######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010583 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن الأبار #META# 010.AuthorNAME :: ابن الأبار، محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي (المتوفى : 658هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 658 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إعتاب الكتاب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب متنوعة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: إعتاب الكتاب #META# 030.LibURI :: JK_010583 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على سيدنا ومولانا محمد # قال الشيخ الفقيه الحافظ الحافل المصنف المحدث الأديب البارع أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي المعروف بابن الأبار، رحمه الله: ~~أما بعد حمد الله الذي يعفو عن السيئات، والصلاة على محمد رسوله الخاص ~~بسيادة كل ماض وآت، الحاض على اغتفار الهنات، وإقالة عثرات ذوي الهيئات، ~~فهذه نبذة من إعتاب الكتاب، وتشفيع الآداب، تشهر كما لهم في الاضطلاع ~~والاكتفاء، وتشهد بما لهم عند الأمراء والخلفاء، من كريم الاختصاص ولطيف ~~الإختفاء؛ وكيف لا يكونون كذلك، وهم مقاول الدول وألسنة الممالك، مفردهم في ~~الإفصاح، يعدل جمع الكفاح، وقصبهم الضعيف يقاوي صم الرماح، ويقاوم ذلق ~~الصفاح. رب كتيبة فضها كتاب، وخطب صرعه خطاب فانجاب، وأمل دعابه إملاء ~~فأجاب، ولله در قائلهم، يذكر بعض فضائلهم: # إذا ما جردنا وانتضينا صوارما ... يكاد يصم السامعين صريرها # تظل المنايا والعطايا شوارعا ... تدور بما شئنا وتمضي أمورها # تساقط في القرطاس منها بدائعا ... كمثل اللآلي نظمها ونثيرها # تقود أبيات البيان بفطنة ... تكشف عن وجه البلاغة نورها # إذا ما خطوب الدهر أرخت ستورها ... تجلت بها عما يحب سطورها # وقال الشعبي: أربعة كانوا كتابا صاروا خلفاء: عثمان وعلي ومعاوية وعبد ~~الملك بن مروان. # وحكى سكن بن إبراهيم الكاتب، في كتابه المؤلف في طبقات الخلفاء بالأندلس ~~أن عبد الملك بن مروان قال يوما لأبنه الوليد: لو عداك ما أنت فيه ما كنت ~~معولا عليه من دهرك ؟ قال: فارس حرب ! ثم قال لسليمان: فأنت ؟ قال: كاتب ~~سلطان ! ثم قال ليزيد: فأنت ؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما تركا حظا ~~لمختار ! وعالم لا تحصى أسماؤهم سموا بالبيان، وبنوا بيوت مجدهم بالأقلام ~~أوثق البنيان؛ ثم إلى هذه الحسنى زيادة، لها بشرف الصناعة إشادة، وهي ما ~~غني عن الاستقصاء بالاستقراء، من تقصي العصر بعد العصر، عن أفراد من ~~الكتاب، وأعداد من الشعراء، أم الصقر مقلاة نزور، وقلما تلاقى الفنان: ~~منظوم ومنثور، فإذا جمعا في واحد، لم تجد لفضله من جاحد؛ وصنف منهم ms001 حساب، ~~لا تقع بغير كفايتهم أحساب؛ بينهم من حمل اليراع وفضل الطباع أسباب واصلة ~~وأنساب. قليلا ما يخلو من صدورهم صدر ديوان، ولا تخلو محاسنه إلا تلا ~~إحسانهم وجه أوان، وكثيرا ما احتملت بوادرهم، واستحليت نوادرهم، وقبلت ~~جيئاتهم وأوباتهم، واستدركت أخذاتهم ونكباتهم، إلى ما سدل عليهم من أثواب ~~الرعايات، وسد عنهم من أبواب السعايات. وقد عفا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن كاتبه ابن أبي سرح، وقصة ارتداده لا يفتقر إيضاحها إلى شرح. # ولما كانت المحظوظة من الأدب والعلم، المخصوصة بما يجب لله ورسوله من ~~الأناة والحلم، التي نظمت الندى إلى البأس، وكظمت الغيظ وعفت عن الناس، ~~حضرة مولانا الخليفة الإمام الهادي، المبارك المرتضى، أبو زكرياء أدام الله ~~بها استظهار الإيمان والإسلام، وافتخار الأسياف والأقلام، ولا أعدمها ~~استمرار نصر الألوية والأعلام، وكنت ممن فاض على إساءته إحسانها عدا، وأده ~~تأمينها وامتنانها وقد جاء شيئا إدا، وسمت هذه الرسالة باسمها العالي ورسمت ~~من إغضائها في إغضابها ما لم يقع في العصر الخالي، زاجرا ميامين طيرها، ~~وناظرا أفانين خيرها، لأكون كيزيد بن مزيد، عندما رضي هرون الرشيد عنه، ~~وأذن له في الدخول عليه، فلما مثل بين يديه قال: الحمد لله الذي سهل لي ~~سبيل الكرامة بلقائك، ورد علي النعمة بوجه الرضا منك، وجزاك الله يا أمير ~~المؤمنين في حال سخطك جزاء المتثبتين المراقبين، وفي حال رضاك جزاء ~~المنعمين المتطولين، فقد جعلك الله وله الحمد تتثبت تحرجا عند الغضب، وتمتن ~~تطولا بالنعم، وتستبقي المعروف عند الصنائع، تفضلا بالعفو، فإني الآن كالذي ~~وجد عليه عبد الملك بن مروان فجفاه واطرحه، ثم دعا به ليسأله عن شيء، فرآه ~~شاحبا ناحلا، فقال له: منذ متى اعتللت ؟ قال: ما مسني سقم، ولكني جفوت ~~نفسي، إذ جفاني أمير المؤمنين، وآليت ألا أرضى عنها حتى يرضى أمير المؤمنين ~~عني ! فأعاده إلى حسن رأيه فيه. PageV01P001 ولن أكف شافعا في نفسي، ودافعا ~~براحة رجائي في صدر يأسي، أو ألحق بمشيئة الله شأو رجل من أهل الكوفة دخل ~~على أبي جعفر ms002 المنصور، يشفع في مسخوط عليه، فشفعه فيه، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، أتأذن لي في تقبيل يدك، فإنها أحق يد بالتقبيل، لعلوها في ~~المكارم، وطهورها من المآثم، وإنك يا أمير المؤمنين، لقليل التثريب، كثير ~~الصفح عن الذنوب، فمن أرادك بسوء فجعله الله حصيد سيفك، وطريد خوفك؛ فأعجب ~~به المنصور وقربه. # ومولانا أيد الله أمره أسجح طباعا، وأفسح في الفضائل باعا، ما زال يشرف ~~احتراما واصطناعا، ويعرف إحسانا وإقناعا، وحق لمن عول على عدله المأمون، ~~وتوسل بفضله المضمون، ثم بنجله المبارك الميمون، أن يجتلي وجه القبول ~~المأمول سافرا، ويطمئن مقيما بما انزعج مسافرا، فإنما دعا للتوب قابلا، ~~وللذنب غافرا، وسعى للعود بالخلاص الدائب، من ظفر الحادث وناب النائب ~~ظافرا، لا زالت أهاضيب نواله دائمة السفوح والهتون، وأحاديث كماله صحيحة ~~الأسانيد والمتون، ودام ولي عهده، وخلاصة مجده، المهنأ بمعالي الأمور، ~~والمهيأ لأفتتاح المعمور، وهده ونجده، نظام الدين والدنيا، الأمير الأسعد ~~الأعلى، الأظهر الأرضى، أبو يحيى، يقتفي مذاهبه، ويصطفي مناقبه، حتى يفرع ~~النجم جلالا جليا، ويرفع العلم مكانا عليا؛ وهذا ابتداء المقصود، وإنجاز ~~الموعود. # تراجم الكتاب # مروان بن الحكم # كتب لعثمان رضي الله عنه، واستولى عليه؛ وكان عثمان يولي بني أمية، فيجيء ~~منهم ما ينكر، ويستعتب فيهم فلا يعزلهم؛ فلما شكا أهل مصر عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح وتظلموا منه، عزله واستعمل مكانه محمد بن أبي بكر الصديق، فعثر ~~في طريقه، هو وأصحابه، بعد مسيرة ثلاث، على غلام يخبط بعيره، كأنه هارب أو ~~طالب، ووجهه إلى مصر، أخبرهم مرة أنه لعثمان، وأخرى لمروان، ولم يجدوا معه ~~إلا إداوة قد يبست، فيها شيء يتقلقل، فشقوها فإذا كتاب إلى ابن أبي سرح ~~بالقرار على عمله وبإبطال كتاب محمد بن أبي بكر، والإحتيال لقتله ومن معه؛ ~~فرجعوا إلى المدينة، وعرفوا عثمان، فحلف ما كتب الكتاب ولا أمر به، ولا ~~علم؛ وعرفوا أنه خط مروان، فسألوه أن يدفعه إليهم ليمتحنوه وينظروا في ~~أمره، فأبى عثمان أن يخرج مروان، وخشي عليه القتل، فكان ذلك سبب حصاره. # وحكى ms003 الجاحظ قال: قال يزيد بن عياض: لما نقم الناس على عثمان، خرج يتوكأ ~~على مروان وهو يقول: لكل أمة آفة، ولكل نعمة عاهة، وإن آفة هذه الأمة ~~عيابون طعانون، يظهرون لكم ما تحبون، ويسرون ما تكرهون، طغام مثل النعام، ~~يتبعون أول ناعق. لقد نقموا علي ما نقموا على عمر، ولكن قمعهم ووقمهم؛ ~~والله إني لأقرب ناصرا، وأعز نفرا؛ فضل فضل من مالي، فمالي لا أفعل في ~~الفضل ما أشاء.. # وشهد مروان يوم الدار، ثم يوم الجمل، وولي المدينة لمعاوية مرتين، ثم ~~بويع له بالشام، بعد معاوية بن يزيد بن معاوية. # زياد بن أبي سفيان # كتب للمغيرة بن شعبة، ثم لأبي موسى الأشعري، في استعمالهما على الكوفة. ~~وذكر حويرثة بن أسماء أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر رضي الله عنه أن ~~المال كثر من يأخذه، فلسنا نحصيه إلا بالأعاجم، فاكتب إلينا بما ترى؛ فكتب ~~إليه عمر: لا تعيدوهم في شيء سلبهم الله إياه، واخشوهم على دينكم، وأنزلوهم ~~حيث أنزلهم الله، وتعلموا فإنما هي الرجال؛ فاستكتب زيادا. # ويروى أن عمر استقدم أبا موسى، فاستخلف زيادا على عمله، فقال له: استخلفت ~~غلاما حدثا! فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ضابط لما ولي، خليق بكل خير؛ فكتب ~~عمر إلى زياد يأمره بالقدوم عليه، وباستخلافه على العمل من يقوم به؛ ~~فاستخلف زياد عمران بن حصين، وقدم عليه، فقال عمر: لئن كان أبو موسى استخلف ~~حدثا، لقد استخلف الحدث كهلا ! ثم دعا بزياد فقال له: ينبغي أن تكتب إلى ~~خليفتك بما يجب أن يعمل به؛ فكتب إليه كتابا، ودفعه إلى عمر، فنظر فيه، ثم ~~قال: أعد ! فكتب غيره، فقال: أعده ! فكتب الثالث، فقال عمر: لقد بلغ ما ~~أردت في الكتاب الأول، ولكني ظننت أنه قد روى فيه، ثم بلغ في الثاني ما ~~أردت، فكرهت أن أعلمه ذلك، وأردت أن أضع منه لئلا يدخله العجب فيهلك ! ~~PageV01P002 ولما عزله عمر عن كتابة أبي موسى قال له: أعن عجز أم خيانة يا ~~أمير المؤمنين ؟ قال: لا عن واحد منهما، ms004 ولكن كرهت أن أحمل على الناس فضل ~~عقلك. # ثم كتب لعبد الله بن عامر، وهو الذي قال له، وقد حصر على منبر البصرة، ~~فشق ذلك عليه: أيها الأمير، إنك إن أقمت عامة من ترى، أصابه أكثر مما أصابك ~~! وكتب أيضا لعبد الله بن عباس، ذكر ذلك أبو عمر بن عبد ربه في كتاب العقد ~~الفريد من تأليفه؛ ثم ولي لعلي رضي الله عنه فارس، وكان من كبار أصحابه، ~~إلى أن استلحقه معاوية، وولاه الكوفة والبصرة، وهو أول وال جمع له العراق. # يحيى بن يعمر # روى ابن أبي خيثمة في تاريخه، عن أبي سفيان الحميري، قال: كان يحيى بن ~~يعمر من عدوان، وكان كاتب المهلب بخراسان، قال: فجعل الحجاج يقرأ كتبه ~~فيعجب، فقال: ما هذا ؟ فأخبر، فكتب فيه، فقدم، فرآه فصيحا جدا، فقال: أين ~~ولدت ؟ فقال: بالأهواز، فقال: فما هذه الفصاحة ؟ قال: كان أبي نشأ بتوج، ~~فأخذت ذلك عنه؛ قال: أخبرني عن عنبسة بن سعيد يلحن؟ قال: كثيرا ! قال: فأنا ~~ألحن ؟ قال: لحنا خفيفا، قال: أين ؟ قال: تجعل إن أن وأن إن ونحو ذلك.. ~~قال: لا تساكني ببلدة، أخرج !.. # قال: وعدوان من قيس. # وروي أن الحجاج بعث به إلى خراسان، وبها يزيد بن المهلب، فكتب إلى ~~الحجاج: إنا لقينا العدو، ففعلنا وفعلنا، فاضطررناهم إلى عرعرة الجبل فقال ~~الحجاج: ما لابن المهلب وهذا الكلام ! ويقال إنه قال: ليس يزيد بأبى عذر ~~هذا الكلام ! فقيل له. إن ابن يعمر قال ذلك، قال: ذلك إذا !. # وذكر يونس بن حبيب النحوي قال: قال الحجاج لابن يعمر: أتسمعني ألحن على ~~المنبر ؟ قال: الأمير أفصح من ذلك؛ فألح عليه، فقال: حرفا، قال: أيا ؟ قال: ~~في القرآن، قال: ذلك أشنع له فما هو ؟ قال: تقول: " قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم إلى قوله عز وجل أحب " فتقرؤها: أحب بالرفع، والوجه أن تقرأ ~~بالنصب، على خبر كان، قال: لا جرم لا تسمع لي لحنا أبدا؛ فألحقه بخراسان، ~~وعليها يزيد بن المهلب، قال: فكتب يزيد إلى الحجاج: إنا لقينا العدو، ~~فمنحنا ms005 الله أكتافهم، فأسرنا طائفة، وقتلنا طائفة، واضطررناهم إلى عرعرة ~~الجبل، وأثناء الأنهار. فلما قرأ الحجاج الكتاب قال: ما لابن المهلب ولهذا ~~الكلام ! حسدا له، فقيل له: إن ابن يعمر هناك، فقال: فذاك إذا !. # وعكس أبو العباس المبرد في الكامل مساق هذا الخبر، فجعل كتاب يزيد بن ~~المهلب سببا في إشخاص ابن يعمر إلى الحجاج، فقال في تفسير قول الشاعر: # قتل الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوام # الواحدة عرعرة، وعرعرة كل شيء أعلاه، ومن ذلك كتاب يزيد بن المهلب إلى ~~الحجاج بن يوسف: إن العدو نزل بعرعرة الجبل، ونزلنا بالحضيض ! فقال الحجاج: ~~ليس هذا من كلام يزيد، فمن هنالك ؟ قيل: يحيى بن يعمر، فكتب إلى يزيد بأن ~~يشخصه إليه. قال: وزعم التوزي قال: قال الحجاج ليحيى بن يعمر يوما: أتسمعني ~~ألحن ؟ قال: الأمير أفصح من ذلك، قال: فأعاد عليه القول، وأقسم عليه؛ فقال: ~~نعم، تجعل أن مكان إن فقال له: ارحل عني ولا تجاورني. # وحكى ابن عبد ربه: أن الحجاج بعث فيه فقال: أنت الذي تقول: إن الحسين بن ~~علي ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله لتأتين بالمخرج أو لأضربن ~~عنقك ! فقال له: فإن أتيت فأنا آمن ؟ قال: نعم، قال له: اقرأ " وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه، نرفع درجات من نشاء إلى قوله تعالى ومن ذريته ~~داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس كل من الصالحين " فمن أقرب: عيسى إلى إبراهيم، وإنما هو ابن ~~بنت بنيه، أو الحسين إلى محمد ؟ فقال الحجاج: فوالله لكأني ما قرأت هذه ~~الآية قط ! وولاه قضاء بلده، فلم يزل بالبصرة قاضيا حتى مات. # يزيد بن أبي مسلم PageV01P003 تقلد للحجاج ديوان الرسائل، وكان غالبا ~~عليه، أثيرا لديه، يعوده في مرضه؛ ويقال إنه كان أخاه من الرضاعة؛ فلما ~~توفي الحجاج في آخر أيام الوليد ابن عبد الملك، ولى مكانه يزيد هذا، فاكتفى ~~وجاوز، حتى قال الوليد: مات الحجاج بن يوسف، فوليت مكانه يزيد بن أبي مسلم، ~~فكنت ms006 كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا ! وقال ليزيد: قال لك الحجاج: أنت جلدة ~~ما بين عيني، وأنا أقول لك: أنت جلدة وجهي كله ! ولما أدخل في نكبته على ~~سليمان بن عبد الملك، وهو موثق في الحديد، ازدراه، ونبت عينه عنه، وكان ~~دميما، وقال: ما رأيت كاليوم قط ! لعن الله امرأ أجرك رسنه، وحكمك في أمره ~~! فقال: يا أمير المؤمنين، ازدريتني لما رأيتني والأمر عني مدبر، ولو ~~رأيتني والأمر علي مقبل، لأستعظمت مني ما استصغرت، ولأستجللت ما استحقرت ! ~~فقال سليمان: صدقت ثكلتك أمك، إجلس ! فجلس، فقال له: عزمت عليك يا بن أبي ~~مسلم لتخبرني عن الحجاج، أتراه يهوي في نار جهنم، أم قربها ؟ قال: يا أمير ~~المؤمنين، لا تقل هذا في الحجاج، وقد بذل لكم النصيحة، وأخفر دونكم الذمة، ~~وأمن وليكم، وأخاف عدوكم، وكأني به يوم القيامة على يمين أبيك ويسار أخيك، ~~فاجعله حيث شئت !. # وفي رواية: قال سليمان: أترى الحجاج بلغ قعر جهنم بعد ؟ قال: يا أمير ~~المؤمنين، يجيء الحجاج يوم القيامة بين أبيك وأخيك، قابضا على يمين أبيك ~~وشمال أخيك، فضعه من النار حيث شئت ! فقال له سليمان: اغرب إلى لعنة الله ! ~~فخرج؛ فالتفت سليمان إلى جلسائه فقال: قاتله الله ما أحسن بديهته وتنزيهه ~~لنفسه ولصاحبه ! ولقد أحسن المكافأة لحسن الصنيعة، خلوا عنه؛ فذكر يزيد ابن ~~المهلب لسليمان عفته عن الدينار والدرهم، فهم بأن يستكفيه مهما من أموره، ~~فصرفه عن ذلك عمر بن عبد العزيز؛ فلما ولي بعده يزيد بن عبد الملك، استعمله ~~على إفريقية. # ومنحى يزيد بن أبي مسلم مع سليمان بن عبد الملك، نحا بعض الكتاب، وقد دخل ~~على أمير بعد نكبة نالته، فرأى من الأمير بعض الازدراء، فقال له: لا يضعني ~~عندك خمول النبوة وزوال الثروة، فإن السيف العتيق إذا مسه كثير الصدأ، ~~استغنى بقليل الجلاء، حتى يعود حده، ويظهر فرنده، وما أصف نفسي عجبا، بل ~~شكرا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم ولا فخر ! فجهر بالشكر، ~~وترك الاستطالة بالكبر. # كاتب آخر ms007 للحجاج # روى العتبي في كتاب الجواهر له، عن إسماعيل بن أبي أويس، ما تلخيصه ~~وإيجازه: أن كاتبا للحجاج ولم يسمه علق جارية كانت تقف عليه، وتمر بين ~~يديه، وعلقته، فكانت تسلم عليه بحاجبها إذا غفل الحجاج، فكتب يوما بين يديه ~~كتابا إلى عامل له، ومرت الجارية ولم تسلم، خوفا أن يفطن الحجاج، فأحدثت في ~~نفس الكاتب ما أذهله، حتى كتب عند فراغه من الكتاب: مرت ولم تسلم ! وختمه ~~بخاتم الحجاج على العادة، فلما ورد الكتاب على العامل أجاب عن فصوله كلها ~~ولم يدر ما معنى قوله مرت ولم تسلم وكره أن يدع الجواب عنه، ثم رأى أن ~~يكتب: دعها ولا تبال ! وأنفذه إلى الحجاج، فأنكر ذلك لما وقف عليه، ودعا ~~الكاتب فقال: لا أدري !؛ وكان إذا صدق لم يعاقب بشدته، فقال: أينفعني عندك ~~الصدق أيها الأمير ؟ قال: نعم، فأخبره الخبر، ودعا الحجاج بالجارية فسألها، ~~فصدقته أيضا ووافقته، فعفا عنهما، ووهبها له. # الأبرش الكلبي # ذكر ابن عبدوس أن هشام بن عبد الملك لما أفضت إليه الخلافة بعد أخيه ~~يزيد، وهو في ضيعته بالرصافة، ومعه جماعة من أصحابه، فيهم سعيد بن الوليد ~~الكلبي الأبرش، وكان كاتبا له وغالبا عليه، فلما قرأ هشام الكتاب، سجد وسجد ~~من كان معه من أصحابه، خلا الأبرش، فقال له هشام: لم لا تسجد كما سجد ~~أصحابك ؟ فقال: وعلام أسجد ؟ على أنك كنت معي فطرت فصرت في السماء ! قال ~~له: فإن طرنا بك معنا ؟ قال: الآن طاب السجود. قال: وأنكر هشام عليه شيئا ~~بعد ذلك، واشتد غضبه فشتمه، فقال الأبرش: استحييت لك، ليس بينك وبين الله ~~واسطة، وأنت خليفته في عباده وأرضه، تقول يا بن الفاعلة ! والله لو قال هذا ~~عبد من عبيدك لآخر مثله لكان قبيحا !. فاستحيا هشام منه وقال: فاقتص مني ~~وقل لي كما قلت لك، فقال: إذن أكون سفيها مثلك ! قال له: هبها لي، فقال: قد ~~فعلت، فقال هشام: والله لا أعود إلى مثلها أبدا. PageV01P004 ومن هذا النحو ~~قول الحجاج وقد ظفر بعمران بن حطان ms008 الشاري: اضربوا عنق ابن الفاجرة ! فقال: ~~بئس ما أدبك به أهلك يا حجاج ! كيف أمنت أن أجيبك بمثل ما لقيتني به، أبعد ~~الموت منزلة أصانعك عليها ! فأطرق الحجاج استحياء وقال: خلوا عنه ! فخرج ~~إلى أصحابه فقالوا: والله ما أطلقك إلا الله، فارجع إلى حربه معنا، فقال: ~~هيهات! غل يدا مطلقها، واسترق رقبة معتقها، ثم قال: # أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته # إني إذا لأخو الدناءة والذي ... عفت على عرفانه جهلاته # ماذا أقول إذا وقفت موازيا ... في الصف واحتجت له فعلاته # وتحدث الأكفاء أن صنائعا ... غرست لدي فحنظلت نخلاته # أأقول جار علي، إني فيكم ... لأحق من جارت عليه ولاته # تالله لا كدت الأمير بآلة ... وجوارحي وسلاحها آلاته # ذكر عمران بن حطان في هذه الحكاية وهم؛ وكذا وقعت في زهر الآداب للحصري، ~~وفي غيره، لأن عمران كان من القعدة، ولم يكن يحضر القتال، وإنما هو عامر ~~أخو عمران. # سالم مولى هشام بن عبد الملك # كان يتقلد له ديوان الرسائل، وهو ممن نبه بالكتابة؛ حكى أبو بكر الصولي ~~أن أبا سلمة الخلال، وزير أبى العباس السفاح، أنكر شيئا بلغه عن أبي العباس ~~في وقت، فأنكر أبو العباس السفاح ذلك، وسكن من أبي سلمة وقال له: إن هشام ~~بن عبد الملك حمل على مولاه وكاتبه سالم، وسعي به إليه، فقال له: # يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم # وأنت جلدة وجهي كله. # وأورد أبو العباس المبرد في الكامل من تأليفه، رسالة هشام بن عبد الملك ~~إلى خالد بن عبد الله القسري، وفي آخرها: وكتب عبد الله بن سالم سنة تسع ~~عشرة ومائة، فلعله ابن له، وكتبا جميعا لهشام، والمعروف منهما سالم، وأراه ~~الذي كتب لعبد الملك بن مروان؛ ذكره ابن عبد ربه وغيره. والبيت لأبي الأسود ~~الدؤلي في سالم مملوكه، وبعده بيتان، ولذلك قصة محكية. وقيل إنه لعبد الله ~~بن معاوية الفزاري في ابنه سالم بن عبد الله؛ ولعله تمثل به كما تمثل هشام. ~~وفي الأمالي لأبي علي البغدادي أن ms009 عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج: أنت ~~عندي كسالم يريد هذا البيت. # إبراهيم بن أبي عبلة # حكى ابن عبدوس أن هشام بن عبد الملك أحضره قال: وتقلد الخاتم لمروان بن ~~محمد بعد فقال له: إنا عرفناك صغيرا، وخبرناك كبيرا، وأريد أن أخلطك ~~بحاشيتي، وقد وليتك خراج مصر؛ فأبى عليه، وقال: ليس الخراج من عملي ولا ~~أبصره ! فغضب هشام، فأمسك عنه حتى حبس غضبه، ثم قال أتكلم يا أمير المؤمنين ~~؟ فقال له: قل، فقال: يقول الله عز وجل " إنا عرضنا الأمانة على السموات ~~والأرض والجبال... " الآية، فوالله ما أكرهها، ولا سخط عليها؛ فقال: أبيت ~~إلا دفعا ! وأعفاه ورضي عنه. # وروى أبو نعيم الأصبهاني الحافظ هذا الخبر بإسناده إلى إبراهيم بن أبي ~~عبلة فقال: بعث إلي هشام بن عبد الملك فقال لي: يا إبراهيم إنا عرفناك ~~صغيرا واختبرناك كبيرا فرضينا سيرتك وحالك، وقد رأيت أن أخلطك بنفسي وخاصتي ~~وأشركك في عملي، وقد وليتك خراج مصر؛ قال: فقلت: أما الذي عليه رأيك يا ~~أمير المؤمنين، فالله يجزيك ويثيبك، وكفى بك جازيا ومثيبا، وأما الذي أنا ~~عليه، فمالي بالخراج بصر، ومالي عليه قوة ! قال: فغضب حتى اختلج وجهه، وكان ~~في عينيه قبل، فنظر إلي نظرا منكرا، ثم قال: لتلين طائعا أو لتلين كارها؛ ~~فأمسكت عن الكلام، حتى رأيت غضبه قد انكسر، وسورته قد طفئت، فقلت: يا أمير ~~المؤمنين، أتكلم ؟ قال: نعم؛ قلت: إن الله بسبحانه وبحمده قال في كتابه " ~~إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال إلى منها " فوالله يا أمير ~~المؤمنين ما غضب عليهن إذ أبين، ولا أكرههن إذ كرهن، وما أنا بحقيق أن تغضب ~~علي إذ أبيت، ولا تكرهني إذ كرهت ! قال: فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: يا ~~إبراهيم قد أبيت إلا فقها ! قد رضينا عنك وأعتبناك. # وإبراهيم هذا شامي تابعي، لمالك عنه حديث واحد في الموطأ وإرساله كما ورد ~~أصح من إسناده. # خالد بن برمك PageV01P005 كان في أول أمره يختلف إلى محمد بن علي، ثم إلى ~~إبراهيم بن محمد ms010 الإمام بعده، فلما استخلف أبو العباس السفاح، أدناه محمد ~~بن صول محمولا، لعلة كانت لخالد، فبايعه، وأعجبته فصاحته، وظنه من العرب، ~~فقال: ممن الرجل ؟ فقال: مولاك يا أمير المؤمنين ! قال ممن أنت يرحمك الله ~~؟ قال: من العجم، أنا خالد بن برمك، وإني وأهلي في موالاتكم والجهاد لكما ~~قال الكميت: # ومالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي إلا مشعب الحق مشعب # فأعجب به أبو العباس، وأقره على ما كان يتقلده من الغنائم، ثم جعل إليه ~~بعد ذلك ديوان الخراج، وديوان الجند، فكثر حامده وحسن أثره. وما زالت الحال ~~تتراقى به إلى أن صار وزيرا لأبي العباس، بعد أبي سلمة الخلال، فكان يعرض ~~الكتب عليه، ويكاتب عنه، وينظر في أعمال أصحاب الدواوين. # وحكى الجاحظ في رسالته في الوعد والإنجاز قال: وحدثت عن خالد بن برمك ~~وكان كاتبا لأبي العباس أنه كتب في أول ما أنشئت الكتب إلى العمال: وكتب في ~~سنة الخير يعني أنه خير للإسلام وأهله في إفضاء الخلافة إلى أهلها؛ وكان ~~بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤرخ بسنة الحزن، وهي السنة التي ~~قتل فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقيل لخالد: لو تركت هذا التاريخ ~~ورجعت إلى ما عليه الناس ! فقال: إني رأيت الناس قد قتلهم خلف المواعيد ~~يريد في آخر دولة بني أمية فأحببت أن يسكنوا إلى هذا التاريخ، وترجع إليهم ~~نفوسهم ! قال الصولي: وتوفي أبو العباس، وخالد وزيره، وتمادى على ذلك صدرا ~~من خلافة المنصور، ثم استوزر أبا أيوب المورياني، وبقي خالد واليا لديوان ~~الخراج فقط؛ ويقال إنه أول من وليه، ثم ولي حرب فارس وخراجها، وتصرفت به ~~الولايات إلى أن توفي المنصور، وخالد على الموصل ونواحيها، فأقره المهدي ~~عليها، وزاده ثم ولاه فارس وأعمالها، فأخرج خالد يحيى ابنه إليها. وسعي به ~~إلى المهدي فطالبه بمال عظيم رفع إليه، فباع أكثر ما يملك فيه، ثم بلغته ~~حقيقة أمره، فأسقط عنه البقية، وأشخصه مع الرشيد إلى الغزو، فانصرف عليلا، ~~فوجه المهدي إليه ابنه الهادي يعوده. # كتاب ms011 المنصور # ذكر أبو الحسن الماوردي: أن أبا جعفر المنصور بلغه عن جماعة من كتاب ~~دواوينه أنهم زوروا فيها وغيروا، فأمر بإحضارهم، وتقدم بتأديبهم، فقال حدث ~~منهم وهو يضرب: # أطال الله عمرك في صلاح ... وعز يا أمير المؤمنينا # بعفوك نستجير فإن تجرنا ... فإنك عصمة للعالمينا # ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا # فأمر بتخليتهم، ووصل الفتى وأحسن إليه. # وقال ابن عبد ربه: عتب أبو جعفر المنصور على قوم من الكتاب، فأمر بحبسهم، ~~فرفعوا إليه رقعة ليس فيها إلا هذا البيت: # ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا # فعفا عنهم، وأمر بتخلية سبيلهم. # وذكرت بهذا الشعر قول أبي نواس، وهو في حبس الرشيد يستعطفه: # بعدلك بل بجودك عذت لا بل ... بحبك يا أمير المؤمنينا # فلا يتعذرن علي عفو ... وسعت به جميع العالمينا # فإني لم أخنك بظهر غيب ... ولا حدثت نفسي أن أخونا # براك الله للإسلام عزا ... وحصنا دون بيضته حصينا # فقد أوهنت أهل الشرك حتى ... تركتهم وما يترمرمونا # تزورهم بنفسك كل عام ... زيارة واصلين لقاطعينا # ولو شئت استرحت إلى نعيم ... وقاسى الأمر دونك آخرونا # فشفع حسن وجهك في أسير ... يدين بحبك الرحمن دينا # إذا ما الهون حل بمستجير ... فليس لجار بيتك أن يهونا # فأطلقه الرشيد بشفاعة الفضل، كما أطلقه بشفاعته أيضا الأمين، وقد قال ~~يستعطفه إذ حبس ثانية: # تذكر أمين الله والعهد يذكر ... مقامي وإنشاديك والناس حضر # ونثري عليك الدر يا در هاشم ... فمن ذا رأى درا على الدر ينثر # مضت لي شهور مذ حبست ثلاثة ... كأني قد أذنبت ما ليس يغفر # فإن كنت لم أذنب ففيم تعنتي ... وإن كنت ذا ذنب فعفوك أكبر # كاتب الحسن بن زيد PageV01P006 روى أبو سليمان الخطابي في المعالم له: أن ~~الحسن بن زيد وهو زيد ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان أمير المدينة من ~~قبل أبي جعفر المنصور عتب على كاتب له، فحبسه وأخذ ماله، فكتب إليه من ~~الحبس: # أشكو إلى الله ما لقيت ... أحببت قوما بهم شقيت # لا أشتم الصالحين جهرا ... ولا تشيعت ms012 ما بقيت # أمسح خفي ببطن كفي ... ولو على جيفة وطيت # قال: فدعا به من الحبس، فرد عليه ماله وأكرمه. # قال الخطابي: والعجب من الروافض، تركوا المسح على الخفين، مع تظاهر ~~الأخبار فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، واستفاضة علمه على ألسنة الأمة؛ ~~قال: ثم اتخذوه شعارا حتى إن الواحد من غلاتهم ربما تألى فقال: برئت من ~~ولاية أمير المؤمنين ومسحت على خفي إن فعلت كذا... # أمية بن يزيد # أبوه يزيد مولى معاوية بن الحكم، ودخل أمية الأندلس في طالعة بلج ابن بشر ~~بن عياض القشيري، سنة ثلاث وعشرين ومائة من الهجرة، في آخر خلافة هشام بن ~~عبد الملك، فلاصقه بنفسه خالد بن زيد، كاتب يوسف بن عبد الرحمن الفهري أمير ~~الأندلس، وكان كاتبا معه، فلما تغلب عبد الرحمن بن معاوية على يوسف، واستقر ~~بدار الملك قرطبة، صار خالد إلى كتابته أياما، ثم نفر عن القرار بالأندلس ~~وسأل الإذن بالخروج إلى المشرق. وقد ضم عبد الرحمن بن معاوية أمية بن يزيد ~~إليه، واشتمل عليه لكونه من مواليه، فأمر لخالد بكتاب سراح، فتحامى أمية ~~الكتاب بين يدي خالد وقال: معلمي وولي الإحسان قبلي يكون أول شيء يجري له ~~على يدي الكتاب بخروجه عن أهله وماله ! وامتنع من ذلك؛ فأمر عبد الرحمن ~~خالدا بالكتاب لنفسه، فكتب إلى عامل الجزيرة: أما بعد، فأخرجنا خالدا بقضه ~~وقضيضه، فإنها الراحة له والراحة منه، والسلام ! وكان عبد الرحمن عظيم ~~الهيبة مخوف البادرة، لا يقدم على رد ما يصدر عنه، فما ثرب على أمية في ~~ذلك، بل آثره بعد وأحظاه، وكان في عداد من يشاوره من خاصته ونقباء دولته، ~~ويفضل آراءه، ثم توارث عقبه شرف الكتابة للمروانيين بالأندلس، واتصلت ~~النباهة فيهم دهرا طويلا. # أبو عبيد الله مولى الأشعريين # كتب للمهدي قبل الخلافة، وتجاوز حد الكتابة، لأنه رباه وكفله، واستقبل به ~~الأمور فكان يكرمه ولا يخالفه في شيء يشير به عليه، إلى أن ولي الخلافة ~~فاستوزره. وحكي أنه عزله بعد ذلك عن الدواوين، فكتب إليه: لم ينكر أمير ms013 ~~المؤمنين حالي في قرب المؤانسة وخصوص الخلطة من حالي عنده قبل، في قيامي ~~بواجب خدمته التي أدنتني من نعمته، ووطدت لقدمي في مهاد كرامته، فلم أبدل ~~أعز الله أمير المؤمنين حال التبعيد، ويقرب لي محل الإقصاء، وما يعلم الله ~~مني فيما قلته، إلا ما يعلم أمير المؤمنين ! فإن رأى أكرمه الله أن يعارض ~~قولي بعمله، بدءا وعاقبة، فعل إن شاء الله !. فلما قرأ الكتاب شهد بتصديقه ~~قلبه، وقال: ظلمنا أبا عبيد الله فليرد إلى حاله. # وذكر أبو الفرج الأصبهاني قال: دخل أبو عبيد الله على المهدي، وكان قد ~~وجد عليه في أمر بلغه عنه، وأبو العتاهية حاضر المجلس، فجعل المهدي يشتم ~~أبا عبيد الله ويتغيظ عليه، ثم أمر به فجروا برجله وحبس، ثم أطرق المهدي ~~طويلا، فلما سكن أنشده أبو العتاهية: # أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابا كلما كثرت لديه # تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كل من هانت عليه # إذا استغنيت عن شيء فدعه ... وخذ ما أنت محتاج إليه # فتبسم المهدي، وقال لأبي العتاهية: أحسنت ! فقام أبو العتاهية ثم قال: ~~والله يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحدا أشد إكراما للدنيا، ولا أصون لها، ~~ولا أشح عليها، من هذا الذي جر برجله الساعة، ولقد دخلت على أمير المؤمنين، ~~ودخل هو، وهو أعز الناس، فما برحت حتى رأيته أذل الناس، ولو رضي من الدنيا ~~بما يكفيه، لأستوت أحواله، ولم تتفاوت ! فتبسم المهدي ودعا بأبي عبيد الله ~~فرضي عنه، فكان أبو عبيد الله يشكر ذلك لأبي العتاهية. PageV01P007 ولما ~~قتل المهدي ابنه عبيد الله بن أبي عبيد الله على الزندقة، قال له: لا يمنعك ~~ما سبق به القضاء في ولدك، من ثلج صدرك، وتقديم نصحك، فإني لا أعرض لك رأيا ~~على تهمة، ولا أؤخر لك قدما عن مرتبة ! فقال: يا أمير المؤمنين، إنما كان ~~ابني حسنة، من نبت إحسانك أرضه، وتفقدك سماؤه، وأنا طاعة أمرك وعبد نهيك، ~~وبقية رأيك لي أحسن الخلف عندي.. ويقال: إن المهدي قال له: إنه لو كان في ~~صالح ms014 خدمتك، وما تعرفناه من طاعتك، ما يجب بمثله الصفح عن ولدك، ما تجاوز ~~أمير المؤمنين ذلك إلى غيره، ولكنه نكص على عقبه، وكفر بربه ! فقال أبو ~~عبيد الله: رضانا عن أنفسنا، وسخطنا عليها يا أمير المؤمنين موصول برضاك ~~وسخطك، ونحن خدم نعمتك، تثيبنا على الإحسان فنشكر، وتعاقبنا على الإساءة ~~فنصر ! فاحتال الربيع بن يونس حتى غير عليه المهدي، وزين له استعمال يعقوب ~~بن داود، فجعلت حال أبي عبيد الله تتناقص، وحال يعقوب تتزايد، إلى أن سماه ~~المهدي أخا في الله ووزيرا، وأخرج بذلك توقيعات ثبتت في الدواوين، فقال في ~~ذلك سلم الخاسر: # قل للإمام الذي جاءت خلافته ... تهدى إليه بحق غير مردود # نعم المعين على الدنيا أعنت به ... أخوك في الله يعقوب بن داود # وصرف أبا عبيد الله عن الوزارة، وقال أستحيي منه لقتلي ولده؛ واقتصر به ~~على ديوان الرسائل، وكان يصل إليه على رسمه. # كتاب الهادي # قال ابن عبدوس: حكي لنا أن موسى الهادي سخط على بعض كتابه، ولم يسم لنا ~~الكاتب، فجعل يقرعه بذنوبه، ويتهدده ويتوعده، فقال له: يا أمير المؤمنين، ~~إن اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما بلغك يوجب ذنبا علي لم ~~أجنه، ولكني أقول شعرا: # فإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر # فأمر بألا يعرض له، وصفح عنه وأحسن إليه. # يوسف بن الحجاج الصيقل الكوفي # كان كاتبا ظريفا، يغنى في كثير من أشعاره. ذكر ذلك أبو الفرج الأصبهاني؛ ~~واختص بالهادي إلى أن توفي، وضاع فلما ورد الرشيد الرقة خرج يوسف هذا، وكمن ~~له في نهر جاف على طريقه، وكان للرشيد خدم صغار يسميهم النمل، يتقدمونه، ~~بأيديهم قسي البندق، يرمون بها من يعارضه في طريقه، فلم يتحرك يوسف حتى ~~وافت قبته على ناقة، فوثب إليه يوسف، وأقبل الخدم الصغار يرمونه، فصاح بهم ~~الرشيد: كفوا عنه ! فكفوا، وصاح به يوسف يقول: # أغيثا تحمل الناق ... ة أم تحمل هارونا # أم الشمس أم البدر ... أم الدنيا أم الدينا # ألا كل الذي عدد ... م ms015 ت قد أصبح مقرونا # على مفرق هارونا ... فداه الآدميونا # فمد الرشيد يده إليه، وقال: مرحبا بك يا يوسف، كيف كنت بعدي ؟ ادن مني، ~~فدنا، وأمر له بفرس فركبه، وسار إلى جانب قبته ينشده والرشيد يضحك، وكان ~~طيب الحديث، ثم أمر له بمال، وأمر بأن يغنى في الأبيات. # أبان بن عبد الحميد اللاحقي # خرج من البصرة يطلب الاتصال بالبرامكة، وكان الفضل بن يحيى غائبا، فقصده ~~وأقام ببابه مدة مديدة، لا يصل إليه، فتوسل إلى بعض بني هاشم ممن شخص مع ~~الفضل في أن يوصل إليه شعرا، وقال فيه: # يا غزيز الندى ويا جوهر الجو ... هر من آل هاشم في البطاح # إن ظني ولست تخلف ظني ... بك في حاجتي سبيل نجاحي # إن من دوننا لمصمت باب ... أنت من دون قفله مفتاحي # فقال له: هات مديحك، فأعطاه شعرا في الفضل في هذا الوزن وقافيته، منه: # أنا من بغية الأمير وكنز ... من كنوز البيان ذو أرباح # كاتب حاسب خطيب أديب ... ناصح زائد على النصاح # شاعر مفلق أخف من الري ... شة مما يكون تحت الجناح # لو دعاني الأمير أبصر مني ... شمريا كالجلجل الصياح # فدعا به ووصله، وقدم معه. # وحكى ابن عبد ربه، عن إبراهيم بن محمد الشيباني أبي اليسر الكاتب قال: ~~رفع أبان بن عبد الحميد اللاحقي إلى الفضل بن يحيى بن خالد رقعة بأبيات له، ~~وذكر منها ما تقدم وزاد: # لست بالضخم في رؤاي ولا الفد ... م ولا بالمجحدر الدحداح PageV01P008 ~~لحية كثة وأنف طويل ... واتقاد كشعلة المصباح # لست بالناسك المشمر ثوبي ... ه ولا الفاتك الخليع الوقاح # فدعا به، فلما دخل عليه، أتاه كتاب من أرمينية، فرمى به إليه، وقال له: ~~أجب عنه ! فأجاب في غرضه، فأمر له بألف ألف درهم، وكان أول داخل وآخر خارج، ~~وإذا ركب فركابه مع ركابه، قال: فبلغ هذا الشعر أبا نواس فقال: # إن أولى بقلة الحظ مني ... للمسمى بالجلجل الصياح # لم يكن فيك غير شيئين مما ... قلت في نعت خلقك الدحداح # لحية كثة وأنف طويل ... وسوى ذاك ذاهب في ms016 الرياح # فيك ما يحمل الملوك على السخ ... ف ويزري بالماجد الجحجاح # بارد الظرف مظلم الكذب تيا ... ه معيد الحديث سمج المزاح # فبعث إليه أبان: لا تذعها وخذ الألف ألف درهم، فبعث إليه أبو نواس: لو ~~أعطيتني مائة ألف ألف ما كان بد من إذاعتها !فيقال إن الفضل بن يحيى لما ~~سمع شعر أبي نواس قال: لا حاجة لي في أبان، قد رمي بخمس في بيت، لا يقبله ~~على واحدة منهن إلا جاهل ! فقيل له: كذب عليه ! فقال: قد قيل ذلك، فأقصاه. ~~كذا قال الشيباني، فإن يك صحيحا، فقد أعتبه، وعاود فيه مذهبه. # قال أبو الفرج الأصبهاني، وذكر أبان: خص بالفضل وقدم معه، فقرب من قلب ~~يحيى بن خالد، وصار صاحب الجماعة، وذا أمرهم؛ ويقال إنه عاتب البرامكة على ~~تركهم إيصاله إلى الرشيد وإيصال مديحه إليه، فقالوا له: وما تريد من ذلك ؟ ~~قال: أريد أن أحظى منه بمثل ما حظي به مروان ابن أبي حفصة، فقالوا: إن لذلك ~~مذهبا في هجاء آل أبي طالب وذمهم، به يحظى، وعليه يعطى، فاسلكه حتى نفعل، ~~قال: لا أستحل ذلك، قالوا: فما تصنع ؟ لا يجيء طلب الدنيا إلا بفعل ما لا ~~يحل ! فقال أبان من قصيدة: # نشدت بحق الله من كان مسلما ... أعم بما قد قلته العجم والعرب # أعم رسول الله أقرب زلفة ... إليه أم ابن العم في رتبة النسب # وأيهما أولى به وبعهده ... ومن ذا له حق التراث بما وجب # فإن كان عباس أحق بتلكم ... وكان علي بعد ذاك على سبب # فأبناء عباس هم يرثونه ... كما العم لابن العم في الإرث قد حجب # فقال له الفضل: ما يرد اليوم على أمير المؤمنين أعجب من أبياتك ! وركب ~~فأنشدها الرشيد، فأمر لأبان بعشرين ألف درهم، واتصل مدحه للرشيد بعد ذلك ~~وخص به. # وأما هجاء أبي نواس لأبان، فإن يحيى بن خالد كان قد جعل أمر الشعراء ~~وامتحان أشعارهم وترتيبهم في الجوائز إلى أبان، فلم ترض أبا نواس المرتبة ~~التي جعله فيها، فقال يهجوه من أبيات: # جالست ms017 يوما أبانا ... لا در در أبان # فجاوبه أبان بما أقذع فيه. # ولم يذكر أبو الفرج فيما أورد من أخباره تغير البرامكة عليه، ولا إحالة ~~عندهم لحاله، بل حكى أن مروان بن أبي حفصة شكا إلى بعض إخوانه تغير الرشيد ~~عليه وإمساكه يده عنه، فقال له: ويحك أتشكو الرشيد بعد ما أعطاك وأغناك ! ~~قال: ويحك أتعجب من ذلك، هذا أبان اللاحقي قد أخذ من البرامكة بقصيدة قالها ~~واحدة، مثل ما أخذته من الرشيد في دهري كله، سوى ما أخذه منهم ومن أشباههم ~~بعدها. # وكان أبان نقل للبرامكة كتاب كليلة ودمنة فجعله شعرا ليسهل حفظه عليهم، ~~وهو معروف، فأعطاه يحيى عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل خمسة آلاف دينار. ~~قال الصولي: فتصدق أبان بثلث المال، خمسة آلاف دينار لأنه كان حسن السريرة ~~حافظا للقرآن. # عبد الله بن سوار بن ميمون # كان يكتب ليحيى بن خالد؛ قال: فدعاني يوما لأكتب، فقال لي: اجلس فاكتب، ~~فقلت: ليس معي دواة، فقال لي: أرأيت صاحب صناعة تفارقه آلته ! وأغلظ لي في ~~حرف أراد به حصني على الأدب، ثم دعا بدواة فكتبت بين يديه كتابا إلى الفضل، ~~في شيء من أموره، ففطن أني متثاقل عن الكتاب بسبب تلك المخاطبة، فأراد ~~إزالة ذلك عني، فقال لي: أعليك دين ؟ فقلت: نعم قال: كم ؟ قلت: ثلاث مائة ~~ألف درهم، فأخذ الكتاب ووقع فيه بخطه: # وكلكم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه PageV01P009 ~~إن عبد الله ذكر أن عليه دينا يخرجه منه ثلاث مائة ألف درهم، فقبل أن تضع ~~هذا الكتاب من يدك، فأقسمت عليك لما حملت ذلك إلى منزله، من أحضر مالي ~~قبلك، إن شاء الله ! قال: فحملها الفضل إلي وما علمت لها سببا غير تلك ~~الكلمة. # حجر بن سليمان # حكى يزيد المهلبي أن يحيى بن خالد رقي إليه عن حجر بن سليمان الكاتب ~~الحراني أمور، فكان عليه لها مغيظا، فلما وجه الرشيد يحيى إلى حران ليقتل ~~من هنالك من الزنادقة، ضاق بحجر منزله، فكتب إلى يحيى: أما ms018 بعد فإنك لما ~~حللت بأرضنا، وقرب مزارك منا، اعتلج بقلبي أمران؛ أما أحدهما فالاستتار منك ~~وخفض الشخص في عسكرك؛ وأما الآخر فالإصحار لك والرضا بحكومتك، فاعتلى ~~الرجاء لعفوك الخوف من بادرتك، وعلمت أني لم أعجزك فيما مضى من سالف ~~الأيام، ولأنت أعظم شأنا من الذي لم تعد قدرته الحيرة، إذ يقول له النابغة: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # فأنا أسألك مسألة، يعظم الله عليها أجرك، ويجزل عليها ذخرك، وأسألك بحق ~~نعم الله إلا بللت ريقي بعفوك، وفرجت الضيقة التي لزمتني بعطفك. فكتب إليه ~~يحيى بالأمان له والعفو عنه. # وفي الكتاب المعرب عن المغرب، أن حجر بن سليمان هذا، كان من أفصح الناس، ~~مع أدب الكتابة وظرفها، فلما ولي يزيد بن مزيد الشيباني أرمينية، بعث إليه، ~~فأمر فشقت ثيابه، وقال: والله لأزيلن لحمك وعصبك عن عظمك، لا والله ما طلبت ~~ولاية أرمينية إلا لأشفي نفسي منك! فقال: لا تعجل أيها الأمير، فإن تكن يدك ~~عالية فيد الله أعلى، فانظر إلى من فوقك، ولا تنظر إلى من تحتك، فكل رب من ~~العباد مربوب لذي القوة المتين الذي ينتقم إذا شاء في عاجل! أعيذك بالله ~~أيها الأمير أن تساعد غضبك فتندم وخذ الفوز في الدين والدنيا بالعفو، فإن ~~الله يقول: " وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ~~" . قال عوانة بن الحكم الكلبي والد عياض بن عوانة: شهدته يتكلم بهذا ~~الكلام، وهو مبتل الريق، سهل الكلام، سالم من السقط، كأنما يقرأ في صحيفة، ~~فقال يزيد: أستغفر الله، والله إنا لمربوبون للرب العظيم، وإنه ينبغي لنا ~~إذا أطللنا على من دوننا أن نذكر من فوقنا، خلوا عنه وهاتوا له كسوة ! يا ~~حجر بن سليمان قد أعدناك إلى مرتبتك. # سهل بن هارون # كتب ليحيى بن خالد، وكان منه بمكان، ولزمه إلى حين القبض عليه. حكى عنه ~~قال،: إني لأحمل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في فنائه داخل سرادقه، ~~وهو مع الرشيد بالرقة، وهو يعقدها ms019 جملا بكفه، إذ غشيته سآمة، وأخذته سنة ~~فغلبته عيناه، فقال: ويلك يا سهل، طرق النوم شفري، وأكلت السنة خاطري، فما ~~ذاك ؟ قلت: ضيف كريم، إن قريته روحك، وإن منعته عنتك، وإن طردته طلبك، وإن ~~أقصيته أدركك وإن غالبته غلبك ! قال: فنام أقل من فواق بكية، أو نزع ركية، ~~ثم انتبه مذعورا، فقال: يا سهل لأمر ما كان، ذهب والله ملكنا، وذل عزنا، ~~وانتقضت أيام دولتنا قلت: وما ذاك، أصلح الله الوزير ؟ قال: رأيت كأن منشدا ~~أنشدني: # كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس، ولم يسمر بمكة سامر # فأجبته على غير روية، ولا إجالة فكرة: # بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر PageV01P010 ~~قال: فوالله ما زلت أعرفها منه، وأراها ظاهرة فيه، إلى الثالث من يومه ذاك، ~~فإني لفي مقعدي بين يديه، أكتب توقيعات في أسفل كتبه لطلاب الحوائج إليه، ~~قد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها، إذ وجدت رجلا سعى إليه، حتى ~~أوفى مكبا عليه، فقال: مهلا ويحك، ما اكتتم خير، ولا استتر شر ! قال: قتل ~~أمير المؤمنين الساعة جعفرا ! قال: أو قد فعل ؟ قال: نعم ! قال: فما زاد ~~على أن رمى القلم من يده وقال: هكذا تقوم الساعة بغتة ! قال سهل: فلو ~~انكفأت السماء على الأرض ما زاد. تبرأ منهم الحميم، واستبعد عن نسبهم ~~القريب، وجحد ولاءهم المولى، واستعبرت لفقدهم الدنيا، فلا لسان يحظى ~~بذكرهم، ولا طرف ناظر يشير إليهم؛ وضم يحيى بن خالد، وقته ذلك، والفضل ~~ومحمد وخالد، بنوه وبنوهم، مع بني جعفر بن يحيى، ومن لف لفهم، أو هجس بصدره ~~أمل فيهم؛ وبعث في الرشيد، فوالله لقد أعجلت عن النظر، فلبست ثياب إحرامي ~~وأعظم رغبتي إلى الله في الإراحة بالسيف، وألا يعبث في عبث جعفر، فلما دخلت ~~عليه، ومثلت بين يديه، عرف الذعر في بجرض ريقي، وشخوصي إلى السيف المشهور ~~ببصرين فقال: إيها يا سهل، من غمط نعمتي، وتعدى وصيتي، وجانب موافقتي، ~~أعجلته عقوبتي ! قال: فوالله ما وجدت جوابها حتى قال لي: ليفرخ روعك، ويسكن ms020 ~~جأشك، وتطب نفسك، وتطمئن حواسك، فإن الحاجة إليك قربت منك، وأبقت عليك ما ~~يبسط منقبضك، ويطلق معقولك، وأشار إلى مصرع جعفر وقال: # من لم يؤدبه الجمي ... ل ففي عقوبته صلاحه # فقال سهل: فوالله ما أعلم أني عييت عن جواب آخر قط، غير جواب الرشيد ~~يومئذ، فما عولت في الشكر إلا على تقبيل باطن رجليه !.. ثم قال: اذهب قد ~~أحللتك محل يحيى، ووهبت لك ما ضمته أبنيته وحواه سرادقه، فاقبض الدواوين، ~~وأحص جباء جعفر لنأمرك بقبضه إن شاء الله. قال سهل: فكنت كمن نشر من كفن ~~وأخرج من حبس. # ثم جلت حال سهل عند الرشيد وخص به، فدخل عليه يوما وهو يضاحك ابنه ~~المأمون، فقال: أللهم زده من الخيرات، وابسط له في البركات، حتى يكون كل ~~يوم من أيامه موفيا على أمسه، مقصرا عن غده ! فقال الرشيد: يا سهل، من روى ~~من الشعر أحسنه وأجوده، ومن الحديث أصحه وأبلغه، ومن البيان أفصحه وأوضحه، ~~إذا رام أن يقول لم يعجزه، فقال: يا أمير المؤمنين: ما ظننت أن أحدا تقدمني ~~إلى مثل هذا المعنى ! قال: بلى، أعشى همدان حيث يقول: # رأيتك أمس خير بني لؤي ... وأنت اليوم خير منك أمس # وأنت غدا تزيد الخير ضعفا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس # واستثقل المأمون سهل بن هارون، فدخل عليه يوما والناس على منازلهم، فتكلم ~~المأمون بكلام ذهب فيه كل مذهب، فلما فرغ أقبل سهل على ذلك الجمع فقال: ~~مالكم تسمعون ولا تعون ! وتشاهدون ولا تفهمون، وتفهمون ولا تعجبون، وتعجبون ~~ولا تنصفون ! أما والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير مثل ما قالت وفعلت ~~بنو مروان في الدهر الطويل، عربهم كعجمهم وعجمهم كعبيدهم، ولكن كيف يعرف ~~الدواء من لا يشعر بالداء ! فرجع المأمون فيه إلى الرأي الأول. # وهذا كاستثقال الحجاج زياد بن عمرو العتكي، فلما وفد على عبد الملك ابن ~~مروان، والحجاج حاضر، قال: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو، ~~وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم؛ فلم يكن ms021 بعد ذلك ~~أحد أخف عليه منه. # وشبيه ثناء زياد على الحجاج ثناء أبي دلف العجلي على عبد الله بن طاهر ~~عند المأمون، حين دخل عليه بعد الرضا عليه، فسأله عن عبد الله بن طاهر، ~~فقال: خلفته يا أمير المؤمنين أمين غيب، نصيح جيب، أسدا فينا قائما على ~~براثنه، يسعد به وليك، ويشقى به عدوك، رحب الفناء لأهل طاعتك، ذا بأس شديد ~~لمن زاغ عن قصد محبتك، قد فقهه الحزم وأيقظه العزم، فقام في بحر الأمور، ~~على ساق التشمير، يبرمها بأيده وكيده، ويفلها بحده وجده، وما أشبهه في ~~الحرب إلا بقول عباس بن مرداس: # أكر على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها # والمأمون في خلفاء بني العباس أغزرهم علما، وأشهرهم حلما، وكان يقول: لو ~~علم الناس لذتنا بالعفو لتقربوا إلينا بالجرائم ! وقال لعمه إبراهيم بن ~~المهدي: لقد حببت إلي العفو حتى خفت ألا أؤجر عليه ! PageV01P011 فلو تقدم ~~عصر مولانا الذي فضل العصور الخالية، وأحال على العطل الملوك الحالية، لقلت ~~إياه تقيل، معارف وعوارف، وعلاه تسربل، من توالد وطوارف، وإلا فهأنا مع ~~الاصطناع الظاهر، والاستشفاع بالنجل المبارك الطاهر، كالذي قال للحسن بن ~~سهل، وقد أتى ما أتيت عن جهل: ذنبي أعظم من السماء، وأوسع من الهواء، وجرمي ~~أكثر من الماء ! فقال له الحسن: على رسلك، قد تقدمت لك طاعة، وحدثت منك ~~توبة، وليس للذنب بينهما مكان، وما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير ~~المؤمنين في العفو ! وفيه يقول الحسن بن رجاء الكاتب: # صفوح عن الإجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما # وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما # وقد تضمنت هذه الرسالة من أنبائه، ما يدل على كماله، ويجلو للأحداق صور ~~مكارم الأخلاق في سماحه واحتماله. # كلثوم بن عمرو العتابي # كان ممن جمع له البيان والخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة. # قال ابن عبد ربه: بلغني أن صديقا لكلثوم العتابي أتاه يوما فقال له: اصنع ~~لي رسالة؛ فاستمد مدة، ثم علق ms022 القلم، فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلا ~~شاردة عنك فقال له العتابي: إني لما تناولت القلم تداعت علي المعاني من كل ~~جهة، فأحببت أن أترك كل معنى حتى يرجع إلى موضعه ثم أجتني لك أحسنها. # وهذا كما روي أن ابن المقفع كان كثيرا ما يقف قلمه، فقيل له في ذلك فقال: ~~إن الكلام يزدحم في صدري، فيقف قلمي لتخيره ! وسعي بالعتابي إلى الرشيد ~~فخافه، فهرب إلى بلاد الروم، فقال يعتذر، وهو مشبه في حسن الاعتذار ~~بالنابغة الذبياني: # جعلت رجاء العفو عذرا وشبته ... بهيبة إما غافر أو معاقب # وكنت إذا ما خفت حادث نبوة ... جعلتك حصنا من حذار النوائب # فأنزل بي هجرانك اليأس بعد ما ... حللت بواد منك رحب المشارب # أظل ومرعاي الجديب مكانه ... وآوي إلى حافات أكدر ناضب # ولم يثن عن نفسي الردى غير أنها ... تثوب لباق من رجائك ثائب # هي النفس محبوس عليك رجاؤها ... مقيدة الآمال دون المطالب # وتحت ثياب الصبر مني ابن لوعة ... يظل ويمسي مستكن الجوانب # فنى ظفرت منه الليالي بزلة ... فأقلعن منه داميات المخالب # حنانيك إني لم أكن بعت عزة ... بذل، وأحرزت المنى بالمواهب # فقد سمتني الهجران حتى أذقتني ... عقوبة زلاتي وسوء مناقبي # فهأنا مقصى في رضاك وقابض ... على حد مصقول الغرارين قاضب # ومنتزح عما كرهت وجاعل ... هواك مثالا بين عيني وحاجبي # وقال أيضا: # رحل الرجاء إليك مغتربا ... حشدت عليه نوائب الدهر # ردت إليك ندامتي أملي ... وثنى إليك عنانه شكري # وجعلت عتبك عتب موعظة ... ورجاء عفوك منتهى عذري # فعفا عنه الرشيد؛ ومن جيد مدحه فيه: # إمام له كف يضم بنانها ... عصا الدين ممنوعا عن البري عودها # وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليها قربها وبعيدها # وله فيه أيضا: # رعى أمة الإسلام فهو إمامها ... وأدى إليها الحق فهو أمينها # مقيم بمستن العلا حيث تلتقي ... طوارق أبكار الخطوب وعونها # ومن بديع الاعتذار قول إبراهيم بن المهدي للمأمون: # يا خير من وخدت به شدنية ... بعد الرسول لآيس أو طامع # لم أدر أن لمثل جرمي غافرا ... فظللت أرقب أي حتف ms023 صارع # والله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من مقر باخع # ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع # وقوله: # ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه # فخذ بحقك أولا ... فاصفح بفضلك عنه # إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه # وقول إسحاق بن إبراهيم الموصلي للمأمون أيضا: PageV01P012 لا شيء أعظم من ~~جرمي ومن أملي ... لحسن عفوك عن جرمي وعن زللي # فإن يكن ذا وذا في القدر قد عظما ... فأنت أعظم من جرمي ومن أملي # وقول علي بن الجهم للمتوكل، وقد تمثل به جعفر بن عثمان المصحفي فنسب إليه ~~وهما: # عفا الله عنك ألا حرمة ... تعوذ بعفوك أن أبعدا # لئن جل ذنب ولم أعتمده ... فأنت أجل وأعلى يدا # ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا هدى # ومفسد أمر تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا # أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى # وما أحسن قول أبي بكر بن عمار للمعتمد محمد بن عباد رحمه الله: # سجاياك إن عافيت أندى وأسجح ... وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح # وإن كان بين الخطتين مزية ... فأنت إلى الأدنى من الله أجنح # ويشبه قول العتابي: # ردت إليك ندامتي أملي ... البيت... # ما كتب به سعيد بن حميد إلى بعض الرؤساء معتذرا، وقد نسب ذلك أبو إسحق ~~الحصري إلى ابن مكرم وأتى به مختصرا: نبت بي عنك غرة الحداثة فردتني إليك ~~الحنكة، وباعدتني منك الثقة بالأيام، فأدنتني إليك الضرورة، فسدت فلم أصلح ~~لغيرك، وبخستك معروفك فلم أهنأ ظلمك، وهأنا قد ألقيت بيدي إليك لما ضاقت ~~علي المذاهب، وتقطعت بي السبل، وأدركتني عاقبة ما أسلفت، وارتهنت بسوء ~~النية ما قدمت، فتركت ما أنكر، وانصرفت إلى ما أعرف، ثقة بإسراعك إلي وإن ~~أبطأت عنك، وقبولك المعذرة وإن قصرت عن واجبك، وإن كانت ذنوبي قد سدت علي ~~مسالك الصفح عني فراجع في مجدك وسؤددك، وأي موقف هو أدنى من هذا الموقف، ~~لولا أن الاعتذار فيه إليك، والمخاطبة بما ضمنته كتابي إليك ؟ أم أي خطة هي ~~أزرى بصاحبها من خطة أنا ms024 راكبها، لولا أنها في طلب رضاك، فإن رأيت أن ~~تستقبل الصنيعة بقبول العذر، وتجدد النعمة باطراح الحقد، وتستأنف المنة ~~بنسيان الزلة، وتردني إلى موضعي في قلبك، وإن كنت أعلم أني لم أدع إلى ذلك ~~سبيلا، فإنا رأينا قديم الحرمة وحديث التوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة ~~ويمسحانه، فعلت، فإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت ~~قليلة، والمعروف وإن أسدي عودا على بدء إلى من يكفره مشكور على كل حال ~~بلسان غيره. # وكان العتابي أيام هارون الرشيد في ناحية المأمون، وشيعه عند خروجه إلى ~~خراسان، حتى وقف معه على سندان كسرى، فلما حاول وداعه قال له المأمون: ~~سألتك بالله يا عتابي إلا عملت على زيارتنا إن صار لنا من هذا الأمر شيء ~~؟؟!.. ولما قدم المأمون بغداد يوم السبت منتصف صفر سنة أربع ومائتين، توصل ~~إليه العتابي، فتعذر عليه لقاؤه، فتعرض ليحيى بن أكثم فقال: أيها القاضي إن ~~رأيت أن تذكر بي أمير المؤمنين ! فقال له يحيى: ما أنا بحاجب ! فقال ~~العتابي: قد علمت، ولكنك ذو فضل، وذو الفضل معوان؛ قال: سلكت بي غير طريقي ~~! فقال: إن الله ألحقك بجاه ونعمة، وهما مقيمان عليك بالزيادة إن شكرت، ~~والتغيير إن كفرت، وأنا اليوم خير منك لنفسك، أدعوك إلى ما فيه زيادة ~~نعمتك، وأنت تأبى ذلك، ولكل شيء زكاة، وزكاة الجاه بذله للمستعين ! فدخل ~~إلى المأمون فقال: يا أمير المؤمنين أجرني من العتابي ولسانه، فلم يأذن له ~~وشغل عنه، فلما رأى العتابي جفاءه قد تمادى كتب إليه: # ما على ذا كنا افترقنا بسندا ... ن ولا هكذا رأيت الإخاء # لم أكن أحسب الخلافة يزدا ... د بها ذو الصفاء إلا صفاء # تضرب الناس بالمهندة البت ... ر على غدرهم وتنسى الوفاء ! # يعرض بقتله لأخيه على غدره ونكثه لما عقد الرشيد، فلما قرأ المأمون كتابه ~~دعا به، فدنا منه وسلم بالخلافة، ثم وقف بين يديه، فقال: يا عتابي بلغتني ~~وفاتك فغمتني، ثم انتهت إلي وفادتك فسرتني، وإني لحري بالغم لبعدك والسرور ~~بقربك، فقال: يا أمير ms025 المؤمنين لو قسم هذا البر على أهل منى وعرفات لوسعهم ~~عدلا، وأعجزهم شكرا، وإن رضاك لغاية المنى لأنه لا دين إلا بك، ولا دنيا ~~إلا معك ! قال: سل حاجتك، قال: يدك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة؛ فأمر ~~له بخمسين ألفا. # الفضل بن الربيع PageV01P013 قال ابن عبد ربه: كتب للرشيد يحيى بن خالد ~~بن برمك، ثم الفضل بن الربيع، ثم إسماعيل بن صبيح، وللأمين الفضل بن ~~الربيع. وقال في موضع آخر: وممن نبه بالكتابة بعد الخمول الربيع والفضل بن ~~الربيع، وسمى معهما جماعة. # وقال الصولي: لما قبض الرشيد على البرامكة استوزر الفضل، وقد كان على ~~حجابته، وبقي، فربما استخلف من ينوب فيها عنه. ويحكى أنه دخل قبل ذلك على ~~يحيى بن خالد فلم يوسع له، ولا هش، ثم قال: ما جاء بك يا أبا العباس ؟ قال: ~~رقاع معي ! فرده عن جميعها، فوثب الفضل يقول: # عسى ولعل الدهر يثني عنانه ... بعثرة جد والزمان عثور # فتدرك آمال وتقضى مآرب ... وتحدث من بعد الأمور أمور # فرده ووقع له بما أراد. # واتصلت وزارته للرشيد، إلى أن توفي بطوس، وهو معه، فأخذ البيعة للأمين ~~على القواد وسائر الطبقات، وأجل الناس ثلاثا، ثم قفل بهم إلى بغداد ففوض ~~الأمين إليه الأمر، وجعله وزيره والآمر والناهي في كل شيء. وكان يرى انهماك ~~الأمين ونقصه فيسوءه ذلك، وتبلغ به الحفيظة والنصيحة أحيانا إلى أن يسمعه ~~ما لا يحتمل فيحلم عنه. وحكى ابن عبدوس: أن الأمين عزم يوما على الاصطباح، ~~وأحضر ندماءه وأمر كل واحد منهم أن يطبخ قدرا بيده، وأحضر المغنين، ووضعت ~~الموائد، فلما ابتدأ يأكل، دخل إليه إسماعيل بن صبيح فقال: يا أمير ~~المؤمنين هذا هو اليوم الذي وعدتني أن تنظر في أعمال الخراج والضياع ~~وجماعات العمال، وقد اجتمعت علي أعمال منذ سنة، لم تنظر في شيء منها، ولم ~~تأمر فيها، وفي هذا دخول الضرر في الأعمال؛ فقال له محمد: إن اصطباحي لا ~~يحول بيني وبين النظر، وفي مجلسي من لا أنقبض عنه، من عم وابن عم، وهم ms026 أهل ~~هذه النعمة التي يجب أن تحاط، فأحضر ما تريد عرضه، فاعرضه علي وأنا آكل، ~~لأتقدم فيه بما يحتاج إليه، إلى أن يرفع الطعام، ثم أتمم النظر فيما يبقى، ~~ولا أسمع سماعا حتى أتمم الباقي وأفرغ منه؛ فحضر كتاب الدواوين بأكثر ما في ~~دواوينهم، وأقبل إسماعيل بن صبيح يقرأ على الأمين، وهو يأمر وينهى أحسن أمر ~~ونهي وأسده، وربما شاور من حوله في الشيء بعد الشيء، وكلما وقع في شيء وضع ~~بالقرب من إسماعيل بن صبيح، ورفعت الموائد، ودعا بالنبيذ، وكان لا يشرب في ~~القدح أقل من رطل واحد، وأخذ في تتميم العمل، ثم دعا بخادم له، فناجاه بشيء ~~أسره إليه، فمضى ثم عاد، فلما رآه نهض واستنهض إبراهيم بن المهدي وسليمان ~~بن علي، فما مشوا عشرة أذرع، حتى أقبل جماعة من النفاطين، فضرموا تلك الكتب ~~والأعمال بالنار، وكان الفضل بن الربيع حاضرا فلحق بالأمين وقد شق ثوبه، ~~وهو يقول: الله أعدل من أن يرضى أن يكون مهدي أمة محمد نيه صلى الله عليه ~~وسلم من هذه أفعاله ! وهو يضحك ولا ينكر قول الفضل. # ولما قتل الأمين استتر الفضل، وطال استخفاؤه، إلى أن دخل المأمون بغداد، ~~فسأل عنه، فشفع فيه طاهر بن الحسين؛ وقد قيل إن المأمون وجده قبل الشفاعة ~~ثم شفع فيه طاهر، فعفا عنه. ويقال: إن الفضل لقي طاهرا في موكبه، فثنى عنان ~~فرسه معه، وقال: يا أبا الطيب ما ثنيت عناني مع أحد قبلك قط، إلا مع خليفة ~~أو ولي عهد ! قال له طاهر: صدقت ولكن قل حاجتك، فقال: صفح أمير المؤمنين ~~عني وتذكيره بحرمتي ! فقال المأمون: قد صفحت عنه، على أن تذكيره بحرمته ذنب ~~ثان؛ وكان الفضل قد أمسكه في حجره، في حولي رضاعه؛ وأمر بإحضاره، فلما وقعت ~~عينه عليه سجد وقال: إنما سجدت لله شكرا لما ألهمني من العفو عنه ! ثم قال: ~~يا فضل أكان في حقي عليك وقح آبائي أن تثلبني وتشتمني وتحرض على دمي ؟ ~~أتريد أن أفعل بك مع القدرة مثل ما أردت ms027 بي ؟ فقال الفضل: يا أمير المؤمنين ~~إن عذري يحقدك إذا كان واضحا جميلا، فكيف إذ أعقته العيوب، وقبحته الذنوب، ~~فلا يضق عني من عفوك ما وسع غيري منه، وإنك كما قال الحسن بن رجاء فيك: # صفوح عن الإجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما # وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما # وقد تقدم إنشادهما؛ فأمسك عن عتابه، وأذن له في حضور بابه. # إسماعيل بن صبيح PageV01P014 كتب للرشيد، وخص به، وله يقول إبقاء عليه، ~~وإيصاء بما يحفظ الصنيعة لديه: إياك والدالة، فإنها تفسد الحرمة، ومنها أتي ~~البرامكة. # ويروى أن أعرابيا دخل على الرشيد فأنشده أرجوزة مدحه فيها، وإسماعيل بن ~~صبيح يكتب بين يديه كتابا، وكان من أحسن الناس خطا وأسرعهم يدا، فقال ~~الرشيد للأعرابي: صف هذا الكاتب ! فقال: # رقيق حواشي الحلم حين تثور ... يريك الهوينا والأمور تطير # له قلما بؤسى ونعمى كلاهما ... سحابته في الحالتين درور # يناجيك عما في ضميرك خطه ... ويفتح باب النجح وهو عسير # فقال الرشيد: قد وجب لك يا أعرابي عليه حق كما وجب علينا، يا غلام ادفع ~~له دية الحر ! فقال إسماعيل: وعلى عبدك دية العبد. # ثم كتب للأمين في خلافته فسعي به إليه، وحمل على القبض عليه، وقال في ذلك ~~الحسن بن هانئ يخاطب الأمين مغريا به: # أليس أمين الله سيفك نقمة ... إذا ماق يوما في خلافك مائق # فكيف بإسماعيل يسلم مثله ... عليك ولم يسلم عليك منافق # أعيذك بالرحمن من شر كاتب ... له قلم زان وآخر سارق # أحيمر عاد إن للسيف وقعة ... برأسك فانظر بعدها من توافق # تجهز جهاز البرمكيين وارتقب ... بقية ليل صبحه بك لاحق # وقال أيضا: # ألا يا أمين الله تحبنا ... قلوب بني مروان والأمر ما تدري # فما بال مولاهم لسرك موضعا ... وما باله أمسى يشارك في الأمر # تبين أمين الله في لحظاته ... شنان بني العاصي وحقد بني صخر # وقال أيضا يتوعده: # ألا قل لإسماعيل إنك شارب ... بكأس بني مروان ضربة لازم # أيسمن أولاد الطريد ms028 ورهطه ... بإهزال آل الله من آل هاشم # وإن ذكر الجعدي أذريت عبرة ... وقلت أقاد الله من كل ظالم # وتخبر من لاقيت أنك صائم ... وتغدو بفرج مفطر غير صائم # فإن يسر إسماعيل في فجراته ... فليس أمير المؤمنين بنائم # فما غير له الأمين حالا، ولا قبل فيه مقالا. # داود القيرواني PageV01P015 كتب لمحمد بن مقاتل العكي، ثم لإبراهيم بن ~~الأغلب، في إمارتهما على إفريقية من قبل هرون الرشيد، باستمراره على ولايته ~~بعد عزله بابن الأغلب، وخاف بسبب ذلك من إبراهيم، عند افتضاح الأمر واتضاح ~~ما تمالأ عليه من النكر، فاستخفى إلى أن كتب إليه مستعطفا: أما بعد أعز ~~الله الأمير فلو كان أحد يبلغ بحرصه رضا بشر، بصحه مودة وتفقد حق، وإيثار ~~نصيحة لرجوت أن أكون، بما جبلني الله عليه، من تفقد ما يلزمني من ذلك، أكرم ~~الناس عند الأمير منزلة، وألطفهم لديه حالا، وأبسطهم أملا، ولكن الأمور ~~تجري على خلاف ما يروي العباد في أنفسهم، وإن من ساعده الدهر حظي في أموره ~~كلها، واستحسن القبيح منه، وأظهرت محاسنه، وسترت مساوئه، ومن خالفه القضاء، ~~وأعان عليه الدهر، لم ينتفع بحرص، ولم يسلم من بغي، وقد كنت إذا افتخر ~~الناس بساداتهم للأمير أطال الله بقاءه ذاكرا، وبيومه مسرورا، ولغده راجيا، ~~إلى أن أتانا الله من ذلك بما كنت أبسط له أملي، وأعظم فيه رجائي، وكان مني ~~في إجهاد نفسي بالقيام بما يلزمني من نصيحة الأمير أيده الله حسب الذي يحق ~~علينا، فبينا أنا مشرف على إدراك كل خير، وبلوغ نهاية كل فضل، إذ رماني ~~الدهر بفرقته، ولزمني من ذلك ما كنت أشد الناس زرية به، فوجد أهل البغي ~~والفرية إلي سبيلا، وقد صرت أعز الله الأمير لمكان الخوف الذي ملكني نازع ~~أمكنة، وغرض ألسنة، فلو تحقق الأمير سيء حالي، وكنت العدو، لأشفق علي، ورثى ~~لي، وذنبي أيده الله عظيم، وخناقي ضيق، وحجتي ضعيفة، وعفو الأمير وطوله ~~أعظم من ذلك كله، فإن تداركني الأمير بما أؤمل فذاك الذي يشبهه وينسب إليه ~~وأرجوه منه، وإن يعاقب ms029 فبالذنب الذي اجترمته، وهو أحق من انتشلني من زلتي، ~~وأقالني من عثرتي، ورجا ما يرجوه مثله من أهل المنة والطول من مثل ما عظمت ~~المنة عليه، والأمير أولى بي، وأنظر مني لنفسي، وأعلى بما سألته ورغبت إليه ~~فيه عينا ويدا، والله ولي توفيقه فيما عزم عليه من ذلك، وعليه التوكل لا ~~شريك له؛ وأنا أرجو أطال الله بقاءه أن أكون ممن يتعظ بالتجربة، ويقيس ~~موارد أموره بمصادرها، ولا يدع تصحيح النظر لنفسه، فيما يستقبل منها إن شاء ~~الله، أتم الله على الأمير نعمه، وهناه كرامته، وألبسه أمنه وعافيته في ~~الدنيا والآخرة. فأمنه واستكتبه وكان يشاوره في أموره. # حكى صاحب كتاب المعرب عن المغرب أن إبراهيم بن الأغلب شاور القواد في ~~الخروج إلى ابن رستم الإباضي، فأشار عليه أكثرهم بالخروج، فشاور داود ~~الكاتب، وقال يا أبا سليمان وهو أول يوم كناه فيه ما تقول ؟ فقال له: هؤلاء ~~الجند قد تجنبت عنهم وتحصنت منهم، فما يؤمنك من غدرهم إذا خرجت معهم ! ~~وإنما بينك وبينهم خرق المفازة؛ فتبين له الحق، فأقام وبعث ابنه أبا العباس ~~عبد الله والجيوش إلى طرابلس. # وقال محمد بن نافع لداود: إنما أنت صاحب قلم، فمالك ولهذا ! فقال له: أنا ~~أقتل بقلمي جلفا مثلك ! ثم كتب ابنه إبراهيم بن داود لمحمد بن إبراهيم ابن ~~الأغلب، وبعده لأبن أخيه أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب. # الحسن بن سهل # كتب للمأمون، هو وأخوه الفضل قبله، واستوزره بعد سنة ثلاث ومائتين، وقد ~~كان وجهه من خراسان واليا على بغداد والكوفة والبصرة وما والاهما، ثم أصهر ~~إليه؛ وعدهما ابن عبد ربه في النابهين بالكتابة بعد الخمول كالربيع وابنه ~~الفضل ويحيى بن خالد وابنه جعفر وغيرهم؛ وكانا من البلاغة والسيادة بمكان. # كان الفضل إذا كتب عنه الكاتب فأحسن، شكره على رؤوس الملأ وأبلغ، وإذا ~~أخطأ، وضع الكتاب تحت مصلاه، وسكت إلى أن يخلو به، فيريه الخطأ ويعرفه ~~الصواب. وكان الحسن أيضا على سنته في إيثار كتابه وإكرامهم، وهو أشار على ~~المأمون بأحمد بن ms030 يوسف بعده، فاستوزرهما؛ وأما كلماتهما وتوقيعاتهما فمروية ~~محفوظة. وكتب الحسن إلى المأمون: # ما أحسن العفو من القادر ... لا سيما من غير ذي ناصر # إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فماله غيرك من غافر # أعوذ بالود الذي بيننا ... أن تفسد الأول بالآخر PageV01P016 وحكى ابن ~~عبدوس: أن المأمون شرب يوما، والحسن معه، فقال له: يا أبا محمد لعلكم تظنون ~~أني قتلت الفضل بن سهل، لا والله ما قتلته ! فقال: بلى والله لقد قتلته؛ ~~فقال المأمون: والله ما قتلته ! قال الحسن: بلى والله لقد قتلته، ثلاثا ! ~~فقام المأمون من مجلسه فقال: أف لكم ! وانصرف الحسن إلى منزله، فاتصل الخبر ~~بالمعلى بن أيوب وغسان بن عباد، وهما ابنا خالتي الحسن والفضل، فسارا إلى ~~الحسن فعذلاه ووبخاه وطالباه بالركوب والاعتذار إلى المأمون، وأتياه فقال ~~له غسان: نحن عبيدك يا أمير المؤمنين وصنائعك، بل عرفنا، واصطناعك شرفنا، ~~كنا أذلاء فرفعتنا، وكنا فقراء فأغنيتنا، فاعف خطيئة مسيئنا لمحسننا؛ قال: ~~ويحك ما أصنع، وحلفت له ثلاثا ؟ فقال المعلى: يا أمير المؤمنين، أنسته ~~فأنس، وسقيته فانتشى، فاغفر له هفوته؛ فقال المأمون: يا غلام سر إلى أبي ~~محمد فقل له: إما تجيئنا وإما نجيئك ! # أحمد بن أبي خالد # كتب للحسن بن سهل، ثم وزر للمأمون، وكان أكولا نهما ملتهب المعدة، لا ~~يصبر على تأخير الغداء، فرفع إلى المأمون أن ابن أبي خالد يقتل المظلوم ~~ويعين الظالم بأكلة، فأجرى عليه ألف درهم كل يوم لمائدته، ثم كان إذا وجهه ~~في حاجة، أمره بأن يتغدى قبل ويأكل. # قال الصولي: ولى المأمون دينار بن عبد الله الحبل، ثم صرفه ووجد عليه، ~~فأرسل إليه أحمد بن أبي خالد، يعد ديونه ويطلب منه المال، وقال لياسر ~~الخادم: امض معه وانظر فإن تغدى أحمد عنده كان معه علينا، وإن لم يتغد كان ~~معنا عليه ! فلما أحس دينار بمجيئه، أعد له طعاما ثم جاء ابن أبي خالد، ~~فأدى رسالة المأمون حتى كملت، ثم حضر عشرون فروجا فأكلها، ثم جيء بسمك فما ~~ترك منه شيئا، ولما توسط ms031 الأكل، قال له دينار: مالكم عندي إلا سبعة آلاف ~~ألف، ما أعرف غيرها ! فلما أكمل الأكل، قال له أحمد: احمل إلى أمير ~~المؤمنين ما ضمنت ! فقال: ما عندي إلا ستة آلاف ألف ! فقال له ياسر: ما قلت ~~إلا سبعة آلاف ألف، وقد سمع ذلك أبو العباس؛ فقال ابن أبي خالد: ما أحفظ ما ~~كان، ولكن قل الآن أسمع ! قال دينار: ما قلت إلا ستة آلاف ألف. وسبق ياسر ~~فأخبر المأمون، وجاء أحمد فقال: إنه قد أقر بخمسة آلاف ألف. فضحك المأمون ~~وقال: ما قام على أحد غداء بأغلى منا ! قام علي غداء أحمد بن أبي خالد ~~بألفي ألف درهم ! PageV01P017 وكان المأمون قد استبطأ عمرو بن مسعدة، وفي ~~مجلسه علي وأحمد والحسن بنو هشام، وأحمد بن أبي خالد، فقال: يحسب عمرو أني ~~لا أعرف أخباره، وما يجري إليه، وما يعامل به الناس ! بلى والله، ثم لعله ~~لا يسقط عني منه شيء ! فصار أحمد ابن أبي خالد إلى عمرو بن مسعدة، فخبره ~~بما جرى وأنسي أن يستكتمه، فراح عمرو إلى المأمون، وطرح سيفه وقال: أنا ~~عائذ بالله من سخط أمير المؤمنين، أنا أقل من أن يشكوني إلى أحمد، وأن يسر ~~علي ضغنا، فقال له: ويحك وما ذاك ؟ فخبره بما بلغه، ولم يسم له من خبره، ~~فقال له: لم يكن الأمر كما بلغك، إنما ذكرت جملة من تفصيل كنت على إخبارك ~~به وموافقتك عليه، فجرى شيء من جنسه، فليحسن ظنك ! ولم يزل يؤنسه حتى طابت ~~نفسه، وتحلل ما كان دخل عليه، ثم ضمه وقبل عمرو يده وانصرف. قال أحمد بن ~~أبي خالد: فغدوت على المأمون فقال: يا أحمد ما لمجلسي حرمة ؟ فقلت: يا أمير ~~المؤمنين وهل الحرمات إلا لما فضل من مجلسك ! فقال: ما أراكم ترضون بهذه ~~المعاملة فيما بينكم ! فقلت له: وأي معاملة ؟ فقال: ذهب بعض بني هشام، فحكى ~~لعمرو ما جرى أمس في المجلس، فجاءني متنصلا مظهرا ما وجب أن يظهره، فاعتذرت ~~إليه وتبين الخجل في، كأني اعتذرت من شيء قلته، ms032 ولقد أعطيته ما يقنعه مني ~~أقله، لما داخلني من الحياء منه.. فقلت: أعيذك بالله من سوء الظن يا أمير ~~المؤمنين، أنا أخبرته ببعض ما جرى، لا بعض بني هشام ! قال: وما حملك على ~~ذلك ؟ قلت: الشكر لك والنصح والمحبة لأن تتم نعمتك على أوليائك وخدمك، ~~ولعلمي بأن أمير المؤمنين يحب أن يصلح له الأعداء، فضلا عن الأولياء ~~والأوداء، لا سيما مثل عمرو في دنوه من الخدمة وموقعه من العمل، ومكانه من ~~رأي أمير المؤمنين، فخبرته بما كان منه ليصلحه، ويقيم من نفسه أودها لسيده ~~ومولاه، ويتلافى ما فرط منه، ولا يفسد قلبه ويبطل الغناء الذي فيه، وإنما ~~كنت أكون غبيا لو أذعت سرا على السلطان فيه ندم أو نقض تدبير، وأما هذا فما ~~كان عندي إلا صوابا ! فقال لي: أحسنت والله يا أحمد !.. وأمر لي بمال كثير. # ولم يزل المأمون بسعة ذرعه وكرم طبعه يحتمله، على نهمه وحدته وسوء خلقه ~~وعبوس وجهه المضروب به المثل في زمانه. حكى الجاحظ: أن بعض الكتاب سأل عبد ~~الله بن طاهر حاجة، فوعده قضاءها، وطالت أيام مطاله الانجاز، فكتب إليه: ~~أما بعد، فقد كان وعدك تلقاني مكتسيا بشاشة عمرو بن مسعدة، وأرى إنجازه ~~تأخر تأخر من خلع عليه عبوس أحمد بن أبي خالد ! وكتب في آخره: # ولقد علمت وإن نصبت لي المنى ... أن الخصاصة لا تداوى بالمنى # فلئن وفيت لأنهضن بشكركم ... ولئن أبيت لأحملن على القضا # النذل يلحف في السؤال ولا ترى ... للحر إلحافا ولو أكل الثرى # فأنجزها عبد الله بن طاهر. # وقال الصولي: ركب أحمد بن أبي خالد يوما إلى المأمون، فكثر عليه الناس ~~فنهرهم، فقال له رجل: عمري، أشكر الله فقد أعطاك ما لم يعط نبيه ! قال: وما ~~هو ؟ قال: إن الله يقول " ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك " وهأنت ~~فظ غليظ القلب، ونحن نتكاثر عليك ! فقال له: حاجتك ؟ قال ترتبني في دار ~~أمير المؤمنين المأمون. قال: قد فعلت ! قال: وتقضي ديني وهو ثلاثون ألف ~~درهم ! قال: قد فعلت. # ثم ms033 إنه اعتل من فساد مزاج، فتخلف عن المأمون إلى أن مات، فحضر المأمون ~~جنازته، وصلى عليه، ووقف على قبره، فلما دلي فيه قال: رحمك الله فلأنت كما ~~قال الشاعر: # أخو الجد إن جد الرجال وشمروا ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله # أحمد بن يوسف # وزر للمأمون بعد أحمد بن أبي خالد، وكانا جميعا مع عمرو بن مسعدة من كتاب ~~الحسن بن سهل، وهو أشار على المأمون بهما، فقد مهما لوزارته، ولم يكن في ~~زمن أحمد بن يوسف أكتب منه، وشعره يرتفع عن أشعار الكتاب، وهو أحد من رأس ~~ببلاغته وبيانه. PageV01P018 وكان أول ظهوره وارتفاعه أن المخلوع محمد بن ~~الرشيد لما قتل، أمر طاهر بن الحسين الكتاب أن يكتبوا إلى المأمون، ~~فأطالوا، فقال طاهر: أريد أخصر من هذا ! فوصف له أحمد بن يوسف وموضعه من ~~البلاغة، فأحضره لذلك، فكتب: أما بعد، فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير ~~المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرق بينهما حكم الكتاب والسنة في الولاية ~~والحرمة، لمفارقته عصمة الدين وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين، لقول الله ~~عز وجل فيما اقتص علينا من نبأ نوح: " يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح " ، ولا صلة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات ~~الله، وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع ورداه رداء نكثه، ~~وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظره من سابق وعده، والحمد ~~لله رب العالمين، الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقه، الكائد له من ختر ~~عهده، ونقض عقده، حتى رد الله به الألفة بعد فرقتها، وجمع به الأمة بعد ~~شتاتها، وأحيا به أعلام الدين بعد دروسها، وقد بعثت إليك بالدنيا وهي رأس ~~المخلوع، وبالآخرة وهي البردة والقضيب، والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين ~~حقه، الراجع إليه تراث آبائه الراشدين. فرضي طاهر ووصله، وشهر أمره، ولم ~~يكن قبل مذكورا. # وكان المأمون يقول بعد أن بلاه واختبره، إذا وصفه له أحمد بن أبي خالد: ~~يا عجبا لأحمد بن يوسف كيف ms034 استطاع أن يكتم نفسه ! قال أبو العيناء: كان ~~أحمد بن يوسف الكاتب قد تولى صدقات البصرة، فجار فيها وظلم، وكثر الشاكي به ~~والداعي عليه، ووافى باب أمير المؤمنين المأمون زهاء خمسين من جلة ~~البصريين، فعزله المأمون وجلس لهم مجلسا خاصا، وأقام أحمد بن يوسف ~~لمناظرتهم، فكان مما حفظ من كلامه أن قال يا أمير المؤمنين لو أن أحدا ممن ~~ولي الصدقات سلم من الناس لسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله ~~تعالى: " ومنهم من يلمزك في الصدقات، فان أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون " . فأعجب المأمون جوابه، واستجزل مقامه، وخلى سبيله. # وحكى الصولي خلاف هذا قال: شغب أهل الصدقات على المأمون وناظروه، فقال ~~أحمد بن يوسف وهو إذ ذاك وزيره: إنهم ظلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكيف من بعده ! قال الله عز وجل: وتلا الآية ... فاستحسن ذلك المأمون. # عمرو بن مسعدة # كان أعلى الكتاب منزلة عند المأمون، ولم يكن وزيرا، وقد تقدم إعتاب ~~المأمون إياه، واعتذاره إليه وماء الحياء يدور في وجهه، واغتفاره لما أثار ~~من وجده عليه، في اسم ابن أبي خالد، ومن توقيعات المأمون في قصة متظلم منه: ~~يا عمرو اعمر نعمتك بالعدك فإن الجور يهدمها؛ ثم بلغ من حظوته أنه كان في ~~مجلس المأمون يقرأ عليه الرقاع، فجاءته عطسة فردها، ولوى عنقه، فرآه ~~المأمون فقال: يا عمرو لا تفعل، فإن رد العطسة وتحويل الوجه بها يورثان ~~انقطاعا في العنق. فشكر له ذلك بعض ولد المهدي وقال: ما أحسنها من مولى ~~لعبده، وإمام لرعيته ! فقال المأمون: وما في هذا ؟ إن هشام بن عبد الملك ~~اضطربت عمامته، فأهوى إليها الأبرش الكلبي ليصلحها، فقال هشام: إنا لا نتخذ ~~الإخوان خولا ! فالذي فعل هشام أحسن مما فعلت ! فقال عمرو: يا أمير ~~المؤمنين إن هشاما يتكلف ما طبعت عليه، ويظلم فيما تعدل فيه، ليس له قرابتك ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قيامك بحق الله، وإنك والملوك كما ~~قال النابغة الذبياني: # ألم ms035 تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # علي بن الهيثم PageV01P019 كان المأمون يوما جالسا وعنده أحمد بن الجنيد ~~الاسكافي، وجماعة من خاصته، إذ دخل علي هذا، ويعرف في الكتاب بجونقا، فلما ~~قرب من المأمون قال: يا عدو الله لأفرقن بين لحمك وعظمك، ولأفعلن بك ..! ثم ~~سكن قليلا؛ فقال أحمد بن الجنيد: نعم والله يا أمير المؤمنين إنه وإنه ... ~~ولم يدع شيئا من المكروه إلا ذكره، فقال المأمون وقد هدأ غضبه: يا أحمد متى ~~اجترأت علي هذه الجرأة ؟ رأيتني غضبت هذه الغضبة فأردت أن تزيد في غضبي، ~~أما سأؤدبك وأؤدب غيرك ! يا علي قد صفحت عنك، ووهبت لك كل ما كنت أطالبك به ~~! ثم رفع رأسه إلى الحاجب فقال: لا يبرح أحمد بن الجنيد من الدار حتى يحمل ~~إلى علي بن الهيثم مائة ألف درهم من ماله ليكون ذلك عقل؛ فلم يبرح حتى ~~حملها. # وقال الصولي: كان علي بن الهيثم يكتب للفضل بن الربيع؛ وخبره مع المأمون ~~عن ابن عبدوس. # صالح بن علي # كان من وجوه الكتاب، وكان يعرف بالأضخم، فطالت به العطلة في أيام ~~المأمون، والوزير إذ ذاك أحمد بن أبي خالد، فحدث صالح أنه أضاق جدا واشتد ~~اختلاله، قال: فبكرت يوما إلى أحمد بن أبي خالد مغلسا، لأكلمه في أمري، ~~فخرج من بابه، وبين يديه الشمع، قاصدا إلى دار المأمون، فلما نظر إلي أنكر ~~بكوري، وعبس في وجهي، وقال: في الدنيا أحد يبكر هذا البكور ليشغلنا عن ~~أمورنا ! قال: فقلت له: أصلحك الله، ليس العجب مما تلقيتني به، إنما العجب ~~مني إذ سهرت ليلي، وأسهرت جميع من في منزلي توقعا للصبح، حتى أسير إليك، ~~أستعينك في أموري على صلاحها، وعلي وعلي إن وقفت لك بباب أو سألتك حاجة، ~~حتى تصير إلي معتذرا ! وانصرفت مغموما لما لقيني به، مفكرا فيه، متندما على ~~ما فرط مني من اليمين، غير شاك في العطب؛ فأنا كذلك إذ دخل علي بعض ms036 الغلمان ~~فقال: الوزير أحمد بن أبي خالد مقبل إليك في الشارع ! ثم دخل آخر فقال: قد ~~دخل دربنا؛ ثم دخل آخر وقال: قد قرب من الباب؛ ثم تبادر أحد الغلمان بين ~~يديه فقال: قد دخل، فخرجت مستقبلا له، فلما استقر به المجلس قال لي: كان ~~أمير المؤمنين قد أمرني بالبكور إليه في بعض مهماته، فدخلت إليه وقد غلبني ~~البهر مما فرط مني إليك حتى أنكر علي، فقصصت عليه القصة فقال لي: قد أسأت ~~بالرجل، امض إليه معتذرا مما قلت ! فقلت: فأمضي إليه فارغ اليدين ؟ قال: ~~فتريد ماذا ؟ فقلت: تقضي دينه، قال: وكم هو ؟ فقلت: ثلاث مائة ألف درهم؛ ~~فأمرني بالتوقيع لك بها، فوقعت بها، ثم قلت: فإذا قضى دينه يرجع إلى ماذا ؟ ~~قال: فوقع له ثلاث مائة ألف يصلح بها أمره؛ فقلت: فولاية يشرف بها ؟ قال: ~~وله مصر أو غيرها مما يشبهها، فقلت: بمعونة يستعين بها على سفره ! فأمر ~~بالتوقيع لك بمائة ألف، وهذه التوقيعات لك بسبع مائة ألف درهم، والتوقيع ~~بمصر؛ قال: فدفعها إلي وانصرف. # علي بن عيسي القمي PageV01P020 ضمن للمأمون أعمال الضياع والخراج ببلده، ~~وبقيت عليه بقية مبلغها أربعون ألف دينار، أنكر المأمون تأخيرها، وألح في ~~المطالبة بها، فأحضره يوما، وتقدم إلى علي بن صالح حاجبه بإنظاره ثلاثة ~~أيام، فإن أحضر المال وإلا ضربه حتى يتلف؛ وكانت بينه وبين غسان بن عباد ~~عداوة، فانصرف من دار المأمون آيسا من نفسه، لا يقدر على شيء من المال، ~~فقال له كاتبه: لو عرجت على غسان ابن عباد فسلمت عليه، وأخبرته أنا بين ~~يديك بخبرك، لرجوت أن يعينك على بعض أمرك ! فحملته حاله على قبول ذلك، ومضى ~~إلى غسان، فاستؤذن له عليه، فأذن له ورحب به، وتلقاه ووفاه حق القصد، وقص ~~عليه الكاتب القصة، فقال: أرجو أن يكفيه الله ! ونهض علي بن عيسى كاسف ~~البال، آيسا من نفسه، نادما على قصده، فلما خرج من دار غسان قال لكاتبه: ما ~~زدتني بقصد غسان شيئا غير تعجيل المهانة والذل بقصد من كان يعاديني! ms037 وعاد ~~إلى منزله منصرفا، بعد أن تشاغل في طريقه مع بعض إخوانه، فوافاه وببابه ~~بغال عليها أربعون ألف دينار مع رسول غسان، فبلغه سلامه، وعرفه غمه بما رفع ~~إليه، وتقدم إليه بحضور دار المأمون من غد ذلك اليوم مبكرا، فلما وصل الناس ~~إلى المأمون ووصل فيهم علي بن عيسى، مثل غسان بين يدي الصفين وقال: يا أمير ~~المؤمنين، إن لعلي بن عيسى خدمة وحرمة وسالف أمل، ولأمير المؤمنين عنده ~~إحسان، وهو أولى بربه، وقد لحقه من الخسران في ضمانه ما قد تعارفه الناس، ~~وعليه من حدة المطالبة وشدتها، والوعيد بضرب السياط ما قد حيره، وقطعه عن ~~الاحتيال فيما عليه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يسعفني ببعض ما عليه ويضعه ~~عنه فعل ! ولم يزل به إلى أن حطه إلى النصف مما عليه، واقتصر به على عشرين ~~ألفا، فقال غسان: على أن يجدد له الضمان، ويشرف بخلعة، فأجابه المأمون؛ ~~فقال: يأذن لي أمير المؤمنين أن أحمل الدواة ليوقع منها أمير المؤمنين بذلك ~~ويبقى شرف حملها علي وعلي عقبي ؟ قال: افعل، بتجديد الضمان، وعليه الخلع، ~~فلما وصل إلى منزله رد العشرين ألفا الباقية إلى غسان وشكره، فردها إليه ~~وقال: لم أستحطها لنفسي، وإنما أحببت توفيرها عليك، وليس والله يعود إلي من ~~هذا المال حبة واحدة أبدا، وترك الجميع له. # كاتب طاهر بن الحسين # لما قتل طاهر بن الحسين علي بن عيسى بن ماهان في خروجه إليه من بغداد، ~~دعا بكاتبه ليكتب إلى الفضل بن سهل بخبره، فلم يكن في الكاتب فضل من إفراط ~~الجزع وشدة الزمع، مما شاهده، فكتب طاهر بيده إلى الفضل، وكان من عادته أن ~~يخاطبه بالإمارة، فأسقط ذلك وكتب إليه: أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، وجعل ~~من يشنؤك فداءك، كتبت إليك ورأس علي ابن عيسى بين يدي وخاتمه في اصبعي، ~~وعسكره تحت يدي، والحمد لله رب العالمين. # ثم لما نظر بالأمين وأنفذ رأسه إلى المأمون، قال الفضل بن سهل: ما فعل ~~بنا طاهر ! سل علينا سيوف الناس وألسنتهم، أمرناه أن ms038 يبعث به إلينا أسيرا، ~~فبعث به عقيرا. PageV01P021 وكان لطاهر كاتب يعرف بعيسى بن عبد الرحمن، ~~فأنفذه إلى الفضل بن سهل يظهر الإعتذار إليه، ويتشفى بمخاطبته إياه، وطاهر ~~مقيم بالجزيرة والفضل بخراسان، وقد كان الشغب الذي حدث بينهما ظاهرا، فورد ~~عسكر المأمون بمرو، وكثير ممن بها من الوجوه عاتب على الفضل، فحضره وبحضرته ~~عبد الله ابن مالك الخزاعي، وهو أشدهم عتبا عليه، فكلمه بكلام كثير أغلظ له ~~فيه، وعرض له بكل ما يكرهه، ثم قال له بعقبه: ولولا أني رسول مأمون ما قلت ~~ما قلته ! فقال له الفضل: أما خشيت في تحمل مثل هذه الرسالة القتل ؟ فقال ~~له عيسى: ما شككت في القتل، إلا أني ميلت بين أن آبى على صاحبها تحملها، ~~وبين أن أقبلها، فرأيت أني إن لم تحملها عجل لي القتل، وحصل لي مذمة ~~بمخالفته، وإن قبلتها كنت قد شكرت نعمته وأطعت أمره، وعشت بينه وبين الأمير ~~أعزه الله المسافة التي قد عشتها، ثم لعلي أن أكون قد وردت من فضل الأمير ~~وعفوه على ما أرجو ألا ابعد عنه ! فقال له الفضل: لو أطعت فيك النصحاء ~~لأسترحت منك، ولم تك تكلمني في مجلس أمير المؤمنين ودار الخلافة بما كلمتني ~~به، فقال له عيسى: وما رأى النصحاء أعز الله الأمير ؟ فقال: أن كنت أضرب ~~عنقك قبل أن تصل إلي، وأرد رأسك في مخلاة إلى صاحبك، فأكون قد قطعت يده ~~ولسانه ! فقال له عيسى: أنا يده ولسانه ؟ والله لو أن صاحبي أخرج يده من ~~مضربه لوجد حوله سبعين بل سبع مائة بل سبعة آلاف كلهم أغنى وأجزى وأكفى ~~مني، ومن أنا فيمن عضده الله تعالى به، وأعطاه من كفاته ؟ فبلغ هذا الكلام ~~من الفضل كل مبلغ، وقام مغضبا .. فوجه عبد الله بن مالك الخزاعي إلى عيسى ~~أن مسيري إليك لو كان يستتر لسرت إليك، ولكني أحب أن تسير إلي، فسار إليه، ~~فلما رآه قال له: إني أردت إتيانك لشيء أحب فعله، قال: فليقل الأمير ما ~~أحب! فنهض إليه وقبل بين عينيه، ms039 وقال: شفيتني من العلج في كل ما كلمته به، ~~ولكن الذي غاظه وبلغ منه غاية المساءة آخر كلامك !.. ثم انصرف مكرما. # وكان الفضل مهيبا حليما، وقال لبعض من استحجبه: إنك قد صرت حاجبي وتسمع ~~مني السر والعلانية، وربما ذكرت الرجل واسأت ذكره، فلا يؤثرن ذلك فيك، ولا ~~تتغيرن له، فلعل ذلك غاية عقوبتنا إياه. # ميمون بن إبراهيم # حكى الزبيدي في كتاب طبقات النحويين من تأليفه عن أبي العباس ثعلب، عن ~~ابن قادم أستاذه قال: وجه إلي إسحق يعني ابن إبراهيم المصعبي يوما، فأحضرني ~~ولم أدر ما السبب، فلما قربت من مجلسه، تلقاني ميمون بن إبراهيم كاتبه على ~~الرسائل، وهو على غاية الهلع والجزع، فقال لي بصوت خفي: إنه إسحق !! ومر ~~غير متلبث ولا متوقف، حتى رجع إلى مجلس إسحق، فراعني ذلك، فلما مثلت بين ~~يديه قال لي: كيف يقال: وهذا المال مال أو هذا المال مالا ؟ قال: فعلمت ما ~~أراد ميمون، فقلت له: الوجه وهذا المال مال، ويجوز: وهذا المال مالا؛ فأقبل ~~إسحق على ميمون بغلظة وفظاظة ثم قال: الزم الوجه في كتبك ودعنا من يجوز ~~ويجوز ! ورمى إلي بكتاب كان في يده، فسألت عن الخبر، فإذا ميمون قد كتب إلى ~~المأمون وهو ببلاد الروم عن إسحق، وذكر مالا حمله إليه، فكتب: وهذا المال ~~مالا فخط المأمون على الموضع من الكتاب، ووقع بخطه في حاشيته: تكاتبني بلحن ~~! فقامت القيامة على إسحق، فكان ميمون بعد ذلك يقول: لا أدري كيف أشكر ابن ~~قادم، بقى علي روحي ونعمتي. قال أبو العباس ثعلب: فكان هذا مقدار العلم، ~~وعلى حسب ذلك كانت الرغبة فيه، والحذر من الزلل، قال: وهذا المال مالا ليس ~~بشيء، ولكن أحسن ابن قادم في التأتي لخلاص ميمون. # ويشبه هذا الخبر ما حكى الجاحظ، أن الحصين بن أبي الحر كتب إلى عمر رضي ~~الله عنه كتابا، فلحن في حرف منه، فكتب إليه عمر أن قنع كاتبك سوطا. وفي ~~كتاب ابن عبدوس: أن عمر وجد في كتاب لأبي موسى الأشعري لحنا، فكتب ms040 إليه ~~بذلك. وخالف ابن عبدوس أبو جعفر بن النحاس فروى أن كاتبا لأبي موسى كتب إلى ~~عمر: من أبو موسى، فكتب إليه عمر أن اضربه خمسين سوطا واعزله عن عملك؛ إلا ~~أن تكون القضيتان لكاتب واحد. PageV01P022 وقال المأمون لبعض ولده، وسمع ~~منه لحنا: ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده ويزين مشهده، ويفل ~~حجج خصمه بمسكتات حكمه، ويملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه. أيسر أحدكم أن يكون ~~لسانه كلسان أمته أو عبده فلا يزال الدهر أسير كلمته !. ويروى أنه كان ~~يتفقد ما يكتب به الكتاب، فيسقط من لحن، ويحط مقدار من أتى بما غيره أجود ~~منه في العربية؛ وكان يقول: إياكم والشونيز في كتبكم؛ يعني النقط والإعجام. ~~وقال محمد بن عبد الله ابن طاهر، وقد رفعت إليه قصة أكثر صاحبها إعجامها: ~~ما أحسن ما كتب إلا أنه أكثر شونيزها ! وكان سعيد بن حميد يقول: لأن يشكل ~~الحرف على القارئ أحب إلي من أن يعاب الكاتب بالشكل، فإذا كرهوا الإعجام ~~والشكل فما ظنك باللحن ! إلا أن ترك ذلك قد يورث إشكالا. # حكى الماوردي عن قدامة بن جعفر أن بعض كتاب الدواوين حاسب عاملا لعبيد ~~الله بن سليمان بن وهب، فشكا منه إلى عبيد الله، وكتب رقعة يحتج فيها بصحة ~~دعواه ووضوح شكواه، فوقع فيها عبيد الله: هدا هدا فأخذها العامل وظن أن ~~عبيد الله أراد: هذا هذا إثباتا لصحة دعواه، كما يقال في إثبات الشيء: هو ~~هو فحمل الرقعة إلى كاتب الديوان، وأراه خط أبي عبد الله وقال: إنه صدق ~~قولي وصحح ما ذكرت ! فخفي على الكاتب ذلك، وطيف به على كتاب الدواوين، فلم ~~يقفوا على مراده، فشدد عبيد الله الكلمة الثانية وكتب تحتها: والله ~~المستعان ! استعظاما منه لتقصيرهم في استخراج مراده حتى احتاج إلى إيضاح ~~مراده بالنقط والشكل. # وكان عبد الله بن طاهر يفرط في تفقد المخاطبات عنه وإليه، ويتوعد عليها، ~~ويعاقب فيها. قال لكاتب له أمره بشيء يعمله: إحذر أن تخطئ فأعاقبك بكذا ~~وكذا .. وذكر أمرا عظيما، فقال ms041 له الكاتب: أيها الأمير فمن كانت هذه عقوبته ~~على الخطأ فما ثوابه على الإصابة ؟.. وكتب إليه بعض عماله على العراق كتابا ~~صحائفه غليظة، فأمر عبد الله بإشخاص كاتب العامل إليه، فلما ورد عليه قال ~~له عبد الله: إن كان معك فأس فاقطع حزم كتابك ثم ارجع إلى عملك، وإن عدت ~~إلى مثلها عدنا إلى إشخاصك لقطعها. # وقد أوصى عبد الملك بن مروان أخاه عبد العزيز، حين وجهه إلى مصر فقال: ~~تفقد كاتبك وحاجبك وجليسك، فإن الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسم يعرفك ~~بحاجبك، والخارج من عندك يذكرك بجليسك ! # أبو بكر بن سليمان الزهري # أراده زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية على كتابته، وكان ~~عالما أديبا شاعرا مترسلا، مع دين وصيانة، فأبى عليه واستعفاه، فلم يعفه، ~~فاشترط عليه ثلاثة شروط، قال زيادة الله: وما هي ؟ قال: لا أخلع ردائي، ~~وأجلس في مجلسك بغير إذن، أنا شيخ ومجلسك لا يجلس فيه إلا بإذنك، ولا أكتب ~~في دم أحد ولا ماله ! قال: لك ذلك؛ ووفى له بهذه الشروط. # وروي أنه قال له يوما: يا زهري أصليبة أنت أم مولى ؟ فقال: صلبني القدم ~~أعز الله الأمير ! فقال زيادة الله: إني لأسر بصدقه مني بعلمه. # ومر به زيادة الله يوما وهو يصلي فناداه: يا زهري يا زهري ! فلم يجبه، ~~وتمادى في صلاته، فغضب عليه وعاتبه وقال: دعوتك فلم تجبني ! فقال: كنت بين ~~يدي من هو أعظم منك ! قال: صدقت ! ويشبه هذا ما حدث به عبد الصمد بن المعذل ~~قال: ركب أبي إلى الأمير عيسى بن جعفر وكان على البصرة، فوقف ينتظره، فلما ~~أبطأ عليه أقبل يصلي، وكان المعذل إذا دخل في الصلاة لم يقطعها، فجعل عيسى ~~يصيح: يا معذل ! يا أبا عمرو .. والمعذل على صلاته لم يعرج عليه، فغضب عيسى ~~ومضى، فلما أتم صلاته لحق عيسى وأنشأ يقول: # قد قلت إذ هتف الأمير ... يا أيها القمر المنير # حرم الكلام فلم أجب ... وأجاب دعوتك الضمير # فلو أن نفسي طاوعت ... ني إذ دعوت ولا أحير # لباك ms042 كل جوارحي ... بأنامل ولها السرور # شوقا إليك وحق لي ... ولكدت من فرح أطير # فرضي عنه عيسى، وأمر له بعشرة آلاف درهم. وروى هذه القصة أبو علي ~~البغدادي في نوادره عن أبي بكر الأنباري عن أبيه عن عبد الصمد بن المعذل، ~~وبينهما خلاف يسير. # الفضل بن مروان PageV01P023 كان في أيام الرشيد على ديوان الخراج، ثم كتب ~~للمعتصم قبل خلافته، وتولى أخذ البيعة له عند وفاة المأمون، والمعتصم إذ ~~ذاك غاز معه، وكان الفضل في ذلك الوقت خليفة على بغداد للمأمون، فأعطى ~~الجند رزق أربعة أشهر، ثم ورد المعتصم يوم السبت مستهل رمضان سنة ثمان عشرة ~~ومائتين، فاستوزره يوم وروده، ورد الأمر كله إليه، فغلب عليه لتربيته إياه. # ولما ظهر بين إبراهيم بن المهدي والفضل بن مروان من العداوة ما ظهر، قصده ~~العباس وعلي ابنا المأمون، وعبد الوهاب بن علي، وأعلموه أنهم قد علموا على ~~ذكر مساوئ الفضل للمعتصم، وسألوه معاونتهم والشهادة بتصديقهم، فلم يستوف ~~كلامهم ولا أجابهم، حتى جاءهم رسول المعتصم فطلبهم، فساروا إليه، فابتدأ ~~العباس بكل قبيح، وتكلم عبد الوهاب وعلي بأقبح وأشنع منه، وأقبل علي بن ~~المأمون على إبراهيم، فقال له: مالك يا عم لا تتكلم، وما أحد ركبه الفضل ~~بأكثر مما ركبك به ؟ فقال له إبراهيم: ليس كل ما ركبني به الفضل يعرف، وإن ~~أياديه السود عندي لكثيرة، إلا أن مجالس الملوك لا يغضب فيها لغيرها .. ثم ~~أقبل على المعتصم فقال له: يا أمير المؤمنين قد رفعت الفضل إلى مرتبة لم ~~ترفع الخلفاء إليها أحدا، ولا تكون محطته إلا لإحدى ثلاث خصال: إما خيانة ~~في نفس المملكة، وإما خيانة في حرمة، وإما خيانة في نفسه بإفشاء سر يعود ~~بضرر، ولا يعتقد الفضل ذنبا يعادي به بني العباس، فيحاول نقل الخلافة منهم ~~إلى غيرهم، فقد سلم من الخيانة في المملكة، وليس الفضل بمستهتر يجرم نفسه ~~بإفشاء سر يعود منه ضرر وهو آمن منه، لأن المعروف منه أن يؤثر دنيا أمير ~~المؤمنين على دنيا نفسه وعلى آخرته أيضا؛ فقال علي ms043 بن المأمون: فقد ظهرت ~~خيانة الفضل في الأموال ! فقال إبراهيم: ليس من خان أمير المؤمنين مالا يعد ~~عدوا، لأن الناس كلهم إلا من عصم الله يرغبون في الأموال، ويقوى بها على ~~خدمة السلطان، ومن بلغ منزلة الفضل لم يسأ به الظن ! فاستحسن المعتصم ما ~~كان من إبراهيم وشكره له الفضل بن مروان، وندم على ما كان أسلفه من ~~المكروه. # قول إبراهيم بن المهدي: لا تكون محطته إلا لإحدى ثلاث خصال من قول ~~المأمون: يحتمل الملوك كل شيء إلا ثلاثة: القدح في الملك وإفشاء السر ~~والتعرض للحرم. # ثم اتصلت مطالبة الفضل والسعاية به، وقيل للمعتصم: إنه يفعل وأنت خليفة ~~كما كان يفعل وأنت أمير، لا يهابك ! فنكبه، وكان يقول: عصى الله وأطاعني ~~فسلطني الله عليه؛ ومما قيل في نكبته: # لا تغبطن أخا الدنيا بمقدرة ... فيها وإن كان ذا عز وسلطان # يكفيك من غير الأيام ما صنعت ... حوادث الدهر بالفضل بن مروان # إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان # والعيش حلو ومر لا بقاء له ... جميع ما الناس فيه زائل فان # وندم المعتصم على عزله، فكان يقول: إذا نصر الهوى بطل الرأي ! وترك ~~أمواله لم ينفق منها شيئا، وقال: لا أستحلها ! ثم استقل بعد ذلك وتصرف ~~للواثق والمتوكل وغيرهما، وكان ابن الزيات يعاديه، فوقف يوما في وزارته ~~الواثق على باب ديوان الخراج، ودعا بالفضل وقال له: إن أمير المؤمنين يقول: ~~يا بن الفاعلة لأسفكن دمك، وآخذن مالك ! قال: وأمرك بسماع الجواب؟ قال له: ~~لا، ولكن قله ! قال: لا .. ثم انصرف، وأمر ونهى ما تبين منه شيء، ثم بكر ~~إلى دار الخلافة، فحجب، وفعل فعله بالأمس كذلك ثلاثة أيام، ثم أدخل بعد إلى ~~الواثق، فبكى وقال: الله في دمي وقد بلغت السبعين، وما ذنبي غير حبي ~~للمعتصم وغلمانه، فضلا عن ولده ! ومالك ول جمعه غيري، فقد سقطت هيبتي عمن ~~يحمله إلي، فإن ابن الزيات قال كذا وكذا، قال له: أو كلمك به على رؤوس ~~الناس ؟ قال: نعم ! قال: والله ms044 لأدفعنه إليك فتستصفي ماله ! فانصرف الفضل ~~إلى مكانه ما ظهر عليه شيء من السرور. وكان الفضل عاقلا داهيا جزلا، يذكر ~~عنه أنه ما ظهر عليه سرور بفرح قط ولا حزن بمصيبة. PageV01P024 وتلاحى هو ~~وأحمد بن المدبر يوما بين يدي المتوكل قال الصولي: وكان الخلفاء لا ينكرون ~~تنازع الكتاب بين أيديهم وابن المدبر يلي في ذلك الوقت أمر دار المتوكل ~~كله، المطابخ والفرش وغير ذلك، وفي المجلس مرفقة قد جعلت لأمر ولم ترفع، ~~فضرب الفضل بيده على المرفقة ضربا شديدا، فقام منها غبار كثير، فقال له ~~أحمد: أتغبر بين يدي أمير المؤمنين ؟ أما لك أدب ! أما خدمت الملوك ! فضحك ~~الفضل وقال: من خدمتي للملوك فعلت هذا، ليرى أمير المؤمنين قلة كفايتك في ~~فرشه، وأنك لا تهتم بنفضها، ويعلم كيف يكون فيما يبعد عنه، ولولا خوفي من ~~سوء الأدب حقا لضربت البساط فيرى ما هو أعظم من هذا ! فبهت أحمد، وجعل ~~يعتذر، فما مضت إلا أيام حتى عزل عن الدار. # محمد بن عبد الملك الزيات # كتب للمعتصم ووزر له ولأبنه الواثق بعده خلافته كلها وأياما يسيرة من ~~خلافة المتوكل، وهو أحد من رأس بعلمه وبيانه وبلاغته. ولما استقصر المعتصم ~~أحمد بن عمار المزاري، وسأله عن الكلأ فلم يعرفه، قال: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون ! خليفة أمي، وكاتب أمي !! فعرف مكانة ابن الزيات من الأدب، فأمر ~~بإدخاله عليه، وقال له: ما الكلأ ؟ فأجابه بما هو مشهور عنه، فاستحسن ~~المعتصم ذلك، وقال لأبن عمار: انظر في الدواوين والأعمال، وهذا يعرض علي ~~الكتب، فلم ير اطراح ابن عمار لقصوره، ولا بخس ابن الزيات حق منظومه ~~ومنثوره. PageV01P025 وحكي أن المعتصم شاور بعض خاصته في محمد بن عبد الملك ~~الزيات، فأشار به، فعزم عليه، ثم ورد فتح بابك على المعتصم، فسر به وأحب أن ~~ينشأ فيه كتاب يبقى ذكره، فأشار ابن أبي دواد عليه بتكليفه ابن الزيات، ~~ففعل ذلك، فكتب فيه كتابا مشهورا، أبر فيه على كل نسخة عملت في ذلك الفتح، ~~ثم قلده وزارته، وكان حاقدا ms045 عليه قبل إفضاء الخلافة إليه، لقصة ذكرها ابن ~~عبدوس، وهي أن المعتصم أمر محمد بن عبد الملك أن يعطي الواثق عشرة آلاف ألف ~~درهم، يستعين بها على أموره ويصلح بها ما يحتاج إلى إصلاحه، فدافعه بذلك ~~مدافعة متصلة، أحوجت الواثق إلى أن شكاه إلى المعتصم، فأنكر عليه تأخير ~~المال عن الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين، العدل أولى بك وأشبه بعقلك، ولك ~~عدة أولاد، أنت في أمرهم بين خلتين: إما أن تسوي بينهم في العطية فتجحف ~~ببيت المال، وإما أن تخص بعضهم فتحيف على الباقي ! فقال له: قد رهنت لساني ~~بشيء، فماذا أصنع فيه ؟ قال: تأمر لباقي أولادك بأشياء أخر من إقطاعات ~~وصلات، وتطلق لهارون صدرا من المال وتدافعه بباقيه، وتتسع أنت قليلا، وندبر ~~الأمر بعد ذلك بما يراه أمير المؤمنين ! قال: فقال له وفقك الله، فما زلت ~~أتعرف الخيرات في رأيك والسداد في مشورتك، وتأدى الخبر إلى هارون، فحلف ~~بعتق عدة من عبيده، وبحبس عدة خيل، وبوقف عدة ضياع، وبصدقة مال جليل، أنه ~~إذا ظفر بمحمد بن عبد الملك قتله، وكتب اليمين بخطه في رقعة وجعلها في درج، ~~وأودعه دايته، فلما توفي المعتصم، وأفضى الأمر إلى الواثق، وكان ذا أناة، ~~كره أن يعاجله فيقول الناس إنه بادر بشفاء غيظه، ثم عزم على الإيقاع به، ~~فتقدم بأن يجمع له من وجوه كتاب الدواوين من يصلح لولاية الدواوين ~~والوزارة، فجمع له عشرة نفر، فأثبت أسماءهم وجلس الواثق ودعا بواحد منهم، ~~وقال له: اكتب في كذا، في أمر رسمه له، فاعتزل وكتب، وعرض الكتاب عليه، فلم ~~يجده صنع شيئا، ثم دعا بآخر وأمره أن يكتب كتابا في معنى أمره به، فاعتزل ~~وكتب، وعرض الكتاب عليه، فلم يرضه، حتى امتحن العشرة، فلم يرض ما كتبه كل ~~واحد منهم، فأقبل على حاجبه فقال: أدخل من الملك مضطر إليه، وهو محمد بن ~~عبد الملك الزيات، فجيء به وهو واجم متغير مضطرب، فلما وقف بين يديه قال: ~~اكتب إلى صاحب خراسان في كذا، فأخرج من كمه قصبا ms046 ومن خفه دواة، وابتدأ فكتب ~~بين يديه، حتى فرغ من الكتاب وأصلحه، وتقدم فناوله إياه، وقد أتى فيه على ~~جميع ما في نفسه، فلما قرأه أعجب به جدا، وقال له: امضه، فأخرج من الخريطة ~~طيبا فوضعه عليه، وناوله الخاتم، فختمه وأنفذه من حضرته ووقف بين يديه؛ ~~فقال الواثق لخادم بين يديه: امض إلى دايتي وقل لها توجه إلي بالدرج ~~الفلاني، فمضى الخادم، فوافى به، ففتحه وأخرج الرقعة، فدفعها إلى محمد ~~فقرأها وقال: يا أمير المؤمنين، أنا عبد من عبيدك، فإن وفيت بيمينك فأنت ~~محكم، وإن عفوت وصفحت كان أشبه بك ! فقال: لا والله، لا يمنعني من الوفاء ~~بيميني إلا النفاسة أن يخلو الملك من مثلك ! وأمر بعتق العبيد الذين حلف ~~بعتقهم، وبوقف الضياع وحبس الخيل وصدقة المال. # وكثرت في أيام الواثق نكبات الكتاب، كسليمان بن وهب، وأحمد ابن الخصيب ~~وغيرهما، بسعاية ابن الزيات، فقال إبراهيم بن العباس الصولي في ذلك يخاطبه ~~من أبيات: # إيه أبا جعفر وللدهر كرم ... ات وعما يريب متسع # أرسلت ليثا على فرائسه ... وأنت منها فانظر متى تقع # لمظته قوته وفيك له ... إذا تقضت أقواته شبع # وقد كان أحمد بن أبي دواد حمل الواثق على الإيقاع بابن الزيات، وأمر علي ~~بن الجهم فقال فيه أرجوزة: # هارون يا بن سيد السادات ... أما ترى الأمور مهملات # تشكو إليك عدم الكفاة ! # فهم الواثق بالقبض عليه وقال: لقد صدق قائل هذا الشعر، ما بقي لنا كاتب ! ~~فطرح نفسه على إسحق بن إبراهيم، وكانا مجتمعين على عداوة ابن أبي دواد، ~~فقال للواثق: أمثل ابن الزيات مع خدمته وكفايته يفعل به هذا، وما جنى عليك ~~ولا خانك، وإنما دلك على خونة أخذت ما اختانوه فهذا ذنبه ! وبعد، فلا ينبغي ~~لك أن تعزل أحدا حتى تعد لمكانه جماعة يقومون مقامه، فمن لك بمن يقوم مقامه ~~؟ فمحا ما كان في نفسه عليه ورجع له. PageV01P026 وحكي أن الواثق أصلح بين ~~ابن الزيات وابن أبي دواد، فكف محمد عن ذكر ابن أبي دواد، وجعل هو يخلو ~~بالواثق ms047 فيغريه، وكان فيما أبلغه عنه أنه قد عزم على الفتك به والتدبير ~~عليه، إلى أن قبض على ابن الزيات، ثم أطلقه بعد مدة وأعاده إلى حاله، وقبض ~~الواثق عليه ليس بمشهور، لأنه من خلفاء العباسيين الذين لم ينكبوا وزيرا، ~~وهم قليل كالهادي والأمين قبله، والمعتضد والمكتفي بعده. # سليمان بن وهب # لم يكن في دار المأمون حدث أحسن خطا من سليمان، ولا آدب من أخيه الحسن؛ ~~وكتب لإيتاخ التركي في أيام المعتصم، فكان السبب في عتقه، فتبرك به وفوض ~~إليه أمره كله. وما زال يعلو بعلوه، فسعى ابن الزيات إلى الواثق به وبأحمد ~~بن الخصيب، وكان يكتب لأشناس التركي، ورفع قصيدة نسبها إلى بعض أهل العسكر، ~~وقيل إنه صنعها في الإغراء بهما، من أبياتها: # وليت أربعة أمر العباد معا ... وكلهم حاطب في حبل محتبل # كأنهم في الذي قسمت بينهم ... بنو الرشيد زمان القسم للدول # حوى سليمان ما كان الأمين حوى ... من الخلافة والتبليغ للأمل # وأحمد بن خصيب في إمارته ... كالقاسم بن الرشيد الجامع السبل # سميت باسم الرشيد المرتضى فبه ... قس الأمور التي تنجي من الزلل # عث فيهم مثل ما عاثت يداه معا ... على البرامك بالتهديم للقلل # فلما قرأ الواثق الشعر غاظه وبلغ منه، ونظر بعقب ذلك إلى أحمد بن الخصيب ~~يمشي في داره فتمثل: # من الناس إنسانان ديني عليهما ... مليان لو شاءا لقد قضياني # خليلي أم أم عمرو فمنهما ... وأما عن الأخرى فلا تسلاني # فبلغ ذلك سليمان بن وهب فقال: إنا لله، أحمد بن الخصيب والله أم عمرو، ~~وأنا الأخرى ! فنكبهما بعد أيام؛ والبيتان من أشعار الغناء، وهما من قصيدة ~~طويلة لكعب القيسي المعروف بالمخبل، ذكر ذلك أبو الفرج، ومنها: # أفي كل يوم أنت رام بلادها ... بعينين إنساناهما غرقان # إذا أغر ورقت عيناي قال صحابتي ... لقد أولعت عيناك بالهملان # وكتب الحسن بن وهب إلى أخيه في نكبته: # اصبر أبا أيوب صبرا يرتضى ... فإذا جزعت من الخطوب فمن لها # الله يفرج بعد ضيق كربها ... ولعلها أن تنجلي ولعلها # وكان الحسن آلى ألا ms048 يذوق طعاما طيبا، ولا يشرب شرابا حتى يتخلص أخوه، ~~فوفى بذلك، وقال سليمان في نكبته: # نوائب الدهر أدبتني ... وإنما يوعظ الأريب # قد ذقت حلوا وذقت مرا ... كذاك عيش الفتى ضروب # ما مر بؤس ولا نعيم ... إلا ولي منهما نصيب # كذا قال الصولي وغيره. وقال أبو الحسن الماوردي، عن ثعلب قال: دخلت على ~~عبيد الله بن سليمان بن وهب، وعليه خلع الرضى بعد النكبة، فلما مثلت بين ~~يديه، قال لي: يا أبا العباس اسمع ما أقول: # نوائب الدهر أدبتني ... .... # وذكر الأبيات، وزاد رابعا في آخرها: # كذاك من صاحب الليالي ... تعروه في مرها الخطوب # قلت: لمن هذه الأبيات ؟ قال: لي. # ثم استقل سليمان وخلص من اعتقاله، وتناهى بعد ذلك ارتقاء حاله، فتقلد ~~الأعمال الجليلة، وكتب لعظماء الدولة، وولاه المتوكل مناظرة ابن الزيات لما ~~سخط عليه؛ ثم وزر للمهدي في خلافته، ثم للمعتمد، وذكر البحتري في رثائه أنه ~~أقام سبعين حولا في التدبير. # واستقل ابن الخطيب أيضا، فكتب للمنتصر في حياة أبيه المتوكل، ثم وزر له ~~لما تقلد الخلافة، ووزر للمستعين بعده. PageV01P027 ومن عجيب ما اتفق ~~لسليمان في نكبته مع ابن الزيات، ما حكاه محمد بن داود ابن الجراح، صاحب ~~كتاب الورقة، قال: جلس عبيد الله بن سليمان يوما للمظالم يعني في وزارته ~~للمعتضد فقام إليه عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات متظلما من أحمد بن ~~إسرائيل في ضيعة، فنظر في أمره، وقال: أنت عمر بن محمد ؟ قال له: نعم ! ~~قال: أنت ابن سكران يعني أمه فأين كنت ؟ فقص عليه أمره وخبره؛ فلما كان في ~~عشي ذلك اليوم، جلس ابناه وابن الجراح بين يديه، فتحدث عبيد الله واستروح ~~وقال: سبحان الله العظيم، ما أعجب شيئا كنت فيه اليوم ! قال ابن الجراح: ~~فلم أسأله إجلالا، ثم قال: قال لي أبو أيوب يعني أباه إنه كان في أيام ~~الواثق في ذلك البلاء والضرب والقيد، وإنه حمل يوما إلى محمد بن عبد الملك ~~ليناظره ويرد إلى محبسه، فوضع بين يديه على تلك الحال، فجعل يناظره، ms049 والحسن ~~بن وهب كاتبه، ودواته بين يديه، فربما تكلم يرققه عليه، وربما أمسك، ومحمد ~~دائم في الغلظة على أبي أيوب والتشفي منه، إذ مر بعض خدم محمد، ومعه صبي ~~يحمله وعليه لباس مثله من أولاد الملوك، فلما رآه محمد صاح بالغلام، فأتاه ~~به، فقربه وقبله، وترشفه وضمه إليه وجعل يداعبه، وحانت منه التفاتة إلى أبي ~~أيوب، وإذا دمعته قد سبقته وهو يمسح عينيه بجبة الصوف التي كانت عليه، فقال ~~له: ما الذي أبكاك ؟ فقال: خير أصلحك الله ! فقال له: لا تبرح أو تخبرني ~~بالأمر على جهته ! فلما رأى ذلك الحسن بن وهب قال له: أنا أصدقك أعزك الله، ~~لما رأى أبا محمد أمتعك الله ببقائه وجعلنا جميعا فداءه ذكر بنيا له، ولد ~~وهو في وقت واحد، وهو في مثل سنه ! قال: وما اسمه ؟ قال: عبيد الله؛ قال: ~~فالتفت محمد إليه كالهازئ به، ثم قال: يقدر أن يكون ابنه هذا وزيرا ! قال ~~الحسن: فلما أمر بحمله إلى محبسه، التفت إلي ثم قال: لولا أن هذا من أمور ~~السلطان التي لا سبيل إلى التقصير فيها ما سؤتك فيه، ولو أعانني على نفسه ~~لخلصته؛ فقال له أبو علي: والله ما رأيته، فإن رأيت أن تأمر به إلى بعض ~~المجالس، وتأذن لي في القيام إليه والخلوة به، فأشير عليه بامتثال أمرك ~~فعلت ! فأمر بذلك؛ قال: فقمت إلى أبي أيوب، فتعانقنا وبكينا، فقال لي: أعجب ~~من بغيه وقوله بالهزء والتطانز: أتراه يقدر أن يكون ابنه هذا وزيرا والله ~~إني لأرجو أن يبلغه الله الوزارة ويتقدم إليه عمر متظلما، فلما كان في ~~يومنا هذا تقدم إلي عمر يتظلم كما رأيتم، فذكرت ذلك الحديث وقول أبي أيوب ~~ما قال، وما كنت رأيته قبل ذلك. وقال الصولي في هذه الحكاية: جلس عبيد الله ~~يوما للمظالم، فوقعت بيده رقعة، فقال: عمر بن محمد بن عبد الملك ! فأدخل ~~إليه، فقال: أنت عمر ؟ قال: نعم ! ثم جعل ينظر إليه ويفكر، ثم وقع له ~~بجائزة ونزل؛ فلما تفرق الناس حدث من يأنس ms050 به قال: رأيتم فكرتي في الرجل ~~وما فعلت ؟ قالوا: رأينا ! فقال: حدثني أبو أيوب أبي قال: كنت في يدي محمد ~~بن عبد الملك الزيات، وهو يطالبني بمال، وأنا مقيد منكوب بين يديه، في جبة ~~صوف، وكان أخي الحسن يكتب له، ولم يكن يتهيأ له شيء في أمر، إلا أنه كان ~~إذا رآني مقبلا استقبلني، وإذا رآني قد رجعت إلى موضعي شيعني، إذ أقبل خادم ~~له ومعه ابن له صغير، فقام إليه كل من في المجلس، وجعلوا يقبلونه ويدعون ~~له، ولم أتحرك أنا لما كنت فيه، فقال لي يا أبا سليمان لم لم تفعل بهذا ~~الصبي ما فعله من كان في المجلس ؟ فقلت له: لشغلي ببلائي ! فقال: لا ولكن ~~لعداوتك له ولأبيه، وكأني بك وقد أملت في ابنك عبيد الله الآمال، والله لا ~~رأيت ما تؤمله فيه أبدا ! وزاد في الحمل علي والدعاء بما يسوءني، فقلت في ~~نفسي: إنه قد بغى علي، وإني أثق بالله ! فلم يمض إلا قليل حتى سخط عليه ~~المتوكل، وقلدني مناظرته وإحصاء متاعه، فوافيت داره، ورأيت ذلك الصبي مع ~~ذلك الخادم بعينه، والصبي يبكي، فقلت للخادم: ما خبره ؟ فقال: قد منع من ~~جميع ماله ! فقلت: لا بأس عليه؛ ودخلت فسلمت إليه كل ما كان باسمه؛ ثم قال ~~لي: يا بني إن تهيأت لك حال ورأيت ذلك الصبي فأحسن إليه لتقابل نعمة الله ~~عندي وعندك، فلما رأيته تذكرت ما قال أبو أيوب، وامتثلت فيه أمره، ثم صرفه ~~عبيد الله وأقبل عليه إلى أن استخلفه في دار بدر. # إبراهيم بن رياح PageV01P028 كان على ديوان الضياع فعزله الواثق، ودفعه ~~إلى عمر بن فرج الرخجي فحبسه، وكان جوادا ممدحا، وفيه يقول عبد الصمد بن ~~المعذل: # قد تركت الرياح يأبن رياح ... وهي حسرى إن هب منها نسيم # نهكت مالك الحقوق فأضحى ... لك مال نضو وفعل جسيم # وصنع أبو العيناء خبرا في إبراهيم هذا وجماعة من رجال السلطان رجاء أن ~~ينتهي إلى الواثق فينتفع به، ومن ألفاظه: قلت: ما عندك من خبر إبراهيم ms051 ابن ~~رياح ؟ قال: ذلك رجل أوثقه كرمه، وإن يفز للكرام قدح فأحر بمنجاته، ومعه ~~رجاء لا يخذله، ورب لا يسلمه، وفوقه خليفة لا يظلمه ! فلما قرئ على الواثق ~~ضحك واستظرفه وقال: ما صنع هذا كله أبو العيناء إلا في سبب إبراهيم ابن ~~رياح، وأمر بتخليته. # إبراهيم بن العباس الصولى # ولي الأهواز في أيام الواثق، فطالبه ابن الزيات وقصده بكل مكروه، حتى صرف ~~عنها وكان قبل ذلك أشد الناس اتصالا به وصداقة له، ثم تغير عليه لأن رآه مع ~~ابن أبي دواد، فكتب إليه إبراهيم: # إني متى أحقد بحق ... دك لا أضر به سواكا # ومتى أطعتك في أخي ... ك أطعت فيك غدا أخاكا # حتى أرى متقسما ... يوما لذا وغدا لذاكا # وحكي عن حاجب محمد بن عبد الملك الزيات قال: لما انصرف إبراهيم ابن ~~العباس معزولا عن الأهواز، وقف بباب عبد الملك يطلب الإذن، فاستأذنت له ~~ثلاث مرات، فلم يأذن، فخرجت إليه فقلت: يا أبا إسحق قد حملت نفسي على سوء ~~الأدب بأن كررت الاستئذان على الوزير فلم يأذن ! فسألني إيصال رقعة إليه، ~~فقلت: هاتها، فثنى رجله على سرجه وكتب: من كان واحدك إذ جعلت لنفسك واحدا، ~~وواحدي إذ خفت من زماني نبوة ؟ أما والله لو أمنتك لقلت، ولكني أخاف منك ~~عتبا لا تنصفني فيه، وأخشى من نفسي لائمة لا تحتملها لي، وما قدر فقد كان ~~ويكون وكائن، وعن كل حادثة أحدوثة، وما أقول إني تبدلت بحالة كنت بها ~~مغتبطا حالة أنا في مكروهها، بل أقول إني قهرت، فلما فزعت إلى ناصري، وجدت ~~من ظلمني أخف نية في ممن استنصرت به، وأحمد الله كثيرا وأشكره ! وكتب في ~~آخر الرقعة: # وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا # وكنت إليك أذم الزمان ... فأصبحت فيك أذم الزمانا # وكنت أعدك للنائبات ... فهأنا أطلب منك الأمانا # قال: فأوصلت الرقعة، فقرأها وفكر ساعة ثم وقع في آخرها: ارجع مذموما، لا ~~حاجة بنا إلى أخوتك ولا صداقتك ولا الاستعانة بك: # إذا ما بدأت امرأ جاهلا ... ببر فقصر ms052 عن حمله # ولم تلفه قائلا بالجميل ... ولا عارف العز من ذله # فسمه الهوان فإن الهوان ... دواء لذي الجهل من جهله # كذا في رسائل ناح الأصبهاني وحسبك ما أخلدت إليه ضعة ونقصا، وفي كفاية ~~الله غنى عنك ! قال: فلما قرأ إبراهيم التوقيع جعل يتحرق على دابته ساعة ~~وقال لي: إن انقطاعي اليوم إلى الله ثم إليك ! فقلت: قل ما شئت ! قال: توصل ~~لي رقعة أخرى ؟ قلت: قد رأيت التوقيع ! قال: أكتب الرقعة وتكون في يدك فإنه ~~سيسأل ما فعل إبراهيم؛ فقلت: أكتب؛ فثنى رجله على سرجه وكتب: من شكرك على ~~درجة رفعتها، أو نعمة أوليتها، أو زيادة مننت بها، فإني أشكرك على مهجة ~~أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق قمت به، وحلت بين التلف وبينه، فلا تسقطني ~~عندك هنة إن كانت، فإني والله واحدك بالأسباب التي تجتمع فيك ولك، ولا ~~تجتمع لك في غيري من أخ ولا صاحب، وكنت أعدك الوفاء، فقد والله فعلت، وكنت ~~تعدني ألا أضام في دولتك وأيامك، فلا تخذلني في حال إن أخليتني فيها من ~~نصرتك لم يلحقني مقدار في نفسي ومودتي إلا لحقك مثله والسلام ! وقال في ~~آخره: # أبا جعفر عرج على خلطائكا ... وأقصر قليلا من مدى غلوائكا # فإن كنت قد أوتيت في اليوم رفعة ... فإن رجائي في غد كرجائكا # فلما قرأ الرقعة أذن له في الدخول، وقرب مجلسه، ونادمه يومه، وصرفه محبوا ~~مكرما. PageV01P029 وقال الصولي: لم يزل محمد بن عبد الملك بالواثق إلى أن ~~وجه أحمد بن سيف للنظر في عمل إبراهيم، فكتب إبراهيم إلى الواثق: أتقبل علي ~~قول رجل كافر قال كذا ... وذكر شعرا يخاطب ملك الموت به عند موت غلامه، ~~فوجه الواثق من يحقق له الخبر، وعلم سعي محمد بن عبد الملك بإبراهيم، فحسن ~~مذهبه فيه. # وسعى أحمد بن المدبر إلى المتوكل بإبراهيم بن العباس، وكان بينهما تباعد، ~~فقال للمتوكل: قلدت إبراهيم ديوان الضياع وهو متخلف آية من الآيات ما يحسن ~~قليلا ولا كثيرا؛ وطعن عليه طعنا قبيحا، فقال له المتوكل: في غد أجمع ~~بينكما، ms053 واتصل الخبر بإبراهيم فأيقن بحلول البلاء، وعلم أنه لا يفي بأحمد ~~بن المدبر في صناعته، وغدا إلى دار السلطان آيسا من نفسه ونعمته، وحضر أحمد ~~فقال المتوكل: قد حضر إبراهيم وحضرت، ومن أجلكما قعدت، فهات واذكر ما كنت ~~فيه أمس ! فقال أحمد: أي شيء أذكر عنه، وما أقول فيه ! أول ما أذكر ما لا ~~يذهب على أحد، أنه لا يعرف أسماء عماله في النواحي، ولا يعلم ما يثبت في ~~ديوانه من تقديراتهم وحزورهم وكفولهم، ولا يحفظ أسماء النواحي التي يتقلدها ~~.. ومر في أبواب بعدها فاحشة سمجة منكرة، فالتفت المتوكل إلى إبراهيم فقال: ~~ما سكوتك ؟ تكلم ! فقال يا أمير المؤمنين: جوابي في بيتين، إن أذن أمير ~~المؤمنين أن أذكرهما فعلت ! قال: اذكرهما، فأنشأ يقول: # رد قولي وصدق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا # أتراه يكون شهر صدود ... وعلى وجهه رأيت الهلالا # فقال المتوكل: زه زه أحسنت والله أحسنت ! إئتوني بمن يعمل في هذا لحنا ~~وهاتوا ما نأكل، وأتوني بالندماء والمغنين، ودعونا من فضول ابن المدبر، ~~واخلعوا على إبراهيم بن العباس ! فخلع عليه، وانصرف إلى منزله. قال الحسن ~~ابن مخلد وكان يخلف إبراهيم على ديوان الضياع : فمكث يومه مفكرا مغموما ~~ساهيا، فقلت: يا سيدي هذا يوم سرور وجذل بما جدده الله لك وعندك من نعمه، ~~وخصك من كفايته، فما هذا الغم ؟ فقال: يا بني، الحق أولى بمثلي وأشبه، إني ~~لم أدفع أحمد بن المدبر بحجة، ولا كذب في شيء مما ذكرني به، ولا أنا ممن ~~يعشره في الخراج، كما أنه لا يعشرني في البلاغة، وإنما فلجت بمخرقة وهزل، ~~أفلا أبكي فضلا عن أن أغتم من زمان يدفع فيه ذلك الحق كله بما دفعته من ~~الباطل، وسيكون لهذا وشبهه نبأ بعد ! وجلت حال إبراهيم عند المتوكل، واختص ~~بكتابته، وله عنه الرسالة الغريبة في تأخير النيروز، ولما قرأها عليه أعجب ~~بها كل من حضر، فكان الفتح بن خاقان يقول للمتوكل: إبراهيم فضيلة خبأها ~~الله لك ! وكان إبراهيم إذا دخل على المتوكل أمر ألا يهزأ أحد بين ms054 يديه حتى ~~يقوم. # محمد بن الفضل الجرجرائي # كتب للفضل بن مروان، ثم وزر للمتوكل بعد ابن الزيات، وكان يسمع الفضل ~~يقول: نجاح بن سلمة أشد الناس إقداما على إهلاك الأموال ! فلما ولي خافه ~~نجاح، فاعتذر إليه يوما من شيء بلغه فقال له الجرجرائي: # إن من الإخوان من وده ... آل على ديمومة يلمع # يخاله الظمآن ماء ولا ... ماء به من ظمإ ينقع # وأنت منهم غير شك فلا ... ترجع عن غي ولا تقلع # ولم يزل نجاح يطالبه حتى عزل، وأسلم إليه ليحاسبه، فكتب إلى صديق له: أنا ~~مع أمير المؤمنين وتسليمه إياي لنجاح كما قال أبو تمام: # رأيتك من محبك ذا بعاد ... وممن لا يحبك ذا دنو # ومع نجاح كما قال في البيت الآخر: # وحسبك حسرة لك من صديق ... يكون زمامه بيدي عدو # وكتب إلى المتوكل: # يا ملكا أملك بي مني ... اصفح فدتك النفس لي عني # والله ما خنتك في حالة ... عالم ما أبدي وما أكني # ففيم سلمت إلى حاسد ... منيته راحته مني PageV01P030 فأمر المتوكل أن ~~يصالح فيما كان يطالب به، تخفيفا عنه، وكان صالح الرأي فيه. ويذكر أنه قال ~~له قبل عزله: بلغني أنك تتشاغل بالغناء عن الأمور ! فقال: ما أنكر يا أمير ~~المؤمنين أني أستعين بهزل على جد، وبراحة على تعب، وأما الإضاعة فلو لم أقض ~~حقك وحق الله لقضيت حق نفسي فيما يلزمني من ذلك ! ثم كتب إليه أسماء جواريه ~~العوامل، وعرضها عليه، فأبى أن يقبلهن، ووصله بعشرة آلاف دينار، ثم صرفه في ~~تلك السنة. # وقال أبو محمد بن السيد البطليوسي في شرح قول ابن قتيبة: وأي موقف أخزى ~~لصاحبه من موقف رجل من الكتاب قال ابن القوطية: هذا الرجل هو محمد بن الفضل ~~وهذا غلط لأن محمد بن الفضل إنما وزر للمتوكل، وكان شاعرا كاتبا حلو ~~الشمائل، عالما بالغناء. # وولي الوزارة أيضا في أيام المستعين. # عمرو بن بحر الجاحظ # كان مائلا إلى ابن الزيات، منحطا في هواه، فلما نكبه المتوكل أدخل الجاحظ ~~على أحمد بن أبي دواد مقيدا، ms055 فقال له: والله ما أعلمك إلا متناسيا للنعمة ~~كفورا للصنيعة، معددا للمساوئ، وما فتني باستصلاحي لك، ولكن الأيام لا تصلح ~~منك لفساد طويتك، ورداءة جبلتك، وسوء اختيارك، وتكالب طباعك ! فقال الجاحظ: ~~خفض عليك أصلحك الله، فوالله لأن يكون لك الأمر علي خير من أن يكون لي ~~عليك، ولأن أسيء وتحسن أحسن في الأحدوثة من أن أحسن فتسيء، ولأن تعفو عني ~~في حال قدرتك علي، أجمل بك من الانتقام مني !.. فعفا عنه. # وأرق من هذا الاستعطاف على أن بلاغة الجاحظ في رسائله وخطبه لا يتعاطاها ~~الفحول ذوو الإدراك ما كتب به بعض الكتاب إلى أبي غالب، ابن أخي إبراهيم بن ~~المدبر وهو: وجدت استصغارك لعظيم ذنبي أعظم لقدر تجاوزك عني، ولعمري ما جل ~~ذنب يقاس إلى فضلك، ولا عظم جرم يقاس إلى صفحك، ويعول فيه على كرم عفوك، ~~ولئن كان قد وسعه حلمك فأصبح جليله عندك محتقرا وعظيمه لديك مستصغرا، إنه ~~عندي لفي أقبح صور الذنوب، وأعلى رتب العيوب؛ غير أنه لولا بوادر الجهلاء ~~لم يعرف فضل الحلماء، ولولا ظهور نقص الأتباع لم يبن كمال الرؤساء، ولولا ~~إلمام الملمين بالذنب لبطل تطول المتطولين بالصفح، وإني لأرجو أن يمنحك ~~الله السلامة بطلبك منها، ويقيلك العثرات بإقالتك لها، وما علمت أني وقفت ~~على نعمة أتدبرها إلا وجدتها تشتمل على عائدة فضل، معها فائدة عقل فيها؛ ~~إنى وجدتني قد وصلت إلى تفضلك من غير مسألة، ودخلت إلى إحسانك من بابه، ~~ووصلت إلى تقلد عملك بمن أشركته في الشكر معك، إن لم أكن جعلته دونك، ~~فنقلتني بما استكرهتك عليه، إلى ما تطوعت لي به، ومما كان لي فيه سبب إليك، ~~إلى ما لا سبب لي فيه غيرك، ومما يطالبني بالشكر عليه سواك، إلى ما تنفرد ~~معه بشكري إياك، ثم جعلت ما نقلتني إليه أجل قدرا، وأخص من خدمتك محلا مما ~~نقلتني عنه، كنت في ذلك كما قال الشاعر: # لا أظأر النفس إكراها إلى أحد ... وشر ودك ما يأتي وقد نهكا # من مجه فوك لم تنفعه ms056 آصرة ... والنفس مجاجة ما مجه فمكا # ولم أر تأديبا ألطف ولا فعلا أشرف، ولا تقويما أنفع، ولا استصلاحا أنجع، ~~ولا كرما أبرع مما توصلت إليه في، وتغلغلت في الإنعام به علي، وإني لأرجو ~~بمن الله وستره ألا تقف مني علي أخت لهذه الفعلة، ولا نظير لهذه الزلة ما ~~اختلف الجديدان، وتجاور الفرقدان. # أحمد بن محمد بن المدبر # حكي عنه أنه قال: كنت أكتب لمحمد بن عبد الملك الزيات على الجيش، واحتيج ~~إلى توجيه بعض القواد في أمر مهم، فعملت باستحقاقه ورجاله عملا مفصلا، ثم ~~أجملت التفصيل فغلطت فيه، وصككت به، وحمل المال إلى القائد وقبضه وشخص، ثم ~~رجعت إلى العمل فتتبعته فوقعت على الغلط، فاستحييت من محمد بن عبد الملك، ~~فجلست عنه ثلاثة أيام فوجه إلي فاستحضرني، فكتبت إليه أصدقه عن القصة، ~~وأعترف بالخطأ، وأعلمته أن الحياء منعني من الحضور، وأحكمه على نفسي في ~~العقوبة، فوقع إلي: لا جرم لك فيما لم تتعمد فارجع إلى مكانك وتحرز من وقوع ~~ما كان منك، وقاص الرجل وأصحابه بما قبضوه عند استحقاقهم. PageV01P031 ثم ~~تولى أيام المتوكل الأعمال الجليلة وكان له إدلال: قال له يحيى بن أكثم ~~بحضرة المتوكل: أنت كاتب تتفقه، وتذكر أنك لا تلزم الناس إلا بحجج فقهية، ~~أو كما قال، فمن كتب للنبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أحمد: ليس على الكاتب ~~أن يعلم ذلك ولا يتعلمه، ولا على الفقيه أيضا، لأنه ليس مما يحل حلالا ولا ~~يحرم حراما، ولا يزيد بصرا في صناعة، وقد روى الناس أن عثمان وعليا وزيد بن ~~ثابت وحنظلة ومعاوية وغيرهم كتبوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أخبرني ~~من عمل عند النبي صلى الله عليه وسلم عملك فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتله؟ يعرض له باللواط، فأفحم يحيى واستغرب المتوكل عليه ضحكا. # واحتال الفضل بن مروان في تغيير المتوكل عليه حتى عزله عن قهرمة الدار، ~~وادعى الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان عليه مالا جليلا تسبب من أجله إلى ~~أخيه إبراهيم حتى نكب؛ ms057 وكان أحمد أسن منه وأعلم بالأعمال، إلا أن سعده أقل ~~من سعد إبراهيم، وهما من جلة الكتاب. قال ابن عبد ربه، وسمى جماعة ممن نبه ~~بالكتابة بعد الخمول فيهم أحمد بن محمد بن المدبر: فهؤلاء نبلوا بالكتابة ~~واستحقوا اسمها. # ولأحمد يخاطب أخاه إبراهيم في نكبته وقد أهدى إليه شعره مجموعا، فقرأه ~~وكتب عليه بخطه: # أبا إسحق إن تكن الليالي ... عطفن عليك بالخطب الجسيم # فلم أر صرف هذا الدهر يجري ... بمكروه على غير الكريم # وولي أحمد هذا خراج دمشق، وامتدحه البحتري وديك الجن، وغيرهما، فقال فيه ~~رجل من بني هاشم: # يا بن المدبر أنت أكرم ماجد ... عاذت به السادات عند عثار # إني امتدحتك مدحة شرفتها ... شرفين من أصلي ومن أشعاري # فاحتمل عنه ما مبلغه مائة ألف درهم. # إبراهيم بن محمد بن المدبر أخوه # قال الصولي: كان إبراهيم بن المدبر رجلا جليلا عالما شاعرا، لا يدانيه في ~~ذلك كله أحد، وخدم المتوكل وكانت له عنده حظوة. # وقال أبو الفرج الأصبهاني: سعى به عبيد الله بن يحيى لانحرافه عنه، ~~ونفاسته عليه ومخالفته فيه رأي المتوكل، فادعى على أخيه أحمد بن المدبر ~~مالا جليلا، ذكر أنه عند إبراهيم، وأوغر صدر المتوكل عليه، حتى أذن له في ~~حبسه، وكان من وجوه كتاب العراق ومتقدميهم، فقال من قصيدة يخاطب بها أبا ~~عبد الله ابن حمدون ويستنهضه لتذكير الفتح بن خاقان بأمره: # يأبن حمدون فتى الجود الذي ... أنا منه في جنى ورد جني # ما الذي ترقبه أم ما ترى ... في أخ مضطهد مرتهن # وأبو عمران موسى حنق ... حاقد يطلبني بالإحن # وعبيد الله أيضا مثله ... ونجاح فمجد لا يني # ليس يشفيه سوى سفك دمي ... أو يراني مدرجا في كفن # والأمير الفتح إن أذكرته ... حرمتي قام بأمري وعني # فأل صدق حين أدعو باسمه ... وسرور حين يعرو حزني # ظفر الأعداء بي عن حيلة ... ولعل الله أن يظفرني # ولج عبيد الله فلم يكن لأحد في خلاصه معه حيلة حتى استغاث بمحمد بن عبد ~~الله بن طاهر، وقال فيه من قصيدة: # دعوتك ms058 في كرب فلبيت دعوتي ... ولم تعترضني إذ دعوت المعاذر # إليك وقد حلئت أوردت همتي ... وقد أعجزتني عن همومي المصادر # نمى بك عبد الله في العز والعلا ... وحاز لك المجد المؤثل طاهر # فأنتم بنو الدنيا وأملاك شرقها ... وساستها والأعظمون الأكابر # مآثر كانت للحسين ومصعب ... وطلحة لا يحوي مداها المفاخر # إذا بذلوا قيل الغيوث البواكر ... وإن غضبوا قيل الليوث الهواصر # تعظمكم يوم اللقاء البواتر ... وتزهى بكم يوم المقال المنابر # فما لكم غير الأسرة مجلس ... وما لكم غير السيوف مخاصر # إلى أن يقول فيها: # ولي حاجة إن شئت أحرزت مجدها ... وسرك منها أول ثم آخر # كلام أمير المؤمنين وعطفه ... فمالي بعد الله غيرك ناصر PageV01P032 فإن ~~ساعد المقدار فالصفح واقع ... وإلا فإني مخلص الود شاكر # فعزم على تخليصه، ولم يلتفت إلى عبيد الله، وبذل أن يتحمل في ماله كل ما ~~يطالب، فأعفاه المتوكل من ذلك ووهبه له. وكان إبراهيم يقول: نكبنا نكبة من ~~نكباتنا، فسقط من إخواننا من كنا نجعل من أهل الود، فكتبت إلى بعضهم: # وصديق تراه حلوا أنيقا ... مؤنسا ملطفا حفيا شفيقا # ثم لما رماني الدهر بالغل ... ظة منه صار البعيد السحيقا # وولي إبراهيم بعد ذلك البصرة والأهواز، وأسره صاحب الزنج، فهرب منه، ووزر ~~للمعتمد، ثم طلب، واستخفى، فظفر به وحبس، إلى أن رضي الموفق عنه؛ وكان ~~المعتمد يقول: ما استوزرت بعد عبيد الله بن يحيى وزيرا أرضاه غير الحسن بن ~~مخلد وإبراهيم بن المدبر. # وقصته مع المتوكل تشبه قصة عثمان بن عمارة بن خريم المري، خرج عليه خمس ~~مائة ألف وسبعون ألفا، فحبس، فدخل عليه يزيد بن مزيد فقال: أحملها إليك ؟ ~~فقال: يعدل حملها إلي أبيات شعر تحملها إلى أمير المؤمنين الرشيد عني ! ~~فقال: وما هي ؟ فأنشده: # أغثني أمير المؤمنين بنظرة ... تزول بها عني المخافة والأزل # فعفوك أرجو لا البراءة جاهدا ... أبى الله إلا أن يكون لك الفضل # فإلا أكن أهلا لما أنا طالب ... فأنت أمير المؤمنين له أهل # قال: فعرضها على الرشيد، فأسقط ما كان عليه. # أبو الجهم الكاتب # كان ms059 من صنائع ابن الزيات، وعادى من أجله إبراهيم بن العباس الصولي وأضر ~~به، فلما ولي الحسن بن مخلد بعض الأعمال، أشار عليه إبراهيم بطلب أبي الجهم ~~في عمل كان يتولاه بالتشدد عله فيه، وكان الحسن كاتب إبراهيم والغالب عليه، ~~فكتب أبو الجهم إلى المتوكل أبياتا منها: # فلا تسلمني يأبن عم محمد ... إلى حسن أعدى العداة ابن مخلد # ومالي ذنب عنده غير أنني ... عليم بما يختان في اليوم والغد # فوصلت الأبيات إلى الحسن قبل وصولها إلى المتوكل، فأحضر عليها أبا الجهم ~~فأنكرها، ثم تقاربا وعمل الحسن في ذلك بمقتضى قوله: # من صادر الناس صادروه ... وأعنتوه وماكروه # وجاحدوه الحقوق بهتا ... وبالأباطيل ناظروه # ومثل ما راح من قبيح ... أو حسن منه باكروه # ولأبي الجهم يخاطب نجاح بن سلمة معتذرا وهو محبوس وقد تمثل بهذا الشعر ~~سهل بن هارون في كتابه إلى صاحب له وجد عليه : # إن تعف عن عبدك المسيء ففي ... عفوك مأوى الفضل والمنن # أتيت ما أستحق من خطإ ... فجد بما تستحق من حسن # عبد الله بن محمد بن يزداد # كتب أبوه للمأمون ووزر له، وكان هو أيضا كاتبا، لكن يغلب عليه القصور، ~~ولأبيه الشفوف المعروف خطا وبيانا، يملأ أن السمع والبصر حسنا وإحسانا. ~~PageV01P033 حكى الصولي قال: جلس المأمون للمظالم، ومحمد بن يزداد بين ~~يديه، فأحب بعض من عنده أن يغض منه، فقال: يا أمير المؤمنين لو أمرت محمدا ~~أن يكتب كتابا في أمر الزكاة، يقرأ على الناس، فكتب من غير فكرة: أما بعد ~~فإن الله جعل عمود الدين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، فسن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا شيء في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم، ~~فحينئذ يكون فيها خمسة دراهم، وما زاد فبحساب ذلك، وأن لا شيء في الذهب حتى ~~يبلغ عشرين دينارا، ففيها نصف دينار، ثم إذا بلغ الأربعين ففيها دينار، ثم ~~ما زاد فبحساب ذلك، ولا زكاة على أحد في ماله حتى يحول عليه الحول، فإن ملك ~~بعضه، وكمل ما ذكرناه في وقت ms060 كان ابتداء الحول من يوم كمل فيه ما حد، " ~~يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم " وكتب ذلك بأحسن خط، فقال ~~المأمون: يا محمد إنا إن شركناك في اللفظ فقد فارقناك في الخط ! فقال: يا ~~أمير المؤمنين إنك أقرب الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتقلد ~~لأمره، فمن هناك جاءت المشابهة. وعن غير الصولي أنه قال له: يا أمير ~~المؤمنين إن من أعظم آيات النبي صلى الله عليه وسلم أنه أدى عن الله ~~رسالته، وحفظ عنه وحيه، وهو أمي لا يعرف من فنون الخط فنا، ولا يقرأ من ~~سائره حرفا، فبقي عمود ذلك في أهله فهم يشرفون بالشبه الكريم في نقص الخط ~~كما يشرف غيرهم بزيادته، وإن أمير المؤمنين أخص الناس برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والوارث موضعه والمتقلد لأمره ونهيه، فعلقت به المشابهة الجليلة، ~~وتناهت إليه الفضيلة ! فقال المأمون: يا محمد لقد تركتني لا آسى على ~~الكتابة ولو كنت أميا ! وسعي بعبد الله إلى المتوكل وقد ولاه عملا، وذكر له ~~انه اختان مائة ألف: فلم يطلبه بها ولم يزل بعد يصرفه؛ وكان بفارس إذ ولي ~~المستعين الخلافة فاستقدمه ابن الخصيب وزيره، فاختاره المستعين لوزارته، ~~وصرف ابن الخصيب فضبط الأموال واشتد على الموالي، ثم خافهم، فهرب إلى ~~بغداد، وولي شجاع ابن القاسم الوزارة، ثم أعيد إليها عبد الله بن محمد ~~ثانية. # أحمد بن محمد بن ثوابة # خاف من المهتدي لما اتهم به من اعتقاد الرفض، وكان يكتب لبعض رؤساء ~~الأتراك، فاستتر ونودي عليه، ثم شفع فيه، فرضي المهتدي عنه، وخلع عليه أربع ~~خلع، وقلده سيفا، ورجع إلى حاله. # وجرى بين ابن ثوابه وبين أبي الصقر إسماعيل بن بلبل كلام في دار صاعد بن ~~مخلد الوزير، فقال إسماعيل لأبن ثوابه: حكمك والله أن تشد وتحد، فقال له: ~~يا جاهل أما علمت أنه من يشد لا يحد، ومن يحد لا يشد ! وجرى له معه أيضا ~~غير هذا، فحمي أبو العيناء لإسماعيل وانتصر له من ابن ثوابة فقال: ما ms061 استب ~~اثنان إلا غلب ألأمهما ! فقال أبو العيناء: فلهذا غلبت بالأمس أبا الصقر ! ~~فلما ولي الوزارة أبو الصقر، دخل عليه ابن ثوابة ووقف بين يديه، وجعل يقول: ~~أيها الوزير " تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين " فقال أبو الصقر ~~" لا تثريب عليكم اليوم " أبا العباس يغفر الله لكم ! ثم رفع محله وولاه، ~~وما قصر في الإحسان إليه والإبقاء عليه مدة وزارته. # الحسن بن رجاء # كان من جلة الكتاب، ونشأ في خلافة المأمون، فدخل يوما بعض الدواوين فنظر ~~إليه وهو غلام جميل وعلى أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام ؟ فقال: أنا يا ~~أمير المؤمنين، الناشيء في دولتك، المتقلب في نعمتك، المؤمل لخدمتك الحسن ~~بن رجاء، خادمك وعبدك ! فقال المأمون: أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة ~~تفاضلت العقول؛ وأمر أن يرفع عن مرتبة الديوان. PageV01P034 وحكى الصولي في ~~كتاب الأخبار المنثورة، من تأليفه، قال: كان الحسن بن رجاء الكاتب يهوى ~~جارية من القيان، وكان إسماعيل بن بلبل يهواها، فكانا يتنافسان فيها، فلما ~~تقلد إسماعيل الوزارة ملك الجارية وأحسن إليها، ثم سألها يوما: هل في نفسك ~~شيء لم تبلغيه ؟ فقالت: قد بلغت كل ما أحب وزيادة، ولم يبق في نفسي إلا قدح ~~بلور مصنوع مورد كان عند الحسن بن رجاء، فكنت إذا زرته ناولنيه، فتقدم أبو ~~الصقر إلى أبي بكر ابن أخته بإحضار الحسن ومطالبته بالقدح عفوا أو عسفا؛ ~~فركب أبو بكر إليه، وجلس عنده، فحادثه ثم قال له: قد جئتك في حاجة وما ~~أحسبك تردني عنها، فقال له: كل ما عندي فلك ! قال: قدح البلور المورد ~~تمنحني إياه. قال: قد انكسر ! قال: فأعطني كسره ! فقال: ما ظننت أني أطالب ~~بزجاج قد انكسر فأحتفظ به ! فقال: إن هذا الرجل قد صارت له يد وسلطان، ولأن ~~تهديه إليه وتمتن عليه أحسن من أن تكاشفه وتعاديه ! فقال: أما لسؤالك ~~فأفعل، ولكن على شريطة، توصل لي معه أبياتا، فقال: أفعل، فأنفذ إليه القدح ~~ومعه رقعة فيها أبيات: # سلم على أربع بالكرخ تقلاها ... من أجل جارية ms062 فيهن أهواها # تمكنت نوب الأيام منك بها ... والدهر إن أسلف الحسنى تقاضاها # يا بؤس قلبك ما أقصى مراميه ... وشجو نفسك ما أدنى بلاياها # وطيب عيش مضى ما كان أحسنه ... لو أن أيامنا منه نملاها # إليك أشكو أبا بكر هوى بجوى ... أطعته مرضيا نفسي فعاصاها # فأسعد الصب إن كنت امرأ غزلا ... واعطف على ذي البلا إن كنت أواها # قد جاءك القدح المسلوب بهجته ... مذ حيل دون التي أدنت له فاها # خذه إليك عزيزا أن يجاد به ... لو أن إحدى ليالينا كأولاها # فلما قرأ إسماعيل الأبيات وأخذ القدوح رق له، فقلده أصبهان وأخرجه إليها. # عيسى بن الفاسي # كتب لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل في وزارته للمعتمد، وكان قد امتحن بصاعد ~~بن مخلد الوزير قبل أبي الصقر، ورجا الحسن بن مخلد، فلما ولي لقي منه أكثر ~~مما لقي من صاعد فقال في ذلك. # أقيك بنفسي سوء عاقبة الدهر ... ألست ترى صرف الزمان بما يجري # يصاب الفتى في اليوم يأمن نحسه ... وتسعده الأيام من حيث لا يدري # وقد كنت أبكي من تحامل صاعد ... وأشكو أمورا منه ضاق بها صدري # فلما انقضت أيامه وتبدلت ... بأيام ميمون النقيبة والذكر # سرت أسهم منه إلي أمنتها ... ولو خفتها داريتها قبل أن تسري # وذكرني بيتا من الشعر سائرا ... وقد تضرب الأمثال في سائر الشعر # عتبت على عمرو فلما فقدته ... وجربت أقواما بكيت على عمرو # وقال أيضا في صاعد وقد قرأ كتابا على الموفق فلم يفهم بعض ما فيه، وفهمه ~~الموفق: # أرى الدهر يمنع من جانبه ... ويهدي الحظوظ إلى عائبه # ومن عجب الدهر أن الأمي ... ر أصبح أكتب من كاتبه # كذا في كتاب ابن عبدوس؛ وفي اليتيمة لأبي منصور الثعالبي: أن أبا بكر ~~الخوارزمي نسب هذا الشعر إلى البحتري في محاورة جرت بينه وبين الصاحب أبي ~~القاسم إسماعيل بن عباد أثناء مسامرة، فقال الصاحب للخوارزمي وقد أعجبه ~~تنظيره بذلك: جودت وأحسنت، هكذا يكون الحفظ ! وروى يموت بن المزرع عن أبيه ~~قال: كان عيسى بن الفاسي يكتب لأبي الصقر إسماعيل بن ms063 بلبل، وكانت له جارية ~~يحبها، فاصطبح معها ذات يوم فهو في صبوحه حتى وافاه رسول إسماعيل في مهم ~~له، فكتب إليه: # هبني لجاريتي وأرحم تفردها ... بالوجد إن غبت عنها أيها الملك # فقد غدونا وستر الله منسدل ... وألتام ما بيننا وأنحلت التكك # فحلف إسماعيل أنه يقيم عندها ثلاثة أيام، ووجه إليه بطيب ومال وكسوة. # عبد الله بن محمد الزجالى PageV01P035 قال أبو مروان بن حيان بن خلف بن ~~حيان في كتابه المقتبس من أنباء أهل الأندلس: كان الأمير عبد الله يعني عبد ~~الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن ~~هشام بن عبد الملك بن مروان، قد عزل عبد الله بن محمد الزجالي عن خطتي ~~الوزارة والكتابة في بعض أوقاته لموجدة وجدها عليه، ثم أقاله بعد مديدة، ~~وأعاده إلى خطته، وكان محببا في الناس فأبدوا فرحا لرجعته، وقال في ذلك ~~أحمد بن محمد بن عبد ربه الشاعر من أبيات: # يا ملكا يزدهي به المنبر ... والمسجد الجامع الذي عمر # خليفة الله في بريته ... يسر للناس مثل ما يجهر # يا قمر الأرض إن تغب فلقد ... أقمت للناس كوكبا يزهر # ما فرح الناس مثل فرحتهم ... لما أقيل الأديب واستوزر # وابتهج الملك حين دبره ... عين الإمام التي بها يبصر # قطب عليه المدار أجمعه ... في الأمر والرأي كلما دبر # لم يزل البيت طول غيبته ... أعمى فلما استوى به أبصر # وقال ابن عبد ربه في ذلك أيضا مما لم يذكره ابن حيان: # تجددت الدنيا وأبدت جمالها ... وردت إلينا شمسها وهلالها # عشية يوم السبت جاءت بنعمة ... من الله لا يرجو العدو زوالها # بها جبر الله الكسير من العلا ... وأدرك منه عثرة فأقالها # فأشرقت الآفاق نورا وبهجة ... ومدت علينا بالنعيم ظلالها # بتجديد عبد الله أعظم دولة ... لمولاه عبد الله كان أزالها # ولما تولت نضرة العيش ردها ... فآلت إلى العبد القديم مآلها # فتى نشأت من كفه ديم الندى ... فظلت سجال الرزق تجري خلالها # ترى الجود يجري من فريد يمينه ... كصفحة هندي أرتك صقالها ms064 # ولو نيط من نجم السماء فضيلة ... لمد إليها الكف حتى ينالها # ومحمد بن سعيد الزجالي والد عبد الله هذا هو أول من رأس من هذا البيت وجل ~~بالكتابة وأورثها عقبة، وكانت نباهته ورياسته بعلمه وبيانه، كأحمد بن يوسف ~~وابن الزيات وطبقتهما، ويعرف بالأصمعي لعنايته بالأدب وحفظ اللغة. # ويذكر في سبب اتصاله بالسلطان أن الأمير عبد الرحمن بن الحكم عثرت به ~~دابته، وهو في غزاة، فأنشد متمثلا: # وما لا ترى مما يقي الله أكبر # وطلب صدر البيت فعزب عنه، فسأل أصحابه عنه فأضلوه، وأمر بسؤال كل من اتسم ~~بمعرفة في عسكره، فلم يلف أحد يقف عليه غير محمد بن سعيد هذا، فقال: أصلح ~~الله الأمير، أول البيت: # نرى الشيء مما نتقي فنهابه # فأعجب الأمير عبد الرحمن ما كان منه، وراقه بيانه، فاستخدمه. # عبيد الله بن سليمان بن وهب # لما تقلد المعتضد أبو العباس أحمد ولاية العهد بعد وفاة أبيه الموفق أبي ~~أحمد طلحة بن المتوكل، وذلك يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر سنة ثمان ~~وسبعين ومائتين في آخر خلافة المعتمد بن المتوكل، أقر أبا الصقر إسماعيل بن ~~بلبل على ما كان عليه من الوزارة والتدبير، إلى يوم الاثنين بعده، ثم قبض ~~عليه وعلى أبنائه وحاشيته، وانتهبت منازلهم، وطلب ابن الفرات، فاستتر، وبعث ~~إلى أبي القاسم عبيد الله بن سليمان، وكان قبل ذلك بمدة منكوبا من قبل ~~المعتمد، وأمره بالانصراف إلى منزله والبكور إليه، ليخلع عليه، فانصرف في ~~طياره، وبكر من الغد إلى المعتضد، فخلع عليه، وانصرف وبين يديه جميع القواد ~~والغلمان. # ولما توفي المعتمد في آخر رجب من سنة تسع وسبعين أخذ البيعة للمعتضد عبيد ~~الله بن سليمان على الناس، فأحسن التدبير، ونظم سياسة الأمور، واستكتب ابنه ~~القاسم بن عبيد الله لبدر المعتضدي، وجلت حاله، فاستنابه في العرض على ~~المعتضد، وسعى به بعض حسدته، فلم يقبل المعتضد سعايته، وحضر عبيد الله، ~~فدفع إليه السعاية، فأنشده: # كفاية الله خير من توقينا ... وعادة الله بالإحسان تغنينا # كاد الوشاة ولا والله ما تركوا ... قولا ms065 وفعلا وبأساء وتهجينا # فلم نزد نحن في سر وفي علن ... على مقالتنا الله يكفينا PageV01P036 وحكي ~~أن المعتضد تقدم إليه بأن يوعز إلى القواد وسائر الجند بالخروج إلى الصيد ~~معه، وذلك في فصل الشتاء، فقال له: يا أمير المؤمنين، لهؤلاء القوم استحقاق ~~والمال عزيز، ومتى أمروا بذلك طالبونا بما يجددون به التهم ! فأمسك عنه إلى ~~أن خرج من حضرته، ثم تقدم إلى خفيف السمرقندي حاجبه بالقبض عليه وأخذ سيفه ~~ومنطقته، ففعل ذلك. وانصرف القاسم بن عبيد الله من دار بدر فسأل عن أبيه، ~~فعرف الخبر، فعاد من وقته إلى بدر، فتلطف في الوصول إليه، وبكى بين يديه، ~~فركب بدر إلى الدار، فاستأذن على المعتضد، فتبسم وعلم ما جاء به، فوجه ~~إليه: لي شغل مع الحرم، فقال بدر: إن معي خبرا لا يجوز تأخيره، فوجه إليه: ~~قد عرفت الخبر فانصرف فوجه إليه: إني قد استعملت في هذه الحال ما لا يحب من ~~الأدب، ولا بد أن أخاطبه! فأذن له، فلما مثل بين يديه حل سيفه وقال: يا ~~أمير المؤمنين، دمي معقود بدم عبيد الله، فمتى هممت في أمره بشيء، أمرت في ~~بمثله ! فقال المعتضد: يبلغ من مقداره أن آمره بأمر فيعارضني فيه، ما أنا ~~محتاج إلى رأيه، وإنما مجراه مجرى من ينفذ ما آمره به؛ فقال بدر: ليس يعاود ~~ولا يجاوز ما تأمره به؛ فقال: امض فخذه ! فخرج بدر، فكسر غلق الحجرة وأخذه، ~~وتقدم إليه بترك المعارضة فيما يأمره به. # وكان المعتضد يصف عبيد الله بالدهاء والرجلة، فلما أشار إليه بإخراجه مع ~~بدر إلى الجبل، وقع له أنه إنما أراد التخلص والبعد منه، فقال لبدر: قد ~~استوحشت من عبيد الله لالتماسه الخروج، وقد عزمت على أن أقبض عليه، وأقلدك ~~خراجها مكانه؛ فدافعه عن ذلك وراجعه، وكان أحمد بن الطيب قريبا منهما، وكان ~~المعتضد يأنس به، فوقف على كلامهما، فمضى من فوره فعرف عبيد الله ما جرى، ~~بعد أن أحلفه أن يستره، فقلق عبيد الله، ولم تسمح نفسه بكتمانه، فصار من غد ~~إلى ms066 المعتضد ومعه ثلث جميع ما يملك من ضيعة وعقار ومال، فوضعه بين يديه ~~وقال له: قد جعلت لك يا أمير المؤمنين جميع ملكي حلالا طيبا وتؤمنني على ~~نفسي وولدي ! فأنكر المعتضد ذلك وسأل عن سبب ما بلغه، فدافعه، فأمسك ~~المعتضد وصرفه، وأحضر بدرا فأسمعه كل مكروه وقال: أنت أخبرت عبيد الله، ولم ~~يحصل إلا على فساد نيته لنا ! فحلف له بدر بأيمان صدقه فيها؛ ولما كان من ~~غد حضر عبيد الله، فخلا به وألح عليه أن يعرفه من الذي رقى إليه ذلك؛ فقال: ~~أخبرني به أحمد بن الطيب. فقال: كذب وإنما أراد التشوق عندك، فكن على ثقة، ~~فليس لك عندي إلا ما تحبه. ثم قبض على أحمد بن الطيب وحبسه في المطامير إلى ~~أن مات. # وقيل إن أحمد بن الطيب المذكور كان يقول للمعتضد: كثير من الأمور يخفى ~~عليك ويستر دونك ! فقال له يوما: فما الدواء ؟ فقال: توليني الخبر على بدر ~~وعبيد الله؛ فقال: قد فعلت ! قال: فإذ قد فعلت فاكتب لي رقعة ! فكتب له ~~بذلك، فأخذ التوقيع وجاء به إلى عبيد الله ليتقرب إليه، فأخذه عبيد الله، ~~ثم وثب، فطلبه ابن الطيب فقال: أنا أخرجه إليك؛ ووكل به في داره وركب إلى ~~بدر، فأقرأه إياه، فدخلا إلى المعتضد، فرمى عبيد الله بنفسه بين يديه وقال ~~له: أنت نعشتني وابتدأتني بما لم أؤمله، وكل نعمة لي منك وبك وتفعل هذا ~~بفلان ! فقال: إنه يسعى عليكما عندي فأكره ذلك فاقتلاه وخذا ماله؛ فأدخل في ~~وقته إلى المطامير. # علي بن محمد بن الفياض # كتب للمعتضد، وكان يؤمل وزارته، فلما وجه المعتضد إلى عبيد الله وأمره ~~بالبكور إليه ليخلع عليه ويقلده الوزارة، دخل في انصرافه إلى علي هذا ~~وأعلمه بما فوض إليه المعتضد، وسأله معاضدته ومشاركته في أمره، فأجابه إلى ~~ذلك، وتعاهدا عليه، ثم فسد ما بينهما، فلاحاه عبيد الله بحضرة المعتضد وقال ~~له: لمن كتبت حتى تدعي الفصاحة ؟ فقال: ألي تقول هذا ؟ أنت كتبت لموسى بن ~~بغا، وأنا كتبت لأمير المؤمنين، فأينا ms067 أولى بالفخر ! ويقال إن القواد قالوا ~~لبدر: مولاك رضي الله عنه على ما تعرفه وماله في صدور الناس من الهيبة، وقد ~~أحب أن تستوزر ابن الفياض، وهو من تعلم في جفائه، فلا يجد الناس بين ~~الخليفة وكاتبه فرقا ! فلم يزل بدر يلطف به حتى صرفه عن ذلك الرأي. ~~PageV01P037 وكان لأبن الفياض كاتب يكتب لأبي عيسى بن المتوكل، فلما حدثت ~~الحادثة على أبي عيسى قبض على كاتبه، فاستتر ابن الفياض، فدخل يوما عبيد ~~الله بن سليمان إلى المعتضد، وكره أن يهجم عليه من ابن الفياض بما يكره، ~~ولا يدري ما يكون جوابه، ولا ما يجده عنده، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد ~~استوحش ابن الفياض لما اعتقل كاتب أبي عيسى، لأنه كان يكتب له؛ وتأمل وجه ~~المعتضد عند ذلك، فقال له: ابعث إليه وآنسه وأزل وحشته ! فقال: السمع ~~والطاعة ! وأحضره الدار، فدخل والناس وقوف ينظرون إليه، فقال المعتضد لما ~~رآه: يا علي نأمر بحبس كاتبك، لشيء بيننا وبينه من غير جهتك فتستوحش ! فقال ~~ابن الفياض متمثلا: # وذلك من تلقاء مثلك رائع # فتبسم المعتضد، وألان خطابه له رفقا به، وإبقاء عليه. # علي بن محمد بن الفرات # لما قبض المعتضد على أبي الصقر استتر علي هذا وأخوه أحمد وكانا من كتابه ~~ومتقدمين في الأعمال، ثم ظفر بهما وحبسا، ودعا بعلي منهما يوما عبيد الله ~~ابن سليمان، فجيء به وهو مقيد وعليه جبة دنسة، فقال: الله الله أيها الوزير ~~! وجعل يشكو ما لحقه وأخاه، فهدأه وسكنه، وأمره بالجلوس، فلما زال عنه ~~الروع أخذ معه في أمر العمل وما يحتاج إليه، فاتصل كلامه وانبسط في ذكر ~~الأموال والعمال انبساط رجل جالس في الصدر، وجعل يقول: ناحية كذا مبلغ ~~مالها كذا، وهي كذا، وعاملها فلان من حاله كذا، وناحية كذا عاملها فلان ~~ينبغي أن يشد بمشرف أو شريك، حتى أتى على الآفاق .. فتهلل وجه عبيد الله ~~وقال له: اعتزل واعمل عملا بما قلت به ! فاعتزل علي ومعه أحد الكتاب، فأملى ~~عليه ما طلب وجاء بالعمل، ثم ms068 كلم الوزير في أمره وأمر أخيه، فأمر بحل ~~قيودهما والتوسعة عليهما، وقال لهما: لن يبعد خلاصكما، وأنا أسأل المعتضد ~~في أمركما، ارجعا إلى موضعكما، والتفت إلى من حضر فقال: أرأيتم مثل هذا ~~الفتى قط يعني ابن الفرات والله لا فارقت الأمير أو استوهبهما منه، فإني ~~أعلم أن الملك لا يقوم إلا بهما، فأطلقهما بعد أيام واستعملهما. # ويقال إن عبيد الله قيل له: إن أردت أن يتمشى أمرك فأطلق ابني الفرات ~~واستعن بهما؛ فنهض إلى المعتضد وأعلمه أن هؤلاء القوم قد داسوا الدنيا ~~وعلموا أعمالها، قال: وكيف تصلح لنا نياتهم، وقد نكبناهم ؟ فقال: إذا رددت ~~ضياعهم واستخلصتهم صلحوا ! فقال: إنهم غير مأمونين في السعي عليك والإفساد ~~بيني وبينك، وأمرهم إليك؛ فخرج وأحضر أحمد بن محمد، فأدناه وآنسه، وقال له: ~~قد استوهبتك من المعتضد لأستعين بك، وقص عليه القصة، فقال: يتقدم الوزير ~~بإحضار الطائي وعلي بن محمد أخي؛ فقال: افعل، فأحضرهما فأخذ دواة، واعتزل ~~بهما، فلم يزل هو وأخوه يناظران الطائي على ضمان الكوفة وسوادها وما يتصل ~~بها، وعلى أن يحمل من مالها كل شهر ستين ألف درهم، وفي كل يوم سبعة آلاف ~~دينار، ففعل ذلك وضمناه، وأخذا خطه وجاءا به إلى عبيد الله فسره، وكان ذلك ~~سبب ارتقائهما إلى أن ولي علي منهما وزارة المقتدر ثلاث مرات بعد نكبات ~~عظيمة. ولما جلس للمظالم في وزارته الثانية رميت إليه رقعة فيها: # أبا حسن عزاء وأحتسابا ... إذا سهم من الحدثان صابا # فإن الله يأخذ ثم يعطي ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا # القاسم بن عبيد الله PageV01P038 عرض على المعتضد في حياة أبيه عبيد الله ~~بن سليمان بن وهب، فلما توفي عبيد الله كتب إلى المعتضد رقعة يعرفه بذلك ~~منها: ولما أفقت من هذه الصدمة التي وقعت علي، لم آمن أن يدخل علي الخلل ~~الواقع في أوائل الحوادث، وكرهت أن أحدث شيئا من الأعمال دون علم رأي أمير ~~المؤمنين سيدنا، فتوقفت ليأتيني من أمره ما يكون عملي بحسبه ! فأجابه ~~المعتضد: أستمتع الله النعمة ببقائك؛ وصل ms069 كتابك بالحادث العظيم والله عندي، ~~فأورد علي ما أقلقني وأرمضني وأبكاني وبلغ مني، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ~~وعند الله أحتسب أبا القاسم، وإياه أسأل أن يغفر له، وما مضى من مثلك ~~وراءه، ولست أشك فيما نزل بك، وحقيق عليك، ولست ممن يحتاج إلى وصية، ~~فبحياتي عليك لما تعمل بنفسك عملا يضر ببدنك، وأخرج اللوعة بالبكاء، فإن ~~فيه راحة وفرجا، ودع تجاوز ذلك إلى غيره؛ وأما الأعمال التي استأذنتنا فيها ~~فتقلدها ونفذها، وأجر الأمور على ما كان أبوك يجريها عليه، وأحذ حذوه، ~~واسلك طريقه، فإني أرجو زيادتك، ولا أخشى إضاعتك إن شاء الله !. وبعث ~~المعتضد من صار إليه من خدمه بالقاسم في غد ذلك اليوم، وكان نازلا بالثريا، ~~فلما رآه عزاه عن أبيه، وبسطه وآنسه، وقال: ثق بمالك عندي فإن الثقة بذلك ~~توفي على المصيبة وإن عظمت ! ثم خلع عليه للوزارة، فخرج معه بدر وجميع ~~القواد والجيش حتى صار إلى منزله. # ولما توفي المعتضد في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين بعد سنة ~~كاملة من وزارة القاسم، أخذ البيعة للمكتفي ابن المعتضد على الناس، ~~واستقامت الأمور وعظمت هيبته وجل شأنه. # وكان من رأي بدر توليه عبد الواحد بن الموفق، فخالفه القاسم، ثم خالفه ~~فأغرى به المكتفي حتى قتله. # وذكر أن المعتضد أحب أن يستكتب أحمد بن محمد المعروف بجرادة، بعد وفاة ~~عبيد الله بن سليمان، فألح عليه بدر يقبل الأرض بين يديه ويقول: تربيتك ~~وصنيعتك القاسم ! فيقول له المعتضد: القاسم حدث غر وجرادة شيخ مجرب ! فلم ~~يزل به إلى أن قال: اختر عشرة آلاف دينار أو القاسم ! فاختار أمر القاسم؛ ~~فقال له المعتضد: والله لأقتلك غيره ! فكان كما قال. # واستثقل المكتفي بعد ذلك القاسم، وأنكر قلة وفائه لبدر، وعزم على صرفه ~~وتقليد غيره، فبلغه ذلك، فصار إلى المكتفي، ورمى بنفسه بين يديه، وقال: قد ~~قمت ببيعتك وأنت غائب .. وذكر أشياء من خدمته توجب حرمته، ثم قال: وهذه ~~رقعة بجميع ما أملك، لك كله، وأمني، ولا تسلمني إلى عدوي ! فقال ms070 المكتفي: ~~وما السبب في هذا الكلام ؟ فأخبره بمن حكى عنه ذلك، فعرف صحته وغاظه وقال: ~~ما من ذلك شيء، وإنما أردت تولية الدواوين ! واحتال القاسم في إتلاف المرشح ~~لمكانه من كتاب المكتفي، فتم له ذلك. # وقال الصولي: لعهدي بالقاسم قد حل سيفه ومنطقته بين يدي المكتفي وهو ~~يتقلب بالأرض ويقبلها، والمكتفي يطيب نفسه؛ قال: ثم مضى المكتفي إلى حرب ~~القرمطي والقاسم معه، فكانت له في ذلك آراء مشهورة أدت إلى الظفر به. وركب ~~مع المكتفي يوم دخولهم بالقرمطي، وكان من أيام الدنيا، وذلك في سنة إحدى ~~وتسعين ومائتين. قال: وسأل القاسم المكتفي أن يشرفه بتزويج ابنه محمد بنته، ~~فأجابه ومهرها مائة ألف دينار، فخلع عليه القاسم وعلى أهل الدولة، ولقب ~~بولي الدولة، وكان يكتب عن نفسه: من ولي الدولة أبي الحسين القاسم بن عبيد ~~الله وأمر أن تؤرخ الكتب عنه بأسماء أصحاب الدواوين، وهذا ما كان قط إلا ~~لخليفة. # علي بن عيسى بن الجراح # كتب للقاسم بن عبيد الله هو والعباس بن الحسن، وأشار القاسم وهو في آخر ~~علته على المكتفي باستكتاب أحدهما، فقدم العباس للوزارة، وكان علي زاهدا ~~متواضعا حافظا للقرآن، عالما بمعانيه وإعرابه، وله في ذلك تأليف، وقد حمل ~~عن أبيه الحديث، وله بلاغات لا تعرف لغيره من الكتاب، ثم وزر للمقتدر غير ~~مرة في أول خلافته وآخرها، ولم يكن يهوى ذلك، بل كان يحب الاعتزال، ويقول: ~~ما كنت أحتسب بمقامي في هذا الأمر إلا أني مجاهد في سبيل الله، خوفا من ~~فتنة لا تبقي ولا تذر. PageV01P039 ولما ضبط أمر الملك، ومنع الأيدي من ~~الظلم، اشتد ذلك على من اعتاده، فطولب ولم يعبه أعداؤه بشيء سوى قولهم: إن ~~شغله بمحقرات الأمور تشغله عن جليلها، لأن زمانه لا يفي بذلك؛ إلى أن صرف ~~وحبس حبسا كريها، فكتب في نكبته عدة مصاحف، وكان يحمل في وزارته إلى بيت ~~المال ما يرد عليه مما كان الوزراء قبله يرتفقون به؛ فقال المقتدر: قد ~~استحييت من الله في مال علي ابن عيسى، فإني ms071 أخذته ظلما، وأحاله به على مال ~~مصر، فاشترى به ضياعا ووقفها على مكة والمدينة. # ولما استقدم من مكة بعد إخراجه إليها، والوزير إذ ذاك أبو علي محمد ابن ~~عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وقد تبين عجزه، خلع عليه وقدم للوزارة، وأمر ~~بالقبض على محمد وابنيه عبيد الله وعبد الواحد، وكانوا قد ركبوا إلى دار ~~الخلافة ووعدوا أن يسلم إليهم فسلموا إليه، فأطلق عبد الواحد وقال: إنه ~~مظلوم؛ وعامل محمدا وعبيد الله أحسن معاملة، ورفق بهما، وكانا قد أرادا ~~قتله في طريق مكة، فلم يمكنهما فيه حيلة. # ورفع إليه أن رجلا من جلساء عبيد الله قال: إن علي بن أبي طالب قتل، فمن ~~علي بن عيسى حتى لا يقتل ! فما زاد علي أن قال: أما اتقى الله ولا خافه !! ~~ثم كان يقضي حوائج ذلك الرجل ويثني عليه؛ فلما جلس للناس ورأى تكاثرهم ~~تمثل: # ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا # يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا # وكان علي بن بسام قد هجاه لما نفي إلى مكة، فلما ردت إليه الوزارة جلس ~~يوما للمظالم فمرت به في جملة القصص رقعة مكتوب فيها: # وافى ابن عيسى وكنت أضغنه ... أشد شيء علي أهونه # ما قدر الله ليس يدفعه ... وما سواه فليس يمكنه # فقال علي بن عيسى، صدق هذا ابن بسام، والله لا ناله مني مكروه أبدا. # وأنشد الصولي مما هجي به علي بن عيسى في نكبته: # أيامكم يا بني الجراح قد جرحت ... كل القلوب ففيها منكم نار # لا متع الله بالإقبال دولتكم ... فإن إقبالكم للناس إدبار # وذكر أنه استشير بعد عزله في حامد بن العباس فقال: حاذق بالعمل لا يصلح ~~للوزارة ! فقيل له: قدم ! فقال: بارك الله لأمير المؤمنين فيما أمضاه ! ثم ~~عزم عليه أن يتقلدها فأبى، لما نصح فيها، فلم ينفعه ذلك، فقيل له: فاخرج ~~تعاون حامدا، فيكون له الاسم ولك العمل ! فأجاب بعد امتناع طويل. وقيل ~~لحامد: إنا جعلنا علي بن عيسى ms072 عونا لك، فشكر ذلك، وذكره بخير، ومشى أمر ~~المملكة على هذا خمسة أعوام في حسن سيرة وإنصاف من ظالم، وعلي ابن عيسى ~~يدبر ذلك كله. وطمع حامد في الاستبداد، وتضمن عليا بمال عظيم فلم يقدر على ~~ذلك. # أبو جعفر البغدادي # لحق بالمهدي عبيد الله الشيعي في أول تغلبه على إفريقية وإثر البيعة له ~~برقادة، فولاه أمورا خفيفة، ثم صار البريد وكتابة السلطان إليه، وفسد ما ~~بينه وبين عروبة الكتامي، وهو حينئذ المستولي على المملكة العبيدية، وأغراه ~~به جماعة، فصار البغدادي إلى خوف شديد، وكان يتوقع الموت في كل يوم، إلى أن ~~قتل الكتامي منافقا، وجيء برأسه إلى رقادة، وقتل أخوه وأهل بيته، وتمكن ~~البغدادي من أعدائه، وجلت حاله عند عبيد الله حين انتقاله إلى المهدية، ~~وانقطعت السعاية به، وتمادت حظوته إلى آخر أيامه، وولي ابنه القائم، فأبقاه ~~على حاله مدة. # عيسى بن فطيس PageV01P040 كان عبد الرحمن بن محمد الناصر أمير الأندلس قد ~~ولاه الكتابة العليا في حياة أبيه فطيس، وأبوه إذ ذاك صدر في وزرائه، فلما ~~عزل الناصر للنصف من شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة جميع وزرائه ~~بسبب أنكره عليهم، إلا رجلين منهم: أحمد بن عبد الملك بن شهيد ذا ~~الوزارتين، وهو أول من ثنيت له بالأندلس، وأحمد بن محمد بن إلياس القائد، ~~ولى في آخر هذه السنة عيسى بن فطيس الوزارة مكان أبيه، مضافة إلى الكتابة، ~~ثم عزله عنهما جميعا بعد خمسة أيام من جمعهما له. وولى الكتابة عبد الرحمن ~~بن محمد الزجالي، ثم وجه فيه وقد برز مع الناس لشهود الاستسقاء، وذلك يوم ~~السبت لليلتين خلتا من جمادى الأخرى سنة ثلاثين فجيء به من المصلى، وأقعد ~~في بيت الوزارة، وتمادى له ذلك مع زيادة الحظوة إلى آخر خلافة الناصر. # أحمد بن سعيد بن حزم # ذكر أبو مروان بن حيان أن المنصور محمد بن عبد الله بن أبي عامر استوزره ~~قبل سائر أصحابه في سنة إحدى وثمانين يعني وثلاثمائة في خلافة هشام المؤيد ~~بالأندلس، واستخلفه أوقات مغيبه ms073 على المملكة، وصير في يده خاتمه، فلما ~~تناهت حاله في الجلالة، وأملته الخاصة والعامة، اتهمه المنصور بأنه قد زهي ~~عليه برأيه، وأنس منه عجبا بشأنه، فصرفه عن الوزارة وأقصاه عن الخدمة، دون ~~أن يغير عليه نعمة، وكان يقول: والله إن ابن حزم للنصيح جيبا، الأمين غيبا، ~~ولكنه زهي برأيه، وظن أن سلطاني مضطر إلى تدبيره ! فتردد في نكبته مدة، ثم ~~أخرجه لينظر في كور الغرب باسم الأمانة، فرئم المذلة وتبرأ من الدالة، فلما ~~زكن المنصور ذلك منه، أعاده إلى حسن رأيه فيه، وصرفه إلى خطته. # وذكر أبو عبيد الله الحميدي وقال فيه: والد الفقيه أبي محمد، كان وزيرا ~~في الدولة العامرية ومن أهل العلم والأدب والخير، وكان له في البلاغة يد ~~قوية، وحدث عن ابنه أبي محمد علي بن أحمد الفقيه قال: أخبرني هشام بن محمد ~~بن هشام بن محمد بن عثمان المعروف بابن البشتني من آل الوزير أبي الحسن ~~جعفر ابن عثمان المصحفي عن الوزير أبي رحمة الله عليه ، أنه كان بين يدي ~~المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر في بعض مجالسه للعامة، فرفعت له رقعة ~~استعطاف لأم رجل مسجون كان ابن أبي عامر حنقا عليه لجرم استعظمه منه، فلما ~~قرأها اشتد غضبه وقال: ذكرتني والله به ! وأخذ القلم يوقع، وأراد أن يكتب: ~~يصلب فكتب: يطلق ورمى الكتاب إلى الوزير، قال: فأخذ أبوك القلم وتناول رقعة ~~وجعل يكتب بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرطة، فقال له ابن أبي عامر: ما هذا ~~الذي تكتب ؟ قال: بإطلاق فلان إلى صاحب الشرطة؛ قال: فحرد وقال: من أمرك ~~بهذا ؟ فناوله التوقيع، فلما رآه قال: وهمت ! والله ليصلبن ! ثم خط على ما ~~كتب؛ وأراد أن يكتب يصلب فكتب يطلق قال: وأخذ والدك الرقعة فلما رأى ~~التوقيع تمادى على ما بدأ به من الأمر بإطلاقه، ونظر إليه المنصور متماديا ~~على الكتابة، فقال: ما تكتب ؟ قال: بإطلاق الرجل، فغضب غضبا شديدا أشد من ~~الأول، وقال: من أمرك بهذا ؟ فناوله الرقعة، فرأى خطه، فخط على ما كتب، ms074 ~~وأراد أن يكتب يصلب فكتب يطلق فأخذ والدك الكتاب فنظر ما وقع به، ثم تمادى ~~على ما كان بدأ به، فقال له: ماذا تكتب ؟ قال: بإطلاق الرجل، وهذا الخط ~~ثالثا، فلما رآه عجب وقال: نعم يطلق على رغمي، فمن أراد الله إطلاقه لا ~~أقدر أنا على منعه ! أو كما قال. # عبد الملك بن إدريس الجزيري # عتب عليه المنصور أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر، وكان في الغاية ~~من البيان والخطابة، فصرفه عن الكتابة، ثم أخرجه من قرطبة واعتقله بإحدى ~~القلاع المنيعة بشرق الأندلس، فقال في ذلك: # قالوا جفاه ثلاثا ثم غربه ... فليس يرجو لديه حظوة أبدا # جاروا وما عدلوا في القول بل حكموا ... على المقادير جهلا لا هدوا رشدا # أليس يوقد نصل السيف ضاربه ... قبل الصقال مرارا جمة عددا # حتى إذا ما سقى حديه ريهما ... واهتز لدنا دعاه الصارم الفردا # وما المهذب إلا من تعرقه ... زمانه مخطئا طورا ومعتمدا # من لم يذق طعم بؤساه وشدتها ... لم يدر لذة نعماه ولا وجدا PageV01P041 ~~ودون هذا الذي قالوه أقضية ... لله في حكمه لم يؤتها أحدا # لا بد للقدر المقدور من أمد ... يلقاك فيه على حتم وإن بعدا # وكتب من معتقله قصيدتة المشهورة في الناس وأولها: # ألوى بعزم تجلدي وتصبري ... نأي الأحبة واعتياد تذكر # يقول فيها: # وأعلم بأن العلم أفضل رتبة ... وأجل مكتسب وأسنى مفخر # فاسلك سبيل المقتنين له تسد ... إن السيادة تقتنى بالدفتر # وبضمر الأقلام يبلغ أهلها ... ما ليس يبلغ بالجياد الضمر # وفيها يقول أيضا يصف المعقل الذي حبس فيه: # في رأس أجرد شاهق عالي الذرى ... ما بعده لموحد من معمر # يأوي إليه كل أعور ناعب ... وتهب فيه كل ريح صرصر # ويكاد من يرقى إليه مرة ... في عمره يشكو انقطاع الأبهر # وفي آخرها يخاطب بنيه: # لا تسأموا إحضاره رغباتكم ... فهباته مبسوطة لم تحظر # وعسى رضى المنصور يسفر وجهه ... فيديل من وجه الفراق الأغبر # فرق له المنصور لما سمع هذا البيت، وكان سببا إلى العفو عنه والإحسان ~~إليه. # وقال ابن حيان، ms075 وذكر قصة ابن حزم الوزير مع ابن أبي عامر في إدلاله ~~المفضي به إلى إذلاله: وفي مثل هذا السبيل كان غضبه على كاتبه عبد الملك بن ~~إدريس المعروف بالجزيري وإقصاؤه له مرة بعد مرة وتسييره له إلى طرطوشة وكان ~~أكثر من يشركه أعطالا من الآداب العربية لتوفرهم على علم العدد، وانهما كهم ~~في التعاليم الديوانية التي استدروا بها الجباية وحصلوا بها المراتب ~~العالية، فكان الجزيري يزري بهم ويحب الاشتمال على ابن أبي عامر، ويتصور ~~فرط حاجته إليه في الإنشاء، ولم يكن من شأنهم، فسخط عليه المنصور، وأقصاه ~~عن حضرته على فرط حاجته إلى خدمته، وقلد كاتبه على الحشم ديوان الرسائل، ~~فاستجزأ به لذهاب مشيخة كتاب الرسائل في الوقت، ورضي بعد ذلك عن عبد الملك ~~لما حمد حاله في الرياضة، ولم يزل يتولى له ديوان الرسائل إلى أن هلك ~~المنصور. # ويقال: إن المنصور سجنه في مطبق الزاهرة مدة، فاستعطفه من الرسائل ~~والأشعار بما أثمر تسريحه، فكتب إليه: # عجبت من عفو أبي عامر ... لا بد أن تتبعه منه # كذلك الله إذا ما عفا ... عن عبده أدخله الجنه # فسر المنصور بذلك، وأعاده إلى حاله، وأطلق له ما اعتقل من ماله، ثم ~~استوزره بعده المظفر عبد الملك بن محمد بن أبي عامر. # عيسى بن سعيد القطاع # قال ابن حيان: اختلف عيسى إلى الديوان، وصحب محمد بن أبي عامر وقت حركته ~~في دولة الحكم، فبلغ به المنازل الجليلة، وكان مشهورا عنده بيمن النقيبة. # وحكي أن ابن أبي عامر كان في مجالس أنسه بما يعمله من كيده ويبرمه من ~~رأيه أكلف به مما يدار عليه من طيب العقار ويعلل به من سحر الأوتار، ولقد ~~اكثر في ذلك ليلة على كاتبه الأخص عيسى بن سعيد، وكان أول كاتب كتب له قبل ~~ملكه، فكان ينبسط عليه بسالف حرمته وقديم صحبته، فلما باعد بينه وبين ~~شهوته، وقطع به مدة الليلة عن لذته قال: اللهم غفرا ! إما شراب ولذة وإما ~~خدمة ومشقة، فإذا قد عزمت على صلة النهار بالليل، فأسكت ms076 المسمعة ولتحضر ~~الخريطة، ثم أمر بما شئت نقم به على الحقيقة، فخلط الجد بالهزل مفسدة، ~~وإنما نستجم بهذه الساعة الضيقه لقطع الأوقات الطويلة ! فضحك المنصور وقال: ~~أضجرنا عيسى، وليس منا في شيء، ومن عدل بالأمر والنهي لذة فقد انتفى من ~~الذكورة ! ثم توفر بقية الوقت على المنادمة. # خلف بن حسين بن حيان PageV01P042 كان من كتاب المنصور ابن أبي عامر، وهو ~~والد أبي مروان حيان بن خلف صاحب التاريخ، وأخبر عن نفسه قال: بكتني ~~المنصور يوما على بعض ما أنكره مني تبكيتا بعث من فزعي ما اضطربت منه، ~~فأشفق علي وخفف عني، وأنفذني للوجه الذي استنكر فيه بطئي، فعدت بتمامه بعد ~~أيام، فاستوقفني وأخلى مجلسه، ثم أدناني فقال: رأيت من ذعرك ما استنكرت، ~~ومن وثق بالله برئ من الحول والقوة لله، وإنما أنا آلة من آلاته، أسطو ~~بقدرته وأعفو عن إذنه، ولا أملك لنفسي إلا ما أملك من نفسي لسواي، فطامن ~~جأشك فإنما أنا ابن امرأة من تميم، طالما تقوتت من غزلها، أغدو به إلى ~~السوق وأنا أفرح الناس بمكانه، ثم جاء من أمر الله ما تراه، ومن أنا عند ~~الله لولا عطفي على المستضعف المظلوم، وقهري للجبار الطاغي ! ذكر هذه ~~الحكاية ابنه أبو مروان في أخبار الدولة العامرية من تأليفه، وفي مناقب ~~المنصور محمد بن أبي عامر وهيبته التي لا يسامح في نقصانها أحدا من ولد ولا ~~ذي خاصة، حتى حشيت أحشاء الناس ذعرا، ثم يأتي من كرم الإعتاب بهذا العجب ~~العجاب. # أحمد بن علي الجرجرائي أبو القاسم # نكبه الحاكم بن العزيز العبيدي صاحب مصر وأمر به فقطعت يداه جميعا لجناية ~~جناها أو تجناها هو عليه، فما ارتاع لما أصابه. وحكي عنه أنه عصب يديه إثر ~~قطعهما وانصرف إلى ديوانه فجلس لخدمته على عادته وقال: إن أمير المؤمنين لم ~~يعزلني وإنما عاقبني لجنايتي ! فجعل الناس يعجبون منه، وكان جلدا حازما ~~ضابطا داهية فصيحا، فلما بلغ ذلك الحاكم استعظمه له، وشرف به لديه، ورق على ~~فظاظته لما نزل به، فرقاه إلى ms077 الوزارة، وإنما كان قبل في أحد الدواوين، ~~فوزر له بقية أيامه، ثم لأبنه الظاهر مدة ولايته ثم لأبنه المستنصر ابن ~~الظاهر نحوا من ثماني سنين. # وأراد المعز بن باديس الصنهاجي صاحب القيروان مكايدته، فجعل يكاتبه ~~مستميلا له ومعرضا بالتحدث معه على بني عبيد الله، وكتب له بخطه قطعة يتمثل ~~بها، منها: # وفيك صاحبت قوما لا خلاق لهم ... لولاك ما كنت أدري انهم خلقوا # فقال الجرجرائي: ألا تعجبون من هذا الأمر ؟ هذا صبي مغربي بربري يحب أن ~~يخدع شيخا بغداديا عربيا ! وإنما اتهمه بفعل ذلك ليوقع بين القوم ووزيرهم ~~إن عثر على هذه الرموز؛ ثم قال: والله لا جيشت إليه جيشا، ولا تحملت في ~~إهلاكه نصبا، وأباح للعرب العبور بمجاز النيل من جهة قبائل الأعراب، وكان ~~ذلك محظورا ممنوعا، وجعل لكل عابر منهم فروا ودينارا، فأجاز منهم خلقا ~~عظيما من غير أن يأمرهم بشيء لعلمه أنهم لا يحتاجون إلى وصاة، وأقاموا ~~بناحية برقة وما جاورها، ولم يكن لهم أثر أمدا طويلا، ثم قدم منهم مؤنس بن ~~يحيى الرياحي إلى القيروان فسكنها أعواما، وآل أمرهم إلى أن هزموا المعز بن ~~باديس ثاني عيد الأضحى سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة في ثلاثة آلاف فارس، ~~وهو في أعداد عظيمة وجموع كثيفة، وأخربوا القيروان وتغلبوا على نواحيها، ~~وتكاثروا بعد ذلك بإفريقية والمغرب إلى اليوم. # محمد بن سعيد التاكرني أبو عامر # ذكر أبو محمد بن حزم الفقيه أنه كان أحد القادمين مع المهدي محمد ابن ~~هشام بن عبد الجبار على عبد الرحمن بن أبي عامر والساعين عليه؛ قال: ثم ولي ~~عبد العزيز بن عبد الرحمن بلنسية، فكان محمد بن سعيد من أخص الناس به، ~~ومتولي تدبير أموره إلى أن مات. # وقال ابن بسام وذكر أبا عامر هذا في الذخيرة: لما انقرضت الدولة العامرية ~~وانشقت عصاها، وأدارت الفتنة المبيرة رحاها، كان أحد من مرق من ظلمائها، ~~وآوى إلى جبل عصمه من مائها، فاستقر في بلنسية وأميرها حينئذ مظفر ومبارك ~~صاحبه وكانا من عبيد العامرية، فانتظم في سلكهما، ms078 وشاركهما في مراتب ~~ملكهما، إلى أن أجابا صوت المنادي، وخلا منهما النادي؛ وأفضى ملكهما وملك ~~من كان بهذا الأفق الشرقي يعني من الأندلس من تلك الطائفة العبدى المجابيب ~~إلى عبد العزيز وهو الملقب بالمنصور، فنهل أبو عامر في دولته وعل، ونهض ~~بأعباء مملكته واستقل. # وحكي أن مجاهدا كتب يوما إلى المنصور عبد العزيز رقعة لم يضمنها غير بيت ~~الحطيئة حيث يقول: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ~~PageV01P043 فلما وردت على المنصور أقامته وأقعدته، وكاد يمرق من إهابه ~~فضلا عن ثيابه، واستحضر أبا عامر التاكرني، فقال له: تطأطأ لخطبك واسمع ~~المراجعة عنه؛ وعنون وبسمل وكتب هذا البيت: # شتمت مواليها عبيد نزارها ... شيم العبيد شتيمة الأحرار # فسلا المنصور عما كان فيه، وألحق أبا عامر بوزرائه، فنال جسيما من دنياه. # أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد # سعي به إلى المعتلي يحيى بن علي بن حمود في خلافته بقرطبة، فنكبه ~~واعتقله، فقال في ذلك ما أورده أبو مروان عبد الملك بن غصن الحجاري في ~~رسالته في صفة السجن والمسجون التي كتب بها إلى المأمون يحيى بن ذي النون ~~يستعطف ابن حمود ويعتذر إليه: # قريب بمحتل الهوان بعيد ... يجود بشكوى حزنه فيجيد # بغى ضره عند الإمام فناله ... عدو لأبناء الكرام حسود # وما ضره إلا مزاح ورقة ... ثنته سفيه الذكر وهو رشيد # جنى ما جنى في قبة الملك غيره ... وطوق منه بالعظيمة جيد # وما بي إلا الشعر أبثثته الهوى ... فسار به في العالمين بريد # أفوه بما لم آته متعرضا ... لحسن المعاني عندهم فأزيد # فإن طار ذكري بالمجون فإنني ... شقي بمنظوم الكلام سعيد # يقول فيها: # إلى المعتلي عاليت همي طالبا ... لكرته إن الكريم يعود # همام أراه جوده سبل العلا ... وعلمه الإحسان كيف يسود # نفى الذم عنه أن طي بروده ... عفاف على سن الشباب وجود # تؤدي إلينا أنه سبط أحمد ... مخايل فيه للهدى وشهود # ومنها: # حنانيك إن الماء قد بلغ الزبى ... وأنحت رزايا ما لهن عديد # ظمئت إلى صافي الهواء وطلقه ... فهل ms079 لي يوما في رضاك ورود # ولي حرمة حاشا لمثلك أن يرى ... مضيعا لها وهو الغداة شهيد # فلا يعر من رحماكم من عليكم ... مطارف مما حاكه وبرود # جواهر شعر شاكل المجد درها ... كما شاكلت جيد الفتاة عقود # فصفح عنه وخلى سبيله، فقال من قصيدة يشكره ويهنئه بفتح أولها: # فريق العدا من حد عزمك يفرق ... وبالدهر مما خاف بطشك أولق # تيممته والسعد حولك جحفل ... وقارعته والنصر دونك خندق # يقول فيها: # أدرت رحى الحرب الزبون بساحة ... وغالبته والجو بالبيض يعبق # فلما حوت كفاك رمة أمره ... وشد بكف الحصر منه المخنق # وأسقيته من جمة الأمن صافيا ... إذا ذاقه من ذاقه يتمطق # وكم لك مثلي مسترق مكارم ... بعفوك من رق المنية يعتق # كشفت سماء المجد عنك فلم أجد ... سوى كرم عن طيب خيمك ينطق # وردت رياض العفو منك فجادني ... بأرجائها من مزن نعماك مغدق # فإن أنا لم أشكرك أبيض معرقا ... فلا هزني للمجد أبيض معرق # ثم خدم المستظهر أبا المطرف عبد الرحمن بن هشام المرواني إذ بويع له ~~بالخلافة بقرطبة بعد القاسم بن حمود، وكان من كتابه. # أبو القاسم بن المغربي # أوقع الحاكم العبيدي بوالده وأهل بيته ونذر دم أبي القاسم هذا، فهرب إلى ~~مكة، وكان في الرتبة العالية من الأدب والعلم، ثم صار إلى ميافارقين فتقلد ~~وزارة أميرها، وانغمس في النعيم بعد إظهار الزهد ولبس الصوف وفي ذلك يقول: # تبدل من مرقعة ونسك ... بأنواع الممسك الشفوف # وعن له غزال ليس يحوي ... هواه ولا رضاه بلبس صوف # فعاد أشد ما كان انتهاكا ... كذاك الدهر مختلف الصروف PageV01P044 وبعد ~~هذا راسله صاحب الموصل فصار إليه وتقلد وزارته، ومنها انتقل إلى وزارة ~~بغداد في خلافة القائم بالله أبي جعفر عبد الله بن القادر، وعنه كتب رسالته ~~المشهورة في الرد على اليهود الحبابرة وإلزامهم الجزية؛ ثم خاف من الأتراك ~~فخرج من بغداد مستترا وقد لبس ثيابا رثة، ولف على وجهه منديلا لئلا يمتاز ~~من جملة العامة، وفي ذلك يقول: # تمرست مني العلا بامرئ ... قد علق المجد بأمراسه # أروع لا ms080 يرجع عن تيهه ... والسيف مسلول على رأسه # يستنجد النجدة من رأيه ... ويستقل الكثر من بأسه # وسقط إلى الموصل ثانية، ثم لحق بميافارقين وأقام بها إلى أن استدعي من ~~بغداد إلى الوزارة ثانية. # أبو الوليد بن زيدون # قال ابن حيان: كان أبو الوليد من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة في أيام ~~الجماعة والفتنة، وبرع أدبه، وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه، فذهب به ~~العجب كل مذهب، وهون عنده كل مطلب، وكان علقه من عبد الله بن أحمد المكوي ~~أحد حكام قرطبة ظفر أحجن أداه إلى السجن، فألقى نفسه يومئذ على أبي الوليد ~~ابن جهور في حياة والده أبي الحزم، فشفع له وانتشله من نكبته، وصيره في ~~صنائعه. # وذكر غيره أنه خاطب ابن جهور من معتقله برسالة يقول فيها: إن سلبتني أعزك ~~الله لباس إنعامك، وعطلتني من حلي إيناسك، وغضضت عني طرف حمياتك، بعد أن ~~نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك، وأحس الجماد باستنادي ~~إليك، فلا غرو فقد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفي به، ويؤتى ~~الحذر من مأمنه، وإني لأتجلد فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين ~~عضه إكليله، ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله، وسمهري عرضه على النار مثقفه، ~~والعتب محمود عواقبه، والنبوة غمرة ثم تنجلي، والنكبة سحابة صيف عن قريب ~~تقشع، وسيدي وإن أبطأ معذور: # وإن يكن الفعل الذي ساء واحدا ... فأفعاله اللائي سررن ألوف # وليت شعري ما الذنب الذي أذنبت ولم يسعه العفو ! ولا أخلو من أن أكون ~~بريئا فأين العدل ؟ أو مسيئا فأين الفضل ؟ وما أراني إلا لو أمرت بالسجود ~~لآدم فأبيت، وعكفت على العجل، واعتديت في السبت، وتعاطيت فعقرت الناقة، ~~وشربت من النهر الذي ابتلي به جنود طالوت، وقدت الفيل لأبرهة، وعاهدت قريشا ~~على ما في الصحيفة، وتأولت في بيعة العقبة، ونفرت إلى العير ببدر، وانخزلت ~~بثلث الناس يوم أحد، وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة، وأنفت من إمارة ~~أسامة، وزعمت أن خلافة الصديق فلتة، ورويت رمحي من كتيبة خالد؛ وضحيت ~~بالأشمط الذي عنوان ms081 السجود به، لكان فيما جرى علي ما يحتمل أن يسمى نكالا، ~~ويدعى ولو على المجاز عقابا: # وحسبك من حادث بامرئ ... ترى حاسديه له راحمينا # فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح، ونبأ جاء به فاسق ! ووالله ما غششتك ~~بعد النصيحة، ولا انحرفت عنك بعد الصاغية، ولا نصبت لك بعد التشيع فيك، ~~ففيم عبث الجفاء بأذمتي، وعاث في مودتي، وأنى غلبني المغلب وفخر علي ~~الضعيف، ولطمتني غير ذات سوار ! مالك لا تمنعني قبل أن أفترس، وتدركني ولما ~~أمزق، وقد زانني اسم خدمتك، وأبليت الجميل في سماطك، وقمت المقام المحمود ~~في بساطك: # ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما # ويشبه قوله ولا ذنب إلا نميمة ... ما كتب به بعضهم إلى أمير أحس منه ~~تغيرا: ما زال الحاسد لي عليك أيها السيد الأمير ينصب الحبائل، ويطلب ~~الغوائل، حتى انتهز فرصة فأبلغك تشنيعا زخرفه، وكذبا زوره، وكيف الاحتراس ~~ممن يحضر وأغيب، ويقول وأمسك، مرتصد لا يغفل، وماكر لا يفتر، وربما استنصح ~~الغاش، وصدق الكاذب، والحظوة لا تدرك بالحيلة، ولا يجري أكثرها على حسب ~~السبب والوسيلة ؟ فأجابه الأمير معتبا: حضور الثقة بك أعزك الله يغني عن ~~حضورك، وصدق حالك يحتج عنك، وما تقرر عندنا من نيتك وطويتك يغني عن ~~اعتذارك. # وذكر الحصري في زهر الآداب أن ابن المعتز كتب إلى بعض الوزراء بذلك، ~~وبينهما يسير خلاف. # ورسالة ابن زيدون طويلة جليلة، وفي نكبته هذه يقول: # يا للرزايا لقد شافهت منهلها ... غمرا فما أشرب المكروه بالغمر ! ~~PageV01P045 لا يهنإ الشامت المرتاح خاطره ... أني معنى الأماني ضائع الخطر # هل الرياح بنجم الأرض عاصفة ... أم الكسوف لغير الشمس والقمر # إن طال في السجن إيداعي فلا عجب ... قد يودع الجفن حد الصارم الذكر # وإن يثبط أبا الحزم الرضا قدر ... عن كشف ضري فلا عتب على القدر # لا تله عني فلم أسألك معتسفا ... رد الصبا غب إيفاء على الكبر # وفيها يقول أيضا من قصيدة فريدة: # لعمر الليالي إن يكن طال نزعها ... لقد قرطست بالنبل في مقتل النبل ms082 # تحلت بآدابي وإن مآربي ... لسانحة في عرض أمنية عطل # اخص لفهمي بالقلى وكأنما ... يبيت لذي الفهم الزمان على دخل # وأجفى على نظمي لكل قلادة ... مفصلة السمطين بالمنطق الفصل # ولو أنني أسطيع كي أرضي العدا ... شريت ببعض العلم حظا من الجهل # أبا الحزم إني في عتابك مائل ... إلى جانب تأوي إليه العلا سهل # حمائم شكري صبحتك هوادلا ... تناديك من أفنان آدابي الهدل # جواد إذا استن الجياد إلى مدى ... تمطر فاستولى على أمد الخصل # ثوى صافنا في مربط الهون يشتكي ... بتصهاله ما ناله من أذى الشكل # أإن زعم الواشون ما ليس مزعما ... تعذر في نصري وتعذر في خذلي ! # ولم استثر حرب الفجار ولم أطع ... مسيلمة إذ قال: إني من الرسل # وإني لتنهاني نهاي عن الذي ... أشار به الواشي ويعقلني عقلي # هي النعل زلت بي فهل أنت مكذب ... لقيل الأعادي إنها زلة الحسل # ألا إن ظني بين فعليك واقف ... وقوف الهوى بين القطيعة والوصل ! # ثم تهيأ له الفرار من السجن إلى أن شفع فيه كما تقدم فظهر ! ولما ولي أمر ~~قرطبة أبو الوليد بن جهور بعد أبيه أبي الحزم نوه به، وأسنى خطته وقدمه في ~~الذين اصطنع لدولته، وأوسع راتبه، وعينه للنظر على أهل الذمة في بعض الأمور ~~المعترضة، وقصره بعد على مكانه من الخاصة والسفارة بينه وبين الرؤساء، ~~فأحسن التصرف في ذلك، وغلب على قلوب الملوك. # واتفق أن عن له مطلب بحضرة إدريس بن يحيى بن علي الحسني بمالقة فأطال ~~الثواء هنالك، واقترب من إدريس خف على نفسه، وأحضره مجالس أنسه، فعتب عليه ~~ابن جهور، وصرفه عن ذلك التصرف قبل قفوله، ثم عاد إلى حسن رأيه فيه. # واجتذبه المعتضد عباد بن محمد، فهاجر عن وطنه إليه، ونزل في كنفه، وصار ~~من خواصه، يجالسه في خلواته، ويسفر له في مهم رسائله، لفضل ما اوتيه من ~~اللسن والعارضة؛ ثم كتب له بعد أبي محمد بن عبد البر فكانت الكتب تفد من ~~إنشائه إلى شرق الأندلس، فيقال: تأتي من إشبيلية كتب هي بالمنظوم أشبه منها ms083 ~~بالمنثور ! وهلك المعتضد، فأقره ابنه المعمتد محمد بن عباد على حاله، وزاد ~~في تكرمته، وأعرض عن الساعين به، واستعمل بعد وفاته ابنه أبا بكر محمد بن ~~أبي الوليد. # محمود بن علي بن أبي الرجال # نكبه المعز بن باديس الصنهاجي، وكان هو وأبوه وأهل بيته برامكة إفريقية، ~~وفي علي منهم يقول أبو عبد الله محمد بن شرف: # جاور عليا ولا تحفل بحادثة ... إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل # إسم حكاه المسمى في الفعال فقد ... حاز العليين من قول ومن عمل # فالماجد السيد الحر الكريم له ... كالنعت والعطف والتوكيد والبدل # زان العلا وسواه شانها وكذا ... للشمس حالان في الميزان والحمل # وربما عابه ما يعجزون به ... يشنا من الخصر ما يهوى من الكفل # سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل # وتوفي علي مستورا، وكان في حياته ينذر بنكبة ابنه محمود هذا في السن التي ~~نكب فيها، فوافق ذلك ما قال ! ثم قال: شفعت أخت المعز فيه فعفا عنه وخلع ~~عليه وأعطي للوقت بعض ضياع أبيه، وفي هذه النكبة يقول محمود: PageV01P046 ~~وإخوان تخذتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي # حسبتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي # وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي # أبو المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن مثنى # كتب للمنصور أبي الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر صاحب ~~بلنسية، وكان معه على بلاغته وبيانه وتقدمه في غير ذلك من العلوم كما وصف ~~في رسالته إليه عند انفصاله عنه، يرققه على أهله وأبنائه: ولما تيقنت أن ~~حالي لا ترم، وأن شعثي لا يلم، أبديت العزمة وأكدت الرغبة، وأخلق بمن نبذ ~~نبذ النوى، وطرح طرح القذى، أن يشتد استيحاشه، ولا يطمئن جأشه؛ ووالله لولا ~~اليأس ما تحركت، ولو انقطاع الرجاء لتماسكت، وهو الذي تشهد لي به العقول ~~ويقضي علي به التحصيل، ولن ترى طاردا للحر كالياس. # وقد قال الآخر: # وإنك لن ترى طردا لحر ... كإلصاق به طرف الهوان # وأيم الله لقد صبرت حتى عذرت، وأقمت ms084 حتى تهدمت، ومبلغ نفس عذرها مثل ~~منجح، وأنا أستودع مولاي ودائع أقمن بحرمه، واعتصمن بذممه، وأوين إلى ظله، ~~ولبسن أثواب فضله، وأستودعه استيداع من عظم وجده لبعاده، وخلف بين يديه ~~فريقا من فؤاده، وإني حيث خيمت، وأين يممت، لعبد شاكر ومعتقد نعمة ناشر، لا ~~أفتر ولا اني، ولا أرتدع ولا أنثني، وحسبي بما سينهى إلى مولاي عني، وينمى ~~إليه على قرب الدار وبعدها مني، وكذلك يعلم الله حسن ذكري لأكابره الجلة، ~~وخلصائه العلية، وأسأل الله قبل وبعد أن يجزي بالنيات، ويقارض على ~~المقامات، وأقول قول الموجع: بعد الزمن قطع مني عصمتي، وأدال لديك حرمتي؛ ~~وأول هذه الرسالة: # قدر الله وارد ... حين يقضى وروده # فأرد ما يكون إن ... لم يكن ما تريده # ومن فصولها: وغير ذاهب على مولاي جلية حالي وسوء مآلي، وما منيت به من ~~الجد العاثر والتأخر الظاهر، وما قلت إلا بالذي علمت سعد وفي علمه الجلي ~~وفهمه الذكي أن الإناء إذا امتلأ يفيض، وأن الصبر على المعضل يغيض، وأن ~~للاحتمال مدى ثم ينقطع، وللتحمل منتهى ثم يرتفع، ومملوكك لما غلبه جلده، ~~وتناهى بشأنه كمده، وأظلم في عينيه ضوء النهار، وسد عليه طريق الاختيار، لم ~~يجد بدا من مضايقة العسرة من النفار، خجلا من الشمات اللاحق له، وتألما من ~~الخلل الملم به: # وللموت خير من حياة يرى لها ... على المرء ذي العلياء مس هوان # متى يتكلم يلغ حسن كلامه ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان # وكان ارتحاله من بلنسية إلى طليطلة، فاستوزره المأمون يحيى بن ذي النون، ~~وألقى إليه بأموره كلها، فشهر اكتفاؤه وشكر غناؤه؛ ولأبن حيان في الثناء ~~عليه إسهاب وإطناب، وأعتبه المنصور في بنيه، فلحقوا به على ما أحب، وتزايدت ~~حظوته عند ابن ذي النون، وظهرت كفايته، فلما توفي المنصور عبد العزيز ~~ببلنسية، وقدم ابنه عبد الله، أنفذه ابن ذي النون مع قائد من خاصته في جيش ~~كثيف أمرهم بالمقام معه، وشد ركنه، فسكنت الدهماء عليه. # عبد الملك بن غصن الحجاري # نكبه المأمون بن ذي النون، واعتقله ms085 مع جماعة من النبهاء بوبذة من أعمال ~~حضرة طليطلة، فكتب إليه رسالة في صفة السجن والمسجون، والحزن والمحزون دلت ~~على مكانه من العلم والأدب والحفظ، وأودعها ألف بيت من شعره في الأستعطاف، ~~منها قوله: # أزاح الدهر حلو الماء عني ... على ظمأ وأسقاني زعاقه # وبالمرجو إن أظفر به من ... رضا المأمون يحلي لي مذاقه # وناس لفني بهم شقاء ... ألم فزم في ساقي سباقه # ولم يك لي بذاك العير عير ... ولا بقطيع ذاك الذود ناقه # وربتما استحال السعد نحسا ... فذاق المعتدي مما أذاقه # وأعمى عين أهدى من قطاة ... وشد بمثل مفحصها وثاقه # إذا صار الهلال إلى كمال ... وتم بهاؤه فأرقب محاقه # وإن عبوس هذا الدهر يأتي ... على أثر البشاشة والطلاقه # أضاع الدهر مني علق فهم ... إذا نظر المميز منه راقه # وأي فتى لتقديم الأيادي ... لديه وأي عبد للعتاقه ! # وقوله: PageV01P047 وخل يسليني على بعد داره ... ويكشف من كرب المشوق ~~المتيم # ودادي موقوف عليه وخلتي ... وفكري مشغول به وتوهمي # على أنني من ضيق سجني وحيلتي ... بليت كما حدثت عن حفش أيم # أجانب فيه ذكر خلي كرامة ... وأخجل من طيف الخيال المسلم # أرى نوب الدنيا تروح وتغتدي ... فمن فرح ناء وهم مخيم # إذا شئت إسعاف الزمان وعطفه ... فبادر بدار المسرع المتغنم # وناد بيا يحيى يحيك بالمنى ... وثن بإسماعيل تسم وتعظم # بعطفة ذي المجدين أرجو من الردى ... خلاصي ولو ألقيت في شدق أرقم # وقوله: # نحن في حالة لأيسر منها ... يتلظى الردى وتبكي الخطوب # مالنا في وطء البسيطة حظ ... لا ولا في نشق الهواء نصيب # في محل كأنه ظلف شاة ... ليس فيه لذي دبيب دبيب # وكأن الكبل الثقيل إذا ما ... رن في الساق للخطوب خطيب # إن رمتنا يد الخطوب بقوس ... طالما كان سهمها لا يصيب # أو يكن عثر الزمان فمرجو ... لإنعاشنا القريب المجيب # قد أجاب الإله دعوة نوح ... حين نادى بأنه مغلوب # وشفى ذو الجلال علة أيو ... ب وقد شارف الردى أيوب # وانقضى سجن يوسف وقد استي ... أس وارتد مبصرا يعقوب # فرق له المأمون لما وقف على ms086 هذه الرسالة وأطلقه وعفا عنه. # أبو محمد بن عبد البر # كتب للمعتضد عباد بن محمد بإشبيلية، وله عنه الرسالة البديعة في قتل ابنه ~~إسماعيل، ويقال إنه كتبها دون روية؛ ثم سعي به إليه حتى غير عليه، فاحتال ~~للخلاص من يديه، سمعت بعض شيوخي يحكي أن أباه الإمام أبا عمر بن عبد البر ~~سار في أمره من مستقره بشرق الأندلس، وهو حينئذ يتردد بين بلنسية وشاطبة، ~~فلأول دخوله على عباد نادى رافعا صوته: ابني يا معتضد ابني يا معتضد: فشفعه ~~فيه، وانصرفا عنه محفوفين بالإكرام، ومكنوفين بالاحترام. # وقال ابن بسام في الذخيرة: لما شأى أبو محمد بالأندلس الحلبة، وتبحبح صدر ~~الرتبة، تهادته الآفاق، وامتدت إليه الأعناق، ففاز به قدح عباد بعد طول ~~خصام والتفاف زحام، فأصاخ أبو محمد لمقاله، وتورط في حباله، وغص أبو الوليد ~~بن زيدون بمقدمه، فجهد زعموا كل جهد في إراقة دمه، ولما رأى أبو محمد أنه ~~قد باء بصفقة خسران، وأن العشاء قد سقط به على سرحان، أدار الحيلة، والتمس ~~على الخلاص الوسيلة؛ زعموا أنه لم يزل نافر النفس منقبض الأنس، فلما استشعر ~~الحذر وأحس بالتغير، ألقى عصا التسيار، وأخذ في اقتناء الضياع والديار، حتى ~~ظن عباد أنه قد رضي جواره، واستوطن داره، فاستنام إليه برسالة إلى بعض ~~خلفائه من رؤساء الجزيرة، فجعل أبو محمد يتفادى منها ويتثاقل عنها؛ قال: ~~ولما انسل من يد عباد انسلال الطيف، ونجا وسله كيف، رجع إلى مستقره من ~~الشرق، وأدار الحيلة على أبي عمر بن الحذاء، فعوضه بضياعه وعقاره، وزين له ~~اللحاق بدار بواره وسوء قراره؛ وقد كان عباد قبل ذلك يستهويه ويستدرجه ~~ويدليه، فلما طلع عليه لم يزد على أن اسره وقصره وأظهر من الزهد فيه أضعاف ~~ما كان يعده ويمنيه، وجعل أبو محمد بعد ذلك يتنقل في الدول، كالبدر يترك ~~منزلا عن منزل، وقد جمع التالد إلى الطارف، وكتب عن أكثر ملوك الطوائف. # أبو بكر محمد بن سليمان بن القصيرة PageV01P048 حكى ابن بسام أنه نشأ في ~~دولة المعتضد؛ قال: ms087 وشهر بالعفاف فلزمه، ويسر للعلم فعلمه وعلمه، وكانت له ~~نفس تأبى إلا مزاحمة الأعلام، والخروج على الأيام، وهو دائما يغض من عنانها ~~فتجمح، ويطأطيء من غلوائها فتتطاول وتطمح، ممتنعا من خدمة السلطان، وقاعدا ~~بنفسه عن مرتبة نظرائه من الأعيان، بين عفة تزهده، وهيبة من المعتضد تقعده، ~~وذكر أن ابن زيدون نبه عليه للمعتضد آخر دولته، فتصرف فيها قليلا إلى أن ~~أفضى الأمر إلى المعتمد فأنهضه إلى مثنى الوزارة، وأكثر ما عول عليه في ~~السفارة، فسفر غير ما مرة بينه وبين ملوك الطوائف بالأندلس حتى انصرفت وجوه ~~آمالهم إلى يوسف بن تاشفين أول ظهور اللمتونيين، فسفر بينهما مرارا فكثر ~~صوابه، واشتهر في ذات الله مجيئه وذهابه، واضطر المعتمد إليه قريبا في آخر ~~دولته، فعظمت حاله، واتسع مجاله، واستولى على دولته استيلاء قصر عنه ~~أشكاله، إلى أن كان من خلعه ما كان، وذلك في رجب سنة أربع وثمانين وأربع ~~مائة، فكان أبو بكر أحد من حرب، وفي جملة من نكب، وأقام على تلك الحال نحوا ~~من ثلاثة أحوال، حتى تذكر ابن تاشفين ما كان من حسن خليقته، وسداد طريقته؛ ~~ويقال إن سبب ذلك الذكر كتاب ورد عليه من صاحب مصر لم يكن بد منه في الجواب ~~عنه، فاستدعاه من حينه، وولاه كتب دواوينه، ورفع شأنه وأعلاه، وولي بعده ~~ابنه علي بن يوسف فأقره على ما كان يتولاه. # ابن الوكيل اليابري # كان أبو بكر عيسى بن الوكيل الكاتب مستعملا في غرناطة في الدولة ~~اللمتونية، فحكى نه أنكر عليه مال جليل يبلغ عشرة آلاف دينار، فقبض عليه ~~وأشخص منكوبا إلى مراكش، فلما بلغ الموكلون به مدينة سلا وبها يومئذ بنو ~~القاسم المعروفون ببني العشرة، رباب السماح وأرباب الأمداح ويذكر أن جدهم ~~الأكبر أحمد بن محمد بن المدبر قال قصيدته الشهيرة يمدح القاضي أبا الحسن، ~~ويستجير به، وسأل إيصالها إليه، فبادر عند الوقوف عليها إلى المخاطبة بتضمن ~~المال وتحمله، وسؤال الصفح عنه والإبقاء عليه بإعادته إلى عمله، فصدر جوابه ~~بالإسعاف والإسعاد، وعاد ابن الوكيل إلى ms088 غرناطة أنبه معاد، وأول القصيدة: # سل البرق إذ يلتاح من جانب البلقا ... أقرطي سليمى أم فؤادي حكى خفقا # ولم أسبلت تلك الغمامة دمعها ... أريعت لو شك البين أم ذاقت العشقا # يقول فيها: # غريب بأرض الغرب فرق قلبه ... فآوت سلا فرقا ويابرة فرقا # إذا ما بكى أو ناح لم يلف مسعدا ... على شجوه إلا الغمائم والورقا # ومنها في المدح: # حياء يغض الطرف إلا عن العلا ... وعرض كماء المزن في الحزن بل أنقى # وفضل نمير الماء قد خضل الربا ... وعدل منير النجم قد نور الأفقا # بلغنا بنعماك الأماني كلها ... فما بقيت أمنية غير أن تبقى # أبو جعفر أحمد بن عطية PageV01P049 صنيعة الإيالة الحفصية على الحقيقة، ~~ونشأة عنايتها الكريمة وهدايتها العتيقة، بها بهر بهاؤه، واشتهر ابتداؤه ~~وانتهاؤه، حتى ساق الأيام بل الأنام بعصاه، واستوسق له أدنى الشرف وأقصاه، ~~وهو أحد من سودته براعته، ولم توجد بدا من اصطناعه صناعته، وكان في أول ~~أمره قد كتب لإسحق بن علي بن يوسف ابن تاشفين فلما دخلت مراكش عنوة من جهة ~~باب إيلان يوم السبت الثامن عشر لشوال سنة إحدى وأربعين وخمس مائة، وقتل ~~إسحق وطائفة من أصحابه، توارى أبو جعفر ودخل في غمار الناس، وبلغ به الجد ~~في الاستخفاء والاستتار إلى أن ارتسم في المرتزقين من الرماة ليتبلغ بما ~~يجرى عليه، إلى أن ثار الدعي المعروف بالماسي واستفحل أمره، فنهد إليه ~~الأمير المعظم المجاهد المقدس المبارك الأرضى المرحوم أبو حفص ناصر دعاية ~~التوحيد المحفوف الراية بالظهور والتأييد، الذي حبيت بالمضاء صوارمه ~~وصرائمه، وسبيت له من كل ذي كفر وغي كرائمه، فقتله الله على يديه وانهزم ~~أصحابه، وذلك يوم الخميس السادس عشر لذي الحجة سنة اثنتين وأربعين، وأمر ~~رضوان الله عليه بإحضار مخاطب عنه بذلك الفتح العظيم والمنح الجسيم، فنبه ~~على أبي جعفر وقد أخفى نفسه في رماة العسكر، وتنكر جهده وهو المعروف غير ~~المنكر، فدعا به لسعادته، وأوعز إليه بإرادته، فكتب رسالته التي أورثته ~~تشريفا وتكريما، وصيرته أغر محجلا بعد أن كان بهيما، وبسببها أوثر ms089 بالكتابة ~~الكلية والوزارة، وهي عادة هذا البيت المعروف البركة والطهارة، ما أعتلق به ~~معتلق إلا أمن من العوادي، ولا ألتفت إلى عجز إلا لحق بالهوادي، لا زالت ~~أبواب معروفة وسماحه لها كظيظ من الزحام، وما يصدر عن صفائحه وصفاحه يعول ~~الأولياء بالإنعام، ويغول الأعداء بالانتقام: # آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أضيف إليها ألف آمينا # ومن فصول هذه الرسالة المباركة: كتابنا هذا من وادي ماسة بعد ما تجدد من ~~أمر الله الكريم ونصره المعهود المعلوم " وما النصر إلا من عند الله العزيز ~~الحكيم " ، فتح بهر الأنوار إشراقا، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقا، ونبه من ~~الأماني النائمة جفونا وأحداقا، واستغرق غايات الشكر استغراقا، فلا تطيق ~~الألسن لكنه وصفه إدراكا ولا لحاقا، جمع أشتات الطلب والأرب، وتقلب في ~~النعم أكرم منقلب، وملأ دلاء الآمال إلى عقد الكرب: # فتح تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب # وقد تقدمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة، كان أولئك ~~الضالون المرتدون قد بطروا عدوانا وظلما، واقتطعوا الكفر معنى واسما، وأملى ~~لهم الله ليزدادوا إثما، وكان مقدمهم الشقي قد استمال النفوس بخز عبلاته، ~~واستهوى القلوب بمهولاته، ونصب له الشيطان من حبالاته، فأتته المخاطبات من ~~بعد وكثب، ونسلت إليه الرسل من كل حدب، واعتقدته الخواطر أعجب عجب، وكان ~~الذي قادهم إلى ذلك، وأوردهم تلك المهالك، وصول من كان بتلك السواحل ممن ~~ارتسم برسم الانقطاع عن الناس فيما سلف من الأعوام، واشتغل على زعمه ~~بالقيام والصيام، آناء الليل وأطراف الأيام، لبسوا للناس أثوابا، وتدرعوا ~~للرياء جلبابا، فلم يفتح الله لهم للتوفيق بابا. PageV01P050 ومنها في ذكر ~~الدعي: فصرع بحمد الله لحينه، وبادرت إليه بوادر منونه، وأتته وافدات ~~الخطيات عن يساره ويمينه، وقد كان يدعي أنه بشر بأن المنية في هذه الأعوام ~~لا تصيبه، والنوائب لا تنوبه، ويقول في سواه قولا كثيرا، ويختلق على الله ~~إفكا وزورا، فلما عاينوا هيئة اضطجاعه، ورأوا ما خطته الأسنة على أضلاعه، ~~ونفذ فيه من أمر الله تعالى ما لم يقدروا على ms090 استرجاعه، انهزم ما كان لهم ~~من الأحزاب، وتساقطوا على وجوههم تساقط الذباب، واعطوا عن بكرة أبيهم صفحات ~~الرقاب، ولم تقطر كلومهم إلا على الأعقاب، فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، ~~وآذنت الآجال بانقراض آمادهم، وأخذهم الله بكفرهم وفسادهم، فلم يعاين منهم ~~إلا من خر صريعا، وسقى الأرض نجيعا، ولقي من الهنديات أمرا فظيعا، ودعت ~~الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي، فمن كان يؤمل الفرار منهم ويرتجيه، ~~ويسبح طامعا في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنة اختطافا، وأذاقته موتا ~~ذعافا، ومن لج في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثبجه، قضى نحبه شرقه، ~~وألوى بذقنه غرقه، ودخل الموحدون إلى البقية الكائنة فيه يتناولون قتلهم ~~طعنا وضربا، ويلقونهم بأمر الله هونا عظيما وكربا، حتى انبسطت مراقات ~~الدماء على صفحات الماء، وحكت حمرتها على زرقته حمرة الشفق على زرقة ~~السماء، وظهرت العبرة للمعتبر، في جري الدماء مجاري الأبحر. # كاتب صلاح الدين يوسف بن أيوب # كان على ديوانه كاتب له يعرف بصفي الدين، فسعي به إليه، وقدر عنده أنه ~~أتلف مالا كثيرا، وحمل على محاسبته فأمر بها فكانت سياقة الحساب عليه سبعين ~~ألف دينار، حكى الأصبهاني كاتبه المعروف بالعماد في تاريخ فتوحه الشامية ~~أنه ما طلبها ولا ذكرها؛ قال: ثم لم يرض له العطلة فولاه ديوان جيشه، ~~وأولاه ما دنت له به مجاني جاهه وعيشه ! # أبو عبد الله محمد بن عياش # قبض على مخدومه الملقب بالرشيد في سنة أربع وثمانين وخمس مائة، واعتقل ~~برباط الفتح من سلا إلى أن قتل هنالك، واستتر هو مدة ثم صفح عنه، فظهر ~~واستكتب بمراكش، واتصلت نباهته وحظوته أزيد من ثلاثين سنة واستعمل أبناؤه ~~معه وبعده، وكان الداعي بعد نكبته إلى استعماله ما عرف من كفايته ~~واستقلاله، ورسالته في غزو بلاد الروم سنة اثنتين وتسعين هي جذبت بضبعه، ~~وحكمت في نصبه للاشتغال برفعه، حتى رسا في الرياسة أركانا، وسما على أهل ~~عصره مكانا؛ ومن فصولها: وأن تعلموا أن الجيوش وإن كثرت جنودها، وانتشرت ~~ذات اليمين والشمال بنودها، فلا ثقة إلا بالواحد ms091 الذي يغلب والكتائب ~~الباغية كثيرة الأعداد، ولا استظهار إلا بسيفه الذي يضرب والسيوف في مضاجع ~~الأغماد، وإلا فما يؤثر الخميس العرمرم إذا لم يكن السعد من نفره، وما يغني ~~شجر القنا إذا لم يكن العون من شريه والفتح من ثمره، وما تفيد عيونه الزرق ~~إذا كان صنع الله محجوبا عن بصره !. # ومنها يصف معقلا: وهو حصن يتلفع بالعنان، ويقتنص الطائر بالسنان، وينفث ~~الشجاعة في روع الجبان الهدان، على طود قد سافر في الجو مغتربا، ولم يرض ~~بالجبال أكفاء ولا بالبسيطة منتسبا، ينظر إلى ما يجاوره نظر الجارح المحلق ~~في السماء، أو الشهاب الراجم في حندس الظلماء، ففتحه الله وحده قبل الخلوص ~~إليه من العروج، والنزول عليه من السروج، فتحا تفاءل به التوحيد فيما ~~يؤمله، وقال أهله: اللهم اجعله مفتاح كل باب نستقبله !. # ومنها: صوبنا على طليطلة قاعدة الصفر وأم بلاد الكفر، وجئناها من جهات ~~أبواب قشتالة وهي الجهات التي كانوا يأمنون من أفقها، ولا يسدون بابا يفضي ~~إلى طرقها، فأخذهم العذاب من حيث لا يشعرون، وعرفوا التخاذل من حيث كانوا ~~ينصرون، واستقبلتهم العبر أفواجا أفواجا، وجاءتهم النذر تأويبا وإدلاجا، ~~إلى أن نزلنا بظاهرها الشمالي وكم لجيوش الإسلام لم توقع بصرا على حدودها، ~~ولا جرت صعدة في صعيدها، فرد ما كان يليها منها نفنفا، وقاعا صفصفا ... ثم ~~تظاهر الموحدون ثاني يوم فيما أعطاهم الله تعالى من قوة العدة والعديد، ~~وفاضوا على أعطافها في بحور الخيل وأمواج الحديد، كل قبيلة في شعارها ~~الموسوم، وعلى مدرجها المرسوم، كأنهم من البحر لج موجه متراكب، أو سحاب ~~خريف زعزعته الجنائب ... PageV01P051 ثم أجازنا وادي تاجو إلى جنابها ~~الإسلامي، وهو منشأ دوحها المائس الأعطاف، وحدائقها الغلب وجناتها الألفاف ~~... وفيه المنية التي كانت جنة الكافر ومأواه، وحظه من أولاه وأخراه، فكر ~~على الجميع المؤمنون كرة، فكان انجعافه بإذن الله مرة، ولم يكن بين رؤيته ~~في ملاءة الحسن والابتهاج، وتضاؤله في شعر مسودة كالليل الداج، إلا بمقدار ~~ما غير الله نعمته بالبؤس، وبدله من الأمن والخفض بالخوف والجوع وهو ms092 شر ~~لبوس ... وطالما كانت حجرا على النوائب، بسلا على الجيوش الكثيفة والكتائب، ~~وها هي اليوم وخيل الله تمرع في شعابها آمنة، ورماح الموحدين تندق في ~~أبوابها طاعنة أسيرة الركب وقعيدة الخطب وضعيفة الحيل، ولقى بين أرجل ~~الخيل، ليس بينها وبين المجاز ناقوس يضرب، ولا صليب ينصب؛ لا إهلال لغير ~~الله، ولا نداء إلا بذكر الله، حتى ينجز الله وعده في سنامها، ويفيض نور ~~الملة المحمدية على ظلامها. # وهذا الغزو الذي يسر في طاغية الروم كل مرام، وعم سرارة أرضه بالسير فيها ~~عاما بعد عام، أهل البيت الحفصي الكريم يتولى، وعن آرائهم المرتضاة وسيوفهم ~~المنتضاة، حل وتجلى، حظ سواهم منه زهيد، وشهيدهم على ما أقول شهيد، لا جرم ~~أن رأيتهم الحمراء نصرت على بني الأصفر السمحة البيضاء هي التي فعلت هناك ~~الأفاعيل، ودمغت بالحق الذي عقدت لإقامته الأباطيل، عادة في الحفاظ عدوية، ~~وشنشنة مخزومية لا أخزمية، وحسب الدول بسلف أربوا على الملوك الأول، يجدون ~~مر المهالك أحلى من العسل، ويعتقدون أعلى الممالك ما بني على الأسل، خلفهم ~~خليفة الله في عباده وبلاده، ومجاهد الكفار والمنافقين فيه حق جهاده، ~~القائم الهادي بالحق الواضح البادي، والعدل المقاص في الحاضر والبادي، فملك ~~البسيطة حزنها وسهلها، وتقلد الإمامة وكان أحق بها وأهلها، مناقب تبهر ~~النجوم الثواقب، وشمائل تفاخر الأواخر والأوائل، استحقت على الأمراء ~~الممادح والمحامد، واسترقت من الشعراء القصائد والمقاصد، فلو أنسئ أبو نواس ~~لما اعتمد سواه بقوله، وإن كان طويل الثناء قاصرا عن طوله: # إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني # وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك سلطانا فأنت الذي نعني # أبو عبد الله بن نخيل # لما أتاح الله صلاح الأمم، وإيضاح الأمم بهذه الإمارة المطاعة، وأباح ~~لإفريقية أن تراح من عذاب الفرقة برحمة الجماعة، قلد ملكها وسلطانها، ليعمر ~~بالهداية أوطانها، ويدحر حزب الغواية وشيطانها، صفوة الأملاك ونكتة ~~الأفلاك، الذي ضحكت الآناء لما اعتدلت بشيمه، وبكت السماء لما أكلت الأرض ~~من كرمه، الأمير المعظم الأعلى المجاهد المقدس الأرضى المطهر المرحوم ms093 أبا ~~محمد، سقى الله سحب الرضوان ضريحه، وقدس مثواه المستودع من المجد لبابه ومن ~~الجود صريحه، فدفع كل ضر ورض، وأطلع لمحاورتي سنة وفرض، ومحاولتي بسط وقبض ~~" ذرية بعضها من بعض " ؛ ملوك بهاليل، ليس إلا عمائمهم تيجان وأكاليل، ~~راضون في الله غضاب، كأنهم تحت الحبى هضاب، للقرى والقراع خبهم وإيضاعهم. ~~وبالخطيات، واليراع توقيعهم وإيقاعهم، يبدأون بحق الله ثم النائل، ويحقنون ~~حتى ماء وجه السائل، باء الكملة بالنقص عن كمالاتهم، وجاء ما أدرج حمالة ~~حاتم وحلم قيس بن عاصم من حلومهم وحمالاتهم: # غطاريف من قوم ثوى الملك فيهم ... فلم يبق من بعد الحلول ترحلا # أصولهم منصورة بفروعهم ... إذا قام منهم آخر كان أولا # فما يشهدون الحرب إلا إذا غلت ... ولا يشترون الحمد إلا إذا غلا ~~PageV01P052 جدوا وجادوا، وشدوا كما شاءوا وشادوا، وفعلوا مثل ما فعلت ~~أوائلهم وزادوا، فطفيء جمر الهياج المشبوب، ويجيء عقب المكروه المحبوب، ~~وأصبح الثأي وهو المرءوب، والصنيع وهو المربوب، وذلك من سنة ثلاث وستمائة ~~إلى عامنا هذا الموفي أربعين حجة، وردت فيها السخلة مع الضرغام، وردت ~~شامخات المعاطس حليفة الرغام، إلا برهة غاب عنها منازلو أسد الغاب، ومساجلو ~~البحار والسحاب، بالمنن الرغاب، فبودرت عندها بالحرب والحرب، وغودرت وحشة ~~الساحات والرحب، ثم عاد الرمي إلى النزعة، وفرج الله الضيقة والزلزال ~~بالسعة والدعة، واستوسع بعدها نطاق الملك، وعاد أهل المغرب والأندلس ~~بالنجاة من الهلك، فأرزت إلى هذه الحضرة العلية البلدان، كما يأرز إلى ~~المدينة النبوية الإيمان، وما هي إلا الخلافة حقا، عم إشراق نورها غربا ~~وشرقا، لما أقامت الدين، وقامت بكلمة الموحدين، فانتظمت الأرجاء والآفاق، ~~وحسمت الشقاق والنفاق، وما عدت الإجماع والإصفاق. # وكان ابن نخيل لأول هذه الإيالة المباركة ممن فاز بقدح النباهة المعلى، ~~وعاد بعد العطل من الوجاهة المحلى، نقلته السعادة من ديوان الأعمال إلى ~~ديوان الرسائل، وأعلقته بأعظم الحرمات وأشرف الوسائل، فأجاد الإنشاء وتبوأ ~~من رفيعات المراتب حيث شاء، مفردا لخلوص الحماية وجموحها، ومعتمدا بخصوص ~~العناية وعمومها، لا استثناء عليه في توقيع، ولا اقتصار به على ترفيع، وهذه ms094 ~~فصول من رسالته السلطانية في وقيعة شيذو من نواحي سبتة منتصف صفر سنة أربع ~~وستمائة، وقد انتصر الحق من الباطل، ففرق جموعه، وأذهب بسطوته الغالبة ~~ودعوته العالية جميعه، وأيد الله طائفة التوحيد على حزب الشيطان المريد، ~~تأييدا أراق بسيفه القاصل نجيعه، وبين لكل ذي بصر سديد وسمع شهيد أن هذا ~~الأمر هو أمر الله الذي لا يزال نافذ الأقدار في الإيراد والإصدار مطيعه، ~~وأن عدوه وإن تراخى به الأمد فلا بد أن ينزل موعده الصادق منيعه، ويحط ~~رفيعه، والحمد لله على ذلك حمدا يستمد وحي النصر المؤزر والفتح المدخر ~~وسريعه. # ومنها في ذكر الشقي الميورقي: فحشد من قبائل دباب وزغب ونفات، ومن انقاد ~~إليهم من برابر تلك الجهات، من قادهم إليه الحين بزمام الخدع والترهات، ~~وأقبل بمن التف عليه من أولئكم الطغام، وبقايا الاجتياح والاصطلام، يتقرى ~~المنازر والمناهل، ويوهم بكثرة من جمعه من هذه القبائل، وخرج الموحدون ~~إليهم مستعينين بالله وبما عوده من النصر عليهم، فلما حققوا عزمهم وصححوا ~~في التصميم نحوهم علمهم، ورأوا أنهم فوقوا لثغرهم المثغورة أسهمهم، طار بهم ~~الفرار، ونبا بهم القرار، وولوا سراعا لا يستبد بسيرهم دون الليل النهار، ~~والموحدون أعزهم الله ينتظرون الوقت الذي لا يبعد مداه في هلاكهم، ولا ~~يفلتون منه بعد إدراكهم، فلما تراءى الجمعان، وضاق متسع المجال عن الدماء ~~والطعان، وشيمت السيوف كالبوارق الخواطف في اللمعان، وحملت الكتائب على ~~الكتائب كالرعان على الرعان، جرى الموحدون أعزهم الله على عادة صبرهم، ~~فعرفهم الله ما أحبوه من عوائده الكريمة مع أميرهم، فلم يكن إلا لمحة بارق، ~~أو خلسة مسارق، حتى استلحمت السيوف أحزاب الضلال، وتبرأ منهم رجيمهم ~~المغرور تبرؤ من كان وعدهم بالمحال، فقتلوا مئين وعشرات وآحادا، وفر غويهم ~~الشقي جريحا لم يصحبه من ذلك الجم إلا فرادى، وامتلأت الأيدي من غنائمهم ~~فهي تشل في حزن وسهل سوقا وطرادا، وكفلت الموحدين عناية الله تعالى، فلم ~~ينل العدو منهم نيلا، ولم يمل الضرر عليهم ميلا، بل أشوت سهامه، وخاب ~~والحمد لله أمله ومرامه، ولم يبق ms095 من هذا العدو إلا ذماء، ولقد ظل بعد هذه ~~الوقيعة لا تحميه مع العرب أرض ولا سماء، فإنه أتى في هذه الحركة منهم بمن ~~لم يطر له قبل بجناب، واستهوى بحبالاته الكاذبة وآماله الذاهبة من عاد ~~لأرضه بجريعة الذقن ولم يعد شاب ولا تاب، وترك الحلائل في المحامل تتوزعها ~~أيدي الناهبين فلا تدركه حفيظة الانتهاب، وطالعناكم بهذه المسرة العظمى ~~والموهبة الكبرى عشي اليوم المشهود والوقت المحمود، لتحمدوا الله بجميع ~~محامده وتشكروه، وتذيعوا بلاءه الجميل لكم ولكافة المسلمين على أيدي ~~أوليائهم الموحدين وتنشروه. PageV01P053 ومن رسالته السلطانية أيضا في ~~الوقيعة الكبرى بوادي أبي موسى سنة ست وستمائة: وإلى ذلكم وصل الله بالنجاح ~~أسباب آمالكم، وختم بالفلاح صحائف أعمالكم، فإن الموحدين أعزهم الله لما ~~قفلوا من حركتهم الأولى إلى ديارهم، وانصرفوا من تمام أغراضهم في اتباع ~~الأعداء وأوطارهم، أقبل هذا العدو الأشقى فيمن التف عليه من غدرة بني رياح ~~كفرة النعمى، يؤمون هذه الجهة الإفريقية حنينا إليها، وصبابة لم تزل تعطف ~~عليها، ظنا منهم أن هذه العصابة المنصورة، والجماعة المحمودة في سبيل الله ~~المشكورة، قد ألقت عصا التسيار، وأخلدت إلى الراحة من طول السفار، وكانت قد ~~تلقتهم بأطراف الزاب جماعة بني مالك مزيدة وجموع دياب، فقوت رجاءهم في ~~الهجوم على البلاد، وصدقت أملهم الكاذب فيما عزموا عليه من الفساد، فأخذ ~~الموحدون أعزهم الله في الحركة إليهم، والورود بحول الله وقوته عليهم، ~~بعزائم لا تثني بالأمل، وحفائظ لا ترضى بالقول دون العمل، حتى نزلوا ~~القيروان، وهي قطب منازل الأعراب ومراد سوامهم عند ازدحامهم في مثل هذه ~~الأحوال الصعاب، والأعداء حينئذ نزلوا بظاهر قفصة يرتقبون ورود بقية دباب ~~من طرابلس إجابة لما قدموه من ندائهم، وإهابة بهم إلى إعادتهم في الفساد ~~وإبدائهم، وأقبلت عصابة التوحيد على استدعاء من ألفته من عوف والشريد، ~~وندبهم إلى أن يأخذوا بحظهم من خدمة هذا الأمر السعيد، وطلبوا بأن يحضروا ~~بالأهل والمال، ليلقوا أكفاءهم في مثل تلكم الهيئة والحال، وللعرب عادات في ~~الرحيل جميعا، لا تعطي الخفوف إلى المقصود سريعا، ms096 فسار بهم الموحدون على ~~هيئتهم في التواني سيرا، ولم يذعروا لهم بإخراجهم عن معتادهم طيرا، ولما ~~سمع الأعداء برحيلهم من القيروان رحلوا من قفصة إلى الحمة يبرقون ويرعدون، ~~ويهددون باللقاء ويوعدون، ثم عطفوا من هنالكم على نفزاوة ليتقوتوا من ~~ثمراتها، ويستدروا ريثما تصلهم أمدادهم أخلاف خيراتها، فلما أبطأ رسولهم، ~~وتقلص بطول الانتظار مأمولهم، انصرفوا على أدراجهم إلى زميط فقطعوا حزن دمر ~~مسلمين للدمار، ونزلوا من شعفات الجبال إلى قرار البوار، وعجل الموحدون ~~إليهم فوردوا قابس والأرض تحرق من بأسهم، وذبالات الذوابل أضوأ في سماء ~~العجاج من شمسهم، وعون الله يحقق عندهم في يومهم ما مد لهم من النصرة في ~~أمسهم، فلما تجهزوا منها بجهازهم، واستكملوا ما عليه عولوا من تمييزهم ~~وتفرغوا لنجازهم، ثنوا للأعداء أعنة الجياد، وأقبلوا وهم من صرائم العزائم ~~أمضى من البيض الحداد، وقطعوا لهم المراحل شفعا، لا يذوقون النوم إلا غرارا ~~مثل حسو الطير ماء الثماد، فجعلوا يستدرجون عزائم التوحيد وحادي المنايا ~~يحدوهم إلى مضاجعهم أن انزلوها، ولسان القضاء المقدور يخاطب المشرفيات ~~الذكور، أن حطوا عن منازل الكواهل رءوس رؤساء الباطل واستنزلوها، وكان ~~مرامهم في هذا المطال بالنزال، والوقوف للحتوف أن تنفد أزودة الموحدين ~~وعلوفاتهم، ريثما يلحق بهم من استدعوا ليعودوا من الهرب إلى الطلب، ويحلوا ~~منزلة الفائز بالغلب وحسن المنقلب " ويأبى الله إلا أن يتم نوره " ، ويكمل ~~لأمره العظيم في الأعداء أموره، ولم يعلموا ان لله بهذه العصابة المجاهدة ~~عن حريم البلاد، الكافة أيدي هؤلاء الأحزاب المراد، عناية لا يفتقرون بها ~~إلى الأزواد، ورعاية تحميهم من النوب الشداد، وتؤويهم من فضله وإحسانه إلى ~~أرحب جناب وأرغب عتاد، ولم يزل ذلك دأبهم، وما انفك إعلانهم بالمقابلة بكتم ~~قربهم حتى حلوا بمنهل يعرف بوادي أبي موسى من سفح جبل نفوسة وفيه أتاهم من ~~نفات وآل سليمان وآل سالم وجموع وافرة من الأعراب وأحلافها الأعاجم ما سال ~~أتيهم بالدهم الداهم، وأعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم شيئا وكأنما اجتمعوا ~~للهزائم، فعاجوا من هنالكم وقد بيتوا بزعمهم ما لا يرضى من ms097 القول، وبرئوا ~~لحولهم من القوة والحول، وضمن الغدرة من بني رياح مع شقيهم لقاء عصابة ~~التوحيد، وزعموا له أنهم حديد العرب، ولا يفلح الحديد إلا بالحديد، وتركوا ~~دبابا ومن التف بها لعوف وأحلافها والشريد، وأتوا بربات الخدور في الهوادج ~~كالأزهار في الكمائم وقدموا من حمر النعم وسودها ما صار الدو بتموجها ~~كالبحر المتلاطم، وجاءوا بزهوهم وبأوهم يزفون زفيفا، ويسمعون من رعود ~~الوعيد قصيفا، ومن نيوب الحروب صريفا، واستدعى الموحدون من ربهم ~~PageV01P054 نصره المعهود، واستمدوا طوله المحمود، وعولوا على حوله وقوته ~~لا على العدد والعديد، واستلأموا غدران الدروع تحت جداول المداوس، وتهللت ~~بالنصر وجوههم فكانوا كالأقمار في شموس القوانس، وتنكبوا من أراقم القسي ~~ألدغ على البعد من حيات البسابس، وتأبطوا كل خطار تطرد كعوبه، قد ركب فيه ~~نجم ولكن في ثغر البحار غروبه، وساروا لعدوهم كأنهم بنيان مرصوص، وتيقنوا ~~أن نصر الله بالصابرين المحتسبين مخصوص، وكان يوم ضباب، وشمسه من قوام ~~الغمام في حجاب، فلما تعالت في فلكها، وانقادت في زمام الاستسلام إلى ~~ملكها، ورمقت من خلال غيمها ظهرت كتائب الباطل سودا كقلوب أهلها، وقد مالت ~~الأرض طولا وعرضا بخيلها ورجلها، فحمل الموحدون عليهم حملة أزالتهم عن ~~مصافهم فولى شقيهم منهزما لأول دفعة، ولم يطق وقوفا عندما رأى من بوارق ~~الخوافق لمعة !.ه المعهود، واستمدوا طوله المحمود، وعولوا على حوله وقوته ~~لا على العدد والعديد، واستلأموا غدران الدروع تحت جداول المداوس، وتهللت ~~بالنصر وجوههم فكانوا كالأقمار في شموس القوانس، وتنكبوا من أراقم القسي ~~ألدغ على البعد من حيات البسابس، وتأبطوا كل خطار تطرد كعوبه، قد ركب فيه ~~نجم ولكن في ثغر البحار غروبه، وساروا لعدوهم كأنهم بنيان مرصوص، وتيقنوا ~~أن نصر الله بالصابرين المحتسبين مخصوص، وكان يوم ضباب، وشمسه من قوام ~~الغمام في حجاب، فلما تعالت في فلكها، وانقادت في زمام الاستسلام إلى ~~ملكها، ورمقت من خلال غيمها ظهرت كتائب الباطل سودا كقلوب أهلها، وقد مالت ~~الأرض طولا وعرضا بخيلها ورجلها، فحمل الموحدون عليهم حملة أزالتهم عن ~~مصافهم فولى شقيهم منهزما ms098 لأول دفعة، ولم يطق وقوفا عندما رأى من بوارق ~~الخوافق لمعة !. # ومنها: واستحر القتل في كثير من زعمائهم ورؤسائهم، ومات كل مذكور من ~~شجعانهم وحمسائهم، واستحوذت القبائل على أموالهم وولدانهم ونسائهم، ونجا ~~الشقي في نفر قليل إلى جهة الإبل، فاتخذها حصنا، وجعلها لبناء فراره من ~~زلازل الجحافل ركنا، وحف من حف من الموحدين والعرب به فلم يبرحوا يتنسفون ~~ما اعتصم به من النعم نسفا، ويسومونه في نفسه وأصحابه خسفا، ولم يصرفهم عنه ~~إلا إقبال الليل، وما انسحب له على الآفاق من ذيل !. # ومنها: وكانوا قد قدموا الهوادج أمام الآبال، ودبروا أن تكون لهم حمى ~~يرشقون من يريدها من خللها كالنبال، وقد قيل النساء أغلال الرجال، والحريم ~~مظنة الآجال، فكروا عندها مستميتين، ودافعوا عنها للنفوس الدنية منها ~~مفيتين، ولم يزالوا في أثناء انهزامهم يعطفون عند خدورهم، وأنامل العوامل ~~تجذب أرواحهم من صدورهم، وبساط ما قدموه من أموال وعيال يطوى بقبضهم، وجانب ~~الحق يعلو كلما جد الجد في خفضهم، وقبائل الموحدين على راياتهم تركض في ~~آثارهم، حتى أسلموا ما كانوا عنه يدافعون قهرا، وأسالت جداول المناصل من ~~دمائهم نهرا. # ومنها: ولم ينج عدو الله إلا بذمائه، وغادر في المعترك وجوه أهله وقرابته ~~وأصحابه وأحبائه، فما رأى يوما قط أشد منه عليه، ولا انتهى به الأمر مذ كان ~~إلى ما انتهى به الآن إليه، والموحدون على أولهم في طلابه، والولوج عليه ~~حيث يمم من أبوابه !. PageV01P055 وبلغ ابن نخيل ما ليس عليه مزيد من ~~الارتفاع المشيد، وغلب على مشرفه بالاصطناع غلبة جعفر على الرشيد، فنهى ~~وأمر آمنا من التعقب، وأورد وأصدر نائما عن الترقب، وقد فوض إليه في كافة ~~الأمور، وقصرت عليه قصص الخاصة والجمهور، إلى أن كنف بالسعايات الممضة، ~~وقذف باحتجان ما يخرج عن الحسبان من الذهب والفضة، فما أثرت في التقاص ~~ثروته، ولا اعترت على انتقاص حظوته، بل صم عنها المجد الصميم سمعا، وعم ~~المنتسبين إليه والمتجنين عليه قبضا وقمعا، صونا للنعمة المهنأة من ~~تكديرها، وصرفا للظنون السيئة عن تقديرها، حتى أقصر ms099 من بغى عليه كما انبغى، ~~واستبصر في مظاهرته لما ظهرت له استحالة ما ابتغى، وكم أسمع بلسان الحلم ~~والاحتمال مناصبيه ولا سنيه من كهل يفيض في حديثه وحدث، جواب المأمون في ~~الحسن بن سهل: الدنيا أقصر أمدا من أن تبلغ برجل منزلة ثم تنقصه منها لغير ~~حدث، وعلى حسن الرأي فيه حمله مدة سلطانه، وبصفايا أياديه أنهض أمله ~~لإبلاغه في تأمل النعم وإمعانه، لا يسامح في أمره مناقشا منافسا، ولا يفاتح ~~بذكره راجيا تغيره إلا أسكته يائسا، إفادة للمحافظة الملوكية على حفظ ~~الحرمة، وزيادة على ما حكى من كرم المشارطة في الصحبة والخدمة ! ذكر أبو ~~جعفر بن النحاس أن علي بن زيد الكاتب استصحبه بعض الملوك فقال علي: أصحبك ~~على ثلاث، قال: وما هي ؟ قال: لا تهتك لي سترا، ولا تشتم لي عرضا، ولا تقبل ~~في قول قائل حتى تستبرأني، قال: هذا لك، فمالي عندك ؟ قال: لا أفشي سرك ولا ~~أؤخر عنك نصيحة ولا أوثر عليك أحدا؛ قال: نعم الصاحب المستصحب أنت ! فأين ~~بواذخ المكرمات من هذه المكرمة الباذخة، والمأثرة اللائحة في الزمان البهيم ~~كالشادخه، كلا لقد أعيت كلا، وأطلعها واحدة في الفضل الواحد فضلا، ولما نزف ~~منه بحر السماحة، ونسف بوفاته رضوان الله عليه طود الرجاحة، فانطوى الكمال ~~المنشور، واستعسر النوال الميسور، أولاه بنوه الأمراء المعظمون المؤيدون ~~المكرمون رضي الله عنهم ما ورثوه من مكارم الأخلاق، وتجافوا له عما جناه ~~وحباه من أخاير الذخائر ونفائس الأعلاق، ولقد أصابه الدهر بما أصابه، وجرعه ~~بعدهم خطبانه وصابه، فأحضر في وقت ستمائة ألف دينار، سوى ما ظهر من حلي ~~وآنية واثاث وكراع وعقار، هذا وسماحهم يستحقر له مقدارها، وتراثهم الكريم ~~لا يبلغ معشارها، أبوا إلا أن يشبهوا أباهم، ورأوا خير ثيابهم ما كان على ~~سواهم: # ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا PageV01P056 وأما ~~الحضرة الإمامية فإعتاب الكتاب شأنها، لا برحت يباري البحر بنانها، ويباهي ~~السحر بيانها، ما شئت من إقالة وإغضاء على بطالة، ومسامحة لحصر في وجازة ~~وهذر في ms100 إطالة، لا تحوج أخا الذنب إلى الإعتذار، ولا تبتهج ابتهاجها بالعفو ~~مع الإقتدار، كم حقنت من دم، وصفحت عن ذي ندم، وأخذت بيد في عثرة بقدم، ~~وأرشدت من حيران لا يعرف متأخرا من متقدم، عائدة على المريب بترك التثريب، ~~عود الشباب على المشيب، والرباب على الجديب، وعامدة إلى المليم بعطف ~~الحليم، عمد الحباء إلى العديم، والشفاء إلى السقيم، فلا يأس من روح الله ~~برجائها، ولا أرج للمحاسن ما لم تتضوع من أرجائها، رب جبر من إسجاحها عضده ~~عيان، ولطف لإبقائها بعثه ليان؛ أما وحرمها العتيق وكرمها العريق ما لعدها ~~عديل ولا من فضلها بديل، فكيف لا أهيم برضاها وهو من الشقوة أمان ! وأشيم ~~بارق شيمها وهو للثروة ضمان ! وإذا حكي أن النعمان بن المنذر لقي في يوم ~~بؤسه شابا من العرب رق لكلفه، وقد سأله لقاء ابنة عمه قبل تلفه، فقال: ومن ~~يضمنك ؟ قال: كاتبك هذا، ولم تكن بينهما معرفة؛ فقال النعمان: أتفعل على ~~شريطة القتل إن أخلفك ؟ قال نعم ! فذهب الشاب وأتى في آخر النهار وقال ~~للكاتب قم أبرئك مما ضمنته، ودخلت معي تحته، وأتيا إلى النعمان، فعجب منهما ~~وقال للشاب: ما الذي حملك على الانصراف إليه بعد ما أفلت منه ؟ قال: خشيت ~~أن يقال ذهب الوفاء ! ثم قال للكاتب: وأنت ما حملك على ضمانه على أن أقتلك ~~عنه ؟ قال: خشيت أن يقال ذهب الكرم ! فقال النعمان: وأنا قد عفوت عنه خشية ~~أن يقال ذهب العفو ! وأسقط يوم البؤس فلم يكن له يوم بؤس بعدها ... فمالي ~~لا أرجو إعادة النعيم بعادة الإنعام، وإسقاط الجفوة باقساط الاحترام، لا ~~سيما وعذري إلى مولانا أيده الله عذر الذي استقال وقد مثل بين يدي مثله، ~~وهيهات لا يوجد مثل له، فقال: إن كانت زلتي قد أحاطت بحرمتي فإن عفوك محيط ~~بها، وكرمك موقوف عليها، وأنشد: # إني إليك سلمت كانت رحلتي ... أرجو الإله وصفحك المبذولا # إن كان ذنبي قد أحاط بحرمتي ... فأحط بذنبي عفوك المأمولا # هبني أسأت، نعم أسأت، أقركي ... تعفو ويزداد التطول طولا ms101 # أبو الربيع بن سالم PageV01P057 شيخي الذي أورثني هذه الصناعة، ورضي ~~اتخاذها لي بضاعة، وضمن أن لا إضاقة ولا إضاعة، جاعلا قول ابن أبي الخصال ~~شاهدا في الاعتلاق بها والاتصال: من جمع بلاغة وخطا لم يخش في دولة الأفاضل ~~حطا، فاسترجحت حصاته، وأقبلت عليها قابلا وصاته، غير مستبدل بها خطة ولا ~~متبوئ دونها خطة، لكيلا أنقض ما أبرم، وأرتبط خلاف ما استكرم، وكان هو قدس ~~الله أشلاءه، وأجزل من النعيم المقيم جزاءه قد عني بها في شبيبته، فعتب ~~عليه والي بلنسية حينئذ وحجبه رائحا عليه وغاديا، وألزمه مكانا قاصيا، كان ~~به قاضيا، فخاطبه مستعطفا برسالة منها: وبعد فكتب الذي قصر، ثم عاين قصده ~~وأبصر، واقترف فاعترف، واجترح فلم ير أجدى من أن قرع باب المغفرة واستفتح، ~~وفي علم المولى أن العبيد أهل الخطأ ومظنة السعي المستبطأ، إن أعرقوا النزع ~~عن قوس الاجتهاد، وأصابوا شاكلة المراد، فكالسهام في قرطسة مراميها، ~~إصابتها منسوبة إلى راميها، وإن تنكبوا مرتضى السعي الحميد، وتجنبوا مقتضى ~~الرأي السديد، فغير نكر من شيم العبيد، ومتى نوقشوا الحساب على كل زلة، ~~وعوقبوا في كل ضلة، أفناهم العقاب سريعا، وأهلكهم التأديب جميعا، وإنما ~~بقاؤهم بأن يسبل الموالي على هفواتهم ستر الإغضاء، ويقربوا عليهم مدارك ~~الإرضاء، وهو أدب الله تعالى في عباده حين خلقهم نطفا، ثم درجهم في مناقل ~~النشء مكتنفين إحسانا منه ولطفا، حتى إذا سواهم رجالا وأوسع لهم في الدنيا ~~وزخرفها مجالا، أذهلهم شكر النعم عن شكر المنعم، وشغلهم التقلب في نعمائه ~~عن توفية حقه وأدائه، فيمهلهم سبحانه انتظارا لمتابهم، وترقبا لمآبهم، ~~وقصدا منه تعالى لأن يظهر في كل حي أثر رحمته التي وسعت كل شيء، وليهتدي ~~القادرون من عباده إلى فضيلة العفو عند الاقتدار، وجمال الصفح والتجاوز في ~~هذه الدار، ولو يؤاخذهم تبارك وتعالى اسمه بمكسوبهم، ويعاقبهم في بداية ~~ذنوبهم، لوقعت المجازاة منه على عدل بما كانوا يصنعون، ولكنه " يقبل التوبة ~~عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون " ، والعبد أيد الله مولانا من ~~جملة العبيد، " منهم أمة ms102 مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون " ، فما أسلف من ~~صواب فببركة مستعمله، وما اقترف من خطإ فمن كسبه وعمله، وقد مد يمين ~~الإقرار، ثم أبدى صفحة الاستغفار لمولى حريص على الصفح يشتمل أثوابه، مصيخ ~~إلى صرخة مكروب يفتح لها أبوابه، ضارعا في أن يراجع سعادته، ويعاود من لثم ~~اليمين الطاهرة واجتلاء لألاء الغرة الباهرة عادته، وإذا كان العفو جليا ~~رائقا في جيد الاقتدار، ورأيا لائقا بذوي الأقدار، ومعنى لاحقا بأفضل مساعي ~~الأبرار، فسيدنا أولانا بنفيسه، وأحراهم بتفريج الكرب وتنفيسه، ذلك بما ~~خوله الله من جوامع الفضل الذي لا تشذ عنه صالحة من الأعمال، ولا يتعذر ~~عنده أمل من الآمال، والعبد متنسم روح القبول، ومتوسم بجميل الثقة بفضل ~~مولاه تسني المأمول، فإن حق تنسمه، وصدق توسمه، فيا طيب محياه، وسعادة دينه ~~ودنياه، وإن تكن الأخرى والعياذ بالله، وحاشا مولانا من ذلك حاشاه، فمن أي ~~مولى سواه نلتمس العفو، وفي أي مورد نتسوغ الصفو: # والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب # فأصبر لعادتك التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب # فلما وقف على كتابه، أسعف بإعتابه. # ثم لم يزل في السيادة مشاهد الزيادة إلى أن ختم الله بالشهادة. # ولهذا الشعر قصة ذكرها يستقبل به القبول، وشرحها ليس من العدل عنه ~~العدول: حكى ابن عبد ربه عن الأصمعي قال: قدم على يزيد بن المهلب قوم من ~~قضاعة ثم من بني ضنة وضبط هذا الاسم بالنون المشددة وكسر الضاد المعجمة ~~فقال رجل منهم: # والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب # ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب # فأصبر لعادتك التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب # فأمر له بألف دينار، فلما كان في العام المقبل وفد عليه فقال: # مالي أرى أبوابهم مهجورة ... وكأن بابك مجمع الأسواق # خافوك أم هابوك أم شاموا الندى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق PageV01P058 ~~إني رأيتك للمكارم عاشقا ... والمكرمات قليلة العشاق # فأمر له بعشرة آلاف درهم. # ويقال فيما ms103 حكى أبو علي البغدادي في النوادر وغيره إن عبد الملك بن مروان ~~دخل عليه هذا الضني فأنشده الأبيات الثلاثة التي في آخرها: # ........................ ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب # فقال عبد الملك: إلي إلي ! وأمر له بألف دينار؛ ثم أتاه في العام المقبل ~~فقال: # يرب الذي يأتي من الخير إنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمما # وليس كبان حين تم بناؤه ... تتبعه بالنقض حتى تهدما # فأعطاه ألفي دينار؛ ثم أتاه في العام الثالث فقال: # إذا استمطروا كانوا مغازير في الندى ... يجودون بالمعروف عودا على بدء # فأعطاه ثلاثة آلاف دينار. # خاتمة المؤلف # قال المؤلف: قد أوردت ما أردت من هذه المآثر الكرام، المحفوظة النظام، ~~واقتداء خلفاء الله به جل جلاله في التجاوز عن الذنوب العظام، مما نويت ~~باجتلائه الإلماع، وأعفيت من تشعب أبوابه الأسماع، سوى أشياء لبعض ما يمر ~~نظائر، ليس التدريج إليها ولا التعريج عليها بضائر، وكل ذلك بالنسبة إلى ~~الحلم الإمامي والإسجاح، كالذبالة باهرت أنوار الصبح الوضاح، والصبابة ~~كاثرت تيار اليم الطفاح، يوم ابتز ما كان باليد اللسان، واستفز العجل الذي ~~خلق منه الإنسان، فيالمسرف على نفسه خائف، ومستشرف طوي بالإهمال طي ~~الصحائف، لا جرم أنه تبوأ رتبة مرفعة، فربأ عن إسلامها كهلا بعد إحرازها ~~يفعة، متوقفا عن الانحدار في الوقوف مع الإختيار، ومتوكفا قبول الإعتذار ~~بالبيت السيار: # لا تهني بعد أن أكرمتني ... فشديد عادة منتزعه # فصدر ما أثلج الصدر من إعفاء، وظهر إبقاء أوفى على الأمل أي إيفاء، ثم في ~~صبيحة اليوم الثالث، هجم علي بالكارب الكارث، أصير إلى الإقصاء من التقريب، ~~وأخير بين التشريق والتغريب، ومعاذ الله لا اختيار في خطتى خسف، هذا لو أن ~~جناحا وبالا دون كسر وكسف، فكيف ولا حراك موجود، ولا مستنجد إلا منجود، في ~~هاجم للآمال هادم، وناجم بالأهوال داهم، وعلى ما دفعت إليه من ارتباك، ~~لمتعسف كاب، ومتأسف باك، من ولهى وواله، كل يجد على زواله، ويحد في إعواله، ~~شرعت في المسير، وضرعت إلى الله في التيسير جاليا للجلاء والرحيل أوجها ~~تصلاه، وتاليا ms104 من محكم التنزيل " لا تقنطوا من رحمة الله " ، وحسبي السميع ~~البصير، " نعم المولى ونعم النصير " فقل في يوم عصيب، رماني بسهم للفراق ~~مصيب، ولم يدع لي فيما سوى الإضاعة وإزجاء البضاعة من نصيب، أرى ضد ما ~~تمنيت، وشرى بثمن بخس ما اقتنيت، واستشرى في محو ما وحيت، وهدم ما بنيت، ~~حتى عيل الاصطبار وغلب الاستعبار، للتفكر في بث الأشجان وبت الأشطان، ~~والتذكر لولوج الامتحان بالخروج عن الأوطان، أيان سلمها الإسلام آيسا، ~~وتدبرها التثليث آنسا، وخلال ذلك من حسن الظن بالخلال الكرام ما حمل على أن ~~قلت في بدء الحال، وبين يدي العمل على الترحال، مرتقبا خفايا الألطاف، ~~ومقتربا بهدايا الاستعطاف، لاتضاح دلائل الحدب، ونجاح رسائل الأدب: # لمبشري برضاك أن يتحكما ... لا المال أستثني عليه ولا الدما # تالله لا غبن أمرؤ يبتاعه ... بحياته فوجوده أن يعدما # أي المعاذر أرتضي لجناية ... عظمت ولكن ظل عفوك أعظما # ندمي على ما ند مني دائم ... وعلامة الأواب أن يتندما # يا طول بؤسي مبسلا بجريرتي ... إن لم تجزني بالتجاوز منعما # مولاي رحماك التي عودتني ... إني اعتمدتك خاضعا مسترحما # فأحق من تولي الإقالة عاثر ... لم يستحب على الهدى قط العمى # أقصاه عنك تزلف بخطيئة ... خال الصواب خلالها وتوهما # ولقد تحفظ في المقالة جهده ... لكنه نمي الحديث ونمنما # مولاي عبدك ماله من معدل ... عن دار عدلك منذ حل وخيما # لو أنه يجد الحياة كريمة ... في غيرها لرأى المنية أكرما # إن ينتزح ناديك عنه يقترب ... منه وإن لا تحمه يلج الحمى PageV01P059 ~~متهافتا متراميا متطارحا ... متوصلا متوسلا متحرما # قد علمته تجنب الجهل العلا ... يكفيه أن قومته فتقوما # هيهات يصحو أو يواقع سلوة ... من لم يزل برضاك مغرى مغرما # أهون بما لاقاه من هون إذا ... لاقاك مرتاحا له متبسما # وجثا يقبل قبل راحتك الثرى ... غردا بما أوليته مترنما # بمتابة رسخ الهدى أثناءها ... علما وقام الحق فيها معلما # وكتبت إلى النجل الطاهر والقمر الباهر الأمير الأمجد الأسعد الوارث عن ~~آبائه الطاهرين إنجاز ما وعد وإخلاف ما أوعد، أبي عبد الله نصر الله ms105 لواءه ~~وحرس مجده المؤثل وعلياءه، وكافأ اهتمامه الكافي طارق الهموم الوافي، ~~بالخصوص من الأفضال والعموم واعتناءه أستشفع بمقامه، وأستدفع انتقام الأيام ~~بإنعامه: # مولاي دامت لك السعود ... أخطأت أخطأت لا أعود # مالي براح ولا انتزاح ... موتي في أرضكم خلود # كن لي شفيعا إلى إمام ... ليس على فضله مزيد # عادته العفو والموالي ... تعفو إذا أخطأ العبيد # وأظل شهر رمضان على ارتماض لفقد المسكن والسكون، وانقباض من تبسط الشجون ~~الجون، فشفعت وتر الاستقالة، وضرعت أثناء الشمل المصدوع بهذه المقالة، أعد ~~قومي البشرى، ولا أستبعد فوزي باليسرى: # بشرى بإسفار صباح النجاح ... عن صفحة الصفح وخفض الجناح # قد آذن المن بحوز المنى ... وأعلن الكدح بفوز القداح # هذا افتتاح الصوم مستقبلا ... عن اختتام بالرضى وافتتاح # إن الإمام الهادي المرتضى ... أكد بالعطف شروط السماح # لين سجايا عاطرات كما ... هز الرياحين هبوب الرياح # وحسن إسجاح يليه الندى ... لذا انفساخ ولذاك انسياح # لو جبل الدهر على حلمه ... لم يك منه للنفوس اكتساح # عفو الإمام الحق عن خاطئ ... أشرف للغايات منه طماح # قد راضه بالكبح تأديبه ... ولم يجاهر عامدا بالجماح # أذنب لكن تاب من فوره ... وفي قبول التوب رفع الجناح # حسبي شفيعا لك في هفوتي ... حب ونصح وثناء صراح # برح بي الشوق إلى حضرة ... ليس لمن وفق عنها براح # وهمت فيها باقتراب فلم ... تثمر لي الأقدار غير انتزاح # لا زلت والزلات شأن الورى ... تهتز للصفح اهتزاز الصفاح # فما راعني غير الأمان تسفر فيه البشراء، والانصاف من الزمان تبشر به ~~السفراء، في وقت زان مطلعه سعيدا، وكان مقدمه قبل العيد عيدا، فقلت مستقصرا ~~سرفي لقصد الإغضاء، ومستحقرا لوامي بشكر اليد البيضاء: # قابلت نعماك بالسجود ... لله من عطفة وجود # ولم أجد للحياة عدما ... وفي وجود الرضى وجودي # قد وصل الأمن والأماني ... بعد المضادة والصدود # فإن أكن قبل في صبوب ... فهأنا اليوم في صعود # نبهت بالعفو عن خمولي ... وكنت للهفو في خمود # هذا ظهوري من التواري ... هذا نشوري من الهمود # لا وحشة للوعيد عندي ... أزاحها الأنس بالوعود # يا مبدئا في العلا معيدا ... أيدت ms106 بالمبدئ المعيد # بأي حمد وإن تناهى ... أثني على صنعك الحميد # صفحت عمدا عن الخطايا ... وتلك من عادة العميد # وغير بدع ولا بعيد ... صفح الموالي عن العبيد # أينقص اليأس من رجائي ... وذلك الفضل في مزيد # أي امرئ في الورى شقي ... يأوي إلى أمرك السعيد # ما غرة العيد أجتليها ... يوم رضاك الأغر عيدي # وقلت بعد ذلك مشيدا بالتشفيع، ومشيرا إلى كرم الصنيع: # أيا بشراي قد وضح القبول ... وصح من الرضى أمل وسول PageV01P060 وشفع ~~نجله الأزكى إمام ... لمن صرمت وسائله وصول # فما لسواهما في الصفح عني ... يد عليا ولا من جزيل # أقالني الخليفة من عثاري ... فماذا في إقالته أقول # وكم قبحت ممالأة الليالي ... علي ورأيه الحسن الجميل # أنا العبد الشكور لما حبتني ... به علياه والمجد الأثيل # وإخلاصي به المولى عليم ... وإن لم يأت إجرامي جهول # أذوب إذا أحجب عنه شوقا ... إليه فكيف لو أزف الرحيل # وهذا ما جعلته مسكة الختام ولبثة التمام: # أجار من الخطب الأمير محمد ... فقمت بما أولاه أثني وأحمد # ويوم أتتني بالبشارة رسله ... سجدت وفي التبشير لله يسجد # وأملت بالشكر المزيد من الرضى ... وأية نعمى كالرضى تتزيد # وظائف ما أهملت حينا أداءها ... وبعض شهودي الأمس واليوم والغد # همام كفاني الحادثات اعتناؤه ... وقد عن لي منها مقيم ومقعد # فلا منة إلا له في تخلصي ... بيمن مساعيه الكرام ولا يد # ومن يك فرعا للإمامة والهدى ... فإن جناه الغض مجد وسؤدد # رآني مردود الشرائع كلما ... تقربت بالإخلاص أقصى وأبعد # نصيبي من الآداب حرفتها التي ... شقيت بها جارا لمن بات يسعد # وللحظ لحظ كل دوني خاسئا ... كأني وإياه شعاع وأرمد # فجمع من شملي وشملي مفرق ... ورفه من شربي وشربي مصرد # وصرح بالبقيا وما زال منعما ... له مصدر في الصالحات ومورد # وكانت هوى ألقى إليها بي الهوى ... فخلصني منها معان مؤيد # تشفعت فيها للإمام بنجله ... ونعم شفيع المذنبين محمد ! # نجزت الرسالة الموسومة بإعتاب الكتاب، صنعة الإمام الحافظ أبي عبد الله ~~محمد بن أبي بكر القضاعي المعروف بابن الأبار، رحمه الله تعالى ورضي عنه، ~~وصلى الله ms107 على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. PageV01P061 ms108