######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000746 #META# 000.BookURI :: #0657.IbnIbrahimIrbili.MudhakaraFiAlqab #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو المجد اسعد بن إبراهيم الشيباني الإربلي المعروف بمجد الدين النشابي الكاتب (المتوفى: 657هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 657 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المذاكرة في ألقاب الشعراء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التراجم والطبقات - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000746 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-746 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/746 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # المعروف بيتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. وخدمت به خزانة الصاحب الصدر ~~الكبير، العالم، العادل، المجاهد، المؤيد، المظفر، المنصور، تاج الدين، مجد ~~الإسلام، وعضد الأنام، حسام الدولة، همام الملة، نصرة المجاهدين، فاهر ~~المتمردين، منصف المظلومين من الظالمين، عز الصدور، ظهير الجمهور، اختيار ~~الإمامة المكرمة، عرس الخلافة المعظمة، كريم العراق، طاهر الأعراق، سند ~~المسلمين، أخي الملوك والسلاطين، سيف أمير المؤمنين، أبي الفتوح علي بن. . ~~.، وعمر بالثناء والحمد ناديه. وأنا أعتذر من سهو يقع، وخرق لا يرقع. ومن ~~اقتضى العفو ارتضى الصفو، وما خلا أحد من عاب، ولا رفع قلم عن كتاب. # قال أبو عبيدة: الشعراء الجاهلية ثلاثة، امرؤ القيس، والنابغة، وزهير. ~~وسنذكرهم، ومن بعدهم على أوجز ما يكون من الاقتصار، وأحسن ما يليق من ~~الاختصار. فإن المذاكرة لا تحتمل الإسهاب والإضجار. ولم أذكر إلا النوادر ~~الغريبة الحسان، ومن الشعراء الذين لم يعرفهم إلا القليل من الأعيان. ~~وابتدأت بذكر الشعراء الملقبين، الذين منهم من لقب بشعر قاله، ومنهم من لقب ~~بعلامة فيه، أو بظاهر من لونه، أو بمشهور من فعله، ومنهم ببلده أو بكنيته. ### | ألقاب الشعراء ### | فصل فيمن لقب بشعر قاله # فممن لقب من الشعراء ببيت قاله مدرج الريح لقوله: # أعرفت رسما من سمية باللوى ... درجت عليه الريح بعدك فاستوى # ويروى عنه أنه لما عمل نصف هذا البيت ارتج عليه، وأقام يكره مدة سنة، ولا ~~يقدر يعمل له عجزا. وكان قد دفن في نفس المنازل التي كان ينزلها دفينة، ~~فذكرها وقال لجاريته أن تمضي وتخرج الخبيئة من تلك البرية والموضع الذي ~~أعطاها علامته. فمضت الجارية، وقد اختلفت الرياح على تلك الأراضي، وعفت ~~آثارها. فعادت ولم تجد شيئا. فسألها عن الحال، فقالت: # درجت عليه الريح، بعدك، فاستوى # فتمم بيته بهذا، وسمي مدرج الريح. # ومنهم المرقش، واسمه عمرو بن سفيان، وهو مرقش الأصغر. # وسمي مرقشا لأن وجهه كان منقطا. وقال: # كما رقش في ظهر الأديم قلم # ومنهم الممزق لقوله: # وإن كنت مأكولا، فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق # ويروى ms001 أن عثمان كتب بهذا لبيت إلى علي، وهو محصور. # ومنهم المخرق، نسب نفسه إلى الممزق، وقال: # أنا المخرق أعراض اللئام، كما ... كان الممزق أعراض اللئام أبي # ومنهم المثقب، واسمه عائذ بن الأحمر بن وائلة. وإنما سمي مثقبا لقوله: # أرين محاسنا، وكنن أخرى ... وثقبن الوصاوص للعيون # الوصاوص: البراقع. ولقوله: # ظعائن لا شوقي بهن ظعائن ... ولا الثاقبات من لؤي بن غالب # الثاقبات: يريد المصيبات. # ومنهم النابغة الذبياني، واسمه زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع ~~بن ذبيان. قيل: إنما سمي النابغة لقوله: # وحلت في بني قين بن جسر ... وقد نبغت لا منهم شؤون # وقل آخر: إنما سمي النابغة لأنه نبغ بالشعر. والنوابغ أربعة: نابغة بني ~~ذبيان، ونابغة بني جعدة، وهو قيس بن عبد الله، ونابغة بني الحارث، وهو يزيد ~~بن إبان، ونابغة بني شيبان، وهو عبد الله بن المخارق. سموا لأتهم نبغوا ~~بالشعر بعدما كبروا. # ومنهم الخلج، واسمه ناجية بن مالك. وسمي الخلج بقوله: # كأن تخالج الأشطان فيها ... شآبيب تجود مع الغوادي # ومنهم شقرة، واسمه معاوية بن الحارث. سمي شقرة لقوله: # وقد أحمل الرمح الأصم كعوبه ... به من دماء القوم كالشقرات # والشقرات: الشقائق. وإنما سميت بذلك لأن النعمان بنى مجلسا، وسماه ~~الضاحك، وزرع فيه الشقرات، فسمي شقائق النعمان. # ومنهم المفضل، واسمع عامر بن معشر بن أسحم بن عدي بن شيبان. وإنما سمي ~~المفضل بقوله في قصيدته المنصفة: # فأبكينا نساءهم، وأبكوا ... نساء ما يسوغ لهن ريق # ومنهم المقرض، واسمه زهدم بن معد بن عبد الحارث. وإنما سمي مقرضا لقوله: # وأنا المقرض في جنو ... ب الغادرين بكل جار # تقريض زندة قادح ... في كلها يورى بنار # PageV01P001 # ومنهم المكواة، واسمه عبد الله بن خالد بن حجبة بن عمرو. وإنما سمي ~~المكواة لكثرة ذكره الكي في شعره، ولقوله: # ومثلك قد عللت بكأس غيظ ... وأصيد قد كويت على الجبين # ولقوله: # لجيم وتيم الله عزي وناصري ... وقيس بها أكوي النواظر من صد # ومنهم الحتات، واسمه بشر بن رديح بن الحارث بن ربيعة. وإنما سمي الحتات ~~لقوله: # ومشهد ms002 أبطال شهدت كأنما ... أحتهم بالمشرفي المهند # الحت: أقل من النحت. # ومنهم الهجف، واسمه كعب بن كريم بن معاوية. وإنما سمي الهجف لقوله: # يرجي ابن معط درها وانتحالها ... هجف جفت عند الموالي فأصعدا # الهجف: الظليم المسن. # ومنهم البعيث، واسمه خداش بن لبيد. وإنما سمي البعيث لقوله: # تبعث مني ما تبعث بعدما ... أمرت قواي، واستمر عزيمي # أي: أبصرت عزمي، فمضيت على ما أعزم عليه. لأنه إنما قال الشعر وقد أسن. # ومنهم ذو الخرق، واسمه بن شريح. وإنما سمي ذا الخرق لقوله: # لا يألف الدرهم المصرور خرقتنا ... لكن يمر عليها، ثم ينطلق # ومنهم أعمر، واسمه منبه. وإنما سمي أعمر لقوله: # قالت عميرة ما لرأسك بعدما ... طال الزمان أتى بلون منكر # أعمير إن أباك شيب رأسه ... مر الليالي، واختلاف الأعصر # والأعمر: الدخان. وقيل: إنه دخن على قوم في غار، فماتوا. # ومنهم قاتل الجوع، واسمه أمرؤ القيس بن كعب بن عمرو. وإنما سمي قاتل ~~الجوع لقوله: # قتلت الجوع في الشتوات حتى ... تركت الجوع ليس له نكير # ومنهم مزرد، واسمه يزيد بن ضرار الكلبي. وسمي مزردا لقوله: # ظللنا نصادي أمنا عن حميتها ... كأهل شموس، كلنا يتودد # فجاءت بها صفراء ذات أسرة ... تكاد عليها ربة النحي تكمد # فقلت: تزردها عبيد، فأنني ... لدرد الموالي، في السنين، مزرد # الحميت: النحي المربوب. فإذا لم يرب فهو نحي. وإنما سمي حميتا لأنهم ~~يعملونه بالرب. والحميت: المتين. # ومنهم ذو الرمة، واسمه غيلان بن عقبة. وإنما سمي ذا الرمة لقوله: # لم يبق غير مثل ركود ... غير ثلاث باقيات، سود # وبعد مرضوخ القفا، موتود ... أشعث باقي رمة التقليد # الرمة: بقية حبل خلق. ورمت العظام: بليت. # ومنهم القطامي، واسمه عمرو، ويقال: عمرة. وإنما سمي القطامي بقوله: # يحطهن جانبا فجانبا ... حط القطامي القطا الهوازبا # والقطامي: الصقر. ويقال القطامى. # ومنهم الحطيم، واسمه نعمان بن مالك. وسمي الحطيم لقوله: # سل الحطيم، اليوم، عن غمامه ... خالمها، فرضيت خلامه # غمامة: امرأة من دارم. وخالمها: صادقها. والخلم: الصديق. # ومنهم الغريب، وهو نعيم بن سليم. وإنما سمي الغريب لقوله: # إسمي نعيم، وأنا ms003 الغريب ... إسما كريم بهما أحبب # ومنهم عائد الكلب، وهو عبد الله بن مصعب بن عبد الله بن الزبير. وإنما ~~سمي عائد الكلب لقوله: # مالي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم، ويمرض كلبكم فأعود # ومنهم الأسعر، وكان قديما من الشعراء، واسمه مرثد بن أبي حمران. وإنما ~~سمي الأسعر لقوله: # فلا يدعني قومي لسعد بن مالك ... لئن أنا لم أسعر عليهم، وأثقب # أي: أوقد. والسعر: وقود النار والحرب. وقيل: سمي الأسعر لدقة ساقيه. # ومنهم الصامت، واسمه عمرو بن الغوث من طيء. وسمي الصامت بقوله: # رأتني صامتا لا قول عندي ... ألا إن الغريب هو الصموت # ومنهم عارق، واسمه قيس بن جروة بن سيف وائلة. وإنما سمي عارقا لقوله: # لئن لم نغير بعض ما قد فعلتم ... لأنتهش العظم الذي أنا عارقه # ومنهم العجاج. وإنما سمي العجاج لقوله: # حتى يعج ثخنا من عجعجا # العج: رفع الصوت. والثخن: الغلبة. # ومنهم الخطفي، واسمه حذيفة بن بدر بن سلامة بن عوف. وإنما سمي الخطفي ~~بقوله: # يرفعن لليل إذا ما أسدفا ... أعناق حيات، وهاما رجفا # وعنقا بعد الكلال خيطفا # الخيطف: السريع. # PageV01P002 # ومن الشعراء المحدثين المرعث، وهو بشار بن برد، واسمه المرعث مولى عقيل، ~~وكان أعمى. وقيل له المرعث لقوله: # من لظبي مرعث ... ساحر الطرف والنظر # قال لي: لست بنائلي ... قلت: أو يغلب القدر # وقيل: سمي بالمرعث لأنه ولد وهو مشقوق طرف الأذن، فقالوا: ولد مرعثا، أي ~~لم يحتج إلى أن تثقب أذنه. # ومنهم شهوات، واسمه موسى. وإنما سمي شهوات لقوله في يزيد بن معاوية: # لست منا، وليس خالد منا ... ما نضيع الصلاة للشهوات # ومنهم عويف القوافي، وهو عويف بن عيينة بن حصن. وسمي بذلك لأنه قال: # سأكذب من قد كان يزعم أنني ... إذا قلت قولا لا أجيد القوافيا # ومنهم الفرار، الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنبي سليم: إلى من ~~أرفع لواءكم؟ قالوا: إلى الفرار. فكره صلى الله عليه ذلك. فقالوا: إنما ~~اسمه حيان بن الحكم، وغنما سمي الفرار لقوله: # وكتيبة ألبستها بكتيبة ... حتى إذا ألتبست نفحت بها ms004 يدي # ويروى: نفضت بها يدي. # هل ينفعني أن تقول نساؤكم ... وكلت خلف شريدهم: لا تبعد # ومنهم طرفة، واسمه عمرو بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك. وإنما سمي ~~طرفة لقوله: # لا تعجلا بالبكاء اليوم مطرفا ... ولا أميركما، بالدار، إذ وقفا # قوله: مطرف، أي مجلوب، فهو ينزع إلى وطنه. قال ذو الرمة: # كأنني من هوى خرقاء مطرف # ومنهم صريع الغواني، وهو مسلم بن الوليد الأنصاري. وإنما سمي بذلك لأن ~~الرشيد، رضي الله عنه، إستنشده قصيدته: # أديرا علي الكأس لا تشربا قبلي # فأنشده، فلما بلغ حيث يقول: # هل العيش إلا أن تروح مع الصبا ... وتغدو صريع الكأس والأعين النجل # فقال الرشيد: سموه صريع الغواني. فهجاه بعضهم فقال: # فما ريح السذاب أشد بغضا ... إلى الحيات منك إلى الغواني # ومنهم مجتني المروءة، وهو عبد الله بن أحمد الحنفي، وكان صديقا لعبد الله ~~بن المقفع. وإنما لقب بذلك لكثرة ذكر المروءة في شعره وقوله: # لا تحسبن أن المرو ... ءة مطعم، أو شرب كاس # أو في الولاية والموا ... كب، والمراكب، واللباس # لكنها كرم الفرو ... ع، زكت على كرم الأساس # وقوله أيضا: # ليس المروءة بالدراهم ... بل المروءة بالمكارم # كم من غني سفلة ... ومقل قوم ذي معالم ### | فصل في ذكر من لقب من الشعراء بعلامة من خلقه وبظاهر من لونه # منهم الأخضر، وهو الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب. وإنما سمي الأخضر ~~لأنه كان أدما شديد الأدمة والأدم عند العرب: الأخضر. ويسمون الأبيض أخضر. ~~وسمي آدم عليه السلام لأنه كان أبيض. وقال الفضل: # وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة من نسل العرب # قال: والأخضر أيضا في كلام العرب: الأسود. ويسمون الليل: الأخضر، والماء: ~~الأخضر. قال الراجز: # وعارض الليل إذا ما أخضرا # ولذلك سمي السواد، لكثرة الأشجار، وخضرتها. # ومنهم الحطيأة، واسمه جرول بن مالك. وإنما سمي الحطيأة لقصره. # ومنهم الأقيشر، واسمه عقبة من بني عميرة. وسمي الأقيشر لشدة حمرة لونه، ~~والأقشر: الشديد الحمرة، وقوله: # إني أنا الأقشر ذاكم نزبي ... أنا الذي يعرف قومي حسبي # والنزب والنبز: ms005 اللقب. وهذا من المقلوب، وهو النبز. كمل قالوا: جبذ وجذب، ~~وما أطيبه وما أيطبه. # ومنهم أيضا أقيشر آخر، كان يغضب إذا دعوه الأقيشر، ويخاصم. وهو المغيرة ~~بن عبد الله بن الأسود. ودعاه بعضهم بالأقيشر، فقال له: # أتدعوني الأقيشر، ذاك إسمي ... وأدعوك ابن مطفئة السراج # فسمي ذاك الرجل بابن مطفئة السراج. # ومنهم الأخطل، وهو غياث بن غوث بن الصلت. وإنما سمي الأخطل لكبر أذنه. ~~والخطل: المسترخية الآذان. يقال: شاة خطلاء، ورجل أخطل، أي عظيم الأذن. ~~والخطل: الحمق. والخطل: خفة وسرعة. ويقال: خطل في كلامه، إذا أخطأ. ومن ~~ألقاب الأخطل: دوبل. وقال جرير: # بكى دوبل، لا يرقئ الله دمعه ... ألا إنما يبكي من الذل دوبل # PageV01P003 # فلما بلغ الأخطل هذا البيت قال: أخزاه الله، والله لقد سمتني أمي بهذا ~~الاسم يوما واحدا وأنا طفل، فمن أين وقع لهذا الخبيث. # ومنهم الفرزدق، واسمه همام بن غالب بن صعصعة. وإنما سمي الفرزدق لأنه كان ~~جهم الوجه، فقيل: كأن وجهه فرزدقة، وهو الجردق الكبير. يقال: بالدال ~~وبالذال. والفرزدق أيضا: الفتوت الذي تشربه المرأة. ولقد قال له بعض أهل ~~المدينة، نكرا عليه: والله ما نعرف الفرزدق إلا هذا الفتوت الذي تشربه ~~المرأة وتقذفه. فقال: الحمد لله الذي جعلني في بطون نسائكم. # ومنهم الزبرقان، واسمه حصين بن بدر. وإنما سمي الزبرقان لأنه كان خفيف ~~اللحية. والعرب تسمي الخفيف اللحية: الزبرقان. وقال قطرب: إنه كان حسن ~~الوجه، فشبه بالقمر، ويقال للقمر: الزبرقان. قال الشاعر: # تضيء له المنابر حين يرقى ... عليها، مثل صنو الزبرقان # وقال الخليل: الزبرقان: ليلة أربع عشرة وخمس عشرة. وقال أبو عبيدة: قلت ~~لرجل من ولد الزبرقان: لم سمي الزبرقان، واسمه حصين؟ قال: اشترى حلة خضراء ~~مزبرقة، ثم راح إلى ندي قومه، فقالوا له: زبرقت. وزبرق الرجل ثوبه: إذا ~~صفره، أو حمره. # ومنهم الطرماح، واسمه حكم بن حكيم. وإنما سمي الطرماح لطوله. والطرماح: ~~الطويل. قال الشاعر: # معتدل الهادي، طرماح العصب # وقيل: سمي الطرماح لزهوه. والطرماح: الذي يرفع رأسه زهوا. # ومنهم أبو قطيفة، واسمه عمرو بن الوليد بن ms006 عقبة. وإنما سمي أبا قطيفة ~~لأنه كان كثير شعر الجسد والوجه. # ومنهم الأرقط، وهو حميد بن مالك. وسمي الأرقط لآثار كانت في وجهه. # ومنهم الأفوه. سمي بذلك لأنه كان غليظ الشفتين، ظاهر الأسنان. # ومنهم النجاشي. سمي بذلك لشدة سواده. # ومنهم جحدر. واسمه ربيعة بن ضبيعة بن قيس. وإنما سمي جحدرا لقصره. # ومنهم زياد الأعجم. وإنما سمي الأعجم لأن مولده ومنشأه كان بفارس. # ومنهم سديف. واسمه إسماعيل بن ميمون. وسمي سديفا للونه شبه بالسدف. وسديف ~~تصغير السدف. والسدفة: الظلمة. وهذا من الأضداد. لأن السدفة في الضياء ~~والظلمة. وقال ابن الأعرابي: السدفة ظلمة يخالطها ضوء. # ومنهم أبو نواس. واسمه الحسن بن هاني الحكمي. ويكنى أبا علي. وإنما قيل ~~له أبو نواس لذؤابة. كانت في رأسه. والنواس: الذؤابة. ومنه سمي ذا نواس. ~~وقيل: سمي ذا نواس لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه. والنوس: الحركة من كل ~~شيء مدلى. وقال محمد بن يحيى المقرئ: سألت أبا نواس عن كنيته، ما أراد بها، ~~وهل نواس بفتح النون، أو نواس بضمها؟ فقال: بضم النون، وكان سبب كنيتي أن ~~رجلا من جيراني بالبصرة دعى إخوانا له، فأبطأ عليه واحد منهم، فخرج من بابه ~~يطلب من يبعثه إليه، يستحثه. فوجدني ألعب مع الصبيان، وكانت لي ذؤابة في ~~وسط رأسي، فصاح بي: نيا حسن إمض إلى فلان فجئن به. فمضيت أعدو، وذؤابتي ~~تتحرك. فلما جئت بالرجل، قال: أحسنت يا أبا نواس. فشاعت هذه الكنية. # ومنهم حماد عجرد. وهو حماد بن عمرو، من أهل الكوفة، مولى بني عامر. وإنما ~~سمي عجردا لأنه كان مكتنز الخلق "، كثير العضلات، والعجرد من هذه صفته. ~~والعجرد: الغليظ الشديد. # ومنهم أبو العتاهية. قال أبو سويد عبد القوي: وإنما سمي أبا عتاهية ~~وكنيته أبو إسحاق، واسمه إسماعيل بن سويد، وبلده الكوفة. وأبو عتاهية لقب. ~~تقول العرب: عته الرجل، وهو يعته، ومعتوه: مدهوش من غير مس الجنون. وتقول ~~العرب: رجل عتاهية، بغير ألف ولام. ومعنى عتاهية من الدهاء. وقال ابن ~~الأعرابي: عتاهية الرجال ضلالهم. # ومنهم العث. واسمه زيد ms007 بن معروف. والعث: جمع عثة، وهي السوسة. وإنما سمي ~~بذلك لأنه كان أكولا. والعث يأكل الصوف والخشب وغيره. # ومنهم عروة الصعاليك. وهو عروة بن الورد بن زيد بن عبد الله. وإنما سمي ~~بذلك لأنه كان من أفقر من العرب ضمه إليه. فمن كان يمكنه أن يغزو معه غزى، ~~ومن لم يمكنه ذلك جعل له شيئا في الفيء، وأقعده. والصعاليك: الفقراء. # ومنهم المقنع اسمه محمد بن عمير. وإنما سمي المقنع لأنه كان أجمل أهل ~~زمانه، وأحسنهم وجها، وأقدهم قامة. وكان إذا كشف وجهه لطمته الجن، فكان ~~يقنع وجهه دهره. # PageV01P004 # ومنهم علقمة الفحل. وهو علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس بن عبيد. وإنما ~~سمي الفحل لأنه كان تنازع هو وامرؤ القيس في الشعر، فقال كل منهما لصا حبه ~~أنا أشعر منك. فقال علقمة: قد حكمت بيني وبينك إمرأتك أم جندب، فقال: قد ~~رضيت. فتحاكما إليها، فقالت: ليقل كل واحد منكما شعرا يصف فيه الخيل، على ~~قافية واحدة. فقال امرؤ القيس: # خليلي مرابي على أم جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذب # فقال علقمة: # ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقا طول هذا التجنب # وأنشد كل واحد قصيدته. فقالت لامرئ القيس: علقمة أشعر منك. قال: وكيف ~~ذاك؟ قالت: لأنك قلت: # فللسوط ألهوب، وللساق درة ... وللزجر فيه وقع أحرج مذهب # فجهدت في شكه بسوطك وزجرك، ومريته فأتعبته. وقال علقمة: # فرد على آثارهن بحاصب ... وغيبة شؤبوب، من الشد ملهب # فأدركهن ثانيا من عنانه ... يمر كمر الرائح المتحلب # فأدرك فرسه ثانيا من عنانه، لم يضربه بسوط، ولم يزجره بساقه، ولم يتعبه. ~~فقال لها امرؤ القيس: ما علقمة بأشعر مني، ولكنك له عاشقة. وطلقها، وخلف ~~عليها علقمة، فكسمي. وله يقول الفرزدق: # والفحل علقمة الذي كانت له ... حلل الملوك كلامه تتنخل # وأما الجاحظ فأنكر ذلك، وقال: إنما سمي الفحل لأن بعض عياهلة اليمن خصى ~~علقمة بن شبل، فسمي علقمة الخصي، فلما وقع على هذا اسم الخصي، قيل لذاك: ~~الفحل، ليفرق بينهما. # ومنهم البرك. وهو عوف بن مالك، ms008 وإنما سمي البرك في حرب، لأنه صعد ثنية من ~~جبل، ومعه أمه على جمل، فلما وصل الثنية ضرب عرقوب فرسه البرك، وقال: أنا ~~البرك أبرك حيث أدرك. # ومنهم الفند. واسمه شهل بن شيبان بن ربيعة، من بكر بن وائل. وكان شيخا ~~كبيرا، يعد بألف. فقدم في بكر بن وائل في سبعين رجلا. فلما رأتهم بكر بن ~~وائل استقلوهم، وقالوا: ويك تغير بهذا الجمع القليل أيها الشيخ؟ فقال: أما ~~ترضون أن أكون لكم فندا؟ قالا: بلى. والفند: الحجر العظيم، أو القطعة ~~الضخمة من الجبل. سمي بذلك. # ومنهم زيد الخيل. وهو زيد بن مهلهل بن زيد. وإنما سمي بذلك لكثرة طراده ~~للخيل، ومغاورته القبائل والأحياء. وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~زيد الخير. # ومنهم عنترة الفوارس. وهو عنترة بن شداد. وإنما سمي عنترة الفوارس لكثرة ~~ملاقاته فرسان العرب، وإغارته على أحيائها. وكان فارسا. # ومنهم سليك المقانب. وهو سليك بن عمرو. وإنما سمي المقانب لأنه كان صاحب ~~غارات، وأنشد: # وإذا تواكلت المقانب لم يزل ... بالقفر منا مقنب معلوم # وكان هذا أيضا يسمى رئبالا. والرئبال: اسم للسبع. # ومنهم الفاتك. وهو عبد الله بن الحسن. وإنما سمي بالفاتك لفتكه في الحرب. # ومنهم المذلق. وهو أوس بن عباد بن عبدود. وإنما سمي المذلق لأن سنانه كان ~~لا يطعن به شيئ إلا أنفذه. فسمي بذلك. وفي ابنه يقول المذلق: # متى ألق عباد بن أوس أقل له ... عليك سلام الله يا ابن المذلق # ومنهم المسيب. واسمه زهير، من ربيعة بن نزار. وإنما سمي المسيب حين أوعد ~~عامر بن ذهل، فقالت له بنو ضبيعة: قد سيبناك. فقال فيه بعض شعرائهم: # إذا سركم ألا تؤوب لقاحكم ... بطانا، فقولوا لمسيب يسرح # ومنهم فقيد ثقيف، واسمه عمرو بن عبد الله. وكان سببه أنه عشق امرأة أخيه ~~سفيان، وكتم أمره، ولم يعرف الأطباء داءه. فقال الحارث بن كلدة الثقفي، ~~وكان طبيب العرب: هو عاشق. فدعى بشراب، فصبه في فيه حتى سكر، فأنشا يقول: # أهيج وأهيج، و ... حزينا ما أكوننه # ألما بي على ms009 الأبيا ... ت بالخيف أزرهنه # غزالا ما رأيت اليو ... م في دور بني كنه # غزالا أحور العين ... وفي منطقه غنه # فقال الحارث: قد عرض ولم يبن. فزاده من الشراب، وعرض عليه نساء العرب، ~~فلما مرت به امرأة أخيه أنشأ يقول: # أهل ودي ألا اسلموا ... وقفوا كمي تكلموا # أخذ الحي حظهم ... من فؤادي، وأنعموا # فهم في كثيرة ... وفؤادي متيم # وأخو الحب جسمه ... أبد الدهر مسقم # طلعت مزنة من ال ... بحر ريا تحمحم # PageV01P005 # هي ما كنتي، وأز ... عم أني لها حم # فلما أفاق من سكره عرف ما قاله، فاستحيا من أخيه، فذهب على وجهه، فلا ~~يدرى أين توجه، فسمي فقيد ثقيف. # ومنهم يزيد الغواني. واسمه يزيد بن سويد بن حطان. وإنما سمي بذلك لأنه ~~كان صاحب غوان يتحدث إليهن، فقال: # فلا تدعوني، بعدها، إن دعوتنى ... يزيد الغواني، وادعني للفوارس # ومنهم المجنونان، مجنون بني عامر، وهو قيس بن معاذ، ومجنون بني جعدة، وهو ~~مهدي بن الملوح. سميا بذلك لإفراط جنونهما. قال المبرد: حدثني عبد الصمد بن ~~المعذل، قال: سألت الأصمعي عن المجنون المسمى قيس بن معاذ، فقال: لم يكن ~~مجنونا، وإنما كانت به لوثة كلوثة أبي حية. واللوثة: الاضطراب، والاسترخاء ~~والانتكاث. والمجنون إنما قيل له مجنون لأنه مستور القعل. ومنه سمي الجن ~~لاستتارهم. وكذا الجنين. # ومنهم قيس الرقيات. وهو عبيد الله بن قيس بن شريح بن مالك بن ربيعة. ~~ورقية بنت الحسين عليه السلام، وكان يمدحها، ورقية بنت عبد الله. # ومنهم تأبط شرا، لأنه احتطب ذات ليلة، ثم انصرف بحطبه، فإذا فيه حية، ~~فقال: إني كنت أتأبط شرا. وقال قوم: إنه قتل الغول وتابطها. ولا حديث طويل ~~يأباه العقل. # ومنهم الحسام. وهو حسان بن ثابت بن المنذر. وإنما سمي الحسام لأنه كان ~~يبلغ بلسانه مبلغ الحسام. وقال مزرد بن ضرار: # ولست كحسان الحسام بن ثابت ... ولست كشماخ، ولا كالمخبل # ومنهم اللعين المنقري. وإنما سمي اللعين لأنه جنى جناية، فتبرأ منه قومه، ~~وطردوه وباعدوه، لكيلا يؤخذوا بجريرته. وعند العرب كل مطرود مباعد فهو ~~لعين. وسميت ms010 اللعنة من البعد. قال الله جلت قدرته: " يلعنهم الله ": أي ~~يباعدهم. # ومنهم مسكين الدارمي. واسمه ربيعة بن عامر وإنما سمي مسكينا لأنه احتاج، ~~فسأل أهله وعشيرته، فأعطوه وسموه مسكينا. ولذلك قال: # وسميت مسكينا وكانت لجاجة ... وإني لمسكين إلى الله، راغب # ومنهم القارظان، قارظ عنزة، وقارظ يشكر، ذهبا يقرظان القرظ، ففقدا. فضرب ~~بهما المثل. قال الشاعر: # وحتى يؤوب القارظان كلاهما ... وينشر في الموتى كليب بن وائل # ومنهم الراعي. واسمه عبيد بن الحمير بن معاوية وإنما سمي الراعي لكثرة ~~وصفه رعي الإبل ولغتها في شعره. وقال: # كأن مكانا لكلكت ضرعها به ... مراغة ضبعان أسن وأمرعا # لكلكت: حركت. # ومنهم الجفول. لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قومه يحمل لهم ~~صدقات من الإبل، فجفلت الإبل منه. فسمي بذلك. # ومنهم القتال. واسمه عبد الله بن المضرحي. وإنما سمي بالقتال لكثرة قتله ~~للناس. فقيل له في ذلك، فقال: والله ما أقتل أحدا ظلما، إنما يجيئني الرجل ~~فيقول: إن فلانا ظلمني، وقد جعلت لك على قتله كذا وكذا، فاقتله. # ومنهم يسار الكواعب، وكان عبدا أسود. وإنما سمي بذلك لأنه لم تكلمه امرأة ~~إلا ظنها قد عشقته. وكان النساء إذا رأينه يضحكن عليه. حتى نظرت إليه امرأة ~~مولاه، وهي منهن، فضحكت عليه، فظن أنها خضعت له. فقال لصاحب له: قد عشقتني ~~امرأة مولاي. فقال له: يا يسار، إشرب من ألبان هذه العشار، وارع في هذه ~~الأرض القفار، وإياك وبنات الأحرار، فإنهن كحد الشفار. فلم ينتبه. فراجع ~~امرأة مولاه، فأعدت له مدية، وقالت: أحضر بيتي هذه الليلة. فلما جاء إليها ~~أخذت المدية وقطعت مذاكيره، وضربت بها وجهه، وجدعت أنفه. فخرج هاربا في جوف ~~الليل، فلما رآه صاحبه قال لأصحابه: قد جاء يسار الكواعب. فلما نظر ما به ~~قال له: ألم أنهك؟ فقال للذي كان نهاه: # أمرت أبا عوف فلح، كأنما ... برى بصريح النصح لسع العقارب # فقلت له: لا تردد النصح، إنني ... أخاف بأن تردى أمام الكتائب # فقد عاف محض النصح قبلك جاهل ... فأصبح مجدوعا يسار الكواعب # فجاء ms011 بما قد كنت أخشى، وربما ... أبى ذو النهى والرأي نصح الأقارب ### | فصل من لقب من الشعراء بفعل فعل غلب على اسمه # منهم عدل الأصرة. واسمه امرؤ القيس بن الحمام. وكان قديما من الشعراء. ~~وهو أول من بكى الديار. وذاك قول امرئ القيس: # يا صاحبي قفا النواعج ساعة ... نبكي الديار كما بكى ابن حمام # PageV01P006 # وإنما سمي عدل الأصرة لأن أمه ولدته في الإبل، فلما راحت جعلت عدل الأصرة ~~على بعير من إبلها، فسي بذلك. والأصرة: خيوط تشد على أخلاف الإبل، إذا فلت ~~ألبانها لئلا ترضعها فصلانها. واحدها: إصرار. وأنشد: # ما شم تودية الصرار فصيل # والتودية: عمود يشد على رأس الخلف. # ومنهم المضرب. واسمه عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى. وسمي بذلك لأنه ~~كان يجلس إلى امرأة فبعشقها، فجاء إخوتها فضربوه. # ومنهم ثابت قطنة. وهو ثابت بن كعب بن جابر. وإنما سمي قطنة لأن عينه ~~أصيبت، فجعل عليها قطنة. # ومنهم ذو الأصبع العدواني. واسمه حرثان بن حارثة. وسمي بذلك لأن حية ~~نهشته في إصبعه. وقال قوم: إنه كان في أصابعه إصبع زائدة. ### | فصل من غلب اسم أمه على اسم أبيه # منهم ابن الحدادية. وهو قيس بن منقذ الخزاعي. # ومنهم خفاف بن ندبة، وندبة أمه، وكانت سوداء. وخفاف أحد أغربة العرب. ~~وقال أبو عبيدة: أغربة العرب ثلاثة من الشعراء. وإنما سموا أغربة لأن ~~أمهاتهم كن سودا. وهم: خفاف بن ندبة، وأبو عمير بن الحارث بن الشريد، أحد ~~بني سليم. وسليك بن السلكة، وهو من بني سعد بن زيد مناة من تميم. وعنترة بن ~~زبيبة، أبو عمرو بن معاوية بن شداد. # ومنهم عمرو بن الأطنابة. وأبوه زيد بن مالك الأغر بن ثعلبة. # ومنهم الأشهب بن رميلة وهي أمه، وأبوه: ثور بن أبي خارجة بن عبد المنذر. # ومنهم شبيب بن البرصاء. وهي أمه واسمها بارعة بنت الحارث بن عوف وأبوه: ~~يزيد بن جمرة بن عوف المزني. # ومنهم ابن عنقاء. وهو عبد قيس، من بني فزارة. # ومنهم ابن سهية. وهو: إرطاة بن زفر، من ms012 بني ذبيان. # ومنهم ابن أم ذبيان. وهو: زميل بن عقيد بن بلال. # ومنهم ابن أم صاحب. وهو: قعنب بن خمرة. # ومنهم ابن ميادة. وهو: الرماح بن أرثد بن ثوبان. # ومنهم ابن شلوة. # ومنهم ابن دارة. وهو: سالم من بني عبد الله بن غطفان. وفيه قيل: محى ~~السيف ما قال إبن دارة. وأخوه أيضا عبد الرحمن. # ومنهم ابن الطثرية. وهو يزيد بن المنتشر القشيري، وأمه من طثر، حي من ~~مهرة. # ومنهم ابن قشحم. وهو قيس بن مالك. وقشحم اسم امرأة كان يضرب بها المثل ~~لشجاعتها. # ومنهم ابن ضبة. وقيل: ابن الرعلاء. وما أدري الرعلاء اسم أمه أم أبيه، ~~لأنه لم يعرف الأب. # ومنهم ابن الدمينة. # ومنهم ابن غزالة. # ومنهمخ ابن الطيفان. وهو من دارم. ### | فصل من نسب إلى أبيه من الشعراء # ابن قرنبل. # ابن الظرب. # وابن الخرج. # وابن جذل الطعان. # وابن العجلان: وهو عبد الله بن عجلان العاشق. # وابن هرمة: وهو إبراهيم. # وابن الرقاع العاملي. # وابن مقبل: وهو تميم بن ابي بن مقبل. ### | أسماء المعرقين من الشعراء # والمعرق من الشعراء من توالى له خمسة أو أقل أو أكثر، كلهم يقولون الشعر. ~~فإذا كثروا حتى يكونوا أخوة، ولهم أولاد وأخوات وآباء كلهم يقول الشعر، قيل ~~لهم: بيت. قال الحسن البصري: إن أمرء لا يعد بينه وبين آدم عليه السلام أبا ~~حيا لمعرق له في الموت. وتقول العرب: إن فلانا لمعرق له في الحسب والكرم أو ~~اللؤم. ويقال: إن فلانا لمعرق له في القتل، إذا توالت له آباء كلهم قتلوا، ~~مثل عبد الله ومصعب إبني الزبير بن العوام. قل عبد الله ومصعب إبنا الزبير ~~يوم ذات نكيف، وقتل العوام يوم الفجار، وقتل الزبير يوم الجمل، وقتل مصعب ~~وابنه بالعراق، وقتل عبد الله بمكة. فعبد الله معرق له في القتل. وكذلك علي ~~بن الحسين بن علي عليهم السلام. ### | ### | ومن الشعراء المعرقين # # العوام بن المضرب، وهو عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى. كل هؤلاء شعراء ~~خمسة في نسق، وبينهم من إخوتهم وأولادهم ms013 شعراء أيضا. فالعوام معرق، وأبو ~~سلمى بيت. ### | نسب أبي سلمى ### | ومن قال الشعر من ولده، وولد ولده، وولد ولد ولده # وذكر ما يستدل ببعض أشعارهم عليهم أبو سلمى: اسمه ربيعة بن رياح بن قرط ~~بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن ثور. كان أبوو سلمى يقول الشعر، وابناه زهير ~~وأوس، وابنته خنساء. ومن ولد زهير: بجير وكعب. ومن ولد كعب عقبة. ومن ولد ~~عقبة شبيب والعوام وسيف. فالعوام هو الشاعر من ولد عقبة. وزهير وكعب هما ~~الشاعران المذكوران. فمن شعر أبي سلمى، رواه حماد الراوية، وإن كان ضعيفا: # PageV01P007 # ولنا بقدس فالبقيع إلى اللوى ... رجع إذا لهث السبنتي الوالغ # واد، قرار ماؤه ونباته ... ترعى المخاض به، وواد فارغ # صعد نحرز أهلنا بفروعه ... فيه لنا حرز، وعيش رافغ # الرجع: المطر، والسبنتي: النمر، والرافغ: المخصب. # ومن شعر أوس، حيث عرض عليه الإسلام فأبى، رواه أيضا حماد الراوية: # أحسبتني في الدين تابعة ... أولو حللت على بني سهم # منعوا الخزاية عن بيوتهم ... بأسنة وصفائح خذم # ولقد غدوت على القنيص بسابح ... مثل الوذيلة جرشع لأم # قيد الأوابد، ما يغيبها ... كالسيد لا ضرج، ولا قحم # ومن شعر خنساء بنت زهير: # ولا يغني توق المرء شيئا ... ولا عقد التميم، ولا الغضار # إذا لاقى منيته، فأمسى ... يساق به، وقد حق الحذار # ولاقاه من الأيام يوم ... كما من قبل لم يخلد قدار # فأما زهير فأحد فحول الجاهلية. وفحولها أربعة: امرؤ القيس، والنابغة، ~~وزهير، والأعشى. وبالإسناد عن عبد الله الليثي قال: قال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه، في مسيره إلى الجابية: أين ابن عباس؟ قال ابن عباس: فأتيته، فشكا ~~تخلف علي عنه، قال: اولم يعتذر إليك؟ قال: بلى قلت: فهو ما اعتذر به. ثم ~~قال: أما إن أول من ريثكم عن هذا الأمر أبو بكر، إن قومكم كرهوا لكم ~~الخلافة مع النبوة. فقلت: لم؟ ألم تكن خيرا لهم؟ قال: بلى، لكنهم لو فعلوا ~~كنتم عليهم جخفا، جخفا، جخفا، وهو الفخر والبذخ والتطاول، ثم قال: هل تروي ~~لشاعر السو شيئا؟ قلت: ms014 ومن هو؟ قال: الذي يقول: # ولو أن حمدا يخلد الناس خلدوا ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد # قلت: ذاك زهير، قال: فهو شاعر الشعراء، قلت: وبم كان ذلك؟ قال: كان لا ~~يعاظل بين الكلام، ولا يتبع وحشية، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال. ~~وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل ابن عباس عن أشعر العرب، فقال: ~~زهير، فقال: بم؟ فقال: بقوله: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم، قعدوا # قوم، سنان أبوهم حين تنسبهم ... طابوا، وطاب من الأولاد ما ولدوا # محسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ما له حسدوا # ومما يتمثل به من شعر زهير: # ومن يغترب يحسب عدوا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم # ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره، ومن لا يتق الشتم يشتم # ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهد، ومن لا يظلم الناس يظلم # ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب، ويوطأ بمنسم # ومن هاب أسباب المنية يلقها ... ولو رام أسباب السماء بسلم # ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يعفها يوما من الذل يسأم # وهذه أبيات يفضلها الرواة، ويكثرون التمثيل بها. ومعنى قوله: ومن لا يظلم ~~الناس يظلم. # فلاؤها هنا صلة، مثل قول الآخر: والطيبان أبو بكر، ولا عمر. # فلا: صلة زائدة. وقول الآخر: من ير يوما ير به. # وقول الآخر: من لم يكن ذئبا أكلته الكلاب. # إستذأب الناس، فمن لم يكن ... في الناس ذئبا أكلته الذئاب # وأما بجير وكعب ابنا زهير، قال محمد بن سلام: قلت لخلف الأحمر: بلغني أنك ~~تقول: كعب أشعر من زهير! قال: لولا أبيات مديح لزهير كبر أمرهن لقلت ذاك: ~~وكان أخوه بجير أسلم قبله، فشهد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتح ~~مكة، وقال في ذلك: # منحناهم بسبع من سليم ... وألف من بني عثمان واف # فرحنا، والجياد تجول فيهم ... بأرماح مثقفة خفاف # وفي أكنافهم طعن وضرب ... ورشق بالمريشة الخفاف # وشهد أيضا حنينا، وكان من ms015 خيار المسلمين، وقال في ذلك: # وجلنا جولة، ثم ارعوينا ... فأمكنا لمن حضر الجلادا # وقيل: خرج كعب وبجير إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال كعب لبجير: الق ~~هذا الرجل، وانظر ما يقول. فتقدم بجير فأسلم. فبلغ ذلك أخاه كعبا، فقال: # ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... على أي شيء ويب غيرك دلكا # PageV01P008 # على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه، ولم تدرك عليه أخا لكا # سقاك أبو بكر بكأس روية ... وأنهلك المأمور منها، وعلكا # فبلغت أبياته رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأهدر دمه. فكتب إليه بجير ~~بذلك، وقال له: إنه من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قبل ~~منه، وأسقط ما صدر منه. فأقبل كعب حتى دخل المسجد، فجلس بين يدي رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، وقال: الأمان، فقال: من أنت؟ فقال: كعب بن زهير: فقال: ~~أنت الذي تقول، وسأل أبا بكر عما قال، فأنشد البيت، فقال النبي، صلى الله ~~عليه وسلم: مأمون والله. وفي رواية أخرى أن كعبا أتى أبا بكر فعرفه نفسه، ~~فأتى أبو بكر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: رجل يبايعك على ~~الإسلام، فبسط يده، فقال كعب بأبي أنت مكان العائذ بك، أنا كعب. فتجهمته ~~الأنصار، وغلظت عليه، لما كان ذكر به النبي، عليه السلام. فأنشد النبي، صلى ~~الله عليه وسلم قصيدته المشهورة: # بانت سعاد فقلبي، اليوم، متبول # حتى بلغ إلى قوله: # نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول # وقال كل خليل كنت آمله ... لا ألهينك أني عنك مشغول # فقلت: خلوا سبيلي لا أبالكم ... فكل ما وعد الرحمن مفعول # كل ابن أنثى، وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول # إن الرسول لسيف يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول # في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة، لما أسلموا، زولوا # زالوا، فما زال إنكاس ولا كشف ... عند اللقاء، ولا خور معازيل # لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما بهم عن حياض الموت تهليل # فنظر النبي، عليه ms016 السلام، إلى من عنده من قريش، كأنه يومئ إليهم أن ~~اسمعوا، حتى قال: # يمشون مشي الجمال الزهر، يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل # يعرض بالأنصار. فأنكرت قريش ما قال، وقالوا: لم تمدحنا إذا هجوتهم. فقال: # من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالح الأنصار # الباذلين نفوسهم لنبيهم ... عند الهياج وسطوة الجبار # والضاربين الناس عن أديانهم ... بالمشرفي، وبالقنا الخطار # صدموا الكتيبة يوم بدر، صدمة ... ذلت لوقعتها رقاب نزار # فكساه النبي، صلى الله عليه وسلم، بردة، اشتراها معاوية بعد ذلك بمال ~~كثير. فهي البردة التي كانت يلبسها الخلفاء في العيدين. # وكان الحطيأة راوية لزهير وآل زهير، فقال يوما لكعب: قد عرفت انقطاعي ~~إليكم أهل البيت، وقد ذهبت الفحولو غيرك وغيري، فول قلت شعرا تذكر فيه نفسك ~~وتضعني معك موضعا، فقال: # فمن للقوافي شانها من يحوكها ... إذا ما ثوى كعب، وفوز جرول # كفيتك لا تلقى من الناس واحدا ... تنخل منها مثلما يتنخل # فاعترضه مزرد أخو الشماخ فقال: # باستك إذ خلفتني خلف شاعر ... من الناس لم أكفي، ولم أتنخل # فلست كحسان الحسام بن ثابت ... ولست كشماخ، ولا كالمنخل # وكذلك يقول الكميت في آخر قصيدته: # فما ضرها أن كعبا ثوى ... وفوز من بعده جرول # ومن جيد شعر كعب قوله: # لأي زمان يخبأ المرء نفعها ... غدا، فغدا والدهر غاد ورائح # إذا المرء لم ينفعك حيا، فنفعه ... أقل إذا رصت عليه الصفائح # أخذه أبو العتاهية فقال: # إني رأيتك للدنيا وزينتها ... وما أريدك يوم الدين للدين # وأما العوام بن عقبة بن كعب بن زهير فما اختير من شعره من قصيدة كثيرة ~~المحاسن، وهي قوله: # فوالله ما أدري إذا أنا جئتها ... أأبرئها من دائها، أم أزيدها # فلم يبقض يا سوداء نتئ أحبه ... وإن بقيت أعلام أرض، وبيدها # سوى نظرة من شبه سوداء إذ بدا ... لعيني من أم الغزالة جيدها # لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى ... على كبدي نارا، بطيئا خمودها # فلو تركت نار الهوى لتضرمت ... ولكن توقا، كل يوم، يزيدها # وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ms017 ... إذا قدمت أيامها وعهودها # PageV01P009 # فقد حملت في حبة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها # من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما قضت أحدوثة، لو تعيدها # حصان من السوءات للشمس وجهها ... وللريم منها محجراها وجيدها # مرتجة الأطراف، هيف خصورها ... عذاب ثناياها، عجاف قيودها # وصفر تراقيها، وحمر أكفها ... وسود نواصيها، وبيض خدودها # مثقلة الأرداف زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها # خليلي إني اليوم شاك إليكما ... وهل تنفع الشكوى إلى من يزيدها # حزازات شوق في الفؤاد، وعبرة ... أظل بأطراف البنان أذودها # وتحت مجال الصدر حر بلابل ... من الشوق لا يدعى لخطب وليدها # نظرت إليها نظرة ما يسرني ... بها حمر أنعام البلاد وسودها # إذا جئتها وسط النساء منحتها ... صدودا، كأن النفس ليست تريدها # ولي نظرة بعد الصدود من الهوى ... كنظرة ثكلى قد أصيب وحيدها # رفعت عن الدنيا المنى غير وجهها ... فلا أسال الدنيا، ولا أستزيدها # وهذه الأبيات اخترتها من القصيدة، ومما أطربني، حفظتها فلم أسمع ألطف ~~منها ومن ألفاظها الرقيقة، والمعاني الجزلة الرقيقة. ### | ومن الشعراء المعرقين # فاطمة ويزيد ابنا سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. وهؤلاء كلهم شعراء ~~مشهورون، سوى ثابت فإن شعره ضعيف، ليس هو مما يثبت، إنما له البيت ~~والبيتان، فمن ذلك قوله: # ورثنا من البهلول عمرو بن عامر ... وحارثة الغطريف مجدا مؤثلا # مواريث من أبناء بنت أبن مالك ... وبنت أبن إسماعيل، ما أن تحولا # وابنته خولة بنت ثابت. وحسان بن ثابت عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي ~~الإسلام ستين سنة، ومات في ايام معاوية. وكانت له ناصية يشدها بين عينيه، ~~وكان يضرب بلسانه أرنبة أنفه، ويكنى أبا الوليد. وأجمع الرواة أم حسانا ~~أشعر المخضرمين. والمخضرمون: من قال الشعر في الجاهلية والإسلام. وهو شاعر ~~رسول الله، وسماه الحسام. وكان شعره يبلغ من المشركين ما يبلغ السيف ~~الحسام، تى أن أحياء كثيرة اسلمت فزعا من شعره. وبذلك جاءت الأخبار الصحيحة ~~فيه، وفي عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك. ويقول رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم: " المؤمن من جاهد بيده ms018 ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ينضحو لهم ~~بالنبل ". وفي حديث آخر: " لكلام هؤلاء النفر من الأنصار أشد على قريش من ~~نضح النبل، وأن الروح لتحضرهم بالتوفيق ". # وممن أسلم من شعر حسان: الزبعري. # وقيل أشعر المسلمين ثلاثة: عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ~~ثابت. وكان عبد الله يعيرهم بالكفر، وكان كعب يخوفهم الحرب، وكان حسان يقدح ~~في أنسابهم، لأنه يعرف الأنساب معرفة جيدة. ولما ألح أبو سفيان في هجو رسول ~~الله، صلى لله عليه وسلم استأذنه ابن رواحة وكعب في هجائه فسكت. # وأما شعراء المشركين: فعمرو بن العاص، وابن الزبعري، وأبو سفيان بن ~~الحرث. وبالاسناد عن عائشة قال: لما هجا المشركون رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، قال: ألا أحد يجيب عنا؟ قالت: فدعونا عبد الله بن رواحة يعارضهم. ~~فعيرهم بالأيام والوقائع والكفر، فلم يبلغ ما يريد. قالت: فدعونا حسانا، ~~فأخرج لسانه، فضرب به أرنبة أنفه، وقال: والذي بعثك بالحق، ما أحب أن لي ~~مقولا به في معد. قال: كيف وأنا منهم؟ قال: اسلك منهم مثل الشعرة من ~~العجين. قال: يا ابا بكر: قم فعلمه تلك الصفات. قالت عائشة: فشفى وأشتفى. ~~وفي رواية أن جبرائيل عليه السلام أعان حسانا بسبعين بيتا. فهذا تأويل دعاء ~~رسول الله، صلى الله عليه: " اللهم أيد حسانا بروح القدس "، وقال له: " اهج ~~المشركين، وروح القدس معك ". وفي حديث آخر: لما وفد وفد بني تميم وضع النبي ~~صلى الله عليه لحسان منبرا فأجلسه عليه. # وفي رواية أن عمر بن الخطاب مر بحسان وهو ينشد في المسجد، فزجره ونهاه، ~~فقال: قد أنشد من كان خيرا منك، يعني رسول الله. # وقيل: إن الحارث بن عوف أتى رسول الله فقال: أجرني من شعر حسان، فلو مزج ~~البحر بشعره مزجه. # وحسان ممن وجفد على الملوك في الجاهلية، وأخذ الجوائز. ولما احتضر ~~الحطيأة قال: أبلغوا الأنصار أن أخاهم أمدح الناس، حيث يقول: # PageV01P010 # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # وقوله: # رب علم أضاعه عدم الما ... ل، ms019 وجهل غطى عليه النعيم # أخذ هذا المعنى ابن هرمة فقال: # يكاد إذا ما أبصر الكلب ضيفه ... يكلمه من حبه، وهو أعجم # ولما نظم حسان قوله: # نسود ذا المال القليل، إذا بدت ... مروءته فينا، وإن كان معدما # أعجب به، فصعد أطمة، ونادى: واصاحباه، فاجتمع قومه إليه، وقالوا: ما ~~وراءك؟ فأنشدهم البيت، فعجبوا كما عجب. # وكان لحسان بنية شاعرة لم تذكر، وقيل: إن حسانا ارق ذات ليلة، فعن له أن ~~يقول الشعر، فقال: # متاريك أذناب الأمور إذا اعترت ... أخذنا الفروع، واجتنينا أصولها # ثم أرتج عليه. فقالت له بنته: كأن قد ارتج عليك يا أبتي؟ قال: نعم. قالت: ~~فهل لك أن أجيز عنك؟ قال: وهل عندك ذاك؟ قالت: نعم، قال: فافعلي، فقالت: # مقاتيل بالمعروف، خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها # فحمي الشيخ فقال: # وقافية مثل السنان رزيتها ... تناقلت عنها افق السماء نزولها # فقالت: # يراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ونعجز عن أمثالها أن نقولها # ومن أحسن ما سمعت من غرر ابياته: # وكنت إذ ما موكب صد موكبا ... لدى الروع، يوم الروع، وحدك موكبا # أخذ هذا المعنى أبو تمام فقال: # قليلكم يربى على عدد الحصى ... وواحدكم في الأرض، لله، عسكر # ولدعبل مثل هذا: # ما شك خلق أن فارسنا له ... إقدام جيش لا يرام، لهام # وقيل: عن سانا مر بقوم يشربون الخمر فنهاهم، فقالوا: ننتهي؟ وإنما إذا ~~ذكرنا قولك نعود. فقال: وما هو؟ قالوا: # إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهن لطيب الراح الفداء # ونشربها، فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهها اللقاء # فيرغبنا ذلك في شربها. ### | ذكر عبد الرحمن بن حسان # كان أهدى المقوقس، عظكيم القبط إلى النبي، صلى الله عليه مارية، فولدت له ~~إبراهيم، ووهب لحسان سيرين، فولدت له عبد الرحمن. فبينا عبد الرحمن يلعب مع ~~الصبيان، إذ لسعه زنبور فصاح، فاقبل حسان يسعى، وقال: ما لك؟ قال: لسعني ~~زنبور كأنه برد حبرة. فضمه حسان إليه وقال: قال إبني الشعر ورب الكعبة، ~~وأسلمه إلى المكتب. فهو في المكتب يوما وقد نقم المعلم على الصبيان، فأدبهم ms020 ~~عليه، وأراد تأديبه، فقال: # الله يعلم أني كنت معتزلا # فقال المعلم: وإلا أين كنت؟ قال: # في دار يعقوب اصطاد اليعاسيبا # فبلغ حسانا، فأقبل يسعى حتى ضمه. # وكان عبد الرحمن يقول: عاش ابي مائة وعشرين سنة، وجدي ثابت مثلها وجد ابي ~~منذر مثلها، وأنا ايضا أعيش كموا عاشوا. فمات ولم يجاوز الستين سنة. # ومما وجدت من شعر عبد الرحمن: # ذممت ولم تحمد، وأدركت حاجتي ... تولى سواكم عرفها واصطناعها # أبى لك فعل الخير رأي مفند ... ونفس أضاق الله بالخير باعها # إذا ما أرادته على الخير مرة ... عصاها، وإن همت بسوء أطاعها # وله ايضا: # وإني لأمسي، ثم اصبح طاويا ... وأكرم نفسي عن دقائق المطاعم # ومن نوادر أبياته: # إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور # وله أخبار كثيرة يطول شرحها. ### | ذكر سعيد بن عبد الارحمن بن حسان # ومن شعره: # فإن البلاء مرور اللوات ... تكر على الناس بيضا وسودا # ليال تكر بأيامها ... تزيل عن أهل الجدود الجدودا # ومما وجدت من شعر فاطمة بنت سعيد: # سل الخير أهل الخير قدما، ولا تسل ... فتى ذاق طعم العيش منذ قريب # فليس يلذ الخير إلا امرؤ به ... تغذى صبيا قبل وقت مشيب # ومثله لها: # واسأل الخير، إن سألت، كريما ... لم يزل يعرف الغنى واليسارا # فقليل الكريم يكسب فخرا ... وكثير اللئيم يكسب عارا ### | ومن الشعراء المعرقين # محمد بن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية بن الخطفى. كل هؤلاء ~~شعراء معرقون، إلا عطية، فهو ضعيف، وقل ما يروى نله. وأشعر ولد جرير بلال. # PageV01P011 # وأما الخطفي فهو حذيفة بن يدر بن سلمة بن عوف، وسمي الخطفي لقوله: # وطول رحال المطي اختلفا ... يرفعن لليل إذا ما أسدفا # أعناق حيات، وهاما رجفا ... وعنقا، بعد الكلال، خيطفا # والخيطف: السريع. ومن شعر الخطفي: # عجبت لإرزاء العيي لنفسه ... وصمت الذي قد كان بالقول أعلما # وفي الصمت ستر للعيي، وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما ### | ذكر جرير ولده # وولد جرير: حرزة، وزكرياء، والصفاح، وسوادة، والثبجان، وأمهم خالدة بنت ~~سعد بن أوس. ولها يقول: ms021 # تشكت أم حرزة، ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي لقاح # وكذا يقول: # حيوا أمامة، واذركوا عهدا مضى ... قبل التفرق من شماليل النوى # وبلال، ونوح، أمهما أم حكيم بنت سعد، من أهل الري، سباها قطري بن ~~الفجاءة، فوقعت في يدي الحجاج، فوهبها لجرير، وفيها يقول: # لقد زدت أهل الري عندي ملاحة ... وحببت، أضعافا، إلي المواليا # إذا عرضت بالبين منها تعرضت ... لأم حكيم حاجة في فؤاديا # وفيها يقول: # ما استوصف الناس من شيء يروقهم ... إلا رأؤا أم نوح فوق ما وصفوا # كأنها مزنة غراء رائحة ... أو درة ما يواري ضوءها الصدف # وشعراء الاسلام اربعة: جرير، والفرزدق، والأخطل، وكثير. وسئل الأخطل عن ~~نفسه وعن جرير والفرزدق فقال: أنا أمدحهم للملوك، وأوصفهم للخمر، والفرزدق ~~أفخرنا، وجرير أهجانا وأسبنا وأسهبنا. ويقال: الفرزدق ينحت من صخر، وجرير ~~يغرف من بحر. # ومر الراعي في سفر فسمع إنسانا يغني بشعر جرير: # وعاو عوى من غير شيء رميته ... بقافية إنفاذها يقطر الدما # خروج بأفواه الرواة كأنها ... قرا هندواني، إذا هز صمما # فقال الراعي: لعن الله من يلومني إذا قلت: جرير يغلبني. # وسئل الأخطل عن جرير، فقال: دعوه، فإنه كان بلاء على من صب عليه، وما ~~أخشن ناحيته، واشرد قافيته، والله لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها، ~~والشابة على أحبابها، ولقد هزوه فوجدوه عند الهراش نابحا، ولقد قال بيتا ~~لأن أكون قلته أحب إلي مما طلعت عليه، وهو قوله: # إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس، كلهم، غضابا # ويقال: إن جريرا هاجى ثلاثين شاعرا غلبهم، وأخباره كثيرة مسموعة، وقد ~~تداولتها الألسن، فلا نذكر منها إلا لمعا، وكذا من أشعاره نذكر ما يتمثل ~~به. # ومن العجب أن أم جرير رأت في نومها كأنها ولدت جريرا، والجرير: زمام ~~النجيب، من سيور مضفورة، وكان الجرير مطويا، فجعل أهله يأخذونه فينثرونه ~~ويجعلونه قلائد في أعناق رجال لا تعرفهم. فخبرت أباه بذلك، فقال: لتلدن ~~غلاما يعد الناس بشر. فلما ولدت جريرا سألته أن تسميه جريرا، فكان منه ما ~~كان. # وقال جرير: لا يقال للشعر شعرا إلا ms022 أن يكون بعضه أخذا برقاب بعض. # وقيل لمسلم: أي الشاعرين أفضل، جرير أم الفرزدق؟ فقال: الفرزدق يبني، ~~وجرير يهدم. وقال: بيوت الشعر أربعة: فخر، ومدح، وهجاء، ونسيب. وجرير غلب ~~في هذه كلها. ويريد بالفخر قوله: # إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم، غضابا # ويريد بالمدح قوله: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمينم بطون راح # ويريد بالهجاء قوله: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت، ولا كلابا # ويريد بالنسيب قوله: # إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا، ثم لم يحيين قتلانا # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا # وقيل لبشار: من أشعر الثلاثة؟ فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة ~~تعصبت له وأفرطت فيه، وكان لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق. ولقد ~~ماتت النوار فكانوا ينوحون عليها بشعر جرير، الذي رثى به أم حرزة، وهو: # لولا الحياء لعادني استعبار ... ولزرت قبرك، والحبيب يزار # ولقد أراك كسيت أجمل منظر ... ومع الجمال سكينة ووقار # لا يلبث القرناء إن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار # وقوله: # فإن أك مجفوا فأخسر صفقتي ... وإن أك متروكا فللقوس منزع # PageV01P012 # ولست أخا ذنب فأخشى نكاله ... وإن كنت ذا ذنب فحلمك أوسع # وله أيضا: # يا أيها المولى الذي لم أبتهل ... إلا سألت له البقاء إلهي # أشكو إليك، وكيف أشكو خلتي ... إلا إليك، وأنت باب الله # وله أيضا: # غاب عنا فغاب كل سرور ... وأتانا بالبشر والترحيب # طاويا بالدنو ما نشر البع ... د علينا من الجوى والكروب # سافرا عن أسرة تخجل الشم ... س، وتخزي وجه الزمان القطوب # وله أيضا: # نم في الليل عرفها وسناها ... ووشى حليها فهب الرقيب # فخشينا الواشي فقلنا أستري ما ... نم، قال، والقول منها عجيب # هب سترت الحلي، أو ضوء وجهي ... كيف أخفي نشري، وكلي طيب # وله ايضا: # إذا كنت لا أقري الضيوف وأخرق ... وأغني كل عاف ومدقع # وإلا فبدلت القناة بمغزل ... وسرجي بخدر، واللئام ببرقع ### | ذكر أم غيلان بنت جرير # تزوج حبيب الرياحي أم غيلان. وكان لها ابن عم ms023 يدعى جعدا، قد خطبها، فأبى ~~جرير أن يزوجه. فجعل جعد وابن عم له يكنى أبا موزون يقعان في زوجها، ~~ويزعمان أنه عنين، فقال: # أصبح جعد وأبو موزون ... يرمون قسطاطي بالظنون # ما ساق خمسا قبله عنين ... يسأل في المهر ويستدين # فسمع جرير الشعر، فقال: هذا شعر أعرفه. ### | ذكر بلال بن جرير # له يرثي أباه جريرا: # إني رأيت جريرا يوم فارقنا ... أبكى ربيعة، وأختلت له مضر # بات المحامي عن الأحساب قد علموا ... والمحرز السبق لما أعظم الخطر # إما ثويت مقيما فوق رابية ... فقد مضت لك أيام لها غرر # قد كان في الحرب ليثا ذا مزابنة ... شعبا إذا استحصدت، من حربه، المرر # وكان يكوي ذوي عر فيبرئهم ... وكان يعفو كثيرا، وهو مقتدر # ورب داع دعا في الكيل أطلقه ... والخطو من قيده في الخطو مقتصر # وباب ملك نفعت النازلين به ... والباب ممن يرد الباب محتصر # فأنعى جريرا إلى الأخلاف إذ نزلوا ... وللأرامل لما أخلف المطر # ويقول جامع هذا الكتاب: إني مجب بهذه القطعة، وهذا، والله، الشعر. ### | وولد بلال عقيل # قال عقيل: سمعتني إعرابية وأنا أنشد شعرا: # وكم ليلة قد بتها غير آثم ... بمهضومة الكشحين، ريانة القلب # فقالت لي: هلا أثمت أدينا أم عنينا؟ وقال في رجل حلف يمينا كاذبة: # لا حلف يقطع حق خصم شاغب ... إلا كحلف عبيدة بن سميدع # أمضى اليمين على الغموس لجاجة ... عض الجموح على اللجام المقدع ### | وعمارة ولد عقيل بن بلال # وكان عمارة اشعر ولد جرير، وهو غزير الشعر، كثير التصرف، وأخذ عنه ابن ~~الأعرابي وابن السكيت. ومن شعره: # أرى الناس طرا حامدين لخالد ... ومأكلهم أفضت إليه صنائعه # ولن يترك الاقوام أن يحمد الفتى ... إذا كرمت أخلاقه وطبائعه # فتى أمعنت ضراؤه في عدوه ... وخصت وعمت في الصديق منافعه # فأخذ هذا المعنى أبو هفان، فمدح به ابن ابي دواد، فقال: # ما لي إلى ابن أبي دؤاد حاجة ... تحدو إليه، ولا له عندي يد # إلا يد عمت فكنت كواحد ... ممن يعين على الثناء ويسعد # نال البعيد عرفه، فشكرته ... والحر يشكر أن ينال ms024 الأبعد # وقال أيضا: # وكم قد رأينا من كهام، وجفنه ... حديد، ورث الغمد، وهو جديد # ومغتمض في العين صدق لقاؤه ... ومن مالئ للعين وهو بليد # وشبيه بهذا المعنى: # خلائق المرء في الدنيا تزينه ... ما إن يزينه طول ولا عظم # قد يخلف المرء، والمرآة معجبة ... وقد يسود الفتى في كشحه هضم # ومثله: # وقد يعجز المرء السمين عن العلى ... وقد يمنع الضيم الفتى وهو أعجف # وله وقد أسن: # كبرتث ودق العظم مني، وقني ... بني، وأجلت عن فراشي القعائد # وأصبحت أعمى لا أرى الشمس بالضحى ... تعيرني بين البيوت الولائد # وأكثر هجري أهل بيتي ومنزلي ... وبت كأني منهم متباعد # PageV01P013 # وقد كنت أغدو في رضاهم كأنني ... من الطير أقنى ينفض الطل صائد # ولن تلبث الأيام شيئا طلبته ... وسود الليالي المخلدات الجدائد # ذهبن بإسحاق الجواد مع الذي ... ببغداد صادته المنايا الصوائد # يعني إسحاق بن إبراهيم المصعبي، وكان امتدحه فوهب له خمسين ألف درهم. # وقيل لعمارة بعدما عمي: أيما أشعر أنت أبو أبو تمام؟ فقال: أبو تمام، ~~فقيل له: إنك لأشعر منه، فقال: أنا لا أجيد إلا في وصف النؤي والأثافي ~~والديار، وأبو تمام يقول: # لولا العيون، وتفاح الخدود، إذا ... ما كان يحسد أعمى من له بصر # فما اشتهيت أن أكون بصيرا إلا مذ سمعت هذا البيت. # ولعمارة لما دخل بغداد: # ترحل، فما بغداد دار إقامة ... وما عند من أضحى ببغداد طائل # محل ملوك سمنهم في أديمهم ... فكلهم من حلة المجد عاطل # إذا غطمط البحر الغطامط ماؤه ... فليس عظيما أن تفيض الجداول # قوله: سمنهم في أديمهم: كما يقال: سمنهم في عجينهم، أي ما يغذي فضلة. # وأنا أقول: قاتله الله، لو شاهد هذه الأيام المستنصرية، وهذه المواهب ~~التي عمت البرية. ولقد أجاد من قال في هذا العصر المذهب والزمان الفسيح ~~المذهب: # أقم في ذرى بغداد، تلق إمامها ... مليكا عليه للنبي دلائل # عجبت وقد أضحت أياديه أبحرا ... وليس لها إلا النوال سواحل # وفي أهل بغداد الكرام ثلاثة ... لهم محتد في المكرمات، ونائل # وزير سما فضلا، وأستاذ دارها ... حليف الندى، وابن ms025 الدوامي عادل # ثلاثة أجواد، لو أفتخرت بهم ... تميم وتيم باهلوا وتطاولوا # ولعمارة أيضا: # إذا ما سقى الله البلاد فلا سقى ... بلادا بها الميدان برقا ولا رعدا # فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... على صدر منها، كما جئتها وردا ### | ومن الشعراء المعرقين # متوج بن محمود بن مروان بن أبي الجنوب بن موان بن يحيى بن ابي حفصة، ~~واسمه يزيد. فكل هؤلاء شعراء. فمتوج معرق، وأبو حفصة بيت، ولهم من ولدهم ~~شعراء لا يحصى لهم عدد، ونذكر العمود بن أبي حفصة إلى متوج. # ومن شعر يحيى بن ابي حفصة يرثي عبد الملك بن مروان: # إن المنايا لا تغادر حاسرا ... يشي بثوبيه، ولا ذا جنه # إن المنايا لو تغادر واحدا ... كان الخليفة ناجيا منهنه # بكت المنابر يوم مات، وإنما ... تبكي المنابر فقد فارسهنه # قد كان حلمك كالجبال رزانة ... بل لو يوازنهن مال بهنه # وله حين خرج يزيد بن المهلب: # لا يصلح الناس إلا السيف إن فتنوا ... لهفي عليك ولا الحجاج للدين # لو كان حيا لحي الأزد إذ فتنوا ... لم يحص قتلاهم حسب دارين # وأما أبو السمط مروان الكبير، كان أبو عمرو الشيباني يقول: ختم الشعر ~~بمروان. ودون شعر القدماء، نفلما انتهى إلى شعر بشار لم يكتبه، واستخار ~~عليه شعر مروان. # وكان مروان أبعد المحدثين من السخف، وأصلحهم مبالغة في المدح. # فمن أحلى قصائده التي اشتهر بها، وأعلى المهدي قدره وقرب مجلسه ووفر له ~~العطاء، ولم يعط شاعر ما أعطي، فهي قوله: # طرقتك زائرة فحي خيالها ... بيضاء تخلط بالحياء دلالها # فلما أنشدها المهدي قال له: كم بيت؟ قل: مائة بيت، فأمر له بمائة ألف ~~درهم، وقال له: لو زدتنا زدناك. # ومن القصيدة: # ما زال ينصب للهواجر وجهه ... ويخوض في ظلم الدجى أهوالها # حتى إذا وردت أوائل خيله ... جيحان، بث على العدو رعالها # وقال مروان لخلف الأحمر: إسمع شعري وأصدقني عنه، قال: هات، فأنشده طرقتك ~~زائرةفحي خيالها، فلما بلغ إلى قوله: حتى إذا وردت أوائل خيله قال: لأنت ~~أشعر من الأعشى في قوله: # رحلت أميمة ms026 غدوة أجمالها # وفي هذه القصيدة يقول بالميراث للعباس: # حسدتكم ميراث أحمد عصبة ... لم ينه أهل حلومها جهالا # أسفوا لأن نال الوراثة دونهم ... عم النبي، وبالفريضة نالها # قل للذين على الخلافة شايحوا ... ليفتحوا بمناهم أفقالها # PageV01P014 # قد طال ما شغل الوراثة عنهم ... أربابها، فدعوا المنى وضلالها # كشف الكتاب عن العيون غطاءها ... وشفى الصدور، ونوره أشفى لها # شهدت، من الأنفال، آخر آية ... بتراثهم، فأردتم إبطالها # هل تطمسون من النجوم لجومها ... بأكفكم، أم تسترون هلالها # أو تسترون مقالة عن ربكم ... جبريل بلغها النبي فقالها # له في مثل ذلك: # يا ابن الذي ورث النبي محمدا ... دون الأقارب من ذوي الأرحام # الوحي بين بني البنات وبينكم ... قطع الخصام، فليس حين خصام # أنى يكون، وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام # أخذ هذا المعنى من قول طاهر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، حيث ~~يقول للطالبيين: # لو كان جدكم هناك وجدنا ... فتسارعا فيه لوقت خصام # كان التراث لجدنا من دونه ... فحواه بالقربى بالإسلام # حق البنات فريضة معلومة ... والعم أولى من بني الأعمام # وله حين سئل عن جرير والفرزدق والأخطل: # ذهب الفرزدق بالفخار، وإنما ... مر القصيد وحلوه لجرير # ولقد هجا فأمض أخطل تغلب ... وحوى النهى بمديحه المشهور # كل الثلاثة قد أبر، فمدحه ... وهجاؤه قد سار كل مسير # ولقد جريت ففت غير مقصر ... بجراء لا حصر، ولا مبهور # إني لآنف أن أجيز بمدحه ... أبدا لغير خليفة ووزير # ما ضرني حسد اللئام، ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو التقصير # وكان مروان شاعرا للهادي وللمهدي وللرشيد، وكان وصوله إلى المهدي من أطرف ~~ما يحكى. وذاك أنه قصد باب المهدي، وتمسك بوزيره يعقوب بن داود، وأقام سنة ~~لم يوصله. واتفق أن المهدي قبض على يعقوب، وبقي مروان حائرا. فهو في بعض ~~الأيام على باب المهدي إذ خرج إليه يزيد بن منصور الحميري، وقال: يا ابن ~~ابي حفصة إن أمير المؤمنين ذكرك آنفا وقال أنصرف عن بابي، ولا حاجة لي في ~~شعرك. قال: فانصرفت وأنا مغموم. ثم تذكرت رجلا كنت ms027 أشكو إليه همومي، ~~واستريح إليه، فجئته، فدلني على يزيد بن مزيد، فشكوت إليه الحال، فقال: ~~أدلك على رجل صدوق الحديث، له رقة، عساه ينفعك، فقلت: ومن هو؟ قال: الحسن ~~الحاجب. فغدوت إليه، فشكوت حالي، فقال: اعمل قصيدة، وعرض بذكر يعقوب، واهجه ~~فيها. فقلت قصيدتي التي أقول فيها: # أتاني عن المهدي قول كأنما ... به أحتز أنفي، من ذوي الضغن، جادع # فقلت، وقد خفت التي لا شوى لها ... بلا حدث: إني إلى الله راجع # فما لي إلى المهدي، إن كنت مذنبا ... سوى حلمه الضافي على الناس، شافع # هل الباب مفض بي إليك ابن هاشم ... فعذري، إن أفضى بي الباب، أوسع # أثبت أمرأ طلقته من وثاقه ... وقد أنشبت في أخدعيه الجوامع # وقال في قصيدة أخرى: # سيحشر يعقوب بن داود خائنا ... بلوح كتاب، بين عينيه كافر # خيانته المهدي أودت بذكره ... فأمسى كمن قد غيبته المقابر # بدا منك للمهدي، كالصبح ساطعا ... من الغش، ما كانت تجن الضمائر # وهل لبياض الصبح، إن لاح ضوءه ... فجاب الدجى، من ظلمة الليل ساتر # أمنزلة فوق التي كنت نلتها ... تغاطيت، لا أفلت مما تحاذر # وما زلت ترقى فوق قدرك صاعدا ... بأفكك، حتى قيل: يعقوب ساحر # قال: ثم أتيت بهما الحسن بعد يومين، ودفعتهما إليه فقال: لست واضعهما حتى ~~أضعهما في يد المهدي. ففعل ذلك، وقرأهما على المهدي. فمضيت إليه وسألته عن ~~الحال، فقال: لما قرأهما المهدي رق لك، وأمرني بإحضارك إليه، فاحضر يوم ~~الاثنين. فحضرت الباب، فخرج وقال: قد علم أمير المؤمنين مكانك، ولقد احب أن ~~يجعل لك يوما يشرفك فيه، ويشهرك، ويبلغ بك شأوا. فقلت: ومتى يكون؟ قال: يوم ~~الخميس تحضر. فحضرت، فإذا وجوه بي هاشم يدخلون. فلما غص المجلس دعاني، ~~فدخلت، فسلمت بالخلافة، فرد علي السلام، وقال: إنما حبسناك من الدخول ~~لانقطاعك إلى الفاسق يعقوب. فخدمت وافتتحت النشيد مما قلت في يعقوب. ثم ~~انشدته قولي: # PageV01P015 # طرقتك زائرة فحي خيالها # فأعجب به وقال: جزاك الله خيرا، فقلت: اشهدوا أن أمير المؤمنين دعا لي. ~~ثم أنشدته: # أعادك من ذكر الأحبة ms028 عائد # فلما صرت إلى قولي: # أيادي بني العباس بيض سوابغ ... على كل قوم باديات عوائد # هم يعدلون السمك من قبة الهدى ... كما يعدل البيت الحرام القواعد # كأن أمير المؤمنين محمدا ... برأفته بالناس، للناس والد # أشار بيده: امسك. فمسكت. ثم قال: يا بني العباس، هذا شاعركم المنقطع ~~إليكم، فأعطوه ما يسره. فقلت: فداك أبي وأمي إذا علموا رأي امير المؤمنين ~~في فذاك الفرض. فقال: إني فارض لك عليهم مالا. ففرض على ابنه موسى بخمسة ~~آلاف درهم، وعلى ابنه هارون مثلها، ثم فرض على القوم على أقدارهم، حتى فرض ~~سبعة وثلاثين ألف درهم، والربيع يكتب، فاستكثر الربيع ذلك، فقال: ولك من ~~الربيع مثل ذلك، فصار المال ستين الفا. فدعوت وشكرت وقمت بأسر ما يكون، ~~فقلت: هل لأمير المؤمنين أن يجعل هذه الصلة غير مكدرة سؤال غيره؟ قال: نعم، ~~وكتب بها توقيعا لا أحتاج فيه إلى سؤال أحد أو شفاعة. فخرجت، فلما صرت خلف ~~الستر تبعني خادم ومعه منديل فيه أربعة أثواب من أفخر الثياب، وجبة وقميص ~~من ملابسه الشريفة، وقال: ألبسوه وأعيدوه إلي. فلبست الثياب وعدت إليه. ~~فلما رآني تبسم، ودعا بطيلسان، فنشر ووضع علي بين يديه، وأمر لي بعشرة من ~~الخدم، وضيعة ساجية السواد، وخيل فبعت الضيعة لعيسى بن موسى بعشرين الف ~~درهم وفرس مكمل العدة. # ولم يزل مروان بباب المهدي حتى هلك، فقال يرثيه: # لقد أصبحت تختال في كل بلدة ... بقبر أمير المؤمنين المقابر # أتته التي ابتزت سليمان ملكه ... وألوت بذي القرنين منها البوادر # أتته فغالته المنايا، وعدله ... ومعروفه في الشرق والغرب ظاهر # فلما قام موسى الهادي ولده مدحه، وقال من جملة مدحه: # بسبعين الفا شد ظهري وراشني ... أبوك، وقد عاينت من ذاك مشهدا # وإني، أمير المؤمنين، لواثق ... بأن لا أرى شربي لديك مصردا # فلما أنشده ذلك قال: ومن يبلغ مدى المهدي؟ ولكنا نبلغ رضاك. # فعاجلت موسى منيته قبل أن يعطي مروان جائزته. فلما مات رثاه، وهنأ هارون ~~فقال: # أيا يوم الخميس ملأت حزنا ... وتبريحا قلوب المؤمنينا # خميس كان أوله ms029 بكاء ... وآخره يسر المهتدينا # لئن جاء الخميس بما كرهنا ... لقد جاء الخميس بما هوينا # أبو إسحاق مات ضحى، فمتنا ... وأمسنا بهارون حيينا # وهذا معنى مستملح. # فلما قام هارون مدحه فأجزل صلته، ومضى إلى اليمامة وعاد، فأقام بباب ~~الرشيد حتى مات سنة إحدى وثمانين، ودفن ببغداد في مقبرة نصر بن مالك. ومن ~~صلات الرشيد له مائة ألف وألف درهم. ### | ذكر مروان الأصغر # شهر مروان هذا في زامن المتوكل، وتقدم على نظرائه. وسبب ذلك أنه كان يسفه ~~رأي العلويين، الذين يخرجون على بني العباس. ولم يمدح الواثق، وإنما ~~المتوكل أرسل أحضره من اليمامة. ولما دخل على المتوكل أنشده قصيدته التي ~~منها: # أنا ابن الذي اشجى عداكم بمدحه ... وما زاركم من شاعر، بعده، مثلي # طلبتم، بني البنت، التراث بأمكم ... وذاك لكم داع إلى البتل والشكل # أبو طالب أولى بكم من محمد ... إذا نسب الأقوام، في الجد والهزل # فلما فرغ من انشادها أمر المتوكل، فنثر عليه ثلاثمائة ألف دينار، وأمره ~~بالجلوس، وأمر ولاة العهود الثلاثة: المنتصر والمعتز والمؤيد أن يلتقطوها ~~فيجعلوها في حجره. وعقد له على اليمامة والبحرين وطريق مكة. وحسدته الشعراء ~~على مكانه من المتوكل، وهجاه خلق عظيم واستبردوا شعره. فمن ذلك قول ~~الشافعي: # كز أبو السمط بأشعاره ... فصار، من إنشاده، ميتا # فمن أراد الموت مستصلحا ... فليرو، من أشعاره، بيتا # وللجماز فيه: # رأينا البرد مشتدا ... فسائلت عن القصه # فقالوا: إنما أنش ... د شعر ابن أبي حفصه # وهجاه البحتري وعلي بن الجهم، بسبب أنه كان يعرض بذكر علي وولديه عليهم ~~السلام فمما هجاه به البحتري: # PageV01P016 # ولو أعطاك ربك ما تمنى ... عليه، لزاد في عظم الأمور # لأية علة تهجو عليا ... بما لفقت من كذب وزور # أمالك في استك الوجعاء شغل ... بكفك عن أذى أهل القبور # وأما علي بن الجهم، فكان يهجوه أبو السمط، وابن الجهم يصون نفسه عن ~~هجائه، غير أنه كان يضع من يهجوه. ولما مدح ابن الجهم المتوكل بقصيدته التي ~~أولها: # الله أكبر، والنبي محمد ... والحق أبلج، والخليفة جعفر # قال ابو السمط: # أراد ms030 علي أن يحوك قصيدة ... بمدح أمير المؤمنين، فأذنا # فقلت له: أذنت سرا، فلا تقم ... فلست على طهر، فقال: ولا أنا # فلما لح في الهجاء لعلي قال فيه: # بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين # يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون # وكان لأبي السمط ولد يقال له محمود وقد ذكرناه في النسبة، أعطاه المتوكل ~~موضع أبيه، فقال في ذلك: # قد بارك الله في شعري وشعر أبي ... والله من على أهل اليمامة بي # قد بارك الله في شعر، وليت به ... طرق الحجيج، وولاني على العرب # أنا المؤدب حقا، إنما أدبي ... ضرب الرقاب، وليس السوط من أدبي # كم من فوارس قوم قد تركتهم ... بالمشرفية فرسانا على الخشب # تلقى اللصوص على الأقتاب مقعية ... ومن فلحت به أقعى على الذنب ### | ذكر متوج بن محمود بن مروان بن أبي الجنوب بن مروان # قال يمدح الموفق، ويصف قتل العلوي، وكيف صار الجند إليه في المراكب: # ولما أقاموا البحر خندق خصمهم ... وظنوا بأن البحر مركبه صعب # أقمت الشذا خيلا، وسرت إليهم ... عليها، كأن البحر مسلكه سهب # خيول يحل الماء مدة عمرها ... وليس لها أكل، وليس لها شرب # إذا أسرجوها يركبون بطونها ... فما إن لها لجم، وما إن لها ركب # تسير مكانا تعجز الخيل سيره ... وما عندها خطو، وما عندها وثب # إذا عطفوها في ليال تعطفت ... وإن عطفت بالضرب، لم يثنها الضرب # فتجري، وبين الجو والأرض جريها ... وإن باشرت أرضا فحينئذ تكبو # قطعت عليها البحر، والبحر زاخر ... وقد سفرت للموت، عن وجهها، النقب # بفتيان إقدام وفتك، كأنما ... لكل فتى في كل جارحة قلب # وهذا بيت نادر، وهو مأخوذ من قول من قال: # فمروا وكل مسمئت كأنه ... إلى أن يلاقي حتف ميتته صب # ثم قال: # فدارت كؤوس الموت فيهم كأنما ... كؤوس مناياهم لهم مشرب عذب # فما رجعوا إلا برأس عميدهم ... قد اقتضبته منه هندية قضب # فإن كان قلب للقناة فقد غدت ... قناتك فيها رأسه، أبدا، قلب # وإن كان للأفلاك قطب يقيمها ... فللأرض أنتم، في ms031 خلافتكم، قطب ### | ذكر من قال الشعر من ولد ابن ابي حفصة # منهم إدريس. له يرثي إسحق بن إبراهيم الموصلي: # سقى الله يا ابن الموصلي بوابل ... من الغيث قبرا أنت فيه مقيم # ذهبت فأوحشت الكرام، فما يني ... بعبرته يبكي عليك كريم # إلى الله أشكو فقد إسحق إنني ... وإن كنت شيخا، بالعراق يتيم # وله أيضا: # قد تولى النهار، واشتبك اللي ... ل، خليلي، فاشربا واسقياني # قهوة تترك الفقير غنيا ... حسن الظن، واثقا بالزمان # ومنهم محمد بن إدريس "، وكان له شعر فيه تعسف. ومنه: # لما زمخنا، دون فهر، زمخا # زخ بنا الله الأعادي زخا # فلم ندع من جمع قوم قلخا # إلا ملخنا الرأس منه ملخا # رست أواخي مجدنا ولخا # في الأرض حتى لم نجد مصخا # بنى لنا عادية لا تلخا # عزا قداميا، ومجدا بلخا # لو زاحما دمخا أزالا دمخا # إن لنا وبلا وسيلا جلخا # وعددا جم الحصى وبذخا # نشدخ منهم، من أردنا، شدخا # ولو نفخنا الناس طاروا نفخا # PageV01P017 # ومنهم آمنة بنت الوليد بن يحيى بن أبي حفصة. كانت زوجة مروان بن سليمان، ~~وهي أم أبي الجنوب والسمط، فبلغها أن معن بن زائدة وهب لمروان زوجها جارية، ~~فتسراها، وقد كان حلف لها مروان أنه لا يتخذ صاحبة حتى يرجع إليها، فكتبت ~~إليه: # أبا السمط إن كانت أحاديثك التي ... أتتنا يقينا، فاثبت، الدهر، في اليمن # حلفت بأيمان غلاظ، فخنتنا ... ولو كنت تخشى الله، بالغيب، لم تخن # وكان سبب هذه الجارية أنه لما قدم على معن بن زائدة اليمن، وأحسن قراه، ~~وأكرم مثواه، واجزل صلته، طلب المقام عنده. فلما طال عليه المقام كتب إليه: # من مبلغ معنا، حليف المجد ... أني من الليل أبيت وحدي # أبيت كالسيف الحسام الفرد ... لا خود، إلا ما حلمت، عندي # كل يواري سيفه في غمد ... أحلف بالله يمين الجهد # ما مس جلدا، مذ قدمت، جلدي ... إلا منى، في مرقدي، لا تجدي # ويروى عن أبي السمط أنه قال: دخلت على الأمير عبد الله بن طاهر، فقال لي: ~~إني بت البارحة قلقا أرقا بتذكري ذا ms032 اليمينين، فارثه لي في مقامك هذا ~~بأبيات تجعل لي لذكره طريقا سهلا. فوقفت ساعة، ثم قلت: # إن المكارم إذ تولى طاهر ... قطع الزمان يمينها وشمالها # إن المنايا لو يبارز طاهرا ... لاقت، بوقع سيوفه، آجالها # أرسى عماد خلافة من هاشم ... ورمى عماد خلافة، فأزالها # بكت الأسنة طاهرا، لما رأت ... روى النجيع بسيفه أنهالها # ليت المنون تجانفت من طاهر ... ولوت بذورة من تشاجى لها # ما كنت، لو سلمت يمينا طاهر ... أرزا، ولا أسل الحواث ما لها # فأمر لي بخمسة آلاف درهم، وقال: ربحنا عليك وخسرت علينا. وثم اعطاه في ~~اليوم الثاني مثلها، ثم في اليوم الثالث. # وله أيضا: # يقول أناس: إن مروا بعيدة ... وما بعدت مرو، وفيها ابن طاهر # وأبعد من مرو أناس نراهم ... بحضرتنا، معروفهم غير حاضر # عن العرف موتى، ما تبالي أزرتهم ... على أمل، أم زرت أهل المقابر # والبيت الأول كما قال أبو نواس: # واستبعدت مصر، وما بعدت ... أرض يحل بها أبو نصر # ولقد وصلت بك الرجاء، ولي ... مندوحة، لو شئت، عن مصر ### | ومن الشعراء المحدثين الذين هم بيت # رزين بن سليمان بن تميم بن نهشود بن خراش بن خالد بن عبد بن دعبل بن أنس ~~بن خزيمة بن مازن بن الحارث. منهم علي بن رزين، ودعبل بن علي، ورزين بن ~~علي، وأبو الشيص محمد بن عبد الله بن رزين، وعبد الله بن أبي الشيص، والحسن ~~بن دعبل. # فأما علي بن رزين فهو مقل من الشعر. ومن شعره: # قد قلت، لما رأيت الموت يطلبني ... يا ليتني درهم في كيس مياح # وأما رزين بن علي فمقل أيضا. أنشد له أخوه دعبل: # أغرى بني جعفر بي أن أمهم ... كانت تلم برحلي حين تغتلم # قوم إذا فزعوا، أو نالهم حدث ... كانت خصومهم الأعراض والحرم ### | ذكر دعبل بن علي بن رزين # دعبل أكثر القوم شعرا، هو وأبو الشيص بحران. واسم دعبل محمد ودعبل لقب، ~~يقال: هو الناقة الهرمة. وقل أحمد بن يحيى: إنه مشتق من الدعابة، أو الناقة ~~السمينة. وكان دعبل، مع جودة شعره ms033 وفخامة لفظه، رجلا ذا همة ونبل في نفسه، ~~ويهجو من الخلفاء فما دون، وكان شعره أكثر من شعر نظرائه. وقيل: كان عند ~~ولده الحسين من شعره ستة مجلدات ضخمة، في كل مجلد ثلاثمائة ورقة، وشعره ~~قليل السقط. وسئل عبد الله بن مسلم عن جيد شعره، فقال: القصيدة القديمة ~~قوله: # أفيقي من ملامك يا ظعينا # وهي القصيدة التي يرد فيها على الكميت، في قصيدته التي يقول فيها: # ألا حييت عنا يا مدينا # وكان دعبل عالما بصيرا بالغريب والأخبار وأيام العرب، وشعره يدل على ذلك. ~~وكان معاصرا لأبي نواس ومسلم. وقال دعبل: اجتمعت أنا وأبو الشيص ومسلم وأبو ~~نواس في مجلس، فقال لنا أبو نواس: إن مجلسنا هذا قد شهر باجتماعنا فيه، ولا ~~بد للناس أن يسألوا على ما انعقد وعلى ما انحل، فليأت كل امرئ بأحسن ما ~~قاله. فأنشد أبو الشيص: # PageV01P018 # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه، ولا متقدم # وأهنتني، فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن أكرم # أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك، فليلمني اللوم # فجعل أبو نواس يعجب من حسن الشعر. فأنشد مسلم من شعره: # موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل # تكسو السيوف نفوس الناكثين به ... وتجعل الروس تيجان القنا الذبل # فقال أبو نواس: هذا الشعر الذي لم يقل قبلك مثله ولا يقول بعدك. ثم قال ~~له: كأني بك وقد جئتنا بواسطة عقدك. وانشد دعبل: # لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى # أين الشباب؟ وأية سلكا؟ ... لا أين يطلب؟ ضل، بل هلكا # قصر الغواية عن هوى قمر ... وجد السبيل إليه مشتركا # فقال: كأنك كنت في نفسي. فسألناه أن ينشد، فأنشد: # لا تبك ليلى، ولا تطرب إلى هند ... وأشرب على الورد من حمراء كالورد # كأسا إذا انحدرت من حلق شاربها ... أحذته حمرتها في العين والخد # فالخمر ياقوتة، والكأس لؤلؤة ... من كف لؤلؤة، ممشوقة القد # تسقيك من عينها سحرا، ومن يدها ... سكرا، فما لك من سكرين من ms034 بد # لي نشوتان، وللندمان واحدة ... شيء خصصت به، من دونهم، وحدي # فقمنا، فسجدنا له، فقال: افعلتموها؟ والله لا كلمتكم ثلاثا، وثلاثا، ~~وثلاثا. # ومع ما ذكرنا من غزارة شعر دعبل، فيحسن أن نذكر له الأبيات التي تحتوي ~~على الأمثال، أو تصلح للمذاكرة. فمن شعره إلى المأمون: # أيسومني المأمون خطة عاجز ... أوما رأى، بالأمس، رأس محمد؟ # نوفي على هام الخلائف مثلما ... توفي الجبال على رؤوس القردد # ونحل في أكناف كل ممنع ... حتى نذلل شاهقا لم يصعد # إني من القوم الذين هم هم ... قتلوا أخاك، وشرفوك بمقعد # شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد # كم من كريم قبله، وخليفة ... أضحى لنا دمه لذيذ المقصد # مثل ابن عثمان، ومثل وليدهم ... أو مثل مروان، ومثل محمد # وإنما فخر برأس محمد لأن طاهر بن الحسين قتله، وطاهر مولى خزاعة، وكان ~~جده زريق مولى عبد الله بن خلف الخزاعي، وهو أبو طلحة الطلحات، وعثمان سارت ~~إليه اليمانية من مضر، والوليد قتله يزيد بن خالد القسري، ومروان قتله عامر ~~بن إسماعيل. # وقال قتم بن جعفر بن سليمان: بينا أنا في مجلس المأمون، إذ جرى ذكر دعبل، ~~فقال إبراهيم بن المهدي: يا أمير المؤمنين اقطع لسانه واضرب عنقه، قال: ~~ولم؟ قال: لأنه هجاك، قال: وإن هجاني فما أباح الله دمه بهجائي. فقال بعض ~~من حضر: يا أمير المؤمنين، إنه قد هجا إبراهيم، قال: بماذا؟ فأنشده: # أنى يكون، ولا يكون، ولم يكن ... يرث الخلافة فاسق عن فاسق # إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن، من بعده، لمخارق # فقال المأمون: حسبك. ثم قال: يا ثابت، هل تحفظ ما هجاني به، فقلت: لا ~~والله، فقال: لا بد أن تجيئني بما هجاني به، وإلا رأيت مني ما تكره، وأنا ~~مقيم على ذلك. قال: فانصرفت ولم تكن لي همة إلا تحصيل شيء من ذلك، فحصلت لي ~~القطعة الدالية، فكتبتها في رقعة، وجئت بها، فنظرها وهي بين إصبعي، فقال ~~لي: هذه الورقة حاجة ذاك الرجل؟ فقلت: نعم، فاخذها وقرأها وكررها، ثم لما ~~وصل إلى ms035 قوله: # شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد # قال: يا قوم، رأيتم أظلم من دعبل؟ ومتى رآني هذا الحضيض، وأنا رضيع ~~الخلافة، وما زلت منذ نشأت خليفة، إلا أن القدر صدفها تلك المدة، وكنت مالك ~~البلاد. ثم القى القرطاس، وقال: شأنك، فقد علمنا ما فيه. # وحدث محمد بن موسى الحمال، قال: رأيت دعبلا عند خشبة بابك، وهو واقف، ~~فقلت: ما تصنع يا ابا علي، فأنشد: # الحمد لله لا صبر ولا جلد ... ولا رقاد، إذا أهل الهوى، رقدوا # خليفة مات لم يحزن له أحد ... وآخر قام لم يفرح به أحد # قد مر هذا، فمر الشؤم يتبعه ... وقام هذا، فقام الشؤم والنكد # PageV01P019 # عني بما قاله: أن المعتصم مات، وقام الواثق. فقلت: يا هذا أمسك عليك ~~لسانك، فكأني اراك سوف تجني على نفسك جناية، فقال: دعني، فأني أتصدق من ربي ~~خشبة أصلب عليها من عشرين سنة، فما جاد لي بها. ولما قتل الواثق أحمد بن ~~نصر بن مالك الخزاعي وصلبه، قال دعبل: # بني مالك صونوا الجفون عن الكرى ... ولا ترقدوا بعد ابن نصر بن مالك # فقد حملته للقبور مطية ... أنافت بهاديه على شخص بابك # وسلوا من الأجفان كل مهند ... بصير بضرب للطلى متدارك # يقوم به للهاشميات مأتم ... له ضجة يبكي بها كل ضاحك # تذكرهم قتلى ببدر تنوشهم ... سباع وطير من سباع بوارك # كما فتكت أسيافهم بمحمد ... وهدت مباني عرشه المتماسك # فطل دم المخلوع، وانتهكت له ... ذخائر من منقوشة، وسبائك # فأن غص هارون بجرعة عمه ... فأيسر مفقود، وأهون هالك # وله أيضا: # نعوني، ولما ينعني غير حاسد ... وغير عدو قد أصيبت مقاتله # يقولون: إن لاقى الردى مات شعره ... وهيهات عمر الشعر طالت طوائله # وهب شعره، إن مات، مات فأين ما ... تحمله الراوون والخط حابله؟ # سأقضي ببيت يحمد الناس صدقه ... ويكثر من أهل الرواية ناقله # يموت رديء الشعر من قبل موته ... وجيده يبقى، وإن مات قائله # ومن معاني دعبل، وإن كانت موجودة، قوله: # وإذا حلمت فأعط حلمك كنهه ... مستأنيا، وإذا كويت فأنضج # وإذا التمست ms036 دخول أمر فالتمس ... من قبل مدخله سبيل المخرج # ومنه قوله: # فلا تحسد الكلب أكل العظام ... فعند الخراءة ما ترحمه # تراه وشيكا تشكى آسته ... كلوما جناها عليه فمه # إذا ما أهان امرؤ نفسه ... فلا أكرم الله من يكرمه # وأول هذا المعنى لحاتم في قوله: # ونفسك أكرمها، فإنك إن تهن ... عليك، فلن تلقى لها، الدهر، مكرما # وقال زهير: # ومن لا يكرم نفسه لا يكرم # ومثل ذلك: # وكان غني النفس أيام فقره ... فصار فقيرا في الغنى، خيفة الفقر # بخلت بما آتاك ربك خيفة ... من العسر، ويك الآن صرت إلى العسر # ولابن عباد المهلبي: # تجود بالمال على وارث ... ولا ترى أهلا له نفسكا # قدم حسن الظن بالله من ... جاد، وأخطا الظن من أمسكا # وله أيضا: # فأقسمت: لا عن جفوة، لا ولا قلى ... ولا ملل أبطأت عنك أبا بكر # ولكنني لما رأيتك زائرا ... فأفرطت في بري، عجزت عن الشكر # فملآن لا آتيك إلا مسلما ... أسلم في الشهرين يوما، وفي الشهر # فان زدتني برا تزيدت جفوة ... فلا نلتقي، طول الحياة، إلى الحشر # المعنى مأخوذ من أبي نؤاس: # قد قلت للعباس معتذرا ... من ضعف شكريه، ومعترفا # أنت امرؤ جللتني نعما ... أوهت قوى شكري، فقد ضعفا # لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # وقال البحتري: # أخجلتني بندى يديك، فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء # صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجبا، وبر راح وهو جفاء # وقيل في صفة جولان القوافي: # ألست إذا ما قلت بيتا تناوحت ... به الريح في شرقيها والمغارب # يقصر للسارين من ليلة السرى ... ويغدى عليه بالقيان الضوارب # ولدعبل في المعنى: # من كل عابرة إذا وجهتها ... طلعت بها الركبان كل نجاد # طورا يمثلها الملوك، وتارة ... بين الثدي تراض والأكباد # ولمروان بن أبي حفصة: # إني أقول قصائدا جوالة ... أبدا تجول خوالعا أرسانها # من كل قافية إذا أجريتها ... جمحت، فلم تملك يداي عنانها # ولبشار: # ومثلك قد سيرته بقصيدة ... فسار، ولم يبرح عراص المنازل # رميت بها شرقا وغربا فأصبحت ... به الأرض ملآى من مقيم وراحل # وما أحسن ms037 قول ابن حازم: # PageV01P020 # أبى لي أن أطيل الشعر قصدي ... إلى المعنى، وعلمي بالصواب # فأبعثهن أربعة وستا ... مثقفة بألفاظ عذاب # وهن إذا وسمت بهن قوما ... كأطواق الحمائم في الرقاب # وهن إذا أقمن مسافرات ... تهاداها الرواة مع الركاب # وقول البحتري: # وأنا الذي أوضحت غير مدافع ... نهج القوافي، وهي رسم دارس # وشهرت في شرق البلاد وغربها ... فكأنني في كل ناد جالس # ولبعضهم: # فلا تبعدني من نداك فإن لي ... لسانا ملا الدنيا، وأنت ابن خالد # وكان دعبل صاحبا للفضل بن العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن عقبة، ~~مكلم الذئب الخزاعي، وغزا كابل وافتتحها، ودعبل يدل عليه لأنه أدبه، فعاتبه ~~في جملة قصيدة، قال: # ألا أيها القطاع هل أنت عارف ... لنا حرمة، أم قد نكرت التحرما # فهلا بطوس، والبلاد حميدة ... تعول الليالي والمطي المرسما # وأسلمتني من بعد ما صوح الكلا ... وغاضت بقايا الحسي، والمزن أنجما # ستعلم إن راجعت نفسك أوسخت ... عن الضف يوما: أينا كان ألوما # قال دعبل الخزاعي: حججت أنا وأخي رزين، وأخذنا كتبا إلى المطلب، صاحب ~~مصر، فصرنا من مكة إلى مصر، فصحبنا رجل يعرف بأحمد بن السراج، ما زال ~~يحدثنا ويؤنسنا ويتولى خدمتنا، وكان شاعرا، وكتمنا نفسه. # فعرضنا عليه أن يقول في المطلب قصيدة ننحله إياها، فقال: إن شئتم. فعملنا ~~له قصيدة، فلما دخلنا إلى المطلب وأوصلنا إليه الكتب التي كانت معنا، ~~وأنشدنا ووصفنا له أحمد بن السراج، فأذن له، ونحن نظن أن سينشده القصيدة ~~التي نحلناه إياها. فلما مثل بين يديه عدل عنها وأنشده: # لم آت مطلبا إلا لمطلب ... وهمة بلغت بي غاية الرتب # أفردته برجائي أن تشاركه ... في الوسائل، أو ألقاه بالكتب # رحلت عنسي إلى البيت الحرام على ... ما كان من نصب فيها، ومن وصب # ألقى بها وبوجهي كل هاجرة ... تكاد تقدح بين الجلد والعصب # حتى إذا ما قضت حاجا ثنيت لها ... عطف الزمام فأمت سيد العرب # فيممتك وقد ذابت مفاصلها ... من طول ما تعب لاقت ومن نصب # إني استجرت بأستارين مستلما ... ركنين: مطلبا والبيت ذا الحجب # فذاك ms038 للأجل المرجو آمله ... وأنت للعاجل المرجو والطلب # هذا ثنائي، وهذي مصر سانحة ... وأنت أنت، وقد ناديت من كثب # قال: فصاح المطلب: لبيك، لبيك ثم قام وأخذ بيده وأجلسه معه، واستدعى ~~بالبدر فأحضرت، ثم الخلع فنشرت، فأمن له بذلك ما ملأ عينه، وحسدناه على ~~ذلك. # ولدعبل: # فأنت إذا ما التقوا آخر ... وأنت إذا انهزموا أول # وعاديت قوما فما ضرهم ... وقدمت قوما فلم ينبلوا # إذا الحرب كنت أميرا لها ... فحظهم منك أن يقتلوا # شعارك في الحرب يوم الوغى ... إذا انهزموا: عجلوا، عجلوا ### | ذكر أبي الشيص # أبو الشيص كان شاعرا مجيدا في كثرة البكاء على سالف أيامه، ومدح الرشيد ~~وولد محمد بن الأشعث الخزاعي. وهو ودعبل من الكوفة. وفي أول ما اشتهر ~~بالشعر قال قصيدته التي مدح بها عقبة بن جعفر بن محمد: # ألقى الزمان به ندوب عضاض # وعرض هذه القصيدة على بشار، فقال له بشار: قد بقيت قافية إن علمتها فأنت ~~شاعر، قال: وما هي؟ قال: المقراض، فأنشده: # وجناح مقصوص تحيف ريشه ... ريب الزمان، تحيف المقراض # فقال له: أنت أشعر أهل عصرك. وهذه القصيدة تفضل على كل قصيدة نظمت في ~~وزنها، وفيها معان نادرة منها: # لا تنكري صدي ولا إعراضي ... ليس المقل على الزمان براض # وعصائب صرفت إليك وجوهها ... نكبات دهر للفتى، عضاض # شدوا بأعواد الرحال مطيهم ... من كل أهوج للحصى رضاض # أكل الوجيف لحومها ولحومهم ... فأتتك أنقاضا على أنقاض # ومثله قول ابن الأحنف: # أنضاء شوق على أنضاء أسفار # ومثله: # رأت نضو أسفار أميمة شاحبا ... على نضو أسفار، فجن جنونها # ومن القصيدة الضادية: # PageV01P021 # إن الأمان من الزمان وريبه ... يا عقب شطا بحرك الفياض # ومن معانيه المستحسنة: # أتى الموت عدل الموت في سطواته ... فيا من رأى موتا على الموت أقدما # أخذه ابن جبلة فقال يرثي حميدا: # حمام رماه من خصاصة أمنه ... حمام، كذاك الخطب بالخطب يقرع # وأخذه البحتري فقال: # حتوف أصابتها الحتوف، وأسهم ... من الموت، كر الموت فيها بأسهم # ومنه قوله يرثي الرشيد، ويمدح الأمين حين قام: # جرت جوار بالنحس والسعد ... فالناس في ms039 وحشة وفي أنس # والعين تبكي والسن ضاحكة ... فنحن في مأتم، وفي عرس # يضحكنا القائم الأمين، وتبكي ... نا وفاة المهدي بالأمس # بدران: بدر أضحى ببغداد في ... الخلد، وبدر بطوس في الرمس # ومن مختار شعره: # أشاقك والليل ملقي الجران # وهي إحدى النونيات، ويصف فيها ساقيا ويقول: # يطوف علينا بها أغيد ... يداه من الكأس مخضوبتان # غزال تميل بأردانه ... قناة تعطف كالخيزران # ومنها في المدح: # إلى ملك من بي هاشم ... كريم الضرائب، سبط اليدان # فتى البأس للجود في كفه ... من البحر عينان نضاحتان # ومن مختار شعره: # لله أنت، أبا بشر، إذا برزت ... سوق النساء، ولاح القلب والقرط # وأبرز الخدر من ثنييه بيضته ... واعجل الروع نصل السيف يخترط # فثم تفديك منا كل غانية ... والكهل تفديك، والمولود، والشمط # وأنت أصلبهم عودا، إذا عجموا ... وأنت أرحبهم باعا إذا اختبطوا # ومن شعره: # كريم يغض الطرف فضل حياته ... ويدنو، وأطراف الرماح دوان # وكالسيف إن لاينته لان حده ... وحداه، إن خاشنته خشنان # ومما يستطرف من شعره: # جارية تسحر عيناها ... أسفلها يجذب أعلاها # أصبحت أهواها، وأهوى الردى ... لكل من أصبح يهواها # نفسي على أمرين مطبوعة ... من حبها، أو بغض ملاها # قد ملكتني، وهي مملوكة ... فصرت أخشاه وأخشاها # وأول هذا المعنى لأبي دلامة: # إني أراني سوف أصبح ميتا ... أولا، فأصبح ثم لا أمسي # من حب جارية الجنيد، وبغضه ... كلاهما قاض على نفسي # فكلاهما يشفى به سقمي ... فإذا تكلم عاد لي نكسي # أخذه الآخر فقال: # لي مولى يسيء ملك العبيد ... مخلف الوعد، منجز للوعيد # لي من حبه، ومن بغض مولا ... ه بلاء، ما فوقه من مزيد # ومن شعر أبي الشيص: # ما فرق الأحباب بع ... د الله إلا الإبل # والناس يلحون غرا ... ب البين لما جهلوا # وما على ظهر غرا ... ب البين تمطى الرحل # ولا إذا صاح غرا ... ب في الديار احتملوا # وما غراب البين إل ... اناقة، أو جمل # وهذا المعنى من قول عوف الراهب: # غلط الذين رأيتهم بجهالة ... يلحون كلهم غرابا ينعق # ما الذنب إلا للجمال، فإنها ... مما تشت جميعهم، وتفرق # إن الغراب ms040 بيمنه تدنو النوى ... وتشت بالشمل الجميع الأينق ### | ذكر عبد الله بن ابي الشيص # كان عبد الله هذا يقيم بسر من رأى، وله أشعار حسنة، وكان لا يفارق أبا ~~تمام، وكان الحسن بن وهب قابلا له، محسنا إليه. ومما يرثي به أبا تمام: # مات بديع الشعر، والظرف ... والأدب الموصوف والوصف # يا جدثا حل ابن أوس به ... واغتاله من زمن صرف # إن لم يكن جادك مزن فقد ... جادتك منا أعين ذرف # وله أيضا: # أظن الدهر قد آلى فبرا ... بألا يكسب الأموال حرا # كأن صفائح الأحرار أردت ... أباه، فحارب الأحرار طرا # وأصبح كل ذي شرف ركوبا ... لأعناق الدجى برا وبحرا # يهتك جيب درع الليل عنه ... إذا ما جيب درع الليل زرا # يراقب للغنى وجها ضحوكا ... ووجها للمنية مكفهرا # ليكسب من أقاصي الأفق كسبا ... يحل به المحل المشمخرا # PageV01P022 # ومن جعل الظلام له قعودا ... أصاب يد الدجى خيرا وشرا # وكان عبد الله هذا كثير الذم لسر من رأى، ومنه قوله: # لعن الله سر من را بلادا ... ورماها بالقحط والطاعون # بعت في الصيف عندهم قبة الخي ... ش، وبعت الكانون في كانون # ومنه قوله: # لعمرك ما سررت بسر من را ... ولكني عدمت بها السرورا # رأيت بها القصور مشيدات ... على قوم يشينون القصورا # إذا قيل: البسوا، لبسوا المخازي ... وإن قيل: اركبوا، ركبوا الأيورا # وكتب الحسن بن وهب إلى مالك بن طوق لأجله كتابا، وهو: كتابي إليك كتاب ~~خططته بيدي، وفرغت له دهني، فما ظنك بحاجة هذا موقعها مني؟ أتراني أقصر في ~~الشكر عليها، أم أقبل العذر فيها. وابن أبي الشيص ممن عرفت حاله وخالص ~~مودته، وصفاء سريرته. ولو كانت الدنيا تنبسط بيده ما عدانا إلى غيره. فاكتف ~~بهذا مني فيه وله، والسلام. # وكتب إلى بعض إخوانه: # رداؤك في الحرب العوان هو الردى ... ورأيك في داجي الخطوب هو الفجر # ولو أن للأوعار والسهل ألسنا ... لأثنى عليك السهل بالجود، والوعر # أسلك بحق الراح والرشأ الذي ... له في حواشي طرفه، أبدا، سحر # ترى منك ماء الوجه في ماء وجهه ... وللعين في ms041 ديباج بهجته زهر # فان له حقا على كل ذي هوى ... وللكأس أجر حقه، أبدا، وزر # بحقيهما ألا قبلت مموها ... من العذر يهديه امرؤ ماله عذر # فإن يك غدارا فمن آل دعبل ... فإنهم قوم، وفاؤهم غدر # إذا عاهدوا فالنكث بحت عهودهم ... وإن وصلواخلا، فوصلهم هجر # سأكفيك يا ابن المجد ذمي، ولم تكن ... لتبلغ من ذمي الذي بلغ الشعر ### | ومن الشعراء المعرقين # أبو سويد عبد القوي بن محمد بن أبي عتاهية، واسمه إسماعيل بن القاسم بن ~~سويد، وبلده الكوفة. ### | ذكر أبي عتاهية # كان من أكثر المحدثين شعرا، واسهلهم في المعاني والألفاظ، وأبعدهم عن ~~التكلف. وقال ابن الأعرابي: إن أبا عتاهية وبشارا أجود المحدثين شعرا، ~~وأبعدهم من التكلف. وقيل لربة بن العجاج: من أشعر المحدثين؟ قال: الذي إذا ~~جد جد، وإذا هزل هزل، كأنما يتناول الكلام من كمه. يعني ابا عتاهية. وقال ~~مسعود بن بشر الأزدي.: قلت بمكة لابن مناذر: من أشعر الناس؟ قال: من إذا ~~شبب لعب، وإذا جد جد. قلت: مثل من؟ قال: مثل جرير حيث يقول: # إن الذين غدوا بقلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا # غيضن من عبراتهن، وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى، ولقينا # ثم قال حين جد: # إن الذي حرم الخلافة تغلبا ... جعل الخلافة والنبوة فينا # هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا # فيروى عن الوليد أنه قال: لو قال جرير: لو شاء لفعلت، ولكن جعلني شرطيا ~~له. ثم قال ابن الأعرابي: ومن هؤلاء المحدثين هذا الخبيث، الذي يتناول ~~الشعر من كثب، يعني ابا عتاهية، حيث يقول: # الله بيني وبين مولاتي ... أبدت لي الصد والملالات # ثم يخرج من الغزل فيجد ويقول: # ومهمه، قد قطعت، طامسة ... قفر على الهول والمخافات # بحرة، جسرة، عذافرة ... خوصاء عيرانة علنداة # تقول للريح كلما بسمت ... هل لك يا ريح في مباراتي # وبهذا الشعر قال ابن العجاج ما قال، لأنه كان أنشده إياه، فقال: ما كنت ~~أظن أنه يكون بحضرتي مثل طبعك. # وسمعه أبو نواس ينشد بحضرة قوم، فقال: أفجر ms042 هذا، أم أنتم لا تبصرون. ~~وبطريق هذه التائية تاب عن الشعر، وذلك أنه رأى في منامه كأن شخصا يقول له: ~~ما كان في الدنيا احد يكون بينك وبين مولاتك وحبيبتك إلا الله تعالى، حتى ~~تقول: بيني وبين مولاتي. فصار يميل في أشعاره إلى الزهديات. # وكان أبو عمرو الشيباني يفضله. وقد ذكر محمد بن يزيد في كتاب الروضة من ~~أخبار أبي عتاهية جملا، فلم آت في هذا بشيء مما ذكره، ذلك إلا القليل، قصدا ~~للفائدة. حدث أبو عمرو الشيباني قال: جاء أبو عتاهية، ومسلم بن الوليد، ~~وأبو نواس إلى أبي، فاستنشد أبا عتاهية، فأنشده قوله: # PageV01P023 # وعظتك أجداث صمت ... ونعتك ساكتة خفت # وتكلمت عن أعظم ... تبلى، وعن صور سبت # وأرتك قبرك في القبور ... ر، وأنت حي لم تمت # والدهر كم من غيرة ... لك في نوائبه الثبت # غير مقلعة لأو ... تاد وأطناب ثبت # لا تغفلن، فأنه ... من تمض ساعته تفت # ولربما انتقل الشما ... ت، فحل بالقوم الشمت # وهذه أبيات ما وجد لمحدث مثلها. # وله ايضا: # لكم من رجاء، ومن شدة ... إلى غاية، وإلى مدة # وكم عقد الدهر من عقدة ... فرقت، وكم حل من عقدة # على سرعة الشمس في سيرها ... دبيب الخلوقة في الجدة # وأنشدهم أيضا: # يا عجبي للبلى وجدته ... يدب في الخلق ساكنا حركا # ثم انصرفوا، ولم يستنشد مسلما، ولا أبا نواس شيئا، فعادوا إليه بعد أيام، ~~فاستنشد مسلما، فأنشده قصيدته التي منها: # أجررت حبل خليع في الصبا، غزل # حتى إذا بلغ إلى قوله: # ينال بالرفق ما تعيا الرجال له ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل # قال له أبو عمرو: أحسنت يا أبا الوليد، إلا أنك أخذت قول أبي إسحاق، حيث ~~يقول: # وحكت لك الساعات سا ... عات أتيات بغت # ثم استنشد أبا نواس، فأنشده: # يا شقيق النفس من حكم # حتى بلغ إلى قوله: # فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم # قال له أبو عمرو: احسنت يا ابا علي، غلا أنك أخذت معنى قول أبي إسحاق: # على سرعة الشمس في مرها ... دبيب الخلوقة في الجدة ms043 # ولأبي عتاهية: # كل على الدنيا له حرص ... والحادثات أناتها غفص # وكأن من واروه في جدث ... لم يبد منه لناظر شخص # ليد المنية في تلمسها ... عن ذخر كل شقيقة فحص # نبغي من الدنيا زيادتها ... وزيادة الدنيا هي النقص # وأخذ هذا المعنى مؤلف هذا الكتاب فقال: # زيادة عمر المرء نقص حياته ... فكيف غدت تلك الزيادة نقصانا # وللمتنبي: # لا يكثر الأموات كثرة قلة ... إلا إذا شقيت بك الأحياء # وأما قول أبي عتاهية: # لم يبد منه لناظر شخص # فمأخوذ من قول الأول: # وكأن أقواما مضوا لم يخلقوا # وأما قوله: # ليد المنية في تلمسها ... عن ذخر كل شقيقة فحص # وقوله: # نبغي من الدنيا زيادتها ... وزيادة الدنيا هي النقص # فقد تردد هذا في كثير من شعره. فمن ذلك: # إذا ازددت من عمري قربت من البلى ... وألفيت نقصي بينا في زيادتي # وقوله: # وكل زيادة فليوم نقص ... وكل جماعة فليوم بين # وقوله: # وأسرع في نقضه امرئ تمامه ... يا لك أمرا نقصه إبرامه # وقوله: # وأسرع ما يكون المرء نقصا ... وأقرب ما يكون من الزيادة # ومعانيه قريبة بعضها من بعض. وللنمر بن تولب مما يلم بهذا المعنى قوله: # يحب الفتى طول السلامة جاهدا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل # ويروى عن النبي، صلى الله عليه وسلم: " كفى بالسلامة داء ". # وقال حميد بن ثور: # أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما # وهذا من كلام الحكماء. قال بعض الحكماء، وقد سئل كيف أنت، فقال: كيف حال ~~من يفنى ببقائه، ويسقم بصحته، ويؤتى من مأمنه. وقال بعض الشعراء: # وما ازداد شيء قط إلا لنقصه ... وما اجتمع الالفان إلا تفرقا # وقال آخر: # كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الاصباح والإمساء # ودعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني، فإذا السلامة داء # وقال آخر: # يحب الفتى طول البقاء، وإنه ... على ثقة أن البقاء فناء # زيادته في الجسم نقص حياته ... ليس عى طول البقاء بقاء # ولأبي عتاهية في الشيب ما قد أكثر فيه، فمن ذلك: # إنما الشيب لابن آدم ناع ... قام في عارضيه، ثم نهاه # وهذا ms044 المعنى قس اتسع فيه الشعر، وقالته الخطباء والوعاظ. وقد قال عدي بن ~~زيد: # PageV01P024 # وابيضاض المشيب من نذر المو ... ت، وهل بعده لحي نذير # وقال مزرد: # فلا مرحبا بالشيب من وفد زائر ... متى زار لا تحجب عليه لمداخل # وقال بعض أهل العصر: # إن الشباب نذير الموت، ثم إذا ... جاء المشيب، فذاك القبر والكفن # وقال المتنبي: # وإذا الشيخ قال: أف، فما مل ... حياة، وإنما الضعف ملا # وقال أيضا: # وقد أراني الشباب الروح في بدني ... وقد أراني المشيب النقص في بدني # وقال آخر: # والشيب ضيف إذا ما حل ربع فتى ... أعيى ترحله، أو يرحلان معا # وعن أبي شقيقة الوراق قال: أتاني أبو عتاهية يوما فجلس في دكاني، وجلس ~~الناس حوله وكتبه عنه، ثم تناول دفترا من كتبي فكتب عليه: # أيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد # ولله في كل تحريكة ... وتسكينة، أبدا، شاهد # وفي كل ما أبصرته العيون ... دليل على أنه الواحد # ثم قام، وجاء أبو نواس فنظر إلى الكتاب، وقرأ ما تب أبو عتاهية، فسألني ~~عن قائل الأبيات، فأخبرته، فقال: أحسن والله لوددت أنها ي بجميع شعري. ثم ~~تناول القلم وكتب: # سبحان من خلق الخل ... ق من ضعيف مهين # يسوقه من قرار ... إلى قرار مكين # يجوز شيئا فشيئا ... في الحجب دون العيون # حتى بدت حركات ... مخلوقة من سكون # فجاء أبو عتاهية فنظر إليها: فقال: لمن هذه؟ لوددت أنها لي بجميع شعري ~~فانظر إلى اتفاق قوليهما. # ومن معنيه: # نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ونلهو إن تولت مدبرات # كروعة ثلة لمغار سبع ... فلما غاب عادت راتعات # وقول الآخر: # نزاع لذكر الموت ساعة ذكره ... ونعترض الدنيا فنلهو ونلعب # ومثله لابن دريد: # نهال للشيء الذي يروعنا ... ونرتعي في غفلة إذا انقضى # ومثل ذلك: # إذا مرضنا نوينا كل صالحة # ومن معانيه المسترقة: # ألا يا موت لم أر منك بدا ... أبيت فما تحيف، ولا تحابي # كأنك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي # وله أيضا: # نحمد الله كلنا سنموت ... لخراب البيوت تبنى البيوت # وهذا معنى ms045 أخذه من قول أبي ذر رحمه الله، فإنه قال: تلدون للموت، وتعمرون ~~للخراب، وتذرون ما يبقى، وتحرصون على ما يفنى. # وقال الآخر: # وللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المنازل # وله أيضا: # من أحب الدنيا تحير فيها ... واكتسى عقله التباسا وتيها # قنع النفس بالكفاف، وإلا ... طلبت منك فوق ما يكفيها # ليس فيما مضى، ولا في الذي لم ... يأت من لذة لمستحليها # إنما أنت طول عمرك ما عمر ... ت في الساعة التي أنت فيها # أخذه غيره: # ما مضى فات، والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها # وهذا المعنى يروى عن محمد بن الحسن بن عبيد اله الكوفي، قال: كتب إلي ~~داود الفارسي: يا ابن أخي الدنيا دار زلل وزوال، وتغير حال عن حال. ثم كتب ~~في آخر كتابه: # أفرطت في العيش وتأميله ... وللمنايا شيم نكد # وإنما عيش الفتى ساعة ... لا قبلها منه، ولا بعد # ما أوسع الدنيا على أهلها ... لو لم يكن آخرها لحد # وأتى بهذا المعنى ذو اليمينين طاهر بن الحسين فقال: # دنياك دنيا هوى ومتعبة ... يشقى بها مستهامها الأشر # تبدي لأبنائها مساوئها ... عودا وبدءا، وليس معتبر # ما فات منها كأنه حلم ... ليس له لذة، ولا خطر # وليس للمرء غير ساعته ... إن طال، أو لم يطل به العمر # وقال محمود في معنى بديع: # مازال يظلمني وأرحمه ... حتى بكيت له من الظلم # أخذ هذا المعنى من أبي ذر، إذ أتاه رجل فقال: رأيت فلانا شتمك حتى رحمتك، ~~فقال: هل سمعتني شتمته؟ فقال: لآ، قال: فياه فارحم. وقال محمد ابن الحجاج: ~~حضرت مجلسا فيه بشار وأبو عتاهية، فقال بشار لأبي عتاهية: أنشدني، فأنشده: # PageV01P025 # كم من صديق لي أسا ... رقه البكاء من الحيا # فإذا تفطن لامني ... فأقول ما بي من بكاء # لكن ذهبت لأرتدي ... فطرفت عيني بالرداء # قال بشار: يا عتبة ما أشعرك! إلا أنك سرقتني، قال: وما قلت يا ابا معاذ؟ ~~قال: # وقالوا: قد بكيت، فقلت: كلا ... وهل يبكي من الجزع الجليد # ولكني أهاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد ms046 # فقالوا: ما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود؟ # فقال له أبو عتاهية: وأنت يا بشار أخذت هذا المعنى من قول الآخر: # يقول خليلي يوم أكثبة النقا ... وعيناي من فرط البكا تكفان # أمن أجل دار بين لوذان فالنقا ... غداة اللوى عيناك تبتدران # فقلت: ألا لا، بل قذيت، وإنما ... قذى العين مما هيج الطللان # ومن معاني أبي عتاهية المخترعة: # وإذا شكوت إلى المحب رأيته ... يجد الذي أشكو إليه لديه # وإذا شكا أيضا إلي ظننته ... قد مس قلبي، مرة، بيديه # من لم يكن فيما شكوت به الذي ... في الحب مثلي، هان ذاك عليه # إن المحب إذا تطاول سقمه ... يلقى المحب، فيستريح إليه # أخذه بعض المحدثين فقال: # لو علقت الهوى عذرت، ولكن ... إما يعذر المحب المحب # ومثله: # لا تلم صبوتي فمن حب يصبو ... إنما يرحم المحب المحب # ويقال: إن أبا عتاهية غلب على قلب الرشيد، فغضب عليه موسى الهادي بذلك ~~السبب، وتوعده، فقال يخاطب المهدي: # ألا شافع عند الخليفة يشفع ... فيدفع عني كرب ما أتوقع # فإني، على علم الرجاء، لخائف ... كأن على رأسي الأسنة شرع # رماني ولي العهد موسى بغضبة ... فلم يك لي، إلا الخليفة، مفزع # وليس امرؤ يمسي ويصبح عائذا ... بظل أمير المؤمنين، مروع # ثم أقبل على مديح موسى. فمن مدائحه قوله: # لهفي على الزمن القصير ... بين الخورنق والسدير # إذ نحن في غرف الجنا ... ن نعوم في بحر السرور # في فتية ملكوا عنا ... ن الدهر، أمثال الصقور # ما منهم إلا الجسو ... ر على الهوى، غير الحسور # يتعاورون مدامة ... صهباء من حلب العصير # عذراء، رباها شعا ... ع الشمس في حر الهجير # حلبت على قوم كرا ... م سادة، في درع قير # ومشمر يسعى أما ... م القوم كالرشأ الغرير # بزجاجة تستخرج ال ... سر الدفين من الضمير # تذر الحليم، وليس يد ... ري ما قبيل من دبير # ومخدرات زرننا ... بعد الهدو من الخدور # نفح روادفهن يل ... بسن الخواتم في الخصور # متغمسات في النعي ... م، مضمخات بالعبير # يرفلن في حلل الجما ... ل، وفي المجاسد والحرير # ما إن يرين الشمس ms047 إلا ... الفرط من خلل الستور # ولقد غططنا البؤس في ... لجج الغضارة والسرور # فمحا لذاذة عيشنا ... مر الليالي والشهور # وغدا فألهب في الرؤو ... س، وفي اللحى شعل القتير # فالى ولي العهد مه ... ربنا من الدهر العثور # وإليه أتعبنا المط ... ي بالرواح، وبالبكور # صعر الخدود كأنه ... ن كسين أجنحة النسور # هوجا يطرن بزائر ... يهدي المديح إلى مزور # أضحت لموسى بيعة ... في الملك أثبت من ثبير # فرضي عنه وأجازه. فلما أفضت الخلافة إلى الرشيد قدمه ووفر له الجراية، ~~وأمره بملازمته. فكان لا يفارقه في سفر ولا حضر. وقيل: إنه حج مع الرشيد، ~~فجاء الرشيد يوما في الطريق، وقد استلقى في ظل ميل، وهو يقول: # ألا يا طالب الدنيا ... دع الدنيا لشانيكا # فلما تصنع بالدنيا ... وظل الميل يكفيكا # فعجب الرشيد من بديهته. # وعمر أبو عتاهية إلى أيام المأمون، وقد جاوز لسبعين، فقال: # أعيني هلا تبكيان على عمري ... تناهبت الأيام عمري ولا أدري # PageV01P026 # ألا في سبيل الله سوفت توبتي ... ودفعت أيامي، وفرطت في أمري # إذا كنت قد جاوزت سبعين حجة ... ولم أتأهب للمعاد، فما عذري # أمني البقا نفسي أحاديث ظلة ... وقد أشرفت بي الحادثات على قبري # وكان أبو عتاهية ي قول: إن المكارم موصولة بالمكاره، فمن أراد مكرمة ~~إحتمل كروها. وولد أبو عتاهية في سنة إحدى وثلاثين ومائة، وتوفي في أيام ~~المأمون سنة عشر ومائتين. ### | ذكر أبي عبد الله محمد بن ابي عتاهية # لم تكن لمحمد غزارة أبيه في الشعر، ولكنه كان ذا طبع مجيب بغير تكلف، وفي ~~شعره لين. ومن شعره يرثي أباه: # أيا دهر كم لك من بائقه ... وكم لك من نكبة طارقه # فكم لك من غمزة في القلوب ... وكم لك من دمعة دافقه # إذا درج القرن في وقته ... فإن القرون به لاحقه # عوالق دنياك مسمومة ... توق، فقد تقتل العالقه # أيا كبد مالها سكنة ... فتسكن أحشاؤه الخافقه # كأن وسادي على جمرة ... به، في توقدها، لاصقه # أبي يا صريع ثرى حفرة ... نعيت بألسنة ناطقه # وقد كنت تنعى برجم الغيو ... ب، فقد جاءت النعية الصادقه ms048 # وله يرثي أباه: # يا أبي ضمك الثرى ... وطوى الموت أجمعك # ليتني يوم مت صر ... ت إلى حفرة معك # رحم الله مصرعك ... برد الله مضجعك # ولأبي عبد الله محمد ولد يقال له أبو سويد عبد القوي بن محمد بن ابي ~~عتاهية. وهذا كان متقدما في صناعة الكلام، ألد في الجدال. وله كتب مؤلفة في ~~الرد على أهل البخل، وله معان مستحسنة، وكان مطبوعا، ظريفا، دعبا. ومن شعره ~~يرثي أمه، وإن كان معنى قد سبق إليه: # يقول أناس: قد جفا قبر أمه ... وما قبرها إلا الفؤاد الذي فجع # لقد ضاق بي من عالم الله كله ... عشية أودت روحها كل متسع # وله فيها أيضا: # باد أنسي، فربع دار ... ي من الأنس مقفر # كيف يقلا قبر هو ال ... قلب، أم كيف يهجر # من فؤادي دون الأما ... كن أمي ستحشر ### | المعرقون من الرجاز ### | ومن المعرقين في شعر الرجز، وهم الرجاز # عقبة بن رؤبة بن العجاج، وحومة أخت رؤبة شاعرة أيضا. # حدث أبو دهمان الغلابي قال: حضرت مجلسا فيه بشار وعقبة بن رؤبة وابن ~~المقفع، فتحادثوا، وتناشدوا، فأنشدهم بشار أرجوزته: # يا طلل الحي بذات الصمد # بالله خبر كيف كنت بعدي # فسمع فيها عقبة كثرة الغريب، فاغتاظ، وقال: أنا وأبي وجدي فتحنا الغريب ~~للناس، وإني، والله، لخليق أن أسده عليهم. # فقال بشار: رحمهم الله، فقال عقبة: أتستخف بهم، وأنا شاعر بن شاعر ابن ~~شاعر؟ فقال له، يتماجن عليه: أنت إذا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم ~~الرجس، طهرهم تطهيرا. ### | ذكر العجاج # ولد العجاج وأبو النجم جميعا بالقاعة. والقاعة أرض بكر بن وائل دون ~~البحرين. وهو العجاج بن رؤبة، وهو أول من أطال الرجز، وكان في الرجاز ك ~~امرئ القيس في الشعراء. وقيل ليونس: من أشعر الناس؟ فقال: العجاج، قيل: لم ~~نسأل عن الرجاز، قال: واشعر أصحاب القصيد، إنما الشعر كله كلام، فأجودهم ~~كلاما أشعرهم، ليس في شيء من شعر العجاج شيء من الكلام يستطيع قائل أن ~~يقول: لو كان مكانه غيره كان أجود. قال العجاج: # قد ms049 جبر الدين الإله فجبر # وهي نحو من مائتي بيت، وهي مقيدة القافية، فلو أطلقت قوافيها كلها كانت ~~منصوبة. # وسئل الأصمعي عن أشعر الرجاز، فقال: العجلي، ثم السعدي، ثم العجلي، ثم ~~السعدي. يريد بالعجلي الأول: الأغلب، وبالسعدي الأول: العجاج، وبالعجلي ~~الثاني: أبا النجم، وبالسعدي الأخير: سليمان بن رؤبة. # وإنما سمي شعر الرجز رجزا لتدارك أجزائه. وهو مأخوذ من الإرتجاز، وهو صوت ~~الرعد المتدارك. والرجز مصدر يرجزون ويرتجزون إرتجازا. الواحدة أرجوزة، ~~والجمع الأراجيز. قال أبو عبيدة: قال العجاج أبياتا من رجزه في الجاهلية، ~~ولم يدرك سلطان سليمان بن عبد الملك. وقال له عبد الملك بن مروان: أتحسن ~~الهجاء؟ قال: إن لنا حلما يمنعنا أن نظلم، وعزا يمنعنا أن نظلم. # PageV01P027 # وكان العجاج يرى المتعة بغير شاهد. وقيل: إنه قدم إلى والي اليمامة ~~إمرأة، ادعى تزويجها، فأنكرت المرأة، فسأله البينة، فأنشد: # وفالق الحب، وفلاق النوى # لقد مددنا أيديا تحت الدجى # تحت. . . الليل، والليل يرى # صفتا، وكل معجب بما اشترى # وله يهجو بنيه: # إن بني للئام زهده # ما عندهم لأحد من مودده # إلا كود مسد لقرمده # فقال ولده رؤبة يجيبه: # عجاج ما كنت بأرض مأسده # إن بنيك لكرام مجده # ولو دعوت، لأتوك حفده # الاحتفاد: السرعة، والحفد في الخدمة. # وقيل: إن العجاج استقرض من بنته حومة بكرا، فمطلها به سنة وشهرا، وكان له ~~جمل، يقال له جوجله، فسألته حومة أن يدفع إليها ذلك الجمل، بدلا من بكرها، ~~فقال العجاج: # قد أقرضت حومة قرضا عسرا # ثم تعدت بازلا ضبطرا # حوجلة القبعثري الدمثرا # الدمثر: الكبير الفم. # فأجابته حومة: # يا أبتي زادك رب وفرا # وزاد في عمرك، أيضا، عمرا # بعد نسائي سنة وشهرا # تمتعني حوجلة الدمثرا # وقال العجاج: # والشمس قد كادت تكون دنفا # أدفعها بالراح كي تزحلفا دنفا: تموت، أو تصفر للغروب. وتزحلف: تنحى وقال ~~الآخر: # تنورتها من أذرعات، وأهلها ... بيثرب، أدنى، أدنى دارها نظر عال # تنورتها: رأيت نارها. # ومثله: # أليس بصيرا من يرى، وهو قاعد ... بمكة، أهل الشام يختبزونا # قال بعضهم: رأى أهل الشام بمكة وهم يختبزون. # وقال ms050 إبن شبة: إجتمع على باب عبد العزيز كثير والعجاج ونصيب، فأبطأت ~~عليهم جوائزهم، فأرادوا تحريكة، فقال كثير في ذلك: # ولقد علمت، وأنت تعلمه ... أن العطاء يشينه الحبس # وقال العجاج: # إني امرؤ قد ثبتت فراستي # فأنجزن، يا هديت، حاجتي # وقال نصيب: # حتى متى حاجة، لو شئت، قد قضيت ... محبوسة ما لها ورد ولا صدر # ويروى أن العجاج أنشد سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز حاضر ~~قوله: # يا خير نفس خرجت من نفس # خرجت بين قمر وشمس # ومما يشبه هذا أن كعب بن زهير أشد أبا بكر، رضي الله عنه، قصيدة زهير، ~~فلما بلغ إلى قوله: # لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة القدر # والستر دون الفاحشات، ولا ... يلقاك، دون الخير، من ستر # فذرفت عينا أبي بكر، وقال: هكذا كان رسول الله صلى الله عيه وسلم. ### | ذكر رؤية بن العجاج # كان يكنى أبا الجحاف، وكان رجلا كاملا، وكان أبوه تزوج امرأة غير أمه، ~~اسمها عقرب، فولدت له أولادا، كان يؤثرهم على رؤبة، ويهب لهم الشيء بعد ~~الشيء من الإبل والغنم وغير ذلك. فقال رؤبة: إن هذه الإبل أنا اكتسبتها ~~لأبي، وما زلت أذب عنها، وأدور معها الغمرات، وأتبع بها الأرياف أرعاها، ~~ويأخذها أبي ويعطيها لمن لا تعب فيها. فأخبر بذلك العجاج فقال: # لطالما أجرى أبو الجحاف # لفرقة، طويلة التجافي # لما رآني أرعشت أطرافي # وقد مشيت مشية الدلاف # كان مع الشيب من الدفاف # إستعجل الدهر، وفيه كاف # يخترم الألف مع الألاف # ليس كذاك ولد الأشراف # وهو عليك واسع العطاف # فلما سمع رؤبة شعر أبيه خرج إلى رعاء إبله، وقال: هو أعلم بالشعر مني، ~~فاسمعوا ما أقول، فان كان شعرا فأنا شاعر، وإن لم يكن شعرا أقبلت على رعاء ~~الإبل، فقالوا: هات ما سنح لك، فقال: # إنك لم تنصف أبا الحجاف # وكان يرضى منك بالإنصاف # فليت حظي من جداك الضافي # كفاف، إن تتركني، كفاف # قالوا: والله أحسنت، وسلكت طريق الشعراء، وما أبوك بأشعر منك. # قال: فوالله، لا أتبع ذنب بعير ms051 أبدا. وسمع أبوه فخرج إليه، وقال له: خدعك ~~الشيطان، هات ما قلت، فوالله لأنت عندي أوغد من أن تقول شعرا، فأنشده، ~~فقال: اشهدوا، إن أمر زوجتي عقرب بيده، قال: فاشهدوا إنها طالق من أبي، ثم ~~عكف عليه. # PageV01P028 # قال: وبلغ العجاج أن رؤبة قال: أنا أشعر من أبي، فقال له أبوه أنت أشعر ~~مني؟ قال: نعم، قال: ومن أين أتاك ذلك؟ قال: من حيث أتاك، إنك أشعر من أبيك ~~رؤبة، فسكت. # وتنازعا معا بحضرة عبد الملك بن مروان في قول: # وقاتم الأعماق خاوي المخترق # وكانت لرؤبة دون العجاج، فأخذها العجاج ثم أنشدها لعبد الملك، وأخذ ~~جائزتها، فقال رؤبة لأبيه: ما أنشدت أمير المؤمنين؟ فقال: # وقاتم الأعماق خاوي المخترق # فقال: والله لقد سرقت شعري، ولست أفارقك أو تدفع إلي جائزتها، وإلا بيني ~~وبينك عبد الملك. فرجعا إلى عبد الملك، فقال رؤبة: يا أمير المؤمنين، إن ~~أبي سرق قصيدتي، وأنشدكها. فجحد أبوه أنها لولده، وقال: هي لي دونه، وأنا ~~قائلها. فقال له: خل عن أبيك، فقد جاء عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " إن أحل، ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه ". فلا ضير إن ~~اكتسب أبوك بشعرك. فأغاظ العجاج ما صنعه به ابنه رؤبة، فقال له: إن قلت ~~وادعيته لنفسي، فأنا شاعر. فقال: إن كنت شاعرا فلست ابن شاعر، وأنا شاعر ~~إبن شاعر. فأنشأ العجاج يقول: # يرد علي الشعر من أمه ... ثلاثين عردا في ثلاث ليال # فأجابه رؤبة: # فقد جدي جدتي، باابن جدتي ... ثمانين عردا في ثلاث ليال # فضحك عبد الملك حتى علا صوته، وأجازه كما أجاز أباه. # ومات رؤبة سنة خمس وأربعين ومائة. وفي اسمه لغات: روبة، غير مهموز، ورؤبة ~~مهموز، وروبة بفتح الراء. وسئل يونس عن رؤبة المهموزة، قال: هي قطعة من ~~خشب، يرأب بها القدح والجفنة. ورؤبة الفرس جماعه. # ورؤبة الليل: ساعة منه. ورجل رائب، ورجال روبى: تعني النعاس. ويقال: فلان ~~لا يقوم برؤبة أهله: أي لا يقوم بما يسندون إليه من حوائجهم. ويقال: ms052 روب ~~لبنك برؤبة، أي بخميرة تدرك بها اللبن. # قال الأصمعي: حدثنا رؤبة قال: دخل علي ذو الرمة، فسمع قولي فسرق أول ~~أرجوزتي. # قال الأصمعي: دخلنا على أبي عمرو بن العلاء، فقال: سمعت رؤبة يقول: دخلت ~~على أبي مسلم، بعد قتل مروان، وهو في بهو له بالشام، فسلمت عليه، فرد ~~السلام وقال: أنشدني قصيدتك التي في وصف البعير، فقلت: بل أنشد مدحي فيك، ~~وأنشأت أقول: # ما زال يأتي الأمر من أقطاره # على اليمين، وعلى يساره # مشمر لا يصطلي بناره # حتى أقر الملك في قراره # فقال: ويحك أنشدني ما قلت لك أولا، فقلت: # خفضت بيتا ورفعت بيتا # في الأكرمين من قريش بيتا # فقال: ويحك أنشدني ما قلت لك أولا، فقلت: # ما زال يبني خندقا ويهدمه # وعسكرا يشرعه فيهزمه # ومغنما يجمعه فيقسمه # مروان لما غره منجمه # فقال ويحك أنشدني: # وقاتم الأعماق خاوي المخترق # فأنشدته، فلما انتهيت إلى قولي: # ترمي الجلاميد بجلمود مدق # قال: قاتلك الله لقد صليت حافره. ثم دعا وصيفا له وأسر إليه شيئا. فقمت ~~والوصيف في الباب، فأعطاني ألف دينار. # ومن معاني رؤبة: # قد رفع العجاج ذكري فادعني # باسم، إذا الأسماء طالت، يكفني # وهذا المعنى من قول الآخر يمدح قيس بن معدي كرب: # قيس أبو الأشعث بطريق اليمن # لا يسأل السائل عنه ابن من # وأخذ هذا المعنى دعبل فقال: # إذا تسميت فذاك نسبي # ولست أحتاج إلى ذكر أبي # ومن أخبار رؤبة قال الأصمعي: إن رؤبة قال: كانت لي حاجة إلى بعض عمان ~~السلطان، فاستشفعت ببعض أهل البصرة وبالشعر فلم تنجح، فرشوت فنلت حاجتي، ~~فقلت: # لما رأيت الشعراء بلدوا # وسألوا أميرهم فأنكدوا # هزمتهم برشوة فأقردوا # فسهل الله بها ما شددوا # وشبيه بهذا قول الأعرابي: # وكنت إذا أخصمت خصما كبيته ... على الوجه، حتى خاصمتني الدراهم # فلما تنازعنا الخصومة صدقت ... علي، وقالوا: قم فانك ظالم # وكان دعبل إذا أنشد هذا البيت: # علي، وقالوا: قم فانك ظالم # يصيح صيحة قوية في قوله: قم. فقيل له: لم تصيح؟ فقال: كذا صاحوا علي لما ~~قالوا: قم. # PageV01P029 # وقال ms053 ابن العلاء: كنت عند بلال بن أبي بردة، إذ قدم عليه الطرماح ~~والكميت، ودخل رؤبة فقال له ابن العلاء: أتدري من هذان؟ قال: لا، فقال: هذا ~~الكميت وهذا الطرماح، الساعة يسرقان شعرك، ويهدمان قوافيك. فقال: هلا ~~أعلمتني قبل ذلك فلا أنشدهما. # ونشأ لرؤبة ولد اسمه عقبة، ونحن نذكره. وقيل لرؤبة: إن ولدك عقبة قد أحسن ~~في الشعر، قال: بل ما لشعره قران التشابه والموافقة. ولذلك قال عمرو بن لجأ ~~لبعض الشعراء: أنا أشعر منك، قال: ولم؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت ~~تقول البيت وابن عمه. ### | الأخوة من الشعراء # وأما الأخوة من الشعراء، فالشماخ، واسمه معقل، ومزرد وإسمه يزيد، وجزء، ~~وكلهم كان شاعرا. وهم أبناء ضرار بن سنان بن أمامة. فأرادت أمهم أن تتزوج ~~رجلا بعد موت أبيهم، يقال له آوس، وكان أيضا شاعرا. فلما رآه بنو ضرار أتى ~~أمهم يخطبها، وهم على بئر يستقون الماء منها، تناول شماخ الدلو، ثم متح، ~~وهو يقول: # أم أويس أويسا # وجاء مزرد، فتناول الحبل، وهو يقول: # أعجبها حدارة وكيسا # وجاء جزء، فتناول الحبل، وقال: # أصدق منها لجبة وتيسا # فلما سمع آوس رجز الصبيان هرب، وترك أمهم فهذا أول شيء تفوه به بنو ضرار ~~من الشعر. # وقال أبو عمرو بن العلاء: قيل للحطيأة في اليوم مات فيه: أوص، قال: ويل ~~للشعراء من رواية السوء. قيل: أوص، قال: أخبروا الشماخ أنه أشعر غطفان. # وكان الشماخ يجيد إذا وصف الحمر، حتى قال الوليد: إني لأظن أن أبا الشماخ ~~كان حمارا، لكثرة وصفه للحمير في شعره. # وروي أن ابن داب خرج من حضرة المهدي، فقيل له: أنشدنا أبياتا من أشعر ما ~~قالت العرب، فأنشد قول الشماخ: # وأشعث قد قد الشفار قميصه ... وجر شرابا بالعصا غير منضج # دعوت إلى ما فاتني، فأجابني ... كريم من الفتيان غير مزلج # فتى يملأ الشيزى ويروي سنانه ... ويضرب في رأس الكمي المدجج # فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة ... ولا في بيوت الحي بالمتولج # ومما يتمثل بشعره: # وكنت إذا حاولت أمرا رميته ... بعيني، حتى تبلغا ms054 منتهاهما # وكنت إذا ما شعبتا الأمر شكتا ... علي، فلم يصدر جميعا هواهما # عمدت إلى ذات المغبة منهما ... وخليت نفسي من طلاب سواهما # ويروى: سدهما، أي المهلة بينهما. قال الأصمعي: قال لي الرشيد يوما، وقد ~~هم بأخذ العهد لمحمد الأمين، وقد فكر فيه طويلا: من القائل: # وكنت إذا حاولت أمرا رميته ... بعيني، حتى تبلغا منتهاهما # وأنشدني باقي الأبيات، قلت: الشماخ، وأنشدت باقي القصيدة، فقال: قاتله ~~الله، ما أرصن شعره وأحكمه: ومن شعره السائر: # رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات، منقطع القرين # أفاد سماحة، وأفاد مجدا ... فليس كجامد لحز ضنين # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # إذا بلغتني وحللت رحلي ... عرابة، فاشرقي بدم الوتين # فنعم المعتزى ركدت إليه ... رحى حيزومها كرحى الطحين # ومن معانيه التي يختلف فيها قوله: # إذا دعت غوثها ضراتها فزعت ... أثباج ني على الأعقاب منضود # الضرة: مجتمع اللبن، والثبج: أعلى الظهر، النيئ: الشحم كأنها منضودة عقب ~~على عقب. والمعنى قال الأصمعي وغيره: يقول: هذه إبل سمان، إذا احتاجت إلى ~~الدر أتتها شحومها باللبن. وقوله: فزعت، أي لفاثت، والجرت والفزع: الاغاثة. # ومن معانيه المستحسنة: # بها شرق من زعفران وعنبر ... أطارت من الحسن الرداء المحبرا # أخذه ابن أبي ربيعة، فقال: # فلما توافقنا وسلمت، أشرقت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا # أخذه الآخر فقال: # تمشي الهوينا مائلا خمارها # أي من حسنها، أي لا تخمر بخمار. # ومن معانيه المستطرفة، وقد ادعت عليه إمرأته أنه طلقها، فألزمه عثمان رضي ~~الله عنه باليمين، فأعانها قومها من بني سليم، فقال: # أتتني سليم، قضها وقضيضها ... تمسح حولي بالبقيع سبالها # يقولن: إحلف، قلت لست بحالف ... أخاتلهم عنها، لكيما أنالها # PageV01P030 # ففرجت هم النفس عني بحلفة ... كمتن جواد، شق عنه جلالها # أخذ هذا المعنى بعضهم فقال: # خوفوني اليمين فارتعت منها ... كي يغروا بذلك الارتياع # ثم أرسلتها كمنحدر السيل ... تداعى من المكان اليفاع # وأخذه الآخر فقال: # وقالوا: اليمين، فمن لي بذاك ... ياليتهم يطلبون اليمينا # فأمنحهم حلفة لذة ... تنجي المدين، وتردي المدينا # وأخذه أخوه مزرد فقال: # إذا أحلفوني باليمين منحتهم ... عينا، ms055 كسحق الأتحمي الممزق # وإن أحلفوني بالعتاق فقد درى ... دهيم غلامي أنه غير معتق # وإن أحلفوني بالطلاق رددتها ... كأحسن ما كانت كأن لم تطلق # وله التشبيهات الحسنة. فمن ذلك قوله: # رأيت، وقد أتى نجران دوني ... وليلى دون منزلها السدير # بدالي بالعميم ضوء نار ... تلوح كأنها الشعرى العبور # أخذ هذا المعنى كثير فقال: # رأيت وأصحابي بمكة موهنا ... وقد لاح ضوء الكوكب المتصوب # لعزة نار ما تبوخ، كأنها ... إذا ما رمقناها من البعد، كوكب # قال الأصمعي: أول درهم أصبته من الرشيد مائة ألف درهم، أعطانيها على بيتي ~~كثير هذين. وذاك أنه كنت في خدمة يحيى بن خالد في بعض أسفاره مع الرشيد. ~~فنظر الرشيد ليلة إلى نار بعيدة، فقال ليحيى بن خالد: هل تحفظ في صفة هذه ~~النار شيئا، فقال: لا، ولكن معي رواية يقال له الأصمعي، قال: تحضره. فلما ~~وقفت بين يديه قال: انظر إلى هذه النار، فنظرت، قال: هل تحفظ فيها شيئا؟ ~~قلت نعم، وأنشدته البيتين، فاستحسنهما، وقال: ما أخطأت ما في قلبي من ~~تشبيهها، وأمر لي بمائة ألف درهم. # وقد ذكرنا مزردا أولا، وأردنا بذكره قصيدة له نادرة، فذكرناها ها هنا على ~~غير ترتيب. والقصيدة قوله: # صحى القلب من سلمى، ومل العواذل # وهي قصيدة منعوتة قد جمع فيها أشياء مما يستجاد منها: # ومن يك معزال اليدين فانه ... إذا كشرت عن نابها الحرب، خامل # وقد علمت شيبان ذبيان أنني ... أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل # وأني أرد الكبش، والكبش جامح ... وأرجع رمحي، وهو ريان ناهل # وعندي، إذا الحرب العوان تلقحت ... وأبدت هواديها، الخطوب الزلازل # طوال القرا قد كاد يذهب كاملا ... جواد المدى والعقب، والخلق كامل # أجش صريحي كأن صهيله ... مزامير شرب جاوبتها خلاخل # ومسفوجة فضفاضة تبعية ... وآها القتير تجتويها المعابل # موشحة بيضاء، دان حبيكها ... لها حلق، بعد الأنامل، فاصل # وتسبغة في تركة حميرية ... دلامصة، ترفض عنها الجنادل # وأملس هندي متى يعل حده ... ذرى البيض لا تسأم عليه الكواهل # ومطرد، لدن الكعوب، كأنما ... تغشاه منباع من الزيت سائل # أصم إذا ما هز مارت ms056 سراته ... كما مار ثعبان الرمال الموائل # وقد عن لنا أن نعود نذكر شيئا من حديث ذي الرمة. لأنا ذكرنا سبب كنيته في ~~الألقاب. ولم نذكره ها هنا إلا لما أردنا أن نذكر الأخوة من الشعراء، كما ~~ذكرنا الشماخ وأخوته. # كان أبو عمرو بن العلاء يقول: ختم الشعر بذي الرمة. وسئل جرير عنه، فقال: ~~بعر ظباء يفوح، ونقط عروس. أراد به بعر ظباء، يعني أول ما تأخذ بعر الظباء ~~تفوح منه رائحة المسك، ثم يرجع إلى حالته. يعني شعر ذي الرمة أول ما يطرق ~~السمع توجد له حلاوة، ثم لا. # ومن الفرزدق بذي الرمة، وهو ينشد شعره، فلما فرغ قال: كيف ترى شعري؟ قال: ~~أنت شاعر. قال: فلم فضل علي غيري؟ قال: لأنك كثير البكاء على الدمن، وكثير ~~الوصف لأبوال الأبل وذكر الديار البلاقع، فإذا صرت إلى الهجاء والمدح ~~أكديت، وقيل لذي الرمة: إنما أنت رواية الراعي، ومنه تعلمت، فقال: ما مثلي ~~ومثل الراعي، إلا مثل شاب صحب شيخا، فسلك به طرقا، ثم فارقه، فسلك الشاب ~~بعده شعابا وأودية لم يسلكها الشيخ قط. # وكان يقال: أحسن الجاهلية تشبيها امرؤ القيس، وأحسن الأسلاميين ذو الرمة. ~~وروي عن ذي الرمة أنه قال: إذا قلت كان فلم أجد، فلا إنطلق لساني. # PageV01P031 # ويروى عن أبي بكر عباس أنه قال: كنت إذا أصبت بأمر لم أبك، وكنت أتجلد، ~~وكنت أستضر ويأخذني الكمد. فمررت يوما، فإذا أنا بذي الرمة ينشد: # لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد، أو يشفي نجي البلابل # فأصيبت بعد ذلك، فبكيت فاسترحت. # وأخذ المعنى الفرزدق فقال: # ألم تر أني يوم جو سويقة ... بكيت، فنادتني هنيدة: ماليا # فقلت لها: إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن ألا تلاقيا # وذكر أن ذا الرمة كان يشبب بامرأة من بني منقر، وإسمها مي، وما رأى وجهها ~~قط. وكانت تعاديه امرأة من سلبهة، فعملت شعرا تهجوميا، ونحلته إياه، ومنه: # على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الشين، لو كان باديا # فلما بلغ ذلك ذا الرمة امتعض، وحلف ms057 أنه ما قاله. وبلغ ذلك ميا فنذرت إذا ~~رأت ذا الرمة تنحر بدنه. فلما رأته، وكان دميما، قالت: واسوأتاه، وابؤساه. # فبلغه ذلك، فقال: ما كنت قلت ذلك الشعر، وإنما أنا الآن أقوله وأزيد ~~عليه. # وقوله فيه: # على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الشين، لو كان باديا # ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا # وكان أيضا يشبب بامرأة أخرى اسمها خرقاء، وكانت من ولد ربيعة. # وروى محمد بن الحجاج بن عمرو بن يزيد بن أخي ذي الرمة، قال: حججت، فمررت ~~على خرقاء التي كان يشبب بها ذو الرمة، وهي بفلجة، فملت إليها، فقالت: ~~أقضيت حجك وأتممته؟ قلت نعم، قالت: أما علمت أني منسك من مناسك الحج؟ أما ~~سمعت عمك يقول: # تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء، بادية اللثام # فقلت: لقد أثر فيك الدهر! فقالت: أما سمعت قوله أيضا: # وخرقاء لا تزداد إلا ملاحة ... ولو عمرت تعمير نوح، وجلت # ثم قالت: رحم الله عمك، شهرني بين الناس، وما رأى وجهي، ولا سمع كلامي. ~~ومما يستحسن من قوله فيها: # لها بشر مثل الحرير، ومنطق ... رخيم الحواشي، لا هراء ولا نزر # وعينان، قال الله: كونا، فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر # وتبسم لمح البرق عن متوضح ... كلون الأقاحي، شاب ألوانها القطر # ومما يستحسن من معانيه المبتدعة: # وأرمي إلى الأرض التي من ورائكم ... لترجعني، يوما، إليك الرواجع # ووالله، إن هذا معنى حسن، وسبك بديع. وقوله: # لئن قطع اليأس الرجاء، فإنه ... رقوء لتذراف الدموع السوافك # لقد كنت آتي الأرض، لا يستفزني ... لها الشوق، إلا أنها من ديارك # ومن غزله: # ألا لا أرى الهجران يشفي من الهوى ... ولا واشيا عندي بسوء يعيبها # إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... به أهل مي، هاج شوقي هبوبها # هوى تذرف العينان منه، وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها # قال المبرد: مات ذو الرمة بأصبهان بالجدري، وآخر ما قاله ساعة مات: # يا مخرج الروح من جسمي إذا احتضرت ... وفارج الكرب، زحزحني عن النار ms058 # وكان مسعود أخو ذي الرمة شاعرا مجيدا. وله يرثي أوفى ابن دلهم: # نعى الركب أوفى، حين آبت ركابهم ... لعمري لقد جاءوا بشر، فأوجعوا # نعوا باسق الأفعال، لا يخلفونه ... تكاد الجبال الصم منه تصدع # خوى المسجد المعمور بعد ابن دلهم ... وأضحى بأوفى رهطه قد تضعضعوا # تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء، وجفن العين ملآن مترع # ولم ينسني غيلان من مات قبله ... لكن نكاء القرح بالقرح أوجع # وكان له أخو اسمه هشام. ومن شعره: # وخرق تموت الريح في حجراته ... دآميمه موصولة، وسباسبه # قطعت، ويوم ذي هماذي تلتظي ... به القور من وهج اللظا، وقراهبه # القور: الظباء. والقراهب: مسان الخمر. وهماذي من الحر: مثل جمادى بالبرد. # كأني ورحلي فوق أحقب لاحه ... من الصيف أجاج تلظى صياهبه # طوى بطنه طول الطراد، فأصبحت ... تقلقل من طول الطراد زواجبه # PageV01P032 # ومن الأخوة الشعراء: بنو مرة القردي. كان بنو مرة عشرة، وهم أبو خراش، ~~وعروة، وأبو جندب، والأبح، والأسود، وأبو الأسود، وعمرو، وزهير، وجناد، ~~وسفيان. وامهم لبنى، وبها شهرتهم، يقال لهم: بنو لبنى. وذكر أن هؤلاء كلهم ~~قالوا الشعر، وما اشتهر إلا ثلاثة، وسنذكرهم، ونذكر أشعارهم، وهم أبو خراش، ~~واسمه خويلد، وعروة، وأبو جندب. # وكان أبو خراش شاعرا، وأدرك الإسلام. فمن أجود شعره المختار، الذي لم ~~يسبق إليه قوله يرثي أخاه عروه، وقد سلم ولده خراش: # حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش، وبعض الشر أهون من بعض # فوالله لا أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض # بل إنها تعفو الكلوم، وإنما ... نوكل بالأدنى، وإن جل ما يمضي # ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سل عن ماجد محض # ولما قتل عروة ألقى عليه رجل من دارم رداءه. # وقول طرفة: # أبا منذر أفنيت، فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض # وقال دعبل: # وإذا انقضى هم امرئ، فقد انقضى ... إن الهموم أشدهن الأحدث # وقال أبو خراش من باقي تلك القصيدة يرثي عروة: # ولم يك مثلوج الفؤاد مهبجا ... أضاع الشباب في الربيلة والخفض # ولكنه قد نازعته ms059 مخامص ... على أنه ذو مرة، صادق النهض # يقول: لم يكن مثقلا مقيما في الدعة والأكل والشرب، ولكنه جاذبه الجوع، ~~وكان إذا نهض بحقيقة لم يكذب. ثم وصف سرعة انهزام خراش من القتل، وحسن ~~نجايته وأصحابه: # كأنهم يشبثون بطائر ... خفيف المشاش، عظمه غير ذي نحض # يبادر قرب الليل فهو مهابذ ... يحث الجناح بالبسيط، أو القبض # يقول: هؤلاء الذين يعدون خلف خراش كأنهم يتعلقون بطائر. ومهابذ: جاد ~~مسرع. # فقال خراش ولده يذكر مفره وسرعة النجاة من بني خزاعة: # رفوني، وقالوا: يا خويلد لا ترع ... فقلت: وأنكرت الوجوه: هم هم # تذكرت ما أين المفر، وأنني ... بعون الذي ينجي من الموت معصم # فوالله ما ربداء أو علج عانة ... أقب، وما إن بين رمل مصمم # بأسرع مني إذ عرفت عديهم ... كأني لأولاهم من القرب توأم # أوائل بالشد الذليق، وحثني ... لدى المتن مشبوح الذراعين، خلجم # فلولا دراك الشد ظلت حليلتي ... لدى المتن في خطابها، وهي أيم # فتسخط، أو ترضى مكاني خليفة ... وكاد خراش، يوم ذاك، ييتم # وقل أبو خراش: # لما رأيت بني نفاثة أقبلوا ... يشلون كل مقلص خناب # فنشيت ريح الموت من تلقائهم ... وكرهت وقع مهند، قرضاب # أقبلت لا يشتد شدي واحد ... علج أقب، مسير الأقراب # ورفعت ساقا لا يخاف عثارها ... وطرحت عني بالعراء ثيابي # وقال أبو خراش يرثي اخاه عروة: # لعمري لقد راعت أميمة طلعتي ... وإن ثواني عندها لقليل # تقول: أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء، لو علمت، جليل # فلا تحسبي أني تناسيت عهده ... ولكن صبري، يا أميم، جميل # أبى الصبر أني لا يزال يهيجني ... مبيت لنا، فيما خلا، ومقيل # وأني إذا ما الصبح آنست ضوءه ... يعاودني قطع علي ثقيل # ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلا صفاء: مالك وعقيل # ومن شعره: # وإني لأثوي الجوع حتى يملني ... فيذهب لم تدنس ثيابي ولا جرمي # أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم # مخافة أن أحيا برغم وذلة ... وللموت خير من حياة على رغم # ومات أبو خراش زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بنهشة ms060 حية. فقال قبل ~~موته: # لعمرك والمنايا غالبات ... على الإنسان تطلع كل مجد # لقد أهلكت حية بطن أنف ... على الفتيان ساقا ذات فقد ### | ذكر أبي جندب بن مرة # قال: قتل رجل من بني قردة، يقال له ناصرة بن رباب بن مؤمل الأسود بن مرة ~~أخي بني جندب، فقال أبو جندب يرثيه: # PageV01P033 # فقدت بني لبنى، فلما فقدتهم ... صبرت، فلم أقطع عليهم أباجلي # حسان الوجوه، طيب حجزاتهم ... كريم ثناهم، غير لف المغازل # رماح من الخطي، زرق نصالها ... حداد نواحيها، شداد الأسافل # فلهفي على عمرو بن مرة، لهفة ... ولهفي على ميت بقوسى المعاقل # فتلت فتيلا لا يخالف عدوة ... ولا سوأة لا زلت أسفل سافل # أذلوه هذيلا، يا ابن لبنى، وجدعوا ... أنوفهم باللوذعي الحلاحل # ومن شعره: # وغربت الدعاء، وليس مني ... أناس بين مر، وذي ردوم # هنالك ناصري، وهم أرومي ... وبعض القوم، ليس بذي أروم # هنالك لو دعوت أتاك منهم ... رجال بين أرمية الحميم # أرمية الحميم: سحابات شديدات القطر. الواحدة: رمى. والحميم: حر الصيف، ~~وذلك أن سحاب الصيف أشد بياضا. # ومن شعر عروة: # سح من القوم، عريان أشاجعه ... خف النواشز منه، والظنابيب ### | المعرقون من القواد ### | ومن الشعراء المعرقين من القواد والأمراء والوزراء # حمزة بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق، مولى ~~خزاعة، لعبد الله أبي طلحة الطلحات الجواد. وكان عبد الله بن خلف كاتبا ~~لعمر بن الخطاب. # فالذين قالوا الشعر من الحسين بن مصعب أربعة على التوالي: طاهر بن ~~الحسين، وعبد الله بن طاهر، وعبيد الله بن عبد الله، وحمزة بن عبيد الله. ~~ومن ولد عبد الله بن طاهر: محمد بن عبد الله، وسليمان بن عبد لله. وطاهر ~~بيت، وحمزة وأخوته معرقون. # ولم يدخل هؤلاء في نمط الشعراء المتكسبين، ولكنهم قوم حظوا بالرئاسة ~~والسياسة، وأحبوا الشعر وعدوه أجمل فضائلهم. ولهؤلاء فضائل وتواريخ وسير ~~وفتوح وعزائم وملك قد نطقت به التواريخ والسير. ومع ذلك افتخروا بما أبانوا ~~به عن فصاحتهم وبلاغتهم في الشعر والرسائل، وعلموا أن الملك يفنى، والفضائل ~~تبقى. ms061 وقد كان الشعر في ذلك الوقت شريفا جليلا. أما ترى الجوائز عليه من ~~المائة ألف درهم إلى ما دون ذلك؟ لأن شعراء ذلك الوقت كانوا يعزونه، ويأتون ~~به في وقته، وكانوا كما يقال على الحقيقة شعراء. وفي عصرنا كل من صح له ~~الوزن والقافية ظن أنه شاعر، فمدح وتعاطى. فإذا وقفت على أشعارهم تجد ~~ألفاظهامتداولة في الشعر، ومعانيها قد ملئت بها دواوين الشعراء. فلا تعثر ~~منها على معنى بديع، ولا لفظ ظريف، ولا طرز مبتكر، ولا أسلوب مبتدع. ~~ويتعاطى أحدهم أنه ينظم في يومه قصيدة، فرخص الشعر ودحض ورفض، وأصبح ~~يتعاطاه من ليس من شكله، ويدخل فيه من يزري بالأدب وأهله، مع كثرة منتحليه ~~وقلة طالبيه، وكما قيل: # ومع الكساد يخان فيه، ويسرق ### | ذكر ذي اليمينين طاهر بن الحسين # لما دخل بغداد، وقتل محمدا الأمين، وجاء برأسه إلى المأمون، ونصب جثته، ~~واستتر في مستتره، بلغه أن إبراهيم المهدي عازم على الخروج للطلب بدم ~~الأمين، واتصل به أن أبراهيم قال: # ألا إنما حزني عليك سجية ... وما عذر مثلي أن يكون مقصرا # بكيتك إذ قل النصير، ولم أجد ... عميرة وهن في العدو، فأثأرا # واتصل بالمأمون. فيروى أن المأمون كان إذا رآه بعد ذلك قال: وجدتها بعد ~~يا بن شكلة. وكانت أم إبراهيم اسمها شكلة. فكتب إليه طاهر: عافانا الله ~~وإياك من السوء، أما أنه قد كان يعز علي أن أكتب إلى رجل من أهل الخلافة ~~بغير الإمرة، ولكني ظننت بك، وتوهمت عليك أنك مائل بالرأي، مضيع بالهوى إلى ~~الناكث المخلوع. فإن يك ما ظننت بك كالذي ظننت بك، فكثير ما كتبت به إليك، ~~وإن يكن غير ذلك فالسلام عليك، أيها الأمير، ورحمة الله وبركاته. وقد كتبت ~~إليك بأبيات: # ركوبك الأمر ما لم تبل فرصته ... جهل، ورأيك بالأقحام تغرير # أقذر بدنيا ينال المخطئون بها ... حظ المصيبين، والمغرور مغرور # تالله ما زالت الدنيا، وصاحبها ... يضحي سليما، ويمسي وهو مقبور # فإن ظفرت مصيبا، أو هلكت به ... فأنت، عند ذوي الألباب، معذور # فاعمل صوابا، وخذ بالحزم ms062 مأثرة ... فلن يذم لأهل الحزم تدبير # فإن ظفرت، على جهل، ففزت به ... قالوا: جهول أعانته المقادير # PageV01P034 # وهذه أبيات رضية حسنة جدا، جزلة بها حكمة. وله أيضا: # ملكت الناس قهرا واقتدارا ... وقتلت الجبابرة الكبارا # ووجهت الخلافة نحو مرو ... إلى المأمون تبتدر ابتدارا # نصبت لا المنايا فاستدارت ... لقاحا، بعد ما كانت نوارا # حبيت المترف المخلوع حتى ... نسجت من الدماء له إزارا # هتكت حجابه، وسريت عنه ... رداء الملك ذلا واقتسارا # فتكت به برغم بني أبيه ... ولو نطقوا لصاروا حيث صارا # أصم عن العتاب، ويزدهيني ... قراع الخيل، إما النقع ثارا # وكان طاهر، مع جودة شعره، ظاهر البلاغة. ولما قتل علي بن عيسى بن ماهان، ~~كتب إلى المأمون بخطه: كتابي إلى أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، من مضرب ~~ابن ماهان، ورأسه بين يدي، وخاتمه في إصبعي. والسلام. ولما قتل الأمين ما ~~في الكتاب الآن إنشاء رسالة، لتعرض على طاهر، فيكتب ما يستحسن، فدعا ~~بكاتبه، وقال: اكتب: أما بعد، فإن المخلوع، وإن كان قسيم أمير المؤمنين في ~~النسب واللحمة، فقد فرق بينهما حكم الكتاب في الولاية والحرمة، لمفارقته ~~وفيه عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين. يقول الله عز وجل في حق ~~نوح وابنه: " يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح " ولا طاعة لمخلوق ~~في معصية الخالق. وكتابي إلى أمير المؤمنين، وقد قتل الله المخلوع، ورداءه ~~رداء عمله ونكثه، وأحمد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظر من صدق ~~وعده، والحمد لله رب العالمين. # ولما قدم المأمون مدينة السلام ولى طاهرا خراسان، وصار إلى سمرقند، فصعد ~~المنبر فحمد الله، واثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه، ثم قال: من ~~كان أقلته خوف، أو أرقه جور، فهذا أوان العدل، فلينم. فلما تمكن بخراسان، ~~جعل إبراهيم بي المهدي وغيره يحضون المأمون على قتله، ويحذرونه غائلته، فهم ~~المأمون بالإيقاع به، وإعمال الحيلة عليه. فاتصل به بعض ذلك، فقال: # عتبت على الدنيا، فجفت ضروعها ... فما الناس إلا بين راج فعايف # وأصبحت في دهر، كثير صروفه ms063 ... كأني فيه من ملوك الطوائف # قتلت أمير المؤمنين، وإنما ... بقيت فداء، بعده، للخلائف # وقد بقيت في أم رأسي فتكة ... تكون لحزم، أو لرأي مخالف # فاتصل شعره بالمأمون، فأظهر خلاف ما كان عزم عليه. ### | ذكر أبي العباس عبد الله بن طاهر # أجمع الرواة أن عبد الله بن طاهر أشعر من أبيه. وكان المأمون يدعي ~~تربيته، ويسميه غرس يدي. وكان ذا بأس ونجدة وسخاء وحلم. ومن شعره: # إذا أنا لم أقض الحقوق، ولم تكن ... تغول يدا جودي العقيلة من مالي # فلا كان لي مال، ولا زلت معدما ... فأحسن من بخل على الناس إقلالي # دعي عنك لومي يا أميم، وأيقني ... بأن قضاء الحق مني على بالي # يلومونني أن أكسب الحمد والثنا ... بهذا الحطام الزائل التافه البالي # لهجت بأبيات امرئ القيس هذه ... فأكثرن إسراجي وحطي وترحالي # فلو أن ما أدعي لأدنى معيشة ... كفاني، ولم أطلب، قليل من المال # ولكنني أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # وله أيضا: # واعجبني من فتى، شبيبته ... في عنفوان، وماؤها خضل # وهو مقيم بدار مضيعة ... طباعه، في امتحانه، الفشل # راض بقوت المعاش، متضع ... على تراث الآباء يتكل # لا حفظ الله ذاك من رجل ... ولا رعاه، ما حنت الإبل # كلا، وربي حتى يكون فتى ... قد محنته الأسفار والرحل # تغدو به همة تنازعه ... وطرفه بالسهاد مكتحل # تخاله المرهف الحسام إذا ... هم بأمر لم يثنه الكسل # نال بلا ذلة، ولا ضرع ... ولا بوجه تقوده الحيل # إلا بعضب أومت بشقوته ... كف تمطى به فتى بطل # فتاه طولا على السيوف، كما ... أدبها في الجماجم العمل # أعلت له ذكره فكافأها ... ما إن تولت في طغوها القبل # حتى متى تخدم الرجال، ولا ... تخدم يوما، لأمك الهبل # PageV01P035 # متى يرجى الغنى، إذا نزلت ... بعقوتيك الأسقام والعلل # ومما يستحسن من شعره: # فتى إذا ما الحرب قامت به ... قام مقام الأسد الورد # تحسبه عبدا لأخوانه ... وليس فيه خلق العبد # قال: وأخذه من قول عروة بن الورد: # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما في إلا تلك من خلق العبد ms064 # وقال الآخر: # مخدمون، كرام في مجالسهم ... وفي الرحال، إذا صاحبتهم، خدم # وما أجالس من قوم فأذكرهم ... إلا يزيدهم حبا إلي هم # وقال آخر: # لعمر أبيك الخير إني لخادم ... صحابي، وإني، إذ ركبت، لفارس # وإني لعبد الله من غير ريبة ... وحاميهم بالسيف، والدين قابس # وقال الآخر: # عبيد أخوانهم، حتى إذا ركبوا ... يوم الكريهة، فالآساد في الأجم # وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى، ومما يستحسن من شعره في الغزل: # نحن قوم تذيبنا الأعين النج ... ل، على أننا نذيب الحديدا # وترانا عند الكريهة أحرا ... را، وفي السلم للغواني عبيدا # نملك البيض، ثم تملكنا البي ... ض الرقيقات أوجها وخدودا # لا نصد الوجوه من خشية المو ... ت، ونخشى من الغواني صدودا # أخذ هذا المعنى المحدثين فقال: # تقتنص الآساد من غيلها ... وأعين الغيد لها صائدة # ينبو الحسام العضب عنا، وقد ... تقدح فينا أعين قاصدة # تهابنا الأسد، ونخشى المها ... آبدة ما مثلها آبدة # ومن هذا قول صريع الغواني: # نبادر ابطال الوغى فنبيدهم ... ويقتلنا، في السلم، لحظ الكواعب # وليست سهام الحرب تعني نفوسنا ... ولكن سهام فوقت بالحواجب # ومن هذا: # فيا عجبا أن الليوث تهابنا ... وتلعب بالألباب منا الجآذر # ومات عبد الله بن طاهر وهو ابن ثمان وأربعين سنة. ومن جيد قصائده: # سحاب الصبى عنا جميعا تقشعا ... فأورق عود الحلم فينا، وأينعا # خليلي قد بان الشباب، وأصبحت ... ديار التصابي واللذاذة بلقعا # عنيت زمانا بالشباب، ولم أزل ... بحدته، قبل المشيب، ممتعا # فلما تفرقنا كأن الذي مضى ... من العيش لم ننعم به ليلة معا # وعاذلة هبت بليل تلومني ... على أربع، أكرم بما هن أربعا # رأتني أهين المال في طلب العلى ... وأبذله للضيف جاء مروعا # وأغضي على أشياء، مما تريبني ... ولو شئت غص المرء بالماء مجرعا # وأركب حد السيف في حومة الوغى ... إذا لم أجد إلا إلى السيف مفزعا # وأسحب ذيلي في الرخاء بخرد ... حسان، كنظم الدر لما ترصعا # فيوما تراني في شباب أجرها ... ويوما تراني في الحديد مقنعا # أعاذل من لم يبذل المال في العلى ... يكن للتي يسمو إليها مطيعا # فلست ms065 ببدع في سموي إلى العلى ... ورفضي دنيات الأمور ترفعا # أبي رجع الإسلام غضا لأهله ... وقد مال ركناه، بهم، وتضعضعا # وآب على مخلوعها بمصمم ... فطار من الدنيا جنانا مفزعا # عشية ألقى الموت بالخلد بركه ... ولله يوم كان ما كان أشنعا # وكان حسين لا كفاء لفضله ... وجد أبي كان الرئيس المشيعا # أولئك أصل، لم تخنه قرومه ... ولم يلدوا إلا هماما سميدعا # أعاذل من لم يغض عينا على قذى ... يعش واحدا في الناس، حتى يودعا # ومن مراثي عبد الله قوله يرثي أخاه: # من ذا يساعدني على الدهر ... أم من يعين بعبرة تجري # دهر غدا من غير مأثرة ... عندي، ولا نبل، ولا وتر # إلا تكن ترة لديك له ... فلقد رماك بقاصم الظهر # فغدا على كهف الأنام، إذا ... ما ضن عنا الغيث بالقطر # عمت مصيبته، ولا جلل ... ما عم أهل البدو والحضر # ولقد يكون وحوله عصب ... كالليث وسط مزاعم غبر # لا يسأمون، ولا يرون لهم ... حصنا، سوى الهندي، والصبر # PageV01P036 # فمضى وقلبي له ألم ... متوقد كتوقد الجمر # عجبا لأرض كان يسكنها ... ولقد يضيق بجوده الغمر # حتى إذا أودى به حدث ... وارته عنا ظلمة القبر # لا كالحسين نما لصاحبه ... وشجى لأهل النكث والغدر # يا ابن الجحاجحة الذين مضوا ... فضلوا الأنام بأحسن الذكر # الواهبين طريف ما لهم ... وتليده في العسر واليسر # يسقون ضيفهم الحليب من ال ... لأدم الغزار، مواتر الدر # حتى إذا ضنت بدرتها ... درت لضيفهم من النحر # وهم الملوك على الأنام، وهم ... أهل القباب، وساسة الأمر # فورثت صالح ما حووا، ولقد ... زينت ذاك بأطيب الخبر ### | ذكر أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر # كان عبيد الله أغزر القوم شعرا، واكثرهم بيتا نادرا، وله أشعار قديمة، ~~أيام أبيه، وكان له بنون يقولون الشعر كلهم، منهم: محمد وسليمان. وقال: # وإني لأعطي كل أمر بقسطه ... إذا الخطب عن حزم الروية أجهضا # فأستعتب الأحباب، والخد ضارع ... وأستعتب الأحباب، والسيف منتضى # وقال في ابن له سماه يحيى فاخترم: # وسميته يحيى ليحيا، فلم يكن ... لرد قضاء الله فيه سبيل # تيمنت فيه ms066 الفأل لما رزقته ... ولم أدر أن الفأل فيه نبيل # وله أيضا: # وإني لأعفى ما أكون، إذا اعتلت ... بالانتقام أناملي وذراعي # والناس يلزم أن يكون أمنهم ... بالعفو أقدرهم على الإيقاع # وقول الأخطل: # شمس العداوة، حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # وقال أيضا: # إذا بلغ المكروه أقصى حدودهم ... ولم تك فيه حيلة لمحاول # فهبه، إذا، كالموت، واجعل أشده ... كأهونه، وافزع إلى صبر عاقل # وله أيضا: # ألم تر من تذوي عليه يمينه ... فيقطعها عمدا، ليسلم سائره # فكيف تراه بعد يمناه فاعلا ... بمن ليس منه حين تذوي سرائره # وله ايضا: # ليس في كل حالة وأوان ... تتهيا صنائع الأخوان # فإذا أمكنت تقدمت فيها ... حذرا من تعذر الإمكان # وهذا المعنى مأخوذ من قول الأول: # وما كل حين يسعد الدهر أهله ... ولا يمكن المعروف أهل التواصل # وما الناس إلا حالة بعد حالة ... فمهما ترد من فعل خير، فعاجل # وقال في الغزل: # حمى الأعادي علينا الوصل فاتفقت ... أسرارنا، فتقاطعنا بإعلان # وحسبنا أن تراضينا على ثقة ... بجفوة، فتواصلنا بهجران # وله أيضا: # تريدين أن أرضى وترضي، وتمسكي ... زمامي، ما عشنا معا، وعناني # إذا، فانظري الدنيا بعيني، واسمعي ... بأذني، وانطقي بلساني # وله أيضا: # فبتنا على رغم الحسود، وبيننا ... حديث كريح المسك شيبت به الخمر # حديث لو أن الميت يحيى بذكره ... لأصبح حيا، بعدما ضمه القبر # وله أيضا: # ولما رأيت البين قد جد جده ... وقد حان من ليل الفراق ركود # بكيت فأمطرنا دموعا، سماؤها ... جفون عيون، والبقاع خدود # أخذه من أبي تمام: # مطر من العبرات خدي أرضه ... حتى الصباح، ومقلتاي سماؤه # وقال: # ومنتصب لصبوح المدام ... نازعته الراح حتى انجدل # ومنجدل بنعاس الخمار ... نازعته الراح حتى اعتدل # وله أيضا: # يا صاح هلا زرتنا في مجلس ... حضر السرور به، فنعم الحاضر # زمن المغني فيه من إحسانه ... والكأس دائرة، وغنى الزامر ### | ذكر محمد بن عبد الله ابن طاهر، ابي العباس # كان محمد شعرا دون شعر أبيه. إنما كان بليغا في التوقيعات والرسائل، وكان ~~يعرف النجوم معرفة حسنة. ومرض مرة، فلم يعه أخوه، فكتب ms067 إليه: # إني رأيت على سلو ... ك من فعالك شاهدا # إني اعتللت فما فقد ... ت، سوى رسولك، عائدا # ولو اعتللت، ولم أجد ... شيئا إليك مساعدا # لاستشعرت عيني الكرى ... حتى أزورك راقدا # PageV01P037 # فكتب إليه عبيد الله: # كحلت مقلتي بشوك القتاد ... لم أذق، مذ حممت، طعم الرقاد # يا أخي الحافظ المودة، والنا ... زل من مقلتي مكان السواد # منعتني، الغداة، رقة قلبي ... من دخولي عليك في العواد # لو بأذني سمعت منك أنينا ... لتقطع مع الأنين فؤادي # وهذا المعنى مأخوذ من قول محمد بن مسعود البجلي، حيث يقول: # لا تلمني إذا لم أعدك، فإني ... لم تطق أن تراك عيني مريضا # ودخل سوار بن عبد الله القاضي على محمد بن عبد الله فقال: # لنا حاجة، والعذر فيها مقدم ... خفيف معلاها، مضاعفة الأجر # فإن تقضيها، فالحمد لله وحده ... وإن عاق مقدار، ففي أوسع العذر # وأعلم أن الله معط ومانع ... وللنجح أسباب بها قدر يجري # فقال محمد بن عبد الله بديها: # فسلها، تجدني موضعا لمكانها ... سريعا إليها، لا يخالجني فكر # وإني لذو جود عليك بضعفها ... وإن لم يكن فيما حوته يدي شطر # فهذا قليل في الذي قد رعيته ... بحقك، لا من عليك، ولا فخر # فقال القاضي: اريد كتابا إلى موسى بن عبد الملك في تعجيل أرزاقي. قال: ~~أوخير من ذلك أعجلها من مالي، وأكتب إلى موسى، فإذا وصلت كنت مخيرا في ردها ~~أو أخذها. قال: وأنت والله يا أمير كما قال القائل: # فبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره # وكفاك أندى من المع ... صرات في الليلة الثجة الماطره # وكفك ألف بالمعتفي ... ن من الأم بابنتها الزائره # فمنك العطاء، ومنا الث ... ناء بكل محبرة سائره # ومن قصائده المختارة التي ذهب فيها مذهب العرب، واستطرف قافيتها ورويها، ~~وهذب ألفاظها: # يا من لصب أصاب مقلته ... بين مشت، بالأمس، حم له # فشفه همه، وكابد من ... حندس ليل التمام أطوله # ولم تذق عينه الرقاد إلى ... أن شق نور الصباح عيطله # لما تقضى بالهم آخره ... أعاد ذكر الفراق أوله # وبات يرعى النجوم مرتفقا ... قد غره ms068 دمعه فأهمله # فانهل كالغرب أعملوه ... وقد أوهت يمين الصناع أسفله # يجري على الخد والسوالف حتى ... غاص في ثوبه فبلله # ما كان ألهاه قبل ذاك، وما ... كان بقرب الحبيب أجذله # فإن يكن حادث الزمان رمى ... الجسم بخطب، تراه أنحله # وأصبح الشيب في المفارق قد ... غال قناع الصبا، وبدله # كما حدا الليل بعد عسعسة ... ضوء نهار بدا، فرحله # فقد ترى الخرد الحسان به ... يطفن أو يقتربن منزله # يلهيه منهن من يشاء ومن ... شاء بحلو الحديث علله # يقلن جهرا، وفي الضمائر ما ... أحسن هذا الفتى، وأجمله # لو لم تبذر كفاه ما حوتا ... ولم يباشر في البأس أهوله # أردن نصحا فيما كرهن له ... ولم تكن نفسه لتقبله # لن يدرك المجد من يحاوله ... حتى ينال الغنى فيبذله # ويرهب المعتدون صولته ... ورمحه، في الوغى، ومنصله # إن يعمهم من خطوب دهرهم ... يكفيهم الرأي منه مفصله # فيحمد المعتقون نائله ... والخائف المستجير موئله # يا رب غيث قد بت أرقبه ... أشتم من برقه تهلله # كأنما لمعه مهند ذي ... طائلة سله، فأعمله # وخلته، والعراق مهبطه ... يضيء من ليل نجد ليله # ورعده إذ دنا له رحل ... كجندل الطود، هد جندله # ما زال نوء السماك يجمعه ... حتى إذا ما استتم، أسبله # فأمرع الناس والسوام حيا ... أحيى به الله حين أنزله # ثم اغتدينا للصيد، حيث سقى ... من طف أرض القرى فأخضله # بأعوجي في عطفه أرن ... أدمج في خلقه، فأكمله # صافي أديم الأهاب تعرف من ... ذي العنق، في حده، تسهله # فهو كأثفية ململمة ... لا عيب فيه لمن تأمله # تراه يوم الرهان من زمع ... يبدي استماع الصهيل أو كله # PageV01P038 # وإن تراه والخيل في قور ... سمعت بين الضلوع أزمله # مجاهد الصيد، مبتغيه به ... ولم يضائل شخصا ليختله # كأنما كن إذ دعون به ... قطا تراءت بالجو أجدله # وكفه بالعنان قابضة ... ليبصر القصد، ثم أرسله # فبل شأو الجواد في طلق ... ظليمه راغما، ومسحله # والناشط المستطير بعدهما ... ألحق حد السنان مقتله # والظبي لما شآه أدركه ... بالعفو من جريه، فجدله # فكلهم لم يبل بمهجته ... ولم يفت جهده تمهله # عفر منها الوجوه ms069 فارشة ... من قبل، بل الحميم أيطله # بذي غرانين كالهلال إذا ... خالط عضوا، أبان مفصله # يعله من نجيعه دفعا ... من بعدما كان منه أنهله # وراح والغاديات قد خضبت ... بالدم أرساغه وأكحله # ومن مختار غزله ومليح تشبيهه: # وأحور مسترخي الجفون كأنه ... به سنة، أو قد أطاف به السكر # له وجنات من بياض وحمرة ... فحافاتها بيض، وأوساطها حمر # رقاق يجول الماء فيها كأنها ... زجاج تلالا في جوانبها الخمر # تروق عيون الناظرين نعوتها ... ويجرحها، في نورها، النظر الشزر # وله أيضا: # أما عجبي مني وقوفي على الدهر ... وطول انتظاري في الهوى دولة الصبر # أكاتم حبيها، مخافة هجرها ... فقد خفت منه أن أموت ولا أدري # أراني سأبدي عند أول سكرة ... هواي إليها في سكون وفي ستر # فإن رضيت كان الرضا سبب الهوى ... وإن سخطت مني أحلت على السكر ### | ذكر سليمان بن عبد الله بن طاهر # لم تكن له قصيدة طويلة، وإنما كانت له مقطعات حسنة. منها يصف جارية ~~مغنية، وهي أبيات مشهورة ما رأيت أحدا يعرف قائلها: # جاءت بوجه كأنه قمر ... على قوام كأنه غصن # غنت فلم تبق في جارحة ... إلا تمنيت أنها أذن # وله أيضا: # ما استضحك الطيب إلا عن تراقيك ... ولا بدا الحسن إلا في نواحيك # من مقلتيك رأينا الحسن مبتسما ... زهوا، كما ابتسم الأغريض من فيك # يا منية النفس ردي غير صاغرة ... علي قلبا ثوى رهنا بحبيك # ما استحسنت مقلتي شيئا فأعجبني ... إلا رأيت الذي استحسنته فيك ### | أسماء شعراء الكتاب ### | وما يختار من اشعارهم # لم يكن للكتاب:، في صدر الغسلام، كبير حظ في الشعر ولا في ايام مروان، ~~لأن عبد الملك كان كاتبا لمعاوية، وزيادا كاتب المغيرة، وعمرو الأشدق كاتب ~~المدينة، وقبيصة بن ذؤيب كاتب عب الملك، والحسن البصري كاتب الربيع بن ~~زياد، ومحمد بن سيرين كاتب أنس، والشعبي كاتب عبد الله بن مطيع، وسعيد بن ~~نصير كاتب عبد الله بن عروة، وعبد الحميد كاتب مروان. هؤلاء الكتاب ~~المعروفون. وإنما لم يكثر الكتاب من الشعر والبلاغة إلا في ايام بني ~~العباس، وصل الله ms070 أيامهم بيوم الساعة، وفرض لهم على الخلائق أجمعين صدق ~~الإخلاص ومحض الطاعة، خصوصا على أغزرهم جودا، وأنجزهم وعودا، واشدهم قوة، ~~وأوفرهم مروءة، سيدنا ومولانا الإمام أمير المؤمنين، الذي أصبحت أيامه في ~~وجه الدهر غرة شادخة، وخلافته في الإسلام عزة باذخة، وإمامته لبني العباس ~~رتبة شامخة، وكما قلت فيه: # كسا بني العباس كل مفخر ... أسلف منه رحمة للسلف # وأكرم القوم الألى من هاشم ... لما سما أشرفهم للشرف # أعطى، إلى أن قال جود كفه ... كف، فقد جاوزت حد السرف # تمشي عفاة بره جائزة ... بما حباها، لتعود تقتفي # ولي فيه: # خليفة من بني العباس ما تركت ... آلاؤه مفخرا ينمى إلى أحد # وكلما ازداد إنعاما، يقول له ... علو همته في المكرمات: زد # وفيه أيضا: # روت الخلافة عنه كل فضيلة ... بيد الكرام الكاتبين تبجل # ما زينته وإنما هو انها ... وكذا المليحة للحلي تجمل # وفيه أيضا: # قرشي نماه من محتد العب ... اس فرع يعلو به كيوانا # كل جد يروي الخلافة عن جد ... د، فيرضي النبي والرحمانا # PageV01P039 # شرفوا دهرهم، وشرفهم من ... هم إمام قد شرف الايمانا # لو رأوه صلوا عليه، وألفو ... ه إماما يدعونه مولانا # فلهذا أجنى لهم ذكر فخر ... قد غدا، في كتابهم، عنوانا # وفيه ايضا: # قسما لو رأته يوما قريش ... فضلته على بني البطحاء # أو أتاهم يوم السقيفة لم يل ... تف للعذر سعدها بكساء # وفيه أيضا: # يروي الخلافة فيه عن آبائه ... بأصح إسناد، وعن أعمامه # أعطى إلى أن لم يدع في عصره ... ذا فاقة شكواه من إعدامه # وإذا حبا البحر السحاب بمائه ... فغلامه يعطي الندى لغلامه # تجد العفاة ببابه، فتظنهم ... من كثرة الإكرام، من ألزامه # فمن شعراء الكتاب من كان شعره حسنا، وله سعادة. ومنهم من كان شعره جيدا، ~~وكان متجملا. ومنهم من جمع بين السعادة وجودة الشعر. فممن نذكره في هذا ~~الباب، في دولة بي العباس: يعقوب بن الربيع، وغبراهيم بن العباس الصولي، ~~وسعيد بن حميد، وأحمد بن يوسف، والحسن بن وهب، ومحمد بن عبد الملك، والحسن ~~بن رجاء، وجابر بن يزيد الكاتب، وإبراهيم ms071 بن المدبر، وعلي بن يحيى. ### | ذكر يعقوب بن الربيع # كان يعقوب شاعرا حلوا، طريفا، مقبولا. وأكثر شعره، الذي اشتهر عنه، ما ~~رثى به ملك جاريته. ولها وله قصة عجيبة، وحكاية غريبة. وذلك أنه هوى جارية ~~اسمها ملك، هوى كاد يتلفه. وبقي سبع سنين يجتهد في تحصيلها، ويبذل في ثمنها ~~كل ما يقدر عليه، فلا يتهيأ له. فلما رأى أهله ما يحل به، ويقاسي من البكاء ~~والحزن، عذلوه ولاموه، ثم حثوه على مداومة اللهو ومعاقرة الشراب، والتسلي ~~بغيرها، لعسى يجد في ذلك بعض سلو وراحة مما هو عليه من عذاب المحبة. فأجاب ~~إلى ذلك اياما، فما رؤي يزداد إلا غراما على غرامه، وهياما على هيامه. فترك ~~ذلك، ورفض اللهو والشراب، وقال: # زعموا أن من تشاغل بالله ... و، سلا عن حبيبه، وأفاقا # كذبوا، ما كذا بلونا، ولكن ... لم يكونوا، فيما أرى، عشاقا # كيف شغلي بلذة عنك، واللذ ... ات يحدثن لي إليك اشتياقا # كلما رمت سلوة، تذهب الحر ... قة، زادت قلبي عليك احتراقا # وله أيضا: # زعموا أن من تشاغل باللذ ... ات عمن يحبه يتسلى # كذبوا، والذي تقاد له البد ... ن، ومن طاف بالحجيج وصلى # لرسيس الهوى أحر من الجم ... ر على قلب عاشق يتقلى # والناس في طريق السلو على اختلاف. فمنهم من زعم أن التشاغل يسلي، ومنهم ~~من زعم أن الأسفار وإدمان السير يسلي، ومنهم من زعم أن قطع الرجاء واستعمال ~~اليأس يسلي ومنهم من زعم أن العاشق إذا تسلى بمن يماثل محبوبه، أو يماثله ~~ويشغل قلبه بمحبوب آخر يتسلى. وسنذكر في ذلك ما يسنح. # فمن صرف الهوى إلى غير من يهوى، زعم أن ذلك زاد غرامه وصبابته، وهيج شوقه ~~وكآبته. وقال دعبل: # ولما أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال، ولا أهل # تسلى بأخرى غيرها، فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى، ولا تسلي # وقال الآخر خلاف ذلك: # ولما رأيتك خوانة ... ترين القبيح فعالا جميلا # تسليت عنك بما لا أحب ... ودب السلو قليلا قليلا # وقال الآخر: # سألت المحبين الذين تكلفوا ... تكاليف ms072 هذا الحب في سالف الدهر # فقالوا: شفاء الحب حب يزيله ... لآخر، أو نأي طويل على بحر # وقال الآخر: # إذا ما شئت أن تسلو حبيبا ... فأكثر دونه عدد الليالي # وقال الآخر يرد ذلك: # وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل، وأن النأي يشفي من الوجد # بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على ذاك قرب الدار خير من البعد # فقال دعبل يرد ذلك: # فلا البعد يسليني، ولا القرب نافعي ... وفي الطمع الأدناء، واليأس لا ~~يبري # وقال الآخر: # تداويت من ليلى بليلى من الهوى ... كما يتدوى شارب الخمر بالخمر # يقولون عن ليلى صبرت، وإنما ... بي اليأس من ليلى، وما بي من صبر # وقال الآخر، وهو مليح: # PageV01P040 # فإن تسل عنك النفس، أو يذهل الهوى ... فباليأس أسلو عنك، لا بالتجلد # وقال الحارث بن حلزة: # ويئست مما قد شغفت به ... منها، ولا يسليك كاليأس # وقال الآخر يرد هذه الأقاويل: # أرى الألف يسلو للتنائي وللهوى ... ولليأس، إلا أنني لست ساليا # وقال الزبير بن بكار: # ولما بدا لي أنها لا تحبني ... وأن فؤادي ليس عني بمنجل # تمنيت أن تهوى سواي، لعلها ... تذوق حرارات الهوى، فترق لي # ثم قال الآخر: طريقنا إلى السلو وبرد الأكباد من الغرام والاكتئاب، وكأنه ~~أصاب في هذا الباب: # شفاء الحب تقبيل وضم # وقال بعض أهل العصر: # والله ما يشفي المحب ... سوى اعتناق والتزام # ودوام ما تختاره ... حتى تمل من الدوام # رجعنا إلى قصة يعقوب بن الربيع وقصة ملك، التي كان يهواها. قال: فلما ~~جاوز السبع سنين ظفر بها، فلم تلبث عنده إلا ستة أشهر، ثم ماتت. فناله من ~~الحزن والجزع عليها أكثر مما كان يلقاه من حبها. فما رثاها به قوله: # إنما حسرتي، إذا ما تفكر ... ت، عنائي بها، وطول طلابي # لم أزل في الطلاب سبع سنين ... أتأتى لذاك من كل باب # فاجتمعنا على اتفاق وقدر ... وغنينا، من فرقة، باصطحاب # أشهر ستة صحبك فيها ... كن كالحلم، أو كلمع السراب # فأتى في شعره بجملة خبره. وقال في شعر آخر: # خلس الزمان أعز مختلس ... ويد الزمان ms073 كثيرة الخلس # لله هالكة فجعت بها ... ما كان أبعدها عن الدنس # أتت البشارة والنعي معا ... يا قرب مأتمها من العرس # فشاركه في هذا المعنى جماعة. وألطف ما سمعت قول لبابة بنت علي بن المهدي، ~~وكانت زوجة الأمين، فقتل ولم يدخل بها: # أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والفرس # أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس # ولإبراهيم بن المهدي يرثي ابنه أحمد: # بكيت على أحمد المختلس ... بدمع يرد مجاري النفس # وناديت في القبر جثمانه ... فلا الرمس رد، ولا المرتمس # ويوم وفاتك يوم الملاك ... ويوم الختان، ويوم العرس # وممن أجاد وبرز في وصف قرب الحياة من الممات محمد بن حسان، في قوله يرثي ~~ولده أحمد، وقد توفي طفلا: # هيي لأحمد في الثرى بيت ... وخلا له من أهله بيت # فكأن مولده ومأتمه ... صوت دعى، فأجابه صوت # ولمحمد الأموي يرثي طفلا له: # فطمتك المنون قبل الفطام ... واعتراك النقصان قبل التمام # بأبي أنت ظاعن، لم أمتع ... بوداع منه، ولا بسلام # ومن أحسن ما سمعت في هذا الباب للتهامي في طفل له: # يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... وكذا تكون كواكب الأسحار # وأحسن من هذا لابن رومي: # بني الذي أهدته كفاه للثرى ... فيا عزة المهدى، ويا خسرة المهدي # لقد قل بين اللحد والمهد لبثه ... فلم ينس عهد المهد، إذ ضم للحد # عجبت لقلبي كيف لم ينفطر له ... ولو أنه أقسى من الحجر الصلد # وهذا باب يطول. وقال يعقوب، أيضا، يرثي ملكا: # أمر بقبر فيه ملك مجانبا ... كأني لا أعنى بصاحبة القبر # أمر إذا جاوزته متلفتا ... تلاحظه عيني، ودمعتها تجري # فلو أنني إذ حل وقت حمامها ... أحكم في عمري، لشاطرتها عمري # فحل بنا المقدار في ساعة معا ... فماتت ولا أدري، ومت ولا تدري # فإن تبقني الأيام للدهر لعبة ... فقد كنت، قبل اليوم، ألعب بالدهر # وهذا معنى مليح جدا. وقد تقدم في ذلك قول بشار: # الله صيرها وصورها ... لاقتك، أو أتبعتها ترها # نصبا لعينك لا ترى نزها ... إلا ذكرت بها لها شبها # إني لأشفق أن ms074 أؤخرها ... بعدي، وأكره أن أقدمها # وقول الآخر مطبوع: # لا مت قبلك، بل حيينا ... نكوي قلوب الحاسدينا # نحيى جميعا، والسرو ... ر لنا جميعا ما حيينا # PageV01P041 # فإذا المنية أقصدت ... كنا جميعا ميتينا # ومن هاهنا أخذ محمد بن يزيد: # لا مت قبلك يا أخي، لا بخلة ... بالنفس عنك، ولا تمت قبلي # وبقيت لي، وبقيت منك كذا ... متمتعين بأجمع الشمل # حتى إذا حضر الحمام لبيتنا ... فرمى لمدة غاية المهل # متنا جميعا، لا يؤخر واحد ... عن واحد، لحرارة الثكل # وكفاك من نفسي شهيد صادق ... يا صاح إنك عندها مثلي # وحكى الأصمعي قال: عرضت على الرشيد جاريتان، فقالت الأولى منهما وسابقت: ~~السابقون السابقون، أولئك المقربون. ثم تقدمت الثانية فقالت: وللآخرة خير ~~لك من الأولى، فاشتراهما لظرفهما. فقلت: يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن ~~أفاكههما؟ قال: شأنك. فقلت لإحداهما: من أحسن عيشا؟ قالت: من قنع ثن ساعده ~~القدر، فاستمتع بهواه قبل أن تخلفه الأيام. ثم أقبلت على صاحبتها لأسألها، ~~فقالت: يا بغيض، الجواب واحد، والقلوب متفقة، ولا فرق بيننا، ونحن كما قال ~~الشاعر: # نحيى معا، ومعا نمو ... ت، ولا نموت، كذا، سريعا # وكما اجتمعنا في الحيا ... ة، نفارق الدنيا جميعا # وله أيضا فيها: # يا أعظم بليت في قعر مظلمة ... في حفرة قد سلا عنا بواكيها # لو تسمعين دعائي لاستجبت له ... وهل تجيب عظام من يناديها # صوت يناديك أن لو تعلمين به ... أغررت دعوته ألا تجيبيها # هذا الذي كنت في الدنيا ضجيعته ... لم تستعض نفسه إلفا يسليها # وله أيضا: # حتى إذا افتر اللبان، وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النرجس # وتسهلت منها محاسن وجهها ... وعلا الأنين تحثه بتنفس # رجع اليقين مطامعي يأسا، كما ... رجع اليقين مطامع المتلمس # فلما أكثر يعقوب المراثي وأفرط، وبقي لا ينام الليل، وقل أكله، وكثر ~~جزعه، خيف عليه الهلاك. وكان لملك رفيقة يقال لها طرب أنس بها، فاشتروها ~~له، وأمروها بمداعبته وملازمته، ليسلو بها عن ملك. فكان ذلك كما راموا، أن ~~طربا تمكنت من قلبه. فقال: # فجعت بملك وقد أينعت ... وتمت، فأعظم بها من مصيبه ms075 # فأصبحت مغتربا بعدها ... وأمست بحلوان ملك غريبه # أراني غريبا، وإن أصبحت ... منازل أهلي مني قريبه # حلفت على أختها بعدها ... فصادفتها ذات عقل، أديبه # وقلت لها: مرحبا، مرحبا ... بوجه الحبيبة أخت الحبيبه # سأصفيك ودي حفاظا لها ... كذاك الوفاء بظهر المغيبه # أراك كملك، وإن لم تكن ... لملك من الناس عندي ضريبه # فلم تلبث، أيضا، طرب أن لحقت بملك. فلقي جهدا، واشفى على الموت، وقال: # لقد سخنت عيني بملك، وسهدت ... فما رقدت حتى وصلت سهادها # وكانت لنا نار توقد في الحشا ... فما خبأت، حتى شببت وقودها # أنست بروعات المصائب بعدها ... وبعدك، حتى ما أبالي مزيدها # رأيت ثياب الناس في كل مأتم ... إذا اختلفوا، بيض الثياب وسودها # وإني على ملك لبست ملاءة ... من الحزن لم يبل الزمان جديدها # قال مؤلف الكتاب: وجدت أبا الحسن محمد بن عبد الله الموصلي، مؤلف كتاب ~~أصناف الشعراء قد أطنب في وصف بيت واحد في هذه القطعة، وهو: # أنست بروعات المصائب بعدها ... وبعدك، حتى ما أبالي مزيدها # وذكر أنه من نادر الشعر، مع ما فيه من الجزالة والرقة. وللخنساء في معنى ~~هذا البيت، ولليلى الأخيلية، ولخرنق بنت هفان، وعقيل بن علقمة. فأما ~~الخنساء فقالت: # وقائلة، والنفس قد فات خطوها ... لتدركه: يا لهف نفسي على صخر # ألا هبلت أم الذين اغتدوا به ... إلى القبر، ماذا يحملون إلى القبر # فشأن المنايا إذ أصابك ريبها ... لتغدو على الفتيان بعدك، أو تسرى # وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة: # فأقسمت أبكي بعد توبة هالكا ... وأحفل من دارت عليه الدوائر # وقلت خرنق ترثي زوجها بشرا: # فلا، وأبيك، آسي بعد بشر ... على حي يموت، ولا صديق # وقال عقيل: # PageV01P042 # كأن المنايا تبتغي في خيارنا ... لها ترة، أو تهتدي بدليل # لتأت المنايا حيث شاءت، فإنها ... محللة بعد الفتى بن عقيل # فتى كان مولاه يحل بنخوة ... محل الموالي بعده بمسيل # أخذ هذا المعنى جماعة، منهم الأحنف، فقال: # لئن كانت الأحداث أطولن عبرتي ... لفقدك، أو أسكن قلبي التخشعا # لقد آمنت نفسي المصائب كلها ... فأصبحت منها آمنا أن أروعا # فما أتقي للدهر، ms076 بعدك، نكبة ... ولا أرتجي للدهر، ما عشت، مرجعا # فسلم على اللذات، واللهو، والصبى ... تولى بها ريب الزمان فأسرعا # فأخذه ابن المقفع، فقال يرثي أبا عمرو بن العلاء: # رزينا، أبا عمرو، ولا حي مثله ... فلله صرف الحادثات بمن يقع # فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي خلة، ما في السواد لها طمع # فقد جر نفعا فقدنا لك، أننا ... أمنا على كل الرزايا من الطمع # وأخذ هذا يعقوب بن الربيع فقل: # لئن كان قربك لي نافعا ... لبعدك أصبح لي أنفعا # لأني أمنت رزيا الدهور ... وإن جل خطب، بأن أجزعا # وأخذه أبو نواس فقال: # طوى الموت ما بيني وبين محمد ... وليس لما تطوي المنية ناشر # وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر # لئن عمرت دور بمن لا نحبه ... لقد عمرت ممن نحب المقابر # وقال العتبي: # فيا فجعة الدنيا بمن شبت بعده ... فسيان مضنون به وضنين # وقال مروان: # رمتنا المنايا، يوم بان، بحادث ... بطيء تداني شعبه المتبدد # فقل للمنايا ما أردت بقية ... علينا، فعيشي كيفما شئت، وافسدي # وأنشد مؤرج: # وفارقت حتى ما أبالي من النوى ... وإن بان جيران علي كرام # فقد جعلت نفسي، على النأي، تنطوي ... وعيني، على فقد الصديق، تنام # وقول الآخر: # روعت بالبين، حتى ما أراع له ... وبالمصائب في أهلي وجيراني # لم يترك الدهر لي شيئا أضن به ... إلا أتاه بموت، أو بهجران # ولله قول أبي الطيب إذ قال: # فصرت إذا أصابتني نصال ... تكسرت النصال على النصال # وها أنا لا أبالي بالرزايا ... لأني ما انتفعت بأن أبالي # وقوله: # أنا الغريق، فما خوفي من البلل # وقوله: # أنكرت طارقة الحوادث مرة ... حتى ألفت بها فصارت ديدنا ### | ذكر إبرهيم بن العباس # كان إبراهيم مولى لبني المهلب بن أبي صفرة. فلذلك كان يفخرفي شعره ~~بالعرب، ويذهب فيه مذهبهم. ورأيت جماعة من أدباء أهل الموصل خاصة يقدمون ~~إبراهيم لى شعراء الكتاب، ويقولون: قد جمع مع رقة شعره فخامة اللفظ وجزالته ~~وإصابة المعنى. ولشعره ديباجة ورونق ظاهر فيه. وشعره لا يفرق بينه وبين شعر ~~العرب ms077 في الجاهلية والمخضرمين. فمن شعره قوله: # لنا إبل غن يضيق بها الفضا ... وتفتر عنها أرضها وسماؤها # فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستذم دماؤها # حمى وقرى، فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب، يوم حق فناؤها # وله ايضا: # تلج السنون بيوتهم، وترى لها ... عن بيت جارهم ازورار الناكب # وتراهم بسيوفهم وشفارهم ... متسرعين لراغب، أو راهب # حامين، أو قارين حيث لقيتهم ... نهب العفاة، ونهزة للراغب # ومما يتمثل به من شعره: # خل النفاق لأهله ... وعليك فانتهج الطريقا # واذهب بنفسك أن ترى ... إلا عدوا، أو صديقا # وقوله في الفضل بن سهل: # لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل # فنائلها للغنى ... وسطوتها للأجل # وباطنها للندى ... وظاهرها للقبل # وقوله: # أسد ضار إذا ما نعته ... وأب بر إذا ما قدرا # يعلم الأبعد إن أثرى، ولا ... يعلم الأدنى إذا ما افتقرا # وله أيضا: # ولكن عبد الله لما حوى الغنى ... وصار له من بين أخوانه مال # تلقى ذوي الخلات منهم بماله ... فساهمهم حتى استوت بهم الحال # PageV01P043 # ومما يسحسن له من المراثي قولهك # لئن كنت ملى للعيون، وقرة ... لقد صرت قرحا للقلوب الصحائح # وهون ما بي أن يومك مدركي ... وأني غدا من أهل تلك الضرائح # أخذ هذا البيت من دريد بن الصمة في قوله يرثي أخاه: # وهون وجدي أنما هو فارط ... أمامي، وني وارد اليوم، أوغد # وأخذه الآخر فقال: # وهون ما ألقى من الوجد أنني ... مجاوره في قبرهش اليوم أو غدا # وقال إبراهيم في إخوانه: # يا من رماني لما ... رأى الزمان رماني # ومن ذخرت لدهري ... فصار ذخر الزمان # لو قيل لي: خذ أمانا ... من أعظم الحدثان # لما التمست أمانا ... إلا من الأخوان # وله أيضا: # بلوت الزمان، وأهل الزمان ... وكل بلوم وذم خليق # وله أيضا: # دعوتك عن بلوى ألمت صروفها ... وقدرت من ضغن علي سعيرها # وإني إذا أدعوك عند ملمة ... كداعية، بين القبور، نصيرها # وله أيضا: # وإني وإعدادي لدهري محمدا ... كملتمس إطفاء نار بنافخ # أخذه من قوله: # والمستعين بعمرو عند شدته ... كالمستغيث من الرمضاء بالنار # وله أيضا: # لئن صدرت بي ms078 زورة عن محمد ... بمنع، لقد فارقته ومعي قدري # أليست يدا عندي لمثل محمد ... صيانته عن مثل معروفه شكري # وله أيضا: # من يشتري مني إخاء محمد ... بل من يريد إخاءه مجانا # بل من يخلص من إخاء محمد ... وله مناه كائنا من كانا # وله أيضا: # كان إخاء، فصار لي أملا ... فبت بين الرجاء والأمل # تصبح أعداؤه على ثقة ... منه، وأخوانه على وجل # وله ايضا: # ولرب خدن كان إن ... عد الصديق، يعد وحده # رفعته عيني رتبة ... فذممت خلته وعهده # فالدهر كم من صاحب ... إبتزنيه، ثم رده # وكتب إبراهيم إلى إسحاق بن إبراهيم: # ولي ثناءان فاختر، والخيار لمن ... في مثلك أن لا تأخذ الفينا # واعلم بأنك ما أسديت من حسن ... أو سيء، أبدا، أوفيتك الثمنا # وكتب لرجل طلب شفاعته إلى عانمل السند، وركب في البحر: # إن امرءا رحلت إليك به ... في البحر بعض مراكب البحر # تجري الرياح به فتحمله ... وتكف أحيانا، فلا تدري # ويرى المنية كلما عصفت ... ريح به للهول، والذعر # للمستحق بأن تزوده ... كتب الأمان له من الفقر # وكتب لأبي الهذيل المتكلم إلى أحمد بن يوسف: # إن الضمير، متى سألتك حاجة ... لأبي الهذيل، خلاف ما أبدي # فألن له كنفا ليحسن ظنه ... في غير منفعة، ولا رفد # وامنعه دفع اليأس، ثم امدد له ... حبل الرجا بتخلف الوعد # حتى إذا طالت شقاوة جده ... بتردد، فأجبه بالرد # ثم ختم الرقعة. وكان أبو الهذيل قد كف بصره، فلما خرج من عنده دفعها إلى ~~من قرأها. فلما سمع ما فيها رجع إلى إبراهيم، فقال: ما هذا؟ قال: وما ~~أنكرت؟ قال: كل ما كتبت. قال: يا ابا الهذيل أنت متكلم، والذي كتبت إليه ~~كذلك، و، ما قلت: # إن الضمير متى سألتك حاجة ... لأبي الهذيل، خلاف ما أبدي # فأبديت فيك المكروه، وضميري على خلافه، فإذا وقف على ما كتبت عاملك بخلاف ~~ظاهره، فبرك وأكرمك، وأحسن سراحك. فانقطع أبو الهذيل. # وله في مغنية: # وغريرة لما تغنت خلتنا ... وكأننا، مما ننود، يهود # تمت محاسنها، وساعد صوتها ... إذ رجعته زميرها والعود # وكأننا في ms079 الخلد نسقى قهوة ... مشمولة، وكأنها داود # وله أيضا: # أما من معين لصب حزين ... كثير الأنين، طويل الحنين # وقد أثر الحزن في خده ... أخاديد تجري بماء الشؤون # عدو الرقاد، صديق السهاد ... صحيح الجفون، قريح الجفون # أخي زفرات، تأوبنه ... صباح، مساء لريب المنون # وله أيضا: # نجوم سماء الله تشهد أنني ... إذا رقد العشاق، أكلأها فردا # PageV01P044 # وآرق حتى لو تكلفت عدها ... لأحصيتها، في ليلتي، كل ما عدا # فيا ويلتي كم ذا العذاب الذي أرى ... أبعد خرج الروح تلعقني شهدا # وله أيضا: # يا صديقي بالأمس صرت عدوا ... سؤتني ظالما، ولم تر سوا # صرت تغري بي الهموم، وقد كن ... ت لقلبي، من الهموم، سلوا # أي واش وشى، وأي عدو ... نم حتى نبوت عني نبوا # كلما ازددت ذلة لك في الح ... ب، تزايدت جفوة وعتوا # وله أيضا: # يمضي الأمور على بديهته ... فيعم شاهدها، وغائبها # فتريه فكرته عواقبها ... فيظل يوردها، ويصدرها # وله أيضا: # سلكت بي منهجا أعيت صوادره ... فلست أدري، أأمضي فيه، أم أقف ### | ذكر سعيد بن حميد ابن سعيد بن بختيار الكاتب # كان سعيد بن حميد كاتبا مجيدا، وشاعرا مفلقا، وكان كلامه عذبا، ومعانيه ~~حلوة. فمن مختار شعره الذي كتب به إلى بعض إخوانه في عتاب: # أقلل عتابك، فالبقاء قليل ... والدهر يعدل مرة، ويميل # لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول # ولكل نابية ألمت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل # وأراك تكلف بالعتاب، وودنا ... صاف، عليه من الوفاء دليل # ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول # وأما قوله: لم أبك من زمن ذممت صروفه فمأخومذ من قول القائل: # رب دهر بكيت منه، فلما ... صرت في غيره بكيت عليه # ومن قول الآخر: # عتبت على سلم، فلما فقدته ... وجربت أقواما، بكيت على سلم # وقول الآخر: # كم من أخ يتشكى من خلائقه ... ناس عليه، وتبكيه إذا بانا # وقول محمود الوراق: # لم أبك من خبث دهر ... إلا بكيت عليه # وقوله: # ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول # فهو من قوله: # العمر أقصر مدة ... من أن ms080 يصرم بالعتاب # وقول الآخر في الحث على العتاب: # إذا كنت لا تعتب ... ولا أنا أستعتب # تطاول هجراننا ... وأيامنا تذهب # وقال أيضا: # نقضت لباناتي، وأعتبت عاذلي ... فلم يبق من أيام لهوي سوى الذكر # وأصبحت قد ودعت ما كنت آلفا ... كذلك أحكام الحوادث والدهر # إذا كنت قد أيقنت أني راحل ... وقصرت في زاد الرحيل، فما عذري # ولسعيد بن حمي أيضا: # قل لمن شط المزار به ... ليت شعري عنك ما خبرك؟ # أعلى حفظ لحرمتنا ... أم عفى من ودنا أثرك # لو تكون الدار دانية ... نم بالمكتوم لي نظرك # وهذا أيضا قد إشترك الشعراء فيه، غير أن سعيدا دققه. وهو من قول الآخر: # لا شاهد عندي على غائب ... أعدل من طرف على قلب # وقال الآخر: # تخبرك العين بكل الذي ... في القلب من من بغض، ومن حب # وقال الآخر: # إن العيون تدل بال ... نظر الملح على الدخيل # إما على حب شدي ... د، أو على بغض وبيل # وقال آخر: # وأعرف منها في الحب لين طرفها ... وأعرف منها البغض بالنظر الشزر # وقال آخر: # إن العيون لتبدي في تقلبها ... ما في الضمائر من بغض، ومن ومق # إذا وددن امرءا، أو حزن بغضته ... أفضى الضمير بما تهوى إلى الحدق # وقال سعيد بن حميد: # قربت، وما ترجو اللقاء، ولا ترى ... لنا حيلة يدنيك منا احتيالها # وأصبحت كالشمس المنيرة، ضوؤها ... قريب، ولكن أين منك منالها # كطاعنة ضنت بها غربة النوى ... علينا، ولكن قد يلم خيالها # تقربها الآمال، ثم تعوقها ... مماطلة الدنيا بها، واعتلالها # أخذ هذا المعنى بعضهم، فقال: # كالشمس مخلوع عليك شعاعها ... أبدا، وليس لقاؤها لك هينا # وقال ابن عيينة: # فقلت لأصحابي هي الشمس، ضوءها ... قريب، ولكن في تناولها بعد # وقال العباس بن الأحنف: # لعمري لقد جلبت نظرتي ... إليك على بلاء طويلا # PageV01P045 # فيا ويح من كلفت نفسه ... بمن لا يطيق إليه السبيلا # هي الشمس مسكنها في السما ... ء، فعز الفؤاد عزاء جميلا # فلن تستطيع إليها الصعو ... د، ولن تستطيع إليك النزولا # آخر: # وأضحت مكان الشمس يقرب ضوءها ... ويا بعدها عن قبضة المتطاول ms081 # ولسعيد بن حميد: # ولو كتمت الحب خوف العدا ... لأخبر الدمع بما أضمره # أو يعذل العاذل في حبها ... فالوجه منها في الهوى يعذره # أخذ هذا المعنى الحسين بن الضحاك، فقال: # فإن عنفني الناس ... ففي وجهك لي عذر # وقال آخر: # عذلاني على هواها، فلما ... أبصرا حسن وجهها عذراني # وقل إبرهيم بن المهدي: # ويد لحسنك لا أقوم بشكرها ... في بسط معذرتي ولوم العاذل # وأخذ هذا البحتري فأجاد: # يلام العاشقون إذا أحبوا ... ويلحى كل ذي كلف سوائي # وذاك لأنني أحببت بدرا ... يره الناس كلهم برائي # وللابن حميد: # وكم من قائل قد قال: دعه ... فلم يك وده لك بالسليم # فقلت: إذا جزيت الغدر غدرا ... فما فضل الكريم على اللئيم # ولمحمود الوراق: # إني شكرت لظالمي ظلمي ... وغفرت ذاك له على علم # ورأيته أسدى إلي يدا ... لما أبان بجهله حلمي # وقال آخر: # شكرت أخي، وقد أبدى جفاء ... وبخلا، ثم فاجأني بظلم # فلولا بخله ما بان جودي ... ولولا جهله ما بان حلمي # ولسعيد: # وكنت إذا ما صاحب خفت غدره ... صددت، وبعض الصد في الود أمثل # إذا حل ضيم منزلا لم أقم به ... على الضيم، إلا ريثما أتنقل # أرى الموت عزا، والحياة ذميمة ... إذا نالني فيه أذى وتذلل # أبت لي أن أقتاد للضيم همة ... سمت، ولها بين السماكين منزل # وهذه أبيات حسنة جدا، والبيت الثاني منها مأخوذ المعنى. وأول من جاء به ~~امرؤ القيس في قوله: # وإذا أذيت ببلدة ودعتها ... حتى أقيم بغير دار مقام # واتبعه الشعراء، فأكثروا فيذلك. فمن ذلك قول بعضهم: # وكنت إذا دار نبت بي تركتها ... لغيري، ولم أقعد على غير مقعد # ولابن منير: # وإذا الفتى لاقى الهوان نزيله ... في بلدة، فالعزم أن يترحلا # ولمؤلف الكتاب: # وإن نبت بك دار فانتقل عجلا ... فإن رزقك يوما غير منتقل # وما بقي أحد إلا وق ألم بهذا المعنى. # وقال سعيد: # إذا نأى عنكم، فالقلب عندكم ... فقلبه، أبدا، منه على سفر # وهو مأخوذ من قول ابن أبي عيينة: # جسمي معي، غير أن القلب عندكم ... فالجسم في غربة، والقلب في وطن ms082 # فليعجب الناس مني أن لي بدنا ... لا قلب فيه، ولي قلب بلا بدن # ومما يستظرف من معانيه قوله: # فرقا بيني وبين ال ... هم بالراح الشمول # وأصبحاني قبل أن يص ... بحني عذل العذول # مال بي عن طاعة العذ ... ل إلى السكر الطويل # ما أرى من سخط الدن ... يا على أهل العقول # وهي مأخوذة من قول الأعرابي حين قال: # لما رأيت الدهر دهر الجاهل ... ولم أر المحروم غير العاقل # شربت كأسا من كروم بابل ... فرحت من عقلي على راحل # ولابن حميد: # أطع الشباب، فإنما ... دنياك أيام الشباب # فإذا انقضى سكر الشبا ... ب، فمل إلى سكر الشراب # ومثله لأبي نواس: # لا عيش إلا في زمان الصبا ... فإن تقضى، فزمان المدام # وله في وصف مغنية: # غناء، ريا، خير ما تسمع ... يشفى به ذو السقم، الموجع # أوتارها تنطق حتى ترى ... أجفان ذي الشوق لها تدمع # لقد تمنيت لها أن لي ... في كل عضو أذنا تسمع # ومثله لبي تمام: # يود وداداأن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت، شوقا إليها، مسامع # وللآخر: # غنت فلم تبق في جارحة ... إلا تمنيت أنها أذن # ولابن حمي: # نائي المحل يناله النظر ... حلو الشمائل، قلبه حجر # PageV01P046 # وقف الجمال على محاسنه ... فبكل جارحة له قمر # ضمنت محاسنه لواصفه ... ألا يكذب وصفه النظر # وهو مأخوذ من قول أبي نواس: # يا من رضيت من الخلق الكثير به ... أنت القريب، على بعد من الدار # وقال آخر: # أبلغ أخاك أخا الإحسان، بي حسنا ... أني، وإن كنت لا ألقاه، ألقاه # وأن طرفي معقود بناظره ... وإن تباعد عن مثواي مثواه # ووجدت هذا المعنى سبكا حسنا، وابلغ لابن منير الأطرابلسي قوله: # وأقرب ما يكون هواك مني ... إذا ما غاب شخصك عن عياني # كأنك قد ختمت على ضميري ... فغيرك لا يمر على لساني # وأما قوله: فبكل جارحة له قمر، فإنه مخوذ من قول الأول: # كأنما أفرغت من ماء لؤلؤة ... في كل جارحة من خلقها قمر # وأول من ابدع هذا مسلم في قوله: # في كل عضو فيك بدر طالع ... ومدامعي من كل عضو تذرف ms083 # ومن قول سعيد: # بكرت أوائل للربيع، فنشرت ... حلل الرياض بجدة وشباب # وغدا الحساب يكاد يسحب في الثرى ... أذيال أسحم، حالك الجلباب # يبكي ليضحك نورهن، فياله ... ضحكا تبسم عن بكاء سحاب # وترى السماء وقد أسف ربابها ... وكأنما لحقت جناح غراب # وترى الغصون إذا الرياح تناوحت ... ملتفة، كتعانق الأحباب # وهذا بديع جدا، فأما قوله: فياله ضحكا تولد عن بكاء سحاب، فهذا المعنى ~~أول من ابتدعه أبو الشيص، حيث قال: # بكت السماء بها، فقد ضحكت ... منها الرياض بدمعها السرب # وذكروا أنه أخذه من قول ابن مطير، حيث قال: # كل يوم يسرنا اقحوان ... تضحك الأرض عن بكاء السماء # ثم تداولته الألسن. وقال آخر: # إذا ما بكت عين السماء تهللت ... مضاحك وجه الأرض من كل جانب # وقال عبيد الله بن عبد الله: # شموس وأقمار من الزهر طلع ... لذوي اللهو في أكنافها متمتع # كأن عليها من مجاجة زهرها ... لآلي، إلا أنها منه ألمع # نشاوى تثنيها الرياح فتنتشي ... فيلثم بعض بعضها، ثم يرجع # وأنا أحسن قول الآخر في السرو: # حفت بسرو كالقيان تلحفت ... خضر الحرير على قوام معتدل # وكأنها، والريح تخطر بينها ... تنوي التعانق، ثم يمنعها الخجل # ومن قول سعيد: # تمتعت باللهو حتى انقضى ... ولم تبق لذة ما قد مضى # وأغفلت ما كنت أولى به ... من العمل الصالح المرتضى # أخب وأرفل في الظاعنين ... قرين الكلال، قعيد الرضا # أروم وأطلب قرب البعيد ... وهيهات هيهات طال الفضا # ولي أجل حنق ثائر ... على مهجة شاهر المنتضى # هما للضراب، وآياته ... فوادح شيب، كنور أضا # يحث الفؤاد على رشده ... ويأباه مستأثرا معرضا # فيا لذة أورثت حسرة ... ويا غفلة أورثت مرمضا # ديونك من قبل أن تنتضى ... ونفسك من قبل أن تقبضا # ومما يستحسن من غزله: # الله يعلم، والدنيا مفرقة ... والعيش منتقل، والدهر ذو دول # لأنت عندي، وإن ساءت ظنونك بي ... أحلى من الأمن عند الخائف الوجل # وللفراق، وأن هانت فجيعته ... عليك، أخوف في نفسي من الأجل # وكيف أفرح بالدنيا وزينتها ... واليأس يحكم للأعداء في أملي # ومما يختار من مراثيه، قوله يرثي عبد الله ms084 بن صالح الحسيني: # بأي يد أسطو على الدهر بعدما ... أطار يدي عضب الذبابين، قاضب # وهاض جناحي حادث جل خطبه ... فسدت على الصبر الجميل المذاهب # ومن عادة الأيام أن خطوبها ... إذا سر منها جانب، ساء جانب # لعمري لقد عاق التجلد أننا ... فقدناك فقد الغيث، والعام جادب # فقدنا فتى قد كان للأرض زينة ... كما زينت وجه السماء الكواكب # لعمري لئن كان الردى بك فاتني ... وكل امرئ يوما، إلى الله، ذاهب # لقد أخذت مني النوائب حكمها ... فما تركت حقا علي النوائب # PageV01P047 # سقى جدثا أمسى الكريم بن صالح ... يحل به، دان من المزن، صائب # إذا بشر الوارد بالغيث ودقه ... مرته الصبا، واسحلبته الجنائب # ومما يستحسن من هجائه: # يا حجة الله في الأرزاق والقسم ... ومحنة لذوي الأخطار والهمم # ما أن رأيناك في نعماء سابغة ... إلا وربك غضبان على النعم # ومثل هذا قول أبي هفان: # ليست الغمة، عبد الل ... ه في مثلك نعمه # وله معنى مطبوع، وإن كان فحشا وسفها: أخذ هذا المعنى من قول دعبل في يزيد ~~بن مزيد: # وكان يزيد أبو خالد ... إذا بات متخما عاقدا # يضيق بأولاده بطنه ... فيخراهم واحدا، واحدا ### | ذكر أحمد بن يوسف كاتب المأمون # وأحمد أقدم من إبرهيم وسعيد، واجل مرتبة، غير أنهما أشعر منه. فمن شعره: # يا أبا عيسى إليك المشتكى ... وأخو الضر إذا اعتل شكا # ليس لي صبر على هجرانكم ... وأعاف المشرب المشتركا # ومما يستظرف من شعره: # ألا إن قلبي له خلقة ... قليس أرى مثلها في الخلق # سريع العلوق إذ ما اشتهى ... سريع النزوع إذا ما علق # فبينا يرى عاشقا إذ صحا ... وبينا يرى صاحيا قد عشق # رأيت الوصال وهجرانه ... يكونان منه معا في نسق # فصرت إذا ما هوى لم أخف ... هواه، وإما صحا لم أثق # وأخذه بعض المتأخرين فقال: # رأيت فؤادي على شؤمه ... كثير الولوع، كثير النزوع # كثير التصرف في حبه ... لموحا إلى كل برق لموع # يحب ثلاثين في ساعة ... ويقطع بالغدر قلب الجميع # وأخذه ابن ابي طاهر، فقال: # عدمت فؤادي من فؤاد، فما أشقى ... وأكثر ما ms085 يبلي، وأكثر ما يلقى # فلو كان يهوى واحدا لعذرته ... ولكنه، من شؤمه، يعشق الخلقا # أرى ذا فأهواه، وأبصر غيره ... فأبلى بذا سقما، وأبلى بذا عشقا # ثمانون لي في كل يوم أحبهم ... وما في فؤادي واحد منهم يبقى # ومما يستجا من شعره: # وجوار الديار نأي سحيق ... حين ينأى الجوار بين القلوب # وأخذه أبوتمام فقال: # إذا باعد قلبي عنك منحرفا ... فليس يدنيك مني أن تكون معي # وممن المستحسن قوله: # تطاول باللقاء العهد منا ... وطول العهد يقدح في القلوب # أراك، وإن نأيت بعين قلبي ... كأنك نصب عيني من قريب # وهذا المعنى خذه من قول الأول: # أما والذي لو شاء لم يخلق النوى ... لئن غبت عن عيني، لما غبت عن قلبي # يوهمنيك الشوق، حتى كأنما ... أناجيك من قرب، وإن لم تكن قربي # وأنشد ابو عبيدة في هذا المعنى: # إني لأضمر ذكرها، فكأنها ... دون النديم نديمتي في المجلس # وقال آخر: # وغائبة عن مقلتي، ولم تغب ... عن القلب في حال لمستحلم الود # يمثلها قلبي لطرفي، فأشتكي ... إليها الذي ألقى، وأحسبها عندي # آخر: # فإن حجبت، ولم أرها بعيني ... وأحرمت الزيارة من لقاها # فلي قلب يمثلها لعيني ... فعيني، كلما نظرت، تراها # وله أيضا: # الناس في الدنيا أحاديث ... تبقى، ولا تبقى المواريث # فرحمة الله على دارج ... طابت له فيها الأحاديث # أخذ هذا المعنى محمود الوراق، فقال: # المرء، بعد الموت، إحدوثة ... تبقى، وتفنى منه آثاره # فأحسن الحالات حال امرئ ... تطيب، بعد الموت، أخباره # يفنى ويبقى ذكره بعده ... إذا خلت، من شخصه، داره # وقال أيضا: # وسيبقى الحديث، بعدك، فانظر ... خير أحدوثة تكون، فكنها # وغيره: # وكن أحدوثة حسنت، فإني ... رأيت الناس كلهم حديثا # وقال أحمد بن يوسف: # تركتك والهجران، لا لملالة ... ورددت يأسا من إخائك في صدري # وألزمت نفسي من فراقك خطة ... حملت بها نفسي على مركب وعر # فإني، وإن رقت عليك جوانحي ... فما قدر حبي أن أذل له قدري # PageV01P048 # سأحمد مني، ما حييت، عزيمتي ... ويعجب، طول الدهر، هجرك من صبري # وقال آخر في ضد هذا المعنى، وهو إبراهيم بن عباد المكي: ms086 # تعيرني قومي بذلي في الهوى ... وكم من ذليل، في الهوى، اكتسب العزا # إذا كنت تهوى فاجعل الذل جنة ... فإني رأيت الكبر من ذي الهوى عجزا # وقال آخر: # أذل لمن هوى لا درك عزة ... فكم عزة قد نالها المرء بالذل # ومن مستظرف قول أحمد: # قلبي يحبك يا منى ... قلبي، ويبغض من يحبك # لأكون فردا في هوا ... ك، وليت شعري كيف قلبك ### | ذكر الحسن وسليمان ابني وهب # كان الحسن كثير الشعر الحسن، وإنما كان يطول فيسقط من شعره كثير. وأما ~~سليمان فليس بغزير الشعر، وله أبيت صالحة المعاني، حلوة الألفاظ. ومنها أنه ~~لما حبس الواثق سليمان والحسن ابني وهب، كتب الحسن إلى المتوكل كتابا في ~~اسفله: # أقول، والليل ممدود سردقه ... وقد مضى الثلث منه، أو قد انتصفا # ودمع عيني على الخدين منحدر ... وليس تملك في الأجفان إن وقفا # يا رب ألهم أمير المؤمنين رضى ... عن خادمين له قد شارفا التلفا # فإن يكونا أساءا في الذي سلفا ... فلن يسيئا، بإذن الله، مؤتنفا # وقال يذكر أخاه سليمان: # خليلي من عبد المدان تروحا ... ونصا صدور العيس حسرى، وطلحا # فإن سليمان بن وهب بمنزل ... أصاب صميم القلب مني، فأقرحا # أسائل عنه الحارسين لحبسه ... إذا ما أتوني: كيف أمسى وأصبحا # فلا يهنئ الأعداء أسر ابن حرة ... يراه العدى أندى بنانا وأسمحا # وأنهض في الأمر المهم بعزمه ... وأقرع للباب الأصم، وافتحا # فإن أمور الملك أضحى مدارها ... عليه، كما دارت على قطبها الرحا # وكتب إلى سليمان أخيه: # صبرا أبا أيوب حل مجلج ... وإذا جزعت من الخطوب، فمن لها # إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره فيه، يملك حلها # فاصبر، فعل الصبر يعقب راحة ... وعسى تكون قريبة، ولعلها # فأجابه سليمان: # صبرتني، ووعظتني، فأنا لها ... وسنجلي، بل لا أقول: لعلها # ويحلها من كان صاحب عقدها ... ثقة به، إذ كان يملك حلها # وللحسن شعر يلتحق بشعر العرب، كتب به إلى أبي عبد الله أحمد بن ابي دؤاد ~~الإيادي: # يا واحد العرب الذي كرمت له ... منها منابتها، وطاب حجورها # وعميها المأمول فيها ms087 نابها ... فيه، إذا وهنت، تناط أمورها # ومقيم حكم الله في توحيده ... بمقالة قد كان خيف وقورها # حتى تلافاها الإمام، وحاطها ... بك، فاكتست عزا، وأشرق نورها # وخبت من التشبيه نار ضلالة ... قد كان أضرم، بالنفاق، سعيرها # هل أنت سامع دعوة، فمعيرها ... غوثا، ومنقذ أمة، فمجيرها # تحت الحوادث من رجالك عصبة ... ما إن ينام من الهموم سميرها # هل غير أن ربعوا مرابع وخمة ... قد كان غيب عنهم محذورها # فأذاقهم حكم الإمام وبالها ... بنوازل كان الزمان يديرها # فليعف عنهم، إنما هي عثرة ... ما إن يعز على الأمام جبورها # أترى الأمام، ابن الأئمة، والذي ... بطحاء مكة بيته، فثبيرها # وهو المردد في الخلافة عودها ... منها، ومنبرها له، وسريرها # يعطيك يوما في تخلص أنفس ... تسعى لفك رقابها، فيثيرها # فإذا لينتصحن رأيك فيهم ... ويسره، في ملكه، تدبيرها # فليحم أنفك للكرام، فإنما ... نعش الرجال شريفها وخطيرها # ولك الذؤابة في نزار كلها ... وعليك ترخى حجبها وستورها # لا زلت في نعم، يعمك حفظها ... ودوامها، وسرورها، وحبورها # فأصلح ابن ابي دؤاد مرهما عند الواثق، فقال الحسن فيه يمدحه ويشكره: # وإذا الزمان أرادني بملمة ... يوما، دعوت لها الوزير الأكبرا # لا زال حظك، في الحياة، موفرا ... وعدوك الباغي عليك مثبرا # PageV01P049 # أضحى سليمان بن وهب شاكرا ... نعماك، حق لمثلها أن يشكرا # ومن مشهور غزل الحسن: # بأبي كرهت النار حتى أبعدت ... فعرفت ما معناك في إبعادها # هي ضرة لك في التماع ضيائها ... وبحسن صورتها لدى إيقادها # وأرى صنيعك بالقلوب صنيعها ... بسيالها، وأراكها، وعرادها # شركتك من كل الجهات بحسنها ... وضيائها، وصلاحها، وفسادها # يا بؤس نفس أولعت بسعادها ... لعبت سعاد بعقلها وفؤادها # ما إن حوت من قبلها مثلا لها ... كفا محمدها، ولا حمادها # غاد المدامة، يا خليلي، غادها ... وأنعم بظلماء الدجى، فسوادها # واجعل شهادك في احتساءش سلافها ... إذ حظ عينك في طويل سهادها # وإنما جعل يذكر بنانا جارية محمد بن حماد، لأنه كان يعشقها عشقا مبرحا، ~~وكان يكني عنها بسعاد، فاجتمعا في مجلس فيه نار، فكرهتها وتأذت بها، فأمر ~~الحسن بإخراجها، وقال ما تقدم. # ومن شعره: # قالت: ms088 تصنع بالبكاء، فقلت: هل ... يبكي الفتى إلا لما في قلبه؟ # فلقد ألفت الدمع، حتى ربما ... جرت الدموع به، ولم أعلم به # وكتب إلى بعض أصدقائه: # سرك الله بمن تلهو به ... وبنوروزك يوم الجمعه # وبدجن ألبس الشمس، على ... أنها طورا ترى ملتمعه # كفتاة الخدر أبدت وجهها ... من أعالي قصرها، مطلعه # عندنا ورد ومسك عبق ... ورياحين لنا مجتمعه # خبر خبرته، فاسمع، ولا ... تقعدن من بعد أن تستمعه ### | ذكر محمد بن عبد الملك الزيات كاتب، ووزير # كان شاعرا حلو الألفاظ، عذب المعاني. له أشعار في ايام المأمون، ومدائح ~~في المعتصم والواثق. وكذلك له أهاج بينه وبين عبد الله بن طاهر، وابن ابي ~~دؤاد مشهورة، وغير ذلك من غزل وعتاب، واشعار وهو معتقل، وفي فنون أخرى. ~~وسنذكر من ذلك لمعا، ومختصرا. # فمن شعره ما وجه به إلى المأمون، لما هم بالصفح عن إبراهيم بن المهدي، ~~يذكر ما كان منه في طلب الملك، ويحرضه عليه، وهو قوله: # فإن قلت قد رام الخلافة غيره ... فلم يؤت، فيما كان حاول، من جد # فلم أجزه، إذ خيب الله سعيه ... على خطأ، إن كان منه، ولا عمد # ولم أرض بعد العفو حتى فقدته ... وللعم أولى بالتغمد والرفد # فليس سواء خارجي رمى به ... إليك سفاه الرأي، والرأي قد يردي # تعادت له من كل أوب عصابة ... متى يوردوا، لا يصدروه عن الورد # وآخر في بيت الخلافة تلتقي ... به وبك الآباء في ذروة المجد # فمولاك مولاه، وجندك جنده ... وهل يجمع القين الحسامين في غمد # وقد رابني من أهل بيتك أنني ... رأيت لهم وجدا بهم، أيما وجد # وجرد إبراهيم للموت سيفه ... وأبدى سلاحا فوق ذي منعة، نهد # فأبلى، ولم يبلغ من الأمر جهده ... فليس بمذموم، وإن كان لم يجد # وهذي أمور قد يخاف ذوو النهى ... مغبتها، والله يهديك للرشد # فهذا تحريض حسن في تلويح جميل، وتعريض مشبع لا يعرف لمحدث مثله. ومن شعره ~~المطبوع في برذون أشهب، كان المعتصم أخذه منه، وكان أحمد بن ابي خالد وشى ~~به إليه، وفي هذه الأبيات أبيات ms089 لو أنها مرثية في ولد لحق لها، وهو قوله: # قالوا: جزعت، فقلت: إن مصيبة ... جلت رزيتها، وضاق المذهب # كيف العزاء، وقد مضى لسبيله ... عنا، فوعنا الأحم الأشهب # دب الوشاة فباعدوه، وربما ... بعد الفتى، وهو الحبيب الأقرب # لله يم عدوت عني ظاعنا ... وسلبت قربك، أي علق أسلب # نفسي مقسمة، أقام فريقها ... وغدا لطيته فريق يجنب # الآن إذ كملت أداتك كلها ... ودعا العيون إليك خلق معجب # أنساك؟ لا برحت، إذا، منسية ... نفسي، ولا زالت بمثلك تنكب # أضمرت منك اليأس حين رأيتني ... وقوى حبالي من حبالك تقضب # ورجعت، حين رجعت منك، بحسرة ... لله ما صنع الأصم الأشيب # ومن مديحه في المعتصم رضي الله عنه: # PageV01P050 # حلفت، ومن حق الذي قلت إنني ... أقول واثني بعد ذاك، وأحلف # لما هاب هل الظلم مثلك سائقا ... ولا أنصف المظلوم مثلك منصف # وكان الذي بينه وبين أحمد بن ابي دؤاد سيئا جدا في ايام الواثق، وبسببه ~~حبس، وأخذت ضياعه، وناله ما ناله من العذاب المشهور، مرة في صندوق، ومرة في ~~تنور. فمن قوله في أحمد: # يا سائلي عن أبي عبد الإله لقد ... سألت عن رجل، جم الخسارات # اللئيم، بكت ... عليه أهل قرى هيت وعانات # فأجابه أحمد: # قلت لها حين أكثرت عذلي ... ويحك أزرت بك المودات # قالت: فأين الكرام، قلت لها: ... لا تسألي عنهم، فقد ماتوا # قالت: ولم ذاك، قلت: فاعتبري ... هذا وزير الإمام زيات # وقال محمد فيه: # إن الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبين الناس أن الثوب مرقوع # ولعبد الله بن طاهر في محمد: # أحسن من تسعين بيتا هجا ... جمعك معناهن في بيت # ما أحوج الملك إلى مطرة ... تذهب عنها وضر الزيت # فأجابه محمد: # يا أيها المأفون في رأيه ... عرضت حوباءك للموت # قيرتم الملك، فلم ننقه ... حتى غسلنا القار بالزيت # ومن أشعاره وهو في الأعتقال: # ربت دار بعد عمرانها ... أضحت خلاء، ما بها أهل # لم تدخل البهجة دار امرء ... إلا وما يهدمها داخل # ما يأمن الدنيا وأيامها ... بعدي، إلا عاجز جاهل # أما ترى العيش بها زائلا ... تبا لدنيا ms090 عيشها زائل # وقال في ذلك، وكان المتوكل يأمر إبراهيم بن العباس أن يكتب فيه كتابا، ~~فكتبه، ثم أرسل إليه نسخته. فقرأها محمد، فقال يعزي نفسه: # أرى الدهر لا تفنى عجائب صرفه ... وأيامه ليست تقضى غرورها # لئن راعني يوما كتاب قرأته ... لقد نفدت كتبي، فحلت أمورها # وقد سار في الأمثال بيت لخالد ... وسر أقاويل الرجال فجورها # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها # ومما يتمثل به من شعره النادر: # يا سوأتي لفتى له أدب ... أمسى هواه قاهرا أدبه # يأتي الدنية، وهو يعرفها ... أعمى عن العيب الذي ارتكبه # وكتب رجل من الكتاب يقال له عيسى إلى محمد بن عبد الملك رقعة يذكر فيها ~~حرمته، وأنه من أهل البلاغة والأدب، ووقع على موضع العنوان: عيسى. فوقع ~~محمد على ظهر رقعته: # أنى تكون بليغا ... ونصف إسمك عي # ونصف إسمك أيضا ... ثلثا حروف مسي ### | ذكر الحسن بن رجاء ابن أبي الضحاك الكاتب # كان شاعرا مفلقا، لا يكاد يسقط من شعره شيء، كما يسقط من أشعار نظرائه. ~~وليس شعره بكثير:، وابياته المروية عنه حسنة النظم، مشبعة المعاني، جيدة ~~التركيب. ومن شعره الذي يمدح المأمون: # صفوح عن الإجرام، حتى كأنه ... من العفو، لم يعرف من الناس مجرما # وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما # ومن ذلك قوله: # قد يصبر الحر على السيف ... وينكر الصبر على الحيف # ويؤثر الموت على حالة ... يعجز فيها عن قرى الضيف # وقد كفانا ذكرنا في هذا الباب من ذكر من شعراء الكتاب، عدولا عن الاسهاب. ~~وغرضنا، في الذي أحضرناه، أن يعلق، ومتى كان مطولا منعه السأم أن يعلق. ~~وإذا رصع هذا الكتاب على خاطر أديب أشغل به المجلس الذي يحضره، وأعجب ~~الحاضرين مما يذكره. لأني التقطت كل ما يتردد معناه في مغاني الأدب، ويحسن ~~أن يذكر بين يدي الملوك وأهل الرتب، وغربت في الأخبار، وعدلت عن الأشياء ~~التي سمجت بطريق الإكثار والإشتهار. ### | شعراء عبيد العرب ### | وما احتضر من أخبارهم، واستحسن من اشعارهم # PageV01P051 # منهم: ms091 نصيب، عبد بني الحسحاس، ميسرة الأول، ميسرة الأخير، وورك، ابو ~~عطاء، ذكوان، مورق، ذو الركبة، السابل، منتجع، فتحس، عبد بني بكر، المندلث، ~~الحيقطان، زامل، أبو التيار، المثلم، الهزر، روح، وله قصيدة يعد فيها ~~هؤلاء، وهم عشرون شاعرا، نذكر القصيدة، ثم نذكر هؤلاء، ثم نتبع ذلك بأبي ~~دلامة، ودهيقين، وفائق، ولهذم، والمرقال، وعجب، وشنير، وجندل، وأبو العراف، ~~وكوكب، ومن النساء الجواري المماليك: عنان، الذلفاء، خنساء، ملك، صرف، فضل، ~~مخنثة، مدام، خشف، علم، ريم، سكن. # قال روح بن الطائفية، وهو عبد لخاله أنس بن أبي شيخ الكاتب، يفتخر على ~~العرب، بمن ذكرنا من شعراء العبيد: # فخرتم علينا بالقيافة والشعر ... وبالنسب المحفوظ في سالف الدهر # ففي وزر، والعبد ميسرة الذي ... أبر على همام في صفة القدر # وفي ورك، والعبد ذكوان، والذي ... أناخ على بشر بقاصمة الظهر # وعبد بني الحسحاس، والشيخ مورق ... وذي الركبة العوجاء، والسابل المثري # ومنتجع، والحدرجان، وفلحس ... وأبين خلق الله عبد بني بكر # وكان نصيب، والمثلم قبله ... وفي الهزر المنبوذ في البلد القفر # فقد كان مفتوق اللهاة، وداهيا ... وأشدق يفري حين لا أحد يفري # ترى اللفظ إرسالا إليه، وكله ... يخير مطبوع، ورايه عمر # دليل بأن الحر منهم كعبده ... وأنا سواء في الفصاحة والشعر # ولونهم لون، وطبع لسانهم ... سواء، كمن قد الشوال على السطر # ومولاهم ينتاف مثل صميمهم ... ويقضي بلا فكر، ويحزم في الأمر # ويحفظ من أنسابهم مثل حفظهم ... ويقتفي الآثار في السهل والوعر # وقد كان في دهر الأكاسر عالم ... يحوطون أنساب الأكاسرة الزهر # ومن عرف الأسباط كيف انتسابهم ... تراجع خزيانا، وعض على الصخر ### | ذكر من سماه روح في قصيدته # فأما نصيب: فكان عبدا لرجل من بني كنانة، من أهل ودان، هو وأهل بيته. ~~وكان مقدما عند الملوك، يجيد مدحهم ومراثيهم. وكان أهل البادية يدعونه ~~نصيبا، تفخيما له، ويروون شعره. وكان كبير النفس. وقيل: إنه كان عبدا لبني ~~كعب بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف، وزعم الجاحظ مثل ذلك. وفي ذلك يقول: # رأت لأخي كعب بن ضمرة هجمة ... ثمانين يعطى الضيف ms092 منها، وينعم # وقيل لنصيب: قد تعرض لك جرير، فأرسل حصته من الهجاء، فلم يفعل. ولما ~~اجتدى الملوك وأخذ جوائزهم وتمول، تتبع من كان بينه وبينه مودة يشتريه، أو ~~من العبيد أقاربه يبتاعه. وجعل يبتاعهم ويعتقهم. فكان ممن اشتراه ابن عم له ~~يقال له سحيم بأغلى ما يكون من الثمن. فمر به يوما، والنانس مجتمعون عليه، ~~وسحيم بينهم وهو سكران يزمر ويرقص، فلما رآه نصيب ناداه: ويك يا سحيم ما ~~هذا لعنك الله وخزاك، ويك لهذا اشتريتك وأعتقتك؟ فقال: إن كنت أعتقتني لما ~~أحب، فهذا الذي أحب. فقال نصيب: # نسيت إعمالي لك الرواحلا # وقرعي الأبواب فيك سائلا # وليتني منك القفا والكاهلا # أخلقا شكسا، ولونا حائلا # فسوف أعدو لسحيم طائلا # إن سحيما لم يثبني طائلا # وكان نصيب ذا عبلة ودين ومنطق، وكان لا يهجو أحدا، وكان عبدا أسود. # وسئل جرير عنه فقال: هو أشعر أهل جلده. وذكر عند الفرزدق فقال: سهام ~~صوائب. وذكر أن نصيبا أنشد جريرا شعره، وقال: كيف ترى يا أبا حرزة؟ قال: ~~أنت أشعر أهل جلدتك. # ومن جملة شعره: # فما ضر أثوابي سوادي، وإنني ... لكالمسك لا يسلو عن المسك ذائقه # ولا خير في ود امرئ متكاره ... عليك، ولا في صاحب لا توافقه # إذا المرء لم يبذل من الود مثلما ... بذلت له، فاعلم بأني مفارقه # وقيل: إن شخصا عيره بسواد فقال: # ليس السواد بناقصي ما دام لي ... هذا اللسان، إلى فؤاد ثابت # من كان تعليه منابت بيته ... فبيوت أشعاري خلقن منابتي # كم بين أسود ناطق من كلة ... ماضي المقال، وبين أبيض صامت # إني ليحسدني الرفيع ببيته ... من فضل ذاك، وليس لي من شامت # PageV01P052 # ويروى أن سكينة بنت الحسين عليه السلام عتبت على نصيب في شيء، وقالت له: ~~إذهب فلست أكلمك حتى يشيب الغراب. فرحل وأقام بالحجاز حتى شابت لحيته. وجاء ~~ووقف بابها، وقال: قاق، قاق، قاق، ها قد شاب الغراب. فأذنت له، وأحسنت ~~جائزته. # وقل مسلمة بن عبد الملك لنصيب: يا أسود أمدحت شيئا؟ وعنى به رجلا من أهل ~~بيته، ms093 قال: نعم. قال: فهل أعطاك شيئا؟ قال: لا والله، قال: فلم لا تهجوه؟ ~~قال: نفسي أحق بالهجاء منه، حين دعتني إلى مدح مثله. فأعجبه جوابه، فقال ~~له: تمن ولا تشطط، فقال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال: لأني أعلم أن كفك بالعطية ~~أبسط من لسني بالمسألة. فأعطاه عشرة آلاف دينار. # وقال أبو الأسود الدؤلي: امتدح نصيب عبد الله بن جعفر، فأجزل له من كل ~~صنف. فقيل له: تعطي لمثل هذا العبد الأسود؟ فقال: أما والله إن كان جلده ~~أسود، إن مدحه وثناءه لأبيض، وقد استحق بما قال أكثر مما نال، وإنما أخذ ~~رواحل تنضى، وثيابا تبلى، ودراهم تفنى، وأعطى مديحا يروى، وثناء يبقى، ~~وذكرا لا يبلى. # وكان، هو وكثير، أمدح شعراء الإسلام للملوك عند الرواة، كما أن النابغة ~~أمدح شعراء الجاهلية عندهم للملوك. وقال كثير: ما تمنيت شعرا قط أ، أكون ~~قلته، كما تمنيت بيتين سمعتهما من نصيب، وهما: # من النفر البيض الذين إذا أنتجوا ... أقرت لنجواهم لؤي بن غالب # محيون بسامين طورا، وتارة ... محيون عباسين شوس الحواجب # قال الزبير: بلغ كثيرا وجميلا أن نصيبا يشبب ببنات العرب، فقال جميل ~~لكثير: إمض بنا إلى نصيب حتى نملأ أسيافنا منه. فقل كثير لجميل: أخر هذا ~~لأمر حتى نلقاه، فإذا لقيناه أفضناه في التشبيب، فإذا سمعنا منه وأنشدنا، ~~يكون قد اعترف، فتلزمه الحجة، فنملو عذرنا عند الناس في الفتك به، ونشكر ~~على ذلك لصيانة أعراض الحرم. فبيناهما يسيران يوما إذ لقياه، فأخذا بيده، ~~وقالا له: إنا قد عزمنا على القول فتساعدنا. قال: قولا حتى أقول. فقال ~~جميل: # لطاف الحشا، بيض الخدود، أوانس ... عذاب الثنايا قد مثلن بنا مثلا # فقال كثير: # إذا دفن بالجاذي مسكا أنلنه ... عرانين شما دنيت حدقا كحلا # فقال نصيب: # وقربن للأحداج كل عذافر ... كأن كحلا # فقالا: نحن نشبب، وأنت تصف الإبل؟ قال: أنتم مدحتم بنات عمكم، وأنا حملت ~~سيداتي. فأمسكا عنه، وفارقاه. # وقيل: دخل الفرزدق، ومعه نصيب على سليمان بن عبد الملك، فقال للفرزدق: ~~أنشدني، فأنشده: # وركب كأن الريح تطلب ms094 عندهم ... لها سلبا من جديها بالعصائب # إذا استوضحوا نارا، يقولون: ليتها ... وقد خصرت أيديهم، نار غالب # فأسود وجه سليمان، وكان يظن أنه إذا استنشده أنشده مديحا له. فلما رأى ~~ذلك نصيب قال: يا امير المؤمنين ألا أنشدك؟ قال: بلى، فأنشده: # أقول لركب قافلين لقيتهم ... على ذات أوشال، ومولاك قارب # قفوا، أخبرونا عن سليمان، أنني ... لمعروفه من أهل ودان طالب # فعاجوا، فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # فقل له سليمان: احسنت، وامر له بصلة، وقل: كيف تسمع يا فرزدق؟ قال: هو ~~أشعر الجاهلية. وما أعطى الفرزدق شيئا، فخرج وهو يقول: # وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد # وقال جعفر بن سعيد: قال نصيب: مااجترأت، أنشد شيئا من شعري حتى قلت: # بزينب ألمم قبل أن يظعن الركب # وروى المبرد أن جريرا قال: لوددت أن نبيت هذا العبد لي بكذا وكذا من شري، ~~يعني قوله: # بزينب ألمم قبل أن يظعن الركب # وقيل لنصيب: إيما أشعر، أنت أم جرير في البيت الذي نازعك فيه؟ قال: ما ~~هو؟ قيل: قولك: # أضر بها التهجير حتى كأنها ... بقايا سلال لم يدعها سلالها # أو قول جرير: # إذا بلغوام المنازل لم تقيد ... وفي طول الكلال لها قيود # قال: قاتل الله ابن الخطفي حيث يقوله. قيل: قد فضلته على نفسك! قال: هو ~~ذاك وقال نصيب: # لقد كانت الأيام إذ نحن جيرة ... تحسن لي، لو دام ذاك التحسن # ولكن دهرا بعد ذاك تقلبت ... لنا من نواحيه ظهور وأبطن # PageV01P053 # وإني، على أني تعزيت بعدكم ... وأعرضت لما كان ذو الضعن يفطن # لكالمدنف المنبي العوائد أنه ... إلى صحة مما به، وهو مثخن # وأما عبد بني الحسحاس: فهو سحيم بن هبد بن سفيان بن عصاب بن كعب بن سعد ~~بن ثعلبة بن دودان. وكان رقيق لحواشي، أسود، فعير بذلك فقال: # إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما ... أو أسود الخلق إني أبيض الخلق # ويقال: إن أول شعر قال: أنهم أرسلوه رائدا، فجاء وهو يقول: # أنعت غيثا حسنا نباته ... كالحبشي حوله بناته ms095 # فقالوا: شاعر والله. # وأنشد: # عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # فقال له عمر: أما أنك لو كنت قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك. فلما أنشده ~~فيها: # وبتنا وسادانا إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا # وهبت شمال، آخر الليل، قرة ... ولا ثوب إلا درعها وردائيا # فما زال بردي طيبا من ثيابها ... إلى الحول، حتى أنهج البرد باليا # توسدني كفا، وترفع معصما ... علي، وتحنو رجلها من ورائيا # أميل بها ميل النزيف، وأتقي ... بها الريح، والشفان من عن شماليا # فقال عمر: زنى العبد. # ومن قصيدته هذه: # فما بيضة بات الظليم يحفها ... ويرفع عنها جؤجؤا متجافيا # ويجعلها بين الجناح ورفه ... ويفرشها وحفا من الريش عافيا # بأحسن منها يوم قالت: أراحل ... مع الركب، أم ثاو لدينا لياليا # ألكني إليها، عمرك الله، يا فتى ... بآية ما جاءت إلينا تهاديا # ألا ناد في آثارهن الغوانيا ... سقين سماما، ما لهن وماليا # وراهن ربي مثل ما قد ورينني ... وأحمى على أكبادهن المكاويا # أشارت بمدراها، وقالت لتربها ... أعبد بني الحسحاس يزجي القوافيا # رأت رجلا رثا، وسحق عباءة ... وأسود، مما يملك الناس عاريا # كأن الثريا علقت فوق نحرها ... وجمر غضى هبت به الريح ذاكيا # فإن تقبلي بالود أقبل بمثله ... وإن تدبري أدبر على حال باليا # وكان نصيب وسحيم أشعر شعراء العبيد، ومن نذكر بعدهما لم يكن في طبقتهما، ~~ولبعضهم الأبيات القليلة. ونحن نذكرهم: ذكر وزر: كان عبدا لبني العنبر، من ~~تميم. وهو القائل: # لعمر بني الملوك، ما عاش، انه ... وإن أعجبته نفسه، لذليل # ترى الناس أنصارا عليه، وماله ... من الناس إلا ناصرون قليل # وأما ميسرة وميسرة: فهما عبدان لبني العنبر. أحدهما ميسرة أبي الدرداء، ~~وهو الذي رثى معاوية فقال: # فهاتيك النجوم، وهن خرس ... ينحن على معاوية الشآمي # والآخر: ميسرة أبي نصر، وكان عبدا لعمر بن شريك. ولطمه رجل من بني دارم، ~~فافترى عليه ميسرة، فقدمه إلى صاحب اليمامة، فجلده أربعين سوطا. قال: والله ~~لئن لم تجلدني ثمانين، لأهجونك هجاء تتمنى أنك لم تكن سمعته. فوفاه ثمانين، ~~فأنشده: # قذفت ms096 أخا زيد فكملت قذفه ... فكمل، هداك الله، جلد أبي نصر # ولا تتركني ناقصا، فتعيبني ... تميم بن مر، والقبائل من قسر # فلست بعبد يلطم الناس وجهه ... ويلفى، غداة الروع، منتفخ السحر # وإنما كان غرضه أن يحده تمام الحد، ليحقق أنه حر، لأن العبد يحد نصف ~~الحد. وقد كان حد القذف عندهم الثمانين. وقد روي أنه أتى عمر بن الخطاب، ~~رضي الله عنه، بسكران، فقال: ما سمعنا من النبي صلى الله عليه وسلم حد ~~الخمر. فاستدعى عليا عليه السلام، فقال: ما عندك في حد الخمر؟ فقال: الشاؤب ~~إذا شرب سكر، وإذا سكر افترى، فاجعل حد الخمر حد القذف، أربعين جلدة. # ولما قال الفرزدق: # وقدر كحيزوم النعامة أحمست ... بأجذال خشب، زال عنها هشيمها # قال ميسرة: ما حيزوم النعامة؟ والله ما يشبع رجلين. ولكني أقول: # وقدر كجوف الليل أحمشت غليها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يفصل # ولما قال الفرزدق أيضا: # وقدر كجوف العير ملآن مترع ... يطيف به ولدان قيس وخندف # PageV01P054 # قال ميسرة: وما جوف العير؟ ومن يذكر من ولدان قيس وخندف مع هذا القدر؟ ~~ولكني أقول: # وقدر كجوف الباقري تحجه ... على العسر والإيسار أهل المواسم # وقال ميسرة للفرزدق: # لقد ذل من يحمي الفرزدق عرضه ... كما ذلت الأخناف تحت المناسم # فلما بلغ الفرزدق ذلك غضب، وتطلب ميسرة، فسمع ميسرة فقال: # متى تلقني تلق امرء غير طائل ... وليس بنجاء من الغمرات # يرى المجد أن يلقى أصرة ذوده ... منفخة الأطراف، مستويات # فرآه الفرزدق يوما فشد عليه بالسيف، وقال له: استغث بمولاك، فصاح بمولاه، ~~فقال مولاه للفرزدق: ليس هو عبدا، إنما حر. قال الفرزدق: ذلك أردت. وكان ~~غرضه يشيع أنه حر. فأدناه وأعطاه. # وميسرة الذي يقول: # لعمري لإعرابية في عباءة ... لها حسب زاك كريم، ومنصب # أعييت باسلام وعتق وصبغة ... وإن يك سوء، فهو عنها مجنب # أحب إلينا من ضناك ضفنة ... عليها من الكتان والقطن منهب # لعمري وشيخ قاعد وسط هجمة ... تروح عليه بالشياء، وتغرب # أحب إلينا من صفن نرى له ... عظاما وأثوابا تصان وتحجب # وأما ورك: فكان عبدا ms097 لبشر النهشلي. ويقال: إن مولاه سلم إليه ناقة عسراء، ~~وقال له: إياك أن تحمل عليها شيئا. فحمله فأجهضت. فأنشأ عند ذاك يقول: # ألا لا أبالي أن يضيع جنينها ... إذا لم يلمني، في اللمام، رفيق # يخوفني بشر، وبشر محكم ... وليس ببشر، إن تشاء، صديق # وله: # لا أخمد النار أخشى أن يضل بها ... عان، يريد سناها، جائع صرد # لكن أقول لمن يعروا مناكبها ... ألقوا الضرام عليها، علها تقد # إما أقوم إلى سيفي فأشحذه ... أو يستهل عليكم محلب زبد # إني لأحمد ضيفي حين ينزل بي ... أن لا يكلفني فوق الذي أجد # قال مؤلف الكتاب: لقد سمعت هذه الأبيات من جماعة من الفضلاء وأهل الأدب، ~~وأسألهم عن قائلها، فيعزونها إلى غير قائلها. وكذا في هذا الكتاب أبيات ~~كثيرة تضرب بها الأمثال، ويتداول بها، ولا يعلم لمن هي. # وأما ذكوان: فكان عبدا لمالك الدار مولى عثمان بن عفان. فعتق ذكوان، وعظم ~~شأنه، وولي بعض أطراف الشام في زمن معاوية. وكان شاعرا خطيبا، وكان أشد ~~الناس سيرا، لم يدرك أسير منه. سبق الحاج إلى المدينة، فدخلها في يوم ~~وليلة، فقدم على أبي هريرة، وهو خليفة مروان على المدينة، فصلى معه العشاء، ~~فقال له: حجك غير مقبول، قال: ولم؟ توشك أنك قد نفرت قبل الزوال. فأخرج ~~كتبا كانت معه، وهي من بعد الزوال، فقال في ذلك: # فأقسم لا تنفك، ما عشت، سيرتي ... حديثا لمن وافى بجمع المحصب # وذكوان الذي يقول للضحاك بن قيس الفهري: # تطاول لي الضحاك حتى رددته ... إلى نسب، في قومه، متقاصر # فلو شهدتني من قريش عصابة ... قريش البطاح، لا قريش الظواهر # لغطوك حتى لا تنفس بينه ... كما غط في الدوار والمتزاور # ولكنهم غابوا، وألفيت حاضرا ... فقبحت من حامي ذمار، وناصر # قال أبو عبيدة: ذكوان أول من فرق بين قريش البطاح، وبين قريش الظواهر. ~~فقريش البطاح قبائل كعب بن لؤي، وقريش الظواهر بنو محارب والحارث ابني فهر، ~~وبنو الأدرم بن غالب بن فهر، وعامة بني عامر. # وأما مورق: فكان عبدا لرجل يكنى أبا الحوساء من ms098 مذحج، وكان شجاعا. فضربه ~~يوما مولاه ضربة آلمته، وما كان يعرف أنه يقول الشعر، فقال: # خفت أبا الحوساء خوفا يقلق # كأنه موج محيط محدق # فبت، والقلب مروع يخفق # يكاد من بين الضلوع يمرق # فقال له مولاه: والله إنك لم ترد مدحي، وإنما أردت أن تعرفني أنك شاعر ~~فأتقيك. فلما سمع ذلك مورق هرب. فبلغه أن مولاه يطلبه، فخافه، وخافه أيضا ~~مولاه، خوفا أن يهجوه. فزاد مورق في أرجوزته يتوعد منه ويسخر أخرى: # قد علم الغربي والمشرق # أنك في القوم صميم ملصق # عوداك نبع وهشيم بروق # جد لئيم، وكريم معرق # فأنت نار وربيع مغدق # وأنت ليل ونهار مشرق # PageV01P055 # كيف الفوات، والطلوب مورق # شيخ مغيط، وسنان يبرق # وحنجر رحب، وصوت ملصق # وشدق ضرغام، وناب يحرق # وشاعر باقي الرسوم، مغلق # وأما ذو الركبة: فكان عبدا. وسمي ذا الركبة بقوله: # سخر الغواني إذ رأين مويهنا ... كالبو، أكهب شاحب منهوك # والركبتان مفارق رأساهما ... والظهر أحدب، والمعاش ركيك # سئم الحياة، ولاح في أعطافه ... قشف القتير، وذلة المملوك # فجنى جناية، فباعوه في بعض الأسواق إلى رجل، فضربه يوما، فقال: # ولولا عريق في من حبشية ... يرد إباقي بعد حول محرم # وبعد السرى في كل طخياء حندس ... وبعد طلوعي مخرما بعد مخرم # علمت بأني خير عبد لنفسه ... وأنك عندي مغنم، أي مغنم # وأما المندلث: فكان عبدا لبني عبد شمس، فقتل عبدا آخر فخاف، فلحق بحاجب، ~~أحد بني الخطاب بن عبد شمس، فقال: # أقول لأدنى صاحب أستشيره ... وللأخطل الطائي ما تريان # فقال الذي يبدي النصيحة ... أرى اليوم أن تختار أرض عمان # فإن لا تكن في حاجب وبلاده ... نجاة، فقد زلت بك القدمان # فتى من بني الخطاب يهتز للندى ... كما اهتز ماضي الشفرتين، يمان # وأما الحيقطان: فكان شاعرا وخطيبا، وكان عبدا أسود. وهجاه جرير فقال: # كأنه لما بدا للناس # أسود في بيض من اللباس # أير حمار لف في قرطاس # فقال الحيقطان: # إن يك لوني حائة في الناس # فذاك في قومي، وفي أجناسي # فلم ينكس ذكره براسي # ولي لسان، وحجابي آس # لكل ms099 ما أعيا على النطاس # وبه ضرب الشاعر المثل فقال: # وما كان شاعرهم دغفل ... ولا الحيقطان، ولا ذو الشفه # دغفل ابن حنظلة. وذو الشفة: خالد بن سلمة المخزومي. # وأما زامل: فإنه كان عبدا لمعقل بن صبيح، ثم اشتراه جعفر بن سليمان ~~الهاشمي. وكان فصيحا يروي عن الأصمعي. وله: # أرى معقلا لا قدس الله معقلا ... يريد زبالي كلما قل حامله # ويكلح في وجهي، ويخبط بالعصا ... ولوشئت قد أضحت فقارا منازله # فما أنت في الأمحال أضيق حالة ... من العبد، إلا أن يحطم كاهله # وأما أبو التيار: فكان إعرابيا فصيحا، وراجزا، محسنا، وكان مكاتبا لإسحق ~~ابن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي، وكان اشترى نصفه فاعتقه، فقال: # إسحاق يا أكرم أهل الأرض # أعتقت بعضي، وتركت بعضي # فأتبع البعض ببعض يمضي # وأما المثلم: فكان عبدا لبني سعد، فاشتراه زائدة من مزيد الأشعري وانتقل ~~إلى الحارثي فضربه يوما اذلالا فشكاه إلى زائدة فلم يشكه فقال: # أغرك مني أن مولاي زائدا ... سريع إلى داعي الطعام، ضروط # غلام أتاه الذل من نحو شدقه ... له حسب، في الموغلين، بسيط # له نحو دور الكأس إما دعوته ... لسان كنصل الزاغبي، سليط # وإن تلقه في غارة الصبح، تلفه ... خضبا عليه برقع وسموط # فلو كنت في سعد أرنت نوائح ... عليك، وحاشى بعد ذاك ربيط # فليت مليكي من خراسان أغتم ... أرب، طوال الساعدين، حبوط # وليت مليكي بين كوثى وبارق ... وكان مكان الأشعرين ينيط # وأما الهزر: فهو القائل: # ولما رأيت العام عام شضية ... أغيبر محلاه، تصر جنادبه # شددت له أزري، وأيقنت أنه ... أخو الهلك من سدت عليه مذاهبه # وأما أبو عطاء: فمشهور وهو أبو عطاء السندي، وكان عبدا لبني أسد. وهو ~~القائل في يوم من بني عبد المطلب: # لا بكت عين الذي تبكي لهم ... آفة الدين، وأعداء العرب # وكان حائل اللون، في لسانه عجمة لا يكاد يفصح عن شئ. فكان إذا عمل شعرا ~~استعام بمن يورده عنه. فعمل بعض الأيام شعرا، وأعوزه من ينشده عنه، فكتب ~~إلى صديق له معلم، يسأله أن ينفذ إليه غلاما ينشد ms100 له شعرا، كان امتدح به ~~بعض الأشراف: # أعوزتني الرواة يا ابن سليم ... وأبى أن يقيم شعري لساني # PageV01P056 # وغلا بالذي أجمجم صدري ... وشكاني من عجمتي شيطاني # وعدتني العيون أن كان لوني ... حائلا سيئا من الإلوان # فضربت الأمور ظهرا لبطن ... كيف أحتال حيلة لبياني # وتمنيت أنني كنت بالشع ... ر فصيحا، وبان بعض بناني # ثم أصبحت قد أنخت ركابي ... عند رحب الثناء والأعطان # عند من إن سألت أعطى، وإن يع ... ط جزيلا، فليس بالمنان # فألى من سواك يا ابن سليم ... أشتكي حيرتي وفك عناني # فاكفني ما يضيق عنه روائي ... بغلام من صالح الغلمان # يفهم الناس ما أقول من الشع ... ر، فإن البيان قد أعيياني # ثم خذني بالشكر يا ابن سليم ... حيث ما كنت حاضر البلدان # فقديما ما كان مني جزاء ... كل ذي نعمة بما أولاني # وأما دهيقين: فكان عبدا لبني سعد، وكان أهله يجفونه، فقال: # ومالي من أم، إذا جئت، برة ... ولا من أب يكفيني الجفوات # سوى أنني يوما إذا جئت ساغبا ... تقدم لي الحثان في النقبات # وأطعم في كفي، وإخرج صاغرا ... أبادر أولاهن في السترات # فما في كتاب الله أن يجفوانني ... وأن يعملا ساقي على الكسلات # وأما مادم: فكان عبدا لنزار، وكان به جافيا، فإبق وأنشأ يقول: # أقران هل لي من رسول إليكم ... أخي ثقة يقري السلام ويخبر # أأنكرتم أن تعتقوني، وإنني ... لإن تملكوني، آخر الدهر، أنكر # وأما بسطام: فكان عبدا لبني عدي، وهو الذي يقول: # لئن قصرت في أعين الناس قامتي ... فأن لساني في الندي طويل # أطال لساني طائل لا أغبه ... ووجه كمصباح الظلام، جميل # وعرض كأن النجم لا يستطيعه ... وأبيض من ماء الحديد، صقيل # وما ضرني إن كنت عبدا، وناصري ... عزيز، ورأي، يعد ذاك، أصيل # وحول قناتي عصبة عدوية ... تميل على الأعداء حين أميل # وأما لهذم: فكان عبدا لبني منقر، وكان مكاتبا، وهو القائل: # بقبر ابن ليلى عذت حيران، بعدما ... خشيت الردى، أو أن أرد على قسر # بقبر امرئ يقري المئين عظامه ... ولم نر، إلا غالبا، ميتا يقري # فقال لي: ms101 استقدم أمامك، إنما ... فكاكك أن تلقى الفرزدق بالنصر # وأما المر قال: فكان عبدا مكاتبا لزياد، وهو القائل: # يا فارج الهم وكرب الكارب # إليك أشكو طالع المكاتب # وعض غرم في زمان كارب # وزاهدا في الأخر غير راغب # وله في العار: # لم يعجل الرحمن بالعقاب # لعامرات البيت بالخراب # حتى تسرعن إلى الثياب # كحل العيون، وقص الرقاب # مكتسيات دكن الحباب # مستتبعات خلفها الأذناب # مثل مداري الحصن السلاب # أهوى لهن أنمر إهاب # مهرت الشدق، حديد الناب # كأنما يوثق بالحراب # وأما شنير: فكان عبدا، وهو القائل: # ما زلت أرعى كل نجم يسري # حتى إذا لاح عمود الفجر # خرجت منهم في الفضاء أجري # فواحد ملتزم بصدري # وآخر ملتزم بنحري # وآخر ملاصق بفكري # أسبقهم إلى أصول الخدر # كأنهم خنافس في حجر # إذا بكوا عللتهم بالنحر # لم يتشكوا تخمة في الدهر # وكلهم في ساعة يستمري # ليس لهم باللحم بعد الفطر # عهد، ولا يرجوه حتى الحشر # وأما جندل: فكان عبدا، وهو القائل: # وما فك رقي ذات دل خبرنج ... ولا شان مالي صدفة وعقول # ولكن نماني كل أبيض ماجد ... فأصبحت أدري اليوم كيف أقول # وأما أبو دلامة: فكان عبدا لفضافض الأسدي، وملكه فأعتقه، فكان من صحابة ~~أبي جعفر المنصور. وكان أبو دلامة غزير الشعر، مفتنا في أساليبه، وكان مع ~~ذلك كثير النادرة والهزل. ويروى أنه مثل بين يدي أبي جعفر المنصور، فأنشده: # إني أرقت، وقد باتت تعاتبني ... أم الدلامة لما شفها الجزع # PageV01P057 # لا والذي، يا أمير المؤمنين، حوى ... لك الخلافة، في أكنافها الرفع # ما زلت أكسبها مالا فتأكله ... دوني، ودون عيالي، ثم تضطجع # ناشدتها بكتاب الله حرمتنا ... فلم تكن بكتاب الله ترتفع # فاخرنطمت، ثم قالت، وهي معرضة ... أأنت تتلو كتاب الله يا لكع # إذهب تبغ لنا نخلا ومزدرعا ... كما لجيراننا نخل ومزدرع # واخدع خليفتنا، إن كنت سائله ... إن الخليفة للسؤال ينخدع # فقال له الخليفة: قد انخدعنا لك، سل حاجتك. قال: جريب مساحه في بيت ~~المال، قال: هو لك. فخرج إلى الخزان فخط ستين في ستين، فدخلت بيوت الأموال ~~فيه، فقال ms102 الخزان: يا أمير المؤمنين ورد اليوم أمر من أمرك احتجنا فيه إلى ~~مناظرتك، قال: وما هو؟ قالوا: إن أبا دلامة أتانا فخط ستين في ستين وقال: ~~قد أمر أمير المؤمنين بهذا صلة تحوي بيوت الأموال. فقال: علي به، فقال: ~~ويلك تسألني مسألة محال؟ فقال: والله، يا أمير المؤمنين، لقد علمت أن ذلك ~~لا يسوغ لي، ولكن لك ضيعتين على شاطئ الفرات، إحداهما نورا، والأخرى ~~برنورا، وهما مشتقان من اسم النار، وأبو دلامة عياله أحق بالنار منك. فقال: ~~خذهما، لا بارك الله لك، فهما ومغلهما خمسون ألف دينار. فكانت في يدي أبي ~~دلامة وورثته إلى أن بادوا. وفي رواية أخرى أنه قال له المنصور: قد أقطعتك ~~أربعمائة جريب، نصفها عامر ونصفها غامر، قال: وما الغامر؟ قال: الذي لا شيء ~~فيه، قال له: فقد أقطعتك من العذيب إلى الثعلبية. فضحك منه، وأقطعه ما ~~أراد. # وروى ابن عائشة قال: خرج المهدي إلى الصيد، ومعه علي بن سليمان الهاشمي، ~~فرمى المهدي ظبيا فصاده، ورمى علي آخر فأخطأه وأصاب الكلب. فقال المهدي: من ~~ها هنا من الشعراء؟ فقالوا: أبو دلامة، فقال له: قل في هذا شيئا، فأنشأ ~~يقول: # قد رمى المهدي ظبيا ... شك بالسهم فؤاده # وعلي بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده # فهنيئا لهما كل ... امرئ يأكل زاده # فقال المهدي: صدق والله، لتأكلنه أو لتفدينه. ففداه علي بن سليمان ألف ~~درهم دفعت إلى أبي دلامة. # وقيل: إن أبا دلامة كان ليلة عند المنصور، فقال له المنصور: أشتهي أن ~~أقيم معك غدا، وفلان وفلان، ولا يدخل إلينا أحد، فبكر إلي. فلما سمع ذلك ~~علي بن سليمان قال له: يا أبا دلامة أنت تبكر إلى الدار وأنا أبكر، فبت ~~عندي الليلة، فقال: أخاف أن تسقيني خمرا، فأبطئ عن المصير إلى أمير ~~المؤمنين. قال له: لا تشرب شيئا أصلا. فلما صار إلى منزل علي بن سليمان، ~~دعا بالعشاء، ثم دعا بالستائر فضربت، وغناء المغاني، وأمر علي بن سليمان ~~برطل فشربه، فقال أبو دلامة: لو شربت رطلا واحدا ما ms103 كان به بأس، فقال له ~~ابن سليمان: لا تفعل. فما سمع منه، وأخذ وشرب، وأمر الجواري لا يقطعن ~~الغناء. فشرب أبو دلامة حتى سقط سكرا، وأمر الجواري لا يسكتن، والشموع لا ~~تطفأ، والطعام لا يزال، وأبو دلامة في عيش طيب. فبقي كذلك ثلاثة أيام، وهو ~~يظن أنه في ليلته، حتى تطلبه المنصور فلم يجده، فأمر بهدم داره. فقال له ~~ابن سليمان: هو، والله يا أميرالمؤمنين، عندي. وقص عليه قصته، فأمر به، ~~فأحضر وهو سكران لا يعي بنفسه. فأمر به فضرب ضربا وجيعا، وحبسه في المطبخ، ~~في بيوت الدجاج. فبقي نائما والدجاج يسلح عليه وعلى وجهه، وينقر أنفه. ~~فانتبه في الليل فصاح إلى جواريه: فلانة، فلانة، وإلى خدمه: فلان، وفلان، ~~ما جاوبه أحد، وهو يظن أنه في منزله. فقال له الطباخ: أتدي أين أنت؟ قال: ~~لا والله. فقص عليه القصة، وعرفه ما اعمد المنصور معه، فبقي حائرا. فما كان ~~إلا ساعة، وجاء رسول المنصور يطلبه. فلما مثل بين يديه أنشأ يقول: # أمير المؤمنين وقتك نفسي ... علام ضربتني، وخرقت ساجي # وفيم حبستني من غير جرم ... كأني بعض عمال الخراج # فلو فيهم حبست، لكان ذاكم ... ولكني حبست مع الدجاج # وقد كانت تحدثني ذنوبي ... بأني من عقابك غير ناج # على أني، وإن لاقيت شرا ... لخيرك، بعد ذاك الشر، راج # أفي صفراء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج # وقد طبخت بنار الله، حتى ... لقد صارت من النطف النضاج # PageV01P058 # فقال ابن سليمان: شرب الخمر يا أمير المؤمنين، فسله بأي نار طبخت؟ قال ~~أبو دلامة: بنار الله الموصدة، التي تطلع على فؤاد من علمك. فضحك المنصور ~~منه وأجازه. ### | الإماء من شواعر النساء # وهن: عنان، والذلفاء، ورييم، وفضل، وملك، وخنساء، وصرف، ومخنثة، ومدام، ~~وخشف، وعلم، وريا، وسكن. وسكن أغزرهن وأشهرهن ذكرا، وإنما أكثرهن افتنانا ~~عنان، جارية الناطفي. # عنان جارية الناطفي وهي صاحبة أبي نواس، وبينهما معاتبات ومضاحكات، ~~وتهاجيا في آخر أمرهما. وكان لها ظرف بارع، وأدب كامل، في سرعة جواب. وكان ~~لها مجلس ينتابه السراة والشعراء وأهل الأدب، ms104 يطارحونها الأشعار ~~ويناشدونها. # فمن شعراها ترثي مولاها: # يا موت أفنيت القرون، ولم تزل ... حتى سقيت، بكأسك، النطافا # يا ناطفي، وأنت عنا نازح ... ما كنت أول من دعوه فوافى # وقالت: # نفسي على زفراتها موقوفة ... فوددت لو خرجت من الزفرات # لا خير بعدك في الحياة، وإنما ... أبكي مخافة أن تطول حياتي # قال محمد بن سليمان الكاتب: إفتصد الرشيد يوما، فأهدى له يحيى بن خالد ~~جارية عوف الخياط. فأقامت عنده شهرا، قم وهبها لخزيمة بن خازم. # ففي ذلك تقول عنان، تمدح يحيى، وتطلب أن يبتاعها: # نفى النوم عن عيني حوك القصائد ... وآمال نفس، همها غير واحد # إذا ما نفى عني الكرى طول ليلتي ... تعوذت منه باسم يحيى بن خالد # وزير أمير المؤمنين، ومن له ... فعالان من جود: طريف وتالد # على وجه يحيى غرة يهتدي بها ... كما يهتدي ساري الدجى بالفراقد # بلغت الذي لم يبلغ الناس مثله ... فأنت مكان الكف من كل ساعد # تعود إحسانا، فأصلح فاسدا ... وما زال يحيى مصلحا كل فاسد # وكانت رقاب من رجال تعطلت ... فقلدها يحيى كرام القلائد # على كل حي من أياديه نعمة ... وآثاره محمودة في المشاهد # ففعلك محمود، وكفك رحمة ... ووجهك بدر، نوره غير خامد # مننت على أختي منك بنعمة ... صفت لهما منها عذاب الموارد # فمن بما أنعمت منها عليهما ... علي، وقاك الله كيد المكائد # أعوذ من الحرمان منك بخالد ... وطيب تراب، فيه أعظم خالد # وذكرها يحيى لهارون الرشيد، فأمر بشرائها، فاشتراها بثلاثمائة ألف درهم، ~~وأمر صاحب بيت المال برفع المال إلى مولاها. فقال لمولاها: اجعل لي من هذا ~~المال عشرة آلاف درهم، فأبى أن يفعل. فأمر صاحب بيت المال بثلاثين حمالا، ~~فحملت البدر، وأدخلها على الرشيد، فقال: ما هذا؟ قال: هذا ثمن عنان. قال: ~~ويلك هذا كله سرف، رده إلى بيت المال. وأبطل شراءها. ثم بعد ذلك عزم يحيى ~~على معاودة الرشيد في أمرها، فعاق عن ذك حادثهم. # وقال: أحمد بن إبراهيم: هويت عنان فتى من أهل بغداد، لا نبات له بعارضيه، ~~في غاية من الحسن، وكان ms105 يدعي النسك والعفاف. فطلبت وصاله فأبى. ثم أن الفتى ~~بعد ذلك نبتت لحيته، وضجر من طول الزهد، فأتاها يلتمس منها ما كانت تلتمس ~~منه، فأنشأت تقول: # هلا وأنت بماء وجهك تشتهي ... رؤد الشاب، قليل شعر العارض # ألآن إذ نبتت بخدك لحية ... ذهبت بملحك، ملء كف القابض # مثل السلافة عاد خمر عصيرها ... بعد اللذاذ خل خمر، حامض # وقالت: # إلى الله أشكو طارقات من الهوى ... لها في فؤادي جمرة تتضرم # فلا مشتكى إلا إليه، فأنه ... أرق، وأحفى بالعباد، وأرحم # وحكى عنها أبو ثابت قال: خطر بقلبي بيت شعر قلته، وتعسر علي ثانيه، وطلبت ~~من يجيزه. فتذكرت عنان جارية الناطفي، فأتيتها وأوردت عليها الشعر، فقلت: # وما زال يشكو الحب حتى سمعته ... تنفس في أحشائه، أو تكلما # فأطرقت، ساعة، ثم قالت: # ويبكي فأبكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعا بكيت له دما # PageV01P059 # ويروى عن زريق الشاعر قال: أتيتها يوما، فلما رأتني قالت: مرحبا يا عم، ~~لقد جاء الله بك على حاجة إليك. قلت: وما ذاك؟ قالت: إن هذا الأعرابي الذي ~~تراه سألني أن أقول بيتا، وقد صعب علي الابتداء، فابتدئ علي بالقول. # فقلت: # لقد عز العزاء، وغيل صبري ... غداة جمالهم للبين زفت # فقال الأعرابي: # نظرت إلى أواخرها ضحيا ... وقد رفعوا لها عصيا فرنت # فقالت عنان: # كتمت هواهم في الصدر مني ... على أن الدموع علي نمت # قال: ودخلت إلى بعض الأمراء فكتب إليها: # ماذا تقولين فيمن شفه سقم ... من فرط حبك، حت ظل حيرانا # فكتبت تحت هذا الشعر: # إذا رأينا محبا قد أضر به ... جهد الصبابة، أوليناه إحسانا # وعرضت على عيسى بن جعفر، فأعجبته، فغمزها وقال: # جودي لصب حزين ... يكفيه منك قطيره # فقالت: # إياي تعني ... بهذا؟ عليك فاجلد عميره # ودخل عليها أبو نواس، وقد ضربها مولاها، وهي تبكي، فقال: # بكت عنان فجرى دمعها ... كالدر قد توبع في خيطه # فقالت: # أجل، ومن يضربها ظالم ... تيبس يمناه على سوطه # وقالت تهجو أبا نواس: # يا نواسي، يا نفاية خلق الل ... ه، قد نلت بي سناء وفخرا # مت متى ms106 شئت، قد ذكرتك في الشع ... ر، وجرر أطراف ثوبك كبرا # لا تسبح، فما عليك جناح ... جعل الله بين لحييك دبرا # فإذا ما أردت أن تولي الل ... ه على ما أبلى وأولاك، شكرا # فاذكر الله بالضمير وبالاي ... ما، ولا تذكرن ربك جهرا # فأخذ هذا المعنى البلاذري فقال: # يسبح لا من تقى أحمد ... يحب التظرف بالسبحة # ويخرج أنفاسه كالفسا ... يفتقه السرم عن سلحة # أبا جعفر فتوق الإله ... ولا تذكر الله من فقحة # وقالت تمدح جعفرا بن يحيى: # يا لائمي، جهلا، ألا تقصر ... من ذا على حر الهوى يصبر # لا تلحني أني شربت الهوى ... صرفا، وممزوج الهوى يسكر # أحاط بي الحب، فخلفي له ... بحر، وقدامي له أبحر # تخفق رايات الهوى بالردى ... فوقي، وحولي للردى عسكر # سيان عندي، في الهوى، لائم ... أقل فيه، والذي يكثر # أنت المصفى من بني برمك ... يا جعفر الخيرات، يا جعفر # لا يبلغ الواصف في وصفه ... ما فيه من فضل، ولا يحصر # ما عصرت عودا يد لامرئ ... أطيب من عودك إذ يعصر # من وفر العرض بأمواله ... فجعفر أعراضه أوفر # ديباجة الملك على وجهه ... وفي يديه العارض الأحمر # سحت علينا منهم ديمة ... ينهل منها الذهب الأحمر # لو مسحت كفاه جلمودة ... نضر فيها الورق الأخضر # لا يستتم الحمد إلا فتى ... يصبر للبذل، كما يصبر # يهتز تاج الملك من فوقه ... فخرا، ويزهز تحته المنبر # يشبهه البدر إذا ما بدا ... أو غرة في وجهه تزهر # والله ما ندري أبدر الدجى ... من وجهه، أم وجهه أنور # يستمطر الزوار منك الغنى ... وأنت بالزوار تستبشر # عودت طلاب الندى عادة ... إن قصروا عنك، فما تقصر # قال جامع الكتاب: لقد طربت لهذه الأبيات، حتى كررتها فحفظتها. # وأما الذلفاء: فكانت أمة لابن الطرخان، وكان الشعراء أيضا يأتونها ~~ويطارحونها، وكانت حسنة الجواب. ودخل عليها مروان بن أبي حفصة، وعندها أبو ~~نواس وغيره من الشعراء، فقال مولاها لمروان: يا أبا يحي إختر لها بيتا ~~لتجيزه. فقل: قول جرير: # غيضن من عبراتهن، وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى، ولفينا # فقالت، وكانت تشبب بالرشيد: ms107 # هيجت بالبيت الذي أنشدتني ... حبا بقلبي، للإمام، دفينا # قال: فقام أبو نواس مغضبا، وهو يقول: # عجبا من حماقة الذلفاء ... تشتهى ... الخلفاء # فقالت: # إن أحرى الأمور عندي منالا ... شهوات الأكفاء للأكفاء # ويقال: إن العباس بن الأحنف دخل على الذلفاء يوما، فقال: أجيزي: # PageV01P060 # أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى، وأشفق من عيافة زاجر # فقالت: # متطيرا مما أتاه، لأنها ... لونان: باطنها خلاف الظاهر # وأما ريم: فكانت جارية إسحق بن عمرو السلمي. وكانت شاعرة مجيدة. فامتحنها ~~أبو اليدين عبد الرحمن، وكتب إليها: # ألا من لعين لا ترى أسود الحمى ... ولا ناضر الريان إلا استهلت # طروب إذا حنت، لجوج إذا بكت ... بكت فأدقت في الهوى، وأجلت # فكتبت الجواب في ظهر الرقعة: # فليس مدنيه البكاء من الحمى ... وإن كثرت منه الدموع، وقلت # يحن إلى أهل الحمى، فدموعه ... تسح، كما سحت سماء تدلت # فلم يصدق أن الشعر لها، فكتب إليها شعرا لجحاف لا يعرفه أحد، وهو: # كيف المقام بأرض لا أشد بها صوتي ... إذا ما اعترتني سورة الغضب # فكتبت في الجواب: # ما إن يطيب مقام المرء في بلد ... فيه يخاف ملمات من العطب # فاحلل بلاد أناس لا رقيب بها ... فما يطيب لمر عيش مرتقب # وأما فضل الشاعرة: فقد قال أحمد بن أبي طاهر: كنا نجتمع معها كثيرا. ~~فجلسنا يوما، أنا وهي وسعيد بن حميد الكاتب، فكتب إليها سعيد: # علم الجمال تركتني ... بهواك أشهر من علم # فجابته: # وتركتني يا سيدي ... غرض العواذل والتهم # صلة المحب حبيبه ... الله يعلمها كرم # وكتبت إلى سعيد بن حميد، وقد رأته يكثر العبث بقينة: # يا حسن الوجه، سيء الأدب ... شبت، وأنت االغلام في اللعب # ويحك إن القيان كالشرك الل ... منصوب بين الغرور والعطب # بينا تشكى إليك، إذ خرجت ... بعد التشكي منها إلى الطلب # لا يتصدين للفقير، ولا ... يطلبن إلا معادن الذهب # تلحظ هذا وذا، وذاك وذا ... لحظ محب، ولحظ مكتسب # وكتبت إلى آخر كانت توده: # يا من تزينت العلوم بفضله ... وعلا، ففات مراتب الأدباء # ما هكذا يجفو الأديب أديبة ... حلت، وحل مراتب العلماء # صرف ms108 الإله عن المودة بيننا ... وعن الإخاء شماتة الأعداء # وقالت فضل: استدعاني يوما أميير المؤمنين المتوكل، فلما دخلت عليه قال: ~~إن بعض الجواري قالت بيتا فما يجيزه سواك. فقلت: ما هو؟ فقال: # أقام الإمام منار الهدى ... وأخرس ناقوس عموريه # فقلت: # فأضحى به الدين مستبشرا ... وأضحت زناد التقى موريه # وأما خنساء: فكانت جارية للفضل بن يحيى بن خالد. قال أبو عمرو: كتبت إلى ~~خنساء: # خنساء، يا خنساء حتى متى ... يرفع ذو الحب، وينحط # وكيف منجاتي، وبحر الهوى ... قد حف بي، ليس له شط # قكتبت: # يدركك الوصل فتنجو به ... أو يقع الهجر فتنغط # وأما ملك: فكانت جارية لأم جعفر. وروى أبو زيد مر بن شبة، قل: كتب بعض ~~الشعراء إلى ملك، وكان يهوها: # يا ملك قد صرت إلى خطة ... رضيت فيها منك بالضيم # يلومني الناس على حبكم ... والناس أولى منك باللوم # أشكو إليك الشوق يا منيتي ... والموت من نفسي على سوم # فكتبت إليه: # إن كانت الغلمة هاجت فقم ... وعالج الغلمة بالصوم # ليس بك الشوق، ولكنما ... تدور من هذا على كوم # وأما صرف: فكانت مملوكة لابن عمرو، وكانت شاعرة مصافية لعبد الصمد بن ~~المعذل. قال أبو زيد: كتب إليها عبد الصمد يوما: # حبوت صرفا بهوى صرف ... لأنها في غاية الظرف # يا صرف ما تقضين في عاشق ... بكاؤه يبدي الذي يخفي # فكتبت له: # لبيك من داع، أبا قاسم ... يا غاية الآداب واللطف # صرف التي أصفتك محض الهوى ... يقصر عن حبكم وصفي # وأما خشف: فكانت جارية للعباس بن الفضل. وهي القائلة في رجل كانت تهواه: # لو كنت رزقي ما أردت زيادة ... ولقلت: أحسن رازقي وأصابا # وأما علم: فكانت جارية لأحمد بن يزداد. ومن شعرها، وروى عنها المبرد، ~~قولها: # شكى صاحبي أتعابه العيس في السرى ... فلم يلف في الشكوى علي معولا # PageV01P061 # وأتعب عندي من مطايا بقفرة ... وبعدها منها شقة وترحلا # حشا يمتطيها الشوق في كل ساعة ... تقربها البلوى إلى الحتف منزلا # وأما مدام: فكانت جارية، وكانت للعباس بن الفضل مواصلة. فكتب إليها: # كوني بخير، وإن أصبحت في ms109 شغل ... القلب قلبك أعيت دونه حيلي # لو كنت أحسن هجرا ما هجرتكم ... أو كنت أعرف غير الوصل لم أمل # أقررت بالذنب، خوفا من عقابك لي ... وقلت: ما الذنب إلا لي، ومن عملي # لما لحظت سوائي لحظ مكتتم ... علمت أنك قد وفيتني أجلي # كتبت، والدمع في القرطاس منحدر ... وإن شككت تبينيه في البلل # فأجابته: # كم قد تعللت بالتسويف والأمل ... وكم تجرعت من لوم، ومن عذل # وكم رجوت، إذا ما الدهر باعدني ... بأن أدال على قلبي، فلم أدل # لم يكف أن حزت نومي عن مسالكه ... فليس يطرق في ريث، ولا عجل # إن كنت خنتك في عهدي مختالة ... أو عمد عين، أو استبدلت من بدل # فلا رأيتك يوما إذا ... عني بغير، ولا من أملي # أمسى كتابك مبلولا، وقد درست ... منه السطور، ورسم الدمع لم يزل # إذا بي، أو خنت خالصتي ... أو غبت عني، فذا أقصى عقابك لي # وكتب إليها أيضا: # تبرمت بعذالي ... وبث القيل والقال # فما يخطر من بعد ... ك في الحب على بالي # فكفي من تجنيك ... الذي هيج بلبالي # وعودي كالذي كنت ... لنا في الزمن الخالي # وإلا كان شكوانا ... إلى الشاه بن ميكال # فكتبت إليه: # بنفسي أنت من قال ... وبالأهل، وبالمال # إذا ما كنت أرعى ل ... ك حبيك، وترعى لي # ولم تسأل من واش ... فما الشكوى إلى الوالي # وأما ريا: فكانت جارية لابن القراطيسي، وكانت شاعرة. أنشد السيد بن أنس ~~التليدي: # وإذا ترعرع من تليد ناشئ ... جعل الحسام ضجيعه في المسهد # فكتبت: # قوم لهم شرف وعز تالد ... يفنى الزمان وعزهم لم ينفد # الله خص قديمهم وحديثهم ... دون البرية بالعلى والسؤدد # أضحى يقرهم بكل فضيلة ... من كان يجحدهم، ومن لم يجحد # وتمام فخرهم إذا ما فاخروا ... يوم التناصل بالنجيب السيد # وأما مخنثة: فكانت جارية لزهير. وقال ابن أبي خلصة: بعث يوما زهير إلى ~~أبي نواس فأحضره، وعرض عليه مخنثة، وكانت من أطرف الناس. فلما رآها قال: # للحسن فيه صنيع ... له القلوب تريع # فما إليه سبيل ... ولا إليه شفيع # فقالت في وقتها: # أبو نواس ms110 خليع ... له الكلام البديع # وواحد الناس طرا ... له أقر الجميع # وقالت ترثي ابن مولاها، وقتل ببغداد مع الأمين: # أسأل ناعيه، والذي شهد ال ... ليث عليه الكلاب تقتتل # تنهش شلوا، أعزز علي به ... يسحب طورا والمتن منخذل # أأنت أبصرته يلاب به ... في أرض بغداد أيها الرجل # إن كنت أبصرته كذاك فما ... ينجو شديد القوى، ولا فشل # فلو تراه عليه شكته ... والموت دان، والحرب تشتعل # لخلت أن القضاء في يده ... أو المنايا في كفه رسل # كأنه آمن منيته ... في الروع لما تشاجر الأسل # فانظر، بالله، أيها المتصفح هذا الكتاب ما أحسن هذه المعاني العجيبة، ~~والألفاظ المرققة العذاب! فما الذي أبقت هذه المرأة العبدة للرجال ~~الأحرار؟. # وأما سكن: فكانت جارية لمحمود بن الحسن الوراق الشاعر. وكانت شاعرة ~~مجيدة، حسنة النظر في العلوم. وهي القائلة تمدح أبا عدنان دلف بن أبي دلف: # أهدت لقلبك غصة التلف ... ودعت إليك دواعي الأسف # عادات مقلتها إذا نظرت ... رشق القلوب بأسهم الشغف # كم من أسير هوى لمقلتها ... بادي الصبابة، ظاهر الكلف # وقف على الأسقام مهجته ... سمح المقادة، غير منتصف # إن المكارم بعد قاسمها ... ألقت أعنتها إلى دلف # PageV01P062 # ما من أبي دلف سوى دلف ... في البأس والأفضال من خلف # جادت يداه بفضل نائلة ... حتى رماه الناس بالسرف # يمضي عزيمته، وراحته ... تقضي على الأموال بالتلف # أوفت على قلل العلاء به ... همات ذي همم، وذي شرف # أبلغ أبا عدنان عن سكن ... شعرا، قريب العهد بالصحف # لكنه ستطول مدته ... ويسير سير الراكب العنف # إذ كنت تمتدح المديح كما ... قد كان يمدحه أبو دلف # فمديحه إعطاء نائلة ... عفوا، بلا من، ولا سرف # ومن أشعار الإماء وأخبارهم مما لا يعرف كثير. وقد بلغني أن بعض الجواري ~~كانت تهوى سيدها، فباعها، فاشتد وجدها عليه، فقالت: # نأت دار من أهوى فما أنا صانع ... أمصطبر للبين، أم أنا جازع # كفا حزنا أني تحنيت عامدا ... ولم أخش فجع البين، والبين فاجع # فإن تمنعوني أن أبوح بحبه ... فليس لقلبي من جوى البين مانع # فلما سمع المشتري شعرها ردها إلى ms111 مولاها. وبلغ ذلك عبد الله بن طاهر، ~~فكتب إلى نائبه أبي القاسم، يأمره أن يتعرف خبرها ويمتحنها. فركب أبو ~~القاسم إلى مولاها، فأقرأه الكتاب، فأخرج إليه الجارية، فامتحنها عنتا، ~~وقال: # بديع صد، قريب هجر ... جعلته منه لي ملاذا # فقالت: # فعاتبوه، فقال كبرا، ... إن مات عشقا يكون ماذا؟ # فقال: # قد مات من قبله جميل ... وعروة مات قبل هذا # فقالت: # فكلهم ذواق كأس حتف ... والحب، يا عاذلي، على ذا # فكتب نائب عبد الله بن طاهر بما شاهد، فأمره أن يشتريها. فورد الكتاب، ~~وقد ماتت الجارية. ### | شعر المجانين ### | وما نخبره من أشعارهم # وليس مذهبنا في ذلك أن نذكر مثل مجنون مشهور، مثل مجنون بني عامر، وفيه ~~وفي نظرائه اختلاف. ولكنا ذكرنا من المتميزين، الذين غلبت عليهم السوداء ~~والاحتراق، ثم تعود إليهم عقولهم. ولجماعة منهم نوادر ق جمعها بعض العلماء. # فأردنا أيضا أن نذكر غير الذي ذكر من نوادر أولئك، ولم نذكر سوى أشعارهم، ~~وعدلنا عن ذكر نوادرهم. إذ كان غرضنا التنبيه على الشعراء على اختلافهم. # وهم: أبو حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع. ومنهم: ماني، وبهلول، ~~وجعيفران، والعباس المشوق، وخالد الكاتب. وغرضنا في هذا الكتاب الاختصار ~~الذي ما بعده اختصار. ### | ذكر أبي حية النميري # ذكر الجاحظ: أنه كان أجن من جعيفران وأشعر. وروى المبرد عن الأصمعي أنه ~~سئل عن المجنون المسمى قيس بن معاذ، فقال: لم يكن مجنونا، وإنما كانت به ~~لوثة كلوثة أبي حية. يقال: رجل ألوث، إذا كان به هوج. ورجل به لوثة، أي ~~اختلاط وفساد واسترخاء. ولأبي حية: # ألا حي أطلال الرسوم، البواليا ... لبسن البلى، لما لبسن اللياليا # تحمل منها الحي، وانصرفت بهم ... نوى، لم يكن من قادها لك آويا # حنتك الليالي، بعدما كنت مرة ... سوى كالعصا، لو كن يبقين باقيا # إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا # وهم طرا من بعد ليل، ولا ترى ... لهم طرا مثل الصريمة ماضيا # وإني لمما أن أجشم صحبتي ... ونفسي والعيس العموم الأقاصيا # ويقول فيها: # أصابوا رجالا آمنين، وربما ... أصاب ms112 بريئا جرم من كان جانيا # فلما سعى فينا الصريخ، وطالما ... نلبيه، أنجدنا اللهيف المناديا # بأسد على أكتافهن إذا عصوا ... بأسيافهم كانوا حتوفا قواضيا # بأسياف صدق في أكف عصابة ... كرام أبوا في الحرب إلا # ومن نادر شعره ورقيق غزله يصف امرأة حال استتارها: # فأرخت قناعا دونه الشمس، وأتقت ... بأحسن موصولين: كف ومعصم # وهذا البيت يفضل على بيت النابغة في قوله: # سقطض النصيف، ولم ترد إسقاطه ... فتناولته، واتقتنا باليد # ومن شعر أبي الحية المشهور المستطرف، من قصيدة أولها: # أأبكاك رسم المنزل المتقادم # وخبرك الواشون أن لا أحبكم ... بلى وستور الله ذات المحارم # PageV01P063 # أصد، وما الهجر الذي تحسبينه ... عزاء بنا، إلا ابتلاع العلاقم # حياء وبقيا أن تشيع نميمة ... بنا، وبكم، أف لأهل النمائم # وإن دما لو تعلمين جنيته ... على الحي جان مثله غير سالم # أما إنه لو كان غيرك أرقلت ... إليه القنا بالراعفات اللهاذم # ولكن، وبيت الله ما طل مسلما ... كغر الثنايا واضحات الملاغم # إذا هن ساقطن الأحاديث للفتى ... سقوط حصى المرجان من سلك ناظم # رمين فأقصدن القلوب، ولا ترى ... دما مائرا إلا جوى في الحيازم # قوله: ساقطنا الأحاديث من قول جميل بن معمر العذري، وعمر بن أبي ربيعة. # فأما قول جميل: # ما صائب من نابل قذفت به ... يد وممر العقدتين وثيق # له من خوافي النسر حم نظائر ... ونصل كنصل الزاغبي فتيق # قوله: فتيق يعني حاد، والزاغبي منسوب إلى رجل من الخزرج يقال له: زاغب. # على نبعة روداء، أما خطامها ... فمتن، وأما عودها فعتيق # بأوشك قتلا منك يوم رميتني ... نوافذ لم يظهر لهن خروق # والذي قاله عمر بن أبي ربيعة: # وأصابت مقاتلي بسهام ... نافذات، وما تبين كلم # بحديث بمثله تنزل العص ... م، رخيم، يشوب ذلك حلم # ومن مراثيه المستحسنة: # يروم جسيمات العلى فينالها ... فتى من جسيمات المكارم راغب # فإن تمس وحشا دراه، فلربما ... تواضح أفواجا إليها المواكب # يحييون بساما كأن جبينه ... هلال بدا، وانجاب عنه السحائب # وما غائب من يرجى إيابه ... ولكنه من غيب الموت غائب # وقال الآخر: # ولم تنأ دار من مرجى ms113 إيابه ... وتنأى بمن رصت عليه الحفائر # وقال الآخر: # كل ذي غربة سيرجع يوما ... غير غياب زائرات القبور # وأول من ابتدع هذا المعنى في قوله: # وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب # وأنشد محمد بن يزيد لأبي حية، وهو مما يفضل لتلخصه من التكلف: # رمتني، وستر الله بيني وبينها ... ولكن عهدي بالنضال قديم ### | ذكر ماني المجنون # كان ماني شاعرا مفلقا مبرزا. فمن شعره: # وكأنما نهكت قوى أجفانه ... بالراح، أو سبيت بإغفاء # لو صافح الماء القراح بكفه ... لجرت أنامله مع الماء # يرنو إلى نعم بلحظة مسعف ... ولسانه وقف على لاء # ماء النعيم بخده متقطر ... والصدغ منه كعطفة الراء # وقوله، وقد جاء في بيت واحد، بمعنيين، وابن الرقع جاء في بيتين بمعنى ~~واحد. وروي عن الأصمعي أنه قل: أحسن ما قيل في العين قول ابن الرقاع: # وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم # وسنان أقصدها النعاس، فرنقت ... في عينه سنة، وليس بنائم # وروي عن إسحاق بن خلف، وكان شاعرا لأبي دلف، قال: قدم أبو دلف من بعض ~~حروبه، وقد فتح الله على يديه، وكان له فرس قد وجد بركة في لقاء العدو، وهو ~~راكبه، وإذا دخل المدينة ركبه. فعن لي أن أنظم شعرا في المعنى، وقد جازت ~~جيوشه وجنوده. فأنا قائم ألوك الشعر وأفكر في النظم، رأيت رجلا وفي يده ~~قطعة تمر يأكلها، فلما سمع همهمتي بالشعر أنصت له، وترك أكل التمر، وقال ~~لي: أ، ت شاعر. فأطرقت وأقبل أبو دلف، فوقفت له بباب الرصافة، فأنشأت أقول ~~في الفرس: # كم كم تجرعه المنون فيسلم ... لو يستطيع شكا إليك له الفم # في كل منبت شعرة في جلده ... خط ينمقه الحسام المخذم # ما تدرك الأرواح أدنى جريه ... حتى يفوت الريح، وهو مقدم # رجعته أطراف الأسنة أشقرا ... واللون أدهم حين ضرجه الدم # وكأنما عقد النجوم بطرفه ... وكأنه بعرا المجرة ملجم # فنظر مليا وقال، وهو يأكل التمر، إسمع: # كرات لحظك في العدى ... تغنيك عن سل الذكور # فسمع أبو دلف قولي وقوله، فقل لي: ما ms114 قلت مثل هذا. ثم طلب فهرب. وذكر أن ~~جماعة تحدثوا عند ماني على أجود ما قيل في صفة الشعر، فقل شخص منهم: أحسن ~~ما قيل قول كثير: # PageV01P064 # غراء تسحب من قيام شعرها ... وتغيب فيه، وهو جثل أسحم # فكأنها فيه نهار مشرق ... وكأنه ليل عليها مظلم # قال: وماني مشغول بأكل قطعة ناطف في يده، فقال: إسمعوا ما قلت، قلنا: ~~هات، فقال: # نشرت علي غدائرا لتظلني ... خوف العداة، من العدو الموبق # فكأنها، وكأنني، وكأنه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق # قال: فقلت: أنت أشعر وأحسن تشبيها، ذاك شبه شيئين بشيئين، وأنت شبهت ~~ثلاثة أشياء بثلاثة. # ومن مليح غزله: # دعتني جهارا إلى عشقها ... ولم تدر أني ما أعشق # فقمت، ومن مفرقي في الهوى ... إلى قدمي، ألسن تنطق # وله: # ها أنذا تسقطني للبلى ... عن فرشي أنفاس عوادي # لو يحسد السلك على دقة ... حقا، لأضحى بعض حسادي # وله: # صعبت جدا، فما تراض ... وفي جناحي لك انخفاض # مالي إذا ما ظننت ظنا ... أخلف ظني بك انتقاض # ما يفعل السيف حين يمضي ... ما تفعل الأعين المراض # وله: # معذب القلب بالفراق ... قد بلغت نفسه التراقي # يحن شوقا إلى غزال ... أزمع للبين بانطلاق # لم يبق منه السقام إلا ... جلدا على أعظم دقاق # لولا تسليه بالتمني ... آذنت النفس بالفراق # ومن غزله: # هيف الخصور، قواصد النبل ... قتلننا بعيونها النجل # كحل الجمال عيون أوجهها ... فغنين عن كحل بلا كحل # وكأنهن إذا أردن خطى ... يقلعن أرجلهن من وحل # أخذ معنى البيت الثاني نت قول الآخر: # فلشعرها من شعرها رجل ... ولعينها من عينها كحل # وأما قوله: يقلعن أرجلهن من وحل مأخوذ أيضا من: # وبيض تطلى بالعبير، كأنما ... يطأن، وقد أعنقن في جدد، وحلا ### | ذكر أبي الفضل جعيفران المجنون # قيل: أتى رجل جعيفران فقال له: يا أبا الفضل شعرك رديء. فغضب وقال: # سوف أهجوك إن بقيت بشعر ... ليس إن قوموه فلسين يسوى # ويقولون ذا ردي، وحسبي ... أن يقولوا له رديء، ويروى # قال جامع الكتاب: لا يؤخذ على جعيفران إذ قال: يسوى والصواب: يساوي. وقد ~~وقع في ms115 مثل هذا أبو عتاهية فقال: # ولربما سئل البخي ... ل الشيء لا يسوى فتيلا # وقال في أبي العباس ابن الخصيب حين اتجه إلى البصرة: # ليت شعري أي قوم أجدبوا ... فأغيثوا بك من طول العجف # نظر الرحمن بالرحمى لهم ... وجرمناك بذنب قد سلف # يا أبا العباس، يا أحمد، عش ... وامض مصحوبا، فما منك خلف # ومن هجائه في جعفر: # ما جعفر لأبيه ... ولا له بشبيه # أضحى لقوم كثير ... فكلهم يدعيه # وله: # قد جاءنا شاعر ظريف ... يعرف فينا بحسن صوت # قال: أنا الحضرمي، قلنا ... كم من كنيف بحضرموت # وحدث الثقفي قال: قدم علي جعيفران، وأنا عند أبي سعد الوصيفي، فأخرته ~~عنده، لعسى آخذ منه شيئا. فغفل الوصيفي عنه في العطية، وهو يلزمه عنده، ~~ويوكل من يحفظه. فوجد الفرصة في الهرب. ولما علم الوصيفي أحضر غلمانه، ~~وضربهم وقال: لا بد منه هذه الساعة. فتفرقوا في طلبه، فوجدوه عند دكان رجل ~~بقال، وقد كتب رقعة، وهو يتربها. فلزموه، وأخذوا الرقعة منه، وانهزم. ~~فحملوا الرقعة إلى صاحبهم، وإذا فيها إلى الثقفي: # يا صاحبي من ثقيف ... يا مؤنسي وأليفي # يئست من كل خير ... عند ابن سعد الوصيفي # فرحت لا بطفيف ... ولا بغير طفيف # سوى طعام يسير ... خلفته في الكنيف # كأنني في خروجي ... خرجت من بيت كوفي # ومما يتمثل به من شعره: # ما جئت في حاجة أسر بها ... إلا توانيت، ثم قلت: غدا # لا جعل الله لي إليك، ولا ... عندك، ما عشت، حاجة أبدا # وله: # بت ضيفا لهشام ... في شرابي وطعامي # وسراجي الكوكب الدر ... ي في كل ظلام # لا حراما أجد الخب ... ز، ولا غير حرام # تستبين الجوع مني ... في حديثي وكلامي ### | ذكر عباس المشوق المجنون # PageV01P065 # كان مطبوعا، كثير النادرة، حسن الشعر. ومن شعره لأهل البصرة: # رفضت بالبصرة أهل الغنى ... إني لأمثالهم رافض # منهم أناس لا أسميهم ... طعم الندى، عندهم، حامض # وأنشد المبرد له: # أنا العباس أفطن من رأيتم ... أخذت بدردريات الشتاء # إذا ما الريح هبت لي شمالا ... وأظهر لي الجباب ذوو الغناء # قعدت في حمام عمرو ... فلم أبرح ms116 إلى بعد العشاء # وقمت إلى الأتون أبيت فيه ... بغير وسادة، وبلا غطاء # وإما خالد الموسوس، فهو خالد الكاتب. وقد ذكرناه في شعراء الكتاب. والله ~~أعلم بالصواب. PageV01P066 ms117