######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009235 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن العديم #META# 010.AuthorNAME :: المولى الصاحب كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله ابن العديم الحلبي #META# 011.AuthorBORN :: لا يوجد #META# 011.AuthorDIED :: 660 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: زبدة الحلب من تاريخ حلب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: تواريخ البلدان والعوائل :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: زبدة الحلب #META# 030.LibURI :: JK_009235 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: خليل المنصور #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت / لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1417 هـ - 1996 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | القسم الأول حلب قبل الإسلام اسمها زمن إبراهيم الخليل # اسم حلب عربي لا شك فيه . وكان لقبا لتل قلعتها . وإنما عرف بذلك لأن ~~إبراهيم الخليل صلوات الله عليه ، كان إذا اشتمل من الأرض المقدسة ، ينتهي ~~إلى هذا التل فيضع به أثقاله ، ويبث رعاءه إلى نهر الفرات وإلى الجبل ~~الأسود . وكان مقامه بهذا التل يحبس به بعض الرعاء ، ومعهم الأغنام ، ~~والمعز ، والبقر . وكان الضعفاء إذا سمعوا بمقدمه أتوه من كل وجه ، من بلاد ~~الشمال . فيجتمعون مع من اتبعه من الأرض المقدسة ، لينالوا من بره ، فكان ~~يأمر الرعاء بحلب ما معهم طرفي النهار . ويأمر ولده وعبيده باتخاذ الطعام ~~فإذا فرغ له من ذلك أمر بحمله إلى الطرق المختلفة بإزاء التل ، فيتنادى ~~الضعفاء : ' إن إبراهيم حلب ' ، فيتبادرون إليه . # فنقلت هذه اللفظة كما نقل غيرها ، فصارت اسما لتل القلعة . ولم يكن في ~~ذلك الوقت مدينة مبنية . # قيل : إن ' بيت لاها ' كان يقيم به أيضا إبراهيم صلى الله عليه ورعاؤه ~~يختلف إليه . وكان يفعل فيه أيضا ، كما يفعل في تل القلعة . لكن الاسم غلب ~~على تل القلعة دون غيره . # وقيل : إن إبراهيم صفى الله عليه لما قطع الفرات من حران أقام ينتظر ابن ~~أخيه ' لوطا ' ، في كثير ممن يتبعه في سنة شديدة المحل . وكان الكنعانيون ~~يأتون PageV01P007 إبراهيم عليه السلام بأبنائهم فيهبونهم منه ، ويتصدق ~~عليهم بأقواتهم من الطعام ، والغنم . وصار إبراهيم عليه السلام إلى أرض حلب ~~فاتخذ الركايا ، وكرا الأعين ، ومنها : عين إبراهيم عليه السلام وهي التي ~~بنيت عليها مدينة حلب . # وكان للكنعانيين بتل القلعة في رأسه بيت للصنم ، فصار إليه إبراهيم عليه ~~السلام فأخرج الصنم ، وقال لمن حضره من الكنعانيين : أدعوا إلهكم هذا أن ~~يكشف عنكم هذه الشدة . فقالوا : وهل هو إلا حجر . فقال لهم : فإن أنا كشفت ~~عنكم هذه الشدة ، ما يكون جزائي . قالوا له : نعبدك فقال لهم : بل تعبدون ~~الذي أعبده فقالوا : فجمعهم في رأس التل ، ودعا الله ، فجاء الغيث . وضرب ~~إبراهيم عليه السلام برأس ظله حين أقلع الغيث . وتوافت إليه رعاؤه ، فكان ms001 ~~يأمر أصحابه بإصلاح الطعام ، ويضعه بين أوعية اللبن ، ويأمر بعضهم فينادي : ~~' ألا إن إبراهيم قد حلب فهلموا ' ، فيأتون من كل وجه ، فيطعمون ، ويشربون ~~، ويحملون ما بقي إلى بيوتهم . فكان الكنعانيون يخبرون عن مقام إبراهيم بما ~~كان يفعله . وصار قولهم ' حلب ' بطول هذا الاستعمال لقبا لهذا التل ، فلما ~~عمرت المدينة تحته سميت باسمه . # وذكر بعضهم : أنها إنما سميت ' حلب ' باسم من بناها ، وهو : حلب بن المهر ~~ابن حيص بن عمليق من العمالقة . وكانوا إخوة ثلاثة : بردعه ، وحمص ، وحلب ، ~~أولاد المهر . فكل منهم بنى مدينة سميت باسمه . # # | عند اليونانيين # وكان اسم حلب باليونانية ' باروا ' وقيل بيرؤا . وذكر ارسطاطاليس في كتاب ~~الكيان : أنه لما خرج الاسكندر لقصد دارا الملك ، ومقاتلته ، كان ~~ارسطاطاليس في صحبته ، فوصل إلى حلب وهي تعرف بلسان اليونانية ' بيرؤا ' ~~فلما تحقق ارسطوطاليس حال تربتها ، وصحة هوائها ، استأذن الإسكندر في ~~المقام بها ، وقال له : إن بي مرضا باطنا ، وهواء هذه البلدة موافق ~~لشفائي . فأقام بها فزال مرضه . # # | بناؤها في قديم الزمان # وقيل : إن الذي بنى مدينة حلب أولا ملك من ملوك الموصل يقال له : ~~PageV01P008 بلوكوس الموصلي . ويسميه اليونانيون : ' سردينبلوس ' . وكان ~~أول ملكه في سنة ثلاثة آلاف وتسعمائة وتسع وثمانين سنة لآدم صلوات الله ~~عليه . وملك خمسا وأربعين سنة . وفي سنة تسع وعشرين من ملكه وهي سنة أربعة ~~آلاف وثماني عشرة سنة لآدم ، ملكت ابنته ' أطوسا ' ، المسماة ' سميرم ' مع ~~أبيها بلوكوس . # وذكر أبو الريحان البيروني في كتاب القانون المسعودي ، وقال : بنيت حلب ~~في أيام بلقورس من ملوك نينوى ، وكان ملكه لمضي ثلاثة آلاف وتسعمائة ~~واثنتين وستين سنة لآدم عليه السلام ومدة مقامه في الملك ثلاثون سنة . ~~وشاهدت على ظهر كتاب عتيق من كتب الحلبيين بخط بعضهم : رأيت في القنطرة ~~التي على باب أنطاكية ، من مدينة حلب ، في سنة عشرين وأربعمائة للهجرة ~~كتابة باليونانية ، فسألت عنها ، فحكى لي أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم ~~الحسيني الحراني أيده الله ، أن أبا أسامة الخطيب بحلب حكى له : أن أباه ~~حدثه : أنه حضر مع أبي الصقر ms002 القبيصي ، ومعهما رجل يقرأ باليونانية ، ~~فنسخوا هذه الكتابة وأنفذ إلي نسختها في رقعة وهي : ' بنيت هذه المدينة ، ~~بناها صاحب الموصل ، والطالع العقرب والمشتري فيه ، وعطارد يليه ، ولله ~~الحمد كثيرا ' . # وهذا يدل على ما ذكرناه ، وهو أن بلوكوس الموصلي هو الذي عمرها . وكان ~~قبل الاسكندر . # وذكر يحيى بن جرير التكريتي في كتاب له ضمنه أوقات بناء المدن ، ما يدل ~~على أن حلب بعد بناء بلوكوس خربت ، وجدد عمارتها غيره ، بعد موت الاسكندر ~~فإنه قال بعد ذكر دولة الاسكندر وموته باثنتي عشرة سنة بنى سلوقوس اللاذقية ~~، وسلوقية وأفامية ، وبارؤا وهي حلب ، واداسا وهي الرها ، وكمل بناء ~~أنطاكية وزخرفها وسماها على اسم ولده انطيوخوس وهي أنطاكية وكان شرع في ~~بنائها قبله أنطيغنوس في السنة السادسة من موت الاسكندر . وذكر أنه بناها ~~على نهر أورنطس وسماها : ا نطوغينا . # وقال : كان الملك الأول على سوريا ، وبابل ، ' سلوقوس نيقطور ' وهو ~~PageV01P009 سرياني ، وملك في السنة الثالثة عشرة لبطلميوس بن لاغوس ، بعد ~~موت الاسكندر ، وألزم اليهود أن يقيموا في المدن التي بناها وقرر عليهم ~~الجزية . # وسوريا هي الشام الأولى وهي : حلب وما حولها من البلاد على ما ذكره بعض ~~الرواة وفي طرف بلد حلب ، بناحية الأحص ، مدينة عظيمة داثرة ، وبها آثار ~~قديمة ، يقال لها سورية وإليها ينسب القلى السورياني ، فلعل الناحية كلها ~~ينسب إليها ، ويطلق عليها اسمها ، كما أطلق بعد ذلك على جميع الكورة اسم ~~قنسرين . # وقال بعض المؤرخين من المسيحية : الذي ملك بعد الاسكندر بطلميوس الأريب ~~وهو الذي بنى مدينة حلب ، وسماها ' أشمونيت ' . وذلك أنه اختار بناء ~~المدينة في موضع ، وأراد أن يكون بها الماء ، فخرج ودار حولها ، حتى رأى ~~الأعين التي ' بحيلان ' ، فأمر المهندس أن يبني عليهن بناء ، ويحكمه ، وأن ~~يجريهن إلى المكان الذي هو مرسوم بمنزلة الملك . وجمع الناس للعمل في عمارة ~~المدينة ، فاحتفر في وسط المدينة حفيرة بثقها إلى النهر الذي أجراه ، وأمر ~~بالقساطل أن تعمل فاختفت ، فاتخذت من الحجارة ، فتم ما أراد وبنى له بناء ~~في موضع الريحانيين يومنا هذا ، واتخذ عليه قصرا ms003 ، وبنى المدينة . وآخر ما ~~بناه ' باب أنطاكية ' ورتب فيها ابنته ' أشمونيت ' ، وسمى المدينة باسمها ~~وأضاف لها جندا وزوجها ' بإيلياوس ' ، أحد أبناء ملوكهم ، وكان قائد جيش ~~الأريب ، وصار إلى أنطاكية ، وليست من بناء اليونان فإن رسمها قديم ، فتمم ~~بناءها ، وأضافها إلى إيلياوس زوج أشمونيت . # # | حكامها # من اليونان # وملك الأريب تسعا وعشرين سنة . وملك بعده ابنه بطلميوس ، ولقب ~~PageV01P010 باليونانية : ' محب أخيه ' ، وكانت أخته أشمونيت نائبة عنه ، ~~فبقي في الملك ستا وعشرين سنة . وملك بعده ابنه بطلميوس الاورجاتس ولقب ~~باليونانية بالفاعل فبقي في الملك أربعا وعشرين سنة . وملك بعده بطلميوس ~~فليفاطر ولقب باليونانية محب أبيه ، وأشمونيت وزوجها وولدها يتولون حلب . ~~وملك بعده ' بطلميوس محب أمه ' وهو ابن أشمونيت وكان ينزل حلب ، وعمر على ~~صخرتها قلعة ، وحضنها ، فخرج عليه في آخر أيامه ' أنطياخوس ' ملك الروم ، ~~واستنجد عليه فلم يكن لمحب أمه به طاقه ، فخرج عنها مع أمه ، فأسرهما ~~أنطياخوس ، وعذبهما ، واستصفى أموالهما ، وشرع في هدم ما جددت أشمونيت من ~~بناء حلب . فقيل له إن الذي يفعله ليس من عادة الملوك ، فكف عن هدمها ، ~~وتوعد من يسكن بحلب ، فصار الناس إلى غيرها . وعاد إلى أنطاكية فاستحدث بها ~~أبنية لنفسه . فلذلك يزعم قوم أن أنطاكية من بنائه ، وليس الأمر كذلك ، ~~وإنما له فيها مثل ما لبطلميوس الأريب من التتميم . # ويقال : إن أشمونيت وهي حلب تجاوزت عمارتها ما رسمه الأريب ، حتى صارت ~~العمارة إلى جميع الجوانب . وقيل : إن أشمونيت نصبت حواليها مائة آلف نصبة ~~من الزيتون ، ومن التين مائة آلف نصبة وغير ذلك من الأشجار الجبلية الشامية ~~. ولم يبق بحلب موضع يتسب إلى أشمونيت غير العين المعروفة بأشمونيت . وماتت ~~أشمونيت وولدها في أسر أنطياخوس تحت العقاب . وقيل هو الذي بنى قنسرين ، ~~وأجرى الماء إليها في قناة من عين المباركة . # وقيل : بناها غيره . وعرف أنطياخوس ببطلميوس الرابع . # وقيل : إن أشمونيت حال محاربتها أنطياخوس أتتها نجدة من مصر ، فهزمته ~~فصار إلى الشرق فمات . # ثم ملك حلب بعد أشمونيت أبطلميوس ابيفانيس ' وهو قائد العسكر ، وفي زمانه ~~اشترت اليهود منه موضع ms004 القلعة المعروفة اليوم بقلعة الشريف فتحصنوا بها ، ~~وكانوا يعينون الملك في القتال ويحملون له الأموال . # ثم ملك بعده بطلميوس فيلوبطر ، وهلك انطياخوس في أيامه . PageV01P011 # من الرومان # ثم ملك بعده جماعة من ملوك اليونان ، إلى أن صار الملك إلى القياصرة ملوك ~~الروم فملك منهم عدة ملوك إلى أن ملك أوغسطس قيصر بن مويوخس ، فاستولى على ~~الدنيا ، وقهر الملوك ، وقصد مضر ليستولي عليها ، فلما بلغ حلب وكان أمره ~~قد عظم ، قال : إن بطلميوس الأريب لم يرض أن ينزل منزلا لغيره . فسار إلى ~~موضع مدينة قنسرين فأمر القواد أن يأمروا من قبلهم بتحويط منازلهم ، وأخذ ~~كل واحد ببناء ما حوطه ، فبنى قنسرين وسماهما ' مدينة العسكر ' . ونقل ~~الأسواق من حلب إليها ، ولم يبق بحلب إلا من لا حاجة للعسكر به . وكانت هذه ~~أعظم من فعل انطياخوس . وقيل : إنه أمر أن ينفق على القناة إليها فأنفق ~~نائبه مالا على القناة ، وأجرى الماء فيها من عين المباركة ، وساقها إلى ~~القناطر إلى قنسرين ، وبنى بها ثلاثة برك على شكل المثلث ، وفايضها ينحدر ~~إلى الأرضين التي تحتها . # وصار الملك بعده إلى جماعة من القياصرة ملوك الروم . وصارت أنطاكية دار ~~الملك ، وبها مقام ملوك الروم ، وكانوا يدعونها مدينة الله ، ومدينة الملك ~~، وأم المدن ، لأنها أول بلد ظهر فيه دين النصرانية . ومعظم سور مدينة حلب ~~من بناء الروم . وملك منهم ملك يقال له : فوقاس فسفك الدماء ، وتتبع حاشية ~~كسرى ، فقتلهم ، فتوجه كسرى أنوشروان إلى الشام فافتتح حلب ، وأنطاكية ، ~~ومنبج ، ورم ما استهدم من سور مدينة حلب بالقرميد الكبار ، وهو ظاهر في سور ~~المدينة الكبير ، فيما بين بابي اليهود والجنان . وجدد كسرى بناء منبج ~~وسماها منبه ، وهو بالفارسية : أنا أجود ، فعربت فقيل منبج . واستحسن ~~أنطاكية فلما عاد إلى العراق بنى مدينة على صورتها ، وسماها ردحسره ، وهي ~~التي تسمى رومية ، وأدخل إليها سبي أنطاكية . فقيل إنهم لم ينكروا من ~~منازلهم شيئا فانطلقوا إليها إلا رجل اسكاف ، كان على باب داره بأنطاكية ~~شجرة فرصاد ، فلم يرها على بابه ذلك ، فتحير ساعة ، ؟ ثم دخل ms005 الدار ، ~~فوجدها مثل داره . ولما عاد كسرى عن الشام ، قام هرقل بن فوق بن مروقس وجمع ~~بطارقة PageV01P012 الروم ، وأولي المراتب ، وذكر لهم سوء آثار فوقاس ملك ~~الروم ' وغلبة الفرس على ملكهم بسوء تدبيره ، وإقدامه على الدماء ، ودعاهم ~~إلى قتله فقتلوه ، ووقع اختيارهم على هرقل فملكوه . # وفي أول سنة من ملكه كانت هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ~~المدينة ، واستولى على حلب ، وعلى جميع البلاد ، التي استولى عليها أنو ~~شروان وكان جل مقامه بأنطاكية . PageV01P013 فارغة PageV01P014 # | القسم الثاني حلب في صدر الإسلام قنسرين # فلما افتتح المسلمون أجناد الشمام ، وكانت وقعة اليرموك ، وقتل المسلمون ~~فيها معظم الروم ، وأمير المسلمين عليهم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ~~انتقل هرقل من أنطاكية ، وعبر الفرات إلى الرها ، وجعل بقنسرين ميناس الملك ~~، وكان أكبر ملوك الروم بعد هرقل . # فسار أبو عبيدة بعد فراغه من اليرموك إلى حمص ففتحها ، ثم بعث خالد بن ~~الوليد على مقدمته إلى قنسرين ، فلما نزل بالحاضر زحف لهم الروم ، وثار أهل ~~الحاضر بخالد بن الوليد ، وعليهم ' ميناس ' وهو رأس الروم وأعظمهم فيهم بعد ~~هرقل فالتقوا بالحاضرة فقتل ميناس ومن معه مقتلة لم يقتلوا مثلهما . ومات ~~الروم على دمه حتى لم يبق منهم أحد . # وأما أهل الحاضر فكانوا من تنوخ ، منذ أول ما تنخوا بالشام ، ونزلوه وهم ~~PageV01P015 في بيوت الشعر ، ثم ابتنوا المنازل ، فأرسلوا إلى خالد : أنهم ~~عرب ، وأنهم لم يكن من رأيهم حربه ، فقتل منهم ، وترك الباقين . # فدعاهم أبو عييدة بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم بعضهم ، وبقي البعض على ~~النصرانية ، فصالحهم على الجزية . وكان أكثر من أقام على النصرانية بنو ~~سليح بن حلوان بن عمران ين الحاف بن قضاعة . # ويقال : إن جماعة من أهل ذلك الحاضر أسلموا في خلافة المهدي ، فكتب على ~~أيديهم بالخضرة : قنسرين . ثم إن خالدا سار فنزل على قنسرين ، فقاتله أهل ~~قنسرين ، ثم لجؤوا إلى حصنهم ، فتحصنوا فيه ، فقال : ' إنكم لو كنتم في ~~السحاب لحملنا الله عليكم أو لأنزلكم إلينا ' ثم إنهم نظروا في أمرهم ms006 ، ~~وذكروا ما لقي أهل حمص فطلبوا منه الصلح ، فصالحوه على حمص ، فأبى إلا على ~~إخراب المدينة فأخربها . # وكان صلح حمص على دينار وطعام على كل جريب أيسروا أو أعسروا . وغلب ~~المسلمون على جميع أرضها وقراها ، وذلك في سنة ست عشرة للهجرة . # # | حلب # ثم إن خالدا رضي الله عنه سار إلى حلب ، فتحصن منه أهل حلب . وجاء أبو ~~عبيدة رضي الله عنه حتى نزل عليهم ، فطلبوا إلى المسلمين الصلح والأمان ، ~~فقبل منهم أبو عبيدة وصالحهم ، وكتب لهم أمانا . # ودخل المسلمون حلب من ' باب أنطاكية وحفوا حولهم بالتراس داخل الباب ، ~~فبني ذلك المكان مسجدا ، وهو المسجد المعروف بالغضائري ، داخل باب أنطاكية ~~، ويعرف الآن بمسجد شعيب . # ولما توجه أبو عبيدة إلى حلب بلغه أن أهل قتسرين قد نقضوا فرد إليهم ~~السمط بن الأسود الكندي ، فحصرهم ثم فتحها ، فوجد فيها بقرا وغنما ، فقسم ~~بعضها فيمن حضر ، وجعل الباقي في المغنم . PageV01P016 # وكان حاضر قنسرين قديما نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حين نزل ~~الجبلين من تزل منهم ، فلما ورد أبو عبيدة عليهم أسلم بعضهم ، وصولح كثير ~~منهم على الجزية ، ثم أسلموا بعد ذلك بيسير إلامن شذ منهم . # وكان بقرب مدينة حلب حاضر حلب يجمع أصنافا من العرب من تنوخ وغيرهم ، ~~فصالحهم أبو عبيدة على الجزية ، ثم إنهم أسلموا بعد ذلك ، وجرت بينهم وبين ~~أهل حلب حرب أجلاهم فيها أهل حلب ، فانتقلوا إلى قنسرين . # وكانت قتسرين وحلب إذ ذاك مضافتين إلى حمص فأفردهما يزيد بن معاوية في ~~أيامه . وقيل : أفردهما معاوية أبوه . # # | خالد بن الوليد # ولما بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما فعل خالد في فتح قنسرين وحلب ، ~~قال : أمر خالد نفسه ، يرحم الله أبا بكر ، هو كان أعلم بالرجال مني . يعني ~~أن خالدا كان أمير المسلمين من جهة أبي بكر رضي الله عنه على الشام ، فلما ~~ولي عمر عزله وولى أبا عبيدة . # ثم ولاه عمر رضي الله عنه على قنسرين فأدرب خالد وعياض بن غنم أول مدربة ~~كانت في الإسلام ، سنة ست ms007 عشرة . # # | إمارة خالد # ورجع خالد ، فأتته الامارة من عمر رضي الله عنه على قنسرين ، فأقام خالد ~~أمير ، تحت يد أبي عبيدة عليها ، إلى أن أغزى هرقل أهل مصر في البحرة وخرج ~~على أبي عبيدة في عساكر الروم ، وأبو عبيدة بحمص بعد رجوعه من فتح حلب . ~~فاستمد أبو عبيدة خالدا فأمده بمن معه ، ولم يخلف أحدا ، فكفر أهل قنسرين ~~بعده ، وبايعوا هرقل وكان أكفر من هناك تنوخ . # واشتور المسلمون فأجمعوا على الخندقة والكتاب إلى عمر رضي الله عنه بذلك ~~. وأشار خالد بالمناجزة فخالفوه ، وخندقوا . وكتبوا إلى عمر رضي الله عنه ~~واستصرخوه . PageV01P017 # وجاء الروم بمددهم ، فنزلوا على المسلمين ، وحصروهم . وبلغت أمداد ~~الجزيرة ثلاثين ألفا ، سوى أمداد قنسرين ، من تنوخ وغيرهم ، فنالوا من ~~المسلمين كل منال . وكتب عمر رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص يخبره بذلك ~~، ويأمره أن يبث المسلمين في الجزيرة ، ليشغلهم عن أهل حمص . وأمده عمر رضي ~~الله عنه بالقعقاع ابن عمرو ، فتوغلوا في الجزيرة ، فبلغ الروم ، فتقوضوا ~~عن حمص إلى مدائنهم . # وندم أهل قنسرين وراسلوا خالدا ، فأرسل إليهم : ' لو أن الأمر إلي ما ~~باليت بكم ، كثرتم أم قللتم ، لكني في سلطان غيري ، فإن كنتم صادقين ، ~~فانفشوا كما نفش أهل الجزيرة ' . فساموا سائر تنوخ ذلك ، فأجابوا ، وأرسلوا ~~إلى خالد : ' إن ذلك إليك ، فإن شئت فعلنا وإن شئت أن تخرج علينا فننهزم ~~بالروم ' . فقال : ' بل أقيموا ، فإذا خرجنا ، فانهزموا بهم ' . # فما علم أبو عبيدة ، والمسلمون بذلك قالوا : ' اخرج بنا ' وخالد ساكت ، ~~فقال أبو عبيدة : ' مالك يا خالد ، لا تتكلم ' فقال : ' قد عرفت الذي عليه ~~رأي ، فلم تسمع من كلامي ' . قال : لا فتكلم فإني أسمع منك ، وأطيع . فأشار ~~بلقائهم . # فخرج المسلمون والتقوهم ، فانهزم أهل قنسرين ، والروم معهم . فاحتوى ~~المسلمون على الروم ، فلم يفلت منهم أحد . # وما زال خالد على إمارة قنسرين حتى أعرب خالد وعياض ، سنة سبع عشرة ، بعد ~~رجوعهما من الجابية ، مرجع عمر إلى المدينة ، فأصابا أموالا عظيمة . وقفل ~~خالد سالما ، غانما ، وبلغ الناس ما أصابوا تلك الصائفة ، وقسم خالد ms008 فيها ~~ما أصاب لنفسه ، فانتجعه رجال من أهل الآفاق ، وكان الأشعث بن قيس من انتجع ~~خالدا بقنسرين ، فأجازه بعشرة آلاف درهم . # # | عمر وخالد بن الوليد # وكان عمر لا يخفى عليه شيء في عمله ، فكتب إليه من العراف بخروج من خرج ~~منها ، ومن الشام بجائزة من أجيز فيها . فدعا البريد ، وكتب معه إلى أبي ~~عبيدة : أن PageV01P018 يقيم خالدا ، ويعقله بعمامته ، وينزع عنه قلنسوته ~~. حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث ، أمن ماله ، أم من إصابة أصابها . فإن ~~زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقر بخيانة ، وإن زعم أنها من ماله ، فقد ~~أسرف . واعزله على كل حال ، واضمم إليك عمله . # فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه ، ثم جمع الناس ، وجلس لهم على المنبر ~~، فقام البريد فقال : ' يا خالد ، أمن مالك أجزت بعشرة آلاف ، أم من إصابة ~~' ؟ فلم يتكلم حتى أكثر عليه ، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا . فقام بلال ~~إليه فقال : ' إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا ' . ثم تناول عمامته ، ~~فنقضها ، لا يمنعه سمعا وطاعة . ووضع قلنسوته ، ثم أقامه فعقله بعمامته ، ~~ثم قال : ما تقول ، أمن مالك أم من إصابة ' . قال : ' لا بل من مالي ' ~~فأطلقه ، وأعاد قلنسوته ، ثم عممه بيده . ثم قال : ' نسمع ونطيع لولاتنا ، ~~ونفخم ونحترم موالينا ' . # وأقام خالد متحيرا ، لا يدري أمعزول أم غير معزول . وجعل أبو عبيدة ~~يكرمه ويزيده تفخيما ولا يخبره ، حتى إذا طال على عمر أن يقدم ظن الذي قد ~~كان . فكتب إليه بالوصول . # فأتى خالد أبا عبيدة فقال : ' رحمك الله ما أردت إلى ما صنعت ، كتمتني ~~سرا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم لما . فقال أبو عبيدة : ' إني والله ما ~~كنت لأروعك ما وجدت من ذلك بدا ، وقد علمت أن ذلك يروعك ' . # قال : فرجع خالد إلى قنسرين ، فخطب أهل عمله ، وودعهم . وقال خالد : ' إن ~~عمر ولاني الشام حتى إذا ألقى بوانيه وصار بثنية وعسلا عزلني ، واستعمل ~~غيري ' . # وتحمل وأقبل إلى حمص فخطبهم ، وودعهم . وسار إلى المدينة حتى قدم على عمر ~~فشكاه ، وقال : ' لقد شكوتك ms009 إلى المسلمين وبالله إنك في أمري غير مجمل يا ~~عمر ' . فقال عمر : ' من أين هذا الثراء . فقال : ' من الأنفال والسهمان ' ~~. فقال : ' ما زاد على الستين ألفا فلك ' . فشاطره على ما في يده وقوم ~~عروضه ، فخرجت عليه عشرون ألفا ، فأدخلها بيت المال ، ثم قال : يا خالد ، ~~والله إنك لعلي PageV01P019 الكريم ، وإنك إلي الحبيب ، ولن تعاتبني بعد ~~اليوم على شيء . ثم إنه عوضه بعد ذلك عما أخذه منه . # # | ولاية حبيب بن مسلمة # واستعمل أبو عبيدة على قنسرين حبيب بن مسلمة بن مالك . وأما هرقل فإنه ~~تأخر من الرها إلى سميساط ، وفصل عنها إلى القسطنطينية ، فلما فصل علا على ~~شرف ، والتفت ، ونظر نحو سورية ، وقال : ' عليك السلام يا سورية سلام لا ~~اجتماع بعده ، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا ، حتى يولد المولود ~~المشئوم ، ويا ليته لا يولد ، ما أحلى فعله وأمر عاقبته على الروم ' . # وطعن أبو عبيدة رضي الله عنه سنة ثماني عشرة ، فاستخلف على عمله عياض بن ~~غنم ، وهو ابن عمه وخاله ، وكان جوادا مشهورا بالجودة فقال عمر : ' إني ~~لم أكن مغيرا أمرا قضاه أبو عبيدة ' . # ومات عياض سنة عشرين ، فأمر عمر رضي الله عنه على حمص وقنسرين سعيد بن ~~عامر حذيم الجمحي ومات سنة عشرين . فأمر عمر مكانه عمير بن سعد بن عبيد ~~الأنصاري ، على حمص وقنسرين . # ومات عمر رضي الله عنه مقتولا في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ، وعمير بن ~~سعد على حمص وقنسرين ، ومعاوية على دمشق والسواحل وأنطاكية . فمرض عمير في ~~إمارة عثمان مرضا طال به ، فاستعفى عثمان ، واستأذنه في الرجوع إلى أهله ، ~~فأذن له . PageV01P020 # وضم حمص وقنسرين إلى معاوية سنة ست وعشرين ، فاجتمع ولاية الشام جميعه ~~على معاوية لسنتين من خلافة عثمان ، فولى معاوية حبيب بن مسلمة بن مالك ~~الفهري على قنسرين وكان يسمى حبيب الروم لكثرة غزوه لهم . # ومات عثمان رضي الله عنه مقتولا في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ، والشام ~~مع معاوية ، وحبيب على قنسرين ، من تحت يده . # # | موقعة صفين # فجرى بين علي عليه السلام ms010 وبين معاوية اختلاف إلى أن سار كل منهما إلى ~~صاحبه ، والتقيا بصفين ، وذلك بعد سنة وشهر من خلافة علي ، في سنة سبع ~~وثلاثين . وكان علي في تسعين ألفا ومعاوية في مائة ألف وعشرين ألفا ، وقتل ~~بها من أصحاب علي خمسة وعشرون ألفا ، ومن أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا ~~. وكان مقامهما بصفين مائة يوم وعشرة أيام . وكانت الوقائع تسعين وقعة ، ثم ~~اتفقا على التحكيم ، والتقى الحكمان أبو موسى وعمرو بن العاص بأذرح في شهر ~~رمضان سنة ثمان وثلاثين . PageV01P021 فارغة PageV01P022 # | القسم الثالث حلب في العصر الأموي خلافة معاوية بن أبي سفيان # ومات علي كرم الله وجهه مقتولا بالكوفة ، في سنة أربعين ، ومعاوية متغلب ~~على الشام جميعه ، فصالح الحسن بن علي عليهما السلام وبويع بالخلافة ، في ~~ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ، فمصر معاوية قنسرين ، وأفردها عن حمص . وقيل ~~إنما فعل ذلك ابنه يزيد . وصار الذكر في ولاية قنسرين ، ووظف معاوية الخراج ~~على قنسرين أربعمائة آلف وخمسين آلف دينار ، وحلب للخلفاء من بني أمية ~~لمقامهم بالشام ، وكون الولاة في أيامهم بمنزلة الشرط ، لا يستقلون بالأمور ~~والحروب ، وولاة الصوائف ترد كل عام مع الجيوش الإسلامية إلى دابق . وقام ~~جماعة متهم بنواحي حلب ، فإن سليمان بن عبد الملك رابط بدابق إلى أن مات . ~~وأقام عمر بن عبد العزيز بخناصرة إلى أن مات . PageV01P023 # ولم يزل حبيب بن مسلمة مع معاوية في حروبه ، وقد وجهه إلى أرمينية واليا ~~، ومات بها سنة اثنتين وأربعين . واستعمل معاوية عبد الرحمن بن خالد بن ~~الوليد على غزو الروم ، ولشدة بأسه خافه معاوية ، وخشي منه ، وأمر ابن أثال ~~النصراني أن يحتال في قتله . وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش ، وأن يوليه ~~خراج حمص . فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع ~~بعض مماليكه فشربها ، فمات بحمص سنة ست وأربعين . # وقاد مالك بن عبد الله الخثعمي الصوائف أربعين سنة . وسير معاوية جيشا ~~كثيفا إلى بلاد الروم ، وجعل عليهم سفيان بن عوف ، وأمر يزيد ابنه بالغزاة ~~معهم ، فتثاقل ms011 ، واعتل ، فأمسك عنه أبوه . فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض ~~شديد ، وذلك في سنة اثنتين وخمسين . # وشتا بأرض الروم بعده عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي ، وغزا المسلمون ~~الصائفة في سنة أربع وخمسين كذلك ، وفتحوا قرب القسطنطينية . # # | خلافة يزيد بن معاوية # فلما مات معاوية سنة ستين ، وولي ابنه يزيد أمرهم بالعود منها فعادوا . # ومات يزيد بن معاوية بحوارين من أرض الشام في سنة أربع PageV01P024 وستين ~~. وبويع بعده معاوية ابنه بالخلافة في الشام ولكنه لم يمكث إلا ثلاثة أشهر ~~حتى هلك . # # | خلافة مروان بن الحكم # وبويع بعده مروان بن الحكم ، وذلك في سنة أربع وستين . # وتحارب مروان والضحاك بمرج راهط عشرين ليلة ، واقتتلوا قتالا شديدا ، ~~فقتل الضحاك ، قتله دحية بن عبد الله ، وقتل معه ثمانون رجلا من أشراف أهل ~~الشام . وكانت الوقعة في المحرم سنة خمس وستين . # ولما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين هرب منها فلحق بقرقيسيا ~~. واستوثق الشام لمروان واستعمل عماله عليها . ولما مات مروان سنة خمس ~~وستين قام ابنه عبد الملك في اليوم الذي مات فيه . # # | خلافة عبد الملك في مروان # وأقام عبد الملك بدمشق بعد رجوعه من قنسرين ما شاء الله أن يقيم ، ثم سار ~~يريد قرقيسيا ، وبها زفر بن الحارث الكلابي ، ثم قفل إلى دمشق فدبر لعمرو ~~بن سعيد فقتله . واستعمل عبد الملك أخاه محمدا على الجزيرة وأرمينية فغزا ~~منها ، وأثخن العدو ، وذلك في سنة ثلاث وسبعين . PageV01P025 # وأعاد الكرة في سنة خمس وسبعين حين خرجت الروم من قبل مرعش . # وبعد سنتين غزا الصائفة الوليد بن عبد الملك ، وظل على الولاية إلى أن ~~مات عبد الملك في شوال سنة ست وثمانين . # # | خلافة الوليد بن عبد الملك # وولى ابنه الوليد بن عبد الملك ومحمد بن مروان على ولايته فما زال كذلك ~~إلى أن عزله الوليد بن عبد الملك في سنة تسعين . وولى مكانه أخاه مسلمة بن ~~عبد الملك . فدخل مسلمة حران وكان محمد بن مروان يتعمم للخطبة ، فأتاه آت ~~فقال : هذا مسلمة على المنبر يخطب ! فقال محمد ms012 : هكذا تكون الساعة بغتة ! ~~وارتعدت يده ، فسقطت المرآة من يده ، فقام ابنه إلى السيف فقال : مه يا بني ~~، ولآني أخي وولاه أخوه . # وكان أكثر مقام مسلمة بالناعورة ، وبنى فيها قصرا بالحجر الأسود الصلد ، ~~وحصنا بقي منه برج إلى زماننا هذا . # وكان عبد الملك بن مروان يقول للوليد : كأنني لو قدمت بك قد عزلت أخي ~~وليت أخاك . ومات الوليد بن عبد الملك في سنة ست وتسعين . # # | خلافة سليمان # وولي سليمان بن عبد الملك فسير أخاه مسلمة غازيا إلى القسطنطينية ~~واستخلف مسلمة على عمله خليفة ، ورابط فيها سليمان بمرج دابق إلى أن مات به ~~سنة تسع وتسعين . PageV01P026 # # | خلافة عمر بن عبد العزيز # وولي عمر بن عبد العزيز بن مروان ، فكان أكثر مقامه بخناصرة الأحص . وولى ~~من قبله على قنسرين هلال بن عبد الأعلى . ثم ولى أيضا عليها الوليد بن ~~هشام المعيطي على الجند ، والفرات بن مسلم على خراجها ، وتوفي عمر بدير ~~سمعان من أرض معرة النعمان ، يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة . # # | خلافة يزيد بن عبد الملك # وولي يزيد بن عبد الملك ، والوليد على قنسرين ، وكان مرائيا ، سأل عمر ~~أن ينقص رزقه تقربا إليه ، فعلم أنه إنما أراد أن يتزين عنده بذلك ، فحط ~~رزقه . وكتب إلى يزيد ، وهو ولي عهده : ' إن الوليد بن هشام كتب إلي كتابا ~~أكثر ظني أنه تزين بما ليس هو عليه فأنا أقسم عليك إن حدث وأفضى هذا الأمر ~~إليك فسألك أن ترد رزقه ، وذكر أني نقصته فلا يظفز منك بهذا . # فلما استخلف يزيد كتب الوليد إليه : ' إن عمر نقصني وظلمني فغضب يزيد ، ~~وعزله ، وأغرمه كل رزق جرى عليه في ولاية عمر ويزيد كلها ، فلم يل له عملا ~~حتى هلك . # ومات يزيد بن عبد الملك بالبلقاء في شعبان سنة خمس ومائة . # # | خلافة هشام # فاستخلف هشام بن عبد الملك . PageV01P027 # وولى على قنسرين وعملها خال أخيه سليمان وهو الوليد بن القعقاع بن خليد ~~العبسي وقيل : إنه ولى عبد الملك بن القعقاع على قنسرين ، وإليهم ينسب حيار ~~بني ms013 عبس ، وإلى أبيهم ينسب القعقاعية قرية من بلد الفايا . # وتوفي هشام سنة خمس وعشرين ومائة . # # | خلافة الوليد بن يزيد # وولي الوليد بن يزيد عبد الملك ، وكانت بينه وبين بني القعقاع وحشة ، ~~فهرب الوليد بن القعقاع وغيره من بني أبيه من الوليد ، فعاذت بقبر يزيد بن ~~عبد الملك . فولى الوليد على قنسرين يزيد بن عمر بن هبيرة ، وبعث إلى ~~الوليد بن القعقاع ، فأخذه من جوار قبر أبيه ، ودفعه إلى يزيد بن عمر بن ~~هبيرة ، وهو على قنسرين ، فعذبه وأهله . فمات الوليد بن القعقاع في العذاب ~~. # # | خلافة يزيد بن الوليد # وخرج يزيد بن الوليد على الوليد بن يزيد ، فقتله في البخراء في جمادى ~~الآخرة سنة ست وعشرين ومائة . ووثب على عامله بدمشق فأخذه ، وسير أخاه ~~مسرور بن الوليد ، وولاها قنسرين ، وقيل بل ولي قنسرين أخوه بشر بن الوليد ~~، وبويع يزيد ، ومات في ذي الحجة من هذه السنة . # # | خلافة إبراهيم بن الوليد ومروان بن محمد # وبويع إبراهيم بن الوليد ، وخلع في شهر ربيع الأول ، سنة سبع وعشرين ~~ومائة . PageV01P028 # فولي مروان بن محمد بن مروان بن الحكم ، وكان بحران ، فسار منها في سنة ~~سبع وعشرين ومائة . ونزل بحلب ، وقبض على مسرور بن الوليد الوالي بحلب ، ~~وعلى أخيه بشر ، بعد أن لقيهما فهزمهما وقتلهما بحلب . وكان معهما إبراهيم ~~بن عبد الحميد بن عبد الرحمن ، فقتله أيضا . # وولى على حلب وقنسرين عبد الملك بن الكوثر الغنوي ، بعد أن خلع إبراهيم ~~ابن الوليد نفسه وأمنه مروان . # واستتب أمر مروان . وخرج على مروان سليمان بن هشام بن عبد الملك فالتقاه ~~مروان بن محمد بخساف فاستباح عسكره في سنة ثمان وعشرين ومائة . # وكان الحكم وعثمان ابنا الوليد بن يزيد حبسا بقلعة قنسرين ، وكان يزيد بن ~~الوليد حبسهما ، فنهض عبد العزيز بن الحجاج ويزيد بن خالد القسري ، ~~فقتلاهما وقتلا معهما يوسف بن عمر الثقفي بقنسرين ، وأخذا بعد ذلك فقتلهما ~~مروان وصلبهما . PageV01P029 فارغة PageV01P030 # | القسم الرابع حلب في العصر العباسي خلافة أبي العباس # وبويع أبو العباس السفاح ، في شهر ربيع الآخر من ms014 سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة ، بالكوفة . فسير عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس ، في جمع ~~عظيم ، للقاء مروان بن محمد ، وكان مروان في جيوش كثيفة ، فالتقيا بالزاب ~~من أرض الموصل ، في جمادى الآخرة من سنة اثنتين وثلاثين ومائة . فهزم مروان ~~واستولى على عسكره ، وسار مروان منهزما حتى عبر الفرات من جسر منبج فأحرقه ~~. # فلما مر على قنسرين وثبت به طيء وتنوخ ، واقتطعوا مؤخر عسكره ونهبوه ، ~~وقد كان تعصب عليهم ، وجفاهم أيام دولته ، وقتل منهم جماعة . وتبعه عبد ~~الله بن علي ، وسار خلفه ، حتى أتى منبج ، فنزلها . وبعث إليه أهل حلب ~~بالبيعة مع أبي أمية التغلبي . # وقدم عليه أخوه عبد الصمد بن علي ، فقلده حلب وقنسرين . وسار عبد الله ~~وعبد الصمد أخوه معه إليها ، فبايعه أبو الورد مجزاة ، بن الكوثر بن زفر ~~الحارث الكلابي وكان من أصحاب مروان ودخل فيما دخل فيه الناس من الطاعة . # وسار عبد الله إلى دمشق ، ثم بلغ خلفه إلى نهر أبي فطرس ، وأتبعه بأخيه ~~PageV01P031 صالح ، حتى بلغ إلى الديار المصرية ، خلف مروان بن محمد ، ~~فأدركه ببوصير فقتله ، ثم عاد إلى دمشق بعده . # وذكر ابن الكلبي : وقدم بالس قائد من قواد عبد الله بن علي ، في مائة ~~وخمسين فارسا وتقدم إلى الناعورة فعبث بولد مسلمة بن عبد الملك ونسائهم ~~وكانوا مجاورين أبا الورد بحصن مسلمة بالناعورة وببالس فشكا بعضهم ذلك إلى ~~أبي الورد الكلابي ، فخرج من مزرعته خساف في عدة من أهل بيته ، وخالف وبيض ~~، وجاء إلى الناعورة ، والقائد المذكور نازل بحصن مسلمة بها ، فقاتله حتى ~~قتله ومن معه ، وأظهر الخلع والتبييض ، ودعا أهل حلب وقتسرين إلى ذلك ~~فأجابوه . فبلغ ذلك عبد الله بن علي ، وهو بدمشق ، فوجه أخاه عبد الصمد بن ~~علي ، في زهاء عشرة آلاف فارس ، ومعه ذؤيب بن الأشعث على حرسه ، والمخارق ~~بن عفان على شرطه ، فسار أبو الورد إليه ، وجعل مقدم جيشه وصاحبه أبا محمد ~~بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، وأبو الورد مدبر الجيش ، ~~ولقيهم فهزم ms015 عبد الصمد ومن معه . # فلما قدم عبد الصمد على أخيه عبد الله أقبل عبد الله بن علي بعسكره لقتال ~~أبي محمد وأبي الورد ، ومعه حميد بن قحطبة ، فالتقوا في سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة ، في آخر يوم من السنة ، واقتتلوا بمرج الأجم ، وثبت لهم عبد الله ~~وحميد فهزموهم . وقتل أبو الورد . وأمن عبد الله بن علي أهل حلب وقتسرين ~~وسودوا وبايعوا . ثم انصرف راجعا إلى دمشق فأقام بها شهرا . # فبلغه أن العباس بن محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوبة بن أبي سفيان ~~السفياني قد لبس الحمرة ، وخالف ، وأظهر المعصية بحلب ، فارتحل نحوه حتى ~~PageV01P032 وصل إلى حمص ، فبلغه أن أبا جعفر المنصور وكان يومئذ يلي ~~الجزيره ، وأرمينية ، وأذربيجان وجه مقاتل بن حكيم العكي من الرقة ، في خيل ~~عظيمة لقتال السفياني ، وأن العكي قد نزل منبج ، فسار عبد الله مسرعا حتى ~~نزل مرج الأجم ، فبلغه أن العكي واقع السفياني وهزمه ، واستباح عسكره ، ~~وافتتح حلب عنوة ، وجمع الغنائم ، وسار بها إلى أبي جعفر وهو بحران . # فارتحل عبد الله إلى دابق ، وشتا بها ، ثم نزل سميساط ، وحصر فيها اسحاق ~~ابن مسلم العقيلي ، حتى سلمها ودخل في الطاعة . # ثم قدم أبان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ، في أربعة آلاف من نخبة من ~~كان مع إسحاق بن مسلم . فسير إليه حميد بن قحطبة ، فهزم أبانا ، ودخل ~~سميساط ، فسار إليها عبد الله ، ونازلها حتى افتتحها عنوة . # وكتب إليه أبو العباس يأمره بالمسير إلى الناعورة ، وأن يترك القتال ، ~~ويرفع السيف عن الناس ، وذلك في النصف من رمضان سنة ثلاث وثلاثين ومائة . # وهرب أبو محمد ومن معه من الكلبية إلى تدمر ثم خرج إلى الحجاز ، فظفر به ~~وقتل ، وكتب إليه السفاح أن يغزو بلاد الروم ، فأتى دابق ، فعسكر بها ، ~~وجمع ، وتوجه إلى بلاد الروم . # خلافة أبي جعفر المنصور # فلما وصل دلوك يريد الإدراب ، كتب إليه عامله بحلب يخبره بوفاة السفاح ~~وبيعة المنصور فرجع من دلوك ، وأتى حران ، ودعا إلى نفسه ، وزعم أن السفاح ~~جعله ولي عهده ms016 . # وغلب على حلب ، وقنسرين ، وديار ربيعة ومضر ، وسائر الشام . ولم يبايع ~~PageV01P033 المنصور . وبايعه حميد بن قحطبة وقواده الذين كانوا معه . وولى ~~على حلب زفر بن عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي أبا عبد الله ، في سنة ~~سبع وثلاثين مائة . # فسير المنصور أبا مسلم الخراساني صاحب الدعوة لقتال عبد الله بن علي ، ~~فسير عبد الله حميد بن قحطبة ، وكتب له كتابا إلى زفر بن عاصم إلى حلب ، ~~وفيه : ' إذا ورد عليك حميد فاضرب عنقه ' . فعلم حميد بذلك ، فهرب إلى أبي ~~مسلم الخراساني ، خوفا من عبد الله . ثم سار أبو مسلم إلى عبد الله بن علي ~~، فالتقيا ، وانهزم عبد الله وعبد الصمد أخوه معه ، فسار أبو مسلم خلفه ~~فوصل إلى الرقة وأخذ منها أموال عبد الله ، وتبعه رصافة هشام فانهزم عبد ~~الله إلى البصرة ، وتوارى عند أخيه سليمان بن علي ، فأخذ له أمانا من ~~المنصور ، وسيره إليه ، فحبسه إلى أن سقط عليه الحبس ، فمات . وقبض أبو ~~مسلم على عبد الصمد بن علي ، بالرصافة ، وأخذ أمواله ، وسيره إلى المنصور ، ~~فأمنه وأطلقه . # وورد كتاب المنصور على أبي مسلم بولاية الشام جميعه ، وحلب وقنسرين ، ~~وأمر أن يقيم له في بلاده نوابا ، ففعل أبو مسلم ذلك . # وسار إلى المنصور ، فالتقاه في الطريق يقطين بن موسى ، وقد بعثه المنصور ~~إليه لإحصاء جميع ما وجدوا في عسكر عبد الله بن علي . فغضب أبو مسلم وقال : ~~أنكون أمناء في الدماء وخونة في الأموال ؟ . ثم أقبل وهو مجمع على خلاف ~~المنصور . فاستوحش المنصور منه ، وقتله في سنة تسع وثلاثين ومائة . # ولما عاد أبو مسلم من الشام ولي المنصور حلب وقنسرين وحمص صالح بن علي بن ~~عبد الله بن العباس سنة سبع وثلاثين ومائة ، فنزل حلب ، وابتنى بها خارج ~~المدينة قصرا بقرية يقال لها بطياس بالقرب من النيرب ، وآثاره باقية إلى ~~الآن . ومعظم أولاده ولدوا ببطياس . وقد ذكرها البختري وغيره في أشعارهم . # وأغزى الصائفة مع ابنه الفضل في سنة تسع وثلاثين ومائة بأهل الشام ، وهي ~~أول صائفة غزيت في خلافة ms017 بني العباس . وكانت انقطعت الصوائف في أيام بني ~~أمية قبل ذلك بسنين . PageV01P034 # وظهر في سنة إحدى وأربعين ومائة قوم يقال لهم الراوندية ، خرجوا بحلب ~~وحران . وكانوا يقولون قولا عظيما . وزعموا أنهم بمنزلة الملائكة . ~~وصعدوا تلا بحلب ، فيما قالوا ولبسوا ثيابا من حرير وطاروا منه فتكدوا ~~وهلكوا . ودام صالح في ولاية حلب إلى أن مات في سنة اثنتين وخمسين ومائة . # ورأيت فلوسا عتيقة ، فتتبعت ما عليها مكتوب فإذا أحد الجانبين مكتوب ~~عليه : ضرب هذا الفلس بمدينة حلب سنة ست وأربعين ومائة . وعلى الجانب الآخر ~~: ' مما أمر به الأمير صالح بن علي أكرمه الله ' . # ولما مات صالح بن علي تولى حلب وقنسرين بعده ولده الفضل بن صالح ، واختار ~~له العقبة بحلب ، فسكنها وأقام بحلب واليا مدة . ثم ولى المنصور بعد موسى ~~بن سليمان الخراساني . ومات المنصور سنة ثمان وخمسين ، وموسى على قنسرين ~~وحلب . ورأيت فلوسا عتيقة فقرأت عليها : ' ضرب هذا الفلس بقنسرين سنة سبع ~~وخمسين ومائة ' . وعلى الجانب الآخر : ' مما أمر به الأمير موسى مولى أمير ~~المومنين ' . # # | خلافة المهدي # ولما ولي المهدي خرج عبد السلام بن هاشم الخارجي بالجزيرة ، وكثر أتباعه ~~فلقيه جماعة من قواد المهدي ، فهزمهم ، فبعث المهدي إليه جنودا كثيرة ، ~~فهرب منهم إلى قنسرين ، فلحقوه فقتلوه بها في سنة اثنتين وستين ومائة ، ~~وكان مقدم الجيش شبيبا . # وعزم المهدي على الغزو فخرج حتى وافى حلب سنة ثلاث وستين ومائة ، والتقاه ~~العباس بن محمد إلى الجزيرة ، وأقام له النزل في عمله ، واجتاز معه على ~~PageV01P035 حصن مسلمة بالناعورة ، فقال له العباس : ' يا أمير المؤمنين ، ~~إن لمسلمة في أعناقنا مئة ' . كان محمد بن علي مر به فأعطاه أربعة آلاف ~~دينار ، وقال له : ' يا ابن عم ، هذه ألفان لدينك وألفان لمعونتك ، فإذا ~~نفذت فلا تحتشمنا . فقال المهدي : ' أحضروا من ههنا من ولد مسلمة ومواليه ~~فأمر لهم بعشرين آلف دينار وأمر أن تجري عليهم الأرزاق . # ثم قال : ' يا أبا الفضل كافينا مسلمة وقضينا حقه ! قال العباس : نعم ، ~~وزدت ونزل المهدي بقصر بطياس ظاهر حلب . وولي المهدي ms018 حين قدم قنسرين وحلب ~~والجزيرة علي بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس حربا وخراجا وصلاة ~~. # ثم إن المهدي عرض العسكر بحلب وأغزى ابنه هارون بلاد الروم وسير محتسب ~~حلب عبد الجبار فأحضر له جماعة من الزنادقة فقتلهم بحلب . وولي حلب والشام ~~جميعه ابنه هارون . وأمر كاتبه يحيى بن خالد أن يتولى ذلك كله بتدبيره ، ~~وكانت توليته في سنة ثلاث وستين ومائة . # ولما بويع الهادي أقر أخاه ويحي على حالهما . # # | خلافه هارون الرشيد # فلما أفضى الأمر إلى الرشيد ولي حلب وقنسرين عبد الملك بن صالح بن علي ~~ابن عبد الله ، فأقام بمنبج ، وابتنى بها قصرا لنفسه وبستانا إلى جانبه ، ~~ويعرف البستان يومنا هذا ببستان القصر ، وكانت ولايته سنة خمس وسبعين ، ثم ~~صرفه لأمر عتب عليه فيه . ثم ولاها الرشيد موسى بن عيسى سنة ست وسبعين ~~ومائة . ومر الرشيد على PageV01P036 عبد الملك بمنبج فأدخله منزله بها . ~~فقال له الرشيد : ' هذا منزتك . قال هو لك ولي بك . قال : فكيف هو ؟ قال : ~~دون منازل أهلي وفوق منازل الناس . قال : ' فكيف طيب منبج ؟ قال : ' عذبة ~~الماء ، عذبة الهواء ، قليلة الأدواء ' . قال : فكيف ليله ؟ قال : سحر كله ~~وهاجت الفتنة بالشام بين النزارية واليمانية ، فولى الرشيد موسى بن يحيى ~~ابن خالد في هذه السنة الشام جميعه ، فأقام به حتى أصلح بينهم . # ثم ولاها الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك سنة ثمان وسبعين ، وتوجه ~~إليها سنة ثمانين ، واستخلف عليها عيسى بن العكي . # ثم إن الرشيد ولى حلب وقنسرين إسماعيل بن صالح بن علي لما عزله عن مصر ~~سنة اثنتين وثمانين ومائة ، وأقطعه ما كان له بحلب في سوقها وهي الحوانيت ~~التي بين باب أنطاكية إلى رأس الدلبه وعزله وولاه دمشق . # ثم ولى الرشيد بعده عبد الملك بن علي ثانية ، فسعى به ابنه عبد الرحمن ~~إلى الرشيد ، وأوهمه أنه يطمع في الخلافة فاستشعر منه ، وقبض عليه في سنة ~~سبع وثمانين ومائة . # وولى على حلب وقنسرين ابنه القاسم بن هارون ، وأغزاه الروم ووهبه لله ~~تعالى ms019 في سنة سبع وثمانين ومائة . # ورابط القاسم بدابق هذه السنة والتي بعدها . وقيل : إن الرشيد لما غضب ~~على عبد الملك بن صالح ولى أخاه عبد الله بن صالح ثم عزله سنة ثمان وثمانين ~~وولى القاسم بن هارون ابنه . وقيل : إن أحمد بن إسحاق بن إسماعيل بن علي بن ~~عبد الله ابن العباس ولي قنسرين للرشيد ، وقد كان ولي له مصر ، وعزله عنها ~~سنة تسع وثمانين ، فلا أتحقق ولايته في أي سنة كانت . # وقد ذكر بعضهم : أن عبد الله بن صالح توفي ببغداد في أيام المنصور . ~~PageV01P037 # وقال بعضهم : إنه توفي بسلمية في سنة ست وثمانين . فعلى هذا يكون الذي ~~ولاه الرشيد ابن ابنه عبد الله بن صالح بن عبد الله بن صالح ، والله أعلم . # ثم إن الرشيد ولى حلب وقنسرين خزيمة بن خازم بن خزيمة ، من قبل ابنه ~~القاسم بن الرشيد ، في سنة ثلاث وتسعين ومائة . ولم يزل القاسم بن الرشيد ~~في ولاية حلب وقنسرين حتى مات أبوه الرشيد في سنة ثلاث وتسعين ومائة في ~~جمادى الآخرة فأقره أخوه الأمين عليها وجعل معه قمامة بن أبي زيد وولي ~~خزيمة بن خازم الجزيرة . # # | خلافة الأمين # ثم إن محمدا الأمين عزل أخاه القاسم بن الرشيد عن حلب وقنسرين والعواصم ~~وسائر الأعمال التي ولاه أبوه سنة أربع وتسعين ومائة ، وولاها خزيمة ابن ~~خازم في هذه السنة . # ثم ولى الأمين حلب وقنسرين والجزيرة عبد الملك بن صالح بن علي ، فخرج ~~إليها ، واجتمعت إليه العرب في سنة ست وتسعين ومائة . وهذه الولاية الثالثة ~~لعبد الملك . وكان الأمين قد أخرجه من حبس أبيه حين مات سنة ثلاث وتسعين ~~ومائة في ذي القعدة . # واستمر عبد الملك في هذه الولاية إلى أن مات في سنة ست وتسعين ومائة ~~بالرقة ، ودفن في في دار من دور الإمارة . وكان يرى الأمين ما فعله به . ~~فلما خلع الأمين حلف عبد الملك إن مات الأمين لا يعطي المأمون طاعة ، فمات ~~قبل الأمين فبقيت في نفس المأمون إلى أن خرج إلى الغزاة ، ووجد قبر ms020 عبد ~~الملك في دار الإمارة فأرسل إلى ابن عبد الملك : حول أباك من داري فنبشت ~~عظامه وحول . PageV01P038 # ثم ولي خزيمة بن خزيمة حلب وقنسرين في سنة سبع وتسعين ومائة . وقيل إن ~~الوليد بن طريف ولي حلب وقنسرين بعد عبد الملك بن صالح ، وبعده ورقاء عبد ~~عبد الملك ثم بعده يزيد بن مزيد ، ثم استأمن إلى طاهر بن الحسين . # # | خلافة المأمون # فلما قتل الأمين وبويع المأمون ولي حلب والشام جميعه طاهر بن الحسين ، ~~وجعل إليه حرب نصر بن شبث فتحصن بكيسوم فقصده طاهر فلم يظفر به ولقيه ، ~~فكسر طاهر وعاد مفلولا وذلك في سنة ثمان وتسعين ومائة . ثم أضاف إليه ~~ولاية مصر وإفريقية في سنة أربعة ومائتين . ثم ولاه خراسان سنة ست . وولي ~~ابنه عبد الله مصر والشام جميعه ، وأمره بمحاربة نصر بن شبث في سنة ست ~~ومائتين . وتوفي طاهر بخراسان سنة سبع ومائتين ، فأضاف المأمون ولايته إلى ~~ابنه عبد الله مع الشام . فسار عبد الله بن طاهر إلى الشام من الرقة واحتوى ~~على الشام جميعه . وهدم سور معرة النعمان . وهدم معظم الحصون الصغار مثل ~~حصن الكفر وحصن حناك وغير ذلك . ونزل بكيسوم وبها نصر بن شبث فحصره إلى أن ~~ظفر PageV01P039 به ، وخرج إليه بأمان . وخرب حصن كيسوم بعد وقائع كثيرة ~~جرت بينه وبين نصر ابن شبث ، وسار إلى مصر ، وذلك كله في سنة تسع ومائتين . # ولما فتح مصر فى سنة إحدى عشرة ومائتين كتب المأمون إليه : # أخي أنت ومولاي . . . ومن أشكر نعماه # فما أحببت من أمر . . . فإني الدهر أهواه # وماتكره من شيء . . . فاني لست أرضاه # لك الله على ذاك . . . لك الله لك الله # ودامت ولاية عبد الله بن طاهر إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين ، ووجهه المأمون ~~إلى خراسان ، وعزله عن الشام ، وولى ابنه العباس بن المأمون حلب وقنسرين ~~والعواصم والثغور ، وأمر له بخمسمائة آلف دينار في سنة ثلاث عشرة ومائتين ~~ثم ولاها المأمون إسحاق بن إبراهيم بن مصعب بن زريق وعزل ابن العباس في سنة ~~أربع عشرة ومائتين . ثم إن ms021 المأمون عزل إسحاق بن إبراهيم في هذه السنة ~~وولاه مصر وأعاد ابنه العباس إليها ثانية . # ثم ولى المأمون حلب وقنسرين ورقة الطريفي وأظنه مع العباس وكانت لورقة ~~حركة أيام الفتنة . # فلما قدم المأمون حلب للغزاة ونزل بدابق ، في سنة خمس عشرة ومائتين ، ~~لقيه عيسى بن علي بن صالح الهاشمي فقال له : يا أمير المؤمنين أيلينا ~~أعداؤنا في أيام الفتنة وفي أيامك . فقال : ' لا ولا كرامة . فصرف ورقة . # وولي عيسى بن علي بن صالح نيابة عن ولده العباس فيما أرى ، فوجد عنده ~~PageV01P040 من الكفاية والضبط وحسن السيرة ما أراد فقدمه وكبر عنده وأحبه ~~. وكان المأمون كلما غزا الصائفة لقيه عيسى بن علي بالرقة ولا يزال معه حتى ~~يدخل الثغور ثم يرد عيسى إلى عمله . # وولى المأمون في سنة خمس عشرة ومائتين قضاء حلب عبيد بن جناد بن أعين ~~مولى بني كلاب ، فامتنع من ذلك ، فهدده على الامتناع فأجاب . # ثم ولى المأمون عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح لما غزا ~~الصائفة في سنة ثمان عشرة ومائتين العواصم . وفيها مات المأمون وإنما وليها ~~عبيد الله عن العباس بن المأمون في غالب ظني فإن العباس ولي حلب وقنسرين ~~والجزيرة من سنة أربع عشرة ومائتين إلى أن توفي أبوه المأمون بالبدندون من ~~أرض طرسوس . # # | خلافة المعتصم # وبويع أبو إسحاق المعتصم فأقر العباس بن المأمون على ولايته وكان الجند ~~قد شغبوا وطلبوا العباس ونادوه باسم الخلافة ، فأرسل المعتصم إليه ، وأحضره ~~فبايعه ، وخرج إلى الناس وقال لهم : ما هذا الحدث البادر قد بايعت عمي ~~فسكنوا . وسار المعتصم إلى بغداد والعباس معه ، فلما توجه المعتصم إلى ~~الغزاة ومر بحلب ، في سنة ثلاث وعشرين ومائتين ، ودخل إلى بلاد الروم اجتمع ~~به بعض الجند ووبخه على ما فعل من إعطاء المعتصم الخلافة ، وحسن له تدارك ~~الأمر ، فاستمال جماعة من القواد وعزموا أن يقبضوا على المعتصم وهو داخل ~~إلى الغزاة فلم يمكنهم العباس . وقال : ' لا أفسد على الناس غزاتهم . # فنمى الخبر إلى المعتصم فقبض على العباس ، وعلى من ms022 ساعده على ذلك ، ~~PageV01P041 وهو عائد من الغزاة ، فلما وصل إلى منبج سأل العباس الطعام ~~وكان جائعا فقدم إليه طعام كثير فأكل . فلما طلب الماء منع وأدرج في مسح ~~فمات بمنبج في ذي القعدة ، من سنة ثلاث وعشرين ومائتين ، وصلى عليه بعض ~~إخوته ودفن بمنبج . وولى المعتصم حلب وقنسرين حربها وخراجها وضياعها عبيد ~~الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح بن علي الهاشمي ، ثم إنه ولى أشناس ~~التركي الشام جميعه والجزيرة ومصر ، وتوجه وألبسه وشاحين بالجوهر في سنة ~~خمس وعشرين ومائتين . # ونظر في صلات المعتصم لأشناس فوجد مبلغها أربعين ألف ألف درهم . وأظن أنه ~~بقي في ولايته إلى أن مات سنة ثلاثين ومائتين في أيام الواثق . # # | خلافة الواثق # وولى الواثق عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح الهاشمي حلب ~~وقنسرين حربها وخراجها وضياعها ، وأظنه كان متوليا في أيام المعتصم من جهة ~~أشناس ، فأقره الواثق على ولايته . وولى الواثق قنسرين وحلب والعواصم ، بعد ~~عبيد الله ، محمد بن صالح بن عبد الله بن صالح فكانت سيرته غير محمودة . ~~وكان أحمر أشقر ، فلقب : سماقة لشدة حمرته . ويقال : إنه أول من أظهر ~~البرطيل بالشام ، وأوقع عليه هذا الاسم ، وكان لا يعرف قبل ذلك إلا الرشوة ~~على غير إكراه . وكان أكثر الناس سكوتا وأطولهم صمتا لا يكاد يسمع له ~~كلام إلا في أمر يأمر به ، أو قول يجيب عنه . # وكان قاضي حلب في أيامه أبا سعيد عبيد بن جناد الحلبي توقي سنة إحدي ~~وثلاثين ومائتين ، وكان المأمون ولاه قضاء حلب . وله يقول عمرو بن هوبر ~~الكلبي في قصيدة يغض منه ، أولها : # لا در در زمانك المتنكس . . . الجاعل الأذناب فوق الأرؤس PageV01P042 # ما أنت إلا نقمة في نغمة . . . أو أصل شوك في حديقة نرجس # يا قبلة ذهبت ضياعا في يد . . . ضرب الآله بنانها بالنقرس # من سر أبطح مكة آباؤه . . . وجدوده وكأنه من قبرس # وهذا عمرو بن هوبر كان من معراثا البريدية من ضياع معرة النعمان وولي في ~~أيام المتوكل معرة مضرين وقتل بها . # وكان الواثق ms023 قد ولى الثغور والعواصم دون حلب وأعمالها أحمد بن سعيد بن ~~سلم بن قتيبة ، وأمره بحضور الفداء مع خاقان وصاحب الروم ميخائيل ، فأمضى ~~الفداء سنة إحدى وثلاثين ومائتين . # ثم إنه غزا شاتيا فأصاب الناس شدة فوجد الواثق عليه بسبب ذلك ، وعزله ~~وولاها نصر بن حمزة الخزاعي . # # | خلافة المتوكل # وولي الشارباميان ، في أول أيام المتوكل على حلب وقنسرين والعواصم ، ~~واليين أنا ذاكرهما . وكان الشارباميان أحد قواد المتوكل وكان خصيصا عنده ~~. فإما أن يكون المتوكل ولاه جند قنسرين والعواصم أو أنه كان السلطان في ~~أيام المتوكل فكان أمر الولاية إليه . فإنني قرأت في كتاب نسب بني صالح بن ~~علي قال : وولى الشارباميان جند قنسرين والعواصم علي بن إسماعيل بن صالح بن ~~علي أبا طالب ، PageV01P043 وإنما أراد أن يتزين به عتد المتوكل فامتنع من ~~قبول ولايته ، فأعلمه إن لم يفعل كتب فيه إلى الخليفة فقبلها وأقام على ~~ولاية جند قنسرين والعواصم ، حتى مات . فكانت أيامه أحسن أيام وسيرته أجمل ~~سيرة ، وكان علي بن إسماعيل إذا خرج إلى العواصم استخلف ابنه محمد بن علي ~~على قنسرين وحلب فلا يفقد الناس من أبيه شيئا . قال : وولى الشارباميان ~~جند قنسرين والعواصم عيسى بن عبيد الله بن الفضل بن صالح بن علي الهاشمي . # قال : وولى المتوكل طاهر بن محمد بن إسماعيل بن صالح على المظالم بجند ~~قنسرين والعواصم ، والنظر في أمور العمال ، وجاءته الولاية منه فألفاه ~~الرسول في مرضه الذي مات فيه . وجعل المتوكل ولاية عهده إلى ابنه محمد ~~المنتصر وولاه قنسرين ، والعواصم ، والثغور وديار مضر ، وديار ربيعة ، ~~والموصل ، وغير ذلك في سنة خمس وثلاثين ومائتين ، فاستمر في الولاية إلى أن ~~قتل أباه وكانت الولاة من قبله . # # | خلافة المنتصر # وفي أيام ولايته حلب في سنة اثنتين وأربعين ومائتين وقع طائر أبيض دون ~~الرحمة وفوق الغراب على دلبة بحلب لسبع مضين من رمضان ، فصاح : يا معشر ~~الناس ، الله الله حتى صاح أربعين صوتا . ثم طارة وجاء من الغد فصاح ~~أربعين صوتا . وكتب صاحب البريد بذلك وأشهد خمسمائة انسان ms024 سمعوه . ولا ~~يبعد عندي أن تكون الدلبة التي ينسب إليها رأس الدلبة . # وسمع في هذه السنة أصوات هائلة من السماء ، وزلزلت نيسابور ، وتقلعت جبال ~~من أصولها ، ونبع الماء من تحتها ، ووصلت الزلزلة إلى الشام والثغور . # وأظن أن نائب المنتصر في جند قنسرين في حياة المتوكل كان بغا الكبير فلما ~~قتل المتوكل قدم بغا عليه . وسير المنتصر وصيفا إلى الثغر الشامي فأقام به ~~إلى أن مات . PageV01P044 # # | خلافة المستعين # وولى المستعين في سنة خمسين ومائتين قنسرين وحلب وحمص موسى بن بغا ، ~~وتوجه إليها حين عاث أهل حمص على الفضل بن قارن . ثم ولي حلب والعواصم أبو ~~تمام ميمون بن سليمان حدقة بن عبد الملك بن صالح في أيام المستعين ، وكانت ~~له حركة وبأس في فتنة المستعين . # وعصى أهل حلب وأقاموا على الوفاء للمستعين ببيعتهم ، فقدم عليهم أحمد ~~المولد محاصرا لهم فلم يجيبوه إلى ما أراد من البيعة للمعتز . وكان السفير ~~بينه ويينهم الحسين بن محمد صالح بن عبد الله بن صالح أبا عبيد الله ~~الهاشمي . # # | خلافة المعتز # فلما بايعوا بعد ذلك للمعتز وانقضى أمر المستعين ولاه أحمد المولد جند ~~قنسرين وحلب ، في سنة اثنتين وخمسين ومائتين ، فأقام مدة يسيرة ، ثم انصرف ~~إلى سلمية أعني الحسين بن محمد . # وولي حلب وقنسرين والعواصم صالح بن عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل ابن ~~صالح ، في فتنة المستعين ، وكان له سعي وتقدم ورئاسة . # ثم ولي بعده ، فيما أرى ، أبو ميمون بن سليمان بن عبد الملك بن صالح . # وهذه ولاية ثانية له ، ومات بالرقة . ثم ولي بعده ثانية صالح بن عبيد ~~الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح الهاشمي وانقضت ولاية بني صالح ~~الهاشميين . # ثم ولي حلب وقتسرين في أيام المعتز أبو الساج ديوداذ في شهر ربيع ~~PageV01P045 الأول ، سنة أربع وخمسين ومائتين ، وبقي واليا إلى أن تغلب ~~أحمد بن عيسى بن شيخ على الشامات في أيام المهتدي . # # | خلافة المعتمد # فلما مات ، وولي المعتمد سير إلى ابن شيخ بولاية أرمينية ، على أن ينصرف ~~عن الشام آمنا ms025 فأجاب إلى ذلك ، ورحل عنها في سنة ست وخمسين ومائتين . ~~ووليها أحمد بن طولون ، مع أنطاكية وطرسوس وغيرها من البلاد وكان أحمد ابن ~~طولون شهما شجاعا عاقلا ، وكان على مربطه أربعة آلاف حصان ، وكانت نفقته ~~في كل يوم آلف دينار . # فعقد المعتمد لأخيه أبي أحمد الملقب بالموفق على حلب وقنسرين والعواصم ، ~~في شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين . ثم ولاه بغداد ، واليمن ، ~~وخراسان ، وولى الشام لابنه جعفر وجعل له ولاية العهد ، وهو صبي ، وجعل ~~الأمر بعده لأخيه أبي أحمد . # فولى أبو أحمد الموفق سيما الطويل أحد قواد بني العباس ومواليهم حلب ~~والعواصم . فابتنى بظاهر مدينة حلب دارا حسنة ، وعمل لها بستانا . وهو ~~الذي يعرف الآن ببستان الدار ظاهر باب أنطاكية . وبهذه الدار سميت المحلة ~~التي بباب أنطاكية الدارين ، إحدى الدارين هذه ، والدار الأخرى بناها قبله ~~محمد بن عبد الملك بن صالح ، فعرفت المحلة بالدارين لذلك . وإحدى الدارين ~~تعرف PageV01P046 بالسليمانية على حافة نهر قويق ، وحاضر السليمانية بها ~~يعرف وهو حاضر حلب . وجدد سيما الطويل الجسر الذي على نهر قويق قريبا من ~~داره . وركب عليه بابا أخذه من قصور بعض الهاشميين بحلب يقال له : قصر ~~البنات . وأظن أن درب البنات بحلب يعرف به ، وأظن القصر يعرف بأم ولد كانت ~~لعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح اسمها بنات وهي أم ولده داود . # وسمى سيما الباب باب السلامة وهو الباب الذي ذكره الواساني في قصيدته ~~الميمية التي أولها : # يا ساكني حلب العوا . . . صم جادها صوب الغمامه # وفي سيما الطويل يقول البختري : # فردت إلى سيما الطويل أمورنا . . . وسيما الرضا في كل أمر يحاوله # فعصى أحمد بن طولون على أبي أحمد الموفق ، وأظهر خلعه ونزل إلى الشام ، ~~فانحاز سيما الطويل إلى أنطاكية فحصره أحمد بن طولون بها فألقت عليه امرأة ~~حجرا وقيل قوقا فقتلته . وقيل بل قتله عسكر ابن طولون ، وكان ذلك في سنة ~~أربع وستين أو سنة خمس وستين ومائتين واستولى أحمد بن طولون على حلب والشام ~~جميعه منابذا لأبي أحمد الموفق ، وكان ms026 قاضي حلب في أيامه عبيد الله بن ~~محمد بن عبد العزيز بن عبد الله أبو بكر القاضي العمري . ودام على قضائها ~~إلى أن مات أحمد . # وكان سيما حين صارت له حلب قد قصد جماعة من الأشراف من بني صالح ابن علي ~~بالأذى ، واستولى على أملاكهم ، وأودع بعضهم السجن . فلما ولي أحمد بن ~~طولون قال صالح بن محمد بن اسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي الحلبي ، يمدحه ~~ويشكره ، ويذكر ظفره بسيما بقصيدة يقول فيها : PageV01P047 # وقد لبستنا من قذا الجور ذلة . . . ودار بنا كيد الأعادي فأحدقا # وحكم فينا عاند فجرت له . . . أفاعيل غر تترك اللب أخلقا # إلى أن أتيحت بابن طولون رحمة . . . أشار إلى معصوصب فتفرقا # فدتك بنو العباس من ناصر لها . . . أنار به قصد السبيل فأشرقا # بنيت لهم مجدا تليدا بناؤه . . . فلم نر بنيانا أعز وأوثقا # منحتهم صفو الوداد ولم يكن . . . سواك ليعطي الود صفوا مزوقا # تجوز منك العبد لما قصدته . . . وأسكن أشراف الأقاوم مطبقا # بلا ترة أسدوا إليه وإنما . . . يجازي الفتى يوما على ما تحققا وهيهات ~~ما ينجيه لو أن دونه . . . ثمانين سورا في ثمانين خندقا # ثم إن أحمد بن طولون توجه إلى مصر ، وولى مملوكه لؤلؤ حلب في سنة ست ~~وستين ، فخرج بكار الصالحي من ولد عبد الملك بن صالح ، بنواحي حلب بينها ~~وبين سلمية ، ودعا إلى أبي أحمد الموفق في سنة ثمان وستين ، فحاربه ابن ~~العباس الكلابي فهزم الكلابي ووجه إليه لؤلؤ قائدا يقال له أبو ذر ، فرجع ~~وليس معه كبير أحد . ثم إن لؤلؤ ظفر به فقبض عليه . # ثم إن لؤلؤ الطولوني خالف مولاه أحمد بحلب ، وعصى عليه في سنة تسع وستين ~~، وكاتب أبا أحمد الموفق في المسير إليه فأجابه إلى ذلك . وقطع لؤلؤ الدعاء ~~لمولاه أحمد مدنه جميعها : حلب ، وقنسرين ، وحمص ، وديار مضر ، وترك أهل ~~الثغور الدعاء لابن طولون ، وأخرجوا نائبه منها وهموا بقبضه ، فهرب . فنزل ~~أحمد بن طولون من مصر في مائة آلف فقبض على حرم لؤلؤ وباع ولده وأخذ ما قدر ~~عليه مما كان ms027 له ، وهرب لؤلؤ منه ولحق بأبي أحمد طلحة بن المتوكل وهو على ~~محاربة العلوي البصري عميد الزنج . PageV01P048 # ولؤلؤ هو الذي قتل علوي البصرة في سنة تسع وستين ومائتين . وبقي لؤلؤ ~~ببغداد إلى أن قبض عليه الموفق ، وقيده في سنة ثلاث وسبعين ومائتين ، فوجد ~~له أربعمائة ألف دينار . فذكر لؤلؤ الطولوني أنه لا يعرف لنفسه ذنبا إلا ~~كثرة ماله وأثاثه . # ولما انحدر لؤلؤ من الرقة كان معه من السفن والخزائن زهاء ثلاثمائة خزانة ~~. # ولما هرب لؤلؤ من مولاه إلى العراق في جمادى الأولى من السنة ، اجتاز ~~ببالس ، وبها محمد بن العباس بن سعيد الكلابي أبو موسى ، وأخوه سعيد ~~فأسرهما . ثم إن ابن طولون وصل إلى الثغور ، فأغلقوها في وجهه ، فعاد إلى ~~أنطاكية ومرض . فولى على حلب عبد الله بن الفتح ، وصعد إلى مصر مريضا ، ~~فمات سنة سبعين ومائتين . # وولي ابنه أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ، فولى في حلب أبا موسى ~~محمد بن العباس بن سعيد الكلابي ، في سنة إحدى وسبعين ومائتين . ونزل أبو ~~الجيش من مصر إلى حلب ، وكاتب أبا أحمد بن المتوكل بأن يولى حلب ومصر وسائر ~~البلاد التي في يده ، ويدعى له على منابرها ، فلم يجبه إلى ذلك ، فاستوحش ~~من الموفق . # وولى في حلب القائد أحمد بن ذو غباش ، وصعد إلى مصر فوصل إلى حلب إسحاق ~~بن كنداج ، وكان يلي ديار ربيعة ، ومحمد بن أبي الساج ، وكان يلي ديار مضر ~~، فولاه الموفق حلب وأعمالها ، وكتبا إلى العراق يطلبان نجدة تصل إليهما ، ~~فإن ابن جيعويه وغيره من قواد ابن طولون بشيزر . # فسير الموفق ابنه أبا العباس أحمد بن طلحة ، وكان قد جعل إليه ولاية عهده ~~، فوصل إلى حلب في ربيع الآخر من سنة إحدى وسبعين ومائتين ، وكان فيها محمد ~~ابن ديوداذ بن أبي الساج ، المعروف بالأفشين حينئذ واليا ، وسار إلى ~~قنسرين ، وهي PageV01P049 يومئذ لأخي الفصيص التنوخي وهي عامرة وحاضر طيء ~~لطيء وعليها أيضا سور ، وقلعتها عامرة . # وسار إلى شيزر ، فكسر العسكر المقيم ، وسار إلى أن تواقع المعتضد ~~وخمارويه ms028 على الطواحين ، بقرب الرملة ، وكانت الغلبة أولا لأبي العباس ~~المعتضد ، فهرب خمارويه بمن خف معه إلى مصر ، ونزل أبو العباس بخيمة ~~خمارويه ، وهو لا يشك في الظفر ، فخرج كمين لخمارويه ، فشدوا عليهم ~~وقاتلوهم ، فانهزموا ، وتفرق القوم . # ورجع الأمير أبو العباس إلى أن انتهى إلى أنطاكية ، وكان محمد بن ديوداذ ~~المعروف بالأفشين بن أبي الساج قد فارق أبا العباس لكلام أغلظ له فيه أبو ~~العباس ، فجاء قبل وقعة الطواحين ، واستولى على حلب ، ومعه إسحاق بن كنداج ~~. # وسار أبو العباس من أنطاكية إلى طرسوس فأغلقها أهلها دونه ، ومنعوه من ~~دخولها فسار إلى مرعش ، ثم إلى كيسوم ، ثم إلى سميساط ، وعبر الفرات ، ونكب ~~عن حلب لاستيلاء الأقشين عليها وكان قد جرت بينهما وحشة . # ونزل خمارويه إلى حلب ، فصالحه الأفشين وصار في جملته ، ودعا له على ~~منابر أعماله ، وحمل إليه خمارويه مائتي آلف دينار ونيفا وعشرين آلف دينار ~~لوجوه أصحابه ، وعشرين ألف دينار لكاتبه ، وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائتين ~~. وأعطاه ابن أبي الساج ولده رهينة على الوفاء بعهده ، فراسل خمارويه أبا ~~أحمد الموفق ، وسأله الصلح فأجابه إلى ذلك ، وولاه مصر ، وأجناد الشام ، ~~وقنسرين ، وحلب ، والعواصم ، والثغور . وصعد أبو الجيش إلى مضر ، وكان أبو ~~الجيش قد أعطى ابن أبي الساج يوم دفع ولده إليه ما مبلغه ثلاثون ألف دينار ~~، فقال ابن أبا : خدعكم محمد بن ديوداذ ، إذ أعطاكم بولة يبول مثلها في كل ~~ليلة مرات ، وأخذ منكم ثلاثين ألف دينار . # ثم إن ابن أبي الساج نكث عهده مع أبي الجيش ، وعاث في نواحي الأعمال ~~PageV01P050 التي له ، في ذي القعدة من سنة أربع وسنعين ومائتين ، فخرج ~~إليه أبو الجيش . والتقيا بالثنية ، من أعمال دمشق فانهزم ابن أبي الساج ~~واستبيح عسكره قتلا وأسرا ، ففي ذلك يقول البحتري : # وقد تدلت جيوش النصر منزلة . . . على جيوش أبي الجيش بن طولونا # يوم الثنية إذ ثنى بكرته . . . خمسين ألفا رجالا أو يزيدونا # وكتب إلى ابن الساج يوبخه ، ويقول له : كان يجب يا قليل المروءة والأمانة ~~أن نصنع برهنك ما أوجبه ms029 غدرك ! معاذ الله أن تزر وازرة وزر أخرى . # ورجع أبو الجيش إلى مصر في سنة خمس وسبعين ومائتين . فعاد محمد بن ديوداذ ~~، وعاث عليه في أطراف بلاده ، فقصده فانهزم بين يديه ، فوصل ابن طولون خلفه ~~إلى الفرات . وهرب ابن أبي الساج ، ولحق بأبي أحمد الموفق ، فانضم إليه ~~فخلع عليه ، وأخرجه معه إلى الجبل ، وذلك في سنة ست وسبعين ومائتين فولى ~~أبو الجيش على حلب غلام أبيه ظغج بن جف والد الإخشيد أبي برك محمد بن طغج . # ودعا يازمار ، والي الثغور لخمارويه بطرسوس والثغور ، وحمل إليه خماروية ~~خمسين ألف دينار ، وحمل إليه قبل الدعاء له ثلاثين آلف دينار ليتفقها في ~~سبيل الله ومائة وخمسين ثوبا ومائة وخمسين دابة وسلاحا كثيرا وذلك في ~~سنة سبع وسبعين ومائتين . PageV01P051 # # | خلافة المعتضد # ورجع أبو الجيش إلى مصر ، ومات المعتمد بعد ذلك في سنة تسع وسبعين فولي ~~الخلافة أبو العباس أحمد بن طلحة المعتضد ، فبايعه أبو الجيش بن طولون وخطب ~~له في عمله . وسير إليه هدية ستية مع الحسين بن الجصاص . وطلب منه أن يزوج ~~ابنته من علي بن المعتضد ، فقال المعتضد بل أنا أتزوجها فتزوجها المعتضد ~~وهي قطر الندى . # وقيل : إنه دخل معها مائة هاون ذهب فى جهازها ، وإن المعتضد دخل خزانتها ~~، وفيها من المنائر والأباريق ، والطاسات ، وغير ذلك من الآنية الذهب . ~~فقال : يا أهل مصر ، ما أكثر صفركم . فقال له بعض القوم : يا أمير المؤمنين ~~، إنما هو ذهب . # وزفت إلى المعتضد مع صاحب أبيها الحسين بن عبد الله بن الجصاص . فقال ~~المعتضد لأصحابه : أكرموها بشمع العنبر فوجد في خزانة الخليفة أربع شمعات ~~من عنبر ، في أربعة أتوار فضة . # فلما كان وقت العشاء ، جاءت إليه وقدامها أربعمائة وصيفة ، في يد كل ~~واحدة منهن تور ذهب وفضة ، وفيه شمعة عنبر . فقال المعتضد لأصحابه : أطفئوا ~~شمعنا واسترونا . # وكانت إذا جاءت إليه أكرمها بأن يطرح لها مخدة : فجاءت إليه ، يوما فلم ~~يفعل ما كان يفعله بها . فقالت : أعظم الله أجر أمير المؤمنين . قال : فيمن ~~؟ . قالت : في عبده خمارويه ms030 تعني أباها فقال لها : ' أو قد سمعت بموته ؟ ~~قالت : لا ولكني لما رأيتك قد تركت إكرامي علمت أته قد مات أبي . وكان خبره ~~قد وصل إلى المعتضد ، فكتمه عنها . فعاد إلى إكرامه لها بطرح المخدة في كل ~~الأوقات . # وقتل خمارويه بدمشق في سنة ثمانين ومائتين ، وحلب في ولاية طغج بن جف من ~~قبله وأظن أن قاضي حلب بعد أيام أحمد بن طولون حفص بن عمر قاضي PageV01P052 ~~حلب . وولي مكان خمارويه ولده جيش بن خمارويه ، وطغج في حلب على حاله . ~~وعزل القواد جيش بن خمارويه ، وولوا أخاه هارون بن خمارويه ، فولى طغج بن ~~جف حلب على حاله ، وسير إلى المعتضد رسولا يطلب منه إجراءه على عادة أبيه ~~في البلاد التي كانت في ولايته ، فلم يفعل . # وسير رسولا إلى هارون ، فاستنزله عن حلب وقنسرين ، والعواصم ، وسلم ~~لهارون مصر وبقية الشام ، واتفق الصلح مع المعتضد وهارون على ذلك ، في ~~جمادى الأولى من سنة ست وثمانين ومائتين . # وكان هارون قد ولى قضاء حلب وقنسرين أبا زرعة محمد بن عثمان الدمشقي ، ~~فقلد المعتضد حلب وقنسرين ولده أبا محمد علي بن أحمد في هذه السنة . # وولى بحلب من قبل ابنه الحسن بن علي المعروف بكوره الخراساني ، وإليه ~~تنسب دار كوره ، التي داخل باب الجنان بحلب ، والحمام المجاورة لها . وقد ~~خربت الآن ولم يبق لها أثر . # وكان كاتب علي بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني ، فقلده النظر ~~في هذه النواحي وسار المعتضد ، في سنة سبع وثمانين ومائتين ، خلف وصيف خادم ~~ابن أبي الساج إلى الثغور إل أن لحقه . فضم عمل الثغور أيضا إلى كوره ، ~~وعاد إلى أنطاكية ، ووصيف معه . # ثم رحل إلى حلب ، فأقام بها يومين ، ووجد لوصيف بعد أسره في بستان بحلب ~~مال كان دفنه وهو بها مع مولاه مبلغه ستة وخمسون آلف دينار فحمل إلى ~~المعتضد ثم رحل إلى بغداد ، فمات في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ~~ومائتين . PageV01P053 # # | خلافة المكتفي # وتولى الخلافة ولده أبو محمد ، ولقب بالمكتفي ، فصرف الحسن بن علي كوره ~~عن ms031 ولايته ، وولى حلب أحمد بن سهل النوشجاني ، في جمادى الآخرة سنة تسع ~~وثمانين ومائتين . ثم صرفه عنها سنة تسعين ومائتين . # وولى حلب في هذه السنة أبا الأغر خليفة بن المبارك السلمي ، ووجهه إليها ~~لمحاربة القرمطي صاحب الخال لعنه الله ، فإنه كان قد عاث في البلاد وغلب ~~على حمص ، وحماة ، ومعرة النعمان ، وسلمية . وقتل أهلها وسبى النساء ~~والأطفال . # فقدم أبو الأغر حلب في عشرة آلاف فارس ، فأنفذ القرمطي سرية إلى حلب ، ~~فخرج أبو الأغر إلى وادي بطنان ، فلما استقر وافاه جيش القرمطي ، يقدمه ~~المطوق غلامه وكبسهم ، وقتل عامة أصحابه وخادما جليلا يقال له بدر ~~القدامي . # وسلم أبو الأغر في ألف رجل ، فصار إلى قرية من قرى حلب ، وخرج إليه ابنه ~~في جماعه من الرجالة والأولياء ، فدخل إلى حلب وأقام القرامطة على مدينة ~~حلب على سبيل المحاصرة . # فلما كان يوم الجمعة ، سلخ شهر رمضان من سنة تسعين ومائتين ، تسرع أهل ~~مدينة حلب إلى الخروج للقاء القرامطة فمنعوا من ذلك ، فكسروا قفل الباب ، ~~وخرجوا إلى القرامطة ، فوقعت الحرب بين الفئتين ، ورزق الله الحلبيين النصر ~~عليهم . وخرج أبو الأغر فأعانهم ، فقتل من القرامطة خلق كثير . # وخرج أبو الأغر يوم السبت يوم عيد الفطر إلى المصلى ، وعيد بأهل حلب ، ~~وخطب الخطيب ، وعادت الرعية على حال سلامة ، وأشرف أبو الأغر على القرامطة ~~، فلم يخرج منهم أحد إليه ، ثم أنهم رحلوا إلى صاحبهم ، في سنة ثلاثمائة . # ثم إن المكتفي ولى حلب الحسين بن حمدان بن حمدون عم سيف الدولة ، ~~PageV01P054 فعاثت عليه العرب من كلب واليمن وأسد وغيرهم فاجتمعوا بنواحي ~~حلب ، فخرج للقائهم ، في شهر رمضان من سنة أربع وتسعين ومائتين ، فهزموه ~~حتى بلغوا به باب حلب ، وجرى بينه وبين القرامطة ، في هذه السنة وقعة كسرهم ~~فيها واستأصلهم . # ثم إنه عزل عن حلب ، وولي عيسى غلام النوشري ، وكان المكتفي قد صار إلى ~~الرقة في سنة إحدى وتسعين ومائتين ، وكان وجه بمحمد بن سليمان صاحب الجيش ~~إلى حلب والشام في عشرين ألف فارس وراجل ، لمحاربة الطولونية والقرامطة ، ~~وفتح مصر ms032 . فقدم محمد بن سليمان حلب في أواخر سنة تسعين ، والوالي بها على ~~الحرب عيسى غلام النوشري ، فدخلها محمد في أحسن تعبئة وزي . وأقام بها ~~أياما وطالب عمال الخراج بحمل المال ، وقصده رؤساء بني تميم وبني كلاب . # فأمر عيسى والي حلب أن يستخلف على عمله ويشخص معه إلى مصر فامتثل أمره ، ~~واستخلف على حلب ولده ، وأتفق في جنده ، ورحل في آخر شوال معه . فلما وافى ~~معرة النعمان خلع عليه ، وحمله ، وولاه بلده إلى حدود حماة ، ولقيهم ~~القرامطة بين تل منس وكفر طاب ، في عشرة آلاف فارس ، فنصره الله عليهم ، ~~وانهزموا وقتل الرجالة ، وأسر أكثر الخيالة . # وصار محمد بن سليمان إلى مصر ، وافتتحها من يد الطولونية ، عند قتل هارون ~~بن خمارويه ، واستولى على أموالها . ثم ضم إلى طغج بن جف الطولوني أربعة ~~آلاف رجل ، وولاه حلب ، وأخرجه عن مصر . # فلما صار إلى حلب وجد بها ابن الواثقي ، وقد أنفذه السلطان إلى حلب لعرض ~~جيوش الواردين من مصر ، وذلك في سنة اثنتين وتسعين ومائتين . فعرض ابن ~~الواثقي جيشه لما وصل إلى حلب ، وأمره بالنفوذ إلى بغداد ، فرحل حتى وافى ~~مدينة السلام . PageV01P055 # وكذلك ورد حلب جماعة من القواد الطولونية ، فعرضهم وتوجهوا إلى بغداد . # ووافى وصيف البكتمري وابن عيسى النوشري صاحب حلب بغداد ، يوم الاثنين ~~لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة اثنتين وتسعين ومائتين ، ومعهما طغج ، ~~وأخوه ، وابن لطغج ، فخلع عليهم وطوق منهم البكتمري وابن عيسى النوشري . ثم ~~شخص عيسى النوشري عن مصر إلى حلب ، لأنه كان واليها . فلما كان بعد شخوصه ~~إليها بأيام ، ورد كتاب العباس بن الحسن الوزير بتولية عيسى النوشري مدينة ~~مصر ، ويؤمر محمد بن سليمان بالشخوص إلى طرسوس للغزو . فوجه محمد ابن ~~سليمان من لحق عيسى بالرملة فرده ، وورد إلى عيسى كتاب من السلطان بذلك ~~فعاد واليا على مصر . # وولى المكتفي في هذه السنة أبا الحسن ذكا بن عبد الله الأعور ، حلب ، ~~ودام بها إلى سنة اثنتين وثلاثمائة . وكان كريما يهب ويعطي وإليه تنسب دار ~~ذكا التي هي الآن دار ms033 الزكاة . وإلى جانبها دار حاجبه فيروز فانهدمت وصارت ~~تلا يعرف بتل فيروز فنسفه السلطان الملك الظاهر رحمه الله في أيامه ، وظهر ~~فيه بقايا من الذخائر مثل الزئبق وغيره وهو موضع سوق الصاغة الآن . ولأبي ~~بكر الصنوبري الشاعر فيه مدائح كثيرة . # وعاد محمد بن سليمان إلى حلب ، ووافاه مبارك القمي بكتب يؤمر فيها بتسليم ~~الأموال ، وركب إليه ذكا الأعور صاحب حلب ، وأبو الأغر وغيرهما . فاختلط ~~بهم وسار معهم إلى المدينة ، فأدخلوه إلى الدار المعروفة بكوره ، بباب ~~الجنان ، ووكلوا به في الدار . # وشخص ذكا عن حلب لمحاربة ابن الخلنج مع أبي الأغر إلى مصر ووجه بمحمد بن ~~سليمان مقبوضا إلى بغداد . # # | خلافة المقتدر # وتوفي المكتفي سنة خمس وتسعين ومائتين ، وولي أخوه أبو الفضل المقتدر . # وعاثت بنو تميم في بلد ، حلب ، وأفسدت فسادا عظيما ، وحاصروا ذكا ~~PageV01P056 بحلب فكتب المقتدر إلى الحسين بن حمدان في إنجاد ذكا بحلب ، ~~فأسري من الرحبة حتى أناخ عليهم بخناصرة ، وأسر منهم جماعة ، وانصرف ولم ~~يجتمع بذكا . ففي ذلك يقول شاعر من أهل الشام : # أصلح ما بين تميم وذكا # أبلج يشكي بالرماح من شكا # يدل بالجيش إذا ما سلكا # كأنه سليكة بن السلكا # وكان وزير ذكا وكاتبه أبا الحسن محمد بن عمر بن يحيى النفري الكاتب ، ~~وإليه ينسب حمام النفري ، وهي الآن داثرة . وداره هي المدرسة النورية ، ~~ومدحه الصنوبري . # ثم إن المقتدر عزل ذكا عن حلب ، وولاه دمشق ثم مصر إلى أن مات . وقيل إن ~~المقتدر ولى حلب مولاه تكين الخادم أبا منصور ثم عزله عنها . والصحيح أنه ~~ولى الشام ومصر مؤنس المظفر الخادم نيابة عن ابنه أبي العباس ، فقدم إلى ~~حلب وصعد إلى مصر . # وولى مؤنس ذكا الأعور دمشق ومصر ، وعزله عن حلب ، وولى الأمير أبا العباس ~~أحمد بن كيغلغ حلب سنة اثنتين وثلاثمائة وكان على قضاء حلب سنة تسعين محمد ~~بن محمد الجدوعي . # ثم ولي القضاء بحلب وقنسرين محمد بن أبي موسى عيسى الضرير الفقيه ، في ~~سنة سبع وتسعين ومائتين . وشخص إلى عمله لأربع عشرة ليلة خلت ms034 من شهر ربيع ~~الآخر . # ثم صرف محمد بن عيسى عن قضاء حلب وقنسرين ، في سنة ثلاثمائة بأبي حفيص ~~عمر بن الحسن بن نضر الحلبي القاضي . وكانت داره بسوق السراجين . وعزل أبو ~~حفيص عن القضاء في حلب سنة اثنتين وثلاثمائة . ووليها أبو عبد الله محمد بن ~~عبده بن حرب . # وتوفي عمر بن الحسن القاضي سنة سبع وثلاثمائة ، وكان محمد بن عبده بن حرب ~~قاضيا بها سنة خمس وثلاثمائة . PageV01P057 # ثم تولى قضاء حلب وحمص إبراهيم بن جعفر بن جابر أبو إسحاق الفقيه ، في ~~سنة ست وثلاثمائة . وولي الخراج من قبل المكتفي بحلب الحسن بن الحسن بن ~~رجاء بن أبي الضحاك . وتوفي بحلب في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثمائة فجأة ~~. وولي الخراج بعده علي بن أحمد بن بسطام والانفاق عبد الله بن محمد بن سهل ~~، ثم توفي سنة اثنتين وثلاثمائة ، وتولى مكانه محمد بن الحسن بن علي ~~الناظري . # وكان أبو العباس بن كيغلغ أديبا شاعرا ، جوادا ، وهو الذي مدحه ~~المتنبي بقوله : # كم قتيل كما قتلت شهيد # ومن شعر الأمير أحمد بن كيغلغ قوله : # قلت له ، والجفون قرحى ، . . . قد أقرح الدمع ما يليها # مالي في لوعتي شبيه . . . قال : وأبصرت لي شبيها # ثم ولى مؤنس المظفر حلب أبا قابوس محمود بن حبك الخراساني ، وكان جبارا ~~، قاسيا ، منحرفا عن أهل البيت . وقيل : هو محمود بن حمل ، فدام واليا ~~بها إلى سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة . # وكان مؤنس المظفر بالشام ، فاستدعي إلى بغداد لقتال القرمطي ، فسار إليها ~~وولى حلب وصيف البكتمري الخادم سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة . ثم عزله عنها ~~سنة ست عشرة وثلاثمائة . ووليها في هذه السنة هلال بن بدر أبو الفتح ، غلام ~~المعتضد وكان أمير دمشق قبل ذلك ، ثم عزل عن حلب ، وولى قطربل وسامرا في ~~سنة سبع عشرة ، فوليها في هذه السنة وصيف البكتمري ثانية . # ومات بحلب على ولايته يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي الحجة من سنة سبع ~~عشرة وثلاثمائة . # وكان كاتبه عبد الله والد أبي العباس أحمد بن عبد الله الشاعر المعروف ~~بابن PageV01P058 كاتب ms035 البكتمري ، فوليها الأمير أحمد بن كيغلغ ثانية إلى ~~سنة ثماني عشرة وثلاثمائة . ثم ولى مؤنس المظفر غلامه طريف بن عبد الله ~~السبكري الخادم ، في سنة تسع عشرة وثلاثمائة ، وكان ظريفا شهما شجاعا ، ~~وحاصر بني الفصيص في حصونهم باللاذقية وغيرها ، فحاربوه حربا شديدا حتى ~~نفد جميع ما كان عندهم من القوت والماء ، فنزلوا على الأمان فوفى لهم ، ~~وأكرمهم ، ودخلوا معه حلب مكرميم معظمين ، فأضيفت إليه حمص مع حلب . # # | خلافة القاهر بالله # ثم إن القاهر قبض على مولاه مؤنس المظفر ، وتولى طريف قبضه ، وأحضره إلى ~~القاهر في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ، فرأى له ذلك . وولى القاهر بشرى ~~الخادم دمشق وحلب ، وسار إلى حلب ثم إلى حمص ، فكسره ابن طغج وأسره ، وخنقه ~~. ووصل أبو العباس بن كيغلغ إلى حلب فاتفق مع محمد بن طغج وحالفه . # # | خلافة الراضي # وولي الخلافة الراضي بعد القاهر . وكان الراضي قد خاف على بدر الخرشني من ~~الحجرية أن يفتكوا به ، فقلده حلب وأعمالها ، وهي بيد طريف سنة أربع وعشرين ~~، وأمره بالمسير من يومه . فسار وبلغ طريف ، فأنفذ صاحبا له إلى ابن مقلة ~~، وبذل له عشرين آلف دينار ليجدد له العهد ، وأن لا يصرف من حلب ووصل ~~الخرشني فدافعه طريف ، رجاء أن يقضي ابن مقلة وطره ، فزحف بدر PageV01P059 ~~الخرشني ، والتقى طريف في أرض حلب ، فانهزم طريف من بين يديه . # وتسلم بدر حلب ، وأقام بها مدة يسيرة ثم كوتب من الحضرة بالإنصراف فرجع ~~إلى الحضرة ، وقفد طريف حلب مرة ثالثة ، فقلد طريف السبكري من جهته حلب ~~والعواصم فأقام بها إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ، وكان قاضي حلب عبيد ~~الله بن عبد الرحمن ابن أخي الإمام . # ثم ولي حلب أبو العباس أحمد بن سعيد بن العباس الكلابي ، ومدحه أبو بكر ~~الصنوبري ، وكان بها نائبا عن أبي بكر الإخشيذ محمد بن طغج بن جف في غالب ~~طني فإن الإخشيذ استولى على الشام إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة . وفي ~~ولاية أبي العباس الكلابي ، وردت بنو كلاب إلى الشام من أرض نجد ، وأغارت ~~على معرة ms036 النعمان ، فخرج إليهم والي المعرة معاذ بن سعيد بجنده ، وتبعهم ~~إلى البراغيثي ، فعطفوا عليه ، وأسروه وأكثر جنده . وأقام فيهم مدة يعذبونه ~~، فخرج إليهم أبو العباس أحمد بن سعيد الكلابي والي حلب ، فخلصه منهم . ~~وكان ورودهم في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة . # ثم إن الراضي قدم الموصل ، وكان أبو بكر محمد بن رائق ببغداد ، وبينه ~~وبين بجكم وحشة ، فأنفذ الراضي أبا الحسين عمر بن محمد القاضي إلى أبي ~~PageV01P060 بكر محمد بن رائق يخيره في أحد البلدين واسط أو حلب وأعمالها ، ~~فاختار حلب ، وأراد بذلك البعد عن بجكم . فأجابه الراضي إلى ذلك ، وخلع ~~عليه أبو جعفر وأبو الفضل ابنا الراضي وعقدا له . # وجعل بجكم يحث الراضي على الوصول إلى بغداد ، ويتأسف على خروج ابن رائق ~~منها ليشفي غيظه ، فقال له الراضي : هذا لا يصلح ، وهذا رجل أمنته ، وقلدته ~~ناحية من النواحي ، فسمع وأطاع وما أمكنك منه . # فخرج أبو بكر بن رائق في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وعشرين وثلاثمائة . ~~وقيل : دخل حلب في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة . وسار عنها إلى قتال الإخشيذ ~~محمد بن طغج بن جف الفرغاني ، وولى في حلب نيابة عنه خاصة محمد بن يزداذ . # # | خلافة المتقي # وجرت بين أبي بكر بن رائق والإخشيد وقعة انهزم فيها الإخشيذ ، وسلم دمشق ~~إلى ابن رائق ، واقتصر على الرملة ومصر . # ثم وقع بينهما وقعة أخرى في الجفار ، أسر فيها أبو الفتح مزاحم بن محمد ~~ابن رائق ، فرجع في عدة يسيرة حتى يخلص ابنه ، فقتل أبو نصر بن طغج ، فكفنه ~~ابن رائق ، وجعله في تابوت ، وأنفذه إلى أخيه الإخشيذ مع ابنه مزاحم ، وقال ~~: ما أردت قتل أخيك ، وهذا ولدي قد أنقذته إليك لتقيده به . فخلع الإخشيذ ~~عليه ، وأعطاه مالا كثيرا ، ورده . وذلك في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة . ~~ثم أن أبا بكر محمد بن طغج الإخشيذ سير كافورا الخادم من مصر ، ومعه عسكر ~~وفي مقدمته أبو المظفر مساور بن محمد الرومي ، أحد قواد الإخشيذ فوصل ~~PageV01P061 إلى حلب ، فالتقى كافور ومحمد بن يزداذ الوالي بحلب من ms037 قبل ابن ~~رائق ، فكسره كافور ، وأسره ، وأخذ منه حلب ، وولى بها مساور بن محمد ~~الرومي ، وعاد كافور إلى مصر . # وهذا أبو المظفر مساور بن محمد الرومي مدحه المتنبي بقوله : # أمساور أم قرن شمس هذا . . . أم ليث غاب يقدم الأستاذا # يريد الأستاذ : كافورا الخادم . وذكر فيها كسره بن يزداذ فقال : # هبك ابن يزداذ حطمت وصحبه . . . أترى الورى أضحوا بني يزداذا # ومساور هو صاحب الدار المعروفة بدار ابن الرومي بالزجاجين بحلب ، وتعرف ~~أيضا بدار ابن مستفاد ، وهي شرقي المدرسة العمادية التي جددها سليمان بن ~~عبد الجبار بن أرتق بحلب ، وهي المنسوبة إلى بني العجمي . # وأظن أن قاضي حلب في هذا التاريخ كان أبا طاهر محمد بن محمد بن سفيان ~~الدباس أو قبل هذا التاريخ . # ثم اتفق الإخشيذ ومحمد بن رائق على أن يخلي له الإخشيذ حمص وحلب ويحمل ~~إليه مالا ، وزوج الإخشيذ ابنته بمزاحم بن أبي بكر بن رائق . # وقتل ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان أبا بكر بن رائق ~~في رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة بين يدي المتقي يوم الإثنين لتسع بقين منه . # وكان ابن رائق شهما مقداما سخيا جوادا ، لكنه كان عظيم الكبر ، ~~مستبدا برأيه ، منزوعا من التوفيق والعصمة والتسديد . # وكان أحمد بن علي بن مقاتل بحلب من جهة أبي بكر بن رائق ومعه ابنه مزاحم ~~بن محمد بن رائق . فقلد ناصر الدولة علي بن خلف ديار مضر والشام ، وأنفذ ~~معه عسكرا وكاتب يأنس المؤنسي أن يعاضده . PageV01P062 # وكان يأنس يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة فسار إلى جسر منبج وسار أحمد ~~بن مقاتل ومزاحم إلى منبج ، فالتقوا على شاطىء الفرات . # وسير يأنس كاتبه ونذيرا غلامه برسالة إلى ابن مقاتل ، فاعتقلهما ووقعت ~~الحرب بين الفئتين ، ولحق يأنس جراح كادت تتلفه فعدل به إلى قلعة نجم ليشده ~~. ونظر نذير غلامه وهو معتقل في عسكر ابن مقاتل ، على بغل إلى شاكري ليأنس ~~معه جنيبة مق خيله ، فأخذ سيف الشاكري ، وركب الجنيبة ، وصار إلى ابن مقاتل ~~فقتله وانهزم عسكره . # وأفاق ms038 يأنس المؤنسي ، فسار وعلي بن خلف متوجهين إلى حلب . وتلاوم قواد ~~ابن مقاتل على هزيمتهم ، فعادوا إلى القتال في وادي بطنان ، فانهزموا ثانية ~~، وملك علي بن خلف ويأنس المؤنسي حلب في سنة ثلاثين وثلاثمائة . # ثم إن علي بن خلف سار منها إلى الإخشيذ محمد بن طغج ، فاستوزره وعلا أمره ~~معه ، إلى أن رآه يوما ، وقد ركب في أكثر الجيش بالمطارد والزي ، ومحمد ~~جالس في متنزه له ، فأمر بالقبض عليه ، فلم يزل محبوسا إلى أن مات محمد بن ~~طغج . فأطلق وبقي يأنس المؤنسي واليا على حلب في سنة إحدى وثلاثين ~~وثلاثمائة . # وكان يأنس هذا مولى مؤنس المظفر الخادم ، وتولى الموصل في أيام القاهر . # وكان يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة إلى أن كان من أمره ما ذكرناه . ~~فاستأمن ، إلى الإخشيذ ، ودعا له على المنابر بعمله . # واتفق ناصر الدولة بن حمدان وتوزون ، في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ، ~~على أن تكون الأعمال من مدينة الموصل إلى آخر أعمال الشام لناصر الدولة ، ~~وأعمال السن إلى البصرة لتوزون وما يفتحه من وراء ذلك ، وأن لا يعرض أحد ~~منهما لعمل الآخر . # فولى ناصر الدولة حلب وديار مضر والعواصم أبا بكر محمد بن علي بن مقاتل ~~صاحب ابن رائق في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ، ووافق ~~PageV01P063 ناصر الدولة أبا محمد بن حمدان على أن يؤدي إليه إذا دخل حلب ~~خمسين ألف دينار . # فتوجه أبو بكر من الموصل ومعه جماعة من القواد ، ولم يصل إليها فوقع بين ~~الأمير سيف الدولة بن حمدان وبين ابن عمه أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن ~~حمدان كلام بالموصل وأراد القبض عليه . # فقلد ناصر الدولة أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان ، أخا الأمير أبي ~~فراس ، حلب وأعمالها ، وديار مضر ، والعواصم ، وكلما يفتحه من الشام ، ~~فتوجه في أول شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ، ودخل الرقة بالسيف ~~لأن أهلها حاربوه مع أميرها محمد بن حبيب البلزمي ، فأسره وسمله ، وأحرق ~~قطعة من البلد وقبض على رؤساء أهله ، وصادرهم ms039 . وتوجه إلى حلب ومعه أبو بكر ~~محمد بن علي بن مقاتل ، وبحلب يأنس المؤنسي وأحمد بن العباس الكلابي ، ~~فهربا من بين يديه من حلب ، وتبعهما إلى معرة النعمان ثم إلى حمص . # وهرب أمير حمص إسحاق بن كيغلغ بين يديه ، وملك هذه البلاد ودانت له العرب ~~، ثم عاد إلى حلب ، وأقام بها إلى أن وافى الإخشيذ أبو بكر محمد بن طغج ابن ~~جف الفرغاني . # وإنما لفب بالإخشيذ لأن ملك فزغانه يتسمى بذلك ، وكان أبوه من أهل فرغانه ~~. # وقدمها الإخشيذ في ذي الحجة من سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . ولما دنا ~~الإخشيد من حلب انصرف الحسين بن حمدان عنها لضعفه عن محاربته إلى الرقة . ~~وكان ابن مقاتل مع ابن حمدان بحلب ، فلما أحس بقرب الإخشيذ منها وتعويل ابن ~~حمدان على الإنصراف استتر في منارة المسجد الجامع إلى أن انصرف ابن حمدان . # ودخل الإخشيذ فظهر له ابن مقاتل ، واستأمن إليه ، وقلده الإخشيذ أعمال ~~الخراج والضياع بمصر . PageV01P064 # وأما الحسين بن سعيد ، فإنه لما وصل إلى الرقة وجد المتقي لله بها هاربا ~~من توزون التركي وقد تغلب على بغداد ، وسيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد ~~الله ابن حمدان مع المتقي بالرقة ، وقد فارق أخاه ناصر الدولة لكلام جرى ~~بينهما . فلم يأذن المتقي لأبي عبد الله الحسين في دخول الرقة ، وأغلقت ~~أبوابها دونه ، ووقعت المباينة بينه وبين ابن عمه سيف الدولة ، وسفر بينهما ~~في الصلح ، فتم ومضى إلى حران ومنها إلى الموصل . # وقذم الإخشيذ عند حصوله بحلب مقدمته إلى بالس ، وسار بعدها بعد أن سير ~~المتقي أبا الحسن أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخرقي يسأل الإخشيذ أن يسير ~~إليه ليجتمع معه بالرقة ، ويحدد العهد به ، ويستعين به على نصرته ، ويقتبس ~~من رأيه . فلما وصل أبو الحسن إلى حلب تلقاه الإخشيذ ، وأكرمه ، وأظهر ~~السرور والثقة بقرب المتقي ، وأنفذ من وقته مالا مع أحمد بن سعيد الكلابي ~~إلى المتقي ، وسار خلفه حتى نزل وبينه وبين المتقي الفرات ، فراسله المتقي ~~بالخرقي ، وبوزيره أبي الحسين بن مقلة ، فعبر إليه ms040 يوم الخمسين لثلاث عشرة ~~ليلة خلت من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة . # ووقف بين يدي المتقي لله ، ثم ركب المتقي لله فمشى بين يديه ، وأمره أن ~~يركب فلم يفعل ، وحمل إليه هدايا ومالا كثيرا ، وحمل إلى الوزير أبي ~~الحسين بن مقلة عشرين آلف دينار ولم يدع أحدا من أصحاب المتقي وحواشيه ~~وكتابه إلا بره ووصله . # # | خلافة المستكفي # واجتهد بالمتقي لله أن يسير معه إلى الشام ومصر ، فأبى فأشار عليه ~~بالمقام مكانه ، وضمن له أن يمده بالأموال فلم يفعل ، إلى أن كاتبه توزون ، ~~وخدعه ، وقبض عليه وبايع المستكفي . PageV01P065 # وكتب المتقي عهدا للإخشيذ بالشامات ومصر على أن الولاية له ولأبي القاسم ~~أنوجور ابنه إلى ثلاثين سنة . # وكتب الإخشيذ في هذه السفرة إلى عبده كافور الخادم إلى مصر وقال له : ~~ومما يجب أن تقف عليه أطال الله بقاءك أني لقيت أمير المؤمنين بشاطىء ~~الفرات فأكرمني ، وحباني ، وقال : كيف أنت يا أبا بكر أعزك الله ، فرحا ~~بأته كناه ، والخليفة لا يكني أحدا . PageV01P066 # # | القسم الخامس حلب والحمدانيون سيف الدولة الحمداني 333 - 356 ه # وعاد الإخشيذ من الرقة إلى حلب وسار إلى مصر . وولى بحلب من قبله أبا ~~الفتح عثمان بن سعيد بن العباس بن الوليد الكلابي وولى أخاه أنطاكية . فحسد ~~أبا الفتح إخوته الكلابيون ، وراسلوا سيف الدولة بن حمدان ليسلموا إليه حلب ~~، وقد كان طلب سيف الدولة من أخيه ناصر الدولة ولاية ، فقال له ناصر الدولة ~~: الشام أمامك ، وما فيه أحد يمنعك منه . # وعرف سيف الدولة اختلاف الكلابيين ، وضعف أبي الفتح عن مقاومته ، فسار ~~إلى حلب ، فلما وصل إلى الفرات خرج إخوة أبي الفتح عثمان بن سعيد بأجمعهم ~~للقاء سيف الدولة ، فرأى أبو الفتح أنه مغلوب إن جلس عنهم ، وعلم حسدهم له ~~، فخرج معهم . فلما قطع سيف الدولة الفرات ، أكرم أبا الفتح دون إخوته ، ~~وأركبه معه في العمارية ، وجعل سيف الدولة يسأله عن كل قرية يجتاز بها : ما ~~اسمها . فيقول أبو الفتح : هذه الفلانية ! حتى عبروا بقرية يقال لها إبرم ~~وهي قرية قريبة من الفايا ms041 . فقال له سيف الدولة : ما اسم هذه القرية . قال ~~أبو الفتح : إبرم . فظن سيف الدولة أنه قد أكرهه بالسؤال . فقال له إبرم من ~~الإبرام . فسكت سيف الدولة عن سؤاله . فلما عبروا بقرى كثيرة ، ولم يسأله ~~عنها علم أبو الفتح بسكوت سيف الدولة . فقال له أبو الفتح : يا سيدي يا سيف ~~الدولة ، وحق رأسك ، إن القرية التي PageV01P067 عبرنا عليها اسمها إبرم ، ~~واسأل عنها غيري . فعجب سيف الدولة من ذكائه . فلما وصل حلب أجلسه معه على ~~السرير . # ودخل سيف الدولة حلب ، يوم الإثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأول ، من ~~سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة . # وكان القاضي بها أحمد بن محمد بن ماثل ، فعزله وولى أبا حصين علي بن عبد ~~الملك بن بدر بن الهيثم الرقي ، وكان ظالما ، فكان إذا مات إنسان أخذ ~~تركته لسيف الدولة . وقال : كل من هلك فلسيف الدولة ما ترك ، وعلى أبي حصين ~~الدرك . # ثم إن الإخشيذ سير عسكرا إلى حلب مع كافور ويأنس المؤنسي ، وكان الأمير ~~سيف الدولة غازيا بأرض الروم قد هتك بلد الصفصاف وعربسوس فغنم ، ورجع فسار ~~لطيته إلى الإخشيذية ، فلقيهم بالرستن . فحمل سيف الدولة على كافور ، ~~فانهزم ، وازدحم أصحابه في جسر الرستن ، فوقع في النهر منهم جماعة . ورفع ~~سيف الدولة السيف ، فأمر غلمانه أن لا يقتلوا أحدا منهم . وقال : الدم لي ~~والمال لكم فأسر منهم نحو أربعة آلاف من الأمراء وغيرهم ، واحتوى على جميع ~~سواده . # ومضى كافور هاربا إلى حمص ، وسار منها إلى دمشق ، وكتب إلى الإخشيذ ~~يعلمه بهزيمته ، وأطلق سيف الدولة الأسارى جيمعهم ، فمضوا وشكروا فعله . # ورحل سيف الدولة بعد هزيمتهم إلى دمشق ، ودخلها في شهر رمضان سنة ثلاث ~~وثلاثين ، وأقام بها . وكاتبه الإخشيذ يلتمس منه الموادعة ، والإقتصار على ~~مافي يده ، فلم يفعل . # وخرج سيف الدولة إلى الأغراب ، فلما عاد منعه أهل دمشق من دخولها . ~~PageV01P068 # فبلغ الإخشيذ ذلك فسار من الرملة ، وتوجه يطلب سيف الدولة ، فلما وصل ~~طبرية عاد سيف الدولة إلى حلب بغير حرب ، لأن أكثر أصحابه وعسكره استأمنوا ~~إلى الإخشيذ . فاتبعه الإخشيذ ms042 إلى أن نزل معرة النعمان في جيش عظيم ، فجمع ~~سيف الدولة ، ولقيه بأرض قنسرين ، في شوال من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة . ~~وكان الإخشيذ قد جعل مطارده وبوقاته في المقدمة ، وانتقى من عسكره نحو عشرة ~~آلاف ، وسماهم الصابرية فوقف بهم في الساقة . # فحمل سيف الدولة على مقدمة الإخشيذ فهزمها ، وقصد قبته وخيمه ، وهو يظنه ~~في المقدمة ، فحمل الإخشيذ ومعه الصابرية فاستخلص سواده . ولم يقتل من ~~العسكرين غير معاذ بن سعيد والي معرة النعمان ، من قبل الإخشيذة فإنه حمل ~~على سيف الدولة ليأسره ، فضربه سيف الدولة بمستوفى كان معه فقتله . # وهرب سيف الدولة فلم يتبعه أحد من عسكر الإخشيذ وسار على حاله إلى ~~الجزيرة فدخل الرقة . ونيل : إنه أراد دخول حلب فمنعه أهلها . # ودخل الإخشيذ حلب ، وأفسد أصحابه في جميع النواحي ، وقطعت الأشجار التي ~~كانت في ظاهر حلب وكانت عظيمة جدا . وقيل . إنها كانت من أكثر المدن شجرا ~~. وأشعار الصنوبري تدل على ذلك . # ونزل عسكر الإخشيذ على الناس بحلب ، وبالغوا في أذى الناس لميلهم إلى سيف ~~الدولة . # وعاد الإخشيذ إلى دمشق بعد أن ترددت الرسل بينه وبين سيف الدولة . واستقر ~~الأمر على أن أفرج الإخشيذ له عن حلب وحمص وأنطاكية . وقرر عن دمشق مالا ~~يحمله إليه في كل سنة . # وتزوج سيف الدولة بابنة أخي الإخشيذ عبيد الله بن طغج ، وانتظم هذا الأمر ~~على يد الحسن بن طاهر العلوي وسفارته ، في شهر ربيع الأول ، سنة أربع ~~وثلاثين وثلاثمائة . PageV01P069 # فسار الإخشيذ إلى دمشق وعاد سيف الدولة إلى حلب ، وتوفي الإخشيذ بدمشق في ~~ذي الحجة ، من سنة أربع وثلاثين ، وقيل : في المحرم من سنة خمس وثلاثين ~~وثلاثمائة . # وملك بعده ابنه أبو القاسم أنوجور ، واستولى على التدبير أبو المسك كافور ~~الخادم . # وكان سيف الدولة ، فيما ذكر ، قد عمل على تخلية الشام . فلما مات الإخشيذ ~~سار كافور بعساكر مولاه إلى مصر من دمشق ، وكان قد استولى على مصر رجل ~~مغربي ، فحاربه كافور ، وظفر به . وخلت دمشق من العساكر ، فطمع فيها سيف ~~الدولة ، وسار إليها فملكها واستأمن إليه ms043 يأنس المؤنسي في قطعة من الجيش . # وأقام سيف الدولة ، وجبى خراجها ، ثم أتته والدته نعم أم سيف الدولة إلى ~~دمشق ، وسار سيف الدولة إلى طبرية . # وكان سيف الدولة في بعض الأيام يساير الشريف العقيقي بدمشق ، في الغوطة ~~بظاهر البلد ، فقال سيف الدولة للعقيقي : ما تصلح هذه الغوطة تكون إلا لرجل ~~واحد . فقال له الشريف العقيقي : هي لأقوام كثير . فقال له سيف الدولة : ~~لئن أخذتها القوانين ليتبرأن أهلها منها . فأسرها الشريف في نفسه ، وأعلم ~~أهل دمشق بذلك . # وجعل سيف الدولة يطالب أهل دمشق بودائع الإخشيذ وأسبابه ، فكاتبوا ~~كافورا فخرج في العساكر المصرية ، ومعه أنوجور بن الإخشيذ . # فخرج سيف الدولة إلى اللجون ، وأقام أياما قريبا من عسكر الإخشيذ ب ~~أكسال ، فتفرق عسكر سيف الدولة في الضياع لطلب العلوفة ، فعلم به ~~PageV01P070 الإخشيذية ، فزحفوا إليه . وركب سيف الدولة يتشرف ، فرآهم ~~زاحفين في تعبئة ، فعاد إلى عسكره فأخرجهم ، ونشبت الحرب فقتل من أصحابه ~~خلق وأسر كذلك . وانهزم سيف الدولة إلى دمشق فأخذ والدته ، ومن كان بها من ~~أهله وأسبابه ، وسار من حيث لم يعلم أهل دمشق بالوقعة ، وكان ذلك في جمادى ~~الآخرة من سنة خمس وثلاثين . # وجاء سيف الدولة إلى حمص ، وجمع جمعا لم يجتمع له قط مثله ، من بني عقيل ~~، وبني نمير ، وبني كلب ، وبني كلاب ، وخرج من حمص . وخرجت عساكر ابن طغج ~~من دمشق ، فالتقوا بمرج عذراء وكانت الوقعة أولا لسيف الدولة ثم آخرها ~~عليه ، فانهزم ، وملكوا سواده ، وتقطع أصحابه في ذلك البلد ، فهلكوا وتبعوه ~~إلى حلب ، فعبر إلى الرقة . وانحاز يأنس المؤنسي من عساكر سيف الدولة إلى ~~أنطاكية . # ووصل ابن الإخشيذ حلب ، في ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة . # فأقام بها وسيف الدولة في الرقة فراسل أنوجور يأنس المؤنسي وهو بأنطاكية ~~، وضمن هو وكافور ليأنس أن يجعلاه بحلب في مقابلة سيف الدولة . وضمن لهما ~~يأنس بأن يقوم في وجه سيف الدولة بحلب ، وأن يعطيهم ولده رهينة على ذلك ~~فأجابوه . وانصرف كافور وأنوجور بالعسكر عن حلب إلى القبلة ، وأتاها يأنس ~~فتسلمها . وقيل ms044 : إن الإخشيذية عادوا . # وأقام سيف الدولة بحلب ، فحالف عليه يأنس والساجية ، وأردوا القبض عليه ، ~~فهرب وكتابه ، وأصحابه ، إلى الرقة وملك يأنس حلب . # ولم يقم يأنس بحلب إلا شهرا ، حتى أسرى إليه سيف الدولة إلى حلب ، في ~~شهر ربيع الآخر ، سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ، فكبسه ، فانهزم يأنس إلى ~~سرمين يريد الإخشيذ . فأنفذ سيف الدولة في طلبه سرية مع إبراهيم بن البارد ~~العقيلي ، فأدركته عند ذاذيخ ، فاتهزم ، وخلى عياله ، وسواده ، وأولاده . ~~وانهزم إلى أخيه بميافارقين . PageV01P071 # وكان ابن البارد قد وصل إلى سيف الدولة ، في سنة خمس وثلاثين ، وكان في ~~خدمة أخيه ناصر الدولة ، ففارقه ، وقدم على سيف الدولة . # ثم إن الرسل ترددت بين سيف الدولة وابن الإخشيذ وتجدد الصلح بينهما على ~~القاعدة التي كانت بينه وبين أبيه ، دون المال المحمول عن دمشق . # وعمر سيف الدرلة داره بالحلبة ، وقلد أبا فراس ابن عمه منبج ، وما حولها ~~من القلاع . واستقرت ولاية سيف الدولة لحلب من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة . ~~وهذه هي الولاية الثالثة . # وجرى بينه وبين الروم وقائع أكثرها له وبضعها عليه . # فمنها : أنه فتح حصن برزويه في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة من ابن اخت أبي ~~الحجر الكردي . ووقع بينه وبين الروم وقعة فكانت الغلبة للروم وملكوا مرعش ~~ونهبوا طرسوس . وسار إلى ميافارقين ، واستخلف على حلب ابن أخيه محمد ابن ~~ناصر الدولة ، وخرج لاون الدمستق إلى بوقا من عمل أنطاكية . وخرج إليه محمد ~~فكسره الدمستق ، وقتل من عسكره خلقا ، في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة . # ومنها : أنه غزا ، سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ، ومعه خلق عظيم ، فظفر ~~فيها ، وغنم غنيمة كثيرة . فلما رجع إلى درب الجوزات ، وفارقه أهل الثغور ، ~~فاجتمع الروم في الدرب على سيف الدولة ، فقتل خلق عظيم من المسلمين ، وأسر ~~كذلك . PageV01P072 # وما سلم إلا سيف الدولة على ظهر فرسه ، وعرفوه فطلبوه ، ولزوه إلى جبل ~~عظيم ، وتحته واد ، فخاف أن يأسروه إن وقف أو رجع ، فضرب فرسه بالمهماز ، ~~وقبله الوادي ، لكي يقتل نفسه ، ولا يأسروه فوقع الفرس قائما . وخرج سيف ~~الدولة سالما . وسميت هذه الغزاة ms045 غزاة المصيبة ، وأخذ له من الآلات ، ~~والأموال ، ما لا يحصى حتى أنه ذكر أنه هلك منه من عرض ما كان معه في صحبته ~~خمسة آلاف ورقة بخط أبي عبد الله بن مقلة رحمه الله وكان منقطعا إلى بني ~~حمدان ، وكان قد بلغ سيف الدولة إلى سمندو وأحرق صارخة وخرشنة . # ومنها : أن سيف الدولة بنى مرعش في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة ، وأتاه ~~الدمستق بعساكر الروم ليمنعه منها فأوقع به سيف الدولة الوقعة العظيمة ~~المشهورة . # ومنها : أن سيف الدولة دخل بلد الروم ، في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة ~~، وأغار على زبطرة ، والتقاه قسطنطين بن بردس الدمستق على درب موزار وقتل ~~من الفريقين خلق . ثم تم سيف الدولة إلى الفرات ، وعبره ، وقصد بطن هنزيط ، ~~ودخل سيف الدولة سميساط ، فخرج الدمستق إلى ناحية الشام ، فرجع سيف الدولة ~~، فلحقه وراء مرعش ، فأوقع به ، وهزم جيشه ، وقتل لاون البطريق في الحرب ، ~~وأسر قسطنطين ولد الدمستق ، وحمله الإبريق إلى بيت الماء ، وكان أمرد ، ~~فخرج فوجده قائما يبكي ، ولم يزل عنده حتى مات من علة اعتلها . ~~PageV01P073 # وكان الدمستق استتر في تلك الوقعة في القناة ودخل فترهب ، ولبس المسوح ، ~~ففي ذلك يقول المتنبي : # فلو كان ينجي من علي ترهب . . . ترهبت الأملاك مثنى وموحدا # وقال أبو العباس أحمد بن محمد النامي : # لكنه طلب الترهب خيفة . . . ممن له تتقاصر الأعمار # فمكان قائم سيفه عكازه . . . ومكان ما يتمنطق الزنار # وبنى سيف الدولة الحدث ، وقصده الدمستق بردس ، فاقتتلا سحابة يومهما . # وكان النصر للمسلمين ، وذلك في سنة ثلاث وأربعين ، وأسر صهر الدمستق ، ~~على ابنته أعورجرم ، بعد أن سلمها القلعة أهلها إلى الدمستق . # ومنها : أن سيف الدولة غزا سنة خمس وأربعين بطن هنزيط ونزل شاطىء أرسناس ~~، وكبس يانس بن شمشقيق على تل بطريق فهزمه وفتحها . # وقتل في هذه الوقعة رومانوس بن البلنطس صهر ابن شمشقيق ، وأسر ابن قلموط ~~، وانثنى سيف الدولة قافلا إلى درب الخياطين ، فوجد عليه كذو بن الدمستق ~~فأوقع به وهزمه . # وخلف ابن عمه أبا العشائر الحسين بن علي على عمارة عرنداس فقصده ~~PageV01P074 ليون ms046 بن الدمستق فهزمه ، وأسره ، وحمله إلى قسطنطينية ، فمات ~~بها . وغزا في هذه السنة في جمادى الآخرة مع أهل الثغور وخرب مواضع من بلاد ~~الروم مثل خرشنة وصارخة . وأسر الرست بن البلنطس ، وأسر لاون بن ~~الأسطراطيغوس ، وابن غذال بطريق مقدونية ، وهرب الدمستق وبركيل بطريق ~~الخالديات ، فلما قفل سيف الدولة فك قيود الأسارى ، وخلع عليهم ، وأحسن ~~إليهم . # وفي جمادى الأولى من سنة ست وأربعين كاتب الروم جماعة من غلمان سيف ~~الدولة بالقبض عليه ، وحمله إلى الدمستق عند شخوصه لمحاربته ، وبذل لهم ~~مالا عظيما على ذلك . فخرج سيف الدولة عن حلب وقد عزموا على ذلك ، فصار ~~بعض الفراشين إلى ابن كيغلغ فأخبره بما عزموا عليه ، فأعلم سيف الدولة ، ~~فجمع الأعراب والديلم ، وأمرهم بالإيقاع بهم عند إعلامه إياهم بذلك ، ~~فأوقعوا بهم ، وقتل منهم مائة وثمانون غلاما وقبض على زهاء مائتي غلام ، ~~فقطع أيديهم وأرجلهم وألسنتهم ، وهرب بعضهم . # وعاد إلى حلب وقتل من بها من الأسرى ، وكانوا زهاء أربعمائة أسير وضيق ~~على ابن الدمستق ، وزاد في قيده ، وصيره في حجرة معه في داره ، وأحسن إلى ~~ذلك الفراش ، وقلد ابن كيغلغ أعمالا ، وتنكر على سائر غلمانه . # ومنها : أن يانس بن شمشقيق خرج إلى ديار بكر ، ونزل على حصن اليماني . ~~وعرف سيف الدولة خبره ، فسير إليه نجا الكاسكي في عشرة آلاف فارس ، فالتقاه ~~فانهزم نجا ، وقتل من أصحابه خمسة آلاف فارس ، وأسر مقدار ثلاثة آلاف راجل ~~، واستولى على سواد نجا كله . # وسار ابن شمشقيق والبراكموس إلى حصن سميساط ، وفتحاه ، ثم سارا إلى رعبان ~~، وحصراها ، وسار سيف الدولة إليهما ، ولقيهما ، فاستظهر الروم عليه ~~استظهارا كثيرا . PageV01P075 # وعاد سيف الدولة منهزما وتبعه الروم وقتلوا ، وسبوا من عشيرته وقواده ما ~~يكثر عدده ، وذلك في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة . وفي هذه السنة قدم ناصر ~~الدولة الحسين بن عبد الله بن حمدان أخو سيف الدولة مستنجدا بأخيه سيف ~~الدولة إلى حلب ومعه جميع أولاده عندما قصد معز الدولة الموصل . وتلقاه سيف ~~الدولة على أربع فراسخ من حلب ، ولما رآه ترجل له . وأنفق سيف ms047 الدولة عليه ~~وعلى حاشيته ، وقدم لهم من الثياب الفاخرة والجوهر ما قيمته ثلاثمائة آلف ~~دينار . # وكان يجلس ناصر الدولة على السرير ويجلس سيف الدولة دونه . ولما دخل دار ~~سيف الدولة وجلس على السرير ، جاء سيف الدولة لينزع خفه من رجله ، فمدهما ~~إليه ، فنزعهما بيده . وصعب على سيف الدولة لأنه قدر أنه إذا خفض له نفسه ~~إلى ذلك رفعه عنه ، فلم يفعل ذلك إظهارا لمن حضر أنه وإن ارتفعت حاله ، ~~فهو كالولد والتبع . وكان يعامله بأشياء نحو ذلك قبيحة كثيرة فيحتملها على ~~دخن . وتحمل عنه سيف الدولة لمعز الدولة مائتي ألفا من الدراهم حتى انصرف ~~عنه . # وفي هذه السنة 348 ه مات قسطنطيني بن لاون ملك الروم ، وصير نقفور ابن ~~الفقاس دمستقا على حرب المغرب ، وأخاه ليون بن الفقاس دمستقا ، على حرب ~~المشرق ، فتجهز ليون إلى نواحي طرسوس ، وسبى ، وقتل ، وفتح الهارونية ، ~~وسار إلى ديار بكر . # وتوجه إليه سيف الدولة فرحل الدمستق راجعا إلى الشام ، وقتل من أهله ~~عددا PageV01P076 متوافرا ، وأخرب حصونا كثيرة من حصون المسلمين ، وأسر ~~محمد ين ناصر الدولة . # ومنها : غزوة مغارة الكحل : غزا سيف الدولة في سنة ثمان وقيل تسع وأربعين ~~وثلاثمائة بلاد الروم ، فقتل ، وسبى . وعاد غانما يريد درب مغارة الكحل ، ~~فوجد ليون بن الفقاس الدمستق قد سبقه إلية ، فتحاربوا فغلب سيف الدولة . ~~وارتجع الروم ما كان أخذه المسلمون ، وأخذوا خزانة سيف الدولة وكراعه وقتل ~~فيها خلق كثير . # وأسر أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان وترك بخرشنة . وأسر علي بن منقذ ~~بن نصر الكناني فلم يؤخذ له خبر . وأسر مطر بن البلدي ، وقاضي حلب أبو حصين ~~الرقي ، وقتلا . وقيل : إن أبا حصين قتل في المعركة فداسه سيف الدولة ~~بحصانه ، وقال : لا رضي الله عنك ، فإئك كنت تفتح لي أبواب الظلم . وقيل ~~إنهم لما أخذوا الطرق على سيف الدولة وثب به حصانه عشرين ذراعا . وقيل ~~أربعين ، فنجا في نفر قليل . # وولى سيف الدولة ، بعد قتل أبي حصين ، أحمد بن محمد بن ماثل قضاء حلب ، ~~وكان قد عزله ms048 بأبي حصين حين ملك . وذلك أنه لما قدم حلب خرج للقائه أبو ~~طاهر بن ماثل فترجل له أهل حلب ، ولم يترجل القاضي لأحد ، فاغتاظ سيف ، ~~الدولة وعزله . # ثم قدم سيف الدولة من بعض غزواته فترجل له ابن ماثل مع التاس . فقال له : ~~ما الذي منعك أولا ، وحملك ثانيا ؟ . فقال له : تلك المرة لقيتك وأنا ~~قاضي المسلمين ، وهذه الدفعة لقيتك ، أنا أحد رعاياك فاستحسن منه ذلك . # فلما قتل أبو حصين أعاده إلى القضاء . وولى سيف الدولة أيضا قضاء حلب ~~أبا PageV01P077 جعفر أحمد بن إسحاق بن محمد بن يزيد الحلبي المعروف بالحرد ~~، وكان حنفى المذهب . # وفي سنة 350 ه نقل الملك رومانوس إلى حرب المشرق نقفور بن الفقاس الدمستق ~~، فسار إليه رشيق النسيمي أمير طرسوس في حمية من المسلمين ، فبرز إليه ~~نقفور فقاتله ، وانهزم رشيق وقتل من المسلمين زهاء تسعة آلاف رجل . # وعاد نقفور فضايق عين زربه وفتحها بالأمان في ذي القعدة سنة خمسين ~~وثلاثمائة ، وهدم سورها فانهزم أهلها إلى طرسوس . وفتح حصن دلوك ، ومرعش ، ~~ورغبان ، في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة . # ثم إن نقفور بن الفقاس الدمستق ويانس بن شمشقيق قصدا مدينة حلب في هذه ~~السنة ، وسيف الدولة بها ، وكانت موافاتهما كالكبسة . وقيل : إن عدة رجاله ~~مائتا آلف فارس ، وثلاثون آلف راجل بالجواشن ، وثلاثون آلف صانع للهدم ~~وتطريق الثلج ، وأربعة آلاف بغل عليها حسك حديد ، يطرحه حول عسكره ليلا . ~~ولم يشعر سيف الدولة بخبرهم ، حتى قربوا منه . فأنفذ إليهم سيف الدولة ~~غلامه نجا في جمهور عسكره ، بعد أن أشار عليه ثقاته ونصحاؤه بأن لا يفارق ~~عساكره . فأبى عليهم ومضى نجا بالعسكر إلى الأثارب . ثم توجه منها داخلا ~~إلى أنطاكية فخالفه عسكر الروم ، ووصل إلى دلوك ، ورحل منها إلى تل حامد ، ~~ثم إلى تبل . PageV01P078 واتصل خبره بسيف الدولة فعلم أنه لا يطيقه مع بعد ~~جمهور العسكر عنه ، فخرج إلى ظاهر حلب وجمع الحلبيين وقال لهم : عساكر ~~الروم تصل اليوم ، وعسكري قد خالفها ، والصواب أن تغلقوا أبواب المدينة ، ~~وتحفظوها ، وأمضي أنا ألتقي عسكري ، وأعود ms049 إليكم وأكون من ظاهر البلد ، ~~وأنتم من باطنه ، فلا يكون دون الظفر بالروم شيء . # فأبى عامة الحلبيين وغوغاؤهم ، وقالوا : لا تحرمنا أيها الأمير ، الجهاد ~~، وقد كلن فينا من يعجز عن المسير إلى بلد الروم للغزو ، وقد قربت علينا ~~المسافة . فلما رأى امتناعهم عليه ، قال لهم : اثبتوا فإني معكم . # وكان سيف الدولة على بانقوسا ، ووردت عساكر الروم إلى الهزازة ، فالتقوا ~~فانهزم الحلبيون ، وقتل وأسر منهم جماعة كثيرة ، وقتل أبو داود بن حمدان ، ~~وأبو محمد الفياضي كاتب سيف الدولة ، وبشرى الصغير غلام سيف الدولة ، وكان ~~أسند الحرب ذلك اليوم إليه ، وجعله تحت لوائه . # ومات في باب المدينة المعروف بباب اليهود ناس كثير لفرط الزحمة . وكان ~~سيف الدولة راكبا على فرس له يعرف بالفحى ، فانهزم مشرقا حتى بعد عن حلب ~~. ثم انحرف إلى قنسرين فبات بها . # وأقام الروم على ظاهر البلدة أربعة أيام محاصرين لها فخرج شيوخ حلب إلى ~~نقفور يسألونه أن يهب لهم البلد ، فقال لهم : تسلمون إلي ابن حمدان . ~~فحلفوا أن ابن حمدان ما هو في البلد . فلما علم أن سيف الدولة غائب عنها ~~طمع فيها وحاصرها . وقيل : إن نقفور خرج إليه شيوخ حلب باستدعاء منه لهم ، ~~يوم الأثنين الثاني والعشرين من ذي القعدة من السنة . وكان نزوله على ~~المدينة ، يوم السبت العشرين من ذي القعدة . وجرى بينه وبينهم خطاب آخره ~~على أن يؤمنهم ، ويحملوا إليه مالا ، ويمكنوا عسكره أن يدخل من باب ويخرج ~~من آخر ، وينصرف عنهم عن مقدرة . فقالوا له : تمهلنا الليلة حتى نتشاور ، ~~ونخرج غدا بالجواب ففعل ، ومضوا ، وتحدثوا ، وخرجوا بكرة الثلاثاء إليه ، ~~فأجابوه إلى ما طلب . فقال لهم نقفور : PageV01P079 أظنكم قد رتبتم ~~مقاتلتكم في أماكن مختفين بالسلاح حتى إذا دخل من أصحابي من يمكنكم أن ~~تطبقوا عليه وتقتلوه فعلتم ذلك . فحلف له بعضهم من أهل الرأي الضعيف أنه ما ~~بقي بالمدينة من يحمل سلاحا ، وفيه بطش ، فكشفهم نقفور عند ذلك ، فعند ذلك ~~قال لهم : انصرفوا اليوم واخرجوا إلي غدا ، فانصرفوا . # وقال نقفور لأصحابه : قد علمتم أنه ما ms050 بقي عندهم من يدفع ، فطوفوا الليلة ~~بالأسوار ومعكم الآلة ، فأي موضع رأيتموه ممكنا فتسوررا إليه ، فإنكم ~~تملكون الموضع . # فطافوا ، وكتموا أمرهم ، وأبصروا أقصر سور فيها مما يلي الميدان بباب ~~قنسرين ، فركبوه ، وتجمعوا عليه ، وكان وقت السحر ، وصاحوا ، ودخلوا ~~المدينة . وقيل : إن أهل حلب قاتلوا ، من وراء السور ، فقتل جماعة من الروم ~~بالحجارة والمقالع ، وسقطت ثلمة من السور على قوم من أهل حلب فقتلتهم . ~~وطمع الروم فيها فأكبوا عليها ، ودفعهم الحلبيون عنها فلما جنهم الليل ~~اجتمع عليها المسلمون ، فبنوها ، فأصبحوا وقد فرغت ، فعلوا عليها وكبروا ، ~~فبعد الروم عن المدينة إلى جبل جوشن . # فمضى رجالة الشرط وعوام الناس إلى منازل الناس ، وخانات التجار ، ~~لينهبوها . فاشتغل شيوخ البلد عن حفظ السور ، ولحقوا منازلهم ، فرأى الروم ~~السور خاليا ، فتجاسروا ، ونصبوا السلالم على السور ، وهدموا بعض الأبدان ~~، ودخلوا المدينة من جهة برج الغنم ، ليلة الثلاثاء لثمان بقين من ذي ~~القعدة من سنة إحدى وخمسين . وقيل : يوم الثلاثاء آخر ذي القعدة ، في السحر ~~. # وأخذ الدمستق منها خلقا من النساء والأطفال ، وقتل معظهم الرجال ، ولم ~~يسلم منه إلا من اعتصم بالقلعة من العلويين ، والهاشميين والكتاب ، وأرباب ~~الأموال . ولم يكن على القلعة يومئذ سور عامر فإنها كانت قد تهدمت ، وبقي ~~رسومها . فجعل المسلمون الأكف والبراذع بين أيديهم . PageV01P080 # وكانت بها جماعة من الديلم الذين ينصب إليهم درب الديلم بحلب ، فزحف ~~إليها ابن أخت الملك ، فرماه ديلمي فقتله فطلبه من الناس فرموه برأسه ، ~~فقتل عند ذلك من الأسرى اثني عشر آلف أسير . وقيل أكثر من ذلك ، وقيل أقل ، ~~والله أعلم . وأقام نقفور بحلب ثمانية أيام ينهب ، ويقتل ، ويسبي باطنا ~~وظاهرا . وقيل : إنه أخرب القصر الذي أنشأه سيف الدولة بالحلبة ، وتناهى ~~في حسنه ، وعمل له أسوارا ، وأجرى نهر قويق فيه من تحت الخناقية ، يمر من ~~الموضع المعروف بالسقايات حتى يدخل في القصر من جانب ، ويخرج من آخر ، فيصب ~~في المكان المعروف بالفيض ، وبنى حوله اصطبلا ومساكن لحاشيته . # وقيل : إن ملك الروم وجد فيه لسيف الدولة ثلاثمائة وتسعين بدرة دراهم ، ~~ووجد له ms051 ألفا وأربعمائة بغل ، فأخذها ووجد له من خزائن السلاح ما لا يحصى ~~كثرة فقبض جميعها ، وأحرق الدار ، فلم تعمر بعد ذلك ، وآثارها إلى اليوم ~~ظاهرة . ويقال : إن سيف الدولة رأى في المنام أن حية قد تطوقت على داره ~~فعظم عليه ذلك ، فقال له بعض المفسرين : الحية في النوم ماء . فأمر بحفر ~~يحفر بين داره وبين قويق ، حتى أدار الماء حول الدار . # وكان في حمص رجل ضرير من أهل العلم يفسر المنامات ، فدخل على سيف الدولة ~~فقال له كلاما معناه : أن الروم تحتوي على دارك . فأمر به فدفع ، وأخرج ~~بعنف . وقضى الله سبحانه أن الروم خرجوا ، ففتحوا حلب ، واستولوا على دار ~~سيف الدولة ، فذكر معبر المنام أنه دخل على سيف الدولة بعد ما كان من أمر ~~الروم ، فقال له ما كان من أمر ذلك المنام الملعن . # وكان المعتصمون بالقلعة ، والروم بالمدينة تحت السماء ليس لهم ما يظلهم ~~من PageV01P081 الهواء والمطر ، ويتسللون في الليل إلى منازلهم فإن وجدوا ~~شيئا من قوت أو غيره أخذوه وانصرفوا . # ثم إن نقفور أحرق المسجد الجامع وأكثر الأسواق ، والدار التي لسيف الدولة ~~، وأكثر دور المدينة . وخرج منها سائرا إلى القسطنطينية بعد أن ضرب أعناق ~~الأسارى من الرجال ، حين قتل ابن أخت الملك ، وكانوا ألفا ومائتي رجل . # وسار بما معه ولم يعرض لسواد حلب والقرى التي حولها . وقال : هذا البلد ~~قد صار لنا ، فلا تقضروا في عمارته ، فإنا بعد قليل نعود إليكم . # وكان عدة من سبى من الصبيان والصبايا بضعة عشر آلف صبي وصبية ، وأخذهم ~~معه . # وقيل : إن جامع حلب كان يضاهي جامع دمشق في الزخرفة والرخام والفسيفساء ~~وهي الفص المذهب إلى أن أحرقه الدمستق لعنه الله وإن سليمان ابن عبد الملك ~~اعتنى به كما اعتنى أخوه الوليد بجامع دمشق . # وسار الدمستق عنها ، يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة من سنة إحدى وخمسين ~~وثلاثمائة . # واختلف في السبب الذي أوجب رحيل نقفور عن حلب ، فقيل : إنه ورد إليه ~~الخبر أن رومانوس الملك وقع من ظهر فرسه في الصيد بالقسطنطينية ، وانهم ms052 ~~يطلبونه ليملكوه عليهم . # وقيل : سبب رحيله أن نجا عاد بجمهور العسكر إلى الأمير سيف الدولة فاجتمع ~~به . وجعل يواصل الغارات على عسكر الروم ، وتبلغ غاراته إلى السعدي ، وأنه ~~أخذ جماعة من متعلفة الروم . واستنجد سيف الدولة بأهل الشام ، فسار نحوه ~~ظالم بن السلال العقيلي في أهل دمشق ، وكان يليها من قبل الإخشيذية . فكان ~~ذلك سببا لرحيله عن حلب . # وكان هذا نقفور بن الفقاس الدمستق ، قد دوخ بلاد الإسلام ، وانتزع من ~~أيدي PageV01P082 المسلمين جملة من المدن ، والحصون ، والمعاقل ، فانتزع ~~الهارونية ، وعين زربه كما ذكرناه وكذلك دلوك ، وأذنة ، وغير ذلك من الثغور ~~. # ونزل على أذنه في ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين ، ولقيه نفير طرسوس ~~فهزمهم وقتل منهم مقدار أربعة آلاف ، وانهزم الباقون إلى تل بالقرب من أذنة ~~، فأحاط الروم بهم وقاتلوهم وقتلوهم بأسرهم . # وهرب أهل أذنة إلى المصيصة وحاصرها نقفور مدة فلم يقدر عليها بعد أن نقب ~~في سورها نقوبا عدة . وقلت الميرة عندهم فانصرف ، بعد أن أحرق ما حولها . # وورد في هذا الوقت إلى حلب انسان من أهل خراسان ومعه عسكر لغزو الروم ، ، ~~فاتفق مع سيف الدولة على أن يقصدا نقفور وكان سيف الدولة عليلا فحمل في ~~قبة ، فألفياه وقد رحل عن المصيصة . # وتفرقت جموع الخراساني لشدة الغلاء في هذه السنة بحلب والثغور وعظم ~~الغلاء والوباء في المصيصة وطرسوس حتى أكلوا الميتة . # وعاد نقفور إلى المصيصة وفتحها بالسيف في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة ~~. وفتح أيضا كفربيا في هذه السنة ومرعش . وفتح طرسوس من أيدي المسلمين في ~~شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة . # وكان المسلمون يخرجون في كل سنة ويزرعون الزرع فيأتي بعساكره فيفسده . ~~PageV01P083 فضعفت ، وتخلى ملوك الإسلام عن أهل الرباط بها وكان فيها فيما ~~ذكر أربعون ألف فارس ، وفي عتبة بابها أثر الأسنة إلى اليوم . فلما رأى ~~أهلها ذلك راسلوا نقفور المذكور ، فوصل إليهم ، وأجابوه إلى التسليم . وقال ~~لهم : إن كافورا الخادم قد أرسل إليكم غلة عظيمة في المراكب ، فإن اخترتم ~~أن تأخذوها وأنصرف عنكم ، في هذه السنة ، فعلت . فقالوا ms053 : لا . واشترطوا ~~عليه أن يأخذوا أموالهم . فأجابهم إلى ذلك إلا السلاح . # ونصب رمحين جعل على أحدهما مصحفا ، وعلى الآخر صليبا . ثم قال لهم : من ~~اختار بلد الإسلام فليقف تحت المصحف ، ومن اختار بلد النصرانية فليقف تحت ~~الصليب . فخرج المسلمون فحزروا بمائة ألف ما بين رجل وامرأة وصبي ، ~~وانحازوا إلى أنطاكية . # ودخل نقفور إلى طرسوس ، وصعد منبرها ، وقال لمن حوله : أين أنا ؟ فقالوا ~~: على منبر طرسوس فقال : لا ولكني على منبر بيت المقدس ، وهذه كانت تمنعكم ~~من ذلك . # واستولى بعد موت سيف الدولة في سنة سبع وخمسين على كفر طاب ، وشيزر ، ~~وحماة ، وعرفة ، وجبلة ، ومعرة النعمان ، ومعرة مصرين ، وتيزين ، ثم فتح ~~أنطاكية في سنة ثمان وخمسين ، على ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى . # وصارت وقعاته للروم والنصارى كالنزه والأعياد . وحكم في البلاد حكم ملوك ~~الروم . ولما رجع عن حلب سار إلى القسطنطينية مغذا فدخلها في صفر سنة ~~اثنتين وخمسين وثلاثمائة ، فوجد رومانوس قد مات وجلس في الملك ولداه باسيل ~~وقسطنطين وهما صبيان ووالدتهما تفانو تدبرهما . # فلما وصل نقفور سلموا الأمر إليه فدبرهما مدة . ثم رأى أن استيلاءه على ~~الملك أصوب ، وأبلغ في الهيبة فلبس الخف الأحمر ، ودعا لنفسه بالملك ، ~~وتحدث مع البطرك في ذلك ، فأشار عليه أن يتزوج تفانو أم الصبيين ، وأن يكون ~~مشاركا لهما في الملك ، فاتفقوا على ذلك وألبسوه التاج . # ثم خافت على ولديها منه ، فأعملت الحيلة ، ورتبت مع يانس بن شمشقيق أن ~~PageV01P084 تتزوج به . وبات نقفور في البلاط في موضعه الذي جرت عادته به . ~~فلما ثقل في نومه أدخلت يانس ومعه جماعة ، وشكلت رجل نقفور فلما دخل يانس ~~قام نقفور من نومه ليأخذ السيف فلم يستطع فقتله . ولم يتزوج بها يانس خوفا ~~منها . # أما سيف الدولة فإنه لما رحل الروم عن حلب ، عاد إليها ودخلها في ذي ~~الحجة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة . وعمر ما خرب منها وجدد عمارة المسجد ~~الجامع ، وأقام سيف الدولة إلى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة . # وسار إلى ديار بكر بالبطارقة الذين كانوا في أسره ms054 ليفادي بهم ، وأخذهم ~~نجا وسار إلى ميافارقين فاستولى عليها . # فلما وصل سيف الدولة ، قال : أروني نجا ، فأروه إياه على برج ، فوقف تحته ~~، وقال : يا نجا فقال : لبيك يا مولانا فقال : انزل . فنزل في الوقت ، ~~وخدمه على رسمه ، وخلع عليه ، وسلم إليه البلد والبطارقة . وقتل نجا قتله ~~غلام لسيف الدولة اسمه قبجاج بحضرته ، وكان سيف الدولة عليلا فأمر به فقتل ~~قبجاج في الحال . # وسار سيف الدولة بالبطارقة إلى الفداء ، ففدى بهم أبا فراس ابن عمه ، ~~وجماعة من أهله ، وغلامه رقطاش ، ومن كان بقي من شيوخ الحمصيين والحلبيين . ~~ولما لم يبق معه من أسرى الروم أحد اشترى بقية المسلمين من العدو كل رجل ~~باثنين وسبعين دينارا حتى نفد ما كان معه من المال . فاشترى الباقين ورهن ~~عليهم بدنته الجوهر المعدومة المثل وكاتبه أبا القاسم الحسين بن علي ~~المغربي جد الوزير ، وبقي في أيدي الروم إلى أن مات سيف الدولة ، فحمل بقية ~~المال وخلص ابن المغربي . PageV01P085 # ولما توجه سيف الدولة إلى الفداء . ولى في حلب غلامه وحاجبه قرغويه ~~الحاجب في سنة أربع وخمسين ، فخرج على أعمال سيف الدولة مروان العقيلي ، ~~وكان من مستأمنة القرامطة . # وكان مروان مع سيف الدولة حين توجه إلى آمد . وأقام سيف الدولة بكل ما ~~يحتاج إليه عسكره ، وأنفذ إليه ملك الروم هدية سنية ، فقتل مروان القرمطي ~~رجلا من أصحاب الرسول ، فتلافى سيف الدولة ذلك ، وسير إلى ملك الروم هدية ~~سنية ، وأفرد دية المقتول ، واعتذر أن مروان فعل ذلك على سكر ، فرد الهدية ~~والتمس إيفاد القاتل ، ليقيده به أو يصفح عنه ، فلم يفعل ، وانتقضت الهدنة ~~، وكان ذلك في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة . وولى بعد ذلك مروان السواحل . ~~فلما توجه سيف الدولة إلى الفداء سار إلى ناحية حلب ، فأنفذ إليه قرغويه ~~غلاما له اسمه بدر فالتقيا غربي كفر طاب ، فأخذه مروان أسيرا وقتله صبرا ~~، وكسر العسكر وملك حلب . وكتب إلى سيف الدولة بأنه من قبله ، فسكن إلى ذلك ~~، وأخذ مروان في ظلم الناس بحلب ، ومصادرتهم . فلم تطل مدته ، وتوفي سنة ~~أربع ms055 وخمسين وثلاثمائة ، من ضربه ضربه بها بدر حين التقيا بلت ، في وجهه . ~~وعاد الحاجب قرغويه إلى خلافة سيف الدولة . # وكان بأنطاكية رجل يقال له الحسن بن الأهوازي يضمن المستغلات لسيف الدولة ~~، فاجتمع برجل من وجوه أهل الثغر يقال له رشيق النسيمي وكان من القواد ~~المقيمين بطرسوس فاندفع إلى أنطاكية حين أخذ الروم طرسوس ، وتولى تدبير ~~PageV01P086 رشيق وأطمعه في أن سيف الدولة لا يعود إلى الشام . فطمع واتفق ~~مع ملك الروم على أن يكون في حيزه ، ويحمل إليه عن أنطاكية في كل سنة ~~ستمائة ألف درهم . وكان بأنطاكية من قبل سيف الدولة تنج اليمكي أو الثملي ، ~~فسار رشيق نحوه فوثب أهل أنطاكية على تنج ، فأخرجوه ، وسلموا البلد إلى ~~رشيق . فأطمع ابن الأهوازي رشيقا بملك حلب ، لعلمه بضعف سيف الدولة ، ~~واشتغاله بالفداء . وعمل له ابن الأهوازي كتابا ذكر أنه من الخليفة ببغداد ~~، بتقليده أعمال سيف الدولة ، فقرئ على منبر أنطاكية . # واجتمع لابن الأهوازي جملة من مال المستغل ، وطالب قوما بودائع ذكر أنها ~~عندهم ، واستخدم بتلك الأموال فرسانا ورجالة ، واستأمن إليه دزبر بن أوينم ~~الديلمي وجماعة من الديلم الذين كانوا مع الحاجب قرغويه بحلب . # فحصل مع رشيق نحو خمسة آلاف رجل ، فسير إليه الحاجب غلامه يمين في عسكر . ~~فخرج إليه رشيق من أنطاكية ، والتقوا بأرتاح ، فاستأمن يمن إلى رشيق ومضى ~~عسكره إلى حلب ، وتوجه رشيق إلى حلب ، ونازل حلب ، وزحف على باب اليهود ، ~~فخرج إليه بشارة الخادم في جماعة ، فقاتل إلى الظهر ، وانهزم بشارة ودخل من ~~باب اليهود ودخلت خيل رشيق خلفه . # واستولى رشيق على المدينة في اليوم الأول من ذي القعدة سنة أربع وخمسين ~~وثلاثمائة . ونادوا بالأمان للرعية ، وقرؤوا كتابا مختلفا عن الخليفة ~~بتقليد رشيق أعمال سيف الدولة ، وأقام رشيق يقاتل القلعة ثلاثة أشهر وعشرة ~~أيام . وفتح باب الفرج ، ونزل غلمان الحاجب من القلعة فحملوا على أصحاب ~~رشيق ، فهزموها وأخرجوهم من المدينة . فركب رشيق ودخل من باب أنطاكية ، ~~فبلغ إلى القلانسيين وخرج من باب قنسرين ، ومضى إلى باب العراق . فنزل ~~غلمان الحاجب ms056 ، وخرجوا من باب الفرج وهو الباب الصغير . PageV01P087 # ووقع القتال بينهم وبين أصحاب رشيق ، فطعن ابن يزيد الشيباني رشيقا ~~فرماه وكان ممن استأمن من عسكر سيف الدولة إلى رشيق ، وأخذ رأسه ، ومضى به ~~إلى الحاجب قرغويه ، وعاد الحاجب إلى حالته في خلافة الأمير سيف الدولة . # وعاد عسكر رشيق إلى أنطاكية فرأسوا عليهم دزبر بن اوينم الديلمي ، وعقدوا ~~له الإمارة ، واستوزر أبا علي بن الأهوازي ، وقبل كل من وصل إليه من العرب ~~والعجم . # وسار إليه الحاجب قرغويه إلى أنطاكية ، فأوقع به دزبر ، ونهب سواده ، ~~وانهزم قرغويه وقد استأمن أكثر أصحابه إلى دزبر ، فتحصن بقلعة حلب ، وتبعه ~~دزبر فملكها في جمادى الأولى من سنة خمس وخمسين وثلاثمائة . # وأقام بها وابن الأهوازي بعسكره في حاضر قنسرين ، وجمع إليه بني كلاب ، ~~وجبى الخراج من بلد حلب وحمص ، وفوض إلى القضاة ، والولاة ، والشيوخ ، ~~والعمال الأعمال والولايات . # وجاء سيف الدولة فدخل حلب وعسكره ضعيف فبات بها وخرج إلى دزبر وابن ~~الأهوازي . وكان سيف الدولة قد فلج وبطل شقه الأيسر فالتقوا شرقي حلب ب ~~سبعين . # فغدرت بنو كلاب بدزبر وابن الأهوازي حين نظروا إلى سيف الدولة ، ~~واستأمنوا إليه ، فآمنهم ، ووضع السيف في عسكر دزبر وضع محنق مغيظ فقتل ~~جمعا كثيرا ، وأسر خلقا ، فقتلهم صبرا . وكان فيهم جماعة ممن اشتراه ~~بماله من الروم ، فسبقوه إلى الشام ، وقبضوا الرزق من ابن الأهوازي ، ~~وجعلوا يقاتلونه ، فما أبقى على أحد منهم . وحصل دزبر وابن الأهوازي في ~~أسره . فأما دزبر فقتله ليومه ، وأما ابن الأهوازي فاستبقاه أياما ثم قتله ~~. PageV01P088 # ثم أن سيف الدولة قويت علته بالفالج ، وكان بشيزر ، فوصل إلى حلب فأقام ~~بها يومين أو ثلاثة . وتوفي يوم الجمعة العاشر من صفر من سنة ست وخمسين ~~وثلاثمائة . وقيل : توفي بعسر البول وحمل تابوته إلي ميافارقين فدفن بها في ~~تربته . وكان على قضاء حلب إذ ذاك في غالب ظني أبو جعفر أحمد بن إسحاق ابن ~~محمد بن يزيد الحنفي ، بعد أحمد بن محمد بن ماثل . # وينسب إلى سيف الدولة أشعار كثيرة ، لا يصح منها ms057 له غير بيتين ، ذكر أبو ~~القاسم الحسين بن علي المغربي كاتبه وهو جد الوزير أبي القاسم المغربي ~~أنهما لسيف الدولة . ولم يعرف له غيرهما . وكتب بهما إلى أخيه ناصر الدولة ~~وقد مد يده إلى شيء من بلاده المجاورة له ، من ديار بكر ، وكانت في يد أخيه ~~: # لست أجفو وإن جفيت ولا أت . . . رك حقا علي في كل حال # إئما أنت والد والأب الجا . . . في يجازى بالصبر والإحتمال # ووزر لسيف الدولة أبو إسحاق القراريطي ، ثم صرفه وولى وزارته أبا عبد ~~الله محمد بن سليمان بن فهد ثم غلب على أمره أبو الحسين علي بن الحسين ~~المغربي أبو الوزير أبي القاسم ووزر له . PageV01P089 فارغة PageV01P090 # $ القسم السادس # حلب في أيام سعد الدولة الحمداني 356 - 381 هجرية $ # وقام بالأمر بحلب الحاجب قرغويه غلام سيف الدولة ، من قبل ابن سيف الدولة ~~، فبقي بها إلى أن مضى غلمان سيف الدولة إلى ميافارقين ، فأحضروا ابنه سعد ~~الدولة أبا المعالي شريف بن علي بن عبد الله بن حمدان ، وكان مع والدته أم ~~الحسن ابنة أبي العلاء سعيد بن حمدان بها . # فدخل حلب ، يوم الأثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأول ، من سنة ست وخمسين ~~وثلاثمائة ، وزينت له المدينة ، وعقدت له القباب ، وجلس على سرير أبيه ، ~~وجلس الحاجب قرغويه على كرسي ، والمدبر لدولته وزيره أبو إسحاق محمد بن عبد ~~الله بن شهرام كاتب أبيه . # وقبض أبو تغلب بن ناصر الدولة بن عبد الله بن حمدان على أبيه ناصر الدولة ~~، في هذه السنة ، فامتعض حمدان بن ناصر الدولة لذلك وعصى على أخيه بالرقة ~~والرحبة . فسار أبو تغلب إليه إلى الرقة ، وحصره فيها إلى أن صالحه على أن ~~يقتصر على الرحبة ، ويسلم إليه الرحبة والرافقة . وكتب لأبي تغلب توقيع ~~بتقليده أعمال ناصر الدولة وسيف الدولة من المطيع ، وهو بالرقة . # وكأن قرغويه قد جاء إلى خدمته ، وهو يحاصر أخاه ، فلما صالح أخاه قدم حلب ~~جريدة ، وزار ابن عمه سعد الدولة ، وعاد إلى الموصل . # وأقام سعد الدولة إلى أن تجدد بينه وبين ابن ms058 عمه أبي فراس الحارث بن سعيد ~~بن حمدان وهو خاله وحشة وكان بحمص . PageV01P091 # فتوجه سعد الدولة إليه ، فانحاز إلى صدد ، ونزل سعد الدولة بسلمية ، وجمع ~~بين كلاب وغيرهم وقدم الحاجب قرغويه وبني كلاب على مقدمته ، مع قطعة من ~~غلمان أبيه ، فتقدموا إلى صدد . فخرج إليهم أبو فراس وناوشهم ، واستأمن ~~أصحابه ، واختلط أبو فراس بمن استأمن . فأمر قرغويه بعض غلمانه بالتركية ~~بقتله ، فضربه بلت مضرس ، فسقط ، ونزل فاحتز رأسه ، وحمله إلى سعد الدولة . # وبقيت جثته مطروحة بالبرية ، حتى كفنه رجل من الأعراب ، وذلك في شهر ربيع ~~من سنة سبع وخمسين وثلاثمائة . ولطمت أمه سخية حتى قلعت عينها عليه ، وكانت ~~أم ولد . # وفي سنة 357 ه خرج في هذه السنة فاثور للروم في خمسة آلاف فارس وراجل ، ~~فصار إلى نواحي حلب ، فواقعه قرغويه بعسكر حلب ، فأسر قرغويه ، ثم أفلت ، ~~وانهزم أصحابه ، وأسر الروم جماعة من غلمان سيف الدولة . # ثم إن نقفور ملك الروم خرج إلى معرة النعمان ففتحها ، وأخرب جامعها وأكثر ~~دورها ، وكذلك فعل بمعرة مصرين ، ولكنه أمن أهلها من القتل ، وكانوا ألفا ~~ومائتي نفس ، وأسرهم ، وسيرهم إلى بلد الروم . # وسار إلى كفر طاب وشيزر ، وأحرق جامعها ، ثم إلى حماة ففعل كذلك ، ثم إلى ~~حمص ، وأسر من كان صار إلى تلك الناحية من الجفلة . # ووصل إلى غرقة ففتحها وأسر أهلها ، ثم نفذ إلى طرابلس وكان أهلها قد ~~أحرقوا ربضها ، فانصرف إلى جبلة ففتحها ، ومنها إلى اللاذقية ، فانحدر إليه ~~أبو PageV01P092 الحسين علي بن إبراهيم بن يوسف الفصيص . فوافقه على رهائن ~~تدفع إليه منها ، وانتسب له فعرف نقفور سلفه ، وجعله سردغوس . وسلم أهل ~~اللاذقية . # وانتهى إلى أنطاكية ، وفي يده من السبي مائة ألف رأس ، ولم يكن يأخذ إلا ~~الصبيان والصبايا والشباب ، فأما الكهول والمشايخ والعجائز فمنهم من قتله ~~ومنهم من تركه . وقيل بأنه فتح في هذه الخرجة ثمانية عشر منبرا . وأما ~~القرى فلا يحصى عدد ما أخرب منها وأحرق ، ونزل بالقرب من أنطاكية ، فلم ~~يقاتلهم ، ولم يراسلهم بشيء . # وبنى حصن بغراس مقابل أنطاكية ورتب ms059 فيه ميخائيل البرجي ، وأمر أصحاب ~~الأطراف بطاعته . وتحدث الناس أنه يريد أن ينازل أنطاكية طول الشتاء ، ~~وينفذ إلى حلب أيضا من ينازلها . فأشار الحاجب قرغويه على سعد الدولة أن ~~يخرج من حلب ، ولا يتحاصر فيها ، فخرج إلى بالس فسير إليه قرغويه ، وقال له ~~: امض إلى والدتك ، فإن أهل حلب لا يريدونك ، ولا يتركونك تعود إليهم . # وحالف قرغويه أهل حلب على سعد الدولة ، وتقرب إليهم بعمارة القلعة ~~وتحصينها ، وعمارة أسوار البلدة وتقويتها فيئس سعد الدولة من حلب ، ومضى ~~أكثر أصحابه إلى أبي تغلب بن ناصر الدولة . # وقطع قرغويه الدعاء لسعد الدولة ، فعمل على قصد حران والمقام بها ، فمنعه ~~أهلها منها ، وراسلهم ، ووعدهم بالجميل فلم يستجيبوا له ، فسألهم أن يتزود ~~منها يومين ، فأذنوا له في ذلك . فمضى إلى والدته إلى ميافارقين ، وحران ~~شاغرة يدبرها أهلها ، ويخطبون لأبي المعالي سعد الدولة . # ولما قرب أبو المعالي من ميافارقين بلغ والدته أن غلمانه وكتابه عملوا ~~على القبض عليها وحملها إلى القلعة ، كما فعل أبو تغلب بناصر الدولة ، ~~فطردت الكتاب ، PageV01P093 وأغلقت أبواب المدينة في وجه ابنها ثلاثة أيام ~~حتى استوثقت منه ، وفتحت له . وحين علم ملك الروم بتقوية قرغويه لحلب دخل ~~بلاده . # وأما قرغويه فاستولى على حلب في المحرم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ~~وأمر غلامه بكجور وشاركه في الأمر ودعي لهما على المنابر في عمله . وكتب ~~اسم بكجور على السكة . وكان يخاطب قرغويه بالحاجب ، وغلامه بكجور بالأمير . ~~وحصل زهير غلام سيف الدولة بمعرة النعمان ، وكان واليها ، وانضاف إليه ~~جماعة من غلمان سيف الدولة . فأقاموا الدعوة بالمعرة لسعد الدولة وكاتبوا ~~مولاهم سعد الدولة أبا المعالي واستدعوه إلى الشام ، فسار ونزل منبج ، ~~فاجتمعوا معه . ونزلوا على حلب في شهر رمضان من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ~~، وحاصروا قرغويه وبكجور . وجرت بينهم حروب يطول ذكرها . # وكتب قرغويه إلى الروم ، فاستدعى بطريقا كان في أطراف بلد الروم لنجدته ~~، وهو خادم كان لنقفور ويعرف بالطربازي ، فسار نحوه ، ثم عدل إلى أنطاكية ، ~~وذلك أن ملك الروم لما نزل ببوقا ، ومعه السبي والغنائم ms060 على ما ذكرناه ~~توافق هو وأهلها ، وكانوا نصارى في أن ينتقلوا إلى أنطاكية ، ويظهروا أنهم ~~إنما انتقلوا خوفا من الروم ، حتى إذا حصلوا بها ، وصار الروم إلى أنطاكية ~~وافقوهم على فتحها . ففعلوا ذلك ووافقوا نصارى أنطاكية ، وكاتبوا الطربازي ~~حين خرج بأن أنطاكية خالية ، وليس بها سلطان . # وكان أهلها من المسلمين قد ضيعوا سورها ، وأهملوا حراستها فجاء الروم ~~إليها مع الطربازي ويانس بن شمشقيق ، في أربعين ألفا . فأحاطوا بأنطاكية ، ~~وأهل بوقا على أعلى السور في جانب منه ، فنزلوا وأخلوا السور ، فصعده الروم ~~وملكوا البلد ، وذلك لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين . ~~PageV01P094 # ودخل الروم فأحرقوا وأسروا ، وكانت ليلة الميلاد . فلما طلع الروم على ~~جبلها ، جعلوا يأخذون الحارس فيقولون له : كبر وهلل ، فمن لم يفعل قتلوه ، ~~فكان الحراس يهللون ويكبرون ، والناس لا يعلمون بما هم فيه ، حتى ملكوا ~~جميع أبرجتها ، وصاحوا صيحة واحدة ، فمن طلب باب الجنان قتل أو أسر . # واجتمع جماعة إلى باب البحر فبردوا القفل فسلموا ، وخرجوا وبنوا قلعة في ~~جبلها ، وجعلوا الجامع صيرة للخنازير ثم إن البطرك جعله بستانا . # ثم إن الطربازي سار إلى حلب ، منجدا لقرغويه وبكجور ، وأبو المعالي ~~محاصر لهما فانحاز أبو المعالي شريف عن حلب إلى خناصرة ، ثم إلى معرة ~~النعمان . # فطمع الروم بحلب فنازلوها وهجموا المدينة من شماليها ، وحصروا القلعة . # فهادنهم قرغويه على حمل الجزية ، عن كل صغير وكبير من سكان المواضع التي ~~وقعت الهدنة عليها ، دينار ، قيمته ستة عشر درهما إسلامية ، وأن يحمل ~~إليهم ، في كل سنة عن البلاد التي وقعت الهدنة عليها سبعمائة ألف درهم . # و البلاد : حمص ، و جوسية ، وسلمية ، وحماة ، وشيزر ، وكفر طاب ، وأفامية ~~، ومعرة النعمان ، وحلب ، وجبل السماق ، ومعرة مصرين ، وقنسرين ، ~~PageV01P095 والأثارب إلى طرف البلاط الذي يلي الأثارب وهو الرصيف ، إلى ~~أرحاب ، إلى باسوفان ، إلى كيمار ، إلى برصايا ، إلى المرج الذي هو قريب ~~عزاز ، ويمين الحد كله لحلب ، والباقي للروم . # ومن برصايا يميل إلى الشرق ، ويتصل وادي أبي سليمان إلى فج سنياب ، إلى ~~نافوذا ، إلى أوانا ms061 ، إلى تل حامد إلى يمين الساجور ، إلى مسيل الماء إلى ~~أن يمضي ويختلط بالفرات . وشرطوا أن الأمير على المسلمين قرغويه ، والأمر ~~بعده لبكجورة وبعدهما ينصب ملك الروم أميرا يختاره من سكان حلب . وليس ~~للمسلمين أن ينصبوا أحدا ، ولا يؤخذ من نصراني جزية في هذه الأعمال ، إلا ~~إذا كان له بها مسكن أو ضيعة . وإن ورد عسكر إسلامي يريد غزو الروم منعه ~~قرغويه ، وقال له : امض من غير بلادنا ، ولا تدخل بلد الهدنة . فإن لم يسمع ~~أمير ذلك الجيش قاتله ، ومنعه ، وإن عجز عن دفعه كاتب ملك الروم والطربازي ~~لينفذ إليه من يدفعه . # ومتى وقف المسلمون على حال عسكر كبير كتبوا إلى الملك وإلى رئيس العسكر ، ~~وأعلموهما به لينظروا في أمرهما . # وإن عزم الملك أو رئيس العسكر على الغزاة إلى بلد الإسلام ، تلقاه بكجور ~~إلى المكان الذي يؤمر بتلقيه إليه ، وأن يشيعه في أعمال الهدنة ، ولا يهرب ~~من في الضياع ليبتاع العسكر الرومي ما يحتاجون إليه ، سوى التبن ، فإنه ~~يؤخذ منهم على رسم العساكر بغير شيء . # ويتقدم الأمير بخدمة العساكر الرومية إلى الحدث فإذا خرجت من الحد عاد ~~الأمير إلى عمله ، وإن غزا الروم غير ملة الإسلام سار إليه الأمير بعسكره ، ~~وغزوا معه كما يأمر . PageV01P096 # وأي مسلم دخل في دين النصرانية فلا سبيل للمسلمين عليه ، ومن دخل من ~~النصارى في ملة الإسلام فلا سبيل للزوم عليه . # ومتى هرب عبد مسلم أو نصراني ، ذكرا كان أو أنثى ، من غير الأعمال ~~المذكورة إليها ، لا يستره المسلمون ، ويظهرونه ، ويعطى صاحبه ثمنه عن ~~الرجل ستة وثلاثون دينارا ، وعن المرأة عشرون دينارا رومية ، وعن الصبي ~~والصبية خمسة عشر دينارا فإن لم يكن له ما يشتريه أخذ الأمير من مولاه ~~ثلاثة دنانير وسلمه إليه . فإن كان الهارب معمدا فليس للمسلمين أن يمسكوه ~~، بل يأخذ الأمير حقه من مولاه ، ويسلمه إليه . # وإن سرق سارق من بلاد الروم ، وأخفى هاربا أنفذه الأمير إلى رئيس العسكر ~~الرومي ليؤدبه . # وإن دخل رومي إلى بلد الإسلام فلا يمنع من حاجته . # وإن دخل ms062 من بلد الإسلام جاموس إلى بلد الروم أخذ ، وحبس . ولا يخرب ~~المسلمون حصنا ولا يحدثوا حصنا فإن خرب شيء أعادوه . ولا يقبل المسلمون ~~أميرا مسلما ولا يكاتبوا أحدا غير الحاجب وبكجور . فإن توفيا لم يكن لهم ~~أن يقبلوا أميرا من بلاد الإسلام ، ولا يلتمسوا من المسلمين معونة ، بل ~~ينصب لهم من يختاره من بلاد الهدنة . # وينصب لهم الملك بعد وفاة الحاجب وبكجور قاضيا منهم ، يجري أحكامهم على ~~رسمهم . # وللروم أن يعمروا الكنائس الخربة في هذه الأعمال ، ويسافر البطارقة ~~والأساقفة إليها ، ويكرمهم المسلمون . # وإن العشر الذي يؤخذ من بلد الروم ، يجلس مع عشار الملك مع عشار قرغويه ، ~~وبكجور فمهما كان من التجارة من الذهب ، والفضة ، والديباج الرومي ، والقز ~~غير معمول ، والأحجار ، والجوهر ، واللؤلؤ ، والسندس عشرة عشار الملك . ~~والثياب والكتان ، والمزبون ، والبهائم ، وغير ذلك من التجارات يعشره عشار ~~الحاجب وبكجور بعده ، وبعدهما يعشر ذلك كله عشار الملك . # ومتى جاءت قافلة من الروم ، تقصد حلب ، يكتب الزروار المقيم في الطرف ~~PageV01P097 إلى الأمير ويخبره بذلك لينفذ من يتسلمها ، ويوصلها إلى حلب . ~~وإن قطع الطريق عليها بعد ذلك ، فعلى الأمير أن يعطيهم ما ذهب . وكذلك إن ~~قطع على القافلة أعراب أو مسلمون في بلد الأمير ، فعلى الأمير غرامة ذلك . # وحلف على ذلك جماعة من شيوخ البلد مع الحاجب وبكجور وسلم إليهم رهينة من ~~أهل حلب : أبو الحسن بن أبي أسامة ، وكسرى بن كسور وابن أخت ابن أبي عيسى ، ~~وأخو أبي الحسن الخشاب ، وأبو الحسن بن أبي طالب ، وأبو الطيب الهاشمي ، ~~وأبو الفرج العطار ، ويمن غلام قرغويه . وكان المتوسط في هذه الهدنة رجل ~~هاشمي من أهل حلب يقال له طاهر . # وعادت الروم عن حلب ، وبقي الحاجب قرغويه في ولايتها ، والتدبير إليه ~~وإلى غلامه بكجور وذلك في صفر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة . # وأقام سعد الدولة أبو المعالي بمعرة النعمان ثلاث سنين ، وراسله الحاجب ~~وبكجور ومشايخ حلب ، في سنة ثمان وخمسين ، على أن يؤدي إلى الروم قسطا من ~~مال الهدنة . وكان القيم بأمر أبي المعالي وعسكره رقطاش ms063 غلام سيف الدولة ، ~~وكان قد نزل إليه من حصن برزويه ، وحمل إليه غلة عظيمة وعلوفة وطعاما ووسع ~~على عسكره بعد الضائقة . # ولم يؤد سعد الدولة ما هو مقرر من مال الهدنة على البلاد التي في يده . # فخرج الروم وهجموا حمص على غفلة . وقيل : إن سعد الدولة استولى على حلب ~~في سنة ثلاث وستين ، ووصله في شهر ربيع الأول رسول العزيز وأبو القاسم أحمد ~~بن إبراهيم الرسي من مصر فأقام الدعوة له بحلب في هذه السنة ، وأرسل معه ~~إلى مصر في جواب الرسالة قاضي حلب ، وأظنه ابن الخشاب الهاشمي . # ووصل إليه بكجور من حلب وهو بحمص ، فخلع عليه أبو المعالي ، وولاه حلب ، ~~وأقيمت له الدعوة فيها وفي سائر عملها فوافق بكجور غلمان سيف الدولة على ~~القبض على مولاه قرغويه وقصد أبي المعالي ، وقلعه من حمص ، فقبض عليه . ~~وسار أبو المعالي إلى حلب . PageV01P098 # وقيل : دام الأمر بحلب مردودا إلى قرغويه وبكجور ، فأحب الأمير أبو ~~الفوارس بكجور الحاجبي الكاسكي التفرد بالأمر دون مولاه ، وحدث نفسه بالقبض ~~عليه ، فقبض عليه وغدر به ، في ذي الحجة من سنة أربع وستين وثلاثمائة . ~~واستولى على حلب ، وانفرد بالأمر ، وجعل الحاجب محبوسا بقلعة حلب . # وكان سعد الدولة إذ ذاك بحمص ، فحين علم بذلك طمع بحلب ، فتوجه إليها ~~ومعه بنو كلاب ، بعد أن أقطعهم بحمص الإقطاع المعروف بالحمصي ، فنزل بهم ~~على معرة النعمان ، وبها زهير الحمداني ، وقد استولى عليها ، وعصى على ~~مولاه ، ففتح باب حناك ، ودخلوا منه فقاتلهم زهير ، وأخرجهم . ثم أحرقوا ~~باب حمص ، فخرج زهير مسلما نفسه بعد أن حلف كبار الحمدانية أنهم لا يمكنوا ~~أبا المعالي منه . فلما حصل معه غدر به فتغيرت وجوه الحمدانية ، فأمرهم ~~بنهب الحصن فنبهوا ما فيه ، وأنفذ زهيرا إلى حصن أفامية ، فقتل هناك . # وسار أبو المعالي ، ونزل بهم على باب حلب : وحاصرها مدة فاستنجد بكجور ~~بالروم ، وضمن لهم تسليم حلب وأموالا كثيره ، فتخلوا عنه . وكان نقفور ~~لعنه الله قد قتل على ما شرحناه . # وجد سعد الدولة في حصارها والقتال ، فسلم إليه بعض ms064 أهل البلد المرتبين في ~~مراكز البلد برج باب الجنان ، ورميت أبواب الحديد ، وفتحها بالسيف فلم يرق ~~فيها دما وأمن أهلها . # وانهزم بكجور إلى القلعة فاستعصى بها ، وذلك في رجب من سنة خمس وستين ~~وثلاثمائة . # ثم أقام سعد الدولة يحاصر لقلعة مدة حتى نفد ما فيها من القوت ، فسلمها ~~بكجور إليه ، في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وستين وثلاثمائة . # وولى سعد الدولة بكجور حمص وجندها وكان تقرير أمر بكجور بين سعد الدولة ~~وبينه ، على يد أبي الحسن علي بن الحسين بن المغربي الكاتب ، والد الوزير ~~أبي القاسم . PageV01P099 # واستقر أمر سعد الدولة بحلب ، وجدد الحلبيون عمارة المسجد الجامع بحلب ، ~~وزادوا في عمارة الأسوار في سنة سبع وستين . # وغير سعد الدولة الأذان بحلب ، وزاد فيه : حي على خير العمل ، محمد وعلي ~~خير البشر . وقيل : إنه فعل ذلك في سنة تسع وستين وثلاثمائة ، وقيل : سنة ~~ثمان وخمسين . # وسير سعد الدولة في سنة سبع وستين وثلاثمائة الشريف أبا الحسن اسماعيل بن ~~الناصر الحسني يهنىء عضد الدولة بدخوله مدينة السلام ، وانهزام بختيار بين ~~يديه ، فوجه إليه بتكنية الطائع ، ووصلته خلعة منه ولقب بسعد الدولة فلبس ~~الخلعة . ووصل معها خلع من عضد الدولة أيضا وخاطبه في كتابه : بسيدي ، ~~ومولاي ، وعدتي فمدحه أبو الحسن محمد بن عيسى النامي بقصيدة أولها : # هوى في القلب لاعجه دخيل # وكان أبو صالح بن نانا الملقب بالسديد قد وزر لسعد الدولة ، فانفصل عنه ~~في سنة إحدى وسبعين ، ومضى إلى بغداد فاستوزر مكانه أبا الحسن بن المغربي . # ونزل بردس الفقاس الدمستق على حلب ، في شهر جمادى الأولى من سنة إحدى ~~وسبعين ، ووقع الحرب على باب اليهود في اليوم الثاني من نزوله . # وطالب سعد الدولة بمال الهدنة ، وترددت المراسلة بينهما ، واستقر الأمر ~~على أن يحمل إلى الروم كل سنة أربعمائة ألف درهم فضة ، ورحل في اليوم ~~الخامس من وصوله . وفي يوم الخميس السابع عشر من شهر ربيع الآخر من سنة ~~ثلاث وسبعين وثلاثمائة ، نزل بردس الدمستق عل باب حلب في خمسمائة ألف ما ~~بين ms065 فارس وراجل ، وكان قد ضمن لباسيل وقسطنطين ملكي الروم الأخوين أن يفتتح ~~حلب ، وينقض سورها حجرا حجرا وأنه يحمل سبيها إلى القسطنطينية . ~~PageV01P100 # واحتفل جمعا وحشد من المجانيق والعرادات ما لا يحصى كثرة . وأقام بالحدث ~~أياما ، يرهب الناس ، ويهول عليهم ، وسعد الدولة بحلب غير محتفل به . ثم ~~إنه أقبل وعلى مقدمته ملك الجزرية تريثاويل ، وعلى ميمنته وميسرته البطارقة ~~في الحديد السابغ ، فارتاع الناس لذلك ، وبث سراياه ، وسعد الدولة قد أمر ~~الغلمان بلبس السلاح ، فدام على هذا ثلاثة أيام ، ثم صف لقتال البلدة وسعد ~~الدولة لا يخرج إليه أحدا حتى استحكم طمعه . # ثم إنه أمر غلمانه بالخروج إليهم في اليوم السابع ، فحملوا حملة لم ير ~~أشد منها وقتلوا فيها ملك الجزرية تريثاويل ، وكان عمدة عسكرهم ، فعند ذلك ~~اشتد القتال . # وأمر سعد الدولة عسكره بالخروج إليه ، فالتقوا في الميدان فرجع عسكره ~~أقبح رجوع ، وعليه الكآبة ، وسير سعد الدولة جيشه خلفه غازيا حتى بلغت ~~عساكره أنطاكية . # وكان الجيش مع وزيره أبي الحسن علي بن الحسين بن المغربي ، فافتتح في ~~طريقه دير سمعان عنوة بالسيف ، وخرب دير سمعان ، وكان بنية عظيمة وحصنا ~~قويا وقد ذكر لنا ذلك الواساني في بعض شعره . # وقيل : إن الدمستق رأى في نومه المسيح ، وهو يقول له مهددا : ' لا تحاول ~~أخذ هذه المدينة ، وفيها ذلك الساجد على الترس . وأشار إلى موضعه في البرج ~~الذي بين باب قنسرين ، وبرج الغنم في المسجد المعروف بمشهد النور . فلما ~~أصبح ملك الروم سأل عنه فوجده ابن أبي نمير عبد الرزاق بن عبد السلام ~~العابد الحلبي ، وكان ذلك سببا لرحيله عن حلب . # وقيل : إنه صالح أهل حلب ورحل . # وقيل : هذا كان في نزول أرومانوس على تبل ، سنة إحدى وعشرين وأربعمائة . # وكان ابن أبي نمير من الأولياء الزهاد والمحدثين العلماء وتو في بحلب في ~~سنة خمس وعشرين وأربعمائة ، وقبره بباب قنسرين . # ويحتمل أن يكون في سنة إحدى وسبعين ، حين نزل بردس على حلب ورحل ~~PageV01P101 عنها عن صلح ، في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة ، فطلب من ~~العزيز أن يوليه ms066 دمشق ، وكاتب العزيز في إنفاذ عسكر ليأخذ له حلب ، فأنفذ ~~إليه عسكرا ، فنزل على حلب إلى أن نزل الدمستق أنطاكية ، فخاف أن يكبسه ، ~~فرحل عنها . # ولما يئس الدمستق من حلب ، وخاف على نفسه أن يقتله ملك الروم ، خرج إلى ~~جهة حمص ، فهرب بكجور من حمص إلى جوسية ، فكاتب الدمستق أهل حمص بالأمان ، ~~وأظهر لهم أنه يسير إلى دمشق ، وأنه مهادن لجميع أعمال سعد الدولة ، ~~فاطمأنوا إلى ذلك ، وأمرهم بإقامة الزاد والعلوفة . # وهجم حمص في ربيع الآخر من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ، وأحرق الروم ~~الجامع ، وكثيرا من البلد . # وكان استوحش أبو المعالي من بكجور ، فأمره أن يترك بلده ويمضي . # وصعد بكجور إلى دمشق فوليها في هذه السنة أعني سنة ثلاث من قبل المصريين ~~، وجار على أهل دمشق ، وظلم ، وجمع الأموال لنفسه ، فجرد إليه عسكر من مصر ~~مع منير الخادم في سنة ثمان وسبعين . # وكان بكجور يخاف من أهل دمشق لسوء سيرته ، فبعث بعض عسكره ، فكسره منير ، ~~فأرسل إليه بكجور وبذل له تسليم دمشق ، والإنصراف عنها فأجابه إلى ذلك ، ~~فرحل عن دمشق متوجها إلى حوارين ، في شهر رجب من سنة ثمان وسبعين . # ومضى إلى الرقة ، وأقام فيها الدعوة للمصريين . وكان سعد الدولة قد انتمى ~~إلى المصريين ، وأقام الدعوة لهم بحلب ، في سنة ست وسبعين وثلاثمائة ووصلته ~~خلع العزيز أبي المنصور ، في شعبان من هذه السنة فلبسها . PageV01P102 # ومات الأمير قرغويه بحلب في سنة ثمانين وثلاثمائة . # ثم إن بكجور قوي أمره واستفحل ، وأخذ إليه أبا الحسن علي بن الحسين ~~المغربي ، واستوزره لمباينة حصلت بينه وبين سعد الدولة وعاث على أعمال سعد ~~الدولة ، وجمع إليه بني كلاب ، واستغوى بني نميرة فبرز مضرب الأمير سعد ~~الدولة ، يوم السبت الثاني والعشرين من محرم سنة إحدى وثمانين ، إلى ظاهر ~~باب الجنان . # وسار يوم السبت سلخ المحرم ، على أربع ساعات ، وقد كان بكجور سار إلى ~~بالس ، وحاصر من كان بها فامتنعوا عليه ، فقصده سعد الدولة ، والتقوا على ~~الناعورة ، في سلخ المحرم من سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة . # وهزم بكجور ، وهرب ms067 ، واختفى عند رحا القديمي على نهر قويق ، وبث سعد ~~الدولة الناس خلفه ، وضمن لمن جاء به شيئا وافرا ، فظفر به بعض الأعراب ، ~~وأتى به إلى سعد الدولة ، فضرب عنقه صبرا بين يديه ، ببندر الناعورة ، ~~وصلبه على سبع ساعات من يوم الأحد مستهل صفر . # ورحل سعد الدولة يوم الثلاثاء إلى بالس فوجد بكجور قد أخرب ربضها ، فأقام ~~بها أربعة أيام . # ورحل حتى أتى الرقة ، وبها حرم بكجور وأمواله وأولاده فتلقاه أهل الرقة ~~بنسائهم ، ورجالهم ، وصبيانهم ، فأقام بقية يومه . ونزل أهل الرقة ، ~~فاحتاطوا بحرم بكجور وأولاده فآمنهم سعد الدولة ، في اليوم التاسع من صفر ، ~~وتنجزت أمورهم إلى يوم الخميس الثاني عشر منه . ورضي عن أولاده ، واصطنعهم ~~، ووهب لهم أموال بكجور ، وحلف لهم على ذلك ، فمدحه أبو الحسن محمد بن عيسى ~~النامي بقصيدة أولها : # غرائز الجود طبع غير مقصود . . . ولست عن كرم يرجى بمصدود PageV01P103 # ولما خرج أولاد بكجور بأموالهم وآلاتهم استكثرها سعد الدولة ، فقال له ~~وزيره أبو الهيثم بن أبي حصين : ' أنت حلفت لهم على مال بكجور ، ومن أين ~~لبكجور هذا المال ؟ بل هذه أموالك ' . فغدر بهم ، ونكث في يمينه ، وقبض مال ~~بكجور إليه ، وكان مقداره ثمانمائة ألف دينار وصادر نواب بكجور ، واستأصل ~~أموالهم . # ثم عاد إلى حلب فأصابه الفالج في طريقه . وقيل : أصابه في طريقه قولنج ~~فدخل إلى حلب ، وعولج فبرىء . ثم جامع جارية له ، فأصابه الفالج ، واستدعى ~~الطبيب ، وطلب يده ليجس نبضه ، فناوله اليسري ، فقال : اليمين فقال : ما ~~أبقت اليمين يمين يشير إلى غدره ، ونكثه في اليمين التي حلفها لأصحاب بكجور ~~. وكان مبدأ علته لأربع بقين من جمادى الأولى ، ومات ليلة الأحد لأربع بقين ~~من شهر رمضان من سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة . وحمل في تابوت إلى الرقة ، ~~ودفن بها . # وكان قاضي حلب في أيامه أبا جعفر أحمد بن إسحاق قاضي أبيه ، ثم ولي ~~قضاءها رجل هاشمي يقال له ابن الخشاب ، ثم ولي الشريف أبو علي الحسن بن ~~محمد الحسيني والد الشريف أبي الغنائم النسابة ، وكان زاهدا عالما ولاه ~~سعد الدولة قضاء ms068 حلب وعزل ابن الخشاب عنه في سنة ثلاث وستين ، ودام في ~~ولايته إلى تسع وسبعين وثلاثمائة ، وولي بعده أبو محمد عبيد الله بن محمد . # وكان العزيز أرسل إلى سعد الدولة يسأله إطلاق أولاد بكجور وتسييرهم إلى ~~مصر فأهان الرسول ، ولم يقبل الشفاعة ، وورد عليه جواب متوعد متهدد . ~~PageV01P104 # | القسم السابع سعيد الدولة الحمداني 381 - 392 ه # ثم إن غلمان سعد الدولة ملكوا ابنه أبا الفضائل سعيدا ، ولقبوه سعيد ~~الدولة ، ونصبوه مكان أبيه في يوم الأحد . وصار المدبر له وصاحب جيشه من ~~الغلمان الأمير أبو محمد لؤلؤ الكبير السيفي ، فاستولى على الأمور وزوج ~~ابنته سعيد الدولة ، فرفع المظالم والرسوم المقررة على الرعية من مال ~~الهدنة . ورد الخراج إلى رسمه الأول ، ورد على الحلبيين أملاكا كان ~~اغتصبها أبوه وجده . # وطمع العزيز صاحب مصر في حلب ، فاستصغر سعيد الدولة بن سعد الدولة ، فكتب ~~إلى أمير الجيوش بنجوتكين التركي ، وكان أمير الجيوش واليا بدمشق من قبل ~~العزيز وأمره بالمسير إلى حلب وفتحها ، فنزل في جيوش عظيمة ومدبر الجيش أبو ~~الفضائل صالح بن علي الروذباري . # فنزل على حلب في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ، وفتح حمص وحماة في طريقه ~~، وحصر حلب مدة ، فبذل له سعيد الدولة أموالا كثيرة على أن يرحل عنه وعلى ~~أن يكون في الطاعة ، ويقيم الدعوة ، ويضرب السكة باسم العزيز ، ويكتب اسمه ~~على البنود في سائر أعماله . # فامتنع من قبول ذلك وقاتل حلب ثلاثة وثلاثين يوما ، وضجر أهل حلب فقالوا ~~لابن حمدان : إما أن تدبر أمر البلد وإلا سلمناه . فقال : اصبروا علي ثلاثة ~~أيام ، فإن البرجي والي إنطاكية قد سار إلى نصرتي في سبع صلبان . فبلغ ذلك ~~PageV01P105 بنجوتكين ، فاستخلف بعض أصحابه وهم : بشارة القلعي ، وابن أبي ~~رمادة ، ومعاضد ابن ظالم ، في عسكر معهم كبير على باب حلب . # وسار فالتقى البرجي عند جسر الحديد ، وبنجوتكين في خمسة وثلاثين ألفا ~~والروم في سبعين ألفا ، فانهزم البرجي ، وأخذ بنجوتكين سواده وقتل من ~~أصحابه مقتلة عظيمة ، وأسر خلقا كثيرا . # فانحاز ابن أخت البرجي إلى حصن عم ، فسار بنجوتكين ms069 إلى عم ، فقاتل حصنها ~~، وفتحه بالسيف ، وأسر منها ابن أخت البرجي ، ووالي الحصن ، وثلاثمائة ~~بطريق . وحصل عنده ألفا فارس وغنم من عم مالا كثيرا ، وأحرقها وما حولها ~~ووجد في عم عشرة آلاف أسير من المسلمين فخرجوا وقاتلوا بين يديه . # وسار إلى أنطاكية فاستاق من بلدها عشرة آلاف جاموس ، ومن البقر والمواشي ~~عددا لا يحصى ، وسار من ظاهر أنطاكية في بلاد الروم حتى بلغ مرعش ، فقتل ، ~~وأسر ، وغنم ، وخرب ، وأحرق . وعاد إلى عسكره على باب حلب المعروف بباب ~~اليهود ، وقاتلها من جميع نواحيها ، وكان هذا في جمادى الأولى وجمادى ~~الآخرة ، فأقام على حلب إلى انقضاء سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ، وعاد ~~إلى دمشق . # ثم إنه عاد ، وخرج من دمشق في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ، ومدبر الجيش ~~أبو سهل منشا بن إبراهيم اليهودي القزاز فنزلوا شيزر وقاتلوها ، وفتحوها ، ~~وأمنوا سوسن الغلام الحمداني وكان واليا بها وجميع من كان معه . # وسار بنجوتكين إلى أفامية ، فتسلمها من نائب سعيد الدولة ثم سار أمير ~~الجيوش بمن انتخبه من العسكر إلى أنطاكية ، فغنموا بقرا وغنما ، ورماكا ~~وجواميس ، PageV01P106 وبلغوا نواحي بوقا ، وقطعوا بقراس ، وعاد العسكر إلى ~~الروج ثم إلى أفامية . # وسار إلى دمشق ، وسير العزيز أبا الحسن علي بن الحسين بن المغربي الكاتب ~~، الذي كان وزيرا لسعد الدولة أبي المعالي مر ، وفارقه عن وحشة وهو والد ~~الوزير أبي القاسم بن المغربي في المحرم من سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ، ~~من مصر إلى بنجوتكين ليجعله مدبر جيشه والناظر في أعمال الشام إن فتحت ، ~~لخبرته بتلك الناحية . وسار معه عسكر كثير فوصل إلى دمشق . # وسار منها بنجوتكين وابن المغربي في ثلانين ألف مقاتل ، فوصلوا إلى ظاهر ~~حلب في شهر ربيع الآخر ، وضيق عليها بالحصار ، فاستتجد سعيد الدولة ولؤلؤ ~~بالروم ، فخرج البطريق البرجي والي أنطاكية بعساكر الروم فنزل بالأرواج ، ~~على المقطعات على المخاض ، وبث سراياه ، ورتب قوما يغيرون على أعمال حلب ~~ويمنعون المتعلفة . # وسار بنجوتكين فنزل مقابلهم ، وسار عسكر حلب وفيهم الأمير رباح الحمداني ~~وكبار الحمدانية ، فنزلوا مع الروم على مخاضة أخرى ms070 ، فقطع المغاربة الماء ، ~~وعبروا إليهم ، وأنفذ بنجوتكين العرب مع قطعة من عسكره للقاء الحلبيين ، ~~فحين أشرفوا عليهم انهزموا عن المخاضة ، ونهبتهم العرب . # فحين شاهد الروم ذلك انهزموا ، وتخلوا عن البرجي ، واضطروه إلى الهزيمة ، ~~وتبعهم المغاربة مع بنجوتكين في يوم الجمعة لست خلت من شعبان سنة أربع ~~وثمانين وثلاثمائة ، فظفر بهم ، وغنم الأموال والرجال والخيل التي لا تحصى ~~، وقتل خلقا كثيرا ، وأسر خلقا كثيرا من الروم ، وسار فنزل على عزاز ~~فأخذها . # ثم عاد إلى حصار حلب فبنى مدينة بازائها وشتى بها وآثار العمارة التي ~~تظهر حول نهر قويق هي آثار تلك العمائر ولم يزل على حلب إلى أن انقضت سنة ~~أربع وثمانين ، وكان حصارهم حلب أحد عشر شهرا ، وأكلوا الخيل والحمير . # وأنفذ أبو الفضائل سعيد الدولة ولؤلؤ أبا علي بن دريس إلى باسيل ملك ~~الروم بالقسطنطينية ، يستنجدانه ، وكانت له على حلب قطيعة تحمل إليه ، ~~وقالا له : ما نريد منك قتالا إنما نريد أن تجفله . PageV01P107 # فخرج باسيل في ثلاثة عشر ألفا ، وعسكر بنجوتكين لا خير معهم لباسيل فسير ~~باسيل جواسيس ، وقال لهم : امضوا إلى العسكر ، وأعلموهم بي . وكانت دواب ~~أمير الجيوش بمرج أفامية ، في الربيع ، فلما أخبر الجواسيس عسكر أمير ~~الجيوش بوصول باسيل إلى العمق ، ضرب جميع آلته بالتار ، ورحل إلى قنسرين ، ~~فصارت هزيمة . # وجاء باسيل ملك الروم ، فنزل موضعهم ، فلم يمله ، وكان قد خرج أبو ~~الفضائل إلى ملك الروم ، وشكره على ما فعل من رحيل بنجوتكين ، ومعه هدية ~~جليلة القدر فقبلها منه ، ثم أعادها إلى حلب ووهب له القطيعة التي كانت له ~~على حلب في تلك السنة ، فقال قسطنطين لأخيه الملك باسيل : خذ حلب ، والشام ~~ما يمتنع منك . فقال : ما تسمع الملوك أني خرجت أعين قوما فغدرت بهم . ~~فقال له بعض أصحابه : ليست حلب غالية بغدرة . فقال الملك : بلى ولو أنها ~~الدنيا . وكان إذا خرج أبو الفضائل إلى ملك الروم أقام لؤلؤ بحلب ، وإذا ~~خرج لؤلؤ أقام أبو الفضائل . وكان قد ضاق صدر أبي الفضائل لطول الحصار ، ~~وأراد تسليم حلب إلى ms071 بنجوتكين . # فتوجع لؤلؤ فركب إليه أبو الفضائل يعوده ، فحجبه ساعة ، فشق عليه ، ~~وانصرف مغضبا فلحقه لؤلؤ وقال له : ' ما كنت عليلا ، وإنما أردت أن أعلمك ~~أنك متى مضيت إلى غير هذا البلد أنك تحجب على أبواب الناس ، وقد شق عليك ~~أني حجبتك ، وأنا عبدك ، والبلد بلدك . فرجع إلى قول لؤلؤ . # وعصى رباح السيفي بالمعرة على مولاه أبي الفضائل ، فخرج إليه مع لؤلؤ في ~~سنة ست وثمانين ، وانحاز إلى المغاربة ، فخرج أبو الفضائل ولؤلؤ وحصراه مدة ~~، فورد بنجوتكين لنجدته فانهزما ودخلا حلب . وخرج باسيل إلى أفامية بعد ~~وقعة جرت للروم مع المغاربة فجمع عظام القتلى من الروم ، وصلى عليهم ودفنهم ~~، وسار إلى شيزر ففتحها بالأمان من المغاربة ، وذلك في سنة تسع وثمانين ~~وثلاثمائة . # وسار ملك الروم إلى وادي حيران ، فسبى منه خلقا عظيما من المسلمين ، ~~PageV01P108 وخرج إليه أبو الفضائل من حلب إلى شيزر ، فأكرمه وقال له : قد ~~وهبت لك حلب . ووهب لأبي الفضائل في جملة ما وهبه سطيل ذهب ، وقال : اشرب ~~بهذا . # # | موت سعيد الدولة # ومات أبو الفضائل سعيد الدولة ، ليلة السبت النصف من صفر سنة اثنتين ~~وتسعين وثلاثمائة ، سقته جارية سما ، فمات . وقيل : إن لؤلؤ دس عليه ذلك ~~وعلى ابتته زوجة أبي الفضائل ، فماتا جميعا . # وكان قاضي حلب في أيامه عبيد الله بن محمد بن أحمد القاضي أبا محمد . ~~PageV01P109 فارغة PageV01P110 # | القسم الثامن ولدا سعيد الدولة علي وشريف # وملك لؤلؤ السيفي ولديه أبا الحسن عليا وأبا المعالي شريفا ابني سعيد ~~الدولة ، واستولى لؤلؤ على تدبير ملكهما ، وليس إليهما شيء . # وخاف لؤلؤ على حصن كفر روما ، وحصن عار ، وحصن أروح ، أن يقصد فيها ، ~~فهدمها جميعا سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة . # # | لؤلؤ الكبير # وأحب لؤلؤ التفرد بالملك ، فسير أبا الحسن وأبا المعالي ابني سعيد الدولة ~~عن حلب إلى مصر مع حرم سعد الدولة ، في سنة أربع وتسعين وثلاثمائة . وحصل ~~الأمر له ولولده مرتضى الدولة أبي نصر منصور بن لؤلؤ . # وقبض لؤلؤ على أحمد بن الحسين الأصفر بخديعة خدعه بها وذلك أنه طلب أن ~~يدخل ms072 إليه إلى حلب ، وأوهمه أن يصير من قبله ، فلما حصل عنده قبض عليه ، ~~وجعله في القلعة مكرما ، لأنه كان يهول به على الروم . # وكان هذا الأضفر قد عبر من الجزيرة إلى الشام مظهرا غزو الروم ، فتبعه ~~خلق ، عظيم ، وكان يكون في اليوم في ثلاثين ألفا ثم يصير في يوم أخر في ~~عشرة آلاف وأكثر وأقل . # ونزل على شيزر وطال أمره فاشتكاه باسيل ملك الروم إلى الحاكم ، فسير إليه ~~والي دمشق في عسكر عظيم فطرده عنها ودام الأصفر معتقلا في قلعة حلب إلى أن ~~حصلت للمغاربة في سنة ست وأربعمائة . # وتوفي قاضي حلب أبو طاهر صالح بن جعفر بن عبد الوهاب بن أحمد PageV01P111 ~~الصالحي الهاشمي ، مؤلف كتاب الحنين إلى الأوطان ، في سنة سبع وتسعين ~~وثلاثمائة . وكان فاضلا ، وأظن أن ولايته القضاء كانت بعد أيام سعيد ~~الدولة ، بعد القاضي أبي محمد عبيد الله بن محمد بن أحمد . # وولى لؤلؤ قضاء حلب في هذه السنة أبا الفضل عبد الواحد بن أحمد بن الفضل ~~الهاشمي . # وتوفي لؤلؤ الكبير بحلب في سلخ ذي الحجة من سنة تسع وتسعين وثلاثمائة . ~~وقيل : ليلة الأحد مستهل المحرم سنة أربعمائة ، ودفن بحلب ، في مسجده ~~المعروف به ، فيما بين باب اليهود وباب الجنان ، وكانت داره القصر بباب ~~الجنان ، وله منها إلى المسجد سرب يدخل فيه إلى المسجد ، فيصلي فيه . # وكان لؤلؤ يعرف بلؤلؤ الحجراجي ، ويعرف بذلك لأنه كان مولى حجراج ، أحد ~~غلمان سيف الدولة ، فأخذه منه وسماه لؤلؤ الكبير . وكان عاقلا محبا للعدل ~~، شهما وظهرت منه في بعض غزوات سيف الدولة شهامة ، فتقدم على جماعة رفقته ~~من السيفية والسعدية . # # | منصور بن لؤلؤ # وتقررت إمارة حلب بعده لابنه أبي نصر منصور بن لؤلؤ ولقب مرتضى الدوله ، ~~وكان ظالما عسوفا ، فأبغضه الحلبيون وهجوه هجوا كثيرا فمما قيل فيه : # لم تلقب وإنما قيل فألا . . . مرتضى الدولة التي أنت فيها # وسير مرتضى الدولة ولديه أبا الغنائم وأبا البركات إلى الحاكم وافدين ~~عليه ، فأعطاهما مالا جسيما ، وأقطعهما سبع ضياع في بلد فلسطين ، ولقب ~~أباها مرتضى ms073 الدولة ، وكان ذلك قبل موت لؤلؤ بسنة . # # | أبو الهيجاء بن سعد الدولة # وكان لسعد الدولة بن سيف الدولة بحلب ولد يقال له أبو الهيجاء ، وكان قد ~~أوصى سعد الدولة لؤلؤا لما مات به ، فلما أن ملك لؤلؤ خاف منه ، وضيق عليه ~~لؤلؤ PageV01P112 ومرتضى الدولة ، وكان قد صاهر ممهد الدولة أبا منصور أحمد ~~بن مروان صاحب ديار بكر على ابنته ، وأظن ذلك كان في أيام أبيه . # فخاف أبو الهيجاء من لؤلؤ وابنه مرتضى الدولة ، فتحدث مع رجل نصراني يعرف ~~بملكونا كان تاجرا وبزازا لمرتضى الدولة ، فأخرجه من حلب هاربا ، والتجأ ~~إلى ملك الروم فلقبه الماخسطرس . فلما كثر ظلم منصور وعسفه رغب الرعية وبنو ~~كلاب المتدبرون ببلد حلب في أبي الهيجاء بن سعد الدولة ، وكاتبوا صهره ممهد ~~الدولة بن مروان في مكاتبة باسيل ملك الروم في إنفاذه إليهم . # فأنفذ إلى الملك يسأله تسيير أبي الهيجاء إليه ليتعاضدا على حلب ، ويكون ~~من قبله من حيث لا يكلفه إنجاده برجال ولا مال . # فأذن باسيل لأبي الهيجاء في ذلك ، فوصل إلى صهر بميافارقين ، فسير معه ~~مائتي فارس وخزانه ، وكاتب بني كلاب بالانضمام إليه . # وسار قاصدا حلب في سنة أربعمائة فخافه منصور ، ورأى أن يستصلح بني كلاب ~~ويقطعهم عنه ، لتضعف منته ، فراسلهم ووعدهم بإقطاعات سنية ، وحلف لهم أن ~~يساهمهم أعمال حلب البرانية . # واستنجد مرتضى الدولة بالحاكم ، وشرط له أن يقيم بحلب واليا من قبله ، ~~فأنفذ إليه عسكر طرابلس مع القاضي علي بن عبد الواحد ابن حيدرة قاضي طرابلس ~~، وأبي سعادة القائد والي طرابلس ، في عسكر كثيف فالتقوا بالنقرة . # وتقاعد العرب عن أبي الهيجاء لما تقدم من وعود مرتضى الدولة لهم ، فانهزم ~~أبو الهيجاء راجعا إلى بلد الروم ونهبت خيامه وجميع ما كان معه . # ثم دخل إلى القسطنطينية فأقام بها إلى أن مات . # وكان الحاكم قد كتب لمنصور بن لؤلؤ في شهر رمضان من سنة أربع وأربعمائة ~~PageV01P113 سجلا ، وقرىء في القصر بالقاهرة ، بتمليكه حلب وأعمالها ولقب ~~فيه بمرتضى الدولة . # وكان في قلعة عزاز غلام من غلمان مرتضى ms074 الدولة فاتهمه في أمر أبي الهيجاء ~~، فطلب مرتضى الدولة من النزول فلم يفعل ، وخاف منه وقال : ما أسلمها إلا ~~إلى القاضي ابن حيدرة فسلمها إليه . # وكتب القاضي فيها كتابا إلى الحاكم ، وسلمها إلى مرتضى الدولة ، فنقم ~~عليه ، وقتله بعد ذلك . # وأما أبو الهيجاء فأقام بالروم إلى أن مات . # وعاد قاضي طرابلس إلى منصور يطلب منه ما كان وعده به ، فدافعه ، فرجع إلى ~~طرابلس خائبا . # وكان أبو المعالي بن سعيد الدولة بمصر ، فسيره الحاكم بعساكر المغاربة ~~إلى حلب ، فوصل معرة النعمان في سنة اثنتين وأربعمائة ، وأرادت العرب الغدر ~~به ، وبيعه من مرتضى الدولة ، لأنهم أغاروا . وركب يريدهم ، فأخذه مضيء ~~الدولة نصر الله بن نزال ورده إلى العسكر ، ورجع فمات بمصر . # # | مرتضى الدولة وصالح بن مرداس # وأما بنو كلاب فانهم طلبوا من مرتضى الدولة ما شرطه لهم من الإقطاع ، ~~فدافعهم عنه ، فتسلطوا على بلد حلب ، وعاثوا فيه ، وأفسدوا ، ورعوا الأشجار ~~وقطعوها ، وضيقوا على مرتضى الدولة ، فشرع في الاحتيال عليهم ، وأظهر ~~الرغبة في استقامة الحال بينهم وبينه وطلبهم أن يدخلوا إليه ليحالفهم ~~ويقطعهم ويحضروا طعامه ، واتخذ لهم طعاما . # فلما حصلوا بحلب مد لهم السماط وأكلوا وغلقت أبواب المدينة ، وقيد ~~الأمراء : وفيهم صالح بن مرداس ، وفيهم أبو حامد وجامع ابنا زائدة . وجعل ~~كبار الأمراء بالقلعة ، ومن دونهم بالهزي . وقتل منهم أكثر من ألف رجل ، ~~وذلك PageV01P114 لليلتين خلتا من ذي القعدة من سنة اثنتين وأربعمائة . # فجمع مقلد بن زائدة من كان من بني كلاب خارج حلب ، وأجفل بالبيوت ، ونزل ~~بهم كفر طاب وقاتلها ، فرماه ديلمي اسمه بندار فقتله ، في أوائل سنة ثلاث ~~وأربعمائة . وكان مرتضى الدولة قد أخرج أخويه أبا حامد وجامعا وغيرهما ، ~~وجعلهم في حجرة ، وجعل فيها بسطا ، وأكرمهم لأجل مقلد . فلما جاءه خبر ~~قتله أنفذ إليهم يعزيهم به فقال بعضهم لبعض : اليوم حبسنا . # وسير مرتضى الدولة إلى صالح بن مرداس ، وهو في الحبس ، وألزمه بطلاق ~~زوجته طرود ، وكانت من أجمل أهل عصرها ، فطلقها ، وتزوجها منصور ، وهي أم ~~عطية بن صالح ، وإليها ينسب مشهد ms075 طرود ، خارج باب الجنان ، في طرف الحلبة . ~~وبه دفن عطية ابنها ومات أكثر المحبسين بالقلعة في الضر ، والهوان ، والقلة ~~، والجوع . # وكان مرتضى الدولة في بعض الأوقات إذا شرب يعزم على قتل صالح ، لحنقه ~~عليه من طول لسانه ، وشجاعته . فبلغ ذلك صالحا ، فخاف على نفسه ، وركب ~~الصعب في تخليصها واحتال حتى وصل إليه في طعامه مبرد فبرد حلقة قيده ~~الواحدة ، وفكها وصعبت الأخرى عليه ، فشد القيد في ساقه ، ونقب حائط السجن ~~، وخرج منه في الليل ، وتدلى من القلعة إلى التل ، وألقى نفسه فوقع سالما ~~ليلة الجمعة مستهل المحرم سنة خمس وأربعمائة . واستتر في مغارة بجبل جوشن ، ~~وكثر الطلب له والبحث عنه ، عند الصباح فلم يوقف له على خبر ، ولحق بالحلة ~~، واجتمعت إليه بنو كلاب ، وقويت نفوسهم بخلاصه ، وبعد ستة أيام ظفر صالح ~~بغلام لمنصور كان قد أعطاه سيف صالح ، فاستعاده منه وأيقن بالظفر ، وتفاءل ~~بذلك . # ولما كان اليوم العاشر من صفر نزل صالح بتل حاصد من ضياع النقرة يريد ~~PageV01P115 قسمتها ، بعد أن جمع العرب واستصرخهم ، وكان يعلم صالح محبة ~~مرتضى الدولة لتل حاصد . # فحين علم منصور بنزول صالح على تل حاصد ، رأى أن يعاجله قبل وصول المدد ~~إليه ، فجمع جنده ، وحشد جميع من بحلب من الأوباش ، والسوقة ، والنصارى ، ~~واليهود وألزمهم بالسير معه إلى قتال صالح ، فخرجوا ليلة الخميس ثاني عشر ~~صفر من سنة خمس وأربعمائة . # وبلغني : أن مرتضى الدولة لما وصل إلى جبرين تطير وقال : جبرنا فلما وصل ~~بوشلا قال : شللنا فلما وصل تل حاصد قال : حصدنا . # وأصبح عليهم يوم شديد الحر فماطلهم صالح باللقاء ، إلى أن عطش العوام ~~وجاعوا وسير جاسوسا إلى العسكر فجاء وأخبره أن معظم عسكره من اليهود ، ~~والنصارى ، وأنه سمع يهوديا يقول لأخر بلغتهم : والك حفيظه اطعزه واتأخر ، ~~وإياك يكون خلفه أخر يطعزك بمطعازه ، ويخغب بيتك للدواغيث . # فقوي طمع صالح فيهم ، وحمل عليهم فكسرهم ، وأسر مرتضى الدولة ، وسالم بن ~~مستفاد أبا المرجا الحمداني وخلقا غيرهما . # وقتل جمع كثير من العسكر ومقدار ألفي راجل من العوام ، وآثار عظامهم ms076 إلى ~~اليوم مدفونة في أرجام حجارة شبيهة بالتلال ، فيما بين تل حاصد وبوشلا . # وانهزم أبو الجيش وأبو سالم أخو مرتضى الدولة ، وقصد القلعة فضبطها أبو ~~الجيش المفلول ، وضبط البلد أخوه أبو الجيش وأمه . # وحدث بنو كلاب أنهم لم يروا ولم يسمعوا بأشجع من مرتضى الدولة ، وأنه لو ~~لم يقف به الحصان ما وصلوا إليه ، وأنه لما وقف به الحصان لم يقدم عليه أحد ~~PageV01P116 حتى جاءه صالح ، فقال : إلي يا مولانا فرمى السيف من يده ، ~~فلما رماه تقربوا منه وأخذه صالح فقيده بالقيد الذي كان في رجله . # وكان بين هرب صالح وأسره مرتضى الدولة أحد وأربعون يوما . ورأى صالح أنه ~~لا قدرة له على أخذ البلد لضبطه بأبي الجيش ، فرأى أن يوقع الصلح ، ~~فتراسلوا في ذلك ، وأشركوا أبا الجيش في تقرير ذلك ، فخرج مشاريخ من أهل ~~حلب من أبي الجيش في حديث الصلح وتقريره . # فلما وصلوا إلى صالح سلموا عليه غير هائبين له ولا مبخلين ، لقرب عهدهم ~~برؤيته أسيرا حقيرا ، وكلموه بكلام جاف ، وراددوه في شروط شرطها عليهم ، ~~فأحس منهم بذلك ، فقال لهم : قبل أن نتفرق بيننا أمر ، اجتمعوا بأميركم ، ~~وشاوروه فيما تتحدثون به معي من الشروط . # قال : فقاموا ، ودخلوا على مرتضى الدولة ، وفيهم الشاهدان الفذان شهدا ~~على صالح بطلاق طرود ، فوجدوا مرتضى الدولة على أقبح صورة مكشوف الرأس ، ~~على قطعة من كساء خلق ، والقيد قد أثر في ساقيه فاحتقروه ، وعظم صالح في ~~أعينهم ، فهنأوه بالسلامة ، فقال : سلامة العطب أصلح منها ، ثم قال : إن ~~الأمير صالح يطلب مني طلاق طرود ، فاشهدوا علي أنها طالق ، ويطلب مني تسليم ~~حلب ، ولست الآن مالكها فدبروا الأمر على حسب ما ترونه ويستصوبه أخي أبو ~~الجيش ، الذي هو الآن المستولي على القلعة والمدينة . # فلم يزالوا يترددون بينهما ويدخلون إلى حلب ، ويشاورون أبا الجيش إلى أن ~~استقر الأمر مع صالح بعد التضرع إليه وسؤاله باللطف في كلام خلاف ما بدأوه ~~به على أن يطلق منصور على أن يحمل إليه خمسين ألف دينار عينا ومائة وعشرين ~~رطلا بالحلبي ms077 فضة ، وخمسمائة قطعة ثياب أصنافا مختلفة ، ويطلق جميع من في ~~الحبوس من بني كلاب وحرمهم ، وأن يقاسمه باطن حلب وظاهرها شطرين ، ويجعل ~~ارتفاع ذلك نصفين ، وأن يزوجه مرتضى الدولة بابنته . # فأجاب إلى ذلك ووقعت اليمين عليه ، وأخرج إلى صالح أمه بجيلا وزوجته أم ~~PageV01P117 الكرم ابنة رباح السيفي ، وأولاده منها : أبا الغنائم ، وأبا ~~علي ، وأبا الحسن ، وأبا البركات ، رهائن على المال . # وأطلق مرتضى الدولة فدخل إلى حلب يوم السبت لسبع بقين من صفر سنة خمس ~~وأربعمائة ، فلما حمل المال إلى صالح ، خلى سبيل الرهائن ، وباع كل واحد من ~~العرب ما حصل في يده من الغنيمة والأسارى من الجند وغيرهم من الرعية ~~المسلمين وأهل الذمة لأهاليهم بما اتفق ، واستغنى العرب وقويت شوكتهم . ~~ولما حصل منصور إلى حلب عاد إلى عادته الأولى في الغدر ، ومنع صالحا ما ~~صالحه عليه من ارتفاع البلاد والتزوج بابنته ، فضيق صالح عليه ، وحاربه ، ~~ومنع الميرة أن تدخل إليه حتى ضاقت على الرعية فكرهوه . # وانضاف إلى ذلك أنه وقعت التهمة بين مرتضى الدولة وبين غلامه فتح القلعي ~~وكان والي القلعة في العاشر من شهر رجب من سنة ست ، فاتهمه بأنه هو الذي ~~هرب صالحا ، وتتابع لومه له ، وقال : لولا قلة تحفظه وتضجيعه في الاحتياط ~~على صالح لما هرب من السجن ، وهذه المحن كلها بسببه . وتواعده . # وعزم على أن يولي قلعة حلب صاحبا له يعرف بسرور ، فأسر ذلك إليه فنم ~~الخبر من سرور إلى رجل يقال له ابن غانم صديق لفتح ، فأطلعه على ذلك ، فخاف ~~فتح القلعي منه ، فوافق المقيمين معه على العصيان ، فأجابوه إلى ذلك . # وطلب نزوله فتعلل ، وأخذ حذره منه ، ثم كاشفه بالعصيان ، فصعدت إليه ~~بجيلا ، والدة مرتضى الدولة وعنفته ، فلم يصغ إلى قولها ، فقالت له : كيف ~~تفعل هذا مع ابن سيدك . لأنه كان مولى لؤلؤ السيفي فقال ، كما فعل هو وأبوه ~~بأولاد سيده يعني بولدي سعد الدولة : أبي الفضائل وأبي الهيجاء . # ثم أنفذ فتح إلية وقال له : إما أن تخرج من حلب ، وإلا سلمت القلعة إلى ~~PageV01P118 صالح ms078 . فبينا مرتضى الدولة في قصره العتيق بباب الجنان ، في ~~ليلة السبت لست بقين من شهر رجب سنة ست وأربعمائة ، إذ ضربت البوقات ~~والطبول على القلعة ، وصاح من فيها : الحاكم يا منصور صالح يا منصور فظن ~~منصور أن صالحا قد حصل في القلعة ، ففتح باب الجنان ، وهرب هو وأخوه ، ~~وأولاده ، ومن تبعه من غلمانه إلى أنطاكية ، وأخذ معه ما قدر على حمله من ~~المال . # فلما علم أهل حلب بخروجه قصدوا داره ، فأخذوا منها من الذهب والفضة ~~والمراكب والأثاث ثمانين ألفا من الدنانير . # وأخذ في جملة ما نهب له ثمانية وعشرون ألفا من الدفاتر المجلدة ، وكانت ~~مفهرسة بخطه في درج ، ونهبوا دور إخوته ودور بعض النصارى واليهود . # ووصل مرتضى الدولة إلى أنطاكية لخمس بقين من شهر رجب ، فطالع قطبان ~~أنطاكية الملك باسيل بهرب منصور إليه ، فأنفذ إليه يأمره بإكرامه ، وأن ~~يواصله براتب وإقامة ، وكذلك برزق أجناده وأصحابه ، ففعل ذلك ، وكان جملتهم ~~سبعمائة رجل من فارس وراجل ، وأن لا ينقصه في المخاطبة والكرامة من الرسم ~~الذي كان يخاطبه به في أيام إمارته ، وأمر أن يلفب بالماخسطرس . # واستدعى الملك إخوته وابنيه أبا الغنائم وأبا البركات ، فخلع عليهم ، ~~وأنفذ على أيديهم توقيعا بإقطاع عدة ضياع له ولهم ، وكان من جملتها شيح ~~ليلون ، فعمر مرتضى الدولة حصنها ، وسكن فيه ليقرب عليه ما يحتاج إلى ~~معرفته من أمور حلب . # وأما مرتضى الدولة فإنه عمر إلى أن قدم أرمانوس من القسطنطينية ، ونزل ~~على تبل في سنة إحد وعشرين وأربعمائة ، وكان معه إذ ذاك . وتوفي بعد ذلك . ~~PageV01P119 فارغة PageV01P120 # # | القسم التاسع حلب والفاطميون # # | فتح القلعي مبارك الدولة # وأما فتح القلعي أبو نصر فإنه نادى بشعار الحاكم صاحب مصر ، وصالح صالح ~~بن مرداس على نصف الارتفاع ظاهرا وباطنا ، وسلم إليه حرم منصور وحرم ~~إخوته وأولاده ، ليسيرهم إلى ابن لؤلؤ إلى أنطاكية ، وفي الجملة بنته التي ~~وعده أن يزوجه بها ، فأخرجهم صالح إلى الحلة وضبط عنده بنته التي وعده ~~بتزويجها منه ، ودخل إليها وأنفذ إليه بقية الحرم . # وتسلم صالح الأعمال والضياع التي ms079 تقرر مع ابن لؤلؤ أن يدفعها إليه . ~~واستدعى والي أفامية أبا الحسن علي بن أحمد العجمي المعروف بالضيف ، فأنزله ~~بالمدينة بالقصر بباب الجنان ، في أوائل شعبان من سنة ست وأربعمائة . # وبقي فتح بالقلعة فأحسن الضيف السيرة ، ورد على الحلبيين ما كان قد ~~اغتصبه سيف الدولة وولده من أملاكهم ، وبالغ في العدل . # وكاتب فتح الحاكم يخبره بما فعل ، فوردت مكاتبة الحاكم إليه يتضمن شكره ~~على ما فعل ، ولقبه مبارك الدولة وسعيدها . # وكتب إلى أبي الحسن الضيف يأمره بمعاضدته ، ولقبه سديد الدولة ، وكتب إلى ~~صالح بن مرداس يأمره بالإتفاق معهما ، ولقبه أسد الدولة . # وكتب لأهل حلب توقيعا بإطلاق المكوس والمظالم ، والصفح عن الخراج ، وهو ~~عندي متوج بعلامة الحاكم عليه : الحمد لله رب العالمين . PageV01P121 # بسم الله الرحمن الرحيم . # هذا من أمر الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين لجميع أهل حلب ~~وأعمالها . إنه لما انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنتم فيه من الظلمة ~~المدلهمة ، وقبيح ظفر من يتولى أموركم في المعاملات وزيادتهم عليكم في ~~الخراج والجبايات ، إضعافا لكم ، وعدولا عن سنن الحق بكم ، أمر زاد الله ~~أمره علوا ونفاذا بإطلاق المؤن من دار كوره ونظائرها ، والصفح عن الواجب ~~عليكم من مال الخراج لاستقبال سنة سبع وأربعمائة ، لتعلموا أن ضياء الدولة ~~النبوية قد لمع وظهر ، وأن حندس الظلام قد انجاب ودثر . # وذكر تمامه . # ووصل من قبل الحاكم والي طرابلس مختار الدولة بن نزال الكتامي ، ووالي ~~صيدا مرهف الدولة بحكم التركي ، وكانوا جميعا في البلد من قبل الحاكم . # ثم كتب الحاكم إلى حسان بن المفرج بن الجزاح الطائي وعشيرته ، وسنان بن ~~عليان الكلبي وعشيرته ، بالاحتياط على حفظ حلب ، وأتبع ذلك بمكاتبة إلى فتح ~~، يمنيه ويعده الجميل إذا سلم القلعة . فأجاب إلى ذلك تسليمها ، وأخذ جميع ~~ما كان بها من الذخائر لمنصور من عين ، وورق ، ومتاع ، وسلاح . # # | فاتك الحاكمي عزيز الدولة # وكتب بولاية صور ، فسلم القلعة إلى الأمير عزيز الدولة أبي شجاع فاتك ، ~~في شهر رمضان من سنة سبع وأربعمائة . وكان الحاكم قد خلع عليه في جمادى ms080 ~~الأولى من سنة سبع وأربعمائة . وحمله على عدة من الخيل بسروج محلاة بذهب ~~مصفحة ، وقلده سيفا ومنطقه بمنطقه وسيره إلى حلب . # وتوجه فتح إلى صور . وولى الضيف بحلب في سنة سبع وأربعمائة ، حين تولى ، ~~القاضي أبا جعفر محمد بن أحمد السمناني الحنفي القضاء بحلب . # وكان عزيز الدولة غلاما أرمنيا لبنجوتكين مولى العزيز صاحب مصر . وكان ~~PageV01P122 بنجوتكين شديد الشغف به ، وكان أديبا عاقلا ، كريما كبير ~~الهمة . فولاه الحاكم حلب وأعمالها ، ولقبه أمير الأمراء ، عزيز الدولة ، ~~وتاج الملة . ودخل حلب يوم الأحد الثاني من شهر رمضان من سنة سبع وأربعمائة ~~. # وكان محبا للأدب والشعر . وصنف له أبو العلاء بن سليمان رسالة الصاهل ~~والشاحج ، وكتاب القائف . # وفيه يقول القائد أبو الخير المفضل بن سعيد العزيزي ، شاعره يمدحه ، ~~ويذكر وقود قلعة حلب ليلة الميلاد ، وكان الغيم قد ستر النجوم : # ابق للمعروف والأدب . . . آمنا من صولة النوب # يا عزيز الدولة الملك ال . . . منتضى للمجد والحسب # كيف يخشى الدين حادثة . . . وعزيز الدين في حلب # سد منه ثغرها بفتى . . . لا يشوب الجد باللعب # أضرم العنقاء قلعته . . . فبدت في منظرعجب # لزت الأرض السماء بها . . . فثنت كشحاعلى وصب # ورمتها بالشرار كما . . . رمت الغبراء بالشهب # أوقدت تحت الغمام فما . . . يلقها من مزنة يذب # سخنت حوض الحيا فهمى . . . بجحيم عنه منسكب # لو تدوم النار نشفه . . . حر ما يلقى فلم يصب # ليلة غابت كواكبها . . . خجلا منا فلم تؤب # طلعت شمس النهار بها . . . والدجى مسدولة الحجب # فلو أن النار لاحقة . . . بالنجوم الزهر من كثب # حكت الشماء غانية . . . حليت بالدر والذهب # حاربتها الريح فاضطرمت . . . غضبة من شدة الغضب # جاذبتها في تغيظها . . . شعلا محمرة العذب # ضوءها عمن ألم على . . . نأي شهر غير محتجب # يا أمير الآمرين ويا . . . مستجار القصد والطلب # قد نفيت الليل عن حطب . . . نفي مظلوم بلا سبب PageV01P123 # وتركت الشمس حائرة . . . في دجى الظلماء لم تغب # وعزيز الدولة هذا ، هو الذي جدد القصر تحت قلعة حلب ، وتناهى في عمارته ، ~~وحمام القصر كانت له ، وجعله ملاصقا لسفح القلعة ، وقصد بعمارته قربه إلى ~~القلعة ، خوفا ممن ms081 جرى لمرتضى الدولة . وكان متصلا بالقلعة وهو الذي أمر ~~بعمارة القناديل الفضة للمسجد الجامع ، وهي باقية إلى الآن واسمه عليها . # وكلف عزيز الدولة أسد الدولة صالح بن مرداس أن يحمل والدته إلى حلب ، ~~لتسكن الأنفس ويعلم العوام التئام الكلمة والتضافر على الأعداء ، ففعل ذلك ~~في سنة ثمان وأربعمائة . ثم إن عزيز الدولة تغير عليه الحاكم فعصى عليه ، ~~وضرب الدينار والدرهم باسمه بحلب ، ودعا لنفسه على المنبر ، فأرسل الحاكم ~~إلى الجيوش ، وأمرها أن تتجهز إليه في سنة إحدى عشرة وأربعمائة . # فلما بلغ عزيز الدولة ذلك أرسل إلى باسيل ملك الروم يستدعيه ليسلم إليه ~~حلب ، فخرج باسيل الملك ، فلما بلغ موضعا يعرف بمرج الديباج ، بلغ عزيز ~~الدولة وفاة الحاكم ، فأرسل إلى باسيل يعلمه إنه قد انتقض ما كان بينهما من ~~الشرط ، وأنه إن ظهر كان هو وبنو كلاب حربا له . # فعدل باسيل إلى منازكرد فأخذها من الخزر ، وكان الناس قد أجفلوا من ملك ~~الروم إلى حلب ، فكانت هذه الجفلة تسمى جفلة عزيز الدولة لأنها بسببه . # ولما اطمأن عزيز الدولة بموت الحاكم ، ووصلته من الظاهر الخلع من مصر ، ~~ودخل غلام له يدعى تيزون ، وكان هنديا ، وكان يميل إليه ، ودخل في أول ~~الليل عليه ، وهو نائم في المركز ، وفي يده سيف مجرد مستور في كمه ليقتله ، ~~فوجد صبيا من رفقته يغمزه فلما رآه الصبي حرك مولاه ليوقظه ، فبادر الهندي ~~، وضرب عزيز الدولة فقتله ، وثئى بالصبي ، وقتل الهندي . وذلك كله لأربع ~~ليال خلت من شهر ربيع الآخر ، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة . PageV01P124 # وعمل شاعره المفضل بن سعيد : # لحمامه المقضي ربي عبده . . . ولنحره المفري حد حسامه # وكان الوالي بالقلعة ، ومن قبل عزيز الدولة ، أبا النجم بدرا التركي ~~مملوكا كان لبنجوتكين مولى عزيز الدولة فاتك ، وكانت بينهما في أيام ~~بنجوتكين صداقة ومودة بحكم المرافقة . # فلما تقدم عزيز الدولة قربه واصطفاه ، وولاه القلعة بحلب من قبله . وقيل ~~: إنه مملوك لعزيز الدولة ، ويعرف ببدر الكبير . وقيل : إنه هو الذي حمل ~~تيزون على قتل عزيز الدولة : فلما قتل استولى على البلد ms082 ، يوم الأحد العاشر ~~من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ، ولقب وفي الدولة وأمينها . ~~وكان كاتب بدر رجلا يقال له ابن مدبر إلى أن وردت العساكر المصرية من جهة ~~الطاهرة وزعيمها سديد الدولة علي بن أحمد الضيف ، فتسلم حلب من وفي الدولة ~~بدر . # # | محمد الكتامي صفي الدولة # ولما دخل الضيف على بحر بكتاب الطاهر ، لطف به ، واسترسل إليه ، وطرح ~~القيد في رجله ، وقبض عليه ، وأنزله من القلعة ، وتسلمها منه ، فسلمها إلى ~~صفي الدولة أبي عبد الله محمد ابن وزير الوزراء أبي الحسن علي بن جعفر بن ~~فلاح الكتامي ، يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر رجب سنة ثلاث عشرة ~~وأربعمائة . # وكان صفي الدولة هذا شاعرا أديبا ، وأبوه علي وزر للحاكم ، وجده جعفر ~~بن فلاح أحد قواد المصريين ، ووليت القلعة يمن الدولة سعادة الخادم المعروف ~~بالقلانسي ، وكان تخادما بلحية بيضاء ، وكان من أفاضل المسلمين ، فيه ~~الدين والعلم ، وجعل الطاهر في المدينة واليا ، وفي القلعة واليا خوفا ~~أن يبدو من والي حلب ما بدا من عزيز الدولة فاتك . # وعزل صفي الدولة بن فلاح عن حلب ، يوم الاثنين النصف من المحرم سنة أربع ~~عشرة وأربعمائة . PageV01P125 # # | ابن ثعبان سند الدولة # وولي حلب الأمير سند الدولة أبو محمد الحسن بن محمد بن ثعبان الكتامي ~~الجيملي ، وكان وأهله من وجوه كتامة ، وكان واليا بحصن أفامية . وهو الذي ~~كتب إليه أبو العلاء بن سليمان ' الرسالة السندية ' في مجلد واحد ، وكان ~~وزيره أبو سعيد مسبح . # وتوفي سند الدولة بمرض ناله بحلب ، يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة . # # | ثعبان سديد الملك # وكان خبر مرضه قد وصل إلى الظاهر ، فكتب إلى أخيه سديد الملك أبي الحارث ~~ثعبان بن محمد بن ثعبان إلى تنيس ، وكان يليها ، أن يسير واليا إلى حلب . # فخرج من تنيس في البحر إلى طرابلس ، وسار من طرابلس جريدة فورد إلى حلب ، ~~وقد توفي أخوه . وكان وصوله إلى حلب ، يوم الأحد السابع عشر من جمادى ~~الأولى سنة خمس عشرة وأربعمائة . وكان قاضي ms083 حلب ، في سنة خمس عشرة ~~وأربعمائة أبا أسامة عبد الله بن أحمد ابن علي أبي أسامة ، نيابة عن ابن ~~أبي العوام قاضي مصر عن الظاهر . وولي القلعة أبو الحارث موصوف الخادم ~~الصقلابي الأبيض الحاكمي ، من قبل الطاهرة وكان شجاعا ، عاقلا ، وأقاما ~~فيها واليين أحدهما بالمدينة ، والآخر بالقلعة ، إلى أن حالف الأمير أبو ~~علي صالح بن مرداس بن إدريس الكلابي سنان بن عليان الكلبي ، وحسان ابن ~~المفرج بن الجراح الطائي على الظاهرة وتحالفوا على احتواء الشام ، وتقاسموا ~~البلاد . فتكون فلسطين وما برسمها لحسان ، ودمشق وما ينسب إليها لسنان ، ~~وحلب PageV01P126 وما معها لصالح . فأنفذ الظاهر إلى فلسطين أنوشتكين ~~الدزبري واليا ، فاجتمع الأمراء الثلاثة على حربه ، فهزموه إلى عسقلان . # وفتح حسان الرملة بالسيف ، في رجب سنة خمس عشرة وأربعمائة . وأحرق أكثرها ~~، ونهبها ، وسبى خلقا من النساء والصبيان . PageV01P127 فارغة PageV01P128 # # | القسم العاشر حلب والمرداسيون # # | صالح بن مرداس # وسير صالح بن مرداس كاتبه أبا منصور سليمان بن طوق ، فوصل إلى معرة مصرين ~~، وغلب عليهاة وقبض واليها ، وقيده ، وسار إلى حلب في جماعة من العرب ، ~~لسبع بقين من رجب . فجرى بينه وبين سديد الملك ثعبان وموصوف الخادم ، حرب ~~في أيام متفرقة . # وسار صالح بن مرداس إلى حلب ، في جمع كثير ، ونزلها يوم الأحد لسبع وعشرة ~~ليلة خلت من شهر رمضان من سنة خمس عشرة وأربعمائة ، على باب الجنان . وجاب ~~الحلل يوم الاثنين ، وحاصرها ستة وخمسين يوما ، فوقع خلف بين موصوف و ~~الخادم وبين أبي المرجا سالم بن مستفاد غلام سيف الدولة بن حمدان ، وكان من ~~كبار القواد بحلب ، وداره بالزجاجين ، وحمامه أيضا ، آثارها باقية إلى ~~وقتنا هذا . # فعزم موصوف على قتل سالم هذا ، فجمع سالم جمعا ، وفتح باب قنسرين ، وخرج ~~إلى صالح ، فأخذ منه الأمان لنفسه ، ولجميع أهل المدينة . وسلمت المدينة ~~إليه ، يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة . # واحتمى سديد الملك بن ثعبان في القصر الملاصق للقلعة ، ونصبت المنجنيقات ~~والعرادات عليه وعليها . # ثم إن صالحا رتب أبا المرجا سالم بن المستفاد ، وكاتبه سليمان بن ms084 طوق ~~على قتال القصر والقلعة بحلب . # وسار إلى فلسطين منجدا حسان بن المفرج على الدزبري ، فإنه جمع ، وعاد ~~PageV01P129 إليه في جيش كثيف ، فالتقى الجيشان فكسر الدزبري ، وعاد ~~مفلولا . # وأما قلعة حلب فإن الحلبيين نقبوها ، ووصل النقب إلى بئرها المعين ، وقل ~~الماء فيها ، ودام الحصار عليها سبعة أشهر . # وراسل من في القلعة سالما وسليمان في الصلح في عاشر ربيع الآخرة فلم ~~يجيباهم . ونصبوا الصلبان ثلاثة أيام ، ودعوا لملك الروم ، ولعنوا الطاهر ، ~~ونقر الناقوس ، وقاتلوا القلعة ، ثم نفروا يوم الجمعة ثاني عشر الشهر ، ~~وحملوا المصاحف على أطراف الرماح في الأسواق ، ونادوا النفير وزحفوا . # فاستأمن جماعة من المغاربة الذين في القلعة ، فخلع عليهم ، وطيف بهم في ~~المدينة . وبسطت ثياب الديباج والسقلاطون ، وبدر المال مقابل القلعة ، ~~وبذلت لمن ينزل إلى ابن مستفاد وسليمان مستأمنا . # فلما يئس أهل القلعة من النجدة نزل رجل أسود يعرف بأبي جمعه ، وكان عريف ~~المصامدة إلى المدينة ، وبقي أياما ينزل من القلعة ويصعد فأفسده سالم بن ~~مستفاد وسليمان بن طوق . # فلما جاء ليطلع القلعة في بعض الأيام تقدم موصوف الخادم والي القلعة برد ~~الباب في وجهه ، فصاح إلى أصحابه ، فالتفت المصامدة والعبيد في القلعة ، ~~ووقع الصوت إلى أهل حلب ، فطلعوا إلى القلعة من كل مكان . # ودخلها ابن طوق وابن مستفاد ، يوم الأربعاء مستهل جمادى الأولى سنة ست ~~عشرة وأربعمائة وقبض على موصوف الصقلبي وسديد الملك ثعبان ، وأبي الفضل بن ~~أبي أسامة . # فأما ثعبان ففدى نفسه بمال دفعه إلى صالح ، وأما موصوف فضرب رقبته صبرا ~~بين يديه . وأما القاضي أبو الفضل بن أبي أسامة فدفنه حيا في القلعة . # ولما جدد الملك العزيز أبو المظفر محمد بن غازي رحمه الله الدار الكبرى ~~التي ابتناها بقلعة حلب ، وحفر أساسها ، وجدوا مطمورة فيها رجل في ساقيه ~~لبنة PageV01P130 حديد ، وهو جالس فيها قد دفن حيا ولم يبق إلا عظامه ، ~~وهو على هيئة القاعد فيها . ولا أشك في أنه ابن أبي أسامة المذكور والله ~~أعلم . # وملك صالح في هذه السنة : حمص ، وبعلبك ، وصيدا ، وحصن ابن عكار ms085 بناحية ~~طرابلس . وكان في يده الرحبة ، ومنبج ، وبالس ، ورفنية . وكان ، وهو محبوس ~~بالقلعة عند مرتضى الدولة ، قد رأى في المنام كأن إنسانا قد دخل عليه ، ~~فألبسه قلنسوة ذهب ، ففزج الله عنه ، وخرج من السجن ، وكان منه ما ذكرنا . # ثم إن الظاهر سير عسكرا مع الدزبري وضم رافع بن أبي الليل إليه وقدمه ~~على الكلبيين ، وجهزه إلى محاربة حسان بن المفرج الطائي ، لأنه كان قد أخرب ~~الشام ، وعاث ، وأفسد . # فلما علم حسان بقربه استصرخ صالحا ، فتوجه نحوه ، فرأى صالح ذلك الشخص ~~في المنام بعينه ، قد دخل عليه وانتزع من رأسه القلنسوة الذهب ، فتطير من ~~ذلك . # # | نهاية صالح بن مرداس # ولما وصل إلى حسان ونشبت الحرب بينهما وبين الدزبري ، وذلك بالموضع ~~المعروف بالأقحوانة على الأردن ، طعن صالح فسقط عن فرسه ، طعنه طريف ~~الفزاري فرآه رافع بن أبي الليل فعرفه ، فأجهز عليه ، وقطع رأسه ، وبادر به ~~الدزبري . # وقيل : طعنه رجل يقال له ريحان . وكان أسد الدولة صالح على فرس ، فما زال ~~يرمح حتى رماه ، وجاءه رافع فأخذ رأسه ، وكان مقتله لخمس بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة عشرين وأربعمائة . وقيل : في يوم الأربعاء ثامن جمادى الأولى من ~~السنة . # # | الوزير تاذرس # وكان قاضي حلب في أيامه القاضي أبا يعلى عبد المنعم بن عبد الكريم بن ~~PageV01P131 سنان المعروف بالقاضي الأسود ، بعد ابن أبي أسامة ، ولي قضاءها ~~سنة ست عشرة ، واستمر على القضاء في أيام ابنه شبل الدولة . # وكان وزير صالح تاذرس بن الحسن النصراني ، فأخذ في الوقعة وصلب وكان هذا ~~النصراني متمكنا عند صالح ، وكان صاحب السيف والقلم . # وقيل : إته كان يترجل له لعنه الله ، الولاة والقضاة ، فمن دونهم إلا ~~القاضي أبا يعلى عبد المنعم بن عبد الكريم بن سنان قاضي حلب ، والشيخ أبا ~~الحسن المهذب بن علي بن المهذب فإنه أراد أن يترجل له فحلف أن لا يفعل . # وقيل : إن أهل حاس قرية بمعرة النعمان قتلوا حماه ، كان يقال له الخوري ، ~~وكان من أهل تلمنس ، لأذيته لهم ، فحين سمع تاذرس بقتل حميه الخوري ، خرج ms086 ~~في عسكر حلب ، وطلب أهل حاس في الجبال والضياع ، وهرب القاتلون إلى أفامية ~~، فلحقهم ، فسلمهم إليه واليها . # فكتب إلى صالح يستأذنه في قتلهم ، فأذن له فقتلهم ، وصلبهم ، فلما أنزلوا ~~عن الخشب ليصلى عليهم ويدفنوا ، صلى عليهم خلق عظيم . # وقال الناس حينئذ ، يكايدون النصارى : قد رأينا عليهم طيورا بيضا ، وما ~~هي إلا الملائكة ، فبلغت هذه الكلمة تاذرس لعنه الله فنقمها على أهل المعرة ~~، واعتدها ذنبا لهم . # فاتفق أن صاحت امرأة في الجامع ، يوم الجمعة ، وذكرت أن صاحب الماخور ~~أراد أن يغصبها نفسها ، فنفر كل من في الجامع إلا القاضي والمشايخ ، وهدموا ~~الماخور ، وأخذوا خشبه ، وكان أسد الدولة صالح في صيدا ، سنة سبع عشرة ~~وأربعمائة . # فلما توجه إلى حلب ، سنة ثمان عشرة ، لم يزل به تاذرس حتى اعتقل مشايخ ~~المعرة وأماثلها ، فاعتقل منهم سبعين رجلا ، وقطع عليهم ألف دينار وقال له ~~صالح حين لج عليه : أأقتل المهذب أو أبا المجد ، بسبب ماخور ! ما أفعل ! ' ~~وقد بلغني أنه دعي لهم في آمد وميافارقين ، فغلبه على رأيه ، فبقوا في ~~الاعتقال في الحصن ، سبعين يوما ، إلى أن اجتاز صالح بالمعرة ، واستدعى ~~أبا العلاء ابن سليمان بظاهر المعرة . PageV01P132 # فلما حصل عنده بالمجلس قال له الشيخ أبو العلاء ، ساعيا فيهم : مولانا ~~السيد الأجل أسد الدولة ومقدمها وناصحها ، كالنهار الماتع ، اشتد هجيره ، ~~وطاب أبرداه ، وكالسيف القاطع ، لأن صفحه ، وخشن حداه ، ' خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن الجاهلين ' فقال صالح : ' قد وهبتهم لك أيها الشيخ ' . ولم ~~يعلم أبو العلاء بما قطع عليهم من المال فأخذ منهم . ثم قال أبو العلاء ~~شعرا : # تغيبت في منزلي برهة . . . ستيرالعيوب فقيد الحسد # فلما مضى العمر إلا الأقل . . . وحم لروحي فراق الجسد # بعثت شفيعا إلى صالح . . . وذاك من القوم رأي فسد # فيسمع مني سجع الحمام . . . وأسمع منه زئيرالأسد # فلا يعجبني هذا النفاق . . . فكم نفقت محنة ما كسد PageV01P133 فارغة ~~PageV01P134 # # | القسم الحادي عشر ثانيا نصر بن صالح بن مرداس # # | حرب الأخوين # ولما قتل صالح بن مرداس ، ملك حلب بعده ابناه معز الدولة أبو علوان ثمال ~~في ms087 القلعة ، وشبل الدولة نصر في المدينة . وأوقعا في هذه السنة على قيبار ~~بقطبان أنطاكية ميخائيل الخادم . وكان قصد بلد حلب بغير أمر الملك ولاطفه ~~ثمال ونصر ، فلم يرجع عن قصد بلد حلب ، فكبساه في قيبار ، وهو يقاتل حصنها ~~وقتل جماعة من الفريقين ، وانهزم عسكر الروم يوم الخميس لليلة بقيت من ~~جمادى الآخرة . # ثم استعطفاه واستقامت الحال بينهم ، وداما على ذلك إلى أن جرى بين معز ~~الدولة ثمال وبين زوجته كلام ، فغضبت عليه ، وخرجت إلى الحلة بظاهر حلب ، ~~فأمر ثمال أن يصاغ لها لآلكة من ذهب مرصعة بالجواهر فلما استوت أخذها في ~~كمه وخرج . # فحين علم نصر ركب واجتاز تحت القلعة ، كأنه يريد الخروج من باب ~~PageV01P135 العراق ، في جماعة من أصحابه ، وجذب سيفه لما قارب باب القلعة ~~، وهجمها فلم يمانعه أحد من الأجناد لهيبته ، وتبعه أصحابه مجردين سيوفهم ، ~~فجلس في المركز وقال : إن من قدم أخي علي فقد أساء لأنني أولى بمداراة ~~الرجال ، وهو أولى بمداراة النساء . # ومن ذلك اليوم جعل لأبواب قلعة حلب سلسلة تمنع الراكب الصعود فجاء ، ورسم ~~أن لا يدخلها أحد متقلدا سيفا ، ولو أنه أقرب الناس مودة إلى مالكها . # فتفرد نصر بالأمر في القلعة والبلد ، وذلك في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة ~~. وكان وزيره أبا الفرج المؤمل بن يوسف الشماس ، الذي ينسب إليه حمام ~~الشماس بحلب ، في الجلوم ، وكان نصرانيا وكان حسن التدبير ، محبا لفعل ~~الخير وكان أخوه ناظرا في البلد البراني ، فعمره ، وعمر المساجد البرانية ~~. # فجمع أبو علوان ثمال بن صالح الأعراب ، وعزم على منازلة أخيه نصر ، فسير ~~نصر إلى ملك الروم أرمانوس وكان قد هلك باسيل في سنة خمس عشرة ، وولي ~~أرمانوس يستدعيه إلى حلب فخرج على ما قيل في ستمائة ألف حتى وصل إلى ~~أنطاكية . # فتوسط مقدمو العرب بين نصر وثمال ، ووقفوا بينهما على أن يكون لنصر حلب ، ~~ولثمال بالس والرحبة ، فرجع نصر عما كان راسل به ملك الروم . # # | نصر والروم # وأرسل ابن عمه مقلد بن كامل بن مرداس إلى ملك الروم ، يسأله أن لا ms088 يقصده ~~، ويحمل إليه من القطيعة ما كان يحمله أولاد سيف الدولة إلى باسيل ، فأبى ~~واعتقل مقلد بن كامل عنده ، فحين تحقق رجوع نصر عن رأيه الأول جبن وضعف عن ~~منازلة حلب . # وسار من أنطاكية إلى قيبار في بضعة عشر يوما ، وكسرت سرية له عرب حلب ، ~~وكانوا قد طاردوا عسكر الروم ، فاستظهر الروم عليهم ، وكان معه ملك ~~PageV01P136 البلغر ، وملك الروس ، والأبخاز ، والخزر ، والأرمن والبجناك ، ~~والأفرنج . # ونزل الملك بجيوشه على تبل قريبا من الجبل ، في موضع بعيد عن الماء ، ~~وضرب على عسكره خندقا ، وكانت أمواله على سبعين جمازة ، وكان قدر موضع ~~عسكره لمن يدور حوله مقدار يوم في يوم للمجد الراكب على فرس . # ولقيه في طريقه أبو علوان دفاع بن نبهان الكلابي في خيل قليلة ، فنال من ~~سرياه كل ما طلب ، وأرسل الملك سرية فيها صناديد عسكره إلى عزاز ، فلقيتها ~~بنو كلاب ، فظفروا بها ، وقتلوا بطارقها ، وأسروا جماعة من أولاد الملوك ~~الذين معهم ، وجسرت عليهم بنو كلاب ، فحاصروهم في الموضع الذي نزلوا فيه . # ولقد أخبر بعض من شاهدهم أن مقثاوة كانت قريبة من العسكر بمقدار رمية سهم ~~، وأن الروم لم يقطعوا منها قثاءة واحدة ، خوفا من العرب أن تتخطفهم . # ولما كسرت السرية التي أرسلها الملك أجمع رأيه على العود إلى بلاده ، ~~واعتذر قائلا : لولا عطش عسكري لبلغت مرادي . # وهجم نصر والعرب على سوق الملك فنهبوه ، وتأخر رحيل ملك الروم من منزلته ~~ثلاثة أيام . # وأقبل شبل الدولة نصر في تسعمائة وثلاثة وعشرين فارسا ، وقيل في سبعمائة ~~فارس ، فحين أشرف على الروم ظنوا أنها كبسة فانهزموا ، ومنح الله أكتافهم ~~يوم الاثنين لسبع ليال خلت من شعبان سنة إحدى وعشرين . # ونزع ارمانوس الملك خفه الأحمر لئلا يعرف ، ولبس خفا أسود ولا يلبس الخف ~~الأحمر عندهم إلا الملك وهرب . وأخذ شبل الدولة تاجه وبلاطه ولباده ، وهرب ~~في أرمن كانوا معه حموه بالسهام . PageV01P137 # وأخذ الروم الطريق إلى الجبل منهزمين وطلعوا فيه ، وحصلوا في بلد قورس ، ~~وكان للروم . ولحق بعضهم ولم يبق مع الملك إلا القليل . وقتل المسلمون ms089 من ~~بطارقته وغيرهم ما لا يحصى ، وأسروا من أولاد الملوك وغيرهم كذلك ، واشتغل ~~الناس بالنهب ، وأخذوا من الدواب والثياب والديباج والأمتعة وآلات العسكر ~~ما لا يوصف . وذكر أن طائفة من بني قطن من نمير وردت عند الهزيمة ، فأخذت ~~ثقل الملك نحوا من ثلاثمائة بغل محملة ، حتى أنهم تقاسموا الدنانير ~~الأرمانوسية بالقصعه ، فحصل لكل واحد منهم ثماني عشرة جفنة . # وكان ملك الروم لما رحل طرح النار في المنجنيقات والعرادات والتراس ، ~~ونهب الناس منها ما أبقته النار ، حتى أن أكثر سقوف بلد حلب جعلت التراس ~~عليها عوض الدفوف . # وقيل : إن الناس بحلب باتوا على السور قبل الوقعة بيوم ، وفيهم ابن نمير ~~العابد ، فبات يصفي على السور ، وسجد في آخر الليل ، فنام وهو ساجد ، فرأى ~~في منامه عليا عليه السلام راكبا ، ولباسه أخضر ، وبيده رمح ، وهو يقول ~~له : ' ارفع رأسك يا شيخ ، فقد قضيت حاجتك . فانتبه بقوله فحكى للناس ذلك ، ~~فتباشروا به . وحكي عن مرتضى الدولة إنه قال ، ' استدعاني أرمانوس في آخر ~~تلك الليلة التي رأى ابن نمير تلك الرؤيا فيها ، فقال لي : لكم بحلب راهب . ~~فعلمت أنه يعني أبن نمير ، فقلت : نعم ، فقال : صفه لي ، فوضفته ، وحليته ، ~~فقال لي : رأيت هذا الرجل بعينه في هذه الساعة ، وكأني قد أشرفت على سور ~~هذه المدينة ، وهو قائم عليه يومىء إلي بيده ويقول : ارجع ، فما تصل إلى ~~هذا البلد . وتكرر ذلك ، ولا أرى أنه يتم فيه شيء . فلما كان من غد كسرت ~~السرية التي أرسلها الملك إلى عزاز ، ثم كانت الوقعة والهزيمة بعد ذلك . # وقد ذكرنا عن ابن نمير نحوا من هذه الحكاية ، عند منازلة ملك الروم حلب ~~. # وحكى بعض الكتاب بحلب : إنه كان في خدمة وثاب بن محمد بن نصر ، عند ~~PageV01P138 تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان ، وهو في نوبتيه على ظاهر حماة ، ~~فخلع على وثاب فرجية وشق ، وقال : ' هذه مباركة أخذها أبي السلطان ألب ~~أرسلان من ديوخانس ملك الروم لما كسره . # قال : فاستدعى وثاب قحف مينا ظاهرا وباطنا ، وقال : ' هذا يا مولانا ~~مبارك ms090 نشرب به لأن جدي نصرا أخذه من الملك أرمانوس بناحية عزاز ' . فقال ~~تاج الدولة : ' يا وثاب لم يكن بد من مساواتي في الافتخار . فقال ، ' لا بل ~~عزفت مولانا كبر بيتي ، وإنني له كبعض العبيد الصغار . فقال له بالتركي : ~~بل أنت أخي الكبير . فقام وثاب ، وقبل الأرض قدام السرير ، فزاد في إقطاعه ~~، وخلع وحمله على مركوبه . # وقيل : إن ثمالا ونصرا حقد عليهما ملك الروم ما جرى منهما على ميخائيل ~~بناحية قيبار ، فخرج بنفسه ، فسيرا ابن عمهما مقلد بن كامل يبذلان له ~~الطاعة والخدمة ، وكان قد سير إليهما يسومهما تسليم حلب ، ويقول إنه يخاف ~~أن تتم عليهما حيلة فتخرج حلب من أيديهما وعرض عليهما عوضا عنها ما ~~اختاراه ، فاعتقلا رسوله انتظارا لما يرد من جواب رسالتهما . # فبلغه ذلك فاعتقل مقلد بن كامل ، وخرج بنفسه ، فأخرجا حرمهما من حلب إلى ~~البرية خوفا منه ، حتى كان من أمره ما ذكرناه ، وكان ثمال في القلعة ~~يحفظها ، ونصر باشر القتال . # فلما عاد ملك الروم سار نصر وثمال لاحضار حرمهما ، فسبق نصر إليها ، ~~واستولى عليها ، وعوض ثمالا بوساطة من توسط بينهما الرحبة وبالس ومنبج ~~وأعمالها . # وخرج بعد هذه الكسرة قطبان أنطاكية الخادم المعروف بنقيطا وتفسيره ~~بالعربية الدويك في خلق عظيم ، فعاث في البلد العربي ، وأفسد ، وفتح حصن ~~المنيفة ، وهجم رفنية ، وسبى عشرة آلاف من أهلها ، ونقض أبرجة سورها في سنة ~~PageV01P139 إحدى وعشرين ، وفتح في سنة اثنتين حصن بني الأحمر ، وحصن بني ~~غناج ، وغير ذلك من الحصون وخربها . # فراسله شبل الدولة ولاطفه إلى أن صالحه ، وجعله سفيرا بينه وبين ملك ~~الروم في طلب الهدنة ، فاستقر أن يحمل نصر في كل سنة إلى ملك الروم دراهم ~~خمسمائة ألف درهم ، في نجمين من السنة ، قيمتها ثمانية ألاف مثقال ذهب . # وأطلق الملك مقلد بن كامل بن مرداس رسول نصر ، وأعطاه صليبا من ذهب ~~مرصعا أمانا لنصر ، ووفاء بالشرط . # وسير شبل الدولة نصر شيخ الدولة أبا الحسن بن الأيسر إلى الظاهر بمصر ، ~~وحمل إليه هدية من جملة ما غنمه من الروم ، من ms091 الثياب ، والصياغات ، ~~والأواني ، والألطاف الكثيرة . وقاد في صحبته نحو مائة وخمسين رأسا من ~~الدواب ، خيلا وبغالا ووقع فعله عندهم أحسن موقع . وقام أبو الحسن ~~الجرجرائي بتمهيد أمره . وأقام ابن الأيسر إلى أن توفي الظاهر ، فخلع ~~المستنصر على ابن الأيسر ، وسير معه خلعا لنصر بن صالح ، ولفبه مختص ~~الأمراء ، خاصة الأمامة ، شمس الدولة ومجدها ، ذو العزيمتين . وفي أيام نصر ~~اجتمع بجبل السماق قوم يعرفون بالدرزية منسوبون إلى رجل خياط أعجمي ، ~~وجاهروا بمذهبهم ، وخربوا ما عندهم من المساجد ، ودفعوا نبوة الأنبياء ، ~~وجحدوهم إلا الإمام الحاضر الذي يدعو إليه الدرزي ، وأحلوا نكاح المحارم ، ~~وتفاقم أمرهم ، وتحصنوا في مغاير شاهقة على العاصي ، وانضوى إليهم خلق من ~~فلاحي حلب ، وطمعوا بالاستيلاء على البلاد . PageV01P140 # فخرج إليهم نقيطا قطبان أنطاكية ، وحاصرهم في المغاير ، ودخن عليهم ، ~~وساعده على ذلك نصر بن صالح صاحب حلب ، ثم التمسوا الأمان بعد اثنين وعشرين ~~يوما ، فأخرجوهم بالأمان ، وقبضوا على دعاتهم وقتلوهم ، وذلك في شهر ربيع ~~الأول من سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة . # وفي هذه السنة استوحش سالم بن مستفاد الحمداني من شبل الدولة نصر ، وكان ~~صالح بن مرداس قد ولاه رئاسة حلب بعد ما سلمها إليه ، وقدمه على الأحداث ، ~~وأبقاه نصر بعده على حاله إلى هذا التاريخ واستقر عليه أحداث حلب ورعاعها ~~ولبسوا السلاح ، وعولوا على محاربة القلعة . # وكان يتردد بين سالم وبين شبل الدولة كاتب نصراني يعرف بتوما وكان يحرف ~~ما ينقله عن ابن مستفاد إلى نصر ، ويزيد في التجني ، ويسوم شططا لا يمكن ~~إجابته إليه ، وذلك من غير علم ابن مستفاد . # فلما رأى شبل الدولة نصر كثرة تعديه حمل نفسه على محاربته ، وركب إليه ، ~~فلما رآه الحلبيون دعوا له وانقلبوا إليه ، وقاتلوا دار ابن مستفاب ، فطلب ~~الأمان فحلف له أنه لا يجري له دما وحبسه بالقلعة ، ونهبت داره ، ثم خاف ~~استبقاءه فقتله خنقا ، ليخرج عن يمينه بأنه لم يجر له دما . # وتبين لنصر بعد قليل كذب ذلك النصراني الكاتب ، وما كان يحرفه في رسالته ~~فقبض عليه ، وطالبه بمال ، فلما استصفى ماله ms092 دخل عليه بعض أجناد القلعة ~~فخنقه في ذي القعدة . وقيل ذي الحجة من سنة خمس وعشرين وأربعمائة . # | نهاية نصر بن صالح بن مرداس # ودام نصر بن صالح في مملكة حلب إلى سنة تسع وعشرين وأربعمائة . # وقتل في المصاف بينه وبين أمير الجيوش الدزبري . PageV01P141 # وذلك أن أمير الجيوش استقر بدمشق ، بعد قتله صالح بن مرداس بالأقحوانة ، ~~فسعى جعفر بن كليد الكتامي والي حمص في إفساد ما بين نصر بن صالح وأنوشتكين ~~الدزبري . وكان عند أنوشتكين استعداد لذلك لقتله صالحا أباه ، فشرع جعفر ~~بن كليد يغري أنوشتكين بنصر ، ويحمله على أذاه حتى خرجا إلى الوحشة ~~والمنافرة . # فكاتب الدزبري ملك الروم ، واستأذنه في محاربة نصر ، واستنقاذ حلب منه ، ~~وأن يؤدي ما عليه من الحمل المقرر إليه ، فأذن له في ذلك ، فاستمال الدزبري ~~جميع العرب من الطائيين والكلبيين وبعض الكلابيين ، وسيرهم إلى نصر بن صالح ~~ومعهم رافع بن أبي الليل . ومن قبله من المقاربة ، واجتمع إليه علان بن ~~حسان بن الجراح الطائي . # ورحل الدزبري قاصدا حماة ، وكان عسكره قد تقدم إلى وادي الملوك ، شرقي ~~الرستن ، فحين عرف نصر بخروجهم جمع بني عمه وعسكره ، ونزل تلا غربي سلمية ، ~~والتقوا فكسر نصر وأصحابه ، وشرع في جمع من قدر عليه ، واستنجد بشبيب بن ~~وثاب أخي زوجته . # ورحل الدزبري عقيب الوقعة الأولى إلى حماة ، فدخلها ، ونهبها . ثم رحل ~~منها فالتقوا عند تل فاس ، غربي لطمين ، فانهزم ثمال بن صالح . # وثبت نصر في خواص أصحابه ، وقاتل قتالا شديدا ، فطعن ووقع ، واحتز رأسه ~~في نصف شعبان . وقيل : لسبع عشرة ليلة بقيت منه ، من سنة تسع وعشرين ~~وأربعمائة . # وحمل رأسه إلى الدزبري فحمله ، وتأسف عليه ، وأظهر عليه حزنا ، وأنفذ من ~~تسلم جثته فصلبت في حماة على الحصن ، ثم أمر بإنفاذ ثياب ، وطيب ، وتكفين ~~الجثة في تابوت ، ودفنها في المسجد فنقلها مقلد بن كامل لما ملك حماة إلى ~~قلعة حلب . وقيل : إن الذي قتله ريحان الجويني ، وأجهز عليه هفكين التركي ~~المعروف بالسروري . وتأمل المنجمون الوقت والزمان الذي قتل فيه أبوه فكان ~~بين ms093 قتله وقتل أبيه أربعة أيام ، يريد من السنين الشمسية . PageV01P142 # # | القسم الثاني عشر ثمال بن صالح بن مرداس # ولما هرب ثمال بن صالح وصل إلى حلب ، ومعه شبيب بن وثاب ، في يوم ~~الثلاثاء سادس عشر شعبان ، فملكها ثمال ، ووعده مشايخها بالمعونة والنصر ، ~~فخوفه خليفة بن جابر الكعبي ، وقال له : ربما خذلتك عشيرتك وقعد بك أهل ~~البلد ، ولم يمكنك الثبات والمقاومة ، ولا الانصراف على حال السلامة . ~~وأراد بذلك غشه لا نصحه . وكان أمير الجيوش قد سير في أثرهم إلى حلب عسكرا ~~يقدمه طغان المظفري ، فخاف ثمال من المقام بحلب ، وولى بقلعة حلب مقلد بن ~~كامل بن مرداس ، وبالمدينة خليفة بن جابر الكعبي . # وأطلق للتجار ديونا كانت لهم على أخيه مقدارها ثلاثون ألفا ذهبا ، ~~ليستميل الناس بذلك إلى طاعته ، وأخذ أولاد أخيه ، وأخذ شبيب زوجة أخيه ~~أخته علوية المعروفة بالسيدة وأخذا من المال والآنية الذهب والفضة والثياب ~~ما قدرا على حمله ، وساروا إلى الجزيرة . # وقيل : أن السيدة أخذت من القلعة عند قتل نصر خمسين ألف دينار ، وأخذ ~~ثمال ثلاثين ألفا ، وسار ثمال يستنجد بأخواله بني خفاجة . # ووقعت الفتنة بحلب ، ونهبت دار السلطان ، وأموال التجار . وكان رسول ملك ~~الروم قد وصل إلى حلب فنهب العامة متاعه ودوابه . PageV01P143 # وأما طغان فإئه لما وصل بالعسكر إلى حلب نزل على المدينة ، فراسله خليفة ~~ابن جابر الكعبي ومن وافقه من الحلبيين في تسليم البلد ، فتسلمه في يوم ~~السبت الرابع من شهر رمضان . # وأنفذ رسولا إلى الدزبري يعلمه بذلك ، فأغذ السير إلى حلب ، ووصل إليها ~~في عدة قليلة ، واجتاز في طريق بمعرة النعمان ، فالتقاه أهلها ، فأكرمهم ~~وسألهم عن أبي العلاء بن سليمان . وقال لهم : لأسيرن فيكم بسيرة العمرين . ~~وإجتمع عنده بالمعرة كثير من العرب ، فخشي منهم ، فأركب رجلا من أصحابه ~~جملا ، ونادى بمعرة النعمان وبظاهرها : من لم يأخذ معه قوت ثلاثة أيام فلا ~~يلومن إلا نفسه . فلم يبق من العرب أحد حوله ، وظن كل منهم أنه يطلب حلته ~~وتم أمير الجيوش إلى حلب ، فدخلها يوم الثلاثاء السابع من شهر ms094 رمضان ، ~~والقلعة مستعصية على أصحابه في يد سيف الدولة مقلد بن كامل بن مرداس ، وقد ~~احتوى على الأموال التي بها ، واستولى على جمهورها . # فترددت الرسل بينه وبين مقلد حتى قرر له عما في القلعة ثمانين ألف دينار ~~، وثيابا ، وفرشا ، وآلات فضة ، مكرا وخديعة ، وأن يأخذ المقلد الباقي . ~~وقنع الدزبري بذاك ، وأفرج له عن نزوله وخروجه فسلم مقلد القلعة وصعد إليها ~~أمير الجيوش ، يوم الثلاثاء لثمان بقين وقيل لسبع بقين من شهر رمضان . # وأقام مقلد يوما واحدا بعد نزوله من القلعة ، وهرب بما معه من الأموال ~~خوفا من غدر الدزبري به ، ولحق بحلته وبثمال بن صالح بالجزيرة ، ونادى ~~الدزبري في مدينة حلب بأن يخرج منها جميع الجند والحواشي الذين كانوا ~~يخدمون ابن صالح . واجتمع الناس من سائر البلدان ليهنئوه بالفتح ، وجلس ~~للهناء في القصر بباب الجنان وعيد عيد الفطر بحلب ، فذكر أنه لم ير بحلب ~~عيد أحسن منه ، لكثرة ما أظهر فيه من العدة والآلة ، وأحسن إلى أهل حلب ، ~~وأمر برد ما كان صالح اغتصبه من أملاك الحلبيين ، وتزوج بنت منصور بن زغيب ~~. وولى بقلعة حلب مملوكين له . أحدهما يقال له فاتك ، والآخر سبكتكين ، ~~وولى بالمدينة غلامه رضي الدولة بنجوتكين . PageV01P144 # ثم قصد بالس ومنبج ، فأخذهما . ورام أخذ الرحبة فلم يقدر عليها . وأقام ~~بحلب إلى أن عيد عيد الأضحى ، وسار إلى دمشق . ومدحه ابن حيوس بقصيدة يذكر ~~فيها قتل نصر ، ويقول فيها : # ولما طغى نصر أتحت له الردى . . . ولم ينجه الجمع الكثير ولا الحشد # وبأخرى يذكر فيها حلب ، أولها : # هل بعد فتحك ذا لباغ مطمع . . . لله هذا العزم ماذا يصنع # وولى قضاء حلب أبا الوليد سليمان بن خلف الباجي سنة واحدة ، ثم وليه بعده ~~القاضي أبو الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة جد جد أبي . # ومات شبيب بن وثاب النميري في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة . واستولى أخوه ~~مطاعن وقوام على ما كان في يده من الجزيرة ، وكانت أخته السيدة علوية امرأة ~~نصر مقيمة بالرافقة ، فتحيلت على غلام أخويها الوالي ms095 بالرافقة إلى أن ~~أخرجته ، واستولت على البلد ، وتزوجت بثمال لتقيم هيبتها به ، ويحفظ أمرها ~~. ووقع في هذه السنة وقعة بين عسكر الروم وعسكر حلب ، فكسر عسكر أنطاكية ~~الحلبيين ، وعاد الدمستق إلى أنطاكية . # ودخل طغان حلب ، وحصل ثمال بن صالح في الرقة ، وخشي الدزبري من قربه إلى ~~حلب ، فاشترى قلعة دوسر ليكون مطلا عليه . وراسل نصر بن مروان صاحب ~~ميافارقين في أن يزوج ابنته لابنه ، فأجابه إلى ذلك ، فاستوحش المصريون منه ~~لذلك ، وأنفذ إلى مصر ليحضر زوجته وابنته ، فلم يطلقهما الوزير . وثقل على ~~الوزير الجرجرائي فتح الدزبري حلب ، لأنه لم يكن برأيه ، وأنكر PageV01P145 ~~ذلك فقال الدزبري : قد خرف الوزير ، وبسط لسانه فيه بالكلام القبيح ، فكاتب ~~ولاة الشام بترك الانقياد له ، وكتب توقيعا عن المستنصر لثمال بن صالح ~~بحلب ، وشرط عليه أن يحمل جميع ما بقلعتها من المال إلى المستنصر . # وكاتب أجناد دمشق ، وأغراهم به ، فثاروا عليه ، وأحدقوا به بقصر كان له ~~في ظاهر دمشق ، فهرب من دمشق ليلا ومعه ثلاثمائة صبي من غلمانه الأتراك ~~ليس لواحد منهم لحية ، وعلى وسط كل واحد منه ألف دينار ، وأحدقت به بنو ~~كلاب فلم يقروا عليه . # ونزل بحصن المعرة ، ثم سار منها إلى حلب ، ولقيه عسكره بها في أراضي ~~سرمين ، فدخل حلب في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة . # # | نهاية الدزبري # وشرع ثمال بن صالح في جمع عشيرته ، وحشد من أجابه من العرب وغيرهم ~~لمنازلة حلب ، وطمع في الدزبري . فرأى بنفسه الذل لما لم يكن له طاقة ~~بدفعهم ، وزاد هذه وغمه ، حتى مرض مرضا حادا ، ومات بعد ثلاثة أيام ، يوم ~~الأحد النصف من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة . ودفن بحلب ، ثم ~~نقل منها إلى البيت المقدس ، في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة . # # | ثمال حاكما في حلب # فدبر البلد بعده مملوكه رضي الدولة بنجوتكين التركي أبو منصور ، بقية ~~جمادى الأولى وثمانية وعشرين يوما من جمادى الآخرة ، فوصل معز الدولة أبو ~~علوان ثمال بن صالح بالتوقيع الذي سيره إليه المستنصر ، فسلم بنجوتكين وأهل ~~المدينة إليه ms096 ، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة من سنة ثلاث وثلاثين ~~وأربعمائة ، بعد PageV01P146 أن نزل إليها ومعه مقلد ابن عمه في جماعة ، ~~وقاتلوها أياما ، واستظهر الحلبيون عليهم ، فرحلوا إلى ناحية قنسرين . # وجرى بين الحلبيين والمغاربة عربدة ، وقتل بينهم جماعة ، ونهبت أهراء ~~السلطان ، وطلع أصحاب الدزبري إلى القلعة خوفا على أنفسهم ، فلم يمكنهم ~~سبكتكين من دخولها ، فنزلوا في القصر تحت القلعة . # واستدعى الحلبيون ثمالا ومقلدا . فورد مقلد في مقدمته من قنسرين ، ~~فتسلمها يوم الإثنين لليلتين بقيتا من جمادى . ووصل ثمال يوم الثلاثاء ، ~~فدخلها واجتمع إليه أحداثها . واعتصم سبكتكين بالقلعة شهرا وسلمها إليه . # وقيل : إنه بقي بها إلى النصف من صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة ، وإذ ~~القلعيين رموا على الحلبيين ، وأتوا على عدد كثير منهم ، وأصلح الحلبيون ~~المنجنيقات ، وقاتلوا بها القصر الذي تحت القلعة ، ونقبوه ، وخربوا حيطانه ~~مما يلي المدينة مع قطعة من سور المدينة من ناحية باب العراق . # وثبت سبكتكين على الحصار مدة سبعة أشهر ، واستنصر الفريقان ، ونفد ما مع ~~آل مرداس من المال ، ووقع المرض في القلعيين فأفناهم ، وأيس الباقون من ~~نفوسهم فجنحوا إلى التسليم واصطلحوا على شروط منها أن لا يعرض لأحد من ~~القلعيين بمساءة ، وانتظم الأمر وسلمها سبكتكين بجميع ما فيها بعد أن أخذ ~~لنفسه ثلاثين ألف دينار ، ولورثة الدزبري اثنين وثلاثين ألف دينار . # واستقر ملك حلب لمعز الدولة أبي العلوان ثمال بن صالح بن مرداس ، ووصله ~~تشريف من المستنصر في سنة ست وثلاثين . ودرت الأرزاق في أيامه على الناس ، ~~وأحسن السيرة معهم ، وجاد بالعطاء . # وظهر في أيامه ببعلبك رأس يحيى بن زكريا في حجر منقور فنقل إلى حمص ثم ~~إلى حلب ، فوضع بمقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم بقلعة حلب في سنة خمس ~~وثلاثين وأربعمائة . PageV01P147 # وكان ثمال لما طاول حصار قلعة حلب قد رغب إلى تدورا ملكة الروم ، وسير ~~رسولا يلتمس نصرتها وإعانتها وانتماءه إليها ، فرتبت ثمالا ماخسطرس على ~~حلب ، ومقلد ابن عمه بسطرخس ، وجعلت له واجب الماخسطرية عن حلب ، ورتبت ~~صالح ابن ثمال ، ومنيع بن مقلد ، ومحمود بن ms097 نصر ، وعطية وحسنا أخوي ثمال ، ~~بطارقة . ورتبت السيدة علوية أم محمود بطريقة ، وأطلقت لجماعتهم واجبات هذه ~~المراتب ، وسيرت إليهم هدايا كثيرة ، وشرطت على ثمال أن يحمل في كل سنة ما ~~كان يحمله أخوه نصر ، على الشروط المشروطة عليه . وكان المستنصر قد وقع ~~لثمال بحلب على أن يحمل إليه جميع ما بقلعتها من المال على ما ذكرناه فلما ~~استولى ثمال على حلب حمل إلى المستنصر من ذلك مائتي ألف دينار وأفرد برسم ~~عمارة القلعة ومساكنها ومصانعها خمسة وسبعين ألف دينار وإقامة العوض عما ~~استنقد من العدة وهلك من أصحاب الأسلحة باستعمالها والابتذال لها في الحرب ~~ثلاثين ألف دينار ، وما أخذه من آلات ذهب وفضة وغيرها خمسة عشر ألف دينار . # فلما علم المستنصر بذلك شق عليه ذلك ، ووقعت الوحشة بينه وبين معز الدولة ~~ثمال ، فعصى ثمال على المستنصر ، فسير المستنصر إليه إلى حلب الأمير ناصر ~~الدولة أبا محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان ، ومعه عبد العزيز ابن ~~حمدان ، وشجاع الدولة بن كليد . # وكان ناصر الدولة بن حمدان قد ولي دمشق من قبل المستنصر بعد الدزبري ، ~~فوصلوا إلى حلب بعد أن فتحوا حماة ومعرة النعمان ، في سنة تسع وثلاثين ~~وأربعمائة ، فطاف بحلب ولم ينزل بها فخرج أهل حلب لقتاله ، فهزمهم واختنق ~~منهم في الباب على ما يقال سبعة عشر ألف نفس وعاد ناصر الدوله فنزل بصلدي ~~قرية قريبة من حلب على نهر قويق فجاءهم سيل في الليل لم يسمع بمثله ، فغرق ~~أكثر المضارب ، وأتلف الرجال ، وأهلك PageV01P148 الدواب المشبوحة ، فانهزم ~~ناصر الدولة عن حلب إلى دمشق ، فقبض عليه الأمير منير الدولة بها ، في شهر ~~رجب من سنة أربعين وأربعمائة ، وسير إلى مصر . وكان معز الدولة ثمال قد خاف ~~من الحلبيين أن يسلموا البلد إلى أبي محمد بن حمدان حين توجه إلى حلب ، ~~فقبض أعيان الحلبيين ومنهم قاضي حلب أبو الحسن بن أبي جرادة واعتقلهم ~~بالقلعة سنة أربعين ، فلما كفي أمر ابن حمدان أطلقهم في سنة اثنتين وأربعين ~~وأربعمائة . # وقتل معز الدولة منهم ms098 الشريف أبا علي محمد بن محمد صالح المحبره بسعاية ~~ابن الأيسر به ، دون الباقين ، فإن ابن الأيسر صعد إلى مصر رسولا فتحقق ~~براءة الباقين من تهمة تتطرق إليهم . # ووصل شجاع الدولة بن كليد والي حمص ، في سنة أربعين وأربعمائة عائثا على ~~بلد حلب ، فخرج إليه مقلد بن كامل بن مرداس وأبو الوفاء حفاظ المعري ، في ~~جمع من الكلابيين ورجالة الحلبيين والفلاحين ، فالتقوا بكفر طاب . # ومضى ابن كليد لينهزم ، فلحقته بنو كلاب ، فقتل في هذه المرة شجاع الدولة ~~ابن كليد والي حمص ، قتله جعفر بن كامل بن مرداس ، وحمل رأسه إلى حلب . ~~وكان المنجم رأى أنه يدخل إلى حلب ، فدخلها قطعا ، وانهزمت عساكره . # فسار مقلد بن كامل إلى حماة ففتحها بعد أن قاتل حصنها أياما ، ثم سار ~~إلى حمص ووجد ابن منزو قد أتاها في عسكر من دمشق ، فانهزم إلى باطن حمص ، ~~وقاتل قتالا عظيما فقل عليه الماء ، فخرج ابن منزو إليهم بالأمان . # # | قدوم رفق الخادم ونهايته # ثم إن المستنصر سير الأمير أبا الفضل رفق الخادم في جيش كثيف إلى حلب ، ~~في سنة إحدى وأربعين ، وقيل سنة اثنتين ، ونزل على حلب على مشهد ~~PageV01P149 الجف ، فقاتله الحلبيون ، فانكسر عليها وجرح وأخذ أسيرا ، ~~فمات في قلعة حلب في الأسر . # وسير معز الدولة كل من بقي من أصحابه مأسورا إلى مصر ، ففي ذلك يقول ~~الأمير أبو الفتح بن أبي حصينة : # يارفق رفقا رب فحل غزه . . . ذا المشرب الأهنى وهذا المطعم # حلب هي الدنيا تلذ وطعمها . . . طعمان : شهد في المذاق وعلقم # قد رامها صيد الملوك فما انثنوا . . . إلا ونار في الحشا تتضرم # وكان رفق لما نزل على حلب داهن عليه العرب الكلبيون ، فأشار عليه عسكره ~~أن يرحل عن حلب إلى صلدغ فلم يفعل ، فأشير عليه أن يقبض على أمراء طيء وكلب ~~فلم يفعل ، فقيل له أن ينشىء سجلا عن السلطان بأنه قد أقطع الشام لمعز ~~الدولة ، ويعود بهيبته فلم يفعل ، فلما رآه أمراء العسكر لا يلتفت إليهم ، ~~ولا يقبل مشورتهم ، ووقع القتال ، انهزم العرب فانهزم ms099 العسكر معهم ، فسير ~~رفق إليهم وأمرهم بالعود يلتفتوا . # وخرج من حلب خيل يسيرة فشاهدوا رحيل العسكر فظنوا أنه حيلة فاتبعوهم ، ~~وغنموا منهم . وخرج من بحلب فلحقوا رفق الخادم ، في طرف جبل جوشن ، وجرح ~~ثلاث جراحات ، وأخذ والضرب القوي برأسه ، فمات في القلعة ودفن في مشهد الجف ~~. ونهب من العسكر شيء عظيم من الأموال والقماش والدواب . # # | السيدة والمستنصر # ثم أن معز الدولة ثمالا استمال المستنصر بعد هذه الوقعة ، ولاطفه ، وحمل ~~القسط إلى مصر على يد شيخ الدولة علي بن أحمد بن الأيسر ، وسير معه ولده ~~وثاب وزوجته علوية بنت دينار ، وهدايا ، وألطافا فاخرة ، وتحفا جليلة . # فلما وصلت أكرمها المستنصر غاية الإكرام ، وحضرت بين يديه ، فقبلت ~~PageV01P150 الأرض ، وقالت : خصك الله يا أمير المؤمنين بأفضل تحية وسلام . ~~فرد عليها أفضل رد ، وسألها عمن خلفته بالشام ، فقالت : في نعيم وخير إن ~~أنعمت عليهم بأمان وذمام ، حسبما جرت به عادة هذا البيت المنيف من الإحسان ~~والإكرام . فأعجبه منها سرعة جوابها وحسن توصلها ، وقال لها : أنت المسماة ~~بالسيدة ؟ . فقالت : نعم ، سيدة قومي وأمتك يا أمير المؤمنين ، صلوات الله ~~عليك ' . فقال : ما خيب الله من فوض تدبير أمره إليك في هذه الرسالة . ثم ~~أمرها أن تمل على كاتبها تذكرة ليوقع لها بجميع ما تقترحه توقيعا مفردا ، ~~وتوقيعا بحلب وسائر أعمالها لمعز الدولة . # وأمر لمعز الدولة بتشريف ولجميع بني عمه ، وأفاض عليها ما غمرها وجميع ~~أصحابها وحاشيتها ، وعادت بمقصودها . # ولما وردت زوجة معز الدولة إلى حلب سكن معز الدولة إلى ذلك ، واطمأن ، ~~ونشر العدل ، وطابت قلوب الرعية . وولى وزارته في سنة اثنتين وأربعين ~~وأربعمائة رجلا من أهل الرحبة يقال له أبو الفضل إبراهيم بن عبد الكريم بن ~~الأنباري ، ولقبه الثقة الكافي ، وكان رجلا حسن السياسة . # # | المرداسيون والروم # وسير ثمال شيخ الدولة علي بن أحمد بن الأيسر ، في سنة ثلاث وأربعين ، ~~رسولا إلى القسطنطينية بالمال ! المقرر عليه في كل سنة ، وبهدية فشاهدوا ~~من سداده وكمال مروءته ما أوجب لهم أن ميزوه عن غيره من الرسل ، وأكرموه ، ~~وجعلوه بسطرخس في ms100 مرتبة مقلد بن كامل ، وجعلوا مقلدا ماخسطرس في مرتبة ~~ثمال ، وجعلوا ثمالا ابريدرس ، وسيروا إليه هدية سنية عوضا عن هديته . # ومات قاضي حلب أبو الحسن بن أبي جرادة في سنة خمس وأربعين ، فولى القضاء ~~بحلب القاضي أبا محمد كسرى بن عبد الكريم بن كسرى وإليه ينسب آدر بني كسرى ~~بحلب . PageV01P151 # # | في الوزارة # ثم قدم الوزير فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير حلب فاستوزره معز ~~الدولة ، وفوض أموره جميعها إليه ، فاستقامت ، وتضاعف ارتفاعه ، وضبط ~~أمواله ، فحسد على مكانه ، وقربه منه ، فسعي به إلى معز الدولة . وكان معز ~~الدولة له وفاء وذمة فنبهه على ما سعي به عليه ، فاستأذنه في المفارقة ففسح ~~له في ذلك ، فسار من حلب سنة ست وأربعين وأربعمائة ، وقصد ابن مروان . # فولى معز الدولة وزارته سديد الدولة أبا القاسم هبة الله بن محمد بن ~~الرعباني الرحبي إلى أن سلم حلب إلى المستنصر ، وسافر ابن الرعباني إلى مصر ~~، فولاه المستنصر وزارة مصر عشرة أيام ، ثم عزله ، ثم أعاده إلى الولاية ~~فأقام فيها عشرة أيام و انصرف . # # | خلع الفاطميين # وصلت الخلع والتشريف من مصر لثمال ، في محرم سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، ~~على يدي أبي الغنائم صالح بن علي بن أبي شيبة ، ، فمدحه أبو القاسم هبة ~~الله بن فارس المؤدب بقصيدة أولها : # لا زال طوعا لأمرك الأمم . . . ولا خلت من ديارك النعم # وتنكر معز الدولة ثمال لثقته وأمينه شيخ الدولة علي بن أحمد بن الأيسر ، ~~وقد سعي به ، فصرفه عما كان يتولاه من أموره ، وأقام مقامه سالما ومسلما ~~ابني علي بن تغلب . . واستوحش ابن الأيسر من المقام بحلب خوفا على نفسه ~~فتسبب في أن سار إلى مصر . # وأرسل ثمال سالما إلى تدورا الملكة بهدية ، والتمس منها الزيادة في ~~مرتبته ، فقبلت هديته ، وعوضته عنها ، وأجابته إلى ملتمسه ، وجعلت سالما ~~بسطرخس عوضا عن ابن الأيسر . PageV01P152 # # | البساسيري وثمال # واندفع البساسيري المتغلب على بغداد إلى الشام ، في سنة سبع وأربعين ~~وأربعمائة ، منهزما من طغرلبك ، وحصل في أرض الرحبة ، ووصل في قل من ms101 ~~الرجال ، فلقيه معز الدولة ثمال وأكرمه وحمل إليه مالا عظيما . وحدث بعض ~~العرب من بني كلاب أنهم لم يروا مثله في الشجاعة والمكر والحيلة ، وكان إذا ~~ركب معز الدولة قفز إليه ، ليمسك له الركاب ، ويصلح ثيابه في السرج ، وهمت ~~بنو كلاب بالقبض عليه فمنعهم معز الدولة . ثم ندم بعد ذلك فإنه تقدم إلى ~~بالس ، وشتى بشط الفرات ، واجتمعت إليه العرب والأتراك ، ففزع منه معز ~~الدولة ، وكان قد عرض عليه معز الدولة أولا مفاتيح الرحبة فلم يأخذها منه ~~، ثم طلبها منه في هذه الحالة ليجعل فيها ماله وأهله ، في سنة ثمان وأربعين ~~، فسلمها معز الدولة إليه . # # | خصائل ثمال # وكان معز الدولة كريما معطاء حليما . فمما يحكى من كرمه : أن العرب ~~اقترحوا عليه مضيرة ، فتقدم إلى وكليه أن يطبخها لهم ، وسأله : كم ذبحت ~~لأجلها ؟ . فقال : سبعمائة وخمسين رأسا . فقال : والله لو أتممتها ألفا ~~لوهبت لك ألف دينار . # واستغنى أهل حلب في أيامه ، حتى أن الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة امتدحه ~~بقصيدة ، شكا فيها كثرة أولاده ، وكان له أربعة عشر ولدا ، قال فيها : # جنيت على نفسي بنفسي جناية . . . فأثقلت ظهري بالذي شب من ظهري # عداد الثريا مثل نصف عدادهم . . . ومن نسله ضعف الثريا متى يثري # وأخشى الليالي الغادرات عليهم . . . لأن الليالي غير مأمونة الغدر # ولي منك إقطاع قديم وحادث . . . تقلبت فيه تحت ظلك من عمري # وما أنا بالممنوع منه ولا الذي . . . أخاف عليه منك حادثة تجري # ولكنني أبغيه ملكا مخلدا . . . خلود القوافي الباقيات على الدهر ~~PageV01P153 # فأمر معز الدولة بإحضار شهود ، أشهدهم بتمليكه ضيعتين من أعمال حلب ومنبج ~~، مضافتين إلى ما كان له من الإقطاع ، فاثرى وحسنت حاله ، وعمر بحلب دارا ~~وكتب على روشنها : # دار بنيناها وعشنا بها . . . في نعمة من آل مرداس # قوم محوا بؤسي ولم يتركوا . . . علي للأيام من باس # قل لبني الدنيا إلا هكذا . . . فليفعل الناس مع الناس # فكتب معز الدولة له دارا إلى جانب داره ، وهي الآن لبعض السراف بحلب ~~بالبلاط ، تجاه المسجد ، والدار التي بناها إلى جانبها مقابل ms102 حمام الواساني ~~. # ومما يحكى عن معز الدولة : أن فراشا من جملة الحفدة ، صب يوما من ~~الأيام على يده ماء بإبريق كان في يده ، فصادفت أنبوبة الإبريق بعض ثنيته ، ~~فكسرتها وسقطت في الطست ، فهم به الغلمان فمنعهم ، وأمر برفعها ، وعما عنه ~~، فقال ابن أبي حصينة : # حليم عن جرائمنا إليه . . . وحتى عن ثنيته انقلاعا # ولما اتسع الرزق على معز الدولة ، ولم يبق له عدو يقصده ، اضطرب عليه بنو ~~كلاب ، وامتدت أعينهم إلى ما في يده ، واستقلوا ما كان يصل منه إليهم ، ~~وأكثروا في العنت له ، وقالوا : لولانا ما صرت إلى ما صرت إليه ، وما أنت ~~بأحق منا بذلك ، فينبغي أن تفرضه على جميعنا . # وأوجب الزيادة في ذلك أن معز الدولة في سنة تسع وأربعين ، سلم الرقة ~~والرافقة إلى منيع بن شبيب بن وثاب النميري ، لأئها كانت لأبيه وكانت عمته ~~السيدة زوجة معز الدولة وكانت قبله عند أخيه شبل الدولة ، فولدت له محمود ~~بن نصر وهي التي أخذتها من غلمان أبيها ، على ما ذكرناه ، فأعادها إلى منيع ~~، فكثر اشتطاط بني كلاب وفسادهم . # # | تسليمه حلب وخروجه إلى مصر # فكاتب معز الدولة المستنصر في تسليم حلب إليه ، وطلب أن يعوضه عنها أماكن ~~تبعد عن مواطن الكلبيين ، ليأمن شرهم وتزول منتهم عنه ، فأجابه المستنصر ~~PageV01P154 إلى ذلك ، وعوضه عنها بيروت ، وعكا ، وجبيل . # وأنفذ المستنصر نوابه فتسلموها منه ، وهم : مكين الدولة أبو علي الحسن ~~ابن علي بن ملهم بن دينار العقيلي ، وعين الدولة أبو الحسن علي بن عقيل ، ~~والقاضي أبو محمد عبد الله بن عياض قاضي صور ، تسلموا البلد والقلعه ، في ~~ذي القعدة من سنة ثمان وأربعين وأربعمائة . # وقد كان أبو علي بن ملهم مقيما برفنية ، فقلد الحرب والخراج بحلب . وفي ~~الليلة التي سلمها معز الدولة إليهم احترق المركز الشرقي بالقلعة ، وولوا ~~في قلعة حلب رجلا يعرف بركن الدولة . وصعد معز الدولة مع عين الدولة وقاضي ~~صور إلى مصر ، فلقي من المستنصر من الكرامة والحباء ما لم يلقه وافد منه ~~ولا من آبائه ، وجعل له كل يوم ، إلى ms103 أن وصل إلى مصر ، ثلاثمائة دينار ، ~~وأعطي ما لم يعط أحد من المال والجوهر والآلة ، وكان إذا ركب السلطان حجبه ~~، وكان ذنب دابته عند رأس دابة السلطان . # واعتل معز الدولة بمصر ، فركب السلطان ، فوقف بباب داره حتى خرج إليه ~~وسأله عن حاله . # # | حكم ابن ملهم # وأما ابن ملهم فإنه أقام بحلب ، وعدل في الرعية ، وأحسن السيرة ، وبسط ~~وجهه ويده لهم ، ورخصت الأسعار في أيامه ، وبنى كثيرا من أبرجة سور حلب ، ~~إلى أن تجمعت بنو كلاب وامتدت أطماعهم إلى حلب . وذلك أن البساسيري كان من ~~المنتمين إلى المصريين ، ودعا لهم ببغداد ، في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ~~فعاد السلطان طغرلبك ، وجمع جموعا عظيمة ، ولقي البساسيري PageV01P155 ~~فقتله ، وكانت الرحبة في يده على ما ذكرناه . # فسار الأمير أسد الدولة أبو ذؤابة عطية بن صالح إلى الرحبة ، فأخذ ما ~~تركه البساسيري بها ، من السلاح الذي لم ير مثله ، كثرة وجودة ، وأموالا ~~جزيلة كانت للبساسيري ، ثم ولى فيها بعض أصحابه . # # | حلب بين محمود بن نصر وناصر الدولة # فطمع بنو كلاب حينئذ في حلب ، وقوي جأشهم ، وقدموا عليهم الأمير محمود بن ~~نصر بن صالح ، لأن حلب كانت لأبيه شبل الدولة ، فسار إليها محمود ببني كلاب ~~، في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة ، ونزل عليها ، وقاتلها ، ~~وأقام عليها سبعة أيام ، ومعه منيع بن مقلد بن كامل ، ثم رحل عنها . فطلب ~~الأحداث من مكين الدولة مالا ينفقه فيهم ، فقال : ' قد أخذتم واجبكم ~~المقرر على الكمال ، وتسلمتم أيضا فلا تطمعوا في وصول شيء آخر إليكم . ~~فعصى أحداث حلب عليه ، وغدروا به ، وأنفذوا إلى محمود بن نصر بن صالح فردوه ~~. # فلما قرب منهم محمود ، وثب أهل حلب على مدار الشريف القاضي معتمد الدولة ~~يحيى بن يزيد الحسيني الزيدي ، وكان قاضي الشام ، وعلى دار رجل يعرف ~~بالطهير جلال الدولة ، وكانا مكرمين لأهل حلب فنهبوا داريهما ، وأخرجوهما ~~راجلين ، حفاة ، مكشفي الرؤوس إلى الضياع العربية ، وكان من جملتهم : كندي ~~، وابن الزغري ، وابن عنتر ، وابن الناقد . # ووصل محمود ببني كلاب ، فسلموا إليه حلب يوم الإثنين ms104 مستهل جمادى ~~PageV01P156 الآحزة سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة ، وانحاز مكين الدولة بن ~~ملهم إلى القلعة ، وتحصن بها ، وأنفذ إلى مصر رسولا فطلب النجدة والإعانة ~~، فوصل الأمير ناصر الدولة أبو علي الحسين ابن الأمير ناصر الدولة الحسن بن ~~الحسين بن حمدان وهو ولد ناصر الدولة الذي نازل حلب أولا في أيام معز ~~الدولة وقدم في عسكر ضخم في جيوش المغاربة ، حتى نزل حمص لنصرة أصحاب ~~القلعة ، فسارت إليه بنو كلاب وبنو خفاجة ، وكانوا جيرانا لهم بالطعن ، في ~~خلق كبير . # فرجع ناصر الدولة بن حمدان إلى بعلبك ، وهمت بنو كلاب باتباعه ، فأبى ~~عليهم أسد الدولة أبو ذؤابة عطية بن صالح بن مرداس ، وانحاز عنهم فافترقوا ~~، ورجعوا إلى قنسرين . # وأقبل ناصر الدولة حتى نزل أفامية ، واستدعى من قدر عليه من بني كلاب ، ~~واستحلفهم أربعين يمينا ، وخلع عليهم خلعا فاخرة ، وسار بعد أن استوثق ~~منهم ، فلما وصل إلى سرمين أجفلت بنو كلاب ومحمود إلى الشرق ، وأجفل أحداث ~~حلب منها وحصلوا مع بني كلاب ، وذلك ليلة الإثنين السابع من رجب من السنة . # ونزل مكين الدولة بن ملهم وأصحابه من القلعة ، فنهبوا المدينة . وقتلوا ~~من وجدوا من أحداثها ، وعدتهم أربعون رجلا ، وصلبوا في محال حلب جماعة من ~~القتلى ، ونهبوا كل موضع جليل يعرفونه بالمدينة ، وقياسر الوكلاء ، وأموال ~~التجار ، وغير ذلك . # ووصل ناصر الدولة أبو علي الحسين فنزل حلب ، وأراد أن ينهبها ، فقيل له : ~~إن أصحاب مكين الدولة قد سبقوك ، ولم يبق لك ولأصحابك إلا الإسم بلا فائدة ~~فامتنع من النهب . وقال : لا بد من أهل المدينة أن يقسطوا لي خمسين ألف ~~دينار ، عوضا عن ترحيل محمود عنهم ، فبذلوا له خدمة فلم يفعل ، وقال : أنا ~~أمضي PageV01P157 إلى الفنيدق وأقابل محمودا على فعله ، وأعود أنتقم من ~~الحلبيين . فسار عن حلب في مقدار خمسة عشر ألف فارس ، ومحمود في دون ~~الألفين ، ونزلوا على الفنيدق وهو المعروف الآن بتل السلطان ، وانهزمت بنو ~~كلب وبنو طيء ، وبقي العسكر وحده ، وقل الماء عليهم ، فكسروا . وأسر الدنين ~~بن أبي كلب الجهبلي الكلابي ناصر الدولة ms105 ، وأمكنته الهزيمة فلم ير على نفسه ~~أن يولي ، وأسر كل مقدم كان في عسكره . # وقتلت بنو كلاب أكثر عسكره ، وغنموا كل ما كان في العسكر ، ولم يسلم منهم ~~إنسان بالجملة إلا عاريا . # وبعد ذلك علم محمود بن نصر بن صالح بأسر الأمير ناصر الدولة ، فاشتراه من ~~الدنين بألفين وسبعمائة دينار ، وقيل : بأقل من ذلك . # وأسر رجل يقال له جبر من بني كلاب أخا ناصر الدولة ، فاشتري أيضا بمال ~~كثير ، وكانت الكسرة في يوم الأربعاء سلخ شهر رجب سنة اثنتين وخمسين ~~وأربعمائة . # # | حلب بين عطية بن صالح ومحمود بن نصر # ووصل وقت الكسرة أسد الدولة أبو ذؤابة عطية بن صالح بن مرداس إلى حلب ، ~~وتسلم المدينة من المغاربة ، يوم الخميس ، ودار فيها ساعة ، ونزل عند شافع ~~ابن عجل بن الصوفي في داره ، التي هي الآن مدرسة القاضي بهاء الدين بن شداد ~~. وقيل : إن ملهم استدعاه ، وسلم المدينة ، وفرج الله عن أهل حلب . وقدم ~~الأمير محمود بن نصر إلى المدينة ، فانهزم عطية منه آخر النهار من يوم ~~الخميس مستهل شعبان ، وتسلم محمود البلد يوم الجمعة الثاني من شعبان سنة ~~اثنتين وخمسين وأربعمائة ، وهذا من أغرب الإتفاقات أن يملك حلب ثلاثة من ~~الملوك وفي تلاثة أيام متتابعة . PageV01P158 # وأيس مكين الدولة بن ملهم وركن الدولة والي القلعة ، من حلب ومن نجدة تصل ~~إليهما من مصر بعد هذه الكسرة فأنفذا من استحلف محمود بن نصر على شروط ~~اشترطاها عليه ، وسلما إليه القلعة في عاشر شعبان من هذه السنة ، بعد أخذا ~~أولاد بني كلاب : ولد محمود بن نصر ، وولد شبل بن جامع ، وولد محمود زائدة ~~، وولد منصور بن زغيب ، وجعلاهم في حصن أفامية رهينة على أنفسهما وعسكرهما ~~وأموالهما ثم سيرهم مع الأمراء في الروج إلى أفامية سالمين ، وأخذ أولادهم ~~الرهائن ورجعوا إلى حلب . # وأما ناصر الدولة ، فبقي في أسر محمود إلى أن قدم البلد عمه معز الدولة ~~فاصطنعه منيع بن وثاب ، وخلى سبيله في سنة ثلاث وخمسين . # وسير محمود كل من كان في أسره من الأمراء ms106 والقواد إلى مصر ، بعد أن أحسن ~~إليهم ، وشلت يد ناصر الدولة في وقعة الفنيدق ، فلما وصل إلى مصر ولاه ~~المستنصر دمشق ، فقال أبو الحسن علي بن عبد العزيز الحلبي الفكيك فيه : # على حلب به حلبت دماء . . . وحكم فيكم الرمح الأصم # وقد أرسلته والي دمشق . . . يد شلا وأمر لايتم # وفي ذلك يقول أبو نصر منصور بن تميم بن الزنكل السرميني من قصيدة يذكر ~~فيها مآثر بني كلاب : # أليس هم ردوا ابن حمدان عنوة . . . على عقبه لا يتقون العواقبا # أليس ابنه يوم الفنيدق قاده . . . دنين أبي كلب وعراه سالبا # # | ثمال في حلب # ولما أخذ محمود حلب من ابن ملهم ، كان عمه معز الدولة بمصر ، فصرفه ~~المستنمر عن عكا وبيروت وجبيل ، وقال له : إن هذه الأماكن أخذتها عوضا عن ~~حلب ، وقد عادت إلى ابن أخيك ، فتمضي إلى حلب وتستعيدها منه ، فقال : إن ~~نوابكم فرطوا فأعينوني بمال فأعانوه على ذلك بمال ، وسيروه ، وقرروا ألقابه ~~الأجل ، الأعز ، تاج الأمراء ، عماد الملك ، سيف الخلافة ، عضد الإمامة ، ~~بهاء الدولة العلوية ، وزعيم جيوشها المستنصرية ، علم الدين ذو الفخرين ~~مصطفى أمير المؤمنين . # فعاد معز الدولة إلى حلب وجمع قوما من عشيرته بعد أن كاتبهم حين وصل إلى ~~حمص فأجابوه ولقيه أكثرهم بحمص وبعضهم بحماة فلما نزل معرة PageV01P159 ~~النعمان ، أقام بها ثمانية أيام ، وضيق العرب على الناس ، وكان ذلك في قوة ~~الشتاء ، فنزلوا منازل الناس . # وسير محمود الشيخ أبا محمد عبد الله بن محمد الخفاجي رسولا إلى ملك ~~الروم ، يستنجده على عمه وبقي عندهم إلى أن ملك ثمال حلب ، وكتب الخفاجي ~~إلى حلب القصيدة المشهورة : # هذا كتابي عن كمال سلامة # ورحل ثمال ، فنزل حلب محاصرا لابن أخيه محمود ، فأغلق محمود باب حلب في ~~وجهه ، وعمل قوم من الأحداث ، وفتحوا لمعز الدولة باب قنسرين . ودخل أصحابه ~~إلى أن وصلوا درب البنات ، فنزل محمود من القلعة ، وعاد أخرجهم ولم يقتل ~~منهم واحد ، وقبض على من كان سبب ذلك من الأحداث وهم : ابن حيون ، وابن ~~المغازلي ، وذلك في ذي الحجة من سنة اثنتين ms107 وخمسين وأربعمائة . ووصل منيع ~~بن شبيب بن وثاب إلى حلب لنصرة محمود ببني نمير ، وحصل مع محمود بالقلعة ، ~~فرحل معز الدولة عن حلب ، ونزل منيع ببني نمير مدة عشرين يوما في ضيافة ~~محمود ، وأشار على محمود باطلاق ناصر الدولة بن حمدان ففعل ، وخلع عليه ، ~~وقاد خيلا كثيرة إليه ، وسيره إلى مصر . # وسار محمود إلى الحانوتة ليجمع العرب على عمه ، فعاد معز الدول ثاني يوم ~~مسيره ، ونزل على حلب ، ثم رحل طالبا لمحمود فلقيه ، وكسره ، وانهزم محمود ~~، ودخل حلب في ثلاث فوارس آخر صفرة وأسر معز الدولة أكثر عسكره ، والأحداث ~~الذين كانوا معه ، وهم : كندي ، وصبح ، وابن الأقراصي ، والشطيطي ، واللباد ~~. واستأمن منهم صبح إلى القلعة ، فحبسه نائب محمود ، وقيده خيفة من حيلة ~~تتم عليه . # وقصد محمود حسام الدولة منيع بن مقلد ، وقال له : ' أنت كنت مساعدي ~~ومعاضدي في كسر العسكر المصري الواصل مع ناصر الدولة وأوثر أيضا أن ~~تساعدني على عمي . فاستمهله إلى غد ذلك اليوم ، ورحل في الليل طالبا معز ~~الدولة ، وقال لنائبه : ' تقول لمحمود : عمك هو الشيخ الكبير ، والعرب تأنف ~~من PageV01P160 معاضدة الولد على الوالد ، بل أنا برحيلي أصلح الأمر بينكما ~~إن شاء الله . # فأمر محمود كاتبه أبا العلاء صاعد بن عيسى بن سمان النصراني بأن يعمل ~~شعرا ، يذكره فيه بعهده ، ويعتب عليه في أطراح وده ، فكتب إليه : # ألا أيها الساري تخب برحله . . . قصيرة فضل النسغين إذا تسري # تحمل هداك الله عني رسالة . . . إذا بلغت يوما شفيت بها صدري # إلى معشر إن تنح نحوي سهامهم . . . فأخطأ منها ما توغل في صدري # وخص حسام الدولة بن مقلد . . . أخا الغارة الشغواء والكرم الدثر # ومن علقت كفاي حبل وداده . . . وما خلت أن تغتاله نوب الدهر # تذكر هداك الله يوما أظلنا . . . به الموت في ظل الردينية السمر # لقد غالني في ودك الدهر بعد ما . . . غدوت أراه وهو من أنفس الذخر # وحاشا لذاك العهد من بعد ما غدا . . . نقي الحواشي أن يدنس بالغدر # وأنت من القوم الذي نفوسهم . . . ترى الغدر بالإخوان ضربا من الكفر ms108 # سأصفيك ما صافيت يوما بحفظه . . . وآمل إن ضيعتني عاجل النصر # وأنت عليم أئني غير جازع . . . إذا ما رماني الدهر بالنوب الغبر # وإني إذا ما يدج ليل خطوبها . . . أصدعه بالسيف عن فلق الفجر # وما الموت إلا خطة حم وقتها . . . وأكرمها ما كان في طلب الفخر # أبي الله والأصل الذي طاب فرعه . . . إلى اليوم إعطاء القياد على قسر # وأخسر من تلقاه في الناس صفقة . . . فتى عند مجد لا يريش ولا يبري # فلا تحتقر ذنبا جنيت على الوفا . . . ولا تعتذر ومنه فما لك من عذر # فقال منيع بن مقلد وأبو العلوان ثمال لما وصلت هذه القصيدة : من أن ~~لمحمود هذه الفصاحة ؟ ومن له بالشعر ؟ . . فقيل : ' إن هذا شعر أبي العلاء ~~بن سمان النصراني . فقال منيع بن المقلد : لقد ألبسني هذا النصراني من ~~العار طوقا لا يبلى ، ولئن عشت لأقابلنه بما يكون له أهلا . # # | وساطة ومصالحة # وترددت الرسل بين ثمال ومحمود ، في تسليم حلب ، وتوسط بينهما مشايخ ~~PageV01P161 العشيرة ، وقالوا : هذا بمنزلة والدك ، فتأخذ من الأعمال ما ~~شئت . فأجابهم محمود : بأن هذا صحيح ، ولكنه ضيع مملكتنا وإرثنا ، وقد ~~استعدتها بسيفي ، وبذلت فيها مهجتي . فاعترف له معز الدولة بذلك ، وضمن له ~~معيشة بخمسين ألف دينار ، وثلاثين ألف مكوك غلة . وشهد مشايخ العشيرة بها . ~~وعاد محمود إلى حلب في آخر ربيع الأول وقد استقر الصلح بينهما يوم الأربعاء ~~الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة . وفتحت ~~أبواب البلد عند دخوله ، ثم خرج إلى عمله إلى المخيم ، واستركبه يوم ~~الإثنين مستهل ربيع الآخر من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة ، وداخله القلعة ، ~~وسلمها إليه ، وسار محمود ليحضر أهله من الحلة . # ولما استقر معز الدولة بالقلعة ، نفى من الحلبين الأحداث العتق جماعة ، ~~وصلب منهم خمسة عشر رجلا . وكاتب المستنصر بظفره بحلب ، فسير إليه الخلع ~~مع ظفر المستفادي ، ولأخيه ولأولاده ، ولحسام الدولة منيع بن مقلد . ولما ~~وصل ظفر رأى المصلبين من الأحداث فسأل فيهم فدفنوا . # ولما ملك معز الدولة حلب جاء أبو العلاء بن سمان ليسلم عليه ، فحمل ms109 عليه ~~ليطعنه ، فطرح نفسه من بغلته ، وغيب شخصه عنه ، وسار إلى أنطاكية ، وصار ~~بها أسقفا إلى أن مات . # وفسد ما بين منيع بن وثاب وبين ثمال . وكان منيع بالرحبة ، فسير ثمال ~~أخاه أسد الدولة عطية بن صالح ، في شعبان من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة ، ~~لدفع منيع عنها ، فأخذها عطية ، وأقام بها ، وعصى على أخيه ثمال ، وعاد ~~محمود إلى حلب من الحلة بأمه السيدة ، واجتمع بعمه معز الدولة ، وسارت ~~السيدة ، وأصلحت ما بين أخيها منيع وبين زوجها معز الدولة . # # | حرب الروم # وفي المحرم من سنة أربع وخمسين وأربعمائة ، عمر الروم حصن قسطون ~~PageV01P162 وحصن عين التمر ، فسار معز الدولة في جمادى الأولى لغزوهم ، ~~ففتح حصن أرتاح ، فراسلوه في الصلح ، فأرسل إليهم شافع بن الصوفي يقول : لا ~~أجيب إلى الصلح إلا على أن تهدموا الحصنين المجددين ، وأن يكون ليلون ~~للمسلمين ، لا علقة لهم فيه ، ويحملون عن حصن أرتاح مالا ويرده عليهم . ~~فضمنوا ذلك . # فرحل في الثاني من جمادى الآخرة ، ودخل إلى حلب ، ولم يف الروم إلا بعض ~~ما ضمنوا له من الشروط . # وبلغ معز الدولة أن قوما من أحداث حلب مضوا إلى أنطاكية ، وتحدثوا مع ~~واليها في تسليم معرة مصرين ، والتدرج منها إلى غيرها ، وقالوا له : ' ~~حزبنا في حلب وأصحابنا تحت أوامرنا . فلما صح عند معز الدولة ذلك ، طلبهم ~~وأحضر منهم قوما وقتلهم . وهم : ابن أبي الريحان ، وابن نطر ، وابن ~~الشاكري ، وبهلول ، وصلبهم ، وترك باقيهم ، وذلك في شهر رمضان من سنة أربع ~~وخمسين . # وكبس الروم في شوال مريمين العقبة ، وأحرقوها ، ونهبوها ، وأدركهم الأمير ~~منصور بن جابر ، والأمير حارثة بن عبد الله ، وظفروا بالروم على كثرتهم ~~وقلة المسلمين ، فقتلوا من الروم مقدار آلف وخمسمائة . # وسار معز الذولة ، في العشر الثاني من شوال ، للغزو فنزل قيبار ، وفتحها ~~، ونهبها ، وقتل الرجال ، وسبى النساء والصبيان . # ثم مرض معز الدولة في العشر الأول من ذي القعدة ، من سنة أربع وخمسين ~~وأربعمائة ، واضطرب البلد ، فبلغه ذلك ، فاستدعى أخاه أبا ذؤابة عطية بن ~~صالح ، ووصى له بحلب ، وولاه الأمر . # وتوفي ms110 يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة ودفن ~~في مقام إبراهيم الفوقاني بالقلعة ، داخل الباب الغربي ، وعمل عليه ضريح ، ~~وبقي إلى أيام الملك رضوان ، وقلع وبلط عليه . PageV01P163 فارغة ~~PageV01P164 # # | القسم الثالث عشر عطية بن صالح بن مرداس عطية وابن أخيه # وجلس أخوه أسد الدولة عطية بن صالح بن مرداس في منصبه يوم الجمعة ، فبلغ ~~ذلك محمود بن نصر بن صالح وهو في حلته فلم يرض بالوصية ، وأرسل إلى عطية ~~يقول له : ' إن معز الدولة شرط على نفسه أن يرد علي البلد عند موته لما ~~تسلمه مني ، وأنا أخذته بسيفي من المصريين عن غلبة وقهر ، وهو إرثي عن أبي ~~. وعرف ذلك مشايخ العشيرة واجتمعوا على صحة ما ذكره ، وساعدوه على منازلة ~~حلب ، فكان في كل وقت يقصدها ويرعى زرعها ويأخذ ما في ضواحيها ويرحل عنها . # فجاء في رجب من سنة خمس وخمسين وأربعمائة ، ونزل بحلته على عين سليم ، ~~فخرج إليه أسد الدولة عطية فكسره ، ونهب حلته وانهزم محمود ثم إنه تجمع ~~إليه شبل الدولة بن جامع ، ومحمد بن زغيب ، وغيرهما من بني كلاب ، ونزلوا ~~على قنسرين وعطية نازل على السعدي بباب حلب فلم يقدروا على التزول على حلب ~~. # فسار إليهم سيف الدولة منيع بن مقلد بن كامل فقوي جأش محمود به لأنه كان ~~ذا مال عظيم . وكان كريما يطعم العرب ويعلق على خيلهم ، ويخلع ويهب ، فلما ~~حصل معهم نزلوا على حلب . وحاصروا حلب شهورا فضرب حجر المنجنيق منيع بن ~~مقلد فقتله . وقيل : إن رجلا حقيرا ضرب صدغه بمقلاع فيه حجر ، فبقي ~~أياما ، ومات ، وذلك في العشر الأول من شوال سنة خمس وخمسين وأربعمائة . ~~PageV01P165 # وأوصى منيع بجميع ماله وما يملكه لخاله أسد الدولة أبي ذؤابة عطية الذي ~~كان يحاربه . وكان إقطاعه يرتفع منه كل سنة ثمانون ألف دينار ، وكان له في ~~حصن يقال له المجدد ، ثلاثمائة ألف دينار ، وسلاح وآلة بمال عظيم . # وكان أبو الحسن علي بن محمد بن عيسى العمري الحلبي وزير منيع ، وكان عطية ~~قد دعاه إلى ms111 خدمته فامتنع ، فلما مات منيع عاد أبو الحسن العمري إلى حلب ~~فقبض عليه عطية ، وقتله لحقده على ما فعله من امتناعه من خدمته . # ولعله احتج بأنه حمل منيعا على حصار حلب مع محمود ، وبعد أن قتله صلبه ، ~~ورثاه أبو محمد الخفاجي بأبياته التي يقول فيها : # ومعذل جار على غلوائه . . . يروى حديث نداه عن أعدائه # واستوزر عطية أبا الحسن علي بن يوسف بن أبي الثريا الذي داره الآن مدرسة ~~ابن أبي عصرون بحلب . ثم صالح عطية بن مرداس ابن أخيه محمودا ، على أن ~~يدفع لمحمود إقطاعا بخمسة وعشرين آلف دينار ، من ذلك : سرمين وباقي ~~الإقطاع في بلد حلب من الأرتيق ، وتحالفا على ذلك وتمماه . # وفي نصف جمادى الأولى سنة ست وخمسين وأربعمائة ، سلم ثابت بن معز الدولة ~~إلى ابن عمه محمود معرة النعمان وكفرطاب وحماة ، وكان فيها من قبل عمه . ~~وذلك أن بني كلاب تجمعوا بأرض شيزر : شبل بن جامع بن زائدة ، ومحمود ابن ~~زائدة ، ومنصور بن محمد بن زغيب ، وحسين بن كامل بن حسين بن سليمان بن ~~الدوح ، وجماعة معهم من سبيعة وذؤيبة ، وأجمع رأيهم على الوثوب على بلدان ~~أسد الدولة عطية . # فأخذوا حماة وكفرطاب ، وأتوا إلى معرة النعمان وفيها شهم الدولة خليفة بن ~~جبهان ، فأخذ منهم أمانا وسلمها ، وساروا حتى نزلوا قريبا من حلب ، فسار ~~عطية من حلب يكبس محمودا ، وكان بمالد ، فظفر به محمود ، وعاد عطية ~~منهزما إلى حلب . ونزل محمود ببني كلاب على حلب ، ومنعوا منها الميرة ، ~~وحصروها ، وقاتلوها قتالا كثيرا ، وأشرفت على أمر عظيم من الجوع وقلة ما ~~يدخلها . وكان أسد الدولة عطية قد أرزق أحداثها ، فمنعوا باقي أهلها من ~~التسليم . PageV01P166 # فلما رأى أسد الدولة ضعف البلد صالح ابن أخيه محمودا . فكان لعطية حلب ~~والرحبة وبالس ومنبج وعزاز وقنسرين . وسلم بعد ذلك ما كان في يده غير هذه ~~المواضع المذكورة إلى ابن أخيه محمود بن نصر بن صالح ، ووقع الصلح على ذلك ~~. # # | استنجاد المرداسيين بالترك # واستدعى عطية بن خان وكان في ديار بني مروان مغاضبا لأبيه ms112 ملك الترك ، ~~وكانت الروم تمده بالخلع والدنانير إكراما لأسد الدولة عطية لأنه كان ~~مهادنهم ، فقدم ابن خان إلى عطية في آلف قوس فأكرمهم وأضافهم . # فلما حصل ابن خان على باب حلب وكان هذا أول دخول الترك إلى الشام اتجمعت ~~بنو كلاب إلى محمود بن نصر بن صالح ، وقصدوا حلب فرأى محمود أنه لا طاقة ~~لهم بالترك فانهزم . # ومشى السفراء بين محمود وبين عطية ، فانعقد الصلح بينهما على أن يأخذ ~~عطية حلب والرحبة ومنبج وعزاز وبالس وأعمال ذلك ، ويأخذ محمود ابن أخيه من ~~الأثارب قبلة واقطاعه الذي كان قديما وما كان في يده في أيام معز الدولة ~~ثمال . وتم ذلك في المحرم من سنة سبع وخمسين وأربعمائة . # وخرج عطية بالأتراك وأحداث حلب إلى الغزو ، ففتح كمنون ، وسبى أهلها ، ~~وعاد إلى حلب غانما . ودخل ابن خان حلب فخاف الحلبيون وعطية منه ، فأغرى ~~عطية بهم الأحداث من أهل حلب فنهبوهم ليلا ، في صفر من سنة سبع وخمسين ~~وأربعمائة ، وقتلوا منهم جماعة ، ونهبوا خيولهم وسلاحهم وما قدروا عليه من ~~رحلهم . # وركب ابن خان منهزما وكان ظاهر البلد وصاح تحت القلعة : ' أليس قد غدرت ~~بي وبأصحابي يا عطية ، والله لأنزلك منها على أقبح قضية ' . وسار إلى الشرق ~~PageV01P167 فعبرت طائفة منهم إلى الجزيرة فنهبتهم بنو نمير ، ورجع الباقون ~~فصادفوا عسكرا للروم في بطريق لهم يعرف بالنحت ، فلم يجدوا أبدا من شق ~~عسكر الروم ، وكان في عشرين ألفا ففتح لهم الروم طريقا بينهم ليطبقوا ~~عليهم فعبروا سالمين . وقتلوا من الروم خلقا عظيما ، وكان السالم منهم ~~نحوا من مائة وخمسين رجلا ، فركبت عليهم العرب بنو قريظ وربيعة بن كعب ~~وغيرهم ، فأشار أمير منهم يقال له قمار على الملك أن يموت كريما ، ولا يثق ~~بالعرب فلم يفعل . والتجأ إلى منصور بن جابر فغدر به بعد أن كان أعطاه ~~مقنعة زوجته ومخصرته ، وقتل قمار وجماعة . # # | حلب من عطية إلى محمود # وسلم ابن خان في جماعة فلحق بمحمود ، ونزل عليه وهو بسرمين ، فأمنهم ، ~~وبعث بهم إلى معرة النعمان . ثم أن محمودا ms113 سير ولده إلى أنطاكية رهينة ، ~~فوجهوا قطعة منهم ، وتلقاه بالجنايب في كل منزل بمراكبها ، وجعلوا له كل ~~يوم خمسين دينارا ، وخلعوا عليه وعلى أصحابه خلعا سنية ، ووهبوا له في ~~جملة ما وهبوا دبوس ذهب وزنه ثلاثمائة مثقال . # وسار محمود بمن جمعه من العرب ، ومعه ابن خان التركي ومن انضوى إليه من ~~التركمان ، إلى مرج دابق ، فخرج عطية إليهم ، وجمع جموعا كثيرة من ~~العوفيين وغيرهم ، وقصد محمودا والتركمان ، في يوم الخميس حادي عشر جمادى ~~الآخرة سنة سبع وخمسين ، فالتقوا ، فانهزم عطية إلى حلب ، وتبعه محمود بمن ~~معه . # ونزل على حلب محاصرا لها وفيها عمه عطية وجاءه ظفر المستفادي رسولا من ~~المستنصر ، وهو محاصر حلب ، ولقبوه عظيم أمراء العرب عضد الدولة ، سيف ~~الخلافة ، ذو الفخرين ، وكان يلقب أولا عز الدولة ، وشمسها ، فبقي محاصرا ~~حلب مائة يوم ويومين . # ثم سلمها إليه عمه أسد الدولة بن صالح بعد حصار شديد وجوع عظيم ، وأخذ ~~عمه عطية الرحبة ، وعزاز ومنبج ، وبالس ، وجميع الضياع التي شرقي حلب ~~وشماليها ، وأخذ محمود حلب وقبليها ، واصطلحا صلحا خالصا ذلت به لهما ~~العرب . PageV01P168 # # | القسم الرابع عشر محمود بن نصر بن صالح # ودخلها محمود بن نصر يوم السبت النصف من شهر رمضان سنة سبع وخمسين ~~وأربعمائة ، واستقرت ألقابه : الأجل ، شرف أمراء العرب ، سيف لخلافة ، معز ~~الدولة وفخرها ، وعضدها ، ناصر الملك ، ذو الحسبين . # ومضى عطية إلى الرحبة وكانت ألقاب عطية خالصة الأمراء ، عمدة الإمامة ، ~~عضد الخلافة ، أسد الدولة وسيفها ، ذو العزيمتين . # وأقطع محمود معرة النعمان الملك هارون بن خان ملك الترك ، فدخل المعرة ~~يوم الأربعاء السابع عشر من شوال ، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ، ووصل معه ~~إليها من الترك ، والديلم ، والكرد ، والأوج مقدار آلف رجل مع حاشيتهم فنزل ~~بالمصلى . # فما روي أعص منهم عن البساتين والكروم وغيرها ، ولم يكونوا يأخذون من حد ~~شيئا إلا بثمنه ، وسقوا دوائهم الماء بثمنه . وفزعت العرب منه فزعا ~~عظيما ، ثم استدعي إلى حلب وعوض معرة النعمان . # وخرج محمود بن نصر بابن خان والتركمان ، في سنة تسع وخمسين ، ومعه بنو ms114 ~~عوف من بني أبي بكر بن كلاب ، فنزل المعشيرة ، من بلد حماة ، ثم أتى حماة ، ~~وطىء جميع العرب وأذلها . # وكانت العرب تطلب فتنة تقع بينه وبين عمه عطية بن صالح ، وكان بحمص ، ~~فظنت بنو كلاب إنه يحاربه ، فلم يفعل عطية ، لمعرفته بغدر العرب به مرة بعد ~~أخرى ، وأراد أن لا ينهدم مجد آل مرداس . # وفي هذه السنة سلم حسين بن كامل بن الدوح ' حصن أسفونا ' إلى نواب ~~PageV01P169 المصريين ، بعد أن نهب عسكر الترك حناك ، وجميع ضياعه بالشام . # ووقع الوباء العظيم بحلب ، حتى إنه مات في رجب من هذه السنة زهاء عن ~~أربعة آلاف فضلا عن سائر الشهور . # وفيها طلعت طائفة كبيرة من الترك ، فنزل بعضها على دلوك وتقدم منهم نحو ~~ألف ، فنهبوا بلد أنطاكية عن آخره ، وأخذوا نحو أربعين آلف جاموس . وقيل ~~أكثر ، حتى أن الجاموس كان يباع بدينار ، وأكثره بدينارين وثلاثة . وأما ~~البقر ، والغنم ، والمعز ، والحمير ، والجواري ، فلم يقع على ذلك إحصاء من ~~الكثرة . وكانت الجارية تباع بدينارين والصبي بتطبيقة نعال للخيل . # # | هزيمة الروم # وخرب بلد الروم خرابا لم يسمع بمثله ، وبقيت الغلات في البيادر ما لها ~~من يرفغها منهم ، حتى كان الفلاحون وسائر العوام يمضي الواحد منهم ويأخذ ما ~~يريد ، فلا يجد من يدافعه عن ذاك ، لأن الروم تحصنوا في الحصون والجبال ، ~~والمغاير ، وتركوا بيوتهم على حالها لم يأخذوا منها شيئا ، لأن الترك ~~أتوهم على غفلة ، وكان ذلك في شوال . وكان مقدمهم أفشين بن بكجي ، وكان قد ~~غضب عليه العادل ألب أرسلان بسبب خادم كان زعيم بعض عساكره ، فقتله الأفشين ~~. وقطع الفرات إلى بلد الروم ، ثم خرج إلى أعمال حلب ، وباع الغنائم التي ~~كانت معه . # ونزل في سنة ستين حول أنطاكية ، وضاق الشيء فيها حتى بلغت الحنطة قفيزين ~~بدينار . فلما لم يبق شيء دون فتحها أتته كتب العادل ألب أرسلان من العراق ~~بالرضا عنه . وقيل إن أصحاب مؤونة السوق بحلب حصل في دفاترهم نحو سبعين آلف ~~مملوك ومملوكة سوى ما بيع بغير مؤونة في بلد الروم وسائر البلدان ms115 ، وأخذ من ~~أصحاب أنطاكية مائة آلف دينار ، ومثلها من ثياب الديباج والآلة . وسار إلى ~~العراق في جمادى الآخرة من السنة . PageV01P170 # وفي هذه السنة سلم أمير من أمراء المغاربة يعرف بابن المرأة حصن أسفونا ~~إلى الأمير عز الدولة محمود بن نصر بن صالح . وتولى ذلك الأمير سديد الملك ~~أبو الحسن علي بن متقذ . # # | بين المرداسيين والروم # وفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان ، فتحت أرتاح بالسيف ، ونهب ~~جميع ما فيها وما في حصنها من الأموال والذراري ، وكان فيها خلق عظيم من ~~النصرانية لأن جميع من كان في تلك المواضع منهم حصل بها لأنها كانت الكرسي ~~لهم هناك . وقتل من رجالها نحو ثلاثة آلاف رجل ، وقد كان الملك ابن خان ~~حاصرها زهاء خمسة أشهر . # وأتى عسكر عظيم من عساكر الروم ، فنزل على باب أنطاكية ليصالح الملك ابن ~~خان عن أرتاح وغيرها من بلادهم ، فلم يتم بينهم صلح . وإنما كان غرض العسكر ~~أن يدس إلى أنطاكية غلة حملت إلى السويداء لتقويتها . # وكان فتح أرتاح فتحا عظيما لأن عملها قريب من أعمال الشام ، من الفرات ~~إلى العاصي إلى أفامية إلى باب أنطاكية إلى الأثارب . وقيل بأنهم أحصوا إلى ~~شهر رمضان من هذه السنة أنه افتقد من الروم في الدرب إلى أفامية بحساب قتلا ~~وأسرا ثلاثمائة آلف نفر . # وخرج ملك الروم في سنة إحدى وستين وأربعمائة إلى ديار الشام فأخذ كثيرا ~~من أهل منبج ، وهرب أهلها من حصنها فأخذه ، وشحنه رجالا وغلة وعدة . وسار ~~إلى عزار فوقف عليها ساعة ، ورجع جاولا ، وسلط الله عليه وعلى أصحابه ~~الغلاء ، والعلة ، والوباء . فذكر ملك الروم للقاضي القضاعي رسول المصريين ~~أنه ومات له في يوم واحد ثلاثة آلاف من خيله سوى عسكره . # وقيل : إن منبج بقيت في بلد الروم سبع سنين ، وهذا الملك هو ديوجانس . ~~ولا يبعد عندي أنه الذي عناه هرقل بقوله : ' لا يعود إليك رومي إلا خائفا ~~حتى يولد المولود المشئوم ، ويا ليته لا يولد ' . PageV01P171 # وفي يوم السبت أول شعبان من هذه السنة ، جمع قطبان أنطاكية ودوقسها ms116 ~~المعروف بالنحت جموعا كثيرة . وطلع إلى حصن أسفونا بعملة عملها عليه قوم ~~يعرفون ببني ربيع من أهل جوزن ففتحوه ، وقتلوا كثيرا من رجاله وكانوا ~~ثمانين رجلا ، وأسروا الباقين . وكان الوالي به رجلا من الأتراك يعرف ~~بنادر . # وبلغ الخبر إلى الأمير عز الدولة محمود بن نصر بن صالح ، وهو يسير في ~~الميدان بظاهر مدينة حلب ، فسار في الوقت يوم الإثنين في الترك والعرب ، ~~ولم يدخل البلد ، واجتمع عليه خلق عظيم سمع من يحزرهم بخمسين ألفا ، ~~فحاصره سبعة أيام ، وفتحه يوم السبت وقتل جميع رجاله ، وكانوا ألفين ~~وسبعمائة ، وفي ذلك يقول أبو محمد الخفاجي : # إن أظهرت لعلاك ' أنطاكية ' . . . حزنا فقد ضحكت على قطبانها # بعث البريد مخبرا عن وثبة . . . ما كان أحوجه إلى كتمانها # لما أطل له لواؤك خافقا . . . عرفت وجوه الذل في صلبانها # وفيه يقول أبو الفضل عبد الواحد بن محمد الحلبي الربعي : # رددت على الإسلام شرخ شبابه . . . وكادت عليه أن تقام المآتم # وظن طغاة الروم منذ أغبهم . . . نزالك أنا حين ذاك نسالم # ثم إن محمودا هادن الروم في هذه السنة على أن اقترض منهم أربعة عشر ألف ~~دينار ، وعلى أن يجعل ولده نصرا رهنا عليها ، ويهدم حصن أسفونا . فأخرج ~~ثابت ابن عمه معز الدولة وشبل بن جامع ، وجمعا الناس من معرة النعمان ~~وكفرطاب وأعمالها ، وخربا حصن أسفونا . ووقعت فتنة بحلب بين الحلبيين ~~والأتراك ، وقتل من الأتراك نحو أربعين رجلا ومن الحلبيين عشرة . ووصل في ~~سنة اثنتين وستين وأربعمائة صندق التركي خارجا من بلد الروم ، ومعه عسكر ~~عظيم ، ودخل إلى بلد حلب من الأرتيق إلى الجزر إلى بلد معرة النعمان ~~وكفرطاب إلى حماة وحمص إلى رفنية . PageV01P172 # وشتوا في هذه السنة فنهبوا الضياع وسبوا منها ، وعاقبوا من وجد هناك ، ~~وفتحوا جباب الغلة ومدافنها . وقطع القطائع الكثيرة على مواضع امتنعت عليه ~~ولقي أهل الشام من عسكره شدة عظيمة ، وهو أول نهب وفساد جرى بالشام من ~~الأتراك . ولما انقضى زمن الشتاء عاد إلى بلد الروم بعد أن أكرمه محمود بن ~~نصر بتحف وهدايا حملها إليه ms117 . # # | السلطان العادل ومحمود # ثم إن محمود بن نضر بن صالح راسل في هذه السنة السلطان العادل ألب أرسلان ~~، واستقر الأمر بينهما على أن يخطب محمود بحلب للإمام القائم خليفة بغداد ~~وبعده للسلطان العادل ألب أرسلان وبعده لنفسه ، فوصل إليه نقيب النقباء أبو ~~الفوارس طراد بن علي الزينبي لإقامة الدعوة العباسية ، ومعه الخلع من ~~القائم بأمر الله ومن السلطان . # . فجمع محمود أهل حلب وقال لهم : ' قد ذهبت دولة المصريين وهذه دولة ~~جديدة ، ومملكة سديدة ونحن تحت الخوف منهم ، وهم يستحفون دماءكم لأجل ~~مذهبكم والرأي أن نقيم الخطبة خوفا من أن يجيئنا وقت لا ينفعنا فيه قول ~~ولا بذل ' . # فأجاب مشايخ البلد إلى ذلك فلبس المؤذنون والخطيب السواد ، وخطب الإمام ~~القائم وبعده للسلطان ألب أرسلان ، وبعمه لمحمود ، ولقب الأمير الأجل حسام ~~الدولة العباسية ، وزعيم جيوشها الشامية تاج الملوك ، ناصر الدين ، شرف ~~الأمة ، ذو الحسبين خالصة أمير المؤمنين . # وأمر ابن خان الأتراك بالوقوف على باب الجامع ، وقتل كل من يخرج ممتنعا ~~من الصلاة وسماع الخطبة ، فسأله الشيوخ إلا يفعل خوفا من وقوع فتنة . ~~وأخذت العامة الحصر التي في الجامع ، وقالوا : ' هذه حصر علي بن أبي طالب ~~فيجيء أبو PageV01P173 بكر بحصر حتى يصلي عليها الناس وكان ذلك يوم الجمعة ~~التاسع عشر من شوال سنة اثنتين وستين وأربعمائة . # ومدحه الشيخ أبو محمد بن سنان الخفاجي الحلبي بقصيدة طويلة ، يقول فيها : # ما يصنع الحسب الكريم بعاجز . . . يبنى له الشرف الرفيع ويهدم # وكان ناصر الدولة بن حمدان قد تغلب على مصر ، ووقع بينه وبين جماعة من ~~الأمراء بمصر وحشة ، فأنفذ إليه الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد البخاري ~~المعروف بقاضي حلب وأظن ناصر الدولة قلده قضاء حلب حين وردها ، ووقعت به ~~وقعة الفنيدق ، والسلطان ألب أرسلان حين حاصر حلب وهو معه فعرف بذلك أرسله ~~ابن حمدان رسولا إلى السلطان ألب أرسلان يستدعي عساكره ليسلم إليه ديار ~~مصر ويغير الدعوة ، وذلك في سنة اثنتين وستين . # فلما ورد عليه الرسول إلى خراسان جهز العساكر العظيمة التي تملأ الفضاء ، ~~ووصل ms118 معها على طريق ديار بكر ، ونزل الرها في أول سنة ثلاث وستين ، وأقام ~~عليها نيفا وثلاثين يوما . # وسير الفقيه أبا جعفر قاضي حلب المذكور رسولا إلى محمود بن نصر بن صالح ~~يستدعيه إلى وطء بساطه وخدمته أسوة بمن وفد عليه من الملوك مثل : شرف ~~الدولة مسلم بن قريش ، وابن مروان ، وابن وثاب ، وابن مزيد ، وأمير الترك ~~والديلم . فلم يجب محمود إلى ذلك ، وخاف منه . # فسار عن الرها إلى الشام قاصدا محمود بن نصر ، فقطع الفرات في النصف من ~~شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة ، من نهر الجوز ، ونزل على بعض ~~المروج فأعجبه ، فقال له الفقيه أبو جعفر قاضي حلب : ' يا مولانا أحمد الله ~~تعالى على هذه النعمة ، وهي أن هذا النهر لم يقطعه قط تركي إلا مملوك . ~~وأنت قد قطعته ملكا ' . فأحضر الأمراء والأتراك وأمره بإعادة القول . قال ~~: فأعدته ، فحمد الله تعالى حمدا كثيرا . # ونزل بنقرة بني أسد إلى أرض قنسرين إلى الفنيدق . وكان نقيب النقباء ~~PageV01P174 بحلب لم ينفصل عنها بعد إقامة الدعوة ، فسأله محمود أن يخرج ~~إلى السلطان ، ويصلح أمره معه ، فخرج مستفسرا ومتوسلا . وتلطف الأمر ، ~~وأحسن السفارة ، وخاطب السلطان بأنه قريب العهد بالخطبة للخليفة ، وقد لبس ~~تشريفه . # فقال السلطان : ' أي شيء تساوي خطبته للخليفة ولبى تشريفه ، مع ما سبق من ~~شقه العصا وخروجه عن الطاعة ' وأبى قبول الشفاعة فيه بدون وطء محمود بساطه ~~. فخاف محمود ولم يجب إلى ذلك ، وتمادى الأمر نحو شهرين . وحضن محمود حلب ~~وجفل الناس من سائر الشام إليها ، وحصل الرعب في قلوبهم هيبة له ، لما ~~اجتمع إليه من العساكر الجمة ، والجيوش الكثيفة الضخمة . وكان الأمر بخلاف ~~ما ظن الناس ، فإنه لما أيس من خروج محمود إليه عاد من الفنيدق وكانت خيمته ~~على ذلك التل فعرف بتل السلطان من ذلك اليوم . # ونزل على حلب في آخر جمادى الآخرة من السنة ، وكانت الخيام والعساكر من ~~حلب إلى نقرة بني أسد ، إلى عزاز ، إلى الأثارب ، متقاربة بعضها من بعض ، ~~ولم يتعرض أحد من العسكر بمال أحد ms119 ، ولا سبيت حرمة ، ولا قاتل حصنا . # وبلغني أن عسكره العظيم لم يأخذ عليقة تبن من فلاح إلا بثمنه ، وأقام ~~محاصرا حلب شهرا ويومين . ولم يقاتلها غير يوم واحد ، وقصد المطاولة ~~بالبلد بعد أن أشرف على الأخذ ، وقال : ' أخشى أن أفتح هذا الثغر بالسيف ~~فيصير إلى الروم ' . ونقب برج الغنم ، وعلق ، فظفر أهل حلب بمن دخل ذلك ~~النقب وأخذوا بعضهم ، ووقع الردم على الباقين . # وعصب الحلبيون برج الغنم بشقة أطلس ، وكان السلطان نازلا بميدان باب ~~قنسرين ، فسأل عن ذلك فقيل : ' هولاء الحلبيون يقولون على سبيل المزح : قد ~~صدع البرج رأسه من حجارة المنجنيق فقد عصبوه ! . فغضب ، وفرق في تلك الليلة ~~ثمانين آلف فردة نشاب خلنج ، غير ما رماه بقية العسكر . # وأصبح وأمر بالزحف فجد الناس في قتال البلد ، وحمل السلطان بنفسه في ذلك ~~اليوم ، فوقعت يد فرسه في خسف كان هناك ، وأصاب في الحال رأس فرسه ~~PageV01P175 حجر المنجنيق فركب غيره ، وعاد ، وصرف الناس عن الحرب بعد أن ~~أشرف البلد على الأخذ إبقاء لحرمة البلد ، وكان عسكره دائرا بالبلد من جميع ~~وجوهه . # ثم إن السلطان راسل الأمراء من بني كلاب وأحضرهم من البرية ، فوصلوا إليه ~~، وعول على تقليد بعضهم وتركه في مقابلة محمود وعوده لأجل ما بلغه من ظهور ~~ملك الروم إلى بلاد أرمينية عازما على قصد خراسان . # ولما علم محمود بأن البلد قد أشرف على الفتح ، وعلم بوصول الأمراء من بني ~~كلاب ، وأنه إن تم ذلك خرج الشام من يده ، فراسل السليماني وكان يتردد إليه ~~في الرسالة يعلمه إنه قد عزم على وطء بساط السلطان وخدمته خوفا مما أشرف ~~عليه . فخرج إلى السلطان بنفسه ، ومعه والدته علوية ، المعروفة بالسيدة ، ~~في أول شعبان ، وأخذ مفاتيح البلد معه ، فدخلا والعسكر سماطان بين يديه ، ~~فخدماه ، وسلما عليه ، فأكرمهما ، وأحسن اليهما ، وقال للسيدة : أنت السيدة ~~. قالت : ' سيدة قومي ' ، وقد ذكرنا إنه جرى لها ذلك مع المستنصر . # وأطلق له البلد ، وشرفه ، وخلع عليه ، وكتب له توقيعا بحلب ، وتردد خروج ~~محمود إلى خدمته مرة بعد أخرى ، وقرر ms120 معه السلطان أن يخرج بعسكره ، ويضيف ~~إليه السليماني ، وأن يتوجها إلى بلاد دمشق والأعمال المصرية لفتحها ففعل ~~ما أمره به ، وعاد السلطان إلى بلاده . # # | وقعة منازكرد # وقيل : إنه خفف ابنه مع فوج من عساكره بكورة حلب ، وقصد ملك الروم ، ~~وأسرع في السير لأنه بلغه أن ملك الروم خرج في جموع لا تحصى ، وأنه وصل إلى ~~قاليقلا ، وهي أرزن الروم . فوصل السطان إلى أذربيجان حين بلغه أن ملك ~~PageV01P176 الروم قد أخذ على سمت خلاط ، وكان السلطان في خواص جنده ، ~~وجموع عساكره بعيدة عنه ، ولم ير العود إلى بلاده ، فسير وزيره نظام الملك ~~وزوجته الخاتون إلى تبريز مع أثقاله . # وبقي في خمسة عشر آلف فارس من نخبة عسكره مع كل واحد فرسه وجنيبه ، ~~والروم في زهاء ثلاثمائة آلف أو يزيدون ما بين فارس وراجل ، من جموع مختلفة ~~من الروم ، والروس ، والخزر ، واللان ، والغز ، والقفجق ، والكرج الأبخاز ، ~~والفرنج ، والأرمن . وفيهم خمسة آلاف جرخي ، وفيهم ثلاثون آلف مقدم ما بين ~~دوقس ، وقومص ، وبطريق . # فرأى السلطان أن الإمهال للحشد والجمع مضر ، فركب في نخبته وقال : أنا ~~أحتسب نفسي عند الله ، وهي إما السعادة بالشهادة ، وإما النصر كما قال ~~تعالى ' ولينصرن الله من ينصره ' ثم سار مرتبا جيشه قاصدا جموع الروم . # وكان ملك الروم قدم مقدما في عشرين آلف مدرع من شجعان عسكره ، ومعه ~~صليبهم الأعظم ، فوصل إلى خلاط ، فنهب وسبى ، فخرج إليه عسكر خلاط ، ومعه ~~صندق التركي الخارج إلى بلد حلب ، في سنة اثنتين وستين على ما قدمنا ذكره ~~فكسره صندق ، وأسره ، وصادف ذلك وصول السلطان ، فأمر بجدع أنفه . وعجل ~~إنفاذ الصليب الذي كان في صحبته إلى نظام الملك ، وأمره بتعجيل PageV01P177 ~~إنفاذه إلى دار السلام مبشرا بالفتح ، وتلاحق عسكر الروم ، فنزلوا على ~~خلاط محاصرين لها ، ونزل الملك على منازكرد فسلموها إليه بالأمان خوفا من ~~معرة جيوشه إن استولوا عليهم ، وذلك في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة ، سنة ~~ثلاث وستين وأربعمائة . # فلما كان يوم الأربعاء سير أهل منازكرد ، وخرج بنفسه ليشيعهم وهو في ~~جموعه وحشوده ووافق ms121 ذلك وصول العسكر السلطاني ، ووقعت العين في العين ، ~~فحمل المسلمون حملة رجل واحد ، فردوهم على أعقابهم . # وشرع أهل منازكرد يتسللون من بينهم فقتل الروم بعضهم ، ونجا الباقون ، ~~وترك الروم طريقهم الذي كانوا سالكيه ، وعاد ملكهم فنزل في مضاربه بين خلاط ~~ومنازكرد ، وباتوا ليلتهم على أعظم قلق وأشده . # فلما أصبحوا بكرة الخميس وصل السلطان ألب أرسلان في بقية عساكره ، فنزل ~~على النهر ، وملك الروم على موضع يعرف بالزهوة في مائتي آلف فارس ، ~~والسلطان في خمسة عشر ألف ، فأرسل السلطان رسولا حمله سؤالا وضراعة ، ~~ومقصوده أن يكشف أمرهم ، ويختبر حالهم ويقول لملك الروم : ' إن كتت ترغب في ~~الهدنة أتممناها ، وإن كنت تزهد فيها وكلنا الأمر إلى الله عز وجل ' . # فظن الزومي أنه إنما أرسله عن ضرورة فأبى واستكبر ، وأجاب بأني سوف أجيب ~~عن هذا الرأي بالري ، فغاظ السلطان جوابه ، وانقطعت المراسلة بينهما . # وأقام الفريقان يوم الخميس على تعبئة الصفوف ، فقال أبو نصر محمد بن عبد ~~الملك البخاري الحنفي فقيه السلطان وإمامه : ' أنت تقاتل عن دين الله الذي ~~وعد بإظهاره على الأديان ، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال ، والناس يدعون لك ~~على المنابر في أقطار الأرض ' . # فلما أصبحوا يوم الجمعة ركب السلطان بجموعه وركبت الروم فتواقفوا ، فلما ~~PageV01P178 حان وقت الزوال نزل السلطان عن فرسه ، وأحكم مد حزامه ، وتضرع ~~بالدعاء إلى الله تعالى ، ثم ركب وفرق أصحابه فرقا كل فرقة منهم لها كمين ~~، ثم استقبل بوجهه الحرب . # وحمل ملك الروم بجمعه ، فاستطرد المسلمون بين أيديهم ، واستجروا الروم ~~إلى أن صار الكمين من ورائهم ، ثم خرج الكمين من خلفهم ، ورد المسلمون في ~~وجوههم ، فأتزل الله نصره ، وكسرت الروم ، وأسر الملك ، واستولى المسلمون ~~على عساكرهم ، وغنموا ما لا يعد كثرة ولا يحصى عددا وعدة . # وقيد الملك أسيرا إلى بين يدي السلطان ، فأقامه بين يديه ومعه بازي وكلب ~~صيد . # وكانت مع الروم ثلاثة آلاف عجلة تحمل الأثقال والمنجنيقات ، وكان من ~~جملتها منجنيق بثمانية أسهم تحمله مائة عجلة ، ويمد فيه ألف ومائتا رجل ، ~~وزن حجره بالرطل الكبير قنطار ، وحمل ms122 العسكر من أموالهم ما قدروا عليه . # وسقطت قيمة المتاع والسلاح والكراع ، حتى بيعت اثنتا عشرة خوذة بسدس ~~دينار ، ولم يسلم من عسكر الروم إلا العسكر الذي كان محاصرا خلاط ، فلما ~~بلغتهم الكسرة رحلوا عن البلد جافلين ، فاتبعهم المسلمون وتخطفوا أطرافهم ، ~~فلم يلو أولهم على أخرهم . # فمن عجيب الإتفاق ما حكي : أنه كان لسعد الدولة كوهرائين مملوك أهداه ~~لنظام الملك ، فرده عليه فجعل يرغبه فيه ، فقال نظام الملك : ' وماذا عسى ~~أن يكون من هذا المملوك ، يأتينا بملك الروم أسيرايا ، مستهزئا به . # ثم أنسي هذا الحديث إلى أن كان في هذه الحادثة فاتفق وقوع ملك الروم في ~~أمر ذلك الغلام ، فخلع السلطان عليه ، وبالغ في إكرامه ، وحكمه في طلبه ~~واقتراحه ، فطلب بشارة غزنة ، فكتب له بذلك . # ثم رحل السلطان إلى أذربيجان ، والملك في قيده ، فأحضره السلطان بين يديه ~~، وسأله عن سبب خروجه وتعريضه نفسه وعسكره لهذا الأمر ، فذكر أنه لم يرد ~~إلا حلب ، وكل ما جرى علي كان محمود السبب فيه والباعث عليه ، فقال : ~~PageV01P179 ' اصدقني عما كنت عازما عليه لو ظفزت بي ' فقال : لاكنت أجعلك ~~مع الكلاب في ساجور . # فقال السلطان : ما الذي توثر أن يفعل بك . فقال : ' انظر عاقبة فساد نيتي ~~واختر لنفسك ' ، فرق له قلب السلطان ، فمن عليه ، وأطلقه ، وأكرمه ، وخلع ~~عليه بعد أن شرط عليه أن لا يتعرض بشيء من بلاد الإسلام ، وأن يطلق أسرى ~~المسلمين كلهم ، وسيره إلى بلاده ، وسير معه قطعة من العساكر توصله . # فلفا انصرف ديوجانس إلى قسطنطينية خلعوه من الملك ، ولم يتم له ما أراد . ~~وقيل : إنه كحل ، ومات بعد مدة . ولم ينقل إنه أسر للروم ملك في الإسلام ~~قبل هذا . وأما محمود بن نصر بن صالح فإنه سار بعسكره بعد رحيل السلطان عن ~~حلب ، ومعه بنو كلاب والسليماني ، في شعبان من هذه السنة ، فنزلوا بالقرب ~~من بعلبك قاصدين دمشق وبلادها وبها يومئذ ابن منزو الكتامي ، حسب ما تقدم ~~السطان إليه ، وأقام محمود ليتبين ما يفعل . # # | خبر عطية بن صالح # وكان عمه عطية بن صالح ms123 قد صار مع الروم مستنجدا بهم على ابن أخيه محمود ~~، وبعد أن قصد المصريين فلم يحصل على شيء منهم . فخرج عطية مع النحت دوقس ~~أنطاكية وعسكر الروم ، فهجموا معه معرة مصرين وأحرقوا بعضها ، وقتلوا من ~~قدروا عليه . # وبلغ الخبر محمودا وهو في أرض بعلبك فعاد إلى حلب ، وسار السليماني ~~PageV01P180 ليلحق بالسلطان ألب أرسلان ، واتصلت غارات الروم على الشام ، ~~فاستنجد محمود ' بقر لو التركي ' ومن معه من الأمراء بفلسطين ، وهم : ابن ~~أخي الملك ابن خان ، وأتسز بن أوق وإخوته . وكانوا أول من طلع من الترك إلى ~~بلاد فلسطين ، وفتحوها ، وأقاموا بها فنزلوا إلى محمود متجدين له ، وأقاموا ~~إلى أن تفرق عسكر الروم . # ودخل عطية عم محمود إلى قسطنطينية ، فسقط من سطح كان نائما عليه وهو ~~سكران ، فمات سنة أربع وستين ، وسار محمود إلى الرحبة فأخذها ، وحمل إلى ~~حلب ودفن بها غربي باب الجنان ، في مشهد أمه طرود قبلي بستان النقرة ، وصلى ~~عليه ابن أخيه محمود . ثم عاد الأتراك بعد أن حمل إليهم محمود مالا وخيلا ~~. # # | الوزير أبو بشر # وفي سنة أربع وستين وأربعمائة ، تغيرت أخلاق محمود بعد رحيل السلطان ، ~~وتنكر لأصحابه ، وتغير على وزيره أبي بشر النصراني ، وكان هو الذي ساعده ~~بماله حتى ملك حلب ، واستجذب العرب إليه ، وكان القائد أبو الحسن بن أبي ~~الثريا الذي كان وزير عطية قد سعى به ليلي وزارة محمود ، وطالبه بمال جليل ~~. # وكان محمود قد رغب في جمع المال ، وغلب عليه حب الدنيا فذكر له أبو بشر ~~أنه عاجز عن أداء ما طولب به ، وأنه مما لا تصل يده إليه ولا إلى بعضه . ~~فأمر محمود بقتل ولد كان لأبي بشر وبقتل أخيه ، فقتلا وقطع رأساهما ، وعلقا ~~في عنقه ، فسمع أبو بشر وهو يقول : # ويح دهري ما أمره . . . ما وفي خير بشره # وحلف أبو بشر أنه بعد ما فعله بابنه وأخيه لا يظهر له شيئا من ماله . ~~وقال : كل من عنده شيء مودع فهو في حل منه وسعة . # وندم محمود على ما فعل ، وأراد الرجوع له ms124 ، وأرسل إليه شافع بن الصولي أن ~~يقرر عليه شيئا ويطلقه فامتنع . # واتفق أن محمودا اصطبح ، وقدم إليه طعام بعد سكره ، فأنفذ منه لأبي بشر ~~مع PageV01P181 فراشه ، فقام قائما ، وقئل الأرض ، وشكر ودعا . فعرف ابن ~~أبي الثريا ، فركب ، ولقي الفراش ودفع إليه مائة دينار ، وسأله أن يقول ~~لمحمود : إن هذا شيخ خرف لأنه لم يقبل طعام مولانا ، وقال : كافأه الله ~~وعجل عليه لما . ففعل الفراش ذلك . # ودخل ابن أبي الثريا عقيبه على محمودث وجاراه في حديث لا يتعقق بأبي بشر ~~فلم يقبل عليه ، ووجده مملوء القلب غيظا من جواب الفراش . فقال ابن أبي ~~الثريا : ' الله لا يشغل لمولانا خاطرا ، فما أراه منبسطا في مجلسه ولا ~~مصغيا إلى المملوك لما . فحدثه بما قال الفراش ، فقال يا مولانا : لم تزل ~~إليه محسنا ويقابلك بالإساءة فكيف يكون بعدما جرى عليه وعلى ابنه وأخيه ما ~~جرى . وأنا أدري أنك تريد ماله ، وقد تكرر قوله إنه لا يعطيك شيئا . قال ~~محمود : ' هذا سيفي وخاتمي ، خذهما وامض إليه فان لم يقر بشيء فاقتله . # فقام ابن أبي الثريا من عنده بذلك ، واشتغل محمود بالشرب فنهم منه ، ~~وأحضر ابن أبي الثريا أبا بشر فلم يطالبه بمال بل قال له ، ' ما زلت تتجلد ~~حتى صرت إلى هذه الحال ' . فقال : ' يا قائد السوء قد علمت أن هذا كله من ~~سعيك ، والأجل لا مرد له ، وهذا موت الشمهداء ، ولكن استعد لرجلك بحبل ، ~~فستموت ميتة الكلاب ، وتجر جيفتك إلى الخندق . # وقتل أبو بشر ، ورمي وسط بئر بستان القصر . وصعد الوزير أبو نضر بن ~~النخاس ثاني يوم قتل أبي بشر إلى خدمة محمود ، فقال له سرا : ' تمضي إلى ~~أبي بشر لتقرير ما عليه ، ويطلق لما . فقال : ' يا مولانا وما قد قتلته . ~~فأطرق محمود ساعة وقال : تمت علي وعليه الحيلة ، ويجب يا أبا نصر أن تكتم ~~هذا الأمر ' قال أبو نصر : فما حدثت به إلا بعد موت محمود ، واستقل أبن أبي ~~الثريا بوزارة محمود . # # | ابن منقذ # وأما سديد الملك أبو الحسن بن متقذ فإنه استشعر ms125 من تاج الملوك أن يقبضه ~~وكان أخاه من الرضاعة فاجتمع باسباسلار أبي حرب ، المعروف ، بخريبة الفايا ~~، وكان صاحب سر محمود ونديمه ، وكان لابن منقذ إليه إحسان كثير وصنائع جمة ~~، فمال له : ، قد استشعرت من تاج الملوك فانظز ما تعمله معي ، فقال : ' ~~تكلفني أن يقول الأمير أريد اقبض على فلان فأخبرك بذلك ، لا والله ، ولكن ~~أنا أنفذ إليك مع عجوز عندي ألفي دينار ، فإذا نفدت طلبتها منك فشأنك ونفسك ~~' PageV01P182 فبقيت تلك الدنانير عنده مئة ثم نفذ العجوز لطلبها ، وكان قد ~~أصلح حاله للسفر ، فدفع إليها الدنانير ، وركب من يومه ، وخرج من حلب إلى ~~كفرطاب ، فاستصحب منها ما أراد . # وسير حسين بن كامل بن الدوح إلى سديد الملك بن منقذ يسأله الاجتماع ~~فاجتمعا ، فقال : له حسين : ' ايش رأيك في الدخول إلى حلب ' فقال : ما أقول ~~لك شيئا لأن لك مالا عظيما ، فإن أشرت عليك بتركه كنت ملوما عندك ، ~~ولكني أقول لك ما أعمل ، وأنت ترى رأيك والله لا نظرت محمودا أبدا ' وسار ~~إلى طرابلس فكتب محمود إلى ابن عمار يأمره بالقبض عليه ، ويبذل له ثلاثة ~~آلاف درهم ورقية فلم يظفر به . # وسار ابن منقذ حتى وصل إلى طرابلس في سنة خمس وستين ، فلقي ابن عمار ~~وأخاه ، فكاتبهما محمود فتنكرا له . # وعزم ابن منقذ على الطلوع إلى مصر ، فاتفق موت أمين الدولة ابن عمار فشد ~~ابن منقذ من جلال الملك علي بن عمار وعاضده بمماليكه ومن طلع معه أهل ~~كفرطاب ، فأخرجوا أخا أمين الدولة ، وتولى جلال الملك ، وعظم محل منقذ عنده ~~حتى كان حكمه في طرابلس مثله وكاتبه محمود بتطييب قلبه ، فلم به ، ولم يعد ~~إلى حلب حتى مات . # وقيل : إن ابن النحاس ، كاتب محمود ، كتب إليه كتابا من نفسه يضمن له ~~الرضا عن محمود ، وكتب في آخره : إن شاء الله ' وشدد النون من إن ، ففطن ~~منقذ بأنه أراد قوله تعالى : ' إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ' ، فكتب جوابه ~~: وكتب إن الخادم ، وكسر الألف ، وشدد النون من إنا ، ففطن أبن النحاس بأنه ~~أراد قوله ms126 تعالى : ' إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ' . # وأما محمود فإنه لما يئس من عود أبي الحسن بن منقذ قبض على أملاكه ~~PageV01P183 جميعها وأقام حسين بن الدوح فإنه دخل إلى حلب فقتله محمود ولم ~~يمهله . # # | خبر الخفاجي # وكان محمود قد خطر له أن يولي في كل قلعة من قلاعه رجلا من أهل حلب ، ~~وتكون ذريته وأهله تحت يديه ، وطلب من الوزير ابن أبي الثريا أن يختار له ~~من يوليه عزاز ، فقال : ' لا أجد لذلك إلا أبا محمد بن سنان الخفاجي ' وكان ~~أبو نصر بن النحاس حاضرا ، فصوب الرأي فيه فأحضره محمود وولاه بعد أن ~~امتنع ثم أجاب . # ثم إنه استوحش عليه فاستدعاه محمود عدة دفعات إلى حلب ، فتعلل عليه ولم ~~يحضر ، وكان أبو نصر بن النحاس صديقه وكان كاتب محمود ، فكان يكتب إليه ~~ويحذره . # فأمره في بعض الأيام أن يكتب إليه كتابا يتلطفه ويأمره بالحضور والكتاب ~~عن أبي نصر ، لأنه كان يعلم ما بينهما من المودة ، وأمره أن يضمن له عن ~~محمود كل خير ، وأمره أن يكتب الكتاب بين يديه ، ولم يقع له أن يلغز فيه ~~شيئا . # قال أبو نصر : ' فما قدرت أن أعمل فيه سوى أن شددت النون من إن شاء الله ~~، وتناهيت في لفظ الكتاب ، وقلت : لو عرفت ضد ما كتبت لما كنت بصورة من ~~يغشه ' وأخذ محمود الكتاب ووقف عليه ، وكرر فيه نظره فرآه كافيا شافيا ، ~~فأمر بإلصاقه وعنوانه ، ودفعه لبعض أصحابه ووصاه أن يقول : ' هذا كتاب دفعه ~~إلي أبو نصر بداره ' وسار الفراش . # فلما وقف أبو محمد عليه كرر فيه نظره ، وبقي متعجبا منه ، ويقول : ' أخي ~~أبو نصر أعطاك الكتاب بداره أم بالديوان أم بالقلعة قدام الأمير ' فقال : ' ~~بل بداره ' فقال : ما هذا صحيح ، فحلف له فلم يصدقه إلى أن قال : ' وقعت ~~على المعنى . وكتب جوابه يذكر فيه شكر أبي نصر ، وأنه مهتنم بالحضور عند ~~زوال حمى جسمه ثم إنه كاتب أبا نصير خفية ، وأعلمه أنه عثرر على المعنى في ~~تشديد ' إن ' . # وقد ذكرنا أنه جرى ms127 له ذلك مع ابن منقذ فيحتمل أن يكون وقع ذلك معهما ~~جميعا . ثم إن محمودا أنكر وقال : ' ما أعرف قتله إلا منك ' ، فقال : ' ~~كيف ' قال : تمضي إليه اليوم ومعك ثلاثون فارسا يقفون لك في بعض الطريق ، ~~وتقدم منك إليه PageV01P184 من يعلمه بوصولك ومعك في رانك هذه الخشكنانة ~~ومعك أنت خشكنان غيره ، فإذا فعلت ذلك لا بد أن ينزل ويلتقيك من قلعة عزاز ~~، ويعرض عليك الصعود والنزول عنده ، فقال له : أنا موجل ومستحلف أن لا أنزل ~~على الأرض ، ولا آكل لك طعاما ، وطول الحديث معه إلى أن تعلم أنه قد جاع ، ~~ثم اذكر أنت الجوع واخرج لك خشكنانة من الذي معك ، ثم أخرج المسمومة ~~فادفغها إليه ، وكل أنت التي لك وتحدث معه ويكون حديثكما على فرسيكما ~~وأنتما بمعزل من أصحابكما ، وطول معه الحديث ولا تبرح حتى يستوفي أكلها ، ~~وعلامة صدقك موته ، وإلا ضربت عنقك . # قال أبو نصر بن النحاس : فنزل علي من ذلك أمر تمنيت الموت معه فخرجت وأنا ~~على غاية من الجزع والتأسف كيف قضى الله ذلك على يدي ، وجعلت دقعة أعول على ~~الهرب ، ثم إني أفكر في أولادي وأهلي ، وإنني إن فعلت ذلك أهلكتهم لعلمي ~~بظلم صاحبي ، ثم إن الفرسان متوكلة بي . # فلما اجتمعت به فعلت ما ذكره لي ، ثم ودعته عند استيفاء أكل الخشكنانة ~~ورجعت من موضعي مبادرا ، وأبعدت من أرض عزاز ، وركنت جنيبا كان معي وجديت ~~في السير خوفا من الطلب وصعد أبو محمد إلى المركز ، فوجد مغصا شديدا ~~ورعدة ، ثم قال : لاقتله أخي أبو نصر ، اطلبوه فركبت الخيل خلفه فلم تلحقه ~~. # ووصل أبو نصر فاجتمع بمحمود ، فعرفه ما جرى فلما كان من ذلك الغد وصل ~~رسول من عزاز يستدعي الشريف النقيب أبا المعالي الفضل بن موسى وابنه سنان ~~بن أبي محمد الخفاجي ، وجماعة من أهله وذكر الرسول أنه في السياق فمنع ~~محمود ولده من الخروج ، وأمر الشريف أن يتولى القلعة إلى أن ينفذ إليها ~~واليا ، فولاها بعد خمسة أيام وأحدا من أصحابه . # وتوفي أبو محمد في ms128 قلعة عزاز في سنة لست وستين وأربعمائة ، وقيل سنة أربع ~~وستين وهو الصحيح ، وحمل إلى حلب ، وصفى عليه الأمير محمود بن صالح وقيل : ~~إنه توفي في سنة ثلاث وستين والأول أصح ولما أحس بالموت عمل : # خف من أمنت ولاتركن إلى أحد . . . فما نصحتك إلا بعد تجريب # إن كانت الترك فيهم غير وافية . . . فما تزيد على غدر الأعاريب # تمسكوا بوصايا اللؤوم بينهم . . . وكاد أن يدرسوها في المحاريب ~~PageV01P185 # وقيل : إنه كان كتبها أبو محمد من عزاز إلى سديد الملك بن منقذ ، ويذكر ~~له في كتابه أخواله ولجاج محمود في طلبه ، وتغير نيته فيه ، وخوفه من ~~غائلته وظلمه . # # | الشاعر ابن حيوس # وفي سنة خمس وستين وأربعمائة وقيل في شوال سنة أربع وستين وفد أبو ~~الفتيان بن حيوس على محمود بن نصر بن صالح ، وكان سديد الملك بن منقذ اجتمع ~~به بطرابلس ، ورأى نفور بني عمار منه لأجل ميله إلى الدولة المصرية ، فأشار ~~عليه أن يقصد محمودا بحلب ، فقصده صحبة نصر بن سديد الملك بن منقذ ، ~~فأحضره محمود . # وكان قد جلس في مجلسه وأمر بإحضار الشراب فشرب أقداحا ، ثم قال : ارفعوا ~~الخمر فإن ابن حيوس يحضرني ممتدحا ، وفي نفسي أن أهبه جائزة سنية فإن كان ~~الشراب في مجلسي قيل وهبه وهو سكران ' فرفع وحضر الأمير أبو الفتيان فأنشده ~~قصيدته الميمية التي أولها : # قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما ، . . . ولا تقتفوا من جار لما تحكما # أرى كل معوج المودة يصطفى . . . لديكم ، ويلقى حتفه من تقوما # وهي قصيدة طويلة ، أحسن فيها كل الإحسان ، وذكر إشارة ابن منقذ عليه ~~بقصده فقال : # سأشكر رأيا منقذيا أحلني . . . ذراك فقد أولى جميلا وأنعما # فوهب له آلف دينار ذهبا في صينية فضة ، وجعلها له رسما علية في كل سنة ~~. # واحتفر الخندق بحلب فجاءه أبو الفتيان فقال : ' هذه أعمال يعجز عنها كسرى ~~وذو الأكتاف ' فقال محمود : ' ما كان الأمير أبو الحسن ينفذك حتى عملت ~~واجتمع بباب محمود بن نصر جماعة من الشعراء ، فلم تصل إلى واحد منهم جائزة ~~غير ابن حيوس ، فكتب ms129 إليه ابن الدويدة ، المعروف بالقاق : # على بابك الميمون منا عصابة . . . مفاليس فانظز في أمور المفاليس # وقد قنعت منك العصابة كلها . . . بعشر الذي أعطيته لابن حيوس PageV01P186 # وما بيننا هذا التفاوت كله . . . ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس فقال محمود : ~~' والله لو قال بمثل الذي أعطيته لأعطيتهم مثله ' ثم أمر لهم بالجائزة مائة ~~دينار أو أكثر . # وقصد الروم ناحية عزاز في جموعهم ، فخرج محمود إليهم في عدة قليلة تناهز ~~ألف فارس ، فاندفع الروم بين أيديهم ، وقصدوا أنطاكية واحتموا بها في سنة ~~أربع وستين وافتتح محمود قلعة السن في تاسع شهر ربيع الآخر سنة ست وستين . # # | وفاة محمود بن نصر # ومرض محمود بن نصر بن صالح بحلب في جمادى الأولى من سنة سبع وستين ~~وأربعمائة وحدثت به قروح في المعا كانت سبب منيته . # وكان محمود في أول ملكه حسن الأخلاق ، لين الجانب ، كريم النفس ، عفيفا ~~عن الفروج والأموال ، ثم تنكر وزاد عليه حب الذنيا ، وجمع المال فلحقه من ~~البخل ما لا يوصف . PageV01P187 فارغة PageV01P188 # # | القسم الخامس عشر نصر بن محمود بن نصر بن صالح # وأوصى بحلب لابنه شبيب وكان أصغر أولاده فلم تنفذ أصحابه وصيته ، وملكوا ~~حلب ولده الأمير نصر بن محمود ، وجده لأمه الملك العزيز بن جلال الدولة ابن ~~بويه ، وأحصي ما وجد في خزائن محمود فكانت قيمته من العين والمتاع والآلات ~~، والثياب ، والمراكب آلف ألف وخمسمائة آلف دينار . # وأمن الناس في أيام نصر وكانت سيرته أصلح من سيرة أبيه ، وأحسن إلى أهل ~~حلب ، وأطلق من كان في اعتقال أبيه من أحداثهم ، وعم الناس بجوده . وكان ~~بحرا للمكارم إلا أنه كان لا يستطيع أن يرى أحدا يأكل طعامه مع كرمه ~~وجوده . # ودخل عليه أبو الفتيان بن حيوس حين ولي حلب فأنشده القصيدة التي أولها : # كفى الذين عزا ما قضاه لك الدهر . . . فمن كان ذا نذر فقد وجب النذر # اعتذر فيها عن تأخره عن سلفه فقال : # تباعدت عنكم حرفة لازهادة . . . وسرت إليكم حين مسني الضر # فجاد ابن نصر لي بألف تصرمت . . . وإني لأرجو أن سيخلفها ms130 نصر # فأطلق له نصر آلف دينار ، وقال : وحياتي ، لو قال سيضعفها نصر لأضعفتها . ~~ولم يزل يواصل ابن حيوس بالحباء وجزيل العطاء ، وأنشده ابن حيوس يوما ~~بديها وقد خرج ينظر المد في قويق : # أرى الأرض تثني بالنبات على الحيا . . . ولو تستطيع النطق خصتك بالحمد ~~PageV01P189 # بك افترت الأنام عن ناجذ الغنى . . . وغرد طير العيش في الزمن الرغد # عهدنا مدود الأرض تأتي بحورها . . . ولم نر بحرا قط سار إلى مد # فأعطاه صلة جزيلة : وجهز نصر عساكره إلى منبج صحبة أحمد شاه ، وكانت في ~~أيدي الروم ، فحصرها مدة ، وأيس واليها من نجدة تأتيه ، فسلمها في صفر من ~~سنة ثمان وستين وأربعمائة ، فقال في ذلك ابن حيوس من قصيدة : # وطريدة للدهر أنت رددتها . . . قسرا فكنت السيف يقطع مغمدا # ووصل في سنة ثمان وستين وأربعمائة أتسز بن أوق التركي إلى أعمال حلب ~~القبلية ، ونزل العاصي على الجلالي ، وجفل أهل الشام بين يديه ، وكان قد ~~سمى نفسه الملك المعظم فنهب كل ما قدر عليه ، وملك رفنية ، وسلمها إلى أخيه ~~جاولي ، وترددت سراياه في جميع الشام ، وتمادى فساده . # وترددت الرسل بينه وبين نصر بن محمود صاحب حلب ، فلم يستقر بينهما أمر ، ~~وعاد إلى دمشق فتسلمها . # واعتمد جاولي مدة مقامه برفنية إساءة المجاورة ، وشن الغارات والأذى في ~~الأعمال القبلية من عمل حلب ، فجهز إليه نصر بن محمود عسكر حلب ومقدمهم ~~أحمد شاه التركي ، وذكر أنه شيباني فسار إليه ، والتقوا بأرض حماة ، فكسره ~~جاولي وغنم عسكره . # وعاد أحمد شاه ونزل مذكين وجمع إليه من سلم من عسكره ، فلما اجتمعوا ~~عولوا على العودة إلى حلب ، فقال لهم أحمد شاه : ' ما بقى لنا وجه إلى حلب ~~بعد هذه الكسرة ، فإن راجعتم الحرب وأظفرنا الله بهم كان الأمر لنا بحكم ~~الظفر ، ه ان أبيتم ذلك فأنا أسير إلى الفرات وأستدعي أهلي ، فما لي وجه ~~ألقى به نصر بن محمودة وإنما أعطى ومنح وأكرم لمثل هذا الموقف . # فأجمعوا أمرهم على معاودة الحرب فأسرى من موضعه إلى عسكر جاولي وكبسه ، ~~فاستثأر منهم ، ونهب عسكره ، وأسر ms131 منهم ما يزيد عن ثلاثمائة نفس ، ~~PageV01P190 وسيرهم في الوثاق إلى حلب مشاة ، وهرب جاولي إلى رفنية ، وسار ~~بعد ذلك إلى أخيه بدمشق . وكان نصر حين ملك حلب واستقر بها أمر بقتل وزير ~~أبيه أبي الحسن علي بن أبي الثريا القائد ، صاحب الدار التي هي المدرسة ~~العصرونية ، فقتل وكان راكبا تحت القلعة ، وهو في حشمه على بغلته ، وعمل ~~في رجله حبل وجذبت جثته من تحت القلعة إلى باب أنطاكية ، جزاء على ما فعله ~~بأبي بشر ، وصدق قال أبي بشر فيه على ما ذكرناه وكان نصر قد اتهمه بأنه ~~أشار على أبيه أن يولي أخاه الأصغر شبيبا ، وكذلك قتل نصر ناجية بن علي ~~أحد ولاة أبيه . # واستوزر نصر أبا نصر محمد بن الحسن التميمي المعروف بابن النحاس الحلبي ، ~~وبقي وزيرا بعده لسابق أخيه إلى أن اعتقله ، ثم أطلق وكان أبو نصر كاتبا ~~لمحمود قبل وزارته . # وفي يوم عيد الفطر من سنة ثمان وستين وأربعمائة ، عيد نصر بن محمود ، وهو ~~في أحسن زي ، وكان الزمان ربيعا والأرض نضرة ، واحتفل الناس في عيدهم ~~وتجملوا بأفخر ملابسهم ، ودخل عليه ابن حيوس فأنشده قصيدة منها : # ضفت نعمتان خصتاك وعمتا . . . حديثها حتى القيامة يوثر # ؟ # | مقتل نصر # وقبض نصر على الأمير أحمد شاه التركي ، واعتقله في القلعة ، وجلس فشرب ~~إلى العصر ، وحمله السكر على الخروج إلى الأتراك ، وسكناهم في الحاضر ، ~~وأراد أن ينهبهم ، وحمل عليهم ، فرماه تركي بسهم في حلقه فقتله ، وتبعه ~~أصحابه فوجدوه قد مات ، وذلك يوم الأحد مستهل شوال من سنة ثمان وستين ~~وأربعمائة وكان نصر أهوج . PageV01P191 فارغة PageV01P192 # # | القسم السادس عشر سابق بن محمود بن نصر # وزحفت الأتراك إلى البلد وكان والي القلعة رجلا يقال له ورد ، وعنده ~~الأمير سديد الملك أبو الحسن بن منقذ ، وكان قد كان من طرابلس إلى حلب في ~~أيام نصر ، وعندهما جماعة من الخواص ، فلما علموا بذلك استدعوا أخاه سابق ~~بن محمود . # وحمل من العقبة ، وكان ساكنا بها في الدار التي تنسب إلى عزيز الدولة ~~فاتك ، ورفع إلى القلعة بحبل من ms132 السور ، وهو سكران ، ونادوا بشعاره ، ~~وأطاعه الأجناد ، وأشاروا عليه بإطلاق أحمد شاه فأطلقه في الحال ، وخلع ~~عليه . # فنزل أحمد شاه إلى العسكر بالحاضر فسكن الثائرة ، وأخمد الفتنة ، واستقرت ~~قاعدة سابق ، ولفب عز الملك أبو الفضائل ، ودخل عليه ابن حيوس فأنشده قصيدة ~~أولها : # لي لها أن أحفظ العهد والوا . . . وإن لم يفد إلا القطيعة والصدا # فأطلق له سابق آلف دينار ، وجعل له في كل شهر ثلاثين دينارا ، وكان سابق ~~من متخلفي بني مرداس . # ولما ملك سابق اجتمعت بنو كلاب إلى أخيه وثاب ، وعولوا على معونته عليه ، ~~وأخذ حلب له من أخيه سابق وانضاف إلى وثاب أخوه شبيب بن محمود ، ومبارك أبن ~~شبل ابن خالهما ، وعامة بني كلاب . # فلما تحقق سابق ذلك استدعى أحمد شاه أمير الأتراك ، وكان في آلف فارس ~~وشاوره ، فأنفذ أحمد شاه إلى رجل من الأتراك يعرف بابن دملاج واسمه محمد بن ~~PageV01P193 دملاج في يوم الأربعاء مستهل ذي القعده ، من سنة ثمان وستين . # # | هزيمة وثاب # وتحالفوا وخرجوا إلى وثاب وبني كلاب ، في يوم الخميس مستهل ذي الحجة من ~~سنة ثمان وستين وأربعمائة ، وكان بنو كلاب في جمع عظيم ما اجتمعوا قط في ~~مثله يقال إنهم يقاربون سبعين آلف فارس وراجل ، وكانوا قد عاثوا في بلد حلب ~~، وكانوا نزولا بقنسرين فعند معاينتهم الأتراك انهزموا من غير قتال وخلفوا ~~حللهم وكل ما كانوا يملكونه وأهاليهم وأولأدهم . # فغنم أحمد شاه وأصحابه ومحمد بن دملاج وأصحابه كل ما كان لبني كلاب فيقال ~~: إنهم أخذوا لهم مائة آلف جمل وأربعمائة آلف شاة ، وسبوا من حرمهم الحرائر ~~جماعة كبيرة ، ومن إمائهم أكثر ، وكل ما كان في بيوتهم وعفوا عن قتل عبيدهم ~~المقاتلة ، وكانوا يزيدون عن عشرة آلاف عبد مقاتل فلم يقتلوا أحدا منهم ، ~~وكان الذي غنمه الترك من العرب في ذلك اليوم ما لا يحصى كثرة ، وأسروا ~~جماعة منهم . # وعاد أحمد شاه بالأسرى إلى حلب فتقدم سابق بن محمود بإطلاقهم ، وأنزل ~~أخته زوجة مبارك بن شبل في دار ، وأكرمها لأنها كانت فيمن أخذ ذلك اليوم ms133 . # وبعد هذه الهزيمة بثلاثة عشر يوما دعا محمد بن دملاج التركي أحمد شاه ، ~~فخرج إليه ، وكان نازلا شمالي حلب ، فلما أكلوا وشربوا قبض محمد بن دملاج ~~على أحمد شاه وأسره ، وكان في نفر قليل فأقام في أسره تسعة أيام ثم إن سابق ~~بن محمود اشترى أحمد شاه من محمد بن دملاج بعشرة آلاف دينار وعشرين فرسا ، ~~يوم السبت الرابع والعشرين من ذي الحجة من السنة . # | إعانة ملكشاه لوثاب بن محمود # فعند ذلك سار وثاب بن محمود ومبارك بن شبل ، وحامد بن زغيب ، إلى باب ~~السلطان أبي الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان ، وحضروا عنده ، وشكوا إليه حالهم ~~، وسألوه أن يعينهم على سابق ، ويكشف عنهم ما نزل بهم منه . PageV01P194 # وأنكر السلطان ذلك ووعدهم بما طابت به نفوسهم ، ووقع لهم بإقطاعهم في ~~الشام ، وأقطع الشام لأخيه تاج الدولة تتش ، وأمره بالمسير إلى الشام في ~~أوائل سنة سبعين وأربعمائة وتقدم السلطان ملك شاه إلى أفشين بن بكجى ، ~~وصندق التركي ، ومحمد بن دملاج ، وابن طوطو ، وابن بريق ، وغيرهم ، من ~~أمراء الترك بالكون مع تاج الدولة والمسير في خدمته فسار تاج الدولة ومعه ~~وثاب بن محمود ومبارك بن شبل وحامد بن زغيب ، حتى وصل إلى ديار بكر ، ~~وتواصلت إليه آلاف حاد مع المذكورين ، وكان أحمد شاه قد حصر أنطاكية مئة ~~ومعه عسكر حلب واشتد الغلاء بها في هذه السنة ، واستقرت الحال على خمسة ~~آلاف دينار مقاطعة ، فأخذها ، ورحل عنها إلى حلب . # ولما قرب تاج الدولة من الشام هرب جماعة الأتراك المقيمين بحاضر حلب مع ~~أحمد شاه إلى حصن الجسر وكان ابن منقذ جدد عمارته ليضايق به شيزر ، ويقطع ~~المادة عنها من بلد الروم ، وأذن له سابق بن محمود في ذلك ، فجدد في هذه ~~السنة فتركوا أموالهم وأهاليهم بهذا الحصن ، وعادوا إلى خدمتهم بحلب ، ولم ~~يأمنوا أهل حلب أن يتركوا حرمهم عنده لما كانوا فعلوه بابن خان ، وتغير ~~الهواء بالجسر عليهم ، فهلك عاقتهم بهذا الموضع . # وأما تاج الدولة تتش فإنه أقام بالمروج إلى أن وصلته بنو ms134 كلاب بالطعن ، ~~ونزلوا حلب في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة . # ووصل شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش في عسكر كثير بأمر ملك شاه ، ~~ونزل معه على حلب معينا له ، وحصروها ثلاثة أشهر وعشرين يوما ، وكان ~~نزوله على حلب لثلاث خلون من ذي القعدة من سنة إحدى وسبعين وأربعمائة لمكان ~~القتال عليها متصلا . # وقتل أحمد شاه مقدم الأتراك بحلب بطعنة أصابته في الحرب ، وكان هوى ~~PageV01P195 شرف الدولة أبي المكارم مع سابق ، وكان يسير إليه في الباطن ~~بما يقوي نفسه ، وكان ينكر على بني كلاب خلطتهم بعسكر الترك . # فاستأذن بنو كلاب تاج الدولة في رحيل الطعون فأذن لهم فأحس شرف الدولة ~~أبو المكارم بتغير النية فيه ، وتحقيق التهمة به من مراسلة سابق وأهل حلب ، ~~فاستأذن تاج الدولة في الرحيل ، ورحل وجعل عبور عسكره على باب حلب ، وباع ~~أصحابه أهل حلب كل ما كان في العسكر عصبية وتقوية لهم ، وقوى نفوسهم ونفس ~~سابق . # وسار بعد أن قوي أهل حلب بما ابتاعوه من عسكره بعد الضعف الشديد إلى ~~بلاده ، وأشار على مبارك ووثاب وشبيب بالاحتياط على أنفسهم أو الهرب إلى ~~حلب . # ولم يك بقي مع تاج الدولة من بني كلاب غيرهم في نفر يسير ، فكاتبهم سابو ~~وتألفهم وقال لهم : ' إني إنما أذب وأحامي عن بلادكم وعزكم ، ولو صار هذا ~~البلد إلى تتش لزال ملك العرب وذلوا ' وجرت أمور أوحشتهم من الأتراك ، ~~فهربوا إلى حلب بعد أن قتل أصحابهم قبل الهزيمة وبعدها ، وصاروا إلى سابق . # # | قصيدة ابن النحاس # وكتب سابق إلى الأمير أبي زائدة محمد بن زائدة قصيدة من شعر وزيره أبي ~~نصر بن النحاس ، يعرفه ما هو فيه من الضيق ، ويسأله الإقبال عليه والقيام ~~بمعونته ويحذره من التخلف عنه ، فيكون ذلك مسببا لزوال ملك العرب ، ويعتب ~~عليه في التوقف عنه فيما كان جرى مع أحمد شاه التركي ، والقصيدة هي : # دعوت لكشف الخطب والخطب معضل . . . فلبيتني لما دعوت مجاوبا # ووفيت بالعهد الذي كان بيننا . . . وفاء كريم لم يخن قط صاحب # وما زلت فراجا لكل ملمة ms135 . . . إذا المحرب الصنديد ضجع هائبا # فشمر لها وانهض نهوض مشيع . . . له غمرات تستقل النوائبا # وقل ل ' كلاب ' : بدد الله شملكم . . . أويحكم ماتتقون المعايبا ! # أتستبدلون الذل بالعز ملبسا . . . وتمسون أذنابا وكنتم ذوائبا ~~PageV01P196 # وما زلتم الآساد تفترس العدى . . . فما بالكم مع هؤلاء ثعالبا # ثبوا وثبة تشفي الصدور من الصدا . . . ولا تخجلوا أحسابنا والمناقبا # ولا بد من يوم نحكم بيننا . . . وبين العدى فيه القنا والقواضبا أرى ~~الثغر روحا أنتم جسد له . . . إذا الروح زالت أصبح الجسم عاطبا # وقد ذذت عنه طالبا حفظ عزكم . . . إباء ولاقيت المنايا السواغبا # وها أنا لا أنفك أبذل في حمى . . . حماكم مجدا ، مهجتي والرغائبا # أأذخر مالي عنكم وذخائري . . . إذا بت عن طرق المكارم عازبا # شكرت صنيع ' ابن المسيب ' إذ أتى . . . يجر مغاويرا تسد السباسبا # ومنها : # أيا راكبا يطوي الفلاة بجسرة . . . هملعة لقيت رشدك راكبا # ألا ابلغ ' أبا الريان ' عني ألوكة . . . تريح من الإيلاف ما كان واجبا # أخا شخصه لا يبرح الدهر حاضرا . . . تمثله عيني وإن كان غائبا # متى تجمع الأيام بيني وبينه . . . أشد عليه ما حييت الرواجبا # وأهد إلى ' شبل ' سلامي وقل له : . . . لك الخير دع ما قد تقدم جانبا # فتلك حقود لوتكلم صامت . . . لجاء إليها الدهرمنهن تائبا # وقد أمكنتكم فرصة فانهضوا لها . . . عجالا وإلأ أعوز الدر جالبا # فإتي رأيت الموت أجمل بالفتى . . . وأهون أن يلقى المنايا مجاوبا # وكان قد بلغ سابقا أن أميرا من أمراء خراسان يقال له تركمان التركي قد ~~توجه منجدا لتاج الدولة ، ومعه عسكر ، فأخرج سابق منصور بن كامل الكلاب ، ~~أحد أمراء بني كلاب من حلب ليلا ، وأعطاه كتابه إلى الأمير أبي زائدة ، ~~وفيه هذه الأبيات ، ومعه بعض أصحاب سابق ومعهم مال . # فلما وقف الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة على هذه الأبيات ، اتفق مع ~~منصور ونائب سابق ، وجمعوا ما يزيد عن آلف فارس وخمسمائة راجل من بني نمير ~~، وقشير ، وكلاب ، وعقيل ، وكل ذلك بتدبير الأمير شرف الدولة أبي المكارم ~~ومشورته . PageV01P197 # ووفد بهم الأمير أبو زائدة ، ووصلوا إلى وادي بطنان . واتفق وصول المعروف ~~بتركمان التركي ms136 في آلف فارس من الغز ، ومعه جملة من العدد لمحاصرة حلب ~~ومعونة تتش . # وعبر تركمان على طريق الفايا ، فسار الأمير أبو زائدة بمن معه من الجمع ، ~~ولقوا تركمان في أرض الفايا ، فأوقعوا به وكبسوا عسكره ، وقتلوه ، ونهبوا ~~ما كان فيه بأسره وجميع ما كان للتجار الواصلين في صحبته ، واتصل هذا الخبر ~~بتاج الدولة وهو منازل حلب ، فرحل عنها إلى الفرات ، وتوجه نحو ديار بكر ~~وشتى بها . # # | عودة تاج الدولة # ثم عاد وقطع الفرات ، وتسلم منبج وحصن الفايا وحصن الدير ، وشحنها ~~بالرجال ، وسار بالعسكر إلى حصن بزاعا ، وكان صاحبه شبل بن جامع ، وبعض ~~رجال هذا الحصن ممن كانت له النكاية العظيمة في عسكر تركمان ، فقاتله تاج ~~الدولة ، وفتحه بالسيف ، وقتل كافة من كان فيه ، ونهبه وشحنه بالرجال . # ورحل إلى عزاز وقد انضوى إلى قلعتها خلق عظيم ، ومنعهم الوالي بها من ~~الصعود إليها فالتجئوا إلى سند القلعة بأقمشتهم ، والناس عليها ، وأساء ~~الوالي بها وكان اسمه عيسى ، التدبير والسياسة . # فزحف العسكر إلى القلعة ، وقاتلها ، وضربها بالنار ، فاحترقت أقمشة الناس ~~، وغلاتهم ، وحرمهم ، وأولادهم ، وأشرفت على الأخذ وخرج قوم من الحريق إلى ~~عسكر تاج فأمنهم ، وتقدم إليهم بالعودة إلى ضياعهم . # ورحل الملك تاج الدولة إلى جبرين قور سطايا ، فأخذها وشحنها بالرجال ، ~~فخرج الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة من حلب في الليل ، ووصل إلى ضيعة تعرف ~~بكرمين ، فوجد بها خمسين فارسا من الغز ، فقتلوا أكثرهم ، وغنموا كل ما ~~كان معهم ، وعادوا إلى حلب سالمين . PageV01P198 # فأسرى تاج الدولة في الليل من جبرين عند ذلك في جميع عسكره ، وهم ملبسون ~~مستعدون ، فصبحوا حلب صباحا ، وأغاروا عليها ، فخرج عسكر حلب فالتقوا على ~~الخناقية على باب حلب ثم إن بعض عسكر حلب انهزموا لغير موجب ، وهزم الله ~~عسكر تتش بغير قتال . # وكان الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة وابن عمه شبل بن جامع بن زائدة في ~~قدر خمسين فارسا مقابلهم ، فحملوا عليه ، واتفقت هزيمتهم ، فقتلوا من الغز ~~جماعة وغنموا . # ولو عاد عسكر حلب في إثرهم ما كان أفلت منهم ms137 إلامن سبق به فرسه . # وشاع لمحمد بن زائدة في ذلك اليوم ذكر جميل . وتقدم الأمير محمد بن زائدة ~~إلى الشيخ أبي نصر منصور بن تميم المعروف بابن زنكل أن يجيب أبا الفضائل ~~سابق بن محمود عن القصيدة التي أنفذها إليه ، ويعرفه ما لبني كلاب من ~~الأيام المعروفة ، ويذكر هذه الوقائع ، فعمل : # دعوت مجيبا ناصحا لك مخلصا . . . يرى ذاك فرضا لا محالة واجبا # فلبيت لا مستنكفا جزعا ولا . . . هدانا إذا خاض الكريهة هائبا # ومنها : # ولما دعاني المدركي ابن صالح . . . شققت ، ولم أرهب ، إليه الكرائبا # أسابق صرف الدهر في نصر ' سابق ' . . . إلى ' تركمان ' الترك أزجي ~~النجائبا # فلما التقيناهم غدا البعض سالبا . . . لأنفسهم ، والبعض للمال ناهبا # فيا لك من يوم سعيد بيمنه . . . عن الثغر أضحى عسكر الصد هاربا # وكان يرى في كفه الشام حاصلا . . . ويوم ' بزاعا ' رد ما ظن خائبا # وليلة ' كرمين ' تركنا كرامهم . . . كضأن بها لاقت مع القدر قاصبا # وفي يوم ' خناقية ' قد خنقتهم . . . بعثير ذل رد ذا الشرخ شائبا # عطفت لهم إذ خام من خام منهم . . . بفتيان كالعقبان شامت توالبا # فلله قومي الصادرون لو انثنوا . . . معي ، أو فريق كنت للجمع ناكبا # فولوا وقضبان المخافة فيهم . . . مسابقة أرماحنا والقواضبا PageV01P199 # فكم فارس منهم تركنا مجدلا . . . يباشر ترب القاع منه الترائبا # وإذ أيقنوا أن ليس للكسر جابر . . . تولوا وعن ' جبرين ' حثوا الركائبا # وخلوا بها كسبا حووه ، وأبصروا . . . سلامتهم منا أجل مكاسبا # # | أعمال تاج الدولة # وأما تاج الدولة تتش فإنه رحل من جبرين ، وسار إلى دمشق فملكها ، وتسلمها ~~من أتسز بن أوق التركي ، ثم فسح من عسكره أفشين التركي ، ومعه أكثر العسكر ~~، وعاد شمالا ونهب عسكره ضياعا في أعمال بعلبك . # ووصل رفنية في اليوم العاشر من جمادى الأولى ، وفيها جماعة كثيرة من ~~التجار والقوافل متوجهين إلى طرابلس ، فهجمها بغتة ، وقتل ممن كان بها ~~جماعة ، واستباح أموالهم وحريمهم ، وأقام بها عشرة أيام . # ثم سار فنزل حصن الجسر ، فأكرمه أبو الحسن بن منقذ فأعلمه بما عول عليه ~~من نهب الشام ، فسأله في بلدة كفرطاب إلا يعترضها فأجابه ms138 . # وسار فنزل قسطون فجرى أمرها في النهب والعقوبة مجرى رفنية ، وأقام بها ~~نيفا وعشرين يوما ثم تنقل وعسكره بالمنجنيقات على أبراج جبل السماق ~~وغيرها ، حتى لم يبق بها موضع ولا برج إلا افتتحه وأهلكه ، واستباح حريمهم ~~وأولادهم ، واستغرق أحوال أهل سرمين والمعرة بالقطائع ، وطلع إلى جبل بني ~~عليم فلم يتم له بها شيء . # وسار فنزل ضياع معرة النعمان الشرقية بالمنجنيقات ، ففتح أبراجها وحصونها ~~بالسيف ، وأخذ ما لا لمكن إحصاؤه ، وغلب أهلها فهلك منهم خلق ، ونزل تل منس ~~، وقطع عليها خمسة آلاف دينار ، ولم يتمكن من أخذها . # وانتقل إلى عمل معرة النعمان ففعل مثل ذلك ، وسار إلى معرتاج من بلد ~~كفرطاب ، فتحصن أهلها في أبراجها ، وتعثرت عليه فأحرقها ، وهلك جميع من كان ~~فيها . # وبلغ تاج الدولة ذلك ، وهو بدمشق ، فأسرع السير إلى أن وصل إلى ظاهر ~~كفرطاب يطلب أرسلان تاش ، فوجده قد رحل إلى بلاد الروم ، فعاد إلى دمشق ~~وسكن الناس فى طريقه PageV01P200 وحين رجع أفشين من الشام ولم يبق في أعمال ~~حلب ضيعه مسكونة من بلد المعرة إلى حلب ، توجه إلى بلد أنطاكية فأخرب ما ~~قدر عليه ، ونهب وسبي ما وجده ، وحمل إليه من أنطاكية مال ، وتوجه إلى ~~الشرق بعد امتلاء صدره وصد عسكره من النهب . # وجرى من هذا الحادث بالشام أمر لم يسمع بمثله ، وتلف أهله بعد ذلك بالجوع ~~ووجد قوم قد قتلوا قوما وأكلوا لحومهم ، وبيعت الحنطة ستة أرطال بدينار ~~وما سوى ذلك بالنسبة . # وجدد من سلم من الشام إلى بلد شرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش ، ~~فأحسن إليهم وتصدق عليهم ، وكان ذلك الإحسان منه أكبر الأسباب في مملكته ~~حلب . # # | شرف الدولة في حلب ونهاية المرداسيين # ولما جرى هذا الحادث طمع شرف الدولة في الشام ، وكاتبه سابق بن محمود ~~يبذل له التسليم إليه ، ووفدت عليه بنو كلاب بأسرها ، فتوجه إلى حلب ، ونزل ~~بالس يوم عيد النحر من سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة . # ونزل حلب في السادس عشر من ذي الحجة ، سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة فغلقت ~~أبوابها في وجهه ms139 ، وكان عند سابق أخواه شبيب ووثاب بحلب ، فلم يمكناه من ~~التسليم ، فلم يقاتلها ، وأهلها يحرصون على التسليم إليه لما هم فيه من ~~الجوع وعدم القوت . # وكان مع شرف الدولة في عسكره غلة كثيرة وقوة تجوز الحد ، وتزيد عن الوصف ~~وكان الرئيس بحلب ونقيب الأحداث بها الشريف حسن بن هبة الله الهاشمي ، ~~المعروف بالحتيتي ، وكان ولده أبو منصور قد خرج مع عسكر سابق لقتال بعض ~~الأتراك المخالفين في بيت لاها فأسروه ، وبقي أسيرا في الموضع مع خطلج أحد ~~أصحاب أحمد شاه . PageV01P201 # فلما وصل شرف الدولة إلى حلب وفد الذك كلهم عليه ، وتقربوا إليه بولد ~~الشريف الحتيتي وقيل : إنه طلبه منهم فلما حضر عنده خلع عليه ، وأطلقه فدخل ~~البلد ، وأخذ معه جماعة من أصحابه ، وفتح باب حلب ، ونادى بشعار شرف الدولة ~~في اليوم السادس والعشرين من ذي الحجة ، من سنة ائنتين وسبعين وأربعمائة . # وتسلمها ، ودخل أصحابه إليها ، وقلع أبوابها جميعها ، وفتح باب أربعين ~~وكان مسدودا وأحسن إلى كافة أهلها ، وخل على أحداثهم ، وتصدق بمال كثير ~~وغلة . # وكان سديد الملك بن منقذ قد وفد على شرف الدولة ونزل معه على حلب ، وكان ~~شرف الدولة قد عزم على الرحيل من حلب لما حل بهم من الضجر ومصابرة أهل حلب ~~، وغلت الأشعار عندهم حتى صار الخبز ستة أرطال بدينار . # وفر سديد الملك أبو الحسن بن منقذ من سور القلعة ، فاطلع إليه صديق له من ~~أهل الأدب ، فقال له : ' كيف أنتم ' فقال : طول جب ' خوفر من تفسير الكلمة ~~، فعاد ابن منقذ وهو يقلب هذا الكلام فصح له إنه قصد بكلامه أنهم قد ضعفوا ~~. وأوجس أنها كلمتان ، وأن قوله : طول يريد به : مدا ، وجب ' يريد به ' بير ~~' فقال ' مدابير والله ، فأعلم شرف الدولة بدلك فقوى نفسه فملكها . # ولما فتحت المدينة انحاز سابق إلى القلعة ، وأخواه شبيب ووثاب في القصر ، ~~لضيق القلعة ، وشرف الدولة محاصر للقلعة بالمنجنيقات والعساكر ولم يبق ~~بالشام وحصون جبل بهرا ، وحمص ، وفامية شيزر ومن لم يفد على السلطان إلا ~~وفد عليه . # ودبر شبيب ووثاب ms140 ، وهما في القصر على سابق وقفزا في القلعة ، وصاح ~~الأجناد بها : شبيب يا منصور ، وقبض سابق وحبس ، وتسلم شبيب ما كان بها من ~~مال وسلاح . # ثم وقعت السفارة بينهم وبين شرف الدولة على أن أقطع شبيبا ووثابا قلعتي ~~عزاز والأثارب وعدة ضياع وأقطع سابق بن محمود مواضع أخر في أعمال الرحبة ، ~~PageV01P202 وأن يتزوج منيعة بنت محمود أخت سابق ، وكان السفير بينهم في ~~ذلك الأمير سديد الملك علي بن منقذ ، وبتدبيره جرى ذلك . # ووافق ذلك أن غار الماء في قلعة حلب ، ونزل منها أولاد محمود وانقضت دولة ~~آل مرداس وكان الوزير لسابق بن محمود الشيخ أبا نصر محمد بن الحسن بن ~~النحاس وعزله ، واعتقله مدة ثم أطلقه . # وولى وزارته أبا منصور عيسى بن بطرس النصراني فامتنع ، فألزم بها ، ووزر ~~به في النصف من شوال سنة تسع وستين وأربعمائة . PageV01P203 فارغة ~~PageV01P204 # $ القسم السادس عشر # حلب ومسلم بن قريش # مسلم في حلب $ # وتسلمها أبو المكارم في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ، ~~بعد حصار أربعة أشهر للقلعة وقال ابن أبي حصينة يهنىء شرف الدولة بفتح ~~القلعة : # لقد أطاعك فيها كل ممتنع . . . خوف اتتقامك حتى غارت الفلب # ولما ملك شرف الدولة حلب أحسن إلى أهلها ، وخفف عنهم أثقالا كثيرة ، ~~وصفح عن كلف كانت عليهم في أيام بني مرداس . ونقلت الغلات إلى حلب ، فرخصت ~~الأسعار بعد الغلاء الشديد وفي يوم تسلمه القلعة ودخوله إليها دخل زوجته ~~منيعة أخت سابق ، في اليوم والساعة ، وهو اتفاق لم يسمع بمثله ، ففتح حصنين ~~. وقال في ذلك أبو نصر بن الزنكل يمدح شرف الدولة : # فرعت أمنع حصن وافترعت به . . . نغم الحصان ضحى من قبل يعتدل # وحزت بحر الدجى شمس الضحى فعلى . . . مثليكما شرفا لم تسدل الكلل # ومدحه ، ابن حيوس بالقصيدة التي أولها : # ما أدرك الطلبات مثل متمم . . . إن أقدمت أعداؤه لم يحجم # فلما وصل إلى قوله : أنت الذي نفق الثناء بسوقه . . . وجرى الندى بعروقه ~~قبل الدم # اهتز شرف الدولة وأمره بالجلوس ، فأتمها جالسا وأجازه بألفي دينار وقرية ~~. PageV01P205 # وقيل : إنه ms141 لما مدحه ابن حيوس قال له أبو العز بن صدقة البغدادي وزير شرف ~~الدولة : هذا رجل كبير السن ولم يبق من عمره إلا القليل ، فأرى أن تعظم له ~~الجائزة فيحصل على الذكر الجميل ' فأقطعه الموصل جائزة له . # فمات في هذه السنة قبل أن يصل إليها وترك مالا جزيلا فقيل لشرف الدولة ~~: هذا لا وارث له إلا بيت المال ' فقال : والله لا يدخل خزانتي مال قد جمعه ~~من صلات الملوك انظروا له قرابة . فسألوا عن ذلك فوجدوا له من ذوي الأرحام ~~بنت أخ فأعطاها ماله جميعه وهي بنت أخيه أبي المكارم محمد بن سلطان ابن ~~حيوس . # ولما سفر ابن منقذ في تسليم حلب وتسلمها شرف الدولة وعد ابن منقذ وعودا ~~جميلة ، ومناه أماني حسنة وأكرمه غاية الإكرام . # ونقل شرف الدولة إلى الشام من الغلال ما ملأ الأهراء ، وعاد بالرفق على ~~الناس ، وكذلك نقل إليها من سائر الحبوب ومن البقر والغنم والمعز والدجاج ~~شيء كثير . # وعاش الناس في أيامه ورخصت الأسعار بحسن تدبيره وتسلم حصن عزاز من واليها ~~عيسى وتسلم حصن الأثارب بعد حصار وحرب ، وكذلك الحصون التي كانت في أيدي ~~أصحاب تاج الدولة من أعمال حلب التي افتتحها . # وصفت له جميع أعمال حلب ، وقال لسديد الملك : ' امض في دعة الله فأنا ~~سائر إلى بلادي ويجب أن تصلح حالك فأنا أصل وأبلغتك كل ما توثره ورجع إلى ~~بلاده ، وجعل أخاه علي بن قريش بحلب مع قطعة من عسكره بحلب . # وكاتب السلطان أبا الفتح ملك شاه يعلمه بما جرى ، ويسأله في تقرير شيء ~~يحمله من الشام فأجيب إلى ذلك . # ووصل أبو العز بن صدقة البغدادي وزير شرف الدولة إلى حلب لجمع أموالها في ~~سنة أربع وسبعين وأربعمائة ، وعدل عما كان ابتدأ به من العدل والإحسان ، ~~وصادر جماعة ، وضاعف الخراج . PageV01P206 # وكان شرف الدولة بالقادسية فدخل الحمام وهي ملاصقة لداره ، فوثب عليه ~~مملوكان برسم خدمته ، فجعلا في حلقه أنشوطة ليخنقاه ، وانتظرا صاحبا لهما ~~يدخل بسكين ، فصاح شرف الدولة فسمعت صياحه زوجته خاتون أخت السلطان ألب ms142 ~~أرسلان ، فخرجت إليه فانهزما عنه ومرض من ذلك أياما ، وأخذا وقتلا . # ولما بلغ ذلك أبا العز بن صدقة البغدادي عاد من حلب إلى القادسية . # وكان سديد الملك بن منقذ قد عمر قلعة الجسر ، وقصد مضايقة شيزر وبها أشقف ~~الباره وضيق عليه إلى أن راسله واشتراها منه ، واستحلفه على أشياء اشترطها ~~عليه . # ولم يزل ابن منقذ يعده الجميل ويتلطف له إلى أن سلم إليه حصن شيزر ليلة ~~الأحد النصف من شهر رجب من سنة أربع وسبعين وأربعمائة . # ووفى له ابن منقذ بكل ما عاهده علي ، فثقل ذلك على شرف الدولة وحسد ابن ~~منقذ على شيزر فسار عسكر حلب مع مؤيد الدولة علي بن قريش إلى شيزر ، ونزلوا ~~عليها في يوم الجمعة خامس ذي الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة ، بعد ~~مراسلات جرت فلم يجب ابن منقذ إلى ما التمس منه . # وكان علي بن قريش قد أخذ في طريقه حصنا لابن منقذ يقال له أشفونا غربي ~~كفرطاب ، وكان ابن منقذ قد تأهب للحصار ، وحمل من الجسر إلى شيزر ما يكفي ~~لمن فيه مدة طويلة من سائر الأشياء . # وحصره علي بن قريش مدة إلى أن وصل شرف الدولة بنفسه ، فنزل على شيزر يوم ~~الأربعاء سلخ المحرم من سنة خمس وسبعين وأربعمائة . # ثم رحل عنها إلى حمص يوم السبت ثالث صفر ، وأقام عسكره على شيزر ، فتطارح ~~ابن منقذ عليه ، وسير إبنه أبا العساكر وامرأته منصورة بنت المطوع وأخته ~~رفيعة بنت منقذ إلى حمص . فدخلوا عليه ، وحملوا إليه مالا ، فأنفذ إلى ~~عكسره ، ورحله عن شيزر في الثامن والعشرين من صفر من السنة . PageV01P207 # # | عودة مسلم بن قريش # ولما وصل شرف الدولة إلى حماة قبض على جميع الأتراك الذين بالشام وأخذ ~~منهم الحصون التي كانت في أيديهم ، وهي بيت لاها ، وتل اغدي ، وهاب ، ~~وكفرنبل ، وقبض على وثاب وشبيب ابني محمود ، وأخذ منهما قلعة عزاز والأثارب ~~، وأطلقهما بعد ذلك ، وحمل الأتراك ، وحبسهم في الرحبة فداموا بها إلى أن ~~قتل . وقبض شرف الدولة على أكثر أقطاع بني كلاب بالشام ، وعاد ms143 إلى حلب ، ~~وقبض على حسن بن وثاب النميري أمير بني نمير ، وكان قد حصره بسروج في العام ~~الخالي فسلمها إليه بعد أن عوضه عنها بنصيبين فاعتقله بحلب مدة وقتله وفي ~~نزوله على شيزر ، وقتاله حصن الجسر ، وفعل وزيره أبي العز ابن صدقة من ~~المصادره ، يقول أبو المعافى سالم بن المهذب المعري : # أمسلم لا سلمت من حادث الردى . . . وزرت وزيرا ما شددت به أزرا # ربحت ولم تخسر بحرب ابن منقذ . . . من الله والناس المذمة والوزرا # فمت كمدا ' فالجسر ' لست بجاسر . . . عليه ، وعاين شيزرا أبدا شزرا # فبلغت الأبيات شرف الدولة ، فقال : ' من يقول هذا فينا ' قالوا : ' رجل ~~من أهل المعرة يقال له ابن المهذب ' قال : ' ما لنا وله ، اكتبوا إلى ~~الوالي بالمعرة يكف عنه ، ويحسن إليه فربما يكون قد جار علي وأحوجه إلى أن ~~قال ما قال ' . # وعاد شرف الدولة إلى الجزيرة ، وقد جرت منه هذه الحوادث ، وأجحف ببني ~~كلاب ، فأجمع رأي وثاب وشبيب ابني محمود ، وخلف ابن ملاعب الأشهبي صاحب حمص ~~، وأبي الحسن بن منقذ ، ومنصور بن الدوح على مكاتبة الملك تاج الدولة بدمشق ~~، وشكوا أحوالهم ، وعرضوا عليه خدمتهم ، وأطمعوه في الشام . PageV01P208 # فسار من دمشق إلى الشام وقصد ناحية أنطاكية وأقام عليها مدة ، واتصل به ~~خبر شرف الدولة وما هو عليه من الجمع والتأهب ، واجتماع العرب إليه من بني ~~نمير ، وعقيل ، والأكراد ، والمولدة ، وبني شيبان ، للنزول على دمشق . وخرج ~~عسكر حلب مع بعض أصحاب شرف الدولة إلى أعمالها ، ورتبوا ولاتهم فيها وساروا ~~إلى حماة ، وبها وثاب بن محمود ، فلقي عسكر شرف الدولة وكبسه وقتل منه ~~جماعة ، وعاد من سلم منهم إلى حلب . # فنزل وثاب بن محمود ومنصور بن كامل بن الدوح وابن ملاعب وابن منقذ على ~~معرة النعمان ، وقطعوا كثيرا من شجرها ، ورعوا زرعها بالظعون ، وقلبوه ~~بالفدن ، وقاتلوها أياما ، ولم يمكنهم أهلها من فتحها خوفا منهم . # وبلغ شرف الدولة ذلك كله ، فسار ومعه أكثر بني كلاب وبني نمير ، وبعض بني ~~عقيل ، ووصله بعض بني طيء وكلب وعليم ، ونزل في بالس في ms144 محرم سنة ست وسبعين ~~. # # | من دمشق إلى حران # وسار إلى دمشق وحاصرها ، وقاتل دمشق في بعض الأيام وخرج إليه عسكر دمشق ، ~~وحمل عليه حملة صادقة فانكشف عسكره وتضعضع ، وعاد كل فريق إلى مكانه . # وعاد عسكر دمشق بحملة أخرى ، فانهزمت العرب ، وثبت شرف الدولة مكانه ، ~~وأشرف على الأسر ، وتراجع إليه أصحابه ، وكان قد ظن أن العسكر المصري ينجده ~~فخاف أمير الجيوش من ميل العرب إليه فتثاقل عنه . # وورد عليه من حران خبر أزعجه ، وذلك إنه كان قد تسلمها من يحيى بن ~~PageV01P209 الشاطر أحد عبيد ابن وثاب النميري ، وكان يليها لعلي بن وثاب ~~الطفل ، وكان وثاب يعدل فيهم ويرفق بهم ، فولى فيها جعفر العقيلي ، فعدل ~~عما كان وثاب يسلكه من العدل ، وأظهر مذهب التشيع والإعلان به ، وكان يتولى ~~الحكم بها القاضي ابن جلبة ، فاتفق مع أهل حران على العصيان على شرف الدولة ~~، وكاتبوا يحيى بن الشاطر الذي تسلمها منه مسلم فوصل إليهم ، ومعه ابن عطية ~~النميري وجماعة ، ووثبوا على أصحاب شرف الدولة فهربوا إلى الحصن ، وقاتلهم ~~ابن جلبة ومن انضم إليه . # فسير الوالي جماعة إلى شرف الدولة يعلمه بالحال ، فبعضهم أخذ بالقرب من ~~حران ، وبعضهم أخذه أصحاب تاج الدولة ، فعرف تاج الدولة الخبر قبل معرفة ~~شرف الدولة فقويت نفسه . # وعرف شرف الدولة ذلك واستضر عسكره بتواصل الغارات عليه عندما قويت نفس ~~تاج الدولة ، وكان ذا مكر وخديعة ، فرحل إلى مرج الصفر ، وأوهم أنه يسير ~~مقتبلا لأمر عزم عليه ، وقلق أهل دمشق لذلك . # ثم رحل مشرقا في البرية على وادي بني حصين ونزل شرقي حماة ، وراسل ابن ~~ملاعب ، وطيب نفسه إلى أن نزل فخلع عليه ، وقرر معه أن يكون بينه وبين تاج ~~الدولة درءا يمنع من الأذية في بلاده ، فأجابه إلى ذلك ، وخلع عليه شرف ~~الدولة وأكرمه وطيب نفسه . # وسار شرف الدولة إلى حران بعد أن أشرف الحصن على الأخذ ، فقاتل حران ، ~~ونقب نقوبا في سورها وثلم ثلمتين ، وأقام عليها شهرين ، ومضى أبو بكر ابن ~~القاضي ابن جلبة ويحيى بن الشاطر . PageV01P210 # واستنجد بجماعة ms145 من الأتراك فسير ابن عمه ثروان بن وهيب فكسرهم وأسر منهم ~~خلقا عبر بهم على حران وسيرهم إلى بلاده . وهجم حران بالسيف من الثلمتين ~~وهم يقاتلون ولم تسكن الحرب حتى أعطى لؤلؤ الخادم الأمان ، وأمن أبا بكر ~~ابن القاضي وكان قد عاد إلى البلد ، فحينئذ تفرق الناس . # ونهب عسكر شرف الدولة البلد ، وقطع عليهم آلف دينار ، وقبض على خلق منهم ~~، وقتل ابن جلبة وولديه وثلاثة وتسعين رجلا صبرا ، وصلبهم ، وصلب ابن ~~جلبة أمامهم ، ولم يف له بعهده ، وذلك كله في سنة ست وسبعين . # # | سلطان ومسلم بن قريش # ووصل ابن جهير وزير القائم ليتسلم ديار بكر ومعه عسكر من ملك شاه وكان ~~ابن جهير قد وزر مرة لثمال بن صالح ، ثم وزر لابن مروان ، ثم للقائم فوصل ~~ابن مروان إلى شرف الدولة ، واستنجده عليه فأنجده ، فالتقوا على آمد ، ~~فكسرهم ابن جهير ، وأخذ أموال شرف الدولة ، وأسر أصحابه ، وأطلق من أسر من ~~بني عقيل . # ثم إن ابن جهير بث سراياه في أعمال شرف الدولة فعاثت في بلاده ، ونهبت ، ~~وذلك في سنة سبع وسبعين . # ووصله مال من حلب فتقوى به ، وسار إلى الرحبة وسير عمه مقبل بن بدران ~~رسولا إلى مضر يطلب معونتهم ، ويبذل لهم الطاعة ، وكاتب السلطان ملك شاه ~~يذكره بخدمته وطاعته ويذكر ما فعله ابن جهير . # فلما عرف ملك شاه ذلك وانفاذه عمه إلى مصر سار إلى الموصل ومعه نظام ~~PageV01P211 الملك ، وكان نظام الملك يميل إلى شرف الدولة ، ويشير بالإحسان ~~إليه والصفح عنه وكاتب الوزير نظام الملك شرف الدولة يشير عليه بالوفود على ~~السلطان ، ووعده بما طابت به نفسه ، فسار من الرحبة إليه ، ولقيه نظام ~~الملك على مراحل من الموصل . # فترجل شرف الدولة وقبل يده ، وكان في محفة لمرض منعه من الركوب ، فأمره ~~بالركوب ، وقال له : ذهب خوفك وشرح صدرك ، وحقق أملك وكان قد استصحب معه كل ~~ما قدر عليه من بقايا ذخائره وأمواله وخيله عقيب هذه النكبة العظيمة . # ودخل على السلطان فأكرمه وأحسن إليه ، وأجابه إلى كل ما طلبه ، وسامحه ms146 ~~بما كان بقي عليه من مقاطعة الشام ، وجدد له التوقيع بالبلاد الشامية ~~والجزرية وكل ما كان في يده ، وقرر معه مسير ولده محمد وأن يكون في عسكره ، ~~وكاتب أخاه تاج الدولة أن لا يعرض لبلاده ، وكان قد توجه إليها ، وسار أبو ~~العز بن صدقة إلى حلب لإنجادها عليه ، وبلغه خروج عسكر من مصر فرجع من ~~لطمين . # # | سليمان وأنطاكية # وفي سنة سبع وسبعين وأربعمائة ، شرع سليمان بن قطلمش في العمل على ~~أنطاكية والاجتهاد في أخذها إلى أن تم له ما أراد فأسرى من نيقيه في عسكره ~~، وعبر الدروب وأوهم أن الفلاردوس . PageV01P212 # استدعاه ، وأسرع السير إلى أن وصل أنطاكية ليلا ، فقتل أهل ضيعة تعرف ~~بالعمرانية جميعهم لئلا ينذروا به ، وعلقوا حبالا في شرفات السور بالرماح ~~، وطلعوا مما يلي باب فارس ، وحين صار منهم على السور جماعة نزلوا إلى باب ~~فارس وفتحوه ودخل هو وعسكره من الباب وأغلقوه ، وكانوا مائتين وثمانين ~~رجلا ، وذلك يوم الأحد العاشر من شعبان ، وقيل يوم الجمعة الثامن ، ولم ~~يشعر بهم أهل البلد إلى الصباح . # وصاح الأتراك صيحة واحدة فتوهم أهل أنطاكية أنه عسكر الفلاردوس حتى ~~قاتلوهم فانهزموا وعلموا أن البلد قد هجم فبعضهم هرب إلى القلعة وبعضهم رمى ~~بنفسه من السور فنجا . # واستقل سليمان عسكره فوصل إليه ابن منجاك في ثلاثمائة فارس ، ولم يزل ~~عسكره يتواصل حتى قوي ، فأمن الناس وردهم إلى دورهم ، ورد أكثر السبي وصلى ~~المسلمون يوم الجمعة خامس عشر شعبان في القسيان ، وأذن فيه ذلك اليوم مائة ~~وعشرة من المؤذنين وخلق كثير من أهل الشام . # وكان يوم فتحها أول يوم من كانون الأول ، وكان فتح الروم لها أول ليلة من ~~كانون الثاني لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة . # ووجد خط بعض المنجمين وهو ابن أخت الصابي على ظهر كتاب عند القاضي أبي ~~الفضل بن أبي جرادة يقول : ' ذكر المخبر عن أخذ مدينة أنطاكية أن دخول ~~العدو يعني الروم إليها في وقت كذا وكذا من الليل ، فإن صح قول المخبر ms147 ~~فإنها تثبت في أيدي الروم مائة وتسع عشرة سنة ' . # وكان قد وقف على هذا الخط محمود بن نصر بن صالح ، وقد ذكر في مجلسه ، ~~وأظن ذلك حين نزل الأفشين التركي على أنطاكية ، وخاف محمود من أن يملك ~~أنطاكية فلم يتفق فتحها حينئذ ، وكان الأمر كما ذكر المنجم ، ففتحها سليمان ~~ابن قطلمش عند تمام المدة . وأقام سليمان بن قطلمش يحاصر قلعة أنطاكية إلى ~~الثاني عشر من شهر رمضان PageV01P213 من السنة وفتحها بالأمان ليقيها من ~~القتل والسبي ونهب الترك من أنطاكية ما يفوت الإحصاء ويزيد عن الوصف وسكنها ~~سليمان بعسكره وفتح الحصون المجاورة لها ، بعضها عن طوع وبعضها عن استدراج ~~. # وصار لسليمان من نيقية إلى طرابلس ، وملك الثغور الشامية ، وكان حسن ~~السيرة في جنده وعسكره جوادا بماله ، فمال إليه الناس لذلك ولما فتح ~~أنطاكية أهدى إلى شرف الدولة من الغنيمة هدية حسنة ولما استقر حال شرف ~~الدولة مع ملك شاه واطمأن عاد إلى القادسية ، وناصف الجند في أرزاقهم ، ~~ونقصها عليهم ، فصار أكثرهم إلى سليمان ، وتركوه ، فأقطعهم ، وأحسن إليهم ~~وسبب لهم أرزاقا تكفيهم . # وكان جماعة من أصحاب بني مرداس يخافون شرف الدولة وهم متفرقون في الشام ~~فصاروا إليه . # وكان من ضياع أنطاكية وأعمالها مواضع عدة تغلب محمود والأتراك عليها ، ~~وقبضوها من الروم لضعفهم ، وصارت في أعمال حلب ، فقبضها سليمان وأقطعها ~~وغيرها مما يجاور أعمال أنطاكية . # وكان الشريف حسن الحتيتي رئيس حلب وغيره من أصحاب شرف الدولة خافوا منه ~~لما استقر حاله مع السلطان أن يتم له الصلح مع ابن قطلمش فيتفرغ لهم ~~ويقبضهم ، ويستأصل أموالهم ، فتوصلوا إلى المفاسدة بينهما بمن صار في حلته ~~من أهل الشام ليشتغل عنهم شرف الدولة وكان لأبي المكارم على أنطاكية يحملها ~~الروم إليه فطمع بها من سليمان فلم يجبه إلى ذلك وقال : تلك جزية كانت على ~~الروم لتمسك عن جهادهم ، وقد قمت أنا بفريضة الجهاد ، وصارت أنطاكية ~~للمسلمين فكيف أؤدي عنها إليك جزية ؟ ففسد ما بينهما لذلك . # وسار شبيب بن محمود ومنصور بن الدوح وجماعة من بني كلاب ms148 إلى أنطاكية ، ~~وحضروا عند سليمان ، ووعدهم ووعدوه بما لم يقبح من بعضهم لبعض ، ~~PageV01P214 وأخذوا قطعة من عسكره ، وخرجوا فعاثوا في بلاد شرف الدولة ، ثم ~~إنهم خافوا منه فهربوا إلى أسفونا . # # | غارات سليمان ومقتل مسلم # وتواصلت غاراته على بلد حلب وسرمين وبزاعا وقبض شرف الدولة على وزيره أبي ~~العز بن صدقة وصادره وحبسه ، وسير ابن الحلزون إلى حلب ليدبر أمرها ، فوصل ~~إلى حلب ، وراسل سليمان في الصلح . # وقبض على علي بن قريش بأمر أخيه شرف الدولة ، وصادره على عشرة آلاف دينار ~~، وأخذ منه منبج لأنها كانت إقطاعه ، فعند ذلك ازدادت وحشة الشريف وغيره ~~لما شاهدوه من فعله بأخيه وكذا كانت سيرته في أصحابه وبهذا الطريق فسد حاله ~~، وأما رعيته فكانوا معه على أجمل حال وأحسنه . # وحيث تحقق شرف الدولة احتلال حلب ونواحيها بغارات سليمان جمع عسكره ~~وانضاف إليه بعض الأتراك ، ووصل إلى عزاز في صفر من سنة ثمان وسبعين ~~وأربعمائة . # وأشير عليه بالنزول على حلب ومراسلة سليمان في الصلح ، فامتنع واستدعى ~~بني كلاب فوصله منهم جماعة من أعيانهم وفرسانهم ، وسار فنزل على نهر عفرين ~~بموضع يقال له قززاحل . # ووصل سليمان من أنطاكية في أربعة آلاف فارس ، وكان شرف الدولة في عدة ~~تزيد عن ستة آلاف ليس فيهم مناصح ، وجاء شرف الدولة بطيخ فنزل هو وبعض بني ~~عمه وأكلوا ، فقال ابن عمه : # كلوا أكلة من عاش يخبر أهله . . . ومن مات يلقى الله وهو بطين # فقال شرف الدولة : قتلنا فألك يا ابن العم . # والتقوا في آخر نهار السبت ، لست بقين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ~~، والشمس في وجوه عسكر شرف الدولة ، وكان اللقاء بغتة في غير وقت يظن فيه ، ~~فانهزم عسكر شرف الدولة ، وجاءته طعنة فقتل ولما طعن قال : ' يا شام الشؤم ~~واتهم بعض أصحابه قتله وكان القتل بين الفريقين قليلا لأن أصحاب شرف ~~PageV01P215 الدولة لم يثبتوا معه لقبح رأيهم فيه ورحل سليمان ونزل بظاهر ~~حلب ، وحمل شرف الدولة ، وطرحه على باب حلب فدفن هناك وانفرد الشريف أبو ~~علي الحسن بن هبة ms149 الله الهاشمي المعروف بالحتيتي بتدبير حلب وسالم بن مالك ~~العقيلي بالقلعة . # وكان القاضي بحلب في أيام شرف الدولة القاضي كسرى بن عبد الكريم بن كسرى ~~وتولى قضاء حلب في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة ومات في أيام أبي المكارم ~~مسلم بن قريش ، فولي قضاءها أبو الفضل هبة الله بن أحمد بن أبي جرادة وهو ~~ابن بنت كسرى المذكور ، وابن القاضي أبي الحسن المقدم قبل كسرى وكان أبو ~~المكارم شرف الدولة يخاطبه بابن العم لكونه عقيليا ، والقاضي عقيلي ومن ~~شعر أبي المكارم بن قريش : إذا قرعت رجلي الركاب تزعزعت . . . لها الشم ~~واهتز الصعيد إلى مصر # ومن شعره أيضا : # الدهر يومان ذا أمن وذا خطر . . . والماء صنفان ذا صاف وذا كدر ~~PageV01P216 # # | القسم السابع عشر حلب وملكشاه السلجوقي التركي # # | سليمان حولى حلب # وأما سليمان بن قطلمش فإنه حاصر حلب مدة ، ثم ترددت الرسل إلى أهل حلب في ~~التسليم ، فاستقرت الحال بينهم على موادعة مدة . # وسير سليمان بن قطلمش قطعة من عسكره لاتباع العرب الذين كانوا مع شرف ~~الدولة ، فهربوا ، ولحقهم شدة عظيمة من دخول البرية في حزيران . # وتوجه سليمان إلى معرة النعمان وكفر طاب ، وتسلمهما ، ثتم سار إلى شيزر ، ~~فقاتلهما وقرر أمرها على مال يحمل إليه ، وأخذ لطمين ، وشحنها بالرجال ، ~~وعدل أصحابه بالشام عما عرف من سيرة العرب . # وجرت بالمعرة أسباب وصل لأجلها حسن بن طاهر وزير سليمان ، في النصف من ~~جمادى الأولى ، يطلب أصحابه فثارت فتنة بالبلد ، وأخرجوه منه فخرج لوقته ، ~~وأصبح قاتل البلد ، وقتل جماعة من أهله في الحرب ، وأمن الناحية الغربية ، ~~وأمن الباقي منها وجعل على أهل البلد عشرة آلاف دينار . # وأما بلاد شرف الدولة فملكها بعده أخوه إبراهيم ، ما خلا حلب ، وكاتب من ~~بحلب في تسليمها إليه فلم يرده الخبر . # وأما الشريف حسن الحتيتي فإنه كان متقدم الأحداث ورئيسهم ، فعمر لنفسه في ~~صفر من سنة ثمان وسبعين قلعة الشريف المنسوبة إليه ، وبنى عليها سورا ~~دائرا ، وفصل بينها وبين المدينة بسور وخندق خوفا على نفسه أن يسلمه أهل ~~حلب ، وكانوا يبغضونه ms150 ، ويكرهون ولايته عليهم PageV01P217 واتفق الشريف ~~وسالم بن مالك صاحب القلعة الكبيرة على أن كاتبا السلطان ملك شاه يبذلان له ~~تسليم حلب إليه ، ويحثانه على الوصول أو وصول نجدة تدفع سليمان بن قطلمش . # وعمر سليمان بن قطلمش قلعة قنسرين وتحول إليها وتزوج منيعة بنت محمود ابن ~~صالح زوجة مسلم بن قريش . # ونزل على حلب وطال انتظار الشريف حسن لنجدة تصله من السلطان ، فاجتمع ~~بمبارك بن شبل أمير بني كلاب ، واتفقا على أن سار مبارك بن شبل إلى تاج ~~الدولة تتش يستدعيه إلى حلب ليتسلمها . # وعرفه ما استقر بينه وبين الشريف الحتيتي عن تسليمه حلب ، ورغبة الكافة ~~في مملكته ففرح بدلك وجمع العسكر ، وخرج من دمشق في المحرم من سنة تسع ~~وسبعين وأربعمائة إلى حلب ، فحصر حصن سليمان بن قطلمش في قنسرين ووصل إلى ~~تاج الدولة جماعة من بني كلاب ، ورحل إلى الناعورة وعول على مراسلة الشريف ~~حسن فإن سلم إليه تغلب وإلا عاد لحربه فبادر سليمان وهو نازل في عسكره على ~~حلب ، وعارضه في طريقه على عين سيلم وتراءى العسكران ، فدبر أرتق عسكر تاج ~~الدولة أحسن تدبير ، والتقوا فانهزم عسكر سليمان . # # | مقتل سليمان بن قطلمش # وقتل سليمان وأسر وزيره الحسن بن طاهر وخلق من عسكره في يوم الأربعاء ~~الثامن عشر من صفر ، فأطلق تاج الدولة الوزير ومن أسر ، وغنم عسكره والعرب ~~الذين معه جميع ما كان في العسكر . # واختلف في قتل سليمان ، فقيل : عارضه فارس من فرسان تاج الدولة فرماه في ~~صدغه بسهم فقتله . PageV01P218 # وقيل : بأنه لما يئس من النصرة نزل عن فرسه ، وقتل نفسه بسكين خفه . وقيل ~~: إن المصامدة تتبعت أسلاب القتلى فظفروا بدرع مرصع بالياقوت والعقيان ~~النفيس . # ونمى الخبر إلى تاج الدولة ، فأحضره فقال : هذا يشبه سلب الملوك وسار إلى ~~الموضع وإذا به مختلط بدمه فقال : يشبه أن يكون هذا وقد كان قال لهم : لا ~~تبينوه لي حتى أركموه من بين القتلى فقيل له : ومن أين علمت ذلك فقال : ~~قدمه تشبه قدمي ، وأقدام بني سلجوق تتشابه . # ثم قال بلسانه ms151 : ظلمناكم ، وأبعدناكم ونقتلكم ثم مسح عينيه واغتم لقتله ، ~~وترحم عليه ، وأحضر أكفانا نفيسة فكفنه ، وصلى عليه ، وحمله إلى حلب فدفنه ~~إلى جانب مسلم بن قريش قبل أن ينقل مسلم إلى سر من رأى وقيل : دفن معه في ~~قبر واحد . # # | تتش في حلب # ولما جرى ما جرى من قتل سليمان وسار تاج الدولة إلى حلب عدل الشريف حسن ~~الحتيتي عما كان اتفق عليه مع مبارك بن شبل ، وامتنع من تسليم حلب إلى تاج ~~الدولة ، واحتج بأن كتب ملك شاه وصلته بتجهيز العساكر إليه . # فأقطع تاج الدولة بلد حلب وأعمالها لعسكره إلا ما كان لبعض العرب الذين ~~وفدوا عليه ، فإنه أقره في أيديهم ، ثم رحل إلى مرج دابق وأقام أياما . ثم ~~عاد ونازل حلب ، فعمد رجل من تجار حلب يجرف بابن البرعوني الحلبي ، وراسل ~~تاج الدولة في تسليم حلب إليه ، ورفع بعض أصحابه بحبال إلى بحض أبراج السور ~~، وساعده قوم من الأحداث ونادوا بشعار تاج الدولة في ذلك الموضع وتسامع ~~الناس فنادوا بشعاره في البلد جميعه وذلك في ليلة السبت السادس والعشرين من ~~شهر ربيع الأول من السنة . # فانهزم هبة الله أبو الشريف حسن من قلعة ابنه إلى القلعة الكبيرة إلى ~~سالم بن PageV01P219 مالك ، وبقي الشريف حسن في قلعته المجددة ، ومعه فيها ~~رجال من أحداث حلب ، فخافوا على أهلهم بحلب ، فخرجوا منها وبقي الشريف حسن ~~في قلعته في نفر قليل ، فطلب الأمان فأمنه تاج الدولة بوساطة ظهير الذين ~~أرتق . # وخرج أرتق وصار عنده بماله وأهله ، وسلم القلعة إلى تاج الدولة تتش وسيره ~~أرتق إلى بيت المقدس بماله فأقام به . # وعصى سالم بن مالك بالقلعة الكبيرة ، وكان شرف الدولة بن قريش لما ولاه ~~فيها أوصاه أن لا يسلمها إلا إلى السلطان ملكشاه ، فالتزم بوصيته ، وامتنع ~~أن يسلمها إلى تتش وأقام تتش بمدينة حلب إلى اليوم السابع والعشرين من شهر ~~ربيع الآخر ، وأحسن إلى أهلها ، وخلع على أحداثها ، فوصله الخبر أن السلطان ~~ملك شاه وصلت عساكره إل نهر الجوز قاصدين مدينة حلب ، فسار تاج ms152 الدولة إلى ~~دمشق ، وترك بعض أصحابه بقلعة الشريف ومعه عدة في اليوم المذكور ، ومعه قوم ~~من بياض حلب ، فأقام نائبه أياما يسيرة ، ثم سار ولحقه في دمشق . # # | ملكشاه في حلب # ووصلت عساكر ملك شاه حلب مع برسق واياز وبوزان وغيرهم ، ونزل بعضهم إلى ~~بلد الروم ، وامتدوا فيما بينها وبين أنطاكية ، ووصل بعضهم إلى حلب ، وسارع ~~أهل حلب وسالم بن مالك ومبارك بن شبل إلى طاعة الواصل وخدمته . # ثم إن السلطان وصل بعدهم إلى الرها فسلمها إليه الفلاردوس وأسلم على يده ~~، وسار منها إلى قلعة دوسر وهي المعروفة بجعبر فتسلمها في طريقه من جعبر بن ~~سابق القشيري ، وقتله لما بلغه عنة من الفساد وقطع الطريق . # وسار حتى وصل حلب في الثالث والعشرين من شعبان من سنة تسع وسبعين ~~وأربعمائة وتسلم حلب وقلعتها وسائر قلاع الشام ، وعوض سالم بن مالك عن قلعة ~~PageV01P220 حلب بقلعة دوسر ، وأقطعه معها الرقة وعدة ضياع وتوجه السلطان ~~إلى أنطاكية فتسلمها من الحسن بن طاهر وزير سليمان بن قطلمش ، ورتب ~~بأنطاكية يغي سيان بن ألب في عسكر واستخدم حسن بن طاهر في ديوانها ، وتم ~~إلى السويدية ، وصلى على البحر ، وحمد الله على ما أنعم علمه مما تملكه من ~~بحر المشرق إلى بحر المغرب . # # | آق سنقر وال على حلب # وعاد إلى حلب ، ورتب بها الأمير قسيم الدولة أق سنقر ومعه عسكر ، واستخدم ~~بها تاج الرؤساء ابن الحلال في جمع الأموال . # ووصل إليه الشريف حسن الحتيتي وهو بحلب يلتمس العودة إلى حلب ، ويذكر ~~خدمته وما جرى عليه ، فتظلم منه أهل حلب فلم يأذن له السلطان فيما التمسه . # وكان هذا السلطان من أعظم الناس هيبة وأكثر الملوك عدلا حتى أن أحدا لا ~~يقول : إن أحدا من ذلك العالم العظيم من عسكره وحزره أربعمائة آلف أخذ ~~لأحد من الرعايا قسرا وظلما ما يساوي درهما واحدا ، حتى أن البازيار ~~الذي له اقتنص طائرين من الدجاج من الأثارب طعما للبزاة في الطريق ، فعلم ~~بذلك فعظم عليه حين رآه وهدده حتى أعادها إلى صاحبها بعد ms153 عوده من أنطاكية . # وخرج هذا السلطان إلى ضياع معرة النعمان يتصيد ، وبات بضيعة بينها وبين ~~المعرة ثلاثة فراسخ ، فابتاع منها أصحابه ما احتاجوه بأوفى ثمن ، ووضع ~~السلطان في هذه السنة المكوس من جميع بلاده ، ولم يبق من يستخرج مكسا في ~~مملكته . # وأقام السلطان بحلب إلى أن عيد بها عيد الفطر ، وعاد منكفئا إلى الجزيرة ~~، PageV01P221 وقد قرر ولاية حلب ، وولى بقلعتها نوحا التركي ، وبلغه ~~عصيان تكش بترمذ فسار السلطان ، وقطع ما بين حلب ونيسابور في عشرة أيام ، ~~وعاد منكفئا إلى الجزيرة وقد قرر ولاية حلب لقسيم الدولة أق سنقر التركي ~~في سنة تسع وسبعين وأربعمائة ، وجعل معه أربعة ألاف فارس ومكنه فيها . # وقيل إنه مملوك لملكشاه ، وقيل إنه لصيق وإن اسم أبيه النعمان ، وولى على ~~جمع المال بحلب في الديوان تاج الرؤساء أبا منصور بن الخلال الرحبي وقال ~~شاعر حلبي فيه وفي الوزير ابن النحاس : # قد زنجر العيش على الناس . . . ما بين خلال ونحاس فأحسن قسيم الدولة في ~~حلب السيرة وأجمل السياسة وأقام الهيبة وأفنى قطاع الطريق ، وتتبع الذعار ~~في كل موضع فاستأصل شأفتهم . # وعمرت حلب في أيامه بسبب ذلك لورود التجار والجلابين إليها من كل مكان . # وحكى لي والدي رحمه الله : أنه استأصل أرباب الفساد إلى حد بلغ به أن ~~نادي في قرى حلب وضياعها أن لا يغلق أحد بابه ، وأن يتركوا آلاتهم التي ~~للحرث في البقاع في الليل والنهار فخرج متصيدا فمر على فلاح وقد فرغ من ~~عمله ، وأخذ آلة الحرث معه إلى منزله ، فانفرد من عسكره وقال له : ألم تسمع ~~مناداة قسيم الدولة بأن لا يرفع أحد من أهل القرى شيئا من آلة الحرث فقال ~~: بلى والله حفظ الله قسيم الدولة والله لقد أمنا في أيامه من كل ذاعر ~~ومفسد ، وما رفعت هذا خوفا عليها ممن يأخذها ، وإنما ههنا دويبة يقال لها ~~ابن آوى إذا تركنا هذه العدة ههنا جاءت وأكلت هذه الجلود التي عليها . # فلما عاد قسيم الدولة أمر بالصيادين وبثهم في أقطار بلد حلب لصيد بنات ms154 ~~آوى حتى أفنوها من ضواحي حلب وكان ذلك سببا لقلتها في بلد حلب إلى يومنا ~~هذا ، دون غيرها من البلاد . # وفي أيام قسيم الدولة جدد عمارة منارة حلب الموجودة في زماننا هذا ، ~~وجددت في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة . PageV01P222 # وجرى خلف بين أهل لطمين وبين نصر بن علي بن منقذ في سنة إحدى وثمانين ، ~~فخرج أن سنقر إلى شيزر ، وقاتلها ، وقتل من أهلها مائة وثلاثين رجلا ، ~~وعاد إلى حلب بعد أن نهب ربضها ، واستقرت الموادعة بينه وبين نصر صاحب شيزر ~~. # وكان أق سنقر قد تزوج خاتون داية السلطان ملك شاه ، وكانت جالسة معه في ~~بعض الأيام في داره بحلب ، وفي يده سكين فأومأ بها إليها على سبيل المداعبة ~~ا المزاح ، فوقعت في قلبها للقضاء المحتوم غير متعمد لها ، فماتت وحزن ~~عليها حزنا شديدا وتأسف لفقدها ، وحملها في تابوت لتدفن في مقابر لها ~~بالشرق ، وخرج من حلب لتوديع تابوتها في مستهل جمادى الآخرة وتسلم أق سنقر ~~حصن برزويه ، في شعبان اثنتين وثمانين وأربعمائة ، من لأرمن ، وهو آخر ما ~~كان قد بقي في أيدي الكفار من أعمال أنطاكية وأقام في يده تسعة أشهر ، ~~وهدمه في ربيع الأول من سنة ثلاث وثمانين . # وكتب ولاة الشام إلى السلطان ملك شاه يشكون ما يلقونه من خلف بن ملاعب ~~بحمص من قطع الطريق وإخافة السبيل ، فكتب إلى قسيم الدولة وتاج الدولة ويغي ~~سيان وبوزان صاحب الرها ، فساروا في عساكرهم ، فحاصروها وضايقوها ففتحوها ، ~~وأعطاها السلطان تاج الدولة تتش ونزل قسيم الدولة على أفامية ، فأخذها من ~~خلف بن ملاعب وسلمها إلى نصر بن منقذ ثم إن السلطان أمر بحمل ابن ملاعب في ~~قفص حديد إلى أصبهان ، فحبسه إلى أن مات ملك شاه ، وتوجه إلى مصر وعاد إلى ~~الشام ، واحتال حتى ملك أفامية بالحيلة بعد ذلك . # ولما فتحت حمص تسلمها قسيم الدولة إلى أن ورد عليه أمر السلطان بتسليمها ~~إلى تتش . PageV01P223 # # | وفاة السلطان ملكشاه # ومات السلطان ملك شاه ببغداد في الليلة السادسة عشر من شوال سنة خمس ~~وثمانين وأربعمائة وكان ms155 أن سنقر قد خرج من حلب وافدا عليه ، فلما بلغه ~~الخبر عاد إلى حلب ، وخطب لابنه محمود مدة يسيرة ، ثم إنه خطب بعد ذلك لتاج ~~الدولة تتش ، على ما يذكر . # # | انتصار تتش # ولما عاد إلى حلب قبض على شبل بن جامع أمير بني كلاب وعلى ولده مبارك ، ~~واعتقلهما بالقلعة . وراسل تاج الدولة قسيم الدولة ويغي سيان وبوزان وجذبهم ~~إلى طاعتهم ، والكون في جملته ليسيروا معه إلى بلاد أخيه ليفتحها ، ويأخذ ~~المملكة فأجابوه إلى ذلك ، وخطبوا له في أعمالهم . # فسار في أول سنة ست وثمانين ، وسار إليه قسيم الدولة ويغي سيان وبوزان ، ~~ووثق به أن سنقر ، وفتح تاج الدولة الرحبة ونصيبين ، فجمع إبراهيم بن قريش ~~وتأهب للقاء تاج الدولة والتقى العسكران على دارا ، وعاد كل فريق إلى موضعه ~~، فركب الأمير قسيم الدولة في خلق من العسكر ، وحمل حتى توسط عسكر إبراهيم ~~فلم يثبت العرب ، وتبعه باقي العسكر ، فقتل منهم ما يقارب عشرة آلاف . # وأسر إبراهيم بن قريش وعمه مقبل وغيرهم فقتلهم تاج الدولة صبرا وسبيت ~~الحرم ، وقتل جماعة من نساء العرب نفوسهن . # وأمر تاج الدولة بعد ذلك يجمع الأسرى ووهبهم من محمد بن شرف الدولة وكان ~~قد صار في جملته قبل الحرب ، وأقطعه نصيبين . PageV01P224 وعظمت هيبة تاج ~~الدولة بعد هذه الوقعة ، وراسلته زوجة أخيه تحثه على الوصول ، واستقر الحال ~~على أن تتزوجه ، فسار عند ذلك بعد أن تسلم من ابن جهير آمد وجزيرة ابن عمر ~~، حتى وصل إلى تبريز ، ففسخ عنه قسيم الدولة أن سنقر صاحب حلب وعماد الدولة ~~بوزان وسارا إلى بر كيارق ليكونا في خدمته ، وكان بالقرب من الري . # وكان سبب نفار قسيم الدولة وبوزان تقريب تاج الدولة يغي سيان وميله إليه ~~، وقيل : لأنه لم يولهما شيئا من البلاد التي افتتحها ، فرجع تاج الدولة ~~إلى ديار بكر ، وشحنها بالرجال ، وسار منها إلى سروج فأخذها وولى فيها بعض ~~ثقاته . # ووصله الخبر بوصول أن سنقر وبوزان إلى باب السلطان بركيارق ، وإكرامه ~~لهما ، وأنهما وجدا خاله مستوليا على أمره ، فقتلاه وبعض الأمراء ms156 . # فانبسطت يد بركيارق ، واستقامت أحواله ، وخاطبه أق سنقر وبوزان أن يسير ~~معهما إلى بلادهما حلب والرها وحران ، لئلا يجري عليهما حادث من تاج الدولة ~~عند عودته ، وضمنا له أن يكونا بينه وبين تاج الدولة ، فسار معهما إلى ~~الرحبة ، وعقد بينهما وبين علي بن شرف الدولة حلفا . # # | السلطان بركيارق في حلب # وسار علي بن قريش ، ومعه جماعة من بني عقيل وقطعة من عسكر السلطان ~~بركيارق مع قسيم الدولة ، فأوصلوه إلى حلب ، فدخلها في شوال من سنة ست ~~وثمانين وأربعمائة . # وسار بوزان إلى بلاده ، وعاد من كان معهما إلى السلطان وأما تتش فإنه قطع ~~الفرات وتوجه إلى أنطاكية ، وأقام بها مع يغي سيان مدة ، فغلت بها الأسعار ~~فسار إلى دمشق في ذي القعدة من هذه السنة . # وكان وثاب بن محمود مع نفر يسير من بني كلاب ، فأنفذ أن سنقر بعد مسير ~~تتش إلى دمشق من أحرق حصن أسفونا وحصن القبة ، وقبض أقطاع وثاب . ~~PageV01P225 # وفي سنة سبع وثمانين ، قبض على الوزير أبي نصر محمد بن الحسين بن النحاس ~~بسعاية المجن بركات الفوعي به إلى قسيم الدولة . ولم يزل به إلى أن أمره ~~بخنقه ، وهو معتقل عنده ، فخنقه في هذه السنة . # وفي شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، خرج تاج الدولة تتش ~~من دمشق ، ومعه خلق عظيم من العرب ، ولقيه يغي سيان بعسكر أنطاكية بالقرب ~~من حماة وأقاموا هناك أياما ، وزوج ولده الملك رضوان من ابنة يغي سيان ، ~~وسيره عائدا إلى دمشق . # وسار تاج الدولة بعساكره فنزل تلمس ، وأقام بها أياما ، فوصله الخبر ~~بوصول كربوقا صاحب الموصل وبوزان صاحب الرها ، ويوسف بن أبق صاحب الرحبة ، ~~في ألفين وخمسمائة فارس إلى حلب ، لنجدة أن سنقر ، فعدل تاج الدولة إلى ~~الحانوتة ، ورحل إلى الناعورة ، وعول على قصد الوادي ، وأن يسير منه إلى ~~أعمال أنطاكية ، وأخذ العسكر دواب النقرة وبعض زرعها . # # | موقعة سبعين ومقتل أق سنقر # فخرج أق سنقر ومن وصله من النجدة وجماعة كثيرة مع شبل بن جامع ومبارك ابن ~~شبل من بني كلاب ms157 وكان قد أطلقهما من الإعتقال في هذه السنة ومحمد بن زائدة ~~في جماعته وجماعة من أحداث حلب والديلم والخراسانية ، وعدة عسكره تزيد عن ~~ستة آلاف فارس وراجل ، في أحسن أهبة وأكمل عدة . # وقصد عسكر الملك تاج الدولة ، يوم السبت تاسع جمادى الأولى من السنة ، ~~والتقوا على سبعين ، وكان أول من قطع السواقي التي كانت بين العسكرين وبرز ~~للحرب أن سنقر ، ورتب مصاف عسكره . # وبقي عسكر بوزان وكربوقا لم يتمكن من قطع السواقي ، فيختلطون بالعسكر ، ~~PageV01P226 ولم يستنصح أن سنقر العرب الذين معه ، وخاف ميلهم إلى تاج ~~الدولة ، وكان عسكر تاج الدولة في مثل هذه العدة من العرب والرجالة ، وكان ~~الترك معه في قلة لأق أصحابه وخواصه كانوا متفرقين في البلاد التي افتتحها ~~. # وحمل عسكر تاج الدولة على عسكر أن سنقر فلم يثبت لحظة واحدة ، وانهزمت ~~العرب وبوزان وكربوقا نحو حلب فدخلاها ، واستأمن يوسف بن أبق إلى تاج ~~الدولة . # وأسر أن سنقر وجماعة من خواصه ووزيره أبو القاسم بن بديع ، وأحضر بين يدي ~~تاج الدولة أسيرا ، فقتله صبرا ، وقال له تاج الدولة : لو ظفرت بي ما كنت ~~صنعت . قال : كنت أقتلك ، فقال له : فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم علي ، ~~فقتله . # وحكى وثاب بن محمود قال : جلس تاج الدولة ، وطلب قسيم الدولة ، فأحضر ~~مكشوف الرأس ، مكتوفا ، فقام تاج الدولة ، وكلمه كلاما كثيرا ، فلم يرد ~~عليه جوابا ، فضربه بيده أطار رأسه وحمل رأسه إلى حلب والي دمشق ، ودفن ~~جسده في القبة التي على سطح جبل قرنبيا ، غربي المشهد الذي ابتناه بقرنبيا ~~، ثم نقله ابنه زنكي لما فتح حلب إلى مدرسة الزجاجين ، ووقف شامر قرية من ~~بلد حلب ، على من يقرأ على قبره . # واختار قسيم الدولة وقتا للخروج إلى اللقاء ، وهو وقت قران زحل للمريخ ~~في بزج الأسد وهو طالع بيت السلطان بحلب وكان موقنا بالظفر ، فخرج وأمرهم ~~أن يلحقوه بالحبال لكتافهم بها ، وكان تاج الدولة قد عزم على ما ذكرناه ، ~~ولم يكن موثرا لقاءه ، فنصره الله تعالى كما شاء وأراد ، لا راد لأمره ms158 ، ~~ولا معقب لحكمه ، ولا تأثير لشيء في ملكوته . # وأسر شبل بن جامع أمير بني كلاب فوهبه تاج الدولة لابن أخيه وثاب بن ~~محمود . PageV01P227 فارغة PageV01P228 # $ القسم الثامن عشر # حلب ورضوان بن تتش # 487 - 507 هجرية $ # # | تتش في حلب # وعول بوزان وكربوقا على الإعتصام بحلب ، وانتظار النجدة من بركيارق ، لأن ~~كتاب الطائر وصل إلى حلب يخبر بوصول النجدة إلى الموصل ، وقرروا مع الأحداث ~~ذلك . # فوصل تاج الدولة بعسكره إلى حلب ، وتحير أهلها فيما يفعلونه ، فبادر قوم ~~من الأحداث ممن لا يعرف ولا يذكر ففتحوا باب أنطاكية . # ودخل وثاب بن محمود في مقدمة أصحاب تاج الدولة إلى حلب ، وسكن البلد ، ~~فنزل الوالي بقلعة الشريف ، وسلمها إلى تاج الدولة فدخلها ، وبات بها ، ~~فراسله نوح والي القلعة الكبيرة ، وسلمها إليه بعد أن توثق منه ، وطلع تاج ~~الدولة إليها في الحادي عشر من جمادى الأولى من السنة . # # | مقتل بوزان ثم تتش # وقبض تاج الدولة على بوزان فضرب رقبته صبرا ، وأخذ كربوقا واعتقله بحمص ~~، وأقطع الشام لعسكره ، وأقطع معرة النعمان واللاذقية ليغي سيان ، ورتب أبا ~~القاسم بن بديع وزيرا بحلب . # وأقام ثلاثة أيام ثم توجه فقطع الفرات ، وتسلم حران ، وسار إلى الرها ~~فتسلمها ، وقيل : بأن واليها امتنع من تسليمها إلا بعلامة من بوزان ، وأن ~~بوزان كان محبوسا بحلب ، PageV01P229 فأنفذ إليه من قطع رأسه ورماهم به ، ~~فسلموا الرها إليه ، وتسلم ديار بكر . # وسار إلى ميافارقين فقتل بني جهير بعد أن قطع رؤوس أولادهم وعلقها في ~~رقابهم . # وعدل عن الموصل ، وسار للقاء زوجة أخيه خاتون الجلالية لإتمام ما كان ~~استقر بينهما فماتت في الطريق . # وتوجه تاج الدولة إلى الري ، فوصله خلق كثير من التركمان وعساكر أخيه ، ~~وملك كل بلدة مر بها ، وخطب له على منابر الإسلام : الشام والفرات ، وبغداد ~~وعند وصوله إلى همذان كتب إلى ولده الملك رضوان يستدعيه من دمشق فتوجه إليه ~~ومعه بقية من تخلف من أصحابه بالشام ودخل تاج الدولة الري وملكها في المحرم ~~سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، وخرج بركيارق من أصبهان ، والتقوا على خمسة ~~فراسخ ms159 من الري في يوم الأحد السابع عشر من صفر فانهزم عسكر تاج الدولة تتش ~~واستبيح ونهب ، وقتل ذلك اليوم تاج الدولة وخواصه في الحرب . # وقتل تاج الدولة بعض أصحاب قسيم الدولة ، بعد أن اصطنعه وقربه ، ضربه ~~بنشابة في ترقوته اليسرى فوقع ، وقطع رأسه وطيف به العسكر ، ثم حمل إلى ~~بغداد فطيف به ، وتفرق من سلم منهم إلى مواضعهم . # ؟ ؟ # | رضوان في حلب # ووصل الخبر إلى ولده الملك رضوان ، وهو نازل على الفرات بعانة متوجها ~~إلى والده ، فقلق وخاف من وصول من يطلبه فحط خيمه في الحال . PageV01P230 # ورحل مجدا حتى وصل حلب في جماعة من غلمانه وحاشيته ، وترك باقي عسكره من ~~ورائه ، فسلم وزير أبيه أبو القاسم بن بديع إليه المدينة والقلعة ، وصعد ~~إليها ، وأخذوا الأهبة لمن يقصدها . # ووصل إليه إلى حلب من الفل أخوه أبو نصر دقاق وجناح الدولة حسين ، ~~فاستولى جناح الدولة على تدبير ملك رضوان ، وكان تاج الدولة قد جعله مدبرا ~~له ، وهو أتابكه في حياته ، وجعل دقاق مع أتابك ظهير الدين . # ولما افتتح ديار بكر سلمها إلى ظهير الدين ، وشمس الملوك دقاق معه ، ولم ~~يزل بها إلى أن سار إلى الري فسارا معه . # # | دقاق في دمشق # وعاد دقاق إلى حلب فأقام بها مدة يسيرة ، وراسله الأمير ساوتكين الخادم ~~وكان نائب تاج الدولة بدمشق في حفظ القلعة والبلد ، وقرر لدقاق مملكة دمشق ~~سرا ، وخاف من أخيه رضوان ، فخرج من حلب وهرب إلى دمشق من غير أن يعلم به ~~أحد ، وجد في السير ، وتبعه رضوان ، وأنفذ خلفه عدة من الخيل ففاتهم ، فدخل ~~دمشق فسارع ساوتكين إلى طاعته ، وصارت دمشق وبلادها بحكمه . وقتل رضوان ~~أخويه أبا طالب وبهرام ابني تتش ، وكان أتابك طغتكين معتقلا عند السلطان ~~بركيارق ، وقبض في الوقعة فطلبوا منه كربوقا والجماعة الذين معه ، ~~PageV01P231 وكانوا في يد رضوان فاتفق رأيهم أن يسيروا عضب الدولة أبق بن ~~عبد الرزاق إلى رضوان لاستخلاص كربوقا وكان أبق أيضا من جملة من قبض عليه ~~من الجماعة الذين كانوا مع تتش فخاطبوا السلطان في ms160 إطلاقه وتسييره فأجابهم ~~إلى ذلك ، وسيره إلى حلب ، فلما وصله أكرمه رضوان وأطلق كربوقا في شعبان ~~وسيره مكرما . # فأطلق بركيارق أتابك طغتكين وجميع من كان في اعتقاله من خواص تاج الدولة ~~، ووصل دمشق فابتهج دقاق بوصوله وقويت نفسه ، وألقى تدبير أموره إليه فقام ~~فيها أحسن قيام . # فاستأذن عضب الدولة الملك رضوان في الوصول إليه فأذن له ، وقرر معه قرب ~~العودة إلى حلب وترك اقطاعه بحلب على حاله ، فوصل دمشق واختار المقام بها ، ~~وكتب إلى أصحابه بعزاز يأمرهم بتسليمها إلى رضوان فسلموها . # # | خلف بن ملاعب # ولما وصلت هذه الأخبار وثب أهل أفامية على حصنها فأخذوه من الأتراك ، ~~وقتلوا بعضهم ، وكان تاج الدولة قد أخذه من ابن منقذ ، وسار جماعة من أهلها ~~إلى مصر يستدعون واليا من قبلهم لميلهم إلى الإسماعيلية ونفورهم من الترك ~~. # ووصل خلف بن ملاعب في سنة تسع وثمانين وأربعمائة وتسلمها ، وعاد إلى ~~الفساد وقطع الطريق ، وقتل خلقا من أفامية . # # | المؤامرة على جناح الدولة # وأما الملك رضوان فإنه خرج في سنة ثمان وثمانين من حلب ، ومعه جناح ~~الدولة حسين ووصله يغي سيان ويوسف بن أبق من أنطاكية بعسكرهما ، وتوجهوا ~~إلى الرها ، ومعهم رهائن أهلها ليتسلمها الملك رضوان من المقيمين فيها من ~~أصحاب والده . # فلما نزلوا الرها أراد يغي سيان ويوسف أن يقبضا جناح الدولة ويتفردا ~~بتدبير رضوان ، فهرب منهما ، و قطع الفر ات ، ووصل حلب ، وتبعه رضوان ، ~~فدخل حلب ، PageV01P232 وهرب رهائن الرها من العسكر ودخلوها . وعاد يغي ~~سيان ويوسف بن أبق ، وقد استوحش رضوان منهما . # # | من سروج إلى بيت المقدس # وكتب رضوان إلى سكمان ، وإقطاعه سروج ، يستدعيه إلى حلب لمعونته ، فسار ~~وقطع الفرات فلقيه يوسف بن أبق في عدة وافرة فخافه سكمان ، فأظهر موافقته ~~وصار معه . # وخاف جناح الدولة من اجتماعهم ، وكان عقيب وصول رضوان من الرها قد سير ~~جماعة من عسكر حلب إلى معرة النعمان مع عضب الدولة لأخذها من يغي سيان ، ~~وكاتب وثاب بن محمود فوصل ببني كلاب لمساعدته على أخذ المعرة ، فأخرجوا ابن ~~يغي سيان وأصحابه ms161 منها ، وتسلموها . # وعاد عضب الدولة ووثاب ، فلما وصلا حلب حدث ما ذكرناه من أمر سكمان ويوسف ~~بن أبق ، فخرج جناح الدولة بالعسكر ، فلقيه يوسف بالقرب من مرج دابق فهرب ~~يوسف ونهبوا عسكره ، وأعانهم على ذلك وسكمان ، ودخل يوسف أنطاكية وعاد جناح ~~الدولة وسكمان ووثاب وأبق إلى حلب . # وأقطع الملك رضوان معرة النعمان سكمان بن أرتق وأعمالها ، ثم سار رضوان ~~وسكمان لقصد دمشق وانتزاعها من أخيه دقاق ، وترك جناح الدولة بحلب . # فلما نزلا دمشق وصل إليهما أن دقاق قبض على نجم الدين إيلغازي بن أرتق ، ~~واعتقله لتهمة وقعت به ، فعاد الملك رضوان إلى حلب ، وسار سكمان إلى بيت ~~المقدس وتسلمها من نواب أخيه وأقام بها . # وراسل يوسف بن أبق الملك رضوان واستأذنه في الوصول إلى خدمته فأذن له ، ~~ووصل حلب وسكنها . # # | المجن ويوسف بن أبق # ثم خاف رضوان وحسين منه فتقدما إلى بركات بن فارس رئيس حلب المعروف ~~بالمجن بقتله ، فهجم عليه وأصحابه فقتلوه ونهبوا داره وأخذوا رأسه ، ~~PageV01P233 وسيروه إلى بزاعا ومتبج ، فتسلموها من أصحابه ، وقبضوا على ~~اقطاع أخيه وأصحابهما ، وهربوا من حلب وكان الملك قد توهم منه الارتداد عن ~~الاسلام . # ثم أن رضوان وجناح الدولة خرجا في سنة تسع وثمانين إلى تل باشر ، وشيح ~~الدير ، وفتحاها بالسيف من أصحاب يغي سيان ، وأغارا على أعمال أنطاكية ، ~~وعادا إلى حلب ، وسارا في أول شهر رمضان منها إلى دمشق . # # | الحرب بين دقاق ورضوان # فسار يغي سيان متجدا لدقاق فضعفت نفس رضوان ولم يتمكن من العودة ، فسار ~~إلى بيت المقدس ، فتبعه دقاق وطغتكين ويغي سيان وأقاموا متحابسين مدة . ~~وأشرف عسكر رضوان على التلف فانفصل عنه جناح الدولة ، وهرب على طريق البرية ~~إلى حلب ، وتبعه الملك رضوان بعد مدة وحصلا بجميع العساكر بحلب . وعاد دقاق ~~وطغتكين إلى دمشق ويغي سيان إلى أنطاكية وعاد سكمان بن أرتق من القدس على ~~البرية حتى وصل حلب على البرية في المحرم من سنة تسعين وأربعمائة . # واجتمع بجناح الدولة واتفقا على قصد بلاد يغي سيان فخرج دقاق وطغتكين ، ~~فوصلا حماة ms162 وعاد العسكر في بلدها ووصلهما يغي سيان ، وساروا إلى كفرطاب في ~~الثاني من ربيع الأول ، فقاتلوها ، ونهبوها ، وقرروا على أهلها مالا . # وهرب أصحاب سكمان من المعرة فتسلمها يغي سيان وقرر عليها مالا ، وتنقل ~~العسكر في الجزر وغيرها من أعمال حلب ، فاستنجد رضوان بسليمان بن إيلغازي ~~صاحب سميساط فوصل بعسكر كثير إلى حلب . # وجمع رضوان من قدر عليه من الترك والعرب وأحداث حلب ، ونزل عسكر دقاق ~~بقنسرين PageV01P234 ونزل عسكر حلب بحاضر قنسرين فاتفق الأمر على أن ~~يجتمعوا على نهر قويق ويتحدثوا ، فاجتمعوا وتحدثوا ، والنهر بينهم ، فلم ~~يتفق الصلح ، فقال يغي سيان لسكمان : ' هؤلاء الملوك يقتتلون على ملكهم ، ~~أنت يا بياع اللبن دخولك معهم لأي صفة قال : غدا تبصر ايش أنا . # فأصبحوا والتقوا يوم الاثنين خامس شهر ربيع الآخر من سنة تسعين وأربعمائة ~~فأبلى سكمان بلاء حسنا . # ولم تزل الحرب بينهم إلى آخر النهار ، فانهزم يغى سيان إلى أنطاكية ، ~~ودقاق وطغتكين إلى دمشق ، وأسر في الحرب اصباوه ، فاعتقل بحلب ثم أطلق ، ~~فهرب إلى دمشق ولم يقتل من العسكر إلا القليل . # وقتل الفلاحون في الطريق وقت الهزيمة من الأرمن الذين كانوا مع يغي سيان ~~جماعة كثيرة ، وتغيرت نية الملك رضوان على جناح الدولة حسين فهرب من حلب ~~إلى حمص ، وخرج من حلب ليلا ومعه زوجته أم الملك رضوان ، وأقام بحمص لأنها ~~كانت في يده وحصنها . # ووصل يغي سيان إلى حلب عقيب ذلك ، وخدم رضوان ، ودبر أمره ، وتزوج رضوان ~~ابنة يغي سيان خاتون جنجك . # # | الخطبة للفاطميين # وعول رضوان على قصد جناح الدولة بحمص ، وقصد دقاق بدمشق ، ووصله رسول ~~آلاف الأفضل من مصر يدعوه إلى طاعة المستعلي وإقامة الدعوة له ، وعلى يده ~~هدية سنية من مصر ، ووعده بأن يمده بالعساكر والأموال . # فتقدم بالدعوة للمصريين على سائر منابر الشام التي في يده ، ودعا الخطيب ~~PageV01P235 أبو تراب حيدرة بن أبي أسامة بحلب للمستعلي ثم للأفضل ثم ~~لرضوان ، في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من هذه السنة . # وكان قد ولى الخطابة أبا تراب وعزل جد أبي ms163 أبا غانم محمد بن هبة الله بن ~~أبي جرادة عن القضاء والخطابة بحلب ، لأن توليته كانت على قاعدة أبيه من ~~بغداد في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة . # وكان أبوه القاضي أبو الفضل هبة الله قد مات في هذه السنة المذكورة ، وهو ~~على القضاء والإمامة بحلب ، وولى رضوان قضاء حلب في سنة تسعين القاضي فضل ~~الله الزوزني العجمي الحنفي ، وسيره رسولا إلى مصر ، وناب عنه في القضاء ~~حال غيبته أبو الفضل أحمد ابن أبي أسامة الحلبي ودامت الدعوة بحلب إلى رجب ~~من سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وقيل : لم تدم أكثر من أربع جمع وأعادها ~~رضوان للإمام المستظهر ثم بركيارق ثم لنفسه ، ولم يصح له مما التمسه من ~~المصريين شيء . # وأعاد القضاء والخطابة إلى جد أبي غانم على قاعدته الأولى ، في سنة خمس ~~وتسعين وأربعمائة ، حين قتل الزوزني ، وكان خرج من بين يدي رضوان ، فقتل في ~~بعض الدروب ، وكان أزرى على الباطنية وعلى معتقدهم فقيل إنهم قتلوه . # # | الفرنج في الشام # ولما سار رضوان ويغي سيان وصلا إلى شيزر متوجهين إلى حمص لقصد حمص ، ~~فتواصلت الأخبار بوصول خلق من الفرنج قاصدين أنطاكية ، فقال يغي سيان : ~~عودنا إلى أنطاكية ولقاء الفرنج أولى ، وقال سكمان : مسيرنا إلى بكر وأخذها ~~من المتغلبين عليها ونتقوى بها ، وأنزل أهلي بها ونعود إلى حمص أولى ، ~~واختلفوا . فسار الملك رضوان نحو حلب حفلا وكان معه وزيره أبو النجم بن ~~بديع أخو PageV01P236 وزير أبيه تتش أبي القاسم ، وكان قد ولاه وزارته حين ~~ملك حلب ، فاتهماه أنه هو الذي يفسد حال رضوان ، فطلع إلى حصن شيزر ، وأقام ~~به عند ابن منقذ خشية من يغي سيان وسكمان ، فلما سارا عن شيزر سار إلى حلب ~~ولحق بالملك رضوان بها . ولما عاد رضوان مغاضبا ليغي سيان وسكمان عاد ~~والأمراء من شيزر إلى أنطاكية ، وبلغهم نزول الفرنج البلانة ونهبها . # ولما دخل يغي سيان أنطاكية أخرج ولديه شمس الدولة ومحمدا ، فسار أحدهما ~~إلى دقاق وطغتكين يستنجدهما ، وبث كتبه إلى جناح الدولة ووثاب بن محمود ~~وبني كلاب ، وسار محمد ms164 ابنه إلى التركمان وكربوقا وأمراء الشرق وملوكه ، ~~وسارت كتبه إلى جميع أمراء المسلمين وفي ثامن شهر رمضان ، وصل من قبرس إلى ~~ميناء اللاذقية اثنتان وعشرون قطعة في البحر ، فهجموه وأخذوا منه جميع ما ~~كان للتجارة ونهبوا اللاذقية ، عادوا ، ووصلت الفرنج إلى الشام ، واعتبروا ~~عسكرهم فكانوا ثلاثمائة آلف وعشرين ألف إنسان ، لأنهم وصلوا من جهة الشمال ~~. # وفي اليوم الثاني من شوال نزلت عساكر الفرنج على بغراس وأغاروا على أعمال ~~أنطاكية ، فعند ذلك عصى من كان في الحصون والمعاقل المجاوره لأنطاكية ، ~~وقتلوا عن كان بها ، وهرب من هرب منها . # وفعل أهل أرتاح مثل ذلك واستدعوا المدد من الفرنج وهذا كله لقبح سيرة يغي ~~سيان وظلمه في بلاده . # ونزل الفرنج على أنطاكية لليلتين بقيتا من شوال من سنة تسعين وأربعمائة . # وخرج في المحرم من سنة إحدى وتسعين وأربعمائة نحو ثلاثين ألفا من الفرنج ~~إلى أعمال المسلمين ببلد حلب ، فأفسدوا ونهبوا وقتلوا من وجدوا . وكان قد ~~وصل الملك دقاق وأتابك ومعهما جناح الدولة ، ونزلوا أرض شيزر ، PageV01P237 ~~ومعهم ابن يغي سيان وهم سائرون لإنجاد أبيه ، فبلغهم خبر هذه السرية ، ~~فساروا إليها بقطعة من العسكر ، فلقوهم في أرض البارة فقتلوا منهم جماعة . # وعاد الفرنج إلى الروج ، وعرجوا منه إلى معرة مصرين ، فقتلوا من وجدوا ~~وكسروا منبرها ، وحين عاد العسكر الدمشقي من البارة فارقهم ابن يغي سيان ~~ووصل إلى حلب يستنجد بالملك رضوان ، فأخذ عسكر حلب وسكمان ، ودخل بهما إلى ~~أنطاكية فلقيهم من الفرنج دون عدتهم ، فانهزم عسكر المسلمين إلى حارم وذلك ~~في آخر صفر ، وتبعهم عسكر الفرنج إلى حارم فانهزموا إلى حلب ، وغلب أهل ~~حارم من الأرمن عليها . # وفي شهر ربيع الأول من السنة وصل خلق من الأرمن إلى تل قباسين بناحية ~~الوادي فقتلوا من فيه ، وخرج المسلمون الذين بالوادي وجماعة من الأتراك ~~تبعوهم وقتلوا منهم جماعة ، والتجأ الباقون إلى بعض الحصون الخربة ، ~~فأدركهم عسكر حلب فقاتلهم يومين ، وأخذوهم فقتلوا بعضهم ، وحمل الباقي أسرى ~~إلى حلب فقتلوا ، وكانو يزيدون عن آلف وخمسمائة . # # | الخيانة ودخول أنطاكية # ولما ms165 نزل الفرنج لعنهم الله ، بأنطاكية جعلوا بينهم وبين البلد خندقا ~~لأجل غارات عسكر أنطاكية عليهم وكثرة الظفر بهم ، ولا يكاد يخرج عسكر ~~أنطاكية ويعود إلا ظافرا . # وجعل يغي سيان الناس على البعد والقرب وكان حسن التدبير في سياسة العسكر ~~وجمع كربوقا صاحب الموصل عسكرا عظيما ، وقطع به الفرات ووصل دقاق وطغتكين ~~وجناح الدولة ، ووصل سكمان بن أرتق ، وفارق رضوان وسار مع دقاق . ~~PageV01P238 # ووصل وثاب بن محمود ومعه جماعة من العرب ووصلوا تل منس وقاتلوها لأنه ~~بلغهم أنهم كاتبوا الفرنج وأطمعوهم في الشام ، وقرر عليهم دقاق مالا أخذ ~~بعضه ورهائن على الباقي ، وسيرهم إلى دمشق . # وسار دقاق بالعساكر إلى مرج دابق ، واجتمع بكربوقا فيه في آخر جمادى ~~الآخرة ، ورحلوا منه نحو أنطاكية ، فلما كان ليلة الخميس أول ليلة من رجب ~~واطأ رجل يعرف بالزراد من أهل أنطاكية وغلمان له على برج كانوا يتولون حفظه ~~، وذلك أن يغي سيان كان قد صادر هذا الزراد وأخذ ماله وغلته ، فحمله الحنق ~~على أن كاتب بيمند وقال له : أنا في البرج الفلاني ، وأنا أسلم إليك ~~أنطاكية أن أمنتني وأعطيتني كذا وكذا . فبذل له ما طلب ، وكتم أمره عن باقي ~~الفرنج وكان بعسكر الفرنج تسعة قوامص مقتمين عليهم كندفري ، وأخوه القمص ، ~~بيمند ، وابن أخته طنكريد وصنجيل وبغدوين وغيرهم . فجمعهم بيمند وقال لهم : ~~هذه أنطاكية إن فتحناها لمن تكون فاختلفوا ، وكل طلبها لنفسه ، فقال : ~~الصواب أن يحاصرها كل رجل منا جمعة ، فمن فتحت في جمعته فهي له ، فرضوا ~~بذلك . # فلما كانت نوبته دلى لهم الزراد لعنه الله ، حنلا ، فطلعوا من السور ، ~~وتكاثروا ، ورفع بعضهم بعضا وجاءوا إلى الحراس ، فقتلوهم ، وتسلمه بيمند ~~بن الانبرت . # وطلع الفرنج في سحرة هذه الليلة إلى البلد وصاح الصائح من ناحية جبل ، ~~فتوهم يغي سيان أن القلعة قد أخذت فخرج من البلد في جماعة منهزمين فلم يسلم ~~منهم أحد . # ولما حصل بالقرب من أرمناز ومعه خادم من غلمانه وقع عن ظهر فرسه ، ~~PageV01P239 فحمله الخادم الذي كان معه ، وأركبه ، فلم يثبت على ظهر الفرس ms166 ~~، وعاد فسقط ، وأدركه الأرمن ، فهرب الخادم عنه ، وقتله الأرمن وحملوا رأسه ~~إلى الفرنج ، واستشهد في ذلك اليوم بأنطاكية ما يفوت الإحصاء ويجاوز العدد ~~، ونهبت الأموال والآلات والسلاح ، وسبي من كان بأنطاكية ووصل هذا الخبر ~~إلى عم وانب ، فهرب من كان بها من المسلمين وتسلمها الأرمن . # وبلغ الخبر إلى دقاق وكربوقا ومن كان معهما ، فرحلوا إلى أرتاح ، وسار ~~بعضهم إلى جسر الحديد وقتلوا من كان فيه من الفرنج ، وتوجهوا نحو أنطاكية ، ~~فعرفوا أن قلعتها باقية في أيدي المسلمين ، فأعلموا العساكر الإسلامية بذلك ~~، فوصلوا إلى أنطاكية سحرة يوم الثلاثاء سادس رجب ، فانهزم من كان بظاهر ~~البلد من الفرنج إليها . # ونزل المسلمون بظاهرها مما يلي الجبل ، ودخلوا البلد من ناحية القلعة ، ~~وقاتلوا الفرنج في جبل المدينة ، وأشرف الفرنج على التلف فبنوا سورا على ~~بعض الجبل يمنع المسلمين من النزول إليهم ، وأقاموا أياما ، وعدم القوت ~~عندهم ، واحتوى كربوقا على كثير مما كان في قلعة أنطاكية ، وولى فيها أحمد ~~بن مروان ، وترادفت رسل الملك رضوان في أثناء ذلك إلى كربوقا ، فتوهم دقاق ~~من ذلك ، وخاف جناح الدولة من أصحاب يوسف بن أبق وأخيه . # وجرت بين الأتراك والعرب الذين مع وثاب منافرة عادوا لأجلها ، وتفرق كثير ~~من التركمان بتدبير الملك رضوان ورسالته . # وتحيل بعض الأمراء من بعض ثم اجتمع رأيهم على التحول إلى المنازلة في ~~السهل بظاهر أنطاكية ، فنزلوا باب البحر ، وجعل المسلمون بينهم وبين البلد ~~خندقا . PageV01P240 # وأكل الفرنج بأنطاكية الميتات والدواب ، فخرجوا من أنطاكية يوم الاثنين ~~السادس والعشرين من شهر رجب . # فأشار وثاب بن محمود أن يمنعوا من الخروج ، وأشار بعض الأمراء أن لا ~~يمكنوا من الخروج بأجمعهم ويقتلوا أولا فأولا ، فلم يعرج المسلمون على ~~شيء من : ذلك لأنهم أيقنوا بالظفر بالفرنج ، وخرجوا بأجمعهم في خلق عظيم ، ~~وعاث التركمان في العسكر فانهزم ، وتوهم الفرنج أن ذلك مكيدة فتوقفوا عن ~~تبعهم ، فكان ذلك سببا لسلامة من أراد الله سلامته ، ولم يبق غير كربوقا ~~ومعه أكثر عسكره ، فأحرق سرادقه وخيامه وانهزم نحو حلب . # وقتل من المطوعة والغلمان ms167 والسوقة خلق كثير ، ولم يقتل مذكور ، ونهب من ~~المسلمين من الآلات والخيام والكراع والغلات ما لا يحصى ، ومن انقطع من ~~العسكر نهبه الأرمن وعاد الفرنج إلى قلعة أنطاكية ، وبها أحمد بن مروان ، ~~فراسله الفرنج وأمنوه ، ومن كان معه ، وسلمها إليهم يوم الأحد الثاني من ~~شعبان من السنة ، وأنزلوه في دار بأنطاكية ، وأطلقوا أصحابه وسيروا معهم من ~~يوصلهم إلى أعمال حلب ، فخرج الأرمن فأخذوا بعضهم وقتلوا بعضهم ، ولم يسلم ~~منهم إلا القليل . # ولما وصل كربوقا إلى حلب خرج إليه الملك رضوان ، وحمل له خياما وغيرها ، ~~ورحل عنها وعاد عسكر دمشق إليها وتفرقت العساكر . # وبعد أيام من هذه الوقعة خرج جماعة من الفرنج في شعبان ، وزحفوا مع أهل ~~تلمنس وجميع نصارى بلد المعرة على المعرة وقاتلوها ، فوصلت قطعة من عسكر ~~حلب إليهم ، فالتقوا بين تل منس والمعرة ، فانهزم الفرنج وبقي الرجالة منهم ~~، فقتل منهم زائدا عن ألف رجل ، وحملت رؤوسهم إلى معرة النعمان . وفي هذه ~~السنة وهي سنة إحدى وتسعين في جمادى الأولى عزل الملك رضوان وزيره أبا ~~النجم هبة الله بن محمد بن بديع ، وولى وزارته أبا الفضل هبة بن ~~PageV01P241 عبد القاهر بن الموصول وكان أبو الفضل حسن السيرة جوادا كثير ~~المعروف والصدقات . ووافق ذلك شدة الغلاء والجوع بحلب ، حتى أكلوا الميتات ~~، فأخرج غلة كثيرة ، وتصدق بها على الناس وقيل : إنه كان يخرج في كل سنة ~~صدقة وبرا ثلاثة آلاف مكوك غلة سوى ما يطلقه لمن يسأله معونته من الوفود ~~والضيوف ، وغير ما يطلقه من العين والورق وغير ما كان يعتمد من افتكاك ~~الأسرى من المسلمين . # # | المجن الفوعي # وفيها قتل الملك رضوان رئيس حلب بركات بن فارس الفوعي المعروف بالمجن ، ~~وكان هذا المجن أولا من جملة اللصوص الشطار وقطاع الطريق الذعار فاستتابه ~~قسيم الدولة أن سنقر ، وولاه رئاسة حلب لشهامته وكفايته ومعرفته بالمفسدين ~~، وكان في حال اللصوصية يصلي العشاء الآخرة بالفوعة ، ويسري إلى حلب ويسرق ~~منها شيئا ويخرج ، ويصلي الفجر بالفوعة فإذا اتهم بالسرقة أحضر من يشهد له ~~أنه صلى العشاء ms168 بالفوعة والصبح فيبرئونه . # واستمر على رئاسة حلب في أيام قسيم الدولة وأيام تاج الدولة وبعده في ~~أيام رضوان ، وامتدت يده وحكم على القضاة والوزراء ومن دونهم ، وهو الذي ~~قتل الوزير أبا نصر بن النحاس في أيام قسيم الدولة . # وبلغني أنه حنق عليه بسبب حضر أراد شراءها فاشتراها المجن ، فشق على أبي ~~نصر ، فسيرها المجن إليه ، فردها عليه أبو نصر ، وتكلم في حقه بكلام قبيح ~~فحنق بسببها على ابن النحاس ، فاعتقله بعد ذلك عنده وخنقه . # وكان كثير السعاية في قتل النفوس وسفك الدماء وأخذ الأموال وارتكاب الظلم ~~، فعصى على الملك رضوان ، ثم ضعف واختفى بعد أن حصر رضوان في قلعة حلب في ~~سنة تسعين وأربعمائة . # فأمر رضوان مناديا نادى بالقلعة بأن الملك قد ولى رئاسة حلب صاعد بن ~~بديع فانقلب الأحداث عنه لبغضهم إياه ، ومضوا إلى صاعد فاختفى المجن ، ثم ~~ظهر عليه فعجل الله المكافأة له على قبيح فعله . PageV01P242 # وسلط عليه الملك رضوان فسجنه في ذي القعدة من سنة تسعين وعذبه عذابا ~~مديدا بأنواع شتى ، وأراد بذلك أن يستصفي ماله ، فمما عذبه به أنه أحمى ~~الطست حتى صار كالنار ، ووضعه على رأسه ، ونفخ في دبره بكير الحذاد ، وثقبت ~~كعابه ، ضرب فيها الرزز والحلق . # ولما وضع التجار المثقب على كعبه قطع الجلد واللحم ولم يدر المثقب ، ~~فلطمه المجن وقال : ويلك لا تعرف ، أحضر خشبة ، وضعها على الكعب . فأحضر ~~خشبة ووضعها على كعبه ، فدار المثقب ونزل ونزل ، وثقب الكعب . # فلما فرخ قيل له : كيف تجد طعم الحديد ، فقال : قولوا للحديد كيف يجد ~~طعمي . ولم يقر المجن مع هذا كله بدرهم واحد ، ولم يحصل للملك رضوان من ~~ماله إلا ما أقربه غلام أو جارية ، وذلك شيء يسير واستغنى جماعة من أهل حلب ~~من ماله . # ولما طال الأمر على رضوان أشير عليه بقتله ، فأخرج إلى ظاهر باب الفرج من ~~نحو الشرق ، ومعه ابنان له شابان مقتبلا الشباب ، فقتلا قبله ، وهو ينظر ~~إليهما ولا تتكلم . # ثم قتل بعد ذلك في سنة إحدى وتسعين وسلمت رئاسة حلب ms169 إلى صاعد بن بديع ~~ولما قدم المجن للقتل صاح بصوت عال : يا معشر أهل حلب ، من كان لي عنده مال ~~، فهو في حل منه . # وكان ابن بديع من أولاد الديلم الذين كانوا في أيام سيف الدولة ، وولد ~~أبوه بحلب . # # | صنجيل في عزاز والبارة والمعرة وشيزر # وفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة عصى عمر والي عزاز على الملك رضوان فخرج ~~عسكر حلب وحصره ، فاستنجد بالفرنج ، فوصل صنجيل بعسكر كبير ، فعاد عسر حلب ~~فنهب صنجيل ما قد عليه وعاد إلى أنطاكية ، وأخذ ابن عمر رهينة ، ~~PageV01P243 فمات عنده فوقع الملك رضوان على عمر إلى أن أخذه من تل هراق ~~فسلم إليه عزاز وأقام عنده بحلب مدة ، ثم قتله . # وخرج صنجيل في ذي الحجة ، وحصر البارة فقل الماء فأخذها بالأمان ، وغدر ~~بأهلها ، وعاقب الرجال والنساء ، واستصفى أموالهم وسبي بعضا وقتل بعضا ، ~~ثم خرج بقية الفرنج من أنطاكية والأرمن الذين في طاعتهم والنصارى ، وانضموا ~~إليه ، ووصلوا إلى معرة النعمان لليلتين بقيتا من ذي الحجة في مائة ألف . ~~وحصروا معرة النعمان في سنة اثنتين وتسعين ، وقطعوا الأشجار ، واستغاث ~~أهلها بالملك رضوان وجناح الدولة فلم ينجدهم أحد . وعمل الفرنج برجا من ~~خشب يحكم على السور وزحفوا إلى البلد ، وقاتلوه من جميع نواحيه حتى لصق ~~البرج بالسور فكشفوه وأسندوا السلالم إلى السور وثبت الناس في الحرب من ~~الفجر إلى صلاة المغرب ، وقتل على السور وتحته خلق كثير ، ودخلوا البلد بعد ~~المغرب ليلة الأحد الرابع والعشرين من محرم سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة . # ودخل عسكر الفرنج جميعه إلى البلد ، وانهزم بعض الناس إلى دور حصينة ، ~~وطلبوا الأمان من الفرنج فأمنوهم ، وقطعوا على كل دار قطيعة ، واقتسموا ~~الدور ، وهجموها وناموا فيها ، وجعلوا يهدئون الناس حتى أصبح الصبح ، ~~فاخترطوا سيوفهم ، ومالوا على الناس ، وقتلوا منهم خلقا ، وسبوا النساء ~~والصبيان . # وقتل فيها أكثر من عشرين آلف رجل وامرأة وصبي ، ولم يسلم إلا القليل ممن ~~كان في شيزر وغيرها من بني سليمان وبني أبي حصين وغيرهم ، وقتلوا تحت ~~العقوبة جمعا كثيرا ، فاستخرجوا ذخائر الناس ، ومنعوا ms170 الناس من الماء ، ~~وباعوه منهم فهلك أكثر الناس من العطش ، وملكوها ثلاثة وثلاثين يوما بعد ~~الهجمة ، ولم يبقوا ذخيرة بها إلا استخرجوها PageV01P244 وهدموا سور البلد ~~وأحرقوا مساجده ودوره وكسروا المنابر ، وعاد بيمند إلى أنطاكية وقمص الرها ~~إليها وفي هذه السنة فتحوا بيت المقدس وفعلوا فيها كما فعلوا بالمعرة . # وفي سنة ثلاث وتسعين ، وصل مبارك بن شبل أمير بني كلاب في جمع كثير من ~~العرب فحالف الملك رضوان ، ورعوا زرع المعرة ، وكفرطاب ، وحماة ، وشيزر ، ~~والجسر ، وغير ذلك وخلت البلاد ، ووقع الغلاء في بلد حلب ، ولم يزرع شيء في ~~بلدها ، وسلط الله الوباء على العرب ، فمات شبل ومبارك ولده ، واضمحلت دولة ~~العرب . # # | حلب والفرنج # وتوجه الملك رضوان في سلخ رجب من هذه السنة إلى الأثارب وأقام عليها ~~أياما ، وتوجه إلى ' كلا ' في الخامس والعشرين من شعبان لإخراج الفرنج منها ~~، فاجتمع من كان في الجزر وزردنا وسرمين من الفرنج والتقوا ، فانهزم رضوان ~~، واستبيح عسكره ، وقتل خلق وأسر قريب من خمسمائة نفس وفيهم بعض الأمراء ، ~~وعاد الفرنج إلى الجزر وأخذوا برج كفرطاب وبرج الحاضر ، وصار لهم من كفرطاب ~~إلى الحاضر ، ومن حلب غربا سوى تل منس فإن أصحاب جناح الدولة كانوا بها . # وسار رضوان عقيب هذه النكبة إلى حمص مستنجدا بجناح الدولة فأجابه ، وعاد ~~إلى حلب ومعه جناح الدولة ، وقد عاد الفرنج إلى أنطاكية ، فأقام جناح ~~الدولة بظاهر حلب أياما ، فلم يلتفت إليه رضوان فعاد عنه إلى حمص . # وتجمع الفرنج بالجزر وسرمين وأعمال حلب وجمعوا العدد والغلال لحصار حلب ، ~~وعولوا على حصارها في سنة خمس وتسعين ، وقيل قبلها ، ووصل بيمند وطنكريد ~~إلى قرب حلب فنزلوا المشرفة ، من الجانب القبلي PageV01P245 على نهر قويق ~~لما بلغهم من ضغف رضوان وتمزيق عسكره ، وعزموا أن يبنوا مشهد الجف ، ومشهد ~~الدكة ، ومشهد قرنبيا حصونا ، وأن يقيموا على حلب ويستغلوا بلدها . # فأقاموا في تدبير ذلك يوما أو يومين فبلغه خروج أنوشتكين الدانشمند ، ~~وأنه قد نازل بعض معاقل الفرنج ، وهي ملطية فعادوا للدفع عنها . # فخرج الدانشمند فلقي بيمند وجمعا من الفرنج ms171 بأرض مرعش فأسره ، وقتل ~~عسكره ، ولم يفلت منهم أحد ، فخيب الله ظن الفرنج ، وهربوا من أعمال حلب ، ~~وتركوا جميع ما كانوا أعدوه ، فخرج رضوان وأخذ الغلال التي جمعوها ، ونزل ~~سرمين . # # | تحرك جناح الدولة ومقتله # وسار جناح الدولة إلى أسفونا وبه جماعة من الفرنج فهجمه وقتل جميع من فيه ~~، وسار إلى سرمين فكبس عسكر الملك رضوان ونهبه ، وانهزم رضوان وأكثر عسكره ~~وأسر الوزبر أبا الفضل بن الموصول وجماعة وحملهم إلى حمص . # وطلب الحكيم المنجم الباطني فلم يظفز به ، وكان هذا الحكيم قد أفسد ما ~~بينه وبين رضوان واستمال رضوان إلى الباطنية جدا ، وظهر مذهبهم في حلب ، ~~وشايعهم رضوان وحفظ جانبهم ، وصار لهم بحلب الجاه العظيم والقدرة الزائدة ، ~~وصارت لهم دار الدعوة بحلب في أيامه ، وكاتبه الملوك في أمرهم ، فلم يلتفت ~~ولم يرجع عنهم ، فوصل هذا الحكيم حلب سالما في جملة من سلم في هذه الوقعة ~~. واستغل جناح الدولة سرمين ومعرة النعمان وكفرطاب وحماة ، وفدى الوزير ابن ~~الموصول نفسه من جناح الدولة بأربعة آلاف دينار ، وفدى أصحاب الملك نفوسهم ~~أيضا بمال حملوه إليه ولم يبق في أيدي المسلمين في سنة خمس وتسعين إلا حصن ~~بسرفوث ، من عمل بني عليم . PageV01P246 # وتسلم دقاق الرحبة في سنة ست وتسعين وأربعمائة ، وكان المقيم بها زوج ~~آمنة بنت قيماز ، وكان قيماز من أصحاب كربوقا فمات ، وكانت الرحبة له ، ~~وكان جناح الدولة قد خرج إليها فوجد الأمر قد فات ، فعاد ونزل النقرة وخرج ~~إليه رضوان إلى النقرة واصطلحا ، وأخذه معه إلى ظاهر حلب ، وضرب له خياما ~~، وأقام في ضيافته عشرة أيام ، ولم يصف قلب أحد منهما لصاحبه . # وسار جناح الدولة إلى حمص فسير الحكيم المنجم الباطني ثلاثة أعجام من ~~الباطنية فاغتالوه ، وقد نزل يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رجب ، ~~لصلاة الجمعة فقتلوه ، وقتلوا بعض أصحابه وقتلوا وقيل : إن ذلك كان بأمر ~~رضوان ورضاه . # وبقي المنجم الباطني بعده أربعة وعشرين يوما ومات ، وقام بعده بأمر ~~الدعوة الباطنية بحلب رفيقه أبو طاهر الصائغ العجمي . # ووصل صنجيل الفرنجي وترك حمص ms172 بعد قتل جناح الدولة بثلاثة أيام فسيرت ~~زوجته خاتون أم الملك رضوان تستدعيه لتسلم إليه حمص ويدفع الفرنج ، فكره ~~المقدمون ذلك ، وخافوا منه لسوء رأيه فيهم ، وسيروا إلى بواب دقاق إلى دمشق ~~، وكان دقاق بالرحبة فسار أيتكين الحلبي من دمشق ودخلها وطلع القلعة . ووصل ~~رضوان إلى القبة فبلغه الخبر وعاد ورحل صنجيل عنها بعد أن قرر عليهم مالا ~~، ووصل دقاق فتسلم حمص وأحسن إلى أهلها ونقل أهل جناح الدولة وأولاده إلى ~~دمشق ، وسلم حمص إلى طغتكين . # # | الفرنج حول حلب # وسار والي عزاز وأغار على الجومة ، وهي من عمل أنطاكية ، فخرج عسكر ~~PageV01P247 أنطاكية وعسكر الرها فنزلوا المسلمية ، وقتلوا بعض أهلها ، ~~وقطعوا على عدة مواضع قطائع أخذوها ، وأقاموا ببلد حلب أياما ، وراسلوا ~~الملك رضوان . # واستقر الحال على سبعة آلاف دينار وعشرة رؤوس من الخيل ، ويطلقون الأسرى ~~ما خلا من أسروه على المسلمية من الأمراء ، وذلك في سنة ست وتسعين ثم خرج ~~الفرنج من تل باشر وأغاروا على بلد حلب الشمالي والشرقي ، وأحرقوه ، وتكرر ~~ذلك منهم ، ونزلوا على حصن بسرفوث ، وفتحوه بالأمان ، ووصلوا إلى كفرلاثا ، ~~فكبسهم بنو عليم فانهزموا إلى بسرفوث . # ووقع بين الفرنج وبين سكمان وجكرمش وقعة عظيمة استظهر فيها المسلمون ، ~~وهلك الفرنج وأسر القمص ، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة . # # | انتصارات رضوان وموت دقاق # وكان الملك رضوان قد سار إلى الفرات ينتظر ما يكون من خبر الفرنج ، فلما ~~وصله الخبر أنفذ إلى الجزر وغيره من أعمال حلب التي في أيدي الفرنج ، ~~فأمرهم بالقبض على من عندهم من الفرنج ، فوثب أهل الفوعة وسرمين ، ومعرة ~~مصرين وغيرها ، ففعلوا ذلك . # وطلب بعض الفرنج الأمان من رضوان فأمنهم من القتل ، وحملهم أسرى ، ولم ~~يبق بأيدي الفرنج غير الجبل و ' هاب ' وحصون المعرة ، وكفرطاب ، وصوران . # فوصل شمس الخواص وفتح صوران ، فهرب من كان بلطمين وكفرطاب وبلد المعرة ~~والبارة إلى أنطاكية ، وسلموها إلى رضوان وأصحابه ما خلا ' هاب ' واسترجع ~~رضوان بالس والفايا ممن كان بهما من أصحاب جناح الدولة وجرى PageV01P248 ~~بحماة خلف ، وخافوا من شمس الخواص ، فكاتبوا رضوان ، وسلموها ms173 إليه وسلمية ، ~~فأمنت أعمال حلب وتراجع أهلها إليها وقوي جأش رضوان . # واتصلت غارات عسكر حلب إلى بلد أنطاكية ، وعرف بيمند ضعفه عن حفظ البلد ، ~~وأنه لم يفلت من وقعة سكمان إلا في نفر قليل ، وخاف من المسلمين فصار لى ~~بلاده في البحر يستنجد بمن يخرج بهم إلى البلاد ، واستخلف ابن أخته طنكريد ~~دبر أمر أنطاكية والرها . # ومات الملك دقاق سنة سبع وتسعين في رمضان وأوصى بالملك لولد له صغير اسمه ~~تتش ، وجعل التدبير إلى أتابك طغتكين ، فتوتجه الملك رضوان نحو دمشق ، ~~وحاصرها ، وقرر له الخطبة والسكة ، فلم تستتب أموره وعاد إلى حلب . # # | نكبة المسلمين # ثم إنه خرج في شهر رجب من سنة ثمان وتسعين ، وجمع خلقا كثيرا ، وعزم ~~على قصد طرابلس معونة لفخر الملك بن عمار على الفرنج النازلين عليه . وكان ~~الأرمن الذين في حصن أرتاح قد سلموه إلى الملك رضوان لجور الأفرنج ، فخرج ~~طنكريد من أنطاكية لاستعادة أرتاح ، وخرج جميع من في أعماله من الفرنج معه ~~، ونزل عليها ، فتوجه نحوه رضوان في عساكره وجموعه وجميع من أمكنه من عمل ~~حلب والأحداث . # فلما تقاربا نشبت الحرب بين الفريقين فثبت راجل المسلمين وانهزمت الخيل ، ~~ووقع القتل في الرجالة فلم يسلم منهم إلا من كتب الله سلامته ، ووصل الفل ~~إلى حلب ، وقتل من المسلمين مقدار ثلاثة آلاف ما بين فارس وراجل ، وهرب من ~~بأرتاح من المسلمين . # وقصد الفرنج بلد حلب فأجفل أهله ، ونهب من نهب وسبى من سبى ، وذلك في ~~الثالث من شعبان . PageV01P249 # واضطربت أحوال بلد حلب من ليلون إلى شيزر ، وتبدل الخوف بعد الأمن ~~والسكون ، وهرب أهل الجزر وليلون إلى حلب ، فأدركهم خيل الفرنج فسبوا ~~أكثرهم ، وقتلوا جماعة . وكانت هذه النكبة على أعمال حلب أعظم من النكبة ~~الأولى على كلا . # ونزل طنكريد على تل أغدي ، من عمل ليلون ، وأخذه وأخذ بقية الحصون التي ~~في عمل حلب ولم يبق في يد الملك رضوان من الأعمال القبلية إلا حماة ومن ~~الغربية إلا الأثارب ، والشرقية والشمالية في يديه ، وهي غير آمنة . # # | الباطنية # وسير أبو ms174 طاهر الصائغ الباطني جماعة من الباطنية من أهل سرمين إلى خلف ~~ابن ملاعب بتدبير رجل يعرف بأبي الفتح السرميني ، من دعاة الإسماعيلية ، ~~فقتلوه ووافقهم جماعة من أهل أفامية ، ونقبوا سور الحصن ، ودخلوا منه ، ~~وطلع بعضهم إلى القلة فأحس بهم ، فخرج فطعنه أحدهم بخشت فرمى بنفسه ، فطعن ~~أخرى فمات ، ونادوا بشعار الملك رضوان . # ووصل أبو طاهر الصائغ إلى الحصن عقيب ذلك وأقام به ، وسار طنكريد إلى ~~أفامية ، فقطع عليها مالا أخذه ، وعاد فوصله مصبح بن خلف بن ملاعب وبعض ~~أصحابه ، فأطمعوه في أفامية ، فعاد ونزلها ، وحاصرها فتسلمها في الثالث عشر ~~من محرم من سنة خمسمائة بالأمان وقتل أبا الفتح السرميني بالعقوبة ، ولم يف ~~لأبي طاهر الصائغ بالأمان ، وحمله معه أسيرا فاشترى نفسه بمال ، ودخل حلب ~~، وفي سنة إحدى وخمسمائة ، عصى ختلع بقلعة عزاز ، واستقر أن يسلمها إلى ~~طنكريد ، ويعوضه عنها موضعا غيرها ، فسار رضوان إليها فتسلم عزاز منه وبلغ ~~رضوان ، في ، سنة احدى وخمسمائة ، ما ذكر به من مشايعة الباطنية ، و أنه ~~PageV01P250 لعن بذلك في مجلس السطان محمد بن ملكشاه ، فأمر أبا الغنائم ~~ابن أخي أبي الفتح الباطني الذي عمل في قتل ابن ملاعب ما دبر الخروج من حلب ~~فيمن معه ، فانسل وخرج بجماعة من أصحابه بعد أن قتل أفراد منهم . # # | الفرنج بين مد وجذر # وفي سنة إحدى وقيل : اثنتين وخمسمائة اجتمع جاولي سقاوه وجوسلين الفرنجي ~~، على حرب طنكريد صاحب أنطاكية ، واستنجد طنكريد بالملك رضوان ، فأمده ~~بعكسر حلب والتقوا ، فقتل من الفرنج جماعة . # ووصل إلى جاولي من أخبره أن الفرنج يريدون الاجتماع عليه فمال على أصحابه ~~من الفرنج وقتل فيهم ، وهرب بعد أن قتلهم عن آخرهم وهلك جميع رجالة طنكريد ~~وأكثر خيله . # وعاد إلى أنطاكية وعاد عسكر حلب إلى رضوان ، فتسلم بالس من أصحاب جاولي ، ~~وخرج بيمند من بلاده ومعه خلق عظيم ، ثم عاد وتوفي سنة أربع إخمسمائة ، ~~وكفي المسلمون شره . # وفي سنة ثلاث وخمسمائة ، كاتب السلطان الأمير سكمان القطبي صاحب أرمينية ~~ومودود صاحب الموصل ، يأمرهما بالمسير إلى جهاد الفرنج ، فجمعا ms175 وسارا ، وصل ~~إليهما نجم الدين إيلغازي بن أرتق في خلق كثير من التركمان ، فرحلوا إلى ~~الرها فنزلوا عليها وأحدقوا بها في شوال من هذه السنة . # فاتفق الفرنج كلهم ، وأزالوا ما كان بينهم من الشحناء ، وكان المسلمون في ~~جمع عظيم ، فتصافى طنكريد وبغدوين وابن ضنجيل بعد النفار ، وقصدوا إنجاد من ~~بها من الفرنج ، وأحجموا عن العبور إلى الجانب الجزري لكثرة من به من عساكر ~~المسلمين . # فاندفع المسلمون عن الرها إلى حران ليعبر الفرنج ويتمكنوا منهم ووصلهم ~~عسكر دمشق فحين عبر الفرنج وبلغهم خبر المسلمين عادوا ناكصين على الأعقاب ~~إلى شاطىء الفرات ، فنهض المسلمون في أثرهم ، وأدركتهم خيول الإسلام ، وقد ~~عبر PageV01P251 الأجلاد منهم ، فغنم المسلمون جل سوادهم وأكثر أثقالهم ، ~~واستباحوهم قتلا وأسرا وتغريقا في الماء ، وأقام المسلمون بإزائهم على ~~الفرات . ولما عرف الملك رضوان هزيمة الفرنج عن الرها خرج ليتسلم أعمال حلب ~~التي كانت في أيدي الفرنج ، وقاتل ما امتنع عليه منها ، وأغار على بلد ~~أنطاكية وغنم منها ما يجل قدره ، وكان بينه وبينهم مهادنة نقضها . # وكاتب الفرنج رضوان يوهنون رأيه في نقض الهدنة ، فلما تحقق سلامة طنكريد ~~وعوده رجع إلى حلب . وعاد الفرنج من الفرات فقصدوا بلد حلب من شرقيها ، ~~فقتلوا من وجدوا ، وسبوا أهل النقرة ، وأخذوا ما قدروا عليه من المواشي . # وهرب الناس نحو بالس ، وعاد طنكريد ، فنزل على الأثارب ، وطيب قلوب ~~الفلاحين من المسلمين ، وأمنهم ، ونصب على الأثارب المناجيق وكبشا عظيما ~~ينطح به شرفات الأسوار فيلقيها ، فخرب أسوارها وكان يسمع نطحه من مسيرة نصف ~~فرسخ . # وبدل رضوان لطنكريد في الموضع عشرين آلف دينار على أن يرحل فامتنع ، وقال ~~: قد خسرت ثلاثين آلف دينار ، فإن دفعتموها إلي وأطلقتم كل عبد بحلب منذ ~~ملكت أنطاكية فأنا أرحل ، فاستعظم ذلك واتكل على الحوادث . # وكان الذي بقي في القلعة مائة دينار ، وأخذها الخازن على وسطه ، وهرب إلى ~~الفرنج ، وهرب جماعة أخر من المسلمين إليهم فكتبوا إلى الملك رضوان كتابا ~~على جناح طائر يخبرونه بما تجدد من قوة الحصار وقلة النفقة وقتل الرجال ~~وأرسلوا ms176 الطائر فسقط في عسكر الفرنج ، فرماه أحدهم بنشابة فقتله . # وحمل الكتاب إلى طنكريد ، ففرح وقويت نفسه ، و بدل رضوان المال المطلوب ~~له على أن يكون أقساطا ويضع عليه رهائن فلم يفعل ، ويئس من في الأثارب من ~~نجدة تصل إليهم فسلموها إلى طنكريد في جمادى الآخرة منها ، وأمن أهلها ~~وخرجوا منها PageV01P252 ثم صالح رضوان على عشرين آلف دينار وعشرة رؤوس من ~~الخيل ، وقبضها وعاد إلى أنطاكية . # ثم عاد وخرج إلى الأثارب ، وقد أدركت الغلة ، وضعفت حلب بأخذ الأثارب ~~ضغفا عظيما ، وطلب من حلب المقاطعة التي قررها حلب وأسرى من الأرمن كان ~~رضوان أخذهم وقت إغارته على بلد أنطاكية ، والفرنج على الفرات ، فأعادهم ~~إليه وطلب بعض خيل الملك رضوان فأعطاه ، وطلب حرم الفلاحين المسلمين من ~~الأثارب ، وكانوا وقت نزول طنكريد على الأثارب حصلوا بحرمهم في حلب فأخرجهن ~~إليه . # وضاق الأمر بأهل حلب ، ومضى بعضهم إلى بغداد واستغاثوا في أيام الجمع ، ~~ومنعوا الخطباء من الخطبة مستصرخين بالعساكر الإسلامية على الفرنج ، وقلت ~~المغلات في بلد حلب ، فباع الملك رضوان في يوم واحد ستين خربة من بلد حلب ~~لأهلها بالثمن البخس ، وطلب بذلك استمالتهم ، وأن يلتزموا بالمقام بها بسبب ~~أملاكهم ، وهي ستون خربة معروفة في دواوين حلب إلى يومنا هذا ، غير ما باعه ~~في غير ذلك اليوم من الأملاك . # ولذلك يقال أن بيع الملك من أصح أملاك الحلبيين لأن المصلحة في بيعها ~~كانت ظاهرة لاحتياج بيت المال إلى ثمنها ، ولعمارة حلب ببقاء أهلها فيها ~~بسبب أملاكهم . ولما استصرخ الحلبيون العساكر الإسلامية ببغداد وكسروا ~~المنابر ، جهز السلطان العساكر للذب عنهم ، فكان أول من وصل مودود صاحب ~~الموصل بعسكره إلى شبختان ، ففتح تل قراد ، وعدة حصون ووصل أحمديل الكردي ~~في عسكر ضخم وسكمان القطبي ، وعبروا إلى الشام فنزلوا تل باشر ، وحصروها ~~حتى أشرفت على الأخذ ، وكان طنكريد قد أخذ PageV01P253 حصن بكسرائيل ، ~~وتوجه مغيرا على بلد شيزر ونازلها . # وشرع في عمارة تل ابن معشر وضرب اللبن وحفر الجباب ليوعي بها الغلة ، ~~فلما بلغه نزول عساكر السلطان محمد على ms177 تل باشر رحل عنها وأما العساكر ~~الإسلامية النازلة على تل باشر فإن سكمان مات عليها ، وقيل : بعد الرحيل ~~عنها ، وأشرف المسلمون على أخذها فتطارح جوسلين الفرنجي صاحبها على أحمديل ~~الكردي وحمل إليه مالا ، وطلب منه رحيل العسكر عنه فأجابه إلى ذلك ، وكتب ~~الملك رضوان إلى مودود وأحمديل وغيرهما : إنني قد تلفت وأريد الخروج من حلب ~~فبادروا إلى الرحيل ، فحسن لهم أحمديل الرحيل عنها بعد أن أشرفوا على أخذها ~~، ورحلوا إلى حلب ، فأغلق رضوان أبواب حلب في وجوههم ، وأخذ إلى القلعة ~~رهائن عنده من أهلها لئلا يسلموها . # ورتب قوما من الجند والباطنية الذين في خدمته لحفظ السور ومنع الحلبيين ~~من الصعود إليه ، وبقيت أبواب حلب مغلقة سبع عشرة ليلة . وأقام الناس ثلاث ~~ليالي ما يجدون شيئا يقتاتون به ، فكثرت اللصوص من الضعفاء ، وخاف الأعيان ~~على أنفسهم . وساء تدبير الملك رضوان فأطلق العوام ألسنتهم بالسب له ~~وتعييبه ، وتحدثوا بذلك فيما بينهم ، فاشتد خوفه من الرعية أن يسلموا ~~البلدة وترك الركوب بينهم . وصفر إنسان من السور فأمر به فضربت عنقه ونزع ~~رجل ثوبه ورماه إلى آخر . فأمر به فألقي من السور إلى أسفل ، فعاث العسكر ~~فيما بقي سالما ببلد حلب بعد نهب الفرنج له وسبيهم أهله . # وبث رضوان الحرامية يتخطف من ينفرد من العساكر فيأخذونه ، فرحلوا إلى ~~معرة النعمان في آخر صفر من سنة خمس وخمسمائة ، وأقاموا عليها أياما ~~ووجدوا حولها ما ملأ صدورهم مما يحتاجون إليه من الغلات وما عجزوا عن حمله ~~. PageV01P254 # وكان أتابك طغتكين قد حصل معهم ، فراسل رضوان بعضهم حتى أفسد ما بينه ~~وبينهم ، فظهر لأتابك منهم الوحشة ، فصار في جملة مودود صاحب الموصل ، وثبت ~~له مودود ، ووفى له وحمل لهم أتابك هدايا وتحفا من متاع مصر ، وعرض عليهم ~~المسير إلى طرابلس والمعونة لهم بالأموال ، فلم يعرجوا ، وسار أحمديل وبرسق ~~بن برسق عسكر سكمان نحو الفرات ، وبقي مودود مع أتابك ، فرحلا من المعرة ~~إلى العاصي فنزلا على الجلالي . # فنزل الفرنج أفامية : بغدوين وطنكريد وابن صنجيل ، وساروا لقصد المسلمين ~~، فخرج أبو ms178 العساكر بن منقذ من شيزر بعسكره وأهله ، واجتمعوا بمودود أتابك ~~وساروا إليهم . # ونزلوا قبلي شيزر والفرنج شمالي تل ابن معشر ، ودارت خيول المسلمين حولهم ~~ومنعوهم الماء ، والأتراك حول الشرائع بالقسي تمنعهم الورد ، فأصبحوا ، ~~هاربين سائرين ، يحمي بعضهم بعضا . # # | الخجندي والباطنية # ووصل إلى حلب في هذه السنة في شهر ربيع الأول من سنة خمس خمسمائة ، رجل ~~فقيه تاجر كبير يقال له أبو حرب عيسى بن زيد بن محمد خجندي ، ومعه خمسمائة ~~حمل عليها أصناف التجارات ، وكان شديدا على الباطنية أنفق أموالا جليلة ~~على من يقاتلهم ، وكان قد صحبه من خراسان باطني يقال له أحمد ابن نصر ~~الرازي وكان أخوه قد قتله رجال الخجندي . # فدخل أحمد إلى حلب ، ومضى إلى أبي طاهر الصائغ العجمي رئيس الباطنية حلب ~~، وكان متمكنا من رضوان ، فصعد إلى رضوان ، وأطمعه في مال الفقيه أبي حرب ~~، وأراه أنه بريء من التهمة في شأنه ، إذ هو معروف بعداوة الباطنية . ~~PageV01P255 # فطمع رضوان في ماله وطار فرحا ، وبعث غلمانا له يتوكلون به ، وسير أبو ~~طاهر الباطني معه جماعة من أصحابه ، فبينا أبو حرب الخجندي في غلمان له ~~يستعرض أحماله وحوله جماعة من مماليكه وخدمه إذ هجم عليه أحمد بن نصر ~~الرازي في جماعة من أصحاب أبي طاهر الباطني ، فقال لغلمانه : أليس هذا ~~رفيقنا ، فقالوا : هو هو . فوقعوا عليه فقتلوه . # وقتل الجماعة الذين معه من أصحاب أبي طاهر الباطني العجمي بأسرهم ، ثم ~~قال أبو حرب : الغياث بالله من هذا الباطني الغادر ، أمنا المخاوف ورآنا ~~إلى أن جئنا إلى الأمنة ، فبعث علينا من يقتلنا . # فأخبر رضوان بذلك فأبلس ، وصار السنة والشيعة إلى هذا الرجل ، وأظهروا ~~إنكار ما تم عليه وعبث أحداثهم بجماعة من أحداث الباطنية فقتلوهم ، ولم ~~يتجاسر رضوان على إنكار ذلك . # وكاتب الفقيه أبو حرب أتابك طغتكين وغيره من ملوك الإسلام فتوافت رسلهم ~~إلى رضوان ينكرون عليه ، فأنكر وحلف أنه لم يكن له في هذا الرجل نية . # وخرج الرجل عن حلب مع الرسل فعاد إلى بلده ، ومكث الناس يتحدثون بما جرى ~~على ms179 الرجل ونقص في أعين الناس ، فتوثبوا على الباطنية من ذلك اليوم . # # | نهاية رضوان # ثم إن رضوان حين ضعف أمره بحلب رأى أن يستميل طغتكين أتابك إليه ويستصلحه ~~، فاستدعاه إلى حلب عندما أراد أن ينزل طنكريد على قلعة عزاز ، وبذل له ~~رضوان مقاطعة حلب عشرين آلف دينار وخيلا وغير ذلك ، فامتنع طنكريد من ذلك ~~، فوصل طغتكين أتابك ، وتعاهدا على مساعدة كل منهما لصاحبه بالمال والرجال ~~. # واستقر الأمر على أن أقام طغتكين الدعوة والسكة لرضوان بدمشق ، فلم يظهر ~~منه بعد ذلك الوفاء بما تعاهدا عليه . # ومات طنكريد في سنة ست وخمسمائة ، واستخلف ابن أخته روجار وأدى إليه ~~رضوان ما كان يأخذه منه طنكريد وهو عشرة آلاف دينار . PageV01P256 ووصل ~~مودود إلى الشام ، واتفق مع طغتكين على الجهاد ، وطلب نجدة من الملك رضوان ~~فتأخرت إلى أن اتفق للمسلمين وقعة استظهروا فيها على الفرنج ، ، ووصل ~~عقيبها نجدة للمسلمين من رضوان ، دون المائة فارس ، وخالف فيما كان قرره ~~ووعد به ، فأنكر أتابك ذلك ، وتقدم بإبطال الدعوة والسكة باسم رضوان من ~~دمشق في أول ربيع الأول من سنة سبع وخمسمائة . # وكان رضوان يحب المال ، ولا تسمح نفسه بإخراجه حتى كان أمراؤه وكتابه ~~ينبزونه بأبي حبة ، وهو الذي أفسد أحواله وأضعف أمره . # ومرض رضوان بحلب مرضا حادا وتوفي في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة ~~سنة سبع وخمسمائة . ودفن بمشهد الملك ، فاضطرب أمر حلب لوفاته . وتأسف ~~أصحابه لفقده ، وقيل : إنه خلف في خزانته من العين والآلات والعروض ~~والأواني ما يبلغ مقداره ستمائة آلف دينار . PageV01P257 فارغة PageV01P258 # # | القسم العشرون حلب وابنا رضوان # # | ألب أرسلان وسلطان شاه # # | ألب أرسلان من أخويه إلى الباطنية # وملك حلب بعده ابنه ألب أرسلان ، ويعرف بالأخرس ، وعمره ست عشرة سنة . ~~وأمه بنت يغي سيان صاحب أنطاكية ، وكان في كلامه حبسة وتمتمة ، لذلك عرف ~~بالأخرس ، وكان متهورا قليل العقل ، ووضع عن أهل حلب ما كان والده جدده ~~عليهم من الرسوم والمكوس . # وقبض على أخويه ملك شاه ومبارك ، وكان مبارك من جارية وملك شاه من أمه ، ~~فقتلهما . وكذلك فعل ms180 أبوه رضوان بأخويه ، فانظر إلى هذه المقابلة العجيبة . ~~وقبض جماعة من خواص والده فقتل بعضهم ، وأخذ أموال الآخرين . # وكان المتولي لتدبير أموره خادم لأبيه يقال له لؤلؤ اليايا ، وهو الذي ~~أنشأ خانكاه البلاط بحلب . وكان قبل وصوله إلى رضوان خادما لتاج الروساء ~~ابن الخلال ، فدبر أسوأ تدبير مع سوء تدبيره في نفسه . # وكان أمر الباطنية قد قوي بحلب في أيام أبيه ، وتابعهم خلق كثير على ~~مذهبهم طلبا لجاههم ، وصار كل من أراد أن يحمي نفسه من قتل أو ضيم التجأ ~~إليهم . PageV01P259 # وكان حسام الدين بن دملاج وقت وفاة رضوان بحلب ، فصاروا معه ، وصار ~~إبراهيم العجمي الداعي من نوابه في حفظ المليحة بظاهر بالس . # فكتب السلطان محمد بن ملك شاه إلى ألب أرسلان وقال له : كان والدك ~~يخالفني في الباطنية ، وأنت ولدي فأحب أن تقتلهم ' . # وشرع الرئيس ابن بديع متقدم الأحداث في الحديث مع ألب أرسلان في أمرهم ، ~~وقرر الأمر معه على الإيقاع بهم ، والنكاية فيهم ، فساعده على ذلك . فقبض ~~على أبي طاهر الصائغ وقتله ، وقتل إسماعيل الداعي وأخا الحكيم المنجم ~~والأعيان من أهل هذا المذهب بحلب ، وقبض على زهاء مائتي نفس منهم . # وحبس بعضهم واستصفى أموالهم ، وشفع في بعضهبم فمنهم من أطلق ومنهم من رمي ~~من أعلى القلعة ، ومنهم من قتل . وأفلت جماعة منهم فتفرقوا في البلاد ، ~~وهرب إبراهيم الداعي من القليعة إلى شيزر ، وخرج حسام الدولة بن دملاج عند ~~القبض عليهم فمات في الرقة ، وطلب الفرنج من ألب أرسلان المقاطعة التي لهم ~~بحلب ، فدفعها إليهم من ماله ولم يكلف أحدا من أهل حلب شيئا منها . # # | ألب أرسلان وطغتكين # ثم إن ألب أرسلان رأى أن المملكة تحتاج إلى من يدبرها أحسن تدبير ، وأشار ~~خدمه وأصحابه عليه بأن كاتب أتابك طغتكين أمير دمشق ، ورغب في استعطافه ، ~~وسأله الوصول إليه ليدبر حلب والعسكر ، وينظر في مصالح دولته ، فأجابه إلى ~~ذلك ، ورأى موافقته لكونه صبيا لا يخافه الكفار ولا رأي له ، فدعا له على ~~منبر دمشق بعد الدعوة للسلطان وضربت السكة باسمه ، وذلك ms181 في شهر رمضان . # وأوجبت الصورة أن خرج ألب أرسلان بنفسه في خواصه ، وقصد أتابك إلى ~~PageV01P260 دمشق ليجتمع معه ، ويوكد الأمر بينه وبينه ، فلقيه أتابك على ~~مرحلتين ، وأكرمه ووصل معه وأنزله بقلعة دمشق . # وبالغ في إكرامه وخدمته والوقوف على رأسه . وحمل إليه دست ذهب وطيرا ~~مرصعا وعدة قطع ثمينة ، وعدة من الخيل ، وأكرم من كان في صحبته . وأقام ~~بدمشق أياما وسار في أول شوال عائدا إلى حلب ، ومعه أتابك وعسكره ، فأقام ~~عنده أياما واستخلص كمشتكين البعلبكي مقدم عسكره ، وكان قد أشار عليه بعض ~~أصحابه بقبضه ، وقبض جماعة من أعيان عسكره وقبض الوزير أبي الفضل بن ~~الموصول ففعل ذلك ، فاستوهب أتابك منه كمشتكين فوهبه إياه . وقبض على رئيس ~~حلب صاعد بن بديع ، وكان وجيها عند أبيه رضوان ، فصادره بعد التضييق عليه ~~حتى ضرب نفسه في السجن بسكين ليقتل نفسه ، ثم أطلقه بعد أن قرر عليه مالا ~~، وأخرجه وأهله من حلب ، فتوجه إلى مالك بن سالم إلى قلعة جعبر . # # | رئاسة حلب وأمرها ومقتل ألب أرسلان # وسلم رئاسة حلب إلى إبراهيم الفراتي فتمكن ولقب ونوه باسمه ، وإليه تنسب ~~عرصة ابن الفراتي بالقرب من باب العراق بحلب . ثم رأى أتابك من سوء السيرة ~~وفساد التدبير مع التقصير في حقه والإعراض عن مشورته ما أنكره ، فعاد من ~~حلب إلى دمشق ، وخرجت معه أم الملك رضوان هربا منه . # وساءت سيرة ألب أرسلان ، وانهمك في المعاصي واغتصاب الحرم والقتل . ~~وبلغنا أنه خرج يوما إلى عين المباركة متنزها ، وأخذ معه أربعين جارية ، ~~ونصب خيمة ، ووطئهن كلهن . # واستولى لؤلؤ اليايا على الأمر ، فصادر جماعة من المتصرفين ، وأعاد ~~الوزارة إلى أبي الفضل بن الموصول . وجمع ألب أرسلان جماعة من الأمراء ، ~~وأدخلهم إلى موضع بالقلعة شبيه بالسرداب لينظروه ، فلما دخلوا إليه قال لهم ~~. ايش تقولون PageV01P261 في من يضرب رقابكم كلكم ههنا . فقالوا : ' نحن ~~مماليكك وبحكمك ' . وأخذوا ذلك منه بطريق المزاح ، وتضرعوا له حتى أخرجهم . # وكان فيهم مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر فلما نزل سار عن حلب وتركها خوفا ~~على نفسه . # وخاف ms182 منه لؤلؤ اليايا فقتله بفراشه بالمركز بقلعة حلب ، في شهر ربيع ~~الآخر من سنة ثمان وخمسمائة ، وساعده على ذلك قراجا التركي وغيره . # # | سلطان شاه # ولزم لؤلؤ اليايا قلعة حلب وشمس الخواص في العسكر ، ونصب لؤلؤ أخا له ~~صغيرا عمره ست سنين ، واسمه سلطان شاه بن رضوان ، وتولى لؤلؤ تدبير مملكته ~~، وجرى على قاعدته في سوء التدبير . # وكاتب لؤلؤ ومقدمو حلب أتابك طغتكين وغيره يستدعونهم إلى حلب لدفع الفرنج ~~عنها فلم يجب أحد منهم إلى ذلك . ومن العجائب أن يخطب الملوك لحلب فلا ~~يوجد من يرغب فيها ، ولا يمكنه ذب الفرنج عنها ، وكان السبب في ذلك أن ~~المقدمين كانوا يريدون بقاء الفرنج ليثبت عليهم ما هم فيه . # وقل الربيع ببلد حلب لاستيلاء الفرنج على أكثر بلدها والخوف على باقيه ، ~~وقلت الأموال واحتيج إليها لصرفها إلى الجند ، فباع لؤلؤ قرى كثيرة من بلد ~~حلب ، وكان المتولي بيعها القاضي أبا غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة ~~قاضي حلب ، ولولو يتولى صرف أثمانها في مصالح القلعة والجند والبلد . # # | حلب بين لؤلؤ والزلازل # وقبض لؤلؤ على الوزير أبي الفضل بن الموصول ، واستأصل ماله ، وسار إلى ~~القلعة فأقام عند مالك بن سالم ، واستوزر أبا الرجاء بن السرطان الرحبي مدة ~~، ثم صادره وضربه ، وطلب أبا الفضل بن الموصول فأعاده إلى الوزارة بحلب . ~~PageV01P262 # وجاءت زلزلة عظيمة ليلة الأحد ثامن وعشرين من جمادى الآخرة من سنة ثمان ~~بحلب وحران وأنطاكية ومرعش والثغور الشامية ، وسقط برج باب أنطاكية الشمالي ~~وبعض دور العقبة وقتلت جماعة . # وخربت قلعة عزاز ، وهرب واليها إلى حلب ، وكان بينه وبين لؤلؤ مواحشة ، ~~فحين وصل إلى حلب قتله وأنفذ إليها من تداركها بالعمارة والترميم ، وخرب ~~شيء يسير في قلعة حلب ، وخرب أكثر قلعة الأثارب وززدنا . # وقيل : إن مؤذن مسجد عزاز كان حارسا بالقلعة ، فحرس ونام على برج المسجد ~~بالقلعة ، فلما جاءت الزلزلة ألقته على كتف الخندق وهو نائم لم يعلم بها ، ~~فاجتاز به جماعة فظنوه ميتا ، فأخذوا عنه اللحاف فانتبه وسألهم فأخبروه ~~بما جرى . وصار ms183 شمس الخواص مقدم عسكر حلب ، ومتولي أقطاع الجند ، وكانت ~~سيرته إذ ذاك صالحة ، وكان لؤلؤ في أول أمره مقيما بقلعة حلب لا ينزل منها ~~ويدبر الأمور ، فكتب إلى السلطان على سبيل المغالطة يبذل له تسليم حلب ~~والخزائن التي خلفها رضوان وولده ألب أرسلان ، ويطلب إنفاذ العساكر إليه . ~~فوصل برسق بن برسق مقدم الجيوش وبكربسن وغيرهم من أمراء السلطان في سنة تسع ~~وخمسمائة ، فتغيرت نية لؤلؤ الخادم عما كان كتب به إلى السلطان ، وكتب إلى ~~أتابك طغتكين يستصرخه ويستجده ، ووعده تسليم حلب إليه ، وأن يعوضه طغتكين ~~من أعمال دمشق ، فبادر إلى ذلك . # ووصل حلب ، والعساكر السلطانية ببالس متوجهين إلى حلب فرحلوا منها إلى ~~المعرة ، ووصلهم الخبر أن ذلك اليوم وصل أتابك إلى حلب فأعرضوا عن حلب ، ~~وساروا إلى حماة فتسلموها . # وتسلموا رفنية من أولاد علي كرد ، وسلموها إلى خير خان بن قراجا ، ~~PageV01P263 فخاف طغتكين من عساكر السلطان أن يقصد دمشق ، فأخذ عسكر حلب ، ~~وشمس الخواص ، وإيلغازي بن أرتق ، واستنجد بصاحب أنطاكية روجار وغيره من ~~ملوك الفرنج ونزلوا أجمعين أفامية . # # | خسارة المسلمين أمام الفرنج # ونزلت العساكر السلطانية أرض شيزر ، وجعل أتابك يريث الفرنج عن اللقاء ~~خوفا من الفرنج أن يكسروا العساكر السلطانية فيأخذوا الشام جميعه ، أو ~~ينكسروا فتستولي العساكر السلطانية على ما في يده . # وخاف الفرنج وضاقت صدور أمراء عسكر السلطان من المصابرة ، فرحلوا ونزلوا ~~حصن الأكراد وأشرف على الأخذ ، فاتفق أتابك والفرنج على عود كل قوم إلى ~~بلادهم ، ففعلوا ذلك . # وتوجه أتابك إلى دمشق ، وعاد عسكر حلب وشمس الخواص إلى حلب ، فقبض عليه ~~لؤلؤ الخادم واعتقله فعادت عساكر السلطان حينئذ عن حصن الأكراد ، وساروا ~~إلى كفر طاب ، وحصروا حصنا كان الفرنج عمروه بجامعها وأحكموه ، فأخذوه ~~وقتلوا من فيه ، ورحلوا إلى معرة النعمان . # وأمن الترك وانتشروا في أعمال المعرة واشتغلوا بالشرب والنهب ووقع ~~التحاسد فيما بينهم ، ووصل رسول من بزاعا من جهة شمس الخواص يستدعيهم ~~لتسليم بزاعا ، ويقول إن شمس الخواص مقبوض عليه عند لؤلؤ الخادم ، ولؤلؤ ~~يكشف أخبار العساكر ويطالع بها ms184 الفرنج . ورحل برسق وجامدار صاحب الرحبة نحو ~~دانيث يطلبون حلب ، فنزل جامدار في بعض الضياع . # ووصل برسق بالعسكر إلى دانيث بكرة الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الآخر ، ~~والفرنج يعرفون أخبارهم ساعة فساعة ، فوصلهم الفرنج ، وقصدوا العسكر ~~PageV01P264 من ناحية جبل السماق ، والعسكر على الحال التى ذكرناها من ~~الانتشار والتفرق ، فلم يكن لهم بالفرنج طاقة ، فانهزموا من دانيث إلى تل ~~السلطان . # واستتر قوم في الضياع من العسكر فنهبهم الفلاحون وأطلقوهم ، وغنم أهل ~~الضياع مما طرحوه وقت هزيمتهم ما يفوت الإحصاء ، وأخذ الكفار من هذا ما ~~يفوت الوصف ، وغنموا من الكراع والسلاح والخيام والدواب وأصناف الآلات ~~والأمتعة ما لا يحصى ، ولم يقتل مقدم ولا مذكور . # وقتل من المسلمين نحو خمسمائة وأسر نحوها واجتمع العسكر على تل السلطان ، ~~ورحلوا إلى النقرة مخذولين مختلفين ، ونزلوا النقرة ، وكان أونبا قد طلع ~~أصحابه إلى حصن بزاعا ، وكان قد تقدم العسكر إليها ، فلما بلغهم ذلك نزلوا ~~ووصلوا إلى العسكر . # وتوجهت العساكر إلى السلطان وإلى بلادهم ، ووصل طغتكين من دمشق فتسلم ~~رفنية فمن كانوا بها ، وأطلق لؤلؤ شمس الخواص من الاعتقال ، وسلم إليه ما ~~كان أقطعه من بزاعا وغيرها ، فوصل إلى طغتكين فرد عليه رفنية ، وعاد إلى ~~دمشق واستصحبه معه . # # | نهاية لؤلؤ الخادم # وأما لؤلؤ الخادم فأنه صار بعد ملازمة القلعة ينزل منها في الأحيان ويركب ~~، فاتفق أنه خرج في سنة عشر وخمسمائة بعسكر حلب والكتاب إلى بالس ، وهو في ~~صورة متصيد ، فلما وصل إلى تحت قلعة نادر قتله الجند . # واختلف في خروجه ، فقيل : أنه كان حمل مالا إلى قلعة دوسر ، وأودعه عند ~~PageV01P265 ابن مالك فيها ، وأراد ارتجاعه منه والعود إلى حلب ، وكان ~~السلطان قد أقطع حلب والرحبة أق سنقر البرسقي ، فواطأ جماعة من أصحابه على ~~أن أظهروا مفارقته ، وخدموا لؤلؤا وصاروا من خواصه ، وواطأهم على قتل لؤلؤ ~~، وأمل أنهم إذا قتلوه تصح له أقطاع حلب فقتلوه . # وسار بعضهم إلى الرحبة فأعلمه ، فأسرع أق سنقر البرسقي المسير إلى حلب من ~~الرحبة ، وانضاف بعض عسكره إلى بقية القوم الذين قتلوه ms185 ، وطمعوا في أخذ حلب ~~لأنفسهم ، وساروا إليها فسبقهم ياروقتاش الخادم ، أخذ خدم الملك رضوان ، ~~ودخل حلب . وقيل : إن لؤلؤا كان قد خاف فأخذ أمواله ، وخرج طالبا بلاد ~~الشرق للنجاة بأمواله ، فلما وصل إلى قلعة نادر قال سنقر الجكرمشي : ~~تتركونه يقتل تاج الدولة ويأخذ الأموال ويمضي ، وصاح بالتركية : أرنب أرنب ~~، فضربوه بالسهام فقتلوه . # # | ياروقتاش أتابك في حلب # ولما خرج عن حلب أقامت القلعة في يد آمنة خاتون بنت رضوان يومين إلى أن ~~وصل ياروقتاش الخادم مبادرا فدخل حلب ونزل بالقصر ، وأخرج بعض عسكر حلب ، ~~وأوقع بالذين قتلوا لؤلؤا ، وارتجع ما كان أخذوه من عسكر حلب . وانهزم بعض ~~من كان في التوبة فالتقوا أق سنقر في بالس في أول محرم سنة إحدى عشرة ~~وخمسمائة . # ولم يتسهل للبرسقي ما أمل وراسل أهل حلب ومن بها في التسليم إليه فلم ~~يجيبوه إلى ذلك . # وكاتب ياروقتاش الخادم نجم الدين إيلغازي بن أرتق ليصل من ماردين ويدفع ~~أق سنقر ، وكاتب روجار صاحب أنطاكية أيضا فوصل إلى بلد حلب ، وأخذ ما قدر ~~عليه من أعمال الشرقية ، فحينئذ أيس البرسقي من حلب ، وانصرف من أرض بالس ~~إلى حمص فأكرمه خير خان صاحبها ، وسار معه إلى طغتكين إلى دمشق فأكرمه ، ~~ووعده بإنجاده على حلب . # وهادن ياروقتاش صاحب أنطاكية روجار ، وحمل إليه مالا وسلم إليه حصن ~~PageV01P266 القبة ، ورتب مسير القوافل من حلب إلى القبلة عليه ، وأن يؤخذ ~~المكس منهم له . # ثم إن ياروقتاش طلع إلى قلعة حلب ، وعزم على أن يعمل حيلة يوقها ~~بالمقدمين ويملكها مثل لؤلؤ ، فقبض عليه مقدمو القلعه بأمر بنات رضوان بعد ~~تمام شهر من ولايته ، وأخرجوه من حلب وولوا في القلعه خادما من خدم رضوان ~~. # ورد أمر سلطان شاه وتقدمة العسكر وتدبير الأمور إلى عارض الجيش العميد ~~أبي المعالي المحسن بن الملحى ، فدبر الأمور وساسها ، وضعفت حلب وقل ~~ارتفاعها وخربت أعمالها . # # | إيلغازي من حلب إلى ماردين # ووصل إيلغازي بن أرتق إلى حلب فأنزلوه في قلعة الشريف ، ومنعوه من القلعة ~~الكبيرة ، واستولى على تدبير الأمور وتربيه سلطان ms186 شاه في سنة إحدى عشرة ~~وخمسمائة ، وسلموا إليه بالس والقليعة . # وقبض على أبي المعالي بن الملحى ، وقصر ارتفاع حلب عما يحتاج إليه ~~إيلغازي والتركمان الذين معه ، ولم ينتظم له حال . واستوحش من أهل حلب ~~وجندها فخرج عنها إلى ماردين . وبقيت بالس والقليعة في يده ، وأخرج ابن ~~الملحى من الإعتقال وأعيد إلى تدبير الأمور . # وأفسد الجند الذين ببالس في أعمال حلب فاستدعوا الفرنج ، وخرج بعض عسكر ~~حلب ومعهم قطعة من الفرنج وحصروها ، فوصل إيلغازي في جمع من التركمان إليها ~~، فعاد عسكر حلب والفرنج عن بالس وباعها لابن مالك ، وعاد إلى ماردين ، ~~وبقي تمرتاش ولده رهينة في حلب . # ووصل في هذه السنة أتابك طغتكين وأق سنقر البرسقي إلى حلب ، وراسل أهلها ~~في تسليمها فامتنعوا من إجابته ، وقالوا : ما نريد أحدا من الشرق وأنفذوا ~~واستدعوا الفرنج من أنطاكية لدفعه عنهم ، فعاد أق سنقر إلى الرحبة وأتابك ~~إلى دمشق . PageV01P267 # # | بلد حلب بين الغلاء والفرنج # واشتد الغلاء بأنطاكية وحلب ، لأن الزرع عرق ولحقه هواء عند إدراكه أتلفه ~~، وهرب الفلاحون للخوف ، واستدعى أهل حلب ابن قراجا من حمص ، فرتب الأمور ~~بها ، وحصنها ، وسار إلى حلب ، ونزل في القصر خوفا من إيلغازي لما كان ~~بينهما . وخرج أتابك إلى حمص ، ونهب أعمالها وشعثها ، وأقام عليها مدة ، ~~وعاد إلى دمشق لحركة الفرنج . وخرجت قافلة من حلب إلى دمشق فيها تجار ~~وغيرهم ، وحملوا ذخائرهم وأموالهم لما قد أشرف عليه أهل حلب . فلما وصلوا ~~إلى القبة نزل الفرنج إليه ، وأخذوا منهم المكس ، ثم عادوا وقبضوهم وما ~~معهم بأسرهم ، ورفعوهم إلى القبة ، وحملوا الرجال والنساء بعد ذلك إلى ~~أفامية ، ومعرة النعمان ، وحبسوهم ليقروا عليهم مالا . # فراسلهم أبو المعالي بن الملحى ورغبهم في البقاء على الهدنة وأن لا ~~ينقضوا العهد ، وحمل إلى صاحب أنطاكية مالا وهدية ، فرد عليهم الأحمال ~~والأثقال وغير ذلك ، ولم يعدم منه شيء . # وقوي طمع الفرنج في حلب لعدم النجد وضعفها ، وغدروا ونقضوا الهدنة ، ~~وأغاروا على بلد حلب ، وأخذوا مالا لا يحصيه إلا الله ، فراسل أهل حلب ~~أتابك طغتكين ، فوعدهم ms187 بالإنجاد ، فكسره جوسلين وعساكر الفرنج ، وراسلوا ~~صاحب الموصل وكان أمره مضطربا بعد عوده من بغداد . ونزل الفرنج بعد عودهم ~~من كسرة أتابك على عزاز ، وضايقوها ، وأشرفت على الأخذ ، وانقطعت قلوب أهل ~~حلب إذ لم يكن بقي لحلب معونة إلا من عزاز وبلدها وبقية بلد حلب في أيدي ~~الفرنج ، والشرقي خراب مجدب ، والقوت في حلب قليل جدا ، ومكوك الحنطة ~~بدينار ، وكان إذ ذاك لا يبلغ نصف مكوك بمكوك حلب الآن ، وما سوى ذلك مناسب ~~له . PageV01P268 # # | القسم الحادي والعشرون حلب و إيلغازي # # | استدعاء إيلغازي إلى حلب # ويئس أهل حلب من نجدة تصلهم من أحد من الملوك ، فاتفق رأيهم على أن سيروا ~~الأعيان والمقدمين إلى إيلغازي بن أرتق ، واستدعوه ليدفع الفرنج عنهم وظنوا ~~أنه يصل في عسكر يفرج به عنهم ، وضمنوا له مالا يقسطونه على حلب يصرفه إلى ~~العساكر فوصل في جند يسير والمدبر لحلب جماعة من الخدم ، والقاضي أبو الفضل ~~ابن الخشاب هو المرجوع إليه في حفظ المدينة والنظر في مصالحها فامتنع عليه ~~البلد ، واختلفت الآراء في دخوله ، فعاد فلحقه القاضي أبو الفضل بن الخشاب ~~وجماعة من المقدمين ، وتلطفوا به ولم يزالوا به حتى رجع . # ووصل إلى حلب ، ودخلها ، وتسلم القلعة ، وأخرج منها سائر الجند وأصحاب ~~رضوان وأنزل سلطان شاه بن رضوان وبنات رضوان في دار من دور حلب . # وقبض على جماعة ممن كان يتعلق بالخدم ويخدمهم ، وأخذ منهم ما كان صار ~~إليهم من مال رضوان ومال الخدم الذين استولوا على حلب بعده . # وراسل الفرنج في مال يحمله عن عزاز ليرحلوا عنها ، فلم يلتفتوا لقوة ~~أطماعهم في أمر الإسلام ، وكان إيلغازي يعجز بحلب عن قوت الدواب ، وحلب على ~~حد التلف . # فلما عرف من بعزاز ذلك ويئسوا من دفع الفرنج سلموها إلى الفرنج ، وراسلهم ~~من بحلب في صلح يستأنفونه معهم ، فأجابوا إلى ذلك لطفا من الله بهم ، على ~~أن يسلموا إلى الفرنج تل هراق ويؤدون القطيعة المستقرة على حلب PageV01P269 ~~عن أربعة أشهر ، وهي ألف دينار ، ويكون لهم من حلب شمالا وغربا . # وزرعوا أعمال ms188 عزاز وقووا فلاحها وعادوا إلى أنطاكية وصار يدخل إلى حلب ما ~~يتبلغون به القوت . # وسار إيلغازي إلى الشرق ليجمع العساكر ويعود بها إلى حلب ، فسار إليه ~~أتابك طغتكين ، والتقاه بقلعة دوسر ، ووافقه على ذلك ، وسارت الرسل إلى ~~ملوك الشرق والتركمان يستنجدونهم . # وكان ابن بديع رئيس حلب عند ابن مالك بقلعة دوسر ، فنزل إلى إيلغازي ~~ليطلب منه العود إلى حلب ، فلما صار عند الزورق ليقطع الماء إلى العسكر وثب ~~عليه اثنان من الباطنية فضرباه عدة سكاكين ، ووقع ولداه عليهما فقتلاهما ، ~~وقتل ابن بديع وأحد ولديه وجرح الآخر ، وحمل إلى القلعة فوثب آخر من ~~الباطنية وقتله ، وحمل الباطني ليقتل فرمى بنفسه في الماء وغرق . # # | وقعة تل عفرين # وتوجه إيلغازي إلى ماردين ومعه أتابك ، وراسلا من بعد وقرب من عساكر ~~المسلمين والتركمان ، فجمعا عسكرا عظيما ، وتوجه إيلغازي في عسكر يزيد عن ~~أربعين ألفا في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ، وقطع الفرات من عبر بدايا وسنجة ~~. # وامتدت عساكره في أرض تل باشر وتل خالد وما يقاربهما ، يقتل وينهب ويأسر ~~، وغنموا كل ما قدروا عليه . ووصل من رسل حلب من يستحثه على الوصول لتواصل ~~غارات الفرنج من جهة الأثارب وأياس أهلها من أتفسهم ، فسار إلى مرج دابق ثم ~~إلى المسلمية ، ثم إلى قنسرين في أواخر صفر من سنة ثلاث عشرة وخمسمائة . # وسارت سراياه في أعمال الروج والفرنج يقتلون ويأسرون ، وأخذوا حصن قسطون ~~في الروج ، وجمع سرجال صاحب أنطاكية الفرنج والأرمن وغيرهم ، وخرج إلى جسر ~~الحديد ، ثم رحلوا ونزلوا بالبلاط بين جبلين ، مما يلي درب سرمدا ، ~~PageV01P270 شمالي الأثارب ، وذلك في يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأول ~~. # وضجر الأمراء من طول المقام ، وإيلغازي ينتظر أتابك طغتكين ليصل إليه ~~ويتفقا على ما يفعلانه ، فاجتمعوا وحتوا إيلغازي على مناجزة العدو فجدد ~~إيلغازي الأيمان على الأمراء والمقدمين أن يناصحوا في حربهم ، ويصابروا في ~~قتال العدو ، وأنهم لا ينكلون ويبذلون مهجهم في الجهاد ، فحلفوا على ذلك ~~بنفوس طيبة . # وسار المسلمون جرايد ، وخلفوا الخيام بقنسرين ، وذلك في يوم الجمعة ~~السادس عشر من ms189 شهر ربيع الأول ، فباتوا قريبا من الفرنج وقد شرعوا في ~~عمارة حصن مطل على تل عفرين والفرنج يتوهمون أن المسلمين ينازلون الأثارب ~~أو زردنا ، فما شعروا عند الصبح إلا ورايات المسلمين قد أقبلت ، وأحاطوا ~~بهم من كل جانب . وأقبل القاضي أبو الفضل بن الخشاب يحرض الناس على القتال ~~، وهو راكب على حجر وبيده رمح ، فرآه بعض العسكر فازدراه وقال : إنما جئنا ~~من بلادنا تبعا لهذا المعمم ! فأقبل على الناس ، وخطبهم خطبة بليغة استنهض ~~فيها عزائمهم ، واسترهف هممهم بين الصفين ، فأبكى الناس وعظم في أعينهم . # ودار طغان أرسلان بن دملاج من ورائهم ونزل في خيامهم ، وقتل من فيها ~~ونهبها ، وألقى الله النصر على المسلمين ، وصار من انهزم من الفرنج وقصد ~~الخيام قتل . # وحمل الترك بأسرهم حملة واحدة من جميع الجهات صدقوهم فيها ، وكانت السهام ~~كالجراد ، ولكثرة ما وقع في الخيل والسواد من السهام عادت منهزمة وغلبت ~~فرسانها ، وطحنت الرجالة والأتباع والغلمان بالسهام ، وأخذوهم بأسرهم أسرى ~~. وقتل سرجال في الحرب ، وفقد من المسلمين عشرون نفرا منهم سليمان بن ~~مبارك بن شبل ، وسلم من الفرنج مقدار عشرين نفرا لا غير ، وانهزم جماعة من ~~أعيانهم . PageV01P271 # وقتل في المعركة ما يقارب خمسة عشر ألفا من الفرنج ، وكانت الوقعة يوم ~~السبت وقت الظهر ، فوصل البشير إلى حلب بالنصر ، والمصاف قائم ، والناس ~~يصلون صلاة الظهر بجامع حلب ، سمعوا صيحة عظيمة بذلك من نحو الغرب ، ولم ~~يصل أحد من العسكر إلى نحو صلاة العصر . # وأحرق أهل القرى القتلى من الفرنج ، فوجد في رماد فارس واحد أربعون نصل ~~نشاب ، ونزل إيلغاوي في خيمة سرجال ، وحمل إليه المسلمون ما غنموه ، فلم ~~يأخذ منهم إلا سلاحا يهديه لملوك الإسلام ، ورد عليهم ما حملوه بأسره . # ولما حضر الأسرى بين يدي إيلغازي ، كان فيهم رجل عظيم الخلقة مشتهرا ~~بالقوة ، وأسره رجل ضعيف قصير قليل السلاح ، فلما حضر بين يدي إيلغازي قال ~~له التركمان : أما تستحي يأسرك مثل هذا الضعيف وعليك مثل هذا الحديد . فقال ~~. والله ما أخذني هذا ، ولا هو مولاي وإنما أخذني ms190 رجل عظيم أعظم مني وأقوى ~~، وسلمني إلى هذا وكان عليه ثوب أخضر وتحته فرس أخضر . # وتفرقت عساكر المسلمين في بلد أنطاكية والسويدية وغيرهما يقتلون ويأسرون ~~وينهبون ، وكانت البلاد مطمئنة لم يبلغهم خبر هذه الوقعة ، فأخذ المسلمون ~~من السبي والغنائم والدواب ما يفوت الإحصاء . ولم يبق أحد من الترك إلا ~~امتلأ صدره ويداه بالغنائم والسبي . # ولقي بعض السرايا بغدوين الرويس وابن صنجيل في خيلهما بالقرب من جبلة ، ~~وقد توجها لنصرة سرجال صاحب أنطاكية ، فأوقع بهم الترك ، وقتلوا جماعة ~~وغنموا ما قدروا عليه ، وانهزم بغدوين وابن صنجيل ، وتعلقوا بالحبال . # ورحل إيلغازي إلى أرتاح ، وبادر بغدوين فدخل أنطاكية ، وسلمت إليه أخته ~~زوجة سرجال خزائنه وأمواله ، وقبض على أموال القتلى ودورهم ، وأخذها وزوج ~~نساء القتلى بمن بقي ، وأثبت الخيل ، وجمع وحشد واستولى على أنطاكية ، ولو ~~سبقه إيلغازي إلى أنطاكية لما امتنعت عليه . # # | فتح الأثارب وزردنا وانتصار دانيث # ووصل أتابك إلى نجم الدين بأرتاح ، فعاد ونزل الأثارب وهجم الربض ~~PageV01P272 ونهبه ، وقتل من قدر عليه ، وخرج أحداث من حلب ونهبوا حصنها ~~فطلبوا الأمان منهم بعد أن استأخذت ، وسيرهم إلى مأمنهم . # ورحل منها إلى زردنا وكانوا قد حصنوها وأحكموا عمارتها ، وقاتلها فطلبوا ~~الأمان فأمنهم ، وسيرهم إلى أنطاكية فلقيهم بعض التركمان ، فنهبوهم وقتلوا ~~بعضهم ومضوا إلى أهلهم . # وكان صاحب ززدنا لما بلغه منازلتها حمل بغدوين والفرنج على الخروج ~~لاستنقاذها ، وقد عرفوا تفرق التركمان وعودهم إلى أهليهم ، وأن إيلغازي في ~~عدة قليلة ، فبلغه ذلك فجد في قتالها حتى أخذها كما ذكرناه ورتب أصحابه بها ~~، وتوجه بمن بقي معه واستصحب معه عسكر أتابك وطغان أرسلان بن دملاج جرايد ~~إلى دانيث بعد أن رد الأثقال والخيام إلى قنسرين . # ووصل إلى دانيث في يومه ، فوجد الفرنج قد نزلوها يوم فتحه زردنا في مائتي ~~خيمة وراجل كثير ، وقيل إنهم كانوا يزيدون على أربعمائة فارس سوى الرجالة ، ~~وذلك في رابع جمادى الأولى ، والتقوا فحمل صاحب زردنا وأكثر خيل الفرنج على ~~عسكر دمشق وحمص وبعض التركمان ، فكشفوهم وانهزموا بين أيديهم ، وسار ~~ليتدارك أمر زردنا ، ويكبس ms191 الأثقال والخيام فعرف أخذها وتسيير الأثقال إلى ~~قنسرين فعاد . وحمل بقية المسلمين على بغدوين ومن كان معه ، فقتلوهم وردوهم ~~على أعقابهم ، فحينئذ حمل إيلغازي وطغتكين وطغان أرسلان فيمن بقي من الخواص ~~على الفرنج ، فكسروهم وقتلوا أكثر الرجالة وبعض الخيالة ، وتبعوهم إلى أن ~~دخلوا إلى حصن هاب ، وغنموا أكثر ما كان معهم . # وعاد نجم الدين وطغتكين وطغان أرسلان إلى دانيث ، فوجدوا صاحب زردنا ~~والفرنج قد عادوا بعد أن هزموا من كان بين أيديهم من المسلمين ومعرفة أخذ ~~المسلمين زردنا فلقوهم وقتلوا منهم جماعة كثيرة ، وانهزم الباقون إلى هاب ، ~~وعاد الترك بالظفر والغنيمة . PageV01P273 # وحين بلغ من بقنسرين مع الأثقال هزيمة من كان في مقابلة صاحب زردنا رحلوا ~~إلى حلب ، وانزعج أهل حلب غاية الإنزعاج ، فوصلهم البشير بعد ساعتين بما ~~بدل غمهم سرورا وهمهم حبورا . # وكان البشير من الفرنج قد مضى إلى بلادهم وأخبر بكسرة صاحب زردنا ~~للمسلمين ، فزينوا بلادهم ، وأظهروا فيها الجذل والمسرة فوصل ابن صنجيل من ~~الكسرة بعد ذلك ، فانقلب سرورهم حزنا وراحتهم تعبا وعناء . # وكان صاحب زردنا ، وهو القومصى الأبرص واسمه روبارد ، قد سقط عن فرسه ، ~~فأدركه قوم من أهل جبل السماق من أهل مريمين ، فقبضوه وحملوه إلى إيلغازي ~~بظاهر حلب ، فأنفذه إلى أتابك طغتكين ، فقتله صبرا . # ثم دخل إيلغازي إلى حلب ، وأحضر الأسرى فأفرد أصحاب القلاع والمقدمين ~~وابن بيمند صاحب أنطاكية ورسول ملك الروم ونفرا يسيرا ممن كان معه مال ~~فأخذه وأطلقهم ، وبقي من الأسرى نيف وثلاثون رجلا بذلوا من المال ما رغب ~~عنه ، فقتلهم بأسرهم . # وتوجه من حلب إلى ماردين في جمادى الأولى من سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ، ~~ليجمع من التركمان من يعود به إلى بلد حلب ، وكانت حلب ضعيفة عن مقامه فيها ~~، فخرج الفرنج إلى بلد المعرة ، فسبوا جماعة ، وأدركهم جماعة من الترك ~~فرجعوا . # # | غارات بغدوين وجوسلين # ثم خرج بغدوين من أنطاكية في عسكره ونزل على زور ، غربي البارة وهو حصن ~~كان لابن منقذ وسلمه إليهم ولما جرت الوقعة الأولى على البلاط عاد وأخذه ، ~~فقاتله بغدوين ، وأخذه ms192 في جمادى الأولى ، وأطلق من كان فيه . # ورحل إلى كفر روما فأخذ حصنها بالسيف ، وقتل جميع من كان فيه ، ووصلوا ~~إلى كفر طاب ، وقد أحرق ابن منقذ حصنها ، وأخذ رجاله منه خوفا منهم ، ~~فرمموه ، ورتبوا رحالهم فيه ، وساروا إلى سرمين ومعرة مصرين فتسلموها ~~بالأمان ، ثم نزلوا زردنا ، ورحلوا عنها إلى أنطاكية . PageV01P274 # ومع هذا فغارات عسكر حلب متواصلة على ما يقرب منهم ، وتعود بالظفر ~~والغنيمة . # ووصل جوسلين إلى بغدوين خاله وقت أخذه سرمين ، فأقطعه الرها وتل باشر ، ~~وسيره إليهما ، فأسرى إلى وادي بطنان دفعتين ، وإلى ما يلي الفرات من جهة ~~الشام ، وقتل وسبى ما يقارب ألف نفس . وأغار جوسلين على منبج والنقرة ~~وأعمال حلب الشرقية ، وأخذ كل ما وجده من دواب ، وأسر رجالا ونساء ، وأسرى ~~إلى الراوندان يتبع طائفة من التركمان كانت قطعت الفرات ، فاقتتلوا فانهزم ~~الفرنج وقتل منهم جماعة . # وفي صفر من سنة أربع عشرة وخمسمائة ، وقعت مشاحنة بين والي الأثارب بلاق ~~بن اسحاق صاحب نجم الدين إيلغازي وبين الفرنج فأسرى ومعه جماعة من عسكر حلب ~~إلى أنطاكية ، فلقيهم عسكر أنطاكية فكسرهم ، وعاد فتبعه الفرنج والتقوا ما ~~بين ترمانين وتل اغدي ، من فرضة ليلون . # ووصل في هذه السنة إيلغازي بجمع كثير من التركمان ، وقطع الفرات في ~~الخامس والعشرين من صفر ، وتوجه إلى تل باشر ، وأقام أياما ولم يقاتلها ، ~~ورحل إلى عزاز يريد أخذها ، ولم يمكن أحدا من التركمان من تشعيث ضياعها ، ~~ورحل إلى أنطاكية وأقام عليها يوما واحدا ، وأقام في أعمال الروم أياما ~~يسيرة . # ثم خرج إلى قنسرين فتشوشت قلوب التركمان لأنهم أملوا من الغنائم مثل ~~السنة الخالية ، ولم يقاتل بهم حصنا ، ولا غنموا شيئا ، وباع الأسرى ~~الذين أسرهم في الوقعة الأولى ، فعادوا إلى بلادهم ، وبالغوا في التشقي من ~~المسلمين والقتل والسبي . # وجرى من نجم الدين إساءة إلى بعض التركمان على شيء أنكره عليهم ، فبالغ ~~في هوانهم وحلق لحى بعضهم ، وقطع أعصابهم ، فتفرق عسكره وبقي نفر يسير ~~متفرقين في أعمال حلب . فطمع الفرنج وخرجوا إلى دانيث ، فوصل طغتكين وعسكر ~~دمشق ms193 ، واجتمعوا مع إيلغازي في عسكر يقاوم الفرنج ، فساروا إلى الفرنج ، ~~وهم في ألف فارس وراجل كثير ، فدار الترك حولهم فلم يخرج منهم أحد ، وكرهوا ~~أن يعودوا على PageV01P275 أعقابهم فتكون هزيمة ، فساروا نحو معرة مصرين لا ~~ينفرد منهم فارس ولا راجل . وأشرف الترك على أخذهم ، ومن خرج منهم قتل ، ~~ومن وقفت دابته تركها وأخذت ، ولا يقدرون على الماء وهم على حالة الهلاك ، ~~وإيلغازي وطغتكين يردان الناس عنهم بالعصا ، فنزلوا بقرب معرة مصرين ، وعاد ~~الترك عنهم إلى حلب ، وعادوا إلى أنطاكية . # وصالحهم إيلغازي إلى آخر سنة أربع عشرة ، على أن لهم المعرة وكفر طاب ~~والجبل والبارة ، وضياعا من جبل السماق برسم هاب ، وضياعا من لبلون برسم ~~تل أغدي ، وضياعا من بلد عزاز برسم عزاز . # وسار نجم الدين إيلغازي إلى ماردين ليجمع العساكر . وهم إيلغازي زردنا في ~~شهر ربيع الأول . وكان أهل حلب قد شكوا إليه تجديد رسوم جددت عليهم في أيام ~~رضوان ، لم تجر بها عادة ، في دولة العرب . ولا دولة المصريين ولا في أيام ~~أق سنقر ، فأمر بكشف مقدارها ، فأخبر أنها مبلغ اثني عشر ألف دينار في كل ~~سنة ، فرسم بحذفها ، ووقع لهم بذلك ، وكتب لوحا بذلك ، وسمره على باب ~~الجامع وذلك في هذه السنة . # وخرج الفرنج فقبضوا على الفلاحين الذين تحت أيديهم في هذه الأعمال من ~~المسلمين وعاقبوهم وصادروهم ، وأخذوا منهم من الأموال والغلات ما تقووا به ~~، وكانت الضياع التي في أيدي المسلمين قد عمرت ، واطمأنوا بالصلح ، فغدر ~~اللعين جوسلين ، وخرج فأغار على النقرة والأحص ، واحتج بأنه أسر له والي ~~منبج أسيرا ، وأنه كاتب في ذلك فلم ينصف ، وذلك في شوال ، وقتل وسبى وأحرق ~~كل ما في النقرة والأحص ، ونزل الوادي وعاث فيه . # ثم سار إلى تل باشر ، ثم عاد وحشد وخرج وعمل كفعله الأول ، وأخذ في غارته ~~الأولى المشايخ والعجايز والضعفاء ، فنزع عنهم ثيابهم وتركهم في البرد عراة ~~، فهلكوا بأجمعهم . # فأنفذ والي حلب إلى بغدوين في ذلك ، وقال : إن نجم الدين لم يترك هذه ~~البلاد خالية من العساكر إلا ms194 ثقة بالصلح فقال : ما لي على جوسلين يد . ~~وتتابعت من جوسلين غارات متعددة . PageV01P276 # ثم خرج الفرنج من أنطاكية عقيب ذلك ، وأغاروا على بلد شيزر وأخذوا ما لا ~~يحصى ، وأسروا جمعا ، وطلبوا المقاطعة التي جرت عادتهم قبل الوقعة بأخذها ~~، فبذل لهم ابن منقذ ذلك على أن يردوا ما أخذوه ، فلم يجيبوه إلى ذلك ، ~~فجعل لهم مالا حمله ، وصالحهم إلى آخر السنة . # وهرب ملك العرب دبيس بن صدقة الأسدي من المسترشد والسلطان محمود ، فوصل ~~إلى قلعة جعبر ، فأكرمه نجم الدولة مالك ، وأضافه ، ثم سار إلى إيلغازي إلى ~~ماردين ، وتزوج ابنته فاستد به وأجاره ، ووصل معه الأموال العظيمة والنعمة ~~الوافرة ، وحمل إليه إيلغازي ما يفوت الإحصاء . # فاشتغل إيلغازي بدبيس عن العبور إلى الشام ، فخرب بلد حلب ، واستولى ~~الفرنج على معظمه ، وأغار جوسلين إلى صفين ، وسبى العرب والتركمان ، ونزل ~~بزاعا وقاتلها ، وأحرق بعض جدارها ، وصونع على شيء ودخل بلده . # ثم هجم الفرنج ، في صفر من سنة خمس عشرة وخمسمائة ، الأثارب ، وقتلوا ~~جماعة وأحرقوها وأسروا من لم يعتصم بالقلعة . # ثئم إنهم في ربيع الآخر من السنة ، نزلوا نواز ، زحفوا إلى الأثارب ثانية ~~، وأحرقوا الدور والغلة . وسار بغدوين ، وأغار على حلب ، وأخذ الناس ~~والدواب من حاضر حلب ومن الفنادق ، وأخذ ما يجل قدره من الماشية ، وأسر ~~نحوا من خمسين أسيرا . # وصاح الصائح فخرج نفز يسير من العسكر فظفروا بالفرنج وخلصوا المواشي ، ~~وعاد الفرنج إلى أعمالهم . # # | نائب حلب سليمان بن إيلغازي وعصيانه # وكان النائب بحلب شمس الدولة سليمان بن نجم إيلغازي . وكان إيلغازي قد ~~PageV01P277 ولى رئاسة حلب ، في سنة أربع عشرة في رجب ، مكي بن قرناص ~~الحموي ، وجعله بين يديه ، فكتب إلى ولده ونوابه يأمرهم بصلح الفرنج على ما ~~يريدون ، فصالحوهم على سرمين والجزر وليلون وأعمال الشمال على أنها للفرنج ~~، وما حول حلب للفرنج منه النصف ، حتى أنهم ناصفوهم في رحى العربية ، وعلى ~~أن يهدم تل هراق بحيث لا يبقى للفئتين فيه حكم ، وطلبوا الأثارب فأجاب ~~إيلغازي إلى ذلك ، فامتنع من كان فيها من التسليم فبقيت في ms195 أيدي المسلمين . ~~وكان الذي تولى الصلح جوسلين وجفري ، وكان بغدوين في القدس ، فلما وصل رضي ~~بذلك ، وشرع في عمارة دير خراب قديم ، بالقرب من سرمدا ، وحصنه ثم أطلقه ~~لصاحب الأثارب سيرألان دمسخين . # وأمر إيلغازي ولده باخراب قلعة الشريف المجددة بحلب وإخراج من كان فيها ~~من جند رضوان ، فأخرجهم شمس الدولة وابن قرناص بعذر الإغارة على أعمال ~~الفرنج ، وأغلقت أبواب حلب في وجوههم ، وتولى الرئيس مكي بن قرناص خرابها ~~في جمادى الآخرة . # واستنجد الملك طغرل بإيلغازي بن أرتق على الكرج وملكهم داود ، فسار إليه ~~في عالم عظيم ومعه دبيس بن صدقة ، فكسرهم المسلمون ، ودخلوا وراءهم في ~~الدرب ، فكر الكرج عليهم في الدرب ، فانهزم المسلمون وتبعهم الكرج قتلا ~~وأسرا . ونهب لدبيس ما مقداره ثلاثمائة ألف دينار ، ووصل مع نجم الدين ~~إيلغازي إلى ماردين سالما . # وأنفذ إيلغازي إلى ابنه سليمان بحلب يلتمس منه أشياء ، فقبح ذلك عنده ، ~~وقيل له أشياء أوجبت عصيانه على والده ، فعصى وأخرج الملوك سلطان شاه ~~وابراهيم وغيرهما من حلب ، فمضوا إلى قلعة جعبر ، ومد يده في مصادرة أهل ~~حلب وظلمهم والفساد . # وقيل : إن دبيس بن صدقة لما سار مع إيلغازي إلى الكرج سأل إيلغازي في ~~الطريق أن يهب له حلب وأن يحمل إليه دبيس مائة ألف دينار يجمع بها التركمان ~~PageV01P278 ويعاضده حتى يفتح أنطاكية ، فأجابه إيلغازي إلى ذلك ، وأخذ يده ~~على ذلك . # فلما وقعت كسرة الكرج بدا له من ذلك ، فأنفذ إلى ولده سليمان وكان خفيفا ~~، وقال له : أظهر أنك قد عصيت علي حتى يبطل ما بيني وبين دبيس . فحمله ~~الجهل على أن عصى ونابذ أباه ، ووافقه مكي بن قرناص والحاجب ناصر ، وهو ~~شحنة حلب وغيرها . # وقبض سليمان حجاب أبيه فصفعهم وحلق لحاهم ، ومد يده إلى أموال الناس ~~وظلمهم ، فطمع الفرنج وقربهم سليمان ، فنزلوا زردنا وعمروها لابن صاحبها ~~كليام بن الأبرص . # ثم سار الفرنج إلى باب حلب ، فكبسوا في طريقهم حاضر طيء وغيرها ، فخرج ~~إليهم الحاجب ناصر والعسكر فكسروهم وقتلوا منهم جماعة . # وخرج بغدوين في جمادى الآخرة ، فنازل خناصرة ms196 ، وأخذها وخربها ، وحمل باب ~~حصنها إلى أنطاكية ، ونزل برج سينا ففعل به كذلك ، وكذلك فعل بغيرهما من ~~حصون النقرة والأحمق ، وسبى وأحرق ونهب . # وعاد فنزل صلدع على نهر قويق ، وخرج إليه اتزر بن ترك طالبا منه الصلح ~~مع سليمان ، فقال : على شرط أن يعطيني سليمان الأثارب حتى أحفظه ، وأنا أذب ~~عنه وأقاتل دونه . فقال له : ' ما يجوز أن نسلم ثغرا من ثغور حلب في بدو ~~مملكته ، بل التمس غير هذا مما يمكن ليوافقك عليه فقال له : الأثارب لا ~~يقدر صاحب حلب على حفظها ، فإني قد عمرت عليها الحصون بما دارت ، وأنا ~~أعلمكم أنها اليوم تشبه فرسا لفارس قد عطبت يداها ، وللفارس هري شعير ~~يعلفها رجاء أن تبرأ ويكسب عليها ، فنفد هري الشعير ، وعطبت الفرس ، وفاته ~~الكسب . ثم رحل نحوها ، فحصرها ثلاثة أيام ، واتصل به ما أوجب رحيله إلى ~~أنطاكية . # ولما بلغ إيلغازي إصرار ولده على العصيان ضاقت عليه الأرض ، وأعمل في ~~الوصول إليه وأخذ حلب منه ، فكاتبه أقوام وعرفوه أن ما بحلب من يدفعه عنها ~~، فسار حتى وصل إلى قلعة جعبر فضعفت نفس ابنه سليمان على العصيان على أبيه ~~، PageV01P279 فأنفذ إليه من استحلفه على الصفح عنه والإحسان إليه وإلى من ~~حسن له العصيان مثل ابن قرناص وناصر الحاجب ، واكد الأيمان على ذلك . # ودخل حلب في أول شهر رمضان فخرج الناس للقائه ، ودخل إلى القصر ، وأحسن ~~إلى أهل حلب ، وسامحهم بشيء من المكوس ، وصرف الشحنة الذي كان يؤذي الناس ~~في البلد . # وقبض على الرئيس مكي بن قرناص وعلى أهله ، وشق لسانه وكحله وأخذ ما وجد ~~له ، وسلم أخاه إلى من يعذبه ويستصفي ماله . # وكحل ناصر الحاجب ، فعني به من تولى أمره فسملت إحدى عينيه ، وعرقب طاهر ~~بن الزائر ، وكان من أعوان الرئيس مكي . # وأعاد الملوك أولاد رضوان من قلعة جعبر إلى حلب ، وخطب بنت الملك رضوان ، ~~وتزوج بها ، ودخل بها بحلب . وولى رئاسة حلب سلمان بن عبد الرزاق العجلاني ~~البالسي ، وولى ابن أخيه بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار نيابته في ms197 حلب ، ~~وصالح الفرنج مدة سنة كاملة ، وأعطاهم من الضياع ما كان في أيديهم أيام ~~مملكتهم الأثارب وزردنا . # وسار في محرم من سنة ست عشرة وخمسمائة إلى الشرق ليجمع العساكر ، فمات ~~وزيره بحلب أبو الفضل بن الموصول في صفر وولي الوزارة أبو الرجاء بن ~~السرطان . # | مناورات إيلغازي والفرنج # وعبر إيلغازي وبلك في سابع عشر شهر ربيع الآخر الفرات وكان بلك غازي ابن ~~أخيه بهرام بن أرتق ، واستدعاه من أعمال الروم وبيده عدة قلاع بالقرب من ~~ملطية وصحبتهما عدة من التركمان دون ما جرت عادته باستصحابه ، فعزل أبا ~~الرجاء بن السرطان عن الوزارة ، وقبض عليه لسعاية سعي به إليه عليه . ~~PageV01P280 # ونزل إيلغازي زردنا ، نزل عليها في العشرين من جمادى الأولى ، وحصرها ~~أياما وأخذ حوشها . وكان صاحبها قد سمع حين عبر إيلغازي الفرات أنه ينزلها ~~، فجمع أصحابه واستحلفهم على المصابرة من وقت نزولهم عليها مدة خمسة عشر ~~يوما ، وحلف هو لهم على أن ينجدهم ، ومضى على أن يستجيش ، فإن جازت هذه ~~المدة ولم يصلهم فإنه يبتاع دماءهم بكل ما يملكه . وقال لهم : والله لكم ~~علي من الشاهدين ، لئن لم يخلصكم إلا إسلامي إن قبله أسلمت على يديه ~~لخلاصكم . # وخرج حتى وصل إلى بغدوين صاحب أنطاكية ، وهو بأكناف طرابلس في حكومة بينه ~~وبين صاحبها ، فأخبره بعبور إيلغازي وبما بلغه من قصده زردنا ، فقال : مذ ~~حلفنا له وحلف لنا ما نكثنا ، وحفظنا بلده في غيبته ونحن شيوخ ، وما أظنه ~~يقدر ، بل ربما قصد طرابلس أو قصدني في القدس ، لأنني ما صالحته إلا على ~~أنطاكية وأعمالها ، بل يجب أن تعود إلى أفامية وكفر طاب وتكشف ما يتجدد . ~~فعاد وكشف الأمر . # وسير إلى بغدوين فأعلمه بنزوله على زردنا ، فصالح صاحب طرابلس ، وشرط ~~عليه الوصول إليه . ووصل أنطاكية ، واستدعى جوسلين ، ونصب المسلمون مجانيق ~~أربعة على زردنا ، وأخذوا الفصيل الأول ، فوصل الفرنج بعد أربعة عشر يوما ~~من منازلة المسلمين لها ، فنزلوا تحت الدير . # وبلغ الخبر إيلغازي ، فترك زردنا وتوجه نحوهم ، فنزل نواز ، وطلب أن يخرج ~~الفرنج من المضيق إلى ms198 السعة فلم يخرجوا ، فرحل إلى تل السلطان ، وأتابك ~~طغتكين في صحبته ، فخرج الفرنج فنزلوا على نواز وهجموا ربض الأثارب وأحرقوا ~~البيدر والجدار . # ودخل صاحبها يوسف بن ميرخان قلعتها ، ونزلوا أبين ، ورحلوا منها فنزلوا ~~دانيث ، وأقاموا عليها فلم يصلهم أحد ، فعادوا إلى بلادهم ، فعاد إيلغازي ~~فنزل زردنا ، وهجم الحوش الثاني ، وقتل جماعة من الفرنج . # فعاد الفرنج ونزلوا تحت الدير ، فرحل إيلغازي إلى نواز ، وأقام ثلاثة ~~أيام يزاحف الفرنج وهم لا يخرجون إلى الصحراء . PageV01P281 # # | مرض إيلغازي وموته # فاتفق أن أكل إيلغازي لحم قديد كثيرا وجوزا أخضر وبطيخا وفواكه ، ~~فانتفخ جوفه وضاق نفسه ، واشتد به الأمر ، فرحل إلى حلب ، وتزايد به المرض ~~، فسار طغتكين إلى دمشق وبلك غازي إلى بلاده . # ودخل إيلغازي ليتدواى بحلب ، فنزل القصر ، ولم يخلص من علته . وخرج عسكر ~~حلب في ألف فارس إلى تبل من عمل عزاز ، ومعهم أمراء منهم دولب بن قتلمش ، ~~فنهبوا وعادوا فوقع عليهم عند حربل كليام في أربعين فارسا ، فانهزم ~~المسملون وقتل منهم جماعة . # وفي شهر رجب من هذه السنة ، ظفر بلك غازي باللعين جوسلين وابن خالته ~~قلران بالقرب من سروج ، فأسرهما وأسر ابن أخت طنكريد ، وقد كان أسره في ~~وقعة ليلون ، واشترى نفسه بألف دينار وأسر ستين فارسا . # وطلب من جوسلين وقلران أن يسلما ما بأيديهما من المعاقل فلم يفعلا ، ~~وقالا : نحن والبلاد كالجمال والحدج ، متى عقر بعير حول رحله إلى آخرة ~~والذي بأيدينا قد صار بيد غيرنا . فأخذهما ومضى إلى بلده . # ووصل الفرنج بعد ذلك من تل باشر في شعبان ، وكبسوا تل قباسين ، فخرج ~~النائب ببزاعا مع أهلها فالتقوا ، وانهزم المسلمون وقتل منهم تسعون رجلا . # وأما إيلغازي فأقام أياما ، وصلح من مرضه ، وسار إلى ماردين ، ثم خرج ~~منها يريد ميافارقين ، فاشتد مرضه في الطريق ، وتوفي بالقرب من ميافارقين ~~بقرية يقال لها : عجولين ، في أول شهر رمضان من سنة ست عشرة وخمسمائة . ~~PageV01P282 # # | القسم الثاني والعشرون حلب وبقية الأرتقيين # # | أولا سليمان بن عبد الجبار بن أرتق # وملك ابنه سليمان ميافارقين ، وابنه تمرتاش ماردين ، وابن أخيه ms199 بدر ~~الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق حلب . ولما سمع صاحب أنطاكية بوفاته ~~حشد عسكره وجماعة من الأرمن ، ونزل وادي بزاعا ، وعاث فيه وأفسد ما قدر ~~عليه ، وحمل إليه أهل الباب من الوادي مالا وخدموه . فرحل إلى بالس ~~وقاتلها بالمنجنيقات ، وقرروا على بالس مع ابن مالك مالا يحمل إليه ، ~~فأسرف في الطلب وكان ببالس جماعة من التركمان ومن خيل حلب ، فخرج أهلها ~~والخيل التي عندهم واقتتلوا ، فقتل من الفرنج جماعة من المقدمين ، وظفر ~~المسلمون أحسن ظفر . # فرحل بغدوين إلى الوادي وقد وصل سليمان بن إيلغازي فحصر البيرة ، وتسلم ~~حصنها على أن يؤمن أهلها على أنفسهم ، فأخذهم وسار بهم إلى أنطاكية ، ~~وتتابعت غارات الفرنج حول حلب إلى آخر سنة ست عشرة وخمسمائة . # وولى بدر الدولة سليمان الوزارة بحلب أبا بالرجاء سعد الله بن هبة الله ~~بن السرطان ، في صفر ، بعد ما قبض عليه إيلغازي كما تقدم ذكره . # وجدد بدر الدولة المدرسة التي بالزجاجين بحلب ، المعروفة ببني العجمي ، ~~بإشارة أبي طالب بن العجمي . وذكر لي أنه عزم على أن يقفها على الفرق ~~الأربع ، ونقل آلتها من كنيسة داثرة كانت بالطحانين بحلب . # وفي العاشر من شهر صفر من سنة سبع عشرة وخمسمائة ، استقر الصلح بين بدر ~~الدولة صاحب حلب وبين بغدوين صاحب أنطاكية ، على أن يسلم بدر الدولة ~~PageV01P283 إليه قلعة الأثارب فتسلموها ، وصارت لصاحبها أولا سيرألان ~~دمسخين ، وبقيت في يده إلى أن مات ، وكانت في يد الحاجب جبريل بن برق ، ~~فعوضه بدر الدولة عنها شحنكية حلب . # وفي يوم الأربعاء تاسع عشر صفر ، سار بغدوين صاحب أنطاكية ليقاتل نور ~~الدولة بلك بن بهرام بن أرتق ، وكان محاصرا قلعة كركر ، فالتقيا على موضع ~~اسمه اورش بالقرب من قنطرة سنجة ، فكسره نور الدولة بلك ، وأسره ، وقتل ~~معظم عسكره ومقدميه ونهب خيمه ، وفتح الكركر بعد جمعه ، وكان في دون عدة ~~الفرنج . وجعل بغدوين في خرتبرت مع جوسلين وقلران . # ثتم إن نور الدولة بلك عبر الفرات ونزل على حلب وضايقها ، ونزل من قبلها ~~، ثم انتقل إلى بانقوسا ms200 ، وأقام أياما ، ورحل إلى أرض التيرب ، وجبرين ، ~~وأمر بحرق الغلة وأخذ الدواب . # ومضى قطعة من عسكره إلى حدادين ، فأخذ أحدهما عنزا ، فرماه بعض فلاحي ~~الضيعة بسهم فقتله فحصرت مغارتها وأخذت بعد أن امتنع أهلها من التسليم ، ~~فدخنوا على المغارة فاختنق بها مائة وخمسون . # وخنق في مغارة تل عبود وتعجين جماعة وسبوا نساء عفر تنور وأولادها ~~PageV01P284 وباعوا بعضهم واستعبدوا بعضا وأخذ لأهل حلب جشير خيل ثلاثمائة ~~رأس ، وكان حريق الزرع من رهقات بلك وكان سبباغ للغلاء العظيم . # # | ثانيا بلك بن بهرام بن أرتق # وفي صباح يوم الثلاثاء ، غزة جمادى الأولى من سنة سبع عشرة وخمسمائة ، ~~تسلم مدينة حلب سلمها إليه مقلد بن سقويق بالأمان ومفرج بن الفضل ، ونودي ~~بشعار بلك من عدة جهات ، وكسر باب أنطاكية ، وأخربت ثلمة من غربي باب ~~اليهود . # وفي يوم الجمعة رابع الشهر تسلم القلعة وجلس بها بعد ما نزل بدر الدولة ~~منها بيوم ، وقرر حالها ، وأخرج سلطان شاه بن رضوان ، وسيره إلى حران ، ~~وكان في فتحها في شهر ربيع الآخر خوفا منه . # ثم أنه سار إلى البارة وهجمها ، وأسر الأسقف الذي بها وقيده ، ووكل به ، ~~ورحل إلى كفر طاب فغفل الموكل به فهرب إلى كفر طاب ، فعزم على قتال حصنها ، ~~واسترجاع الأسقف في يوم الثلاثاء الثاني عشر من جمادى الآخرة . فوصله من ~~أخره أن بغدوين الرويس وجوسلين وقلران وابن اخت طنكريد وابن أخت بغدوين ~~وغيرهم من الأسرى الذين كانوا مسجونين بجب خرتبرت عاملوا قوما من أهل حصن ~~خرتبرت فأطلقوهم ، ووثبوا على الحصن فملكوه ، وأخذوا كل ما كان لنور الدولة ~~فيه وكان جملة عظيمة ، فقال جوسلين : كنا قد أشرفنا على الهلاك والآن فقد ~~خلصنا ، والصواب أن نمضي ونحمل ما قدرنا عليه . فما سمحت نفس بغدوين بترك ~~الحصن والخروج منه . # فاتفق رأيهم على خروج جوسلين ، وحلفوا على أنه لا يغير ثيابه ولا يأكل ~~لحما ولا يشرب إلا وقت القربان إلى أن يجمع جموع الفرنجة ويصل بهم إلى ~~خرتبرت ويخلصهم . PageV01P285 # وأما بلك فإنه سار حتى نزل على خرتبرت ففتحه ms201 بالسيف في ثالث وعشرين من ~~رجب ، وقتل كل من كان به من من من كان به من أصحابه الذين كفروا نعمته ومن ~~كان فيه من الفرنج ، ولم يستبق سوى بغدوين الملك وقلران وابن أخت بغدوين ، ~~وسيرهم إلى حران وحبسهم بها . واما جوسلين فمضى إلى القدس ، واستنجد ~~بالفرنج ، ووصلوا تل باشر ، فسمعوا خبر فتح خرتبرت بالسيف فسار إلى الوادي ~~وقاتل بزاعا وأحرق بضع جدارها ثم أحرق الباب وقطع شجره ، وأحرق الباب وقطع ~~شجره ، وأحرق ما سواه من الوادي . # ثم نزل حيلان ثم حلب من ناحية مشهد الجف من الشمال ، وخرب المشاهد ~~والبساتين ، وكسر الناس عند مشهد طرود بالقرب من بستان النقر ، وقتل وسبى ~~مقدار عشرين نفرا . # ثم رحل ونزل الجانب الغربي في البقعة السوداء ، وخرب مشاهد الجانب القبلي ~~وبساتينه ، ونبش الضريح الذي بمشهد الدكة فلم يجد فيه شيئا فألقى فيه ~~النار ، والحلبيون في كل يوم يقاتلونه أشد قتال ، ويخسر معهم في كل حركة . # ثم رحل يوم الثلاثاء مستهل شهر رمضان ، ونزل السعدي ، وقطع شجره ، ~~وافترقوا منه وسار كل إلى بلده ، ووجد في منازلهم التي نزلوها نيف وأربعون ~~حصانا موتى ، ونبش الناس منهم موتى جماعة . # فأمر القاضي ابن الخشاب بموافقة من مقدمي حلب أن تهدم محاريب الكنائس ~~التي للنصارى بحلب ، وأن يعمل لها محاريب إلى جهة القبلة وتغير أبوابها ، ~~وتتخذ مساجد : ففعل ذلك بكنيستهم العظمى ، وسمي مسجد السراجين : وهو مدرسة ~~الحلاويين الآن ، وكنيسة الحدادين . وهي مدرسة الحدادين الآن ، وكنيسة بدرب ~~الحراف : وهي مكان مدرسة ابن المقدم . ولم يترك للنصارى بحلب سوى كنيستين ~~لا غير ، وهي الآن باقية . PageV01P286 # هذا كله ونور الدولة بلك غائب عن مدينة حلب في بلاده . # ثم إن جوسلين خرج في تاسع عشر شهر رمضان إلى الوادي والنقرة والأحص ، ~~وأخذ ما يزيد عن خمسمائة فرس كانت في الغريب ، حتى لم يبق بحلب من الخيالة ~~خمسون وفارسا لم خيل ، وأخذ من الدوب البقر والغنم والجمال ما لايحصى ، ~~وقتل وسبى وخرب ما أمكنه وعاد إلى تل باشر . # وخرج سير ألان في عسكر ms202 أنطاكية من الأثارب حتى وصل الحانوتة وحلفا ، وأخذ ~~ما كان بقي من خيل في الغريب في الجانب القبلي ، وذلك مقدار ثلاثه صخرس ة ~~وأخذ قافلة كانت واصلة من شيزر بغلة . # ثم عبر جوسلين من الفرات إلى شبختان وأغار على تركمان وأكراد ، فأخذ ص ~~الغنم والخيل ما يزيد على عشرة الاف وسبى وقتل ، ومن سلم له فرس من عسكر ~~حلب يخرجون مع الحرامية ولا يقطعون الغارات على بلادهم ، ويحضرون الأسارى ~~مرة . # بعد أخرى . # ثم أغار جوسلين على الجبول ، وما حولها ، وأخذ دواب كثيرة وتوجه ، إلىدير ~~حافر ، فخنق أهلها بالذخان في المغاير ، وفتح المقابر ، وسلب الموتى ~~أكفانهم وفي يوم الأربعاء سادس عشرين من ذي القعدة ، عبر بلك إلى الشام ~~وقبض على نائب بهرام داعي الباطنية بحلب ، وأمر بإخراجهم من حلب فباعوا ~~أموالهم ورحالهم وخرجوا منها . # ثم إن الأمير نور الذولة بلك جمع العساكر ، ووصله أتابك طغتكين بعسكر ~~دمشق عسكر أق سنقر - البرسقي ، وعبروا حتى نزلوا على عزاز ، وضايقوها ~~بالحصار ، وأخذوا عليها نقوبا إلى أن سهل أمرها ، فتجمع الفرنج وقصدوا ~~ترحيل المسلمين عنها فالتقىالجيشان ، وهزم المسلمون ، وتفرقوا بعد قتل من ~~قتل وأسر من أسر . # وعمر بلك حصن الناعورة بالئقرة وحصن المغارة - على شط الفرات - وتزويج ~~فرخنده خاتون بنت رضوان ، وعرس بها في ثالث وعشرين ذي الحجة من سنة سبع ~~عشرة وخمسمائة . PageV01P287 # وفي المحرم من سنة ثماني عشرة وخمسمائة ، تنكر بلك على رئيس حلب سلمان ~~العجلاني وجعل عليها رجلا من أهل حران اسمه محمد بن سعدان ، ويعرف بابن ~~سعدانة ، وكثر الأمن من الذعار وقطاع الطريق عند قدوم بلك حلب ، وأقام ~~الهيبة العظيمة ، وتقدم بفتح أبواب حلب ليلا ونهارا ، وحسم مادة أرباب ~~الفساد . وقال للحارس : إن عدت سمعتك تصيح ضربت عنقك . # ونقل بغدوين ومن كان معه من حبس حران ، فحبسه في قلعة حلب . # وتوجه في شهر صفر فرقة من أصحابه الأتراك إلى ناحية عزاز ، فوقع بينهم ~~وبين الفرنج وقعة عند مشحلا ، وظفر بهم الأتراك ، وقتلوا منهم أربعين رجلا ~~من الخيالة والرجالة وأخذوا أسلابهم ، ووصل الباقون ms203 عزاز وما فيهم إلا من ~~جرح جراحا عدة . # وانقطع المطر في كانونين ونصف شباط ، ثم تدارك فأخصب الزرع واستغل الناس ~~، وكان بحلب غلاء شديد . وفي صفر من سنة ثماني عشرة وخمسمائة ، تنكر نور ~~الدولة بلك على حسان بن كمشتكين صاحب منبج لشيء بلغه عنه ، فأنفذ قطعة من ~~عسكره مع ابن عمه تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق ، وتقدم إليهم أن يمروا على ~~منبج ، ويطلبوا من حسان أن يخرج معهم للإغارة على تل باشر فإذا خرج قبضوه ، ~~ففعلوا ذلك ، ودخلوا منبج ، وعصى عليهم الحصن ودخله عيسى أخو حسان . # وسير حسان فحبس في حصن بالو بعد أن عوقب وعري ، وسحب على الشوك فلم ~~يسلمها أخوه . # وكتب عيسى إلى جوسلين : إن وصلتني وكشفت عني عسكر بلك سلمت PageV01P288 ~~إليك منبج . وقيل : إنه نادى بشعار جوسلين بمنبج ، فمضى إلى بيت المقدس ~~وطرابلس وجميع بلاد الفرنج ، وحشد ما يزيد على عشرة آلاف فارس وراجل ، ووصل ~~نحو منبج ليرحل بلك عن منبج . # فسار إليه بلك لما قرب من منبج ، والتقيا يوم الإثنين ثامن عشر شهر ربيع ~~الأول ، واقتتل العسكران ، وانهزم الفرنج ، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ~~إلى آخر النهار . # وحمل فيهم بلك ذلك اليوم خمسين حملة يفتك فيهم ويخرج سالما ، يضرب ~~بالسيوف ويطعن بالرماح ولا يكلم ، وعاد إلى منبج فبات مصليا مبتهلا إلى ~~الله تعالى لما جدده على يده الظفر بالفرنج . # وأصبح يوم الثلاثاء تاسع عشر ربيع الأول قتل كل أسير أسره في الوقعة ، ثم ~~زحف نحو الحصن ليختار موضعا ينصب فيه المنجنيق ، وعليه بيضة وبيده ترس . ~~وكان قد عزم على أن يستخلف ابن عمه تمرتاش بن إيلغازي على حصار منبج ، ~~ويطلع منجدا لأهل صولا ، فإن الفرنج كانوا في مضايقتها . وفي تلك المضايقة ~~أخذوها ، فبينا كان بلك قائما يأمر وينهى إذ جاءه سهم من الحصن . وقيل أنه ~~كان من يد عيسى ، فوقع في ترقوته اليسرى فانتزعه وبصق عليه ، وقال : هذا ~~قتل المسلمين كلهم . ومات لوقته . # وقيل : بقي ساعات وقضى نحبه رحمه الله وحمل إلى حلب ، ودفن بها قبلي مقام ms204 ~~إبراهيم عليه السلام . # # | ثالثا تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق # ووصل حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي إلى حلب يوم الأربعاء العشرين من شهر ~~ربيع الأول ، ودخل القلعة ونصب علمه ، ونادى الناس بشعاره . # وسار سليمان بن إيلغازي من ميافارقين إلى خرتبرت وحصون بلك ، وهي نيف ~~وخمسون موضعا فتسلمها . PageV01P289 # وسار داود بن سكمان ، فأخذ حصن بالو وأطلق حسان بن كمشتكين فعاد إلى منبج ~~. # فأما تمرتاش فإنه لما ملك حلب ألهاه الصبا واللعب عن التشمير والجد ~~والنظر في أمور الملك ، ففسدت الأحوال ، وضعف أمر المسلمين بذلك ، واستوزر ~~أبا محمد بن الموصول ، ثم عزله وصادره في رجب من سنة ثماني عشرة واستوزر ~~أبا الرجاء بن السرطان ، وولى الرئاسة بحلب فضائل بن صاعد بن بديع . # وسير إلى حران فحمل منها سلطان شاه بن رضوان ، وكان بلك أسكنه بها ~~فاعتقله في دار بقلعة ماردين وكان فيها طاقة فتدلى منها بحبل وهرب إلى دارا ~~، ثم رحل منها إلى حصن كيفا إلى داود بن سكمان . # وفي العشر الأواخر من ربيع الأول سار نائب جوسلين من الرها وأغار على ~~ناحية شبختان ونهبها فسار إليه نائب تمرتاش عمر الخاص وكان نائبه وربيب ~~أبيه إيلغازي وركب خلفه في ثلاثمائة فارس فلحقه على مرج اكساس ، فقاتله ~~وهزمه وقتله ، وقتل أكثر من كان معه من الفرنج ، وعاد غانما ، وأنفذ ~~رؤوسهم وما غنمه إلى تمرتاش إلى حلب . # وولاه تمرتاش شحنكية حلب وهو المدفون في القبة التي مقابل باب مشهد ~~إبراهيم عليه السلام واسمه مكتوب على جهاتها الأربع . # وولى قلعة حلب رجلا يقال له عبد الكريم . # # | اطلاق سراح بغدوين # وفي غزة جمادى الأولى من هذه السنة استقر الأمر بين الملك بغدوين صاحب ~~أنطاكية وكان في سجن بلك بحلب وبين تمرتاش بن إيلغازي على تسليم الأثارب ~~PageV01P290 وزردنا والجزر وكفر طاب وعلى تسليم عزار وثمانين ألف دينار ~~وقدم منها عشرين ألف دينار . # وحلف على ذلك وعلى أن يخرج دبيس بن صدقة من الناس ، وكان قد وصل دبيس ~~منهزما من المسترشد بعد أن كسره المسترشد ، وقتل خلقا من عسكره ms205 فترك ~~بلاده ، وحمل ما قدر عليه من العين والعروض على ظهور المطايا ووفد على ابن ~~سالم بن مالك بن بدران إلى قلعة دوسر ، واستجار به فأجاره ، وغاضب المسترشد ~~والسلطان محمودا في أمره . وكاتب دبيس قوما من أهل حلب ، وأنفذ لهم جملة ~~دنانير ، وسامهم تسليمها إليه ، وكشف ذلك رئيسها فضائل بن صاعد بن بديع ، ~~فأطلع على ذلك تمرتالش بن إيلغازي ، فأخذهم وعذبهم وشنق بعضهبم ، وصادر ~~بعضا ، وأحرق بعضا . # وكان المتوسط حديث بغدوين مع تمرتاش الأمير أبو العساكر سلطان بن منقذ ، ~~وسير أولاده وأولاد إخوته رهنا عن بغدوين إلى حلب . # وفكت قيود بغدوين وأحضر إلى مجلس تمرتاش ، وتواكلا وتشاربا وخلع عليه ~~قباء ملكيا وقلنسوة ذهب وخفافا ورانا ، وأعيد عليه الحصان الذي كان أخذه ~~منه بلك يوم أسره ، فركبه ، وسار إلى شيزر يوم الأربعاء رابع جمادى ، فبقي ~~عند أبي العساكر حتى أحضر جماعة رهنا على الوفاء بما شرطه لتمرتاش وهم : ~~ابنته ، وابن جوسلين ، وغيرهما من أولاد الفرنج ، وعدتهم اثنا عشر نفرا . ~~وحمل العشرين ألف دينار التي عجلها . # وقبض صاحب شيزر الرهائن ، وأطلق بغدوين من سجن شيزر ، في يوم الجمعة سابع ~~عشر شهر رجب ، فخرج لعنه الله وغدر بتمرتاش وأنفذ إليه يقول : البطريرك ~~الذي لا يمكن خلافه سألني عما بذلت ، وما الذي استقر ، فحين سمع حديث عزاز ~~وتسليم حصنها مني أبى ، وأمرني بالدفع عنها وقال إن خطيئتك تلزمني ، ولا ~~أقدر على خلافه . فترددت الرسل بينهما فلم يستقر على قاعدة . # وخالط دبيس جوسلين وبغدوين ، وصافاهم وصافوه بوساطة الأمير مالك بن سالم ~~صاحب قلعة جعبر ، واتفق دبيس والفرنج على قواعد تعاهدوا عليها منها أن ~~PageV01P291 تكون حلب لدبيس والأموال والأرواح للفرنج مع مواضع في بلد حلب ~~تكون للفرنج ، وتقدم دبيس إلى مرج دابق فخرج إليه حسام الدين تمرتاش فكسره ~~. # وسار تمرتاش من حلب عندما علم بغدر الفرنج به إلى ماردين ، في الخامس ~~والعشرين من شهر رجب ، ليستنجد بأخيه سليمان بن إيلغازي وبجمع العساكر ، ~~وبقي بنو منقذ رهائن بقلعة حلب عند تمرتاش ، وأولاد الفرنج رهائن عند أبي ~~العساكر ms206 بن منقذ بشيزر . # والرسل مع هذا تتردد بين تمرتاش وبغدوين إلى أن عادت الرسل في ثامن عشر ~~شعبان مخبرة بنقض الهدنة ، وبخروج بغدوين إلى أرتاح قاصدا النزول على حلب ~~. # # | أعمال الفرنج حول حلب وحصارها # ورحل بغدوين من أرتاح حتى نزل على نهر قويق وأفسد كل ما كان عليه ، ثم ~~رحل فنزل على باب حلب ، في يوم الاثنين السادس والعشرين من شعبان ، وهو ~~السادس من تشرين الأول . # وخرج دبيس وجوسلين من تل باشر ، وقصدا ناحية الوادي ، وأفسدا القطن ~~والدخن ، وسائر ما كان به وقوم ذلك بمائة ألف دينار ، ورحلا ونزلا مع ~~بغدوين على حلب ، ووصل إليهم الملك سلطان شاه بن رضوان . # ونزل بغدوين مقدم الفرنج من الجانب الغربي من حلب في الحلبة ، ونزل ~~جوسلين على طريق عزاز وما يجاوره يمنة ويسرة . ونزل دبيس وسلطان شاه بن ~~رضوان مما يلي جوسلين من الشرق ، وفي صحبة دبيس عيسى بن سالم بن مالك . ~~ونزل يغي سيان بن عبد الجبار بن أرتق صاحب بالس مما يلي دبيس من الشرق ، ~~وكانت عدة الخيم ثلاثمائة ، للفرنج مائتا خيمة وللمسلمين مائة خيمة . ~~وأقاموا على حلب يزاحفونها ، وقطعوا الشجر وخربوا مشاهد كثيرة ، ونبشوا ~~قبور موتى المسلمين ، وأخذوا توابيتهم إلى الخيم وجعلوها أوعية لطعامهم ، ~~وسلبوا الأكفان ، وعمدوا إلى من كان من الموتى لم تنقطع أوصاله ، فربطوا في ~~PageV01P292 أرجلهم الحبال ، وسحبوهم مقابل المسلمين . # وجعلوا يقولون : هذا نبيكم محمد ! وآخر يقول : هذا عليكم ! وأخذوا مصحفا ~~من بعض المشاهد بظاهر حلب وقالوا : يا مسلم أبصر كتابكم . وثقبه الفرنجي ~~بيده ، وشده بخيطين ، وعمله ثفرا لبرذونه ، فظل البرذون يروث عليه ، وكلما ~~أبصر الروث على المصحف صفق بيديه وضحك عجبا وزهوا . # وأقاموا كلما ظفروا بمسلم قطعوا يديه ومذاكيره ودفعوه إلى المسلمين ، ~~والمسلمون يفعلون بمن يأسرونه من الفرنج كذلك . # وربما شنق المسلمون بعضهم ، ويخرج الغزاة من باب العراف ، ويسرقونهم من ~~المخيم ، ويقطعون عليهم الطرق ، ويقتلون ويأسرون . ويصيح المسلمون على دبيس ~~من الأسوار : دبيس ، يا نحيس ! والرسل تتردد بينهم في الصلح ، ولا يستتب ~~إلى أن ضاق الأمر بالمسلمين ms207 جدا . # وكان بحلب بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار والحاجب عمر الخاص ، ومعهما ~~مقدار خمسمائة فارس ، والذي يتولى تدبيرها وهو في مقام الرئاسة القاضي أبو ~~الفضل بن الخشاب وتولى حفظ المكان وبذل المال والغلال . فاتفقوا على أن ~~سيروا جد أبي قاضي حلب القاضي أبا غانم محمد بن هبة الله ابن أبي جرادة ~~ونقيب الأشراف وأبا عبد الله بن الجلي فخرجوا ليلا ، ومضوا إلى تمرتاش إلى ~~ماردين مستصرخين إليه ومستغيثين به فوجدوه وقد مات أخوه سليمان ابن إيلغازي ~~صاحب ميافارقين في شهر رمضان ، وسار تمرتاش إلى بلاده ليملكها ، واشتغل ~~بملك تلك البلاد عن حلب . # وكانت الرسل مترددة بينه وبين أق سنقر البرسقي صاحب الموصل في اتفاق ~~الكلمة على قصد الفرنج وكشفهم عن حلب ، فاشتغل بهذا الأمر عن هذا التقرير ، ~~والحلبيون عنده يفنيهم ويمطلهم . ولما خرج الحلبيون من حلب بلغ الفرنج ذلك ~~فسيروا خلفهم من يلحقهم ، فلم يدركهم وأصبحوا في صباح تلك الليلة وصاحوا ~~إلى أهل حلب : أين قاضيكم ؟ وأين شريفكم ؟ . فأسقط في أيديهم إلى أن وصل ~~منهم كتاب بخبر سلامتهم . PageV01P293 # وبقي الحلبيون عند تمرتاش يحثونه على التوجه إلى حلب ، وهو يعدهم ولا ~~يفعل ، وهم يقولون له : نريد منك أن تصل بنفسك ، والحلبيون يكفونك أمرهم . # فضاق الأمر بالحلبيين إلى حد أكلوا فيه الكلاب والميتات ، وقلت الأقوات ، ~~ونفد ما عندهم ، وفشا المرض فيهم ، فكان المرضى يئنون لشدة المرض ، فإذا ~~ضرب البوق لزحف الفرنج قام المرضى كأنما أنشطوا من عقال ، وزحفوا إلى ~~الفرنج وردوهم إلى خيامهم ، ثم يعودون إلى مضاجعهم . # فكتب جدي أبو الفضل هبة الله بن القاضي أبي غانم كتابا إلى والده يخبره ~~بما آل أمر حلب إليه من الجوع وأكل الميتات والمرض ، فوقع كتابه في يد ~~تمرتاش فغضب وقال : انظروا إلى هولاء يتجلدون علي ، ويقولون إذا وصلت فأهل ~~حلب يكفونك أمرهم ، ويغررون بي حتى أصل في قلة ، وقد بلغ بهم الضعف إلى هذه ~~الحالة . # # | رابعا أق سنقر البرسقي # ثم أمر بالتوكيل والتضييق عليهم ، فشرعوا في إعمال الحيلة والهرب إلى أق ~~سنقر البرسقي ms208 ، ليستصرخوا به فاحتالوا على الموكلين بهم ، حتى ناموا وخرجوا ~~هاربين ، فأصبحوا بدارا . # وساروا حتى أتوا الموصل ، فوجدوا البرسقي مريضا مدنفا ، والناس قد ~~منعوا من الدخول عليه إلا الأطباء ، والفروج يدق له لشدة الضعف . ووصل إلى ~~دبيس من أخبره بذلك ، فضرب البشارة في عسكره ، وارتفع عنده التكبير ~~والتهليل ، ونادى بعض أصحابه أهل حلب : قد مات من أملتم نصره . فكادت أنفس ~~الحلبيين تزهق . # واستؤذن للحلبيين على البرسقي فأذن لهم ، فدخلوا إليه ، واستغاثوا به ، ~~وذكروا له ما أهل حلب فيه من الضر ، فأكرمهم رحمه الله وقال لهم : ترون ما ~~أنا فيه الآن من المرض ، ولكن قد جعلت لله علي نذرا إن عافاني من مرضي هذا ~~لأبذلن جهدي في أمركم ، والذب عن بلدكم ، وقتال أعدائكم . # قال القاضي أبو غانم قاضي حلب : فما مضى ثلاثة أيام بعد ذلك حتى فارقته ~~الحمى ، فأخرج خيمته ، ونادى في العساكر بالتأهب للجهاد إلى حلب . # وبقي أياما وعمل العسكر أشغاله وخرج رحمه الله في عسكر قوي ، فوصل ~~PageV01P294 إلى الرحبة ، وكاتب أتابك طغتكين صاحب دمشق ، وصمصام الدين ~~خيرخان بن قراجا صاحب حمص . # ورحل إلى بالس ، وسار منها إلى حلب فوصلها يوم الخميس لثمان بقين من ذي ~~الحجة من سنة ثماني عشرة . # ولما قرب من حلب رحل دبيس ناشرا أعلامه البيض إلى الفرنج عند قرية من ~~حلب ، وتحولوا إلى جبل جوشن كلهم . وخرج الحلبيون إلى خيامهم فنهبوها ~~ونالوا منها ما أرادوا . # وخرج أهل حلب والتقوا قسيم الدولة عند وصوله . وسار نحو الفرنج فانهزموا ~~بين يديه من جبل جوشن ، وهو يسير وراءهم على مهل حتى أبعدوا عن البلد . # فأرسل الشالشية ، وأمرهم أن يردوا العسكر ، فجعل القاضي ابن الخشاب يقول ~~له : يا مولانا لو ساق العسكر خلفهم أخذناهم ، فإنهم منهزمون والعسكر محيطة ~~بهم . فقال له : يا قاضي تعلم أن في بلدكم ما يقوم بكم وبعسكري لو قدر ~~علينا والعياذ بالله كسرة ؟ فقال : لا . فقال : ما يؤمننا أن يرجعوا علينا ~~ويكسرونا ، ويهلك المسلمون ، ولكن قد كفى الله شرهم وندخل إلى البلد ونقويه ~~وننظر في مصالحه ms209 ، ونجمع لهم إن شاء الله ، ونخرج إليهم بعد ذلك . # ورجع ودخل البلد وتسلم قلعتها ، ونظر في مصالح البلد وقواه ، وأزال الظلم ~~والمكوس وعدل فيهم عدلا شاملا وأحسن إليهم إحسانا كاملا . وكتب لأهل ~~حلب توقيعا بإطلاق المظالم والمكوس ، نسخته موجودة ، بعدما كان الحلبيون ~~منوا به من الطلم والمصادرة من عبد الكريم والي القلعة ، وعمر الخاص والي ~~البلد ، وتسليطهما الجند والأتراك على مصادرة الناس بحيث أنهم استصفوا ~~أموال جماعة من الأكابر والصدور وغيرهم في حالة الحصار . PageV01P295 # وأما الفرنج فإنهم توجهوا إلى الأثارب ودخلوا أنطاكية . # وشرع الناس في الزرع ببلد حلب في الثاني عشر من شباط وجعلوا يبلون الغلة ~~بالماء ، ويزرعونها فنبتت وتداركت عليها الأمطار فأخصبت ، وجاءت الغلة من ~~أجود الغلاء وأزكاها . # وأطلق البرسقي بني منقذ من الاعتقال بقلعة حلب ، ورحل إلى تل السلطان في ~~سنة تسع عشرة وخمسمائة ، في أواخر المحرم ، وأقام به ثلاثة أيام ، ورحل إلى ~~أن وصل إلى شيزر في سابع صفر ، وتسلم أولاد الفرنج من ابن منقذ ، وباعهم ~~بثمانين ألف دينار حملت إليه . # وأقام بأرض حماة أياما حتى وصل إليه أتابك طغتكين ، فرحل في عساكره التي ~~لا تحد كثرة ، ونزل كفر طاب فسلمت إليه يوم الجمعة ثالث شهر ربيع الآخر ، ~~وسلمها إلى صمصام الدين خيرخان بن قراجا ، وكان قد وصل إليه من حمص والتقاه ~~بتل السلطان . # وسار إلى عزاز وقاتلها ، ونقبت قلعتها فقصدهم الفرنج ، فالتقوا سادس عشر ~~ربيع الآخر ، وكسر البرسقي كسرة عظيمة ، واستشهد جماعة من المسلمين من ~~السوقة والعامة ، ولم يقتل من الأمراء والمقدمين أحد . # ووصل أق سنقر البرسقي سالما إلى حلب ، وأقام على قنسرين أياما ، وتفرقت ~~العساكر إلى بلادهم ، ووصل أمير حاجب صارم الدين بابك بن طلماس ، فولاه ~~البرسقي حلب وبلدها ، وعزل عنها سوتكين واليا كان ولاه . # ووقعت الهدنة بين البرسقي والفرنج على أن يناصفهم في جبل السماق وغيره ~~مما كان بأيدي الفرنج ، وسار البرسقي إلى الموصل فلم يزل الفرنج يعللون ~~الشحن والمقطعين بالمحال في مغل ما وقعت الهدنة عليه إلى العشرين من شعبان ~~من السنة . # وسار ms210 بغدوين إلى بيت المقدس والرسول خلفه يعلمه بأن الفرنج لا يمكنون ~~PageV01P296 أحدا من رفع شيء من الصيافي ، وأخذ بعض متصرفي المسلمين بعض ~~الارتفاع من بعض الأماكن والهدنة على حالها ، فتجمع الفرنج ونزلوا رفنية . # وخرج شمس الخواص صاحبها طالبا أق سنقر البرسقي مستصرخا به ، وسلمها ~~إليهم ولده المستخلف فيها في آخر صفر من سنة عشرين وخمسمائة ، وقصدوا بلد ~~حمص فشعثوه . # فجمع البرسقي العساكر وحشد ، وسار نحو الشام لحربهم حتى وصل الرقة في ~~أواخر شهر ربيع الآخر ، وسار إلى أن نزل بالنقرة على الناعورة في الشهر ~~المذكور ، وأقام به أياما والفرنج يراسلونه ، فراسله جوسلين على أن تكون ~~الضياع ما بين عزاز وحلب مناصفة وأن يكون الحرب بينهما على غير ذلك ، ~~فاستقر هذا الأمر . وكان بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار وشهريار بك ابن ~~عمه ، قد توجها مع جماعة من التركمان إلى المعرة فأوقعوا بعسكر الفرنج ، ~~وقتل المسلمون منهم مائة وخمسين ، وأسروا جفري بلنك ، صاحب بسرفوث ، من جبل ~~بني عليم ، وأودع في سجن حلب . # وكان قد سير البرسقي ولده عز الدين مسعودا منجدا لصاحب حمص ، فاندفع ~~الفرنج عنها فعاد عز الدين إلى والده ، فتركه بحلب ، وعزل بابك ، عن ~~ولايتها وولاها كافور الخادم إلى أن ينظر فيمن يوليه إياها ولاية مستقلة . # ورحل قسيم الدولة إلى الأثارب في الثامن من جمادى الآخرة من سنة عشرين ، ~~وسير بابك بن طلماس في جماعة من العسكر والنقابين إلى حصن الدير المجدد فرق ~~سرمدا ففتحه سلما . # وقتل من الخيالة بعد ذلك خمسون فارسا ، ونهب العساكر الغلال والفلاحين ~~في سائر البلد الذي وصلت الغارات إليه ، ورفعوا الغلة جميعها إلى حلب ، ~~وزحفوا إلى قلعة الأثارب ، وخربوا الحوشين ، ولم يتيسر فتحها . # ووصل بغدوين من القدس في جموع الفرنج ، ووصل إليه جوسلين ، ونزلوا عم ~~وأرتاح ، وسيروا إلى البرسقي : ترحل عن هذا الموضع ، ونتفق على ما كنا عليه ~~PageV01P297 في العام الخالي ، ونعيد رفينة عليك . فتجنب الحرب ، وخشى أن ~~يتم على المسلمين ما تم على عزاز فصالحهم إلى أن فرج الخناق عن الأثارب ، ~~وخرج صاحبها ms211 بماله ورجاله . فغدر الفرنج وقالوا : ما نصالح إلا على أن تكون ~~الأماكن التي ناصفنا فيها في العام الماضي لنا دون المسلمين . فامتنع من ~~ذلك وأقام على حلب أياما والرسل تتردد بينهم ، فلما لم تتفق حال عاد أق ~~سنقر ، ونزل قنسرين ، ورحل إلى سرمين ، وامتدت العساكر إلى الفوعة ودانيث . # ونزل الفرنج على حوض معرة مصرين ، فأقاموا كذلك إلى نصف رجب ، ونفدت ~~أزواد الفرنج ، فعادوا إلى بلادهم ، ثم عاد البرسقي وفي صحبته أتابك طغتكين ~~، وكان وصل إليه وهو على قنسرين فدخلوا من العسكر ونزلوا باب حلب . ومرض ~~أتابك فعملت له المحفات ، وأوصى إلى البرسقي ، وتوجه إلى دمشق ، وسلم ~~البرسقي حلب وتدبيرها إلى ولده عز الدين مسعود ، فدخل حلب ، وأجمل السيرة ~~وتحلى بفعل الخير . # # | مقتل البرسقي # وسار أبوه إلى الموصل ، فدخلها في ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة ، وقصد ~~الجامع بها ليصلي فيه يوم الجمعة تاسع ذي القعدة ، وقصد المنبر ، فلما قرب ~~منه وثب عليه ثمانية نفر في زي الزهاد ، فاخترطوا خناجر وقصدوه وعليه درع ~~من الحديد ، وحوله جمع عظيم وهو متحقظ منهم ، فسبقبوا أصحابه إليه ، فضربوه ~~حتى أثخنوه وحمل جريحا فمات من يومه . # وقتل من كان وثب عليه من الباطنية غير شاب واحد كان من كفر ناصح ضيعة من ~~عمل عزاز فإنه سلم ، وكان له أم عجوز فلما سمعت بقتل البرسقي وقتل من وثب ~~عليه وكانت قد علمت أن ابنها معهم فرحت واكتحلت وجلست مسرورة فوصلها ابنها ~~بعد أيام سالما فأحزنها ذلك ، وجزت شعرها وسودت وجهها . PageV01P298 # وقيل : إن البرسقي قتل بيده منهم ثلاثة ، وكان البرسقي رحمه الله قد رأى ~~تلك الليلة في منامه عدة من الكلاب ثاروا به فقتل بعضها ، ونال منه الباقون ~~أذى شديدا ، فقصق رؤياه على أصحابه ، فأشاروا عليه بترك الخروج من داره ~~عدة أيام ، فقال : لا أترك الجمعة لشيء أبدا . وكان من عادته أن يحضر ~~الجمعة مع العامة رحمه الله وكان وزير البرسقي المؤيد بن عبد الخالق وكان ~~قدم معه حلب حين قدمها . # # | خامسا عز الدين مسعود ووفاته # وملك عز ms212 الدين مسعود حلب عند ورود الخبر عليه بقتل أبيه في سنة عشرين ، ~~واستوزر المؤيد وزير أبيه وولى فيها من قبله الأمير تومان . # وسار من حلب في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة إلى السلطان محمود وهو ببغداد ، ~~فسأله أن ينعم عليه ببلاد أبيه ، فكتب له منشورا بذلك ، فوصل إلى الموصل ~~وملكها ، ثم نزل إلى الرحبة قاصدا إلى الشام ، وكان يظن أن قاتل أبيه قوم ~~من أهل حماة ، فأضمر للشام وأهله شرا عظيما . # ورجع عما كان عليه من الأفعال المحمودة والإقبال على مجاهدة الفرنج ، ~~وبلغ طغتكين عنه أنه يقصده ، فتأهب له فلما نزل بظاهر الرحبة امتنع واليها ~~من تسليمها ، فحاصرها أياما فسلمها الوالي إليه ، ونزل فوجده قد مات فجأة ~~، وقيل : سقي سما فمات . # وندم الوالي على تسليم الرحبة ، وكان قد وصلت قطعة من العسكر لتقوية حلب ~~فمنعهم تومان من الدخول إليها . فوقع الشر بينه وبين رئيس حلب فضائل بن ~~بديع ، وداخلهم إلى حلب . PageV01P299 # فوصل إلى حلب ختلغ أبه السلطاني غلام السلطان محمود ، ومعه توقيع مسعود ~~بن البرسقي بحلب ، كتبه قبل وصوله إلى الرحبة فلم يقبله تومان والي حلب ~~فعاد ختلغ أبه إلى الرحبة وقد جرى فيها ما ذكرناه من موت مسعود . # فعاد ختلغ أبه على فوره إلى حلب فتسلمها من يد تومان ، آخر جمادى الآخرة ~~، وصعد إلى قلعتها بطالع اختاره له المنجمون ، فأخذه الطمع في أموال الناس ~~، وصادر جماعة من أهل حلب ، واتهمهم بودائع المجن الفوعي ، رئيس حلب ~~المقتول في أيام رضوان . # وقبض على شرف الدين أبي طالب بن العجمي وعمه أبي عبد الله ، واعتقلهما ~~بحلب . وثقب كعاب أبي طالب وصادره ، فعاد فعله القبيح عليه بالبوار ، وضل ~~رأي منجمه في ذلك الاختيار . # وقام أهل حلب عليه فحصروه ، وقدموا عليهم بدر الدولة سليمان بن عبد ~~الجبار ، ونادى أهل حلب بشعار بدر الدولة ، وساعده على ذلك رئيس حلب فضائل ~~ابن صاعد بن بديع ، وقبض على أصحاب ختلغ أبه ، وذلك في الثاني من شوال . # وقصد حلب في تلك الحال ملك أنطاكية وجوسلين فصانعوه على مال حتى ms213 رحل ، ~~وضايقوا القلعة وأحرقوا القصر ، ودخل إليهم إلى المدينة الملك إبراهيم بن ~~رضوان ، ووصل إليهم حسان صاحب منبج ، وصاحب بزاعا ، ودام الحصار إلى النصف ~~من ذي الحجة . PageV01P300 # # | القسم الثالث والعشرون حلب وعماد الدين زنكي # # | عماد الدين زنكي في حلب # وكان أتابك عماد الدين زنكي بن قسيم الدولة أق سنقر قد ملك الموصل ~~بتواقيع السلطان محمود ، فسير إليه شهاب الدين مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر ~~وأعلمه بأحوال حلب وحصارها فسير أتابك إليها عسكرا مع الأمير سنقر ، دراز ~~والأمير الحاجب صلاح الدين حسن ودخل الأمير صلاح الدين فأصلح الحال ، ووفق ~~بينهما على أن استدعيا أتابك زنكي من الموصل ، فتوجه بالجيوش إلى حلب ، ~~وقيل ، إن بدر الدولة وختلغ سارا إليه . # وقيل : إن ختلغ أبه لم يزل بالقلعة حتى وصل أتابك فنزل إليه ، وصعد أتابك ~~إلى القلعة يوم الاثنين سابع عشر جمادى الآخرة ، من سنة اثنتين وعشرين ~~وخمسمائة ، وارتاد موضعا ينقل أباه قسيم الدولة إليه ويدفنه به ، وكان ~~مدفونا بالقبة التي على جبل قرنبيا . فعرض عليه بدر الدولة نقل أبيه إلى ~~المدرسة التي أنشأها بالزجاجين . # وقيل : إن أبا طالب بن العجمي طلب منه ذلك ، فنقله ورفعه في الليل من سور ~~حلب ، ودفنه في البيت الشمالي من المدرسة ، واتخذه تربة لمن يموت من أولاده ~~PageV01P301 ووقف على المقرئين على تربة والده القرية المعروفة بشامر . # وأما الملك إبراهيم بن رضوان فإنه هرب منه إلى نصيبين ، وكانت في أقطاعه ~~إلى أن مات . # وأما ختلغ أبه فإنه سلمه إلى فضائل بن بديع فكحله بداره ، ثم قتله أتابك ~~بعد ذلك . # وقيل : إن بدر الدولة هرب منه عند ذلك ، وهرب فضائل بن بديع إلى قلعة ابن ~~مالك خوفا من أتابك . # وولى أتابك رئاسة حلب الرئيس صفي الدين أبا الحسن علي بن عبد الرزاق ~~العجلاني البالسي ، فسلك أجمل طريقة مع الناس . # # | التوقيع له بجميع البلاد الشامية # وخرج أتابك من حلب ، وسار حتى نزل أرض حماة ، فوصله صمصام الدين خيرخان ~~بن قراجا وتأكدت بينهما مودة لم تحمد عاقبتها فيما نذكره بعد وكذلك ms214 وصله ~~سونج ابن تاج الملوك . # ثم سار أتابك بعد ذلك ، فوطىء بساط السلطان ، في سنة ثلاث وعشرين ~~وخمسمائة ، وعاد بالتواقيع السلطانية بملك الغرب كله ، ودخل الموصل ، ثم ~~فتح قلعة السن ، وتوجه إلى حلب ، ورعى عسكره زرع الرها . # وعبر أتابك الفرات إلى حلب بتوقيع السلطان محمود ، وقد كان السلطان آثر ~~أن تكون البلاد لدبيس ، فقبح المسترشد ذلك ، وكاتب السلطان وقال له فيما ~~قال : إن هذا أعان الفرنج على المسلمين وكثر سواد الكفار ، فبطل هذا ~~التدبير . PageV01P302 # واستقر ملك أتابك بالموصل ، والجزيرة ، والرحبة ، وحلب ، والتوقيع له ~~بجميع البلاد الشامية وغيرها . # # | زواج وطلاق # وتزوج أتابك خاتون بنت الملك رضوان ، وبنى بها في دير الزبيب ، وكانت معه ~~إلى أن فتح الخزانة بحلب ، واعتبر ما فيها ، فرأى الكبر الذي كان على أبيه ~~أق سنقر ، حين قتله تتش جدها ، وهو ملوث بالدم ، فهجرها من ذلك اليوم . # وقيل : إنه هدم المشهد الذي على قبر رضوان ، عند ذلك . # ودام أتابك مهاجرا لها إلى أن دخلت على القاضي أبي غانم قاضي حلب ، وشكت ~~حالها ، فصعد إليه وكان جبارا إلا أنه ينقاد إلى الحق ، وإذا خوف بالله ~~خاف ، فخرج ليركب ، فلما ركب ذكر له القاضي ما ذكرته خاتون ، فساق دابته ~~أتابك ، ولم يرد عليه جوابا ، فجذب القاضي أبو غانم بلجام دابته ، فوقفت ، ~~وقال له : يا مولانا ، هذا الشرع لا ينبغي العدول عنه . فقال له أتابك : ~~اشهد علي أنها طالق . فأرسل اللجام وقال : أما الساعة فنعم . # # | سيف الدين سوار # واستوحش الأمير سوار بن أيتكين من تاج الملوك بوري صاحب دمشق ، وكان في ~~خدمته ، فورد إلى حلب إلى خدمة أتابك ، في سنة أربع وعشرين ، فأكرمه ، ~~وشرفه ، وخلع عليه ، وأجرى له الإقطاعات الكثيرة ، وأعطاه ولاية حلب ~~وأعمالها ، واعتمد عليه في قتال الفرنج ، وكان له بصيرة بالحرب وتدبير ~~الأمور وله وقعات كثيرة مع الفرنج ومواقف مشهورة أبان فيها عن شجاعة وإقدام ~~، وصار له بسببها الهيبة في قلوب الكفار الأغتام . # # | من حماة إلى حمص # وعز أتابك في السنة على الجهاد ، وكتب إلى تاج الملوك بوري بن ms215 طغتكين ~~PageV01P303 صاحب دمشق ، يلتمس منه المساعدة ، فأجابه إلى ذلك وتحالفا على ~~الصفاء . وكتب تاج الملوك إلى ولده بهاء الدين سونج بحماة ، يأمره بالخروج ~~بعسكره ، وجهز إليه من دمشق خمسمائة فارس ، وجماعة من الأمراء مقدمهم شمس ~~الخواص ، فخرجوا حتى وصلوا إلى مخيم أتابك على حلب ، فأكرمهم وتلقاهم ، ~~وأقاموا عنده ثلاثا . ثم أظهروا الغارة على عزاز ، وركبوا وعطفوا على سونج ~~، وغدر به وبأصحابه ، ونهب خيامهم وأثقالهم وكراعهم ، وهرب بعضهم ، وقبض ~~على سونج والباقين ، وحملهم إلى حلب ، واعتقلهم فيها . # وسار من يومه إلى حماة فأخذها يوم السبت ثامن شوال ، وأقام بها أياما ، ~~وطلبها خير خان بن قراجا صاحب حمص ، وبذل عليها مالا ، فسلمها إليه بكرة ~~الجمعة رابع عشر شوال ، وضربت بوفاته عليها ، وخطب له الخطيب على المنبر . ~~فلما كان وقت العصر من ذلك اليوم قبض عليه ونهب خيامه وجميع ما فيها . وسار ~~فنزل حمص ، فقاتلها أربعين يوما لم يظفر فيها بطائل غير الربض ، وكان يربط ~~خير خان على غراير التبن ، ويعاقبه ويعذبه أنواع العذاب ، وانتقم الله منه ~~ببعض ظلمه في الدنيا ، وهو كان يحرض أتابك على الغدر بسونج ، فكافأه الله . # وهجم الشتاء فعاد أتابك إلى حلب في ذي الحجة . # أنطاكية # وملكت أنطاكية زوجة البيمند بنت بغدوين ، وحالفت جماعة من الفرنج على ~~PageV01P304 قتال أبيها ، ووقع بين الفرنج شر . وهجم المسلمون ربض الأثارب ~~، وربض معرة مصرين ، فوصل بغدوين من البيت المقدس ، وأغار على أنطاكية وأخذ ~~قوما من أصحاب ابنته ، فقطع أيديهم وأرجلهم . # وفتح قوم من السرجندية باب أنطاكية ، فدخلها في سنة خمس وعشرين ، فطرحت ~~ابنته نفسها عليه ، فصفح عن ذنبها ، وأخذ أنطاكية ، ووهبها جبلة واللاذقية ~~. وعاد إلى القدس . # وتوجه أتابك إلى الموصل في سنة خمس وعشرين وخمسمائة ، واستصحب معه سونج ~~بن تاج الملوك ، وبعض المقدمين من عسكر دمشق ، وترك الباقين بحلب ، وترددت ~~المراسلات في إطلاقهم ، فلم يفعل ، والتمس عنهم خمسين ألف دينار أجاب تاج ~~الملوك إلى تحصيلها وحملها . # ووقع في هذه السنة وقعة جوسلين وسوار ، بناحية حلب الشمالية ، فكانت ~~الغلبة لجوسلين ، وقتل من المسلمين جماعة ms216 ، وخرج سوار بعد ذلك فهجم ربض ~~الأثارب ونهبه . # خبر دبيس ومقتله # ووصل دبيس في هذه السنة منهزما من المسترشد ، وكان قد كسره عسكر ~~المسترشد في هذه السنة ، فانهزم وخفي خبره عن كل أحد ، فظهر بعد مدة أنه ~~وصل إلى قلعة جعبر ، وأودع ابن السلطان عند مالك صاحبها ، وسار جوسلين ، ~~واستند إلى الفرنج فلم ير ما يعجبه . PageV01P305 # وكاتب تمرتاش ثم خاف من غدره ، وأن يفادي به خير خان ، فسار إلى بلد دمشق ~~، فنزل ضالا على مكتوم بن حسان . # وقيل : كان سائرا إلى صاحبة صرخد ليتزوجها ، فضل في الطريق ، ولم يكن ~~معه دليل عارف بالمناهل . # وقيل : كان قاصدا حلة مزين ، فهلك أكثر أصحابه . # وحصل في حلة حسان كالمنقطع الوحيد في نفر يسير من أصحابه ، فأنهض تاج ~~الدولة بوري العسكر إليه حينما سمع به ، فأسره ، ووصلوا به إلى دمشق ، لست ~~خلون من شعبان سنة خمس وعشرين ، وأنزله في دار بقلعة ثمشق ، وأكرمه وأضافه ~~، وحمل إليه من الملبوس والمفروش ما يليق به ، واعتقله اعتقال كرامة . ~~وكاتب المسترشد في أمره فرد عليه الجواب بالإحتياط عليه إلى أن يصل من ~~يحمله إلى بغداد . # فلفا عرف أتابك زنكي ذلك ، أنفذ رسوله إلى تاج الملوك يطلب تسليم دبيس ~~إليه ، وأن يطلق له الخمسين ألف دينار المقررة عن ولده سونج وبقية العسكر ، ~~فأجاب إلى ذلك ، وتقرر الشرط عليه . # ووصل أتابك زنكي إلى قريب قارا بسونج والمعتقلين ، وتوجه أصحاب تاج ~~الملوك بدبيس فتسلمه زنكي ، وحمله في محلة مقيدا وسلم سونج بن تاج الملوك ~~وجماعته إلى أصحابه . # وكان يظن دبيس أن أتابك زنكي يهلكه ، فلما وصل إلى حلب أطلقه وأكرمه ، ~~وأنزله بحلب في دار لاجين ، وأعطاه مائة ألف دينار ، وخلع عليه خلعا فاخرة ~~. وكان عرض لدبيس في طريقه وهو مكبل بالحديد شاعر امتدحه بأبيات ولم يكن ~~معه ما يجيزه ، فكتب له في رقعة هذين البيتين ، ودفعهما إليه : # الجود فعلي ولكن ليس لي مال . . . وكيف يصنع من بالقرض يحتال PageV01P306 # فهاك خطي إلى أيام ميسرتي . . . دينا علي فلي في الغيب آم ال فجاءه ms217 ~~الشاعر بحلب ، وقد خرج مسيرا في ميدان الحصا ، فقال له : يا أمير لي عليك ~~دين ! فقال : ' والله ما أعرف لأحد علي دينا فقال : بلى ، وشاهده منك ، ~~وأخرج له خطه ، فلما وقف عليه قال : إي والله دين وأي دين وأمره أن يأتي ~~إليه إذا نزل ، فأتاه فأعطاه ألف دينار والخلعة التي خلعها أتابك زنكي عليه ~~، وكانت جبة أطلس وعمامة شرك . # وحصل دبيس بعد ذلك عند السلطان مسعود ، في سنة تسع وعشرين ، حتى كسر ~~مسعود المسترشد وأسره على باب مراغة . # وسير السلطان إلى أتابك زنكي يستدعيه ، وعزم على الفتك به ، واطلع دبيس ~~على ذلك ، فكتب إلى أتابك يعلمه ويحذره من المجيء فامتنع . وكان السلطان قد ~~سير دبيسا إلى الحلة ، واطلع بعد ذلك على فعل دبيس ، فرده . وحذره الناس ~~فلم يفعل فوصل . فلما وصل إلى الخيمة قام السلطان عن السرير ، وقال ، هذا ~~جزاء من يخون مولاه . وضرب رأسه فأطاره ، فبلغ ذلك زنكي فقال : فديناه ~~بالمال وفدانا با لروح . # ووصل سديد الدولة بن الأنباري كاتب الإنشاء للمسترشد إلى تاج الملوك ، في ~~أواخر ذي القعدة لتسليم دبيس إلى من يحمله إلى بغداد ، فوجد الأمر قد فات ، ~~فعاد فصادفته خيل أتابك زنكي بناحية الرحبة فأوقعوا به ، وقبضوه ، ونهبوا ~~ما كان معه حتى نهبوا القافلة اتتي كانت معه ، وقتل بعض غلمانه ، ولقي شدة ~~عظيمة من الاعتقال إلى أن أطلق ، وعاد إلى بغداد . # وفي سنة ست وعشرين وخمسمائة ، فتح الملك كليام رام حمدان ، وسار أتابك ~~ودبيس إلى بغداد ، مباينين للمسترشد ، وعزما على أن يهجما بغداد ، فبذل ~~لهما الحلة ، وأن يدخل نائبهما بغداد ، فأبيا فخرج إليهما المسترشد بنفسه ، ~~والتقوا في PageV01P307 شعبان على عقرقوف فكسرهما . وعاد أتابك زنكي إلى ~~الموصل ، وسار دبيس إلى السلطان سنجر . # # | بين المسلمين والفرنج # ووقع بين الفرنج ، في هذه السنة ، فتن . وقتل بعضهم بعضا ، وقتل صاحب ~~زردنا ، ونزل التركمان على بلد المعرة وكفر طاب ، وقسموا المغلات ، فاجتمع ~~الفرنج وهزموهم عن البلد ، وفتحوا حصن قبة ابن ملاعب ، وأسروا منه بنت سالم ~~بن مالك وحريم ابن ملاعب ، وخربوا ms218 الموضع . # وأوقع الأمير سيف الدين سوار بفرنج تل باشر ، وقتل منهم خلقا كثيرا ، ~~ووثب قوم من أهل الجبل على حصن القدموس ، فأخذوه وسلموه إلى سيف الملك بن ~~عمرون ، فاشتراه أبو الفتح الداعي الباطني منه . # ووصل صاحب القدموس إلى أنطاكية ، وجمع وخرج إلى نواز ، وسار إلى قنسرين ~~في جموع الفرنج ، والتقوا بعسكر حلب وسوار ، في سنة ثمان وعشرين في ربيع ~~الأول ، فكسروا المسلمين وقتلوا أبا القاسم التركماني ، وكان شجاعا ، ~~وقتلوا القاضي أبا يعلى بن الخشاب ، وغيرهما . # وتحول الفرنج إلى النقرة ، فصالحهم سوار والعسكر ، فأوقعوا بسرية منهم ، ~~فقتلوهم ، وعادوا برؤوسهم وأسرى منهم ، فسر الناس بذلك بعد مساءتهم بالأمس ~~. PageV01P308 # وأغارت خيل الرها من الفرنج ببلد الشمال ، وهي عابرة إلى عساكر الفرنج ، ~~فأوقع بهم سوار وحسان صاحب منبج وقتلوهم بأسرهم وحملوا الرؤوس والأسرى إلى ~~حلب . # # | حروب داخلية وخارجية # وفتح شمس الملوك اسماعيل ابن تاج الملوك حماة من يد نائب صلاح الدين ، ~~وكان قد عزم على ذلك ، فتحصن واليها ، فانتهى ذلك إلى شمس الملوك ، فخرج في ~~العشر الأواخر من شهر رمضان ، وعزم على قصدها والناس بها غافلون . # وهجم يوم العيد على من فيها وزحف في الحال فتحضنوا منه ، فعاد في ذلك ~~اليوم ، وقد نكا أصحابه في أهلها ، ثم زحف عليها زحفا قويا ، فانهرموا ~~بين يديه ، وهجم البلد فطلبوا الأمان فأمنهم ، وحلفه والي القلعة على أشياء ~~اقترحها ، وأجابه إليها وسلمها إليه ، فسلمها إلى شمس الخواص . # وحصر المسترشد الموصل ، وثارت الحروب بين السلاطين ، فبلغ المسترشد ما ~~أزعجه ، فعاد عنها ، فوصل حسام الدين تمرتاش إلى خدمة أتابك زنكي ، فسار ~~معه إلى لقاء داود بن سكمان بن أرتق ، فكسره أتابك بباب آمد ، وانهزم داود ~~وأسر ولده ، وقتل جماعة من أصحابه ، وذلك في يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة . # ونزل على آمد وحصرها ، وقطع شجرها ، فصانعه صاحبها بمال ، فرحل عنها إلى ~~قلعة الصور ففتحها ، وفتح البارعية ، وجبل جور ، وذا القرنين ، ووهب ~~PageV01P309 ذلك كله لحسام الدين تمرتاش ، وفتح طنزة فاستبقاها لنفسه . # وتزوج أتابك صاحبة خلاط ابنة سقمان القطبي . واستولى أتابك على العقر ms219 ~~وشوش وغير ذلك من قلاع الأكراد ، وأغار في هذه السنة سوار على الجزر وحصن ~~زردنا ، وأوقع بالفرنج على حارم ، وشحن على بلد المعرتين ، وعاد بالغنائم ~~إلى حلب . # واستوزر زنكي في هذه السنة ضياء الدين أبا سعد الكفرتوثي ، وكان مشهورا ~~بحسن الظريفة والكفاية وحب الخير والمذهب الحميد ، وقدم معه إلى حلب ، وعزم ~~على قصد دمشق ومضايقتها . # وذكر العظيمي في تاريخه : أنه حصرها ، في هذه السنة مدة ، ثم رحل إلى حلب ~~، ثم شرق إلى الموصل . # والصحيح : أنه حصرها في سنة تسع وعشرين وخمسمائة . # # | مقتل شمس الملوك وتسلم شهاب الدين # وذلك أن صاحبها شمس الملوك أبا الفتح إسماعيل بن بوري ، انهمك في المعاصي ~~والقبائح ، وبالغ في الظلم ، وأعرض عن مصالح الدين والنظر في أمور المسلمين ~~، بعد اهتمامه أولا بذلك . # واستخدم بين يديه رجلا كرديا يعرف ببدران الكافر جاءه من بلد حمص ، ~~وكان قليل الدين متنوعا في أبواب الظلم ، ليس في قلبه لأحد رحمة ، فسلطه ~~على ظلم المسلمين ومصادرة المتصرفين بأنواع قبيحة من الظلم ، وظهر منه بخل ~~عظيم وسفت نفسه إلى تناول الدنايا وغير ذلك من الأفعال الذميمة . # وعزم على مصادرة كتابه وحجابه وأمرائه ، فخاف منه أصحابه ، واستشعروا منه ~~، ووقعت الوحشة بينهم . PageV01P310 # وعرف عزم أتابك زنكي على قصد دمشق ، وأنه متى وصلها سلمت إليه ، فكاتب ~~أتابك زنكي وحثه على سرعة الوصول إليها ليسلمها إليه طوعا ، وشرط عليه أن ~~يمكنه من الإنتقام من كل من يكرهه من المقدمين والأمراء والأعيان ، وكرر ~~المكاتبة إليه في ذلك ، وقال : إن أهلمت هذا الأمر استدعيت الفرنج وسلمت ~~دمشق إليهم ، وكان إثم المسلمين في عنقك . # وشرع في نقل أمواله وأحواله إلى صرخد ، فظهر هذا الأمر لأصحابه ، فأشفقوا ~~من الهلاك وأعلموا والدته زمرد خاتون بذلك ، فقلقت له ، وحسنوا لها قتله ، ~~وتمليك أخيه شهاب الدين محمود فرجح ذلك فى نظرها ، وعزمت عليه ، فانتظرت ~~وقت خلوته من غلمانه وسلاحيته ، وأدخلت عليه من أصحابها من قتله . # وأخرجته فألقي في ناحية من الدار ليشاهده غلمانه وأصحابه فسروا بذلك . # وذلك في يوم الأربعاء الرابع عشر من ms220 شهر ربيع الآخر ، سنة تسع وعشرين ~~وخمسمائة . # وقيل : أنه اتهم يوسف بن فيروز حاجب أبيه بوالدته ، فهرب منه إلى تدمر ، ~~فأراد قتل أمه ، فبلغها الخبر فقتلته خوفا منه . # وأجلست والدته مكانه أخاه شهاب الدين محمود بن بوري ، وحلف الناس له . ~~وتوجه أتابك زنكي من الموصل مجدا ليتسلم دمشق من شمس الملوك ، فوصل إلى ~~الرقة وقال : أشتهي أن أدخل الحمام . فأحضر صلاح الدين مسيب بن مالك صاحب ~~الرقة ، وقال له : أتابك يشتهي دخول الحمام ، وهذه خمسمائة دينار تسلمها ~~واعمل له بها دعوة فلم يشك في ذلك ، ودخلوها ، فلما حصلوا بها أخذوها منه ، ~~وذلك في العشرين من شهر ربيع الآخر . # وبلغه ما جرى بدمشق ، فلم يقطع طمعه فيها ، وسار فنزل العبيدية ، وراسل ~~أهل دمشق ، فلم يجيبوه إلى مطلوبه وردوا عليه جوابا خشنا ، يتضمن أن ~~الكلمة قد PageV01P311 اتفقت على حفظ الدولة والذب عنها ، فلم يحفل بذلك . # وسار إلى حماة فخرج إليه شمس الخواص بعد أن توثق منه بالأيمان . ورحل إلى ~~دمشق ، وسار إليها ، فنزل على دمشق في عسكر عظيم ، وزحف عليها مرارا ~~متعددة ، فلم يظفر فيها بطائل ، واشتد الغلاء في العسكر ، وعدموا القوت ، ~~وقفز جماعة من العسكر إلى دمشق ، ووقعت المراسلة في حديث الصلح . وكان قد ~~وصل مع أتابك بعض أولاد السلطان فطلب أن يخرج شهاب الدين محمود لوطء بساط ~~ولد السلطان ، فلم يفعل . # واتفق الأمر على خروج أخيه تاج الملوك بهرام شاه ، واتفق عند ذلك وصول ~~بشر بن كريم بن بشر رسولا من المسترشد إلى زنكي بخلع هيئت له ، وتقدم إليه ~~بالرحيل عن دمشق والوصول إلى العراق ، ليوليه أمره وتدبيره ، وأن يخطب ~~للسلطان ألب أرسلان داود بن محمود المقيم بالموصل وكان قد وصل هاربا من ~~بين يدي عمه السلطان مسعود فأكرمه أتابك . # فدخل الرسول وبهاء الدين بن الشهرزوري إلى دمشق ، وقررا هذه القاعدة ~~وأخمدا الفتنة ، وأكدا الأيمان ، وخطب يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى ~~الأولى بجامع دمشق بحضورهما ، على القاعدة التي وصل فيها الرسول . # # | زنكي في حماه وحلب وحمص وبغداد # وعاد أتابك ms221 من دمشق ، فلما وصل حماه قبض على شمس الخواص صاحبها ، وأنكر ~~عليه أمرا ظهر منه ، وشكا أهلها من نوابه فتسلمها منه ، وأطلقه فهرب ، ورد ~~حماة إلى صلاح الدين ورحل من حماة . # وسار إلى بلد حلب ، فنزل على الأثارب ، ففتحها أول رجب ، ثم فتح زردنا ، ~~ثم تل أغدي ، ثم فتح معرة النعمان ، ومن على أهلها بأملاكهم ، ثم فتح كفر ~~طاب ونزل على شيزر فخرج إليه أبو المغيث بن منقذ نائبا عن أبيه ، ثم نزل ~~بارين وأظهر PageV01P312 أنه يحاصرها ، ثم سار ، وأهل حمص غادون ، فشن ~~عليهم الغارة ، واستاق كل ما كان في بلدها ونهبهم . # ووصل ابن الفنش الفرنجي من بيت المقدس وخرج في جموع الفرنج ، فنزل قنسرين ~~، فسار إليهم أتابك فأحسن التدبير ، وما زال بالمسلمين حولهم حتى عادوا إلى ~~بلادهم . # وسار زنكي إلى حمص فأحرق زرعها ، وقاتلها في العشر الأواخر من شوال ، ثم ~~سار إلى الموصل في ذي القعدة من هذه السنة . # وسار منها في المحرم من سنة ثلاثين وخمسمائة إلى بغداد ، ومعه داود بن ~~محمود بن محمد بن ملكشاه الواصل إليه إلى الموصل ، فأنزله في دار السلطنة ~~ببغداد ، وأتابك في الجانب الغربي ، والخليفة إذ ذاك الراشد بعد قتل ~~المسترشد . فوصل السلطان مسعود إلى بغداد فحصرهم بها فوقع الوباء في عسكره ~~، فسار إلى أرض واسط ليعبر إلى الجانب الغربي ، فاغتنم أتابك غيبته ، وسار ~~إلى الموصل ، وسار داود إلى مراغة . # وبلغ الخبر السلطان مسعود فعاد ، فهرب الراشد ، ولحق أتابك بالموصل . ~~ودخل مسعود بغداد ، فبايع محمد المقتفي ، وخطب له ببغداد وأعمال السلطان ، ~~وبقيت الخطبة بالشام والموصل على حالها إلى أن اتفق أتابك زنكي والسلطان ~~مسعود واصطلحا ، وخطب بالشام والموصل للمقتفي ولمسعود . وفارق الراشد إذ ~~ذاك زنكي ، وسار عن الموصل إلى خراسان في سنة إحدى وثلاثين . # # | توسع عماد الدين وتحرك الروم # وسار سيف الدين سوار في سنة ثلاثين وخمسمائة في جمع من التركمان يبلغ ~~PageV01P313 ثلاثة آلاف إلى بلد اللاذقية ، وأغار على الفرنج على غرة وقلة ~~احتراز ، فعادوا ومعهم ما يزيد على سبعة آلاف أسير ، ما ms222 بين رجل وامرأة ~~وصبي وصبية ومائة ألف رأس من البقر والغنم والخيل والحمير ، والذي نهبوه ~~على ما ذكر مائة قرية وامتلأت حلب من الأسارى والدواب ، واستغنى المسلمون ~~بما حصل لهم من الغنائم . # ووصل أتابك زنكي من الموصل إلى حلب ، في رابع وعشرين من شهر رمضان سنة ~~إحدى وثلاثين ، وسير صلاح الدين في مقدمته ، فنزل حمص وسار أتابك إلى حماة ~~، وعيد عيد الفطر في الطريق ، وأخذ من حلب معه خمسمائة راجل لحصار حمص . # ورحل أتابك من حماة إلى حمص في شوال وبها أنز من قبل صاحب دمشق ، فحصرها ~~مدة . # وخرج الفرنج نجدة لحمص وغيلة لزنكي . فرحل عن حمص ، ولقيهم تحت قلعة ~~بارين ، فكسرتهم طلائع زنكي مع سوار ، فأفنوا عامتهم قتلا وأسرا ، وقتل ~~أكثر من ألفين من الفرنج ، ونجا القليل منهم ، فدخل إلى بارين مع ملكهم ~~كندياجور صاحب القدس ، وأقام الحصار على بارين بعشر مجانيق ليلا ونهارا ، ~~ثم تقرر الصلح في العشر الأواخر من ذي القعدة على التسليم بعد خراب القلعة ~~. # وخلع على الملك وأطلق ، وخرج الفرنج منها ، وتسلمها زنكي ، وعاد إلى حلب ~~. # واستقر الصلح بين أتابك وصاحب دمشق ، وتزوج أتابك خاتون بنت جناح الدولة ~~حسين ، على يد الإمام برهان الدين البلخي ، ودخل عليها بحلب في هذه السنة . ~~PageV01P314 # ووصل في هذه السنة ملك الروم كالياني من القسطتطينية في جموعه ، ووصل إلى ~~أنطاكية فخالفه الفرنج لطفا من الله تعالى وأقام إلى أن وصلته مراكبه ~~البحرية بالأثقال والميرة والمال ، فاعتمد لاون بن روبال صاحب الثغور في ~~حقه فتحا عظيما . # وتخوف أهل حلب منه فشرعوا في تحصينها وحفر خنادقها ، فعاد إلى بلاد لاون ~~فافتتحها جميعها ، فدخل إليه لاون متطارحا ، فقال : أنت بين الفرنج ~~والأتراك لا يصلح لك المقام . فسيره إلى القسطنطينية ، وأقام في عين زربة ~~وأذنة والثغور ، مدة الشتاء . # وكان في عوده عن أنطاكية إلى ناحية بغراس في الثاني والعشرين من ذي الحجة ~~من سنة إحدى وثلاثين ، أنفذ رسوله إلى زنكي ، وظفر سوار بسرية وافرة العدد ~~من عسكره ، فقتل وأسر ، ودخل بهم إلى حلب . ووصل ms223 الرسول إلى زنكي ، وهو ~~متوجه إلى القبلة فرده ومعه هدية إلى ملك الروم فهود وبزاة وصقور على يد ~~الحاجب حسن ، فعاد إليه ومعه رسول منه وأخبره بأنه يحاصر بلاد لاون ، فسار ~~إلى حماة ، ورحل إلى حمص فقاتلها . # ثم سار في نصف المحرم من سنة اثنتين وثلاثين فنزل بعلبك ، وأخذ منها ~~مالا ، وسار إلى ناحية البقاع فملك حصن المجدل من أيدي الدمشقيين ، ودخل ~~في طاعته إبراهيم بن طرغت والي بانياس . # وشتى أتابك زنكي بأرض دمشق ، وورد عليه رسول الخليفة المقتفي والسلطان ~~مسعود بالتشريف ، ثم رحل أتابك عن دمشق في شهر ربيع الآخر ، وعاد إلى حماة ~~، ثم رحل عنها إلى حمص ، فخيم عليها ، وجرد من حلب رجالا لحصارها ، وجمع ~~عليها جموعا كثيرة ، وهجم المدينة ، وكسر أهلها ونال منهم منالا عظيما . ~~PageV01P315 # ونقض الفرنج الهدنة التي كانت بينهم وبين زنكي على حلب ، وأظهروا العناد ~~، وقبضوا على التجار بأنطاكية والسفار من أهل حلب ، في جمادى الأولى من ~~السنة ، بعد إحسانه إليهم واصطناعه لمقدميهم ، حين أظفره الله بهم ، ~~وانضافوا إلى ملك الروم كالياني . # وظهر ملك الروم بغتة من طريق مدينة البلاط ، يوم الخميس الكبير من صومهم ~~، ونزل يوم الأحد يوم عيد النصارى ، وهو الحادي والعشرون من شهر رجب ، على ~~حصن بزاعا . # وانتشرت الخيل بغتة فلطف الله بالمسلمين ، فرأوا رجلا من كافر ترك ومعه ~~جماعة منهم ، وقد تاهوا عن عسكر الروم ، وأظهروا أنهم مستأمنة وأنذروا من ~~بحلب با لروم . # فتحرز الناس وتحفظوا ، وكاتبوا أتابك زنكي بذلك ، فوصله الخبر وهو على ~~حمص ، فسير في الحال الأمير سيف الدين سوار والرجالة الحلبيين وخمسمائة ~~فارس ، في أربعة من الأمراء الأصفهسلارية منهم زين الدين علي كوجك ، فقويت ~~قلوب أهل حلب بهم ، ووصلوا في سابع وعشرين من رجب . # وأما الروم فإنهم حصروا حصن بزاعا ، وقاتلوها سبعة أيام ، فضعفت قلوب ~~المسلمين ، وكان الحصن في يد امرأة فسلموه إلى البروم بالأمان ، بعد أن ~~توثقوا منهم بالعهود والأيمان ، فغدروا بهم ، وأسروا من بزاعا ستة آلاف ~~مسلم أو يزيدون ، وأقام الملك بالوادي يدخن على مغاير الباب ms224 عشرة أيام ، ~~فهلكوا بالدخان . # # | الروم حول حلب وشيزر # ثم رحل فنزل يوم الأربعاء الخامس من شعبان ، بأرض الناعورة ، ثم رحل يوم ~~الخميس سادس شعبان ، ومعه ريمند صاحب أنطاكية وابن جوسلين ، فنزل على ~~PageV01P316 حلب ونصب خيمته من قبليها على نهر قويق ، وأرض السعدي ، وقاتل ~~حلب يوم الثلاثاء من ناحية برج الغنم ، وخرج إليهم أحداث حلب ، فقاتلوهم ~~وظهروا عليهم ، وقتل من الروم مقدم كبير ورجعوا إلى خيمهم خائبين . # ورحل يوم الأربعاء ثامن شعبان مقتبلا إلى صلدي ، فخاف من بقلعة الأثارب ~~من الجند المسلمين ، فهربوا منها يوم الخميس تاسع شعبان ، وطرحوا النار في ~~خزائنهم . # وعرف الروم ذلك فخفت منهم سرية وجماعة من الفرنج ، ومعهم سبي بزاعا ~~والوادي ، فملكوا القلعة ، وألجأوا السبي إلى خنادقها وأحواشها ، فهرب ~~جماعة منهم إلى حلب ، وأعلموا الأمير سيف الدين سوار بن أيتكين بذلك ، وأن ~~الروم انعزلوا عنها . # فنهض إليهم سوار في لمة من العسكر ، فصابحهم وقد انتشروا بعد طلوع الشمس ~~، فوقع عليهم واستخلص السبي جميعه إلا اليسير منهم ، وأركب الضعفاء منهم ~~خلف الخيالة حتى أنه أخذ بنفسه جماعة من الصبيان ، وأركبهم بين يديه ومن ~~خلفه ، ووصل بهم إلى حلب ، ولم يبق من السبي إلا القليل ، ووصل بهم إلى حلب ~~في يوم السبت الحادي عشر من شعبان ، فسر أهل حلب سرورا عظيما . وكان ~~أتابك قد رحل من حمص إلى حماة ثم رحل إلى سلمية ، ورحل ملك الروم إلى بلد ~~معرة النعمان ، ورحل عنها يوم الإثنين ثالث عشر شعبان إلى جهة شيزر ، ~~ونزلوا كفر طاب ورموها بالمجانيق ، فسلمها أهلها في نصف شعبان . وهرب أهل ~~الجسر ، وتركوه خاليا فوصله الروم ، وجلسوا فيه ورحلوا عنه إلى شيزر ، يوم ~~الخميس سادس عشر شعبان ، فوصلوها في مائة ألف راكب ومائة PageV01P317 ألف ~~راجل ، ومعهم من الكراع والسلاح ما لا يحصيه إلا الله ، فنزلوا الرابية ~~المشرفة على بلدة شيزر ، وأقاموا يومهم ويوم الجمعة إلى آخر النهار . # وركبوا وهجموا البلد ، فقاتلهم الناس وجرح أبو المرهف نصر بن منقذ ، ومات ~~في رمضان من جرحه ذلك . ثم انهزم الروم ، وخرجوا ms225 ، ونزل صاحب أنطاكية في ~~مسجد سمون ، وجوسلين في المصلى ، وركب الملك يوم السبت ، وطلع إلى الجبل ~~المقابل لقلعة شيزر المعروف بجريجس ، ونصب على القلعة ثمانية عشر منجنيقا ~~وأربع لعب تمنع الناس من الماء . # ودام القتال عشرة أيام ، ولقي أهل قلعة شيزر بلاء عظيما ، ثم اقتصروا في ~~القتال على المجانيق ، وأقاموا إلى يوم السبت تاسع شهر رمضان . # وبلغهم أن قرا أرسلان بن داود بن سكمان بن أرتق عبر الفرات في جموع عظيمة ~~تزيد عن خمسين ألفا من التركمان وغيرهم ، فأحرقوا آلات الحصار ، ورحلوا عن ~~شيزر ، وتركوا مجانيق عظاما رفعها أتابك إلى قلعة حلب بعد رحيلهم ، وساروا ~~بعد أن هجموا ربض شيزر دفعات عدة ، ويخرجهم المسلمون منها . # فوصل صلاح الدين من حماة يوم السبت تاسع الشهر ، وبلغه أن الفرنج هربوا ~~من كفر طاب فسار إليها ، وملكها ، ووصل أتابك يوم الأحد عاشر الشهر ، وسار ~~إلى الجسر يوم الإثنين ، فوجد الفرنج قد هربوا منه نصف الليل ونزل أهله من ~~أبي قبيس ، فمنعوهم ودخل الروم مضيق أفامية إلى أنطاكية ، وطلبها من الفرنج ~~فلم يعطوه إياها ، فرحل عنها إلى بلاده ، وسير أتابك خلفهم سرية من العسكر ~~تتخطفهم . هذا كله وأتابك لم يستحضر قرا أرسلان بن داود ، ولم يجتمع به ، ~~بل بعث إليه يأمره بالعود إلى أبيه ، وأنه مستغن عنه وانحاز عنهم فنزل أرض ~~حمص ، وكتب إلى شهاب الدين محمود بن بوري يطلبها . # وترددت الرسل بينهم على أن يسلم إلى أتابك حمص ، ويعوض أنر واليها ~~PageV01P318 ببارين ، واللكمة ، والحصن الشرقي ، وأن يتزوج أتابك أمه زمرد ~~خاتون بنت جاولي ، ويتزوج محمود ابنة أتابك ، وتسلم أتابك حمص ، ويسلم ~~الدمشقيون المواضع المذكورة . # وسارت زمرد خاتون من دارها إلى عسكر زنكي مع أصحابه المندوبين لإيصالها ~~إليه في أواخر شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين ، وقد اجتمع عنده رسول الخليفة ~~المقتفي ، وألبسه التشريف الواصل إليه ، ورسول السلطان ، ورسول مصر ، ~~والروم ، ودمشق . # ورحل أتابك عن حمص ، وسار إلى حلب ، ثم خرج منها إلى بزاعا وفتحها بالسيف ~~، يوم الثلاثاء تاسع عشر محرم من سنة ثلاث وثلاثين ms226 وخمسمائة ، وقتل كل من ~~كان بها على قبر شرف الدولة مسلم بن قريش ، وكان ضرب عليها بسلم في عينه ~~فمات . # # | زلازل عام 533 هجرية # وعاد منها إلى حلب ، وسار إلى الأثارب ، ففتحها ، في ثالث صفر . وفي يوم ~~الخميس ثالث عشر صفر ، حدثت زلزلة شديدة ثم اتبعتها أخرى ، وتواصلت الزلازل ~~، فهرب الناس من حلب إلى ظاهر البلد وخرجت الأحجار من الحيطان إلى الطريق ، ~~وسمع الناس دويا عظيما ، وانقلبت الأثارب فهلك فيها ستمائة من المسلمين ، ~~وسلم الوالي ومعه نفر يسير . وهلك أكثر البلاد من شيح ، وتل عمار ، وتل ~~خالد ، وزردنا ، وشوهدت الأرض تموج ، والأحجار عليها تضطرب كالحنطة في ~~الغربال . # وانهدم في حلب دور كثيرة ، وتشعث السور ، واضطربت جدران القلعة ، وسار ~~أتابك مشرقا فنزل القلعة فأخذها ، وسار منها إلى القلعة ، ثم إلى الموصل . ~~وتواترت الزلازل إلى شوال ، وقيل : إن عدتها كانت ثمانين زلزلة . ~~PageV01P319 # وكان في سنة اثنتين وثلاثين قد عول أتابك على قبض أملاك الحلبيين التي ~~استحدثوها من أيام رضوان إلى آخر أيام إيلغازي ، ثم قرر عليهم عشرة آلاف ~~دينار ، فأدوا من ذلك ألف دينار ، وجاءت هذه الزلازل ، فهرب أتابك من ~~القلعة إلى ميدانها حافيا ، وأطلق القطيعة . # وفي هذه السنة ، نهض سوار الفرنج فغنم من بلادهم ، ولحقوه فاستخلصوا ما ~~غنم ، وانهزم المسلمون فغنم الفرنج ، وأخذوا منهم ألفا ومائتي فارس ، ~~وأسروا صاحب الكهف ابن عمرون ، وكان قد سلمها إلى الباطنية . # وفي شهر رمضان منها ، استحكم الفساد بين أتابك وتمرتاش ، فنزل أتابك زنكي ~~دارا ، وحصرها وافتتحها في شوال ، وأخذ رأس عين وجبل جور وذا القرنبن . ~~ومات سوتكين الكرجي بحران ، فأنفذ أتابك زنكي وأخذها . # # | زنكي يفتح بعلبك ويحاصر دمشق # وقتل شهاب الدين محمود ابن تاج الملوك على فراشه ، ليلة الجمعة الثالثة ~~والعشرين من شوال من السنة ، قتله البغش ويوسف الخادم ، وفراش ، وكان قد ~~قربهم واصطفاهم . # وسير أنر إلى محمد أخيه صاحب بعلبك ، فأجلسه في منصب أخيه وأخرج ~~PageV01P320 أخاه بهرام شاه فمضى إلى حلب وشرق إلى أتابك زنكي . وعلمت ~~والدته زمرد خاتون ، فأرسلت إلى زوجها زنكي ، وهو ms227 بالموصل تستدعيه لطلب ~~الثأر بولدها ، وتحثه على الوصول ، فأقبل وفي مقدمته الأمير الحاجب صلاح ~~الدين ، فسار إلى حماة . # ووصل زنكي حتى عبر الفرات ، ونزل بالناعورة ، ودخل حلب ، ورحل إلى حماة ~~في سابع ذي الحجة ، ورحل إلى حمص ، ثم إلى بعلبك ، فحصرها أول محرم من سنة ~~أربع وثلاثين وخمسمائة ، وضربها بالمجانيق إلى أن فتحها يوم الإثنين رابع ~~عشر صفر . # وفتح القلعة يوم الخميس خامس وعشرين منه ، وأقام بها إلى منتصف شهر ربيع ~~الآخر ، وكان قد حلف لأهل القلعة بالأيمان المغلظة والمصحف والطلاق ، فلما ~~نزلوا غدر بهم ، وسلخ واليها ، وشنق الباقين . وكانوا سبعة وثلاثين رجلا ، ~~وغدر بالنساء ، وأخذهم . # وسار في نصف ربيع الآخر إلى دمشق لمضايقتها ، فنزل ! على داريا ، وزحف ~~إلى البلد ، وراسل محمد بن بوري في تسليمها ، وأخذ بعلبك وحمص ، وما يقترح ~~معهما عوضا عنها ، وأراد إجابته إلى ذلك فمنعه أصحابه ، وخوفوه الغدر به ، ~~فمات محمد بن بوري ، في ثامن شعبان ، ونصب ولده عضب الدولة أبق مكانه . # وكاتب أنر الفرنج في نجدته ، وتسليم بانياس من إبراهيم بن طرغت إليهم ، ~~PageV01P321 فتجمعوا لذلك ، فرحل أتابك عن دمشق ، في خامس شهر رمضان ، ~~للقاء الفرنج إن قربوا منه إلى ناحية بصرى وصرخد من حوران ، وأقام مدة ، ثم ~~عاد إلى الغوطة فنزل عذراء وأحرق عدة ضياع من الغوطة . # ووصل الفرنج فنزلوا بالميدان ، فرحل أتابك إلى ناحية حمص . وأسر ريمند ~~صاحب أنطاكية إبراهيم بن طرغت صاحب بانياس ، وقتله . ونزل معين الدين أنر ~~عليها فحصرها وتسلمها ، وسلمها إلى الفرنج ، وعادت خاتون إلى حلب في ~~العشرين من ربيع الأول . وعاد أتابك إلى حلب في الرابع والعشرين من جمادى ~~الأولى ، واستقر الحال بين زنكي وأبق على أن خطب لزنكي بدمشق . # ومات قاضي حلب أبو غانم محمد بن أبي جرادة في شهر ربيع الآخر من سنة أربع ~~ثلاثين وخمسمائة ، فولى أتابك قضاء حلب ولده أبا الفضل هبة الله بن محمد بن ~~أبي جرادة ، ولما استحضره وولاه القضاء قال له : هذا الأمر قد نزعته من ~~عنقي ، وقلدتك إياه ، فينبغي أن تتقي الله ms228 وأن تساوي بين الخصمين ، هكذا ، ~~وجمع بين أصابعه . # وكثر عيث التركمان وفسادهم ، وامتدت أيديهم إلى بلاد الفرنج ، فأرسلوا ~~رسولا إلى أتابك يشكونهم ، فعاد الرسول متنصلا ، فلقيه قوم من التركمان ~~فقتلوه ، فأغار الفرنج على حلب ، فأخذوا من العرب والتركمان ما لا يحصى . # وعاد أتابك في سنة ست وثلاثين على الحلبيين بالقطيعة التي كان قررها على ~~الأملاك ، وأرسل إليهم علي الفوتي العجمي ، فعسف الناس في استخراج القطيعة ~~، وأخرف بهم ، ومات ابن شقارة بحلب ، وصارت أملاكه إلى بيت المال فرد على ~~الناس ما كان وظف على أملاكه من القطيعة وأخذه منهم . PageV01P322 # # | غارات الفرنج والمسلمين # وأغار الفرنج في سنة ست وثلاثين وخمسمائة على بلد سرمين ، وأخربوا ونهبوا ~~، ثم إلى جبل السماق ، وكذلك فعلوا بكفر طاب ، وتفرقوا فأغار علم الدين ابن ~~سيف الدين سوار مع التركمان إلى باب أنطاكية ، وعادوا بالغنائم والوسيق ~~العظيم . # وأغار لجة التركي وكان قد نزح عن دمشق إلى خدمة زنكي على بلد الفرنج ، في ~~جمادى ، فساق وسبى وقتل . وذكر أن عدة المقتولين سبعمائة رجل . واتفق في ~~هذه السنة خلف شديد بين أتابك زنكي وقرا أرسلان بن داود بن سكمان بناحية ~~بهمرد ، فالتقيا فكسره أتابك ، وفتح بهمرد ، وعاد إلى الجزيرة ، ثم إلى ~~الموصل فشتى بها . # وفي هذه السنة تقرر الصلح بين أتابك والأرتقية ووصل أولادهم إلى الخدمة ~~ثم عادوا . # وفي خامس شعبان مات وزير أتابك ضياء الدين بن الكفرتوثي ووزر موضعه أبا ~~الرضا بن صدقة ، ثم عزله في سنة ثمان وثلاثين . # ونهض سوار في شهر رمضان إلى بلد أنطاكية ، وعند الجسر جمع عظيم وخيم ~~مضروبة من الفرنج ، فخاض التركمان إليهم العاصي ، وكسروا الجميع هناك ، ~~وقتلوا كل من كان بالخيم ، ونهبوا وسبوا ، وعادوا إلى حلب بالوسيق العظيم ، ~~والأسرى والرؤوس . # وفتح أتابك قلعة أشب المشهورة بالحصانة ، في ثالث وعشرين من شهر رمضان من ~~سنة سبع وثلاثين . PageV01P323 # وخرج ملك أنطاكية إلى وادي بزاعا ، فخرج سوار فردهم إلى بلد الشمال ~~واجتمع سوار وجوسلين بين العسكرين فاتفق الصلح بينهما . وفي سنة ثمان ~~وثلاثين وخمسمائة ، فتح أتابك قلعة ms229 انيرون ، وبعدها قلعة حيران ومما كان ~~أيضا بيد الفرنج جملين ، والموزو وتل موزن ، وغيرهما . # وخرج عسكر حلب فظفروا بفرقة كبيرة من التجار والأجناد وغيرهم خرجت من ~~أنطاكية تريد بلاد الفرنج ، ومعها مال كثير ودواب ومتاع ، فأوقعوا بهم ، ~~وقتلوا جميع الخيالة من الفرنج الخارجين لحمايتهم ، وأخذوا ما كان معهم ، ~~وعادوا إلى حلب ، وذلك قي جمادى الأولى من السنة . # وفي يوم الأربعاء خامس وعشرين من ذي القعدة ، وقعت خيل تركمان نهضت من ~~بلد حلب ، فأوقعت بخيل خارجة من باسوطا فقتلوهم ، وأسروا صاحب باسوطا ~~وجاؤوا به إلى حلب ، فسلموه إلى سوار فقيده . # وعزل أتابك وزيره جلال الدين أبا الرضا بالموصل ، واستوزر أبا الغنائم ~~حبشي ابن محمد الحلي . # # | فتح الرها وسروج # وكان أتابك زنكي لا يزال يفكر في فتح الرها ، ونفسه في كل حين تطالبه ~~بذلك ، إلى أن عرف أن جوسلين صاحبها قد خرج منها في معظم عسكره ، في سنة ~~تسع وثلاثين وخمسمائة ، لأمر اقتضاه ، فسارع أتابك إلى النزول عليها في ~~عسكر عظيم وكاتب التركمان بالوصول إليه ، فوصل خلق عظيم . PageV01P324 # وأحاط المسلمون بها من كل الجهات ، وحالوا بينها وبين من يدخل إليها ~~بميرة أو غيرها ، ونصب عليها المجانيق ، وشرع الحلبيون فنقبوا عدة مواضع ~~عرفوا أمرها إلى أن وصلوا تحت أساس أبراج السور ، فعلقوه بالأخشاب ، ~~واستأذنوا أتابك في إطلاق النار فيه ، فدخل إلى النقب نفسه وشاهده ثم أذن ~~لهم ، فألقوا النار فيه ، فوقع السور في الحال . # وهجم المسلمون البلد ، وملكوه بالسيف يوم السبت سادس عشر جمادى الآخرة ، ~~وشرعوا في النهب والقتل والأسر والسبي ، حتى امتلأت أيديدهم من الغنائم . ~~ثم أمر أتابك برفع السيف عن أهلها ، ومنع السبي ، ورده من أيدي المسلمين ، ~~وأوصى بأهلها خيرا ، وشرع في عمارة ما انهدم منها وترميمه . # وكان جمال الدين أبو المعالي فضل الله بن ماهان رئيس حران هو الذي يحث ~~أتابك في جميع الأوقات على أخذها ، ويسهل عليه أمرها ، فوجد على عضادة ~~محرابها مكتوب : # أصبحت صفرا من بني الأصفر . . . أختال بالأعلام والمنبر # دان من المعروف حال به . . . ناء عن الفحشاء ms230 والمنكر # مطهر الرحب على أنني . . . لولا جمال الدين لم أطهر # فبلغ ذلك رئيس حران ، فقال : انحوا جمال الدين ، واكتبوا عماد الدين . # فبلغ ذلك زنكي ، فقال : صدق الشاعر لولاك ما طمعنا فيها . وأمر عماله ~~بتخفيف الوطأة عليهم في الخراج ، وأن يأخذوه على قدر مغلاتها . # ثم رحل إلى سروج ففتحها ، وهرب الفرنج منها ، ثم رحل فنزل على البيرة ، ~~في هذه السنة فحاصرها في هذه السنة . # وجاءه الخبر من الموصل أن نصير الدين جقر نائبه بالموصل قتل ، فخاف ~~PageV01P325 عليها ، وترك البيرة بعد أن قارب أخذها ، وسار حتى دخل الموصل ~~، وأخذ فرخانشاه ابن السلطال الذي قتل جقر ، عزم على تملك الموصل ، فقتله ~~بدم جقر ، وولى الموصل مكانه الأمير زين الدين علي كوجك . # ثتم شرع زنكي في الجمع والاحتشاد ، والاستكثار من عمل المجانيق ، وآلة ~~الحرب ، في أوائل سنة أربعين وخمسمائة ، ويظهر للناس أن ذلك لقصد الجهاد . ~~وبعض الناس يقول : أنه لقصد دمشق ومنازلتها . وكان ببعلبك مجانيق فحملت إلى ~~حمص ، في شعبان من هذه السنة . # وقيل : إن عزمه انثنى عن الجهاد في هذه السنة ، وأن جماعة من الأرمن ~~بالرها عاملوا عليها ، وأرادوا الإيقاع بمن كان فيها من المسلمين واطلع على ~~حالهم ، وتوجه أتابك من الموصل نحوها ، وقوبل من عزم على الفساد بالقتل ~~والصلب . # # | نهاية عماد الدين # وسار ونزل على قلعة جعبر بالمرج الشرقي تحت القلعة ، يوم الثلاثاء ثالث ~~ذي الحجة ، فأقام عليها إلى ليلة الأحد . سادس شهر ربيع الآخر نصف الليل من ~~سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ، فقتله يرنقش الخادم ، كان يهدده في النهار ، ~~فخاف منه فقتله في الليل في فراشه . # وقيل : إنه شرب ونام ، فانتبه فوجد يرنقش الخادم وجماعة من غلمانه يشربون ~~فضل شرابه ، فتوعدهم . ونام فأجمعوا على قتله ، وجاء يرثقش إلى تحت القلعه ~~، فنادى أهل القلعه : شيلوني فقد قتلت أتابك . فقالوا له : اذهب إلى لعنة ~~الله ، فقد قتلت المسلمين كلهم بقتله . وقد كان أتابك ضايق القلعة ، فقل ~~الماء فيها جدا ، والرسل من صاحبها علي PageV01P326 ابن مالك تتردد بينه ~~وبين أتابك ، فبذل علي بن مالك له ms231 ثلاثين ألف دينار ليرحل عنها ، فأجابه ~~إلى ذلك . # ونزل الرسول ، وقد جمع الذهب حتى قلع الحلق من آذان أخواته ، وأحضر ~~الرسول ، وقال لبعض خواصه : امض بفرسه وقربه إلى قدر اليخني فإن شرب منه ~~فأعلمني . ففعل ذلك ، فشرب الفرس مرقة اليخني ، فعلم أن الماء قد قل عندهم ~~، فغالط الرسول ودافعه ، ولم يجبه إلى ملتمسه ، فأسقط في يد علي بن مالك . # وكان في القلعة عنده بقرة وحش ، وقد أجهدها العطش ، فصعدت في درجة ~~المئذنة حتى علت عليها ، ورفعت رأسها إلى السماء ، وصاحت صيحة عظيمة ، ~~فأرسل الله سحابة ظللت القلعة ، وأمطروا حتى رووا ، فتقدم حسان البعلبكي ~~صاحب منبج إلى تحت القلعة ، ونادى علي بن مالك ، وقال له : يا أمير علي ، ~~ايش بقى يخلصك من أتابك فقال له ، يا عاقل ، يخلصني الذي خلصك من حبس بلك ~~له . يعني حين قتل بلك على منبج وخلص حسان ، فصدق فأله وكان ما ذكرناه . ~~وأخبرني والدي رحمه الله أن حارس أتابك كان يحرسه في الليلة التي قتل فيها ~~بهذين البيتين : # يا راقد الليل مسرورا بأوله ، . . . إن الحوادث قد يطرقن أسحارا ! # لا تأمنن بليل طاب أوله . . . فرب آخر ليل أجج النارا ! # وكان أتابك جبارا عظيما ذا هيبة وسطوة . وقيل : إن الشاووش كان يصيح ~~خارج باب العراق ، وهو نازل من القلعة . وكان إذا ركب مشى العسكر خلفه ~~كأنهم بين خيطين مخافة أن يدوس العسكر شيئا من الزرع ، ولا يجسر أحد من ~~هيبته أن يدوس عرقا منه ، ولا يمشي فرسه فيه ، ولا يجسر أحد من أجناده أن ~~يأخذ لفلاح علاقة تبن إلا بثمنها أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية ، وإن ~~تعدى أحد صلبه . # وكان يقول : ما يتفق أن يكون أكثز من ظالم واحد يعني نفسه فعمرت البلاد ~~في أيامه بعد خرابها وأمنت بعد خوفها . وكان لا يبقي على مفسد ، وأوصى ~~ولاته وعماله بأهل حران ، ونهى عن الكلف والسخر والتثقيل على الرعية . هذا ~~ما حكاه أهل حران عنه . PageV01P327 # وأما فلاحو حلب فإنهم يذكرون عنه ضد ذلك . # وكانت الأسعار في السنة التي ms232 توفي فيها رخية جدا . الحنطة ست مكايك ~~بدينار ، والشعير اثنا عشر مكوكا بدينار والعدس أربع مكايك بدينار ، ~~والجلبان خمسة مكايك بدينار ، والقطن ستون رطلا بدينار ، والدينار هو الذي ~~جعله أتابك دينار الغلة ، وقدره خمسون قرطيسا برسا وذلك لقلة العالم . # ولما قتل افترقت عساكره فأخذ عسكر حلب ولده نور الدين أبا القاسم محمود ~~بن زنكي ، وطلبوا حلب فملكوه إياها ، وأخذ نور الدين خاتمه من إصبعه قبل ~~إلى حلب . وسار أجناد الموصل بسيف الدين غازي إلى الموصل وملكها . # وبقي أتابك وحده ، فخرج أهل الرافقة فغسلوه بقحف جرة ، ودفنوه على باب ~~مشهد علي رضي الله عنه في جوار الشهداء من الصحابة رضوان الله عليهم وبنى ~~بنوه عليه قبة ، فهي باقية إلى الآن . PageV01P328 # # | القسم الرابع والعشرون حلب ونور الدين زنكي # # | نور الدين زنكي في حلب والرها # وملك الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي بن أق سنقر حلب ، ~~عند ذلك في شهر ربيع الآخر يوم الثلاثاء عاشر الشهر ، سنة إحدى وأربعين ~~وخمسمائة . # ووصل إليه صلاح الدين الياغيسياني يدبر أموره ويقوم بحفظ دولته ، فحينئذ ~~راسل جوسلين الفرنجي أهل الرها وعامتهم من الأرمن ، وحملهم على العصيان ~~وتسليم البلد ، فأجابوه إلى ذلك ، وواعدوهم يوما يصل إليهم فيه . # وسار إليها فملك البلد ، وامتنعت القلعة فقاتلها ، فبلغ الخبر إلى نور ~~الدين محمود بن زنكي ، وهو بحلب ، فسار إليها في عسكره ، فخرج جوسلين ~~هاربا إلى بلده . # ودخلها نور الدين فنهبها وسبى أهلها ، وخلت منهم ، فلم يبق بها منهم إلا ~~القليل . وأرسل نور الدين من سبيها جارية في جملة ما أهداه إلى زين الدين ~~علي كوجك ، نائب أبيه بالموصل ، فلما رآها دخل إليها ، وخرج من عندها وقد ~~اغتسل ، PageV01P329 وقال لمن عنده : تعلمون ما جرى لي يومنا هذا ؟ لا ، ~~قال : لما فتحنا الرها مع الشهيد وقع بيدي من النهب جارية رائقة أعجبني ~~حسنها ومال قلبي إليها ، فلم يكن بأسرع من أن أمر الشهيد فنودي برد السبي ~~والمال المنهوب ، وكان مهيبا مخوفا ، فرددتها وقلبي متعلق بها ، فلما كان ~~الآن جاءتني هدية ms233 نور الدين وفيها عدة جوار منهن تلك الجارية ، فوطئتها ~~خوفا أن يقع مثل تلك الدفعة . # # | نصر المسلمين في العريمة ويغري # وشرع نور الدين رحمه الله في صرف همته إلى الجهاد ، فدخل في سنة اثنتين ~~وأربعين وخمسمائة ، إلى بلد الفرنج ، ففتح أرتاح بالسيف ، ونهبها . وفتح ~~حصن ما بولة ، وبسرفوث ، وكفرلاثا وهاب . # وكان الفرنج بعد قتل والده قذ طمعوا وظنوا أنهم يستردون ما أخذه ، فلما ~~رأوا من نور الدين الجد في أول أمره ، علموا بعدما أملوه . # وخرج ملك الألمان ونزل على دمشق ، في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، وسار ~~لنجدتها سيف الدين غازي من الموصل ، ونور الدين محمود ، فوصلا إلى حمص . # وتوجه نور الدين إلى بعلبك ، واجتمع بمعين الدين أنر بها ، ورحل ملك ~~الألمان عن دمشق ، وكان صحبته ولد الفنش ، وكان جده قد أخذ طرابلس من ~~المسلمين . فأخذ ولد الفنش هذا حصن العريمة من الفرنج ، وعزم على أخذ ~~طرابلس من القمص ، فأرسل القمص إلى نور الدين إلى بعلبك يقول له في قصد حصن ~~العريمة وأخذه من ولد الفنش . PageV01P330 # فسار نور الدين ومعين الدين آنر معه ، وسيرا إلى سيف الدين غازي إلى حمص ~~، يستنجدانه فأمدهما بعسكر كثير مع الدبيسي صاحب الجزيرة ، فنازلوا الحصن ، ~~وحصروه وبه ولد الفنش . # فزحف المسلمون إليه مرارا ، ونقب النقابون السور فطلب من به من الفرنج ~~الأمان ، فملكه المسلمون ، وأخذوا كل من به من فارس وراجل ، وصبي ، وامرأة ~~، وفيهم ابن الفنش ، وأخربوا الحصن ، وعادوا إلى حمص . # ثم عاد سيف الدين غازي إلى الموصل . # وتجمع الفرنج ليقصدوا أعمال حلب ، فخرج إليهم نور الدين بعسكره والتقاهم ~~بيغري ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم الفرنج ، وأسر منهم جماعة وقتل ~~خلق ، ولم ينج إلا القليل . # وفي هذه الوقعة يقول الشيخ أبو عبد الله القيسراني من قصيدة : # وكيف لا نثني على عيشنا ال . . . محمود والسلطان محمود # وصارم الإسلام لا ينثني . . . إلا وشلو الكفر مقدود # مكارم لم تك موجودة . . . إلا ونور الدين موجود # # | بناء المدارس # وشرع نور الدين في تجديد المدارس والرباطات بحلب ، وجلب أهل العلم ~~والفقهاء إليها ، فجدد ms234 المدرسة المعروفة بالحلاويين ، في سنة ثلاث وأربعين ~~وخمسمائة ، واستدعى برهان الدين أبا الحسن علي بن الحسن البلخي الخفي وولاه ~~تدريسها ، فغير الأذان بحلب ، ومنع المؤذنين من قولهم : حي على خير العمل ~~وجلس تحت المنارة ومعه الفقهاء ، وقال لهم : من لم يؤذن الأذان المشروع ~~فألقوه PageV01P331 من المنارة على رأسه . فأذنوا الأذان المشروع ، واستمر ~~الأمر من ذلك اليوم . # وجدد المدرسة العصرونية على مذهب الشافعي ، وولاها شرف الدين بن أبي ~~عصرون ، ومدرسة النفري ، وولاها القطب النيسابوري ، ومسجد الغضائري وقف ~~عليه وقفا ، وولاه الشيخ شعيب ، وصار يعرف به . وبقي برهان الدين البلخي ~~بحلب مدرسا بالحلاوية إلى أن أخرجه مجد الدين بن الداية ، لوحشة وقعت ~~بينهما ، ووليها علاء الدين عبد الرحمن بن محمود الغزنوي ومات ووليها ابنه ~~محمود ، ثم وليها الزضي صاحب المحيط ، ثم وليها علاء الدين الكاشاني . # وتوفي سيف الدين غازي بن زنكي بالموصل في سنة أربع وأربعين وترك ولدا ~~صغيرا ، فرباه عمه نور الدين ، وعطف عليه . # # | اقتسام مناطق النفوذ # واتفق الوزير جمال الدين وزين الدين علي على أن ملكوا قطب الدين مودود ~~ابن زنكي الموصل ، وكان نور الدين أكبر منه ، وكاتبه جماعة من الأمراء ~~وطلبوه . وفيمن كاتبه المقدم عبد الملك والد شمس الدين محمد ، وكان بسنجار ~~، فكتب إليه يستدعيه ليتسلم سنجار . فسار جريدة في سبعين فارسا من أمراء ~~دولته فوصل سنجار مجدا ، ونزل بظاهر البلد ، وأرسل إلى المقدم يعلمه بوصوله ~~، فرآه الرسول وقد سار إلى الموصل ، وترك ولده شمس الدين محمدا بالقلعة ، ~~فسير من لحق أباه في الطريق ، وأعلمه بوصول نور الدين ، فعاد إلى سنجار ، ~~وسلمها إليه ، وأرسل إلى قرا أرسلان PageV01P332 صاحب الحصن يستدعيه لمودة ~~كانت بينهما ، فوصل إليه . # ولما سمع قطب الدين والوزير جمال الدين ، وزين الدين بالموصول ، جمعوا ~~العساكر ، وعزموا على قصد سنجار وساروا إلى تل أعفر ، فأشار الوزير جمال ~~الدين بمداراته ، وقال : إننا نحن قد عظمنا محله عند السلطان ، وجعلنا ~~محلنا دونه ، وهو فيعظمنا عند الفرنج ، ويظهر أنه تبع لنا ، ويقول : إن ~~كنتم كما نحب وإلا سلمت البلاد إلى صاحب ms235 الموصل ، وحينئذ يفعل بكم ويصنع ، ~~فإن هزمناه طمع فينا السلطان ويقول : إن الذي كانوا يعظمونه ، ويخوفوننا به ~~أضعف منهم ، وقد هزموه ، وإن هو هزمنا طمع فيه الفرنج ، ويقولون : إن الذي ~~كان يحتمي بهم أضعف منه ، وبالجملة فهو إبن أتابك الكبير ، وأشار بالصلح . # وسار إلى نور الدين بنفسه ، فوفق بينهما على أن يسلم سنجار إلى قطب الدين ~~، ويتسلم الرحبة ، ويتسلم نور الدين بالشام جميعه ، وقطب الدين بالجزيرة ما ~~خلا الرها ، فإنها لنور الدين . # # | انتصارات نور الدين وضم دمشق # وعاد نور الدين إلى الشام ، وأخذ ما كان قد ادخره أبوه أتابك من الخزائن ~~، وكانت كثيرة جدا . # فغزا نور الدين محمود بن زنكي بلد الفرنج من ناحية أنطاكية ، وقصد حصن ~~حارم وهو للفرنج ، فحصره ، وخرب ربضه ، ونهب سواده ، ثم رحل إلى حصن إنب ~~فحصره أيضا . # فاجتمع الفرنج مع البرنس صاحب أنطاكية وحارم ، وتلك الأعمال ، وساروا إلى ~~نور الدين ليرحلوه عن إنب ، فلقيهم يوم الأربعاء حادي وعشرين من صفر ، سنة ~~أربع وأربعين وخمسمائة ، واقتتلوا قتالا عظيما ، وباشر نور الدين القتال ~~ذلك اليوم ، PageV01P333 فانهزم الفرنج أقبح هزيمة ، وقتل منهم جمع كثير ، ~~وأسر مثله . # وكان ممن قتل ذلك اليوم البرنس صاحب أنطاكية ، وكان من عظماء الفرنج ~~وأقويائهم . ويحكى عنه أنه كان يأخذ الركاب الحديد بيده ، فيطبقه بيده ~~الواحدة ، وأنه مر يوما وهو راكب حصانا قويا تحت قنطرة فيها حلقة أو شيء ~~مما يتعلق به ، فتعلق بيديه وضم فخذيه على الحصان فمنعه الحركة . # فلما قتل البرنس ملك بعده ابنه بيمند ، وتزوجت أمه بابرنس آخر ، ليدبر ~~البلد إلى أن يكبر ابنها ، وأقام معها بأنطاكية ، فغزاهم نور الدين غزوة ~~ثانية ، فاجتمعوا ولقوه فهزمهم ، وقتل منهم خلقا وأسر كذلك ، وأسر البرنس ~~الثاني زوج أم بيمند ، واستقل بيمند بأنطاكية . # وفي ذلك يقول الشيخ أبو عبد الله القيسراني من قصيدة أولها : # هذي العزائم لا ما تدعي القضب . . . وذي المكارم لا ما قالت الكتب # صافحت يا ابن عماد الدين ذروتها . . . براحة للمساعي دونها تعب # أغرت سيوفك بالأفرنج راجفة . . . فؤاد رومية الكبرى لها يحب ms236 # ضربت كبشهم منها بقاصمة . . . أودى بها الصلب وانحطت بها الصلب # طهرت أرض الأعادي من دمائهم . . . طهارة كل سيف عندها جنب # وقال ابن منير في ذلك : # صدم الصليب على صلابة عوده . . . فتفرقت أيدي سبا خشباته # وسقى البرنس وقد تبرنس ذلة . . . بالروج مما قد جنت غدراته # تمشي القناة برأسه وهو الذي . . . نظمت مدار النيرين قناته # وسار نور الدين محمود إلى أفامية ، في سنة خمس وأربعين ، فالتجأ الفرنج ~~إلى حصنها فقاتله ، واجتمع الفرنج وساروا إليه ليرحلوه عنه ، فوجدوه قد ~~ملكه وملأه من PageV01P334 الرجال والذخائر ، فسار في طلبهم ، فعدلوا عن ~~طريقه ، ودخلوا بلادهم . # وجمع نور الدين العساكر وسار إلى بلاد جوسلين الفرنجي ليملكها وكان ~~جوسلين من أشجع الفرنج وأسدهم رأيا ، فجمع الفرنج وأكثر ، وسار إلى نور ~~الدين والتقيا ، وفانهرم المسلمون وقتل منهم وأسر . # وكان سلاحدار نور الدين ممن أسر ، فأخذ جوسلين سلاحه ، فسيره إلى الملك ~~مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية ، وقال : هذا سلاح زوج ابنتك . فعظم ذلك ~~على نور الدين ، وهجر الراحة إلى أن يأخذ بثأره ، وجعل يفكر في حيلة يحتال ~~بها على جوسلين ، وعلم أنه إن قصده احتمى في حصونه . فأحضر أمراء التركمان ~~، وبذل لهم الرغائب إن ظفروا بجوسلين ، فجعلوا عليه العيون ، فخرج إلى ~~الصيد فظفر به طائفة من التركمان ، فصانعهم على مال يؤديه إليهم ، فأجابوه ~~إلى إطلاقه إذا أحضر المال ، وأرسل في إحضاره . # فمضى بعض التركمان إلى مجد الدين أبي بكر ابن الداية ، وكان ابن داية نور ~~الدين ، واستنابه في حلب ، وسلم أمورها إليه ، فأحسن الولاية فيها والتدبير ~~، فأعلم ذلك التركماني ابن الداية بصورة الحال ، فسير مجد الدين معه عسكرا ~~، فكبسوا أولئك التركمان ، وأخذوا جوسلين أسيرا ، وأحضروه إلى ابن الداية ~~، في محرم هذه السنة . # فسار نور الدين عند ذلك إلى قلاع جوسلين ، ففتح عزاز بعد الحصار ، في ~~PageV01P335 ثامن عشر ربيع الأول ، سنة خمس وأربعين وخمسمائة ، وفتح تل ~~باشر ، وتل خالد وفتح عين تاب سنة خمسين ، وفتح قورس والراوندان وبرج ~~الرصاص ، وحصن البيرة وكفرسود ومرعش ونهر الجوز . # وتجمع الفرنج وساروا إليه وهو ms237 ببلاد جوسلين ليمنعوه عن فتحها ، في سنة ~~سبع وأربعين وخمسمائة ، فلما قربوا منه رجع إليهم ، ولقيهم عند دلوك ، ~~فاقتتلوا فانهرم الفرنج ، وقتل منهم وأسر كثير ، وعاد إلى دلوك ففتحها . # وأما تل باشر فإنه تسلمها منهم بعد فتحه دمشق ، لأنهم لما علموا أنه فتح ~~دمشق ، وأنه يقصدهم ولا طاقة لهم به راسلوه ، وبذلوا له تسليمها إليه ، ~~فسير إليهم الأمير حسان صاحب منبج لقربها من منبج فتسلمها منهم ، وحصنها . # وكان فتحه دمشق في صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة لأن الفرنج أخذوا عسقلان ~~من المصريين في سنة ثمان وأربعين ، ولم يكن له طريق إلى إزعاجهم عنها ~~لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان . # وطمع الفرنج في دمشق ، وجعلوا عليها قطيعة يأخذونها منهم في كل سنة ، ~~فخاف نور الدين أن يملكها الفرنج ، فاحتال في أخذها لعلمه أن أخذها بالقهر ~~يصعب PageV01P336 لأنه متى نارلها راسل صاحبها الفرنج مستنجدا بهم ، ~~وأعانوه خوفا من نور الدين أن يملكها فيقوى بها عليهم . # فراسل مجير الدين أبق بن محمد بن محمد بن بوري صاحبها ، واستماله وهاداه ~~، وأظهر له المودة حتى وثق به ، فكان يقول له في بعض الأوقات : ' إن فلانا ~~قد كاتبني في تسليم دمشق يعني بعض أمراء مجير الدين فكان يبعد ذلك عنه ، ~~ويأخذ أقطاعه ، فلما لم يبق عنده أحد من الأمراء قدم أميرا يقال له عطاء ~~بن حفاظ الخادم ، وكان شجاعا وفوض إليه أمور دولته ، فكان نور الدين لا ~~يتمكن من أخذ دمشق منه ، فقبض عليه مجير الدين وقتله . # فسار نور الدين حينئذ إلى دمشق ، وكان قد كاتب أهلها واستمالهم ، وكان ~~الناس يميلون إليه ، لما هو عليه من العدل والديانة والإحسان ، فوعدوه ~~بالتسليم إليه . فلما حصر دمشق أرسل مجير الدين إلى الفرنج يبذل لهم ~~الأموال وتسليم قلعة بعلبك إليهم ، لينجدوه ويرحلوا نور الدين عنه ، فشرعوا ~~في جمع فارسهم وراجلهم لذلك . # فتسلم نور الدين دمشق ، وخرج الفرنج وقد قضي الأمر فعادوا خائبين ، ~~وسلمها إليه أهلها من باب شرقي ، والتجأ مجير الدين إلى القلعة ، فراسله ~~وبذل له عوضا عنها حمص ، وغيرها ms238 ، فسلمها إليه وسار إلى حمص ، ثم أنه راسل ~~أهل دمشق ، فعلم نور الدين ، فخاف منه ، فأخذ منه حمص ، وعوضه ببالس ، فلم ~~يرض بذلك ، وسار إلى بغداد فمات بها . # وسار نور الدين إلى حارم ، وهي لبيمند صاحب أنطاكية ، وحصرها في سنة إحدى ~~وخمسين ، وضيق على أهلها ، فتجمع الفرنج وعزموا على قصده فأرسل والي ~~PageV01P337 حارم إلى الفرنج ، وقال : لا تلتقوه فإنه إن هزمكم أخذ حارم ~~وغيرها ، ونحن في قوة والرأي مطاولته فأرسلوا إلى نور الدين ، وصالحوه على ~~أن يعطوه نصف أعمال حارم ، ورجع نور الدين إلى حلب . # # | الزلازل في بلاد الشام # ووقعت الزلازل في شهر رجب في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ، بالشام ، ~~فخربت حماة ، وشيزر ، وكفر طاب ، وأفامية ، ومعرة النعمان ، وحمص ، وحصن ~~الشميمس عند سلمية ، وغير ذلك من بلاد الفرنج وتهدمت أسوار هذه البلاد فجمع ~~نور الدين العساكر ، وخاف على البلاد من الفرنج ، وشرع في عمارتها حتى أمن ~~عليها . وأما شيزر ، فانقلبت القلعة على صاحبها وأهله ، فهلكوا كلهم ، وكان ~~قد ختن ولدا له وعمل وليمة ، وأحضر أهله في داره ، وكان له فرس يحبه ولا ~~يكاد يفارقه ، وإذا كان في مجلس أقيم ذلك الفرس على بابه ، فكان ذلك اليوم ~~على الباب ، فجاءت الزلزلة فقام الناس ليخرجوا من الدار فخرج واحد من الباب ~~فرمحه ذلك الفرس فقتله ، فامتنع الناس من الخروج ، فسقطت الدار عليهم ~~فهلكوا . # وبادر نور الدين ، ووصل إلى شيزر ، وقد هلك تاج الدولة بن متقذ وأولاده ، ~~ولم يسلم منهم إلا الخاتون أخت شمس الملوك زوجة تاج الدولة ، ونبشت من تحت ~~PageV01P338 الردم سالمة ، فتسلم القلعة وعمر أسوارها ودورها ، وكان نور ~~الدين قد سأل أخت شمس الملوك عن المال وهددها ، فذكرت له أن الدار سقطت ~~عليها وعليهم ، ونبشت هي دونهم ، ولا تعلم بشيء ، وإن كان لهم شيء فهو تحت ~~الردم . # وكان شرف الدولة إسماعيل غائبا ، فلما حضر وعاين قلعة شيزر ، ورأى زوجة ~~أخيه في ذلك الذل بعد العز ، عمل قصيدة أولها : # ليس الصباح من المساء بأمثل . . . فأقول لليل الطويل ألا انجلى # قال فيها : # يا ms239 تاج دولة هاشم بل يا أبا الت . . . يجان بل يا قصد كل مؤمل # لو عاينت عيناك قلعة شيزر . . . والستر دون نسائها لم يسبل # لرأيت حصنا هائل المرأى غدا . . . متهلهلا مثل النقا المتهيل # لايهتدي فيه السعاة لمساك . . . فكأنما تسري بقاع مهول # ذكر فيها زوجة أخيه ، فقال : # نزلت على رغم الزمان ولو حوت . . . يمناك قائم سيفها لم تنزل # فتبدلت عن كبرها بتواضع . . . وتعوضت عن عزها بتذلل # وأقامت الزلازل تتردد في البلاد سبع سنين ، وهلك فيها خلق كثير . # وفي هذه السنة أبطل الملك العادل نور الدين ، وهو بشيزر ، مظالم ومكوسا ~~ببلاده كلها مقدارها مائة وخمسون ألف دينار . # ثم إن نور الدين تلطف الحال مع ضحاك البقاعي ، وراسله ، وهو ببعلبك ، ~~وكان قد عصى فيها بعد فتح دمشق ، ولم ير أن يحصره بها لقربه من الفرنج ، ~~فسلمها إلى نور الدين في هذه السنة . # وجرت وقعة بين نور الدين وبين الفرنج بين طبرية وبانياس ، فكسرهم نور ~~الدين كسرة عظيمة في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة . ~~PageV01P339 # # | مرض وعافية # ثم عاد نور الدين إلى حلب ، فمرض بها في سنة أربع وخمسين مرضا شديدا ، ~~بقلعتها ، وأشفى على الموت ، وكان بحلب أخوه الأصغر نصر الدين أمير أميران ~~محمد بن زنكي ، وأرجف بموت نور الدين ، فجمع أمير أميران الناس ، واستمال ~~الحلبيين ، وملك المدينة دون القلعة ، وأذن للشيعة أن يزيدوا في الأذان : ~~حي على خير العمل محمذ وعلي خير البشر ، على عادتهم من قبل ، فمالوا إليه ~~لذلك . # وثارت فتنة بين السنة والشيعة ، ونهب الشيعة مدرسة ابن عصرون وغيرها من ~~أدر السنة ، وكان أسد الدين شيركوه بحمص ، فبلغه ذلك فسار إلى دمشق ليغلب ~~عليها ، وكان بها أخوه نجم الدين أيوب فأنكر عليه ذلك ، وقال : أهلكتنا ~~والمصلحة أن تعود إلى حلب ، فإن كان نور الدين حيا خدمته في هذا الوقت ، ~~وإن كان مات فأنا في دمشق ، وتفعل ما تريد . # فعاد مجدا إلى حلب ، فوجد نور الدين وقد ترجح إلى الصلاح ، فأجلسه في ~~طيارة مشرفة إلى المدينة ، بحيث يراه الناس كلهم ، وهو مصفر الوجه ms240 من المرض ~~، ونادوا إلى الناس : هذا سلطانكم . فقال بعضهم : ما هذا نور الدين ، بل هو ~~فلان يعنون رجلا كان يشبهه وقد طلى وجهه بصفرة ، ليخدعوا الناس بذلك ولما ~~تحقق أمير أميران عافية أخيه خرج من الدار التي كان بها تحت القلعة ، وبيده ~~ترس يحميه من النشاب ، وكان الناس قد تفرقوا عنه ، فسار إلى حران ، فملكها ~~. # وسير نور الدين إلى قاضي حلب ، جدي أبي الفضل هبة الله بن أبي جرادة ، ~~وكان يلي بها القضاء والخطابة والإمامة ، وقال له : تمضي إلى الجامع ، ~~وتصلي بالناس ، ويعاد الأذان إلى ما كان عليه . PageV01P340 # فنرل جدي ، وجلس بشمالية الجامع تحت المنارة ، واستدعى المؤذنين ، وأمرهم ~~بالأذان المشروع على رأي أبي حنيفة ، فخافوا فقال لهم : ها أنا أسفل منكم ~~ولي أسوة بكم . فصعد المؤذنون وشرعوا في الأذان ، فاجتمع تحت المنارة من ~~عوام الشيعة وغوغائهم خلق كثير فقام القاضي إليهم ، وقال : يا أصحابنا ، ~~وفقكم الله ، من كان على طهارة فليدخل وليصل ، ومن كان محدثا فليجدد وضوءه ~~ويصلي ، فإن المولى نور الدين بحمد الله في عافية ، وقد تقدم بما يفعل ، ~~فانصرفوا راشدين . فانصرفوا وقالوا : ايش نقول لقاضينا ! ونزل المؤذنون ~~وصلى بالناس ، وسكنت الفتن . # فلما عوفي نور الدين قصد حران ، فهرب نصرة الدين أمير أميران ، وترك ~~أولاده بالقلعة بحران فتسلمها ، وأخرجهم منها ، وسلمها إلى زين الدين علي ~~كوجك ، نائب أخيه ، قطب الدين . # ثم سار إلى الرقه وبها أولاد أميرك الجاندار ، وقد مات أبوهم ، فشفع إليه ~~بعض الأمراء في إبقائها عليهم ، فغضب ، وقال : هلا شفعتم في أولاد أخي لما ~~أخذت منهم حران ، وكانت الشفاعة فيهم من أحب الأشياء إلي ، وأخذها منهم . # # | تحرك الفرنج وانتصارهم في البقيعة # وخرج مجد الدين ابن الداية من حلب إلى الغزاة ، في شهر رجب من سنة خمس ~~وخمسين ، فلقي جوسلين بن جوسلين ، فكسره ، وأخذه أسيرا ، ودخل به إلى قلعة ~~حلب . # ثم إن الفرنج أغاروا على بلد عين تاب ، فأخذوا التركمان ، ونهبوا أغنامهم ~~، وعادوا يريدون أنطاكية ، فخرج إليهم مجد الدين ، ولقيهم بالجومة ، وكسرهم ~~، PageV01P341 وقتل منهم خلقا عظيما ، وأسر البرنس ms241 الثاني وخلقا معه ، ~~ودخل بهم إلى حلب في مستهل ذي الحجة من سنة ست وخمسين وخمسمائة . # وفي سنة سبع ، ولى نور الدين كمال الدين أبا الفضل محمد بن الشهرزوري ~~قضاء ممالكه كلها ، وأمر القضاة ببلاده أن يكتبوا في الكتب بالنيابة عنه ، ~~وكان قد حلف له على ذلك وعاهده عليه ، وكان ذلك بدمشق في السنة المذكورة ، ~~فامتنع زكي الدين قاضي دمشق ، فعزل ، وكتب إلى جدي أبي الفضل بحلب ، فامتنع ~~أيضا . # ووصل نور الدين ومعه مجد الدين ابن الداية ، واستدعاه نور الدين إلى ~~القلعة ، وقال : كنا قد عاهدنا كمال الدين ، وحلفنا له على هذا الأمر ، وما ~~أنت إلا نائبي ، وله اسم قضاء البلاد لا غير فامتنع وقال : لا أنوب عن ~~مكانين فولى قضاء حلب محيي الدين أبا حامد ابن كمال الدين ، وأبا المفاخر ~~عبد الغفور بن لقمان الكردي ، وذلك بأشارة مجد الدين لوحشه كانت بينه وبين ~~جدي . # ثم إن نور الدين جمع العساكر بحلب ، في سنة سبع ، وسار إلى حارم ، ~~وقاتلها ، فجمع الفرنج جموعهم ، وساروا إليه . فطلب منهم المصاف فلم يجيبوه ~~، وتلطفوا معه حتى عاد إلى حلب . # ثم جمع العساكر في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ، ودخل إلى بلاد الفرنج ، ~~ونزل في البقيعة تحت حصن الأكراد محاصرا له ، وعازما على أن يقصد طرابلس ~~. # فاجتمع الفرنج ، وخرج معهم الدوقس الرومي ، وكان قد خرج في جمع كثير من ~~الروم واتفق رأيهم على كبسة المسلمين نهارا ، فإنهم يكونون آمنين ، فركبوا ~~لوقتهم ولم يتوقفوا ، وساروا مجدين إلى أن قربوا من يزك المسلمين ، فلم يكن ~~PageV01P342 لهم بهم طاقة وأرسلوا إلى نور الدين يعرفونه الحال فرهقهم ~~الفرنج بالحملة عليهم فلم يثبت المسلمون وعادوا منهزمين إلى نور الدين ~~والفرنج في ظهورهم ، فوصلوا جميعا إلى عسكر نور الدين ، ولم يتمكن ~~المسلمون من ركوب الخيل وأخذ السلاح ، حتى خالطهم الفرنج ، فقتلوا ، وأسروا ~~، قتلا عظيما وأسرا كبيرا . # وكان الدوقس أشدهم على المسلمين ، فلم يبق أصحابه على أحد ، وقصدوا خيمة ~~نور الدين ، وقد ركب فيها فرسه ، فنجا بنفسه ، ولسرعته ركب الفرس والشبحة ~~في رجله ms242 ، فنرل إنسان كردي ، وفداه بنفسه ، فقطع الشبحة ، ونجا نور الدين ، ~~وقتل الكردي فأحسن إلى مخلفيه ، ووقف عليهم الوقوف . # ووصل نور الدين إلى بحيرة قدس ، وبينه وبين المعركة نحو أربعة فراسخ ، ~~وتلاحق به من سلم من العسكر ، فقال له بعضهم : المصلحة أن نسير ، فإن ~~الفرنج ربما طمعوا وجاؤوا إلينا ، ونحن على هذه الحال ، فوبخه وأسكته ، ~~وقال : إذا كان معي ألف فارس التقيتهم ، ووالله لا أستظل بسقف حتى أخذ ~~بثأري وثأر الإسلام . # وأرسل إلى حلب ودمشق ، وأحضر الأموال الثياب والخيام والسلاح والخيل ، ~~فأعطى الناس عوضا عما أخذ منهم بقولهم ، وأصبح عسكره كأن لم يهزم ولم ينكب ~~، وكل من قتل أعطى أولاده أقطاعه . ولما رأى أصحاب نور الدين كثرة خرجه قال ~~له بعض صحابة السوء : إن لك في بلادك إدرارات وصلات ووقوفا كثيرة على ~~الفقهاء ، والفقراء ، والقراء ، PageV01P343 والصوفية وغيرهم ، فلو استعنت ~~بها في هذا الوقت لكان أصلح فغضب من ذلك وقال : والله إنني لا أرجو النصر ~~إلا بدعاء أولئك ، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ، كيف أقطع صلات قوم ~~يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطىء ، وهؤلاء القوم لهم نصيب ~~في بيت المال ، كيف يحل لي أن أعطيه غيرهم ! . # وقيل : إن برهان الدين البلخي قال لنور الدين : أتريدون أن تنصروا وفي ~~عسكركم الخمور والطبول والزمور ، كلا والله . فلما سمع نور الدين كلامه ~~عاهد الله على التوبة ، ونزع عنه ثيابه تلك التي كان يلبسها ، والتزم بلبس ~~الخشن ، وبطل جميع ما كان بقي في بلاده من الأعشار والمكوس والضرائب ، ومنع ~~من ارتكاب الفواحش ، وكتب إلى البلاد إلى زهادها وعبادها يذكر لهم ما نال ~~المسلمين من القتل والأسر ، ويستمد منهم الدعاء ، وإن يحثوا المسلمين على ~~الغزاة ، وكاتب الملوك الإسلامية يطلب منهم النجد والإستعداد ، وامتنع من ~~النوم على الوطيء وعن جميع الشهوات . # # | نور الدين وشيركوه # وراسله الفرنج في طلب الصلح فامتنع ، فبينا هو في الاستعداد للجهاد إذ ~~ورد عليه في شهر ربيع الأول ، من سنة تسع وخمسين وخمسمائة ، شاور وزير ~~العاضد بمصر إلى دمشق ، ملتجئا إليه ، ومستجيرا ms243 به على ضرغام ، وكان قد ~~نازعه في الوزارة وغلب عليها . # وطلب منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه ، ويكون لنور الدين ~~ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر ، ويكون نائبه مقيما بعساكره في مصر ، ~~PageV01P344 ويتصرف بأمر نور الدين واختياره ، فبقي مترددا بين أن يفعل ~~ذلك وبين أن يجعل جل قصده إلى الفرنج . # ثم قوي عزمه وسير أسد الدين شيركوه بن شادي ، في عسكر معه ، في جمادى ~~الأولى من سنة تسع وخمسين ، وتقدم إلى أسد الدين أن يعيد شاور إلى منصبه . # وسار نور الدين إلى طرف بلاد الفرنج مما يلي دمشق ، بما بقي من العساكر ~~ليمنع الفرنج من التعرض لأسد الدين وشاور في طريقهما ، فاشتغل الفرنج بحفظ ~~بلادهم من نور الدين عن التعرض لهما ، ووصل أسد الدين وشاور إلى بلبيس ، ~~فخرج إليهم ناصر الدين أخو ضرغام بعسكر المصريين ، ولقيهم فانهزم وعاد إلى ~~القا هرة . # ووصل أسد الدين إلى القاهرة ، فنزل عليها قي آخر جمادى الآخرة ، فخرج ~~ضرغام فقتل ، وقتل أخوه ، وخلع على شاور وأعيد إلى الوزارة . # وأقام أسد الدين بظاهر القاهرة ، فغدر شاور ، وعاد عما كان قرره مع نور ~~الدين . وأمر أسد الدين بالعود إلى الشام فامتنع ، وطلب ما كان استقر فلم ~~يجبه إليه ، فأرسل أسد الدين نوابه فتسلموا بلبيس ، وحكم على البلاد ~~الشرقية . # فأرسل شاور إلى الفرنج ، واستنجد بهم ، وخوفهم من نور الدين إن ملك مصر ، ~~فسارعوا إلى تلبيته ، وطمعوا في ملك الديار المصرية ، وساروا إلى بلبيس ، ~~وسار نور الدين إلى طرف بلادهم ليمنعهم عن المسير ، فلم يلتفتوا ، وتركوا ~~في بلادهم من يحفظها . # وسار ملك القدس في الباقين إلى بلبيس ، واستعان بجمع كثير كانوا خرجوا ~~إلى زياره القدس ، وأقام أسد الدين ببلبيس ، وحصره الفرنج ، والعسكر المصري ~~ثلاثة أشهر وهو يغاديهم القتال ويروحهم ، فلم يظفروا منه بطائل ، مع أن سور ~~بلبيس قصير ، وهو من طين . PageV01P345 # # | من أمهات المعارك # فعند ذلك خرج نور الدين لقصد بلاد الفرنج ، ونزل إلى حلب وجمع العساكر ~~وأرسل إلى أخيه قطب الدين صاحب الموصل ، وإلى فخر ms244 الدين قرا أرسلان صاحب ~~حصن كيفا ، والي نجم الدين ألبى صاحب ماردين وغيرهم من أصحاب الأطراف ~~واستنجد بهم . # فسار قطب الدين ومقدم عسكره زين الدين علي كوجك ، وسير صاحب ماردين عسكره ~~، وأما صاحب الحصن فقال له خواصه وندماؤه : على أي شيء عزمت ؟ فقال : على ~~القعود ، فإن نور الدين قد تحشف من كثرة الصوم والصلاة ، فهو يلقي نفسه ومن ~~معه في المهالك . # فلما جاء الغد أمر العسكر أن يتجهز للغزاة فسألوه عما صدفه عن رأيه ، ~~فقال : إن نور الدين إن لم أنجده خرجت بلادي عن يدي ، فإنه قد كاتب زهادها ~~والمنقطعين عن الدنيا يستمد منهم الدعاء ، ويطلب منهم أن يحثوا المسلمين ~~على الغزاة ، وقد قعد كل واحد منهم ومعه أتباعه وأصحابه ، وهم يقرؤون كتب ~~نور الدين ، ويبكون ، فأخاف أن يجتمعوا على لعنتي والدعاء علي ثم تجهز وسار ~~بنفسه . ولما اجتمعت العساكر خرج نور الدين إلى حارم ، وحصرها ، ونصب ~~المجانيق عليها ، وزحف إليها ، فخرج البرنس بيمند ، والقمص صاحب طرابلس ، ~~وابن جوسلين والدوك مقدم كبير من الروم . وابن لاون ملك الأرمن ، وجمعوا ~~جميع من بقي من الفرنج بالساحل ، وقصدوا نور الدين . # فرحل إلى أرتاح ليتمكن منهم إن طلبوه ويبتعدوا عن البلاد إن لقوه ، وسير ~~أثقاله إلى تيزين ، فساروا فنزلوا على الصفيف ، ثم عادوا إلى حارم ، فتبعهم ~~نور الدين على تعبئة الحرب ، فلما تقاربوا اصطفوا للقتال فحمل الفرنج على ~~ميمنة PageV01P346 المسلمين ، وفيها عسكر حلب وصاحب الحصن ، فانهزم ~~المسلمون حتى وصلوا إلى جدارهم ، ونور الدين واقف بازائهم على تل هناك ~~يتضرع إلى الله ، وهو مكشوف الرأس . # وبقي راجل الفرنجك فوق عم ، مما يلي حارم بالصفيف ، فعطف عليهم زين الدين ~~علي كوجك ، في عسكر الموصل ، وكان نور الدين قد جعله كمينا في طرف العمق ، ~~وآجام القصب ، فقتلهم عن آخرهم . # ورجعت الخيالة من الفرنج خوفا على الراجل أن يتبعوا المسلمين ، فيقع ~~المسلمون عليهم ، فوجدوا الأمر على ما قدروه ، فرأوا الرجالة منهم قتلى ~~وأسرى ، واتبعهم نور الدين مع من انهزم من المسلمين ، فأحاطوا بهم من جميع ~~الجهات ، فاشتد ms245 الحرب ، وكثر القتل في الفرنج ، فوقعت عليهم الغلبة . # وعدل المسلمون إلى الأسر ، فأسروا صاحب أنطاكية ، وصاحب طرابلس ، والدوك ~~مقدم الروم ، وابن جوسلين ، ولم يسلم إلا مليح بن لاون ، قيل إن الياروقية ~~أفرجوا له حتى هرب ، لأنه كان خالهم . وكان عدة القتلى تزيد على عشرة آلاف ~~. # وسار إلى حارم فملكها في شهر رمضان من السنة ، وبث سراياه في أعمال ~~أنطاكية ، فنهبوها وأسروا أهلها ، وباع البرنس بمال عظيم وأسرى من المسلمين ~~. # ثم ساروا في هذه السنة إلى دمشق ، بعد أن أذن لعسكر الموصل وديار بكر ~~بالعود إلى بلادهم ، ثم خرج إلى بانياس ، فحصرها وقاتلها . وكان معه أخوه ~~نصرة الدين أمير أميران وكان قد رضي عنه وسامحه وهو على حارم ، بعد أن دخل ~~إلى الفرنج ، فأصابه سهم أذهب إحدى عينيه ، فقال له : لو كشف لك عن الأجر ~~الذي أعد لك لتمنيت ذهاب الأخرى . وجد في حصارها وفتحها ، وملأ PageV01P347 ~~القلعة بالذخائر والرجال ، وشاطر الفرنج في أعمال طبرية ، وقرروا له على ما ~~سوى ذلك مالا في كل سنة . # ووصل خبر فتح حارم وبانياس إلى الفرنج النازلين على بلبيس ، فأرادوا ~~العود إلى بلادهم ، فراسلوا أسد الدين في الصلح رجاء أن يلحقوا بانياس ، ~~فاتفق الحال معهم على أن يعود إلى الشام ، ويسلم ما بيده من أعمال مصر إلى ~~أهلها ، ولم يكن عنده علم بما جرى لنور الدين بالشام ، وكانت الذخائر قد ~~قلت عنده ببلبيس . # وخرج من الديار المصرية إلى الشام ، وجاء الفرنج ليدركوا بانياس ، فوجدوا ~~الأمر قد فات ، وكشف أسد الدين الديار المصرية ، واستصغر أمر من بها . # ودخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة ، فسار نور الدين إلى المنيطرة جريدة في ~~قلة من العسكر ، على غفلة من الفرنج ، وحصر حصنها ، وأخذه عنوة ، وقتل من ~~به ، وسبى وغنم غنيمة كثيرة ، وأيس الفرنج من استرجاعه بعد أن تجمعوا له ~~وتفرقوا . # # | موقعة البابين # وتحدث أسد الدين مع نور الدين ، في عوده إلى الديار المصرية ، فلما رأى ~~جده سيره إليها في ألفي فارس من خيار العسكر ، في سنة اثنتين وستين ~~وخمسمائة . # فسار على ms246 البر ، وترك بلاد الفرنج على يمينه ، فوصل الديار المصرية ، ~~وعبر النيل إلى الجانب الغربي عند أطفيح ، وحكم على البلاد الغربية ، ونزل ~~بالجيزة مقابل مصر ، فأقام نيفا وخمسين يوما . # فأرسل شاور واستنجد بالفرنج ، فسار أسد الدين إلى الصعيد ، وبلغ إلى موضع ~~يعرف بالبابين ، وسارت العساكر المصرية والفرنجية خلفه ، فوصلوا إليه وهو ~~على تعبئة وقد جعل أثقاله في القلب ليتكثر بها ، وجعل ابن أخيه صلاح الدين ~~في القلب ، وأوصاهم متى حملوا عليه أن يندفع بين أيديهم قليلا ، فإذا ~~عادوا فارجعوا في أعقابهم . PageV01P348 # واختار من يثق بشجاعته ، ووقف بهم في الميمنة ، فحمل الفرنج على القلب ، ~~فاندفع بين أيديهم غير مفرقين ، فحمل أسد الدين بمن معه على من بقي منهم ، ~~فهزمهم ووضع السيف فيهم ، وأكثر القتل والأسر ، وعاد الذين حملوا على القلب ~~فوجدوا أصحابهم قد مضوا قتلا وأسرا فانهزموا . # وسار أسد الدين إلى الاسكندرية ، ففتحها باتفاق من أهلها ، واستناب بها ~~صلاح الدين ، وعاد إلى الصعيد ، وجبى أمواله . وتجمع الفرنج والمصريون ، ~~وحصروا صلاح الدين با لاسكندرية ، فصبروا على الحصار إلى أن عاد أسد الدين ~~، فوقع الصلح على أن بذلوا لأسد الدين خمسين ألف دينار ، سوى ما أخذ من ~~البلاد ، وأن الفرنج لا يقيمون في البلاد ، فاصطلحوا على ذلك ، وعاد إلى ~~الشام ، وتسلم المصريون الاسكندرية . # # | توسع نور الدين # وأما نور الدين فإنه جمع العساكر في هذه السنة ، ودخل من حمص إلى بلاد ~~الفرنج ، فنازل عرقة ، ونهب بلدها ، وخرب بلادهم ، وفتح صافيتا والعريمة ، ~~وعاد إلى حمص ، وخرج إلى بانياس ، وخرج إلى هونين ، فانهزم الفرنج عنه ~~وأحرقوه ، فوصل إليه نور الدين من الغد ، فخرب سوره وعاد . # وكان حسان صاحب منبج قد مات ، وأقطع نور الدين منبج ولده غازي بن حسان ، ~~فعصى عليه في هذه السنة ، فسير إليه عسكرا ، وأخذوها منه فأقطعها أخاه قطب ~~الدين ينال بن حسان ، وهو ائذي ابتنى المدرسة الحنفية بمنبج . # وفي سنة ثلاث وستين وخمسمائة ، نزل شهاب الدين مالك بن علي بن مالك صاحب ~~قلعة جعبر ليتصيد ، فأخذه بنو كلاب أسيرا وحملوه إلى نور الدين ms247 في رجب ، ~~فاعتقله وأحسن إليه ، ورغبه في الأقطاع فلم يجبه ، فعدل إلى الشدة والعنف . # ثم سير إليها عسكرا فلم يقدر على فتحها ، فعدل إلى اللين مع صاحبها ، ~~PageV01P349 إلى أن اتفق الحال على أن عوضه عنها بسروج وبزاعا والملوحة ، ~~وسلم إليه القلعة في سنة أربع وستين ، وقيل لمالك : ' أيما أحب إليك سروجا ~~أو القلعة ؟ فقال : هذه أكثر مالا ، وأما العز ففارقناه بالقلعة . # وفي هذه السنة أطلق نور الدين في بلاده بعض ما كان قد بقي من المظالم ~~والمؤن . # ثم إن الفرنج طمعوا في الديار المصرية فصعدوا إليها في سنة أربع وستين ~~وخمسمائة ، وأخذوا بلبيس وساروا إلى القاهرة فقاتلوها ، وسير العاضد يستغيث ~~إلى نور الدين ، وسير شعور نسائه في الكتب ، فوصله الرسول وهو بحلب ، وبذل ~~له ثلث بلاد مصر ، وأن يكون أسد الدين مقيما عندهم . # # | قتل شاور وموت أسد الدين # وكتبوا إلى أسد الدين بمثل ذلك ، فوصل إلى نور الدين إلى حلب من حمص وقد ~~عزم على الايفاد إليه ، فأمره بالتجهز إلى مصر ، وأعطاه مائتي ألف دينار ~~سوى الثياب والسلاح والدواب ، وحكمه في العسكر والخزائن فاختار ألفي فارس ، ~~وأخذ المال وجمع ستة آلاف فارس ، وسار هو ونور الدين إلى دمشق فوصلها سلخ ~~صفر ، ورحل إلى رأس الماء . # وأضاف إلى أسد الدين جماعة أخرى من الأمراء منهم : عز الدين جورديك وغرس ~~الدين قلج ، وشرف الدين برغش ، وعين الدولة بن ياروق ، وقطب الدين ينال بن ~~حسان ، وصلاح الدين ابن أخيه . # وسار أسد الدين ، فلما قارب مصر رحل عنها الفرنج إلى بلادهم ، ووصل أسد ~~الدين إلى القاهرة سابع جمادى الآخرة ، ودخل إليها واجتمع بالعاضد ، وخلع ~~عليه وعاد إلى خيامه ، وفي نفس شاور منه ما فيها ، ولا يتجاسر على إظهاره . ~~PageV01P350 # وكان شاور يخرج في الأحيان إلى أسد الدين يجتمع به ، فخرج في بعض الأيام ~~على عادته فلم يجده في الخيام ، وكان قد مضى لزيارة قبر الشافعي رضي الله ~~عنه فلقيه صلاح الدين ، وجورديك ، في جمع من العسكر وخدموه ، وأعلموه أن ~~أسد الدين قد مضى للزيارة فقال ms248 : نمضي إليه فساروا جميعا ، فساوره صلاح ~~الدين وجورديك ، وألقياه إلى الأرض ، فهرب عنه أصحابه وأخذ أسيرا . # وأرسلوا إلى أسد الدين فحضر في الحال ، وجاءه التوقيع في الحال بالوزارة ~~على يد خادم خاص ، ويقول : لا بد من رأسه ، جريا على عادتهم في وزرائهم أن ~~الذي يقوى على الآخر يقتله . فقتل وأنفذ رأسه إلى العاضد . # وأنفذ إلى أسد الدين خلعة الوزارة ، فسار ودخل القصر ، وترتب وزيرا في ~~سابع عشر شهر ربيع الآخر ، ودام آمرا ناهيا إلى أن عرض له خوانيق ، فمات ~~في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة . # # | وزارة صلاح الدين # وفوض الأمر بعده إلى ابن أخيه ، وكان جماعة من الأمراء الذين كانوا مع ~~أسد الدين قد تطاولوا إلى الوزارة ، منهم : عين الدولة بن ياروق ، وسيف ~~الدين المشطوب ، وشهاب الدين محمود الحارمي خال السلطان صلاح الدين وقطب ~~الدين ينال بن حسان . فأرسل العاضد إلى صلاح الدين ، وأحضره ، عنده ، وولاه ~~الوزارة بعد عمه ، وخلع عليه ، ولقبه بالملك الناصر ، فاستتبت أحواله ، ~~وبذل المال ، وتاب عن شرب الخمر ، وأخذ في الجد والتشمير في أموره كلها ، ~~وكان الفقيه عيسى الهكاري معه ، فميل الأمراء الذين كانوا قد طمعوا ~~بالوزارة إلى الانقياد إليه ، فأجابوا سوى عين الدولة بن ياروق ، فإنه ~~امتنع ، وعاد إلى نور الدين إلى الشام . # فاستمر الملك الناصر بالديار المصرية وزيرا ، وهو نائب عن نور الدين ، ~~وكان إذا كتب إليه كتابا يكتب : الأمير الاسفهسلار ، وكافة الأمراء ~~بالديار PageV01P351 المصرية يفعلون كذا . وتكتب العلامة على رأس الكتاب ، ~~ولا يذكر اسمه . وسير الملك الناصر ، وطلب أباه نجم الدين وأهله ، فسيرهم ~~نور الدين إليه مع عسكر ، واجتمع معهم من التجار خلق عظيم ، وذلك في سنة ~~خمس وستين . # وخاف نور الدين عليهم من الفرنج ، فسار في عساكره إلى الكرك فحصره ونصب ~~عليه المجانيق ، فتجمع الفرنج ، وساروا إليه وتقدمهم ابن الهنفري ، وابن ~~الدقيق ، فرحل نور الدين نحوهما قبل أن تلحقهما بقية عساكر الفرنج فرجعا ~~خوفا منه واجتمعا ببقية الفرنج . # وسلك نور الدين وسط بلادهم ، وأحرق ما في طريقه إلى أن وصل إلى بلاد ms249 ~~الاسلام ، فنزل على عشترا على عزم الغزاة ، فأتاه خبر الزلازل الحادثة ~~بالشام ، فإنها خربت حلب خرابا شنيعا ، وخرج أهلها إلى ظاهرها . # # | من الزلازل إلى وفاة قطب الدين # وتواترت الزلازل بها أياما متعددة ، وكانت في ثاني عشر شوال من السنة ~~يوم الاثنين طلوع الشمس ، وهلك من الناس ما يريد على خمسة آلاف نفر ذكر ~~وأنثى ، وكان قد احترق جامع حلب وما يجاوره من الأسواق قبل ذلك في سنة أربع ~~وستين وخمسمائة ، فاهتم نور الدين في عمارته وإعادته والأسواق التي تليه ~~إلى ما كانت عليه . وقيل : إن الاسماعيلية أحرقوه . # وبلغه أيضا وفاة مجد الدين ابن دايته ، أخيه من الرضاعة بحلب ، في شهر ~~رمضان سنة خمس وستين وخمسمائة ، فتوجه نور الدين إلى حلب ، فوجد أسوارها ~~وأسواقها قد تهدمت . # ونزل على ظاهر حلب حتى أحكم عمارة جميع أسوارها ، وبنى الفصيل الدائر على ~~البلد ، وهو سور ثان . # ورمم نوابه ما خرب من الحصون والقلاع مثل بعلبك ، وحمص وحماة ، وبارين ، ~~وغيرها . PageV01P352 # وخرج نور الدين إلى تل باشر ، فوصله الخبر بوفاة أخيه قطب الدين بالموصل ~~في ذي الحجة ، وكان أوصى بالملك لابنه الأكبر عماد الدين زنكي ، وكان طوع ~~عمه نور الدين لكثرة مقامه عنده ، ولأنه زوج ابنته . # ثم إن فخر الدين عبد المسيح وخاتون ابنة تمرتاش بن إيلغاري زوجة قطب ~~الدين ، وهي والدة سيف الدين غازي بن قطب الدين اتفقا على صرف قطب الدين عن ~~وصيته لابنه عماد الدين إلى سيف الدين غازي . # فرحل عماد الدين إلى عمه نور الدين مستنصرا به ليعينه على أخذ الملك له ~~، فسار نور الدين في سنة ست وستين وخمسمائة ، وعبر الفرات عند قلعة جعبر في ~~مستهل المحرم ، وقصد الرقة فحصرها وأخذها ، ثم سار في الخابور ، فملكه ~~جميعه ، وملك نصيبين ، وأقام بها يجمع العساكر ، وكانت أكثر عساكره في ~~الشام في مقابلة الفرنج . # فلما اجتمعت العساكر سار إلى سنجار فحصرها ، ونصب عليها المجانيق ، ~~وفتحها فسلمها إلى عماد الدين زنكي ابن أخيه ، وجاءته كتب الأمراء بالموصل ~~يبذلون له الطاعة ، ويحثونه على الوصول إليهم ، فسار ms250 إلى الموصل . # وكان سيف الدين غازي وعبد المسيح قد سيرا عز الدين مسعود بن قطب الدين ~~إلى أتابك شمس الدين إيلدكز صاحب أذربيجان وأصبهان ، يستنجدانه على نور ~~الدين ، فأرسل إيلدكز إليه رسولا ينهاه عن التعرض للموصل فقال نور الدين : ~~قل لصاحبك أنا أصلح لأولاد أخي منك ، فلا تدخل بيننا ، وعند الفراغ من ~~إصلاح بلادهم يكون لي معك الحديث على باب همذان ، فإنك قد ملكت هذه المملكة ~~العظيمة ، وأهملت الثغور حتى غلب الكرج عليها ، وقد بليت أنا ولي مثل ربع ~~بلادك بالفرنج ، فأخذت معظم بلادهم ، وأسرت ملوكهم . # وأقام على الموصل فعزم من بها من الأمراء على مجاهرة عبد المسيح بالعصيان ~~، وتسليم البلد إلى نور الدين ، فعلم بذلك ، فأرسل إلى نور الدين في تسليم ~~PageV01P353 البلد على أن يقره بيد سيف الدين ، وطلب الأمان لنفسه وعلى أن ~~يمضي صحبته إلى الشام ، ويقطعه ما يرضيه فتسلم البلد ، وأبقى فيه سيف الدين ~~غازي . # وعاد إلى حلب فدخلها في شعبان من هذه السنة . # | انتقال الخطبة من الفاطميين إلى العباسيين # وكتب إلى الملك النصر صلاح الدين يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة ~~الخطبة المستضيئية العباسية ، فامتنع واعتذر بالخوف من قيام أهل الديار ~~المصرية عليه ، وكان يؤثر أن لا يقطع الخطبة للمصريين في ذلك الوقت ، خوفا ~~من نور الدين أن يدخل إلى الديار المصرية فيأخذها منه ، وإذا كان العاضد ~~معه امتنع وأهل مصر معه ، فلم يقبل عذره نور الدين ، وألح عليه . # وكان العاضد مريضا فخطب للمستضيء في الديار المصرية . وتوفي العاضد ، ~~ولم يعلم بقطع الخطبة . وقيل : أنه علم قبل موته ، وكان ذلك في سنة سبع ~~وستين وخمسمائة . # وفي هذه السنة تتبع نور الدين رسوم المظالم والمؤن في جميع البلاد التي ~~بيده ، فأزالها وعفى رسومها ومحا آثار المنكرات والفواحش ، بعدما كان أطلق ~~من ذلك في تواريخ متقدمة ، وكان مبلغ ما أطلقه أولا وثانيا خمسمائة ألف ~~وستة وثمانين ألفا وأربعمائة وستين دينارا . # وكان رأى وزيره موفق الدين خالد بن القيسراني في المنام كأنه يفضل ثياب ~~نور الدين ، ففسر ذلك عليه ، ففكر ms251 في ذلك ولم يرد عليه جوابا ، فخجل وزيره ~~وبقي أياما واستدعاه ، وقال : تعالى يا خالد ، اغسل ثيابي ، وأمره فكتب ~~توقيعا بإزالة ما ذكرناه . # # | تراجع صلاح الدين الأيوبي # وسار الملك الناصر من مصر غازيا ، فنازل حصن الشوبك وحصره ، فطلبوا ~~الأمان واستمهلوه عشرة أيام ، فلما سمع نور الدين بذلك سار عن دمشق ، فدخل ~~PageV01P354 بلاد الفرنج من الجهة الأخرى ، فقيل للملك الناصر : إن دخل نور ~~الدين من جانب وأنت من هذا الجانب ملك بلاد الفرنج ، فلا يبقى لك معه بديار ~~مصر مقام ، وإن جاء وأنت ههنا فلا بد لك من الإجتماع به ، وببقى هو المتحكم ~~فيك بما شاء ، والمصلحة الرجوع إلى مصر . # فرحل عن الشوبك إلى مصر ، وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال أمور الديار ~~المصرية وأن شيعتها عزموا على الوثوب بها ، فلم يقبل نور الدين عذره ، ~~وتغير عليه وعزم على الدخول إلى الديار المصرية . # فسمع الملك الناصر ، فجمع أباه نجم الدين وخاله شهاب الدين ، وتقي الدين ~~عمر ، وغيرهم من الأمراء ، وأعلمهم ما بلغه من حركة نور الدين واستشارهم ، ~~فلم يجبه أحد ، فقام تقي الدين ، وقال : إذا جاءنا قاتلناه . ووافقه غيره ~~من أهله ، فشتمهم نجم الدين أيوب والد الملك الناصر ، وأقعد تقي الدين ، ~~وقال للملك الناصر : أنا أبوك ، وهذا شهاب الدين خالك ، ونحن أكثر محبة لك ~~من جميع من ترى ، ووالله لو رأيت أنا وهذا خالك نور الدين لم يمكننا إلا أن ~~نقبل الأرض بين يديه ، ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا . فإذا كنا ~~نحن هكذا ، فما ظنك بغيرنا ، وكل من نراه عندك ، فهو كذلك ، وهذه البلاد ~~لنور الدين ، ونحن مماليكه ونوابه فيها ، فإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا ، ~~والرأي أن تكتب كتابا مع نجاب وتقول له : بلغني أنك تريد الحركة لأجل ~~البلاد ، ولا حاجة إلى ذلك بل يرسل المولى نجابا يضع في رقبتي منديلا ، ~~ويأخذني إليك . وتفرقوا . # فلما خلا نجم الدين أيوب بالملك الناصر قال له : كيف فعلت مثل هذا ؟ أما ~~تعلم أن نور الدين إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا ms252 أهم الوجوه إليه ~~، وحينئذ لا نقوى به ، وأما إذا بلغه طاعتنا له تركنا واشتغل بغيرنا ~~والأقدار بيد الله ، ووالله لو أراد نور الدين قصبة من قصب السكر لقاتلته ~~عليها حتى أمنعه أو أقتل . ففعل ما PageV01P355 أشار به عليه والده فترك ~~نور الدين قصده ، واشتغل بغيره . # وخرج نور الدين بالعساكر ، ففتح حصن عرقة ، وصافيتا ، وعريمة ، ونهب وخرب ~~بلاد الفرنج ثم هادنهم . # ثم إن الفرنج ساروا إلى بلد حوران في سنة ثمان وستين للغارة ، فسار نور ~~الدين إليهم ، فنزل عشترا ، وسير عسكره إلى أعمال طبرية ، فغنموا غنائم ~~عظيمة ، وعادوا . # وكان نور الدين قد استخدم مليح بن لاون ، ملك الأرمن ، وأقطعه أقطاعا من ~~بلاد الإسلام ، وحضر معه حروبا متعددة فأنجده في هذه السنة بطائفة من ~~عسكره ، فدخل مليح إلى أذنة وطرسوس والمصيصة ، وفتحها من يد ملك الروم ، ~~وأرسل إلى نور الدين كثيرا من غنائمهم وثلاثين أسيرا من أعيانهم . وقصد ~~قلج أرسلان ذا النون بن الدانشمند صاحب ملطية وسيواس ، وأخذ بلاده ، وأخرجه ~~عنها طريدا ، فاستجار بنور الدين ، ووصل إليه فأكرمه ، وسير إلى قلج ~~أرسلان يشفع إليه في إعادة بلاده إليه ، فلم يفعل ، فسار نور الدين إليه في ~~هذه السنة فابتدأ بكيسوم ، وبهسنى ، ومرعش ، ومرزبان ، وما يليها . وكان ~~ملكه مرعش ، وفي أوائل ذي القعدة ، والباقي بعدها . # وسير طائفة من عسكره إلى سيواس ، فملكها وراسله قلج أرسلان في الصلح ، ~~وأتاه من أخبار الفرنج ما أزعجه فصالحه ، وأعطى سيواس ذا النون ، وجعل معه ~~قطعة من عسكره ، وشرط على قلج أرسلان إنجاده بعساكره إلى الغزاة . # # | التراجع الثاني # واتفق نور الدين وصلاح الدين على أن يصل كل واحد منهما من جهته ، وتواعدا ~~على يوم معلوم على أن يتفقا على قتال الفرنج ، وأيهما سبق أقام للآخر ~~PageV01P356 منتظرا ، إلى أن يقدم عليه ، فسبق صلاح الدين ووصل إلى الكرك ~~وحصره . # وسار نور الدين فوصل إلى الرقيم وبينه وبين الكرك مرحلتان فخاف صلاح ~~الدين ، واتفق رأيه ورأي أهله على العود إلى مصر لعلمهم بأنهما متى اجتمعما ~~كان نور الدين قادرا على أخذ مصر ms253 منه . # فعاد إلى مصر وأرسل الفقيه عيسى إلى نور الدين يعتذر عن رحيله بأنه كان ~~استخلف أباه نجم الدين أيوب على مصر ، وأنه بلغه أنه مريض ، ويخاف أن يحدث ~~به حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم ، ولم يكن مريضا ، وأرسل مع الفقيه ~~عيسى من التحف والهدايا ما يجل عن الوصف ، فجاء إليه فأعلمه برسالة صلاح ~~الدين ، فعظم ذلك عليه ولم يظهر التأثر بذلك ، وقال : حفظ مصر أهم عندنا . # # | موت والد صلاح الدين ثم موت نور الدين # واتفق أن صلاح الدين وصل إلى مصر فوجد أباه قد سقط عن الفرس ، وبقي ~~أياما ومات ، وهو غائب عنه ، في السابع والعشرين من ذي الحجة من سنة ثمان ~~وستين وخمسمائة . # وخاف صلاح الدين من نور الدين أن يدخل مصر فيأخذها منهم ، فشرع في تحصيل ~~مملكة أخرى لتكون عدة له بحيث أن نور الدين إن غلبه إلى الديار المصرية سار ~~هو وأهله إليها وأقاموا بها . # فسير أخاه الأكبر تورانشاه بإذن نور الدين له في ذلك ، وسيره قاصدا عبد ~~النبي ابن مهدي ، وكان دعا إلى نفسه ، وقطع خطبة بني العباس ، فمضى إليها ، ~~وفتح زبيد وعدن ومعظم بلاد اليمن . PageV01P357 # وصلاح الدين على ما كان عليه من الطاعة في الظاهر لنور الدين إلى أن اتفق ~~أن مرض نور الدين بعلة الخوانيق بدمشق ، وتوفي بها يوم الأربعاء حادي عشر ~~شوال من سنة تسع وستين وخمسمائة ، وكان قد شرع في التأهب للدخول إلى الديار ~~المصرية وختن ولده الملك الصالح اسماعيل بدمشق ، في خامس شوال ، وأخرج ~~صدقات كثيرة وكسوات للأيتام الدين ختنهم معه . # واتسع ملكه بحيث خطب له بالحرمين الشريفين وبلاد اليمن التي افتتحهما شمس ~~الملوك ، وانعمر بلد حلب في زمانه لعدله وحسن سيرته حتى لم تبق مزرعة في ~~جبل ولا واد إلا وفيها سكان ولها مغل . # وصار على ظاهر حلب من العمارة والمساكن أكثر من المدينة ، مثل الحاضر ~~السليماني ، وخارج باب الأربعين ، وغير ذلك من الأبواب جميعها . # وارتفعت الأسعار مع كثرة المغلات لكثرة العالم ، حتى كانت الأسعار في ~~السنة التي ms254 مات فيها بعد ذلك الرخص في السنة التي مات فيها والده : الحنطة ~~مكوك ونصف بدينار ، والشعير مكوكان ونصف بدينار ، والعدس مكوك ونصف بدينار ~~، والجلبان كذلك ، والقطن ستة أرطال جوز بدينار . PageV01P358 # # | القسم الخامس والعشرون الخطبة والحداد # وقام الملك الصالح بالملك بعده . وكان عمره إحدى عشرة سنة ، وحلف له ~~الأمراء بدمشق . وخطب له الملك الناصر صلاح الدين بمصر ، وأرسل إليه رسولا ~~يعزيه ، ومعه دنانير مصرية عليها اسمه ، ويعلمه أنه في طاعته ، وأن الخطبة ~~أقيمت له بمصر . # وأما حلب فكان الوالي بقلعتها جمال الدين شاذبخت الخادم الهندي ، عتيق ~~نور الدين وهو الذي بنى المدرسة ، لأصحاب أبي حنيفة بحلب ، وقبر بها ، ~~فوصله كتاب الطير بوفاة نور الدين ، فأمر في الحال بضرب الدبادب ، والكوسات ~~، والبوقات . وأحضر المقدمين والأعيان بحلب ، والفقهاء والأمراء ، وقال : ~~قد وصل كتاب الطائر ، يخبر أن مولانا الملك العادل قد ختن ولده ، وولاه ~~العهد بعده ، ومشى بين يديه . فأظهروا السرور بذلك ، وحمدوا الله تعالى ، ~~فقال لهم : تحلفون لولده الملك الصالح ، كما أمر الملك العادل بأن حلب له ، ~~وأن طاعتكم له وخدمتكم ، كما كانت لأبيه . فحلف الناس على اختلاف طبقاتهم ~~ومنازلهم ، في ذلك اليوم ، ولم يترك أحدا منهم يزول من مكانه . ~~PageV01P359 # ثم قام إلى مجلس آخر ، ولبس ثياب الحداد ، وخرج إليهم وقال : يحسن الله ~~عزاءكم في الملك العادل ، فإن الله قد نقله إلى جنات النعيم . وتوجه المؤيد ~~بن العميد ، وعثمان زردك ، وهمام الدين إلى حلب ، لإثبات ما في الخزائن ~~بحلب ، وختمها بخاتم الملك الصالح . # وكان وزير الملك العادل نور الدين : موفق الدين خالد بن محمد بن نصر بن ~~القيسراني ، رسولا عنه بمصر . فاتفق رأي الجماعة على أن ولوا وزارة الملك ~~الصالح : شهاب الدين أبا صالح عبد الرحيم بن أبي طالب بن العجمي ، وكان ~~عدلا على خزائن نور الدين . # وكان شمس الدين علي ، ابن داية نور الدين ، أخو مجد الدين لأمه ، من أكبر ~~الأمراء النورية ، وأمر حلب راجع إليه وإلى إخوته في أيام نور الدين . وكان ~~بحلب عند موت نور الدين ، وسابق الدين عثمان وبدر ms255 الدين حسن أخواه ، فتولى ~~شمس الدين علي تدبير حلب ، وصعد إلى القلعة ، وحصل بها مع شاذبخت ، والأمير ~~بدر الدين حسن متولي الشحنكية بالمدينة . # # | استقلال سيف الدين غازي ببلاد الجزيرة # وكان نور الدين قد سير إلى الموصل وغيرها من البلاد يستدعي العساكر ، ~~بحجة الغزاة ، ومقصوده الطلوع إلى مصر ، فسار سيف الدين غازي بعسكر الموصل ~~، وعلى مقدمته سعد الدين كمشتكين الخادم ، وكان قد جعله نور الدين واليا ~~من قبله بالموصل . فلما كانوا ببعض الطريق ، وصلتهم الأخبار بموت نور الدين ~~فهرب سعد الدين كمشتكين إلى حلب جريدة . # وأما سيف الدين فإنه أخذ بلاد الجزيرة جميعها ، سوى قلعة جعبر ، فأرسل ~~PageV01P360 شمس الدين علي ابن الداية يطلب الملك الصالح إلى حلب ، ليمنع ~~سيف الدين ابن عمه من البلاد الجزرية . فلم يمكنه الأمراء الذين معه بدمشق ~~من الانتقال إلى حلب خوفا أن يغلبهم عليه شمس الدين علي . # وكان شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم قد صار متولي تدبيره بدمشق ، ~~وكمال الدين بن الشهزروري وجماعة من الأمراء معه . وكان قد أشار كمال الدين ~~على الأمراء بمشاورة الملك الناصر فيما يفعلونه ، لئلا يجعل ذلك حجة عليهم ~~، فخافوا منه ولم يفعلوا . # # | حصار بانياس الداخل # وخرج الفرنج ، وحصروا قلعة بانياس فراسلهم ابن المقدم ، وبذل لهم مالا ، ~~وخوفهم بالاستنجاد بصلاح الدين وسيف الدين ، فعادوا . وبلغ ذلك كله الملك ~~الناصر صلاح الدين ، فأرسل صلاح الدين إلى الملك الصالح ، وعتب عليه حيث لم ~~يعلمه بما تجدد من سيف الدين في أخذ الجزيرة ليحضر ويكفه . وأنكر صلح ~~الفرنج وبذل المال لهم ، وبذل من نفسه قصد الفرنج ، وكفهم عن التطاول إلى ~~شيء من بلاد الملك الصالح . # وكتب إلى كمال الدين وابن المقدم ، والأمراء ، وقال : لو أن نور الدين ~~يعلم أن فيكم من يقوم مقامي ، أو يثق بي مثلي لسلم إليه مصر ، ولو لم يعجل ~~عليه الموت لعهد إلي بتربية ولده . وأراكم قد تفردتم بمولاي وابن مولاي ~~دوني ، PageV01P361 وسوف أصل إلى خدمته ، وآكافي إنعام أبيه ، وأجازي كلا ~~منكم على فعله . # # | المراسلات في شأن الملك ms256 الصالح # وكثر خوف شمس الدين علي ابن الداية من سيف الدين غازي ، وأن يعبر الفرات ~~إلى حلب فيملكها ، فأرسل سعد الدين كمشتكين إلى دمشق ، ليحضر الملك الصالح ~~، فلما قارب دمشق سير إليه شمس الدين بن المقدم عسكرا ، فنهبوه ، وعاد ~~منهزما إلى حلب ، فأخلف عليه شمس الدين علي ابن الداية ، عوضا عما أخذ ~~منه . # ثم إن الأمراء بدمشق ، اتفقوا على إرسال الملك الصالح إلى ابن الداية ~~بحلب لأنها أم البلاد ، فأنفذوا إليه يطلبون إرسال سعد الدين ليأخذ الملك ~~الصالح ، فوصل إليهم سعد الدين كمشتكين ، واتفقوا على أن يكون شمس الدين ~~علي أتابكا للملك الصالح . وحلف شمس الدين وجمال الدين شاذبخت للأمراء على ~~أقطاعهم ، ونفذت النسخة مع سابق الدين عثمان إلى دمشق . وسار الملك الصالح ~~وأمه مع سعد الدين كمشتكين والأمراء الذين أقطاعهم بحلب ، ولما وصلوا ما ~~بين حماه وحلب وصل من جمال الدين شاذبخت من خوف الأمراء من بني الداية ، ~~فقبضوا سابق الدين عثمان ، بقنسرين ، وكتموا الحال ، ووصلوا إلى باب حلب ، ~~فخرج بدر الدين حسن ، فقبضوه ، ودخلوا من باب الميدان وقد عمل به الخوان ، ~~فلم يلتفتوا إليه ، وبادروا بالملك الصالح ، وصعدوا به إلى القلعة . # وكان بشمس الدين علي نقرس ، فحمل في محفة ، وحضر بين يدي الملك الصالح ، ~~فزندوا يديه ، وقيدوا أخويه ، وجعلوا الجميع في المطمورة ، بالمركز . ~~PageV01P362 # وكان شاذبخت قد احتاط ، واستخدم جماعة من الأجناد ، فصار في مقدار ~~خمسمائة راجل ، و شمس الدين في مقدار مائة ، وأمر اسباسلار باب القلعة أبا ~~بكر بن مقبل : أن يمنع من يصعد إلى القلعة من أصحابه وأصحاب إخوته ، ما خلا ~~سابق الدين وبدر الدين . فكانا يصعدان ، ومع كل واحد منهما غلام واحد ووكل ~~بباب شمس الدين ثلاثين رجلا كل ليلة ، فعتب على شاذبخت فقال له : أنا أبعث ~~الرجال إليك ، ليقوموا في الخدمة . وكان يوكل بالأجناد الدين خالفوه حفظة ~~يمنعون من يدخل منهم أو يخرج ، وكان هذا حال القلعة ، في غيبة الملك الصالح ~~. # # | الفتنة الطائفية # وأما حال المدينة فإن السنة من أهل البلد مالوا إلى المجدية ، لتعصبهم ms257 ~~للسنة على الشيعة ، وجمعهم بدر الدين حسن شحنة حلب ، واستخلصهم في الليل . ~~وكان فيهم بنو العجمي ، والشيخ أبو يعلى بن أمين الدولة ، وبنو قاضي بالس ~~على ما ذكر وطلب القاضي أبا الفضل بن الخشاب وبني الطرسوسي ، فأبوا أن ~~يحضروا . # وكان أهل حلب من الشيعة ، يتوالون أبا الفضل بن الخشاب ويقدمونه عليهم ، ~~فوافقوه على حفظ البلد للملك الصالح ، وعلى مخالفة بني الذاية . فسير بدر ~~الدين حسن إلى ابن الخشاب ، وقال له : إن جماعة عندي قذفوك ، وتحدثوا بأنك ~~تطعن في الدولة ، وأنك تريد أن تملك حلب . # وكان بدر الدين وأخواه أرادوا أن تقع الفتنة بحلب بين السنة والشيعة ، ~~ليستقيم أمرهم ، فثار الغوغاء من الشيعة ونهبوا دار قطب الدين بن العجمي ~~بالقرب من الزجاجين ، ودار أبي يعلى بن أمين الدولة ، بالجرن الأصفر . وكان ~~فيها أموال الأيتام . وانتقل ابن العجمي بعد ذلك إلى البلاط ، وابن أمين ~~الدولة إلى تحت القلعة بالقرب من مسجد السيدة . # وقتل في ذلك اليوم في مدرسة الزجاجين الشيخ أبو العباس المغربي ، وكان ~~مقرئا محدثا . # وثارت الفتنة بين الطائفتين ، وطلب الفقراء دور الأغنياء فنهبت دار أبي ~~جعفر ابن المنذر بالعقبة ، فجمع بدر الدين حسن جماعة من الأجناد ومن أهل ~~البلد السنة ومن العسكر ، وألبسهم السلاح ، وصعد إلى شاذبخت ، وقال له : إن ~~أبا الفضل بن PageV01P363 الخشاب يريد أن يملك البلد وقد مال إليه الشيعة ~~وبعض السنة ، فتعينني بنقابين وزراقين حتى أقبض عليه ، وأعتقله ، إلى أن ~~يحضر الملك الصالح . # فأمر الأجناد بلبس السلاح والخروج معه ، وصار بهم إلى تل فيروز وهو موضع ~~سوق الصاغة الآن وكان إذ ذاك تلا . وأخذوا الفلايج والأبواب ، وسدوا بها ~~الدروب ، وزحفوا من الطرق والأسطحة ، إلى دار ابن الخشاب . ووقع قتال شديد ~~، وقتل بين الفريقين جماعة كثيرة ، وانتهى إلى الدار ، فأحرقها ونهبها ، ~~ونهب أدر جماعة من المجاورين له . # وانهزم القاضي أبو الفضل ، واختفى في دار فخرا وابن كياعميد بالقرب من ~~حمام شراحيل ، فأقام بها إلى أن وصل الملك الصالح في المحرم ، من سنة سبعين ~~وخمسمائة ، وصعد إلى القلعة ، وقبض ms258 على بني الداية كما ذكرنا وصار الأمر ~~والتدبير إلى سعد الدين كمشتكين الخادم ، وهو الذي بني الخانكاه المنسوبة ~~إليه بحلب ، في جوارنا ، وهي كانت دار أبي الطيب المتنبي ، بحلب . # وكان شمس الدين علي قد عزم على أن الملك الصالح إذا قدم أخذه بمفرده ، ~~وصعد به إلى القلعة . ولا يمكن أحدا من الأمراء من الصعود ، ويطردهم ، ~~ويستقل بالأمور . # فسير شاذبخت من أسر ذلك إلى الأمراء الدين كانوا في صحبة الملك الصالح ~~فاتفق رأيهم في قنسرين على قبض أولاد الداية ، وتحالفوا على أن قدموا ~~كمشتكين ، فلما رحلوا من قنسرين ، بدأوا بسابق الدين ، وكان قد وجه إلى ~~دمشق في تقرير الأمور ، فقبضوه ، وحفظوا الطرق لئلا يصل إلى حلب من يخبر ~~أخويه ، إلى أن صعدوا إلى القلعة كما ذكرنا . وأما أبو الفضل بن الخشاب ، ~~فإن الملك الصالح أمنه ، وسير له خاتما ، وركب إلى القلعة ، ومعه خلق كثير ~~من أهل حلب ، وعوامها ، يمشون في خدمته ، وأكد أمره ، وقرر على أن يقتل . ~~فلما دخل إلى القلعة ، ووصل قدام الفرن بالقلعة ، ضربه علي أخو عز الدين ~~جورديك فرماه . وجاء بعض أجناد القلعة فاحتز رأسه ، وجعلوه على باب القلعة ~~. ثم رفع على رمح إلى برج بالقلعة ، يقال له برج الزيت وتفرق أصحابه من تحت ~~القلعة ، عند ذلك . # و استو لى على دولة الملك الصالح أمير لالا المجاهد ياقوت ، وهو الحاكم ~~PageV01P364 عليه ، وهو الذي رباه ، وجمال الدين شاذبخت الهندي وهو والي ~~القلعة والحاكم بها ، وسعد الدين كمشتكين مقدم العساكر ومتولي إقطاعهم ، ~~وشهاب الدين أبو صالح بن العجمي ، وزير الملك الصالح ، فخاف . وولوا رئاسة ~~حلب الريس صفي الدين طارق ابن الطريرة ، وعزلوا أبا محمد الحكم ، وكان ~~يتولى الرئاسة في أيام نور الدين . # فخاف ابن المقدم والأمراء ، الدين بدمشق ، أن يستقر أمر كمشتكين بحلب ، ~~فيأخذ الملك الصالح ، ويسير إلى دمشق ، ويفعل كما فعل بأولاد الداية . ~~فكاتبوا سيف الدين غازي صاحب الموصل ، ليصل إليهم ، ويسلموا إليه دمشق ، ~~فخاف أن تكون مكيدة منهم ، فامتنع من ذلك . وراسل سعد الدين كمشتكين والملك ~~الصالح ، وصالحهما ms259 على الجزيرة ، وإبقائها في يده . # # | استدعاء صلاح الدين الأيوبي إلى دمشق # فخات الأمراء ، بدمشق من اتفاق سيف الدين والملك الصالح عليهم ، فكاتبوا ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ، واستدعوه من مصر ليملكوه عليهم ، ~~فسار من مصر في سمبعمائة فارس ، والفرنج في طريقه ، فلم يبال بهم . فخرج ~~إليه صاحب بصرى وكان ممن كاتبه . # ولما وصل إلى دمشق خرج كل من كان بها من العسكر ، والتقوه ودخل البلد ، ~~ونزل في دار أبيه المعروفة بدار العقيقي ، وعصى عليه في القلعة خادم اسمه ~~ريحان ، فأعلمه أنه إنما جاء في خدمة الملك الصالح ، فسلم إليه القلعة ، ~~وصعد الملك الناصر إليها ، وأخذ ما فيها من الأموال ، فاستعان به ، وتزوج ~~خاتون بنت معين الدين ، وكانت زوجة نور الدين ، واستخلف أخاه طغتكين سيف ~~الإسلام . PageV01P365 # # | مسيره إلى حمص وحماه وحلب # وسار إلى حمص وحماة ، وهما في أقطاع فخر الدين مسعود بن الزعفراني . # وكان ظالما ، فسار منها بعد موت نور الدين ، فملك الملك الناصر في حادي ~~عشر جمادى الأولى ، من سنة سبعين ، مدينة حمص . وبقيت القلعة ، وكان الولاة ~~في القلاع من جهة نور الدين ، فترك في البلد من يحفظه ، ويمنع من في القلعة ~~من النزول . # وسار إلى حماة ، فملك مدينتها مستهل جمادى الآخرة ، وكان بالقلعة عز ~~الدين جورديك ، فأرسل إليه ، وقال له : إني في طاعة الملك الصالح ، والخطبة ~~له في البلاد التي في يدي على حالها ، والمقصود اتفاق الكلمة على طاعة ~~الملك الصالح ، وأن تسعد البلاد الجزرية وتحفظ بلاده . فاستحلفه جورديك على ~~ذلك ، وسيره إلى حلب في اجتماع الكلمة ، وفي إطلاق شمس الدين علي وأخويه من ~~السجن ، وكان إقطاعهم قد قبض من نوابهم ، ولم يبق في أيديهم غير شيزر وقلعة ~~جعبر . # واستخلف جورديك بقلعة حماة أخاه ليحفظها ، فلما وصل جورديك قبض عليه ~~كمشتكين ، وسجنه ، فعلم أخوه بذلك ، فسلم قلعة حماه إلى الملك الناصر . # وسار الملك الناصر إلى حلب ، فوصلها في ثالث جمادى الآخرة من سنة سبعين ، ~~وحصرها . فركب الملك الصالح ، وهو صبي عمره اثنتا عشرة سنة ، وجمع أهل حلب ms260 ~~، وقال لهم : أنا يتيمكم ، وقد عرفتم إحسان أبي إليكم ، وقد جاء هذا الظالم ~~ينترع ملكي . وقال أقوالا كثيرة . وبكى فأبكى الناس ، وبذلوا أنفسهم ~~وأموالهم له ، واتفقوا على القتال دونه ، والذب عنه . # فجعل الحلبيون يخرجون ، ويقاتلون الملك الناصر عند جبل جوشن فلا يقدر أن ~~يتقرب إلى البلد وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية ، ~~PageV01P366 وبذل له أموالا كثيرة ليقتل الملك الناصر ، فقفزوا عليه ، ~~فحماه الله منهم ، وقتلوا . وبقي محاصرا حلب إلى سلخ جمادى الآخرة ، وكان ~~كمشتكين قد أرسل إلى سيف الدين غازي يستنجده ، وكان ريمند صاحب طرابلس الذي ~~أسره نور الدين قد أطلقه كمشتكين بمائة ألف وخمسين ألفا صورية ، في هذه ~~السنة . وصار موضع مري ملك الفرنج ، فأرسل من بحلب إليه يطلبون منه أن يقصد ~~بعض البلاد التي بيد الملك الناصر ، ليرحل عنهم ، فسار إلى حمص ونازلها ، ~~فرحل الملك الناصر عن حلب ، مستهل شهر رجب . فلما نزل الرستن رحل الفرنج عن ~~حمص ، ووصل الملك الناصر إليها ، وحصر قلعتها إلى أن تسلمها . # # | من بعلبك إلى قرون حماة # وسار إلى بعلبك ، فتسلمها وقلعتها ، فى رابع شهر رمضان ، من سنة سبعين ~~وخمسمائة . # وأما سيف الدين غازي فإنه جمع عساكره ، وكاتب أخاه عماد الدين زنكي صاحب ~~سنجار ، لينزل إليه بعساكره ليجتمعا على نصرة الملك الصالح ، فامتنع . وكان ~~الملك الناصر قد كاتبه ، وأطمعه في ملك الموصل ، لأنه الكبير من أولاد أبيه ~~، فمضى سيف الدين إلى سنجار محاصرا لها ، وسير عسكرا كثيرا إلى حلب مع ~~أخيه عز الدين مسعود ، مع أكبر أمرائه زلفندار ، فوصل عز الدين إلى حلب ، ~~PageV01P367 واجتمعت عساكر حلب معه ، وساروا إلى حماه ، فقاتلوها . # فأرسل الملك الناصر ، وبذل لهم تسليم حمص وحماة ، وأن يقر بيده دمشق ، ~~وأن يكون فيها نائبا عن الملك الصالح ، فلم يجيبوه إلى ذلك . وقالوا . لا ~~بد من تسليم جميع ما أخذه من الشام ، وعوده إلى مصر . # فسار الملك الناصر إلى عز الدين وزلفندار ، فالتقوا في تاسع عشر شهر ~~رمضان ، على قرون حماة . فانهزم عسكر الموصل ، وثبت عز الدين بعد الهزيمة ms261 ، ~~فقال الملك الناصر : إما أن يكون هذا أشجع الناس ، أو أنه لا يعرف الحرب . ~~وأمر أصحابه فحملوا عليه حتى أزالوه عن موقفه ، وتمت الهزيمة ، وتبعهم ~~الملك الناصر ، وغنموا غنائم كثيرة ، وأسر جماعة كثيرة ، فأطلقهم . # # | بعد صلح تحرك صاحب الموصل # ونزل الملك الناصر على حلب ، محاصرا لها ، وقطع حينئذ خطبة الملك الصالح ~~، وأزال اسمه عن السكة في بلاده ، فلما طال الأمر عليهم راسلوه في الصلح ، ~~على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام ، ولهم ما بأيديهم ، وأخذ المعرة ، ~~وكفر طاب ، وانتظم الحال بينهم على ذلك . # ورحل عن حلب ، في العشر الأول من شوال ، إلى حماة ، فوصلته خلع الخليفة ~~بها مع رسوله . ووصل خبر الكسرة إلى سيف الدين ، وهو محاصر سنجار ، فصالح ~~عماد الدين على ما بيده ، ورحل إلى الموصل ، وشرع في جمع العساكر . وسار ~~الملك الناصر من حماة إلى بارين ، وفيها نائب عز الدين ابن الزعفراني ، ولم ~~يبق بيده غيرها ، فحصرها إلى أن سلمها واليها إليه بالأمان ، فعاد إلى حماة ~~، وأقطعها خاله شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي ، وأقطع حمص ناصر الدين ~~محمد ابن عمه أسد الدين ، وعاد إلى دمشق . PageV01P368 # وخرج سيف الدين غازي صاحب الموصل ، في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة . وسار ~~إلى نصيبين ، واستنجد صاحب حصن كيفا وصاحب ماردين ، فاجتمع معه عسكر كثير ~~بلغت عدتهم ستة آلاف فارس . وأقام بنصيبين حتى خرج الشتاء ، فضجرت العساكر ~~وفنيت نفقاتهم . # ثم سار إلى حلب ، فعبر ب البيرة وخيم على جانب الفرات الشامي ، وراسل ~~كمشتكين والملك الصالح ، لتستقر قاعدة يصل عليها إليهم . ووصل كمشتكين إليه ~~، وجرت مراجعات كثيرة ، عزم فيها على العود مرارا ، حتى استقر اجتماعه ~~بالملك الصالح ، وسمحوا به ، فسار ووصل إلى حلب . # وخرج الملك الصالح للقائه بنفسه ، فالتقاه قريب القلعة ، واعتنقه ، وضمه ~~إليه ، وبكى ، ثم أمره بالعود إلى القلعة فعاد ، وسار هو ، فنزل بعين ~~المباركة ، وأقام بها مدة ، وعسكر حلب تخرج إلى خدمته في كل يوم ، وصعد إلى ~~قلعة حلب جريدة ، وأكل فيها شيئا ، ونزل ، وسار منها إلى تل السلطان ، ~~ومعه ms262 عسكر حلب ، مضافا إلى العساكر الواصلة معه . وخرج رجل ادعى أنه ~~المنتظر ، وادعى النبوة بجبل ليلون ، واستغوى أهل تلك الناحية ، وأظهر لهم ~~زخارف ، ومحالا ، وقال لهم : إذا جاء العسكر إليكم ، فسوف أرميهم بكف من ~~تراب فأهلكهم وأغاروا على تركمان بجبل سمعان وكان مقيما بأتباعه بكفرند ، ~~فخرج طمان من العسكر ، وسعد الدين كمشتكين بجماعة من العسكر ، ووصلوا إليهم ~~، فجعل أتباعه يصيحون : وعدك يا مولانا ! والسيف يعمل فيهم ، فألقى التراب ~~، فزحف إليه العسكر ، وقتل الرجال وسبى PageV01P369 النساء ، والتجأ جماعة ~~إلى المغاير ، فاستخرجوهم ولم يبقوا إلا على من أسلم منهم ، ودخنوا على ~~جماعة في المغاير ، فماتوا ، ثم عاد العسكر إلى تل السلطان ، بعد أن قتل ~~وصلب . # وكان الملك الناصر بدمشق في قل من العسكر ، لانه كان قد سيرها إلى مصر ، ~~وأنفذ إليها يستدعيها ، فلو عاجله سيف الدين لبلغ منه غرضا لكنه تأخر ، ~~فوصل عسكر مصر إلى الملك الناصر . # # | صلاح الدين وسيف الدين في تل السلطان # فسار من دمشق إلى ناحية حلب ، ليلقى سيف الدين ، فالتقاه بتل السلطان ، ~~وكان سيف الدين قد سبقه إلى تل السلطان ، فوصل الملك الناصر العصر ، وقد ~~تعب هو وأصحابه وعطشوا ، فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس فيهم حركة . # فأشير على سيف الدين بلقائهم في تلك الحالة ، فقال زلفندار : ما بنا حاجة ~~إلى القتال في هذه الساعة ، وغدا بكرة نأخذهم كلهم . فترك القتال إلى الغد ~~، فلما أصبحوا اصطفوا للقتال ، فجعل زلفندار الأعلام في وهدة من الأرض ، لا ~~يراها إلا من هو قريب منها . # فلما التقى الفريقان ، ظن أكثر الناس أن سيف الدين قد انهزم ، لأنهم لم ~~يروا الأعلام ، فانهزموا بعد أن كان مظفر الدين بن زين الدين وهو في ~~الميمنة قد كسر ميسرة الملك الناصر . وولوا الأدبار ، وأسر منهم جماعة ~~فأطلقهم الملك الناصر ، منهم : فخر الدين عبد المسيح ، وأمسك عن تتبع ~~العسكر ، فلم يقتل غير رجل واحد ، وذلك في يوم الخميس العاشر من شوال ، سنة ~~إحدى وسبعين وخمسمائة . PageV01P370 # ونزل الملك الناصر وعسكره ، في بقية ذلك اليوم في خيم القوم ، واستولوا ~~على ms263 جميع ما فيها ، وفرق الاصطبلات والخزائن ، ووهب خيمة سيف الدين عز ~~الدين فروخشاه . ووصل سيف الدين إلى حلب ، وترك أخاه عز الدين في جماعة من ~~العسكر ، وعبر الفرات ، وسار إلى الموصل . # # | بزاعا ومنبج وعزاز ومحاولة قتل صلاح الدين # ووصل الملك الناصر إلى حلب ، يوم الأحد ثالث عشر شوال ، فأقام عليها ~~أربعة أيام ، ورحل عنها ، يوم الجمعة ثامن عشر شوال ، فنزل بزاعا فحصرها ~~وتسلمها يوم الاثنين العشرين من شوال . # ورحل فنزل منبج ، فحصرها ، في التاسع والعشرين من شوال ، وبها قطب الدين ~~ينال بن حسان ، وكان شديد العداوة للملك الناصر ، وكان قد حنق عليه لذلك ، ~~فملك المدينة ، ونقبت القلعة ، فحصره بها ، ونقبها النقابون ، وملكها عنوة ~~، وأخذ كل ما كان فيها ، وأخذ صاحبها أسيرا ، ثم أطلقه ، فسار إلى الموصل ~~، فأقطعه سيف الدين الرقة . # ورحل الملك الناصر إلى عزاز فنازلها ثالث ذي القعدة وحصرها ونصب عليها ~~المنجنيقات . # وجلس يوما في خيمة بعض أمرائه ، ويقال له جاولي مقدم الأسدية ، فوثب ~~عليه باطني ، فجرحه بسكين في رأسه ، فرد المغفر عنه ، وأمسك الملك الناصر ~~يدي الباطني بيديه ، إلا أنه لا يقدر على منعه من الضرب بالكلية ، بل يضرب ~~ضربا ضعيفا ، فبقي الباطني يضربه بالسكين في رقبته ، وكان عليه كراغند ، ~~فكانت PageV01P371 الضربات تقع في زيقه ، والزرد يمنعها من الوصول . وجاء ~~سيف الدين يازكج فأمسك السكين ، فجرحه الباطني ، ولم يطلقها من يده إلى أن ~~قتل . وجاء باطنيان آخران فقتلا . # وركب الملك الناصر إلى خيمته ، ولازم حصار عزاز ، حتى تسلمها بعد قتال ~~شديد ، في بكرة الأربعاء ، ثاني عشر ذي الحجة . ورحل عنها إلى مرج دابق . # # | حصار حلب والصلح # ثم سار فنزل حلب ، يوم الجمعة ، منتصف ذي الحجة ، وحصرها ، وبها جماعة من ~~العسكر ، ومنع أهل البلد الملك الناصر من التقرب إلى البلد ، وكانوا يخرجون ~~إلى خيم المعسكر فيقاتلوه ، وإذا مسك واحد منهم شرحت قدماه ، فيمتنع من ~~المشي ، ولا يكفون عن القتال ، وقام في نصرته السنة والشيعة من الحلبيين ، ~~وأعطي الشيعة الشرقية في المسجد الجامع ، فكانوا يجتمعون بها للصلاة . ~~واتفق أن الحلبيين ms264 اجتمعوا تحت القلعة ، شاكين في السلاح ، يستأذنون الملك ~~الصالح في الخزوج إلى قتال العسكر ، فدخل رسول من الملك الناصر ، يقال له ~~سعد الدين أبو حامد العجمي الكاتب ، فصاح عوام الحلبيين : ما نصالح يا رسول ~~، رح ، ودع عنك الفضول . ورجموه بالحجارة ، فخرج ، واتبعوه إلى قريب من ~~الخيام . # ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح بين الملك الصالح ، وسيف الدين صاحب ~~الموصل ، وصاحب الحصن ، وصاحب ماردين ، وبين الملك الناصر . وتحالفوا ، ~~واستقرت على أن يكونوا كلهم عونا على الناكث الغادر ، واستقر الصلح . ورحل ~~الملك الناصر ، في السادس عشر من محرم ، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة . ~~PageV01P372 # ولما تقرر الصلح ، أخرج الملك الصالح إلى الملك الناصر أخته بنت نور ~~الدين ، وكانت طفلة صغيرة ، فأكرمها ، وحمل لها شيئا كثيرا ، وقال لها ما ~~تريدين ؟ قالت : أريد قلعة عزاز وكانوا قد علموها ذلك فسلمها إليهم . # # | أخبار الإسماعيلية # ورحل إلى بلد الإسماعيلية ، وحصرهم ، ثم صالحهم بوساطة خاله محمود بن تكش ~~، وسار بعساكره إلى مصر . وكان في شروط الصلح أن يطلق عز الدين جورديك ، ~~وشمس الدين علي ابن الداية ، وأخواه سابق الدين ، وبدر الدين . فسار أولاد ~~الداية إلى الملك الناصر ، فأكرمهم ، وأنعم عليهم . وأما جورديك ، فأقام في ~~خدمة الملك الصالح ، وعلم الجماعة براءته مما ظنوا به . # وعصىغزس الدين قلج في تل خالد لأنه نسب إليه أمر أوجب وحشته ، فحصل فيها ~~بماله ، وحصنها ، فخرج إليه سعد الدين كمشتكين بالعسكر ، ومعه طمان ، فحصره ~~مدة ، فسير ، واستشفع بالملك الناصر ، فشفع فيه إلى الملك الناصر ، فقبل ~~الشفاعة وأمنه ، فخرج بماله وأهله ، وحاشيته ، ومضى إلى منبج ، فنزل بها ~~عند الدويل ، وكان الملك الناصر قد أقطعه إياها ، وكان ذلك في سنة اثنتين ~~وسبعين وخمسمائة . # وفي هذه السنة ، أظهر أهل جبل السماق الفسق والفجور ، وتسموا بالصفاة ، ~~واختلط النساء والرجال في مجالس الشرب ، ولا يمتنع أحدهم من أخته ولا بنته ~~، ولبس النساء ثياب الرجال ، وأعلن بعضهم بأن سنانا ربه . فسير الملك ~~الصالح إليهم عسكر حلب ، فهربوا من الجبل وتحصنوا في رؤوس الجبال ، فأرسل ~~سنان ، وسأل فيهم ، وأنكر حالتهم ، وكانوا قد ms265 نسبوا ذلك إليه ، وأنهم فعلوا ~~ذلك بأمره ، فأشار سعد الدين بقبول شفاعته فيهم ، وعاد العسكر عنهم . ~~PageV01P373 # وشرع سنان في تتبع المقدمين منهم ، فأهلكهم ، وكان في الباب منهم جماعة ~~فثار بهم البنوية من أهل ذلك البلد ، وقاتلوهم من التركمان ، فانهزموا ~~واختبئوا في المغاير ، فنهبوا دورهم ، وعروا نساءهم ، ودخنوا عليهم في ~~المغاير ، وقتلوا من أمكنهم قتله . # ثم إن الاسماعيلية قزروا على الوزير شهاب الدين أبي صالح بن العجمي ، يوم ~~الجمعة رابع شهر ربيع الأول ، من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة . وكان السبب في ~~ذلك أن أبا صالح كان يواطىء المجاهد اللالا وجمال الدين شاذبخت ، على سعد ~~الدين كمشتكين ، ويحاولون حطه عن مرتبته . فعلم كمشتكين ذلك ، فكتب كتابا ~~إلى سنان مقدم الإسماعيلية بالحصون ، على لسان الملك الصالح ، يلتمس منه ~~قتل أبي صالح ، واللالا ، وشاذبخت . وكان قد أحضر الكتاب إلى الملك الصالح ~~، وهو خارج إلى الصيد ، وطلب خطه ، وهو أبيض ، لم يكتب فيه شيء أصلا ، ~~وقال له : المولى خارج ، ويحتاج أن يكتب كتابا في أمر كذا وكذا ، فيكتب ~~المولى علامته . فكتب ثقة بأن الأمر كما ذكر . # فكتب كمشتكين إلى سنان بالأمر الذي أراده ، وسيره إليه ، فلم يشك سنان في ~~أن الأمر وقع من الملك الصالح ، ليستقل بأموره وملكه . فندب جماعة لقتل ~~المذكورين ، فوثبوا على شهاب الدين أبي صالح ، عندما خرج من باب الجامع ~~الشرقي ، بالقرب من داره ، وقتل الإسماعيليان اللذان وثبا عليه . # ثم وثب بعد ذلك بمدة ثلاثة منهم على اللالا ، بالقرب من خانكاه القصر ، . ~~وتعلق بذيل بغلتاقه ليضربه بالسكين ، فرفس اللالا الفرس ، وخرج من البغلتاق ~~! ، فنجا . وأحاط الناس بالجماعة الذين قفزوا عليه ، وفيهم اثنان كانا ~~يترددان إلى ركابدار اللالا ، فقتل أحدهما وصلب ، وصلب الركابدار أيضا ، ~~وكتب على صدره : هذا جزاء من يؤوي الملحدة . PageV01P374 وأما الآخر ، ~~فصعدوا به إلى القلعة ، فضرب ضربا عنيفا ، وثقب كعبه ، ليقرر على السبب ~~الذي أوجب وثوبهم ، فقال للملك الصالح : أنت تبعث كتبك إلى مولانا سنان ~~بقتل من أمرنا بقتله ، ثم تنكر فعل ذلك ؟ فقال : ما أمرت بشيء . وكتب إلى ~~سنان ms266 يعتب عليه فيما فعل بأبي صالح واللالا . فقال : أنا ما فعلت شيئا إلا ~~بأمرك وخطك . وسير إليه كتابا فيه علامته بقتل الثلاثة المذكورين ، فعلم ~~أن ذلك كان ميكدة من كمشتكين . # وكان الإسماعيلية قد اجتهدوا في قتل شاذبخت ، فلم يقدروا على الوثوب عليه ~~، لشدة احترازه في القلعة ، فعند ذلك وجد أعداء كمشتكين طريقا للطعن عليه ~~، وقالوا : لا إنما أراد قتل هؤلاء ليستقل بملكك ، ويفعل فيه ما لا يقدر أن ~~يفعله معهم ، وأنه قد استصغرك ، واحتقر أمرك . # # | تحرك الفرنج بغياب صلاح الدين # وكانت حارم لسعد الدين كمشتكين ، أقطعه إياها الملك الصالح ، حين أخذها ~~من بدر الدين حسن ، فأنهي إلى الملك الصالح أن سعد الدين يريد أن يسلمها ~~إلى الفرنج ، لأن أصله فرنجي ، وأنه قد قرر معهم أن يبيعها عليهم بمال وافر ~~. والدليل على صدق ذلك أنه أطلق من كان بالقلعة ، من أسرى الفرنج ، من أيام ~~نور الدين ، وأطلق البرنس أرناط ، فقطع الطريق بالكرك ، وسير أمواله من حلب ~~وغيبها . وكتب إليه رجل من الفرنج يقال له ، الفارس بدران بشيء من ذلك ، ~~وبعث بعدة كتب من سعد الدين إلى الفرنج ، تشهد بما أنهاه ، ولعله وضع ذلك ~~كله عليه ، حتى نالوا غرضهم منه . # فقبض الملك الصالح على سعد الدين ، في التاسع من شهر ربيع الأول ، من سنة ~~ثلاث وسبعين ، وكان قد جاء يطلب دستورا إلى حارم ، وطلب تسليمها منه ، ~~فامتنع . فحمل إليها تحت الحوطة ، وجيء به إلى تحت قلعتها ، وعذب ، ~~PageV01P375 فاستدعى بعض من يثق إليه من المستحفظين بالقلعة ، وأسر إليهما ~~أنهم لا يسلمونها ، ولو قطع ، ثم قال لهما جهرا : بعلامة كذا وكذا ، سلموا ~~. فصعد إلى القلعة ، وأظهر من فيها العصيان والمقاتلة ، فعذب عذابا شديدا ~~، وعلق برجليه ، وسقط بالخل ، والكلس . والدخان ، وعصر ، وأصحابه يشاهدونه ~~، ولا يجيبون إلى التسليم . # وخرج الفرنج من أنطاكية ، يطلبون حارم ، فتقدم الملك الصالح بخنق كمشتكين ~~، فخنق بوتر ، وأصحابه يشاهدونه ولا يسلمون ، وكسروا يديه وعنقه ، ورموه ~~إلى خندق حارم ، فحين علم الفرنج ذلك ساروا إلى شيزر . # ودخل الملك الصالح إلى حلب ، وخلف العسكر ms267 بأرض عم و جاشر ، حول حارم ، ~~يمنعونها من الفرنج ، ويباكرونها كل يوم لطلب التسليم ، ومقدم العسكر طمان ~~بن غازي وكان من أكبر الأمراء . # وعاد الفرنج إلى حماة فحصروها ، ولم يظفروا بطائل ، وطمعوا في حارم ، ~~لعصيان أصحاب كمشتكين بها ، وظنوا أن الملك الصالح صبي ، وعسكره قليل ، ~~والملك الناصر بمصر ، فلا ينجدهم إلا بعد أن يأخذوا حارم ، فنزلوا عليها ، ~~ومعهم كند كبير من الفرنج ، كان قد خرج من البحر إلى الساحل ، يقال له كند ~~قلنط لماني ، ومعهم البرنس ، وابن لاون ، والقومص صاحب طرابلس ، فندم من ~~بحارم ، حيث لم يسلموها إلى الملك الصالح . # وحصرها الفرنج ، وضايقوها بالمجانيق والسلالم ، فصاح من فيها : صلاح ~~الدين يا منصور ! فأحضروا خيمة ، كانوا أخذوها من خيم الملك الناصر في كسرة ~~الرملة في هذه السنة ، وأخبروهم بالكسرة ليضعفوا عزيمتهم ، وعسكر حلب ~~بإزائهم من عم إلى تيزين . # ودخلت سنة أربع وسبعين : والفرنج مجدون على قتال حارم ، ونقبوا في تل ~~PageV01P376 القلعة ، من جهة القبلة نقبا ، ومن جهة الشمال آخر . فانهد ~~السور على من تحته ، وهو موضع البغلة ، التي جددها السلطان الملك الظاهر ~~قدس الله روحه . # وامتنع القتال من تلك الناحية ، خوفا من وقوع شيء آخر . فأخرج المسلمون ~~رجلا من عندهم إلى طمان ، يطلب الأمان من الملك الصالح والنجدة ، فسير إلى ~~الملك الصالح ، وأعلمه . فانتخب الملك الصالح رجالا أجلادا من الحلبيين ، ~~وأعطاهم مالا جزيلا ، وقال لهم : أريد منكم أن تدخلوا قلعة حارم ، فجاءوا ~~، والفرنج محدقون بها ، في الليل ، فسلكوا خيامهم مفرقين ، حتى جاوزوها . ~~وصاحوا بالتكبير والتهليل ، وصعدوا القلعة ، وصار فيها شوكة من المقاتلة ، ~~بعد أن كان قتل من المسلمين بها رجال عدة . والمسلمون أعني عسكر حلب إذ ذاك ~~حول الفرنج جرايد ، وأثقالهم بدير سمعان ، وهم يتخطفون من يمكنهم أخذه من ~~الفرنج ويحفظون أطراف البلد . وسار العسكر عند ذاك إلى دير أطمة ، وصادفوا ~~الفرنج في وطأة أطمة ، فحملوا عليهم ، فانهزموا وقتل من الفرنج ، وأسر ~~جماعة ، فدام حصار الفرنج أربعة أشهر . وأرسل الملك الصالح إليهم ، وقال : ~~إن الملك الناصر واصل إلى الشام ، وربما يسلم ms268 من بحارم إلى قلعتها ، ويضحي ~~في جواركم . وبذل لهم مالا بمقدار ما أنفقوا مدة حصارهم لها . وانتظم ~~الصلح ، ورحلوا . # وخرج الملك الصالح ، فنزل على حارم ، فسلمها إليه أصحاب كمشتكين ، وصفح ~~عن جرمهم ، وولى فيها سرخك جمدار أبيه نور الدين . ودخل حلب وطالب نواب ~~كمشتكين بماله ، واعتقل ابن التنبي وزيره ، فأحضر بعض المال ، وعذب حتى ~~أحضره ، ثم هرب من الاعتقال . # وفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة ، سعى جماعة بالقاضي محي الدين أبي حامد بن ~~الشهرزوري ، قاضي حلب ، وقدحوا فيه عند جمال الدين شاذبخت ، PageV01P377 ~~وأوهموه أنه يميل إلى الملك الصالح ، ووضعوا على لسانه أشعارا نسبوها إليه ~~، فأوجب ذلك استيحاشه ، وتوجه إلى الموصل . وعرض القضاء على عمي أبي غانم ~~محمد بن هبة الله بن أبي جرادة فامتنع . فقلد والدي القضاء بحلب وأعمالها ، ~~وبقي على قضائها إلى أن مات الملك الصالح ، وفي دولة عز الدين ، وعماد ~~الدين ، ومدة من دولة السلطان الملك الناصر . # وقبض الملك الصالح قرية للإسماعيلية تعرف بحجيرا من ضياع نقرة بني أسد ، ~~فكتب سنان إلى الملك الصالح كتبا عدة في إطلاقها ، فلم يطلقها ، فأرسل ~~جماعة من الرجال معهم النفط والنار ، فعمدوا إلى الدكان التي في رأس ~~الزجاجين من الشرق في القرنة ، فألقوا فيها النار . # فنهض نائب رئيس البلد بمن معه في المربعة ، والجماعة المرتبون لحراسة ~~الأسواق ، وأخذوا السقائين ليطفئوا الحريق ، فأتى الإسماعيلية من أسطحة ~~الأسواق ، وألقوا النار والنفط في الأسواق ، فاحترق سوق البز الكبير ، وسوق ~~العطارين ، وسوق مجد الدين ، المعد للبز ، وسوق الخليع ، وسوق الشراشين وهو ~~الآن يعرف الكتانيين وسوق السراجين ، والسوق الذي غربي الجامع ، جميعه ، ~~إلى أن انتهى الحريق إلى المدرسة الحلاوية . # واحترق للتجار والسوقية ، من القماش والآلات شيء كثير ، وافتقر كثير منهم ~~بسبب ذلك ، ولم يظفروا من الإسماعيلية بأحد ، وذلك في سنة خمس وسبعين ~~وخمسمائة . # ومات سيف الدين غازي ، صاحب الموصل ، ووليها أخوه عز الدين مسعود ، وذلك ~~في سنة ست وسبعين وخمسمائة . # # | وفاة إسماعيل بن نور الدين زنكي # وكان الملك الصالح في هاتين السنتين رخي البال ، مستقرا في مملكته ، ~~سالكا ms269 في الإحسان إلى أهل حلب طريق أبيه . عفيف اليد والفرج واللسان ، ~~فقدر الله تعالى PageV01P378 أن حضر أجله ، وله نحو من تسع عشرة سنة ، فمرض ~~بالقولنج ، واشتد مرضه . فدخل إليه طبيبه ابن سكرة اليهودي ، وقال له سرا : ~~يا مولانا شفاؤك في الخمر ، فإن رأيت أن تأذن لي في حمله في كفي ، بحيث لا ~~يطلع اللالا ، ولا شاذبخت ، ولا أحد من خلق الله على ذلك . فقال : يا حكيم ~~، كنت والله أظنك عاقلا . ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول : ' إن الله لم ~~يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ' وما يؤمنني أن أموت عقيب شربها فألقى الله ~~، والخمر في بطني ، والله لو قال لي ملك من الملائكة : إن شفاءك في الخمر ~~لما استعملته . # حكي لي ذلك والدي عن ابن سكرة الطبيب . ولما أيس من نفسه أحضر الأمراء ~~والمستحفظين ، وأوصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود ~~بن زنكي ، واستحلفهم على ذلك ، فقال لهم بعضهم : إن عماد الدين ابن عمك ~~أيضا ، وهو زوج أختك ، وكان والدك يحبه ويؤثره ، وهو تولى تربيته ، وليس ~~له غير سنجار ، فلو أعطيته البلد لكان أصلح ، وعز الدين له من البلاد من ~~الفرات إلى همذان ، ولا حاجة له إلى بلدك ، فقال له : إن هذا لم يغب عني ، ~~ولكن قد علمتم أن صلاح الدين ، قد تغلب على البلاد الشامية ، سوى ما بيدي ، ~~ومتى سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها ، وإن ملكها صلاح الدين لم يبق ~~لأهلنا معه مقام ، وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه حفظها بكثرة عساكره ~~وبلاده . فاستحسنوا هذا القول منه ، وعجبوا من حسن رأيه مع شدة مرضه ، وصغر ~~سنه . # ثم مات يوم الجمعة خامس وعشرين شهر رجب ، من سنة سبع وسبعين وخمسمائة . ~~ودفن بقلعة حلب ، إلى أن ابتنت والدته الخانكاه تجاه القلعة ، ونقل إليها ~~في أيام ، فسير الأمراء : جورديك ، والبصيري وبرغش ، وجمال الدين شاذبخت ، ~~النوريون ، مع جماعة المماليك النورية ، إلى عز الدين ، يستدعونه ، وجددوا ~~الأيمان فيما بينهم له . PageV01P379 فارغة PageV01P380 # # | القسم السادس والعشرون دخول عز الدين ms270 حلب # وأما علم الدين سليمان بن جندر ، وحسام الدين طمان بن غازي ، وأهل الحاضر ~~، فإنهم راسلوا عماد الدين صاحب سنجار ، وكتموا أمرهم ، وشاذبخت هو الوالي ~~بالقلعة ، والحافظ لخزانتها ، والمدبر للأمور مع النورية ، فسير إلى علم ~~الدين سليمان ، وحسام الدين طمان ، وطلب منهما الموافقة في اليمين لعز ~~الدين ، فماطلا ، ودافعا . فلما تأخر وصول عماد الدين عليهما ، وافقا على ~~اليمين لعز الذين . ولما وصل رسول الأمير إلى عز الدين ، سار هو ومجد الدين ~~قايماز إلى الفرات ، فنرل على البيرة ووصجل شهاب الدين أخو عماد الدين ~~مختفيا واجتمع بطمان وابن جندر ، وأعلمهما أن عماد الدين في بعض الطريق ، ~~فأخبروه بأخذ اليمين عليهم ، وأن تربصه بالحركة أحوجهم إلى ذلك ، فعاد إليه ~~أخوه وعرفه ، فعاد إلى بلاده . # وأما عز الدين ، فحين وصل إلى البيرة أرسل إلى الأمراء الدين بحلب ، ~~واستدعاهم إليه . فخرجوا والتقوه بالبيرة ، وساروا معه إلى حلب ، ودخلها في ~~العشرين من شعبان . واستقبله مقدموها ورؤساؤها ، وصعد إلى القلعة . # وكان تقي الدين عمر ، ابن أخي الملك الناصر بمنبج ، فعزم على أن يحول بين ~~عز الدين وحلب ، حين وصل إلى البيرة لأنه وصل جريدة ، وتخلف عنهم الغلمان ~~والحشد ، ثم إنه تثاقل هو وأصحابه عن ذلك . # ولما وصل عز الدين إلى حلب ، سار تقي الدين من منبج إلى حماة ، وثار ~~PageV01P381 أهل حماة ، ونادوا بشعار عز الدين فأشار عسكر حلب على عز الدين ~~بقصدها ، وقصد دمشق ، وأطمعوه فيها وفي غيرها من الشام ، وأعلموه محبة أهل ~~الشام لأهل بيته . # وكان الملك الناصر بالديار المصرية ، فلم يفعل ، وقال : بيننا يمين ، ولا ~~نغدر به . ولما بلغ الملك الناصر أخذ عز الدين حلب قال : خرجت حلب عن ~~أيدينا ، ولم يبق لنا فيها طمع . # وأقام عز الدين بحلب ، فسير إليه أخوه عماد الدين زنكي بن مودود ، وقال ~~كيف : تختص أنت ببلاد عمي وابنه وبأمواله ، دوني . وهذا أمر لا صبر لي عنه ~~. وطلب منه تسليم حلب إليه ، وأن يأخذ منه سنجار عوضا عنها . # فامتنع عز الدين ، ولم يجبه إلى ما أراد ، فأرسل إليه وهدده ms271 بأن يسلم ~~سنجار إلى الملك الناصر فيضايق الموصل بها . فأشار عليه طائفة من الأمراء ~~بأخذ سنجار منه وإعطائه حلب . وكان أشد الناس في ذلك مجاهد الدين ، وهو ~~الذي كان يتولى تدبيره . وكان أمراء حلب لا يلتفتون إلى مجاهد الدين ، ولا ~~يسلكون معه ما يسلكه عسكر الموصل ، فلذلك ميل عز الدين إلى ذلك . # وشرع عز الدين في الميل إلى الأمراء ، الدين حلفوا له أولا ، والإعراض ~~عن الذين مالوا إلى أخيه عماد الدين ، وأحسن إلى أهل حلب ، وخلع عليهم ، ~~وأجراهم على عادتهم في أيام عمه نور الدين ، وابنه الملك الصالح ، وأبقى ~~قاضيها والدي ، وخطيبها عمي ، ورئيسها صفي الدين طارق ابن الطريرة لما على ~~ولاياتهم ، وولى بقلعة حلب شهاب الدين إسحاق بن أميرك الجاندار ، صاحب ~~الرقة . وأبقي شاذبخت في القلعة ناظرا معه ، وولى مدينة حلب والديوان مظفر ~~الدين بن زين الدين . PageV01P382 وكان الصلح قد انفسخ ، بموت الملك الصالح ~~، بين الفرنج والمسلمين . وكانت شيح الحديد مناصفة بين المسلمين والفرنج ، ~~فأضافها عسكر حلب ، قبل وصول عز الدين إلى الدربساك واختصوا بها دون الفرنج ~~، وحضر أهلها إلى طمان ، فأعطاهم الأمان . # فلما وصل عز الدين ، سير العساكر إلى ناحية لاحارم ، وحاولوا نهب العمق ~~فانحاز أهله كلهم إلى شيح لعلمهم بأن طمانا أمنهم ، فأراد عسكر الموصل أن ~~ينهبوها ، فقال لهم : إن شيح لحلب ، وإنهم في أماني . فلم يتلفتوا إلى قوله ~~، وسار واليها ليلا ، فسبقهم إلى المخاض ، ووقف في وجوههم يردهم ، فقتل ~~منهم جماعة . ثم تكاثروا وعبروا ، فسبقهم طمان إلى شيح ، وأمرهم أن يجعلوا ~~النساء في المغاير ودربها . # فوصل عسكر الموصل ، فرأوا ذلك ، فعزموا على القتال ، فصاح طمان : إذا ~~كنتم تخفرون ذمتي ، فأنا أرحل إلى الفرنج . وسار فى أصحابه إلى أن قرب من ~~يغرا فوصله من أخبره بأنهم عادوا عنها ، ولم ينالوا منها طائلا . وخافوا ~~من ملامة عز الدين ، فعاد طمان ، ونزل كل منهم في خيامه بحارم . # وكاتب المواصلة عز الدين ، يطعنون على طمان ، وإنه وافق أهل شيح ، في ~~العصيان ، وأراد اللحاق بالفرنج ، فأحضر طمان والمواصلة ، وتقابلوا بين ~~يديه ms272 . فقال لعز الدين : الحق مع حسام الدين ، ولا يجور نقض العهد لواحد من ~~المسلمين . وكان ذلك في شهر رمضان من السنة . # وبقيت المواحشة بين أمراء حلب والمواصلة ، والحلبيون لا يرون التغاضي ~~لمجاهد الدين . ومجاهد الدين يحاول أن يكونوا معه كأمراء الموصل . والأمراء ~~الحلبيون يمنون عليه بأنهم اختاروه لهذا الأمر ، ويطلبون منه الزيادة ، ~~ويختلق المواصلة عليهم الأكاذيب . # فهرب الأمير علم الدين سليمان بن جندر ، قاصدا الملك الناصر إلى مصر . ~~PageV01P383 # فقالوا لعز الدين : إن طمانا سيهرب بعده ، فأمر عز الدين مظفر الدين بن ~~زين الدين ، وبني الغراف ، والجرايحي وغيرهم أن يميدوا من السعدي إلى ~~المباركة في طريقه ، وأن يقف جماعة حول دار طمان وكان يسكن خارج المدينة . # فلما لم يجر من طمان شيء من ذلك ، جاؤوا إليه نصف الليل ، وطلبوه ، فخرج ~~إليهم ، فوجد ابن زين الدين وبني الغراف ، فسألهم عما يريدون ، فقالوا . ~~إنه أنهي إلىعز الدين بأنك تريد الهرب ، وقد أمرنا بأن نعوقك فقال : والله ~~ما لهذا صحة ، ولو أردت المسير عن حلب لمضيت لا على وجه الخفية ، ولا أخاف ~~من أحد . # فجعلوا لهم طريقا آخر إلى نيل غرضهم ، وأصبحوا ، وعز الدين منتظر ما ~~يكون ، فقالوا له : كان قد عزم على الهرب ، فلما علم أن الطريق قد أخذ عليه ~~، وأن الدار قد أحيط بها آخر ذلك إلى وقت ينتهز فيه الفرصة ، والمصلحة قبضه ~~قبل هربه . فأمرهم بأن يقبضوه محترما ، ويحضروه إليه . # فجاؤه ليلا ، من أعلى الدار وأسفلها ، وأزعجوه ، وكان نائما ، فخرج إلى ~~الباب ، فوجد مظفر الدين بن زين الدين مع بني الغراف ، فقالوا له : إن ~~المولى عز الدين قد أمرنا بالقبض عليك . فقال لهم : السمع والطاعة ، فشأنكم ~~وما أمرتم به ، فأركبوه ، وحملوه ، والرجال محيطة به ، وفتحوا باليل باب ~~القلعة ، واعتقلوه بها غير مضيق عليه . # وأحضره عز الدين ، ووانسه ، وقال : لم أفعل ما فعلت إلا لشدة رغبتي فيك ، ~~وافتقاري إلى مثلك ، فعرفه ما ينطوي عليه ، وأن ما نقل عنه لم يخطر بباله . ~~فقال : إن وقيعة أعدائك فيك ، لم تردك عندي إلا حظوة . # وبقي ms273 معتقلا في القلعة أسبوعا ، ثم خلع عليه ، وأطلقه وزاد في أقطاعه ~~الأخترين . # وأقام عز الدين حتى انقضت مدة الشتاء ، ثم تزوج أم الملك الصالح ، في ~~خامس شوال من السنة ، ثم سيرها إلى الموصل ، واستولى على جميع الخرائن التي ~~PageV01P384 كانت لنور الدين وولده بقلعة حلب ، وما كان فيها من السلاح ، ~~والزرد والقسي ، والخوذ ، والبركسطونات ، والنشاب ، والآلات ، ولم يترك ~~فيها إلا شيئا يسيرا من السلاح العتيق ، وسير ذلك كله إلى الرقة . # وترك في قلعة حلب ولده نور الدين محمودا طفلا صغيرا ، ورد أمره إلى ~~الوالي بالقلعة : شهاب الدين إسحاق ، وسلم البلد والعسكر إلى مظفر الدين بن ~~زين الدين . وسار إلى الرقة ، سادس عشر شوال ، فأقام بها فصل الربيع . # # | دخول عماد الدين حلب بعد المقايضة # وراسل أخاه عماد الدين ، في المقايضة بسنجار ، ليتوفر على حفظ بلاده ، ~~ويضم بعضها إلى بعض ، ولعلمه أنه يحتاج إلى الإقامة بالشام ، لتعلق أطماع ~~الملك الناصر بحلب . وقدم عليه أخوه . واستقرت المقايضة على ذلك ، وتحالفا ~~على أن تكون حلب وأعمالها لعماد الدين وسنجار وأعمالها لعز الدين . وأن كل ~~واحد منهما ينجد صاحبه ، وأن يكون طمان مع عماد الدين ، فسير طمان ، وصعد ~~إلى قلعة حلب ، وكان معهم علامة من عز الدين ، فتسلمها ، وسير عز الدين من ~~تسلم سنجار . # وفي حال طلوع طمان ، ونقل الوالي متاعه ، طمع مظفر الدين بن زين الدين ~~بأن يملك القلعة ، ووافقه جماعة من الحلبيين كانوا بقربه ، في الدار ~~المعروفة بشمس الدين علي ابن الداية وجماعة من الأجناد ، ولبس هو رردية ، ~~تحت قبائه ، وألبس جماعة من أصحابه الزرد تحت الثياب ، ومع كل واحد منهم ~~سيف . وأرسل إلى شهاب الدين ، وقال : له إنه وصلني كتاب من أتابك عز الدين ~~، وأمرني أن أطلع في جماعة إليك ، فأمره بالصعود . # وكان جمال الدين شاذبخت ، في حوش القلعة الشرقي ، الذي هدمه الملك العادل ~~وكان بين الجسرين اللذين جددهما السلطان الملك الظاهر رحمه الله وعمل مكان ~~ذلك الحوش بغلة فرأى الجند مجتمعين تحت القلعة ، فسير شاذبخت ، وأحضر ~~بوابا كان للقلعة ، يقال له علي ms274 بن منيعة وكان جلدا يقظا ، وأمره ~~بالاحتراز . PageV01P385 # فلما أن أراد أن يدخل من باب القلعة ، تقدم إليه ، وقال له : لا تدخل إلا ~~أنت وحدك . وكان في ركابه جماعة فمنعوهم . فلم يتتم له ما أراد . # وعاد ابن زين الدين إلى داره ، وقيل إن ابن مقبل الاسباسلار ، قال له : ~~أنت تصعد إلى القلعة ، فما هذا الزرد عليك ؟ فعاد ، وجعل يعتذر عما شاع في ~~الناس من فعله . # وكتب شهاب الدين الوالي وجمال الدين شاذبخت إلى عز الدين كتابا بخط حسين ~~بن يلدك ، إمام المقام . وأخذ تحته خطوط الأجناد ، والنقيب ، والاسباسلار . ~~فلم يمكن عز الدين مكاشفته في ذلك ، لقرب الملك الناصر من البلاد . # وبعث مظفر الدين إلى عز الدين يعتذر ، ويقول : إن الإسماعيلية أوعدوني ~~القتل ، وما أمكنني إلا الاحتراز بالسلاح ، أنا ، ومن معي ، وأنكر الحفظة ~~بالقلعة ذلك علي ، ولم يكن ذلك لأمر غير ما ذكرته . فلم يقابله على ذلك . # وأما طمان ، فإنه قبض على الجماعة الذين كانوا معه ، وحبسهم في القلعة ، ~~واطلع على ما كانوا أضمروه ، وأطلقهم في اليوم الثاني ، وستر هذا الأمر . # ثم وصل قطب الدين بن عماد الدين إلى حلب ، ثم ورد أبوه عماد الدين ، فوصل ~~بأهله ، وماله ، وأجناده ، زوجته بنت نور الدين . ووصل على البرية من جهة ~~الأحمص . والتقاه الأكابر من الحلبيين . وصعد إلى قلعة حلب ، في ثالث عشر ~~المحرم ، من سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ، وقيل في مستهله . # وولى القلعة عبد الصمد بن الحكاك الموصلي ، والعسكر ، والخزائن ، والنظر ~~في أحوال القلعة إلى مجاهد الدين بزغش . وأنرل شاذبخت من القلعة . والقضاء ~~، والخطابة والرئاسة ، على ما كان عليه ، في أيام أخيه وابن عمه . # وولى الوزارة بهاء الدين أبا الفتح نصر بن محضد بن القيسراني ، أخا موفق ~~الدين خالد ، وزير نور الدين واستمر الشيعة في أيامه ، وأيام أخيه ، على ~~قاعدتهم ، قي أقرهم عليها الملك الصالح ، من إقامة شعارهم بالشرقية ، ~~بالمسجد الجامع . وأبقي سرخك في حارم على ما كان عليه . وحكم شاذبخت في ~~عزاز PageV01P386 وقلعتها وهو وكيل عن ابنة نور الدين التي أطلقها الملك ~~الناصر ms275 لها وصالح الفرنج . # وجرى في الإحسان إلى أهل حلب ، على قاعدة عمه وابن عمه وأخيه . ولما بلغ ~~الملك الناصر حديث حلب وأخذ عماد الدين إياها ، قال : أخذنا والله حلب . ~~فقيل له : كيف قلت في عز الدين أخذها خرجت حلب عن أيدينا ، وقلت : حين ~~أخذها عماد الدين ، أخذنا حلب . فقال : لأن عز الدين ملك صاحب رجال ومال ، ~~وعماد الدين ، لا مال ولا رجال . # # | صلاح الدين الأيوبي في بلاد الشام # وخرج الملك الناصر ، من مصر في خامس المحرم من هذه السنة . وخرج الناس ~~يودعونه ، ويسيرون معه ويتأسفون على فراقه ، وكان معه معلم لبعض أولاده ، ~~فالتفت إلى بعض الحاضرين ، وأنشد : # تمتع من شميم عرار ' نجد ' . . . فما بعد العشية من عرار # فانقبض السلطان ، وتطير . فقدر أنه لم يعد إلى مصر ، إلى أن مات ، مع طول ~~مدته ، واتساع ملكه في غيرها . وسار على أيلة وأغار على بلاد الفرنج في ~~طريقه . ووصل دمشق في صفر . ثم خرج منها إلى ناحية الغور ، فأغار على ناحية ~~طبرية و بيسان ، وعاد إلى دمشق . ثم خرج إلى بيروت ، ونارلها ، واجتمع ~~الفرنج فرحلوه عنها . فدخل إلى دمشق . وبلغه أن المواصلة كاتبوا الفرنج على ~~قتاله ، فجعل ذلك حجة عليهم . PageV01P387 # وسار حتى نزل على حلب ، في ثامن عشر من جمادى الأولى ، سنة ثمان وسبعين ~~وخمسمائة . ونزل على عين أشمونيت ، وامتد عسكره حولها شرقا ، وأقام ثلاثة ~~أيام ، فقال له عماد الدين : امض إلى سنجار ، وخذها وادفعها إلي ، وأنا ~~أعطيك حلب . # وكان عماد الدين قد ندم على مقايضة أخيه بحلب وسنجار ، حيث وصل ووجد ~~خزائنها صفرا من المال ، وقلعتها خالية من العدد والسلاح والآلات ، وأنه ~~يجاور مثل الملك الناصر فيها . # فعند ذلك سار لا الملك الناصر إلى عبر البيرة ، وكان صاحبها شهاب الدين ~~ابن أرتق قد صار في طاعته . فعبر إليه مظفر الدين بن زين الدين إلى الناحية ~~الشامية ، وحران ، إذ ذاك في يده ، كان أقطعه إياهاعز الدين صاحب الموصل . ~~وحصلت بينه وبينه وحشة من الوقت الذي عزم فيه على أخذ قلعة حلب ، فكانت ~~رسله ms276 تتردد إلى الملك الناصر ، تطمعه في البلاد ، وتحثه على الوصول . # وعاد ابن زين الدين معه حتى عبر الفرات في جسر البيرة ، وكان عز الدين قد ~~وصل بعساكر الموصل إلى دارا ، ليمنع الملك الناصر من حلب ، فلما عبر الفرات ~~عاد إلى الموصل . # # | صلاح الدين في أرض الجزيرة # وعبر الملك الناصر ، فأخذ الرها من ابن الرعفراني ، وسلمها إلى ابن زين ~~الدين ، وأخذ الرقة من ابن حسان ، ودفعها إلى ابن الرعفراني . وكاتب ملوك ~~الشرق فأطاعوه ، وقصد نضيبين ، فأخذها . وسار إلى الموصل ، وفيها عسكر قوي ~~، فقوتل قتالا شديدا ، ولم يظفر منها PageV01P388 بطائل ، فرحل عنها إلى ~~سنجار ، فأنفذ مجاهد الدين إليها عسكرا ، فمنعه الملك الناصر من الوصول . ~~وحاصر سنجار ، فسلمها إليه أمير من الأكراد الزرزارية ، وكان في برج من ~~أبراجها فسلم إليه تلك الناحية وصارت الباشورة معه فضعفت نفس واليها أمير ~~أميران أخي عز الدين ، فسلمها بالأمان ، في ثاني شهر رمضان من السنة ، وقرر ~~الملك الناصر أمورها ، وعاد إلى حران . # ولما قصد الملك الناصر البلاد الشرقية ، رأى عماد الدين أن يخرب المعاقل ~~المطيفة ببلد حلب ، فشن الغارات على شاطىء الفرات ، وهدم حصن بالس ، وحصر ~~قليعة ناعر ففتحها ، ثم هدمها بعد ذلك ، وأغار على قرى الشط ، فأخربها ~~واستاق مواشيها ، وأحرق جسر قلعة جعبر . # ثم وصل إلى منبج وقاتلها ، وأغار على بلدها ، ووصلت الغارة إلى قلعة نجم ~~، وعبر الفرات ، فأغار على سروج . # ثم عاد إلى حلب ، ثم خرج وهدم حصن الكرزين وخرب حصن بزاعا وقلعة عزاز ، ~~في جمادى الآخرة ، وخرب حصن كفرلاثا بعد أخذه من صاحبه بكمش ، وكان قد ~~استأمن إلى الملك الناصر ، وضاق الحال عليه ، فشرع في قطع جامكية أجناد من ~~القلعة ، وقتر على نفسه في النفقات . وأما الملك الناصر ، فرحل من حران ~~فنرل بحرزم تحت قلعة ماردين . فلم ير فيها طمعا ، فسار إلى آمد ، في ذي ~~الحجة . وكان قد وعد PageV01P389 نور الدين محمد بن قرا أرسلان بأخذها من ~~ابن نيسان ، وتسليمها إليه ، وحلف له على ذلك ، فتسلمها في العشر الأول ، ~~من المحرم من سنة تسع ms277 وسبعين وخمسمائة . وكان فيها من المال شيء عظيم . ~~فسلم ذلك كله مع البلد إلى نور الدين ، وقيل له في أخذ الأموال وتسليم ~~البلد ، فقال : ما كنت لأعطيه الأصل وأبخل بالفرع . PageV01P390 # # | القسم السابع والعشرون صلاح الدين يحاصر حلب # ثم إن الملك الناصر عبر إلى الشام ، فمر بتل خالد فحصرها ، فسلمها أهلها ~~بالأمان في المحرم . ثم سار منها إلى عين تاب ، وبها ناصر الدين محمد أخو ~~الشيخ إسماعيل الخزندار ، فدخل في طاعته ، فأبقاها عليه . # ولما علم عماد الدين ذلك ، وتحقق قصده لحلب ، أخذ رهائن الحلبيين ، وأصعد ~~جماعة من أولادهم وأقاربهم ، خوفا من تسليم البلد ، وقسم الأبراج والأبواب ~~على جماعة من الأمراء . وكان الأمراء الياروقية بها في شوكتهم . # وجاء الملك الناصر ، ونزل على حلب في السادس والعشرين من محرم سنة تسع ~~وسبعين وخمسمائة . وامتد عسكره من بابلى إلى النهر ممتدا إلى باسلين ، ~~ونزل هو على الخناقية ، وقاتل عسكر حلب قتالا عظيما ، في ذلك اليوم ، ~~وأسر حسام الدين محمود بن الختلو ، بالقرب من بانقوسا ، وهو الذي تولى ~~شحنكية حلب ، فيما بعد . وهجم تاج الملوك بوري بن أيوب ، أخو الملك الناصر ~~، على عسكر حلب ، فضرب بنشاب زنبورك فأصاب ركبته ، فوقع في الأكحل ، فبقي ~~أياما ، ومات بعد PageV01P391 فتح حلب ، ودفن بتربة شهاب الدين الحارمي ، ~~بالمقام ، ثم نقل إلى دمشق . وجد الملك الناصر ، بسبب أخيه على محاصرة حلب ~~أياما ، فاجتمع إليه الأجناد من العسكر والرجال ، وطلبوا منه قرارهم ~~فمطلهم ، فقالوا : قد ذهبت أخبارنا ، ونحتاج لغلاء الأسعار إلى ما لا بد ~~منه ، وشح بماله ، فقال لهم : أنتم تعلمون حالي ، وقلة مالي ، وأنني تسلمت ~~حلب صفرا من الأموال ، وضياعها في أقطاعكم . فقال له بعضهم : من يريد حلب ~~يحتاج إلى أن يخرج الأموال ولو باع حلي نسائه ، فأحضر أواني من الذهب ~~والفضة ، وغيرها ، وباع ذلك ، وأنفقه فيهم . # وكان الحلبيون يخرجون على جاري عادتهم ، ويقاتلون أشد قتال بغير جامكية ، ~~ولا قرار ، نخوة على البلد ، ومحبة لملكهم ، فأفكر عماد الدين ، ورأى أنه ~~لا قبل له بالملك الناصر ، وأن ماله ينفد ولا يفيده ms278 شيئا ، فخلا ليلة ~~بطمان ، وقال له : ما عندك في أمرنا . هذا الملك الناصر ، قد نزل محاصرا ~~لنا ، وهو ملك قوي ، ذو مال . والظاهر أنه يطيل الحصار ، وتعلم أنني أخذت ~~حلب خالية من الخزائن ، والجند يطالبونني وليس لي من المال ما يكفيني ~~لمصابرته . ولا أدري عاقبة هذا الأمر إلى ما ينتهي . # فأحس طمان عند ذلك بما قد حصل في نفسه ، فقال له : أنا أذكر لك ما عندي ، ~~على شريطة الكتمان والاحتياط بالمواثيق والأيمان ، على أن لا يطلع أحد على ~~ما يدور بيننا ، فإن هؤلاء الأمراء إن اطلعوا على شيء مما نحن فيه أفسدوه ، ~~وانعكس الغرض . # فتحالفا على كتمان ذلك ، فقال له طمان : أرى من الرأي في حلب أن تسلمها ~~إلى الملك الناصر ، بجاهها ، وحرمتها ، قبل أن تنتهك حرمتها ، ويضعف أمرها ~~، وتفنى الأموال ، وتضجر الرجال ، ويستغل بلدها فيتقوى هو وعسكره به ، ونحن ~~لا نزداد إلا ضعفا . والآن فنحن عندنا قوة ، ونأخذ منه ما نريد من الأموال ~~والبلاد . PageV01P392 # ونستريح من الأجناد وإلحاحهم في الطلب . ثم قد أصبح ملكا عظيما ، وهو ~~صاحب مصر ، وأكثر الشام ، وملوك الشرق فقد أطاعوه ومعظم الجزيرة في يده . # فقال له : والله هذا الذي قلته كله رأيي ، وهو الذي وقع لي ، فاخرج إليه ~~، تحدث معه على أن يعطيني : الخابور ، وسنجارة وأي شيء قدرت على أن ترداده ~~فافعل ، واطلب الرقة لنفسك . # ثم إن طمان كتم ذلك الأمر ، وباكر القتال ، وأظهر أن بداره واصطبله ~~بالحاضر خشبا عظيما ، وأنه يريد نقضها ، كيلا يحرقها العسكر ، فكان يبيت ~~كل ليلة في داره ، خارج المدينة . ويجتمع بالسلطان الملك الناصر ، خاليا ، ~~ويرتب الأمور معه ، ويجيء إلى عماد الدين ويقرر الحال معه ، وينزل ، ويصعد ~~إلى القلعة من برج المنشار ، وكان عند باب الجبل الآن متصلا بالمنشار إلى ~~أن قرر مع الملك الناصر : أن يأخذ حلب وعملها ، ولا يأخذ معها شيئا من ~~أموالها ، وذخائرها ، وجميع ما فيها من الآلات والسلاح ، وأن يعطي عماد ~~الدين عوضا عنها : سنجار ، والخابور ، ونصيبين ، وسروج ، وأن يكون لطمان ~~الرقة ، ويكون مع عماد الدين . وشرط ms279 عليه أن تكون الخطابة والقضاء للحنفية ~~بحلب ، في بني العديم ، على ما هي عليه ، كما كان في دولة الملك الصالح ، ~~وأن لا ينقل إلى الشافعية . # هذا كله يتقرر ، والقتال في كل يوم بين العسكرين على حاله . وليس عند ~~الطائفتين علم بما يجري . ويخرج من الحلبيين في كل يوم عشرة آلاف مقاتل أو ~~أكثر ، يقاتلون أشد قتال . # # | التهيئة للتسليم والاستلام # ولم يعلم أحد من الأمراء ولا من أهل البلد ، حتى صعدت أعلام الملك الناصر ~~على القلعة ، بعد أن توثق كل واحد من الملكين من صاحبه بالأيمان . فأسقط في ~~أيدي أهل حلب والأمراء من الياروقية ، وغيرهم . وخاف الياروقية على أخبارهم ~~، والحلبيون على أنفسهم ، تكرر منهم من قتال الملك الناصر ، مرة بعد أخرى ، ~~في أيام الملك الصالح . # وصرح العوام بسبه ، وحمل رجل من الحلبيين يقال له سيف بن المؤذن ~~PageV01P393 إجانة الغسال . وصار بها إلى تحت الطيارة بالقلعة ، وعماد ~~الدين جالس بها يشير إليه أن يغسل فيها كالمخانيث ، ونادى إليه : يا عماد ~~الدين ، نحن نقاتل بلا جامكية ولا جراية ، فما حملك على أن فعلت ما فعلت . # وقيل : إن بعضهم رماه بالنشاب ، فوقع في وسط الطيارة ، وعمل عوام حلب ~~أشعارا عامية ، كانوا يغنون بها ، ويدقون على طبيلاتهم بها ، منها : أحباب ~~قلبي لاتلوموني . . . هذا عماد الدين مجنون # قايض بسنجار لقلعة حلب . . . وزاده المولى نصيبين # ودق آخر على طبله ، وقال مشيرا إلى عماد الدين : # وبعت بسنجار قلعة حلب . . . عدمتك من بايع مشتري # خريت على حلب خرية . . . نسخت بها خرية ' الأشعري ' # وصعد إليه صفي الدين رئيس البلد ووبخه على ما فعل ، وهو في قلعة حلب لم ~~يخرج منها بعد ، فقال له عماد الدين : فما فات ، فاستهزأ به . # وأنفذ عسكر حلب وأهلها ، إلى السلطان الملك الناصر : عز الدين جورديك ، ~~وزين الدين بلك ، فاستحلفوه للعسكر ولأهل البلد ، في سابع عشر صفر ، من سنة ~~تسع وسبعين وخمسمائة . # وخرجت العساكر ومقدمو حلب إليه إلى ، الميدان الأخضر ، وخلع عليهم ، وطيب ~~قلوبهم . # ولما استقر أمر الصلح ، حضر الملك الناصر صلاح الدين عند أخيه تاج ms280 الملوك ~~، الخناقية يعوده وقال له : هذه حلب ، قد أخذناها ، وهي لك فقال : لو كان ~~وأنا حي ، ووالله ، لقد أخذتها غالية حيث تفقد مثلي . فبكى الملك الناصر ~~والحاضرون . # وأقام عماد الدين بالقلعة ، يقضي أشغاله ، وينقل أقمشته ، وخزائنه ، ~~PageV01P394 والسلطان الملك الناصر مقيم بالميدان الأخضر ، إلى يوم الخميس ~~ثالث وعشرين من صفر . فنرل عماد الدين من القلعة ورتب فيها طمان مقيما بها ~~، إلى أن يتسلم نواب عماد الدين ما اعتاض به عن حلب ، واستنابه في بيع جميع ~~ما كان في قلعة حلب ، حتى باع الأغلاق والخوابي ، واشترى الملك الناصر منها ~~شيئا كثيرا . # ونرل عماد الدين ، في ذلك اليوم إلى السلطان الملك الناصر وعمل له ~~السلطان وليمة واحتفل وقدم لعماد الدين أشياء فاخرة من الخيل والعدد ، ~~والمتاع الفاخر . وهم في ذلك إذ جاءه بعض أصحابه وأسر إليه بموت أخيه تاج ~~الملوك لما ، فلم يظهر جزعا ولا هلعا ، وكتم ذلك عن عماد الدين ، إلى أن ~~انقضى المجلس ، وأمرهم بتجهيزه . # # | دخول صلاح الدين قلعة حلب # فلما انقضى أمر الدعوة ، وعلم عماد الدين بعد ذلك عزاه عن أخيه ، وسار ~~السلطان الملك الناصر معه مشيعا في ذلك اليوم ، فسار حتى نرل مرج قراحصار ~~فنرل به ، والسلطان في خيمته إلى أن وصل عماد الدين رسل أصحابه يخبرونه ~~بأنهم تسلموا سنجار ، والمواضع التي تقررت له معها ، فرفعت أعلام الملك ~~الناصر ، عند ذلك على القلعة . وصعد إليها في يوم الاثنين السابع والعشرين ~~، من صفر ، من سنة تسع وسبعين وخمسمائة . # # | حارم وتل خالد وعزاز # وامتنع سرخك ، والي حارم ، من تسليمها إلى السلطان الملك الناصر ، فبذل ~~له ما يجب من الإقطاع ، فاشتط في الطلب . وراسل الفرنج ، ليستنجد بهم ، ~~فسمع بعض الأجناد ، بقلعة حارم ، ذلك ، فخافوا أن يسلمها إلى الفرنج ، ~~فوثبوا عليه ، وحبسوه ، وأرسلوا إلى السلطان ، يعلمونه ذلك ، ويطلبون منه ~~الأمان والإنعام ، فأجابهم إلى ذلك وتسلمها . PageV01P395 # وأقر عين تاب بيد صاحبها ، وسلم تل خالد إلى بدر الدين دلدرم ، صاحب تل ~~باشر ، وكان من كبار الياروقية . وأقطع عزاز الأمير علم الدين سليمان بن ~~جندر . وولى ms281 الملك الناصر قلعة حلب سيف الدين يازكج الأسدي . وولى شحنكية ~~حلب حسام الدين تميرك بن يونس ، وولى ديوان حلب ناصح الدين ابن العميد ~~الدمشقي . وأبقى الرئيس صفي الدين طارق بن أبي غانم ابن الطريرة ، في منصبه ~~على حاله ، وزاد إقطاعه . # وكان الفقيه عيسى كثير التعصب ، فما رال به ، حتى نقل الخطابة عن الحنفية ~~إلى الشافعية ، وعزل عنها عمي أبو المعالي . ووليها أبو البركات سعيد بن ~~هاشم . وفعل في القضاء كذلك ، فسير إلى القاضي محيي الدين محمد بن زكي ~~الدين علي إلى دمشق ، بسفارة القاضي الفاضل ، فأحضر إلى حلب وولي قضاءها ، ~~وعزل والدي عن القضاء ، وامتدحه محيي الدين بن الزكي ، بقصيدة بائية ، قال ~~فيها : # وفتحكم حلبا بالسيف في صفر . . . مبشر بفتوح القدس في رجب # فاتفق من أحسن الإتفاقات ، وأعجبها ، فتح القدس في شهر رجب من سنة ثلاث ~~وثمانين وخمسمائة . # وأقام محيي الدين في القضاء بحلب مدة ، ثم استناب القاضي زين الدين أبا ~~البيان نبأ بن البانياسي في قضاء حلب ، وطار إلى بلده دمشق . # ثم إن السلطان الملك الناصر أقام بحلب ، ورحل منها في الثاني والعشرين من ~~ربيع الآخر ، من سنة تسع وسبعين وخمسمائة . وجعل فيها ولده الملك الظاهر ~~غازي وكان صبيا وجعل تدبير أمره إلى سيف الدين يازكج . # | صلاح الدين والفرنج # وسار إلى دمشق ، ثم خرج إلى الغزاة في جمادى الآخرة ، وسار إلى ~~PageV01P396 بيسان ، وقد هرب أهلها ، فخربها ، ونهبها ، وخرب حصنها . ثم ~~سار إلى عفر بلا ، فخربها ، وجرد قطعة من العسكر ، فخربوا الناصرة و الفولة ~~وما حولهما من الضياع . # وجاء الفرنج فنزلوا عين الجالوت ، ودار المسلمون بهم ، وبثوا السرايا في ~~ديارهم ، للغارة والنهب ، ووقع جورديك ، وجاولي الأسدي ، وجماعة من النورية ~~على عسكر الكرك و الشوبك ، سائرين في نجدة الفرنج ، فقتلوا منهم مقتلة ~~عظيمة ، وأسروا مائة نفر ، وعادوا . # وجرى للمسلمين مع الفرنج وقعات ، ولم يتجاسروا على الخروج للمصاف ، وعاد ~~السلطان إلى الطور في سابع عشر جمادى الآخرة . فنرل تحت الجبل ، مترقبا ~~رحيلهم ليجد فرصة ، فأصبحوا ، ورحلوا راجعين على أعقابهم . ورحل نحوهم ، ~~وناوشهم ms282 العسكر الإسلاي ، فلم يخرجوا إليهم ، والمسلمون حولهم ، حتى نزلوا ~~الفولة راجعين . وفرغ أزواد المسلمين . فعادوا إلى دمشق ، ودخل السلطان ~~دمشق ، في رابع وعشرين من جمادى الآخرة ثم عزم علىغزو الكرك ، فخرج إليها ~~في رجب ، وكتب إلى أخيه الملك العادل ، وأمره أن يلتقيه إلى الكرك ، وسار ~~السلطان إلى الكرك ، وحاصرها ، ونهب أعمالها ، وهجم ربضها ، في رابع شعبان ~~. وهدم سورها بالمنجنيقات ، PageV01P397 وأعجزه طم خندقها . ووصلت الفرنج ~~لنجدتها فلما اجتمعوا بالجليل ، رحل عنها ، ونزل بإزائها . # # | حلب وأبو بكر بن أيوب # ووصل أخوه الملك العادل ، من مصر ، وعقد لابن أخيه تقي الدين عمر ، على ~~ولايتها . فسار إليها في نصف شعبان . # وعاد السلطان الملك الناصر إلى دمشق ، والملك العادل أخوه معه ، فعقد له ~~على ولاية حلب ، وسار إليها في ثاني شهر رمضان ، فوصلها ، وصعد قلعتها في ~~يوم الجمعة ، ثاني وعشرين من شهر رمضان . وخرج السلطان الملك الظاهر منها ~~ومعه يازكجا ، فوصل إلى والده في شوال . # ويقال إن الملك العادل دفع إلى السلطان ، لأجل حلب ، ثلاثمائة ألف دينار ~~مصرية ، وقيل دون ذلك . وكان السلطان محتاجا إليها لأجل الغزاة ، فلذلك ~~سلم إليه حلب ، وأخذها من ولده ولما دخلها الملك العادل ، ولى بقلعتها صارم ~~الدين بزغش ، وولى الديوان والأقطاع والجند ، واستهداء الأموال ، وشحنكية ~~البلد : شجاع الدين محمد بن بزغش البصراوي ، واستكتب الصنيعة ابن النخال ~~وكان نصرانيا فأسلم على يديه . وولى وقوف الجامع فخر الدين أحمد بن عبد ~~الله بن القصري ، وأمره بتجديد المساجد الداثرة بحلب ، والقيام بمصالحها ، ~~وتوفير أوقافها عليها ، وأن لا يتعرض بوقف المسجد الجامع ، بل يوفر وقفه ~~على مصالحه ، ولا يرفع إلى الزردخاناه إلا ما فضل عن ذلك كله . وجدد في ~~أيامه مساجد متعددة كانت قد تهدمت . # ووقع في أيامه وقعة بين الحنفية والشافعية ، وصار بينهم جراح ، فصنع لهم ~~الملك العادل دعوة في الميدان الأخضر ، وأصلح بين الفريقين ، وخلع على ~~الأكابر من الفقهاء والمدرسين . وهدم الحوش . القبلي الشرقي الذي كان ~~للقلعة ، وهو ما بين PageV01P398 الجسرين تحت المركز ، ورأى أن يسفحه ، ~~فسفحه السلطان الملك الظاهر بعده ، وكتب ms283 عليه اسمه بالسواد إلى أن غاب في ~~أيام ابنه الملك العزيز فجدد ، وزالت الكتابة ، وبقي بعضها . # # | خبر شيخ الشيوخ # ووصل رسول الخليفة شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل ، إلى ~~السلطان الملك الناصر ، في الإصلاح بينه وبين عز الدين صاحب الموصل وورد ~~معه في الموصل القاضي محيي الدين أبو حامد بن الشهرزوري ، الذي كان قاضي ~~حلب ثم تولى قضاء الموصل ، القاضي بهاء الدين أبو المحاسن بن شداد ، الذي ~~صار قاضي عسكر السلطان الملك الناصر ، وولي قضاء حلب في أيام ابنه الملك ~~الظاهر . ولم يتفق الصلح بينهما . # وحضرني حكاية جرت لشيخ الشيوخ مع محي الدين ، في هذه السفرة ، وذلك أن ~~شيخ الشيوخ كان قد وصل إلى السلطان الملك الناصر ، وهو محاصر للموصل ، ~~ليصلح بينه وبين عز الدين ، في المحاصرة الأولى ، فلم يتفق الصلح ، واتهم ~~أهل الموصل شيخ الشيوخ بالميل مع الملك الناصر ، فعمل محيي الدين فيه ~~أبياتا منها : # بعثت رسولا أم بعثت محرضا . . . على القتل تستجلي القتال وتستحلي ؟ # وقال فيها مخاطبا للإمام الناصر : # فلا تغترر منه بفضل تنمس . . . فما هكذا كان الجنيد ولا الشبلي # فبلغت الأبيات شيخ الشيوخ . فلما اجتمعا في هذه السفرة وتباسطا ، قال له ~~شيخ الشيوخ : كيف تلك الأبيات التي عملتها في . فغالطه عنها ، فأقسم عليه ~~بالله أن يتشده إياها ، فذكرها له ، حتى أنشده البيت الذي ذكرناه أولا ، ~~فقال : والله لقد ظلمتني ، وإنني والله ، اجتهدت في الإصلاح فما اتفق ، ~~فأنشده تمامها ، حتى بلغ إلى قوله : فما هكذا كان الجنيد ولا الشبلي . فقال ~~: والله لقد صدقت ، فما هكذا كان الجنيد ولا الشبلي ، أدور على أبواب ~~الملوك من باب هذا إلى باب هذا . PageV01P399 # ثم إن الرسل ساروا عن غير زبدة ، وتوجه الملك العادل من حلب في ذي الحجة ~~، وعيد عند أخيه بدمشق ، ثم عاد إلى حلب . # # | غزو الكرك ونابلس وسبسطية وجنين # واهتم السلطان الملك الناصر ، في سنة ثمانين وخمسمائة ، لغزاة الكرك ، ~~فوصل إليه نور الدين بن قرا أرسلان ، واجتاز بحلب ، فأكرمه الملك العادل ، ~~وأطلعه إلى قلعتها في صفر ، ثم رحل ms284 معه إلى دمشق ، فخرج السلطان ، والتقاه ~~على عبر الجسر ، بالبقاع . ثم تقدم إلى دمشق ولحقاتا وتأهب للغزاة ، وخرج ~~إلى الكرك ، واستحضر العساكر المصرية ، فوصل تقي الدين ابن أخيه ، ومعه بيت ~~الملك العادل ، وخزائنه ، فسيرهم إلى حلب . ونازل الكرك ، وأحدقت العساكر ~~بها ، وهجموا الربض ، وبينه وبين القلعة خندق وهما جميعا على سطح جبل ، ~~وسدوا أكثر الخندق ، وقاربوا فتح الحصن ، وكانت للبرنس أرناط فكاتب من فيها ~~الفرنج ، فوصلوا في جموعهم إلى موضع يعرف ب ' الواله ' ، فسير الملك الناصر ~~الأثقال ، ورحل بعد أن هدم الحصن بالمنجنيقات . # ورحل عنها في جمادى الآخرة ، وأمر بعض العسكر فدخلوا إلى بلاد الفرنج ، ~~فهجموا نابلس ، ونهبوها ، وخربوها ، واستنقذوا منها أسرى من المسلمين ، ~~وفعلوا في سبسطية و جينين مثل ذلك ، وعادوا ودخلوا دمشق مع السلطان . ~~PageV01P400 # # | نحو حران والموصل وميافارقين # ووصل إليه : شيخ الشيوخ بالخلع ، من الخليفة الناصر ، له ولأخيه الملك ~~العادل ، ولابن عمه ناصر الدين ، فلبسوها ، ثم خلع السلطان ، بعد أيام ~~خلعته الواردة من الخليفة على نور الدين بن قرا أرسلان . # وورد إليه رسول مظفر الدين بن زين الدين ، يخبره أن عسكر لا الموصل ، ~~وعسكر قزل نزلوا على إربل ، وأنهم نهبوا وأخربوا ، وأنه انتصر عليهم ، ~~ويشير عليه بقصد الموصل ، ويقوي طمعه ، وبذل له إذا سار إليه خمسين ألف ~~دينار ، فعند ذلك هادن الفرنج مدة . # ورحل من دمشق في ذي القعدة من سنة ثمانين ، فوصل حلب وأقام بها إلى أن ~~خرجت السنة . # وسار منها إلى حران ، والتقاه مظفر الدين بالبيرة ، في المحرم سنة إحدى ~~وثمانين ، وعاد معه إلى حران ، وطالبه بما بذل له من المال ، فأنكر ذلك ~~فأحضر رسوله العلم بن ماهان ، فقابله على ذلك ، فأنكر ، فقبض عليه ، ووكل ~~به . # ثم أخذ منه مدينتي حران والرها ، وأقام في الإعتقال إلى مستهل شهر ربيع ~~الأول ، ثم أطلقه خوفا من انحراف الناس عنه ، لأنهم علموا أنه الذي ملكه ~~البلاد الجزرية ، وأعاد عليه حران ، ووعده بإعادة الرها ، إذ عاد من سفرته ~~، فأعادهما عليه . وسار الملك الناصر إلى الموصل ، فوصل بلد ، فنزلت إليه ~~والدة ms285 عز الدين ، ومعها ابنة نور الدين ، وغيرها من نساء بني أتابك ، يطلبن ~~منه المصالحة ، والموافقة ، فردهن خائبات ، ظنا منه أن عز الدين أرسلهن ~~عجزا عن حفظ الموصل ، واعتذر بأعذار ندم عليها بعد ذلك . PageV01P401 # ورحل ، حتى صار بينه وبين الموصل مقدار فرسخ فكان يجري القتال بين ~~العسكرين ، وبذل أهل الموصل نفوسهم في القتال لرده النساء ، وندم السلطان ~~على ردهن ، وافتتح تل عفر ، فأعطاها عماد الدين صاحب سنجار . # وأقام على حصار الموصل شهرين ، ثم رحل عنها ، وجاءه الخبر بموت شاه أرمن ~~، وكاتبه جماعة من أهل خلاط ، فترك الموصل طمعا في خلاط فاصطلح أهل خلاط ~~مع البهلوان صاحب أذربيجان ، فنرل السلطان على ميافارقين ، وكان صاحبها قطب ~~الدين ايلغاري بن ألبي بن تمرتاش ، وملك بعده حسام الدين يولق أرسلان ، وهو ~~طفل ، فطمع في أخذها ، ونازلها ، فتسلمها من واليها ، وزوج بعض بنيه ببنت ~~الخاتون بنت قرا أبى سلان ، ثم عاد إلى الموصل عند إياسه من خلاط ، فوصل ~~إلى كفرزمار ، في شعبان ، من سنة إحدى وثمانين ، فأقام بها مدة ، والرسل ~~تتردد بينه وبين عز الدين . فمرض السلطان بكفرزمار ، فسار عائدا إلى حران ~~، وأتبعه عز الدين بالقاضي بهاء الدين بن شداد ، وبهاء الدين الربيب ، ~~رسولين إليه في موافقته على الخطبة والسكة ، وأن يكون معه عسكر من جهته ، ~~وأن يسلم إليه شهرزور ، وأعمالها ، وما وراء الزاب . # # | الشفاء وإعادة التوزيع # واشتد مرض السلطان بحران في شوال ، وأيس منه ، وأرجف بموته ، ووصل إليه ~~الملك العادل من حلب ، ومعه أطباؤها ، واستدعى المقدمين من الأمراء من ~~PageV01P402 البلاد ، فوصلوا إليه . وعزم الملك العادل على استحلاف الناس ~~لنفسه . # وسار ناصر الدين صاحب حمص طمعا في ملك الشام ، وقيل إنه إجتاز بحلب ، ~~ففرق على أحداثها مالا ، وسار إلى حمص ، وجرى من تقي الدين بمصر حركات من ~~يريد أن يستبد بالملك . وتماثل السلطان ، وبلغه ذلك كله ، وأركب ، فرآه ~~الناس ، وفرحوا ، وابتنى دارا ظاهر حران فجلس فيها حين عوفي ، فسميت دار ~~العافية . ولما عوفي رد على مظفر الدين الرها ، وأعطاه سنجقا ، وأحضر رسولي ~~الموصل ، وحلف لهما على ms286 ما تقرر في يوم عرفة . # وبلغه موت ابن عمه ناصر الدين ، صاحب حمص ، ورحل عن حران إلى حلب ، وصعد ~~قلعتها يوم الأحد ، رابع عشر محرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة . وأقام بها ~~أربعة أيام ، ثم رحل إلى دمشق ، فلقيه أسد الدين شيركوه ، ابن صاحب حمص ، ~~فأعطاه حمص ، وسار إلى دمشق . # وسير إلى الملك العادل ، وطلبه إليه إلى دمشق ، فخرج من حلب جريدة ، ليلة ~~السبت الرابع والعشرين ، من شهر ربيع الأول من سنة اثنتين . فوصل إليه إلى ~~دمشق ، وجرت بينهما أحاديث ومراجعات استقرت على أن الملك العادل يطلع إلى ~~مصر ، ومعه الملك العزيز ، ويكون أتابكه ، ويسلم حلب إلى الملك الطاهر غازي ~~، وينزل الأفضل إلى دمشق من مصر ، وينزل تقي الدين أيضا منها . وكان الذي ~~حمله على إخراج الملك العادل من حلب أن علم الدين سليمان ابن جندر كان بينه ~~وبين الملك الناصر صحبة قديمة ، قبل الملك ، ومعاشرة ، وانبساط . وكان ~~الملك العادل وهو بحلب لا يوفيه ما يجب له ، ويقدم عليه غيره . فلما عوفي ~~الملك الناصر سايره يوما سليمان ، وجرى حديث مرضه ، وكان قد أوصى لكل واحد ~~من أولاده بشيء من البلاد ، فقال له سليمان بن جندر : بأي PageV01P403 رأي ~~كنت تظن أن وصيتك تمضي كأئك كنت خارجا إلى الصيد ، وتعود فلا يخانفونك ، ~~أما تستحيي أن يكون الطائر أهلى منك إلى المصلحة قال وكيف ذلك ' وهو يضحك ~~قال : إذا أراد الطائر أن يعمل عشا لفراخه ، قصد أعالي الشجرة ، ليحمي ~~فراخه ، وأنت سلمت الحصون إلى أهلك ، وجعلت أولادك على الأرض . # هذه حلب وهي أتم البلاد بيد أخيك ث وحماة بيد تقيئ الذين ، وحمص بيد ابن ~~أسد الدين ، وابنك الأفضل مع تقي الذين بمصر بخرجه متى شاء ، وابنك الآخر ~~مع أخيك في خيمته يفعل به ما أراد . فقال له : صدقت ، واكتم هذا الأمر . ~~PageV01P404 # # | القسم الثامن والعشرون غازي في حلب # ثم أخذ حلب من أخيه ، وأعطاها ابنه الملك الظاهر ، وأعطى الملك العادل ~~بعد ذلك حران ، والرها ، وميافارقين ، ليخرجه من الشام ، ويتوفر الشام عاى ~~أولاده . فكان ما كان ms287 ، وأخرج تقي الدين من مصر ، فشق عليه ذلك وامتنع ا ~~القدوم ، ثم خاف ، فقدم عليه . # وسير الملك العادل الصنيعة لإحضار أهله من حلب ، وسار الملك الظاهر قدس ~~الله روحه - إلى حلب ، وسير في خدمته شجاع الدين عيسى بن بلاشوا وولاه قلعة ~~حلب ، وأوصاه بتربية الملك الطاهر ، وأخيه الملك الزاهر ، وحسام الدين ~~بشارة صاحب بانياس وولاه المدينة ، وجعل الديوان بينهما . # وجعل قرار الملك الظاهر في السنة ثمانية وأربعين ألف دينار بيضا ، كل شهر ~~أربعة الاف دينار . وكل يوم قباء وكمه ، وعليق دوابه من الأهراء ، وخبزه من ~~الأهراء ، واستمزت هذه الوظيفة ، إلى سنة ست وثمانين إلى رجب . # فورد كتاب الملك الئاصر إلى ولده الملك الظاهر ، يأمره بأن يأمر وينهى ~~وأن يقطع الإقطاعات ، وأن البلد بلده . وكان القاضي الزبداني يكتب له ، فلم ~~يعجبه فانصرف على حال غير محمودة . # | تذكر حكايه # وعلى ذكر علم الدين سليمان بن جندر ، تذكرت حكاية مستملحة عنه ، فأثبتها ~~. PageV01P405 أخبرني الزكي أحمد بن مسعود الموصلي المقرىء ، قال : كنت أوم ~~بعلم الدين سليمان بن جندر ، فاتفق أن خرجت معه إلى حارم ، في سنة سبع ~~وسبعين وخمسمائة ، وجلست معه تحت شجرة . هناك . فقال : كنت ومجد الدين أبو ~~بكر ابن الداية والملك الناصر صلاح الدين ، تحت هذه الشجرة ، ونور الدين إذ ~~ذاك يحاصر حارم ، وهي في أيدي الفرنج . فقال مجد الدين : كنت أتمنى أن نور ~~الدين يفتح حارم ، ويعطيني إياها ، فقال صلاح الدين : أتمنى على الله مصر . ~~ثم قالا لي : تمن أنت شيئا ، فقلت : إذ كان مجد الدين صاحب حارم وصلاح ~~الدين صاحب مصر ، ما أضيع بينهما . فقالا : لا بد من أن تتمنى شيئا . فقلت ~~: إذا كان ولا بد من ذلك فأريد عم . # فقذر الله أن نور الدين كسر الفرنج ، وفتح حارم ، وأعطاها مجد الدين ، ~~وأعطاني عم . فقال صلاح الدين : أخذت أنا مصر والله ، فاننا كنا ثلاثة ، ~~وتمنى مجد الدين حارم ، وأخذها . وتمنى علم الدين عم وأخذها . وقد بقيت ~~أمنيتي . فقدر الله تعالى : أن فتح أسد الدين مصر ، ثم آل الأمر إلى أن ms288 ~~ملكها صلاح الدين . وهذا من أغرب الإتفاقات . # وزوج السلطان الملك الناصر ولده الملك الظاهر ، في هذه السنة ، بابنة ~~أخيه غازية خاتون بنت الملك العادل . ودخل بها يوم الأربعاء سادس وعشرين من ~~شهر رمضان . # # | العساكر الإسلامية والفرنج # ثم إن السلطان عزم قصد الكرك مرة أخرى فبرز من دمشق ، في النصف من محرم ~~سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، وسير إلى حلب يستدعي عسكرها ، فاعتاق عليه ، ~~لاشتغاله بالفرنج بأرض أنطاكية ، وبلاد ابن لاون ، وذلك أنه كان قد مات ، ~~وأوصى لابن أخيه بالملك . # وكان الملك المظفر تقي الدين بحماة ، فسير إليه السلطان ، وأمره بالدخول ~~إلى بلاد العدو ، فوصل إلى حلب في سابع عشري محرم ، ونزل في دار عفيف الدين ~~بن زريق ، وأقام بها إلى ثالث صفر ، وانتقل إلى داري الآن ، وكانت إذ ذاك ~~في ملك الأمير طمان . PageV01P406 # ثم خرج إلى حارم ، وأقام بها إلى أن صالحهم في العشر الآواخر من شهر ربيع ~~الأول ، ثم سار حتى لحق السلطان ، وأما السلطان فإنه سار إلى رأس الماء ، ~~واجتمعت إليه العساكر الإسلامية من الموصل ، والشرق ، ومصر ، والشام ، ~~بعشترا ، بعد أن أتته الأخبار أن البرنس أرناط أ يريد الخروج على الحاج ، ~~فأقام قريبا من الكرك مشغلا خاطره ، ليلزم مكانه إلى أن وصل الحاج ، ~~وتقدم إلى الكرك ، وبث سراياه ، فنهبوا بلدها وبلد الشوبك ، وخربوه . # وأرسل إلى ولده الملك الأفضل ، فأخذ قطعة من العسكر ، فدخل إلى بلد عكا ، ~~فأخربوا ونهبوا ، وخرج إليهم جمع من الداوية والاسبتارية ، فظفروا بهم ، ~~وقتل منهم جماعة ، وأسر الباقون ، وقتل مقدم الاسبتار . # وعاد السلطان إلى العسكر ، وعرض العسكر قلبا وجناحين ، وميمنة وميسرة ، ~~وجاليشية وساقة ، وعرف كلا منهم موضعه ، وسار على تعبئة ، فنرل بالأقحوانة ~~بالقرب من طبرية . # وكان القمص صاحبها قد انتمى إلى السلطان ، لخلف جرى بينه وبين الفرنج . ~~فأرسل الفرنج إليه البطرك والقسوس والرهبان ، وتهددوه بفسخ نكاح زوجته ، ~~وتحريمه ، فاعتذر ، وتنصل ، ورجع عن السلطان إليهم . ثم ساروا كلهم بجموعهم ~~إلى صفورية . PageV01P407 # فرحل السلطان ، يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر ، وخلف طبرية وراء ~~ظهره ، وصعد جبلها ، وتقدم ms289 إلى الفرنج ، فلم يخرجوا من خيمهم ، فنرل ، وأمر ~~العسكر بالنزول ، فلما جنه اليل ، جعل في مقابلة الفرنج من يمنعهم من ~~القتال . ونزل إلى طبرية جريدة ، وقاتلها ، وأخذها في ساعة من نهار ، ~~ونهبوا المدينة وأحرقوها . # فلما سمع الفرنج بذلك ، تقدموا إلى عساكر المسلمين ، فعاد السلطان إلى ~~عسكره ، والتقى الفريقان ، وجرى بينهما قتال ، وفرق بينهما اليل . وطمع ~~المسلمون فيهم ، وباتوا يحرض بعضهم بعضا . # فلما كان صباح السبت لخمس بقين من الشهر ، طلب كل من الفريقين موضعه ، ~~وعلم المسلمون أن الأردن من ورائهم ، وبلاد القوم بين أيديهم ، فحملت ~~العساكر الإسلامية من الجوانب ، وحمل القلب ، وصاحوا صيحة واحدة ، فهرب ~~القمص في أوائل الأمر نحو صور ، وتبعه جماعة من المسلمين ، فنجا وحده ، فلم ~~يزل سقيما حتى مات في رجب . # ؟ ؟ # | حطين وأنهزام الفرنج ونهاية أرناط # وأحاط المسلمون بالباقين من كل جانب ، فانهزمت منهم طائفة ، فتبعها ~~المسلمون فلم ينج منهم أحد . واعتصمت الطائفة الأخرى بتل حطين ، وحطين : ~~قرية عندها قبر شعيب عليه السلام فضايقهم المسلمون على التل ، وأوقدوا ~~النيران حولهم ، فقتلهم العطش . وضاق الأمر بهم حتى استسلموا للأسر ، فأسر ~~مقدموهم وهم الملك جفري ، والبرنس أرناط صاحب الكرك وأخو الملك ، وابن ~~الهنفري ، وأولاد الست ، وصاحب جبيل ، ومقدم الداوية ، ومقدم PageV01P408 ~~الاسبتار ، وأمم لا يقع عليها الإحصاء ، حتى كان الرجل المسلم يقتاد منهم ~~عشرين فرنجيا ، في حلقهم حبل . # وأسروا من المصاف ، ومن بلاد الفرنج أكثر من ثلاثين ألفا من الفرنج ، ما ~~بين رجل ، وامرأة ، وصبي . وقتل من المقدمين وغيرهم خلق لا يحصى . ولم يجر ~~على الفرنج منذ خرجوا إلى الساحل مثل هذه الوقعة . # وكان من جملة الغنيمة في يوم المصاف صليب الصلبوت ، وهو قطعة خشب مغلفة ~~بالذهب ، مرصعة بالجوهر ، يزعمون أن ربهم صلب عليها ، وضربت في يديه ~~المسامير ، أحضروه معهم يوم المصاف تبركا به ، ورفعوه على رمح عال . فأما ~~مقدم الدواية والأسبتار ، فاختار السلطان قتلهم فقتلوا ، وأما الملك جفري ، ~~فإنه أكرمه ، وجلس له في دهليز الخيمة ، واستحضره ، وأحضر معه البرنس أرناط ~~، وناول الملك جفري شربة من جلاب بثلج ، فشرب منها ms290 ، وكان على أشد حال من ~~العطش . ثم ناول الملك بعضها برنس أرناط ، فقال السطان للترجمان : قل للملك ~~: أنت الذي سقيته ، وإلاما سقيته أنا . وأراد بذلك عادة العرب أن الأسير إذ ~~أكل أو أشرب ممن أسره أمن . # وكان السلطان قد نذر مرتين إن أظفره الله به أن يقتله . إحداهما لما أراد ~~المسير إلى مكة والمدينة ، وبعثرة قبر النبي صلى الله عليه وسلم . # والمرة الأخرى أن السلطان كان قد هادنه ، وتحالفا على أمن القوافل ~~المترددة من الشام إلى مصر . فاجتاز به قافلة عظيمة ، غزيرة الأموال ، ~~كثيرة الرجال ، ومعها جماعة من الأجناد ، فغدر بهم الملعون ، وأخذهم ~~وأموالهم وقال لهم : قولوا لمحمد يجيء ينصركم . فبلغ ذلك السلطان سير إليه ~~، وهدده ، PageV01P409 ولامه ، وطلب منه ردها فلم يجب ، فنذر أن يقتله متى ~~ظفر به . # فالتفت السلطان إلى أرناط ، ووافقه على ما قال ، وقال له : هل أنا أنتصر ~~لمحمد . ثم عرض عليه الإسلام ، فلم يفعل . فسل السيف ، وضربه به ، فحل كتفه ~~، وتمم عليه من حضر . وأخذ ورمي على باب الخيمة . # فلما رآه الملك على تلك الصورة لم يشد في أنه يثني به ، فاستحضره ، وطيب ~~قلبه ، وقال : لم تجر عادة الملوك أنهم يقتلون الملوك . ولكن هذا طغى ، ~~وتجاوز حده فجرى ما جرى . # # | فتح طبرية وعكا وبيروت وغيرها # ثم إن السلطان أصبح يوم الأحد ، الخامس والعشرين ، فنزل على طبرية ، ~~وتسلم قلعتها بالأمان من صاحبتها ثم رحل منها يوم الثلاثاء إلى عكا ، فنرل ~~عليها يوم الأربعاء سلخ الشهر . وقاتلها يوم الخميس مستهل جمادى الأولى ، ~~فأخذها ، واستنقذ منها أربعة آلاف أسير من المسلمين ، وأخذ جميع ما فيها ، ~~وتفرق العسكر . # وفتح بعده قيسارية ويالس ، وحيفا ، وصفورية ، والناصرة ، والشقيف ، ~~والفولة ، فأخذوها ، واستولوا على سكانها ، وأموالها . # ورحل السلطان من عكا إلى تبنين ، وقاتلها ، منها إلى صيدا فتسلمها يوم ~~الأربعاء العشرين منه . ثم سار إلى بيروت ، ففتحها في التاسع والعشرين منه ~~. ثم سلمت جبيل ، إلى أصحابه وهو على بيروت . PageV01P410 # ثم سار إلى عسقلان ، ونازلها يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة ، ~~وتسلمها يوم السبت سلخ ms291 جمادى الآخرة ، بعد أن تسلم في طريقه مواضع كالرملة ~~وينبا و الداروم . وأقام على عسقلان ، وتسلم أصحابه غزة ، وبيت جبرين ، ~~والنطرون ، وبيت لحم ، ومسجد الخليل عليه السلام . # # | تسلم القدس من الفرنج # وسار إلى بيت المقدس ، فنزل عليه يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب من سنة ~~ثلاث وثمانين ، فنزل بالجانب الغربي ، وكان مشحونا بالمقاتلة من الخيالة ~~والرجالة . وكان عليه من المقاتلة ما يريد على ستين ألفا غير النساء ~~والصبيان . ثم انتقل إلى الجانب الشمالي ، يوم الجمعة العشرين من شهر رجب ~~ونصب عليه المنجنيقات ، وضايقه بالزحف ، والقتال ، وكثرة الرماة ، حتى أخذ ~~النقب في السور ، مما يلي وادي جهنم ، في قرنة شمالية . ولما رأوا ذلك ~~وعلموا أن لا ناصر لهم ، وأن جميع البلاد التي افتتحها السلطان صار من بقي ~~من أهلها إلى القدس ، خرج عند ذلك إليه ابن بارزان ، ملقيا بيده ، ~~ومتوسطا لأمر قومه ، حتى استقر مع السلطان خزوج الفرنج عنها بأموالهم ~~وعيالهم ، وأن يؤدوا عن كل رجل منهم عشرة دنانير ، وعن كل امرأة خمسة ~~دنانير ، وعن كل طفل لم يبلغ الحلم دينارين . ومن عجز عن ذلك استرق ، فبلغ ~~الحاصل من ذلك عن من خرج منهم مائتين وستين ألف دينار صورية ، واسترق بعد ~~ذلك منهم نحو ستة عشر ألفا . # وكان السلطان قد رتب في كل باب أميرا أمينا لأخذ ما استقر عليهم ، ~~فخانوا ، ولم يؤدوا الأمانة ، فإنه كان فيه ، على التحقيق ، العدة التي ~~ذكرناها . وأطلق ابن PageV01P411 بارزان ثمانية عشر ألف رجل من الفقراء ، ~~وزن عنهم ثلاثين ألف دينار . # وتسلم القدس في يوم الجمعة السابع والعشرين ، من شهر رجب ، وأقيمت صلاة ~~الجمعة فيه ، في الجمعة التي تلي هذه ، وهي رابع شعبان . # وخطب بالناس محيي الدين بن زكي الدين ، وهو يومئذ قاضي حلب وأزيلت ~~الصلبان من قبة الصخرة ، ومحراب داود ، وأزيل ما كان بالمسجد الأقصى من ~~حوانيت الخمارين ، وهدمت كنائسهم والمعابد ، وبنيت المحاريب والمساجد . ~~وأقام السلطان على القدس ، ثم رحل عنه ، في الخامس والعشرين من شعبان ، ~~فنرل على صور بعد أن قدم عليه ولده ms292 الملك الظاهر ، من حلب في ثامن عشر شهر ~~رمضان ، قبل وصوله إليها . # وكان نروله على صور في ثاني عشرين من شهر رمضان ، وضايقها ، وقاتلها . ~~واستدعى أسطول مصر ، فكانت منه غزة في بعض الليالي ، وظنوا أنه ليس في ~~البحر من يخافونه ، فما راعهم إلا ومراكب الفرنج من صور قد كبستهم ، وأخذوا ~~منهم جماعة ، وقتلوا جماعة ، فانكسر نشاط السلطان ، ورحل عنها في ثاني ذي ~~القعدة ، وأعطى العساكر دستورا ، وساروا إلى بلادهم . # # | هونين وطرطوس وجبلة واللاذقية وصهيون # وأقام هو بعكا ، إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة ، وكان من بهونين ~~قد أرسلوا إلى السلطان ، وهو بصور ، فأمنهم ، وسير من تسلمها . وسار ~~السلطان ، فنرل على حصن كوكب في أوائل المحرم من السنة . وكان قد جعل حولها ~~جماعة يحفظونها من دخول قوة ، فأخذ الفرنج عزتهم ليلا ، وكبسوهم ~~PageV01P412 بعفربلا ، وقتلوا مقدمهم سيف الدين أخا الجاولي . فسار السلطان ~~، ونزل عليها بمن كان قد بقي من خواصه بعكا ، وكان ولده الملك الظاهر قد ~~عاد عنه إلى حلب ، وعاد أخوه الملك العادل إلى مصر ، فحصره ، ثم رأى أنه ~~حصن منيع ، فرحل عنه وجعل عليه قايماز النجمي محاصرا . # وسار إلى دمشق ، ثم سار من دمشق في النصف من ربيع الأول إلى حمص ، فنرل ~~على بحيرة قدس ، ووصل إليه عماد الدين زنكي صاحب سنجار ، وتلاحقت به ~~العساكر ، واجتمعت عنده ، فنرل على تل قبالة حصن الأكراد ، في مستهل ربيع ~~الآخر ، وسير إلى الملك الظاهر إلى حلب وإلى الملك المظفر ، بأن يجتمعا ~~وينرلا بتيزين قبالة إنطاكية لحفظ ذلك الجانب ، فسارا حتى نرلا تيزين في ~~شهر ربيع الآخر وتواصلت إليه العساكر في هذه المنزلة . # ثم رحل يوم الجمعة رابع جماى الأولى ، على تعبئة لقاء العدو ، ودخل إلى ~~بلاد العدو ، وأغار على صافيتا والعريمة وغير ذلك من ولاياتهم . ووصل إلى ~~انطرسوس في سادس جمادى الأولى فوقف قبالتها ، ونظر إليها ، وسير من رد ~~الميمنة ، وأمرها بالنزول على جانب البحر ، وأمر الميسرة بالنزول على البحر ~~، من الجانب الآخر ، ونزل في موضعه ، وأحدقت العساكر بها من البحر إلى ms293 ~~البحر ، وزحف عليها ، فما استتم نصب الخيم حتى صعد الناس السور ، وأخذها ~~بالسيف ، وغنم العسكر جميع ما بها ، وخرب سور البلد . # وسار إلى حلب ، فوصل إليه ولده الملك الظاهر في أثناء الطريق ، بالعساكر ~~PageV01P413 التي كانت بتيزين . ووصل إلى جبلة في ثامن عشر يوم الجمعة ، ~~فما استتم نزول العسكر حتى تسلم البلد ، سلمها إليه قاضيها وأهلها ، وكانوا ~~مسلمين تحت يد الفرنج ، فعملوا عليها وسلموها وبقيت القلعة ممتنعة . وقاتل ~~القلعة ، فسلمت بالأمان يوم السبت تاسع عشر الشهر . وسار عنها إلى اللاذقية ~~، فنرل عليها يوم الخميس رابع عشري جمادى الأولى ، ولها قلعتان ، فقاتلها ، ~~وأخذ البلد ، وغنموا منه غنيمة ، وفرق الليل بين الناس . وأصبح المسلمون ~~يوم السبت ، واجتهدوا في قتال القلعتين ، ونقبوا في السور مقدار ستين ~~ذراعا . فأيقن الفرنج بالعطب ، فطلبوا الأمان ، يوم الجمعة الخامس ~~والعشرين من جمادى الأولى ، وسلموها يوم السبت . # ورحل عن اللاذقية ، يوم الأحد ، فنرل على صهيون ، ونزل عليها يوم ~~الثلاثاء تاسع عشري جمادى الأولى ، واستدار العسكر حولها ، واشتد القتال ~~عليها من جميع الجوانب ، فضربها منجنيق ولده الملك الظاهر ، حتى هدم قطعة ~~من سورها تمكن الصاعد الصعود منها . وزحف عليها السلطان بكرة الجمعة ، ثاني ~~جمادى الآخرة ، فما كان إلا ساعة حتى ارتقى المسلمون على أسوار الربض ، ~~فهجموه ، فانضم أهله إلى القلعة ، فاتلهم المسلمون فصاحوا الأمان . وسلموها ~~على صلح القدس . # وأقام السلطان بها حتى تسلم عدة قلاع ، كالغيد وقلعة الجماهريين وحصن ~~بلاطنش . ثم رحل ونزل على بكاس ، وهي قلعة حصينة ، من أعمال حلب على جانب ~~العاصي ، ولها نثر يخرج من تحتها يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة على شاطىء ~~العاصي . PageV01P414 # # | بكاس والشغر وسرمانية وبرزية # وصعد السلطان جريدة إلى القلعة ، وهي على جبل مطل على العاصي ، فأحدق بها ~~من كل جانب ، وقاتلها قتالا شديدا بالمنجنيقات والزحف . وفتحها يوم ~~الجمعة تاسع جمادى الآخرة عنوة ، وأسر من كان بقي فيها ، وغنم جميع ما كان ~~فيها . وكان لها قلعة تسمى الشغر قريبا منها يعبر من إحداهما إلى الأخرى ~~بجسر ، فضربها بالمنجنيقات إلى أن طلبوا الأمان ، ثم سلمها ms294 أهلها بعد ثلاثة ~~أيام ، يوم الجمعة سادس عشر الشهر . # ثم عاد السلطان إلى الثقل ، وسير ولده الملك الظاهر إلى قلعة تسمى ~~سرمانية يوم السبت ، فقاتلها قتالا شديدا ، وتسلمها يوم الجمعة ثالث عشري ~~الشهر المذكور . # واتفق له هذه الفتوحات المتتابعة كلها في أيام الجمع . وكذلك القدس يوم ~~الجمعة . ثم سار السلطان جريدة إلى حصن برزية وهو الذي يضرب به المثل في ~~الحصانة ، ويحيط به أودية من سائر جوانبه ، وعلوها خمسمائة ذراع ونيف ~~وسبعون ذراعا ، فتأمله وقوى عزمه على حصاره ، واستدعى الثقل وبقية العسكر ~~، يوم السبت رابع عشري جمادى الآخرة . فنزل الثقل تحت الجبل . # وفي بكرة الأحد صعد السلطان جريدة ، مع المقاتلة ، والمنجنيقات ، وآلات ~~الحصار إلى الجبل ، فأحدق بالقلعة ، وركب المنجنيقات عليها فقاتلها ليلا ~~ونهارا . ثم قسم العسكر على ثلاثة أقسام ، يوم الثلاثاء . ورتب كل قسم ~~يقاتل شطرا من النهار ، بحيث لا يفتر القتال عليها . # وحضرت نوبة السلطان ، فتسلمها بنفسه ، وركب ، وصاح في الناس ، فحملوا ~~حملة الرجل الواحد ، وطلعوا إلى الأسوار ، وهجموها عنوة ، ونهبوا جميع ما ~~فيها ، PageV01P415 وأسروا من كان فيها . وعاد السلطان إلى الثقل . وأحضر ~~صاحبها ومعه من أهله سبعة عشر نفرا ، فرق له السلطان ، وأطلقه مع جماعته ، ~~وأنفذهم إلى صاحب انطاكية ، إستمالة له . فإنهم كانوا من أهله . # # | درب ساك وبغراس وصفد والكرك # ثم سار السلطان حتى نزل على درب ساك ، يوم الجمعة ثامن شهر رجب من السنة ~~، فقاتلها قتالا شديدا بالمنجنيقات . وأخذ النقب تحت برج منها ، فوقع ، ~~وحماه الفرنج بالرجال ، ووقفوا فيه يحمونه على كل من يروم الصعود فيه ، ~~وجعلوا كلما قتل منهم واحد أقاموا غيره مقامه ، عوضا عن السور . # ثم طلبوا الأمان على أن ينزلوا بأنفسهم وثيابهم لا غير ، بعد مراجعتهم ~~أنطاكية ، وتسلمها السلطان ، يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رجب ، ~~وأعطاها علم الدين سليمان بن جندر . # وسار عنها بكرة السبت ، ثالث عشري الشهر ، ونزل في مرج بغراس ، وأحدق بعض ~~العسكر ببغراس ، وأقام يزكا على باب أنطاكية بحيث لا يشد عنه من يخرج منها ~~. وقاتل البلد مقاتلة شديدة حتى ms295 طلبوا الأمان ، وشرطوا إستئذان أنطاكية . ~~وتسلمها في ثاني شعبان من السنة . وفي ذلك اليوم عاد إلى الخيم ، وراسله ~~أهل أنطاكية في طلب الصلح فصالحهم ، لشدة ضجر العسكر ، وقلق عماد الدين ~~صاحب سنجار لطلب العود إلى بلاده . واستقر الصلح بينه وبين صاحب أنطاكية ~~على أنطاكية لا غير ، دون غيرها من بلاد الفرنج ، على أن يطلقوا جميع أسرى ~~المسلمين الدين عندهم . وأن يكون ذلك إلى سبعة أشهر ، فإن جاءهم من ينصرهم ~~وإلا سلموا البلد إلى السلطان . PageV01P416 # وطلبه ولده الملك الظاهر أن يتوجه معه إلى حلب ، فسار معه إليها ، ودخلها ~~في حادي عشر شعبان ، وأقام بقلعتها ثلاثة أيام في ضيافة الملك الظاهر ، ~~وأنعم الملك الظاهر على جماعة كثيرة من عسكره ، فأشفق السلطان عليه . وسار ~~من حلب في رابع عشر شعبان ، فوصل دمشق قبل دخول شهر رمضان . # فسار في أوائل شهر رمضان حتى نزل صفد ، ونصب عليها المناجيق ، وداومها ~~بالقتال حتى تسلمها بالأمان في رابع عشر شوال . وكان أصحابه الدين جعلهم ~~على حصار الكرك لازموا الحصار هذه المدة العظيمة ، وصابرهم من بها من ~~الفرنج ، حتى فنيت أزوادهم وذخائرهم ، وأكلوا دوابهم . فراسلوا أخا السلطان ~~الملك العادل وكان قريبا منهم ، منارلا بعض القلاع فطلبوا منه الأمان ~~فأمنهم ، وتسلمها . وتسلم أيضا الشوبك ، وغيرها من القلاع التي تجاورها . # # | فتح كوكب وشقيف أرنون # ثم سار السلطان من صفد إلى كوكب ، ف نزل على سطح الجبل ، وأحدق العسكر ~~بالقلعة ، وضايقها بالقتال ، حتى تمكن النقب من سورها ، فطلب أهلها الأمان ~~فتسلمها في النصف من ذي القعدة . وسار بعد ذلك بمدة إلى بيت المقدس فدخله ~~يوم الجمعة ثامن ذي الحجة ، وسار إلى عسقلان مودعا أخاه الملك العادل وكان ~~متوجها إلى مصر ، فأخذ من أخيه عسقلان ، وأعطاه الكرك . وتوجه لتفقد البلاد ~~الساحلية ودخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة وهو بعكا . وتوجه إلى دمشق فدخلها ~~مستهل صفر . # ثم توجه في الثالث من شهر ربيع الأول ، إلى مرج فلوس محاصرا لشقيف أرنون ~~، ورحل من مرج فلوس ، فأتى مرج عيون ، وهو قريب من شقيف أرنون في سابع ms296 عشر ~~ربيع الأول . PageV01P417 # وضاق على الفرنج المجال ، وقلت أزوادهم . فنزل أرناط صاحب الشقيف إليه ~~وكان عظيما فيهم ذا رأي ودهاء ، فأظهر الطاعة والمودة للسلطان ، ووعده ~~بتسليم المكان وقال : أريد أن تمهلني حتى أخلص أولادي وأهلي من الفرنج ، ~~وأسلم إليك الحصن ، وتعطيني موضعا أسكن فيه بدمشق ، وأقطاعا تقوم بي ~~وبأهلي وتمكنني الآن من الإقامة بالشقيف ، حتى أخلص أولادي . # فأجابه السلطان إلى ذلك . وجعل يتردد إلى خدمته . وكانت الهدنة بين ~~أنطاكية وبينه قد قرب وقتها ، وخاطره مشغول بذلك . وقد سير إلى تقي الدين ~~أن يجمع من يقارب تلك الناحية من العساكر ، ويكون بإزاء أنطاكية . # وبلغه أيضا أن الفرنج قد تجمعوا بصور في جموع عظيمة ، وكان الأمر قد ~~استقر مع أرناط أن يسلم إليه الشقيف ، في جمادى الآخرة ، وهو مقيم بمرج ~~عيون ينتظر الميعاد ، وأرناط في هذه المدة يشتري الأقوات من سوق المسلمين ، ~~ويقوي الشقيف ، والسلطان يحسن الظن به ، ولا يسمع فيه قول من يعلمه بغدره ~~ومكره . # فلما بقي من المدة ثلاثة أيام وحضر عنده أرناط قال له في معنى تسليم ~~الشقيف ، فاعتذر بأولاده وأهله ، وأن المركيس لم يمكنهم من المجيء إليه ، ~~وطلب التأخير مدة أخرى . # فعلم السلطان مكره ، فأخذه وحبسه ، فأجاب إلى التسليم ، فسير مع جماعة من ~~العسكر إلى تحت الشقيف ، فأمرهم بالتسليم ، فامتنعوا ، وطلب قسيسا حدثه ~~بلسانه وعاد بما قال إليهم ، فاشتدوا في المنع . # فعلم حينئذ أن ذلك كان تأكيدا مع القسيس ، فأعادوه إلى السلطان ، وسيره ~~إلى بانياس ، وتقدم إلى الشقيف فحصره ، وضيق عليه ، وجعل عليه من يحفظه ، ~~PageV01P418 إلى أن سلمها من بها بعد أن عذب صاحبها أشد العذاب ، واشترطوا ~~إطلاق صاحبها ، في يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الأول من سنة ست وثمانين . # وأما بقية الفرنج ، فإن ملكهم كان وعده السلطان أنه متى سلم عسقلان أطلقه ~~، فاتفق أنه أطلقه بأنطرسوس ، حين فتح تلك الناحية ، واشترط عليه أن لا ~~يشهر في وجهه سيفا أبدا ، فنكث ، واتفق مع المركيس صاحب صور وعسكرا مع ~~جموع الفرنج على باب صور . واتفق بينهم وبين المسلمين ms297 حروب وغارات كانت ~~النكاية فيها سجالا بين الفريقين ، بحيث تحاجز الفريقان في آخر تلك الأيام ~~من جمادى الآخرة من هذه السنة . # # | القتال حول عكا # وسار الفرنج إلى حصار عكا ، فنزلوا عليها في يوم الأربعاء ثامن شهر رجب . ~~وسار السلطان فنزل عليهم بظاهر عكا ، ومنعهم من الإحاطة بسورها فكان نازلا ~~على قطعة منها تلي الشمال ، ومعه الباب الشمالي من عكا مفتوحا والمسلمون ~~يدخلون إليها ويخرجون ، والفرنج على الجانب الجنوبي ، وقد أغلق في وجوههم ~~الباب المعروف بباب عين البقر ، وكان الفرنج يقومون بمحارب المسلمين ، من ~~جانب المدينة ومن جانب العسكر . # وجرت بينهم وبين الفرنج وقعات متعددة ، من أعظمها وقعة اتفقت يوم الجمعة ~~الثالث والعشرين من شعبان ، خرج الفرنج واصطفوا على تعبئة القتال ، والملك ~~في القلب وبين يديه الإنجيل ، فوقف المسلمون أيضا على تعبئة ، وتحركت ~~ميسرة الفرنج على ميمنة المسلمين ، وفيها الملك المظفر ، فتراجع عنهم ، ~~وأمده السلطان بأطلاب عدة من القلب ، فخف القلب ، وعادت ميسرة الفرنج فطمعت ~~فيه فحملوا على القلب ، فانكسر ، وانكسر معه معظم الميمنة ، وبلغت هزيمتهم ~~إلى الأقحوانة ، ومنهم من دخل دمشق . # ووصل الفرنج إلى خيم السلطان ، فقتلوا ذلك اليوم أبا علي الحسين بن عبد ~~الله بن رواحة . وكان قد مدح النبي صلى الله عليه وسلم ووقف بإزاء قبره ، ~~وأنشد قصيدته . PageV01P419 # وقال : يا رسول الله إن لكل شاعر جائزة وقرى ، وإني أطلب جائزتي الشهادة ~~، فاستجاب الله دعاءه . # وقتل ذلك اليوم مكبس السلطان وطشت داره ، وثبتت ميسرة المسلمين ، وصاح ~~السلطان فيمن بقي من المسلمين : يال الإسلام . وعادت ميسرة الفرنج إلى ~~عسكره ، فتكاثر الناس وراءهم ، وحملوا عليهم ، فانهزموا ، وتبعهم المسلمون ~~، فقتلوا منهم زهاء سبعة آلاف . ولم يقتل من المسلمين غير مائة وخمسين ~~نفرا . # ثم إن الحرب إتصلت بينهم ليلا ونهارا ، وكثر القتل بينهم ، وأقبل ~~الشتاء ، فلقي المسلمون منه شدة . وحضروا إلى السلطان ، وأشاروا عليه ~~بالرحيل عن عكا إلى الخروبة ، لينفسخ ما بين العسكرين . وكان ذلك للضجر من ~~تلك المواقفة ، وملازمة القتال ، حتى أوهم السلطان وقالوا له : إنك قد ضيقت ~~على الفرنج مجال الهرب ms298 ، وحلت بينهم وبين صور ، وطرابلس ، ولو أفرجت لهم عن ~~الطريق لما وقفوا بين يديك . فرحل السلطان إلى الخروبة . # فأصبح الفرنج وقد انبسطوا على عكا ، وأحاطوا بها من سائر جهاتها ، واتصل ~~ما بينهم وبين صور ، وجاءت مراكبهم منها ، فحصرت عكا من جانب البحر ، وضعفت ~~قلوب المسلمين بعكا ، وعادوا يقتاتون من الحواصل المدخورة ، بعد أن كان من ~~المير المجلوبة . # وتوفر الفرنج على قتال أهل عكا بعد أن كانوا مشغولين بالعسكر ، وشرع ~~الفرنج في إدارة خندق على عساكرهم ، كاستدارتهم بعكا ، وجعلوه شكلا ~~هلاليا : طرفاه متصلان بالبحر ، وأقاموا عليه سورا مما يليهم ، وشرفوه ~~بالجنويات والطوارف ، و التراس . # واتصلت الأمداد إليهم من البحر ، بالأقوات والرجال والأسلحة ، حتى كان ~~PageV01P420 ينقل إليهم البقول الرطبة ، والخضراوات من جزيرة قبرس فتصبح ~~عندهم في اليوم الثاني . # # | تحرك الصليبيين الألمان # وسير السلطان إلى الخليفة ، وإلى ملوك الإسلام ، يستنفر ويستصرخ ، واتصلت ~~الأخبار بوصول ملك الألمان إلى القسطنطينية ، في ستمائة ألف رجل ، منهم ~~ثلاثمائة ألف مقاتل ، وثلاثمائة ألف سوقة ، وأتباع وصناع . # وحكي أنه كان في عسكره خمسة وعشرون ألف عجلة تنقل الأسلحة والعلوفات ، ~~فأسقط في أيدي المسلمين ، واستولى اليأس عليهم ، وتعلقت آمالهم أنه ربما ~~مانعه من في طريقه من الأرج ومن قلج أرسلان ، فلم يتفق شيء من ذلك ، بل سار ~~، وقطع البلاد ، حتى وصل إلى قونية . # وأرسل الله عليهم وباء عظيما وحرا عظيما ، ومجاعة أحوجتهم إلى نحر ~~دوابهم ، وذبح البقر الذي يجر العجل ، فكان يموت في كل يوم ألوف من الرجال ~~، ويسابقون الموتان إلى ما معهم من الدواب الحاملة للأثقال ، حتى وصلوا إلى ~~أنطاكية ولم يبق منهم إلا دون العشر . # وكان في جملة من مات منهم ملكهم الذي غزا الشام ، في سنة أربع وأربعين ، ~~وحاصر دمشق ، مات غريقا في نهر بطرسوس يقال له الفاتر ، نزل ، وسبح فيه ~~فغرق . وقيل بأنه سبح فيه وكان الماء باردا ، فمرض ومات . وأخذ وسلق في خل ~~، وجمعت عظامه ، ليدفن في البيت المقدس . وأوصى بالملك لابنه مكانه ، ~~واتفقت الكلمة عليه ، فمرض بالثنيات ، وأقام بها ، وسير كند أكرا على عسكره ms299 ~~، ووصل إلى أنطاكية ، فمات ذلك الكند بها . وخرج البرنس إلى الملك ، ~~واستدعاه إلى أنطاكية طمعا في أنه يموت ويأخذ PageV01P421 ماله . وكان قد ~~فرق عسكره ثلاث فرق لكثرته ، فالفرقة الأولى : اختارت تحت بغراس مع الكند ~~المذكور . فوقع عليه عسكر حلب فأخذ منهم مائتي رجل ، ووقع أيضا على جمع ~~عظيم خرجوا للعلوفة ، فقتلوا منهم جماعة كثيرة ، وأسروا زهاء خمسمائة نفر . # ولما وصل ملك الألمان إلى أنطاكية أخذها من صاحبها ، وأودع فيها خزائنه ، ~~وسار منها يوم الأربعاء خامس وعشرين من شهر رجب ، سنة ست وثمانين وخمسمائة ~~، متوجها إلى عكا ، وفشا فيهم الوباء حتى لم يسلم من كل عشرة واحد . ولم ~~يخرجوا من أنطاكية حتى ملؤوها قبورا . # ووصل الملك إلى طرابلس ، في نحو ألفي فارس ، لو صادفهم مائة من المسلمين ~~لأخذوهم ، ووصلوا إلى عكا رجالة ضعفاء ، لا ينفعون . ومات ابن ملك الألمان ~~على عكا في ذي الحجة ، من سنة ست . # # | الأساطيل البحرية # ووصل إلى المسلمين بعكا الأسطول المصري في خمسين شينيا غنم في طريقه ~~إليها بطس ومراكب فرنجيه ، أسر رجالها وغنم أموالها . وجرى له مصادمات مع ~~مراكب الفرنج المحاصرة لعكا ، كانت الغلبة فيها للمسلمين ، فدخلوا إلى عكا ~~، وتماسكت بما دخل فيها من الأقوات والسلاح ، وكان دخولها في يوم الإثنين ~~رابع عشر شعبان ، من سنة ست وثمانين . # وفي هذا الشهر ، جهز الفرنج بطسا متعددة ، لمحاصرة برج الذبان وهو على ~~باب ميناء عكا فجعلوا على صواري البطس برجا ، وملؤوه حطبا ونفطا ، على ~~أنهم يسيرون بالبطس ، فإذا قاربت برج الذبان ولاصقته ، أحرقوا البرج الذي ~~على الصاري ، وألصقوه ببرج الذبان ، ليلقوه على سطحه ، ويقتل من عليه من ~~المقاتلة ويأخذونه . PageV01P422 # جعلوا في البطسة وقودا كثيرا ، ليلقوه في البرج إذا اشتعلت النار فيه . ~~وعبؤوا بطسا ملؤوها حطبا ، على أنهم يدفعونها لتدخل بين بطس المسلمين ، ~~ثم يلهبونها لتحرق بطس المسلمين . # وجعلوا في بطسة ثالثة مقاتلة ، تحت قبو ، بحيث لا يصل إليهم نشاب ، ~~ويكونون تحت القبو ، ويقدمون البطسة إلى البرج ، فأوقدوا النار ، وضربوا ~~النفط ، فانعكس الهواء عليهم ، فاحترقت البطسة ، وهلك من فيها ms300 ، واحترقت ~~البطسة الثانية ، وأخذها المسلمون ، وانقلبت الثالثة التي فيها القبو بمن ~~فيها . # وفي هذه السنة ، في ربيع الأول ، أحرق المسلمون ما كان صنعه الفرنج من ~~آلات الحرب والزحف إليهم ، وهي أبرجة عظيمة المقدار ، يزحف بها على عجل ، ~~وفيها المقاتلة ، والجروخ ، والمجانيق ، فعمد لها رجل دمشقي يعرف بعلي بن ~~النحاس ، فرماها من السور ، بقدور نفط متتابعة ، وصار فيها ريح غريبة ، ~~كانت سببا لإحراق تلك الآلات وما فيها ومن فيها . # واشتد حصار الفرنج على عكا ، ومل من بها من الأجناد المقام ، ووصل إليهم ~~من مصر مراكب فيها غلة ، فأتلفوها بالإضاعة وبالتغريق ، تبرما بالمقام . # وفي ربيع الأول ، وصلت من بلاد الفرنج مراكب كثيرة ، فيها ألوف من مقاتلة ~~الفرنج من أكبرهم ملكان : يعرف أحدهما بملك الفرنسيس والآخر بملك انكتير ، ~~فاشتدت وطأتهما على عكا ، وعظمت نكايتهما ، في سورها . وقل ما بها من ~~الميرة والسلاح . # فأمر السلطان بأن أوسق مركب عظيم من بيروت ، واستكثر فيه من السلاح ~~والأقوات والمقاتلة ، وأظهر عليه زي الفرنج وشعارهم ، وأخذ قوم من أساري ~~الفرنج الذين في قبضة المسلمين ، فتركوا على ظاهر المركب ، وأنزل معهم في ~~المركب جماعة من المسلمين ممن يعرف لغة الفرنج ، وتزيوا بزي الفرنج ، ~~وحلقوا شعورهم ، وأخذوا معهم خنازير ، ورفعوا على قلع المركب صليبا . ~~وأوهموا الفرنج PageV01P423 أنهم واصلون إليهم نجدة من بلادهم ، وأقلعوا ~~داخلين إلى مرسى عكا ، مسلمين على الفرنج بلغتهم ، مبشرين لهم بأن وراءهم ~~من المدد ، من تثدد به منتهم وتعز به نصرتهم ، فلم يرتب المحاصرون بذلك ، ~~وأفرجوا لهم عن المرسى . # فدخلوا إلى عكا ، وأوصلوا إلى المسلمين بها ، ما كان معهم من الميرة ~~والسلاح والرجال ، وتمت هذه الحيلة . وكانت من الفرص التي لا ينبغي أن ~~تعاود فركن المسلمون إليها ، وطمعوا في أخرى مثلها ، فجهزوا مركبا عظيما ~~من بيروت أيضا ، وأودعوه مثل ما كان قبله من الآلات والسلاح والأقوات بما ~~مبلغ قيمته خمسة آلاف دينار . وجعل فيه سبعمائة من مقاتلة المسلمين . وكان ~~خبرهم قد وصل إلى الفرنج ، فأخذوا عليهم الأرصاد ، فمكثوا أياما يلججون في ~~البحر ، ويقاربون عكا ، فلا يجدون ms301 في الدخول مطمعا ، حتى صادفتهم مراكب ~~الإنكتير في حال قدومه من بلاده ، في إحدى وعشرين مركبا فقاتلوا ذلك ~~المركب الإسلامي يومين ، وثبت لهم مع قلته ، فغرق المسلمون من مراكب الفرنج ~~ثلاثة . # ولما رأوا أنهم قد يئسوا من النجاة ، وأن الفرنج إن ظفروا بالمركب حصل ~~لهم به قوة عظيمة ، وحصلوا في الأسر والذلة ، عمد رجل حلبي حجار من أهل باب ~~الأربعين ، يقال له يعقوب وكان مقدم الجماعة إلى سفل المركب وأخذ قطاعته ، ~~وخسف المركب ، ودخل فيه الماء ، وغرق . ولم يظفر الكفار منه بشيء ، سوى ~~رجلين تخطفهما الفرنج من رأس الماء ، واحتملوهما في مراكبهم ، فأخبرا بهذه ~~الكائنة . # ولما وصل هذا الخبر إلى عكا قطع قلوب من بها ، وأسقط في أيديهم ، وهرب ~~جماعة من الأمراء منها ، فألقوا أنفسهم في شخاتير صغار ، فأضعف ذلك قلوب من ~~بقي بها . وعظمت النكاية في سور المدينة ، وفشلوا ، وكاتبوا السلطان ، فأذن ~~لهم في مصالحة الفرنج عن أنفسهم بالبلد . PageV01P424 # # | عودة الفرنج إلى عكا وهدم عسقلان # فصالحوا الفرنج على تسليم البلد ، وجميع ما فيه من الآلات ، والعدد ~~والأسلحة ، والمراكب ، وغير ذلك ، وعلى مائتي ألف دينار ، وألف وخمسمائة ~~أسير ، مجاهيل الأحوال ، ومائة أسير معينين من جانبهم يختارونهم ، وصليب ~~الصلبوت ، على أن يخرجوا سالمين بأنفسهم ، وذراريهم ، وأموا لهم ، وقماشهم ~~، وضمنوا للمركيس ، عشرة آلاف دينار ، لأنه كان الواسطة ، ولأصحابه أربعة ~~آلاف . # وحلف الفرنج لهم على ذلك ، وتسلموا عكا ، في يوم الجمعة سابع عشر جمادى ~~الآخرة ، سنة سبع وثمانين وخمسمائة . ونكثوا ذلك العهد ، وأسروا كل من كان ~~بها من المسلمين ، وفرقوا بنيهم ، واستصفوا أموالهم ، وسلبوهم ثيابهم ~~وأسلحتهم ، ثم قتلوا منهم ألفين ومائتين صبرا ، على دم واحد ، في يوم واحد ~~، حيث توهموا فيهم أنهم فقراء ، ليس لهم مفاد ، وأسروا من رجوا منه أن ~~يفتدى بمال ، أو يكون من السلطان على بال . # وأقاموا بعكا نحو أربعين يوما ، والملك الناصر على حصارهم ، ثم خرجوا ~~منها متوجهين إلى عسقلان ، فسار في عراضهم ، ليمنعهم أن يخرجوا من ساحل ~~البحر ، فساروا من عكا إلى يافا ، وهي مسيرة يوم واحد ، في ms302 شهر كامل ، ~~لمضايقة السلطان لهم ، وجرى بينهم وبين المسلمين مناضلة ومطاردة ، فلما ~~أشفق السلطان من أخذهم عسقلان سبق إليها فهدمها ، وأخرج أهله منها ، في شهر ~~رمضان من سنة سبع . فأقام الفرنج بيافا ، وانتقل السلطان إلى الرملة ، وشرع ~~الفرنج في بناء يافا وتحصينها ، ثم ساروا عنها ، فنزلوا بعسقلان ، وشرعوا ~~في عمارتها . ثم ساروا إلى الداروم ، فحصروها ثلاث مرات ، أخذوها في المرة ~~الثالثة بالأمان . # وعاد السلطان ، في ثالث ذي الحجة ، بالعساكر ، إلى البيت المقدس ~~PageV01P425 وعمره ، وحصنه ، ووعر طريقه ، وعمق خندقه . وجعل الملك العادل ~~، بإزاء الفرنج بالرملة . # وتوفي الملك المظفر تقي الدين ، على منازكرد ، وهو محاصر لها ، بعد أن ~~جرى له مصاف مع بكتمر صاحب خلاط ، وكسره تقي الدين . # ودخلت سنة ثمان وثمانين والسلطان بالبيت المقدس ، والملك العادل في ~~الرملة ، وقد صار بيد الفرنج مما كان بيد المسلمين من الفتوح ، ما بين عكا ~~والداروم ، ولم يمكنهم مفارقة الساحل ، خوفا من أن يحول المسلمون بينهم ~~وبين مراكبهم ، فتنقطع مادتهم . # وعصى فيها الملك المنصور بن تقي الدين على السلطان بميافارقين ، وحني ، ~~وحران ، والرها ، وسميساط ، والموزر ، فسير إليه ابنه الملك الأفضل وأقطعه ~~تلك البلاد الشرقية ، فسار إلى حلب ومعه أخوه الملك الظافر ، ووصلا إلى حلب ~~. فأرسل السلطان أخاه الملك العادل ، جريدة ، في عشرين فارسا من مماليكه ، ~~وأمره أن يرد الملك الأفضل ، ويطيب قلب الملك المنصور ، ويعطيه ما يريد ، ~~فوصل الملك العادل ، واجتمع بالملك المنصور ، وقرر أمره . # # | الصلح مع الفرنج # ثم أن السلطان جرت له أحوال مع الفرنج ، ووقعات ، ومراسلات ، يطول الكتاب ~~بتعدادها ، إلى أن انتظم الصلح بينه وبين الفرنج ، في حادي وعشرين من شعبان ~~سنة ثمان وثمانين ، لمدة ثلاث سنين وخمسة أشهر ، على أن سلموا إلى المسلمين ~~عسقلان ، وغزة ، والداروم . واقتصروا من البلاد الساحلية على ما بين صور ، ~~ويافا بعد أن فتح السلطان يافا ، ، وبقي القلعة . اتفق ملوك الجزائر من ~~الفرنج على تمليك الساحل رجلا منهم يعرف PageV01P426 بالكندهري ، وزوجوه ~~بنت ملكهم القديم ، التي قد استقر عندهم أن يجعلوها على كل من ملكوه . # وسار السلطان من القدس ms303 إلى بيروت في شوال ، ووصل إلى خدمته صاحب أنطاكية ~~الابرنس وولده قومص طرابلس خلع عليهم ، وجدد بينه وبينهما الهدنة والعقد . # وفي سادس عشري ذي القعدة ، دخل إلى دمشق ، بعد مدة تقارب أربع سنين . ~~وكان الملك الظاهر قد ودعه من القدس ، ورحل إلى حلب في شهر رمضان . وأخبرني ~~القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم : أنه ودعه ، ثم سير ~~إليه ، واستأذنه في مراجعته في أشياء فأدخله عليه وكنت ، حاضرا ثم قال ~~للملك الظاهر : أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل خير : وأمرك بما أمرك الله ~~به ، فإنه سبب نجاتك . وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد لها ، فإن ~~الدم لا ينام . وأوصيك بحفظ قلوب الرعية ، والنظر في أحوالهم ، فأنت أميني ~~وأمين الله عليهم . وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء ، وأرباب الدولة والأكابر . ~~فما بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس . ولا تحقد على أحد ، فإن الموت لا ~~يبقي على أحد ، واحذر ما بينك وبين الناس ، فإنه لا يغفر إلا برضاهم ، وما ~~بينك وبين الله يغفره بتوبتك إليه ، فإنه كريم وفي شهر ذي القعدة ، سلم إلى ~~الملك المنصور ما كان لأبيه بالشام ، وهو منبج ، وحماة ، وسلمية ، ومعرة ~~النعمان وانقضت سنة ثمان وثمانين . # والهدنة مع الفرنج مستمرة ، والملك الناصر بدمشق ، والملك الظاهر بحلب ، ~~والملك العزيز بمصر ، والملك الأفضل ، وهو أكبر ولد السلطان ، معه بدمشق . # فمرض السلطان ، في اليوم الخامس عشر ، من صفر ، بحمى حادة ، واختلط ذهنه ~~في السابع ، وحبس كلامه ، وانجذبت مادة المرض إلى دماغه . وتوفي رحمه الله ~~في الثالث عشر من مرضه ، في وقت الفجر ، من يوم الأربعاء ، السابع والعشرين ~~من صفر ، في سنة تسع وثمانين وخمسمائة . PageV01P427 # وليس في خزانته من المال يوم وفاته سوى دينار واحد صوري ، وسبعة وأربعين ~~درهما نقرة . ودعوته على المنابر من أقصى حضرموت في الجنوب إلى أوائل بلاد ~~أراينه في الشمال عرضا ، ومن طرابلس الغرب إلى باب همذان طولا . ونقودها ~~من الدراهم والدنانير مضروبة باسمه ، وعساكرها مطيعة لأمره ، سائرة تحت ~~لوائه . ومن جملة ملكه ديار مصر ، والشام جميعه ، والجزيرة ms304 وديار بكر ، ~~واليمن . # تلك المكارم لا قعبان من لبن . . . شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # وكان وزيره القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني ، صاحب البلاغة في ~~الكتابة . # واستقر ملك ابنه السلطان الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر يوسف بن ~~أيوب لحلب ، والبيرة ، وكفر طاب ، وعزاز ، وحارم ، وشيزر ، وبارين ، وتل ~~باشر . واستقل بملك حلب ، وأنعم على رعيته ، واستمال قلوبهم بالإحسان ، ~~وعمل بوصية أبيه في الأفعال الحسان . وشارك أهل حلب في سرورهم والحزن ، ~~وقلد أعناقهم أطواق الأنعام والمنن ، وجالس الكبير منهم والصغير . واستمال ~~الجليل والحقير . وكان رحمه الله مع طلاقة وجهه ، من أعظم الملوك هيبة ، ~~وأشدهم سطوة ، وأسدهم رأيا ، وأكثرهم عطاء . وكانت الوفود في كل عام تزدحم ~~ببابه من الشعراء ، والقراء ، والفقراء ، وغيرهم . وكان يوسعهم فضلا ~~وإنعاما . ويوليهم مبرة وإكراما . # ولم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد سيف الدولة بن حمدان ما اجتمع ببابه ~~رحمه الله وزاد على سيف الدولة في الحباء والفضل والعطاء . PageV01P428 # # | القسم التاسع والعشرون التنافر والاتفاق # وخرج صاحب الموصل عز الدين ، ، باتفاق عماد الدين وصاحب ماردين لاستنقاذ ~~حران والرها ، من يد الملك العادل ، في شهر ربيع الآخر من هذ السنة ، ونزل ~~بدنيسر . # و نزل الملك العادل بحران ، واستنجد بعساكر الملك الظاهر والملك الأفضل ، ~~فسير الملك الظاهر عسكره ومقدمه الملك المنصور بن تقي الدين ، ونزل الملك ~~العادل على سروج فافتتحها . ومرض عز الدين ، وعاد إلى الموصل عن غير لقاء . ~~ثم نرل الملك العادل على الرقة ، فأخذها ، وأعطاها ابن أخيه الملك الظاهر ~~وسار بالعساكر إلى نصيبين ، وأقطع الخابور وبلد القنا ، ثم اصطلحوا في شهر ~~شعبان . وكان الياروقية ومقدمهم دلدرم صاحب تل باشر ، قد تكبروا وتحامقو ~~على الملك الظاهر ، وقصروا في خدمته ، في حياة أبيه . وكانوا يعالمون بدر ~~الدين دلدرم ، ويركبون كلهم في خدمته حتى كأنه السلطان ، وكان بأيديهم من ~~الأقطاع خيم ضياع جبل السماق وغيرها وملك الملك الظاهر حلب ، فسلكوا معه من ~~الحماقة ، ما كانوا يسلكونه من قبل ، فاعتقل مقدمهم دلدرم في قلعة حلب ، ~~وقيده ، وأخرج الباقين عن حلب ، وقبض أقطاعهم ms305 ، وطلب من دلدرم تسليم تل ~~باشر فامتنع ، وذلك في سنة تسعين وخمسمائة . PageV01P429 # واتفق أن وقع خلف بين الأفضل والملك العزيز ، بسبب أميرين من الناصرية ، ~~أحدهما ميمون القصري ، والآخر سنقر الكبير ، وكان بأيديهما عدة من القلاع ، ~~فاستشعرا من الملك الأفضل أن يقبضهما ، فسارا إلى مصر ، وكاشفا الأفضل ~~بالعصيان . # وطلبا من العزيز الكون في خدمته على أن يذب عما في أيديهما ، فأقطع الملك ~~الأفضل بلادهما ، وأقطعهما الملك العزيز نابلس وكانت مقطعة مع ابن المشطوب ~~فامتنع من تسليمها إليهما ، وسار إلى الملك الأفضل فوقع الشر بينهما بسبب ~~ذلك . ونزل الملك العزيز إلى دمشق ، في جمادى الآخرة ، وأقطع بلدها ، ~~وقاتلها ، فسير الملك الأفضل إلى عمه ، وأعلمه بذلك ، فسار الملك العادل من ~~بلاده شرقي الفرات جريدة ، واجتمع بالملك الظاهر غازي بحلب ، وأصعده إلى ~~قلعة حلب ، وأنزله في الدار ، التي فيها ابنة الملك العادل غازية خاتون ، ~~زوجة السلطان الملك الظاهر . وطلب من الملك الظاهر موافقته على المسير إلى ~~نصرة الملك الأفضل ، وإصلاح ما في قلوب الملكين من المضاغنة ، فوافقه على ~~ذلك . ثم قال له الملك العادل : أنا ضيفك ، ولا بد للضيف من قرى ، وأطلب أن ~~تكون ضيافتي منك دلدرم . فأجابه إلى ذلك وأطلقه . # وكان العلم بن ماهان في خدمة السلطان الملك الظاهر ، في محل الوزارة ، ~~فأشار عليه بقبض عمه الملك العادل ، فامتنع ، وقال : هذا عمي ، ومحله محل ~~الوالد . ونزل الملك بدلدرم من القلعة ، فمضى في يومه إلى تل باشر . # وصعد الملك العادل والملك الظاهر ، إلى نصرة الملك الأفضل ، بعد أن سلم ~~الملك الأفضل إلى الملك الظاهر جبلة ، واللاذقية ، وبلاطنش وأعمال ذلك كله ~~، لينصره على أخيه . واجتمع الملك العادل والملك الظاهر بالملك الأفضل ، ~~وتأخر الملك العزيز عن دمشق . # وجرت بين الملوك الثلاثة مراسلات أفضت إلى الاتفاق والصلح ، على أن ~~PageV01P430 تكون بلاد الملك الأفضل بحالها ، وما كان بيد ميمون وسنقر ، ~~على حاله ، ويكونان في خدمة الملك العزيز . ووقعت الأيمان والعهود على ذلك ~~. في شعبان من سنة تسعين وخمسمائة . # وعاد الملك العزيز إلى مصر والملك الظاهر إلى حلب ، والملك ms306 العادل إلى ~~الشرق . # وفي سنة إحدى وتسعين اتصل القاضي بهاء الدين أبو المحاسن ، يوسف بن رافع ~~بن تميم بخدمة الملك الظاهر ، وقدم إليه إلى حلب ، وولاه قضاء حلب ووقوفها ~~، وعزل عن قضائها ، زين الدين أبا البيان بنا نائب محيي الدين بن الزكي ، ~~وحل عنده بهاء الدين في رتبة الوزارة والمشورة . # # | التنافر الثاني وخروج الأفضل عن دمشق # ثم إن الملك الأفضل استشعر من أخيه الملك العزيز أن ينزل إلى دمشق ، ~~ويحاصرها ، في سنة إحدى وتسعين ، كما فعل في السنة الخالية ، فسار إلى قلعة ~~جعبر ، واجتمع بعمه الملك العادل بها ، وفاوضه في الوصول إليه إلى دمشق ، ~~لينصره على الملك العزيز إن وصل إلى دمشق ، إما بصلح أو بغيره ، فوافقه على ~~ذلك . # وتوجه الملك العادل إلى دمشق ، ثم عدل الملك الأفضل إلى حلب ، إلى أخيه ~~الملك الظاهر ، ووصل إليه إلى حلب ، وفاوضه في إنجاده على الملك العزيز ، ~~فلم يجد عنده نية صادقة في الحركة معه إلى دمشق . واشترط عليه شرائط من ~~جملتها أن صاحب حماة الملك المنصور محمد بن تقي الدين ، وعز الدين بن ~~المقدم صاحب بارين ، وبدر الدين دلدرم بن ياروق ، صاحب تل باشر ، كانوا ~~كلهم في طاعته ، ومضافين إليه ، وبلادهم من جملة بلاد الملك الظاهر ، وأنهم ~~كانوا من جملة أصحابه ، فانحرفوا عنه ، وانضافوا إلى عمه الملك العادل . # وكان الملك العادل قد شفع إليه في دلدرم ، وأطلقه لأجله ، وضمن له عنه ~~الطاعة والقيام بما يجب ، فانضات إلى عمه . PageV01P431 وطلب الملك الظاهر ~~أن الملك العادل يقوم له ، بما جرى بينه وبينه من الشرط ، وأن لا يعرض ~~لأتباعه المذكورين . # وسار الملك الأفضل إلى دمشق ، على أن يقرر مع عمه ما التمسه الملك الظاهر ~~. فلم يتفق للملك الظاهر شيء مما التمسه . فعاد بالكلية عنهما ، وأرسل إلى ~~الملك العزيز ، يحضه ، ويحرضه على قصدهما لأن الملك الأفضل مال إلى الملك ~~العادل ، وألقى أموره كلها إليه . # ووصلت رسل الملك العزيز إلى الملك الظاهر ، بموافقته معه ، ومعاضدته . ~~وحلف له الملك الظاهر ، في شهررجب من السنة . # و نزل الملك العزيز ms307 ، من مصر ، في شهر رمضان ، والأسدية والأكراد مخامرون ~~عليه ، والملك العادل والملك الأفضل ، قد كاتباهم ، فمالوا إليهما لتقدمة ~~الملك العزيز الناصرية عليهم . # وخرج الملك الظاهز ، فنزل بقنسرين ، وعيد بها عيد الفطر ، وعيد الملك ~~العزيز بالفوار ، وعزم الملك العزيز على الرحيل إلى دمشق ، والنزول عليها ، ~~ورحل أبو الهيجاء السمين والمهرانية ، والأسدية في رابع شوال . وساروا إلى ~~دمشق . ورحل الملك الظاهر من قنسرين إلى قراحصار قاصدا حصار منبج وهي في ~~يد الملك المنصور صاحب حماة فلما وصل الملك الظاهر إلى بزاعا ، وصله الخبر ~~بأن العسكر خامر على الملك العزيز ، وأنه رجع عن دمشق ، وسار الملك العادل ~~والأفضل خلفه إلى مصر ، فعاد الملك الظاهر إلى قرا حصار حتى انسلخ شوال ، ~~ودخل حلب . # ووصله الخبر بأن الملك العادل والأفضل ، سارا خلف الملك العزيز إلى مصر ، ~~ونزلا على بلبيس ، ودخل الملك العزيز إلى مصر ، واسقر أمره بها ، وعلم ~~الملك العادل بأنه لا يتمشى أمرهما مع الملك العزيز ، فكتب إلى القاضي ~~الفاضل ، وطلب الاجتماع به ، فألزمه الملك العزيز بالخروج إليه ، فاجتمع به ~~، PageV01P432 وأصلح حاله مع الملك العزيز ، وشرط عليه أن يعفو عن الأسدية ~~. وقال للملك الأفضل : أنا كان مقصودي الإصلاح بينكم ، وأن لا يقع على ~~دولتكم خلل ، وقد حصل ذلك . # وتحالفوا ، وعاد الملك الأفضل ، ومعه أبو الهيجاء السمين ، وبقي السلك ~~العادل مع الملك العزيز بمصر ، ووافقه ، فانحرف الملك الظاهر عن الملك ~~العزيز بذلك السبب ، ومال إلى الملك الأفضل وكان الملك العادل قد احتوى على ~~الملك العزيز ، وأوقع في نفسه أن السلطنة تكون له في بلاد الإسلام ، ~~والخطبة والسكة . وكان يبلغه عن الملك الأفضل كلمات توجب الحنق عليه ، ~~فاتفق مع الملك العزيز على أن ينزلا جميعا إلى الشام ، لتقرير هذه القاعدة ~~في جميع بلاد الإسلام . # فسير الملك الظاهر أخاه الملك الزاهر داود ، والقاضي بهاء الدين قاضي حلب ~~، وسابق الدين عثمان ، صاحب شيزر في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة إلى الملك ~~العزيز ، لتسكين الفتنة ، والرجوع إلى ما فيه صلاح النية والموافقة بين ~~الأهل . فوصلوا والملك العادل ، والملك العزيز ، قد ms308 خرجا مبرزين إلى البركة ~~في ربيع الأول من السنة . وعادوا الرسل بغير زبدة ، فعرفوا الملك الأفضل في ~~احتيازهم عليه ، بما قد عزم الملك العزيز ، والملك العادل عليه ، من إقامة ~~الخطبة والسكة للملك العزيز ، وتعجب من نقضهما الهدنة معه . # ولما وصلوا إلى حلب ، راسل الملك الظاهر أخاه الأفضل ، في تجديد الصلح ~~بينهما ، وتحالفا على المعاضدة والمناصرة . ووصل إلى الملك الظاهر من ~~الأمراء : علم الدين قيصر الناصري ، أمير جاندار أبيه الملك الناصر ، ~~فأقطعه اللاذقية ، وأخذها من ابن السلار . وسير العلم بن ماهان ، ليعتبر ما ~~في قلعتها ويسلمها إلى قيصر ، ويجعل الأجناد فيها على حالهم ، ويحلفهم ~~للسلطان الملك الظاهر . # وكان العلم بن ماهان ، إذ ذاك عند الملك الظاهر في محل الوزارة ، فلما ~~وصل PageV01P433 إليها ، ودخل قلعتها طمع باللاذقية ، وحدثته نفسه بالعصيان ~~، واستحلف الأجناد لنفسه ، وخالفه بعضهم ، وامتنعوا ، وكتبوا إلى الملك ~~الظاهر ، وقبضوا على ابن ماهان . فسارع الملك الظاهر ، وخرج إلى اللاذقية ، ~~وصعد إلى القلعة ، وأحضر ابن ماهان ، وقطع يده ، وقلع عينه ، وقتل غلاما ~~من خواصه ، وقطع لسان البدر بن ماهان قرابته وأذنيه ، وسلخ العامل النصراني ~~الذي كان بها . واحتوى على جميع ما كان لابن هامان ، وفرقه ، ودخل إلى حلب ~~وهو معه ، فأركبه حمارا مقلوبا ، وعلى رأسه خف امرأة ، ويده معلقة في ~~عنقه . وطيف به على تلك الحال ، ولطم بالدرة . ثم صعدوا به إلى القلعة ، ~~فالتقاه ابن منيفة بوابها ، وقال له : أريد حقي منك . وأخذ نعله من رجله ، ~~ولطمه به لطما كثيرا . وحبس في القلعة . وتحدث بعض الناس أن الملك الظاهر ~~أراد أن يرجع عن إقطاع قيصر اللاذقية ، فكتب إلى ابن ماهان يأمره بالعصيان ~~، ثم التزم بما فعل ، ولم يظهر صحة ذلك . # ولما دخل السلطان الملك الظاهر من اللاذقية ، سير عسكرا من عسكر حلب ، ~~نجدة لأخيه الملك الأفضل ، ووصل الملك العزيز والملك العادل ، فنزلا على ~~دمشق ، وحصراها ، وتسلمها الملك العزيز بمخامرة أوجبت دخول الملك العادل ! ~~من باب توما والملك العزيز من باب الفرج . # وخرج الملك الأفضل من القلعة ، وعوض عن دمشق بصرخد ، فسار إليها ms309 ووصل ~~الملك الظاهر إلى أخيه الملك الظاهر إلى حلب ، فأكرمه ، واحتفل به ، وذلك ~~في شعبان من سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة . # وشرع الملك الظاهر في حفر الخنادق بحلب وتحصينها ، وسير القاضي بهاء ~~الدين ، وغرس الدين قلج ، إلى الملك . العزيز ، يطلب موافقته . وكان قد رحل ~~إلى مصر ، وأبقى الملك العادل بدمشق . # # | تحرك الظاهر غازي حول حلب # وخرج الملك الظاهر إلى مرج دابق وأقام بها ، وأظهر أن صاحب PageV01P434 ~~مرعش عاث في بلد رعبان ، وسير يقدمه عسكره إلى عين تاب فخاف صاحبها حسام ~~الدين بن ناصر الدين ، وحفظ القلعة . ونزل العسكر في الربض مظهرين أن لاغرض ~~لهم في حصار القلعة ، بل لشدة البرد والثلج . ثم أظهر أن صاحب مرعش سير إلى ~~الملك الظاهر ، واعتذر ، وانقاد إلى طاعته ، وحلف له . فرحل السلطان إلى ~~الراوندان ، وأقام بها ثلاثة أيام ، ورحل إلى عزاز ليلا ، وهي في أيدي ~~نواب الأمير سيف الدين بن علم الدين علي بن سليمان بن جندر ، وكان مريضا ~~بحلب ، فأراد السلطان أن يصعد إلى القلعة من شدة المطر ، فمنعه من في ~~القلعة أن يطلع إلا بإذن سيف الدين ، فسار إلى دربساك وبها ركن الدين الياس ~~ابن عم سيف الدين ، فقبض عليه . # وعاد إلى حلب مغضبا ، ودخل إلى دار سيف الدين بنفسه ، وأخذه في محفة ، ~~وسيره إلى عزاز ليسلمها ، ووكل به حسام الدين عثمان بن طمان ، فوصل معه ~~إليها وسلمها إلى نواب السلطان الملك الظاهر ، وعادوا به إلى حلب . # ولما جرى على سيف الدين ذلك ، وكانت دربساك معه ، وفيها ماله ونوابه ، ~~وبها جماعة من أسرى الفرنج ، فأعملوا الحيله ، وكسروا القيود ، وفتحوا ~~خزانة السلاح ، ولبسوا العدد ، وقاموا في القلعة ، فاحتمى الوالي في القلعة ~~مع جماعة من الأجناد ، والقتال عليهم . فعلم الملك الظاهر ، بذلك ، فخرج ~~مجدا في السير حتى وصل درب ساك ، فوجد الوالي قد انتصر على الأسرى ، ~~وقتلهم . # وعاد السلطان إلى حارم ، ثم دخل إلى حلب ، فأقام حتى تقضت سنة اثنتين ~~وتسعين . ووصله القاضي وقلج بجواب الملك العزيز بانتظام الصلح بينه وبينه . # ورحل الملك العادل إلى ms310 بلاده الشرقية ، ووصل ابنه الملك الكامل محمد إلى ~~حلب ، زائرا ابن عمه الملك الظاهر ، وكان قد طلبه من أبيه ليزوره ، ~~فالتقاه الملك الظاهر ، وأحسن ضيافته ثم سار إلى أبيه . # وعصي سربك برعبان على الملك الظاهر ، وقد كانت في يده ، عوضه بهما عن ~~حارم وكان من مماليك أبيه الشجعان ، فأظهر الملك الظاهر أنه يخرج إلى ~~الغزاة ، وخرج إلى قنسرين ، ثم عطف من غير أن يعلم أحد حتى وصل إلى رعبان ، ~~فنزل PageV01P435 عليها ، وأقام أياما لا يقاتلها ، في شهر رمضان ، في سنة ~~ثلاث وتسعين وخمسمائة . واستغل بلدها ، فلبس سربك سلاحه ، وركب وحوله جماعة ~~، قد لبسوا ، وفتح باب القلعة ، ونزل إلى السلطان ، والتمس منه العفو فعفا ~~عنه . ورد رعبان إليه ، وسار إلى حلب ، فأقام بها إلى أول ذي الحجة من سنة ~~ثلاث وتسعين . # # | الخوف من الفرنج # وكان الملك العادل قد سار إلى الغور لحركة الفرنج ، واستصحب معه نجدة من ~~الملك الظاهر ، فوصلت رسله إلى السلطان الملك الظاهر ، يخبره أن الفرنج قد ~~عزموا على قصد جبلة واللاذقية فخرج الملك الظاهر إلى الأثارب ، وسير ~~الحجارين والزراقين . لهدم ، حصني جبلة واللاذقية . وسار المبارز أقجا لهدم ~~جبلة ، فهدموا سورها ودورها ، وأجلى أهلها منها . وسارغرس الدين قلج ، وابن ~~طمان ، لهدم اللاذقية ، فنقبوا القلعة ، وعلقوها ، ورفعوا ذخائرها ، وهدموا ~~المدينة ، وذهب أهلها ، وبقي العسكر منتظرا وصول العدو ، ليلقوا النار في ~~الأخشاب المحشوة في الأنقاب ، فلم يصل أحد منهم . # وجاء البرنس في البحر تحت المرقب وطلب غرس الدين وابن طمان فوصلا إليه ، ~~وكلماه على جانب البحر ، فأشار عليهما بأن لا تهدم اللاذقية ، وأخبرهما أن ~~الفرنج فتحوا صيدا وبيروت وعادوا إلى صور . # فسيرا وأعلما السلطان وهو بريحا ، فأمر ببناء ما استهدم منها ، وسار إلى ~~حارم ، فوصلها في محرم سنة أربع وتسعين . وأقام بها مدة ، ثم رحل إلى ~~اللاذقية ، فعمرها وعمر ضياعها ، وتوجه إلى حلب . # وتوفي غرس الدين قلج ، فعصى أولاده بالقلاع التي كانت بيده ، وهي : دركوش ~~، والشغر ، وبكاس ، وشقيف الزوج ، وامتنعوا من تسليمها PageV01P436 إلى ~~الملك الظاهر . فخرج إليها ، ونازلها ، وأخذ عليها النقوب ms311 ، واستنزلهم منها ~~، وصفح عن جرمهم ، وأجرى لهم المعيشة السنية ، وتقدم عنده منهم : سيف الدين ~~علي بن قلج . # # | من نتائج موت العزيز بمصر # ومات الملك العزيز بمصر ، واختلف أمراؤها ، فمال الأسدية إلى الملك ~~الأفضل . والناصرية إلى الملك العادل . # وانقاد الناصرية على نيات غير موافقة ، واستدعوا الملك الأفضل ، فسار من ~~صرخد إلى مصر ودخلها . وتلقاه إخوته على مرحلتين منها ، واستوثقوا منه ~~بالأيمان ، على أن يكون كافلا للملك المنصور محمد ابن الملك العزيز ~~ومربيا له . # وخرج الجحاف ، وجهاركس ، إلى ميمون ، إلى القدس ، فقيد الملك الأفضل أخاه ~~الملك المؤيد وجماعة من الأمراء كاتبوا الملك العادل ، وأرسل الملك الظاهر ~~وزيره نظام الدين أبا المؤيد محمد بن الحسين ، إلى أخيه الملك الأفضل ، ~~مهنئا له بولاية مصر ، فأقام عنده مدة ، والرسل تترد إليه من الملك الظاهر ~~في الاتفاق على الملك . # وكان الملك العادل ، إذ ذاك محاصرا ماردين ، وقد أشرف على أخذها ، فسار ~~الملك الأفضل إلى دمشق ، وخرج الملك الظاهر إلى حارم ، لغدر وقع من الفرنج ~~بناحية العمق ، أغاروا على التركمان ، في تلك الناحية . وسير بعض العسكر ~~إلى خناصرة ليقطع الطريق على الملك العادل إن توجه إلى دمشق . # وصالح الملك الظاهر الفرنج ورحل إلى مرج قراحصار في سلخ رجب من سنة خمس ~~وتسعين PageV01P437 # # | حصار دمشق وفشل الحصار # وسار الملك العادل حتى بلغ إلى تدمر ، وسار في البرية إلى دمشق ، ونزل ~~الملك الأفضل على دمشق ، في نصف شعبان من السنة . ونزل بعض عسكره في ~~الميدان ، وهجم بعض العسكر المدينة بمخامرة من أهلها ، ونادوا بشعار الملك ~~الأفضل . # وكان مجد الدين أخو الفقيه عيسى هو الذي دخل منها حتى بلغ السوق ، وشربوا ~~الفقاع ، فخرج الملك العادل ، من القلعة ، وأخرجهم في البلد . # وخامر بعض العسكر على الملك الأفضل ، ودخلوا في الليل إلى دمشق ، فاختل ~~الأمر عند ذلك ، وتأخر الملك الأفضل إلى جسر الخشب . # وسار الملك الظاهر إلى حماة ، فالتقى سيف الدين طغرل الظاهري قطعة من ~~عسكر حماة سائرة إلى منبج فظفر بها طغرل وأسر رجالها ، وأحضرهم إلى الملك ~~الظاهر ، فأطلقهم بعدتهم ودوابهم ms312 . # ولما وصل الملك الظاهر إلى حماة ، منعه عسكرها من العبور على الجسر فعبر ~~قهرا ، ونزل عليها ، وقاتلها ، فهادنه الملك المنصور صاحبها ، وأخرج إليه ~~تقدمة سنية ، وسير عسكره في خدمته ، فأقطعه الملك الظاهر بارين وكانت في يد ~~ابن المقدم ، فخرج صاحب حماة إليها محاصرا لها . # وسير الملك الظاهر إلى الموصل رسولا يأمر صاحبها بإنجاد ماردين ، وترحيل ~~الملك الكامل والملك العادل عنها ، ووصل الملك الظاهر إلى دمشق ، واجتمع ~~بالملك الأفضل في منزلته ، وخيموا بأرض داريا ثم إنهم زحفوا على المدينة ، ~~وقاتلوها . PageV01P438 # وبلغ الملك الظاهر أن جهاركس وأسامة وسراسنقر وغيرهم ، قد عزموا على ~~الدخول إلى دمشق ، نجدة للملك العادل ، فسير الملك الظاهر عسكرا مقدمه سيف ~~الدين بن علم الدين ، ليمنعوهم من الدخول ، فاختلفوا في الطريق ، ودخل ~~المذكورون إلى الملك العادل ، فاشتد بهم أزره ، ولم يكن ينصح في القتال ، ~~وقت الحصار غير العسكر الحلبي ، فأما المصري فأكثره منافق . # ووصل المواصلة إلى ماردين ، ورحلوا الملك الكامل عنها ، ونهبوا ما كان ~~لعسكره بها ، فضربت البشائر خارج دمشق في العسكر . وسير الملك الظاهر ~~عسكرا ، مقدمه سيف الدين المذكور إلى الشرق ليجتمعوا مع المواصلة ، ~~ويحصروا بلاد الملك العادل بالشرق ، وأقطع سيف الدين سروج ، وكان الأمر قد ~~استقر مع المواصلة ، أن يرد إليهم سروج والرقة . فلما علموا بأن السلطان ~~أقطع سيف الدين سروج انحرفوا عنه ، وعادوا ، وخرج عسكر الرها ، فوقعوا على ~~سيف الدين فانهزم عن سروج . # وفتح الملك المنصور صاحب حماة بارين في ذي القعدة من ابن المقدم وعوضه ~~عنها بمنبج ، بعد ذلك على ما سنذكره فيما بعد . # ووصلت رسل الشرق إلى الملك الظاهر وهو على دمشق واتفقوا على أن يكون ~~لصاحب الموصل حران ، والرها ، والرقة ، وسروج ، وأن يكونوا يدا واحدة على ~~من خالفهم ، وتحالفوا على ذلك ، في ذي الحجة من سنة خمس وتسعه وخمسمائة . # ودخلت سنة ست وتسعين ، والحصار على دمشق على حاله ، وأكثر الأجناد يحملون ~~الأزواد في الليل ، ويبيعونه على أهل البلد ، فأخرج الملك العادل خزائته ~~جميعها ، ثم اقترض من التجار جملة كبيرة ، وأمر بعمل الروايا والقرب ms313 ، ~~للصعود إلى مصر ، واستدعى ابنه الملك الكامل من البلاد الشرقية ، فجمع وحشد ~~. # وسير الملك الظاهر إلى سيف الدين بن علم الدين ، وإلى الملك المنصور صاحب ~~حماة ، فاجتمعوا على سلمية ليمنعوا الملك الكامل من العبور ، فعبر في جيش ~~عظيم ، لم يكن لهما به طاقة ، فانحازوا إلى حماة وساق سيف الدين بن علم ~~الدين ، وأعلم السلطان الملك الظاهر بذلك . PageV01P439 # ووصل الملك الكامل إلى دمشق ، فرحل الملك الظاهر ، والملك الأفضل ، إلى ~~مرج الصفر ، ثم إلى رأس الماء . # ورحل الملك الظاهر ، وأخفى نفسه جريدة إلى ناحية صرخد ومعه الملك المجاهد ~~صاحب حمص ، وسار إلى طرف السماوة ، وخرجوا إلى تدمر . وسار الملك الظاهر ~~إلى حلب ، ووصل بعده بغال الثقل ، دون الحمال على البرية ، حتى وصلوا إلى ~~القريتين ، ولحقهم الملك الكامل بالقريتين ، وهو مسرع إلى الشرق ، ووقع ~~عسكر حلب على قطعة من أصحابه ، فظفروا بهم . # فلما وصل الملك الكامل ، وقد دخل ثقل السلطان إلى القريتين ، سير إلى ~~مقدم عسكر حلب علم الدين قيصر الناصري ، واستدعاه ، وقال له : ما بيننا ~~وبينكم إلا الخير ، وما جئنا لنتبعكم ، فردوا علينا ما أخذتم لنا . ففعل ~~ذلك ، وسار الملك الكامل إلى الشرق ، ووصلت البغال إلى حلب ، في تاسع عشر ~~شهر ربيع الأول . # وأما الملك الأفضل ، فإنه توجه من رأس الماء إلى مصر وتوجه ثقل الملك ~~وخزانته معه إلى مصر . وخرج الملك العادل من دمشق ، وسار خلفه إلى مصر ، ~~فدخلها ، وهرب الملك إلى صرخد . # # | الملك العادل في مصر # واستولى الملك العادل على الديار المصرية ، في صورة الكافل ، والمربي ، ~~للملك المنصور محمد بن العزيز ، وسير خزانة الملك الظاهر ، وبقية ثقله ~~جميعه إليه ، وخفر أصحابه حتى وصلوا إلى حلب ، في نصف جمادى الأولى ، ~~والسلطان بتل السلطان ، فدخل إلى حلب . PageV01P440 # ووصلته رسل الملك العادل تطلب منه الموافقة ، فلم يجبهم إلى ذلك ، وخرج ~~إلى بكاس وحارم فمرض . ودخل حلب ، واشتد مرضه ، وطلب إليه القلعة الزهاد ~~الذين كانوا بحلب ، مثل أبي الحسن الفاسي ، وعمي أبي غانم ، وعبد الرحمن ~~ابن الأستاذ ، وسألهم الدعاء ، وتبرك بهم ، وأزال مظالم كثيرة ms314 . ثم أبل من ~~مرضه ذلك ، في ذي الحجة من سنة ست وتسعين . # وانفصل عنه صاحب حمص وصاحب حماة ، وصارا مع عمه الملك العادل ، وعوض صاحب ~~حماة عز الدين بن المقدم بمنبج عن بارين ، بإشارة الملك العادل . ومات ابن ~~المقدم بأفامية ، وصار فيها أخ له صغير . # واستقل الملك العادل بملك مصر ، وقطع الخطبة والسكة للملك المنصور بن ~~العزيز ، واختلف جندها ، فمنهم من مال إلى تمليك الملك العادل ، وأقام في ~~خدمته ، ومنهم من كان يريد ابن العزيز ، فانفصل منهم جهاركس ، والجحاف ، ~~وغيرهما ، فإنهم انفصلوا عن مصر ، واتفقوا مع الملك الأفضل . # # | الملكان الأفضل والظاهر يحاصران دمشق # فوصل الملك الأفضل إلى أخيه السلطان الملك الظاهر إلى حلب ، في عاشر ~~جمادى الأولى من سنة سبع وتسعين وخمسمائة . ووصل معه الجحاف ، وأخبرا أ أن ~~جهاركس بالغور ، مع العسكر . واتفقوا على محاصرة دمشق . وسير الملك الظاهر ~~إلى الموصل بطلب نجدة تصله ، وبرز مع أخيه الأفضل ، وقصدا منبج ، ففتحها ~~الملك الظاهر ، وقبض على ابن المقدم وحبسه ، وأقطعها الجحاف ، بعد أن خرب ~~حصنها . وكان ابن فاخر سعد الدين مسعود بقلعة نجم ، نائبا عن ابن المقدم ، ~~وأخته معه ، فسلمها إلى الملك الظاهر ، وعوضه ، بمائز قرية من بلد عزاز ~~وسلمها الملك الظاهر إلى الأفضل . # وسار إلى أفامية ، ومعه ابن المقدم ، فعاقبه تحتها ليسلموا إليه ، فلم ~~يسلموا PageV01P441 فسيره ، وحبسه بحلب ، وأقام بكفر طاب ، واستولى على ~~بلدها ، ونزل بمعرة النعمان ، ونهب بلدها ، وأخذ ما فيها لبيت المال ، وسار ~~إلى حماة ، فنزل عليها ، في شعبان ، وقاتلها إلى أن صالحه الملك المنصور ~~صاحبها ، ووزن له ثلاثين ألف دينار ، ووافقه . # وسار إلى حمص ، فصالح الملك المجاهد صاحبها ، ووافقه ، وسار إلى دمشق ~~فنازلها ، واستدعى جهاركس وقراجا من الغور ، فدافعا عن الوصول ، فسار ~~السلطان الملك الظاهر إليهما بنفسه ، ولاطفهما حتى رحلا معه ، بعد أن أعطى ~~الملك الأفضل قراجا صرخد ، وأخرج أمه وعياله منها ، ونزلوا على دمشق ، ~~وعزموا على قتالها ، ففند جهاركس عن ذلك ، وكان قد صار في الباقين مع الملك ~~العادل ، وقال : المصلحة أننا نلقى الملك العادل ، فإذا ms315 كسرناه تم لنا ما ~~نريد . # وكان الملك العادل قد نزل من مصر إلى الكرك ، ثم توجه إلى نابلس ، فلما ~~رأى جهاركس جد الملك الظاهر على حصار دمشق ، هرب من العسكر إلى الملك ~~العادل إلى نابلس ، وهرب قراجا إلى صرخد ، وعصى بها ، وتركا خيامهما على ~~حالها وبركتهما ، فأنهب السلطان الملك الظاهر ذلك جميعه ، ثم زحف بالعساكر ~~على دمشق ، وقاتلوها قتالا شديدا ، وأحرقوا العقيبة ونهبوا الخانات . # وراسل الملك العادل صاحب الموصل ، فاتفق معه ، ورجع عن الملك الظاهر ، ~~بعد أن وصل إلى رأس عين . # وسار الملك الفائز بن العادل من البلاد الشرقية ، طالبا تشعيث بلاد ~~PageV01P442 السلطان الملك الظاهر ، وشغل خاطره عن حصار دمشق ، فسير الملك ~~الظاهر المبارز أقجا وكان من أكبر أمراء حلب ومعه بعض العسكر ، فنزل على ~~بالس ونهبها ، وسار إلى منبج فنزلها ، فوصل الملك الفائز إليها ، فانهزم ~~بمن كان معه من العسكر إلى بزاعا ، ودخلها الفائز ، وبنى قلعتها وحصنها ، ~~وسار منها طالبا عسكر حلب إلى بزاعا ، فاندفعوا بين يديه إلى حلب ، وأقام ~~على بزاعا أياما ، وجفل بلد حلب خوفا منه ، وهرب فلاحوه . # ورحل إلى أبيه إلى نابلس ، فسير الملك العادل نجدة تدخل إلى دمشق ، فبلغ ~~حديثها الملك الظاهر ، وقد أحدقت العساكر بدمشق ، فكمن لهم كمينا ، فوقعوا ~~عليهم ، وقتلوا منهم جمعا كثيرا ، وانهزم بعضهم ، ولم يدخل إلى المدينة ~~إلا القليل . ونكث صاحب حماة ، وخرج إلى ناحية الروج ، وأغار عليه ، ونهب ~~رستاق شيزر . # وسار عسكر حلب إلى منبج ، فلم يجد فيها مطمعا ، واستدعاهم الملك الظاهر ~~، فمضوا إليه إلى دمشق ، وطال الحصار ، وضجر العسكر ، وهرب شقير ، والجحاف ~~، بعد استيلاء الفائز على منبج ، وكان خير الجحاف . # # | الأفضل والظاهر يختلفان # ووقع الخلف بين الملك الأفضل والملك الظاهر على دمشق ، فالملك الظاهر ~~يريدها لنفسه ، لأنه أخرج الخزائن ، وبذل الأموال ، وحصرها بعسكره ، والملك ~~الأفضل يريدها لنفسه لأنها بلده ، وأنه أخرج صرخد من يده بسببها . وحصل ~~بينهما منافرة أوجبت رحيل الملك الظاهر ، ومعه ميمون القصري ، وسراسنقر ، ~~وأيبك فطيس ، والبكي الفارس ، والقبيسي . # ورحل الملك الأفضل فنزل حمص ، عند صاحبها الملك ms316 المجاهد ، وزوج ابنه ~~الملك المنصور إبراهيم بابنة الملك الأفضل . # وسار الملك الظاهر إلى حماة ، فأغار عليها ، وشعث بلدها ، وصانع صاحبها ~~PageV01P443 الملك المنصور ، على مال أخذه منه ، وسار إلى منبج ، وعزم على ~~أن يهجمها بالسيف ، ويقتل جميع من بها ، لأنهم قاموا مع الملك الفائز ، ~~فشفع إليه الأمراء في أن يسلموها طائعين ، ويعفو عنهم ، فتسلمها ، وأقطعها ~~ابن المشطوب ، في المحرم من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة . # ثم دخل إلى حلب ، وأقطع ميمون القصري عزاز ، وشيح ، وبلد الخوار ، وأقطع ~~أيبك فطيس أقطاعا أرضاه ، وعاد عنه سراسنقر ، وتسلم السلطان أفامية من ابن ~~المقدم ، وعوضه عنها بالراوندان . وتوفي وزير السلطان الملك الظاهر جمال ~~الدين أبو غالب عبد الواحد بن الحصين البغدادي في شعبان سنة سبع وتسعين ، ~~وكان في خدمة أبيه الملك الناصر ، فانتقل بعد موته إلى حلب ، ووزر له ، ~~وصار وزيره بعده نظام الدين أبو المؤيد محمد ابن الحسين . # ووصل الملك العادل إلى دمشق ، فتوجه إليه الملك المجاهد صاحب حمص ، ومعه ~~الملك الأفضل ، وترقق إليه ، فأعطى الملك الأفضل شيحتان وجملين والموزر ~~وقلعة السن وسميساط . وسار إليها الملك الأفضل ، ونزل الملك العادل إلى ~~حماة ، وراسل الملك الظاهر ، حتى استقر الصلح بينه وبينه ، على أن خطب له ~~الملك الظاهر بحلب ، وضرب السكة باسمه مع اسمه ، في شهر جمادى الآخرة ، من ~~سنة ثمان وتسعين وخمسمائة . # وصعد الرسول شمس الدين بن التنبي إلى المنبر ، وقت إقامة الدعوة له ، يوم ~~الجمعة ، ونثر ذهبا كثيرا على الناس . وبلغ الملك الظاهر ، عن ابن ~~المشطوب ، أنه كان قد عزم على المخامرة ، فسير إلى منبج العسكر ، وأخذها ~~منه ، وعفا عنه ، وهدم قلعتها وسورها ، فمضى ابن المشطوب إلى الشرق . # وجمع الملك الظاهر العرب في دابق ، لأخذ العداد منهم ، وخاف ابن المقدم ~~منه ، فهرب إلى الراوندان ، ليعصي بها ، فسار الملك الظاهر خلفه ، ولم ~~يمهله ، PageV01P444 فلم يبت في قلعتها غير ليلة واحدة . ومضى إلى بدر ~~الدين دلدرم ، بتل باشر ، منهزما من السلطان . فوصل السلطان إليها ونزل ~~عليها محاصرا لها ، فسلمها من كان بها إليه ، وحار جميع ما كان ms317 فيها من ~~الذخائر والأموال ، ورتب أمورها . # وسار منها إلى منبج وسير نجدة للملك الكامل ابن عمه العادل ، وكان نازلا ~~على ماردين لأن صاحبها صار مع ركن الدين بن قلج رسلان ، ونزل السلطان في ~~بدايا ، واتفق الأمر بينه وبين صاحب ماردين وابن الملك على الصلح ، فعاد ~~إلى حلب بعد أن توجه إلى البيرة . # وخرج من البحر جمع كبير من الفرنج ، في سنة تسع وتسعين وخمسمائة . ووصلت ~~طائفة منهم إلى جهة انطاكية ، مجتازة على اللاذقية في البر ، وكان مقطع ~~اللاذقية إذ ذاك ، سيف الدين بن علم الدين . وعبروا في أرض اللاذقية ، على ~~كره من المسلمين ، وفي عزمهم إن رأوا لهم طمعا في اللاذقية يأخذوها . # فخرج سيف الدين بعسكره ، والتقوا ، ونصره الله عليهم ، وأسر ملوكهم ~~ومقدميهم وكان ملكهم أعور وقتل منهم جمعا كثيرا ، ووصل الأسرى ، والملك ، ~~والرؤوس ، والخيل والسلاح ، إلى حلب وكانت غنيمة عظيمة . # وعصى الملك الأفضل على عمه الملك العادل ، في البلاد التي كان أعطاه إيا ~~ها ، فسير ، واستعاد منه شيحتان ، وجملين ، والموزر ، وسروج ، والسن ، وسار ~~الملك الظاهر إلى قلعة نجم فأخذها من الملك الأفضل ، خوفا أن يستولي عليها ~~عمه ، وكان الملك الظاهر قد سلمها إلى الأفضل ، فوصلت أم الملك الأفضل إلى ~~حلب ، تسأل الملك الظاهر ، سؤال عمه فيه ، وفي رد البلاد عليه ، فسير معها ~~إلى دمشق سيف الدين بن علم الدين في ذلك ، فلم يجب إلى ترك شيء من البلاد ~~عليه ، سوى سميساط . وشرط عليه أن لا تكون له حركة بعد ذلك . # # | من حوادث سنة 600 ه # ووصلت الأخبار بحركة الفرنج إلى جبلة واللاذقية ، فسير السلطان إليها ~~العساكر ، وأمرهم بخراب جبلة واللاذقية فلم يكن للفرنج حركة . وخربت قلعة ~~PageV01P445 اللاذقية والعتيقة وكانت من جهة الشمال وذلك بعد أن أخذت ~~اللاذقية من ابن جند ، وسيف الدين بن علم الدين . # وولد للسلطان الملك الظاهر ولده ، الملك الصالح أحمد في صفر ، وسر به ~~سرورا عظيما ، وزين البلد والقلعة ، ولبس العسكر في أجمل هيئة وزي . ولبس ~~السلطان ، ولعب العسكر معه في ميدان باب الصغير . # وفي محرم ms318 سنة إحدى وستمائة ، هجم ملك الأرمن ابن لاون ، وهو من ولد بردس ~~الفقاس ، الذي كان في زمن سيف الدولة صاحب أنطاكية فسير الملك الظاهر ~~عسكرا من حلب ، لنجدة البرنس صاحبها . # فلما وصلوا إلى العاصي ، ضعف أمر ابن لاون عندهم ، وقاموا عليه ، وأخرجوه ~~منها ، وقتلوا جماعة كبيرة من أصحابه ، فعاد عسكر حلب إليها ، ففسخ ابن ~~لاون الهدنة ، وأغار على بلد العمق ، واستاق مواشيها ، وشرع في عمارة حصن ~~داثر في الجبل ، بالقرب من دربساك ، ليضيق به عليها . وأرسل إلى السلطان ، ~~وسأله أن يخلي بينه وبين أنطاكية . وأن يعيد جميع ما أخذه من العمق ، ~~فأجابه إلى ذلك ، وهادنه على هذا الأمر . ونزل على أنطاكية ، وخرب رستاقها ~~، ووقع فيها غلاء عظيم ، فكان الملك الظاهر يمد أهل أنطاكية بالغلال ، حتى ~~قويت . # غارات ابن ليون الأرمني # # فجرد ابن لاون في جمادى الأولى ، في الليل ، عسكرا في ليلة الميلاد ، ~~وجاء على غفلة إلى ربض دربساك ، فلم ينكروا وقود النار في ليلة الميلاد ، ~~فقاتلهم أهل الربض ومن به من الأجناد ، في بيوت الربض ، فلم يظفروا منهم ~~بطائل ، وطلع الفجر ، فانتشروا في أرض العمق ، ونهبوا من كان فيه من ~~التركمان ، وداموا إلى صحوة ذلك النهار ، ورجعوا . # وابتدرت عساكر تلك الناحية من المسلمين فلم يدركوهم ، ودخل الأرمن إلى ~~جبل اللكام ، فجاءهم في الليل ثلج عظيم ، وهلك ما معهم من الخيل والمواشي ، ~~PageV01P446 فكانوا يسلخون الشاء ويلبسون جلودها ، لشقة البرد . فسير الملك ~~الظاهر عسكرا من عسكر حلب يقدمه ميمون القصري ، ومعه أيبك فطيس ، فنرلوا ~~على حارم ، وقطعة من العسكر مع ابن طمان بدربساك وسيف الدين بن علم الدين ~~نازل بعسكره على تيزين وكانت جارية في أقطاعه وفي أكثر الأيام تجري وقعات ~~بين العسكر المقيم بدربساك ، وبين عسكر ابن لاون ببغراس . # وخرج السلطان إلى مرج دابق ، في شعبان من هذه السنة ، للدخول إلى بلد ~~لاون ، وجمع العساكر ، وسير إليه عمه الملك العادل ، وغيره من ملوك الإسلام ~~النجد ، فأقام بدابق إلى أن انسلخ شهر الصيام . # فسار ابن لاون من الثنيات ، وجاء على غير طريق ms319 البرك في الليل ، فأصبح في ~~العمق غائرا على غزة من العسكر ، وكبس العسكر الذي كان مع ميمون ، حتى ~~حصلوا معهم في الخيام ، وقابلوهم على غير أهبة فقاتلهم المسلمون ، فقتل ~~منهم جماعة ، ولم يلبث إلا قليلا ، وعاد ، وساق سيف الدين من تيزين ، ~~فوجده قد رجع . # وبلغ الخبر إلى السلطان ، وهو بدابق ، فسار بالجيوش التي معه فنزل بالعمق ~~، واجتمع من العساكر والتركمان ما لا يحد كثرة ، فسير ابن لاون يبذل الطاعة ~~، وأن يهدم الحصن الذي بناه بقرب دربساك . # فأعرض عنه ، ورد فلاحي العمق ، وعمر ضياعه ، وكمل استغلال ذلك البلد ، ~~والرسل تتردد في إصلاح الحال ، إلى أن استقرت القاعدة : على أن يهدم لاون ~~الحصن الذي بناه ، ويرد جميع ما أخذ في الغارة ، ويرد جميع أسارى المسلمين ~~الدين في يده ، وأن لا يعرض لأنطاكية . وقرر الصلح إلى ثماني سنين ، وخرب ~~الحصن ، ورد ما استقر الأمر عليه . # ودخل السلطان حلب ، في سنة ثلاث وستمائة ، وأمر جماعة من مماليكه وأصحابه ~~. وعاد الفرنج على بلد حماة ، في سنة خمس وستمائة ، فسير الملك الظاهر من ~~حلب ، نجدة من عسكره . PageV01P447 # # | الرد على الفرنج وظهور كيخسرو # و نزل الملك العادل على قدس ، وغارت خيله على طرابلس ، وخربوا حصونها ، ~~وشتى بحماة إلى أن انقضى فصل الربيع . # وعاد إلى دمشق ، وعاد ابنه الأشرف ، إلى بلاده من خدمة أبيه ، فعبر في ~~حلب ، فالتقاه الملك الظاهر ، واحتفل به ، وأنزله في داره بقلعة حلب ، وقدم ~~له تحفا جليلة من السلاح ، والخيل ، والذهب ، والجوهر ، والمماليك ، ~~والجواري ، والثياب ، بما قيمته خمسون ألف دينار ، وودعه بعد سبعة أيام ، ~~إلى قراحصار ، وعاد إلى حلب . # وقصد كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد ابن لاون ، وطلب نجدة من السلطان الملك ~~الظاهر ، فأرسل إليه عسكرا مقدمه سيف الدين بن علم الدين ، وفي صحبته أيبك ~~فطيس ، فاجتمعوا بمرعش ، ونزلوا على برنوس في سنة خمس وستمائة ، فافتتحوها ~~، وافتتحوا حصونا عدة من بلد ابن لاون . # فراسل لاون الملك العادل ، والتجأ إليه ، فأرسل الملك العادل إلى كيخسرو ~~وإلى الملك الظاهر ، فابتدر كيسخرو ، وصالح ابن لاون على أن ms320 يرد حصن بغراس ~~إلى الداوية ، وأن لا يعرض لأنطاكية ، وأن يرد ماله الذي تركه عنده ، في ~~حياة أخيه ركن الدين . # وكان قد خاف من أخيه ، فقدم حلب ، وأقام عند الملك الظاهر مدة ، وخاف ~~الملك الظاهر من أخيه ركن الدين ، أن يتغير قلبه عليه بسببه ، وأنه ربما ~~يطلبه منه ، فلا يمكنه تسليمه إليه ، فأعرض عنه . فدخل إلى ابن لاون ، ثم ~~خاف منه ، فانهزم ، وترك عنده مالا وافرا ، فاحتوى عليه فرده عليه ، عند ~~هذه الهدنة . ودفع إليه جميع الأسرى من المسلمين ، الذين كانوا في بلاده ، ~~وأن لا يعرض لبلاد السلطان الملك الظاهر . ووصلت نجدة حلب إلى حلب . # # | العادل في الجزيرة # وخرج العادل من دمشق ، في سنة ست وستمائة ، وطلب من الملك الظاهر ~~PageV01P448 نجدة ، تكون معه إلى الشرق ، ليمضي إلى خلاط ، لدفع الكرج عنها ~~، فسير إليه نجدة ، وعبر الفرات . فلما وصل إلى رأس عين ، رحل الكوج عن ~~خلاط ، ووصل إليه صاحب آمد ، فسار في العسكر إلى سنجار ، وأقطع بلد الخابور ~~، ونصيبين . # و نزل على سنجارمحاصرا لها ، وشفع إليه مظفر الدين بن زين الدين ، في ~~صاحب سنجار ، فلم يقبل شفاعته . وقال : لا يجوز لي في الشرع ، تمكين هؤلاء ~~من أخذ أموال بيت المال في الفساد وترك خدمة الأجناد ، في مصلحة الجهاد ، ~~وضايق سنجار ، وقاتلها في شهر جمادى الآخرة . # وقام نور الدين بن عز الدين صاحب الموصل في نصرة ابن عمه صاحبها ، واتفق ~~مع مظفر الدين ، وتحالفا ، وأفسدا جماعة من عسكر الملك العادل ، وراسلا ~~الملك الظاهر ، على أن يجعلاه الس لطان ، ويخطبوا له ، ويضربوا السكة باسمه ~~. # وجعل الملك الظاهر يداري الجهتين ، والرسل تتواتر إليه من البلدان ، وهو ~~في الظاهر في طاعة عمه وعسكره معه ، وفي الباطن في النظر في حفظ سنجار ، ~~ومداخلة المواصلة ، وهو يظهر لعمه أنه متمسك بيمينه له ، إلى أن أرسل أخاه ~~الملك المؤيد ، ووزيره نظام الدين الكاتب إلى عمه ، معلما له أن رسول ~~الموصل ، ومظفر الدين ، وصلا يطلبان منه الشفاعة إليه ، في إطلاق سنجار ، ~~وتقرير الأمر على حالة يراها . # وتوسط الحال عند ms321 قدومه ، على أن شفع فيهم الملك الظاهر ، وأطلق لهم سنجار ~~، واستنزلهم عن الخابور ونصيبين . # وعاد الملك المؤيد ، من حضرة عمه بالبر الوافر . فلما وصل رأس عين ، دخل ~~إليها في ليلة باردة كثيرة الثلج ، فنزل في دار فيها منرل مجصص ، فستر بابه ~~، PageV01P449 وسد ما فيه من المنافس ، وأوقد فيه نار من منقل ، وعنده ~~ثلاثة من أصحابه ، فاختنق ، وواحد من أصحابه ، وحمل إلى حلب ميتا في شعبان ~~، من سنة ست وستمائة . # وجرى على الملك الظاهر منه ما لا يوصف من الحرن والأسف . # ووصل الملك العادل إلى حران ، وخافه صاحب الموصل والجريرة ، فراسل الملك ~~الظاهر ، وطلب منه أن يخلي بينه وبين ملوك الشرق ، وأن يحتكم في ما يطلبه ~~منه ، وراسله صاحب الموصل ، وصاحب إربل ، وصاحب الجزيرة ، يعتضدون به وهو ~~لا يؤيسهم . # فخرج السلطان إلى حيلان بعسكره ، ثم رحل إلى السموقة وراسل عمه في ~~مهادنتهم وتطييب قلوبهم ، وهو مخيم على لا السموقة على نهر قويق وطلب منه ~~أن تكون كلمة المسلمين كلهم متفقة . # وكذلك تدخل في الصلح ملك الروم ، وأن يقصدوا الفرنج بجملتهم ، فإن الفرنج ~~في نية التحرك ، وخامر جماعة من عسكر الملك العادل . ووصل ابن كهدان إلى ~~السلطان الملك الظاهر ، فأكرمه ، فتخاذل عسكر الملك العادل ، فاتفق الحال ~~بينهم على الصلح ، ودخول ملوك الإسلام فيه . # # | زواج الظاهر وعنايته بالعمران # وتمت المصاهرة بين الملك العادل والملك الظاهر على ابنته الخاتون الجليلة ~~ضيفة خاتون بنت الملك العادل وشرع السلطان في عمل قناة حلب وفرقها على ~~الأمراء ، والخواص . وحرر عيونها ، وكلس طريقها جميعه ، حتى كثر الماء بحلب ~~. وقسم الماء فى جميع محال حلب . وابتنى القساطل في PageV01P450 المحال . ~~ووقف عليها وقفا لإصلاحها ، وذلك في سنة سبع وستمائة . # وتوفي وزير السلطان الملك الظاهر نظام الدين محمد بن الحسين بحلب ، بعلة ~~الدوسنطاريا ، في صفر سنة سبع وستمائة . وكان رحمه الله وزيرا صالحا ~~مشفقا ، ناصحا ، واسطة خير عند السلطان ، لا يشير عليه إلا بما فيه مصلحة ~~رعيته والإحسان إليهم . وقام بعمه بكتابة الإنشاء والأسرار شرف الدين أبو ~~منصور بن الحصين ، وشمس ms322 الدين بن أبي يعلى كان مستوفي الدواوين . فلما مات ~~أبو منصور بن الحصين استقل بالوزارة ، وأضيف إليه ديوان الإنشان مع ~~الاستيفاء . وعمر السلطان باب قلعة حلب ، والدركاه ، وأوسع خندقها وعمل ~~البغلة من الحجارة الهرقلية ، وعمق الخندق ، إلى أن نبع الماء في سنة ثمان ~~وستمائة . وخرجت من مصر ، في هذه السنة ، الملكة الخاتون ، ضيفة خاتون بنت ~~الملك العادل إلى حلب ، مع شمس الدين بن التنبي . والتقاها الملك الظاهر ~~بالقاضي بهاء الدين من دمشق ، ثم بالعساكر الحلبية بعد ذلك بتل السلطان ~~واحتفل في اللقاء ، وبالغ في العطاء . ووصلت إلى حلب في النصف من المحرم من ~~سنة تسع وستمائة . # وملك ابن التنبي قرية من قرى حلب ، من ضياع الأرتيق يقال لها تلع وأعطاه ~~عطاء وافرا ، وحظيت عنده حظوة ، لم يسمع بمثلها . ووقعت النار في مقام ~~إبراهيم عليه السلام وهو الذي فيه المنبر ، ليل الميلاد ، وكان فيه من ~~الخيم والآلات والسلاح ما لا يوصف ، فاحترق الجميع ، ولم يسلم غير الجرن ~~الذي فيه رأس يحيى بن زكريا عليه السلام واحترقت السقوف والأبواب ، فجدده ~~السلطان الملك الظاهر ، في أقرب مدة أحسن مما كان . # وتوفي شرف الدين عبد الله بن الحصين كاتب السلطان ، واستقل شمس الدين عبد ~~الباقي بن أبي يعلى بالوزارة ، في سنة تسع وستمائة . # وشرع الملك الظاهر في هدم باب اليهود وحفر خندقه وتوسعته . وبناه بناء ~~حسنا ، وغيره عن صورته التي كان عليها ، وبنى عليه برجين عظيمين ، وسماه ~~باب النصر . وأتم بناءه ، في سنة عشر وستمائة . PageV01P451 # وولد للسلطان الملك الظاهر ولده الملك العزيز ، من ابنة عمه الخاتون ضيفة ~~خاتون ، ، في يوم الخميس خامس ذي الحجة من سنة عشر وستمائة فضربت البشائر ، ~~وزينت مدينة حلب ، وعقدت القباب . # وفي اليوم السابع عشر ، من ميلاده ، ختن السلطان أخاه الملك الصالح ، ~~واحتفل بختانه ، ونصب الزورق ، من قلعة حلب إلى المدينة ، ونزل فيه الرجال ~~، وعملوا من الآلات والتماثيل التي ركبوها ، حالة النرول أنواعا وطهر ~~أولاد الأكابر من أهل المدينة ، وشرفهم ، وخلع عليهم . # فجدد السلطان الملك الظاهر باشورة حلب ، من باب ms323 الجنان إلى برج الثعابين ~~، وبنى لها سورا قويا ظاهرا عن السور العتيق ، وجدد فيه أبرجة كالقلاع ، ~~وعزم على أن يفتتح بالقرب من برج الثعابين بابا للمدينة ، ويسميه باب ~~الفراديس ، وكان يباشر الإشراف على العمارة بنفسه . # وأمر قي هذه السنة بتجديد ربض الظاهرية ، خارج باب قنسرين ، فيما بينه ~~وبين النهر ، فنسب إليه لذلك ، وخربت الياروقية ، وانتقل معظم أهلها إليه . # ووثب الإسماعيلية على ابن الإبرنس ، بكنيسة انطرسوس ، فقتلوه ، فجمع ~~البرنس جموع الفرنج ، ونزل على حصونهم ، وقتل وسبى ، وحصر حصن الخوابي ~~فكتبوا إلى السلطان ، يستغيثون به ، ويستنجدونه ، فاستخدم السلطان مائتي ~~راجل . وسير جماعة من عسكر حلب ، يحفظونه ، ليدخلوا إلى حصن الخوابي ، ~~ويمنعوا الفرنج من الاستيلاء عليه . # وجرد عسكرا من حلب ، مع سيف الدين بن علم الدين ، ليشغل الفرنج من جهة ~~اللاذقية ليتمكن الرجالة من الدخول إلى الحصن . فلما سمع الفرنج بذلك ، ~~كمنوا كمينا للرجالة والخيالة ، الذين يحفظونهم ، فأسروا الرجالة ، ~~وقتلوهم ، وقبضوا ثلاثين من الخيالة ، وذلك في حادي عشر شهر رجب . # فعند ذلك خرج الملك المعظم ابن العادل ، من دمشق ، بعسكره ، ودخل غائرا ~~في بلد طرابلس ، فلم يترك في بلدها قرية إلا نهبها ، وخربها ، واستاق ~~الغنائم والأسرى ، فرحلوا عن الخوابي ، وأطلقوا الأسرى الدين أسروهم من ~~أصحاب السلطان الملك الظاهر ، ، وراسلوه ، معتذرين ، متلطفين ، وافترقوا عن ~~غير زبدة حصلت لهم . PageV01P452 # وتمت الباشورة ، والباب والأبرجة ، في سنة اثنتي عشر وستمائة . ولم يتم ~~فتح الباب ، وسده طغرل الأتابك ، مات الملك الظاهر ، إلى أن فتحه السلطان ~~الملك الناصر أعز الله نصره على ما نذكره ، في سنة اثنتين وأربعين وستمائة ~~. # # | ولاية العهد وموت الظاهر # ووقعت المراسلة بين السلطان الملك الظاهر ، ، وبين السلطان كيكاوس بن ~~كيخسرو واتفقا على أن يمضي السلطان إلى خدمته ، ويتفق معه خوفا من عمه ~~فأجابه كيكاوس إلى ذلك ، وخرج بنفسه إلى أطراف البلاد . # وندم السلطان على ما كان منه ، ورأى أن حفظ بيته أولى ، وأن اتفاقه مع ~~عمه أجمل ، فسير القاضي بهاء الدين قاضي حلب إلى عمه إلى مصر برسالة ، ~~تتضمن الموافقة : أنه قد جعل ابنه الملك ms324 العزيز محمدا ، ابن ابنة الملك ~~العادل ، ولي عهده وطلب من الملك العادل أن يحلف له على ذلك . # فسار إلى مصر ، فرتب السلطان خيل البريد ، تطالعه بما يتجدد من أخبار عمه ~~لينظر في أمره ، فإن وقع منه ما يستشعر منه ، خرج بنفسه إلى كيكاوس ، وهو ~~مع هذا كله في همه تجهيز الجيوش ، والاستعداد للخزوج إلى كيكاوس ، ~~والاجتماع معه على قصد بلد ابن لاون أولا . وكان ابن لاون قد ملك أنطاكية ~~، وضاق ذرع السلطان بمجاورته ، لعلمه بانتمائه إلى عمه . فوصلت الأخبار من ~~القاضي من مصر ، أن الملك العادل أجاب الملك الظاهر إلى كل ما اقترحه ، ~~وسارع إلى تحصيل أغراضه ، ولم يتوقف في أمر من الأمور . وجعل كيكاوس يحث ~~السلطان على الخروج ، ويذكر أنه ينتظره ، ونشب السلطان به ، وضاق صدره ، ~~وبقي مفكرا في أن عمه قد وافقه ، ولا يرى الرجوع عنه إلى ملك الروم ، ~~فيفسد ما بينه وبين عمه ، ويغض من قدره بالخزوج إليه ، ويفكر في حاله مع ~~ملك الروم ، وفي كونه وعده بالخروج إليه والاجتماع به إذا خرج ، وأنه إن ~~رجع عن ذلك فسد ما بينه وبين ملك الروم ، والعسكر قد برز ، وهو مهتم في ذلك ~~الأمر . وطلب الاعتذار إلى ملك الروم بوجه يجمل . PageV01P453 # فلشدة فكره ، وضيق صدره ، هجم عليه مرض حاد في جمادى الآخرة في سنة ثلاث ~~عشرة وستمائة . واعترته أمراض شتى . واشتد به الحال . # وجمع مقدمي البلد وأمراءه ، واستحلفهم لابنه الملك العزيز محمد ، ثم من ~~بعده لابنه الملك الصالح أحمد ، ثم من بعده لابن أخيه ، وزوج ابنته : الملك ~~المنصور محمد بن الملك العزيز . وجعل الأمير سيف الدين بن علم الدين مقدم ~~العسكر وشهاب الدين طغرل الخادم والي القلعة . ومتولي الخزانة ، وتربية ~~أولاده ، والنظر في مصالح الدار والنساء . # وأ نزل بدر الدين أيدمر والي قلعة حلب منها ، وأقطعه زيادة على ما كان في ~~يده من الأقطاع قلعة نجم ، بذخائرها وعددها ، وزردنا أ مع تسع ضياع آخر من ~~أمهات الضياع . وحلف إخوة السلطان على ذلك . # واستشعر السلطان من أخيه الملك الظاهر خضر ms325 وكان مقيما بالياروقية فأقطعه ~~كفر سوذ ، وتقدم إليه بالتوجه إليها ، فسار إليها ، فسبقه الملك الزاهر ، ~~فاستولى عليها ، وعلى البيرة وحروص و المرزبان ونهر الجوز والكرزين والعمق ~~. # ومات السلطان الملك الظاهر رحمه الله بقلعة حلب ، في الخامس والعشرين ، ~~من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة وستمائة ، وكتم خبر موته PageV01P454 ذلك ~~اليوم ، حتى دفن في الحجرة ، إلى جنب الدار الكبيرة ، التي أنشأها بقلعة ~~حلب . # ثم أركب في اليوم الثاني من موته ولداه : الملك العزيز ، والملك الصالح ~~وأنزلا بالثياب السود إلى أسفل جسر القلعة ، وصعد أكابر البلد إليهما . # وأصيب أهل حلب بمصيبة فتت في أعضادهم . وكان له رحمه الله في كل دار بها ~~مأتم وعزاء ، وفي كل قلية نكبة وبلاء : # والناس مأتمهم عليه واحد . . . في كل دار رنة وزفير PageV01P455 فارغة ~~PageV01P456 # # | القسم الثلاثون اتفاق الأمراء # ووصل القاضي بهاء الدين من الرسالة ، في اليوم الثالث ، والوزير ابن أبي ~~يعلى ، قد استولى على التدبير ، وحكم على الصغير والكبير ، فصعد إلى القلعة ~~، واجتمع بشهاب الدين طغرل ، وصرفه عن اضافة الأمور إلى الوزير . # وقرر أن الأمراء يجتمعون ، ويتشاورون فيما يدبرونه ، وأن لا يخرج الأمر ~~عن رأي شهاب الدين أيضا ، فاجتمعوا بدار العدل ، واتفقت أراؤهم على أن ~~يكون الملك المنصور بن العزيز أتابك العسكر ، وأمر الأقطاع إليه ، وأمر ~~المناصب الدينية يكون راجعا إلى شهاب الدين طغرل ، وحلفوه على ذلك ، وركب ~~، والأمراء كلهم في خدمته . # و نزل الملك العزيز ، والملك الصالح ، وجلسا في دار العدل ، والملك ~~العزيز في منصب أبيه ، وأخوه إلى جانبه ، والملك المنصور ، إلى جانبهما ثم ~~اضطربت الحال ، ولم يرض إخوة الظاهر ، بولاية المنصور . # ووصل في أثناء ذلك رسول الملك الرومي كيكاوس وكان مخيما بالقرب من ~~البلاد ينتظر وصول السلطان الملك الظاهر إليه فسير رسولا معزيا ، ومشيرا ~~بالموافقة معه ، وأن يكون الملك الأفضل أتابك العسكر ، فإنه عم الملك ~~العزيز ، وهو أولى بتربيته وحفظ ملكه . # ومال الأمراء المصريون مثل : مبارز الدين يوسف بن خطلخ ، و مبارز الدين ~~سنقر الحلبي ، وابن أبي ذكرى الكردي ، وغيرهم ، إلى هذا الرأي ، وقالوا : ~~إن ms326 هذا ملك كبير ، ولا ينتظم حفظ الملك إلا به ، وإذا صار أمر حلب راجعا ~~إليه كان قادرا على أخذ ثأره من عمه ، وأخذ الملك به PageV01P457 ورأى ~~القاضي بهاء الدين ، وسيف الدين بن علم الدين ، وسيف الدين بن قلج ، ~~وغيرهما ، غير ذلك ، وقالوا : إن هذا إذا فعل ، كان الملك العزيز على خطر ~~من الجانبين ، لأن الملك العادل ملك عظيم ، وصاحب الديار المصرية ، فإذا ~~قبلنا ذلك خرج من أيدينا ، فإن كانت الغلبة له انتزع الملك من أيدينا . وإن ~~كانت عليه فلا نأمن أن الملك الأفضل ، يتغلب على ابن أخيه وينتزع الملك منه ~~، ويستقل به ، كما فعل الملك العادل بابن العزيز ، والملك العادل قد حلف ~~للملك الظاهر ، ، ولابنه الملك العزيز من بعده ، وهو ابن ابنته ، وابنته ~~بقلعة حلب ، ونحن نطالبه بالوفاء بالعهد ، وهو يذب عن حلب كما يذب عن غيرها ~~من ممالكه ، وأمور الخزائن هي راجعة إلى شهاب الدين طغرل ، وهو متولي ~~القلعة . والرأي أن يقع الاتفاق عليه ، فإن المال عنده بالقلعة ، وهو فيها ~~ينتصف ممن خالفه ، وقد وقع اعتماد الملك الظاهر عليه . # فاتفق رأيهم كلهم عليه . # وعملت نسخة يمين ، حلف بها جماعة والمقدمين من أهل البلد ، على الموالاة ~~، والطاعة للملك العزيز ، ثم من بعده لأخيه الملك الصالح ، وعلى الموالاة ~~لأتابكه شهاب الدين طغرل ، وانقاد الجميع له طائعين ومكرهين . # وأبعد الوزير ابن أبي يعلى ، وصرف ، واستقر الأمر على ذلك ، في أواخر ~~شعبان ، في السنة . # وسار ابن أبي يعلى عن حلب ، في شهر رمضان من السنشة ، واستقل طغرل بترتيب ~~البلاد والقلاع وتفريق الأموال والأقطاع ، ولا يخرج في ذلك كله ، عن رأي ~~القاضي بهاء الدين ، وسيف الدين بن علم الدين ، وسيف الدين بن قلج . # وأقطع علم الدين قيصر دربساك ، وابن أمير التركمان اللاذقية ، وسير علم ~~الدين إلى الملك الزاهر ، أولا ، يعاتبه على استيلائه على البلاد ، ~~فاعتقله ، وقال : أنا أحق بذلك ، فإنني كنت ولي العهد لأخي ، وقد حلف لي ~~الناس . وطمع بملك حلب ، ثم انقاد إلى الطاعة والخطبة ، وشرط أن تبقى ~~البلاد ، التي استولى عليها بيده ms327 ، فأجيب إلى ذلك . PageV01P458 # ولما استقر أمر الأتابكية لشهاب الدين طغرل ، كره ذلك جماعة من الممالكيك ~~الظاهرية ، فعمد عز الدين أيبك الجمدار الظاهري ، واستضاف إليه جماعة من ~~المماليك الظاهرية ، والأجناد . وكاتب الأسد أقطغان ، وكان والي حارم واتفق ~~معه على أن يأتي إليه ، إلى حارم بالجماعة الذين وافقهم ، ويفتح له القلعة ~~، فإذا حصلوا بها انضم إليهم جماعة غيرهم ، وكان لهم شأن حينئذ . # وكان العسكر المقيم بحارم قد أصعد إلى القلعة ، ورتب بها ، وفيها المبارز ~~أيوب ابن المبارز أقجا ، فأحسوا باختلاف أمر الأسد الوالي ، وأنكروا عليه ~~أشياء ، فاستيقظوا لأنفسهم ، واتفقوا على حفظ القلعة ، والإحتياط عليها . # وسار أيبك الجمدار إلى حارم ، ووقف تحت القلعة ، ورام الصعود إليها ، ~~فمنعه الأجناد والأمراء ، الذين في القلعة من ذلك ، ولم يمكنوا الوالي من ~~التحرك فيها بحركة ، واحتاطوا عليه . # فسار أيبك إلى دربساك ، وطمع أن يتم له فيها حيلة أيضا ، فلم يستتب له ~~ذلك ، وعصى ألطنبغا بقلعة بهسنى ، وانضاف إلى ملك الروم كيكاوس . وانتظم ~~الأمر بعد ذلك ، وسكنت الفتنة ، في أواخر شوال من السنة . # ونزل الملك العادل من مصر إلى الشام ، وأرسل إلى أتابك بما يطيب نفسه ، ~~وسير خلعة للملك العزيز ، وسنجقا ، وحلف له على ما أوجب السكون والثقة . # # | تحرك الفرنج وملك الروم # واتفق خروج الفرنج من البحر ، وتجمعوا في أرض عكا ، وأغاروا على الغور ، ~~واندفع الملك العادل بين أيديهم ، إلى عجلون ، ثم إلى حوران ، ثم نازل ~~الفرنج الطور ، وزحفوا عليه ، فكانت النصرة للمسلمين ، وقتل منهم جمع كثير ~~، وانهزموا عنها ، وهدمها الملك العادل . PageV01P459 # وسار الفرنج إلى دمياط ، ونزلوا عليها ، وبينها وبينهم التيل ، والملك ~~الكامل في مقابلتهم ، واستدعى الملك العادل ابنه الملك الأشرف ، فسار في ~~عسكره إلى حمص ، ودخل بلاد الفرنج ، ليشغلهم عن محاصرة دمياط . # فدخل إلى صافيتا ، فخربوا ربضها ، ونهبوا رستاقها ، وهدموا ما حولها من ~~الحصون ، ودخلوا إلى ربض حصن الأكراد ، فنهبوه ، وحاصروا القلعة ، حتى ~~أشرفت على الأخذ ، والملك العادل مقيم في عالقين . # وتحرك ملك الروم كيكاوس ، ومعه الملك الأفضل ، طالبا أن يملك حلب ، ~~ويطمع الأفضل أن يأخذها له ms328 ، ليرغب الأمراء في تمليكه عليهم ، وكاتب جماعة ~~من الأمراء ، وكتب لهم التواقيع ، ومن جملة من كاتبه علم الدين قيصر . وكتب ~~له توقيعا بأبلستان . # واغتنما شغل قلب الملك العادل بالفرنج ، ووافقهما الملك الصالح صاحب آمد ~~وكان كيكاوس يريد الملك لنفسه ، ويجعل الأفضل ذريعة لتوصل إليه ، وكاتبه ~~أمراء حلب الذين كانوا يميلون إلى الأفضل . فجمع العساكر ، واحتشد ، ~~واستصحب المناجيق ، وسار في شهر ربيع الأول ، فنزل رعبان وحصرها ، وفتحها . ~~فسير الأتابك شهاب الدين زين الدين بن الأستاذ رسولا إلى الملك العادل ، ~~يستصرخه على الرومي ، والأفضل . فكتب إلى ولده الملك الأشرف ، يأمره ~~بالرحيل إلى إنجاد حلب بالعساكر ، وسير إليه خزانة ، وجعل الملك المجاهد ~~صاحب حمص في مقابلة الفرنج . # وسار الملك الأشرف ، حتى نزل حلب بالميدان الأخضر . وخرج الأمراء إلى ~~خدمته ، واستحلفهم ، وخلع عليهم ، وأتاه مانع أمير العرب بجموعه المتوافرة ~~، وعاث العرب في بلد حلب ، و الملك الأشرف يداريهم لحاجته إليهم . ~~PageV01P460 # وسار علم الدين قيصر إلى ملك الروم من دربساك ، وجاهر بالعصيان ، ونزل ~~نجم الدين ألطنبغا إليه من بهسنى ، وتسلم الرومي المرزبان ، وسار إلى تل ~~باشر وهي في يد ولد بدر الدين دلدرم فنازلها ، وحصرها ، وفتحها . ولم يعط ~~الملك الأفضل شيئا من البلاد التي افتتحها . # فتحقق الملك الأفضل فساد نيته ، وسار إلى منبج ، ففتحها بتسليم أهلها ، ~~وكان قد صار في جملته رجل يقال له الصارم المنبجي ، وله اتباع بمنبج فتولى ~~له أمر منبج ، وشرع في ترميم سورها ، واصلاحه . # وسار الملك الأشرف نحوه من حلب إلى وادي بزاعا على عزم لقائه ، وجماعة من ~~الأمراء المخامرين في صحبته ، فنزل في وادي بزاعا . وسير الرومي ألف فارس ، ~~هم نخبة عسكره ، ومقدمهم سوباشي سيواس ، فوصلوا إلى تل قباسين فوقع عليهم ~~العرب ، واحتووا عليهم ، وعلى سوادهم . # وركب الملك الأشرف ، فوصل إليهم ، وقد استباحوهم قتلا وأسرا ، وسيروا ~~الأسرى إلى حلب ، ودخلوا بهم والبشائر تضرب بين أيديهم ، وأودعوا السجن . # ولما سمع كيكاوس ذلك ، سار عن منبج هاربا ، ورحل الملك الأشرف من منزلته ~~، واتبعه يتخطف أطراف عسكره ، حتى وصل إلى تل باشر ، فنزل ms329 عليها ، وحاصرها ~~حتى افتتحها ، وسلمها إلى نواب الملك العزيز ، وقال : هذه كانت ، أولا ، ~~للملك الظاهر رحمه الله وكان يؤثر ارتجاعها إليه ، وأنا أردها إلى ولده . ~~وذلك في جمادى الأولى ، من سنة خمس وعشرة وستمائة . # ثم إنه ملكها للأتابك شهاب الدين طغول ، في سنة ثمان عشرة وستمائة ، ~~بجميع قراها . PageV01P461 # ثم سار الملك الأشرف إلى رعبان و تل خالد فافتتحهما وافتتح برج الرصاص ، ~~وأعطى الجميع الملك العزيز . وأقطعت رعبان لسيف الدين بن قلج . وعاد ~~منكفئا إلى حلب ، ونزل على بانقوسا . # # | موت العادل وملك الكامل # وكان الخبر قد ورد بموت الملك العادل رحمه الله وكان مرض على عالقين ، ~~فرحل إلى دمشق ، فمات في الطريق ، في جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة . # فكتب الأتابك شهاب الدين بذلك إلى الأمراء ، والملك الأشرف قد قارب مدينة ~~حلب ، فأعلموه بذلك ، فجلس في خيمته للعزاء ، وخرج أكابر البلد والأمراء ~~إلى خدمته ، وأنشده الشعراء مرائي الملك العادل ، وتكلم الوعاظ بين يديه . # ولما انفصل العزاء ، سير الأتابك شهاب الدين إلى الملك الأشرف ، وتحدث ~~معه في أن يكون هو السلطان موضع أبيه ، وأن يخطب له في البلاد ، وتضرب ~~السكة باسمه ، وأن تكون العساكر الحلبية في خدمته . فقال : لا والله لا ~~أغير قاعدة قررها أبي ، بل يكون السلطان أخي الملك الكامل ، ويكون قائما ~~مقام أبي . # فاتفق الحال بين أتابك وبينه ، برأي القاضي بهاء الدين ، وسيف الدين بن ~~علم الدين ، وسيف الدين بن قلج ، على أن خطب بحلب وأعمالها للملك الكامل ، ~~وبعده للملك الأشرف ، ثم للملك العزيز . # وضرب اسم الملك الكامل ، والملك العزيز ، على السكة . وجعل أمر الأجناد ~~والأقطاع في عسكر حلب إلى الملك الأشرف ، وأخليت له دار الملك الظافر ~~بالياروقية ، فنزل فيها ، ورتب له برسم المعونة ، من أعمال حلب سرمين ~~وبزاعا والجبول . PageV01P462 # ووصلت إليه رسل البلاد ، من جميع الجهات ، ومالوا إليه ، وصاروا أتباعا ~~له ، وأمر ونهى ببلد حلب ، في الأجناد والأقطاع لا غير . وتردد أكابر ~~الحلبيين إلى خدمته ، وخلع عليهم ، وانقضى فصل الشتاء . # # | إنجاد دمياط وتحرك ابن المشطوب # فأقطع الأقطاع لأجناد حلب ms330 ، ورتب أمور أمرائها ، ولا يفعل شيئا من ذلك ~~إلا بمراجعة الأتابك شهاب الدين ، وبدا من الأمراء المصريين تحرك في أمره ، ~~وكرهو أمره ونهيه في حلب ، وخافوا من استيلائه عليها ، وانتقامه منهم ~~لميلهم إلى الملك الأفضل . وبلغه عنهم أشياء عزموا عليها ، وهو ثابت لذلك ~~كله . ووصلته رسل أخيه الملك الكامل ، يطلب منه النجدة إلى دمياط . وكان ~~ابن المشطوب قد أراد الوثوب عليه وتمليك الفائز أخيه ، فأخرجه من الديار ~~المصرية ، بعد أن رحل من منزلته ، التي كان بها في قبالة الفرنج ، وعبور ~~الفرنج إليها ، ونهب الخيم ومنازلة دمياط ، وقطعهم المادة عنها . # فاتفق رأي الملك الأشرف على تسيير الأمراء ، الذين كانوا يضمرون الغدر ، ~~فسيرهم نجدة إلى أخيه ، وهم المبارزان : ابن خطلخ وسنقر الحلبيان ، وابن ~~كهدان ، وغيرهم . # وخاف ابن خطلخ منه ، فاستحلفه على أن لا يؤذيه ، فحلف له ، وسيرهم إلى ~~أخيه الملك الكامل فأقاموا عنده بالكلية . # وتوفي نور الدين صاحب الموصل في هذه السنة . وترك ابنا صغيرا قام بدر ~~الدين لؤلؤ ، مملوك جده بتربيته . وخطب للكامل والأشرف . # وقام زنكي بن عز الدين ، فأخذ العمادية وهي قلعة حصينة فيها أموال الموصل ~~بمواطأة من أجنادها ، وعزم على أخذ الموصل ، وقال : أنا أولى بكفالة ابن ~~أخي . وساعده مظفر الدين صاحب إربل على ذلك ، فسير لؤلؤ رسولا إلى الملك ~~الأشرف إلى حلب ، يطلب إنجاده ، فسير إليه عز الدين أيبك الأشرفي . ~~PageV01P463 # وكان عماد الدين بن سيف الدين علي المشطوب ، لما نفي من الديار المصرية ، ~~قد وصل إلى حماة ، وأقام عند صاحبها ، وكاتب الملك الأفضل ، وجمع جموعا ~~كثيرة من الأكراد ، وأرباب الفساد ، وساعده الملك المنصور صاحب حماة بالمال ~~والرجال على ذلك وعزم على أن يمضي ، بمن جمعه من العساكر إلى الأفضل ، وأن ~~يقوم معه ، ويساعده صاحب حماة ، وسلطان الروم . # ثم سار ابن المشطوب ، بغتة ، وخاض بلد حلب ، وكان الزمن زمن الربيع ، ~~وخيول الأجناد متفرقة في الربيع ، فوصل إلى قنسرين ونفذ منها إلى تل أعون ، ~~وبلغ الساجور ، واستاق في طريقه ما وجد من الخيل ، وغيره . # وبلغ خبره إلى الملك الأشرف ، فأركب ms331 من كان بحضرته من العساكر ، خلفه ، ~~وكان فيهم ابن عماد الدين صاحب قرقيسيا ، فلحقوه على الساجور ، وفي صحبته ~~نجم الدين بن أبي عصرون ، فقبضوا عليه وأتوا به إلى الملك الأشرف ، فعفا ~~عنه ، و عن ابن أبي عصرون ، وأقطع ابن المشطوب رأس عين وأقام عنده مخيما ~~بالياروقية ، إلى أن دخل شعبان ، من السنة المذكورة . # وسار الملك الأشرف ، إلى بلاده الشرقية ، لإصلاح أمر الموصل ، وكان صاحب ~~إربل وزنكي ، قد كسرا لؤلؤ و أيبك الأشرفي ، على الموصل . فنزل الملك ~~الأشرف على حران ، وفي صحبته عسكر حلب . # ومات كيكاوس ملك الروم ، وملك بعده أخوه كيقباذ ، فراسل الملك ألأشرف ، ~~واتفق معه . # وخربت القدس في أوائل هذه السنة . # وخرج إلى الفرنج المنازلين دمياط نجدة من البحر ، ووقع الوباء في أهل ~~دمياط ، وضعفوا عن حفظها ، فهجمها الفرنج على غفلة من أهلها ، في عاشر شهر ~~رمضان ، والملك الكامل ، مرابط حولها بالعساكر ، وابتنى مدينة سماها ~~المنصورة ، أقام فيها في مقابلة الفرنج . PageV01P464 # والملك الأشرف في حران ، و ابن المشطوب في اقطاعه رأس عين ، وقد داخل ~~صاحب ماردين ، وقرر الأمر معه على العصيان على الملك الأشرف ، وجمع جماعة ~~من الأكراد ، فنمي الخبر إلى الملك الأشرف . # وخاف ابن المشطوب ، فسار إلى سنجار ، فاعترضه والي نصيبين ، من جهة الملك ~~الأشرف ، وقاتله فهزمه ، واستباح عسكره ، وسار إلى سنجار ، فأجاره قطب ~~الدين صاحبها . وأرسل الملك الأشرف إليه ، في طلبه ، فلم يجبه إلى ذلك ، ~~فسار الملك الأشرف نحوه ، فترك سنجار ، ومضى إلى تلعفر ، فعصى بها ، فوصل ~~إليه ابن صبره وعسكر الموصل . # ووصل الملك الأشرف إلى سنجار ، وفتحها ، وعوض صاحبها بالرقة عنها ، وفتح ~~لؤلؤ تلعفر ، وسلمها إلى الملك الأشرف ، واستجار ابن المشطوب بلؤلؤ ، ~~فأجاره على حكم الملك الأشرف ، فيها ، وسلمه إلى الملك الأشرف ، فقيده ~~وسجنه بسنجار . # # | تحرك الأشرف إلى الموصل ومصر # وسار الملك الأشرف إلى الموصل ، ومعه عسكر حلب ، فأقام مخيما على ظاهرها ~~، حتى أصلح أمرها مع صاحب إربل ، وهادنه . # ووصل الملك الفائز من الديار المصرية ، مستصرخا ، وطالبا للنجد ، ووصل ~~إلى حلب ، وأنزل بالميدان الأخضر ، وسار إلى ms332 الموصل ، إلى أخيه الملك ~~الأشرف ، فأقام عنده ، بظاهر الموصل ، شهرا ومات . وانفصل الملك الأشرف عن ~~الموصل ، بعد إصلاح أمورها ، وشتى بسنجار ، وقبض على حسام الدين بن خشترين ~~وكان أميرا من أمراء حلب لغدر بلغه عنه ، وقيده ، وسيره ، وابن المشطوب ~~إلى قلعة حران ، فحبسهما فيها إلى أن ماتا . وقبض على ابن عماد الدين صاحب ~~قرقيسيا ، وأخذها ، وعانة PageV01P465 والبلاد التي كانت معه من يده ، وقدم ~~حران ، فوصل إليه أخوه الملك المعظم في محرم سنة ثمان عشرة من دمشق ، ~~فوافقه على الصعود إلى الديار المصرية ، لإزاحة الفرنج عنها ، فجهز العساكر ~~، واستدعى عسكر حلب ، وعبر الفرات ، والتقى بعسكر حلب . # وسار إلى دمياط ، مع أخيه الملك المعظم ، وخرج الفرنج عن دمياط ، ، ~~ونزلوا في مقابلة المسلمين ، فأرسلوا الماء عليهم ، فمنعهم من العود إلى ~~دمياط ، ولم يبق لهم طريق إليها وزحف المسلمون عليهم ، واستداروا حولهم ، ~~فطلبوا الأمان وتسليم دمياط ، فتسلمها المسلمون في العشرين من شهر رجب سنة ~~ثمان عشرة وستمائة . # وكان الملك المنصور صاحب حماة قد توفي في ذي القعدة ، سنة سبع عشرة ~~وستمائة . وكان ابنه الكبير الملك المطهر ، في نجدة خاله بدمياط ، فاستولى ~~ابنه الملك الناصر ، على حماة ، وسير إلى الأتابك شهاب الدين ، يطلب ~~الإعتضاد به ، والسفارة بينه وبين خاله الملك الأشرف ، على أن ينتمي إليه ، ~~ويخطب له ، على أن يمنع عنه من يقصده ، وروسل في ذلك ، فأجاب ، وحلف له على ~~ذلك . ونزل الملك الأشرف في الديار المصرية ، ووصل إلى بلاده ، وسير كتابا ~~إلى الأتابك شهاب الدين ، يتضمن أنه : لما وقع الاتفاق في الابتداء ، وعرض ~~علي الجبول وبزاعا وسرمين أجبت إلى ذلك ، ليعلم المخالف والعدو ، أن البلاد ~~قد صارت واحدة ، والكلمة متفقة ، والآن فقد تحقق الناس كلهم ذلك ، وأوثر ~~الآن التقدم إلى نواب المولى الملك العزيز في قبضها ، وإجرائها على العادة ~~، وصرفها في مصالح بلاده فأجبت إلى ذلك . # ورفع الملك الأشرف أيدي نوابه عنها . # وتوجه الملك الصالح ابن الملك الظاهر إلى الشغر وبكاس ، وأضيف ~~PageV01P466 إليه الروج ومعرة مصرين . ورتب جماعة من الحجاب والمماليك في ~~خدمته وذلك ms333 في جمادى الأولى . # # | خبر الملك المعظم # وفي ذي الحجة من سنة تسع عشرة وستمائة خرج الملك صاحب حماة إلى الصيد ، ~~فبلغ ذلك الملك المعظم عيسى ، صاحب دمشق ، فخرج مجدا من دمشق ليسبق صاحبها ~~إليها فيملكها ، فانتهى الخبر إلى الناصر ، فسبق إليها . # ووصل إلى الملك المعظم إلى حماة ، فوجد الملك الناصر قد وصلها ، وفاته ما ~~أراد ، فسار إلى معرة النعمان واحتوى على مغلاتها ، وسير أتابك شهاب الدين ~~إليه ، تقدمة مع مظفر الدين بن جرديك ، إلى المعرة ، فقبلها ، واعتذر بأنه ~~إنما جاء لكتاب ، وصله من الملك الكامل ، يأمره أن يقبض على خادم هرب منه ، ~~وأنه خرج خلفه ليدركه ، فلما قرب من حماة ، بدا من صاحبها من الامتهان ، ~~وعدم النزل والإقامة ما لا يليق . وتجنى عليه ذنوبا لا أصل لها ، والملك ~~الكامل ، والملك الأشرف ، حينئذ بمصر . # فرحل الملك المعظم إلى سلمية ، بعد أن رتب بالمعرة واليا ، ورتب السلمية ~~واليا من قبله ، وعزم على حصار حماة ، واستعد صاحبها للحصار ، ووكل الملك ~~المعظم العرب ، لقطع الميرة عن حماة ، ومنع من يقصدها من الأجناد للإنجاد ، ~~وحول طريق القافلة على سلمية . # وأرجف الناس بأن حسام الدين ابن أمير تركمان ، قد وافق الملك المعظم وأنه ~~قد صاهر صاحب صهيون ، وكان سيف الدين بن قلج ، هو الذي أشار بترتيبه في ~~اللاذقية وضمنه ، فسار إليه ، فلم يمتنع من تسليمها ولم يكن لما ذكر عنه ~~صحة ، فترك سيف الدين بن قلج بها أخاه عماد الدين ، واستصحب حسام الدين معه ~~إلى حلب ، فأقام إلى أن زال الإستشعار من جهة الملك المعظم ، وردت إليه . ~~ووصل حسام الدين الحاجب علي نائب الملك الأشرف في بلاده إلى حلب واجتمع ~~بأتابك شهاب الدين ، وأعلمه أن الملك الأشرف ، كتب إليه أن يرحل إلى الملك ~~المعظم ، ويرحله عن بلاد الناصر ، ويعلم أتابك ، أن هذا الذي وقع ، لم يكن ~~بعلم الملك الكامل ، ولا الملك الأشرف ، وأنهما لا يوافقانه على ذلك وسار ~~الحاجب إليه في هذا المعنى . PageV01P467 ووصل الناصح أبو المعالي الفارسي ~~أحد أمراء حلب برسالة الملك الكامل من مصر ms334 ، وكان قد صعد إليها إلى خدمته ~~الملك الأشرف ، وكان هو الحاجب بين يديه إذ ذلك ، والأمور كلها راجعة إليه ~~، فقال له الناصح : الملك الكامل يأمر المولى بالرحيل ، وترك الخلاف ، ~~فأجاب إلى ذلك ، وقرر الصلح بين صاحب حماة وبينه ، ورحل إلى دمشق ، وعاد ~~الناصح إلى مصر . # ونقل السلطان الملك الظاهر ، من الحجرة التي دفن بها بالقلعة ، إلى القبة ~~بالمدرسة التي ابتناها له أتابك ، ودفنه بها في أول شعبان من سنة عشرين ~~وستمائة . # # | عودة الأشرف من مصر وعصيان المظفر # و نزل الملك الأشرف من مصر ، ووصل إلى حلب في شوال من سنة عشرين ، ~~والتقاه الملك العزيز ، ونزل في خيمته ، قبلي المقام وشرقيه ، بالقرب من ~~قرنبيا ، وكان قد صحبه خلعة للملك العزيز من الملك الكامل وسنجق . # وخرج الملك العرير ، وأهل البلاد ، في خدمته ، بعد ذلك ، ودخل الناس إلى ~~الخيمه ، في خدمة السلطان الملك العزيز . # ومد الملك الأشرف السماط ، في ذلك اليوم للناس ، فلما أكلوا ، وخرج الناس ~~من الخيمة ، أحضر الخلع الكاملية وأفاضها على الملك العزيز . ووقف قائما ~~في خدمته . ثم أحضر المركوب فأركبه . وحمل الغاشية بين يديه ، حتى خرج من ~~الخيمة ، وركب إلى القلعة . # وأقام الملك الأشرف ، فقدار عشرة أيام ، واتفق رأيه مع الأمراء على إخراب ~~قلعه اللاذقية ، فسار العسكر إليها ، وخربوها في هذه السنة . # وتوجه الملك الأشرف إلى حران ، وعصى الملك المظفر شهاب الدين غازي أخوه ، ~~عليه ب أخلاط ، وكان أخوه الملك المعظم ، هو الذي حمله على ذلك ، وحسنه له ~~، لأجل ما سبق من الملك الأشرف ، فى نصرة صاحب حماة . PageV01P468 # فاستدعى الملك الأشرف عسكرا من حلب ، فسار إليه عسكر قوي فيهم . سيف ~~الدين بن قلج ، وعلم الدين قيصر ، وحسام الدين بلدق ، في سنة إحدى وعشرين ~~وستمائة . # وسار إلى أخلاط ، واتفق مظفر الدين صاحب إربل والملك المعظم صاحب دمشق ، ~~على أن يخرج هذا إلى جهة الموصل ، وهذا إلى جهة حمص ، ليشغلا الملك الأشرف ~~عن أخلاط ، فسير الملك الأشرف ، وطلب طائفة من عسكر حلب ليقيم بسنجار ، ~~خوفا من أن يغتالها صاحب إربل وخرج الملك ms335 المعظم ، وأغار على بلد حمص ، ~~وبارين ، ووصل إلى بحيرة قدس ، وعاد . # ووصل الملك الأشرف إلى أخلاط ، فخرج أخوه ، وقاتله ، فهزمه إلى أخلاط ، ~~وفتحها أهلها للملك الأشرف . # واحتمى الملك المظفر بالقلعة ، حتى عفا عنه أخوه الملك الأشرف ، وخرج ~~إليه ، وأبقى عليه ميافارقين . # وعاد عسكر حلب والملك الأشرف ، في رمضان ، وشتى الملك الأشرف بسنجار . # وانهدم في هذه السنة من سور قلعة حلب الأبراج التي تلي باب الجبل ، من حد ~~المركز ، وهي عشرة أبراج ، وتساقطت مع أبدانها ، في سلخ ذي القعدة . ووافق ~~ذلك شدة البرد في الأربعينيات ، فاهتم أتابك شهاب الدين بعمارتها ، وتحصيل ~~آلاتها ، من غير أن يستعين فيها بمعاونة أحد ، ولازمها بنفسه ، حتى أتمها ~~في سنة اثنتين وعشرين وستمائة . PageV01P469 # ومات الملك الأفضل ، بسميساط ، في هذه السنة في صفر ، وحمل إلى حلب ، ~~فدفن في التربة ، التي دفن فيها أمه قبلي المقام . # ووصل محيي الدين أبو المظفر بن الجوري ، إلى حلب بخلعة من الإمام الظاهر ~~، إلى الملك العزيز ، وكان قد تولى الخلافة ، في سنة اثنتين وعشرين ، بعد ~~موت أبيه الإمام الناصر ، فألبسها السلطان الملك العزيز ، وركب بها ، وكانت ~~خلعة سنية ، واسعة الكتم ، سوداء ، بعمامة سوداء ، وهي مذهبة ، والثوب ~~بالزركش . وكان قد أحضر إلى الملك الأشرف خلعة ، ألبسه أياها ، وسار بخلعة ~~أخرى إلى الملك المعظم ، وخلعة أخرى ، إلى الملك الكامل . # # | من الحرب إلى الاتفاق فالموت # وكاتب الملك المعظم خوارزمشاه ، وأطمعه في بلاد أخيه الملك الأشرف ، ونزل ~~الملك المعظم من دمشق ، ونازل حمص ، وكان سير جماعة من الأعراب ، فنهبوا ~~قراها ووصل مانع ، في جموع العرب لإنجاد حمص ، من جهة الملك الأشرف ، ~~فانتهبوا قرى المعرة و حماة ، وقسموا البيادر ، ولم يؤدوا عدادا ، في هذه ~~السنة ، لأحد . ولما وصل الملك المعظم إلى حمص ، اندفع مانع وعرب حلب ، ~~والجزيرة ، إلى قنسرين ، ثم نزلوا قرا حصار ، ثم تركوا أظعانهم ، بمرج دابق ~~، وساروا جريدة إلى نحو حمص ، فتواقع مانع وعرب دمشق ، وقعات ، وجرد عسكر ~~من حلب إلى حمص ، فوصلوا إليها ، قبل أن ينازلها الملك المعظم ، فحين ~~وصلوها اتفق وصول عسكر دمشق ms336 ، فاقتتلوا ، ثم دخلوا إلى مدينة حمص . # وكان الملك الأشرف ، على الرقة ، فجاءه الخبر بحركة كيقباذ ، وخروجه إلى ~~بلاد صاحب آمد ، وأخذه حصن منصور ، والكختا ، فسير الملك PageV01P470 ~~الأشرف نجدة إلى آمد ، فالتقاهم جيش الرومي ، وهزمهم ، فعاد الملك الأشرف ~~إلى حران ، وخرج من بقي من عسكر حلب إلى حاضر قنسرين لإنجاد صاحب حمص . # ووقع الفناء في عسكر الملك المعظم ، وماتت دوابهم ، وكثر المرض في رجالهم ~~، فرحل عن حمص ، في شهر رمضان من السنة . # وسار الملك الأشرف ، عند ذلك بنفسه إلى دمشق ، واجتمع بأخيه الملك المعظم ~~قطعا لمادة شره ، وزينت دمشق لقدوم الملك الأشرف ، وعقدت بها القباب . ~~وأظهر الملك المعظم السرور بقدومه ، وحكمه في ماله ، وباطنه ليس كظاهره ، ~~ورسله تتردد إلى خوارزمشاه في الباطن ، وجاءته خلعة من خوارزمشاه فلبسها . ~~وكانا لما انقضى شهر رمضان ، قد خرجا عن دمشق ، إلى المرج ، وورد عليهما ~~رسولا حلب : القاضي زين الدين ابن الأستاذ نائب القاضي بهاء الدين ، ومظفر ~~الدين بن جورديك ، يطلبان تجديد الأيمان للملك العزيز ، وأتابك . # فوجد الملك الأشرف ، وقد أصبح مع الملك المعظم ، بمنرلة التبع له ، ويطلب ~~مداراته بكل طريق ، وهو لا يتجاسر أن ينفرد بهما في حديث ، دون الملك ~~المعظم . والملك المعظم يشترط شروطا كثيرة ، والمراجعات بينهما وبين أتابك ~~إلى حلب مستمرة مدة شهرين . # إلى أن وردت الأخبار بنرول خوارزمشاه على أخلاط ، ومحاصرتها ، وفيها ~~الحاجب علي نائب الملك الأشرف فهجم بعض عسكره أخلاط ، وقام من بهما من ~~أهلها وجندها ، وأخرجوهم منها ، كرها . # فوافق الملك الأشرف أخاه ، على ما طلبه منه ، واستدعى رسولي حلب ، وحلفا ~~لهما ، ورحل خوارزمشاه عن خلاط . PageV01P471 # وشتى الملك المعظم ، والملك الأشرف بالغور . وأضحى الملك الأشرف كالأسير ~~في يدي أخيه الملك المعظم ، لا يتجاسر على أن يخالفه في أمر من الأمور ، ~~وهو يتلون معه ، وكلما أجابه الملك الأشرف إلى قضية ، رجع عنها إلى غيرها ، ~~وأقام عنده ، إلى أن دخلت سنة أربع وعشرين وستمائة . # وانقطعت مراسلة الملك الأشرف إلى حلب ، لكثرة عيون أخيه عليه ، وكونه لا ~~يأمن من جهة أمر يكرهه ، لأنه أصبح ms337 في قبضته . # واتفق وصولي من الحج ، في صفر من هذه السنة ، فاستدعاني الملك الأشرف ، ~~وحملني رسالة إلى أتابك شهاب الدين ، مضمونها ما قد وقع فيه مع أخيه . وأنه ~~يتلون معه ، تلون الحرباء ، ولا يثبت على أمر من الأمور ، وإن آخر ما قد ~~وقع بيني وبينه ، أنه التمس مني أن يحلف له أتابك على مساعدته ومعاضدته ، ~~وأن لا يوافق الملك الكامل عليه ، وأنه متى قصده الملك الكامل ، كان عونا ~~له على الملك الكامل . فلما أبلغت أتابك ما قال ، امتنع من الموافقة على ~~ذلك ، وقال : أنا حلفني الملك الأشرف للملك الكامل ، وفي جملة يمينه : أنني ~~لا أهادن أحدا من الملوك على قضية إلا بأمره ، فإذا أراد هذا مني فليأتني ~~بأمر من الملك الكامل ، حتى أساعده على ذلك . # وحين رأى الملك الأشرف وقوعه في أنشوطة أخيه ، وأن لا مخلص له إلا بما ~~يريده ، ساعده على كل ما طلبه منه ، واستحلفه على الملك الكامل ، وصاحبي ~~حماة وحمص ، فاطمأن الملك المعظم إلى ذلك ، ومكن الملك الأشرف من الرحيل ، ~~فسار إلى الرقة ، في جمادى الآخرة من السنة . # فرجع الملك الأشرف عن جميع ما قرره مع أخيه ، وتأول في أيمانه التي حلفها ~~، بأنه كان مكرها عليها ، وأنه علم أنه لا ينجيه من يدي أخيه إلا موافقته ~~فيما طلب . وندم الملك المعظم على تمكينه من الإنفصال عنه ، وسير العربان ~~إلى بلد حمص وحماة ، فعاثوا فيهما ، ونهبوا . # وخرج عسكر الأنبرور ملك الفرنج إلى عكا ، في جموع عظيمة ، فطمع صاحب حماة ~~، وصاحب حمص في الملك المعظم حينئذ ، وأرسلا إليه يطلبان العوض عما أخذه من ~~بلادهما ، فلاطف حينئذ أخاه الملك الأشرف ، PageV01P472 وأرسل إليه يطلب ~~موافقته ، فعنفه على أفعاله التي عامله بها ، وقرعه على ما اعتمد في حقه ~~وحق أهله . # ومرض الملك المعظم بدمشق ومات سلخ ذي القعدة . وملك دمشق بعده الملك ~~الناصر ولده . وفي هذه السنة ، سلمت عين تاب ، والراوندان والزوب ، إلى ~~الملك الصالح ابن الملك الظاهر ، وأخذ منه الشغر وبكاس ، وما كان في يده ~~معها . ودخل الحاجب ، في هذه السنة ms338 ، وجمع من قدر عليه من العساكر ، إلى ~~بلد أذربيجان ، وافتتح خوي ، وسلماس ، وأخذ زوجة أربك وكانت في خوى وهي ~~التي سلمت خوى إليه ، وكانت قد تزوجت بخوارزمشاه . # وخرج الملك الكامل من مصر حين سمع بموت أخيه . وسير الملك الناصر ، إلى ~~عمه الملك الأشرف ، يعتضد به ، ويستمسك بذيله ، مع ابن موسك . فوصل إليه ~~إلى سنجار وطلبه ليأتي إلى دمشق ، فسار إليه إلى دمشق . ونزل الملك الكامل ~~، فخيم بتل العجول في مقابلة الفرنج ، وسير الملك الأشرف إليه ، سيف الدين ~~بن تلج يطلب منه ابقاء دمشق على ابن أخيه ، ويقول له : إننا كلنا في طاعتك ~~، ولم نخرج عن موافقتك . فخاطبه بما أطمع الملك الأشرف في دمشق . ~~PageV01P473 فارغة PageV01P474 # # | القسم الحادي والثلاثون التنازل عن القدس # وأما الملك العزيز ، فإنه في هذه السنة ، جلس في دار العدل في منصب أبيه ~~، ورفعت إليه الشكاوي ، فأجاب عنها ، وأمر ونهى ، وكان يحضر عنده الفقهاء ، ~~في ليالي الجمع ليلا ، ويتكلمون في المسألة بين يديه . # وحضر عيد الفطر ، فخلع على كافة الأمراء ، ومقدمي البلد ، وأرباب المناصب ~~، وعمل عيدا عظيما ، احتفل فيه ، ولم يعمل بحلب عيد ، منذ مات الملك ~~الظاهر ، ، قبل هذه السنة . # ووصل الأنبرور إلى عكا ، وخيم الملك الكامل بالعوجا . وتوجه الملك الأشرف ~~، إليه من دمشق ، فجدد الأيمان فيما بينهما ، وسارت النجدة من حلب ، في آخر ~~المحرم سنة ست وعشرين وستمائة ، فنزلت في الغور . # وصالح الملك الكامل الفرنج على أن أعطاهم مدينة القدس سوى الصخرة والمسجد ~~الأقصى وليس لهم في ظاهرها حكم ، وأعطاهم بيت لحم ، وضياعا في طريقهم إلى ~~القدس ، من عكا . # # | الأشرف والكامل يقتسمان # وعاد الملك الأشرف ، واجتمع بعسكر حلب ، وبالملك الناصر ابن الملك المعظم ~~، فقال له : إنني قد اجتهدت في أمرك بالملك الكامل ، فلم يرجع عن قصد دمشق ~~، وكان آخر ما انتهى إليه أن قال : يعطى الملك الناصر البلاد الشرقية ، ~~وتأخذ أنت دمشق . PageV01P475 # فعلم الملك الناصر ، أئهما قد توافقا على أخذ دمشق ، وكال أيبك المعظمي ~~معه فأشار عليه بالرحيل إلى دمشق ، فقوض خيامه ، وسار ، ولم يمكن الملك ~~الأشرف منعه ms339 ، ومضى إلى دمشق ، وشرع في تحصينها . # فسار الملك الأشرف بجيوش حلب ، ونزل على دمشق ، وقطع عنها الماء ، فخرج ~~عسكر دمشق ، وقاتلوا أشد القتال ، حتى أعادوا الماء إليها ، ووصل الملك ~~الكامل ، في جمادى الأولى ، بالعساكر المصرية ، وخيموا جميعا على دمشق . # وسار القاضي بهاء الدين ، وفي صحبته أكابر حلب وعدولها إلى دمشق ، لعقد ~~المصاهرة بين الملك العزيز والملك الكامل . ووصل إلى ظاهر دمشق من ناحية ~~ضمير . # وخرج الملك الكامل من المخيم ، والتقاه ، وأنزله في المخيم ، بالقرب من ~~مشهد القدم . وأحضره إلى خيمته ، وقدم ما وصل على يده ، للملك الكامل . ثم ~~نقله بعد ذلك إلى جوسق الملك العزيز بالمزة . # وكان يتردد إليه الملك الكامل ، في بعض الأوقات ، إلى أن اتفق الأمر ، ~~على أن حمل الذهب الواصل ، لتقدمة المهر ، والجواري ، والخدم ، والدراهم ، ~~والمتاع . وعقد العقد بحضور الملك الأشرف ، في مسجد خاتون . # وتولى عقد النكاح عماد الدين ابن شيخ الشيوخ عن الملك الكامل ، لابنته ~~فاطمه خاتون ، على صداق ، مبلغه خمسون ألف دينار . وقبل القاضي بهاء الدين ~~العقد عن الملك العزيز ، وذلك في سحرة يوم الأحد سادس عشر شهر رجب . # وخلع الملك الكامل على القاضي ، وعلى جميع أصحابه ، وعلى الحاجي بشر أمير ~~لالا الملك العزيز ، بعد أن فتحت دمشق . وعاد القاضي ومن كان في صحبته إلى ~~حلب . # واستقر أن يأخذ الملك الكامل من الملك الأشرف ، عوضا عن دمشق : حران ، ~~والرها ، والرقة ، وسروج ، ورأس عين . وسار الملك الأشرف إلى بعلبك ، ~~فحضرها إلى أن أخذها من صاحبها . PageV01P476 # وسار العسكر إلى حماة ، بأمر الملك الكامل ، فحصرها ليسلمها صاحبها إلى ~~الملك المظفر ابن الملك المنصور ، فنزل إليه صاحبها الملك الناصر وكان ~~نازلا بمجمع المروج فحبسه عنده إلى أن سلمها إلى أخيه ، وأعطاه بارين . ~~وسار الملك الكامل إلى الرقة . # # | خبر خلاط وتحرك الفرنج # و نزل خوارزمشاه على أخلاط ووافقه ابن زين الدين ، في الباطن ، وصاحب آمد ~~في الظاهر ، وخطب له ، وضاق الأمر بأهل أخلاط ، فطلبوا الأمان فلم يجبهم ~~إلى ذلك . وافتتحها في ثامن وعشرين من جمادى الأولى ، من سنة سبع وعشرين ms340 ~~وستمائة . ووضع السيف في أهلها ، وسبى النساء والصبيان . # وفي ثامن جمادى الأولى ، ولد للسلطان الملك العزيز ، مولود من جارية . ~~وسماه باسم أبيه ، ولقبه بلقبه الملك الظاهر غازي . وزين المدينة ، وعقد ~~القباب ، ولبس العسكر في أتم زينة وهيئة ، وعمل الزورق من القلعة إلى ~~المدينة ، ونزل الناس فيه ، وانقطعت بكرة برجل منهم ، فوقع في سفح القلعة ، ~~فمات ، فبطل الملك العزيز الزورف . # وولد له أيضا في هذه السنة ، ولد آخر لقبه بالملك العادل . وولد له ~~أيضا في هذه السنة ، السلطان الملك الناصر وهو الذي أوصى له بالملك ، بعد ~~أن مات الولدان المتقدمان . # واتفق الملك الكامل ، والملك الأشرف ، وملك الروم كيقباذ ، على خوارزمشاه ~~. وطلب الملك الأشرف نجدة من حلب ، فسير الملك العزيز وأتابك ، عسكرا ~~يقدمه عز الدين بن مجلي . PageV01P477 # فدخل الملك الأشرف ، واجتمع بملك الروم ، وسار إلى ناحية أرزنكان ، ~~واصطفت العساكر للقتال ، فكسر الخوارزمي في التاسع والعشرين من شهر رمضان ، ~~وهبت ريح عاصفة في وجه عساكره ، وانهزموا ، وصادفوا شقيفا ، في طريقهم ، ~~فوقع فيه أكثر الخوارزمية فهلكوا . وصار الملك الأشرف إلى أخلاط ، ~~فاستعادها ، وهادن لخوارزمي . # وكان للفرنج حركة ، وخرج عسكر حلب مع بدر الدين بن الوالي ، وأغاروا على ~~ناحية المرقب ، ونهبوا حصن بانياس ، وخربوه ، وسيروا أسرى إلى حلب ، ثم ~~تواقع المسلمون والفرنج وقعة أخرى ، قتل من الفريقين فيها جماعة ، وكان ~~الربح فيها للمسلمين . وسيرت العساكر من حلب في النصف من شهر ربيع الآخر . ~~واحتبس الغيث في حلب ، وارتفعت الأسعار فيها ، وخرج الناس ، واستسقوا على ~~بانقوسا ، فجاء مطر يسير ، بعد ذلك ، وانحطت الأسعار قليلا . واستقرت ~~الهدنة بين عسكر حلب والداوية ، والأسبتار ، في العشرين من شعبان من السنة ~~. # # | ممارسة العزيز صلاحياته # واستقل السلطان الملك العزيز بملكه ، في هذه السنة ، وتسلم خزائنه من ~~أتابك شهاب الدين ، ورتب الولاة في القلاع ، واستحلف الأجناد لنفسه ، وخرج ~~بنفسه ، ودار القلاع والحصون . # وركب أتابك شهاب الدين ، في نصف شهر رمضان ، من هذه السنة ، ونزل من قلعة ~~، وركب الناس في خدمته ، ولم ينزل منها ، منذ توفي الملك الظاهر ، ، إلا ~~هذه المرة . ثم عاد ms341 إلى القلعة ، وكان يركب منها في الأحايين ، إلى أن دخل ~~السلطان PageV01P478 الملك العزيز بابنة الملك الكامل ، وبقي أتابك مدة في ~~القلعة ، ثم نزل منها ، وسكن في داره ، التي كانت تعرف بصاحب عين تاب ، ~~تجاه باب القلعة . # واستوزر الملك العزيز ، في هذه السنة ، خطيب القلعة وابن خطيبها زين ~~الدين عبد المحسن بن محمد بن حرب ، ومال إليه بجملته . # وسير الملك العزيز القاضي بهاء الدين ، في هذه السنة في شوال ، إلى مصر ، ~~لإحضار زوجته بنت الملك الكامل ، فأقام بمصر مدة ، إلى أن قدم في صحبتها ~~والدها الملك الكامل ، إلى دمشق ، وسيرها من دمشق صحبته ، وأصحبها من ~~جماعته : فخر الدين البانياسي ، والشريف قاضي العسكر . # وخرج وزيره ، وأعيان دولته ، فالتقوها من حماة ، وأكابر أهل حلب أيضا ، ~~والتقتها والدة السلطان عمتها من جباب التركمان ، والتقاها بقية العساكر ، ~~بتل السلطان ، والتقاها أخو السلطان الملك الصالح ، في عسكره ، وتجمله . ~~وعادت العساكر في تجملها ، واصطفت أطلابا طلبا بعد طلب ، في الوضيحي . ~~وخرج السلطان إلى الوضيحي ، ودخل مع زوجته ، ليلا ، إلى القلعة المنصورة ، ~~في شهر رمضان ، من سنة تسع وعشرين وستمائة . # وكانت العامة بحلب ، قد ثاروا على محتسبها مجد الدين بن العجمي ، لأن ~~السعر كان مرتفعا ، وقد بلغ الرطل من الخبر إلى عشرة قراطيس ، ثم انحط ~~السعر كان في تقاديم الغلة ، إلى أن بيع الرطل بخمسة ونصف . فركب نائب ~~المحتسب وسعره في البلد بستة قراطيس ، فهاجت العامة عليه ، وقصدوا دكة ~~المحتسب ، وهموا بقتل نائبه ، وخربوا الدكة ، ومضوا إلى دار المحتسب ، ~~لينهبوها . فنزل والي البلد ، والأمير علم الدين قيصر ، وسكنوا الفتنة ، ~~بعد أن صعد جماعة إلى السلطان ، واستغاثوا على المحتسب ، فظفروا بأخيه نائب ~~الحشر الكمال ابن العجمي ، فرجموه بالحجارة ، فانهزم ، واحتفى في بعض دروب ~~حلب ، ثم هرب إلى المسجد الجامع ، فهموا به مرة ثانية ، في الجامع ، فحماه ~~مقدم الأحداث ، وكان ذلك ، في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان ، من سنة تسع ~~وعشرين وستمائة . وداوم الملك العزيزالخروج إلى الصيد ، ورمي البندق بنواحي ~~العمق PageV01P479 وغيرها ، وحسن له جماعة من أصحابه ، أن يسير إلى ms342 قلعة تل ~~باشر ، ويستولي عليها ، وينزعها من نواب أتابكه شهاب الدين طغرل ، وأن يبقي ~~عليه رستاقها ، وأن لا يكون شيء من القلاع إلا بيده ، فنمى الخبر إلى أتابك ~~، فسير إلى الوالي ، وأمره أن لا يعارضه في القلعة ، وأن يسلمها إليه ، ~~وكان له بها خزانة ، فاستدعاها . # وخرج السلطان إلى عزاز ، وكانت في يد والدة أخت الملك الصالح ، وأولادها ~~بني ألطنبغا ، عوضهم بها أتابك عن بهسنى ، بعد قتل الرومي كيكاوس الطنبغا ، ~~فصعد إلى قلعتها ، وولى بها واليا من قبله ، وأبقى عليهم ما كان في أيديهم ~~من بلدها . # ثم سار السلطان من عزاز ، إلى تل باشر ، وصعد إلى القلعة ، وولى فيها ~~واليا من جهته ، وانترعها من أيدي نواب أتابكه . # وبلغه أخذ الخزانة ، من تل باشر ، فسير من اعترض أصحاب أتابك في الطريق ، ~~فأخذ الخزانة منهم ، وكان يظن أن بها مالا طائلا ، فلم يجد الأمر كما ذكر ~~، فأعادها على أتابك ، فامتنع من أخذها ، وقال : أنا ما ادخرت المال إلا لك ~~. # ثم دخل السلطان إلى حلب ، وكان ذلك كله ، في شهر رمضان ، من سنة تسع ~~وعشرين وستمائة . # ثم إن السلطان الملك العزيز ، خرج في خرجاته ، لرمي البندق إلى حارم ، ~~وتوجه منها إلى دركوش ثم إلى أفامية ، في سنة ثلاثين وستمائة ، PageV01P480 ~~فلم يحتفل به صاحب شيزر شهاب الدين يوسف بن مسعود بن سابق الدين ، وأنفذ ~~إليه إقامة يسيرة وهي شيء من الشعير على حمير ، سخرها من بلد شيزر فشق عليه ~~ذلك . # فلما دخل حلب استدعى سيف الدين علي بن قلج الظاهري ، وسيره إلى الملك ~~الكامل ، ليستأذنه في حصار شيزر ، وأخذها ، وكانت مضافة إلى حلب ، وإنما ~~خاف أن يلقي صاحبها نفسه على الملك الكامل ، فيشفع إليه في أمره ، فلا يتم ~~له ما يريد . # فصعد سيف الدين إلى دمشق ، وقرر مع الملك الكامل ، الأمر على ما يختاره ~~الملك العزيز ، وسير إلى السلطان الملك العزيز ، وأعلمه بذلك ، فأخرج ~~العسكر ، والزردخاناه ، ونزل العسكر على شيزر ، واحتاط الديوان ، على ما في ~~رستاق شيزر من المغلات . # ووصل سيف الدين بن قلج من ms343 دمشق ، وخرج السلطان بنفسه ، فنصب عليها ~~المناجيق ، من جهة الجبل ، وترك المنجنيق المغربي ، قبالة بابها . وسير إلى ~~صاحبها ، وقال له : والله لئن قتل واحد من أصحابي ، لأشنقتك بدله . فقتدم ~~إلى الجرخية بالقلعة ، أن لا يرمي أحد بسهم ، وتبلد ، وأسقط في يده . # وأرسل الملك الكامل إلى السلطان نجابين ، ومعهما خمسة آلاف دينار مصرية ، ~~ليستخدم بها رجالة ، يستعين بهم على حصار شيزر . # وقدم إليه إلى شيزر الملك المظفر محمود صاحب حماة وأرسل إليه صاحب شيزر ، ~~يبذل له تسليمها ، على أن يبقي عليه أمواله ، التي بها ، ويحلف له على ~~أملاكه ، بحلب . فأجابه إلى ذلك . # و نزل من شيزر إلى خدمة السلطان ، وسلمها إليه ، ووفى له السلطان بما ~~اشترطه ، وصعد السلطان إلى القلعة ، وأقام أياما بشيزر ، ثم دخل إلى مدينة ~~حلب . PageV01P481 # ومرض أتابك شهاب الدين طغرل بن عبد الله في أواخر هذه السنة ، ودام مرضه ~~، إلى أن مات ، ليلة الاثنين الحادية عشرة ، من محرم سنة إحد وثلاثين ~~وستمائة ، وحضر السلطان الملك العزيز ، محمد ابن الملك الظاهر ، جنازته ، ~~صبيحة الليلة المذكورة . ومشى خلف جنازته ، من داره إلى أن صلى عليه خارج ~~باب الأربعين . ودفن بتربته ، التي أنشأها بتل قيقان ، ووقفها مدرسة على ~~أصحاب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وبكى السلطان عليه بكاء عظيما ، وحضر ~~عزاءه ، يومين بعد موته ، بالمدرسة التي أنشأها أتابك ، وجعل فيها تربة ~~للسلطان الملك الظاهر رحمهم الله . # # | الحرب ضد كيقباذ # وفي هذه السنة : نزل الملك الكامك ، من مصر ، واتفق مع أخيه الملك الأشرف ~~، على قصد بلاد السلطان كيقباذ بن كيخسرو ، للوحشة التي تجددت بينهم ، بسبب ~~استيلاء كيقباذ على بلاد أخلاط ، وانتزاعها من أيدي نواب الملك الأشرف . ~~وسارا من دمشق ، وخرج معهما الملك المجاهد ، صاحب حمص ، والملك المظفر ، ~~صاحب حماة ، ووصل معهم الملك الناصر ، صاحب الكرك ، ووصلوا إلى منبج بإذن ~~السلطان الملك العزيز . # وسير الملك العزيز ، إليه إلى منبج ، الإقامة العظيمة ، والزردخاناه ، ~~وعسكره ، ومقدمه عمه الملك المعظم ، وساروا من ناحية تل باشر ، فنزل إليه ~~الملك الزاهر داود ابن الملك الناصر . # وقدم إليه ms344 صاحب سميساط الملك المفضل موسى ، وصاحب عين تاب الملك عالح ابن ~~الملك الظاهر ، والملك المظفر شهاب الدين ابن الملك العادل ، والملك الحافظ ~~أخوه ، وغيرهم ، من الملوك . حتى اجتمع في عسكره ستة عشر أميرا . ~~PageV01P482 # وسير ملك الروم إلى الملك العزيز ، وقال له : أنا راض منك بأن تمد ~~بالأجناد والأموال ، على أن لا تنرل إليه أبدا . وأعفاه الملك الكامل ، من ~~مثل ذلك . ورضي كل واحد من الملكين بفعله . # وسار الملك الكامل في جيوشه ، في أوائل سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ، إلى ~~أن نزل على نهر الأزرق ، في طرف بلاد الروم ، وجاء عسكر الروم حتى نزل قبلي ~~زلى بينها وبين الدربند والسلطان معهم ، وصعد الرجالة إلى فم الدربند ، ~~بالقرب من نور كغال ، وبنوا عليه سورا ، وقاتلوا منه ، ومنعوا من يطلع ~~إليه ، وقلت الأقوات على العسكر الشامي . # فرجع الملك الكامل ، وخرج إلى طرف بلد بهسنى ، ونزل على بحير انرنيت ، ~~ووصل إليه صاحب خرتبرت ، ودخل في طاعته ، وأشار عليه بالدخول من جهته ، ~~فسار إلى ناحية خرتبرت ووقعت طائفة من عسكر الروم ، على طائفة من عسكر ~~الملك الكامل وفيهم الملك المظفر صاحب حماة وشمس الدين صواب ، فكسر العسكر ~~الكااملي ، واعتصم من نجا منهم بخرتبرت ، فحاصرهم ملك الروم إلى أن نزلو ~~بالأمان ، وأطلقهم ، واستولى كيقباذ على خرتبرت ، وعفا عن صاحبها ، وعوضه ~~عنها بأقطاع في بلاده . # ومرض الملك الزاهر في العسكر ، فحمل مريضا إلى البيرة ، وقوي مرضه ، ~~وطمع بعض أولاده بملكها ، وشرع في تحصينها وتقويتها ، وبلغ الملك الزاهر ~~ذلك ، فسير إلى السلطان الملك العزيز ، واستدعاه إليه ، وأصعده إلى ~~PageV01P483 القلعة ، وأوصى إليه بالقلاع التي في يده ، والخزائن وعين ~~لأولاده شيئا من ماله ، وتوفي بالبيرة ، والسلطان بها عنده ، في أوائل صفر ~~، من سنة اثنتين وثلاثين وستمائة . # وأقام السلطان بها يرتب أحوالها ، وأقام فيها واليا من قبله ، فاتفق ~~وفاة القاضي بهاء الدين بحلب ، في يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر ، من سنة ~~اثنتين وثلاثين وستمائة . # وطلب الكمال بن العجمي قضاء حلب ، وكاتب السلطان في ذلك ، فلم يجبه إلى ~~ذلك . وسار السلطان من ms345 البيرة إلى حارم ، فخرج ابن العجمي إليه ، إلى حارم ~~، فمنعه الدخول إليه ، وبذل له في قضاء حلب ستين ألف درهم ، وأن يحمل في كل ~~سنة ، للسلطان ، من فواضل أوقاف الصدقة ، ومن كتابة الشروط ، خمسين ألف ~~درهم ، فلم يصغ السلطان إلى شيء من ذلك . # وكتب إلى القاضي زين الدين ، كتابا يأمره بأن يحكم بين الناس ، على جاري ~~عادته ، إلى أن يدخل إلى المدينة . # فلما دخل السلطان اجتهد ابن العجمي في قبول ما بذله ، وبذل شيئا كثيرا ~~غير ذلك ، لخواص السلطان ، وحسنوا للسلطان قبول ما بذله ، وإجابته إلى ما ~~سأله ، فجرى على مذهب أبيه وجده في الإحسان ، ولم يبع منصب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالأثمان ونظر في مصلحة الرعية ، وأرضى الله ونبيه ، وقلد القضاء ~~بمدينة حلب وأعمالها ، في يوم الجمعة ، الرابع عشر ، من شهر ربيع الأول من ~~سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ، القاضي زين الدين أبا محمد عبد الله بن عبد ~~الرحمن بن علوان المعروف بابن الأستاذ وكان نائب القاضي بهاء الدين في ~~الحكم . # وأما الملك الكامل ، فإنه عاد في تلك الجيوش العظيمة ، ولم يحظ بطائل ، ~~ودخل فصل الشتاء ، وحال بين الفريقين ، وعاد كل إلى بلاده . # ولما خرج فضل الشتاء ، خرج علاء الدين كيقباذ إلى الجزيرة ، والرها ، ~~PageV01P484 والرقة ، وسبى عسكره أهل البلاد كما يسبى الكفار ، وذلك في ذي ~~الحجة ، من سنة اثنتين وثلاثين وستمائة . # وسار الملك الكامل نحوها ، فاندفع ملك الروم ، فعاد الملك الكامل واستولى ~~على البلاد ، وخرب قلعة الرها وبلدها ، وسير إليه السلطان العسكر إلى الشرق ~~، والزردخاناه ، وذلك في الجماديين ، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة . # ودام الملك العزيز ، في ملكه بحلب ، وسمت همته إلى معالي الأمور ، ومال ~~إلى رعيته ، وأحسن إليهم إلى أن دخلت سنة أربع وثلاثين وستمائة . فغضب على ~~وزيره زرين الدين بن حرب ، وألزمه داره بقلعة حلب ، وولى الديوان مكانه ، ~~الوزير جمال الدين الأكرم أبا الحسن علي بن يوسف القفطي الشيباني . # # | موت العزيز محمد بن غازي # وخرج في أواخر شهر صفر إلى النقرة ، ثم توجه منها إلى حارم ، وحضر في ms346 ~~الحلقة ، لرمي البندق ، واحتاج إلى أن اغتسل بماء بارد ، فحم ، ودخل إلى ~~حلب ، فالتقاه الناس ، وهو موعوك ، ودامت به الحمى ، إلى أن قوي مرضه ~~واستحلف الناس لولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز . ~~وسيرني إلى أخيه الملك الصالح إلى عين تاب ، يستحلفه له ، ولابنه الملك ~~الناصر ، وعدت ، وقد مات ، في شهر ربيع الأول ، من سنة أربع وثلاثين ~~وستمائة PageV01P485 فارغة PageV01P486 # | القسم الثاني والثلاثون تدبير الدولة # وتولى تدبير دولته الأميران : شمس الدين لؤلؤ الأميني ، وعر الدين عمر بن ~~محلى ووزير الدولة القاضي جمال الدين الأكرم وجمال الدولة إقبال الخاتوني ، ~~يحضر بينهم في المشورة . وإذا اتفق رأيهم على شيء ، دخل جمال الدولة إقبال ~~الخاتوني ، إلى جده السلطان الملك الناصر ، والدة الملك العزيز ، وعرفها ما ~~اتفق رأي الجماعة عليه ، فتأذن لهم في فعله ، والعلامات على التواقيع ، ~~والمكاتبمات إلى الستر العالي الخاتوني ، والدة الملك العزيز . فاتفق رأيهم ~~، على أن سيروا القاضي زين الذين - قاضي حلب - والأمير بدر الدين بدر بن ~~أبي الهيجاء ، إلى مصر ، رسولين إلى الملك الكامل ، ليحلفاه للملك الناصر ، ~~ويتوثقا من جهته ، واستصحبا معهما كزاغند السلطان الملك العزيز ، و زرد يته ~~، وخوذته ، و مركوبه . # فلما وصلا إليه ، أظهر الألم والحزن لموته ، وقصر في إكرامهما وعطائهما ~~وحلف للملك الناصر ، على الوجه الني اقترح عليه ، خاطب الرسولين بما يشيران ~~به ، عنه ، من تقدمة الملك الصالح ابن الملك الظاهر ' ، على العسكر ، وأن ~~تكون تربية الملك الناصر إليه ، فلم ير الجماعة ذلك . # واتفق بعد ذلك بمدة ، أن سير الملك الكامل خلعة للملك الناصر ، بغير ~~مركوب ، وسير عدة خلع لأمراء الدولة ، وسير مع رسول مفرد خلعة للملك الصالح ~~، على أن يجيء إليه إلى عين تاب ، فاستشعر أرباب الدولة التدبير | ~~PageV01P487 من ذلك ، وحصل عند جده السلطان وحشة من ذلك . | # واتفق رأيهم ، على أن لبس السلطان خلعته ، ولم يخلع على أحد من الأمراء ~~شيء ، مما سيره لهم ، وردوا الرسول الوارد إلى الملك الصالح بخلعته ، ولم ~~يمكنوه من الوصول إليه ، واستوحشوا من جهة الملك الكامل . # # | خلافة الأخوين # وكان الملك ms347 الأشرف ، قد تتابعت من أخيه ، الملك الكامل أفعال أوجبت ضيق ~~صدره ، وكان يغض على نفسه ، ويحتملها ، فمنها أنه أخذ بلاده الشرقية ، حين ~~أعطاه دمشق ، وأخذ من مضافات دمشق ، مواضع متعددة . # واتفق أن كيقباذ ملك الروم ، أخذ خلاط ، فضاق ما في يد الملك الأشرف جدا ~~، وكان ينزل إليه في كل سنة إلى دمشق ، في عبوره إلى الشرق ، فيقيم بدمشق ~~مدة ، فيحتاج الملك الأشرف ، في ضيافتة إلى جملة . # وقبض على أملاكه التي كانت له بحران ، والرقة ، وسروج ، والرها ، ورأس ~~عين ، وعلى جميع تمليكاته التي ملكها بتلك الناحية ، وفتح آمد ، وهو في ~~صحبته ، فلم يطلق له من بلادها شيئا ، وخذله في انتزاع خلاط من يد الرومي ~~. # فاتفق هو ، والملك المجاهد صاحب حمص والملك المظفر صاحب حماة وعزموا على ~~الخروج عليه ، وعين لكل واحد منهم شيء من بلاده ، وأرسل إلى الملكة الخاتون ~~والأمراء بحلب ، وطلبوا موافقتهم على ذلك ، وخوفوهم من جهته ، وذكروا ما ~~تمتد أطماعه إليه فوافقوهم . # وتحالفوا عليه ، وسيروا رسلا من جهتهم إلى ملك الروم كيقباذ ، يطلبون ~~منه مثل ذلك . فوصلوا إليه ومات كيقباذ ، قبل اجتماعهم به فذكروا رسالتهم ~~لابنه كيخسرو ، فحلف لهم على ذلك . # واتفقوا كلهم على أن أرسلوا رسلا من جهتهم ، إلى الملك الكامل ، إلى مصر ~~، ومعهم رسول من حلب ، وقالوا له : إننا قد اتفقنا كلنا ، ونطلب منك أنك لا ~~تعود تخرج من مصر ، ولا تنزل إلى الشام . PageV01P488 # فقال لهم : مبارك ، أنتم قد اتفقتم ، فما تطلبون من يميني ، احلفوا أنتم ~~أيضا لي : أن لا تقصدوا بلادي ، ولا تتعرضوا لشيء مما في يدي وأنا أوافقكم ~~على ما تطلبون . # و نزل رسوله ، ومرض الملك الأشرف ، واشتغل بمرضه ، وطال إلى أن مات على ~~ما نذكره . # ومما تجدد في حلب ، في سنة أربع وثلاثين وستمائة : أن شهاب الدين صاحب ~~شيزر ، وكمال الدين عمر بن العجمي ، اتفقا ، على أن سيرا من جهتهما رجلا ، ~~يقال له العز بن الأطفاني إلى دمشق إلى الملك الأشرف ، وحدثاه في أن يقصد ~~حلب ، وأنهما يساعدانة بأموالهما . وأوهمه صاحب شيزر أن معظم ms348 الأمراء بحلب ~~، يوافقونه على ذلك ، وأوهمه ابن العجمي أن أقاربه ، وجماعة كبيرة من ~~الحلبيين ، يتابعونه ، ويشايعونه ، ويوافقونه ، على ذلك ، واشترط على الملك ~~الأشرف ، أن يوليه قضاء حلب . # فمضى رسولهما إلى الملك الأشرف ، واجتمع ببعض خواصه ، وذكر له الأمر الذي ~~جاء فيه ، فلم يحضره إليه ، وأجابهما بأنه : لا تتصور أن يبدر مني غدر ، ~~ولا قبيح في حق أحد من ذرية الملك الظاهر . # وأخبرني فلك الدين بن المسيري أنه هو الذي كان المتكلم بين الملك الأشرف ~~، وبين رسولهما . # ونمي هذا الخبر إلى الملكة ، والأمراء ، فسيروا من يوقف الرسول واتفق ~~وصوله إلى حلب فقبض في باب العراق وأصعد إلى القلعة ، وسئل عن ذلك ، ~~فأخبرهم بالحديث على فضه ، فحبس الرسول ، وحلقت لحيته ، وسير إلى دربساك ~~وحبس بها . # وأصعد ابن العجمي ، وصاحب شيزر ، واعتقلا بالقلعة ، وأخذت أموال صاحب ~~شيزر جميعها ، ولم يتعرض لأموال ابن العجمي ، تطييبا لقلوب أهله . وداما ~~في الاعتقال ، من جمادى ، من سنة أربع وثلاثين إلى أن مات الملك الكامل ، ~~في سنة خمس وثلاثين وستمائة ، وأطلقا . PageV01P489 # ومما حدث أيضا ، في سنة أربع وثلاثين ، أن أميرا من التركمان ، يقال له ~~قنغر ، جمع إليه جمعا من التركمان ، بعد موت الملك العزيز وعاث في أطراف ~~بلاد حلب ، من ناحية قورس ، وغيرها . ونهب ضياعا متعددة ، وكان يغير ويدخل ~~إلى بلد الروم ، فخرج إليه عسكر من حلب ، فكسر ذلك العسكر ، ونهبه . وتخوف ~~أمراء حلب ، أن يكون ذلك بأمر ملك الروم ، فسيروا رسولا إلى ملك الروم ، ~~في معناه ، فأنكر ذلك ، وأمر برد ما أخذه ، من بلد حلب ، فرد بعضه ، وانكف ~~عن العيث والفساد . # وبذل ملك الروم من نفسه الموافقة ، والنصرة للملك الناصر ، وكف من يقصد ~~بلاده بأذى ، فسير له تقدمة سنية ، من حلب ، على يد شرف الدين ابن أمير ~~جاندار ، فأكرم الرسول إكراما كثيرا . # وسير إليه رسول في الباطن ، وهو أوحد الدين قاضي خلاط فاستحلفه على ~~الموالاة للملك الناصر ، والذب عن بلاده ، ودفع من يقصدها . # # | تحرك الفرنج # واتفق أيضا ، في هذه السنة ، تحرك الداوية ، من بغراس ، وأغاروا في بلد ms349 ~~العمق واستاقوا أغناما للتركمان ، ومواشي لغيرهم كثيرة . # فخرج الملك المعظم ابن الملك الناصر يقدم عسكر حلب ، ونزلوا على بغراس ، ~~وحصروها مدة ، حتى ثغروا مواضع من سورها ، ونفد ما فيها من الذخائر ، ~~وأشرفت على الأخذ ، فسير البرنس صاحب أنطاكية وشفع فيهم ، بعد أن كان ~~مغاضبا لهم . # فرأوا المصلحة ، في إجابته إلى ذلك ، وعقدوا الهدنة مع الداوية ، على ~~بغراس ، ورحلوا عنها ، ولو أقاموا عليها يومين آخرين ، استطاع من فيها ~~الصبر على المدافعة . PageV01P490 # وسار العسكر عن بغراس ، بعد أن أخربوها ، وبلدها ، خرابا شنيعا . ونزل ~~العسكر الإسلامي بالقرب من دربساك ، ، فجمع الداوية جموعهم ، واستنجدوا ~~بصاحب جبيل وغيره ، من الفرنج ، وجمعوا راجلا كثيرا ، وساروا من جهة حجر ~~شغلان إلى دربساك ، ظنا منهم أن يكبسوا الربض ، على غرة من أهله ، وأن ~~ينالوا منه غرضا ، فاستعد لهم من بالربض من الأجناد . # و نزل جماعة من أجناد القلعة ، وقاتلوهم في الربض ، قتالا شديدا ، ~~وحموه منهم ، واشتغلوا بقتالهم ، إلى أن وصل الخبر إلى عسكر حلب ، فركبوا ، ~~ووصلوا إليهم ، وقد تعب الفرنج ، وكلت خيولهم ، فوقعوا عليهم ، فانهزم ~~الفرنج هزيمة شنيعة ، وقتل منهم خلق عظيم . # واستولى المسلمون على فارسهم وراجلهم ، وكان فيهم جماعة من المقدمين ~~واختبأ منهم جماعة من الخيالة ، وغيرهم ، خلف الأشجار في الجبل ، فأخذوا ، ~~ولم ينج منهم إلا القليل ، ودخلوا بالرؤوس والأسرى إلى حلب ، وكان يوما ~~مشهودا وحبسوا في القلعة ، ثم أنزلوا إلى الخندق . # وفتت هذه الوقعة في أعضاد الداوية ، بالساحل ، ولم ينتعشوا بعدها ، ~~وكانوا قد استطالوا على المسلمين والفرنج . # # | وفاة كيقباذ والأشرف # ومات في هذه السنة علاء الدين كيقباذ ملك الروم بقيصرية ، في أوائل شوال ~~، من سنة أربع وثلاثين وستمائة . # وسيرت رسولا إلى ابنه غياث الدين كيخسرو ، القائم في الملك بعده ، ~~بالتعزية ، وتجدد الأيمان عليه ، على القاعدة التي كانت مع أبيه ، فحلفته ~~على ذلك ، في ذي القعدة . وكان قد قبض هلى قيرخان مقدم الخوارزمية فهرب من ~~بقي منهم ، من بلاد الروم ، ونهبوا في طريقهم ما قدروا عليه ، وعبروا ~~الفرات ، واستمالهم الملك الصالح ابن الملك الكامل ، وأقطعهم مواضع في ms350 ~~الجزيرة . PageV01P491 # وتوفي الملك الأشرف بدمشق ، لأربع خلون من المحرم ، من سنة خمس وثلاثين ~~وستمائة . وأوصى بها لأخيه الملك الصالح إسماعيل ، وجدد الأيمان مع الجماعة ~~، الذين كانوا وافقوا أخاه الملك الأشرف . # # | الملك الكامل في دمشق ووفاته فيها # فخرج الملك الكامل من مصر ، وقصد دمشق ، وسير من حلب نجدة إلى دمشق وكذلك ~~سير الملك المجاهد ولده المنصور إليها ، ونزل الملك الكامل على دمشق ، ~~وحصرها مدة فرجع الملك المظفر صاحب حماة عن موافقة الجماعة وداخل الملك ~~الكامل ، وأطلعه على جميع الأحوال ، ووقع بينه وبين صاحب حمص اختلاف . وطلب ~~من صاحب حمص سلمية ، لتجري الموافقه على ما كان عليه . # فسيرت من حلب ، ومعي الأمير علاء الدين طبيغا الظاهري ، ليوفق بين صاحب ~~حمص وصاحب حماة ، فأبى كل واحد منهما ، أن يجيب صاحبه إلى ما يريد . وكان ~~مطلوب صاحب حماة أن يعطيه صاحب حمص سلمية والقلعة التي جددها الملك المجاهد ~~المعروفة بشميميش . فقال الملك المجاهد : هذه ثمينة لي ، وقد حلف لي على كل ~~ما بيدي ، ، وأبى أن يجيبه إلى ذلك . # فعدنا إلى حماة ، وذكرنا لصاحبها مقالة الملك المجاهد ، وأن في ما يحاوله ~~نقضا للعهد ، فقال : هو قد نقض عهدي ، وأنفذ ليفسد جماعة من عسكري ، وعدد ~~له ذنوبا لا أصل لها ، وقال : لا بد من قصده ، وإذا نزل الملك الكامل على ~~حمص ، نزلت معه عليها وفعلت ما يصل إليه جهدي . ولكن حلب ، أبذل نفسي ومالي ~~دون الوصول إلى قرية منها ، ولا أرجع عن اليمين التي حلفت بها للستر العالي ~~، والملك الناصر . PageV01P492 # فقلت : فالمولى يعلم ما جرى بيننا وبين صاحب حمص ، من الأيمان ، وما نقض ~~منها عهدا ، وإذا قصده قاصد إلى حمص يتعين إنجاده ونصرته . وإذا وصل عسكر ~~من حلب لنجدته ، فكيف يفعل المولى ؟ فتلجلج ، وقال : أنا قاتله ، ومن ~~قاتلني قاتلته . # فكتبنا بذلك إلى حلب ، فجاء الأمر بالتوجه إلى حلب ، فسرنا في الحال من ~~غير توديع ، حتى وصلنا العبادي ليلة الاثنين ، مستهل جمادى الأولى ، من سنه ~~خمس وثلاثين وستمائة ، فلحقنا المهماندار بالخلع والتسفير ، فلم نقبل منه ~~شيئا . ووصلنا ms351 إلى حلب يوم الثلاثاء ، فتحقق أنه قد داخل الملك الكامل ، ~~وأنه يطالعه بالمتجددات جميعها . # وأما دمشق ، فإن الملك الكامل ، لازم حصارها ، حتى صالحه الملك الصالح ، ~~على أن أبقى له بعلبك ، وبصرى ، وأخذ منه دمشق ، في تاسع عشر جمادى الأولى ~~، من السنة ، ولم يتعرض لنجدة حلب ، وحمص ، بسوء . وخرجوا من دمشق إلى ~~مستقرهم . # ووصل الناصح ، وعسكر حلب ، إلى حلب ، واستدعى الملك المعظم وأقارب ~~السلطان والأمراء ، وحلفوا للسلطان الملك الناصر وللخاتون المملكة على ~~طبقاتهم . ثم حلف بعد ذلك أكابر البلد ، ورؤساوها . ثم حلف الأجناد والعامة ~~. # واستعد الناس للحصار بالذخائر ، والأقوات ، والحطب ، وما يجري مجراه ~~ونقلت أحجار المناجيق إلى أبواب البلد ، واستخدم جماعة من الخوارزمية ~~وغيرهم . # ووصل قنغر التركماني ، فاستخدم بحلب ، وقدم على التركمان . وقفز جماعة من ~~العسكر الكاملي إلى حلب ، فاستخدموا . # وتتابعت الرسل إلى ملك الروم لطلب نجدة ، تصل إلى حلب ، من PageV01P493 ~~جهته ، فسير نجدة من أجود عساكره ، وعرض عليهم أن يسير غيرها ، فاكتفوا بمن ~~سيره . # وسير ملك الروم رسولا إلى الملك الكامل ، يخاطبه في الامتناع عن قصد حلب ~~، فأمر بالتبريز من دمشق ، لقصد حلب ، وأخرج الخيم والأعلام ، فمرض ، ومات ~~بدمشق ، في قلعتها ، في حادي وعشرين ، شهر رجب ، من سنة خمس وثلاثين ~~وستمائة . # ووصل خبر موته ، فعمل له العزاء بحلب ، وحضره ، السلطان الملك الناصر ، ~~يومين ، وأمر العسكر ، في الحال ، بالخروج إلى معرة النعمان فخرج ، ونازل ~~معرة النعمان ، مع الملك المعظم ، ووصل رسول الملك المظفر صاحب حماة يتلطف ~~الحال ، فلم يلتفت إليه ، ولم يستحضر . وسيرت المجانيق ، ونصبت على قلعة ~~المعرة . # # | زواج الملك الناصر وفتح معرة النعمان # ووصل في أثناء ذلك ، رسول من السلطان غياث الدين كيخسرو ، يطلب الوصلة ~~إلى الخاتون الملكة ، بأن تزوجه بنت السلطان الملك العزيز ، أخت السلطان ~~الملك الناصر ، وأن يزوج السلطان الملك الناصر ، أخت السلطان غياث الدين . ~~واستقر الأمر على ذلك ، واجتمع الناس في دار السلطان ، بالقلعة ، وعقد عقد ~~السلطان غياث الدين على الست غازية خاتون . وتوليت عقد النكاح على مذهب ~~الإمام أبى حنيفة رضي الله عنه لصغر الزوجة ، على ms352 خمسين ألف دينار . وقبل ~~النكاح ، عن السلطان غياث الدين الرسول الواصل من جهته ، عز الدين قاضي ~~دوقات ، حينئذ ونثر الذهب ، عند الفراغ من العقد . # ووصل ، عند ذلك ، الخبر بفتح معرة النعمان ، في تلك الساعة ، على جناح ~~طائر وضربت البشائر للأمرين ، وذلك في سنة خمس وثلاثين وستمائة . ~~PageV01P494 # وسار العسكر فنازل حماة ، و ابتنى صاحبها سورا من اللبن ، على حاضرها ، ~~من جهة القبلة ، ونهب عسكر حلب بلد حماة ورستاقها . # ووصل رسول من الملك الصالح ابن الملك الكامل ، يشفع في صاحب حماة ، فلم ~~يجب إلى سؤاله فيه ، واعتذر إليه بما بدا منه ، وطلب الرسول ، عن صاحبه ، ~~الموافقة والمعاضدة ، وأن يسفروا في الصلح ، بينه وبين ملك الروم ، فأجيب ~~جوابا ، لم يحصل منه على طائل . # ووردت الرسل من مصر ، من الملك العادل ، والملك الكامل ، يطلبون منه ~~الموافقة ، بينه وبين صاحب حلب ، وأن يجروا منه ، على عادة أبيه ، في الصلح ~~، وقامة الدعوة له بحلب ، فلم يجب إلى شيء عن ذلك ، ورجعت الرسل بغير طائل ~~. وفي هذه السنة ، قبض على قنغر التركماني ، وحبس بقلعة حلب ، ونهبت خيمه ~~ودوابه . # # | ابن العديم رسول السلطان # وسيرت من حلب ، في الرابع من شوال ، سنة خمس وثلاثين وستمائة ، إلى بلاد ~~الروم ، لعقد الوصلة بين السلطان الملك الناصر ، والسلطان غياث الدين ~~كيخسرو ، على أخت السلطان كيخسرو ، وهي ابنة خالة الملك العزيز ، والد ~~الملك الناصر . # وسمع السلطان كيخسرو بوصولي ، وكان في عزم كيخسرو التوجه إلى ناحية قونية ~~، فتعوق بسببي ، وسير بولقا إلى أقجا دربند ، قبل وصولي ابلستان يستحثني ~~على الوصول ، ويعرفني تعويقه بسببي ، ثم سير بولقا آخر ، فوصل إلى تحت ~~سمندو يستحثني على الوصول . PageV01P495 # فأسرعت السير ، حتى وصلت إلى قيصرية ، والسلطان في الكيقباذية ، ~~فاستدعاني إليه ، ولم أنزل بقيصرية ، واجتمعت به ، عند وصولي ، يوم ~~الثلاثاء ، سادس عشر شوال ، من سنة خمس وثلاثين وستمائة . # ووقعت الإجابة إلى عقد العقد . ووكل السلطان كمال الدين كاميار ، على عقد ~~العقد معي ، على أخته ملكة خاتون بنت كيقباذ . ودخلنا في تلك الساعة إلى ~~قيصرية ، وأحضر قاضي البلدة ، والشهود ، وعقدت العقد ms353 مع كاميار ، على خمسين ~~ألف دينار سلطانية ، مثل صداق كيخسرو ، الذي كتب عليه لأخت السلطان الملك ~~الناصر . # وأظهر في ذلك اليوم من التجمل ، وآلات الذهب ، والفضة ، ما لا يمكن وصفه ~~. ونثرت الدنانير الواصلة ، صحبتي ، وكانت ألف دينار . # ونثر في دار السلطان من الذهب ، والدراهم ، والثياب ، والسكر ، شيء كثير ~~. وضربت البشائر في دار السلطان ، وأظهر من السرور والفرح ، ما لا يوصف . ~~وسيرت ، في الحال ، بعض أصحابي إلى حلب ، مبشرا بذلك كله ، فضربت البشائر ~~بحلب ، وأفيضت الخلع على المبشر . # وعدت إلى حلب ، فدخلتها يوم الخميس ، تاسع ذي القعدة ، والتقاني السلطان ~~الملك الناصر أعز الله نصره يوم وصولي . # هذا كله ، والعسكر الحلبي محاصر حماة . وكان قبل هذا العقد ، سير السلطان ~~كيخسرو الأمير قمر الدين الخادم ويعرف بملك الأرمن رسولا إلى حلب ، وعلى ~~يده توقيع من السلطان الملك الناصر ، بالرها ، وسروج . واتفق الأمر ، معه ، ~~على أن خطب له الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل وأقطعه حران ~~، وأقطع الملك المنصور صاحب ماردين سنجار ، ونصيبين ، والملك المجاهد صاحب ~~حمص عانة ، وغربا من بلد الخابور . # وكانت هذه البلاد في يد الملك الصالح ابن الملك الكامل . واتفق الأمر ، ~~على أن يأخذ السلطان كيخسرو آمد ، وسميساط ، وأعمالها . # # | قوة الخوارزمية # وكان الخوارزمية ، قد خرجوا على الملك الصالح ، واستولوا على البلاد ~~PageV01P496 وهرب الملك الصالح منهم . فأنعم على الرسول الواصل إلى حلب ، ~~وأعطي عطاء وافرا ، وقبل التوقيع منه . # ولم تر الملكة الخاتون مضايقة ابن أخيها في البلاد ، ولم تتعرض لشيء منها ~~. وبلغه ذلك فسير إليها ، وعرض عليها تلك البلاد ، وغيرها ، وقال : البلاد ~~كلها بحكمك ، وإن شئت إرسال نائب يتسلم هذه البلاد ، وغيرها ، فأرسليه ~~لأسلم إليه ما تأمرين بتسليمه . فشكرته ، وطيبت قلبه . واتفق بعد ذلك مع ~~الخوارزمية وأقطعهم : حران ، والرها ، وغيرهما ، بعد أن كانوا اتفقوا مع ~~الملك المنصور صاحب ماردين وقصدوا بلاد الملك الصالح أيوب ، وأغاروا عليها ~~، ونزلوا على حران ، وأجفل أهلها . # وخاف الملك الصالح ، فاختفى ، ثم ظهر بسنجار ، وحصره بدر الدين لؤلؤ صاحب ~~الموصل وكان قد ترك ولده الملك المغيث ms354 ، بقلعة حران ، فخاف من الخوارزمية ، ~~وسار مختفيا نحو قلعة جعبر ، فطلبوه ، ونهبوه ومن معه ، وأفلت في شرذمة من ~~أصحابه . # ووصل إلى منبج مستجيرا بعمته . فسير إليه من حلب ، ورد عن الوصول إليها ~~بوجه لطيف ، وقيل له : نخاف أن يطلبك منا سلطان الروم ، ولا يمكننا منعك ~~فعاد إلى حران ، ووصله كتاب أبيه يأمره بموافقة الخوارزمية والوصول إليه ~~بهم لدفع لؤلؤ ، ففعل ذلك ، وسار بالخوارزمية ، طالبين عسكر الموصل ، ~~PageV01P497 فانهزموا وأفرجوا عن سنجار ، وأدركهم الخوارزمية فقتلوا منهم ~~ونهبوا أثقالهم ، وقوي الملك الصالح بهم . # ووصل عسكر الروم إلى آمد ، ونازلها ، وأخذ بعض قلاعها ، وتوجه عسكر ~~الخوارزمية إلى جهتهم ، فرحلوا عن آمد . ولم ينالوا منها زبدة . # # | الدعوة للسلطان كيخسرو # ووصل رسول السلطان كيخسرو ، عز الدين ، قاضي دوقات ، إلى حلب في هذه ~~السنة ، وتحدث في إقامة الدعوة للسلطان كيخسرو ، وضرب السكة باسمه . وكان ~~الأمراء والعسكر محاصرين حماة ، فتوقفت الملكة في ذلك ، وأشير عليها ~~بموافقته على ما طلب ، فأجابت وخطب له في يوم الجمعة من سنة خمس وثلاثين ~~وستمائة ، على منبر حلب . # وحضر في ذلك اليوم ، الأمير جمال الدولة إقبال ، وصعد الرسول إلى المنبر ~~، ونثر الدنانير عند إقامة الدعوة . ونثر جمال الدولة دنانير ودراهم ، وخلع ~~على الدعاء ، وأظهر من السرور ، والاحتفال في ذلك اليوم ، شيء عظيم ، في ~~مقابلة ما أظهر بقيصرية من الاحتفال يوم عقد الملك الناصر . # وطال الحصار على حماة ، ولم تكن الملكة الخاتون ، توثر أخذها من ابن ~~أختها ، وإنما أرادت التضييق عليه ، لينزل عن طلب معرة النعمان . وضجر ~~العسكر ، فاستدعي إلى حلب المحروسة ، فوصل إليها في سنة ست وثلاثين وستمائة ~~. # # | دمشق بين الملوك الجواد والصالح والصالح إسماعيل # وكان الملك الجواد يونس بن مودود ابن الملك العادل ، بعد موت الملك ~~الكامل ، قد استولى على دمشق ، وعلى الخزائن ، التي كانت في صحبة الملك ~~PageV01P498 الكامل ، وأظهر الطاعة للملك العادل وأرسل إلى حلب ، رسولا ~~يطلب منهم معاضدته ، وانتماءه ، فلم يصغوا إلى قوله ، وامتنعوا أن يدخلوا ~~بينه وبين الملك العادل . وخاف من الملك العادل ، فراسل الملك الصالح أيوب ~~ابن الملك ms355 الكامل ، واتفقا على أن يسلم إلى الملك الصالح دمشق ، ويعوضه ~~عنها بالرقة سنجار و عانة ، فسار الملك الصالح ، من الشرق ، والخوارزمية في ~~صحبته في جمادى الأولى . # وتقدم الملك الصالح إلى دمشق ، وتسلمها من الملك الجواد ، في جمادى ~~الآخرة من سنة ست وثلاثين . # وأرسل إلى عمته إلى حلب ، يعرفها بذلك ، ويبذل من نفسه الموافقة على ما ~~تريده ، ويطلب المساعدة له ، والمعاضدة على أخذ مصر ، فأجابته بأنها : لا ~~تدخل بينه وبين أخيه ، وأنكما ولد أخي ، ولم تجبه إلى ما اقترح . # وسار الملك الجواد إلى الرقة ، فأخرجه الخوارزمية منها ، وسار إلى سنجار ~~، فأقام بها مئة ، وخرج إلى عانة ، فسار بدر الدين لؤلؤ إلى سنجار بعملية ~~كانت له فيها ، فاستولى عليها ، في شهر ربيع الأول ، من سنة سبع وثلاثين . ~~وأما الملك الصالح ، فإنه صعد إلى نابلس ، وأقام بها ، وكاتب الأمر ~~المصريين ، وعثر الملك العادل على قضيتهم ، فقبض الذين كاتبوه ، ولم يتفق ~~للملك الصالح ما أراد . # وساق عمه الملك الصالح إسماعيل ، من بعلبك والملك المجاهد صاحب حمص منها ~~، ودخلا دمشق ، وملكها الملك الصالح ، وحصر القلعة يوما أو يومين ، وفتحها ~~، وذلك في شهر ربيع الأول ، من سنة سبع وثلاثين وستمائة وقبض على الملك ~~المغيث ابن الملك الصالح ، وسجنه بقلعة دمشق . PageV01P499 # وسمع الملك الصالح بن الكامل بذلك ، فتوجه نحو دمشق ، حتى وصل إلى العقبة ~~، فلم يجد معه من عسكره من ينصحه ، فعاد إلى نابلس ، فسير الملك الناصر ~~صاحب الكرك وقبض عليه ، وحمله مقيدا إلى الكرك وسجنه بها . وتجددت الوحشة ~~بين الملك الناصر ، وبين الملك الصالح ، عمه ، بسبب استيلائه على دمشق . ~~واتفق الملك العادل وعمه الملك الصالح . فاستوحش الملك الناصر من الملك ~~العادل لذلك ، حتى آل الأمر به إلى أن أخرج الملك الصالح بن الكامل من سجن ~~الكرك ، وخرج معه ، وكاتب الأمراء بمصر ، فقبضوا على الملك العادل ببلبيس ، ~~في ليلة الجمعة ، الثامنة من ذي القعدة ، من سنة سبع وثلاثين وستمائة . # ووصل الملك الصالح أيوب ، فدخل القاهرة ، بكرة الأحد الرابع والعشرين من ~~الشهر المذكور . # وكنت إذ ذاك بالقاهرة ، رسولا ms356 إلى الملك العادل ، أهنئه بكسر عسكره ~~الإفرنج على غزة ، وأطلب أن يسير عماته بنات الملك العادل ، معي إلى أختهن ~~الملكة إلى حلب ، فاستحضرني الملك الصالح أيوب ، يوم الثلاثاء حادي عشر ذي ~~الحجة ، وقال لي : تقبل الأرض بين يدي الستر العالي ، وتعرفها أنني مملوكها ~~، وإنها عندي في محل الملك الكامل ، وأنا أعرض نفسي لخدمتها ، وامتثال ~~أمرها فيما تأمر به ، وحملني مثل هذا القول إلى السلطان الملك الناصر . # ونزلت في مصر ، فاجتمعت بالملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل ، في ~~رابع محرم سنة ثمان وثلاثين ، وحملني رسالة إلى الملكة الخاتون ، يطلب منها ~~معاضدته ، ومساعدته على الملك الصالح صاحب مصر إن قصده ، فلم تجبه إلى ذلك ~~في ذلك الوقت . # # | تحرك الخوارزمية # وكان الخوارزمية ، في سنة سبع وثلاثين ، قد وضعوا أيديهم على أوشين ، من ~~بلد البيرة وطمعوا في أطراف باب البيرة ، واستولوا على قلعة حران ، ~~PageV01P500 حين كان الملك الصالح محبوسا بالكرك ، وامتدت أطماعهم إلى ~~البلاد المجاورة لهم ، وكثر تثقيلهم على الملك الحافظ أرسلان ابن الملك ~~العادل ، بناحية قلعة جعبر ، وهو يداريهم ، ويبذل لهم الأموال ، وأطماعهم ~~تشتد . # واتفق أنه فلج ، وخاف من ولده ، فأرسل إلى أخته الملكة بحلب يطلب منها أن ~~تقايضه بقلعة جعبر وبالس ، إلى شيء تعمل له ، بمقدار قلعة جعبر ، وبالس . ~~فاتفق الأمر على أن تعوضه بعزاز ، ومواضع تعمل بمقدار ذلك . وسير من حلب من ~~تسلم قلعة جعبر ، في صفر من سنة ثمان وثلاثين وستمائة . ووصل الملك الحافظ ~~إلى حلب ، في هذا الشهر ، وصعد في المحفة ألى القلعة ، واجتمع بأخته الملكة ~~، وأنزل في الدار المعروفة بصاحب عين تاب تحت القلعة وسلمت إلى نوابه قلعة ~~عزاز . # فخرج الخوارزمية ، عند ذلك ، وأغاروا على بلد قلعة جعبر ، ووصلوا بالس ، ~~فأغاروا عليها ، ونهبوها ، ولم يسلم منها إلا من كان خرج عنها إلى حلب وإلى ~~منبج . # وفي هذا الشهر ، توفي القاضي . جمال الدين أبو عبد الله ، محمد بن عبد ~~الرحمن بن علوان قاضي حلب وولي قضاءها بعده نائبه ابن أخيه كمال إلا أبو ~~العباس ، أحمد ابن القاضي زين الدين ms357 أبي محمد . # وخرج عسكر حلب إلى جهة الخوارزمية ، ومقدمهم الملك المعظم تورانشاه ، ابن ~~الملك الناصر ، فنزلوا بالنقرة ، ورحلوا منها إلى منبج ، وأقاموا بها مدة . ~~وتجمع الخوارزمية في حران ، والحلبيون غير محتفلين بأمرهم وعسكر حلب بعضه ~~في نجدة ملك الروم في مقابلة التتار ، وبعضهم في قلعة PageV01P501 جعبر ، ~~وبعضهم مفرقون في القلاع ، مثل شيزر ، وحارم ، وغيرهما . # وسار الخوارزمية ، بجملتهم ، في جمع عظيم ، ومعهم الملك الجواد بن مودود ~~ابن الملك الحافظ ، و الملك الصالح ابن الملك المجاهد صاحب حمص ، وكان ~~جمعهم يريد على اثني عشر ألفا ، وانضم إليهم الأمير علي بن حديثة في جموعه ~~من العرب ، وكان استوحش من أهل حلب ، لتقريبهم الأحلاف . # وعبروا بجملتهم من جسر الرقة ، وساروا ، حتى وصلوا نهر بوجيار ، وسمع بهم ~~من بمنبج ، من عسكر حلب ، فرحلوا من منبج ، ونزلوا في وادي بزاعا ، وأصبح ~~كل واحد من الفريقين ، يطلب صاحبه ، وعسكر حلب لا يزيدون عن ألف وخمسمائة ~~فارس . # وتعبأ كل فريق لقتال صاحبه . وأقبل الخوارزمية ومقدمهم بركة خان ، ومعه ~~صاروخان ، و بردي خان ، وكشلوخان . وغيرهم ، من أمرائهم ، والملك الجواد ، ~~وابن الملك الحافظ ، وابن صاحب حمص ، وعسكر ماردين ، نجدة معهم وعبروا نهر ~~الذهب . # والتقى الفريقان ، على البيرة قرية بالوادي في يوم الخميس رابع عشر ، من ~~شهر ربيع الآخر ، من سنة ثمان وثلاثين وستمائة ، فصدمهم عكسر حلب على قلته ~~، صدمة ، تزحزحوا لها ، وتكاثر الخوارزمية عليهم . # وجاء علي بن حديثة لما ، وخرج من بين البساتين ، وجاء من وراء عسكر حلب ، ~~ووقع في الغلمان ، و الركابدارية ، وأحاطوا بهم ، من جميع الجهات ، ~~وانهزموا وهم مطبقون عليهم ، وجعلوا طريقهم على رصيف الملكة ، الذي يأخذ من ~~بزاعا إلى حلب ، حتى خرجوا فيما بين ربانا ، وتلفيتا . PageV01P502 ~~والخوارزمية في آثارهم يقتلون ، ويأسرون ، ونزلوا من جهة الإعرابية ، و ~~فرفارين ، وهم في آثارهم ، فقبضوا على الملك المعظم ، بعد أن ثبت في ~~المعركة ، وجرح جراحات مثخنة ، وعلى أخيه نصرة الدين ، وقبضوا على عاقة ~~الأمراء ، ولم يسلم من العسكر إلا القليل . # وقتل في المعركة الملك الصالح ، ابن الملك الأفضل ، وابن الملك الزاهر ms358 ، ~~وجماعة كثيرة . واستولوا على ثقل العسكر ، ونهب الأحلاف من العرب أكثر ثقل ~~العسكر ، وكانوا أشد ضررا على العسكر ، في انتهاب أموالهم من أعدائهم . # و نزل الخوارزمية حول حيلان ، وامتدوا على النهر ، إلى فافين ، وقطعوا ~~على جماعة من العكسر أموالا أخذوها منهم ، وابتاعوا بها أنفسهم ، وشربو ~~تلك الليلة ، وقتلوا جماعة من الأسرى صبرا ، فخاف الباقون ، وقطعوا ~~أموالا على أنفسهم ، وزنوها فمنهم من خلص ، ومنهم من أخذوا منه المال ، ~~وغدروا به ، ولم يطلقوه . # واحتيط بلد حلب ، وتقدم إلى مقدمي البلدة بحفظ الأسوار ، والأبواب وجفل ~~أهل الحاضر ، ومن كان خارج المدينة إلى المدينة ، بما قدروا على نقله من ~~أمتعتهم . # وبقي في البلد الأميران : شمس الدين لؤلؤ ، وعز الدين بن مجلى ، في جماعة ~~، لا تبلغ مائتي فارس يركبون ، ويخرجون إلى ظاهر المدينة ، يتعرفون أخبارهم ~~، وبثوا سراياهم ، في أعمال حلب يشنون الغارة فيها ، فبلغت خيلهم إلى بلد ~~عزاز ، و تل باشر ، و برج الرصاص ، و جبل سمعان ، وبلد الحوار طرف العمق . # وجاؤوا أهل هذه النواحي على غفلة ، فلم يستطيعوا أن يهربوا بين أيديهم ، ~~ومن أجفل منهم لحقوه ، فأخذوا من المواشي والأمتعة ، والحرم ، والصبيان ، ~~ما لا PageV01P503 يحد ولا يوصف وارتكبوا من الفاحشة مع حرم المسلمين ، ما ~~لم يفعله أحد من الكفار ، إلا ما سمع عن القرامطة . # ثم رحلوا إلى بزاعا ، والباب ، ، فعقبوا أهل الموضعين ، واستقروهم على ~~أموالهم التي أخذوها ، واستصفوها منهم . وقتلوا منهم جماعة ونهبوا ما كان ~~فيها من المتاع والمواشي ، وكان بعضهم ، قد هرب إلى حلب ، وقت الوقعة ، بما ~~خف معه من الحرم ، والمتاع ، فسلم . # ثم رحلوا إلى منبج ، وقد استعصم أهلها بالسور ، ودربوا المواضع التي لا ~~سور لها ، فهجموها بالسيف ، في يوم الخميس الحادي والعشرين ، من شهر ربيع ~~الآخر ، من سنة ثمان وثلاثين . # وقتلوا من أهلها خلقا كثيرا ، وخربوا دورها ، ونبشوها ، فعثروا فيها ~~على أموال عظيمة ، وسبوا أولادهم ونساءهم ، وجاهروا الله تعالى بالمعاصي في ~~حرمهم . والتجأ لمة من النساء إلى المسجد الجامع ، فدخلوا عليهن ، وفحشوا ~~ببعضهن في المسجد الجامع ، وكان الواحد منهم يأخذ المرأة ms359 ، وعلى صدرها ~~ولدها الرضيع ، فيأخذه منها ، ويضرب به الأرض ، ويأخذها ، ويمضي . # # | النجدات ضد الخوارزمية # ووصل الخبر بكسرة عسكر حلب إلى حمص إلى الملك المنصور إبراهيم ابن الملك ~~المجاهد ، وقد عزم على الدخول إلى بلد الفرنج للغارة ، وعنده من عسكره ~~وعسكر دمشق مقدار ألف فارس ، فساق بمن معه من العسكر ووصل إلى حلب في يوم ~~السبت الثالث والعشرين ، من شهر ربيع الآخر . # وخرج السلطان وأهل البلد ، والتقوه إلى السعدي ، ونزل الهزازة ، ثم أخليت ~~له في ذلك اليوم دار علم الدين قيصر الظاهري . بمصلى العبد العتيق خارج باب ~~الرابية فأقام بها ، واستقر الأمر معه على أن يستخدم PageV01P504 العساكر ~~وتجمع ، ووقع التوثق منه ، وله ، بالأيمان والعهود . # وسيرت رسولا إلى الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل لتحليفه فسرت ، ~~ووصلت إلى دمشق ، وحلفته في جمادى الآخرة من السنة ، وطلبت منه نجدة من ~~عسكره ، زيادة على من كان منهم بحلب ، فسير نجدة أخرى ، وأطلق الأسرى ~~الداوية ، الذين كانوا بحلب استكفاء لشرهم . # وحين سمع الخوارزمية تجمع العساكر بحلب ، عادوا من أقطاعاتهم وتجمعوا ~~بحران ، وعزموا على العبور إلى جهة حلب ، ومعاجلتهم قبل أن يكثر جمعهم ، ~~وظنوا أنهم يبادرون إلى صلحهم . # وكان علي بن حديثة ، قد انفصل عن الخوارزمية وظاهر بن غنام ، قد خدم بحلب ~~، وأمر على سائر العرب ، وزوجته الملكة الخاتون بعض جواريها ، وأقطعته ~~أقطاعا ترضيه . فسار الخوارزمية ، من حران ، في يوم الاثنين سادس عشر شهر ~~رجب ، من سنة ثمان وثلاثين وستمائة ، وتتابعوا في الرحيل ، ووصلوا إلى ~~الرقة ، وعبروا الفرات ، وبلغ خبرهم إلى حلب ، فبرز الملك المنصور خيمته ، ~~وضربها شرقي حلب ، على أرض النيرب وجبرين ، وخرجت العساكر ، بخيمها حوله . ~~ووصل الخوارزمية إلى الفايا ثم إلى دير حافر ثم إلى الجبول وامتدوا في أرض ~~النقرة . وأقام الملك المنصور ، والعسكر معه ، في الخيم ويزك الخوارزمية في ~~تل عرن ويزك الملك المنصور على بوشلا والعربان يناوشون الخوارزمية . # وعاث الخوارزمية في البلد ، وأحرقوا الأبواب التي في القرى ، وأخذوا ما ~~قدروا عليه ، وكان الفساد في هذه المرة ، أقل من المرة الأولى . وكان البلد ms360 ~~قد PageV01P505 أجفل ، فلم ينتبهوا إلا ما عجز أهله عن حمله ، وتأخر لقاء ~~العسكر الخوارزمية ، لأنهم لم يتكملوا العدة . # ورحل الخوارزمية ، فنزلوا بقرب الصافية ، ومضوا إلى سرمين ، ونهبوها ، ~~ودخلوا دار الدعوة ، وكان قد اجتمع فيها أمتعة كثيرة للناس ، ظنا منهم ~~أنهم لا يجسرون على قربانها ، خوفا من الإسماعيلية ، فدخلوها قهرا ، ~~ونهبوا جميع ما كان فيها ، ورحلوا إلى معرة النعمان ، ونزل العسكر مع الملك ~~المنصور على تل السلطان ثم رحلوا إلى الحيار . # ورحل الخوارزمية إلى كفر طاب ، وجفل البلد بين أيديهم ، وأحرقوا كفر طاب ~~، وساروا إلى شيزر ، وتحيز أهلها إلى المدينة التي تحت القلعة ، فهجموا ~~الربض ، واحتمت المدينة التي تحت القلعة يوما ، ثم هجموها في اليوم الثاني ~~، ونهبوا ما أمكنهم نهبه . # وأرسل عليهم أهل القلعة بالجروخ ، والحجارة ، فقتلوا منهم جماعة وافرة ، ~~وبلغهم استعداد عسكر حلب ، للقائهم ، وأنهم قد وقفوا بينهم وبين بلادهم ، ~~للقائهم ، فطلبوا ناحية حماة ، وجاوزوها إلى جهة القبلة . # فسارت العساكر الحلبية ، لقصدهم ، فقصدوا ناحية سلمية ، ثم توجهوا إلى ~~ناحية الرصافة ، وبلغ خبرهم عسكر حلب ، فركبوا ، وطلبوا مقاطعتهم . # ووقع جمع من العرب بهم ، بقرب الرصافة ، وقد تعبت خيولهم ، وضعفت لقوة ~~السير ، وقلة الزاد والعلف ، فألقوا أثقالهم كلها ، والغنائم التي كانت ~~معهم من البلاد ، وأرسلوا خلفا ممن كانوا أسروه من بلد حلب ، وشيزر ، وكفر ~~طاب ، وساروا طالبي الرقة مجدين في السير ، واشتغل العرب ، ومن كان معهم من ~~الجند ، بنهب ما ألقوه . # ووصل الخوارزمية ، إلى الفرات ، مقابل الرقة غربي البليل وشماليه بكرة ~~الاثنين خامس شعبان . PageV01P506 # وأما الملك المنصور وعسكر حلب ، فإنهم وصلوا إلى صفين ، وساقوا سوقا ~~قويا ، ليسبقوا الخوارزمية إلى الماء ، ويحولوا بينهم وبين العبور إلى ~~الرقة . # فوصلوا بعد وصول الخوارزمية بساعة ، فوجدوا الخوارزمية قد احتموا بستان ~~البليل ، وأخذوا منها الأبواب ، وجعلوها ستائر عليهم ، وحفروا خندقا عليهم ~~، فقاتلوهم إلى بعد العشاء ، وأخذوا من الأغنام ، التي لهم ، شيئا كثيرا ~~، ولم يكن عندهم علوفة لدوابهم ، ولا زاد لأنفسهم ، فعادوا في الليل إلى ~~منرلتهم بصفين . # ونام جماعة من الرجالة في البليل ، فوقع عليهم الخوارزمية فقتلوهم . وعبر ms361 ~~الخوارزمية إلى الرقة ، وقد هلكت دوابهم إلا القليل ، وأكثرهم رجالة ، ~~وسروا إلى حران ، وأحضروا لهم دواب ركبوها ، وتوجهوا إلى حران . # وأراد الملك المنصور العبور من جسر قلعة جعبر ، فلم يمكنه لقلة العلوفة ، ~~فسار بالعساكر إلى البيرة ، وعبر من عبرها بالعسكر والجموع . وسار حتى نزل ~~ما بين سروج والرها . # ووصل الخوارزمية ليكبسوا اليزك ، فعلموا بهم ، وناموا في الليل ، وركب ~~العسكر ، فعادوا والعسكر في آثارهم ، إلى سروج ، ولم ينالوا زبدة ، ووصلوا ~~إلى حران ، وجمعوا جمعا كثيرا ، حتى أخذوا عوام حران ، وألزموهم بالخروج ~~معهم ، ليكثروا بهم السواد . # ووصلوا إلى قرب الرها إلى جبل يقال له جلهمان واجتمعوا عليه ورتبوا ~~عسكرهم ، وكثروا سوادهم بالجمال ، وعملوا رايات من القصب ، على الجمال ، ~~ليلقوا الرعب في قلوب العسكر ، بتكثير السواد . # # | خسارة الخوارزمية # وركب العسكر من منزلته ، بعد أن وصل رسول ، من عسكر الروم ، يخبر بوصوله ~~في النجدة ، بعد حط الخيم للرحيل ، فلم يتوقفوا . وساروا إلى أن وصلوا ~~PageV01P507 إلى الخوارزمية ، يوم الأربعاء الحادي والعشرين ، من شهر رمضان ~~، سنة ثمان وثلاثين وستمائة . والتقوا ، وكسر الخوارزمية ، واستبيح عسكرهم ~~، وهربوا ، والعساكر في آثارهم ، إلى أن حال الليل بينهم وبينهم ، فعاد ~~العسكر ، ووصل الخوارزمية إلى حران ، وأخذوا نساءهم ، وهربوا ، ورتبوا في ~~قلعة حران واليا من جهة بركة خان وساروا ، ووصل الملك المنصور والعساكر ~~إليها ، فوكل بالقلعة من يحصرها . # وساروا خلف الخوارزمية إلى الخابور ، والخوارزمية منهزمون ، وألقوا ~~أثقالهم ، وبعض أولادهم ، ونزلوا في طريقهم على الفرات ، فجاءهم السيل في ~~الليل ، فأغرق منهم جمعا كثيرا ، ودخلوا إلى بلد عانة واحتموا فيه لأنه ~~بلد الخليفة . # وزينت مدينة حلب أياما لهذه البشرى . وضربت البشائر ، ووصلت أعلامهم ~~وأسراؤهم ، إلى حلب . واعتصمت القلعة بحران أياما ، ثم سلمت إلى الحلبيين ~~، وأخرج من كان بها من الأمراء ، من أمراء حلب وأقارب السلطان . # وبادر بدر الدين لؤلؤ إلى نصيبين ، وإلى دارا فاستولى عليهما ، واستخلص ~~من دارا عم السلطان الملك المعظم تورانشاه ، واستدعاه إلى الموصل ، وقدم له ~~مراكب ، وثيابا ، وتحفا ، كثيرة ، وسيره إلى العسكر . # واستولى العكسر الحلبي ، على حران ، وسروج ، والرها ، ورأس عين ms362 ، وجملين ~~والموزر ، والرقة ، وأعمال ذلك ، واستولى الملك المنصور على بلد الخابور ~~وقرقيسيا . # واستولى نواب صاحب الروم على السويداء ، بعد استيلاء عسكر حلب عليها ، ~~لكونها من أعمال آمد . ووصل نجدة ملك الروم ، بعد الكسرة ، فسيرت إليهم ~~الخلع ، والنفقات . PageV01P508 # وساروا إلى آمد ، والتقوا بعساكر الروم ، وحاصروها إلى أن اتفقوا مع ~~صاحبها ولد الملك الصالح على أن أبقوا بيده حصن كيفا وأعماله ، وسلم إليهم ~~آمد . وأقام الخوارزمية . ببلاد الخليفة ، إلى أن دخلت سنة تسع وثلاثين ~~وستمائة . # وخرجوا إلى ناحية الموصل ، واتفقوا مع صاحبها ، إلى أن أظهر إليهم ~~المسالمة ، وسلم إليهم نصيبين . # واتفقوا مع الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل صاحب ~~ميافارقين وسير إلى حلب ، وأعلمهم بذلك ، وطلب موافقته ، واليمين له ، على ~~أنه إن قصده سلطان الروم ، دافعوا عنه . # وكان قد استشعر من جهته ، فلم يوافقه الحلبيون على ذلك . ووصل إليه ~~الخوارزمية ، واتفقوا على قصد آمد ، فبرزت العساكر من حلب ، ومقدمها الملك ~~المعظم تورانشاه ، وخرجت إلى حران ، في صفر ، من سنة تسع وثلاثين . # وساروا بأجمعهم إلى آمد ، ودفعوا الخوارزمية عنها ، ورحلوا عنها إلى ~~ميافارقين ، فأغاروا على رستاقها ، ونهبوا بلدها ، واعتصم الخوارزمية ~~بحاضرها ، خارج البلد . # ووصلت العساكر وأقامت قريبا من ميافارقين ، وجرت لهم معهم وقعات ، إلى ~~أن تهادنوا ، على أن يقطع ملك الروم الخوارزمية ، ما كان أقطاعا لهم في ~~PageV01P509 بلاده ، وأنهم يكونون مقيمين في أطراف بلاده ، وعلى أن الملكة ~~الخاتون بحلب ، تعطي أخاها الملك المظفر ، ما تختاره ، من غير اشتراط عليها ~~، وعلى أن يكونوا وشهاب الدين غازي سلما ، لمن هو داخل في هدنتهم وكان ~~صاحب ماردين قد حلف للملك الناصر . # ورجع العسكر الحلبي ، فلم ينتظم من الأمر الذي قرروه شيء ، ووصل رسل ~~الملك المظفر ، ورسل الخوارزمية . وعادوا عن غير اتفاق . وأطلق أسرى ~~الخوارزمية من حلب . # وخرج الملك المظفر والخوارزمية ، ووصلوا إلى بلد الموصل . وعاد صاحب ~~ماردين إلى موافقتهم ، ونزلوا على الموصل ، ونهبوا رستاقها ، واستاقوا ~~مواشيها ، ثم توجهوا إلى ناحية االخابور ، واتفق الأمر على أن ورد الملك ~~المنصور صاحب حمص إلى حلب . وخرج السلطان ms363 الملك الناصر ، وأكابر المدينة ، ~~والتقوه إلى الوضيحي . ووصل إلى ظاهر حلب ، ونزل بدار علم الدين قيصر ، ~~وجمع العساكر ، وتوجه إلى بلاد الجزيرة . # ووصل الملك المظفر والخوارزمية بعد أن عبر الملك المنصور الفرات إلى رأس ~~عين ، واعتصم أهلها ، مع العسكر الذي كان بها ، وكان معهم جماعة ، من ~~الرماة ، والجرخية ، من الفرنج ، فأفنوا أهلها ، ودخلوها ، وأخذوا من كان ~~بها من العسكر . # ورحل الملك المنصور والعسكر من الفرات إلى حران ، فعاد الملك المظفر ~~والخوارزمية إلى ميافارقين ، وأطلقوا من كان بها ، في صحبتهم ، من العسكر ~~الدين أخذوهم من رأس عين . PageV01P510 # ثم توجه الملك المنصور والعسكر إلى آمد ، واجتمعوا بمن كان بها من عسكر ~~الروم ، وأقاموا ينتظرون وصول عساكر الروم ، مع الدهليز ، لمنازلة ~~ميافارقين . وتوفي الملك الحافظ أرسلان شاه ، ابن الملك العادل ، بقلعة ~~عزاز ونقل تابوته إلى مدينة حلب . وخرج السلطان إلى الملك الناصر وأعيان ~~البلدة ، وصلوا عليه ، ودفن في الفردوس ، في المكان الذي أنشأته أخته ~~الملكة الخاتون . وتسلم نواب الملك الناصر قلعة عزاز ، من نوابه من غير ~~ممانعة ، وذلك كله ، في ذي الحجة ، من سنة تسع وثلاثين وستمائة . # # | موقعة المجدل # واتفق أن خرج التتار إلى أرزن الروم ، واشتغل الروم بهم ، أغاروا إلى بلد ~~خرتبرت ، وخاف الملك المنصور والعسكر ، من إقامتهم في تلك البلاد ، وأنهم ~~لا يأمنون من كبسة تأتي من جهة التتار فعادوا إلى رأس عين فخرج الملك ~~المظفر والخوارزمية ، إلى دنيسر ، فخرج الملك المنصور إلى الجرجب ، وساروا ~~إلى جهتهم . فوصلهم الخبر أنهم قد نزلوا الخابور . فساروا إلى جهتهم ، ~~ونزلوا المجدل . PageV01P511 # وكان قد انضاف إلى الخوارزمية جمع عظيم ، من التركمان ، يقدمهم أمير يقال ~~له ابن دودي ، حتى بلغ من أمره أنه قال للملك المظفر : أنا أكسرهم ~~بالجوابنة الذين معي . وكان عدتهم سبعين ألف جوبان غير الخيالة من التركمان ~~. ورحل الملك المظفر ، حتى نزل قريبا من المجدل ، فعلم به الملك المنصور ، ~~فأشار الأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني بمبادرتهم ، والرحيل إليهم في تلك ~~الساعة ، فرحلوا ووافوهم ، وقد نزلوا ، في يوم الخميس ، الثالث والعشرين ، ~~من صفر ، من ms364 سنة أربعين وستمائة . # فركبوا ، والتقى الصفان ، فما هو إلا أن التقوا ، وولى الملك المظفر ~~منهزما ، والخوارزمية ، وحالت الخيم بينهم وبينهم ، فسلموا ، وقتل منهم ~~جماعة ، ووقع العسكر في الخيم ، والجركاهات ، وبها الأقمشة والنساء ، ~~فنهبوا جميع ما في العسكر ، وأخذوا النساء وجميع ما كان معهن من الأموال ، ~~والحلي ، والذهب ، ولم يفلت من النساء أحد . # و نزل الملك المنصور ، في خيمة الملك المظفر ، واستولى على خزانته ، وعلى ~~جميع ما كان في وطاقه ، وغنم العسكر من الخيل ، والبغال ، والجمال ، ~~والآلات ، والأغنام ، ما لا يحصى . # وبلغت الأغنام المنهوبة إلى الموصل وحلب وحماة وحمص ، بحيث بيع الرأس من ~~الغنم في العسكر ، بأبخس الأثمان ، وضربت البشائر بحلب ، وزينت أياما سبعة ~~. # وتوجه الملك المنصور ، والعساكر إلى حلب ، وخرج السلطان الملك ~~PageV01P512 الناصر إلى قلعة جعبر . وتوجه إلى منبج للقائهم ، واجتمع بهم ، ~~فوصلوا إلى حلب ، يوم الأربعاء مستهل جمادى الأولى ، من سنة أربعين وستمائة ~~. # وطلع للخاتون الملكة قرحة في مراق البطن ، وازداد ورمها ، وحدث لها حمى ~~بسببها . # وسار الملك المنصور ليلة الجمعة ثالث الشهر . وتوجه في صحبته نجدة من حلب ~~، لتقصد بلاد الفرنج بناحية طرابلس . # وقوي مرض الملكة الخاتون ، إلى أن توفيت إلى رحمة الله تعالى ، ليلة ~~الجمعة الحادية عشرة ، من جمادى الأولى ، من سنة أربعين وستمائة . ودفنت في ~~الحجرة بالقلعة ، تجاه الصفة ، التي دفن فيها ولدها الملك العزيز رحمهما ~~الله . وكان مولدها بقلعة حلب ، حين كانت في ولاية أبيها الملك العادل ، ~~إما في سنة إحدى أو اثنتين وثمانين وخمسمائة ، وبلغني أنه كان عنده ضيف ، ~~فلما أخبر بولادتها ، سماها ضيفة لذلك . # # | حوادث متفرقة # وأمر السلطان الملك الناصر في ملكه ، ونهى بإشارة وزيره جمال الدين ~~الأكرم والأمير جمال الدولة اقبال الخاتوني . # وعلم السلطان في التواقيع ، وأشهد عليه بتمليك الأمير جمال الدولة نصف ~~الملوحة ، والحصة الجارية في ملك بيت المال بالناعورة . وأقر على نفسه ~~بالبلوغ ، وملك الوزير الحصة التي بأيدي نواب بيت المال تقيل ورحاها . # وجعل يجلس في دار العدل ، في كل يوم اثنين وخميس ، بعد الركوب وترفع إليه ~~المظالم . # وخلع على ms365 أمرائه وكبراء البلد ، وأقطع الأمير جمال الدولة عزاز وقلعتها ~~وما كان في يد الملك الحافظ ابن الملك العادل ، وجميع ما كان من الحواصل ، ~~في PageV01P513 الأماكن المذكورة ، وذلك في الحادي والعشرين ، من جمادى ~~الأولى من سنة أربعين وستمائة . # وعاثت الخوارزمية والتركمان على بلاد الجزيرة ، فخرج عسكر حلب ، ومقدمهم ~~الأمير جمال الدولة في جمادى الآخرة ، وساروا ، واجتمعوا في رأس عين . # فتجمع الخوارزمية ، وانضووا إلى صاحب ماردين ، واحتموا بالجبل ، فوصل ~~عسكر حلب ، ونزلوا مقابلتهم ، تحت الجبل ، وخندقوا حولهم ، وجرت لهم معهم ~~وقعات . وتضرر عسكر حلب ، بالمقام ، لقلة العلوفة ، إلى أن ورد نائب ~~المملكة بالروم وهو الأمير شمس الدين الأصبهاني إلى شهاب الدين غازي والي ~~صاحب ماردين والخوارزمية ، وأصلح بينهم على أن يعطى صاحب ماردين رأس عين . ~~وأرضى ملك الروم الخوارزمية بخرتبرت ، وشيء من البلاد ، والملك المظفر غازي ~~بخلاط . # وتوجهت العساكر ، والنائب الأصبهاني ، في جملتها وخرج السلطان الملك ~~الناصر ، وتلقاهم إلى منبج ، ودخل النائب إلى حلب ، يوم السبت التاسع عشر ~~من شوال . # ودخل السلطان والعسكر ، يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شوال ، وورد مع ~~النائب أموال عظيمة ، لتستخدم بها العساكر للقاء التتار وبطلب نجدة من ~~البلاد عليهم ، فسير من حلب نجدة ، ومقدمها الناصح الفارسي ، في ذي الحجة ، ~~من سنة أربعين وستمائة . # فالتقاهم السلطان غياث الدين ، بسيواس ، أحسن لقاء ، وأعطاهم عطاء سنيا ~~، وفوض تدبير العسكر إلى الناصح أبي المعالي الفارسي ، وفرح أهل بلاد الروم ~~وقويت قلوبهم بنجدة حلب . # وسار السلطان من سيواس إلى أقشهر ، ووصله الخبر بوصول PageV01P514 التتار ~~فسير بعض أمرائه ، وعسكر حلب ، ليكشفوهم . فوصلوا إليهم ، ونشب القتال ~~بينهم . # ووقعت بينهم حملات ، فانهزم التتار ، بين أيديهم ، ثم تكاثروا ، وحملوا ~~عليهم ، فانكسر عسكر الروم وثبت الحلبيون ، وجرى بينهم كرات ، وخرج عليهم ~~كمينان ، من اليمين واليسار فأحدقوا بهم ، فلم يسلم منهم إلا من حمل ، وخرج ~~من بينهم ، وذلك ، في يوم الخميس ، الثالث عشر من المحرم ، سنة إحدى ~~وأربعين وستمائة . # وانهزم ملك الروم في الليل ، ليلة الجمعة ، وأجفل أهل بلاد الروم ، إلى ~~حلب وأعمالها ، وعاث التركمان في أطراف الروم ms366 ، ونهبوا من خرج إلى الشام . ~~| PageV01P515 ms367