثياب إزار عتيق ما يساوي خمسة قراطيس ، فقال : هذا يكون على ~~جسدي ، أتقي به حر الوطيس ، فإن صاحبه كان من الأبدال ، وسادات الرجال ، ~~وكان حبشيا أقام بجبل الرها يزرع قطعة زعفران يتقوت بها برهة من الزمان ، ~~وكنت أصعد إلى زيارته ، وأعرض عليه المال ، فيمتنع فقلت له يوما : أنا أعرض ~~عليك الدنيا ، فلا تقبل فأريد من أثرك ما أجعل في كفني ، فقال : أفعل ~~وأعطاني هذا الإزار ، وقال : قد أحرمت فيه عشرين حجة ، وكان آخر كلامه : لا ~~إله إلا الله ، ثم مات ms192 يوم الخميس رابع المحرم ، ودفن بالقلعة ، ثم نقل إلى ~~تربته بالكلاسة في جمادى الأولى ، ولما كان بعد موته بأيام قدم رجل من أهل ~~حران كان له عليه في كل سنة شقاق قطن لأولاده ، ومائتي درهم ، فجاء إلى ~~قبره فجعل يبكي ويقول : كان لي عليه رسم ، فقال له بعض أصحابه : هو ذا ~~يسمعك ، فإن أراد يعطيك فهو يعطيك ، فانكسر قلبه وخرج إلى السوق ، فالتقاه ~~تاجر من أهل بلده وقال له : أنتظرك قد خبأت لك من الزكاة مائتي درهم ، ~~وشقاق لأولادك ، وأعطاه إياها ، وقال : هذا رسم لك في كل سنة. # وحكى لي الفقيه محمد اليوناني ببعلبك في سنة خمس وأربعين وستمائة ، عند ~~عودي من بغداد ، قال : حكى لي فقير صالح من جبل لبنان ، قال : لما مات ~~الأشرف رأيته في المنام وعليه ثياب خضر ، وهو يطير بين السماء والأرض مع ~~جماعة من الأولياء ، فقلت له : يا موسى ايش تعمل مع هؤلاء وأنت كنت تفعل في ~~الدنيا وتصنع ، فالتفت إلي وتبسم ، وقال الجسد الذي كان يفعل تلك الأفاعيل ~~في الدنيا تركناه عندكم ، والروح التي كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم. # وكان الأشرف لما أحس بوفاته في آخر سنة أربع وثلاثين وكنت أغشاه في مرضه ~~فقلت له : استعد للقاء الله ، فما يضرك ، قال : لا والله PageV01P794 # * بل ينفعني ، ففرق البلاد ، وأعتق المماليك ، ووقف دار فرخشاه التي يقال* لها دار السعادة ، وبستان النيرب على ابنته ، وأوصى لها بجميع الجواهر. ### |||| * ذكر ما جرى بعد وفاته # لما انقضى عزاؤه ركب أخوه الملك الصالح إسماعيل ركوب السلطنة ، وترجل ~~الناس في ركابه ، وصاحب حمص إلى جانيه ، وعز الدين أيبك قدامه بالغاشية ، ~~وعاد أسد الدين إلى حمص ، وعز الدين إلى صرخد ، وجاءت نجدة حلب ، ووصلت ~~الأخبار بوصول التتر إلى دقوقا ، وصادر إسماعيل الصالح جماعة من دمشق ~~إتهمهم بالكامل ، منهم : العلم تعاسيف وأولاد ابن مزهر ، وابن عريف البدري ~~، وأخذ جميع مالهم ، وحبس أولاد مزهر ببصرى ، فأقاما مدة سنين ، ومات ~~أحدهما في الحبس مقيدين ، وأخرج إسماعيل على الحريري من قلعة عزتا ، ومنعه ~~من دخول ms193 دمشق ، وجاء عسكر الكامل إلى قريب من دمشق ، فقسم الأبراج على ~~الأمراء وحصنها ، وغلقت أبوابها ، ووصل عز الدين أيبك من صرخد ، وأمر بفتح ~~أبوابها ففتحت ، وجاء الناصر داود ، فنزل المزة ، ونزل مجير الدين وتقي ~~الدين القابون ، وأحدق العسكر بالبلد ، وجاء الكامل فنزل عند مشهد القدم ، ~~وقطع المياه عن دمشق ، واشتد الحصار ، وغلت الأسعار ونصبوا على الأبواب ~~المناجيق ، وسدوا الأبواب بمرة إلا : باب الفرج ، وباب النصر ، ورد الكامل ~~ماء بردى إلى ثورا ، وأخرب الصالح العقيبة ، والطواحين خرابا شنيعا ، وزحف ~~الناصر إلى باب توما ، وعلق النقوب فيه ، ولم يبق إلا فتح البلد ، ثم تأخر ~~إلى أرض برزة ، وأحرق الصالح الشاغور ، وبدع بظاهر المدينة ، وأخربه خرابا ~~لم يعهد مثله ، وأصبح أهل هذه الأماكن على الطرق يكدون ، واحترق جماعة في دورهم. # وحكي لي أن الصالح أو ابنه وقف على العقيبة ، وقال للزراقين : احرقوها ، ~~فضربوها بالنار ، وكان لرجل عشر بنات ، فقال لهن : اخرجن ، PageV01P795 # فقلن : لا والله النار ولا العار ، ما نفتضح بين الناس ، فاحترقت الدار ~~وهن فيها ، فاحترقن ولم يخرجن ، وجرت قبائح وفضائح آل الأمر فيها إلى أن ~~أعطى الكامل لأخيه بعلبك مع بصرى ، وتسلم دمشق ، وكان الفلك المسيري قد ~~حبسه الأشرف في حبس الحيات بالقلعة ، فأخرج وتسلم الكامل دمشق ، ونقل ~~الأشرف إلى الكلاسة إلى تربته وعبر الكامل إلى القلعة ....... ### ||| * السنة السادسة والثلاثون وستمائة # وفيها قبض على الصفي بن مرزوق ، وأخذ منه أربعمائة ألف دينار ، وحبسه في ~~قلعة حمص ، فأقام ثلاث سنين لا يرى الضوء ، وكان ابن مرزوق يقيم بالجواد ، ~~ويكتب إليه مملوكه بولس. ### |||| * فصل # وفيها اتفق الجواد ، والصالح أيوب على مقايضة دمشق بسنجار ، وعانة ، ~~وسببه ضيق عطن الجواد ، وعجزه عن القيام بمملكة الشام وكان يقول لي : ايش ~~أعمل بملك؟ باز وكلب عندي أحب إلي من الملك ، وكان أسد الدين قد جاء إلى ~~دمشق ، وكان الجواد يظهر أنه النائب بدمشق عن العادل صاحب مصر ، فلما قتل ~~ابن الشيخ ، وأقام أسد الدين صاحب حمص بدمشق خاف الجواد من صاحب مصر ، وظن ~~أن صاحب حمص يأخذ منه ms194 دمشق ، فخرج من دمشق إلى البرية وكاتب الصالح أيوب ~~فاتفقا على المقايضة ، وعلم صاحب حمص ، وتوجه إلى حمص ، وكان في قلب الصالح ~~منه لما جرى بينه وبين الكامل ، ودخل الصالح دمشق غرة جمادى الأولى ، ~~والجواد بين يديه ، قد حمل الغاشية من تحت القلعة ، وحملها المظفر صاحب ~~حماة من باب الحديد ، واتفق أن صنجق الصالح انكسر عند باب القلعة ، ونزل ~~الصالح في القلعة ، والجواد في دار فرخشاه ، فدخل ابن جرير في الوسط ، ~~وأصلح الحال ، PageV01P796 # وخرج الجواد إلى النيرب ، واجتمع الخلق على باب النصر يدعون عليه ويسبونه ~~في وجهه. # وكان قد سلط عليهم خادما لبنت كرجي يقال له الناصح ، فأخذ أموال الناس ~~وصادرهم وعلقهم وضربهم ، فيقال : إنه أخذ من الناس ستمائة ألف درهم ، وأرسل ~~الصالح أيوب إلى الجواد ليعطي الناس أموالهم ، فما التفت ، وسافر وبقيت في ~~ذمته ، ومات ولم يعط أحدا شيئا. # وأما الناصح الخادم فإنه كان مقيما بحماة ، فتوصل لما أخذ الصالح أيوب ~~إلى مصر ، وخدم الصالح ، وكان لما قتل ابن الشيخ عماد الدين قد أخذ الجواد ~~ثيابه ، وفيها فرجية حمراء ، فأعطاها للناصح ، وعلم معين الدين أخو عماد ~~الدين ، فقال معين الدين للصالح : هذا الناصح الذي فعل بالناس ما فعل وعمل ~~على قتل أخي ، ولبس فرجيته ، وفعل وفعل ، فرماه الصالح في الجب ، واستأصله ~~، فمات في الجب على أقبح صورة من الفقر والقلة ، والقمل ، واستوزر الصالح ~~جمال الدين ابن جرير ، فأقام أياما ، ومات في رمضان. # وتوجه الصالح أيوب إلى خربة اللصوص ، على عزم ديار مصر وكاتب عمه الصالح ~~إسماعيل صاحب بعلبك ليسير إليه ، وكان أيوب لما دخل دمشق جاء إليه إسماعيل ~~من بعلبك واجتمعا ، وتحالفا وتعاهدا ، ورجع إسماعيل إلى بعلبك ، وسار أيوب ~~إلى نابلس في شوال استولى عليها وعلى بلاد الناصر [وكان الناصر سافر] إلى ~~مصر إلى العادل ، وأقام أيوب بنابلس ينتظر وصول عمه إسماعيل ، وكان ولده ~~وعسكره عنده ، وكتبه واردة إلى نابلس يقول للصالح أيوب : إنني واصل ، وكان ~~ناصر الدين بن يغمور مع ابن الصالح إسماعيل بنابلس دائرا على الأمراء ، ~~والجند ms195 يحلفهم على أيوب والدسائس تعمل في دمشق. # وبلغني أن الأموال كانت تفرق في دار النجم بن سلام ، وحكى لي PageV01P797 # الصالح أيوب بمصر القضية ، وقال : إن فتح الله على يدي دمشق لأفعلن به وأصنع. ### |||| * رجعنا إلى الحديث # والدسائس تعمل في دمشق ، ومن تكبر أيوب وتجبره لا يتجاسر أحد أن يخبره ، ~~وخرجت السنة على هذه ....... ### |||| * فصل # وفيها توفي عماد الدين بن شيخ الشيوخ قد ذكرنا أنه كان السبب في إعطاء ~~دمشق للجواد ، فلما مضى إلى مصر لامه العادل على ذلك ، وتهدده فقال : أنا ~~أمضي إلى دمشق ، وأنزل في القلعة ، وأبعث بالجواد إليك وإن امتنع أقمت ~~نائبا ، فسار إلى دمشق وذلك قبل المقايضة ، ونزل بقلعة دمشق ، وأمر ونهى ، ~~وقال : أنا نائب السلطان ، وقال للجواد : تسير إلى مصر ، وكان أسد الدين ~~صاحب حمص بدمشق ، قالوا : فاتفق الجواد وأسد الدين على قتل ابن الشيخ ، ~~واستدعى صاحب حمص بعض نصارى قارا ، وأمره بقتله ، فركب ابن الشيخ يوما من ~~القلعة وقت العصر ، فوثب عليه النصراني فضربه بسكين حتى قتله ، وذلك في ~~جمادى الأولى ، ودخل الصالح أيوب دمشق في جمادى الآخرة ، وحبس النصراني ~~أياما ثم أطلق ، قلت : وأسد الدين لما قتل ابن الشيخ كان في حمص ، وإنما ~~شنعوا عليه ، وذكر سعد الدين مسعود بن تاج الدين شيخ الشيوخ ، ابن عم عماد ~~الدين ، وهو كان حاضر القضية قال : خرجنا من القاهرة في ربيع الأول ، وذكر ~~أن عماد الدين لما توجه ودعه إخوته ، فقال له أخوه فخر الدين : ما أرى ~~رواحك مصلحة ، وربما آذاك ابن مودود ، فقال : أنا ملكته دمشق فكيف يخالفني؟ ~~فقال : صدقت أنت فارقته أميرا ، وتعود إليه وقد صار سلطانا ، فتطلب منه ~~تسليم دمشق ، وتعوضه الاسكندرية ، ويقيم عندكم فكيف تسمح نفسه بهذا؟ وإذا ~~أبيت فانزل PageV01P798 # على طبرية ، وكاتبه فإن أجاب وإلا تقيم مكانك ، وتعرف العادل ، فلم يلتفت ~~وسار إلى دمشق. # قال سعد الدين : فنزلنا المصلى ، وجاء الجواد للقائنا ، وقال هذا شيء ~~يلزمني خدمة المولى عماد الدين ، لأنه جعلني من الناس ، وملكني دمشق ، وسار ~~معنا ، فأنزل عماد الدين بالقلعة ms196 بدار المسرة ، وعاد أسد الدين صاحب حمص ~~إلى دمشق ، وبعث الجواد لعماد الدين بالذهب ، والخلع ، والخيل والقماش. # قال سعد الدين : وما وصلني من رشاشها قطرة ، مع ملازمتي لعماد الدين في ~~مرضه ، فإنه ما خرج من القاهرة إلا في محفة ، فكنت كما قيل : # ان يطبخوا يوسعوني من دخانهم %~% وليس يبلغنا ما تنضج النار # وكان عماد الدين قد فرق الخلع في أصحابه ، ولما تحقق الجواد أن رسالة ~~عماد الدين أن يخرج من دمشق ، ويعوض منها اسكندرية ، رسم عليه في الدار ، ~~ومنعه من الركوب ، وجاء إلى عماد الدين وقال : إذا أخذتم مني دمشق ~~أعطيتموني الاسكندرية ، ولابد أن يكون لكم بدمشق نائب فاحسبوني ذلك النائب ~~، وإلا فقد بعث إلي الصالح نجم الدين أيوب أسلم إليه دمشق ، وآخذ منه سنجار ~~، فقال ابن الشيخ : إذا فعلت هذا أصلحت بين الصالح والعادل ، وتبقى أنت ~~بغير شيء ، فقام وخرج مغضبا. # وحكى الجواد لأسد الدين ما جرى بينهما ، فقال : والله لئن اتفق العادل ~~والصالح ليتركونا نشحذ في المحال ، فجاء أسد الدين إلى ابن الشيخ وقال له : ~~المصلحة أن تكتب إلى العادل وتشير له عن هذا ، فقال ابن الشيخ : حتى أروح ~~إلى برزة ، وتهرب إلى بعلبك فغضب ، وانفصلا عن هذا. # قال : ودس الجواد إلى عماد الدين ابن قاضي بعلبك ليسقيه سما ، وكان PageV01P799 # ابن الشيخ مريضا فلم يفعل ، وتوجه أسد الدين إلى حمص ، فلما كان يوم ~~الثلاثاء سادس عشرين ربيع الأول بعث الجواد إلى عماد الدين يقول : إن شئت ~~أن تركب تتنزه فاركب إلى ظاهر البلد ، فاعتقد أن ذلك بوادر رضا ، فلبس ~~فرجية كان الجواد بعث إليه بها ، وشدوا له حصانا بعث به إليه ، فلما خرج من ~~باب الدار قابله واحد واقف وبيده قصة ، فاستغاث فأراد حاجبه أن يأخذها منه ~~، فقال لي : مع الصاحب شغل ، فقال عماد الدين : دعوه فتقدم إليه ، فناوله ~~القصة ، وضربه بسكين على خاصرته ندر مصارينه ، وجاء آخر فضربه على ظهره ، ~~فمات فردوه إلى الدار ميتا ، وبعث الجواد فأخذ جميع مال عماد الدين ، وخيله ~~ومماليكه ، وكتب محضرا أنه ms197 ما والى على قتله ، فامتنع مماليك ابن الشيخ من ~~خدمة الجواد ، وقالوا : أنت تدعي أنك ما قتلته ، وهو له إخوة وورثة فبأي ~~طريق تأخذ ماله؟ فحبسهم. # قال سعد الدين : وبعث الجواد إلى والدي تاج الدين ، وقال اطلع فجهز ابن ~~أخيك ، قال : فجهزناه وأخرجناه ، وكانت له جنازة عظيمة ، لأنه قتل مظلوما ، ~~وحملناه إلى قاسيون ، فدفناه في زاوية الشيخ سعد الدين وخيطنا جراحاته ، ~~وصلى عليه سعد الدين ابن عمه. # قال سعد الدين بن تاج الدين ورثيته ببيتين فقلت : # فبعدك لا رقت عبرات عين %~% بأحزان ولا سكن الغرام ولا هدأت جوانحنا قليلا %~% على فقدان مثلك والسلام # قال وكان له يوم مات ست وخمسون سنة # قال وكتب على تقويم # إذا كان حكم النجم لا شك واقع %~% فما سعينا في دفعه بنجيح وإن كان بالتدبير يمكن رده %~% علمنا بأن الكل غير صحيح PageV01P800 ### |||| * فصل # وفيها توفى جمال الدين بن جرير ، وزير الأشرف ، أصله من الرقة وكان يتردد ~~إلى خانكاه الرقة في سنة اثنتي عشرة وستمائة وثلاث عشرة وستمائة ، وكان له ~~بستان وملك يسير يعيش منه ، ولم يكن يعرف الأشرف يومئذ فما زال يتوصل إليه ~~حتى استوزره بدمشق أيوب أياما قلائل دون الشهر ، وكانت وفاته يوم الجمعة ~~سابع عشرين جمادى الآخرة بالخوانيق ، ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع ، ~~سمع الحديث وكان يتردد إلى زيارة الصالحين وفيه يقول ابن محمد بن الحنفي : # من قال أهل الشام عندي كلهم %~% بقر فليس عليه فيه جناح لو لم يصح مقاله فيهم لما %~% أضحى يسوس أمورهم فلاح # قلت : ما كان ابن جرير فلاحا ، وعامة الوزراء كانوا فلاحين ، مثل ابن ~~هبيرة وغيره. ### ||| * السنة السابعة والثلاثون وستمائة # وفيها هجم الصالح إسماعيل دمشق ، ومعه أسد الدين صاحب حمص يوم الثلاثاء ~~سابع عشرين صفر ، وكان الصالح أيوب مقيما بنابلس ، وإسماعيل ببعلبك يكاتبه ~~، ويعده أنه واصل إلى خدمته ، وكان أسد الدين قد جاء إلى الزراعة ، واجتمع ~~مع إسماعيل ، واتفقا على أيوب ، وأن تكون البلاد بينهما مناصفة ، وكان ~~إسماعيل ، وابن يغمور بنابلس كما ذكرنا ، وكان عز الدين أيبك مقيما ms198 بصرخد ~~لم ينزل إلى خدمة أيوب ، واتفق مع إسماعيل على أيوب ، وكتب إسماعيل إلى ~~أيوب يطلب ولده ليصل إليه ويقيم عوضه ببعلبك ، فبعث إليه به وكل هذا وأم ~~عامر نائمة ، وكان هذا بترتيب السامري وأبي الحسن المستطبب ابن غزال وزير ~~إسماعيل ، وكان الصالح أيوب قد سير سعد الدين الحكيم من نابلس ، ومعه ~~الطيور إلى بعلبك يعرف أيوب أخبار إسماعيل كل وقت PageV01P801 # ومسيره ، فكان سعد الدين يكتب الكتب ويربطها على جناح الطير ، فيسرق ابن ~~غزال الطير ويكتب إلى أيوب ما يريد ، فاطمأن إليهم ، وما كان عنده دهاء ، ~~كان سليم الصدر ، وإسماعيل يبعث الدراهم والخلع إلى دار ابن سلام ، على ما ~~قالوا ، تفرق في المقدمين ، وخرج إسماعيل من بعلبك بالفارس والراجل على أنه ~~متوجه إلى نابلس على بانياس ، فبات بالمجدل ، وكتب بطاقة إلى أيوب يخبره ~~بوصوله إليه ، وقام وقت السحر وقصد دمشق ، ووصل إلى عقبة دمر ، ووقف وجاء ~~صاحب حمص من وادي منين ، وقصدوا باب الفراديس ففتحوه في ساعة واحدة ، وما ~~كان عليه أحد ، ودخلوا فنزل الصالح في داره بدرب الشعارين ، وأول من دخل ~~عليه ورقص بين يديه وهنأه وقال : إلى بيتك جئت نجم الدين ابن سلام ، ونزل ~~صاحب حمص ، وأصبحوا يوم الأربعاء ثامن عشرين صفر ، فزحفوا على القلعة ~~فنهبوها من ناحية باب الفرج ، وهتكوا حرمتها ودخلوها ، وبها المغيث ابن ~~الصالح أيوب ، فاعتقله إسماعيل في برج ، واستولى على ما في القلعة ، ولم ~~يكن بها ذخائر ولا عدة ، كان الصالح أيوب قد ركن إلى أيمان إسماعيل وعهوده ~~ومواثيقه ، وما ظن أنه ينكث أيمانه ولا تفكر في عواقبه ، وضيع أيوب الحزم ، ~~وبلغ الصالح أيوب ما جرى ، وقيل له : لم تؤخذ القلعة فخلع على عميه مجير ~~الدين وتقي الدين ، والركين والسعيد ، وغيرهم وأعطاهم الأموال ، وقال : ما ~~ترون؟ قالوا : نسوق إلى دمشق قبل أن تؤخذ القلعة ، فخرجوا من نابلس ، ~~ونزلوا القصير ، وبلغهم أخذ القلعة ، فساروا عن أيوب بأسرهم وخافوا على ~~أثقالهم وأولادهم بدمشق ، وكان الفساد قد لعب فيهم ، فرحلوا إلى دمشق وبقي ~~أيوب في مماليكه وغلمانه ms199 ، ومعه جاريته أم خليل ، فرحل من القصير يريد ~~نابلس على طريق جينين وطمع فيه أهل الغور والقبائل ، وكان مقدمهم شيخ جاهل ~~يقال له تبل من أهل بيسان قد سفك الدماء ، وقد التقت الجيوش بسببه ، ورأيته ~~بمصر بعد ما تملكها أيوب ، وقد عفا عنه ، وأحسن إليه فتبعوه وما زالوا ~~وراءه ، وهو يحمل PageV01P802 # عليهم ، فيفرق جمعهم ، وأخذوا بعض ثقله ، ووصل إلى سبسطية فنزل عليها ، ~~وكان الوزيري قد عاد إلى نابلس ، فأرسل إليه يقول : قد مضى ما مضى ، وما ~~زالت الملوك كذا ، وقد جئت مستجيرا بابن عمي ونزل في الدار بنابلس ، واتفق ~~عود الناصر داود من مصر على غير رضا ، فوصل إلى الكرك ، وكتب الوزيري إلى ~~الناصر يخبره الخبر ، فبعث الناصر : عماد الدين ابن موسك ، والظهير ابن ~~سنقر الحلبي في ثلاثمائة فارس إلى نابلس ، فركب أيوب والتقاهم فخدموه ، ~~وقالوا : طيب قلبك إلى بيتك جئت ، فقال : لا ينظر ابن عمي إلى ما فلعت ، ~~فما زال الملوك كذا ، وقد جئت إليه أستجير به ، فقالوا : قد أجارك ، وما ~~عليك بأس ، وأقاموا أياما حول الدار ، فلما كان في بعض الليالي ضرب بوق ~~النفير ، وقيل جاءت الفرنج إلى الظهير ، فركب الناس ومماليك الصالح ووصلوا ~~إلى سبسطية ، وجاء عماد الدين ، والظهير والعسكر إلى الدار ودخل عليها ~~الظهير ، وقال تطلع إلى الكرك فإن ابن عمك له بك اجتماع ، وأخذ سيفه ، ~~وبلغني أن جاريته كانت حاملا فأسقطت ، وأخذوه وتوجهوا إلى الكرك ، ولما ~~اجتمعت به في سنة ست وأربعين وستمائة بالقاهرة حكى لي صورة الحال ، قال : ~~أركبوني بغلة بغير مهماز ولا مقرعة وساروا بي إلى المؤتة في ثلاثة أيام ~~والله ما كلمت أحدا منهم كلمة ، ولا أكلت لهم طعاما حتى جاء خطيب المؤتة ، ~~ومعه ثريدة عليها دجاجة ، فأكلت منها وأقاموا بي في المؤتة يومين ، ولم ~~أعلم ايش كان المقصود ، وإذا بهم أدخلوني إلى الكرك ليلا على الطالع الذي ~~كان سبب سعادتي ، ونحوسهم ، ووكل بي مملوكا فظا غليظا يقال له زريق ، فكان ~~أضر لي من كل ما جرى ، فأقمت عندهم إلى رمضان سبعة ms200 أشهر ، ولقد كان عندي ~~خادم صغير فاتفق أنه أكل ليلة كثيرا فاتخم وبال على البسط ، فأخذت البساط ~~بيدي ، والخادم ، وقمت من الإيوان إلى قريب الدهليز ، وفي الدهليز ثمانون ~~رجلا يحفظون ، وقلت : يا مقدمين هذا الخادم قد أتلف PageV01P803 # هذا البساط بالله انزلوا به إلى الوادي ، واغسلوه ، قال : فنفر في زريق ~~وقال : ايش جاء بك إلى هنا؟ وصاحوا علي فعدت موضعي ، وحكى لي أشياء من هذا الجنس. # ثم إن الوزيري أطلع خزائنه ، وخيله وأشياءه إلى الصلت ، وأقام مماليكه ~~بنابلس ، ووصل ابن النابلسي العلاء من مصر من عند العادل يطلب الصلح من ~~الناصر ، ويعطيه مائة ألف دينار فما أجاب ، وكان إسماعيل ، وصاحب حمص في ~~هذا المعنى ، فما أجاب ، ولما طال مقامه أشار عماد الدين بن موسك وابن قليج ~~، والظهير ، على الناصر باتفاقه واخراجه ، وتحالفا واتفقا ، وأخرجه في ~~أواخر رمضان. # وقال لي الصالح : لما أخذ مصر : حلفني على شيء ما تقدر ملوك الأرض عليه ، ~~وهو أن آخذ له دمشق ، وحمص ، وحماة ، وحلب ، والجزيرة ، والموصل ، وديار ~~بكر ، وغيرها ، ونصف ديار مضر ، ونصف ما في الخزائن من المال ، والجواهر ، ~~والخيل ، والثياب وغيرها ، فحلفت من تحت القهر ، والسيف ، ولما علم العادل ~~وإسماعيل والملوك بإخراجه من الحبس ، رموا الناصر عن قوس واحدة ، وعزموا ~~على قصده ، واتفقوا عليه وأول من برز العادل إلى بلبيس بالعساكر يريد الشام ~~، واختلف العسكر عليه ، وقبضوه وأرسلوا إلى الصالح يعرفونه ويسألونه ~~الإسراع ، فسار ومعه الملك الناصر ، وجماعة من أمرائه ابن موسك وغيره ، ~~وكان وصول الصالح إلى بلبيس يوم الأحد رابع عشرين ذي القعدة ، فنزل في خيمة ~~العادل ، والعادل معتقل في خركاه ، وكان خالي محيي الدين بمصر ، قد خلع على ~~العادل ، والفلك بن المسيري ، فأخبر بمسكه فخرج إلى بلبيس وقد فات. # وحكى لي الصالح واقعات جرت في مسيره إلى مصر ، منها أنه قال : والله ما ~~قصدت بمجيء الناصر معي إلا خوفا لا تكون معمولة علي ومنذ فارقنا غزة تغير ~~علي ، ولا شك أن بعض أعدائي أطمعه في الملك ، فذكر لي جماعة من مماليكي أنه ~~تحدث ms201 معهم في قتلي. PageV01P804 # قال : ومنها أنه لما أخرجني ندم وعزم على حبسي ، فرميت روحي على ابن قليج ~~فقال : ما كان قصده إلا أن يتوجه إلى دمشق فإذا أخذنا عدنا إلى مصر. # قال : ومنها أن ليلة وصلت إلى بلبيس شرب وشطح إلى العادل فخرج من الخركاه ~~وقبل الأرض بين يديه ، فقال له : كيف رأيت ما أشرت عليك ولم تقبل مني ، ~~فقال : التوبة التوبة ، فقال : طيب قلبك الساعة أطلقك ، ثم قال الصالح : ~~وجاء فدخل علينا الخيمة ، ووقف فقلت : بسم الله اجلس ، فقال : ما أجلس حتى ~~تطلق العادل ، فقلت : اقعد ، وهو يكرر الحديث فسكت ، ولو أطلقته لضرب ~~رقابنا كلنا. # قال : فنام فما صدقت بنومه ، وقمت في آخر الليل فأخذت العادل في محفة ، ~~ودخلت القاهرة ولما وصلنا القاهرة بعثت إليه بعشرين ألف دينار ، فعادت إلي ~~مع غلماني ، وذكر قول الناصر له : بس يدي ورجلي ، فقلت : ما أظنه يبدو منه ~~هذا ، وهو رجل عاقل ، فأقسم بالله أن هذا وقع منه. ### |||| * فصل # وفيها أخذ بدر الدين لؤلؤ سنجار من الجواد بموافقة من أهلها ، لسوء سيرته ~~، فإنه صادرهم ، وأخذ أموالهم ، وخرج يتصيد ولجج في البرية ، فبعثوا إلى ~~بدر الدين ، فجاء ففتحوا له الأبواب ، ومضى الجواد إلى عانة ، فأقام بها ، ~~ثم باعها للخليفة ..... # وفي ربيع الأول أنزل الكامل من القلعة إلى تربته بجامع دمشق ، وولي ~~الخطابة العز عبد العزيز بن عبد السلام بجامع دمشق في ربيع الآخر ، وخطب ~~الصالح إسماعيل لصاحب الروم بجامع دمشق ، وغيره ، ونقل الكامل من القلعة ~~إلى تربته ...... ### |||| * فصل # وفيها توفي ناصر الدين صاحب ماردين ، وقيل اسمه أرتق ، قد ذكرنا PageV01P805 # قتله للنظام ، ولؤلؤ ، واستيلاءه على ماردين ، وطلوع المعظم إليه واتفاقه ~~معه ، ومصاهرته إياه ، وكان المعظم قد تزوج أخت ناصر الدين ، وهي التي بنت ~~المدرسة والتربة عند الجسر الأبيض بقاسيون ، فدفن بها ، لأنه لما مات ~~المعظم انتقلت إلى ماردين ، فتوفيت بها ، وكان ناصر الدين شجاعا شهما ، ~~جوادا ، ما قصده قاصد فخيبه ، وقصده الأشرف غير مرة ولم يلتفت ، وكانت ~~وفاته بماردين قتله ولده خنقا وهو سكران ، فبعث ms202 إلى ابنه وكان محبوسا فجاء ~~إلى ماردين فملكها. ### |||| * فصل # وفيها توفي أسد الدين صاحب حمص ، ولقبه الملك المجاهد ، واسمه شيركوه بن ~~محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي. # وقد ذكرنا أن صلاح الدين أعطاه حمص عند موت والده محمد ، في سنة احدى ~~وثمانين وخمسمائة ، فأقام بها إلى هذه السنة سبعا وخمسين سنة ، وكان شجاعا ~~شهما مقداما ، يباشر الحرب بنفسه ، وحفظ المسلمين من الفرنج ، والعرب ، ~~وأما من ناحية الفرنج بنى الأبراج على مخائض العاصي ، وسكن فيها الرجال ~~والطيور فيخرج بنفسه فيسبق الفرنج إلى المخاضة فيقتل ويأسر ، ويرد القافلة ~~، وما أخذوا منها شيئا ، وكذا كان يفعل بالعرب من ناحية البرية ، يركب ~~بنفسه ويقاتل ، ولم يزل كذلك حتى توفي ، وكانت بلاده طاهرة من الخمور ، ~~والخواطىء ، والمكوس ، فكانت تعبر على بلده قوافل الدنيا ، فلا يتعرض لها ، ~~وكان بنو أيوب يخافونه لأنه كان يرى أنه أحق بالملك منه ، واتهمه بأنه هو ~~الذي أوقع بينه ، وبين الأشرف ، فلما ملك الكامل دمشق ونزل جوسق أبيه ~~اجتمعنا ، فقال لي : ما أفسد أحوالنا إلا صاحب حمص ، والله لأمحون آثاره ، ~~فقلت : ابن عم وقريب ، وهو خير من غريب ، وطلب منه مالا عظيما ، فبعث أسد ~~الدين نساءه إلى دمشق يسألن الكامل فيه ، فما أجاب ، وقال : لابد من المال ~~، وأيقن أسد الدين بوزن المال ، فحكى لي جماعة أنه PageV01P806 # كان في قلعة حمص قاعدا يزن المال ، ويعبيه في الأكياس ، وإذا بطاقة من ~~دمشق قد وصلت على جناح طائر فأخذها البراج ، فدخل بها فقرأها ، وفيها وفاة ~~الكامل ، فرد المال إلى الخزائن ، وجاء بعد ذلك إلى دمشق ، وجلس عند قبر ~~الكامل يتصرف في أمواله وخيله ودولته ، وكان أسد الدين دينا ، عاقلا ، ~~يعاشر العلماء والفقهاء ، جوادا متصدقا. # قالوا : إلا أنه كان إذا حبس انسانا أقام مدة محبوسا ، وكان قد منع ~~النساء يخرجن من باب حمص أيام ولايته. # وكانت وفاته بحمص في شهر رجب يوم الثلاثاء العشرين منه ، ودفن بها ..... ### ||| * السنة الثامنة والثلاثون وستمائة # وفيها سلم إسماعيل الصالح الشقيف لصاحب صيدا ، وعزل عبد العزيز بن عبد ~~السلام ms203 من الخطابة ، وولاها لعماد الدين الخطيب ، وحبس أيضا أبا عمرو بن ~~الحاجب ، لأنهما أنكرا عليه فعله ، فحبسهما مدة ، ثم أطلقهما وأمرهما ~~بملازمة بيوتهما. ### |||| * فصل # وفيها سلم الملك الحافظ قلعة جعبر إلى الحلبيين ، وعوضوه أعزاز ، وكان قد ~~ضربه الفالج ، وكان ولده قد مضى إلى الخوارزمية يطلب منهم عسكرا ليحاصره ، ~~فخاف فجاء إلى حلب. # وفيها ظهر بالروم رجل تركماني يقال له البابا ، وادعى النبوة ، وكان يقول ~~: قولوا لا إله إلا الله البابا ولي الله ، واجتمع إليه خلق عظيم ، فجهز ~~إليه صاحب الروم جيشا والتقوا فقتل منهم أربعة آلاف ، وقتلوا البابا. # وفيها وصل رسول خاقان ملك التتر إلى ميافارقين إلى شهاب الدين غازي ، ~~ومعه كتاب إليه وإلى ملوك الإسلام يأمرهم بالدخول في طاعته ، PageV01P807 # وكان في عنوان الكتاب : «من نائب رب السماء ، ماسح وجه الأرض ، ملك الشرق ~~والغرب ، خاقان» ، وقال لشهاب الدين : قد جعلتك سلحدار ، وأمرتك أن تخرب ~~أسوار بلادك جميعها ، فقال شهاب الدين : أنا من جملة الملوك ، وبلادي حقيرة ~~بالنسبة إلى بلاد الروم ، والشام ، ومصر ، فتوجه إليهم فمهما فعلوه فعلته ، ~~وكان هذا الرسول شيخا لطيفا مسلما من أهل أصبهان. # حكى لشهاب الدين عجائب منها ، أنه قال : بالقرب من بلاد قاقان قريبا من ~~بلد يأجوج ومأجوج على البحر المحيط أقوام ليس هم رؤوس ، وأعينهم في مناكبهم ~~، وأفواههم في صدورهم ، يأكلون السمك ، وإذا رأوا أحدا من الناس هربوا ، ~~وذكر أن عندهم بزرا ينبت الغنم يعيش الخروف منها شهرين وثلاثة ولا يتناسل ، ~~وهناك طائفة يزرعون ذلك البرز فيتولد منها غنم كما يولد دود القز الحرير ، ~~فلا يعيش الخروف أكثر من شهرين أو ثلاثة ، مثل بقاء النبات في الأرض ، وإن ~~هذه الغنم لا تتناسل. # ومنها أن بمازندران عين ماء ، يطلع منها كل ثلاثين سنة خشبة غليظة مثل ~~المنارة ، فتقيم طول النهار ، فإذا غربت الشمس غارت في العين ولا ترى إلى ~~مثل ذلك الوقت. # وقيل إن بعض ملوك العجم جاء بنفسه إليها في مثل ذلك اليوم ، وربطها ~~بسلاسل ، وحلق عظام ، وربطها إلى أساطين حولها ، واستوثق منها ، فلما جاء ms204 ~~وقت الغروب ، قطعت السلاسل ، وغارت في العين وهي إلى الآن إذا طلعت ، رأوا ~~السلاسل في وسطها. ### |||| * فصل # وفيها جاء عسكر حلب إلى حران ، ومعهم إبراهيم المنصور صاحب حمص والتقوا ~~فانكسرت الخوارزمية ، وانكى فيهم الحلبيون PageV01P808 # قتلا وأسرا ، وهرب بركة بن خان إلى الخابور وأخذ المنصور حران وعصت عليه ~~القلعة. # وفيها اختلف عسكر مصر على الصالح أيوب فقبض على جماعة ، وفيها تسلم الروم ~~آمد بعد حصار شديد ، فيقال إنهم اشتروها بثلاثين ألف دينار .... ### |||| * فصل # وفيها كانت الوقعة بين الحلبيين والخوارزمية ، وكان الجواد والصالح صاحب ~~حمص مع الخوارزمية ، يقصدون حلبا ، ونزلوا على باب بزاعة في خمسة آلاف ، ~~فخرج عليهم عسكر حلب في ألف وخمسمائة فارس ، فكسروهم كسرة عظيمة ، وأسروا ~~أمراء هم ، وساقوا إلى حيلان ، وقطعوا الماء عن حلب ، وضايقوها ، ثم عادوا ~~إلى منبج فنهبوها ، وقتلوا أهلها وفضحوا نساءها ، وعادوا إلى حران ، وكان ~~الملك المنصور إبراهيم شيركوه ابن صاحب حمص نازلا على شيزر ، فاستدعاه ~~الحلبيون ، فجاء إلى حلب فنزل بظاهرها ومعه عسكر حمص ودمشق ...... ### ||| * السنة التاسعة والثلاثون وستمائة # وفيها قصد الجواد ديار مصر ملتجئا إلى الصالح أيوب ، ومهاجرا إلى بابه ، ~~فعبر الرمل فخاف أيوب منه ، فعزم على قبضه ، فرجع إلى الملك الناصر داود ، ~~والتجى إليه ، وجاء جمال الدين ابن شيخ الشيوخ فنزل غزة ، وكان الناصر ~~بالقدس ، فجاء إليه الجواد ، واتفقا ، وأقام الناصر بالقدس ، وجهز العسكر ~~مع الجواد ، وجاء الكمال ، والتقوا على مكان يقال له بيت فوريك ، فكسره ~~الجواد ، وأخذ الكمال ابن الشيخ أسيرا ، فجاء به إلى الناصر فوبخه فقال له ~~الجواد : لا توبخه ، وأقام الجواد عند الناصر فتخيل منه ، فاعتقله ، وبعث ~~به إلى بغداد في البرية تحت الحوطة ، فنزل قريبا من الأزرق فعرفه بطن من ~~العرب ، فأطلقوه فعاد إلى دمشق ، PageV01P809 # وأقام في خدمة الصالح إسماعيل ، ثم أتى إلى الفرنج ، وأقام معهم مدة ، ~~وعاد إلى دمشق ، واعتقله الصالح في عزتا ، ثم هلك في سنة احدى وأربعين ~~وستمائة ، وسار المنصور صاحب حمص ، وعسكر حلب إلى حران ، فالتقوا مع ~~الخوارزمية ، فكسروا الخوارزمية ، ومزقوهم كل ممزق. ### |||| * فصل # وفيها ms205 شرع الصالح أيوب في عمارة المدارس بين القصرين ، وقلعة الجزيرة ، ~~وأخذ أملاك الناس ، وأخرب نيفا وثلاثين مسجدا ، وقطع ألف نخلة ، وغرم عليها ~~دخل مصر سنين كثيرة ، فأخربها الترك في سنة احدى وخمسين وستمائة. ### |||| * فصل # وفيها تخلص الصفي إبراهيم بن مرزوق من حبس حمص ، بعد اليأس منه ، وكان ~~الجواد وأسد الدين قد اتفقا عليه ، وأخذا منه أربعمائة ألف دينار ، وبقي ~~محبوسا ثلاث سنين ، والحمد لله الخ. ### ||| * السنة الأربعون وستمائة # وفيها اتفق شهاب الدين غازي مع الخوارزمية ، ومضوا إلى ميافاقين ، ونزلوا ~~، وجاءه عسكر حلب ، ونزل الجزيرة بالخوارزمية ، فنهبوا وقتلوا ، وجرت حروب ~~كثيرة مع المواصلة ، وصاحب ماردين. ### |||| * فصل # وفيها عزم الصالح أيوب على التوجه إلى الشام ، فقيل له : البلاد مختلفة ، ~~والعساكر مختلفة ، فجهز العساكر ، وأقام أياما ، ولم يتهيأ له سفر. ### |||| * فصل # وفيها كانت وقعة عظيمة بين الحلبيين والخوارزمية ، وكان غازي PageV01P810 # صاحب ميافارقين مع الخوارزمية ، وقد أخربوا بلاد الموصل وماردين ، وحلفوا ~~لغازي ، وحلف لهم ، ووافقهم صاحب ماردين ، وجمع غازي الخانات ، وشاورهم ~~فقالوا : لابد من اللقاء ، فقال : المصلحة أن نمضي ونخرب بلد الموصل ، فلم ~~يلتفتوا عليه ، فلما كان ثامن عشرين محرم ركبوا ، وطلبوا من جبل ماردين إلى ~~الخابور ، وساقوا إلى المجدل ، ووقف الخانات ميمنة وميسرة ، وغازي في القلب ~~، واقتتلوا فصدمهم عسكر حلب صدمة رجل واحد فانهزموا لا يلوون على شيء ، ~~وتبعهم الحلبيون يقتلون ويأسرون ، وأخذوا أثقال غازي وعسكره ، وأغنام ~~التركمان وخيلهم ونساءهم ، وكانوا خلقا عظيما ، وبيع الفرس بخمسة دراهم ، ~~ورأس الغنم بدرهم ، ونهبت نصيبين ، وسبيت نساؤهم ، وكانت قد نهبت مرارا في ~~سنة تسع وأربعين مقدار سبع عشرة مرة من المواصلة ، والخوارزمية ، وعسكر ~~ميافارقين ، وماردين ، وعاد غازي إلى ميافارقين ، وتفرقت الخوارزمية ، ثم ~~اجتمعوا ، ثم رحلوا فنزلوا رأس عين ، فقتلوا أهلها ونهبوا الأموال ، وسبوا ~~النساء ، وفعلوا بالخابور كذلك ، وقد نهبوا أغنام التركمان. # وفيها جاء إلى غازي منشور بخلاط ، وأعمالها من شمس الدين النائب بالروم ، ~~فتسلم غازي خلاط وما فيها ، انتهى والله تعالى أعلم. # وفيها توفي كمال الدين أحمد بن صدر الدين شيخ الشيوخ بغزة في صفر عن ms206 ست ~~وخمسين سنة ، وبنى عليه أخوه معين الدين قبة في جانب الطريق ، وكان قد كسره ~~الجواد بعسكر الناصر داود ، ويقال إنه سم ، وكتب إلى ابن عمه سعد الدين هذه ~~الأبيات : # لو أن في الأرض جنات مزخرفة %~% تحف أركانها الولدان والخدم ولم تكن رأي عيني فالوجود هنا %~% ولا أراك وجود كله عدم ### |||| * فصل # وفيها توفي الإمام المستنصر بالله أبو منصور جعفر بن محمد الظاهر ، PageV01P811 # كان جوادا سمحا عادلا ، قريبا من الناس ، رحوم القلب ، متصدقا سرا وجهرا ~~، عمر المدرسة المستنصرية وقفها على المذاهب الأربعة ، وأوقف عليها الأوقاف ~~الكثيرة ، ونقل إليها الخطوط المنسوبة مثل خط ابن البواب ، وابن مقلة ~~وغيرهما ، ورتب للفقهاء جميع ما يحتاجون إليه من الأطعمة ، والأشربة ، ~~والجوامك ، والفواكه في ناحيتها حتى المارستان ، والحمام فيها ، ولم يكن ~~عنده تعصب على مذهب ، وليس في الدنيا مثل هذه المدرسة ولا بني مثلها في ~~سالف الأعوام ، فهي في العراق كجامع دمشق وقبة الصخرة بالشام ، وبنى ~~المساجد ، والمشاهد ، وعمر الخانات في الطرقات ، وكان يزور الصالحين ، ~~ويحسن إليهم ويتفقدهم ، ويبرهم ، ويزور المشهدين : مشهد علي عليه السلام ، ~~ومشهد الحسين ، ويحسن على العلويين وينعم على المجاورين ، ولم يكن للمال ~~عنده قدر ، ولما وردت بغداد في سنة أربع وأربعين وستمائة ، حكى لي الثقات ~~عنه أنه له الأحوال الجليلة ، منها أنه كان يزور الشيخ عبد العزيز الناسخ ~~بالحريم الطاهري ، ويغشاه كثيرا ، فقال له يوما : أنا لا أثاب على ما أفعله ~~، فقال له عبد العزيز : الله الله يا مولانا إذا لم تثاب أنت فمن يثاب؟ ~~فقال : لأن المال الذي أنفقه في أبواب البر ما له عندي قدر ، بل مثل التراب ~~، والثواب إنما يكون على قدر المشقة. # ومنها أنه كان يمضي إلى العلث ، قرية من الدجيل بينها وبين بغداد مسيرة ~~يومين ، حتى يزور اسحاق العلثي الحنبلي. # ومنها أنه لما كان الناصر في الحياة ، كان قد بنى عنده في الدار بركة ~~للمال ، فكان يقول : ترى أعيش حتى أملأها ، فلما ولي المستنصر وقف عليها ~~وقال : ترى أعيش حتى أفرغها. # ومنها أنه ركب يوما للصيد ms207 في رمضان ، فاجتاز بين الحربية ودار القز ~~محلتين بالجانب الغربي من بغداد ، فرأى شيخا كبيرا مع قدح فيه طبيخ قد أخذه ~~من العتابين ، وهو يريد يدخل الحربية ، وكان في كل محلة دار PageV01P812 # مضيف في رمضان ، فقال له : يا شيخ ممن أنت؟ قال : من الحربية ، قال : أما ~~عندكم دار مضيف؟ قال : بلى ، قال : تأخذ من الموضعين؟ قال : فبكى الشيخ ، ~~وقال : والله ما أخذت من المحلتين ، وإنما أنا رجل كان لله علي نعمة ، وكان ~~لي مال كثير ، فافتقرت ، وذهب المال والولد ، وأستحيي من أهل محلتي أن آخذ ~~من دار المضيف ، فأنا أمضي إلى المحلة التي لا أعرف فيها فآخذ الطعام في ~~القدح ، وآتي إلى باب الحربية ، فإذا أذن المغرب ، ودخل الناس في الصلاة ، ~~دخلت بيتي ، ولا يراني أحد ، فبكى الخليفة وقال لنفسه : ويحك يا منصور ما ~~جوابك غدا إذا سألك الله عن هذا الفقير المحتاج؟ ثم أعطاه ألف دينار ، وقال ~~: إذا نفدت تعال إلى باب البدرية ، فأخذ المال ، ومن فرحه انشق قلبه فعاش ~~عشرين يوما ، ومات وطولع الخليفة فقيل ما نقص غير دينار فقال : إن كان له ~~ورثة فادفعوه إليهم ، وإلا فأذنت لكم أن تتصدقوا به في الحربية على الفقراء ~~، فهذا مال أخرجناه لله فلا ترجع فيه ، ولا يدخل إلينا. # وكانت وفاته في هذه السنة ، وحمل إلى الرصافة ، وحزن الخلق عليه حزنا ~~عظيما لإحسانه إليهم ، وعمل له العزاء ببغداد ، والبلاد كلها ، ثلاثة أيام ~~، وولى ولده عبد الله ، ولقبه المستعصم بالله ، والحمد لله وصلى على أشرف ~~خلقه محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم. ### ||| * السنة الحادية والأربعون وستمائة # وفيها ترددت الرسل بين الصالح أيوب ، وعمه الصالح إسماعيل في الصلح ، ~~وقدم الشرف ابن التبنيني والأصيل السعرتي الخطيب ، وأطلق المغيث بن الصالح ~~أيوب ، وخطب للصالح أيوب بدمشق ، ولم يبق إلا أن يتوجه المغيث إلى مصر ، ~~ورضي الصالح ببقاء دمشق على عمه الصالح ، بعد أن سلم إليه ولده عمر المغيث ~~، فأفسد السامري وزير إسماعيل الحال ، وقال لإسماعيل هذا خاتم سليمان لا ~~تخرجه من يدك ، فتقدم الملك ، وتوقف الأمر ms208 ، ولم ينتظم صلح ، ومنع المغيث من PageV01P813 # الركوب ، وحبس في برج القلعة ، وفسدت الأحوال ، وكتب الصالح أيوب إلى ~~الخوارزمية ، فعبروا الفرات ، وانقسموا قسمين قسم جاءوا على بقاع بعلبك ، ~~وقسم على غوطة دمشق ، ونهبوا وأسروا ، وقتلوا ، وسد اسماعيل أبواب دمشق ~~ونزلوا على غزة ...... # وفيها توفي الصالح صاحب الروم ، وقيل توجه إلى التتر ، ولم يمت ، وتوافق ~~مع التتر على أن يدفع لهم في كل يوم ألف دينار وفرسا ومملوكا ، وجارية ، ~~وكلب صيد ، وهذا هو ابن علاء الدين ، وكان ناقص العقل فاتكأ ، يلعب بالكلاب ~~والسباع ، ويسلطها على الناس ، فعضه سبع فمات وصح موته ..... # وفيها توفي الجواد ، واسمه يوسف ، وقيل يونس بن ممدود بن أبي بكر ابن ~~أيوب ، ولقبه مظفر الدين ، وكان قد جاء إلى المعظم لما وقع بينه وبين ~~الكامل ما وقع ، فأحسن إليه ، ثم عاد إلى مصر ، ولما مات الأشرف جاء مع ~~الكامل إلى دمشق ، وأقام بها حتى مات الكامل ، وملكوه دمشق ، وكان جوادا ~~كما سموه ، إلا أنه كان حوله من ينهب الناس ويظلم وينسب ذلك إليه ، وكان ~~يحب الصالحين ، ويحسن الظن بالفقراء ، وقد ذكرنا تقلب الأحوال به ، وأن ~~أهله لم يقبلوه ، فقصد الفرنج فقبلوه ، وخدموه ، وحضر معهم نوبة قلنسوة ~~ضيعة من أعمال نابلس قتلوا فيها ألف مسلم ، وهو قائم لم يتكلم كلمة ، وخاف ~~منه الصالح إسماعيل ، فبعث إليه ناصر الدين ابن يغمور ليحتال عليه ، ويحمله ~~إلى دمشق ، فيقال أنهما اتفقا على الصالح ، ثم احتال الصالح على الجواد حتى ~~قبضه وحبس الجواد في عزتا ، وابن يغمور في قلعة دمشق ، وكان السامري قد ~~قصده ، وطلب الفرنج الجواد ، وقالوا : لابد لنا منه ، فأظهر أنه قد مات ، ~~وأهله يقولون إنه خنقه ، والله أعلم ، وكان ذلك في شوال ، ودفن بقاسيون في ~~تربة المعظم. # وأما ناصر الدين ابن يغمور ، فأقام محبوسا بقلعة دمشق حتى PageV01P814 # ملكها الصالح أيوب ، وبعث به ابن شيخ الشيوخ إلى مصر ، فحبسه الصالح أيوب ~~في الجب ، فأقام مدة ثم شنق هو السامري على قلعة القاهرة وسنذكرهما. ### ||| * السنة الثانية والأربعون وستمائة # وفيها عزل القاضي الرفيع ، والسبب ms209 السامري فإن الرفيقع كتب إلى الصالح ~~إسماعيل يقول : قد حملت إلى خزانتك ألف ألف دينار من أموال الناس ، فقال ~~إسماعيل : ولا ألف ألف درهم ، وأوقف السامري على ورقة الرفيع ، وكان الله ~~تعالى قد سخر إسماعيل للسامري ، فلو قال له : مت لقال لداعي الموت أهلا ~~ومرحبا ، ليكون سببا لهلاكه ، وأنكر السامري ، فقال الرفيع : وأنا أقابله ، ~~فقال السامري للصالح : هذا الرفيع قد أكل البلاد ، وأقام الشناعات علينا ، ~~والمصلحة عزله ليحقق الناس أنك ما أمرته بهذه الأشياء ، فعزل عن القضاء أول ~~السنة ، وأخذ منه مدارسه ، وفوض أمرها إلى ابن الصلاح ، فأعطى العادلية ~~للقاضي الجمال التفليسي ، صهر الخوئي ، والشامية للتقي الحموي ، والعذراوية ~~لمحيي الدين بإسقاط شهادات أصحاب الرفيع : العز ابن القطان ، والزين ابن ~~الحموي ، والجمال ابن سيده ، والنصير ابن قاضي بعلبك ، وسالم المقدسي وابنه ~~محمد ، لما فعلوا بالمسلمين وأكلوا أموالهم بالباطل ، وكانت المحنة العظمى ~~، والطامة الكبرى الواسطي الملقب بالموفق ، فإنه أهلك الحرث والنسل ، فأهلك ~~الله ذلك الفسل. ### |||| * فصل # وفيها ورد كتاب بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يقول : بأنني قد قدرت على أهل ~~الشام قطيعة في كل سنة : على الغني عشرة دراهم ، وعلى الوسط خمسة ، وعلى ~~الفقير درهم ، وقرأ محيي الدين بن الزكي الكتاب على الناس وشرعوا في ~~الجباية. PageV01P815 # وفيها كانت وقعة عظيمة بين الخوارزمية والفرنج ، لما نزل الخوارزمية غزة ~~، بعث إليهم الصالح أيوب الأموال والخيل ، والخلع والأقمشة والعساكر ، ~~وأمرهم بالنزول على دمشق ، فاتفق الصالح إسماعيل ، والناصر داود ، والمنصور ~~صاحب حمص مع الفرنج على الخوارزمية ، وعسكر مصر ، وكان إسماعيل قد أعطاهم ~~الشقيف ، وبلاد المسلمين وصفذ ، وعذب والي الشقيف ، واستأصله حيث امتنع من ~~تسليمه ، وخرج إسماعيل من دمشق ، ومضى إلى الشقيف ، وسلمه إليهم بنفسه ، ~~وكانت صفد خرابا والشقيف عامرا ، ولما اتفق مع الفرنج ، خرج صاحب حمص من ~~دمشق بعسكر دمشق وحمص إلى بلاد الفرنج ، وجهز الناصر عسكره من نابلس مع ~~الظهير ابن سنقر الحلبي ، والوزيري ، وكنت يومئذ بالقدس ، والناصر بالكرك ، ~~واجتمعوا بأسرهم على يافا ، والخوارزمية وعسكر مصر على غزة ، وساق صاحب حمص ~~، وعسكر دمشق تحت أعلام ms210 الفرنج ، وعلى رؤوسهم الصلبان والأقساء في الأطلاب ~~يصلبون على المسلمين ، ويقسسون عليهم ، وبيدهم كاسات وطاسات يسقونهم ، ~~وساقت الخوارزمية ، وعسكر مصر ، والتقوا على مكان يقال له قربيا ، وكانت ~~الفرنج في الميمنة ، وعسكر الملك الناصر في الميسرة ، وابن صاحب حمص في ~~القلب ، وكان يوما عظيما لم يجر في الإسلام مثله ، ولا في زمان نور الدين ، ~~وصلاح الدين ، فأول ما كسرت الميسرة ، وهرب الوزيري وأسر الظهير ابن سنقر ، ~~وجرح في عينه ، وأخذ جميع ماله ، وأصبح فقيرا ، وانهزم ابن صاحب حمص ، ~~ومالت الميمنة بالفرنج فرأوا القلب والقلب قد انكسروا ، فخذلوا فأحاطت بهم ~~الخوارزمية ، وكان عسكر مصر قد انهزموا إلى قريب العريش ، ورموا كوساتهم ، ~~وأثقالهم ، وثبتبت الخوارزمية ، وكان الفرنج ألفا وخمسمائة فارس من الديوية ~~والإسبتار والكنود والكبار ، وعشرة آلاف راجل ، وما كانت إلا ساعة حتى ~~حصدتهم الخوارزمية بالسيوف حصدا جيدا ، وأسروا منهم ثماني مائة أسير ، ولقد ~~أصبحت ثاني يوم الكسرة إلى غزة ، PageV01P816 # فوجدت الناس يعدون القتلى بالقصب فقالوا : هم زيادة على ثلاثين ألفا ، ~~وقد بعث الخوارزمية بالأسارى ، والرؤوس إلى مصر والظهير ابن سنقر ، وجماعة ~~من المسلمين في الجملة. # وأما صاحب حمص ، فما وصل إلى دمشق إلا في نفر يسير ، ونهبت خزانته وخيله ~~وسلاحه ، وقتل أصحابه ، ولقد بلغني أنه طلب شاشا يتعمم به فما وجده ، وجعل ~~يبكي ويقول : قد علمت أنا لما سرنا تحت صلبان الفرنج أنا لا نفلح ، ووصل ~~الأسارى مصر ، والظهير معهم ، وعلقت الرؤوس على أبواب القاهرة ، وامتلأت ~~الحبوس من الأسارى ، وكان يوما عظيما ، وجهز الصالح أيوب معين الدين ابن ~~الشيخ لحصار دمشق ... # وفيها توفي عمر بن شهاب الدين غازي ، صاحب ميافارقين ، ويلقب بالملك ~~السعيد ، وكان شابا حسن الأخلاق ، مليح الصورة جوادا شجاعا ، وكان التتر ~~لما استولوا على ديار بكر ، وأخذوا خلاط ، فخرج غازي من ميافارقين هاربا ~~منهم ، ليستنجد عليهم الخليفة ، والملوك ، وخرج معه ولده عمر ، والأمير حسن ~~بن تاج الملوك أخي غازي ، فوصلوا إلى الهرماس لوداع غازي ، فقال غازي لولده ~~عمر : يا ولدي المصلحة أن ترجع إلى ميافارقين ، وتحفظ المسلمين من التتر ، ~~وأنا ms211 أروح إما إلى بغداد ، وإما إلى مصر استنجد الملوك ، فقال : والله ما ~~أفارقك ، وجاء حسن بن تاج الملوك إلى جانبه ، وأخرج سكينا وضرب عمر في ~~خاصرته ، وهرب ليرمي نفسه في العين ليغرقها فصاح غازي أمسكوه ، فقد قتل عمر ~~ولدي ، وقام السلطان غازي ليقتله ، فرمى عمر نفسه على غازي وقال لحسن : يا ~~عدو الله قتلتني وتقتل والدي ، فضربه حسن بالسيف ، فقطع خاصرته فوقع إلى ~~الأرض وأمر غازي بحسن فقطع قطعا ، وحمل عمر إلى الحصن ، فدفن به ، وحزن ~~عليه والده ، حزنا عظيما رحمه الله ، والحمد لله وحده ، وصلى على أشرف خلقه ~~محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم. PageV01P817 ### ||| * السنة الثالثة والأربعون وستمائة # وفيها حصر معين الدين بن الشيخ والخوارزمية دمشق وضايقوها ، وقطعت ~~الخوارزمية على الناس الطرق ، وزحفوا على البلد من كل ناحية ، وفي يوم ~~الاثنين ثامن محرم بعث الصالح إسماعيل إلى معين الدين ابن الشيخ سجادة ~~وإبريقا ، وعكازا ، وقال : اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتل الملوك ، ~~فبعث إليه ابن الشيخ بجنك ، وزمر ، وغلالة ، حرير أحمر وأصفر ، وقال : ~~السجادة تصلح لي ، وأنت أولى بالغلالة ، والجنك والزمر ، وأصبح ابن الشيخ ، ~~فركب بالعساكر ، وزحفوا من كل ناحية ورموا النيران في قصر حجاج ، وضربوا ~~المناجيق ، وكان يوما عظيما ، وبعث إسماعيل الزراقين يوم الثلاثاء تاسع ~~المحرم فأحرقوا جوسق العادل ، ومنه إلى زقاق الرمان العتيقة بأسرها ، ونهبت ~~أموال الناس ، ورموا على الطرق فاحترق بعضهم. # وحكي أن رجلا كان له عشر بنات أبكار ، فقال لهن : اخرجن ، فقلن : لا ~~والله الحريق أولى من الفضيحة ، فاحترقت الدار ، واحترقن ، ولم يخرجن ، ~~وجري على الناس ما لم يجر في بلد آخر. # وفي ربيع الآخر ، خرج المنصور صاحب حمص من دمشق إلى ظاهرها ، واجتمع ~~ببركة خان ، واستبشر الناس باجتماعهما ، وعاد المنصور إلى دمشق ، وفي جمادى ~~الأولى فتحت دمشق ، بعث السامري إلى ابن الشيخ يطلب منه من ملبوسه ، فبعث ~~له فرجية وعمامة وقميصا ، ومنديلا ، فلبسهم وخرج إلى ابن الشيخ بعد العشاء ~~الآخرة ، فتحدث معه ساعة ، ثم عاد إلى دمشق ، ثم خرج مرة أخرى فوفق الحال ، ~~وخرج إسماعيل ms212 وصاحب حمص في الليل إلى بعلبك ، ودخل ابن الشيخ دمشق ، فنزل ~~في دار سامة ، ودخل الشهاب رشيد إلى القلعة ، وولى ابن الشيخ : الجمال ~~هارون المدينة ، وصدر الدين بن سني الدولة قاضي القضاة ، واستناب العزيز ~~السنجاري ، والكمال التفليسي ، وعزل محيي الدين بن الزكي ، PageV01P818 # ووصل سيف الدين ابن قليج من عجلون إلى دمشق تاسع عشرين جمادى الأولى ~~منفصلا عن الناصر داود ، وأوصى بعجلون ، وماله للصالح أيوب ، ونزل بدار ~~فلوس ، وجهز ابن الشيخ السامري إلى مصر تحت الحوطة ، وأما الخوارزمية فإنهم ~~لم يحضروا الصلح ، ولم يعلموا ، فلما علموا دخلوا إلى داريا فنهبوا أهلها ~~وأتلفوا ما كان عليها ، ثم رحلوا نحو الشرق ، وكاتبوا الصالح إسماعيل ~~واتفقوا معه على أيوب ، ونقضوا الصلح الذي قرره السامري ، ووصل ابن خالي ~~عبد الرحمن ، وابن سنقر من بغداد بخلع السلطنة للصالح أيوب ، والمنشور ، ~~ومضيا إلى مصر ، فالتقاهما وألبساه على العباسة ، وعادت الخوارزمية فحصرت ~~دمشق ، وجاءهم إسماعيل من بعلبك في ثالث عشرين ذي القعدة ، وضيقوا على دمشق ~~، فبلغت الغرارة ألف وستمائة درهم ، والقنطار الدقيق ستمائة درهم ، والخبز ~~وقيتين إلا ربع بدرهم ، وعدمت الأقوات ، وبيع العقار بالدقيق ، وأكلت ~~الميتة والجيف ، والدم والقطط ، والكلاب ، ومات الناس على الطرق ، ونتنت ~~الدنيا ، فكان الإنسان إذا مر بالجبان ، وشم روائح الناس مرض ومات ، وضجر ~~الناس من التغسيل والتكفين ، وكانوا يحفرون الآبار ، ويرمون الناس بعضهم ~~على بعض ، ومع هذا فكانت الخمور دائرة ، والفسق ظاهرا ، والمكوس بحالها. ### |||| * فصل # وفيها ولى معين الدين ابن الشيخ صدر الدين ابن سني الدولة القضاء بدمشق. # وفيها تقدمت من مصر إلى قاسيون ، ومرضت فخرجت إلى العراق في السنة الآتية ~~، فقدمت بغداد في رمضان. # وفيها وصلت الكرجية بنت إيواني زوجة الملك الأشرف التي أخذها الخوارزمي ~~إلى خلاط ، ومعها منشور خاقان بأخلاط وأعمالها ، وراسلت PageV01P819 # شهاب الدين غازي تقول : أنا كنت زوجة أخيك الملك الأشرف ، وخاقان أقطعني ~~خلاط ، فإن تزوجت بي فالبلاد لك ، فما أجابها ، فأقامت بخلاط وأعمالها ، ~~وراسلت شهاب الدين غازي تقول : أنا أتوجه إلى ميافارقين فسكت عنها. ### |||| * فصل # وفيها بعث الصالح نجم الدين ms213 أيوب حسام الدين بهرام بن الخضر ليحضر المعظم ~~توران شاه إلى مصر ، وبعث بدر الدين لؤلؤ إلى المعظم الخيام والمماليك ~~والخيل ، وكذا فعل شهاب الدين غازي كذلك ، وكتب أيوب إلى ولده مع ابن بهرام ~~: الولد يقدم خيرة الله ، ويصل إلى بالس ، فقد اتفقنا نحن مع الحلبيين ، ~~وقد ذكروا أنهم يجردون ألف فارس في خدمتك ، واعبر بلد ماردين ليلا ، فما ~~نحن وإياهم متفقين ، فلما قرأ الكتاب كره ذلك ، وما كان يؤثر الخروج من ~~الحصن ، وقال لابن بهرام : يكون الانسان مالك رأسه يصبح مملوكا عليه ، ولم يجبه. # وحكى لي حسام الدين بن أبي علي أن الصالح أيوب كان يكره مجيء ابنه المعظم ~~إليه ، وكنا إذا قلنا له : أنفذ أحضره ينفض يده ويغضب ويقول أجيبه واقتله؟. ### |||| * فصل # وفيها أخرج الصالح أيوب فخر الدين ابن شيخ الشيوخ من الحبس ، بعد أن لاقى ~~شداائد من الضيق والضرب ، ولقد بلغني أن القمل ما كان يمكنه من النوم ، ~~وفرج الله عنه ، وأقام في الحبس ثلاث سنين وقصته مشهورة. # وفيها بعث الخليفة خلع السلطنة إلى الصالح أيوب مع عبد الرحمن ابن خالي ~~محيي الدين ، وهي : عمامة سوداء ، وفرجية مذهبة ، وترس ذهب ، وسنان محلاة ، ~~وغلامان ، وطوق ذهب ، وحصان بسرج ولجام ، PageV01P820 # وخلع لأصحابه ، ولما علم الصالح أيوب أن إسماعيل قد اتفق مع الخوارزمية ~~شرع يقطع عنه الملك المنصور صاحب حمص ، ويستجلبه ويمنيه فأجابه ..... # وفيها توفي معين الدين ابن شيخ الشيوخ وزير الصالح أيوب واسمه الحسن بن ~~صدر الدين محمد بن عمر بن حموية أبو علي الذي حصر دمشق ، وكانت وفاته ليلة ~~الأحد الثاني والعشرين من شهر رمضان بمرض الإسهال ، والدم ، ونزع يوما ~~وليلة ، وتوفي عن ست وخمسين سنة ، وصلي عليه بجامع دمشق ، ودفن بقاسيون إلى ~~جانب أخيه عماد الدين ، فكان بين بلوغ أمنيته ، وحلول منيته أربعة أشهر ، ~~وخمسة عشر يوما. # وفيها توفي الفلك ابن المسيري بمصر ، رحمه الله تعالى. ### |||| * فصل # وفيها توفيت ربيعة خاتون بنت أيوب أخت صلاح الدين والعادل ، قد تزوجها ~~أولا سعد الدين مسعود بن معين الدين ، وكان ms214 صلاح الدين قد تزوج أخت معين ~~الدين ، ثم مات سعد الدين مسعود ، فزوجها صلاح الدين من مظفر الدين بن زين ~~الدين فأقامت بإربل ، ثم قدمت دمشق ، وخدمتها أمة اللطيف العالمة بنت ~~الناصح بن الحنبلي ، وأقامت في خدمتها مدة ، فحصل لها منها أموال عظيمة ، ~~وبنت للحنابلة بقاسيون مدرسة ، وأوقفت عليها الأوقاف ، وتوفيت ربيعة خاتون ~~بدمشق بدار العقيقي ودفنت بقاسيون ، وقد جاوزت ثمانين سنة لأن أباها أيوب ~~مات في سنة ثمان وستين وخمسمائة ، وتوفيت هي في هذه السنة بينهما ست وسبعون ~~سنة ، وكان لربيعة خاتون محارم كثيرة ، وقد ذكرناهم في ترجمة أختها ست الشام. # وأما أمة اللطيف المدعوة لطيفة بنت الحنبلي ، فإنها لاقت بعد ربيعة خاتون ~~الشدائد والأهوال من الحبس والمصادرة ، وأخذ المال وأقامت PageV01P821 # محبوسة ثلاث سنين بقلعة دمشق ، ودخلت مع نواب الصالح في قضيتها وبالغت في ~~أمرها ، وأطلقت من الحبس وتزوجت بابن صاحب حمص الملك الأشرف ، وسافر بها ~~إلى الرحبة وتل باشر ، فتوفيت في سنة ثلاث وخمسين وستمائة ، غريبة من الأهل ~~والعشائر وظهر لها بدمشق من المال والذخائر واليواقيت والجواهر ما يساوي ~~ستمائة ألف درهم على ما قيل ، غير الأوقاف والأملاك ، فإن الدنيا تكون ~~عاقبتها الهلاك ، ومع هذا فكانت فاضلة صالحة دينة عفيفة ، ولها تصانيف ~~ومجموعات وتآليف. ### |||| * فصل # وفيها توفي أمين الدين الحلبي الكاتب ، واسمه عبد المحسن بن حمود بن عبد ~~المحسن ، أبو الفضل كان كاتبا لعز الدين أيبك ، وكان فاضلا بارعا دينا ~~صالحا ، حسن الخط ، ذا مروءة وفضائل جمة ، وله تصانيف كثيرة وأنشدني لما ~~نزل الفرنج على الطور في سنة أربع عشرة وستمائة : # قل للخليفة لا زالت عساكره %~% لها إلى النصر إصدار وإيراد إن الفرنج بحصن الطور قد نزلوا %~% لا تغفلن فإن الطور بغداد ### ||| * السنة الرابعة والأربعون وستمائة # وفي رابع المحرم كسر الخوارزمية على بحيرة حمص لما بعث الصالح أيوب الملك ~~المنصور إليه واقتطعه عن الصالح إسماعيل ، كتب إلى الحلبيين يقول : هؤلاء ~~الخوارزمية قد أخربوا البلاد ، والمصلحة أن نتفق عليهم ، فأجابوه ، وخرج ~~شمس الدين لؤلؤ بالعساكر من حلب ، وصاحب حمص ms215 بالعرب والتركمان ، وخرج إليهم ~~عسكر دمشق ، واجتمعوا كلهم على حمص ، واتفق الصالح إسماعيل والخوارزمية ، ~~والملك إسماعيل ، والملك الناصر ، وعز الدين أيبك ، واجتمعوا على مرج صفر ، ~~ولم ينزل الناصر من الكرك ، وإنما بعث عساكره ، وبلغهم أن صاحب حمص يريد ~~قصدهم ، فقال بركة خان : دمشق لا تفوتنا ، PageV01P822 # والمصلحة أن نسير إليهم ، فساروا والتقوا على بحيرة حمص يوم الجمعة سابع ~~محرم ، أو في ثامنه ، فكانت الدبرة عليهم ، فقتل بركة خان ، وهرب إسماعيل ، ~~وعز الدين أيبك ، ومن سلم من العسكر عرايا جياعا ، وقد نهبت أموالهم ، ~~ووصلوا إلى حوران وساق صاحب حمص إلى بعلبك ، وأخذ الربض ، وسلمه إلى ناصر ~~الدين القيمري ، وجمال الدين هارون ، وعاد إلى حمص ، وودع الحلبيين ، ~~وساروا إلى حلب ، وجاء الملك المنصور إلى دمشق في خدمة الصالح أيوب ، فنزل ~~ببستان سامة ، ومضت طائفة من الخوارزمية إلى البلقاء ، ونزل إليهم الملك ~~الناصر من الكرك ، وصاهرهم ، واستخدمهم وأطلع عائلتهم إلى الصلت ، وكذا فعل ~~عز الدين ، وساروا ، ونزلوا نابلس ، واستولوا عليها ، ومرض صاحب حمص بدمشق ~~، فتوفي بالنيرب ، وحمل إلى حمص. # وجهز الصالح أيوب فخر الدين ابن الشيخ بالعساكر إلى الشام ، فلما وصل غزة ~~عاد من كان بنابلس من الخوارزمية إلى الصلت ، فقصدهم ابن الشيخ ، وقاتلهم ~~فكسرهم ، وبدد شملهم وكان الناصر معهم ، فعاد إلى الكرك ، وتبعه الخوارزمية ~~فلم يمنكهم من صعود القلعة ، ولا الربض ، وأحرق ابن الشيخ الصلت ، وساق ~~فنزل على الكرك ، وطلع عز الدين وكان مع الناصر إلى صرخد ، فتحصن بها وكان ~~كسرة ابن الشيخ للخوارزمية على الصلت سابع عشر ربيع الآخر في هذه السنة ، ~~ونزل ابن الشيخ على وادي الكرك ، وقابل الناصر ، وكتب إليه الناصر يقول : # غدور على قيس لخفر جواره %~% لأمنع عرضي إن عرضي ممنع # وكان عبد الناصر صبي أمرد مستحسن من الخوارزمية ، يقال له طاش بورك بن ~~خان ، فطلبه ابن الشيخ ، فقال الناصر : هذا صوته طيب قد أخذته ليقرأ عندي ~~القرآن ، فكتب إليه ابن الشيخ كتابا غليظا شنيعا ، وذكر غدره وإيمانه وخبثه ~~وأنشده : PageV01P823 لأبذل عرضي إن عرضي مقطع %~% ........................ # وقال : لابد من الصبي ms216 الخوارزمي ، فبعث به إليه وكان ابن الشيخ قد قال : ~~أنا أبعث لك بشيخ أعمى يقرأ أطيب منه ، فقال : ما أريد ، وكان حسام الدين ~~بن أبي علي بدمشق ، فسار إلى بعلبك ، فتسلم قلعتها باتفاق من الشاماتي ~~مملوك إسماعيل ، وكان حاكما عليها ، وبعث أولاد إسماعيل وعياله إلى مصر ، ~~وتسلم نواب أيوب الصالح بصرى ، وكان بها الشهاب غازي واليا ، فأعطوه حرستان ~~القنطرة. ### |||| * فصل # وفي رمضان قدمنا بغداد ومعي ابني إبراهيم ومملوكي بلبان ، وسالم فأنزلنا ~~خالي أبو محمد في داره بدار الخليفة ، وخدمنا غير أن ماربحناه في سورة يوسف ~~، خسرناه في سورة النور ، وجرى لنا عجائب ، وما زلت مع وزير الخليفة أدام ~~الله تعالى سعده حتى خرجنا من بغداد في صفر سنة خمس وأربعين وستمائة ووصلنا ~~إلى حلب ، وتوفي ابني إبراهيم في ربيع الآخر ، ونقلته إلى قاسيون في هذه ~~السنة ، فدفنته بالتربة عند أمه ، وأخته. # وفي ربيع الآخر لما كنا بحلب قدمها الصالح إسماعيل في طائفة من ~~الخوارزمية منهم : كشلو خان ، وكانوا هاربين من الصالح أيوب ، ولم يبق ~~لإسماعيل في الشام مكان يأوي إليه ، فتلقاهم الملك الناصر صاحب حلب ، وأنزل ~~الصالح في دار جمال الدولة الخادم ، وقبض على كشلو خان والخوارزمية ، وملأ ~~بهم الحبوس ، وبلغني أن الناصر لما التقى إسماعيل قال شمس الدين لؤلؤ ~~للناصر : أبصر عواقب الظلم كيف صارت. ### |||| * فصل # وفيها وصلت الأخبار من البحر صحبة مركب وصل من صقلية إلى الاسكندرية ، أن ~~البابا غضب على الإنبروز ، وعامل خواصه الملازمين له PageV01P824 # على قتله ، وكانوا ثلاثة ، وقال : قد خرج الإنبروز عن دين النصرانية ، ~~ومال إلى المسلمين ، فاقتلوه ، وخذوا بلاده لكم ، وأقطع كل واحد مملكة ، ~~فأعطى واحدا صقلية ، والآخر تصقانة ، والآخر بولية ، وهذه ممالك الإنبروز ، ~~وكتب أصحاب الأخبار إلى الإنبروز بذلك فعمد إلى مملوك له فجعله مكانه على ~~التخت ، وأظهر أنه قد شرب دواء ، وأرسل إلى الثلاثة فجاؤوا والمملوك نائم ~~على التخت ، فظنوه الإنبروز ، وقد اختبأ الإنبروز في مجلس معه مائة فارس ، ~~فلما دخلوا على المملوك مالوا إليه بالسكاكين ، فقتلوه فخرج إليهم الإنبروز ~~، فذبحهم بيده ms217 ، وسلخهم وحشا جلودهم تبنا ، وعلقهم على باب القصر ، وبلغ ~~البابا ، فبعث إلى قتاله جيشا ، والخلف واقع بينهم ، وهذا الإنبروز هو الذي ~~أعطاه الكامل القدس. ### |||| * ذكر ألقابه # الملك الكبير ، الأجل الخطير ، الأعز الأثير ، قيصر المعظم امبرطور ~~المقتدر بقدرة الله ، المستعلي بعزته ، مالك الألمانية والانبردية ، وصقلية ~~، وحافظ بيت المقدس ، معز إمام رومية ، مالك ملوك النصرانية ، حامي الممالك ~~الفرنجية ، قائد الجيوش الصليبية. ### |||| * فصل # وفيها قبض الملك الناصر داود على عماد الدين بن موسك في الكرك ، واحتاط ~~على موجوده ، وكان له صندوق فيه نيف وخمسين ألف درهم. # وفي يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة ، قدم الصالح أيوب دمشق ، فأحسن إلى ~~أهلها ، وتصدق على المدارس ، والربط وأرباب البيوت بأربعين ألف درهم ، ~~وببعلبك بعشرين ألفا ، وببصرى بعشرين ألفا ، وخلع على أعيان الدماشقة الخلع ~~السنية ، ومضى إلى بعلبك وعاد عنها ، ومشى ناصر الدين ، وابن مطروح بين ~~الصالح ، وعز الدين أيبك في الصلح بواسطة شمس الدولة ابن العميد ، وخرج ~~الصالح من دمشق PageV01P825 # ومضى إلى بصرى ، وصعد إلى صرخد ، ونزل إليه عز الدين أيبك العميد ، وتسلم ~~الصالح صرخد ، وأقام عز الدين في ميدانها أياما ، وقدم دمشق في ذي الحجة ، ~~فنزل بالنيرب ، وكتب له منشورا بقرقيسيا ، والمجدل ، وضياعا في الخابور ، ~~فلم يحصل له منها شيء ، وتوجه الصالح أيوب إلى مصر ، وتصدق في القدس بألفي ~~دينار مصرية ، وأمر بعمارة القدس ، وذرع وكان ستة آلاف ذراعا بالهاشمية ، ~~فقال : اصرفوا مغل القدس في عمارته ، وكنت لما أطلقه الناصر من الحبس ، ~~وجاء إلى القدس أخذت يده على ذلك. ### |||| * فصل # وفيها توفي الملك المنصور صاحب حمص ، واسمه إبراهيم بن شيركوه ، وكان ~~شجاعا مقداما ، وكان موافقا للصالح إسماعيل ، ومصاهرا له ، ثم ألفته عنه ~~الصالح أيوب ، وقدم دمشق فنزل بستان سامة. # وحدثني جماعة من الدماشقة أنه عامل على دمشق ، ولو عاش أياما لأخذها ، ~~فمرض وحمل إلى النيرب ، فنزل ببستان الأشرف ، فتوفي به يوم الأربعاء حادي ~~عشر صفر ، وحمل في تابوت إلى حمص ، فكانت ولايته بعد وفاة أبيه عشر سنين ، ~~وأخذت منه كما نذكر. # وفيها توفي بركة خان ms218 الخوارزمي ، أحد الخانات الأربعة ، وكان أصلحهم في ~~الميل إلى الخير ، والرفق بالناس ، وكان الصالح أيوب قد صاهره وأحسن إليه ، ~~وجرى منه عليه ما جرى ، ولما قتل انحل نظام الخوارزمية ، وأمنت البلاد ~~والعباد. # حكى لي شمس الدين لؤلؤ لما أخذوا دمشق في سنة ثمان وأربعين وستمائة ، ~~وكان يزورني ، زارني يوما ، فحكى حديث بركة خان ، قال : لما التقينا على ~~حمص رأيتهم خلقا عظيما ، نحن بالنسبة إليهم كالشامة السوداء في الثور ~~الأبيض ، فقال لي غلماني : أيما أحب إليك نأخذ بركة PageV01P826 # خان أسيرا ، أو نحمل رأسه إليك؟ قال : فقلت : رأسه كأن الله أنطقني ، ~~والتقينا فلما كان بعد ساعة ، وإذا بواحد من أصحابنا يحمل رأسا مليح الصورة ~~، وليس في وجهه سوى شعرات يسيرة ، ولم يعرفه ولا نحن ، وانهزموا ، وجيء ~~بطائفة منهم أسارى ، فلما رأوا الرأس ، رموا نفوسهم ، وبكوا فعلمنا حينئذ ~~أنه رأسه ، فبعثنا به إلى حلب ...... # وفيها توفي عماد الدين بن داود بن موسك ، وكان ابن الشيخ فخر الدين قد ~~شفع فيه إلى الملك الناصر ، فأخرجه من الحبس ، وكان قد خرج في حلقه خراج ~~عظيم ، فبط بغير اختياره ، وحشي الدواء الهالك فمات بالكرك ، وحمل إلى ~~مساجد جعفر بن أبي طالب ، فدفن هناك رحمة الله عليه ، لأنه كان جمع بين ~~الأصالة والجلالة ، والفتوة ، والمروءة الزائدة ، والعصبية ، والنفس ~~الطاهرة ، فكم أغاث ملهوفا ، وكم أعان مكروبا ، وكان الناصر اتهمه بالرواح ~~إلى مصر ، وو الله قد برأك الله من الغدر والخيانة يا عماد الدين كما برئت ~~عائشة أم المؤمنين ، وأقول : # هيهات أن يأتي الزمان بمثله %~% إن الزمان بمثله لبخيل # وختم الله أعماله بأن مات فقيرا مثل بعض فقراء المسلمين. # ومات الركن الهيجاوي في مصر في الحبس ، وكان قد قفز إلى دمشق من غير عادة ~~، وكان الصالح أيوب قد أحسن إليه ، وقدمه على العساكر والحمد لله. ### ||| * السنة الخامسة والأربعون وستمائة # وفيها تسلم نواب الصالح أيوب قلعة الصبيبة من نواب الملك العزيز ، وأقطعه ~~بمصر اقطاعا ، وأعطاه مائة ألف درهم ، وخمسمائة قطعة قماش ، وخبزا لمائة ~~وخمسين فارسا ، ونازل فخر الدين ابن الشيخ ms219 طبرية ففتحها عنوة ، وحاصر ~~عسقلان ، وقد قاتل عليها قتالا عظيما ، وفتحها في جمادى الآخرة وتسلم نواب ~~الصالح شميميس من ابن صاحب PageV01P827 # حمص فحصنها ، وبعث إليها الخزائن ، ونزل عسكر حلب على حمص ، وأخذها في ~~السنة الآتية. # وفيها فوض إلي الأمير عز الدين أيبك النظر في أوقافه ، ومدارسه وأبواب ~~البر على كره مني ، وحياء منه. # وفيها قدم تاج الدين ابن مهاجر من مصر إلى دمشق ، ومعه المبارز نسيبه ، ~~ومعهما تذكرة فيها أسامي جماعة من الدماشقة ، بأن يحملوا إلى مصر ، فحملوا ~~وهم : القاضي محيي الدين ابن الزكي ، وابن الحصيري ، وابن العماد الكاتب ، ~~وبنو صصرى الأربعة ، وشرف الدين ابن المعتمد ، وابن الخطيب العقرباني ، ~~والتاج الاسكندراني الملقب بالشحرور ، وأبو الشامات مملوك إسماعيل ، وابن ~~الهادي المحتسب ، وأخرج العماد ابن خطيب بيت الأبار من جامع دمشق إلى بيت ~~الأبار ، وولى العماد ابن الحرستاني القاضي الخطابة بجامع دمشق في رجب ، ~~وسبب حمل الجماعة المذكورين إلى مصر أنه نقل إلى الصالح أيوب أنهم خواص ~~الملك الصالح إسماعيل ، فخاف أن يجري ما جرى في النوبة الأولى من أخذ دمشق ~~، ولما وصلوا إلى مصر أقاموا بحسب اختيارهم ، غير ابن الهادي المحتسب ، ~~وعاد الباقون بعد وفاة أيوب إلى دمشق. # وفي ثالث عشرين ذي القعدة اعتقل عز الدين أيبك في دار فرخشاه بتواطىء من ~~ابن مطروح وغيره وضعوا مترجما جاء له من حلب من عند إسماعيل ، وأعانه عليه ~~قوم آخرون ، فكتبوا إلى الصالح أيوب وأخبروه ، فأمر أن يحمل إلى القاهرة ~~تحت الحوطة ، فأنزل في دار صواب فاعتقل فيها. # وبلغني أن ابنه قال لأيوب : إن أموال أبي بعث بها إلى الحلبيين ، وأول ما ~~نزل بها من صرخد كانت ثمانين خرجا ، فأودعها عند فلان عني قال : وبلغ عز ~~الدين اجتماعه بأيوب ، فمرض ووقع إلى PageV01P828 # الأرض وقال : هذا آخر عهدي ، ولم يتكلم بعدها حتى مات بباب النصر فياليته ~~عاش حتى رأى في أعدائه العبر. # وأما ابن مطروح فرأى الذل والهوان ، ولعب به القدر ، ولم يمت حتى ذهب منه ~~البصر ، وأما غيره فانتثر لحمه عن عظامه ، وارتحل ms220 بآثامه ، ولما سعى ~~إبراهيم بعز الدين سعى بحاشيته ، وقال : عندهم أمواله مثل : البرهان كاتبه ~~، وابن الموصلي صاحب ديوانه ، والبدر الخادم ، ومسرور ، وغيرهم فأمر أيوب ~~بحملهم إلى مصر ، فأما البرهان فإنه من خوفه يوم أخرج ليتوجه إلى مصر فمات ~~بمسجد النارنج والباقون فحملوا إلى مصر ، ولم يظهر عليهم مما قيل درهم واحد ~~، ورجعوا إلى دمشق بعد وفاة أيوب ، وقد لاقوا الشدائد ، وختم للأمير عز ~~الدين بالشهادة كما عاش في دنياه تحت تلك السعادة ، وكنت قد عزمت على نقله ~~إلى دمشق ، ودفنه في تربته فأتاح الله بعض مماليكه فحملناه في تابوت ، ~~ودفناه في قبته بين العلماء والفقهاء ، والمحدثين ، والفقراء ، وأعطاه الله ~~في آخرته ما كان يتمنى في دنياه ، وأناله أرفع الدرجات ، والأعمال بالنيات ~~، ولقد كان كثير الصدقات ، عظيم الصلات ، اشتراه المعظم في سنة سبع وستمائة ~~، ونحن على الطور ، وفوض إليه استاذ داريته ، وظهر منه من العقل والسداد ما ~~أوجب تقديمه على الأولاد ، وأعطاه قلعة صرخد ، وأقام بها يضاهي الملوك ، ~~ولا فرق عنده بين الغني والصعلوك ، وقيل إنه مات في سنة سبع وأربعين ~~وستمائة ، السنة التي مات فيها أيوب رحمة الله عليهما. ### |||| * فصل # وفيها توفي شهاب الدين غازي ، وقد ذكرناه في عدة أماكن ، وكان شجاعا ، ~~شهما ، جوادا ، اجتمعت به في الرها سنة اثنتي عشرة وستمائة ، وأنا قاصد إلى ~~خلاط ، فحضر مجلسي بجامع الرها ، وكان يوما مشهودا ، وأحسن إلي وخدمني ، ~~وكان حفظه لطيفا ، ينشد الأشعار ، ويحكي الحكايات ، وقد ذكرنا حجه على ~~العراق ، حكى عنه سعد الدين مسعود بن PageV01P829 # تاج الدين شيخ الشيوخ قال : قطع الكامل الفرات في سنة اثنتين وثلاثين ~~وستمائة بعسكر لم يجمع لصلاح الدين مثله ، قال : فدخلت يوما عليه ، وعنده ~~الملك الناصر داود ، فقال : تروح تروح تخرب حصن منصور ، قال : ما يحل لي أن ~~أقاتل المسلمين ، وأنهبهم ، أنفذ غيري فاغتاظ ، فقال : والله إن شربنا ~~الخمر ، وفسقنا أجود من زهدك ، وذكرتك مثل ما رحت خلصت نهب الفرادى من ~~أصحابنا ، وتزهدت علينا ، ولو وقع لك ظلم ظلمت ، وهذا الآخر يعني الناصر ~~يوافقك في الخساف ms221 ، قال فقمت وخرجت ، فلحقني الصلاح الإربلي ، وقال : قال ~~لك السلطان : تروح إلى حصن منصور ، نحن نبعث غيرك ، قال : فقلت له والله ما ~~أروح ولو رسمت علي ، فلا حاجة إلى قولك ..... # السنة السادسة والأربعون وستمائة # وفيها قايض الأشرف موسى صاحب حمص ، تل باشر بحمص ، مع الملك الناصر يوسف ~~بن الملك العزيز صاحب حلب ، وخرج الصالح أيوب من مصر إلى دمشق ، وجهز ~~العساكر مع فخر الدين ابن الشيخ إلى حمص ، وسخر الفلاحين لحمل المناجيق إلى ~~حمص ، وكانوا يحملون عودا عشرون درهما إلى حمص ، فيغرم عليه ألف درهم ، ~~فخرب الشام ، وهرب أهله ، ونصبوا المناجيق على حمص ، وخرج عسكر حلب إلى ~~لقائهم على حمص ، وكان الشيخ نجم الدين الباذرائي بالشام ، فدخل بين ~~الفريقين ورد الحلبيين إلى حلب والدمشقيين إلى دمشق ، وعاد الصالح أيوب إلى ~~مصر مريضا في محفة .... # وفيها قتل نور الدين ابن رسول صاحب اليمن قتله مماليكه. ### |||| * فصل # وفيها توفي الصلاح يوسف بن الشهاب ، كان خيرا فاضلا يحب الفقراء ، ويخدم ~~المشايخ ، ويمشي في حوائج الناس ، ويشتري الأسارى ، PageV01P830 # وكان الصالح أيوب قد حبسه في مصر ، فخلصته من يده بعد اللتيا والتي ، ~~وجعلت خلاصه من الصالح ضيافتي وفائدتي ، وكان فطنا يقول الشعر وقد رثى ~~العماد الحنبلي. ### |||| * فصل # وفيها توفي أبو بكر ، الملقب بالعادل بن الكامل ، أخو الصالح نجم الدين ~~أيوب ، ذكر سعد الدين مسعود بن تاج الدين شيخ الشيخ بن حموية وقال : وفي ~~خامس شوال سنة ست وأربعين وستمائة جهز الصالح أخاه أبا بكر العادل ، ونفاه ~~إلى الشوبك ، وبعث إليه الخادم محسن ، فدخل عليه الحبس ، وقال : # السلطان يقول : لابد من رواحك إلى الشوبك ، فقال : إن أردتم تقتلوني في ~~الشوبك فها هنا أولى ، ولا أروح أبدا ، فعذله محسن فرماه بدواة كانت عنده ، ~~فخرج وعرف الصالح أيوب ، فقال : دبر أمره ، فأخذ ثلاثة مماليك ودخلوا عليه ~~ليلة الإثنين ثاني عشر شوال فخنقوه بشاش علمه وعلقوه به ، وأظهروا أنه خنق ~~نفسه ، وأخرجوا جنازته مثل بعض الغرباء ، ولم يتجاسر أحد أن يترحم عليه ، ~~أو يبكي حول نعشه ، ودفن بتربة شمس ms222 الدولة. # قلت : سبحان الله الحكم العدل الذي لا يحيف في قضائه ، ولا يحكم عليه أحد ~~في أمر قضائه ، وإمضائه فإنه لم تطل مدة أيوب لأنه توفي في نصف شعبان سنة ~~سبع وأربعين وستمائة ، وقتل أخوه في شوال سنة ست وأربعين وستمائة ، بينهما ~~عشرة أشهر ، رأى بنفسه فيها العبر ، ولا نفعه الإحتراز والحذر ، وبعد أن ~~أذاقه كؤوس حتوفه ، قتل مماليكه ولده تورانشاه بسيوفه انتهى ، والحمد لله ~~وحده وصلى على أشرف خلقه محمد وآله وصحبه وسلم. ### ||| * السنة السابعة والأربعون وستمائة # وفيها توجه الصالح أيوب من دمشق إلى مصر في المحفة مريضا PageV01P831 # مدنفا ، في رابع المحرم ، ونادى في الناس : من كان له عندنا شيء فليحضر ~~ويأخذ الذي له ، فطلع الناس إلى قلعته ، وأخذوا ما كان لهم. # وحدثني من شهد الواقعة ، بينما الصالح في مرج صفر في محفة ، استغاث إليه ~~رجل على المخلص المغيثي ، وقال : اشترى مني غنما ولم يعطني شيئا ، قال : ~~ومسكه من بغلته فنكسه وأخذ البغلة فباعها بسبعمائة درهم ، واستوفى ماله من ذلك. # وفيها حمل عز الدين أيبك المعظمي إلى القاهرة تحت الحوطة وقيل في سنة ست ~~وأربعين وستمائة ، وفيها احترقت المئذنة الشرقية بجامع دمشق ، وراح للفقراء ~~والمشائخ بها ودائع وصناديق وأموال كثيرة ، وكتبوا إلى الصالح أيوب فأمر ~~بعمارتها. # وفيها توجه الملك الناصر داود من الكرك إلى حلب ، وورد كتاب الصالح أيوب ~~إلى جمال الدين ابن يغمور بخراب دار سامة وقطع شجر بستان القصر فتوقف ابن ~~يغمور ، فجاءته كتب ، فأخرب الدار ، والقصر وقلع الشجر. # وفيها مضى حسن بن الناصر من الكرك إلى مصر ، وسلم الكرك إلى الصالح أيوب ~~في جمادى الآخرة ، وأعطاهم مالا ، وأخرج منه عيال المعظم ، وأولاده وبناته ~~وأم الناصر ، وجميع ما كان فيه ، وبعث إليه ألف ألف دينار ، وجواهر وذخائر ~~وأسلحة وشيئا كثيرا. # وفيها تقحمت الفرنج دمياط في ربيع الأول ، وكان فيها فخر الدين ابن الشيخ ~~، والعساكر فخرجوا منها ، وخرج أهلها ، وكان الصالح على المنصورة ، فشنق من ~~أعيان أهلها ستين نفسا ، وهرب الباقون خوفا أن يجري عليهم ما جرى في ms223 النوبة ~~الأولى ، ولما أمر بشنقهم قالوا : ما ذنبنا إذا كان عساكره وأمراؤه هربوا ، ~~وأحرقوا الزردخانة ، فأيش نعمل نحن؟ قال : وكان في الذين خنقوا رجل كناني ~~محتشم ، وله ولد من أحسن PageV01P832 # الناس صورة ، فقال أبوه : بالله اشنقوني قبله ، وبلغ الصالح فقال : لا ~~إلا اشنقوا الابن قبله ، ففعلوا وقامت على العسكر القيامة ، ودعوا على أيوب ~~، وبلغني أن مماليكه أرادوا قتله ، فقال لهم ابن الشيخ : اصبروا عليه فهو ~~على شفا ، فإن مات فقد استرحتم منه ، وإلا فهو بين أيديكم ، وقتل نجم الدين ~~ابن شيخ الإسلام ، وقال الصالح أيوب لابن الشيخ والعسكر : أما قدرتم تقفوا ~~ساعة بين الأفرنج ، ولا قتل من العسكر إلا هذا الضعيف يعني ابن شيخ الاسلام ~~، وكان قد قفز من الكرك إلى مصر ، وأسرها الصالح في نفسه ، ولو عاش لأهلك ~~ابن الشيخ وغيره ، ولما كان هجمها الفرنج من باب ، وخرج ابن الشيخ والعسكر ~~من باب ، فظنوا أنها مكيدة ، فتوقفوا ، ثم تيقنوا عجز المسلمين ، وخرج أهل ~~دمياط حفاة عراة عطاشا جياعا ، فقراء حيارى ، النساء والأطفال ، وكان قد ~~سلم لهم ما يعيشون فيه ، فنهبهم في طريق القاهرة. # وفي ليلة النصف من شعبان مات الصالح أيوب بالمنصورة ، وكانت أم خليل عنده ~~، وهي مدبرة للأمور ، فلم تغير شيئا من الدهليز بحاله ، والسماط كل يوم يمد ~~والأمراء في الخدمة ، وهي تقول السلطان مريض ما يصل أحد إليه ، وبعثوا إلى ~~الملك المعظم تورانشاه ابن الصالح أيوب إلى حصن كيفا اقطاي مملوك الصالح ~~أيوب ، فخرج به من حصن كيفا ، وسلك البرية ، وخاطر بنفسه ، وكاد يهلك من ~~العطش ، ووصل إلى دمشق في آخر رمضان ، وخلع على الدماشقة وأعطاهم الأموال ، ~~وأحسن إليهم ، وما سئل شيئا ، فقال لا ، وبلغني أنه كان في قلعة دمشق ~~ثلاثمائة ألف دينار ، فأخرجها واستدعى من الكرك مالا نفقة. # وفي ذي القعدة كانت وقعة عظيمة على المنصورة ، ووصل الفرنج إلى الدهليز ، ~~وخرج فخر الدين بن الشيخ ، فقاتل فقتل ، وانهزمت العساكر من بين أيديهم ، ~~ثم استحى المسلمون ، فعادوا على الفرنج فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وصار ~~المعظم تورانشاه إلى ms224 مصر بعد أن أقام بدمشق PageV01P833 # سبعة وعشرين يوما ، وقيل دخلها في العشرين من رمضان ، وخرج منها في سابع ~~عشر شوال ، إلا أنه ما وصل إلى مصر إلا في آخر السنة ، وكان في عزمه الفتك ~~بابن الشيخ ، لأنه بلغه أنه يريد الملك ، والناس كلهم يريدونه ، فاستشهد ~~واستراح رحمة الله تعالى عليه. ### |||| * فصل # وفيها توفي الملك الصالح أيوب بن محمد الكامل ولد في سنة ثلاث وستمائة ~~بالقاهرة ونشأ بها ، ولقبه نجم الدين ، استخلفه أبوه بها لما نزل إلى الشرق ~~، فأقام مع صواب لا أمر له ولا نهي ، ثم أعطاه حصن كيفا ، وجرى له ما ~~ذكرناه ، ولما ملك مصر اجتهد في خلاص ولده المغيث فلم يقدر ، وكان مهيبا ~~معظما جبارا ، أباد الأشرفية ، وغيرهم وقد حكى لي جماعة من أمرائه قالوا : ~~والله ما نقعد على بابه إلا ونحن نقول : من هاهنا نحمل إلى الجبان ، وكان ~~إذا حبس انسانا نسيه لا يتجاسر أحد أن يخاطبه فيه ، وبنى قبابا في تنيس ~~للحبس ، وكان يحلف أنه ما قتل بغير حق ، وهذه مكابرة ظاهرة ، فإن خواص ~~أصحابه حكوا أنه لم يكن أحصى من قتل من الأشرفية وغيرهم ، ولو لم يكن إلا ~~قتل العادل أخيه ، وكانت أم خليل عتيقة أيوب تكتب خطا يشبه خطه ، فكانت ~~تعلم على التواقيع ، وكان فسد مخرجه ، وامتد إلى فخذه اليمنى ، ورجله ، ~~ونحل جسمه ، وعملت له محفة يركب فيها ، وكان يتجلد ، ولا يطلع أحد على حاله ~~، ثم حمل تابوته إلى الجزيرة فعلق بسلاسل حتى قبر في تربته إلى جانب مدرسته ~~بالقاهرة ، وقد ذكرنا واقعاته في السنين إلى أن توفي في ليلة النصف من ~~شعبان ، وأخفي موته على ما ذكرنا. ### |||| * فصل # وفيها توفي فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ ، كان عاقلا جوادا ، مدبرا ~~خليقا بالملك ، محبوبا إلى الناس ، ولما توفي الصالح ندب إلى الملك PageV01P834 # وامتنع ، ولو أجاب ما خالفوه ، وكان لما قدم دمشق حضر إلى عندي ، وسألني ~~الجلوس ، فجلست بجامع دمشق ، وكان ساكنا في دار سامة فدخل عليه العماد بن ~~النحاس وقال له : يا فخر الدين ms225 إلى كم ، ما بقى بعد هذا اليوم شيء؟ فقال : ~~يا عماد الدين والله لأسبقنك إلى الجنة ، فكان كما قال استشهد فخر الدين في ~~سنة سبع وأربعين وستمائة ، وتوفي العماد عبد الله بن النحاس في صفر سنة ~~أربع وخمسين وستمائة ، بينهما ثماني سنين. # ولما مات أيوب ، قام فخر الدين بن الشيخ بأمر الملك ، وأحسن إلى الناس ، ~~وبعث جماعة إلى الحصن فحضروا تورانشاه ، وحسد الجند فخر الدين ، وعزموا على ~~قتله ، ونهبوا داره فاستدعى الأمراء والأكابر ، وقال : أنا مالي طمع في ~~الملك ، وإنما أحفظ بيت أستاذي حتى يجيء ولده ، ويتسلم البلاد فحلفوا ~~واعتذروا ، وكان المتهم بذلك الخادم محسن ، وجماعة وجهز جماعة من مماليك ~~الصالح إلى دمشق لما وصلها المعظم ، يستعجله في الحضور إلى مصر ، فأوهمه ~~بعض المماليك الواصلين إليه أن فخر الدين قد حلف العسكر لنفسه ، ومتى وصلت ~~قتلك ، فتوقف وأنفق أموال دمشق ، في العساكر ليستميل بها عسكر مصر ، وقد ~~حلف المماليك الذين بعثهم فخر الدين إليه على قتل فخر الدين. # واتفق مجيء الفرنج إلى عسكر المسلمين ، وعبورهم الخنادق ، والبحر ، ~~واندفاع المسلمين بين أيديهم ، وكان اليوم العظيم ، فركب فخر الدين وقت ~~السحر ليكشف الخبر ، وأنفذ إلى الحلقة ، والأمراء ، ليركبوا ، وساق جريدة ، ~~ومعه بعض مماليكه وأجناده ، فالتقى طلب الداوية مصادفة ، فحملوا عليه ، ~~فهرب من كان معه ، فطعنوه في جنبه ، فوقع عن فرسه ، وضربوه في وجهه بالسيف ~~عرضا وطولا ضربتين فقتلوه ، وجاء مماليكه إلى داره ، فكسروا صناديقه ، ~~ونهبوا أكثر ما فيها ، ونهبت أمواله وخيله وأخذ الجولاني قدور حمامه ، ~~والدمياطي أخذ أبواب داره ، وما نفعه تربية مماليكه وإحسانه إليهم ، وكان ~~قبل ذلك بأيام قد رأى والدته في المنام وهي تقول له : قد PageV01P835 # أوحشتني ، وحملته على كتفها ، فاستشعر فقتل بعد ذلك بأيام ، ثم مر به من ~~المعركة بقميص واحد ، وجعل في حراقة إلى القاهرة ، وخربت داره كأنها لم تكن ~~بالأمس ، أخربها الأمراء الذين كانوا يركبون كل يوم إلى خدمته ، ويقفون على ~~بابه ، وهم أكثر من سبعين أميرا كانوا يتمنون أن ينظر إلى أحد منهم نظرة ، ~~أخربوا داره ms226 بأيديهم ، وحمل على الأصابع ، وبكى عليه الناس ، وعمل له ~~العزاء العظيم ، وكان له يوم مات ست وثلاثون سنة ، ولما وصل تورانشاه إلى ~~العسكر أخذ مماليك فخر الدين الصغار ، وبعض قماشه بنصف القيمة ، ولم يعطهم ~~درهما ولا عوض الورثة شيئا ، وكان الثمن خمسة عشر ألف دينار ، وكان إذا جلس ~~جعل حسنات فخر الدين سيئات يقول : أطلق الكتان ، والسكر ، وأنفق الأموال ، ~~وأطلق المحابيس ، فأيش ترك لي أنا ، فكان حفظه للملك وسياسته العسكر ، ~~ومقاتلته للأعداء من أكبر ذنوبه ... ### ||| * فصل* السنة الثامنة والأربعون وستمائة # وفي أول ليلة منها كان المصاف بين الفرنج والمسلمين على المنصورة ، بعد ~~مجيء الملك تورانشاه إلى الخبيث الأفرنسيس ، وقتل من الفرنج مائة ألف ، ~~ووصل كتاب المعظم تورانشاه يقول : « ( الحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن ) (1) ( وما النصر إلا من عند الله ) (2) ( ويومئذ ~~يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ) (3) ( ~~وأما بنعمة ربك فحدث ) (4) ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) (5) نبشر PageV01P836 # المجلس السامي الجمالي ، بل نبشر الاسلام كافة بما من الله به على ~~المسلمين من الظفر بعدو الدين ، فإنه قد كان استفحل أمره ، واستحكم شره ، ~~وأيس العباد من الأهل والأولاد فنودوا ( لا تيأسوا من روح الله ~~إنه لا ييأس من روح الله ) (1) الآية ولما كان يوم الأربعاء مستهل السنة ~~المباركة تمم الله على الإسلام بركتها فتحنا الخزائن ، وبذلنا الأموال ، ~~وفرقنا السلاح ، وجمعنا العربان والمطاوعة ، واجتمع خلق عظيم لا يحصيهم إلا ~~الله تعالى ، وجاؤوا ( من كل فج عميق ) (2) ومن كل مكان بعيد سحيق ~~، ولما رأى العدو ذلك أرسل يطلب الصلح على ما وقع الاتفاق بينهم وبين الملك ~~الكامل فأبينا ، ولما كان في الليل تركوا خيامهم وأثقالهم وأموالهم ، ~~وقصدوا دمياط هاربين ، فسرنا في آثارهم طالبين ، وما زال السيف يعمل في ~~أدبارهم عامة الليل ، وقد حل بهم الخزي والويل ، فلما أصبحنا نهار الأربعاء ~~قتلنا منهم ثلاثين ألفا غير من ألقى نفسه في اللج ، وأما الأسرى فحدث عن ~~البحر ولا حرج ، والتجأ الأفرنسيس إلى المنية وطلب الأمان فأمناه ، وأخذناه ~~، وأكرمناه ، وتسلمنا دمياط بعون ms227 الله وقوته وجلاله وعظمته». وذكر كلاما ~~طويلا ، وفي ثامن عشرين المحرم قتل المعظم تورانشاه. # وفيها : وصل ابن الملك العزيز صاحب بانياس منهزما من مصر ، نفاه تورانشاه ~~، فلما طلع من دمشق طلع إلى عزتا ، واعتقل فيها. # وفي مستهل ربيع الآخر وصل الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز صاحب حلب ~~إلى قارا يريد دمشق ، فأرسل جمال الدين بن يغمور والقيمرية إلى عزتا ، ~~فأنزلوا ابن الملك العزيز إلى دمشق وأسكنوه دار فرخشاه ، وجاء عسكر حلب ~~فنزل القصير ، وانتقلوا إلى داريا يوم السبت سابع ربيع الآخر ، وزحفوا يوم ~~الأحد ثامن ربيع الآخر إلى باب PageV01P837 # الصغير ، وكان مسلما إلى ناصر الدين القيمري ، وكان المجاهد إبراهيم في ~~القلعة ، فلما وصلوا إلى البابين كسرت الأقفال من الداخل ، وفتحت الأبواب ، ~~فدخلوا ونهبوا دار جمال الدين بن يغمور ، وسيف الدين المشد ، وعسكر مصر ، ~~ودمشق ، وأخذت خيولهم من اصطبلاتهم ، وأموالهم وأثاثهم من دورهم ، ودخل ابن ~~يغمور القلعة ، ثم نودي بالأمان وانقضت أيام الصالح أيوب بدمشق ، وكانت ~~مملكته الأخيرة خمس سنين إلا أياما ، ثم دخل الملك الناصر القلعة ، وطيب ~~قلوب الناس ولم يغير على أحد شيئا ، وكان الملك الناصر داود نازلا بالعقيبة ~~، فجاءه الملك العزيز فبات عنده تلك الليلة وهرب ابن العزيز إلى الصبيبة ، ~~وكان بها خادم من خدامه قد كاتبه فوصلها ففتح له فدخلها ، وتسلم الملك ~~الناصر بعلبك من الحميدي ، وبصرى وصرخد وغيرها ، وفي ليلة الأربعاء ثاني ~~شعبان كان الناصر داود في قصر القابون ، وكان الملك الناصر يوسف نازلا في ~~المزة ، وضربوا له خيمة واعتقلوه فيها واختلفوا في سبب اعتقاله على أقوال ، ~~أحدها أنه طلب الدستور إلى بغداد فأعطوه أربعين ألف درهم ، فأنفقها في ~~الجند وعزم على قصد مصر ، والثاني أن الصالح إسماعيل جاءه كتاب من مصر ، ~~فأوقف شمس الدين لؤلؤ عليه ، وأخبر حامله أنه أوصل إلى الناصر داود كتابا ، ~~فسأله فأنكر ، والثالث أن الصالح أشار إليهم بقضيته ، وقال : أنتم ما ~~تعرفوه نحن نعرفه ، وأنتم على قصد مصر ، وما هو مصلحة يبقى خلفنا ، ولا ~~يكون معنا فقبضوه فأقام بالمزة معتقلا ms228 أياما ، ثم بعثوا به إلى قلعة حمص ، ~~فاعتقل بها وأسكن أهله ووالدته وأولاده في خانكاه الصوفية التي بناها شبل ~~الدولة عند ثورا. ### |||| * فصل # وفيها مات جمال الدين ابن يغمور بالعباسة ، وأحمي الحمام للملك الناصر ، ~~وهيأ له الإقامة ، هذا والملك الناصر على طلب كراع ، ما عنده PageV01P838 # خبر وهو واقف بسناجقه وقرائنه وأصحابه ، ولما وقعت الهزيمة على المصريين ~~ساق عز الدين أيبك التركماني وأقطاي في ثلاثمائة فارس طالبين الشام هاربين ~~، فعثروا في طريقهم بالشمس لؤلؤ ، والضياء القيمري ، فساق شمس الدين لؤلؤ ~~إلى بين يدي عز الدين لؤلؤ ، فبلغني أن حسام الدين ابن أبي علي قال : لا ~~تقتله لنأخذ به الشام ، فقال أقطاي : هذا الذي نصر بمائتين قناع قد جعلنا ~~مخانيث فضربوا عنقه ، واعترضوا طلب السلطان ، فخامر بعض العزيزية مماليك ~~أبيه عليه ، وجاء منهم جماعة إلى عز الدين وأقطاي وقالوا : إلى أين هذا ~~السلطان ، وكسروا صناديقه ونهبوا ماله ، ورموه بالنشاب ، فأخذه نوفل البدوي ~~وجماعة من مماليكه وأصحابه وساروا به إلى الشام ، وقد عطف المصريون على ~~الملك المعظم ابن صلاح الدين فأسروه بعد أن أخرجوه وأخرجوا ولده تاج الملوك ~~، وأخذوا أخاه النصرة ، والأشرف ابن صاحب حمص ، والزاهر عمه والصالح ~~إسماعيل ، وأعيان الحلبيين ، ومات تاج الملوك بن المعظم من جراحة كانت به ، ~~فحمل إلى القدس فمات به ، وضرب الشريف المرتضى في وجهه بالسيف ضربة هائلة ~~عرضا ، وأرادوا قتله ، فقال : أنا رجل شريف ابن عم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فتركوه. # وفيها توفي تورانشاه بن الملك الصالح أيوب ، ويلقب بالمعظم ، قد ذكرنا ~~مجيئه إلى الشام وذهابه إلى مصر ، واتفق كسرة الفرنج عند قدومه ، وتيمن ~~الناس بطلعته ، واستبشروا بمشاهدته غير أنه بدت منه أسباب نفرت القلوب عنه ~~، فاتفقوا علي قتله ، منها : أنه كان فيه نوع خفة ، بلغني أنه لما دخل دمشق ~~كان يجلس على السماط ، فإذا سمع فقيها يذكر مسألة وهو بعيد يصيح هو : لا ~~نسلم ، وفيها أنه احتجب عن الناس أكثر من أبيه وما ألفوا من أبيه ذلك ، ~~وكذا سمع مماليكه أبيه منه ، وما ألفوا ms229 من أبيه ذلك ، وكذا مع حظايا أبيه ، ~~وكان إذا سكر يجمع الشموع ويضرب رؤوسها بالسيف فيقطعها ، ويقول : كذا أفعل ~~بالبحرية ويسمى مماليك PageV01P839 # أبيه بأسمائهم ، وقدم الأرذال ، وأبعد الأماثل ، وأهان مماليك أبيه ~~الكبار ، وكان قد وعد أقطاي أنه يؤمره ولم يف له ، فاستوحش منه ، وكانت أم ~~خليل لما وصل إلى القدس مضت إلى القاهرة فبعث يهددها ويطلب المال والجواهر ~~، فخافت منه واتفقت معهم على ما قالوا. ### |||| * ذكر مقتله # لما كان يوم الاثنين سابع عشرين محرم جلس على السماط ، فضربه بعض ~~المماليك البحرية بالسيف فالتقاه بيده فقطع بعض أصابعه ، وقام فدخل البرج ~~وصاح : من جرحني؟ فقالوا : الحشيشية ، قال : لا والله إلا البحرية ، والله ~~لا أبقيت منهم بقية ، واستدعى المزين فخيط يده ، وهو يتوعدهم فقال بعضهم ~~لبعض : تمموه وإلا أبادكم فدخلوا عليه فانهزم إلى أعلى البرج ، فأوقدوا ~~النيران حول البرج ، ورموه بالنشاب فرمى بنفسه وهرب نحو البحر وهو يقول : ~~ما أريد الملك دعوني أرجع إلى الحصن يا مسلمين ما فيكم من يصطنعني ويجيرني ~~، والعساكر كلها واقفة فما أجابه أحد ، والنشاب يأخذه وكذا لما صعد إلى ~~البرج رموه بالنشاب ، فتعلق بذيل أقطاي فما أجاره فقطعوه قطعا ، وبقي على ~~جانب البحر ثلاثة أيام منتفخا ما يتجاسر أحد أن يدفعه حتى شفع فيه رسول ~~الخليفة ، فحمل إلى ذاك الجانب فدفن ، ولما قتلوه دخلوا على الأفرنسيس ~~الخيمة بالسيوف وقالوا : نريد المال ، فقال : نعم فأطلقوه ، وسار إلى عكا ~~على ما اتفقوا عليه معه ، وكان الذين باشروا قتله أربعة. # قال سعد الدين مسعود ابن تاج الدين شيخ الشيوخ : حكى لي رجل صادق أن أباه ~~الملك الصالح أيوب ، قال لمحسن الخادم : اذهب إلى أخي العادل إلى الحبس ، ~~وخذ معك من المماليك من يخنقه ، فعرض المحسن ذلك على جميع المماليك ~~فامتنعوا بأسرهم إلا هؤلاء الأربعة ، فإنهم مضوا معه وخنقوه ، فسلطهم الله ~~على ولده حتى قتلوه أقبح قتلة ، ومثلوا به أعظم مثلة مثلما فعل بأخيه. PageV01P840 # وحكى الأمير حسام الدين بن أبي علي قال : كان تورانشاه متخلعا لا يصلح ~~للملك ، كان يقال للصالح ms230 نجم الدين ما تنفذ تحضره إلى هاهنا؟ فيقول : دعوني ~~من هذا ، فالححنا عليه يوما فقال : أجيبه إلى هاهنا أقتله. # وحكى العماد بن درباس قال : رأى جماعة من أصحابنا الملك الصالح أيوب في ~~المنام وهو يقول : # قتلوه شر قتلة %~% صار للعالم مثله ولم يراعوا فيه إلا %~% لا ولا من كان قبله ستراهم عن قليل %~% لأقل الناس أكله # كانوا قد جمعوا في قتله ثلاثة : السيف ، والنار ، والماء ، فإنهم قتلوه ~~وقد إلتجأ إلى البحر ، وخطب لأم خليل على المنابر بالقاهرة ، ومصر. ### |||| * فصل # وفيها توفي شمس الدين لؤلؤ بن عبد الله مقدم عسكر حلب كان أميرا حسنا ، ~~صالحا ، عابدا ، زاهدا مدبرا ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وقد كان ~~يحكي واقعات جرت له ، منها قوله عن بركة خان أريد رأسه فكان كما قال ، وحكي ~~لي أنه لما كان على حمص ، جاء ومعه جماعة إلى البحيرة ، ومعهم مقلي وزيت ، ~~يصيد سمكا فرموا الشبكة فلم يصعد فيها شيء ، قال : وكنت واقفا على ظهر فرسي ~~، فقلت : نرجع بغير شيء ، وإذا بسمكة كبيرة قد خرجت من الماء ، وجاءت فوقفت ~~بين يدي فرسي ، وبلغني أنه قال : أنا سجدت سجدة في حلب أخذت دمشق ، وأسجد ~~أخرى في دمشق آخذ مصر ، ومن هذا الجنس شيئا كثيرا وكان يدعى ذلك كرامات ، ~~وإنما كان يخبر عن نفسه وما به بأس أبدا ، قال الله تعالى : ( وأما ~~بنعمة ربك فحدث ) (1) إلا أنه قتل قتلة شنيعة ، وبقي مدة لا يوارى ، وكان ~~قد لج في الدخول إلى مصر لجاجا لا يدارى ، فغفر الله تعالى ذنبه فإنه لم ~~يزل غفارا. PageV01P841 # وفيها توفي أبو الحسن الطبيب السامري وزير الصالح أيوب الكوراني ، وهو ~~الذي كان سببا لزوال دولته ، وإخماد جمرته ، وقد ذكرنا فظائعه مفرقة في ~~السنين ، فسبحان من أراح منه المسلمين ، وما كان مسلما ولا سامريا ، بل كان ~~يتستر بالإسلام ، ويبالغ في هدم شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وبلغني أن ~~الشيخ إسماعيل الكوراني رحمه الله قال له يوما وقد زاره : لو بقيت على دينك ~~كان أصلح لأنك تتمسك بدين في ms231 الجملة ، أما الآن فأنت مذبذب لا إلى هؤلاء ، ~~ولا إلى هؤلاء ، وقد ذكره محمد بن سعد في قصيدته التي ذكرناها في سنة خمسين ~~وستمائة ، وقد ذكرنا أنه شنق وعجل الله بروحه إلى أسفل الدركات ، وما كان ~~شنقه علوا في الحياة بل خفضا ولعنة في الممات ، ولقد ظهر له من الأموال ~~والجواهر واليواقيت والتحف والذخائر ما لا يوجد في خزائن الخلفاء ، ولا ~~السلاطين ، وأقاموا ينقلونه مدة سنين ، فبلغني أن قيمة ما ظهر ثلاثة آلاف ~~ألف دينار ، غير الودائع التي كانت له عند أصدقائه والتجار ، ووجد له عشرة ~~آلاف مجلد من الكتب النفيسة ، والخطوط المنسوبة فتمزق الجميع في زمان يسير ~~، وأذهبه الله تعالى في أقل زمن ، والحمد لله وحده ، وصلى على أشرف خلقه ~~محمد ، وعلى آله وصحبه. ### ||| * السنة التاسعة والأربعون وستمائة # وفيها عاد الملك الناصر صلاح الدين من غزة : ، والساحل ، ونابلس ، وحكم ~~البلاد على قوانين الشريعة ، وجهز الملك الناصر عسكره ، جاءته النجدة ، ~~وعاد الترك إلى مصر ، وأقام العسكر على غزة مدة سنين وشهور وترددت الرسائل ~~بينهم وخرجت السنة والتي بعدها على هذا. ### |||| * فصل # وفيها أخذ ابن العادل الكرك والشوبك أعطاه إياهما الخادم ، وقد خرج أقطاي ~~من القاهرة في ألف فارس فنزل غزة. PageV01P842 # وفيها نقلوا تابوت الصالح إلى تربته بالقاهرة ، ولبس الأمراء ثياب العزاء ~~، وناحوا عليه بين القصرين ، وحزنوا وبكوا ، وتصدقت أم خليل بمال عظيم. # وفيها أخرب الترك دمياط ، وحملوا أبوابها إلى مصر ، وأخربوا الجزيرة ، ~~وقيل أخلوها ، وعزلوا العماد بن القطب الحموي عن قضاء مصر وأضافوها إلى ~~القاضي بدر الدين. # وفيها تزوج بدر الدين الصالحي بأم خليل ، وتسمى شجر الدر بحضور القاضي ~~بدر الدين ، والعدول ...... ### ||| * السنة الخمسون وستمائة # وفيها وصل التتر إلى الجزيرة ، ونهبوا ديار بكر وميافارقين وجاؤوا إلى ~~رأس عين ، وسروج ، وقتلوا زيادة على عشرين ألفا صادفوا قافلة خرجت من حران ~~تقصد بغداد بين رأس عين والجداد ، فأخذوا منها أموالا عظيمة منها ستمائة ~~ألف حمل سكر ، ومعمول مصر ، وستمائة ألف دينار ، وقتلوا الشيوخ والعجائز ، ~~وساقوا من النساء والصبيان ما أرادوا ، ورجعوا إلى ms232 خلاط ، وقطع أهل الشرق ~~الفرات ، وخاض الناس في القتلى من دنيسر إلى الفرات ، حكى لي شخص من التجار ~~قال : عددت على جسر بين حران ورأس عين في مكان واحد ثلاثمائة وثمانين قتيلا. # وحج بالناس من بغداد بعد عشرين سنة بطل الحج فيها منذ مات المستنصر إلى ~~هذه السنة. ### |||| * فصل # وفيها توفي شمس الدين محمد بن سعد الكاتب المقدسي ، نشأ بقاسيون على ~~الخير والصلاح ، وقرأ القرآن والنحو والعربية ، وسمع الحديث الكثير وبرع في ~~علم الأدب وحسن الخط ، وكتب للصالح PageV01P843 # إسماعيل ، والناصر داود وكان دينا فاضلا شاعرا وأنشدني قصيدة ، وكتبها لي ~~بخطه لما تفاقم ظلم السامري ونوابه ، وكتب بها إلى الصالح إسماعيل ، ولو ~~كتبت بالذهب على الأحداق لكان ذلك أقل من قليل ، وهي هذه الأبيات : # يا مالكا لم أجد لي من نصيحته %~% بدا وفيها دمي أخشاه منسفكا اسمع نصيحة من أوليته نعما %~% فخاف كفرانها إن كف أو تركا والله ما امتد ملك مد مالكا %~% على رعيته من ظلمه شبكا ترى الحسود به مستبشرا فرحا %~% مستغربا من بوادي أمره ضحكا وزيره ابن غزال والرفيع به %~% قاضي القضاة ووالي حزبه ابن تكا وثعلب وفضيل من هما وهما %~% أهل المشورة فيما ضاق أوضنكا جماعة بهم الآفات قد نشرت %~% والشرع قد مات والإسلام قد هلكا ما راقبوا الله في سر وفي علن %~% وإنما يرقبون النجم والفلكا وإنما قلد الملك الخصيص به %~% من همه عزله عنه ومن فركا ومن عداوته أصلية وله %~% من البطانة فيما يبتغي شركا والآن قد حكموا واستوثقوا تلفا %~% وصيروك لهم في صيدهم شركا إن كان خيرا ورزقا واسعافهم %~% أو كان شرا وأمرا سيئا فلكا فقد نصحت فقم واقبل نصيحة من %~% ما مان في قوله حرفا ولا أفكا واستدرك الأمر واستر ما جنوه بهم %~% تلق الرشاد وإن صدوه منهمكا فعن قريب ترى آثار فعلهم %~% فيهم وفيك إذا ما سترهم هتكا # قلت : رحم الله قائلها فقد كان ينظر من ستر رفيع ، وهذا من جملة التوفيق. # وأما ابن غزال فهو السامري ، وثعلب وفضيل منجمان كانا قد ms233 استوليا على ~~الصالح إسماعيل ، وحسنا له فعل قبيح شنيع رذيل ، فما نفعهم النجوم وأبادهم ~~الحي القيوم ، وكانت وفاته في صفر ، ودفن بقاسيون قريبا من الشيخ أبي عمر ..... PageV01P844 ### ||| * فصل* السنة الحادية والخمسون وستمائة # وفيها دخل نجم الدين الباذرائي بين العسكرين ، وتولى اصلاح الفريقين ، ~~وكانت الحرب قد ضرست الجمعين ، وخصوصا عسكر الشام ، والله تعالى يؤيد ~~الإسلام ، ويجري أموره على أحسن نظام ، وقدم الباذرائي والنظام ابن المولى ~~القاهرة ، وحلفوا الملك والأمراء وخلصوا الأمراء : المعظم ، وأخاه النصرة ، ~~وابن صاحب حمص وغيرهم وبنت الأشرف ، وأولاد الصالح إسماعيل ..... ### ||| * السنة الثانية والخمسون وستمائة # وفيها اقطع الملك ايدغدي العزيزي دمياط زيادة على خبزه ، ونفله ثلاثين ~~ألف دينار. # وفيها وردت الأخبار من مكة بأن نارا ظهرت في الأرض بعدن ، وبعض جبالها ~~بحيث يطير شرارها إلى البحر في الليل ، ويصعد مثل الدخان العظيم في النهار ~~، فما شكوا أنها التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تظهر في آخر الزمان ~~فتاب الناس واقلعوا عن المعاصي وعما كانوا عليه من المظالم والفساد ، ~~وشرعوا في فعل الخير والصدقات .... # وفيها مات أقطاي بمصر قتلة شنيعة ، وكان قد طغى وبغى ، وتكبر وتجبر بحيث ~~أنه كان إذا ركب من داره بالقاهرة إلى القلعة يقتل جماعة ، ولا يلتفت إلى ~~الله ، وهو الذي قتل المعظم وباشره وأكب عليه ، وصاهر أصحاب حماة ، ~~واحتفلوا في جهاز العروس ، وحملوها إلى دمشق في محمل عظيم ، وعجب الناس من ~~بنت الكامل كيف سمحت لذلك العبد بالمصاهرة مع عدم الكفاية فإنها كريمة ~~الطرفين من ناحية الأب والأم ، ولما لم يغر أحد لها غار الله ، فسلط على ~~أقطاي من قتله أقبح قتلة ، ومثل به أعظم مثلة ، وكان قد طلب من الملك ~~القلعة ليسكن العروس فيها PageV01P845 # فاتفق مع شجر الدر على قتله ، واستدعاه فقتله بالقلعة ، وهربت البحرية ~~إلى الشام ...... ### ||| * السنة الثالثة والخمسون وستمائة # وفيها عاد الملك الناصر داود من الإسار إلى دمشق بعد أن حبسه الملك ~~الناصر يوسف بقلعة حمص ثلاث سنين ، وبعث به إلى بغداد ثم عاد في سنة ثلاث ~~وخمسين وستمائة ، من العراق ms234 وحج وعاد فأقام بالحلة ، وكان قد جرى بين الحج ~~من العراق وأصحابه فتنة ، وأصلح بينهم والحمد لله وحده على كل حال. ### ||| * السنة الرابعة والخمسون وستمائة # وفيها فتح الملك الناصر يوسف بن محمد مدرسته التي أنشأها بدمشق بباب ~~الفراديس ، وحضر الناصر والأمراء والقضاة والفقهاء ، ولم يتخلف أحد غيري ، ~~وبعث إلي الملك الناصر ، وسألني الحضور ، فامتنعت بسبب تشويش مزاج عرض لي. # وفيها غرقت بغداد الغرق الشنيع لم يعهد مثله بحيث انتقل الخليفة إلى دار ~~المنشاة ، ودخل الماء دار الوزير ، ودار الخليفة ، وخرج خالي محيي الدين من ~~دار الخليفة ، وضرب خيمة على تل عال ، وجلس فيها بأهله ، وغرقت خزائن ~~الخليفة والمنابر ، وجرى شيء لم يجر مثله ، وكان ذلك في شهر ربيع الأول ، ~~ومن العجائب أن الصريمي الخارج على صاحب مصر ، قدم دمشق في جمادى الآخرة ..... PageV01P846 ms235