######OpenITI# #META# book_id: 4500 #META# epub_url: https://www.masaha.org/pages/download.php?flink=../upload_book/dl_file/4790.epub&bid=4500 #META# title: تاريخ ميورقة #META# المؤلف: أبو المطرف أحمد بن عميرة المخزومي #META# المحقق: محمد ابن معمر #META# المواضيع: جغرافيا البلدان #META# الناشر: دار الكتب العلمية #META# تاریخ الطبعة: 2007 ?? #META# عدد الصفحات: 158 #META#Header#End# ### | مقدمة المؤلف # / 2/ بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم. ~~قال الشيخ الفقيه الأجل، القاضي الأعدل، الكامل الأوحد الأفضل، أبو المطرف ~~أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي رضي الله عنه. # الحمد لله مصرف الأقدار على مشيئته، ومبتلي الإنسان من صرف الحدثان بما ~~هو متقاض لنقده ونسيئته، وصلى الله على سيدنا محمد ورسوله طليعة غيب السماء ~~لساكن الأرض وربيئته (1)، الذي عم الأنام حين بعث برسالته ويوم قبض ~~برزيئته (2). # هذا ذكر من خبر ميورقة وتغلب الروم عليها، من حين أدارت الروم أمرها، ~~وأرادت (3) أسرها، إلى أن محقت حقها، وملكت رقها، وأخرجت الإيمان من ~~قلبها، وزجرت أغربتها لفل غربها. وهو لأحد الرجلين متعلم لصياغة الكلام، ~~ومتألم (4) من صناعة الأيام، هذا يتعوذ من سوء القدر، وذاك PageV01P061 # يتعود صوغ الفقر (1) والغوص على الدرر، وقد يجتمع الأمران لواحد، فيحصل ~~من الكلام على فائد، ومن العلم بما جرى على شيء زائد. # والذي بعث على إثبات هذا الخبر، وندب إلى جمعه على الوجه المختصر، أحد ~~إخواننا ممن كان متربا (2) بتلك التربة، ثم عاد تربا (3) في أرض الغربة ~~(4)، فإنه/ 3/ حث على عمله بجد، وأشار إلى أنه عنده كنزل معد، فقلت قرى حظ ~~صاحبه منه قراءة، ومسرة بالإرضاء هي بالذكرى لتلك الأرزاء مساءة، ثم انتدبت ~~لرغبته انتداب المجيب، وأتيت بالأخبار عن ذلك الأمر الغريب، وأثبته في ~~الزمن القريب، وعلى الله التوكل وبه أستعين، وفي كنف فضله ومورد جوده أرغب ~~وأحدهما هو المنيع والآخر هو المعين (5). PageV01P062 ### | ابتداء أمر الجزيرة بالأخبار عن أميرها وتوليه لتدبيرها إلى وقت تدميرها # هو محمد بن علي بن موسى وكان في الدولة المهدية (1) أحد أعيانها الكفاة، ~~وأحمد من نهض بأعبائها من الولاة، إلى أن حط عن رتبته، وجووز إلى الأندلس ~~في نكبته، ثم استقل بعض الاستقلال، وولي بلنسية # (2) وما إليها من الأعمال، وبعد ذلك بيسير تبادل هو ووالي ميورقة (3) ~~محلي الولاية، PageV01P063 # وأحدهما كفؤ الآخر في الكفاية. # فعبر البحر إليها سنة ست وستمائة (1) (606 ه) وسار فيها بأحمد السير، ~~وحماها مما كان يتحيف ms01 غيرها من الغير، وسارت به ميورقة مثلا في العدل ~~الواضح السنن، أملا لكل نائي الوطر (2) نابي الوطن (3)، وكان يجلس لعامة ~~الناس عامة يومه (4)، ويأخذ الحق للضعيف من أقوى قومه، فأفعم قلب القلوب ~~مودة، وأقام على مد ظلال العدل/ 4/ مدة. إلى أن آثر عرض هذا الأدنى على ذلك ~~الغرض، وعرض له ما يعرض للأبدان الصحيحة من المرض، فجمع منهوبا بالمآل، ~~وصار منهوما (5) لا يشبع من المال، واقتنى ما بداخل البلد وخارجه من ~~الرباع (6) والضياع (7)، وما علم أن ما كسب فأملك PageV01P064 # من يده له يد الضياع. ثم خلع قومه من الأندلس فكان خبرهم بميورقة بدأة ~~الشر الذي باض وفرخ (1)، وماؤه رشح وبلاؤه رسخ، حسبما يفرغ من بيانه، ~~ويستوفى إن شاء الله تعالى في مكانه. PageV01P065 ### | وصف ما جرى من الجزيرة التي هاجت الروم لغزو الجزيرة # احتاج هذا الوالي إلى الخشب المجلوب من يابسة (1) فأنفذ عنه طريدة بحرية # (2)، وعمر صحبتها قطعة حربية، فخرجت على مرأى من تجار للنصارى كانوا ~~هنالك في قارب، ورب مسالم تحت أثوابه ضغن محارب (3)، فطاروا إلى طرطوشة ~~(4) بالخبر، ووعدوا ظفر الكفر إن نشب فيها بالظفر، فجهز PageV01P066 # المثلثة (1) لها ثلاثا من القطع صغارا، وقرنوا بها واحدا من الكبار ~~استظهارا، فخرجت لذلك المقصد، وجاءت حتى قعدت من طريق الإلفين بالمرصد، ~~فانفصلا بحاجتهما من يابسة، وقصدوا ميورقة البائسة، ومرا بالعدو الكامن، ~~ولا علم عند رجالهما من الأمر الكائن (2)، فخرجت عليهم القطع الأربع دفعة، ~~وفاتها غراب # (3) المسلمين سرعة، فطردت/ 5/ الطريدة حتى اقتنصتها، وخلصت إليها ~~واستخلصتها. # وجاء الغراب ميورقة خزيان بإسلام الحليلة، لهفان على منعها بالقوة أو ~~الحيلة، فعظم على الوالي ما حدث، وحدث نفسه بغزو الروم وليته ما حدث، ووجه ~~إلى ملكهم وهو جاقمه بن بطر بن أدفونش (4) يطلبه برد PageV01P067 # الطريدة، ويتوعده بالنكايات الشديدة، والاغترار بزمامه آخذ، وحكم الله ~~ماض وقضاؤه نافذ. # ثم أطاع الطمع، وجهز القطع، وأرسل منها العاديات سبحا، لا العاديات ضبحا ~~(1)، وحاول عين الخسارة وهو يظنها ربحا (2)، وهناك حال عن سننه المعروف، ~~وتعرض لهيج الحروب وهو لا يحسن من علمها تهجي ms02 الحروف (3). فجاءته قطعه ~~بأجفان رومية، وما صاب سهمها تلك الصائفة عن رمية، وممن حصلته في قبضة ~~الإسار، نصراني مشهور بالثروة واليسار، فاحتفظ به الوالي عند حفيظ، وطلبه ~~بمال غليظ، ثم نزل معه إلى عشرة آلاف. وفسح له أن يبعث عنها من يأتي بها من ~~غير إخلاف، فبعث إلى أهله في الظاهر أن يؤدوا ويدفعوا، ولحن # (4) لهم أن يردوا ويمنعوا، ففهموا ما أراد PageV01P068 # فأيأسوه، وأنسوا لقوله فأظهروا أنهم نسوه. PageV01P069 ### | قصة المسطح والمركب # واتصل بالوالي في أخريات ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين وستمائة (623 ه) أن ~~مسطحا من برجلونة (1) ظهر على يابسة/ 6/ وقعد عليها مخيفا، وأقام حواليها ~~مطيفا (2)، وأن مركبا من طرطوشة انضم إليه في ذلك المكان، وفيه من المال ما ~~يخرج حصره عن الإمكان. فأغذ حركة زهوه، وأعد قطع غزوه، وملأها بكماة ~~الهياج (3)، وحماة سرح الأثباج (4)، وجعل أحد بنيه، ووسمه بالتسمية لهذا ~~الوجه النبيه، فخرج حتى نزل بمرسى (5) يابسة ووجد فيه لأهل جنوة (6) مركبا ~~كبيرا، فأنشأ فيه تدبيرا، وعزم أن يعمره PageV01P070 # بالرجال، ويستظهر به في القتال. # فتم له ذلك في أقرب مدة، وفرغ مما كان بقي عليه من إكمال عدد وعدة، وسار ~~في تعبئة سارة، ونهض في جوار للمركب جارة، حتى طلع على المركب والمسطح، ~~وهما مرتبعان في ذلك الأبطح (1)، فدنا السواد من السواد (2)، وكان لما حضر ~~من جياد الماء حضر الجياد. وبرز المركب للمسطح فقابله وهو مصمم إليه، ~~وقاتله وهو مشرف عليه، فظهر المسلمون عليه ظهورا بينا، وقدروا الظفر به ~~هنيا هينا (3). # وكشفوا النصارى عن ظهر المسطح حتى أخلوه، ولم يشكوا في علو الأيدي إذا ~~علوه. فجدوا في حملتهم، ومالوا إلى جانب المركب بجملتهم، ولم تكن أحكمت ~~أسباب جريته، ولا أصلحت أداة توصيله إلى بغيته، فأحجم عن طلقه، وكاد يغرق ~~بقلقه، وبعد لأي ما استقل، ووجد المسطح فترة فنسل وانسل. # ولما علم أهل المركب أنه قنص قد أفلت من مخالبهم (4)، وقبس أظلم في عين ~~طالبهم، عطفوا على/ 7/ مركب النصاري وريحه هابة، وظهره لا PageV01P071 # ترمحه من تلك القطع دابة (1)، فحين ms03 دنا منه يئس من الخلاص، وأيقن أنه في ~~يد الاقتناص. فطلعه المسلمون من كل جانب، واقتسموه بين قاتل وناهب، ثم ~~رفعوا القتال، وجمعوا بين يدي الوالي المتمول والمال، وكان فيهم أربعة من ~~جنوة، هم أشهر أهلها يسارا وثروة، فقتل من ساعته من ذكر من أهل السعة، وكان ~~مرباعه (2) مال هؤلاء الأربعة، فأودعه عند بطانته، وجعل أمناء على ما لم ~~يدخل تحت خيانته. وعاد إلى ميورقة وهو يرى أنه غالب لملوك الزمن، بالغ ~~بسيفه ويزنيه (3) مالم يبلغه سيف ابن ذي يزن (4)، وغاب عنه أنه أشأم من ~~عاقر الناقة (5)، وأن طليعة عمله ستلحقها من الساقة ما ليس في الطاقة (6). # فإن الروم حين بلغهم الخبر قالوا خطب كبار، وأمر ليس عليه قرار، وكيف ~~نقابل رفع هذه الفتوق بالفتور (7)، أو ننام وليس بنائم ليل الموتور، وقد PageV01P072 # كان لأميرها أبي إبراهيم إسحاق بن محمد (1) فينا أيام تشيب النواصي، ~~وغارات تبلغ الأقاصي، حتى قطع عن البحر والساحل القاطع والقاطن، وأعاد ~~مواطئ لخيله تلك المواطن. والآن بذلك الكيل تكال، ففيما التلكؤ وعلام ~~الاتكال؟ # واجتمعوا إلى ملكهم الذي سميناه (2) فقالوا قد خامر الأمر الفظيع (3)، ~~وإن ضعنا فأنت هو المضيع، وكيف ترضى بخطة الخسف، أو تقنع لجبالهم وبحارهم/ ~~8/ بدون النسف والنزف (4)، وإنما هي خطتان إما سلم نقبلها كرها، أو حرب ~~(5) لا ندع فيها من وجوه النظر وجها، فإن اخترت الحرب ففينا العدة والعدد، ~~ومنا مع المدد البعوث والمدد (6)، ونحن نجهز بأموالنا جيشا يتلوه PageV01P073 # جيش، ولا ترضى أن يدوم لنا على الضيم عيش. وهذا النصراني المأخوذ بميورقة ~~نأخذ من ماله جملة، ونجعل ذات أيدينا للانتصاف من أعادينا وصلة. # فأخذ عليهم بذلك العهود، وأشهد على مقالتهم الشهود (1)، وأنفذ إلى ميورقة ~~كبيرا من النصارى، وطلب الوالي برد المركب والمال والأسارى، على أن يكف عن ~~المسلمين، ويصالحهم عشر سنين، وإن أصر على اللجاجة (2)، وصار إلى الرد في ~~الحاجة، فإنه يغزوه لا محالة، ويصدق بفعاله هذه المقالة. # فوصل الرسول ونزل، وأدى عن صاحبه ما طلب وبذل، فاستعظم الوالي هذه ~~الغرامة، وقال لا ولا كرامة ms04 (3)، وأعاد عليه الكلام فلم ينتفع بإعادة، وعاد ~~إلى الاقتصار على الأسارى دون زيادة، والوالي قد استخف بالأحوال المخيفة، ~~ومثل نفسه بصادق الحنيفية (4) مع كذاب حنيفة. # فلما علم الرسول أن يده لا تسمح بما أرعت، وأذنه لا تقبل على ما وعت، ~~أحال إلى الكدر كبوه، وأبلغه مقالة الملك وأنه أجمع غزوه، فأبرق PageV01P074 # وأرعد (1)، وأحفظه ما به توعد، وقال أو بلغ من حداثة الخبيث، أن يحدث ~~نفسه/ 9/ بهذا الحديث (2)، قل له للبلوغ سن لو كان يدركها، لكان يدع هذه ~~الدعوى ويتركها، ولو كان لنا أجفان تكفينا لركبنا إليه ثبج هذا البحر، ~~ونزلنا من سرارة (3) أرضه بين السحر والنحر. # ولم يعلم أن من الاعتزاز ما يهب هوانا (4)، وأن رب كلمة هاجت حربا عوانا # (5). فقام الرسول وهو يقول قد زل لسانك وستزل قدمك، وستندم على ما فرط ~~منك حيث لا يغني عنك قدمك، وما تغني أضغاث الأحلام (6)، إذا هاجت أضغاث ~~الكلام، وخرج حتى ركب ظهر مطيته، وعاد بما انطوى عليه إلى طيته (7). PageV01P075 ### | حديث ملك الروم حين عاد إليه رسوله من مراده مخفقا وللخبر المثير لأحقاده محققا # ولما انصرف صاحب الرسالة، وجاء على آخر المقالة، تملك الملك الغضب، وقال ~~عند القراع يعلم أينا النبع وأينا الغرب (1). وتهيأ للعبور، وأقام لتلك ~~الأمور، واستنجز طائفة الشرك موعودها، وأشهد على نفسه عابد الكنائس ~~ومعبودها، وكتب أهل النجدات على اختياره، وميز الفارس والراجل باختباره، ~~وأمر كل واحد من جنده أن يحضر من الدروع الفارسية والفرسية بأحصنها، ومن/ ~~10/ الترسة الذهبية بأحسنها، ومن الجياد بأفرهها # (2)، ومن الصعاد (3) بأشهرها وأشرهها (4). # وكانت هذه فريضة رباعية عني بحصرها، ولم ير السفر مظنة المشقة فيرخص في ~~قصرها، واستكمل من عدة خيله التي انتقاها هذا الانتقاء، وكلف أشقياءها هذا ~~الشقاء، ألفا وخمس مائة فارس، من كل محام ممارس، صابر PageV01P076 # على كل جهد، ناهد على أقب نهد (1). فأما الرجالة فكانت عدة أهل البلاد ~~منهم عشرين ألف راجل، بين رامح ونابل، وحام حامل، وخاتر حاتل (2)، وأكمل ~~لمراكب البحر من جوارحه (3)، وسراحين (4) مسارحه (5)، ستة عشر ألفا شرط ~~عليهم حمل ms05 السلاح، وأن يحضروا معه حومة الكفاح. # وأمر أهل السواحل بما شاء من الإنشاء، وفرغهم لنتاج الحاملات لعسكر ~~الماء، ووظف عليهم من أنواعها عددا، وضرب لهم في الوفاء بها أمدا، ووعد ~~الجميع مرسى شلوط (6) وهو أقرب المراسي للجزيرة، وأخصها PageV01P077 # بالمصالح الكثيرة، فإنه مرسى ترفأ إليه السفن، وتدنو منه العمائر والمدن، ~~بره سهل فسيح، وبحره لا تهيجه ريح، فهو مجمع لشاة تسام، وتاجر يستام (1)، ~~ووارد يسافر، وصادر كافر جاء به الكافر. PageV01P078 ### | وصف ما نشأ أثناء هذا التدبير من تهيب الروم لهذا المرام الكبير # / 11/ وبعد أن عزم النصارى على هذا الرأي، وشاهدوا ما لملكهم فيه من الجد ~~والسعي، تعقبوا النظر، واستشعروا الحذر، وقالوا يجب أن نتبين أقوم الطرق، ~~والشروع في العمل قبل تدبير الغاية من الخرق. وميورقة على ضم الرجال مبنية، ~~وهي للبعيد والقريب أمنية، فهي بالمقاتلة طافحة (1)، ثم هي لكبش السماء ~~مناطحة، وليمين الثريا مصافحة (2)، وركوب البحر إليها ركوب الغرر، وورودها ~~مظنة لسوء الصدر، والملك قد ركب رأسه، ووعد بها نفسه، وظن أنها أخيذة لشرك ~~(3) شركه، وأن بهذا المسلك تنتظم في سلكه. # فمن الرأي أن نقوم الآن من مجلسنا، وننهض إليه بأنفسنا، ونأتي عنده في ~~هذه العلة بقول شاف، ونبين عليه ما نتخوفه وهو عليه خاف. ولقد كانت ميورقة ~~فوق ما هالهم، وأعظم مما راع علمه جهالهم، وأعز من أن تطرد سرحها ذئابهم، ~~أو يطير إلى شهدها ذبابهم (4). ولكن قدر سبق، وقضاء من PageV01P079 # الخالق فيمن خلق، ومدة انقضت، ومشيئة نقضت عرى تلك المدينة الحصينة ~~فانتقضت. # فجاؤوه بالقصة مخاطبين، ولهدي الهدون خاطبين، وقالوا غزوك ميورقة طمع في ~~غير مطمع، وهذه بلاد الإسلام (1) منك بمرأى ومسمع، وأيها غزوت أمكنك فيه ~~عمل، وتم لك منه أمل، فراجع نظرك، واقبل ممن حضرك، وإن أنت على رأينا عزمت، ~~وطلبت/ 12/ عوضا من المال في الوجوه التي التزمت، اجتمع من ذلك لك المال ~~الجم، وانصرفت به إلى غزو (2) ما هو أقرب وأهم. فزجرهم عن هذا الرأي، ~~ونهاهم أن يتكلموا به أشد النهي، ومضى على عزمه في الاستعداد الذي لم ms06 يفتر ~~عنه ساعة، ولا أخرج عن فرضيه العيني والجملي واحدا لا جماعة، حتى استوفى ~~النخبة من الرجال والأجناد والزعماء، وتم له ما أراد من جيش البر وعسكر ~~الماء (3). PageV01P080 ### | سبب اختلاف الرعية الجاني على البلد أعظم البلية # قد تقدم أن أكثر مدة هذا الوالي كانت صفوا بلاد كدر (1)، ونفعا دون ضرر، ~~وأن أمور الرعية كانت عنده مرعية، وسياسته لم تزل سديدة مرضية، وما نقم منه ~~إلا ازدياد من الدنيا وحطامها، وانقياد من الأطماع في خطامها # (2). فلما تم على قومه من الخلع بالأندلس ما تم، وورد عليه من الخبر ما ~~انزعج له واهتم، أوى إليه طرداء منهم آواهم، ورق لبلواهم، فأشاروا عليه ~~بالاحتراس، وحملوه على إساءة الظن بالناس، وانضم كل ذي حي إلى حيه، ونقل ~~صاحبه إلى مثل رأيه، وهم قوم لهم الأفئدة غلاظ (3)، وكل منهم على غير صنفه ~~حنق مغتاظ، وقد وتروا (4) فهم يعضون الأنامل حسرة، ويرون/ 13/ التأثير في ~~أهل الجزيرة ثؤرة. فدبروا حصول هذه الغاية، ودبوا بين الوالي وبينهم ~~بالسعاية، وقرروا عنده أنهم يبغضون القبائل، وينصبون لهم الحبائل (5)، ~~وأنهم إن أهملوا أوقعوا بهم في الأموال والأنفس، وفعلوا بهم ما فعله أهل ~~الأندلس. PageV01P081 # وما زالوا يظهرون عنده على ذلك شبها، ويغرونه بالقوم ظلما وسفها، وحرصا ~~إلى أموالهم وشرها (1)، حتى غلبوا صبره، وأوغروا صدره (2)، وقالوا له يوما ~~إنا وترنا أعظم الترة، وأصبنا بالمصيبة الظاهرة غير المستترة، فأقر عيون ~~أعياننا، وأعطنا أجناد الأندلس لنقتلهم بإخواننا، فقال ليس هذا من شأني، ~~ولا آخذ البريء بذنب الجاني، وكيف أجري هذا المجرى، والله يقول(** " ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى" **) (3). # فأعادوا الرغبة حتى أيأسهم، وأظهر أنه يكره مجلسهم، فقاموا عنه غير ~~راضين، وما زالوا على الإيحاش له ماضين (4)، حتى احتجب عن الناس، وبالغ في ~~الاحتراس، وأجلس أحد بنيه للأحكام وهو حدث معجب (5)، وعذيق لا مرجب (6)، ~~فساءت الأحوال، وابتدأ الزلزال (7)، ورحل الحاضر PageV01P082 # وحضرت الأوجال، ووصله شيطانان دلاه على أمور، ودلياه بغرور، وقالا إن ~~الرعية قد استضافت أرض المخزن (1) إلى أرضها، وملكت كل البسائط بتملك ~~بعضها، ونحن ننقصها من ms07 أطرافها (2)، وننقضها باستصرامها. # / 14/ فأخرج أحدهما لذلك من يومه، وضم إليه ظلوما من قومه، فدخلت على ~~الناس أعظم داخلة، وحاروا بين أعمال من الجور متداخلة، ورفعت إليه هذه ~~الظلامة فنجه (3) الرافع، ووجه الوعيد الرابع، فيئس الناس من الإشكاء، ~~وكانت لهم أموال وضنوا في خالصها على الشركاء. PageV01P083 ### | حديث ما كان بالجزيرة من النظر حين ورد بحركة الروم صحيح الخبر # وفي سنة ست وعشرين وستمائة (626 ه) اشتهر أمر هذه الغزوة، وتواترت ~~الأنباء بها من الأندلس والعدوة (1)، فتحرك الوالي للاستعداد، وأخذ أهل ~~الجهات بأهبة الجهاد، فعرض وكتب، ودبر ورتب، وميز من قومه ومن فئة الأجناد ~~نيفا على ألف فارس ومن فرسان الحضر والرعية مثلهم ومن الرجالة ثمانية عشر ~~ألفا، فكمل ذلك على الحال الحسنة، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة (2). # ثم استدعى أهل البوادي في شعبان (3)، ولم يرخص في التخلف لأحد كائن من ~~كان، فنفروا إليه جميعا، وأمرهم بنقل الأطعمة إلى البلد فنقلوها سريعا. ثم ~~ضبط المراسي بالرجال، وأذكى العيون بمرابض السواحل ومرابئ # (4) الجبال، وقدم على كل جزء قائدا وناظرا، وجعل كل ما يحتاج عند/ 15/ ~~حضور القتال حاضرا. # فانتظر الناس عدوهم في تعبئة تسر الناظرين (5)، ورجوا نصر الله وهو PageV01P084 # خير الناصرين، وقومه يريشون ويبرون (1)، ويستغشون ولا يبرون (2)، ~~ويغلون في الأمر أشد الغلو، ويغلون يده عن الإعداد للعدو، ويقولون إن ما ~~تسمع من حركته محال لا يكون، والخطب فيه مع ذلك يهون. إنما الداء أعداء ~~منهم لك مكتنفون، وبدون دمك لا يكتفون، فبادر الرمي قبل أن تغلب على نشابك، ~~وتغد بمن يريد أن يتعشى بك (3). # وكانت الجماعة الأندلسية سخنة (4) أعينهم، ومضغة ألسنهم، فطلبوا من ~~الوالي أن يحظر عليهم حمل السيوف، ويأمر بتقلدها أهل القعود بداره والوقوف ~~(5)، فخرج بذلك أمره، وظهر من خلل الرماد جمره، وأوحشت تلك الحالة، وكثرت ~~في ثقالى الفريقين القالة. PageV01P085 ### | ذكر الثورة التي كانت باكورة البطشة الكبيرة وأول بلاء نزل من السماء على الجزيرة # لما ارتاع هؤلاء الأجناد، وسعى في صلاحهم الفساد، وهالهم ما بينهم وبين ~~طائفة الوالي من الخلاف، وتقرر ms08 عندهم ما يراد بهم من الإتلاف، اجتمعوا إلى ~~قائدهم وكان سمح الخليقة، حسن الطريقة، وشكوا إليه/ 16/ ما دهم ودهى، ~~وقالوا إن أمد الصبر قد انتهى، وإنما نحن مصبحون أو ممسون (1)، وكيف ~~تخفضنا السفلة ونحن الأعلون. فلم يقبل مقالهم أولا، وقال لعل فيما بلغ ~~متأولا، وما زالوا يحذرونه الغوائل (2)، ويأتونه على الأمر بدلائل، حتى ~~خاف على نفسه، وعاد يومه خلاف أمسه، وبدت البغضاء، وزال الإغضاء (3)، وتم ~~القضاء. # وعزموا مع القائد أن يطوقوا واليهم السيف، ودبروا أين وكيف، ثم اتبعوا ~~رأي مشيرهم المشيح (4)، وعزموا أن تكون الراحة منه في صلاة الترويح (5). ~~فلم يقض الله لحيلتهم أن تكون متوجهة، ولعله لم يرض أن تكون قتلته بالقتلة ~~الفاروقية (6) متشبهة، فإنهم لما عينوا الليلة والساعة، وقدروا لفنكة PageV01P086 # الجامع الجماعة، خرج منهم إلى أحد بطانة الوالي من سرى إليه بالسر، وكشر ~~له عن ناب الشر (1)، فرفع إلى الوالي الخبر، وقال له الحذر الحذر، وانتشر ~~الأمر فماج الناس، وهاج الوسواس، وقيل للقائد قد افتضحت القصة، وبصحة الأمر ~~عليك لا تكون لك في الحياة حصة، وليس أوان أناتك، فاحتل بالنجاة # (2) لنجاتك. # فركب بحد فليل، في عدد قليل (3)، وخرج يعثر في ذيل الويل (4)، وأتبعه ~~الوالي قطعة من الخيل، وكان قصد البادية مستجيرا ومستجيشا (5)، ولو بلغهم ~~لكان غيمه مرشا وجناحه مريشا، لكن/ 17/ أدرك وبينه وبينهم فرسخ، وباشر عند ~~حياته قاضي الحمام فقال يفسخ، وعفي ذلك الربط، وعفر ذلك الرهط، وحطت رؤوسهم ~~عن الأجساد، ورفعت فوق الصعاد، وطيف بها في الشوارع، وتطاول قوم الوالي ~~لإنزال القوارع. PageV01P087 # وقبض على جماعة من الجند حصلوا في السجون مودعين، وبالمنون موعدين (1)، ~~وجاءهم اليوم العبوس (2)، وحيزت منهم الأموال ثم حزت الرؤوس، وسحبوا إلى ~~السور ونصبوا عليه، وسلبوا حتى من ستر ما يحرم النظر إليه. وكان فيهم واحد ~~من أعيان البلد وفضلائهم صلى بما صلوا، وحصل حيث حصلوا. ثم إن الوالي أخبر ~~أنه قد اكتفى فكف، وأظهر أنه عفا وعن الدماء عف، فأهدى الأمان، وأهدر ما ~~كان، ولم تكن لأزمنة أمانه عدة محسوبة، بل ولا مدة محسوسة ms09 (3)، إنما كان ~~ينبذ به الاحتيال على الاغتيال (4)، وينسخه قبل التمكن من الامتثال، فقتل ~~ناسا، وأظهر من الفظاظة أجناسا. # وأتي برجل نجار، وكان بينه وبين القائد علقة جوار، وكان قد اطلع على سره، ~~وأراد الناس قتله خيفة شره، ولم يأمنوا أن يسم بريا بظلمه، أو يسمي أحدا ~~فلا تعمل الرقى في سمه، فحين حضر عند الوالي واستنطقه، تكفل له بالصدق إن ~~هو أطلقه، فقال تكلم فأنت طليق، وأقبل عليه وهو بالاختلاق في ذلك الموقف ~~خليق (5)، فأطال نجواه،/ 18/ ومعه مداد ودرج كتب به كل ما أملاه، فحينئذ ~~ساءت الظنون، وانتظر ما يكون، وانهل وبل البلاء، وسال غيم الغماء (6)، ~~وبلغت القلوب الحناجر (7)، واتهمت العيون PageV01P088 # المحاجر (1)، وبعد أن أسمعه النجار ما أسمعه، قتله وثلاثة معه، وكان وجد ~~بدار القائد عيدان منجورة، ظن أنها للثورة مدخورة، وقدر في النجار لسوء ~~بخته، أنها من عمله ونحته، فقتل بها ضربا وشدخا (2)، واقتدح منها زند ~~المنية فكانت عفارا ومرخا (3). PageV01P089 ### | قصة الغراب وتجهيزه بالحث وتوجيهه في البحر للبحث # وأثناء ما ذكر كانت أخبار العدو تزيد، وقضاء الله ينفذ كما يريد، فرأى ~~الوالي أن يجهز غرابا يصل غدوه بمسراه، ويذهب حتى يعاين مجتمع العدو في ~~مرساه. فزجر منه أشأم طائر (1)، وزجى منه واردا غير صادر، فإنه بعد أن شارف ~~المجتمع، وقارب أن يرى وأن يسمع، عصفت عليه ريح ردته، ولو لا كمال عدته ~~لأردته، وما زالت تقلبه ظهرا لبطن، وتغلبه على اختياره وهو من أمر العطب ~~على غير أمن، حتى انتهت به إلى غايته الشقية، ورمت به بنشكلة (2) قاصية ~~الثغور الشرقية. وهنالك تورط في الساحل، وعنى جوابا على السائل، وأخذ أهل/ ~~19/ بنشكلة جميع عدده، وجاء النصارى فأضرموا النار في جسده، وكان صحيفة ~~استعجمت وعهدت مقروءة، وعينا (3) لميورقة أصبحت مفقودة مفقوءة (4). PageV01P090 # وفي أثر الغراب أرسل الوالي سلورة (1) منجحة، نفضت على فضاء البحر أجنحة ~~(2)، وخرجت تستوضح الأنباء المشكلة، حتى انتهت إلى وادي كونة المجاور ثغر ~~بنشكلة. وعدم ذلك الساحل الحياطة فاعتمدته بحط، وأسرت فيه من الروم تسعة ~~رهط (3)، ثم انصرفت بتسعتها (4)، تقتادهم ms10 بنسعتها (5)، وسئلوا بميورقة عن ~~الجمع فقالوا قد تكامل للنهوض لمرساكم، وكأن به قد صبحكم أو مساكم (6). # ثم عزز الوالي من صغار القطع الحربية بثالث، وأمره بالاستجلاء لحقيقة كل ~~حديث حادث، فصادفت ريحا حرج البحر بحرجفها # (7)، وقطع القطعة عن طريق تعرضها وتعرفها، ورمت بها سردانية (8) فأغارت ~~في سهلها، PageV01P091 # وأخذت خمسة من أهلها. ولما استفهمهم الوالي أحال بعضهم في الشهادة على ~~النفي، واعتذر بالانقطاع والنأي، وبعضهم قال إن أهل أرغون (1) في هذه ~~السنة لا يتفرغون، وهم ببلدهم شاتون، وفي الربيع المقبل آتون. # فقبل الوالي هذه التوسعة، واستخشن الهيجاء واستحسن الدعة، وأذن في الناس ~~(2) أن العدو غير وارد، والمثلثة في القعود على رأي واحد، وسار أهل البادية ~~وسرهم، وبرأهم من/ 20/ مسألة القائد وبرهم، وأذن لهم في الرجوع بقضهم ~~وقضيضهم (3)، وخلا منسك الإمساك من منفضهم ومفيضهم، وإنما أراد أن يفرق ~~الرعايا، ويظهر ما خبأ من البلايا. PageV01P092 ### | بيان ما أحدثه الوالي مما أضرم نار الحرقة وأبرم أسباب الفرقة # وعند خلاء الجو، وجلاء أهل البدو، ثارت أراقم (1) ضغنه، وكر بالأبطال ~~على نص أمنه، وأمر صاحب شرطته أن يأتيه بأربعة من كبراء المصر فساقهم، وحين ~~حضروا عنده ضرب أعناقهم، فطرحوا بالعراء، ثم أخرجوا على هيئة فرطهم من ~~الإعراء. وكان فيهم ابنا خالة، كانا في البلد على أحسن حالة، وخالهما أبو ~~حفص بن شيري ذو المكانة الوجيهة، والموطن لنفسه الكريمة على الكريهة (2)، ~~وسيأتي ذكره في حصار الجبل، وما كان له فيه من سداد الرأي والعمل. فأما ~~أحدهما فجزع عند قتله، وأما الآخر فصبر صبرا ما عهد من مثله، وكان لا يخلو ~~عن طهارة الحدث، فاستقبل القبلة غير مكترث، ودخل في صلاته وقر، وضربته ~~السيوف حتى خر. # وعند ذلك ضاق الرحب، وعظم الرعب (3)، وتعاور (4) جثث القتلى من الحركات ~~الجر والنصب، فضاق الذرع بالمكروه، وفر إلى البادية كثير من الأعيان/ 21/ ~~والوجوه، واجتمعوا بابن شيري فأخبروه بما نزل، وعزوه فيمن قتل. وقالوا هذا ~~أمر لا يطاق، ونحن كل يوم إلى الموت نساق، فإن تداركنا الأمر ببقية الذماء، ~~أو شك أن نخلص ms11 من هذه الغماء، وإلا فزرعنا حصيد، وما منا إلا من هو بشرك ~~الشر مصيد (5)، وكيف لا نثقف في الرأي أحسن تثقيف، PageV01P093 # ولا بقاء لكوفة كفاتنا مع مبيد ثقيف (1)، وعاهدوه على طلب الثأر، ~~وعاقدوه على الإنجاد بأهل الأنظار، وبات الوالي تلك الليلة يقلب يديه (2)، ~~وينظر فيما لديه، ويرى أنه قد توسط من الشر لجة # (3)، وناظر بحجة السيف وحاذر مثلها حجة. PageV01P094 ### | حديث مفاجأة الأسطول وإطلاله على الساحل للنزول # وأصبح الوالي يوم الجمعة منتصف شوال، والناس من خوفه في أهوال، ومن أمر ~~العدو في إمهال، فدعا بصاحب شرطته المنزوع الحياء والرحمة، وأعطاه بطاقة ~~بخمسين من أهل الوجاهة والنعمة، وأمره بإحضارهم، وعرفه بأنه في انتظارهم. ~~فانقض عليهم بذئابه العادية، وكلابه العاوية (1)، وحشرهم وهم سكارى (2) من ~~الذعر (3)، أسارى في يد القهر (4)، قد نزلت بهم النوائب، وقامت عليهم ~~النوادب، فاليوم عصيب والريق عاصب # (5)، وخصاب الحياة ناصل/ 22/ وهم فراقها ناصب، وحضروا بدار الوالي وقومه ~~قرمون (6) للحومهم، منتقمون من كرمهم بلومهم. حدث بعضهم أنه كان يرقب عين ~~المنية متى تنظره (7)، ويروم قراءة آية من القرآن فلا تحضره. PageV01P095 # وبينا العيون شاخصة، وظلال العيش قالصة، وأيدي المنون قابضة قابصة (1)، ~~وعين الردى حارسة، وشجاجه (2) باضعة وحارصة، أقبل فارس على هيئة النذير ~~العريان (3)، وظن الناس أنه يحدث من عصيان الرعية عن العيان، ودخل من ~~ساعته على الوالي فسأله ما الخبر المزعج، ولم هذا العدو المرهب المرهج ~~(4)؟ فقال قد جاءكم الروم، وهذه طيور مراكبهم على الساحل تحوم، وما جئت ~~بالقلب المروع، حتى عددت فوق الأربعين من القلوع. # وما فرغ من إعلامه، ولا انقضى آخر كلامه، حتى جاء آخر من جانب آخر (5)، ~~وقال إن أسطول العدو قد تظاهر، وأنه عد سبعين شراعا، PageV01P096 # ورأى السفن لجانب البر سراعا، فصح الأمر عنده بما انضم من القرائن إلى ~~الأنباء، وبقي مترددا في الجماعة بين القتل والإحياء (1). ثم عزم على ~~استبقائهم، وأمر باستدعائهم، فسمح لهم بالصفح والعفو، وعرفهم بخبر العدو، ~~وأمرهم بالتجهز للغزو، فخرجوا إلى دورهم، وكأنما أنشروا من قبورهم (2). ~~وتقدم الوالي بالتنوير في البرج المنيف، وجعله في ms12 استنفار الرعية علامة هي ~~مناط التكليف، فقال الناس نار وراءها جندلة المراجم # (3)،/ 23/ ووافدها وافد البراجم # (4). وإنما أراد أن يوقع في شرك شررها، وتتم له حيلة تبسطنا من PageV01P097 # تبصرها، فما عشي إليها عاش # (1)، ولا بات أحد إلا وقد غشيه من الذعر غاش. # ثم جاءهم ثقاتهم في الخبر بالثبت، وذلك في اليوم الثاني الذي هو يوم ~~السبت (2)، وفيه وصل بعض الأجراء الساحلية، فحققوا أنهم عاينوا العدو فيما ~~يليهم من البحر مارا، ولكتائبه البحرية الحربية جارا، وانهم عدوا من القلوع ~~مائة وخمسين ريحها رخاء (3)، وعدوها في تلك الأرجاء إرخاء # (4)، فدل طريقهم أنهم يؤمون جهة مخصوصة، ويقصدون المرسى المعروف بشنت ~~بوصة (5). PageV01P098 ### | خبر الروم حين تأهبوا بالمرسى المذكور وتهيأوا من عبره للعبور # لما اصطفت هنالك الكتائب، واصطافت القطع والمراكب، وآن أن ينزل الفارس ~~ويركب الراكب، وذلك في آخر شهر رمضان من السنة (1)، ورائد الأنواء (2) يشكك ~~في الأمنة، ويقضي بما يكون في المستقبل قضاء الكهنة، رأى الروم الرياح ~~متخالفة، ورجة (3) البحر لسكونه خالفة، وقالوا شهور القيظ قد انقضت، ومدة ~~سكون البحر قد مضت، وبروق هيجانه قد أو مضت، ولا يخفى أن الفصل مخيف، وكيف ~~الإقدام على سفر بحري خفيره الخريف، وما من مجتهد إلا وبحظر/ 24/ هذا السفر ~~قد أفتى، وإذا PageV01P099 # لم يتأت الآن فنتركه إلى أن يتأتى. # فمشوا إلى ملكهم على أن يطلبوه بأحد الأمرين: إرجاء السفر إلى الربيع إذا ~~جاء (1)، أو الانصراف بالغزو إلى أي بلاد البر شاء، فلما دخلوا عليه سبر ~~معولهم، وسبق بالكلام أولهم، وقال حضرتم على غير وعد، وقد أردتكم لما أعهده ~~إليكم من عهد. ثم قال إني لوجهي هذا ماض، وبرض المشاق فيه راض، ولست آمن من ~~الاخترام، قبل الظفر بهذا المرام، وخرج إن مات على أولياء الطاغوت (2)، أن ~~يضعوا جثته في التابوت (3)، ثم يركبوا السفين، ويحملوا معهم الدفين، ~~ويرحلوا به عند الرحيل، ويقدموه وقت القتال في أول الرعيل (4)، فإذا أخذ ~~البلد واروه في تربته، وقضوا بذلك ذمام صحبته، وقال هذا عهدي إليكم فأنفذوه ~~إن كان التثليث معتقدكم، وليت تماثيل أهل ms13 الإنجيل متعبدكم. # ثم حلف بالولد والوالد، والمتكثر غير الواحد (5)، إن عاش فالراحة PageV01P100 # منه مطلقة (1)، ومراجعتها بشرط أخذ الجزيرة معلقة، وأنه إن تمكن من برها ~~فلا يفارقه حتى يملكها، أو تصادف نفسه دون ذلك مهلكها، فلما بلوا ما عنده، ~~ووعوا أليته وعهده، اتفقوا على إسعاده، وتعاهدوا على ترك مرادته ومراده، ~~وبقوا على البحر يرتقبون إجازته، وينتظرون أن يقطعوا بركائب المراكب ~~مفازته. PageV01P101 ### | عاد الحديث عن إطلالهم على البر وإطلاقهم أعنة الشر # / 25/ ولما طاب البحر للمسافر، واغتنم الكابر الحرد سجاحة الكافر، فركب ~~بجمعه، ولج حتى لجج في قطعه، وحين أتم العبور، وقصد بنزوله المرسى المذكور، ~~أخرج الوالي جماعة تسد تلك المسالك، وتمنعهم النزول هنالك، فباتوا على ~~المرسى في الرجل والخيل، وأجفان الروم سطور تمنع قراءة سوادها سواد الليل. # وبات المقدمون على الجماعة وهم من قوم الوالي يتجارون المنكر، ويتهادون ~~المسكر (1)، وهم بالمعاقرة (2) عارفون، وللمقارعة عائفون، وقال لهم الناس ~~إن هاهنا مرسى آخر (3)، ولا نأمن أن يقصده الروم فعزمهم ساهر، والليل لهم ~~ساتر، وإن جاؤوه ولا حامي له نزلوا بساحته، وحصلوا على استباحته، والرأي أن ~~تكون هنالك جماعة تذكي العيون وتمنع هذا المتوقع أن يكون، فزجرهم أولئك ~~المقدمون، وقالوا كيف تنصحون وأنتم المتهمون (4). # فلما جن الليل على النصارى ذهبوا كما قدر، وتأتى لهم النزول حيث ذكر، ~~فنزل منهم تلك الليلة بذلك المرسى خمسمائة فارس وعشرة آلاف راجل، فأصبحوا ~~هنالك في الثامن عشر من شوال، وهو يوم الاثنين، وسار إليهم الجمع ولا رغبة/ ~~26/ لهم في إحدى الحسنيين، فحين رأوهم PageV01P102 # تهيأوا وحاموا، ثم تهيبوا وخاموا (1)، فاندفعوا أمامهم، وقصروا فركب ~~الروم (2) قصرهم وهامهم، واتبعوهم أميالا، وأخذوا لهم خيلا وقتلوا منهم رجالا. # وكانت هذه الهزيمة أول البلايا (3)، وفاتحة الرزايا، وعنوان الشر النازل، ~~وابتداء المرض القاتل، وخلا للروم وجه الساحل فتوافوا عنده، ونزلت بقيتهم ~~بقية ذلك اليوم وليلة الثلاثاء بعده (4). PageV01P103 ### | حديث الوقعة الكبرى # وعندما انتهى إلى البلد ذلك الفل (1)، واستقر بجمع الروم ذلك المحل، عزم ~~الوالي على النهوض لقتاله، وحشر من غاب وحضر من فرسانه ورجاله، وخرج وحاله ~~عن ms14 المآل تترجم، وأمره يقضي بنحسه من لا ينجم. # فرغب الناس منه أن يتأنى قليلا، ويجعل بين البلد وبينه ميلا، ويتربص ~~بالرعية نزول نازلها، وتفرغ حالبها وناقلها، وتأتي الاستظهار بفارسها ~~وراجلها. # فتصلب في مناجزة أهل الصليب، ومشى على غير نظام ولا ترتيب، ومعه من ~~الفرسان ألفان إلا مائتين، قليلون بالمعنى كثيرون (2) في العين، فأما ~~الرجالة فكانوا عشرين ألفا، أكثرهم ما شهد زحفا، ولا حضر من مصاف القتال صفا. # وبات بهم ليلة الثلاثاء في منزل نزله،/ 27/ وقد ولى من حاكم الاستبداد ما ~~عزه ثم عزله، وركب إثر صلاة الصبح، وعارضه لا تبدو منه مخيلة النجح (3)، ~~فكان دأبه في مشيه أن ينادي قومه المرة بعد المرة، ويستطعم ما عندهم ليوم ~~الكريهة المرة (4)، وإذا لقوا العدو فكيف يجالدون، وبأي عزم يجاهدون (5)، ~~فيجيبونه بأنهم يثبون إليهم ويثبتون لمثليهم، ويشربون كل جنان حب الحفاظ، ~~ويشرعون كل سنان إلى تلك الأفئدة الغلاظ، حتى دنا من عسكر الروم، ومعه ألف ~~الغيران وقفا المهزوم. PageV01P104 # وهنالك جاءه فارس أخبره أن جمع العدو فرق ففر، وذعر فابذعر # (1)، فالتفت إلى قومه وقد ساءه انهزام الروم بغيرهم، وذمرهم على التباطؤ ~~في سيرهم، فتبادروا لتنسب إليهم الهزيمة، وتكون لهم الغنيمة. وكانت هنالك ~~عقبة عرض عليه الناس أن يقف على رأسها، ويبني أمر الحرب على أسها، فأبى إلا ~~النزول للنزال، والهجوم على الليوث في الأغيال # (2)، واعتمد من سعد يومه ما كان حبلهم المبرم، وجيشهم العرمرم. ثم إنه ~~استوقف العسكر، ونزل فلبس الدرع والمغفر، وتقلد الأبيض (3) واعتقل الأسمر، ~~وركب بين الرجالة، ومعه صورة الجزالة، وظهرت للروم طلائع أصاب المسلمون ~~فيهم فرصة، وحاصوا أمامهم فاقتطعوا منهم حصة. # وبرز صاحب طرطوشة وكان قد احتفل لهذه الغزوة، واستظهر بالعدة/ 28/ ~~والقوة، وسرح بكل مارد (4) مازج، وسبح في بحر من الحديد مائج. ويزعم ~~النصارى أنه كان قد أنذر قبل دخول الجزيرة بأنه يموت في وقعتها، ثم يكون ~~استيلاؤهم على بقعتها، فحمل بجماعته، وشد بالعصاة من PageV01P105 # أهل طاعته (1)، فسلوا السيوف واستسهلوا الحتوف، وأبصر الذين شقوا موقف ~~الوالي فشقوا إليه الصفوف، وأفرج المسلمون ms15 لهم حتى توسطوهم، ثم ضربوهم ~~بالسيوف حتى فرشوهم على الأرض وبسطوهم (2). وحمل جماعة من الرعية على ما ~~يليهم من الصف فقرعوا نبعه، وفرعوا هضبه، وخسفوا وثيق البنيان، وكشفوا فريق ~~الصلبان. # وبينا بحر الحرب يعب، وريح النصر تكاد تهب، جاء الوالي أحد قومه وقال إن ~~الروم قد احتدم ثأرهم، وزخر تيارهم، وقد حدقوا زرق الأسل، وحلفوا لأخذ هذا ~~الجبل، وإن ملكوه سفلنا بصعودهم، وصرنا نقدا لأسودهم، فتوقهم بتوقله (3)، ~~وخذ أعلاه وتخل عن أسفله (4). فراطن قومه أن يستتروا بجنته (5)، ويتقوا ~~وقع القنا بقنته (6)، فأجفلوا إليه كالظلمان (7)، وأرادوا الاعتصام به من ~~ذلك الطوفان (8)، فانتقضت تلك العزيمة، وحسب الناس أنها الهزيمة، فولوا ~~الدبر، وعظم الخطب وكبر، وكل من صعد الجبل لم يمكث PageV01P106 # فيه فواقا، وانحط عنه فرارا وأزمع له فراقا. # وكان الروم قد اتبعوا منهزمتهم/ 29/ ليردوهم، وأرادوا أن يقطعوهم عن ~~الطريق للهرب ويصدوهم، فخلأ الفريقان المعترك، وهرب الذي هرب وما رهب ~~الدرك، ثم إن الروم تراجعوا فوجد واردهم المحلأ محلا، وأصابوا الجو خاليا ~~والسلاح مخلا، واتبعوا المسلمين على طريق المدينة وهم عنها عائجون (1)، ~~وإلى الفتن عارجون (2)، فلذلك قلت في هذا الزحف قتلاهم، وتلاحق في النجاة ~~آخرهم بأولاهم (3). ولم ينجح منهم أحد إلا أعزل أكشف، ولا كان فيهم من ~~أبقى بيده ولا على جسده الدرع ولا المرهف، فاحتوى الروم على كل ما طرحوا، ~~وجالوا بقية يومهم هنالك وسرحوا، ثم ظهروا بالعدة والعدد، وأقبلوا لحصار البلد. PageV01P107 ### | قصة الحصار وما حفظ فيه من الأخبار # وارتحل النصارى إلى المدينة، ونزلوا منها على الحريبة (1) الحزينة، ~~وأحاطوا بها في الكثر والقل (2)، ونزلوا عليها من جهة باب الكحل (3)، ~~فضربوا الأخبية وضموها، وأكملوا أهبة النزل وأتموها، ورتبوا فرسانهم ~~ورجالتهم، وأقبلوا بالسفن فجعلوها في البحر قبالتهم، فملأت ذلك المهرق # (4) سطورها، وأرخيت على وجه الماء ستورها. وكان الشتاء عن نابه قد كشر ~~(5)، والفصل لملاء غيمه قد نشر، والوقت مظنة/ 30/ ارتجاج البحر العجاج، ~~وإقبال أفواج PageV01P108 # الأمواج، فما لعبت أيدي الرياح بتلك الرخاخ، ولا لغبت تلك النعم المعقلة ~~في ذلك المناخ. # ثم إن الروم أقاموا المجانيق، ms16 وأحكموا بناءها الوثيق، وصنعوا منها ثلاثة ~~قائمة في الهواء، قاصمة بالداهية الدهياء # (1)، مظهرة قطع الجبال طيرا مسخرات في جو السماء، ترمي فوق العشرين ربعا، ~~وتملأ القلوب رعبا، وكان رميها داخل البلد فأخليت جهة وقع حجارتها، وتنحى ~~المزور عن طريق زيارتها، وعدلوا عنها إلى أقل حجما، وأقتل رجما، وأمطر ~~سحابة (2)، وأكثر إصابة. # فكملت في الأيام القريبة، ومني البلد منها بالأيام العصيبة، والرزايا ~~المصيبة، وكان رماتها أخذوا قراءة الرماية عن القارة، ورموا منها عن القسي ~~الصقارة، فاستعملت في تركيب السور طريق التحليل، وجاءت بما لا قبل به من ~~الخطب الجليل، وتمكن الداء من ذلك الجسم المعتل، واشتكى البناء من الحجر ~~المنهد بالحجر المنهل، وعزائم المسلمين في القتال ثبتت وما انثنت، وقوتهم ~~ما وهت ولا وهنت. # وكانت لهم على باب الكحل قنطرة يخرجون عليها إلى العدو، ويمنعونه من ~~التبسط والدنو، فرأوا هدمها مكيدة، وحسبوا زوالها منفعة عتيدة، PageV01P109 # واتفقوا على تعطيل تلك المسلحة (1)، وغفلوا عما كان فيها من المصلحة. # فإنهم لما هدموها تعذر/ 31/ عليهم الخروج، وأحاط بهم العلوج (2)، وخلا ~~لهم ذلك السبيل فسلكوه، وأخذوا البناء الذي كان بطرف القنطرة فملكوه. # ولما رأوا أن ضرب المجانيق وإن هتم # (3) وهتك (4)، وفت وفتك، وأنهب أكثر مما ترك، لا يوصل صلالهم (5) إلى ~~الوخز، ولا يمكن لصوصهم من فك الحرز، دلفوا إلى البلد بركب الكرب، وتركوا ~~ظاهر السور للمرسى وطلبوا باطنه بالنقب، فحفزوا وحفروا، وتوافوا على الجد ~~وتوفروا، وأجنت منهم أطياف الثرى أشباه الجنة، وسكنوا بطون التراب أمثال ~~الأجنة، من كل ضب كضب في مغارته، وشانئ شان تحت الأرض لغارته، منجحر كالصل ~~في الصر، مستكن في صدر الثرى كالسر، سار في تلك الظلمات، ساكن وهو من ~~الأحياء منازل الأموات. # وكان خندق البلد قد أحكم خرقه، وعظمت سعته وعمقه، فقدروا PageV01P110 # أنهم قد نزلوا تحته، وأخذوا إلى جهة البلد يؤمون سمته # (1)، فأخطأوا طريق ذلك المغلق، وأفضى بهم النقب إلى جانب الخندق، فانبجست ~~به ينابيعهم، وخنست منه يرابيعهم، وحينئذ مالوا إلى السفل بالحفر، وهوى في ~~تلك الهاوية من كان هنالك من شرذمة ms17 الكفر (2). PageV01P111 ### | حديث اجتماع أهل البادية لإصراخ الحاضرة ومناجزة فئة الكفر الحاصرة # / 32/ وثابت إلى الرعية سكينتهم، وأنفوا من أن تحصر مدينتهم، وقالوا ~~أنسلمها للعدو ولنا القوة والجلد، وفينا العدة والعدد؟ ولو قرعناه لقلعناه ~~(1)، ومتى أردناه طردناه، وجمعوا وحشروا، وطووا ونشروا، وانظموا والتأموا، ~~وتلببوا واستلأموا (2)، وأرسلوا إلى الوالي أن ابعث لنا رجلا نكون طوعه، ~~ونأمن من روعه، فندب لهم من قومه مشهورا بسوء البخت (3)، مشهودا له عند ~~البحث بالجبن البحت (4). # فلما دنا بهم من عسكر الروم هاج به الخور (5)، وهاله قبل الخبر الخبر ~~(6)، وفر عن القصد المروم بالقلب المروع، وفرق تلك الجموع بفرقه المجموع. ~~وهذا الشخص هو الذي أشار على الوالي يوم الوقعة الكبرى PageV01P112 # بالإسناد في الجبل، والاستبداد بذلك العمل، وكان ذلك سبب الكسرة الخاصة ~~بالبلد، الحاصة (1) أجنحة المدد، وبقيت الرعية على نصرة البلد حراصا، ورجت ~~أن تجد له من أسر الحصر خلاصا. # فأعادت على الوالي رغبتها تلك، واقترحت من بنيه من ينظم ذلك السلك، فأبى ~~غير ذلك المشؤوم، وأخرجه ثانية لمناجزة الروم، فلما رأوه تشاءموا بوجهه، ~~وهموا بنجهه (2). وطلبوا من الوالي غيره فما أسعفهم، وأعادوا الرغبة عليهم ~~فعنفهم، ولما برز بهم/ 33/ هذا القائد الواهي ركنه، المجرب شؤمه وجبنه، مشى ~~بأنكد جد، وأنكل حد (3)، ودنا من العسكر في العدد الأكثر، والجمع الأوفر، ~~ونذر بهم الروم فركبوا تلقاءهم، وقصدوا لقاءهم. # فلما أطلوا من بعيد ولاهم قفاه، وأطاع مصرفيه الجبن والشؤم فما استوقفاه، ~~وفر قبل لف الخيل بالخيل (4)، وجر على المسلمين ذيل الويل، فإنهم بفراره ~~انتقضت عراهم، وأعداهم ما عراه من الوهل (5) فعراهم، واتبعهم النصارى ~~فقتلوا منهم مقتلة كبيرة، وأمطروا عليهم من البلاء سحبا غزيرة (6). PageV01P113 ### | ذكر ابن عباد ومصيره إلى ارتداء الخزي بالارتداد # هذا الرجل (1) كانت له في الجزيرة نباهة، وعند رعيتها وجاهة، وما عرفت ~~منه سفاهة ولا جربت عليه إلا مروءة ونزاهة، إلى أن برئ منه القرآن (2)، ~~وانسلخ من آياته فأتبعه الشيطان (3)، وخرج إلى الروم مرتدا وادعى أن يرهب ~~لهم حدا، ودعا للرحمن من الولد ما تكاد تخر له الجبال هدا (4)، وطلب منهم ms18 ~~إمارة البلد، والتزم إسلامه إليهم في أقرب المدد. # فتلقوا بالقبول ردته وإرادته، وعاونوه على الشقاوة التي محقت سعادته، ~~فطلب منهم للناس عهودا بالأمان، وكتبا بالإحسان، وصدر كل كتاب/ 34/ ببسملة، ~~وأودعها ما يليق بكل شخص من مسألة، وخرج بها وقلبه على جرمه جريء، والله ~~من عمله بريء، وجاء حيث جال بالتلابيس الإبليسية، ودعا الناس بالدعاية ~~المسيحية، وأعدى القلوب مرضا فأزالها عن الهيئة الصحية، وأقبل بالكتب إلى ~~تلك الكثب فانهالت وانهال عارض شره PageV01P114 # على تلك الأودية، فسالت وحقق ما كان فيها من الأمل، واستفز باسم الله ~~فيها من سبق له الشقاء في الأزل، وقالوا ليس بين الدينين تضاد، والمسيء من ~~نصادفه وهو عن القبول صاد. # فصالحوا الروم على أداء ما كان يلزمهم، وأمضوا من هذا الرأي ما اتفق عليه ~~أعجزهم وأحزمهم، وفتنوهم بما أظهروا لهم من كرامة يستحل قبولها الضعاف، ~~ويستحلى طعمها وهو السم الزعاف، وهذا أعظم بلاء رمي به الناس، وحق به ~~البأس. فإن هؤلاء أعانوا النصارى بالأقوات والعلف، ورفعوا عنهم ما كان ~~أزعجهم وأعجزهم من الكلف، واتخذوا منهم رجالا أنسوا منهم الإقبال، فناطوا ~~بهم الآمال، وجلبوا لهم ألطافا، وهزوا منهم أعطافا، فاطمأنت بهم الدار، ~~وتمكن لهم الحصار. ولو لا أنهم هادوهم وهادنوهم، وسكنوا إليهم وساكنوهم، ~~وأمروهم فأطاعوا، وماروهم بما استطاعوا، لانفضوا بسبب الإنفاض من الميرة ~~(1)، وكان إعسارهم بالنفقة موجبا مفارقة الجزيرة (2). PageV01P115 ### | نظر أهل البلد في بعث النذر لتلافي هذا الأمر النكر # / 35/ ولما انتهى إليهم من تلك الموافقة غير الموافق، وعلموا ما تجلبه ~~الرعية إلى النصارى من الأقوات والمرافق، أحسوا بالعذاب الواقع (1)، ~~ويئسوا من الدواء النافع لهذا السم الناقع (2)، وقالوا الآن علمنا أن ~~الإسلام مخذول وأن البلد مدخول (3)، وكيف البقاء ومنا الداء، وبجيرتنا ~~اجترأ علينا الأعداء، ثم أداروا الرأي في هذا الخطب الذي يتدارس ذكره، كيف ~~يتدارك أمره؟ # فرأوا أن يبعثوا إلى الرعية جماعة من وجوههم (4) تسمعهم الملام، وتنشدهم ~~الله والإسلام، وتعظهم وطاغيتهم (5) الجامح في طلق الغواية، الطامح إلى ~~الرئاسة القاتلة بالسراية، فخرجت الجماعة المندوبة، وأملها أن تصفو الحالة ~~المشوبة، وتسكن ms19 النار المشبوبة (6)، فلقوا في طريقهم من استطلعوه الخبر، ~~واستملوا منه ممالأة من آمن لمن كفر، فقال لهم إنكم منذ PageV01P116 # برزتم من السور ففي أرض الحرب (1) أنتم سائرون، ولأولياء أهله أنتم ~~مسافرون، فهالهم ما سمعوا، ويئسوا مما فيه طمعوا، وهموا بالانصراف، وقالوا ~~لا تلافي لما سبق القدر أن يكون سبب التلاف. # ثم إنهم قالوا أردنا أمرا، ولا بد أن نبلي فيه عذرا، ونبلو منه وفاء أو ~~غدرا (2)، ومشوا بتلك النية، وانتهوا إلى/ 36/ مجتمع الرعية فتلقوهم ~~بأريحية، وحيوهم أحسن تحية، وقالوا لقد جئتمونا في وقت الحاجة، وقد أنضجنا ~~من الرأي ما لا ينسب إلى الفجاجة (3)، وأردناكم لمباشرته فدعونا من اللجاجة ~~(4)، إنا صالحنا الروم على شروط، ولا بد معهم من عقد مربوط، ونريد أن ~~تحضروا معنا الصلح، ليكون عقده أوثق وأصح، فقال القوم لهم معشر المسلمين لا ~~تشكوا بعد يقينكم، واتقوا الله في مدينتكم ودينكم، أتخذلون إخوانكم وتولون ~~عنهم؟ وتتولون الكافرين ومن يتولهم فإنه منهم (5)، فكيف ترضون بهذه ~~القطيعة الفظيعة، أولا ترون ما يؤول الأمر إليه من الخطوب الشنيعة، فقالوا ~~لا بد من مشيكم معنا مكرمين إن أطعتم، أو مكرهين إن تمنعتم (6). # ثم حملوهم مستحلين لظلمهم، وقالوا للملك هؤلاء في حكمك PageV01P117 # والبلد في حكمهم، فحبسوا في خباء، وحبوا شر حباء (1)، وكان فيهم خطيب ~~المدينة (2) فأمروا جميعا بالكلام مع أهلها، وأن يعرض عليهم الخروج بقطيعة ~~يقررون على بذلها، فمشوا إلى البلد المحصور، ووقفوا موقف القصور، ونادوا من ~~وراء السور، وقرعوا للإصاخة (3) بابا، وتكلموا وانتظروا جوابا، واستومرت ~~المدينة قبل الاقتراع فصمتت (4) وما حصل رضاها، واقتضيت التمكين من نفسها ~~فمنعت من اقتضاها. # وعاد المذكورون وما سمح لهم بلفظة، ولقوا من/ 37/ النصارى أشد غلظة، ~~وقالوا لهم أنتم لحنتم لأهل البلد بما شجعهم بعد الجبن، وقواهم في حال ~~الوهن، وكان حردهم # (5) على الخطيب أشد، وظنوا أنه لو أراد لرد عن PageV01P118 # التوقف وصد، فهموا به وبهم مرارا، وفر منهم من استطاع فرارا، وأعيد ~~الخطيب إلى الكلام ثانية وثالثة، وحذر من أيدي الشرك عائثة عابثة (1)، وقال ~~للوالي إن قبلت نصيحتي ms20 فاقبل من الكافر ما طلب، وسلم الناس فكأن بالشر قد ~~بلغ وبالشرك قد غلب، فأمره بأن يخزن لسانه، ولا يسمع أحدا ما أبانه، ولو ~~علم الناس خفة تلك القطيعة المضروبة، لأوشك أن يغلبوه على السلم المطلوبة، ~~لكن كانت ملحمة كتبها الله على أولئك الخلق، وقولا حق عليهم بمشيئة الواحد ~~الحق، وصار من بقي من أولئك الأشياخ مع الخطيب في حكم الرق. PageV01P119 ### | رجع الحديث إلى أمر الحصر وما أخطأ أهل البلد بإصابة القدر من النصر # ولم يزل الأمر في شدة، والرعية في رداءة وردة، والسور يخرق بكل هدة (1)، ~~وبلاء الضرب يبلى منه كل جدة، حتى قنط الراجي، وكان باليأس من النجاة ~~التناجي، وحذر الهول وهال المحذور، واتسعت النقوب وضاقت (2) الصدور، وتجلد ~~المسلمون للخطب،/ 38/ وأخذوا من جهتهم في النقب، فخبطوا في ظلمة الأرض خبط عشواء # (3)، وصادفوا مغارات الروم فشنوا فيها الغارة الشعواء، وقتلوا عدة من ~~رجالهم، وصدوهم عن مجالهم. # وقعدوا هنالك مقاعد للسمع (4)، وحكموا في جناية النباش بعقوبة القطع، ~~ورتبوا رجالا على كل فوهة، وأقاموا هنالك في أهبة غير ذات أبهة، ولو أنهم ~~متعوا بالقوت لمنعوا، ولو حفظوا لما ضيعوا، وما زالوا هناك في ضيق من العيش ~~والقرار، وعضاض (5) مع ضباع ذلك الوجار (6)، حتى غلبهم PageV01P120 # الروم فافترسوا ذيابهم (1)، لا بل احترشوا ضبابهم (2)، وتم لهم الخلوص ~~إلى السور، ووجب مهر المحنة بإرخاء تلك الستور. # وكان أحد قسيسيهم (3) قد حلف وهو مصر على مأثمه (4)، مستسر في مجثمه ~~(5)، أنه لا يبالي من الاختفاء حتى يظهر البلاء، ولا يصعد حتى ينزل (6) ~~البناء، فزعموا وعزموا (7)، وعدموا المدافع فنقبوا ودعموا، وعلم المسلمون ~~أن النقب قد تمكن، والإجهاز على جرمح السور قد أمكن، فاتخذوا بنية يقف ~~عليها المقاتلة، وبنوا سورا يخلف الأول إذا أودت به علته القاتلة، وفرغ ~~النصارى من أسباب هده، وعلموا أن بأيديهم فسخ عقده، وأنه قنص علق به فخهم، ~~وعقيرة تطاولت إليها فسحهم، فركبوا السلاح، وقربوا للكفاح، واصطفوا على ~~الخندق، وأخذوا من البلد بالمخنق. PageV01P121 # ولما فرغوا من تعبئتهم، نادوا من يخرج/ 39/ لتلبيتهم، فخرج الوالي بنفسه، ~~وضم ms21 إليه من اختار من أبناء جنسه، وجاءه عم أبي الملك القومط نونة (1) ~~فسلم، وأذن له في الكلام فتكلم، وقال أنت من خيار قومك، وما أقل من نراه ~~يلم بلومك، فأسلم البلد وسلم أهله، ودع وعر الأمر واركب سهله (2). # فقال وما الذي رأيناه، حتى نبيح ما حميناه، ونبيد ما حويناه، قال إنك إن ~~جعلت الإباية جوابا، ولم تر في هذه الصفقة (3) إيجابا، فإنا نأخذ البلد ~~عنوة، ونغتنمها غزوة (4)، وآية ذلك أن في هذه الساعة يسقط السور، وينكشف ~~السر المستور. # ثم أشار بإضرام اللهب، فيما كان تحت السور من الخشب، فظهرت في الوقت ~~علامتها الصادقة، واستطارت من باطن الثرى تلك الصاعقة (5)، PageV01P122 # وأظلم الجو من ذلك الإسراج، وسقط السور ومعه ثلاثه من الأبراج (1)، وزحف ~~الروم إلى القتال، وماج عسكرهم بالأهوال، ووقف المسلمون على بنيتهم، بصدق ~~من نيتهم، فأغنوا غناء الكرام، واستسهلوا صعب ذلك المقام. # ولم تزل الكرات تتمادى، والجراح تتهادى، والحديد للحديد قارع، والسيف بين ~~الفريقين واصل وفيهما قاطع، حتى حجز بينهما المساء (2)، وقد أغامت بمثار ~~النقع السماء، وباكروهم القتال، وخلطوا بالرجال الرجال، واستمر ذلك يوما ~~بعد يوم، وأفنت الحرب/ 40/ قوما إثر قوم، وخبايا البلايا تبدو، والمعاول في ~~المشيد تشدو، ونعرات المجانيق بركائب الجلاميد تحدو. # هذا ونوء الشتاء قد أمطر، والخصر (3) بالبرد الذي أفرط صائم ما أفطر، حتى ~~ضنيت (4) الجسوم، وكثرت الكلوم، وكل المسلمون وتكالت الروم، ووصلوا إلى ~~نقب السور الجديد، وصالوا عليه ببأس الحديد الشديد، PageV01P123 # والناس في الأمر المريج غير المريح (1)، وهم من الصريخ على اليأس ~~الصريح (2)، فوقع البناء الذي نقب، وحان الأمر الذي كتب، وتكلف المسلمون ~~ليلتهم تلك بناء ما سقط، والجهد فيهم قد حكم وقسط. # وأصبحوا للقتال الشديد، والبلاء العتيد، وكل من الفريقين يكر ويقدم (3)، ~~والمسلم يبني والكافر يهدم (4)، حتى إن الرجل يضع الحجر فيؤخذ من يده، ~~ويريد ضرب البناء فيقع الضرب في جسده، فأودى الحي والجماد (5)، وأسرع في ~~الكائنين الفساد، وطال بالسيف الجدال والجلاد. PageV01P124 ### | وصف ما جرى من الرأي المدار عند ما شامه الناس من بوارق البوار (1) # ولما رأوا ms22 أن الخطب قد أسرف، والبلد على الهلاك قد أشرف (2)، وما آلت ~~الحال إليه من الهزل والأزل (3)، والعجز عن شب وقود الحرب بالحطب الجزل، ~~ولم يشكوا أن ما هم فيه فبالعطب يقضي، وإلى اليأس/ 41/ من السلامة يفضي، ~~كلموا الوالي في بقايا الأنجاد أن يحصروا ويحصوا، ويطعموا ويكسوا، ويفرغوا ~~للقتال، ويكفوا ما عداه من الأعمال. # فاستقبح هذا الرأي الحسن، وخشي أن يستسلف منه بعض ما أوعى واختزن، فجرى ~~بينه وبينهم كلام أحرجه، وملام إلى الخوف على نفسه أخرجه (4)، فدعا أحد ~~كبراء قومه وخرج له عن التدبير، وأقعده مقعد الأمير، فاختار الرجل ألف راجل ~~لذلك المعنى، ولو أتي غنى الوالي لكان قد أغنى، وطلب منه سلف مال وطعام ~~يصلح لهذا الغرض، فما أجاب إلى القرض دون قبض العوض. # فتخلى الرجل عما نيط به، ورد الأمر إلى الساعي في عطب الناس PageV01P125 # وعطبه، ومنع من جمع الرجالة شحا على النفقة، وصيانة للإثمد (1) بإتلاف ~~الحدقة، وكان إذا تكلم معه في أمر الناس، وإشرافهم على اليأس، يخبر بقرب ~~الفرج، ويعد بسلامة البلد والمهج، اتكالا على والي إفريقية (2) أن ينهد (3) ~~لإغاثته، فانظر إلى هذا العقد ورثاثته والقول وغثاثته (4)، وقيل إن كتاب ~~هذا المنجد جاء بعد شهرين من دخول البلد بالسيف، يعد بالنصرة عند إقبال ~~زمان الصيف. PageV01P126 ### | فرار ولد الوالي # وكان له ولد ينافس بعض إخوته (1)، ويحسده/ 42/ على مكانته عند الوالد ~~وحظوته، وكان يدل بالخلق الرضي، ويدلي بولادة لم يكن فيها حظ لهذا الحظي، ~~ولم يزل ينطوي من هذا الأمر، على أحر من الجمر، ويرصد الغوائل (2) لأبيه، ~~ويخطر بخاطره من المنتصر أمر الشاب الشبيه. # فلما رأى حال البلد، وقدر التشفي من الوالد والولد، ركب جنح الظلام (3)، ~~وارتكب جناح (4) الأثام، وخرج إلى الروم فأكرموا مثواه، وذموا له أباه ~~الذي أباه (5)، وأصبح الناس من خبره مرتاعين، ولأمر أبيه مراعين، فأدناهم ~~وجمعهم، وأخذ في البراءة منه معهم، وأخبرهم أنه منذ عقل ما صدرت عنه PageV01P127 # يمين، كانت مما يصدق أو يمين (1). # ثم حلف لهم أن القصة كانت عنه محجوبة، ولو علمها لما أخر ms23 عن ولده العاق ~~عقوبة، وبكى حتى أبكى، وتولى من أفلح وتزكى، ونفى من أضرم نار ولهه وأذكى. ~~ومن الاتفاق أن يوم خروجه وقع حجر المنجنيق في مقعد الوالد، فكاد يقتله لو ~~لا تأخر الأجل الوارد، فقيل إن الولد أطاع غوايته، وعين المكان فسوى عليه ~~الرامي رميته. PageV01P128 ### | خروج أبي حفص بن شيري من البلد وتمام الأخبار عن مفارقة روح الإيمان لذلك الجسد # ولما رأى ابن شيري أن العدو قد استشرى، وطمس على/ 43/ المسلمين طريق ~~البشرى، ولم يشك أن حامل الداهية تطلق (1)، وأن المدينة بأكبر الرزايا ~~تصبح أو تطرق، خرج إلى البادية بنجدة يعدها، ونصرة يستجدها، وليسعى في ~~إفساد ما كان بين أهلها وبين النصارى من وصلة قاطعة، وهدنة خارقة غير ~~رافعة، عائدة بكل قارعة. فجمعهم ووعظهم، ومن سنة تلك الجهالة أيقظهم، وتولى ~~أمرهم على ألا يتولى أحد منهم كافرا، وأن يكون له بقلبه ووجهه منافيا ~~منافرا. # فأجابوه لما شرط، وقبضوا من الروم ما كان انبسط، وأجمعوا على الانقطاع من ~~معسكرهم، وقتلوا من كان منهم بين أظهرهم. فأوجس الروم منهم خيفة (2)، ورأوا ~~الشدائد بهم مطيفة، وقالوا إن احتبست المدينة، وانقطعت عنا الميرة المعينة، ~~والبرد قد خشن جانبه، والبحر قد خشي راكبه، وهدنة الرعية قد انتقضت، وأيام ~~إرفادها وإرفاقها قد انقضت، فنحن في قبضة الهلك، وطريق النجاة عويصة السلوك ~~على الخيل والفلك. # ولم يبق إلا أن نقاتل البلد (3) بجملتنا، ونصدمه بسيل حملتنا، PageV01P129 # ونتساقط على ناره كالفراش (1)، ونوسد (2) على موصد بابه كلاب (3) ~~الهراش (4)، وإنما هو الظفر أو المنون، وإذا أخذنا البلد فما بعده يهون، ~~وكان هذا يوم الجمعة الحادي عشر لصفر، (11 صفر 627 ه)، وقد وطن على الموت ~~من أزمع السفر إلى سقر. # فلما كان يوم السبت/ 44/ قاتلوا البلد كما عزموا وزعموا (5)، وملأوا دلاء ~~البلاء وأفعموا، وساورت الليوث المغتالة، وتسور مواضع الهدم الرجالة، وكان ~~يوما أيأس من السلامة، وأذكر بهوله هول يوم القيامة (6)، وقاتل أهل الأحد ~~في يومهم وهو الثاني، وتذامروا على التواني، ووسعوا ما تثلم من تلك ~~المباني، وزحفوا عن آخرهم، وتحملوا ms24 الحديد في باطنهم وعلى ظاهرهم، وشدوا ~~على المشيد فهشموه، وكروا على ما دعموا فأعدموه، وعارضوا من صدهم فصدموه، ~~ووصلوا القتال بالليل، وتطاردوا تحته كالسيل، وتطارحوا على البلد رجالة ~~وعلى الخيل. PageV01P130 # وأصبحوا يوم الاثنين والحمام (1) عابث في تلك المهج الصابرة، والسهام ~~طائرة إلى القلوب الطائرة (2)، والحمى يمنع ويطرق، والثلم (3) ترقع وتخرق، ~~وغشيهم من الرجالة أمثال الدبا، ملأوا الوهاد والربا (4)، وقيل قد بلغ ~~الماء الزبا (5)، وكل صارم الجد ونبا. لكنهم ردوا وأردوا، وصدموا وصدوا، ~~وأمداد الروم في الزيادة، وبإزائهم صبر من المسلمين أكرمهم الله بالشهادة. # ولما رأوا رجالتهم يعنون ولا يغنون، ويدانون بالرد إذا يدنون، حملوا ~~بالخيول وقد درعوها، وركضوا الصافنات (6) إلى تلك الصفاة (7) فقرعوها PageV01P131 # وفرعوها (1). وتقدم أحدهم فأقحم فرسه في تلك الثلمة، وأضرم قبسه في تلك ~~الظلمة، وكان/ 45/ على الفرس درعان غديرهما (2) يبرد حر الطعان، وحديدهما ~~يجدع مارن المران (3). فنكل عنه الناس وانتقضت الأساس، وحق اليأس، ثم دخل ~~ثان وثالث، وحدث معضل واعضل حادث، وخلص الرجالة إلى السور المتشعث فتمكنوا ~~من هدمه، وصدقهم الشيطان في زعمه، ونفذ حكم الله ولا معقب لحكمه (4). # ولاقوا في أول الشارع من كرام المسلمين جماعة، حبسوهم هنالك ساعة، وثبت ~~معهم الوالي زمنا، وأبلى بلاء حسنا، ودخل اللعين ابن عباد، المحتقب من ردته ~~شر عتاد، فعدل بهم عن تلك الطريق إلى أخرى، وتمت بقضاء الله البطشة الكبرى، ~~ورجفت الراجفة (5)، وجالت في البلد الخيول الجارية بل السيول الجارفة (6)، ~~وذهبوا بتلك النضارة، وأحالوا السيف على المقاتلة والنظارة. PageV01P132 # فكم ثغر (1) كلح (2) بعد الابتسام، ورضيع فطم بالحسام، وغر # (3) ما جرى عليه القلم (4)، سال بجاري دمه اللقم (5)، وأعزل وجاه رامح، ~~وجزع فاجأه بالقرح قارح، ومصونة عفر جبينها، وحامل تبعها في إفاتة الحياة ~~جنينها، ومطرت سحب الدماء سحابة ذلك اليوم، وسميت السابحات بالسبح الذي هو ~~بمعنى العوم، وقطعوا الوالي عن قلعة البلد (6)، وفاجأوه وهو في عصبة قليلة ~~العدد، فدخل أحد الديار، وأحاط به شرذمة الكفار، ودخلوا إليه واكتنفوه، ~~أنكروه ثم عرفوه (7)،/ 46/ وسأل حضور القومط نونة فحضره في مجلسه، وسار ~~معه إلى محبسه (8). PageV01P133 # هذا ms25 والحدمة (1) محرقة، والحطمة مستغرقة، (والأعضاد تنصف، والأعضاء تقصف، ~~والصدور تشهق) (2)، والنفوس تزهق، والهام بشادخ الصخر تحصب، والدوائب بقاني ~~الدم تخضب. واحتبست القلعة بمن فيها من الخلق، ورجوا أن يخرجوا عن حكم أهل ~~البلد في القتل والرق، وجاءهم ملك أرغون فوعدهم بالإحسان، وكتب لهم ~~بالأمان، واشترطوا النفقة عليهم حتى يظعنوا بسلام، ويلحقوا ببلد الإسلام. # ثم تؤول عليهم في الإيمان، وبيعوا بسوق الهوان، وجمع الأسارى فامتلأت بهم ~~الأرض، وكأنما جمعهم العرض، مولهون حيارى، سكارى وما هم بسكارى (3)، ~~والنساء في أيديهن الأطفال، والرجال في أعناقهم الحبال، فمن كبير يحرم ~~القوت ولا يرحم (4)، وصغير (5) يستطعم أمه وأين المطعم، وفعل الحال للماضي ~~ينسي، والبطون على الطوى تصبح وتمسي (6)، والحياة كلا حياة، وذوات النعمة ~~عدن ذاويات. PageV01P134 # وكان جمد البرد على نقيض وقدة الحزن، وكانون الثاني يثني على غير الكن ~~(1)، وليس على القوم إلا ما يواري، وقد كبا الزند الواري، وتفقأت القلع ~~السواري، فجاءهم من الأجل ما كانوا يريدون، ومات منهم في تلك الأيام مثل من ~~قتل أو يزيدون (2). # وقيل إن القتلى حين جمدت بسفك دمائها الصيبة، وأنتنت جثثها/ 47/ بفقد ~~أرواحها الطيبة، جمع النصارى من القسيسين أكبرهم، وذكرهم بنعمة الله التي ~~ليست في الآخرة تذكرهم، وشرع من عند نفسه ما يقضي العجب من قائله، وقال من ~~أخرج من البلد قتيلا فله مثل أجر قاتله، وأمر الملك بإحصائهم فبلغوا أربعة ~~وعشرين ألفا، قتلوا على دم واحد رضا (3) وحطما وقصفا. PageV01P135 ### | خبر الوالي بعد انقضاء حربه إلى أن صار إلى جزاء ربه # هذا الرجل كان بالجزيرة قد استبد بإمارتها، واحتوى على فلاحتها وتجارتها، ~~وعني بجمع المال الجم، ولم يخرجه في وجه من وجوه البر والإثم، وفارق شهواته ~~غير هذه الشهوة (1)، وظن أنه جمع من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة ~~أولي القوة (2). والنصارى أهل جزاف يقبلون محالا، ويقولون إن المسلمين أكثر ~~أهل الأرض مالا، فلما حصل عندهم لم يشكوا أن في ورقه وعينه وفاء بوسق ~~مراكبهم، وأن المشاهد منهما والغائب يصل إلى شاهدهم وغائبهم (3). # فقالوا له أين الكنوز، وجوزوا من ms26 كثرتها ما يحكم العقل بأنه لا يجوز، ولم ~~يجدوا له من ذلك العدد الدثر # (4)، إلا مقدار الثمن فيما باع مدة الحصر، فأسلموه إلى العذاب المهين، ~~وظنوه/ 48/ بالعين عين الضنين، وجمعوا له عداوة المنع إلى عداوة الدين. ~~وعاش خمسة وأربعين يوما في PageV01P136 # النكال الشديد، والهول المذيب للحديد، وسيم أنواع البلاء في ليله ونهاره ~~(1)، وحمل من ثقل السطوة به ما لعله يخفف من أوزاره (2). # ومن جملة ما طرأ له في هذه الأيام أن حمل إلى أحد معاقل الجزيرة وأهله به ~~ممتنعون، وللذب عن حماه مجتمعون، فأمر أن يكلمهم في النزول والتسليم، وأطمع ~~أن يخفف عنه من العذاب الأليم، فدعاهم فما لبوه، وأمرهم بالانقياد فعصوه. ~~فأحضر النصارى له ولدا سنة ستة عشر عاما، ضربوا بين يديه عنقه تنكيلا له ~~وإرغاما، ثم أحضروا آخر ليقتلوه فتنصر، وبذلك كف عنه قاتله وأقصر. # ثم إنه رد إلى البلد، وأبقي في العذاب الذي لا بقاء عليه للجلد، فما بض ~~(3) لهم بقطرة من البحار المظنونة (4)، ولا أباحهم ما قيل من الأموال ~~المصونة، فقضى العجب من أمره، وتحدث من شاهده بجميل صبره، ومات PageV01P137 # تحت العذاب، ولحق بمن عنده أم الكتاب (1)، وأذن ملك الروم لأهله في غسله ~~وقبره، وأخبرهم بأن ما جرى عليه لم يكن من رأيه ولا عن أمره، واصطفى من ~~بناته من اختار، وسائر أهله قاسوا مع الأسارى الإسار. PageV01P138 ### | قصة الجبل # / 49/ هذا الجبل (1) يمنع من سكنه، وله من الجوانب الوعرة ما حصنه، وفيه ~~من الخصب والفواكه ما طيبه وحسنه، وحين غلب الروم على الجزيرة سنة ثمان ~~وخمس مائة (508 ه) أنجى أهله من عدوانهم، وعصم من أوى إليه من طوفانهم (2). # فلما تم على البلد ما تم، وخص الرزء باليوم الأشنع والخطب الأفظع وعم، ~~نجا إليه الفل وهم ألوف، ورجوا أن يشمخ بأنفه الشامخ منهم أنوف (3)، ~~فأنجدهم حين استنجدوا، واحتضنهم كأنه حضن وهم قد أنجدوا، وأصبحت فجاجه وهي ~~بهم قد غصت، وطاروا إليه وأجنحتهم من القوت قد قصت (4). # فجمعهم ابن شيري وكتبهم، وانتقى الأنجاد وانتخبهم، وبلغ عددهم عنده في ms27 ~~بدء الأمر ستة عشر ألف راجل، بين أصلي وواصل. PageV01P139 # فأما عدد الرؤوس فيه فكانوا يقدرون بخمسين ألفا، سقطوا عجفا (1) وضعفا، ~~ونسف الحمام والحسام أرواحهم نسفا، فنزلوا عند رأيه، وأطاعوه في أمره ~~ونهيه، وحصن الحصون الثلاثة، ومناهم المعونة والإغاثة، وتعاهد المصالح، ~~وجعل على المسالك مسالح (2)، فكانوا مع القوة يهبطون إلى السهل لطلب ~~الميرة، ويجدون حاجتهم من الأطعمة الكثيرة، وربما تلاقوا مع الروم فظهروا ~~عليهم ظهورا مستغربا، وأخذوا من خيلهم مغربا، ومن رجالهم مغربا. # ولقد هابهم الروم أول الحال،/ 50/ ونادى إمام ضلالهم عند وابل وبالهم ألا ~~صلوا في الرحال، لكن هؤلاء يقاتلون ووراءهم القوة والنجدة، والعدد والعدة، ~~وهؤلاء يجالدون والربا فيهم قد فشا، والقر لا يكسر سورته حر الحشى، والجوع ~~قد قعد بمن مشى، وعدم المنتاش فتوهمه الناظر أنه قد انتشى. # وكتبوا إلى أهل منورقة (3) أن يمدوهم بالطعام، ويعينوهم على المقام، PageV01P140 # فأجابوهم بأنهم يعطونه منه جملة كثيرة تزلفا بهذه المأثرة، ويبيعون منهم ~~مثلها نسيئة إلى وقت الميسرة. وعلم النصارى ذلك فجعلوا على الطريق من ~~أجفانهم مانعا من الإجازة، قاطعا للسفر في تلك المفازة، فاشتد الغلاء بعدم ~~الغلة، وعدم من يقوم بسد المهمين الثغر والخلة (1). # ورقى النصارى إليهم في بعض الأيام فصدقوهم القتال، وأجالوا عليهم ~~الأوجال، وثبت المسلمون لهم بثبوت صاحبهم، وفلوا مضارب الظبي من مضاربهم، ~~وقتلوا منهم نحو السبعين رجلا، لم يتركوا للذئب وللنسر فيهم أملا، فإنهم ~~أكلوا منهم وتزودوا، وذلك بعد ما أفنوا بقايا الزاد وأنفذوا، وأنسوا بهذا ~~الترخص، وشرهوا إلى القتال الداخل في باب التقنص، فكانوا يقاتلون من جاءهم، ~~ويقتسمون أسلابهم وأشلاءهم، ووجدوا في لهواتهم حلاوتهم. PageV01P141 # وشاهد الروم ضرهم وضراوتهم،/ 51/ فزحف إليهم خميسهم (1)، وأتتهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم في تلك الأساليب أباليسهم. # وكانت بينهم وقائع ثبت فيها ابن شيري مع كرام من أصحابه باعوا بالجنة ~~أنفسهم، وقبلهم رضوان وفي مجالس السعداء أجلسهم، وفي آخرها جاءته الشهادة، ~~وتلقته من ربه الحسن والزيادة، وصار إلى الله مجاهدا في ذاته، صابرا على ~~جهاده من الحد في آياته، وذلك ضحى يوم الجمعة عاشر ms28 ربيع الآخر من سنة ثمان ~~وعشرين وستمائة (10 ربيع الثاني 628 ه)، ومولده (رحمه الله تعالى) يوم ~~الجمعة غرة شوال من سنة إحدى وخمسين وخمس مائة (551 ه)، وجده شيري رومي ~~الدين وعليه فتحت الجزيرة (2)، وله ولسلفه PageV01P142 # قبله فيها المنزلة الشهيرة الكبيرة. ويعتزي إلى جبلة بن الأيهم (1) الذي ~~خاف القصاص وقد بدرت منه لطمة، وعرف أنها من الفاروق رضي الله عنه عزمة، ~~فخرج إلى ملك الروم من حينه، ولحق به عائذا به، عائدا (2) في دينه، وخبره ~~مذكور، ونسبه في غسان مشهور. # ولما استشهد (رحمه الله) اختل بعده الأمر جملة، وعدم بقايا المسلمين ~~بينهم وصلة، ولجأوا إلى بعض رعان (3) الجبل، وهم في غاية الوله والوهل، ~~وأرسل الله بالشتاء والثلج كل عارض وكاف، فمات منهم هنالك نحو ثلاثة آلاف، ~~وغلبهم الروم، ونفذوا القدر المحتوم، وبيع/ 52/ الأسارى بالثمن البخس، وغار ~~لهم نجم السعد (4) واستولى طالع النحس، فاهلكوا وأبيدوا، PageV01P143 # وأسروا وقيدوا، وصار قصصهم عبرة، وملأ مصابهم القلوب حسرة. # وأما الحصون الثلاثة (1) فإنها امتنعت حتى صولح أهلها على السياحة في ~~الأرض، والسماحة لهم بثلث ما عندهم من النقد والعرض، وطلبوا أن يكون نزولهم ~~للملك وبمشهده، وكان قد صدر عن الجزيرة إلى بلده، فخوطب بالحديث، وجاءهم ~~بالعزم الحثيث، فنزلوا على سلم محلية، وركبوا الأمر بهيما # (2) لا شيء عليه من سية، وسيروا في سفن رومية، وأخذ الكراء على الضعيف ~~ممن خرج ببقية، فلحق المترب بالترب، وثووا من حال الفاقة بالمحل الخرب، ~~وباستخلاص هذه المعاقل الثلاثة خلصت الجزيرة لأهل التثليث، وبتسلمها نفض ~~الإسلام منها يده (3) وهذا آخر الحديث. PageV01P144 # والحمد لله الذي بيده البسط والقبض (1)، وبإذنه تقوم السماء والأرض ~~(2)، وصلى الله على نبيه الذي به عرفت السنة والفرض، وبتأييد الله له أحاط ~~بعدد الشرك وعقده النقص والنقض (3). PageV01P145 ms29