######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000629 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: المظفر بن الفضل بن يحيى، أبو علي، العلوي الحسيني العراقي (المتوفى: 656هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 656 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نضرة الإغريض في نصرة القريض #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000629 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-629 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/629 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المظفر بن الفضل العلوي # الحمد لله الباهرة آياته، القاهرة سطواته، القديم إحسانه، العظيم سلطانه، ~~السابغة مواهبه، السايغة مشاربه، الواسع جوده، القامع وعيده، الجزيل حباؤه، ~~الجميل بلاؤه، الجليل ثوابه، الوبيل عقابه، العزيز كتابه، الوجيز حسابه، لا ~~تحيط به المشاهد، ولا يدركه المشاهد، ولا تحجبه الحواجز، ولا يوصف بأنه ~~عاجز. أرسل محمدا نبيه، وصفوته وصفيه، صادعا بالحق، وصادقا في النطق، ~~وموضحا جدد الطرق وناصحا لجميع الخلق. فقام وأعلام الهدى دارسة، ومعالم ~~التقى طامسة، والجهالة جائلة، والضلالة شاملة، فصدع بما أمر، وصد عما أنكر، ~~وهدى الى الرشاد، وهد ما أسس الكفر وشاد. صلى الله عليه وعلى آله مصابيح ~~الظلم، ومفاتيح النعم، وشآبيب الحكم، وجلابيب الكرم، وعلى أصحابه ~~المنتجبين، وأحزابه المنتخبين، صلاة دائمة الى يوم الدين. وبعد: فإني كنت ~~بعض الأيام بمجلس مولانا صدر صدور الأنام، ملك وزراء الشرق والغرب، النافذة ~~أوامره في البعد والقرب، مؤيد الدين رضي أمير المؤمنين أبي طالب محمد بن ~~أحمد أيد الله دولته، وأيد كلمته، فلقد سجدت لآدابه جباه المناقب وقبلت ~~أخامص هممه شفاه النجوم الثواقب. # همم محلقة على هام السها ... طلبا لمركز عنصر ونجار # ولكل شيء عنصر يأوي الى ... غايات مركزه بغير نفار # فأدبه يفرج عن الفقر من أسر الأفكار، ومواهبه تستخرج الدرر من سرر ~~البحار، وأسواق الفضائل لديه قائمة على سوقها، وأينق الفواضل من بين يديه ~~تساق بوسوقها، وغلوة خاطره لا تصل إليها غايات الطوق، وإذا قيس به سواه ~~قيل: شب عمرو عن الطوق، داره بأرج الأدب دارين، ومحله بحلول البركة قمين. # دار تسيل بها سيول فضائل ... وفواضل لمسائل أو سائل # فالعذر مقبوض بها عن آمل ... والعلم مبسوط بها للجاهل # وقد جرى حديث الشعر وصفاته، وتولج أبوابه وقدح صفاته، وما يجوز فيه ~~ويمتنع منه، وذكر الفضيلة التي مدح بها والرذيلة التي ذم بسببها، والبحث عن ~~منافعه ومضاره، ونقائه وأوضاره، وهل تعاطيه أصلح، أم تركه أوفر وأرجح. فكل ~~من الحاضرين أتى بأغرب ما سمعه، وأعجب ما ابتدعه، وأطرف ما فهمه، وألطف ما ~~علمه، فكان مع الإعذار فيه أخا ms001 تعذير، وبعد الإسهاب رذي رزوح وتقصير. # فأمر مولانا، وأمره مطاع، وخلافه لا يستطاع، أن أثبت له في ذلك أوراقا، ~~واستمطر من سحب خواطر المتقدمين أرواقا، ولا أحوج فيه الى الاسترشاد بغيره، ~~ولا الى الاستضاءة بسواه. فبادرت الى اتباع مراده، وانتجاع مراده، " ولو ~~شاء لكان زنده إذا استقدحه ورى، والصيد كل الصيد في جوف الفرا ". # وقدأجبت عن ذلك في خمسة فصول، عارية من الهذر والفضول، مائلا الى ~~الاختصار، وقائلا بالاقتصار. فإن الاستيعاب لما ورد فيه، وصنف في معانيه، ~~يحتاج الى تأليف كتب عدة، وفراغ له في طويل من المدة، والوقت عن ذلك يضيق، ~~والعلائق عنه تصد وتعوق. # وأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك، ولكن لم نجد عنك مدفعا # وقد وسمنا هذا الكتاب بنضرة الإغريض في نصرة القريض إذ أصلناه على ~~الانتصار للشعر والشعراء، ونصلناه لمناضلة المناظر والنظراء، ونرجو من الله ~~تعالى أن نورد في فصوله، ونرهف من نصوله، ما يكون للغلة ناقعا، وللعلة ~~نافعا، وللحاسر من الأدب مقنعا، وللناظر في معانيه مقنعا، وإن كان ذروة قد ~~فرعت، وعذرة قد افترعت، فنحن بعون القديم جل جلاله نجتهد أن لا نقصر في ذلك ~~الرهان، ولا نستصغر عن مواقف تلك الفرسان، ومنه سبحانه وتعالى نستمد ~~التوفيق ونستد الطريق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ### | الفصل الأول # : في وصف الشعر وأحكامه، وبيان أحواله وأقسامه. # PageV01P001 # الفصل الثاني: فيما يجوز للشاعر استعماله وما لا يجوز، وما يدرك به صواب ~~القول ويجوز. # الفصل الثالث: في فضل الشعر ومنافعه، وتأثيره في القلوب ومواقعه. # الفصل الرابع: في كشف ما مدح به، وذم بسببه، وهل تعاطيه أصلح، أم رفضه ~~أوفر وأرجح. # الفصل الخامس: فيما يجب أن يتوخاه الشاعر ويتجنبه ويطرحه ويتطلبه. ### | الفصل الأول ### | في وصف الشعر وأحكامه ### | وبيان أحواله وأقسامه # أول ما أبدأ به في هذا الفصل فأقول إن اشتقاق لفظة الشعر من العلم ~~والإدراك والفطنة تقول: ليت شعري هل أصاب صوب السماء منازل أسماء، أي ليت ~~علمي. قال الشاعر - أنشده ابن الأعرابي: # يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري ms002 مجمع # وتحت رحلي زفيان ميلع ... حرف إذا ما زجرت تبوع # كأنها نائحة تفجع ... تبكي لميت وسواها الموجع # زفيان: ناقة تزيف في مشيها، وميلع: سريعة ناجية. # وسمي الشاعر شاعرا لعلمه وفطنته. # وأما كونهم سموا الشعر قريضا فلأن اشتقاقه من القرض وهو القطع لأنه يقرض ~~من الكلام قرضا، أي يقطع منه قطعا كما يقرض الشيء بالمقراض. قال الله ~~تعالى: " وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال " أي تجوزهم وتدعهم على أحد ~~الجانبين. قال عبد العزيز بن حاتم بن النعمان ابن الأحمر، وكان يهاجي ~~الفرزدق: # أنفي قذى الشعر عنه حين أقرضه ... فما بشعري من عيب ولا ذام # كأنما أصطفي شعري وأغرفه ... من موج بحر غزير زاخر طام # منه غرائب أمثال مشهرة ... ملمومة، إنها رصفي وإحكامي # وأما القصيد، وهو جمع قصيدة مثل سفين جمع سفينة، فإنما اشتقت لفظتها من ~~القصدة وهي القطعة من الشيء إذا تكسر كأنها قطعة من الكلام. ومن ذلك رمح ~~قصد وقد تقصد إذا صار قطعا. قال المسيب بن علس: # فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة الى القعقاع # ترد المياه فلا تزال غريبة ... في القوم بين تمثل وسماع # وأما تسميتهم القصيدة قافية فلأن القافية تقفو البيت أي تتبعه وسموا ~~الجميع باسم واحد إيجازا واختصارا كما سموا القصيدة بجملتها كلمة، والكلمة ~~اللفظة الواحدة، ميلا الى اختصار الكلام وإخلادا الى ما يدل فيه على ~~التمام. قالت الخنساء: # وقافية مثل حد السنان ... تبقى ويهلك من قالها # نطقت ابن عمرو فسهلتها ... ولم ينطق الناس أمثالها # وأقول: إن الشعر عبارة عن ألفاظ منظومة تدل على معان مفهومة، وإن شئت ~~قلت: الشعر عبارة عن ألفاظ منضودة، تدل على معان مقصودة. فإذا قيس به النثر ~~كان أبرع منه مطالع، وأنصع مقاطع، وأجرى عنانا، وأفصح لسانا، وأشرد مثلا، ~~وأعضد منصلا، وأسد سهاما، وأشد خصاما، وأنور نجما، وأزهر نجما، وأبقى ~~مياسم، وأنقى مباسم، وأذكى مناسم، وأزكى معالم، وأرشق في الأسماع، وأعلق ~~بالطباع. # وقال الأصمعي: الشعر ما قل لفظه، وسهل ودق معناه ولطف، والذي إذا سمعته ~~ظننت أنك تناله، فإذا حاولته وجدته بعيدا، ms003 وما عدا ذلك فهو كلام منظوم. ~~وقال بعض البلغاء: الشعر عبارة عن مثل سائر وتشبيه نادر واستعارة بلفظ ~~فاخر. # وروى لي الغزنوي عن هبة الله المعروف بابن الشجري قال: حدثني أبو زكريا ~~التبريزي قال: كنت أسأل المعري عن شعر أقرؤه عليه فيقول لي: هذا نظم جيد. ~~فإذا مر به بيت جيد قال يا أبا زكريا هذا هو الشعر. # وأما الشعر فيحتاج الى آلات، وفيه ألقاب وله صفات. ونحن نذكر ذلك مجملا، ~~ونشرحه مفصلا، ولا نقصد فيه الترتيب، إذ تقديم فصل على فصل غير مفتقر الى ~~التهذيب. # في الشعر: # PageV01P002 ### | 1 - # النحو 2 - والبلاغة 3 - والفصاحة 4 - والحقيقة والمجاز 5 - والصنعة ~~والمصنوع 6 - وإقامة الوزن 7 - والقوافي 8 - والألقاب وهي أ - الإشارة ب - ~~والكناية وتسمى التتبيع، 9 - والموازنة وهي المماثلة 10 - والتجنيس، ومنه ~~المحض والمطلق وهو تجنيس اللفظ، والمغاير والمقارب، وتجنيس المعنى، والمطمع ~~والمبدل والمختلف، وتجنيس الخط ويسمى التصحيف، وتجنيس البعض، والمتمم، ~~وتجنيس القوافي، والمماثل وفيه 11 - الطباق 12 - والتصدير وهو رد أعجاز ~~الكلام على صدوره 13 - والالتفات 14 - والاستطراد 15 - والتقسيم 16 - ~~والتسهيم 17 - والترصيع ويسمى التفويف 18 - والترديد 19 - والمقابلة 20 - ~~والاستثناء 21 - والإيغال ويسمى التبليغ 22 - والاستعارة 23 - والتشبيه 24 ~~- والحشو السديد في المعنى المفيد 25 - والمتابعة 26 - والمخلص 27 - ~~والتضمين وهو التسميط والتوشيح 28 - وتجاهل العارف 29 - والمماتنة وهي ~~الإنفاد والإجازة 30 - والسرقة وأقسامها المحمودة والمذمومة 31 - والنقد. ~~وغير ذلك مما سنبينه ونوضحه، ونعينه ونشرحه على سبيل الاختصار دون الإكثار، ~~لافتقار الإسهاب الى زمان طويل وعمر مديد وقول بسيط والله الموفق لجدد ~~الهداية بمشيئته وكرمه. ### | 1 - # فأما النحو فإنه من شرائط المتكلم سواء كان ناظما أو ناثرا، أو خطيبا أو ~~شاعرا، ولا يمكن أن يستغني عنه إلا الأخرس الذي لا يفصح بحرف واحد. وكان ~~بعض البلغاء يقول: إني لأجد للحن في فمي سهوكة كسهوكة اللحم. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: " رحم الله امرءا أصلح من لسانه " وهذا حث على تقويم اللسان ~~وتأدب الإنسان. وقال علي رضي الله عنه: ms004 تعلموا النحو فإن بني إسرائيل كفروا ~~بحرف واحد كان في الإنجيل الكريم مسطورا وهو: أنا ولدت عيسى بتشديد اللام، ~~فخففوه فكفروا. وما قد ورد في الحث على تعلم النحو وفي شرف فضيلته وجلالة ~~صناعته، لو تعاطينا حكايته لاحتجنا فيه الى كتاب مفرد، إذ بمعرفته يعقل عن ~~الله عز وجل كتابه وما استوعاه من حكمته، واستودعه من آياته المبينة، وحججه ~~المنيرة، وقرآنه الواضح ومواعظه الشافية، وبه يفهم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم آثاره المؤدية لأمره ونهيه وشرائعه وسننه، وبه يتسع المرء في منطقه، ~~فإذا قال أفصح وإذا احتج أوضح، وإذا كتب أبلغ وإذا خطب أعجب. # PageV01P003 # ومعنى النحو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وتثنية وجمع وتكسير ~~وتحقير وإضافة ونسب وغير ذلك. وهو في الأصل مصدر شائع من قولك نحوت نحوا، ~~أي قصدت قصدا، ثم خص به انتحاء هذا النوع من العلم فصار كالمقصور عليه دون ~~غيره كما أن الفقه في الأصل مصدر فقهت الشيء أي عرفته. ثم خص به علم ~~الشريعة من التحليل والتحريم، وكما أن بيت الله خص به الكعبة وإن كانت ~~البيوت كلها لله تعالى. ونظائر ما كان شائعا ثم قصر في جنسه على أحد أنواعه ~~كثيرة. وحكي عن أعرابي أنه قال إنك لتنظرون في نحو كثيرة فشبهها بعتو وهو ~~قليل في كلامهم. والوجه في مثل هذه الواو، إذا جاءت في جمع، الياء كقولهم ~~في جمع حقو حقي. وأول من نطق بالنحو علي رضي الله تعالى عنه والحكاية في ~~ذلك معروفة، ولما وضح بمثاله المنهج، واتضح بمقاله المستقيم والأعوج، تشعبت ~~السبل فيه، واتسعت العلل في معانيه. والأصل ثلاث كلمات: اسم وخبر وأداة تدل ~~على معنى. فالاسم كل موصوف من الخلق. والخلق ثلاثة أشياء: إما جسم أو لون ~~أو فعل. وأما الخبر فكل ما أثبت مجهولا أو أقام وصفا من اسم أو غيره. إلا ~~أن الكلمة التي خصصناها به الكلمة التي لا يقع لفظها إلا خبرا، وهي كل كلمة ~~دلت على حدوث حركة مؤقتة، من نحو قولك ms005 فعل ويفعل، أو فعل أو يفعل. وأما ما ~~كان يقع مرة خبرا ومرة مخبرا عنه، فكرهنا أن نسميه خبرا إذ لم تدم حاله. ~~وأما الأداة فكل ما عدا أن يكون اسما أو خبرا. وهي كلمة لا تقع وصفا ولا ~~موصوفا. والكلمة التي سميناها خبرا هي في تسمية النحويين فعل وذلك خطأ. لأن ~~قولك فعل أو يفعل أو فعل أو يفعل إنما هو إخبار بحدوث الفعل ووقوعه، ~~والإخبار بحدوث الشيء خلاف الشيء، ولو كان فعل أو يفعل فعلا، لأمكنك أن ~~تصفه فتحمده أو تذمه كقولك نعم الفعل آمن وأصلح، وبئس الفعل كفر وأفسد. ~~فهذه جملة تفسير الكلم الثلاث التي حصر بها علي رضي الله عنه الألفاظ وجمع ~~بها المعاني، ولكل ضرب من هذه الثلاثة الأضرب، ضروب مختلفة وشعب متفرقة ~~ومعان متباينة قد فرغ منها النحويون في كتبهم. وما أورده فعليه اعتراضات قد ~~أجاب عنها أبو علي علي علل المنطق ولكلامه حكيت، وعنه رويت. # والشعر فلا يسلم أديمه من النفل، ولا يصح مريضه من العلل إلا بمعرفة ~~النحو وامتداد الباع فيه، والوقوف على غامضه وخافيه، كما قال المحدث: # وإذا أردت من العلوم أجلها ... فأجلها منها مقيم الألسن # وفي هذه النبذة كفاية. # PageV01P004 ### | 2 - # وأما البلاغة فهي الفصاحة. يقال بلغ الرجل بضم اللام فهو بليغ، ولا فرق ~~بين البلاغة والبيان إلا في اللفظ. وسئل بعضهم عن البلاغة فقال: كلام وجيز ~~معناه الى قلبك أقرب من لفظه الى سمعك. وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله ~~عنه: إنما سمي البليغ بليغا لأنه يبلغ حاجته بأهون سعيه. وقال ابن ~~الأعرابي: قال المفضل الضبي: سألت أعرابيا عن البلاغة فقال: الإيجاز في غير ~~عجز، والإطناب في غير خطل. وقيل للعتابي: ما البلاغة؟ فقال: من أفهمك حاجته ~~من غير إعاقة ولا حبسة ولا استعانة. وسئل بعض الحكماء عن البلاغة فقال: من ~~أخذ معاني كثيرة فأداها بألفاظ قليلة، وأخذ معاني قليلة فولد منها ألفاظا ~~كثيرة فهو بليغ. وقيل: البلاغة ما كان من الكلام حسنا عند استماعه، موجزا ~~عند بديهته. وقيل: ms006 البلاغة لمحة دالة على ما في الضمير. وقيل: البليغ الذي ~~يبلغ ما يريد، أطال أم قصر. وقال بعضهم: البلغة تصحيح الأقسام، واختيار ~~الكلام. وقيل: البلاغة معرفة الفصل من الوصل. وأقول أنا: إن تركيب ب ل غ ~~معناه إدراك ما يحاوله الإنسان عن قوة، وتمكن من قدرة. فمن ذلك بلغت الأمر ~~والغرض إذا وقفت على غايته، وأشرفت على نهايته، ولولا قوتك عليه لما وصلت ~~إليه. ومن ذلك البلاغة، فإنك إذا وقفت على غايات الكلام ونهايات المعاني، ~~دل ذلك على قدرتك في الأدب وتمكنك من لغة العرب. فإن أوجزت أو أسهبت كنت ~~فيه بليغا وكان ما أتيت به بلاغة. ومن ذلك غ ل ب، فإن الغلب لا يكون إلا عن ~~قوة وتمكن وقدرة. ومن ذلك ل غ ب اللغوب هو التعب ولا يكون ذلك إلا عن دأب ~~وشدة حركة تدل على قوة وقدرة على الحركات وتمكن من السعي العنيف في سائر ~~الأوقات. ومن ذلك ب غ ل يقال بغل الفرس إذا سار بين العنق والهملجة، ومنه ~~التبغيل وهو مشي سريع فيه اختلاف ولا يكون ذلك إلا عن قوة وقدرة على السعي. # ومن أعلى درجات البلاغة وأرفعها في الكلام المنثور قوله تعالى: " وقيل يا ~~أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي ~~وقيل بعدا للقوم الظالمين ". وقوله تعالى: فاصدع بما تؤمر) . ومن البلاغة ~~في الكلام المنظوم قول امرئ القيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... ### | ............ # فإنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وتغزل بذكرى الحبيب والمنزل في نصف بيت. ~~وقال طرفة: # ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد # المعنى أكثر من اللفظ. يقول لست أحل بالمواضع الخفية مخافة القرى، ولكني ~~أحل بالمواضع الظاهرة التي لا تخفى على الضيف الطارق. فإذا استقريت قريت. ~~فأورد كلاما يدل على نفيه عن نفسه نزول التلاع خوفا فقط. فلما ذكر في النصف ~~الثاني الرفد، دل على أن المخافة في القرى، ولم يقابل اللفظ بأن يقول: ولكن ~~أحل باليفاع بارزا وأشجع، فاكتفى بمعرفة السامع ms007 وبما دل الكلام عليه. وهذه ~~بلاغة ناصعة. ### | 3 - # وأما الفصاحة فإن الكلام عليها يحتاج الى شرح طويل يخرج بنا عما نحن ~~بصدده والاقتصار عليه غير شاف ولا كاف. وقد استوفينا أقسام ذلك في الرسالة ~~العلوية، وحذونا فيه حذو عبد الله بن سنان الخفاجي في صدر كتابه الموسوم ~~بسر الفصاحة. والفصاحة مشتقة من الكشف وارتفاع اللبسث. يقال أفصح اللبن ~~إفصاحا إذا ذهب اللبأ عنه، وخلص اللبن منه. وأفصحت الناقة فهي مفصح إذا ~~انقطع لبؤها وخلص لبنها. وفصح اللبن إذا كشفت رغوته عنه. قال الشاعر: ### | ............ # ... وتحت الرغوة اللبن الفصيح # وأفصح الصبح إذا انكشف وبدا. وكل واضح مفصح. وعلى ذلك فكل ناطق فصيح، وما ~~لا ينطق فهو أعجم. فهذه نبذة يسيرة في هذا الموضع كافية. # PageV01P005 ### | 4 - # وأما الحقيقة والمجاز، فإن الحقيقة ما أقر على أصل وضعه في اللغة عند ~~استعماله. والمجاز ما كان بضد ذلك. وقال علي بن عيسى الرماني: الحقيقة ~~الدلالة على المعنى من غير جهة الاستعارة، والمجاز تجاوز الأصل الى ~~الاستعارة. وإنما يعدل عن الحقيقة الى المجاز لمعان ثلاثة وهي: الاتساع، ~~والتوكيد، والتشبيه، فإن عدمت هذه الأوصاف كانت الحقيقة أولى بالاستعمال. ~~قال الله تعالى: " وأدخلناه في رحمتنا "، هذا مجاز وفيه الأوصاف الثلاثة. ~~أما السعة فإنه زاد في أسماء الجهات، والمحل اسم وهو الرحمة. وأما التشبيه ~~فإنه شبه الرحمة، وإن لم يصح دخولها، بما يجوز دخوله، ولذلك وضعها موضعه. ~~وأما التوكيد فإنه أخبر عن العرض بما يخبر به عن الجوهر. وهذا تعال بالعرض ~~وتفخيم له، إذ صير في حيز ما يشاهد ويلمس ويعاين. ومن المجاز في أشعار ~~العرب كثير لا يحصى. فمنه قول الأول: # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال # وقال طرفة: # ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه، نقي اللون لم يتخدد # جعل للشمس رداء وهو جوهر لأنه أبلغ من النور الذي هو عرض. وكل ما كان من ~~هذه الاستعارات فإنه داخل تحت المجاز. وقال جل جلاله: " فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ms008 والله سميع عليم ". ~~فبدأ في الآية بحقيقة الكلام، ثم جعل الجواب مجازا واستعارة لوقوعه آكد من ~~الحقيقة. والمراد تشبيه المتمسك بشرائط الإيمان بالمتمسك بالعروة الوثيقة ~~من عرى الحبل لأنه يستعصم بها من المزال المزلقة، والمهابط الموبقة. ثم قال ~~تعالى: " لا انفصام لها "، تبعيدا لها من شبه العرى المعهودة التي ربما ~~انفصمت على طول الجذب أو بليت قواها على مر الدهر. ### | 5 - # وأما الصنعة والمصنوع، فإن الصنعة هي عبارة عن الحوادث في المصنوعات مثل ~~الإصلاح والإفساد، والطول والقصر، والضخامة والنحافة، والخضرة والحمرة، ~~والحركة والسكون، والأشياء التي يسميها المتكلمون الأعراض. وأما المصنوعات ~~فهي الأشياء التي تتعاقب عليها هذه الأعراض. فالصنعة والمصنوعات محدثتان. ~~فمن المصنوعات الحيوان الذي يصنعه الله تعالي، وصور في الجمادات نفعلها نحن ~~فالإشارات التي في الصور من حذق المصورين في أفعالهم فيها يخيل إليك أن ~~بعضها ناطق وإن كان لا ينطق، ومنها ما يخيل إليك أنه متحرك وهو ساكن. فأنت ~~تسمي الجسم مصنوعا على حقيقة اللغة، وتسميه صنعة على الاتساع والمجاز، ألا ~~ترى أنك تقول هذا جسم مصنوع حسن الصنعة، أو قبيح الصنعة وكامل الصنعة أو ~~ناقص الصنعة، وإن كان أصل اللفظتين فيهما واحدا. وإنما قدمت ذلك توطئة ~~لتعلم أن الصنعة في الشعر عبارة عن النظم الذي خلصه من النثر، وجمع أشتاته ~~بعد التبدد والصدع. وأن المصنوع هو الشعر الذي عنصره الكلام المنثور. ~~والمصنوع لا يسمى مصنوعا حتى يخرج من العدم الى الوجود. فإذا كان موجودا ~~سمي مصنوعا لمشاهدته والعلم به، ثم يعتوره بعد ذلك النقد فيقال فيه كامل ~~وناقص، وحسن وقبيح، وسقيم وصحيح، وجيد ورديء. # ورأيت قوما من المصنفين قد خلطوا الصنعة بالنقد والنقد بالصنعة ولم ~~يفرقوا بين المصنوع والصنعة وهذا غلط وشطط. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول في ~~شعر لم تسمعه ولم يتصل بك، جيد ورديء، حتى تقف عليه وتكرر النظر إليه؟. فقد ~~عرفت بهذه الإشارة اللطيفة، والعبارة الخفيفة، ما الفرق بين المصنوع ~~والصنعة وبين الصنعة والنقد، والله الموفق. ### | 6 - # وأما إقامة الوزن فهو عبارة عن ms009 ذوق طبيعي حفظ فصوله من الزيادة والنقصان ~~وعدلها تعديل القسط بالميزان. ولو أن كل ناظم للشعر يفتقر في إقامة وزنه، ~~وتصحيح كسره، وتعديل فصوله الى معرفة العروض، والقوافي، لما نظم الشعر إلا ~~قليل من الناس. على أن الشاعر إذا عرفهما لم يستغن عنهما. # PageV01P006 # فأما العروض، وهي مؤنثة، فهي ميزان الشعر يستخرج بها صحيحه من مكسوره. ~~والشعر كله مركب من سبب، ووتد وفاصلة والسبب سببان والوتد وتدان والفاصلة ~~فاصلتان، وتقطيع الشعر على اللفظ دون الخط، وكل حرف مشدد بحرفين: الأول ~~ساكن، والثاني متحرك. والفرق بين الساكن والمتحرك أن الساكن تتعاقب عليه ~~الحركات الثلاث، والمتحرك قد اختص بإحداهن. والأمثلة التي يقطع بها الشعر ~~ثمانية: اثنان خماسيان وهما فعولن، فاعلن، وستة سباعية وهم: مفاعيلن، ~~مستفعلن، فاعلاتن، مفاعلتن، متفاعلن، مفعولات، وما جاء بعد ذلك فهو زحاف ~~له، أو فرع عليه. والزحاف جائز كالأصل والكسر ممتنع، والزحاف لا يقع إلا في ~~الأسباب، والخرم والقطع لا يقعان إلا في الأوتاد. والعروض اسم لآخر جزء في ~~النصف الأول من البيت، والضرب اسم لآخر جزء في النصف الآخر من البيت. وكل ~~بيت مصرع فعروضه على زنة ضربه أو ما يجوز في ضربه. والتصريع مشبه بمصراعي ~~الباب، وإذا خلا البيت من التصريع سمي المصمت. والشعر كله أربع وثلاثون ~~عروضا، وثلاثة وستون ضربا وخمسة عشر بحرا، وشرح ذلك قد فرغ منه العروضيون ~~في كتبهم، فاعرفه. ### | 7 - # وأما القوافي، فإن القافية مختلف فيها: فعند أبي الحسن الأخفش ومن تابعه ~~من المقفين: أن القافية آخر كلمة في البيت. وقال: إنما سميت قافية لأنها ~~تقفو البيت. وعند النضر بن شميل ومؤرج وأبي عمر الجرمي، أنها النصف الأخير ~~من البيت. وقيل بل هي البيت بكماله، وقيل بل القصيدة بجملتها. وعند الخليل ~~بن أحمد: أن القافية من آخر البيت الى أول ساكن يليه مع المتحرك الذي قبل ~~الساكن، وعلى قوله الاعتماد، فإن القول ما قالت حذام. والقافية تنقسم الى ~~ثلاثة أشياء: أصول، وحروف، وحركات. # فالأصول: متكاوس، متراكب، متدارك، متواتر، مترادف. # والحروف: الدخيل، والتأسيس، والردف، والخروج، ms010 والوصل، والروي. # والحركات: التوجيه، والإشباع، والرس، والحذو، والنفاذ، والمجرى. # ويعرض في القافية عيوب أربعة وهي: الإكفاء، والإقواء، والإيطاء، والسناد، ~~والتضمين وهو أن البيت لا يتم إلا بالذي يليه وهو من عيوب الشعر المكروهة. ~~وقد نظم هذا شعرا. قال الشاعر: # القوافي مخمسات ثلاث ... حركات وأحرف وفساد # فابتداها رس وحذو وإشبا ... ع ومجرى، وفي النفاذ العتاد # والحروف: الروي والردف والتأ ... سيس والوصل والخروج العماد # والعيوب: الإيطاء والإقوا والإك ... فا وفيها التضمين ثم السناد # وقال الآخر: # حروف القوافي ستة مستبينة ... يجمع أشتاتا لهن نظام # روي ووصل والخروج وردفها ... وتأسيسها ثم الدخيل تمام # ويلزمها من بعد ذا حركاتها ... كذلك ست صاغهن إمام # فمجرى وتوجيه وحذو ورسها ... وإشباعها ثم النفاذ دعام # وجميع حروف المعجم تكون رويا إلا الواو والياء والألف، الزوائد السواكن ~~اللواتي تتبعن ما قبلهن، فإنهن لا يكن رويا البتة، وألف التثنية وواو الجمع ~~وياء ضمير المؤنث، لا يكن رويا، والألف المبدلة من التنوين في نحو قولك ~~رأيت زيدا لا يكون رويا والنون الخفيفة نحو قولك اضربن، والهمزة المبدلة من ~~ألف التأنيث في الوقف نحو قولك هذه حبلاء، وهاء الوقف، وهء الإضمار، وهاء ~~التأنيث، كل هذه لا تكون رويا. فإن سكن ما قبل هذه الهاءات كن رويا، والهاء ~~الأصلية يجوز أن تكون رويا، سكن ما قبلها أو تحرك، كقول رؤبة بن العجاج: # قتلت أبيلى لي ولم أشبه ... ما العيش إلا غفلة المدله # لما رأتني خلق المموه ... براق أصلاد الجبين الأجله # بعد غدافي الشباب الأبله # PageV01P007 # وسمي حرف الروي رويا لأنه من الرواء وهو الحبل الذي يشد على الأحمال ~~والماع ليضمها. وروى في كلامهم للضم والجمع والاتصال، وكذلك حرف الروي، ~~تنضم وتجتمع إليه جميع حروف البيت. فالقوافي على ذلك خواتيم على عنوان ~~الشعر جامعة لأطراف معانيه، قابضة على أزمة مهاريه. ### | 8 - # وأما الألقاب، فإنها تنقسم الى أقسام ولكل قسم منها باب، فمنها: ### | باب الإشارة # والإشارة من محاسن البديع، ومعناه اشتمال اللفظ القليل على المعاني ~~الكثيرة وإن كان بأدنى لمح يستدل على ما أضمر من طويل الشرح ms011 كقول امرئ ~~القيس: # على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا وان # تأمل ما تحت لفظة أفانين، وما اقترن بها من جميع أصناف الجودة، ثم نفى ~~عنه الكزازة والونى وهما أكبر معايب الخيل. # وقال زهير: # فلو أني لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفيل # فهذا لفظ قليل يدل على معنى كثير. وكما قال بعض الأعراب: # جعلت يدي وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق # قوله: جعلت يدي وشاحا له، إشارة بديعة الى المعانقة بغير لفظها وهي دالة ~~عليها. # وقال الأعشى: # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت ... كما استعان بريح عشرق زجل # أشار بذلك الى دقة الخصر والرشاقة والهيف لأن حركة الوشح تدل على ذلك. ~~فأما الخلاخل والأسورة والبرى، فإنها توصف بالصمت والخرس. وفي البيت إشارة ~~أخرى الى شدة الحركة وهي قوله، كما استعان بريح عشرق زجل، وذلك أن العشرق ~~وهو شجر شديد الحركة في ضعف النسيم، فكيف إذا استعان بريح. # وقالت الخنساء: # يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس # إشارة حسنة الى وقت الغارة، ووقت الميسر وإطعام الضيف. # وقال القحيف: # أتاني بالعقيق دعاء كعب ... فحن النبع والأسل النهال # إشارة حسنة الى إغاثته بالجيش. وقال آخر: # وزيد ميت كمد الحبارى ... لأن ظعنت سكينة والرباب # إشارة حسنة الى شدة الهم وذلك أن الطير تجتمع في مواضع بعيدة من الأناسي ~~فتطرح ريشها هناك وفيها الحبارى، ثم ترتعي الى أن ينبت ريشها، فإذا نبت ريش ~~تلك الطير كلها تخلف الحبارى عنها لأن ريشها بطيء الطلوع فينهض جميع الطير ~~وتبقى الحبارى فيموت أكثرها كمدا. # وأنشد ابن الأعرابي: # مشينا فسوينا القبور بعاقل ... فقد حسنت بعد القبوح قبورها # أي قتلنا بقتلانا فاستوى عدد قتلانا وقتلاهم. وهذه إشارة عجيبة لطيفة الى ~~أخذ الثأر. وفي هذا الباب سعة وجهدنا أن نختصر. # وقريب من معنى الإشارة وإن تغايرت العبارة: ### | باب الكناية # وربما سماها قوم التتبيع لأن الشاعر يقول معنى ويأتي بلفظ تابع له، فإذا ~~دل التابع أبان عن المتبوع. فمن ذلك قوله تعالى: (وبلغت القلوب الحناجر) ، ~~كناية عن شدة الأمر ms012 والحرب، ومعنى ذلك أن القلوب ارتفعت عن مواضعها فنفرت ~~كأنها تريد الخروج عن الأجسام مفارقة لها. وقوله تعالى: (وما جعلناهم جسدا ~~لا يأكلون الطعام) . في ضمن هذا الكلام كناية عن الشرب ولم يذكر لدلالة ~~الأكل عليه، وكناية عن النجو والبول لأن من أكل احتاج أن يشرب، ومن أكل ~~وشرب احتاج أن ينجو ويبول. # وأنشد المبرد: # تقول وقد أبدى البكاء بعينه ... ندوبا: ألا داويت عينك بالكحل # فقد رأيت الكحل يشغل قدره ... من العين قدرا لم يكن عنك في شغل # كناية عن أنه لا يحب أن يشغل عينه عن النظر إليها، لأن الزمان الذي يذهب ~~في الاشتغال بالكحل لم يكن قبل الكحل مشغولا بغير النظر إليها فهو يكره أن ~~لا يكون على ما كان عليه من تلك الحال. # وقال بلعاء بن قيس الكناني: # معي كل مسترخي الإزار كأنه ... إذا ما مشى في أخمص الرجل ظالع # كناية عن الترف والنعمة. وقال المنهال: # PageV01P008 # إذا كان حر قدموني لحره ... وإن كان برد أخروني عن البرد # كنى عن الشر بالحر، وعن الخير بالبرد. وأنشدوا: # بالملح يدرك ما يخشى تغيره ... فما دوا الملح إن حلت به الغير # كناية عن الأمر الذي يرجى لكشفه السلطان فيبتلى ذلك السلطان بأمر يشغله ~~عن القيام بما يرجى له. وقال النابغة الذبياني: # ستة آباء هم ما هم ... هم خير من يشرب ماء الغمام # كناية عن أنهم خير الناس كلهم لأن الناس كلهم يشربون ماء الغمام. # وقال معقر البارقي: # وكل طروح في الجراء كأنها ... إذا اغتسلت بالماء فتخاء كاسر # يصف فرسا شبهها، إذا عرقت من الركض والتعب، بالعقاب الكاسر وهي الفتخاء، ~~والفتخ لين في الجناح محمود. # وهذه كناية بالماء عن العرق وأراد أنها في هذه الحال التي يضعف فيها ~~أمثالها هذه حالها، فكيف تكون في ابتداء جريها! والسابق الى هذا المعنى ~~امرؤ القيس حيث يقول: # كأنها حين فاض الماء واحتفلت ... صقعاء لاح لها بالمرقب الذيب # في هذا البيت زيادات لم يصل بيت معقر إليها وهو قوله فاض الماء، والفائض ~~أعظم مما يغتسل به ms013 لأن الاغتسال حصل من الفائض وزيادة وقوله احتفلت مبالغة ~~في الجهد والتعب، وقوله صقعاء لاح لها بالمرقب الذيب الصقعاء العقاب في ~~وجهها بياض، وإذا لاح لها الذئب كان أشد لانقضاضها. وإذا كان انقضاضها من ~~مرقب كان أشد لانحدارها. وقال عمر بن أبي ربيعة: # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها، وإما عبد شمس وهاشم # كنى بذلك عن طول الأعناق. ومثله قول حميد الأرقط: # طوال مهوى توم الأقراط # وقال عمرو بن قعاس الغطيفي: # وسوداء المحاجر إلف صخر ... تلاحظني الترقب، قد رميت # كنى بذلك عن ظبية. # ولحم لم يذقه الناس قبلي ... أكلت على خلاء وانتقيت # قال الأصمعي، وأبو عمرو الشيباني، وابن الأعرابي كنى بذلك عن لحم ولده، ~~فإنه جاع فذبحه وأكله. وقال غيرهم كنى بذلك عن ملك هجاه ولم يهجه أحد قبله، ~~فكأنه أكل لحمه ميتا. # وماء ليس من عد رواء ... ولا ماء السماء قد استقيت # كناية عن دموعه. # وجارية تنازعني ردائي ... وراء الحي ليس علي بيت # كناية عن الريح. # ونار أوقدت من غير زند ... أثرت جحيمها ثم اصطليت # كناية عن الحرب. # وبيت ليس من وبر وشعر ... على ظهر المطية قد بنيت # كنى عن بيت شعر نظمه على ظهر راحلته. # وقال ذو الرمة: # وحاملة تسعين لم تلق منهم ... على موطن إلا أخا ثقة صفرا # كنى بذلك عن الكنانة وما فيها من السهام يعني أنه لم يجد لها ولدا إلا ~~أخا ثقة، يصف سهامها بالجودة والإصابة والنفاذ. # وحديث خوات بن جبير الأنصاري مع ذات النحيين لما أتاها يبتاع منها سمنا ~~فوجدها وحدها فطمع فيها فحلت نحيا فذاقه ودفعه إليها. وحل آخر فذاقه فلم ~~يرضه، فقال: أمسكيه فقد شرد جملي، فقالت أمهل حتى أشد رأس هذا النحي فقال: ~~إن أمسكتيه، وإلا ألقيته عن يدي، فأمسكته فلما شغل يديها ساورها فلم تقدر ~~على دفعه، فقضى وطره منها، مشهور. وكان ذلك في الجاهلية، فلما أتى الإسلام ~~أسلم خوات وشهد بدرا، فقال له يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يبتسم: يا خوات ما فعل جملك الشرود؟ ms014 فقال: يا رسول الله عقله الإسلام. وروي ~~أنه قال له يا خوات كيف شرادك، فقال يا رسول الله قد رزق الله خيرا منه، ~~وأعوذ بالله من الحور بعد الكور. فكنى صلى الله عليه وسلم عما سلف من فعله ~~أحسن كناية وألطفها. وقول خوات: عقله الإسلام، كناية حسنة عن التوبة ولزوم ~~حدود الإسلام، والعلم بالحلال والحرام. وهذا مثال في هذا الباب كاف إن شاء ~~الله تعالى، ومنها: ### | باب الموازنة # PageV01P009 # وذلك أن يأتي الشاعر ببيت يكون عدد كلمات النصف الأول منه كعدد كلمات ~~النصف الأخير وتكون الأجزاء متساوية. ومتى تغير شيء من أجزائه إذا تقطع، أو ~~زاد فيها أو نقص، لم تحصل الموازنة. وكذلك إذا استوت الأجزاء وتغيرت ~~الكلمات بزيادة أو نقيصة، وهذا لا يكاد يحصل للشاعر إلا بعد معرفة العروض. ~~وأما أن يقع اتفاقا من غير قصد له فغير معتد بوقوعه وقد اتفق وقوع ذلك في ~~أشعار العرب من غير قصد له كثيرا. قال معقر البارقي: # ومروا بأطناب البيوت فردهم ... رجال بأطراف الرماح مساعر # تقطيعه: ومرروا بأطنابل بيوت فردهم فعولن مفاعيلن فعول مفاعلن رجال ~~بأطرافر رماح مساعر فعولن مفاعيلن فعول مفاعلن وقال الكندي: # لنا غنم نسوقها غزار ... كأن قرون جلتها عصي # تقطيعه: لنا غنمن نسووقها غزارن مفاعلتن مفاعلتن فعولن كأن نقرو نجللتها ~~عصييو مفاعلتن مفاعلتن فعولن وقال آخر: # لمن دمنة أقفرت ... لسلمى بذات الغضا # تقطيعه: لمن دم نتن أقفرت فعولن فعولن فعل لسلمى بذاتل غضا فعولن فعولن ~~فعل ومن أشجار الجن: # أشجاك تشتت شعب الحي ... ي فأنت له أرق وصب # هذا البيت قد تساوت كلماته وأجزاؤه، إلا أن نصفه الأول في الياء الأولى ~~من الحي، وبقيت الياء الثانية مع النصف الأخير فخرج عن شرط الموازنة. ~~وتقطيعه: أشجا كتشت تتشع بلحي فعلن فعلن فعلن فعلن يفأن تلهو أرقن وصبو ~~فعلن فعلن فعلن فعلن ولو تساوت الكلمات وتماثل نصفا البيت وتغير شيء من ~~الأجزاء لبطلت الموازنة كقول الشاعر: # أفاد فجاد، وساد فقاد ... وقاد فزاد، وعاد فأفضل # فعول فعول فعول فعول ... فعول فعول فعول ms015 فعولن # فخرج عن الشرط لانتقال فعول الى فعولن، وكذلك لو تساوت الأجزاء وزاد في ~~الكلمات أو نقص لبطل اشرط. كما قال الشاعر: # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه الى ما تستطيع # النصف الأول أكثر من الأخير بكلمة وأجزاؤه متساوية. تقطيعه: إذا لم تس ~~تطعشيأن فدعهو مفاعيلن مفاعيلن فعولن وجاوزه الى ما تس تطيعو مفاعيلن ~~مفاعيلن فعولن وهذا مثال في هذا الباب مقنع. ومنها: ### | باب التجنيس # وهو أن يأتي الشاعر بكلمتين مقترنتين متقاربتين في الوزن، غير متباعدتين ~~في النظم، غير نافرتين عن الفهم، يتقبلهما السمع، ولا ينبو عنهما الطبع. ~~فإن زاد في التجنيس فثلث كان ذلك فسادا في الصنعة لأن الكلمتين تتقابلان ~~وتنفرد الأخرى بغير قرينة، وربما استحسن قوم من ذلك شيئا لكثرة استعماله ~~وأنس السمع به، كقول الطائي: # سلم على الربع من سلمى بذي سلم # فقوله: سلم وسلم كلمتان متقابلتان، وانفردت لفظة سلمي بغير قرينة وإنما ~~لأنس السمع باسم سلمى والسلام والسلم صار كأنه شيء واحد، ولو ربع لصحت ~~المقابلة، وإن ثقلت الألفاظ على السمع والقلب، وعاد التكلف ظاهرا عليها. ~~مثال التربيع أنه كان يقول: # سلم سلمت على سلمى بذي سلم # كما قال مسلم بن الوليد في صفة الخمر: # سلت وسلت ثم سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا # يريد أنها سلت من كرمها عنبا، ثم سلت من عنبها خمرا، ثم سلت الخمر من ~~دنها. وقيل بل أراد رقتها وأنها قد صارت مسلولة من السل الذي هو العلة. ~~وليس على قبح هذا البيت زيادة. وقد كان الأصمعي يستبشع قول الشاعر: # فما للنوى، جد النوى، قطع النوى ... كذاك النوى قطاعة لوصال # ويقول: لو سلط الله على هذا البيت شاة لأكلت نواه، وأراحت الناس منه. ~~وأنشد إسحاق الموصلي الأصمعي قوله: # PageV01P010 # يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود # لحائم حام حتى لا حيام به ... محلأ عن طريق الماء مطرود # فقال الأصمعي: أحسنت في الشعر غير أن هذه الحاءات لو اجتمعت في آية ~~الكرسي لعابتها. وروينا عن بعض المشايخ أنه كان ms016 يقول: مثل التجنيس في البيت ~~الخال الواحد في الخد، فإذا كثر انتقل من الاستحسان الى الاستقباح، وربما ~~طمس محاسن الوجه. وفي بيت الطائي صنعة جيدة وهي رد عروضه على صدره. # والتجنس ينقسم الى أقسام، فمنه: أ - التجنيس المحض. ومعنى المحض الخالص ~~وكأنه من أصل واحد في مسموع حروفه، وسمي اللبن الحليب محضا لأنه لم يخالطه ~~الماء. # قال أبو حية البجلي: # يعدها للعدى فتيان عادية ... وكل كهل رحيب الباع صهميم # قوله: العدى وعادية تجنيس محض، وقوله: يعدها للعدى تجنيس مشابه. والصهميم ~~الذي لا يثنى عن مراده. وقال مسكين بن نضر البجلي: # وشبه موضع الأحلاس منها ... صفاة معبد جدد الصفاء # الصفاة الصخرة الملساء، والصفاء الطريق الواضح. وقال أيضا: # فقلت له طال الوقوف وسامحت ... قرونة من قارنت والظل آلف # وإن لقي النعماء لاقت بساكن ... كريم وزول إن ألم الجوارف # وقال الفرزدق: # وإن تميما لم تكن أمه ابتغت ... له صحة في مهده بالتمائم # وقال عنترة: # كأنها يوم صدت ما تكلمنا ... ظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف # وقال سديف: # بالصدور المقدمات قديما ... والرؤوس القماقم الرؤاس # دعموا الدين بالطعان فأضحى ... واضح النهج بعد ميل الأواسي # وقال يزيد بن جدعاء: # وهم صبحوا أخرى ضرارا ورهطه ... وهم تركوا المأموم وهو أميم # المأموم الذي يهذي من أم رأسه، والأميم حجر يشدخ به الرأس. وقال يزيد بن ~~عبد المدان الحارثي: # أحالفتم جرما علينا ضغينة ... عداوتكم في غير جرم ولا دم # كفانا إليكم حدنا وحديدنا ... وكف متى ما تطلب الوتر تنقم # جرم قبيلة، وقوله في غير جرم أي في غير ذنب وحدنا يعني بأسنا مأخوذ من حد ~~السيف، وحديدنا أي قوتنا، وكفانا وكفا من باب التجنيس المغاير، وسيأتي ~~ذكره. # وقال آخر: # بانت رميم وأمسى حبلها رمما ... وطاوعت بك من أغرى ومن صرما # رميم اسم امرأة. # ومنه: ب - تجنيس اللفظ وربما سموه المطلق. # قال جرير: # حلأت ذا سقم يرى لشفائه ... وردا ويمنع إن أراد ورودا # فيه جناس وطباق. وقال ذو الرمة: # ترى القلوة الحقباء منها كفارك ... تصدى لعينيها فصدت حليلها # حليلها فاعل، تصدى ms017 وصدت تجنيس باللفظ مطابق بالمعنى لأن التصدي خلاف ~~الصدود. # وقال الأفوه الأودي: # وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجل عيرانة عنتريس # الهوجل البرية الواسعة، والهوجل الناقة السريعة. # وقال النابغة: # وأقطع الخرق بالخرقاء قد جعلت ... بعد الكلال تشكى الأين والسأما # وقال مسكين الدارمي: # وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية ... إذا الكواكب كانت في الدجى سرجا # الخرق البرية العظيمة والخرقاء الناقة التي تتخرق في الجري. # وقال القطامي: # صريع غوان راقهن ورقنه ... لدن شب حتى شاب سود الذوائب # فشب، شاب، تجنيس لفظ، وهو طباق لأنهما ضدان من الشباب والشيب. وقال علي ~~بن جبلة: # ورد البيض والبيض ... الى الأغماد والحجب # PageV01P011 # يقول: كفا الحرب بهيبته وصان النسوان بسطوته. وهذا بيت حسن المقابلة لأن ~~البيض الأولى هي السيوف، فبدأ في المصراع الثاني بذكر الأغماد، والبيض ~~الثانية هي النساء فأخر ما يتعلق بهن وهي الحجب. # وقال ابن أحمر: # لبسنا حبره حتى اقتضينا ... بأعمال وآجال قضينا # قيل فيه الاقتضاء طلب، والقضاء أداء. فاللفظ تجنيس، والمعنى تطبيق. ويجوز ~~أن يكون قضين قدرن وعلمن، فيكون تجنيسا لفظيا فقط، وهو عندي أمثل من الأول. # وقال القحيف: # وكيف ولا يجري غراب بغربة ... ولا تذكر الألاف إلا تبلدا # وقال أسماء بن خارجة: # إني لسائل كل ذي طب ... ماذا دواء صبابة الصب # وقال أيضا: # إذ ليس غير مناصل نعصا بها ... ورحالنا وركائب الركب # وقال القحيف: # حيا وحياة ما تضر جنوده ... بريئا وتختص الأثيم المعتلا # وقال سعد بن الغرير الأنصاري: # أحر هجان أم هجين معلهج ... تغادي الشروب أمه وتراوح # وقال أبو جلدة: # وتجنيتم الذنوب ضلالا ... وبكيتم للظالم المظلوم # الظالم ضد المظلوم وهما مشتقان من الظلم تجنيس وطباق. # وقال القطامي: # وعليك أسماء بن خارجة الذي ... علم الفعال وعلم الفتيانا # علم وعلم تجنيس باللفظ مطابق من أجل أن علم قبول شيء وعلم بذله، والبذل ~~ضد القبول لأن هذا أخذ وهذا أعطى. وقال عقال بن هاشمي القيني: # فجهد الناس غير بنى علي ... علي إذا رمى الضرم الشرارا # ومنه: ج - التجنيس المغاير: وهو أن يأتي الشاعر بكلمتين: إحداهما اسم ~~والأخرى فعل، كقوله تعالى: " وأسلمت ms018 مع سليمان "، وكقوله تعالى: " إني وجهت ~~وجهي " وقوله تعالى: " أزفت الآزفة "، وقوله تعالى: " أنا آتيك به قبل أن ~~تقوم من مقامك "، وقوله تعالى: " فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا "، وقوله ~~تعالى: " وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء ~~عريض ". فأعرض وعريض تجنيس مغاير. وهذا التجنيس يستحسنه أهل البديع في ~~الشعر وهو كثير جدا، وإنما نذكر منه طرفا يسيرا للتأنس به والاستراحة إليه. ~~وقال امرؤ القيس: # لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا # وقال الشنفرى: # فبتنا كأن البيت حجر فوقنا ... بريحانة ريحت عشاء وطلت # وقال الأقرع بن معاذ: # وأنت رهينهن وكل حي ... الى أجل ستشعبه شعوب # شعوب اسم من أسماء المنية. وقال ذو الرمة: # كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشر نهى به السيل أبطح # وقال عمرو بن خالد التغلبي: # لحقوا على لحق الأياطل كالقنا ... قود تعد لكل يوم غوار # وقال عقال بن هاشم القيني: # الشيب ينهى من يكون له نهى ... والحلم يزجر جهله فيوقر # وقال أيضا: # حوراء مثل مهاة وحش صارها ... بمكانس الصيران طفل أحور # صارها أمالها، صرت الشيء أصوره، وأصرته أملته، والاسم الصور. والصيران ~~بقر الوحش. وقال العرجي: # وأسري إذا ما ذو الهوى هاله السرى ... وأعمل ليل الناجيات العوامل # وقال دريد بن الصمة: # أقدم العود قدامي فأتبعه ... وقد أراني ولا يمشي بي العود # وقال الآخر: # جرى الخيول ابن ليلى وهي ساهمة ... حتى أغرن مع الظلماء إذ ظلما # وقال الآخر وهو من بني عبس: # أبلغ لديك أبا سعد مغلغلة ... أن الذي بيننا قد مات أو دنفا # PageV01P012 # وذلكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا تأنف الأنفا # وقال آخر: # وقد باكرتنا أم بكر تلومنا ... وليس علينا اللوم فيه كبير # وأنشد ثعلب عن عما بن أبي تمام الأعرابي: # تفقعس حتى فاته المجد فقعس ... وأعيا بنو عيا وضل المضلل # هذه قبائل. ومنه: ### | التجنيس المقارب # ومعناه أنه يقارب التجنيس وليس بتجنيس، كما قال محمد بن عبد الملك ~~الأسدي: # رد الخليط أيانقا وجمالا ... وأراد جيرتك الغداة ms019 زيالا # رد وأراد يشبه التجنيس للتقارب وليس بتجنيس. # وقال القطامي: # كأن الناس كلهم لأم ... ونحن لعلة علت ارتفاعا # وقال الأعرابي: # أخو شقة يشتاقه المجد فرصة ... الى أهله أو ذمة ليس تخفر # وقال أبو قيس بن الأسلت: # أعددت للأعداء فضفاضة ... موضونة كالنهي بالقاع # ومثله قول قيس بن زهير: # يعدون للأعداء كل طمرة ... وأجرد محبوك الخصائل صلدم # وقال لبيد: # لو كان غيري، سليمى، اليوم غيره ... وقع الحوادث إلا الصارم الذكر # سليمى، اسم امرأة وهو منادى، ومعناه: لو كان غيري، غير الصارم الذكر، ~~غيره وقع الحوادث. فرفع الصارم الذكر على الصفة. كما قيل: # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك، إلا الفرقدان # وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: # تلافيت عثرته بعد ما ... تمالى الموالي على قتله # وقال كعب الأشقري: # ودرنا كما دارت على قطبها الرحا ... ودرت على هام الرجال الصفائح # وقال زهير بن أبي سلمى: # كأن عيني وقد سال السليل بهم ... وجيرة ما هم لو أنهم أمم # هذا البيت أدخله ابن المعتز في المجنس المحض. وأنا ما رأيته من ذلك الباب ~~لأن السليل من الانسلال وهو الخروج من الشيء، كما تقول انسل الرجل من ثوبه ~~إذا خرج منه، وسال الماء يسيل من السيلان وهو الجري، ومنه السيل وهو الماء ~~المتدافع. وهذا التجنيس متقارب متشابه غير محض. وابن قدامة تبع ابن المعتز ~~في ذلك. وقال ركاض الأسدي: # رأتك تسير العير في سورة الضحى ... إليها فقالت سمع أذني قائله # تسير وسورة مقارب للتجنيس ومنه: ### | تجنيس المعنى # وهو أن يأتي الشياعر بألفاظ يدل معناها على الجناس وإن لم يذكره. قال ~~الشاعر يمدح المهلب: # حدا بأبي أم الريال فأجفلت ... نعامته من عارض يتهلب # يذكر فعل المهلب بقطري بن الفجاءة، وكان قطري يلقب أبا نعامة فأراد أن ~~يقول: حدا بأبي نعامة فأجفلت نعامته أي روحه فلم يستقم له فقال بأبي أم ~~الرئال النعامة، وهو جمع رأل. وقال حريث بن محفض المازني: # فإن يأتنا يرجع سويد ووجهه ... عليه حبابا غبرة وقتام # أراد أن يقول: سواد فلم يمكنه فقال غبرة ms020 وقتام، وهما أسودان. وقال ~~الشماخ: # وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقفة حرون # ويروى حزون أي هي بالحزن من الأرض وهو ما غلظ وارتفع من الأرض، وأروى ~~امرأة، والموقفة الحرون أروى من الوحش وبها سميت المرأة، فلم يمكنه أن يأتي ~~باسمها فأتى بصفتها كأنه قال: وما أروى هذه بأدنى من أروية الوحش. وقال ~~الكندي: # قولا لدودان عبيد العصا ... ما غركم بالأسد الباسل # دودان من بني أسد، يقال لهم عبيد العصا فكأنه أراد قولا لبني أسد، ما ~~غركم بالأسد البايل. وقال المطرود الخزاعي: # الضاربين الكبش يبرق بيضه ... والمانعين البيض بالأسياف # PageV01P013 # هذا البيت فيه عدة وجوه: منها التلميع وهو الضاربين والمانعين، ومنها ~~تجنيس اللفظ وهو البيض والبيض، وتجنيس المعنى وهو البيض يعني النساء، ~~والأسياف جمع سيف في القلة، والأسياف البيض. فكأنه أراد أن يقول: والمانعين ~~البيض بالبيض فلم يستو له فقال: والمانعين البيض بالأسياف. ومنه: ### | المجنس المطمع # وهو أن يأتي الشاعر بكلمة ثم يبدأ في أختها على وفق حروفها فيطمع في أنه ~~يجيء بمثلها فيبدل في آخرها حرفا بحرف، وهو حسن في التجنيس. قال الحطيئة: # مطاعين في الهيجا مطاعيم في الدجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجد # وقال مزرد: # تراوح سلمى دارها كل رعلة ... غرابيب كالهند الحوافي الحوافد # وقال أبو كدراء العجلي: # نهضت الى حديد مشرفي ... حديث الصقل مأثور حسام # وقال الخطيم المحرزي: # ليالي شهر ما أعرس ساعة ... وأيام شهر ما أعرج دائب # أطمع أنه يجنس أعرس فقال أعرج فأبدل الجيم من السين. فاللفظ تجنيس ممطمع، ~~والمعنى تطبيق، لأن التعريس في آخر الليل والتعريج في آخر النهار. وقال أبو ~~بكر بن حنظلة العنزي: # مفيد مفيت ما تجيء دراهمي ... إذا جئن إلا عابرات سبيل # هذا مجنس مطمع مطابق المعنى واللفظ، وذلك أن المفيد الجامع والمفيت ~~المفرق، ومنه: ### | التجنيس المبذل # وهو قريب من المطمع. قال الزبرقان بن بدر: # فرسان صدق في الصباح إذا ... كثر الصياح ولج في النفر # أبدل الياء من الباء. وقال علقمة بن عبدة: # أطعت المشاة والوشاة بصرمها ... فقد وهنت أسبابها للتقضب ms021 # أبدل الواو من الميم. وقال العديل: # أخا شقة قد شفه دلج السرى ... يبيت يروم الهم كل مرام # أبدل الفاء من القاف. وقال خفاف بن ندبة: # بالضابط الضابع تقريبه ... إذ ونت الخيل وذو الشاهد # أبدل العين من الطاء. وقال جواس بن القعطل: # شهدت لها وغاب أبو بريد ... مجالس لو رآها الشيخ غارا # غاب وغار أبدل الراء من الباء. وقال عمرو بن شأس: # نحن الذين لحلمنا فضل ... قدما وعند خطيبنا فصل # أبدل الصاد من الضاد. وقال عمران بن حطان: # إن تقده تقد شديدا سديدا ... فهو يمشي كمشية المختال # أبدل السين من الشين. وقال كعب بن جعيل: # فتسمح لي بالدمع حزنا لذكره ... وتسفح منه لا بكيئا ولا نزرا # أبدل الفاء من الميم. وقال أبو حية النميري: # وكأنما جعلت لهن روادفا ... كثب رواجف من سماء جراد # جراد اسم رملة. أبدل الجيم في رواجف من الدال في روادف. # وقال المليح الهذلي: # أفي أربع فيهن للريح مدرج ... ومغدى على معروفهن ومدلج # أبدل اللام في مدلج من الراء في مدرج. وقال معن بن أوس: # وقد قلت إذ قامت وقالت فأعرضت ... تجر قشيبا من حبير ومجسدا # أبدل اللام في قالت من الميم في قامت. # والشعر في هذا الباب كثير وفيما نذكره من الأمثلة وفي غيره مقنع لمن ~~أراد، إن شاء الله تعالى. ومنه: ### | المجنس المختلف # أنشدني اليزيدي: # بكروم وبدور وقنا ... تتثنى فوق كثبان النقا # قنا ونقا مجنس مختلف. # وقال الحارث بن خالد المخزومي: # وكلفت منهن الغدة بغادة ... ممكورة جدلت كجدل عنان # وقال أبو دهبل: # قد كان في آل موسى قبله جسد ... عجل إذا خار فيهم خورة سجدوا # وقال حميد بن ثور: # نضع الزيارة حيث لا يزري بنا ... شرف الملوك ولا يخيب الزور # PageV01P014 # قيل للأصمعي: إن أبا تمام الأعرابي قال: إنما هو سرف الملوك بسين غير ~~معجمة، قال الأصمعي: أخطأ الرجل، أما تعلم أنه يكون شرف دون شرف دون أزرى ~~بنا، قلت هذا شرح كما تراه. والذي ذهب إليه أبو تمام الأعرابي وجه مقبول. ~~ومن أجود ما يروى في ms022 هذا الباب قول الطائي وهو: # بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب # ومنه: # تجنيس الخط # ويسمى التصحيف وهو أن ترد الكلمتان فلا يفرق بينهما إلا بالنقط. قال الله ~~تعالى: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) وقال عروة بن جندل الفقعسي: # ليالي أسباب المودة بيننا ... على البخل أحلى عندنا من جنى النحل # البخل والنحل تجنيس الخط. وقال الفرزدق: # عزفت بأعشاش وما كدت تعزف ... وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف # تعزف وتعرف ### | تجنيس الخط # . وقال أبو دؤاد الإيادي: # وردت بعيهامة جسرة ... فغبت سمالا وهبت شمالا # وقال الأفوه الأودي: # حتى حنى مني قناة المطا ... وقنع الرأس بلون خليس # وقال ابن قيس الرقيات: # رجعوا منك لائمين فكل ... راح من عندكم حزينا حريبا # وقال بلعاء بن قيس: # إلى روض به نفل وبقل ... يغني في أسرته الذباب # نفل وبقل تجنيس الخط. وقال عبيد بن ماوية الطائي: # ونعم بما أرسلت بالها ... ونال التحية من نالها # وإني لذو مرة مرة ... إذا ركبت حالة حالها # وقال الفرزدق: # وما وجد الشافون مثل دمائنا ... شفاء ولا الساقون من عسل النحل ### | ومنه تجنيس البعض: قال القطامي: # بأحسن من جمانة يوم ردوا ... جمال البين واحتملوا نهارا # جمانة وجمال تجنيس البعض. وقال أيضا: # وكانت ضربة من شدقمي ... إذا ما استنت الإبل استناعا # استنت واستناعا مجنس البعض. وقال الطماح العقيلي: # مخب مخاض ابني قشير كأنها ... نعام بجزان الحزابي توسق # وقال عبد الله بن عبد الأعلى: # وكم من حديد قد تخونه البلى ... ومن معقل خانت قواه القواعد # وقال مالك بن عوف النصري: # مخراد دل فلا عي ولا سنة ... والخلق مثل عسيب الغابة الغادي # وقال العجير السلولي: # تروى من البحرين ثم تروحت ... به العين يهديه لظمياء ناقله # تروى وتروحت مجنس البعض، وتروى وظمياء تطبيق. وقال أبو الجويرية: # ومستأسر للبرد قومت رأسه ... مكارهة والليل مستأنف طفل # مستأسر ومستأنف مجنس البعض. وقال أبو الطمحان القيني: # ألا ليتني أوديت إذ أنا صالح ... وإذ أنا جان للعدو وجارح # جان وجارح مجنس البعض. وقال أسد بن كرز البجلي: # صناديد أيسار ms023 مداعيس بالقنا ... مساعير في الهيجا مسافيك للدم # مساعير ومسافيك مجنس البعض. وقال القطامي: # حتى ترى الحرة الوجناء لاغبة ... والأرحبي الذي في خطوه خطل # خطوه وخطل مجنس البعض. # ومنه ### | المجنس المتمم # وهو أن يأتي الشاعر بكلمة ثم يأتي بأختها إلا أنه يتممها بحرف أو حرفين ~~من غير حروفهما. قال حمل بن بدر: # لقينا ولاقونا بجرد معدة ... تكنف فيهن القنا والقنابل # القنا والقنابل مجنس متمم. وقال حسان في مثله: # وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل حافتيه بالقنا القنابل # وقال عمرو بن شأس: # تذكرت ليلى والركاب كأنها ... قطا منهل أم القطاط فلعلعا # وقال عقبة بن كعب بن زهير: # PageV01P015 # وكرت بألحاظ المها وتبسمت ... بعجفاء عن غر لهن غروب # غر وغروب تجنيس متمم. وقال النابغة الجعدي: # لها نار جن بعد إنس تحولوا ... وزال بهم صرف النوى والنوائب # وقالت الخنساء: # إن البكاء هو الشفا ... ء من الجوى بين الجوانح # وقالت أيضا: # فقد فقدتك رعلة واستراحت ... فليت الخيل فارسها يراها # وقال الأخنس بن شهاب: # وحامي لواء قد قتلنا، وحامل ... لواء منعنا، والرماح شوارع # فقوله حامي وحامل جناس متمم، وفي البيت ترصيع. وقال كعب بن زهير: # ولقد علمت وأنت غير حليمة ... ألا يقربني الهوى لهوان # ومن مليح هذا القسم من التجنيس قول الطائي؛ أخبرني عبد الرحمن الواسطي ~~بقراءتي عليه قال: أنبأني ابن خيرون عن الجوهري وابن المسلمة قالا: أخبرنا ~~المرزباني عن شيوخه قال: استنشد عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أصحاب أبي ~~تمام شيئا من شعره فأنشدوه: # إذا ألجمت يوم لجيم وحولها ... بنو الحصن نجل المحصنات النجائب # فإن المنايا والصوارم والقنا ... أقاربهم في الروع دون الأقارب # إذا الخيل جابت قسطل النقع صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب # يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب # فقال عمارة: لله دره! كأن رداته ردات جرير، فسمى التجنيس ردات. قوله: ~~عواص وعواصم، وقواض قواضب من مستحسن التجنيس المتمم. ومنه: ### | تجنيس القوافي # قال النابغة الذبياني: # ترى الراغبين العاكفين ببابه ... على كل شيزى أترعت بالعراعر # له بفناء البيت دهماء جونة ... تلقم ms024 أوصال الجزور العراعر # العراعر الأسنمة، والعراعر الضخمة الكبيرة. وقال قيس بن زهير: # أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم # وكم مارست في دهري رجالا ... أباة لا تغبهم الحلوم # الحليم: الرجل ذو الحلم، والحلوم: جمع حلم، ولما اختلف المعنى حسنت ~~المقاربة بين الكلمتين. وقال العرجي: # سميتني خلقا لحلة خلقت ... ولا جديد إذا لم يلبس الخلق # ارجع الى الحق إما كنت قائله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق # وقال أعشى بني أبي ربيعة: # أبو العيص والعاصي وحرب ولم يكن ... أخ كأبي عمرو يشد به الأزر # صفت منهم الأعراض من كل ريبة ... تخاف وطابت في معاقدها الأزر # وقال عمرو بن امرئ القيس الأنصاري: # خالفت في الرأي كل ذي فجر ... يا مال والحق غير ما نصف # نمشي الى الموت من حفائظنا ... مشيا ذريعا وحكمنا نصف # نصف من الوصف، ونصف من النصفة. وقال أشيم بن شراحبيل: # إذا سألت تميما عن شرارهم ... فاطلب أسيد حتى تدرك السلفا # مثل الإماء إذا ما جلبة أزمت ... لا ييسرون ولا تلقى لهم سلفا # السلف الماضي والسلف الطعام اليسير يقدم قبل الغداء، واحدته سلفة بالضم، ~~ومن ذلك قولهم سلفت الرجل تسليفا، وإذا أطعمته شيئا معجلا قبل غدائه. وقال ~~ابن عبدل الأسدي: # وإني لأستغني فما أبطر الغنى ... وأعرض معروفي على مبتغي عرضي # وأعسر أحيانا فتشتد عسرتي ... وأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي # وقالت جمانة العبسية: # أبي لا يرى أن يسلب اليوم درعه ... وجدي يرى أن يأخذ الدرع من أبي # PageV01P016 # فرأي أبي رأي البخيل بماله ... وشيمة جدي شيمة الحالف الأبي # وأنشد ابن الأعرابي: # شرابه كالحز بالمواسي ... ليس بريان ولا مواس # أراد بشرابه مشاربته. وقال أبو دهبل: # أليس عزيزا أن تكوني ببلدة ... كلانا بها ثاو ولا نتكلم # منعمة لو دب ذر بجلدها ... لكاد دبيب الذر بالجلد يكلم # وقال عمرو بن قميئة: # أولئك قومي آل سعد بن مالك ... تمالوا على ضغن علي وإلغاف # فكل أناس أقرب اليوم منهم ... إلي ولو كانوا عمان أولي الغاف # الإلغاف الجور والظلم، وقوله: أولي الغاف أي أصحاب الشجر وأنشد المدائني ms025 ~~للخليل بن أحمد: # يا ويح قلبي من دواعي الهوى ... إذ رحل الجيران عند الغروب # أتبعتهم طرفي وقد أمعنوا ... وفيض عيني كفيض الغروب # بانوا وفيهم حرة طفلة ... تفتر عن مكنون حب الغروب # الغروب الأول غروب الشمس، والثاني جمع غرب وهو الدلو الكبيرة، والثالث ~~الكفرى وهو الطلع. # وأنشد أبو العباس ثعلب: # أتعرف أطلالا شجونك بالخال ... وعيش زمان كان في العصر الخالي # ليالي ريعان الشباب مسلط ... علي بعصيان الأمارة والخال # وإذ أنا خدن للغوي أخي الصبا ... وللغزل المريح ذي اللهو والخال # ليالي تكنى تستبيني بدلها ... وبالنظر الفتان والخد والخال # إذا سكنت ربعا رئمت رباعها ... كما رئم الميثاء ذو الريثة الخالي # ويقتادني منها رخيم دلاله ... كما اقتاد مهرا حين يألفه الخالي # الخال الأول موضع، والثاني الماضي، والثالث العجب، والرابع الذي لا زوجة ~~له، والخامس النقطة السوداء، والسادس الذي ليس له معين، والسابع الذي يسوس ~~الدواب. ومنه: ### | التنجيس المماثل # وهو أن تكون الكلمتان اسمين أو فعلين كما قال الله تعالى: " فروح وريحان ~~"، اسمان، وكقوله تعالى: " وجنا الجنتين دان "، وقوله تعالى: " يا أسفي علي ~~يوسف " وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الظلم ظلمات يوم القيامة "، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يكون ذو الوجهين وجيها يوم القيامة " وقال ~~جرير: # فما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس # وقال النابغة الذبياني: # قالت أراك أخا رحل وراحلة ... تغشى متالف لن ينظرنك الهرما # وقال سحيم بن وثيل الرياحي: # وإني لا يعود إلي قرني ... غدة الغب إلا في قرين # أي ومعه آخر. وقال آخر: # ليالي ليلى لم يشب عذب مائها ... بملح وحبلاها متين قواهما # يعني حبل مودتها له وحبل مودته لها. وقال العجاج: # وابنة عباس قريع عبس ... في قنس مجد فوق كل قنس # القنس منبت كل شيء وأصله. وقال العديل بن الفرخ العجلي: # بخالة زارتنا فهاج خيالها ... وزارت بحوارين وهو شآم # وقال يزيد بن حذيفة الأسدي: # دفعنا طريفا بأطرافنا ... وبالراح عنا ولم يدفعونا # قد أوردنا من أقسام الجناس ما فيه كفاية واستدلال به على غيره، فقسه ms026 ~~واقتبسه إن شاء الله تعالى. # ومن الألقاب التي قدمنا ذكرها في الشعر: ### | باب المطابقة # قد اختلف العلماء في الطباق. قال الأخفش وقد سئل عنه: أجد قوما يختلفون ~~في الطباق، فطائفة، وهي الأكثر، تزعم أنه ذكر الشيء وضده يجمعهما اللفظ ~~بهما لا المعنى. وطائفة تخالف ذلك فتقول: هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد ~~كقول زياد الأعجم: # PageV01P017 # ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام # فقوله بكاهل: يعني القبيلة، وقوله كاهل للعضو هو المطابقة عندهم. وقال: ~~هذا هو التجنيس. وقال: من ادعى أنه طباق فقد خالف الأصمعي والخليل. فقيل ~~له: أفكانا يعرفان هذا؟ فقال: سبحان الله وهل مثلهما في علم الشعر وتمييز ~~خبيثه من طيبه!. وقد أدخل قوم في الطباق نوعا من التقسيم، كقول كعب بن سعد: # لقد كان أما حلمه فمروح ... علينا وأما جهله فعزيب # لما رأوا ذكر الحلم والجهل، ومروح وعزيب، جعلوه في المطابق ولم يكن ببعيد ~~منه، ولكنه الى باب التقسيم أقرب. وقال الأصمعي: أصل الطباق أن يضع الفرس ~~رجله في موضع يده وأنشد: # وخيل يطابقن بالدارعي ... ن طباق الكلاب يطأن الهراسا # وقال الخليل: طابقت بين الشيئين إذا جمعهما على حذو واحد وألصقهما. ~~وأقول: إن الطباق من أحسن محاسن البديع؛ وهو أن يأتي الشاعر في البيت ~~بالشيء وضده. قال عبد الله بن الزبير الأسدي: # رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا # فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا # وقال زهير: # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا # وقال الفرزدق: # لعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار # يستيقظون الى نهاق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار # أخذه الفرزدق من قول ثمامة الذهلي: # قوم تنام عن الأوتار أعينهم ... ولا تنوم نوكاهم عن السرق # وقال عمرو بن كلثوم: # بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا # لو قال عمرو: # من الأسل الظماء يردن بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا # لكان مجيدا مبدعا في الطباق بين الإيراد والإصدار، والبياض والحمرة، ~~والظماء والري. وقد أخذ أبو الشيص ms027 معنى بيت عمرو فتمم منه ما نقص وقال: # فأوردها بيضا ظماء صدورها ... وأصدرها بالري ألوانها حمر # فصار أخذه مستحسنا بكمال معناه وزيادة بالجناس في: صدورها وأصدره. وقال ~~الغطمش الضبي: # إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائمه # وقال الكميت بن زيد: # وأرى الشيب والشباب ردائي ... ن مصونا وبذلة منشورا # الشيب والشباب، والمصون والمبتذل تطبيق، وفيه استعارة واحدة. وقال أبو ~~صخر الهذلي: # أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيى والذي أمره الأمر # وقال أوس بن مغراء: # فأخلق حبل الود بيني وبينها ... وكل جديد سوف يصبح باليا # وقال أبو دهبل: # وصارت قناة الدين في كف ظالم ... إذا اعوج منها جانب لا يقيمها # فيه طباق واستعارة حسنة. وقال أبو جلدة اليشكري: # إذا عدلت بالصرم والوصل عاقها ... عن الصرم ميزان من الحب راجح # فيه طباق واستعارة. ولما جعل للحب ميزانا جعل القرينة لفظية، وهي قوله ~~راجح. وهذا القسم واسع كثير يدل عليه القليل اليسير. ومنها: ### | باب التصدير # ويلقبه قوم: رد إعجاز الكلام على صدوره، وهو أن يبتدئ الشاعر بكلمة في ~~البيت ثم يعيدها في عجزه، أو نصفه ثم يردها في النصف الأخير. وإذا نظم ~~الشعر على هذه الصفة، تيسر استخراج قوافيه قبل أن تطرق أسماع مستمعيه. قال ~~الأصمعي: من حسن التصدير قول عامر بن الطفيل، وكذا قال جماعة من نقاد ~~الشعر: # فكنت سناما في فزارة تامكا ... وفي كل حي ذروة وسنام # وقال قوم: بل من جيد التصدير قول جرير: # PageV01P018 # سقى الرمل جون مستهل ربابه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل # وقال آخرون: بل قول الأول من حسن التصدير: # سريع الى ابن العم يشتم عرضه ... وليس الى داعي الندى بسريع # وقال أناس: قول ابن أحمر من جيد ما قيل في التصدير وهو: # تغمرت منها بعد ما نفد الصبى ... ولم يرو من ذي حاجة من تغمرا # التغمر الشرب القليل. وقال الفرزدق: # أصدر همومك لا يقتلك واردها ... فكل واردة يوما لها صدر # ومنها: ### | باب الالتفات # وهو انصراف عن مخاطبة الى إخبار وعن إخبار الى ms028 مخاطبة، وهو من بديع ~~البديع. وقال جرير: # متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام # أتذكر يوم تصقل عارضيها ... بعود بشامة، سقي البشام # ويروى: # أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بعود بشامة، سقي البشام # ومن الالتفات البارع قول النابغة: # ألا زعمت بنو عبس بأني ... ألا كذبوا، كبير السن فان # وقال آخر: # فإني إن أفتك يفتك مني ... فلا تسبق به، علق نفيس # وقال كثير: # لو ان الباخلين، وأنت منهم، ... رأوك تعلموا منك المطالا # ومن هذا القسم اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم يعود الشاعر إليه ~~فيتمه مرة واحدة، وهو من جيد الالتفات. قال طرفة: # فسقى ديارك، غير مفسدها، ... صوب الربيع وديمة تهمي # فقد تم المعنى بقوله: غير مفسدها. وقال نافع بن خليفة الغنوي: # رجال، إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه، عاذوا بالسيوف القواضب # فتمم المعنى بقوله: ويعطوه. ومنها: ### | باب الاستطراد # ومعنى الاستطراد خروج الشاعر من ذم الى مدح أو من مدح الى ذم. وللمحدثين ~~في هذا الباب أشعار كثيرة عجيبة. قال زهير: # إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم # استطرد الكلام الي مدح هرم. وقال الفرزدق: # كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا عرقت، أفواه بكر بن وائل # استطرد الكلام الى ذم بكر بن وائل. وقد حثا جرير التراب في وجه السابق ~~الى هذا المعنى فضلا عمن تلاه، فإنه استطرد باثنين في بيت واحد وهو: # لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل # الضغو والضغاء صوت الذليل المقهور وقال آخر: # أنت ابن بيض لعمري لست أنكره ... حقا يقينا، ولكن من أبو بيض؟ # وقال بكر بن النطاح في مالك بن طوق وهو استطراد من مدح الى مدح: # عرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى فقالت قم فجئني بكوكب # فقلت لها: هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب # سلي كل أمر يستقيم طلابه ... ولا تذهبي يا در، في كل مذهب # فأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته أعيا بما رمت مطلبي # فتى شقيت أمواله بنواله ms029 ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب # وشبيه بهذه الأبيات ما ذكره الأصفهاني في كتابه قال: قال أحمد بن عبيد ~~الله بن عمار: كنا عند المبرد يوما وعنده فتى من ولد أبي البختري وهب بن ~~وهب القاضي، أمرد حسن الوجه، وفتى من ولد أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي ~~شبيه به في الجمال، فقال المبرد لابن أبي البختري: أعرف لجدك قصة طريفة من ~~الكرم حسنة لم يسبق إليها، فقال الفتى: وما هي؟ قال: دفعي رجل من أهل الأدب ~~الى بعض المآدب فسقوه نبيذا غير الذي كان يشربون، فقال: # نبيذان في مجلس واحد ... لإيثار مثر على مقتر # PageV01P019 # فلو كان فعلك ذا في الطعام ... لزمت قياسك في المسكر # ولو كنت تفعل فعل الكرام ... صنعت صنيع أبي البختري # تتبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقل عن المكثر # فبلغت الأيات جدك فبعث الى الرجل خمسمائة دينار. قال ابن عمار: فقلت: وقد ~~فعل جد هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا، قال المبرد: وما هو؟ ~~قلت: بلغني أن ابن أبي فنن افتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في ~~الجند، فأنشأ يقول: # إليك عني فقد كلفتني شططا ... حمل السلاح وقول الدار عين قف # تمشي المنايا الى قوم فأكرهها ... فكيف أمشي إليها عاري الكتف # حسبت أن نفاد المال غيرني ... أو أن قلبي في جنبي أبي دلف # فأحضره أبو دلف وقال له: كم أملت امرأتك أن يكون رزقك؟ قال: مائة دينار، ~~قال: وكم أملت أن تعيش؟ قال: عشرين سنة، قال: فلك علي الذي أملت وأملت ~~امرأتك في مالي دون مال السلطان. وأمر بدفع ذلك إليه. قال: فرأيت وجه ابن ~~أبي دلف يتهلل، وانكسر ابن أبي البختري. وقال الآخر: # أسرنا كما قد عودتنا رماحنا ... لدى معرك الخيلين، والنقع ثائر # أخبر أنه أسر عدوا واستطرد الكلام الى أنه معود لذلك. ومنها: ### | باب التقسيم # قال نصيب: # ولم أرض ما قالت، ولم أبد سخطة ... وضاق بما جمجمت من حبها صدري # فقال فريق الحي لا، وفريقهم ... نعم، وفريق قال ويحك ما ندري ms030 # وليس في جواب من سأل عن شيء غير ما ذكره. وهذا البيت رواه الأخفش على ما ~~أثبته وأعرفه من شعره: # فقال فريق القوم لما نشدتهم ... نعم وفريق ليمن الله ما ندري # وقال الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار وشدة رهصه الأرض: # متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج # وليس في وصف الوطء الشديد إلا أن يكون الذي يوطأ رخوا فيرفض، أو صلبا ~~فيتدحرج. وقال زهير: # يطعنهم ما ارتموا، حتى إذا اطعنوا ... ضارب، حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # وقال عنترة: # إن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن يلفوا بضنك أنزل # وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: # تهيم الى نعم، فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول، ولا الحب مقصر # ولا قرب نعم، إن دنت، لك نافع ... ولا نأيها يسلي، ولا أنت تصبر # فأخذ الخارجي هذا المعنى فقال: # وكذبت طرفي فيك والطرف صادق ... وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع # ولم أسكن الأرض التي تسكنينها ... لكيلا يقولوا: صابر ليس يجزع # فلا كمدي يفني، ولا لك رحمة ... ولا عنك إقصار، ولا فيك مطمع # وقال قيس بن ذريح: # فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت ... فللدهر والدنيا بطون وأظهر # لقد كان فيها للأمانة موضع ... وللقلب مرتاد وللعين منظر # وللحائم الصديان ري بقربها ... وللمرح الذيال طيب ومسكر # وقد استحسن أهل الصناعة في هذا الباب قول بشار بن برد، وهو: # بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه ... وتدرك من نجى الفرار مثالبه # فراحوا، فريق في الإسار، ومثله ... قتيل، ومثل لاذ بالبحر هاربه # وقالوا: ليس في وصف من وقع به الظفر ودارت رحى الحرب عليه زيادة على ما ~~ذكره، ومنها: ### | باب التسهيم # PageV01P020 # سئل جماعة ممن يتعاطى علم البديع ونقد الشعر الصنيع عن التسهيم، فما منهم ~~من أجاب بجواب التفهيم، ولم يحصل من إشاراتهم إليه، ونصوصهم عليه، سوى أن ~~المسهم هو الذي يسبق السامع الى قوافيه قبل أن ينتهي إليها راويه. # قلت: ليس هذا اللقب دالا على هذا المعنى، فإن كان الملقب قصد الإغراب به ~~فقد أبعد المرمى وزل عن النهج ms031 الأقوم. وإنما التسهيم التخطيط، والبرد ~~المسهم: المخطط. وكان الأجدر أن يقال: إن التسهيم في الشعر هو التحسين له، ~~والتنقيح لألفاظه ومعانيه تشبيها بالبرد المحسن بالتسهيم، حتى يكون هذا ~~النوع من الشعر معناه الى قلبك أسرع من ألفاظه الى سمعك. ولو سمي المطمع، ~~أي من سمعه يطمع في قول مثله - وهو من ذاك بعيد - لجاز، وقد أوردناه كما ~~سمعناه ورويناه. # قال الأخفش: ومن أبرع ما قيل في التسهيم ما قالته الجنوب أخت عمرو ذي ~~الكلب: # فأقسمت يا عمرو لو نبهاك ... إذن نبها منك داء عضالا # إذن نبها ليث عريسة ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا # وخرق تجاوزت مجهوله ... بخرقاء حرف تشكى الكلالا # فكنت النهار بها شمسه ... وكنت دجى الليل فيها الهلالا # ثم قال: انظر الى ديباجة هذا الكلام ما أصفاها، والى تقسيماته ما أوفاها، ~~وانظر الى قولها مفيتا مفيدا، والى وصفها إياه في النهار بالشمس وفي الليل ~~بالهلال، تجد البعيد المطمع الممتنع، وفي هذه البلغة اليسيرة من هذا الباب ~~كفاية إن شاء الله تعالى. ومنها: ### | باب الترصيع # ويسمى التفويف والترصيع في اللغة التركيب، ومنه تاج مرصع بالجوهر، وسيف ~~مرصع أي محلى بالرصائع، وهي حلق يحلى بها، الواحدة رصيعة، والبيت المرصع ~~الذي تتتالى فيه القرائن كما يرصع التاج بالجوهر. ومن الترصيع في القرآن ~~المجيد قوله تعالى: " وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل ~~لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه "، وقوله تعالى: " أو لم يهد للذين ~~يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم ". ~~ومن حسن الترصيع قول الخنساء: # الحمد خلته، والجود علته، ... والصدق حوزته، إن قرنه هابا # سداد أوهبة، شهاد أندية، ... قطاع أودية، للوتر طلابا # حمال ألوية، ضراب أبنية، ... وراد مسنية، في الحرب غصابا # سم العداة، وفكاك العناة، إذا ... لاقى الوغى لم يكن للموت هيابا # الخير يفعله، والقول يفضله، ... والمال ينهبه في الحق إنهابا # يهدي الرعيل إذا جار السبيل بهم ... نهد التليل لزرق السمر ركابا # وقالت أيضا: # آبي الهضيمة، حمال العظيمة، ... متلاف الكريمة، ms032 لا سقط ولا وان # حامي الحقيقة، نسال الوديقة، ... معتاق الوسيقة، جلد غير ثنيان # هباط أودية، حمال ألوية ... شهاد أندية، سرحان فتيان # وقالت أيضا: # حديد السنان، ذليق اللسان ... يجازي المقارض أمثالها # وقالت أيضا: # حمال مثقلة، ركاب معضلة ... وهاب مفضلة، للعظم جبار # وقالت أيضا: # حامي الحقيقة، محمود الطريقة ... شلال الوسيقة، نفاع وضرار # وقال امرؤ القيس: # الماء منهمر، والشد منحدر ... والقصب مضطمر، والمتن ملحوب # وقال زياد: # سود ذوائبها بيض ترائبها ... درم مرافقها في خلقها غمم # فيه مع الترصيع طباق، وقال ذو الرمة: # بيضاء في دعج صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب # PageV01P021 # هذا بيت قد جمع المطابقة والترصيع والتشبيه. # وقال بشامة النهشلي وتروى لغيره: # بيض مفارقنا تغلي مراجلنا ... نأسو بأموالنا آثار أيدينا # رأيت بخط الشيخ أبي زكريا التبريزي كتابا قد خرج فيه أبو عبد الله محمد ~~بن عبد الله الخطيب ما يوفي على مئتي وجه في قوله بيض مفارقنا حسب، وقد شيد ~~بناء تلك المعاني بأشعار عربية وألفاظ مقبولة. وقال آخر: # طويل النجاد، رفيع العماد ... كثير الرماد، والليل قر # وقال الحارثي: # ألمت فحيت ثم قامت فودعت ... فلما تولت كادت النفس تزهق # والترصيع في الشعر أكثر من عدد القطر. ومنه: ### | باب الترديد # وهو أن يعلق الشاعر لفظة في البيت بمعنى ثم يرددها فيه بعينها ويعلقها ~~بمعنى آخر. وأجمع أهل النقد أن أبا حية النميري سبق الى هذا الإحسان جميع ~~من تقدمه وتأخر عنه بقوله: # ألا حي من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا # إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا # ابتدأ في المصراع الأول فأحسن الابتداء وردد في المصراع الثاني فأحسن ~~الترديد. وقال أبو تمام الطائي: لا أعرف أحدا أحسن صنعة في الترديد من قول ~~زهير وهو: # من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا # ويروى: إن تلق ... وتلق السماحة. قال الأصمعي: هذا أمدح بيت قالته العرب. ~~وقال أبو علي الحاتمي: لقد أحسن أبو نواس في الترديد بقوله: # صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو ms033 مسها حجر مسته سراء # وقال أيضا: # ظن بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظنن # قال الحاتمي: ولقد أجاد علي بن جبلة مع تأخر زمانه في صفة فرس حيث يقول: # مضطرب يرتج من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطرب # إذا تظنينا به صدقنا ... وإن تظنى فوته العير كذب # والترديد في أشعار المتأخرين كثير ولكن لم نصرف إليه همة، ففيما أتينا به ~~من المثال كفاية. ومنها: ### | باب المقابلة # قال علي بن الحسين القرشي: سألت جعفر بن قدامة الكاتب، وكان من جهابذة ~~الشعر، عن المقابلة فقال: سألت أبي عنها فقال: هو أن يضع الشاعر معاني ~~يعتمد التوفيق بين بعضها وبعض، أو المخالفة، فيأتي بالموافق مع ما يوافقه، ~~وفي المخالف بما يخالفه على الصحة، أو يشترط شروطا، ويعدد أحوالا في أحد ~~المعنيين فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرط فيما يخالفه بأضداد ذلك. ~~قال: فقلت له: فأنشدني أحسن ما قيل فيه فقال: لا أعرف أحسن من قول الأول: # أيا عجبا كيف اتفقنا فناصح ... وفي ومطوي على الغل غادر # فجعل بإزاء ناصح مطويا على الغل، وبإزاء وفي غادرا. قال: وقول الطرماح بن ~~حكيم الطائي في ذلك حسن أيضا، وهو: # أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم الترابا # فما صبروا لبأس عند حرب ... ولا أدوا بحسن يد ثوابا # يقول: لما سقينا التراب دماءهم لم يكن لهم صبر على ما نزل بهم منا لفشلهم ~~وضعف نفوسهم، ولما أنعمنا عليهم وأحسنا إليهم لم يجازوا بالثناء علينا، ~~فجعل بإزاء أن سقوا دماءهم التراب وقاتلوهم، أن يصبروا، وبإزاء أن أنعموا ~~عليهم، أن يثنوا، وقال هذه المقابلة. وقال علي بن هارون: كان يحيى بن علي ~~يزعم أن أحسن ما قيل في المقابلة قول النابغة: # فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء المعاديا # فجعل بإزاء السرور الإساءة وبإزاء الصديق المعادي. وهذه نغبة في هذا ~~الباب كافية. ومنها: ### | باب الاستثناء # PageV01P022 # وقد عبر عنه جماعة فكان أقرب أقوالهم الى القلب ما ذكره عبد الله بن ~~المعتز، فإنه قال: الاستثناء ms034 في الشعر تأكيد مدح بما يشبه الذم. فمن ذلك ~~قول النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # وأما النحويون فالاستثناء في الكلام عندهم استخراج بعض من كل في حكم شامل ~~بمعنى إلا. وقال أيضا: # فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا # وقال أيضا: # فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا # فقوله في البيت الأول غير أنه وفي البيت الثاني على أن فيه من أبرع ~~الاستثناء وأحسنه. وقالوا: أحسن ما ورد في هذا النوع قول الربيع بن ضبة: # فنيت ولا يفنى حديثي ومنطقي ... وكل امرئ إلا أحاديثه فان # وقال قوم: بل قول الآخر: # فلا تبعدن إلا من السوء إنني ... إليك وإن شطت بي الدار نازع # وقال آخرون: بل قول بعض الأعراب: خرقاء إلا أنها صناع. وقد أحسن وأجاد في ~~هذا الباب أبو هفان المهزمي العبدي حيث يقول: # فإن تسألي عنا فإنا حلى العلى ... بني عامر، والأرض ذات المناكب # ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا، والبأس من كل جانب # فأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب # أبونا أب لو كان للناس كلهم ... أب مثله، أغناهم بالمناقب # ومنها: ### | باب الإيغال # ويسمى التبليغ، وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما قبل انتهائه ~~الى قافيته، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها، لأن بها يصير الشعر شعرا، ~~فيزيد البيت رونقا، والمعنى بلوغا الى الغاية القصوى. وقال التوزي: قلت ~~للأصمعي: من أشعر الناس؟ قال: من يأتي الى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه ~~كبيرا، أو يقصد المعنى الكبير فيجعله بلفظه خسيسا، أو ينقضي كلامه قبل ~~القافية، فإذا احتاج إليها أتى بها وأفاد معنى لم يكن قبلها، كما قال ~~الأعشى: # كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه ... # فقد تم المثل ثم احتاج الى القافية، فقال الوعل فزاد معنى. قال: قلت له: ~~فكيف صار الوعل مفضلا على كل ناطح، قال: لأنه ينحط من قلة الجبل على قرنه ~~فلا يضره. وقال ms035 ذو الرمة: # قف العيس في أطلال مية نسأل ... رسوما كأخلاق الرداء ... # فتم كلامه، ثم احتاج الى القافية فقال: المسلسل، فزاد معنى. ثم قال: # أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتفصيل الجمان ... # فتم كلامه، ثم احتاج الى القافية فقال المفصل فزاد شيئا لم يكن في البيت. ~~وأبرع ما قيل في هذا الباب قول امرئ القيس: # كأنه عيون الوحش حول قبابنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب # فأتى بالتشبيه قبل القافية، ثم لما جاء بالقافية بلغها الأمد البعيد في ~~التأكيد للمعنى، لأن عيون الوحش تشبه الجزع، خصوصا إذا ماتت وتغيرت ~~هيئاتها، ثم لما أتى بالقافية قال: الجزع الذي لم يثقب، فزاد المعنى ~~إيضاحا؛ لأنها بالجزع الذي لم يثقب أوقع بالتشبيه. وقال أيضا: # إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح ... # فقد تم العرض والتشبيه قبل القافية، فلما أتى بها زادت القافية المعنى ~~براعة ونصاعة وهي قوله: مرت بأثأب، وذلك أن الأثأب شجر يكون للريح في أضعاف ~~أغصانه حفيف شديد. ومنها: ### | باب الاستعارة # PageV01P023 # الاستعارة من أشرف صنعة الكلام وأجلها، وكان القدماء يسمونها الأمثال ~~فيقولون: فلان كثير الأمثال. ولقبها بالاستعارة ألزم لأنه أعم، ولأن ~~الأمثال كلها ليس تجري مجرى الاستعارة، ألا ترى قول السليك بن السلكة وقد ~~وقع عليه رجل وهو نائم فضغطه السليك، فحبق الرجل، فقال السليك: أضرطا وأنت ~~الأعلى! فأرسلها مثلا، وقد أورد الشيء على حقيقته. ومن أبرع ما قيل في ~~الاستعارة قول ذي الرمة: # أقامت به حتى ذوى العود في الثرى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر # قال أبو عمرو بن العلاء: كانت يدي في يد الفرزدق فأنشدته بيت ذي الرمة، ~~فقال: أنشدك أم أدعك؟ قال: قلت: بل أنشدني، فقال: أقامت به حتى ذوى العود ~~والثرى، ثم قال: العود لا يذوي مهما أقام في الثرى، ثم قال: ولا أعلم كلاما ~~أحسن من قوله: وساق الثريا في ملاءته الفجر، ولا ملاءة له وإنما هي ~~استعارة. وقال ابن المعتز: العود لا يذوي ما دام في الثرى. قال الصولي: ~~اجتمعت وجماعة من فرسان الشعر عند ms036 عبد الله بن المعتز، وكان بعلم البديع ~~محققا ينصر دعواه لسان مذاكرته، فلم يبق مسلك من مسالك الشر إلا وسلكناه، ~~وأوردنا أحسن ما قيل في معناه، الى أن قال ابن المعتز: ما أحسن استعارة ~~للعرب اشتمل عليها بيت من الشر؟ فقال الأسدي: قول لبيد: # وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # فجعل للشمال يدا وللغداة زماما، فقال ابن المعتز: هذا حسن وغيره أحسن ~~منه، وقد أخذه من قول ثعلبة بن صعير المازني يصف نعامة وظليما: # فتذكرا ثقلا رثيدا بعدما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر # الثقل: بيض النعام، والرثيد: المنضود بعضه على بعض، وذكاء: الشمس، وكافر: ~~الليل، جعل للشمس يمينا ملقاة في الليل. قال: وقول ذي الرمة أعجب إلي منه ~~وإن تأخر زمانه، حيث يقول: # ألا طرقت مي هيوما بذكرها ... وأيدي الثريا جنح في المغارب # وقال بعضنا: قول لبيد أحسن: # ولقد حميت الحي تحمل شكتي ... فرط، وشاحي إذ غدوت لجامها # يقال: فرس فرط إذا تقدم الخيل وسبقها. قال ابن المعتز: هذا حسن، وانظروا ~~الى قول الهذلي: # ولو أنني استودعته الشمس لارتقت ... إليه المنايا عينها ورسولها # ثم قال: هذا بديع، وأبدع منه في استعارة لفظ الاستيداع قول الحصين بن ~~الحمام المري حيث يقول: # نطاردهم نستودع البيض هامهم ... ويستودعونا السمهري المقوما # في هذا البيت معنى لطيف يدل على إقدامهم وتأخر خصومهم، فاعرفه من لفظه، ~~وقال بعضنا: قول ذي الرمة أحسن: # أقامت به حتى ذوى العود في الثرى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر # فقال ابن المعتز: هذا هو الغاية، وذو الرمة أبدع الناس استعارة. قال ~~الصولي: فكأنه والله نبهني على ذي الرمة، فقلت: بل قوله أحسن: # ولما رأيت الليل والشمس حية ... حياة الذي يقضي حشاشة نازع # فقال ابن المعتز: اقتدحت زندك فأورى يا أبا بكر، هذا بارع جدا، ولكن قد ~~سبقه الى هذه الاستعارة جرير وأجاد بقوله: # تحيي الروامس ربعها فتجده ... بعد البلى، وتميته الأمطار # قال: وهذا بيت حسن قد جمع الاستعارة والمطابقة، لأنه جاء فيه بالإحياء ~~والإماتة والبلى والجدة، ولكن ms037 ذو الرمة قد استولى ذكر الإحياء والإماتة في ~~موضع آخر فأحسن بقوله: # ونشوان من طول النعاس كأنه ... بحبلين في أنشوطة يترجح # إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ... بذكراك والعيس المراسيل جنح # قال الصولي: وانصرفنا وما من الجماعة إلا من قد غمره بحر ابن المعتز في ~~علم الشعر، وحسن تصرفه في الكلام. # وأقول: إن أول من استعار في الشعر امرؤ القيس، فمن استعاراته قوله: # PageV01P024 # وليل كموج اليم مرخ سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي # فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # وقال زهير: # صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبى ورواحله # قال الأصمعي: أول من عرى أفراس الصبى طفيل بقوله: # فأصبحت قد عنفت بالجهل أهله ... وعري أفراس الصبى ورواحله # وقال العديل بن الفرخ: # تكون لنا بيض السيوف معاذة ... إذا طرن بالأيدي كلمح العقائق # وقال أيضا: # من الطاعن الجبار، والخيل بينها ... عجاج تهادى نقعه بالسنابك # الاستعارة تهادى، والقرينة بالسنابك. وقال مزاحم العقيلي: # سجنت الهوى في الصدر حتى تطلعت ... بنات الهوى يعولن من كل معول # جعل صدره سجنا للهوى، وجعل للهوى بنات، وإنما يعني همومه، وجعلها متطلعة، ~~وجعلها معولة، وهذه من الاستعارات الحسنة. وقالت الخنساء: # لدى مأزق بينها ضيق ... تجر المنية أذيالها # جعلت للمنية أذيالا وجعلتها مجرورة والقرينة لفظية. وقال مزاحم العقيلي ~~يصف فلاة: # تموت الرياح الهوج في حجراتها ... وهيهات من أقطارها كل منهل # وقال جرير: # ورأيت راحلة الصبا قد قصرت ... بعد الذميل وملت الترحالا # وقال أيضا: # غداة ابتقرنا بالسيوف أجنة ... من الحرب في منتوجة لم تطرق # ابتقرنا، افتعلنا من البقر وهو شق البطن للحبلى وغيرها، فاستعار للحرب ~~بطنا وأوجب عليها بقرا، واستخراج جنينها. والتطريق أن يعسر خروج الولد، ~~وهذه استعارة للحرب حسنة. وقال العائذي: # ونحن بنو حرب غذتنا بثديها ... وقد شمطت أصداغها وقرونها # وقال حاجب بن زرارة: # ومثلي إذا لم يجز أكرم سعيه ... تكلم نعماه بفيها فتنطق # ومن هذا البيت أخذ نصيب قوله: # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # وقال الفرزدق: # والشيب ينهض في الشباب ms038 كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار # أخذه ابن هرمة فقال: # وقد صاح في الليل النهار كأنه ... خلاف الدجى أقراب أبلق أقرحا # وقال ابن مقبل: # لدن غدوة حتى نزعن عشية ... وقد مات شطر الشمس والشطر مدنف # وقال سليمان بن عمار السلمي: # ومولى كداء البطن ليس بزائل ... تدب أفاعيه لنا والعقارب # أقام قوارص كلامه مقام الأفاعي والعقارب، وهذه استعارة حسنة قرينتها ~~لفظية وهي قوله: تدب. وقال جحش بن زيد الحنفي: # فطمنا بني كعب عن الحرب بعدها ... ولاقوا من الأبطال وقعا غشمشما # القرينة في هذا البيت معنوية، وذلك أنه قد استقر عندهم تشبيه الحرب ~~بالناقة على صفات مختلفة، وأنهم يذكرون أخلافها وأنها تدر وتحلب، فلما ~~استقر عندهم وكثر بينهم كان اطراحه وإيراده عندهم واحدا، وهذا معنى لطيف ~~فاعرفه. وقال عجلان بن لأي الثعلبي: # عجبت لداعي الحرب والحرب شامذ ... لقاح بأيدينا تحل وترحل # الشامذ: الناقة شمذت تشمذ بالكسر شماذا إذا لقحت فشالت بذنبها. وقال صابر ~~بن صفوان الهذلي الحنفي: # وقدأشعلت نيرانها الشمس واصطلى ... بها غضور البيداء حتى تلهبا # وقال المحرز بن المكعبر الضبي: # سالت عليه شعاب العز حين دعا ... أصحابه بوجوه كالدنانير # هذه استعارة حسنة قرينتها لفظية، وهي قوله: سالت عليه شعاب العز فذكر ~~السيل مع الشعاب، ولو قال: سال عليه العز لم يك حسنا. وقال رجل من بلعنبر: # PageV01P025 # قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا # وأنشد الأصمعي: # وما زلت أرشو الدهر صبرا على التي ... تسوء الى أن سرني فيكم الدهر # جعل الصبر رشوة للدهر ليعينه وهي استعارة حسنة. وقال قرط بن حارثة ~~العامري الكلبي: # إنما شيب الذؤابة مني ... وشجاني تناصر الأحزان # الاستعارة في تناصر. وقال أبو دهبل الجمحي: # أقول والركب قد مالت عمائمهم ... وقد سقى القوم كأس النشوة السمر # وقال ذو الرمة: # سقاه الكرى كأس النعاس فرأسه ... لدين الكرى من آخر الليل ساجد # وقال حمزة بن بيض الحنفي: # وأقام في رأسي المشيب فراعني ... ضيف لعمر أبيك ليس برائم # وحنى قناتي ثم وتر قوسه ... ورمى بأسهمه فشك قوائمي # وقال الأفوه الأودي: # إنما ms039 نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار # جعل الحياة ثوبا وجعله مستعارا. وقال ابن ميادة يصف الألحاظ: # وبرين، لما أن أردن نضالنا ... نبلا بلا ريش ولا بقداح # لما استقر النبل للحظ استعار النضال والريش، والقرينة هنا لفظية. وقال ~~الآخر: # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح # وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: # وهي مكنونة تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب # وأنشد ثعلب: # إذا ما أتاه السائلون توقدت ... عليه مصابيح الطلاقة والبشر # وقال محجن بن عطارد العنبري: # تحدثني أن البلية قد أتت ... وأن سنين المحل قد صاح هامها # وهذه استعارة حسنة. والاستعارات في المنظوم والمنثور تتجاوز حد كل حد ~~محصور، فيما أتينا به مقنع. # ومن الألقاب المقدم ذكرها: ### | باب التشبيه # قال أبو عمرو بن العلاء: وقال الأصمعي: أحسن التشبيه ما كان فيه تشبيهان ~~في تشبيهين، كقول امرئ القيس: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # وإنما خص قلوب الطير لأنها أطيبها، وقيل: إن الجارح إذا صاد الطائر أتى ~~بقلبه الى فراخه طعما دون باقي لحمه، فلا يزال في وكره من قلوب الطير طري ~~وقديم لكثرة صيده، كما قال أبو زبيد الطائي: # يظل مغبا عنده من فرائس ... رفات حطام أن أو غريض مشرشر # رفات قديمة، وغريض طري. # وقال الأصمعي: إن الجارح يأتي بالصيد الى وكره فيأكل لحمه ويترك قلبه فما ~~يبرح في وكره من قلوب الطير رطب ويابس، لهذه العلة خص قلوب الطير دون ~~غيرها. وقال بشار بن برد: ما زلت منذ سمعت بيت امرئ القيس أحاول أن أقارب ~~تشبيهين بتشبيهين فلا أستطيع حتى قلت: # كأن مثار النقع فوق رؤوسهم ... وأسيافنا، ليل تهاوت كواكبه # أخذه بشار من قول كلثوم العتابي: # تبني سنابكها من فوق هامهم ... سقفا كواكبه البيض المباتير # وحكى الأصمعي قال: استدعاني الرشيد بعض الأيام فراعني رسله، ولم أفتأ أن ~~مثلت بحضرته، وإذا في المجلس يحيى بن خالد وجعفر والفضل. فاستدناني فدنوت، ~~وتبين ما عراني من الوجل فقال: ليفرخ روعك، فما أردناك إلا لما يراد له ms040 ~~أمثالك. فمكثت الى أن ثابت إلي نفسي، ثم بسطني وقال: إني نازعت هؤلاء، ~~وأشار الى يحيى وجعفر والفضل، في أشعر بيت قالته العرب في التشبيه، ولم يقع ~~إجماعنا على بيت يكون الإيماء إليه دون غيره، فأردناك لفصل هذه القضية ~~واجتناء ثمرة الخطار فقلت: يا أمير المؤمنين، إن التعيين على بيت واحد في ~~نوع واحد قد توسعت فيه الشعراء ونصبته معلما لأفكارها ومسرحا لخواطرها، ~~لبعيد أن يقع النص عليه، ولكن أحسن الشعراء تشبيها امرؤ القيس. قال: في ~~ماذا؟ قلت: في قوله: # PageV01P026 # كأن عيون الوحش حول قبابنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب # وقوله: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # وقوله: # سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال # قال: فالتفت الرشيد الى يحيى وقال: هذه واحدة، فقد نص على امرئ القيس أنه ~~أبرع الناس تشبيها، قال: فقال يحيى: هي لك يا أمير المؤمنين، ثم قال ~~الرشيد: فما أبرع تشبيهاته عندك؟ قلت: قوله في صفة فرس: # كأن تشوفه في الضحى ... تشوف أزرق ذي مخلب # إذا بز عنه جلال له ... تقول سليب ولم يسلب # قال الرشيد: هذا حسن، وأحسن منه قوله: # فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورا وترتقي # فقال جعفر: هو التحكيم يا أمير المؤمنين، قال: كيف؟ قال: ليذكر أمير ~~المؤمنين ما كان وقع اختياره عليه ونحن نذكر ما اخترناه ويكون الحكم واقعا ~~من بعد، فقال الرشيد: أغرضت، قال الأصمعي: فاستحسنتها منه، يقال: أغرض ~~الرجل إذا قارب الصواب. ثم قال الرشيد: ليبدأ يحيى، فقال يحيى: أحسن الناس ~~تشبيها النابغة في قوله: # نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر المريض الى وجوه العود # وقوله: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وقوله: # من وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد # قال الأصمعي: فقلت: أما تشبيه مرض العين فحسن، إلا أنه هجنه بذكر العلة ~~وتشبيه المرأة بالعليل، وأحسن منه قول عدي بن الرقاع: # وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة ms041 وليس بنائم # وأما تشبيه الإدراك بالليل والنهار فيما يدركانه فقد كان من سبيله أن ~~يأتي بما ليس له قسيم حتى يأتي بمعنى ينفرد به، ولو شاء قائل أن يقول: إن ~~قول النمري في هذا المعنى أحسن، لوجد مساغا، وهو: # ولو كنت بالعنقاء أو بأسومها ... لخلتك إلا أن تصد تراني # وأما قوله: كسيف الصيقل الفرد، فالطرماح أحق بهذا المعنى منه، لأنه أخذه ~~فجوده وزاد عليه، وإن كان النابغة افترعه، قال الطرماح: # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد # فقد جمع في هذا البيت استعارة لطيفة بقوله: تضمره، وشبه شيئين بشيئين، ~~بقوله: يبدو ويخفى، ويسل ويغمد، وهو طباق حسن، وفيه حسن التفسير وصحة ~~المقابلة. قال الأصمعي: فاستبشر الرشيد حتى برقت أسارير وجهه، فخلت برقا ~~ومض منها، وقال ليحيى: فضلتك ورب الكعبة، وامتقع لون يحيى فكأن المل ذر ~~عليه فقال الفضل: لا تعجل يا أمير المؤمنين حتى يمر ما قلته بسمعه. فقال: ~~قل، قال الفضل: أحسن الناس عندي تشبيها طرفة بقوله: # يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد # المفايل الذي يجمع التراب ويقسمه نصفين أو ثلاثا ويجعل فيه خبيئا، ~~والفيال الاسم بغير همز. فشبه شق السفينة الماء بصدرها بشقهم التراب، ~~وقوله: # لعمرك إن الموت، ما أخطأ الفتى، ... لكالطول المرخى وثنياه باليد # وقوله: # ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه، نقي اللون لم يتخدد # PageV01P027 # قال الأصمعي: هذا حسن كله وغيره أحسن منه، وقد شركه في هذه المعاني جماعة ~~من الشعراء. وبعد فطرفة صاحب واحدة، لا يقطع بقوله على البحور، وإنما يعد ~~مع أصحاب الواحدة. قال: ومن أصحاب الواحدة؟ قال: الحارث بن حلزة، والأسعر ~~الجعفي، والأفوه الأودي، وعلقمة الفحل، وسويد بن أبي كاهل، وعمرو بن كلثوم، ~~وعمرو بن معديكرب. قال الأصمعي: فاستخفت الرشيد الأريحية فقال: ادن، فإنك ~~جحيش وحدك، قال: فزاد في عيني نبلا. فقال جعفر متمثلا: لبث قليلا يلحق ~~الهيجا حمل. يعرض بأنه يجوز أن يلحق هو ما يحاوله. فقال الرشيد: # فاتتك والله السوابق في المدى ... وجئت سكيتا ذا زوائد ms042 أربعا # قال: ورأيت الحمية في وجهه. فقال جعفر: على شريطة حلمك يا أمير المؤمنين، ~~فقال: أتراه يسع غيرك ويضيق عنك!؟ فقال جعفر: لست أنص على شاعر واحد أنه ~~أحسن الناس تشبيها في بيت واحد، ولكن قول امرئ القيس من أحسن التشبيه حيث ~~يقول: # كأن غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السماء محلق # وقال عدي بن الرقاع: # يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها # تطوى إذا علوا مكانا ناشزا ... وإذا السنابك أسهلت نشراها # وقول النابغة: # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # من هذا المعنى أخذ نصيب قوله: # هو البدر والناس الكواكب حوله ... وهل تشبه البدر المضيء الكواكب # قال الأصمعي: هذا كله ناصع بارع وغيره أبرع منه، وإنما يحتاج أن يقع ~~التعيين على ما اخترعه قائله فلم يتعرض له، أو تعرض له شاعر فوقع دونه. # فأما قول امرئ القيس: على ظهر باز في السماء محلق، فمن قول أبي داؤد: # إذا شاء راكبه ضمه ... كما ضم باز إليه الجناحا # وأما قول عدي: يتعاوران من الغبار ملاءة، فمن قول الخنساء: # جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر # وأول من نطق بهذا المعنى شاعر جاهلي من بني عقيل، قال من أبيات: # قفار مرورات يحار بها القطا ... ويضحي بها الجأبان يعتركان # يثيران من نسج العجاج عليهما ... قميصين أسمالا ويرتديان # وأما قول النابغة: فإنك شمس البيت، فقد تقدمه فيه شاعر قديم من شعراء ~~كندة يمدح عمرو بن هند وهو أحق به من النابغة إذ كان أبا عذرته: # تكاد تميد الأرض بالناس أن رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب # هو الشمس فاقت يوم سعد فأفضلت ... على ضوء والملوك كواكب # قال: فكأنني والله ألقمت جعفرا حجرا، واهتز الرشيد من فوق سريره أشرا ~~فكاد يطير عجبا وطربا وقال: يا أصمعي اسمع ما وقع اختياري عليه الآن. فقلت: ~~ليقل أمير المؤمنين، أحسن الله توفيقه. قال: قد عينت على ثلاثة أشعار أقسم ~~بالله إني أملك قصب السبق بأحدها؛ فهل تعرف يا أصمعي تشبيها ms043 أفخم وأعظم في ~~أحقر مشبه وأصغره في أحسن معرض من قول عنترة: # وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم # غردا يسن ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم # ثم قال: يا أصمعي، هذا من التشبيهات العقم، فقلت: هو كذلك يا أمير ~~المؤمنين، وبمجدك آليت ما سمعت أحدا وصف في شعر شيئا أحسن من هذه الصفة، ~~ولا استطاع بلوغ هذه الغاية. قال: مهلا لا تعجل، أتعرف أحسن من قول الحطيئة ~~في وصف لغام ناقته أو تعلم أحدا قبله أو بعده شبه تشبيهه حيث يقول: # ترى بين لحييها إذا ما تبغمت ... لغاما كبيت العنكبوت الممدد # قال: فقلت: ما علمت أحدا تقدمه أو أشار الى هذا المعنى بعده، قال: أفتعرف ~~أبرع وأوقع من تشبيه الشماخ لنعامة سقط ريشها وبقي أثره في قوله: # PageV01P028 # كأنما منثني أقماع ما مرطت ... من العفاء بليتيها الثآليل # فقلت: لا والله، فالتفت إلى يحيى وقال: أوجب؟ قال: وجب. قال: أفأزيدك؟ ~~قال: وأي خير لم يزدني منه أمير المؤمنين؟ قال: قول النابغة الجعدي: # رمى ضرع ناب فاستهل بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم # ثم التفت الى الفضل فقال: أوجب؟ قال: وجب، فقال: أأزيدك؟ قال: ذاك الى ~~أمير المؤمنين، قال: قول الأعرابي: # بها ضرب أنداب العفايا كأنه ... ملاعب ولدان تخط وتصمع # ثم التفت الى جعفر فقال: أوجب؟ قال: وجب. قال: أفأزيدك؟ فقال: لأمير ~~المؤمنين علو الرأي، قال: قول عدي بن الرقاع: # تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها # قال: ثم أطرق الرشيد، ورفع طرفه وقال: يا أصمعي، أتراك، تغبنني عقلي ~~بانحطاطك في هواي؟ فقلت: كلا والله يا أمير المؤمنين إنك لتجل عن الحرش ~~قال: انظر حسنا، قلت: قد نظرت، قال: فالسبق لمن؟ قلت: لأمير المؤمنين. قال: ~~قد أسهمتك منه العشر، والعشر كثير، ثم رمى بطرفه الى يحيى فقال: المال، ~~تهددا ووعيدا، فما كان إلا كلا ولا، حتى نضدت البدر بين يديه فكادت تحول ~~بيني وبينه، ورأيت ضوء الصبح قد غلب ضوء الشمع، فأشار الى خادم على رأسه ~~فدفع ms044 إلي من المال، وهو ثلاثة ألف ألف درهم، ثلاثين بدرة، فانصرفت بها الى ~~المنزل، ونهض عن مجلسه. فكانت أسعد ليلة ابتسم بها صباح عن ناجز الغنى. # قال بشار: ولما نظمت قولي كأن مثار النقع البيت وقد تقدم ذكره، عدت أوردت ~~المعنى في أقرب لفظ فقلت: # من كل مشتهر في كف مشتهر ... كأن غرته والسيف نجمان # فشبهت غرة الرجل والسيف بنجمين. وتبعه مسلم بن الوليد فقال: # في جحل تشرق الأرض الفضاء به ... كالليل أنجمه القضبان والأسل # وأخذه منصور النمري فقال: # ليل من النقع لا شمس ولا قمر ... إلا جبينك والمذروبة الشرع # ولرجل من بني أسد يقول: # حلق الحوادث لمتي فتركنني ... رأسا يصل كأنه جماح # وزكا بأصداغي وقرن ذؤابتي ... قبس المسيب كما زكا المصباح # جماح: وجمعه جماميح، وهو سهم صفر لا زج له، يجعل في رأسه طين كالكتلة ~~يلعب بهاالصبيان. وقريب من هذا التشبيه قول الآخر وله حكاية: # ورحت برأس كالصخيرة أشرفت ... عليها عقاب ثم طار عقابها # وراح بها ثور ترف كأنها ... سلاسل برق وبلها وانسكابها # وأنشد أبو زيد: # كأن ملقى زمام عند ركبتها ... على الجدالة أين غير منساب # وقال أبو دؤاد الإيادي: # تنازع مثنى حضرمي كأنه ... حباب نقا يتلوه مرتجل يرمي # وقال النابغة الذبياني: # مقذوفة بدخيس النحض بازلها ... له صريف، صريف القعو بالمسد # هذا يسمونه أهل البديع التشبيه المعرى، فإذا شبهوا ما له حركة وجرس نصبوا ~~كما قالوا: صريف صريف، نصبا، وإذا لم يكن كذلك رفعوا كما يقول القائل: له ~~رأس رأس الأسد، رفعا. # ومنه تشبيه بالفعل وهو قولهم: هو يفعل فعل الكرام، ويحلم حلم الأحنف. ~~والمعنى: يفعل فعلا كفعل الكرام، ويحلم حلما كحلم الأحنف. ومنه قوله تعالى: ~~(وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) . وقال عنترة في تشبيه ~~الألوية: # كتائب تزجى، فوق كل كتية ... لواء كظل الطائر المتصرف # وله في تشبيه القتلى: # كأنهم بجنب الشعب صرعى ... تساقوا بينهم كأس المدام # وله في تشبيه الدمع: # أفمن بكاء حمامة في أيكة ... فاضت دموعك فوق ظهر المحمل # كالدر أو نظم الجمان تقطعت ms045 ... منه معاقد سلكه لم يوصل # PageV01P029 # وقال أبو نضلة يموت بن المزرع: # والبدر يجنح للغروب كأنما ... قد سل فوق الماء سيفا مذهبا # وله: # لم أنس دجلة والدجى متصرم ... والبدر في أفق السماء مغرب # فكأنها فيه رداء أزرق ... وكأنه فيه طراز مذهب # قال أبو محلم يصف الشمس: # مخبأة أما إذا الليل جنها ... فتخفى وأما بالنهار فتظهر # وقال الكندي يصف الثريا: # إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفضل # وقال ذو الرمة: # وردت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق # وقال قيس بن الأسلت، وأجاد: # وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى ... كعنقود ملاحية حين نورا # وقال يزيد ابن الطثرية: # إذا ما الثريا في السماء كأنها ... جمان وهى من سلكه فتبددا # وقال بعضهم: # فاغتنم شربها فقد فضح اللي ... ل هلال كأنه فتر زند # والثريا خفاقة في رواق ال ... غرب تهوي كأنها رأس فهد # وقال الحميري في قتلى علي عليه السلام: # ترى الطير مثل النسا حوله ... غدون الى مدنف عودا # وقال أعرابي في تشبيه الدروع: # عليها كالنهاء مضاعفات ... من الماذي لم تؤد المتونا # وقال أبو دؤاد الإيادي: # وأعددت للحرب فضفاضة ... تضاءل في الطي، كالمبرد # وقال كعب بن سعد الغنوي: # وقوم يجرون الثياب كأنهم ... نشاوى وقد نبهتهم لرحيل # يصفهم بالنعاس. وقال زهير في تشبيه آثارالديار بالنقوش في الأكف ~~والمعاصم: # ودر لها بالرقمتين كأنها ... مراجع وشم في نواشر معصم # وقال عنترة في تشبيه حنك الغراب: # خرق الجناح كأن لحيي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع # وقال الراعي يصف قانصا جعد شعر الرأس: # فكأن ذروة رأسه من شعره ... زرعت فأنبت جانباها الفلفلا # وقال ذو الرمة: # وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد # قال مضرس بن ربعي يصف نعامة: # صعراء عارية الأخادع رأسها ... مثل المدق وأنفها كالمسرد # وقال النابغة يصف النسور: # تراهن خلف القوم زورا عيونها ... جلوس الشيوخ في مسوك الأرانب # وقالت أخت عمرو ذي الكلب وأحسنت: # تمشي النسور إليه وهي لاهية ... مشي العذارى عليهن الجلابيب # وقال ذو الرمة في تشبيه الرمل بأوراك ms046 العذارى: # ورمل كأوراك العذارى قطعته ... إذا لبسته المظلمات الحنادس # ولقد أبدع السيد الحميري وأحسن في وصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه، وتشبيهه بريح عاد ولم يسبق الى ذلك: # لكن أبو حسن، والله أيده ... قد كان عند اللقا للطعن معتادا # إذا رأى معشرا حربا أنامهم ... إنامة الريح في أبياتها عادا # وقال الكندي: # جمعت ردينيا كأن سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان # وأنشد الحامض: # كأن ما يسقط من لغامها ... بيت عكنبات على زمامها # هذا كبيت الحطيئة وقد تقدم ذكره، والمعنى أنه شبه اللغام ببيت العنكبوت ~~لاجتماعهما في النحافة، وبعدهما عن الكثافة. يقال: عنكبوت وعكنباة كما ~~قالوا: عقاب وعقنباة ويقال: عنكباء، وفي هذا تعليل يطول شرحه وليس هذا ~~موضعه. وقال معقر البارقي في تشبيهه الجيوش: # وقد جمعا جمعا كأن زهاءه ... جراد سفا في هبوة متطاير # وقال أيضا: # PageV01P030 # فباكرهفم عند الشروق كتائب ... كأركان سلمى سيرها متواتر # وقال الحكمي يصف سفينة: # فكأنها والماء ينطح صدرها ... والخيزرانة في يد الملاح # جون من العقبان تبتدر الدجى ... تهوي بصوتواصطفاق جناح # وهذا باب وسيع الأرجاء، بعيد الانتهاء، كالبحر لا تحصى أمواجه، ولا ~~يستقصى منهاجه، وفيما أوردناه فضل على الكفاية. ومنها: ### | باب الحشو السديد في المعنى المفيد # قال أبو الشيص الخزاعي: # إن الثمانين، وبلغتها، ... قد أحوجت سمعي الى ترجمان # قوله: وبلغتها، حشو سديد وقد أفادت من الدعاء معنى جيدا. وأنشد اليزيدي: # فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إلي بها، نفسي فداؤك، تنظر # قوله: نفسي فداؤك، كقوله: وبلغتها، في الدعاء. وقال أبو الوليد عبد الملك ~~بن عبد الرحمن الحارثي: # فلو بك ما بي، لا يكن بك، لاغتدى ... وراح إليك البر بي والتقرب # قوله: لا يكن بك حشو حسن. وأنشد أبو عمرو بن العلاء الجاهلي: # وعود، قليل الذنب، عاودت ضربه ... إذا هاج شوقي من معاهدها ذكر # وقلت له ذلفاء، ويحك، سببت ... لك الضرب فاصبر إن عادتك الصبر # أخذ ابن المعتز هذا المعنى فقال: # وخيل طواها القود حتى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخط ذبل # صببنا عليها، ظالمين، سياطنا ms047 ... فطارت بها أيد سراع وأرجل # قوله: ظالمين مثل قوله: قليل الذنب فهذا هو الحشو السديد، في اللفظ ~~المفيد. أما إذا كان الحشو كقول أبي العيال الهذلي: # ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب # فالصداع لا يكون إلا في الرأس، وذكر الرأس حشو غير سديد، ومثله قول ديك ~~الجن: # فتنفست في البيت إذ مزجت ... بالماء واستلت سنا اللهب # كتنفس الريحان خالطه ... من ورد جور ناضر الشعب # فذكره المزج يغني، وذكره الماء زيادة لا يحتاج إليها، ولقد قصر عن قول ~~أبي نواس: # سلوا قناع الطين عن رمق ... حي الحياة مشارف الحتف # فتنفست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الريحان في الأنف # وهذا مثال في هذا الباب كاف. ومنها: ### | باب المتابعة # المتابعة في الكلام المنثور الشعر المنظوم أن يأتي المتكلم بالمعاني التي ~~لا يجوز تقديم بعضها على بعض، لأن المعاني فيها متتالية، فالأول يتلوه ~~الثاني والثاني يعقبه الثالث، الى أن ينتهي المتكلم الى غاية مراده. ولا ~~يجوز تقديم الثاني على الأول، ولا الثالث على الثاني، مثال ذلك قوله تعالى: ~~(هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة، ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ~~أشدكم ثم لتكونوا شيوخا) . وقال تبارك وتعالى: (فناداها من تحتها ألا تحزني ~~قد جعل ربك تحتك سريا. وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا. فكلي ~~واشربي وقري عينا) . فهذا من أحسن صناعة الكلام في هذا الباب فسبحان ~~المتكلم به وتعالى علوا كبيرا. وأنشد الأصمعي: # لكنها خلة قد سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديل # الفجع: الغدر، والولع: الكذب. وقولهم: الدنيا لا تؤمن فجائعه، أي ~~غدراتها، ووجه المتابعة أن الغدر إذا وقع تبين الكذب، وإذا وقع التبديل ظهر ~~الخلاف. وقال زهير: # يؤخر، فيوضع في كتاب، فيدخر ... ليوم حساب، أو يعجل فينقم # وقال الشنفرى: # بعيني ما أمست، فباتت، فأصبحت ... فقضت أمورا، فاستقلت، فولت # وقال أرطاة بن سهية: # أكلتفم دما وشربنا دما ... فلم نرو منه ولم تشبعوا # وقال ابن سليمان الكلابي: # PageV01P031 # فما زال منهم ذامر ومطاعن ... على حالة أو ضارب ومطاعن # وقال ms048 أعشى عكل: # وقفنا بها حتى مضت سورة الضحى ... نقضي لبانات ونبكي تصابيا # ونهدي تحيات ونبدي صبابة ... ونخفي من الوجد الذي ليس خافيا # أما البيت الأول فلا شاهد فيه ولكن أثبتناه لوضوح البيت الثاني، ويجوز ~~فيه التقديم والتأخير. وأما البيت الثاني فوجه المتابعة فيه أن التحيات هي ~~التي يبدأ بها، ثم تبدو الصبابة ويختفي بعضه، وإن كان لا يخفى كما ذكر. ~~وقال زياد الأعجم: # يال لكيز دعوة غير ندم ... أعنزي سبني ثمت لم # يلطم ولم يفجدع ولم يخضب بدم # وقال عمرو بن الحارث: # فقد يعتري قدري وأغرف لحمها ... فأصبح ندماني فأكسب محمدي # الاعتراء يكون أولا ثم الغرف، ثم السقي وبعد ذلك يكتسب الحمد. وقال الجون ~~النمري: # من مبلغ شيبان أن ... ني لم يكن أمري خفيا # راميته حتى إذا ... ما كان نبلانا نفيا # طاعنته حتى إذا ... ما كان رمحانا شظيا # ضاربته حتى إذا ... ما كان سيفانا حنيا # أثخنته غلبا وكا ... ن ممنعا قدما أبيا # أعطيته رحلي ورا ... حلتي وكورا حميريا # أرأيت لو لدغت أخا ... كم حية في الأرض قيا # أو ناله مرض المنو ... ن فما علي وما لديا # ولهذه الأبيات حكاية يطول شرحها، وإنما نذكر اليسير منه: وذاك أنه لما ~~كان يوم أوارة، أسر الجون النمري حارثة بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن ~~شيبان، فغلب الملك المنذر على الجون، وأخذ منه حارثة فقتله وادعت بنو شيبان ~~أن الجون قتله، فقال هذا الشعر يصف حاله معه، فابتدأ بذكر الرماء الذي هو ~~أول الحرب، وثنى بذكر الطعان، ثم بذكر الضرب، ثم الغلبة لأحد الفريقين ~~تكون؛ فإما من أو قتل، فلما استوفى ذلك، أتبعه بعتاب كالمعتذر إليهم، وفي ~~هذا المثال كفاية. ومنها: ### | باب المخلص المليح إلى الهجاء والمديح # قال علي بن المنجم: سألت أبي، وكان من فرسان العلم بالشعر، عن أحسن مخلص ~~تخلص به شاعر الى مدح أو هجو فقال: يا بني، هذا مذهب تفرد به المحدثون، ~~فقلما يتفق الإحسان فيه لمتقدم. فأما ما وجدت أهلنا ومجمعين عليه منذلك ~~فقول محمد بن وهيب: ms049 # ما زاليلثمني مراشفه ... ويعلني الإبريق والقدح # حتى استرد الليل خلعته ... وبدا خلال سواده وضح # وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح # وإنما نظر من هذا المعنى الى قول الأعرابي: # أقول والنجم قد مالت مياسره ... الى الغروب تأمل نظرة حار # ألمحة من سنا برق رأى بصري ... أم وجه نعم بدا لي أم سنا نار # بل وجه نعم بدا والليل معتكر ... فلاح من بين حجاب وأستار # وقال حسان في الهجاء: # إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام # ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام # وللمحدثين في هذا الباب أشعار حسنة كثيرة لا حاجة بنا الى الإطالة بذكرها ~~ففيما أوردناه كفاية، والله الموفق للصواب. ومنها: ### | باب التضمين # ويسمى التسميط والتوشيح، وهذا في شعار العرب قليل جدا، وقد استعمل ~~المحدثون من ذلك ما لا يأتي عليه الإحصاء كثرة وعدا، واليسير منه دليل على ~~الكثير. قال الأخطل: # ولقد سما للخرمي فلم يقل ... بعد الونى لكن تضايق مقدمي # ضمن قول عنترة: # إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي # وقال آخر من أبيات: # PageV01P032 # متى أبك إفلاسا وبؤسا وفاقة ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل # لقد طال تردادي وحبسي عليكم ... فهل عند رسم دارس من معول # خلقت على باب الأمير كأنني ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # وقال آخر: # قال لي عمرها وقد غازلتني ... لا تعرج بدارسات الطلول # ومنها: ### | باب تجاهل التعارف # ومعنى تجاهل التعارف أن الشاعر أو الناثر يسأل عن شيء يعرفه سؤال من لا ~~يعرفه ليعلم أن شدة الشبه بالمشبه قد أحدثت عنده ذلك، وهو كثير في أشعار ~~العرب وخطبهم. قال ذو الرمة: # أقول لأدمانية عوهج جرت ... لنا بين أعلى عرفة فالصرائم # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم # وأنشد ابن دريد لبعضهم: # أعن البدر عشاء ... رفعت تلك السجوف # أم عن الشمس تسرى ... موهنا ذاك النصيف # أم على ليتي غزال ... علقت تلك الشنوف # أم أراك الحين ما لم ... يره القوم الوقوف # فأما قوله تعالى: ms050 (وما تلك بيمينك يا موسى؟ قال: هي عصاي) . فالمراد بهذا ~~السؤال مع العلم به، إظهار المعجز الذي لم يكن موسى يعلمه في العصا، وقد ~~سماه أهل الصنعة سؤال التقرير، وكذلك قوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى بن ~~مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) ، وقد علم الله تعالى ~~أنه لم يقل ذلك، والمراد به توبيخ من ادعى ذلك وتكذيب من قال به، فهو سؤال ~~مقرر لا سؤال مستخبر فاعرفه. ومنها: ### | باب المماتنة والإنفاد والإجازة # أما المماتنة فهي تنازع الشاعرين بينهما بيتا، يقول أحدهما صدره والآخر ~~عجزه. # وأما الإنفاد والإجازة، فالإنفاد، بالدال غير المعجمة، هو من قولهم: خصم ~~منافد إذا خاصم حتى تنفد حجته. وتقول: نافدت الرجل، مثل حاكمته. وفي ~~الحديث: إن نافدتهم نافدوك. وهو أن يقول الشاعر بيتا تاما ويقول الآخر ~~بيتا. # وأما المماتنة فقد روي أن غلاما من بني جنب يقال له رفاعة، ويقال: إنه ~~المحترش، نبغ في الشعر وماتن شعراء قومه حتى أبر عليهم. فلما وثق من نفسه ~~بذلك قال لأبيه: لأخرجن في قبائل اليمن؛ فإن وجدت من يماتنني رجعت الى ~~بلادي، وإن لم أصادف من يماتنني تقريت قبائل العرب كلها. فنزل بصرم من بني ~~نهد، والحي خلوف، فأناخ حجرة عن الحواء فإذا عجوز حيزبون قد أقبلت تتوكأ ~~على محجن فقالت: عم ظلاما، فقال: نعم ظلامك، فقالت: ممن الرجل؟ فقال: من ~~مذحج، قالت: من أيهم؟ قال: من جنب، قالت: أضيف؟ قال: نعم، قالت: فلا رحمك ~~الله، ما عدوت أن بخلتنا وأسأت أحدوثتنا، ثم أثارت راحتله وقالت: قم الى ~~قبة أضيافنا. فما ملكته راحلته حتى أتت بها القبة فأناختها ثم حطت رحله ~~وكفتته في خبائها وأمرت وليدة لها فجاءت بمدية وعتود يمرح في إهابه سمنا ~~وقالت: اذبح أيها الرجل، واعتجنت وامتلت وطبخت، وقربت طعاما، فجلس الرجل ~~والعجوز والوليدة يأكلون. فقالت له العجوز: ما رمى بك هذه البلاد؟ فأخبرها ~~بخبره، فضحكت وقالت: بت ناعما أجئك غدا بعشر خرائد يماتنك دون الرجال، فإن ~~غلبت فارجع الى بلادك. ms051 فلما أصبح أقبلت العجوز ومعها ثلاث فتيات كالمهرات، ~~فانتبذن حجرة، ثم أشارت الى واحدة منهن فأقبلت كالعيدانة يميلها الصبا ~~فقالت: أأنت المتحدي بالمماتنة؟ فقال: نعم، فقالت: قل أسمع، فقال: # سوام تداعت بالحنين عشارها # فقالت: # حوامل أثقال تنوء فتدلح # فقال: # إذا أيهت في حجرتيها رعاؤها # فقالت: # سمت فرق منها شوامذ لقح # فقال: # إذا وطئت أرضا سقتها بدرها # فقالت: # أفاويق مسك محضه لا يضيح # فقال: # PageV01P033 # إذا انسفحت أخلافها خلت ما جرى # فقالت: # على الأرض منها لجة تتضحضح # فقال الرجل للعجوز: أمطلقة هذه الجارية أم ذات بعل؟ فقالت: # عقال لعمر الله لو شئت بته ... شرادي ولكن التكرم أجدر # قال الرجل: فعجت الى رحلي، فقالت العجوز: رويدا أجلب لك الأخرى، فقال: ~~أروتني الأولى، فقالت: إلحق الآن بأرضك. قال الرجل: فخرجت أريد الرجوع الى ~~قومي ثم أبى لي اللجاج إلا قصد ما خرجت له، فدفعت الى صرم من جرم، وإذا ~~أصيبية يلعبون على غدير فنزلت أنظر إليهم، وإذا هم يرتجزون، فدعوت غلاما من ~~أنشزهم فقلت: يا غلام هل في صرمكم هذا من يماتنني فإني قد أبررت على شعراء ~~العرب، فقال: أنا أماتنك، فقلت: أنت أيها القصيعل! فقال: قل ودع عنك ما لا ~~يجدي عليك. # فقلت: # أوابد كالجزع الظفاري أربع # فقال: # حماهن جون الطرتين مولع # فقلت: # يرود بهن الروض والأمن جاره # فقال: # وأخلى لهن المنتضى والمودع # فقلت: أولى لك، وامتطيت راحلتي حتى دفعت الى شيخ يرعى غنيمات له ~~فاستقريته، فقام مبادرا الى قعب فاحتلب غبر ما في ضروعهن، ثم جاءني به ~~فشربت، فلما اطمأننت قال لي: ما رمى بك هذا القطر؟ فأخبرته، وكتمته ما ~~لاقيت، فكشر الشيخ ثم صاح بغلمة يرعون قريبا منه، فأقبل غلام منهم فقال: ~~ادع عشرقة، فما لبث أن جاءت جويرية عجيفاء كأنها وبيلة خيسفوج حتى وقفت بين ~~يديه فقال: إن ابن عمك هذا خرج من بلاده يتحدى بالمماتنة فهل عندك شيء؟ ~~فقالت: قل أيها المتحدي، وإنها لتقلب عينيها كعيني أرقم، فقلت: # ما نطفة زرقاء في ظل صخرة # فقالت: # ذخيرة غراء الذرى جونة ms052 النضد # فقلت: نفى سيلان الريح عن متنها القذى فقالت: # وذادت غصون الأيك عن صفوها الوقد # فقلت: # يشاب مجاج أخلص الدبر أريه # فقالت: # بصهباء صرف جيب عن متنها الزبد # قال: فتركت ما قصدته وملت الى وجهة أخرى، ووصفت ناقة فضحكت وقالت: أعوصت؟ ~~فقلت: إذا انشبح الحرباء في رأس عوده فقالت: # وألجأ أم الحسل في مكوها الصخد # قال رفاعة: فرجعت الى أهلي وآليت على نفسي أن لا أماتن بعدها أحدا ما ~~عشت. # فهذا مثال في المماتنة كاف، ولولا الإطالة لأوردت من هذا النوع أشياء ~~طريفة عجيبة. # وأما الإنفاد والإجازة فروي أن كعب بن زهير لما تحرك بالشعر كان أبوه ~~زهير ينهاه عنه؛ مخافة ألا يكون استحكم شعره، فيروى عنه ما يعاب به. وكان ~~يضربه على ذلك، فغلبه وطال ذلك عليه فأخذه وسجنه وقال: والذي أحلف به لا ~~تتكلم ببيت شعر ولا يبلغني أنك تريغ لشعر إلا ضربتك ضربا ينكلك عن ذلك. ~~فمكث محبوسا أياما ثم أخبر أنه تكلم به فضربه ضربا مبرحا، ثم أطلقه وسرحه ~~في بهمة وهو غليم صغير، فانطلق فرعاها ثم راح بها وهو يرتجز: # كأنما أحدو ببهمي عيرا ... من القرى موقرة شعيرا # فخرج زهير إليه وهو غضبان، فدعا بناقة فركبها وتناوله فأردفه خلفه، ثم ~~حرك ناقته وهو يريد أن يتعنت كعبا، ويعلم ما عنده، ويطلع على شعره، فقال ~~حين فصل من الحي: # وإني لتغدو بي على الهم جسرة ... تخب بوصال صروم وتعنق # ثم ضربه وقال: أجز يا لكع، فقال: # كبنيانة القاري موضع رحلها ... وآثار نسعيها من الدف أبلق # فقال زهير: # على لاحب مثل المجرة خلته ... إذا ما علا نشزا من الأرض مهرق # ثم قال: أجز يا لكع، فقال: # منير هداه ليله كنهاره ... جميع إذا يعلو الحزونة أفرق # فقال زهير: # تظل بوعساء الكثيب كأنها ... خباء على صقبي بوان مروق # ثم قال: أجز يا لكع، فقال: # PageV01P034 # تراخى به حب الضحاء وقد رأى ... سماوة قشراء الوظيفين عوهق # فقال زهير: # تحن الى مثل الحبابير جثم ... لدى منهج من قيضها المتفلق # ثم قال: أجز ms053 يا لكع، فقال: # تحطم عنها قيضها عن خراطم ... وعن حدق كالنبخ لم يتفلق # فأخذ زهير بيد كعب وقال له: قد أذنت لك في الشعر. ومنها: ### | باب السرقة # والسرقة في الأشعار تنقسم الى قسمين: محمود ومذموم. وكانت فحول شعراء ~~العرب تستقبح سرقة الشعر كما قال طرفة: # ولا أغير على الأشعار أسرقها ... عنها غنيت وشر الناس من سرقا # ومع هذا فلهم سرقات مستقبحة، وإغارات بزناد الإكثار مستقدحة. # فأما المحمود من السرقة فهو عشرة وجوه: الأول: استيفاء اللفظ الطويل في ~~الموجز القليل. قال طرفة: # أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد # اختصره ابن الزبعرى فقال: # والعطيات خساس بيننا ... وسواء قبر مثر ومقل # فشغل صدر البيت بمعنى وجاء ببيت طرفة في عجز بيت أقصر منه بمعنى لائح، ~~ولفظ واضح. # الثاني: نقل الرذل الى الرصين الجزل. قال أعرابي يتمنى موت زوجته: # ألا إن موت العامية لو قضى ... به الدهر لابن الوائلي حياة # المعنى لطيف واللفظ ضعيف، أخذه أخو الحارث بن حلزة فقال: # لا تكن محتقرا شأن امرئ ... ربما كان من الشأن شؤون # ربما قرت عيون بشجا ... مرمض قد سخنت منه عيون # الثالث: نقل ما قبح مبناه دون معناه الى ما حسن مبناه ومعناه. قال ~~الحكمي: # بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح # معناه صحيح ولفظه قبيح، أخذه سلم فقال: # تظلم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاما # فجمع بين تظلمين كريمين، ودعا للممدوح بدوام ظلمه للمال والأعداء، وجود ~~الصنعة في لفظه وأخذه. # الرابع: عكس ما يصير بالعكس ثناء بعد أن كان هجاء. # ما شئت من مال حمى ... يأوي إلى عرض مباح # فعكسه القائل فقال: # هو المرء أما ماله فمحلل ... لعاف وأما عرضه فمحرم # الخامس: استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه. قال ~~الحكمي في الخمر: # لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار # احتذى عليه البحتري، وفارق مقصد الحكمي فجعله في محبوبة فقال: # غاب دجاها وأي ليل ... يدجو علينا وأنت بدر!؟ # السادس: توليد كلام من ms054 كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق، وهو مما يدل على ~~فطنة الشاعر، أنشد الأصمعي لبعضهم: # غلام وغى تقحمها فأودى ... وقد طحنته مرداة طحون # فإن على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون # أخذه أبو تمام فقال: # لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه # المعنى متفق واللفظ مفترق، وهذا من أحسن وجوه السرقات. # السابع: توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات، وهذا قليل في الأشعار، ~~وكان من أجدر ما كد الشاعر فطنته فيه، إلا أنه صعب. قال الشاعر: # كأن كؤوس الشرب والليل مظلم ... وجوه عذارى في ملاحف سود # اشتق ابن المعتز منه قوله: # وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدم تبدت من ثياب حداد # الثامن: المساواة بين المسروق منه والسارق، بزيادة ألحقت المسبوق ~~بالسابق. قال الديك: # مشعشعة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها # أخذه ابن المعتز فقال: # كأن سلاف الخمر من ماء خده ... وعنقودها من شعره الجعد يقطف # PageV01P035 # فزاد تشبيها هو من تمام المعنى، فتساويا؛ هذا بقدمته، وهذا بزيادته، ~~ومثله كثير. # التاسع: المماثلة في الكلام حتى لا يفضل نظام على نظام. قال حسان بن ~~ثابت: # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # أخذه الحكمي فقال: # الى بيت حان لا تهر كلابه ... علي، ولا ينكرن طول ثوائي # لا فرق بين المعنيين ولا الكلامين فقد تماثلا. # العاشر: رجحان لفظ الآخذ على المأخوذ منه وتفضيل معناه على معنى أصدره ~~عنه. قال النابغة: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد # أخذه أبو حية النميري فقال: # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين: كف ومعصم # فلم يزد النابغة على الإخبار باتقائها بيدها لما سقط نصيفها، فزاد عليه ~~أبو حية بقوله: دونه الشمس، وخبر عن الاتقاء بأحسن خبر، من حسن كف وحسن ~~معصم، فرجح كلامه وعلا نظامه. # وأما المذموم من السرقة فعشرة وجوه أيضا: الأول: نقل اللفظ القصير الى ~~الطويل الكثير. قال الحكمي: # لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # أخذه دعبل فقال: # تركتك، لم أتركك كفرا لنعمة ms055 ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر # ولكنني لما رأيتك راغبا ... وأفرطت في بري عجزت عن الشكر # الشعر جيد المعنى واللفظ، ولكنه أتى به في تطويل وتضمين، فنقل القصير الى ~~الطويل، وذلك مذموم في السرقة. # الثاني: نقل الرصين الجزل الى المستضعف الرذل. قال الأول: # ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمت ... إن الكلاب طويلة الأعمار # ما زال ينبحني ليشرف جاهدا ... كالكلب ينبح كامل الأقمار # أخذه ابن طاهر فقال: # وقد قتلناك بالهجاء ... ولكنك كلب معقف ذنبه # فجمع بين قبح السرقة، وضعف العبارة، ولا وجه لذكر التعقيف في الذنب، لأنه ~~غير دال على طول العمر، وهذا ظاهر ومثله كثير. # الثالث: نقل ما حسن معناه ومبناه الى ما قبح مبناه ومعناه. قال الكندي: # ألم تر أني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # أخذه بشار فقال: # وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل # وهذا أنزل شعر في الرذالة، كما أن بيت الكندي أرفع بيت في الجودة ~~والجزالة، وقد أخذ كثير المعنى، فطول وضمن وقصر، وزعم أنهاإذا تبخرت كانت ~~كالروضة في طيبها. ولا يعدم هذا في أسهك البشر جسما وأوضرهم حالا، وشعره ~~معروف. # الرابع: عكس ما يصير بالعكس هجاء بعدما كان ثناء. قال حسان بن ثابت: # بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول # أخذه ابن أبي فنن فعكسه فقال: # سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطراز الآخر # الخامس: نقل ما حسنت أوزانه وقوافيه الى ما قبح وثقل على لسان راويه. قال ~~الحكمي: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء # أخذه الطائي فقال: # قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي # فالحكمي زجر عذوله زجرا لطيفا، أعلمه أن اللوم إغراء، وشغل عجز بيته ~~بمعنى آخر، بكلام رطب، ومعنى عذب والطائي زجر عذوله بلفظ متعسف تصعب ~~راويته، وتستكره قافيته. # السادس: حذف الشاعر من كلامه ما هو من تمامه. قال الكندي: # نظرت إليك بعين جازئة ... حوراء حانية على طفل # أخذه المسيب بن علس فقال: # نظرت إليك بعين جازئة ... في ms056 ظل فاردة من السدر # PageV01P036 # لم يقنعه قبح هذا الأخذ لفظا ومعنى حتى أتى فيه بما لا حاجة له إليه، لأن ~~حسن أعين الظباء لا تعلق له بظل السدر، وليس في ذلك ما ليس له في غيره. ~~والكندي لما وصف عينها بعين الجازئة، وهي الظبية التي قد اجتزأت بالرطب عن ~~الماء ذكر أنها حوراء ثم وصفها بأنها حانية على طفل، وفي حنوها على ولدها ~~اكتساب طرفها بتروعها عليه وخوفها مما يناله معنى لا يوجد عند سكونها ~~وأمنه، وقد سرق المسيب شيئا وترك ما هو من تمام الكلام، فاعرفه. # السابع: رجحان كلام المأخوذ عنه على كلام الآخذ منه. قال مسلم: # أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل # فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل # أخذه الطائي فقال: # قال لي الناصحون وهو مقال ... ذم من كان جاهلا إطراء # صدقوا، في الهجاء رفعة أقوا ... م طغام فليس عندي هجاء # وبين الكلامين بون بعيد لا تحتاج الى إيضاحه لارتفاع الشك في بيانه. # الثامن: نقل العذب من القوافي الى المستكره الجافي. قال المتلمس: # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما # أخذه عمرو بن شأس بجملته وختمه بقافية مستكرهة، فقال: # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لقد أزم # أزم: اشتد وعض، وهي لفظة غير عذبة. # التاسع: نقل ما يعود على البحث والانتقاد الى تقصير ظاهر أو فساد. قال ~~أبو العتاهية: # إني أعوذ من التي شعفت ... مني الفؤاد بآية الكرسي # وآية الكرسي إنما تهرب منها الشياطين ويحترس بها من الغيلان فهل التي ~~شعفت فؤاده كانت من هذا القبيل؟ وقال الأعشى: # فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبة قلبه وطحالها # أما ذكر القلب والفؤاد فلا ريب أنه يتردد كثيرا في الشعر عند ذكر الهوى ~~والمحبة والشوق، وما يجده المغرم في هذه الأعضاء من الألم والحرارة والكرب. ~~وأما الطحال فما رأينا أحدا استعمل ذكره في هذه الأحوال، إذ لا صنع له فيها ~~ولا هو مما ينسب الى حركة في حزن ms057 أو عشق، ولا الى سكون عند فرج أو ظفر، ~~ففساد ذكر الطحال ظاهر في هذه الحال. وقال الآخر: # لما تخايلت الحمول حسبتها ... دوما بأيلة ناعما مكموما # ذكر أن الدوم، وهو شجر المقل، مكموم وإنما تكمم النخل. وفي هذا الباب ~~للعرب وغيرهم أشعار لا يحيط بجملتها باحث ولا مختار. # العاشر: أخذ اللفظ المدعى هو ومعناه معا. وهو أقبح وجوه السرقات وأشنعها ~~وأدناها منزلة وأوضعها فمن ذلك قول الكندي: # وعنس كألواح الإران نسأتها ... على لاحب كالبرد ذي الحبرات # أخذه طرفة - الذي قال: وشر الناس من سرقا - فقال: # أمون كألواح الإران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد # وقال الحطيئة: # إذا حدثت أن الذي بي قاتلي ... من الحب قالت ثابت ويزيد # أخذه جميل فقال: # إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب، قالت ثابت ويزيد # وقال مسلم بن الوليد: # يقول صحبي وقد جدوا على عجل ... والخيل تستن بالركبان في اللجم # أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الكرم # أخذه أبو تمام فقال: # يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطى المهرية القود # أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود # PageV01P037 # فهذه وجوه السرقات قد حدرت لك لثامها، وألقيت إليك زمامها، فقل أن تجد من ~~يعرف أقسامها، أو يستمطر غمامها، ولا تجد إلا من إذا ظفر ببيت مسروق لم يدر ~~أمن المحمود هو أم من المذموم، وهل شاعره بالمعذور فيه أم بالملوم، فاعرفه. # وأما التوارد فهو اتفاق الخواطر في البيت والبيتين، وإنما سموه تواردا ~~أنفة من ذكر السرقة وتكبرا عن السمة بها. قال علقمة بن عبدة: # أم هل كبير بكى، لم يقض عبرته ... إثر الأحبة، يوم البين مشكوم # وقال أوس بن حجر: # أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين معذور # وقال طرفة: # فلولا ثلاث هن من حاجة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي # وقال نهيك: # ولولا ثلاث هن من حاجة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام رامسي # وقال مزاحم العقيلي: # تكاد مغانيها ms058 تقول من البلى ... لسائلها عن أهلها لا تعمل # وقال ضابئ: # تكاد مغانيها تقول من البلى ... لسائلها عن أهلها ولا تعملا # وقال عدي بن زيد: # وعاذلة هبت بليل تلومني ... فلما غلت في اللوم قلت لها اقصدي # وقال عمرو بن شأس: # وعاذلة هبت بليل تلومني ... فلما غلت في اللوم قلت لها مها # وقال أوس بن حجر: # حرف أخوها أبوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء مئشير # وقال كعب بن زهير: # حرف أخوها أبوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل # وقال كعب الأشقري: # لم يركبوا الخيل إلا بعدما هرموا ... فهم ثقال على أكتافها ميل # وقال جرير: # لم يركبوا الخيل إلا بعدما هرموا ... فهم ثقال على أكتافها عزف # ومثل هذه الأبيات في أشعار العرب أكثر من أن تحصى وأعظم من أن تستقصى، ~~وأنا لا أعد ذلك تواردا اتفقت عليه الخواطر، وتشابهت فيه الضمائر، بل أعده ~~سرقة محضة وإغارة على الأشعار مرفضة. وقد أورد ابن السكيت قول امرئ القيس: ~~وقوفا بها صحبي البيت، وقول طرفة في باب السرقات، والذي ذهب إليه هو ~~الصحيح، وإنما يتفق للشاعرين معنى ويلزمان أن ينظماه على قافية واحدة فربما ~~تواردا في بعض الكلام. من ذلك ما حكاه أبو القاسم الأندلسي وغيره في أشعار ~~المغاربة، قال: كان بين يدي محمد بن عباد صاحب الغرب جارية في يدها كأس وهي ~~تسقيه، فلمع البرق فارتاعت له فسقط الكأس من يدها فقال مرتجلا: # روعها البرق وفي كفها ... برق من القهوة لماع # يا ليت شعري وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع # ثم قال لبعض خدمه: من على باب القصر من الشعراء؟ فقال: عبد الجليل بن ~~وهبون، فأمه بإحضاره. فلما مثل بين يديه قص عليه القصة وأنشده البيت الأول ~~وقال له: أجزه فأنشأ: # ولن ترى أعجب من آنس ... من مثلها ما يمسك يرتاع # ومثل هذا يمكن أن يقع ولا ينكر ولا يدفع. # وحكى الأندلسي قال: حدثني محمد بن شرف القيرواني قال: أمرني المعز بن ~~باديس وأمر حسن بن رشيق في وقت واحد أن نصف الموز في ms059 شعر على حرف الغين، ~~فجلس كل واحد منا بنجوة عن صاحبه بحيث لا يقف أحدنا على ما يصنعه الآخر، ~~فلما فرغنا من الشعر عرضناه عليه، فكان الذي صنعته أنا: # يا حبذا الموز وإسعاده ... من قبل أن يمضغه الماضغ # لان فما ندرك جسا له ... فالفم ملآن به فارغ # سيان قلنا مأكل طيب ... فيه وإلا مشرب سائغ # وكان الذي صنعه ابن رشيق: # موز سريع سوغه ... من قبل مضغ الماضغ # مأكلة لآكل ... ومشرب لسائغ # فالفم من لين به ... ملآن مثل فارغ # PageV01P038 # هذا هو الممكن في التوارد، واتفاق الخواطر. وحكى القيرواني قال: ثم أمرنا ~~للوقت أن نعمل فيه أيضا على حرف الذال فعملنا على القاعدة الأولى، فكان ما ~~عملته أنا: # هل لك في موز إذا ... ذقناه قلنا حبذا # فيه شراب وغذا ... يريك كالماء القذا # لو مات من تلذذا ... به لقيل ذا بذا # وكان ما عمله ابن رشيق: # لله موز لذيذ ... يعيذه المستعيذ # فواكه وشراب ... به يفيق الوقيذ # يرى قذى العين فيه ... كما يريها النبيذ # الشعر ضعيف جدا، وما أردنا بإيراده إلا تمثيل الموارد كيف تكون، وفي هذا ~~التمثيل كفاية. ### | 31 - # وأما النقد فإنه في الشعر يدل على فطنة العالم وضياء حسه وتوقد ذكائه. ~~وللعلماء في ذلك أقوال حسنة وكلام مفيد، وهو كثير غزير، وإنما نذكر منه ~~اليسير ونجعله دليلا على الكثير. # قيل: تنازع علقمة بن عبدة وامرؤ القيس في الشعر وأيهما أشعر من الآخر، ~~فقال علقمة: قد رضيت بزوجتك أم جندب حكما بيني وبينك، فقالت أم جندب: قولا ~~شعرا وصفا فيه فرسيكما على قافية واحدة وروي واحد. فقال امرؤ القيس: # خليلي مرا بي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب # وقال علقمة: # ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقا طول هذا التجنب # وأنشداها القصيدتين فقالت لامرئ القيس: علقمة أشعر منك، قال لها: وكيف ~~ذاك؟ فقالت: لأنك قلت: # فللزجر ألهوب وللساق درة ... وللسوط منه وقع أخرج مهذب # الأخرج: الظليم وهو ذكر النعام، والأنثى خرجاء. والأخرج: الرماد، ومنه ~~شبه، ومهذب أي مسرع في عدوه. ms060 قالت: فجهدت فرسك بزجرك ومريته فأتعبته بساقك ~~وسوطك، وقال علقمة: # فأدركهن ثانيا من عنانه ... يمر كمر الرائح المتحلب # فأدرك فرسه ثانيا من عنانه ولم يضربه بسوط ولم يتعبه. فغضب عليها امرؤ ~~القيس وطلقها، فتزوجها علقمة فسمي الفحل لميزته في باقي الشعراء كميزة ~~الفحل على باقي الإبل. # وأنشد الأصمعي قول امرئ القيس: # رب رام من بني ثعل ... مخرج زنديه من ستره # فقال: أما علم أن الصائد أشد ختلا من أن يظهر شيئا منه! ثم قال: فكفيه، ~~إن كان لابد، أصلح. فترك الرواة زنديه ورووا كفيه على ما فيه. وقيل: كان ~~النابغة الذبياني تضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض ~~عليه أشعارها. فأول من أنشده الأعشى ميمون بن قيس، ثم أنشده حسان بن ثابت ~~الأنصاري قوله: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالا واكرم بنا ابنما # فقال له النابغة: أنت شاعر ولكنك أقللت جفانك وأسيافك وفخرت بمن ولدت ولم ~~تفخر بمن ولدك. هذا هو النقد الجليل الذي يدل عليه نقاء كلام النابغة. ~~والمعنى أنه قال له: أقللت أسيافك، وأسياف جمع لأدنى العدد، والكثير سيوف، ~~والجفنات لأدنى العدد، والكثير جفان. وقال: فخرت بمن ولدت؛ لأنه ترك الفخر ~~بآبائه وفخر بمن ولد نساؤه. وقيل في رواية غير موثوق بها: إنه قال له: ~~وقلت: لنا الجفنات الغر، والغرة لمعة بياض في الجفنة، ولو قلت: لنا الجفنات ~~البيض، كان أحسن لكثرة الدسم عليها، ولو قلت: يلمعن بالدجى، لكان أبلغ، ولو ~~قلت: وأسيافنا يجرين لكان أبلغ من يقطرن لأن الجري أعظم من القطر. وأقول إن ~~هذه الزيادة عليها اعتراض. والصحيح ما قاله النابغة أولا. # وذكر ابن عباد أبو القاسم رحمه الله تعالى ورضي عنه أن أبا الفضل بن ~~العميد كان يتجاوز نقد الأبيات الى نقد الحروف والكلمات، ولا يرضى بتهذيب ~~المعنى واللفظ حتى يطالب بتحبير القافية والوزن، وقال: أنشدت يوما بحضرته ~~كلمة أبي تمام التي أولها: # PageV01P039 # شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت ms061 كما محت وشائع من برد # حتى انتهيت الى قوله: # كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي ومتى ما لمته، لمته وحدي # فقال: هل تعرف في هذا البيت عيبا؟ قلت: نعم، قابل المدح باللوم فلم يوف ~~التطبيق حقه إذ حق المدح أن يقابل بالهجو والذم، فقال: غير هذا أردت، قلت: ~~ما أعرف، قال: أحد ما يحتاج إليه في الشعر سلامة حروف اللفظ من الثقل، وهذا ~~التكرير في أمدحه، أمدحه مع الجمع بين الحاء والهء مرتين، وهما من حروف ~~الحلق، خارج عن حد الاعتدال، نافر كل النفار. قلت: هذا لا يدركه إلا من ~~انقادت وجوه العلم له وأنهضه الى ذراها طبعه. # قيل: وسمع الأصمعي قول الأعشى: # كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل # فقال: لقد جعلها خراجة ولاجة، هلا قال كما قال الآخر: # ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتل عن إتيانهن فتعذر # وأقول: إن نقد الشعر صناعة لا يعرفها حق معرفتها إلا من قد دفع الى مضائق ~~القريض وتجرع غصص اعتياصه عليه، وعرف كيف يتقحم مهاويه ويترامى إليه. قال ~~أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: قال لي عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير قال ~~لي مروان بن أبي حفصة: إن المأمون لا بصيرة له بالشعر، قلت له: وكيف ذاك، ~~وإنا لننشده صدر البيت فيسبقنا الى عجزه ولم يكن قد سمعه من قبل؟ قال: إني ~~قلت فيه شعرا جيدا فلم يهتز له، قال: فقلت له: وما الذي قلت فيه؟ فأنشدني: # أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل # قال: فقلت له: ما صنعت شيئا، وما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها ~~بيدها سبحتها، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان الخليفة مشغولا عنها، وهو ~~المطوق أمرها؟ هلا قلت كما قال عمك جرير في عبد العزيز بن الوليد بن عبد ~~الملك: # فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله # وهذا نقد حسن. # وحكى أبو عثمان الجاحظ قال: طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يعرف ~~إلا غريبه، ms062 فرجعت الى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي ~~عبيدة فرأيته لا ينفذ إلا فيما اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب، فلم ~~أظفر بما أردت، إلا عند أدباء الكتاب؛ كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك ~~الزيات، فلله در أبي عثمان، لقد غاص على سر الشعر، واستخرج أدق من السحر، ~~والشاعر يحكم له على الشاعر ببيت واحد، والبيت يفضل على البيت بكلمة واحدة، ~~ألا ترى الى قول امرئ القيس: # وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل # وقول طرفة البيت بجملته، ثم ختمه بقوله: وتجلد، وهما شاعران مفلقان، ~~وقدرنا أنهما قد تواردا، ولم نحكم على طرفة بالسرقة، ودعينا الى الحكم ~~بينهما، وتفضيل أحد البيتين على الآخر، وليس فيهما من الاختلاف سوى التجمل ~~والتجلد. فمن النقد الحسن تفضيل التجمل على التجلد، والحكم بالبيت لصاحبه، ~~لأن التجمل إبداء تحسن عن قوة ومادة متصلة من المكنة. والتجلد إبدا تحسن عن ~~ضعف، ومادة متصلة من العجز، وبين اللفظتين بون بعيد. ولو دعينا الى الحكم ~~بين لقيط بن زرارة ومن حذا حذوه في قوله: # فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ليبقى وما أبقيت مثل المحامد # وقول الحكمي: # فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور # وقول الآخر: # فتى يشتري حسن الثناء بماله ... إذا السنة الشهباء قل قطارها # PageV01P040 # لأوجب النقد أن يحكم باستحقاق التفضيل لصاحب البيت الأخير، وذاك أن لقيط ~~بن زرارة ختم بيته بمثل جيد، وأبا نواس ختم بيته بتأكيد الكرم، ومعناه: أن ~~الممدوح يشتري الثناء بماله على علم أنه يجوز أن يفتقر، أو يحتاج الى غيره، ~~كما احتاج غيره إليه. وأما الآخر فذكر أنه يعطي ماله ويشتري به الثناء في ~~الوقت الشديد الذي يجب أن يحفظ الإنسان فيه ماله لشدة الحاجة إليه، وإذا ~~كان يعطيه في مثل هذا الوقت الصعب ويبذله أيام القحط والجدب، فكيف يكون في ~~زمان الخصب وتوفر الخير والمير. وبمثل هذه الخصلة حكم لحاتم بن عبد الله ~~الطائي بالجود. وكان حاتم ظفرا: إذا قاتل غلب، وإذا سئل وهب، ms063 وإذا غنم ~~أنهب، وإذا أسر أطلق، وإذا أثرى أنفق. وكان قد أقسم بالله تعالى ألا يقتل ~~واحد أمه. وحدث محمد بن حبيب عن موسى الأحول عن الهيثم عن ملحان ابن أخي ~~ماوية امرأة حاتم عن عمته ماوية قالت: أصاب الناس سنة أذهبت الخف والظلف، ~~فبتنا ذات ليلة بأشد جوع ولسنا نملك شيئا، فأخذ حاتم عديا وأخذت سفانة، ~~فعللناهما حتى ناما، ثم أخذ حاتم يعللني بالحديث لأنام، فرققت لما به من ~~الجهد، فأمسكت عن كلامه وأوهمته أني قد نمت لينام، فنظر من فتق الخباء، ~~فإذا شخص مقبل، فرفع رأسه فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة، أتيتك من عند ~~صبية جياع، فوثب مسرعا، وقال: هاتيهم، فوالله لأشبعنهم، فلما جاءت بهم وأنا ~~مفكرة فيما يريد أن يصنع، قام عجلا الى فرسه ولم يكن يملك سواه، فذبحه ~~واشتوى فأشبعهم، ثم قال: والله، إن هذا لهو اللوم، كيف تأكلون وأهل الصرم ~~حالهم كحالكم، فجعل يأتي الصرم بيتا بيتا ويقول: عليكم النار، فاجتمع عليه ~~عدد لم يتركوا منه شيئا وهو متقنع بكسائه قد قعد حجرة، فوالله ما ذاق منه ~~لماظا. فهذا والله الكرم المحض، والجود الخالص، وإذا كان جوده في مثل تلك ~~الحالة هكذا فكيف يكون في سواها. # هذا آخر الفصل الأول، ولعل الناظر فيه يستطيل أبوابه ويستعظم إسهابه، ~~خصوصا وقد اشترطنا في أوله الاختصار ووعدنا أن نتجنب الإكثار، ولو علم ~~الناظر فيه ما قد خلفناه بعدنا ونبذناه وراءنا من المعاني الغريبة، ~~والأشعار العجيبة، لعرف موضع الاختصار، ووفاء ما وعدنا به من الاقتصار. هذا ~~مع الإعراض عن كثير من أشعار المحدثين والمتقدمين من المجيدين. والله ~~الموفق للصواب. ### | الفصل الثاني ### | فيما يجوز للشاعر استعماله وما لا يجوز ### | وما يدرك به صواب القول ويجوز # الذي يجوز للشاعر المولد استعماله في شعره من الضرورة هو جميع ما ~~استعملته العرب في أشعارها من الضرورات سوى ما أستثنيه لك، وأبينه لديك. ~~والمولد في ضرورات شعره وارتكاب صعابها أعذر من العربي الذي يقول في لغته ~~بطبعه. # أما الذي لا يجوز للمولد استعماله، ms064 ولا يسامح في ارتكابه فهو جميع ما ~~يأتي عن العرب لحنا لا تسيغه العربية ولا يجوزه أهلها سواء كان في أثناء ~~البيت أو في قافيته، فإن اللحن لا يجوز الاقتداء به، ولا النزول في شعبه. # فمن ذلك اللحن الذي سموه جرا على المجاورة. قال الشاعر: # فيا معشر الأعراب إن جاز شربكم ... فلا تشربوا ما حج لله راكب # شرابا لغزوان الخبيث فإنه ... يناهيكم منه بأيمان كاذب # وهذا لحن قبيح، وصوابه ما حج لله راكب. وقال آخر: # أطوف بها لا أرى غيرها ... كما طاف بالبيعة الراهب # جعل الراهب مرورا على الجوار وهو لحن قبيح، وصوابه: كما طاف بالبيعة ~~الراهب. وقال آخر: # كأن نسج العنكبوت المرمل # وصوابه المرملا وأما قول الآخر: # كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل # فله وجه قد ذكره أبو الفتح وهو أنه أراد مزمل فيه، فحذف حرف الجر فارتفع ~~الضمير فاستتر في اسم المفعول، وقد ورد من هذا شيء كثير، كقول الآخر: # PageV01P041 # كأنما ضربت قدام أعينها ... قطنا بمستحصد الأوتار محلوج # وصوابه محلوجا. وكل ذلك إنما أتوا به بناء على ما ورد عن العرب من قولهم: ~~هذا جحر ضب خرب، وليس الخرب من صفة الضب قال الخليل بن أحمد: قولهم: هذا ~~جحر ضب خرب، إنما ورد عنهم من طريق الغلط، والدليل على ذلك أنهم ثنوا لم ~~يقولوا إلا جحرا ضب خربان، لأن الغلط ههنا يبين، وإنما وقع في الواحد ~~لاجتماع الجحر والضب في الإفراد. وكذلك إذا جمعوا فإن الغلط يرتفع نحو ~~قولك: هذه جحرة ضباب خربة. والمحققون من أهل العلم لا يجيزون العمل على ~~الجوار، وما نحن بالمغلبين قولا على قول، ولا لنا في ذلك غرض، وإنما المولد ~~من الشعراء لا يجوز له العمل على المجاورة، ولا ود ذلك لأحد من المولدين ~~المجيدين، ولا أجاز العلماء بالشعر لهم ذلك، سواء كانت العرب أصابت فيه أو ~~أخطأت، المقصود أنه محظور على المولدين. # ومما لا يجوز للمولدين استعماله، ما استعملته العرب من التقديم والتأخير، ~~والفصل الذي لا وجه لشيء ms065 منه، ولا يجوز للمولد الحذو عليه، ولا الاقتداء ~~به، فإنه لحن مستقبح، كقول الشاعر: # لها مقلتا حوراء طل خميلة ... من الوحش ما تنفك ترعى عرارها # أراد: لها مقلتا حوراء من الوحش ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها. وقال ~~الآخر: # فقد والشك بين لي عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح # أراد: فقد بين لي صرد يصيح بوشك فراقهم والشك عناء. وقال الآخر: # فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرا رسومها قلما # أراد: فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قلما خط رسومها ومثل ذلك كثير. وقد ترى ~~ما في هذه الأبيات من الفصول والتقديم والتأخير، ومثل هذا لا يجوز للأعراب ~~المتقدمين فضلا عن المولدين المتأخرين. ولا يجوز لأحد أن يتخذه رسما يعمل ~~عليه. # ومما لا يجوز للمولدين الاقتداء به ولا العمل عليه لأنه لحن فاحش الإقواء ~~في القافية، وذاك أن يعمل الشاعر بيتا مرفوعا وبيتا مجرورا، كقول النابغة: # أمن آل مية رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزود # زعم البوارح أن رحلتنا غدا ... وبذاك خبرنا الغراب الأسود # ويا للعجب كيف ذهب ذلك عن النابغة مع حسن نقده للشعر وصحة ذوقه وإدراكه ~~لغوامض أسراره، وقد عرفت ما أخذه عن حسان بن ثابت مما تحار الأفكار فيه، ~~ولما نبه على موضع الخطأ لم يصل الى فهمه ولم يأبه له حتى غنت به قينة وهو ~~حاضر، فلما مددت، خبرنا الغراب الأسود، وبينت الضمة في الأسود بعد الدال ~~فطن لذلك وعلم أنه مقو فغيره وقال: وبذاك تنعاب الغراب الأسود. وكقول مزرد ~~بن ضرار من أبيات: # ألم تعلم الثعلاء لا در درها ... فزارة أن الحق للضيف واجب # ومنه: # تشازرت فاستشرفته فرأيته ... فقلت له: آأنت زيد الأرانب؟ # وكقول حسان بن ثابت: # لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير # كأنهم قصب جوف أسافله ... مثقب نفخت فيه الأعاصير # ولا يكون النصب مع الجر ولا مع الرفع في الإقواء. ولعمري إن الجميع لحن ~~مردود، ولا ورد عنهم شيء من ذلك، وإنما يجتمع الرفع والجر لقرب كل واحد ~~منهما من ms066 صاحبه. ولأن الواو تدغم في الياء، وأنهما يجوزان في الردف في ~~قصيدة واحدة، فلما قربت الواو من الياء هذا القرب تخيلوا جوازها معها وهو ~~خطأ وغلط، وليس للمقيد مجرى، أعني حركة حرف الروي، وإنما هو للمطلق، وأظن ~~أن من ارتكب الإقواء من العرب لم يكن ينشد الشعر مطلقا، بل ينشده مقيدا ~~ويقف على قافيته، كقول دريد بن الصمة: # نظرت إليه والرماح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممدد # فأرهبت عنه القوم حتى تبددوا ... وحتى علاني حالك اللون أسود # PageV01P042 # وفي الجملة فهو عذر لا بأس به. # وروى لي بعض مشايخنا، يرفعه الى أبي سعيد السيرافي قال: حضرت في مجلس أبي ~~بكر بن دريد، ولم أكن قبل ذلك رأيته، فجلست في ذيل المجلس، فأنشد أحد ~~الحاضرين بيتين يعزوان الى آدم عليه السلام لما قتل ابنه قابيل أخاه هابيل ~~وهما: # تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي حسن وطيب ... وقل بشاشة الوجه المليح # فقال أبو بكر: هذا شعر قد قيل في صدر الدنيا وجاء فيه الإقواء، فقلت: إن ~~له وجها يخرجه من الإقواء. فقال: ما هو؟ فقلت: حذف التنوين من بشاشة ~~لالتقاء الساكنين ونصبها على التفسير، ورفع الوجه بإسناد قل إليه. ولو حرك ~~التنوين لالتقاء الساكنين لكان: وقل بشاشة الوجه المليح. فقال لما سمع هذا: ~~ارتفع، فرفعني حتى أقعدني الى جنبه. # ومما لا يجوز للمولدين استعماله، ولا ورد لأحد رخصة في مثله: الإكفاء، ~~وهو اختلاف حرف الروي، ومثال ذلك قول الراجز: # بني إن البر شيء هين ... المنطق الطيب والطعيم # وقول آخر: # إن يأتني لص فإني لص ... أطلس مثل الذئب إذ يعتس # سوقي حدائي وصفيري النس # ومما لا يجوز للمولد استعماله الإيطاء: وهو أن يقفي الشاعر بكلمة في بيت ~~ثم يأتي بها في بيت آخر يكون قريبا من الأول، فإن تباعد ما بين البيتين بما ~~قدره عشرة أبيات فصاعدا، كان الذنب مغفورا، والعيب مستورا، وانتقل من ~~المحظور الى الكراهية فإن كان إحدى القافيتين معرفة والأخرى نكرة فقد زالت ~~الكراهية وكان الى ms067 الجواز أقرب من الامتناع وقد أوطأت العرب كثيرا. قال ~~النابغة الذبياني: # أو أضع البيت في خرساء مظلمة ... تقيد العير لا يسري بها الساري # ثم قال بعد أبيات يسيرة: # لا يخفض الرز عن أرض ألم بها ... ولا يضل على مصباحه الساري # وقال ابن مقبل: # أو كاهتزاز رديني تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا # ثم قال بعد أبيات: # نازعت ألبابها لبي بمقتصر ... من الأحاديث حتى زدنني لينا # ومما لا يجوز للمولد استعماله السناد: وهو اختلاف كل حركة قبل حرف الروي، ~~كقول عمرو بن الأهتم التغلبي: # ألم تر أن تغلب أهل عز ... جبال معاقل ما يرتقينا # شربنا من دماء بني سليم ... بأطراف القنا حتى روينا # ففتحة القاف وكسرة الواو سناد لا يجوز، لأن أحد الحذوين يتابع الردف ~~والآخر يخالفه. وقد أجاز الخليل الضمة مع الكسرة ومنع من الضمة مع الفتحة، ~~فإن كان مع الفتحة ضمة أو كسرة فهو سناد. فأم الذي جوزه فكقول طرفة: # أرق العين خيال لم يقر ... عاف والركب بصحراء يسر # فهذه ضمة مع كسرة وهو جيد. وأما الذي منع منه وذكر أنه سناد فكقول رؤبة: # وقاتم الأعماق خاوي المخترق # ثم قال: # ألف شتى ليس بالراعي الحمق # فجمع بين الفتحة والكسرة. # ثم قال: # مضبورة قرواء هرجاب فنق # فأتى بالضمة مع الفتحة والكسرة، وهو سناد قبيح لا يجوز استعمال مثله، ~~ومثله في القبح والجمع بين الكسرة والفتحة والضمة وقول الأعشى: # غزاتك بالخيل أرض العد ... و فاليوم من غزوة لم تخم # وجيشهم ينظرون الصبا ... ح وجذعانها كلفيظ العجم # قعودا بما كان من لأمة ... وهن قيام يلكن اللجم # وحكى أبو عمر الجرمي أن الأخفش لم يكن يرى ذلك سنادا ويقول: قد كثر مجيء ~~ذلك من فصحاء العرب. والمعول على ما قاله الخليل لا غير. وأجاز الخليل مجيء ~~الياء مع الواو في مثل مشيب وخطوب، وأمير ووعور، فإن أردفت بيتا وتركت آخر ~~فهو سناد وعيب لا ينسج على منواله كقول الشاعر: # إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه # PageV01P043 # وإن باب أمر عليك التوى ms068 ... فشاور لبيبا ولا تعصه # فالواو التي في توصه ردف، والصاد حرف الروي، وابيت الثاني لي بمردف، فهذا ~~سناد، وهو عيب قبيح قلما جاء. وقال الخليل بن أحمد: رتبت البيت من الشعر ~~ترتيب البيت من الشعر يريد الخباء، قال: فسميت الإقواء ما جاء من المرفوع ~~في الشعر والمخفوض على قافية واحدة. وإنما سميته إقواء لمخالفته، لأن العرب ~~تقول: أقوى الفاتل إذا جاءت قوة من الحبل تخالف سائر القوى. قال: وسميت ~~تغير ما قبل حرف الروي سنادا؛ من مساندة بيت الى بيت إذا كان كل واحد منهما ~~ملقى على صاحبه، ليس هو مستويا كهذا، قال: وسميت الإكفاء ما اضطرب حرف رويه ~~فجاء مرة نونا ومرة ميما ومرة لاما، وتفعل العرب ذلك لقرب مخرج الميم من ~~النون، كقوله: # بنات وطاء على خد الليل ... لا يشتكين ألما ما انقين # مأخوذ من قولهم: بيت مكفأ إذا اختلفت شقاقه التي في مؤخره والكفاء: الشقة ~~في مؤخر البيت. والإيطاء رد القافية مرتين، كقوله: # ويخزيك يا ابن القين أيام دارم ... وعمرو بن عمرو إذ دعا يال دارم # أوطأ قافية على قافية سماه إيطاء. # وأما التضمين فهو أن يبنى البيت على كلام يكون معناه في بيت يتلوه من ~~بعده مقتضيا له. كقول الشاعر: # وسعد فسائلهم والرباب ... وسائل هوازن عن إذا ما # لقيناهم كيف تعلوهم ... بواتر يفرين بيضا وهاما # وكل هذه العيوب لا يجوز للمولدين ارتكابها لأنهم قد عرفوا قبحها، وشاهدوا ~~في غيرهم لذعها ولفحها، والبدوي لم يأبه لها. # ومما لا يجوز للمولد استعماله كسر نون الجمع في مثل قول جرير: # عرين من عرينة ليس منا ... برئت الى عرينة من عرين # عرفنا جعفرا وبني عبيد ... وأنكرنا زعانف آخرين # وهذا لحن، وصوابه آخرين، مفتوح النون. وقال سحيم بن وثيل: # عذرت البزل إن هي خاطرتني ... فما بالي وبال ابني لبون # وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت رأس الأربعين # والصواب فتح نون الأربعين. وقال الفرزدق يخاطب الحجاج بن يوسف لما أتاه ~~نعي أخيه محمد في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد: # إني لباك ms069 على ابني يوسف جزعا ... ومثل فقدهما للدين يبكيني # ما سد حي ولا ميت مسدهما ... إلا الخلائف من بعد النبيين # فكسر نون النبيين، والصواب فتحها. وللمبرد على ذلك كلام. وكل هذا لا يجوز ~~للمولد الحذو عليه ولا الاحتجاج به. ولذلك يقول السيد الحميري: # وإن لساني مقول لا يخونني ... وإني لما آتي من الأمر متقن # أحوك ولا أقوي ولست بلاحن ... وكم قائل للشعر يقوي ويلحن # وقال عدي بن الرقاع: # وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها # نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها # وأنشد أبو بكر الصولي قال: أنشدني عون بن محمد الكندي لبعضهم وملح: # لقد كان في عينيك يا عمرو شاغل ... وأنف كثيل العود عما تتبع # تتبعت لحنا في كلام مرقش ... ووجهك مبني على اللحن أجمع # فعيناك إقواء وأنفك مكفأ ... ووجهك إيطاء فأنت المرقع # ويروى: # أذناك إقواء وأنفك مكفأ ... وعيناك إيطاء فأنت المرقع # وقال ابن جريج في سوار بن أبي شراعة: # وذكرك في الشعر مثل السنا ... د والخرم والخزم أو كالمحال # وإيطاء شعر وإكافؤه ... وإقواؤه دون ذكر الرذال # وما عيب شعر بعيب له ... كأن يبتلى برجال السفال # PageV01P044 # يتاح الهجاء لهاجي الهجا ... ء داء عضالا لداء عضال # وقد أوردنا هذه الأبيات لموضع استقباح عيوبها وتشبيه أحوال المهجو به ~~تأكيدا لقبحها في النفس وتحريضا على اجتنابها لرفع اللبس. # ومما يجوز للشاعر المولد ارتكابه من الضرورة في شعره أن يصرف ما لا ينصرف ~~لأن أصل الأسماء كلها الصرف، وإنما طرأت عليها علل منعتها من الصرف، فإذا ~~صرف الشاعر ما لا ينصرف فقد رده الى أصله. قال الشعر: # لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعد ولم تغذ دعد بالعلب # العلب جمع علبة وهي قدح من خشب ضخم يحلب فيه، فصرف دعدا وترك الصرف في ~~بيت واحد. وأما أن يأتي الشاعر الى ما ينصرف فيترك صرفه فلا يجوز لأنه ~~إخراج الشيء عن أصله، وإخراج الأشياء عن أصولها يفسد مقاييس الكلام فيها. ~~واحتج الأخفش على جواز ذلك بقول العباس بن مرداس السلمي وهو: # فما كان ms070 حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع # فترك صرف مرداس وهو اسم منصرف. وقال أبو علي: هذا لا يقاس عليه، وأقول: ~~إن هذا لا يجوز فعله لأنه لحن قبيح. # ومما يجوز للشاعر المولد استعماله ضرورة قصر الممدود ولا يجوز له مد ~~المقصور لأنه خروج عن الأصل، وأماقصر الممدود فهو رد الشيء الى أصله. قال ~~الشاعر: # بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل # فقصر البكاء ومده في بيت واحد. # ومما لا يجوز الاحتجاج به في مد المقصور؛ لأنه على غير أصل الوضع الذي ~~اتفق العلماء عليه قول الفرزدق: # أبا حاضر من يزن يظهر زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا # فمد الزنى وهو ممدود في لغة أهل نجد، والقصر فيه لأهل الحجاز وهي لغة ~~القرآن وعليها الاعتماد وعلة من مد الزنى أنه جعله فعلا من اثنين، كقولك ~~راميته رماء وزانيته زناء، ومن قصره ذهب الى أن الفعل من أحدهما؛ وفي ~~الجملة فإنه منقول مقول لا يقاس غيره عليه، ويكتب الزنى في القصر بالياء ~~لأنه من: زنى يزني. فأما قول الآخر: # سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء # فالرواية الصحيحة أن يكون أوله مفتوحا لأن معنى الغنى والغناء واحد، ~~والشعر إذا اضطر الى مد المقصور غير أوله ووجهه إلى ما يجوز استعماله، كقول ~~الراجز: # والمرء يبليه بلاء السربال ... كر الليالي وانتقال الأحوال # فلما فتح الباء من البلى ساغ له المد. ومثل هذا كثير. # ويجوز للشاعر الاجتزاء بالضمة عن الواو ضرورة كقول الشاعر: # فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط ذلول؟ # كان الأصل: فبينا هو، فلما اجتزأ بالضمة حذف الواو. # ويجوز للشاعر المولد أن يرد المنقوص الى أصله في الإعراب ضرورة، فيضم ~~الياء في الرفع ويكسرها في الجر، كما تفتح في النصب لأن الضمة والكسرة ~~منويتان مقدرتان في الياء وإن سقطتا، فيقول في قاض في حال الرفع قاضي وفي ~~حال الجر قاضي، غير مهموز، وكذلك في جواري وغواني. قال الشاعر: # تراه وقد فات الرماة كأنه ... أمام الكلاب ms071 مصغي الخد أصلم # فضم ياء مصغ. وقال عبيد الله بن قيس الرقيات: # لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب # فكسر الياء في الغواني. وقال الآخر: # ما إن رأيت ولا أرى في مدتي ... كجواري يلعبن في الصحراء # فاستعمل ضرورتين: إحداهما كسر الياء، والأخرى صرف ما لا ينصرف. فأما قول ~~الفرزدق: # فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا # فتقديره أنه وقف على الياء على مذهب من يقف عليها من العرب. فلما تم ~~الاسم برجوع لامه امتنع حينئذ من الصرف لأن وزنه صار بالياء مفاعل بعد ما ~~كان مفاع، فلما اضطر الى حركته لإقامة الوزن فتحه في موضع الجر كما تفتح ~~مساجد. # فأما قول الراجز: # يحدو ثماني مولعا بلقاحها # PageV01P045 # فإن الشاعر شبه ثمان بجوار لفظا لا معنى فلم يصرفه. ويجوز للمولد أن يسكن ~~الياء في حال النصب فيلحق المنصوب بالمرفوع والمجرور، كما جاز له أن يحرك ~~الياء في حال الرفع والجر فيلحق المرفوع والمجرور بالمنصوب. قال أبو العباس ~~المبرد: هذا من أحسن الضرورات لأنهم شبهوا الياء بالألف، يعني أنهم إذا ~~أسكنوها في الأحوال الثلاث جرى المنقوص مجرى المقصور فصارت الياء كالأف؛ إذ ~~الألف ساكنة في جميع أحوالها قال الشاعر: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا # أسكن الياء في موالينا وهي في موضع نصب. وقال الآخر: # كأن أيديهن بالقاع القرق ... أيدي جوار يتعاطين الورق # أسكن الياء في أيديهن وهي في محل النصب وأسكنها في أيدي وهي في محل ~~الرفع. قال الحطيئة: # يا دار هند عفت إلا أثافيها # وقال الفرزدق: # يقلب رأسا لم يكن رأس سيد ... وعينا له حولاء باد عيوبها # أراد باديا عيوبها فأسكن الياء وحذفها لالتقاء الساكنين. ويجوز في قول ~~الآخر وقد تقدم ذكره: # يحدو ثماني مولعا بلقاحها # أن تسكن الياء ثم تحذف لأجل التنوين فيكون محمولا على هذه الضرورة فتقول: # يحدو ثمان مولعا بلقاحها # ومما يجوز للشاعر المولد استعماله، إثبات الواو والياء في مثل لم يغز ولم ~~يرم فيقول عند ms072 الضورة: لم يغزو ولم يرمي، كأنه أسكن الواو والياء بعد وجوب ~~الحركة لهما قال الشاعر: # ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد # كان أصله: يأتيك فحذف الضمة وأسكن الياء كما عرفتك. # ومما يجوز استعماله، وهو كثير فاش في الاستعمال، حذف التنوين لالتقاء ~~الساكنين. فمن ذلك قول الشاعر: # حميد الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع # كان ينبغي أن يقول حميد فأسقط التنوين. والأمج الحر والعطش، وأمج موضع. ~~وقال الآخر: # لتجدني بالأمير برا ... وبالقناة مدعسا مكرا # إذا غطيف السلمي فرا # كان يجب أن يقول: إذا غطيف، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقال عبيد ~~الله بن قيس الرقيات: # كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء # تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن حذام العقيلة العذراء # أراد وتبدي العقيلة العذراء عن حذام، والخدام الخلخال أي ترفع ثوبها ~~للهرب، وقال الشاعر: # فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا # حسن حذف التنوين من ذاكر ونصب اسم الله تعالى به ليوافق المعطوف عليه في ~~التنكير. وقال: # وحاتم الطائي وهابالمئي # وكان الواجب أن يقول وحاتم فحذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقد روي عن ~~أبي عمرو في بعض طرقه: (قل هو الله أحد الله الصمد) ، فحذف التنوين من أحد ~~لالتقاء الساكنين، وكذلك حذف التنوين لالتقاء الساكنين في قراءة من قرأ: ~~(وقالت اليهود: عزير ابن الله) على أنه مبتدأ، وابن الله خبره، كقراءة من ~~أثبت التنوين، ولا يكون حذف التنوين منه لامتناع الصرف لأن عزيرا ونحوه ~~ينصرف عربيا كان أو عجميا، وإنما حسن حذف التنوين لالتقاء الساكنين كما حسن ~~حذف حروف اللين لذلك. ألا ترى أنه قد جرى مجراها في: لم يك زيد قائما، ~~وقوله تعالى: (وإن يك كاذبا فعليه كذبه) . وقد أثبت الشاعر نون مئتي درهم ~~ضرورة، فقال: # عندي لها مأتان ثوبا معلما # ويجوز للمولد حذف نون من إذا وليتها اللام الساكنة، كقول الشاعر: # أبلغ أبا دختنوش مألكة ... غيرالذي قد يقال مل كذب # أراد أن يقول: من الكذب، فحذف النون لسكونها وسكون اللام بعدها. قال ms073 ~~المرقش الأكبر: # لم يشج قلبي ملحوادث إ ... لا صاحبي المتروك في تغلم # وقال الآخر: # PageV01P046 # كأنما ملآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من بعدنا عصر # أراد: من الآن، فحذف. وكذلك حذف النجاشي النون من لكن لالتقاء الساكنين ~~فقال: # ولست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل # وإنما حذفوا هذه النون تشبيها بالياء المحذوفة للتخفيف في لا أدر وقوله ~~تعالى: (ذلك ما كنا نبغ) لمضارعتها حروف المد واللين، وقال الراجز: # لم يك شيء يا إلهي قبلكا # فأما قول المتنبي: # جللا كما بي فليك التبريح # وقد ذكرنا شرح هذا البيت في الرسالة العلوية، واستوفينا أقسام ما فيه من ~~العيوب، وإنما نذكر هاهنا وجه قبح حذف النون من فليكن ووجه العذر له وإن ~~كان ضعيفا. قال أبو الفتح: وليس حذف النون من يكن وهي ساكنة قد ضارعت في ~~المخرج والزيادة والسكون والغنة حروف المد فحذفت كما يحذفن، وهي في فليكن ~~التبريح قوية بالحركة، وكان ينبغي ألا يحذفها انقضى كلامه. ومعنى هذا القول ~~أنها لو لم تحذف وجبت حركتها لسكونها وسكون التاء المبدلة من لام التعريف، ~~وإنما حذفت في نحو (وإن يك كاذبا فعليه كذبه) وفي قول الراجز: # لم يك شيء يا إلهي قبلكا # لمضارعتها حروف المد واللين والسكون والغنة، فحذفوها تشبيها بالياء ~~المحذوفة للتخفيف في لا أدر و (ذلك ما كنا نبغ) و (يوم يأت لا تكلم نفس) ~~فإذا زال السكون الذي يوجب شبهها بحروف المد وجب ثباتها كقوله تعالى: (لم ~~يكن الله ليغفر لهم) وقبح حذف النون من فليكن من جهة أخرى وهو أنه حذف ~~النون مع الإدغام وهذا لا يعرف، لأن من قال في بني الحارث: بلحارث، لم يقل ~~في بني النجار: بنجار. ووجه العذر عن المتنبي أن يقال: أما صواب الكلام ~~فإثبات النون متحركة، ولكن ضرورة الشعر دعته الى ذلك. وقد حكى أبو زيد في ~~النوادر عن العرب مثل هذه الضرورة فيما أنشده لحسيل بن عرفطة، قال: # لم يك الحق على أن هاجه ... رسم دار قد تعفى بالسرر ms074 # غير الجدة من عرفانها ... خرق الريح وطوفان المطر # وقد حذف النجاشي نون لكن الخفيفة وهي في موضع حركة في قوله: # فلست بأتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل # وإذا كانت لكن وأصلها لكن قد سوغت الضرورة حذف نونها بعد حذف النون ~~الأخرى، فحذف النون من قوله: فليك التبريح مسامح فيه للضرورة. وأما حذفها ~~مع الإدغام فإننا نحكم بأنه حذف النون من فليكن لغير التقاء الساكنين بل، ~~كما حذفت في قول القطامي: # ولا يك موقف منك الوداعا # وأدخل الساكن المدغم بعد حذفها. ومثله في الرجز القديم: # ومن يك الدهر له بالمرصد # فهذا وجه اجتهاد من يحاول الاعتذار له، وعليه نقض يدحض حجته ويطمس محجته، ~~وليس هذا موضع الكلام فيه. والأصل أن أبا الطيب أخطأ في ذلك وسلك منه ما ~~ليس للمولد سلوه، والواجب أن يتجنب ما سلكه من هذه الضرورة. # ويجوز حذف الياء من الأيدي والنواحي ومن هي للضرورة. وقال الشاعر: # دار لسعدى إذه من هواكا # فحذف الياء من هي لأنه أراد: إذ هي من هواكا. # وقال الشعر: # وطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا # فحذف الياء من الأيدي، كقول الآخر: # كنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عصف الإثمد # فأسقط الياء من نواحي، ومثله: # كفاك كف لا تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما # يريد: تعطي، فحذف الياء، وعليه بيت الكتاب: # وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه # وقد حذفت الواو مع الضم كقول الشعر: # إن الفقير بيننا قاض حكم ... أن نرد الماء إذا غاب النجم # يريد النجوم فحذف الواو واكتفى بالضمة. وقوله: # حتى إذا بلت حلاقيم الحلق # يريد الحلوق، وقال الأخطل: # PageV01P047 # كلمع أيدي مثاكيل مسلبة ... يبدين ضرس بنات الدهر والخطب # يريد الخطوب فحذف الواو واجتزأ بالضمة. # ويجوز تسكين الحروف التي يليها الضمات والكسرات نحو: عضد وفخذ، فيقال: ~~عضد وفخذ، قال الأخطل: # أنتم خيار قريش عند نسبتها ... وأهل بطحائها الأثرون والفرع # أراد الفرع فحرك الراء. وقال الأقيشر الأسدي: # إنما نشرب من أموالنا ... فسلوا الشرطي ما هذا الغصب # أراد الشرطي ms075 بتحريك الراء. ويقال في علم: علم، وفي كرم: كرم، وفي رجل: ~~رجل، وفي ضرب: ضرب، وفي عصر عصر. قال الشاعر: # لو عصر منها البان والمسك انعصر # ويقال في مثلا انطلق: انطلق، تنقل حركة اللام الى القاف وسكون القاف الى ~~اللام، كقول الشاعر: # ألا رب مولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان # فحرك الدال بالفتح لما أسكن اللام. فأما قول الآخر، وهو من أبيات الكتاب: # قواطنا مكة من ورق الحمي # ويروى أوالفا فإنه أراد الحمام فحذف الألف فبقي الحمم، فاجتمع حرفان من ~~جنس واحد فأبدل الميم الثانية ياء كما قالوا: تظنيت بأدلوا الياء من النون. ~~وهذا إنما يجوز استعماله ضرورة في الحمام خاصة نقلا، ولا يجوز القياس عليه ~~في الحمار ولا فيما أشبه ذلك لأنه شاذ. ومما حذف الألف فيه وهو في المفتوح ~~قليل لخفة الألف، قول الشاعر: # مثل النقا لبده صوب الطلل # يريد الطلال فحذف الألف. وقال أبو عثمان في قوله تعالى: (يا أبت) أراد: ~~يا أبتاه، فحذف الألف. وقد ضاعف الشاعر ما لا يجوز أن يضاعف في غير الشعر ~~للضرورة، قال قنعب: # مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضنفوا # وقال الراجز: # الحمد لله العلي الأجلل # وإنما الوجه الصحيح ضنوا والعلي الأجل. وكل هذه الضرورات إنما يرخص ~~للشاعر في استعمالها عند مضايق الكلام واعتياص المرام، لأن الشعر محل ~~ارتكاب الضرورات، واستعمال المحظورات. وقد ألحق الشاعر نون الجمع مع الاسم ~~المضمر، وهو من الضرورات التي لم تستحسن، فقال في مثل الضاربوه الضاربونه، ~~والخائفوه: الخائفونه، والآمروه الآمرونه. قال الشاعر: # هم القائلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا من محدث الأمر مفظعا # فأما حذف الإعراب فلا يجوز للعربي فضلا عن المولد قال الراجز: # إذا اعوججن قلت صاحب قوم ... بالدو أمثال السفين العوم # وأنشد سيبويه: # فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل # يريد: أشرب، فحذف الضمة وهو لحن، والرواية الصحيحة فيه: فاليوم فاشرب غير ~~مستحقب. # وأما قطع ألف الوصل فلا يجوز للشاعر المولد استعماله لأنه لحن وإن ms076 كان ~~العربي قد فعل ذلك. قال جميل: # ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدهر مني ومن جمل # فقطع ألف اثنين وهي ألف وصل. # ويجوز زيادة الياء فيما كان على وزن مفاعل فيصير فاعيل مثل مساجد ودراهم ~~فقالوا: مساجيد ودراهيم. وسبب ذلك أن الشاعر إذا احتاج الى إقامة الوزن بطل ~~الحركة فأنشأ عنها حرفا من جنسها. قال الشاعر يصف ناقة: # تنفي يداها الحصا في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف # وكذاك قول ابن هرمة: يمنتزاح، يريد بمنتزح من النزح وقول الآخر: فانظور، ~~أي فانظر. # وقد بين النحويون ذلك وشرحوه، وقد جاء في مثل المفتاح: المفتح، وفي مثل ~~التأميل: التأمال، وفي مثل الكلكل: الكلكال. وهذا يجوز للشاعر المولد ~~استعماله إذا نقله نقلا لأنها لغة القوم ولهم التصرف فيها، وليس لنا القياس ~~عليها بل نستعمل ما ورد عنهم نقلا. قال الراجز: # أقول إذ خرت على الكلكال ... يا ناقتي ما جلت من مجال # PageV01P048 # ويجوز للشاعر المولد التصغير في الشعر من غير ضرورة لمعان في التصغير ~~نذكرها. # أما التصغير فعلى أربعة أقسام: قسم للتحقير كقولك: رجيل، وقسم للتقليل في ~~المجموع كقولك: أجيمال، وقسم للتعظيم كقول عمر رضي الله عنه كنيف ملئ علما. ~~وقال حباب: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب. وقال لبيد: # دويهية تصفر منها الأنامل # وقسم للتقريب وذلك في الظروف نحو قولك: فويق وقديدمة وقال امرؤ القيس: # ضليع إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل # وقال الأعشى: # أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل # وقال زهير: # فأما ما فويق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها خلاء # وقال أبو زبيد الطائي: # يا ابن أمي ويا شقيق نفسي ... أنت خليتني لأمر شديد # وربما حقروا فعل التعجب للحاقه بالأسماء إذ عدم تصرفه، ومعنى التحقير ~~المبالغة في الاستحسان، كما قال: # يا ما أحيسن غزلانا عرضن لنا # ويجوز استعمال غدو في موضع غد، كقول الشاعر: # وما الناس إلا كالديار وأهلهابها يوم حلوها وغدوا بلاقعويجوز استعمال ~~ليتي في موضع ليتني كقول الشاعر: # كمنية جابر إذ ms077 قال ليتي ... أصادفه وأفقد بعض مالي # ويجوز استعمال عم صباحا في موضع أنعم صباحا كقول الشاعر: # أتوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا: الجن، قلت: عموا ظلاما # ويجوز الترخيم في غير النداء للضرورة كما قال الشاعر: # لنعم الفتى تعشو الى ضوء ناره ... طريف بن مال ليلة الجوع والخصر # يريد طريف بن مالك فرخم في غير النداء، كما قال الآخر: # وهذا ردائي عنده يستعيره ... ليسلبني عزي أمال بن حنظل # أراد حنظلة فرخم وهو غير منادى. وأما الترخيم في النداء فقد جاء منه في ~~أشعارهم ما لا يحيط به الإحصاء. قال الشاعر: # يا مرو إن مطيتي محبوسة ... ترجو الحباء وربها لم ييأس # يريد يا مروان. وقال آخر: # فقلتم تعال يا يزي بن مخرم ... فقلت لكم إني حليف صداء # يريد يا يزيد. وقال آخر: # يا حار لا أرمين منكم بداهية # أراد يا حارث، وقد جاء عنهم إبدال الحرف المتحرك بحرف لا تجري فيه ~~الحركة، وهو من الضرورات التي لا تجوز للشاعر المولد ولا هي بالمستحسنة. ~~قال الشاعر: # له أشارير من لحم تتمره ... من الثعالي ووخز من أرانيها # أراد الثعالب فأبدل من الباء ياء، وكذلك أراد أرانبها فأبدل الياء من ~~الباء. ومثله: # ومنهل ليس به حوازق ... ولضفادي جمه نقانق # يريد الضفادع. # ويجوز للشاعر المولد استعمال الماضي في موضع المستقبل واستعمال المستقبل ~~في موضع الماضي. فأما استعمال الماضي في موضع المستقبل فكقوله تعالى: ~~(ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء) والمعنى وإذ ~~ينادي أصحاب النار. وأما استعمال المستقبل في موضع المضي فكقوله تعالى: ~~(ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) ، أراد فريقا قتلتم. ومثله (ما يعبدون إلا ~~كما يعبد آباؤهم من قبل) أوقع يعبد موضع عبد. وقال الطرماح: # وإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمس واستيجاب ما كان في غد # وضع كان في موضع يكون. وقال زياد الأعجم: # وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح # وضع يكون في موضع كان. # PageV01P049 # وقال أبو الفتح: قال أبو علي: سألت أبا بكر عن الأفعال يقع بعضها موقع ms078 ~~بعض فقال: كان ينبغي للأفعال كلها أن تكون مثالا واحدا لأنها لمعنى واحد، ~~ولكن خولف بين صيغها لاختلاف أحوال أزمنتها، فإذا اقترن بالفعل ما يدل عليه ~~من لفظ أو حال جاز وقوع بعضها موقع بعض. قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبي ~~بكر عال سديد فاعرفه. وقال أعشى باهلة: # فإن يصبك عدو في مناوأة ... فقد تكون لك المعلاة والظفر # وضع تكون في موضع كانت. وقال آخر: # قالت جعادة ما لجسمك شاحبا ... ولقد يكون على الشباب نضيرا # أي: ولقد كان. # ويجوز للشاعر المولد تأنيث المذكر وتذكير المؤنث على المعنى وهو أفشى في ~~العرف والاستعمال من أن يؤتى عليه بشاهد أو مثال، قال الشاعر: # أتهجر بيتا بالحجاز تلفعت ... به الخوف والأعداء من كل جانب # أنث الخوف لأنه ذهب به الى المخافة. ومثله بيت الحماسة: # يا أيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت # أنث الصوت لأنه ذهب به الى الاستغاثة، وإذا جاز تأنيث المذكر في كلامهم ~~حملا على المعنى، وهو منهم حمل الأصل على الفرع، كان تذكير المؤنث أجدر ~~بالجواز من حيث كان الأصل هو التذكير. ومنالحسن الجميل رد الفروع الى ~~الأصول. # ومن تذكير المؤنث قوله تعالى: (السماء منفطر به) . لأنه تعالى أراد ~~بالسماء السقف لقوله تعالى: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) . قال الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها # فذكر لما عنى بالأرض المكان، غير أنه رد الهاء على لفظ الأرض. # وقال زهير: # لها أداة وأعوان غدون لها ... قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا # غدون مؤنث، وإن كان للأعوان، لأنه أنث على معنى الجماعة كما تقول: هذه ~~رجال، والقتب قتب السانية، وانسحق انصب. وأنشد المفضل: # فلو كنت بالمغلوب سيف بن ظالم ... فتكت لعادت قبر عوف قرائبه # ولكن وجدت السهم أهون فوقة ... عليك فقد أودى دم أنت طالبه # جعل الفوق مؤنثا؛ لأنه أراد ذروته وهي أعلاه، ومثل ذلك كثير. # ومما يجوز للشاعر المولد استعماله حذف الهمزة عند الضرورة. أنشد سيبويه ~~لعبد الرحمن بن حسان: # فكنت أذل من وتد بقاع ms079 ... يشجج رأسه بالفهر واج # يريد واجئ. وقال ابن هرمة: # ليت السباع لنا كانت مجاورة ... وأننا لا نرى ممن نرى أحدا # إن السباع لتهدا عن فرائسها ... والناس ليس بهاد شرهم أبدا # يريد ليس بهادئ. وقال آخر: # تقاذفه الرواد حتى رموا به ... ورا طرف الشام البلاد الأقاصيا # أراد: وراء طرف الشام، فقصر الكلمة وكان ينبغي ألا يقصرها؛ لأن الهمزة ~~أصلية فيها. إلا أن الضرورة ألزمته فقلبها ياء. وأنشد أبو علي: # إن لم أقاتل فالبسوني برقعا # ويجوز للشاعر المولد حذف همزة الاستفهام للضرورة مع دلالة الكلام عليها، ~~كما قال الكميت: # طربت وما شوقا الى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب # أراد: أو ذو الشيب يلعب. وقال عمران بن حطان: # وأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر ... أتوني فقالوا من ربيعة أو مضر # أراد: أمن ربيعة أو مضر. وقال ابن أبي ربيعة: # ثم قالوا تحبها قلت بهرا ... عدد القطر والحصا والتراب # أراد: أتحبها. وقيل في قوله تعالى (نعمة تمنها علي) إن المراد: أوتلك ~~نعمة، وإذا صح ذلك فقد زالت الضرورة من الشعر. # PageV01P050 # ومما يجوز للشاعر المولد استعماله عند الضرورة في شعره الخرم، بخاء معجمة ~~وراء غير معجمة، وهو حذف أول متحرك من الوتد المجموع في أول البيت، والوتد ~~المجموع حرفان متحركان بعدهما ساكن مثل: غزا، رمى، ولا يدخل الخرم على بيت ~~أوله سبب أو فاصلة، وأكثر ما يجيء في أول البيت من القصيدة وربما جاء في ~~غيره من الأبيات. قال الشاعر: # كنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... ليالي لاقينا جذام وحميرا # أراد أن يقول: وكنا فحذف الواو. وقال الآخر: # كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء # وأكثر ما يحذف للخرم حروف العطف مثل الواو وأخواتها وإن كان الخرم يجيء ~~بغير ذلك. وقد أجاز بعض العروضيين الخرم في أول النصف الثاني من البيت ~~وشبهه بأول البيت وأنشد عليه قول امرئ القيس: # وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيها من أخر # أراد أن يقول: وشقت. وأنشدوا في خرم أول البيت وفي أول النصف الثاني منه، ~~وهو غير ms080 مستحسن ولا ينبغي العمل به، قول الشاعر: # أبدلني بتيم اللات ربي ... حنظلة الذي أحيا تميما # أراد أن يقول: وأبدلني بحنظلة فحذف الواو من أول النصف الأول، والباء من ~~أول النصف الثاني. # وحديث أبي تمام مع أبي سعيد المكفوف، لما عرضت عليه قصيدته البائية التي ~~مدح بها عبد الله بن طاهر، وإنكاره الخرم في أول البيت منها معروف لأن ~~العلماء بالشعر لا يستحسنونه وإن كان مجوزا مستعملا وهو قوله: # هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك الثأر طالبه # وأما الخزم بخاء معجمة وبراء معجمة فما يجوز للشاعر المولد استعماله ولا ~~يسوغ له تعاطيه أبدا، وهو زيادة كلمة يأتون بها في أوائل الأبيات يعتد بها ~~في المعنى ولا يعتد بها في الوزن، وإذا أريد تقطيع البيت حذفت تلك الكلمة ~~الزائدة وهي تستعمل في جميع البحور كما قال الشاعر: # أشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت لاقيكا # والبيت من الهزج ولا يستقيم إلا بإسقاط أشدد. وقال الآخر: # المسيب بن شريك اليوم عالم من العلماء # لا يستقيم تقطيعه حتى يحذف من أوله المسيب. # وربما كان الخزم في أول البيت حرفا أو حرفين كما قال الكندي: # وكأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل # ألا ترى أن الوزن لا يستقيم حتى تسقط الواو، وعلى ذلك يروى. والأصل في ~~الرواية الصحيحة ثبوت الواو، وكذلك أنشده العروضيون واحتجوا به. وقد جاء من ~~طريق الشذوذ الخزم في نصف البيت كقول الشاعر: # يا نفس أكلا واضطجا ... عا يا نفس لست بخالدة # والبيت من مجزوء الكامل متفاعلن أربع مرات ولا يصح إلا بإسقاط يا من نصف ~~البيت ويجتزأ بحرف النداء في أول البيت فاعرف ذلك. وقد جوزوا أن تحذف من ~~القافية الياء في مثل قول الشاعر: # وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل # وهو يريد المعلى. وقد جوزوا أيضا تخفيف المشدد في مثل قول الشاعر: # دعوت قومي ودعوت معشري ... حتى إذا ما لم أجد غير الشر # كنت امرءا من مالك بن جعفر # فخفف الراء من الشر. وقال المبرد: ms081 لم يرد الشر وإنما أراد السري بسين غير ~~معجمة وهو اسم رجل شبه بالسري وهو نهر فحذف إحدى الياءين فبقي السري فخفف ~~الياء. # فهذه نبذة في هذا الفصل يستغنى بها عن غيرها، ولمعة يكتفى بها عن سواها، ~~فرب قبس أغنى عن مصباح، وغلس اجتزئ به عن صباح. ### | الفصل الثالث ### | في فضله ومنافعه وتأثيره في القلوب ومواقعه # PageV01P051 # أما الشعر فإنه ديوان الأدب، وفخر العرب، وبه تضرب الأمثال، ويفتخر ~~الرجال على الرجال، وهو قيد المناقب ونظام المحاسن، ولولاه لضاعت جواهر ~~الحكم، وانتثرت نجوم الشرف، وتهدمت مباني الفضل، وأقوت مرابع المجد، ~~وانطمست أعلام الكرم، ودرست آثار النعم. شرفه مخلد، وسؤدده مجدد، تفنى ~~العصور وذكره باق، وتهوي الجبال وفخره الى السماء راق، ليس لما أثبته ماح، ~~ولا لمن أعذره لاح. # مات سحيم عبد بني الحسحاس، وله ذكر أضوع من المسك وأنضر من الآس، ولولا ~~الشعر لما عرف، ولا بالإجادة وصف، وكم في بني حام، من مجهول طغام، ولا يذكر ~~ولا يشكر. وقد قيل: إن إبراهيم بن المهدي لما اعتذر الى المأمون، وكلامه ~~معروف، قال للمأمون في جواب قوله له: أنت الخليفة الأسود: وأما كوني أسود ~~فقد قال عبد بني الحسحاس: # أشعار عبد بني الحسحاس قمن له ... يوم الفخار مقام الأصل والورق # إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما ... أو أسود اللون إني أبيض الخلق # فقال المأمون: لوددت أنهما لي بجميع ملكي، يعني البيتين. # ولولا زهير لما ذكر هرم، ولا جرى بمدحه قلم. ماتا وبليا، وتمزقت أوصالهما ~~وفنيا، وذكرهما غض جديد، وصيتهما باق مديد، هذا لفضله وهذا لإفضاله، ولولا ~~الشعر لما ذكرا ولا عرفا. # وحكى الرهني في كتابه الذي سماه ذخائر الحكمة، يرفعه الى سالم بن عبد ~~الله بن عمر عن أبيه عبد الله أنه قال: كنا ذات يوم عند عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه إذ قال: من أشعر الناس؟ فقلنا: فلان وفلان، فبينما نحن كذلك إذ ~~طلع عبد الله بن عباسفسلم وأجلسه الى جنبه ثم قال: قد جاءكم ابن بجدتها. من ~~أشعر الناس يا ms082 بن عباس؟ قال: ذاك زهير بن أبي سلمى، قال: فأنشدنا شيئا من ~~شعره نستدل به على ما تقول، قال: امتدح قوما من غطفان يقال لهم بنو سنان ~~فقال: # لو كان يقعد فوق الشمس من بشر ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا # قوم سنان أبوهم حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا # إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا ... مرزؤون بهاليل إذا جهدوا # محسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله عنهم ما له حسدوا # فقال عمر رضي الله عنه: قاتله الله يا بن عباس لقد قال كلاما حسنا ما كان ~~يصلح إلالأهل هذا البيت من بني هاشم لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، واستعظم ما مدح به بني سنان وطلب له مستحقا فما رأى إلا بني هاشم. # وهذا جرير بن الخطفى مع لؤم أصله، وضعة بيته، وقلة أهليه، وخمول جده ~~وأبيه، قد رفعه شعره، وعمره قوله، فهو مخلد باق، وعليه من الفناء بشعره ~~واق، ولقد شيد بذكره ذكر يربوع، وشهر اسمه بين المحافل والجموع، وضاهى ~~الفرزدق وناواه، وجاهره بالأهاجي وعاداه، مع شرف الفرزدق وكرم أصله. ولولا ~~الشعر لكان بنجوة عن مجاراة مثله، حتى ذكر الفرزدق آباءه، وقال: # أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع # ولقد ذهب امرؤ القيس وأبوه، وملكه وأهلوه، وغبر شعره وكلامه، وعمر قوله ~~ونظامه. وكم من ملك في كندة ذهب وذهبت منه العدد والعدة فما تحس نبأته، ولا ~~يعرف اسمه ولا سمته. ولقد ذهب ملك التبابعة والأكاسرة، وزال سلطان المقاول ~~والأساورة ولم يبق لهم سوى بيت سائر، من مديح شاعر، ولولا مدائح زياد ~~الذبياني لما عرف الملك ابن الجلاح، ولا ضاع له أرج ثناء ولا فاح، وكذاك ~~أبوه الجلاح فلولا أبو أمامة، لما كان عليه من سمة الذكر علامة: # مات الجلاح ولم يمت ... ما قال فيه أبو أمامه # ولقد كانت العرب تعد الشعر خطيرا، وترى الشاعر أميرا، فإذا نبغ في ~~القبيلة شاعر هنئت به، وحسدت من سببه، لأنه ينافح عن أنسابها، ويكافح ~~ويناضل ms083 عن أحسابها. # PageV01P052 # كم كان في الأوس من أمير ... ماتوا جميعا سوى عرابه # أحياه بعد الممات بيت ... لشاعر إذ دعا أثابه # لعله كان في الذنابى ... فرده الشعر في الذؤابه # ألا ترى الى أبي دلف العجلي كيف رفعه، على ضعة بيته ودناءة بني عجل، فإنك ~~لا تجد فيهم ممدوحا سواه، قول ابن جبلة: # إنما الدنيا أبو دلف ... بن باديه ومحتضره # فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره # وكان أبو الصقر بن بلبل لا يعد من ذوي الأصول الثابتة، ولا ذوي الفروع ~~النابتة، حتى مدحه ابن جريج بقوله: # قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمري ولكن منه شيبان # وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علا برسول الله عدنان # ولم أقصر بشيبان التي بلغت ... بها المبالغ أعراق وأغصان # فصار في سروات الممدوحين، وبمدحه يتمثل المتمثلون. وكان بنو قريع يدعون ~~أنف الناقة فيغضبون لذلك، ويسخطون منه، فلما مدحهم الحطيئة بقوله: # قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا # رضوا به وصار من أكبر مفاخرهم، ولولا الشعر لعدوه من أقبح ألقابهم. # وخبر الحطيئة مع الزبرقان بن بدر وما كان من زوجته أم شذرة وتقصيرها في ~~حقه ومراسلة بني أنف الناقة له حتى استفسدوه ونقلوه إليهم، مشهور مذكور. ~~ولما خير الحطيئة اختار بني أنف الناقة على الزبرقان فشق ذلك عليه، وأرسل ~~الزبرقان الى رجل من النمر بن قاسط يقال له دثار بن شيبان وأمره أن يهجوهم ~~فقال النمري من أبيات: # وقد وردت مياه بني قريع ... فما وصلوا القرابة مذ أساؤوا # فاحتاج الحطيئة عند ذلك أن يهجو الزبرقان بن بدر فهجاه بأبيات منها: # دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # فلما بلغت الزبرقان استعدى عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: هجاني، ~~فلما استنشده قال عمر: لا بأس بذلك، فقال أرسل الى حسان بن ثابت وسله ~~أهجاني أم لا، فقال حسان: نعم هجاه وسلح عليه، فحبسه عمر، فكتب إليه ~~الحطيئة من الحبس أبياتا منها: # ماذا تقول لأفراخ ms084 بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر # ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فامنن عليه هداك الله يا عمر # فأثر الشعر عند عمر فاستتابه وأطلقه. ولو أن الحطيئة قد شتم الزبرقان ~~بغير الشعر لما تأثر بشتمه، ولما كان شعرا رآه بقوله: فأنت الطاعم الكاسي، ~~قد جنى عليه وأساء إليه. # ولما هجا الحطيئة بني العجلان استعدوا عليه عمر بن الخطاب فقالوا هجانا ~~وشعث من أعراضنا، قال عمر: وما قال؟ قالوا: قال فينا: # إذا الله عادى أهل لؤم ودقة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل # قال عمر دعا عليهم. قالوا إنه قال: # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # قال عمر: هؤلاء قوم صالحون ليتني منهم وليست آل الخطاب كانوا منهم. قالوا ~~إنه قال: # ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل # قال عمر: ذاك أخف للزحام وحينئذ يصفو الماء ويطيب الورد. قالوا إنه قال: # وما سمي العجلان إلا لقيلهم ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل # فقال عمر: سيد القوم خادمهم وأصغرهم شفرتهم. قالوا إنه قال: # تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... ويأكلن من كعببن عوف ونهشل # فقال عمر: كفى ضياعا من تأكل الكلاب لحمه، قالوا: يا أمير المؤمنين ليس ~~هذا من عملك فلو أرسلت الى حسان بن ثابت فسألته، فأرسل الى حسان فسأله: ~~أهجاهم؟ قال لا يا أمير المؤمنين ولكن سلح عليهم. # PageV01P053 # وتهدد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفظ قصيدة الأفوه الأودي وضمن له ~~النار، أنفة من الهجاء وغضبا من مواقع نبله. وسمع صلى الله عليه وسلم رجلا ~~ينشد: # كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصها لعبد الدار # فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: ~~أهكذا قال الشاعر؟ قال لا يا رسول الله إنما قال: # يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا نزلت بآل عبد مناف # الضاربين الكبش يبرق بيضه ... والقائلين هلم للأضياف # الخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يعود فقيرهم كالكافي # عمرو العلى هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف # كانت قريش ms085 بيضة فتفلقت ... فالمح خالصها لعبد مناف # ففرح صلى الله عليه وسلم حتى برقت أسارير وجهه وقال: هكذا قال. وبلغة صلى ~~الله عليه وسلم أن كعب بن زهير هجاه فنذر دمه، فجاءه متنكرا حتى دخل المسجد ~~واستأذنه في إيراد مدحته فأذن فقام بين يديه وأنشد: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول # فلما بلغ الى قوله: # نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول # فقال: عفى الله عنك، وخلع عليه بردته وطيب نفسه وأمنه ولولا شعره لطاح ~~دمه وكان مآله جهنم. # وحدث أبو يعلى الأشدق قال: سمعت النابغة يقول: أنشدت النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا # فغضب وقال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ قلت: الجنة يا رسول الله، قال: أجل ~~إن شاء الله تعالى وتبسم فقلت: # ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد القوم أصدرا # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجدت لا يفضض الله تعالى فاك مرتين، فعاش ~~أكثر من مائة سنة وكان من أحسن الناس ثغرا. # وحدث أبو غزية الأنصاري قال: لما أنشد حسان بن ثابت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كلمته حتى وصل الى قوله: # هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء # تبسم صلى الله عليه وسلم وقال له: جزاك الله الجنة على ذلك. ثم أنشده: # فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # فقال صلى الله عليه وسلم: وقاك الله حر النار. # وحدث هشام بن عروة قال، حدثني أبي قال: حدثتني عائشة رضي الله تعالى عنها ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا يخصف نعلا وأنا قاعدة أغزل، ~~فجعلت أنظر الى سالفته وخده قد عرق، فجعل يتولد عرقه نورا فبهت. فرفع رأسه ~~فنظر إلي فقال: يا عائشة، إلى ماذا تنظرين، قد بهت؟ فقلت: ما أنظر الى شيء ~~منك إلا تولد في ms086 عيني نورا، أما والله لو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق ~~بشعره من غيرك، قالت: فقال: وأي شيء قال أبو كبير؟ فقلت: قال: # ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل # وإذا نظرت الى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل # قالت: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان في يده وقام إلي فقبل ما ~~بين عيني وقال: جزاك الله تعالى يا عائشة خيرا، فما أذكر متى سررت كسروري ~~بكلامك. # وروى هشام بن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن ~~رواحة أن يرتجل شعرا فقال من أبيت: # أنت النبي ومن يحرم شفاعته ... يوم الحساب فقد أزرى به القدر # فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا # PageV01P054 # فقال صلى الله عليه وسلم: وأنت فثبتك الله يا بن رواحة. قال راوي هذا ~~الحديث: فثبته الله أحسن الثبات فقتل شهيدا، ومضى سعيدا. # وحدث عمر بن هزان بن سعيد الرهاوي عن أبيه أن رجلا من قومه يقال له عمرو ~~بن سبيع وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فأنشده: # إليك رسول الله أعملت نصها ... تجوب الفيافي سملقا بعد سملق # على ذات ألواح متى أرد السرى ... تخب برحلي تارة ثم تعنق # فما لك عندي راحة أو تلحلحي ... بباب النبي الهاشمي الموفق # سلمت إذا من رحلة بعد رحلة ... وقطع دياميم وليل مروق # ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره وعقد له لواء. تلحلحي: أصله ~~تلححي من الإلحاح، فأبدلوا من الحاء المدغمة لاما كراهية من اجتماع ~~الحاءات. # ولما أتى النبي صلى الله عليه وسلم وفد هوازن بالجعرانة أنشده أبو جرول ~~الجشمي قصيدة منها: # أمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر # أمنن على بيضة إعتاقها قدر ... ممزق شملها في دهرها غير # فلما سمع شعره عطف عليهم ورد إليهم أنباءهم ونساءهم. والحديث مشهور. # ولما قتل النبي صلى الله عليه وسلم النضر بن الحارث أنشأت ابنته قتيلة ~~تقول من أبيات: # أمحمد ولأنت نجل نجيبة ... في ms087 قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق # فلما سمع صلى الله عليه وسلم شعرها قال - وما ينطق عن الهوى -: لو سمعته ~~قبل قتله لما قتلته. # ومدحه صلى الله عليه وسلم العباس بن مرداس السلمي بأبيات منها: # رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتابا جاء بالحق معلما # شرعت لنا دين الهدى بعد جيرنا ... عن الحق لما أصبح الحق مظلما # فمن مبلغ عني النبي محمدا ... وكل امرئ يجزى بما كان قدما # أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه ... وكان قديما ركنه قد تهدما # فخلع حلته عليه، وقطع لسانه بإحسانه إليه، ولولا الشعر، لما شمله من ~~النبي البر. # وقد سمع صلى الله عليه وسلم الشعر من جماعة غير هؤلاء مقبلا بالإصغاء ~~عليهم، ومائلا بالاستحسان إليهم. فمنهم أعشى بني مازن، وضرار بن الأزور، ~~وقردة بن نفاثة السلولي، ومما سمع منه: # بان الشباب ولم أحفل به بالا ... وأقبل الشيب والإسلام إقبالا # فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا # فقال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله. وسمع من عبد الله بن كرز الليثي، ~~ومن حميد بن ثور ومن النمر بن تولب العكلي، ومن لبيد بن ربيعة، ومن فروة بن ~~عامر الجذامي، ومن عمرو بن سالم الكعبي. # ولما قصده ميمون بن قيس الأعشى وامتدحه، لقيه أبو جهل فقال: أين قصدك يا ~~أبا بصير؟ قال: محمد رسول الله. قال: وهل قلت فيه شيئا؟ قال: نعم وأنشده: # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا # حتى انتهى الى قوله: # وآليت لا أرثي لها من كلالها ... ولا من حفا حتى تزور محمدا # متى ما تناخي عند باب ابن هاشم ... تراحي وتلقي من فواضله يدا # نبي يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا # فحسده أبو جهل على مديح الأعشى، فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرك عليك ~~الخمر، ولم يزل به حتى صده عنه، فقال الأعشى: سآتيه من قابل، فمات وحالت ~~المنية، دون الأمنية. # PageV01P055 # وشكا إليه ms088 الناس الجدب فاستسقى لهم فسقوا، فلما كان الجمعة الثانية جاءه ~~رجل يسعى فقال: يا رسول الله تهدمت الدور وسقطت الجدر، فتبسم صلى الله عليه ~~وسلم ضاحكا من قوله، وقال: أيكم يروي كلمة عمي أبي طالب؟ فقام أبو بكر ~~فقال: أنا يا رسول الله، قال: أنشد، فأنشده: # كذبتم وبيت الله يبزى محمد ... ولما نصرع حوله ونقاتل # فلما انتهى الى قوله: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... غياث اليتامى عصمة للأرامل # فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهلل وجهه. ولما قتل هشام بن الوليد ~~بن المغيرة أبا أزيهر الدوسي بذي المجاز، وكانت في هشام عجلة، اجتمع الناس ~~وتهيئوا للقتال، فجاء أبو سفيان فقال: ما أسرع الناس الى دماء هذا الحي من ~~قريش! وقال لأصحابه: لا تشاغلوا بالحرب بينكم عن حرب محمد، يريد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقال رسول الله لحسان بن ثابت: حرض أبا سفيان في دم أبي ~~أزيهر، فقال حسان من أبيات: # كساك هشام بن الوليد ثيابه ... فأبل وأخلف مثلها جددا بعد # قضى وطرا منه فأصبح ماجدا ... وأصبحت رخوا ما تخب وما تغدو # فما منع العير الضروط ذماره ... وما منعت مخزاة والدها هند # فلو أن أشياخا ببدر تشاهدوا ... لبل نعال القوم معتبط ورد # وإنما أراد صلى الله عليه وسلم أن ينتخي أبو سفيان ويهزه الشعر على عادة ~~العرب فيتشاغل عن حربه بحرب بني مخزوم ويقع الخلاف بينهم فيقوى أمره صلى ~~الله عليه وسلم ويضعفون عنه في عادة العرب في الحمية. ألا ترى أن جساس بن ~~مرة قتل كليب وائل في غرة بناقة جار خالته لأبيات قالتها وهي: # لعمر أبي لو كنت في دار منقر ... لما ضيم سعد وهو جار أبياتي # ولكنني أصبحت في دار غربة ... متى يغد فيها الذئب يغد على شاتي # فيا سعد لا يغررك قومي وارتحل ... فإنك في حي عن الجار أموات # ودونك أذوادي فسقها فإنني ... لخائفة أن يغدروا ببنياتي # فلما سمع جساس الأبيات حركته وهزته وأغضبته وقال أقلي عليك أيتها العجوز ~~فلأقتلن بناقة جارك أعظم فحل للعرب، فظنته ms089 يقتل بعض إبل كليب، فخرج من وقته ~~فطعن كليبا فقتله. ولكن أبا سفيان لما سمع أبيات حسان، وكان خبيثا ترك حرب ~~مخزوم خوفا مما حسبه النبي صلى الله عليه وسلم وحاوله. # وقالت صفية بنت عبد المطلب تحض أبا سفيان على أخذ ثأر أبي أزيهر من بني ~~مخزوم، وتعرض له بالنار التي أوقدت له بالغدر، وذلك أن العرب كانت إذا غدر ~~الرجل أوقدوا له نارا على جبل، وقيل: هذه غدرة فلان، فلما قتل أبو أزيهر ~~وهو صهر أبي سفيان فلم يأخذ بثأره أوقدت النار على أبي قبيس بالموسم وقيل: ~~هذه غدرة أبي سفيان، وهي أبيات منها: # ألا أبلغ بني عمي رسولا ... ففيم الكيد فينا والأمار # وسائل في جموع بني علي ... إذا كثر التناشد والفخار # تريد بني علي بن بكر بن كنانة، منها: # ونحن الغافرون إذا قدرنا ... وفينا عند غدوتنا انتصار # ولم نبدأ لذي رحم عقوقا ... ولم توقد لنا بالغدر نار # فلم يحركه ذلك لما كان في نفسه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروي أن معاوية قال لعروة بن الزبير: أتنشد قول جدتك صفية: # خالجت آباد الدهور عليكم ... وأسماء لم تشعر بذلك أيم # فلو كان زيرا مشركا لعذرته ... ولكنه قد يزعم الناس مسلم # PageV01P056 # وإنما أراد معاوية أن يحرك عروة بذلك، فقال عروة: نعم، وأروي قولها: ألا ~~أبلغ بني عمي رسولا ... الأبيات، فخجل معاوية حتى عرق جبينه لذكر غدرة أبيه ~~والنار التي أوقدت له على أبي قبيس. # ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، كان الحطيئة أكبر ~~دواعيهم الى الردة بقوله: # أطعنا رسول الله ما كان بيننا ... فوا عجبا ما بال ملك أبي بكر # أيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك لعمر الله قاصمة الظهر # فانتخت العرب لقول الحطيئة وأنفت من طاعة أبي بكر. # ومن تأثير الشعر أن ابن هشام بن الوليد كان قد ولى عبد الرحمن بن حزم ~~الأنصاري المدينة، فقال الأحوص: # لا ترحمن لحزمي مررت به ... يوما ولو ألقي الحزمي في النار # الناخسين بمروان بذي خشب ms090 ... والداخلين على عثمان في الدار # فلما سمع هشام شعر الأحوص عزل عبد الرحمن عن المدينة وأمر بقبض ضياعهم ~~وأموالهم. فلما ولي المنصور دخل عليه بعض أولاد بني حزم فقال: يا أمير ~~المؤمنين لنا ستون سنة ما أخذنا عطاء ولا وصلنا الى شيء من أموالنا لقول ~~الأحوص وأنشده البيتين فتأثر لهما وقال: إذا والله تحمد العاقبة عند بني ~~هاشم، اكتبوا برد ضياعهم والقبض على ضياع بني أمية وتسليمها إليهم ~~ليستغلوها ستين سنة، ثم أمر له بعشرة آلاف دينار صلة. # ودخل سديف على السفاح وعنده بنو أمية على مراتبهم فأنشده: # لا يغرنك ما ترى من أناس ... إن تحت الضلوع داء دويا # فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا # وأنشده سديف أيضا: # أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العباس # حتى انتهى الى قوله: # واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيل بجانب المهراس # تأثر السفاح بذلك تأثرا بان في صفحات وجهه وكان سببا لقتل بني أمية، مع ~~ما كان في النفس منهم: # والقول يفعل ما لا تفعل الإبر # وأمر بضرب رقابهم عن آخرهم، وقصتهم مشهورة. # وحدث المدائني أن المنصور قال: صحبت رجلا ضريرا الى الشام وكان يريد ~~مروان بن محمد في شعر قاله فيه. قال المنصور: فسألته أن ينشدني الشعر ~~فامتنع وقال: لا يسمعه إلا من قيل فيه، فلم أزل ألاطفه وأؤانسه الى أن ~~أنشدنيه، فمنه: # ليت شعري أفاح رائحة المس ... ك وما إن أخال بالخيف إنسي # حين غابت بنو أمية عنه ... والبهاليل من بني عبد شمس # خطباء على المنابر فرسا ... ن عليها، وقالة غير خرس # لا يعابون قائلين وإن قا ... لوا أصابوا ولم يقولوا بلبس # بحلوم إذا الحلوم استخفت ... ووجوه مثل الدنانير ملس # قال المنصور: فوالله ما فرغ من شعره حتى ظننت أن العمى قد أدركني، ولقد ~~والله حسدت مروان على الشعر أكثر من حسدي له على الخلافة. فلما أفضى الأمر ~~إلي خرجت حاجا سنة إحدى وأربعين ومائة فنزلت عن الجمازة في جبلي زرود أمشي ~~في الرمل لنذر كان علي، وإذا ms091 أنا بالضرير، فأومأت الي من كان معي فتأخروا، ~~ودنوت منه فأخذت بيده وسلم عليه، فقال: من أنت؟ جعلت فداك، فما أثبتك ~~معرفة، قلت: أنا رفيقك الى الشام في أيام بني أمية وأنت متوجه الى مروان بن ~~محمد الجعدي. فسلم علي وتنفس الصعداء وأنشد: # آمت نساء بني أمية منهم ... وبناتهم بمضيعة أيتام # نامت جدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والجدود تنام # خلت المنابر والأسرة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام # PageV01P057 # قال المنصور: فقلت له: كم كان مروان أعطاك؟ قال: أغناني غنى الأبد، فما ~~أسأل أحدا بعده، قال: فهممت بقتله، ثم ذكرت حق الاسترسال، وحرمة الصحبة، ~~فأطلقته، وبدا لي فأمرت بطلبه فكأن البيداء أبادته وروي أن يزيد بن رويم ~~الشيباني، وكان رجلا مسياعا فأراح إبله ذات ليلة من المرعى على أبيه، فقال ~~له أبوه: لم تعشها؟ فقال: بلى قد فعلت، فدفع أبوه ثوبه في وجوه الإبل ~~فنفرها وصرفها الى المرعى وقال: أحسن عشاءها، فقال الغلام: إني لأحسب غيرك ~~سيبيت ربها. فلما صار الى الموضع الذي يعشي إبله فيه، مر به سرحان بن أرطأة ~~السعدي في مقنب له، فساق الإبل وأخذ الغلام فأوثقه شدا على بعض تلك الأباعر ~~فرفع الغلام عقيرته وأنشد: # يا ويح أم لي علي كريمة ... فقدي لها شجن من الأشجان # إن الذي ترجين نفع إيابه ... سقط العشاء به على سرحان # سقط العشاء به على متقمر ... ثبت الجنان معاود التطعان # فلما سمع سرحان بن أرطأة شعره قال له: أشاعر؟ قال: نعم، قال: خلوا عنه، ~~فأطلقه ورد عليه إبله. وقولهم في المثل: وقع العشاء به على سرحان، قيل: ~~السرحان هاهنا الذئب، وقال قوم: بل هو سرحان بن معتب الغنوي، وكان قد أغار ~~على إبل نصيحة الأسدي، فقال أخوه هزيلة بن معتب: # أبلغ نصيحة أن راعي إبله ... سقط العشاء به على سرحان # سقط العشاء به على متقمر ... لم يثنه خوف من الحدثان # والرواية الصحيحة ما ذكرناه أولا. ولولا الشعر والشاعر، لذهبت النفس ~~والأباعر. # وقال المفضل الضبي: كنت الى جنب إبراهيم بن عبد الله بن حسن ms092 بن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه يوم لقائه عسكر المنصور، فالتفت إلي وقال: يا مفضل ~~أنشدني شيئا، فقلت: إنه يريد مني ما أحركه به، فأنشدته أبيات عويف الفزاري: # أقول لفتيان كرام تروحوا ... على الجرد في أفواههن الشكائم # قفوا وقفة من يحي لا يخز بعدها ... ومن يخترم لا تتبعه اللوائم # وما أنت باعدت نفسك عنهم ... لتسلم منها، آخر الدهر سالم # فقال: يا مفضل أعد. فأعدت ثلاثا، فتمطى في ركبه حتى قلت تقطعت، وحمل مرة ~~بعد مرة يقتل في كل واحدة النفس والعشرة الى أن حمل فلم يعد. وقيل: جاءه ~~سهم عائر فذبحه. # وحكى شرحبيل بن معن بن زائدة قال: كنت بطريق مكة فسرت تحت قبة يحيى بن ~~خالد، وعديله أبو يوسف القاضي إذ أقبل رجل على نجيب، فأنشد شعرا لم يرضه ~~يحيى، وقال له: ألم أنهك عن قول مثله؟ هلا قلت كما قال الشاعر: # بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل # لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن ... لأولهم في الجاهلية أول # هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل # هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا # ثلاث بأمثال الجبال حلومهم ... وأحلامهم منها لدى الروع أثقل # وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النابيات وأجملوا # فقال أبو يوسف ليحيى: لله در قائله! لمن هذا الشعر؟ فقال يحيى: لمروان بن ~~أبي حفصة في والد هذا الفتى، ورمقني بطرفه، فالتفت أبو يوسف إلي وقال: من ~~أنت يا فتى؟ فقلت: شرحبيل بن معن بن زائدة. قال شرحبيل: فوالله ما أعرف دخل ~~على قلبي سرور أعظم من سروري بذلك، ولا مرت علي ساعة أطيب من تلك الساعة. # وقيل لما بلغ علقمة قول الأعشى: # تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا # PageV01P058 # بكى، ولعله لم يبك عند حلول النوائب وقراع المصائب، ولو عاين الموت في ~~الحروب، ومنازلة الأبطال عند الكروب. # وقيل: إن المنصور مر بقبر الوليد بن عقبة بن أبي معيط فأكثر من لعنته ms093 ~~وقال: هو أول من شب الحرب بين بني عبد مناف بقوله: # بني هاشم ردوا ثياب ابن أختكم ... ولا تنهبوه، لا تحل مناهبه # بني هاشم كيف الهوادة بيننا ... وعند علي درعه ونجائبه # هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه # ولم يكن معاوية بالذي يحدث نفسه بخلاف علي رضي الله عنه ولا يهم بمنازعته ~~ولا يدانيه في مفخر الى أن كاتبه هذا، وأشر بيده الى قبر الوليد بن عقبة، ~~بقوله: # ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فإنك من أخي ثقة مليم # قطعت الدهر كالسدم المعنى ... تهدر في دمشق وما تريم # وإنك في الكتاب الى علي ... كدابغة وقد حلم الأديم # فلو كنت القتيل وكان حيا ... لشمر، لا ألف ولا سؤوم # فهزه بهذا الشعر وحركه، وهيجه به وهجهجه، الى أن شمر عن ساقه، وصرح بعد ~~نفاقه. هذا آخر كلام المنصور. # وروى جماعة من الشيعة أن عليا رضي الله عنه لم يطالب بدم عثمان، مع ~~براءته منه، وقوله: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله، إلا بتحريض ~~حسان بن ثابت وقوله: # يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان بين علي وابن عفانا # لتسمعن وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا # وقيل: كان سبب خروج ابن الأشعث على عبد الملك بن مروان قول الشاعر: # أفي الله أما بحدل وابن بحدل ... فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل # فقال لا والله وطلب دم آل الزبير وكان منه ما كان. # ومن طريف ما وقفت عليه من تأثير الشعر ما حدثني به بعض المشايخ، يرفعه ~~الى يعلى بن محمد الأعرج، قال الراوي عنه: حدثنا إملاء من حفظه في يوم ~~الأربعاء رابع عشر من ذي القعدة من سنة أربعين وخمسمائة، قال: لما خرج ~~الوليد بن طريف الشاري الشيباني وعاث في نواحي العراق، أرجف أهل بغداد به، ~~وتحدث الناس فأكثروا ولم يكن له كفؤ في رد شعبه وسد خلله إلا ابن عمه وهو ~~يزيد بن مزيد الشيباني ابن أخي أبيه بغير فصل، فاستحضره وزير الخلافة ~~وأنشده على عادة ms094 العرب ينخيه، ويستنصر به، فكان ما أنشده: # إذا دعيت فما تدعى لهينة ... إلا لمعضلة توفي على العضل # إن الخلافة مرساة الى جبل ... وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل # إفخر فما لك في شيبان من مثل ... كذاك ما لبني شيبان من مثل # وشرع الوزير في كلام يرغبه فيه، ويعده، بما يكون في مطاويه، فقال له ~~يزيد: كف يا مولانا فقد كفيت وكفيت، ونهض وقد حركه الشر وهزه طرب يجر ~~أذياله، وبرز في جماعته لوقته الى قتال الوليد، فلقيه ووقع الطراد، وارتفع ~~العجاج، فنصره الله على الوليد فتقله، بعد ما كان الوليد يكر على الخيل ~~ويرد هواديها على أعجازها ويرفع عقيرته وينادي: # أنا الوليد بن طريف الشاري ... قسورة لا يصطلى بناري # جوركم أخرجني من داري # ولما وقع الى الأرض ركبت أخته ولبست درعها وخرجت مبارزة، فنظر إليها يزيد ~~قاتل أخيها وابن عمها فناداها: يا هناة ألقي الرمح من يدك وارجعي الى ~~خبائك، هتكت الحرائر، ليس هذا بمقام للنساء، فركزت رمحها في الأرض وأسندت ~~رأسها إليه واستعبرت، وأنشدت ترثي أخاها: # لئن كان أرداه يزيد بن مزيد ... فرب زحوف يبتلى بزحوف # أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تحزن على ابن طريف # فقدناه فقدان الربيع فليتنا ... فديناه من دهمائنا بألوف # PageV01P059 # فتى لا يعد الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف # ولا الخيل إلا كل جرداء شطبة ... وكل حصان باليدين عسوف # ثم رجعت الى خبائها تنوح وتندب أخاها مع نسائها. # وأقول: لله در ثلاثة أبيات حملت الرجل على قتل ابن عمه، وقطع رحمه، ولو ~~كان الكلام الذي في الشعر منثورا لما هزه، ولا حمل من أجله بزه، ولا قتل ~~ابن عمه ولا ابتزه، والله يعفو عن المذنبين. # وقال يحيى بن خالد: سألني رجل من بني أمية أن أوصله الى الرشيد، فقلت له: ~~إن أميرض المؤمنين منحرف عن كل منتسب الى أمية، وحنقه عليهم وسوء اعتقاده ~~فيهم مشهور، فإن كانت لك حاجة غير هذه فأنا أقضيها لك، فأبى إلا إيصاله ~~إليه. فعرفت الرشيد ما ms095 كان من التماسه وجوابي له، فأمر بإحضاره، فلم أرتب ~~أن يمسي مقتولا، فلما مثل بين يديه أنشده: # يا أمين الله إني قائل ... قول ذي عقل ودين وأدب # لكم الفضل علينا ولنا ... بكم الفضل علي كل العرب # عبد شمس كان يتلو هاشم ... وهم بعد لأم ولأب # فصلوا الأرحام منا إنما ... عبد شمس عم عبد المطلب # فقال له الرشيد: صدقت، متأثرا بقوله، وقد عمل الشعر في نفسه، وأمر له ~~بأربعين ألف درهم. قال يحيى: ولولا الأبيات لأمر بأخذ رأسه. # وحكى مروان بن أبي حفصة قال: خرجت أريد معن بن زائدة، فضمني الطريق ~~وأعرابيا فقلت له: أين تريد؟ قال: هذا الملك الشيباني، قلت: فما أهديت ~~إليه؟ قال: بيتين، قلت: فقط! قال: إني قد جمعت فيهما ما يسره، فقلت: ~~هاتهما، فأنشدني: # معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفا على شرف بنو شيبان # إن عد أيام الفعال فإنما ... يوماه يوم ندى ويوم طعان # قال: ولي قصيدة قد حكتها بهذا الوزن، فقلت: يا هذا، تأتي رجلا قد كثرت ~~غاشيته وكثر الشعراء ببابه، فمتى تصل إليه؟ قال: فقل، قلت: تأخذ مني بعض ما ~~أملت بهذين البيتين وتنصرف الى رحلك، قال: فكم تبذل؟ قلت: خمسين درهما، قال ~~ما كنت فاعلا ولا بالضعف، قال: فلم أزل أرفق به حتى بذلت له مائة وعشرين ~~درهما فأخذها وانصرف. فقلت: إني أصدقك، قال: والصدق بك أحسن، قلت إني حكت ~~قافية توازن هذا الشعر وإني أريد أن أضم هذين البيتين إليها، قال: سبحان ~~الله، قد علمت ولقد خفت أمرا لا يبلغك أبدا. فأتيت معن بن زائدة وجعلت ~~البيتين في وسط الشعر وأنشدته فأصغى نحوي، فوالله ما هو إلا أن بلغت ~~البيتين فسمعهما فما تمالك أن خر عن فرشه حتى لصق بالأرض ثم قال: أعد ~~البيتين، فأعدتهما، فنادى: يا غلام، ائتني بكيس فيه ألف دينار، فما كان إلا ~~لفظه وكيسه، فقال: صبها على رأسه، ثم قال: هات عشرين ثوبا من خاص كسوتي، ~~ودابتي الكذا وبغلي الكذا، فانصرفت بحباء الأعرابي لا حباء معن. # ولما مدح ms096 أبو تمام الطائي أحمد ولد المعتصم بكلمته التي أولها: # ما في وقوفك ساعة من باس ... تقضي ذمام الأربع الأدراس # فلما وصل الى قوله: # إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس # قال له بعض الحاضرين، وهو يعقوب الكندي: كيف تشبه ولد أمير المؤمنين ~~بأعراب أجلاف وهو أشرف منزلة وأعظم محلة؟ فانقطع وأطرق ثم رفع رأسه وأنشد ~~مرتجلا: # لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس # فاهتز لذلك طربا وبهت له متعجبا ووقع له بالموصل إجازة. # PageV01P060 # وقد وهب الموصل شرف الدولة مسلم بن قريش لبعض شعرائه وارتحل عنها فقيل ~~للشاعر إنها لا تبقى عليك فلو بعتها لنواب الأمير لكنت موفقا، فابتاعوها ~~منه بعشرين ألف دينار. فلما بلغ شرف الدولة ذلك قال: ائتوني به، فلزم أذنه ~~وقال: قبضت المال؟ قال: نعم، قال: وأنت راض؟ قال: أجل والله، فعرك حينئذ ~~أذنه وقال له: يا ديوث لقد بعت رخيصا هلا لزمت يدك وطلبت مائة ألف دينار، ~~فما كان لهم غناء عن دفع المال إليك. # وهذه الحكاية هكذا رواها لي والدي رضي الله عنه، ولم يذكر لي الشعر ولا ~~الشاعر. قال رحمه الله: حدثني بذلك عم والدتي محمد بن عبيد الله العلوي ~~الحسيني قال: حدثني المهذب أبو الحسن علي بن مسهر الكاتب بذلك في شهور سنة ~~إحدى وثلاثين وخمسمائة، وكان ابن مسهر يمدح بني مسلم ابن قريش ويخدمهم، ~~وروى لي أن أبا القاسم الحسن بن هانئ المغربي الأندلسي كان شاعرا لبني ~~مروان بالأندلس، فلما سمع المعز العلوي شعره، أنفذ إليه فأوفده عليه رغبة ~~في الأدب، ومنافسة على شرف الرتب، فلما اتصل بخدمته مدحه بمدائح منها: # الحب حيث المعشر الأعداء # ومنها: # تقدم خطا وتأخر خطا # ومنها: # أقول دمى وهي الحسان الرعابيب # ومنها: # هل كان ضمخ بالعبير الريحا # ومنها: # سرى وجناح الليل أسحم أفتح # ومنها: # ألا طرقتنا والنجوم ركود # ومنها: # أقوى المحصب من هاد ومن هيد # ومنها: # ألؤلؤ دمع هذا الغيث أم ms097 نقط # ومنها: # قد سار بي هذا الركاب فأوجفا # ومنها: # قمن في مأتم على العشاق # ومنها: # أرياك أم ردع من المسك صائك # ومنها: # قد مررنا على مغانيك تلك # ومنها: # أتظن راحا في الشمال شمولا # ومنها: # يوم عريض في الفخار طويل # ومنها: # قامت تميس كما تدافع جدول # ومنها: # أصاخت فقالت وقع أجرد شيظم # ومنها: # سقتني بما مجت شدوق الأراقم # ومنها: # هل من أعقة عالج يبرين # فكان كلما مدحه بقصيدة أعطاه ضيعة، فلما خرج مملوكه جوهر وأخذ مصر خرج ~~المعز، فلما جلس للهناء دخل عليه ابن هانئ واستأذنه في الإيراد فأذن له ~~فأنشد قصيدة يقول منها: # ألا إنما الأيام أيامك التي ... لك الشطر من نعمائها ولنا الشطر # التفت الى وزيره وقال: اكتبوا له بالاسكندرية وسلموها إليه بمن فيها فهي ~~شطر قد خصصناه به. هكذا كانت جوائز الشعراء. وأعطي الأحوص عشرين ألف دينار ~~لقوله: # وما كان مالي طارفا من تجارة ... وما كان ميراثا من المال متلدا # ولكن عطاء من إمام مبارك ... ملا الأرض معروفا وجودا وسؤددا # وهي أبيات مشهورة وما أظن أحدا من مقصري شعراء الوقت يعجز عن قول مثلها. # وكان زهير قد بلغ الغاية في مدح هرم بن سنان بن حارثة حتى ضربت العرب ~~المثل بهرم في الجود لقول زهير: # إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم # هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظلم # وأجمع أهل العلم بالشعر أن أمدح ما قالته العرب قول زهير: # قد جعل المبتغون الخير من هرم ... والسائلون الى أبوابه طرقا # إن تلق يوما على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا # فأفرط هرم في عطائه والبذل له حتى أن هرما أقسم أنه زهيرا لا يسلم عليه ~~إلا أعطاه المال والإبل، فترك زهير السلام على هرم إبقاء وحياء من إفراطه ~~في العطاء، كان زهير يمر بالنادي فيقول: ألا أنعموا صباحا ما خلا هرما ~~وخيركم تركت. # هكذا كان الشعراء يستحيون من صلات الممدوحين وإحسان المنعمين كما قال ~~المعري: # PageV01P061 # لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب ms098 يهجر للإفراط في الخصر # ولما دخل أبو الحسن علي بن محمد التهامي على حسان بن جراح الطائي صاحب ~~الشام أنشده كلمته التي يقول في أولها: # هل الوجد إلا أن تلوح خيامها ... فيقضي بإهداء السلام ذمامها # فلما بلغ الى قوله: # ألا إن طيا للمكارم كعبة ... وحسان منها ركنها ومقامها # تقل لك الأرضون ملكا وأهلها ... عبيدا فهل مستكثر لك شامها # وهبه مدينة حماة وأعمالها. # ومن تأثير الشعر في الأنفس الأبية أن الظاهر بمصر كان قد عزل عن وزارته ~~أبا القاسم ابن المغربي، وانفصل عن البلاد المصرية واتصل ببلاد ميافارقين، ~~واستوزر بعد المغربي علي بن أحمد الجرجرائي، فكان المغربي يواصل التهامي ~~بالصلات والملاطفات حتى قدم عليه ومدحه بقصيدة أولها: # فؤادي الفداء لها من قبب ... طواف على الآل مثل الحبب # ثم قال فيها: # فمن مبلغ مصر قولا يعم ... ويختص بالملك المعتصب # لقد كنت في تاجه دفرة ... فعوض موضعها المختلب # فإن سد موضعه لم يسد ... وإن نيب عن مثلها لم ينب # إذا اغترب الليث عن خدره ... غدا الشاء فيه يلس العشب # أتيتك ممتدحا للوداد ... ولم آت ممتدحا للنشب # فبلغ الجرجرائي قوله فما زال يعمل الحيلة حتى قدم التهامي مصر فحبسه وطال ~~حبسه. وله أشعار كثيرة قالها في محبسه متندما على قدومه معتذرا من بادرة ~~منظومه، فمن ذلك: # لنفسك لم لا عذر قد نفد العذر ... بذا حكم المقدور إذ قضي الأمر # يقول فيها: # جنيت على نفسي بسعيي إليهم ... ومالي من أوفى مواثيقهم عذر # ومالي من ذنب سوى الشعر إنني ... لأعلم أن الذنب في نكبتي الشعر # أسير لدى قوم بغير جناية ... ألا في سبيل الله ما صنع الأمر # وله من أخرى: # أيا من نعاه لسان القريض ... وكالند ينشر من عرفه # يعز على الدهر ما أنت فيه ... وإن جل ما بك من صرفه # وضاعف وجدي لما سجنت ... مقالة من لج في عنفه # يقول وبعض كلام السفي ... ه يقتل إن هو لم يخفه # أهذا التهامي من مكة ... برجليه يسعى الى حتفه # ألم يكفه أن ثوب الحيا ... ة ضاف عليه ms099 ألم يكفه # أراد يطير مطار الملوك ... وظن الأسنة من زفه # أبالشعر ويلك تبغي العلاء ... وأنت تقصر عن رصفه # ولم تك أهلا بأن تستقر ... على منبر الملك أو طرفه # لأنك أنزر من شاعر ... علي خسة الشعر في وصفه # أرقت دما طالما صنته ... وأشعلت جمرا ولم تطفه # وأشفيت منتظرا للبوار ... وصدرك حران لم تشفه # إذا نشف العود من مائه ... فذلك أدعى الى قصفه # فلما طال حبسه أشار الجرجرائي الى غلامه لبيب أن يقتله في محبسه فدخل ~~إليه لبيب ليلا فخنقه. ولولا الشعر لما تأثر به تأثرا حمله على قتل النفس ~~والخلود في نار جهنم. # PageV01P062 # ولم يزل ابن نصر صاحب حلب يراسل ابن حيوس الدمشقي ويواصله بالصلات ~~والأعطيات والملاطفات حتى أقدمه إليه وأوفده عليه، فلما قارب حلب خرج في ~~موكبه وتلقاه، وأكرمه وحياه، وأنزله دار ضيافته. وبعد أيام جلس في قلعة حلب ~~جلوسا عاما وأذن لنوابه وأمرائه وأصحابه ووزرائه، فلما استقر الناس على ~~مراتبهم استحضره وأجلسه بين يديه فأنشده قصيدته التي يقول في أولها: # قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما ... ولا تقتفوا من جار لما تحكما # فاستدعى بكيس فيه ألف دينار فصبه عليه فالتقطه الحاضرون ثم استدعى بكيس ~~آخر فيه ألف دينار، وعشرين ثوبا، وخلعة سنية، وفرسا بطوق ذهب وسرفسار ذهب ~~فأعطاه وكتب له ضيعة من أمهات القرى بحلب. فهذه كانت جوائز الشعراء. # ولقد اجتهد فخر الملك أبو غالب بن خلف الواسطي لما دخل بغداد أيام ~~وزاراته لبهاء الدولة بن عضدها، على أن يمدحه ابن نباتة السعدي فلم يفعل ~~وقال له: إن أحمد بن إسحاق - يعني القادر بالله - حظر علي أن أمدح أحدا ~~سواه. فلما بلغ القادر كلامه وكونه لم يعبر عنه بالإمام ولا بأمير ~~المؤمنين، ولا زاد على أن سماه ونسبه، احتمل له ذلك مع امتناعه على ما كان ~~عنده من المنافسة والمحاققة في مثله. ثم توصل فخر الملك الى القادر وتقرب ~~إليه بأنواع التقرب، وسأله أن يأذن لابن نباتة في مدحه فاعتذر إليه وأبى ~~عليه وقال: ما كان لشاعر الخلافة أن ms100 يمدح سواها، فلما اعتاص على فخر الملك ~~مرامه، وضع ابن حاجب النعمان فزور على ابن نباتة وقال: قد رسم لك أمير ~~المؤمنين أن تمدح الوزير فخر الملك، فحضر امتثالا للأمر، فلما رآه فخر ~~الملك نهض له قائما ورفع مجلسه وأحسن جائزته وأعطاه من الثياب والذهب ما لم ~~يعط شاعر مثله. فانظر الى منافسة هذا الوزير في اكتساب الثناء، واحتياله ~~على تحصيل الحمد من الأدباء، وعزة ذلك عند الأئمة الخلفاء، رضوان الله ~~عليهم. هكذا كانت رغبات الرؤساء في الأدباء. # وحدثني والدي رضي الله عنه قال: حدثني محمد بن محمد بن عبيد الله العلوي ~~الحسيني قال: حدثني أبو المفاخر الأبهري قال: حدثني أبو يعلى ابن الهبارية ~~الهاشمي قال: حدثني أبو سعد العلاء بن الحسن بن موصلايا كاتب حضرة الخلافة ~~قال: كنت إذا كتبت عن رئيس الرؤساء كتابا تحفظت وتحرزت واجتهدت، وما أكاد ~~أسلم من نقده، ومأخذه ورده. وقد صرت إذا كتبت كتابا عن ابن جهير فإني ~~أسترسل فيه ولا أراعي شيئا من ألفاظه ومعانيه، فإذا عرضته عليه أخذه ورزنه ~~بيده، فإن وجده ثقيلا كبيرا قال: يا بني، بارك الله فيك، هذا كتاب حسن قد ~~بجلته فيه وعظمته. وإن استصغر حجمه، واستقل سطوره ورقمه نظر إلي شزرا وقال: ~~لعلك غير راض، أو أن هذا لعدم البياض؟ وأنشد ابن الهبارية لنفسه: # فقل لوزير نقده لكتابه ... بأوراقه وزنا وعد سطوره # لعل زمانا قد شكونا وزيره ... يعيد علينا اليوم مثل وزيره # فانظر كم بين فخر الملك وهمته، وبين ابن جهير وعاميته وصنعته. # وكان بشر بن أبي خازم الأسدي قد هجا أوس بن حارثة الملك ظلما، حمله على ~~هجائه بنو بدر الفزاريون. ثم إن بشرا غزا طيئا في خيل من قومه، فأغار على ~~بني نبهان فجرح فأثخن وهو يومئذ يحمي أصحابه، فأسره بنو نبهان وخبؤوه ~~كراهية أن يبلغ خبره أوسا. وسمع أوس أنه عندهم فراسلهم في تسليمه إليه ~~فكتموه، فآلى أن يدفعوه إليه، وكانوا يخافون أن يقتله، فلما أبوا أعطاهم ~~مائتي بعير، فدفعوه الى رسله، فقال له ms101 بعضهم وهو مشدود على بعير: يا بشر ~~غننا، فكأن قد تغنى الناس بما يصنع بك أوس، فبينا هم يتهددونه إذ زجر الطير ~~والوحش فرأى ما يحب فقال: # أما ترى الطير الى جنب النعم ... والعير والعانة في وادي سلم # سلامة ونعمة من النعم # فأجاب بعض الرسل: # PageV01P063 # إنك يا بشر لذو وهم وهم ... في زجرك الطير على إثر الندم # أبشر بوقع مثل شؤبوب الرهم ... وقطع كفيك ويثنى بالقدم # وباللسان بعدها وبالأشم ... إن ابن سعدى ذو عقاب ونقم # فلما أتوا به قال له أوس: هجوتني ظالما، فاختر بين قطع لسانك وحبسك في ~~سرب حتى تموت، وبين قطع يديك ورجليك وتخلية سبيلك. ثم دخل على أمه سعدى وقد ~~سمعت كلامه فقالت له: يا بني لقد مات أبوك فرجوتك لقومك عامة، وقد أصبحت - ~~والله - لا أرجوك لنفسك خاصة، ويحك أزعمت أنك قاطع رجلا شاعرا؟ ومتى كانت ~~الشعراء تعامل بغير الإحسان؟ فإن كنت زعمت أنه هجاك، فمن يمحو إذا ما قاله ~~فيك؟ قال: فما أصنع به؟ قالت: تكسوه حلتك وتحمله على راحلتك وتأمر له بمائة ~~ناقة، عساه يغسل بمديحه هجاءه. فخرج من عندها فخلى سبيله وأحسن إليه وفعل ~~أضعاف ما أمرته به أمه. فامتدحه بشر فأكثر، ورحض عنه الدنس والوضر. # قال الأخفش: مدح بشر أوسا وأهل بيته مكان كل قصيدة هجاهم بها قصيدة، وكان ~~قد هجاهم بخمس فمدحهم بخمس. فمن ذلك كلمته المختارة: # كفى بالنأي من أسماء كاف ... وليس لحبها إذ طال شاف # فكان الأمر كما قالته أمه، إذ محا بشر بمدحه ذمه. # وفي هذا الباب من تأثير الشعر وزماجر أسود الغضاب، ما يكثر منه العجب ~~العجاب، وفيما أوردناه كفاية لذوي الألباب. ### | الفصل الرابع ### | في كشف ما مدح به وذم بسببه ### | وهل تعاطيه أصلح، أم رفضه أوفر وأرجح # أما مدح الشعر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وألسن الصحابة رضوان ~~الله تعالى عليهم أجمعين فكثير غزير، لا ينكر ذلك إلا غمر من الأدب فقير. ~~وفي الاقتداء بهم والاقتفاء لمنهجهم رشاد لا يضل سالكه، ومهاد لا ms102 يزحزح ~~مالكه، وزند لا يصلد قادحه، وإمداد لا ينزف ماتحه. فمن ذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم: ( ... من الشعر لحكمة) ، وفي موضع آخر (إن من الشعر لحكما) . ~~هذا قوله، وهو صلى الله عليه وسلم لا ينطبق عن الهوى بعد أن قال الله تعالى ~~في شأن داود عليه السلام: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) . وقال تعالى: ~~(ولوطا آتيناه حكما وعلما) ، فجعل صلى الله عليه وسلم بعض الشعر جزءا من ~~الحكمة التي خص الله تعالى بها أنبياءه ووصف بها أصفياءه، وامتن عليهم بذلك ~~إذ جعلهم مخصوصين بها من قبله، ومغمورين بفخرها من جهته، وناهيك بذلك فضيلة ~~للشعر والشعراء، ومزية عظم بها قدر الأدب والأدباء. وقال صلى الله عليه ~~وسلم لحسان بن ثابت: (أنت حسان ولسانك حسام) ، وهذا الكلام من باب الجناس ~~المطمع. ولولا الشعر لما جعل لسانه حساما على المجاز، لمضائه في القول ~~والرهبة من قوارصه، كما يمضي الحسام في الضريبة ويخاف من غروبه عند ~~المصيبة. وقالصلى الله عليه وسلم لحسان أيضا: (أجب عني، اللهم أيده بروح ~~القدس) . وقالت عائشة رضي الله عنها: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لحسان منبرا في المسجد ينافح عنه بالشعر عليه. ويقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (إن الله تعالى ليؤيد حسان بروح القدس) وقال له: (أهجهم) أو قال: ~~(هاجهم وجبريل معك) . وحدثت عائشة أنها سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام ~~يقول لحسان: (إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله تعالى وعن رسوله ~~عليه السلام) . # وروى ابن أبي بريدة فيما أسنده قال: أعان جبريل عليه السلام حسان بن ثابت ~~في مديحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتا، وفيه نظر. وفي غير ~~خبر أنه صلى الله عليه وسلم قال لحسان: (هيج الغطاريف على بني عبد مناف، ~~والله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في غلس الظلام) . # PageV01P064 # وروي أن قريشا لما هجت الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واستأذنوه في هجائهم فأذن لهم، فأتوا كعب بن مالك وكان وصافا للحرب، ms103 فعمل ~~شعرا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما صنع شيئا) . فأتوا عبد ~~الله بن رواحة وكان وصافا للجنة، فقال شعرا، وأتوا به النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: (ما صنع شيئا) ، فأتوا حسان بن ثابت فقال: ما كنت لأفعل حتى ~~يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حسان أعرف الناس بهجاء قريش في ~~الجاهلية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حسان إن أبا سفيان قد ~~هجاني وقرابته مني ما قد عرفت، فكيف تصنع؟ فقال: يا رسول الله لأسلنك منه ~~كما تسل الشعرة من العجين، فقال له: هل عندك من شعر يا حسان؟ فأخرج لسانه ~~فإذا هو مثل ذنب الحية. فقال له: اذهب فإن جبريل معك. فكان مما هجا حسان به ~~أبا سفيان قوله: # وأنت منوط نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرت عبد الله بن رواحة فقال وأحسن، وأمرت كعب ~~بن مالك، فقال وأحسن، وأمرت حسان بن ثابت فشفى واشتفى) . وقال عبد الله بن ~~عباس: تعلموا الشعر فإنه أول علم العرب وهو ديوان الأدب، وعليكم بشعر أهل ~~الحجاز، فإنه شعر الجاهلية وقد عفي عنه. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~تحفظوا الأشعار وطالعوا الأخبار، فإن الشعر يدعو الى مكارم الأخلاق ويعلم ~~محاسن الأعمال، ويبعث على جميل الأفعال، ويفتق الفطنة، ويشحذ القريحة، ~~ويحدو على ابتناء المناقب وادخار المكارم، وينهى عن الأخلاق الدنيئة، ويزجر ~~عن مواقعة الريب، ويحض على معاني الرتب. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ~~علموا أولادكم الشعر فإنه يعلمهم مكارم الأخلاق. وأوصى الرشيد الكسائي ~~بالأمين والمأمون، فكان من جملة وصيته: وروهما من الشعر فإنه أوفى أدب يحض ~~على معالي الرتب. وقال معاوية: علموا أولادكم الشعر فإني أدركت الخلافة ~~ونلت الرئاسة ووصلت الى هذه المنزلة بأبيات ابن الإطنابة، فإنني يوم الهرير ~~كلما عزمت على الفرار أنشدت قوله: # أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح # وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي ms104 أو تستريحي # فأثبت وأقول: مكانك تحمي أو تستريحي. # ولما قدم الحجاج بن يوسف العراق جفا الشعراء جفاء اتصل خبره بعبد الملك ~~بن مروان فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك الى ~~الحجاج بن يوسف، أما بعد: فقد بلغني عنك أمر كذب فراستي فيك، وأخلف ظني ~~عندك، وهو إعراضك عن الشعر والشعراء؛ فإنك لا تعرف فضيلة الشعر ولا تعلم ~~مواضع كلام الشعراء ومواقع سهامهم، أو ما علمت يا أخا ثقيف أن بالشعر بقاء ~~الذكر ونماء الفخر، وأن الشعراء طرز المملكة، وحلي الدولة، وعناوين النعمة، ~~وتمائم المجد، ودلائل الكرم، وأنهم يحضون على الأفعال الجميلة، وينهون عن ~~الخلائق الذميمة، وأنهم سنوا سبيل المكارم لطلابها ودلوا بغاة المحامد على ~~أبوابها، وأن الإحسان إليهم كرم، والإعراض عنهم لؤم وندم، فاستدرك فارط ~~تفريطك، وامح بصوابك وحي أغاليطك. # PageV01P065 # ومن فضيلة الشعر أن العلماء بالأدب لا يستطيعون نظم البيت الفذ منه، مع ~~عدم الطبيعة في نظمه والمنحة من الله تعالى في تأليفه لقوله تعالى: (وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له) ، فعزى تعليمه إليه سبحانه وجعله من جملة هباته ~~للمخلوق وزينته التي يكسوها من يشاء، كما قال تعالى: (يزيد في الخلق ما ~~يشاء) . ولولا أن تكون هذه المزية، والفضيلة السنية، موهبة من الله تعالى ~~لما تعسرت على العلماء مع معرفتهم بأدواتها وقبضهم على أزمة آلاتها، وتسهلت ~~على الخلو من الأدب، والنضو في مسارح ذلك الصبب حتى يقول ما لا يعرف ~~تعليله، وينظم ما يجهل فروعه وأصوله. # ومن فضيلة الشعر أن الكلام المنثور، وإن راقت ديباجته ورقت بهجته، وحسنت ~~ألفاظه، وعذبت مناهله، إذا أنشده الحادي، وأورده الشادي، ومد به صوته ~~المطرب، ورفع به عقيرته المنشد، لا يحرك رزينا، ولا يسلي حزينا، ولا يظهر ~~من القلوب كمينا، ولا يخون من الدمع أمينا. فإذا حول بعينه نظما، ووسم ~~بالوزن وسما، ولج الأسماع بغير امتناع، وملك القلوب كما تملك الإماء في ~~الحروب، وقبض على الجوارح قبض الجبائر على الجرائح، فكم من نفس استعادت به ~~نفسها، وكم من مهجة ذهب ms105 بها واختلسها، وكم من كريم أحياه ومن لئيم أرداه، ~~وكم من فقير أغناه، وكم من غني أخلاه، فضيلة لم تكن إلا له أبدا. والشعر ~~معدن تفضيل وإعجاز يشجع الجبان الوكل، فلا فرار عنده ولا نكل. ويسمح البخيل ~~وإن برم، ويستصبي الشيخ وإن هرم. فمعجزاته بادية، وآياته رائحة غادية. # وأما من ذهب الى ذمه وتنقصه لسوء فهمه، فإنما هو متمسك بشبه لم يعرف ~~تأويلها، مستند الى حجج لم يعلم تعليلها، خابط في عشواء مظلمة، متورط في ~~خوض وعثاء مؤلمة. # والذي تمسك به الذام قوله عليه السلام: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى ~~يريه خير له من أن يمتلئ شعرا) . القيح: المدة لا يخالطها دم، ويريه: من ~~الوري والاسم الورى بالتحريك، ومنه الدعاء: سلط الله تعالى عليه الورى وحمى ~~خيبرى. يقال ورى القيح جوفه يريه وريا إذا أكله. # قال عبد بن الحسحاس: # وراهن ربي مثل ما قد ورينني ... وأحمى على أكبادهن المكاويا # وهذا حديث يشهد لنفسه بأنه صلى الله عليه وسلم قصد به زمانا معينا، وخص ~~به قوما معينين، ولم يجزه على الإطلاق؛ دليل ذلك ما مدح الشعر به وأعظمه ~~بسببه، وكونه عليه السلام سمع الشعر في الرجز والقصيد، واستنشده وتمثل به ~~مكسور الوزن، وفي رواية: صحيح الوزن، وأمر شراءه بهجاء من هجاه، وحث عليه ~~ودعا إليه. وله شعراء معروفون من الأنصار وغيرهم، ولم يبق أحد من صحابته ~~إلا وقال الشعر قليلا أو كثيرا، وأنشد واستنشد وتمثل به واحتج، وكاتب ~~وراسل. وإذا ثبت أنه لقوم مخصوصين، وبطل أنه للعموم والإطلاق، كان في تأوله ~~ضرب من التكلف. # ولا بأس بذكر شيء مما قد تأوله به العلماء. فمن ذلك ما رواه الكلبي عن ~~أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يمتلئ جوف ~~أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به) ، وفي حديث عائشة ~~رضي الله تعالى عنها من مهاجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قلنا: هذا حديث لا يصح من وجوه: منها: أن ms106 الكلبي قد طعن عليه أصحاب ~~الحديث، وقوله غير موثوق به عندهم. # ومنها أن حفظ البيت الواحد مما هجي النبي صلى الله عليه وسلم به، يري ~~قيحه ولا يتوارى قبحه فضلا أن يمتلئ الجوف به. # PageV01P066 # ومنها أنه لو أراد به هجاء نفسه الشريفة لصرح بكفر المتلفظ به فضلا عن ~~المتحفظ له المالئ بطنه به؛ إذ لا خلاف بين المسلمين أن من سب رسول الله ~~فقد كفر، والسب جزء من الهجو. وإذا بطل ذلك كان المراد به ذم من جعل دأبه ~~تحفظ الأشعار الرقيقة، والأهاجي الدقيقة حتى شغله ذلك عن معرفة ما يجب عليه ~~من أمر دينه وإصلاح دنياه. # وقيل: إنما عنى شعراء أعداء الله وأعداء رسوله الذين هجوا وثلموا أعراض ~~أصحابه، ورثوا قتلى المشركين ببدر وغيره، وأبنوهم وذكروا فضلهم. ولما كان ~~حفظ ذلك من الأوضار الدنيئة، قابله صلى الله عليه وسلم بالقيح الذي تعافه ~~النفس وتنفر منه الطبيعة مبالغة في قذارته. # وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: إنما يكره من الشعر الهجاء والرقيق ~~الذي يتشبب فيهبالنساء فتهيج له قلوب الفتيان. فأما سوى ذلك فما أنفعه. # وقال النضر: كيف تمتلئ أجوافنا - يعني بالشعر - وفيها القرآن والفقه ~~والحديث وغير ذلك. وإنما كان هذا في الجاهلية، فأما اليوم فلا، وتمسك الذام ~~للشعر والشعراء بقوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل ~~واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون) . والجواب عن ذلك أن المتمسك بذلك ~~المحتج به لا علم له بمعاني القرآن المجيد، فإن هذه الآية مختصة بشعراء ~~الجاهلية. # وروي عن عكرمة أنه قال: معنى هذه الآية أن شاعرين تهاجيا بالجاهلية، فكان ~~مع كل واحد منهما فريق من الناس يتبعه، ويحفظ عنه ما يخترعه. # وروي عن الحسن في قوله تعالى: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) أنه قال: ~~قد رأينا أوديتهم التي كان يهيمون فيها مرة في مديح ومرة في هجاء. # وروي عن ابن مجاهد أنه قال: إنما يهيمون في كل فن يفتنون فيه من فنون ~~الشعر. # وقيل في قوله تعالى: ms107 (وأنهم يقولون ما لا يفعلون) ، أي يدعون على أنفسهم ~~أنهم قتلوا وما قتلوا، وزنوا وما فعلوا، وما شابه ذلك ... وأقوال المفسرين ~~في ذلك كثيرة شهيرة، ولا نزاع في اختصاص الآية بشعراء الجاهلية حتى نبسط ~~القول في ذلك. ثم من جهل المحتج على الشعراء بهذه الآية كونه لم يعلم بمن ~~استثني فيها، وتلا أولها ونسي آخرها وهو قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا) . الذين ~~آمنوا هم المخضرمون كانوا جاهلية وأدركهم الإسلام فحسن إيمانهم، ثم وصفهم ~~تعالى بعمل الصالحات لما أجابوا منادي الرسول واتبعوا سنته القويمة ووقفوا ~~عند أوامره ونواهيه، وأثنى عليهم بكثرة ذكرهم لله تعالى، وذكر حلومهم ~~الرزينة بقوله: (وانتصروا من بعد ما ظلموا) . فإنهم لما هجتهم قريش ~~وهيجتهم، وبدأتهم بالأذى وأحفظتهم، استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~فأذن لهم في الانتصار منهم، فكيف ترك ذكر هؤلاء وما قد وصفهم الله تعالى ~~به، واحتج بذكر شعراء الجاهلية، لولا العدول عن الحق والحيرة في تلك الطرق. # PageV01P067 # وتمسك الذام للشعر والشعراء بقول من قال: الشعر أخبث طعمة تؤكل، وأفحش ~~صناعة تفعمل، وأرجس قدح يلمس، وأبخس ثوب يلبس، لأن قول شاعره زور وثناءه ~~غرور، ولفظه فجور، وهو مستثقل مهجور، إن بعد خيف شذاه، وإن قرب لم يومن ~~أذاه، وإنما غاية الشاعر إذا اسحنفر في ميدانه، وأطلق عنان لسانه، وتبوع في ~~القول بجهده، وتدرع في الوصف بجده، واحتفل لبلوغ شأوه عند من يجتديه، ~~وترامى الى أقصى بغيته عند من يعتريه ويعتفيه، أن يفرق في وصف جمل ويطنب في ~~مساءلة طلل، ويبكي على رسم داثر، ويقف ويستوقف على رماد ثائر، ويرحل النوق ~~والجمال، ويصف قطع المفاوز وتعسف الرمال، ويذكر ورود المياه الأواجن، ~~ومصاحبة الغلان والسعالى في تلك المخارم. وأي عقل أقل، ورأي أجور وأضل، من ~~عقل رجل انتصب لسماع ذلك، ورأي شاعر أتعب نفسه وكد حسه في وصف بقر وسؤال ~~حجر. # ثم إن الشاعر إذا نظم قطعة، واختطف معنى، استصغر من الشعراء الصدر الأول، ~~واستحقر من العلماء ms108 الخليل والمفضل، وليس عنده سوى لمع قد أخذها من بطون ~~الكتب وصحفها من متون الصحف، ولم يتدرج الى معرفة أدب بطول صحبة ولا بقديم ~~رياضة، وإذا لم تطل الصحبة لم تعرف المظنة، وللعلم سر، من قصر عن مكانه لم ~~يعد من إخوانه. # وكم من شاعر قد ابتلي به من أنعم عليه وأحسن إليه، فقابل الإحسان ~~بالإساءة، والإنعام بالانتقام، وحسن الصنيع بقبح التضييع، حتى أذاقه بعد ~~حلاوة مدائحه ومرارة هجائه، وجرعه غصص ثلبه ومضض ذمه، ناقضا لما أبرم، ~~هادما لما شيد، ومكذبا نفسه فيما قدم، لا تصرفه عنه أنفة، ولا يردعه حياء، ~~ولا يقذعه دين، ولا يزعه تقى. # وكم من كريم الطرفين، عالي الجدين، صريح النسب، صحيح الحسب، عظيم الرتب، ~~شريف الأم والأب، قد قذفه بهجو، زنيم في نسبه، لئيم في ادعاء أب غير أبيه، ~~وضيع قدره، حقير أمره. # وكم من حرة كريمة وعفيفة مأمونة، ومخدرة مصونة، قد هتك الهجو خدرها، وكشف ~~عنها سترها، فشملها العار، وحل بها الشنار؛ فهي لا تطيق لذلك دفاعا ولا تجد ~~منه امتناعا. وأي مصيبة أعظم ورزية آلم من شاعر رمى حرمة محسن إليه بقذعه، ~~ووسم جهة منعم عليه بقذفه، فلزمه عار هجائه لزوم طوق الحمامة، الى يوم ~~القيامة، وإنما يكرم الشاعر مخافة من شره، وحذرا من بذيء لسانه وقل دينه ~~وعدم مروءته. وقد قال عليه السلام: (إن شر الناس من أكرم مخافة من شره) . # ومتى أنشدك شاعر هجاء قد مزق به عرض مسلم أو عرض عليك سبا قد قذف به حرمة ~~بريء مستسلم، فإنما قصد بذلك أن يريك حمته، ويذيقك سمامه، ويعرفك كيف يفوق ~~سهامه، ويخوفك ميسمه، ويحذرك مكواته. # فكم من كريم جعله الشعر بخيلا، وصريح في قومه تركه دخيلا، وشجاع صيره ~~جبانا، وأمين غادره خوانا. ألا ترى الى أبي نواس وإحسن بني برمك إليه، ~~وإقباله بالمدائح عليهم، وإقبالهم بالصات عليه؛ فمن جملة قوله فيهم: # سلام على الدنيا إذا لم يكن بها ... بنو برمك من رائحين وغاد # وقد عرف الناس كافة اشتهار بني برمك بالجود ms109 واختصاصهم ببذل الموجود، فلم ~~يستحي أبو نواس من إحسانهم إليه وتكذيب الناس له حتى وسمهم بالبخل، ودعاهم ~~بالشح، خارقا للإجماع فيهم، وجاحدا لاصطناعهم له، حتى قال من جملة هجائه ~~فيهم: # بني برمك باللؤم والبخل أنتم ... حقيقون لكن قد يقال محال # وقد يهجو جعفرا: # ولو جاء غير البخل من عند جعفر ... لما أنزلوه منه إلا على حمق # أرى جعفرا يزداد لؤما ودقة ... إذا زاده الرحمن في سعة الرزق # وكذلك صنع أبو نواس مع الخصيب فإنه بعد قوله فيه: # PageV01P068 # إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخصيب تزور # يقول: # خبز الخصيب معلق بالكوكب ... يحمى بكل مثقف ومشطب # وهذا أبو الطيب وفد على كافور الإخشيدي مستميحا، وقدم عليه يوسعه ثناء ~~ومديحا، فمن جملة قوله فيه: # قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا # فلما واصله كافور بصلاته وأسرف في بذل أمواله له وأعطياته، كر راجعا عليه ~~بذمه، نافثا في فم عرضه قواتل سمه. وقد قال عليه السلام: (حرام على النفس ~~الخبيثة أن تخرج من دار الدنيا حتى تسيء الى من أحسن إليها) . ولما سئل أبو ~~الطيب عن موجب ذمه كافورا زعم أنه منعه من قصد الملوك، وإراقة ماء محياه ~~لدى الغني والصعلوك، وضمن له على نفسه العوض عما خيلته المطامع في ذلك ~~الغرض. ولم يقدر على الاحتجاج بتقصير صدر من كافور، فهل هذا ذنب استحق به ~~أن يقول بعد ذلك المدح فيه: # من علم الأسود المخصي مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصيد # ولو عددنا من فعل ذلك من الشعراء، ومن قابل منهم الإحسان بالذم والهجاء، ~~لصنفنا في ذلك كتبا، وأوردنا منه طريفا عجبا. # هذا زبدة من مخض وطابه في ذم الشعر والشعراء، ونبذه ونبذهم من الجفوة ~~بالعرا والعراء. وسنذكر الجواب عن ذلك مختصرا إن شاء الله تعالى. # الجواب وبالله التوفيق: اعلم أيها الذام، أصلحك الله تعالى، أن الحق غير ~~ما توخيت، والصدق غير ما آخيت، ومن نازع في أمر ولم ينافر الى حاكم غير ~~نفسه، لم يظفر بمحجة حججه وكشف ms110 لبسه، ومن سول له الشيطان في خلواته أمرا ~~فرضي به، وأطباه هواه لغرض فقاده الجهل إليه، لم يزل في مضلة عن الحق وحيرة ~~مظلمة في تلك الطرق؛ والعجب بالرأي آفة العقل، والقلوب مع الأهواء سريعة ~~التقلب؛ سيما إذا لم يكن لها قائد من الإنصاف بصير، ولا معين من الإرشاد ~~نصير. ولم يكن لأودها مثقف ولا مقوم، ولا في مجهلها هاد ولا معلم، ومن رضي ~~شيئا شنئ ضده، واحتج لباطله جهده، وتسخط ما خالفه، وأنكر منه ما عرفه، وكان ~~لما انهدم منه مشيدا، ولما شرد من محاسنه مقيدا، وعما عرض عن مساوئه حيودا ~~معرضا. # وليس من العدل ما أنت عليه، ولا من الإنصاف ما ذهبت إليه، والعلم غير ما ~~توهمت، والأدب ليس كما زعمت. وإنما العلم منيع الحمى، صعب المرتقى، لا ينال ~~بالمنى، ولا يدرك بالهوينا، ولن يحظى به إلا من أحبه لنفسه ونفاسته، وطلبه ~~لذاته ولذاذته، وتعشقه لعينه ومزيته، وكان مؤنسه في الوحشة، وثانيه عند ~~الوحدة، يتكثر به لدى القلة، ويعتز به في حال الذلة. ولن يعطيك بعضه حتى ~~تعطيه جملتك، ولا يصحب إليك حتى تلقي نفسك عليه، وربما كان مع ذلك عزيزا ~~عليك مرامه، بعيدا من يدك مناله. ألا تراه لما دخل فيه من ليس هو منه، ~~واقتنع باسمه دون عينه وجسمه، كيف ذهب بهاؤه، وغاض رونقه، واستحالت نضارته، ~~وتعطلت سننه وطمس سننه، واستخف بقدره واستهين بأمره، ونبذت رسومه، وأقوت ~~ربوعه، ونقضت شروطه، واستحدثت فيه البدع، وظهرت فيه الشنع، كقول الأول: # لما ادعى العلم أقوام سواسية ... مثل البهائم قد حملن أسفارا # غاضت بشاشته واغتاض حامله ... وصوع الروض منه واكتسى عارا # PageV01P069 # ويجب، أيها الذام أن تعلم أن الشعر كلام، وفي الكلام الجيد والرديء، وما ~~يكتسب به الثواب، وما يجتلب به العقاب، وما تبتاع به الجنان، وما تشترى به ~~النيران. فكيف يطلق الذم على الجميع، ويؤخذ الرفيع بالوضيع، ويلحق بالشعر ~~كله كراهية تختص ببعضه. وقد قال عليه السلام: (الشعر كلام، حسنه كحسن ~~الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام) . # واعلم أن الشعراء بشر وفي ms111 البشر الصالح والطالح، والعاقل والجاهل، ~~والمحمود والمذموم. وليس من العقل والعدل أن نجد في رجل خلة مذمومة فنذم من ~~أجلها كل من تسمى باسمه، وكل من انتسب الى أصله وجذمه، وكل داخل في صناعته، ~~وكل معدود من جماعته. وهل يحسن باللبيب العاقل أن يرى كاتبا لحانا، رديئا ~~خطه، مخطئا شكله ونقطه، فيذم من أجله كل كاتب، ويبعد لبغضه كل ضابط وحاسب؟ ~~هل يعد فاعل ذلك في جملة المكلفين؟ كلا والله ولا في زمرة المحصلين. # وكذلك كل صناعة إذا برز واحد فيها وأجاد، فما يستحق جميع أهلها المدح، ~~كما أنه إذا قصر واحد فيها وأخطأ لا يلحق بكل أهلها الذم، وإنما من العدل ~~والإنصاف، وشيم الكرماء الأشراف، أن يعطى كل شيء قسطه، ويوفى كل ذي قسم ~~حقه، فيلحق المدح بأربابه والذم بأصحابه، كما قال سبحانه وتعالى فيمن يستحق ~~المدح: (نعم العبد إنه أواب) . وقال تعالى فيمن يستحق الذم: (عتل بعد ذلك ~~زنيم) ولا يفجر الإنسان مع هواه، الى غاية تهوي به في رداه. # واعلم أيها الذام أن الشعر صناعة عزيزة شريفة يخلد ذكرها خلود الدهر، ~~ويبقى فخرها بقاء الأبد. ومن لم يجر في ميدان النظم، ولم يبرز في رهان ~~الحذق والفهم، ولم ترض قريحته رياضة القريض، ولم يدعك خاطره تنافر القوافي ~~دعك الأديم، وتأبى عليه المعاني إباء الصعب الجموح، وتعتاص عليه الألفاظ ~~العذبة الحلوة اعتياص البطيء الطليح، ويصعب عليه رد الشوارد من مقاصده، ~~ويمتنع عليه الخروج من النمط الموضوع والحد المحدود الى غيره من التفنن في ~~الصفات والتشبيهات، لم يعلم بحقائق الشعر ودقائق المعاني، ولم يعرف هل ~~يستحق قائله المدح أو الذم، اللهم إلا إن كان مقلدا لا منتقدا. # وأما صفة العرب للديار والآثار، ووقوفهم على الرسوم والأطلال، وتشبيه ~~النساء بالظباء والآجال، الى غير ذلك من صفات المخارم والفجاج، والتهويم ~~والإدلاج، فإنهم في ذلك معذورون غير ملومين، لأنهم جروا فيه على سنن السلف ~~ورسم من تقدم منهم. ولم يصفوا وينعتوا ويشبهوا ويمدحوا ويذموا إلا ما هو ~~تجاه أعينهم لا يعاينون غيره، ms112 ولا يعانون سواه، ولكل قوم سنة بها يستنون، ~~ووتيرة عليها يحومون وإليها يرمون. فمن أضاع ذلك منهم كان خارجا عن مذهبه، ~~مخالفا لطبيعته، ساقطا من وراء حده. # كما أن المولد من الشعراء إذا ترك صفات القدود القويمة والخدود الوسيمة ~~والألحاظ الرطبة، والألفاظ العذبة، والتشبيه بالورد والند والكثيب، والغصن ~~الرطيب وما أشبه ذلك، وتعاطى صفات الديار، والآثار والمذانب والآبار، ~~والسانية والغرب، والرشاء والعناج والكرب، وغير ذلك، كان خارجا عن حاله، ~~مخالفا لمذهبه ورجاله، مستهجنا فيما يورده من ذلك، متكلفا لما يلفقه منه. ~~ولكل قوم مذهب يليق بهم ويستحسن منهم. # وأول من شرع ذلك واستنه للعرب فاتبعوه، وفتح لهم بابه فاقتحموه وولجوه، ~~امرؤ القيس بن حجر، فاستحسنت الأعراب صفاته وتشبيهاته، وسلكوا سبيله، ~~وتقبلوا مذهبه وقيله. # PageV01P070 # فاعرف أيها الذام ذلك، وإياك أن تتعرض لذم فضيلة جليلة قد مدحت على لسان ~~سيد البشر، وأشرف مضر، أو تنال من أديب ذي خصيصة لا ترتقى درجتها ولا تتقى ~~فراستها، فكم من رفيع اتضع، وعزيز ذل وخضع، بتعديه على الأدباء وتنقصه ~~منازل الفضلاء، ومن بنيان انهدم، وسلطان عدم، وقران عبر، وشرع نسخ، وعقد ~~محكم فسخ، ومعالم الشعر قائمة لا تلوى، وأعلامه منشورة لا تطوى، ورياضه ~~مونقة غير خاوية، وأغصانه مورقة غير ذاوية، يحلم السفيه، ويجمل النبيه، ~~ويريق الدماء ويحقنها، ويذيل الأعراض ويحصنها، يقرب المآرب الشاسعة ~~وينئيها، ويبعد المطالب الواسعة ويدنيها، وينفع ويضر، ويسوء ويسر، ويعزل ~~ويولي، ويفقر ويغني: # فمن ذا رأى في الورى خصلة ... تقرب نأيا وتنئي قريبا # تميت وتحيي بأقوالها ... وتفقر خصما وتغني حبيبا # وأما قولنا في أول الفصل: وهل تعاطيه أصلح أم رفضه أوفر وأرجح، فالجواب: ~~كيف يكون ترك الفضائل خيرا من تعاطيها، واجتناب المناقب أصلح من مواصلة ~~معاليها، وما علمنا أن أحدا من البشر استطاع نظم الشعر وكان فيه مجيدا، ~~وترك ذلك، ولم يكن يشتهر به وينتسب إليه، إلا أن يكون فيه مقصرا، وعن ~~السوابق سكيتا آخرا، فيجوز أن يتركه لعجزه عنه، ونفوذ جيده منه. كما نقل عن ~~المأمون لما قيل له: هلا نظمت ms113 شعرا، فقال: يأباني جيده وآبى رديئه، وله مع ~~هذا أشعار كثيرة مشهورة. # ولو عددنا من تعاطى نظم الشعر من الخلفاء، والملوك والأمراء والوزراء، ~~والقضاة والزهاد، والقواد والعلماء والأشراف، لأفردنا له كتابا يجل رقمه ~~ويثقل حجمه. حتى إن جماعة من ملوك بني بويه رشوا جماعة من الشعراء حتى ~~نظموا لهم أشعارا فنسبوها الى أنفسهم، ودونوها على ألسنتهم؛ لما في ذلك من ~~المنزلة الرفيعة، والخلة الجميلة، والمنقبة الجليلة، والفضيلة النبيلة. ~~ولولا ذلك لما تحلوا بحليه ولا تزينوا بجلابيبه. # PageV01P071 # وقد روي عن جماعة من الصحابة أشعار كثيرة حتى دونوا لأمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه ديوانا، ورووا فيه أشعارا حسانا. فأما النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقد قال الله تعالى فيه: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) ~~ليكون ذلك أبلغ في الحجة على من زعم أنه كاهن، ومرة ساحر، ومرة (شاعر نتربص ~~به ريب المنون) ، (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها) ، وقالوا (أضغاث أحلام ~~بل افتراه بل هو شاعر) . فمنعه الله تعالى من الشعر تكرمة له لما كان الشعر ~~ديدن أهل عصره الذي بعث فيه، وحظر عليه ذلك دلالة على صدقه وشهادة على ~~بطلان قول المبطلين في حقه، وتنزيها له من افترائهم عليه، وزيادة في الحجة ~~له. وأنزل عليه القرآن المجيد الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه) الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا ما أتوا. فأقبل صلى الله عليه وسلم يتحداهم فريقا فريقا بأن يأتوا ~~بمثله، فلا يقدرون عليه. ولو كان شعرا وطالبهم بمثله لسهل عليهم، وكان ~~موجودا لديهم. وما كان منعه صلى الله عليه وسلم من الشعر إلا فضيلة ومصلحة ~~وإكراما وتطهيرا. وليس على الشعر بذلك نقيصة ولا عار، ولو كان كل ما منعه ~~الله تعالى منه حتى لا يرتاب المبطلون نقيصة لذلك الفن لكانت الكتابة نقيصة ~~لما جعله الله أميا لا يكتب ولا يقرأ؛ ليكون أوكد سببا، وأعلى شأنا، وأشهر ~~مكانا، ولذلك قال الله عز وجل تعالى: (وما ms114 كنت تتلو من قبله من كتاب ولا ~~تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) . فإن كان منعه من الشعر مذمة ونقيصة ~~للشعر والشعراء، فمنعه من الكتابة مذمة ونقيصة للكتابة والكتاب، ومعاذ الله ~~أن يقول ذلك عاقل، والله تعالى يقول: (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم) ~~وقال تعالى: (كراما كاتبين) يعني الملائكة. # وقد جعل الله تعالى أهل بيت رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإخوانه ~~كتابا وحسابا، كما جعل منهم شعراء ورجازا. وكان من أزواجه صلى الله عليه ~~وسلم من يكتب ويقرأ؛ وهن حفصة بنت عمر، وعائشة بنت أبي بكر، وأم سلمة، ~~رحمهم الله تعالى جميعا. # ورووا عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يوم الأحزاب ينقل التراب ويقول: # اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا # ورووا عنه عليه السلام أنه كان يوم حنين على بغلته البيضاء وهو يقول: # أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب # ورووا أنه صلى الله عليه وسلم أصاب إصبعه الشريفة حجر فدميت، فقال: # هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت # وأقول: إن هذه الأخبار إذا صحت فإنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بها ~~ولا يقيم وزنها تصديقا وتسليما لما أخبر الله تعالى به وهو أصدق قيلا. فإنه ~~يمكن أنه قد كان يقول: اللهم ما اهتدينا لولا أنت ولا صلينا ولا تصدقنا، ~~ويقول: أنا النبي لا كذبا، أنا ابن عبد المطلب، ويقول: هل أنت إلا إصبع ~~دميت، وفي سبيل الله ما لقيت. أو ما يقارب هذا، وإن كانت هذه الأخبار غير ~~متفق عليها، فقد سقط التعليل. # PageV01P072 # وقيل: دخل أبو علي المنقري على المأمون وكان متكئا على فرشه، قال له ~~المأمون: بلغني أنك أمي، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، أما اللحن فربما سبق لساني بشيء منه، وأما الأمية وكسر الشعر فقد ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقيم الشعر. فاستوى المأمون ~~جالسا وقد ظهر الغضب على وجهه وقال: ويلك. سألتك عن ثلاثة عيوب فيك ms115 فزدتني ~~رابعا؛ وهو جهلك وحمقك، يا جاهل! إن ذلك كان في النبي صلى الله عليه وسلم ~~فضيلة، وهو فيك وفي أمثالك نقيصة ورذيلة، وإنما منع النبي من ذلك لنفي ~~الظنة عنه، لا لعيب في الشعر والكتابة، ولا لنقص لحقهما. فلما سمع المنقري ~~ذلك قال: صدقت يا أمير المؤمنين، رب ظن عثر على وهن. # وقيل: من شرف ولد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ما من أحد ~~وإن عظم بيته وشرف محتدفه إلا ويود أنه فاطمي. وكذلك أقول أنا: إن ما من ~~أحد وإن غلا قدره وعلا ذكره إلا ويود أنه يحسن قول الشعر، ويستطيع نظمه، ~~ليتجمل به ويتزين بنسبه. # وقال بعض الناس: فما تقول في قوله صلى الله عليه وسلم: (امرؤ القيس حامل ~~لواء الشعراء يقودهم الى النار) ، وهل هذا مدح للشعر أم ذم؟ قلت: إذا تأملت ~~المقصد وحققت المراد وجدت المعنى ينساق الى مدح الشعر، وذلك أنه صلى الله ~~عليه وسلم أراد حامل لواء شعراء الجاهلية والكفار، الذي هجوا رسول الله ~~وهجوا المسلمين واستحقوا النار بكفرهم لا بشعرهم، ولا خلاف ولا نزاع بين ~~العلماء في ذلك. ولو أراد العموم لدخل تحت ذلك أصحابه المقطوع لهم بالجنة، ~~وأولياؤه المؤمنون به، والمهاجرون والأنصار والتابعون. ومعاذ الله أن يذهب ~~الى ذلك مسلم أو يقول به عاقل أو عالم. وإنما كان مقصده صلى الله عليه وسلم ~~تفخيم حال امرئ القيس وتعظيم أمره وتقديم شعره على أكفائه ونظرائه، وأنه ~~استحق عليهم التقديم والتفضيل بجودة شعره، وحسن معانيه وواقع تشبيهاته، ~~فجعله لذلك عميدهم وسيدهم والمتقدم عليهم وقائدهم. ولم يكن يستحق بكفره إلا ~~النار وبحسن شعره إلا التقدم على الشعراء، فكانت هذه الصفة به خليقة، ~~وسمتها به حقيقة. # فقد ظهر لك مدح الشعر في مطاوي هذا الذم. ومثل ذلك ما حكاه الأصمعي أن ~~أعرابيا أتى ابن عم له، فسأله في مهر لزمه فلم يعطه شيئا ورده خائبا، فأتى ~~رجلا من المجوس وشكى إليه ما كان من ابن عمه، فأعطاه المجوسي ما التمسه، ~~وأطلق ms116 له ما كان ابن عمه عنه حبسه، فأنشأ قائلا: # كفاني المجوسي مهر الرباب ... فدى للمجوسي خال وعم # شهدت عليك بطيب المشاش ... وأنك أنت الجواد الخضم # وأنك سيد أهل الجحيم ... إذا ما ترديت فيمن ظلم # تجاور فرعون في قعره ... وهامان والمكتني بالحكم # لا ريب في أن الأعرابي لم يرد الغض والوضع من المجوسي مع إحسانه إليه عند ~~حرمان ابن عمه له، سيما وقد فد بطرفيه: خاله وعمه، ولكنه أراد تفخيم أمر ~~المجوسي فجعله سيد أهل الجحيم ومجاورا لفرعون وهامان وأبي جهل بن هشام، إذ ~~لم يكن المجوسي يستحق إلا النار، ولو كان مستحقا للجنة لجعله مع أبرارها ~~وأشرافها، والمعنى ظاهر. # وقيل لما سمع حسان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق امرئ القيس ~~قال: وددت أنه قال ذلك في وأنا المدهده في النار، حرصا على بلوغ الغاية ~~القصوى التي أوجبت تفضيل امرئ القيس على سائر نظرائه، وتقديمه على جميع ~~أكفائه. وسأل بعض الناس عن قول الرضي الموسوي: # ما لك ترضى أن يقال شاعر ... بعدا لها من عدد الفضائل # قلنا: الرضي كان طالب منزلة عظيمة، ومحدثا نفسه بأمور جسيمة: # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد قضى بها زمنا رغدا # PageV01P073 # فكل فضيلة نبيلة ومنقبة جليلة عند بغيته مستصغرة، وكل درجة رفيعة، وحوزة ~~منيعة، عند طلبته نازلة سهلة، فمراده أن يقول: كيف ترضى لنفسك أن يقال عنك: ~~هذا شاعر، مقتصرا على هذه السمة، ومقتنعا بهذه المنزلة، وواقفا على هذه ~~الغاية، وتترك الجد والاجتهاد في إدراك الرتبة التي أنت مؤملها، وتحصيل ~~الأمنية التي أنت طالبها. ثم قال: بعدا لها من عدد الفضائل، أي بعدا لهذه ~~الفعلة مما يعدد في الفضائل التي خصصت بها، حثا لنفسه وتحريضا لها في طلب ~~أمر هو من الشعر أعلى محلا، وأغلى حليآ، وأوفى شرفا، وأوفر قيمة، وأعز ~~موضعا، ولم يقصد أن الشعر خصلة مرذولة وخلة مذمومة. وكيف يذهب الى ذلك أو ~~يدعيه أو يقوله، وبالشعر شهر اسمه وأضاء نجمه، وتوفر من الأدب قسمه، وأغرض ~~في ms117 الفخر سهمه، وأفنى فيه عمره، وقضى بمصاحبته دهره، ولو ادعى أن الشعر خلة ~~رذيلة ومنزلة وضيعة، لم يلتفت إلى زعمه، ولا اتسق له أن يحج بذلك حجة خصمه، ~~ولا قوله فيه مقبول ولا مسلم إليه. # وقد تقدم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم في مدحه ووصفه وأقوال صحابته ~~ما يدحض كل حجة، ويوضح في الفلج كل محجة. ومما يدل على أن الرضي كان يحدث ~~نفسه بما تستصغر معه المراتب الجليلة، والفضائل النبيلة، ما كاتبه به أبو ~~إسحاق الصابئ الكاتب، إما مستهزئا به لاهيا، أو صادقا في مدحه متناهيا، ~~وهو: # أبا حسن لي في الرجال فراسة ... تعودت منها أن تقول فتصدقا # وقد خبرتني عنك أنك ماجد ... سترقى من العلياء أبعد مرتقى # فوفيتك التعظيم قبل أوانه ... وقلت: أطال الله للسيد البقا # وأضمرت منه لفظة لم أبح بها ... إلى أن أرى إظهارها لي مطلقا # يعني: السلام عليك يا أمير المؤمنين. # فإن عشت أو إن مت فاذكر بشارتي ... وأوجب بها حقا عليك محققا # وكن لي في الأولاد والأهل حافظا ... إذا ما اطمأن الجنب في مضجع النقا # لا ريب عندي أن أبا إسحاق لاه في قوله، وأن باطنه فيه ضد ظاهره، وإنما ~~أتاه بما يوافق غرضه وتحدثه به نفسه؛ ليحرك بمجونه ساكن منجنونه، كما قيل ~~في المثل حرك لها حوارها تحن. وأعجب من هذا قبوله لقوله، وإجابته له ~~بقصيدة، منها: # لئن برقت مني مخائل عارض ... لعينيك تقضي أن يجود ويغدقا # فليس بساق قبل ربعك مربعا ... وليس براق قبل جوك مرتقى # وإن صدقت منه الليالي مخيلة ... فكن بجديد الماء أول من سقى # وإن تر ليثا لابدا لفريسة ... يراصد غرات المقادير مطرقا # فما ذاك إلا أن يوفر طعمها ... عليك إذا جلى إليها وحققا # فإن راشني دهر أكن لك بازيا ... يسرك محصورا ويرضيك مطلقا # أشاطرك العز الذي أستفيده ... بصفقة راض إن غنيت وأملقا # فتذهب بالشطر الذي كله غنى ... وأذهب بالشطر الذي كله شقا # فغيري إذا ما طار غادر صحبه ... دوين المعالي واقعين وحلقا # لعل الليالي أن يبلغن ms118 منية ... ويقرعن لي بابا من الحظ مغلقا # نظار ولا تستبط عزمي فلن ترى ... علوقا إذا ما لم تجد متعلقا # وإن قعدت بي السن عنها فإنه ... سينهض بي مجدي إليها محققا # فمن في نفسه مثل هذا كيف يرى الاقتناع بمرتبة الشعر ولا يقول: بعدا لها ~~من عدد الفضائل. # PageV01P074 # وفي هذا الجواب كفاية، فقد أخذ الفصل بحقه، والله تعالى الموفق لسلوك ~~طرقه، إن شاء الله تعالى. ### | الفصل الخامس ### | فيما يجب أن يتوخاه الشاعر ويتجنبه ### | ويطرحه ويتطلبه # يجب على الشاعر أن يتجنب سفساف الكلام، وسخيف الألفاظ، ونازل المعاني ~~المستردة، ووحشي اللغة المتكلفة، ولا يستعمل التشبيهات الكاذبة، ولا ~~الإشارات المجهولة، ولا الأوصاف البعيدة، ولا العبارات الغثة، ولا يختصر في ~~موضع البسط، ولا يبسط في موضع الاختصار. فإذا أراد أن يبني قصيدة أو ينظم ~~قطعة صور المعنى في قلبه، ومثله في نفسه كلاما منثورا، ثم أعد له ألفاظا ~~تطابقه، واختار له من القوافي ما يوافقه، وجعله على وزن يسلس القول عليه، ~~وينقاد المعنى إليه. فإذا نظم بيتا تأمله تأمل غير راض عن نفسه، ولا مغالط ~~لفهمه وحسه، وانتقده انتقاد متعنت فيه، فإن وافق الصحة، وجرى على منهاج ~~الاستحسان، وإلا فالواجب عليه إسقاطه. وإن اتفق له بيتان على قافية واحدة، ~~اختار الأوقع منهما وأبطل الآخر. # ويجب على الشاعر أنه لا يظهر له شعرا إلا بعد ثقته بجودته وسلامته من ~~العيوب التي نبه عليها العلماء وأمروا بالتحرز منها. ولا يسلك سبيل الأعراب ~~فيما نهينا عنه في صدر الكتاب. # وأما ارتكاب الضرورات غير المحظورات فيجوز استعمالها وإن كانت عند ~~المحققين عيبا، وقائلها عندهم مسيئا، إلا أن اجتنابها مع جوازها أحسن. ولا ~~ينبغي الاقتداء بمن أساء من الشعراء القدماء بل بمن أحسن منهم وأجاد. ولا ~~يحذو إلا حذو الشعر الجيد، والنظم المختار، والطريقة الحسنة، والسنة ~~الهادية، واللفظ الرشيق، الحلو اللطيف السهل، الآخذ بمجامع القلوب، ~~المستولي على قوى النفوس، الواصل الى الأفهام من غير حجاب، الهاجم على ~~العقول بلا مطرق ولا بواب، المشاكل للأرواح لفظا ورقة، وللسحر حلاوة ودقة. # ويجب ms119 على الشاعر أن يتنكب سرقة الأشعار ويتجنب الإغارة على المعاني، فإذا ~~حاول النظر الى شيء من ذلك جعل خاطره كواد مطمئن قد مدته سيول جارية من ~~شعاب مختلفة، أو كمن ركب طيبا من أخلاط متغايرة من الطيب، فلا يعرف أرج ما ~~ركبه من أي طيب هو. # ومما يحكى في مثل ذلك أن خالد بن عبد الله القسري قال: حفظني أبي ألف ~~خطبة ثم قال لي: تناسها فتناسيتها فغاضت ثم فاضت، فوالله ما أردت بعد ذلك ~~شيئا من الكلام إلا سهل علي وعره ولان لخاطري صعبه. # وينبغي للشاعر أنه إذا نظم شعرا يردده برفيع من صوته، فإن الغناء فيه ~~يكشف عيوبه، ويبين متكلف ألفاظه؛ ألا ترى الى قول حسان بن ثابت: # تغن في كل شعر أنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار # وينبغي للشاعر أن يتأمل مصراع كل بيت حتى يشاكل ما قبله ويطابق ما تقدمه، ~~فقد عاب العلماء على خلق من الشعراء القدماء مثل ذلك، كقول الأعشى: # أغر أبيض يستسقى الغمام به ... لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا # فالمصراع الثاني غير مشاكل للأول، وإن كان كل واحد منهما قائما بنفسه، ~~وهذا معنى ينبغي مراعاته والوقوف عنده. ومثله قول امرئ القيس: # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة عند إجفال # قال محمد بن أحمد بن طباطبا العلوي: هذان بيتان حسنان، ولو وضع مصراع كل ~~واحد منهما في موضع الآخر كان أشكل وأدخل في استواء النسج، فكأن يقال: # كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال # ولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # وينبغي للشاعر أن يتجنب الحشو الذي يفسد به البيت، كقول الأعشى لما مدح ~~قيسا: # ونبئت قيسا ولم آته ... وقد زعموا، ساد أهل اليمن # PageV01P075 # فقال له قيس: يا ويلك تقول وقد زعموا. وهذه كلمة لا تستعمل إلا عند الشك ~~في صدق القائل! فجعلها حشوة أفسد بها معنى البيت. فلو قال: # ونبئت قيسا ms120 ولم آته ... على نأيه ساد أهل اليمن # لخلص من ذلك. # وينبغي للشاعر أن يتعفف في شعره ولا يستبهر بالفواحش، ولا يتهكم في ~~الهجاء، فإن العلماء ذموا من اعتمد ذلك، ومن كان يتعهر ولا يتستر مثل امرئ ~~القيس في قوله: # ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول # وينبغي للشاعر أن يستعمل لفظة لإقامة وزن البيت وهي مفسدة بمعناها له، ~~وإذا حكم عليه البيت بذلك فالأولى إسقاطه. ألا ترى ذا الرمة وقوله: # حراجيج ما تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو ترمي بها بلدا قفرا # كيف أدخل إلا بعد ما تنفك لإقامة وزن البيت فأفسده. لأن مايزال وماينفك ~~في كلامهم جحد وإلا تحقيق، فكيف يجتمعان! ولهذا لو قلت: مازال زيد إلا ~~قائما، لم يجز. # وينبغي للشاعر أنه إذا رأى الشعر قد اعتاص عليه ومنع جانبه منه أن يتركه ~~في تلك الحال ولا يكد قريحته فيه، ولا يكلف خاطره اقتحام مهاويه. فقلما ~~يجيء الشعر على تلك الحال كما يؤثر الشاعر، ولعل في تركه له حدوث معنى لم ~~يكن في الخاطر من قبل، وقد وقع لجماعة من الشعراء مثل ذلك كثيرا. # قيل: لما وفد ذو الرمة على بلال جعل يتردد إليه ويحاول أن يبتدئ قصيدة ~~فيه والشعر يعتاص عليه فلا يقدر أن يصل إليه، فقال له عجوز كان يكثر الغدو ~~والرواح عليها. وكان جميلا: قد طال تردادك يا فتى، أفإلى زوجة سعدت بها، أم ~~الى خصومة شقيت من أجلها، فالتفت ذو الرمة الى راويته وقال: جاء والله ما ~~أريد، ثم أنشأ قائلا: # تقول عجوز مدرجي متروحا ... على بابها من عند أهلي وغاديا # الى زوجة بالمصر أم لخصومة ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا # ومر في القصيدة، فكأن العجوز اقتدحت بكلامها زند خاطره. # والفصيح في اللغة أن يقال: فلانة زوج فلان ولا يقال زوجة فلان. وقال ابن ~~مناذر قلت: # يقدح الدهر في شماريخ رضوى # ومكثت حولا لا أقدر على إتمامه فسمعت قائلا يقول: هبود، فقلت: وما هبود؟ ~~قيل جبل، فقلت: # ويحط الصخور من هبود ms121 # وفي مثل هذه الحكاية ما حدث به أبو الحسن علي بن نصر الكاتب قال: حدثني ~~زعيم الملك قال: قال لي أبو الحسن الجهرمي: لما عملت قطعتي التي أصف الديك ~~فيها، وأولها: # يا رب أفرق قبر س ... ي ليس بالجزع الفروق # علق الدجى بذيوله ... لما تطلس بالبروق # فالنار لون لباسه ... وسواه منها في حريق # حذي النضار وزيد تح ... سينا فتوج بالعقيق # فتخاله خاض الأصي ... ل وبل فرعا بالشروق # يمشي بمهمازين إم ... ما للنجاة أو اللحوق # سكرت لحاظ الناظري ... ه بكأس مفرقه الرحيق # بقيت أياما أفكر في بسط رجله إذا وطئ الأرض ورفعها متمهلا أن يضعها على ~~الأرض، ومازلت أقبض يدي وأبسطها متطلبا المعنى، فقالت لي امرأة كانت تراني: ~~أي شيء بك، كأنك تقارع أحدا؟ فقلت لها: رفهتني وخرجت إلي بغرضي ثم قلت: # متشابه الخطوات ين ... قلهن بالمهل الرفيق # رجل تريك يد المقا ... رع في مصافحة الطريق # وينبغي للشاعر أن يقارب بين الألفاظ ولا يباعد بينها، فهو عيب، كما قيل: ~~إن الكميت أنشد نصيبا قوله: # وقد رأينا بها حورا منعمة ... بيضا تكامل فيها الدل والشنب # فعقد نصيب خنصره فقال له الكميت: ما هذا؟ قال: أعد غلطك، هلا قلت كما قال ~~ذو الرمة: # PageV01P076 # لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثاث وفي أنيابها شنب # وأقول: إن الذي أنكره نصيب في موضع الإنكار، وهو عي قبيح؛ لأن الكلام لم ~~يجر على نظم متسق، ولا وقع الى جانب الكلمة ما يشاكلها. وأول ما يحتاج إليه ~~الشعر أن ينظم على نسق وأن يوضع على رسم الشاكلة. # وقيل: إن عم عبيد الراعي النميري قال للراعي: أينا أشعر أنا أم أنت؟ فقال ~~الراعي: أنا أشعر يا عم منك، فغضب وقال: بم وكيف؟ قال: لأني أقول البيت ~~وأخاه، وأنت تقول البيت وابن أخيه. # وينبغي للشاعر أن يتجنب الألفاظ التي تشتبه على سامعيها وقارئيها ولا ~~ينزل في الخطاب من علو الى مهبط؛ لأن الأجدر أن يرتقي من انحطاط الى علو. # فأما الألفاظ التي تشتبه فمثالها ما جرى لأرطأة بن سهية المري، ms122 وكان قد ~~بلغ مائة وثلاثين سنة، فدخل على عبد الملك فقال له: ما بقي من شعرك يا بن ~~سهية؟ فقال: والله ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب، ولا يجيء الشعر إلا على مثل ~~إحدى هذه الخلال، وإني لأقول: # رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد # وما تبغي المنية حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد # وأعلم أنها ستكر حتى ... توفي نذرها بأبي الوليد # وكان أرطأة يكنى أبا الوليد، وعبد الملك يكنى أبو الوليد، فارتاع عبد ~~الملك واشتد ذلك عليه وتغير لون وجهه ظنا بأنه يعنيه، فقال له أرطأة: إني ~~لم أعنك وإنما عنيت نفسي، وشهد عنده جماعة أن كنيته أبو الوليد فأمسك عنه، ~~ولولا ذلك لأوقع به وأهلكه. # والرواية الصحيحة أن عبد الملك بلغته الأبيات فأنكرها وأعظمه وقال: ما ~~هذا الجلف وذكري، وأمر بإحضاره ليوقع به فشهدوا عنده بكنيته وأنه لم يقصده ~~بذلك. فلما أحضر وهو خائف وجل، آمنه وأطلقه، فعاد وجماعة من أعدائه قد ~~أرجفوا عليه بالنكال والوبال فأنشأ قائلا: # إذا ما طلعنا من ثنية لفلف ... فبشر رجالا يكرهون إيابي # وخبرهم أني رجعت بغبطة ... أحدد أظفاري وأصرف نابي # وأني ابن حرب لا تزال تهرني ... كلاب عدو أو تهر كلابي # وقري من هذه الحكاية ما حدث به المصور العنزي وكان راوية العرب قال: دخلت ~~على زياد فقال: أنشدنا، فقلت: من شعر من؟ قال: من شعر الأعشى، قال: فأرتج ~~علي ولم يحضرني إلا قوله: # رحلت سمية غدوة أجمالها ... غضبى عليك فما تقول بدا لها # فقطب زياد وغضب وعرفت ما وقعت فيه فخرجت منهزما. فلما أجاز الناس لم ~~أستجر أن أرجع إليه، لأن أم زياد كان اسمها سمية. # ودخل ذو الرمة على عبد الملك فقال له: أنشدني أجود شعرك فأنشده: # ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب # وكانت عينا عبد الملك تسيلان ماء، قال: فغضب عليه وأمر به، فأخرج مهانا ~~وقد عرف موضع خطئه. فلما كان من الغد دخل في زمرة الناس وأنشد: # ما بال عيني ms123 منها الماء ينسكب # حتى أتى على آخرها فأجازه ومن الاتفاق العجيب أن عبد الملك كان قد أعطى ~~عمرو بن سعيد الأشدق أمانه وخدعه وكاذبه حتى حصل وقتله. واتفق أن إبراهيم ~~بن متمم بن نويرة وفد على بني عمرو بن سعيد الأشدق فقالوا لعبد الملك: ما ~~رأينا بدويا يشبه إبراهيم بن متمم عقلا وفضلا، فقال عبد الملك: أدخلوه، ~~فلما دخل عليه رأى منه ما رآه القوم، فقال له: أنشدنا بعض مراثي أبيك متمم ~~في عمك مالك فأنشده: # نعم الفوارس يوم نشبة غادروا ... تحت التراب قتيلك ابن الأزور # فلما انتهى الى قوله: # أدعوته بالله ثم قتلته ... لو هو دعاك بمثلها لم يغدر # PageV01P077 # فظن عبد الملك أن بني عمرو بن سعيد قد وضعوه على ذلك، فغضب حتى انتفخ ~~سحره غيظا، ونظر الى بنيه مقطبا فعرفوا ما عنده، فأقسموا له بالطلاق وأكدوا ~~الأيمان وأنذروا الحج وحرموا الأموال والعبيد والإماء إن كانوا علموا ~~بقوله، أو اطلعوا عليه، أو شاوروه فيه، أو جرى منهم في هذا قول أو فعل، ~~فأمسك معرضا وأخرج ابن متمم خائبا. فلما انصرفوا جمعوا له من بينهم شيئا ~~وردوه الى بلاده خوفا على نفسه من عبد الملك. # فيجب على الشاعر التحرز في مثل هذه الشبه والإعراض عنها. # ومن الألفاظ التي بدلها قارئوها ما حدثني به والدي رحمه الله تعالى قال: ~~مدح حيدر بن محمد بن عبيد الله العلوي الحسيني يوسف بن أيوب بقصيدة، فأخذها ~~بعض أعدائه وهي بخطه، ومن جملتها: فلا يغرر الباغي أناتك. وكشط نقطتي التاء ~~كشطا خفيا لا يكاد يظهر ولا يدرك، ونقط التاء نقط الباء، وأضاف الى نقطة ~~النون أخرى فصارت الكلمة أتابك، وأتى بالقصيدة الى عز الدين مسعود أتابك، ~~وقال له: هذا حيدر ولد وزيرك قد مدح عدوكم وقد هجاك وسماك باغيا. فلما رأى ~~ذلك لم يشك فيه ولا أمكن أن يزيله من قلبه معتذر، وأخذ حيدر وأودع السجن، ~~فما زال محبوسا حتى أشرف على التلف. هذا بتصحيف كلمة واحدة فمن مثل هذا ~~ينبغي التحفظ. # وأما النزول في ms124 الخطاب من مرتبة شريفة الى منزلة سخيفة، فكقول أبي الطيب: # ترعرع الملك الأستاذ مكتهلا ... قبل اكتهال، أديبا قبل تأديب # لم يحسن في حكم صناعة الشعر أن يخاطبه بالأستاذ بعد الملك فإن ذلك نقص في ~~الأدب، وقبح في المعرفة. ألا ترى أن الكلمة الدنية لا يليق أن تقترن بكلمة ~~شريفة، وكذاك الكلمة الشريفة لا يليق أن يذكر معها إلا ما هو من قبيلها، ~~وغير ذلك يقدح في الصناعة عند أهل المعرفة. # قد عرفتك أن اللفظة الواحدة تفسد البيت جميعه، ألا ترى قول أبي الطيب ~~أيضا: # ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب # لفظة الندى أفسدت المعنى؛ لأن مقصده أن يقول: إن الدنيا لا فضل فيها ~~للشجاعة والصبر لولا الموت، لأن الشجاع إذا علم أنه مخلد لا يناله تلف ولا ~~إذا ألقى نفسه في المهالك يمسه ضرر، لم يكن لشجاعته فضل، وإنما الفضل له في ~~الشجاعة والصبر مع علمه أن ذلك يؤدي الى تلف النفس، وفقد نعيم الدنيا. وأما ~~الندى فمخالف لذلك، لأن الإنسان إذا علم أنه يموت هان عليه بذل ماله. ألا ~~ترى المرء إذا عوتب على الإسراف في البذل كيف يتعتذر ويقول: إنما أبذل ما ~~لا أبقى له، ولا أنا على ثقة من التمتع به، كقول الأول: # أبذل ما لست بباق له ... ولا به أسطيع نيل البقا # وقول الآخر: # نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة ... فلست آسى على شيء إذا ذهبا # فقد بان لك أن لفظة الندى أفسدت المعنى. # وقريب من هذا المعنى أن الشاعر يصف نفسه بما يرفعها ثم يعقب ذلك بقول يحط ~~منها ويضعها، وهو عيب يسقط فضيلة الشاعر ويوهن تقدمه. ولهذا قدح العلماء في ~~امرئ القيس وعابوه ولاموه في كتبهم وعاتبوه حيث يقول: # فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب، قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # فهذا شعر ملك يفتخر بملكه ويصف ما يحاول من بهي عزه مع جلالة شأنه وعظيم ~~خطره، فكيف حسن به أن ينزل ms125 عن هذا المركب الجليل الى محل مسترذل، ويرتدي ~~برداء مبتذل فيقول: # لنا غنم نسوقها غزار ... كأن قرون جلتها عصي # فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري # هذا شعر أعرابي متلفع بكسائه لا تتجاوز همته، ما حوته خيمته. # PageV01P078 # وقد هجا الحطيئة الزبرقان بدون هذا حيث يقول: # دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # فاستعدى الزبرقان عمر بن الخطاب على الحطيئة فحبسه حتى تاب وأناب. # وينبغي للشاعر أن يتحرز كل التحرز من لفظ يتطير به سامعه خصوصا إذا ابتدأ ~~به، وافتتح الكلام بسببه. فكم من شاعر قد حرم بطريقه الإفادة، ونزعت عنه ~~جلابيب السعادة. من ذلك ما رووه عن الأخطل لما دخل على عبد الملك فأنشده ~~قصيدة أولها: # خف القطين فراحوا منك أو بكروا # فقال عبد الملك: بل منك يا بن اللخناء أخرجوه، فأخرج فلما كان من الغد ~~دخل عليه وأنشد: # خف القطين فراحوا اليوم أو بكروا # ومر في القصيدة الى آخرها. # وقيل: دخل إسحاق بن إبراهيم على المعتصم وهو جالس في قصر بناه بالميدان ~~لم ير أحسن منه وعندهأهل بيته وأكابر الناس للهناء، فاستأذنه في إيراد ~~قصيدة يهنئه فيها بالموضع، فأذن له، فابتدأ وأنشد: # يا دار هند ما الذي عفاك ... بعد الجميع وما الذي أبلاك # إن كان أهلك ودعوك وأصبحوا ... فرقا وأصبح دارسا مغناك # فلقد نراك ونحن فيك بغبطة ... لو دام ما كنا عليه نراك # فتطير المعتصم من قوله ونفر حتى اربد وجهه ووقع على الناس كآبة، فخرج من ~~ذلك المجلس وما عاد إليه ولا أحد من الحاضرين. قلت هذا عجب من إسحاق، ولولا ~~غفلة أدركته من قبل الله تعالى فرانت على عقله حتى قال ما قاله، إما للعظة ~~أو التأديب، لكان له من المعرفة والفهم والتجربة بخدمة الخلفاء، والانتقاد ~~على الشعراء، ما يزعه عن النطق بمثل هذا كلا بل ران على قلوبهم. # وحدث إبراهيم بن شكلة بحديث يحق أن الألفاظ الرديئة قد تجري على اللسان، ~~بغير حكم الإنسان، مع النهي عنها والتحذير منها، قال: دخلت ms126 على الأمين محمد ~~والأمور عليه مختلة فقال: يا عم، هلا جلست معنا لنتسلى بألفاظك وتخفف بها ~~همنا، قال: فجلست وتغدينا ودعا بالشراب واستحضر جاريته دبسية وأمه بالغناء ~~فغنت: # كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم # فاغتاظ الأمين من قولها وقال: ما هذا؟ فقالت: يا مولاي هذا الذي كنت ~~تقترحه علي قديما. قال غني غيره فغنت: # هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوما بكسرى مرازبه # فتطير من غنائها، وأخذ العود وضرب به رأسها وقال: انهضي إلى لعنة الله. ~~قال إبراهيم: فقلت يا سيدي إنما قصدت لعادتك من الأغاني فإن رأيت أن ترجع. ~~وسكنت غضبه، فأمر برجوعها وجيء بعود فغنت: # أرى الأثل من وادي العقيق مجاوري ... ففيم وقد غالت يزيد غوائله # فأمر بسحبها، فسحبت وأخرجت وأقسم أنه لا يسمع يومه غناء ولا يشرب شرابا. ~~فما مضت إلا ثلاثة أيام حتى اجتز رأسه وضرج بدمائه. # ودخل أبو مقاتل على الداعي في يوم المهرجان وابتدأ في الهناء به فقال: # لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان # فلما قال لا تقل بشرى نهض من مجلسه متطيرا وقطع الإنشاد مبدلا لمجلسه ~~مغيرا. # ودخل أبو نواس على الفضل بن يحيى البرمكي وأنشده: # أربع البلى إن الخشوع لباد ... عليك وإني لم أخنك ودادي # فانزعج الفضل متطيرا بذلك وعاد يكرر يمحو الله ما يشاء، فلما انتهى الى ~~قوله: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من حاضرين وباد # استحكم تطيره ونهض فدخل دار الحرم ولم يبق أحد في مجلسه إلا واستقبح ذلك ~~من اختيار أبي نواس. # ودخل أبو عبادة البحتري على أبي سعيد الثغري فأنشده: # لك الويل من ليل بطاء أواخره # PageV01P079 # فقال أبو سعيد: بل الويل والحرب لك لا أم لك. ولله العجب كيف فات البحتري ~~ذلك، واستحسن أن يقابل ممدوحا ويفتتح كلامه له بقوله لك الويل، وما الذي ~~أعجبه من هذا الافتتاح لولا غفلة أدركته!؟ وقيل: لما أنشد أبو الطيب عضد ~~الدولة قصيده الذي أوله: # أوه بديل من قولتي واها # قال ms127 له عضد الدولة: أوه وكيه، ويلك ما هذا الكلام. # وإنما ينبه على مساوئ الشاعر المتقدم ليتجنب المتأخر ما أخذ عليه وأخطأ ~~فيه. وليس الغرض بذلك الغض من نبله، ولا الاستنقاص بفضله. # والشاعر إذا أوقع الكلام مواقعه، ووضع المعاني مواضعها اكتسى شعره ~~البهاء، وكسبه حسن تأتيه الثناء. وإذا أجاد في نظمه، وأساء في تأتيه وقلة ~~حزمه، غطت الإساءة على الإحسان، واستحق بعد الإكرام محل الهوان. # ومن غلطات الشعراء أن أبا النجم العجلي دخل على هشام بن عبد الملك، وكان ~~أحول فأنشده أأرجوزته اللامية التي يقول في أولها: # الحمد لله الوهوب المجزل # حتى بلغ قوله: # والشمس قد صارت كعين الأحول # غضب هشام وأمر به فضرب وسجن. # ووفد عبد الله بن عمر العبلي على هشام أيضا ومدحه، فأجازه بمئتي دينار، ~~ثم خرج من عنده فمر بالوليد بن يزيد وهو ولي عهد هشام فقال له: # يا بن الخليفة للخلي ... فة والخليفة عن قليل # فبلغ قوله هشاما فغضب وأرسل خلفه، فرد من الطريق فلما حضر قال له: ويلك! ~~مدحتني في كلمتك التي أولها: # ليلتي من كنود بالغور عودي ... بصفاء الهوى من ام أسيد # وقلت فيها لي: # ووقاك التوف من وارث وا ... ل وأبقاك صالحا رب هود # ثم مررت بالويد فنعيتني إليه! قبحك الله، وأمر به فضرب مئتي سوط مكان كل ~~دينار سوطا. ثم أقام عبد الله العبلي حتى هلك هشام وقتل الوليد وقام مروان ~~بن محمد فمدحه ومدح وليي عهده عبد الله وعبيد الله فقال: # لا حرماها ولا بها خلصا ... حتى يكون البدا بك الهرم # فضحك مروان وقال: يا عبد الله لقد أدبك أبو الوليد، يعني هشاما. ولمح ذلك ~~بعض المحدثين فقال: # وولي عهدك لا يزال أميرا # ومن بوادر اللسان التي يجب تجنبها على كل شاعر بل كل إنسان، ما اعتمده ~~الأخطل مع الجحاف بن حكيم السلمي؛ فقيل إن الأخطل دخل على عبد الملك بن ~~مروان والجحاف عنده وكان قد اعتزل حرب بني تغلب، فلما رآه الأخطل أنشد ~~محرضا للجحاف أو مستهزئا به: # ألا سائل ms128 الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر # فقبض الجحاف على لحيته وقال: # نعم سوف نبكيهم بكل مهند ... وننعى عميرا بالرماح الشواجر # يعني عمير بن الحباب السلمي. ثم قال: ما ظننت يا بن النصرانية أنك تجترئ ~~علي ولو رأيتني مأسورا، وأوعده وتهدده وخرج يجر مطرفه غضبا، فقال عبد الملك ~~للأخطل: ما أراك إلا قد جررت على قومك شرا، فما فارق الأخطل موضعه حتى حم، ~~فقال له عبد الملك: أنا جارك منه، فقال: إن أجرتني وأنا يقظان فمن يجيرني ~~وأنا نائم؟ فضحك عبد الملك منه. ومن هذا أخذ السلمي قوله: # وعلى عدوك يا بن عم محمد ... رصدان: ضوء الصبح والإظلام # فإذا تنبه رعته، وإذا هدا ... سلت عليه سيوفك الأحلام # PageV01P080 # وخرج الجحاف الى قومه وقال لهم: إن عبد الملك قد ولاني بلاد بني تغلب. ~~وزور كتابا، وحشا جربا ترابا، وزعم أنه مال، ورحل بهم متأهبين فلما أشرف ~~على بلاد بني تغلب خبرهم بحقيقة الأمر وأنشدهم بيت الأخطل وقال: إنما غضبت ~~لكم فاثأروا بقومكم. فشدوا على بني تغلب بالبشر ليلا وهم غارون غافلون ~~آمنون، فقتل منهم مقتلة عظيمة وهرب الأخطل من ليلته مستغيثا بعبد الملك ~~فلما دخل عليه أنشده: # لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... الى الله منها المشتكى والمعول # فإلا تغيرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومزحل # فقال له عبد الملك: الى أين يا بن اللخناء؟ فقال: الى النار يا أمير ~~المؤمنين، فقال: والله لو قلت غيرها قطعت لسانك. ثم إن الجحاف لقي الأخطل ~~بعد ذلك فقال: # أبا مالك هل لمتني إذا حضضتني ... على القتل أم هل لامني لك لائم # فهذا ما استجلبه الأخطل على قومه وجناه عليهم بكلمة ما كان أغناه عنها ~~وأقدره على تركها. ومن كان عنده من القوة أن يحرض بما حرض به ما كان يليق ~~أن يكون عنده من الخور ما يوجب قوله: لقد أوقع الجحاف ... البيت. # ولما أنشد جرير عبد الملك قوله: # أتصحو أم فؤادك غير صاح # قال له: بل فؤادك يا بن اللخناء. فلما بلغ ms129 قوله: # تشكت أم حرزة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي لقاح # قال له: لا أروى الله عيمتها ثم أخرجه خائبا، وكان سببه ما بدأ به. # وينبغي للشاعر ألا يسيء أدبه في خطاب الممدوح ويتجنب ما تسبق إليه الظنة ~~في مثل قول أبي نواس: # سأشكو الى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواها لعل الفضل يجمع بيننا # فقال له الفضل: ويلك أما وجدت غيري يجمع بينكما؟، فقال: يا مولاي إنما ~~وجمع تفضل لا جمع توصل. ولعمري إن له وجها يعلل به، ولقد كان عن التهمة فيه ~~غنيا. وتبعه فيه أبو الطيب فجعل مكان الجمع الشفاعة. والجمع قد يكون بصلات ~~الممدوح، والشفاعة فلا تؤول بذلك، ففسد عليه المعنى بلفظة الشفاعة. # ومدح جرير بشر بن مروان بقصيدة منها: # يا بشر حق لوجهك التبشير ... هلا غضبت لنا وأنت أمير # قد كان حقك أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيم سب جرير؟ # فقال له بشر: قبحك الله يا بن المراغة، أما وجدت رسولا غيري؟! وقد أخذ ~~بلال على ذي الرمة كلمة هي دون هذا المأخذ لما أنشده: # سمعت: الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح: انتجعي بلالا # تناخي عند خير فتى يمان ... إذا النكباء ناوحت الشمالا # صيدح اسم ناقته. فقال بلال: يا غلام مر لها بالقت والنوى يريد أن ذا ~~الرمة لا يحسن المدح. وأقول: إنه لم ينصف ذا الرمة في ذلك؛ لأن الكلام ~~يحتمل أنه أراد: فقلت لصاحب صيدح، ويريد نفسه، كما قال الحارثي: # وقفت على الديار فكلمتني ... فما ملكت مدامعها القلوص # يريد صاحب القلوص وعنى نفسه قال الله تعالى: (واسأل القرية) أي أهل ~~القرية. وإذا كان هذا التأويل ممكنا فلا نقص على ذي الرمة بإنكار بلال. # ولقائل أن يقول: فهلا اعتذر ذو الرمة عن نفسه وقد قابله بلال برده؟ ~~والجواب عن ذلك أن الحاكي لم يقل: إن ذا الرمة ما اعتذر عن نفسه ولا منع من ~~ذلك، وإنما كان قصده حكاية قول بلال. ويجوز أن يكون ذو الرمة قد اعتذر الى ~~بلال بذلك أو بغيره وافلج بحجته. ms130 ويمكن أنه لم يفهم مقصد بلال بالقت والنوى ~~حتى يجيب عنه، لأنه بدوي لا يعرف لحن كلام الحضريين. والمقصود أنه لم يكن ~~جاهلا مقدار ما ذكرناه، ولا هو ببعيد عنه. وأما قوله: سمعت الناس برفع سين ~~الناس فإنه رفع على الحكاية، أي سمعت قائلا يقول: الناس ينتجعون، كما قال ~~الآخر: # PageV01P081 # وجدنا في كتاب تميم ... أحق الخيل بالركض المعار # أحق مبتدأ والمعار خبره، بعين غير معجمة، وهو أن الفرس ينفلت فيذهب يمينا ~~وشمالا من مرحه وأرنه، يقال: عار الفارس وأعاره صاحبه فهو معار. والناس ~~يظنون المعار من العارية وهو خطأ. # ورواه بعض أهل الأدب بخط أبي علي الفارسي: المغار بغين معجمة، وهو من ~~أغرت الحبل فتلته فهو مغار. يعني أن الفرس إذا ضمر واندمج في شحمه وذهبت ~~البطنة عنه كان حقيقا بالمسابقة به. وما رأيت العلماء باللغة اعتمدوا على ~~هذا المعنى، والصحيح ما رووه أولا. # ومما ينبغي أن يتجنبه الشاعر من سوء الأدب في خطابه، ويعطف عليه جيد ~~البحث والتنقيب حتى يهتدي الى صوب صوابه ما غلط فيه الشعراء وعابه عليهم ~~العلماء، كقول بعضهم وقد مدح زبيدة وهي تسمع من أبيات: # أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب # تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغاب # فهم الخدم والحشم بضربه، فقالت: دعوه فإنه لم يرد إلا خيرا، ولكنه أخطأ ~~الصواب، وضل عن المنهج، لأنه سمع قولهم في الشعر: شمالك أندى من يمين غيرك، ~~وظهرك أحسن من وجه سواك، فظن أن الذي ذهب إليه من ذلك القبيل، أعطوه ما أمل ~~ونبهوه على ما أهمل. فعجب الناس من حلمها وضياء حسها وفهمها، وليس كل ممدوح ~~حليما، ولا كل سامع عليما. وقريب من هذا ما رثى به أبو الطيب والدة سيف ~~الدولة بقوله: # رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال # ولولا غفلة ذهبت بعقل أبي الطيب ورانت على حسه وفهمه لما خاطب ملكا في ~~أمه بذلك ولا جعل شيئا مسبطرا فوقها. وهذا كقوله أيضا: # لو استطعت ركبت الناس كلهم ... الى سعيد بن عبد ms131 الله بعرانا # أو ما علم أبو الطيب أن زوجة سعيد وأمه من جملة الناس، فكيف ذهب عنه ذلك ~~حتى اعتمده، وشافه الممدوح به وأنشده؟! ولله در المتوكل الليثي حيث يقول: # الشعر لب المرء يعرضه ... والقول مثل مواقع النبل # منها المقصر عن رميته ... ونواقر يذهبن بالخصل # أخذ ذلك من قولهم: الشر كالنبل في جفيرك إذا رميت به الغرض. فمنه طالع ~~وواقع، وعاضد وقاصر. فالطالع الذي يعلو الغرض، لم يزغ عنه يمينا ولا شمالا ~~وهو مستحب. والواقع الذي يقع بالغرض. والعاضد الذي يقع عن يمين الغرض أو ~~شماله، وهو شرها. والقاصر الذي يقصر دون الغرض فلا يبلغه. وقوله: ونواقر ~~يذهبن بالخصل، أي صوائب، يقال: نقر السهم فهو ناقر إذا أصاب، والنواقر: ~~الدواهي. # وينبغي للشاعر أن يجتنب التناقض في شعره، فإنه من أوفى عيوب الشر الدالة ~~على جهله بالمعاني ووضع الكلام مواضعه. وقد عيب على جماعة من الشعراء ~~القدماء ذلك، وهو أن الشاعر يبتدئ بشيء ويقرره ثم يعطف عليه، إما في باقي ~~البيت أو في الذي يليه، فينقض ما بناه، ويأتي بما يخالف معناه فمن ذلك ما ~~ناقض فيه على سبيل المضاف عبد الرحمن القس حيث يقول: # وإني إذا ما الموت حل بنفسها ... يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر # جمع بين قبل وبعد وهما من المضاف، لأنه لا قبل إلا لبعد ولا بعد إلا ~~لقبل. فإن قوله: إذا حل الموت بها، وفي هذا الكلام معنى الشرط وقد وضعه ~~ليكون له جوابا يأتي به، وجوابه: يزال بنفسي قبل ذاك، وهذا تناقض مثاله قول ~~القائل: إذا مات زيد مات عمرو قبله، فجعل ما هو قبل بعدا وهذا معنى يغلط ~~فيه خلق كثير ولا يحققونه. # ومثله في التناقض على سبيل الإيجاب والسلب قوله أيضا: # أرى هجرها والقتل مثلين فاقصروا ... ملامكم فالقتل أعفى وأيسر # PageV01P082 # فأوجب أن الهجر والقتل مثلان، ثم سلبهما ذلك بقوله: إن القتل أعفى وأيسر، ~~فكأنه قال: إن القتل مثل الهجر وليس هو مثله. ومن ذلك قول ابن نوفل: # لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السن ذي بصر ms132 ضرير # ضرير: فعيل من الضر، ولا يستعمل في الأكثر إلا لمن لا بصر له؛ فكأنه ~~يقول: إن له بصرا ولا بصر له؛ فهو بصير أعمى، وهذا تناقض ظاهر. وقال مسلم ~~بن الوليد: # عاصى الشباب فراح غير مفند ... وأقام بين عزيمة وتجلد # قال له الحكمي: كيف يكون الإنسان رائحا مقيما، والرواح لا يكون إلا ~~بانتقال من مكان الى مكان، ثم قلت وأقام بين عزيمة وتجلد، فجعلته منتقلا ~~مقيما. وهذا تناقض وله عندي حجة ليس هذا موضع ذكرها. وقال محمود بن مروان ~~ابن أبي الجنوب: # لي حيلة فيمن ين ... م وليس في الكذاب حيله # من كان يخلق ما يري ... د فحيلتي فيه قليله # ناقض لأنه قال: وليس في الكذاب حيلة، ثم قال: فحيلتي فيه قليلة. وهذا ~~ظاهر بين. # وينبغي للشاعر أن يتجنب التثليم، وهو أن يجيء بالأسماء ناقصة لإقامة ~~الوزن، كقول علقمة بن عبدة الفحل: # كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم # أراد بسبائب الكتان فحذف. وكقول لبيد: # درس المنا بمتالع فأبان # أراد المنازل فحذف. وقال إسحاق بن خلف البصري: # ولبس العجاجة والخافقات ... تريك المنا برؤوس الأسل # أراد المنايا فحذف. وقال الآخر: وهذا يسمى التغيير؛ وهو إحالة الاسم عن ~~صورته: # ونسج سليم كل قضاء ذائل # أراد: ونسج سليمان، فحذف النون. وقال الآخر: # من نسج داود أبي سلام # فجعل سليمان سلاما وهو تغيير قبيح. # وينبغي للشاعر أن يتجنب التذنيب وهو ضد التثليم، وذاك أن يأتي بألفاظ ~~تقصر عن إقامة الوزن فيزيدها حروفا ليفتم عروض البيت كقول الشاعر: # لا كعبد المليك أو كيزيد ... أو سليمان بعد أو كهشام # أراد أن يقول: كعبد الملك، يعني ابن مروان، فجعله كعبد المليك لإقامة ~~الوزن. والمليك والملك اسمان لله تعالى، وليس إذا سمي إنسان بالتعبد ~~لأحدهما وجب أن يدعى بالآخر كما أن من سمي بعبد الرحمن لا يجب أن يدعى بعبد ~~الرحيم. # وينبغي للشاعر أن يتجنب الإخلال، وهو أن يترك من اللفظ ما يتم به المعنى، ~~كقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: ms133 # أعاذل عاجل ما أشتهي ... أحب من الأكثر الرائث # أراد أن يقول: عاجل ما أشتهي مع القلة أحب إلي من الأكثر المبطئ، فترك مع ~~القلة وبه يتم المعنى. وقال عروة بن الورد: # عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم يوم الوغى كان أعذرا # أراد: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم ومقتلهم يوم الوغى أعذر، فترك ~~في السلم وبه يتم المعنى. # وينبغي للشاعر أن يتجنب الزيادة كما يجب أن يتجنب الإخلال وهو أن يأتي في ~~الكلام بما لا حاجة له إليه فيفسد ما قصده من المعنى بتلك الزيادة كما قال ~~الشاعر: # فما نطفة من ماء نهض عذيبة ... تمنع من أيدي الرقاة يرومها # بأطيب من فيها لو انك ذقته ... إذا ليلة أسجت وغارت نجومها # قوله: لو أنك ذقته، زيادة أفسد بها المعنى، لأنه أوهم أنك إذا لم تذقه لم ~~يكن طيبا. ولو قال: بأطيب من فيها وإني لصادق، لكان أوكد في الإخبار وأصح ~~في الانتقاد. # وينبغي للشاعر أن يتجنب فساد التفسير وهو أن يقرر معنى ثم يحاول تفسير ما ~~قرره، فلا يأتي بما يطابق ما قدمه فيفسد تفسيره ويغاير تقريره، كما قال ~~الشاعر: # فيا أيها الحيران في ظلم الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدى # PageV01P083 # تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى # لما قابل الظلم في البيت الأول بالضياء في البيت الثاني كان مصيبا مجيدا، ~~ووجب عليه أن يقابل الخوف من بغي العدى بالانتصار عليهم والإذالة لهم، فترك ~~ذلك وفسره بغير اقرره فقال: ومن كفيه بحرا من الندى. وكان ينبغي أن يكون ~~ذلك في جواب الشكوى من الفقر. ولو قال: ومن كفيه نصرا مؤيدا أو ما يقارب ~~هذا، كان مصيبا، فاعرفه وقسه. # وينبغي للشاعر أن يتجنب تكلف القوافي واستدعاءها مع إبائها وامتناعها، ~~فإنه يشغل معنى البيت بقافية قد أتى بها متكلفة صعبة، فهو عيب قد نص ~~العلماء عليه؛ ألا ترى الى قول أبي تمام: # كالظبية الأدماء صافت فارتعت ... زهر العرار الغض والجثجاثا # فبنى البيت جميعه لطلب هذه ms134 القافية، وشغل المعنى بها، وليس في وصف الظبية ~~بأنها ترعى الجثجاث زيادة حسن على رعيها القيصوم والشيح. # وتبع أبو الطيب أبا تمام في ذلك فقال: # جللا كما بي فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح # هذا بيت فيه عدة عيوب: منها حذف النون في فليكن وقد تقدم ذكره، ومنها حذف ~~النون مع الإدغام، ومنه عباعد ما بين الجملة الصدرية منه والجملة العجزية ~~حتى لا ملاءمة بينهما؛ لأنه بدأ بذكر تباريحه وأشجانه، ثم ترك ذلك وعدل الى ~~السؤال عن غذاء الرشأ، وما تقدم من شكوى تباريحه لا يليق بالسؤال عن غذاء ~~الرشأ. ولو قال إن الذي أشكوه من التباريح في حب رشأ ليس من مراعيه الشيح ~~لجاز، ولكنه كما ترى. وبعد فليت شعري! هل هذا الرشأ الأغن الذي أراد في ~~النية أنه يشبه حبيبه إذا ارتعى القيصوم والبرير والكباث وغير ذلك من مراعي ~~الظباء، يزول عنه الشبه لحبيبه لاختلاف مراعيه التي يغتذى بها؟ فإن كان ~~الأمر كذلك فحسنه وشبهه في الشيح لا غير، ولولا تكلف القافية لما دعته ~~الضرورة الى تعسف أفسد المعنى به. وقد استوفينا في الرسالة العلوية أقسام ~~ما في هذا البيت. وقال عبد الله العبلي: # ووقاك الحتوف من وارث وا ... ل وأبقاك صالحا رب هود # لولا القافية لأمكن أن يقول: رب نوح أو رب لوط، إذ ليس النسبة الى الله ~~تعالى بأنه رب هود بأجود من النسبة إليه تعالى أنه رب إبراهيم وإسماعيل. ~~ولكن القافية الى ذلك ساقته، ومن غصص الاضطرار سقته. # وقد يجيء من القوافي ما يكون رقى العقارب أحلى منه. فمن ذلك قول أحمد بن ~~جحدر الخراساني: # وما شبرقت من تنوفية ... بها من وحى الجن زيزيزم # وقال محمد التيمي: # أخطأت وجه الحق في التطخطخ ... لتمطخن برشاء ممطخ # وقال ابن مناذر: # ومن عاداك لاقى المرمريسا # وقال أبو تمام: # ورموه بالصيلم الخنفقيق # لو أن الخنفقيق في بحر لكدرته. # وقد يجيء من القوافي ما يقع موقعا لو اجتهد الشاعر أن يسد غيره مسده ~~لأعياه ذلك وعناه، وتعذر عليه نقض ms135 ما أسسه فيه وبناه. وعلى مثله يجب أن ~~ينقب الشاعر. فمن ذلك قول عروة بن أذينة الليثي: # منعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها # فدنا وقال: لعلها معذورة ... في بعض ما منعت فقلت: لعلها # فقوله في القافية لعلها لا يقع موقعه شيء مثلها. وقال أبو نواس: # أنت تبقى والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن # قوله فكن لا يقع في حرف النون قافية موقعها. # وقالت علية ابنة المهدي: # ومغترب بالمرج يبكي بشجوه ... وقد بان عنه المسعدون على الحب # إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنسم يستشفي برائحة القرب # PageV01P084 # كان للركب من هذا المكان موضع حسن ولكنها رأت القرب أحق به؛ لأن الركب ~~لولا القرب لم يستشف برائحته، فإذا أمكن استعمال الأصل لم يبق للفرع النائب ~~عنه موضع وإن سد مسدا حسنا. وقال ابن المعتز يصف اليمام: # حتى عرفن البرج بالآيات ... يلوح للناظر من هيهات # هيهات في هذا الموضع قافية لا يقع غيرها موقعها فهي عالية على من رامها، ~~غالية على استامها. ولابن المعتز في وصف فرسين تباريا في السرعة يقول: # وكم قد غدوت على سابح ... جواد المحثة وثابها # تباريه جرداء خيفانة ... إذا كاد يسبق كدنا بها # وقال المعتمد محمد بن عباد المغربي وكتب بها الى أبيه: # مولاي أشكو إليك داء ... أصبح قلبي به قريحا # سخطك قد زادني سقاما ... فابعث إلي الرضا مسيحا # فقوله مسيحا من القوافي التي لا يسد غيرها مسدها. ومن ذلك قول مهيار: # وقالوا: يكون البين والمرء رابط ... حشاه بفضل الحزم؟ قلت: يكون # وقال الصنوبري: # وافت منيته الستين وا أسفا ... إذ لم يكن عمره ستين ستينا # وقال آخر: # عهدي بظلك والشباب نزيله ... أيام ربعك للحسان عكاظ # القافية ظائية لا يسد موضعها غير عكاظ، وهو اسم سوق للعرب بناحية مكة ~~كانوا يجتمعون بها كل سنة. وأمثال ذلك في الشعر القديم والحديث كثير. # وينبغي للشاعر ألا يخالف الشعراء المتقدمين في عوائدهم إذا شبهوا، ~~ومقاصدهم إذا أيقظوا ونبهوا، فإن ذلك مما يعاب به، ويعد من ذنوبه. ألا ترى ~~العلماء كيف ms136 عابوا على المرار قوله: # وخال على خديك يبدو كأنه ... سنا البدر في دعجاء باد دجونها # والمعلوم أن الخال أسود، والخد أبيض، فعكس المرار وجعل الخال كسنا البدر ~~نورا، والخد كالليل سوادا، وهذا غير ما جرت به عادة الشعراء في وصف الخال. ~~والمعروف كقول العباس بن الأحنف: # يقطع قلبي حسن خال بخدها ... إذا سفرت عنه تنغم بالسحر # لخال بذاك الخد أحسن منظرا ... من النكتة السوداء في وضح البدر # وكقول عبد الملك الحارثي في وصفه: # كأن نقطة بمسك ... لائحة في بياض عاج # وكقول الصنوبري: # والخال في الخد إذ أشبهه ... زهرة مسك على ثإى تبر # وكقول الآخر: # كأنه من سبج فاحم ... مركب في لؤلؤ رطب # ومثل هذا المعنى في الشعر كثير. ولما أتى المرار بما خرق فيه الإجماع ~~وخالف العيان والسماع، عده أهل الأدب عيبا عليه وخطأ منه. # وممن خالف عوائد الشعراء في مقاصدهم الحكم الخضري بقوله: # كانت بنو غالب لأمتها ... كالغيث في كل ساعة يكف # وليس المعهود من الغيث أن يكف في كل ساعة، ولا وصف الشعراء الغيث بالوكف ~~في كل ساعة ولا كل شهر، وإنما شبهوا الممدوح بالغيث لعموم إفضاله، وأنه لا ~~يشح بنواله، كما يعم الغيث بتهطاله، ولا ينحل بريق سلساله. ومعانيهم في هذا ~~كثيرة. # وممن خالف عوائد الشعراء في تشبيهاتهم أحمد بن أبي فنن حيث يقول: # لا تميلن فإني ... خائف أن يتقصف # وإنما يشبه المحبوب بالقضيب اللدن والخوط الرطب، ولا يوصف بأنه يتقصف. ~~وابن أبي فنن تبع في قوله قيس بن الخطيم. وقد سبق القول أن الشاعر ينبغي أن ~~يقتدي بمن أحسن من الشعراء وأجاد، لا بمن أساء وخالف القانون المعتاد. قال ~~ابن الخطيم: # كأنها عود بانة قصف # وقال ابن الرومي في ذم ابن أبي فنن على قوله يتقصف: # أيها القائل إني ... خائف أن يتقصف # ليس هذا الوصف إلا ... وصف مصلوب مجفف # وقال أبو نواس في مثل قوله: # PageV01P085 # غلام فوق ما أصف ... كأن قوامه ألف # إذا ما مال يرعبني ... أخاف عليه ينقصف # ولما قال أبو الطيب: # دون التعانق ناحلين ms137 كشكلتي ... نصب أدقهما وضم الشاكل # عيب ذلك عليه لأنه خالف مذهب الشعراء فيه وجعل نفسه ومحبوبه في النحول ~~سواء، والعادة أن يوصف العاشق بالنحول دون المعشوق، كقول ديك الجن: # كلانا غصن شطب ... فذا بال وذا رطب # إذا ما هبت الريح ... ومال المرط والإتب # أبانت منه ما طاب ... ومني ما برى الحب # وأما تشبيه نفسه وحبيبه بشكلتي نصب ولابد من خلل وافتراق بينهما، وعادة ~~الشعراء في شدة الالتزام وتضايق العناق غير ذلك، كما قال ابن الجهم وابن ~~المعتز وغيرهما، وقد استوفينا الكلام والإنشاد عليه في الرسالة العلوية، ~~وبلغنا فيه الغاية. ونصب ناحلين على الحال كأنه قال: كم وقفة وقفنا دون ~~التعانق ناحلين. # وينبغي للشاعر أن يحسن الاستعارة ويتجنب فيها المآخذ التي أنكرت على ~~سواه، فالسعيد من وعظ بغيره، فمن ذلك قول أبي نواس: # لما بدا ثعلب الصدود لنا ... أرسلت كلب الوصال في طلبه # وقال أبو العذافر العمي: # باض الهوى في فؤادي ... وفرخ التذكار # وقال الآخر: # ضرام الحب عشش في فؤادي ... وحضن فوقه طير البعاد # وأنبذ للهوى في دن قلبي ... فعربدت الهموم على فؤادي # هذه استعارات كمن لبس ثياب حداد في عرس. وقال أبو تمام: # لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي # ماء الملام من الاستعارات القبيحة. وقال أيضا: # لم تسق بعد الهوى ماء على ظمأ ... كماء كافية يسقيكه فهم # وقال أيضا: # فضربت الزمان في أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا # ولأبي الطيب في هذا الباب أشعار تعد من العجب العجاب، منها قوله: # مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب # جعل للطيب والبيض واليلب قلوبا تسر وتتحسر. وقوله: # وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل # وقوله: # فكأنه حسب الأسنة حلوة ... أو ظنها البرني والآزاذا # وقوله: # تستغرق الكف فوديه ومنكبه ... فتكتسي منه ريح الجورب العرق # وقوله: # خلوقية في خلوقيها ... سويداء من عنب الثعلب # وله من هذا أشعار كثيرة. # وقريب من هذه الأشعار حكاية أخبرني بها عبد الرحمن الدقاق بقراءتي عليه ~~في سنة ms138 ثلاث عشرة وستمائة قال: أنبأني ابن خيرون عن الجوهري عن المرزباني ~~قال: أخبرني الصولي قال: حدثني يموت بن المزرع قال: كان لمحمد بن الحسن ~~الحصني ولد فقال له يوما: إني قد قلت شعرا، فقال الحصني: أنشدنيه يا بني ~~لئلا يلعب بك شيطان الشعر، قال: فإن أجدت أتهب لي جارية أو غلاما؟ فقال: بل ~~أجمعهما لك، فأنشده: # إن الديار بميفا ... هيجن حزنا قد عفا # أبكينني لشقاوتي ... وجعلن رأسي كالقفا # فقال الحصني: والله يا بني ما تستحق بهذا جارية ولا غلاما، ولكن أمك مني ~~طالق ثلاثا إذا ولدت مثلك. # وينبغي للشاعر أن يتجنب الإغارة وقد قدمنا في أقسام السرقات المذمومة ~~ذكرها وهي: ادعاء اللفظ والمعنى من غير أن يفكر الشاعر أن يتعنى، فما ذم ~~شاعر في السرقات بأقبح منها، ومثال ذلك قال والبة بن الحباب: # يا شقيق النفس من أسد ... نمت عن ليلي ولم أكد # أخذه أبو نواس فقال: # PageV01P086 # يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم # وقول والبة أبلغ لأنه قال: لم أكد ومن لم ينم قد يكاد ينام. ومعظم شعر ~~أبي الطيب من هذا القسم، فمن ذلك قوله: # كفل الثناء له برد حياته ... لما انطوى فكأنه منشور # أخذه من أبي القوافي الأسدي حيث يقول: # ردت صنائعه عليه حياته ... لما انطوى فكأنه منشور # وقال المتنبي: # وإني لتغنيني عن الماء نغبة ... وأصبر عنه مثلما تصبر الربد # أخذه من مروان بن أبي حفصة حيث يقول: # وإني لتغنيني عن الماء نغبة ... وأصبر عنه مثل صبر الأباعر # وأرفع نفسي عن صغار مطامع ... إذا أعوزتني مرغبات الأكابر # وقال المتنبي: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # أخذه من إسحاق الموصلي حيث يقول: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا فيهوى ان يقال خليل # وقال المتنبي: # كأن بنات نعش في دجاها ... خرائد سافرات في حداد # أخذه من أبي العباس الناشئ حيث يقول: # كأن محجلات الدهم فيه ... خرائد سافرات في حداد # وقال المتنبي: # كالشمس في كبد السماء وضوؤها ... يغشى ms139 البلاد مشارقا ومغاربا # أخذه من ابن الرومي حيث يقول: # كالشمس في كبد السماء محلها ... وشعاعها في سائر الآفاق # ولو استقصينا أقسام سرقاته في هذا القسم خاصة لأفردنا لها كتابا. # ومن حق الشاعر أنه إذا أخذ معنى قد سبق إليه أن يغير ألفاظه ويصنعه أجود ~~من صنعة السابق إليه، أو يزيد فيه عليه حتى يستحقه. فأما إذا أتى بلفظه ~~ومعناه فذاك عيب قبيح عند الشعراء المقصرين فضلا عن المجيدين. # وينبغي للشاعر أن يوفق بين التشبيه والمشبه به ويراعي ذلك، بحيث لا يأتي ~~الكلام متنافرا والمعاني متباعدة، فإنه إذا أنعم النظر في تأليف شعره، ~~وتنسيق أبياته، ووقف على حسن تجاوره أو قبحه فلاءم بينها، ونظم معانيها، ~~ووصل الكلام فيها، كان مجيدا، مع الشعراء المجيدين معدودا. ألا ترى ابن ~~هرمة وقوله: # وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنادا شحاحا # كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # والفرزدق وقوله: # وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم # كمهريق ماء بالفاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم # قال ابن طباطبا العلوي: لو أن ثاني بيتي ابن هرمة عوض عن ثاني بيتي ~~الفرزدق، وثاني بيتي الفرزدق عوض عن ثاني بيتي ابن هرمة لصح التشبيه لهما ~~واتسقت معاني شعريهما، وإلا فالتشبيه في الشعرين غير واقع موقعه وهذا نقد ~~من ابن طباطبا في أعلى درجات الحسن والإدراك. # وينبغي للشاعر ألا يصف ممدوحه في فن من فنون كرمه وعلمه وبراعته وشجاعته ~~وشرف محتده وأصالة بيته وجميع ما يضمنه شعره من مدحه، إلا ويطلب فيه الغاية ~~ولا يقتنع فيه بدون النهاية. فإن الشاعر إذا أتى بمعنى قد قصر فيه لا يعذره ~~ناقده ولا يقول: عمله على قدر ممدوحه. ولما أنشد كثير عبد الملك مدحته التي ~~يقول فيها: # على ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدي سردها وأذالها # يؤود ضعيف القوم حمل قتيرها ... ويستضلع القرم الأشم احتمالها # قال له عبد الملك: ألا قلت كما قال الأعشى لقيس بن معديكرب: # وإذا تجيء كتيبة ملمومة ... خرساء يخشى الذائدون نهالها # كنت المقدم غير ms140 لابس جنة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها # PageV01P087 # فقال كثير: إنما وصف الأعشى صاحبه بالطيش والخرق والتغرير، ووصفتك بالحزم ~~وحصافة الرأي والعمل على الحياطة، فرضي عبد الملك بقوله. وقول الأعشى في ~~صناعة الشعر وحكم الشجاعة والبسالة، أبلغ وأحسن. وكثير مقصر عن ذلك الوصف ~~ولكنه عذر دفع به خصمه، وتمم به نقصه. وهذا كعذره الى محمد بن علي الباقر ~~رحمهما الله تعالى حين قال له يا كثير، أتزعم أنك من شيعتنا ومحبينا وتمدح ~~آل مروان؟ قال: يا مولاي إنما أسخر منهم وأستهزئ بهم، وأجعلهم حيات وعقارب ~~وليوثا، والليوث كلاب، وآخذ أموالهم وملابسهم، كقولي لعبد العزيز بن مروان ~~حين عتبت عليه فنفر بعض النفور: # وكنت عتبت معتبة فلجت ... بي الغلواء عن سنن العتاب # وما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكانها ضبابي # ويرقيني لك الراقون حتى ... أجابك حية تحت الحجاب # فجعلته راقيا للحيات. وقلت لعبد الملك: # ترى ابن أبي العاصي وقد صف دونه ... ثمانون ألفا قد توافت كمولها # يقلب عيني حية بمحارة ... أضاف إليها الساريات سبيلها # يصد ويغضي وهو ليث خفية ... إذا أمكنته عدوة لا يقيلها # فلما سمع رحمه الله ذلك منه قال: يا كثير، من أراد الآخرة لم يرغب في ~~حطام الدنيا. وهذا دليل على أنه لم يقبل عذر كثير، وهو كعذر ابن الرقيات في ~~قوله: # وبعض القول يذهب في الرياح # والحكاية معروفة. # وينبغي للشاعر أن يقرب مأخذه ولا يبعد ملتمسه ولا يقصد الإغراب فإنه إذا ~~دق أغلق، وإذا استعمل وحشي اللغة نفرت عنه مسامع الرواة، وأن يورد المعنى ~~باللفظ المعتاد في مثله، وأن تكون استعاراته وتشبيهاته لائقة بما استعيرت ~~له وشبهت به، غير نافرة عن معانيها. فإن الشعر لا تروق نضارته وتشرق بهجته ~~وترق حواشيه، وتورق أغصانه، ويعجب أقاحيه، إلا إئا كان بهذه الصفة، وإذا ~~اتفق مع ذلك معنى لطيف أو حكمة غريبة أو أدب حسن، فهو زيادة في بهاء الشعر، ~~وإن لم يتفق فقد قام الشعر بنفسه واستغنى عما سواه. وإذا سلك الشاعر غير ~~هذا المذهب المذهب، وكان لسانه ولفظه مقصرين ms141 عن إدراك هذا المطلب، حتى ~~يعتمد على دقيق المعاني بألفاظ متعسفة، ونسج مضطرب، وإن اتفق في ضمن ذلك ~~شيء من سليم الرصف، وقويم النظم، قلنا له: قد جئت بحكمة، فإن شئت دعوناك ~~حكيما ولا ندعوك شاعرا ولا بليغا؛ لأنك ذهبت غير مذهب الشعراء البلغاء. ~~وهذه طريقة لم يذهب إليها من شكره العلماء من أهل هذه الصناعة. # وينبغي للشاعر ألا يعادي أهل العلم ولا يتخذهم خصوما فإنهم قادرون على أن ~~يجعلوا إحسانه إساءة، وبلاغته عيا، وفصاحته حصرا، ويحيلوا معناه، وينتقضوا ~~ما بناه. فكم من أديب أسقط أهل العلم حكم أدبه، وأخملوا من ذكره ما تنبل ~~به. ولو عددناهم لأفردنا لهم كتابا. ولله عمار الكلبي حيث يقول: # ماذا لقيت من المستعربين ومن ... قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا # إن قلت قافية بكرا يكون بها ... بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا # قالوا: لحنت وهذا ليس منتصبا ... وذاك خفض وهذا ليس يرتفع # وحرضوا بين عبد الله من حمق ... وبين زيد فطال الضرب والوجع # كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قوم على إعرابهم طبعوا # ما كل قولي مشروحا لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا # لأن أرضي أرض لا تشب بها ... نار المجوس ولا تبنى بها البيع # PageV01P088 # ولعل أهل العلم يأتون الى المعاني المستحيلة والألفاظ المختلة فيقومون ~~أودها بعللهم ويصلحون فاسدها بمعرفتهم، ومن هذه سبيله فما يحسن أن يغضب ولا ~~يقشب؛ فرب داهية وقع على من هو أدهى منه. # وفي حديث يزيد الرقاشي لأبي العباس السفاح رضي الله عنه أعجوبة إن كان ما ~~أورده صحيحا غير موضوع، قال: نزل رجل من العرب بامرأة من بني عامر فأكرمت ~~مثواه وأحسنت قراه، فلما أراد الرحيل أنشد: # لعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها # فقالت المرأة لجاريتها: قولي له: ألم نحسن إليك وتفعل كذا وكذا، فهل رأيت ~~منا تقصيرا؟ فقال: لا والله، قالت: فما حملك على إنشاد البيت؟ قال: جرى على ~~لساني فأبداه. فخرجت إليه جارية من بعض الأخبية فحدثته حتى أنس واطمأن ms142 ثم ~~قالت: ممن أنت يا بن عم؟ قال: من بني تميم، قالت: أفتعرف الذي يقول: # تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم شلت # أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى ... خلال المخازي عن تميم تجلت # تميم كجحش السود يرضع أمه ... ويتبعها رهزا إذا هي زلت # ولو أن برغوثا يزقق مسكه ... إذا نهلت منه تميم وعلت # ولو أن برغوثا على ظهر نملة ... يكر على صفي تميم لولت # ولو جمعت عليا تميم جموعها ... على ذرة معقولة لاستقلت # ولو أن أم العنكبوت بنت لهم ... مظلتها يوم الندى لاستظلت # ذبحنا فسمينا فحل ذبيحنا ... وما ذبحت يوما تميم فسمت # فقال: لست من تميم، قالت: ما أقبح الكذب بأهله فممن أنت؟ قال: من بني ~~ضبة. فأنشدته هجاء فيهم، فقال: لا والله ما أنا من بني ضبة. ولم يزل ينتقل ~~من قبيلة الى أخرى وهي تنشده الهجاء فيهم حتى لم يترك قبيلة إلا وانتسب ~~إليها وسمع هجوها حتى استقال وقد أحلته دار الهوان وقال: أنا رجل من بني ~~فلان. والحكاية معروفة. # وقريب منها ما روي عن المفضل الضبي، قيل: ورد عليه أعرابي على ناقة رثة ~~الأداة فسلم وحسر عن وجه كالدينار المشوف فقال له المفضل: ممن الفتى؟ فقال: ~~طائي، فقال المفضل، وكان حليما قلما عجل: طيا يا كلمة فاستمرت فقال له ~~الأعرابي بلسان ذلق السنان: # إن على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا يعرف حتى تحمله # نسبتنا فانتسب لنا. فقال المفضل: أحد بني ضبة. فقال الأعرابي: وإني ~~لأخاطب ضبيا مذ اليوم، والله لأحسبه ذنبا عجلت لي عقوبته، أتعرف الذي يقول: # إذا لقيت رجلا من ضبه ... فبكه عمدا على سواء السبه # يا أخا بني ضبة، كيف علمك بقومك؟ فقال المفضل: إني بهم لعالم، فقال: أي ~~نساء قومك التي تقول: # بخلوة ليلة وبياض يوم ... من ابن الوائلي شفاء قلبي # بمحنية أوسده شمالي ... وأكفت باليمين ذيول إتبي # وألصق بالحشا مني حشاه ... ويسهل من قيادي كل صعب # وألمس كفه جثما تعالى ... على ركب كجثة ظهر قعب # فيجمع منكبي إليه حتى ms143 ... ينال غدائري بعفير ترب # أقول له فداك أبي وأمي ... حياتك من جميع الناس حسبي # ثم قال: أي عماتك هذه يا أخا بني ضبة؟ وأنشأ يقول: # عثرات اللسان لا تستقال ... وبأيدي الرجال تخزى الرجال # فاجعل العقل للسان عقالا ... فشراد اللسان داء عضال # واستفد من فوارط الجهل وانظر ... كيف تردى بالألسن الجهال # PageV01P089 # إن زم الكلام مبق على العر ... ض وبالقول يستثار المقال # فلما سمع المفضل ذلك استحال لونه ورشح جبينه عرقا. ثم انصرف الأعرابي، ~~فقال المفضل: والله لقد ذكر شيئا ما كنت أظن على وجه الأرض أحدا يعرفه، ~~فالحمد لله إذ لم أستزده. # قول المفضل: طيا يا كلمة فاستمرت، من بيت وهو: # وما طيئ إلا نبيط تجمعوا ... وقالوا طيا يا كلمة فاستمرت # وقريب من هذه الحكاية ما رواه لي مؤدبي الشيخ أبو محمد بن أبي البركات بن ~~البقال المقرئ المؤدب قراة عليه في سنة اثنتين وستمائة، قال: حدثنا أبو ~~محمد سلمان بن مسعود بن الحسين القصاب بجامع المنصور قال: حدثنا أبو ~~الغنائم محمد بن علي النرسي الكوفي قال: حدثنا الشريف أبو عبد الله محمد بن ~~علي بن الحسن العلوي الحسني قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن زيد بن مسلم قال: ~~حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا حرمي قال: حدثنا عبد الله قال: حدثنا ~~إسماعيل بن مهران قال: حدثني أحمد بن أبي نصر عن أبان بن عثنام عن أبان بن ~~تغلب عن عكرمة عن ابن عباس قال: حدثني علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ~~لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج ~~وأنا معه وأبو بكر، وكان رجلا نسابة، فسلم فردوا السلام، فقال: ممن القوم؟ ~~قالوا: من ربيعة، قال: أمن هامتها أو من لهازمها؟ قالوا: بل من هامتها ~~العظمى، قال: فأي هامتها العظمى؟ قالوا: ذهل الأكبر، قال: أفمنكم عوف الذي ~~كان يقال: لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا، قال أفمنكم بسطام أبو اللواء ومنتهى ~~الأحياء؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها ms144 أنفسها؟ ~~قالوا: لا، قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا، قال: ~~أفأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا، قال: أفأنتم أصهار الملوك من لخم؟ ~~قالوا: لا، قال: فلستم ذهلا الأكبر، أنتم ذهل الأصغر فقام إليه غلام من بني ~~شيبان يقال له دغفل حين بقل فقال: # إن على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا يعرف حتى تحمله # يا هذا، إنك سألتنا فلم نكتمك شيئا فممن الرجل؟ قال: من قريش، فقال: بخ ~~بخ، أهل الشرف والرياسة، فمن أي قريش أنت؟ قال من بن تيم بن مرة، قال: ~~أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة، أفمنكم قصي بن كلاب الذي به جمع الله ~~القبائل من فهر فكان يدعى مجمعا؟ قال: لا، قال: أفمنكم هاشم # ... الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف # قال: لا، قال: فزمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء الذي كأن وجهه قمر ~~السماء يضيء ليل الظلام الداجي؟ قال: لا، قال: أفمن المفيضين بالناس أنت؟ ~~قال: لا، قال: أفمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا، قال أفمن أهل الحجابة أنت؟ ~~قال: لا، قال أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا، قال: واجتذب أبو بكر رضي الله ~~عنه زمام ناقته ورجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال دغفل: # صادف درء السيل درءا يدفعه ... يهضمه بدفعه أو يصدعه # أما والله لو ثبت لأخبرتك أنك من زمعات قريش، أو ما أنا بدغفل. فتبسم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال علي: فقلت يا أبا بكر، لقد وقعت من ~~الأعرابي على باقعة، قال: أجل! إن فوق كل طامة طامة والبلاء موكل بالمنطق. ~~وتمام الحكاية معروف. والأمر كما قال أبو بكر رضي الله عنه: إن فوق كل طامة ~~طامة. # ومن مثل ذلك، شكا الكميت في قوله: # أنصف امرئ من نصف حي يسبني ... لعمري لقد لاقيت خطبا من الخطب # هنيئا لكلب ان كلبا تسبني ... وإني لم أردد جوابا على كلب # لقد بلغت كلب بسبي حظوة ... كفتها قديمات الفضائح والوصب # PageV01P090 # يعني أن أهل الدناءة والضعة لا يقارضون بالقريض مع ms145 القدرة والسعة، والحلم ~~أولى ما استعمله أولو الحزم، والعفو لا يكون من العالم إلا في اللباب الصفو # شيم بها اختص الوزير محمد ... وسما بها قدرا على الوزراء # فضل الصدور صباحة وفصاحة ... وسماحة رجحت على الكرماء # وتبوأ العلياء طفلا ناشئا ... حتى علا فيها على الجوزاء # فالكرم من طرائقه، والشرف من خلائقه، والحلم من طبائعه، ونحن معاشر ~~الأدباء من صنائعه؛ أياديه إلينا بادية، وغواديه علينا رائحة وغادية، ورحا ~~آمالنا لا تدور إلا على قطبه، وعلى كل حال نأخذ من ماله ومن أدبه، كم ~~اقتبست أدبا من أنوار علومه، والتمست أربا من نوار رياض حلومه، واكتسبت ~~عرفا من أرج ذكره، وكسبت عرفا من لجج بحره. وإني لما لجأت الى ظله الوارف ~~الظليل، واعتصمت بطود عزه من الحادث الصعب الجليل، وعددت من زمرة غاشيته، ~~وسعدت بالانتماء الى جملة حاشيته، طرف عني طرف الحوادث، وكف عني كف ~~الكوارث، وملأ قلبي أمنا، فلم أقرع بعد نظره إلي سنا، فشكر صنائعه لدي ~~واجب، وسابغ مدارعه علي من النوائب حاجب: # كم منة وصنيعة ... عندي لمولانا الوزير # شكري لها شكر الريا ... ض الحو للمزن المطير # لا زالت دولته مخلدة، ونعمته مؤبدة، ورفعته ممهدة، وكلمته مسددة، وسلطانه ~~مطاعا، وزمانه نفعا وانتفاعا، فلقد أحيا ميت الأدب بآدابه، وجعل الإحسان من ~~ديدنه ودابه: # فكل ما عندي من عنده ... العلم والإنعام والجاه # أبى علي الدهر فاضطره ... الى مراعاتي وألجاه # وحيث انتهى بنا الكلام الى هذه الغاية وأتينا فيما اشترطناه بالكفاية ~~والزيادة على الكفاية، فقد وجب أن نختم الكتاب، ونقصر الإسهاب، والله ~~الموفق للصواب، إن شاء الله تعالى. PageV01P091 ms146