######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010550 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد، أبو حامد، عز الدين (المتوفى: 656هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 656 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفلك الدائر على المثل السائر (مطبوع بآخر الجزء الرابع من المثل السائر) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010550 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10550 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10550 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أحمد الحوفي، بدوي طبانة #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الفجالة ـ القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | الفلك الدائر على المثل السائر # نص الكتاب: # الحمد الله الذي فاوت بين عقول البشر وأخلاقهم، كما فاوت بين أعمارهم ~~وأرزاقهم، فكان من خفايا تدبيره، ولطائف حكمته وتقديره، أن أرضى كلا منهم ~~بعقله وخلقه، لا بعمره ورزقه، فلست ترى منهم إلا الراضي بعقله وآرائه، ~~المعجب بما يرشح من إنائه، الحامد لسجيته، الزاري على الناكبين عن طريقته؛ ~~تصديقا لقوله تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته} 1". # وقل أن تجد منهم القانع بدنياه، الراضي عن وقته بما قسم له "الله"2 ~~وأعطاه. # فلا ترى إلا قانطا أو ساخطا أو حاسدا أو غابطا، دأبهم الكدح والنصب والجد ~~والطلب؛ تصديقا لقوله "صلى الله عليه وسلم"3: "لو كان لابن آدم واديان من ~~ذهب "لتمنى أن يكون له ثالث" 4. # وصلى الله على سيدنا محمد رسوله المويد بروح قدسه، والمعصوم من الخطأ في ~~القول ولبسه، والحاكم بأن من جملة الثلاث المهلكات عجب المرء بنفسه، وعلى ~~آله وأصحابه الذي منهم من هو "من"5 نوعه وجنسه. # وبعد، فقد وقفت على كتاب نصير الدين بن محمد الموصلي المعروف PageV04P031 # بابن أثير الجزيرة المسمى "كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" ~~فوجدت فيه المحمود والمقبول، والمردود والمرذول. # أما المحمود منه فإنشاؤه وصناعته، فإنه لا بأس بذلك إلا في الأقل النادر. ~~وأما المردود فيه فنظره وجدله، واحتجاجه واعتراضه، فإنه لم يأت في ذلك في ~~الأكثر الأغلب بما يلتفت إليه مما يعتمد عليه. # فحداني على تتبعه ومناقضته في هذه المواضع النظرية أمور، منها إزراؤه على ~~الفضلاء، وغضه منهم، وعيبه لهم، وطعنه عليهم، فإن في ذلك ما يدعو إلى ~~الغيرة عليهم، والانتصار لهم. # ومنها إفراطه في الإعجاب بنفسه، والتبجح برأيه، والتقريظ لمعرفته ~~وصناعته، هذا عيب قبيح عمل الإنسان والاجتهاد، ويوجب المقت من الله ~~والعباد. # ومنها أنه قد أومأ مرارا في كتابه إلى عتاب دهره؛ إذ لم يعطه على قد ~~استحقاقه، فأردنا أن نعرفه أن الأرزاق ليست على مقادير الاستحقاق، وأن ~~الرزق مقسوم لا يجلبه الفضل، ولا يرده النقص. # ومنها أن جماعة من أكابر الموصل قد حسن ظنهم في ms001 هذا الكتاب جدا، وتعصبوا ~~له، حتى فضلوه على أكثر الكتب المصنفة في هذا الفن، وأوصلوا منه نسخا ~~معدودة إلى مدينة السلام1 وأشاعوه، وتداوله كثير من أهلها. PageV04P032 # فاعترضت عليه بهذا الكتاب، وتقربت به إلى الخزانة الشريفة المقدسة ~~النبوية الإمامية المستنصرية، عمر الله تعالى بعمارتها أندية الفضل ورباعه، ~~وأطال بطول بقاء مالكها يد العلم وباعه، وجعل ملائكة السماء أنصاره ~~وأشياعه، كما جعل ملوك الأرض أعوانه وأتباعه. # وكان أكثر قصدي في ذلك أن يعلم مصنف هذا الكتاب ورؤساء بلدته أن من أصاغر ~~خول1 هذه الدولة الشريفة -فالعجب مبير، ولا أنبئ عني فمثلي كثير- من إذا ~~ألغز أدرى، وإذا ضرب أفرى2 وإذا رشق أصمى3، وإذا نكا4 أدمى، وأن دار ~~السلام، وحضرة الإمام ما خلت كما تزعم المواصلة ممن إذا سوبق خلى، وإذا ~~بوسر5 فاز بالقدح المعلى6 وإذا خطب خضعت لبراعته المناصل7، وإذا كتب سجدت ~~لبراعته الذوابل، وإذا شاء علم الناس السحر، وما أنزل على PageV04P033 # الملكين ببابل، وأن في الأغفال المغمورين من رعايها من لو هدر1 لقرت له ~~الشقاشق2، ولو نطق لتجلت بشموسه المهارق3، ولو جرد حسام قلمه لقال الملك ~~للسيف اغرب فأنت طالق، فكيف بسدنة4 كعبتها والحافين بشريف سدتها5، فحول ~~البلاغة الذين إذا ركض أحدهم في حلبة البيان أخجل البروق، وسخر بالرياح، ~~وإذا ضرب الأعداء بصارم اللسان قد السلوقي المضاعف، حتى توقد نار الحباجب ~~في الصفاح6. # وهذا الكتاب وقع إلي في غرة ذي الحجة من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، ~~فتصفحه، أولا أولا في ضمن الأشغال الديوانية التي أنا بصددها، وعلقت في هذا ~~الكتاب في أثناء تصفحه على المواضع المستدركة فيه إلى نصف الشهر المذكور، ~~فكان مجموع مطالعتي له واعتراضي عليه خمسة عشر يوما، ولم PageV04P034 # أعاود النظر فيه دفعة ثانية، وربما يسنح له عند المعاودة نكت أخرى، وإن ~~وقع ذلك ألحقتها. # وقد سميت هذا الكتاب "الفلك الدائر على المثل السائر" لأنه شاع من ~~كلامهم، وكثر في استعمالهم أن يقولوا لما بادودثر "قد دار عليه الفلك" ~~كأنهم يرويدون أنه قد طحنه ومحا صورته. من ذلك قول أبي ms002 العتاهية: # إن كنت تنشدهم فإنهم # همدوا ودار عليه الفلك1 # وأنا أسأل الله المعونة والتوفيق، وأستمنحه الهداية إلى سواء الطريق بمنه ~~وكرمه ### | 1- # قال المصنف: "نسأل الله أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله"2. # أقول إنه أول ما تكلم سأل أمرا يستحيل عقلا؛ لأنه تعالى لا نهاية لما هو ~~أهله من المحامد، سواء جعل الحمد بمعنى المدح أو أخص. # أما الأول فلان جلالته تعالى وعظمته وصفة كماله لا تقف عند غاية، ولا ~~تنقطع عند حد، وأما الثاني فلأن نعمه لا نهاية لها بتعريضه إيانا للثواب ~~والنعيم الذي لا نهاية له، فإذا هو سبحانه أهل للحمد الذي لا نهاية له على ~~PageV04P035 # كلا التفسيرين، ويستحيل أن يبلغ بنا إلى ذلك؛ لأن القوة المتناهية لا ~~تقوى على أمور غير متناهية. # ليس لظان أن يظن هذا القول يجري مجرى قول الناس الحمد لله كما هو أهله، ~~فإن ذلك كلام مجمل، لا يتضمن سؤالا، ولا يقتضي دعاءه تعالى ن يجعلنا حامدين ~~حمدا لا بداية ولا نهاية. ### | 2- # قال المصنف: "وأن يعلمنا من البيان ما تقصر عنه مزية للنطق وفضله"1. # أقول: هذا أيضا سؤال أمر مستحيل؛ لأن النطق هو كمال الصورة الإنسانية إن ~~أخذ على تفسير التعليم الطبيعي، والفصل المميز إن أخذ على تفسير التعليم ~~المنطقي. وعلى كلا التفسيرين فيه يكون الإنسان إنسانا، فيستحيل أن يفضله ~~البيان في مرتبة وفضيلة؛ لأن الفرع لا يفضل الأصل الذي لولاه لما كان. # واعلم ن هذين الأعتراضين قد يعتذر المصنف عنهما بأنه إنما قال ذلك على ~~سبيل المبالغة، ويسمى غلوا، وهو مستهجن في الكتابة وأحد عيوبها القبيحة، ~~وإنما يسلكه الشعراء، وأما الكاتب ففي سعة عنه، ومذهب الكتابة غير مذهب ~~الشعر. PageV04P036 ### | 3- # قال المصنف: وأن يوفقنا للصلاة على رسوله محمد الذي هو أفصح من نطق ~~بالضاد، ونسخ بهديه شريعة كل هاد1. # أقول في هذا الكلام عيب ظاهر، وذلك أن عطف الفعل وهو "نسخ" على الاسم وهو ~~"أفصح" وهذا قبيح. ألا ترى أنه يقبح أن يقال: زيد أفصح القوم، وضرب زيد. ~~والوجه أن يقال الذي ms003 هو أفصح من نطق بالضاد، والمنسوخ بهداه شريعة كل هاد. ### | 4- # قال المصنف: "ولا أدعي فيما ألفته فضيلة الإحسان، ولا السلامة من سبق ~~اللسان". ثم قال بعد سطر واحد: "وإذا تركت الهوى قلت إن هذا الكتاب بديع في ~~إعرابه، وليس له صاحب من الكتب، فيقال إنه متفرد من بين أصحابه"2. # أقول: وهي يدعي أحد فضيلة الإحسان بأبلغ من هذا الكلام؟ وقد قال قبل هذا ~~التواضع بثلاثة أسطر: "إن الله هداني لابتدع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة، ~~ومنحنى درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة PageV04P037 # وإنما تكون متبعة"1. فمن يزعم أن الله هداه في هذا الفن إلى ابتداع أشياء ~~لم يسبق بها، ورزقه فيها بلوغ درجة الاجتهاد التي يتبعها الناس، ولا تكون ~~تابعة لأحد منهم، كيف يقول لا أدعي فيما ألفته فضيلة إلا وبلغتها؟. ### | 5- # قال المصنف: "موضوع الحساب هو الأعداد من جهة ما يعرض لها من الضرب ~~والقسمة ونحوهما، وموضوع الطب بدن الإنسان من جهة مايصح ويمرض، وموضوع ~~النحو هو اللفظ من جهة الدلالة على المعنى من طريق الوضع اللغوي، وموضوع ~~علم البيان هو اللفظ والمعنى من جهة الحسن والقبح. ثم قال: صاحب هذا العلم ~~هو والنحوي يشتركان في النظر في دلالة الألفاظ على المعنى من جهة الوضع ~~اللغوي، وتلك دلالة عامة، وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة، وهي ~~دلالة خاصة"2. # أقول أما موضوع علم النحو فغير ما ذكر، بل الذي ذكر موضوع علم اللغة؛ لأن ~~اللغوي هو الذي ينظر في الألفاظ من حيث كانت دلالة بالوضع PageV04P038 # اللغوي على المعاني، وأما موضوع علم النحو فهو الألفاظ من جهة تغييرات ~~تلحق أواخرها أو تلحقها أنفسها على قول من جعل التصريف جزءا من النحو، ولم ~~يجعله علما مفردا. ### | 6- # قال المصنف: "وقد غلط مفسرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعنى، وما في ~~الشعر من الكلمات اللغوية، وتبيين مواضع الإعراب فيه دون ما تضمنه من أسرار ~~البلاغة والفصاحة". # أقول: إن مفسري الأشعار جعلوا قصدهم وكدهم كشف مراد الشاعر ليعلم، ففسروا ~~الألفاظ اللغوية وما ms004 في الشعر من إعراب نحوي يتعلق فهم المعنى به، وتارة ~~يشرحون المعنى فقط، إذا لم يكن في البيت ألفاظ لغوية، ولا يرتبط المعنى ~~بإعرابه، كأنهم إنما وضعوا الشروح المصنفة لتفسير مراد الشاعر فقط، فكل ما ~~يذكرونه من زيادة على ذلك مقصودة بالعرض لا بالذات، وإذا كانت الحال هكذا ~~لم يجز أن يقال إنهم غلطوا لإخلالهم بنقد الشعر والكلام على ما فيه من علم ~~الصناعة الشعرية، والبحث عن فصاحته وبلاغته؛ لأن ذلك فن مفرد لم يضعوا ~~شروحهم له، وكذلك لم يتكلموا في العروض والقوافي ودقائق التصريف. فإن قلت ~~قد تكلم كثير من شارحي الأشعار في العروض والقوافي ودقائق في التصريف أيضا، ~~قلت: وقد تكلم كثير من شارحي الأشعار في نقدها. وبحثوا عن فصاحتها وبلاغتها ~~وما تحتهما من أسرار ذلك. ثم يقال له إن جمهور مفسري القرآن # PageV04P039 # اقتصروا على شرح المعاني واللغة والإعراب وأسباب النزول، وما يتضمنه ~~الكتاب العزيز من الفقه والأصول ونحوها، ولم يذكروا في تفاسيرهم نقد ما فيه ~~من البلاغة والفصاحة وأسرارها، فإن ارتكبت من ذلك قياسك، وغلطت المفسرين، ~~كنت مغلطا لأكابر الصحابة، كعلي بن أبي طالب عليه السلام، وعبد الله بن ~~عباس، وهما اللذان أخذ علم التفسير كله عنهما، ويكفيك ذلك قبحا وشناعة، وإن ~~لم تغلط المفسرين، فقد انتقض ما قلته من شرح الأشعار. ### | 7- # قال المصنف: "وصناعة تأليف الكلام من المنشور والمنظوم تفتقر إلى آلات ~~كثيرة. وقد قيل إن كل ذي علم يسوغ له أن ينسب نفسه إليه، فيقال فلان الكاتب ~~لما يفتقر إليه من الخوض في كل فن"1. # أقول هذا الكلام من أبهات2 الكتاب وتزويقاتهم، ولا يعول عليه محصل، وهذه ~~الفنون التي يذكرها الكتاب، ويزعمون أن الكتابة مفتقرة إليها، إن أرادوا ~~بها ضررتها فهذا باطل؛ لأن سحبان3 PageV04P040 # وقسا1 وغيرهما من خطباء العرب ما كانت تعرفهما، وكذلك من كان في أول ~~الإسلام من الخطباء كمعاوية2 وزيادة3 وغيرهما. # وإن أرادوا أنها متممة ومكملة فهذا حق، ولكن عدمها لا يقتضي سلب اسم ~~الكتابة، مع أن كل ما يحتاج إليه الكاتب يحتاج ms005 إليه الشاعر وزيادة. ### | 8- # قال المصنف: "ومن أقسام الفاعل والمفعول ما لا يفهم إلا بعلامة، كتقديم ~~المفعول على الفاعل، فإنه إذا لم يكن ثم علامة تبين أحدهما عن الآخر، وإلا ~~لأشكل الأمر، كقولك "ضرب زيد عمر" بالوقف عليهما ويكون زيد هو المضروب، ~~فإنك إذا لم تنصب زيدا وترفع عمرا لم يفهم ماذا PageV04P041 # أردت. ومن هذا قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} 1. # أقول إن هذه الآية لا مدخل له في هذا الموضع؛ لأنا لو وقفنا على الفاعل ~~والمفعول منها لم يحصل الالتباس، لعلمنا أن الله لا يخشى أحدا لا من ~~العلماء ولا من غيرهم، فالآية تدل بنفسها لا بعلاقة لفظية على أنه تعالى ~~مفعول، وأن العلماء فاعل، بخلاف ما إذا وقفنا على زيد ومحمد في ضرب زيد ~~محمدا، فقد بان أن تمثيله بهذه الآية مضاهيا بضرب زيد محمد غير صحيح، وأن ~~أحد المثالين لا يشابه الآخر. ### | 9- # قال المصنف: "وكل خماسي يحذف منه في التصغير حرف، سواء كان في الكلمة حرف ~~زائد أو لم يكن، مثال الزائد منطلق تصغيره مطيلق، فإن كان في الكلمة حرفان ~~زائدان استبقيت الميم لأنها زيدت لمعنى وأسقطت النون لأنها زيدت لغير معنى، ~~ومثال الأصول جحمرش تصغيره جحيمر"2. # أقول: هذه القضية على إطلاقها غير صحيحة، فإنهم قالوا في تصغير حمراء ~~ونحوها حميراء، وهي خماسية، ولم يسقطوا شيئا، وكذلك لفظة أجمال3 صغروها ~~فقالوا أجيمال، فهذه الخماسيات ما أسقطوا منها شيئا، ولا تصرفوا فيها بشيء ~~سوى ياء التصغير فقط، ومن الخماسيات ما تصرفوا فيه نوع تصرف، PageV04P042 # ولم يسقطوا منه شيئا، نحو ميزان فإنهم قالوا مويزين، فأبدلوا ولم يسقطوا، ~~وبالجملة فقوله كل خماسي لا بد أن يسقط بعض حروفه قول غير صحيح. ### | 10- # قال المصنف: "وقد غلط أبو نواس فيما لا يغلط فيه مثله حيث قال: # كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء على أرض من الذهب1 # فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف اللام منها إلا إذا أضيفت، وإنما يحذفان من ~~فعلى التي لا أفعل لها، نحو حبلى"2. # أقول إنا لا ننكر ms006 أن كثيرا من أئمة العربية طعن في هذا البيت، لكن كثيرا ~~منهم انتصر له، وقالوا قد وجدنا فعلى أفعل في غير موضع وإرادة بغير لام لا ~~مضافة، مثل دنيا في قول الراجز: # في سعي دنيا طال ما قد مدت # وقول الآخر "لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... " ومثلها أخرى، وقد جاء جلى في ~~قوله: # وإن دعوت إلى جلي ومكرمة ... ### | .......................... # 3 PageV04P043 # وقالوا: طوبى لك. # وفي البيت وجه، وهو أن يجعل من في قوله من فواقعها زائدة على مذهب أبي في ~~الحسن، زيادة من في الواجب، فإنه يذهب إلى ذلك1. # ويحتج بقوله تعالى: "فيها من برد" أي فيها برد، وعلى هذا يكون فعلى من ~~البيت مضافة، وقد وقع الاتفاق على جوازه. PageV04P044 ### | 11- # قال المصنف: "وقد غلط أبو تمام في قوله: # بالقائم الثامن المستخلف اطأدت ... قواعد الملك ممتدا لها الطول1 # والصواب اتطدت بالتاء؛ لأن التاء تبدل من الواو في موضعين: # أحدهما: مقيس عليه كهذا الموضع؛ لأنك إذا بنيت افتعل من الوعد قلت اتعد، ~~وهنا يجب أن يكون اتطد لأنه من وطد يطد، مثل وعد يعد" # أقول: قرأت بخط أبي زكريا رحمه الله: قال: العلماء: اشتقاق اطأدت من ~~الطود، وهو الجبل بني على افتعلت من ذلك، فقيل اطادت لينا غير مهموز لأن ~~تاء الافتعال إذا كان بعدها تاء قلبت ألفا، ثم همزها في الشعر للضرورة. ### | 12- # قال المصنف: "وقد لحن أبو نواس في أمر ظاهر، فقال لمحمد بن الأمين: # يا خير من كان ومن يكون ... إلا النبي الطاهر الميمون2 # فرفع بعد الاستثناء من الموجب". # أقول إن أبا نواس يستعمل في شعره مذهب الكوفيين كثيرا، وهذا من جملة ~~مذاهبهم، وقد قال: PageV04P045 # لمن طلل عافى المحل دفين ... "عفا عهده إلا خوالد جون1" # فابتدأ بقوله خوالد جون، وحذف الخبر وتقديره فإن الأمين لا يفضله. على أن ~~الناس من رواه "إلا النبي الطاهر الميمون" فنصب اللفظتين الأوليين على ~~الاستثناء من الموجب ونعته، ورفع الميمون على حذف المبتدأ، تقديره هو ~~الميمون، ويجوز في الوصف إذا كرر أن يتبع وأن يستأنف. ### | 13- # قال المصنف: ms007 "وقد خفي على أبي الطيب المتنبي أمر ظاهر، فقال يصف ناقة: # وتكرمت ركباتها عن مبرك ... تقعان فيه وليس مسكا أذ فرا # فجمع في حال التثنية فقال ركباتها عن مبرك تقعان فيه وليس للناقة إلا ~~ركبتان"2. # أقول إن هذا من اتساع العرب ومذاهبها غير بعيد، كقولهم: امرأة ذات أوراك، ~~وركان، وقال الشاعر: # ولا رهل لباته وبآدله3 وقد جاء مثله في حكم داود وسليمان في الغنم التي ~~نفشث في الحرث وكنا لحكمهم شاهدين. PageV04P046 ### | 14- # قال المصنف: "فأما الإدغام فلا حاجة إليه لكاتب، لكن الشاعر ربما احتاج ~~إليه؛ لأنه قد يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف أو فك أو إدغام من أجل ~~إقامة الميزان الشعري". # أقول إن المعرفة بأبواب الإدغام ومباحثه كما يحتاج إليه الشاعر لإقامة ~~الميزان الشعري قد يحتاج إليه الكاتب للقرينة، وقد يصيب فيه وقد يخطئ. # مثال الخطأ نقول: "وأخلص بعدما نافق، وأصحب بعدما شاقق" فقد دعته القرينة ~~إلى أن أخطأن في فك الإدغام في موضع لا يجوز فكه فيه. # ومثال الصواب أن يقال أولاهم بالإحسان من لم يغش ولم يمارق ولم يشق عصا ~~ولم يشاقق. ### | 15- # قال المصنف: "والأسماء المترادفة هي التي يتحد فيها المسمى وتختلف أسماؤه ~~كالخمر والرح والمدام، فإن المسمى بها شيء واحد، والأسماء كثيرة1. # أقول: هذا الموضع من أمثال الغلطات التي نبه عليها المنطقيون، فقالوا قد ~~يظن في كثير من الأسماء أنها مترادفة، وهي في الحقيقة متباينة، كالسيف ~~والصارم والمهند موضوع للمنسوب إلى الهند، فكل واحد من هذه المعاني ~~PageV04P047 # مباين للآخر فالأسماء الموضوعة لها متباينة في الحقيقة، وإن ظن في الظاهر ~~أنها متردافة. # وكذا ما مثل به هذا المصنف، فإن الخمر اسم موضوع لهذا الشراب المخصوص، ~~وإن كان مشتقا غير مرتجل، والراح اسم لما ترتاح النفس إليه، والمدام اسم ~~لما يدام استعماله، كأنه أديم يدام فالمعاني متبانية لا محالة، وإن توهم في ~~الظاهر أنها مترادفة. ### | 16- # قال المصنف: "والأسماء المشتركة هي التي تتحد، وتختلف مسمياتها كالعين"1. # أقول ينبغي أن تزاد في ذلك زيادة فيقال هي التي وضعت لها وضعا ms008 أولا، ~~ويكون ذلك احترازا عما يدل على شيء بالحقيقة وعلى غيره بالمجاز فإنه متحد ~~تختلف مسمياته، ولا يسمى مشتركا. ### | 17- # قال المصنف: من الناس من منع وقوع اللفظ المشترك بمعنى أنه لا يكون حقيقة ~~في مسميين، بل يكون مجازا في أحدهما، واحتج بأن ذلك مخل بفائدة وضع اللغة؛ ~~لأن مقصود الواضع الإفهام والإبانة والاشتراك يخل بذلك. PageV04P048 # ثم أجاب فقال: لا نسلم أن مقصود الواضع هو البيان فقط، بل البيان ~~والتجنيس، فالبيان يحصل بالألفاظ المتباينة التي هي كافية في الإفهام، وأما ~~التجنيس فإنه مهم في هذه اللغة؛ لأنه عمدة الفصاحة والبلاغة، ولا يقوم به ~~إلا الأسماء المشتركة، وهي وإن أخلت بفائدة البيان إلا أنه إخلال يمكن ~~استدراكه بالقرينة الدالة على المراد من اللفظ المشترك، والإخلال بوضع ~~الألفاظ المشتركة تسقط به الفصاحة والبلاغة ورونقها، ولا استدراك له بحال، ~~فكان وضع الألفاظ المشتركة متعينا1. # أقول: لا نسلم أنه بتقدير عدم الألفاظ المشتركة يذهب التجنيس من الكلام، ~~ولا يزول رونقه وبهاؤه كما زعم هذا الرجل، وبيانه أن التجنيس يحصل بتشابه ~~لفظتين في الحروف الأصلية، وإن كانت في إحداهما زوائد ليست في الأخرى، ~~مثاله أبي تمام: # متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل2 # وقوله: # تطل الطولول الدمع من كل موقف # وقوله: # منازل لم يخف الربيع ربوعها PageV04P049 # فذهلية منسوبة إلى ذهل اسم رجل، وذاهل فاعل ذهل عن الأمر يذهل. ويطل ~~الطلول كذلك؛ لأن يطل مضارع أطل دمه أي أهدره، والطلول جمع طلل وهو ما شخص ~~من آثار الديار. وكذلك الربيع وهو العشب والربوع جمع ربع وهو المنزل، فهذه ~~كلها تتضمن التجنيس، وليست من المشتركات؛ لأنها ليست متماثلتين دالتين على ~~مسميين مختلفين، كلفظة العين. # وأكثر التجنيس في الشعر والرسائل مثل هذا، ولا يستعمل فيه التجنيس ~~بالمشترك إلا في النادر أيضا، فلو كان كل تجنيس في الذهن بالمشترك فقط لم ~~يكن ذلك من المقصودات الأصلية التي تقتضي وضع المشترك مع ما فيه من تردد ~~فهم السامع وعدم معرفته، فإن محذور ذلك أعظم من تزويق اللفظ بالمشتركات، ~~خصوصا ويمكن استدراك غير ms009 اللفظ بغير التجنيس، كالمطابقة والمقابلة وغيرهما ~~من أنواع البديع. # والعجب من قول هذا الرجل إن عدم التجنيس يذهب حسن الكلام، وقوله إن واضع ~~اللغة نظر إلى ما تحتاج إليه الفصاحة والبلاغة، فوجد من مهمات ذلك التجنيس ~~الذي لا يقوم إلا بالأسماء المشتركة، وهو يرى القرآن عاريا عن التجنيس، وهو ~~أحسن الكلام وأفصحه وأبلغه، كما قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث} 1. # وليت شعري كيف تحتاج البلاغة إلى التجنيس؟ أتراه يعلم ما البلاغة؟ ~~PageV04P050 # ألم يسمع كلام عبد الحميد بن يحيى1 وابن المقفع2 ومن جاء بعدهما من ~~الكتاب، ومن كان قبلهما من فصحاء العرب الذين كلامهم محض البلاغة؟ فهل ترى ~~لأحد منهم تجنيسا في كلامه، اللهم إلا أن يقع ذلك اتفاقا غير مقصود قصده؟ ### | 18- # قال المصنف: وقد استعمل المشترك في الكلام العزيز قال سبحانه: {ويوم تقوم ~~الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} 3 فالساعة الأولى هي القيامة ~~والساعة الثانية هي هذا المقدار المخصوص من الزمان4. # أقول لذاهب أن يذهب إلى أن الساعة في الموضعين بمعنى واحد، وهو هذا ~~المقدار المعين من الزمان، وسميت القيامة ساعة لما يجري فيها من الأهوال ~~والأمور الشاقة، وهذه عادتهم إذا استعظموا أمرا يقع في زمان مخصوص اكتفوا ~~بذكر ذلك الزمان في الدلالة عليه، كقولهم يوم الجمل5 ويوم ذي قار6 وليلة ~~الهرير7 وقوله سبحانه: {هذا يومكم الذي كنتم PageV04P051 # توعدون} 1 ولم يقل أحد إن لفظة يوم مشتركة، وأنها في هذا الموضع بمعنى ~~القيامة وفي غيره بمعنى هذا الزمان المخصوص، وعلى هذا يكون معنى قوله تقوم ~~الساعة أن تحضر الساعة التي وعدوا بالمجازاة فيها، فلا تكون اللفظة مشتركة ~~كما زعمه هذا المصنف، أو يكون مجازا في القيامة حقيقة في الوقت المخصوص، ~~فلا يتم أيضا ما يريده من الاشتراك. # ويؤكد بطلان الاشتراك أن العرب لم تكن تعرف القيامة فيضعوا لها لفظة ~~الساعة، كما وضعوا لفظة الفرس لهذا الحيوان المخصوص، اللهم إلا أن يقال ~~إنها حقيقة شرعية، فيكون ذلك تسليما لما يقوله المعترض؛ لأن الحقيقة ~~الشرعية مجاز حقيقي في أصل الوضع. ms010 ### | 19- # قال المصنف: وقد تعسف قوم وأجابوا عن شبهة الاشتراك في اللغة فقالوا: ~~الأسماء المشتركة إنما وضعتها قبائل مختلفة لا واضع واحد. قال: وهذا باطل؛ ~~لأنه قد ورد الجموع ما يقع على مسميين مختلفين مثل كعاب جمع كعب وجمع ~~الكعبة لهذه البنية المخصوصة، وقد ورد لفظ لمفرد وجمع لغيره على وزنه، مثل ~~الراح اسم الخمر، وجمع راحة وهي راحة الكف، ومثل عقاب للعقوبة وجمع عقبة، ~~ونظائر هذا كثيرة2. # أقول لصاحب هذا الجواب أن يقول إن هذه الجموع أيضا وضعتها قبائل مختلفون، ~~فوضع بنو تميم مثل الكعاب جمع كعبة، وكذلك ما جاء مثل الراح المفرد بمسمى ~~والراح الجمع لمسمى آخر يجوز أن يكون ورد عن قبيلتين كل واحدة منهما وضعت ~~اللفظة بمسمى غير ما وضعته القبيلة الأخرى له، PageV04P052 # فالقدر الأول عن وقوع الاشتراك في اللغة مطرد فيما ظن هذا المصنف أنه لا ~~يمكن اطراده فيه حذو النعل بالنعل. ### | 20- # قال المصنف: "وحد المثل هو القول الوجيز المرسل ليعمل عليه"1. # هذا باطل بقوله تعالى: {أقيموا الصلاة} 2 فإنه قول وجيز أرسل ليعمل عليه، ~~وليس بمثل، وأيضا فإن أراد بقوله ليعمل عليه أي ليعمل بموجب ما فيه من ~~الاقتضاء والطلب، فهذا باطل بأكثر الأمثال، نحو قولهم: هو أفعل من كذا. # وإن أراد بقوله ليعمل عليه أن يستعمل في الموضع اللائق، فكل بيت شعر من ~~أشعار الجاهلية والمحدثين قول وجيز مرسل يستعمل في موضع يليق به، وذلك ~~يقتضي أن يكون الشعر كله أمثالا، ولم يقل بذلك قائل. # والصحيح أن يقال المثل يطلق على نوعين: أحدهما ما قصد به المبالغة بلفظه ~~أفعل، كقولهم: أشغل من ذات النحيين3، والثاني كل كلام وجيز منثور أو منظوم ~~قيل وفي واقعة مخصوصه تضمن معنى وحكمة، وقد تهيأ بتضمنه ذلك لأن يستشهد به ~~في نظائر تلك الواقعة. ### | 21- # قال المصنف: وقد كتبت كتابا لمن اقترحه علي أذكر فيه فتح مصر معارضا ~~لكتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني في المعنى فقلت فيه. "ومن ~~PageV04P053 # جملتها ما فعله الخادم في الدولة المصرية، وقد قام بها ms011 منبر وسرير، وقالت ~~منا أمير ومنكم أمير، فرد الدعوة العباسية إلى معادها، وأذكر المنابر ما ~~نسبته بها من زهو أعوادها، ولم يعدها إلى وطنها حتى تغربت لها الأرواح عن ~~أوطانها، وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها". # قال فانظر إلى كيف أتيت فيه بكلام الحباب بن المنذر الأنصاري1 حيث قال ~~يوم السقيفة للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير والقصة مشهورة فقال أبو بكر: ~~بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء قال: وهذا نكتة هذا الفتح التي عليها المعول، ~~ومركزه الذي عليه يدور. # وعجيب من عبد الرحيم بن علي البيساني مع تقدمه في فن الكتابة كيف فاته أن ~~يأتي به في كتابه2. # أقول إن القاضي الجليل الفاضل النبيل أبا علي عبد الرحيم كان موقفا حيث ~~لم يذكر ما ذكره هذا الرجل وأعجب به، وذلك أن الحباب بن المنذر والأنصار ~~راموا أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، وملوك الدولة PageV04P054 # الطالبية1 بمصر لم يقتصروا على أن يكون منهم خليفة ومن الأئمة العباسية ~~خليفة، بل كانوا يدعون أن الخلافة ليست إلا لهم خاصة، دون غيرهم، وما زالت ~~الحرب بين الفريقين قائمة، والمنهج سائمة على ذلك، ولو لم يكن إلا ما جرى ~~في الأيام القائمة لكفى. فكيف كان القاضي الفاضل على جلالته ممن يذهب عليه ~~هذا، ويشبه واقعتهم بواقعة الأنصار، ويورد كلام الحباب ابن المنذر ويشوه ~~وجه رسالته الحسناء به؟ وإنما ترصع الرسالة بالوقائع والأيام المشهورة إذا ~~كانت مطابقة للحال الحاضرة، لا إذا كانت مخالفة لها، فأما الكلام المنثور ~~الذي أنشأه في هذا فليس من جيد قوله، وفيه مالا يجوز، وإن جاز فهو على ضعف ~~شديد وتكلف عظيم. فمن ذلك قوله: "واذكر المنابر ما نسيته بها عن زهو ~~أعوادها" فإن الباء في بهالا محالة متعلقة بزهو، وإلا لم يبق للكلام معنى، ~~وحينئذ التقدير "وأذكر المنابر ما نسبته من زهو أعواد بها" وحرف الجر إذا ~~تعلق بالمصدر صار من صلته، فلا يجوز تقديمه عليه إلا على تأويل بعيد، وهو ~~أن يقدر مثله شيء قد دل عليه المصدر ms012 المتأخر، وهو في هذا الموضع متعذر ~~التقدير أو مستهجن التقدير. # ومن ذلك قوله: "وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها" فقوله سهر ~~العيون عن أجفانها كلام بارد، لأن العيون لا تسهر عن الأجفان، وما سمعنا من ~~نثر ولا نظم سهرت عيني عن جفني. ولا شبهة أنه أراد وسهرت لها أجفان السيوف ~~سهر أجفان العيون، فلم يستوسق2 له ذلك، فأتى بلفظ إما ألا يكون صحيحا أصلا، ~~أو يحتاج في تصحيحه إلى تعب شديد، ليس تحت اللفظ من المعنى الغريب ما يساوي ~~ذلك التعب. PageV04P055 ### | 22- # قال المصنف: وإنما قصدنا أن يكون الكتاب "الذي يكتب" في هذا المعنى ~~مشتملا على الترغيب والترهيب والمسامحة في موضع والمحاققة في موضع1. # أقول قد ظهرت فائدة علم الإدغام في باب الكتابة كما قدمناه، فإن الكاتب ~~أراد أن يوازن لفظة المسامحة بلفظة المحاققة، وسها عن أن المحاققة بفك ~~الإدغام غير جائزة. ### | 23- # قال المصنف: اللفظ قد يتأول في المعنى وضده، وقد يتأول على المعنى وغيره ~~الذي ليس يضد. والأول أغرب وأظرف. فمما جاء منه قوله عليه السلام: "صلاة في ~~مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام". # قال فهذا الحديث يستخرج منه معنيان ضدان: أحدهما أن المسجد الحرم أفضل من ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر أن مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أفضل من المسجد الحرام، إلا أن صلاة واحدة فيه لا تفضل ألف صلاة ~~في المسجد الحرام، بل تفضل ما دونها بخلاف المساجد الباقية، فإن ألف صلاة ~~فيه تقصر عن صلاة واحدة فيه2. # أقول: هذا الحديث لا يدل على أن المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا على أن مسجد رسول الله أفضل من المسجد الحرام، ~~وليس الأمر كما توهمه هذا الرجل، وإنما يدل على أن حكم المسجد الحرام مخالف ~~لهذا الحكم الذي قد حكم به صلى الله عليه وسلم في حق مسجده وباقي المساجد؛ ~~لأن تقدير الكلام كل مسجد في الأرض إذا صلى ms013 فيه ألف صلاة فهي في الفضيلة ~~دون الصلاة الواحدة في مسجدي، واستثنى من هذا الحكم PageV04P056 # المسجد الحرام فدل في المطابقة على أن المسجد الحرام يخالف باقي المساجد ~~في هذا الحكم. # هذا هو الذي يدل عليه هذا اللفظ فقط، ولا يدل على شيء آخر، لا أفضلية ~~مسجده على المسجد الحرام، ولا أفضلية المسجد الحرام على مسجده. # لكن هذه المخالفة تحتمل أمورا، منها أن يكون مسجده عليه السلام لا تفضل ~~الصلاة الواحدة فيه ألف صلاة في المسجد الحرام، بل تفضل تسعمائة صلاة أو ~~ثمانمائة صلاة مثلا. # ومنها أن يكون مسجده صلى الله عليه وسلم تفضل الصلاة الواحدة فيه صلاة ~~واحدة في المسجد الحرام، لا فرق بينهما. # ومنهما أن تكون الصلاة الواحدة في المسجد الحرام أفضل من صلاة كثيرة في ~~مسجده، إما ألف صلاة أو أقل منها أو أكثر، ومراتب ذلك غير متناهية ولا ~~معلومة، فهذه الاحتمالات كلها تدخل تحت المخالفة التي دل الاستثناء عليها. # فقد ظهر أنه لم يصب في قوله إن هذا الحديث يمكن أن يستخرج منه معنيان ~~ضدان، هما أفضلية مسجده عليه السلام، للمسجد الحرام، والآخر أفضلية المسجد ~~الحرام لمسجده عليه السلام؛ لأنا قد بينا أن الحديث إنما يدل على أن حكم ~~المسجد الحرام مخالف لما قد حكم به في حق مسجده وبقية المساجد، ولا يدل لى ~~شيء آخر لا في هذا ولا في ذاك، لكن المخالفة المدلول عليها يمكن انقسامها ~~إلى أفضلية كل واحد منهما، وإلى تساويهما أيضا. # PageV04P057 # فالحاصل أن الحديث ما دل على شيئين ضدين كما ذكره صلى الله عليه وسلم، ~~وإن سلم له أنه قد دل فإنه يدل أيضا على المساواة، وهي أمر ثالث، قصدت ~~أيضا، وهي شيء غير أفضلية كل واحد منهما، وذلك لم يذكره المصنف، فقد ظهر أن ~~الذي ذكر مستدرك على كلا التقديرين: ### | 24- # قال المصنف: وقد قال أبو الطيب المتنبي: # وأظلم أهل الظلم منبات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب # قال: هذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان، أحدهما أن المنعم عليه يحسد ~~المنعم، والآخر ms014 "أن المنعم يحسد" المنعم عليه1. # أقول أما أولا فإن هذين المعنيين ليسا بضدين، لأنه يجوز اجتماعهما معا، ~~فيكون زيد قد أنعم على عمرو، ثم حسده، وعمرو يحسده أيضا، فيكون المنعم ~~والمنعم عليه كل واحد منهما يحسد صاحبه، فقد بطل التضاد الذي ذكره، ووجب ~~دخول هذا البيت في القسم الأول الآخر، وهو أن تتأول اللفظ على المعنى وغيره ~~لا على المعنى وضده، وأيضا فإن لفظة البيت تشعر بأنه أراد أن المنعم عليه ~~يحسد المنعم، وكذلك سياق الشعر، أم الفظ البيت فلأنه سماه ظالما وقال إنه ~~أظلم الظالمين، ولا شبهة أن من أنعم عليه بنعمة فحسد من أنعم بها عليه وود ~~زوال نعمته، وانتقالها إليه، فإنه يكون قد كافأ الإحسان بالإساءة، وكان ~~ظالما. فإذا أنعم إنسان على غيره ثم حسد ذلك الغير فإنه PageV04P058 # لا يسمى ظالما؛ لأنه لم يكافئ الإحسان بالإساءة. نعم قد يسمى بخيلا كما ~~قال ابن هانئ: # وهب الدهر نفيسا فاسترد ... ربما جاد بخيل فحسد1 # وأما سياق البيت فإن هذا المصنف ذكر في بيت أبي الطيب وهو: # فإن نلت ما أملت منك فربما ... شربت بماء يعجز الطير ورده2 # أنه ليس مترددا بين المدح والذم كما قد توهمه قوم؛ لأن سياق الشعر يقتضي ~~أنه أراد المدح لا الذم، وإذا كان كذلك فسياق هذا الشعر يقتضي أنه أراد أن ~~المنعم عليه يحسد المنعم؛ لأنه قال: # تريد بك الحساد ما الله دافع ... وسمر العوالي والحديد المذرب # إذا طلبوا جدواك أعطوا وحكموا ... وإن طلبوا الفضل الذي فيك خيبوا # ولو جاز أن تعطي علاك وهبتها ... ولكن من الأشياء ما ليس يوهب # وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب3 # فهذا يدل على أن الممدوح يعطي هؤلاء وهم يحسدونه، وإذا كانت السياقة تدل ~~على أنه أراد هذا المعنى خرج من كونه دالا على معنيين ضدين كما حكم به في ~~البيت المتقدم. PageV04P059 ### | 25- # قال المصنف: وقد قال أبو الطيب أيضا في كافور: # فما لك تعني بالأسنة والقنا ... وجدك طعان بغير سنان # ومالك تختار القسي وإنما ms015 ... عن السعد يرمي دونك الملوان1 # فإن هذا يحتمل المدح والذم، بل هو بالذم أشبه؛ لأنه يقول إنك لم تبلغ ما ~~بلغته بسعيك واهتمامك، بل بجد وسعادة، وهذا لا فضل فيه؛ لأن السعادة ينالها ~~الخامل والجاهل ومن لا يستحقها. قال: وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا الفن ~~في القصائد الكافوريات2. # أقول إن الناس واقع لهم واقع ظريف مع المتنبي في هذا الباب، وكان أصله ~~الشيخ أبو الفتح عثمان بن جني3 رحمه الله، فإنه نبه المتنبي، ولم يكن ذلك ~~لبغضه لكافور وحنقه عليه، فصار فيه حديث طويل. # وزعم من جاء بعده أن المتنبي كان يقصد ذلك ويتعمده ويمدحه بالشعر الموجه ~~الذي يحتمل المدح والذم. # ومنهم من يزعم أن كافورا كان يتفطن لذلك، ويغضي عنه، وينقلون هذا عن ~~المتنبي، وما كان ذلك قط ولا وقع شيء منه، ولا قصد أبو الطيب نحو ذلك أصلا. ~~PageV04P060 # فأما هذا الشيئان فقد قال في سيف الدولة أبي الحسن1 مثلهما كثيرا، نحو ~~قوله له: # ولقد رمت بالسعادة بعضا ... من نفوس العدا فأدركت كلا2 # وقوله له: # إذا سعت الأعداء في كيد مجده ... سعى جده في كيدهم سعى محنق3 # وهذه الرواية الأولى من رواية من روى "سعى مجده في جده" لأن قوله بعدها: # وما ينصر الفضل المبين على العدا ... إذا لم يكن فضل السعيد الموفق يؤكد ~~ما ذكرناه # ونحو قوله له: # لو لم تكن تجري على أسيافهم ... مهجاتهم لجرت على إقباله4 # ونحو قوله له: # هم يطلبون فمن أدركوا ... وهم يكذبون فمن يقبل PageV04P061 # وهم يتمنون ما يشتهون ... ومن دونه جدك المقبل1 # وقد قال لعضد الدولة أبي شجاع وهو أعظم ملكا من سيف الدولة أبي الحسن ~~وأشد بأسا، وأكثر انتقادا للشعر، وهو يذكر هزيمته "وهشوذان" هو بعيد عن ~~عسكر لدولة أبيه: # وليت يومي فناء عسكره ... ولم تكن دانيا ولا شاه # ولم يغب غائب خليفته ... جيش أبيه وجده الصاعد2 # وقال له في هذه القصيدة وقد صرح بأنه يقهر الأعداء بالجد فقط: # إن كان لم يعمد الأمير لما ... لقيت منه فيمنه عامد # فلا يبل ms016 قاتل أعاديه ... أقائما نال ذاك أم قاعد3 # وقال له في قصيدة الوداع: # وأيا شئت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا PageV04P062 # يشرد يمن فنا خسر عني ... قنا الأعداء والطعن الدراكا1 # وقال لغيره من ممدوحيه: # نفذ القضاء بما أردت كأنه ... لكل كلما أزمعت شيئا أزمعا # وأطاعك الدهر العصى كأنه ... عبد إذا ناديت لي مسرعا2 # ولكن سيف الدولة لما اشتهر إخلاص أبي الطيب في ولائه عدل الناس عن هذا ~~الشعر الذي يتضمن ذكر الجد والحظ، فلم يذكروه، ولم يجعلوه موجها متوسطا بين ~~المدح والذم، وقالوا ذلك في كافورا لما حدث تغيره مع أبي الطيب، وانحراف كل ~~واحد منهما عن صاحبه، ومجاهرة أبي الطيب له بعد مفارقته بالهجاء. # ولو تأملت الأشعار كلها وأردت أن تستنبط منها ما يمكن أن يكون هجاء ~~لقدرت. # هذا السيد الحميري من الشيعة العلوية3، لا يختلف في ذاك اثنان ~~PageV04P063 # وقال أبو عمرو الجاحظ في كتاب الياقوتة إن بعض الشيعة أنشد أبا مخلد قول ~~السيد: # أقسم بالله وآلائه ... المرء عما قال مسئول # أن علي بن أبي طالب ... على الهدى والمبر مجبول # وأنه كان الإمام الذي ... له على الأمة تفضيل # كان إذا الحرب مرتها القنا ... وأحجمت عنها البهاليل # يمشي إلى الروع وفي كفه ... أبيض ماضي الحد مصقول # مشى العفرني بين أشباله ... أضجره للقنص الغيل1 # ذاك الذي سلم في ليله ... عليه ميكال وجبريل # ميكال في الألف وجبريل في ... ألف ويتلوهم إسرافيل # في يوم بدر بددا كلهم ... كأنهم طير أبابيل2 # تقال أبو مخلد في هذا: إن الشاعر لم يمدح صاحبك، وإنما هجاه في موضعين: ~~أحدهما أنه زعم أن عليا مجبول على البر والهدى، ومن جبل على أمر لم يمدح ~~عليه؛ لأنه لم يكتسبه بسعيه. # والثاني: أنه زعم أنه أيد في حروبه بالملائكة، ولا فضيلة له إذا في ~~الظفر؛ لأن أباحية النميري3، لو أيده هؤلاء لقهر الأعداء وغلبهم. ~~PageV04P064 # واعلم أن الشعراء ما زالت على قديم الدهر وحديثه يمدحون الرئيس بعلو جده، ~~ومساعدة الأقدار له، ومطاوعة الأفلاك والكواكب والدهر لإرادته. وأقوالهم في ~~هذا أكثر ms017 من أن تورد وتحكى، وإن كان الأصل في إكثارهم من ذلك أن يهدوا ~~"إلى" أسماع أعداء الممدوح وخصومه، ويوقروا في صدورهم، ويثبتوا في نفوسهم ~~أنه منصور من السماء، وأنه محاط بالعناية الإلهية، وأن الكواكب تساعده ~~والأفضلية والأقدار تجري على مراده، فيوقعوا الرعب منه في الصدور، والخوف ~~في القلوب، إلى أن ينخذل من يناوئه من غير حرب ولا كيد. # وقد روي أن ملك الصين عرض عسكره إلى الإسكندر فاستعظمه، ورأى ما هاله، ~~فقال: قد كنت قادرا على أن أصادمك بهذه العساكر العظيمة، لكني رأيت الأفلاك ~~ناصرة لك، فرأيت ألا أحارب من تنصره. ثم أعطاه الطاعة، ودفع إليه الإتاوة. ### | 26- # قال المصنف: فأما ما يدل على الشيء وغيره، لا على شيء وضده، فمثل قوله ~~تعالى في قصة إبراهيم وولده: {فبشرناه بغلام حليم، فلما بلغ معه السعي قال ~~يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك} 1 إلى قوله: {وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين} 1 قال: فقوله فبشرناه بإسحاق يحتمل أن يكون استئنافا لذكر إسحاق ~~بعد ذكر الغلام الحليم صاحب القصة الذي هو إسماعيل. ويحتمل أن يكون قوله ~~وبشرناه بإسحاق بنبوته بعد البشارة بميلاده، أو يكون قوله فبشرناه بغلام ~~حليم إشارة إلى إسحاق وهو بشرى الولادة فقط، وقوله: وبشرناه PageV04P065 # بإسحاق نبيا بشرى النبوة، ويكون هو صاحب القصة لا غير1. # أقول هذا القسم بأن يجعل في جملة القسم الأول وهو ما يدل على الشيء وضده ~~أليق؛ لأن هذه الآية تجاذ بها حتما؛ لأنه يستحيل الجمع بينهما؛ لأن الناس ~~مجمعون على أن أحدهما هو الذبيح لا كلاهما، فكل واحد من القولين يناقض ~~الآخر ويضاده، فتكون الآية من باب ما يمكن استخراج أمرين متنافيين منه، فلا ~~وجه لإدخالها في هذا القسم، ولا هي من صوره إن صح أن هذين الاحتمالين ~~يتجاذبانها على السواء. # والصحيح أن حملها على أن الذبيح هو إسماعيل أرجح وأظهر من حملها على أنه ~~إسحاق، لأن الظاهر يقتضي البشارة بمولد إسحاق لا بنبوته؛ لأنه إذا قيل قد ~~بشر عمران بموسى تبادرت الأفهام إلى البشارة ms018 بمولده، ولأنه عطف على قوله: ~~{رب هب لي من الصالحين، فبشرناه بغلام حليم} ثم قال: {وبشرناه بإسحاق} فهذه ~~البشارة هي مثل تلك البشارة الثانية وكلاهما بالولد، ولأنه لو كان صاحب ~~القصة هو إسحاق والمراد بالبشارة2 البشارة بنبوته لقال وبشرناه به نبيا من ~~الصالحين؛ لأن قبله ضمائر كثيرة ترجع إليه، فلو كان هو المراد لأتى بالضمير ~~كالضمائر المتقدمة. ### | 27- # قال المصنف: ومن هذا القسم أيضا ما يحكى أن الحرورية ظفرت برجل فقالت له: ~~ابدأ من علي وعثمان. PageV04P066 # فقال أنا من علي وعثمان بريء. فهذا يدل على معنيين: أحدهما أنه برئ من ~~عثمان وحده، والآخر أنه برئ منهما معا، ولكن الرجل لم يرد "إلا" الوجه ~~"الأول"1. # والرواية أنا من علي، ومن عثمان برئ بإثبات من الثانية، وهو الصحيح، ~~لأنها لو حذفت لعطف بالواو على عاملين، وهو غير جائز، بل التقدير أنا من ~~أصحابه، وأنا من عثمان برئ، ولم أجد لفظة من في النسخة التي وقفت عليها ~~بهذا الكتاب، ولعل الناسخ قد أوهم. # وأيضا فإن هذه الحكاية بأن تلحق بالقسم الأول أولى، لأنه قد استخرج منها ~~معنيان متضادان: أحدهما البراءة من عثمان والاتباع له، والثاني البراءة من ~~علي وعثمان، ولا أرى أن أحد هذين القسمين مناف للآخر، فهو بالقسم الأول ~~أشبه. ### | 28- # قال المصنف: ومن هذا ما يحكى أن عبد المسيح بن بقيلة دخل على خالد بن ~~الوليد بالحيرة، فقال له خالد: من أين أقصي أثرك؟ قال من ظهر أبي. قال: من ~~أين خرجت؟ قال: من بطن آمي. قال: علام أنت؟ قال. على الأرض. قال فيم أتيت؟ ~~قال: في ثيابي. قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد. قال: وهذا من توجيه ~~الكلام على نمط حسن، وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأل، ويصلح أن يكون ~~جوابا لغيره مما ذكره عبد المسيح2. PageV04P067 # أقول إن اللفظ الذي يحمل على المعنى وغيره في هذه الحكاية هو ألفاظ خالد ~~علام أنت؟ يحتمل أن يريد به على أي حال أنت، أوعلى أي دين، أو على أي عزم، ~~ويحتمل ms019 أن يريد به على أي مكان أنت، وكذا بقية الألفاظ، فعبد المسيح ترك ما ~~علم أنه غرض خالد، وعدل إلى المحمل الآخر الذي يعلم أنه ليس بغرضه، فقول ~~المصنف "هذا من توجيه الكلام على نمط حسن وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد" هو ~~إشارة بغير شك إلى أن ألفاظ عبد المسيح ليست موجهة، بل الموجه ألفاظ خالد، ~~لأنها هي المحتملة الأمرين، فقد بان أن قول المصنف أن ألفاظ عبد المسيح ~~موجهة ليس بصحيح، وأيضا فقوله: "هو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأل، ~~ويصلح أن يكون جوابا لغيره" غير صحيح أيضا؛ لأن هذه الأجوبة لا تصلح أن ~~تكون أجوبة لخالد؛ لأن خالدا سأل عن أمر، فأجاب عبد المسيح عن غيره، فالذي ~~قال عبد المسيح لا يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأله عنه، بخلاف ما قاله ~~هذا الرجل. ### | 29- # قال المصنف: وقد ورد في التوراة: لا تأكل الجدي بلبن أمه. وهذا التحريم ~~يحتمل وجهين: أحدهما ما دل عليه ظاهر اللفظ، وهو تحريم أكل الجدي بلبن أمه ~~خاصة، فإذا أكل بلبن غير "لبن" أمه جاز ولم يكن حراما، واليهود لا تقول ~~بذلك. والآخر أن كل شيء من اللحوم بكل شيء من اللبن حرام، وهو قول كافة ~~اليهود. الثاني الذي في التوراة لا تنضج الجدي بلبن أمه، أي لا تأكل1. # وهذه سواء كانت لا تنضج أو لا تأكل خارجة عن هذا القسم الذي PageV04P068 # قبله أيضا؛ لأنها دالة على إنضاج الجدي بلبن أمه، أو تحريم أكله بلبن ~~أمه، وليس منها ما يدل بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام على تحريم أكل ~~الجدي بغير لبن الأم، واليهود لا تحرم أكل اللحم باللبن بمجرد هذه الآية، ~~بل بنصوص أخرى نقلها فقهاؤهم عن نبيهم، فإدخال هذه الآية في باب الألفاظ ~~المترددة في المعاني المختلفة لا وجه له. ### | 30- # قال المصنف: ومما يجري على هذا النهج ما حكي عن أفلاطون1 أنه قال: ترك ~~الدواء دواء. فذهب بعض الأطباء إلى أنه أراد أنه إذا لطف المزاج وانتهى إلى ~~غاية فهو دواء، ms020 فتركه حينئذ والإضراب عنه دواء. # وذهب آخرون إلى أنه أراد بالترك الوضع، أي ترك وضع الدواء على الدواء ~~دواء، يشير بذلك إلى حذق الطبيب في وقت علاجه2. # أقول إن مراد الحكيم ليس واحدا من هذين التفسيرين، ومراده ظاهر، كقول ~~العامة دائما وهو أن ترك التداوي حيث لا حاجة إليه هو التداوي بعينه. وقد ~~شرح ذلك جالينوس3، فقال: الحمية في الصحة كالتخليط في المرض. فأما ~~التفسيران المذكوران فباردان جدا، وخصوصا الثاني منهما، فإنه بعيد أن يحمل ~~الكلام عليه. وليست الأدواء كلها PageV04P069 # مما يوضع الدواء على داء عارض في الأعضاء الظاهرة وسطح البشرة، وبالجملة ~~فهو تفسير ركيك لا يستحسن حمل كلام ذلك الحكيم الفاضل عليه. ### | 31- # قال المصنف: ومما ينخرط في هذا السلك قول أبي صخر الهذلي: # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر1 # قال: وهذا يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضي ~~الأوقات مدة الوصال، فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته الأولى في ~~السكون والبطء، والآخر أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالتمائم ~~والوشايات، فلما انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية2. # أقول: التفسير الثاني هو الصحيح، والأول غير صحيح، واللفظ لا يحتمله، وفي ~~البيت ما يمنع منه، بيان ذلك أنه قال: "بيني وبينها" وهذه اللفظة تمنع من ~~أن يريد سرعة تقضي الزمان أيام وصالنا. فإنها قرينة تحمل لفظة السعي على ~~السعاية والنميمة بالشر لا على السعي بمعنى الحركة والسير، ألا تراهم ~~يقولون سعى فلان بين فلان وفلان بالشر، أي ضرب بينهم، وحمل بعضهم على بعض، ~~ولا يقولون سعى بينهم من السعي بمعنى الحركة والسير، إلا أن يراد أنه كان ~~يتحرك ويسير بين قوم مفترقين في أماكن شتى، وليس PageV04P070 # هذا مقصود البيت، ولو أراد السعي بمعنى سرعة مرور الزمان لقال عجبت لسعي ~~الدهر أيام وصلنا أو ما يشبه ذلك، وبالجملة فساد المحمل الأول ظاهر عند من ~~له أدنى نقد للمعاني الشعرية. ### | 32- # قال المصنف: وليس كل من حمل ميزانا سمي صرافا، ms021 ولا كل من وزن به سمي ~~عرافا1. # أقول: العراف هو الكاهن، وليس الوزن من الكهانة ولا يناسها، ولو قال ولا ~~كل من تفرس أو من تكهن سمي عرافا كان أولى، اللهم إلا أن يريد ليس كل من ~~وزن بخاطره أي لمح ونقد سمي عرافا، فيجوز، لكنه تأويل بعيد، وخير الكناية ~~ما كان معناه جليا، ويحمد فيها من وضوح المعنى ما لا يحمد في كثير من ~~الشعر. ### | 33- # قال المصنف: والفرق بين الترجيح البياني والترجيح الفقهي أن هناك يرجح ~~بين دليلي الخصمين في حكم شرعي، وههنا يرجح بين جانبي فصاحة وبلاغة في ~~ألفاظ ومعان خطابية. # وبيان ذلك أن صاحب الترجيح الفقهي يرجح بين خبر الواحد مثلا وبين خبر ~~المتواتر، وبين المسند والمرسل2، أو ما جرى هذا المجرى، وهذا لا يتعرض له ~~صاحب علم البيان؛ لأنه ليس من شأنه، ولكن الذي من شأنه أن يرجح بين حقيقة ~~ومجاز، أو بين حقيقتين، أو بين مجازين، ويكون في ذلك كله ناظرا إلى الصناعة ~~الخطابية3. PageV04P071 # أقول إنه قال أطال هذا الفصل وأسهب بما لا ثمرة له إلا تسويد الكاغد، ~~وتضييع الزمان، فإن كل أحد يعلم أن الباب المعقود في هذا العلم للترجيحات ~~لا يكون متضمنا ترجيحات الفقهاء، ولا ترجيحات النحاة، ولا ترجيحات ~~الأصوليين، فأي حاجة له إلى أن يقص هذه القصص، ويطيل هذه الإطالة؟ ومن ~~العجب قوله "وبيان ذلك" وهذه لفظة تقال فيما يحتاج إلى بيان وبرهان. فأما ~~من قال إن مباحث النحاة مثلا في باب الصلة والموصول غير مباحث الفلاسفة في ~~ماهية الزمان والمكان، فإنه لا ينازعه في ذلك عاقل حتى يحتاج إلى أن يقول ~~"وبيان ذلك". ### | 34- # قال المصنف: والترجيح إنما يقع بين معنيين يدل عليهما لفظ واحد، ولا يخلو ~~الترجيح بينهما من ثلاثة أقسام: إما أن يكون اللفظ حقيقة في أحدهما مجازا ~~في الآخر، أو حقيقة فيهما معا، أو مجازا فيهما معا. # قال: والترجيح بين الحقيقتين أو بين المجازين يحتاج إلى نظر. # وأما الترجيح بين الحقيقة والمجاز فإنه يعلم بالبديهة لمكان الاختلاف ~~بينهما، والشيئان ms022 المختلفان يظهر الفرق بينهما، بخلاف الشيئين المتشابهين1. # أقول: الذي يعلم بالبديهة هو الفرق بين الحقيقة والمجاز لا الترجيح؛ لأنا ~~إذا علمنا في لفظ مستعمل في شعر أو خطابة أنه متردد بين مسميين وهو موضوع ~~لأحدهما وضعا أولا ومنقول إلى الآخر ثنايا فقد علمنا الفرق، وأما ترجيح أحد ~~المحملين على الآخر فإنه لا يعلم الترجيح بين محملين في لفظ واحد، وكلاهما ~~حقيقة أو كلاهما مجاز إلا بالنظر، ويدل على ذلك PageV04P072 # الآية التي قد أوردها بعد هذا الكلام بلا فصل، وهي قوله {شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم} فإن لفظة الجلود ها هنا مترددة عنده بين الجلود الحقيقية ~~وبين الفروج على سبيل المجاز، ويحتاج ترجيح أحد المحملين على الآخر إلى نظر ~~دقيق. ### | 35- # قال المصنف: وبيان الترجيح بين الحقيقة والمجاز قوله تعالى: {حتى إذا ما ~~جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون} 1 قال فالجلود ~~ههنا يمكن أن تكون هذه الجلود الحقيقية، ويمكن أن يراد بها الفروج مجازا، ~~لكن المانع البلاغي منع من حمل لفظ الجلود في هذا الموضع على حقيقتها، لما ~~فيه من لطف الكناية عن المكنى عنه. قال: ويمكن أن يستدل على ذلك من وجه آخر ~~استنباطا بأن يقال إما أن يراد بالجلود هذه الجلود المعروفة والجوارح التي ~~هي ذوات الأعمال، والأول باطل؛ لأن شهادة الجلود وهي غير قابلة شهادة بطلة؛ ~~لأن المراد الإقرار بأن تقول اليد أنا أخذت كذا، وتقول الرجل أنا مشيت إلى ~~كذا، وكذلك بقيت الجوارح، وهو باطل؛ لأنه قد دخل تحته السمع والبصر فلا ~~يكون لتخصيصها بالذكر فائدة، أو بعض الجوارح فيكون ذلك البعض هو الفروج؛ ~~لأن حمله عليها أولى من وجهين: # أحدهما: أن الجوارح قد ذكرت في القرآن شاهدة على صاحبها بالمعصية ما عدا ~~الفرج، فكان حمل الجلد عليه أولى ليستكمل ذكر جميع الأعضاء، والثاني: أنه ~~ليس في الجوارح ما يكره التصريح بذكره إلا الفرج، فكنى عنه بالجلد كراهية ~~لذكره. ثم سأل نفسه: لم لا يجوز أن يراد كل الجوارح PageV04P073 # ويكون ذكر السمع والبصر من ms023 باب التفضيل كقوله تعالى: {فاكهة ونخل ورمان} ~~1 وهما من الفاكهة؟ # وأجاب فقال: هذا الكلام يؤيد استدلالنا، لأن النخل والرمان إنما أفردا ~~بالذكر لفضيلتهما على الفاكهة، وليس السمع والبصر أفضل وأكثر وزرا من ~~غيرهما من الأعضاء في المعصية؛ لأن قصارى العصيان بهما إبصار محرم أو سماع ~~محرم، وكل ذلك لا يوجب الحد، وأما غيرهما من الأعضاء فيقع به الكبائر التي ~~توجب الحدود، فكان ينبغي أن تكون تلك الأعضاء هي المخصوصة بالذكر دون السمع ~~والبصر2. # هذا ملخص ما ذكره بعد حذف التطويلات. # أقول: أما الوجه الأول فليس بشيء؛ لأنه ما زاد على أن قال هذا مانع بلاغي ~~يمنع من حمل الجلود على حقيقتها، وأن تحمل على الفروج، وهذا ضعيف لأنه ~~بمنزلة قول من يقول إن الجلود في قوله تعالى: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم ~~جلودا غيرها} 3 بمعنى الفروج، وإن هذه الآية نزلت في الزناة، وكنى عن ~~الفروج بالجلود لأنها كناية لطيفة، وأيضا كان سبحانه قد ذكر ثلاثة أجزاء من ~~أجزاء بدن الإنسان، وهي السمع والبصر والجلد، وقال إنها تشهد عليهم، فلم ~~حمل الجلد على الفرج؟ لأجل أن الفرج يليق ألا بذكر تصريحا، ويحسن أن يكنى ~~عنه بغيره أولى من أن يحمل السمع والبصر على الفرج لهذه العلة، وإنما يتعين ~~حمل الجلد على الفرج إذا كان بين لفظتي PageV04P074 # الجلد والفرج أو معناهما مناسبة لا تحصل بين السمع والفرج ولا بين البصر ~~والفرج، ونحن لا نجد فرقا بين هذه الأجزاء الثلاثة، وكل واحد منها بعيد عن ~~الفرج لا مناسبة بينه وبينه، اللهم إلا أن يكون لأجل أن الجلد جزء من أجزاء ~~ماهية الفرج، فعبر عن الكل بالبعض، وهذا بعيد جدا. # فأما استدلاله له ثانيا، وإبطاله أن يراد بالجلود هذه الجلود الحقيقية، ~~لأنها ليست هي الفاعلة، بخلاف الأعضاء كاليد والرجل، فينبغي أن يجاب عنه ~~بالضحك من عاقل يتوهم أن اليد هي التي فعلت الشيء، وأن اللسان هو الذي فعل ~~النطق، وهذا وهم عامي لا يعتقده محصل، فإنما إبطاله أن تكون الجلود هي جملة ~~الأعضاء ms024 والجوارح بقوله إنه قد ذكر السمع والبصر فلا يكون لإفرادهما بالذكر ~~فائدة، فجوابه ما سأل عنه نفسه، وهو أن المراد بذلك ما أراد من قوله تعالى: ~~{فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} . # وقوله هذا لا يجوز، لأن العصيان بالسمع والبصر أخف، فيقال له بل هو هذا ~~الترتيب، والصحيح في نظم الكلام، ولا كما توهمته، مثال ذلك يقال دخلت قرية ~~كذا فوثب على الولدان والنساء وكل من فيها. يود الولدان والنساء ويخصهم ~~بالذكر، لأنه ليس من شأنهم أن يثبوا بالرجال ويقبلوا عليهم، وأنت إنما تريد ~~أنه وثب عليك الضعيف والقوى، فكذلك الآية تقديرها شهد عليهم من الجوارح ما ~~المعصية به صغيرة، والمعصية به كبيرة. # ثم يقال له أسلمنا أنه ليس المراد كل الجوارح بل بعضها فلم قلت إن ذلك ~~البعض هو الفرج؟ # وقوله: "لأن سائر الأعضاء قد ذكر في القرآن أنها تشهد إلا الفرج # PageV04P075 # فوجب أن يكون هو المراد بالجلود لتكامل شهادة كل الأجزاء" باطل لأنه لم ~~يذكر في القرآن شهادة الأعضاء، وإنما ذكر شهادة الأيدي والأرجل والسمع ~~والبصر والألسنة والجلود في آيات متفرقة، فأما القلوب فلم يذكر لها صريح ~~شهادة، بل قال: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} 1 ولا ~~ذكر شهادة "الذوق وهي اللهاة فيما ذاقته من الحرام والحلال، ولا شهادة حاسة ~~اللمس بما لمسته من المحرمات، فقد بطل قوله إنه إنما وقع الإخلال من جميع ~~الأعضاء من الشهادة بالفرج وحده. # وأما قوله إنه يجب حمله على الفرج لأنه مما يكره التصريح بذكره، فوجب أن ~~يجعل هذا اللفظ كناية عنه، فباطل لأنه تعالى قد ذكره في غير موضع، فقال: ~~{والذين هم لفروجهم حافظون} 2 وقال: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن} 3 وقال تعالى: {ويعلم ما في الأرحام} 4 وما رأيناه كنى في هذه ~~المواضع بكناية أصلا. ### | 36- # قال المصنف: ومما استدل به على مراد المتكلم بقرينة دقيقة لطيفة قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "من جعل نفسه قاضيا للمسلمين فقد ذبح ms025 بغير سكين" 5 قال ~~ومعناه أن من جعل قاضيا فقد حيل بينه وبين نفسه وهواها، PageV04P076 # لأنه يكون محمولا على الامتناع من أخذ الرشا، ومأمورا أن يحكم لعدوه على ~~صديقه، وأن يرفع الحجاب بينه وبين الناس، ويجلس للقضاء في وقت راحته، ويتعب ~~نفسه ويجهدها. قال: فلما اشترك القضاء والذبح في الألم الشديد، وكان الذبح ~~الحقيقي هو قطع الحلقوم، والقضاء هو قطع النفس عن هواها، لا جرم كان الشخص ~~الذي يجعل قاضيا مذبوحا ذبحا معنويا. قال: وهذا موضع غامض لطيف1. # أقول إن تأويلات الباطنية2 لآيات الكتاب العزيز أوقع وأقرب إلى العقل من ~~هذا التأويل، وكيف يجوز أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أنه ~~أراد هذا المعنى؟ وهل هذا إلا في قوة أن يقال من رتب قاضيا فإنه بتعب، ويجد ~~مشقة، وينقطع عليه كثير من أوقات راحته؟ ومنصب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أجل وأعظم من أن يكون هذا المقدار فحوى كلامه. PageV04P077 # ومعلوم أنه إنما أخرج هذه اللفظة مخرج التحذير لأصحابه من القضاء، لما ~~فيه من التعرض للآثام والمؤاخذة الأخروية، وأنه ليس كل أحد يقدر على ضبط ~~نفسه عن الميل إلى أحد الخصمين، ولا يملك سورة الغضب التي تفضي به إلى ~~الحكم بغير الحق، ولا يستطيع تجنب المراقبة والمحاباة لأبناء الدنيا وأصحاب ~~السلطان، ولذلك كان الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم يتأذون من القضاء، ~~ويفرون منه، ويستترون الدهر الأطول إذا ندبوا إليه، ويتحملون مشقة الهرب ~~والاستتار ومفارقة الأوطان حذارا من عقاب الآخرة لا غير. # وكيف يحذر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه وأمته من الدخول في ~~القضاء لكونه مجاهدة لهوى النفس، وكونه يورث التعب والمشقة الدنيوية، وهو ~~يأمرهم بالجهاد ومناهضة المشركين وقتل أولادهم وآبائهم وإخوانهم في طاعة ~~الله ورسوله؟ # ومعلوم أن ذلك أصعب وأشق منا متاعب القضاء بأضعاف مضاعفة، وهم مأمورون ~~لما فيه من ثواب الجهاد، فكذلك القضاء متاعبه ومشاقه مغمورة بما فيه من ~~ثواب الانتصار للحكم بالحق، ونصرة المظلوم، وإقامة شعائر الإسلام، وما أعلم ~~ما أقول فيمن ms026 حمل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك التأويل ~~الرديء. ### | 37- # قال المصنف: ومثال ما يتردد بين معنيين ويحمل على أحدهما القرينة ~~المتقدمة في أول الكلام قوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء ~~بعضكم بعضا} 1 فإنه يحتمل أن يريد به لا تدعوه باسمه فتقولوا يا محمد، ~~PageV04P078 # كما يدعو بعضكم بعضا بأسمائكم، ويحتمل أن يريد به أنكم إذا حضرتم في ~~مجلسه فلا يكن حضوركم كحضوركم في مجالسكم، أي لا تفارقوا مجلسه إلا بإذنه، ~~والزموا معه الأدب. قال: والحمل على هذا المحمل أولى1 لأن قبل هذه {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا ~~حتى يستأذنوه} 2. # أقول: هذه قرينة متقدمة لعمري، ولكن في الآية قرينة أخرى متأخرة تقتضي ~~حمله على محمل آخر هذا وغير المحمل الأول، ولعله الأصح، وهو أن يراد ~~بالدعاء الأمر، يقال دعا فلان قومه إلى كذا أي أمرهم به وندبهم إليه، قال ~~سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} ~~3 أي ندبكم. وقال سبحانه: {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم} 4 أي أمرتهم ~~وندبتهم. والقرينة المتأخرة قوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة} 5 فلم كان حمل الآية على ما ذكره لأجل القرينة المتقدمة أولى من حمله ~~على هذا المحمل لأجل القرينة المتأخرة؟ ### | 38- # قال المصنف في حد الحقيقة: هي اللفظ الدال على موضوعه الأصلي، والمجاز ما ~~أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة. وهو مأخوذ من جاز من هذا ~~الموضع إلى هذا الموضع إذا تخطاه إليه، فالمجاز إذن اسم للمكان الذي يجاز ~~فيه، كالمعاج والمزار وأشباههما. PageV04P079 # وحقيقته هو الانتقال من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى ~~محل1. # أقول: أما حد الحقيقة الذي ذكره فمنقوض بلفظ الدابة إذا استعملت في ~~الدودة والقملة، فإنها قد دلت على موضوعها الأصلي؛ لأنها موضوعة لما يدب، ~~مع أنها بالنسبة إلى الوضع العرفي مجاز، فإذن قد دخل المجاز العرفي فيما ~~جعله حدا لمطلق الحقيقة، ms027 وبلفظة الصلاة إذا استعملت في الدعاء فإنها قد دلت ~~على موضوعها الأصلي، فيكون قد دخل المجاز الشرعي فيما جعله لمطلق الحقيقة، ~~وهو غير جائز. # والواجب أن يقال: الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي ~~وقع التخاطب به، فيدخل في ذلك الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية. # فأما ما ذكره في حد المجاز فهو باطل أيضا في الحقيقتين العرفية والشرعية، ~~فإنهما يدلان على غير ما وضعا له في الأصل، وهما حقيقتان. # على أن قوله "المجاز ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة" ليس ~~بجيد لأنه لو عبر بالسماء عن الأرض لكان قد أراد باللفظ غير المعنى الموضوع ~~له في أصل اللغة، وليس مجازا، والأجود أن يبدل لفظ ما أريد به بلفظ ما أفيد ~~به، أو ما يدل، وفيه مع ذلك الإشكال الذي ذكرناه أولا. # وأصلح ما قيل في حد المجاز أنه لما أفيد به معنى مصطلح عليه غير ما اصطلح ~~عليه في أصل تلك المواضعة التي وقع التخاطب بها، لعلاقة بينه وبين المعنى ~~الأول. PageV04P080 # وهذا القيد الأخير يتم تحديد المجاز؛ لأنه لولا تلك العلاقة لما كان ~~مجازا من الأول، بل كان وضعا جديدا. # ومن العجب أن هذا الرجل قال: "المجاز اسم للمكان الذي يجاز فيه" ثم قال ~~عقبه بلا فصل: "المجاز هو الانتقال من مكان إلى مكان"1 فتارة يجعل الفعل ~~ههنا اسما للمكان كالمقام لموضع الإقامة، وتارة يجعله اسما للمصدر كالمقام ~~من قال يقول قولا ومقالا، وهذه مناقضة ظاهرة. # فأما قوله: "فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل" فإنه أراد من مسمى ~~يعدل عن اللفظ الجيد إلى اللفظ الرديء، فإنه يوهم أن المعنى شيء يحل فيه ~~اللفظ، ولسنا نضايقه في ذلك وأمثاله. ### | 39- # قال المصنف: والفرق بين الحقيقة والمجاز بتبادر الفهم عند الإطلاق إلى ~~الحقيقة دون المجاز، كالشمس لهذا الكوكب المخصوص دون وجه المستحسن فإن قلت: ~~فإنا نرى الأفهام تبادر عند سماع كثير من الألفاظ العرفية إلى غير حقائقها ~~الأصلية، كالغائط الذي لا يفهم منه إلا ms028 الحاجة المخصوصة دون المطمئن من ~~الأرض. قلت هذا شيء يذكره الفقهاء ولا طائل له؛ لأن المعتبر بمبادرة أفهام ~~الخاصة من الناس لا العامة، كالحدادين والنجارين والخبازين والحاكة ~~والأساكفة، ومعلوم أن الخواص من العلماء لا يفهمون من الغائط إلا المطمئن ~~من الأرض. قال: والعجب من الفقهاء كيف دونوا هذا وذهبوا إليه2. PageV04P081 # أقول: الجواب الصحيح أن يقال إن تبادر الأفهام إلى أن المراد بالغائط ~~الحاجة المخصوصة، وبالدابة الفرس، وبالرواية المزادة، وبالملك الرسول ~~الروحاني خاصة، دليل على أن هذه الألفاظ حقائق في الوضع العرفي الجديد، ~~وذلك لا ينقض قولنا إن تبادر الأفهام إلى المعنى دليل على أن اللفظ حقيقة ~~فيه، لأنا قد قلنا بموجبه، وجعلنا هذه الألفاظ حقائق، ولكنها عرفيات. فأما ~~الجواب الذي أجاب به فليس بجيد، لأنه إما أن ينفي الحقائق، العرفية أو ~~يثبتها فقد بطل قوله إنه لا إعتبار بمواضعه أهل العرف، وإن نفاها فهو باطل، ~~لأن الحقائق الأصلية اللغوية ما كانت حقائق القرآن أنزله الله تعالى فيها، ~~بل لأن طائفة من الناس تواضعوا عليها، فلأي حال كانت مواضعة العرب في ~~الجاهلية على ألفاظ مخصوصة لمعان مخصوصة تقتضي جعلها حقائق في مسمياتها، ~~ولا تكون مواضعة طائفة أخرى موجودين الآن على ألفاظ مخصوصة لمعان مخصوصة ~~تقتضي جعلها حقائق في مسمياتها؟ # أليس وضع الأكراد والفرس والترك والروم لغاتهم وألفاظهم لمعان قد اصطلحوا ~~عليها بينهم يوجب جعل تلك الألفاظ حقائق فيما وضعت له؟ فليس الأمر في هذا ~~الباب موقوفا على مواضعة العرب قبل الإسلام، فقد ظهر أن الذي دونه الفقهاء ~~هو الحق، ون ما اعترضهم به ليس بحق. # ونحن نستنبط بعد هذا من نص كلامه ما نخصه به، وننتصر به للفقهاء عليه، ~~وذلك أنه قال ما هذه صورته: إن كان إطلاق اللفظ بين عامة الناس من إسكاف ~~وحداد ونجار وخباز ومن جرى مجراهم، فهؤلاء لا اعتبار بهم ولا اعتداد ~~بأقوالهم. # فيقال له ما تعني بالإسكاف؟ كل صانع أم صانع النعال خاصة؟ # PageV04P082 # فإن قال صانع النعال خاصة، قيل له فأنت من الخاصة لا من العامة، ms029 وقد ~~تبادر ذهنك إلى ما ليس بحقيقة أصلية؛ لأن كل صانع إسكاف عند العرب، وكتب ~~اللغة كلها تشهد بذلك. وإن قال أردت كل صانع، قيل له لا تغالط، فإنك قلت من ~~إسكاف وحداد ونجار وخباز، فجعلت الإسكاف صاحب صناعة مفردة كالنجار والحداد، ~~ولو أردت العموم لقلت من حداد ونجار وخباز وغيرهم من الأساكفة، ولم تقل ~~ذلك. # فإذا كان نص كلامك يشهد عليك أن ذهنك قد تبادر إلى الاصطلاح العرفي وهو ~~قصر لفظة الدابة على هذا الحيوان المخصوص، فقد بطل قولك إنه لا يتبادر إلى ~~أفهام الخاصة عند إطلاق كل لفظ إلا حقيقته لا غير. ### | 40- # قال المصنف: والفرق بين الحقيقة والمجاز أن الحقيقة جائزة على العموم في ~~نظائرها، كقولنا فلان عالم، يصدق على كل ذي علم، بخلاف: {واسأل القرية} 1. ~~لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض؛ إذ المراد به أهل القرية؛ لأنهم ~~ممن يصح السؤال عنهم، ولا يجوز أن يقال واسأل الحجر والتراب2. # أقول: أما دعوى وجود اطراد الحقيقة ففيه كلام، فإنا قد رأيناها غير مطردة ~~في مواردها، إما لأن العقل يمنع من ذلك، كلفظة الدليل عند من يقول إنه ~~حقيقة في فاعل الدلالة، فإنه لما كثر استعماله في نفس PageV04P083 # الدلالة لا جرم لم يحسن استعماله في حق الله تعالى إلا مقيدا كقولهم: يا ~~دليل المتحيرين، وإما لأن الشرع يمنع من ذلك، كتسميته تعالى بالفاضل ~~والسخي، فإن الشرع يمنع من ذلك، مع حصول حقيقتهما له تعالى، وإما لأن اللغة ~~تمنع من ذلك، كامتناع استعمال الأبلق في غير الفرس، ولا يصح أن يعتذر عنه ~~بأن الأبلق موضوع للملون بهذين اللونين، بشرط أن يكون فرسا، لأنه يلزم عليه ~~أن يجوز في كل مجاز لا يطرد أن يكون سبب عدم اطراده لاشتراط كونه ذلك ~~المسمى بعينه، وحينئذ لا يمكن الاستدراك بعدم الاطراد على كونه مجازا. # وأما قوله "عالم" لما كان موضوعا لذي العلم اطرد في كل علم، {واسأل ~~القرية} لم يطرد في كل الجمادات، فإنه استدلال على أمر كلي بصورة جزئية. # ومن ms030 أين له أن كل حقيقة فإنها جارية في الاطراد مجرى قولنا "عالم" لذي ~~العلم، وأن كل المجازات لا تطرد كقوله {واسأل القرية} . # ولم لا يجوز أن يكون المجاوز وإن لم يجب اطراده فإن بعضه قد يطرد لا على ~~سبيل الوجوب؟ # ولا يمكن أن يدعي أنه قد استقرى الألفاظ كلها فلم يجد فيها مجازا مطردا، ~~ولو كان ذلك قد وقع لكانت ألفاظ المجاز كلها قد علمت وعلم أن ما عداها ~~حقيقة قبل العلم بنفي اطرادها، وذلك يقتضي أن يكون الفرق بين الحقيقة ~~والمجاز قد وقع قبل هذه الدلالة. # PageV04P084 ### | 41- # قال المصنف: واعلم أن كل مجاز فله حقيقة؛ لأنه لا يصح أن يطلق عليه اسم ~~المجاز إلا لنقله عن حقيقة موضوعة له، وليس من ضرورة كل حقيقة أن تكون ~~مجازا، فإن من الأسماء مالا مجاز له، كأسماء الأعلام التي وضعت للفرق بين ~~الذوات لا للفرق بين الصفات1. # أقول: هذا يدل على أن يتوهم أن أسماء الأعلام حقائق في الأشخاص المسمين ~~بها، وليس كما توهمه لأن الحقيقة ما أفيد به ما وضع له، ونعني بقولنا ما ~~وضع أهل اللغة وأرباب الاصطلاح، فتكون اللفظة حقيقة تبعا لكونها موضوعة ~~لشيء قبل استعمال المستعمل، حتى إذا استعملها المستعمل فيما وضعت له كانت ~~حقيقة فيه، وأسماء الأعلام لم تقع على مسمياتها المعنية بوضع من أهل اللغة ~~ولا من الشرع حتى يكون من اتبعهم فيها في أصل موضوعهم فقد استعملها على ~~حقيقتها. # وهذا الكلام كما ينفي أن تكون الحقيقة داخلة في أسماء الأعلام ينفي أن ~~يكون المجاز أيضا داخلا فيها. # والصواب أن يقال: المجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي لمشابهة ~~بينهما. وهذا تصريح بأن من ضرورة تحقيق المجاز ثبوت الحقيقة، وليس يلزم من ~~كون اللفظ موضوعا لشيء أن يصير موضوعا لشيء آخر بينه وبين الأول مشابهة ~~ومناسبة، لجواز أن يعدم ذلك عن بعض المسميات. PageV04P085 # وههنا دقيقة، وهي دلالة اللفظ على المعنى في الموضوع الأول فدخلت عن ~~كونها حقيقة ومجازا؛ لأن الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي، فلا تكون ms031 ~~الحقيقة حقيقة إلا إذا كانت مسبوقة بالوضع الأول، والمجاز هو المستعمل في ~~غير موضوعه الأصلي، فيكون هو أيضا مسبوقا بالوضع الأول، فثبت أن شرط كون ~~اللفظ حقيقة أو مجازا حصول الوضع الأول، فالوضع الأول وجب ألا يكون حقيقة ~~ولا مجازا. # وهذا الكلام على ظاهره يقدح في قولنا المجاز فرع الحقيقة، ومتى وجد الأصل ~~فالمجاز لا يكون مجازا إلا والحقيقة موجودة؛ لأن المجاز لا يستدعي إلا مجرد ~~كونه موضوعا قبل ذلك لمعنى آخر، فهو يتوقف على ذلك فقط لا على الحقيقة؛ لأن ~~الوضع الأول ليس بحقيقة. # وجوابه أنا لا ندعي أن المجاز يتوقف على الحقيقة، بل متوقف على أنه موضوع ~~في الأصل لمعنى آخر، متى استعمل اللفظ في ذلك الموضوع كان حقيقة. ### | 42- # قال المصنف: فأما الفرق بين الفصاحة والبلاغة فقد أكثر الناس فيه، وخلاصة ~~ما ذكروه أن الفصاحة هي الظهور، يقال أفصح يفصح إذا ظهر، ثم يقفون عند هذا ~~ولا يكشفون عن السر فيه1. # أقول: قد وقفت لأبي محمد بن الخشاب على رسالة في الفرق بين الفصاحة ~~والبلاغة أتى فيها بنوادر شريفة. وقد ذكر أبو هلال العسكري في كتاب ~~PageV04P086 # الصناعتين كلاما جيدا في هذا المعنى1. وقد ذكرنا نحن في كتاب "العبقري ~~الحسان" أقوالا كثيرة في هذا الباب، وما أظن أن أحدا ممن يتصدى لكلام في ~~هذا الفن إلا وقد قال قولا بالغا في هذه المسألة، فما أعلم كيف يدعي هذا ~~الرجل على الناس أنهم يقتصرون في هذا البحث بتينك اللفظتين لا غير. ~~PageV04P087 ### | 43- # قال المصنف: ولا يجوز أن تفسر الفصاحة بهذا لوجهين: أحدهما أن اللفظ قد ~~يكون ظاهر المعنى عند زيد لا عند عمرو، فيجب أن يكون فصيحا غير فصيح، وهذا ~~محال، بل الفصيح يجب أن يكون فصيحا مطلقا. # والثاني: أن اللفظ القبيح الذي ينبو عن السمع ولكنه ظاهر المعنى يجب أن ~~يكون فصيحا، وهذا محال؛ لأن الفصاحة وصف حسن، فلا يجوز أن يكون اللفظ ~~قبيحا1. # أقول إن أرباب علم البيان لم يقتصروا في حد الفصاحة على أنها ظهور المعنى ~~من اللفظ ms032 فقط، بل قالو في حدها وحقيقتها ما يعرفه من تمارس كتبهم، ولو ~~قالوا ذلك لم يكن ما أورده عليهم قادحا في كلامهم. # أما الوجه الأول فإنه ليس من شرط الفصيح أن يكون ظاهرا مكشوف المعنى لكل ~~سامع، فإن الزنج والروم لا يفهمان المراد بالقرآن، ولا يقدح ذلك في كونه ~~فصيحا، والفصاحة أمر نسبي لأنها صفة اللفظ، واللغات والألفاظ تختلف باختلاف ~~الأمم قرونها وبلادها. # وأما الوجه الثاني فلأن القبيح الظاهر المعنى فصيح من حيث ظهور معناه وإن ~~كان قبيحا من وجه آخر، ونظير ذلك الكلام الفصيح يتضمن شتم الأنبياء والثناء ~~على إبليس والشياطين أو غير ذلك من الوجوه التي يقبح PageV04P088 # لأجلها، فإنه حسن من وجه وقبيح من وجه، وليس يلزم من قبح الشيء من جهة ~~ألا يكون حسنا من جهة أخرى، كما لا يلزم من كون سماع صوت العود حراما ألا ~~يكون لذيذا. ### | 44- # قال المصنف: والفصاحة مختصة بالألفاظ دون المعاني، لوجوه منها أن الفصيح ~~هو المألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لحسنه، وحسنه يدرك ~~بالسمع؛ لأنه أمر عائد إلى تركيب حروفه وخفتهما وتباعد مخارجها، والذي يدرك ~~بالسمع يكون صوتا يأتلف من مخارج الحروف، وكل ما ليس بمسموع لا يكون ~~فصيحا1. # أقول هذا الكلام يحتمل أمرين: أحدهما أن يجعل حد الفصاحة هي الألفاظ ~~المألوفة الاستعمال، وإنما كانت مألوفة الاستعمال لخفتها وسلاستها. والآخر ~~ألا يجعل ذلك حد الفصاحة، بل مراده تعليل اختصاص اللفظ بوصف الفصاحة، وكون ~~المعاني لا يجوز أن توصف بالفصاحة. # فإن أراد الأول لم نضايق على ذلك؛ لأن لكل واحد أن يتكلم بما شاء، ويقول ~~عنيت به كذا وكذا. وإن أراد الثاني وهو الظاهر من كلامه قيل له إن كان كثرة ~~الاستعمال وسلاسة اللفظ توجب أن يسمى اللفظ فصيحا فليس PageV04P089 # ذلك بمانع من أن توجد دلالة أخرى على تسمية المعنى فصيحا، فليس ذلك بمانع ~~لأن دلالتك على ما تدعيه لا توجب انتفاء الأدلة على إطلاق هذه اللفظة على ~~المعنى، فغاية ما في الباب أنك استدللت على أن اللفظ يطلق عليه الوصف ms033 ~~بالفصاحة، فلم قلت إن الوصف بالفصاحة لا يطلق على المعاني؟ ### | 45- # قال المصنف: وأيضا فإن لفظتي المزنة والديمة كلفظة البعاق، فكل واحد من ~~هذه الألفاظ يدل على معنى واحد، ولو كانت الفصاحة ترجع إلى المعاني لما ~~اختلفت هذه الألفاظ، ولا كان فيها ما يستحسن استعماله، وفيها ما يستقبح؛ ~~لأنها في الدلالة على المعنى سواء. لكن لا ريب في حسن استعمال اللفظتين ~~الأوليين، وأما لفظة البعاق فقبيحة منكرة1. # أقول إن هذا الرجل يتوهم أن من قال إن المعاني قد توصف بالفصاحة فقد أراد ~~المعاني المفردة، وهذا غلط، فإن أحدا لم يقل ذلك. # وإنما قالوا إن الكلام المركب الدال على معنى قد يسمى فصيحا أيضا، وقد ~~يقولون لمعنيين أحدهما أكثر بيانا وأوضح عند السامعيين: هذا المعنى أفصح من ~~هذا، بل قد يقال له بليغ، والفصاحة للألفاظ، فوقع بينهم النزاع في ذلك، لا ~~في اللفظة المفردة الدالة على المسمى المفرد. ### | 46- # قال المصنف: وأيضا فإن الفصيح على وزن فعيل بمعنى فاعل، نحو كريم ~~PageV04P090 # وشريف ولطيف، والفاعل للإبانة عن المعنى هو اللفظ لا غير وكانت الفصاحة ~~مختصة به لا غير1. # أقول إن هذا الموضع من المواضع التي اشتبهت على هذا الرجل، وذلك أن أفعال ~~الطبائع نحو فصيح وظريف وشريف وكريم إنما تعطي الاتصاف بتلك الصفة فقط، ولا ~~تعي معنى الفاعلية أصلا، ولا تدل على المؤثر. ألا ترى أن قولنا كريم ولطيف ~~لا يدل على أنه فعل الكرم واللطف، وإنما يدل على أنه ذو لطف وكرم فقط، مع ~~قطع النظر عن الفاعل لهما من هو. # فالفصيح معناه ذو الفصاحة، لا فاعل الفصاحة، كالجميل والصبيح معناهما ذو ~~الجمال والصباحة لا فاعلهما، وهذا الرجل توهم أن فصيحا فاعل الفصاحة، ثم ~~بنى الدليل على هذا وقال إن فاعل الإبانة للمعنى والمكيف له هو اللفظ، فكان ~~الفصيح هو اللفظ، وهذا من الغلط على ما تراه. # وعلى أنه لو كان ما توهمه صحيحا لكان لخصمه أن يقول: المعنى الواضح هو ~~الذي فعل الفهم والإدرك في نفس السامع، وأوضحه له فانكشف له فحواه ms034 ومغراه، ~~فهلا سميت المعنى فصيحا بهذا الاعتبار؟ # وإن النزاع في هذ المسألة لفظي محض. والذي قاله المحققون أنا وجدنا ~~الاصطلاح واللغة يشهد أن بأن الفصاحة للألفاظ والبلاغة للمعاني، فإنهم ~~يقولون: هذا معنى دقيق، وهذا معنى غامض، ولهذا يقولون في الحيوان غير ~~الناطق كالببغاء هو فصيح، لإقامته الحروف ولا يسمونه بليغا؛ إذ ليس له ~~PageV04P091 # قصد إلى المعنى، وإذا كان أهل اللغة والاستعمال قد اصطلحوا على ذلك ~~واتفقوا عليه وجب اتباعهم لأن البحث لفظي. ### | 47- # قال المصنف: "واعلم أن البيان علم عقلي يدرك بالذوق والعقل حسنه من قبحه، ~~وليس كعلم النحو، فإنه تقليد العرف، والذي تكلفه النحاة من التعلات واه لا ~~يثبت على محك النظر؛ لأنهم إنما سمعوا من واضح اللغة رفع الفاعل ونصب ~~المفعول من غير دليل أبداه لهم، فاستخرجوا لذلك أدلة وعللا، وإلا فمن أين ~~علم هؤلاء أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول من غير ~~دليل أبدا هي التي ذكروها1. # أقول: إن كان هذا الرجل ممن ينفي القياس في الشرعيات كلمناه كلاما أصوليا ~~كما تكلم الشيعة والنظام2 وأهل الظاهر3 وغيرهم ممن نفى القياس في الفقه، ~~وإن كان يعترف بالقياس في الشرعيات فالقياس في الشرعيات كقياس في النحويات؛ ~~لأنا علمنا أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول هي ~~الوجوه التي يذكرها النحاة، لكونها PageV04P092 # مناسبة، والحكم ثابت على وفقها، نحو قولهم الفاعل للفعل الواحد لا يكون ~~إلا واحدا، والمفعولات قد تكثر وتتعدد، والفعل واحد ويتعدى مع ذلك إلى ~~أشياء، كالمفعولات في المعنى نحو الحال والظرف والمصدر، فكان الفاعل أخف ~~لقلته فأعطي الرفع وهو أثقل الحركات تعديلا بين الثقيل والخفيف. ونحو قولهم ~~لما كان الفعل والفاعل جملة مفيدة كالمبتدأ والخبر أعطي الفاعل إعراب ~~المبتدأ وهو الرفع للمشابهة بينهما من الجهة المذكورة، وغير ذلك من الوجوه ~~التي قد ذكرناها في كتاب "العبقري الحسان" وذكرها غيرنا، فصار ذلك كتعليل ~~سقوط قضاء الصلاة عن الحائض بالمشقة، فإنه مناسب، وقد ثبت الحكم على وقته ~~في سقوط قضاء الركعتين المنقطعتين من صلاة ms035 الظهر في السفر، فهذا تعليل متفق ~~بين القايسين على صحته. ولم يكن لقائل أن يقول من أين علمتم أن الحكمة التي ~~دعت إلى إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض هي المشقة؛ لأن الشارع لم يذكر ذلك، ~~وإنما حكم بسقوط القضاء فقط ولم يذكر العلة. ### | 48- # قال المصنف: فأما نثر المنظوم فينبغي أن يكون كذا وكذا، ثم ذكر له شروطا، ~~وضرب من كلامه أمثلة أكثرها جيد، وفيها ما ليس بجيد مثل قوله: "فسرنا في ~~غمامة من الكتائب، تظلها غمامة من الطيور الأشائب، فهذه يضمها بحر من حديد، ~~وهذه يضمها بر من صعيد"1 وذلك لأن الصعيد وجه الأرض، والطيور التي تظل ~~الجيس إنما يضمها بحر من الجو والهواء لا من الأرض. ومثل قوله في ذكر ~~الصليب: "ولم يعلموا أن الله كتب عليه الهوان PageV04P093 # عقب تلك الكرامة، وأنه ذو شعب أربع، والتربيع نحس في علم النجامة"1 فإن ~~لفظة النجامة لفظة رديئة مستغفلة، على أنا لا نعرف صحتها أو جوازها، ولا ~~سمعناها اسما للتننجيم ولا مصدرا. # ومثل قوله: "قد عد الخادم احتمال تثقيله من جملة الأيادي التي أثقلته ~~وأراد أن يجري معها بسوابق شكره فأعجلته وما أمهلته، وهو الآن مرتهن منها ~~بين قديم وجديد، وأصبح كخراش إذ تكاثرت الظباء عليه فلا يدري لكثرتها ما ~~يصيد"2 فإن تشبيه نفسه بخراش قبيح جدا؛ لأنه إن كان لا يعلم أن خراشا في ~~هذا البيت اسم كلب فهو معذور، حيث لم يعرف مراد الشاعر، وإن كان يدري فقد ~~شبه نفسه تشبيها قبيحا. أليس هو الذي استقبح في هذا الكتاب قول الرضوي ~~الموسوي3: # يعز على أن أراك وقد خلت ... من جانبيك مقاعد العواد # لأجل لفظة مقاعد؟ # وقول أبي الطيب المتنبي: # أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعف فجازاهن عني على الصرم4 PageV04P094 # لأجل لفظة الصرم: # وقول أبي تمام: # أعطيتني دية القتيل وليس لي ... عقل ولا حق عليك قديم1 # لأجل قوله ليس لي عقل. # ومثل قوله2 في صفة فرس: وخلفها جنيب من الخليل يقبل بجذع ويدبر بصخرة، ~~وينظر من عين جحظة، ويسمع بأذن حشرة3 ms036 فإنا ما سمعنا إلا عينا جاحظة ولم ~~نسمع جحظة، ولو قال من عين حذرة لاستغنى عن جحظة التي لم تستعمل. # وقد كان زاد في القرائن قرينة، وأتى بلفظة امرئ القيس في قوله: # عين لها حدرة بدرة ... وشقت ماقيهما من أخر4 # والعين الحدرة هي المكتنزة الصلبة. PageV04P095 # ومثل قوله إن إنسانا كلفه أن يرصع قوله "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه ~~سورة ولا تمثال" في فصل من الكتابة فقال: "قد أصبح الخادم وليس بقلبه سوى ~~الولاء والإيمان، فهذا يظهر أثره في طاعة السر، وهذا في طاعة الإعلان، وما ~~عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء المحظورة، والملائكة لا تدخل بيتا ~~فيه تمثال ولا صورة"1. # فإن ترصيع الخبر في هذا المقصد بعيد جد؛ لأن الولاء والإيمان ليسا بصورة ~~ولا تمثال. ثم إن ما عداهما أمر يغم ويتسع جدا إلى مالا نهاية له، وقد يكون ~~مضاد لهما كالكفر والنفاق، ولا يحسن أن يقال الكفر ونية الخروج على الإمام ~~لا يدخلان في قلب؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولا تمثال، ولا هذا ~~مناسب ذاك، ولا قريب منه، وقد سألني بعض الأصدقاء هل يمكن استعمال هذا ~~الخبر في الكتابة وإخراجه في معرض آخر، ألطف من هذا. فقلت: قد يمكن ذلك بأن ~~يكتب إلى صديق أو حبيب: قد تمثلت صورتك في سواد العين وسويداء الجنان، ~~وملأت أقطارهما؟ فلم يبق لغيرهما فيهما مكان، فإذا صليت الظهر لم أعلم ~~أركعتان هي أم ثمان؟ وقد منعت صورتك القلبية محلها من اعتقاد الهدى، وفرغته ~~لاعتقاد الضلال، لأنهما من آثار الملك والشيطان، والملائكة لا تدخل بيتا في ~~صورة ولا تمثال". # واعلم أن هذا الباب وهو حل النظوم وهو عين هذا الكتاب وخلاصته ووجه ~~جميعه، وطراز حلته، وكأنه لم يصنفه إلا لأجله، وليظهر صناعته فيه. ~~PageV04P096 # على أن كتابته كلها إذا تأملها العارف بهذا الفن وجدها من هذا الباب؛ ~~لأنها إما محلول منظوم، أو ترضيع آية أو خبر أو مثل أو واقعة، وهذه إحدى ~~طرائق الكتاب عندي، وإليها أذهب، ولها استعمل. # وقد ms037 كنت شرعت في حل سيفيات أبي الطيب المتنبي1 لشهرتها، وغلبتها على ~~ألسنة الناس، وأن أجعل ذلك كتابا مفردا أتقرب به أيضا إلى الخزانة الشريفة ~~-عمرها الله تعالى- فخرج بعضه، وصدف عن إتمامه- عوائق الوقت أو شواغله. # وأنا أوردها هنا بعض ذلك، ليكون معارضا لما جاء به هذا الرجل، ولكيلا ~~يكون كتابنا هذا مقصورا على المناقضات النظرية والمؤاخذات الجدلية في علم ~~الكتابة فقط، بل يكون حاويا لذلك، ولجزء من الكتابة نفسها # فصل في التهنئة بعيد: # "لا زالت المواسم تغشاك وأغصانها وريقة، وحدائقها أنيقة، والأعياد تلقاك، ~~وأنت عيدها على الحقيقة، ولا برحت تهتصر من الشباب لدنارطيبا، وتنضو من ~~الأعياد سملا وتلبس قشيبا، فهذا اليوم الشريف في الأيام مثلك في الأنام، ~~لكنه أوحد عام محصور، وأنت أوحد الأعوام والدهور، ولا أحيل ذلك على محض ~~الجد الذي أسهرك وحاسدك راقد وشانئك قاعد". # "لا زالت المواسم تغشاك وأغصانها وريقة، وحدائقها أنيقة، والأعياد تلقاك، ~~وأنت عيدها على الحقيقة، ولا برحت تهتصر من الشباب لدنارطيبا، وتنضو من ~~الأعياد سملا وتلبس قشيبا، فهذا اليوم الشريف في الأيام مثلك في الأنام، ~~لكنه أوحد عام محصور، وأنت أوحد الأعوام والدهور، ولا أحيل ذلك على محض ~~الجد الذي أسهرك وحاسدك راقد وشانئك قاعد". # هذا محلول قوله: # هنيئا لكل العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمي وضحى وعيدا # ولا زالت الأعياد لبسك بعده ... تسلم مخروقا وتعطي مجددا PageV04P097 # فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى ... كما كنت فيهم أوحدا كان أوحدا # هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا1 # وقد زدت عليه بأن جعلت توحيده بالاستحقاق لا بالجد والإنفاق، وفيه زيادة، ~~أخرى وهي عموم توحيده وخصوص توحيد العيد في أيام العاد مفردة. # فصل في لقاء عدو: # "فلو كشف لك عن قلوبنا لرأيت التشوق قد فعل فيها ببرحائه، فعلى قنا ~~الأمير في صدور أعدائه، فإنه جعلهم هلكى يطعنون مخلوجة وسلكى، فالفضاء ~~الرحب لديهم أحرج من التابوت، ونسج داود عليهم أوهن من بيت العنكبوت". # هذا محلول قوله2: # نودعهم والبين فينا كأنه ... قنا ابن الهيجاء ms038 في قلب فيلق # قواض مواض نسج داود عندها ... إذ أوقعت فيه كنسج الخدردنق # وفيه أيضا حل قول امرئ القيس: PageV04P098 # نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لأمين على نابل1 # فصل في وصف منهزم: # "أجفل إجفال النعام، وانقشع إنقشاع الغمام، يتوهم كل حفيف يسمعه رشق ~~نابل، ويرى الأرض في عينيه كفة حابل. وقد كان أبي ألا ينكص له قدم، وعقبى ~~يمين الجبان حنث وندم، وإذا تزلزلت الأقدام لم ترد اليمين في الإقدام، ~~والحرب يحسن الهزائم، ويغير العزائم، ويجعل أهون شيء ما يقول اللوائم". # هذا محلول قوله: # عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم2 # وقوله: # والعيان الجلي يحدث للظن ... زوالا وللمراد انتقالا3 PageV04P099 # وقول بعض شعراء الحماسة: # ملأت عليه الأرض حتى كأنها ... من الضيق في عينيه كفة حابل1 # وقول القائل: # إذا هبت النكباء بيني وبينكم ... فأهون شيء ما يقول العواذل # فصل في الصفح عن الجرائم: # "سيف الإحسان والإجمال أقتل من سيف القتل والاستئصال، وطالما غل يدا ~~مطلقها، واسترق رقبة معتقها، إلا أن اللئيم يفسده الإحسان، ويصلحه الهوان، ~~كما ينفر من الضيم ذو الأنف الحمى، ويفر عنه فرار الطائر الوحشي". # هذا محلول قوله: # وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟ # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا2 PageV04P100 # وقال الرضي الموسوي: # ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول صارم وأنف حمى # وإباء محلق بي عن الضيم ... كما راغ طائر وحشي1 # وأدخلت أيضا فيه لفظة لبعض الخوارج قالها لقطري بن الفجاءة2، والقصة ~~مشهورة. # فصل في ذكر المرسلة: # "وتوالت منهم رسائل جعلوها عليهم أدراعا، وقصدوا بهما تزجية للوقت ~~ودفاعا، فظاهرها الإعظام لنا والإجلال، وباطنها الإرجاء لهم والإمهال". # هذا محلول قوله: # دروع لملك الروم هذي الرسائل ... يرد بها عن نفسه ويشاغل # هي الزرد الضافي عليه ولفظها ... عليك ثناء سابغ وفضائل3 # فصل: # "باب المعمور كعبة الحيا، ومغناطيس الشفا، فالملوك تقبل بساط ديوانه، ~~وتقصر عن تقبيل كمه وبنانه". # هذا محلول قوله: # تقبل أفواه الملوك بساطه ... ويكبر عنها كمه وبراجمه4 PageV04P101 # فصل: # "إذا كان الهوى ms039 من القلب في الشغاف والصميم، واللوم يحوم حول ذلك الحمى ~~والحريم، وكلما شاهد الحر فتى ثار، وكلما عاين النار استطار، لا جرم أنه ~~يستحيل جوهره هباء، ويذهب زبده جفاء، ويثبت في محله ذلك الهوى، ويلقي عصاه، ~~ويستقر به النوى". # هذا محلول قوله: # عذل العواذل حول قلب التائه ... وهوى الأحبة منه في سودائه # يشكو الملام إلى اللوائم حره ... ويصد حين يلمن عن برحائه1 # فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر # فصل في ذكر معقل: # "حماها فأجلى، وبناها فأعلى، ونيران المران تضطرم، وأمواج الأرماح تلتطم، ~~وشبا الظبا يصطدم، ولظى الوغى تحتدم، نقرت بعد انزعاجها، وسلمت بعد ~~ارتتاجها، وشفيت من ألمها، وبرئت من لممها، وأصبحت متقلدة بغمائم من أشلاء ~~الفوارس، تدفع عنها عين العائين ونفس النافس، وليست كقلائد عراف اليمامة ~~وعراف نجد، ولكنها قلادة طرفاها الشرف وواسطتها المجد". PageV04P102 # وقد حللت في هذا قوله في وصف قلعة الحديث: # بناها فأعلى والقنا يقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم # وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثت القتلى عليها تمائم1 # وأشرت فيه إلى قوله صلى الله عليه وسلم للحسن والحسين عليهما السلام: ~~"أعيذكما من عين العائن ونفس النافس" 2 # وإلى قوله عروة بن حزام: # ضمنت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني3 ### | 47- # وقد نثر هذا المصنف هذين البيتين، فقال: "بناها والأسنة في بنائها ~~متخاصمة، وأمواج المنايا فوق أيدي البانين متلاطمة، فما أحلت الحرب عنها ~~حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت بمثل الجنون، فعلقت عليها تمائم من ~~الرءوس والأجساد، ولا شك أن الحرب تعرد عمن عز جانبه، وتقول ألا هكذا ~~فليكسب المجد كاسبه"4. PageV04P103 # ونثرهما على أسلوب آخر فقال: "بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل، وطوفان ~~المنايا الذي لا يقال سآوي منه إلى جبل، ولم يكن بناؤها إلا بعد أن همدت ~~رءوس عن أعناق، وكأنما أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم، ~~أوشينت بعطل فعلقت مكان الأطواق"1. # ومن عنده أدنى ذوق في فن الكتابة يعرف الفرق بين كلامنا وهذا الكلام. # وقد نثر هذا الكتاب البيت ms040 الثاني خاصة فجاء أصلح مما قاله في نثر البيتين ~~وهو: "سرى إلى حصن كذا مستعيدا منه سبية نزعها العدو اختلاسا، وأخذ مخادعة ~~لا افتراسا، فأنزلها حتى استقادها، ولا نزلها حتى استعادها، وكأنما كان بها ~~جنون فبعث لها من عزائمه عزائم، وعلق عليها من رءوس القتلى تمائم"2. # وهذا وإن كان حسنا لكن الزيادات العجيبة والتسميطات والأسجاع التي أتينا ~~بها نحن تزرى على ما أتى به هذا الكاتب، وتتجاوزه أضعافا مضاعفة. # فصل: # "أنا أستعين بك عليك، فالخصومة فيك ومنك وإليك، وأستميحك عدل قضائك الذي ~~عم الخلق وعداني، وشمل الناس وتخطاني. وأعيذ مرآة فكرك وهو الجوهر الشريف، ~~والشغاف اللطيف، ألا يظهر فيها تلبيس PageV04P104 # الحاسد، وبهتان الكاشح المعاند، وأخلاقك التي تظلم إذا قيست في اللطافة ~~بالسلافة، وفي الصفاء بالصهباء، أن تحمل قذى الغش الصراح، وهي ألطف من أن ~~تمزج بالماء القراح". # هذا محلول قوله: # يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم1 # وقوله غيره: # أخلاقك الغر الصفايا ما لها ... حملت قذى الواشين وهي سلاف؟ # واللبس في مكنون رأيك ماله ... يخفى وأنت الجوهر الشفاف؟ # فصل في صفة جيش: # قد تسربل قميصا من الزرد المحكم إلا أنه محمل بالرماح، وتردى بردا من ~~النقع المظلم إلا أنه معلم بوميض الصفاح، تسحب جياده الحديد فتخالها تمشي ~~بغير قوائم، وتستغنى بعده عن المخالب بعد أن خلقت رماحه والصوارم، ولا يعرف ~~في بريقه البرامك فالثياب مثلها والعمائم، وبطن حديده ماء، وهو يخدع خدع ~~السراب، تحسب خيالته ساكنة وهي تمر مر السحاب. PageV04P105 # هذا محلول قوله: # وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل1 # وقوله: # أتوك يجرون الحديد كأنما ... سروا بجياد مالهن قوائم # إذا برقو لم تعرف منهم ... ثيابهم من مثلها والعمائم # وقوله: # وما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم2 # فصل: # "العادة طبيعية غالبة، وسجية إلى فعل المعتاد جاذبة. وعادتك طعن الأحداق، ~~وضرب الأعناق، وطبال، ونبال يهويان ذاك، وأنت تبلغ النفوس هواها، والقلوب ~~مناها، فأجرمتهما على أعراقك، ومعهود عوائدك وأخلاقك، فإن الملك لا تثبت ~~دعائمه، حتى تخضب بالدم صوارمه". ms041 PageV04P106 # هذا محلول قوله: # لكل امرئ من دهره ما تعودا ... وعادات سيف الدولة الطعن في العدا1 # وقوله أيضا: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم2 # وقول ابن هند: # سيوفك تهوى أن تبيح لها العدا ... فلا تحرمنها إن عادتك الندا ### | 48- # فصل في نثر قوله: # لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه3 # نثره هذا المصنف فقال: "لا تعذل المحب فيما يهواه، حتى تطوى القلب على ما ~~طواه"4. PageV04P107 # ونثره أيضا على وجه آخر فقال: "إذا اختلفت العينان في النظر، فالعذل ضرب ~~من الهذر"1: # وقد نثرناه نحن على وجوه منها: "لا تعذل المحب في حبه، حتى ينطق لسانك عن ~~قلبه" ومنها: "المتبول يعذل المتبول، والفارع مغري بالمشغول". ومنها. "لو ~~ذقت ما يذوق العاشق لتركت عذل وعرفت عذره، ومن يضع يده في الماء يجد برده ~~ويعرف حره" ومنها: "إذا لم يتوارد القلبان على مورد واحد، فالعادل يضرب في ~~حديد بارد" ومنها: "لو اتحدت الغرائز والأخلاق، لعذرت المشتاق في الأشواق، ~~ولكن النفس الواحدة لا تدبر تدبيرين، كما لا يكون الاتفاق واحدا ولا الواحد ~~اثنين". ومنها: "لو كنت تود بقلبي، وتراني بطرفي لعذرتني فيما أبدي، ورحمتي ~~مما أخفى" وفي هذا إشارة إلى قوله في هذه القصيدة: # ما الخل إلا من أود بقلبه ... وأرى بطرف لا يرى بسوائه2 # فصل في صفة السيوف: # فنهدنا إليهم وفي أيدينا النار الموقدة في الرءوس، المعبودة قبل ملة ~~المجوس، التي يفسدها الماء، ولا يطفئها الهواء، ولا تحرق الأغماد، ولا خمدت ~~ليلة الميلاد ترمي بالدم لا بالشرر، وتوقد بالناس لا بالحجر، تحكم تارة ~~بالتعظيم وتارة PageV04P108 # بالتصغير، وتجمع قوما جمع السلامة، وقوما جمع التكسير". # هذا محلول قوله: # وفي أكفهم النار التي عبدت ... قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم # هندية إن تصغر معشرا صغروا ... بحدها أو تعظم معشرا عظموا1 # وفد زدت عليه زيادات كثيرة، ورمزت إلى الخبر الوارد في أن نار فارس خمدت ~~ليلة ميلاد نبينا صلى الله عليه وسلم، وخرجت إلى قوله: {إنها ترمي بشرر ~~كالقصر} 2 وقوله سبحانه: ms042 {وقودها الناس والحجارة} 3 ثم خرجت إلى نكتة نحوية ~~وهي جمع السلامة وجمع التكسير. # فصل: # السيف بالضارب لا بمضاء المضارب، والحسام في دي الجبان كهام، والكهام في ~~يد الشجاع حسام، ولذلك قال عمرو لعمر: لا لوم على ولا حيف، فإني لا أنحلك ~~الساعد، وإنما نحلتك السيف. PageV04P109 # هذا محلوله قوله: # إن السيوف مع الذين قلوبهم ... كقلوبهن إذا التقى الجمعان # تلقى الحسام على جراء حده ... مثل الجبان بكف كل جبان1 # فصل في العتاب: # "العتاب نسيم الحياة، والعتب سمومن الحياة، فأنا أعاملك بالأول، لأنه من ~~شيم الأحباب، والود باق ما بقي العتاب، وأجل مجدك الرفيع المباني عن ~~المعاملة بالثاني". # نظرت في هذا إلى قوله: # هذا عتباك إلا أنه مقة ... قد ضمن الدر إلا أنه كلم2 # فصل في ذكر السبايا: # فلم يعتصم منا إلا ربات الفتاخ والوشاخ3، ومن شيمها جر الذيول لأجر ~~الرماح، فإنهن طعن فيه بالعدو بالمران، وكان لهن أوجه شفيع إلينا، وهو ~~الشفيع العريان، فنحن بين لاه ولاعب، وأهلهن عليهن بين باك ونادب، وهذه ~~سجية الدني تعمر البيت بخراب البيت، وتميت الحي بحياة الميت. PageV04P110 # هذا محلول قوله: # فلم يبق إلا من حماها من الظبا ... لمى شفتيها والثدى النواهد # تبكي عليهن البطاريق في الدجى ... وهن لدينا ملقيات كواسد # بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد1 # وقد رمزت فيه إلى قول القائل: # كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول2 # وقول آخر: # ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا ### | 49- # فصل في نثر قوله: # إن القتيل مضرجا يدموعه ... مثل القتيل مضرجا بدمائه3 # نثره المصنف فقال: "القتيل بسيف العيون، كالقتيل بسيف المنون، ~~PageV04P111 # غير أن ذاك لا يجرد من غمد، ولا يقاد صاحبه بعمده" ونثره على وجه آخر ~~فقال: "دمع المحب ودم القتيل متفقان في التشبيه والتمثيل، ولا تجد بينهما ~~بونا، سوى أنهما يختلفان لونا"1. # وقد نثرناه نحن على وجوه منها: القتيل المتشحط في نجيعه، كالعاشق المنخرط ~~في دموعه، وكلا الماءين دم، إلا أن سال على أصل الخلقه، وهذا صعد ms043 من حرقه ~~الفرقة. # ومنها "القتيل الذي قطعت شرايين نجيعه، أروح من القتيل الذي قطعت شرايين ~~دموعه، فذاك قد فارق الدنيا فأمن شرها وخيرها، كلما نضجت جلوده بدل جلويا ~~غيرها". # ومنها "الدمع دم أحالت لونه نار الهوى فابيض، وقطت سلكه يد النوى فتبدد ~~وارفض، ولا فرق بينهما عند البصر والبصيرة، إلا ن هذا يسيل من عضو واحد، ~~وذاك من أعضاء كثيرة". # ومنها "مصارع العشاق كمصارع الشجعان، يتماثلان في المعنى وإن اختلفا في ~~العيان، وكلا القتيلين شهيد، فهذا نزيف من العين وذاك من الوريد". # فصل: # فلله آراؤك التي نكست القوم عن صهوات الشواهق لا من صهوات PageV04P112 # السوابق، وطعنت فرسانها برماح الكيد والحط لا برماح سمهر والخط1، فكأنما ~~كانت جبالها تشكو عطل الأعناق، فنظمت جيادك لها مكان القلائد، وأدرتها مكان ~~الأطواق، وخضبت ذلك الصعيد بخضاب من الدماء لا من الكتم2 والحناء، وجعلت ~~حمامه سجودا في غير محراب، وهجودا لا برون حكما إلا حكم العذاب، وكم هدمت ~~لهم من حصن بعد حصن، في مشهد بعد مشهد، وأعدتها أطلالا، ولكنها ليست لخولة ~~ببرقة تهمد، وجعلت عمارة تلك المعالم كرواجع الوشوم في نواشر المعاصم، ~~وأذقت الردى أهلها والجنادل، وسقت ما فوق المعاقل حتى كدت تسوق المعاقل. # هذا محلول قوله: # تنكسهم والسابقات جبالهم ... وتطعن فيهم والرماح المكايد # وتضحى الحصون المشمخرات في الذرى ... وخيلك في أعناقهن قلائد # مخضبة والقوم صرعى كأنها ... وإن لم يكونوا ساجدين مساجد # وألحقن بالصفصاف" سابور فانهوى ... وذاق الردى أهلاهما والجلامد3 ~~PageV04P113 # وأضفنا إليه من مواضع أخر ما كمل به المعنى، وهو قول الشاعر: # وأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم # وزدنا عليه أن نفوسهم تعذب بعد الموت فيتألمون، كما يتألم النائم ~~بالأحلام المزعجة، وقول طرفة بن العبد: # لخولة أطلال ببرقة ثهمد1 # وقول زهير: # ديار لها بالرقمتين كأنها ... رواجع وشم في نواشر معصم2 # وقول البحتري: # وقد سقت ما فوق المعاقل منهم ... فلم يبق إلا أن تسوق المعاقلا # وزدنا على لفظة أبي الطيب وهي "مخضبة" قول علي وقد قبض لحيته: "أما والله ~~لتخضبن هذه بخطاب ms044 دم لاخضاب عطر وعنبر" فخرج من مجموع هذا ما وقفت عليه. # فصل: # "عذر الخيمة واضح في السقوط، لأنها علت على مولانا فتأه بت له ~~PageV04P114 # يالهبوط، وعلمت عجزها عن أن تشمل من يشمل الزمان، وأن تعلو من يعلو على ~~بهرام1 وكيوان2، فأر جاؤها في السعة بحيث يركض في كل قطر منها جحفل، ولكنها ~~تضيق عن العالم المجموع في الواحد الأجمل، وتقصر عنه وتطول على القنا ~~الذبل، وأظنا لماأشرقت بأنواره، وتاهت لما عدت من جملة دياره، لم تملك ~~نفسها فخرت وضعفت، ورب نفس أفرط عليها الفرح فزهقت. ولو رزق الناس ما رزقت ~~من الشرف الباذخ البنيات لخانتهم الأرجل وخروا سجود اللجباه والأذقان، وما ~~سقطت عبثا وإنما أشارت بالرحيل، كما أن القصواء3 ما خلأت4 وإنما حبسها حابس ~~الفيل". # هذا محلوله قوله: # أيقدح في الخيمة العذل ... وتشمل من دهرها يشمل؟ # وتعلو الذي زجل تحته ... محال لعمرك ما تسأل؟ # تضيق بشخصك أرجلؤها ... ويركض في الواحد الجحفل # وتقصر ما كنت في جوفها ... وتركز فيها القنا الذبل PageV04P115 # رأت لون نورك في لونها ... كلون الغزالة لا يغسل # وأن لها شرفا باذخا ... وأن الخيام بها تخجل # فلا تنكرن لها صرعة ... فمن فرح النفس ما يقتل # ولو بلغ الناس ما بلغت ... لخانتهم حولك الأرجل # ولما أمرت بتطنيها ... أشيع بأنك لا ترحل # فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل1 # وزدت على ذلك الخبر المشهور وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ركب ناقته القصواء في عام الحديبية متوجها إلى مكة، فلم تنبعث تحته، فزجرها ~~مرارا وزجرها أصحابه فلم تنبعث، فقالوا خلات القصواء، فقال النبي: "ما ~~خلأت، وإنما حبسها حابس الفيل". وجرى من توقفه عن مكة وصلحه قريشا في تلك ~~السنة ما هو مشهور. # فصل: # "هنيئا لأهل كذا جميل رأيك وحسن بلائك، وعميم آلائك، فقد PageV04P116 # كان الدهر جار عليهم واعتدى فثقفته فاعتدل، واعترق العظم منهم وانتقى، ~~فزجرته فأنتقل، فأمرك ممتثل فيخطبه، وخوفك ماثل في قلبه، فإن شك فليحدث بهم ~~ضربا من الحادثات، لترقل له القنا باللهازم والراعفات، فيوماك يوم ms045 يخمد نار ~~الحرب والحرب، ويوم يبرد أوار الجدب والسغب". # هذا محلول قوله1. # هينئا لأهل الثغر رأيك فيهم ... وأنك حزب الله صرت لهم حزبا # وأنك رعت الدهر فيها وريبه ... فإن شك فليحدث بساحتها خطبا # فيوما بخيل تطرد الروم عنهم ... ويوما بجود تطرد الفقر والجدبا # وقول أبي حية النميري: # أما إنه لو كان غيرك أرقلت ... إليه القنا بالراعفات اللهازم2 ~~PageV04P117 # فصل: # "كريم ما شتم ولا شتم، ولا ظلم وظلم، فالملوك تشتم بالفعل لا بالقول، ~~كالأسود لا تفرس بالحيل بل بالحول، وما أفرجت الأعداء عن البلاد حباله بل ~~حذرا من شدة نكاله، ولا عزبت عنه بقيا عليه، ولكن خوفا من ضرر يناله". # هذا محلول قوله: # ولم تفترق عنه الأسنة رحمة ... ولم تترك الشام الأعادي له حبا # ولكن نفاها عنه غير كريمة ... كريم الثناما قط ولا سبا1 # وقد أضيف إليه قول الأول: # وتجهل أيدينا ويحكم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم # وقول الآخر: # فما بقيا على تركتماني ... ولكن خفتما ضرر النبال ### | 50- # فصل في حل قوله: # تباري نجوم القذف في كل ليلة ... نجوم له منهن ورد وأدهم2 PageV04P118 # قد حله المصنف فقال: "تركب ظهر الليل تباري مسير شهبه، وتستقرب بعد المدى ~~في نيل مطلبه، غير أن ذاك يفري أديم الغياهب، وهذا يفري أديم السباسب1. # وقد نثرناه نحن على وجوه منها: فما زلنا نقطع الأدهم الواقف بالدهم ~~السائرات، ونساري الشهب النيرات بالشهب الطائرات، إلا أن تلك نجوم القذف ~~والرجوم، وهذ نجوم الغارة والهجوم. # ومنها: # "فما زلت أباري أدهم الليل بدهم الخيل، وأجاري شهبة بالشهب التي تسبق جرى ~~السيل، حتى وردت مدينة كذا قبيل الصباح، والثريا2 معترضة تعرض أثناء ~~الوشاح، ومنها أدهم3 مقدود4 من الغياهب5، ملطوم الوجه ببعض الكواكب، يفوت ~~الرياح إذا جرى، ويسبق النجوم إذا انكدرت6، إلا أن تقذف من أنصت ليسمع ~~واسترق". PageV04P119 # فسطاط مصور: # "فرأيت إلى خيمته من الحرير مصورة بأنواع التصاوير، تكاد آسادها تزأر ~~وتصول، وفرسانها تنطق وتقول، وأفراسها تركض وتجول. لم نغن الحمائم على ~~حدائق جنانها، ولا حاكت أيدي السحائب رياض جدرانها، ولا عطت1 إلى فروع ms046 ~~الأراك أعناق غزلانها، ولا خضعت رعيتها لملوكها، ولا نظمت عقد عذارها في ~~سلوكها، إذا صافحت الرياح جلبابها، ونازعتها أهدابها، مالت ميل الغزل، ~~ورقصت رقص الشارب الثمل2، قد تألفت الأضداد فيها تألف الأضراب والأشكال، ~~فالكتاب ضيف الأرنب والفهد ونزيل الغزال". # هذا محلول قوله: # وأحسن من ماء الشبيبة كله ... حيا بارق في فازة أنا شائمه # عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوح لم تغن حمائمه # وفوق حواشي كل ثوب موجه ... من الدر سمط لم يثقبه ناظمه # ترى حيوان مصطلحا بها ... يحارب ضد ضده ويسالمه PageV04P120 # إذا ضربته الريح ماج كأنه ... تجول مذاكيه وتدآى ضراغمه1 # فصل: # "قصار رمحك أطول من ظلالها، وطول رماح أعدائك أقصر من زجاجها2 ونصالها3. ~~وكم من رمح قصر فأطلته بخطاك، وكم من بلد بعد فقربته بسراك، وقطرك في الندى ~~والردى سيول وبحار، وعزمك في الخصوم والعدا نصول وشفار، وأناملك راجحة ولكن ~~خلقت سيوفك من عجل، فكلما نهيتها عن ولوغ الدماء قالت سبق السيف العذل4. ~~وقد PageV04P121 # ينسب الجاهل حلمك أحيانا إلى تدبير أو خداع، ولا يعلم أن الليث لا يأكل ~~الجيفة، ولا يفترس الضباع". # هذا محلول قوله: # طول قنا تطاعنها قصار ... وقطرك في ندى ووغى بحار # وفيك إذا جني الجاني أناه ... تظن كرامة وهي احتقار1 # وقول السموءل: # إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فتطول2 PageV04P122 # فصل: # "الآراء الصائبة، والشجاعة الثاقبة، تستبعد الصوارم، وتستخدم المخاذم1، ~~فالتدبير أمير والشجاعة جنده، والرأي حسام والصرامة غمده. # ولو لم يلحظ هذا المعنى ويعتبر، لكانت السباع أفضل من البشر، وطالما نكست ~~الأعلام بالأقلام، وملكت الأصقاع بالرقاع، ونفذت المكائد قبل نفوذ الحدائد. ~~فإذا اجتمع لنفس سعيدة هذان الأمران نالت أقصى الإمكان، وبلغت من العليا كل ~~مكان". # هذا محلول قوله: # الرأي قبل شجاعه الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني # فإذا هما اجتمعا لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان # ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران # لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان2 PageV04P123 # فصل: # "عزائمك لا تفل، وآراؤك لا تضل، ومدائحك لا تمل، وأحكامك ms047 لا تميل، وسيفك ~~شريك المنايا في قبض النفوس، فهذه لاختطاف الأرواح، وهذا لاقتطاف الرءوس. ~~وكل دم لم تحصبه1، ظباك أصبح مطلولا، وكل ممات لم تشارك فيه عدة خيانة ~~وغلولا". # هذا محلول قوله: # شريك المنايا والنفوس غنيمة ... فكل ممات لم يمته غلول2 # فصل في حل قوله: # وما الحسن في وجه الفتى شرفا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق3 # قد نثرناه على وجوه منها: "شرف الفتى بأفعاله، لا بحسنه وجماله، كالسيف ~~يقطع بجوهره، لا بحسن منظره". # ومنها: "لو كان شرف الإنسان بصورته وخلقه لا بمعناه وخلقه، لما قيل ما ~~الإنسان إلا القلب واللسان". PageV04P124 # ومنها: "لا فخر في الصورة المليحة، وأفعالها قبيحة، كالشجرة السامية ~~الخضراء الناضرة، وفي أكلها الفاقرة"1. # ومنها: "لو كان الفخر بما بدا في الصورة وظهر، لا بما بطن من المعنى ~~واستتر، لكانت صورة النمارق2، أشرف من الحيوان الناطق". ### | 52- # فصل في هيئة عسكر: # "للأمير أيده الله جيشان: النسور في الجو والجياد في الدو3، فكأن الفضاء ~~ثوب مطير4، بالجوارح والعقبان، وكأن العز فرس محجل بالسوابق والفرسان، ~~فعسكر الطير ضيف يستطعم عسكر السيف، فإذا رمى بهما جيشاه نفاه، فأباد هذا ~~أرواحه، وأباد هذا أشباحه". # هذا محلول قوله: # له عسكر خيل وطير إذا رمى ... بها عسكر لم يبق إلا جماجمه # سحاب من العقبان يزحف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه5 ~~PageV04P125 # وقد حله هذا المصنف فقال: # "فسرنا في غمامة من الكتائب، تظللها غمامة من الطيور الأشائب1 فهذه يضمها ~~بحر من حديد، وهذه يضمها بحر من صعيد"2. # فصل: # "حسام لولا ترقرق الماء في جوانبه، لتلمست النار الموقدة من مضاربه، فقد ~~أضربه حب الجماجم والأعناق حتى عاد نضوا كالهلال، وودت سباع الطير والوحش ~~أنها تفديه بالمخالب والأنياب إذا فدى غيره بالأنفس والأموال، فأحسن ما خضب ~~بالدم الممار، لا بالعسجد والنضار، والحسناء حسناء وهي في الأسمال ~~والأطمار. وإذا كان الحلي لإتمام النقص يعمل، فتشف الأفضل أنبل، وعطل ~~الأكمل أجمل". # هذا محلول قوله: # أحسن ما يخصب الحديد به ... وخاضبيه النجيع والغضب # فلا تشييننه بالنضار فما ... يجتمع الماء فيه ms048 والذهب3 PageV04P126 # فصل في ذكر الدنيا: # "هي الهرة تأكل أولادها، والموتورة تظهر أحقادها، أخون من البغايا1، ~~وأخدع من الحنايا2، تصيد الصقر بالحزب3، وتكسر النبع4 بالغرب5، تغدر ~~بأضيافها، وتقتل أزواجها ليلة زفافها، أفنت العشائر والقبائل، ولم يحصلوا ~~من حبها على طائل". # هذا محلول قوله: # فلا تنلك الليالي إن أيديها ... إذا ضربن كسرن النبع بالغرب # ولا يعن عدوا أنت قاهره ... فإنهن يصدن الصقر بالخرب6 # وقوله: # فذي الدار أخون من مومس ... وأخدع من كفة الحابل PageV04P127 # تفاني الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل1 # فصل: # "فلما أبوا إلا شقاقا وجماحا، واستنزلوا حينا عليهم مكتوبا ولهم مباحا، ~~نهد الأمير أيده الله إليهم في كتيبة حسناء، تهز حوله جانبيها، كما تنفض ~~العقاب جناحيها، فهو ربيبها في السير، وحارسه في النزول، وطليعها في ~~النفير، وسائقها في القفول". # هذا محلول قوله: # يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب2 # وقول البحتري: # طليعتهم إن وجه الجيش غازيا ... وساقتهم إن وجه الجيش قافلا3 PageV04P128 # فصل في صفة الخيل: # جيش قد حملت فيه الرجال على السلاهب1، بل الأفاعي على العقارب، وغلب فيه ~~فائتهم الأبرد2 على الغزلان، بل الأجادل3 على العقبان، خوارق الأرض فلا ~~تحمل إلا الأبطال والحديد، ومتبدلات الأحوال فكم لهما من بئر معطلة وقصر ~~مشيد. # من كل جياش4 العنان، مضمون السبق يوم الرهان، إن قرع الطود فصقر، جارح، ~~أو ركب البحر فنون5 سايح، لما من النقع، براقع وجلال6، ومن الكواكب غرر، ~~ومن الأهلة فعال. قد خالفتا صدورها، وعاقدتنا لباتها ونحورها أن تجول مع ~~فارسها حيث جال، وأن تخوض دونه المكاره والأهوال، وأن تجري في المضيق ولو ~~أم السراط، وأن تلج المأزق7 وإن كان أضيق من سم الخياط. # هذا محلول قوله: # فأتتهم خوارق الأرض ما تح ... مل إلا الحديد والأبطالا PageV04P129 # خافيات الألوان قد نسج النق ... ع عليها براقعا وجلالا # حالفته صدورها والعوالي ... لتخوضن دونه الأهوالا # ولتمضين حيث لا يجد الرم ... ح مدارا ولا الحصان مجالا1 # الترصيع بالآيات القرآنية وغيرها: # أما الترصيع بالآيات القرآنية والحكم النبوية والأمثال في الكتابة فقد ~~ذكر هذا المصنف من ms049 إنشائه فصولا تتضمن ذلك. # ولما كنا قد ذكرنا في حل المنظوم ما عارضنا به ما ذكره وجب أن نذكر من ~~كلامنا في ترصيع الآيات والأمثال فصولا تعارض ما ذكره أيضا. # فمن ذلك قولي في توقيع إلى أحد النظار ببعض الصدقات الشريفة المتقبلة: ~~"وليحرس فلان عليه هذا المشرب النمير عن رتق التكدير2، ولا يشوه وجه هذه ~~المبره المتقبلة بالمطل والتأخير، وليحذف عنه أسباب الإرجاء والمدافعات ~~ومطاعن عن الاعتراض والتأويلات، فهذه صدقة يصدق بها مالك الرق، وإمام الحق، ~~وسيد الخلق، جعل الله تعالى صدقاته المبرورة التي PageV04P130 # لا تدركها الأوهام، ولا تحصرها الأفهام، ولو أن ما في الأرض من شجرة ~~أقلام1، جنودا مجندة حول لوائه المنصور، وكافلة لدولته الشريفة بالخلود إلى ~~يوم النفخ في الصور، ومعقبات من بين يديه ومن خلفه من أمر الله2 تحفظه ~~أحقابا، وباقيات صالحات هي عند الله أحسن عملا وخير ثوابا"3. # وهذا الفصل قد رصع بثلاث آيات من الكتاب العزيز واقعة مواقعها. ومن ذلك ~~قولي من جملة من كتاب أصف فيه حربا: "حتى إذا زلزلت الأرض عليهم زلزالها، ~~وأخرجت أثقالها4، وكرعتهم الحرب عرك الرحا ثفالها5، وعصبتهم الهيجاء عصب ~~السلم6، ومرتهم غمر البين، وهزهم الروع هز الجنوب ضحى عيدان يبرين7، لم يكن ~~إلا كحسوة طائر أو خطوة سائر، حتى خالطت السيوف أجسامهم". فأول هذا الكلام ~~من الكتاب العزيز، وقولي وعركتهم من قول زهير: # فتعرككم عرك الرحا بثفالها8 PageV04P131 # وقولي وعصبتهم من قول الحجاج لأهل العراق: والله لأعصبنكم عصب السلم، ~~ولألحونكم لحو العصا، ولأغمرنكم بغمار البين. # وقولي وهزهم من قول الشاعر: # يهززن للمشي أعطافا منعمة ... هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا # وأحسن ما نقل المنظوم أو غيره إلى الكتابة إذا كان هكذا، لأن الشاعر ذكر ~~هذا التشبيه في الغزل فقلبته أنا إلى الوصف. # وقولي حسوة طائر من قول الباخرزي شاعر العجم1: # ولو غبت عن هذين حسوة طائر ... لزال نظام أو لفض ختام # ومن ذلك في توقيع لبعض العدول، وقد رتبه مشرفا ببعض الأعمال أحذره من ~~الخيانة، وأنه إن واقع ذلك أخذ طيلسانه، وأسقطت ms050 عدالته، وهو كناية لطيفة ~~تنزع إلى القرآن الكريم، سكونا إلى أمانته ونزاهته، ووثوفا بحريته ~~واستنابته وكفايته، إلى تقمصه بجلباب الديانة، وتحليه بحلاها، وإخلادا ~~PageV04P132 # إلى ما هو موسوم به من العدالة التي يقترن لفظها إن شاء الله بمعناها، ثم ~~أتممت هذا الكلام بما يناسبه إلى أن قلت: "وأهم ما نفرضه عليه، والدنيا ~~ألقت به إليه، لزوم الأمانة والعفاف، وصيانة العرض وحفظ الأطراف، فليحذر أن ~~تدليه الأطماع بغرورها، وجهلها، وتلهيه بحلاوة شهدها عن إبر نحلها، وليكن ~~من إغواء الشيطان بإطعامه الشجرة على أتم حذر، وأشد فرق، فإنه إن استزله ~~نزع عنه لباس الرضا، ثم لا يتمكن من خصف الورقن فليحرص قاعدة العدالة التي ~~هي مرسوم موسوم بشعارها، ومندوب إلى اقتفاء آثارها، والاهتداء بمنارها". # فهذه الكتاية من قوله تعالى: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج ~~أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما} 1 وقولي في أول ~~التوقيع التي يقترن لفظها إن شاء الله بمعناها لا يخفى ما فيه من الحلاوة ~~في هذا الموضع. # ومن ذلك قولي في جملة وصايا يتضمنها توقيع لبعض النظار: "أيد الله نائب ~~الأعمال الواسطية وحراسة الارتفاعات بالسطوة التي تزهق النفوس، وتغض لها ~~الأبصار وتنكس الرءوس، وتحفظ بها الأموال المتمزقة في أقصى الديار، المشردة ~~تحت الكواكب كتبدد الكواكب، فهو شجاعها المقدام وصارمها الصمصام، وقد نبهنا ~~عمرو إن كنا لا ننام، فليستأصل شاقة2 المفسدين، PageV04P133 # وليغلظ عليهم، وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم. فالسياسة شموس جامع ~~لا يصحب1 إلا بالسيف والنطع، وعروس فارك لا تقطف حتى يخلق ملؤها بالنجيع". # وقد رصعت هذا الفصل ببعض قوله تعالى: # {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} ~~2 وحللت فيه قول الشاعر: # إن المعالي عروس غير واصلة ... ما لم يخلق رداؤها بنضخ دم # ومن ذلك قولي في هذا التوقيع في الوصاة بتخير العمال: وعماله ونوابه ~~بالأعمال فهم جذوة من ناره، وأثر من آثاره وشعاع من شمسه، ودوحة من غرسه، ~~وفضيلتهم نتيجة فضله، واختيار المرء بضعة ms051 من عقله، فليحسن في ارتيادهم، ~~واختيارهم، وليجمل في اصطناعهم واصطفائهم، وليتخير أرباب الأغراض الزكية، ~~والأفعال المرضية، والتجربة، والمسألة، والشباب، والحيلة، فإن كبا منهم ~~سابق -والجواد قد يكبو- ونبا منهم صارم -والحسام قد ينبو- عالجه بالتقويم ~~والإرشاد، فإن أصر فبالتخويف والإبعاد، وإن فاء فبالإقصاء والإبعاد، وإن ~~أنس من أحد ما يقدح في الأمانة، ويشهد بوقوع الخيانة عاقبة معاقبة ~~المجرمين، وجعله نكالا لما بين يديه وما خلفه وموعظة للمتقين3. PageV04P134 # آخر هذا من القرآن العزيز. وقد تضمن أيضا أمثالا غير خافية. # ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "وليواصل بالحمول الدارة في أوقاتها مواصلة ~~توجب له الزيادة، وتستدر له أختلاف السعادة، وتجعله ممن وضحت براهينه، ~~وثقلت موازينه، وأنار صباحه، وفازت قداحه، ويطلق عقله لسانه إذ خرس العاجز ~~فلا يفوه، ويبيض وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"1. موضع الترصيع من هذا ~~الكلام بالألفاظ القرآنية الشريفة واضح. # ومن ذلك قولي في آخرل هذا التوقيع: "وليطالع الديوان العزيز بصالح ~~الأعمال، ومتجددات الأحوال، في أوقاتها وأزمانها من غير إرجاء يفضي إلى ~~فواتها وبطلانها، ليدبر من تقدماته العالية، وآرائه السامية بما يجعله من ~~الأرشدين دليلا، والأوضحين سبيلا، وينتظم باقتفائه واحتذائه في سلك الذين ~~التحق سرهم في الإخلاص بإعلانهم، ويعد باتباعه وامتثاله من الذين يسعى ~~نورهم بين أيديهم وبأيمانهم"2. # وموضع الترصيع من هذا الفصل بالآية أيضا ظاهر. # ومن ذلك ما كتبته في بعض التوقيعات لناظر من نظار السواد والضياع: "فهي ~~الأمهات الحوامل، والمرضعات الكوافل، فليتخير بها طيبة البقاع، ضامنة بنمو ~~الارتفاع فتخير الضياع كتخير المناكح، من أحسن فيها الاختيار اليوم أنجبت ~~عرسه غدا، PageV04P135 # {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} 1، # والفدادين2 فهي حاملة الأثقال، وعامرة الأعمال، ومراكب البضاعة ورأس ~~المال، فليجتهد في إراحة عاملها3، والسلامة من درك نقصها وخللها" وما عساه ~~يعوزها يتمة، وما تسرب منها يجمعه ويلمه، فقد من الله على عباده بأن خلقها ~~كثيرة الحرث، ووسقاهم مما في بطونها من بين دم وفرث4. # والآيات المدرجة في غضون هذا الكلام ظاهرة. # ومن ذلك قولي في هذا ms052 التوقيع: "فإذا تم ارتفاعه، وتكامل صلاحه وإيناعه، ~~وبلغ الكتاب أجله لميعاده، ودنا الوقت الذي قيل فيه وآتوا حقه يوم حصاده، ~~فليواصل بالحمول إدرارا، وليندب نفسه في جمع المال ليلا ونهارا، وليرهف ~~للاستيفاء والاستخراج شبا العزم، ولينصب لذلك انتصاب أمثاله من ذوي البصيرة ~~والحزم، فاستيفاء الأموال والحقوق هو النتيجة المرادة، والثمرة المستفادة، ~~وذلك المحض عن هذه الزبدة أسفر، وذلك السرار5 عن هذا الهلال أبدر6، وذلك ~~الغرس لهذه الفائدة أثمر، وذلك البدل لهذه النفس النفيسة صور، وعلى قالبها ~~تصور، والمضجع في الاستيفاء بعد PageV04P136 # ارتكاضه السابق وتعبه مستحق المثل الإلهي: كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ~~أنكاثا1، وناهيك به". # فأول هذا الفصل آية وآخره آية أخرى2. # وفي وصايا التوقيعات التي تتضمن الكلام النبوي قولي في توقيع بعض النظار: ~~"وليعن بأمر الأكارة، فإنهم عمار الأراضي والضياع، وقوام المال والارتفاع، ~~وجند السواد، وأوتاد البلاد، وليشملهم بالعدل والإنصاف، وليؤمنهم بوائق ~~الجور والإجحاف، وليسهل إذنه عليهم، وليواصل إحسانه إليهم، فالكثير منهم ~~يثبت ويقيم بالبشر والطلاقة، وينفر ويفر بالعنف والفظاظة، والاستقصاء على ~~الرعية فراق، وفي الحكمة النبوية: إذا لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ~~بأخلاقكم. ويقال إنه ليس كلمة أجمع لمكارم الأخلاق منهما". # وأما الكتابة التي تتضمن الأمثال وهي مرصعة بالوقائع والأيام والنكت، فمن ~~ذلك قولي في جملة توقيع: "وأهم ما يؤمر به وإن كان شيمته، وآكد ما يوصى به، ~~وإن كان خلقه وسجيته، الاستمرار على ما اشتهر به من الأمانة PageV04P137 # التي فاز من تدرع بأثوابها، وتعلق بأسبابها، وتحلى بسمطها ووشاحها، وتجلى ~~في لألاء إصباحها، وارتقى أعلى مراتبها، واقتنى أسنى مناقبها، وارتدى ~~بأرديتها، واجتى بأنديتها، وضير من نضا وأنضى ركابها، وعند عن طريقها، ~~والقيام بحقوقها، وباعها بالثمن البخس، ووكس فيها شروكس، ورجع بالجد ~~المنعوس1، والحظ المنحوس، والرأس المنكوس، متلففا في العاجل بثوب الخزى ~~والصغار، متعرضا في الآجل للنكال والبوار، فالحرة لا تأكل بثديها وإن جاعت، ~~ولو اضطرت إلى الدنية لما أطاعت، ورب أكلة هاضت، وزيادة زيد عليها ففاضت، ~~وطالما تئوب، البطنة بصاحبها، ثم يندم على سوء عاقبتها، ومن أكل ms053 قليلا نام ~~قريرا، والثرئ من القناعة غني وإن كان فقيرا". # فهذا الفصل يشتمل على أمثال عدة2 مع ما فيه3 من شرف الصنعة. # ومن ذلك ما قلته في توقيع بعض النظار بأعمال السواد: "وليجتهد في تربية ~~المزروعات و.. كرتبة الأولاد، وليحرسها من بوائق العيب والفساد، ~~PageV04P138 # وليستكثر من نواطيرها1 وسقاتها، في تطوافه عليها بنفسه في معظم أوقاتها، ~~ففضيلة العمل في استتمامه، والهلال حسن وليس كحسنه لتمامه، وليهتم بإصلاح ~~"السكور" و"البريدات" و"الرؤف" و"المرادات" ليأمن عليها من الانفتاح ~~والانفجار، وتأسيس أساسها على شفا جرف هار. وليكن من الاعتناء بها ~~والاهتمام بحيث يحلم بها في المنام، ويتخيلها في الأحلام، فإن الزلل فيها ~~مذهب الأموال ومجتاح الرعية، وهي من المصالح الكلية، لا من المحقرات ~~الجزئية، فإياه أن يستصغر منها الصغير، أو يستحقر الحقير، فرب أمر قل ثم ~~جل، وفي المثل أول الغيث طل2. # فهذا الفصل يشتمل على أمثال مأخوذة من الشعر، فمنها من قول أبي تمام: # هذا الهلال يروق أبصار الورى ... حسنا وليس كحسنه لتمامه3 # ومنه من قوله أيضا: # وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث طل ثم ينسكب # ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "وإياه أن يسلك في حراسة الأموال مسلك ~~المداهنة، أو يذهب في السياسة مذهب الإغضاء والملاينة، فتضيع حركاته، ~~PageV04P139 # وتذهب حسنانه ويصبح كالتي أراقت سجلها1 أو يصبح كالتي نقضت غزلها، ويكثر ~~العبث والفساد، ويستحكم الطبع ويزداد، فأدعى الأشياء إلى انحلال النظام وضع ~~الصفح موضع الانتقام. # ولينتصب لاستيفاء الأموال وحملها، فقد علم أنها الثمرة المنتظرة، والغاية ~~المرتقبة والزبدة التي تمخضت عنها هذه الحركات، والنتيجة التي تقدمت لها ~~هذه المقدمات، فليواصل بها مواصلة يجني جناها، ويحمد عند الصباح سراها، ~~وليطالع الديوان العزيز بجاري أحواله، ومصالح أعماله، ليدبر من آرائه ~~العالية، وتقدماته السامية، بما يبصره، ويرشده، ويوفقه ويسدده، ويحميه من ~~موارد الردى، ويجعله من الذين اهتدوا وزادهم هدى". # فهذا الفصل يتضمن آيتين من الكتاب العزيز وهما {كالتي نقضت غزلها من بعد ~~قوة أنكاثا} 2 و {الذين اهتدوا زادهم هدى} 3. # ويشتمل على أمثال شعرية وهي قول المتنبي: ms054 # ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى4 ~~PageV04P140 # وقول الآخر: عند الصباح يحمد القوم السرى1. # ومن ذلك ما قلناه في توقيع بعض كتاب: "وليرتب بديوان المعاملات نائبا ~~جلدا يثق بأمانته، ويطمئن إلى كفايته، يقوم مقامه، ويسد مسده، فإنه لا غنى ~~له عن المساعد على أثقاله، والمعاضد له في جميع أحواله، فالوادي لا يزخر ~~بغير شعابه2، والبيت لا يقوم إلا بعمده وأطنابه3، والسيف يحتاج إلى ~~القائم4، والخوافي عدة للقوادم". # فهذا الفصل يتضمن أمثالا شعرية منها قول أبي تمام: # فاضمم قواصيهم إليك فإنه ... لا يزخر الوادي بغير شعاب # والسهم بالريش اللؤام ولن ترى ... بيتا بلا عمد ولا أطناب5 # ومنها قول بشار: PageV04P141 # ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي عدة للقوادم # وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم1 # ومن ذلك ما قلناه في هذا التوقيع أيضا وهو: # "وليباشر بنفسه، أو من يقوم مقامه كل ما يستوفي ويحرر ويقرر ويحل ويعقد، ~~ويستظهر على الأموال المستوفاة بختمه، ويضبط الحقوق بعمله وعلمه، فهو ~~الشاهد المصدق في النقض والإبرام، وحذام في صناعته، والقول ما قالت حذام"2 ~~وموضع المثل من هذا الفصل والبيت الذي فيه معلومان. # ومن ذلك قولي في هذ التوقيع أيضا عند وصية الكاتب بقوانين وقواعد يعتمدها ~~في هذا الحساب ورفعه: "ولا حاجة له إلى أن يجرى له في هذا الباب ما يتبعه ~~ويقفوه، ولا يمثل له ما يطأ عقبه ويتلوه، فغيره تقرع PageV04P142 # له العصا1، وسواه يقعقع له بالحصا، والعوان لا تعلم الخمرة2، والفطن3 لا ~~يوصى إلا مره. وإذا احتاج الحسام إلى الغمد والجواد إلى الهمز، فهو4 الغني ~~يرشده عن الإرشاد، وابن جلا وطلاع النجاد5". # هذا الفصل يتضمن أمثالا عدة منها: فغيره يقرع له بالعصا، من قول الشاعر: # لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما ~~PageV04P143 # وذو الحلم هو عامر بن الظرب العدواني حكيم العرب، وقصته مشهورة، وكذلك ~~الفطن لا يوصى إلا مرة. # وأما ابن جلا وطلاع النجاد فمثل شعري أصله قول القائل: ms055 # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني # ومن ذلك ما كتبته في توقيع كاتب آخر وهو "حيث توقل "من"1 هذه الصناعة ~~قللها، واجتاب2 ملابسها وحللها، وكشفت التجربة أنه ابن بجدتها، ورضيع درتها ~~وجهينة أخبارها، وجواد مضمارها، ونسج وحدها، وصمصامة غمدها، واشتهرت عنه ~~الأمانة التي تقمص برديها، واستلان سبلها3 ونهج طريقها، وحمى حقيقتها". # وفي هذا الكلام أمثال كثيرة، وألفاظ تجري مجرى الأمثال4. ومن ذلك ما ~~كتبته في وصايا توقيع بعض النظار وهو: "الحركة الدائمة التي PageV04P144 # تذهب الكلال، وترهف الكليل، وتنزع الغل وتشفي الغليل، وتعقب الراحة، وإن ~~عجلت النصب، وتقوم الأعمال مقام الدواء للوصب. فليكن لها ملازما، وعليها ~~مواظبا، ولمهاد الدعة وجانب الكسل مجانبا، فمن لم تسوده البيداء لم تسوده ~~العلياء، ومن لم تلفح جسمه السمائم لم تبيض وجهه المكارم". # وهذا مأخوذة من قوله: # ما ابيض وجه المرء في طلب العلا ... حتى يسود وجهه في البيد # ومن ذلك قولي في هذا التوقيع لناظر قد رتب على زراعة غيره، وأمر بتربية ~~ذلك المزروع وهو: "وبتربية المزروعات لسنة كذا الخراجية، وترتيب النواطير ~~والحفطة لها، وتعاهدها بالسقى عند حاجتها، فليكن معظم زمانه مصروفا إليه، ~~وموقوفا عليه، فهذا الارتفاع إن لم يكن غارسه فهو حارسه، وإن كان قد سبقه ~~إنشاؤه وابتداؤه فعليه تربيته وإنماؤه، فالأعمال بختامها، والمبادئ ~~بإتمامها، وليس لمن وضع أسه، بل لمن كمله، ولا الصيد لمن أثاره، بل لمن ~~حصله". # في هذا الكلام من الأمثال المشهورة قولهم: "الأعمال بخواتيمها"، ومن ~~الأمثال النبوية قوله: ليس الصيد لمن أثاره، بل لمن حصله. # ومن ذلك قولي في هذا التوقيع توصية بالمعاملات لسنة كذا الخراجية: ~~"فليضاعف رجالها، وليعمر أعمالها، فهو مفتتح ارتفاعه، وبكر خدمته، # PageV04P145 # والشاهد على وفور اجتهاده، وعلو همته، وعليه الاعتماد والمعول، فليحذر أن ~~يقال إذا ما أول". # هذه إشارة إلى البيت المشهور الذي قد صار مثلا وهو: # إذا ما أول الخطى أخطا ... فلن يرجي لآخره انتصار # ومن ذلك قولي: "فيحكم بنيانها، وليشيد أركانها، ليستر عوارها، ويأمن ~~انفجارها، وتثبت تحت المياه عند طغيانها، وتقوى على ms056 تمردها وعصيانها. ~~وليحذر عاقبة الهوينا فيها، ومغبة الإهمال لأمرها، فالدخان تلتهب ناره، ~~والشر تبدو صغاره". # هذان مثلان مشهوران قد وقعا في هذا الكلام موقعهما. # ومن ذلك ما قلته في الوصاة بالأكرة1: "والأكرة فهم جنده الذي به يحارب ~~وسيفه الذي به يضارب، فليسجع في ملكته2، ولينصف ضعيفهم في معاملته، وليوفر ~~عليهم حصصهم وحقوقهم، وليخفف ما استطاع رسومهم وطسوقهم3، فهم جند الرغبة، ~~لا جند الرهبة، وعبيد البرو الإحسان، لا عبيد الظلم والطغيان، ومن طوق ~~الأجياد فقد أوثق الأقياد، ومن لم يملك القلوب لم يملك الأجساد. والأكرة ~~جند لا تزال البلاد ساكنة PageV04P146 # آمنة، ما سكتوا وأمنوا، وفي الحكمة القديمة، استوصوا بأهل الخراج، فلا ~~تزالون سمانا ما سمنوا". # في هذا الكلام من الأمثال قولهم: ملكت فأسجح1، وقول أردشيرين بابك: ~~استوصوا بأهل الخراج فإنكم ما تزالون سمانا ما سمنوا. وفيه نظر إلى قول ~~المتنبي: # وقيدت نفسي في هواك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا2 # ومن ذلك ما صدرت به توقيعا في تقريظ بعض النظار وهو: "لما كان فلان من ~~الرجال الأفراد الذين عليهم الخناصر تعقد، وإذا طلبت النظائر مثلهم تعز ~~وتفقد، وكانت شمائله تنطق عنه بالكفاية ولو لم يخبر ويشهد، له مخايل ~~الفراسة بخصائص النجابة، وقد دلت سوابق الاختبار له على حسن الاختيار، ~~وإثبات سوالف مآثر خدماته على حميد الآثار، واستحقاق الإيثار. وكان الديوان ~~العزيز قد بلاه في حالتي عمله وعطلته، وعرف ما تنطوي عليه أنباء برديه في ~~يوم فقره وثروته، وكان في أيام خدماته PageV04P147 # الرجل الشهم الذي ينفذ نفوذ السهم، ويدرك بحسه الثاقب خفي الوهم إذا سفى ~~به أرضا صابها1، وإن رمى به رمية أصابها، وإن عالج تدبيره معاملة سقيمة ~~أبرأ أوصابها. # هذا إلى ما خص به من سياسة تمنع خطاب الضمير، فضلا عن خطوات التدبير، ~~وأمانة ضم عليه إهابها، وسمع قرقعة جلبابها، وضفا عليه سربالها وتخب وراءه ~~أذيالها. ومن أيام عطلته رب الصيانة التي لا تجحد، ومدخر القناعة التي هي ~~كنز لا ينفد، والصابر على البؤس بل على العطب، بل لا يصبر على ms057 النار إلا ~~خالص الذهب. فرأى الديوان العزيز إعادة النظر بالمعاملات الفلانية إليه، ~~والتعويل في إصلاح فاسدها وتقويم مائدها عليه علما أنه قد سلم القوس إلى ~~باريها، وأضاف العقيلة إلى كفئها وكافيها". # في هذا الكلام من الأمثال والنكت الرائقة ما لا خفاء به. # ومن ذلك قولي في هذا التوقيع من الوصايا: "وليهتم أولا بحفظ البذور التي ~~هي رأس المال، وذخيرة الأعمال، والعروس التي تجتنى ثمارها، والبضاعة التي ~~إذا حرست أمن بوارها، والتفريط في القليل عنها ليس بقليل ولا قريب. # وفي المثل: كم بذي الأثل دوحة من قضيب2، وليتخيرها خالية من الغش ~~PageV04P148 # والدغل، فالغش في المتاجر الدنيوية، والغش في المتاجر الدينية، كلاهما ~~يبصل العمل، ومن هون في البذر فيوم الحصاد يندم، وكل امرئ على ما قدم يقدم، ~~ولا يتولد عن المعدوم إلا العدم، ومن أشبه أباه فما ظلم"1. # هذا الفصل يتشعب شعبا، فمنه ما ينزع إلى الخبر النبوي وهو قوله "وإنكم ~~لتقدمون على ما قدمتم"، ومنه ما هو مأخوذ من قول القائل: # إذا أنت لم تزرع وأدركت حاصدا ... ندمت على التقصير في زمن البذر # ومنه ما يرجع إلى قوله أبي تمام: # لا تذيلن صغير همك وانظر ... كم بذي الأثل دوحة من قضيب2 PageV04P149 # وقد دخل فيه أيضا المثل السائر: من أشبه أباه فما ظلم. # وقولي: "ولا يتولد عن المعدوم إلا العدم" نكتة كلامية1. # وقولي: "إن الغش الدنيوي كالغش الديني كلاهما يبطل العمل"، لا يخفى ما ~~فيه من الحلاوة مع لطف الصنعة. # ومن ذلك قولي في الوصاة بحراسة الارتفاع وهو: "وحراسة الغلات عند الإدراك ~~والحصاد، وإظهار الوزعة التي تشرد بالرقاد، وتغني عن تجريد السيوف من ~~الأغماد. فأنت رضيع لبانها، لا شريك عنانها2، والمضروبة بين أمثاله ~~الأمثال، والمنقوضة لديه الأحلاس، والمحطوطة إليه الرحال. وسبيلك الأخذ على ~~القتيل والنقير، وألا يحتقر في هذا الباب ما هو أحقر من الحقير، فقليل ~~الجناية يدعو إلى كثيرها، وربما تهاج كبيرات الأمور بصغيرها، والشراك ~~بالشراك3 يتصل، ومن الذود إلى الذود إبل". # في هذا الفصل من الأمثال والنكت قولهم: هما رضيعا ms058 لبان4، وقولهم: هما ~~شريكا عنان. ومن بيت الحماسة: # "يهيج كبيرات الأمور صغارها"5 PageV04P150 # وبيت البحتري: # من لغا هذا إلى مخسوس ذا ... ومن الذ ود إلى الذود إبل1 # ومن ذلك ما قلته من الوصاة يتخير النواب والعمال وهو: "والمستنابون ~~بالأعمال فهم اليد الباطشة، والرجل الساعية، والعين الباصرة، والأذن ~~الواعية، وأنت لهم بمنزلة الجسد ذي الأدوات، والقلب المستعمل للأعضاء ~~والآلات، فإن صحوا كنت الصحيح السليم، وإذا سقموا كنت المريض السقيم، لأنهم ~~أجزاؤك وأبعاضك، فصحتهم صحتك، وأمراضهم أمراضك. فأذك عليهم عيون التطلع، ~~ولا تخلهم من التصفح والتتبع، واجعلهم نصب عينيك، وتجاه ناظرك، وتلقاء ~~وجهك، وإزاء خاطرك، فمن كان أمينا أقررته وأدنيته، ومن شككت فيه طردته ~~وأقصيته، ومن ثبت عليه هفوة، أو صحت عليه عثرة أو كبوة، فسبيلك أن تنكل به، ~~وتبالغ في حسن أدبه. ولا تسلك في ذلك مسلك المجاملة والمداهنة، فما كل وقت ~~تصلح PageV04P151 # الملاينة، وليس كل ذنب يحتمل الإغضاء والطي، ومن الأمراض مالا يحسم إلا ~~بالكي، وأفسد الأشياء لقانون الرياسة وضع الصفح موضع السياسة، وأدعى ~~الأشياء إلى انحلال النظام، الصفح عن ذوي الذنوب والأجرام". # وهذه الأخيرة، قد تقدم نظيرها، وقو قولنا: فأدعى الأشياء إلى انحلال ~~النظام، وضع العفو موضع الانتقام، وقد ذكرنا بيت أبي الطيب الذي أخذناها ~~منه1. # ومن ذلك قولي في خاتمة الوصايا في هذا التوقيع: "ولا حاجة لنا مع كما له ~~وسداده، وهديه المجمع عليه ورشاده، إلى استقصاء ما في الوصايا والأوامر، ~~ولو تيقن الكناية لقال فيها كم ترك الأول للآخر، فهو يخترع من محاسن التصرف ~~من الخدمة ما يعجز عنه الكبير من أرباب السياسة والتدبير، ويستنبط بخبرته ~~ما يستغنى به عمن يرشده، ولا ينبئك مثل خبير"2. # فآخر هذا الفصل من الكتاب العزيز، وصدره مثل شعري نظمه أبو تمام فقال3: # لا زلت من شكري في حلة ... لابسها ذو سلب فاخر # يقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر # ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "وليطالع الديوان العزيز بأحوال عمله ~~PageV04P152 # في أوقاتها، من غير إرجاء يفضي إلى قواتها، مستمدا من تدبيره ms059 الصائب ~~ورشده، ما يبصر به سبيل قصده، ومستنجدا من رأيه الثاقب ما إذا شذ بزنده ضرب ~~بنصل يقطع الهام من غمده". # هذا يتضمن من الأمثال الشعرية قول أبي الطيب المتنبي: # إذا شد زندي حسن رأيك في يدي ... ضربت بنصل يقطع الهام مغمدا1 # ومن ذلك قولي في توقيع بعض مشرفي الأعمال في ذكر الأمانة: "فإنها الدرع ~~التي تسخر بالنبال، وتهزأ بالنصال، وتضمن سلامة دارعها يوم النزال. وقل من ~~أصبح منها حاسرا، إلا وأمسى في صفقته خاسرا، أو كان لها مجانبا، إلا ونزل ~~عن السعادة جانبا، فالأمانة سر المرء وجوهره، وباطن الإنسان ومخبره، وبها ~~يستدل على شرف نفسه وديانتها، ومنها يعلم ثمنها ومقدار قيمتها، فإن كملت ~~وتمت دلت على عزة النفس وعلوها، واحتقارها لدنايا الحطام وسموها، وإن نقصت ~~أبانت عن لؤم المرء ونقصه، وكشفت عن شرهه وحرصه، فيستسلف عاجلا أقبح الذكر، ~~ويتحمل آجلا أثقل الوزر، وقل أن يعدم بينهما تقديم العقوبة وتعجيلها، وطروق ~~الحادثة وحلولها، فلتكن عصمة الله ممن يستشعر الحذر، ويشاهد الأشياء ~~بالبصيرة قبل مشاهدتها بالبصر". # وفي أول هذا الفصل معنى قول الراجز، وقد صار مثلا: PageV04P153 # ونثرة1 تهزأ بالنصال ... كأنها من خلع الهلال # ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "غير مستهين بالنزر اليسير، ولا مغض عن ~~الأمر الحقير، ولا مسامح في الفتيل ولا النقير، فقد يهدي الأبؤس الغوير، ~~وكم مطر بدؤه مطير". # في هذا الكلام ثلاثة أمثال: أحدها القتيل2 والنقير3، والثاني قولهم عسى ~~الغوير أبؤسا4. وقد نظمه أبو تمام فقال: # أهدى لها الأبؤس الغوير ... كم مطر بدؤه مطير5 # ومن ذلك قولي في توقيع لبعض المشرفين أيضا: "سكونا إلى تدرعه من العفة ~~والنزاهة بأوفى جنة، والاعتصام من حولهما وقوتهما، بأتم حول، وأعظم منه، ~~واتحادهما ألزم فرض وآكد سنة، فيواظب على حج كعبتهما، والتوجه إلى قبلتهما، ~~والتدين بشرعهما، والسلوك في شرعتهما، وليستمر PageV04P154 # على التغشي ببردهم السني، والتعري عن ثوب الإسفاف الدني، وليكن في إحراز ~~الذكر الجميل إذا عرض ماهرا، ولنفسه عن مطعن السوء إن اعترض قاهرا، وفيما ~~يثبت مدمه جاهدا، وللشيطان المسئول له ms060 مجاهدا، ليكون بأفعاله الحسنة مكافيا ~~للإنعام، ومستحقا لزيادة الموهبة والدوام، فقديما قيل في المثل الزم الصحة ~~يلزمك العمل". # وقد ذكره عبد الحميد بن يحيى الكاتب في رسالته إلى الكتاب. # ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "فإذا كان وقت الحصاد، وتفتقت الأكمام عن ~~ثمار الاجتهاد، رتب من الأعوان من يثق بمناصحته، ويسكن إلى حراسته، وأذكى ~~عليهم عيون التطلع، وأصغى إليهم بمسامع التصفح والتتبع، فمن وجده للمحجة ~~سالكا، وللدناءة تاركا، أقره واستخدمه، وأدناه وأكرمه، ومن ألفاه عن الجدد1 ~~ناكبا، ولاتباع الطمع راكبا، أحسن تأديبه وتقويمه، وفرى بضرب السياسة ~~أديمه، وجعل ما يعتمده من نكاله رادعا لأمثاله، ونافعا له في مستقبل أمره ~~ومآله، فليس الكهل كالحدث الصبي، ولا القارح2 كالجذع3 الفتى. والحوادث ~~ذخيرة العواقب، والمصائب أثمان التجارب". # هذا معنى قولهم في المثل المشهور: إن المصائب أثمان التجارب. PageV04P155 # ومن ذلك قولي في آخر هذا التوقيع: "فحقيق عليه بعد تعيينه واختباره، ~~وإفراده بالتقديم والتأهيل وإيثاره، أن يهجر لذة الرقاد في بلوغ المراد، ~~وأن يكون لين المهاد عند أحسن أخشن القتاد1، إلى أن يقال له قد رقيت ولقيت، ~~وعولج بك فشفيت". # هذا ينظر إلى قول ديك الجن2: # فإذا شوفي بي كنت حماما ... وإذا عولج بي كنت شفاء # ومن ذلك قولي في هذا التوقيع أيضا: "وليواصل متجددات العمل في أوقاتها، ~~على اختلاف أنواعها وجهاتها، ولا يستحقر منها حقيرا، ولا يستصغر صغيرا، ~~فالكتاب سطر إلى سطر، وأول الغيث قطر إلى قطر". # هذا هو البيت المشهور للطائي: # وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث طل ثم ينسكب3 # ومن البديع النادر اللفظة التي ضممتها إليه وهي قولي: فالكتاب سطر إلى ~~سطر. # ومن ذلك قولي في توقيع لبعض النظار: "وليشرع في تطواف المعاملات ~~PageV04P156 # واستقرائها، وتصفحها واستبرائها، ومشاهدة مزروعها وضياعها ورساتيقها1 ~~وبقاعها ومحاويلها وأعمدتها ونواحيها وأكرتها2، ليحصل عنده صورها وأشكالها، ~~ويثبت في ذهنه هيئتها وخيالها، ولا يقنع بالأخبار والسماع، والتعويل على ما ~~في المطالعات والرقاع. # فليس الخبر كالعيان، ولا التقليد كالبرهان، ومن عول على سماع الأقوال، ~~واكتفى بها عن مشاهدة الأحوال، قصرت ms061 بنانه عند المطاولة، وأفحم لسانه عند ~~المجادلة، وكان منقطع المادة، محتاجا لنقصه إلى التمام والزيادة. # وليواصل الحركة التي يدرك بها ما بعد من أعماله ونأى، كإدراكه ما قرب ~~إليه ودنا، بحيث يكون كل عامل من عماله، ومتقدم من أكرته ورجاله، لا يأمن ~~هجومه على غرة وقدومه على فترة فتكون عماله كلها آخذة أهبتها لابسة زينتها، ~~منتظرة طلوعه عليها، مرتقبة وصوله إليها، فلا يزال الاجتهاد فيها بين ~~المنار، ظاهر الآثار". # هذا المعنى ينظر إلى قول "بنت" المنتشر بن "وهب" الباهلي3 في قصيدتها ~~المشهورة: PageV04P157 # لا يأمن القوم ممساه ومصبحه ... من كل أوب وإن لم يغز ينتظر # ومن ذلك قولي في صدر توقيع لكاتب: "لما كانت الكتابة الفلانية محتاجة إلى ~~ناهض بأعبائها، فارج لغمائها، كاشف لمبهمها ومجهولها، ضابط لمجملها ~~وتفاصيلها، نثلت1 كنانة ألرجال، وعجمت عيدان النصال، وانتصبت صوارم الكتاب ~~الأجلاد ليوم الجلاد وأجريت سوابق الكتابة في مضمار السباق والطراد، كان ~~فلان أوراها زندا، وأرواها عدا، وأصفاها وردا، وأضفاها بردا، وأتقنها ~~صناعة، وأوسعها بضاعة، وأطهرها جيبا، وآمنها غيبا، وأبعدها عيبا فعول عليه ~~في الكتابة بالأعمال المذكورة، علما أن قلمه يتمم نقصها، ويرقع خرقها، ~~ويرأب صدعها، ويجمع شملها، ويجبر وهنها، ويلم شعثها، ويسد خللها، ويمحو ~~زللها، ويحيي رسومها الداثرة، ويعمر بربوعها العافية". # أول هذا الفصل مأخوذ من قول الحجاج في خطبته بالكوفة: إن أمير المؤمنين ~~نثل كنانته فعجمها عودا عودا. فوجدني أشدها عودا، وأصلبها مكسرا2. ~~PageV04P158 # وباقي ألفاظ هذا الفصل ثلاث تجري مجرى الأمثال. # ومن ذلك قولي في صدر توقيع يصلح أن يوقع به لعارض الجيش وهو: "عوائد ~~الديوان العزيز إهداء عقائل النعم إلى الأكفاء، وإسداء صنائع الكرام إلى ~~الأولياء، وإيداع المعروف حيث ينشر ويشكر، لا حيث يجحد ويكفر، وعند من يعرف ~~مواقعه، لا عند من ينفر واقعه، وأن يتخير لعروس إحسانه أطيب المغارس ~~وأزكاها، وأخلقها أن يحلو لي حسناها، لتكون نعمه مستقرة في نصابها، رافلة ~~في قشيب جلبابها، مودعة حيث تصان الودائع وتزكو الصنائع. # ولما كان فلان الرجل الذي تضرب به الأمثال، ولا تعدله الأمثال، ms062 والمهذب ~~الذي لا يسأل له أي الرجال، والفائز بشرف الاستعلاءؤ على الأولين والحائز ~~لقصب السبق يوم الرهان، والمتوحد بخصائصه عن مزاحمة المثالب، والمنفرد عن ~~الأضراب بجميل الضرائب، رأي الديوان العزيز الإنعام عليه برد النظر في ~~ديوان العرض المعمور إليه، علما باستقلاله واضطلاعه وثقة بصعة صدره وامتداد ~~باعه، وسكونا إلى إغنائه وغنائه، وإيفائه ووفائه، وعلمه وتيقظه، وامتداد ~~باعه، وسكونا إلى إغنائه وغنائه، وإيفائه ووفائه، وعلمه وتيقظه، وحزمه ~~وتحفظه، وطمأنينة إلى قيامه بالمهم، ودفاعه للملم، وثباته حين تصيش الحلوم، ~~وانتصاره حين يجيش الخصوم فليقابل هذه النعمة بالشكر الذي يكون لزيادتها ~~مقتضيا، ولمضاعفتها ممتريا1، ولأمثالها PageV04P159 # مستمدا، ولما أخلق منها مستجدا، فالنعمة ضيف قراه الشكر إن وجدته لم ~~ترم1، وإن فقدته لم تقم". # في هذا الكلام إشارة إلى قول النابغة: # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب2 # ومن ذلك قولي في هذا التوقيع: "ولينتصب لاستيفاء أموال الإقطاعات انتصابا ~~يظهر أثره، ويجتنى ثمره في ضمن قوة خالية من العنف، ولين لا ينسب معه إلى ~~ضعف، فالزعماء كثرهم الله أولو الحمية، والنفوس الأبية، وعلى الحقيقة فهم ~~السباع الوحشية في الصور الإنسية. فليحسن التوصل في مداراتهم، والاستيفاء ~~منهم، والاستعانة بهيبة الديوان العزيز عليهم، غير مراقب من ذلك لعظيم منهم ~~ولا جليل، ولا مغض عن كثير مما عليهم ولا قليل. فبا لمال تستمال الرجال، ~~وتبلغ الآمال، وتفتح الصياصي3 وتملم النواصي، ويستدنى القاصي. والجند ~~بالمال يجمع، والملك بالجند يمنع". # في هذا الفصل إشارة إلى الغزى4 في صفة الأتراك: # من رأى قبلهم مجتمعا ... خلقة الناس وأخلاق الأسود PageV04P160 # ومن ذلك ما قلت في صدر توقيع لناظر بالسواد: "لما كان فلان ممن خبر رشاده ~~فعلا، وسداده قولا، وتكاملت محاسنه وخصائصه، فلا يقال فيها لولا، وسبقت له ~~سوابق الكتابة التي تقلد نطاقها، وأقام أسواقها، وأحكم ميثاقها، واجتلى بها ~~عقائل المحامد بعد أن أغلى صداقها، وحمدت مذاهبه في حال إصداره وإيراده، ~~وشهدت بعفافه وأمانته ألسنة أوليائه وحساده، رأى الديوان العزيز الإنعام ~~عليه بنظر كذا، فليسأل الله التوفيق والخبرة، وليقدم تقواه فهي ms063 أنفع عدة، ~~وأنفس ذخيرة، وليتوجه إلى الأعمال المذكورة بصدر رحب الفناء، وعزم نافذ ~~المضاء، وأمل واثق بشمول الآلاء، وليسلك في جميع أنحائه مسلك أمثاله من ذوي ~~الرشاد والتحصيل، ولا يتبع الهوى فيضل عن سواء السبيل"1. # آخر هذا الكلام من القرآن العزيز، وفي أوله إشارة إلى قول القائل: # ليس فيها ما يقال له ... كملت لو أن ذابك لا أقول # وأنا أختم هذا الفصل بتوقيع كتبته لبعض الزعماء، وقد رتب شحينة واسط وهو: ~~"أولى الأولياء باجتلاء عقائل النعم الجزيلة، وامتطاء كواهل الرتب الجليلة، ~~واعتلاء صهوات المنازل السنية، وارتقاء درجات المناصب العلمية من محضت ~~طاعته وعبوديته، واستوى سره في الإخلاص وعلانيته، PageV04P161 # وحسنت أفعاله وآثاره، وطبت أنباؤه وأخباره، وكرم مغيبه، وعظم مشهده وأبر ~~يومه على أمسه، وأربى على يومه غده. # ولما كنت أيها الأمير الأجل فلان الدين الجامع هذه الأوصاف والخصائص، ~~والمتحلي من جواهر المناقب بما لم تظفر بمثله يد غائض1، واقترنت بمسألتك ~~التي سألت منها السيوف نفوسا ومهجا، وبرمايتك التي لم يجعل الله تعالى فيها ~~عوجا ولا أمتا2. # هذا مع ما خصصت به من وفور آياتك، ورجحان حصافتك، وعلو همتك، وطهارة ~~شيمتك، وأنك بذذت الأشكال والأضراب، وأوتيت حزم الشيخوخة في عنفوان الشباب، ~~ربي الإنعام عليك برد شحينة الأعمال الواسطية إليك، لاستقبال كذا. # فتلق هذه النعمة التي ترضيك بشكر يرضيها، وهذه المنزلة التي تضاهيك بحمد ~~يضاهيها، وتوجه إلى الأعمال المذكورة بصدر رحب، ورأي مصيب، وسيف من دم أهل ~~الكيد خضيب، واستشعر تقوى الله فالعاقبة لأهلها وقف عند حدودها، ولتستظل ~~بظلها، وتذكر لها كلمة قصيرة غير طويلة: {إن الله مع الذين اتقوا} 3 وناهيك ~~بها فضيلة. PageV04P162 # وابدأ بالرفق الذي ما دخل في شيء إلا زانه، ولا استعان به أحد في مشكل ~~إلا أعانه. # والق الناس ببشرك ولطفك وطولك1، ولا تبدأهم بالفظاظة، فلو كنت فظاغليظ ~~القلب لانفضوا من حولك2. # والرعايا فهم الودائع عندك الموثوق لهم أن تلحقهم أمانك ورفقك، وتفرشهم3 ~~سدادك ورشدك، واكفف عن الأذى، وأزح عنهم القذى، وقل لهم كما أدبك الله ~~حسنا، وبدلهم من ms064 بعد خوفهم أمنا، ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا4، وكن لهم ~~حسبة5 من الجور وحصنا، واحمهم ممن يتعرض بهم في عرض هذا6 الأني، واسلك ~~بالمعدلة فيهم صراطا سويا، واجل قويهم في الباطل ضعيفا، وضعيفهم في الحق ~~قويا. # وحراسة الارتفاقات الديوانية بالسطوات المرهوبة، والنقمات المصبوبة، ~~والهيبة التي تملأ القلوب ارتياعا، وتطير الأنفس منها شعاعا، فأنت فارسها ~~PageV04P163 # المعلم1، وشجاعها المقدم، وليثها الذي تحجم الليوث ولا يحجم، فأمد وطأتك ~~على أهل الريب والفساد، وشرد بهم عن جميع الأعمال والبلاد، وانتدب للقيام ~~بسياستهم كانتدابك للقيام بالفرض، فما كان لزعيم أن تكون له سياسة حتى ~~يثخن2 في الأرض. # والأموال المتمزقة في أقصى الأعمال ونائيها3 لا تحرس إلا بإراقة الدماء ~~على جوانبها، ومن الجور البين والحيف وضع الصفح موضع السيف. # ونوابك الذين ترتبهم في الأعمال، وتستعين بهم على حراسة الأموال، فأصلحهم ~~أولا وطهرهم، ليحصل بهم الصلاح والطهارة، ولا ترض لهم أن يكونوا ممن يأمر ~~الناس وينسى نفسه الأمارة. # وألزمهم بمداومة فعل الخير يكونوا "أهله"، ولا تجعلهم ممن ينهى عن خلق ~~ويأتي مثله. # وأقم عليهم الأرصاد، واقعد لهم بالمرصاد، ورضهم على اتباع منهاجك القويم، ~~واهتداء صراطك المستقيم، وعلمهم من سجاياك المحمودة ما لم يعلموا "وفوق كل ~~ذي علم عليم". # وحراسة الطرق والمذاهب، وحماية المسالك والمشارب وقمع كل ناجم ~~PageV04P164 # بفساد، أو قادح للشر بزناد، أو مخيف سبيل، أو قائد رعيل1. # فكن في ذلك كالليث السغب2 ينهض إلى فريسته، والصقر القطم3 ينقض على ~~طريدته، حتى توسع كل ساع بالفساد قتلا وأسرا، وتوثق كل عادل عن السداد حبسا ~~وحصرا، وتأمن السبل والأطراف، وتصبح الناس فيها كحمام الحرم لا يخاف. # فهذه الأعمال مظلمة، فكن أضوأ من السراج، وهذه المدرة4 حجاجية5 فكن أهيب ~~من الحجاج. # وقد تلخص من مجموع وصايا الملك أن يكون الملك ذالونين: أزهر وأقتم، وذا ~~طعمين: أحلى من العسل، وأمر من الملقم، وذا وجهين: طلق وشتيم6، وذا يومين: ~~يوم بؤس ونعيم. # والدعامة التي تقوم بها السياسة، وبنصب عليها عمل الرياسة هي القوة من ~~غير عنف، واللين من غير ضعف، ms065 فالرعية كمريض هذه زبدة علاجه، والسياسة كبدن ~~هذا تعديل مزاجه. # واجعل أعظم كدك، وغاية قصدك، استجلاب الأدعية الصالحة PageV04P165 # لهذه الأيام الشريفة الزاهرة، التي يحسدها سائر الأيام، ويتنافس الناس ~~عليها فلا يبيعون ساعاتها بالأعوام، أن تدوم لأهلها فهم من الحوادث أمان، ~~وتظن لرونقها ونضارتها أنها أيام الجنان، أيدها بدوام لا تماسك لسجابه، ~~وبقاء لا نفاد لحسابه. # فهذه معظم وصايا التوقيع المذكور، وقد تضمنت من ترصيع الآيات الشريفة ~~والأبيات الشريفة والنكت والأمثال جملة صالحة. # أما الآيات الشريفة فقوله تعالى: {لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} 1 وقوله ~~تعالى: {والعاقبة للمتقين} 2، وقوله تعالى: {مع الذين اتقوا} 3 وقوله تعالى ~~{ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} 4 وقوله: {وقولوا للناس حسنا} 5 ~~وقوله: {وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} 6 وقوله: {ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم} 7 وقوله: {يأخذون عرض هذا الأدنى} 8 وقوله: {أهدك ~~صراطا سويا} 9 وقوله {شرد بهم من PageV04P166 # خلفهم} 1 وقوله: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} 2. # نقلته أنا إلى السياسة فقلت ما كان لزعيم أن تكون له سياسة حتى يثخن في ~~الأرض3. # ولا يخفى ما في النقل من اللطافتين. وقوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم} 4 وقوله: {واقعدوا لهم كل مرصد} 5 وقوله: {صراطك المستقيم} ~~6 وقوله: {وفوق كل ذي علم عليم} 7. # وأما حل الأبيات الشعرية فقول الشاعر: # حالك اليوم فوق حالك بالأمس وأرجو لك المزيد غدا8 # قد نثرناه نحن فقلنا: وأبر يومه على أمسه، وأربى على يومه غده. # وقول السموءل: # تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليس على غير السيوف تسيل9 PageV04P167 # أخذناه فقلنا: بمسألتك التي سالت منها السيوف نفوسا ومهجا. # وقول المتنبي: # وشيخ في الشباب وليس شيخا ... يسمى كل من بلغ المشيبا1 # حللناه نحن فقلنا: وأوتيت حزم الشيخوخة في عنفوان الشباب. # وقول قطري بن الفجاءة2 من شعراء الحماسة: # أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لا تراعي # أخذناه فقلنا: تملأ القلوب ارتياعا، وتطير النفوس منها شعاعا. # وقول ms066 المتنبي: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم3 ~~PageV04P168 # حللناه فقلنا: والأموال المتمزقة في أقاصي الأعمال ونائيها لا تحرس إلا ~~بإراقة الدماء على جوانبها. # وقول المتنبي أيضا: "ووضع الندى في موضع الانتقام"1 حللناه فقلنا: ومن ~~الجور البين والحيف، وضع الصفح في موضع السيف. # وقد حللت هذا البيت بعبارات ثلاث والمعنى واحد وقد تقدم ذكرها، # وهي: أفسد الأشياء لقانون الرياسة، وضع العفو موضع السياسة. # والثانية فأدعى الأشياء إلى انحلال النظام، وضع الصفح موضع الانتقام. # والثالثة هذا الموضع. # وقول القائل: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم2 PageV04P169 # أخذناه نحن فقلنا: وألزمهم بمداومة فعل الخير يكونوا أهله، ولا تجعلهم ~~ممن ينهى عن خلق ويأتي مثله. # وقول ابن هرمة: # كريم له وجهان وجه لذي الرضا ... أسيل ووجه في الكريهة باسل1 # أخذناه فقلنا: وذا وجهين طلق وشتيم. # وقول الشاعر: # له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم # أخذنا فقلنا: ذا يومين: يوم بؤس ويوم نعيم. # وقول الشاعر: # تنافس الناس في أيام دولته ... فما يبيعون أياما بأعوام # أخذناه فقلنا: ويتنافس الناس عليها، فما يبيعون ساعاتها بالأعوام. ~~PageV04P170 # وقول المتنبي: # نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا1 # أخذناه نحن فقلنا: بدوام لا تماسك لسحابه، وبقاء لانفاد لحسابه. # وأما الأمثال والنكت فقولهم. ما دخل الرفق في شيء إلا زانه. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه على قريش: اللهم اشدد وطأتك على ~~مضر. # وقد صار ذلك مثلا سائرا. # وقولهم السياسة لين من غير ضعف، وقوة من غير عنف. # ويقال إن أول من قال ذلك أبو بكر الصديق. وقولهم: هذا عصر تحسده الأعصر ~~الخالية، وقد جاء في الشعر كثيرا، كقول ابن هانئ: # فأما الليالي السالفات فقطعت ... أناملها من حسرة وتندم # وأما الليالي الحاضرات فأدركت ... مآربها من بهجة وتكرم PageV04P171 # وفي الفصول المذكورة من الألفاظ والتكت الجارية مجرى الأمثال، عدا ما ~~ذكرناه ما لا خفاء به. # فهذه نبذة من حل المنظوم ذكرناها كعجلة القرى1، وكهيئة الطارق إذا عرا2. ms067 # إن وجدنا أدنى فسحة أتممنا ما شرعنا فيه من حل سيفيمات أبي الطيب ~~المتنبي، وتقريبها إلى خزانة مالك الأمر، ووارث الدهر، جعله الله بألطافه ~~وكراماته الجليلة ممنوحا، وأعطاه من البسطة في الملك والعمر ما لم يعطه ~~الإسكندر ونوحا. ### | 50- # قال المصنف: وقد ذكر ابن سنان الخفاجي أن أحد ما يشترط في حسن اللفظة أن ~~تكون مخارج حروفها متباعدة. # قال: وهذا باطل؛ لأنه لو كان العلم بحسن اللفظة وقبحها مشروطا بتباعد ~~مخارجها أو تقاربها لوجب ألا يحكم على الفور بقبح لفظة أو حسنها حتى تعتبر ~~مخارج الحروف. # ونحن نجد الأمر بعكس ذلك، فإنا ساعة ما نسمع اللفظة نفتي بحسنها أو ~~قبحها. وما ذاك إلا لأن هذا أمر يرجع إلى حاسة السمع، فإذا استحسنت ~~PageV04P172 # شيئا أو استقبحته، وجدت ما تستحسنه متباعدا مخارج الحروف، فاستحسانها ~~واستقباحها إنما قيل اعتبار المخارج لا بعده1. # أقول: ليس بمنكر أن يعلم المعلول قبل العلة، والمشروط قبل الشرط. ألا ترى ~~أنك إذا رأيت الجارية الحسناء، فإنك تستحسنها على الفور، ولا يتوقف ~~استحسانك إياها على أن تستحضر في ذهنك علة الحسن من رقة شفتيها وأنفها ~~وامتداد سالفتيها، ومخالطة الحمرة للبياض في بشرة وجهها، وغير ذلك من أسباب ~~الحسن. ولا يطعن حكمك بالحسن على الفور في تعليلي الحسن بهذه الأمور؟ # ومن ذلك أنه قد اعترف أن كل ما تستقبحه من الألفاظ تجده متقارب الحروف، ~~وما تستحسنه منها تجده متباعد الحروف، ولكنه زعم أنه لا يعلل الاستقباح ~~والاستحسان بهما، فقال له إذا كان تقارب المخارج والاستقباح متلازمين لا ~~يفترقان، فلابد من أمر أوجب ملازمتهما، فيمكنك أن تقول إن الاستقباح أوجب ~~تقارب المخارج فيما هو متقارب المخارج، وهو أمر ذاتي له لا يتوقف على ~~الاستقباح. # فإذا لم يكن الاستقباح أوجب تقارب المخارج ولا بد لملازمته إياه من سبب، ~~فلا سبب إلا أن يقال: المخارج علة الاستقباح. PageV04P173 ### | 51- # قال المصنف: وقد وجدنا ألفاظا متقاربة المخارج وهي غير مستقبحة، كلفظة ~~ملع إذا عدا وأسرع1. # أقول إن ابن سنان لم يدع الاطراد المطلق، وإنما قال إن الأكثر ms068 الأغلب ~~استقباح الألفاظ المتباعدة المخارج، إذا لم توجد فيها علة أخرى توجب ~~استقباحها، والشاذ لا يعتد به. # على أن هذا لازم له؛ لأنه قد اعترف أن كل لفظة متقاربة مخارج الحروف ~~فإنها مستقبحة، وإن لم يعلل الاستقباح بذلك. # فم أورده على ابن سنان لازم على ما اعترف هو به من تلازم الأمرين: # قال: وقد غلط أبو نواس في لفظة الظرف فقال: # اختصم الجود والجمال ... فيك فصارا إلى جدال # فقال هذا يمينه لي ... للعرف والبذل والنوال # وقال هذاك وجهه لي ... للظرف والحسن والكمال # فافترقا فيك عن تراض ... كلاهما صادق المقال2 PageV04P174 # قال: فوصف الوجه بالظرف، والظرف من صفات النطق خاصة، وليس كما يتوهمه ~~العامة من حسن الصورة ودماثة الأخلاق1. # أقول: إن هذا الذي ذكره قد قاله كثير من الناس، وقال كثير من الناس غير ~~ذلك، فإن صاحب ديوان الأدب قال: الظرف الكياسة، ولم يزد على ذلك، وهكذا قال ~~صاحب الصحاح. ومعلوم أن الكياسة لا تكون راجعة إلى النطق اللساني خاصة، ~~وعلى كل الأحوال فأبو نواس لم يغلط؛ لأن أداة الظرف وهي اللسان على ما ~~يريده جزء من أجزاء الوجه، فإذا قال الجمال إن وجه هذا الممدوح لي؛ لأنه ~~محل الظرف، ومحل آلة الشيء محل الشيء، كما يقال: الرأس محل الشم والذوق؛ ~~لأنه محل آلتيهما2. ### | 52- # قال المصنف: وقد غلط أبو تمام في قوله: # ودماثة الخلق التي لو مازجت ... خلق الزمان الفدم عاد ظريفا # فوصف الخلق بالظرف، والظرف يختص باللسان والنطق3. أقول: PageV04P175 # لو سلمنا له ما يريده من تفسير الظرف لكان لقول أبي تمام مذهب لا بأس به؛ ~~لأن تهذيب الأخلاق ورياضتها وتسهيل حزنها وتدميثه مما يعين على حسن ~~التوصلات النطقية، ويؤثر في تلطيف الألفاظ، وإصابة الأغراض بهما. # ألا ترى أن النبطي الجافي لا يكاد يبلغ أغراضه بالكلام، ويحسن التوصل إلى ~~إدراك ما يرويه بلسانه، بخلاف من قد خالط وجرب، وراض أخلاقه وهدب نفسه؟ فمن ~~هذا الوجه جعل أبو تمام دماثة الخلق مؤثرة في الظرف، وإن كان عائدا إلى ~~النطق اللساني خاصة. ### | 53- # قال المصنف: ms069 وقد ذكر ابن سنان الخفاجي في كتابه أن من أوصاف الكلمة أن ~~تكون مؤلفة من أقل الأوزان تركيبا، وأنها إذا طالت قبحت. # ومثل ذلك بقول المتنبي: # إن الكرام بل كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها # فإن لفظة سويداواتها قبيحة لطولها. # PageV04P176 # قال: ليس الأمر كذلك، فإنها لو قبحت لطولها، لقبح قوله تعالى: {فسيكفيكهم ~~الله} 1، وقوله سبحانه: {ليستخلفنهم في الأرض} 2 فإن إحداهما تسعة أحرف، ~~والأخرى عشة أحرف3. # أقول: ألست قلت في باب المعاظلة إنهما مما وقع الإجماع على قبحه، وقلت ~~إنها لتكرير الحروف، ومثلت لها بقول القائل: # "جنى جنات وجنات الحبيب" # وقولهم: # "وليس قرب قبر حرب قبر"4 # فلقائل أن يقول لك: قد ورد في القرآن الكريم مثل ذلك وهو قوله تعالى: ~~{بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب ~~أليم} 5. # فهذه ميمات كثيرة يتلو بعضها بعضا، فإما أن يكون استعمالها في القرآن غير ~~مستحسن، أو يكون مستحسنا، فإن لم يكن مستحسنا مع أنها قد استعملت، فاختزلا ~~بن سنان أن تكون الكلمة الطويلة كقوله: "ليستخلفنهم" غير مستحسنة، وقد ~~استعملت، وإن كانت المغالطة قبيحة إلا في القرآن الكريم، PageV04P177 # فاختر لابن سنان أن يكون كثرة حروف الكلمة حروف الكلمة قبيحة إلا في ~~القرآن الكريم. # وبالجملة فإما أن يلزمك ما ألزمته أو تتخلص مما يتخلص به. ### | 54- # قال المصنف: وأكثر أسجاع الصابي1 وابن العميد2 وكثير من المتقدمين ~~والمتأخرين من الكتاب بتكرير المعنى بعينه في السجعتين المزدوجتين، كقول ~~الصابي في التحمدي: "لا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهر مه الدهور بكرورها". # ثم قال في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم "فلم يدع3 للكفر أثرا إلا طمسه ~~ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفاه". قال: ولا فرق بين محو الأثر ولا تعفية ~~الرسم، ولا بين مرور العصور، وكرور الدهور. # قال: ومثل قوله: "لم تزل الدولة العباسية تعتل طورا، وتصح أطوارا، ~~PageV04P178 # وتلتاث مرة وتستقل مرارا، من حيث أصلها راسخ لا يتزعزع، وبنياتها ثابت لا ~~يتضعضع". # قال: وهذه الأسجاع كلها متساوية المعاني، فإن الاعتلال والالتياث والطور ms070 ~~والمرة والرسوخ والثبات سواء. ثم ذكر عدة مواضع من كلامه يجري هذا المجرى1. # أقول هذه سنة الكتاب وعادتهم ما زالوا عليها قديما وحديثا، وهم يرون ذلك ~~من باب سعة العبارة والاقتدار على الألفاظ. # ثم إن السجعة الثانية تؤكد معنى الأولى، والتأكيد عمدة البيان والكتابة، ~~ولذلك أحبوا فيها الإطالة، وفي الشعر الاختصار. # ولهم في هذا الباب عذر يتضمن تعليله. والسبب الذي لأجله توسعوا في عبارات ~~الكتابة وأسهبوا، واقتصروا في النظم واختصروا أن القرآن الكريم وهو على ~~غاية الإيجاز والاختصار قد تضمن ذلك في كثير من المواضع نحو قوله: # {أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس} 2 فالرب ها هنا والملك والإله ~~بمعنى، فكل واحدة من هذه السجعات قد أعطت معنى الأخوى. # ومثل قوله: {لنخرج به حبا ونباتا، وجنات ألفافا} 3. فإن الجنات هي ~~البساتين، ولا معنى للبساتين إلا ما كان محتويا على الحب والنبات. ~~PageV04P179 # ومثل قوله: {إنهم كانوا لا يرجون حسابا، وكذبوا بآياتنا كذابا} 1 فإن عدم ~~اعتقادهم للحساب هو تكذيبهم بالآيات. # ومثل هذا في القرآن العزيز كثير جدا. # فإن قلت: يمكن أن يقال إن الملك غير الإله، لأن أمير كل بلدة يوصف بأنه ~~ملكها، ولا يوصف بأنه إلهها، وكذلك رب الدار لا يقال له إلهها، وأيضا يمكن ~~أن يقال إنه أراد باحلب الأقوات، وبالنبات مالا ساق له من الشجر، وبالجنات ~~ماله ساق، وغير ذلك من التأويلات. # قلت: إذا شرعت في هذا كن لقائل أن يقول إن قول الصابي: لا تخلقه العصور ~~غير قوله لا تهرمه الدهور؛ لأن الهرم إنما يكون للحي المختار، والأخلاق أعم ~~من ذلك، لأنه يكون للجماد، فزاد أنه لا تغيره الأوقات، على كلا مذهبي ~~المتكلمين والحكماء. # وقوله: "لم يدع له أثرا من آثار الديار والأماكن ولا رسما" من قولهم قد ~~رسمت لك في هذا الكتاب رسوما فاعمل بها. وأيضا فإن تعتل غير تلتاث، لأن ~~الالتياث الضعف فقط، وإن لم يكن عن علة، ولذلك أعقبه بقوله تستقل، كما أعقب ~~الاعتدال بالصحة. ومثل هذه التدقيقات الخفية في التأويلات لا يتعذر ms071 تحصيلها ~~على من عنده فقه في موارد هذه الصناعة. PageV04P180 ### | 55- # قال المصنف والتصريع سبعة أنواع1. # الأول أن يستقل كل واحد من المصراعين بنفسه استقلالا تاما، وهو التصريع ~~الكامل، كقول امرئ القيس: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي2 # وقول المتنبي: # إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعرا متيم؟ 3 # الثاني: أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه، والثاني غير مستقل بنفسه، ~~بل يكون مرتبطا بالأول كقول امرئ القيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... يسقط اللوى بين الدخول فحومل4 # وقول أبي تمام: # ألم يان أن تروى الظماء الحوائم ... وأن ينظم الشمل المبدد ناظم؟ 5 ~~PageV04P181 # والثالث: أن يمكن وضع كل واحد من المصراعين موضع الآخر، وهو التصريع ~~الموجه، كقول ابن الحجاج: # من شروط الصبوح في المهرجان ... خفة الشرب مع خلو المكان1 # وهذا في الجودة كالنوع الثاني. # والرابع: أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه، ويفتقر فهم معناه إلى ~~الثاني وهو مذموم، ويسمى التصريع الناقص، كقول المتنبي: # مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان2 # والخامس: أن يكون التصريع بلفظة واحدة في الضرب والعروض، إما حقيقة كقول ~~بن الأبرص. # وكل ذي غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يئوب3 # وإما مجازا كقول أبي تمام: # فتى كان شربا للعفاة ومرتعي ... فأصبح للهندية البيض مرتعا4 PageV04P182 # والسادس: أن يذكر مصراع الأول ويكون معلقا على صفة يأتي ذكرها في أول ~~المصراع الثاني، ويسمى التصريع المعلق، وهو معيب جدا، ومثله قول امرئ ~~القيس: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبخ وما الإصباخ منك بأمثل1 # فإن المصراع الأول معلق على قوله بصبح. # ومثله قول المتنبي: # قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمى وألف في ذا القلب أحزانا2 # فإن المصراع الأول معلق على قوله تدمى. # والسابع: أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته، ويسمى التصريع ~~المنتظم، وهو أقبح التصريعات، كقول أبي نواس: # أقلني قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عدت من الجحود3 PageV04P183 # أقول إن النوع السادس عند التحقيق هو النوع الثاني، فإن كان الثاني جيدا ~~كما زعم فالثاني ms072 معيب. # بيانه أن المصراع من النوع السادس مستقل بنفسه، غير محتاج إلى الذي يليه ~~أصلا، لأنهلو وقف على قوله. "ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى" لكان مفيدا، ~~لأنه سأل الليل أن ينجلي وينكشف، وهذا كلم تام مستقل بنفسه، كقوله: "قفا ~~نبك من ذكرى حبيب ومنزل" بل أتم استقلالا منه، لأنه إذا ذكر الحبيب والمنزل ~~ولم ينعتهما كان الكلام يخرج عن الإفادة. وقوله لليل: "ألا انجلي" معناه ~~واضح، كأنه قال ما أطولك ياليل فانكشف. # وبيت المتنبي مثل هذا، بل أتم استقلالا، لأن قوله: "قد علم البين منا ~~البين أجفاقا" كلام حسن مفيد عند من يفهم معناه، ومعنى هذا المصراع أن ~~البين قد علم أجفاننا البين، أي فراق الأحباب قد علم أجفاننا أن يفارق ~~بعضها بعضا. # وهذا معنى لطيف، وكلام حسن مستقل بنفسه، لا حاجة له إلى المصراع الثاني، ~~ولا هو معلق عليه أصلا. # وليس قوله: "تدمى" يوجب تعلق المصراع الأول عليه، لأن موضعه النصب، من ~~حيث كان صفة لقوله "منزل"1 فلا فصل بين الموضعين. PageV04P184 # واعلم أنه قد أخل في أقسام التصريع بقسمين آخرين: أحدهما أن يكون معنى ~~المصراع الأول مباينا لمعنى المصراع الثاني بالكلية، لا رابطة بينهما، كقول ~~المتنبي: # جللا كما أبى فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشا الأغن الشيح؟ 1 # فإنه لا مناسبة بين صدر البيت وعجزه، وإن ثبت أن بينهما مناسبة كما قد ~~تكلفه قوم فما الغرض المثال، وإنما الغرض التمثيل. # وهذا غير القسم الأول الذي ذكره المصنف، لأن قوله: "وإن كنت قد أزمعت ~~هجري فأجملي" له ارتباط معنوي في الجملة بقوله: "أفاطم مهلا" وتقدير الكلام ~~إن كان صدك دلالا فأمهلي منه، وإن كنت قد أزمعت الهجر والقطيعة بالكلية ~~فأجملي من ذلك. # والقسم الثاني التصريع في العروض بحركة تخالف حركة الضرب، نحو أن يكون ~~أحدهما بالرفع والآخر بالجر، كقول أبي نواس: # اختصم الحسن والجمال ... فيك فصارا إلى جدال # وهذا يخالف القسم السابع الذي ذكره المصنف، لأن ذاك اختلاف الحرفين، وهذا ~~اختلاف الحركتين. PageV04P185 ### | 56- # قال المصنف: فأما التجنيس1 فهو أن يكون اللفظ ms073 واحدا والمعنى مختلفا، وهذا ~~ينقسم إلى أقسام يدخل فيها ما هو التجنيس الحقيقي وما يشبه به. # قال: وقد يظن أن قول أبي تمام: # أظن الدمع في خدي سييقى ... رسوما من بكائي في الرسوم # من هذا الباب نظرا إلى مساواة اللفظ، وهو غلط؛ لأن المعنى غير مختلف ~~فيهما، ومن شرط التجنيس وما يشابهه اختلاف المعنى مع تماثل اللفظ. # ثم قال: فمثال التجنيس الحقيقي قول أبي تمام: # من القوم جعد أبيض الوجه والندى ... وليس بنان يجتدى منه بالجعد2 # قال: الجعد: السيد، ويقال للبخيل إنه لجعد البنان. قال ومثل قوله: # كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كتب PageV04P186 # بيض إذا أنتضيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانا من الحجب1 # قال فالقضب: السيوف، والقضب: القدود، والبيض: السيوف، والبيض: النساء2. # أقول إن لفظتي قضب في البيت الأول، ولفظتي البيض في البيت الثاني، خارجة ~~عن باب التجنيس بالكلية؛ لأن القضب جمع قضيب، وهو العود الرشيق من الشجرة، ~~هذا هو حقيقة هذا اللفظ في أصل وضعه، وإنما سمي السيف به مجازا أيضا. # ولا تظن أن تسمية السيف قضيبا من حيث كان قاطعا، من القضب وهو القطع، ~~فيكون فعيل بمعنى فاعل، كقدير وعليم؛ لأنهم لو كانوا أرداوا ذلك لسمو السيف ~~العظيم العرض قضيبا، وما رأيناهم سموه بذلك، وإنما سموا به السيف اللطيف. # ومثل ذلك البيض فإنها ليست من أسماء النساء، والبيضاء ومرأة لفظتين ~~مترادفتان كالمؤمن والهكوك3 ونحوهما، ولا البيض من أسماء السيوف ~~PageV04P187 # ولا سمعنا أن الأبيض اسم السيف، كما أن الليث اسم الأسد، وإنما البيض ~~عبارة عن أشياء ذوات بياض فقط، ثم استعيرت اللفظة للسيوف والنساء صفة لا ~~اسما وهذا أمر خارج عن باب التجنيس، ولو كان هذا من التجنيس لوجب إذا قيل ~~في الليل أسود وفي الجنة سوداء وفي أسود من قولهم عندي الأسودان أن يكون ~~هذا تجنيسا، ولم يقل ذلك أحد؛ لأن هذه الصفات تختلف موصوفاتها ولا تختلف ~~هي. # فلئن كان مثل هذا تجنيسا، فليكن بيت أبي تمام الأول تجنيسا؛ لأن رسوم ~~الدمع ms074 هي مجارية وآثاره، ورسوم الدار جمع رسم وهو مصدر رسمت الدار، أي ~~عفيتها قال: "أمن رسم دار مربع ومصيف" وهذا أشد اختلافا من البيض والبيض، ~~والقضب والقضب. ### | 57- # قال المصنف: ومن التجنيس أيضا قول أبي تمام: # أناس إذا ما استلحم الروع صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب1 # قال فلفظ الصدور في البيت واحد والمعنى مختلف. PageV04P188 # أقول: وهذا أيضا من القرار الأول الذي قلنا إنه ليس بتجنيس؛ لأن الصدر ~~اسم لهذا العضو المخصوص، لكنه لما كان هو مقدم الإنسان، نقل إلى صدور ~~العوالي وهي رءوسهما وما يتقدم منها، وإلى صدور الكتائب وهي ما يتقدم منها ~~أيضا، فالمعنى واحد في الموضوعية، وإذا اتحد المعنى خرج عن باب التجنيس. ### | 58- # قال المصنف: ومن أقسام التجنيس أن يقع الاختلاف في الوزن والتركيب بحرف ~~واحد، كقول محمد بن وهيب: # قسمت صروف الدهر بأسا ونائلا ... فمالك موتور وسيفك واتر1 # أقول إذن إدخال هذا البيت في التجنيس، من ظريف الأشياء، فإن المعنى في ~~الكلمتين واحد، وإنما يختلف الفاعل وصيغة المفعول كالمضروب، ولو كان هذا ~~تجنيسا لوجب أن يكون قول القائل: "ضرب زيدا بالعصا ضربا فلق المضروب ~~بالضارب" قد تضمن لتجنيس في أربعة مواضع: الفعل، والمصدر، واسم الفاعل، ~~واسم المفعول، وهذا مما لم يذهب إليه ذاهب. PageV04P189 ### | 59- # قال المصنف في باب الموازنة: مما جاء في الموازنة شعرا قول الأول1: # إن يعتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب # بأشدهم بأسا على أعدائهم ... وأعزهم فقدا على الأصحاب # فإن بأسا وفقدا على وزن واحد. # أقول إنه قال في أول قسم الألفاظ المركبة إن صناعة تركيب الألفاظ ~~والمعاني تنقسم إلى ثمانية أقسام، منهما السجع وهو يختص بالمنثور، ومنهما ~~التصريع وهو مختص بالمنظوم، ومنهما التجنيس وهو عام لهما، ومنهما الموازنة ~~وهي تختص بالمنثور2. # وهو هنا يذكر أن في الشعر موازنة، وذلك نقض ما قدمه. ### | 60- # قال المصنف في الكلام عن الصناعة المعنوية: وصاحب هذا الفن لا يحتاج إلى ~~ما ذكره الحكماء في علم المنطق في الشعر. وقد قرأت كلام أبي على بن سينا في ~~المنطق، ms075 ما قاله في الشعر فوجدته يقول إن ذلك PageV04P190 # يورد على مقدمتين ونتيجة. قال وقد كان ابن سينا ينظم الشعر ولا يرتبه عند ~~إفاضته في صوغه بالأصالة؛ لأنه لم تخطر المقدمتان والنتيجة له ببال، ولو ~~أنه استحضر المقدمتين والنتيجة، ثم أتى بالنظم والنثر بعدهما لم يأت بشيء ~~ينتفع به، وإنما هذه فقافع وألفاظ طول القوم بها كتبهم1. # أقول: هذه جناية عجب الإنسان بنفسه، وذلك أن الإنسان يدعوه فرط اعتقاده ~~في نفسه، وشغفه بما يخطر له أن يتكلم على قوم لا يعرف أقوالهم، ولا يحصل ~~معنى اصطلاحاتهم، فضلا عن أن يبلغ رتبتهم، ويترقى في درجتهم، إلى أن ينقض ~~عليهم، فيقع هذا الموقع. # وليس مراد القوم بالشعر ما يتوهمه. PageV04P191 # والذي يريدونه بالشعر يأتي في كل قياس مخيل يعلم العاقل كذبه، لكنه يحدث ~~له مع ذلك نوع قبض أو بسط أو إقدام أو إحجام، كما يقال: لا تأكلوا العسل، ~~فإنه ثمرة مقيئة1، أو يقال للحلواء الرطبة المزعفرة لا تأكلها فإنها غائط. ~~فالعقل والحس يكذبان هذا الكلام الذي هو في قوة قياس، صورته هكذا: كل غائط ~~فهو غير مأكلة. ومع علمه بكذبه ينقبض عن الأكل. وأكثر إقدام الناس وإحجامهم ~~بسبب هذه التخيلات والأوهام، وهي الأقيسة الشعرية التي يذكرونها، وإنما ~~سميت شعرية لمشابهتها مقاصد الشعراء في تخيلاتهم وتزويقاتهم. # وأما توهمه أن الشاعر يحتاج وقت نظم الشعر إلى استعمال مقدمتين ونتيجة، ~~وقوله إن ابن سينا كان ينظم شعرا ولا يرتب المقدمتين وقت نظمه، فتوهم بعيد، ~~وإن كان القوم عنده بهذه الصورة ويراهم بهذه العين فإنه لم يعرفهم: ### | 61- # قال المصنف: وقد تصفحت كتاب الخصائص لأب الفتح ابن جني، فوجدته قد ذكر في ~~المجاز شيئا يتطرق النظر إليه، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى ~~المجاز إلا لمعان ثلاثة: وهي الاتساع، والتشبيه والتوكيد، PageV04P192 # فإن عدمت هذه الثلاثة كانت الحقيقة البتة. فمن ذلك قوله تعالى: {وأدخلناه ~~في رحمتنا} 1. # فهذا الكلام اجتمعت فيه المعاني الثلاثة المذكورة. # أما الاتساع فإنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسما هو الرحمة. # وأم التشبيه فإنه ms076 شبه الرحمة -وإن لم يصح الدخول فيها- بما يصح الدخول ~~فيه. # وأما التوكيد فإنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة تعاليا ~~بالمخبر عنه، وتفخيما له، إذ صير بمنزلة ما يشاهد ويعاين. # قال والكلام عليه من ثلاثة وجوه: أولها أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة ~~سببا لوجود المجاز، وعدمها سببا لعدمه، وهذا خطأ، فإنه ليس وجود "هذه ~~الثلاثة سببا لوجود"2 المجاز بل وجود واحد منه أيها كان سبب وجوده. وأيضا ~~فلو كان وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز لكان عدم أحدها أيها ~~كان سببا لعدمه، كما إذا قلنا: لا يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانا ناطقا، ~~والحيوانية والنطق سبب وجود الإنسان، فإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون ~~إنسانا، وكذلك كل صفة تكون مقوية لوجود شيء من الأشياء، كان وجودها يوجب ~~وجود ذلك الشيء، وعدم واحد منها يوجب عدمه3. PageV04P193 # أقول: ليس مراد أبي الفتح -رحمه الله- ما ظنه، فكيف يذهب إلى أن يقول ~~المجازية متوقفة على اجتماع هذه الأمور الثلاثة؟ وقدحصرت ضرب أمثلة كثيرة ~~للمجاز في كتابه هذا، وكل موضع منها مختص بواحد من هذه الثلاثة فقط، وإنما ~~ذكر هذه الآية ليبين بها أنه قد وجد موضعا اجتع فيه الشروط الثلاثة التي ~~يتوقف المجاز عليها لمعان ثلاثة، مثل قوله في كتاب اللمع: والكلام كله ~~ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف، فإنه لا يريد أن كل لفظة من الكلام يجتمع لها ~~أن تكون اسما وفعلا وحرفا، إنما مراده أن كل لفظة من الكلام فإنها لا تخلو ~~عن هذه الأنواع الثلاثة، بل تكون واحدا منها أيها كان، ولكنه يتسامح في ~~اللفظ اعتمادا على فهم السامع، وثقة بأن مثل هذا الكلام لا يزال الناس ~~يستعلمونه في محاوراتهم. # فأما قوله: "فإذا عدمت هذه الثلاثة كانت الحقيقة البتة لا غير" جيدا لا ~~اعتراض عليه، لأنه لو عدم أحدها فقط لم تأت الحقيقة متعينة البتة، لأن أحد ~~القسمين الباقيين يكفي في حسن المجاز، وإنما تتعين الحقيقة البتة إذا عدمت ~~الثلاثة كلها. # ومن هذا الموضع يجب أن يفهم ms077 معنى قوله: "لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز ~~إلا لمعان ثلاثة" لأنه لو كان أراد اجتماع معان ثلاثة لما قال: "فإذا عدمت ~~هذه PageV04P194 # الثلاثة كانت الحقيقة البتة" لأن الذي لا يحسن استعماله إلا عند اجتماع ~~عدة أشياء ينتفي حسن استعماله عند انتفاء واحد فقط من تلك الأشياء؛ لأنه ~~إذا انتفى أحدها فقد زال اجتماع تلك الأشياء الذي جعلنا حسن الاستعمال ~~موقوفا عليه. # وأما تمثيله بالإنسان والحيوانية والنطق فتمثيل غير مطابق لما نحن فيه، ~~لأن حملنا كلام أبي الفتح على ما قد توهمه خطأ، إلا إن حملناه على المحمل ~~الصحيح، فاجتماع هذه الأشياء الثلاثة التي أشار أبو الفتح إليها ليس مقوما ~~للمجاز، ولا هي اسباب ووده، وإنما هي شرائط حسن استعماله فكيف مثل ذلك ~~بأجزاء الماهية المقومة؟ ### | 62- # قال المصنف: الوجه الثاني أنه ذكر التشبيه والتوكيد، وكلاهما شيء واحد ~~على الوجه الذي ذكره، لأنه شبه الرحمة وهي لا تدرك بالبصر بمكان يدخل فيه، ~~وهو صورة تدرك بالبصر، فدخل تحت ذلك التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك ~~بالحاسة بما يدرك بالحاسة1. # أقول: إن لقوله تعالى: {وأدخلناه في رحمتنا} اعتبارين: أحدهما أنه جعل ~~الرحمة ظرفا وصرح بذلك حين أتى بلفظة "في" وهي مختصة بالظرفية، والرحمة هي ~~إرادة الثواب، والإرادة لا تكون ظرفا. PageV04P195 # والثاني أن فحوى الكلام: رحمتنا قد دخل فيها قوم، كما يقوم دارنا قد ~~دخلها قوم، والدخول حركة مخصوصة، وكل حركة فهي مرئية بالبصر، فقد أخبر عما ~~لا يدرك بالبصر، وأحد هذين الاعتبارين مغاير للآخر، ألا ترى أن قولهم "فلان ~~قد عضه الدهر" فحواه أمر يدرك بالبصر وهو العض فلأجل تغاير هذين الاعتبارين ~~جعلهما أبو الفتح -رحمه الله- قسمين. ### | 63- # قال المصنف: على أن التوكيد ها هنا لا أعلم ما أراد به، لأنه لا يؤتى به ~~في اللغة العربية إلا لمعنيين: أحدهما أنه يرد بألفاظ محصورة، نحو نفسه ~~وعينه وكله وغير ذلك مما هو مذكور في كتب النحاة، والآخر أنه يرد على وجه ~~التكرير، كقولك قام زيد قام، زيد فكرر اللفظ تحقيقا وتوكيدا للمعنى ms078 ~~المقصود، وأبو الفتح لم يرد أحد هذين القسمين، فلا يكون له معنى إلا أن ~~يريد إبراز المعنى الموهوم إلى صورة المشاهدة، وقد عبر عنه بالتوكيد، فيكون ~~ذلك هو التشبيه بعينه، فلا حاجة إلى إيراده بالذكر1. # أقول: ما أراد أبو الفتح رحمه الله شيئا مما توهمه هذا الرجل، وقد اعترف ~~بأنه لمي فهم مراده مع ظهوره. وذلك أن أحد الأغراض الصحيحة في نقل العبارة ~~عن موضعها الأصلي إلى غيره تأكيد المعنى على وجه يفعل في نفس السامع مالا ~~تفعله الحقيقة، كقوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} 2 PageV04P196 # ومراده سنقصد، ولم يقل ذلك، لأن ذلك، لأن في الفراغ معنى ليس في القصد، ~~وهو التهديد والوعيد، فإن قول الملك لصاحب الجريمة: سأفرغ لك يتضمن من ~~التخويف مالا يتضمنه قوله سأقصد لك. # وقوله تعالى: {ولما سكت عن موسى الغضب} 1 ومراده ذهب، لكن "سكت" آكد لما ~~يريده، لأن فيه دليلا على توقع عود غضبه إذا عاودوا النكر في عبادتهم ~~العجل، كما أن الساكت يتوقع كلامه. # وكقوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} 2 مراده ~~عمدنا، لكن "قدمنا" آكد وأبلغ، كأنه كان بإمهاله لهم كالغائب عنهم، ثم قدم ~~منهم على ما لا ينبغي، فجازاهم بحسبه، فهذا هو مراد الشيخ أبي الفتح رحمه ~~الله. ### | 64- # قال المصنف: والوجه الثالث أنه قال: وأما الاتساع فإنه زاد في أسماء ~~الجهات والمحال اسما هو الرحمة. قال: ويلزم على قياس هذا القول أن يكون ~~"جناح الذل" في قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل} هكذا يكون قد زاد في ~~أسماء الطيور اسما هو الذل، وأن يكون قول أبي تمام: # لبست سواه أقواما فكانوا ... كما أغنى التيمم بالصعيد PageV04P197 # زيادة في أسماء اللباس، وهو الإنسان1. # أقول: إن هذا الذي ألزمته أبا الفتح رحمه الله لا يمنع من التزامه، بل هو ~~قياس مطرد في جميع التوسعات، فما الذي أنكرت من ذلك؟ وإنما يصح اعتراضك لو ~~ألزمته شيئا لا يقدر على التزامه، ويحتاج إلى بيان الفرق بينه وبين المسألة ~~التي الكلام فيها، ms079 فأما إذا كان الكل ينساق سياقة واحدة فأي محذور يلزم أبا ~~الفتح من ذلك؟ ### | 65- # قال المصنف: قد نظرت في كتاب "أصول الفقه" للغزالي فوجدته قد قصم المجاز ~~إلى أربعة عشر قسما. قال: وهذه الأقسام الأربعة عشر ترجع إلى ثلاثة أقسام: ~~وهي التشبيه، والتوسع، والاستعارة. قال: والتقسيم لا يصح في شيء إلا إذ ~~اختص كل قسم من الأقسام بصفة لا يختص بها غيره2. # أقول أنا قبل النظر في اعتراضاته على الغزالي "لا بد من تقديم مقدمة"3 ~~وهي أنه لا بد في سائر المجاات من علاقة بين الأصل والمنقول عنه والفرع ~~المنقول إليه، وإلا لم تكن تلك اللفظة مجازا من تلك الحقيقة، بل تكون وضعا ~~جديدا لا تعلق له بغيره، وليس الكلام في ذلك، فالأصوليون قد PageV04P198 # اتفقوا على أنه لا بد من علاقة وارتباط في الجملة، لكنهم قسموا تلك ~~العلاقة وذلك الارتباط أقساما كثيرة، فقالوا: قد تكون تلك العلاقة باعتبار ~~كذا، وقد تكون باعتبار كذا إلى آخر الأقسام. # قال هذا الرجل: إن تلك الاعتبارات التي يذكرونها متداخلة، لا لأنه قد ~~شملها الأمر الأعظم وهو العلاق من حيث هي علاقة، بل لأنها في خصوصياتها ~~التي ابتدعها الأصوليون متداخلة، وقد صحت اعتراضاته، وإلا فهي ساقطة. ### | 66- # قال المصنف: فالقسم الأول من الأقسام التي ذكرها الغزالي وهو تسمية الشيء ~~باسم ما يشاركه في الخاصية كقولهم للشجاع أسد، وللبليد حمار. قال: وهذا ~~القسم إما داخل في الاستعارة إن ذكر المنقول إليه فقط، كقولك ركبت أسدا، أو ~~في التشبيه المحذوف الأداة إن ذكر المنقول والمنقول إليه معا، كقولك زيد ~~أسد1. # أقول: إنا لا نخالفه في هذا، ولكن ننظر فيما يقوله فيما بعد. ### | 67- # قال المصنف: والقسم الثاني تمسية الشيء باسم وما يؤول إليه، كقوله تعالى: ~~{إني أراني أعصر خمرا} وإيما رأي أنه يعصر عنبا. قال: وهذا القسم داخل في ~~القسم المذكور قبله بصفة المشابهة بين المنقول منه والمنقول إليه، وهو ~~PageV04P199 # من باب الاستعارة، بل هذا أوغل في المشاهبة منها، لأن الخمر من العنب، ~~وليس الأسد من الرجل، ولا الرجل ms080 من الأسد1. # أقول: هذا القسم خارج عن القسم الذي قبله، لأن القسم الذي قبله هو تسمية ~~الشيء باسم ما يشابهه في خاصيته، كتسمية الشجاع أسدا؛ لأن الشجاعة من أخص ~~صفات الأسد، ولذلك لم يسموا الأبرخا أسدا؛ لأنه لم يكن البخر من صفات الأسد ~~الخاصة، فالخمر والعنب ليت شعري في أي الخواص اشتركا حتى يقول إن هذا القسم ~~داخل في القسم الذي قبله؟. # فأما قوله: بل هذا أوغل في المشابهة من الأسد للشجاع، لأن الخمر من ~~العنب، وليس الأسد من الإنسان، فإنه يقال له ليس كون الخمر من العنب مما ~~يقتضي المشابهة التي ينقل لأجلها اسم أحدهما إلى الآخر، فإن الدقيق من ~~الحنطة، ولا يجوز أن يقال إنه لما كان منها كان أوغل في التشابه من استعارة ~~الأسد للشجاع، فوجب أن يطلق على الحنطة لفظ الدقيق. # وتحقيق هذا الموضع هو أن كون الشيء بعنطرة من غيره، أو يستحيل غيره إليه، ~~لا يتقضي أن يكون بين الأمرين مشابهة في أمر خاص لأحدهما قد اشتهر به، وضرب ~~المثل به في فنه، كما اشتهر الأسد بالشجاعة وضربت به الأمثال فيها، فلذلك ~~نقل اسم الأسد إلى الشجاع، للمشابهة في ذلك الأمر الخاص، ولم ينقل اسم ~~الدقيق إلى الحنطة، ولا نقل اسم الخمر إلى PageV04P200 # العنب، بالاعتبار الذي به نقل اسم الأسد إلى الشجاع، بل باعتبار آخر وهو ~~تسمية الشيء باسم ما يئول إليه. # وقد حقق الأصوليون هذا القسم تحقيقا أزيد من هذا، فقالوا: من أقسام ~~المجاز إطلاق اسم السبب على المسبب، ولا يثبت في العلوم الحكمية لأن العلل ~~أربعة: الفاعل، والصورة، والمادة، والغاية. وكانت أنواع هذا القسم أربعة: # الأول تسمية الشيء باسم العلة الفاعلية إما حقيقة أو ظنا، كتسمية المطر ~~سماء الثاني تسمية الشيء باسم العلة الصورية، كتسميتهم اليد بالقدرة، ~~الثالث تسمية الشيء باسم العلة القابلية، كقولهم سال الوادي، يعنون المطر، ~~الرابع تسمية الشيء باسم العلة الغائية، كتسمية العقد بالنكاح، والعنب ~~الخمر. ### | 68- # قال المصنف: والقسم الثالث تسمية الشيء باسم فرعه، كقول الشاعر. # وما العيش إلا نومة ms081 وتشوق ... وتمر على رأس النخيل وماء # فسمى الرطب تمرا. وهذا القسم والذي قبله سولا، لأن هناك سمي النب خمرا، ~~وها هنا سمي الرطب تمرا؛ لأنه أصل التمر، وهما داخلان في القسم الأول. # قال وهب أن الغزالي لم يحقق أمر المجاز، وقسمه أقساما لا حاجة إليها، # PageV04P201 # ألم ينظر إلى هذين القسمين اللذين هما العنب الخمر، والرطب والتمر، ويعلم ~~أنهما شيء واحد، لا فرق بينهما؟ 1. # أقول: بل بينهما فرق ظاهر لو أمعنت النظر؛ لأن العنب إذا صار خمرا فقد ~~استحال من صورة إلى صورة مباينة للأولى في جميع أحوالها، إلا فيما لا بد من ~~الاشتراك فيه كالجسمية ونحوها، فهو كالماء يستحيل هواء، والهواء يستحيل ~~نارا، والرطب إذا صار تمرا لم يستحل إلى صورة أخرى بل هو ذلك الجسم بعينه، ~~إلا أنه يبس وجف بعد أن كان رطبا، كاللحم الغريض يصير قديدا، والتين الرطب ~~يصير يابسا، فإنما تغير عنه عرض واحد، وهو الرطوبة التي تبدلت باليبوسة لا ~~غير. فبين الأمرين فرق واضح، وبحسب ذلك الفرق جعل أحد القسمين غير الثاني. # فأما قوله: وهما داخلان في القسم الأول أيضا: فإنه ليس بداخل في القسم ~~الأول، لأن معتمد القسم الأول المشابهة في الوصف الأخص، ولا مشابهة بين ~~الإنسان والنطفة. ### | 69- # قال المصنف: والقسم الخامس تسميته بما يدعو إليه، كتسميتهم الاعتقاد ~~قولا، نحو قولهم هذا يقول بقول الشافعي، أي يعتقد اعتقاده. # قال: وهذا القسم يدخل في القسم الأول أيضا، لأن بين الاعتقاد والقول ~~مناسبة كالمناسبة بين السبب والمسبب، والباطن والظاهر2. PageV04P202 # أقول: إن كان يعني بهذه المناسبة الاشتراك في صفة خاصة، كاشتراك الشجاع ~~والأسد في الشجاعة، فليس الأمر كذلك؛ لأن الاعتقاد القلبي مثل هذه ~~المشاركة، وإن أراد مناسبة أعم من هذا أي بينهما علاقة وارتباط، وهو الذي ~~أراده؛ لأنه مثله بمناسبة السبب للمسبب، فهذا مسلم. ولكن نحن لم نمنع أن ~~بين المجاز وبين موضوعه الأصلي مناسبة في الجملة، وكيف نمنع ذلك، ولولا ~~المناسبة لم يكن مجازا؟. # فإن كان يحاول أن يرد الأقسام كلها إلى قسم واحد لأجل أن ms082 الأقسام تشترك ~~في أن بين المنقول إليه والمنقول عنه مناسبة، فإنه لم يفهم مراد الأصوليين ~~في هذا الموضع، وما هو إلا مثل أن يقول لهم: لا تقسموا الحكم إلى واجب وندب ~~ومحظور ومكروه؛ لأن هذه الأقسام قد اشتركت في أنها اقتضاء أمر من المكلف. ~~فالواجب ما اقتضى فعله لا بد منه، والحرام ما اقتضى تركه لا بد منه، والندب ~~ما اقتضى فعله مع تجويز تركه، والمكروه ما اقتضى تركه مع تجويز فعله، فهل ~~يجوز لقائل: لما كان الاقتضاء يعد هذ الأقسام، وتتباين خصوصيتها، فلا ~~تفصلوها، ولا تجعلوها أقساما متعددة؟. ### | 70- # قال المصنف: والقسم السادس تسمية الشيء باسم مكانه، كقولهم للمطر سماء ~~لأنه ينزل منها. قال: وهذا القسم أيضا داخل في الأول للمناسبة # PageV04P203 # بين المنقول والمنقول إليه. قال: على أن تسمية المطر سماء يغلب على الظن ~~أنه حقيقة وليس بمجاز1. # أقول: قد بينا أنه لابد من مناسبة ما، ولكن هذا القسم ليس بداخل في القسم ~~الأول؛ لأن مناسبة القسم الأول هي المشابهة، كالحمار والبليد، والأسد ~~والشجاع، ولا مشابهة بين المطر والفلك، فإنه توهم أنه لأجل العلو، فالمطر ~~الذي يمكث في الأرض أياما ما يسمى سماء، قالوا: ما زلت أطأ السماء حتى ~~جئتك. ونحن قد بينا لم سموا المطر سماء. وأما قوله إنه حقيقة فيه فقريب، ~~ولا يبعد أيضا ذلك عندي. ### | 71- # قال المصنف: والقسم السابع تسميتهم الشيء باسم ما يجاوره، كقولهم للمزادة ~~راوية، وإنما الراوية الجمل الذي يحملها. قال: وهذا القسم من باب التوسع لا ~~من باب التشبيه، ولا من باب الاستعارة، لأن على قياسه ينبغي أن يسمى الجمل ~~زاملة؛ "لأنه يحملها"2. # أقول: إنا قد استظرفنا اعترافه أن هذا القسم خارج عن الأول، فعجبنا منه ~~كيف لم يعده إليه بأمر ما يتعلق به، مثل أن يقول إن المزادة ينتفع به، ~~والبعير ينتفع به، فتشابها في عموم الانتفاع بهما، ونحو ذلك من التعلقات ~~الضعيفة التي جرت عادته أن يتمسك بها. PageV04P204 # واعلم أن من الأصوليين من جعل هذا القسم مفردا برأسه، وقال إن المجاورة ~~علاقة ms083 ما بين المتجاورين، فنقل بطريقها اسم المجاور إلى صاحبه، وهؤلاء ~~يلزمهم قوله: فهلا سموا الجمل مزادة لأنه يحملها؟. لأن استعمال اللفظ في ~~معناه المجازي عنده لا يؤخذ قياسا في كل موضع، ألا يرى أنهم يطلقون النخلة ~~على الرجل الطويل، ولا يطلقونها على غيره من الطوال؟ ولأنه لو كفى في ~~استعمال اللفظ المجازي مجرد علاقة وصلة كيف كانت لقالوا للأبخر أسد، لأن ~~الأسد أبخر، فلم لم يقولوا ذلك؟ علمنا أن هذا أمر لا يطرد، وأيضا فإن هذا ~~الرجل يلزمه ما ألزمهم؛ لأنه إن كان يلزمهم لما قالوا إن هذا المجاز لأجل ~~المجاورة أن يسمى الجمل زاملة أيضا على طريق الاتساع. # ومن الأصوليين من جعل هذا القسم، من أقسام المجاز بسبب العلة القابلية، ~~وقال إنه بمنزلة تسمية الشراب كأسا؛ لأن الكأس قابل للشراب. ### | 72- # قال المصنف: القسم الثامن تسمية الشيء باسم جزئه، كقولهم: أبعد الله ~~وجهه، وإنما يريدون سائر جثته. # قال: وهذا القسم داخل في القسم الأول، وهو تسمية الشيء باسم فرع1. # أقول: قد بينا أنه لا يدخل هذا وأمثاله في القسم الأول بوجه من الوجوه ~~أصلا. PageV04P205 # وقد قال الأصوليون إنه قد يسمى الجزء باسم الكل، كإطلاق اللفظ العام، مع ~~أن المرد به الخصوص، نحو قوله تعالى: {اقتلوا المشركين} 1. والمراد بعضهم، ~~وقد يسمى الكل باسم الجزء، كما يقال الزنجي أسود، والمراد أسود البشرة، لكن ~~المجاز الأول أدخل في باب المجاز وأولى من الثاني؛ لأن الجزء يلازم الكل، ~~وأما الكل فلا يلزم الجزء. ### | 73- # قال المصنف: والقسم التاسع تسمية الشيء باسم ضده، كقولهم جون للأبيض، وهو ~~اسم للأسود، قال: وهذا ليس من المجاز، بل هو حقيقة في الموضعين، مثل شمت ~~السيف إذا أغمدته وسللته2. # أقول إن تسمية الشيء باسم ضده قد ذكره الأصوليون، وقالوا إنه كقوله ~~تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} 3 وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم} 4. وما رأيناهم ذكروا هذا المثال الذي حكاه، ولا يبعد ~~عندي أن يكون ما اعترض به عليه صحيحا، فإن أكثر أهل اللغة قالوا إن ms084 الجون ~~من الأضداد، وليس إفساد المثال موجبا إفساد المثل عليه، ومن الناس من جعل ~~قوله تعالى: {جزاء سيئة سيئة مثلها} من باب المجاز PageV04P206 # لا التشبيه، وهو الذي يسمى التسعارة، وهو القسم الأول الذي حاول هذا ~~الرجل أن يعيد إليه أكثر هذه الأقسام، وقالوا إن جزاء السيئة يشبه السيئة ~~في كونها سيئة بالنسبة إلى من وصل ذلك الجزاء إليه، وليت هذا الرجل لما ~~حاول أن يعيد الأقسام إلى القسم الأول بينه في هذا القسم، فهذه المشابهة ~~أوردها، فكان يأتي بشيء له ذوق. ### | 74- # قال المصنف: والقسم العاشر تسمية الشيء بفعله، كتسمية الخمر مسكرا، قال: ~~وهذا القسم داخل في القسم الأول، وأي مشاركة أقرب من هذه المشاركة؟ فإن ~~الإسكار صفة لازمة لخمر، وليست الشجاعة صفة لازمة لزيد، لأنه يمكن أن يكون ~~زيد ولا شجاعة، ولا يمكن أن يكون خمر ولا إسكار، ألا ترى أنها لم تسم خمرا ~~إلا لإسكارها، فإنها تخمر العقل أي تستره1. # أقول: إن هذا الرجل لم يعلم المراد بهذا القسم، فإن السكر هو الفاعل، من ~~أسكر يسكر، فهو مسكر، كالضارب فاعل من ضرب يضرب فهو ضارب، ولا يكون الإنسان ~~ضاربا إلا إذا ضرب، وأما قبل وقوع الضرب منه وبعد انقضاء الضرب لا يكون ~~حقيقة؛ لأنه ليس في تلك الحال بضارب، والقوم قالوا إن الخمر تسمى مسكرا قبل ~~ألا تشرب وتسكر شاربها، فقد PageV04P207 # سموا الشيء بما من شأنه أن يفعله، وبأثره قبل أن يفعله ويؤثره، وهذا هو ~~المجاز، وليس يصلح أن يجاب عن هذا بما ذكره من قوله هذا داخل في القسم ~~الأول، وأي مشاركة أقرب من هذه المشاركة؛ لأن الإسكار ليس صفة لازمة للخمر، ~~وإنما الصفة اللازمة لها القوة على الإسكار. # والقوم ما قالوا إن المجاز في قولنا الخمر قوية على الإسكار، بل في قولنا ~~الخمر مسكرة وبهذا بطل قوله لا يمكن أن يكون خمر ولا إسكار، وقد يمكن أن ~~يكون زيد ولا شجاعة، فإنه ظن أن الإسكار الذي يريدونه ها هنا هو الإسكار ~~بالقوة، وليس هو مرادهم، بل مرادهم ms085 الإسكار بالفعل، وباعتباره جعلوا قولنا ~~الخمرة مسكرة مجازا. # ومما يوضح غلطه في هذا الموضع أنه لو كان الإسكار صفة لازمة للخمر، ولا ~~توجد خمر إلا وهي مسكرة على الوجه الذي قاله وادعاه، لكان إطلاق لفظة ~~المسكر على الخمر حقيقة، كإطلاق لفظة الليث على الأسد، فكيف يكون هذا القسم ~~داخلا في القسم الأول، كقولنا للشجاع أسد، وللبليد حمار؟ وأين المماثلة بين ~~هذا الموضع وبين ذلك القسم؟ فإن ذلك القسم عبارة عن شيئين تشابها في صفة ~~خاصة بأحدهما، فنقل اسمه إلى ما شابهه، وليست الخمر مشاركة في شيء آخر يسمى ~~مسكرا في معنى الإسكار، فنقل اسمه إليها. # PageV04P208 ### | 75- # قال المصنف: والقسم الحادي عشر تسمية الشيء بكله، كقولك في جواب سائل ~~سألك: ما فعل زيد؟ فقلت: القيام. فإن القيام فإن القيام جنس يتناول جميع ~~أنواعه. # قال: وهذا القسم لا ينبغي أن يدخل في أقسام المجاز، لأن القيام لزيد ~~حقيقة، فإن قلت يشتمل على جميع أنواعه من الماضي والحاضر والمستقبل، قلت ~~فهذا من أقرب أقسام المجاز مناسبة، لأنه إقامة المصدر مقام الفعل الماضي، ~~والمصدر أصل الفعل، وعلى ذها فإن القسم داخل في القسم الأول1. # أقول: إنا قد ذكرنا تسمية الجزء بالكل كيف يكون، وضربنا لذلك مثالا، فأما ~~هذا الذي ذكره فإنه شيء غلط، قاله أبو الفتح عثمان بن جني في كتاب الخصائص، ~~ووهم فيه؛ لأنه ظن أن المصدر لفظ يدل على أشخاص تلك الماهية، وليس بصحيح، ~~بل المصدر لفظ يدل على مجرد الماهية، وهو القدر المشترك بين الواحد والكل. # فأم الماهية من حيث هي، فلا تستلزم الوحدة والكثرة، لأنها لو استلزمت ~~إحداهما لما كانت مجردة من حيث هي، وقد قرضناها كذلك، فإذن لا المصدر ولا ~~الفعل المشتق من المصدر يدلان على الكثرة وعلى PageV04P209 # الوحدة، لكن أبا الفتح ذكر مثل هذا القسم بمثال مطابق فقال: أنا إذا قلت ~~ضربت عمرا، فإني إنما ضربت بعضه. # فأما هذ المصنف فلم يعترض على الكلام كما ينبغي، أما أولا فلأنه ظن أن ~~المصدر ههنا يقوم مقام الفعل الماضي، وليس بصحيح؛ ms086 لأنك إذا قلت فعل زيد ~~القيام فقد أقررت أنه صدر عنه أثر ما مفعول حسب صدور الآثار عن المؤثرات، ~~والفعل الماضي ليس بأثر يصدر عن المؤثر، ولا المستقبل أيضا، ولا الحاضر؛ ~~لأن الفعل الذي هو قسيم للاسم والحرف لو كان أثرا لمؤثر لكان اسما لا فعلا. # وأما ثانيا فلأنه لو صح ما قاله لما كان هذا القسم داخلا تحت القسم ~~الأول، لأنه كون أصلا له لا يقتضي وقوع المشابهة بينهما بنقل اسم أحدهما ~~للآخر، وقد قررنا ذلك فيما تقدم. ### | 76- # قال المصنف: القسم الثاني عشر الزيادة في الكلام لغير فائدة، كقوله ~~تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم} معناه فبرحمة من الله. قال: وهذا خطأ، ~~أما أولا فإن المجاز هو دلالة اللفظ على غير ما وضع له في أصل اللغة، وهذه ~~الآية دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في أصل اللغة. # وأما ثانيا: فإن لفظة "ما" ههنا غير خالية من المعنى، لأنها تعطي من # PageV04P210 # الفخامة والفصاحة والجزالة ما لا تعطي الآية عند فقدها، كقول الزباء ~~"ولكنه شيمة ما أناس"1 قال وهذا شيء لا يعرفه إلا أهله. # والغزالي معذور في ألا يعرف ذلك، لأنه ليس من فنه2. # أقول إن ما قاله الغزالي وغيره في هذا الموضع مأخوذ من قول شيخنا أبي عبد ~~الله البصيري المتكلم، فإنه قال: الحقيقة ما انتظم لفظها معناها من غير ~~زيادة ونقصان ولا نقل، والمجاز ما لا ينتظم لفظه معناه إلا لزيادة ونقصان ~~أو نقل، كزيادة الكاف في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} 3 فإنا لو أسقطنا ~~الكاف استقام المعنى. ومثال النقصان قوله: {واسأل القرية} 4، فإنا إذا زدنا ~~فيه لفظة الأهل استقام المعنى. ومثال النقل قولنا: رأيت أسدا، تعني به ~~الرجل الشجاع، فإنه منقول من السبع. # وإذا أردنا الكلام على هذا الوجه، كان قوله "فيما رحمة" مجازا، لأنه لا ~~ينتظم اللفظ معناه إلا بحذف "ما". # قلنا: لا نسلم أن هذا مجاز، بل هذه دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في ~~أصل اللغة، فيقال له أما أولا فإن القوم ms087 حدوا المجاز بحد هو موجود في هذا ~~الموضع، ولا يجوز أن يقال لمن حد أمرا بحد: لم قلت إن هذا هذه؟ لأن القوم ~~قد اختاروا أن يضعوا اللفظ المجاز لما كان بهذه الصفة. والمنازعة بعد ذلك ~~لهم منازعة لفظية. PageV04P211 # وأما ثانيا فلأن "ما" في هذا الموضع حرف، والحروف لا يدخلها المجاز ~~بالذات؛ لأنها غير مستقلة بأنفسها بالمفهومية، بل لا بد أن تنضم إلى شيء ~~آخر لتحصيل الفائدة، فإن انضمت إلى كلام يرتبط به، ويخل إسقاطها بالمعنى ~~المفهوم منه فالمركب حقيقة، وإلا فهو مجاز. # ولا شبهة في أن "ما" في هذا الموضع ليست مرتبطة بغيرها ارتباطا مفهوما ~~للمعنى المطلوب. # فأما جوابه الثاني فيلزم عليه أن يكون قوله تعالى: {واخفض لهما جناح ~~الذل} 1 حقيقة لا تعطي من الفخامة والفصاحة ما لا تعطيه الآية عند حذفه ~~وكذلك القول في سائر المجازات. # فإن قال إنني لم أجعل إفادة هذه اللفظة الفخامة والجزالة مخرجة لها من ~~باب المجاز، وإنما منعت قول من قال إنه لا فائدة فيها أصلا، قيل له: فإذا ~~اعترفت أنها من باب المجاز فقد سلمت قول الغزالي، فلأي معنى تنتقصه، وتقول ~~هو معذور في ألا يعرف هذا؛ لأنه ليس من فنه؟ والغزالي إنما أراد بقوله إن ~~"ما" زائدة لا معنى لها في خصوص المقصد المطلوب بالآية لا غير ذلك. ### | 77- # قال المصنف: القسم الثالث عشر تسمية الشيء بحكمه، كقوله تعالى: {وامرأة ~~مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} فسمى النكاح هبة. PageV04P212 # قال: وهذا القسم داخل في القسم الأول، للمشابهة بين النكاح والهبة في ~~التمكين من الانتفاع والتصرف1. # أقول: إن هذا الاعتراض الذي ذكره صحيح لا منازعة فيه، ثم إنا نقول إن ~~تمثيل هذا القسم بالنكاح هبة فلم يسم الشيء بحكمه، بل بما يفيد مثل حكمه، ~~وفرق بين الحكم وبين المفيد لمثل الحكم. على أن أكثر المفسرين لم يذهبوا ~~إلى أنه سمي النكا هبة، بل جعلوا لفظة الهبة حقيقة صريحة في هذه الواقعة. ### | 78- # قال المصنف: القسم الرابع عشر النقصان الذي لا يبطل به المعنى، كحذف ms088 ~~الموصوف وإقامة الصفة مقامه، نحو قوله: "ثم يرم به بريئا"2 أي شخصا، وكحذف ~~المضاف، وإقامة المضاف إليه مقمه، كقوله: {واسأل القرية} أي أهلها. # قال: وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن الصفة لازمة للموصوف. وقوله: ~~{واسأل القرية} دل على الساكن بالمسكن. # قال: فهذه الأقسام المجاز التي ذكرها الغزالي قد انتهت في تقسيمها، وإنما ~~يرجع إلى ثلاثة أقسام: التوسع، والتشبيه، والاستعارة3. # أقول: قد تكرر منا إيضاح غلطه في إعادة هذه الأقسام إلى القسم الأول، ~~PageV04P213 # الذي يتوهم عودها إليه؛ لأن الصفة لو لازمت الموصوف لما كانت من باب ~~المشابهة الموجودة في السبع والشجاع، بل كانت بابا آخر، وكذلك الدلالة ~~بالمسكن على الساكن، هي مجاز باعتبار آخر غير ذينك الاعتبارين. # وكل قسم من هذه الأقسام له خصوصية ينفرد بها، ويمتاز عن غيره بها، ولو أن ~~هذا الرجل يقف على التقسيمات العقلية الدقيقة في العلوم الحكمية والكلامية ~~التي يمتاز كل قسم منها على الآخر بما هو أدق من الشعر، ولا يفهمه إلا ~~الراسخون في العلم، لكانت هذه التقسيمات في امتياز بعضها عن بعض أجلى من ~~فلق الصبح، لأنه ليس فيها من الغموض ما يوقع في مثل هذا الغلط. # على أنه زعم أنه قد أعادها إلى ثلاثة: وهي الاستعارة، والتشبيه، والتوسع، ~~ولم يعد منها إلى التشبيه شيئا أيضا. ### | 79- # قال المصنف: ومن شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، ~~كما قال بعض كتاب1 مصر في تشبيه حصن من حصون الجبال: "هامة عليها من ~~الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل، فكان الهلال منها قلامة": فإنه أخطأ ~~في قوله أنملة، وأي مقدار للأنملة بالنسبة إلى حصن على رأس جبل؟ قال: فإن ~~قلت فقد قال الله عز وجل: PageV04P214 # {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} فشبه نوره نما هو دونه، وقد قال سبحانه في ~~القمر: {حتى عاد كالعرجون القديم} فشب بما هو دونه، قلت: هذه الآية تشبيهها ~~لطيف غريب، لأنه أراد به النبي صلى الله عليه وسلم وآله، لأن قلبه عليه ~~السلام وما هو عليه من الصفاء والشفافية ms089 كالزجاجة التي كأنها كوكب قلبه ~~عليه السلام وما هو عليه من الصفاء والشفافية كالزجاجة التي كأنها كوكب ~~لصفائها وإضاءته، والشجرة المباركة التي لا شرقية ولا غربية هي ذات النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم؛ لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى ~~المشرق ولا إلى المغرب، وزيت هذه الزجاجة مضيء من غير أن تمسه نار، معناه ~~أن فطرته صافية من الأكدار منيرة من قبل مصافحة الأنوار، فهذا هو المراد من ~~التشبيه من هذه "الآية". # وأما الآية الثانية فإنه تعالى شبه الهلال بالعرجون في نحو له واستدارته ~~لا في مقداره؛ لأن مقدار الهلال عظيم لا نسبة للعرجون إليه، لكنه شبهه به ~~في الهيئة والشكل1. # أقول إن التشبيه يحسن ويقبح باعتبار الجهة التي وقع التشبيه فيها، فإذا ~~شبه العظيم مقدارا "بأقل منه" في المقدارية قبح، وكانت القضية كاذبة. فإن ~~شبه به لا في المقدار، بل في أمر آخر يتناسبان فيه كان حسنا، وهذا كقوله ~~تعالى في صفة لصحابة رضي الله عنهم: {كزرع أخرج شطأه} 2، فإن عقلا ~~PageV04P215 # لا يقول: هذا التشبيه قبيح؛ لأن أجسام الصحابة وجثثهم أكبر وأعظم مقدارا ~~من الزرع، لأنه ما أراد التشبيه في المقدارية، بل في أمر آخر. # وهكذا قوله: "حتى عاد كالعرجون القديم" لا يريد مقداره، بل شكله. وكذلك ~~تشبيه الكافر بالكلب في قوله: {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث} 1. # لا يعني الصورة والجثة، بل معنى آخر، وكذلك هذا الكتاب المضري. والذي حمل ~~هذا الرجل على أن عابه بما عاب به نفسه، حسده له. # وهو لا يعني أن الحصن العظيم على ذروة الجبل الشاهق كالأنملة في مقدارها ~~وجثتها، بل بينه وبين الأنملة مشابهة لطيفة وهي أن الأنملة جسم صغير ناتئ ~~من جسيم كبير وهو البدن، وكذلك الحصن على الجبل، وهذا هو الذي أراده الرجل، ~~والأمر فيه واضح بين. # فأما تفسير الآية النور فظريف جدا، أما أولا فلأنه سبحانه لو قال: # "مثل نوري كالنور الذي في قلب محمد صلى الله عليه وسلم" لكان ركيكا. # وأما ثانيا فلأنه ms090 قال: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة} . # فإذا كان قلب النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم هو الزجاجة، ولا شبهة ~~أن المصباح الذي فيها هو النور، والمشكاة ما هي؟ فقد زعم أنها ذات النبي ~~صلى الله عليه PageV04P216 # وآله وسلم، فإنه قد قال إن ذات النبي هي الشجرة المباركة، فلا يبقى ~~للمشكاة ما تحمل عليه. # وأما ثالثا فإن الله تعالى وصف الشجرة بأنها زيتونة لا شرقية ولا غربية، ~~ونرى هذا المفسر قد فسر قوله لا شرقية ولا غربية، ولم يفسر قوله زيتونة، ~~وقد كان الواجب عليه أن يفيدنا بتفسير ذلك. # وأما رابعا فلأن غلاة الباطنية1 الذين يقولون في قوله تعالى: {ووهبنا لهم ~~من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا} 2 المراد به على بن أبي طالب أعذر في ~~تأويلاتهم، وأقرب إلى الأذهان من هذا الرجل. # وأما خامسا فإنه لم ينفصل من السؤال، لأنه لو سلم له جميع ما ذكره، أليس ~~قد شبه الله تعالى نوره بنور محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ ونور محمد دون ~~نور الله تعالى لأنه مستافد من نوره، وما يستفاد من أصل يكون دون الأصل ~~المستفاد منه، وقد توه الإشكال. ### | 80- # قال المصنف: فأما التجريد فهو إخلاص الخطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك. # قال: وهو نوعان: تجريد بمعنى التوسع فقط، وتجريد حقيقة. فأما التجريد ~~بمعنى التوسع، فكقول الصمة القشيري: PageV04P217 # حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعبا كما معا # فإنه قال بعد أبيات: # وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من حره أن تقطعا1 # فانتقل إلى ذكر نفسه، ولو لم يقل "وأذكر أيام الحمى" لقضينا عليه بأنه ~~تجريد حقيقة. # ومثال التجريد الحقيقي قول الحيص بيص: # إلام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر # فإنه لم ينتقل إلى هدا بعد ذكر نفسه، بل استمر على التجريد؛ لأنه قال بعد ~~هذا البيت: # كتمت بعيب الشعر علما وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر # أما وأبيك الخير إنك فارس المقال ومحيي الدراسات الغوابر # وإنك أغنيت المسامع ms091 والنهى ... بقولك عما في بطون الدفاتر2 # أقول: إنه قد انتقل بعد هذا إلى ذكر نفسه، فعدل عن كاف الخطاب، إلى ياء ~~الضمير، إلى تاء المتكلم فقال: # تطاول ليلى ما أرى ذا نباهة ... يجلى دجى ظلمائه عن خواطري PageV04P218 # سهرت لبرق من ديار ربيعة ... ولم أك للبرق اللموع بساهر # قال: كأن الصمة القشيري في شعره لم يأت بالتجريد الحقيقي، لعوده بعد ~~أبيات عن كاف الخطاب، فالحيص بيص مثله. ### | 81- # قال المصنف: وقد قال أبو علي الفارسي رحمه الله إن العرب كانت تعتقد في ~~الإنسان معنى كامنا فيه، كأنه حقيقته ومحصوله، فتخرج ذلك المعنى إلى ~~ألفاظها مجردا من الإنسان، كأنه غيره، وهو هو بعينه، نحو قولهم: لئن لقيت ~~فلانا لتلقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو بعينه الأسد ~~والبحر، لا أن هناك شيئا منفصلا عنه ومتميزا منه. # وهذا ليس بتجريد، بل هو تشبيه مضمر الأداة، وتقديره لتسألن منه كالبحر، ~~ولتلقين منه كالأسد، وليس هو من التجريد المشار إليه في الأبيات الشعرية، ~~ولا حقيقة التجريد موجودة فيه1. # أقول إن الحد الذي حد هذا الرجل التجريد به لم يأت فيه نص من كتاب الله ~~تعالى، ولا ورد عن رسول الله، وإنما هو حد اختاره هو، وفسر التجريد به، ~~فإنه حجر على أبي علي رحمه الله أن يجعل التجريد شيئا آخر. ومعلوم أن هذه ~~الاصطلاحات والمواصفات موكولة إلى آراء العقلاء واختياراتهم، فأبو علي ~~PageV04P219 # رحمه الله قد اختار أن يسمى قولهم "إذ سألت زيدا سألت البحر" تجريدا، وقد ~~شرح ذلك وأوضحه بقوله إن ظاهر هذه اللفظة أن المسئول غير زيد؛ لأن ألفاظها ~~تقتضي ذلك، ألا ترى أنك تقول صحبت زيدا فاقتبست منه العلم، وقتلت فلانا ~~فأخذت منه السلب. فيقتضي ظاهره بأن العلم غير المصحوب، وأن السلب غير ~~المقتول، فهكذا يقتضي ظاهر قوله سألته فسألت منه البحر، أن البحر غيره. # فأبو علي رحمه الله سماء تجريدا، وهو غير مانع لك من اصطلاحك ولا مساح لك ~~في حدك الذي ذكرته، للتجريد، فكذلك أنت لا تجور ولا تضايقه في ms092 اصطلاحه ~~وتجريده. ### | 82- # قال المصنف: وأيضا فهذا يتنتقض بقول العرب: لئن رأيت الأسد لترين منه ~~هشبة، ولئن لقيته، لتلقين منه الموت. فأي معنى لتخصيص أبي على ذلك ~~بالإنسان؟ مع أن العرب تستعمل هذا اللفظ في الإنسان وغيره1. # أقول إن أبا علي لم يرد أن هذا الاستعمال مقصور على الإنسان فقط، ولا صرح ~~بذلك، ولا كنى عنه، ولا هو مفهوم من فحوى قوله إن العرب تعتقد في الإنسان ~~معنى كامنا فيه لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وإنما مثل بالإنسان؛ لأنه ~~أشهر، ولأن استعماله فيه ودورانه على ألسنتهم وفي ألفاظهم أكثر. ~~PageV04P220 ### | 83- # قال المصنف: وقد سبق القول: بأن التجريد هو أن تطلق الخطاب على غيرك ولا ~~يكون هو المراد، بل المراد شيئا آخر، وهذا لا يوجد في هذا الموضع؛ لأن قوله ~~إن لقيته لتلقين منه الأسد، لم يجرد عن المنقول عنه شيئا، وإنما شبه بالأسد ~~في شجاعته، وأداة التشيه مضمرة، وما أعلم كيف ذهب هذا عن أبي علي رضي الله ~~عنه1. # أقول: قد بينا أن المنازعة في هذا الموضع لفظيه لاطائل تحتها، ولو أن أبا ~~علي رضي الله تعالى عنه اختار أن يسمى المجاز تجريدا بمعنى أنه لفظ قد جرد ~~عن موضوعه الأول، أي خلع عنه، وجعل لغيره، واصطلح هو ونفسه، أو هو وأصحابه ~~على ذلك، هل كان لنا أن نخاصمهم، وننازعهم، ونقول لهم قد أخطأتم في هذا ~~الاصطلاح وهذه المواضعة؟ وهل المعاني تستحق الأسماء المخصوصة لذاتها حتى ~~يكون الإنسان مخطئا إذا وضع لفظ مخصوصا لمعنى مخصوص؟ وقد فسرنا نحن قول أبي ~~علي رضي الله عنه المقصد الذي قصده. ### | 84- # قال المصنف: وقول أبي علي إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنا كامنا فيه ~~كأنه حقيقته ومحصوله فغير العرب أيضا تعتقد ذلك. PageV04P221 # الكامن معنى الإنسانية، وهو الاستعداد للعلوم والصنائع، فكل أحد يعرف ~~ذلك، ولا خصوصية للعرب فيه. وإن عنى بالمعنى الكامن الأخلاق كالشجاعة ~~والسخاء، فليس هذا مختصا بالإنسان، بل جميع الحيوانات يوجد فيها ذلك، ~~كالشجاعة في الأسد، والسخاء في الديك، وما أعلم ما ms093 أراد أبو علي بهذا ~~الكلام. # على أن هذا القسم الأخير ليس عبارة عن حقيقة الإنسان، فإنه لا يقال في ~~حده حيوان شجاع، ولا حيوان سخي، بل حيوان ناطق، فقد أخطأ أبو علي من ~~وجهتين: أحدهما أنه جعل حقيقة الإنسان عبارة عن خلقه، والثاني أنه أدخل في ~~التجريد ما ليس منه1. # أقول: إن أبا علي رضي الله عنه لا يلزمه تفسير ما كانت العرب تتخيله ~~وتتوهمه في الإنسان، ولا هذا من وظيفته، ولكن أبا علي قال إننا لما وجدنا ~~العرب الذين صناعتنا البحث عن مجاري كلامهم يخاطبون في الشعر أنفسهم، ~~فيقولون: قلت لقلبي، وقال لي، وقلت لنفسي، وقالت لي، ويقولون: سألت مه لما ~~سألته البحر، فيأتن بلفظة منه، كما يأتون بها في قولهم غصبت منه السيف، ~~وأخذت منه الثوب، فيفيد ظاهر كلامهم أن المسئول منه غيره، كما أن المغصوب ~~منه غيره، أفادنا إكثارهم من هذا وتكرارهم لاستعماله أنهم يتوهمون أن في ~~هذه البنية المشاهدة أمرا كامنا، هو محصول الإنسان، وهذا الهيكل الظاهر هو ~~PageV04P222 # كالقالب لذلك المعنى، وكالقشر لذلك اللب، ومن الجائز أن يكون هذا المعنى ~~الباطن غير القسمين اللذين قد ذكرهما المصنف، وهما مجرد الاستعداد للعلوم ~~والخلق فليناظر في نقيض، خصوصا ومذاهب العقلاء في هذا الموضع كثيرة جدا، ~~وكلها خارجة عن هذين القسمين اللذين قد ظن هذا الرجل أنه لا يمكن تفسير ما ~~توهمه العرب إلا بواحد منهما، ثم يقال له لم لا تفسر قول أبي علي رحمه الله ~~بالوجه الأول وهو قولك إن غير العرب أيضا تعتقد ذلك، فيقال لك إن أبا علي ~~ما قال إنه لا يعتقد ذلك أحد من الأمم إلا العرب خاصة، وإنما كانت صناعته ~~البحث عن مجاري كلام العرب، وقال إنهم لا يعتقدون كذا وكذا؛ لأنه لا ينظر ~~في لغة أمة أخرى غير العرب، وإنما كتبه وتصانيفه مقصورة على البحث عن ~~لغاتهم خاصة، فلا يدل كلامه على نفي هذا الحكم عن غير العرب. # وأيضا فلو فسر قوله بالتفسير الثاني -وإن كنا نعلم أنه رحمه الله لم ms094 ~~يرده- لما توجه عليه ما اعترض به؛ لأنه لم يفرد الإنسان خاصة من دون سائر ~~الحيوان بهذا الحكم، وإنما ضربه مثلا؛ لأنه النوع الأعرف. # ومن العجب قوله: ولا أعرف ما أراده أبو علي بقوله: إنهم يتوهمون في ~~الإنسان معنى كامنا هو حقيقته ومحصوله، إلا أن يكون أحد هذين القسمين ~~اللذين أشرت إليهما. # ولا شبهة أن هذا الرجل ما وقف على أقوال العقلاء في هذا الموضع، فإن ~~مذاهبهم كثيرة، وكل منهم يذهب إلى أن حقيقة الإنسان ومحصوله أمر وراء # PageV04P223 # هذه البنية المشاهدة، ولم يذهب منهم ذاهب إلى أحد هذين القسمين اللذين قد ~~توهم هذا الرجل أنه لا يمكن المصير إلى غيرهما. # فأما قوله إن أبا علي رضي الله عنه أخطأ حيث جعل حقيقة الإنسان عبارة عن ~~الخلق، فإن أبا علي رضي الله عنه أخطأ، وقال هذا الكلام لا عن نفسه ولا عن ~~غيره، أما إنه لم يقله عن نفسه فمعلوم، وأما إنه لم يقله عن غيره فلأنه قال ~~عن العرب إنهم اعتقدوا أن في الإنسان معنى كامنا كأنه حقيقته ومحصوله، فصرح ~~بأداة التشبيه وهي كأن، وما قال عنهم إنهم قالوا إن ذلك المعنى هو حقيقة ~~الإنسان، ليقول لهم ذلك المعنى وهو خلقه، وخلقه غير داخل في حده وحقيقته. # وينبغي للناس إذا حكوا شيئا شرعوا في نقضه أن يتأملوا ما حكوا، ثم ~~ينقضوا، وبالجملة فمقام الشيخ أبي علي رضي الله عنه مقام جليل يقتضي أن ~~يحترم ويصان، ولا يستعمل معه التسرع بالتخطئة والرد، وإذا وجد في كلامه ما ~~يستدرك استدرك مع استعمال الأدب. ### | 85- # قال المصنف في الالتفات: هو الانتقال من خطاب الحاضر إلى الغائب وبالعكس، ~~وما يجري مجرى ذلك. وقال إن الزمخشري قال إن الرجوع من أحد هذين النوعين ~~إلى الآخر إنما استعمله العرب تقننا في الكلام، وانتقالا من أسلوب إلى ~~أسلوب تطرية لسماع السامع، وإيقاظا للاستماع إليه. # PageV04P224 # قال: وليس الأمر كما ذكر؛ لأن هذا الكلام يتضمن أن السامع قد يمل من ~~أسلوب واحد، فينتقل إلى غيره لينشط المستمع للاستماع، وهذا قدح في ms095 الكلام، ~~لا وصف له؛ لأنه لو كان حسنا لما مل1: # أقول: لكم قلت إنه إذا كان حسنا لا يمل، وهل الملال إلا من الملذ؟ ألا ~~تراهم كيف يقولون مل فلان التنزه في البستان، ويقولون قد مللت من أكل ~~الحلواء. ومللت من سماع الأغاني؟ ولأن الأشياء الكريهة المملولة لا يقال ~~لها مللتها، ألا تراهم يستقبحون قول من يقول قد مل المحبوس من الحبس، ~~والمضروب من الضرب؟ فالذي ذكره المصنف عكس الصحيح. ### | 86- # قال المصنف: وأيضا فلو صح ما قاله لكان الالتفات إنما يوجد في الكلام ~~المطول الذي من شأنه أن يمله السامع لطوله، والأمر بخلاف ذلك؛ لأنا قد ~~وجدنا الالتفات في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ومجموع الجانبين معا لا ~~يبلغ عشرة ألفاظ2. # أقول: لما كان مراد الواضع الإفهام للسامع، وكان الإفهام لا يحصل إلا ~~بالإصغاء، احتال الواضع لتحصيل الإصغاء بكل طريق، فكان من تلك الطرق نقل ~~الخطاب من الحضور إلى الغيبة وبالعكس، ليجد السامع ما يوقظه PageV04P225 # وينبه على الاستماع؛ لأنه باستمرار الخطاب على نمط واحد ربما قد يمل، ~~فنقل من أسلوب الخطاب إلى أسلوب آخر مستأنف، ليطرأ على ذلك السهو الذي عساه ~~حصل فيزيله، ثم لفرط العناية بالإفهام وقع ذلك في قصير الكلام حسب وقوعه في ~~طويله، لا في كل قصير منه، كما أنه لم يقع في كل طويل منه، ولكن بحسب ما ~~تقتضيه المصلحة. # ولهذه العلة أنزل في القرآن الكريم ألفاظ وحروف غير مفهومة، مثل طسم ~~والمص وغيرها، ليعارض المشركون فيها عند سماعها، فيكون ذلك كالاستجرار لهم ~~إلى سماع غيرها من الآيات المنزلة، فإنها إذا قرعت أسماعهم قرعها أمر غريب ~~تنزع النفس عند سماعه، وتتشوق إلى معرفته، فينبعث الداعي إلى سماع ما بعدها ~~ليفسر ما به، كما يفسر بعض الكلام ببعض، فتحصل الفائدة من وقوفهم على فصاحة ~~القرآن وسر إعجازه. # ونظير اعتراض المصنف وهو قوله: لو كان هذا خوفا للملال لكان في طويل ~~الكلام دون قصيره، أن يعترض هنا المثال الذي قد مثلنا به فيقال: لو كن هذا ~~هو المراد ms096 من هذه الحروف لكانت في ميع السور بل في السورة الواحدة مرات ~~كثيرة، لتكون أدعى للمشركين إلى تأمله. والجواب عن الموضعين واحد، وهو أن ~~ذلك إنما يكون بحسب ما تقضي به المصلحة، ولهذا كرر سبحانه: {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان} 1 مرارا كثيرة في سورة واحدة، لما كانت PageV04P226 # المصلحة تكراره فالمخاطب أعرف بما يخطاب به، وأدرى بما يتوصل به إلى ~~اجتناء ثمرة المخاطبة، سواء كان الباري سبحانه أو واحدا منا. ### | 87- # قال المصنف: وعلى هذا فيجب إذا وجدنا كاملا قد استعمل فيه الإيجاز أو ~~الإطناب -ولكنه لم يقع فيه الالتفات لكن كل واحد من لطرفين واقع موقعه- أن ~~نقول هذا ليس بحسن إذا لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب، وهذا قول ما فيه، ~~وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة1. # أقول: إن هذا الاعتراض من أظرف ما يحكى وذلك أن الزمخشري ما جعل حسن ~~الكلام مقصورا على الالتفات كالشروط التي تقدم عند عدم شروطها، ولكنه قال ~~إن الالتفات مما تستعمله العرب، ووجه استعمالها أنه يحصل منه نوع تنبيه ما ~~للسامع وتجديد لنشاطه إلى سماع الخطاب، فلا يلزم من ذلك أن كل خطاب لا ~~التفات فيه فإنه لا يكون حسنا، كما إذا قلنا إنما حسن استعمال المطابقة ~~والتجنيس في الشعر لكذا وكذا، لا يلزم منه أن يكون كل شعر لا تجنيس فيه ولا ~~مطابقة غير حسن. # وغير هذا الكلام أن محسنات العشر والخطابة أمور كثيرة، فإذا فقد بعضها ~~قام غيره مقامه، فحصل الحسن المطلوب. PageV04P227 # لكن لو فقدت كل الحسنات لزم لا محالة ألا يكون الكلام حسنا. # فقد بان أن هذا الموضع ما ذهب على الزمخشري، وإنما ذهب على من اعترضه. # ثم يقال: ألست القائل: قد يعدل عن لفظة الغيبة إلى لفظة الحضور تعظيما، ~~كقوله تعالى: {إياك نعبد} فإنه عدل عن لفظ الغيبة وهو قوله: {الحمد لله رب ~~العالمين} لأن العبادة أعظم من الحمد، فجعل العبادة بكاف الخطاب لعظم ~~شأنها، وكاف الخطاب أصرح وأدل من هاء الغيبة، فجعل الأعظم ms097 للأعظم، فيقال ~~لك: فقد قال سبحانه في موضع آخر {واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} 1 فيجب ~~أن تكون هذه الآية غير حسنة لفقد المعنى الذي ذكرته، كما قلت إنه لو كان ~~الألتفات حسنا كما قاله # الزمخشري لوجب أن يكون كل خطاب واقع موقعه، والألتفات فيه غير حسن، فكل ~~ما يجيب به فهو جواب الزمخشري. ### | 88- # قال المصنف: وقد يؤكد الضمير المتصل، كقوله تعالى: {لا تخف إنك أنت ~~الأعلى} وقد يؤكد الضمير المنفصل بالمنفصل: وذلك مثل قول أبي تمام: # لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار # ومثل قول المتنبي: # قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك جدك الملك الهمام2 PageV04P228 # أقول: إن هذين البيتين لا يصلح أن يمثل بهما على توكيد الضمائر، وذلك أن ~~التوكيد ما لو حذف وبقي المؤكد يبقى اللفظ دالا على المعنى، إلا أنه غير ~~مؤكد له كالآية التي استشهد بها، فإنه لو حذف أنت لبقي أنك الأعلى، وهو ~~كلام مفيد للمعنى، إلا أنه غير مؤكد. # وكقوله تعالى: {إنك أنت علام الغيوب} 1 وكقوله: {إما أن تلقي وإما أن ~~نكون نحن الملقين} 2 ولو حذف أنت الثانية من بيت أبي تمام أو من بيت ~~المتنبي لخرج الكلام عن الإفادة أصلا. وكيف يفيد هو مبتدأ وخبر، وقد حذف ~~الخبر؟ ومراد أبي تمام لست أيتها المرأة كما كنت أعهد ولا الديار كما كنت ~~أعهد، ولو قوله لا أنت أنت من باب التوكيد لكان قوله ولا الديار ديار من ~~باب التوكيد. # وكذلك قول القائل: # فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعرف # وفي ذلك امتزاج أبواب البيان بعضها ببعض، وهو غير جائز. # ومراد المتنبي بقوله أنت أي أنت المشهور الذي يستغنى عن شرح صفاته ~~وممادحه، كما يقول: قد قتل زيد بينه أسدا والأسد الأسد. وكقول الراجز: # "أنا أبو النجم وشعري شعري" # وهذا معنى آخر غير التوكيد، ولكنه قد اشتبه على هذا المصنف لا محالة. ~~PageV04P229 ### | 89- # قال المصنف: ومثال تأكيد الضمير المتصل بالمتصل قوله تعالى: {ألم أقل لك ~~إنك لن ms098 تستطيع معي صبرا} ثم شرع يبين لماذا قال لك ها هنا، وقال من قبل ~~{ألم أقل لك إنك} ولم يقل لك في خرق السفينة1. # أقول: أما قوله لك فوجهه مشهور قد قاله الناس من قبل، وذكره من يتعاطى ~~استخراج الدقائق والمعاني الغامضة من القرآن، وليس غرضنا الآن عن البحث في ~~صحة ذلك وفساده، ولكن تمثيله بهذه الآية على تأكيد الضمير المتصل فليس من ~~هذا الباب أصلا، وإنما عدى الفعل منها إلى المفعول بحرف الجر لا غير، ولو ~~كان هذا توكيدا للضمير لكان قولنا مررت بزيد تأكيدا للضمير، وهذا مالا ~~يقوله أحد. # وكيف يتوهم أن قوله لك تأكيد للضمير في قوله إنك، وأين أحدهما من الآخر؟ ~~نعم لو قال سبحانه: {ألم أقل لك إنك} كان قوله أنا تأكيد للضمير في قوله: ~~{ألم أقل} فيكون تأكيدا للمتصل بالمنفصل لا بالمتصل. # فإن قيل لعله لم يتكلم في التأكيد على الاصطلاح النحوي، بل على اصطلاح ~~آخر يرجع إلى علم البيان والبلاغة، فلا يلزمه ما ذكرت. # قيل: لعمري إن غرضه البحث في علم البيان، ولكنه لم يخرج هذا الفصل ~~PageV04P230 # والكلام فيه إلا على الاصطلاح النحوي، فلما أراد أن يطبق الآيات والأشعار ~~عليها وقع في الغلط كما رأيت. ### | 90- # قال المصنف في باب العام والخاص إنه تعالى قال: {مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم} ولم يقل بضوئهم؛ لأن الضوء نور ~~وزيادة. # فلو قال بضوئهم لكان المعنى يعطي ذهاب تلك الزيادة، وبقاء ما يسمى نورا، ~~لأن الإضاءة هي فرط الإنارة، ولذلك قال تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا} فكل ضوء نور، وليس كل نور ضوءا، فقال سبحانه: {ذهب الله ~~بنورهم} لأنه إذا أزال النور فقد أزال الضوء أصلا1. # أقول: إن هذا الرجل قد شحن كتابه بأمثال هذه الترهات، وأطال فيها وأسهب ~~وأعجب بها، وظن أنه أتى بغريب. # وهذه المعاني قد صنفت فيها الكتب الكثيرة، وتكلف الناس من قبله في ~~استنباط أمثال هذه الوجوه الغامضة والمعاني الخفية من القرآن العزيز، وإنه ms099 ~~لم أتى بهذه اللفظة دون تلك، ولم قدم هذا وأخر هذا؟ وقد قيل في هذا الفن ~~أقوال طويلة عريضة أكثرها باردغث، ومنها ما يشهد العقل وقرائن الأحوال أنه ~~مراد. PageV04P231 # وقد ورد إلينا في مدينة السلام في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة رجل من ~~وراء النهر كان يتعاطى هذا، ويحاول إظهار وجوه نظرية في هذه الأمور في جميع ~~آيات الكتاب العزيز، نحو أن يقول في قوله تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} 1. # ثم قال: لم قال "ما" ولم يقل "لا" ولم قال "يأتيهم" ولم يقل "يجيئهم"، ~~ولم قال "من ذكر" ولم يقل "من كتاب" ولم قال "من ربهم" ولم يقل "من إلههم". ~~ولأي حال قال في وضع آخر "من الرحمن" وما وجه المناسبة في تلك الآية في ~~لفظها وسياقه كلامها وبين لفظة الرحمن؟ وما وجه المناسبة بين هذه الآية ~~وسياقها؟ وبين لفظة ربهم. # وعلى هذا القياس. # وكذلك كان يتكلف تعليل كل ما في القرآن من الحروف التي تسقط في موضع ~~وتثبت في موضع، نحو قوله تعالى: {أولم يروا إلى الطير فوقهم} 2 وقوله: ~~{أولم يروا إلى ما خلق الله} 3 لم أثبت الواو هناك، وأسقطها ها هنا، ونحو ~~قوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} 4 وقوله: {ومن يشاقق ~~الله} لم فك الإدغام في موضع ولم يفكه في موضع آخر؟. PageV04P232 # كنا نعجب منه ونستظرفه، حتى وصل إلينا هذا هذا الكتاب، فقلنا إنه فوق كل ~~ذي علم عليم. # ولو أخذنا تناقضه في هذا لأطلنا كما أطال، وسمجنا كما سمج. # ومتى يتسع الوقت لمناقضة هذه التكلفات القبيحة؟ ولكنا قد نكلمه. في بعض ~~المواضع منها لكيلا يخلو كتابنا هذا عن مجادلته في هذا الفن بالكلية، فنقول ~~له: لم قلت إن الضوء نور وزيادة؟ أمن كتب اللغة أخذت هذا؟ أم من غيرها؟ فقد ~~تصفحنا كتب اللغة فلم نجد ما نشاهده بما ذكرت، ولا الاصطلاح مساعدا لك في ~~عرف الناس ومواضعاتهم. # وإذا لم يكن موجودا في أصل اللغة ms100 ولا الاصطلاح العرفي لم يجز لك أن تحمل ~~كلام الله تعالى عليه وتفسره به. # وقد قال ابن السكيت في كتاب إصلاح المنطق -وهو عين الكتب اللغوية، ومصنفه ~~إمام الناس كلهم في اللغة، ومن لا يختلف اثنان في كتبه- في باب فعل وفعل ~~باختلاف المعنى: النير علم الثوب والنور الضياء شيئا واحدا. # وليس في قوله تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} 1 ما يدل على ~~اختلاف المعنيين، ولا قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} 2 ما يدل على ~~اختلاف المعنيين. PageV04P233 ### | 91- # قال المصنف: وإنما قال سبحانه: {ذهب الله بنورهم} ولم يقل أذهب الله ~~نورهم؛ لأن كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئا فقد ذهب به، ~~لأن قولنا ذهب به يفهم منه أنه استصحبه معه، وأمسكه عن الرجوع إلى حالته ~~الأولى، وليس كذلك أذهبه1. # أقول: إن قوله إن الله تعالى ذهب بنورهم معناه أنه استصحبه ومضى، كما ~~يقول القائل مررت بزيد وعنده سيف فذهبت به، أي أخذته ومضيت، وكما قال ~~سبحانه: {فلما ذهبوا به وأجمعوا} 2 معناه أخذوا يوسف صحبتهم ومضوا، فإن قال ~~نعم هكذا تفسير الآية فهذا كفر وتهجم. فأما قوله: كل من ذهب بشيء فقد ~~أذهبه، بمعنى أنه أعدمه عن الوجود أصلا، لكنه قد أذهبه عن موضعه الأول الذي ~~أخذ منه. # واعلم أن الغلط دخل عليه من اشتراك لفظة ذهب، فإنها تستعمل في معنيين ~~أحدهما قولهم ذهب فلان في الطريق الفلاني، أي مضى فيه ونفذ فيه # ومنه سمي السبيل مذهبا؛ لأنه يذهب فيه أي يمضي فيه. وسمي قول الشاعر ويره ~~مذهبا، كأنه صار طريقا فسلكه الفقهاء وغيرهم. PageV04P234 # والمعنى الثاني ذهب بمعنى عدم وفقد، وقولهم ذهب الشباب وذهب العمر، أي ~~فنى وعدم. # ولعل هذا الاعتبار الثاني هو الحقيقة الأصلية، والمحمل الأول هو المجاز، ~~لأنه لما مضى زيد في تلك الطريق، فقد تقدم بالنسبة إلى غيرها، فسمى مضيه ~~فيها ذهابا. # وإذا بان لك اشتراك اللفظ ظهر غلطه، لأنه توهم أن قوله تعالى {ذهب الله ~~بنورهم} مثل قولنا: ذهب ms101 زيد بثياب عمرو واحتملها ومضى، وقد صرح بتفسير ~~الآية على هذا الوجه، وهذا معنى لا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى، لأنه لا ~~تصح عليه الحركة، ولا استصحاب الأشياء واحتمالها من مكان إلى مكان، وعلى ~~أنه لو صح عليه سبحنه ذلك لكان قوله أذهب الله نورهم أبلغ في المعنى من ~~قوله ذهب الله بنورهم على هذا التفسير؛ لأن إعدام النور بالكلية أبلغ من ~~قوله: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} من أين يذهب بالنور بالتفسير الذي زعمه ~~فيكون للنور وجود في الجملة، وإنما نقل من موضع إلى موضع؟ # وإذ ظهر لك غلطه فاعلم أن معنى قوله: {ذهب الله بنورهم} هو معنى قوله: ~~"أذهب الله نورهم". # كلا اللفظتين تدل على معنى واحد، كما أن قولك فقدت بزيد مثل قولك فقدت ~~زيدا، لا فرق بين الكلامين؛ لأن الأفعال اللازمة إذا أردت تعديتها عديتها ~~تارة بحرف الجر وتارة بالهمزة، وتقول ذهب الشباب وذهب # PageV04P235 # الدهر بالشباب وأذهب الدهر الشباب، كما تقول خرجت بريد من البلد، وأخرجت ~~زيدا من البلد، ولست تعني بقولك خرجت بزيد من البلد أنك استصحبت زيدا معك. # كلا ليس هذا هو المراد من تعدية اللازم، بل محض قولك أخرجت زيدا لا زيادة ~~على ذلك. ### | 92- # قال المصنف. فأما الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي يكون بينها ~~وبين أحدهاتاء التأنيث فإنه متى أريد النفي كان استعمال أحدها أبلغ، ومتى ~~أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ، نحو قوله تعالى في قصة نوح: {قال الملأ ~~من قومه إنا لنراك في ضلال مبين، قال يا قوم ليس بي ضلالة} . # كان أبلغ في نفي كونه ضالا من أن يقول ليس بي ضلال، كما لو قيل: ألك تمر؟ ~~فقلت في الجواب: ما لي تمرة. فإنه أنفى للتمر، ولو قلت: ما لي تمر لم يؤد ~~المعنى الذي أداه القول الأول. # قال: ولا يظن أنه لما كان الضلال والضلالة مصدرين من قولك ضل يضل كان ~~القولان سواء؛ لأن الضلالة في هذه الآية ليست عبارة عن المصدر، بل عن المرة ~~الواحدة، كما يقال ms102 ضربت ضربة وأكلت أكلة، بمعنى مرة واحدة، فإذا نفي نوح عن ~~نفسه المرة الواحدة من الضلال فقد نفي ما فوقها من المرتين والمرات ~~الكثيرة1. PageV04P236 # أقول إن الذي غير صحيح، لا إن كانت لفظة ضلالة في الآية مصدرا ولا إن ~~كانت المرة الواحدة. # أما الأول فلأنه إذا كانت هذه اللفظة مصدرا وقد وافق على أن ضلال مصدرا ~~أيضا وجيب أن تكون دلالتهما سواء في نفي كونه ضالا على الإطلاق، فلايكون ~~أحد اللفظين أبلغ في الدلالة من الآخر، لأنهما معا يدلان على نفي ماهية ~~الضلال نفسه، فإن المصدر يدل على الماهية فقط من غير دلالة على شيء آخر، ~~فإذا نفي فقد نفيت الماهية نفسها، فلا فرق على هذا التقدير بين الضلال ~~والضلالة. # وأما الثاني وهو أنه لا يصح ما قاله بتقدير أن يكون المراد بالضلالة ~~المرة الواحدة؛ لأنه لو قال قائل ما عندي تمرة بمعنى تمرة واحدة وعنده تمر ~~كثير يصح ذلك، ولم يكن كاذبا. # ألا يرى أنه لو ظهر ما أضمر فقال ليس عندي تمرة واحدة فقط، بل عندي تمر ~~كثير، لم يكن فيما قاله متناقضا؟ فالمثال الذي ذكره يدل على عكس ما أراده. # وقول نوح "ليس بي ضلالة"، لو كان يريد به العدد بمعنى ليس بي ضلالة واحدة ~~كما زعم هذا الرجل، ثم تركناه وظاهر اللفظ، لم يكن نافيا لكونه ضالا؛ لأنه ~~إذا كانت الضلالة مختلفة الأنواع، وقال: ليس بي ضلالة واحدة فقط، لم يكن ~~هذا اللفظ مفيدا لانتفاء كونه ضالا، لجواز ألا تكون ضلالة واحدة بل ضلالاته ~~مختلفة متنوعة، فاللفظ لو تركناه وظاهره لم يدل على # PageV04P237 # انتفاء كونه ضالا، بتقدير أن يراد بالضلالة المرة على الواحدة على ما قد ~~توهمه هذا الرجل. # وأما قوله إذا نفي عن نفسه المرة الواحدة من الضلالة فقد نفي ما فوقها من ~~المرتين والمرات الكثيرة، فكلام من لم يمعن النظر في قوله المرة الواحدة، ~~لأنه إذا أخذ في تفسير الضلالة أن تكون واحدة، وجعلت الضلالات أشياء متعددة ~~مختلفة كالضربات المختلفة والأكلات المتنوعة، ثم نفى ms103 عن نفسه ضلالة واحدة ~~مشروطا فيها أن تكون واحدة، لم يلزم من انتفائها بهذا القيد أن تنتفي عنه ~~ضلالات كثيرة، لأن وجود الضلالات الكثيرة ملحوظا فيها كونها كثيرة لا ينافي ~~اقتضاء الضلالة الواحدة عنده، لأن معنى الواحدة ليس معها غيرها، ومن وجدت ~~عنده ضلالات كثيرة، فقد صدق عليه أنه وجدت عنده ضلالة واحدة، بمعنى أنه ليس ~~معها غيرها. # واعلم أن مراده تعالى بقوله حاكيا عن نوح "ليس بي ضلالة" نفي الضلالة ~~الذي هو المصدر؛ لأنه هو الذي بانتفائه ينتفي كون نوح ضالا انتفاء مطلقا، ~~لا كما توهمه هذا الرجل من أنه عبارة عن المرة الواحدة واللفظ واضح، ~~والمعنى ظاهر، وعند التعمق الزلل. ### | 93- # قال المصنف: واعلم أن القياس يقتضي أن يقال: "ما لهذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها" لأنه إذا قدم الصغيرة لم يحتج إلى # PageV04P238 # أن يقول ولا كبيرة؛ لأن وجود المؤاخذة على الصغيرة يلزم منه وجود ~~المؤاخذة على الكبيرة، وإذا لم يعف عن الصغيرة لم يعف عن الكبيرة. # وإذ قدم في اللفظ الكبيرة احتاج إلى أن يقول ولا صغيرة؛ لأنه لم يعف عن ~~الكبيرة فيجوز أن يعفو عن الصغيرة، فاحتاج إلى أن يذكر ما قال. # غير أن الكتاب العزيز أحق أن يتبع فيقاس عليه، فوجب ترك القياس لأجل هذه ~~الآية1. # أقول: أما أولا فإن هذه الآية لم تذكر لبيان المؤاخذة والعفو، ولا أن ~~معنى قوله "لا يغادر صغيرة ولا كبيرة" العقاب والغفران، بل معناه الإحصاء ~~والعد. # ألا ترى إلى قوله سبحانه: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة} 2 "ليس المراد ~~فيه" العقاب والغفران، بل معناه الإحصاء والعد؟ ألا ترى قوله: {إلا أحصاها} ~~فهو أمر راجع إلى إحاطة علم الباري سبحانه بأفعال العباد خفيها وظاهرها ~~وجليلها وحقيرها، فالذي توهمه هذا الرجل من كون هذه الآية لتفصيل أحوال ~~المؤاخذة توهم باطل. # وأما ثانيا فلأن هذه الآية وردت لبيان أنه تعالى يعلم الكبائر من الذنوب ~~والصغائر، وللناس خلاف ms104 مشهور في الكبائر والصغائر من الذنوب ما هي؟ فمعنى ~~الآية أنه تعالى يعلم كبائر الذنوب وصغائرها. PageV04P239 # وعلى هذا التفسير إذا قدم الصغيرة لا يلزم منه أن يستغني عن ذكر الكبيرة؛ ~~لأنه ليس إذا علم الصغائر كان بأن يعلم الكبائر أولى، كما يقول القائل إذا ~~أبصرت من عشرة فراسخ كنت بأن أبصر من فرسخ واحد أولى؛ لأنه ليس أحد نوعي ~~الكبائر والصغائر بالنسبة إلى عالميته تعالى أجلى من الآخر على جميع مذاهب ~~العقلاء، والأبصار على حد فرسخ واحد أولى لمن يبصر على حد عشرة فراسخ. # وأما ثالثا فلو سلمنا أنه لم يعن كبائر الذنوب وصغائرها، بل عنى الخفي من ~~أفعال العباد وهي أفعال القلوب، والجلي الظاهر منها وهي أفعال الجوارح، ~~فإنه لا يمكن حمل الآية إلى على أحد هذين المحملين ولا ثالث لهما، فلم يقتض ~~القياس أن يقول لا يغادر صغيرة ولا كبيرة؛ لأنه قد قال التفسير عوض، وذلك ~~بأن يقول ما لهذا الكتاب لا يغادر خفيا ولا جليا إلا أحصاه؛ لأن كل من أثبت ~~أن البارئ تعالى عالم بأفعال الجوارح أثبته عالما بأفعال القلوب، كالدلالة ~~على أنه تعالى بعلم الجزئيات عامة في القسمين، وليس أحدهما أولى بالتقدم من ~~الآخر. # فإن قلت أليس قد ثبت في الإنس أن الجلي أولى بالمعلومية من الخفي، ~~والقرآن العزيز يدل على ما يتعارفه الناس وخوطبوا به على قدر أذهانهم؟ قلت: ~~إنه لو قال تعالى ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة إلا أحصاها، فربما يتوهم ~~أن الكتاب موضوع لإحصاء فعل القلوب فقط، لا بمعنى أنه تعالى يعلم أفعال ~~القلوب فقط، بل بمعنى أنه قد يتوهم أن الكتاب الذي فيه ذنوب # PageV04P240 # بين آدم وحسناتهم موضوع لإحصاء أفعال قلوبهم خاصة، ولا يكون فيه شيء هي ~~معدودة مضبوطة فيه، والمراد من هذه الآية وأمثالها إرهاب العصاة، وهم إذا ~~سمعوا أن أعمالهم كلها مضبوطة مكتوبة في كتاب يشتمل عليها كما يشتمل على ~~سائر الحساب لا على ما فيها، كاننا أخوف وأشد تباعدا من المعاصي. # فعلى هذه الطريقة قال "ولا كبيرة" ms105 لتكون الآية بعيدة عن التوهم الذي يخل ~~نظام الزجر. ### | 94- # قال المصنف: وكذلك قد كان القياس أن يقول "فلا تنهرهما ولا تقل لهما أف" ~~لأنه إذا لم يقل لهما أف فقد امتنع أن ينهرهما. # قال: نظير ذلك في الترتيب الواقع على وفق القياس قول البحتري يصف نحول ~~الركائب. # كالقسي المعطفات بل الأس ... هم مبرية بل الأوتار1 # فشبهها أولا بالقسي، ثم قال بل كالأسهم؛ لأنها أبلغ في النحول من القسي ~~ثم قال بل كالأوتار؛ لأنها أبلغ في النحول من الأسهم. PageV04P241 # قال: لكني قد رفضت القياس، وقدمت ما استعمل في الكتاب العزيز عليه1. # أقول إن الله تعالى لو قال: "فلا تقل لهما أف بل لا تنهرهما" لكان على ~~خلاف القياس؛ لأن لفظة بل للاستدراك، فيعطي في الثاني معنى لم يكن في ~~الأول، فيصح أن يقال لا تنهر السائل بل لا تضربه، ويقتضي القياس أن يقال لا ~~تضرب السائل بل لا تنهره. # وبيت البحتري إنما وقع موافقا للقياس لاستعماله لفظه بل، فأما الآية ~~فوردت بالواو العاطفة، وهي غير مقتضية للترتيب، فلا فرق بين أن يقول فلا ~~تنهرهما ولا تقل لهما أف، وأن يقول فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ... ### | 95- # قال المصنف: وقد أغفل كثير من الشعراء الترقي من الأدنى فالأدنى إلى ~~الأعلى كالمتنبي في قوله: # يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل # فإن الواجب أن يقول يا بدر؛ لأنه اسم الممدوح، ثم يقول بعده يا رجل، يا ~~ليث الشري، يا غمامة، يا بحر، يا حمام؛ لأن البدر أعظم من الليث، والبحر ~~أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر، فيرتفع من شيء إلى ما هو أعلى ~~منه؛ لأنه مقام مدح، ولو كان مقام ذم لعكس القضية2. PageV04P242 # أقول: إن أبا الطيب لم يقصد إلا مقصدا صالحا، ولكن هذا الرجل لم يتفطن ~~له؛ لأنه مدحه بالسخاء والشجاعة، وهما المعنيان الشريفان الجليلان، فقال في ~~القسم الأول وهو قسم السخاء يا بحر يا غمامة، وابتدأ بالبحر لأنه دون ~~الغمامة مكانا؛ لأنه تحتها وهي ms106 ربته؛ لأنه منها يتكون، ولولا الغمامة لم ~~تكن مياه الغدران والأمطار، وما يتكون منها كالأنهار، فإن هذه الأشياء هي ~~التي يعنيها بالبحر لا البحر الذي هو الماء الملح، ولا الأسطقس الكلي1. # ثم قال في قسم الشجاعة: يا ليث الشري يا حمام، فابتدأ بالليث وانتقل إلى ~~الحمام بعده، لأن الليث لولا الحمام لم يرهب، فالحمام أشد رهبة في الصدور ~~من الليث، ثم ختم البيت بقوله يا رجل، أي أنت هذه الأشياء كلها، وأنت مع ~~ذلك إنسان من البشر، وذلك أعجب وأطرف. # وإنما قدم السخاء على الشجاعة؛ لأن حاجة جمهور الناس إلى السخاء أكثر من ~~حاجتهم إلى الشجاعة، والناس إلى رئيس عظيم السخاء أميل منهم إلى رئيس عظم ~~الشجاعة؛ لأن انتفاعهم به أكثر، فأبو الطيب قصد هذا المقصد، أو يصح أنه ~~يقصد هذا المقصد، ولو أتى بالبيت على الترتيب الذي ذكره المصنف لم يحصل له ~~هذا المعنى. PageV04P243 ### | 96- # قال المصنف: ونظير هذا قول أبي تمام في الافتخار بقوله: # نجوم طوالع جبال فوارع ... غيوث هوامع سيول دوامع # فإن السيول دون الغيوث، والجبال دون النجوم، ولو قدم ما أخر لما اختل ~~النظم، بأن يقول: # سيول دوافع غيوث هوامع ... جبال فوارع نجوم طوالع1 # أقول إن في بيت أبي تمام لسرا خفيا إما أن يكون قد قصده، أو يمكن أن ~~يقصده، وذلك أن قبله: # سما بي أوس في السماء وحاتم ... وزيد القنا والأثرمان ورافع2 # فأوس هو أوس بن حارثة الطائي، وكان وضيئا جميلا، وحليما ذكيا، فضرب به ~~المثل في وضاءته، ورصانته، فهو المراد بقوله "نجوم طوالع جبال فوراع". # وحاتم بن عبد الله الجواد هو المراد بقوله "غيوث هوامع" وأما زيد القنا ~~والأثرمان، ورافع وهو رافع بن عميرة بن جابر فهم بالشجاعة أشهر، وهم المراد ~~بالسيول التي تهلك وتخترق ما تأتي عليه، فهذا هو وجه ترتيب البيت. ~~PageV04P244 ### | 97- # قال المصنف: فأما تقديم المفعول على الفعل، فهو كقولك زيدا ضربت، وضربت ~~زيدا، لأن اللفظ الأول يفيد أنك لم تضرب إلا زيدا خاصة، والثاني لا يقتضي ~~ذلك. # قال: وذلك لأنك إذا ms107 قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت، ~~بأن تقول بكرا أو عمرا أو خالدا، وإذا أخرت الفع لزم الاختصاص بزيد وحده1. # أقول: إننا لا ننكر أن قوما من أهل العربية قد ذهبوا إلى هذا المذهب، ~~ولكن أرباب النظر في هذه المباحث وهم الأصوليون لا يعرفون هذا، وقولهم فيه ~~هو الصحيح المفسر، ولا فرق عندهم بين قولك ضربت زيدا وزيدا ضربت، في أن كلا ~~اللفظين لا يدل واحد منهما على اختصاص الضرب بزيد وحده. # وكذلك لو قلت زيدا ضربت وعمرا ألم يكن الكلام متناقضا؟ ولو كان قولك زيدا ~~ضربت يدل على أن الضرب مقصور عل زيد وحده لكان قولك وعمرا نقضا لذلك. # فأما قوله: لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في تعيين المفعول، وإذا ~~أخرته لزم الاختصاص، فيقال له أيكون بالخيار إذا قدم الفعل وإن كان قد ~~PageV04P245 # تلفظ بالمفعول أو قبل أن يتلفظ بالمفعول؟ الأول ممنوع، لأنه بعد تعيين ~~المفعول لا يبقى خيار، والثاني مسلم، لكن مثل هذا موجود في تأخير الفعل؛ ~~لأنك إذا قدمت المفعول فأنت بالخيار قبل أن تتلفظ بالفعل، فيمكن أن تقول ~~أكرمت وضربت أو رأيت، فلست مضطرا عند ذكر المفعول وقبل ذكر الفعل إلى أن ~~تقول زيدا ضربت لا غير ذلك من الألفاظ. # فالحاصل أن الصورتين سواء في التخيير وعدم التخيير، لكن تقدير المفعول ~~بتخير فيه في الفعل لا في المفعول؛ لأنك قد ذكرته وسبق منك تعيينه، فإن ~~قولك زيدا ضربت يفيد في اللغة أنك لم تضرب إلا زيدا، كأن قولك ضربت زيدا ~~يفيدا أنه لم يقع منك في حق زيد إلا الضرب فقط، وهذا محال؛ لأنك لا تعني ~~بقولك ضربت زيدا ألا تكون قد شتمته ولا رأيته ولا أصبته ولا اعترضته، كما ~~لا يدل تعيين الفعل أولا والابتداء به على انتفاء غيره من المفعولين. # ويدل على فساد هذا الكلام قوله تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ~~ونوحا هدينا من قبل} 1 فإن ذلك لا يدل على الاختصاص إسحاق ويعقوب بالهداية؛ ~~لأنه قد ms108 هدى غيره ممن كان في زمانه. ### | 98- # قال المصنف: وعلى هذا ورد قوله تعالى: {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} ~~فإنه يفيد الأمر باختصاص العبادة به دون غيره، ولو قال اعبد الله وكن من ~~الشاكرين لم يفد الاختصاص2. PageV04P246 # أقول إن الاختصاص ما استفيد في هذه الآية من مجرد تقديم المفعول، بل من ~~القرينة؛ لأنه تعالى قال: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، بل الله فاعبد} وهذا تصريح بالاختصاص، ~~لأنه قال لا تشرك بالله في العبادة فتخسر، بل وحد الله في العبادة. # فالاختصاص مفهوم من سياق الكلام، لا من تقديم المفعول. # ولو قال في هذا السياق بل اعبد الله لأفاد الاختصاص لا محاله، فلا تأثير ~~ها هنا في الاختصاص المعلوم، لا لتقديم المفعول ولا لتأخيره. ### | 99- # قال المصنف: وقد قال الزمخشري إن قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~لاختصاص العبادة والاستعانة به سبحانه دون غيره. # قال: وليس الأمر كذلك، بل ها هنا مراعاة السجع الذي جاء في الآيات ~~السابقة على حرف النون، فلو قال نعبدك ونستعينك زالت طلاوة السجع1. # أقول: إن كان تقديم المفعول يقتضي الاختصاص كما يراه الزمخشري وجماعة من ~~أهل العربية، فلا مانع من أن يكون المراد من قوله إياك نعبد PageV04P247 # وإياك نستعين كلا الأمرين: الاختصاص والسجع، ولا منافاة بين هذين ~~المطلوبين. ### | 100- # قال المصنف وكذلك قوله تعالى: {ثم الجحيم صلوه} ليس تقديم المفعول ههنا ~~للاختصاص، بل للفضيلة السجعية فقط، فإنه لو قال خذوه فغلوه ثم صلوه الجحيم ~~لم يكن في الحسن كالأول. # قال: فإن قلت بل تقديم المفعول ههنا للاختصاص؛ لأنها نار عظيمة، ولو أخرت ~~لجاز وقوع الفعل على غيرها، فالجواب عن ذلك أن الدرك الأسفل أعظم من ~~الجحيم، فكان ينبغي أن يخص بالذكر دون الجحيم، على ما ذهب إليه؛ لأنه أعظم، ~~لكن استعمال هذه اللفظة هنا أحسن من استعمال غيرها من الألفاظ نحو لظي ~~وجهنم ونحوهما، والطلاوة عليها دون غيرها أكثر1. # أقول: إن كان تقديم المفعول يقتضي الاختصاص كما قد قال قوم ms109 فلا مانع أن ~~يكون الاختصاص مرادا في قوله: {ثم الجحيم صلوه} لأن الجحيم والجاحم في ~~اللغة هو أشد النار، قال أبو تمام. # إن يعد من حرها عدو الظليم فقد ... أوسعت جاحمها من كثرة الحطب2 ~~PageV04P248 # ولا منافاة بين أن يراد الاختصاص وتراد الفضيلة السجعية معا. # وأما قوله: فهلا ذكر الدرك الأسفل من النار؟ فيقال له لم لا يكون الدرك ~~الأسفل هو الجحيم بعينه أيضا؟ ولم يكون الجحيم أشد إحراقا وتعذيبا من الدرك ~~الأسفل؟ وليس في قوله إن المنافقين في الدرك الأسفل ما يقتضي أن يكون هذا ~~الموضع أشد المواضع النارية إحراقا، فالجواز أن يكون غير المنافقين أشد ~~عذابا منهم، وأيضا فلو كان الدرك الأسفل أهول وأصعب لم يلزم ما ذكره؛ لأن ~~الترغيبات والترهيبات تذكر على حسب ما يراه المتكلم من المصلحة، وقد رهب ~~ورغب بأشياء غيرها أبلغ في الترهيب والترغيب منها. # ألا ترى أنه لو قال عوض قوله تعالى: {في جيدها حبل من مسد} 1 في جيدها ~~ثعبان من نار لكان أرهب وأزعج، ولم يقل ذلك. # وأما قوله إن الطلاوة في لفظة فقط دون غيرها من الألفاظ فإنه يقال: له قد ~~قلت ذلك، ومعلوم أنه لو بدل عوض الجحيم السعير لكان على عدد حروفها أو ~~وزنها، ولا يتغير انتظام الكلام وأسلوبه باستعمالها حسب استعمال لفظ الجحيم ~~حذو القذة بالقذة2. PageV04P249 ### | 101- # قال المصنف: ومن مقتضيات الاختصاص أيضا تقديم خبر المبتدأ عليه، فإنك إذا ~~قلت قائم زيد فقد أثبت له القيام دون غيره، وإذا قلت: زيد قائم لم تكن قد ~~خصصته بالقيام دون غيره من الناس، والعلة فيه ما ذكرناه في تقديم المفعول، ~~فإنك إذا قلت زيد قائم كنت بالخيار، حيث ابتدأت بذكر زيد، إن شئت قلت جالس ~~أو ضاحك أو غيرها. وإذا قدمت قولك قائم حصل الاختصاص لزيد بالقيام دون غيره ~~من الناس1. # أقول: إنا لا نعرف ذاهبا ذهب إلى أن قولنا قائم زيد يقتضي اختصاص زيد ~~بالقيام دون غيره من الناس. # لكن جماعة من النحاة الذاهبين إلى أن تقديم المفعول يقتضي الاختصاص، ms110 ~~يقولون إن قولنا "القائم زيد" بالألف واللام يقتضي اختصاص زيد بالقيام كما ~~نقول "الشجاع علي والجواد حاتم" أي لا شجاع إلا ذاك، ولا جواد إلا هذا. # فأما تقديم خبر المبتدأ عليه مع بقائه على النكير فإنه لا يعرف ذاهب ذهب ~~إلى أنه يقتضي الاختصاص. # والعلة في اختصاص زيد بالقيام إذا قلت "القائم زيد" علة تعود إلى ~~PageV04P250 # دخول الألف واللام على الخبر، وهي أن قولك "القائم" معناه الذي له ~~القيام، فكأنك قلت الذي له القيام هو زيد، وقولك الذي له القيام هو زيد من ~~طريق الاصطلاح العرفي في قوة ذلك الذي يختص بالقيام أو الذي ينفرد بالقيام ~~ونحو ذلك. # والقائلون بهذا القول يلزمهم عليه أن يفيد قولنا "زيد القائم" الاختصاص ~~الذي يذكرونه أيضا؛ لأنك إذا أزلت عن نفسك الوهم في كون القائم صفة زيد، ~~وأطبقت ذلك المبتدأ أو الخبر، صار تقديره زيد الذي له القيام، وذلك في قوة ~~قولك زيد هو الذي يختص بالقيام، فلو كان غيره قائما لما صدق قولك زيد هو ~~الذي له القيام. # فقد ظهر أنه لا فرق بين تقديم قائم وتأخيره، وأن هذا لو صح لكان في ~~الأخبار المعرفة باللام لا في الأخبار المنكرة، كما توهمه هذا الرجل. # وأما احتجاجه بأنك تكون مخبرا إذا أخرت الخبر، ولا تكون مخبرا إذا قدمته، ~~فاحتجاج ضعيف قد تكلمنا عليه في تقديم المفعول. ### | 102- # قال المصنف: ومن باب تقديم خبر المبتدأ الذي يفيد الاختصاص قوله تعالى: ~~{وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} قال سبحانه ذلك، ولم يقل وظنوا أن ~~حصونهم تمنعهم أو مانعتهم؛ لأن في تقديم الخبر الذي هو مانعتهم على المبتدأ ~~الذي هو حصونهم دليلا على فرط اعتقادهم في حصانتها، وزيادة وثوقهم بمنعها ~~إياهم، وفي جعل ضميرهم اسما لأن، وفي إسناد الجملة إليه دليل # PageV04P251 # على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة وامتناع لا يبالي معها بقصد قاصد ولا ~~تعرض معترض1. # أقول: إن حصونهم لا ترفع بأنه مبتدأ كما ظنه إلا على وجه ضعيف، والصحيح ~~أنه فاعل، تقديره وظنوا أنهم تمنعهم حصونهم، ms111 فما نعتهم اسم فاعل معتمد على ~~ما قبله؛ لأنه في الحقيقة خبر مبتدأ، من حيث كان خبرا لأن، وأن من شأنها أن ~~تدخل على المبتدأ والخبر، ومتى كان اسم الفاعل خبرا لمبتدأ كل معتمدا عليه، ~~فعمل فيما بعده عمل الفعل، كقولك "زيد قائم أبوه" فأبوه رفع بالفاعلية، ~~وليس بمبتدأ على القول الصحيح في صناعة العربية. # وكذلك إذا اعتمد اسم الفاعل على همزة الاستفهام أو حرف النفي، أو وقع ~~حالا لذي حال، أو صفة لموصوف، أو صلة لموصول. # وحكم الظرف حكم اسم الفاعل إذا وقع معتمدا أيضا في كونه يرفع ما بعده ~~الفاعلية لا غير، كقوله تعالى: {فأولئك لهم جزاء الضعف} 2 وقوله: {أفي الله ~~شك} 3 وقوله: {ومن عنده علم الكتاب} 4 فجزاء، وشك، وعلم، كلها مرفوعة ~~بالفاعلية، لاعتماد الظرف تارة على المبتدأ، وتارة على همزة الاستفهام، ~~وتارة لوقوعه صلة. PageV04P252 # ومما جاء من ذلك شعر قول حسان: # ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم ... وفيكم نبي عنده الوحي واضعه1 # فالوحي فاعل. وقول الشاعر: # أحقا بني أبناء سلمى ابن جندل ... تهددكم إياي وسط المجالس؟ # فتهددكم فاعل وليس بمبتدأ. # فأما قوله إن في تقديم ما نعتهم زيادة معنى فقد تكلمنا عليه فيما سبق. ### | 103- # قال المصنف: ومن باب هذا الباب قوله تعالى: {أراغب أنت عن آلهتي يا ~~إبراهيم} فقدم خبر المبتدأ عليه. # ومثل قوله: {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} ، قال: فهذا يدل على تخصيص ~~الشخوص بالأبصار دون غيرها، وعلى تخصيص الكفار بالشخوص دون غيرهم. # أما الأول فلأنه لو قال فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة جاز أن يضع موضع ~~شاخصة حائرة أو مطموسة أو غير ذلك، فلما قدم الضمير اختصت الأبصار بالشخوص ~~دون غيرها. # وأما الثاني فلأنه لما أراد أن الشخوص خاص بالكفار دون غيرهم دل ~~PageV04P253 # عليه بتقديم الضمير أولا، ثم بصاحبه ثانيا، كأنه قال فإذا هم شاخصون دون ~~غيرهم، ولولا أنه أراد هذين الأمرين المشار إليهما لقال فإذا أبصار الذين ~~كفروا شاخصة، لأنه أخص بحذف الضمير من الكلام. # قال ومن هذا النوع قول ms112 النبي صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ~~ماؤه، الحل ميتته" وتقدير الكلام هو الذي ماؤه طهور، وميتته حل؛ لأن الألف ~~واللام ها هنا بمعنى الذي1. # أقول: لا يخلو إما أن يكون الضمير وهو هي في قوله تعالى "فإذا هي" ضمير ~~الشأن والقصة أو ضمير الأبصار، وقد قدم بشرط التفسير، فإن كان ضمير الأبصار ~~لم يكن قوله: {أبصار الذين كفروا} مرفوعا بالابتداء، بل كان فاعلا؛ لأن ~~"شاخصة" اسم فاعل معتمد على ما قبله، وهو "هي" الذي موضعه رفع بالابتداء، ~~وقد تقدم أن اسم الفاعل إذا وقع خبرا لمبتدأ يرفع ما بعده على القول ~~الصحيح، كما يرفعه الفعل الصريح، نحو قولهم زيد قائم أبوه، وقوله تعالى: ~~{يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه} 2 فعلى هذا التقدير بطل قولهم إن شاخصة ~~خبر مقدم. # وإن كان هي في قوله تعالى: "فإذا هي" ضمير الشأن والقصة كان شاخصة خبرا ~~مقدما كما ذكره، ويصير تقديره فإذا الشأن والأمر أبصار الذين كفروا ~~PageV04P254 # شاخصة، ولا يكون على هذا التقدير شاخصة اسم فاعل معتمدا على ما قبله، لأن ~~ضمير الشأن والقصة لا تعتمد عليه اللفظة الواقعة بعده، لأنه موضوع لأن يقع ~~بعده جمله مركبة من المبتدأ والخبر، أو لأن تقع بعد لفظة مفردة، تعتمد ~~عليه، وتصير هذه الآية كقوله تعالى: {إنه مصيبها ما أصابهم} 1 فإن الضمير ~~في إنه اللشأن، وبعد جملة مركبة من مبتدأ وخبر، والمبتدأ مؤخر والخبر مقدم، ~~وكل موضع جاء فيه ضمير الشأن والقصة وبعده مثل هذه الجملة فهي ليست فاعلا ~~لعدم الاعتماد الذي هو شرط الفاعلية، لكن على هذا التقدير يبطل قوله إنه ~~لما أراد تعالى أن الشخوص خاص بالكفار دون غيرهم دل عليه بتقديم الضمير ~~أولا، ثم بصابحه ثانيا، كأنه قال: فإذا هم شاخصون دون غيرهم؛ لأن هذا ~~الكلام يقتضي أن الضمير وهو هي في قوله تعالى "فإذا هي" ضمير الأبصار لا ~~ضمير الشأن، ألا تراه كيف قال دل عليه بتقديم الضمير أولا ثم بصاحبه ثانيا؟ # فالحاصل أن كلام هذا الرجل لا ms113 يستقيم، سواء جعلنا الضمير الشأن أو ~~للأبصار. # فأما قوله إن قوله تعالى: {أراغب أنت} قد قدم فيه خبر المبتدأ عليه فغير ~~صحيح أيضا لأن قوله: {أراغب} اسم فاعل معتمد على همزة الاستفهام، فيكون ~~قوله: {أنت} في موضع الرفع بالفاعلية، إلا على القول الضعيف المتروك، ~~والمسألة مشهورة. PageV04P255 # ففي نحو أذهب وأقائم الزيدان، يرتفع قائم وذاهب بالابتداء، ويسد كل واحد ~~من الفاعلين مسد الخبر. # قال النحاة إن همزة الاستفهام تستدعي الفعل بذاتها؛ لأن الاستفهام إنما ~~يكون من فعل، ألا ترى أنك إذا فرضت شيئا مجردا، عن فعل لم يستفهم عنه، ~~فأجروا قوله: "مجرى" أترغب. # لذلك قلنا إن قوله تعالى: {إذا السماء انشقت} 1 السماء مرفوع بالفاعلية ~~بتقدير فعل دل عليه انشقت، لأن "إذا" تستدعي الفعل، وكذلك ما جرى مجرى ~~"إذا" في هذا المعنى، نحو قولهم: لو ذات سوار لطمتني2، وإن الله أمكنني من ~~فلان. # فأما قوله في البحر: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" وتوهمه أن ذلك من باب ~~تقديم الخبر على المبتدأ فمثل الوهم الأول في الغلط، بل هما مرفوعان ~~بالفاعلية، كأنه قال هو الشيء الذي ظهر ماؤه، وحلت ميتته، فحذف الموصوف ~~وأقام الصفة المركبة من الموصول والصلة مقامه، والصفة تعمل كالفعل في هذا ~~الموضع، فيكون ماؤه وميتته فاعلين. PageV04P256 # ومثله في التنزيل: {عاليهم ثياب سندس} 1 في قول من جعل عاليهم صفة لقوله ~~تعالى: {ولدان مخلدون} فأما استنباطه زيادة المعنى في التقديم والتأخير ~~فشيء قد تكلمنا عليه. ### | 104- # قال المصنف: ومن المواضع التي تفيد الاختصاص تقديم الظرف إذا كان الكلام ~~إثباتا، كقولك إن إلى مصير هذا الأمر، فإنه يدل على أنه ليس مصير هذا الأمر ~~إلا إليك، بخلاف ما إذا أخرت الظرف، فقلت إن مصير هذا الأمر إلي، فإنه لا ~~يفيد الاختصاص؛ لأنه يحتمل أن توقع الكلام "بعد الظرف" على غيرك فتقول عوض ~~ضميرك إلى زيد أو عمرو. # ومنه قوله تعالى: {إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم} 2. # أقول: إنه إنم فهم أن الإياب والحساب إلى الله تعالى من دليل آخر لا من ms114 ~~مجرد هذا اللفظ، ولو خيلنا ومجرد هذا اللفظ لم يدل على أن الإياب والحساس ~~ليس إلا إليه وعليه سبحانه، فإنك لو قلت إن في الدار زيدا، لم يدل ذلك على ~~أن غيره ليس في الدار، وكذلك لو قلت وعمرا لم يتناقض الكلام. # وقد قال سبحانه: {وجعلنا في الأرض رواسي} 3 ولا يدل ذلك على أن غير ~~الرواسي لم يجعله تعالى في الأرض. PageV04P257 # وقال لآدم: {إن لك ألا تجوع فيها} 1 ولم يكن ذلك مختصا به، فقد كانت ~~أمثلة. # وقال تعالى: {إذ نفشت فيه غنم القوم} 2، ولا يدل ذلك على ما نفشت إلا ~~فيه؛ لأن النفش هو انتشار الغنم من غير راع، سواء كانت في حرث أو في غير ~~حرث. # وقال تعالى: {وكنا لحكمهم شاهدين} 3 فقدم الظرف، ولا يدل ذلك على أنه لم ~~يشهد إلا حكمهم. # وقال: {ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} 4 ولا يدل ذلك على أنه ما أصلح ~~زوج أحد قط إلا زوج زكريا. # وفي الكتاب العزيز ألف آية مثل هذا تبطل دعوى الحصير والاختصاص. # فأما قول القائل إلى مصير هذا الأمر، فإما ألا يدل ذلك على الاختصاص وهو ~~الصحيح، أو يدل لكن كما يدل مع تقديم الظرف يدل مع تأخيره إذا قلت إن مصير ~~هذا الأمر إلي، ولا فرق بين الموضعين. # والصحيح أن القرينة تلد على الاختصاص، وهو الصحيح في هذا PageV04P258 # الموضع، لا مجرد الصيغة؛ لأنه ما جرت العادة أن الولاية وما يجري مجراها ~~لا تنتقل إلا إلى واحد فقط. # وأما قوله إنك إذا أخرت احتمل توقيع الكلام على غيرك فضعيف، وقد تكلمنا ~~عليه في تقديم المفعول. ### | 105- # قال المصنف: فأما إذا كان الكلام نفيا فقد يتقدم الرف ويكون القصد به ~~تفضيل المنفي على غيره، كقوله تعال: {لا فيها غول} والمراد تفضيلها على ~~خمور أهل الدنيا. # وقد يتأخر الظرف ويكون القصد به النفي فقط لا التفضيل كقوله تعالى: {ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه} . # فإن القصد في إيلاء حرف النفي الريب نفي الريب عنه، وإثبات أنه حق ليس ms115 ~~كما يزعم المشركون، ولو أولاه، الظرف وقال لا فيه ريب لكان قد قصد أن كتابا ~~آخر فيه الريب لا في هذا الكتاب، كما قلنا في قوله: {لا فيها غول} قال ومثل ~~ذلك أن يقال لا عيب في الدار، ويقال لا فيها عيب، في أن الأول يقتضي نفي ~~العيب عن الدار فقط، والثاني يقتضي تفضيلها على غيرها، أي ليس فيها ما في ~~غيرها من العيب1. PageV04P259 # أقول: إن هذا الذي ذكره شيء لا يعرفه أهل العربية، ولا أهل الفقه، ولا ~~فرق عندهم في النفي المطلق بين قولهم لا ريب فيه ولا فيه ريب، إلا من جهة ~~أخرى، وهي أنه يقبح الاختصار على قوله لا فيه ريب في القواعد النحوية، حتى ~~يضم إليه شيء آخر، فيقول ولا شك مثلا أو نحو ذلك. # فأما ما يعود إلى نفي الريب فاللفظان يدلان عليه دلالة واحدة، ولعله ظن ~~أن حرف النفي إذا شافه المنفي بغير واسطة كان أبلغ في النفي من أن يتخلل ~~بينهما واسطة، ويجريه مجرى المؤثرات الحسية، فإن السيف إذا شافه الجسم بلا ~~واسطة كان أبلغ في القطع من أن يتخلل بينهما ثوب أو درع، فيظن أن هذا مثل ~~ذاك، وهذا وهم عامي لا يلتفت إليه محصل. # وما نعلم كيف وقع له أنه قال: لو أنه قال ليس فيه ريب لدل على أنه ليس ~~كغيره من الكتب التي فيها ريب، وأنه لو قال: ليس في الدار عيب لدل على ~~أنهاليست كغيرها من الدور المعيبة، وأنه إذا قال: ليس في خمر الجنة غول يدل ~~على أنه ليس كخمور الدنيا التي فيها غول، فإنهليس في اللفظ تعرض لذلك لا ~~بصريحه ولا فحواه، ولو جاز أن ينسب إلى الألفاظ دلالة لا تقتضيها لا ~~بصريحها ولا فحواها لجاز أن ينسب إليها أمور، لا تتناهى، وذلك محال. # وقال سبحانه: {يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم} 1 وليس ~~PageV04P260 # تفسير هذا الرجل لقوله تعالى "لا فيها غول" يأن المراد تفضيلها على لخمور ~~التي فيها غول بأولى من أن تعكس ms116 القضية عليه ويفسر نحو قوله تعالى: {لا لغو ~~فيها} بأنه يدل على تفضيلها على خمور الدنيا التي فيها اللغو والتأثيم، ~~فيجعل حرف النفي إذا باشر المنفي وتأخر الظرف دالا على الأفضلية، وإذا تقدم ~~الظرف دالا على النفي المطلق على مناقضة ما ذكره، فإنه لا فضل بين القولين ~~إلا مجرد التسمي والتحيم. ### | 106- # قال المصنف: وتقديم الحال على ذي الحال يفيد الاختصاص، نحو قولك جاء ~~راكبا زيد، بخلاف ما إذا قلت جاء زيد راكبا، فإنه لا يدل على ذلك، لجواز أن ~~يكون ضاحا أو ماشيا أو غير ذلك1. # أقول: أتزعم أنك إذا قلت جاء راكبا زيد فإنك قد قصرت زيدا من دون سائر ~~الأحوال والهيائت على الركوب فقط، وأن ذلك ينفي كونه لابسا وضاحكا وجائعا ~~وغير ذلك من الأمور التي يحتمل أن يكون عليها؟ فإن قيل نعم قيل له: كيف ~~زعمت ذلك، ولامعافاة بين كونه راكبا وكونه على هذه الأوصاف، وأي دلالة في ~~تقديم الحال على انتفاء غيرها؟ وهذا لغو من القول. PageV04P261 ### | 107- # قال المصنف: والاستثناء المتقدم جار هذا المجرى، نحو قولك: ما قام إلا ~~زيد أحد، وإنه يدل عل الاختصاص بخلاف قولك ما قام أحد إلا زيدا1. # أقول: لعمري إن قولك ما قام إلا زيدا أحد يدل على اختصاص زيد بالقيام، لا ~~لأجل تقديمه على الفاعل، بل لأجل الاستثناء الذي يدل على إخراجه مما حكم به ~~على غيره، فلولا اختصاصه بذلك لبطلت فائدة الاستثناء، ولكن هذا المعن مطرد ~~في حالتي تقديم زيد وتأخيره؛ لأن الاستثناء يدل في كلا الموضعين دلالة ~~واحدة على اختصاص زيد بالقيام دون غيره؛ لأنه لو قام غيره لكذب في قوله إلا ~~زيدا. # ألا ترى أن من تحاول تكذيبه تقول له كذبت؛ لأن خالدا قد قام أيضا، فلا ~~فرق في هذا الاختصاص بين تقديم المستثنى وتأخيره. # فإن كان هذا الرجل وحسه قد تفطن لاختصاص زائد على هذا المعنى عند تقديم ~~المستثنى لا يؤخذ عند تأخيره، فهذا الرجل قد أدرك ما غفل عنه الأولون ~~والآخرون، ورزق حسا وذوقا وقف بهما ms117 على ما لم يقف عليه غيره، ولا كلام لنا ~~مع من هو بهذه الصفة، وإنما نتحدث مع أمثالنا وأشكالنا، وأما من تر في إلى ~~طبقة أخرى فإن أمره يجل عن ذلك.. PageV04P262 ### | 108- # قال المصنف: وقد اختلف الناس في حمل مريم عليها السلام كم مدته، فقال قوم ~~كحمل غيرها من النساء، وقيل ثلاثة أيام، وقيل أقل، وقيل أكثر. قال: والصحيح ~~أن حملها ووضعها كانا متقاربين على الفور من غير مهلة، وربما كان ذلك في ~~يوم واحد أو أقل، لقوله تعالى: {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا، فأجاءها ~~المخاض إلى جذع النخلة} لأنه عطف بالفاء وهي للفور، ولو كان هناك تراخ ~~ومهلة لعطف بثم التي هي تفيد المهلة1. # أقول: إن الفاء ليست للفور، بل هي للتعقيب على حسب ما يصح إما عقلا أو ~~عادة، ولهذا صح أن يقال دخلت البصرة فبغداد، وكان بينهما زمان كثير، لكن ~~تعقيب دخول هذه عن دخول تلك على ما يمكن، بمعنى أنه لم يمكث بواسط مثلا سنة ~~أو مدة طويلة، بل طوى المنازل بعد البصرة ولم يقم بواحد منها إقامة يخرج ~~بها عن حد السفر إلى أن دخل بغداد، وهذا هو الذي يقوله أهل اللغة وأهل ~~الأصول، وليست الفاء للفور الحقيقي. # أقول: معناه حصول هذا بعد هذا2 بغير فصل ولا زمان كما توهماه هذا الرجل، ~~ألا ترى إلى قوله تعالى: {لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب} 3 ~~والعذاب متراخ عن الافتراء. PageV04P263 # وقال: {فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى} 1 والردى متراخ ~~عن الصد عنها. وقال: {وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى} ~~2 وليس خروج النبات عقب إنزال المطر، بل هو متراخ عنه. وقال: {ولقد عهدنا ~~إلى آدم من قبل فنسي} 3 ولم يكن النسيان عقب العهد، فإنه قد دام مكثه ~~متجنبا للشجرة التي نهى عن أكلها مائة عام، ثم أكلها. # وفي القرآن من هذاالجنس الكثير الواسع، فإذن لا يدل على قوله تعالى: ~~{فانتبذت به مكانا قصيا، فأجاءها المخاض} ، أن ذلك ms118 كله كان في يوم واحد أو ~~أقل كما اعتقده هذا الرجل. ### | 109- # قال المصنف: ومن هذا الباب قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة ~~مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر} قال ~~فذكر الخلق الأول من الطين وهو آدم، ثم عطف عليه الخلق الثاني بثم لما ~~بينهما من التراخي، ولما صار إلى القدر الذي يتبع بعضه بعضا من غير تارخ ~~عطفه بالفاء، ولما انتهى إلى جعله ذكرا أو أنثى وهو آخر الخلق عطه بثم. ~~PageV04P264 # ثم اعترض على نفسه فقال قد وردت آية أخرى بلفظة ثم لهذه التقلبات بعينها، ~~وهي قوله تعالى: {إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة} ثم أمسك عن الجواب1، فلم يقل شيئا، هكذا وجدته في ~~نسخة هذا الكتاب التي وصلت إلينا من الموصل فطلبت نسخة أخرى، ثم تأملتها ~~فوجدته أيضا قد أخلى بياضا للجواب. # أقول: قد كان الواجب عليه أن يتفطن من ههنا لحقيقة الفاء، وأنها ليست كما ~~يظن أنها تقتضي الفور الحقيقي، وإن وجد أحدهما في الزمان الأول، والآخر في ~~الزمان الثاني بلا فصل، بل تقتضي التعقيب على ما يصح ويمكن كما قدمنا فأما ~~ثم فتقتضي تراخيا ومهلة أكثر مما في الفاء. # ومن العجيب ظنه أن الفاء في قوله تعالى: {فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما} للتعقيب الذي يتوهمه، وهو عدم الزمان ~~المحسوس بين الحالتين، وكيف يمكن أن نعتقد هذا، وبين صيرورة العلقة مضغة ~~زمان طويل، وبين صيرورة المضغة عظاما مثل ذلك، ولو كان الأمر كما تصوره هذا ~~الرجل لوجب القول بأن الزمان الذي تتكون فيه النطقة علقة، تتكون في الزمان ~~الثاني منه بلا فضل مضغة، وتتكون في الذي يليه بلا فصل عظاما، وتتكون في ~~الزمان الذي يليه على تلك العظام لحم، وتتكون هذه المراتب كلها، وتقع ~~جميعها في أقل من عاشرة من عواشر ms119 الدقائق، وهذا أمر ما قاله مخلوق قط: ~~PageV04P265 # وهو مع ذلك مخالف للحس والوجدان، فالآية الثانية الواردة بلفظة ثم غنية ~~عن التأويل محكمة واضحة؛ لأن لفظة ثم واقعة موقعها. # فإنا إذا استقبحنا على سياق كلامه أن يقول قام زيد يوم السبت، فقام عمرو ~~يوم الأحد، لأجل أن بينهما يوما واحدا، وأوجبنا أن يقول ثم قام عمرو يوم ~~الأحد، وجعلنا مدة اليوم فقط مهلة وتراخيا يليق أن يؤتى بثم لأجلها، ~~فالأولى أن يؤتى بثم في أطوار الخلقة التي لا ينتقل طور منها إلى طور آخر ~~إلا في الأيام الطويلة التي تتجاوز الشهر. # فأما قوله: ولما صار إلى جعله ذكرا أو أنثى وهو آخر الخلق عطفه بثم، ~~فنقول له: أين في الآية ذكر جعله ذكرا وأنثى؟ فإن كنت تعني قوله "ثم ~~أنشأناه خلقا آخر" فإن تقسيم الحيوان المخصوص إلى ذكر أو أنثى ما كان في ~~آخر المراتب كما يتوهم، بل إما في أول التكوين وابتداء الأطوار على ما ~~يعتقده قوم، أو عند جعله عظاما ولحما؛ لأنه لا يغيره أن يجعله لحما وعظاما ~~فيكون إنسانا كاملا ومع ذلك فليس بذكر أو أنثى. # فالذي سبق إلى ذهن هذا الرجل من أن المراد بقوله {ثم أنشأناه خلقا آخر} ~~الذكورة والأنوثة قد سبق قبله إلى أذهان قوم من صنعة المفسرين، وهو غلط، بل ~~المراد بذلك أنا أخرجناه من ذلك الوعاء إلى خارجه، وجعلناه مستقلا بنفسه ~~بعد أن كان جزءا من أمه؛ لأنه كان يغتذي باغتذائها، كما يغتذي عضو من ~~أعضائها، فلما استقل بنفسه في الغذاء وغيره وجميع صورته، وظهر شخصه صار ~~خلقا آخر. # PageV04P266 ### | 110- # قال المصنف: ومن الألفاظ ألفاظ يراد بها المبالغة والتكثير، كالألفاظ ~~التي تجئ على وزن فعال كتواب وغفار فإنهما يفيدان كثرة التوبة والمغفرة ~~وتكررهما من الفاعل، وليسا كتائب وغافر، فإنهما يدلان على وقوع المغفرة ~~والتوبة من الفاعل ولو مرة واحدة. # قال وقد وهم بعض شعراء الحماسة في هذا الموضع فقال: # لله تيم أي رمح طراد ... لاقى الحمام وأي نصل جلاد # ومحش حرب مقدم متعرض ... للموت ms120 غير مكذب حياد # قال فانعكس عليه القصد؛ لأنه إذا نفى كونه حيادا فقد نفى عنه كونه كثير ~~الهزيمة والانحراف عن قرينه، وذلك أن يكون قليلهما، ولا شبهه أن يكون غير ~~حياد ولكنه حائد، أي وجدت منه الحيدودة مرة واحدة. وإذا وجدت منه مرة كان ~~ذلك جبنا، ولم يكن شجاعة، والأولى أن كان قال: غير مكذب حائد1: # أقول: فعلى هذا القياس يكون قوله تعالى: {وما ربك بظلام للعبيد} 2 يقتضي ~~أن يكون دالا على نفي تكرر الظلم، ويكون مفهوم ذلك وفحواه أنه PageV04P267 # بظلم العباد ظلما قليلا، كما كان فحوى بيت الشاعر أن هذا المرثي يجبن ~~نادرا، وأن يكون قوله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام: "لأعطين الراية ~~غدا لرجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار" أي لا يكثر ~~الفر بل يفر أحيانا في النادر، مع أن عليا لم يفر قط على ما نقل عنه ~~المخالف والمؤالف، وأن يكون قول سطيح1 في كهانته على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "ليس بفظ ولا صخاب" يقتضي ألا يصخب كثيرا، بل يصخب في وقت بعيد. # واعلم أن العرب إذا استعملت هذه اللفظة في النفي فإنهم لا يعنون بها إلا ~~ما يعنون بلفظة فاعل فقط، ولو شئت أن أذكر من ذلك الأمثلة الكثيرة لذكرتها، ~~فأما في الإثبات فإنهم قل أن يستعملوها إلا في الكثرة والتكرير كما ذكره ~~هذا الرجل، وكان الواجب أن يتصفح كلامهم، ويفرق بين استعمالهم لها نفيا ~~واستعمالهم لها إثباتا. ### | 111- # قال المصنف: وينبغي أن يعلم أنه إذا وردت لفظة من الألفاظ، ويجوز حملها ~~على التضعيف الذي هو طريق المبالغة، وحملها على غيره، أن ينظر فيها. ~~PageV04P268 # فإن اقتضى حملها على المبالغة. فهو الوجه. # وذلك أن قوة اللفظ لقوة المعنى لا تستقيم إلا في نقل صيغة إلى صيغة أكثر ~~منها، كنقل الثلاثي إلى الرباعي. # وإذا فإذا كانت صيغة الرباعي مثلا موضوعة لمعنى، فإنه لا يراد بها ما ~~أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة. # ألا ترى أنه إذا قيل في ms121 الثلاثي "قتل" ثم نقل إلى الرباعي فقيل "قتل" ~~بالتشديد، فإن الفائدة من هذا النقل هي التكثير، أي أن القتل وجد منه ~~كثيرا؟. # وهذه الصيغة الرباعية بعينها لو وردت من غير نقل لم تكن دالة على ~~التكثير، كقوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} ، إذ أنه لا ثلاثي لهذه ~~اللفظة1. # أقول: إنه لا يصح أن يقال على الإطلاق متى كان لهذه الصيغة وهي فعل ~~بالتشديد ثلاثي، فإنها تعطي معنى التكثير والقوة، وذلك أنا قد وجدناها في ~~مواضع بخلاف هذه الصفة، نحو قولك قلصت شفته إذا انزوت بالتخفيف، ومثله قلصت ~~بالتشديد، ولا فرق بينهما عند أهل اللغة في كثرة ولا قلة، وقد نصوا عليه، ~~وذكر ذلك صاحب ديوان الأدب فقال: قصر من الصلة وقصر منها2. PageV04P269 # فأما قوله إن فعل مشددا إذا لم يكن له ثلاثي قد نقل عنه فإنه لا يدل على ~~الكثرة فصحيح، لكن تمثيله بقولهم رتل القراءة غير صحيح؛ لأن هذه اللفظة لها ~~فعل ثلاثي وهو رتلت قراءته بالكسر رتلا أيضا، ويقال منهما ثغر مرتل، وكلام ~~مرتل. # فأما تمثيله بكلم فتمثيل صحيح لا نزاع فيه. ### | 112- # قال المصنف: وقد ذهب جمهور علماء العربية إلى أن عليما أبلغ في معنى ~~العلم من عالم. # قال: ولا أرى ذلك صوابا؛ لأنك تجد الحروف في الموضعين على عدة واحدة لم ~~ينتقل فيها الأدنى عددا إلى الأعلى، بل الذي يوجبه القياس يقتضي عكس ما ~~قالوا؛ لأن فعيل في وزن طريق وكريم وأمثالهما من أمثال الأخلاق والطبائع ~~التي لا تقع إلا قاصرة1، وفاعلها على هذا الوزن هو فعيل2 لا غير، وليس بناء ~~فاعل كذلك؛ لأنه يجيء من المتعدي كضارب ومن اللازم كقائم، وما يشبه مالا ~~يكون إلا للقاصر أضعف مما يكون بناؤه للمتعدي والقاصر معا3. PageV04P270 # أقول إن فعيلا وإن لم ينص العرب على أنه للمبالغة فقد نبهوا على ذلك ~~باستعمالهم إياه خبرا عن الجماعة، وإجراء صفته المذكر والمؤنث، أما كونه ~~خبرا عن الجماعة فنحول قول جرير: # جلون العيون النجل ثم رميننا ... بأعين أعداء وهن صديق1 # ومثله في الخبر ms122 قوله تعالى: {إن رحمت الله قريب من المحسنين} 2، ولم يقل ~~قريبة. # وإذا وصف به المذكر والمؤنث ووقع خبرا عن الجماعة صار كالمصادر الواقعة ~~للأجناس المشترك في الوصف بها المفرد والمع والمذكر والمؤنث، نحو قولهم رجل ~~فطر وامرأة فطر ورجال فطر ونساء فطر، ومثل هذا لم يجئ في وزن فاعل، وعلة ~~ذلك أن فعيلا أشبه فعولا، لأنه صفة مثله وثالثه حرف مد، وفعول قد وقع للجمع ~~والمفرد والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، قال الله تعالى: {فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين} 3 فعدو فعول، وقد أخبر به عن الجماعة، أي أنهم لي أعداء. ~~PageV04P271 # وقالوا امرأة شكور كما قالوا رجل سكور، وإنما استعملوا فعولا للمبالغة ~~والكثرة؛ لأنه على لفظ فعول الذي يقع مصدرا، نحو الدخول وليس بينه وبينه ~~إلا ضم هذا وفتح هذا. # وقال أبو الفتح رحمه الله سرى التذكير من فعول المصدري إلى فعول الوصفي، ~~يعني أن المصدر للجنس، والغالب على الجنس التذكير، فلذلك لم يؤنث فعول إذا ~~وقع للمؤنث بمعنى فاعل، نحو امرأة صبور، وامرأة شكور، وشذ قولهم امرأة ~~عدوة، حملوه على قولهم امرأة صديقة بالهاء الفارقة في الواحد بين المذكر ~~والمؤنث. # فأما قوله إن فعيلا يجيء من أفعال الغرائز فذلك لا ينافي وقوعه للمبالغة؛ ~~لأن قولنا قدم فهو قديم فيه مبالغة، وكذلك عتق فهو عتيق بمعنى قدم في ~~الزمان على جهة المبالغة، وقال سبحانه: {حتى عاد كالعرجون القديم} 1. ### | 113- # قال المصنف: ومن التطويل الذي لا حاجة إليه قول العجير السلولي من شعراء ~~الحماسة: # طلوع الثنايا بالمطايا وسابق ... إلى غاية من يبتدرها يقدم # قال: فالزيادة قوله المطايا؛ لأنه أراد ما أراده الحجاج بقوله: "أنا ابن ~~جلا PageV04P272 # وطلاع الثنايا" أي سامي الهمة إلى معالي الأمور، فالمطايا فضلة؛ لأن ~~معالي الأمور لا يرقى إليها بالمطايا، وإن أراد به أنه كثير الأسفار ~~فتخصيصه الثنايا بالذكر دون سائر الأرض من المفاوز وغيرها لا فائدة فيه. # وعلى كلا الوجهين فذكر المطايا فضلة لا حاجة إليها، وهو تطويل بارد غث1. # أقول: إن هذا الكلام مدخول من ثلاثة أوجه: ms123 الأول أنه لو أراد ما أراده ~~الحجاج من سمو همته إلى معالي الأمور، وإحاطة علمه بالخفايا كما يحيط علم ~~الربيئة الذي يطلع الثنايا بأحوال الأرض ومن يصير فيها، لم يكن قوله ~~بالمطايا زيادة لا معى تحتها؛ لأنه كنى بالمطايا عن مساعيه وآثاره ~~ومقامامته التي تقدم بها في معال الأمور، واكتسبها، وسماها مطايا لأنها هي ~~التي أوصلته إلى المعالي، كما يصل الإنسان بالمطية إلى مقصده. # ولهذه العلة استعاروا هذه اللفظة، فقالوا الليل والنهار مطيتان تقربان ~~البعيد، وسمي أبو الطيب نعله ناقة، فقال: # لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها2 PageV04P273 # فمراد الشاعر إذن أنني نلت معالي الأمور بالسعي والآثار والتوصل، لا ~~بالميراث ولا الاقتصار على شرف الأنساب. # والوجه الثاني لو أراد الإبانة عن كثرة الأسفار لكان لقوله الثنايا مزية ~~ظاهرة على غيرها من الأرض؛ لأن الثنايا والعقاب والروابي أشق الأرض سيرا، ~~قال الشاعر: # وثنية قذف يحاربها القطا ... ويضل فيها حين يغدو الأحقب1 # وقال: # ومزناة لا تستطاع قطعتها ... بهيق كتابوت النصارى شمرول2 # وأشعارهم في هذا الباب كثيرة جدا. # الوجه الثالث أنه أدعى أن لفظة المطايا هي الفضلة الزائدة، ثم برهن على ~~ذلك بأن قسم المعنى إلى قسمين، ثم بين أن أحد القسمين إن كان هو المراد ~~فالمطايا فضلة زائدة، وهو المطلوب، ثم قال: وإن كان القسم الثاني هو المراد ~~PageV04P274 # فالثنايا فضلة زائدة، فإذن استدلاله لا ينتح المطلوب؛ لأنه إنما كان ينتج ~~المطلوب لو ثبتت زيادة قوله بالمطايا على كلا القسمين، فأما إذا كان أحد ~~القسمين لا يقتضي زيادتها، بل زيادة غيرها، فقد بطل قوله ودعواه أن ذكر ~~المطايا فضلة لا حاجة إليها، على كلا الوجهين. ### | 114- # قال المصنف: فأما بيت أبي تمام وهو: # يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام # فإنه قد جاء في بعض النسخ: # يتجنب الآثام خيفة غيها ... فكأما حسناته آثام # وليس بشيء؛ لأن المعنى لا يصح به، والوجه الرواية الأولى. # وقد خطر لي في معناه أنه نظير قوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة} وتقديره أنه يتجنب الآثام، ms124 فيكون قد أتى بحسنة، ثم يخاف تلك الحسنة، ~~فكأنما حسناته آثام، وهو على طباق الآية سواء1. # أقول: إن هذا التفسير يكاد يكون التفسير، ولكنه لم يوضحه؛ لأنه قال ثم ~~يخاف تلك الحسنة، ولا ريب أن الحسنة التي صدرت منه هي تجنب الآثام، وهي ~~طاعة لا يخافها أحد، فما باله خاف التجنب حتى صار كأنه من الآثام؟ ~~PageV04P275 # فقد بان أنه قد أعوزته كلمة لم يذكرها، وهو أنه لا يخاف الآثام، بل يخاف ~~ألا يقبل منه وألا يثاب عليه، فيكون خوفه من ذلك خوفه من الآثام نفسها، ~~ويكون هذا من باب حذف المضاف، كأنه قال يتجنب الآثام ثم يخاف ردها أو يخاف ~~إحباطها، والضمير إلى مصدر قوله يتجنب، لأن يتجنب قد دل على التجنب. # فإن قلت ضمير المؤنث ههنا كيف جاء والتجنب مذكر؟ قلت: هو محمول على ~~المعنى؛ لأن التجنب كالجفوة والهجرة والمفارقة، وإعادة الضمير على المعنى ~~في باب التذكير والتأنيث كثيرة مشهورة. # وعلى هذا التحقيق ظهرت مطابقته بالآية على أحد تفسيريها. # فأما قوله إن رواية "خيفة غيها" لا يصح المعنى بها، فإن بعض المفسرين قال ~~إن هذا البيت محمول على القلب، وتقديره: فكأنما آثامه حسنات، قال ومعناه ~~كأن آثامه حسنات وغيره؛ لأنه من الأبرار الأولياء الذين حسنات الناس سيئات ~~بالنسبة إلى عباداتهم، ومن كلامهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين، يعنون ~~علو طبقة المقربين على طبقة الأبرار. # والقلب قد جاء في الكلام كثيرا نحو قولهم: أدخلت الخاتم في إصبعي، ~~والتحقيق أدخلت إصبعي في الخاتم؛ لأن الإصبع هي التي أدخلت في الخاتم، ~~وقولهم كأن الزنا فريضة الرجم، وقال الآخر: # PageV04P276 # وبلد عامية أعماؤه ... كأن لون أرضه سماؤه1 # وقد جاء في التنزيل شيء من ذلك قال: {فإنهم عدو لي} 2 أي فإني عدو لهم ~~وعداوته تعالى لهم يراءته منهم ولعنته لهم، وإذا ثبت هذا فالرواية التي ~~أفسدها وزعم أنها لا تصح صحيحة غير منكرة ... ### | 115- # قال المصنف: فأما بيت أبي نواس، وهو قوله: # سنه العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن # ومن الناس من يرويه فاستنم بالنون، وهذا لا ms125 معنى له؛ لأنه إذا لم يبين ~~سنه العشاق ما هي، فبأي شيء يستن المستن منها؟ 3. # أقول: إن البيت الذي قبله يوضح العشاق التي أمره أن يستن بها، ألا ترى أن ~~من قال لغيره إذا دخلت على الملك فاسجد، ثم قال عقيب ذلك عادة عبيد الملك ~~وخوله مشهورة، فإذا أحببت أن تكون منهم فاعمل بها، فإنه يفهم من هذا الكلام ~~أنه إشارة بالعادة إلى ما قدمه أولا من السجود للملك. PageV04P277 ### | 116- # قال المصنف: بعد أن ذكر آيات كثيرة من الكتاب العزيز تتضمن حذف جمل مفيدة ~~وغير مفيدة: ومن هذا الباب قوله تعالى: {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا ~~آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم، ~~قال نكروا لها عرشها} لأن الأمر بتفكيره لا يكون إلا بعد أن جيء به إليه1. # أقول: تقدير هذا الحذف غير محتاج إليه في هذه الآية؛ لأنا إن جعلنا ~~الضمير في "رآه وفي عنده" راجعا إلى الذي عنده علم من الكتاب جعلنا الضمير ~~في "قال نكروا لها" راجعا إلى سليمان، فيكون تقدير الكلام: فلما رأى الرجل ~~الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس مستقرا عنده، قال: هذا من فضل ربي إلى ~~آخر الآية، ثم هذا يحكي قول سليمان "نكروا لها عرشها" فلا تحتاج الآية إلى ~~حذف ولا إضمار. # وإن جعلنا الضمائر كلها راجعة إلى سليمان لم يحتج أيضا إلى الحذف الذي ~~ذكره، بل يكون قوله نكروا لها عرشها إما معطوفا حذف منه حرف العطف، تقديره ~~وقال نكروا لها عرشها، كما قال: {لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم} 2 PageV04P278 # أو جوابا ثانيا للم، أو كلاما مستأنفا، كأنه فرغ من تلك القصة، ثم شرع في ~~جملة أخرى، وهي أنه لا حاجة إلى حذف المذكور؛ لأنه لما قال فلما رآه مستقرا ~~عنده قال هذا من فضل ms126 ربي، وهذا يغني عن أن يقدر مرة ثانية "فلما جيء به" ~~لأن معناهما واحد. ### | 117- # قال المصنف: وقد نص أبو الفتح ابن جني على أن حذف الفاعل لا يجوزه قال: ~~وبيت حاتم يشهد بخلاف قوله وهو: # أماوى ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # وقال الله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} ولم يذكرها1. # أقول: إن البصريين كلهم قد منعوا حذف الفاعل لقاعدة مقررة عندهم، وهي أن ~~الفاعل ينزل منزلة جزء من الكلمة؛ لأنهم سكنوا لام الفعل إذا اتصل به ضمير ~~الفاعل، نحو ضربت، كي لا تتوالى أربع متحركات لوازم في كلمة واحدة، فإن ذلك ~~لا يوجد إلا أن يكون قد حذف حرف من الكلمة للتخفيف، نحو علبط2، فإسكانهم ~~لام الكلمة تنزيل لضمير المتكلم وهو الفاعل منزلة حرف من نفس الكلمة، ولذلك ~~لم يسكنوا PageV04P279 # لام الفعل إذا اتصل به ضمير المفعول كقوله تعالى: {ما وعدنا الله ورسوله} ~~1 لأنه في نية الانفصال، بخلاف قوله: {وإذ واعدنا موسى} 2 قالوا وكذلك ~~جعلوا النون في يفعلان وبابه علامة الرفع، فلولا أن الألف بمنزلة حرف من ~~نفس الكلمة لما جعلوا الإعراب بعده، ولأنهم ألحقوا علامة التأنيث بالفعل في ~~قولهم: قامت هند، والفعل لا يؤنث، فلو لم يكن الفاعل بمنزلة جزء من الفعل ~~لما جاز إلحاق علامة التأنيث به. # وقد نسبوا إلى "كنت" فقالوا كنتي قال الشاعر: # فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا ... وشر خصال المرء كنت وعاجن3 # فأثبتوا الياء، ولولا تنزيلها منزلة جزء من الكلمة لم يثبتوها في النسب، ~~ولهم على هذه القاعدة أدلة، كثيرة مذكورة في مواضعها. # وإذا كان الفاعل بمنزلة جزء من الكلمة لم يجز حذفه، كما لا يجوز حذف ~~الدال من زيد، ولكنه يضمر، فتارة يرجع إلى شيء متقدم في اللفظ، كقولنا زيد ~~قام، وتارة إلى ما يدل عليه لفظ مصرح به، وإن لم يكن المضمر راجعا إلى ذلك ~~اللفظ، كقولهم: من كذب كان شرا له، PageV04P280 # فاسم كان مضمر دل عليه لفظ كذب، والمعنى كان الكذب شرل له، قال الله ~~سبحانه: ms127 {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه} 1 أي بدالهم بداء، ~~فأضمر الفاعل لدلالة بدا عليه. # وقد أضمره الشاعر فقال: # لعلك والموعود حق لقاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بدء2 # وقد تقدم أن قوة العلم بالفاعل في بعض المواضع تقوم مقام ذكره أو ذكر ما ~~يدل عليه، كقوله تعالى: {حتى توارت} 3 وقول حاتم: "إذا حشرجت". # والضابط في ذلك ألا يزيد ذكر الفاعل في قوة العلم به على ما يحصل من قوة ~~العلم وهو غير مذكور كما في الآية والبيت، فإنه لو ذكر الشمس والنفس لم تزد ~~قوة العلم على ما نجده الآن، وإن لم يذكرهما، وهذا هو الفرق بين حذف الفاعل ~~وحذف غيره، فإن هذا الضابط، غير معتبر في شيء من المواضع إلا في الفاعل إذا ~~لم يذكر. PageV04P281 ### | 118- # قال المصنف: وقد يحذف الفعل لدلالة المفعول عليه، كقولهم: "أهلك والليل" ~~بنصبهما معا أي الحق أهلك وبادر الليل1. # أقول: ظاهر هذا الكلام أنه انتصب اللفظان بإضمار فعلين، وهو خلاف ما ~~تقوله النحاة؛ لأنهما عندهم منصوبان بفعل واحد، تقديره بادر أهلك والليل، ~~ومعناه بادر أهلك قبل الليل، وتحقيق ذلك أن معنى المبادرة مسابقتك الشيء ~~إلى الشيء، كقولك بادرت زيد للمنزل، كأنك سابقته إليه، فلما عطف الليل على ~~الأهل وجعلهما مبادرين أمره بمبادرتهما قبل أن يسقه أحدهما إلى الآخر. ### | 119- # قال المصنف: حذف الفعل ينقسم إلى قسمين: أحدهما يظهر بدلالة المحذوف ~~عليه، كما ذكرناه من قولهم أهلك والليل، وكقول المتنبي: # وما أرضى لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا2 # ولا إلا بأن يصغي وأحكي ... فليتك لا يتيمه هواكا # فقوله ولا إلا بأن تصغي فيه محذوف، تقديره ولا أرضى إلا بأن تصغي وأحكي. ~~PageV04P282 # قال: والقسم الثاني لا يظهر فيه الحذف، لأن هناك منصوبا يدل عليه، بل ~~بالنظر إلى ملاءمة الكلام، كقوله تعالى: {وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا ~~كما خلقناكم} وكقوله: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا} وكقوله: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك} فتقدير ~~ذلك كله: وقلنا لقد ms128 جئتمونا، وقلنا أذهبتم طيباتكم، وقلنا وإن جاهداك1. # أقول: لا فرق بين هذا القسم وبين قوله إلا بأن تصغي وأحكي؛ لأنه لو أظهر ~~"وقلنا" لكان ما بعده منصوبا لأنه مفعول به، كما لو أظهر المفعول فقال ولا ~~أرضى شيئا إلا بأن تصغي، فالقول ينصب ما بعده إذا كان كلا مقولا كما ينصب ~~الفعل مفعوله، وكما أن موضع "لقد جئتمونا" هو المنصوب لا لفظه، ولا فصل بين ~~الموضعين، فدعواه أن هذه الآيات علم الحذف منها بالنظر إلى ملاءمة الكلام ~~لا بأن في الكلام مفعولا يدل على حذف الفاعل، وأن قوله "ولا إلا أن تصغي ~~وأحكي" خلاف ذلك دعوى غير مقبولة. ### | 120- # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا # إذا لقام بنصري معشر خشن ... عن الحفيظة إن ذو لوثة لانا PageV04P283 # فجواب الشرط قد استوفاه في البيت الأول، فلا بد في البيت الثاني من تقدير ~~لو دفعة ثانية، أي لو كنت منهم إذن لقام بنصري معشر خشن1. # أقول: إن هذه المسألة تنبني على أن العامل في البدل هو العامل في المبدل ~~منه أم لا، فإن لم يثبت ذلك لم يصح هذا الكلام؛ لأنه جاز أن يكون قوله "إذن ~~لقام بنصري" بدلا من قوله "لم تستبح إبلي" لأنه في معناه، والفعل يبدل من ~~الفعل إذا كان في معناه، نحو ادن يا فتى أحسن إليك أعطك سالا، وإذا لم يحتج ~~في البدل إلى تكرير العامل لم يحتج هنا إلى تكرير لو، وإن لم تثبت هذه ~~القاعدة فإن ما ذكره صحيح لا ريب فيه. ### | 121- # قال المصنف في باب التكرير: التكرير على قسمين تكرير في اللفظ والمعنى ~~جميعا، وتكرير في المعنى فقط دون اللفظ، فالأول نحو قولك لمن تستدعيه أسرع ~~أسرع، ونحو قوله تعالى: {يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر ~~الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون} ومثل قول أبي الطيب ~~المتنبي: # ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام2 # أقول التمثيل باللفظة المذكورة وبالآية تمثيل جيد. # وأما التمثيل ms129 بالبيت فغير جيد؛ لأنه لم يتكرر فيه اللفظ والمعنى حسب ~~PageV04P284 # تكرره في الآية وفي اللفظة المذكورة؛ لأنه لم يذكر في صدر البيت إلا في ~~نفي رؤية مثله ومثل جيرانه، ولم يبين في ماذا، ولا هذه المثلية والمشابهة ~~في أي شيء، فمن الممكن أنه كان يعني أر مثلي ومثلهم في حب بعضنا لبعض، أو ~~في بغض بعضنا لبعض، أو في جودنا لم أر مثلي، ومثلهم في حب بعضنا لبعض، أو ~~في بغض بعضنا لبعض، أو في جودنا أو في شجاعتنا، أو في ديانتنا، فلما قال في ~~عجز البيت "لمثلي عند مثلهم مقام" كشف ذلك الإجمال، وأزال ذلك الإبهام، ~~وأبان عن أن مراده لم أر مثلي مقيما بين ظهراني مثلهم، يعني أنهم على غاية ~~الإساءة لعشرته، وأنه على غاية الصبر عليهم، والاحتمال لهم، وأن مقامه عظيم ~~لا يصلح أن يكون مثله مقيما بين هؤلاء الرعاع. # فالشاعر لم يكرر كما تكررت ألفاظ الآية، ولا وجد اللفظ والمعنى معا ~~مرددين مكررين في هذا البيت، ولكن أول ألفاظه يعطي معنى مجملا، والثاني ~~يعطي معنى مفصلا، وهو شرح ذلك المجمل، فلم يكن ذلك تكريرا مشتملا على إعادة ~~اللفظ والمعنى معا، فلم يجز إدخاله في هذا القسم، وذكره في جملة أمثلته. ### | 122- # قال المصنف: فأما قوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ~~تلك عشرة كاملة} فليس كما يتوهم من أنه تكرير فقط، بل المراد به إيجاب صوم ~~الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق على الفورلا عند الوصول إلى البلد، كما ~~ذهب إليه بعض الفقهاء، وقال: لأن الأمر إذا صدر بلفظ التكرير مجردا عن ~~قرينة تخرجه عن وصفه، ولم يكن مؤقتا بوقت معين، # PageV04P285 # كل ذلك حثا للمأمور على المبادرة على الفور، كما تقول لصاحبك قم قم، ~~فإنما تريد بهذا اللفظ المكرر أن يبادر إلى القيام في الحال الحاضر1. # أقول: إن المذهب الذي قد اختاره هو مذهب مجاهد، والاحتجاج الذي قد احتج ~~به لنصرته ضعيف؛ لأن فحوى كلامه أنه يذهب إلى أن الأمر إذا ورد مجردا عن ms130 ~~التكرير لم يدل على الفور، ألا تراه كيف قد قيد كلامه فقال إذا صدر بلفظ ~~التكرير غير مؤقت، فلو كان ممن يذهب إلى أن الأمر يقتضي على الفور مجردا لم ~~يحتج إلى هذه القيود. # وإذا كان كذلك فأدلة القائلين بأن الأمر لا يقتضي الفور جميعها موجودة في ~~أن الأمر المكرر قرينة يفهم منها الفورية، مثل أن يقول له قم قم قول غضب أو ~~إرهاق، أو يشاهد وجهه أو يسمع كلامه، فيدرك منها ما يدل على ذلك، أو يظهر ~~من حركاته وقرائن أحواله أمارات تقتضي ذلك. # فأما مجرد فقط فلا يدل تكريره على الفورية؛ لأن الزمان من ضروريات وقوع ~~الامتثال، كما أن المكان من ضرورياته أيضا، وكما لا يدل تكرار الأمر على ~~وجوب إيقاع المأمور به في مكان معين، فكذلك لا يدل تكرار على وجوب إيقاعه ~~في زمان معين. # ولا حيلة في دفع هذا لمن ذهب إلى أن الأمر يقتضي الفور سواء كرر ~~PageV04P286 # أو لم يكرر، فإنه يتكلم على هذا الدليل كلام من أثبت الفورية للأمر، حيث ~~كان أمرا لا باعتبار التكرير. # ثم يقال له لو سلمنا أن الأمر المكرر اللفظ يدل على الفور، لكن ليس قوله ~~"فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة" مثل قول ~~الإنسان لغيره قم قم، ولا تكون السبعة والثلاثة والحكم بأنها عشرة كاملة ~~كذلك التكرير اللفظي في مبادرة الأفهام إلى أن المراد منه تعجيل امثتال ~~المأمور به، فإنما نظيره أن يقول من تمتع بالعمرة إلى الحج فقد أوجبت عليه ~~صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. # فأما قوله سبحانه {تلك عشرة كاملة} فلا يعطي هذا المعنى؛ لأنه ليس إعادة ~~لفظ الأمر كقولك قم قم، ولا معناه كقولك قم لا تقعد، وإنما هو نعت المأمور ~~به فقط. # وقد اختلف الناس في فائدة هذا النعت، فقال قوم معناه عشرة كاملة ثواب ~~الهدى، أي إذا وقعت بدلا منه استكملت ثوابه، وقال قوم غير ذلك، والمقصود ~~أنه ليس قوله {تلك عشرة كاملة} تكرير الأمر بلفظه ms131 لإفادة الفورية منه؛ إذ ~~ثبت أنه لا يفيد الفورية. ### | 123- # قال المصنف: فإن قلت بل الغرض بتكرير الأمر أن يتكرر في نفس المأمور أنه ~~مراد منه، وليس الغرض الحث على المبادرة إلى امثتال الأمر قلت # PageV04P287 # في الجواب: المرة الواحدة كافية في تعريف المأمور أن المأمور به مراد ~~منه، فالزيدة على المرة الواحدة إن دلت على ما دلت عليه المرة الواحدة لا ~~غير كان ذلك تطويلا لا فائدة فيه، وهو ينافي إعجاز القرآن وفصاحته، وإن دلت ~~على أمر زائد فتلك الزيادة ليست إلا لحث على المبادرة إلى الامتثال، وإلا ~~فليبين الخصم معنى هذه الزيادة، ولا سبيل إلى ذلك1. # أقول: إنه قد قال قبل هذا الموضع بأسطر إن قوله تعالى: {وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} أن هذه الألفاظ كلها بمعنى واحد، ~~وإنما كررها للزيادة في تحسين عفو الوالد عن ولده والزوج عن زوجته. # وكذلك قوله تعالى: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} وزعم أن ذلك من باب ~~البلاغة. # فإذا كان هذا قوله فما المانع من أن يكون المراد بالمرة الثانية والثالثة ~~في الأمر زيادة التكرير في نفس المأمور، وأن المأمور به مراد منه؟ فإن هذا ~~غرض صحيح، لأنه لو قال له اعلم أن هذا الشيء مما أريده منك، وكرر هذا مرتين ~~أو مرارا لم يكن قبيحا، إذا قصد تأكيد تلك الحال وتقريرها في نفس المخاطب ~~فلم يذهب إلى أن المرة الثانية أفادت عين ما أفادته المرة الأولى من غير ~~زيادة، بل أفادت زيادة بينة، وهي قوة اعتقاد المخاطب أن ذلك الشيء المأمور ~~به مراد لا محال، ما أفاد قوله: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا} PageV04P288 # زيادة تحسين العفو كما ذكره، فقد بطل قوله: فليبين الخصم معنى هذه ~~الزيادة، ولا سبيل إلى ذلك، وقد بينت أن سبيل الخصم إليها أوضح سبيل. ### | 124- # قال المصنف: وقد قال قوم إن الواو ها هنا أكدت قوله تلك عشرة كاملة، لئلا ~~يتوهم أنها بمعنى "أو" قال: وهذا باطل؛ لأن الواو تجعل بمعنى "أو" مخالفة ~~لأصلها، لمرجح يرجح على ms132 كونها عاطفة الذي هو الأصل، ولا مرجح ههنا1. # أقول: صاحب هذا القول إنما يقوله بعد ثبوت مقدمات، منها أنه لا بد في ~~كلام الله من فائدة، ومنها لا فائدة إذا جعلناها عاطفة، فإذا ثبت ذلك له ~~قال صحت حينئذ، وجعلها بمعنى أو، ولا نزاع أنه إذا ثبت له ذلك كانت بمعنى ~~أو. ### | 125- # قال المصنف: وأيضا فإن القرآن منتهى البلاغة الفصاحة، فهلا قال: "وبدأ ~~بيننا وبينكم العداوة"، ولم يقل والبغضاء، وهلا قال إنما "أشكو بثي"، ولم ~~يقل وحزني2. PageV04P289 ### | 126- # قال المصنف: وأيضا فإن الصوم عبادة يجب فيها الاحتياط والإتيان بها على ~~أكمل صورة، فكيف يظن أن الواو ههنا بمعنى "أو"1. # أقول: أليس قد وردت الواو بمعنى أو في قوله تعالى: {مثنى وثلاث ورباع} 2 ~~وهو في النكاح، والخطأ فيه أصعب من الخطأ في هذا الصوم، فيجوز أن يكون ~~سبحانه قال: {تلك عشرة كاملة} لإزالة توعم من يتوهم أن هذه الواو كتلك ~~الواو. ### | 127- # قال المصنف: وأيضا فالسبعة ليست مماثلة للثلاثة حتى تجعل مقابلته، لأن ~~معنى الآية إذا كانت الواو فيها بمعنى "أو": إما أن تصوموا ثلاثة أيام في ~~الحج أو سبعة إذا رجعتم3. # أقول: ولا إطعام المساكين يماثل في الصورة لكسوتهم، ولا لعتق الرقبة، ~~فكيف قال: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ~~أو تحرير رقبة} 4 فليس من شرط "أو" أن تتوسط بين المتماثلين في الصورة، ~~وهذا الكلام ناقص جدا. PageV04P290 ### | 128- # قال المصنف: فأما عطف لفظة على لفظة ومعناهما واحد فكثير، كقول المنخل ~~اليشكري: # الكاعب الحسناء تر ... فل فل الدمقس وفي الحرير # فإن الدمقس هو الحرير، وكقول آخر من شعراء الحماسة: # إني وإن كان ابن عمي غائبا ... لمقاذف من خلفه وورائه # فإن الخلف هو الوراء1. # أقول: المثال الأول لا بأس به، والثاني غير جيد؛ لأن الوراء قد وردت ~~والمراد القدام في قوله تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} 2 ~~لأنه لو لم يكن قدامهم ما خافوا منه، ولا احتاج إلى خرق السفينة. # وقال لبيد: # أليس ورائي إن ms133 تراخت منيتي ... لزوم العصا تحني عليها الأصابع3 # ومنه أيضا قوله سبحانه وتعالى: {من ورائه جهنم} 4. PageV04P291 # وقال آخر: # أثر جو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تيم والفلاة ورائيا1 ### | 129- # قال المصنف: فأما حد الكناية فهي ما إذا وردت تجاذ بها جانبا حقيقة ~~ومجاز، ومجاز حملها على الجانبين معا لوصف جامع، كقوله تعالى: {أو لامستم ~~النساء} فإنه يصح المعنى ولا يختل بالحمل على كل واحد من المعنيين وهما ~~الجماع وإلصاق الجسد بالجسد، ولذلك ذهب أبو حنيفة والشافعي إلى كل واحد من ~~القولين2. # ولهذا الحد تنفصل الكناية عن التشبيه والاستعارة وسائر المجازات؛ لأنه لا ~~يجوز حمل ذلك أجمع إلا على الجهة المجازية فقط، كقولنا زيد أسد، فإنه لا ~~يجوز حمله إلا على المجاز خاصة؛ لأنه يستحيل أن يكون زيد سبعا حقيقة. # قال: والدليل على صحة ما قلناه أن الكناية أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، ~~فإما أن يكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا ~~مجاز ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة. # ولا يصح أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة؛ لأن ذلك هو ~~PageV04P292 # اللفظ المشترك، وإذا أطلق من غير قرينة تخصصه كان مبهما غير مفهوم، وإذا ~~أضيف إليه القرينة صار مختصا بشيء بعينه، والكناية أن تتكلم بشيء وتريد ~~غيره، وذلك مخالفا للفظ المشترك إذا أضيف القرينة؛ لأنه يختص بشيء واحد لا ~~يتعداه. # وكذلك لا يصح أن تكون الكناية في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز؛ لأن ~~المجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها؛ لأنه فرع عليها. # وذلك اللفظ الدال على المجازين إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه ~~أولا يكون لها شركة في الدلالة، فيكون اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة أشياء: ~~أحدها الحقيقة، وهذا مخالف لأصل لوضع، وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة ~~كان ذلك مخالفا للوضع أيضا؛ لأن أصل الوضع أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره. # وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم يكن الذي تكلمت به ~~دالا ms134 على ما تكلمت به، وهذا محال. # فتحقق حينئذ أن الكناية أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز1. # أقول: إنا ما عرفنا أن الحدود يبرهن عليها، ولا هي من باب الدعاوي التي ~~تحتاج إلى الأدلة لأن من وضع لفظ الكناية لأمر من الأمور لا يحتاج إلى ~~دليله، PageV04P293 # ثم يقال له: ألم تعد في أمثلة الكناية قول النبي للحادي بالحث: "رفقا ~~بالقوارير" يعني النساء؟ وقول عبد الله بن سلام لمن رأى عليه ثوبا معصفرا ~~"لو أن ثوبك في تنور أهلك أو تحت قدورهم لكان خيرا" وقول الشاعر: # إن لم تكن نصلا فغمد نصال1. # يعني امرأة هلكت، فهل هذه المواضع مما يتجاذبها الجانبان، ويجوز حملها ~~على كل واحد منهما؟ وهل يتوهم عاقل أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر ~~أنجشة أن يرفق بالزجاج؟ وأن عبد الله بن سلام أمر صاحب الثوب المعصفر أن ~~يحرق ثوبه؟ والبيت الشعري أبعد؛ لأن المرأة إنسان، والإنسان لا يكون غمدا ~~للسيف؛ لأن الحيوان لا يكون جمادا، فإن جاز أن تكون هذه المواضع كنايات مع ~~أن الأذهان لا تحملها إلا على محمل واحد، ولا يسوغ حملها على غيرها جاز أن ~~يكون قوله تعالى: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} 2 وقول الشاعر: # "ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب" # كناية، وإن كان لا يجوز حمله على كلا المحملين، وإلا فما الفرق؟ # ثم يقال: أهذا الاستدلال هو استدلال على أن الكناية هي ما جاز حمله على ~~واحد من محملي الحقيقة والمجاز، أم على الكناية لا بد أن يتجاذبها جانبا ~~حقيقة ومجاز، مع قطع النظر عن جواز الحمل عليهما وعدم جوازه؟ فإن أردت ~~الأول فالاستدلال لا يماثل ذلك بحال، ولا تعلق له به، وإن أردت PageV04P294 # الثاني فإن أصحاب علم البيان قبلك لم يخالفوك في ذلك لتحاجهم وتعيب ~~عليهم، وأنت لما حكيت أقوال أصحاب هذه الصناعة لم تحك عنهم أنهم لم يشترطوا ~~ذلك في الكناية، أعني أن تكون مترددة بين محمل حقيقي ومحمل مجازي، وإنما ~~حكيت عنهم أنهم لم يشترطوا أن يجوز حمل الكلام ms135 على كلا المحملين، فهذا هو ~~الذي حكيت عنهم، وخالفتهم، وزعمت أنك استنبطت وتكلفت الدلالة عليه، فكيف ~~تتركه جانبا، وتستدل على ما لا تعلق له به أصلا؟ # ثم يقال له: قد نزلنا على ما تريد، ونحن نكلمك فيما يتعلق دليلك به، لم ~~قلت إنه لا بد أن يتردد لفظ الكناية بين محملي حقيقة ومجاز، ولم يتردد بين ~~مجازين؟ والذي تكلمت به على ذلك ليس بشيء، أما أولا فإنك أردت أن تقول: إما ~~أن يكون اللفظ الدال على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة التي هي أصل ~~لهما، فأما قولك هذا فإنه يقتضي أن يكون الإنسان متكلما بشيء، وهو يريد ~~تبيين غيره، وأصل الوضع أن يتكلم بشيء وهو يريد شيئا غيره، فيقال لك: أليس ~~معنى قولك الكناية أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره أن قولك "شيئا" تريد واحدا ~~غيره؟ # كلا، ليس هذا هو المقصود أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، فإن أردت شيئا ~~واحدا فقط أردت غيره، وإن أردت شيئين أو ثلاثة أشياء أو ما زاد فقد أردت ~~غيره؛ لأن كل ذلك غير ما دل عليه ظاهر لفظك، فليس في لفظة "غير" ما يقتضي ~~التوحيد والإفراد. # PageV04P295 # وأما ثالثا فلم لا يجوز ألا يكون اللفظ الدال على المجازين شركة في ~~الدلالة على الحقيقة أصلا، بل لا يدل إلا على المجازين فقط؟ # فأما قولك إذا خرجت الحقيقة من أن يكون لها في ذلك شركة لم يكن الذي ~~تكلمت به دالا ما تكلمت به، وهو محال، فيقال لك: لم قلت ذلك؟ ولم لا يجوز ~~أن يكون للحقيقة مجازان قد كثر استعمالهما حتى نسيت تلك الحقيقة، فإذا تكلم ~~الإنسان بذلك اللفظ كان دالا به على أحد دينك المجازين، ولا يون له تعرض ما ~~لتلك الحقيقة، فلا يكون الذي تكلم به حقيقة، لأن حقيقة ذلك اللفظ قد صارت ~~منسية، فلا يكون عدم إرادتها موجبا أن يكون اللفظ الذي قد تكلم به المتكلم ~~غير دال على ما تكلم به؛ لأنها قد خرجت بترك الاستعمال عن أن تكون هي ms136 ما ~~تكلم به المتكلم. ### | 130- # قال المصنف: فأما حد الألغاز والأحاجي فهو معنى يستخرج بالحزر والحدس لا ~~بدلالة اللفظ عليه حقيقة ولا مجازا ولا تعريضا، كقول القائل في الضرس: # وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد # ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا آخر الأبد1 ~~PageV04P296 # قال: فهذا كلام لا يفهم منه أن الضرس حقيقة ولا مجازا ولا من طريق ~~المفهوم، بل هو شيء يحدس ويحزر، والخواطر تختلف في الإسراع والإبطاء عند ~~عثورها عليه1. # أقول: هذا يلزم عليه أن يكون كلام الزنجي إذا تعاطى العربي حزر معناه من ~~باب الأحاجي والألغاز، والصحيح أن يقال عوض هذا: هو كل معنى يستخرج لا ~~بدلالة اللفظ عليه حقيقة ولا مجازا ولا تعريضا، بل بالحدس من صفة أو من ~~صفات تنبه عليه. # وعلى هذا فالضرس إنما عرف من هذا الشعر حدسا من مجموع هذه الصفات، وهي ~~كونه صاحبا لا تمثل صحبته، وأنه يسعى لينتفع به الإنسان، وأن الإنسان لا ~~يراه، فإذا رأه فقط افترقا فراق الأبد، ومجموع هذه الصفات ليست إلا للضرس، ~~فتنبه الذهن من هذه الصفات والخصائص على مراد الملغز. ### | 131- # قال المصنف: ومن الحذاقة في هذه الصناعة أن تجعل التحميدات في أوائل ~~الكتب السلطانية مناسبة لمعاني تلك الكتب، قال: ووجدت أبا إسحاق الصابي على ~~تقدمه في فن الكتابة في فتح بغداد وهزيمة الأتراك عنها الذي أوله "الحمد ~~لله رب العالمين الملك الحق" ثم ذكر منه نحو عشرة أسطر سنذكرها في الجواب ~~عن كلامه، ثم قال: وهذه التحميدة لا تناسب هذا الكتاب، ولكنها PageV04P297 # تصلح أن توضع في صدر كتاب مصنفات أصول الدين كالشامل للجويني أو الاقتصار ~~للغزالي أو ما جرى مجراهما، فأما في كتاب فتح فلا1. # أقول: إن إبا إسحاق رحمه الله لم يخل هذه التحميدة من الإشارة إلى معنى ~~الكتاب الذي هو مغزاه ومقصده، وذلك أن هذا الكتاب كتب في انتصار عضد الدولة ~~أبي شجاع وعز الدولة أبي منصور على الأتراك الذين ترأس عليهم سبكتكين ~~الحاجب الذي كان أمير ms137 جيوش معز الدولة أبي الحسين وعز الدولة أبي منصور ~~بعده، وهما سلطانا الحضرة ببغداد، وكان مع هؤلاء الأتراك الطائع لله ~~الخليفة العباسي والمطيع لله والفتكين القائد الجليل المشهور بالشجاعة بين ~~الأتراك2 وبأيديهم بغداد وأعمالها، فإن عضد الدولة وعز الدولة تضافرا على ~~المسير إلى هؤلاء من فارس والأهواز، وصدها الأتراك صدمة عظيمة فطحنوهم، ~~وانحاز الطائع لله إلى تكريت متحصنا بالقلعة، وطار الأتراك وهم زيادة على ~~عشرة آلاف فارس إلى الشام ومصر، ودخل عضد الدولة ومعز الدولة إلى مدينة ~~الشام، واستقر على سرير المملكة، بعد أن وقع اليأس من ذلك. # فقول أبي إسحاق الصابي: "الأبدي بلا انتهاء" وقوله: "الدائم لا إلى أجل ~~معدود" وقوله: "لا تخلقه العصور، ولا تغيره الدهور" وقوله: "لا تزاحمه ~~مناكب القرناء، ولا تحاذيه أقدام النظراء" وقوله: "الصمد الذي لا كفء له، ~~PageV04P298 # والفذ الذي لا توءم له" وقوله: "الحي الذي لا تختزمه منون، والقيوم الذي ~~لا تشغله الشئون" وقوله: "القدير الذي لا تئوده المعضلات، والخبير الذي لا ~~تعيبه المشكلات" كل ذلك إشارة إلى أن الملك ليس إلا لله تعالى، وأن ملك ~~البشر لا حقيقة له، لسرعة زواله وانقضائه، وأن كل أحد من ملوك الأرض وإن ~~عظم شأنه وقهر الملوك سلطانه يزول سريعا، وينقضي وشيكا، فهؤلاء الملوك ~~الذين طحنهم الدهر بكلكله في هذه الواقعة فإن منهم من مات كالمطيع لله، ~~وسبكتكين وهما خليفة وملك ماتا في الطريق قبل الواقعة، ومنهم من فر ولاذ ~~بالمعاقل، ونحصن خوفا على نفسه كالطائع، ومنهم من حمله الرعب على أن صار ~~برعيه، وسوقة تحت أيدي ملوك أخر كالفتكين، فإنه لم يبن وجهه إلا بمصر، وصار ~~من جملة رعية العزيز نزارين معد صاحبها، ومنهم من تشرد في البلاد، وفارق ~~الأموال والأولاد، كالأتراك، فجميع ما أوما إليه الصابئ ملائم للواقعة التي ~~كتب هذا الكتاب فيها، وغير خارج عن مقصدها ومغزاها. # والعجب قوله ينبغي أن تكون هذه التحميده في صدر كتاب من أصول الدين ~~كالشامل للجويني والاقتصار للغزالي، وأين الاقتصار من الشامل حتى يجمع ~~بينهما في التمثيل، والاقصتار ms138 مقدمة في نحو خمسة كراريس، والشامل كتاب كبير ~~في أكثر من خمسة مجلدات؟. # وهذا مثل أن يقال: هذا ينبغي أن يكون في كتاب فقهي كالبغية لأبي إسحاق ~~الشيرازي أو الحاوي للماوردي، ومثل أن يقال: هذا ينبغي أن يكون في كتاب ~~نحوي كاللمع لابن جني أو شرح سيبويه للسيرافي، ومثل أن يقال: # PageV04P299 # هذا ينبغي أن يكون في كتاب لغوي كالفصيح لثعلب أو تهذيب اللغة للأزهري، ~~وكان الواجب حيث ذكر الشامل أن يذكر ما يناسبه كالهداية لابن الباقلاني وإذ ~~ذكر الاقتصار ضم إليه ما يجري مجره كالإرشاد للجويني، وهذا يدل على أنه قد ~~سمع بهذين الكتابين سماعا ولم يرهما عيانا. ### | 132- # قال المصنف: فأما المطابقة فهي اصطلاح أهل هذه الصناعة على أنها الجمع ~~بين الشيء وضده، كالليل والنهار، والسواد والبياض. # قال: ولا أعلم من أي شيء اشتقوا هذا الاسم، ولا وجة مناسبة بينه وبين ~~مسماه، ولعلهم قد علموا لذلك مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن1. # أقول: الطبق في اللغة المشقة قال الله سبحانه: {لتركبن طبقا عن طبق} 2 أي ~~مشقة بعد مشقة، فلما كان الجمع بين الضدين على الحقيقة شاقا بل متعذرا، ومن ~~عادتهم أن تعطي الألفاظ حكم الحقائق في نفسها توسعا سموا كل كلام جمع فيه ~~بين الضدين مطابقة. ### | 133- # قال المصنف: فأما ترتيب التفسير فمثل قوله تعالى: {وجعلنا آية النهار ~~مبصرة} فقد الليل ثانيا لما قدمه أولا3، وقوله تعالى: {فمنهم شقي وسعيد، ~~PageV04P300 # فأما الذين شقوا ففي النار} ، فابتدأ بتفصيل أحوال الأشقياء؛ لأنه ابتدأ ~~بذكرهم أولا. # قال: ومن ذلك قول أبي تمام: # وكان لهم غيثا وعلما فمعدم ... فيسأله أو باحث فيسائله # وقول علي بن جبلة: # فتى وقف الأيام بالسخط والرضا ... على بذل عرف أو على حد منصل1 # أقول: إنه سها في إدخال بيت علي بن جبلة في جملة هذه الأمثال؛ لأن الشاعر ~~لما فسر قدم بذل العرف وهو المراد بالرضا وأخر حد المنصل، وهو المراد ~~بالسخط، وهما في صدر البيت على خلاف هذا الترتيب، ولكن هذا نظير قوله ~~تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ms139 فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم} 2. ### | 143- # قال المصنف: وفيما يؤخذ على الأعشى قوله: # وما مزبد من خليج الفرا ... ت جون غواربه تلتطم # بأجود منه بما عونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم PageV04P301 # قال: فمدح ملكا بالجود بالماعون، والماعون كل ما يستعار من قدوم أو قصة ~~أو قدر وما أشبه ذلك، ومدح الملوك بل السوقة بذلك قبيح1. # أقول: إن الماعون هنا هو الصدقة، ذكر ذلك علماء التفسير، وأنشدوا بيت ~~الراعي. # قوم على الإسلام لما يمنعوا ... ما عونهم ويصيعوا التهليلا2 # وقال صاحب ديوان الأدب: الماعون الزكاة، وقال أبو عبيدة: الماعون المنافع ~~كلها. PageV04P302 ### | 135- # قال المصنف: وقد وقعت على كلام لأبي إسحاق الصابي في الفرق بين المترسل ~~والشاعر، ثم ذكر الفصل وهو منثور، وسيأتي في حكاية اعتراضه، وقال في آخر ~~حكايته: وقد عجبت من ذلك الرجل الموصوف بذلاقة اللسان وبلاغة البيان، كيف ~~يصدر عنه مثل هذا القول الناكب عن الصواب، الذي هو في باب ونصى1 النظر في ~~باب "اللهم غفرا. # قال: أما قوله إن خير المترسل ما وضح معناه، وأعطاك سماعه في أول وهلة ما ~~تضمنت ألفاظه، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه، فإن ~~هذه دعوى لا مستند لها، بل الأحسن في الأمرين معا هو الوضوح والبيان، فإن ~~احتج أبو إسحاق بما قد ذكره في نصرة ذلك من قوله إن الشعر بني على حدود ~~مقررة، وأوزان مقدرة، وفصلت أبياته، فكان كل بيت منها قائما بذاته، فليس ~~يحتاج إلى غيره إلا ما جاء على وجه التضمين، وهو عبث، فلما كان النفس لا ~~يمتد في البيت الواحد بالنثر من مقدار عروضه وضربه وكلاهما قليل، احتيج إلى ~~أن يكون الفضل في المعنى، واعتمد أن يلطف ويدق، والترسل مبني على مخالفة ~~هذه الطريق إذ كان كلاما واحدا لا يتجزأ ولا يتفصل إلا فصولا طوالا، وهو ~~موضوع وضع ما يمر على أسماع شيء من خاصة ورعية وذوي أفهام ذكية، وأفهام ~~غبية، فإذا كان سهلا PageV04P303 # ساغ فيها وقرب، فجميع ما يستحب في الأول يكره في ms140 الثاني حتى إن التضمين ~~عيب في الشعر، وفضيلة في الترسل، فإن هذا الذي ذكره أبو إسحاق ليس بجواب. # وهب أن الشعر كان كل بيت منه قائما بذاته فلم كان مع ذلك غامضا؟ وهب أن ~~الكلام المنثور كان واحدا لا يتجزأ فلم كان مع ذلك واضحا؟ ثم سلمت إليه هذا ~~فماذا يقول في الكلام المسجوع الذي كل فقرة منه بمنزل بيت من الشعر1. # أقول: إن من أظرف الأشياء أنك تحكي جواب أبي إسحاق، من أوله إلى آخره، ثم ~~تعيد السؤال الأول بعينه الذي قد حكى جوابه، وذلك أن أبا إسحاق قد سأل نفس ~~فقال: ولم صار الأحسن في الشعر الغموض وفي الرسائل الوضوح؟ وأجاب عنه بما ~~قد ذكره، ومن يحكي ذلك الجواب لا يحسن له أن يقول في الاعتراض عليه: وهب أن ~~الشعر كان كل بيت قائما بذاته، فلم كان مع ذلك غامضا؟ وهب أن الكلام ~~المنثور كان واحدا لا يتجزأ فلم كان مع ذلك واضحا؟ # وذلك أن الجواب قد أتى على الفرق بين الموضعين، ونحن نعيده فنقول إن ~~البيت الشعري لما كان محجورا على الشاعر أن يزيد فيه أو ينقص منه أو يلحق ~~به بيتا آخر فيحصل أحدهما مرتبطا بصاحبه بخلاف الرسائل، PageV04P304 # فكان المعنى قد يساوي ألفاظ البيت تارة، ويزيد عليها تارة، وينقص عنها ~~أخرى، فكان الأحسن أن يزيد المعنى؛ لأن اللفظ الحسن بغير معنى كامرأة ميتة ~~حسنة الصورة. # وكلما كانت معاني الكلام أكثر، ومدلولات ألفاظه أتم كان أحسن، ولهذا قيل ~~خير الكلم ما قل ودل، فإذا كان أصل الحسن معلولا لأصل الدلالة. # وحينئذ يتم إشعاع الجملة، لأن المعاني إذا كثرت، وكانت الألفاظ تفي ~~بالتعبير عنها احتيج بالضرورة إلى أن يكون الشعر يتضمن ضروبا من الإشارة ~~وأنواعا من الإيماءات والتنبيهات، فكان فيه غموض، كما قال البحتري: # والشعر لمح تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه1 # ولسنا نعني بالغموض أن يكون كأشكال إقليدس والمجسطي والكلام في الجزء، بل ~~أن يكون بحيث إذا ورد على الأذهان، بلغت عنه معاني غير مبتذلة، وحكما غير ms141 ~~مطروقة، فلا يجوز أن يكون الشعر الذي يتضمن الحكم ليس بالأحسن، فثبت أن ~~الشعر الذي يتضمن الحكم هو أحسن الشعر، ومعلوم أن PageV04P305 # أحسن الشعر الذي يتضمن الحكم هو المعنوي كشعر أبي تمام ومن أخذ أخذه، ~~فذلك القدر من المعنى هو لذي يعنيه أبو إسحاق بالغموض لا غير. # فأما قوله: "فماذا تقول في الكلام المسجوع الذي كل فقرة منه بمنزلة بيت ~~من الشعر؟ فجوابه أن السجع ليس شرطا في المنثور فقد تكون الرسائل غير ~~مسجوعة، ولا يمكن أن يكون الشعر إلا وزنا محدودا. # وبعد فالرسائل المسجوعة لا يلزم فيها ما ذكرناه في الشعر؛ لأن الفقرة ~~الواحدة قد يطيلها الكاتب، وقد يقصرها، وقد يأتي بفقرتين طويلتين، ثم يأتي ~~بعدهما باثنتين قصيرتين، ثم يأتي بعد ذلك بفقرتين إحداهما قصيرة والأخرى ~~طويلة، فهو يضرب يمينا وشمالا، ويمد نفسه تارة ويقصره أخرى، وليس كذلك ~~القصيدة، فإن صاحبها عند ابتدائها يلتزم عروضا واحدة، ولو زاد فيها حرفا ~~واحدا أو نقصه لكان شعره فاسدا، فأين أحد النوعين من الآخر؟ ### | 136- # قال المصنف: قال أبو إسحاق: والفرق بين المترسلين والشعراء أن الشعراء ~~إنما أغراضهم التي يرمون إليها وصف الديار والآئار، والحنين إلى الأهواء ~~والأوطان، والتشبيب، النساء، والطلب، والاستدعاء، والمدح والهجاء، فأما ~~الكتاب فإنما يترسلون في سداد ثغر، أو إصلاح فساد، أو تحريص على جهاد، ~~واحتجاج على فئة، أو مجادلة لملة، أو دعاء لألفة، أو نهي # PageV04P306 # عن فرقة، أو تهنئة بعطية، أو تعزية. قال: وهذا من أبي إسحاق تحكم محض لا ~~يستند إلى شبهة فضلا عن بينة. # وأي فرق بين الشاعر والكاتب في هذا المقام؟ وكما يصف الشاعر الآثار ~~والديار ويحن إلى الأهواء والأوطان، فكذلك يكتب الكاتب في الاشتياق إلى ~~الأوطان، ومنازل الإخوان والأحباب، ولهذا كانت الكتب الإخوانيات بمنزلة ~~الغزل والتشبيب من الشعر، وكما يكتب الكاتب في إصلاح فساد أو سداد ثغر أو ~~دعاء إلى ألفة أو نهي عن فرقة أو تهنئة أو تعزية فكذلك الشاعر. فإن ندت عن ~~الصبابي قصائد الشعراء في أمثال هذه المعاني فكيف خفي عنه قصيدة ms142 أبي تمام ~~في استعطاف مالك بن طوق على قومه التي مطلعها: # حسم الصلح ما اشتهته الأعادي # وقصيدة البحتري التي يذكر فيها غزو البحر، ومطلعها: # ألم تر تغليس الربيع المبكر # والقصائد التي تجري على هذا المجرى1 كثيرة. # أقول: السؤال في هذا المقام قد يقع عن أمرين أحدهما أن يقال ما الفرق بين ~~الشعر والكتابة؟ والثاني أن يقال لم كانت منزلة الشاعر دون منزلة الكاتب؟ ~~وأحد هذين السؤالين غير الثاني، وكلام أبي إسحاق هو في السؤال الثاني؛ لأنه ~~هكذا قال: إنما كانت حقيقة الشاعر دون الكاتب لكذا وكذا، وهذا جواب صحيح. ~~PageV04P307 # أما أولا فإنه بنى الشعر على الاجتداء والطلب حتى إن امرأ القيس وهو ~~الملك ابن الملك اجتدى سعد بن الضباب بالشعر، وقد كان ابن المنصور الخليفة ~~ابن الخلائف يجتدي بالشعر من عبيد الله بن سليمان بن وهب ومن ولده القاسم ~~بن عبيد الله وزير المعتضد والمكتفي، فإن لم يكن يجتدي مالا فإنه كان يجتدي ~~جاها. # ولم تبن الكتابة على هذا، ولا عرفت بهذا. # وأما ثانيا فلأن المراد من الكتابة ومقصدها الذي وضعت لأجله ماذكره أبو ~~إسحاق من سداد الثغور، وإصلاح الأمور، والدعاء إلى الألفة، والنهي عن ~~الفرقة، والاستعداد لحرب، والإعلام بفتح، ولم يوضح الشعر لذلك. # ألا ترى أنا ما رأينا ولا سمعنا ملكا كتب إلى ملك آخر في إصلاح فساد، أو ~~استمداد على عدو، أو إعلام بفتح قصيدة من الشعر، وإنما كتب الرسائل؟. # وأما القصائد التي ذكرها هذا الرجل لأبي تمام وأبي عبادة وأبي الطيب فإنا ~~لم ننف كون الشعر قد يشتمل على ذلك، ولكنا قلنا إنه ليس هو الغرض الأصلي ~~الذي وضع الشعر له ولا يكون أصلا فيه بل عارضا وطارئا، والرسائل بخلاف ذلك؛ ~~لأن هذا المعنى هو الغرض الأصلي فيها. # وكذلك نجد هذا الفن في الديوان الذي حجمه عشرون كراسا في قصيدة أو ~~قصيدتين، ونجده في الرسائل التي حجمها عشرون كراسا في خمسة عشر كراسا. # PageV04P308 # ونحن فما عرضنا إلا الفرق بين مقصدي النوعين، وقد اتضح. # فأما قوله قد يكتب ms143 كاتب الإخوانيات، ويذكر فيها الحنين والشوق، فهي في ~~المنثور كالنسيب في المنظوم، فيقال له إن القصائد التي وضعت للمدح يستحب أن ~~يكون أولها نسيبا وغزلا، وهكذا وجدنا كتابا في فتح أو استنجاد أو تعريض أو ~~تخذيل في صدره رسالة إخوانية تتضمن الحنين والبكاء وذكر الآثار والديار، ~~فيكفي أبا إسحاق في الفرق بينهما هذا القدر فقط، فإن ذلك من أدل الدلائل ~~على أن الشعر في الأصل موضوع لهذا المعنى، والاجتداء والطلب، فلذلك لم يحتج ~~أحدهما للآخر، وجعل منه الرسائل بخلاف ذلك. ### | 137- # قال المصنف: فهذه الفروق كلها ضعيفة، والذي عندي أن الفرق بين النوعين من ~~ثلاثة أوجه: # أحدها أن هذا منظوم، وذاك منثور، والآخر أن من الألفاظ ألفاظا لا يحسن ~~استعمالها في الكتابة ويحسن في الشعر، كبعض الألفاظ العربية. # والثالث أن الشاعر إذا أطال في شرح معان متعددة واحتاج أن يأتي بمائتي ~~بيت أو أكثر فإنه لا يحتذي في الجميع، بل في الأول، والكاتب لا يأتي من ذلك ~~جميعه1. # أقول: قد بينا أن إسحاق الصابي لم يتعرض لبيان الفرق بين الكتابة ~~PageV04P309 # والشعر من حيث هما كتابة وشعر، وإنما تكلم عن العلة التي كانت لأجلها ~~مرتبة الكاتب أعلى من مرتبة الشاعر، فأما الفرق بين الكتابة والشعر فهي ~~كثيرة، وليست مقصورة على هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرها هذا الرجل. # فإن من جملة الفروق أن للشاعر أن يطري نفسه ويمدحها في شعره، وليس ذلك ~~للكاتب. # ومنها أن للشاعر أن يبالغ ويوغل حتى يدخل في الإحالة، وليس ذلك للكاتب. # ومنها أن الشعر يحسن فيه الكذب ولا يستحسن في الكتابة. # ومنها أن الشاعر يخاطب الملك بالكاف كما يخاطب السوقة، ويدعوه باسمه، ~~وينسبه إلى أمه، وليس ذلك للكاتب. # والفروق بين الشعر والكتابة كثيرة، وإنما نبهنا على بعضها إبطالا لقوله ~~إن الفروق هذه الثلاثة فقط. # فهذا ما سنح لي بأدنى النظر من الاعتراض على هذا الكتاب، وقد اعترضت على ~~مواضع كثيرة منه للقول فيها مجال فلم أذكرها إيثارا للإيجاز، ومواضع يرجع ~~كلامه فيا إلى الجدل ومحض العناد، لا في ms144 المعنى، فكان الاشتغال بها والبحث ~~فيها تضييعا للوقت من غير فائدة. # ورأيت أن يتم الكتاب ههنا حامدا الله، ومصليا على خير خلقه # "محمد النبي الأمي صلوات الله عليه وسلامه" # PageV04P310 ms145