######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009872 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي، كمال الدين ابن العديم (المتوفى: 660هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 660 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: زبدة الحلب في تاريخ حلب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009872 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9872 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9872 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1417 هـ - 1996 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | القسم الأول حلب قبل الإسلام ### || اسمها زمن إبراهيم الخليل # اسم حلب عربي لا شك فيه. وكان لقبا لتل قلعتها. وإنما عرف بذلك لأن ~~إبراهيم الخليل صلوات الله عليه، كان إذا اشتمل من الأرض المقدسة، ينتهي ~~إلى هذا التل فيضع به أثقاله، ويبث رعاءه إلى نهر الفرات # وإلى الجبل الأسود. وكان مقامه بهذا التل يحبس به بعض الرعاء، ومعهم ~~الأغنام، والمعز، والبقر. وكان الضعفاء إذا سمعوا بمقدمه أتوه من كل وجه، ~~من بلاد الشمال. فيجتمعون مع من اتبعه من الأرض المقدسة، لينالوا من بره، ~~فكان يأمر الرعاء بحلب ما معهم طرفي النهار. ويأمر ولده وعبيده باتخاذ ~~الطعام فإذا فرغ له من ذلك أمر بحمله إلى الطرق المختلفة بإزاء التل، ~~فيتنادى الضعفاء: " إن إبراهيم حلب "، فيتبادرون إليه. # فنقلت هذه اللفظة كما نقل غيرها، فصارت اسما لتل القلعة. ولم يكن في ذلك ~~الوقت مدينة مبنية. # قيل: إن " بيت لاها " كان يقيم به أيضا إبراهيم صلى الله عليه ورعاؤه ~~يختلف إليه. وكان يفعل فيه أيضا، كما يفعل في تل القلعة. لكن الاسم غلب على ~~تل القلعة دون غيره. # وقيل: إن إبراهيم صفى الله عليه لما قطع الفرات من حران أقام ينتظر ابن ~~أخيه " لوطا "، في كثير ممن يتبعه في سنة شديدة المحل. وكان الكنعانيون ~~يأتون PageV01P007 # إبراهيم عليه السلام بأبنائهم فيهبونهم منه، ويتصدق عليهم بأقواتهم من ~~الطعام، والغنم. وصار إبراهيم عليه السلام إلى أرض حلب فاتخذ الركايا، وكرا ~~الأعين، ومنها: عين إبراهيم عليه السلام وهي التي بنيت عليها مدينة حلب. # وكان للكنعانيين بتل القلعة في رأسه بيت للصنم، فصار إليه إبراهيم عليه ~~السلام فأخرج الصنم، وقال لمن حضره من الكنعانيين: أدعوا إلهكم هذا أن يكشف ~~عنكم هذه الشدة. فقالوا: وهل هو إلا حجر. فقال لهم: فإن أنا كشفت عنكم هذه ~~الشدة، ما يكون جزائي. قالوا له: نعبدك فقال لهم: بل تعبدون الذي أعبده ~~فقالوا: فجمعهم في رأس التل، ودعا الله، فجاء الغيث. وضرب إبراهيم عليه ~~السلام برأس ظله حين أقلع الغيث. وتوافت إليه رعاؤه، فكان ms001 يأمر أصحابه ~~بإصلاح الطعام، ويضعه بين أوعية اللبن، ويأمر بعضهم فينادي: " ألا إن ~~إبراهيم قد حلب فهلموا "، فيأتون من كل وجه، فيطعمون، ويشربون، ويحملون ما ~~بقي إلى بيوتهم. فكان الكنعانيون يخبرون عن مقام # إبراهيم بما كان يفعله. وصار قولهم " حلب " بطول هذا الاستعمال لقبا لهذا ~~التل، فلما عمرت المدينة تحته سميت باسمه. # وذكر بعضهم: أنها إنما سميت " حلب " باسم من بناها، وهو: حلب بن المهر ~~ابن حيص بن عمليق من العمالقة. وكانوا إخوة ثلاثة: بردعه، وحمص، وحلب، ~~أولاد المهر. فكل منهم بنى مدينة سميت باسمه. ### || عند اليونانيين # وكان اسم حلب باليونانية " باروا " وقيل بيرؤا. وذكر ارسطاطاليس في كتاب ~~الكيان: أنه لما خرج الاسكندر لقصد دارا الملك، ومقاتلته، كان ارسطاطاليس ~~في صحبته، فوصل إلى حلب وهي تعرف بلسان اليونانية " بيرؤا " فلما تحقق ~~ارسطوطاليس حال تربتها، وصحة هوائها، استأذن الإسكندر في المقام بها، وقال ~~له: إن بي مرضا باطنا، وهواء هذه البلدة موافق لشفائي. فأقام بها فزال ~~مرضه. ### || بناؤها في قديم الزمان # وقيل: إن الذي بنى مدينة حلب أولا ملك من ملوك الموصل يقال له: PageV01P008 # بلوكوس الموصلي. ويسميه اليونانيون: " سردينبلوس ". وكان أول ملكه في سنة ~~ثلاثة آلاف وتسعمائة وتسع وثمانين سنة لآدم صلوات الله عليه. وملك خمسا ~~وأربعين سنة. وفي سنة تسع وعشرين من ملكه وهي سنة أربعة آلاف وثماني عشرة ~~سنة لآدم، ملكت ابنته " أطوسا "، المسماة " سميرم " مع أبيها بلوكوس. # وذكر أبو الريحان البيروني في كتاب القانون المسعودي، وقال: بنيت # حلب في أيام بلقورس من ملوك نينوى، وكان ملكه لمضي ثلاثة آلاف وتسعمائة ~~واثنتين وستين سنة لآدم عليه السلام ومدة مقامه في الملك ثلاثون سنة. # وشاهدت على ظهر كتاب عتيق من كتب الحلبيين بخط بعضهم: رأيت في القنطرة ~~التي على باب أنطاكية، من مدينة حلب، في سنة عشرين وأربعمائة للهجرة كتابة ~~باليونانية، فسألت عنها، فحكى لي أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الحسيني ~~الحراني أيده الله، أن أبا أسامة الخطيب بحلب حكى له: أن أباه حدثه: أنه ~~حضر مع أبي الصقر ms002 القبيصي، ومعهما رجل يقرأ باليونانية، فنسخوا هذه الكتابة ~~وأنفذ إلي نسختها في رقعة وهي: " بنيت هذه المدينة، بناها صاحب الموصل، ~~والطالع العقرب والمشتري فيه، وعطارد يليه، ولله الحمد كثيرا ". # وهذا يدل على ما ذكرناه، وهو أن بلوكوس الموصلي هو الذي عمرها. وكان قبل ~~الاسكندر. # وذكر يحيى بن جرير التكريتي في كتاب له ضمنه أوقات بناء المدن، # ما يدل على أن حلب بعد بناء بلوكوس خربت، وجدد عمارتها غيره، بعد موت ~~الاسكندر فإنه قال بعد ذكر دولة الاسكندر وموته باثنتي عشرة سنة بنى سلوقوس ~~اللاذقية، وسلوقية وأفامية، وبارؤا وهي حلب، واداسا وهي الرها، وكمل بناء ~~أنطاكية وزخرفها وسماها على اسم ولده انطيوخوس وهي أنطاكية وكان شرع في ~~بنائها قبله أنطيغنوس في السنة السادسة من موت الاسكندر. وذكر أنه بناها ~~على نهر أورنطس وسماها: انطوغينا. # وقال: كان الملك الأول على سوريا، وبابل، " سلوقوس نيقطور " وهو PageV01P009 # سرياني، وملك في السنة الثالثة عشرة لبطلميوس بن لاغوس، بعد موت ~~الاسكندر، وألزم اليهود أن يقيموا في المدن التي بناها وقرر عليهم الجزية. # وسوريا هي الشام الأولى وهي: حلب وما حولها من البلاد على # ما ذكره بعض الرواة وفي طرف بلد حلب، بناحية الأحص، مدينة عظيمة داثرة، ~~وبها آثار قديمة، يقال لها سورية وإليها ينسب القلى السورياني، فلعل ~~الناحية كلها ينسب إليها، ويطلق عليها اسمها، كما أطلق بعد ذلك على جميع ~~الكورة اسم ### || قنسرين # وقال بعض المؤرخين من المسيحية: الذي ملك بعد الاسكندر بطلميوس الأريب ~~وهو الذي بنى مدينة حلب، وسماها " أشمونيت ". وذلك # أنه اختار بناء المدينة في موضع، وأراد أن يكون بها الماء، فخرج ودار ~~حولها، حتى رأى الأعين التي " بحيلان "، فأمر المهندس أن يبني عليهن بناء، ~~ويحكمه، وأن يجريهن إلى المكان الذي هو مرسوم بمنزلة الملك. وجمع الناس ~~للعمل في عمارة المدينة، فاحتفر في وسط المدينة حفيرة بثقها إلى النهر الذي ~~أجراه، وأمر بالقساطل أن تعمل فاختفت، فاتخذت من الحجارة، فتم ما أراد وبنى ~~له بناء في موضع الريحانيين يومنا هذا، واتخذ عليه قصرا، وبنى ms003 المدينة. ~~وآخر ما بناه " باب أنطاكية " ورتب فيها ابنته " أشمونيت "، وسمى المدينة ~~باسمها وأضاف لها جندا وزوجها " بإيلياوس "، أحد أبناء ملوكهم، وكان قائد ~~جيش الأريب، وصار إلى أنطاكية، وليست من بناء اليونان فإن رسمها قديم، فتمم ~~بناءها، وأضافها إلى إيلياوس زوج أشمونيت. ### || حكامها ### ||| من اليونان # وملك الأريب تسعا وعشرين سنة. وملك بعده ابنه بطلميوس، ولفب PageV01P010 # باليونانية: " محب أخيه "، وكانت أخته أشمونيت نائبة عنه، فبقي في # الملك ستا وعشرين سنة. وملك بعده ابنه بطلميوس الاورجاتس ولقب باليونانية ~~بالفاعل فبقي في الملك أربعا وعشرين سنة. وملك بعده بطلميوس فليفاطر ولقب ~~باليونانية محب أبيه، وأشمونيت وزوجها وولدها يتولون حلب. وملك بعده " ~~بطلميوس محب أمه " وهو ابن أشمونيت وكان ينزل حلب، وعمر على صخرتها قلعة، ~~وحضنها، فخرج عليه في آخر أيامه " أنطياخوس " ملك الروم، واستنجد عليه فلم ~~يكن لمحب أمه به طاقه، فخرج عنها مع أمه، فأسرهما أنطياخوس، وعذبهما، ~~واستصفى أموالهما، وشرع في هدم ما جددت أشمونيت من بناء حلب. فقيل له إن ~~الذي يفعله ليس من عادة الملوك، فكف عن هدمها، وتوعد من يسكن بحلب، فصار ~~الناس إلى غيرها. وعاد إلى أنطاكية فاستحدث بها أبنية لنفسه. فلذلك يزعم ~~قوم أن أنطاكية من بنائه، وليس الأمر كذلك، وإنما له فيها مثل ما لبطلميوس ~~الأريب من التتميم. # ويقال: إن أشمونيت وهي حلب تجاوزت عمارتها ما رسمه الأريب، حتى صارت ~~العمارة إلى جميع الجوانب. وقيل: إن أشمونيت نصبت حواليها مائة آلف نصبة من ~~الزيتون، ومن التين مائة آلف نصبة وغير ذلك من الأشجار الجبلية الشامية. ~~ولم يبق بحلب موضع يتسب إلى أشمونيت غير العين المعروفة بأشمونيت. وماتت ~~أشمونيت وولدها في أسر أنطياخوس تحت العقاب. # وقيل هو الذي بنى قنسرين، وأجرى الماء إليها في قناة من عين المباركة. # وقيل: بناها غيره. وعرف أنطياخوس ببطلميوس الرابع. # وقيل: إن أشمونيت حال محاربتها أنطياخوس أتتها نجدة من مصر، فهزمته فصار ~~إلى الشرق فمات. # ثم ملك حلب بعد أشمونيت أبطلميوس ابيفانيس " وهو قائد العسكر، وفي زمانه ~~اشترت اليهود منه موضع القلعة ms004 المعروفة اليوم بقلعة الشريف فتحصنوا بها، ~~وكانوا يعينون الملك في القتال ويحملون له الأموال. # ثم ملك بعده بطلميوس فيلوبطر، وهلك انطياخوس في أيامه. PageV01P011 ### ||| من الرومان # ثم ملك بعده جماعة من ملوك اليونان، إلى أن صار الملك إلى القياصرة ملوك ~~الروم فملك منهم عدة ملوك إلى أن ملك أوغسطس قيصر بن مويوخس، فاستولى على ~~الدنيا، وقهر الملوك، وقصد مضر ليستولي عليها، فلما بلغ حلب وكان أمره قد ~~عظم، قال: إن بطلميوس الأريب لم يرض أن ينزل منزلا لغيره. فسار إلى موضع ~~مدينة قنسرين فأمر القواد أن يأمروا من قبلهم بتحويط منازلهم، وأخذ كل واحد ~~ببناء ما حوطه، فبنى قنسرين وسماهما " مدينة العسكر ". ونقل الأسواق من حلب ~~إليها، ولم يبق بحلب إلا من لا # حاجة للعسكر به. وكانت هذه أعظم من فعل انطياخوس. وقيل: إنه أمر أن ينفق ~~على القناة إليها فأنفق نائبه مالا على القناة، وأجرى الماء فيها من عين ~~المباركة، وساقها إلى القناطر إلى قنسرين، وبنى بها ثلاثة برك على شكل ~~المثلث، وفايضها ينحدر إلى الأرضين التي تحتها. # وصار الملك بعده إلى جماعة من القياصرة ملوك الروم. وصارت أنطاكية دار ~~الملك، وبها مقام ملوك الروم، وكانوا يدعونها مدينة الله، ومدينة الملك، ~~وأم المدن، لأنها أول بلد ظهر فيه دين النصرانية. ومعظم سور مدينة حلب من ~~بناء الروم. وملك منهم ملك يقال له: فوقاس فسفك الدماء، وتتبع حاشية كسرى، ~~فقتلهم، فتوجه كسرى أنوشروان إلى الشام فافتتح حلب، وأنطاكية، ومنبج، ورم ~~ما استهدم من سور مدينة حلب بالقرميد الكبار، وهو ظاهر في سور المدينة ~~الكبير، فيما بين بابي اليهود والجنان. وجدد كسرى بناء منبج وسماها منبه، ~~وهو بالفارسية: أنا أجود، فعربت فقيل منبج. واستحسن أنطاكية فلما عاد إلى ~~العراق بنى مدينة على صورتها، وسماها ردحسره، وهي التي تسمى رومية، وأدخل ~~إليها سبي أنطاكية. فقيل إنهم # لم ينكروا من منازلهم شيئا فانطلقوا إليها إلا رجل اسكاف، كان على باب ~~داره بأنطاكية شجرة فرصاد، فلم يرها على بابه ذلك، فتحير ساعة،؟ ثم دخل ~~الدار، ms005 فوجدها مثل داره. ولما عاد كسرى عن الشام، قام هرقل بن فوق بن مروقس ~~وجمع بطارقة PageV01P012 # الروم، وأولي المراتب، وذكر لهم سوء آثار فوقاس ملك الروم " وغلبة الفرس ~~على ملكهم بسوء تدبيره، وإقدامه على الدماء، ودعاهم إلى قتله فقتلوه، ووقع ~~اختيارهم على هرقل فملكوه. # وفي أول سنة من ملكه كانت هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ~~المدينة، واستولى على حلب، وعلى جميع البلاد، التي استولى عليها أنو شروان ~~وكان جل مقامه بأنطاكية. PageV01P013 ### | القسم الثاني حلب في صدر الإسلام ### || قنسرين # فلما افتتح المسلمون أجناد الشمام، وكانت وقعة اليرموك، وقتل # المسلمون فيها معظم الروم، وأمير المسلمين عليهم أبو عبيدة بن الجراح رضي ~~الله عنه انتقل هرقل من أنطاكية، وعبر الفرات إلى الرها، وجعل بقنسرين ~~ميناس الملك، وكان أكبر ملوك الروم بعد هرقل. # فسار أبو عبيدة بعد فراغه من اليرموك إلى حمص ففتحها، ثم بعث خالد بن ~~الوليد على مقدمته إلى قنسرين، فلما نزل بالحاضر زحف لهم الروم، # وثار أهل الحاضر بخالد بن الوليد، وعليهم " ميناس " وهو رأس الروم ~~وأعظمهم فيهم بعد هرقل فالتقوا بالحاضرة فقتل ميناس ومن معه مقتلة لم ~~يقتلوا مثلهما. ومات الروم على دمه حتى لم يبق منهم أحد. # وأما أهل الحاضر فكانوا من تنوخ، منذ أول ما تنخوا بالشام، ونزلوه وهم PageV01P015 # في بيوت الشعر، ثم ابتنوا المنازل، فأرسلوا إلى خالد: أنهم عرب، وأنهم لم ~~يكن من رأيهم حربه، فقتل منهم، وترك الباقين. # فدعاهم أبو عييدة بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم بعضهم، وبقي البعض على ~~النصرانية، فصالحهم على الجزية. وكان أكثر من أقام على النصرانية بنو سليح ~~بن حلوان بن عمران ين الحاف بن قضاعة. # ويقال: إن جماعة من أهل ذلك الحاضر أسلموا في خلافة المهدي، فكتب على ~~أيديهم بالخضرة: قنسرين. # ثم إن خالدا سار فنزل على قنسرين، فقاتله أهل قنسرين، ثم لجؤوا إلى ~~حصنهم، فتحصنوا فيه، فقال: " إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله عليكم أو ~~لأنزلكم إلينا " ثم إنهم نظروا في أمرهم، وذكروا ما ms006 لقي أهل حمص فطلبوا منه ~~الصلح، فصالحوه على حمص، فأبى إلا على إخراب المدينة فأخربها. # وكان صلح حمص على دينار وطعام على كل جريب أيسروا أو أعسروا. وغلب ~~المسلمون على جميع أرضها وقراها، وذلك في سنة ست عشرة للهجرة. ### || حلب # ثم إن خالدا رضي الله عنه سار إلى حلب، فتحصن منه أهل حلب. وجاء أبو ~~عبيدة رضي الله عنه حتى نزل عليهم، فطلبوا إلى المسلمين الصلح والأمان، ~~فقبل منهم أبو عبيدة وصالحهم، وكتب لهم أمانا. # ودخل المسلمون حلب من " باب أنطاكية وحفوا حولهم بالتراس داخل الباب، ~~فبني ذلك المكان مسجدا، وهو المسجد المعروف بالغضائري، داخل باب أنطاكية، ~~ويعرف الآن بمسجد شعيب. # ولما توجه أبو عبيدة إلى حلب بلغه أن أهل قتسرين قد نقضوا فرد # إليهم السمط بن الأسود الكندي، فحصرهم ثم فتحها، فوجد فيها بقرا وغنما، ~~فقسم بعضها فيمن حضر، وجعل الباقي في المغنم. PageV01P016 # وكان حاضر قنسرين قديما نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حين نزل ~~الجبلين من تزل منهم، فلما ورد أبو عبيدة عليهم أسلم بعضهم، وصولح كثير ~~منهم على الجزية، ثم أسلموا بعد ذلك بيسير إلامن شذ منهم. # وكان بقرب مدينة حلب حاضر حلب يجمع أصنافا من العرب من تنوخ وغيرهم، ~~فصالحهم أبو عبيدة على الجزية، ثم إنهم أسلموا بعد ذلك، وجرت بينهم وبين ~~أهل حلب حرب أجلاهم فيها أهل حلب، فانتقلوا إلى قنسرين. # وكانت قتسرين وحلب إذ ذاك مضافتين إلى حمص فأفردهما يزيد بن معاوية في ~~أيامه. وقيل: أفردهما معاوية أبوه. ### || خالد بن الوليد # ولما بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما فعل خالد في فتح قنسرين وحلب، ~~قال: أمر خالد نفسه، يرحم الله أبا بكر، هو كان أعلم بالرجال مني. يعني أن ~~خالدا كان أمير المسلمين من جهة أبي بكر رضي الله عنه على الشام، فلما ولي ~~عمر عزله وولى أبا عبيدة. # ثم ولاه عمر رضي الله عنه على قنسرين فأدرب خالد وعياض بن غنم أول مدربة ~~كانت في الإسلام، سنة ست عشرة. ### || إمارة ms007 خالد # ورجع خالد، فأتته الامارة من عمر رضي الله عنه على قنسرين، فأقام خالد ~~أمير، تحت يد أبي عبيدة عليها، إلى أن أغزى هرقل أهل مصر في البحرة وخرج ~~على أبي عبيدة في عساكر الروم، وأبو عبيدة بحمص بعد رجوعه من فتح حلب. ~~فاستمد أبو عبيدة خالدا فأمده بمن معه، ولم يخلف أحدا، فكفر أهل قنسرين ~~بعده، وبايعوا هرقل وكان أكفر من هناك تنوخ. # واشتور المسلمون فأجمعوا على الخندقة والكتاب إلى عمر رضي الله عنه بذلك. ~~وأشار خالد بالمناجزة فخالفوه، وخندقوا. وكتبوا إلى عمر رضي الله عنه ~~واستصرخوه. PageV01P017 # وجاء الروم بمددهم، فنزلوا على المسلمين، وحصروهم. وبلغت أمداد الجزيرة ~~ثلاثين ألفا، سوى أمداد قنسرين، من تنوخ وغيرهم، فنالوا من المسلمين كل ~~منال. وكتب عمر رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص يخبره بذلك، ويأمره أن ~~يبث المسلمين في الجزيرة، ليشغلهم عن أهل حمص. وأمده عمر # رضي الله عنه بالقعقاع ابن عمرو، فتوغلوا في الجزيرة، فبلغ الروم، ~~فتقوضوا عن حمص إلى مدائنهم. # وندم أهل قنسرين وراسلوا خالدا، فأرسل إليهم: " لو أن الأمر إلي ما باليت ~~بكم، كثرتم أم قللتم، لكني في سلطان غيري، فإن كنتم صادقين، فانفشوا كما ~~نفش أهل الجزيرة ". فساموا سائر تنوخ ذلك، فأجابوا، وأرسلوا إلى خالد: " إن ~~ذلك إليك، فإن شئت فعلنا وإن شئت أن تخرج علينا فننهزم بالروم ". فقال: " ~~بل أقيموا، فإذا خرجنا، فانهزموا بهم ". # فما علم أبو عبيدة، والمسلمون بذلك قالوا: " اخرج بنا " وخالد ساكت، فقال ~~أبو عبيدة: " مالك يا خالد، لا تتكلم " فقال: " قد عرفت الذي عليه رأي، فلم ~~تسمع من كلامي ". قال: لا فتكلم فإني أسمع منك، وأطيع. فأشار بلقائهم. # فخرج المسلمون والتقوهم، فانهزم أهل قنسرين، والروم معهم. فاحتوى ~~المسلمون على الروم، فلم يفلت منهم أحد. # وما زال خالد على إمارة قنسرين حتى أعرب خالد وعياض، سنة سبع عشرة، بعد ~~رجوعهما من الجابية، مرجع عمر إلى المدينة، فأصابا أموالا عظيمة. # وقفل خالد سالما، غانما، وبلغ الناس ما أصابوا تلك الصائفة، وقسم خالد ~~فيها ما ms008 أصاب لنفسه، فانتجعه رجال من أهل الآفاق، وكان الأشعث بن قيس من ~~انتجع خالدا بقنسرين، فأجازه بعشرة آلاف درهم. ### || عمر وخالد بن الوليد # وكان عمر لا يخفى عليه شيء في عمله، فكتب إليه من العراف بخروج من خرج ~~منها، ومن الشام بجائزة من أجيز فيها. فدعا البريد، وكتب معه إلى أبي ~~عبيدة: أن PageV01P018 # يقيم خالدا، ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته. حتى يعلمكم من أين أجاز ~~الأشعث، أمن ماله، أم من إصابة أصابها. فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد ~~أقر بخيانة، وإن زعم أنها من ماله، فقد أسرف. واعزله على كل حال، واضمم ~~إليك عمله. # فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه، ثم جمع الناس، وجلس لهم على المنبر، ~~فقام البريد فقال: " يا خالد، أمن مالك أجزت بعشرة آلاف، أم من إصابة "؟ ~~فلم يتكلم حتى أكثر عليه، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا. فقام بلال إليه ~~فقال: " إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا ". ثم تناول عمامته، فنقضها، ~~لا يمنعه سمعا وطاعة. ووضع قلنسوته، ثم أقامه فعقله بعمامته، ثم قال: ما ~~تقول، أمن مالك أم من إصابة ". قال: " لا بل من مالي " فأطلقه، وأعاد ~~قلنسوته، ثم عممه بيده. ثم قال: " نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونحترم ~~موالينا ". # وأقام خالد متحيرا، لا يدري أمعزول أم غير معزول. وجعل أبو عبيدة يكرمه ~~ويزيده تفخيما ولا يخبره، حتى إذا طال على عمر أن يقدم ظن الذي قد كان. ~~فكتب إليه بالوصول. # فأتى خالد أبا عبيدة فقال: " رحمك الله ما أردت إلى ما صنعت، كتمتني سرا ~~كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم لما. فقال أبو عبيدة: " إني والله ما كنت ~~لأروعك ما وجدت من ذلك بدا، وقد علمت أن ذلك يروعك ". # قال: فرجع خالد إلى قنسرين، فخطب أهل عمله، وودعهم. وقال خالد: " إن عمر ~~ولاني الشام حتى إذا ألقى بوانيه وصار بثنية وعسلا عزلني، واستعمل غيري ". # وتحمل وأقبل إلى حمص فخطبهم، وودعهم. وسار إلى المدينة حتى قدم على عمر ~~فشكاه، وقال: " لقد شكوتك إلى المسلمين ms009 وبالله إنك في أمري غير مجمل يا عمر ~~". فقال عمر: " من أين هذا الثراء. فقال: " من الأنفال والسهمان ". فقال: " ~~ما زاد على الستين ألفا فلك ". فشاطره على ما في يده وقوم عروضه، فخرجت ~~عليه عشرون ألفا، فأدخلها بيت المال، ثم قال: يا خالد، والله إنك لعلي PageV01P019 # الكريم، وإنك إلي الحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء. ثم إنه عوضه ~~بعد ذلك عما أخذه منه. ### || ولاية حبيب بن مسلمة # واستعمل أبو عبيدة على قنسرين حبيب بن مسلمة بن مالك. # وأما هرقل فإنه تأخر من الرها إلى سميساط، وفصل عنها إلى القسطنطينية، ~~فلما فصل علا على شرف، والتفت، ونظر نحو سورية، وقال: " عليك السلام يا ~~سورية سلام لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا، حتى يولد ~~المولود المشئوم، ويا ليته لا يولد، ما أحلى فعله وأمر عاقبته على الروم ". # وطعن أبو عبيدة رضي الله عنه سنة ثماني عشرة، فاستخلف على عمله عياض بن ~~غنم، وهو ابن عمه وخاله، وكان جوادا مشهورا بالجودة فقال عمر: " إني لم أكن ~~مغيرا أمرا قضاه أبو عبيدة ". # ومات عياض سنة عشرين، فأمر عمر رضي الله عنه على حمص وقنسرين سعيد بن ~~عامر حذيم الجمحي ومات سنة عشرين. فأمر عمر مكانه عمير بن سعد بن عبيد ~~الأنصاري، على حمص وقنسرين. # ومات عمر رضي الله عنه مقتولا في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وعمير بن سعد ~~على حمص وقنسرين، ومعاوية على دمشق والسواحل وأنطاكية. فمرض عمير في إمارة ~~عثمان مرضا طال به، فاستعفى عثمان، واستأذنه في الرجوع إلى أهله، فأذن له. PageV01P020 # وضم حمص وقنسرين إلى معاوية سنة ست وعشرين، فاجتمع ولاية الشام جميعه على ~~معاوية لسنتين من خلافة عثمان، فولى معاوية حبيب بن مسلمة بن مالك الفهري ~~على قنسرين وكان يسمى حبيب الروم لكثرة غزوه لهم. # ومات عثمان رضي الله عنه مقتولا في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، والشام مع ~~معاوية، وحبيب على قنسرين، من تحت يده. ### || موقعة صفين # فجرى بين علي عليه السلام وبين معاوية ms010 اختلاف إلى أن سار كل منهما إلى ~~صاحبه، والتقيا بصفين، وذلك بعد سنة وشهر من خلافة علي، في سنة سبع ~~وثلاثين. # وكان علي في تسعين ألفا ومعاوية في مائة ألف وعشرين ألفا، وقتل بها من ~~أصحاب علي خمسة وعشرون ألفا، ومن أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا. وكان ~~مقامهما بصفين مائة يوم وعشرة أيام. وكانت الوقائع تسعين وقعة، ثم اتفقا ~~على التحكيم، والتقى الحكمان أبو موسى وعمرو بن العاص بأذرح في شهر رمضان ~~سنة ثمان وثلاثين. PageV01P021 ### | القسم الثالث حلب في العصر الأموي ### || خلافة معاوية بن أبي سفيان # ومات علي كرم الله وجهه مقتولا بالكوفة، في سنة أربعين، ومعاوية متغلب ~~على الشام جميعه، فصالح الحسن بن علي عليهما السلام وبويع بالخلافة، في ~~ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، فمصر معاوية قنسرين، وأفردها عن حمص. وقيل ~~إنما فعل ذلك ابنه يزيد. وصار الذكر في ولاية قنسرين، ووظف معاوية الخراج ~~على قنسرين أربعمائة آلف وخمسين آلف دينار، وحلب للخلفاء من بني أمية ~~لمقامهم بالشام، وكون الولاة في أيامهم بمنزلة الشرط، لا يستقلون بالأمور ~~والحروب، وولاة الصوائف ترد كل عام مع الجيوش الإسلامية إلى دابق. وقام ~~جماعة متهم بنواحي حلب، فإن سليمان بن عبد الملك رابط بدابق إلى أن مات. ~~وأقام عمر بن عبد العزيز بخناصرة إلى أن مات. PageV01P023 # ولم يزل حبيب بن مسلمة مع معاوية في حروبه، وقد وجهه إلى أرمينية واليا، ~~ومات بها سنة اثنتين وأربعين. واستعمل معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ~~على غزو الروم، ولشدة بأسه خافه معاوية، وخشي منه، وأمر ابن أثال النصراني ~~أن يحتال في قتله. وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه خراج حمص. ~~فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه ~~فشربها، فمات بحمص سنة ست وأربعين. # وقاد مالك بن عبد الله الخثعمي الصوائف أربعين سنة. وسير معاوية جيشا ~~كثيفا إلى بلاد الروم، وجعل عليهم سفيان بن عوف، وأمر يزيد ابنه بالغزاة ~~معهم، فتثاقل، واعتل، فأمسك عنه ms011 أبوه. فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض ~~شديد، وذلك في سنة اثنتين وخمسين. # وشتا بأرض الروم بعده عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي، وغزا المسلمون ~~الصائفة في سنة أربع وخمسين كذلك، وفتحوا قرب القسطنطينية. ### || خلافة يزيد بن معاوية # فلما مات معاوية سنة ستين، وولي ابنه يزيد أمرهم بالعود منها فعادوا. # ومات يزيد بن معاوية بحوارين من أرض الشام في سنة أربع PageV01P024 # وستين. وبويع بعده معاوية ابنه بالخلافة في الشام ولكنه لم يمكث إلا ~~ثلاثة أشهر حتى هلك. ### || خلافة مروان بن الحكم # وبويع بعده مروان بن الحكم، وذلك في سنة أربع وستين. # وتحارب مروان والضحاك بمرج راهط عشرين ليلة، واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل ~~الضحاك، قتله دحية بن عبد الله، وقتل معه ثمانون رجلا من أشراف أهل الشام. ~~وكانت الوقعة في المحرم سنة خمس وستين. # ولما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين هرب منها فلحق ~~بقرقيسيا. واستوثق الشام لمروان واستعمل عماله عليها. ولما مات مروان سنة ~~خمس وستين قام ابنه عبد الملك في اليوم الذي مات فيه. ### || خلافة عبد الملك في مروان # وأقام عبد الملك بدمشق بعد رجوعه من قنسرين ما شاء الله أن يقيم، ثم سار ~~يريد قرقيسيا، وبها زفر بن الحارث الكلابي، ثم قفل إلى دمشق فدبر لعمرو بن ~~سعيد فقتله. واستعمل عبد الملك أخاه محمدا على الجزيرة وأرمينية فغزا منها، ~~وأثخن العدو، وذلك في سنة ثلاث وسبعين. PageV01P025 # وأعاد الكرة في سنة خمس وسبعين حين خرجت الروم من قبل مرعش. # وبعد سنتين غزا الصائفة الوليد بن عبد الملك، وظل على الولاية إلى أن مات ~~عبد الملك في شوال سنة ست وثمانين. ### || خلافة الوليد بن عبد الملك # وولى ابنه الوليد بن عبد الملك ومحمد بن مروان على ولايته فما زال كذلك ~~إلى أن عزله الوليد بن عبد الملك في سنة تسعين. وولى مكانه أخاه مسلمة بن ~~عبد الملك. فدخل مسلمة حران وكان محمد بن مروان يتعمم للخطبة، فأتاه آت ~~فقال: هذا مسلمة على المنبر يخطب! فقال محمد: هكذا تكون الساعة ms012 بغتة! ~~وارتعدت يده، فسقطت المرآة من يده، فقام ابنه إلى السيف فقال: مه يا بني، ~~ولآني أخي وولاه أخوه. # وكان أكثر مقام مسلمة بالناعورة، وبنى فيها قصرا بالحجر الأسود الصلد، ~~وحصنا بقي منه برج إلى زماننا هذا. # وكان عبد الملك بن مروان يقول للوليد: كأنني لو قدمت بك قد عزلت أخي وليت ~~أخاك. # ومات الوليد بن عبد الملك في سنة ست وتسعين. ### || خلافة سليمان # وولي سليمان بن عبد الملك فسير أخاه مسلمة غازيا إلى القسطنطينية واستخلف ~~مسلمة على عمله خليفة، ورابط فيها سليمان بمرج دابق إلى أن مات به سنة تسع ~~وتسعين. PageV01P026 ### || خلافة عمر بن عبد العزيز # وولي عمر بن عبد العزيز بن مروان، فكان أكثر مقامه بخناصرة الأحص. وولى ~~من قبله على قنسرين هلال بن عبد الأعلى. ثم ولى أيضا عليها الوليد بن هشام ~~المعيطي على الجند، والفرات بن مسلم على خراجها، # وتوفي عمر بدير سمعان من أرض معرة النعمان، يوم الجمعة لخمس بقين من رجب ~~سنة إحدى ومائة. ### || خلافة يزيد بن عبد الملك # وولي يزيد بن عبد الملك، والوليد على قنسرين، وكان مرائيا، سأل عمر أن ~~ينقص رزقه تقربا إليه، فعلم أنه إنما أراد أن يتزين عنده بذلك، فحط رزقه. ~~وكتب إلى يزيد، وهو ولي عهده: " إن الوليد بن هشام كتب إلي كتابا أكثر ظني ~~أنه تزين بما ليس هو عليه فأنا أقسم عليك إن حدث وأفضى هذا الأمر إليك ~~فسألك أن ترد رزقه، وذكر أني نقصته فلا يظفز منك بهذا. # فلما استخلف يزيد كتب الوليد إليه: " إن عمر نقصني وظلمني فغضب يزيد، ~~وعزله، وأغرمه كل رزق جرى عليه في ولاية عمر ويزيد كلها، فلم يل له عملا ~~حتى هلك. # ومات يزيد بن عبد الملك بالبلقاء في شعبان سنة خمس ومائة. ### || خلافة هشام # فاستخلف هشام بن عبد الملك. PageV01P027 # وولى على قنسرين وعملها خال أخيه سليمان وهو الوليد بن القعقاع بن خليد ~~العبسي وقيل: إنه ولى عبد الملك بن القعقاع على قنسرين، وإليهم ينسب حيار ~~بني عبس، وإلى أبيهم ms013 ينسب القعقاعية قرية من بلد الفايا. # وتوفي هشام سنة خمس وعشرين ومائة. ### || خلافة الوليد بن يزيد # وولي الوليد بن يزيد عبد الملك، وكانت بينه وبين بني القعقاع وحشة، فهرب ~~الوليد بن القعقاع وغيره من بني أبيه من الوليد، فعاذت بقبر يزيد بن عبد ~~الملك. فولى الوليد على قنسرين يزيد بن عمر بن هبيرة، وبعث إلى الوليد بن ~~القعقاع، فأخذه من جوار قبر أبيه، ودفعه إلى يزيد بن عمر بن هبيرة، وهو على ~~قنسرين، فعذبه وأهله. فمات الوليد بن القعقاع في العذاب. ### || خلافة يزيد بن الوليد # وخرج يزيد بن الوليد على الوليد بن يزيد، فقتله في البخراء في جمادى ~~الآخرة سنة ست وعشرين ومائة. ووثب على عامله بدمشق فأخذه، وسير أخاه مسرور ~~بن الوليد، وولاها قنسرين، وقيل بل ولي قنسرين أخوه بشر بن الوليد، وبويع ~~يزيد، ومات في ذي الحجة من هذه السنة. ### || خلافة إبراهيم بن الوليد ومروان بن محمد # وبويع إبراهيم بن الوليد، وخلع في شهر ربيع الأول، سنة سبع وعشرين ومائة. PageV01P028 # فولي مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وكان بحران، فسار منها # في سنة سبع وعشرين ومائة. ونزل بحلب، وقبض على مسرور بن الوليد الوالي ~~بحلب، وعلى أخيه بشر، بعد أن لقيهما فهزمهما وقتلهما بحلب. وكان معهما ~~إبراهيم بن عبد الحميد بن عبد الرحمن، فقتله أيضا. # وولى على حلب وقنسرين عبد الملك بن الكوثر الغنوي، بعد أن خلع إبراهيم ~~ابن الوليد نفسه وأمنه مروان. # واستتب أمر مروان. وخرج على مروان سليمان بن هشام بن عبد الملك فالتقاه ~~مروان بن محمد بخساف فاستباح عسكره في سنة ثمان وعشرين ومائة. # وكان الحكم وعثمان ابنا الوليد بن يزيد حبسا بقلعة قنسرين، وكان يزيد بن ~~الوليد حبسهما، فنهض عبد العزيز بن الحجاج ويزيد بن خالد القسري، فقتلاهما ~~وقتلا معهما يوسف بن عمر الثقفي بقنسرين، وأخذا بعد ذلك فقتلهما مروان ~~وصلبهما. PageV01P029 ### | القسم الرابع حلب في العصر العباسي ### || خلافة أبي العباس # وبويع أبو العباس السفاح، في شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة، ms014 بالكوفة. فسير عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس، في جمع عظيم، ~~للقاء مروان بن محمد، وكان مروان في جيوش كثيفة، فالتقيا بالزاب من أرض ~~الموصل، في جمادى الآخرة من سنة اثنتين وثلاثين ومائة. فهزم مروان واستولى ~~على عسكره، وسار مروان منهزما حتى عبر الفرات من جسر منبج فأحرقه. # فلما مر على قنسرين وثبت به طيء وتنوخ، واقتطعوا مؤخر عسكره ونهبوه، وقد ~~كان تعصب عليهم، وجفاهم أيام دولته، وقتل منهم جماعة. # وتبعه عبد الله بن علي، وسار خلفه، حتى أتى منبج، فنزلها. وبعث إليه أهل ~~حلب بالبيعة مع أبي أمية التغلبي. # وقدم عليه أخوه عبد الصمد بن علي، فقلده حلب وقنسرين. وسار عبد الله وعبد ~~الصمد أخوه معه إليها، فبايعه أبو الورد مجزاة، بن الكوثر بن زفر الحارث ~~الكلابي وكان من أصحاب مروان ودخل فيما دخل فيه الناس من الطاعة. # وسار عبد الله إلى دمشق، ثم بلغ خلفه إلى نهر أبي فطرس، وأتبعه بأخيه PageV01P031 # صالح، حتى بلغ إلى الديار المصرية، خلف مروان بن محمد، فأدركه ببوصير ~~فقتله، ثم عاد إلى دمشق بعده. # وذكر ابن الكلبي: وقدم بالس قائد من قواد عبد الله بن علي، في مائة ~~وخمسين فارسا وتقدم إلى الناعورة فعبث بولد مسلمة بن عبد الملك ونسائهم ~~وكانوا مجاورين أبا الورد بحصن مسلمة بالناعورة وببالس فشكا بعضهم ذلك إلى ~~أبي الورد الكلابي، فخرج من مزرعته خساف في عدة من أهل بيته، وخالف وبيض، ~~وجاء إلى الناعورة، والقائد المذكور نازل بحصن مسلمة بها، فقاتله حتى قتله ~~ومن معه، وأظهر الخلع والتبييض، ودعا أهل حلب وقتسرين إلى ذلك فأجابوه. ~~فبلغ ذلك عبد الله بن علي، وهو بدمشق، فوجه أخاه عبد الصمد بن علي، في زهاء ~~عشرة آلاف فارس، ومعه ذؤيب بن الأشعث على حرسه، # والمخارق بن عفان على شرطه، فسار أبو الورد إليه، وجعل مقدم جيشه وصاحبه ~~أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وأبو الورد مدبر ~~الجيش، ولقيهم فهزم عبد الصمد ومن معه. ms015 # فلما قدم عبد الصمد على أخيه عبد الله أقبل عبد الله بن علي بعسكره لقتال ~~أبي محمد وأبي الورد، ومعه حميد بن قحطبة، فالتقوا في سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة، في آخر يوم من السنة، واقتتلوا بمرج الأجم، وثبت لهم عبد الله وحميد ~~فهزموهم. وقتل أبو الورد. وأمن عبد الله بن علي أهل حلب وقتسرين وسودوا ~~وبايعوا. ثم انصرف راجعا إلى دمشق فأقام بها شهرا. # فبلغه أن العباس بن محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوبة بن أبي سفيان ~~السفياني قد لبس الحمرة، وخالف، وأظهر المعصية بحلب، فارتحل نحوه حتى PageV01P032 # وصل إلى حمص، فبلغه أن أبا جعفر المنصور وكان يومئذ يلي الجزيره، ~~وأرمينية، وأذربيجان وجه مقاتل بن حكيم العكي من الرقة، في خيل عظيمة لقتال ~~السفياني، وأن العكي قد نزل منبج، فسار عبد الله مسرعا حتى نزل مرج الأجم، ~~فبلغه أن العكي واقع السفياني وهزمه، واستباح عسكره، وافتتح حلب عنوة، وجمع ~~الغنائم، وسار بها إلى أبي جعفر وهو بحران. # فارتحل عبد الله إلى دابق، وشتا بها، ثم نزل سميساط، وحصر فيها اسحاق ابن ~~مسلم العقيلي، حتى سلمها ودخل في الطاعة. # ثم قدم أبان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، في أربعة آلاف من نخبة من ~~كان مع إسحاق بن مسلم. فسير إليه حميد بن قحطبة، فهزم أبانا، ودخل سميساط، ~~فسار إليها عبد الله، ونازلها حتى افتتحها عنوة. # وكتب إليه أبو العباس يأمره بالمسير إلى الناعورة، وأن يترك القتال، ~~ويرفع السيف عن الناس، وذلك في النصف من رمضان سنة ثلاث وثلاثين ومائة. # وهرب أبو محمد ومن معه من الكلبية إلى تدمر ثم خرج إلى الحجاز، فظفر به ~~وقتل، وكتب إليه السفاح أن يغزو بلاد الروم، فأتى دابق، فعسكر بها، وجمع، ~~وتوجه إلى بلاد الروم. ### || خلافة أبي جعفر المنصور # فلما وصل دلوك يريد الإدراب، كتب إليه عامله بحلب يخبره بوفاة # السفاح وبيعة المنصور فرجع من دلوك، وأتى حران، ودعا إلى نفسه، وزعم أن ~~السفاح جعله ولي عهده. # وغلب على حلب، وقنسرين، ms016 وديار ربيعة ومضر، وسائر الشام. ولم يبايع PageV01P033 # المنصور. وبايعه حميد بن قحطبة وقواده الذين كانوا معه. وولى على حلب زفر ~~بن عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي أبا عبد الله، في سنة سبع وثلاثين ~~مائة. # فسير المنصور أبا مسلم الخراساني صاحب الدعوة لقتال عبد الله بن علي، ~~فسير عبد الله حميد بن قحطبة، وكتب له كتابا إلى زفر بن عاصم إلى حلب، ~~وفيه: " إذا ورد عليك حميد فاضرب عنقه ". فعلم حميد بذلك، فهرب إلى أبي ~~مسلم الخراساني، خوفا من عبد الله. # ثم سار أبو مسلم إلى عبد الله بن علي، فالتقيا، وانهزم عبد الله وعبد ~~الصمد أخوه معه، فسار أبو مسلم خلفه فوصل إلى الرقة وأخذ منها أموال عبد ~~الله، وتبعه رصافة هشام فانهزم عبد الله إلى البصرة، وتوارى عند أخيه ~~سليمان بن علي، فأخذ له أمانا من المنصور، وسيره إليه، فحبسه إلى أن سقط ~~عليه الحبس، فمات. # وقبض أبو مسلم على عبد الصمد بن علي، بالرصافة، وأخذ أمواله، وسيره إلى ~~المنصور، فأمنه وأطلقه. # وورد كتاب المنصور على أبي مسلم بولاية الشام جميعه، وحلب وقنسرين، وأمر ~~أن يقيم له في بلاده نوابا، ففعل أبو مسلم ذلك. # وسار إلى المنصور، فالتقاه في الطريق يقطين بن موسى، وقد بعثه المنصور ~~إليه لإحصاء جميع ما وجدوا في عسكر عبد الله بن علي. فغضب أبو مسلم وقال: ~~أنكون أمناء في الدماء وخونة في الأموال؟. ثم أقبل وهو مجمع على خلاف ~~المنصور. فاستوحش المنصور منه، وقتله في سنة تسع وثلاثين ومائة. # ولما عاد أبو مسلم من الشام ولي المنصور حلب وقنسرين وحمص صالح بن علي بن ~~عبد الله بن العباس سنة سبع وثلاثين ومائة، فنزل حلب، وابتنى بها خارج ~~المدينة قصرا بقرية يقال لها بطياس بالقرب من النيرب، # وآثاره باقية إلى الآن. ومعظم أولاده ولدوا ببطياس. وقد ذكرها البختري ~~وغيره في أشعارهم. # وأغزى الصائفة مع ابنه الفضل في سنة تسع وثلاثين ومائة بأهل الشام، وهي ~~أول صائفة غزيت في خلافة بني العباس. وكانت انقطعت ms017 الصوائف في أيام بني ~~أمية قبل ذلك بسنين. PageV01P034 # وظهر في سنة إحدى وأربعين ومائة قوم يقال لهم الراوندية، خرجوا بحلب ~~وحران. وكانوا يقولون قولا عظيما. وزعموا أنهم بمنزلة الملائكة. وصعدوا تلا ~~بحلب، فيما قالوا ولبسوا ثيابا من حرير وطاروا منه فتكدوا وهلكوا. ودام ~~صالح في ولاية حلب إلى أن مات في سنة اثنتين وخمسين ومائة. # ورأيت فلوسا عتيقة، فتتبعت ما عليها مكتوب فإذا أحد الجانبين مكتوب عليه: ~~ضرب هذا الفلس بمدينة حلب سنة ست وأربعين ومائة. وعلى الجانب الآخر: " مما ~~أمر به الأمير صالح بن علي أكرمه الله ". # ولما مات صالح بن علي تولى حلب وقنسرين بعده ولده الفضل بن صالح، واختار ~~له العقبة بحلب، فسكنها وأقام بحلب واليا مدة. ثم ولى المنصور بعد موسى بن ~~سليمان الخراساني. ومات المنصور سنة ثمان وخمسين، # وموسى على قنسرين وحلب. ورأيت فلوسا عتيقة فقرأت عليها: " ضرب هذا الفلس ~~بقنسرين سنة سبع وخمسين ومائة ". وعلى الجانب الآخر: " مما أمر به الأمير ~~موسى مولى أمير المومنين ". ### || خلافة المهدي # ولما ولي المهدي خرج عبد السلام بن هاشم الخارجي بالجزيرة، وكثر أتباعه ~~فلقيه جماعة من قواد المهدي، فهزمهم، فبعث المهدي إليه جنودا كثيرة، فهرب ~~منهم إلى قنسرين، فلحقوه فقتلوه بها في سنة اثنتين وستين ومائة، وكان مقدم ~~الجيش شبيبا. # وعزم المهدي على الغزو فخرج حتى وافى حلب سنة ثلاث وستين ومائة، والتقاه ~~العباس بن محمد إلى الجزيرة، وأقام له النزل في عمله، واجتاز معه على PageV01P035 # حصن مسلمة بالناعورة، فقال له العباس: " يا أمير المؤمنين، إن لمسلمة في ~~أعناقنا مئة ". كان محمد بن علي مر به فأعطاه أربعة آلاف دينار، وقال له: " ~~يا ابن عم، هذه ألفان لدينك وألفان لمعونتك، فإذا نفذت فلا تحتشمنا. فقال ~~المهدي: " أحضروا من ههنا من ولد مسلمة ومواليه فأمر لهم بعشرين آلف دينار ~~وأمر أن تجري عليهم الأرزاق. # ثم قال: " يا أبا الفضل كافينا مسلمة وقضينا حقه! قال العباس: نعم، وزدت ~~ونزل المهدي بقصر بطياس ظاهر حلب. وولي المهدي حين قدم # قنسرين وحلب ms018 والجزيرة علي بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس حربا ~~وخراجا وصلاة. # ثم إن المهدي عرض العسكر بحلب وأغزى ابنه هارون بلاد الروم وسير محتسب ~~حلب عبد الجبار فأحضر له جماعة من الزنادقة فقتلهم بحلب. وولي حلب والشام ~~جميعه ابنه هارون. وأمر كاتبه يحيى بن خالد أن يتولى ذلك كله بتدبيره، ~~وكانت توليته في سنة ثلاث وستين ومائة. # ولما بويع الهادي أقر أخاه ويحي على حالهما. ### || خلافه هارون الرشيد # فلما أفضى الأمر إلى الرشيد ولي حلب وقنسرين عبد الملك بن صالح بن علي ~~ابن عبد الله، فأقام بمنبج، وابتنى بها قصرا لنفسه وبستانا إلى جانبه، ~~ويعرف البستان يومنا هذا ببستان القصر، وكانت ولايته سنة خمس وسبعين، ثم ~~صرفه لأمر عتب عليه فيه. # ثم ولاها الرشيد موسى بن عيسى سنة ست وسبعين ومائة. ومر الرشيد على PageV01P036 # عبد الملك بمنبج فأدخله منزله بها. فقال له الرشيد: " هذا منزتك. قال هو ~~لك ولي بك. قال: فكيف هو؟ قال: دون منازل أهلي وفوق منازل الناس. قال: " ~~فكيف طيب منبج؟ قال: " عذبة الماء، عذبة الهواء، قليلة الأدواء ". قال: ~~فكيف ليله؟ قال: سحر كله وهاجت الفتنة بالشام بين النزارية واليمانية، فولى ~~الرشيد موسى بن يحيى ابن خالد في هذه السنة الشام جميعه، فأقام به حتى أصلح ~~بينهم. # ثم ولاها الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك سنة ثمان وسبعين، # وتوجه إليها سنة ثمانين، واستخلف عليها عيسى بن العكي. # ثم إن الرشيد ولى حلب وقنسرين إسماعيل بن صالح بن علي لما عزله عن مصر ~~سنة اثنتين وثمانين ومائة، وأقطعه ما كان له بحلب في سوقها وهي الحوانيت ~~التي بين باب أنطاكية إلى رأس الدلبه وعزله وولاه دمشق. # ثم ولى الرشيد بعده عبد الملك بن علي ثانية، فسعى به ابنه عبد الرحمن إلى ~~الرشيد، وأوهمه أنه يطمع في الخلافة فاستشعر منه، وقبض عليه في سنة سبع ~~وثمانين ومائة. # وولى على حلب وقنسرين ابنه القاسم بن هارون، وأغزاه الروم ووهبه لله ~~تعالى في سنة سبع وثمانين ms019 ومائة. # ورابط القاسم بدابق هذه السنة والتي بعدها. وقيل: إن الرشيد لما غضب على ~~عبد الملك بن صالح ولى أخاه عبد الله بن صالح ثم عزله سنة ثمان وثمانين ~~وولى القاسم بن هارون ابنه. وقيل: إن أحمد بن إسحاق بن إسماعيل بن علي بن ~~عبد الله ابن العباس ولي قنسرين للرشيد، وقد كان ولي له مصر، وعزله عنها ~~سنة تسع وثمانين، فلا أتحقق ولايته في أي سنة كانت. # وقد ذكر بعضهم: أن عبد الله بن صالح توفي ببغداد في أيام المنصور. PageV01P037 # وقال بعضهم: إنه توفي بسلمية في سنة ست وثمانين. فعلى هذا يكون الذي ولاه ~~الرشيد ابن ابنه عبد الله بن صالح بن عبد الله بن صالح، والله أعلم. # ثم إن الرشيد ولى حلب وقنسرين خزيمة بن خازم بن خزيمة، من قبل ابنه ~~القاسم بن الرشيد، في سنة ثلاث وتسعين ومائة. ولم يزل القاسم بن الرشيد في ~~ولاية حلب وقنسرين حتى مات أبوه الرشيد في سنة ثلاث وتسعين ومائة في جمادى ~~الآخرة فأقره أخوه الأمين عليها وجعل معه قمامة بن أبي زيد وولي خزيمة بن ~~خازم الجزيرة. ### || خلافة الأمين # ثم إن محمدا الأمين عزل أخاه القاسم بن الرشيد عن حلب وقنسرين والعواصم ~~وسائر الأعمال التي ولاه أبوه سنة أربع وتسعين ومائة، وولاها خزيمة ابن ~~خازم في هذه السنة. # ثم ولى الأمين حلب وقنسرين والجزيرة عبد الملك بن صالح بن علي، فخرج ~~إليها، واجتمعت إليه العرب في سنة ست وتسعين ومائة. وهذه الولاية الثالثة ~~لعبد الملك. وكان الأمين قد أخرجه من حبس أبيه حين مات سنة ثلاث وتسعين ~~ومائة في ذي القعدة. # واستمر عبد الملك في هذه الولاية إلى أن مات في سنة ست وتسعين ومائة ~~بالرقة، ودفن في في دار من دور الإمارة. وكان يرى الأمين ما فعله به. فلما ~~خلع الأمين حلف عبد الملك إن مات الأمين لا يعطي المأمون طاعة، فمات قبل ~~الأمين فبقيت في نفس المأمون إلى أن خرج إلى الغزاة، ووجد قبر عبد # الملك في دار ms020 الإمارة فأرسل إلى ابن عبد الملك: حول أباك من داري فنبشت ~~عظامه وحول. PageV01P038 # ثم ولي خزيمة بن خزيمة حلب وقنسرين في سنة سبع وتسعين ومائة. وقيل إن ~~الوليد بن طريف ولي حلب وقنسرين بعد عبد الملك بن صالح، وبعده ورقاء عبد ~~عبد الملك ثم بعده يزيد بن مزيد، ثم استأمن إلى طاهر بن الحسين. ### || خلافة المأمون # فلما قتل الأمين وبويع المأمون ولي حلب والشام جميعه طاهر بن الحسين، ~~وجعل إليه حرب نصر بن شبث فتحصن بكيسوم فقصده طاهر فلم يظفر به ولقيه، فكسر ~~طاهر وعاد مفلولا وذلك في سنة ثمان وتسعين ومائة. ثم أضاف إليه ولاية مصر ~~وإفريقية في سنة أربعة ومائتين. ثم ولاه خراسان سنة ست. وولي ابنه عبد الله ~~مصر والشام جميعه، وأمره بمحاربة نصر بن شبث في سنة ست ومائتين. # وتوفي طاهر بخراسان سنة سبع ومائتين، فأضاف المأمون ولايته إلى ابنه عبد ~~الله مع الشام. فسار عبد الله بن طاهر إلى الشام من الرقة واحتوى على الشام ~~جميعه. وهدم سور معرة النعمان. وهدم معظم الحصون الصغار مثل # حصن الكفر وحصن حناك وغير ذلك. ونزل بكيسوم وبها نصر بن شبث فحصره إلى أن ~~ظفر PageV01P039 # به، وخرج إليه بأمان. وخرب حصن كيسوم بعد وقائع كثيرة جرت بينه وبين نصر ~~ابن شبث، وسار إلى مصر، وذلك كله في سنة تسع ومائتين. # ولما فتح مصر فى سنة إحدى عشرة ومائتين كتب المأمون إليه: # أخي أنت ومولاي ... ومن أشكر نعماه # فما أحببت من أمر ... فإني الدهر أهواه # وماتكره من شيء ... فاني لست أرضاه # لك الله على ذاك ... لك الله لك الله # ودامت ولاية عبد الله بن طاهر إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين، ووجهه المأمون ~~إلى خراسان، وعزله عن الشام، وولى ابنه العباس بن المأمون حلب وقنسرين ~~والعواصم والثغور، وأمر له بخمسمائة آلف دينار في سنة ثلاث عشرة ومائتين ثم ~~ولاها المأمون إسحاق بن إبراهيم بن مصعب بن زريق وعزل ابن العباس في سنة ~~أربع عشرة ومائتين. ثم إن المأمون عزل إسحاق بن ms021 إبراهيم في هذه السنة وولاه ~~مصر وأعاد ابنه العباس إليها ثانية. # ثم ولى المأمون حلب وقنسرين ورقة الطريفي وأظنه مع العباس # وكانت لورقة حركة أيام الفتنة. # فلما قدم المأمون حلب للغزاة ونزل بدابق، في سنة خمس عشرة ومائتين، لقيه ~~عيسى بن علي بن صالح الهاشمي فقال له: يا أمير المؤمنين أيلينا أعداؤنا في ~~أيام الفتنة وفي أيامك. فقال: " لا ولا كرامة. فصرف ورقة. # وولي عيسى بن علي بن صالح نيابة عن ولده العباس فيما أرى، فوجد عنده PageV01P040 # من الكفاية والضبط وحسن السيرة ما أراد فقدمه وكبر عنده وأحبه. وكان ~~المأمون كلما غزا الصائفة لقيه عيسى بن علي بالرقة ولا يزال معه حتى يدخل ~~الثغور ثم يرد عيسى إلى عمله. # وولى المأمون في سنة خمس عشرة ومائتين قضاء حلب عبيد بن جناد بن أعين ~~مولى بني كلاب، فامتنع من ذلك، فهدده على الامتناع فأجاب. # ثم ولى المأمون عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح لما غزا ~~الصائفة في سنة ثمان عشرة ومائتين العواصم. وفيها مات المأمون وإنما وليها ~~عبيد الله عن العباس بن المأمون في غالب ظني فإن العباس ولي حلب وقنسرين ~~والجزيرة من سنة أربع عشرة ومائتين إلى أن توفي أبوه المأمون بالبدندون من ~~أرض طرسوس. ### || خلافة المعتصم # وبويع أبو إسحاق المعتصم فأقر العباس بن المأمون على ولايته وكان الجند ~~قد شغبوا وطلبوا العباس ونادوه باسم الخلافة، فأرسل المعتصم إليه، وأحضره ~~فبايعه، وخرج إلى الناس وقال لهم: ما هذا الحدث البادر قد بايعت عمي ~~فسكنوا. وسار المعتصم إلى بغداد والعباس معه، فلما توجه المعتصم إلى الغزاة ~~ومر بحلب، في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ودخل إلى بلاد الروم اجتمع به بعض ~~الجند ووبخه على ما فعل من إعطاء المعتصم الخلافة، وحسن له تدارك الأمر، ~~فاستمال جماعة من القواد وعزموا أن يقبضوا على المعتصم وهو داخل إلى الغزاة ~~فلم يمكنهم العباس. وقال: " لا أفسد على الناس غزاتهم. # فنمى الخبر إلى المعتصم فقبض على العباس، وعلى من ساعده على ذلك، PageV01P041 # وهو ms022 عائد من الغزاة، فلما وصل إلى منبج سأل العباس الطعام وكان جائعا ~~فقدم إليه طعام كثير فأكل. فلما طلب الماء منع وأدرج في مسح فمات بمنبج في ~~ذي القعدة، من سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وصلى عليه بعض إخوته ودفن بمنبج. ~~وولى المعتصم حلب وقنسرين حربها وخراجها وضياعها عبيد الله بن عبد العزيز ~~بن الفضل بن صالح بن علي الهاشمي، ثم إنه ولى أشناس التركي الشام جميعه ~~والجزيرة ومصر، وتوجه وألبسه وشاحين بالجوهر في سنة خمس وعشرين ومائتين. # ونظر في صلات المعتصم لأشناس فوجد مبلغها أربعين ألف ألف درهم. وأظن أنه ~~بقي في ولايته إلى أن مات سنة ثلاثين ومائتين في أيام الواثق. ### || خلافة الواثق # وولى الواثق عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح الهاشمي حلب ~~وقنسرين حربها وخراجها وضياعها، وأظنه كان متوليا في أيام المعتصم من جهة ~~أشناس، فأقره الواثق على ولايته. # وولى الواثق قنسرين وحلب والعواصم، بعد عبيد الله، محمد بن صالح بن عبد ~~الله بن صالح فكانت سيرته غير محمودة. وكان أحمر أشقر، فلقب: سماقة لشدة ~~حمرته. ويقال: إنه أول من أظهر البرطيل بالشام، وأوقع عليه هذا الاسم، وكان ~~لا يعرف قبل ذلك إلا الرشوة على غير إكراه. وكان أكثر الناس سكوتا وأطولهم ~~صمتا لا يكاد يسمع له كلام إلا في أمر يأمر به، أو قول يجيب عنه. # وكان قاضي حلب في أيامه أبا سعيد عبيد بن جناد الحلبي توقي سنة إحدي ~~وثلاثين ومائتين، وكان المأمون ولاه قضاء حلب. وله يقول عمرو بن هوبر ~~الكلبي في قصيدة يغض منه، أولها: # لا در در زمانك المتنكس ... الجاعل الأذناب فوق الأرؤس PageV01P042 # ما أنت إلا نقمة في نغمة ... أو أصل شوك في حديقة نرجس # يا قبلة ذهبت ضياعا في يد ... ضرب الآله بنانها بالنقرس # من سر أبطح مكة آباؤه ... وجدوده وكأنه من قبرس # وهذا عمرو بن هوبر كان من معراثا البريدية من ضياع معرة النعمان وولي في ~~أيام المتوكل معرة مضرين وقتل بها. # وكان الواثق قد ولى الثغور والعواصم ms023 دون حلب وأعمالها أحمد بن سعيد بن ~~سلم بن قتيبة، وأمره بحضور الفداء مع خاقان وصاحب الروم ميخائيل، فأمضى ~~الفداء سنة إحدى وثلاثين ومائتين. # ثم إنه غزا شاتيا فأصاب الناس شدة فوجد الواثق عليه بسبب ذلك، وعزله ~~وولاها نصر بن حمزة الخزاعي. ### || خلافة المتوكل # وولي الشارباميان، في أول أيام المتوكل على حلب وقنسرين والعواصم، واليين ~~أنا ذاكرهما. وكان الشارباميان أحد قواد المتوكل وكان خصيصا عنده. فإما أن ~~يكون المتوكل ولاه جند قنسرين والعواصم أو أنه كان السلطان في أيام المتوكل ~~فكان أمر الولاية إليه. فإنني قرأت في كتاب نسب بني صالح بن علي قال: وولى ~~الشارباميان جند قنسرين والعواصم علي بن إسماعيل بن صالح بن علي أبا طالب، PageV01P043 # وإنما أراد أن يتزين به عتد المتوكل فامتنع من قبول ولايته، فأعلمه إن لم ~~يفعل كتب فيه إلى الخليفة فقبلها وأقام على ولاية جند قنسرين والعواصم، حتى ~~مات. فكانت أيامه أحسن أيام وسيرته أجمل سيرة، وكان علي بن إسماعيل إذا خرج ~~إلى العواصم استخلف ابنه محمد بن علي على قنسرين وحلب فلا يفقد الناس من ~~أبيه # شيئا. قال: وولى الشارباميان جند قنسرين والعواصم عيسى بن عبيد الله بن ~~الفضل بن صالح بن علي الهاشمي. # قال: وولى المتوكل طاهر بن محمد بن إسماعيل بن صالح على المظالم بجند ~~قنسرين والعواصم، والنظر في أمور العمال، وجاءته الولاية منه فألفاه الرسول ~~في مرضه الذي مات فيه. وجعل المتوكل ولاية عهده إلى ابنه محمد المنتصر ~~وولاه قنسرين، والعواصم، والثغور وديار مضر، وديار ربيعة، والموصل، وغير ~~ذلك في سنة خمس وثلاثين ومائتين، فاستمر في الولاية إلى أن قتل أباه وكانت ~~الولاة من قبله. ### || خلافة المنتصر # وفي أيام ولايته حلب في سنة اثنتين وأربعين ومائتين وقع طائر أبيض دون ~~الرحمة وفوق الغراب على دلبة بحلب لسبع مضين من رمضان، فصاح: يا معشر ~~الناس، الله الله حتى صاح أربعين صوتا. ثم طارة وجاء من الغد فصاح أربعين ~~صوتا. وكتب صاحب البريد بذلك وأشهد خمسمائة انسان سمعوه. ولا يبعد عندي ms024 أن ~~تكون الدلبة التي ينسب إليها رأس الدلبة. # وسمع في هذه السنة أصوات هائلة من السماء، وزلزلت نيسابور، # وتقلعت جبال من أصولها، ونبع الماء من تحتها، ووصلت الزلزلة إلى الشام ~~والثغور. # وأظن أن نائب المنتصر في جند قنسرين في حياة المتوكل كان بغا الكبير فلما ~~قتل المتوكل قدم بغا عليه. وسير المنتصر وصيفا إلى الثغر الشامي فأقام به ~~إلى أن مات. PageV01P044 ### || خلافة المستعين # وولى المستعين في سنة خمسين ومائتين قنسرين وحلب وحمص موسى بن بغا، وتوجه ~~إليها حين عاث أهل حمص على الفضل بن قارن. ثم ولي حلب والعواصم أبو تمام ~~ميمون بن سليمان حدقة بن عبد الملك بن صالح في أيام المستعين، وكانت له ~~حركة وبأس في فتنة المستعين. # وعصى أهل حلب وأقاموا على الوفاء للمستعين ببيعتهم، فقدم عليهم أحمد ~~المولد محاصرا لهم فلم يجيبوه إلى ما أراد من البيعة للمعتز. وكان السفير ~~بينه ويينهم الحسين بن محمد صالح بن عبد الله بن صالح أبا عبيد الله ~~الهاشمي. ### || خلافة المعتز # فلما بايعوا بعد ذلك للمعتز وانقضى أمر المستعين ولاه أحمد المولد جند ~~قنسرين وحلب، في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فأقام مدة يسيرة، ثم انصرف إلى ~~سلمية أعني الحسين بن محمد. # وولي حلب وقنسرين والعواصم صالح بن عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل ابن ~~صالح، في فتنة المستعين، وكان له سعي وتقدم ورئاسة. # ثم ولي بعده، فيما أرى، أبو ميمون بن سليمان بن عبد الملك بن صالح. # وهذه ولاية ثانية له، ومات بالرقة. ثم ولي بعده ثانية صالح بن عبيد الله ~~بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح الهاشمي وانقضت ولاية بني صالح الهاشميين. # ثم ولي حلب وقتسرين في أيام المعتز أبو الساج ديوداذ في شهر ربيع PageV01P045 # الأول، سنة أربع وخمسين ومائتين، وبقي واليا إلى أن تغلب أحمد بن عيسى بن ~~شيخ على الشامات في أيام المهتدي. ### || خلافة المعتمد # فلما مات، وولي المعتمد سير إلى ابن شيخ بولاية أرمينية، على أن ينصرف عن ~~الشام آمنا فأجاب إلى ذلك، ورحل ms025 عنها في سنة ست وخمسين ومائتين. # ووليها أحمد بن طولون، مع أنطاكية وطرسوس وغيرها من البلاد وكان أحمد ابن ~~طولون شهما شجاعا عاقلا، وكان على مربطه أربعة آلاف حصان، وكانت نفقته في ~~كل يوم آلف دينار. # فعقد المعتمد لأخيه أبي أحمد الملقب بالموفق على حلب وقنسرين والعواصم، ~~في شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين. ثم ولاه بغداد، واليمن، ~~وخراسان، وولى الشام لابنه جعفر وجعل له ولاية العهد، وهو صبي، وجعل الأمر ~~بعده لأخيه أبي أحمد. # فولى أبو أحمد الموفق سيما الطويل أحد قواد بني العباس ومواليهم حلب ~~والعواصم. فابتنى بظاهر مدينة حلب دارا حسنة، وعمل لها بستانا. وهو الذي ~~يعرف الآن ببستان الدار ظاهر باب أنطاكية. وبهذه الدار سميت المحلة التي ~~بباب أنطاكية الدارين، إحدى الدارين هذه، والدار الأخرى # بناها قبله محمد بن عبد الملك بن صالح، فعرفت المحلة بالدارين لذلك. ~~وإحدى الدارين تعرف PageV01P046 # بالسليمانية على حافة نهر قويق، وحاضر السليمانية بها يعرف وهو حاضر حلب. ~~وجدد سيما الطويل الجسر الذي على نهر قويق قريبا من داره. وركب عليه بابا ~~أخذه من قصور بعض الهاشميين بحلب يقال له: قصر البنات. وأظن أن درب البنات ~~بحلب يعرف به، وأظن القصر يعرف بأم ولد كانت لعبد الرحمن بن عبد الملك بن ~~صالح اسمها بنات وهي أم ولده داود. # وسمى سيما الباب باب السلامة وهو الباب الذي ذكره الواساني في قصيدته ~~الميمية التي أولها: # يا ساكني حلب العوا ... صم جادها صوب الغمامه # وفي سيما الطويل يقول البختري: # فردت إلى سيما الطويل أمورنا ... وسيما الرضا في كل أمر يحاوله # فعصى أحمد بن طولون على أبي أحمد الموفق، وأظهر خلعه ونزل إلى الشام، ~~فانحاز سيما الطويل إلى أنطاكية فحصره أحمد بن طولون بها فألقت # عليه امرأة حجرا وقيل قوقا فقتلته. وقيل بل قتله عسكر ابن طولون، وكان ~~ذلك في سنة أربع وستين أو سنة خمس وستين ومائتين واستولى أحمد بن طولون على ~~حلب والشام جميعه منابذا لأبي أحمد الموفق، وكان قاضي حلب في أيامه ms026 عبيد ~~الله بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الله أبو بكر القاضي العمري. ودام على ~~قضائها إلى أن مات أحمد. # وكان سيما حين صارت له حلب قد قصد جماعة من الأشراف من بني صالح ابن علي ~~بالأذى، واستولى على أملاكهم، وأودع بعضهم السجن. فلما ولي أحمد بن طولون ~~قال صالح بن محمد بن اسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي الحلبي، يمدحه ويشكره، ~~ويذكر ظفره بسيما بقصيدة يقول فيها: PageV01P047 # وقد لبستنا من قذا الجور ذلة ... ودار بنا كيد الأعادي فأحدقا # وحكم فينا عاند فجرت له ... أفاعيل غر تترك اللب أخلقا # إلى أن أتيحت بابن طولون رحمة ... أشار إلى معصوصب فتفرقا # فدتك بنو العباس من ناصر لها ... أنار به قصد السبيل فأشرقا # بنيت لهم مجدا تليدا بناؤه ... فلم نر بنيانا أعز وأوثقا # منحتهم صفو الوداد ولم يكن ... سواك ليعطي الود صفوا مزوقا # تجوز منك العبد لما قصدته ... وأسكن أشراف الأقاوم مطبقا # بلا ترة أسدوا إليه وإنما ... يجازي الفتى يوما على ما تحققا # وهيهات ما ينجيه لو أن دونه ... ثمانين سورا في ثمانين خندقا # ثم إن أحمد بن طولون توجه إلى مصر، وولى مملوكه لؤلؤ حلب في سنة ست ~~وستين، فخرج بكار الصالحي من ولد عبد الملك بن صالح، بنواحي حلب بينها وبين ~~سلمية، ودعا إلى أبي أحمد الموفق في سنة ثمان وستين، فحاربه ابن العباس ~~الكلابي فهزم الكلابي ووجه إليه لؤلؤ قائدا يقال له أبو ذر، فرجع وليس معه ~~كبير أحد. ثم إن لؤلؤ ظفر به فقبض عليه. # ثم إن لؤلؤ الطولوني خالف مولاه أحمد بحلب، وعصى عليه في سنة تسع وستين، ~~وكاتب أبا أحمد الموفق في المسير إليه فأجابه إلى ذلك. وقطع لؤلؤ الدعاء ~~لمولاه أحمد مدنه جميعها: حلب، وقنسرين، وحمص، وديار مضر، وترك أهل الثغور ~~الدعاء لابن طولون، وأخرجوا نائبه منها وهموا بقبضه، فهرب. فنزل أحمد بن ~~طولون من مصر في مائة آلف فقبض على حرم لؤلؤ وباع ولده وأخذ ما قدر عليه ~~مما كان له، وهرب لؤلؤ منه ms027 ولحق بأبي أحمد طلحة بن المتوكل وهو على محاربة ~~العلوي البصري عميد الزنج. PageV01P048 # ولؤلؤ هو الذي قتل علوي البصرة في سنة تسع وستين ومائتين. وبقي لؤلؤ ~~ببغداد إلى أن قبض عليه الموفق، وقيده في سنة ثلاث وسبعين ومائتين، فوجد له ~~أربعمائة ألف دينار. فذكر لؤلؤ الطولوني أنه لا يعرف لنفسه ذنبا إلا كثرة ~~ماله وأثاثه. # ولما انحدر لؤلؤ من الرقة كان معه من السفن والخزائن زهاء ثلاثمائة ~~خزانة. # ولما هرب لؤلؤ من مولاه إلى العراق في جمادى الأولى من السنة، اجتاز ~~ببالس، وبها محمد بن العباس بن سعيد الكلابي أبو موسى، وأخوه سعيد فأسرهما. ~~ثم إن ابن طولون وصل إلى الثغور، فأغلقوها في وجهه، فعاد إلى أنطاكية ومرض. ~~فولى على حلب عبد الله بن الفتح، وصعد إلى مصر مريضا، فمات سنة سبعين ~~ومائتين. # وولي ابنه أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، فولى في حلب أبا موسى ~~محمد بن العباس بن سعيد الكلابي، في سنة إحدى وسبعين ومائتين. ونزل أبو ~~الجيش من مصر إلى حلب، وكاتب أبا أحمد بن المتوكل بأن يولى حلب ومصر وسائر ~~البلاد التي في يده، ويدعى له على منابرها، فلم يجبه إلى ذلك، فاستوحش من ~~الموفق. # وولى في حلب القائد أحمد بن ذو غباش، وصعد إلى مصر فوصل إلى حلب إسحاق بن ~~كنداج، وكان يلي ديار ربيعة، ومحمد بن أبي الساج، وكان يلي ديار مضر، فولاه ~~الموفق حلب وأعمالها، وكتبا إلى العراق يطلبان نجدة تصل إليهما، فإن ابن ~~جيعويه وغيره من قواد ابن طولون بشيزر. # فسير الموفق ابنه أبا العباس أحمد بن طلحة، وكان قد جعل إليه ولاية عهده، ~~فوصل إلى حلب في ربيع الآخر من سنة إحدى وسبعين # ومائتين، وكان فيها محمد ابن ديوداذ بن أبي الساج، المعروف بالأفشين ~~حينئذ واليا، وسار إلى قنسرين، وهي PageV01P049 # يومئذ لأخي الفصيص التنوخي وهي عامرة وحاضر طيء لطيء وعليها أيضا سور، ~~وقلعتها عامرة. # وسار إلى شيزر، فكسر العسكر المقيم، وسار إلى أن تواقع المعتضد وخمارويه ~~على الطواحين، بقرب الرملة، ms028 وكانت الغلبة أولا لأبي العباس المعتضد، فهرب ~~خمارويه بمن خف معه إلى مصر، ونزل أبو العباس بخيمة خمارويه، وهو لا يشك في ~~الظفر، فخرج كمين لخمارويه، فشدوا عليهم وقاتلوهم، فانهزموا، وتفرق القوم. # ورجع الأمير أبو العباس إلى أن انتهى إلى أنطاكية، وكان محمد بن ديوداذ ~~المعروف بالأفشين بن أبي الساج قد فارق أبا العباس لكلام أغلظ له فيه أبو ~~العباس، فجاء قبل وقعة الطواحين، واستولى على حلب، ومعه إسحاق بن كنداج. # وسار أبو العباس من أنطاكية إلى طرسوس فأغلقها أهلها دونه، ومنعوه من ~~دخولها فسار إلى مرعش، ثم إلى كيسوم، ثم إلى سميساط، وعبر الفرات، ونكب عن ~~حلب لاستيلاء الأقشين عليها وكان قد جرت بينهما وحشة. # ونزل خمارويه إلى حلب، فصالحه الأفشين وصار في جملته، ودعا له # على منابر أعماله، وحمل إليه خمارويه مائتي آلف دينار ونيفا وعشرين آلف ~~دينار لوجوه أصحابه، وعشرين ألف دينار لكاتبه، وذلك في سنة ثلاث وسبعين ~~ومائتين. وأعطاه ابن أبي الساج ولده رهينة على الوفاء بعهده، فراسل خمارويه ~~أبا أحمد الموفق، وسأله الصلح فأجابه إلى ذلك، وولاه مصر، وأجناد الشام، ~~وقنسرين، وحلب، والعواصم، والثغور. # وصعد أبو الجيش إلى مضر، وكان أبو الجيش قد أعطى ابن أبي الساج يوم دفع ~~ولده إليه ما مبلغه ثلاثون ألف دينار، فقال ابن أبا: خدعكم محمد بن ديوداذ، ~~إذ أعطاكم بولة يبول مثلها في كل ليلة مرات، وأخذ منكم ثلاثين ألف دينار. # ثم إن ابن أبي الساج نكث عهده مع أبي الجيش، وعاث في نواحي الأعمال PageV01P050 # التي له، في ذي القعدة من سنة أربع وسنعين ومائتين، فخرج إليه أبو الجيش. ~~والتقيا بالثنية، من أعمال دمشق فانهزم ابن أبي الساج واستبيح عسكره قتلا ~~وأسرا، ففي ذلك يقول البحتري: # وقد تدلت جيوش النصر منزلة ... على جيوش أبي الجيش بن طولونا # يوم الثنية إذ ثنى بكرته ... خمسين ألفا رجالا أو يزيدونا # وكتب إلى ابن الساج يوبخه، ويقول له: كان يجب يا قليل المروءة والأمانة ~~أن نصنع برهنك ما أوجبه غدرك! معاذ الله أن ms029 تزر وازرة وزر أخرى. # ورجع أبو الجيش إلى مصر في سنة خمس وسبعين ومائتين. فعاد محمد بن ديوداذ، ~~وعاث عليه في أطراف بلاده، فقصده فانهزم بين يديه، فوصل ابن طولون خلفه إلى ~~الفرات. وهرب ابن أبي الساج، ولحق بأبي أحمد الموفق، فانضم إليه فخلع عليه، ~~وأخرجه معه إلى الجبل، وذلك في سنة ست وسبعين ومائتين فولى أبو الجيش على ~~حلب غلام أبيه ظغج بن جف والد الإخشيد أبي برك محمد بن طغج. # ودعا يازمار، والي الثغور لخمارويه بطرسوس والثغور، وحمل إليه خماروية ~~خمسين ألف دينار، وحمل إليه قبل الدعاء له ثلاثين آلف دينار ليتفقها في ~~سبيل الله ومائة وخمسين ثوبا ومائة وخمسين دابة وسلاحا كثيرا وذلك في سنة ~~سبع وسبعين ومائتين. PageV01P051 ### || خلافة المعتضد # ورجع أبو الجيش إلى مصر، ومات المعتمد بعد ذلك في سنة تسع وسبعين فولي ~~الخلافة أبو العباس أحمد بن طلحة المعتضد، فبايعه أبو # الجيش بن طولون وخطب له في عمله. وسير إليه هدية ستية مع الحسين بن ~~الجصاص. وطلب منه أن يزوج ابنته من علي بن المعتضد، فقال المعتضد بل أنا ~~أتزوجها فتزوجها المعتضد وهي قطر الندى. # وقيل: إنه دخل معها مائة هاون ذهب فى جهازها، وإن المعتضد دخل خزانتها، ~~وفيها من المنائر والأباريق، والطاسات، وغير ذلك من الآنية الذهب. فقال: يا ~~أهل مصر، ما أكثر صفركم. فقال له بعض القوم: يا أمير المؤمنين، إنما هو ~~ذهب. # وزفت إلى المعتضد مع صاحب أبيها الحسين بن عبد الله بن الجصاص. فقال ~~المعتضد لأصحابه: أكرموها بشمع العنبر فوجد في خزانة الخليفة أربع شمعات من ~~عنبر، في أربعة أتوار فضة. # فلما كان وقت العشاء، جاءت إليه وقدامها أربعمائة وصيفة، في يد كل واحدة ~~منهن تور ذهب وفضة، وفيه شمعة عنبر. فقال المعتضد لأصحابه: أطفئوا شمعنا ~~واسترونا. # وكانت إذا جاءت إليه أكرمها بأن يطرح لها مخدة: فجاءت إليه، يوما فلم ~~يفعل ما كان يفعله بها. فقالت: أعظم الله أجر أمير المؤمنين. قال: # فيمن؟. قالت: في عبده خمارويه تعني أباها فقال لها: ms030 " أو قد سمعت بموته؟ ~~قالت: لا ولكني لما رأيتك قد تركت إكرامي علمت أته قد مات أبي. وكان خبره ~~قد وصل إلى المعتضد، فكتمه عنها. فعاد إلى إكرامه لها بطرح المخدة في كل ~~الأوقات. # وقتل خمارويه بدمشق في سنة ثمانين ومائتين، وحلب في ولاية طغج بن جف من ~~قبله وأظن أن قاضي حلب بعد أيام أحمد بن طولون حفص بن عمر قاضي PageV01P052 # حلب. وولي مكان خمارويه ولده جيش بن خمارويه، وطغج في حلب على حاله. وعزل ~~القواد جيش بن خمارويه، وولوا أخاه هارون بن خمارويه، فولى طغج بن جف حلب ~~على حاله، وسير إلى المعتضد رسولا يطلب منه إجراءه على عادة أبيه في البلاد ~~التي كانت في ولايته، فلم يفعل. # وسير رسولا إلى هارون، فاستنزله عن حلب وقنسرين، والعواصم، وسلم لهارون ~~مصر وبقية الشام، واتفق الصلح مع المعتضد وهارون على ذلك، في جمادى الأولى ~~من سنة ست وثمانين ومائتين. # وكان هارون قد ولى قضاء حلب وقنسرين أبا زرعة محمد بن عثمان الدمشقي، ~~فقلد المعتضد حلب وقنسرين ولده أبا محمد علي بن أحمد في هذه السنة. # وولى بحلب من قبل ابنه الحسن بن علي المعروف بكوره الخراساني، وإليه تنسب ~~دار كوره، التي داخل باب الجنان بحلب، والحمام المجاورة لها. وقد خربت الآن ~~ولم يبق لها أثر. # وكان كاتب علي بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني، فقلده النظر في ~~هذه النواحي # وسار المعتضد، في سنة سبع وثمانين ومائتين، خلف وصيف خادم ابن أبي الساج ~~إلى الثغور إل أن لحقه. فضم عمل الثغور أيضا إلى كوره، وعاد إلى أنطاكية، ~~ووصيف معه. # ثم رحل إلى حلب، فأقام بها يومين، ووجد لوصيف بعد أسره في بستان بحلب مال ~~كان دفنه وهو بها مع مولاه مبلغه ستة وخمسون آلف دينار فحمل إلى المعتضد ثم ~~رحل إلى بغداد، فمات في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين. PageV01P053 ### || خلافة المكتفي # وتولى الخلافة ولده أبو محمد، ولقب بالمكتفي، فصرف الحسن بن علي # كوره عن ولايته، وولى حلب أحمد ms031 بن سهل النوشجاني، في جمادى الآخرة سنة ~~تسع وثمانين ومائتين. ثم صرفه عنها سنة تسعين ومائتين. # وولى حلب في هذه السنة أبا الأغر خليفة بن المبارك السلمي، ووجهه إليها ~~لمحاربة القرمطي صاحب الخال لعنه الله، فإنه كان قد عاث في البلاد وغلب على ~~حمص، وحماة، ومعرة النعمان، وسلمية. وقتل أهلها وسبى النساء والأطفال. # فقدم أبو الأغر حلب في عشرة آلاف فارس، فأنفذ القرمطي سرية إلى حلب، فخرج ~~أبو الأغر إلى وادي بطنان، فلما استقر وافاه جيش القرمطي، يقدمه المطوق ~~غلامه وكبسهم، وقتل عامة أصحابه وخادما جليلا يقال له بدر القدامي. # وسلم أبو الأغر في ألف رجل، فصار إلى قرية من قرى حلب، وخرج إليه ابنه في ~~جماعه من الرجالة والأولياء، فدخل إلى حلب وأقام القرامطة على مدينة حلب ~~على سبيل المحاصرة. # فلما كان يوم الجمعة، سلخ شهر رمضان من سنة تسعين ومائتين، تسرع أهل ~~مدينة حلب إلى الخروج للقاء القرامطة فمنعوا من ذلك، فكسروا قفل الباب، ~~وخرجوا إلى القرامطة، فوقعت الحرب بين الفئتين، ورزق الله الحلبيين النصر ~~عليهم. وخرج أبو الأغر فأعانهم، فقتل من القرامطة خلق كثير. # وخرج أبو الأغر يوم السبت يوم عيد الفطر إلى المصلى، وعيد بأهل حلب، وخطب ~~الخطيب، وعادت الرعية على حال سلامة، وأشرف أبو الأغر على القرامطة، فلم ~~يخرج منهم أحد إليه، ثم أنهم رحلوا إلى صاحبهم، في سنة ثلاثمائة. # ثم إن المكتفي ولى حلب الحسين بن حمدان بن حمدون عم سيف الدولة، PageV01P054 # فعاثت عليه العرب من كلب واليمن وأسد وغيرهم فاجتمعوا بنواحي حلب، فخرج ~~للقائهم، في شهر رمضان من سنة أربع وتسعين ومائتين، فهزموه حتى بلغوا به ~~باب حلب، وجرى بينه وبين القرامطة، في هذه السنة وقعة كسرهم فيها ~~واستأصلهم. # ثم إنه عزل عن حلب، وولي عيسى غلام النوشري، وكان المكتفي قد صار إلى ~~الرقة في سنة إحدى وتسعين ومائتين، وكان وجه بمحمد بن # سليمان صاحب الجيش إلى حلب والشام في عشرين ألف فارس وراجل، لمحاربة ~~الطولونية والقرامطة، وفتح مصر. فقدم محمد بن سليمان ms032 حلب في أواخر سنة ~~تسعين، والوالي بها على الحرب عيسى غلام النوشري، فدخلها محمد في أحسن ~~تعبئة وزي. وأقام بها أياما وطالب عمال الخراج بحمل المال، وقصده رؤساء بني ~~تميم وبني كلاب. # فأمر عيسى والي حلب أن يستخلف على عمله ويشخص معه إلى مصر فامتثل أمره، ~~واستخلف على حلب ولده، وأتفق في جنده، ورحل في آخر شوال معه. فلما وافى ~~معرة النعمان خلع عليه، وحمله، وولاه بلده إلى حدود حماة، ولقيهم القرامطة ~~بين تل منس وكفر طاب، في عشرة آلاف فارس، فنصره الله عليهم، وانهزموا وقتل ~~الرجالة، وأسر أكثر الخيالة. # وصار محمد بن سليمان إلى مصر، وافتتحها من يد الطولونية، عند قتل هارون ~~بن خمارويه، واستولى على أموالها. ثم ضم إلى طغج بن جف الطولوني أربعة آلاف ~~رجل، وولاه حلب، وأخرجه عن مصر. # فلما صار إلى حلب وجد بها ابن الواثقي، وقد أنفذه السلطان إلى حلب لعرض ~~جيوش الواردين من مصر، وذلك في سنة اثنتين وتسعين # ومائتين. فعرض ابن الواثقي جيشه لما وصل إلى حلب، وأمره بالنفوذ إلى ~~بغداد، فرحل حتى وافى مدينة السلام. PageV01P055 # وكذلك ورد حلب جماعة من القواد الطولونية، فعرضهم وتوجهوا إلى بغداد. # ووافى وصيف البكتمري وابن عيسى النوشري صاحب حلب بغداد، يوم الاثنين ~~لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ومعهما طغج، ~~وأخوه، وابن لطغج، فخلع عليهم وطوق منهم البكتمري وابن عيسى النوشري. # ثم شخص عيسى النوشري عن مصر إلى حلب، لأنه كان واليها. فلما كان بعد ~~شخوصه إليها بأيام، ورد كتاب العباس بن الحسن الوزير بتولية عيسى النوشري ~~مدينة مصر، ويؤمر محمد بن سليمان بالشخوص إلى طرسوس للغزو. فوجه محمد ابن ~~سليمان من لحق عيسى بالرملة فرده، وورد إلى عيسى كتاب من السلطان بذلك فعاد ~~واليا على مصر. # وولى المكتفي في هذه السنة أبا الحسن ذكا بن عبد الله الأعور، حلب، ودام ~~بها إلى سنة اثنتين وثلاثمائة. وكان كريما يهب ويعطي وإليه تنسب دار ذكا ~~التي هي الآن دار الزكاة. وإلى جانبها دار ms033 حاجبه فيروز فانهدمت وصارت تلا ~~يعرف بتل فيروز فنسفه السلطان الملك الظاهر رحمه الله في أيامه، وظهر فيه ~~بقايا من الذخائر مثل الزئبق وغيره وهو موضع سوق الصاغة الآن. ولأبي بكر ~~الصنوبري الشاعر فيه مدائح كثيرة. # وعاد محمد بن سليمان إلى حلب، ووافاه مبارك القمي بكتب يؤمر فيها # بتسليم الأموال، وركب إليه ذكا الأعور صاحب حلب، وأبو الأغر وغيرهما. ~~فاختلط بهم وسار معهم إلى المدينة، فأدخلوه إلى الدار المعروفة بكوره، بباب ~~الجنان، ووكلوا به في الدار. # وشخص ذكا عن حلب لمحاربة ابن الخلنج مع أبي الأغر إلى مصر ووجه بمحمد بن ~~سليمان مقبوضا إلى بغداد. ### || خلافة المقتدر # وتوفي المكتفي سنة خمس وتسعين ومائتين، وولي أخوه أبو الفضل المقتدر. # وعاثت بنو تميم في بلد، حلب، وأفسدت فسادا عظيما، وحاصروا ذكا PageV01P056 # بحلب فكتب المقتدر إلى الحسين بن حمدان في إنجاد ذكا بحلب، فأسري من ~~الرحبة حتى أناخ عليهم بخناصرة، وأسر منهم جماعة، وانصرف ولم يجتمع بذكا. ~~ففي ذلك يقول شاعر من أهل الشام: # أصلح ما بين تميم وذكا # أبلج يشكي بالرماح من شكا # يدل بالجيش إذا ما سلكا # كأنه سليكة بن السلكا # وكان وزير ذكا وكاتبه أبا الحسن محمد بن عمر بن يحيى النفري # الكاتب، وإليه ينسب حمام النفري، وهي الآن داثرة. وداره هي المدرسة ~~النورية، ومدحه الصنوبري. # ثم إن المقتدر عزل ذكا عن حلب، وولاه دمشق ثم مصر إلى أن مات. وقيل إن ~~المقتدر ولى حلب مولاه تكين الخادم أبا منصور ثم عزله عنها. والصحيح أنه ~~ولى الشام ومصر مؤنس المظفر الخادم نيابة عن ابنه أبي العباس، فقدم إلى حلب ~~وصعد إلى مصر. # وولى مؤنس ذكا الأعور دمشق ومصر، وعزله عن حلب، وولى الأمير أبا العباس ~~أحمد بن كيغلغ حلب سنة اثنتين وثلاثمائة وكان على قضاء حلب سنة تسعين محمد ~~بن محمد الجدوعي. # ثم ولي القضاء بحلب وقنسرين محمد بن أبي موسى عيسى الضرير الفقيه، في سنة ~~سبع وتسعين ومائتين. وشخص إلى عمله لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر. ms034 # ثم صرف محمد بن عيسى عن قضاء حلب وقنسرين، في سنة ثلاثمائة بأبي حفيص عمر ~~بن الحسن بن نضر الحلبي القاضي. وكانت داره بسوق السراجين. وعزل أبو حفيص ~~عن القضاء في حلب سنة اثنتين وثلاثمائة. ووليها أبو عبد الله محمد بن عبده ~~بن حرب. # وتوفي عمر بن الحسن القاضي سنة سبع وثلاثمائة، وكان محمد بن عبده بن حرب ~~قاضيا بها سنة خمس وثلاثمائة. PageV01P057 # ثم تولى قضاء حلب وحمص إبراهيم بن جعفر بن جابر أبو إسحاق الفقيه، في سنة ~~ست وثلاثمائة. وولي الخراج من قبل المكتفي بحلب الحسن بن الحسن بن رجاء بن ~~أبي الضحاك. وتوفي بحلب في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثمائة فجأة. وولي ~~الخراج بعده علي بن أحمد بن بسطام والانفاق عبد الله بن محمد بن سهل، ثم ~~توفي سنة اثنتين وثلاثمائة، وتولى مكانه محمد بن الحسن بن علي الناظري. # وكان أبو العباس بن كيغلغ أديبا شاعرا، جوادا، وهو الذي مدحه المتنبي ~~بقوله: # كم قتيل كما قتلت شهيد # ومن شعر الأمير أحمد بن كيغلغ قوله: # قلت له، والجفون قرحى، ... قد أقرح الدمع ما يليها # مالي في لوعتي شبيه ... قال: وأبصرت لي شبيها # ثم ولى مؤنس المظفر حلب أبا قابوس محمود بن حبك الخراساني، وكان جبارا، ~~قاسيا، منحرفا عن أهل البيت. وقيل: هو محمود بن حمل، فدام واليا بها إلى ~~سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. # وكان مؤنس المظفر بالشام، فاستدعي إلى بغداد لقتال القرمطي، فسار # إليها وولى حلب وصيف البكتمري الخادم سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. ثم عزله ~~عنها سنة ست عشرة وثلاثمائة. # ووليها في هذه السنة هلال بن بدر أبو الفتح، غلام المعتضد وكان أمير دمشق ~~قبل ذلك، ثم عزل عن حلب، وولى قطربل وسامرا في سنة سبع عشرة، فوليها في هذه ~~السنة وصيف البكتمري ثانية. # ومات بحلب على ولايته يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي الحجة من سنة سبع ~~عشرة وثلاثمائة. # وكان كاتبه عبد الله والد أبي العباس أحمد بن عبد الله الشاعر المعروف ~~بابن PageV01P058 # كاتب البكتمري، فوليها الأمير أحمد ms035 بن كيغلغ ثانية إلى سنة ثماني عشرة ~~وثلاثمائة. ثم ولى مؤنس المظفر غلامه طريف بن عبد الله السبكري الخادم، في ~~سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وكان ظريفا شهما شجاعا، وحاصر بني الفصيص في ~~حصونهم باللاذقية وغيرها، فحاربوه حربا شديدا حتى نفد جميع ما كان عندهم من ~~القوت والماء، فنزلوا على الأمان فوفى لهم، وأكرمهم، ودخلوا معه حلب مكرميم ~~معظمين، فأضيفت إليه حمص مع حلب. ### || خلافة القاهر بالله # ثم إن القاهر قبض على مولاه مؤنس المظفر، وتولى طريف قبضه، وأحضره إلى ~~القاهر في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فرأى له ذلك. وولى القاهر بشرى ~~الخادم دمشق وحلب، وسار إلى حلب ثم إلى حمص، فكسره ابن طغج وأسره، وخنقه. ~~ووصل أبو العباس بن كيغلغ إلى حلب فاتفق مع محمد بن طغج وحالفه. ### || خلافة الراضي # وولي الخلافة الراضي بعد القاهر. وكان الراضي قد خاف على بدر الخرشني من ~~الحجرية أن يفتكوا به، فقلده حلب وأعمالها، وهي بيد طريف سنة أربع وعشرين، ~~وأمره بالمسير من يومه. فسار وبلغ طريف، فأنفذ صاحبا له إلى ابن مقلة، وبذل ~~له عشرين آلف دينار ليجدد له العهد، وأن لا يصرف من حلب ووصل الخرشني ~~فدافعه طريف، رجاء أن يقضي ابن مقلة وطره، فزحف بدر PageV01P059 # الخرشني، والتقى طريف في أرض حلب، فانهزم طريف من بين يديه. # وتسلم بدر حلب، وأقام بها مدة يسيرة ثم كوتب من الحضرة بالإنصراف فرجع ~~إلى الحضرة، وقفد طريف حلب مرة ثالثة، فقلد طريف السبكري من جهته حلب ~~والعواصم فأقام بها إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وكان قاضي حلب عبيد ~~الله بن عبد الرحمن ابن أخي الإمام. # ثم ولي حلب أبو العباس أحمد بن سعيد بن العباس الكلابي، ومدحه أبو بكر ~~الصنوبري، وكان بها نائبا عن أبي بكر الإخشيذ محمد بن طغج بن جف في غالب ~~طني فإن الإخشيذ استولى على الشام إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وفي ~~ولاية أبي العباس الكلابي، وردت بنو كلاب إلى الشام من أرض نجد، وأغارت على ~~معرة النعمان، فخرج إليهم والي ms036 المعرة معاذ بن سعيد بجنده، وتبعهم إلى ~~البراغيثي، فعطفوا عليه، وأسروه وأكثر جنده. وأقام فيهم مدة يعذبونه، فخرج ~~إليهم أبو العباس أحمد بن سعيد الكلابي والي حلب، فخلصه منهم. وكان ورودهم ~~في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. # ثم إن الراضي قدم الموصل، وكان أبو بكر محمد بن رائق ببغداد، وبينه وبين ~~بجكم وحشة، فأنفذ الراضي أبا الحسين عمر بن محمد القاضي إلى أبي PageV01P060 # بكر محمد بن رائق يخيره في أحد البلدين واسط أو حلب وأعمالها، فاختار ~~حلب، وأراد بذلك البعد عن بجكم. فأجابه الراضي إلى ذلك، وخلع عليه أبو جعفر ~~وأبو الفضل ابنا الراضي وعقدا له. # وجعل بجكم يحث الراضي على الوصول إلى بغداد، ويتأسف على خروج ابن رائق ~~منها ليشفي غيظه، فقال له الراضي: هذا لا يصلح، وهذا رجل أمنته، وقلدته ~~ناحية من النواحي، فسمع وأطاع وما أمكنك منه. # فخرج أبو بكر بن رائق في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. ~~وقيل: دخل حلب في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وسار عنها إلى قتال الإخشيذ ~~محمد بن طغج بن جف الفرغاني، وولى في حلب نيابة عنه خاصة محمد بن يزداذ. ### || خلافة المتقي # وجرت بين أبي بكر بن رائق والإخشيد وقعة انهزم فيها الإخشيذ، وسلم دمشق ~~إلى ابن رائق، واقتصر على الرملة ومصر. # ثم وقع بينهما وقعة أخرى في الجفار، أسر فيها أبو الفتح مزاحم بن محمد ~~ابن رائق، فرجع في عدة يسيرة حتى يخلص ابنه، فقتل أبو نصر بن طغج، فكفنه ~~ابن رائق، وجعله في تابوت، وأنفذه إلى أخيه الإخشيذ مع ابنه مزاحم، وقال: ~~ما أردت قتل أخيك، وهذا ولدي قد أنقذته إليك لتقيده به. فخلع الإخشيذ عليه، ~~وأعطاه مالا كثيرا، ورده. وذلك في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. # ثم أن أبا بكر محمد بن طغج الإخشيذ سير كافورا الخادم من مصر، ومعه عسكر ~~وفي مقدمته أبو المظفر مساور بن محمد الرومي، أحد قواد الإخشيذ فوصل PageV01P061 # إلى حلب، فالتقى كافور ومحمد بن يزداذ الوالي بحلب # من قبل ابن رائق، فكسره ms037 كافور، وأسره، وأخذ منه حلب، وولى بها مساور بن ~~محمد الرومي، وعاد كافور إلى مصر. # وهذا أبو المظفر مساور بن محمد الرومي مدحه المتنبي بقوله: # أمساور أم قرن شمس هذا ... أم ليث غاب يقدم الأستاذا # يريد الأستاذ: كافورا الخادم. وذكر فيها كسره بن يزداذ فقال: # هبك ابن يزداذ حطمت وصحبه ... أترى الورى أضحوا بني يزداذا # ومساور هو صاحب الدار المعروفة بدار ابن الرومي بالزجاجين بحلب، وتعرف ~~أيضا بدار ابن مستفاد، وهي شرقي المدرسة العمادية التي جددها سليمان بن عبد ~~الجبار بن أرتق بحلب، وهي المنسوبة إلى بني العجمي. # وأظن أن قاضي حلب في هذا التاريخ كان أبا طاهر محمد بن محمد بن سفيان ~~الدباس أو قبل هذا التاريخ. # ثم اتفق الإخشيذ ومحمد بن رائق على أن يخلي له الإخشيذ حمص وحلب ويحمل ~~إليه مالا، وزوج الإخشيذ ابنته بمزاحم بن أبي بكر بن رائق. # وقتل ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان أبا بكر بن رائق ~~في رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة بين يدي المتقي يوم الإثنين لتسع بقين منه. # وكان ابن رائق شهما مقداما سخيا جوادا، لكنه كان عظيم الكبر، مستبدا ~~برأيه، منزوعا من التوفيق والعصمة والتسديد. # وكان أحمد بن علي بن مقاتل بحلب من جهة أبي بكر بن رائق ومعه ابنه مزاحم ~~بن محمد بن رائق. فقلد ناصر الدولة علي بن خلف ديار مضر والشام، وأنفذ معه ~~عسكرا وكاتب يأنس المؤنسي أن يعاضده. PageV01P062 # وكان يأنس يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة فسار إلى جسر منبج وسار أحمد ~~بن مقاتل ومزاحم إلى منبج، فالتقوا على شاطىء الفرات. # وسير يأنس كاتبه ونذيرا غلامه برسالة إلى ابن مقاتل، فاعتقلهما ووقعت ~~الحرب بين الفئتين، ولحق يأنس جراح كادت تتلفه فعدل به إلى قلعة نجم ليشده. ~~ونظر نذير غلامه وهو معتقل في عسكر ابن مقاتل، على بغل إلى شاكري ليأنس معه ~~جنيبة مق خيله، فأخذ سيف الشاكري، وركب الجنيبة، وصار إلى ابن مقاتل فقتله ~~وانهزم عسكره. # وأفاق يأنس المؤنسي، فسار وعلي ms038 بن خلف متوجهين إلى حلب. وتلاوم قواد ابن ~~مقاتل على هزيمتهم، فعادوا إلى القتال في وادي بطنان، فانهزموا ثانية، وملك ~~علي بن خلف ويأنس المؤنسي حلب في سنة ثلاثين وثلاثمائة. # ثم إن علي بن خلف سار منها إلى الإخشيذ محمد بن طغج، فاستوزره وعلا أمره ~~معه، إلى أن رآه يوما، وقد ركب في أكثر الجيش بالمطارد والزي، # ومحمد جالس في متنزه له، فأمر بالقبض عليه، فلم يزل محبوسا إلى أن مات ~~محمد بن طغج. فأطلق وبقي يأنس المؤنسي واليا على حلب في سنة إحدى وثلاثين ~~وثلاثمائة. # وكان يأنس هذا مولى مؤنس المظفر الخادم، وتولى الموصل في أيام القاهر. # وكان يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة إلى أن كان من أمره ما ذكرناه. ~~فاستأمن، إلى الإخشيذ، ودعا له على المنابر بعمله. # واتفق ناصر الدولة بن حمدان وتوزون، في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ~~على أن تكون الأعمال من مدينة الموصل إلى آخر أعمال الشام لناصر الدولة، ~~وأعمال السن إلى البصرة لتوزون وما يفتحه من وراء ذلك، وأن لا يعرض أحد ~~منهما لعمل الآخر. # فولى ناصر الدولة حلب وديار مضر والعواصم أبا بكر محمد بن علي بن مقاتل ~~صاحب ابن رائق في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ووافق PageV01P063 # ناصر الدولة أبا محمد بن حمدان على أن يؤدي إليه إذا دخل حلب خمسين ألف ~~دينار. # فتوجه أبو بكر من الموصل ومعه جماعة من القواد، ولم يصل إليها فوقع بين ~~الأمير سيف الدولة بن حمدان وبين ابن عمه أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن ~~حمدان كلام بالموصل وأراد القبض عليه. # فقلد ناصر الدولة أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، أخا الأمير أبي ~~فراس، حلب وأعمالها، وديار مضر، والعواصم، وكلما يفتحه من الشام، فتوجه في ~~أول شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ودخل الرقة بالسيف لأن أهلها ~~حاربوه مع أميرها محمد بن حبيب البلزمي، فأسره وسمله، وأحرق قطعة من البلد ~~وقبض على رؤساء أهله، وصادرهم. # وتوجه إلى حلب ومعه ms039 أبو بكر محمد بن علي بن مقاتل، وبحلب يأنس المؤنسي ~~وأحمد بن العباس الكلابي، فهربا من بين يديه من حلب، وتبعهما إلى معرة ~~النعمان ثم إلى حمص. # وهرب أمير حمص إسحاق بن كيغلغ بين يديه، وملك هذه البلاد ودانت له العرب، ~~ثم عاد إلى حلب، وأقام بها إلى أن وافى الإخشيذ أبو بكر محمد بن طغج ابن جف ~~الفرغاني. # وإنما لفب بالإخشيذ لأن ملك فزغانه يتسمى بذلك، وكان أبوه من أهل فرغانه. # وقدمها الإخشيذ في ذي الحجة من سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. ولما دنا ~~الإخشيد من حلب انصرف الحسين بن حمدان عنها لضعفه عن محاربته إلى الرقة. ~~وكان ابن مقاتل مع ابن حمدان بحلب، فلما أحس بقرب الإخشيذ منها وتعويل ابن ~~حمدان على الإنصراف استتر في منارة المسجد الجامع إلى أن انصرف ابن حمدان. # ودخل الإخشيذ فظهر له ابن مقاتل، واستأمن إليه، وقلده الإخشيذ أعمال ~~الخراج والضياع بمصر. PageV01P064 # وأما الحسين بن سعيد، فإنه لما وصل إلى الرقة وجد المتقي لله بها هاربا ~~من توزون التركي وقد تغلب على بغداد، وسيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد ~~الله ابن حمدان مع المتقي بالرقة، وقد فارق أخاه ناصر الدولة لكلام جرى ~~بينهما. فلم يأذن المتقي لأبي عبد الله الحسين في دخول الرقة، وأغلقت ~~أبوابها دونه، ووقعت المباينة بينه وبين ابن عمه سيف الدولة، وسفر بينهما ~~في الصلح، فتم ومضى إلى حران ومنها إلى الموصل. # وقذم الإخشيذ عند حصوله بحلب مقدمته إلى بالس، وسار بعدها بعد أن سير ~~المتقي أبا الحسن أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخرقي يسأل الإخشيذ أن يسير ~~إليه ليجتمع معه بالرقة، ويحدد العهد به، ويستعين به على نصرته، ويقتبس من ~~رأيه. فلما وصل أبو الحسن إلى حلب تلقاه الإخشيذ، وأكرمه، وأظهر السرور ~~والثقة بقرب المتقي، وأنفذ من وقته مالا مع أحمد بن سعيد الكلابي إلى ~~المتقي، وسار خلفه حتى نزل وبينه وبين المتقي الفرات، فراسله المتقي ~~بالخرقي، وبوزيره أبي الحسين بن مقلة، فعبر إليه يوم الخمسين لثلاث عشرة ms040 ~~ليلة خلت من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. # ووقف بين يدي المتقي لله، ثم ركب المتقي لله فمشى بين يديه، وأمره أن ~~يركب فلم يفعل، وحمل إليه هدايا ومالا كثيرا، وحمل إلى الوزير أبي الحسين ~~بن مقلة عشرين آلف دينار ولم يدع أحدا من أصحاب المتقي وحواشيه وكتابه إلا ~~بره ووصله. ### || خلافة المستكفي # واجتهد بالمتقي لله أن يسير معه إلى الشام ومصر، فأبى فأشار عليه بالمقام ~~مكانه، وضمن له أن يمده بالأموال فلم يفعل، إلى أن كاتبه توزون، وخدعه، ~~وقبض عليه وبايع المستكفي. PageV01P065 # وكتب المتقي عهدا للإخشيذ بالشامات ومصر على أن الولاية له ولأبي القاسم ~~أنوجور ابنه إلى ثلاثين سنة. # وكتب الإخشيذ في هذه السفرة إلى عبده كافور الخادم إلى مصر وقال له: ومما ~~يجب أن تقف عليه أطال الله بقاءك أني لقيت أمير المؤمنين بشاطىء الفرات ~~فأكرمني، وحباني، وقال: كيف أنت يا أبا بكر أعزك الله، فرحا بأته كناه، ~~والخليفة لا يكني أحدا. PageV01P066 ### | القسم الخامس حلب والحمدانيون ### || سيف الدولة الحمداني 333 - 356 هجرية # وعاد الإخشيذ من الرقة إلى حلب وسار إلى مصر. وولى بحلب من قبله أبا ~~الفتح عثمان بن سعيد بن العباس بن الوليد الكلابي وولى أخاه أنطاكية. فحسد ~~أبا الفتح إخوته الكلابيون، وراسلوا سيف الدولة بن حمدان ليسلموا إليه حلب، ~~وقد كان طلب سيف الدولة من أخيه ناصر الدولة ولاية، فقال له ناصر الدولة: ~~الشام أمامك، وما فيه أحد يمنعك منه. # وعرف سيف الدولة اختلاف الكلابيين، وضعف أبي الفتح عن مقاومته، فسار إلى ~~حلب، فلما وصل إلى الفرات خرج إخوة أبي الفتح عثمان بن سعيد بأجمعهم للقاء ~~سيف الدولة، فرأى أبو الفتح أنه مغلوب إن جلس عنهم، وعلم حسدهم له، فخرج ~~معهم. # فلما قطع سيف الدولة الفرات، أكرم أبا الفتح دون إخوته، وأركبه معه في ~~العمارية، وجعل سيف الدولة يسأله عن كل قرية يجتاز بها: ما اسمها. فيقول ~~أبو الفتح: هذه الفلانية! حتى عبروا بقرية يقال لها إبرم وهي قرية قريبة من ~~الفايا. فقال له سيف الدولة: ms041 ما اسم هذه القرية. قال أبو الفتح: إبرم. فظن ~~سيف الدولة أنه قد أكرهه بالسؤال. فقال له إبرم من الإبرام. فسكت سيف ~~الدولة عن سؤاله. فلما عبروا بقرى كثيرة، ولم يسأله عنها علم أبو الفتح ~~بسكوت سيف الدولة. فقال له أبو الفتح: يا سيدي يا سيف الدولة، وحق رأسك، إن ~~القرية التي PageV01P067 # عليها اسمها إبرم، واسأل عنها غيري. فعجب سيف الدولة من ذكائه. فلما وصل ~~حلب أجلسه معه على السرير. # ودخل سيف الدولة حلب، يوم الإثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأول، من سنة ~~ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. # وكان القاضي بها أحمد بن محمد بن ماثل، فعزله وولى أبا حصين علي بن عبد ~~الملك بن بدر بن الهيثم الرقي، وكان ظالما، فكان إذا مات إنسان أخذ تركته ~~لسيف الدولة. وقال: كل من هلك فلسيف الدولة ما ترك، وعلى أبي حصين الدرك. # ثم إن الإخشيذ سير عسكرا إلى حلب مع كافور ويأنس المؤنسي، وكان الأمير ~~سيف الدولة غازيا بأرض الروم قد هتك بلد الصفصاف وعربسوس فغنم، ورجع فسار ~~لطيته إلى الإخشيذية، فلقيهم بالرستن. فحمل سيف الدولة على كافور، فانهزم، ~~وازدحم أصحابه في جسر الرستن، فوقع في النهر منهم جماعة. ورفع سيف الدولة ~~السيف، فأمر غلمانه أن لا يقتلوا أحدا منهم. وقال: الدم لي والمال لكم فأسر ~~منهم نحو أربعة آلاف من الأمراء وغيرهم، واحتوى على جميع سواده. # ومضى كافور هاربا إلى حمص، وسار منها إلى دمشق، وكتب إلى الإخشيذ يعلمه ~~بهزيمته، وأطلق سيف الدولة الأسارى جيمعهم، فمضوا وشكروا فعله. # ورحل سيف الدولة بعد هزيمتهم إلى دمشق، ودخلها في شهر رمضان # سنة ثلاث وثلاثين، وأقام بها. وكاتبه الإخشيذ يلتمس منه الموادعة، ~~والإقتصار على مافي يده، فلم يفعل. # وخرج سيف الدولة إلى الأغراب، فلما عاد منعه أهل دمشق من دخولها. PageV01P068 # فبلغ الإخشيذ ذلك فسار من الرملة، وتوجه يطلب سيف الدولة، فلما وصل طبرية ~~عاد سيف الدولة إلى حلب بغير حرب، لأن أكثر أصحابه وعسكره استأمنوا إلى ~~الإخشيذ. فاتبعه الإخشيذ إلى أن نزل معرة النعمان ms042 في جيش عظيم، فجمع سيف ~~الدولة، ولقيه بأرض قنسرين، في شوال من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وكان ~~الإخشيذ قد جعل مطارده وبوقاته في المقدمة، وانتقى من عسكره نحو عشرة آلاف، ~~وسماهم الصابرية فوقف بهم في الساقة. # فحمل سيف الدولة على مقدمة الإخشيذ فهزمها، وقصد قبته وخيمه، وهو يظنه في ~~المقدمة، فحمل الإخشيذ ومعه الصابرية فاستخلص سواده. ولم يقتل من العسكرين ~~غير معاذ بن سعيد والي معرة النعمان، من قبل الإخشيذة فإنه حمل على سيف ~~الدولة ليأسره، فضربه سيف الدولة بمستوفى كان معه فقتله. # وهرب سيف الدولة فلم يتبعه أحد من عسكر الإخشيذ وسار على حاله إلى ~~الجزيرة فدخل الرقة. ونيل: إنه أراد دخول حلب فمنعه أهلها. # ودخل الإخشيذ حلب، وأفسد أصحابه في جميع النواحي، وقطعت الأشجار التي ~~كانت في ظاهر حلب وكانت عظيمة جدا. وقيل. إنها كانت من أكثر المدن شجرا. ~~وأشعار الصنوبري تدل على ذلك. # ونزل عسكر الإخشيذ على الناس بحلب، وبالغوا في أذى الناس لميلهم إلى سيف ~~الدولة. # وعاد الإخشيذ إلى دمشق بعد أن ترددت الرسل بينه وبين سيف الدولة. واستقر ~~الأمر على أن أفرج الإخشيذ له عن حلب وحمص وأنطاكية. وقرر عن دمشق مالا ~~يحمله إليه في كل سنة. # وتزوج سيف الدولة بابنة أخي الإخشيذ عبيد الله بن طغج، وانتظم هذا الأمر ~~على يد الحسن بن طاهر العلوي وسفارته، في شهر ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين ~~وثلاثمائة. PageV01P069 # فسار الإخشيذ إلى دمشق وعاد سيف الدولة إلى حلب، وتوفي الإخشيذ بدمشق في ~~ذي الحجة، من سنة أربع وثلاثين، وقيل: في المحرم من سنة خمس وثلاثين ~~وثلاثمائة. # وملك بعده ابنه أبو القاسم أنوجور، واستولى على التدبير أبو المسك كافور ~~الخادم. # وكان سيف الدولة، فيما ذكر، قد عمل على تخلية الشام. فلما مات الإخشيذ ~~سار كافور بعساكر مولاه إلى مصر من دمشق، وكان قد استولى على مصر رجل ~~مغربي، فحاربه كافور، وظفر به. # وخلت دمشق من العساكر، فطمع فيها سيف الدولة، وسار إليها فملكها واستأمن ~~إليه يأنس المؤنسي في قطعة من ms043 الجيش. # وأقام سيف الدولة، وجبى خراجها، ثم أتته والدته نعم أم سيف الدولة إلى ~~دمشق، وسار سيف الدولة إلى طبرية. # وكان سيف الدولة في بعض الأيام يساير الشريف العقيقي بدمشق، في الغوطة ~~بظاهر البلد، فقال سيف الدولة للعقيقي: ما تصلح هذه الغوطة تكون إلا لرجل ~~واحد. فقال له الشريف العقيقي: هي لأقوام كثير. فقال له سيف الدولة: لئن ~~أخذتها القوانين ليتبرأن أهلها منها. فأسرها الشريف في نفسه، وأعلم أهل ~~دمشق بذلك. # وجعل سيف الدولة يطالب أهل دمشق بودائع الإخشيذ وأسبابه، فكاتبوا كافورا ~~فخرج في العساكر المصرية، ومعه أنوجور بن الإخشيذ. # فخرج سيف الدولة إلى اللجون، وأقام أياما قريبا من عسكر الإخشيذ ب أكسال، ~~فتفرق عسكر سيف الدولة في الضياع لطلب العلوفة، فعلم به PageV01P070 # الإخشيذية، فزحفوا إليه. وركب سيف الدولة يتشرف، فرآهم زاحفين في تعبئة، ~~فعاد إلى عسكره فأخرجهم، ونشبت الحرب فقتل من أصحابه خلق وأسر كذلك. وانهزم ~~سيف الدولة إلى دمشق فأخذ والدته، ومن كان بها من أهله وأسبابه، وسار من ~~حيث لم يعلم أهل دمشق بالوقعة، وكان ذلك في جمادى الآخرة من سنة خمس ~~وثلاثين. # وجاء سيف الدولة إلى حمص، وجمع جمعا لم يجتمع له قط مثله، من بني # عقيل، وبني نمير، وبني كلب، وبني كلاب، وخرج من حمص. وخرجت عساكر ابن طغج ~~من دمشق، فالتقوا بمرج عذراء وكانت الوقعة أولا لسيف الدولة ثم آخرها عليه، ~~فانهزم، وملكوا سواده، وتقطع أصحابه في ذلك البلد، فهلكوا وتبعوه إلى حلب، ~~فعبر إلى الرقة. وانحاز يأنس المؤنسي من عساكر سيف الدولة إلى أنطاكية. # ووصل ابن الإخشيذ حلب، في ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. # فأقام بها وسيف الدولة في الرقة فراسل أنوجور يأنس المؤنسي وهو بأنطاكية، ~~وضمن هو وكافور ليأنس أن يجعلاه بحلب في مقابلة سيف الدولة. وضمن لهما يأنس ~~بأن يقوم في وجه سيف الدولة بحلب، وأن يعطيهم ولده رهينة على ذلك فأجابوه. ~~وانصرف كافور وأنوجور بالعسكر عن حلب إلى القبلة، وأتاها يأنس فتسلمها. ~~وقيل: إن الإخشيذية عادوا. # وأقام سيف ms044 الدولة بحلب، فحالف عليه يأنس والساجية، وأردوا القبض عليه، ~~فهرب وكتابه، وأصحابه، إلى الرقة وملك يأنس حلب. # ولم يقم يأنس بحلب إلا شهرا، حتى أسرى إليه سيف الدولة إلى حلب، في شهر ~~ربيع الآخر، سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، فكبسه، فانهزم يأنس إلى سرمين يريد ~~الإخشيذ. فأنفذ سيف الدولة في طلبه سرية مع # إبراهيم بن البارد العقيلي، فأدركته عند ذاذيخ، فاتهزم، وخلى عياله، ~~وسواده، وأولاده. وانهزم إلى أخيه بميافارقين. PageV01P071 # وكان ابن البارد قد وصل إلى سيف الدولة، في سنة خمس وثلاثين، وكان في ~~خدمة أخيه ناصر الدولة، ففارقه، وقدم على سيف الدولة. # ثم إن الرسل ترددت بين سيف الدولة وابن الإخشيذ وتجدد الصلح بينهما على ~~القاعدة التي كانت بينه وبين أبيه، دون المال المحمول عن دمشق. # وعمر سيف الدرلة داره بالحلبة، وقلد أبا فراس ابن عمه منبج، وما حولها من ~~القلاع. واستقرت ولاية سيف الدولة لحلب من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. وهذه ~~هي الولاية الثالثة. # وجرى بينه وبين الروم وقائع أكثرها له وبضعها عليه. # فمنها: أنه فتح حصن برزويه في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة من ابن اخت أبي ~~الحجر الكردي. ووقع بينه وبين الروم وقعة فكانت الغلبة للروم # وملكوا مرعش ونهبوا طرسوس. وسار إلى ميافارقين، واستخلف على حلب ابن أخيه ~~محمد ابن ناصر الدولة، وخرج لاون الدمستق إلى بوقا من عمل أنطاكية. وخرج ~~إليه محمد فكسره الدمستق، وقتل من عسكره خلقا، في سنة ثمان وثلاثين ~~وثلاثمائة. # ومنها: أنه غزا، سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ومعه خلق عظيم، فظفر فيها، ~~وغنم غنيمة كثيرة. فلما رجع إلى درب الجوزات، وفارقه أهل الثغور، فاجتمع ~~الروم في الدرب على سيف الدولة، فقتل خلق عظيم من المسلمين، وأسر كذلك. PageV01P072 # وما سلم إلا سيف الدولة على ظهر فرسه، وعرفوه فطلبوه، ولزوه إلى جبل ~~عظيم، وتحته واد، فخاف أن يأسروه إن وقف أو رجع، فضرب فرسه بالمهماز، وقبله ~~الوادي، لكي يقتل نفسه، ولا يأسروه فوقع الفرس قائما. # وخرج سيف الدولة سالما. وسميت هذه الغزاة غزاة المصيبة، وأخذ # له من ms045 الآلات، والأموال، ما لا يحصى حتى أنه ذكر أنه هلك منه من عرض ما ~~كان معه في صحبته خمسة آلاف ورقة بخط أبي عبد الله بن مقلة رحمه الله وكان ~~منقطعا إلى بني حمدان، وكان قد بلغ سيف الدولة إلى سمندو وأحرق صارخة ~~وخرشنة. # ومنها: أن سيف الدولة بنى مرعش في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وأتاه ~~الدمستق بعساكر الروم ليمنعه منها فأوقع به سيف الدولة الوقعة العظيمة ~~المشهورة. # ومنها: أن سيف الدولة دخل بلد الروم، في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، ~~وأغار على زبطرة، والتقاه قسطنطين بن بردس الدمستق على درب موزار وقتل من ~~الفريقين خلق. ثم تم سيف الدولة إلى الفرات، وعبره، وقصد بطن هنزيط، ودخل ~~سيف الدولة سميساط، فخرج الدمستق إلى # ناحية الشام، فرجع سيف الدولة، فلحقه وراء مرعش، فأوقع به، وهزم جيشه، ~~وقتل لاون البطريق في الحرب، وأسر قسطنطين ولد الدمستق، وحمله الإبريق إلى ~~بيت الماء، وكان أمرد، فخرج فوجده قائما يبكي، ولم يزل عنده حتى مات من علة ~~اعتلها. PageV01P073 # وكان الدمستق استتر في تلك الوقعة في القناة ودخل فترهب، ولبس المسوح، ~~ففي ذلك يقول المتنبي: # فلو كان ينجي من علي ترهب ... ترهبت الأملاك مثنى وموحدا # وقال أبو العباس أحمد بن محمد النامي: # لكنه طلب الترهب خيفة ... ممن له تتقاصر الأعمار # فمكان قائم سيفه عكازه ... ومكان ما يتمنطق الزنار # وبنى سيف الدولة الحدث، وقصده الدمستق بردس، فاقتتلا سحابة يومهما. # وكان النصر للمسلمين، وذلك في سنة ثلاث وأربعين، وأسر صهر الدمستق، على ~~ابنته أعورجرم، بعد أن سلمها القلعة أهلها إلى الدمستق. # ومنها: أن سيف الدولة غزا سنة خمس وأربعين بطن هنزيط ونزل شاطىء أرسناس، ~~وكبس يانس بن شمشقيق على تل بطريق فهزمه وفتحها. # وقتل في هذه الوقعة رومانوس بن البلنطس صهر ابن شمشقيق، وأسر ابن قلموط، ~~وانثنى سيف الدولة قافلا إلى درب الخياطين، فوجد عليه # كذو بن الدمستق فأوقع به وهزمه. # وخلف ابن عمه أبا العشائر الحسين بن علي على عمارة عرنداس فقصده PageV01P074 # ليون بن الدمستق فهزمه، وأسره، وحمله ms046 إلى قسطنطينية، فمات بها. وغزا في ~~هذه السنة في جمادى الآخرة مع أهل الثغور وخرب مواضع من بلاد الروم مثل ~~خرشنة وصارخة. وأسر الرست بن البلنطس، وأسر لاون بن الأسطراطيغوس، وابن ~~غذال بطريق مقدونية، وهرب الدمستق وبركيل بطريق الخالديات، فلما قفل سيف ~~الدولة فك قيود الأسارى، وخلع عليهم، وأحسن إليهم. # وفي جمادى الأولى من سنة ست وأربعين كاتب الروم جماعة من غلمان سيف ~~الدولة بالقبض عليه، وحمله إلى الدمستق عند شخوصه لمحاربته، وبذل لهم مالا ~~عظيما على ذلك. فخرج سيف الدولة عن حلب وقد عزموا على ذلك، فصار بعض ~~الفراشين إلى ابن كيغلغ فأخبره بما عزموا عليه، فأعلم سيف الدولة، فجمع ~~الأعراب والديلم، وأمرهم بالإيقاع بهم عند إعلامه إياهم بذلك، فأوقعوا بهم، ~~وقتل منهم مائة وثمانون غلاما وقبض على زهاء مائتي غلام، فقطع أيديهم ~~وأرجلهم وألسنتهم، وهرب بعضهم. # وعاد إلى حلب وقتل من بها من الأسرى، وكانوا زهاء أربعمائة أسير # وضيق على ابن الدمستق، وزاد في قيده، وصيره في حجرة معه في داره، وأحسن ~~إلى ذلك الفراش، وقلد ابن كيغلغ أعمالا، وتنكر على سائر غلمانه. # ومنها: أن يانس بن شمشقيق خرج إلى ديار بكر، ونزل على حصن اليماني. وعرف ~~سيف الدولة خبره، فسير إليه نجا الكاسكي في عشرة آلاف فارس، فالتقاه فانهزم ~~نجا، وقتل من أصحابه خمسة آلاف فارس، وأسر مقدار ثلاثة آلاف راجل، واستولى ~~على سواد نجا كله. # وسار ابن شمشقيق والبراكموس إلى حصن سميساط، وفتحاه، ثم سارا إلى رعبان، ~~وحصراها، وسار سيف الدولة إليهما، ولقيهما، فاستظهر الروم عليه استظهارا ~~كثيرا. PageV01P075 # وعاد سيف الدولة منهزما وتبعه الروم وقتلوا، وسبوا من عشيرته وقواده ما ~~يكثر عدده، وذلك في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. # وفي هذه السنة قدم ناصر الدولة الحسين بن عبد الله بن حمدان أخو # سيف الدولة مستنجدا بأخيه سيف الدولة إلى حلب ومعه جميع أولاده عندما قصد ~~معز الدولة الموصل. وتلقاه سيف الدولة على أربع فراسخ من حلب، ولما رآه ~~ترجل له. وأنفق سيف الدولة عليه وعلى حاشيته، وقدم ms047 لهم من الثياب الفاخرة ~~والجوهر ما قيمته ثلاثمائة آلف دينار. # وكان يجلس ناصر الدولة على السرير ويجلس سيف الدولة دونه. ولما دخل دار ~~سيف الدولة وجلس على السرير، جاء سيف الدولة لينزع خفه من رجله، فمدهما ~~إليه، فنزعهما بيده. وصعب على سيف الدولة لأنه قدر أنه إذا خفض له نفسه إلى ~~ذلك رفعه عنه، فلم يفعل ذلك إظهارا لمن حضر أنه وإن ارتفعت حاله، فهو ~~كالولد والتبع. وكان يعامله بأشياء نحو ذلك قبيحة كثيرة فيحتملها على دخن. ~~وتحمل عنه سيف الدولة لمعز الدولة مائتي ألفا من الدراهم حتى انصرف عنه. # وفي هذه السنة 348 ه مات قسطنطيني بن لاون ملك الروم، وصير نقفور ابن ~~الفقاس دمستقا على حرب المغرب، وأخاه ليون بن الفقاس دمستقا، على حرب ~~المشرق، فتجهز ليون إلى نواحي طرسوس، وسبى، وقتل، وفتح # الهارونية، وسار إلى ديار بكر. # وتوجه إليه سيف الدولة فرحل الدمستق راجعا إلى الشام، وقتل من أهله عددا PageV01P076 # متوافرا، وأخرب حصونا كثيرة من حصون المسلمين، وأسر محمد ين ناصر الدولة. # ومنها: غزوة مغارة الكحل: غزا سيف الدولة في سنة ثمان وقيل تسع وأربعين ~~وثلاثمائة بلاد الروم، فقتل، وسبى. وعاد غانما يريد درب مغارة الكحل، فوجد ~~ليون بن الفقاس الدمستق قد سبقه إلية، فتحاربوا فغلب سيف الدولة. وارتجع ~~الروم ما كان أخذه المسلمون، وأخذوا خزانة سيف الدولة وكراعه وقتل فيها خلق ~~كثير. # وأسر أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان وترك بخرشنة. وأسر علي بن منقذ بن ~~نصر الكناني فلم يؤخذ له خبر. وأسر مطر بن البلدي، وقاضي حلب أبو حصين ~~الرقي، وقتلا. وقيل: إن أبا حصين قتل في المعركة فداسه سيف الدولة بحصانه، ~~وقال: لا رضي الله عنك، فإئك كنت تفتح لي أبواب الظلم. وقيل إنهم لما أخذوا ~~الطرق على سيف الدولة وثب به حصانه عشرين ذراعا. وقيل أربعين، فنجا في نفر ~~قليل. # وولى سيف الدولة، بعد قتل أبي حصين، أحمد بن محمد بن ماثل # قضاء حلب، وكان قد عزله بأبي حصين حين ملك. وذلك ms048 أنه لما قدم حلب خرج ~~للقائه أبو طاهر بن ماثل فترجل له أهل حلب، ولم يترجل القاضي لأحد، فاغتاظ ~~سيف، الدولة وعزله. # ثم قدم سيف الدولة من بعض غزواته فترجل له ابن ماثل مع التاس. فقال له: ~~ما الذي منعك أولا، وحملك ثانيا؟. فقال له: تلك المرة لقيتك وأنا قاضي ~~المسلمين، وهذه الدفعة لقيتك، أنا أحد رعاياك فاستحسن منه ذلك. # فلما قتل أبو حصين أعاده إلى القضاء. وولى سيف الدولة أيضا قضاء حلب أبا PageV01P077 # جعفر أحمد بن إسحاق بن محمد بن يزيد الحلبي المعروف بالحرد، وكان حنفى ~~المذهب. # وفي سنة 350 ه نقل الملك رومانوس إلى حرب المشرق نقفور بن الفقاس ~~الدمستق، فسار إليه رشيق النسيمي أمير طرسوس في حمية من المسلمين، فبرز ~~إليه نقفور فقاتله، وانهزم رشيق وقتل من المسلمين زهاء تسعة آلاف رجل. # وعاد نقفور فضايق عين زربه وفتحها بالأمان في ذي القعدة سنة خمسين ~~وثلاثمائة، وهدم سورها فانهزم أهلها إلى طرسوس. وفتح حصن دلوك، ومرعش، ~~ورغبان، في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. # ثم إن نقفور بن الفقاس الدمستق ويانس بن شمشقيق قصدا مدينة حلب في هذه ~~السنة، وسيف الدولة بها، وكانت موافاتهما كالكبسة. وقيل: إن عدة رجاله ~~مائتا آلف فارس، وثلاثون آلف راجل بالجواشن، وثلاثون آلف صانع للهدم وتطريق ~~الثلج، وأربعة آلاف بغل عليها حسك حديد، يطرحه حول عسكره ليلا. ولم يشعر ~~سيف الدولة بخبرهم، حتى قربوا منه. فأنفذ إليهم سيف الدولة غلامه نجا في ~~جمهور عسكره، بعد أن أشار عليه ثقاته ونصحاؤه بأن لا يفارق عساكره. فأبى ~~عليهم ومضى نجا بالعسكر إلى الأثارب. ثم توجه منها داخلا إلى أنطاكية ~~فخالفه عسكر الروم، ووصل إلى دلوك، ورحل منها إلى تل حامد، ثم إلى تبل. PageV01P078 # واتصل خبره بسيف الدولة فعلم أنه لا يطيقه مع بعد جمهور العسكر عنه، فخرج ~~إلى ظاهر حلب وجمع الحلبيين وقال لهم: عساكر الروم تصل اليوم، وعسكري قد ~~خالفها، والصواب أن تغلقوا أبواب المدينة، وتحفظوها، وأمضي أنا ألتقي ~~عسكري، وأعود إليكم وأكون من ظاهر البلد، ms049 وأنتم من باطنه، فلا يكون دون ~~الظفر بالروم شيء. # فأبى عامة الحلبيين وغوغاؤهم، وقالوا: لا تحرمنا أيها الأمير، الجهاد، ~~وقد كلن فينا من يعجز عن المسير إلى بلد الروم للغزو، وقد قربت علينا ~~المسافة. فلما رأى امتناعهم عليه، قال لهم: اثبتوا فإني معكم. # وكان سيف الدولة على بانقوسا، ووردت عساكر الروم إلى الهزازة، فالتقوا ~~فانهزم الحلبيون، وقتل وأسر منهم جماعة كثيرة، وقتل أبو داود بن حمدان، ~~وأبو محمد الفياضي كاتب سيف الدولة، وبشرى الصغير غلام سيف الدولة، وكان ~~أسند الحرب ذلك اليوم إليه، وجعله تحت لوائه. # ومات في باب المدينة المعروف بباب اليهود ناس كثير لفرط الزحمة. وكان سيف ~~الدولة راكبا على فرس له يعرف بالفحى، فانهزم مشرقا حتى بعد عن حلب. ثم ~~انحرف إلى قنسرين فبات بها. # وأقام الروم على ظاهر البلدة أربعة أيام محاصرين لها فخرج شيوخ حلب إلى ~~نقفور يسألونه أن يهب لهم البلد، فقال لهم: تسلمون إلي ابن # حمدان. فحلفوا أن ابن حمدان ما هو في البلد. فلما علم أن سيف الدولة غائب ~~عنها طمع فيها وحاصرها. وقيل: إن نقفور خرج إليه شيوخ حلب باستدعاء منه ~~لهم، يوم الأثنين الثاني والعشرين من ذي القعدة من السنة. وكان نزوله على ~~المدينة، يوم السبت العشرين من ذي القعدة. وجرى بينه وبينهم خطاب آخره على ~~أن يؤمنهم، ويحملوا إليه مالا، ويمكنوا عسكره أن يدخل من باب ويخرج من آخر، ~~وينصرف عنهم عن مقدرة. فقالوا له: تمهلنا الليلة حتى نتشاور، ونخرج غدا ~~بالجواب ففعل، ومضوا، وتحدثوا، وخرجوا بكرة الثلاثاء إليه، فأجابوه إلى ما ~~طلب. فقال لهم نقفور: PageV01P079 # أظنكم قد رتبتم مقاتلتكم في أماكن مختفين بالسلاح حتى إذا دخل من أصحابي ~~من يمكنكم أن تطبقوا عليه وتقتلوه فعلتم ذلك. فحلف له بعضهم من أهل الرأي ~~الضعيف أنه ما بقي بالمدينة من يحمل سلاحا، وفيه بطش، فكشفهم نقفور عند ~~ذلك، فعند ذلك قال لهم: انصرفوا اليوم واخرجوا إلي غدا، فانصرفوا. # وقال نقفور لأصحابه: قد علمتم أنه ما بقي عندهم من يدفع، فطوفوا ms050 الليلة ~~بالأسوار ومعكم الآلة، فأي موضع رأيتموه ممكنا فتسوررا إليه، فإنكم تملكون ~~الموضع. # فطافوا، وكتموا أمرهم، وأبصروا أقصر سور فيها مما يلي الميدان بباب ~~قنسرين، فركبوه، وتجمعوا عليه، وكان وقت السحر، وصاحوا، ودخلوا المدينة. # وقيل: إن أهل حلب قاتلوا، من وراء السور، فقتل جماعة من الروم بالحجارة ~~والمقالع، وسقطت ثلمة من السور على قوم من أهل حلب فقتلتهم. وطمع الروم ~~فيها فأكبوا عليها، ودفعهم الحلبيون عنها فلما جنهم الليل اجتمع عليها ~~المسلمون، فبنوها، فأصبحوا وقد فرغت، فعلوا عليها وكبروا، فبعد الروم عن ~~المدينة إلى جبل جوشن. # فمضى رجالة الشرط وعوام الناس إلى منازل الناس، وخانات التجار، لينهبوها. ~~فاشتغل شيوخ البلد عن حفظ السور، ولحقوا منازلهم، فرأى الروم السور خاليا، ~~فتجاسروا، ونصبوا السلالم على السور، وهدموا بعض الأبدان، ودخلوا المدينة ~~من جهة برج الغنم، ليلة الثلاثاء لثمان بقين من ذي القعدة من سنة إحدى ~~وخمسين. وقيل: يوم الثلاثاء آخر ذي القعدة، في السحر. # وأخذ الدمستق منها خلقا من النساء والأطفال، وقتل معظهم الرجال، ولم يسلم ~~منه إلا من اعتصم بالقلعة من العلويين، والهاشميين والكتاب، وأرباب ~~الأموال. ولم يكن على القلعة يومئذ سور عامر فإنها كانت قد تهدمت، وبقي ~~رسومها. فجعل المسلمون الأكف والبراذع بين أيديهم. PageV01P080 # وكانت بها جماعة من الديلم الذين ينصب إليهم درب الديلم # بحلب، فزحف إليها ابن أخت الملك، فرماه ديلمي فقتله فطلبه من الناس فرموه ~~برأسه، فقتل عند ذلك من الأسرى اثني عشر آلف أسير. وقيل أكثر من ذلك، وقيل ~~أقل، والله أعلم. # وأقام نقفور بحلب ثمانية أيام ينهب، ويقتل، ويسبي باطنا وظاهرا. وقيل: ~~إنه أخرب القصر الذي أنشأه سيف الدولة بالحلبة، وتناهى في حسنه، وعمل له ~~أسوارا، وأجرى نهر قويق فيه من تحت الخناقية، يمر من الموضع المعروف ~~بالسقايات حتى يدخل في القصر من جانب، ويخرج من آخر، فيصب في المكان ~~المعروف بالفيض، وبنى حوله اصطبلا ومساكن لحاشيته. # وقيل: إن ملك الروم وجد فيه لسيف الدولة ثلاثمائة وتسعين بدرة دراهم، ~~ووجد له ألفا وأربعمائة بغل، فأخذها ووجد ms051 له من خزائن السلاح ما لا يحصى ~~كثرة فقبض جميعها، وأحرق الدار، فلم تعمر بعد ذلك، وآثارها إلى اليوم ~~ظاهرة. ويقال: إن سيف الدولة رأى في المنام أن حية قد تطوقت على داره فعظم ~~عليه ذلك، فقال له بعض المفسرين: الحية في النوم ماء. فأمر بحفر يحفر بين ~~داره وبين قويق، حتى أدار الماء حول الدار. # وكان في حمص رجل ضرير من أهل العلم يفسر المنامات، فدخل على # سيف الدولة فقال له كلاما معناه: أن الروم تحتوي على دارك. فأمر به فدفع، ~~وأخرج بعنف. وقضى الله سبحانه أن الروم خرجوا، ففتحوا حلب، واستولوا على ~~دار سيف الدولة، فذكر معبر المنام أنه دخل على سيف الدولة بعد ما كان من ~~أمر الروم، فقال له ما كان من أمر ذلك المنام الملعن. # وكان المعتصمون بالقلعة، والروم بالمدينة تحت السماء ليس لهم ما يظلهم من PageV01P081 # الهواء والمطر، ويتسللون في الليل إلى منازلهم فإن وجدوا شيئا من قوت أو ~~غيره أخذوه وانصرفوا. # ثم إن نقفور أحرق المسجد الجامع وأكثر الأسواق، والدار التي لسيف الدولة، ~~وأكثر دور المدينة. وخرج منها سائرا إلى القسطنطينية بعد أن ضرب أعناق ~~الأسارى من الرجال، حين قتل ابن أخت الملك، وكانوا ألفا ومائتي رجل. # وسار بما معه ولم يعرض لسواد حلب والقرى التي حولها. وقال: هذا البلد قد ~~صار لنا، فلا تقضروا في عمارته، فإنا بعد قليل نعود إليكم. # وكان عدة من سبى من الصبيان والصبايا بضعة عشر آلف صبي وصبية، وأخذهم ~~معه. # وقيل: إن جامع حلب كان يضاهي جامع دمشق في الزخرفة والرخام والفسيفساء ~~وهي الفص المذهب إلى أن أحرقه الدمستق لعنه الله وإن # سليمان ابن عبد الملك اعتنى به كما اعتنى أخوه الوليد بجامع دمشق. # وسار الدمستق عنها، يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة من سنة إحدى وخمسين ~~وثلاثمائة. # واختلف في السبب الذي أوجب رحيل نقفور عن حلب، فقيل: إنه ورد إليه الخبر ~~أن رومانوس الملك وقع من ظهر فرسه في الصيد بالقسطنطينية، وانهم يطلبونه ~~ليملكوه عليهم. # وقيل: سبب ms052 رحيله أن نجا عاد بجمهور العسكر إلى الأمير سيف الدولة فاجتمع ~~به. وجعل يواصل الغارات على عسكر الروم، وتبلغ غاراته إلى السعدي، وأنه أخذ ~~جماعة من متعلفة الروم. واستنجد سيف الدولة بأهل الشام، فسار نحوه ظالم بن ~~السلال العقيلي في أهل دمشق، وكان يليها من قبل الإخشيذية. فكان ذلك سببا ~~لرحيله عن حلب. # وكان هذا نقفور بن الفقاس الدمستق، قد دوخ بلاد الإسلام، وانتزع من أيدي PageV01P082 # المسلمين جملة من المدن، والحصون، والمعاقل، فانتزع الهارونية، # وعين زربه كما ذكرناه وكذلك دلوك، وأذنة، وغير ذلك من الثغور. # ونزل على أذنه في ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين، ولقيه نفير طرسوس ~~فهزمهم وقتل منهم مقدار أربعة آلاف، وانهزم الباقون إلى تل بالقرب من أذنة، ~~فأحاط الروم بهم وقاتلوهم وقتلوهم بأسرهم. # وهرب أهل أذنة إلى المصيصة وحاصرها نقفور مدة فلم يقدر عليها بعد أن نقب ~~في سورها نقوبا عدة. وقلت الميرة عندهم فانصرف، بعد أن أحرق ما حولها. # وورد في هذا الوقت إلى حلب انسان من أهل خراسان ومعه عسكر لغزو الروم،، ~~فاتفق مع سيف الدولة على أن يقصدا نقفور وكان سيف الدولة عليلا فحمل في ~~قبة، فألفياه وقد رحل عن المصيصة. # وتفرقت جموع الخراساني لشدة الغلاء في هذه السنة بحلب والثغور وعظم ~~الغلاء والوباء في المصيصة وطرسوس حتى أكلوا الميتة. # وعاد نقفور إلى المصيصة وفتحها بالسيف في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. ~~وفتح أيضا كفربيا في هذه السنة ومرعش. وفتح طرسوس من أيدي المسلمين في ~~شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. # وكان المسلمون يخرجون في كل سنة ويزرعون الزرع فيأتي بعساكره فيفسده. PageV01P083 # فضعفت، وتخلى ملوك الإسلام عن أهل الرباط بها وكان فيها فيما ذكر أربعون ~~ألف فارس، وفي عتبة بابها أثر الأسنة إلى اليوم. فلما رأى أهلها ذلك راسلوا ~~نقفور المذكور، فوصل إليهم، وأجابوه إلى التسليم. وقال لهم: إن كافورا ~~الخادم قد أرسل إليكم غلة عظيمة في المراكب، فإن اخترتم أن تأخذوها وأنصرف ~~عنكم، في هذه السنة، فعلت. فقالوا: لا. واشترطوا عليه أن يأخذوا ms053 أموالهم. ~~فأجابهم إلى ذلك إلا السلاح. # ونصب رمحين جعل على أحدهما مصحفا، وعلى الآخر صليبا. ثم قال لهم: من ~~اختار بلد الإسلام فليقف تحت المصحف، ومن اختار بلد النصرانية فليقف تحت ~~الصليب. فخرج المسلمون فحزروا بمائة ألف ما بين رجل وامرأة وصبي، وانحازوا ~~إلى أنطاكية. # ودخل نقفور إلى طرسوس، وصعد منبرها، وقال لمن حوله: أين أنا؟ فقالوا: على ~~منبر طرسوس فقال: لا ولكني على منبر بيت المقدس، وهذه كانت تمنعكم من ذلك. # واستولى بعد موت سيف الدولة في سنة سبع وخمسين على كفر طاب، وشيزر، ~~وحماة، وعرفة، وجبلة، ومعرة النعمان، ومعرة مصرين، وتيزين، ثم فتح أنطاكية ~~في سنة ثمان وخمسين، على ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى. # وصارت وقعاته للروم والنصارى كالنزه والأعياد. وحكم في البلاد حكم ملوك ~~الروم. ولما رجع عن حلب سار إلى القسطنطينية مغذا فدخلها في صفر سنة اثنتين ~~وخمسين وثلاثمائة، فوجد رومانوس قد مات وجلس في الملك ولداه باسيل وقسطنطين ~~وهما صبيان ووالدتهما تفانو تدبرهما. # فلما وصل نقفور سلموا الأمر إليه فدبرهما مدة. ثم رأى أن استيلاءه على ~~الملك أصوب، وأبلغ في الهيبة فلبس الخف الأحمر، ودعا لنفسه بالملك، وتحدث ~~مع البطرك في ذلك، فأشار عليه أن يتزوج تفانو أم الصبيين، وأن يكون مشاركا ~~لهما في الملك، فاتفقوا على ذلك وألبسوه التاج. # ثم خافت على ولديها منه، فأعملت الحيلة، ورتبت مع يانس بن شمشقيق أن PageV01P084 # تتزوج به. وبات نقفور في البلاط في موضعه الذي جرت عادته به. فلما ثقل في ~~نومه أدخلت يانس ومعه جماعة، وشكلت رجل نقفور فلما # دخل يانس قام نقفور من نومه ليأخذ السيف فلم يستطع فقتله. ولم يتزوج بها ~~يانس خوفا منها. # أما سيف الدولة فإنه لما رحل الروم عن حلب، عاد إليها ودخلها في ذي الحجة ~~سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. وعمر ما خرب منها وجدد عمارة المسجد الجامع، ~~وأقام سيف الدولة إلى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. # وسار إلى ديار بكر بالبطارقة الذين كانوا في أسره ليفادي بهم، وأخذهم نجا ~~وسار ms054 إلى ميافارقين فاستولى عليها. # فلما وصل سيف الدولة، قال: أروني نجا، فأروه إياه على برج، فوقف تحته، ~~وقال: يا نجا فقال: لبيك يا مولانا فقال: انزل. فنزل في الوقت، وخدمه على ~~رسمه، وخلع عليه، وسلم إليه البلد والبطارقة. وقتل نجا قتله غلام لسيف ~~الدولة اسمه قبجاج بحضرته، وكان سيف الدولة عليلا فأمر به فقتل قبجاج في ~~الحال. # وسار سيف الدولة بالبطارقة إلى الفداء، ففدى بهم أبا فراس ابن عمه، ~~وجماعة من أهله، وغلامه رقطاش، ومن كان بقي من شيوخ الحمصيين والحلبيين. ~~ولما لم يبق معه من أسرى الروم أحد اشترى بقية المسلمين من العدو كل رجل ~~باثنين وسبعين دينارا حتى نفد ما كان معه من المال. فاشترى الباقين ورهن ~~عليهم بدنته الجوهر المعدومة المثل وكاتبه أبا # القاسم الحسين بن علي المغربي جد الوزير، وبقي في أيدي الروم إلى أن مات ~~سيف الدولة، فحمل بقية المال وخلص ابن المغربي. PageV01P085 # ولما توجه سيف الدولة إلى الفداء. ولى في حلب غلامه وحاجبه قرغويه الحاجب ~~في سنة أربع وخمسين، فخرج على أعمال سيف الدولة مروان العقيلي، وكان من ~~مستأمنة القرامطة. # وكان مروان مع سيف الدولة حين توجه إلى آمد. وأقام سيف الدولة بكل ما ~~يحتاج إليه عسكره، وأنفذ إليه ملك الروم هدية سنية، فقتل مروان القرمطي ~~رجلا من أصحاب الرسول، فتلافى سيف الدولة ذلك، وسير إلى ملك الروم هدية ~~سنية، وأفرد دية المقتول، واعتذر أن مروان فعل ذلك على سكر، فرد الهدية ~~والتمس إيفاد القاتل، ليقيده به أو يصفح عنه، فلم يفعل، وانتقضت الهدنة، ~~وكان ذلك في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. وولى بعد ذلك مروان السواحل. # فلما توجه سيف الدولة إلى الفداء سار إلى ناحية حلب، فأنفذ إليه قرغويه ~~غلاما له اسمه بدر فالتقيا غربي كفر طاب، فأخذه مروان أسيرا وقتله صبرا، ~~وكسر العسكر وملك حلب. وكتب إلى سيف الدولة بأنه من قبله، فسكن إلى ذلك، ~~وأخذ مروان في ظلم الناس بحلب، ومصادرتهم. فلم تطل مدته، وتوفي سنة أربع ~~وخمسين وثلاثمائة، من ضربه ضربه ms055 بها بدر # حين التقيا بلت، في وجهه. وعاد الحاجب قرغويه إلى خلافة سيف الدولة. # وكان بأنطاكية رجل يقال له الحسن بن الأهوازي يضمن المستغلات لسيف ~~الدولة، فاجتمع برجل من وجوه أهل الثغر يقال له رشيق النسيمي وكان من ~~القواد المقيمين بطرسوس فاندفع إلى أنطاكية حين أخذ الروم طرسوس، وتولى ~~تدبير PageV01P086 # رشيق وأطمعه في أن سيف الدولة لا يعود إلى الشام. فطمع واتفق مع ملك ~~الروم على أن يكون في حيزه، ويحمل إليه عن أنطاكية في كل سنة ستمائة ألف ~~درهم. وكان بأنطاكية من قبل سيف الدولة تنج اليمكي أو الثملي، فسار رشيق ~~نحوه فوثب أهل أنطاكية على تنج، فأخرجوه، وسلموا البلد إلى رشيق. فأطمع ابن ~~الأهوازي رشيقا بملك حلب، لعلمه بضعف سيف الدولة، واشتغاله بالفداء. وعمل ~~له ابن الأهوازي كتابا ذكر أنه من الخليفة ببغداد، بتقليده أعمال سيف ~~الدولة، فقرئ على منبر أنطاكية. # واجتمع لابن الأهوازي جملة من مال المستغل، وطالب قوما بودائع ذكر أنها ~~عندهم، واستخدم بتلك الأموال فرسانا ورجالة، واستأمن إليه دزبر بن أوينم ~~الديلمي وجماعة من الديلم الذين كانوا مع الحاجب قرغويه بحلب. # فحصل مع رشيق نحو خمسة آلاف رجل، فسير إليه الحاجب غلامه يمين في عسكر. ~~فخرج إليه رشيق من أنطاكية، والتقوا بأرتاح، فاستأمن يمن إلى رشيق ومضى ~~عسكره إلى حلب، وتوجه رشيق إلى حلب، ونازل حلب، وزحف على باب اليهود، فخرج ~~إليه بشارة الخادم في جماعة، فقاتل إلى الظهر، وانهزم بشارة ودخل من باب ~~اليهود ودخلت خيل رشيق خلفه. # واستولى رشيق على المدينة في اليوم الأول من ذي القعدة سنة أربع وخمسين ~~وثلاثمائة. ونادوا بالأمان للرعية، وقرؤوا كتابا مختلفا عن الخليفة بتقليد ~~رشيق أعمال سيف الدولة، وأقام رشيق يقاتل القلعة ثلاثة أشهر وعشرة أيام. ~~وفتح باب الفرج، ونزل غلمان الحاجب من القلعة فحملوا على أصحاب رشيق، ~~فهزموها وأخرجوهم من المدينة. فركب رشيق ودخل من باب أنطاكية، فبلغ إلى ~~القلانسيين وخرج من باب قنسرين، ومضى إلى باب العراق. فنزل غلمان الحاجب، ~~وخرجوا من باب الفرج وهو ms056 الباب الصغير. PageV01P087 # ووقع القتال بينهم وبين أصحاب رشيق، فطعن ابن يزيد الشيباني # رشيقا فرماه وكان ممن استأمن من عسكر سيف الدولة إلى رشيق، وأخذ رأسه، ~~ومضى به إلى الحاجب قرغويه، وعاد الحاجب إلى حالته في خلافة الأمير سيف ~~الدولة. # وعاد عسكر رشيق إلى أنطاكية فرأسوا عليهم دزبر بن اوينم الديلمي، وعقدوا ~~له الإمارة، واستوزر أبا علي بن الأهوازي، وقبل كل من وصل إليه من العرب ~~والعجم. # وسار إليه الحاجب قرغويه إلى أنطاكية، فأوقع به دزبر، ونهب سواده، وانهزم ~~قرغويه وقد استأمن أكثر أصحابه إلى دزبر، فتحصن بقلعة حلب، وتبعه دزبر ~~فملكها في جمادى الأولى من سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. # وأقام بها وابن الأهوازي بعسكره في حاضر قنسرين، وجمع إليه بني كلاب، ~~وجبى الخراج من بلد حلب وحمص، وفوض إلى القضاة، والولاة، والشيوخ، والعمال ~~الأعمال والولايات. # وجاء سيف الدولة فدخل حلب وعسكره ضعيف فبات بها وخرج إلى دزبر وابن ~~الأهوازي. وكان سيف الدولة قد فلج وبطل شقه الأيسر فالتقوا شرقي حلب ب ~~سبعين. # فغدرت بنو كلاب بدزبر وابن الأهوازي حين نظروا إلى سيف الدولة، # واستأمنوا إليه، فآمنهم، ووضع السيف في عسكر دزبر وضع محنق مغيظ فقتل ~~جمعا كثيرا، وأسر خلقا، فقتلهم صبرا. وكان فيهم جماعة ممن اشتراه بماله من ~~الروم، فسبقوه إلى الشام، وقبضوا الرزق من ابن الأهوازي، وجعلوا يقاتلونه، ~~فما أبقى على أحد منهم. وحصل دزبر وابن الأهوازي في أسره. فأما دزبر فقتله ~~ليومه، وأما ابن الأهوازي فاستبقاه أياما ثم قتله. PageV01P088 # ثم أن سيف الدولة قويت علته بالفالج، وكان بشيزر، فوصل إلى حلب فأقام بها ~~يومين أو ثلاثة. وتوفي يوم الجمعة العاشر من صفر من سنة ست وخمسين ~~وثلاثمائة. وقيل: توفي بعسر البول وحمل تابوته إلي ميافارقين فدفن بها في ~~تربته. # وكان على قضاء حلب إذ ذاك في غالب ظني أبو جعفر أحمد بن إسحاق ابن محمد ~~بن يزيد الحنفي، بعد أحمد بن محمد بن ماثل. # وينسب إلى سيف الدولة أشعار كثيرة، لا يصح منها له غير بيتين، ذكر أبو ms057 ~~القاسم الحسين بن علي المغربي كاتبه وهو جد الوزير أبي القاسم المغربي ~~أنهما لسيف الدولة. ولم يعرف له غيرهما. وكتب بهما إلى أخيه ناصر الدولة ~~وقد مد يده إلى شيء من بلاده المجاورة له، من ديار بكر، وكانت في يد أخيه: # لست أجفو وإن جفيت ولا أت ... رك حقا علي في كل حال # إئما أنت والد والأب الجا ... في يجازى بالصبر والإحتمال # ووزر لسيف الدولة أبو إسحاق القراريطي، ثم صرفه وولى وزارته أبا عبد الله ~~محمد بن سليمان بن فهد ثم غلب على أمره أبو الحسين علي بن الحسين المغربي ~~أبو الوزير أبي القاسم ووزر له. PageV01P089 ### | القسم السادس حلب في أيام سعد الدولة الحمداني 356 - 381 هجرية # وقام بالأمر بحلب الحاجب قرغويه غلام سيف الدولة، من قبل ابن سيف الدولة، ~~فبقي بها إلى أن مضى غلمان سيف الدولة إلى ميافارقين، فأحضروا ابنه سعد ~~الدولة أبا المعالي شريف بن علي بن عبد الله بن حمدان، وكان مع والدته أم ~~الحسن ابنة أبي العلاء سعيد بن حمدان بها. # فدخل حلب، يوم الأثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأول، من سنة ست وخمسين ~~وثلاثمائة، وزينت له المدينة، وعقدت له القباب، وجلس على سرير أبيه، وجلس ~~الحاجب قرغويه على كرسي، والمدبر لدولته وزيره أبو إسحاق محمد بن عبد الله ~~بن شهرام كاتب أبيه. # وقبض أبو تغلب بن ناصر الدولة بن عبد الله بن حمدان على أبيه ناصر ~~الدولة، في هذه السنة، فامتعض حمدان بن ناصر الدولة لذلك وعصى على # أخيه بالرقة والرحبة. فسار أبو تغلب إليه إلى الرقة، وحصره فيها إلى أن ~~صالحه على أن يقتصر على الرحبة، ويسلم إليه الرحبة والرافقة. وكتب لأبي ~~تغلب توقيع بتقليده أعمال ناصر الدولة وسيف الدولة من المطيع، وهو بالرقة. # وكأن قرغويه قد جاء إلى خدمته، وهو يحاصر أخاه، فلما صالح أخاه قدم حلب ~~جريدة، وزار ابن عمه سعد الدولة، وعاد إلى الموصل. # وأقام سعد الدولة إلى أن تجدد بينه وبين ابن عمه أبي فراس الحارث بن سعيد ms058 ~~بن حمدان وهو خاله وحشة وكان بحمص. PageV01P091 # فتوجه سعد الدولة إليه، فانحاز إلى صدد، ونزل سعد الدولة بسلمية، وجمع ~~بين كلاب وغيرهم وقدم الحاجب قرغويه وبني كلاب على مقدمته، مع قطعة من ~~غلمان أبيه، فتقدموا إلى صدد. فخرج إليهم أبو فراس وناوشهم، واستأمن ~~أصحابه، واختلط أبو فراس بمن استأمن. فأمر قرغويه بعض غلمانه بالتركية ~~بقتله، فضربه بلت مضرس، فسقط، ونزل فاحتز رأسه، وحمله إلى سعد الدولة. # وبقيت جثته مطروحة بالبرية، حتى كفنه رجل من الأعراب، وذلك في شهر ربيع ~~من سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. ولطمت أمه سخية حتى قلعت عينها عليه، وكانت ~~أم ولد. # وفي سنة 357 ه خرج في هذه السنة فاثور للروم في خمسة آلاف فارس وراجل، ~~فصار إلى نواحي حلب، فواقعه قرغويه بعسكر حلب، فأسر قرغويه، ثم أفلت، ~~وانهزم أصحابه، وأسر الروم جماعة من غلمان سيف الدولة. # ثم إن نقفور ملك الروم خرج إلى معرة النعمان ففتحها، وأخرب # جامعها وأكثر دورها، وكذلك فعل بمعرة مصرين، ولكنه أمن أهلها من القتل، ~~وكانوا ألفا ومائتي نفس، وأسرهم، وسيرهم إلى بلد الروم. # وسار إلى كفر طاب وشيزر، وأحرق جامعها، ثم إلى حماة ففعل كذلك، ثم إلى ~~حمص، وأسر من كان صار إلى تلك الناحية من الجفلة. # ووصل إلى غرقة ففتحها وأسر أهلها، ثم نفذ إلى طرابلس وكان أهلها قد ~~أحرقوا ربضها، فانصرف إلى جبلة ففتحها، ومنها إلى اللاذقية، فانحدر إليه ~~أبو PageV01P092 # الحسين علي بن إبراهيم بن يوسف الفصيص. فوافقه على رهائن تدفع إليه منها، ~~وانتسب له فعرف نقفور سلفه، وجعله سردغوس. وسلم أهل اللاذقية. # وانتهى إلى أنطاكية، وفي يده من السبي مائة ألف رأس، ولم يكن يأخذ إلا ~~الصبيان والصبايا والشباب، فأما الكهول والمشايخ والعجائز فمنهم من قتله ~~ومنهم من تركه. وقيل بأنه فتح في هذه الخرجة ثمانية عشر منبرا. وأما القرى ~~فلا يحصى عدد ما أخرب منها وأحرق، ونزل بالقرب من أنطاكية، فلم يقاتلهم، ~~ولم يراسلهم بشيء. # وبنى حصن بغراس مقابل أنطاكية ورتب فيه ميخائيل البرجي، وأمر أصحاب ~~الأطراف ms059 بطاعته. # وتحدث الناس أنه يريد أن ينازل أنطاكية طول الشتاء، وينفذ إلى حلب أيضا ~~من ينازلها. فأشار الحاجب قرغويه على سعد الدولة أن يخرج من حلب، ولا ~~يتحاصر فيها، فخرج إلى بالس فسير إليه قرغويه، وقال له: امض إلى والدتك، ~~فإن أهل حلب لا يريدونك، ولا يتركونك تعود إليهم. # وحالف قرغويه أهل حلب على سعد الدولة، وتقرب إليهم بعمارة القلعة ~~وتحصينها، وعمارة أسوار البلدة وتقويتها فيئس سعد الدولة من حلب، ومضى أكثر ~~أصحابه إلى أبي تغلب بن ناصر الدولة. # وقطع قرغويه الدعاء لسعد الدولة، فعمل على قصد حران والمقام بها، فمنعه ~~أهلها منها، وراسلهم، ووعدهم بالجميل فلم يستجيبوا له، فسألهم أن يتزود ~~منها يومين، فأذنوا له في ذلك. فمضى إلى والدته إلى ميافارقين، وحران شاغرة ~~يدبرها أهلها، ويخطبون لأبي المعالي سعد الدولة. # ولما قرب أبو المعالي من ميافارقين بلغ والدته أن غلمانه وكتابه عملوا ~~على القبض عليها وحملها إلى القلعة، كما فعل أبو تغلب بناصر الدولة، فطردت ~~الكتاب، PageV01P093 # وأغلقت أبواب المدينة في وجه ابنها ثلاثة أيام حتى استوثقت منه، وفتحت ~~له. وحين علم ملك الروم بتقوية قرغويه لحلب دخل بلاده. # وأما قرغويه فاستولى على حلب في المحرم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ~~وأمر غلامه بكجور وشاركه في الأمر ودعي لهما على المنابر في عمله. وكتب اسم ~~بكجور على السكة. وكان يخاطب قرغويه بالحاجب، وغلامه بكجور بالأمير. # وحصل زهير غلام سيف الدولة بمعرة النعمان، وكان واليها، وانضاف إليه ~~جماعة من غلمان سيف الدولة. فأقاموا الدعوة بالمعرة لسعد الدولة وكاتبوا ~~مولاهم سعد الدولة أبا المعالي واستدعوه إلى الشام، فسار ونزل منبج، ~~فاجتمعوا معه. ونزلوا على حلب في شهر رمضان من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ~~وحاصروا قرغويه وبكجور. وجرت بينهم حروب يطول ذكرها. # وكتب قرغويه إلى الروم، فاستدعى بطريقا كان في أطراف بلد الروم لنجدته، ~~وهو خادم كان لنقفور ويعرف بالطربازي، فسار نحوه، ثم عدل إلى أنطاكية، وذلك ~~أن ملك الروم لما نزل ببوقا، ومعه السبي والغنائم على ما ذكرناه توافق هو ~~وأهلها، ms060 وكانوا نصارى في أن ينتقلوا إلى أنطاكية، ويظهروا أنهم إنما ~~انتقلوا خوفا من الروم، حتى إذا حصلوا بها، وصار الروم إلى أنطاكية وافقوهم ~~على فتحها. ففعلوا ذلك ووافقوا نصارى أنطاكية، وكاتبوا الطربازي حين خرج ~~بأن أنطاكية خالية، وليس بها سلطان. # وكان أهلها من المسلمين قد ضيعوا سورها، وأهملوا حراستها فجاء الروم ~~إليها مع الطربازي ويانس بن شمشقيق، في أربعين ألفا. فأحاطوا بأنطاكية، ~~وأهل بوقا على أعلى السور في جانب منه، فنزلوا وأخلوا السور، فصعده الروم ~~وملكوا البلد، وذلك لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين. PageV01P094 # ودخل الروم فأحرقوا وأسروا، وكانت ليلة الميلاد. فلما طلع الروم على ~~جبلها، جعلوا يأخذون الحارس فيقولون له: كبر وهلل، فمن لم يفعل قتلوه، فكان ~~الحراس يهللون ويكبرون، والناس لا يعلمون بما هم فيه، حتى ملكوا جميع ~~أبرجتها، وصاحوا صيحة واحدة، فمن طلب باب الجنان قتل أو أسر. # واجتمع جماعة إلى باب البحر فبردوا القفل فسلموا، وخرجوا وبنوا قلعة في ~~جبلها، وجعلوا الجامع صيرة للخنازير ثم إن البطرك جعله بستانا. # ثم إن الطربازي سار إلى حلب، منجدا لقرغويه وبكجور، وأبو المعالي محاصر ~~لهما فانحاز أبو المعالي شريف عن حلب إلى خناصرة، ثم إلى معرة النعمان. # فطمع الروم بحلب فنازلوها وهجموا المدينة من شماليها، وحصروا القلعة. # فهادنهم قرغويه على حمل الجزية، عن كل صغير وكبير من سكان المواضع التي ~~وقعت الهدنة عليها، دينار، قيمته ستة عشر درهما إسلامية، وأن يحمل إليهم، ~~في كل سنة عن البلاد التي وقعت الهدنة عليها سبعمائة ألف درهم. # والبلاد: حمص، وجوسية، وسلمية، وحماة، وشيزر، وكفر طاب، وأفامية، ومعرة ~~النعمان، وحلب، وجبل السماق، ومعرة مصرين، وقنسرين، PageV01P095 # والأثارب إلى طرف البلاط الذي يلي الأثارب وهو الرصيف، إلى أرحاب، إلى ~~باسوفان، إلى كيمار، إلى برصايا، إلى المرج الذي هو قريب عزاز، ويمين الحد ~~كله لحلب، والباقي للروم. # ومن برصايا يميل إلى الشرق، ويتصل وادي أبي سليمان إلى فج سنياب، إلى ~~نافوذا، إلى أوانا، إلى تل حامد إلى يمين الساجور، إلى مسيل ms061 الماء إلى أن ~~يمضي ويختلط بالفرات. # وشرطوا أن الأمير على المسلمين قرغويه، والأمر بعده لبكجورة وبعدهما ينصب ~~ملك الروم أميرا يختاره من سكان حلب. وليس للمسلمين أن ينصبوا أحدا، ولا ~~يؤخذ من نصراني جزية في هذه الأعمال، إلا إذا كان له بها مسكن أو ضيعة. وإن ~~ورد عسكر إسلامي يريد غزو الروم منعه قرغويه، وقال له: امض من غير بلادنا، ~~ولا تدخل بلد الهدنة. فإن لم يسمع أمير ذلك الجيش قاتله، ومنعه، وإن عجز عن ~~دفعه كاتب ملك الروم والطربازي لينفذ إليه من يدفعه. # ومتى وقف المسلمون على حال عسكر كبير كتبوا إلى الملك وإلى رئيس العسكر، ~~وأعلموهما به لينظروا في أمرهما. # وإن عزم الملك أو رئيس العسكر على الغزاة إلى بلد الإسلام، تلقاه # بكجور إلى المكان الذي يؤمر بتلقيه إليه، وأن يشيعه في أعمال الهدنة، ولا ~~يهرب من في الضياع ليبتاع العسكر الرومي ما يحتاجون إليه، سوى التبن، فإنه ~~يؤخذ منهم على رسم العساكر بغير شيء. # ويتقدم الأمير بخدمة العساكر الرومية إلى الحدث فإذا خرجت من الحد عاد ~~الأمير إلى عمله، وإن غزا الروم غير ملة الإسلام سار إليه الأمير بعسكره، ~~وغزوا معه كما يأمر. PageV01P096 # وأي مسلم دخل في دين النصرانية فلا سبيل للمسلمين عليه، ومن دخل من ~~النصارى في ملة الإسلام فلا سبيل للزوم عليه. # ومتى هرب عبد مسلم أو نصراني، ذكرا كان أو أنثى، من غير الأعمال المذكورة ~~إليها، لا يستره المسلمون، ويظهرونه، ويعطى صاحبه ثمنه عن الرجل ستة ~~وثلاثون دينارا، وعن المرأة عشرون دينارا رومية، وعن الصبي والصبية خمسة ~~عشر دينارا فإن لم يكن له ما يشتريه أخذ الأمير من مولاه ثلاثة دنانير ~~وسلمه إليه. فإن كان الهارب معمدا فليس للمسلمين أن يمسكوه، بل يأخذ الأمير ~~حقه من مولاه، ويسلمه إليه. # وإن سرق سارق من بلاد الروم، وأخفى هاربا أنفذه الأمير إلى رئيس العسكر ~~الرومي ليؤدبه. # وإن دخل رومي إلى بلد الإسلام فلا يمنع من حاجته. # وإن دخل من بلد الإسلام جاموس إلى بلد الروم أخذ، ms062 وحبس. ولا يخرب ~~المسلمون حصنا ولا يحدثوا حصنا فإن خرب شيء # أعادوه. ولا يقبل المسلمون أميرا مسلما ولا يكاتبوا أحدا غير الحاجب ~~وبكجور. فإن توفيا لم يكن لهم أن يقبلوا أميرا من بلاد الإسلام، ولا ~~يلتمسوا من المسلمين معونة، بل ينصب لهم من يختاره من بلاد الهدنة. # وينصب لهم الملك بعد وفاة الحاجب وبكجور قاضيا منهم، يجري أحكامهم على ~~رسمهم. # وللروم أن يعمروا الكنائس الخربة في هذه الأعمال، ويسافر البطارقة ~~والأساقفة إليها، ويكرمهم المسلمون. # وإن العشر الذي يؤخذ من بلد الروم، يجلس مع عشار الملك مع عشار قرغويه، ~~وبكجور فمهما كان من التجارة من الذهب، والفضة، والديباج الرومي، والقز غير ~~معمول، والأحجار، والجوهر، واللؤلؤ، والسندس عشرة عشار الملك. والثياب ~~والكتان، والمزبون، والبهائم، وغير ذلك من التجارات يعشره عشار الحاجب ~~وبكجور بعده، وبعدهما يعشر ذلك كله عشار الملك. # ومتى جاءت قافلة من الروم، تقصد حلب، يكتب الزروار المقيم في الطرف PageV01P097 # إلى الأمير ويخبره بذلك لينفذ من يتسلمها، ويوصلها إلى حلب. وإن # قطع الطريق عليها بعد ذلك، فعلى الأمير أن يعطيهم ما ذهب. وكذلك إن قطع ~~على القافلة أعراب أو مسلمون في بلد الأمير، فعلى الأمير غرامة ذلك. # وحلف على ذلك جماعة من شيوخ البلد مع الحاجب وبكجور وسلم إليهم رهينة من ~~أهل حلب: أبو الحسن بن أبي أسامة، وكسرى بن كسور وابن أخت ابن أبي عيسى، ~~وأخو أبي الحسن الخشاب، وأبو الحسن بن أبي طالب، وأبو الطيب الهاشمي، وأبو ~~الفرج العطار، ويمن غلام قرغويه. وكان المتوسط في هذه الهدنة رجل هاشمي من ~~أهل حلب يقال له طاهر. # وعادت الروم عن حلب، وبقي الحاجب قرغويه في ولايتها، والتدبير إليه وإلى ~~غلامه بكجور وذلك في صفر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. # وأقام سعد الدولة أبو المعالي بمعرة النعمان ثلاث سنين، وراسله الحاجب ~~وبكجور ومشايخ حلب، في سنة ثمان وخمسين، على أن يؤدي إلى الروم قسطا من مال ~~الهدنة. وكان القيم بأمر أبي المعالي وعسكره رقطاش غلام سيف الدولة، وكان ~~قد نزل إليه من ms063 حصن برزويه، وحمل إليه غلة عظيمة وعلوفة وطعاما ووسع على ~~عسكره بعد الضائقة. # ولم يؤد سعد الدولة ما هو مقرر من مال الهدنة على البلاد التي في يده. # فخرج الروم وهجموا حمص على غفلة. # وقيل: إن سعد الدولة استولى على حلب في سنة ثلاث وستين، ووصله في شهر ~~ربيع الأول رسول العزيز وأبو القاسم أحمد بن إبراهيم الرسي من مصر فأقام ~~الدعوة له بحلب في هذه السنة، وأرسل معه إلى مصر في # جواب الرسالة قاضي حلب، وأظنه ابن الخشاب الهاشمي. # ووصل إليه بكجور من حلب وهو بحمص، فخلع عليه أبو المعالي، وولاه حلب، ~~وأقيمت له الدعوة فيها وفي سائر عملها فوافق بكجور غلمان سيف الدولة على ~~القبض على مولاه قرغويه وقصد أبي المعالي، وقلعه من حمص، فقبض عليه. وسار ~~أبو المعالي إلى حلب. PageV01P098 # وقيل: دام الأمر بحلب مردودا إلى قرغويه وبكجور، فأحب الأمير أبو الفوارس ~~بكجور الحاجبي الكاسكي التفرد بالأمر دون مولاه، وحدث نفسه بالقبض عليه، ~~فقبض عليه وغدر به، في ذي الحجة من سنة أربع وستين وثلاثمائة. واستولى على ~~حلب، وانفرد بالأمر، وجعل الحاجب محبوسا بقلعة حلب. # وكان سعد الدولة إذ ذاك بحمص، فحين علم بذلك طمع بحلب، فتوجه إليها ومعه ~~بنو كلاب، بعد أن أقطعهم بحمص الإقطاع المعروف بالحمصي، فنزل بهم على معرة ~~النعمان، وبها زهير الحمداني، وقد استولى عليها، وعصى على مولاه، ففتح باب ~~حناك، ودخلوا منه فقاتلهم زهير، وأخرجهم. ثم أحرقوا باب حمص، فخرج زهير ~~مسلما نفسه بعد أن حلف كبار الحمدانية أنهم لا يمكنوا أبا المعالي منه. ~~فلما حصل معه غدر به فتغيرت # وجوه الحمدانية، فأمرهم بنهب الحصن فنبهوا ما فيه، وأنفذ زهيرا إلى حصن ~~أفامية، فقتل هناك. # وسار أبو المعالي، ونزل بهم على باب حلب: وحاصرها مدة فاستنجد بكجور ~~بالروم، وضمن لهم تسليم حلب وأموالا كثيره، فتخلوا عنه. وكان نقفور لعنه ~~الله قد قتل على ما شرحناه. # وجد سعد الدولة في حصارها والقتال، فسلم إليه بعض أهل البلد المرتبين في ~~مراكز البلد برج باب ms064 الجنان، ورميت أبواب الحديد، وفتحها بالسيف فلم يرق ~~فيها دما وأمن أهلها. # وانهزم بكجور إلى القلعة فاستعصى بها، وذلك في رجب من سنة خمس وستين ~~وثلاثمائة. # ثم أقام سعد الدولة يحاصر لقلعة مدة حتى نفد ما فيها من القوت، فسلمها ~~بكجور إليه، في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وستين وثلاثمائة. # وولى سعد الدولة بكجور حمص وجندها وكان تقرير أمر بكجور بين سعد الدولة ~~وبينه، على يد أبي الحسن علي بن الحسين بن المغربي الكاتب، والد الوزير أبي ~~القاسم. PageV01P099 # واستقر أمر سعد الدولة بحلب، وجدد الحلبيون عمارة المسجد الجامع بحلب، ~~وزادوا في عمارة الأسوار في سنة سبع وستين. # وغير سعد الدولة الأذان بحلب، وزاد فيه: حي على خير العمل، # محمد وعلي خير البشر. وقيل: إنه فعل ذلك في سنة تسع وستين وثلاثمائة، ~~وقيل: سنة ثمان وخمسين. # وسير سعد الدولة في سنة سبع وستين وثلاثمائة الشريف أبا الحسن اسماعيل بن ~~الناصر الحسني يهنىء عضد الدولة بدخوله مدينة السلام، وانهزام بختيار بين ~~يديه، فوجه إليه بتكنية الطائع، ووصلته خلعة منه ولقب بسعد الدولة فلبس ~~الخلعة. ووصل معها خلع من عضد الدولة أيضا وخاطبه في كتابه: بسيدي، ومولاي، ~~وعدتي فمدحه أبو الحسن محمد بن عيسى النامي بقصيدة أولها: # هوى في القلب لاعجه دخيل # وكان أبو صالح بن نانا الملقب بالسديد قد وزر لسعد الدولة، فانفصل عنه في ~~سنة إحدى وسبعين، ومضى إلى بغداد فاستوزر مكانه أبا الحسن بن المغربي. # ونزل بردس الفقاس الدمستق على حلب، في شهر جمادى الأولى من سنة إحدى ~~وسبعين، ووقع الحرب على باب اليهود في اليوم الثاني من نزوله. # وطالب سعد الدولة بمال الهدنة، وترددت المراسلة بينهما، واستقر الأمر على ~~أن يحمل إلى الروم كل سنة أربعمائة ألف درهم فضة، ورحل في اليوم الخامس من ~~وصوله. # وفي يوم الخميس السابع عشر من شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وسبعين ~~وثلاثمائة، نزل بردس الدمستق عل باب حلب في خمسمائة ألف ما بين فارس وراجل، ~~وكان قد ضمن لباسيل وقسطنطين ملكي ms065 الروم الأخوين أن يفتتح حلب، وينقض سورها ~~حجرا حجرا وأنه يحمل سبيها إلى القسطنطينية. PageV01P100 # واحتفل جمعا وحشد من المجانيق والعرادات ما لا يحصى كثرة. وأقام بالحدث ~~أياما، يرهب الناس، ويهول عليهم، وسعد الدولة بحلب غير محتفل به. # ثم إنه أقبل وعلى مقدمته ملك الجزرية تريثاويل، وعلى ميمنته وميسرته ~~البطارقة في الحديد السابغ، فارتاع الناس لذلك، وبث سراياه، وسعد الدولة قد ~~أمر الغلمان بلبس السلاح، فدام على هذا ثلاثة أيام، ثم صف لقتال البلدة ~~وسعد الدولة لا يخرج إليه أحدا حتى استحكم طمعه. # ثم إنه أمر غلمانه بالخروج إليهم في اليوم السابع، فحملوا حملة لم ير أشد ~~منها وقتلوا فيها ملك الجزرية تريثاويل، وكان عمدة عسكرهم، فعند ذلك اشتد ~~القتال. # وأمر سعد الدولة عسكره بالخروج إليه، فالتقوا في الميدان فرجع عسكره أقبح ~~رجوع، وعليه الكآبة، وسير سعد الدولة جيشه خلفه غازيا حتى بلغت عساكره ~~أنطاكية. # وكان الجيش مع وزيره أبي الحسن علي بن الحسين بن المغربي، فافتتح في ~~طريقه دير سمعان عنوة بالسيف، وخرب دير سمعان، وكان بنية عظيمة وحصنا قويا ~~وقد ذكر لنا ذلك الواساني في بعض شعره. # وقيل: إن الدمستق رأى في نومه المسيح، وهو يقول له مهددا: " لا تحاول أخذ ~~هذه المدينة، وفيها ذلك الساجد على الترس. وأشار إلى موضعه في البرج الذي ~~بين باب قنسرين، وبرج الغنم في المسجد المعروف بمشهد النور. فلما أصبح ملك ~~الروم سأل عنه فوجده ابن أبي نمير عبد الرزاق بن عبد السلام العابد الحلبي، ~~وكان ذلك سببا لرحيله عن حلب. # وقيل: إنه صالح أهل حلب ورحل. # وقيل: هذا كان في نزول أرومانوس على تبل، سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. # وكان ابن أبي نمير من الأولياء الزهاد والمحدثين العلماء وتو في بحلب في ~~سنة خمس وعشرين وأربعمائة، وقبره بباب قنسرين. # ويحتمل أن يكون في سنة إحدى وسبعين، حين نزل بردس على حلب ورحل PageV01P101 # عنها عن صلح، في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، فطلب من العزيز أن يوليه ~~دمشق، وكاتب العزيز في إنفاذ عسكر ليأخذ له ms066 حلب، فأنفذ إليه عسكرا، فنزل ~~على حلب إلى أن نزل الدمستق أنطاكية، فخاف أن يكبسه، فرحل عنها. # ولما يئس الدمستق من حلب، وخاف على نفسه أن يقتله ملك الروم، خرج إلى جهة ~~حمص، فهرب بكجور من حمص إلى جوسية، فكاتب الدمستق أهل حمص بالأمان، وأظهر ~~لهم أنه يسير إلى دمشق، وأنه مهادن لجميع أعمال سعد الدولة، فاطمأنوا إلى ~~ذلك، وأمرهم بإقامة الزاد والعلوفة. # وهجم حمص في ربيع الآخر من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وأحرق الروم ~~الجامع، وكثيرا من البلد. # وكان استوحش أبو المعالي من بكجور، فأمره أن يترك بلده ويمضي. # وصعد بكجور إلى دمشق فوليها في هذه السنة أعني سنة ثلاث من # قبل المصريين، وجار على أهل دمشق، وظلم، وجمع الأموال لنفسه، فجرد إليه ~~عسكر من مصر مع منير الخادم في سنة ثمان وسبعين. # وكان بكجور يخاف من أهل دمشق لسوء سيرته، فبعث بعض عسكره، فكسره منير، ~~فأرسل إليه بكجور وبذل له تسليم دمشق، والإنصراف عنها فأجابه إلى ذلك، فرحل ~~عن دمشق متوجها إلى حوارين، في شهر رجب من سنة ثمان وسبعين. # ومضى إلى الرقة، وأقام فيها الدعوة للمصريين. وكان سعد الدولة قد انتمى ~~إلى المصريين، وأقام الدعوة لهم بحلب، في سنة ست وسبعين وثلاثمائة ووصلته ~~خلع العزيز أبي المنصور، في شعبان من هذه السنة فلبسها. PageV01P102 # ومات الأمير قرغويه بحلب في سنة ثمانين وثلاثمائة. # ثم إن بكجور قوي أمره واستفحل، وأخذ إليه أبا الحسن علي بن الحسين ~~المغربي، واستوزره لمباينة حصلت بينه وبين سعد الدولة وعاث على أعمال سعد ~~الدولة، وجمع إليه بني كلاب، واستغوى بني نميرة فبرز مضرب الأمير سعد ~~الدولة، يوم السبت الثاني والعشرين من محرم سنة إحدى وثمانين، إلى ظاهر باب ~~الجنان. # وسار يوم السبت سلخ المحرم، على أربع ساعات، وقد كان بكجور # سار إلى بالس، وحاصر من كان بها فامتنعوا عليه، فقصده سعد الدولة، ~~والتقوا على الناعورة، في سلخ المحرم من سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. # وهزم بكجور، وهرب، واختفى عند رحا القديمي على نهر قويق، وبث ms067 سعد الدولة ~~الناس خلفه، وضمن لمن جاء به شيئا وافرا، فظفر به بعض الأعراب، وأتى به إلى ~~سعد الدولة، فضرب عنقه صبرا بين يديه، ببندر الناعورة، وصلبه على سبع ساعات ~~من يوم الأحد مستهل صفر. # ورحل سعد الدولة يوم الثلاثاء إلى بالس فوجد بكجور قد أخرب ربضها، فأقام ~~بها أربعة أيام. # ورحل حتى أتى الرقة، وبها حرم بكجور وأمواله وأولاده فتلقاه أهل الرقة ~~بنسائهم، ورجالهم، وصبيانهم، فأقام بقية يومه. # ونزل أهل الرقة، فاحتاطوا بحرم بكجور وأولاده فآمنهم سعد الدولة، في ~~اليوم التاسع من صفر، وتنجزت أمورهم إلى يوم الخميس الثاني عشر منه. ورضي ~~عن أولاده، واصطنعهم، ووهب لهم أموال بكجور، وحلف لهم على ذلك، فمدحه أبو ~~الحسن محمد بن عيسى النامي بقصيدة أولها: # غرائز الجود طبع غير مقصود ... ولست عن كرم يرجى بمصدود PageV01P103 # ولما خرج أولاد بكجور بأموالهم وآلاتهم استكثرها سعد الدولة، فقال له ~~وزيره أبو الهيثم بن أبي حصين: " أنت حلفت لهم على مال بكجور، ومن أين ~~لبكجور هذا المال؟ بل هذه أموالك ". فغدر بهم، ونكث في يمينه، وقبض مال ~~بكجور إليه، وكان مقداره ثمانمائة ألف دينار وصادر نواب بكجور، واستأصل ~~أموالهم. # ثم عاد إلى حلب فأصابه الفالج في طريقه. وقيل: أصابه في طريقه قولنج فدخل ~~إلى حلب، وعولج فبرىء. ثم جامع جارية له، فأصابه الفالج، واستدعى الطبيب، ~~وطلب يده ليجس نبضه، فناوله اليسري، فقال: اليمين فقال: ما أبقت اليمين ~~يمين يشير إلى غدره، ونكثه في اليمين التي حلفها لأصحاب بكجور. وكان مبدأ ~~علته لأربع بقين من جمادى الأولى، ومات ليلة الأحد لأربع بقين من شهر رمضان ~~من سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. وحمل في تابوت إلى الرقة، ودفن بها. # وكان قاضي حلب في أيامه أبا جعفر أحمد بن إسحاق قاضي أبيه، ثم ولي قضاءها ~~رجل هاشمي يقال له ابن الخشاب، ثم ولي الشريف أبو علي الحسن بن محمد ~~الحسيني والد الشريف أبي الغنائم النسابة، وكان زاهدا عالما ولاه سعد ~~الدولة قضاء حلب وعزل ابن الخشاب عنه في سنة ثلاث ms068 وستين، # ودام في ولايته إلى تسع وسبعين وثلاثمائة، وولي بعده أبو محمد عبيد الله ~~بن محمد. # وكان العزيز أرسل إلى سعد الدولة يسأله إطلاق أولاد بكجور وتسييرهم إلى ~~مصر فأهان الرسول، ولم يقبل الشفاعة، وورد عليه جواب متوعد متهدد. PageV01P104 ### | القسم السابع سعيد الدولة الحمداني 381 - 392 هجرية # ثم إن غلمان سعد الدولة ملكوا ابنه أبا الفضائل سعيدا، ولقبوه سعيد ~~الدولة، ونصبوه مكان أبيه في يوم الأحد. وصار المدبر له وصاحب جيشه من ~~الغلمان الأمير أبو محمد لؤلؤ الكبير السيفي، فاستولى على الأمور وزوج ~~ابنته سعيد الدولة، فرفع المظالم والرسوم المقررة على الرعية من مال ~~الهدنة. ورد الخراج إلى رسمه الأول، ورد على الحلبيين أملاكا كان اغتصبها ~~أبوه وجده. # وطمع العزيز صاحب مصر في حلب، فاستصغر سعيد الدولة بن سعد الدولة، فكتب ~~إلى أمير الجيوش بنجوتكين التركي، وكان أمير الجيوش واليا بدمشق من قبل ~~العزيز وأمره بالمسير إلى حلب وفتحها، فنزل في جيوش عظيمة ومدبر الجيش أبو ~~الفضائل صالح بن علي الروذباري. # فنزل على حلب في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وفتح حمص وحماة في طريقه، ~~وحصر حلب مدة، فبذل له سعيد الدولة أموالا كثيرة على أن يرحل عنه وعلى أن ~~يكون في الطاعة، ويقيم الدعوة، ويضرب السكة باسم العزيز، ويكتب اسمه على ~~البنود في سائر أعماله. # فامتنع من قبول ذلك وقاتل حلب ثلاثة وثلاثين يوما، وضجر أهل حلب فقالوا ~~لابن حمدان: إما أن تدبر أمر البلد وإلا سلمناه. فقال: اصبروا علي ثلاثة ~~أيام، فإن البرجي والي إنطاكية قد سار إلى نصرتي في سبع صلبان. فبلغ ذلك PageV01P105 # بنجوتكين، فاستخلف بعض أصحابه وهم: بشارة القلعي، وابن أبي رمادة، ومعاضد ~~ابن ظالم، في عسكر معهم كبير على باب حلب. # وسار فالتقى البرجي عند جسر الحديد، وبنجوتكين في خمسة وثلاثين ألفا ~~والروم في سبعين ألفا، فانهزم البرجي، وأخذ بنجوتكين سواده وقتل من أصحابه ~~مقتلة عظيمة، وأسر خلقا كثيرا. # فانحاز ابن أخت البرجي إلى حصن عم، فسار بنجوتكين إلى عم، فقاتل حصنها، ~~وفتحه بالسيف، وأسر منها ms069 ابن أخت البرجي، ووالي الحصن، وثلاثمائة بطريق. ~~وحصل عنده ألفا فارس وغنم من عم مالا كثيرا، وأحرقها وما حولها ووجد في عم ~~عشرة آلاف أسير من المسلمين فخرجوا وقاتلوا بين يديه. # وسار إلى أنطاكية فاستاق من بلدها عشرة آلاف جاموس، ومن البقر # والمواشي عددا لا يحصى، وسار من ظاهر أنطاكية في بلاد الروم حتى بلغ ~~مرعش، فقتل، وأسر، وغنم، وخرب، وأحرق. # وعاد إلى عسكره على باب حلب المعروف بباب اليهود، وقاتلها من جميع ~~نواحيها، وكان هذا في جمادى الأولى وجمادى الآخرة، فأقام على حلب إلى ~~انقضاء سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وعاد إلى دمشق. # ثم إنه عاد، وخرج من دمشق في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، ومدبر الجيش ~~أبو سهل منشا بن إبراهيم اليهودي القزاز فنزلوا شيزر وقاتلوها، وفتحوها، ~~وأمنوا سوسن الغلام الحمداني وكان واليا بها وجميع من كان معه. # وسار بنجوتكين إلى أفامية، فتسلمها من نائب سعيد الدولة ثم سار أمير ~~الجيوش بمن انتخبه من العسكر إلى أنطاكية، فغنموا بقرا وغنما، ورماكا ~~وجواميس، PageV01P106 # وبلغوا نواحي بوقا، وقطعوا بقراس، وعاد العسكر إلى الروج ثم إلى أفامية. # وسار إلى دمشق، وسير العزيز أبا الحسن علي بن الحسين بن المغربي الكاتب، ~~الذي كان وزيرا لسعد الدولة أبي المعالي مر، وفارقه عن وحشة وهو والد ~~الوزير أبي القاسم بن المغربي في المحرم من سنة أربع وثمانين # وثلاثمائة، من مصر إلى بنجوتكين ليجعله مدبر جيشه والناظر في أعمال الشام ~~إن فتحت، لخبرته بتلك الناحية. وسار معه عسكر كثير فوصل إلى دمشق. # وسار منها بنجوتكين وابن المغربي في ثلانين ألف مقاتل، فوصلوا إلى ظاهر ~~حلب في شهر ربيع الآخر، وضيق عليها بالحصار، فاستتجد سعيد الدولة ولؤلؤ ~~بالروم، فخرج البطريق البرجي والي أنطاكية بعساكر الروم فنزل بالأرواج، على ~~المقطعات على المخاض، وبث سراياه، ورتب قوما يغيرون على أعمال حلب ويمنعون ~~المتعلفة. # وسار بنجوتكين فنزل مقابلهم، وسار عسكر حلب وفيهم الأمير رباح الحمداني ~~وكبار الحمدانية، فنزلوا مع الروم على مخاضة أخرى، فقطع المغاربة الماء، ~~وعبروا إليهم، وأنفذ بنجوتكين العرب ms070 مع قطعة من عسكره للقاء الحلبيين، فحين ~~أشرفوا عليهم انهزموا عن المخاضة، ونهبتهم العرب. # فحين شاهد الروم ذلك انهزموا، وتخلوا عن البرجي، واضطروه إلى الهزيمة، ~~وتبعهم المغاربة مع بنجوتكين في يوم الجمعة لست خلت من شعبان سنة أربع ~~وثمانين وثلاثمائة، فظفر بهم، وغنم الأموال والرجال والخيل التي لا تحصى، ~~وقتل خلقا كثيرا، وأسر خلقا كثيرا من الروم، وسار فنزل على عزاز فأخذها. # ثم عاد إلى حصار حلب فبنى مدينة بازائها وشتى بها وآثار العمارة التي ~~تظهر حول نهر قويق هي آثار تلك العمائر ولم يزل على حلب إلى أن انقضت سنة ~~أربع وثمانين، وكان حصارهم حلب أحد عشر شهرا، وأكلوا الخيل والحمير. # وأنفذ أبو الفضائل سعيد الدولة ولؤلؤ أبا علي بن دريس إلى باسيل ملك ~~الروم بالقسطنطينية، يستنجدانه، وكانت له على حلب قطيعة تحمل إليه، وقالا ~~له: ما نريد منك قتالا إنما نريد أن تجفله. PageV01P107 # فخرج باسيل في ثلاثة عشر ألفا، وعسكر بنجوتكين لا خير معهم لباسيل فسير ~~باسيل جواسيس، وقال لهم: امضوا إلى العسكر، وأعلموهم بي. وكانت دواب أمير ~~الجيوش بمرج أفامية، في الربيع، فلما أخبر الجواسيس عسكر أمير الجيوش بوصول ~~باسيل إلى العمق، ضرب جميع آلته بالتار، ورحل إلى قنسرين، فصارت هزيمة. # وجاء باسيل ملك الروم، فنزل موضعهم، فلم يمله، وكان قد خرج أبو الفضائل ~~إلى ملك الروم، وشكره على ما فعل من رحيل بنجوتكين، ومعه هدية جليلة القدر ~~فقبلها منه، ثم أعادها إلى حلب ووهب له القطيعة التي كانت له على حلب في ~~تلك السنة، فقال قسطنطين لأخيه الملك باسيل: خذ حلب، والشام ما يمتنع منك. ~~فقال: ما تسمع الملوك أني خرجت أعين قوما فغدرت بهم. فقال له بعض أصحابه: ~~ليست حلب غالية بغدرة. فقال الملك: بلى ولو أنها الدنيا. # وكان إذا خرج أبو الفضائل إلى ملك الروم أقام لؤلؤ بحلب، وإذا خرج لؤلؤ ~~أقام أبو الفضائل. وكان قد ضاق صدر أبي الفضائل لطول الحصار، وأراد تسليم ~~حلب إلى بنجوتكين. # فتوجع لؤلؤ فركب إليه أبو الفضائل يعوده، ms071 فحجبه ساعة، فشق عليه، وانصرف ~~مغضبا فلحقه لؤلؤ وقال له: " ما كنت عليلا، وإنما أردت أن أعلمك أنك متى ~~مضيت إلى غير هذا البلد أنك تحجب على أبواب الناس، وقد شق عليك أني حجبتك، ~~وأنا عبدك، والبلد بلدك. فرجع إلى قول لؤلؤ. # وعصى رباح السيفي بالمعرة على مولاه أبي الفضائل، فخرج إليه مع لؤلؤ في ~~سنة ست وثمانين، وانحاز إلى المغاربة، فخرج أبو الفضائل ولؤلؤ وحصراه مدة، ~~فورد بنجوتكين لنجدته فانهزما ودخلا حلب. # وخرج باسيل إلى أفامية بعد وقعة جرت للروم مع المغاربة فجمع عظام القتلى ~~من الروم، وصلى عليهم ودفنهم، وسار إلى شيزر ففتحها بالأمان من المغاربة، ~~وذلك في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. # وسار ملك الروم إلى وادي حيران، فسبى منه خلقا عظيما من # المسلمين، PageV01P108 # وخرج إليه أبو الفضائل من حلب إلى شيزر، فأكرمه وقال له: قد وهبت لك حلب. ~~ووهب لأبي الفضائل في جملة ما وهبه سطيل ذهب، وقال: اشرب بهذا. ### || موت سعيد الدولة # ومات أبو الفضائل سعيد الدولة، ليلة السبت النصف من صفر سنة اثنتين ~~وتسعين وثلاثمائة، سقته جارية سما، فمات. وقيل: إن لؤلؤ دس عليه ذلك وعلى ~~ابتته زوجة أبي الفضائل، فماتا جميعا. # وكان قاضي حلب في أيامه عبيد الله بن محمد بن أحمد القاضي أبا محمد. PageV01P109 ### | القسم الثامن ولدا سعيد الدولة علي وشريف # وملك لؤلؤ السيفي ولديه أبا الحسن عليا وأبا المعالي شريفا ابني سعيد ~~الدولة، واستولى لؤلؤ على تدبير ملكهما، وليس إليهما شيء. # وخاف لؤلؤ على حصن كفر روما، وحصن عار، وحصن أروح، أن يقصد فيها، فهدمها ~~جميعا سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. ### || لؤلؤ الكبير # وأحب لؤلؤ التفرد بالملك، فسير أبا الحسن وأبا المعالي ابني سعيد الدولة ~~عن حلب إلى مصر مع حرم سعد الدولة، في سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. وحصل ~~الأمر له ولولده مرتضى الدولة أبي نصر ### || منصور بن لؤلؤ # وقبض لؤلؤ على أحمد بن الحسين الأصفر بخديعة خدعه بها وذلك أنه طلب أن ~~يدخل إليه إلى حلب، وأوهمه أن يصير من قبله، فلما ms072 حصل عنده قبض عليه، وجعله ~~في القلعة مكرما، لأنه كان يهول به على الروم. # وكان هذا الأضفر قد عبر من الجزيرة إلى الشام مظهرا غزو الروم، فتبعه ~~خلق، عظيم، وكان يكون في اليوم في ثلاثين ألفا ثم يصير في يوم أخر في عشرة ~~آلاف وأكثر وأقل. # ونزل على شيزر وطال أمره فاشتكاه باسيل ملك الروم إلى الحاكم، فسير إليه ~~والي دمشق في عسكر عظيم فطرده عنها ودام الأصفر معتقلا في قلعة حلب إلى أن ~~حصلت للمغاربة في سنة ست وأربعمائة. # وتوفي قاضي حلب أبو طاهر صالح بن جعفر بن عبد الوهاب بن أحمد PageV01P111 # الصالحي الهاشمي، مؤلف كتاب الحنين إلى الأوطان، في سنة سبع وتسعين ~~وثلاثمائة. وكان فاضلا، وأظن أن ولايته القضاء كانت بعد أيام سعيد الدولة، ~~بعد القاضي أبي محمد عبيد الله بن محمد بن أحمد. # وولى لؤلؤ قضاء حلب في هذه السنة أبا الفضل عبد الواحد بن أحمد بن الفضل ~~الهاشمي. # وتوفي لؤلؤ الكبير بحلب في سلخ ذي الحجة من سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. ~~وقيل: ليلة الأحد مستهل المحرم سنة أربعمائة، ودفن بحلب، في مسجده المعروف ~~به، فيما بين باب اليهود وباب الجنان، وكانت داره القصر بباب الجنان، وله ~~منها إلى المسجد سرب يدخل فيه إلى المسجد، فيصلي فيه. # وكان لؤلؤ يعرف بلؤلؤ الحجراجي، ويعرف بذلك لأنه كان مولى حجراج، أحد ~~غلمان سيف الدولة، فأخذه منه وسماه لؤلؤ الكبير. وكان عاقلا محبا للعدل، ~~شهما وظهرت منه في بعض غزوات سيف الدولة شهامة، فتقدم على جماعة رفقته من ~~السيفية والسعدية. # منصور بن لؤلؤ # وتقررت إمارة حلب بعده لابنه أبي نصر منصور بن لؤلؤ ولقب مرتضى الدوله، ~~وكان ظالما عسوفا، فأبغضه الحلبيون وهجوه هجوا كثيرا فمما قيل فيه: # لم تلقب وإنما قيل فألا ... مرتضى الدولة التي أنت فيها # وسير مرتضى الدولة ولديه أبا الغنائم وأبا البركات إلى الحاكم وافدين ~~عليه، فأعطاهما مالا جسيما، وأقطعهما سبع ضياع في بلد فلسطين، ولقب أباها ~~مرتضى الدولة، وكان ذلك قبل موت لؤلؤ بسنة. ### || أبو الهيجاء ms073 بن سعد الدولة # وكان لسعد الدولة بن سيف الدولة بحلب ولد يقال له أبو الهيجاء، وكان قد ~~أوصى سعد الدولة لؤلؤا لما مات به، فلما أن ملك لؤلؤ خاف منه، وضيق عليه ~~لؤلؤ PageV01P112 # ومرتضى الدولة، وكان قد صاهر ممهد الدولة أبا منصور أحمد بن مروان صاحب ~~ديار بكر على ابنته، وأظن ذلك كان في أيام أبيه. # فخاف أبو الهيجاء من لؤلؤ وابنه مرتضى الدولة، فتحدث مع رجل نصراني يعرف ~~بملكونا كان تاجرا وبزازا لمرتضى الدولة، فأخرجه من حلب هاربا، والتجأ إلى ~~ملك الروم فلقبه الماخسطرس. # فلما كثر ظلم منصور وعسفه رغب الرعية وبنو كلاب المتدبرون ببلد حلب في ~~أبي الهيجاء بن سعد الدولة، وكاتبوا صهره ممهد الدولة بن مروان في مكاتبة ~~باسيل ملك الروم في إنفاذه إليهم. # فأنفذ إلى الملك يسأله تسيير أبي الهيجاء إليه ليتعاضدا على حلب، ويكون ~~من قبله من حيث لا يكلفه إنجاده برجال ولا مال. # فأذن باسيل لأبي الهيجاء في ذلك، فوصل إلى صهر بميافارقين، فسير معه ~~مائتي فارس وخزانه، وكاتب بني كلاب بالانضمام إليه. # وسار قاصدا حلب في سنة أربعمائة فخافه منصور، ورأى أن يستصلح بني كلاب ~~ويقطعهم عنه، لتضعف منته، فراسلهم ووعدهم بإقطاعات سنية، وحلف لهم أن ~~يساهمهم أعمال حلب البرانية. # واستنجد مرتضى الدولة بالحاكم، وشرط له أن يقيم بحلب واليا من قبله، ~~فأنفذ إليه عسكر طرابلس مع القاضي علي بن عبد الواحد ابن حيدرة قاضي ~~طرابلس، وأبي سعادة القائد والي طرابلس، في عسكر كثيف فالتقوا بالنقرة. # وتقاعد العرب عن أبي الهيجاء لما تقدم من وعود مرتضى الدولة لهم، # فانهزم أبو الهيجاء راجعا إلى بلد الروم ونهبت خيامه وجميع ما كان معه. # ثم دخل إلى القسطنطينية فأقام بها إلى أن مات. # وكان الحاكم قد كتب لمنصور بن لؤلؤ في شهر رمضان من سنة أربع وأربعمائة PageV01P113 # سجلا، وقرىء في القصر بالقاهرة، بتمليكه حلب وأعمالها ولقب فيه بمرتضى ~~الدولة. # وكان في قلعة عزاز غلام من غلمان مرتضى الدولة فاتهمه في أمر أبي ~~الهيجاء، فطلب مرتضى الدولة ms074 من النزول فلم يفعل، وخاف منه وقال: ما أسلمها ~~إلا إلى القاضي ابن حيدرة فسلمها إليه. # وكتب القاضي فيها كتابا إلى الحاكم، وسلمها إلى مرتضى الدولة، فنقم عليه، ~~وقتله بعد ذلك. # وأما أبو الهيجاء فأقام بالروم إلى أن مات. # وعاد قاضي طرابلس إلى منصور يطلب منه ما كان وعده به، فدافعه، فرجع إلى ~~طرابلس خائبا. # وكان أبو المعالي بن سعيد الدولة بمصر، فسيره الحاكم بعساكر المغاربة إلى ~~حلب، فوصل معرة النعمان في سنة اثنتين وأربعمائة، وأرادت العرب الغدر به، ~~وبيعه من مرتضى الدولة، لأنهم أغاروا. وركب يريدهم، فأخذه مضيء الدولة نصر ~~الله بن نزال ورده إلى العسكر، ورجع فمات بمصر. ### || مرتضى الدولة وصالح بن مرداس # وأما بنو كلاب فانهم طلبوا من مرتضى الدولة ما شرطه لهم من الإقطاع، ~~فدافعهم عنه، فتسلطوا على بلد حلب، وعاثوا فيه، وأفسدوا، ورعوا الأشجار ~~وقطعوها، وضيقوا على مرتضى الدولة، فشرع في الاحتيال عليهم، وأظهر الرغبة ~~في استقامة الحال بينهم وبينه وطلبهم أن يدخلوا إليه ليحالفهم ويقطعهم ~~ويحضروا طعامه، واتخذ لهم طعاما. # فلما حصلوا بحلب مد لهم السماط وأكلوا وغلقت أبواب المدينة، وقيد ~~الأمراء: وفيهم صالح بن مرداس، وفيهم أبو حامد وجامع ابنا زائدة. وجعل كبار ~~الأمراء بالقلعة، ومن دونهم بالهزي. وقتل منهم أكثر من ألف رجل، وذلك PageV01P114 # لليلتين خلتا من ذي القعدة من سنة اثنتين وأربعمائة. # فجمع مقلد بن زائدة من كان من بني كلاب خارج حلب، وأجفل بالبيوت، ونزل ~~بهم كفر طاب وقاتلها، فرماه ديلمي اسمه بندار فقتله، في # أوائل سنة ثلاث وأربعمائة. وكان مرتضى الدولة قد أخرج أخويه أبا حامد ~~وجامعا وغيرهما، وجعلهم في حجرة، وجعل فيها بسطا، وأكرمهم لأجل مقلد. فلما ~~جاءه خبر قتله أنفذ إليهم يعزيهم به فقال بعضهم لبعض: اليوم حبسنا. # وسير مرتضى الدولة إلى صالح بن مرداس، وهو في الحبس، وألزمه بطلاق زوجته ~~طرود، وكانت من أجمل أهل عصرها، فطلقها، وتزوجها منصور، وهي أم عطية بن ~~صالح، وإليها ينسب مشهد طرود، خارج باب الجنان، في طرف الحلبة. وبه دفن ms075 ~~عطية ابنها ومات أكثر المحبسين بالقلعة في الضر، والهوان، والقلة، والجوع. # وكان مرتضى الدولة في بعض الأوقات إذا شرب يعزم على قتل صالح، لحنقه عليه ~~من طول لسانه، وشجاعته. فبلغ ذلك صالحا، فخاف على نفسه، وركب الصعب في ~~تخليصها واحتال حتى وصل إليه في طعامه مبرد فبرد حلقة قيده الواحدة، وفكها ~~وصعبت الأخرى عليه، فشد القيد في ساقه، ونقب حائط السجن، وخرج منه في ~~الليل، وتدلى من القلعة إلى التل، وألقى نفسه فوقع سالما ليلة الجمعة مستهل ~~المحرم سنة خمس وأربعمائة. # واستتر في مغارة بجبل جوشن، وكثر الطلب له والبحث عنه، عند الصباح فلم ~~يوقف له على خبر، ولحق بالحلة، واجتمعت إليه بنو كلاب، وقويت نفوسهم ~~بخلاصه، وبعد ستة أيام ظفر صالح بغلام لمنصور كان قد # أعطاه سيف صالح، فاستعاده منه وأيقن بالظفر، وتفاءل بذلك. # ولما كان اليوم العاشر من صفر نزل صالح بتل حاصد من ضياع النقرة يريد PageV01P115 # قسمتها، بعد أن جمع العرب واستصرخهم، وكان يعلم صالح محبة مرتضى الدولة ~~لتل حاصد. # فحين علم منصور بنزول صالح على تل حاصد، رأى أن يعاجله قبل وصول المدد ~~إليه، فجمع جنده، وحشد جميع من بحلب من الأوباش، والسوقة، والنصارى، ~~واليهود وألزمهم بالسير معه إلى قتال صالح، فخرجوا ليلة الخميس ثاني عشر ~~صفر من سنة خمس وأربعمائة. # وبلغني: أن مرتضى الدولة لما وصل إلى جبرين تطير وقال: جبرنا فلما وصل ~~بوشلا قال: شللنا فلما وصل تل حاصد قال: حصدنا. # وأصبح عليهم يوم شديد الحر فماطلهم صالح باللقاء، إلى أن عطش العوام ~~وجاعوا وسير جاسوسا إلى العسكر فجاء وأخبره أن معظم عسكره # من اليهود، والنصارى، وأنه سمع يهوديا يقول لأخر بلغتهم: والك حفيظه ~~اطعزه واتأخر، وإياك يكون خلفه أخر يطعزك بمطعازه، ويخغب بيتك للدواغيث. # فقوي طمع صالح فيهم، وحمل عليهم فكسرهم، وأسر مرتضى الدولة، وسالم بن ~~مستفاد أبا المرجا الحمداني وخلقا غيرهما. # وقتل جمع كثير من العسكر ومقدار ألفي راجل من العوام، وآثار عظامهم إلى ~~اليوم مدفونة في أرجام حجارة شبيهة بالتلال، فيما ms076 بين تل حاصد وبوشلا. # وانهزم أبو الجيش وأبو سالم أخو مرتضى الدولة، وقصد القلعة فضبطها أبو ~~الجيش المفلول، وضبط البلد أخوه أبو الجيش وأمه. # وحدث بنو كلاب أنهم لم يروا ولم يسمعوا بأشجع من مرتضى الدولة، وأنه لو ~~لم يقف به الحصان ما وصلوا إليه، وأنه لما وقف به الحصان لم يقدم عليه أحد PageV01P116 # حتى جاءه صالح، فقال: إلي يا مولانا فرمى السيف من يده، فلما رماه تقربوا ~~منه وأخذه صالح فقيده بالقيد الذي كان في رجله. # وكان بين هرب صالح وأسره مرتضى الدولة أحد وأربعون يوما. ورأى صالح أنه ~~لا قدرة له على أخذ البلد لضبطه بأبي الجيش، فرأى # أن يوقع الصلح، فتراسلوا في ذلك، وأشركوا أبا الجيش في تقرير ذلك، فخرج ~~مشاريخ من أهل حلب من أبي الجيش في حديث الصلح وتقريره. # فلما وصلوا إلى صالح سلموا عليه غير هائبين له ولا مبخلين، لقرب عهدهم ~~برؤيته أسيرا حقيرا، وكلموه بكلام جاف، وراددوه في شروط شرطها عليهم، فأحس ~~منهم بذلك، فقال لهم: قبل أن نتفرق بيننا أمر، اجتمعوا بأميركم، وشاوروه ~~فيما تتحدثون به معي من الشروط. # قال: فقاموا، ودخلوا على مرتضى الدولة، وفيهم الشاهدان الفذان شهدا على ~~صالح بطلاق طرود، فوجدوا مرتضى الدولة على أقبح صورة مكشوف الرأس، على قطعة ~~من كساء خلق، والقيد قد أثر في ساقيه فاحتقروه، وعظم صالح في أعينهم، ~~فهنأوه بالسلامة، فقال: سلامة العطب أصلح منها، ثم قال: إن الأمير صالح ~~يطلب مني طلاق طرود، فاشهدوا علي أنها طالق، ويطلب مني تسليم حلب، ولست ~~الآن مالكها فدبروا الأمر على حسب ما ترونه ويستصوبه أخي أبو الجيش، الذي ~~هو الآن المستولي على القلعة والمدينة. # فلم يزالوا يترددون بينهما ويدخلون إلى حلب، ويشاورون أبا الجيش إلى أن ~~استقر الأمر مع صالح بعد التضرع إليه وسؤاله باللطف في كلام خلاف ما بدأوه ~~به على أن يطلق منصور على أن يحمل إليه خمسين ألف دينار عينا ومائة وعشرين ~~رطلا بالحلبي فضة، وخمسمائة قطعة ثياب أصنافا مختلفة، ويطلق جميع من ms077 في ~~الحبوس من بني كلاب وحرمهم، وأن يقاسمه # باطن حلب وظاهرها شطرين، ويجعل ارتفاع ذلك نصفين، وأن يزوجه مرتضى الدولة ~~بابنته. # فأجاب إلى ذلك ووقعت اليمين عليه، وأخرج إلى صالح أمه بجيلا وزوجته أم PageV01P117 # الكرم ابنة رباح السيفي، وأولاده منها: أبا الغنائم، وأبا علي، وأبا ~~الحسن، وأبا البركات، رهائن على المال. # وأطلق مرتضى الدولة فدخل إلى حلب يوم السبت لسبع بقين من صفر سنة خمس ~~وأربعمائة، فلما حمل المال إلى صالح، خلى سبيل الرهائن، وباع كل واحد من ~~العرب ما حصل في يده من الغنيمة والأسارى من الجند وغيرهم من الرعية ~~المسلمين وأهل الذمة لأهاليهم بما اتفق، واستغنى العرب وقويت شوكتهم. # ولما حصل منصور إلى حلب عاد إلى عادته الأولى في الغدر، ومنع صالحا ما ~~صالحه عليه من ارتفاع البلاد والتزوج بابنته، فضيق صالح عليه، وحاربه، ومنع ~~الميرة أن تدخل إليه حتى ضاقت على الرعية فكرهوه. # وانضاف إلى ذلك أنه وقعت التهمة بين مرتضى الدولة وبين غلامه فتح القلعي ~~وكان والي القلعة في العاشر من شهر رجب من سنة ست، فاتهمه بأنه هو الذي هرب ~~صالحا، وتتابع لومه له، وقال: لولا قلة تحفظه وتضجيعه # في الاحتياط على صالح لما هرب من السجن، وهذه المحن كلها بسببه. وتواعده. # وعزم على أن يولي قلعة حلب صاحبا له يعرف بسرور، فأسر ذلك إليه فنم الخبر ~~من سرور إلى رجل يقال له ابن غانم صديق لفتح، فأطلعه على ذلك، فخاف فتح ~~القلعي منه، فوافق المقيمين معه على العصيان، فأجابوه إلى ذلك. # وطلب نزوله فتعلل، وأخذ حذره منه، ثم كاشفه بالعصيان، فصعدت إليه بجيلا، ~~والدة مرتضى الدولة وعنفته، فلم يصغ إلى قولها، فقالت له: كيف تفعل هذا مع ~~ابن سيدك. لأنه كان مولى لؤلؤ السيفي فقال، كما فعل هو وأبوه بأولاد سيده ~~يعني بولدي سعد الدولة: أبي الفضائل وأبي الهيجاء. # ثم أنفذ فتح إلية وقال له: إما أن تخرج من حلب، وإلا سلمت القلعة إلى PageV01P118 # صالح. فبينا مرتضى الدولة في قصره العتيق بباب الجنان، في ms078 ليلة السبت لست ~~بقين من شهر رجب سنة ست وأربعمائة، إذ ضربت البوقات والطبول على القلعة، ~~وصاح من فيها: الحاكم يا منصور صالح يا منصور فظن منصور أن صالحا قد حصل في ~~القلعة، ففتح باب الجنان، وهرب هو وأخوه، وأولاده، ومن تبعه من غلمانه إلى ~~أنطاكية، وأخذ معه ما قدر على حمله من المال. # فلما علم أهل حلب بخروجه قصدوا داره، فأخذوا منها من الذهب والفضة ~~والمراكب والأثاث ثمانين ألفا من الدنانير. # وأخذ في جملة ما نهب له ثمانية وعشرون ألفا من الدفاتر المجلدة، وكانت ~~مفهرسة بخطه في درج، ونهبوا دور إخوته ودور بعض النصارى واليهود. # ووصل مرتضى الدولة إلى أنطاكية لخمس بقين من شهر رجب، فطالع قطبان ~~أنطاكية الملك باسيل بهرب منصور إليه، فأنفذ إليه يأمره بإكرامه، وأن ~~يواصله براتب وإقامة، وكذلك برزق أجناده وأصحابه، ففعل ذلك، وكان جملتهم ~~سبعمائة رجل من فارس وراجل، وأن لا ينقصه في المخاطبة والكرامة من الرسم ~~الذي كان يخاطبه به في أيام إمارته، وأمر أن يلفب بالماخسطرس. # واستدعى الملك إخوته وابنيه أبا الغنائم وأبا البركات، فخلع عليهم، وأنفذ ~~على أيديهم توقيعا بإقطاع عدة ضياع له ولهم، وكان من جملتها شيح ليلون، ~~فعمر مرتضى الدولة حصنها، وسكن فيه ليقرب عليه ما يحتاج إلى معرفته من أمور ~~حلب. # وأما مرتضى الدولة فإنه عمر إلى أن قدم أرمانوس من القسطنطينية، ونزل على ~~تبل في سنة إحد وعشرين وأربعمائة، وكان معه إذ ذاك. وتوفي بعد ذلك. PageV01P119 ### | القسم التاسع حلب والفاطميون ### || فتح القلعي مبارك الدولة # وأما فتح القلعي أبو نصر فإنه نادى بشعار الحاكم صاحب مصر، وصالح صالح بن ~~مرداس على نصف الارتفاع ظاهرا وباطنا، وسلم إليه حرم منصور وحرم إخوته ~~وأولاده، ليسيرهم إلى ابن لؤلؤ إلى أنطاكية، وفي الجملة بنته التي وعده أن ~~يزوجه بها، فأخرجهم صالح إلى الحلة وضبط عنده بنته التي وعده بتزويجها منه، ~~ودخل إليها وأنفذ إليه بقية الحرم. # وتسلم صالح الأعمال والضياع التي تقرر مع ابن لؤلؤ أن يدفعها إليه. ~~واستدعى والي أفامية ms079 أبا الحسن علي بن أحمد العجمي المعروف بالضيف، فأنزله ~~بالمدينة بالقصر بباب الجنان، في أوائل شعبان من سنة ست وأربعمائة. # وبقي فتح بالقلعة فأحسن الضيف السيرة، ورد على الحلبيين ما كان قد اغتصبه ~~سيف الدولة وولده من أملاكهم، وبالغ في العدل. # وكاتب فتح الحاكم يخبره بما فعل، فوردت مكاتبة الحاكم إليه يتضمن شكره ~~على ما فعل، ولقبه مبارك الدولة وسعيدها. # وكتب إلى أبي الحسن الضيف يأمره بمعاضدته، ولقبه سديد الدولة، وكتب إلى ~~صالح بن مرداس يأمره بالإتفاق معهما، ولقبه أسد الدولة. # وكتب لأهل حلب توقيعا بإطلاق المكوس والمظالم، والصفح عن الخراج، وهو ~~عندي متوج بعلامة الحاكم عليه: الحمد لله رب العالمين. PageV01P121 # بسم الله الرحمن الرحيم. # هذا من أمر الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين لجميع أهل حلب ~~وأعمالها. # إنه لما انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنتم فيه من الظلمة المدلهمة، وقبيح ~~ظفر من يتولى أموركم في المعاملات وزيادتهم عليكم في الخراج والجبايات، ~~إضعافا لكم، وعدولا عن سنن الحق بكم، أمر زاد الله أمره علوا ونفاذا بإطلاق ~~المؤن من دار كوره ونظائرها، والصفح عن الواجب عليكم من مال الخراج ~~لاستقبال سنة سبع وأربعمائة، لتعلموا أن ضياء الدولة النبوية قد لمع وظهر، ~~وأن حندس الظلام قد انجاب ودثر. # وذكر تمامه. # ووصل من قبل الحاكم والي طرابلس مختار الدولة بن نزال الكتامي، ووالي ~~صيدا مرهف الدولة بحكم التركي، وكانوا جميعا في البلد من قبل الحاكم. # ثم كتب الحاكم إلى حسان بن المفرج بن الجزاح الطائي وعشيرته، وسنان بن ~~عليان الكلبي وعشيرته، بالاحتياط على حفظ حلب، وأتبع ذلك بمكاتبة إلى فتح، ~~يمنيه ويعده الجميل إذا سلم القلعة. فأجاب إلى ذلك تسليمها، وأخذ جميع ما ~~كان بها من الذخائر لمنصور من عين، وورق، ومتاع، وسلاح. ### || فاتك الحاكمي عزيز الدولة # وكتب بولاية صور، فسلم القلعة إلى الأمير عزيز الدولة أبي شجاع فاتك، في ~~شهر رمضان من سنة سبع وأربعمائة. وكان الحاكم قد خلع عليه في جمادى الأولى ~~من سنة سبع وأربعمائة. وحمله على عدة من الخيل ms080 بسروج محلاة بذهب مصفحة، ~~وقلده سيفا ومنطقه بمنطقه وسيره إلى حلب. # وتوجه فتح إلى صور. وولى الضيف بحلب في سنة سبع # وأربعمائة، حين تولى، القاضي أبا جعفر محمد بن أحمد السمناني الحنفي ~~القضاء بحلب. # وكان عزيز الدولة غلاما أرمنيا لبنجوتكين مولى العزيز صاحب مصر. وكان PageV01P122 # بنجوتكين شديد الشغف به، وكان أديبا عاقلا، كريما كبير الهمة. فولاه ~~الحاكم حلب وأعمالها، ولقبه أمير الأمراء، عزيز الدولة، وتاج الملة. ودخل ~~حلب يوم الأحد الثاني من شهر رمضان من سنة سبع وأربعمائة. # وكان محبا للأدب والشعر. وصنف له أبو العلاء بن سليمان رسالة الصاهل ~~والشاحج، وكتاب القائف. # وفيه يقول القائد أبو الخير المفضل بن سعيد العزيزي، شاعره يمدحه، ويذكر ~~وقود قلعة حلب ليلة الميلاد، وكان الغيم قد ستر النجوم: # ابق للمعروف والأدب ... آمنا من صولة النوب # يا عزيز الدولة الملك ال ... منتضى للمجد والحسب # كيف يخشى الدين حادثة ... وعزيز الدين في حلب # سد منه ثغرها بفتى ... لا يشوب الجد باللعب # أضرم العنقاء قلعته ... فبدت في منظرعجب # لزت الأرض السماء بها ... فثنت كشحاعلى وصب # ورمتها بالشرار كما ... رمت الغبراء بالشهب # أوقدت تحت الغمام فما ... يلقها من مزنة يذب # سخنت حوض الحيا فهمى ... بجحيم عنه منسكب # لو تدوم النار نشفه ... حر ما يلقى فلم يصب # ليلة غابت كواكبها ... خجلا منا فلم تؤب # طلعت شمس النهار بها ... والدجى مسدولة الحجب # فلو أن النار لاحقة ... بالنجوم الزهر من كثب # حكت الشماء غانية ... حليت بالدر والذهب # حاربتها الريح فاضطرمت ... غضبة من شدة الغضب # جاذبتها في تغيظها ... شعلا محمرة العذب # ضوءها عمن ألم على ... نأي شهر غير محتجب # يا أمير الآمرين ويا ... مستجار القصد والطلب # قد نفيت الليل عن حطب ... نفي مظلوم بلا سبب PageV01P123 # وتركت الشمس حائرة ... في دجى الظلماء لم تغب # وعزيز الدولة هذا، هو الذي جدد القصر تحت قلعة حلب، وتناهى في عمارته، ~~وحمام القصر كانت له، وجعله ملاصقا لسفح القلعة، وقصد بعمارته قربه إلى ~~القلعة، خوفا ممن جرى لمرتضى الدولة. وكان متصلا بالقلعة وهو الذي أمر ~~بعمارة ms081 القناديل الفضة للمسجد الجامع، وهي باقية إلى الآن واسمه عليها. # وكلف عزيز الدولة أسد الدولة صالح بن مرداس أن يحمل والدته إلى حلب، ~~لتسكن الأنفس ويعلم العوام التئام الكلمة والتضافر على الأعداء، ففعل ذلك ~~في سنة ثمان وأربعمائة. # ثم إن عزيز الدولة تغير عليه الحاكم فعصى عليه، وضرب الدينار والدرهم ~~باسمه بحلب، ودعا لنفسه على المنبر، فأرسل الحاكم إلى الجيوش، وأمرها أن ~~تتجهز إليه في سنة إحدى عشرة وأربعمائة. # فلما بلغ عزيز الدولة ذلك أرسل إلى باسيل ملك الروم يستدعيه ليسلم إليه ~~حلب، فخرج باسيل الملك، فلما بلغ موضعا يعرف بمرج الديباج، بلغ عزيز الدولة ~~وفاة الحاكم، فأرسل إلى باسيل يعلمه إنه قد انتقض ما كان بينهما من الشرط، ~~وأنه إن ظهر كان هو وبنو كلاب حربا له. # فعدل باسيل إلى منازكرد فأخذها من الخزر، وكان الناس قد أجفلوا من ملك ~~الروم إلى حلب، فكانت هذه الجفلة تسمى جفلة عزيز الدولة لأنها بسببه. # ولما اطمأن عزيز الدولة بموت الحاكم، ووصلته من الظاهر الخلع من مصر، ~~ودخل غلام له يدعى تيزون، وكان هنديا، وكان يميل إليه، ودخل في أول الليل ~~عليه، وهو نائم في المركز، وفي يده سيف مجرد مستور في كمه ليقتله، فوجد ~~صبيا من رفقته يغمزه فلما رآه الصبي حرك مولاه ليوقظه، فبادر الهندي، وضرب ~~عزيز الدولة فقتله، وثئى بالصبي، وقتل الهندي. وذلك كله لأربع ليال خلت من ~~شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. PageV01P124 # وعمل شاعره المفضل بن سعيد: # لحمامه المقضي ربي عبده ... ولنحره المفري حد حسامه # وكان الوالي بالقلعة، ومن قبل عزيز الدولة، أبا النجم بدرا التركي مملوكا ~~كان لبنجوتكين مولى عزيز الدولة فاتك، وكانت بينهما في أيام بنجوتكين صداقة ~~ومودة بحكم المرافقة. # فلما تقدم عزيز الدولة قربه واصطفاه، وولاه القلعة بحلب من قبله. وقيل: ~~إنه مملوك لعزيز الدولة، ويعرف ببدر الكبير. وقيل: إنه هو الذي حمل تيزون ~~على قتل عزيز الدولة: فلما قتل استولى على البلد، يوم الأحد العاشر من شهر ~~ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة ms082 وأربعمائة، ولقب وفي الدولة وأمينها. وكان كاتب ~~بدر رجلا يقال له ابن مدبر إلى أن وردت العساكر المصرية من جهة الطاهرة ~~وزعيمها سديد الدولة علي بن أحمد الضيف، فتسلم حلب من وفي الدولة بدر. ### || محمد الكتامي صفي الدولة # ولما دخل الضيف على بحر بكتاب الطاهر، لطف به، واسترسل إليه، وطرح القيد ~~في رجله، وقبض عليه، وأنزله من القلعة، وتسلمها منه، فسلمها إلى صفي الدولة ~~أبي عبد الله محمد ابن وزير الوزراء أبي الحسن علي بن جعفر بن فلاح ~~الكتامي، يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر رجب سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. # وكان صفي الدولة هذا شاعرا أديبا، وأبوه علي وزر للحاكم، وجده جعفر بن ~~فلاح أحد قواد المصريين، ووليت القلعة يمن الدولة سعادة الخادم # المعروف بالقلانسي، وكان تخادما بلحية بيضاء، وكان من أفاضل المسلمين، ~~فيه الدين والعلم، وجعل الطاهر في المدينة واليا، وفي القلعة واليا خوفا أن ~~يبدو من والي حلب ما بدا من عزيز الدولة فاتك. # وعزل صفي الدولة بن فلاح عن حلب، يوم الاثنين النصف من المحرم سنة أربع ~~عشرة وأربعمائة. PageV01P125 ### || ابن ثعبان سند الدولة # وولي حلب الأمير سند الدولة أبو محمد الحسن بن محمد بن ثعبان الكتامي ~~الجيملي، وكان وأهله من وجوه كتامة، وكان واليا بحصن أفامية. وهو الذي كتب ~~إليه أبو العلاء بن سليمان " الرسالة السندية " في مجلد واحد، وكان وزيره ~~أبو سعيد مسبح. # وتوفي سند الدولة بمرض ناله بحلب، يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة. ### || ثعبان سديد الملك # وكان خبر مرضه قد وصل إلى الظاهر، فكتب إلى أخيه سديد الملك أبي الحارث ~~ثعبان بن محمد بن ثعبان إلى تنيس، وكان يليها، أن يسير واليا إلى حلب. # فخرج من تنيس في البحر إلى طرابلس، وسار من طرابلس جريدة فورد إلى حلب، ~~وقد توفي أخوه. وكان وصوله إلى حلب، يوم الأحد السابع عشر من جمادى الأولى ~~سنة خمس عشرة وأربعمائة. # وكان قاضي حلب، في سنة خمس عشرة وأربعمائة أبا أسامة عبد الله ms083 بن أحمد ~~ابن علي أبي أسامة، نيابة عن ابن أبي العوام قاضي مصر عن الظاهر. وولي ~~القلعة أبو الحارث موصوف الخادم الصقلابي الأبيض الحاكمي، من قبل الطاهرة ~~وكان شجاعا، عاقلا، وأقاما فيها واليين أحدهما بالمدينة، والآخر بالقلعة، ~~إلى أن حالف الأمير أبو علي صالح بن مرداس بن إدريس الكلابي سنان بن عليان الكلبي، وحسان ابن المفرج بن الجراح ~~الطائي على الظاهرة وتحالفوا على احتواء الشام، وتقاسموا البلاد. فتكون ~~فلسطين وما برسمها لحسان، ودمشق وما ينسب إليها لسنان، وحلب PageV01P126 # وما معها لصالح. فأنفذ الظاهر إلى فلسطين أنوشتكين الدزبري واليا، فاجتمع ~~الأمراء الثلاثة على حربه، فهزموه إلى عسقلان. # وفتح حسان الرملة بالسيف، في رجب سنة خمس عشرة وأربعمائة. وأحرق أكثرها، ~~ونهبها، وسبى خلقا من النساء والصبيان. PageV01P127 ### | القسم العاشر حلب والمرداسيون ### || صالح بن مرداس # وسير صالح بن مرداس كاتبه أبا منصور سليمان بن طوق، فوصل إلى معرة مصرين، ~~وغلب عليهاة وقبض واليها، وقيده، وسار إلى حلب في جماعة من العرب، لسبع ~~بقين من رجب. فجرى بينه وبين سديد الملك ثعبان وموصوف الخادم، حرب في أيام ~~متفرقة. # وسار صالح بن مرداس إلى حلب، في جمع كثير، ونزلها يوم الأحد لسبع وعشرة ~~ليلة خلت من شهر رمضان من سنة خمس عشرة وأربعمائة، على باب الجنان. وجاب ~~الحلل يوم الاثنين، وحاصرها ستة وخمسين يوما، فوقع خلف بين موصوف والخادم ~~وبين أبي المرجا سالم بن مستفاد غلام سيف الدولة بن حمدان، وكان من كبار ~~القواد بحلب، وداره بالزجاجين، وحمامه أيضا، آثارها باقية إلى وقتنا هذا. # فعزم موصوف على قتل سالم هذا، فجمع سالم جمعا، وفتح باب قنسرين، وخرج إلى ~~صالح، فأخذ منه الأمان لنفسه، ولجميع أهل المدينة. وسلمت المدينة إليه، يوم ~~السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة. # واحتمى سديد الملك بن ثعبان في القصر الملاصق للقلعة، ونصبت المنجنيقات ~~والعرادات عليه وعليها. # ثم إن صالحا رتب أبا المرجا سالم بن المستفاد، وكاتبه سليمان بن طوق على ~~قتال القصر والقلعة بحلب. # وسار إلى فلسطين منجدا حسان بن ms084 المفرج على الدزبري، فإنه جمع، وعاد PageV01P129 # إليه في جيش كثيف، فالتقى الجيشان فكسر الدزبري، وعاد مفلولا. # وأما قلعة حلب فإن الحلبيين نقبوها، ووصل النقب إلى بئرها المعين، وقل ~~الماء فيها، ودام الحصار عليها سبعة أشهر. # وراسل من في القلعة سالما وسليمان في الصلح في عاشر ربيع الآخرة فلم ~~يجيباهم. ونصبوا الصلبان ثلاثة أيام، ودعوا لملك الروم، ولعنوا الطاهر، ~~ونقر الناقوس، وقاتلوا القلعة، ثم نفروا يوم الجمعة ثاني عشر الشهر، وحملوا ~~المصاحف على أطراف الرماح في الأسواق، ونادوا النفير وزحفوا. # فاستأمن جماعة من المغاربة الذين في القلعة، فخلع عليهم، وطيف بهم في ~~المدينة. وبسطت ثياب الديباج والسقلاطون، وبدر المال مقابل القلعة، وبذلت ~~لمن ينزل إلى ابن مستفاد وسليمان مستأمنا. # فلما يئس أهل القلعة من النجدة نزل رجل أسود يعرف بأبي جمعه، وكان عريف ~~المصامدة إلى المدينة، وبقي أياما ينزل من القلعة ويصعد فأفسده سالم بن ~~مستفاد وسليمان بن طوق. # فلما جاء ليطلع القلعة في بعض الأيام تقدم موصوف الخادم والي القلعة برد ~~الباب في وجهه، فصاح إلى أصحابه، فالتفت المصامدة والعبيد في القلعة، ووقع ~~الصوت إلى أهل حلب، فطلعوا إلى القلعة من كل مكان. # ودخلها ابن طوق وابن مستفاد، يوم الأربعاء مستهل جمادى الأولى سنة ست ~~عشرة وأربعمائة وقبض على موصوف الصقلبي وسديد الملك ثعبان، وأبي الفضل بن ~~أبي أسامة. # فأما ثعبان ففدى نفسه بمال دفعه إلى صالح، وأما موصوف فضرب رقبته صبرا ~~بين يديه. وأما القاضي أبو الفضل بن أبي أسامة فدفنه حيا في القلعة. # ولما جدد الملك العزيز أبو المظفر محمد بن غازي رحمه الله الدار الكبرى ~~التي ابتناها بقلعة حلب، وحفر أساسها، وجدوا مطمورة فيها رجل في ساقيه لبنة PageV01P130 # حديد، وهو جالس فيها قد دفن حيا ولم يبق إلا عظامه، وهو على هيئة القاعد ~~فيها. ولا أشك في أنه ابن أبي أسامة المذكور والله أعلم. # وملك صالح في هذه السنة: حمص، وبعلبك، وصيدا، وحصن ابن عكار بناحية ~~طرابلس. وكان في يده الرحبة، ومنبج، وبالس، ورفنية. # وكان، وهو محبوس ms085 بالقلعة عند مرتضى الدولة، قد رأى في المنام كأن إنسانا ~~قد دخل عليه، فألبسه قلنسوة ذهب، ففزج الله عنه، وخرج من السجن، وكان منه ~~ما ذكرنا. # ثم إن الظاهر سير عسكرا مع الدزبري وضم رافع بن أبي الليل إليه وقدمه على ~~الكلبيين، وجهزه إلى محاربة حسان بن المفرج الطائي، لأنه كان قد أخرب ~~الشام، وعاث، وأفسد. # فلما علم حسان بقربه استصرخ صالحا، فتوجه نحوه، فرأى صالح ذلك الشخص في ~~المنام بعينه، قد دخل عليه وانتزع من رأسه القلنسوة الذهب، فتطير من ذلك. ### || نهاية صالح بن مرداس # ولما وصل إلى حسان ونشبت الحرب بينهما وبين الدزبري، وذلك بالموضع ~~المعروف بالأقحوانة على الأردن، طعن صالح فسقط عن فرسه، # طعنه طريف الفزاري فرآه رافع بن أبي الليل فعرفه، فأجهز عليه، وقطع رأسه، ~~وبادر به الدزبري. # وقيل: طعنه رجل يقال له ريحان. وكان أسد الدولة صالح على فرس، فما زال ~~يرمح حتى رماه، وجاءه رافع فأخذ رأسه، وكان مقتله لخمس بقين من شهر ربيع ~~الآخر سنة عشرين وأربعمائة. وقيل: في يوم الأربعاء ثامن جمادى الأولى من ~~السنة. ### || في الوزير تاذرس # وكان قاضي حلب في أيامه القاضي أبا يعلى عبد المنعم بن عبد الكريم بن ~~سنان المعروف بالقاضي الأسود، بعد ابن أبي أسامة، ولي قضاءها سنة ست عشرة، ~~واستمر على القضاء في أيام ابنه شبل الدولة. # وكان وزير صالح تاذرس بن الحسن النصراني، فأخذ في الوقعة وصلب وكان هذا ~~النصراني متمكنا عند صالح، وكان صاحب السيف والقلم. # وقيل: إته كان يترجل له لعنه الله، الولاة والقضاة، فمن دونهم إلا القاضي ~~أبا يعلى عبد المنعم بن عبد الكريم بن PageV01P131 # سنان قاضي حلب، والشيخ أبا الحسن المهذب بن علي بن المهذب فإنه أراد أن ~~يترجل له فحلف أن لا يفعل. # وقيل: إن أهل حاس قرية بمعرة النعمان قتلوا حماه، كان يقال له الخوري، ~~وكان من أهل تلمنس، لأذيته لهم، فحين سمع تاذرس بقتل حميه الخوري، خرج في ~~عسكر حلب، وطلب أهل حاس في الجبال والضياع، وهرب القاتلون ms086 إلى أفامية، ~~فلحقهم، فسلمهم إليه واليها. # فكتب إلى صالح يستأذنه في قتلهم، فأذن له فقتلهم، وصلبهم، فلما أنزلوا عن ~~الخشب ليصلى عليهم ويدفنوا، صلى عليهم خلق عظيم. # وقال الناس حينئذ، يكايدون النصارى: قد رأينا عليهم طيورا بيضا، وما هي ~~إلا الملائكة، فبلغت هذه الكلمة تاذرس لعنه الله فنقمها على أهل المعرة، ~~واعتدها ذنبا لهم. # فاتفق أن صاحت امرأة في الجامع، يوم الجمعة، وذكرت أن صاحب الماخور أراد ~~أن يغصبها نفسها، فنفر كل من في الجامع إلا القاضي والمشايخ، وهدموا ~~الماخور، وأخذوا خشبه، وكان أسد الدولة صالح في صيدا، سنة سبع عشرة ~~وأربعمائة. # فلما توجه إلى حلب، سنة ثمان عشرة، لم يزل به تاذرس حتى اعتقل مشايخ ~~المعرة وأماثلها، فاعتقل منهم سبعين رجلا، وقطع عليهم ألف # دينار وقال له صالح حين لج عليه: أأقتل المهذب أو أبا المجد، بسبب ماخور! ~~ما أفعل! " وقد بلغني أنه دعي لهم في آمد وميافارقين، فغلبه على رأيه، ~~فبقوا في الاعتقال في الحصن، سبعين يوما، إلى أن اجتاز صالح بالمعرة، ~~واستدعى أبا العلاء ابن سليمان بظاهر المعرة. PageV01P132 # فلما حصل عنده بالمجلس قال له الشيخ أبو العلاء، ساعيا فيهم: مولانا ~~السيد الأجل أسد الدولة ومقدمها وناصحها، كالنهار الماتع، اشتد هجيره، وطاب ~~أبرداه، وكالسيف القاطع، لأن صفحه، وخشن حداه، " خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين " فقال صالح: " قد وهبتهم لك أيها الشيخ ". ولم يعلم أبو ~~العلاء بما قطع عليهم من المال فأخذ منهم. ثم قال أبو العلاء شعرا: # تغيبت في منزلي برهة ... ستيرالعيوب فقيد الحسد # فلما مضى العمر إلا الأقل ... وحم لروحي فراق الجسد # بعثت شفيعا إلى صالح ... وذاك من القوم رأي فسد # فيسمع مني سجع الحمام ... وأسمع منه زئيرالأسد # فلا يعجبني هذا النفاق ... فكم نفقت محنة ما كسد PageV01P133 ### | القسم الحادي عشر ثانيا نصر بن صالح بن مرداس ### || حرب الأخوين # ولما قتل صالح بن مرداس، ملك حلب بعده ابناه معز الدولة أبو علوان ثمال ~~في القلعة، وشبل الدولة نصر في المدينة. # وأوقعا في هذه السنة على قيبار ms087 بقطبان أنطاكية ميخائيل الخادم. وكان قصد ~~بلد حلب بغير أمر الملك ولاطفه ثمال ونصر، فلم يرجع عن قصد بلد حلب، فكبساه ~~في قيبار، وهو يقاتل حصنها وقتل جماعة من الفريقين، وانهزم عسكر الروم يوم ~~الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة. # ثم استعطفاه واستقامت الحال بينهم، وداما على ذلك إلى أن جرى بين معز ~~الدولة ثمال وبين زوجته كلام، فغضبت عليه، وخرجت إلى الحلة بظاهر حلب، فأمر ~~ثمال أن يصاغ لها لآلكة من ذهب مرصعة بالجواهر # فلما استوت أخذها في كمه وخرج. # فحين علم نصر ركب واجتاز تحت القلعة، كأنه يريد الخروج من باب PageV01P135 # العراق، في جماعة من أصحابه، وجذب سيفه لما قارب باب القلعة، وهجمها فلم ~~يمانعه أحد من الأجناد لهيبته، وتبعه أصحابه مجردين سيوفهم، فجلس في المركز ~~وقال: إن من قدم أخي علي فقد أساء لأنني أولى بمداراة الرجال، وهو أولى ~~بمداراة النساء. # ومن ذلك اليوم جعل لأبواب قلعة حلب سلسلة تمنع الراكب الصعود فجاء، ورسم ~~أن لا يدخلها أحد متقلدا سيفا، ولو أنه أقرب الناس مودة إلى مالكها. # فتفرد نصر بالأمر في القلعة والبلد، وذلك في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. ~~وكان وزيره أبا الفرج المؤمل بن يوسف الشماس، الذي ينسب إليه حمام الشماس ~~بحلب، في الجلوم، وكان نصرانيا وكان حسن التدبير، محبا لفعل الخير وكان ~~أخوه ناظرا في البلد البراني، فعمره، وعمر المساجد البرانية. # فجمع أبو علوان ثمال بن صالح الأعراب، وعزم على منازلة أخيه نصر، فسير ~~نصر إلى ملك الروم أرمانوس وكان قد هلك باسيل في سنة # خمس عشرة، وولي أرمانوس يستدعيه إلى حلب فخرج على ما قيل في ستمائة ألف ~~حتى وصل إلى أنطاكية. # فتوسط مقدمو العرب بين نصر وثمال، ووقفوا بينهما على أن يكون لنصر حلب، ~~ولثمال بالس والرحبة، فرجع نصر عما كان راسل به ملك الروم. ### || نصر والروم # وأرسل ابن عمه مقلد بن كامل بن مرداس إلى ملك الروم، يسأله أن لا يقصده، ~~ويحمل إليه من القطيعة ما كان يحمله أولاد سيف الدولة إلى ms088 باسيل، فأبى ~~واعتقل مقلد بن كامل عنده، فحين تحقق رجوع نصر عن رأيه الأول جبن وضعف عن ~~منازلة حلب. # وسار من أنطاكية إلى قيبار في بضعة عشر يوما، وكسرت سرية له عرب حلب، ~~وكانوا قد طاردوا عسكر الروم، فاستظهر الروم عليهم، وكان معه ملك PageV01P136 # البلغر، وملك الروس، والأبخاز، والخزر، والأرمن والبجناك، والأفرنج. # ونزل الملك بجيوشه على تبل قريبا من الجبل، في موضع بعيد عن الماء، وضرب ~~على عسكره خندقا، وكانت أمواله على سبعين جمازة، وكان قدر موضع عسكره لمن ~~يدور حوله مقدار يوم في يوم للمجد الراكب على فرس. # ولقيه في طريقه أبو علوان دفاع بن نبهان الكلابي في خيل قليلة، فنال من ~~سرياه كل ما طلب، وأرسل الملك سرية فيها صناديد عسكره إلى عزاز، # فلقيتها بنو كلاب، فظفروا بها، وقتلوا بطارقها، وأسروا جماعة من أولاد ~~الملوك الذين معهم، وجسرت عليهم بنو كلاب، فحاصروهم في الموضع الذي نزلوا ~~فيه. # ولقد أخبر بعض من شاهدهم أن مقثاوة كانت قريبة من العسكر بمقدار رمية ~~سهم، وأن الروم لم يقطعوا منها قثاءة واحدة، خوفا من العرب أن تتخطفهم. # ولما كسرت السرية التي أرسلها الملك أجمع رأيه على العود إلى بلاده، ~~واعتذر قائلا: لولا عطش عسكري لبلغت مرادي. # وهجم نصر والعرب على سوق الملك فنهبوه، وتأخر رحيل ملك الروم من منزلته ~~ثلاثة أيام. # وأقبل شبل الدولة نصر في تسعمائة وثلاثة وعشرين فارسا، وقيل في سبعمائة ~~فارس، فحين أشرف على الروم ظنوا أنها كبسة فانهزموا، ومنح الله أكتافهم يوم ~~الاثنين لسبع ليال خلت من شعبان سنة إحدى وعشرين. # ونزع ارمانوس الملك خفه الأحمر لئلا يعرف، ولبس خفا أسود ولا يلبس الخف ~~الأحمر عندهم إلا الملك وهرب. وأخذ شبل الدولة تاجه وبلاطه ولباده، وهرب في ~~أرمن كانوا معه حموه بالسهام. PageV01P137 # وأخذ الروم الطريق إلى الجبل منهزمين وطلعوا فيه، وحصلوا في بلد # قورس، وكان للروم. ولحق بعضهم ولم يبق مع الملك إلا القليل. وقتل ~~المسلمون من بطارقته وغيرهم ما لا يحصى، وأسروا من أولاد الملوك وغيرهم ~~كذلك، ms089 واشتغل الناس بالنهب، وأخذوا من الدواب والثياب والديباج والأمتعة ~~وآلات العسكر ما لا يوصف. # وذكر أن طائفة من بني قطن من نمير وردت عند الهزيمة، فأخذت ثقل الملك ~~نحوا من ثلاثمائة بغل محملة، حتى أنهم تقاسموا الدنانير الأرمانوسية ~~بالقصعه، فحصل لكل واحد منهم ثماني عشرة جفنة. # وكان ملك الروم لما رحل طرح النار في المنجنيقات والعرادات والتراس، ونهب ~~الناس منها ما أبقته النار، حتى أن أكثر سقوف بلد حلب جعلت التراس عليها ~~عوض الدفوف. # وقيل: إن الناس بحلب باتوا على السور قبل الوقعة بيوم، وفيهم ابن نمير ~~العابد، فبات يصفي على السور، وسجد في آخر الليل، فنام وهو ساجد، فرأى في ~~منامه عليا عليه السلام راكبا، ولباسه أخضر، وبيده رمح، وهو يقول له: " ~~ارفع رأسك يا شيخ، فقد قضيت حاجتك. فانتبه بقوله فحكى للناس ذلك، فتباشروا ~~به. وحكي عن مرتضى الدولة إنه قال، " استدعاني أرمانوس في آخر تلك # الليلة التي رأى ابن نمير تلك الرؤيا فيها، فقال لي: لكم بحلب راهب. ~~فعلمت أنه يعني أبن نمير، فقلت: نعم، فقال: صفه لي، فوضفته، وحليته، فقال ~~لي: رأيت هذا الرجل بعينه في هذه الساعة، وكأني قد أشرفت على سور هذه ~~المدينة، وهو قائم عليه يومىء إلي بيده ويقول: ارجع، فما تصل إلى هذا ~~البلد. وتكرر ذلك، ولا أرى أنه يتم فيه شيء. فلما كان من غد كسرت السرية ~~التي أرسلها الملك إلى عزاز، ثم كانت الوقعة والهزيمة بعد ذلك. # وقد ذكرنا عن ابن نمير نحوا من هذه الحكاية، عند منازلة ملك الروم حلب. # وحكى بعض الكتاب بحلب: إنه كان في خدمة وثاب بن محمد بن نصر، عند PageV01P138 # تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، وهو في نوبتيه على ظاهر حماة، فخلع على ~~وثاب فرجية وشق، وقال: " هذه مباركة أخذها أبي السلطان ألب أرسلان من ~~ديوخانس ملك الروم لما كسره. # قال: فاستدعى وثاب قحف مينا ظاهرا وباطنا، وقال: " هذا يا مولانا مبارك ~~نشرب به لأن جدي نصرا أخذه من الملك أرمانوس بناحية عزاز ". فقال ms090 تاج ~~الدولة: " يا وثاب لم يكن بد من مساواتي في الافتخار. فقال، " لا بل عزفت ~~مولانا كبر بيتي، وإنني له كبعض العبيد الصغار. فقال له بالتركي: بل أنت ~~أخي الكبير. فقام وثاب، وقبل الأرض قدام السرير، فزاد في إقطاعه، وخلع ~~وحمله على مركوبه. # وقيل: إن ثمالا ونصرا حقد عليهما ملك الروم ما جرى منهما على ميخائيل ~~بناحية قيبار، فخرج بنفسه، فسيرا ابن عمهما مقلد بن كامل يبذلان له الطاعة ~~والخدمة، وكان قد سير إليهما يسومهما تسليم حلب، ويقول إنه يخاف أن تتم ~~عليهما حيلة فتخرج حلب من أيديهما وعرض عليهما عوضا عنها ما اختاراه، ~~فاعتقلا رسوله انتظارا لما يرد من جواب رسالتهما. # فبلغه ذلك فاعتقل مقلد بن كامل، وخرج بنفسه، فأخرجا حرمهما من حلب إلى ~~البرية خوفا منه، حتى كان من أمره ما ذكرناه، وكان ثمال في القلعة يحفظها، ~~ونصر باشر القتال. # فلما عاد ملك الروم سار نصر وثمال لاحضار حرمهما، فسبق نصر إليها، ~~واستولى عليها، وعوض ثمالا بوساطة من توسط بينهما الرحبة وبالس ومنبج ~~وأعمالها. # وخرج بعد هذه الكسرة قطبان أنطاكية الخادم المعروف بنقيطا وتفسيره ~~بالعربية الدويك في خلق عظيم، فعاث في البلد العربي، وأفسد، وفتح حصن ~~المنيفة، وهجم رفنية، وسبى عشرة آلاف من أهلها، ونقض أبرجة سورها في سنة PageV01P139 # إحدى وعشرين، وفتح في سنة اثنتين حصن بني الأحمر، وحصن بني غناج، وغير ~~ذلك من الحصون وخربها. # فراسله شبل الدولة ولاطفه إلى أن صالحه، وجعله سفيرا بينه وبين ملك الروم ~~في طلب الهدنة، فاستقر أن يحمل نصر في كل سنة إلى ملك الروم دراهم خمسمائة ~~ألف درهم، في نجمين من السنة، قيمتها ثمانية ألاف مثقال ذهب. # وأطلق الملك مقلد بن كامل بن مرداس رسول نصر، وأعطاه صليبا من ذهب مرصعا ~~أمانا لنصر، ووفاء بالشرط. # وسير شبل الدولة نصر شيخ الدولة أبا الحسن بن الأيسر إلى الظاهر بمصر، ~~وحمل إليه هدية من جملة ما غنمه من الروم، من الثياب، والصياغات، والأواني، ~~والألطاف الكثيرة. وقاد في صحبته نحو مائة وخمسين رأسا ms091 من الدواب، خيلا ~~وبغالا ووقع فعله عندهم أحسن موقع. وقام أبو الحسن الجرجرائي بتمهيد أمره. ~~وأقام ابن الأيسر إلى أن توفي الظاهر، فخلع المستنصر على ابن الأيسر، وسير ~~معه خلعا لنصر بن صالح، ولفبه مختص الأمراء، خاصة الأمامة، شمس الدولة ~~ومجدها، ذو العزيمتين. # وفي أيام نصر اجتمع بجبل السماق قوم يعرفون بالدرزية منسوبون إلى رجل ~~خياط أعجمي، وجاهروا بمذهبهم، وخربوا ما عندهم من المساجد، ودفعوا نبوة ~~الأنبياء، وجحدوهم إلا الإمام الحاضر الذي يدعو إليه الدرزي، # وأحلوا نكاح المحارم، وتفاقم أمرهم، وتحصنوا في مغاير شاهقة على العاصي، ~~وانضوى إليهم خلق من فلاحي حلب، وطمعوا بالاستيلاء على البلاد. PageV01P140 # فخرج إليهم نقيطا قطبان أنطاكية، وحاصرهم في المغاير، ودخن عليهم، وساعده ~~على ذلك نصر بن صالح صاحب حلب، ثم التمسوا الأمان بعد اثنين وعشرين يوما، ~~فأخرجوهم بالأمان، وقبضوا على دعاتهم وقتلوهم، وذلك في شهر ربيع الأول من ~~سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. # وفي هذه السنة استوحش سالم بن مستفاد الحمداني من شبل الدولة نصر، وكان ~~صالح بن مرداس قد ولاه رئاسة حلب بعد ما سلمها إليه، وقدمه على الأحداث، ~~وأبقاه نصر بعده على حاله إلى هذا التاريخ واستقر عليه أحداث حلب ورعاعها ~~ولبسوا السلاح، وعولوا على محاربة القلعة. # وكان يتردد بين سالم وبين شبل الدولة كاتب نصراني يعرف بتوما وكان يحرف ~~ما ينقله عن ابن مستفاد إلى نصر، ويزيد في التجني، ويسوم شططا لا يمكن ~~إجابته إليه، وذلك من غير علم ابن مستفاد. # فلما رأى شبل الدولة نصر كثرة تعديه حمل نفسه على محاربته، وركب إليه، ~~فلما رآه الحلبيون دعوا له وانقلبوا إليه، وقاتلوا دار ابن مستفاب، فطلب ~~الأمان فحلف له أنه لا يجري له دما وحبسه بالقلعة، ونهبت داره، ثم خاف ~~استبقاءه فقتله خنقا، ليخرج عن يمينه بأنه لم يجر له دما. # وتبين لنصر بعد قليل كذب ذلك النصراني الكاتب، وما كان يحرفه في رسالته ~~فقبض عليه، وطالبه بمال، فلما استصفى ماله دخل عليه بعض أجناد القلعة فخنقه ~~في ذي القعدة. وقيل ذي الحجة ms092 من سنة خمس وعشرين وأربعمائة. ### || نهاية نصر بن صالح بن مرداس # ودام نصر بن صالح في مملكة حلب إلى سنة تسع وعشرين وأربعمائة. # وقتل في المصاف بينه وبين أمير الجيوش الدزبري. PageV01P141 # وذلك أن أمير الجيوش استقر بدمشق، بعد قتله صالح بن مرداس بالأقحوانة، ~~فسعى جعفر بن كليد الكتامي والي حمص في إفساد ما بين نصر بن صالح وأنوشتكين ~~الدزبري. وكان عند أنوشتكين استعداد لذلك لقتله صالحا أباه، فشرع جعفر بن ~~كليد يغري أنوشتكين بنصر، ويحمله على أذاه حتى خرجا إلى الوحشة والمنافرة. # فكاتب الدزبري ملك الروم، واستأذنه في محاربة نصر، واستنقاذ حلب منه، وأن ~~يؤدي ما عليه من الحمل المقرر إليه، فأذن له في ذلك، فاستمال الدزبري جميع ~~العرب من الطائيين والكلبيين وبعض الكلابيين، وسيرهم إلى نصر بن صالح ومعهم ~~رافع بن أبي الليل. ومن قبله من المقاربة، واجتمع إليه علان بن حسان بن ~~الجراح الطائي. # ورحل الدزبري قاصدا حماة، وكان عسكره قد تقدم إلى وادي الملوك، شرقي ~~الرستن، فحين عرف نصر بخروجهم جمع بني عمه وعسكره، ونزل تلا غربي سلمية، ~~والتقوا فكسر نصر وأصحابه، وشرع في جمع من قدر # عليه، واستنجد بشبيب بن وثاب أخي زوجته. # ورحل الدزبري عقيب الوقعة الأولى إلى حماة، فدخلها، ونهبها. ثم رحل منها ~~فالتقوا عند تل فاس، غربي لطمين، فانهزم ثمال بن صالح. # وثبت نصر في خواص أصحابه، وقاتل قتالا شديدا، فطعن ووقع، واحتز رأسه في ~~نصف شعبان. وقيل: لسبع عشرة ليلة بقيت منه، من سنة تسع وعشرين وأربعمائة. # وحمل رأسه إلى الدزبري فحمله، وتأسف عليه، وأظهر عليه حزنا، وأنفذ من ~~تسلم جثته فصلبت في حماة على الحصن، ثم أمر بإنفاذ ثياب، وطيب، وتكفين ~~الجثة في تابوت، ودفنها في المسجد فنقلها مقلد بن كامل لما ملك حماة إلى ~~قلعة حلب. وقيل: إن الذي قتله ريحان الجويني، وأجهز عليه هفكين التركي ~~المعروف بالسروري. وتأمل المنجمون الوقت والزمان الذي قتل فيه أبوه فكان ~~بين قتله وقتل أبيه أربعة أيام، يريد من السنين الشمسية. PageV01P142 ### | القسم الثاني عشر ms093 ثمال بن صالح بن مرداس # ولما هرب ثمال بن صالح وصل إلى حلب، ومعه شبيب بن وثاب، في يوم الثلاثاء ~~سادس عشر شعبان، فملكها ثمال، ووعده مشايخها بالمعونة والنصر، فخوفه خليفة ~~بن جابر الكعبي، وقال له: ربما خذلتك عشيرتك وقعد بك أهل البلد، ولم يمكنك ~~الثبات والمقاومة، ولا الانصراف على حال السلامة. وأراد بذلك غشه لا نصحه. # وكان أمير الجيوش قد سير في أثرهم إلى حلب عسكرا يقدمه طغان المظفري، ~~فخاف ثمال من المقام بحلب، وولى بقلعة حلب مقلد بن كامل بن مرداس، ~~وبالمدينة خليفة بن جابر الكعبي. # وأطلق للتجار ديونا كانت لهم على أخيه مقدارها ثلاثون ألفا ذهبا، ليستميل ~~الناس بذلك إلى طاعته، وأخذ أولاد أخيه، وأخذ شبيب زوجة أخيه أخته علوية ~~المعروفة بالسيدة وأخذا من المال والآنية الذهب والفضة والثياب ما قدرا على ~~حمله، وساروا إلى الجزيرة. # وقيل: أن السيدة أخذت من القلعة عند قتل نصر خمسين ألف دينار، وأخذ ثمال ~~ثلاثين ألفا، وسار ثمال يستنجد بأخواله بني خفاجة. # ووقعت الفتنة بحلب، ونهبت دار السلطان، وأموال التجار. وكان رسول ملك ~~الروم قد وصل إلى حلب فنهب العامة متاعه ودوابه. PageV01P143 # وأما طغان فإئه لما وصل بالعسكر إلى حلب نزل على المدينة، فراسله خليفة ~~ابن جابر الكعبي ومن وافقه من الحلبيين في تسليم البلد، فتسلمه في يوم ~~السبت الرابع من شهر رمضان. # وأنفذ رسولا إلى الدزبري يعلمه بذلك، فأغذ السير إلى حلب، ووصل إليها في ~~عدة قليلة، واجتاز في طريق بمعرة النعمان، فالتقاه أهلها، فأكرمهم وسألهم ~~عن أبي العلاء بن سليمان. وقال لهم: لأسيرن فيكم بسيرة العمرين. وإجتمع ~~عنده بالمعرة كثير من العرب، فخشي منهم، فأركب رجلا من أصحابه جملا، ونادى ~~بمعرة النعمان وبظاهرها: من لم يأخذ معه قوت ثلاثة أيام فلا يلومن إلا ~~نفسه. فلم يبق من العرب أحد حوله، وظن كل منهم أنه يطلب حلته وتم أمير ~~الجيوش إلى حلب، فدخلها يوم الثلاثاء السابع من شهر رمضان، والقلعة مستعصية ~~على أصحابه في يد سيف الدولة مقلد بن كامل ms094 بن مرداس، وقد احتوى على الأموال ~~التي بها، واستولى على جمهورها. # فترددت الرسل بينه وبين مقلد حتى قرر له عما في القلعة ثمانين ألف دينار، ~~وثيابا، وفرشا، وآلات فضة، مكرا وخديعة، وأن يأخذ المقلد الباقي. # وقنع الدزبري بذاك، وأفرج له عن نزوله وخروجه فسلم مقلد القلعة وصعد ~~إليها أمير الجيوش، يوم الثلاثاء لثمان بقين وقيل لسبع بقين من شهر رمضان. # وأقام مقلد يوما واحدا بعد نزوله من القلعة، وهرب بما معه من الأموال ~~خوفا من غدر الدزبري به، ولحق بحلته وبثمال بن صالح بالجزيرة، ونادى ~~الدزبري في مدينة حلب بأن يخرج منها جميع الجند والحواشي الذين كانوا ~~يخدمون ابن صالح. واجتمع الناس من سائر البلدان ليهنئوه بالفتح، وجلس ~~للهناء في القصر بباب الجنان وعيد عيد الفطر بحلب، فذكر أنه لم ير بحلب عيد ~~أحسن منه، لكثرة ما أظهر فيه من العدة والآلة، وأحسن إلى أهل حلب، وأمر برد ~~ما كان صالح اغتصبه من أملاك الحلبيين، وتزوج بنت منصور بن زغيب. وولى ~~بقلعة حلب مملوكين له. أحدهما يقال له فاتك، والآخر سبكتكين، وولى بالمدينة ~~غلامه رضي الدولة بنجوتكين. PageV01P144 # ثم قصد بالس ومنبج، فأخذهما. ورام أخذ الرحبة فلم يقدر عليها. وأقام بحلب ~~إلى أن عيد عيد الأضحى، وسار إلى دمشق. ومدحه ابن حيوس بقصيدة يذكر فيها ~~قتل نصر، ويقول فيها: # ولما طغى نصر أتحت له الردى ... ولم ينجه الجمع الكثير ولا الحشد # وبأخرى يذكر فيها حلب، أولها: # هل بعد فتحك ذا لباغ مطمع ... لله هذا العزم ماذا يصنع # وولى قضاء حلب أبا الوليد سليمان بن خلف الباجي سنة واحدة، ثم وليه بعده ~~القاضي أبو الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة جد جد أبي. # ومات شبيب بن وثاب النميري في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. واستولى أخوه ~~مطاعن وقوام على ما كان في يده من الجزيرة، وكانت أخته السيدة علوية امرأة ~~نصر مقيمة بالرافقة، فتحيلت على غلام أخويها الوالي بالرافقة إلى أن ~~أخرجته، واستولت على البلد، وتزوجت بثمال لتقيم هيبتها به، ms095 ويحفظ أمرها. ~~ووقع في هذه السنة وقعة بين عسكر الروم وعسكر حلب، فكسر عسكر أنطاكية ~~الحلبيين، وعاد الدمستق إلى أنطاكية. # ودخل طغان حلب، وحصل ثمال بن صالح في الرقة، وخشي الدزبري من قربه إلى ~~حلب، فاشترى قلعة دوسر ليكون مطلا عليه. وراسل نصر بن مروان صاحب ميافارقين ~~في أن يزوج ابنته لابنه، فأجابه إلى ذلك، فاستوحش المصريون منه # لذلك، وأنفذ إلى مصر ليحضر زوجته وابنته، فلم يطلقهما الوزير. # وثقل على الوزير الجرجرائي فتح الدزبري حلب، لأنه لم يكن برأيه، وأنكر PageV01P145 # ذلك فقال الدزبري: قد خرف الوزير، وبسط لسانه فيه بالكلام القبيح، فكاتب ~~ولاة الشام بترك الانقياد له، وكتب توقيعا عن المستنصر لثمال بن صالح بحلب، ~~وشرط عليه أن يحمل جميع ما بقلعتها من المال إلى المستنصر. # وكاتب أجناد دمشق، وأغراهم به، فثاروا عليه، وأحدقوا به بقصر كان له في ~~ظاهر دمشق، فهرب من دمشق ليلا ومعه ثلاثمائة صبي من غلمانه الأتراك ليس ~~لواحد منهم لحية، وعلى وسط كل واحد منه ألف دينار، وأحدقت به بنو كلاب فلم ~~يقروا عليه. # ونزل بحصن المعرة، ثم سار منها إلى حلب، ولقيه عسكره بها في أراضي سرمين، ~~فدخل حلب في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ### || نهاية الدزبري # وشرع ثمال بن صالح في جمع عشيرته، وحشد من أجابه من العرب وغيرهم لمنازلة ~~حلب، وطمع في الدزبري. فرأى بنفسه الذل لما لم يكن له طاقة بدفعهم، وزاد ~~هذه وغمه، حتى مرض مرضا حادا، ومات بعد ثلاثة أيام، يوم الأحد النصف من ~~جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ودفن بحلب، ثم نقل منها إلى ~~البيت المقدس، في سنة ثمان وأربعين # وأربعمائة. ### || ثمال حاكما في حلب # فدبر البلد بعده مملوكه رضي الدولة بنجوتكين التركي أبو منصور، بقية ~~جمادى الأولى وثمانية وعشرين يوما من جمادى الآخرة، فوصل معز الدولة أبو ~~علوان ثمال بن صالح بالتوقيع الذي سيره إليه المستنصر، فسلم بنجوتكين وأهل ~~المدينة إليه، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة من سنة ثلاث وثلاثين ~~وأربعمائة، بعد PageV01P146 # أن ms096 نزل إليها ومعه مقلد ابن عمه في جماعة، وقاتلوها أياما، واستظهر ~~الحلبيون عليهم، فرحلوا إلى ناحية قنسرين. # وجرى بين الحلبيين والمغاربة عربدة، وقتل بينهم جماعة، ونهبت أهراء ~~السلطان، وطلع أصحاب الدزبري إلى القلعة خوفا على أنفسهم، فلم يمكنهم ~~سبكتكين من دخولها، فنزلوا في القصر تحت القلعة. # واستدعى الحلبيون ثمالا ومقلدا. فورد مقلد في مقدمته من قنسرين، فتسلمها ~~يوم الإثنين لليلتين بقيتا من جمادى. ووصل ثمال يوم الثلاثاء، فدخلها ~~واجتمع إليه أحداثها. واعتصم سبكتكين بالقلعة شهرا وسلمها إليه. # وقيل: إنه بقي بها إلى النصف من صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وإذ ~~القلعيين رموا على الحلبيين، وأتوا على عدد كثير منهم، وأصلح الحلبيون ~~المنجنيقات، وقاتلوا بها القصر الذي تحت القلعة، ونقبوه، وخربوا حيطانه مما ~~يلي المدينة مع قطعة من سور المدينة من ناحية باب العراق. # وثبت سبكتكين على الحصار مدة سبعة أشهر، واستنصر الفريقان، ونفد ما مع آل ~~مرداس من المال، ووقع المرض في القلعيين فأفناهم، وأيس الباقون من نفوسهم ~~فجنحوا إلى التسليم واصطلحوا على شروط منها أن لا يعرض لأحد من القلعيين ~~بمساءة، وانتظم الأمر وسلمها سبكتكين بجميع ما فيها بعد أن أخذ لنفسه ~~ثلاثين ألف دينار، ولورثة الدزبري اثنين وثلاثين ألف دينار. # واستقر ملك حلب لمعز الدولة أبي العلوان ثمال بن صالح بن مرداس، ووصله ~~تشريف من المستنصر في سنة ست وثلاثين. ودرت الأرزاق في أيامه على الناس، ~~وأحسن السيرة معهم، وجاد بالعطاء. # وظهر في أيامه ببعلبك رأس يحيى بن زكريا في حجر منقور فنقل إلى حمص ثم ~~إلى حلب، فوضع بمقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم بقلعة حلب في سنة خمس ~~وثلاثين وأربعمائة. PageV01P147 # وكان ثمال لما طاول حصار قلعة حلب قد رغب إلى تدورا ملكة الروم، وسير ~~رسولا يلتمس نصرتها وإعانتها وانتماءه إليها، فرتبت ثمالا ماخسطرس على حلب، ~~ومقلد ابن عمه بسطرخس، وجعلت له واجب الماخسطرية عن حلب، ورتبت صالح ابن ~~ثمال، ومنيع بن مقلد، ومحمود بن نصر، وعطية وحسنا أخوي ثمال، بطارقة. ورتبت ~~السيدة علوية أم محمود بطريقة، ms097 وأطلقت لجماعتهم واجبات هذه المراتب، وسيرت ~~إليهم هدايا كثيرة، # وشرطت على ثمال أن يحمل في كل سنة ما كان يحمله أخوه نصر، على الشروط ~~المشروطة عليه. # وكان المستنصر قد وقع لثمال بحلب على أن يحمل إليه جميع ما بقلعتها من ~~المال على ما ذكرناه فلما استولى ثمال على حلب حمل إلى المستنصر من ذلك ~~مائتي ألف دينار وأفرد برسم عمارة القلعة ومساكنها ومصانعها خمسة وسبعين ~~ألف دينار وإقامة العوض عما استنقد من العدة وهلك من أصحاب الأسلحة ~~باستعمالها والابتذال لها في الحرب ثلاثين ألف دينار، وما أخذه من آلات ذهب ~~وفضة وغيرها خمسة عشر ألف دينار. # فلما علم المستنصر بذلك شق عليه ذلك، ووقعت الوحشة بينه وبين معز الدولة ~~ثمال، فعصى ثمال على المستنصر، فسير المستنصر إليه إلى حلب الأمير ناصر ~~الدولة أبا محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان، ومعه عبد العزيز ابن ~~حمدان، وشجاع الدولة بن كليد. # وكان ناصر الدولة بن حمدان قد ولي دمشق من قبل المستنصر بعد الدزبري، ~~فوصلوا إلى حلب بعد أن فتحوا حماة ومعرة النعمان، في سنة تسع وثلاثين ~~وأربعمائة، فطاف بحلب ولم ينزل بها فخرج أهل حلب لقتاله، فهزمهم واختنق ~~منهم في الباب على ما يقال سبعة عشر ألف نفس # وعاد ناصر الدوله فنزل بصلدي قرية قريبة من حلب على نهر قويق فجاءهم سيل ~~في الليل لم يسمع بمثله، فغرق أكثر المضارب، وأتلف الرجال، وأهلك PageV01P148 # الدواب المشبوحة، فانهزم ناصر الدولة عن حلب إلى دمشق، فقبض عليه الأمير ~~منير الدولة بها، في شهر رجب من سنة أربعين وأربعمائة، وسير إلى مصر. وكان ~~معز الدولة ثمال قد خاف من الحلبيين أن يسلموا البلد إلى أبي محمد بن حمدان ~~حين توجه إلى حلب، فقبض أعيان الحلبيين ومنهم قاضي حلب أبو الحسن بن أبي ~~جرادة واعتقلهم بالقلعة سنة أربعين، فلما كفي أمر ابن حمدان أطلقهم في سنة ~~اثنتين وأربعين وأربعمائة. # وقتل معز الدولة منهم الشريف أبا علي محمد بن محمد صالح المحبره بسعاية ~~ابن الأيسر به، ms098 دون الباقين، فإن ابن الأيسر صعد إلى مصر رسولا فتحقق براءة ~~الباقين من تهمة تتطرق إليهم. # ووصل شجاع الدولة بن كليد والي حمص، في سنة أربعين وأربعمائة عائثا على ~~بلد حلب، فخرج إليه مقلد بن كامل بن مرداس وأبو الوفاء حفاظ المعري، في جمع ~~من الكلابيين ورجالة الحلبيين والفلاحين، فالتقوا بكفر طاب. # ومضى ابن كليد لينهزم، فلحقته بنو كلاب، فقتل في هذه المرة شجاع # الدولة ابن كليد والي حمص، قتله جعفر بن كامل بن مرداس، وحمل رأسه إلى ~~حلب. وكان المنجم رأى أنه يدخل إلى حلب، فدخلها قطعا، وانهزمت عساكره. # فسار مقلد بن كامل إلى حماة ففتحها بعد أن قاتل حصنها أياما، ثم سار إلى ~~حمص ووجد ابن منزو قد أتاها في عسكر من دمشق، فانهزم إلى باطن حمص، وقاتل ~~قتالا عظيما فقل عليه الماء، فخرج ابن منزو إليهم بالأمان. ### || قدوم رفق الخادم ونهايته # ثم إن المستنصر سير الأمير أبا الفضل رفق الخادم في جيش كثيف إلى حلب، في ~~سنة إحدى وأربعين، وقيل سنة اثنتين، ونزل على حلب على مشهد PageV01P149 # الجف، فقاتله الحلبيون، فانكسر عليها وجرح وأخذ أسيرا، فمات في قلعة حلب ~~في الأسر. # وسير معز الدولة كل من بقي من أصحابه مأسورا إلى مصر، ففي ذلك يقول ~~الأمير أبو الفتح بن أبي حصينة: # يارفق رفقا رب فحل غزه ... ذا المشرب الأهنى وهذا المطعم # حلب هي الدنيا تلذ وطعمها ... طعمان: شهد في المذاق وعلقم # قد رامها صيد الملوك فما انثنوا ... إلا ونار في الحشا تتضرم # وكان رفق لما نزل على حلب داهن عليه العرب الكلبيون، فأشار عليه عسكره أن ~~يرحل عن حلب إلى صلدغ فلم يفعل، فأشير عليه أن يقبض على أمراء طيء وكلب فلم ~~يفعل، فقيل له أن ينشىء سجلا عن السلطان بأنه قد أقطع الشام لمعز الدولة، ~~ويعود بهيبته فلم يفعل، فلما رآه أمراء العسكر لا يلتفت إليهم، ولا يقبل ~~مشورتهم، ووقع القتال، انهزم العرب فانهزم العسكر معهم، فسير رفق إليهم ~~وأمرهم بالعود يلتفتوا. # وخرج من حلب خيل ms099 يسيرة فشاهدوا رحيل العسكر فظنوا أنه حيلة فاتبعوهم، ~~وغنموا منهم. وخرج من بحلب فلحقوا رفق الخادم، في طرف جبل جوشن، وجرح ثلاث ~~جراحات، وأخذ والضرب القوي برأسه، فمات في القلعة ودفن في مشهد الجف. ونهب ~~من العسكر شيء عظيم من الأموال والقماش والدواب. ### || السيدة والمستنصر # ثم أن معز الدولة ثمالا استمال المستنصر بعد هذه الوقعة، ولاطفه، وحمل ~~القسط إلى مصر على يد شيخ الدولة علي بن أحمد بن الأيسر، وسير معه ولده ~~وثاب وزوجته علوية بنت دينار، وهدايا، وألطافا فاخرة، وتحفا جليلة. # فلما وصلت أكرمها المستنصر غاية الإكرام، وحضرت بين يديه، PageV01P150 # فقالت الأرض، وقالت: خصك الله يا أمير المؤمنين بأفضل تحية وسلام. فرد ~~عليها أفضل رد، وسألها عمن خلفته بالشام، فقالت: في نعيم وخير إن أنعمت ~~عليهم بأمان وذمام، حسبما جرت به عادة هذا البيت المنيف من الإحسان ~~والإكرام. فأعجبه منها سرعة جوابها وحسن توصلها، وقال لها: أنت المسماة ~~بالسيدة؟. فقالت: نعم، سيدة قومي وأمتك يا أمير المؤمنين، صلوات الله عليك ~~". فقال: ما خيب الله من فوض تدبير أمره إليك في هذه الرسالة. ثم أمرها أن ~~تمل على كاتبها تذكرة ليوقع لها بجميع ما تقترحه توقيعا مفردا، وتوقيعا ~~بحلب وسائر أعمالها لمعز الدولة. # وأمر لمعز الدولة بتشريف ولجميع بني عمه، وأفاض عليها ما غمرها وجميع ~~أصحابها وحاشيتها، وعادت بمقصودها. # ولما وردت زوجة معز الدولة إلى حلب سكن معز الدولة إلى ذلك، واطمأن، ونشر ~~العدل، وطابت قلوب الرعية. وولى وزارته في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة ~~رجلا من أهل الرحبة يقال له أبو الفضل إبراهيم بن عبد الكريم بن الأنباري، ~~ولقبه الثقة الكافي، وكان رجلا حسن السياسة. ### || المرداسيون والروم # وسير ثمال شيخ الدولة علي بن أحمد بن الأيسر، في سنة ثلاث وأربعين، رسولا ~~إلى القسطنطينية بالمال! المقرر عليه في كل سنة، وبهدية # فشاهدوا من سداده وكمال مروءته ما أوجب لهم أن ميزوه عن غيره من الرسل، ~~وأكرموه، وجعلوه بسطرخس في مرتبة مقلد بن كامل، وجعلوا مقلدا ماخسطرس في ~~مرتبة ثمال، وجعلوا ثمالا ms100 ابريدرس، وسيروا إليه هدية سنية عوضا عن هديته. # ومات قاضي حلب أبو الحسن بن أبي جرادة في سنة خمس وأربعين، فولى القضاء ~~بحلب القاضي أبا محمد كسرى بن عبد الكريم بن كسرى وإليه ينسب آدر بني كسرى ~~بحلب. PageV01P151 ### || في الوزارة # ثم قدم الوزير فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير حلب فاستوزره معز ~~الدولة، وفوض أموره جميعها إليه، فاستقامت، وتضاعف ارتفاعه، وضبط أمواله، ~~فحسد على مكانه، وقربه منه، فسعي به إلى معز الدولة. وكان معز الدولة له ~~وفاء وذمة فنبهه على ما سعي به عليه، فاستأذنه في المفارقة ففسح له في ذلك، ~~فسار من حلب سنة ست وأربعين وأربعمائة، وقصد ابن مروان. # فولى معز الدولة وزارته سديد الدولة أبا القاسم هبة الله بن محمد بن # الرعباني الرحبي إلى أن سلم حلب إلى المستنصر، وسافر ابن الرعباني إلى ~~مصر، فولاه المستنصر وزارة مصر عشرة أيام، ثم عزله، ثم أعاده إلى الولاية ~~فأقام فيها عشرة أيام وانصرف. ### || خلع الفاطميين # وصلت الخلع والتشريف من مصر لثمال، في محرم سنة سبع وأربعين وأربعمائة، ~~على يدي أبي الغنائم صالح بن علي بن أبي شيبة،، فمدحه أبو القاسم هبة الله ~~بن فارس المؤدب بقصيدة أولها: # لا زال طوعا لأمرك الأمم ... ولا خلت من ديارك النعم # وتنكر معز الدولة ثمال لثقته وأمينه شيخ الدولة علي بن أحمد بن الأيسر، ~~وقد سعي به، فصرفه عما كان يتولاه من أموره، وأقام مقامه سالما ومسلما ابني ~~علي بن تغلب.. واستوحش ابن الأيسر من المقام بحلب خوفا على نفسه فتسبب في ~~أن سار إلى مصر. # وأرسل ثمال سالما إلى تدورا الملكة بهدية، والتمس منها الزيادة في ~~مرتبته، فقبلت هديته، وعوضته عنها، وأجابته إلى ملتمسه، وجعلت سالما بسطرخس ~~عوضا عن ابن الأيسر. PageV01P152 ### || البساسيري وثمال # واندفع البساسيري المتغلب على بغداد إلى الشام، في سنة سبع وأربعين ~~وأربعمائة، منهزما من طغرلبك، وحصل في أرض الرحبة، ووصل # في قل من الرجال، فلقيه معز الدولة ثمال وأكرمه وحمل إليه مالا عظيما. # وحدث بعض العرب ms101 من بني كلاب أنهم لم يروا مثله في الشجاعة والمكر ~~والحيلة، وكان إذا ركب معز الدولة قفز إليه، ليمسك له الركاب، ويصلح ثيابه ~~في السرج، وهمت بنو كلاب بالقبض عليه فمنعهم معز الدولة. ثم ندم بعد ذلك ~~فإنه تقدم إلى بالس، وشتى بشط الفرات، واجتمعت إليه العرب والأتراك، ففزع ~~منه معز الدولة، وكان قد عرض عليه معز الدولة أولا مفاتيح الرحبة فلم ~~يأخذها منه، ثم طلبها منه في هذه الحالة ليجعل فيها ماله وأهله، في سنة ~~ثمان وأربعين، فسلمها معز الدولة إليه. ### || خصائل ثمال # وكان معز الدولة كريما معطاء حليما. فمما يحكى من كرمه: أن العرب اقترحوا ~~عليه مضيرة، فتقدم إلى وكليه أن يطبخها لهم، وسأله: كم ذبحت لأجلها؟. فقال: ~~سبعمائة وخمسين رأسا. فقال: والله لو أتممتها ألفا لوهبت لك ألف دينار. # واستغنى أهل حلب في أيامه، حتى أن الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة امتدحه ~~بقصيدة، شكا فيها كثرة أولاده، وكان له أربعة عشر ولدا، قال فيها: # جنيت على نفسي بنفسي جناية ... فأثقلت ظهري بالذي شب من ظهري # عداد الثريا مثل نصف عدادهم ... ومن نسله ضعف الثريا متى يثري # وأخشى الليالي الغادرات عليهم ... لأن الليالي غير مأمونة الغدر # ولي منك إقطاع قديم وحادث ... تقلبت فيه تحت ظلك من عمري # وما أنا بالممنوع منه ولا الذي ... أخاف عليه منك حادثة تجري # ولكنني أبغيه ملكا مخلدا ... خلود القوافي الباقيات على الدهر PageV01P153 # فأمر معز الدولة بإحضار شهود، أشهدهم بتمليكه ضيعتين من أعمال حلب ومنبج، ~~مضافتين إلى ما كان له من الإقطاع، فاثرى وحسنت حاله، وعمر بحلب دارا وكتب ~~على روشنها: # دار بنيناها وعشنا بها ... في نعمة من آل مرداس # قوم محوا بؤسي ولم يتركوا ... علي للأيام من باس # قل لبني الدنيا إلا هكذا ... فليفعل الناس مع الناس # فكتب معز الدولة له دارا إلى جانب داره، وهي الآن لبعض السراف بحلب ~~بالبلاط، تجاه المسجد، والدار التي بناها إلى جانبها مقابل حمام الواساني. # ومما يحكى عن معز الدولة: أن فراشا من جملة الحفدة، صب ms102 يوما من الأيام ~~على يده ماء بإبريق كان في يده، فصادفت أنبوبة الإبريق بعض ثنيته، # فكسرتها وسقطت في الطست، فهم به الغلمان فمنعهم، وأمر برفعها، وعما عنه، ~~فقال ابن أبي حصينة: # حليم عن جرائمنا إليه ... وحتى عن ثنيته انقلاعا # ولما اتسع الرزق على معز الدولة، ولم يبق له عدو يقصده، اضطرب عليه بنو ~~كلاب، وامتدت أعينهم إلى ما في يده، واستقلوا ما كان يصل منه إليهم، ~~وأكثروا في العنت له، وقالوا: لولانا ما صرت إلى ما صرت إليه، وما أنت بأحق ~~منا بذلك، فينبغي أن تفرضه على جميعنا. # وأوجب الزيادة في ذلك أن معز الدولة في سنة تسع وأربعين، سلم الرقة ~~والرافقة إلى منيع بن شبيب بن وثاب النميري، لأئها كانت لأبيه وكانت عمته ~~السيدة زوجة معز الدولة وكانت قبله عند أخيه شبل الدولة، فولدت له محمود بن ~~نصر وهي التي أخذتها من غلمان أبيها، على ما ذكرناه، فأعادها إلى منيع، ~~فكثر اشتطاط بني كلاب وفسادهم. ### || تسليمه حلب وخروجه إلى مصر # فكاتب معز الدولة المستنصر في تسليم حلب إليه، وطلب أن يعوضه عنها أماكن ~~تبعد عن مواطن الكلبيين، ليأمن شرهم وتزول منتهم عنه، فأجابه المستنصر PageV01P154 # إلى ذلك، وعوضه عنها بيروت، وعكا، وجبيل. # وأنفذ المستنصر نوابه فتسلموها منه، وهم: مكين الدولة أبو علي # الحسن ابن علي بن ملهم بن دينار العقيلي، وعين الدولة أبو الحسن علي بن ~~عقيل، والقاضي أبو محمد عبد الله بن عياض قاضي صور، تسلموا البلد والقلعه، ~~في ذي القعدة من سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. # وقد كان أبو علي بن ملهم مقيما برفنية، فقلد الحرب والخراج بحلب. وفي ~~الليلة التي سلمها معز الدولة إليهم احترق المركز الشرقي بالقلعة، وولوا في ~~قلعة حلب رجلا يعرف بركن الدولة. # وصعد معز الدولة مع عين الدولة وقاضي صور إلى مصر، فلقي من المستنصر من ~~الكرامة والحباء ما لم يلقه وافد منه ولا من آبائه، وجعل له كل يوم، إلى أن ~~وصل إلى مصر، ثلاثمائة دينار، وأعطي ما لم يعط أحد من المال ms103 والجوهر ~~والآلة، وكان إذا ركب السلطان حجبه، وكان ذنب دابته عند رأس دابة السلطان. # واعتل معز الدولة بمصر، فركب السلطان، فوقف بباب داره حتى خرج إليه وسأله ~~عن حاله. ### || حكم ابن ملهم # وأما ابن ملهم فإنه أقام بحلب، وعدل في الرعية، وأحسن السيرة، وبسط وجهه ~~ويده لهم، ورخصت الأسعار في أيامه، وبنى كثيرا من أبرجة سور حلب، إلى أن ~~تجمعت بنو كلاب وامتدت أطماعهم إلى حلب. وذلك أن البساسيري كان من المنتمين ~~إلى المصريين، ودعا لهم ببغداد، في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة فعاد السلطان ~~طغرلبك، وجمع جموعا عظيمة، ولقي البساسيري PageV01P155 # فقتله، وكانت الرحبة في يده على ما ذكرناه. # فسار الأمير أسد الدولة أبو ذؤابة عطية بن صالح إلى الرحبة، فأخذ ما تركه ~~البساسيري بها، من السلاح الذي لم ير مثله، كثرة وجودة، وأموالا جزيلة كانت ~~للبساسيري، ثم ولى فيها بعض أصحابه. ### || حلب بين محمود بن نصر وناصر الدولة # فطمع بنو كلاب حينئذ في حلب، وقوي جأشهم، وقدموا عليهم # الأمير محمود بن نصر بن صالح، لأن حلب كانت لأبيه شبل الدولة، فسار إليها ~~محمود ببني كلاب، في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، ونزل ~~عليها، وقاتلها، وأقام عليها سبعة أيام، ومعه منيع بن مقلد بن كامل، ثم رحل ~~عنها. فطلب الأحداث من مكين الدولة مالا ينفقه فيهم، فقال: " قد أخذتم ~~واجبكم المقرر على الكمال، وتسلمتم أيضا فلا تطمعوا في وصول شيء آخر إليكم. ~~فعصى أحداث حلب عليه، وغدروا به، وأنفذوا إلى محمود بن نصر بن صالح فردوه. # فلما قرب منهم محمود، وثب أهل حلب على مدار الشريف القاضي معتمد الدولة ~~يحيى بن يزيد الحسيني الزيدي، وكان قاضي الشام، وعلى دار رجل يعرف بالطهير ~~جلال الدولة، وكانا مكرمين لأهل حلب فنهبوا داريهما، وأخرجوهما راجلين، ~~حفاة، مكشفي الرؤوس إلى الضياع العربية، وكان من جملتهم: كندي، وابن ~~الزغري، وابن عنتر، وابن الناقد. # ووصل محمود ببني كلاب، فسلموا إليه حلب يوم الإثنين مستهل جمادى PageV01P156 # الآحزة سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وانحاز مكين الدولة بن ملهم # إلى ms104 القلعة، وتحصن بها، وأنفذ إلى مصر رسولا فطلب النجدة والإعانة، فوصل ~~الأمير ناصر الدولة أبو علي الحسين ابن الأمير ناصر الدولة الحسن بن الحسين ~~بن حمدان وهو ولد ناصر الدولة الذي نازل حلب أولا في أيام معز الدولة وقدم ~~في عسكر ضخم في جيوش المغاربة، حتى نزل حمص لنصرة أصحاب القلعة، فسارت إليه ~~بنو كلاب وبنو خفاجة، وكانوا جيرانا لهم بالطعن، في خلق كبير. # فرجع ناصر الدولة بن حمدان إلى بعلبك، وهمت بنو كلاب باتباعه، فأبى عليهم ~~أسد الدولة أبو ذؤابة عطية بن صالح بن مرداس، وانحاز عنهم فافترقوا، ورجعوا ~~إلى قنسرين. # وأقبل ناصر الدولة حتى نزل أفامية، واستدعى من قدر عليه من بني كلاب، ~~واستحلفهم أربعين يمينا، وخلع عليهم خلعا فاخرة، وسار بعد أن استوثق منهم، ~~فلما وصل إلى سرمين أجفلت بنو كلاب ومحمود إلى الشرق، وأجفل أحداث حلب منها ~~وحصلوا مع بني كلاب، وذلك ليلة الإثنين السابع من رجب من السنة. # ونزل مكين الدولة بن ملهم وأصحابه من القلعة، فنهبوا المدينة. وقتلوا من ~~وجدوا من أحداثها، وعدتهم أربعون رجلا، وصلبوا في محال حلب جماعة من ~~القتلى، ونهبوا كل موضع جليل يعرفونه بالمدينة، وقياسر الوكلاء، وأموال ~~التجار، وغير ذلك. # ووصل ناصر الدولة أبو علي الحسين فنزل حلب، وأراد أن ينهبها، فقيل # له: إن أصحاب مكين الدولة قد سبقوك، ولم يبق لك ولأصحابك إلا الإسم بلا ~~فائدة فامتنع من النهب. وقال: لا بد من أهل المدينة أن يقسطوا لي خمسين ألف ~~دينار، عوضا عن ترحيل محمود عنهم، فبذلوا له خدمة فلم يفعل، وقال: أنا أمضي PageV01P157 # إلى الفنيدق وأقابل محمودا على فعله، وأعود أنتقم من الحلبيين. # فسار عن حلب في مقدار خمسة عشر ألف فارس، ومحمود في دون الألفين، ونزلوا ~~على الفنيدق وهو المعروف الآن بتل السلطان، وانهزمت بنو كلب وبنو طيء، وبقي ~~العسكر وحده، وقل الماء عليهم، فكسروا. وأسر الدنين بن أبي كلب الجهبلي ~~الكلابي ناصر الدولة، وأمكنته الهزيمة فلم ير على نفسه أن يولي، وأسر كل ~~مقدم كان في ms105 عسكره. # وقتلت بنو كلاب أكثر عسكره، وغنموا كل ما كان في العسكر، ولم يسلم منهم ~~إنسان بالجملة إلا عاريا. # وبعد ذلك علم محمود بن نصر بن صالح بأسر الأمير ناصر الدولة، فاشتراه من ~~الدنين بألفين وسبعمائة دينار، وقيل: بأقل من ذلك. # وأسر رجل يقال له جبر من بني كلاب أخا ناصر الدولة، فاشتري # أيضا بمال كثير، وكانت الكسرة في يوم الأربعاء سلخ شهر رجب سنة اثنتين ~~وخمسين وأربعمائة. ### || حلب بين عطية بن صالح ومحمود بن نصر # ووصل وقت الكسرة أسد الدولة أبو ذؤابة عطية بن صالح بن مرداس إلى حلب، ~~وتسلم المدينة من المغاربة، يوم الخميس، ودار فيها ساعة، ونزل عند شافع ابن ~~عجل بن الصوفي في داره، التي هي الآن مدرسة القاضي بهاء الدين بن شداد. ~~وقيل: إن ملهم استدعاه، وسلم المدينة، وفرج الله عن أهل حلب. وقدم الأمير ~~محمود بن نصر إلى المدينة، فانهزم عطية منه آخر النهار من يوم الخميس مستهل ~~شعبان، وتسلم محمود البلد يوم الجمعة الثاني من شعبان سنة اثنتين وخمسين ~~وأربعمائة، وهذا من أغرب الإتفاقات أن يملك حلب ثلاثة من الملوك وفي تلاثة ~~أيام متتابعة. PageV01P158 # وأيس مكين الدولة بن ملهم وركن الدولة والي القلعة، من حلب ومن نجدة تصل ~~إليهما من مصر بعد هذه الكسرة فأنفذا من استحلف محمود بن # نصر على شروط اشترطاها عليه، وسلما إليه القلعة في عاشر شعبان من هذه ~~السنة، بعد أخذا أولاد بني كلاب: ولد محمود بن نصر، وولد شبل بن جامع، وولد ~~محمود زائدة، وولد منصور بن زغيب، وجعلاهم في حصن أفامية رهينة على أنفسهما ~~وعسكرهما وأموالهما ثم سيرهم مع الأمراء في الروج إلى أفامية سالمين، وأخذ ~~أولادهم الرهائن ورجعوا إلى حلب. # وأما ناصر الدولة، فبقي في أسر محمود إلى أن قدم البلد عمه معز الدولة ~~فاصطنعه منيع بن وثاب، وخلى سبيله في سنة ثلاث وخمسين. # وسير محمود كل من كان في أسره من الأمراء والقواد إلى مصر، بعد أن أحسن ~~إليهم، وشلت يد ناصر الدولة في وقعة ms106 الفنيدق، فلما وصل إلى مصر ولاه ~~المستنصر دمشق، فقال أبو الحسن علي بن عبد العزيز الحلبي الفكيك فيه: # على حلب به حلبت دماء ... وحكم فيكم الرمح الأصم # وقد أرسلته والي دمشق ... يد شلا وأمر لايتم # وفي ذلك يقول أبو نصر منصور بن تميم بن الزنكل السرميني من قصيدة يذكر ~~فيها مآثر بني كلاب: # أليس هم ردوا ابن حمدان عنوة ... على عقبه لا يتقون العواقبا # أليس ابنه يوم الفنيدق قاده ... دنين أبي كلب وعراه سالبا ### || ثمال في حلب # ولما أخذ محمود حلب من ابن ملهم، كان عمه معز الدولة بمصر، فصرفه ~~المستنمر عن عكا وبيروت وجبيل، وقال له: إن هذه الأماكن # أخذتها عوضا عن حلب، وقد عادت إلى ابن أخيك، فتمضي إلى حلب وتستعيدها ~~منه، فقال: إن نوابكم فرطوا فأعينوني بمال فأعانوه على ذلك بمال، وسيروه، ~~وقرروا ألقابه الأجل، الأعز، تاج الأمراء، عماد الملك، سيف الخلافة، عضد ~~الإمامة، بهاء الدولة العلوية، وزعيم جيوشها المستنصرية، علم الدين ذو ~~الفخرين مصطفى أمير المؤمنين. # فعاد معز الدولة إلى حلب وجمع قوما من عشيرته بعد أن كاتبهم حين وصل إلى ~~حمص فأجابوه ولقيه أكثرهم بحمص وبعضهم بحماة فلما نزل معرة PageV01P159 # النعمان، أقام بها ثمانية أيام، وضيق العرب على الناس، وكان ذلك في قوة ~~الشتاء، فنزلوا منازل الناس. # وسير محمود الشيخ أبا محمد عبد الله بن محمد الخفاجي رسولا إلى ملك ~~الروم، يستنجده على عمه وبقي عندهم إلى أن ملك ثمال حلب، وكتب الخفاجي إلى ~~حلب القصيدة المشهورة: # هذا كتابي عن كمال سلامة # ورحل ثمال، فنزل حلب محاصرا لابن أخيه محمود، فأغلق محمود باب حلب في ~~وجهه، وعمل قوم من الأحداث، وفتحوا لمعز الدولة باب قنسرين. # ودخل أصحابه إلى أن وصلوا درب البنات، فنزل محمود من القلعة، # وعاد أخرجهم ولم يقتل منهم واحد، وقبض على من كان سبب ذلك من الأحداث ~~وهم: ابن حيون، وابن المغازلي، وذلك في ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين ~~وأربعمائة. ووصل منيع بن شبيب بن وثاب إلى حلب لنصرة محمود ببني ms107 نمير، وحصل ~~مع محمود بالقلعة، فرحل معز الدولة عن حلب، ونزل منيع ببني نمير مدة عشرين ~~يوما في ضيافة محمود، وأشار على محمود باطلاق ناصر الدولة بن حمدان ففعل، ~~وخلع عليه، وقاد خيلا كثيرة إليه، وسيره إلى مصر. # وسار محمود إلى الحانوتة ليجمع العرب على عمه، فعاد معز الدول ثاني يوم ~~مسيره، ونزل على حلب، ثم رحل طالبا لمحمود فلقيه، وكسره، وانهزم محمود، ~~ودخل حلب في ثلاث فوارس آخر صفرة وأسر معز الدولة أكثر عسكره، والأحداث ~~الذين كانوا معه، وهم: كندي، وصبح، وابن الأقراصي، والشطيطي، واللباد. ~~واستأمن منهم صبح إلى القلعة، فحبسه نائب محمود، وقيده خيفة من حيلة تتم ~~عليه. # وقصد محمود حسام الدولة منيع بن مقلد، وقال له: " أنت كنت مساعدي ومعاضدي ~~في كسر العسكر المصري الواصل مع ناصر الدولة وأوثر أيضا أن تساعدني على ~~عمي. فاستمهله إلى غد ذلك اليوم، ورحل في الليل # طالبا معز الدولة، وقال لنائبه: " تقول لمحمود: عمك هو الشيخ الكبير، ~~والعرب تأنف من PageV01P160 # معاضدة الولد على الوالد، بل أنا برحيلي أصلح الأمر بينكما إن شاء الله. # فأمر محمود كاتبه أبا العلاء صاعد بن عيسى بن سمان النصراني بأن يعمل ~~شعرا، يذكره فيه بعهده، ويعتب عليه في أطراح وده، فكتب إليه: # ألا أيها الساري تخب برحله ... قصيرة فضل النسغين إذا تسري # تحمل هداك الله عني رسالة ... إذا بلغت يوما شفيت بها صدري # إلى معشر إن تنح نحوي سهامهم ... فأخطأ منها ما توغل في صدري # وخص حسام الدولة بن مقلد ... أخا الغارة الشغواء والكرم الدثر # ومن علقت كفاي حبل وداده ... وما خلت أن تغتاله نوب الدهر # تذكر هداك الله يوما أظلنا ... به الموت في ظل الردينية السمر # لقد غالني في ودك الدهر بعد ما ... غدوت أراه وهو من أنفس الذخر # وحاشا لذاك العهد من بعد ما غدا ... نقي الحواشي أن يدنس بالغدر # وأنت من القوم الذي نفوسهم ... ترى الغدر بالإخوان ضربا من الكفر # سأصفيك ما صافيت يوما بحفظه ... وآمل إن ضيعتني عاجل النصر # وأنت عليم أئني ms108 غير جازع ... إذا ما رماني الدهر بالنوب الغبر # وإني إذا ما يدج ليل خطوبها ... أصدعه بالسيف عن فلق الفجر # وما الموت إلا خطة حم وقتها ... وأكرمها ما كان في طلب الفخر # أبي الله والأصل الذي طاب فرعه ... إلى اليوم إعطاء القياد على قسر # وأخسر من تلقاه في الناس صفقة ... فتى عند مجد لا يريش ولا يبري # فلا تحتقر ذنبا جنيت على الوفا ... ولا تعتذر ومنه فما لك من عذر # فقال منيع بن مقلد وأبو العلوان ثمال لما وصلت هذه القصيدة: من أن لمحمود ~~هذه الفصاحة؟ ومن له بالشعر؟.. فقيل: " إن هذا شعر أبي العلاء بن سمان ~~النصراني. فقال منيع بن المقلد: لقد ألبسني هذا النصراني من العار طوقا لا ~~يبلى، ولئن عشت لأقابلنه بما يكون له أهلا. ### || وساطة ومصالحة # وترددت الرسل بين ثمال ومحمود، في تسليم حلب، وتوسط بينهما مشايخ PageV01P161 # العشيرة، وقالوا: هذا بمنزلة والدك، فتأخذ من الأعمال ما شئت. فأجابهم ~~محمود: بأن هذا صحيح، ولكنه ضيع مملكتنا وإرثنا، وقد استعدتها بسيفي، وبذلت ~~فيها مهجتي. فاعترف له معز الدولة بذلك، وضمن له معيشة بخمسين ألف دينار، ~~وثلاثين ألف مكوك غلة. وشهد مشايخ العشيرة بها. # وعاد محمود إلى حلب في آخر ربيع الأول وقد استقر الصلح بينهما يوم ~~الأربعاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. ~~وفتحت أبواب البلد عند دخوله، ثم خرج إلى عمله إلى المخيم، واستركبه يوم ~~الإثنين مستهل ربيع الآخر من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وداخله القلعة، ~~وسلمها إليه، وسار محمود ليحضر أهله من الحلة. # ولما استقر معز الدولة بالقلعة، نفى من الحلبين الأحداث العتق جماعة، ~~وصلب منهم خمسة عشر رجلا. وكاتب المستنصر بظفره بحلب، فسير إليه الخلع مع ~~ظفر المستفادي، ولأخيه ولأولاده، ولحسام الدولة منيع بن مقلد. ولما وصل ظفر ~~رأى المصلبين من الأحداث فسأل فيهم فدفنوا. # ولما ملك معز الدولة حلب جاء أبو العلاء بن سمان ليسلم عليه، فحمل عليه ~~ليطعنه، فطرح نفسه من بغلته، وغيب شخصه عنه، وسار إلى أنطاكية، وصار ms109 بها ~~أسقفا إلى أن مات. # وفسد ما بين منيع بن وثاب وبين ثمال. وكان منيع بالرحبة، فسير ثمال أخاه ~~أسد الدولة عطية بن صالح، في شعبان من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، لدفع ~~منيع عنها، فأخذها عطية، وأقام بها، وعصى على أخيه ثمال، وعاد محمود إلى ~~حلب من الحلة بأمه السيدة، واجتمع بعمه معز الدولة، وسارت السيدة، وأصلحت ~~ما بين أخيها منيع وبين زوجها معز الدولة. ### || حرب الروم # وفي المحرم من سنة أربع وخمسين وأربعمائة، عمر الروم حصن قسطون PageV01P162 # وحصن عين التمر، فسار معز الدولة في جمادى الأولى لغزوهم، # ففتح حصن أرتاح، فراسلوه في الصلح، فأرسل إليهم شافع بن الصوفي يقول: لا ~~أجيب إلى الصلح إلا على أن تهدموا الحصنين المجددين، وأن يكون ليلون ~~للمسلمين، لا علقة لهم فيه، ويحملون عن حصن أرتاح مالا ويرده عليهم. فضمنوا ~~ذلك. # فرحل في الثاني من جمادى الآخرة، ودخل إلى حلب، ولم يف الروم إلا بعض ما ~~ضمنوا له من الشروط. # وبلغ معز الدولة أن قوما من أحداث حلب مضوا إلى أنطاكية، وتحدثوا مع ~~واليها في تسليم معرة مصرين، والتدرج منها إلى غيرها، وقالوا له: " حزبنا ~~في حلب وأصحابنا تحت أوامرنا. فلما صح عند معز الدولة ذلك، طلبهم وأحضر ~~منهم قوما وقتلهم. وهم: ابن أبي الريحان، وابن نطر، وابن الشاكري، وبهلول، ~~وصلبهم، وترك باقيهم، وذلك في شهر رمضان من سنة أربع وخمسين. # وكبس الروم في شوال مريمين العقبة، وأحرقوها، ونهبوها، وأدركهم الأمير ~~منصور بن جابر، والأمير حارثة بن عبد الله، وظفروا بالروم على كثرتهم وقلة ~~المسلمين، فقتلوا من الروم مقدار آلف وخمسمائة. # وسار معز الذولة، في العشر الثاني من شوال، للغزو فنزل قيبار، وفتحها، ~~ونهبها، وقتل الرجال، وسبى النساء والصبيان. # ثم مرض معز الدولة في العشر الأول من ذي القعدة، من سنة أربع وخمسين ~~وأربعمائة، واضطرب البلد، فبلغه ذلك، فاستدعى أخاه أبا ذؤابة عطية بن صالح، ~~ووصى له بحلب، وولاه الأمر. # وتوفي يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة ودفن ~~في ms110 مقام إبراهيم الفوقاني بالقلعة، داخل الباب الغربي، وعمل عليه ضريح، ~~وبقي إلى أيام الملك رضوان، وقلع وبلط عليه. PageV01P163 ### | القسم الثالث عشر عطية بن صالح بن مرداس ### || عطية وابن أخيه # وجلس أخوه أسد الدولة عطية بن صالح بن مرداس في منصبه يوم الجمعة، فبلغ ~~ذلك محمود بن نصر بن صالح وهو في حلته فلم يرض بالوصية، وأرسل إلى عطية ~~يقول له: " إن معز الدولة شرط على نفسه أن يرد علي البلد عند موته لما ~~تسلمه مني، وأنا أخذته بسيفي من المصريين عن غلبة وقهر، وهو إرثي عن أبي. ~~وعرف ذلك مشايخ العشيرة واجتمعوا على صحة ما ذكره، وساعدوه على منازلة حلب، ~~فكان في كل وقت يقصدها ويرعى زرعها ويأخذ ما في ضواحيها ويرحل عنها. # فجاء في رجب من سنة خمس وخمسين وأربعمائة، ونزل بحلته على عين سليم، فخرج ~~إليه أسد الدولة عطية فكسره، ونهب حلته وانهزم محمود # ثم إنه تجمع إليه شبل الدولة بن جامع، ومحمد بن زغيب، وغيرهما من بني ~~كلاب، ونزلوا على قنسرين وعطية نازل على السعدي بباب حلب فلم يقدروا على ~~التزول على حلب. # فسار إليهم سيف الدولة منيع بن مقلد بن كامل فقوي جأش محمود به لأنه كان ~~ذا مال عظيم. وكان كريما يطعم العرب ويعلق على خيلهم، ويخلع ويهب، فلما حصل ~~معهم نزلوا على حلب. وحاصروا حلب شهورا فضرب حجر المنجنيق منيع بن مقلد ~~فقتله. # وقيل: إن رجلا حقيرا ضرب صدغه بمقلاع فيه حجر، فبقي أياما، ومات، وذلك في ~~العشر الأول من شوال سنة خمس وخمسين وأربعمائة. PageV01P165 # وأوصى منيع بجميع ماله وما يملكه لخاله أسد الدولة أبي ذؤابة عطية الذي ~~كان يحاربه. وكان إقطاعه يرتفع منه كل سنة ثمانون ألف دينار، وكان له في ~~حصن يقال له المجدد، ثلاثمائة ألف دينار، وسلاح وآلة بمال عظيم. # وكان أبو الحسن علي بن محمد بن عيسى العمري الحلبي وزير منيع، وكان عطية ~~قد دعاه إلى خدمته فامتنع، فلما مات منيع عاد أبو الحسن العمري إلى حلب ~~فقبض عليه عطية، ms111 وقتله لحقده على ما فعله من امتناعه من خدمته. # ولعله احتج بأنه حمل منيعا على حصار حلب مع محمود، وبعد أن قتله صلبه، ~~ورثاه أبو محمد الخفاجي بأبياته التي يقول فيها: # ومعذل جار على غلوائه ... يروى حديث نداه عن أعدائه # واستوزر عطية أبا الحسن علي بن يوسف بن أبي الثريا الذي داره الآن مدرسة ~~ابن أبي عصرون بحلب. ثم صالح عطية بن مرداس ابن أخيه محمودا، على أن يدفع ~~لمحمود إقطاعا بخمسة وعشرين آلف دينار، من ذلك: سرمين وباقي الإقطاع في بلد ~~حلب من الأرتيق، وتحالفا على ذلك وتمماه. # وفي نصف جمادى الأولى سنة ست وخمسين وأربعمائة، سلم ثابت بن معز الدولة ~~إلى ابن عمه محمود معرة النعمان وكفرطاب وحماة، وكان فيها من قبل عمه. وذلك ~~أن بني كلاب تجمعوا بأرض شيزر: شبل بن جامع بن زائدة، ومحمود ابن زائدة، ~~ومنصور بن محمد بن زغيب، وحسين بن كامل بن حسين بن سليمان بن الدوح، وجماعة ~~معهم من سبيعة وذؤيبة، وأجمع رأيهم على الوثوب على بلدان أسد الدولة عطية. # فأخذوا حماة وكفرطاب، وأتوا إلى معرة النعمان وفيها شهم الدولة خليفة بن ~~جبهان، فأخذ منهم أمانا وسلمها، وساروا حتى نزلوا قريبا من # حلب، فسار عطية من حلب يكبس محمودا، وكان بمالد، فظفر به محمود، وعاد ~~عطية منهزما إلى حلب. ونزل محمود ببني كلاب على حلب، ومنعوا منها الميرة، ~~وحصروها، وقاتلوها قتالا كثيرا، وأشرفت على أمر عظيم من الجوع وقلة ما ~~يدخلها. وكان أسد الدولة عطية قد أرزق أحداثها، فمنعوا باقي أهلها من ~~التسليم. PageV01P166 # فلما رأى أسد الدولة ضعف البلد صالح ابن أخيه محمودا. فكان لعطية حلب ~~والرحبة وبالس ومنبج وعزاز وقنسرين. وسلم بعد ذلك ما كان في يده غير هذه ~~المواضع المذكورة إلى ابن أخيه محمود بن نصر بن صالح، ووقع الصلح على ذلك. ### || استنجاد المرداسيين بالترك # واستدعى عطية بن خان وكان في ديار بني مروان مغاضبا لأبيه ملك الترك، ~~وكانت الروم تمده بالخلع والدنانير إكراما لأسد الدولة عطية لأنه كان ~~مهادنهم، ms112 فقدم ابن خان إلى عطية في آلف قوس فأكرمهم وأضافهم. # فلما حصل ابن خان على باب حلب وكان هذا أول دخول الترك إلى الشام اتجمعت ~~بنو كلاب إلى محمود بن نصر بن صالح، وقصدوا حلب فرأى محمود أنه لا طاقة لهم ~~بالترك فانهزم. # ومشى السفراء بين محمود وبين عطية، فانعقد الصلح بينهما على أن يأخذ عطية ~~حلب والرحبة ومنبج وعزاز وبالس وأعمال ذلك، ويأخذ محمود # ابن أخيه من الأثارب قبلة واقطاعه الذي كان قديما وما كان في يده في أيام ~~معز الدولة ثمال. وتم ذلك في المحرم من سنة سبع وخمسين وأربعمائة. # وخرج عطية بالأتراك وأحداث حلب إلى الغزو، ففتح كمنون، وسبى أهلها، وعاد ~~إلى حلب غانما. ودخل ابن خان حلب فخاف الحلبيون وعطية منه، فأغرى عطية بهم ~~الأحداث من أهل حلب فنهبوهم ليلا، في صفر من سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ~~وقتلوا منهم جماعة، ونهبوا خيولهم وسلاحهم وما قدروا عليه من رحلهم. # وركب ابن خان منهزما وكان ظاهر البلد وصاح تحت القلعة: " أليس قد غدرت بي ~~وبأصحابي يا عطية، والله لأنزلك منها على أقبح قضية ". وسار إلى الشرق PageV01P167 # فعبرت طائفة منهم إلى الجزيرة فنهبتهم بنو نمير، ورجع الباقون فصادفوا ~~عسكرا للروم في بطريق لهم يعرف بالنحت، فلم يجدوا أبدا من شق عسكر الروم، ~~وكان في عشرين ألفا ففتح لهم الروم طريقا بينهم ليطبقوا عليهم فعبروا ~~سالمين. # وقتلوا من الروم خلقا عظيما، وكان السالم منهم نحوا من مائة وخمسين رجلا، ~~فركبت عليهم العرب بنو قريظ وربيعة بن كعب وغيرهم، فأشار أمير منهم يقال له ~~قمار على الملك أن يموت كريما، ولا يثق بالعرب فلم يفعل. والتجأ إلى منصور ~~بن جابر فغدر به بعد أن كان أعطاه مقنعة زوجته ومخصرته، وقتل قمار وجماعة. ### || حلب من عطية إلى محمود # وسلم ابن خان في جماعة فلحق بمحمود، ونزل عليه وهو بسرمين، # فأمنهم، وبعث بهم إلى معرة النعمان. ثم أن محمودا سير ولده إلى أنطاكية ~~رهينة، فوجهوا قطعة منهم، وتلقاه بالجنايب في كل منزل بمراكبها، ms113 وجعلوا له ~~كل يوم خمسين دينارا، وخلعوا عليه وعلى أصحابه خلعا سنية، ووهبوا له في ~~جملة ما وهبوا دبوس ذهب وزنه ثلاثمائة مثقال. # وسار محمود بمن جمعه من العرب، ومعه ابن خان التركي ومن انضوى إليه من ~~التركمان، إلى مرج دابق، فخرج عطية إليهم، وجمع جموعا كثيرة من العوفيين ~~وغيرهم، وقصد محمودا والتركمان، في يوم الخميس حادي عشر جمادى الآخرة سنة ~~سبع وخمسين، فالتقوا، فانهزم عطية إلى حلب، وتبعه محمود بمن معه. # ونزل على حلب محاصرا لها وفيها عمه عطية وجاءه ظفر المستفادي رسولا من ~~المستنصر، وهو محاصر حلب، ولقبوه عظيم أمراء العرب عضد الدولة، سيف ~~الخلافة، ذو الفخرين، وكان يلقب أولا عز الدولة، وشمسها، فبقي محاصرا حلب ~~مائة يوم ويومين. # ثم سلمها إليه عمه أسد الدولة بن صالح بعد حصار شديد وجوع عظيم، وأخذ عمه ~~عطية الرحبة، وعزاز ومنبج، وبالس، وجميع الضياع التي شرقي حلب وشماليها، ~~وأخذ محمود حلب وقبليها، واصطلحا صلحا خالصا ذلت به لهما العرب. PageV01P168 ### | القسم الرابع عشر محمود بن نصر بن صالح # ودخلها محمود بن نصر يوم السبت النصف من شهر رمضان سنة سبع وخمسين ~~وأربعمائة، واستقرت ألقابه: الأجل، شرف أمراء العرب، سيف لخلافة، معز ~~الدولة وفخرها، وعضدها، ناصر الملك، ذو الحسبين. # ومضى عطية إلى الرحبة وكانت ألقاب عطية خالصة الأمراء، عمدة الإمامة، عضد ~~الخلافة، أسد الدولة وسيفها، ذو العزيمتين. # وأقطع محمود معرة النعمان الملك هارون بن خان ملك الترك، فدخل # المعرة يوم الأربعاء السابع عشر من شوال، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ~~ووصل معه إليها من الترك، والديلم، والكرد، والأوج مقدار آلف رجل مع ~~حاشيتهم فنزل بالمصلى. # فما روي أعص منهم عن البساتين والكروم وغيرها، ولم يكونوا يأخذون من حد ~~شيئا إلا بثمنه، وسقوا دوائهم الماء بثمنه. وفزعت العرب منه فزعا عظيما، ثم ~~استدعي إلى حلب وعوض معرة النعمان. # وخرج محمود بن نصر بابن خان والتركمان، في سنة تسع وخمسين، ومعه بنو عوف ~~من بني أبي بكر بن كلاب، فنزل المعشيرة، من بلد حماة، ثم أتى ms114 حماة، وطىء ~~جميع العرب وأذلها. # وكانت العرب تطلب فتنة تقع بينه وبين عمه عطية بن صالح، وكان بحمص، فظنت ~~بنو كلاب إنه يحاربه، فلم يفعل عطية، لمعرفته بغدر العرب به مرة بعد أخرى، ~~وأراد أن لا ينهدم مجد آل مرداس. # وفي هذه السنة سلم حسين بن كامل بن الدوح " حصن أسفونا " إلى نواب PageV01P169 # المصريين، بعد أن نهب عسكر الترك حناك، وجميع ضياعه بالشام. # ووقع الوباء العظيم بحلب، حتى إنه مات في رجب من هذه السنة زهاء عن أربعة ~~آلاف فضلا عن سائر الشهور. # وفيها طلعت طائفة كبيرة من الترك، فنزل بعضها على دلوك وتقدم منهم نحو ~~ألف، فنهبوا بلد أنطاكية عن آخره، وأخذوا نحو أربعين آلف جاموس. وقيل أكثر، ~~حتى أن الجاموس كان يباع بدينار، وأكثره بدينارين وثلاثة. وأما البقر، ~~والغنم، والمعز، والحمير، والجواري، فلم يقع على ذلك إحصاء من الكثرة. ~~وكانت الجارية تباع بدينارين والصبي بتطبيقة نعال للخيل. ### || هزيمة الروم # وخرب بلد الروم خرابا لم يسمع بمثله، وبقيت الغلات في البيادر ما لها من ~~يرفغها منهم، حتى كان الفلاحون وسائر العوام يمضي الواحد منهم ويأخذ ما ~~يريد، فلا يجد من يدافعه عن ذاك، لأن الروم تحصنوا في الحصون والجبال، ~~والمغاير، وتركوا بيوتهم على حالها لم يأخذوا منها شيئا، لأن الترك أتوهم ~~على غفلة، وكان ذلك في شوال. # وكان مقدمهم أفشين بن بكجي، وكان قد غضب عليه العادل ألب أرسلان بسبب ~~خادم كان زعيم بعض عساكره، فقتله الأفشين. وقطع الفرات إلى بلد الروم، ثم ~~خرج إلى أعمال حلب، وباع الغنائم التي كانت معه. # ونزل في سنة ستين حول أنطاكية، وضاق الشيء فيها حتى بلغت # الحنطة قفيزين بدينار. فلما لم يبق شيء دون فتحها أتته كتب العادل ألب ~~أرسلان من العراق بالرضا عنه. وقيل إن أصحاب مؤونة السوق بحلب حصل في ~~دفاترهم نحو سبعين آلف مملوك ومملوكة سوى ما بيع بغير مؤونة في بلد الروم ~~وسائر البلدان، وأخذ من أصحاب أنطاكية مائة آلف دينار، ومثلها من ثياب ~~الديباج والآلة. وسار إلى ms115 العراق في جمادى الآخرة من السنة. PageV01P170 # وفي هذه السنة سلم أمير من أمراء المغاربة يعرف بابن المرأة حصن أسفونا ~~إلى الأمير عز الدولة محمود بن نصر بن صالح. وتولى ذلك الأمير سديد الملك ~~أبو الحسن علي بن متقذ. ### || بين المرداسيين والروم # وفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان، فتحت أرتاح بالسيف، ونهب ~~جميع ما فيها وما في حصنها من الأموال والذراري، وكان فيها خلق عظيم من ~~النصرانية لأن جميع من كان في تلك المواضع منهم حصل بها لأنها كانت الكرسي ~~لهم هناك. وقتل من رجالها نحو ثلاثة آلاف رجل، وقد كان الملك ابن خان ~~حاصرها زهاء خمسة أشهر. # وأتى عسكر عظيم من عساكر الروم، فنزل على باب أنطاكية ليصالح الملك ابن ~~خان عن أرتاح وغيرها من بلادهم، فلم يتم بينهم صلح. وإنما كان غرض العسكر ~~أن يدس إلى أنطاكية غلة حملت إلى السويداء لتقويتها. # وكان فتح أرتاح فتحا عظيما لأن عملها قريب من أعمال الشام، من # الفرات الى العاصي إلى أفامية إلى باب أنطاكية إلى الأثارب. وقيل بأنهم ~~أحصوا إلى شهر رمضان من هذه السنة أنه افتقد من الروم في الدرب إلى أفامية ~~بحساب قتلا وأسرا ثلاثمائة آلف نفر. # وخرج ملك الروم في سنة إحدى وستين وأربعمائة إلى ديار الشام فأخذ كثيرا ~~من أهل منبج، وهرب أهلها من حصنها فأخذه، وشحنه رجالا وغلة وعدة. وسار إلى ~~عزار فوقف عليها ساعة، ورجع جاولا، وسلط الله عليه وعلى أصحابه الغلاء، ~~والعلة، والوباء. فذكر ملك الروم للقاضي القضاعي رسول المصريين أنه ومات له ~~في يوم واحد ثلاثة آلاف من خيله سوى عسكره. # وقيل: إن منبج بقيت في بلد الروم سبع سنين، وهذا الملك هو ديوجانس. ولا ~~يبعد عندي أنه الذي عناه هرقل بقوله: " لا يعود إليك رومي إلا خائفا حتى ~~يولد المولود المشئوم، ويا ليته لا يولد ". PageV01P171 # وفي يوم السبت أول شعبان من هذه السنة، جمع قطبان أنطاكية ودوقسها ~~المعروف بالنحت جموعا كثيرة. وطلع إلى حصن أسفونا بعملة عملها عليه قوم ~~يعرفون ببني ms116 ربيع من أهل جوزن ففتحوه، وقتلوا كثيرا من رجاله وكانوا ثمانين ~~رجلا، وأسروا الباقين. وكان الوالي به رجلا من الأتراك يعرف بنادر. # وبلغ الخبر إلى الأمير عز الدولة محمود بن نصر بن صالح، وهو يسير في ~~الميدان بظاهر مدينة حلب، فسار في الوقت يوم الإثنين في الترك والعرب، ولم ~~يدخل البلد، واجتمع عليه خلق عظيم سمع من يحزرهم بخمسين ألفا، فحاصره سبعة ~~أيام، وفتحه يوم السبت وقتل جميع رجاله، وكانوا ألفين وسبعمائة، وفي ذلك ~~يقول أبو محمد الخفاجي: # إن أظهرت لعلاك " أنطاكية " ... حزنا فقد ضحكت على قطبانها # بعث البريد مخبرا عن وثبة ... ما كان أحوجه إلى كتمانها # لما أطل له لواؤك خافقا ... عرفت وجوه الذل في صلبانها # وفيه يقول أبو الفضل عبد الواحد بن محمد الحلبي الربعي: # رددت على الإسلام شرخ شبابه ... وكادت عليه أن تقام المآتم # وظن طغاة الروم منذ أغبهم ... نزالك أنا حين ذاك نسالم # ثم إن محمودا هادن الروم في هذه السنة على أن اقترض منهم أربعة عشر ألف ~~دينار، وعلى أن يجعل ولده نصرا رهنا عليها، ويهدم حصن أسفونا. فأخرج ثابت ~~ابن عمه معز الدولة وشبل بن جامع، وجمعا الناس من معرة النعمان وكفرطاب ~~وأعمالها، وخربا حصن أسفونا. # ووقعت فتنة بحلب بين الحلبيين والأتراك، وقتل من الأتراك نحو أربعين رجلا ~~ومن الحلبيين عشرة. ووصل في سنة اثنتين وستين وأربعمائة صندق التركي خارجا ~~من بلد الروم، ومعه عسكر عظيم، ودخل إلى بلد # حلب من الأرتيق إلى الجزر إلى بلد معرة النعمان وكفرطاب إلى حماة وحمص ~~إلى رفنية. PageV01P172 # وشتوا في هذه السنة فنهبوا الضياع وسبوا منها، وعاقبوا من وجد هناك، ~~وفتحوا جباب الغلة ومدافنها. وقطع القطائع الكثيرة على مواضع امتنعت عليه ~~ولقي أهل الشام من عسكره شدة عظيمة، وهو أول نهب وفساد جرى بالشام من ~~الأتراك. ولما انقضى زمن الشتاء عاد إلى بلد الروم بعد أن أكرمه محمود بن ~~نصر بتحف وهدايا حملها إليه. ### || السلطان العادل ومحمود # ثم إن محمود بن نضر بن صالح راسل في هذه السنة ms117 السلطان العادل ألب ~~أرسلان، واستقر الأمر بينهما على أن يخطب محمود بحلب للإمام القائم خليفة ~~بغداد وبعده للسلطان العادل ألب أرسلان وبعده لنفسه، فوصل إليه نقيب ~~النقباء أبو الفوارس طراد بن علي الزينبي لإقامة الدعوة العباسية، ومعه ~~الخلع من القائم بأمر الله ومن السلطان. # .فجمع محمود أهل حلب وقال لهم: " قد ذهبت دولة المصريين وهذه دولة جديدة، ~~ومملكة سديدة ونحن تحت الخوف منهم، وهم يستحفون دماءكم لأجل مذهبكم والرأي ~~أن نقيم الخطبة خوفا من أن يجيئنا وقت لا ينفعنا فيه قول ولا بذل ". # فأجاب مشايخ البلد إلى ذلك فلبس المؤذنون والخطيب السواد، وخطب الإمام ~~القائم وبعده للسلطان ألب أرسلان، وبعمه لمحمود، ولقب الأمير الأجل حسام ~~الدولة العباسية، وزعيم جيوشها الشامية تاج الملوك، ناصر الدين، شرف الأمة، ~~ذو الحسبين خالصة أمير المؤمنين. # وأمر ابن خان الأتراك بالوقوف على باب الجامع، وقتل كل من يخرج ممتنعا من ~~الصلاة وسماع الخطبة، فسأله الشيوخ إلا يفعل خوفا من وقوع # فتنة. وأخذت العامة الحصر التي في الجامع، وقالوا: " هذه حصر علي بن أبي ~~طالب فيجيء أبو PageV01P173 # بكر بحصر حتى يصلي عليها الناس وكان ذلك يوم الجمعة التاسع عشر من شوال ~~سنة اثنتين وستين وأربعمائة. # ومدحه الشيخ أبو محمد بن سنان الخفاجي الحلبي بقصيدة طويلة، يقول فيها: # ما يصنع الحسب الكريم بعاجز ... يبنى له الشرف الرفيع ويهدم # وكان ناصر الدولة بن حمدان قد تغلب على مصر، ووقع بينه وبين جماعة من ~~الأمراء بمصر وحشة، فأنفذ إليه الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد البخاري ~~المعروف بقاضي حلب وأظن ناصر الدولة قلده قضاء حلب حين وردها، ووقعت به ~~وقعة الفنيدق، والسلطان ألب أرسلان حين حاصر حلب وهو معه فعرف بذلك أرسله ~~ابن حمدان رسولا إلى السلطان ألب أرسلان # يستدعي عساكره ليسلم إليه ديار مصر ويغير الدعوة، وذلك في سنة اثنتين ~~وستين. # فلما ورد عليه الرسول إلى خراسان جهز العساكر العظيمة التي تملأ الفضاء، ~~ووصل معها على طريق ديار بكر، ونزل الرها في أول سنة ثلاث وستين، وأقام ~~عليها ms118 نيفا وثلاثين يوما. # وسير الفقيه أبا جعفر قاضي حلب المذكور رسولا إلى محمود بن نصر بن صالح ~~يستدعيه إلى وطء بساطه وخدمته أسوة بمن وفد عليه من الملوك مثل: شرف الدولة ~~مسلم بن قريش، وابن مروان، وابن وثاب، وابن مزيد، وأمير الترك والديلم. فلم ~~يجب محمود إلى ذلك، وخاف منه. # فسار عن الرها إلى الشام قاصدا محمود بن نصر، فقطع الفرات في النصف من ~~شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة، من نهر الجوز، ونزل على بعض ~~المروج فأعجبه، فقال له الفقيه أبو جعفر قاضي حلب: " يا مولانا أحمد الله ~~تعالى على هذه النعمة، وهي أن هذا النهر لم يقطعه قط تركي إلا مملوك. وأنت ~~قد قطعته ملكا ". فأحضر الأمراء والأتراك وأمره بإعادة القول. قال: فأعدته، ~~فحمد الله تعالى حمدا كثيرا. # ونزل بنقرة بني أسد إلى أرض قنسرين إلى الفنيدق. وكان نقيب النقباء PageV01P174 # بحلب لم ينفصل عنها بعد إقامة الدعوة، فسأله محمود أن يخرج إلى # السلطان، ويصلح أمره معه، فخرج مستفسرا ومتوسلا. وتلطف الأمر، وأحسن ~~السفارة، وخاطب السلطان بأنه قريب العهد بالخطبة للخليفة، وقد لبس تشريفه. # فقال السلطان: " أي شيء تساوي خطبته للخليفة ولبى تشريفه، مع ما سبق من ~~شقه العصا وخروجه عن الطاعة " وأبى قبول الشفاعة فيه بدون وطء محمود بساطه. # فخاف محمود ولم يجب إلى ذلك، وتمادى الأمر نحو شهرين. وحضن محمود حلب ~~وجفل الناس من سائر الشام إليها، وحصل الرعب في قلوبهم هيبة له، لما اجتمع ~~إليه من العساكر الجمة، والجيوش الكثيفة الضخمة. وكان الأمر بخلاف ما ظن ~~الناس، فإنه لما أيس من خروج محمود إليه عاد من الفنيدق وكانت خيمته على ~~ذلك التل فعرف بتل السلطان من ذلك اليوم. # ونزل على حلب في آخر جمادى الآخرة من السنة، وكانت الخيام والعساكر من ~~حلب إلى نقرة بني أسد، إلى عزاز، إلى الأثارب، متقاربة بعضها من بعض، ولم ~~يتعرض أحد من العسكر بمال أحد، ولا سبيت حرمة، ولا قاتل حصنا. # وبلغني أن عسكره العظيم لم يأخذ عليقة تبن ms119 من فلاح إلا بثمنه، وأقام ~~محاصرا حلب شهرا ويومين. ولم يقاتلها غير يوم واحد، وقصد المطاولة بالبلد ~~بعد أن أشرف على الأخذ، وقال: " أخشى أن أفتح هذا الثغر بالسيف # فيصير إلى الروم ". ونقب برج الغنم، وعلق، فظفر أهل حلب بمن دخل ذلك ~~النقب وأخذوا بعضهم، ووقع الردم على الباقين. # وعصب الحلبيون برج الغنم بشقة أطلس، وكان السلطان نازلا بميدان باب ~~قنسرين، فسأل عن ذلك فقيل: " هولاء الحلبيون يقولون على سبيل المزح: قد صدع ~~البرج رأسه من حجارة المنجنيق فقد عصبوه!. فغضب، وفرق في تلك الليلة ثمانين ~~آلف فردة نشاب خلنج، غير ما رماه بقية العسكر. # وأصبح وأمر بالزحف فجد الناس في قتال البلد، وحمل السلطان بنفسه في ذلك ~~اليوم، فوقعت يد فرسه في خسف كان هناك، وأصاب في الحال رأس فرسه PageV01P175 # حجر المنجنيق فركب غيره، وعاد، وصرف الناس عن الحرب بعد أن أشرف البلد ~~على الأخذ إبقاء لحرمة البلد، وكان عسكره دائرا بالبلد من جميع وجوهه. # ثم إن السلطان راسل الأمراء من بني كلاب وأحضرهم من البرية، فوصلوا إليه، ~~وعول على تقليد بعضهم وتركه في مقابلة محمود وعوده لأجل ما بلغه من ظهور ~~ملك الروم إلى بلاد أرمينية عازما على قصد خراسان. # ولما علم محمود بأن البلد قد أشرف على الفتح، وعلم بوصول الأمراء من بني ~~كلاب، وأنه إن تم ذلك خرج الشام من يده، فراسل السليماني # وكان يتردد إليه في الرسالة يعلمه إنه قد عزم على وطء بساط السلطان ~~وخدمته خوفا مما أشرف عليه. فخرج إلى السلطان بنفسه، ومعه والدته علوية، ~~المعروفة بالسيدة، في أول شعبان، وأخذ مفاتيح البلد معه، فدخلا والعسكر ~~سماطان بين يديه، فخدماه، وسلما عليه، فأكرمهما، وأحسن اليهما، وقال ~~للسيدة: أنت السيدة. قالت: " سيدة قومي "، وقد ذكرنا إنه جرى لها ذلك مع ~~المستنصر. # وأطلق له البلد، وشرفه، وخلع عليه، وكتب له توقيعا بحلب، وتردد خروج ~~محمود إلى خدمته مرة بعد أخرى، وقرر معه السلطان أن يخرج بعسكره، ويضيف ~~إليه السليماني، وأن يتوجها إلى بلاد دمشق والأعمال ms120 المصرية لفتحها ففعل ما ~~أمره به، وعاد السلطان إلى بلاده. ### || وقعة منازكرد # وقيل: إنه خفف ابنه مع فوج من عساكره بكورة حلب، وقصد ملك الروم، وأسرع ~~في السير لأنه بلغه أن ملك الروم خرج في جموع لا تحصى، وأنه وصل إلى ~~قاليقلا، وهي أرزن الروم. فوصل السطان إلى أذربيجان حين بلغه أن ملك PageV01P176 # الروم قد أخذ على سمت خلاط، وكان السلطان في خواص جنده، وجموع عساكره ~~بعيدة عنه، ولم ير العود إلى بلاده، فسير وزيره نظام الملك وزوجته الخاتون ~~إلى تبريز مع أثقاله. # وبقي في خمسة عشر آلف فارس من نخبة عسكره مع كل واحد فرسه وجنيبه، والروم ~~في زهاء ثلاثمائة آلف أو يزيدون ما بين فارس وراجل، من جموع مختلفة من ~~الروم، والروس، والخزر، واللان، والغز، والقفجق، والكرج الأبخاز، والفرنج، ~~والأرمن. وفيهم خمسة آلاف جرخي، وفيهم ثلاثون آلف مقدم ما بين دوقس، وقومص، ~~وبطريق. # فرأى السلطان أن الإمهال للحشد والجمع مضر، فركب في نخبته وقال: أنا ~~أحتسب نفسي عند الله، وهي إما السعادة بالشهادة، وإما النصر كما قال تعالى ~~" ولينصرن الله من ينصره " ثم سار مرتبا جيشه قاصدا جموع الروم. # وكان ملك الروم قدم مقدما في عشرين آلف مدرع من شجعان عسكره، ومعه صليبهم ~~الأعظم، فوصل إلى خلاط، فنهب وسبى، فخرج إليه عسكر خلاط، ومعه صندق التركي ~~الخارج إلى بلد حلب، في سنة اثنتين وستين على ما قدمنا ذكره فكسره صندق، ~~وأسره، وصادف ذلك وصول السلطان، فأمر بجدع أنفه. # وعجل إنفاذ الصليب الذي كان في صحبته إلى نظام الملك، وأمره بتعجيل PageV01P177 # إنفاذه إلى دار السلام مبشرا بالفتح، وتلاحق عسكر الروم، فنزلوا على خلاط ~~محاصرين لها، ونزل الملك على منازكرد فسلموها إليه بالأمان خوفا # من معرة جيوشه إن استولوا عليهم، وذلك في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة، ~~سنة ثلاث وستين وأربعمائة. # فلما كان يوم الأربعاء سير أهل منازكرد، وخرج بنفسه ليشيعهم وهو في جموعه ~~وحشوده ووافق ذلك وصول العسكر السلطاني، ووقعت العين في العين، فحمل ~~المسلمون حملة رجل واحد، فردوهم ms121 على أعقابهم. # وشرع أهل منازكرد يتسللون من بينهم فقتل الروم بعضهم، ونجا الباقون، وترك ~~الروم طريقهم الذي كانوا سالكيه، وعاد ملكهم فنزل في مضاربه بين خلاط ~~ومنازكرد، وباتوا ليلتهم على أعظم قلق وأشده. # فلما أصبحوا بكرة الخميس وصل السلطان ألب أرسلان في بقية عساكره، فنزل ~~على النهر، وملك الروم على موضع يعرف بالزهوة في مائتي آلف فارس، والسلطان ~~في خمسة عشر ألف، فأرسل السلطان رسولا حمله سؤالا وضراعة، ومقصوده أن يكشف ~~أمرهم، ويختبر حالهم ويقول لملك الروم: " إن كتت ترغب في الهدنة أتممناها، ~~وإن كنت تزهد فيها وكلنا الأمر إلى الله عز وجل ". # فظن الزومي أنه إنما أرسله عن ضرورة فأبى واستكبر، وأجاب بأني سوف أجيب ~~عن هذا الرأي بالري، فغاظ السلطان جوابه، وانقطعت المراسلة بينهما. # وأقام الفريقان يوم الخميس على تعبئة الصفوف، فقال أبو نصر محمد بن عبد ~~الملك البخاري الحنفي فقيه السلطان وإمامه: " أنت تقاتل عن # دين الله الذي وعد بإظهاره على الأديان، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال، ~~والناس يدعون لك على المنابر في أقطار الأرض ". # فلما أصبحوا يوم الجمعة ركب السلطان بجموعه وركبت الروم فتواقفوا، فلما PageV01P178 # حان وقت الزوال نزل السلطان عن فرسه، وأحكم مد حزامه، وتضرع بالدعاء إلى ~~الله تعالى، ثم ركب وفرق أصحابه فرقا كل فرقة منهم لها كمين، ثم استقبل ~~بوجهه الحرب. # وحمل ملك الروم بجمعه، فاستطرد المسلمون بين أيديهم، واستجروا الروم إلى ~~أن صار الكمين من ورائهم، ثم خرج الكمين من خلفهم، ورد المسلمون في وجوههم، ~~فأتزل الله نصره، وكسرت الروم، وأسر الملك، واستولى المسلمون على عساكرهم، ~~وغنموا ما لا يعد كثرة ولا يحصى عددا وعدة. # وقيد الملك أسيرا إلى بين يدي السلطان، فأقامه بين يديه ومعه بازي وكلب ~~صيد. # وكانت مع الروم ثلاثة آلاف عجلة تحمل الأثقال والمنجنيقات، وكان من ~~جملتها منجنيق بثمانية أسهم تحمله مائة عجلة، ويمد فيه ألف ومائتا رجل، وزن ~~حجره بالرطل الكبير قنطار، وحمل العسكر من أموالهم ما قدروا عليه. # وسقطت قيمة المتاع والسلاح والكراع، حتى بيعت اثنتا ms122 عشرة خوذة بسدس ~~دينار، ولم يسلم من عسكر الروم إلا العسكر الذي كان محاصرا # خلاط، فلما بلغتهم الكسرة رحلوا عن البلد جافلين، فاتبعهم المسلمون ~~وتخطفوا أطرافهم، فلم يلو أولهم على أخرهم. # فمن عجيب الإتفاق ما حكي: أنه كان لسعد الدولة كوهرائين مملوك أهداه ~~لنظام الملك، فرده عليه فجعل يرغبه فيه، فقال نظام الملك: " وماذا عسى أن ~~يكون من هذا المملوك، يأتينا بملك الروم أسيرايا، مستهزئا به. # ثم أنسي هذا الحديث إلى أن كان في هذه الحادثة فاتفق وقوع ملك الروم في ~~أمر ذلك الغلام، فخلع السلطان عليه، وبالغ في إكرامه، وحكمه في طلبه ~~واقتراحه، فطلب بشارة غزنة، فكتب له بذلك. # ثم رحل السلطان إلى أذربيجان، والملك في قيده، فأحضره السلطان بين يديه، ~~وسأله عن سبب خروجه وتعريضه نفسه وعسكره لهذا الأمر، فذكر أنه لم يرد إلا ~~حلب، وكل ما جرى علي كان محمود السبب فيه والباعث عليه، فقال: PageV01P179 # " اصدقني عما كنت عازما عليه لو ظفزت بي " فقال: لاكنت أجعلك مع الكلاب ~~في ساجور. # فقال السلطان: ما الذي توثر أن يفعل بك. فقال: " انظر عاقبة فساد نيتي ~~واختر لنفسك "، فرق له قلب السلطان، فمن عليه، وأطلقه، وأكرمه، وخلع عليه ~~بعد أن شرط عليه أن لا يتعرض بشيء من بلاد الإسلام، وأن يطلق أسرى المسلمين ~~كلهم، وسيره إلى بلاده، وسير معه قطعة من العساكر توصله. # فلفا انصرف ديوجانس إلى قسطنطينية خلعوه من الملك، ولم يتم له ما أراد. ~~وقيل: إنه كحل، ومات بعد مدة. ولم ينقل إنه أسر للروم ملك في الإسلام قبل ~~هذا. # وأما محمود بن نصر بن صالح فإنه سار بعسكره بعد رحيل السلطان عن حلب، ~~ومعه بنو كلاب والسليماني، في شعبان من هذه السنة، فنزلوا بالقرب من بعلبك ~~قاصدين دمشق وبلادها وبها يومئذ ابن منزو الكتامي، حسب ما تقدم السطان ~~إليه، وأقام محمود ليتبين ما يفعل. ### || خبر عطية بن صالح # وكان عمه عطية بن صالح قد صار مع الروم مستنجدا بهم على ابن أخيه محمود، ~~وبعد أن قصد المصريين ms123 فلم يحصل على شيء منهم. فخرج عطية مع النحت دوقس ~~أنطاكية وعسكر الروم، فهجموا معه معرة مصرين وأحرقوا بعضها، وقتلوا من ~~قدروا عليه. # وبلغ الخبر محمودا وهو في أرض بعلبك فعاد إلى حلب، وسار السليماني PageV01P180 # ليلحق بالسلطان ألب أرسلان، واتصلت غارات الروم على الشام، فاستنجد محمود ~~" بقر لو التركي " ومن معه من الأمراء بفلسطين، وهم: ابن أخي الملك ابن ~~خان، وأتسز بن أوق وإخوته. وكانوا أول من طلع من الترك إلى بلاد فلسطين، ~~وفتحوها، وأقاموا بها فنزلوا إلى محمود متجدين له، وأقاموا إلى أن تفرق ~~عسكر الروم. # ودخل عطية عم محمود إلى قسطنطينية، فسقط من سطح كان نائما # عليه وهو سكران، فمات سنة أربع وستين، وسار محمود إلى الرحبة فأخذها، ~~وحمل إلى حلب ودفن بها غربي باب الجنان، في مشهد أمه طرود قبلي بستان ~~النقرة، وصلى عليه ابن أخيه محمود. ثم عاد الأتراك بعد أن حمل إليهم محمود ~~مالا وخيلا. ### || الوزير أبو بشر # وفي سنة أربع وستين وأربعمائة، تغيرت أخلاق محمود بعد رحيل السلطان، ~~وتنكر لأصحابه، وتغير على وزيره أبي بشر النصراني، وكان هو الذي ساعده ~~بماله حتى ملك حلب، واستجذب العرب إليه، وكان القائد أبو الحسن بن أبي ~~الثريا الذي كان وزير عطية قد سعى به ليلي وزارة محمود، وطالبه بمال جليل. # وكان محمود قد رغب في جمع المال، وغلب عليه حب الدنيا فذكر له أبو بشر ~~أنه عاجز عن أداء ما طولب به، وأنه مما لا تصل يده إليه ولا إلى بعضه. فأمر ~~محمود بقتل ولد كان لأبي بشر وبقتل أخيه، فقتلا وقطع رأساهما، وعلقا في ~~عنقه، فسمع أبو بشر وهو يقول: # ويح دهري ما أمره ... ما وفي خير بشره # وحلف أبو بشر أنه بعد ما فعله بابنه وأخيه لا يظهر له شيئا من ماله. ~~وقال: كل من عنده شيء مودع فهو في حل منه وسعة. # وندم محمود على ما فعل، وأراد الرجوع له، وأرسل إليه شافع بن الصولي أن ~~يقرر عليه شيئا ويطلقه فامتنع. # واتفق أن محمودا ms124 اصطبح، وقدم إليه طعام بعد سكره، فأنفذ منه لأبي بشر مع PageV01P181 # فراشه، فقام قائما، وقئل الأرض، وشكر ودعا. فعرف ابن أبي الثريا، فركب، ~~ولقي الفراش ودفع إليه مائة دينار، وسأله أن يقول لمحمود: إن هذا شيخ خرف ~~لأنه لم يقبل طعام مولانا، وقال: كافأه الله وعجل عليه لما. ففعل الفراش ~~ذلك. # ودخل ابن أبي الثريا عقيبه على محمودث وجاراه في حديث لا يتعقق بأبي بشر ~~فلم يقبل عليه، ووجده مملوء القلب غيظا من جواب الفراش. فقال ابن أبي ~~الثريا: " الله لا يشغل لمولانا خاطرا، فما أراه منبسطا في مجلسه ولا مصغيا ~~إلى المملوك لما. فحدثه بما قال الفراش، فقال يا مولانا: لم تزل إليه محسنا ~~ويقابلك بالإساءة فكيف يكون بعدما جرى عليه وعلى ابنه وأخيه ما جرى. وأنا ~~أدري أنك تريد ماله، وقد تكرر قوله إنه لا يعطيك شيئا. قال محمود: " هذا ~~سيفي وخاتمي، خذهما وامض إليه فان لم يقر بشيء فاقتله. # فقام ابن أبي الثريا من عنده بذلك، واشتغل محمود بالشرب فنهم منه، وأحضر ~~ابن أبي الثريا أبا بشر فلم يطالبه بمال بل قال له، " ما زلت تتجلد حتى صرت ~~إلى هذه الحال ". فقال: " يا قائد السوء قد علمت أن هذا كله من سعيك، ~~والأجل لا مرد له، وهذا موت الشمهداء، ولكن استعد لرجلك بحبل، فستموت ميتة ~~الكلاب، وتجر جيفتك إلى الخندق. # وقتل أبو بشر، ورمي وسط بئر بستان القصر. وصعد الوزير أبو نضر بن النخاس ~~ثاني يوم قتل أبي بشر إلى خدمة محمود، فقال له سرا: # " تمضي إلى أبي بشر لتقرير ما عليه، ويطلق لما. فقال: " يا مولانا وما قد ~~قتلته. فأطرق محمود ساعة وقال: تمت علي وعليه الحيلة، ويجب يا أبا نصر أن ~~تكتم هذا الأمر " قال أبو نصر: فما حدثت به إلا بعد موت محمود، واستقل أبن ~~أبي الثريا بوزارة محمود. ### || ابن منقذ # وأما سديد الملك أبو الحسن بن متقذ فإنه استشعر من تاج الملوك أن يقبضه ~~وكان أخاه من الرضاعة فاجتمع باسباسلار أبي حرب، المعروف، ms125 بخريبة الفايا، ~~وكان صاحب سر محمود ونديمه، وكان لابن منقذ إليه إحسان كثير وصنائع جمة، ~~فمال له:، قد استشعرت من تاج الملوك فانظز ما تعمله معي، فقال: " تكلفني أن ~~يقول الأمير أريد اقبض على فلان فأخبرك بذلك، لا والله، ولكن أنا أنفذ إليك ~~مع عجوز عندي ألفي دينار، فإذا نفدت طلبتها منك فشأنك ونفسك PageV01P182 # " فبقيت تلك الدنانير عنده مئة ثم نفذ العجوز لطلبها، وكان قد أصلح حاله ~~للسفر، فدفع إليها الدنانير، وركب من يومه، وخرج من حلب إلى كفرطاب، ~~فاستصحب منها ما أراد. # وسير حسين بن كامل بن الدوح إلى سديد الملك بن منقذ يسأله الاجتماع ~~فاجتمعا، فقال: له حسين: " ايش رأيك في الدخول إلى حلب " # فقال: ما أقول لك شيئا لأن لك مالا عظيما، فإن أشرت عليك بتركه كنت ملوما ~~عندك، ولكني أقول لك ما أعمل، وأنت ترى رأيك والله لا نظرت محمودا أبدا " ~~وسار إلى طرابلس فكتب محمود إلى ابن عمار يأمره بالقبض عليه، ويبذل له ~~ثلاثة آلاف درهم ورقية فلم يظفر به. # وسار ابن منقذ حتى وصل إلى طرابلس في سنة خمس وستين، فلقي ابن عمار ~~وأخاه، فكاتبهما محمود فتنكرا له. # وعزم ابن منقذ على الطلوع إلى مصر، فاتفق موت أمين الدولة ابن عمار فشد ~~ابن منقذ من جلال الملك علي بن عمار وعاضده بمماليكه ومن طلع معه أهل ~~كفرطاب، فأخرجوا أخا أمين الدولة، وتولى جلال الملك، وعظم محل منقذ عنده ~~حتى كان حكمه في طرابلس مثله وكاتبه محمود بتطييب قلبه، فلم به، ولم يعد ~~إلى حلب حتى مات. # وقيل: إن ابن النحاس، كاتب محمود، كتب إليه كتابا من نفسه يضمن له الرضا ~~عن محمود، وكتب في آخره: إن شاء الله " وشدد النون من إن، ففطن منقذ بأنه ~~أراد قوله تعالى: " إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك "، فكتب جوابه: وكتب إن ~~الخادم، وكسر الألف، وشدد النون من إنا، ففطن أبن النحاس بأنه أراد قوله ~~تعالى: " إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ". # وأما محمود فإنه لما يئس من ms126 عود أبي الحسن بن منقذ قبض على أملاكه PageV01P183 # جميعها وأقام حسين بن الدوح فإنه دخل إلى حلب فقتله محمود ولم يمهله. ### || خبر الخفاجي # وكان محمود قد خطر له أن يولي في كل قلعة من قلاعه رجلا من أهل حلب، ~~وتكون ذريته وأهله تحت يديه، وطلب من الوزير ابن أبي الثريا أن يختار له من ~~يوليه عزاز، فقال: " لا أجد لذلك إلا أبا محمد بن سنان الخفاجي " وكان أبو ~~نصر بن النحاس حاضرا، فصوب الرأي فيه فأحضره محمود وولاه بعد أن امتنع ثم ~~أجاب. # ثم إنه استوحش عليه فاستدعاه محمود عدة دفعات إلى حلب، فتعلل عليه ولم ~~يحضر، وكان أبو نصر بن النحاس صديقه وكان كاتب محمود، فكان يكتب إليه ~~ويحذره. # فأمره في بعض الأيام أن يكتب إليه كتابا يتلطفه ويأمره بالحضور والكتاب ~~عن أبي نصر، لأنه كان يعلم ما بينهما من المودة، وأمره أن يضمن له عن محمود ~~كل خير، وأمره أن يكتب الكتاب بين يديه، ولم يقع له أن يلغز فيه شيئا. # قال أبو نصر: " فما قدرت أن أعمل فيه سوى أن شددت النون من إن شاء الله، ~~وتناهيت في لفظ الكتاب، وقلت: لو عرفت ضد ما كتبت لما كنت بصورة من يغشه " ~~وأخذ محمود الكتاب ووقف عليه، وكرر فيه نظره فرآه كافيا شافيا، فأمر ~~بإلصاقه وعنوانه، ودفعه لبعض أصحابه ووصاه أن يقول: " هذا كتاب دفعه إلي ~~أبو نصر بداره " وسار الفراش. # فلما وقف أبو محمد عليه كرر فيه نظره، وبقي متعجبا منه، ويقول: " أخي أبو ~~نصر أعطاك الكتاب بداره أم بالديوان أم بالقلعة قدام الأمير " فقال: " بل ~~بداره " فقال: ما هذا صحيح، فحلف له فلم يصدقه إلى أن قال: " وقعت على ~~المعنى. وكتب جوابه يذكر فيه شكر أبي نصر، وأنه مهتنم بالحضور عند زوال حمى ~~جسمه ثم إنه كاتب أبا نصير خفية، وأعلمه أنه عثرر على المعنى في تشديد " إن ~~". # وقد ذكرنا أنه جرى له ذلك مع ابن منقذ فيحتمل أن يكون وقع ذلك معهما ~~جميعا. # ثم إن ms127 محمودا أنكر وقال: " ما أعرف قتله إلا منك "، فقال: " كيف " قال: ~~تمضي إليه اليوم ومعك ثلاثون فارسا يقفون لك في بعض الطريق، وتقدم منك إليه PageV01P184 # من يعلمه بوصولك ومعك في رانك هذه الخشكنانة ومعك أنت خشكنان غيره، فإذا ~~فعلت ذلك لا بد أن ينزل ويلتقيك من قلعة عزاز، ويعرض عليك الصعود والنزول ~~عنده، فقال له: أنا موجل ومستحلف أن لا أنزل على الأرض، ولا آكل لك طعاما، ~~وطول الحديث معه إلى أن تعلم أنه قد جاع، ثم اذكر أنت الجوع واخرج لك ~~خشكنانة من الذي معك، ثم أخرج المسمومة فادفغها إليه، وكل أنت التي لك ~~وتحدث معه ويكون حديثكما على فرسيكما وأنتما بمعزل من أصحابكما، وطول معه ~~الحديث ولا تبرح حتى يستوفي أكلها، وعلامة صدقك موته، وإلا ضربت عنقك. # قال أبو نصر بن النحاس: فنزل علي من ذلك أمر تمنيت الموت معه فخرجت وأنا ~~على غاية من الجزع والتأسف كيف قضى الله ذلك على يدي، وجعلت دقعة أعول على ~~الهرب، ثم إني أفكر في أولادي وأهلي، وإنني إن فعلت ذلك أهلكتهم لعلمي بظلم ~~صاحبي، ثم إن الفرسان متوكلة بي. # فلما اجتمعت به فعلت ما ذكره لي، ثم ودعته عند استيفاء أكل الخشكنانة ~~ورجعت من موضعي مبادرا، وأبعدت من أرض عزاز، وركنت جنيبا كان معي وجديت في ~~السير خوفا من الطلب وصعد أبو محمد إلى المركز، فوجد مغصا شديدا ورعدة، ثم ~~قال: لاقتله أخي أبو نصر، اطلبوه فركبت الخيل خلفه فلم تلحقه. # ووصل أبو نصر فاجتمع بمحمود، فعرفه ما جرى فلما كان من ذلك الغد وصل رسول ~~من عزاز يستدعي الشريف النقيب أبا المعالي الفضل بن موسى وابنه سنان بن أبي ~~محمد الخفاجي، وجماعة من أهله وذكر الرسول أنه في السياق فمنع محمود ولده ~~من الخروج، وأمر الشريف أن يتولى القلعة إلى أن ينفذ إليها واليا، فولاها ~~بعد خمسة أيام وأحدا من أصحابه. # وتوفي أبو محمد في قلعة عزاز في سنة لست وستين وأربعمائة، وقيل سنة أربع ~~وستين وهو الصحيح، وحمل ms128 إلى حلب، وصفى عليه الأمير محمود بن صالح وقيل: إنه ~~توفي في سنة ثلاث وستين والأول أصح ولما أحس بالموت عمل: # خف من أمنت ولاتركن إلى أحد ... فما نصحتك إلا بعد تجريب # إن كانت الترك فيهم غير وافية ... فما تزيد على غدر الأعاريب # تمسكوا بوصايا اللؤوم بينهم ... وكاد أن يدرسوها في المحاريب PageV01P185 # وقيل: إنه كان كتبها أبو محمد من عزاز إلى سديد الملك بن منقذ، ويذكر له ~~في كتابه أخواله ولجاج محمود في طلبه، وتغير نيته فيه، وخوفه من غائلته ~~وظلمه. ### || الشاعر ابن حيوس # وفي سنة خمس وستين وأربعمائة وقيل في شوال سنة أربع وستين وفد أبو ~~الفتيان بن حيوس على محمود بن نصر بن صالح، وكان سديد الملك بن منقذ اجتمع ~~به بطرابلس، ورأى نفور بني عمار منه لأجل ميله إلى الدولة المصرية، فأشار ~~عليه أن يقصد محمودا بحلب، فقصده صحبة نصر بن سديد الملك بن منقذ، فأحضره ~~محمود. # وكان قد جلس في مجلسه وأمر بإحضار الشراب فشرب أقداحا، ثم قال: ارفعوا ~~الخمر فإن ابن حيوس يحضرني ممتدحا، وفي نفسي أن أهبه جائزة سنية فإن كان ~~الشراب في مجلسي قيل وهبه وهو سكران " فرفع وحضر الأمير أبو الفتيان فأنشده ~~قصيدته الميمية التي أولها: # قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما، ... ولا تقتفوا من جار لما تحكما # أرى كل معوج المودة يصطفى ... لديكم، ويلقى حتفه من تقوما # وهي قصيدة طويلة، أحسن فيها كل الإحسان، وذكر إشارة ابن منقذ عليه بقصده ~~فقال: # سأشكر رأيا منقذيا أحلني ... ذراك فقد أولى جميلا وأنعما # فوهب له آلف دينار ذهبا في صينية فضة، وجعلها له رسما علية في كل سنة. # واحتفر الخندق بحلب فجاءه أبو الفتيان فقال: " هذه أعمال يعجز عنها كسرى ~~وذو الأكتاف " فقال محمود: " ما كان الأمير أبو الحسن ينفذك حتى عملت ~~واجتمع بباب محمود بن نصر جماعة من الشعراء، فلم تصل إلى واحد منهم جائزة ~~غير ابن حيوس، فكتب إليه ابن الدويدة، المعروف بالقاق: # على بابك الميمون منا عصابة ... مفاليس فانظز في أمور ms129 المفاليس # وقد قنعت منك العصابة كلها ... بعشر الذي أعطيته لابن حيوس PageV01P186 # وما بيننا هذا التفاوت كله ... ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس # فقال محمود: " والله لو قال بمثل الذي أعطيته لأعطيتهم مثله " ثم أمر لهم ~~بالجائزة مائة دينار أو أكثر. # وقصد الروم ناحية عزاز في جموعهم، فخرج محمود إليهم في عدة قليلة تناهز ~~ألف فارس، فاندفع الروم بين أيديهم، وقصدوا أنطاكية واحتموا بها في سنة ~~أربع وستين وافتتح محمود قلعة السن في تاسع شهر ربيع الآخر سنة ست وستين. ### || وفاة محمود بن نصر # ومرض محمود بن نصر بن صالح بحلب في جمادى الأولى من سنة سبع وستين ~~وأربعمائة وحدثت به قروح في المعا كانت سبب منيته. # وكان محمود في أول ملكه حسن الأخلاق، لين الجانب، كريم النفس، عفيفا عن ~~الفروج والأموال، ثم تنكر وزاد عليه حب الذنيا، وجمع المال فلحقه من البخل ~~ما لا يوصف. PageV01P187 ### | القسم الخامس عشر نصر بن محمود بن نصر بن صالح # وأوصى بحلب لابنه شبيب وكان أصغر أولاده فلم تنفذ أصحابه وصيته، وملكوا ~~حلب ولده الأمير نصر بن محمود، وجده لأمه الملك العزيز بن جلال الدولة ابن ~~بويه، وأحصي ما وجد في خزائن محمود فكانت قيمته من العين والمتاع والآلات، ~~والثياب، والمراكب آلف ألف وخمسمائة آلف دينار. # وأمن الناس في أيام نصر وكانت سيرته أصلح من سيرة أبيه، وأحسن إلى أهل ~~حلب، وأطلق من كان في اعتقال أبيه من أحداثهم، وعم الناس بجوده. وكان بحرا ~~للمكارم إلا أنه كان لا يستطيع أن يرى أحدا يأكل طعامه مع كرمه وجوده. # ودخل عليه أبو الفتيان بن حيوس حين ولي حلب فأنشده القصيدة التي أولها: # كفى الذين عزا ما قضاه لك الدهر ... فمن كان ذا نذر فقد وجب النذر # اعتذر فيها عن تأخره عن سلفه فقال: # تباعدت عنكم حرفة لازهادة ... وسرت إليكم حين مسني الضر # فجاد ابن نصر لي بألف تصرمت ... وإني لأرجو أن سيخلفها نصر # فأطلق له نصر آلف دينار، وقال: وحياتي، لو قال سيضعفها نصر لأضعفتها. ولم ~~يزل ms130 يواصل ابن حيوس بالحباء وجزيل العطاء، وأنشده ابن حيوس يوما بديها وقد ~~خرج ينظر المد في قويق: # أرى الأرض تثني بالنبات على الحيا ... ولو تستطيع النطق خصتك بالحمد PageV01P189 # بك افترت الأنام عن ناجذ الغنى ... وغرد طير العيش في الزمن الرغد # عهدنا مدود الأرض تأتي بحورها ... ولم نر بحرا قط سار إلى مد # فأعطاه صلة جزيلة: وجهز نصر عساكره إلى منبج صحبة أحمد شاه، وكانت في ~~أيدي الروم، فحصرها مدة، وأيس واليها من نجدة تأتيه، فسلمها في صفر من سنة ~~ثمان وستين وأربعمائة، فقال في ذلك ابن حيوس من قصيدة: # وطريدة للدهر أنت رددتها ... قسرا فكنت السيف يقطع مغمدا # ووصل في سنة ثمان وستين وأربعمائة أتسز بن أوق التركي إلى أعمال # حلب القبلية، ونزل العاصي على الجلالي، وجفل أهل الشام بين يديه، وكان قد ~~سمى نفسه الملك المعظم فنهب كل ما قدر عليه، وملك رفنية، وسلمها إلى أخيه ~~جاولي، وترددت سراياه في جميع الشام، وتمادى فساده. # وترددت الرسل بينه وبين نصر بن محمود صاحب حلب، فلم يستقر بينهما أمر، ~~وعاد إلى دمشق فتسلمها. # واعتمد جاولي مدة مقامه برفنية إساءة المجاورة، وشن الغارات والأذى في ~~الأعمال القبلية من عمل حلب، فجهز إليه نصر بن محمود عسكر حلب ومقدمهم أحمد ~~شاه التركي، وذكر أنه شيباني فسار إليه، والتقوا بأرض حماة، فكسره جاولي ~~وغنم عسكره. # وعاد أحمد شاه ونزل مذكين وجمع إليه من سلم من عسكره، فلما اجتمعوا عولوا ~~على العودة إلى حلب، فقال لهم أحمد شاه: " ما بقى لنا وجه إلى حلب بعد هذه ~~الكسرة، فإن راجعتم الحرب وأظفرنا الله بهم كان الأمر لنا بحكم الظفر، ه ان ~~أبيتم ذلك فأنا أسير إلى الفرات وأستدعي أهلي، فما لي وجه ألقى به نصر بن ~~محمودة وإنما أعطى ومنح وأكرم لمثل هذا الموقف. # فأجمعوا أمرهم على معاودة الحرب فأسرى من موضعه إلى عسكر جاولي وكبسه، ~~فاستثأر منهم، ونهب عسكره، وأسر منهم ما يزيد عن ثلاثمائة # نفس، PageV01P190 # وسيرهم في الوثاق إلى حلب مشاة، وهرب جاولي إلى ms131 رفنية، وسار بعد ذلك إلى ~~أخيه بدمشق. # وكان نصر حين ملك حلب واستقر بها أمر بقتل وزير أبيه أبي الحسن علي بن ~~أبي الثريا القائد، صاحب الدار التي هي المدرسة العصرونية، فقتل وكان راكبا ~~تحت القلعة، وهو في حشمه على بغلته، وعمل في رجله حبل وجذبت جثته من تحت ~~القلعة إلى باب أنطاكية، جزاء على ما فعله بأبي بشر، وصدق قال أبي بشر فيه ~~على ما ذكرناه وكان نصر قد اتهمه بأنه أشار على أبيه أن يولي أخاه الأصغر ~~شبيبا، وكذلك قتل نصر ناجية بن علي أحد ولاة أبيه. # واستوزر نصر أبا نصر محمد بن الحسن التميمي المعروف بابن النحاس الحلبي، ~~وبقي وزيرا بعده لسابق أخيه إلى أن اعتقله، ثم أطلق وكان أبو نصر كاتبا ~~لمحمود قبل وزارته. # وفي يوم عيد الفطر من سنة ثمان وستين وأربعمائة، عيد نصر بن محمود، وهو ~~في أحسن زي، وكان الزمان ربيعا والأرض نضرة، واحتفل الناس في عيدهم وتجملوا ~~بأفخر ملابسهم، ودخل عليه ابن حيوس فأنشده قصيدة منها: # ضفت نعمتان خصتاك وعمتا ... حديثها حتى القيامة يوثر ### || مقتل نصر # وقبض نصر على الأمير أحمد شاه التركي، واعتقله في القلعة، وجلس فشرب إلى ~~العصر، وحمله السكر على الخروج إلى الأتراك، وسكناهم في الحاضر، وأراد أن ~~ينهبهم، وحمل عليهم، فرماه تركي بسهم في حلقه فقتله، وتبعه أصحابه فوجدوه ~~قد مات، وذلك يوم الأحد مستهل شوال من سنة ثمان وستين وأربعمائة وكان نصر ~~أهوج. PageV01P191 ### | القسم السادس عشر سابق بن محمود بن نصر # وزحفت الأتراك إلى البلد وكان والي القلعة رجلا يقال له ورد، وعنده ~~الأمير سديد الملك أبو الحسن بن منقذ، وكان قد كان من طرابلس إلى حلب في ~~أيام نصر، وعندهما جماعة من الخواص، فلما علموا بذلك استدعوا أخاه سابق بن ~~محمود. # وحمل من العقبة، وكان ساكنا بها في الدار التي تنسب إلى عزيز الدولة ~~فاتك، ورفع إلى القلعة بحبل من السور، وهو سكران، ونادوا بشعاره، وأطاعه ~~الأجناد، وأشاروا عليه بإطلاق أحمد شاه فأطلقه في الحال، وخلع ms132 عليه. # فنزل أحمد شاه إلى العسكر بالحاضر فسكن الثائرة، وأخمد الفتنة، # واستقرت قاعدة سابق، ولفب عز الملك أبو الفضائل، ودخل عليه ابن حيوس ~~فأنشده قصيدة أولها: # لي لها أن أحفظ العهد والوا ... وإن لم يفد إلا القطيعة والصدا # فأطلق له سابق آلف دينار، وجعل له في كل شهر ثلاثين دينارا، وكان سابق من ~~متخلفي بني مرداس. # ولما ملك سابق اجتمعت بنو كلاب إلى أخيه وثاب، وعولوا على معونته عليه، ~~وأخذ حلب له من أخيه سابق وانضاف إلى وثاب أخوه شبيب بن محمود، ومبارك أبن ~~شبل ابن خالهما، وعامة بني كلاب. # فلما تحقق سابق ذلك استدعى أحمد شاه أمير الأتراك، وكان في آلف فارس ~~وشاوره، فأنفذ أحمد شاه إلى رجل من الأتراك يعرف بابن دملاج واسمه محمد بن PageV01P193 # دملاج في يوم الأربعاء مستهل ذي القعده، من سنة ثمان وستين. ### || هزيمة وثاب # وتحالفوا وخرجوا إلى وثاب وبني كلاب، في يوم الخميس مستهل ذي الحجة من ~~سنة ثمان وستين وأربعمائة، وكان بنو كلاب في جمع عظيم ما اجتمعوا قط في ~~مثله يقال إنهم يقاربون سبعين آلف فارس وراجل، وكانوا قد عاثوا في بلد حلب، ~~وكانوا نزولا بقنسرين فعند معاينتهم الأتراك انهزموا من غير قتال وخلفوا ~~حللهم وكل ما كانوا يملكونه وأهاليهم وأولأدهم. # فغنم أحمد شاه وأصحابه ومحمد بن دملاج وأصحابه كل ما كان لبني كلاب ~~فيقال: إنهم أخذوا لهم مائة آلف جمل وأربعمائة آلف شاة، وسبوا من حرمهم ~~الحرائر جماعة كبيرة، ومن إمائهم أكثر، وكل ما كان في بيوتهم وعفوا عن قتل ~~عبيدهم المقاتلة، وكانوا يزيدون عن عشرة آلاف عبد مقاتل فلم يقتلوا أحدا ~~منهم، وكان الذي غنمه الترك من العرب في ذلك اليوم ما لا يحصى كثرة، وأسروا ~~جماعة منهم. # وعاد أحمد شاه بالأسرى إلى حلب فتقدم سابق بن محمود بإطلاقهم، وأنزل أخته ~~زوجة مبارك بن شبل في دار، وأكرمها لأنها كانت فيمن أخذ ذلك اليوم. # وبعد هذه الهزيمة بثلاثة عشر يوما دعا محمد بن دملاج التركي أحمد شاه، ~~فخرج إليه، وكان ms133 نازلا شمالي حلب، فلما أكلوا وشربوا قبض محمد بن دملاج على ~~أحمد شاه وأسره، وكان في نفر قليل فأقام في أسره تسعة أيام # ثم إن سابق بن محمود اشترى أحمد شاه من محمد بن دملاج بعشرة آلاف دينار ~~وعشرين فرسا، يوم السبت الرابع والعشرين من ذي الحجة من السنة. ### || إعانة ملكشاه لوثاب بن محمود # فعند ذلك سار وثاب بن محمود ومبارك بن شبل، وحامد بن زغيب، إلى باب ~~السلطان أبي الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان، وحضروا عنده، وشكوا إليه حالهم، ~~وسألوه أن يعينهم على سابق، ويكشف عنهم ما نزل بهم منه. PageV01P194 # وأنكر السلطان ذلك ووعدهم بما طابت به نفوسهم، ووقع لهم بإقطاعهم في ~~الشام، وأقطع الشام لأخيه تاج الدولة تتش، وأمره بالمسير إلى الشام في ~~أوائل سنة سبعين وأربعمائة وتقدم السلطان ملك شاه إلى أفشين بن بكجى، وصندق ~~التركي، ومحمد بن دملاج، وابن طوطو، وابن بريق، وغيرهم، من أمراء الترك ~~بالكون مع تاج الدولة والمسير في خدمته # فسار تاج الدولة ومعه وثاب بن محمود ومبارك بن شبل وحامد بن زغيب، حتى ~~وصل إلى ديار بكر، وتواصلت إليه آلاف حاد مع المذكورين، وكان أحمد شاه قد ~~حصر أنطاكية مئة ومعه عسكر حلب واشتد الغلاء بها في هذه السنة، واستقرت ~~الحال على خمسة آلاف دينار مقاطعة، فأخذها، ورحل عنها إلى حلب. # ولما قرب تاج الدولة من الشام هرب جماعة الأتراك المقيمين بحاضر حلب مع ~~أحمد شاه إلى حصن الجسر وكان ابن منقذ جدد عمارته ليضايق به شيزر، ويقطع ~~المادة عنها من بلد الروم، وأذن له سابق بن محمود في ذلك، فجدد في هذه ~~السنة فتركوا أموالهم وأهاليهم بهذا الحصن، وعادوا إلى خدمتهم بحلب، ولم ~~يأمنوا أهل حلب أن يتركوا حرمهم عنده لما كانوا فعلوه بابن خان، وتغير ~~الهواء بالجسر عليهم، فهلك عاقتهم بهذا الموضع. # وأما تاج الدولة تتش فإنه أقام بالمروج إلى أن وصلته بنو كلاب بالطعن، ~~ونزلوا حلب في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. # ووصل شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن ms134 قريش في عسكر كثير بأمر ملك شاه، ~~ونزل معه على حلب معينا له، وحصروها ثلاثة أشهر وعشرين يوما، وكان نزوله ~~على حلب لثلاث خلون من ذي القعدة من سنة إحدى وسبعين وأربعمائة لمكان ~~القتال عليها متصلا. # وقتل أحمد شاه مقدم الأتراك بحلب بطعنة أصابته في الحرب، وكان هوى PageV01P195 # شرف الدولة أبي المكارم مع سابق، وكان يسير إليه في الباطن بما يقوي # نفسه، وكان ينكر على بني كلاب خلطتهم بعسكر الترك. # فاستأذن بنو كلاب تاج الدولة في رحيل الطعون فأذن لهم فأحس شرف الدولة ~~أبو المكارم بتغير النية فيه، وتحقيق التهمة به من مراسلة سابق وأهل حلب، ~~فاستأذن تاج الدولة في الرحيل، ورحل وجعل عبور عسكره على باب حلب، وباع ~~أصحابه أهل حلب كل ما كان في العسكر عصبية وتقوية لهم، وقوى نفوسهم ونفس ~~سابق. # وسار بعد أن قوي أهل حلب بما ابتاعوه من عسكره بعد الضعف الشديد إلى ~~بلاده، وأشار على مبارك ووثاب وشبيب بالاحتياط على أنفسهم أو الهرب إلى ~~حلب. # ولم يك بقي مع تاج الدولة من بني كلاب غيرهم في نفر يسير، فكاتبهم سابو ~~وتألفهم وقال لهم: " إني إنما أذب وأحامي عن بلادكم وعزكم، ولو صار هذا ~~البلد إلى تتش لزال ملك العرب وذلوا " وجرت أمور أوحشتهم من الأتراك، ~~فهربوا إلى حلب بعد أن قتل أصحابهم قبل الهزيمة وبعدها، وصاروا إلى سابق. ### || قصيدة ابن النحاس # وكتب سابق إلى الأمير أبي زائدة محمد بن زائدة قصيدة من شعر وزيره أبي ~~نصر بن النحاس، يعرفه ما هو فيه من الضيق، ويسأله الإقبال عليه والقيام ~~بمعونته ويحذره من التخلف عنه، فيكون ذلك مسببا لزوال ملك العرب، ويعتب ~~عليه في التوقف عنه فيما كان جرى مع أحمد شاه التركي، والقصيدة هي: # دعوت لكشف الخطب والخطب معضل ... فلبيتني لما دعوت مجاوبا # ووفيت بالعهد الذي كان بيننا ... وفاء كريم لم يخن قط صاحب # وما زلت فراجا لكل ملمة ... إذا المحرب الصنديد ضجع هائبا # فشمر لها وانهض نهوض مشيع ... له غمرات تستقل النوائبا # وقل ل ms135 " كلاب ": بدد الله شملكم ... أويحكم ماتتقون المعايبا! # أتستبدلون الذل بالعز ملبسا ... وتمسون أذنابا وكنتم ذوائبا PageV01P196 # وما زلتم الآساد تفترس العدى ... فما بالكم مع هؤلاء ثعالبا # ثبوا وثبة تشفي الصدور من الصدا ... ولا تخجلوا أحسابنا والمناقبا # ولا بد من يوم نحكم بيننا ... وبين العدى فيه القنا والقواضبا # أرى الثغر روحا أنتم جسد له ... إذا الروح زالت أصبح الجسم عاطبا # وقد ذذت عنه طالبا حفظ عزكم ... إباء ولاقيت المنايا السواغبا # وها أنا لا أنفك أبذل في حمى ... حماكم مجدا، مهجتي والرغائبا # أأذخر مالي عنكم وذخائري ... إذا بت عن طرق المكارم عازبا # شكرت صنيع " ابن المسيب " إذ أتى ... يجر مغاويرا تسد السباسبا # ومنها: # أيا راكبا يطوي الفلاة بجسرة ... هملعة لقيت رشدك راكبا # ألا ابلغ " أبا الريان " عني ألوكة ... تريح من الإيلاف ما كان واجبا # أخا شخصه لا يبرح الدهر حاضرا ... تمثله عيني وإن كان غائبا # متى تجمع الأيام بيني وبينه ... أشد عليه ما حييت الرواجبا # وأهد إلى " شبل " سلامي وقل له: ... لك الخير دع ما قد تقدم جانبا # فتلك حقود لوتكلم صامت ... لجاء إليها الدهرمنهن تائبا # وقد أمكنتكم فرصة فانهضوا لها ... عجالا وإلأ أعوز الدر جالبا # فإتي رأيت الموت أجمل بالفتى ... وأهون أن يلقى المنايا مجاوبا # وكان قد بلغ سابقا أن أميرا من أمراء خراسان يقال له تركمان التركي قد ~~توجه منجدا لتاج الدولة، ومعه عسكر، فأخرج سابق منصور بن كامل الكلاب، أحد ~~أمراء بني كلاب من حلب ليلا، وأعطاه كتابه إلى الأمير أبي زائدة، وفيه هذه ~~الأبيات، ومعه بعض أصحاب سابق ومعهم مال. # فلما وقف الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة على هذه الأبيات، اتفق مع منصور ~~ونائب سابق، وجمعوا ما يزيد عن آلف فارس وخمسمائة راجل من بني نمير، وقشير، ~~وكلاب، وعقيل، وكل ذلك بتدبير الأمير شرف الدولة أبي المكارم ومشورته. PageV01P197 # ووفد بهم الأمير أبو زائدة، ووصلوا إلى وادي بطنان. واتفق وصول # المعروف بتركمان التركي في آلف فارس من الغز، ومعه جملة من العدد لمحاصرة ~~حلب ومعونة تتش. # وعبر تركمان على ms136 طريق الفايا، فسار الأمير أبو زائدة بمن معه من الجمع، ~~ولقوا تركمان في أرض الفايا، فأوقعوا به وكبسوا عسكره، وقتلوه، ونهبوا ما ~~كان فيه بأسره وجميع ما كان للتجار الواصلين في صحبته، واتصل هذا الخبر ~~بتاج الدولة وهو منازل حلب، فرحل عنها إلى الفرات، وتوجه نحو ديار بكر وشتى ~~بها. ### || عودة تاج الدولة # ثم عاد وقطع الفرات، وتسلم منبج وحصن الفايا وحصن الدير، وشحنها بالرجال، ~~وسار بالعسكر إلى حصن بزاعا، وكان صاحبه شبل بن جامع، وبعض رجال هذا الحصن ~~ممن كانت له النكاية العظيمة في عسكر تركمان، فقاتله تاج الدولة، وفتحه ~~بالسيف، وقتل كافة من كان فيه، ونهبه وشحنه بالرجال. # ورحل إلى عزاز وقد انضوى إلى قلعتها خلق عظيم، ومنعهم الوالي بها من ~~الصعود إليها فالتجئوا إلى سند القلعة بأقمشتهم، والناس عليها، وأساء ~~الوالي بها وكان اسمه عيسى، التدبير والسياسة. # فزحف العسكر إلى القلعة، وقاتلها، وضربها بالنار، فاحترقت أقمشة # الناس، وغلاتهم، وحرمهم، وأولادهم، وأشرفت على الأخذ وخرج قوم من الحريق ~~إلى عسكر تاج فأمنهم، وتقدم إليهم بالعودة إلى ضياعهم. # ورحل الملك تاج الدولة إلى جبرين قور سطايا، فأخذها وشحنها بالرجال، فخرج ~~الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة من حلب في الليل، ووصل إلى ضيعة تعرف ~~بكرمين، فوجد بها خمسين فارسا من الغز، فقتلوا أكثرهم، وغنموا كل ما كان ~~معهم، وعادوا إلى حلب سالمين. PageV01P198 # فأسرى تاج الدولة في الليل من جبرين عند ذلك في جميع عسكره، وهم ملبسون ~~مستعدون، فصبحوا حلب صباحا، وأغاروا عليها، فخرج عسكر حلب فالتقوا على ~~الخناقية على باب حلب ثم إن بعض عسكر حلب انهزموا لغير موجب، وهزم الله ~~عسكر تتش بغير قتال. # وكان الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة وابن عمه شبل بن جامع بن زائدة في ~~قدر خمسين فارسا مقابلهم، فحملوا عليه، واتفقت هزيمتهم، فقتلوا من الغز ~~جماعة وغنموا. # ولو عاد عسكر حلب في إثرهم ما كان أفلت منهم إلامن سبق به فرسه. # وشاع لمحمد بن زائدة في ذلك اليوم ذكر جميل. # وتقدم الأمير محمد ms137 بن زائدة إلى الشيخ أبي نصر منصور بن تميم المعروف ~~بابن زنكل أن يجيب أبا الفضائل سابق بن محمود عن القصيدة التي أنفذها إليه، ~~ويعرفه ما لبني كلاب من الأيام المعروفة، ويذكر هذه الوقائع، فعمل: # دعوت مجيبا ناصحا لك مخلصا ... يرى ذاك فرضا لا محالة واجبا # فلبيت لا مستنكفا جزعا ولا ... هدانا إذا خاض الكريهة هائبا # ومنها: # ولما دعاني المدركي ابن صالح ... شققت، ولم أرهب، إليه الكرائبا # أسابق صرف الدهر في نصر " سابق " ... إلى " تركمان " الترك أزجي النجائبا # فلما التقيناهم غدا البعض سالبا ... لأنفسهم، والبعض للمال ناهبا # فيا لك من يوم سعيد بيمنه ... عن الثغر أضحى عسكر الصد هاربا # وكان يرى في كفه الشام حاصلا ... ويوم " بزاعا " رد ما ظن خائبا # وليلة " كرمين " تركنا كرامهم ... كضأن بها لاقت مع القدر قاصبا # وفي يوم " خناقية " قد خنقتهم ... بعثير ذل رد ذا الشرخ شائبا # عطفت لهم إذ خام من خام منهم ... بفتيان كالعقبان شامت توالبا # فلله قومي الصادرون لو انثنوا ... معي، أو فريق كنت للجمع ناكبا # فولوا وقضبان المخافة فيهم ... مسابقة أرماحنا والقواضبا PageV01P199 # فكم فارس منهم تركنا مجدلا ... يباشر ترب القاع منه الترائبا # وإذ أيقنوا أن ليس للكسر جابر ... تولوا وعن " جبرين " حثوا الركائبا # وخلوا بها كسبا حووه، وأبصروا ... سلامتهم منا أجل مكاسبا ### || أعمال تاج الدولة # وأما تاج الدولة تتش فإنه رحل من جبرين، وسار إلى دمشق فملكها، وتسلمها ~~من أتسز بن أوق التركي، ثم فسح من عسكره أفشين التركي، # ومعه أكثر العسكر، وعاد شمالا ونهب عسكره ضياعا في أعمال بعلبك. # ووصل رفنية في اليوم العاشر من جمادى الأولى، وفيها جماعة كثيرة من ~~التجار والقوافل متوجهين إلى طرابلس، فهجمها بغتة، وقتل ممن كان بها جماعة، ~~واستباح أموالهم وحريمهم، وأقام بها عشرة أيام. # ثم سار فنزل حصن الجسر، فأكرمه أبو الحسن بن منقذ فأعلمه بما عول عليه من ~~نهب الشام، فسأله في بلدة كفرطاب إلا يعترضها فأجابه. # وسار فنزل قسطون فجرى أمرها في النهب والعقوبة مجرى رفنية، وأقام بها ~~نيفا وعشرين يوما ثم ms138 تنقل وعسكره بالمنجنيقات على أبراج جبل السماق وغيرها، ~~حتى لم يبق بها موضع ولا برج إلا افتتحه وأهلكه، واستباح حريمهم وأولادهم، ~~واستغرق أحوال أهل سرمين والمعرة بالقطائع، وطلع إلى جبل بني عليم فلم يتم ~~له بها شيء. # وسار فنزل ضياع معرة النعمان الشرقية بالمنجنيقات، ففتح أبراجها وحصونها ~~بالسيف، وأخذ ما لا لمكن إحصاؤه، وغلب أهلها فهلك منهم خلق، ونزل تل منس، ~~وقطع عليها خمسة آلاف دينار، ولم يتمكن من أخذها. # وانتقل إلى عمل معرة النعمان ففعل مثل ذلك، وسار إلى معرتاج # من بلد كفرطاب، فتحصن أهلها في أبراجها، وتعثرت عليه فأحرقها، وهلك جميع ~~من كان فيها. # وبلغ تاج الدولة ذلك، وهو بدمشق، فأسرع السير إلى أن وصل إلى ظاهر كفرطاب ~~يطلب أرسلان تاش، فوجده قد رحل إلى بلاد الروم، فعاد إلى دمشق وسكن الناس ~~فى طريقه PageV01P200 # وحين رجع أفشين من الشام ولم يبق في أعمال حلب ضيعه مسكونة من بلد المعرة ~~إلى حلب، توجه إلى بلد أنطاكية فأخرب ما قدر عليه، ونهب وسبي ما وجده، وحمل ~~إليه من أنطاكية مال، وتوجه إلى الشرق بعد امتلاء صدره وصد عسكره من النهب. # وجرى من هذا الحادث بالشام أمر لم يسمع بمثله، وتلف أهله بعد ذلك بالجوع ~~ووجد قوم قد قتلوا قوما وأكلوا لحومهم، وبيعت الحنطة ستة أرطال بدينار وما ~~سوى ذلك بالنسبة. # وجدد من سلم من الشام إلى بلد شرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش، ~~فأحسن إليهم وتصدق عليهم، وكان ذلك الإحسان منه أكبر الأسباب في مملكته ~~حلب. ### || شرف الدولة في حلب ونهاية المرداسيين # ولما جرى هذا الحادث طمع شرف الدولة في الشام، وكاتبه سابق بن محمود يبذل ~~له التسليم إليه، ووفدت عليه بنو كلاب بأسرها، فتوجه إلى حلب، ونزل بالس ~~يوم عيد النحر من سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. # ونزل حلب في السادس عشر من ذي الحجة، سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة فغلقت ~~أبوابها في وجهه، وكان عند سابق أخواه شبيب ووثاب بحلب، فلم يمكناه من ~~التسليم، فلم يقاتلها، وأهلها يحرصون على ms139 التسليم إليه لما هم فيه من الجوع ~~وعدم القوت. # وكان مع شرف الدولة في عسكره غلة كثيرة وقوة تجوز الحد، وتزيد عن الوصف ~~وكان الرئيس بحلب ونقيب الأحداث بها الشريف حسن بن هبة الله الهاشمي، ~~المعروف بالحتيتي، وكان ولده أبو منصور قد خرج مع عسكر سابق لقتال بعض ~~الأتراك المخالفين في بيت لاها فأسروه، وبقي أسيرا في الموضع مع خطلج أحد ~~أصحاب أحمد شاه. PageV01P201 # فلما وصل شرف الدولة إلى حلب وفد الذك كلهم عليه، وتقربوا إليه بولد ~~الشريف الحتيتي وقيل: إنه طلبه منهم فلما حضر عنده خلع عليه، وأطلقه فدخل ~~البلد، وأخذ معه جماعة من أصحابه، وفتح باب حلب، ونادى بشعار شرف الدولة في ~~اليوم السادس والعشرين من ذي الحجة، من سنة ائنتين وسبعين وأربعمائة. # وتسلمها، ودخل أصحابه إليها، وقلع أبوابها جميعها، وفتح باب # أربعين وكان مسدودا وأحسن إلى كافة أهلها، وخل على أحداثهم، وتصدق بمال ~~كثير وغلة. # وكان سديد الملك بن منقذ قد وفد على شرف الدولة ونزل معه على حلب، وكان ~~شرف الدولة قد عزم على الرحيل من حلب لما حل بهم من الضجر ومصابرة أهل حلب، ~~وغلت الأشعار عندهم حتى صار الخبز ستة أرطال بدينار. # وفر سديد الملك أبو الحسن بن منقذ من سور القلعة، فاطلع إليه صديق له من ~~أهل الأدب، فقال له: " كيف أنتم " فقال: طول جب " خوفر من تفسير الكلمة، ~~فعاد ابن منقذ وهو يقلب هذا الكلام فصح له إنه قصد بكلامه أنهم قد ضعفوا. ~~وأوجس أنها كلمتان، وأن قوله: طول يريد به: مدا، وجب " يريد به " بير " ~~فقال " مدابير والله، فأعلم شرف الدولة بدلك فقوى نفسه فملكها. # ولما فتحت المدينة انحاز سابق إلى القلعة، وأخواه شبيب ووثاب في القصر، ~~لضيق القلعة، وشرف الدولة محاصر للقلعة بالمنجنيقات والعساكر ولم يبق ~~بالشام وحصون جبل بهرا، وحمص، وفامية شيزر ومن لم يفد على السلطان إلا وفد ~~عليه. # ودبر شبيب ووثاب، وهما في القصر على سابق وقفزا في القلعة، وصاح الأجناد ~~بها: شبيب يا منصور، وقبض سابق ms140 وحبس، وتسلم شبيب ما كان بها من مال وسلاح. # ثم وقعت السفارة بينهم وبين شرف الدولة على أن أقطع شبيبا ووثابا قلعتي ~~عزاز والأثارب وعدة ضياع وأقطع سابق بن محمود مواضع أخر في أعمال الرحبة، PageV01P202 # وأن يتزوج منيعة بنت محمود أخت سابق، وكان السفير بينهم في ذلك الأمير ~~سديد الملك علي بن منقذ، وبتدبيره جرى ذلك. # ووافق ذلك أن غار الماء في قلعة حلب، ونزل منها أولاد محمود وانقضت دولة ~~آل مرداس وكان الوزير لسابق بن محمود الشيخ أبا نصر محمد بن الحسن بن ~~النحاس وعزله، واعتقله مدة ثم أطلقه. # وولى وزارته أبا منصور عيسى بن بطرس النصراني فامتنع، فألزم بها، ووزر به ~~في النصف من شوال سنة تسع وستين وأربعمائة. PageV01P203 ### | القسم السابع عشر حلب ومسلم بن قريش ### || مسلم في حلب # وتسلمها أبو المكارم في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، ~~بعد حصار أربعة أشهر للقلعة وقال ابن أبي حصينة يهنىء شرف الدولة بفتح ~~القلعة: # لقد أطاعك فيها كل ممتنع ... خوف اتتقامك حتى غارت الفلب # ولما ملك شرف الدولة حلب أحسن إلى أهلها، وخفف عنهم أثقالا كثيرة، وصفح ~~عن كلف كانت عليهم في أيام بني مرداس. ونقلت الغلات إلى حلب، فرخصت الأسعار ~~بعد الغلاء الشديد وفي يوم تسلمه القلعة ودخوله إليها دخل زوجته منيعة أخت ~~سابق، في اليوم والساعة، وهو اتفاق لم يسمع بمثله، ففتح حصنين. وقال في ذلك ~~أبو نصر بن الزنكل يمدح شرف الدولة: # فرعت أمنع حصن وافترعت به ... نغم الحصان ضحى من قبل يعتدل # وحزت بحر الدجى شمس الضحى فعلى ... مثليكما شرفا لم تسدل الكلل # ومدحه، ابن حيوس بالقصيدة التي أولها: # ما أدرك الطلبات مثل متمم ... إن أقدمت أعداؤه لم يحجم # فلما وصل إلى قوله: # أنت الذي نفق الثناء بسوقه ... وجرى الندى بعروقه قبل الدم # اهتز شرف الدولة وأمره بالجلوس، فأتمها جالسا وأجازه بألفي دينار وقرية. PageV01P205 # وقيل: إته لما مدحه ابن حيوس قال له أبو العز بن صدقة البغدادي وزير شرف ~~الدولة: هذا رجل كبير ms141 السن ولم يبق من عمره إلا القليل، فأرى أن تعظم له ~~الجائزة فيحصل على الذكر الجميل " فأقطعه الموصل جائزة له. # فمات في هذه السنة قبل أن يصل إليها وترك مالا جزيلا فقيل لشرف الدولة: ~~هذا لا وارث له إلا بيت المال " فقال: والله لا يدخل خزانتي مال قد جمعه من ~~صلات الملوك انظروا له قرابة. فسألوا عن ذلك فوجدوا له من ذوي الأرحام بنت ~~أخ فأعطاها ماله جميعه وهي بنت أخيه أبي المكارم محمد بن سلطان ابن حيوس. # ولما سفر ابن منقذ في تسليم حلب وتسلمها شرف الدولة وعد ابن منقذ وعودا ~~جميلة، ومناه أماني حسنة وأكرمه غاية الإكرام. # ونقل شرف الدولة إلى الشام من الغلال ما ملأ الأهراء، وعاد بالرفق على ~~الناس، وكذلك نقل إليها من سائر الحبوب ومن البقر والغنم والمعز والدجاج ~~شيء كثير. # وعاش الناس في أيامه ورخصت الأسعار بحسن تدبيره وتسلم حصن عزاز من واليها ~~عيسى وتسلم حصن الأثارب بعد حصار وحرب، وكذلك الحصون التي كانت في أيدي ~~أصحاب تاج الدولة من أعمال حلب التي افتتحها. # وصفت له جميع أعمال حلب، وقال لسديد الملك: " امض في دعة الله فأنا سائر ~~إلى بلادي ويجب أن تصلح حالك فأنا أصل وأبلغتك كل ما توثره ورجع إلى بلاده، ~~وجعل أخاه علي بن قريش بحلب مع قطعة من عسكره بحلب. # وكاتب السلطان أبا الفتح ملك شاه يعلمه بما جرى، ويسأله في تقرير شيء ~~يحمله من الشام فأجيب إلى ذلك. # ووصل أبو العز بن صدقة البغدادي وزير شرف الدولة إلى حلب لجمع أموالها في ~~سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وعدل عما كان ابتدأ به من العدل والإحسان، ~~وصادر جماعة، وضاعف الخراج. PageV01P206 # وكان شرف الدولة بالقادسية فدخل الحمام وهي ملاصقة لداره، فوثب عليه ~~مملوكان برسم خدمته، فجعلا في حلقه أنشوطة ليخنقاه، وانتظرا صاحبا لهما ~~يدخل بسكين، فصاح شرف الدولة فسمعت صياحه زوجته # خاتون أخت السلطان ألب أرسلان، فخرجت إليه فانهزما عنه ومرض من ذلك ~~أياما، وأخذا وقتلا. # ولما بلغ ذلك أبا العز بن ms142 صدقة البغدادي عاد من حلب إلى القادسية. # وكان سديد الملك بن منقذ قد عمر قلعة الجسر، وقصد مضايقة شيزر وبها أشقف ~~الباره وضيق عليه إلى أن راسله واشتراها منه، واستحلفه على أشياء اشترطها ~~عليه. # ولم يزل ابن منقذ يعده الجميل ويتلطف له إلى أن سلم إليه حصن شيزر ليلة ~~الأحد النصف من شهر رجب من سنة أربع وسبعين وأربعمائة. # ووفى له ابن منقذ بكل ما عاهده علي، فثقل ذلك على شرف الدولة وحسد ابن ~~منقذ على شيزر فسار عسكر حلب مع مؤيد الدولة علي بن قريش إلى شيزر، ونزلوا ~~عليها في يوم الجمعة خامس ذي الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة، بعد مراسلات ~~جرت فلم يجب ابن منقذ إلى ما التمس منه. # وكان علي بن قريش قد أخذ في طريقه حصنا لابن منقذ يقال له أشفونا غربي ~~كفرطاب، وكان ابن منقذ قد تأهب للحصار، وحمل من الجسر إلى شيزر ما يكفي لمن ~~فيه مدة طويلة من سائر الأشياء. # وحصره علي بن قريش مدة إلى أن وصل شرف الدولة بنفسه، فنزل # على شيزر يوم الأربعاء سلخ المحرم من سنة خمس وسبعين وأربعمائة. # ثم رحل عنها إلى حمص يوم السبت ثالث صفر، وأقام عسكره على شيزر، فتطارح ~~ابن منقذ عليه، وسير إبنه أبا العساكر وامرأته منصورة بنت المطوع وأخته ~~رفيعة بنت منقذ إلى حمص. فدخلوا عليه، وحملوا إليه مالا، فأنفذ إلى عكسره، ~~ورحله عن شيزر في الثامن والعشرين من صفر من السنة. PageV01P207 ### || عودة مسلم بن قريش # ولما وصل شرف الدولة إلى حماة قبض على جميع الأتراك الذين بالشام وأخذ ~~منهم الحصون التي كانت في أيديهم، وهي بيت لاها، وتل اغدي، وهاب، وكفرنبل، ~~وقبض على وثاب وشبيب ابني محمود، وأخذ منهما قلعة عزاز والأثارب، وأطلقهما ~~بعد ذلك، وحمل الأتراك، وحبسهم في الرحبة فداموا بها إلى أن قتل. # وقبض شرف الدولة على أكثر أقطاع بني كلاب بالشام، وعاد إلى حلب، وقبض على ~~حسن بن وثاب النميري أمير بني نمير، وكان قد حصره بسروج في العام ms143 الخالي ~~فسلمها إليه بعد أن عوضه عنها بنصيبين فاعتقله بحلب مدة وقتله وفي نزوله ~~على شيزر، وقتاله حصن الجسر، وفعل وزيره أبي العز ابن # صدقة من المصادره، يقول أبو المعافى سالم بن المهذب المعري: # أمسلم لا سلمت من حادث الردى ... وزرت وزيرا ما شددت به أزرا # ربحت ولم تخسر بحرب ابن منقذ ... من الله والناس المذمة والوزرا # فمت كمدا " فالجسر " لست بجاسر ... عليه، وعاين شيزرا أبدا شزرا # فبلغت الأبيات شرف الدولة، فقال: " من يقول هذا فينا " قالوا: " رجل من ~~أهل المعرة يقال له ابن المهذب " قال: " ما لنا وله، اكتبوا إلى الوالي ~~بالمعرة يكف عنه، ويحسن إليه فربما يكون قد جار علي وأحوجه إلى أن قال ما ~~قال ". # وعاد شرف الدولة إلى الجزيرة، وقد جرت منه هذه الحوادث، وأجحف ببني كلاب، ~~فأجمع رأي وثاب وشبيب ابني محمود، وخلف ابن ملاعب الأشهبي صاحب حمص، وأبي ~~الحسن بن منقذ، ومنصور بن الدوح على مكاتبة الملك تاج الدولة بدمشق، وشكوا ~~أحوالهم، وعرضوا عليه خدمتهم، وأطمعوه في الشام. PageV01P208 # فسار من دمشق إلى الشام وقصد ناحية أنطاكية وأقام عليها مدة، واتصل به ~~خبر شرف الدولة وما هو عليه من الجمع والتأهب، واجتماع # العرب إليه من بني نمير، وعقيل، والأكراد، والمولدة، وبني شيبان، للنزول ~~على دمشق. وخرج عسكر حلب مع بعض أصحاب شرف الدولة إلى أعمالها، ورتبوا ~~ولاتهم فيها وساروا إلى حماة، وبها وثاب بن محمود، فلقي عسكر شرف الدولة ~~وكبسه وقتل منه جماعة، وعاد من سلم منهم إلى حلب. # فنزل وثاب بن محمود ومنصور بن كامل بن الدوح وابن ملاعب وابن منقذ على ~~معرة النعمان، وقطعوا كثيرا من شجرها، ورعوا زرعها بالظعون، وقلبوه بالفدن، ~~وقاتلوها أياما، ولم يمكنهم أهلها من فتحها خوفا منهم. # وبلغ شرف الدولة ذلك كله، فسار ومعه أكثر بني كلاب وبني نمير، وبعض بني ~~عقيل، ووصله بعض بني طيء وكلب وعليم، ونزل في بالس في محرم سنة ست وسبعين. ### || من دمشق إلى حران # وسار إلى دمشق وحاصرها، وقاتل دمشق في بعض الأيام ms144 وخرج إليه عسكر دمشق، ~~وحمل عليه حملة صادقة فانكشف عسكره وتضعضع، وعاد كل فريق إلى مكانه. # وعاد عسكر دمشق بحملة أخرى، فانهزمت العرب، وثبت شرف الدولة مكانه، وأشرف ~~على الأسر، وتراجع إليه أصحابه، وكان قد ظن أن # العسكر المصري ينجده فخاف أمير الجيوش من ميل العرب إليه فتثاقل عنه. # وورد عليه من حران خبر أزعجه، وذلك إنه كان قد تسلمها من يحيى بن PageV01P209 # الشاطر أحد عبيد ابن وثاب النميري، وكان يليها لعلي بن وثاب الطفل، وكان ~~وثاب يعدل فيهم ويرفق بهم، فولى فيها جعفر العقيلي، فعدل عما كان وثاب ~~يسلكه من العدل، وأظهر مذهب التشيع والإعلان به، وكان يتولى الحكم بها ~~القاضي ابن جلبة، فاتفق مع أهل حران على العصيان على شرف الدولة، وكاتبوا ~~يحيى بن الشاطر الذي تسلمها منه مسلم فوصل إليهم، ومعه ابن عطية النميري ~~وجماعة، ووثبوا على أصحاب شرف الدولة فهربوا إلى الحصن، وقاتلهم ابن جلبة ~~ومن انضم إليه. # فسير الوالي جماعة إلى شرف الدولة يعلمه بالحال، فبعضهم أخذ بالقرب من ~~حران، وبعضهم أخذه أصحاب تاج الدولة، فعرف تاج الدولة الخبر قبل معرفة شرف ~~الدولة فقويت نفسه. # وعرف شرف الدولة ذلك واستضر عسكره بتواصل الغارات عليه عندما قويت نفس ~~تاج الدولة، وكان ذا مكر وخديعة، فرحل إلى مرج الصفر، وأوهم أنه يسير ~~مقتبلا لأمر عزم عليه، وقلق أهل دمشق لذلك. # ثم رحل مشرقا في البرية على وادي بني حصين ونزل شرقي حماة، وراسل ابن ~~ملاعب، وطيب نفسه إلى أن نزل فخلع عليه، وقرر معه أن يكون بينه وبين تاج ~~الدولة درءا يمنع من الأذية في بلاده، فأجابه إلى ذلك، # وخلع عليه شرف الدولة وأكرمه وطيب نفسه. # وسار شرف الدولة إلى حران بعد أن أشرف الحصن على الأخذ، فقاتل حران، ونقب ~~نقوبا في سورها وثلم ثلمتين، وأقام عليها شهرين، ومضى أبو بكر ابن القاضي ~~ابن جلبة ويحيى بن الشاطر. PageV01P210 # واستنجد بجماعة من الأتراك فسير ابن عمه ثروان بن وهيب فكسرهم وأسر منهم ~~خلقا عبر بهم على حران وسيرهم ms145 إلى بلاده. # وهجم حران بالسيف من الثلمتين وهم يقاتلون ولم تسكن الحرب حتى أعطى لؤلؤ ~~الخادم الأمان، وأمن أبا بكر ابن القاضي وكان قد عاد إلى البلد، فحينئذ ~~تفرق الناس. # ونهب عسكر شرف الدولة البلد، وقطع عليهم آلف دينار، وقبض على خلق منهم، ~~وقتل ابن جلبة وولديه وثلاثة وتسعين رجلا صبرا، وصلبهم، وصلب ابن جلبة ~~أمامهم، ولم يف له بعهده، وذلك كله في سنة ست وسبعين. ### || سلطان ومسلم بن قريش # ووصل ابن جهير وزير القائم ليتسلم ديار بكر ومعه عسكر من ملك شاه وكان ~~ابن جهير قد وزر مرة لثمال بن صالح، ثم وزر لابن مروان، ثم للقائم فوصل ابن ~~مروان إلى شرف الدولة، واستنجده عليه فأنجده، فالتقوا # على آمد، فكسرهم ابن جهير، وأخذ أموال شرف الدولة، وأسر أصحابه، وأطلق من ~~أسر من بني عقيل. # ثم إن ابن جهير بث سراياه في أعمال شرف الدولة فعاثت في بلاده، ونهبت، ~~وذلك في سنة سبع وسبعين. # ووصله مال من حلب فتقوى به، وسار إلى الرحبة وسير عمه مقبل بن بدران ~~رسولا إلى مضر يطلب معونتهم، ويبذل لهم الطاعة، وكاتب السلطان ملك شاه ~~يذكره بخدمته وطاعته ويذكر ما فعله ابن جهير. # فلما عرف ملك شاه ذلك وانفاذه عمه إلى مصر سار إلى الموصل ومعه نظام PageV01P211 # الملك، وكان نظام الملك يميل إلى شرف الدولة، ويشير بالإحسان إليه والصفح ~~عنه وكاتب الوزير نظام الملك شرف الدولة يشير عليه بالوفود على السلطان، ~~ووعده بما طابت به نفسه، فسار من الرحبة إليه، ولقيه نظام الملك على مراحل ~~من الموصل. # فترجل شرف الدولة وقبل يده، وكان في محفة لمرض منعه من الركوب، فأمره ~~بالركوب، وقال له: ذهب خوفك وشرح صدرك، وحقق أملك وكان قد استصحب معه كل ما ~~قدر عليه من بقايا ذخائره وأمواله وخيله عقيب هذه النكبة العظيمة. # ودخل على السلطان فأكرمه وأحسن إليه، وأجابه إلى كل ما طلبه، وسامحه بما ~~كان بقي عليه من مقاطعة الشام، وجدد له التوقيع بالبلاد الشامية والجزرية ~~وكل ما كان في ms146 يده، وقرر معه مسير ولده محمد وأن يكون في عسكره، وكاتب أخاه ~~تاج الدولة أن لا يعرض لبلاده، وكان قد توجه إليها، وسار أبو العز بن صدقة ~~إلى حلب لإنجادها عليه، وبلغه خروج عسكر من مصر فرجع من لطمين. ### || سليمان وأنطاكية # وفي سنة سبع وسبعين وأربعمائة، شرع سليمان بن قطلمش في العمل على أنطاكية ~~والاجتهاد في أخذها إلى أن تم له ما أراد فأسرى من نيقيه في عسكره، وعبر ~~الدروب وأوهم أن الفلاردوس. PageV01P212 # استدعاه، وأسرع السير إلى أن وصل أنطاكية ليلا، فقتل أهل ضيعة تعرف ~~بالعمرانية جميعهم لئلا ينذروا به، وعلقوا حبالا في شرفات السور بالرماح، ~~وطلعوا مما يلي باب فارس، وحين صار منهم على السور جماعة نزلوا إلى باب ~~فارس وفتحوه ودخل هو وعسكره من الباب وأغلقوه، وكانوا مائتين وثمانين رجلا، ~~وذلك يوم الأحد العاشر من شعبان، وقيل يوم الجمعة الثامن، ولم يشعر بهم أهل ~~البلد إلى الصباح. # وصاح الأتراك صيحة واحدة فتوهم أهل أنطاكية أنه عسكر الفلاردوس حتى ~~قاتلوهم فانهزموا وعلموا أن البلد قد هجم فبعضهم هرب إلى القلعة وبعضهم رمى ~~بنفسه من السور فنجا. # واستقل سليمان عسكره فوصل إليه ابن منجاك في ثلاثمائة فارس، ولم يزل ~~عسكره يتواصل حتى قوي، فأمن الناس وردهم إلى دورهم، ورد أكثر السبي وصلى ~~المسلمون يوم الجمعة خامس عشر شعبان في القسيان، وأذن فيه ذلك اليوم مائة ~~وعشرة من المؤذنين وخلق كثير من أهل الشام. # وكان يوم فتحها أول يوم من كانون الأول، وكان فتح الروم لها أول ليلة من ~~كانون الثاني لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة. # ووجد خط بعض المنجمين وهو ابن أخت الصابي على ظهر كتاب عند القاضي أبي ~~الفضل بن أبي جرادة يقول: " ذكر المخبر عن أخذ مدينة أنطاكية أن دخول العدو ~~يعني الروم إليها في وقت كذا وكذا من الليل، فإن صح قول المخبر فإنها تثبت ~~في أيدي الروم مائة وتسع عشرة سنة ". # وكان قد وقف على هذا الخط محمود بن ms147 نصر بن صالح، وقد ذكر في مجلسه، وأظن ~~ذلك حين نزل الأفشين التركي على أنطاكية، وخاف محمود من أن يملك أنطاكية ~~فلم يتفق فتحها حينئذ، وكان الأمر كما ذكر المنجم، ففتحها سليمان ابن قطلمش ~~عند تمام المدة. # وأقام سليمان بن قطلمش يحاصر قلعة أنطاكية إلى الثاني عشر من شهر رمضان PageV01P213 # من السنة وفتحها بالأمان ليقيها من القتل والسبي ونهب الترك من أنطاكية ~~ما يفوت الإحصاء ويزيد عن الوصف وسكنها سليمان بعسكره وفتح الحصون المجاورة ~~لها، بعضها عن طوع وبعضها عن استدراج. # وصار لسليمان من نيقية إلى طرابلس، وملك الثغور الشامية، وكان حسن السيرة ~~في جنده وعسكره جوادا بماله، فمال إليه الناس لذلك ولما فتح أنطاكية أهدى ~~إلى شرف الدولة من الغنيمة هدية حسنة ولما استقر حال شرف الدولة مع ملك شاه ~~واطمأن عاد إلى القادسية، وناصف الجند في أرزاقهم، ونقصها عليهم، فصار ~~أكثرهم إلى سليمان، وتركوه، فأقطعهم، وأحسن إليهم وسبب لهم أرزاقا تكفيهم. # وكان جماعة من أصحاب بني مرداس يخافون شرف الدولة وهم متفرقون في الشام ~~فصاروا إليه. # وكان من ضياع أنطاكية وأعمالها مواضع عدة تغلب محمود والأتراك عليها، ~~وقبضوها من الروم لضعفهم، وصارت في أعمال حلب، فقبضها سليمان وأقطعها ~~وغيرها مما يجاور أعمال أنطاكية. # وكان الشريف حسن الحتيتي رئيس حلب وغيره من أصحاب شرف الدولة خافوا منه ~~لما استقر حاله مع السلطان أن يتم له الصلح مع ابن # قطلمش فيتفرغ لهم ويقبضهم، ويستأصل أموالهم، فتوصلوا إلى المفاسدة بينهما ~~بمن صار في حلته من أهل الشام ليشتغل عنهم شرف الدولة وكان لأبي المكارم ~~على أنطاكية يحملها الروم إليه فطمع بها من سليمان فلم يجبه إلى ذلك وقال: ~~تلك جزية كانت على الروم لتمسك عن جهادهم، وقد قمت أنا بفريضة الجهاد، ~~وصارت أنطاكية للمسلمين فكيف أؤدي عنها إليك جزية؟ ففسد ما بينهما لذلك. # وسار شبيب بن محمود ومنصور بن الدوح وجماعة من بني كلاب إلى أنطاكية، ~~وحضروا عند سليمان، ووعدهم ووعدوه بما لم يقبح من بعضهم لبعض، PageV01P214 # وأخذوا قطعة من عسكره، ms148 وخرجوا فعاثوا في بلاد شرف الدولة، ثم إنهم خافوا ~~منه فهربوا إلى أسفونا. ### || غارات سليمان ومقتل مسلم # وتواصلت غاراته على بلد حلب وسرمين وبزاعا وقبض شرف الدولة على وزيره أبي ~~العز بن صدقة وصادره وحبسه، وسير ابن الحلزون إلى حلب ليدبر أمرها، فوصل ~~إلى حلب، وراسل سليمان في الصلح. # وقبض على علي بن قريش بأمر أخيه شرف الدولة، وصادره على عشرة آلاف دينار، ~~وأخذ منه منبج لأنها كانت إقطاعه، فعند ذلك ازدادت وحشة الشريف وغيره لما ~~شاهدوه من فعله بأخيه وكذا كانت سيرته في أصحابه وبهذا الطريق فسد حاله، ~~وأما رعيته فكانوا معه على أجمل حال وأحسنه. # وحيث تحقق شرف الدولة احتلال حلب ونواحيها بغارات سليمان جمع # عسكره وانضاف إليه بعض الأتراك، ووصل إلى عزاز في صفر من سنة ثمان وسبعين ~~وأربعمائة. # وأشير عليه بالنزول على حلب ومراسلة سليمان في الصلح، فامتنع واستدعى بني ~~كلاب فوصله منهم جماعة من أعيانهم وفرسانهم، وسار فنزل على نهر عفرين بموضع ~~يقال له قززاحل. # ووصل سليمان من أنطاكية في أربعة آلاف فارس، وكان شرف الدولة في عدة تزيد ~~عن ستة آلاف ليس فيهم مناصح، وجاء شرف الدولة بطيخ فنزل هو وبعض بني عمه ~~وأكلوا، فقال ابن عمه: # كلوا أكلة من عاش يخبر أهله ... ومن مات يلقى الله وهو بطين # فقال شرف الدولة: قتلنا فألك يا ابن العم. # والتقوا في آخر نهار السبت، لست بقين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ~~والشمس في وجوه عسكر شرف الدولة، وكان اللقاء بغتة في غير وقت يظن فيه، ~~فانهزم عسكر شرف الدولة، وجاءته طعنة فقتل ولما طعن قال: " يا شام الشؤم ~~واتهم بعض أصحابه قتله وكان القتل بين الفريقين قليلا لأن أصحاب شرف PageV01P215 # الدولة لم يثبتوا معه لقبح رأيهم فيه ورحل سليمان # ونزل بظاهر حلب، وحمل شرف الدولة، وطرحه على باب حلب فدفن هناك وانفرد ~~الشريف أبو علي الحسن بن هبة الله الهاشمي المعروف بالحتيتي بتدبير حلب ~~وسالم بن مالك العقيلي بالقلعة. # وكان القاضي بحلب في أيام شرف ms149 الدولة القاضي كسرى بن عبد الكريم بن كسرى ~~وتولى قضاء حلب في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة ومات في أيام أبي المكارم ~~مسلم بن قريش، فولي قضاءها أبو الفضل هبة الله بن أحمد بن أبي جرادة وهو ~~ابن بنت كسرى المذكور، وابن القاضي أبي الحسن المقدم قبل كسرى وكان أبو ~~المكارم شرف الدولة يخاطبه بابن العم لكونه عقيليا، والقاضي عقيلي ومن شعر ~~أبي المكارم بن قريش: # إذا قرعت رجلي الركاب تزعزعت ... لها الشم واهتز الصعيد إلى مصر # ومن شعره أيضا: # الدهر يومان ذا أمن وذا خطر ... والماء صنفان ذا صاف وذا كدر PageV01P216 ### | القسم الثامن عشر حلب وملكشاه السلجوقي التركي ### || سليمان حولى حلب # وأما سليمان بن قطلمش فإنه حاصر حلب مدة، ثم ترددت الرسل إلى أهل حلب في ~~التسليم، فاستقرت الحال بينهم على موادعة مدة. # وسير سليمان بن قطلمش قطعة من عسكره لاتباع العرب الذين كانوا # مع شرف الدولة، فهربوا، ولحقهم شدة عظيمة من دخول البرية في حزيران. # وتوجه سليمان إلى معرة النعمان وكفر طاب، وتسلمهما، ثتم سار إلى شيزر، ~~فقاتلهما وقرر أمرها على مال يحمل إليه، وأخذ لطمين، وشحنها بالرجال، وعدل ~~أصحابه بالشام عما عرف من سيرة العرب. # وجرت بالمعرة أسباب وصل لأجلها حسن بن طاهر وزير سليمان، في النصف من ~~جمادى الأولى، يطلب أصحابه فثارت فتنة بالبلد، وأخرجوه منه فخرج لوقته، ~~وأصبح قاتل البلد، وقتل جماعة من أهله في الحرب، وأمن الناحية الغربية، ~~وأمن الباقي منها وجعل على أهل البلد عشرة آلاف دينار. # وأما بلاد شرف الدولة فملكها بعده أخوه إبراهيم، ما خلا حلب، وكاتب من ~~بحلب في تسليمها إليه فلم يرده الخبر. # وأما الشريف حسن الحتيتي فإنه كان متقدم الأحداث ورئيسهم، فعمر لنفسه في ~~صفر من سنة ثمان وسبعين قلعة الشريف المنسوبة إليه، وبنى عليها سورا دائرا، ~~وفصل بينها وبين المدينة بسور وخندق خوفا على نفسه أن يسلمه أهل حلب، ~~وكانوا يبغضونه، ويكرهون ولايته عليهم PageV01P217 # واتفق الشريف وسالم بن مالك صاحب القلعة الكبيرة على أن كاتبا السلطان ~~ملك شاه ms150 يبذلان له تسليم حلب إليه، ويحثانه على الوصول أو وصول نجدة تدفع ~~سليمان بن قطلمش. # وعمر سليمان بن قطلمش قلعة قنسرين وتحول إليها وتزوج منيعة بنت محمود ابن ~~صالح زوجة مسلم بن قريش. # ونزل على حلب وطال انتظار الشريف حسن لنجدة تصله من السلطان، فاجتمع ~~بمبارك بن شبل أمير بني كلاب، واتفقا على أن سار مبارك بن شبل إلى تاج ~~الدولة تتش يستدعيه إلى حلب ليتسلمها. # وعرفه ما استقر بينه وبين الشريف الحتيتي عن تسليمه حلب، ورغبة الكافة في ~~مملكته ففرح بدلك وجمع العسكر، وخرج من دمشق في المحرم من سنة تسع وسبعين ~~وأربعمائة إلى حلب، فحصر حصن سليمان بن قطلمش في قنسرين ووصل إلى تاج ~~الدولة جماعة من بني كلاب، ورحل إلى الناعورة وعول على مراسلة الشريف حسن ~~فإن سلم إليه تغلب وإلا عاد لحربه فبادر سليمان وهو نازل في عسكره على حلب، ~~وعارضه في طريقه على عين سيلم وتراءى العسكران، فدبر أرتق عسكر تاج الدولة ~~أحسن تدبير، والتقوا فانهزم عسكر سليمان. ### || مقتل سليمان بن قطلمش # وقتل سليمان وأسر وزيره الحسن بن طاهر وخلق من عسكره في يوم الأربعاء ~~الثامن عشر من صفر، فأطلق تاج الدولة الوزير ومن أسر، وغنم عسكره والعرب ~~الذين معه جميع ما كان في العسكر. # واختلف في قتل سليمان، فقيل: عارضه فارس من فرسان تاج الدولة فرماه في ~~صدغه بسهم فقتله. PageV01P218 # وقيل: بأنه لما يئس من النصرة نزل عن فرسه، وقتل نفسه بسكين خفه. وقيل: ~~إن المصامدة تتبعت أسلاب القتلى فظفروا بدرع مرصع بالياقوت والعقيان ~~النفيس. # ونمى الخبر إلى تاج الدولة، فأحضره فقال: هذا يشبه سلب الملوك وسار إلى ~~الموضع وإذا به مختلط بدمه فقال: يشبه أن يكون هذا وقد كان قال لهم: لا ~~تبينوه لي حتى أركموه من بين القتلى فقيل له: ومن أين علمت ذلك فقال: قدمه ~~تشبه قدمي، وأقدام بني سلجوق تتشابه. # ثم قال بلسانه: ظلمناكم، وأبعدناكم ونقتلكم ثم مسح عينيه واغتم لقتله، ~~وترحم عليه، وأحضر أكفانا نفيسة فكفنه، وصلى عليه، وحمله ms151 إلى حلب فدفنه إلى ~~جانب مسلم بن قريش قبل أن ينقل مسلم إلى سر من رأى وقيل: دفن معه في قبر ~~واحد. ### || تتش في حلب # ولما جرى ما جرى من قتل سليمان وسار تاج الدولة إلى حلب عدل الشريف حسن ~~الحتيتي عما كان اتفق عليه مع مبارك بن شبل، وامتنع من تسليم حلب إلى تاج ~~الدولة، واحتج بأن كتب ملك شاه وصلته بتجهيز العساكر إليه. # فأقطع تاج الدولة بلد حلب وأعمالها لعسكره إلا ما كان لبعض العرب الذين ~~وفدوا عليه، فإنه أقره في أيديهم، ثم رحل إلى مرج دابق وأقام أياما. # ثم عاد ونازل حلب، فعمد رجل من تجار حلب يجرف بابن البرعوني الحلبي، ~~وراسل تاج الدولة في تسليم حلب إليه، ورفع بعض أصحابه بحبال إلى بحض أبراج ~~السور، وساعده قوم من الأحداث ونادوا بشعار تاج الدولة في ذلك الموضع ~~وتسامع الناس فنادوا بشعاره في البلد جميعه وذلك في ليلة السبت السادس ~~والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة. # فانهزم هبة الله أبو الشريف حسن من قلعة ابنه إلى القلعة الكبيرة إلى ~~سالم بن PageV01P219 # مالك، وبقي الشريف حسن في قلعته المجددة، ومعه فيها رجال من أحداث حلب، ~~فخافوا على أهلهم بحلب، فخرجوا منها وبقي الشريف حسن في قلعته في نفر قليل، ~~فطلب الأمان فأمنه تاج الدولة بوساطة ظهير الذين أرتق. # وخرج أرتق وصار عنده بماله وأهله، وسلم القلعة إلى تاج الدولة تتش وسيره ~~أرتق إلى بيت المقدس بماله فأقام به. # وعصى سالم بن مالك بالقلعة الكبيرة، وكان شرف الدولة بن قريش # لما ولاه فيها أوصاه أن لا يسلمها إلا إلى السلطان ملكشاه، فالتزم ~~بوصيته، وامتنع أن يسلمها إلى تتش وأقام تتش بمدينة حلب إلى اليوم السابع ~~والعشرين من شهر ربيع الآخر، وأحسن إلى أهلها، وخلع على أحداثها، فوصله ~~الخبر أن السلطان ملك شاه وصلت عساكره إل نهر الجوز قاصدين مدينة حلب، فسار ~~تاج الدولة إلى دمشق، وترك بعض أصحابه بقلعة الشريف ومعه عدة في اليوم ~~المذكور، ومعه قوم من بياض ms152 حلب، فأقام نائبه أياما يسيرة، ثم سار ولحقه في ~~دمشق. ### || ملكشاه في حلب # ووصلت عساكر ملك شاه حلب مع برسق واياز وبوزان وغيرهم، ونزل بعضهم إلى ~~بلد الروم، وامتدوا فيما بينها وبين أنطاكية، ووصل بعضهم إلى حلب، وسارع ~~أهل حلب وسالم بن مالك ومبارك بن شبل إلى طاعة الواصل وخدمته. # ثم إن السلطان وصل بعدهم إلى الرها فسلمها إليه الفلاردوس وأسلم على يده، ~~وسار منها إلى قلعة دوسر وهي المعروفة بجعبر فتسلمها في طريقه من جعبر بن ~~سابق القشيري، وقتله لما بلغه عنة من الفساد وقطع الطريق. # وسار حتى وصل حلب في الثالث والعشرين من شعبان من سنة تسع وسبعين ~~وأربعمائة وتسلم حلب وقلعتها وسائر قلاع الشام، وعوض سالم بن مالك عن قلعة PageV01P220 # حلب بقلعة دوسر، وأقطعه معها الرقة وعدة ضياع وتوجه السلطان إلى أنطاكية ~~فتسلمها من الحسن بن طاهر وزير سليمان بن قطلمش، ورتب بأنطاكية يغي سيان بن ~~ألب في عسكر واستخدم حسن بن طاهر في ديوانها، وتم إلى السويدية، وصلى على ~~البحر، وحمد الله على ما أنعم علمه مما تملكه من بحر المشرق إلى بحر ~~المغرب. ### || آق سنقر وال على حلب # وعاد إلى حلب، ورتب بها الأمير قسيم الدولة أق سنقر ومعه عسكر، واستخدم ~~بها تاج الرؤساء ابن الحلال في جمع الأموال. # ووصل إليه الشريف حسن الحتيتي وهو بحلب يلتمس العودة إلى حلب، ويذكر ~~خدمته وما جرى عليه، فتظلم منه أهل حلب فلم يأذن له السلطان فيما التمسه. # وكان هذا السلطان من أعظم الناس هيبة وأكثر الملوك عدلا حتى أن أحدا لا ~~يقول: إن أحدا من ذلك العالم العظيم من عسكره وحزره أربعمائة # آلف أخذ لأحد من الرعايا قسرا وظلما ما يساوي درهما واحدا، حتى أن ~~البازيار الذي له اقتنص طائرين من الدجاج من الأثارب طعما للبزاة في ~~الطريق، فعلم بذلك فعظم عليه حين رآه وهدده حتى أعادها إلى صاحبها بعد عوده ~~من أنطاكية. # وخرج هذا السلطان إلى ضياع معرة النعمان يتصيد، وبات بضيعة بينها وبين ~~المعرة ثلاثة ms153 فراسخ، فابتاع منها أصحابه ما احتاجوه بأوفى ثمن، ووضع ~~السلطان في هذه السنة المكوس من جميع بلاده، ولم يبق من يستخرج مكسا في ~~مملكته. # وأقام السلطان بحلب إلى أن عيد بها عيد الفطر، وعاد منكفئا إلى الجزيرة، PageV01P221 # وقد قرر ولاية حلب، وولى بقلعتها نوحا التركي، وبلغه عصيان تكش بترمذ ~~فسار السلطان، وقطع ما بين حلب ونيسابور في عشرة أيام، وعاد منكفئا إلى ~~الجزيرة وقد قرر ولاية حلب لقسيم الدولة أق سنقر التركي في سنة تسع وسبعين ~~وأربعمائة، وجعل معه أربعة ألاف فارس ومكنه فيها. # وقيل إنه مملوك لملكشاه، وقيل إنه لصيق وإن اسم أبيه النعمان، وولى على ~~جمع المال بحلب في الديوان تاج الرؤساء أبا منصور بن الخلال # الرحبي وقال شاعر حلبي فيه وفي الوزير ابن النحاس: # قد زنجر العيش على الناس ... ما بين خلال ونحاس # فأحسن قسيم الدولة في حلب السيرة وأجمل السياسة وأقام الهيبة وأفنى قطاع ~~الطريق، وتتبع الذعار في كل موضع فاستأصل شأفتهم. # وعمرت حلب في أيامه بسبب ذلك لورود التجار والجلابين إليها من كل مكان. # وحكى لي والدي رحمه الله: أنه استأصل أرباب الفساد إلى حد بلغ به أن نادي ~~في قرى حلب وضياعها أن لا يغلق أحد بابه، وأن يتركوا آلاتهم التي للحرث في ~~البقاع في الليل والنهار فخرج متصيدا فمر على فلاح وقد فرغ من عمله، وأخذ ~~آلة الحرث معه إلى منزله، فانفرد من عسكره وقال له: ألم تسمع مناداة قسيم ~~الدولة بأن لا يرفع أحد من أهل القرى شيئا من آلة الحرث فقال: بلى والله ~~حفظ الله قسيم الدولة والله لقد أمنا في أيامه من كل ذاعر ومفسد، وما رفعت ~~هذا خوفا عليها ممن يأخذها، وإنما ههنا دويبة يقال لها ابن آوى إذا تركنا ~~هذه العدة ههنا جاءت وأكلت هذه الجلود التي عليها. # فلما عاد قسيم الدولة أمر بالصيادين وبثهم في أقطار بلد حلب لصيد بنات ~~آوى حتى أفنوها من ضواحي حلب وكان ذلك سببا لقلتها في بلد حلب إلى يومنا ~~هذا، دون ms154 غيرها من البلاد. # وفي أيام قسيم الدولة جدد عمارة منارة حلب الموجودة في زماننا هذا، وجددت ~~في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. PageV01P222 # وجرى خلف بين أهل لطمين وبين نصر بن علي بن منقذ في سنة إحدى وثمانين، ~~فخرج أن سنقر إلى شيزر، وقاتلها، وقتل من أهلها مائة وثلاثين رجلا، وعاد ~~إلى حلب بعد أن نهب ربضها، واستقرت الموادعة بينه وبين نصر صاحب شيزر. # وكان أق سنقر قد تزوج خاتون داية السلطان ملك شاه، وكانت جالسة معه في ~~بعض الأيام في داره بحلب، وفي يده سكين فأومأ بها إليها على سبيل المداعبة ~~االمزاح، فوقعت في قلبها للقضاء المحتوم غير متعمد لها، فماتت وحزن عليها ~~حزنا شديدا وتأسف لفقدها، وحملها في تابوت لتدفن في مقابر لها بالشرق، وخرج ~~من حلب لتوديع تابوتها في مستهل جمادى الآخرة وتسلم أق سنقر حصن برزويه، في ~~شعبان اثنتين وثمانين وأربعمائة، من لأرمن، وهو آخر ما كان قد بقي في أيدي ~~الكفار من أعمال أنطاكية وأقام في يده تسعة أشهر، وهدمه في ربيع الأول من ~~سنة ثلاث وثمانين. # وكتب ولاة الشام إلى السلطان ملك شاه يشكون ما يلقونه من خلف بن ملاعب ~~بحمص من قطع الطريق وإخافة السبيل، فكتب إلى قسيم الدولة وتاج الدولة ويغي ~~سيان وبوزان صاحب الرها، فساروا في عساكرهم، فحاصروها وضايقوها ففتحوها، ~~وأعطاها السلطان تاج الدولة تتش ونزل قسيم الدولة على أفامية، فأخذها من ~~خلف بن ملاعب وسلمها إلى نصر بن منقذ ثم إن السلطان أمر بحمل ابن ملاعب في ~~قفص حديد إلى أصبهان، فحبسه إلى أن مات ملك شاه، وتوجه إلى مصر وعاد إلى ~~الشام، واحتال حتى ملك أفامية بالحيلة بعد ذلك. # ولما فتحت حمص تسلمها قسيم الدولة إلى أن ورد عليه أمر السلطان بتسليمها ~~إلى تتش. PageV01P223 ### || وفاة السلطان ملكشاه # ومات السلطان ملك شاه ببغداد في الليلة السادسة عشر من شوال سنة خمس ~~وثمانين وأربعمائة وكان أن سنقر قد خرج من حلب وافدا عليه، فلما بلغه الخبر ~~عاد إلى حلب، وخطب لابنه محمود مدة ms155 يسيرة، ثم إنه خطب بعد ذلك لتاج الدولة ~~تتش، على ما يذكر. ### || انتصار تتش # ولما عاد إلى حلب قبض على شبل بن جامع أمير بني كلاب وعلى ولده مبارك، ~~واعتقلهما بالقلعة. وراسل تاج الدولة قسيم الدولة ويغي سيان وبوزان وجذبهم ~~إلى طاعتهم، والكون في جملته ليسيروا معه إلى بلاد أخيه ليفتحها، ويأخذ ~~المملكة فأجابوه إلى ذلك، وخطبوا له في أعمالهم. # فسار في أول سنة ست وثمانين، وسار إليه قسيم الدولة ويغي سيان وبوزان، ~~ووثق به أن سنقر، وفتح تاج الدولة الرحبة ونصيبين، فجمع إبراهيم بن قريش ~~وتأهب للقاء تاج الدولة والتقى العسكران على دارا، وعاد كل فريق إلى موضعه، ~~فركب الأمير قسيم الدولة في خلق من العسكر، وحمل حتى توسط عسكر إبراهيم فلم ~~يثبت العرب، وتبعه باقي العسكر، فقتل منهم ما يقارب عشرة آلاف. # وأسر إبراهيم بن قريش وعمه مقبل وغيرهم فقتلهم تاج الدولة صبرا وسبيت ~~الحرم، وقتل جماعة من نساء العرب نفوسهن. # وأمر تاج الدولة بعد ذلك يجمع الأسرى ووهبهم من محمد بن شرف الدولة وكان ~~قد صار في جملته قبل الحرب، وأقطعه نصيبين. PageV01P224 # وعظمت هيبة تاج الدولة بعد هذه الوقعة، وراسلته زوجة أخيه تحثه # على الوصول، واستقر الحال على أن تتزوجه، فسار عند ذلك بعد أن تسلم من ~~ابن جهير آمد وجزيرة ابن عمر، حتى وصل إلى تبريز، ففسخ عنه قسيم الدولة أن ~~سنقر صاحب حلب وعماد الدولة بوزان وسارا إلى بر كيارق ليكونا في خدمته، ~~وكان بالقرب من الري. # وكان سبب نفار قسيم الدولة وبوزان تقريب تاج الدولة يغي سيان وميله إليه، ~~وقيل: لأنه لم يولهما شيئا من البلاد التي افتتحها، فرجع تاج الدولة إلى ~~ديار بكر، وشحنها بالرجال، وسار منها إلى سروج فأخذها وولى فيها بعض ثقاته. # ووصله الخبر بوصول أن سنقر وبوزان إلى باب السلطان بركيارق، وإكرامه ~~لهما، وأنهما وجدا خاله مستوليا على أمره، فقتلاه وبعض الأمراء. # فانبسطت يد بركيارق، واستقامت أحواله، وخاطبه أق سنقر وبوزان أن يسير ~~معهما إلى بلادهما حلب والرها وحران، لئلا ms156 يجري عليهما حادث من تاج الدولة ~~عند عودته، وضمنا له أن يكونا بينه وبين تاج الدولة، فسار معهما إلى ~~الرحبة، وعقد بينهما وبين علي بن شرف الدولة حلفا. ### || السلطان بركيارق في حلب # وسار علي بن قريش، ومعه جماعة من بني عقيل وقطعة من عسكر السلطان بركيارق ~~مع قسيم الدولة، فأوصلوه إلى حلب، فدخلها في شوال من سنة ست وثمانين ~~وأربعمائة. # وسار بوزان إلى بلاده، وعاد من كان معهما إلى السلطان وأما تتش فإنه قطع ~~الفرات وتوجه إلى أنطاكية، وأقام بها مع يغي سيان مدة، فغلت بها الأسعار ~~فسار إلى دمشق في ذي القعدة من هذه السنة. # وكان وثاب بن محمود مع نفر يسير من بني كلاب، فأنفذ أن سنقر بعد مسير تتش ~~إلى دمشق من أحرق حصن أسفونا وحصن القبة، وقبض أقطاع وثاب. PageV01P225 # وفي سنة سبع وثمانين، قبض على الوزير أبي نصر محمد بن الحسين بن النحاس ~~بسعاية المجن بركات الفوعي به إلى قسيم الدولة. ولم يزل به إلى أن أمره ~~بخنقه، وهو معتقل عنده، فخنقه في هذه السنة. # وفي شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين وأربعمائة، خرج تاج الدولة تتش من ~~دمشق، ومعه خلق عظيم من العرب، ولقيه يغي سيان بعسكر أنطاكية بالقرب من ~~حماة وأقاموا هناك أياما، وزوج ولده الملك رضوان من ابنة يغي سيان، وسيره ~~عائدا إلى دمشق. # وسار تاج الدولة بعساكره فنزل تلمس، وأقام بها أياما، فوصله الخبر بوصول ~~كربوقا صاحب الموصل وبوزان صاحب الرها، ويوسف بن # أبق صاحب الرحبة، في ألفين وخمسمائة فارس إلى حلب، لنجدة أن سنقر، فعدل ~~تاج الدولة إلى الحانوتة، ورحل إلى الناعورة، وعول على قصد الوادي، وأن ~~يسير منه إلى أعمال أنطاكية، وأخذ العسكر دواب النقرة وبعض زرعها. ### || موقعة سبعين ومقتل أق سنقر # فخرج أق سنقر ومن وصله من النجدة وجماعة كثيرة مع شبل بن جامع ومبارك ابن ~~شبل من بني كلاب وكان قد أطلقهما من الإعتقال في هذه السنة ومحمد بن زائدة ~~في جماعته وجماعة من أحداث حلب والديلم ms157 والخراسانية، وعدة عسكره تزيد عن ~~ستة آلاف فارس وراجل، في أحسن أهبة وأكمل عدة. # وقصد عسكر الملك تاج الدولة، يوم السبت تاسع جمادى الأولى من السنة، ~~والتقوا على سبعين، وكان أول من قطع السواقي التي كانت بين العسكرين وبرز ~~للحرب أن سنقر، ورتب مصاف عسكره. # وبقي عسكر بوزان وكربوقا لم يتمكن من قطع السواقي، فيختلطون بالعسكر، PageV01P226 # ولم يستنصح أن سنقر العرب الذين معه، وخاف ميلهم إلى تاج الدولة، وكان ~~عسكر تاج الدولة في مثل هذه العدة من العرب والرجالة، # وكان الترك معه في قلة لأق أصحابه وخواصه كانوا متفرقين في البلاد التي ~~افتتحها. # وحمل عسكر تاج الدولة على عسكر أن سنقر فلم يثبت لحظة واحدة، وانهزمت ~~العرب وبوزان وكربوقا نحو حلب فدخلاها، واستأمن يوسف بن أبق إلى تاج ~~الدولة. # وأسر أن سنقر وجماعة من خواصه ووزيره أبو القاسم بن بديع، وأحضر بين يدي ~~تاج الدولة أسيرا، فقتله صبرا، وقال له تاج الدولة: لو ظفرت بي ما كنت ~~صنعت. قال: كنت أقتلك، فقال له: فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم علي، فقتله. # وحكى وثاب بن محمود قال: جلس تاج الدولة، وطلب قسيم الدولة، فأحضر مكشوف ~~الرأس، مكتوفا، فقام تاج الدولة، وكلمه كلاما كثيرا، فلم يرد عليه جوابا، ~~فضربه بيده أطار رأسه # وحمل رأسه إلى حلب والي دمشق، ودفن جسده في القبة التي على سطح جبل ~~قرنبيا، غربي المشهد الذي ابتناه بقرنبيا، ثم نقله ابنه زنكي لما فتح حلب ~~إلى مدرسة الزجاجين، ووقف شامر قرية من بلد حلب، على من يقرأ على قبره. # واختار قسيم الدولة وقتا للخروج إلى اللقاء، وهو وقت قران زحل للمريخ في ~~بزج الأسد وهو طالع بيت السلطان بحلب وكان موقنا بالظفر، فخرج وأمرهم أن ~~يلحقوه بالحبال لكتافهم بها، وكان تاج الدولة قد عزم على ما ذكرناه، ولم ~~يكن موثرا لقاءه، فنصره الله تعالى كما شاء وأراد، لا راد لأمره، ولا معقب ~~لحكمه، ولا تأثير لشيء في ملكوته. # وأسر شبل بن جامع أمير بني كلاب فوهبه تاج الدولة ms158 لابن أخيه وثاب بن ~~محمود. PageV01P227 ### | القسم التاسع عشر حلب ورضوان بن تتش 487 - 507 هجرية ### || تتش في حلب # وعول بوزان وكربوقا على الإعتصام بحلب، وانتظار النجدة من بركيارق، لأن ~~كتاب الطائر وصل إلى حلب يخبر بوصول النجدة إلى الموصل، وقرروا مع الأحداث ~~ذلك. # فوصل تاج الدولة بعسكره إلى حلب، وتحير أهلها فيما يفعلونه، فبادر قوم من ~~الأحداث ممن لا يعرف ولا يذكر ففتحوا باب أنطاكية. # ودخل وثاب بن محمود في مقدمة أصحاب تاج الدولة إلى حلب، وسكن البلد، فنزل ~~الوالي بقلعة الشريف، وسلمها إلى تاج الدولة فدخلها، وبات بها، فراسله نوح ~~والي القلعة الكبيرة، وسلمها إليه بعد أن توثق منه، وطلع تاج الدولة إليها ~~في الحادي عشر من جمادى الأولى من السنة. ### || مقتل بوزان ثم تتش # وقبض تاج الدولة على بوزان فضرب رقبته صبرا، وأخذ كربوقا واعتقله بحمص، ~~وأقطع الشام لعسكره، وأقطع معرة النعمان واللاذقية ليغي سيان، ورتب أبا ~~القاسم بن بديع وزيرا بحلب. # وأقام ثلاثة أيام ثم توجه فقطع الفرات، وتسلم حران، وسار إلى الرها ~~فتسلمها، وقيل: بأن واليها امتنع من تسليمها إلا بعلامة من بوزان، وأن ~~بوزان كان محبوسا بحلب، PageV01P229 # فأنفذ إليه من قطع رأسه ورماهم به، فسلموا الرها إليه، وتسلم ديار بكر. # وسار إلى ميافارقين فقتل بني جهير بعد أن قطع رؤوس أولادهم وعلقها في ~~رقابهم. # وعدل عن الموصل، وسار للقاء زوجة أخيه خاتون الجلالية لإتمام ما كان ~~استقر بينهما فماتت في الطريق. # وتوجه تاج الدولة إلى الري، فوصله خلق كثير من التركمان وعساكر أخيه، ~~وملك كل بلدة مر بها، وخطب له على منابر الإسلام: الشام والفرات، وبغداد ~~وعند وصوله إلى همذان كتب إلى ولده الملك رضوان يستدعيه من دمشق فتوجه إليه ~~ومعه بقية من تخلف من أصحابه بالشام ودخل تاج الدولة الري وملكها في المحرم ~~سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وخرج بركيارق من أصبهان، والتقوا على خمسة ~~فراسخ من # الري في يوم الأحد السابع عشر من صفر فانهزم عسكر تاج الدولة تتش واستبيح ~~ونهب، وقتل ذلك اليوم ms159 تاج الدولة وخواصه في الحرب. # وقتل تاج الدولة بعض أصحاب قسيم الدولة، بعد أن اصطنعه وقربه، ضربه ~~بنشابة في ترقوته اليسرى فوقع، وقطع رأسه وطيف به العسكر، ثم حمل إلى بغداد ~~فطيف به، وتفرق من سلم منهم إلى مواضعهم. ### || رضوان في حلب # ووصل الخبر إلى ولده الملك رضوان، وهو نازل على الفرات بعانة متوجها إلى ~~والده، فقلق وخاف من وصول من يطلبه فحط خيمه في الحال. PageV01P230 # ورحل مجدا حتى وصل حلب في جماعة من غلمانه وحاشيته، وترك باقي عسكره من ~~ورائه، فسلم وزير أبيه أبو القاسم بن بديع إليه المدينة والقلعة، وصعد ~~إليها، وأخذوا الأهبة لمن يقصدها. # ووصل إليه إلى حلب من الفل أخوه أبو نصر دقاق وجناح الدولة حسين، فاستولى ~~جناح الدولة على تدبير ملك رضوان، وكان تاج # الدولة قد جعله مدبرا له، وهو أتابكه في حياته، وجعل دقاق مع أتابك ظهير ~~الدين. # ولما افتتح ديار بكر سلمها إلى ظهير الدين، وشمس الملوك دقاق معه، ولم ~~يزل بها إلى أن سار إلى الري فسارا معه. ### || دقاق في دمشق # وعاد دقاق إلى حلب فأقام بها مدة يسيرة، وراسله الأمير ساوتكين الخادم ~~وكان نائب تاج الدولة بدمشق في حفظ القلعة والبلد، وقرر لدقاق مملكة دمشق ~~سرا، وخاف من أخيه رضوان، فخرج من حلب وهرب إلى دمشق من غير أن يعلم به ~~أحد، وجد في السير، وتبعه رضوان، وأنفذ خلفه عدة من الخيل ففاتهم، فدخل ~~دمشق فسارع ساوتكين إلى طاعته، وصارت دمشق وبلادها بحكمه. # وقتل رضوان أخويه أبا طالب وبهرام ابني تتش، وكان أتابك طغتكين معتقلا ~~عند السلطان بركيارق، وقبض في الوقعة فطلبوا منه كربوقا والجماعة الذين ~~معه، PageV01P231 # وكانوا في يد رضوان فاتفق رأيهم أن يسيروا عضب الدولة أبق بن عبد الرزاق ~~إلى رضوان لاستخلاص كربوقا وكان أبق أيضا من جملة من قبض عليه من الجماعة ~~الذين كانوا مع تتش فخاطبوا السلطان في إطلاقه وتسييره فأجابهم إلى ذلك، ~~وسيره إلى حلب، فلما وصله أكرمه رضوان وأطلق كربوقا في شعبان وسيره مكرما. # فأطلق ms160 بركيارق أتابك طغتكين وجميع من كان في اعتقاله من خواص تاج الدولة، ~~ووصل دمشق فابتهج دقاق بوصوله وقويت نفسه، وألقى تدبير أموره إليه فقام ~~فيها أحسن قيام. # فاستأذن عضب الدولة الملك رضوان في الوصول إليه فأذن له، وقرر معه قرب ~~العودة إلى حلب وترك اقطاعه بحلب على حاله، فوصل دمشق واختار المقام بها، ~~وكتب إلى أصحابه بعزاز يأمرهم بتسليمها إلى رضوان فسلموها. ### || خلف بن ملاعب # ولما وصلت هذه الأخبار وثب أهل أفامية على حصنها فأخذوه من الأتراك، ~~وقتلوا بعضهم، وكان تاج الدولة قد أخذه من ابن منقذ، وسار جماعة من أهلها ~~إلى مصر يستدعون واليا من قبلهم لميلهم إلى الإسماعيلية ونفورهم من الترك. # ووصل خلف بن ملاعب في سنة تسع وثمانين وأربعمائة وتسلمها، وعاد إلى ~~الفساد وقطع الطريق، وقتل خلقا من أفامية. ### || المؤامرة على جناح الدولة # وأما الملك رضوان فإنه خرج في سنة ثمان وثمانين من حلب، ومعه جناح الدولة ~~حسين ووصله يغي سيان ويوسف بن أبق من أنطاكية بعسكرهما، وتوجهوا إلى الرها، ~~ومعهم رهائن أهلها ليتسلمها الملك رضوان من المقيمين فيها من أصحاب والده. # فلما نزلوا الرها أراد يغي سيان ويوسف أن يقبضا جناح الدولة ويتفردا ~~بتدبير رضوان، فهرب منهما، وقطع الفر ات، ووصل حلب، وتبعه رضوان، فدخل حلب، PageV01P232 # وهرب رهائن الرها من العسكر ودخلوها. وعاد يغي سيان ويوسف بن أبق، وقد ~~استوحش رضوان منهما. ### || من سروج إلى بيت المقدس # وكتب رضوان إلى سكمان، وإقطاعه سروج، يستدعيه إلى حلب لمعونته، فسار وقطع ~~الفرات فلقيه يوسف بن أبق في عدة وافرة فخافه سكمان، فأظهر موافقته وصار ~~معه. # وخاف جناح الدولة من اجتماعهم، وكان عقيب وصول رضوان من الرها قد سير ~~جماعة من عسكر حلب إلى معرة النعمان مع عضب الدولة لأخذها من يغي سيان، ~~وكاتب وثاب بن محمود فوصل ببني كلاب لمساعدته على أخذ المعرة، فأخرجوا ابن ~~يغي سيان وأصحابه منها، وتسلموها. # وعاد عضب الدولة ووثاب، فلما وصلا حلب حدث ما ذكرناه من أمر سكمان ويوسف ~~بن أبق، فخرج جناح ms161 الدولة بالعسكر، فلقيه يوسف بالقرب من مرج دابق فهرب ~~يوسف ونهبوا عسكره، وأعانهم على ذلك # وسكمان، ودخل يوسف أنطاكية وعاد جناح الدولة وسكمان ووثاب وأبق إلى حلب. # وأقطع الملك رضوان معرة النعمان سكمان بن أرتق وأعمالها، ثم سار رضوان ~~وسكمان لقصد دمشق وانتزاعها من أخيه دقاق، وترك جناح الدولة بحلب. # فلما نزلا دمشق وصل إليهما أن دقاق قبض على نجم الدين إيلغازي بن أرتق، ~~واعتقله لتهمة وقعت به، فعاد الملك رضوان إلى حلب، وسار سكمان إلى بيت ~~المقدس وتسلمها من نواب أخيه وأقام بها. # وراسل يوسف بن أبق الملك رضوان واستأذنه في الوصول إلى خدمته فأذن له، ~~ووصل حلب وسكنها. ### || المجن ويوسف بن أبق # ثم خاف رضوان وحسين منه فتقدما إلى بركات بن فارس رئيس حلب المعروف ~~بالمجن بقتله، فهجم عليه وأصحابه فقتلوه ونهبوا داره وأخذوا رأسه، PageV01P233 # وسيروه إلى بزاعا ومتبج، فتسلموها من أصحابه، وقبضوا على اقطاع أخيه ~~وأصحابهما، وهربوا من حلب وكان الملك قد توهم منه الارتداد عن الاسلام. # ثم أن رضوان وجناح الدولة خرجا في سنة تسع وثمانين إلى تل باشر، وشيح ~~الدير، وفتحاها بالسيف من أصحاب يغي سيان، وأغارا على # أعمال أنطاكية، وعادا إلى حلب، وسارا في أول شهر رمضان منها إلى دمشق. ### || الحرب بين دقاق ورضوان # فسار يغي سيان متجدا لدقاق فضعفت نفس رضوان ولم يتمكن من العودة، فسار ~~إلى بيت المقدس، فتبعه دقاق وطغتكين ويغي سيان وأقاموا متحابسين مدة. # وأشرف عسكر رضوان على التلف فانفصل عنه جناح الدولة، وهرب على طريق ~~البرية إلى حلب، وتبعه الملك رضوان بعد مدة وحصلا بجميع العساكر بحلب. وعاد ~~دقاق وطغتكين إلى دمشق ويغي سيان إلى أنطاكية وعاد سكمان بن أرتق من القدس ~~على البرية حتى وصل حلب على البرية في المحرم من سنة تسعين وأربعمائة. # واجتمع بجناح الدولة واتفقا على قصد بلاد يغي سيان فخرج دقاق وطغتكين، ~~فوصلا حماة وعاد العسكر في بلدها ووصلهما يغي سيان، وساروا إلى كفرطاب في ~~الثاني من ربيع الأول، فقاتلوها، ونهبوها، وقرروا على أهلها ms162 مالا. # وهرب أصحاب سكمان من المعرة فتسلمها يغي سيان وقرر عليها مالا، وتنقل ~~العسكر في الجزر وغيرها من أعمال حلب، فاستنجد رضوان # بسليمان بن إيلغازي صاحب سميساط فوصل بعسكر كثير إلى حلب. # وجمع رضوان من قدر عليه من الترك والعرب وأحداث حلب، ونزل عسكر دقاق ~~بقنسرين PageV01P234 # ونزل عسكر حلب بحاضر قنسرين فاتفق الأمر على أن يجتمعوا على نهر قويق ~~ويتحدثوا، فاجتمعوا وتحدثوا، والنهر بينهم، فلم يتفق الصلح، فقال يغي سيان ~~لسكمان: " هؤلاء الملوك يقتتلون على ملكهم، أنت يا بياع اللبن دخولك معهم ~~لأي صفة قال: غدا تبصر ايش أنا. # فأصبحوا والتقوا يوم الاثنين خامس شهر ربيع الآخر من سنة تسعين وأربعمائة ~~فأبلى سكمان بلاء حسنا. # ولم تزل الحرب بينهم إلى آخر النهار، فانهزم يغى سيان إلى أنطاكية، ودقاق ~~وطغتكين إلى دمشق، وأسر في الحرب اصباوه، فاعتقل بحلب ثم أطلق، فهرب إلى ~~دمشق ولم يقتل من العسكر إلا القليل. # وقتل الفلاحون في الطريق وقت الهزيمة من الأرمن الذين كانوا مع يغي سيان ~~جماعة كثيرة، وتغيرت نية الملك رضوان على جناح الدولة حسين # فهرب من حلب إلى حمص، وخرج من حلب ليلا ومعه زوجته أم الملك رضوان، وأقام ~~بحمص لأنها كانت في يده وحصنها. # ووصل يغي سيان إلى حلب عقيب ذلك، وخدم رضوان، ودبر أمره، وتزوج رضوان ~~ابنة يغي سيان خاتون جنجك. ### || الخطبة للفاطميين # وعول رضوان على قصد جناح الدولة بحمص، وقصد دقاق بدمشق، ووصله رسول آلاف ~~الأفضل من مصر يدعوه إلى طاعة المستعلي وإقامة الدعوة له، وعلى يده هدية ~~سنية من مصر، ووعده بأن يمده بالعساكر والأموال. # فتقدم بالدعوة للمصريين على سائر منابر الشام التي في يده، ودعا الخطيب PageV01P235 # أبو تراب حيدرة بن أبي أسامة بحلب للمستعلي ثم للأفضل ثم لرضوان، في يوم ~~الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من هذه السنة. # وكان قد ولى الخطابة أبا تراب وعزل جد أبي أبا غانم محمد بن هبة الله بن ~~أبي جرادة عن القضاء والخطابة بحلب، لأن توليته كانت على قاعدة أبيه من ms163 ~~بغداد في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. # وكان أبوه القاضي أبو الفضل هبة الله قد مات في هذه السنة المذكورة، وهو ~~على القضاء والإمامة بحلب، # وولى رضوان قضاء حلب في سنة تسعين القاضي فضل الله الزوزني العجمي ~~الحنفي، وسيره رسولا إلى مصر، وناب عنه في القضاء حال غيبته أبو الفضل أحمد ~~ابن أبي أسامة الحلبي ودامت الدعوة بحلب إلى رجب من سنة اثنتين وتسعين ~~وأربعمائة وقيل: لم تدم أكثر من أربع جمع وأعادها رضوان للإمام المستظهر ثم ~~بركيارق ثم لنفسه، ولم يصح له مما التمسه من المصريين شيء. # وأعاد القضاء والخطابة إلى جد أبي غانم على قاعدته الأولى، في سنة خمس ~~وتسعين وأربعمائة، حين قتل الزوزني، وكان خرج من بين يدي رضوان، فقتل في ~~بعض الدروب، وكان أزرى على الباطنية وعلى معتقدهم فقيل إنهم قتلوه. ### || الفرنج في الشام # ولما سار رضوان ويغي سيان وصلا إلى شيزر متوجهين إلى حمص لقصد حمص، ~~فتواصلت الأخبار بوصول خلق من الفرنج قاصدين أنطاكية، فقال يغي سيان: عودنا ~~إلى أنطاكية ولقاء الفرنج أولى، وقال سكمان: مسيرنا إلى بكر وأخذها من ~~المتغلبين عليها ونتقوى بها، وأنزل أهلي بها ونعود إلى حمص أولى، واختلفوا. # فسار الملك رضوان نحو حلب حفلا وكان معه وزيره أبو النجم بن بديع أخو PageV01P236 # وزير أبيه تتش أبي القاسم، وكان قد ولاه وزارته حين ملك # حلب، فاتهماه أنه هو الذي يفسد حال رضوان، فطلع إلى حصن شيزر، وأقام به ~~عند ابن منقذ خشية من يغي سيان وسكمان، فلما سارا عن شيزر سار إلى حلب ولحق ~~بالملك رضوان بها. ولما عاد رضوان مغاضبا ليغي سيان وسكمان عاد والأمراء من ~~شيزر إلى أنطاكية، وبلغهم نزول الفرنج البلانة ونهبها. # ولما دخل يغي سيان أنطاكية أخرج ولديه شمس الدولة ومحمدا، فسار أحدهما ~~إلى دقاق وطغتكين يستنجدهما، وبث كتبه إلى جناح الدولة ووثاب بن محمود وبني ~~كلاب، وسار محمد ابنه إلى التركمان وكربوقا وأمراء الشرق وملوكه، وسارت ~~كتبه إلى جميع أمراء المسلمين وفي ثامن شهر رمضان، وصل من قبرس ms164 إلى ميناء ~~اللاذقية اثنتان وعشرون قطعة في البحر، فهجموه وأخذوا منه جميع ما كان ~~للتجارة ونهبوا اللاذقية، عادوا، ووصلت الفرنج إلى الشام، واعتبروا عسكرهم ~~فكانوا ثلاثمائة آلف وعشرين ألف إنسان، لأنهم وصلوا من جهة الشمال. # وفي اليوم الثاني من شوال نزلت عساكر الفرنج على بغراس وأغاروا على أعمال ~~أنطاكية، فعند ذلك عصى من كان في الحصون والمعاقل المجاوره لأنطاكية، ~~وقتلوا عن كان بها، وهرب من هرب منها. # وفعل أهل أرتاح مثل ذلك واستدعوا المدد من الفرنج وهذا كله لقبح سيرة يغي ~~سيان وظلمه في بلاده. # ونزل الفرنج على أنطاكية لليلتين بقيتا من شوال من سنة تسعين وأربعمائة. # وخرج في المحرم من سنة إحدى وتسعين وأربعمائة نحو ثلاثين ألفا من الفرنج ~~إلى أعمال المسلمين ببلد حلب، فأفسدوا ونهبوا وقتلوا من وجدوا. وكان قد وصل ~~الملك دقاق وأتابك ومعهما جناح الدولة، ونزلوا أرض شيزر، PageV01P237 # ومعهم ابن يغي سيان وهم سائرون لإنجاد أبيه، فبلغهم خبر هذه السرية، ~~فساروا إليها بقطعة من العسكر، فلقوهم في أرض البارة فقتلوا منهم جماعة. # وعاد الفرنج إلى الروج، وعرجوا منه إلى معرة مصرين، فقتلوا من وجدوا ~~وكسروا منبرها، وحين عاد العسكر الدمشقي من البارة فارقهم ابن يغي سيان ~~ووصل إلى حلب يستنجد بالملك رضوان، فأخذ عسكر حلب وسكمان، ودخل بهما إلى ~~أنطاكية فلقيهم من الفرنج دون عدتهم، فانهزم # عسكر المسلمين إلى حارم وذلك في آخر صفر، وتبعهم عسكر الفرنج إلى حارم ~~فانهزموا إلى حلب، وغلب أهل حارم من الأرمن عليها. # وفي شهر ربيع الأول من السنة وصل خلق من الأرمن إلى تل قباسين بناحية ~~الوادي فقتلوا من فيه، وخرج المسلمون الذين بالوادي وجماعة من الأتراك ~~تبعوهم وقتلوا منهم جماعة، والتجأ الباقون إلى بعض الحصون الخربة، فأدركهم ~~عسكر حلب فقاتلهم يومين، وأخذوهم فقتلوا بعضهم، وحمل الباقي أسرى إلى حلب ~~فقتلوا، وكانو يزيدون عن آلف وخمسمائة. ### || الخيانة ودخول أنطاكية # ولما نزل الفرنج لعنهم الله، بأنطاكية جعلوا بينهم وبين البلد خندقا لأجل ~~غارات عسكر أنطاكية عليهم وكثرة الظفر بهم، ولا يكاد ms165 يخرج عسكر أنطاكية ~~ويعود إلا ظافرا. # وجعل يغي سيان الناس على البعد والقرب وكان حسن التدبير في سياسة العسكر ~~وجمع كربوقا صاحب الموصل عسكرا عظيما، وقطع به الفرات ووصل دقاق وطغتكين ~~وجناح الدولة، ووصل سكمان بن أرتق، وفارق رضوان وسار مع دقاق. PageV01P238 # ووصل وثاب بن محمود ومعه جماعة من العرب ووصلوا تل منس وقاتلوها لأنه ~~بلغهم أنهم كاتبوا الفرنج وأطمعوهم في الشام، وقرر عليهم # دقاق مالا أخذ بعضه ورهائن على الباقي، وسيرهم إلى دمشق. # وسار دقاق بالعساكر إلى مرج دابق، واجتمع بكربوقا فيه في آخر جمادى ~~الآخرة، ورحلوا منه نحو أنطاكية، فلما كان ليلة الخميس أول ليلة من رجب ~~واطأ رجل يعرف بالزراد من أهل أنطاكية وغلمان له على برج كانوا يتولون ~~حفظه، وذلك أن يغي سيان كان قد صادر هذا الزراد وأخذ ماله وغلته، فحمله ~~الحنق على أن كاتب بيمند وقال له: أنا في البرج الفلاني، وأنا أسلم إليك ~~أنطاكية أن أمنتني وأعطيتني كذا وكذا. فبذل له ما طلب، وكتم أمره عن باقي ~~الفرنج # وكان بعسكر الفرنج تسعة قوامص مقتمين عليهم كندفري، وأخوه القمص، بيمند، ~~وابن أخته طنكريد وصنجيل وبغدوين وغيرهم. فجمعهم بيمند وقال لهم: هذه ~~أنطاكية إن فتحناها لمن تكون فاختلفوا، وكل طلبها لنفسه، فقال: الصواب أن ~~يحاصرها كل رجل منا جمعة، فمن فتحت في جمعته فهي له، فرضوا بذلك. # فلما كانت نوبته دلى لهم الزراد لعنه الله، حنلا، فطلعوا من السور، ~~وتكاثروا، ورفع بعضهم بعضا وجاءوا إلى الحراس، فقتلوهم، وتسلمه بيمند بن ~~الانبرت. # وطلع الفرنج في سحرة هذه الليلة إلى البلد وصاح الصائح من ناحية جبل، ~~فتوهم يغي سيان أن القلعة قد أخذت فخرج من البلد في جماعة منهزمين فلم يسلم ~~منهم أحد. # ولما حصل بالقرب من أرمناز ومعه خادم من غلمانه وقع عن ظهر فرسه، PageV01P239 # فحمله الخادم الذي كان معه، وأركبه، فلم يثبت على ظهر الفرس، وعاد فسقط، ~~وأدركه الأرمن، فهرب الخادم عنه، وقتله الأرمن وحملوا رأسه إلى الفرنج، ~~واستشهد في ذلك اليوم بأنطاكية ما يفوت ms166 الإحصاء ويجاوز العدد، ونهبت ~~الأموال والآلات والسلاح، وسبي من كان بأنطاكية ووصل هذا الخبر إلى عم ~~وانب، فهرب من كان بها من المسلمين وتسلمها الأرمن. # وبلغ الخبر إلى دقاق وكربوقا ومن كان معهما، فرحلوا إلى أرتاح، وسار ~~بعضهم إلى جسر الحديد وقتلوا من كان فيه من الفرنج، وتوجهوا نحو أنطاكية، ~~فعرفوا أن قلعتها باقية في أيدي المسلمين، فأعلموا العساكر الإسلامية بذلك، ~~فوصلوا إلى أنطاكية سحرة يوم الثلاثاء سادس رجب، فانهزم من كان بظاهر البلد ~~من الفرنج إليها. # ونزل المسلمون بظاهرها مما يلي الجبل، ودخلوا البلد من ناحية القلعة، ~~وقاتلوا الفرنج في جبل المدينة، وأشرف الفرنج على التلف فبنوا سورا على بعض ~~الجبل يمنع المسلمين من النزول إليهم، وأقاموا أياما، وعدم القوت عندهم، ~~واحتوى كربوقا على كثير مما كان في قلعة أنطاكية، وولى فيها أحمد بن مروان، ~~وترادفت رسل الملك رضوان في أثناء ذلك إلى كربوقا، فتوهم دقاق من ذلك، وخاف ~~جناح الدولة من أصحاب يوسف بن أبق وأخيه. # وجرت بين الأتراك والعرب الذين مع وثاب منافرة عادوا لأجلها، وتفرق كثير ~~من التركمان بتدبير الملك رضوان ورسالته. # وتحيل بعض الأمراء من بعض ثم اجتمع رأيهم على التحول إلى المنازلة في ~~السهل بظاهر أنطاكية، فنزلوا باب البحر، وجعل المسلمون بينهم وبين البلد ~~خندقا. PageV01P240 # وأكل الفرنج بأنطاكية الميتات والدواب، فخرجوا من أنطاكية يوم الاثنين ~~السادس والعشرين من شهر رجب. # فأشار وثاب بن محمود أن يمنعوا من الخروج، وأشار بعض الأمراء أن لا ~~يمكنوا من الخروج بأجمعهم ويقتلوا أولا فأولا، فلم يعرج المسلمون على شيء ~~من: ذلك لأنهم أيقنوا بالظفر بالفرنج، وخرجوا بأجمعهم في خلق عظيم، وعاث ~~التركمان في العسكر فانهزم، وتوهم الفرنج أن ذلك مكيدة # فتوقفوا عن تبعهم، فكان ذلك سببا لسلامة من أراد الله سلامته، ولم يبق ~~غير كربوقا ومعه أكثر عسكره، فأحرق سرادقه وخيامه وانهزم نحو حلب. # وقتل من المطوعة والغلمان والسوقة خلق كثير، ولم يقتل مذكور، ونهب من ~~المسلمين من الآلات والخيام والكراع والغلات ما لا يحصى، ومن انقطع من ms167 ~~العسكر نهبه الأرمن وعاد الفرنج إلى قلعة أنطاكية، وبها أحمد بن مروان، ~~فراسله الفرنج وأمنوه، ومن كان معه، وسلمها إليهم يوم الأحد الثاني من ~~شعبان من السنة، وأنزلوه في دار بأنطاكية، وأطلقوا أصحابه وسيروا معهم من ~~يوصلهم إلى أعمال حلب، فخرج الأرمن فأخذوا بعضهم وقتلوا بعضهم، ولم يسلم ~~منهم إلا القليل. # ولما وصل كربوقا إلى حلب خرج إليه الملك رضوان، وحمل له خياما وغيرها، ~~ورحل عنها وعاد عسكر دمشق إليها وتفرقت العساكر. # وبعد أيام من هذه الوقعة خرج جماعة من الفرنج في شعبان، وزحفوا مع أهل ~~تلمنس وجميع نصارى بلد المعرة على المعرة وقاتلوها، فوصلت قطعة من عسكر حلب ~~إليهم، فالتقوا بين تل منس والمعرة، فانهزم الفرنج وبقي الرجالة منهم، فقتل ~~منهم زائدا عن ألف رجل، وحملت رؤوسهم إلى معرة النعمان. # وفي هذه السنة وهي سنة إحدى وتسعين في جمادى الأولى عزل الملك رضوان ~~وزيره أبا النجم هبة الله بن محمد بن بديع، وولى وزارته أبا الفضل هبة بن PageV01P241 # عبد القاهر بن الموصول وكان أبو الفضل حسن السيرة جوادا كثير المعروف ~~والصدقات. ووافق ذلك شدة الغلاء والجوع بحلب، حتى أكلوا الميتات، فأخرج غلة ~~كثيرة، وتصدق بها على الناس وقيل: إنه كان يخرج في كل سنة صدقة وبرا ثلاثة ~~آلاف مكوك غلة سوى ما يطلقه لمن يسأله معونته من الوفود والضيوف، وغير ما ~~يطلقه من العين والورق وغير ما كان يعتمد من افتكاك الأسرى من المسلمين. ### || المجن الفوعي # وفيها قتل الملك رضوان رئيس حلب بركات بن فارس الفوعي المعروف بالمجن، ~~وكان هذا المجن أولا من جملة اللصوص الشطار وقطاع الطريق الذعار فاستتابه ~~قسيم الدولة أن سنقر، وولاه رئاسة حلب لشهامته وكفايته ومعرفته بالمفسدين، ~~وكان في حال اللصوصية يصلي العشاء الآخرة بالفوعة، ويسري إلى حلب ويسرق ~~منها شيئا ويخرج، ويصلي الفجر بالفوعة فإذا اتهم بالسرقة أحضر من يشهد له ~~أنه صلى العشاء بالفوعة والصبح فيبرئونه. # واستمر على رئاسة حلب في أيام قسيم الدولة وأيام تاج الدولة وبعده في ~~أيام رضوان، وامتدت يده ms168 وحكم على القضاة والوزراء ومن دونهم، وهو الذي قتل ~~الوزير أبا نصر بن النحاس في أيام قسيم الدولة. # وبلغني أنه حنق عليه بسبب حضر أراد شراءها فاشتراها المجن، فشق على أبي ~~نصر، فسيرها المجن إليه، فردها عليه أبو نصر، وتكلم في حقه بكلام قبيح فحنق ~~بسببها على ابن النحاس، فاعتقله بعد ذلك عنده وخنقه. # وكان كثير السعاية في قتل النفوس وسفك الدماء وأخذ الأموال وارتكاب ~~الظلم، فعصى على الملك رضوان، ثم ضعف واختفى بعد أن حصر رضوان في قلعة حلب ~~في سنة تسعين وأربعمائة. # فأمر رضوان مناديا نادى بالقلعة بأن الملك قد ولى رئاسة حلب صاعد بن بديع ~~فانقلب الأحداث عنه لبغضهم إياه، ومضوا إلى صاعد فاختفى المجن، ثم ظهر عليه ~~فعجل الله المكافأة له على قبيح فعله. PageV01P242 # وسلط عليه الملك رضوان فسجنه في ذي القعدة من سنة تسعين وعذبه عذابا ~~مديدا بأنواع شتى، وأراد بذلك أن يستصفي ماله، فمما عذبه به أنه أحمى الطست ~~حتى صار كالنار، ووضعه على رأسه، ونفخ في دبره بكير الحذاد، وثقبت كعابه، ~~ضرب فيها الرزز والحلق. # ولما وضع التجار المثقب على كعبه قطع الجلد واللحم ولم يدر المثقب، فلطمه ~~المجن وقال: ويلك لا تعرف، أحضر خشبة، وضعها على الكعب. فأحضر خشبة ووضعها ~~على كعبه، فدار المثقب ونزل ونزل، وثقب الكعب. # فلما فرخ قيل له: كيف تجد طعم الحديد، فقال: قولوا للحديد كيف يجد طعمي. ~~ولم يقر المجن مع هذا كله بدرهم واحد، ولم يحصل للملك رضوان من ماله إلا ما ~~أقربه غلام أو جارية، وذلك شيء يسير واستغنى جماعة من أهل حلب من ماله. # ولما طال الأمر على رضوان أشير عليه بقتله، فأخرج إلى ظاهر باب الفرج من ~~نحو الشرق، ومعه ابنان له شابان مقتبلا الشباب، فقتلا قبله، وهو ينظر ~~إليهما ولا تتكلم. # ثم قتل بعد ذلك في سنة إحدى وتسعين وسلمت رئاسة حلب إلى صاعد بن بديع ~~ولما قدم المجن للقتل صاح بصوت عال: يا معشر أهل حلب، من كان لي عنده مال، ms169 ~~فهو في حل منه. # وكان ابن بديع من أولاد الديلم الذين كانوا في أيام سيف الدولة، وولد ~~أبوه بحلب. ### || صنجيل في عزاز والبارة والمعرة وشيزر # وفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة عصى عمر والي عزاز على الملك رضوان فخرج ~~عسكر حلب وحصره، فاستنجد بالفرنج، فوصل صنجيل بعسكر كبير، فعاد عسر حلب ~~فنهب صنجيل ما قد عليه وعاد إلى أنطاكية، وأخذ ابن عمر رهينة، PageV01P243 # فم عنده فوقع الملك رضوان على عمر إلى أن أخذه من تل هراق فسلم إليه عزاز ~~وأقام عنده بحلب مدة، ثم قتله. # وخرج صنجيل في ذي الحجة، وحصر البارة فقل الماء فأخذها بالأمان، وغدر ~~بأهلها، وعاقب الرجال والنساء، واستصفى أموالهم وسبي بعضا وقتل بعضا، ثم ~~خرج بقية الفرنج من أنطاكية والأرمن الذين في طاعتهم والنصارى، وانضموا ~~إليه، ووصلوا إلى معرة النعمان لليلتين بقيتا من ذي الحجة في مائة ألف. # وحصروا معرة النعمان في سنة اثنتين وتسعين، وقطعوا الأشجار، واستغاث ~~أهلها بالملك رضوان وجناح الدولة فلم ينجدهم أحد. وعمل الفرنج برجا من خشب ~~يحكم على السور وزحفوا إلى البلد، وقاتلوه من جميع نواحيه حتى لصق البرج ~~بالسور فكشفوه وأسندوا السلالم إلى السور وثبت الناس في الحرب من الفجر إلى ~~صلاة المغرب، وقتل على السور وتحته خلق كثير، ودخلوا البلد بعد المغرب ليلة ~~الأحد الرابع والعشرين من محرم سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. # ودخل عسكر الفرنج جميعه إلى البلد، وانهزم بعض الناس إلى دور حصينة، ~~وطلبوا الأمان من الفرنج فأمنوهم، وقطعوا على كل دار قطيعة، واقتسموا ~~الدور، وهجموها وناموا فيها، وجعلوا يهدئون الناس حتى أصبح الصبح، فاخترطوا ~~سيوفهم، ومالوا على الناس، وقتلوا منهم خلقا، وسبوا النساء والصبيان. # وقتل فيها أكثر من عشرين آلف رجل وامرأة وصبي، ولم يسلم إلا القليل ممن ~~كان في شيزر وغيرها من بني سليمان وبني أبي حصين # وغيرهم، وقتلوا تحت العقوبة جمعا كثيرا، فاستخرجوا ذخائر الناس، ومنعوا ~~الناس من الماء، وباعوه منهم فهلك أكثر الناس من العطش، وملكوها ثلاثة ~~وثلاثين يوما بعد الهجمة، ولم يبقوا ذخيرة بها ms170 إلا استخرجوها PageV01P244 # وهدموا سور البلد وأحرقوا مساجده ودوره وكسروا المنابر، وعاد بيمند إلى ~~أنطاكية وقمص الرها إليها وفي هذه السنة فتحوا بيت المقدس وفعلوا فيها كما ~~فعلوا بالمعرة. # وفي سنة ثلاث وتسعين، وصل مبارك بن شبل أمير بني كلاب في جمع كثير من ~~العرب فحالف الملك رضوان، ورعوا زرع المعرة، وكفرطاب، وحماة، وشيزر، ~~والجسر، وغير ذلك وخلت البلاد، ووقع الغلاء في بلد حلب، ولم يزرع شيء في ~~بلدها، وسلط الله الوباء على العرب، فمات شبل ومبارك ولده، واضمحلت دولة ~~العرب. ### || حلب والفرنج # وتوجه الملك رضوان في سلخ رجب من هذه السنة إلى الأثارب وأقام عليها ~~أياما، وتوجه إلى " كلا " في الخامس والعشرين من شعبان لإخراج الفرنج منها، ~~فاجتمع من كان في الجزر وزردنا وسرمين من الفرنج # والتقوا، فانهزم رضوان، واستبيح عسكره، وقتل خلق وأسر قريب من خمسمائة ~~نفس وفيهم بعض الأمراء، وعاد الفرنج إلى الجزر وأخذوا برج كفرطاب وبرج ~~الحاضر، وصار لهم من كفرطاب إلى الحاضر، ومن حلب غربا سوى تل منس فإن أصحاب ~~جناح الدولة كانوا بها. # وسار رضوان عقيب هذه النكبة إلى حمص مستنجدا بجناح الدولة فأجابه، وعاد ~~إلى حلب ومعه جناح الدولة، وقد عاد الفرنج إلى أنطاكية، فأقام جناح الدولة ~~بظاهر حلب أياما، فلم يلتفت إليه رضوان فعاد عنه إلى حمص. # وتجمع الفرنج بالجزر وسرمين وأعمال حلب وجمعوا العدد والغلال لحصار حلب، ~~وعولوا على حصارها في سنة خمس وتسعين، وقيل قبلها، ووصل بيمند وطنكريد إلى ~~قرب حلب فنزلوا المشرفة، من الجانب القبلي PageV01P245 # على نهر قويق لما بلغهم من ضغف رضوان وتمزيق عسكره، وعزموا أن يبنوا مشهد ~~الجف، ومشهد الدكة، ومشهد قرنبيا حصونا، وأن يقيموا على حلب ويستغلوا ~~بلدها. # فأقاموا في تدبير ذلك يوما أو يومين فبلغه خروج أنوشتكين # الدانشمند، وأنه قد نازل بعض معاقل الفرنج، وهي ملطية فعادوا للدفع عنها. # فخرج الدانشمند فلقي بيمند وجمعا من الفرنج بأرض مرعش فأسره، وقتل عسكره، ~~ولم يفلت منهم أحد، فخيب الله ظن الفرنج، وهربوا من أعمال حلب، وتركوا جميع ~~ما ms171 كانوا أعدوه، فخرج رضوان وأخذ الغلال التي جمعوها، ونزل سرمين. ### || تحرك جناح الدولة ومقتله # وسار جناح الدولة إلى أسفونا وبه جماعة من الفرنج فهجمه وقتل جميع من ~~فيه، وسار إلى سرمين فكبس عسكر الملك رضوان ونهبه، وانهزم رضوان وأكثر ~~عسكره وأسر الوزبر أبا الفضل بن الموصول وجماعة وحملهم إلى حمص. # وطلب الحكيم المنجم الباطني فلم يظفز به، وكان هذا الحكيم قد أفسد ما ~~بينه وبين رضوان واستمال رضوان إلى الباطنية جدا، وظهر مذهبهم في حلب، ~~وشايعهم رضوان وحفظ جانبهم، وصار لهم بحلب الجاه العظيم والقدرة الزائدة، ~~وصارت لهم دار الدعوة بحلب في أيامه، وكاتبه الملوك في أمرهم، فلم يلتفت ~~ولم يرجع عنهم، فوصل هذا الحكيم حلب سالما في جملة من سلم في هذه الوقعة. # واستغل جناح الدولة سرمين ومعرة النعمان وكفرطاب وحماة، وفدى الوزير ابن ~~الموصول نفسه من جناح الدولة بأربعة آلاف دينار، وفدى أصحاب الملك نفوسهم ~~أيضا بمال حملوه إليه # ولم يبق في أيدي المسلمين في سنة خمس وتسعين إلا حصن بسرفوث، من عمل بني ~~عليم. PageV01P246 # وتسلم دقاق الرحبة في سنة ست وتسعين وأربعمائة، وكان المقيم بها زوج آمنة ~~بنت قيماز، وكان قيماز من أصحاب كربوقا فمات، وكانت الرحبة له، وكان جناح ~~الدولة قد خرج إليها فوجد الأمر قد فات، فعاد ونزل النقرة وخرج إليه رضوان ~~إلى النقرة واصطلحا، وأخذه معه إلى ظاهر حلب، وضرب له خياما، وأقام في ~~ضيافته عشرة أيام، ولم يصف قلب أحد منهما لصاحبه. # وسار جناح الدولة إلى حمص فسير الحكيم المنجم الباطني ثلاثة أعجام من ~~الباطنية فاغتالوه، وقد نزل يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رجب، لصلاة ~~الجمعة فقتلوه، وقتلوا بعض أصحابه وقتلوا وقيل: إن ذلك كان بأمر رضوان ~~ورضاه. # وبقي المنجم الباطني بعده أربعة وعشرين يوما ومات، وقام بعده بأمر الدعوة ~~الباطنية بحلب رفيقه أبو طاهر الصائغ العجمي. # ووصل صنجيل الفرنجي وترك حمص بعد قتل جناح الدولة بثلاثة أيام فسيرت ~~زوجته خاتون أم الملك رضوان تستدعيه لتسلم إليه حمص ويدفع الفرنج، فكره ~~المقدمون ms172 ذلك، وخافوا منه لسوء رأيه فيهم، وسيروا # إلى بواب دقاق إلى دمشق، وكان دقاق بالرحبة فسار أيتكين الحلبي من دمشق ~~ودخلها وطلع القلعة. ووصل رضوان إلى القبة فبلغه الخبر وعاد ورحل صنجيل ~~عنها بعد أن قرر عليهم مالا، ووصل دقاق فتسلم حمص وأحسن إلى أهلها ونقل أهل ~~جناح الدولة وأولاده إلى دمشق، وسلم حمص إلى طغتكين. ### || الفرنج حول حلب # وسار والي عزاز وأغار على الجومة، وهي من عمل أنطاكية، فخرج عسكر PageV01P247 # أنطاكية وعسكر الرها فنزلوا المسلمية، وقتلوا بعض أهلها، وقطعوا على عدة ~~مواضع قطائع أخذوها، وأقاموا ببلد حلب أياما، وراسلوا الملك رضوان. # واستقر الحال على سبعة آلاف دينار وعشرة رؤوس من الخيل، ويطلقون الأسرى ~~ما خلا من أسروه على المسلمية من الأمراء، وذلك في سنة ست وتسعين ثم خرج ~~الفرنج من تل باشر وأغاروا على بلد حلب الشمالي والشرقي، وأحرقوه، وتكرر ~~ذلك منهم، ونزلوا على حصن بسرفوث، وفتحوه بالأمان، ووصلوا إلى كفرلاثا، ~~فكبسهم بنو عليم فانهزموا إلى بسرفوث. # ووقع بين الفرنج وبين سكمان وجكرمش وقعة عظيمة استظهر فيها المسلمون، ~~وهلك الفرنج وأسر القمص، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة. ### || انتصارات رضوان وموت دقاق # وكان الملك رضوان قد سار إلى الفرات ينتظر ما يكون من خبر الفرنج، فلما ~~وصله الخبر أنفذ إلى الجزر وغيره من أعمال حلب التي في أيدي الفرنج، فأمرهم ~~بالقبض على من عندهم من الفرنج، فوثب أهل الفوعة وسرمين، ومعرة مصرين ~~وغيرها، ففعلوا ذلك. # وطلب بعض الفرنج الأمان من رضوان فأمنهم من القتل، وحملهم أسرى، ولم يبق ~~بأيدي الفرنج غير الجبل و " هاب " وحصون المعرة، وكفرطاب، وصوران. # فوصل شمس الخواص وفتح صوران، فهرب من كان بلطمين وكفرطاب وبلد المعرة ~~والبارة إلى أنطاكية، وسلموها إلى رضوان وأصحابه ما خلا " هاب " واسترجع ~~رضوان بالس والفايا ممن كان بهما من أصحاب جناح الدولة # وجرى PageV01P248 # بحماة خلف، وخافوا من شمس الخواص، فكاتبوا رضوان، وسلموها إليه وسلمية، ~~فأمنت أعمال حلب وتراجع أهلها إليها وقوي جأش رضوان. # واتصلت غارات عسكر حلب إلى بلد أنطاكية، وعرف بيمند ms173 ضعفه عن حفظ البلد، ~~وأنه لم يفلت من وقعة سكمان إلا في نفر قليل، وخاف من المسلمين فصار لى ~~بلاده في البحر يستنجد بمن يخرج بهم إلى البلاد، واستخلف ابن أخته طنكريد ~~دبر أمر أنطاكية والرها. # ومات الملك دقاق سنة سبع وتسعين في رمضان وأوصى بالملك لولد له صغير اسمه ~~تتش، وجعل التدبير إلى أتابك طغتكين، فتوتجه الملك رضوان نحو دمشق، ~~وحاصرها، وقرر له الخطبة والسكة، فلم تستتب أموره وعاد إلى حلب. ### || نكبة المسلمين # ثم إنه خرج في شهر رجب من سنة ثمان وتسعين، وجمع خلقا كثيرا، وعزم على ~~قصد طرابلس معونة لفخر الملك بن عمار على الفرنج النازلين عليه. # وكان الأرمن الذين في حصن أرتاح قد سلموه إلى الملك رضوان لجور الأفرنج، ~~فخرج طنكريد من أنطاكية لاستعادة أرتاح، وخرج جميع من في # أعماله من الفرنج معه، ونزل عليها، فتوجه نحوه رضوان في عساكره وجموعه ~~وجميع من أمكنه من عمل حلب والأحداث. # فلما تقاربا نشبت الحرب بين الفريقين فثبت راجل المسلمين وانهزمت الخيل، ~~ووقع القتل في الرجالة فلم يسلم منهم إلا من كتب الله سلامته، ووصل الفل ~~إلى حلب، وقتل من المسلمين مقدار ثلاثة آلاف ما بين فارس وراجل، وهرب من ~~بأرتاح من المسلمين. # وقصد الفرنج بلد حلب فأجفل أهله، ونهب من نهب وسبى من سبى، وذلك في ~~الثالث من شعبان. PageV01P249 # واضطربت أحوال بلد حلب من ليلون إلى شيزر، وتبدل الخوف بعد الأمن ~~والسكون، وهرب أهل الجزر وليلون إلى حلب، فأدركهم خيل الفرنج فسبوا أكثرهم، ~~وقتلوا جماعة. وكانت هذه النكبة على أعمال حلب أعظم من النكبة الأولى على ~~كلا. # ونزل طنكريد على تل أغدي، من عمل ليلون، وأخذه وأخذ بقية الحصون التي في ~~عمل حلب ولم يبق في يد الملك رضوان من الأعمال القبلية إلا حماة ومن ~~الغربية إلا الأثارب، والشرقية والشمالية في يديه، وهي غير آمنة. ### || الباطنية # وسير أبو طاهر الصائغ الباطني جماعة من الباطنية من أهل سرمين إلى خلف ~~ابن ملاعب بتدبير رجل يعرف بأبي الفتح السرميني، من ms174 دعاة الإسماعيلية، ~~فقتلوه ووافقهم جماعة من أهل أفامية، ونقبوا سور الحصن، ودخلوا منه، وطلع ~~بعضهم إلى القلة فأحس بهم، فخرج فطعنه أحدهم # بخشت فرمى بنفسه، فطعن أخرى فمات، ونادوا بشعار الملك رضوان. # ووصل أبو طاهر الصائغ إلى الحصن عقيب ذلك وأقام به، وسار طنكريد إلى ~~أفامية، فقطع عليها مالا أخذه، وعاد فوصله مصبح بن خلف بن ملاعب وبعض ~~أصحابه، فأطمعوه في أفامية، فعاد ونزلها، وحاصرها فتسلمها في الثالث عشر من ~~محرم من سنة خمسمائة بالأمان وقتل أبا الفتح السرميني بالعقوبة، ولم يف ~~لأبي طاهر الصائغ بالأمان، وحمله معه أسيرا فاشترى نفسه بمال، ودخل حلب، ~~وفي سنة إحدى وخمسمائة، عصى ختلع بقلعة عزاز، واستقر أن يسلمها إلى طنكريد، ~~ويعوضه عنها موضعا غيرها، فسار رضوان إليها فتسلم عزاز منه وبلغ رضوان، في، ~~سنة احدى وخمسمائة، ما ذكر به من مشايعة الباطنية، وأنه PageV01P250 # لعن بذلك في مجلس السطان محمد بن ملكشاه، فأمر أبا الغنائم ابن أخي أبي ~~الفتح الباطني الذي عمل في قتل ابن ملاعب ما دبر الخروج من حلب فيمن معه، ~~فانسل وخرج بجماعة من أصحابه بعد أن قتل أفراد منهم. ### || الفرنج بين مد وجذر # وفي سنة إحدى وقيل: اثنتين وخمسمائة اجتمع جاولي سقاوه وجوسلين الفرنجي، ~~على حرب طنكريد صاحب أنطاكية، واستنجد # طنكريد بالملك رضوان، فأمده بعكسر حلب والتقوا، فقتل من الفرنج جماعة. # ووصل إلى جاولي من أخبره أن الفرنج يريدون الاجتماع عليه فمال على أصحابه ~~من الفرنج وقتل فيهم، وهرب بعد أن قتلهم عن آخرهم وهلك جميع رجالة طنكريد ~~وأكثر خيله. # وعاد إلى أنطاكية وعاد عسكر حلب إلى رضوان، فتسلم بالس من أصحاب جاولي، ~~وخرج بيمند من بلاده ومعه خلق عظيم، ثم عاد وتوفي سنة أربع إخمسمائة، وكفي ~~المسلمون شره. # وفي سنة ثلاث وخمسمائة، كاتب السلطان الأمير سكمان القطبي صاحب أرمينية ~~ومودود صاحب الموصل، يأمرهما بالمسير إلى جهاد الفرنج، فجمعا وسارا، وصل ~~إليهما نجم الدين إيلغازي بن أرتق في خلق كثير من التركمان، فرحلوا إلى ~~الرها فنزلوا عليها وأحدقوا بها في ms175 شوال من هذه السنة. # فاتفق الفرنج كلهم، وأزالوا ما كان بينهم من الشحناء، وكان المسلمون في ~~جمع عظيم، فتصافى طنكريد وبغدوين وابن ضنجيل بعد النفار، وقصدوا إنجاد من ~~بها من الفرنج، وأحجموا عن العبور إلى الجانب الجزري لكثرة من به من عساكر ~~المسلمين. # فاندفع المسلمون عن الرها إلى حران ليعبر الفرنج ويتمكنوا منهم ووصلهم ~~عسكر دمشق # فحين عبر الفرنج وبلغهم خبر المسلمين عادوا ناكصين على الأعقاب إلى شاطىء ~~الفرات، فنهض المسلمون في أثرهم، وأدركتهم خيول الإسلام، وقد عبر PageV01P251 # الأجلاد منهم، فغنم المسلمون جل سوادهم وأكثر أثقالهم، واستباحوهم قتلا ~~وأسرا وتغريقا في الماء، وأقام المسلمون بإزائهم على الفرات. # ولما عرف الملك رضوان هزيمة الفرنج عن الرها خرج ليتسلم أعمال حلب التي ~~كانت في أيدي الفرنج، وقاتل ما امتنع عليه منها، وأغار على بلد أنطاكية ~~وغنم منها ما يجل قدره، وكان بينه وبينهم مهادنة نقضها. # وكاتب الفرنج رضوان يوهنون رأيه في نقض الهدنة، فلما تحقق سلامة طنكريد ~~وعوده رجع إلى حلب. وعاد الفرنج من الفرات فقصدوا بلد حلب من شرقيها، ~~فقتلوا من وجدوا، وسبوا أهل النقرة، وأخذوا ما قدروا عليه من المواشي. # وهرب الناس نحو بالس، وعاد طنكريد، فنزل على الأثارب، وطيب قلوب الفلاحين ~~من المسلمين، وأمنهم، ونصب على الأثارب المناجيق وكبشا عظيما ينطح به شرفات ~~الأسوار فيلقيها، فخرب أسوارها وكان يسمع نطحه من مسيرة نصف فرسخ. # وبدل رضوان لطنكريد في الموضع عشرين آلف دينار على أن يرحل فامتنع، وقال: ~~قد خسرت ثلاثين آلف دينار، فإن دفعتموها إلي وأطلقتم # كل عبد بحلب منذ ملكت أنطاكية فأنا أرحل، فاستعظم ذلك واتكل على الحوادث. # وكان الذي بقي في القلعة مائة دينار، وأخذها الخازن على وسطه، وهرب إلى ~~الفرنج، وهرب جماعة أخر من المسلمين إليهم فكتبوا إلى الملك رضوان كتابا ~~على جناح طائر يخبرونه بما تجدد من قوة الحصار وقلة النفقة وقتل الرجال ~~وأرسلوا الطائر فسقط في عسكر الفرنج، فرماه أحدهم بنشابة فقتله. # وحمل الكتاب إلى طنكريد، ففرح وقويت نفسه، وبدل رضوان المال المطلوب له ms176 ~~على أن يكون أقساطا ويضع عليه رهائن فلم يفعل، ويئس من في الأثارب من نجدة ~~تصل إليهم فسلموها إلى طنكريد في جمادى الآخرة منها، وأمن أهلها وخرجوا ~~منها PageV01P252 # ثم صالح رضوان على عشرين آلف دينار وعشرة رؤوس من الخيل، وقبضها وعاد إلى ~~أنطاكية. # ثم عاد وخرج إلى الأثارب، وقد أدركت الغلة، وضعفت حلب بأخذ الأثارب ضغفا ~~عظيما، وطلب من حلب المقاطعة التي قررها حلب وأسرى من الأرمن كان رضوان ~~أخذهم وقت إغارته على بلد أنطاكية، والفرنج على الفرات، فأعادهم إليه وطلب ~~بعض خيل الملك رضوان فأعطاه، وطلب حرم الفلاحين المسلمين من الأثارب، ~~وكانوا وقت نزول طنكريد على الأثارب حصلوا بحرمهم في حلب فأخرجهن إليه. # وضاق الأمر بأهل حلب، ومضى بعضهم إلى بغداد واستغاثوا في أيام الجمع، ~~ومنعوا الخطباء من الخطبة مستصرخين بالعساكر الإسلامية على الفرنج، وقلت ~~المغلات في بلد حلب، فباع الملك رضوان في يوم واحد ستين خربة من بلد حلب ~~لأهلها بالثمن البخس، وطلب بذلك استمالتهم، وأن يلتزموا بالمقام بها بسبب ~~أملاكهم، وهي ستون خربة معروفة في دواوين حلب إلى يومنا هذا، غير ما باعه ~~في غير ذلك اليوم من الأملاك. # ولذلك يقال أن بيع الملك من أصح أملاك الحلبيين لأن المصلحة في بيعها ~~كانت ظاهرة لاحتياج بيت المال إلى ثمنها، ولعمارة حلب ببقاء أهلها فيها ~~بسبب أملاكهم. ولما استصرخ الحلبيون العساكر الإسلامية ببغداد وكسروا ~~المنابر، جهز السلطان العساكر للذب عنهم، فكان أول من وصل مودود صاحب ~~الموصل بعسكره إلى شبختان، ففتح تل قراد، وعدة حصون ووصل أحمديل الكردي في ~~عسكر ضخم وسكمان القطبي، وعبروا إلى الشام فنزلوا تل باشر، وحصروها حتى ~~أشرفت على الأخذ، وكان طنكريد قد أخذ PageV01P253 # حصن بكسرائيل، وتوجه مغيرا على بلد شيزر ونازلها. # وشرع في عمارة تل ابن معشر وضرب اللبن وحفر الجباب ليوعي بها الغلة، فلما ~~بلغه نزول عساكر السلطان محمد على تل باشر رحل عنها وأما العساكر الإسلامية ~~النازلة على تل باشر فإن سكمان مات عليها، وقيل: بعد الرحيل عنها، وأشرف ~~المسلمون على ms177 أخذها فتطارح جوسلين الفرنجي صاحبها على أحمديل الكردي وحمل ~~إليه مالا، وطلب منه رحيل العسكر عنه فأجابه إلى ذلك، وكتب الملك رضوان إلى ~~مودود وأحمديل وغيرهما: إنني قد تلفت وأريد الخروج من حلب فبادروا إلى ~~الرحيل، فحسن لهم أحمديل الرحيل عنها بعد أن أشرفوا على أخذها، ورحلوا إلى ~~حلب، فأغلق رضوان أبواب حلب في وجوههم، وأخذ إلى القلعة رهائن عنده من ~~أهلها لئلا يسلموها. # ورتب قوما من الجند والباطنية الذين في خدمته لحفظ السور ومنع الحلبيين ~~من الصعود إليه، وبقيت أبواب حلب مغلقة سبع عشرة ليلة. وأقام الناس ثلاث ~~ليالي ما يجدون شيئا يقتاتون به، فكثرت اللصوص من الضعفاء، وخاف الأعيان ~~على أنفسهم. # وساء تدبير الملك رضوان فأطلق العوام ألسنتهم بالسب له وتعييبه، وتحدثوا ~~بذلك فيما بينهم، فاشتد خوفه من الرعية أن يسلموا البلدة وترك الركوب ~~بينهم. # وصفر إنسان من السور فأمر به فضربت عنقه ونزع رجل ثوبه ورماه إلى آخر. ~~فأمر به فألقي من السور إلى أسفل، فعاث العسكر فيما بقي سالما ببلد حلب بعد ~~نهب الفرنج له وسبيهم أهله. # وبث رضوان الحرامية يتخطف من ينفرد من العساكر فيأخذونه، فرحلوا إلى معرة ~~النعمان في آخر صفر من سنة خمس وخمسمائة، وأقاموا عليها أياما ووجدوا حولها ~~ما ملأ صدورهم مما يحتاجون إليه من الغلات وما عجزوا عن حمله. PageV01P254 # وكان أتابك طغتكين قد حصل معهم، فراسل رضوان بعضهم حتى أفسد ما بينه ~~وبينهم، فظهر لأتابك منهم الوحشة، فصار في جملة مودود صاحب الموصل، وثبت له ~~مودود، ووفى له وحمل لهم أتابك هدايا وتحفا من متاع مصر، وعرض عليهم المسير ~~إلى طرابلس والمعونة لهم بالأموال، فلم يعرجوا، وسار أحمديل وبرسق بن برسق ~~عسكر سكمان نحو الفرات، وبقي مودود مع أتابك، فرحلا من المعرة إلى العاصي ~~فنزلا على الجلالي. # فنزل الفرنج أفامية: بغدوين وطنكريد وابن صنجيل، وساروا لقصد المسلمين، ~~فخرج أبو العساكر بن منقذ من شيزر بعسكره وأهله، واجتمعوا بمودود أتابك ~~وساروا إليهم. # ونزلوا قبلي شيزر والفرنج شمالي تل ابن معشر، ودارت خيول ms178 المسلمين حولهم ~~ومنعوهم الماء، والأتراك حول الشرائع بالقسي تمنعهم الورد، فأصبحوا، هاربين ~~سائرين، يحمي بعضهم بعضا. ### || الخجندي والباطنية # ووصل إلى حلب في هذه السنة في شهر ربيع الأول من سنة خمس خمسمائة، رجل ~~فقيه تاجر كبير يقال له أبو حرب عيسى بن زيد بن محمد خجندي، ومعه خمسمائة ~~حمل عليها أصناف التجارات، وكان شديدا على الباطنية أنفق أموالا جليلة على ~~من يقاتلهم، وكان قد صحبه من خراسان باطني يقال له أحمد ابن نصر الرازي ~~وكان أخوه قد قتله رجال الخجندي. # فدخل أحمد إلى حلب، ومضى إلى أبي طاهر الصائغ العجمي رئيس الباطنية حلب، ~~وكان متمكنا من رضوان، فصعد إلى رضوان، وأطمعه في مال الفقيه أبي حرب، ~~وأراه أنه بريء من التهمة في شأنه، إذ هو معروف بعداوة الباطنية. PageV01P255 # فطمع رضوان في ماله وطار فرحا، وبعث غلمانا له يتوكلون به، وسير أبو طاهر ~~الباطني معه جماعة من أصحابه، فبينا أبو حرب الخجندي في غلمان له يستعرض ~~أحماله وحوله جماعة من مماليكه وخدمه إذ هجم عليه أحمد بن نصر الرازي في ~~جماعة من أصحاب أبي طاهر الباطني، فقال لغلمانه: أليس هذا رفيقنا، فقالوا: ~~هو هو. فوقعوا عليه فقتلوه. # وقتل الجماعة الذين معه من أصحاب أبي طاهر الباطني العجمي بأسرهم، ثم قال ~~أبو حرب: الغياث بالله من هذا الباطني الغادر، أمنا المخاوف ورآنا إلى أن ~~جئنا إلى الأمنة، فبعث علينا من يقتلنا. # فأخبر رضوان بذلك فأبلس، وصار السنة والشيعة إلى هذا الرجل، وأظهروا ~~إنكار ما تم عليه وعبث أحداثهم بجماعة من أحداث الباطنية فقتلوهم، ولم ~~يتجاسر رضوان على إنكار ذلك. # وكاتب الفقيه أبو حرب أتابك طغتكين وغيره من ملوك الإسلام فتوافت رسلهم ~~إلى رضوان ينكرون عليه، فأنكر وحلف أنه لم يكن له في هذا الرجل نية. # وخرج الرجل عن حلب مع الرسل فعاد إلى بلده، ومكث الناس يتحدثون بما جرى ~~على الرجل ونقص في أعين الناس، فتوثبوا على الباطنية من ذلك اليوم. ### || نهاية رضوان # ثم إن رضوان حين ضعف أمره بحلب رأى أن ms179 يستميل طغتكين أتابك إليه ~~ويستصلحه، فاستدعاه إلى حلب عندما أراد أن ينزل طنكريد على قلعة عزاز، وبذل ~~له رضوان مقاطعة حلب عشرين آلف دينار وخيلا وغير ذلك، فامتنع طنكريد من ~~ذلك، فوصل طغتكين أتابك، وتعاهدا على مساعدة كل منهما لصاحبه بالمال ~~والرجال. # واستقر الأمر على أن أقام طغتكين الدعوة والسكة لرضوان بدمشق، فلم يظهر ~~منه بعد ذلك الوفاء بما تعاهدا عليه. # ومات طنكريد في سنة ست وخمسمائة، واستخلف ابن أخته روجار وأدى إليه رضوان ~~ما كان يأخذه منه طنكريد وهو عشرة آلاف دينار. PageV01P256 # ووصل مودود إلى الشام، واتفق مع طغتكين على الجهاد، وطلب نجدة من الملك ~~رضوان فتأخرت إلى أن اتفق للمسلمين وقعة استظهروا فيها على الفرنج،، ووصل ~~عقيبها نجدة للمسلمين من رضوان، دون المائة فارس، وخالف فيما كان قرره ووعد ~~به، فأنكر أتابك ذلك، وتقدم بإبطال الدعوة والسكة باسم رضوان من دمشق في ~~أول ربيع الأول من سنة سبع وخمسمائة. # وكان رضوان يحب المال، ولا تسمح نفسه بإخراجه حتى كان أمراؤه وكتابه ~~ينبزونه بأبي حبة، وهو الذي أفسد أحواله وأضعف أمره. # ومرض رضوان بحلب مرضا حادا وتوفي في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة ~~سبع وخمسمائة. ودفن بمشهد الملك، فاضطرب أمر حلب لوفاته. وتأسف أصحابه ~~لفقده، وقيل: إنه خلف في خزانته من العين والآلات والعروض والأواني ما يبلغ ~~مقداره ستمائة آلف دينار. PageV01P257 ### | القسم العشرون حلب وابنا رضوان ### || ألب أرسلان وسلطان شاه ### ||| ألب أرسلان من أخويه إلى الباطنية # وملك حلب بعده ابنه ألب أرسلان، ويعرف بالأخرس، وعمره ست عشرة سنة. وأمه ~~بنت يغي سيان صاحب أنطاكية، وكان في كلامه حبسة وتمتمة، لذلك عرف بالأخرس، ~~وكان متهورا قليل العقل، ووضع عن أهل حلب ما كان والده جدده عليهم من ~~الرسوم والمكوس. # وقبض على أخويه ملك شاه ومبارك، وكان مبارك من جارية وملك # شاه من أمه، فقتلهما. وكذلك فعل أبوه رضوان بأخويه، فانظر إلى هذه ~~المقابلة العجيبة. وقبض جماعة من خواص والده فقتل بعضهم، وأخذ أموال ~~الآخرين. # وكان المتولي لتدبير أموره خادم ms180 لأبيه يقال له لؤلؤ اليايا، وهو الذي ~~أنشأ خانكاه البلاط بحلب. وكان قبل وصوله إلى رضوان خادما لتاج الروساء ابن ~~الخلال، فدبر أسوأ تدبير مع سوء تدبيره في نفسه. # وكان أمر الباطنية قد قوي بحلب في أيام أبيه، وتابعهم خلق كثير على ~~مذهبهم طلبا لجاههم، وصار كل من أراد أن يحمي نفسه من قتل أو ضيم التجأ ~~إليهم. PageV01P259 # وكان حسام الدين بن دملاج وقت وفاة رضوان بحلب، فصاروا معه، وصار إبراهيم ~~العجمي الداعي من نوابه في حفظ المليحة بظاهر بالس. # فكتب السلطان محمد بن ملك شاه إلى ألب أرسلان وقال له: كان والدك يخالفني ~~في الباطنية، وأنت ولدي فأحب أن تقتلهم ". # وشرع الرئيس ابن بديع متقدم الأحداث في الحديث مع ألب أرسلان في أمرهم، ~~وقرر الأمر معه على الإيقاع بهم، والنكاية فيهم، فساعده على ذلك. # فقبض على أبي طاهر الصائغ وقتله، وقتل إسماعيل الداعي وأخا الحكيم المنجم ~~والأعيان من أهل هذا المذهب بحلب، وقبض على زهاء مائتي نفس منهم. # وحبس بعضهم واستصفى أموالهم، وشفع في بعضهبم فمنهم من أطلق ومنهم من رمي ~~من أعلى القلعة، ومنهم من قتل. وأفلت جماعة منهم فتفرقوا في البلاد، وهرب ~~إبراهيم الداعي من القليعة إلى شيزر، وخرج حسام الدولة بن دملاج عند القبض ~~عليهم فمات في الرقة، وطلب الفرنج من ألب أرسلان المقاطعة التي لهم بحلب، ~~فدفعها إليهم من ماله ولم يكلف أحدا من أهل حلب شيئا منها. ### ||| ألب أرسلان وطغتكين # ثم إن ألب أرسلان رأى أن المملكة تحتاج إلى من يدبرها أحسن تدبير، وأشار ~~خدمه وأصحابه عليه بأن كاتب أتابك طغتكين أمير دمشق، ورغب في استعطافه، ~~وسأله الوصول إليه ليدبر حلب والعسكر، وينظر في مصالح دولته، فأجابه إلى ~~ذلك، ورأى موافقته لكونه صبيا لا يخافه الكفار ولا رأي له، فدعا له على ~~منبر دمشق بعد الدعوة للسلطان وضربت السكة باسمه، وذلك في شهر رمضان. # وأوجبت الصورة أن خرج ألب أرسلان بنفسه في خواصه، وقصد أتابك إلى PageV01P260 # دمشق ليجتمع معه، ويوكد الأمر بينه وبينه، فلقيه ms181 أتابك على مرحلتين، ~~وأكرمه ووصل معه وأنزله بقلعة دمشق. # وبالغ في إكرامه وخدمته والوقوف على رأسه. وحمل إليه دست ذهب # وطيرا مرصعا وعدة قطع ثمينة، وعدة من الخيل، وأكرم من كان في صحبته. # وأقام بدمشق أياما وسار في أول شوال عائدا إلى حلب، ومعه أتابك وعسكره، ~~فأقام عنده أياما واستخلص كمشتكين البعلبكي مقدم عسكره، وكان قد أشار عليه ~~بعض أصحابه بقبضه، وقبض جماعة من أعيان عسكره وقبض الوزير أبي الفضل بن ~~الموصول ففعل ذلك، فاستوهب أتابك منه كمشتكين فوهبه إياه. وقبض على رئيس ~~حلب صاعد بن بديع، وكان وجيها عند أبيه رضوان، فصادره بعد التضييق عليه حتى ~~ضرب نفسه في السجن بسكين ليقتل نفسه، ثم أطلقه بعد أن قرر عليه مالا، ~~وأخرجه وأهله من حلب، فتوجه إلى مالك بن سالم إلى قلعة جعبر. ### ||| رئاسة حلب وأمرها ومقتل ألب أرسلان # وسلم رئاسة حلب إلى إبراهيم الفراتي فتمكن ولقب ونوه باسمه، وإليه تنسب ~~عرصة ابن الفراتي بالقرب من باب العراق بحلب. ثم رأى أتابك من سوء السيرة ~~وفساد التدبير مع التقصير في حقه والإعراض عن مشورته ما أنكره، فعاد من حلب ~~إلى دمشق، وخرجت معه أم الملك رضوان هربا منه. # وساءت سيرة ألب أرسلان، وانهمك في المعاصي واغتصاب الحرم # والقتل. وبلغنا أنه خرج يوما إلى عين المباركة متنزها، وأخذ معه أربعين ~~جارية، ونصب خيمة، ووطئهن كلهن. # واستولى لؤلؤ اليايا على الأمر، فصادر جماعة من المتصرفين، وأعاد الوزارة ~~إلى أبي الفضل بن الموصول. وجمع ألب أرسلان جماعة من الأمراء، وأدخلهم إلى ~~موضع بالقلعة شبيه بالسرداب لينظروه، فلما دخلوا إليه قال لهم. ايش تقولون PageV01P261 # في من يضرب رقابكم كلكم ههنا. فقالوا: " نحن مماليكك وبحكمك ". وأخذوا ~~ذلك منه بطريق المزاح، وتضرعوا له حتى أخرجهم. # وكان فيهم مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر فلما نزل سار عن حلب وتركها خوفا ~~على نفسه. # وخاف منه لؤلؤ اليايا فقتله بفراشه بالمركز بقلعة حلب، في شهر ربيع الآخر ~~من سنة ثمان وخمسمائة، وساعده على ذلك قراجا التركي وغيره. ### ||| سلطان ms182 شاه # ولزم لؤلؤ اليايا قلعة حلب وشمس الخواص في العسكر، ونصب لؤلؤ أخا له ~~صغيرا عمره ست سنين، واسمه سلطان شاه بن رضوان، وتولى لؤلؤ تدبير مملكته، ~~وجرى على قاعدته في سوء التدبير. # وكاتب لؤلؤ ومقدمو حلب أتابك طغتكين وغيره يستدعونهم إلى حلب لدفع الفرنج ~~عنها فلم يجب أحد منهم إلى ذلك. # ومن العجائب أن يخطب الملوك لحلب فلا يوجد من يرغب فيها، ولا يمكنه ذب ~~الفرنج عنها، وكان السبب في ذلك أن المقدمين كانوا يريدون بقاء الفرنج ~~ليثبت عليهم ما هم فيه. # وقل الربيع ببلد حلب لاستيلاء الفرنج على أكثر بلدها والخوف على باقيه، ~~وقلت الأموال واحتيج إليها لصرفها إلى الجند، فباع لؤلؤ قرى كثيرة من بلد ~~حلب، وكان المتولي بيعها القاضي أبا غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة ~~قاضي حلب، ولولو يتولى صرف أثمانها في مصالح القلعة والجند والبلد. ### || حلب بين لؤلؤ والزلازل # وقبض لؤلؤ على الوزير أبي الفضل بن الموصول، واستأصل ماله، وسار إلى ~~القلعة فأقام عند مالك بن سالم، واستوزر أبا الرجاء بن السرطان الرحبي مدة، ~~ثم صادره وضربه، وطلب أبا الفضل بن الموصول فأعاده إلى الوزارة بحلب. PageV01P262 # وجاءت زلزلة عظيمة ليلة الأحد ثامن وعشرين من جمادى الآخرة من سنة ثمان ~~بحلب وحران وأنطاكية ومرعش والثغور الشامية، وسقط برج باب أنطاكية الشمالي ~~وبعض دور العقبة وقتلت جماعة. # وخربت قلعة عزاز، وهرب واليها إلى حلب، وكان بينه وبين لؤلؤ مواحشة، فحين ~~وصل إلى حلب قتله وأنفذ إليها من تداركها بالعمارة والترميم، وخرب شيء يسير ~~في قلعة حلب، وخرب أكثر قلعة الأثارب وززدنا. # وقيل: إن مؤذن مسجد عزاز كان حارسا بالقلعة، فحرس ونام على برج المسجد ~~بالقلعة، فلما جاءت الزلزلة ألقته على كتف الخندق وهو نائم لم يعلم بها، ~~فاجتاز به جماعة فظنوه ميتا، فأخذوا عنه اللحاف فانتبه وسألهم فأخبروه بما ~~جرى. وصار شمس الخواص مقدم عسكر حلب، ومتولي أقطاع الجند، وكانت سيرته إذ ~~ذاك صالحة، وكان لؤلؤ في أول أمره مقيما بقلعة حلب لا ينزل ms183 منها ويدبر ~~الأمور، فكتب إلى السلطان على سبيل المغالطة يبذل له تسليم حلب والخزائن ~~التي خلفها رضوان وولده ألب أرسلان، ويطلب إنفاذ العساكر إليه. # فوصل برسق بن برسق مقدم الجيوش وبكربسن وغيرهم من أمراء السلطان في سنة ~~تسع وخمسمائة، فتغيرت نية لؤلؤ الخادم عما كان كتب به إلى السلطان، وكتب ~~إلى أتابك طغتكين يستصرخه ويستجده، ووعده تسليم حلب إليه، وأن يعوضه طغتكين ~~من أعمال دمشق، فبادر إلى ذلك. # ووصل حلب، والعساكر السلطانية ببالس متوجهين إلى حلب فرحلوا # منها إلى المعرة، ووصلهم الخبر أن ذلك اليوم وصل أتابك إلى حلب فأعرضوا ~~عن حلب، وساروا إلى حماة فتسلموها. # وتسلموا رفنية من أولاد علي كرد، وسلموها إلى خير خان بن قراجا، PageV01P263 # فخاف طغتكين من عساكر السلطان أن يقصد دمشق، فأخذ عسكر حلب، وشمس الخواص، ~~وإيلغازي بن أرتق، واستنجد بصاحب أنطاكية روجار وغيره من ملوك الفرنج ~~ونزلوا أجمعين أفامية. ### || خسارة المسلمين أمام الفرنج # ونزلت العساكر السلطانية أرض شيزر، وجعل أتابك يريث الفرنج عن اللقاء ~~خوفا من الفرنج أن يكسروا العساكر السلطانية فيأخذوا الشام جميعه، أو ~~ينكسروا فتستولي العساكر السلطانية على ما في يده. # وخاف الفرنج وضاقت صدور أمراء عسكر السلطان من المصابرة، فرحلوا ونزلوا ~~حصن الأكراد وأشرف على الأخذ، فاتفق أتابك والفرنج على عود كل قوم إلى ~~بلادهم، ففعلوا ذلك. # وتوجه أتابك إلى دمشق، وعاد عسكر حلب وشمس الخواص إلى حلب، فقبض عليه ~~لؤلؤ الخادم واعتقله فعادت عساكر السلطان حينئذ عن حصن الأكراد، وساروا إلى ~~كفر طاب، وحصروا حصنا كان الفرنج عمروه بجامعها وأحكموه، فأخذوه وقتلوا من ~~فيه، ورحلوا إلى معرة النعمان. # وأمن الترك وانتشروا في أعمال المعرة واشتغلوا بالشرب والنهب ووقع ~~التحاسد فيما بينهم، ووصل رسول من بزاعا من جهة شمس الخواص يستدعيهم لتسليم ~~بزاعا، ويقول إن شمس الخواص مقبوض عليه عند لؤلؤ الخادم، ولؤلؤ يكشف أخبار ~~العساكر ويطالع بها الفرنج. ورحل برسق وجامدار صاحب الرحبة نحو دانيث ~~يطلبون حلب، فنزل جامدار في بعض الضياع. # ووصل برسق بالعسكر إلى دانيث بكرة الثلاثاء العشرين ms184 من شهر ربيع الآخر، ~~والفرنج يعرفون أخبارهم ساعة فساعة، فوصلهم الفرنج، وقصدوا العسكر PageV01P264 # من ناحية جبل السماق، والعسكر على الحال التى ذكرناها من الانتشار ~~والتفرق، فلم يكن لهم بالفرنج طاقة، فانهزموا من دانيث إلى تل السلطان. # واستتر قوم في الضياع من العسكر فنهبهم الفلاحون وأطلقوهم، وغنم أهل ~~الضياع مما طرحوه وقت هزيمتهم ما يفوت الإحصاء، وأخذ الكفار من هذا ما يفوت ~~الوصف، وغنموا من الكراع والسلاح والخيام والدواب وأصناف الآلات والأمتعة ~~ما لا يحصى، ولم يقتل مقدم ولا مذكور. # وقتل من المسلمين نحو خمسمائة وأسر نحوها واجتمع العسكر على تل السلطان، ~~ورحلوا إلى النقرة مخذولين مختلفين، ونزلوا النقرة، وكان أونبا قد طلع ~~أصحابه إلى حصن بزاعا، وكان قد تقدم العسكر إليها، فلما بلغهم ذلك نزلوا ~~ووصلوا إلى العسكر. # وتوجهت العساكر إلى السلطان وإلى بلادهم، ووصل طغتكين من دمشق فتسلم ~~رفنية فمن كانوا بها، وأطلق لؤلؤ شمس الخواص من الاعتقال، وسلم إليه ما كان ~~أقطعه من بزاعا وغيرها، فوصل إلى طغتكين فرد عليه رفنية، وعاد إلى دمشق ~~واستصحبه معه. ### || نهاية لؤلؤ الخادم # وأما لؤلؤ الخادم فأنه صار بعد ملازمة القلعة ينزل منها في الأحيان ~~ويركب، فاتفق أنه خرج في سنة عشر وخمسمائة بعسكر حلب والكتاب إلى بالس، وهو ~~في صورة متصيد، فلما وصل إلى تحت قلعة نادر قتله الجند. # واختلف في خروجه، فقيل: أنه كان حمل مالا إلى قلعة دوسر، وأودعه عند PageV01P265 # ابن مالك فيها، وأراد ارتجاعه منه والعود إلى حلب، وكان السلطان قد أقطع ~~حلب والرحبة أق سنقر البرسقي، فواطأ جماعة من # أصحابه على أن أظهروا مفارقته، وخدموا لؤلؤا وصاروا من خواصه، وواطأهم ~~على قتل لؤلؤ، وأمل أنهم إذا قتلوه تصح له أقطاع حلب فقتلوه. # وسار بعضهم إلى الرحبة فأعلمه، فأسرع أق سنقر البرسقي المسير إلى حلب من ~~الرحبة، وانضاف بعض عسكره إلى بقية القوم الذين قتلوه، وطمعوا في أخذ حلب ~~لأنفسهم، وساروا إليها فسبقهم ياروقتاش الخادم، أخذ خدم الملك رضوان، ودخل ~~حلب. # وقيل: إن لؤلؤا كان قد خاف فأخذ ms185 أمواله، وخرج طالبا بلاد الشرق للنجاة ~~بأمواله، فلما وصل إلى قلعة نادر قال سنقر الجكرمشي: تتركونه يقتل تاج ~~الدولة ويأخذ الأموال ويمضي، وصاح بالتركية: أرنب أرنب، فضربوه بالسهام ~~فقتلوه. ### || ياروقتاش أتابك في حلب # ولما خرج عن حلب أقامت القلعة في يد آمنة خاتون بنت رضوان يومين إلى أن ~~وصل ياروقتاش الخادم مبادرا فدخل حلب ونزل بالقصر، وأخرج بعض عسكر حلب، ~~وأوقع بالذين قتلوا لؤلؤا، وارتجع ما كان أخذوه من عسكر حلب. وانهزم بعض من ~~كان في التوبة فالتقوا أق سنقر في بالس في أول محرم سنة إحدى عشرة ~~وخمسمائة. # ولم يتسهل للبرسقي ما أمل وراسل أهل حلب ومن بها في التسليم إليه فلم ~~يجيبوه إلى ذلك. # وكاتب ياروقتاش الخادم نجم الدين إيلغازي بن أرتق ليصل من ماردين ويدفع ~~أق سنقر، وكاتب روجار صاحب أنطاكية أيضا فوصل إلى بلد حلب، وأخذ ما قدر ~~عليه من أعمال الشرقية، فحينئذ أيس البرسقي من حلب، وانصرف من أرض بالس إلى ~~حمص فأكرمه خير خان صاحبها، وسار معه إلى طغتكين إلى دمشق فأكرمه، ووعده ~~بإنجاده على حلب. # وهادن ياروقتاش صاحب أنطاكية روجار، وحمل إليه مالا وسلم إليه حصن PageV01P266 # القبة، ورتب مسير القوافل من حلب إلى القبلة عليه، وأن يؤخذ المكس منهم ~~له. # ثم إن ياروقتاش طلع إلى قلعة حلب، وعزم على أن يعمل حيلة يوقها بالمقدمين ~~ويملكها مثل لؤلؤ، فقبض عليه مقدمو القلعه بأمر بنات رضوان بعد تمام شهر من ~~ولايته، وأخرجوه من حلب وولوا في القلعه خادما من خدم رضوان. # ورد أمر سلطان شاه وتقدمة العسكر وتدبير الأمور إلى عارض الجيش العميد ~~أبي المعالي المحسن بن الملحى، فدبر الأمور وساسها، وضعفت حلب وقل ارتفاعها ~~وخربت أعمالها. ### || إيلغازي من حلب إلى ماردين # ووصل إيلغازي بن أرتق إلى حلب فأنزلوه في قلعة الشريف، ومنعوه من القلعة ~~الكبيرة، واستولى على تدبير الأمور وتربيه سلطان شاه في سنة إحدى عشرة ~~وخمسمائة، وسلموا إليه بالس والقليعة. # وقبض على أبي المعالي بن الملحى، وقصر ارتفاع حلب عما يحتاج إليه إيلغازي ms186 ~~والتركمان الذين معه، ولم ينتظم له حال. واستوحش من أهل حلب وجندها فخرج ~~عنها إلى ماردين. وبقيت بالس والقليعة في يده، وأخرج ابن الملحى من ~~الإعتقال وأعيد إلى تدبير الأمور. # وأفسد الجند الذين ببالس في أعمال حلب فاستدعوا الفرنج، وخرج بعض عسكر ~~حلب ومعهم قطعة من الفرنج وحصروها، فوصل إيلغازي في جمع من التركمان إليها، ~~فعاد عسكر حلب والفرنج عن بالس وباعها لابن مالك، وعاد إلى ماردين، وبقي ~~تمرتاش ولده رهينة في حلب. # ووصل في هذه السنة أتابك طغتكين وأق سنقر البرسقي إلى حلب، وراسل أهلها ~~في تسليمها فامتنعوا من إجابته، وقالوا: ما نريد أحدا من الشرق وأنفذوا ~~واستدعوا الفرنج من أنطاكية لدفعه عنهم، فعاد أق سنقر إلى الرحبة وأتابك ~~إلى دمشق. PageV01P267 ### || بلد حلب بين الغلاء والفرنج # واشتد الغلاء بأنطاكية وحلب، لأن الزرع عرق ولحقه هواء عند إدراكه أتلفه، ~~وهرب الفلاحون للخوف، واستدعى أهل حلب ابن قراجا من حمص، فرتب الأمور بها، ~~وحصنها، وسار إلى حلب، ونزل في القصر خوفا من إيلغازي لما كان بينهما. وخرج ~~أتابك إلى حمص، ونهب أعمالها وشعثها، وأقام عليها مدة، وعاد إلى # دمشق لحركة الفرنج. وخرجت قافلة من حلب إلى دمشق فيها تجار وغيرهم، ~~وحملوا ذخائرهم وأموالهم لما قد أشرف عليه أهل حلب. فلما وصلوا إلى القبة ~~نزل الفرنج إليه، وأخذوا منهم المكس، ثم عادوا وقبضوهم وما معهم بأسرهم، ~~ورفعوهم إلى القبة، وحملوا الرجال والنساء بعد ذلك إلى أفامية، ومعرة ~~النعمان، وحبسوهم ليقروا عليهم مالا. # فراسلهم أبو المعالي بن الملحى ورغبهم في البقاء على الهدنة وأن لا ~~ينقضوا العهد، وحمل إلى صاحب أنطاكية مالا وهدية، فرد عليهم الأحمال ~~والأثقال وغير ذلك، ولم يعدم منه شيء. # وقوي طمع الفرنج في حلب لعدم النجد وضعفها، وغدروا ونقضوا الهدنة، ~~وأغاروا على بلد حلب، وأخذوا مالا لا يحصيه إلا الله، فراسل أهل حلب أتابك ~~طغتكين، فوعدهم بالإنجاد، فكسره جوسلين وعساكر الفرنج، وراسلوا صاحب الموصل ~~وكان أمره مضطربا بعد عوده من بغداد. # ونزل الفرنج بعد عودهم من كسرة أتابك على ms187 عزاز، وضايقوها، وأشرفت على ~~الأخذ، وانقطعت قلوب أهل حلب إذ لم يكن بقي لحلب معونة إلا من عزاز وبلدها ~~وبقية بلد حلب في أيدي الفرنج، والشرقي خراب مجدب، والقوت في حلب قليل جدا، ~~ومكوك الحنطة بدينار، وكان إذ ذاك لا يبلغ نصف مكوك بمكوك حلب الآن، وما ~~سوى ذلك مناسب له. PageV01P268 ### | القسم الحادي والعشرون حلب وإيلغازي ### || استدعاء إيلغازي إلى حلب # ويئس أهل حلب من نجدة تصلهم من أحد من الملوك، فاتفق رأيهم # على أن سيروا الأعيان والمقدمين إلى إيلغازي بن أرتق، واستدعوه ليدفع ~~الفرنج عنهم وظنوا أنه يصل في عسكر يفرج به عنهم، وضمنوا له مالا يقسطونه ~~على حلب يصرفه إلى العساكر فوصل في جند يسير والمدبر لحلب جماعة من الخدم، ~~والقاضي أبو الفضل ابن الخشاب هو المرجوع إليه في حفظ المدينة والنظر في ~~مصالحها فامتنع عليه البلد، واختلفت الآراء في دخوله، فعاد فلحقه القاضي ~~أبو الفضل بن الخشاب وجماعة من المقدمين، وتلطفوا به ولم يزالوا به حتى ~~رجع. # ووصل إلى حلب، ودخلها، وتسلم القلعة، وأخرج منها سائر الجند وأصحاب رضوان ~~وأنزل سلطان شاه بن رضوان وبنات رضوان في دار من دور حلب. # وقبض على جماعة ممن كان يتعلق بالخدم ويخدمهم، وأخذ منهم ما كان صار ~~إليهم من مال رضوان ومال الخدم الذين استولوا على حلب بعده. # وراسل الفرنج في مال يحمله عن عزاز ليرحلوا عنها، فلم يلتفتوا لقوة ~~أطماعهم في أمر الإسلام، وكان إيلغازي يعجز بحلب عن قوت الدواب، وحلب على ~~حد التلف. # فلما عرف من بعزاز ذلك ويئسوا من دفع الفرنج سلموها إلى الفرنج، وراسلهم ~~من بحلب في صلح يستأنفونه معهم، فأجابوا إلى ذلك لطفا من # الله بهم، على أن يسلموا إلى الفرنج تل هراق ويؤدون القطيعة المستقرة على ~~حلب PageV01P269 # عن أربعة أشهر، وهي ألف دينار، ويكون لهم من حلب شمالا وغربا. # وزرعوا أعمال عزاز وقووا فلاحها وعادوا إلى أنطاكية وصار يدخل إلى حلب ما ~~يتبلغون به القوت. # وسار إيلغازي إلى الشرق ليجمع العساكر ويعود بها إلى حلب، ms188 فسار إليه ~~أتابك طغتكين، والتقاه بقلعة دوسر، ووافقه على ذلك، وسارت الرسل إلى ملوك ~~الشرق والتركمان يستنجدونهم. # وكان ابن بديع رئيس حلب عند ابن مالك بقلعة دوسر، فنزل إلى إيلغازي ليطلب ~~منه العود إلى حلب، فلما صار عند الزورق ليقطع الماء إلى العسكر وثب عليه ~~اثنان من الباطنية فضرباه عدة سكاكين، ووقع ولداه عليهما فقتلاهما، وقتل ~~ابن بديع وأحد ولديه وجرح الآخر، وحمل إلى القلعة فوثب آخر من الباطنية ~~وقتله، وحمل الباطني ليقتل فرمى بنفسه في الماء وغرق. ### || وقعة تل عفرين # وتوجه إيلغازي إلى ماردين ومعه أتابك، وراسلا من بعد وقرب من عساكر ~~المسلمين والتركمان، فجمعا عسكرا عظيما، وتوجه إيلغازي في عسكر يزيد عن ~~أربعين ألفا في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقطع الفرات من عبر بدايا وسنجة. # وامتدت عساكره في أرض تل باشر وتل خالد وما يقاربهما، يقتل # وينهب ويأسر، وغنموا كل ما قدروا عليه. ووصل من رسل حلب من يستحثه على ~~الوصول لتواصل غارات الفرنج من جهة الأثارب وأياس أهلها من أتفسهم، فسار ~~إلى مرج دابق ثم إلى المسلمية، ثم إلى قنسرين في أواخر صفر من سنة ثلاث ~~عشرة وخمسمائة. # وسارت سراياه في أعمال الروج والفرنج يقتلون ويأسرون، وأخذوا حصن قسطون ~~في الروج، وجمع سرجال صاحب أنطاكية الفرنج والأرمن وغيرهم، وخرج إلى جسر ~~الحديد، ثم رحلوا ونزلوا بالبلاط بين جبلين، مما يلي درب سرمدا، PageV01P270 # شمالي الأثارب، وذلك في يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأول. # وضجر الأمراء من طول المقام، وإيلغازي ينتظر أتابك طغتكين ليصل إليه ~~ويتفقا على ما يفعلانه، فاجتمعوا وحتوا إيلغازي على مناجزة العدو فجدد ~~إيلغازي الأيمان على الأمراء والمقدمين أن يناصحوا في حربهم، ويصابروا في ~~قتال العدو، وأنهم لا ينكلون ويبذلون مهجهم في الجهاد، فحلفوا على ذلك ~~بنفوس طيبة. # وسار المسلمون جرايد، وخلفوا الخيام بقنسرين، وذلك في يوم الجمعة السادس ~~عشر من شهر ربيع الأول، فباتوا قريبا من الفرنج وقد شرعوا في عمارة حصن مطل ~~على تل عفرين والفرنج يتوهمون أن المسلمين ينازلون الأثارب أو زردنا، ms189 فما ~~شعروا عند الصبح إلا ورايات المسلمين قد أقبلت، وأحاطوا بهم من كل جانب. # وأقبل القاضي أبو الفضل بن الخشاب يحرض الناس على القتال، وهو راكب على ~~حجر وبيده رمح، فرآه بعض العسكر فازدراه وقال: إنما جئنا من بلادنا تبعا ~~لهذا المعمم! فأقبل على الناس، وخطبهم خطبة بليغة استنهض فيها عزائمهم، ~~واسترهف هممهم بين الصفين، فأبكى الناس وعظم في أعينهم. # ودار طغان أرسلان بن دملاج من ورائهم ونزل في خيامهم، وقتل من فيها ~~ونهبها، وألقى الله النصر على المسلمين، وصار من انهزم من الفرنج وقصد ~~الخيام قتل. # وحمل الترك بأسرهم حملة واحدة من جميع الجهات صدقوهم فيها، وكانت السهام ~~كالجراد، ولكثرة ما وقع في الخيل والسواد من السهام عادت منهزمة وغلبت ~~فرسانها، وطحنت الرجالة والأتباع والغلمان بالسهام، وأخذوهم بأسرهم أسرى. ~~وقتل سرجال في الحرب، وفقد من المسلمين عشرون نفرا منهم سليمان بن مبارك بن ~~شبل، وسلم من الفرنج مقدار عشرين نفرا لا غير، وانهزم جماعة من أعيانهم. PageV01P271 # وقتل في المعركة ما يقارب خمسة عشر ألفا من الفرنج، وكانت الوقعة يوم ~~السبت وقت الظهر، فوصل البشير إلى حلب بالنصر، والمصاف قائم، # والناس يصلون صلاة الظهر بجامع حلب، سمعوا صيحة عظيمة بذلك من نحو الغرب، ~~ولم يصل أحد من العسكر إلى نحو صلاة العصر. # وأحرق أهل القرى القتلى من الفرنج، فوجد في رماد فارس واحد أربعون نصل ~~نشاب، ونزل إيلغاوي في خيمة سرجال، وحمل إليه المسلمون ما غنموه، فلم يأخذ ~~منهم إلا سلاحا يهديه لملوك الإسلام، ورد عليهم ما حملوه بأسره. # ولما حضر الأسرى بين يدي إيلغازي، كان فيهم رجل عظيم الخلقة مشتهرا ~~بالقوة، وأسره رجل ضعيف قصير قليل السلاح، فلما حضر بين يدي إيلغازي قال له ~~التركمان: أما تستحي يأسرك مثل هذا الضعيف وعليك مثل هذا الحديد. فقال. ~~والله ما أخذني هذا، ولا هو مولاي وإنما أخذني رجل عظيم أعظم مني وأقوى، ~~وسلمني إلى هذا وكان عليه ثوب أخضر وتحته فرس أخضر. # وتفرقت عساكر المسلمين في بلد أنطاكية والسويدية وغيرهما يقتلون ms190 ويأسرون ~~وينهبون، وكانت البلاد مطمئنة لم يبلغهم خبر هذه الوقعة، فأخذ المسلمون من ~~السبي والغنائم والدواب ما يفوت الإحصاء. ولم يبق أحد من الترك إلا امتلأ ~~صدره ويداه بالغنائم والسبي. # ولقي بعض السرايا بغدوين الرويس وابن صنجيل في خيلهما بالقرب من جبلة، ~~وقد توجها لنصرة سرجال صاحب أنطاكية، فأوقع بهم الترك، # وقتلوا جماعة وغنموا ما قدروا عليه، وانهزم بغدوين وابن صنجيل، وتعلقوا ~~بالحبال. # ورحل إيلغازي إلى أرتاح، وبادر بغدوين فدخل أنطاكية، وسلمت إليه أخته ~~زوجة سرجال خزائنه وأمواله، وقبض على أموال القتلى ودورهم، وأخذها وزوج ~~نساء القتلى بمن بقي، وأثبت الخيل، وجمع وحشد واستولى على أنطاكية، ولو ~~سبقه إيلغازي إلى أنطاكية لما امتنعت عليه. ### || فتح الأثارب وزردنا وانتصار دانيث # ووصل أتابك إلى نجم الدين بأرتاح، فعاد ونزل الأثارب وهجم الربض PageV01P272 # ونهبه، وقتل من قدر عليه، وخرج أحداث من حلب ونهبوا حصنها فطلبوا الأمان ~~منهم بعد أن استأخذت، وسيرهم إلى مأمنهم. # ورحل منها إلى زردنا وكانوا قد حصنوها وأحكموا عمارتها، وقاتلها فطلبوا ~~الأمان فأمنهم، وسيرهم إلى أنطاكية فلقيهم بعض التركمان، فنهبوهم وقتلوا ~~بعضهم ومضوا إلى أهلهم. # وكان صاحب ززدنا لما بلغه منازلتها حمل بغدوين والفرنج على الخروج ~~لاستنقاذها، وقد عرفوا تفرق التركمان وعودهم إلى أهليهم، وأن إيلغازي في ~~عدة قليلة، فبلغه ذلك فجد في قتالها حتى أخذها كما ذكرناه ورتب أصحابه بها، ~~وتوجه بمن بقي معه واستصحب معه عسكر أتابك وطغان أرسلان بن دملاج جرايد إلى ~~دانيث بعد أن رد الأثقال والخيام إلى قنسرين. # ووصل إلى دانيث في يومه، فوجد الفرنج قد نزلوها يوم فتحه زردنا في # مائتي خيمة وراجل كثير، وقيل إنهم كانوا يزيدون على أربعمائة فارس سوى ~~الرجالة، وذلك في رابع جمادى الأولى، والتقوا فحمل صاحب زردنا وأكثر خيل ~~الفرنج على عسكر دمشق وحمص وبعض التركمان، فكشفوهم وانهزموا بين أيديهم، ~~وسار ليتدارك أمر زردنا، ويكبس الأثقال والخيام فعرف أخذها وتسيير الأثقال ~~إلى قنسرين فعاد. # وحمل بقية المسلمين على بغدوين ومن كان معه، فقتلوهم وردوهم على أعقابهم، ~~فحينئذ حمل إيلغازي ms191 وطغتكين وطغان أرسلان فيمن بقي من الخواص على الفرنج، ~~فكسروهم وقتلوا أكثر الرجالة وبعض الخيالة، وتبعوهم إلى أن دخلوا إلى حصن ~~هاب، وغنموا أكثر ما كان معهم. # وعاد نجم الدين وطغتكين وطغان أرسلان إلى دانيث، فوجدوا صاحب زردنا ~~والفرنج قد عادوا بعد أن هزموا من كان بين أيديهم من المسلمين ومعرفة أخذ ~~المسلمين زردنا فلقوهم وقتلوا منهم جماعة كثيرة، وانهزم الباقون إلى هاب، ~~وعاد الترك بالظفر والغنيمة. PageV01P273 # وحين بلغ من بقنسرين مع الأثقال هزيمة من كان في مقابلة صاحب زردنا رحلوا ~~إلى حلب، وانزعج أهل حلب غاية الإنزعاج، فوصلهم البشير بعد ساعتين بما بدل ~~غمهم سرورا وهمهم حبورا. # وكان البشير من الفرنج قد مضى إلى بلادهم وأخبر بكسرة صاحب زردنا ~~للمسلمين، فزينوا بلادهم، وأظهروا فيها الجذل والمسرة فوصل ابن # صنجيل من الكسرة بعد ذلك، فانقلب سرورهم حزنا وراحتهم تعبا وعناء. # وكان صاحب زردنا، وهو القومصى الأبرص واسمه روبارد، قد سقط عن فرسه، ~~فأدركه قوم من أهل جبل السماق من أهل مريمين، فقبضوه وحملوه إلى إيلغازي ~~بظاهر حلب، فأنفذه إلى أتابك طغتكين، فقتله صبرا. # ثم دخل إيلغازي إلى حلب، وأحضر الأسرى فأفرد أصحاب القلاع والمقدمين وابن ~~بيمند صاحب أنطاكية ورسول ملك الروم ونفرا يسيرا ممن كان معه مال فأخذه ~~وأطلقهم، وبقي من الأسرى نيف وثلاثون رجلا بذلوا من المال ما رغب عنه، ~~فقتلهم بأسرهم. # وتوجه من حلب إلى ماردين في جمادى الأولى من سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، ~~ليجمع من التركمان من يعود به إلى بلد حلب، وكانت حلب ضعيفة عن مقامه فيها، ~~فخرج الفرنج إلى بلد المعرة، فسبوا جماعة، وأدركهم جماعة من الترك فرجعوا. ### || غارات بغدوين وجوسلين # ثم خرج بغدوين من أنطاكية في عسكره ونزل على زور، غربي البارة وهو حصن ~~كان لابن منقذ وسلمه إليهم ولما جرت الوقعة الأولى # على البلاط عاد وأخذه، فقاتله بغدوين، وأخذه في جمادى الأولى، وأطلق من ~~كان فيه. # ورحل إلى كفر روما فأخذ حصنها بالسيف، وقتل جميع من كان فيه، ووصلوا إلى ~~كفر طاب، وقد ms192 أحرق ابن منقذ حصنها، وأخذ رجاله منه خوفا منهم، فرمموه، ~~ورتبوا رحالهم فيه، وساروا إلى سرمين ومعرة مصرين فتسلموها بالأمان، ثم ~~نزلوا زردنا، ورحلوا عنها إلى أنطاكية. PageV01P274 # ومع هذا فغارات عسكر حلب متواصلة على ما يقرب منهم، وتعود بالظفر ~~والغنيمة. # ووصل جوسلين إلى بغدوين خاله وقت أخذه سرمين، فأقطعه الرها وتل باشر، ~~وسيره إليهما، فأسرى إلى وادي بطنان دفعتين، وإلى ما يلي الفرات من جهة ~~الشام، وقتل وسبى ما يقارب ألف نفس. وأغار جوسلين على منبج والنقرة وأعمال ~~حلب الشرقية، وأخذ كل ما وجده من دواب، وأسر رجالا ونساء، وأسرى إلى ~~الراوندان يتبع طائفة من التركمان كانت قطعت الفرات، فاقتتلوا فانهزم ~~الفرنج وقتل منهم جماعة. # وفي صفر من سنة أربع عشرة وخمسمائة، وقعت مشاحنة بين والي الأثارب بلاق ~~بن اسحاق صاحب نجم الدين إيلغازي وبين الفرنج فأسرى ومعه جماعة من عسكر حلب ~~إلى أنطاكية، فلقيهم عسكر أنطاكية # فكسرهم، وعاد فتبعه الفرنج والتقوا ما بين ترمانين وتل اغدي، من فرضة ~~ليلون. # ووصل في هذه السنة إيلغازي بجمع كثير من التركمان، وقطع الفرات في الخامس ~~والعشرين من صفر، وتوجه إلى تل باشر، وأقام أياما ولم يقاتلها، ورحل إلى ~~عزاز يريد أخذها، ولم يمكن أحدا من التركمان من تشعيث ضياعها، ورحل إلى ~~أنطاكية وأقام عليها يوما واحدا، وأقام في أعمال الروم أياما يسيرة. # ثم خرج إلى قنسرين فتشوشت قلوب التركمان لأنهم أملوا من الغنائم مثل ~~السنة الخالية، ولم يقاتل بهم حصنا، ولا غنموا شيئا، وباع الأسرى الذين ~~أسرهم في الوقعة الأولى، فعادوا إلى بلادهم، وبالغوا في التشقي من المسلمين ~~والقتل والسبي. # وجرى من نجم الدين إساءة إلى بعض التركمان على شيء أنكره عليهم، فبالغ في ~~هوانهم وحلق لحى بعضهم، وقطع أعصابهم، فتفرق عسكره وبقي نفر يسير متفرقين ~~في أعمال حلب. # فطمع الفرنج وخرجوا إلى دانيث، فوصل طغتكين وعسكر دمشق، واجتمعوا مع ~~إيلغازي في عسكر يقاوم الفرنج، فساروا إلى الفرنج، وهم في ألف فارس وراجل ~~كثير، فدار الترك حولهم فلم يخرج منهم أحد، وكرهوا ms193 # أن يعودوا على PageV01P275 # أعقابهم فتكون هزيمة، فساروا نحو معرة مصرين لا ينفرد منهم فارس ولا ~~راجل. وأشرف الترك على أخذهم، ومن خرج منهم قتل، ومن وقفت دابته تركها ~~وأخذت، ولا يقدرون على الماء وهم على حالة الهلاك، وإيلغازي وطغتكين يردان ~~الناس عنهم بالعصا، فنزلوا بقرب معرة مصرين، وعاد الترك عنهم إلى حلب، ~~وعادوا إلى أنطاكية. # وصالحهم إيلغازي إلى آخر سنة أربع عشرة، على أن لهم المعرة وكفر طاب ~~والجبل والبارة، وضياعا من جبل السماق برسم هاب، وضياعا من لبلون برسم تل ~~أغدي، وضياعا من بلد عزاز برسم عزاز. # وسار نجم الدين إيلغازي إلى ماردين ليجمع العساكر. وهم إيلغازي زردنا في ~~شهر ربيع الأول. وكان أهل حلب قد شكوا إليه تجديد رسوم جددت عليهم في أيام ~~رضوان، لم تجر بها عادة، في دولة العرب. ولا دولة المصريين ولا في أيام أق ~~سنقر، فأمر بكشف مقدارها، فأخبر أنها مبلغ اثني عشر ألف دينار في كل سنة، ~~فرسم بحذفها، ووقع لهم بذلك، وكتب لوحا بذلك، وسمره على باب الجامع وذلك في ~~هذه السنة. # وخرج الفرنج فقبضوا على الفلاحين الذين تحت أيديهم في هذه الأعمال من ~~المسلمين وعاقبوهم وصادروهم، وأخذوا منهم من الأموال والغلات ما تقووا به، ~~وكانت الضياع التي في أيدي المسلمين قد عمرت، واطمأنوا بالصلح، فغدر اللعين ~~جوسلين، وخرج فأغار على النقرة والأحص، واحتج بأنه أسر له والي منبج أسيرا، ~~وأنه كاتب في ذلك فلم ينصف، وذلك في شوال، وقتل وسبى وأحرق كل ما في النقرة ~~والأحص، ونزل الوادي وعاث فيه. # ثم سار إلى تل باشر، ثم عاد وحشد وخرج وعمل كفعله الأول، وأخذ في غارته ~~الأولى المشايخ والعجايز والضعفاء، فنزع عنهم ثيابهم وتركهم في البرد عراة، ~~فهلكوا بأجمعهم. # فأنفذ والي حلب إلى بغدوين في ذلك، وقال: إن نجم الدين لم يترك هذه ~~البلاد خالية من العساكر إلا ثقة بالصلح فقال: ما لي على جوسلين يد. ~~وتتابعت من جوسلين غارات متعددة. PageV01P276 # ثم خرج الفرنج من أنطاكية عقيب ذلك، وأغاروا على بلد شيزر ms194 وأخذوا ما لا ~~يحصى، وأسروا جمعا، وطلبوا المقاطعة التي جرت عادتهم قبل الوقعة بأخذها، ~~فبذل لهم ابن منقذ ذلك على أن يردوا ما أخذوه، فلم يجيبوه إلى ذلك، فجعل ~~لهم مالا حمله، وصالحهم إلى آخر السنة. # وهرب ملك العرب دبيس بن صدقة الأسدي من المسترشد والسلطان محمود، فوصل ~~إلى قلعة جعبر، فأكرمه نجم الدولة مالك، وأضافه، ثم # سار إلى إيلغازي إلى ماردين، وتزوج ابنته فاستد به وأجاره، ووصل معه ~~الأموال العظيمة والنعمة الوافرة، وحمل إليه إيلغازي ما يفوت الإحصاء. # فاشتغل إيلغازي بدبيس عن العبور إلى الشام، فخرب بلد حلب، واستولى الفرنج ~~على معظمه، وأغار جوسلين إلى صفين، وسبى العرب والتركمان، ونزل بزاعا ~~وقاتلها، وأحرق بعض جدارها، وصونع على شيء ودخل بلده. # ثم هجم الفرنج، في صفر من سنة خمس عشرة وخمسمائة، الأثارب، وقتلوا جماعة ~~وأحرقوها وأسروا من لم يعتصم بالقلعة. # ثئم إنهم في ربيع الآخر من السنة، نزلوا نواز، زحفوا إلى الأثارب ثانية، ~~وأحرقوا الدور والغلة. وسار بغدوين، وأغار على حلب، وأخذ الناس والدواب من ~~حاضر حلب ومن الفنادق، وأخذ ما يجل قدره من الماشية، وأسر نحوا من خمسين ~~أسيرا. # وصاح الصائح فخرج نفز يسير من العسكر فظفروا بالفرنج وخلصوا المواشي، ~~وعاد الفرنج إلى أعمالهم. ### || نائب حلب سليمان بن إيلغازي وعصيانه # وكان النائب بحلب شمس الدولة سليمان بن نجم إيلغازي. وكان إيلغازي قد PageV01P277 # ولى رئاسة حلب، في سنة أربع عشرة في رجب، مكي بن # قرناص الحموي، وجعله بين يديه، فكتب إلى ولده ونوابه يأمرهم بصلح الفرنج ~~على ما يريدون، فصالحوهم على سرمين والجزر وليلون وأعمال الشمال على أنها ~~للفرنج، وما حول حلب للفرنج منه النصف، حتى أنهم ناصفوهم في رحى العربية، ~~وعلى أن يهدم تل هراق بحيث لا يبقى للفئتين فيه حكم، وطلبوا الأثارب فأجاب ~~إيلغازي إلى ذلك، فامتنع من كان فيها من التسليم فبقيت في أيدي المسلمين. # وكان الذي تولى الصلح جوسلين وجفري، وكان بغدوين في القدس، فلما وصل رضي ~~بذلك، وشرع في عمارة دير خراب قديم، بالقرب من ms195 سرمدا، وحصنه ثم أطلقه لصاحب ~~الأثارب سيرألان دمسخين. # وأمر إيلغازي ولده باخراب قلعة الشريف المجددة بحلب وإخراج من كان فيها ~~من جند رضوان، فأخرجهم شمس الدولة وابن قرناص بعذر الإغارة على أعمال ~~الفرنج، وأغلقت أبواب حلب في وجوههم، وتولى الرئيس مكي بن قرناص خرابها في ~~جمادى الآخرة. # واستنجد الملك طغرل بإيلغازي بن أرتق على الكرج وملكهم داود، فسار إليه ~~في عالم عظيم ومعه دبيس بن صدقة، فكسرهم المسلمون، ودخلوا وراءهم في الدرب، ~~فكر الكرج عليهم في الدرب، فانهزم المسلمون # وتبعهم الكرج قتلا وأسرا. ونهب لدبيس ما مقداره ثلاثمائة ألف دينار، ووصل ~~مع نجم الدين إيلغازي إلى ماردين سالما. # وأنفذ إيلغازي إلى ابنه سليمان بحلب يلتمس منه أشياء، فقبح ذلك عنده، ~~وقيل له أشياء أوجبت عصيانه على والده، فعصى وأخرج الملوك سلطان شاه ~~وابراهيم وغيرهما من حلب، فمضوا إلى قلعة جعبر، ومد يده في مصادرة أهل حلب ~~وظلمهم والفساد. # وقيل: إن دبيس بن صدقة لما سار مع إيلغازي إلى الكرج سأل إيلغازي في ~~الطريق أن يهب له حلب وأن يحمل إليه دبيس مائة ألف دينار يجمع بها التركمان PageV01P278 # ويعاضده حتى يفتح أنطاكية، فأجابه إيلغازي إلى ذلك، وأخذ يده على ذلك. # فلما وقعت كسرة الكرج بدا له من ذلك، فأنفذ إلى ولده سليمان وكان خفيفا، ~~وقال له: أظهر أنك قد عصيت علي حتى يبطل ما بيني وبين دبيس. فحمله الجهل ~~على أن عصى ونابذ أباه، ووافقه مكي بن قرناص والحاجب ناصر، وهو شحنة حلب ~~وغيرها. # وقبض سليمان حجاب أبيه فصفعهم وحلق لحاهم، ومد يده إلى أموال الناس ~~وظلمهم، فطمع الفرنج وقربهم سليمان، فنزلوا زردنا وعمروها لابن صاحبها ~~كليام بن الأبرص. # ثم سار الفرنج إلى باب حلب، فكبسوا في طريقهم حاضر طيء وغيرها، فخرج ~~إليهم الحاجب ناصر والعسكر فكسروهم وقتلوا منهم جماعة. # وخرج بغدوين في جمادى الآخرة، فنازل خناصرة، وأخذها وخربها، وحمل باب ~~حصنها إلى أنطاكية، ونزل برج سينا ففعل به كذلك، وكذلك فعل بغيرهما من حصون ~~النقرة والأحمق، وسبى وأحرق ونهب. # وعاد ms196 فنزل صلدع على نهر قويق، وخرج إليه اتزر بن ترك طالبا منه الصلح مع ~~سليمان، فقال: على شرط أن يعطيني سليمان الأثارب حتى أحفظه، وأنا أذب عنه ~~وأقاتل دونه. فقال له: " ما يجوز أن نسلم ثغرا من ثغور حلب في بدو مملكته، ~~بل التمس غير هذا مما يمكن ليوافقك عليه فقال له: الأثارب لا يقدر صاحب حلب ~~على حفظها، فإني قد عمرت عليها الحصون بما دارت، وأنا أعلمكم أنها اليوم ~~تشبه فرسا لفارس قد عطبت يداها، وللفارس هري شعير يعلفها رجاء أن تبرأ ~~ويكسب عليها، فنفد هري الشعير، وعطبت الفرس، وفاته الكسب. ثم رحل نحوها، ~~فحصرها ثلاثة أيام، واتصل به ما أوجب رحيله إلى أنطاكية. # ولما بلغ إيلغازي إصرار ولده على العصيان ضاقت عليه الأرض، وأعمل في ~~الوصول إليه وأخذ حلب منه، فكاتبه أقوام وعرفوه أن ما بحلب من يدفعه عنها، ~~فسار حتى وصل إلى قلعة جعبر فضعفت نفس ابنه سليمان # على العصيان على أبيه، PageV01P279 # فأنفذ إليه من استحلفه على الصفح عنه والإحسان إليه وإلى من حسن له ~~العصيان مثل ابن قرناص وناصر الحاجب، واكد الأيمان على ذلك. # ودخل حلب في أول شهر رمضان فخرج الناس للقائه، ودخل إلى القصر، وأحسن إلى ~~أهل حلب، وسامحهم بشيء من المكوس، وصرف الشحنة الذي كان يؤذي الناس في ~~البلد. # وقبض على الرئيس مكي بن قرناص وعلى أهله، وشق لسانه وكحله وأخذ ما وجد ~~له، وسلم أخاه إلى من يعذبه ويستصفي ماله. # وكحل ناصر الحاجب، فعني به من تولى أمره فسملت إحدى عينيه، وعرقب طاهر بن ~~الزائر، وكان من أعوان الرئيس مكي. # وأعاد الملوك أولاد رضوان من قلعة جعبر إلى حلب، وخطب بنت الملك رضوان، ~~وتزوج بها، ودخل بها بحلب. وولى رئاسة حلب سلمان بن عبد الرزاق العجلاني ~~البالسي، وولى ابن أخيه بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار نيابته في حلب، ~~وصالح الفرنج مدة سنة كاملة، وأعطاهم من الضياع ما كان في أيديهم أيام ~~مملكتهم الأثارب وزردنا. # وسار في محرم من سنة ست عشرة ms197 وخمسمائة إلى الشرق ليجمع العساكر، فمات ~~وزيره بحلب أبو الفضل بن الموصول في صفر وولي الوزارة أبو الرجاء بن ~~السرطان. ### || مناورات إيلغازي والفرنج # وعبر إيلغازي وبلك في سابع عشر شهر ربيع الآخر الفرات وكان بلك غازي ابن ~~أخيه بهرام بن أرتق، واستدعاه من أعمال الروم وبيده عدة قلاع بالقرب من ~~ملطية وصحبتهما عدة من التركمان دون ما جرت عادته باستصحابه، فعزل أبا ~~الرجاء بن السرطان عن الوزارة، وقبض عليه لسعاية سعي به إليه عليه. PageV01P280 # ونزل إيلغازي زردنا، نزل عليها في العشرين من جمادى الأولى، وحصرها أياما ~~وأخذ حوشها. وكان صاحبها قد سمع حين عبر إيلغازي الفرات أنه ينزلها، فجمع ~~أصحابه واستحلفهم على المصابرة من وقت نزولهم عليها مدة خمسة عشر يوما، ~~وحلف هو لهم على أن ينجدهم، ومضى على أن يستجيش، فإن جازت هذه المدة ولم ~~يصلهم فإنه يبتاع دماءهم بكل ما يملكه. وقال لهم: والله لكم علي من ~~الشاهدين، لئن لم يخلصكم إلا إسلامي إن قبله أسلمت على يديه لخلاصكم. # وخرج حتى وصل إلى بغدوين صاحب أنطاكية، وهو بأكناف طرابلس في حكومة بينه ~~وبين صاحبها، فأخبره بعبور إيلغازي وبما بلغه من قصده زردنا، فقال: مذ ~~حلفنا له وحلف لنا ما نكثنا، وحفظنا بلده في غيبته ونحن شيوخ، وما أظنه ~~يقدر، بل ربما قصد طرابلس أو قصدني في القدس، لأنني ما صالحته إلا على ~~أنطاكية وأعمالها، بل يجب أن تعود إلى أفامية وكفر طاب وتكشف ما يتجدد. ~~فعاد وكشف الأمر. # وسير إلى بغدوين فأعلمه بنزوله على زردنا، فصالح صاحب # طرابلس، وشرط عليه الوصول إليه. ووصل أنطاكية، واستدعى جوسلين، ونصب ~~المسلمون مجانيق أربعة على زردنا، وأخذوا الفصيل الأول، فوصل الفرنج بعد ~~أربعة عشر يوما من منازلة المسلمين لها، فنزلوا تحت الدير. # وبلغ الخبر إيلغازي، فترك زردنا وتوجه نحوهم، فنزل نواز، وطلب أن يخرج ~~الفرنج من المضيق إلى السعة فلم يخرجوا، فرحل إلى تل السلطان، وأتابك ~~طغتكين في صحبته، فخرج الفرنج فنزلوا على نواز وهجموا ربض الأثارب وأحرقوا ~~البيدر والجدار. # ودخل صاحبها ms198 يوسف بن ميرخان قلعتها، ونزلوا أبين، ورحلوا منها فنزلوا ~~دانيث، وأقاموا عليها فلم يصلهم أحد، فعادوا إلى بلادهم، فعاد إيلغازي فنزل ~~زردنا، وهجم الحوش الثاني، وقتل جماعة من الفرنج. # فعاد الفرنج ونزلوا تحت الدير، فرحل إيلغازي إلى نواز، وأقام ثلاثة أيام ~~يزاحف الفرنج وهم لا يخرجون إلى الصحراء. PageV01P281 ### || مرض إيلغازي وموته # فاتفق أن أكل إيلغازي لحم قديد كثيرا وجوزا أخضر وبطيخا وفواكه، فانتفخ ~~جوفه وضاق نفسه، واشتد به الأمر، فرحل إلى حلب، وتزايد به المرض، فسار ~~طغتكين إلى دمشق وبلك غازي إلى بلاده. # ودخل إيلغازي ليتدواى بحلب، فنزل القصر، ولم يخلص من علته. وخرج عسكر حلب ~~في ألف فارس إلى تبل من عمل عزاز، ومعهم # أمراء منهم دولب بن قتلمش، فنهبوا وعادوا فوقع عليهم عند حربل كليام في ~~أربعين فارسا، فانهزم المسملون وقتل منهم جماعة. # وفي شهر رجب من هذه السنة، ظفر بلك غازي باللعين جوسلين وابن خالته قلران ~~بالقرب من سروج، فأسرهما وأسر ابن أخت طنكريد، وقد كان أسره في وقعة ليلون، ~~واشترى نفسه بألف دينار وأسر ستين فارسا. # وطلب من جوسلين وقلران أن يسلما ما بأيديهما من المعاقل فلم يفعلا، ~~وقالا: نحن والبلاد كالجمال والحدج، متى عقر بعير حول رحله إلى آخرة والذي ~~بأيدينا قد صار بيد غيرنا. فأخذهما ومضى إلى بلده. # ووصل الفرنج بعد ذلك من تل باشر في شعبان، وكبسوا تل قباسين، فخرج النائب ~~ببزاعا مع أهلها فالتقوا، وانهزم المسلمون وقتل منهم تسعون رجلا. # وأما إيلغازي فأقام أياما، وصلح من مرضه، وسار إلى ماردين، ثم خرج منها ~~يريد ميافارقين، فاشتد مرضه في الطريق، وتوفي بالقرب من ميافارقين بقرية ~~يقال لها: عجولين، في أول شهر رمضان من سنة ست عشرة وخمسمائة. PageV01P282 ### | القسم الثاني والعشرون حلب وبقية الأرتقيين ### || أولا سليمان بن عبد الجبار بن أرتق # وملك ابنه سليمان ميافارقين، وابنه تمرتاش ماردين، وابن أخيه بدر الدولة ~~سليمان بن عبد الجبار بن أرتق حلب. ولما سمع صاحب أنطاكية بوفاته حشد عسكره ~~وجماعة من الأرمن، ونزل وادي بزاعا، وعاث فيه ms199 وأفسد ما قدر عليه، وحمل إليه ~~أهل الباب من الوادي مالا وخدموه. # فرحل إلى بالس وقاتلها بالمنجنيقات، وقرروا على بالس مع ابن مالك مالا ~~يحمل إليه، فأسرف في الطلب وكان ببالس جماعة من التركمان ومن خيل حلب، فخرج ~~أهلها والخيل التي عندهم واقتتلوا، فقتل من الفرنج جماعة من المقدمين، وظفر ~~المسلمون أحسن ظفر. # فرحل بغدوين إلى الوادي وقد وصل سليمان بن إيلغازي فحصر البيرة، وتسلم ~~حصنها على أن يؤمن أهلها على أنفسهم، فأخذهم وسار بهم إلى أنطاكية، وتتابعت ~~غارات الفرنج حول حلب إلى آخر سنة ست عشرة وخمسمائة. # وولى بدر الدولة سليمان الوزارة بحلب أبا بالرجاء سعد الله بن هبة الله ~~بن السرطان، في صفر، بعد ما قبض عليه إيلغازي كما تقدم ذكره. # وجدد بدر الدولة المدرسة التي بالزجاجين بحلب، المعروفة ببني # العجمي، بإشارة أبي طالب بن العجمي. وذكر لي أنه عزم على أن يقفها على ~~الفرق الأربع، ونقل آلتها من كنيسة داثرة كانت بالطحانين بحلب. # وفي العاشر من شهر صفر من سنة سبع عشرة وخمسمائة، استقر الصلح بين بدر ~~الدولة صاحب حلب وبين بغدوين صاحب أنطاكية، على أن يسلم بدر الدولة PageV01P283 # إليه قلعة الأثارب فتسلموها، وصارت لصاحبها أولا سيرألان دمسخين، وبقيت ~~في يده إلى أن مات، وكانت في يد الحاجب جبريل بن برق، فعوضه بدر الدولة ~~عنها شحنكية حلب. # وفي يوم الأربعاء تاسع عشر صفر، سار بغدوين صاحب أنطاكية ليقاتل نور ~~الدولة بلك بن بهرام بن أرتق، وكان محاصرا قلعة كركر، فالتقيا على موضع ~~اسمه اورش بالقرب من قنطرة سنجة، فكسره نور الدولة بلك، وأسره، وقتل معظم ~~عسكره ومقدميه ونهب خيمه، وفتح الكركر بعد جمعه، وكان في دون عدة الفرنج. ~~وجعل بغدوين في خرتبرت مع جوسلين وقلران. # ثتم إن نور الدولة بلك عبر الفرات ونزل على حلب وضايقها، ونزل # من قبلها، ثم انتقل إلى بانقوسا، وأقام أياما، ورحل إلى أرض التيرب، ~~وجبرين، وأمر بحرق الغلة وأخذ الدواب. # ومضى قطعة من عسكره إلى حدادين، فأخذ أحدهما عنزا، فرماه بعض فلاحي ms200 ~~الضيعة بسهم فقتله فحصرت مغارتها وأخذت بعد أن امتنع أهلها من التسليم، ~~فدخنوا على المغارة فاختنق بها مائة وخمسون. # وخنق في مغارة تل عبود وتعجين جماعة وسبوا نساء عفر تنور وأولادها PageV01P284 # وباعوا بعضهم واستعبدوا بعضا وأخذ لأهل حلب جشير خيل ثلاثمائة رأس، وكان ~~حريق الزرع من رهقات بلك وكان سبباغ للغلاء العظيم. ### || ثانيا بلك بن بهرام بن أرتق # وفي صباح يوم الثلاثاء، غزة جمادى الأولى من سنة سبع عشرة وخمسمائة، تسلم ~~مدينة حلب سلمها إليه مقلد بن سقويق بالأمان ومفرج بن الفضل، ونودي بشعار ~~بلك من عدة جهات، وكسر باب أنطاكية، وأخربت ثلمة من غربي باب اليهود. # وفي يوم الجمعة رابع الشهر تسلم القلعة وجلس بها بعد ما نزل بدر الدولة ~~منها بيوم، وقرر حالها، وأخرج سلطان شاه بن رضوان، وسيره إلى حران، وكان في ~~فتحها في شهر ربيع الآخر خوفا منه. # ثم أنه سار إلى البارة وهجمها، وأسر الأسقف الذي بها وقيده، ووكل به، ~~ورحل إلى كفر طاب فغفل الموكل به فهرب إلى كفر طاب، فعزم على قتال حصنها، ~~واسترجاع الأسقف في يوم الثلاثاء الثاني عشر من جمادى الآخرة. فوصله من ~~أخره أن بغدوين الرويس وجوسلين وقلران وابن اخت طنكريد وابن أخت بغدوين ~~وغيرهم من الأسرى الذين كانوا مسجونين بجب خرتبرت عاملوا قوما من أهل حصن ~~خرتبرت فأطلقوهم، ووثبوا على الحصن فملكوه، وأخذوا كل ما كان لنور الدولة ~~فيه وكان جملة عظيمة، فقال جوسلين: كنا قد أشرفنا على الهلاك والآن فقد ~~خلصنا، والصواب أن نمضي ونحمل ما قدرنا عليه. فما سمحت نفس بغدوين بترك ~~الحصن والخروج منه. # فاتفق رأيهم على خروج جوسلين، وحلفوا على أنه لا يغير ثيابه ولا يأكل ~~لحما ولا يشرب إلا وقت القربان إلى أن يجمع جموع الفرنجة ويصل بهم إلى ~~خرتبرت ويخلصهم. PageV01P285 # وأما بلك فإنه سار حتى نزل على خرتبرت ففتحه بالسيف في ثالث وعشرين من ~~رجب، وقتل كل من كان به من من من كان به من أصحابه الذين كفروا نعمته # ومن كان فيه ms201 من الفرنج، ولم يستبق سوى بغدوين الملك وقلران وابن أخت ~~بغدوين، وسيرهم إلى حران وحبسهم بها. # واما جوسلين فمضى إلى القدس، واستنجد بالفرنج، ووصلوا تل باشر، فسمعوا ~~خبر فتح خرتبرت بالسيف فسار إلى الوادي وقاتل بزاعا وأحرق بضع جدارها ثم ~~أحرق الباب وقطع شجره، وأحرق الباب وقطع شجره، وأحرق ما سواه من الوادي. # ثم نزل حيلان ثم حلب من ناحية مشهد الجف من الشمال، وخرب المشاهد ~~والبساتين، وكسر الناس عند مشهد طرود بالقرب من بستان النقر، وقتل وسبى ~~مقدار عشرين نفرا. # ثم رحل ونزل الجانب الغربي في البقعة السوداء، وخرب مشاهد الجانب القبلي ~~وبساتينه، ونبش الضريح الذي بمشهد الدكة فلم يجد فيه شيئا فألقى فيه النار، ~~والحلبيون في كل يوم يقاتلونه أشد قتال، ويخسر معهم في كل حركة. # ثم رحل يوم الثلاثاء مستهل شهر رمضان، ونزل السعدي، وقطع شجره، وافترقوا ~~منه وسار كل إلى بلده، ووجد في منازلهم التي نزلوها نيف وأربعون حصانا ~~موتى، ونبش الناس منهم موتى جماعة. # فأمر القاضي ابن الخشاب بموافقة من مقدمي حلب أن تهدم محاريب الكنائس ~~التي للنصارى بحلب، وأن يعمل لها محاريب إلى جهة القبلة وتغير أبوابها، ~~وتتخذ مساجد: ففعل ذلك بكنيستهم العظمى، وسمي مسجد السراجين: وهو مدرسة ~~الحلاويين الآن، وكنيسة الحدادين. وهي مدرسة الحدادين الآن، وكنيسة بدرب ~~الحراف: وهي مكان مدرسة ابن المقدم. ولم يترك للنصارى بحلب سوى كنيستين لا ~~غير، وهي الآن باقية. PageV01P286 # هذا كله ونور الدولة بلك غائب عن مدينة حلب في بلاده. # ثم إن جوسلين خرج في تاسع عشر شهر رمضان إلى الوادي والنقرة والأحص، وأخذ ~~ما يزيد عن خمسمائة فرس كانت في الغريب، حتى لم يبق بحلب من الخيالة خمسون ~~وفارسا لم خيل، وأخذ من الدوب البقر والغنم والجمال ما لايحصى، وقتل وسبى ~~وخرب ما أمكنه وعاد إلى تل باشر. # وخرج سير ألان في عسكر أنطاكية من الأثارب حتى وصل الحانوتة وحلفا، وأخذ ~~ما كان بقي من خيل في الغريب في الجانب القبلي، وذلك مقدار ثلاثه صخرس ة ~~وأخذ ms202 قافلة كانت واصلة من شيزر بغلة. # ثم عبر جوسلين من الفرات إلى شبختان وأغار على تركمان وأكراد، فأخذ ص ~~الغنم والخيل ما يزيد على عشرة الاف وسبى وقتل، ومن سلم له فرس من عسكر حلب ~~يخرجون مع الحرامية ولا يقطعون الغارات على بلادهم، ويحضرون الأسارى مرة. # بعد أخرى. # ثم أغار جوسلين على الجبول، وما حولها، وأخذ دواب كثيرة وتوجه، إلىدير ~~حافر، فخنق أهلها بالذخان في المغاير، وفتح المقابر، وسلب الموتى أكفانهم ~~وفي يوم الأربعاء سادس عشرين من ذي القعدة، عبر بلك إلى الشام وقبض على ~~نائب بهرام داعي الباطنية بحلب، وأمر بإخراجهم من حلب فباعوا أموالهم ~~ورحالهم وخرجوا منها. # ثم إن الأمير نور الذولة بلك جمع العساكر، ووصله أتابك طغتكين بعسكر دمشق ~~عسكر أق سنقر - البرسقي، وعبروا حتى نزلوا على عزاز، وضايقوها بالحصار، ~~وأخذوا عليها نقوبا إلى أن سهل أمرها، فتجمع الفرنج وقصدوا ترحيل المسلمين ~~عنها فالتقىالجيشان، وهزم المسلمون، وتفرقوا بعد قتل من قتل وأسر من أسر. # وعمر بلك حصن الناعورة بالئقرة وحصن المغارة - على شط الفرات - وتزويج ~~فرخنده خاتون بنت رضوان، وعرس بها في ثالث وعشرين ذي الحجة من سنة سبع عشرة ~~وخمسمائة. PageV01P287 # وفي المحرم من سنة ثماني عشرة وخمسمائة، تنكر بلك على رئيس حلب # سلمان العجلاني وجعل عليها رجلا من أهل حران اسمه محمد بن سعدان، ويعرف ~~بابن سعدانة، وكثر الأمن من الذعار وقطاع الطريق عند قدوم بلك حلب، وأقام ~~الهيبة العظيمة، وتقدم بفتح أبواب حلب ليلا ونهارا، وحسم مادة أرباب ~~الفساد. وقال للحارس: إن عدت سمعتك تصيح ضربت عنقك. # ونقل بغدوين ومن كان معه من حبس حران، فحبسه في قلعة حلب. # وتوجه في شهر صفر فرقة من أصحابه الأتراك إلى ناحية عزاز، فوقع بينهم ~~وبين الفرنج وقعة عند مشحلا، وظفر بهم الأتراك، وقتلوا منهم أربعين رجلا من ~~الخيالة والرجالة وأخذوا أسلابهم، ووصل الباقون عزاز وما فيهم إلا من جرح ~~جراحا عدة. # وانقطع المطر في كانونين ونصف شباط، ثم تدارك فأخصب الزرع واستغل الناس، ~~وكان بحلب غلاء شديد. ms203 # وفي صفر من سنة ثماني عشرة وخمسمائة، تنكر نور الدولة بلك على حسان بن ~~كمشتكين صاحب منبج لشيء بلغه عنه، فأنفذ قطعة من عسكره مع ابن عمه تمرتاش ~~بن إيلغازي بن أرتق، وتقدم إليهم أن يمروا على منبج، ويطلبوا من حسان أن ~~يخرج معهم للإغارة على تل باشر فإذا خرج # قبضوه، ففعلوا ذلك، ودخلوا منبج، وعصى عليهم الحصن ودخله عيسى أخو حسان. # وسير حسان فحبس في حصن بالو بعد أن عوقب وعري، وسحب على الشوك فلم يسلمها ~~أخوه. # وكتب عيسى إلى جوسلين: إن وصلتني وكشفت عني عسكر بلك سلمت PageV01P288 # إليك منبج. وقيل: إنه نادى بشعار جوسلين بمنبج، فمضى إلى بيت المقدس ~~وطرابلس وجميع بلاد الفرنج، وحشد ما يزيد على عشرة آلاف فارس وراجل، ووصل ~~نحو منبج ليرحل بلك عن منبج. # فسار إليه بلك لما قرب من منبج، والتقيا يوم الإثنين ثامن عشر شهر ربيع ~~الأول، واقتتل العسكران، وانهزم الفرنج، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ~~إلى آخر النهار. # وحمل فيهم بلك ذلك اليوم خمسين حملة يفتك فيهم ويخرج سالما، يضرب بالسيوف ~~ويطعن بالرماح ولا يكلم، وعاد إلى منبج فبات مصليا مبتهلا إلى الله تعالى ~~لما جدده على يده الظفر بالفرنج. # وأصبح يوم الثلاثاء تاسع عشر ربيع الأول قتل كل أسير أسره في الوقعة، ثم ~~زحف نحو الحصن ليختار موضعا ينصب فيه المنجنيق، وعليه بيضة وبيده ترس. # وكان قد عزم على أن يستخلف ابن عمه تمرتاش بن إيلغازي على حصار منبج، ~~ويطلع منجدا لأهل صولا، فإن الفرنج كانوا في مضايقتها. وفي تلك المضايقة ~~أخذوها، فبينا كان بلك قائما يأمر وينهى إذ جاءه سهم من الحصن. وقيل أنه ~~كان من يد عيسى، فوقع في ترقوته اليسرى فانتزعه وبصق عليه، وقال: هذا قتل ~~المسلمين كلهم. ومات لوقته. # وقيل: بقي ساعات وقضى نحبه رحمه الله وحمل إلى حلب، ودفن بها قبلي مقام ~~إبراهيم عليه السلام. ### || ثالثا تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق # ووصل حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي إلى حلب يوم الأربعاء العشرين من شهر ~~ربيع الأول، ms204 ودخل القلعة ونصب علمه، ونادى الناس بشعاره. # وسار سليمان بن إيلغازي من ميافارقين إلى خرتبرت وحصون بلك، وهي نيف ~~وخمسون موضعا فتسلمها. PageV01P289 # وسار داود بن سكمان، فأخذ حصن بالو وأطلق حسان بن كمشتكين فعاد إلى منبج. # فأما تمرتاش فإنه لما ملك حلب ألهاه الصبا واللعب عن التشمير والجد ~~والنظر في أمور الملك، ففسدت الأحوال، وضعف أمر المسلمين بذلك، # واستوزر أبا محمد بن الموصول، ثم عزله وصادره في رجب من سنة ثماني عشرة ~~واستوزر أبا الرجاء بن السرطان، وولى الرئاسة بحلب فضائل بن صاعد بن بديع. # وسير إلى حران فحمل منها سلطان شاه بن رضوان، وكان بلك أسكنه بها فاعتقله ~~في دار بقلعة ماردين وكان فيها طاقة فتدلى منها بحبل وهرب إلى دارا، ثم رحل ~~منها إلى حصن كيفا إلى داود بن سكمان. # وفي العشر الأواخر من ربيع الأول سار نائب جوسلين من الرها وأغار على ~~ناحية شبختان ونهبها فسار إليه نائب تمرتاش عمر الخاص وكان نائبه وربيب ~~أبيه إيلغازي وركب خلفه في ثلاثمائة فارس فلحقه على مرج اكساس، فقاتله ~~وهزمه وقتله، وقتل أكثر من كان معه من الفرنج، وعاد غانما، وأنفذ رؤوسهم ~~وما غنمه إلى تمرتاش إلى حلب. # وولاه تمرتاش شحنكية حلب وهو المدفون في القبة التي مقابل باب مشهد ~~إبراهيم عليه السلام واسمه مكتوب على جهاتها الأربع. # وولى قلعة حلب رجلا يقال له عبد الكريم. ### ||| اطلاق سراح بغدوين # وفي غزة جمادى الأولى من هذه السنة استقر الأمر بين الملك بغدوين صاحب ~~أنطاكية وكان في سجن بلك بحلب وبين تمرتاش بن إيلغازي على تسليم الأثارب PageV01P290 # وزردنا والجزر وكفر طاب وعلى تسليم عزار وثمانين ألف دينار وقدم منها ~~عشرين ألف دينار. # وحلف على ذلك وعلى أن يخرج دبيس بن صدقة من الناس، وكان قد وصل دبيس ~~منهزما من المسترشد بعد أن كسره المسترشد، وقتل خلقا من عسكره فترك بلاده، ~~وحمل ما قدر عليه من العين والعروض على ظهور المطايا ووفد على ابن سالم بن ~~مالك بن بدران إلى قلعة دوسر، واستجار ms205 به فأجاره، وغاضب المسترشد والسلطان ~~محمودا في أمره. # وكاتب دبيس قوما من أهل حلب، وأنفذ لهم جملة دنانير، وسامهم تسليمها ~~إليه، وكشف ذلك رئيسها فضائل بن صاعد بن بديع، فأطلع على ذلك تمرتالش بن ~~إيلغازي، فأخذهم وعذبهم وشنق بعضهبم، وصادر بعضا، وأحرق بعضا. # وكان المتوسط حديث بغدوين مع تمرتاش الأمير أبو العساكر سلطان بن منقذ، ~~وسير أولاده وأولاد إخوته رهنا عن بغدوين إلى حلب. # وفكت قيود بغدوين وأحضر إلى مجلس تمرتاش، وتواكلا وتشاربا وخلع عليه قباء ~~ملكيا وقلنسوة ذهب وخفافا ورانا، وأعيد عليه الحصان الذي كان أخذه منه بلك ~~يوم أسره، فركبه، وسار إلى شيزر يوم الأربعاء رابع جمادى، فبقي عند أبي ~~العساكر حتى أحضر جماعة رهنا على الوفاء بما شرطه لتمرتاش وهم: ابنته، وابن ~~جوسلين، وغيرهما من أولاد الفرنج، وعدتهم اثنا عشر نفرا. وحمل العشرين ألف ~~دينار التي عجلها. # وقبض صاحب شيزر الرهائن، وأطلق بغدوين من سجن شيزر، في يوم الجمعة سابع ~~عشر شهر رجب، فخرج لعنه الله وغدر بتمرتاش وأنفذ إليه يقول: البطريرك الذي ~~لا يمكن خلافه سألني عما بذلت، وما الذي استقر، فحين سمع حديث عزاز وتسليم ~~حصنها مني أبى، وأمرني بالدفع عنها وقال إن خطيئتك تلزمني، ولا أقدر على ~~خلافه. فترددت الرسل بينهما فلم يستقر على قاعدة. # وخالط دبيس جوسلين وبغدوين، وصافاهم وصافوه بوساطة الأمير مالك بن سالم ~~صاحب قلعة جعبر، واتفق دبيس والفرنج على قواعد تعاهدوا عليها منها أن PageV01P291 # تكون حلب لدبيس والأموال والأرواح للفرنج مع مواضع في بلد حلب تكون ~~للفرنج، وتقدم دبيس إلى مرج دابق فخرج إليه حسام الدين تمرتاش فكسره. # وسار تمرتاش من حلب عندما علم بغدر الفرنج به إلى ماردين، في الخامس ~~والعشرين من شهر رجب، ليستنجد بأخيه سليمان بن إيلغازي وبجمع العساكر، وبقي ~~بنو منقذ رهائن بقلعة حلب عند تمرتاش، وأولاد الفرنج رهائن عند أبي العساكر ~~بن منقذ بشيزر. # والرسل مع هذا تتردد بين تمرتاش وبغدوين إلى أن عادت الرسل في ثامن عشر ~~شعبان مخبرة بنقض الهدنة، وبخروج بغدوين إلى ms206 أرتاح قاصدا النزول على حلب. ### ||| أعمال الفرنج حول حلب وحصارها # ورحل بغدوين من أرتاح حتى نزل على نهر قويق وأفسد كل ما كان # عليه، ثم رحل فنزل على باب حلب، في يوم الاثنين السادس والعشرين من ~~شعبان، وهو السادس من تشرين الأول. # وخرج دبيس وجوسلين من تل باشر، وقصدا ناحية الوادي، وأفسدا القطن والدخن، ~~وسائر ما كان به وقوم ذلك بمائة ألف دينار، ورحلا ونزلا مع بغدوين على حلب، ~~ووصل إليهم الملك سلطان شاه بن رضوان. # ونزل بغدوين مقدم الفرنج من الجانب الغربي من حلب في الحلبة، ونزل جوسلين ~~على طريق عزاز وما يجاوره يمنة ويسرة. ونزل دبيس وسلطان شاه بن رضوان مما ~~يلي جوسلين من الشرق، وفي صحبة دبيس عيسى بن سالم بن مالك. ونزل يغي سيان ~~بن عبد الجبار بن أرتق صاحب بالس مما يلي دبيس من الشرق، وكانت عدة الخيم ~~ثلاثمائة، للفرنج مائتا خيمة وللمسلمين مائة خيمة. وأقاموا على حلب ~~يزاحفونها، وقطعوا الشجر وخربوا مشاهد كثيرة، ونبشوا قبور موتى المسلمين، ~~وأخذوا توابيتهم إلى الخيم وجعلوها أوعية لطعامهم، وسلبوا الأكفان، وعمدوا ~~إلى من كان من الموتى لم تنقطع أوصاله، فربطوا في PageV01P292 # أرجلهم الحبال، وسحبوهم مقابل المسلمين. # وجعلوا يقولون: هذا نبيكم محمد! وآخر يقول: هذا عليكم! وأخذوا مصحفا من ~~بعض المشاهد بظاهر حلب وقالوا: يا مسلم أبصر # كتابكم. وثقبه الفرنجي بيده، وشده بخيطين، وعمله ثفرا لبرذونه، فظل ~~البرذون يروث عليه، وكلما أبصر الروث على المصحف صفق بيديه وضحك عجبا ~~وزهوا. # وأقاموا كلما ظفروا بمسلم قطعوا يديه ومذاكيره ودفعوه إلى المسلمين، ~~والمسلمون يفعلون بمن يأسرونه من الفرنج كذلك. # وربما شنق المسلمون بعضهم، ويخرج الغزاة من باب العراف، ويسرقونهم من ~~المخيم، ويقطعون عليهم الطرق، ويقتلون ويأسرون. ويصيح المسلمون على دبيس من ~~الأسوار: دبيس، يا نحيس! والرسل تتردد بينهم في الصلح، ولا يستتب إلى أن ~~ضاق الأمر بالمسلمين جدا. # وكان بحلب بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار والحاجب عمر الخاص، ومعهما ~~مقدار خمسمائة فارس، والذي يتولى تدبيرها وهو في مقام الرئاسة القاضي ms207 أبو ~~الفضل بن الخشاب وتولى حفظ المكان وبذل المال والغلال. # فاتفقوا على أن سيروا جد أبي قاضي حلب القاضي أبا غانم محمد بن هبة الله ~~ابن أبي جرادة ونقيب الأشراف وأبا عبد الله بن الجلي فخرجوا ليلا، ومضوا ~~إلى تمرتاش إلى ماردين مستصرخين إليه ومستغيثين به فوجدوه وقد مات أخوه ~~سليمان ابن إيلغازي صاحب ميافارقين في شهر رمضان، وسار تمرتاش إلى بلاده ~~ليملكها، واشتغل بملك تلك البلاد عن حلب. # وكانت الرسل مترددة بينه وبين أق سنقر البرسقي صاحب الموصل في اتفاق ~~الكلمة على قصد الفرنج وكشفهم عن حلب، فاشتغل بهذا الأمر عن هذا التقرير، ~~والحلبيون عنده يفنيهم ويمطلهم. ولما خرج الحلبيون من حلب بلغ الفرنج ذلك ~~فسيروا خلفهم من يلحقهم، فلم يدركهم وأصبحوا في صباح تلك الليلة وصاحوا إلى ~~أهل حلب: أين قاضيكم؟ وأين شريفكم؟. فأسقط في أيديهم إلى أن وصل منهم كتاب ~~بخبر سلامتهم. PageV01P293 # وبقي الحلبيون عند تمرتاش يحثونه على التوجه إلى حلب، وهو يعدهم ولا ~~يفعل، وهم يقولون له: نريد منك أن تصل بنفسك، والحلبيون يكفونك أمرهم. # فضاق الأمر بالحلبيين إلى حد أكلوا فيه الكلاب والميتات، وقلت الأقوات، ~~ونفد ما عندهم، وفشا المرض فيهم، فكان المرضى يئنون لشدة المرض، فإذا ضرب ~~البوق لزحف الفرنج قام المرضى كأنما أنشطوا من عقال، وزحفوا إلى الفرنج ~~وردوهم إلى خيامهم، ثم يعودون إلى مضاجعهم. # فكتب جدي أبو الفضل هبة الله بن القاضي أبي غانم كتابا إلى والده يخبره ~~بما آل أمر حلب إليه من الجوع وأكل الميتات والمرض، فوقع كتابه في يد ~~تمرتاش فغضب وقال: انظروا إلى هولاء يتجلدون علي، ويقولون إذا وصلت فأهل ~~حلب يكفونك أمرهم، ويغررون بي حتى أصل في قلة، وقد # بلغ بهم الضعف إلى هذه الحالة. ### || رابعا أق سنقر البرسقي # ثم أمر بالتوكيل والتضييق عليهم، فشرعوا في إعمال الحيلة والهرب إلى أق ~~سنقر البرسقي، ليستصرخوا به فاحتالوا على الموكلين بهم، حتى ناموا وخرجوا ~~هاربين، فأصبحوا بدارا. # وساروا حتى أتوا الموصل، فوجدوا البرسقي مريضا مدنفا، والناس قد منعوا من ms208 ~~الدخول عليه إلا الأطباء، والفروج يدق له لشدة الضعف. ووصل إلى دبيس من ~~أخبره بذلك، فضرب البشارة في عسكره، وارتفع عنده التكبير والتهليل، ونادى ~~بعض أصحابه أهل حلب: قد مات من أملتم نصره. فكادت أنفس الحلبيين تزهق. # واستؤذن للحلبيين على البرسقي فأذن لهم، فدخلوا إليه، واستغاثوا به، ~~وذكروا له ما أهل حلب فيه من الضر، فأكرمهم رحمه الله وقال لهم: ترون ما ~~أنا فيه الآن من المرض، ولكن قد جعلت لله علي نذرا إن عافاني من مرضي هذا ~~لأبذلن جهدي في أمركم، والذب عن بلدكم، وقتال أعدائكم. # قال القاضي أبو غانم قاضي حلب: فما مضى ثلاثة أيام بعد ذلك حتى فارقته ~~الحمى، فأخرج خيمته، ونادى في العساكر بالتأهب للجهاد إلى حلب. # وبقي أياما وعمل العسكر أشغاله وخرج رحمه الله في عسكر قوي، فوصل PageV01P294 # إلى الرحبة، وكاتب أتابك طغتكين صاحب دمشق، وصمصام الدين خيرخان بن قراجا ~~صاحب حمص. # ورحل إلى بالس، وسار منها إلى حلب فوصلها يوم الخميس لثمان بقين من ذي ~~الحجة من سنة ثماني عشرة. # ولما قرب من حلب رحل دبيس ناشرا أعلامه البيض إلى الفرنج عند قرية من ~~حلب، وتحولوا إلى جبل جوشن كلهم. وخرج الحلبيون إلى خيامهم فنهبوها ونالوا ~~منها ما أرادوا. # وخرج أهل حلب والتقوا قسيم الدولة عند وصوله. وسار نحو الفرنج فانهزموا ~~بين يديه من جبل جوشن، وهو يسير وراءهم على مهل حتى أبعدوا عن البلد. # فأرسل الشالشية، وأمرهم أن يردوا العسكر، فجعل القاضي ابن الخشاب يقول ~~له: يا مولانا لو ساق العسكر خلفهم أخذناهم، فإنهم منهزمون والعسكر محيطة ~~بهم. فقال له: يا قاضي تعلم أن في بلدكم ما يقوم بكم وبعسكري لو قدر علينا ~~والعياذ بالله كسرة؟ فقال: لا. فقال: ما يؤمننا أن يرجعوا علينا ويكسرونا، ~~ويهلك المسلمون، ولكن قد كفى الله شرهم وندخل إلى البلد ونقويه وننظر في ~~مصالحه، ونجمع لهم إن شاء الله، ونخرج إليهم بعد ذلك. # ورجع ودخل البلد وتسلم قلعتها، ونظر في مصالح البلد وقواه، وأزال الظلم ~~والمكوس وعدل فيهم ms209 عدلا شاملا وأحسن إليهم إحسانا كاملا. # وكتب لأهل حلب توقيعا بإطلاق المظالم والمكوس، نسخته موجودة، بعدما كان ~~الحلبيون منوا به من الطلم والمصادرة من عبد الكريم والي القلعة، وعمر ~~الخاص والي البلد، وتسليطهما الجند والأتراك على مصادرة الناس بحيث أنهم ~~استصفوا أموال جماعة من الأكابر والصدور وغيرهم في حالة الحصار. PageV01P295 # وأما الفرنج فإنهم توجهوا إلى الأثارب ودخلوا أنطاكية. # وشرع الناس في الزرع ببلد حلب في الثاني عشر من شباط وجعلوا يبلون الغلة ~~بالماء، ويزرعونها فنبتت وتداركت عليها الأمطار فأخصبت، وجاءت الغلة من ~~أجود الغلاء وأزكاها. # وأطلق البرسقي بني منقذ من الاعتقال بقلعة حلب، ورحل إلى تل السلطان في ~~سنة تسع عشرة وخمسمائة، في أواخر المحرم، وأقام به ثلاثة أيام، ورحل إلى أن ~~وصل إلى شيزر في سابع صفر، وتسلم أولاد الفرنج من ابن منقذ، وباعهم بثمانين ~~ألف دينار حملت إليه. # وأقام بأرض حماة أياما حتى وصل إليه أتابك طغتكين، فرحل في عساكره التي ~~لا تحد كثرة، ونزل كفر طاب فسلمت إليه يوم الجمعة ثالث شهر ربيع الآخر، ~~وسلمها إلى صمصام الدين خيرخان بن قراجا، وكان قد # وصل إليه من حمص والتقاه بتل السلطان. # وسار إلى عزاز وقاتلها، ونقبت قلعتها فقصدهم الفرنج، فالتقوا سادس عشر ~~ربيع الآخر، وكسر البرسقي كسرة عظيمة، واستشهد جماعة من المسلمين من السوقة ~~والعامة، ولم يقتل من الأمراء والمقدمين أحد. # ووصل أق سنقر البرسقي سالما إلى حلب، وأقام على قنسرين أياما، وتفرقت ~~العساكر إلى بلادهم، ووصل أمير حاجب صارم الدين بابك بن طلماس، فولاه ~~البرسقي حلب وبلدها، وعزل عنها سوتكين واليا كان ولاه. # ووقعت الهدنة بين البرسقي والفرنج على أن يناصفهم في جبل السماق وغيره ~~مما كان بأيدي الفرنج، وسار البرسقي إلى الموصل فلم يزل الفرنج يعللون ~~الشحن والمقطعين بالمحال في مغل ما وقعت الهدنة عليه إلى العشرين من شعبان ~~من السنة. # وسار بغدوين إلى بيت المقدس والرسول خلفه يعلمه بأن الفرنج لا يمكنون PageV01P296 # أحدا من رفع شيء من الصيافي، وأخذ بعض متصرفي المسلمين بعض الارتفاع من ms210 ~~بعض الأماكن والهدنة على حالها، فتجمع الفرنج ونزلوا رفنية. # وخرج شمس الخواص صاحبها طالبا أق سنقر البرسقي مستصرخا به، وسلمها إليهم ~~ولده المستخلف فيها في آخر صفر من سنة عشرين وخمسمائة، وقصدوا بلد حمص ~~فشعثوه. # فجمع البرسقي العساكر وحشد، وسار نحو الشام لحربهم حتى وصل الرقة في ~~أواخر شهر ربيع الآخر، وسار إلى أن نزل بالنقرة على الناعورة في الشهر ~~المذكور، وأقام به أياما والفرنج يراسلونه، فراسله جوسلين على أن تكون ~~الضياع ما بين عزاز وحلب مناصفة وأن يكون الحرب بينهما على غير ذلك، فاستقر ~~هذا الأمر. وكان بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار وشهريار بك ابن عمه، قد ~~توجها مع جماعة من التركمان إلى المعرة فأوقعوا بعسكر الفرنج، وقتل ~~المسلمون منهم مائة وخمسين، وأسروا جفري بلنك، صاحب بسرفوث، من جبل بني ~~عليم، وأودع في سجن حلب. # وكان قد سير البرسقي ولده عز الدين مسعودا منجدا لصاحب حمص، فاندفع ~~الفرنج عنها فعاد عز الدين إلى والده، فتركه بحلب، وعزل بابك، عن ولايتها ~~وولاها كافور الخادم إلى أن ينظر فيمن يوليه إياها ولاية مستقلة. # ورحل قسيم الدولة إلى الأثارب في الثامن من جمادى الآخرة من سنة عشرين، ~~وسير بابك بن طلماس في جماعة من العسكر والنقابين إلى حصن الدير المجدد فرق ~~سرمدا ففتحه سلما. # وقتل من الخيالة بعد ذلك خمسون فارسا، ونهب العساكر الغلال والفلاحين في ~~سائر البلد الذي وصلت الغارات إليه، ورفعوا الغلة جميعها إلى حلب، وزحفوا ~~إلى قلعة الأثارب، وخربوا الحوشين، ولم يتيسر فتحها. # ووصل بغدوين من القدس في جموع الفرنج، ووصل إليه جوسلين، ونزلوا عم ~~وأرتاح، وسيروا إلى البرسقي: ترحل عن هذا الموضع، ونتفق على ما كنا عليه PageV01P297 # في العام الخالي، ونعيد رفينة عليك. فتجنب الحرب، وخشى أن يتم على ~~المسلمين ما تم على عزاز فصالحهم إلى أن فرج الخناق عن الأثارب، وخرج ~~صاحبها بماله ورجاله. # فغدر الفرنج وقالوا: ما نصالح إلا على أن تكون الأماكن التي ناصفنا فيها ~~في العام الماضي لنا دون المسلمين. فامتنع من ذلك ms211 وأقام على حلب أياما ~~والرسل تتردد بينهم، فلما لم تتفق حال عاد أق سنقر، ونزل قنسرين، ورحل إلى ~~سرمين، وامتدت العساكر إلى الفوعة ودانيث. # ونزل الفرنج على حوض معرة مصرين، فأقاموا كذلك إلى نصف رجب، ونفدت أزواد ~~الفرنج، فعادوا إلى بلادهم، ثم عاد البرسقي وفي صحبته أتابك طغتكين، وكان ~~وصل إليه وهو على قنسرين فدخلوا من العسكر ونزلوا باب حلب. ومرض أتابك ~~فعملت له المحفات، وأوصى إلى البرسقي، وتوجه إلى دمشق، وسلم البرسقي حلب ~~وتدبيرها إلى ولده عز الدين مسعود، فدخل حلب، وأجمل السيرة وتحلى بفعل ~~الخير. ### ||| مقتل البرسقي # وسار أبوه إلى الموصل، فدخلها في ذي القعدة سنة عشرين # وخمسمائة، وقصد الجامع بها ليصلي فيه يوم الجمعة تاسع ذي القعدة، وقصد ~~المنبر، فلما قرب منه وثب عليه ثمانية نفر في زي الزهاد، فاخترطوا خناجر ~~وقصدوه وعليه درع من الحديد، وحوله جمع عظيم وهو متحقظ منهم، فسبقبوا ~~أصحابه إليه، فضربوه حتى أثخنوه وحمل جريحا فمات من يومه. # وقتل من كان وثب عليه من الباطنية غير شاب واحد كان من كفر ناصح ضيعة من ~~عمل عزاز فإنه سلم، وكان له أم عجوز فلما سمعت بقتل البرسقي وقتل من وثب ~~عليه وكانت قد علمت أن ابنها معهم فرحت واكتحلت وجلست مسرورة فوصلها ابنها ~~بعد أيام سالما فأحزنها ذلك، وجزت شعرها وسودت وجهها. PageV01P298 # وقيل: إن البرسقي قتل بيده منهم ثلاثة، وكان البرسقي رحمه الله قد رأى ~~تلك الليلة في منامه عدة من الكلاب ثاروا به فقتل بعضها، ونال منه الباقون ~~أذى شديدا، فقصق رؤياه على أصحابه، فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة ~~أيام، فقال: لا أترك الجمعة لشيء أبدا. وكان من عادته أن يحضر الجمعة مع ~~العامة رحمه الله وكان وزير البرسقي المؤيد بن عبد الخالق وكان قدم معه حلب ~~حين قدمها. ### || خامسا عز الدين مسعود ووفاته # وملك عز الدين مسعود حلب عند ورود الخبر عليه بقتل أبيه في سنة # عشرين، واستوزر المؤيد وزير أبيه وولى فيها من قبله الأمير تومان. # وسار من ms212 حلب في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة إلى السلطان محمود وهو ببغداد، ~~فسأله أن ينعم عليه ببلاد أبيه، فكتب له منشورا بذلك، فوصل إلى الموصل ~~وملكها، ثم نزل إلى الرحبة قاصدا إلى الشام، وكان يظن أن قاتل أبيه قوم من ~~أهل حماة، فأضمر للشام وأهله شرا عظيما. # ورجع عما كان عليه من الأفعال المحمودة والإقبال على مجاهدة الفرنج، وبلغ ~~طغتكين عنه أنه يقصده، فتأهب له فلما نزل بظاهر الرحبة امتنع واليها من ~~تسليمها، فحاصرها أياما فسلمها الوالي إليه، ونزل فوجده قد مات فجأة، وقيل: ~~سقي سما فمات. # وندم الوالي على تسليم الرحبة، وكان قد وصلت قطعة من العسكر لتقوية حلب ~~فمنعهم تومان من الدخول إليها. فوقع الشر بينه وبين رئيس حلب فضائل بن ~~بديع، وداخلهم إلى حلب. PageV01P299 # فوصل إلى حلب ختلغ أبه السلطاني غلام السلطان محمود، ومعه توقيع مسعود بن ~~البرسقي بحلب، كتبه قبل وصوله إلى الرحبة فلم يقبله تومان والي حلب فعاد ~~ختلغ أبه إلى الرحبة وقد جرى فيها ما ذكرناه من موت مسعود. # فعاد ختلغ أبه على فوره إلى حلب فتسلمها من يد تومان، آخر جمادى # الآخرة، وصعد إلى قلعتها بطالع اختاره له المنجمون، فأخذه الطمع في أموال ~~الناس، وصادر جماعة من أهل حلب، واتهمهم بودائع المجن الفوعي، رئيس حلب ~~المقتول في أيام رضوان. # وقبض على شرف الدين أبي طالب بن العجمي وعمه أبي عبد الله، واعتقلهما ~~بحلب. وثقب كعاب أبي طالب وصادره، فعاد فعله القبيح عليه بالبوار، وضل رأي ~~منجمه في ذلك الاختيار. # وقام أهل حلب عليه فحصروه، وقدموا عليهم بدر الدولة سليمان بن عبد ~~الجبار، ونادى أهل حلب بشعار بدر الدولة، وساعده على ذلك رئيس حلب فضائل ~~ابن صاعد بن بديع، وقبض على أصحاب ختلغ أبه، وذلك في الثاني من شوال. # وقصد حلب في تلك الحال ملك أنطاكية وجوسلين فصانعوه على مال حتى رحل، ~~وضايقوا القلعة وأحرقوا القصر، ودخل إليهم إلى المدينة الملك إبراهيم بن ~~رضوان، ووصل إليهم حسان صاحب منبج، وصاحب بزاعا، ودام الحصار إلى النصف ms213 من ~~ذي الحجة. PageV01P300 ### | القسم الثالث والعشرون حلب وعماد الدين زنكي ### || عماد الدين زنكي في حلب # وكان أتابك عماد الدين زنكي بن قسيم الدولة أقسنقر قد ملك الموصل بتواقيع ~~السلطان محمود، فسير إليه شهاب الدين مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر وأعلمه ~~بأحوال حلب وحصارها فسير أتابك إليها # عسكرا مع الأمير سنقر، دراز والأمير الحاجب صلاح الدين حسن ودخل الأمير ~~صلاح الدين فأصلح الحال، ووفق بينهما على أن استدعيا أتابك زنكي من الموصل، ~~فتوجه بالجيوش إلى حلب، وقيل، إن بدر الدولة وختلغ سارا إليه. # وقيل (*) : إن ختلغ أبه لم يزل بالقلعة حتى وصل أتابك فنزل إليه، وصعد ~~أتابك إلى القلعة يوم الاثنين سابع عشر جمادى الآخرة، من سنة اثنتين وعشرين ~~وخمسمائة، وارتاد موضعا ينقل أباه قسيم الدولة إليه ويدفنه به، وكان مدفونا ~~بالقبة التي على جبل قرنبيا. فعرض عليه بدر الدولة نقل أبيه إلى المدرسة ~~التي أنشأها بالزجاجين. # وقيل: إن أبا طالب بن العجمي طلب منه ذلك، فنقله ورفعه في الليل من سور ~~حلب، ودفنه في البيت الشمالي من المدرسة، واتخذه تربة لمن يموت من أولاده PageV01P301 # ووقف على المقرئين على تربة والده القرية المعروفة بشامر. # وأما الملك إبراهيم بن رضوان فإنه هرب منه إلى نصيبين، وكانت في أقطاعه ~~إلى أن مات. # وأما ختلغ أبه فإنه سلمه إلى فضائل بن بديع فكحله بداره، ثم قتله أتابك ~~بعد ذلك. # وقيل: إن بدر الدولة هرب منه عند ذلك، وهرب فضائل بن بديع إلى قلعة ابن ~~مالك خوفا من أتابك. # وولى أتابك رئاسة حلب الرئيس صفي الدين أبا الحسن علي بن عبد الرزاق ~~العجلاني البالسي، فسلك أجمل طريقة مع الناس. ### || التوقيع له بجميع البلاد الشامية # وخرج أتابك من حلب، وسار حتى نزل أرض حماة، فوصله صمصام الدين خيرخان بن ~~قراجا وتأكدت بينهما مودة لم تحمد عاقبتها فيما نذكره بعد وكذلك وصله سونج ~~ابن تاج الملوك. # ثم سار أتابك بعد ذلك، فوطىء بساط السلطان، في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، ~~وعاد بالتواقيع السلطانية بملك الغرب كله، ودخل ms214 الموصل، ثم فتح قلعة السن، ~~وتوجه إلى حلب، ورعى عسكره زرع الرها. # وعبر أتابك الفرات إلى حلب بتوقيع السلطان محمود، وقد كان السلطان آثر أن ~~تكون البلاد لدبيس، فقبح المسترشد ذلك، وكاتب السلطان وقال له فيما قال: إن ~~هذا أعان الفرنج على المسلمين وكثر سواد الكفار، فبطل هذا التدبير. PageV01P302 # واستقر ملك أتابك بالموصل، والجزيرة، والرحبة، وحلب، والتوقيع له بجميع ~~البلاد الشامية وغيرها. ### || زواج وطلاق # وتزوج أتابك خاتون بنت الملك رضوان، وبنى بها في دير الزبيب، وكانت معه ~~إلى أن فتح الخزانة بحلب، واعتبر ما فيها، فرأى الكبر الذي كان على أبيه أق ~~سنقر، حين قتله تتش جدها، وهو ملوث بالدم، فهجرها من ذلك اليوم. # وقيل: إنه هدم المشهد الذي على قبر رضوان، عند ذلك. # ودام أتابك مهاجرا لها إلى أن دخلت على القاضي أبي غانم قاضي حلب، وشكت ~~حالها، فصعد إليه وكان جبارا إلا أنه ينقاد إلى الحق، وإذا خوف بالله خاف، ~~فخرج ليركب، فلما ركب ذكر له القاضي ما ذكرته خاتون، فساق دابته أتابك، ولم ~~يرد عليه جوابا، فجذب القاضي أبو غانم بلجام دابته، فوقفت، وقال له: يا ~~مولانا، هذا الشرع لا ينبغي العدول عنه. فقال له أتابك: اشهد علي أنها ~~طالق. فأرسل اللجام وقال: أما الساعة فنعم. ### || سيف الدين سوار # واستوحش الأمير سوار بن أيتكين من تاج الملوك بوري صاحب دمشق، وكان في ~~خدمته، فورد إلى حلب إلى خدمة أتابك، في سنة أربع وعشرين، فأكرمه، وشرفه، ~~وخلع عليه، وأجرى له الإقطاعات الكثيرة، وأعطاه ولاية حلب وأعمالها، واعتمد ~~عليه في قتال الفرنج، وكان له بصيرة بالحرب وتدبير الأمور وله وقعات كثيرة ~~مع الفرنج ومواقف مشهورة أبان فيها عن شجاعة وإقدام، وصار له بسببها الهيبة ~~في قلوب الكفار الأغتام. ### || من حماة إلى حمص PageV01P303 # صاحب دمشق، يلتمس منه المساعدة، فأجابه إلى ذلك وتحالفا على الصفاء. وكتب ~~تاج الملوك إلى ولده بهاء الدين سونج بحماة، يأمره بالخروج بعسكره، وجهز ~~إليه من دمشق خمسمائة فارس، وجماعة من الأمراء مقدمهم شمس الخواص، فخرجوا ~~حتى ms215 وصلوا إلى مخيم أتابك على حلب، فأكرمهم وتلقاهم، وأقاموا عنده ثلاثا. ~~ثم أظهروا الغارة على عزاز، وركبوا وعطفوا على سونج، وغدر به وبأصحابه، ~~ونهب خيامهم وأثقالهم وكراعهم، وهرب بعضهم، وقبض على سونج والباقين، وحملهم ~~إلى حلب، واعتقلهم فيها. # وسار من يومه إلى حماة فأخذها يوم السبت ثامن شوال، وأقام بها أياما، ~~وطلبها خير خان بن قراجا صاحب حمص، وبذل عليها مالا، فسلمها إليه بكرة ~~الجمعة رابع عشر شوال، وضربت بوفاته عليها، وخطب له الخطيب على المنبر. ~~فلما كان وقت العصر من ذلك اليوم قبض عليه ونهب خيامه وجميع ما فيها. وسار ~~فنزل حمص، فقاتلها أربعين يوما لم يظفر فيها بطائل غير الربض، وكان يربط ~~خير خان على غراير التبن، ويعاقبه ويعذبه أنواع العذاب، وانتقم الله منه ~~ببعض ظلمه في الدنيا، وهو كان يحرض أتابك على الغدر بسونج، فكافأه الله. # وهجم الشتاء فعاد أتابك إلى حلب في ذي الحجة. ### || أنطاكية # وملكت أنطاكية زوجة البيمند بنت بغدوين، وحالفت جماعة من الفرنج على PageV01P304 # قتال أبيها، ووقع بين الفرنج شر. وهجم المسلمون ربض الأثارب، وربض معرة ~~مصرين، فوصل بغدوين من البيت المقدس، وأغار على أنطاكية وأخذ قوما من أصحاب ~~ابنته، فقطع أيديهم وأرجلهم. # وفتح قوم من السرجندية باب أنطاكية، فدخلها في سنة خمس وعشرين، فطرحت ~~ابنته نفسها عليه، فصفح عن ذنبها، وأخذ أنطاكية، ووهبها جبلة واللاذقية. ~~وعاد إلى القدس. # وتوجه أتابك إلى الموصل في سنة خمس وعشرين وخمسمائة، واستصحب معه سونج بن ~~تاج الملوك، وبعض المقدمين من عسكر دمشق، وترك الباقين بحلب، وترددت ~~المراسلات في إطلاقهم، فلم يفعل، والتمس عنهم خمسين ألف دينار أجاب تاج ~~الملوك إلى تحصيلها وحملها. # ووقع في هذه السنة وقعة جوسلين وسوار، بناحية حلب الشمالية، فكانت الغلبة ~~لجوسلين، وقتل من المسلمين جماعة، وخرج سوار بعد ذلك فهجم ربض الأثارب ~~ونهبه. ### || خبر دبيس ومقتله # ووصل دبيس في هذه السنة منهزما من المسترشد، وكان قد كسره عسكر المسترشد ~~في هذه السنة، فانهزم وخفي خبره عن كل أحد، فظهر بعد مدة أنه وصل ms216 إلى قلعة ~~جعبر، وأودع ابن السلطان عند مالك صاحبها، وسار جوسلين، واستند إلى الفرنج ~~فلم ير ما يعجبه. PageV01P305 # وكاتب تمرتاش ثم خاف من غدره، وأن يفادي به خير خان، فسار إلى بلد دمشق، ~~فنزل ضالا على مكتوم بن حسان. # وقيل: كان سائرا إلى صاحبة صرخد ليتزوجها، فضل في الطريق، ولم يكن معه ~~دليل عارف بالمناهل. # وقيل: كان قاصدا حلة مزين، فهلك أكثر أصحابه. # وحصل في حلة حسان كالمنقطع الوحيد في نفر يسير من أصحابه، فأنهض تاج ~~الدولة بوري العسكر إليه حينما سمع به، فأسره، ووصلوا به إلى دمشق، لست ~~خلون من شعبان سنة خمس وعشرين، وأنزله في دار بقلعة ثمشق، وأكرمه وأضافه، ~~وحمل إليه من الملبوس والمفروش ما يليق به، واعتقله اعتقال كرامة. وكاتب ~~المسترشد في أمره فرد عليه الجواب بالإحتياط عليه إلى أن يصل من يحمله إلى ~~بغداد. # فلفا عرف أتابك زنكي ذلك، أنفذ رسوله إلى تاج الملوك يطلب تسليم دبيس ~~إليه، وأن يطلق له الخمسين ألف دينار المقررة عن ولده سونج وبقية العسكر، ~~فأجاب إلى ذلك، وتقرر الشرط عليه. # ووصل أتابك زنكي إلى قريب قارا بسونج والمعتقلين، وتوجه أصحاب تاج الملوك ~~بدبيس فتسلمه زنكي، وحمله في محلة مقيدا وسلم سونج بن تاج الملوك وجماعته ~~إلى أصحابه. # وكان يظن دبيس أن أتابك زنكي يهلكه، فلما وصل إلى حلب أطلقه وأكرمه، ~~وأنزله بحلب في دار لاجين، وأعطاه مائة ألف دينار، وخلع عليه خلعا فاخرة. ~~وكان عرض لدبيس في طريقه وهو مكبل بالحديد شاعر امتدحه بأبيات ولم يكن معه ~~ما يجيزه، فكتب له في رقعة هذين البيتين، ودفعهما إليه: # الجود فعلي ولكن ليس لي مال ... وكيف يصنع من بالقرض يحتال PageV01P306 # فهاك خطي إلى أيام ميسرتي ... دينا علي فلي في الغيب آم ال # فجاءه الشاعر بحلب، وقد خرج مسيرا في ميدان الحصا، فقال له: يا أمير لي ~~عليك دين! فقال: " والله ما أعرف لأحد علي دينا فقال: بلى، وشاهده منك، ~~وأخرج له خطه، فلما وقف عليه قال: إي والله دين وأي دين ms217 وأمره أن يأتي إليه ~~إذا نزل، فأتاه فأعطاه ألف دينار والخلعة التي خلعها أتابك زنكي عليه، ~~وكانت جبة أطلس وعمامة شرك. # وحصل دبيس بعد ذلك عند السلطان مسعود، في سنة تسع وعشرين، حتى كسر مسعود ~~المسترشد وأسره على باب مراغة. # وسير السلطان إلى أتابك زنكي يستدعيه، وعزم على الفتك به، واطلع دبيس على ~~ذلك، فكتب إلى أتابك يعلمه ويحذره من المجيء فامتنع. وكان السلطان قد سير ~~دبيسا إلى الحلة، واطلع بعد ذلك على فعل دبيس، فرده. وحذره الناس فلم يفعل ~~فوصل. فلما وصل إلى الخيمة قام السلطان عن السرير، وقال، هذا جزاء من يخون ~~مولاه. وضرب رأسه فأطاره، فبلغ ذلك زنكي فقال: فديناه بالمال وفدانا با ~~لروح. # ووصل سديد الدولة بن الأنباري كاتب الإنشاء للمسترشد إلى تاج الملوك، في ~~أواخر ذي القعدة لتسليم دبيس إلى من يحمله إلى بغداد، فوجد الأمر قد فات، ~~فعاد فصادفته خيل أتابك زنكي بناحية الرحبة فأوقعوا به، وقبضوه، ونهبوا ما ~~كان معه حتى نهبوا القافلة اتتي كانت معه، وقتل بعض غلمانه، ولقي شدة عظيمة ~~من الاعتقال إلى أن أطلق، وعاد إلى بغداد. # وفي سنة ست وعشرين وخمسمائة، فتح الملك كليام رام حمدان، وسار أتابك ~~ودبيس إلى بغداد، مباينين للمسترشد، وعزما على أن يهجما بغداد، فبذل لهما ~~الحلة، وأن يدخل نائبهما بغداد، فأبيا فخرج إليهما المسترشد بنفسه، والتقوا ~~في PageV01P307 # شعبان على عقرقوف فكسرهما. وعاد أتابك زنكي إلى الموصل، وسار دبيس إلى ~~السلطان سنجر. ### || بين المسلمين والفرنج # ووقع بين الفرنج، في هذه السنة، فتن. وقتل بعضهم بعضا، وقتل صاحب زردنا، ~~ونزل التركمان على بلد المعرة وكفر طاب، وقسموا المغلات، فاجتمع الفرنج ~~وهزموهم عن البلد، وفتحوا حصن قبة ابن ملاعب، وأسروا منه بنت سالم بن مالك ~~وحريم ابن ملاعب، وخربوا الموضع. # وأوقع الأمير سيف الدين سوار بفرنج تل باشر، وقتل منهم خلقا كثيرا، ووثب ~~قوم من أهل الجبل على حصن القدموس، فأخذوه وسلموه إلى سيف الملك بن عمرون، ~~فاشتراه أبو الفتح الداعي الباطني منه. # ووصل صاحب القدموس إلى ms218 أنطاكية، وجمع وخرج إلى نواز، وسار إلى قنسرين في ~~جموع الفرنج، والتقوا بعسكر حلب وسوار، في سنة ثمان وعشرين في ربيع الأول، ~~فكسروا المسلمين وقتلوا أبا القاسم التركماني، وكان شجاعا، وقتلوا القاضي ~~أبا يعلى بن الخشاب، وغيرهما. # وتحول الفرنج إلى النقرة، فصالحهم سوار والعسكر، فأوقعوا بسرية منهم، ~~فقتلوهم، وعادوا برؤوسهم وأسرى منهم، فسر الناس بذلك بعد مساءتهم بالأمس. PageV01P308 # وأغارت خيل الرها من الفرنج ببلد الشمال، وهي عابرة إلى عساكر الفرنج، ~~فأوقع بهم سوار وحسان صاحب منبج وقتلوهم بأسرهم وحملوا الرؤوس والأسرى إلى ~~حلب. ### || حروب داخلية وخارجية # وفتح شمس الملوك اسماعيل ابن تاج الملوك حماة من يد نائب صلاح الدين، ~~وكان قد عزم على ذلك، فتحصن واليها، فانتهى ذلك إلى شمس الملوك، فخرج في ~~العشر الأواخر من شهر رمضان، وعزم على قصدها والناس بها غافلون. # وهجم يوم العيد على من فيها وزحف في الحال فتحضنوا منه، فعاد في ذلك ~~اليوم، وقد نكا أصحابه في أهلها، ثم زحف عليها زحفا قويا، فانهرموا بين ~~يديه، وهجم البلد فطلبوا الأمان فأمنهم، وحلفه والي القلعة على أشياء ~~اقترحها، وأجابه إليها وسلمها إليه، فسلمها إلى شمس الخواص. # وحصر المسترشد الموصل، وثارت الحروب بين السلاطين، فبلغ المسترشد ما ~~أزعجه، فعاد عنها، فوصل حسام الدين تمرتاش إلى خدمة أتابك زنكي، فسار معه ~~إلى لقاء داود بن سكمان بن أرتق، فكسره أتابك بباب آمد، وانهزم داود وأسر ~~ولده، وقتل جماعة من أصحابه، وذلك في يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة. # ونزل على آمد وحصرها، وقطع شجرها، فصانعه صاحبها بمال، فرحل عنها إلى ~~قلعة الصور ففتحها، وفتح البارعية، وجبل جور، وذا القرنين، ووهب PageV01P309 # ذلك كله لحسام الدين تمرتاش، وفتح طنزة فاستبقاها لنفسه. # وتزوج أتابك صاحبة خلاط ابنة سقمان القطبي. # واستولى أتابك على العقر وشوش وغير ذلك من قلاع الأكراد، وأغار في هذه ~~السنة سوار على الجزر وحصن زردنا، وأوقع بالفرنج على حارم، وشحن على بلد ~~المعرتين، وعاد بالغنائم إلى حلب. # واستوزر زنكي في هذه السنة ضياء الدين أبا سعد الكفرتوثي، وكان ms219 مشهورا ~~بحسن الظريفة والكفاية وحب الخير والمذهب الحميد، وقدم معه إلى حلب، وعزم ~~على قصد دمشق ومضايقتها. # وذكر العظيمي في تاريخه: أنه حصرها، في هذه السنة مدة، ثم رحل إلى حلب، ~~ثم شرق إلى الموصل. # والصحيح: أنه حصرها في سنة تسع وعشرين وخمسمائة. ### || مقتل شمس الملوك وتسلم شهاب الدين # وذلك أن صاحبها شمس الملوك أبا الفتح إسماعيل بن بوري، انهمك في المعاصي ~~والقبائح، وبالغ في الظلم، وأعرض عن مصالح الدين والنظر في أمور المسلمين، ~~بعد اهتمامه أولا بذلك. # واستخدم بين يديه رجلا كرديا يعرف ببدران الكافر جاءه من بلد حمص، وكان ~~قليل الدين متنوعا في أبواب الظلم، ليس في قلبه لأحد رحمة، فسلطه على ظلم ~~المسلمين ومصادرة المتصرفين بأنواع قبيحة من الظلم، وظهر منه بخل عظيم وسفت ~~نفسه إلى تناول الدنايا وغير ذلك من الأفعال الذميمة. # وعزم على مصادرة كتابه وحجابه وأمرائه، فخاف منه أصحابه، واستشعروا منه، ~~ووقعت الوحشة بينهم. PageV01P310 # وعرف عزم أتابك زنكي على قصد دمشق، وأنه متى وصلها سلمت إليه، فكاتب ~~أتابك زنكي وحثه على سرعة الوصول إليها ليسلمها إليه طوعا، وشرط عليه أن ~~يمكنه من الإنتقام من كل من يكرهه من المقدمين والأمراء والأعيان، وكرر ~~المكاتبة إليه في ذلك، وقال: إن أهلمت هذا الأمر استدعيت الفرنج وسلمت دمشق ~~إليهم، وكان إثم المسلمين في عنقك. # وشرع في نقل أمواله وأحواله إلى صرخد، فظهر هذا الأمر لأصحابه، فأشفقوا ~~من الهلاك وأعلموا والدته زمرد خاتون بذلك، فقلقت له، وحسنوا لها قتله، ~~وتمليك أخيه شهاب الدين محمود فرجح ذلك فى نظرها، وعزمت عليه، فانتظرت وقت ~~خلوته من غلمانه وسلاحيته، وأدخلت عليه من أصحابها من قتله. # وأخرجته فألقي في ناحية من الدار ليشاهده غلمانه وأصحابه فسروا بذلك. # وذلك في يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر ربيع الآخر، سنة تسع وعشرين ~~وخمسمائة. # وقيل: أنه اتهم يوسف بن فيروز حاجب أبيه بوالدته، فهرب منه إلى تدمر، ~~فأراد قتل أمه، فبلغها الخبر فقتلته خوفا منه. # وأجلست والدته مكانه أخاه شهاب الدين محمود بن بوري، وحلف ms220 الناس له. ~~وتوجه أتابك زنكي من الموصل مجدا ليتسلم دمشق من شمس الملوك، فوصل إلى ~~الرقة وقال: أشتهي أن أدخل الحمام. فأحضر صلاح الدين مسيب بن مالك صاحب ~~الرقة، وقال له: أتابك يشتهي دخول الحمام، وهذه خمسمائة دينار تسلمها واعمل ~~له بها دعوة فلم يشك في ذلك، ودخلوها، فلما حصلوا بها أخذوها منه، وذلك في ~~العشرين من شهر ربيع الآخر. # وبلغه ما جرى بدمشق، فلم يقطع طمعه فيها، وسار فنزل العبيدية، وراسل أهل ~~دمشق، فلم يجيبوه إلى مطلوبه وردوا عليه جوابا خشنا، يتضمن أن الكلمة قد PageV01P311 # اتفقت على حفظ الدولة والذب عنها، فلم يحفل بذلك. # وسار إلى حماة فخرج إليه شمس الخواص بعد أن توثق منه بالأيمان. ورحل إلى ~~دمشق، وسار إليها، فنزل على دمشق في عسكر عظيم، وزحف عليها مرارا متعددة، ~~فلم يظفر فيها بطائل، واشتد الغلاء في العسكر، وعدموا القوت، وقفز جماعة من ~~العسكر إلى دمشق، ووقعت المراسلة في حديث الصلح. وكان قد وصل مع أتابك بعض ~~أولاد السلطان فطلب أن يخرج شهاب الدين محمود لوطء بساط ولد السلطان، فلم ~~يفعل. # واتفق الأمر على خروج أخيه تاج الملوك بهرام شاه، واتفق عند ذلك وصول بشر ~~بن كريم بن بشر رسولا من المسترشد إلى زنكي بخلع هيئت له، وتقدم إليه ~~بالرحيل عن دمشق والوصول إلى العراق، ليوليه أمره وتدبيره، وأن يخطب ~~للسلطان ألب أرسلان داود بن محمود المقيم بالموصل وكان قد وصل هاربا من بين ~~يدي عمه السلطان مسعود فأكرمه أتابك. # فدخل الرسول وبهاء الدين بن الشهرزوري إلى دمشق، وقررا هذه القاعدة ~~وأخمدا الفتنة، وأكدا الأيمان، وخطب يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى ~~الأولى بجامع دمشق بحضورهما، على القاعدة التي وصل فيها الرسول. ### || زنكي في حماه وحلب وحمص وبغداد # وعاد أتابك من دمشق، فلما وصل حماه قبض على شمس الخواص صاحبها، وأنكر ~~عليه أمرا ظهر منه، وشكا أهلها من نوابه فتسلمها منه، وأطلقه فهرب، ورد ~~حماة إلى صلاح الدين ورحل من حماة. # وسار إلى بلد حلب، فنزل على الأثارب، ms221 ففتحها أول رجب، ثم فتح زردنا، ثم ~~تل أغدي، ثم فتح معرة النعمان، ومن على أهلها بأملاكهم، ثم فتح كفر طاب ~~ونزل على شيزر فخرج إليه أبو المغيث بن منقذ نائبا عن أبيه، ثم نزل بارين ~~وأظهر PageV01P312 # أنه يحاصرها، ثم سار، وأهل حمص غادون، فشن عليهم الغارة، واستاق كل ما ~~كان في بلدها ونهبهم. # ووصل ابن الفنش الفرنجي من بيت المقدس وخرج في جموع الفرنج، فنزل قنسرين، ~~فسار إليهم أتابك فأحسن التدبير، وما زال بالمسلمين حولهم حتى عادوا إلى ~~بلادهم. # وسار زنكي إلى حمص فأحرق زرعها، وقاتلها في العشر الأواخر من شوال، ثم ~~سار إلى الموصل في ذي القعدة من هذه السنة. # وسار منها في المحرم من سنة ثلاثين وخمسمائة إلى بغداد، ومعه داود بن ~~محمود بن محمد بن ملكشاه الواصل إليه إلى الموصل، فأنزله في دار السلطنة ~~ببغداد، وأتابك في الجانب الغربي، والخليفة إذ ذاك الراشد بعد قتل ~~المسترشد. فوصل السلطان مسعود إلى بغداد فحصرهم بها فوقع الوباء في عسكره، ~~فسار إلى أرض واسط ليعبر إلى الجانب الغربي، فاغتنم أتابك غيبته، وسار إلى ~~الموصل، وسار داود إلى مراغة. # وبلغ الخبر السلطان مسعود فعاد، فهرب الراشد، ولحق أتابك بالموصل. ودخل ~~مسعود بغداد، فبايع محمد المقتفي، وخطب له ببغداد وأعمال السلطان، وبقيت ~~الخطبة بالشام والموصل على حالها إلى أن اتفق أتابك زنكي والسلطان مسعود ~~واصطلحا، وخطب بالشام والموصل للمقتفي ولمسعود. وفارق الراشد إذ ذاك زنكي، ~~وسار عن الموصل إلى خراسان في سنة إحدى وثلاثين. ### || توسع عماد الدين وتحرك الروم # وسار سيف الدين سوار في سنة ثلاثين وخمسمائة في جمع من التركمان يبلغ PageV01P313 # ثلاثة آلاف إلى بلد اللاذقية، وأغار على الفرنج على غرة وقلة احتراز، ~~فعادوا ومعهم ما يزيد على سبعة آلاف أسير، ما بين رجل وامرأة وصبي وصبية ~~ومائة ألف رأس من البقر والغنم والخيل والحمير، والذي نهبوه على ما ذكر ~~مائة قرية وامتلأت حلب من الأسارى والدواب، واستغنى المسلمون بما حصل لهم ~~من الغنائم. # ووصل أتابك زنكي من الموصل إلى ms222 حلب، في رابع وعشرين من شهر رمضان سنة ~~إحدى وثلاثين، وسير صلاح الدين في مقدمته، فنزل حمص وسار أتابك إلى حماة، ~~وعيد عيد الفطر في الطريق، وأخذ من حلب معه خمسمائة راجل لحصار حمص. # ورحل أتابك من حماة إلى حمص في شوال وبها أنز من قبل صاحب دمشق، فحصرها ~~مدة. # وخرج الفرنج نجدة لحمص وغيلة لزنكي. فرحل عن حمص، ولقيهم تحت قلعة بارين، ~~فكسرتهم طلائع زنكي مع سوار، فأفنوا عامتهم قتلا وأسرا، وقتل أكثر من ألفين ~~من الفرنج، ونجا القليل منهم، فدخل إلى بارين مع ملكهم كندياجور صاحب ~~القدس، وأقام الحصار على بارين بعشر مجانيق ليلا ونهارا، ثم تقرر الصلح في ~~العشر الأواخر من ذي القعدة على التسليم بعد خراب القلعة. # وخلع على الملك وأطلق، وخرج الفرنج منها، وتسلمها زنكي، وعاد إلى حلب. # واستقر الصلح بين أتابك وصاحب دمشق، وتزوج أتابك خاتون بنت جناح الدولة ~~حسين، على يد الإمام برهان الدين البلخي، ودخل عليها بحلب في هذه السنة. PageV01P314 # ووصل في هذه السنة ملك الروم كالياني من القسطتطينية في جموعه، ووصل إلى ~~أنطاكية فخالفه الفرنج لطفا من الله تعالى وأقام إلى أن وصلته مراكبه ~~البحرية بالأثقال والميرة والمال، فاعتمد لاون بن روبال صاحب الثغور في حقه ~~فتحا عظيما. # وتخوف أهل حلب منه فشرعوا في تحصينها وحفر خنادقها، فعاد إلى بلاد لاون ~~فافتتحها جميعها، فدخل إليه لاون متطارحا، فقال: أنت بين الفرنج والأتراك ~~لا يصلح لك المقام. فسيره إلى القسطنطينية، وأقام في عين زربة وأذنة ~~والثغور، مدة الشتاء. # وكان في عوده عن أنطاكية إلى ناحية بغراس في الثاني والعشرين من ذي الحجة ~~من سنة إحدى وثلاثين، أنفذ رسوله إلى زنكي، وظفر سوار بسرية وافرة العدد من ~~عسكره، فقتل وأسر، ودخل بهم إلى حلب. # ووصل الرسول إلى زنكي، وهو متوجه إلى القبلة فرده ومعه هدية إلى ملك ~~الروم فهود وبزاة وصقور على يد الحاجب حسن، فعاد إليه ومعه رسول منه وأخبره ~~بأنه يحاصر بلاد لاون، فسار إلى حماة، ورحل إلى حمص فقاتلها. # ثم ms223 سار في نصف المحرم من سنة اثنتين وثلاثين فنزل بعلبك، وأخذ منها مالا، ~~وسار إلى ناحية البقاع فملك حصن المجدل من أيدي الدمشقيين، ودخل في طاعته ~~إبراهيم بن طرغت والي بانياس. # وشتى أتابك زنكي بأرض دمشق، وورد عليه رسول الخليفة المقتفي والسلطان ~~مسعود بالتشريف، ثم رحل أتابك عن دمشق في شهر ربيع الآخر، وعاد إلى حماة، ~~ثم رحل عنها إلى حمص، فخيم عليها، وجرد من حلب رجالا لحصارها، وجمع عليها ~~جموعا كثيرة، وهجم المدينة، وكسر أهلها ونال منهم منالا عظيما. PageV01P315 # ونقض الفرنج الهدنة التي كانت بينهم وبين زنكي على حلب، وأظهروا العناد، ~~وقبضوا على التجار بأنطاكية والسفار من أهل حلب، في جمادى الأولى من السنة، ~~بعد إحسانه إليهم واصطناعه لمقدميهم، حين أظفره الله بهم، وانضافوا إلى ملك ~~الروم كالياني. # وظهر ملك الروم بغتة من طريق مدينة البلاط، يوم الخميس الكبير من صومهم، ~~ونزل يوم الأحد يوم عيد النصارى، وهو الحادي والعشرون من شهر رجب، على حصن ~~بزاعا. # وانتشرت الخيل بغتة فلطف الله بالمسلمين، فرأوا رجلا من كافر ترك ومعه ~~جماعة منهم، وقد تاهوا عن عسكر الروم، وأظهروا أنهم مستأمنة وأنذروا من ~~بحلب با لروم. # فتحرز الناس وتحفظوا، وكاتبوا أتابك زنكي بذلك، فوصله الخبر وهو على حمص، ~~فسير في الحال الأمير سيف الدين سوار والرجالة الحلبيين وخمسمائة فارس، في ~~أربعة من الأمراء الأصفهسلارية منهم زين الدين علي كوجك، فقويت قلوب أهل ~~حلب بهم، ووصلوا في سابع وعشرين من رجب. # وأما الروم فإنهم حصروا حصن بزاعا، وقاتلوها سبعة أيام، فضعفت قلوب ~~المسلمين، وكان الحصن في يد امرأة فسلموه إلى البروم بالأمان، بعد أن ~~توثقوا منهم بالعهود والأيمان، فغدروا بهم، وأسروا من بزاعا ستة آلاف مسلم ~~أو يزيدون، وأقام الملك بالوادي يدخن على مغاير الباب عشرة أيام، فهلكوا ~~بالدخان. ### || الروم حول حلب وشيزر # ثم رحل فنزل يوم الأربعاء الخامس من شعبان، بأرض الناعورة، ثم رحل يوم ~~الخميس سادس شعبان، ومعه ريمند صاحب أنطاكية وابن جوسلين، فنزل على PageV01P316 # حلب ونصب خيمته من قبليها على ms224 نهر قويق، وأرض السعدي، وقاتل حلب يوم ~~الثلاثاء من ناحية برج الغنم، وخرج إليهم أحداث حلب، فقاتلوهم وظهروا ~~عليهم، وقتل من الروم مقدم كبير ورجعوا إلى خيمهم خائبين. # ورحل يوم الأربعاء ثامن شعبان مقتبلا إلى صلدي، فخاف من بقلعة الأثارب من ~~الجند المسلمين، فهربوا منها يوم الخميس تاسع شعبان، وطرحوا النار في ~~خزائنهم. # وعرف الروم ذلك فخفت منهم سرية وجماعة من الفرنج، ومعهم سبي بزاعا ~~والوادي، فملكوا القلعة، وألجأوا السبي إلى خنادقها وأحواشها، فهرب جماعة ~~منهم إلى حلب، وأعلموا الأمير سيف الدين سوار بن أيتكين بذلك، وأن الروم ~~انعزلوا عنها. # فنهض إليهم سوار في لمة من العسكر، فصابحهم وقد انتشروا بعد طلوع الشمس، ~~فوقع عليهم واستخلص السبي جميعه إلا اليسير منهم، وأركب الضعفاء منهم خلف ~~الخيالة حتى أنه أخذ بنفسه جماعة من الصبيان، وأركبهم بين يديه ومن خلفه، ~~ووصل بهم إلى حلب، ولم يبق من السبي إلا القليل، ووصل بهم إلى حلب في يوم ~~السبت الحادي عشر من شعبان، فسر أهل حلب سرورا عظيما. وكان أتابك قد رحل من ~~حمص إلى حماة ثم رحل إلى سلمية، ورحل ملك الروم إلى بلد معرة النعمان، ورحل ~~عنها يوم الإثنين ثالث عشر شعبان إلى جهة شيزر، ونزلوا كفر طاب ورموها ~~بالمجانيق، فسلمها أهلها في نصف شعبان. وهرب أهل الجسر، وتركوه خاليا فوصله ~~الروم، وجلسوا فيه ورحلوا عنه إلى شيزر، يوم الخميس سادس عشر شعبان، ~~فوصلوها في مائة ألف راكب ومائة PageV01P317 # ألف راجل، ومعهم من الكراع والسلاح ما لا يحصيه إلا الله، فنزلوا الرابية ~~المشرفة على بلدة شيزر، وأقاموا يومهم ويوم الجمعة إلى آخر النهار. # وركبوا وهجموا البلد، فقاتلهم الناس وجرح أبو المرهف نصر بن منقذ، ومات ~~في رمضان من جرحه ذلك. # ثم انهزم الروم، وخرجوا، ونزل صاحب أنطاكية في مسجد سمون، وجوسلين في ~~المصلى، وركب الملك يوم السبت، وطلع إلى الجبل المقابل لقلعة شيزر المعروف ~~بجريجس، ونصب على القلعة ثمانية عشر منجنيقا وأربع لعب تمنع الناس من ~~الماء. # ودام القتال عشرة أيام، ولقي ms225 أهل قلعة شيزر بلاء عظيما، ثم اقتصروا في ~~القتال على المجانيق، وأقاموا إلى يوم السبت تاسع شهر رمضان. # وبلغهم أن قرا أرسلان بن داود بن سكمان بن أرتق عبر الفرات في جموع عظيمة ~~تزيد عن خمسين ألفا من التركمان وغيرهم، فأحرقوا آلات الحصار، ورحلوا عن ~~شيزر، وتركوا مجانيق عظاما رفعها أتابك إلى قلعة حلب بعد رحيلهم، وساروا ~~بعد أن هجموا ربض شيزر دفعات عدة، ويخرجهم المسلمون منها. # فوصل صلاح الدين من حماة يوم السبت تاسع الشهر، وبلغه أن الفرنج هربوا من ~~كفر طاب فسار إليها، وملكها، ووصل أتابك يوم الأحد عاشر الشهر، وسار إلى ~~الجسر يوم الإثنين، فوجد الفرنج قد هربوا منه نصف الليل ونزل أهله من أبي ~~قبيس، فمنعوهم ودخل الروم مضيق أفامية إلى أنطاكية، وطلبها من الفرنج فلم ~~يعطوه إياها، فرحل عنها إلى بلاده، وسير أتابك خلفهم سرية من العسكر ~~تتخطفهم. هذا كله وأتابك لم يستحضر قرا أرسلان بن داود، ولم يجتمع به، بل ~~بعث إليه يأمره بالعود إلى أبيه، وأنه مستغن عنه وانحاز عنهم فنزل أرض حمص، ~~وكتب إلى شهاب الدين محمود بن بوري يطلبها. # وترددت الرسل بينهم على أن يسلم إلى أتابك حمص، ويعوض أنر واليها PageV01P318 # ببارين، واللكمة، والحصن الشرقي، وأن يتزوج أتابك أمه زمرد خاتون بنت ~~جاولي، ويتزوج محمود ابنة أتابك، وتسلم أتابك حمص، ويسلم الدمشقيون المواضع ~~المذكورة. # وسارت زمرد خاتون من دارها إلى عسكر زنكي مع أصحابه المندوبين لإيصالها ~~إليه في أواخر شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وقد اجتمع عنده رسول الخليفة ~~المقتفي، وألبسه التشريف الواصل إليه، ورسول السلطان، ورسول مصر، والروم، ~~ودمشق. # ورحل أتابك عن حمص، وسار إلى حلب، ثم خرج منها إلى بزاعا وفتحها بالسيف، ~~يوم الثلاثاء تاسع عشر محرم من سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وقتل كل من كان ~~بها على قبر شرف الدولة مسلم بن قريش، وكان ضرب عليها بسلم في عينه فمات. ### || زلازل عام 533 هجرية # وعاد منها إلى حلب، وسار إلى الأثارب، ففتحها، في ثالث صفر. وفي يوم ~~الخميس ms226 ثالث عشر صفر، حدثت زلزلة شديدة ثم اتبعتها أخرى، وتواصلت الزلازل، ~~فهرب الناس من حلب إلى ظاهر البلد وخرجت الأحجار من الحيطان إلى الطريق، ~~وسمع الناس دويا عظيما، وانقلبت الأثارب فهلك فيها ستمائة من المسلمين، ~~وسلم الوالي ومعه نفر يسير. وهلك أكثر البلاد من شيح، وتل عمار، وتل خالد، ~~وزردنا، وشوهدت الأرض تموج، والأحجار عليها تضطرب كالحنطة في الغربال. # وانهدم في حلب دور كثيرة، وتشعث السور، واضطربت جدران القلعة، وسار أتابك ~~مشرقا فنزل القلعة فأخذها، وسار منها إلى القلعة، ثم إلى الموصل. وتواترت ~~الزلازل إلى شوال، وقيل: إن عدتها كانت ثمانين زلزلة. PageV01P319 # وكان في سنة اثنتين وثلاثين قد عول أتابك على قبض أملاك الحلبيين التي ~~استحدثوها من أيام رضوان إلى آخر أيام إيلغازي، ثم قرر عليهم عشرة آلاف ~~دينار، فأدوا من ذلك ألف دينار، وجاءت هذه الزلازل، فهرب أتابك من القلعة ~~إلى ميدانها حافيا، وأطلق القطيعة. # وفي هذه السنة، نهض سوار الفرنج فغنم من بلادهم، ولحقوه فاستخلصوا ما ~~غنم، وانهزم المسلمون فغنم الفرنج، وأخذوا منهم ألفا ومائتي فارس، وأسروا ~~صاحب الكهف ابن عمرون، وكان قد سلمها إلى الباطنية. # وفي شهر رمضان منها، استحكم الفساد بين أتابك وتمرتاش، فنزل أتابك زنكي ~~دارا، وحصرها وافتتحها في شوال، وأخذ رأس عين وجبل جور وذا القرنبن. ومات ~~سوتكين الكرجي بحران، فأنفذ أتابك زنكي وأخذها. ### || زنكي يفتح بعلبك ويحاصر دمشق # وقتل شهاب الدين محمود ابن تاج الملوك على فراشه، ليلة الجمعة الثالثة ~~والعشرين من شوال من السنة، قتله البغش ويوسف الخادم، وفراش، وكان قد قربهم ~~واصطفاهم. # وسير أنر إلى محمد أخيه صاحب بعلبك، فأجلسه في منصب أخيه وأخرج PageV01P320 # أخاه بهرام شاه فمضى إلى حلب وشرق إلى أتابك زنكي. # وعلمت والدته زمرد خاتون، فأرسلت إلى زوجها زنكي، وهو بالموصل تستدعيه ~~لطلب الثأر بولدها، وتحثه على الوصول، فأقبل وفي مقدمته الأمير الحاجب صلاح ~~الدين، فسار إلى حماة. # ووصل زنكي حتى عبر الفرات، ونزل بالناعورة، ودخل حلب، ورحل إلى حماة في ~~سابع ذي الحجة، ورحل إلى حمص، ثم ms227 إلى بعلبك، فحصرها أول محرم من سنة أربع ~~وثلاثين وخمسمائة، وضربها بالمجانيق إلى أن فتحها يوم الإثنين رابع عشر ~~صفر. # وفتح القلعة يوم الخميس خامس وعشرين منه، وأقام بها إلى منتصف شهر ربيع ~~الآخر، وكان قد حلف لأهل القلعة بالأيمان المغلظة والمصحف والطلاق، فلما ~~نزلوا غدر بهم، وسلخ واليها، وشنق الباقين. وكانوا سبعة وثلاثين رجلا، وغدر ~~بالنساء، وأخذهم. # وسار في نصف ربيع الآخر إلى دمشق لمضايقتها، فنزل! على داريا، وزحف إلى ~~البلد، وراسل محمد بن بوري في تسليمها، وأخذ بعلبك وحمص، وما يقترح معهما ~~عوضا عنها، وأراد إجابته إلى ذلك فمنعه أصحابه، وخوفوه الغدر به، فمات محمد ~~بن بوري، في ثامن شعبان، ونصب ولده عضب الدولة أبق مكانه. # وكاتب أنر الفرنج في نجدته، وتسليم بانياس من إبراهيم بن طرغت إليهم، PageV01P321 # فتجمعوا لذلك، فرحل أتابك عن دمشق، في خامس شهر رمضان، للقاء الفرنج إن ~~قربوا منه إلى ناحية بصرى وصرخد من حوران، وأقام مدة، ثم عاد إلى الغوطة ~~فنزل عذراء وأحرق عدة ضياع من الغوطة. # ووصل الفرنج فنزلوا بالميدان، فرحل أتابك إلى ناحية حمص. وأسر ريمند صاحب ~~أنطاكية إبراهيم بن طرغت صاحب بانياس، وقتله. ونزل معين الدين أنر عليها ~~فحصرها وتسلمها، وسلمها إلى الفرنج، وعادت خاتون إلى حلب في العشرين من ~~ربيع الأول. وعاد أتابك إلى حلب في الرابع والعشرين من جمادى الأولى، ~~واستقر الحال بين زنكي وأبق على أن خطب لزنكي بدمشق. # ومات قاضي حلب أبو غانم محمد بن أبي جرادة في شهر ربيع الآخر من سنة أربع ~~ثلاثين وخمسمائة، فولى أتابك قضاء حلب ولده أبا الفضل هبة الله بن محمد بن ~~أبي جرادة، ولما استحضره وولاه القضاء قال له: هذا الأمر قد نزعته من عنقي، ~~وقلدتك إياه، فينبغي أن تتقي الله وأن تساوي بين الخصمين، هكذا، وجمع بين ~~أصابعه. # وكثر عيث التركمان وفسادهم، وامتدت أيديهم إلى بلاد الفرنج، فأرسلوا ~~رسولا إلى أتابك يشكونهم، فعاد الرسول متنصلا، فلقيه قوم من التركمان ~~فقتلوه، فأغار الفرنج على حلب، فأخذوا من العرب والتركمان ms228 ما لا يحصى. # وعاد أتابك في سنة ست وثلاثين على الحلبيين بالقطيعة التي كان قررها على ~~الأملاك، وأرسل إليهم علي الفوتي العجمي، فعسف الناس في استخراج القطيعة، ~~وأخرف بهم، ومات ابن شقارة بحلب، وصارت أملاكه إلى بيت المال فرد على الناس ~~ما كان وظف على أملاكه من القطيعة وأخذه منهم. PageV01P322 ### || غارات الفرنج والمسلمين # وأغار الفرنج في سنة ست وثلاثين وخمسمائة على بلد سرمين، وأخربوا ونهبوا، ~~ثم إلى جبل السماق، وكذلك فعلوا بكفر طاب، وتفرقوا فأغار علم الدين ابن سيف ~~الدين سوار مع التركمان إلى باب أنطاكية، وعادوا بالغنائم والوسيق العظيم. # وأغار لجة التركي وكان قد نزح عن دمشق إلى خدمة زنكي على بلد الفرنج، في ~~جمادى، فساق وسبى وقتل. وذكر أن عدة المقتولين سبعمائة رجل. واتفق في هذه ~~السنة خلف شديد بين أتابك زنكي وقرا أرسلان بن داود بن سكمان بناحية بهمرد، ~~فالتقيا فكسره أتابك، وفتح بهمرد، وعاد إلى الجزيرة، ثم إلى الموصل فشتى ~~بها. # وفي هذه السنة تقرر الصلح بين أتابك والأرتقية ووصل أولادهم إلى الخدمة ~~ثم عادوا. # وفي خامس شعبان مات وزير أتابك ضياء الدين بن الكفرتوثي ووزر موضعه أبا ~~الرضا بن صدقة، ثم عزله في سنة ثمان وثلاثين. # ونهض سوار في شهر رمضان إلى بلد أنطاكية، وعند الجسر جمع عظيم وخيم ~~مضروبة من الفرنج، فخاض التركمان إليهم العاصي، وكسروا الجميع هناك، وقتلوا ~~كل من كان بالخيم، ونهبوا وسبوا، وعادوا إلى حلب بالوسيق العظيم، والأسرى ~~والرؤوس. # وفتح أتابك قلعة أشب المشهورة بالحصانة، في ثالث وعشرين من شهر رمضان من ~~سنة سبع وثلاثين. PageV01P323 # وخرج ملك أنطاكية إلى وادي بزاعا، فخرج سوار فردهم إلى بلد الشمال واجتمع ~~سوار وجوسلين بين العسكرين فاتفق الصلح بينهما. # وفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، فتح أتابك قلعة انيرون، وبعدها قلعة ~~حيران ومما كان أيضا بيد الفرنج جملين، والموزو وتل موزن، وغيرهما. # وخرج عسكر حلب فظفروا بفرقة كبيرة من التجار والأجناد وغيرهم خرجت من ~~أنطاكية تريد بلاد الفرنج، ومعها مال كثير ودواب ومتاع، فأوقعوا بهم، ~~وقتلوا ms229 جميع الخيالة من الفرنج الخارجين لحمايتهم، وأخذوا ما كان معهم، ~~وعادوا إلى حلب، وذلك قي جمادى الأولى من السنة. # وفي يوم الأربعاء خامس وعشرين من ذي القعدة، وقعت خيل تركمان نهضت من بلد ~~حلب، فأوقعت بخيل خارجة من باسوطا فقتلوهم، وأسروا صاحب باسوطا وجاؤوا به ~~إلى حلب، فسلموه إلى سوار فقيده. # وعزل أتابك وزيره جلال الدين أبا الرضا بالموصل، واستوزر أبا الغنائم ~~حبشي ابن محمد الحلي. ### || فتح الرها وسروج # وكان أتابك زنكي لا يزال يفكر في فتح الرها، ونفسه في كل حين تطالبه ~~بذلك، إلى أن عرف أن جوسلين صاحبها قد خرج منها في معظم عسكره، في سنة تسع ~~وثلاثين وخمسمائة، لأمر اقتضاه، فسارع أتابك إلى النزول عليها في عسكر عظيم ~~وكاتب التركمان بالوصول إليه، فوصل خلق عظيم. PageV01P324 # وأحاط المسلمون بها من كل الجهات، وحالوا بينها وبين من يدخل إليها بميرة ~~أو غيرها، ونصب عليها المجانيق، وشرع الحلبيون فنقبوا عدة مواضع عرفوا ~~أمرها إلى أن وصلوا تحت أساس أبراج السور، فعلقوه بالأخشاب، واستأذنوا ~~أتابك في إطلاق النار فيه، فدخل إلى النقب نفسه وشاهده ثم أذن لهم، فألقوا ~~النار فيه، فوقع السور في الحال. # وهجم المسلمون البلد، وملكوه بالسيف يوم السبت سادس عشر جمادى الآخرة، ~~وشرعوا في النهب والقتل والأسر والسبي، حتى امتلأت أيديدهم من الغنائم. ثم ~~أمر أتابك برفع السيف عن أهلها، ومنع السبي، ورده من أيدي المسلمين، وأوصى ~~بأهلها خيرا، وشرع في عمارة ما انهدم منها وترميمه. # وكان جمال الدين أبو المعالي فضل الله بن ماهان رئيس حران هو الذي يحث ~~أتابك في جميع الأوقات على أخذها، ويسهل عليه أمرها، فوجد على عضادة ~~محرابها مكتوب: # أصبحت صفرا من بني الأصفر ... أختال بالأعلام والمنبر # دان من المعروف حال به ... ناء عن الفحشاء والمنكر # مطهر الرحب على أنني ... لولا جمال الدين لم أطهر # فبلغ ذلك رئيس حران، فقال: انحوا جمال الدين، واكتبوا عماد الدين. # فبلغ ذلك زنكي، فقال: صدق الشاعر لولاك ما طمعنا فيها. وأمر عماله بتخفيف ~~الوطأة عليهم في الخراج، ms230 وأن يأخذوه على قدر مغلاتها. # ثم رحل إلى سروج ففتحها، وهرب الفرنج منها، ثم رحل فنزل على البيرة، في ~~هذه السنة فحاصرها في هذه السنة. # وجاءه الخبر من الموصل أن نصير الدين جقر نائبه بالموصل قتل، فخاف PageV01P325 # عليها، وترك البيرة بعد أن قارب أخذها، وسار حتى دخل الموصل، وأخذ ~~فرخانشاه ابن السلطال الذي قتل جقر، عزم على تملك الموصل، فقتله بدم جقر، ~~وولى الموصل مكانه الأمير زين الدين علي كوجك. # ثتم شرع زنكي في الجمع والاحتشاد، والاستكثار من عمل المجانيق، وآلة ~~الحرب، في أوائل سنة أربعين وخمسمائة، ويظهر للناس أن ذلك لقصد الجهاد. ~~وبعض الناس يقول: أنه لقصد دمشق ومنازلتها. وكان ببعلبك مجانيق فحملت إلى ~~حمص، في شعبان من هذه السنة. # وقيل: إن عزمه انثنى عن الجهاد في هذه السنة، وأن جماعة من الأرمن بالرها ~~عاملوا عليها، وأرادوا الإيقاع بمن كان فيها من المسلمين واطلع على حالهم، ~~وتوجه أتابك من الموصل نحوها، وقوبل من عزم على الفساد بالقتل والصلب. ### || نهاية عماد الدين # وسار ونزل على قلعة جعبر بالمرج الشرقي تحت القلعة، يوم الثلاثاء ثالث ذي ~~الحجة، فأقام عليها إلى ليلة الأحد. سادس شهر ربيع الآخر نصف الليل من سنة ~~إحدى وأربعين وخمسمائة، فقتله يرنقش الخادم، كان يهدده في النهار، فخاف منه ~~فقتله في الليل في فراشه. # وقيل: إنه شرب ونام، فانتبه فوجد يرنقش الخادم وجماعة من غلمانه يشربون ~~فضل شرابه، فتوعدهم. ونام فأجمعوا على قتله، وجاء يرثقش إلى تحت القلعه، ~~فنادى أهل القلعه: شيلوني فقد قتلت أتابك. فقالوا له: اذهب إلى لعنة الله، ~~فقد قتلت المسلمين كلهم بقتله. # وقد كان أتابك ضايق القلعة، فقل الماء فيها جدا، والرسل من صاحبها علي PageV01P326 # ابن مالك تتردد بينه وبين أتابك، فبذل علي بن مالك له ثلاثين ألف دينار ~~ليرحل عنها، فأجابه إلى ذلك. # ونزل الرسول، وقد جمع الذهب حتى قلع الحلق من آذان أخواته، وأحضر الرسول، ~~وقال لبعض خواصه: امض بفرسه وقربه إلى قدر اليخني فإن شرب منه فأعلمني. ~~ففعل ذلك، فشرب الفرس ms231 مرقة اليخني، فعلم أن الماء قد قل عندهم، فغالط ~~الرسول ودافعه، ولم يجبه إلى ملتمسه، فأسقط في يد علي بن مالك. # وكان في القلعة عنده بقرة وحش، وقد أجهدها العطش، فصعدت في درجة المئذنة ~~حتى علت عليها، ورفعت رأسها إلى السماء، وصاحت صيحة عظيمة، فأرسل الله ~~سحابة ظللت القلعة، وأمطروا حتى رووا، فتقدم حسان البعلبكي صاحب منبج إلى ~~تحت القلعة، ونادى علي بن مالك، وقال له: يا أمير علي، ايش بقى يخلصك من ~~أتابك فقال له، يا عاقل، يخلصني الذي خلصك من حبس بلك له. يعني حين قتل بلك ~~على منبج وخلص حسان، فصدق فأله وكان ما ذكرناه. وأخبرني والدي رحمه الله أن ~~حارس أتابك كان يحرسه في الليلة التي قتل فيها بهذين البيتين: # يا راقد الليل مسرورا بأوله، ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا! # لا تأمنن بليل طاب أوله ... فرب آخر ليل أجج النارا! # وكان أتابك جبارا عظيما ذا هيبة وسطوة. وقيل: إن الشاووش كان يصيح خارج ~~باب العراق، وهو نازل من القلعة. وكان إذا ركب مشى العسكر خلفه كأنهم بين ~~خيطين مخافة أن يدوس العسكر شيئا من الزرع، ولا يجسر أحد من هيبته أن يدوس ~~عرقا منه، ولا يمشي فرسه فيه، ولا يجسر أحد من أجناده أن يأخذ لفلاح علاقة ~~تبن إلا بثمنها أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية، وإن تعدى أحد صلبه. # وكان يقول: ما يتفق أن يكون أكثز من ظالم واحد يعني نفسه فعمرت البلاد في ~~أيامه بعد خرابها وأمنت بعد خوفها. وكان لا يبقي على مفسد، وأوصى ولاته ~~وعماله بأهل حران، ونهى عن الكلف والسخر والتثقيل على الرعية. هذا ما حكاه ~~أهل حران عنه. PageV01P327 # وأما فلاحو حلب فإنهم يذكرون عنه ضد ذلك. # وكانت الأسعار في السنة التي توفي فيها رخية جدا. الحنطة ست مكايك ~~بدينار، والشعير اثنا عشر مكوكا بدينار والعدس أربع مكايك بدينار، والجلبان ~~خمسة مكايك بدينار، والقطن ستون رطلا بدينار، والدينار هو الذي جعله أتابك ~~دينار الغلة، وقدره خمسون قرطيسا برسا وذلك لقلة ms232 العالم. # ولما قتل افترقت عساكره فأخذ عسكر حلب ولده نور الدين أبا القاسم محمود ~~بن زنكي، وطلبوا حلب فملكوه إياها، وأخذ نور الدين خاتمه من إصبعه قبل إلى ~~حلب. وسار أجناد الموصل بسيف الدين غازي إلى الموصل وملكها. # وبقي أتابك وحده، فخرج أهل الرافقة فغسلوه بقحف جرة، ودفنوه على باب مشهد ~~علي رضي الله عنه في جوار الشهداء من الصحابة رضوان الله عليهم وبنى بنوه ~~عليه قبة، فهي باقية إلى الآن. PageV01P328 ### | القسم الرابع والعشرون حلب ونور الدين زنكي ### || نور الدين زنكي في حلب والرها # وملك الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي بن أق سنقر حلب، ~~عند ذلك في شهر ربيع الآخر يوم الثلاثاء عاشر الشهر، سنة إحدى وأربعين ~~وخمسمائة. # ووصل إليه صلاح الدين الياغيسياني يدبر أموره ويقوم بحفظ دولته، فحينئذ ~~راسل جوسلين الفرنجي أهل الرها وعامتهم من الأرمن، وحملهم على العصيان ~~وتسليم البلد، فأجابوه إلى ذلك، وواعدوهم يوما يصل إليهم فيه. # وسار إليها فملك البلد، وامتنعت القلعة فقاتلها، فبلغ الخبر إلى نور ~~الدين محمود بن زنكي، وهو بحلب، فسار إليها في عسكره، فخرج جوسلين هاربا ~~إلى بلده. # ودخلها نور الدين فنهبها وسبى أهلها، وخلت منهم، فلم يبق بها منهم إلا ~~القليل. # وأرسل نور الدين من سبيها جارية في جملة ما أهداه إلى زين الدين علي ~~كوجك، نائب أبيه بالموصل، فلما رآها دخل إليها، وخرج من عندها وقد اغتسل، PageV01P329 # وقال لمن عنده: تعلمون ما جرى لي يومنا هذا؟ لا، قال: لما فتحنا الرها مع ~~الشهيد وقع بيدي من النهب جارية رائقة أعجبني حسنها ومال قلبي إليها، فلم ~~يكن بأسرع من أن أمر الشهيد فنودي برد السبي والمال المنهوب، وكان مهيبا ~~مخوفا، فرددتها وقلبي متعلق بها، فلما كان الآن جاءتني هدية نور الدين ~~وفيها عدة جوار منهن تلك الجارية، فوطئتها خوفا أن يقع مثل تلك الدفعة. ### || نصر المسلمين في العريمة ويغري # وشرع نور الدين رحمه الله في صرف همته إلى الجهاد، فدخل في سنة اثنتين ~~وأربعين وخمسمائة، إلى بلد ms233 الفرنج، ففتح أرتاح بالسيف، ونهبها. وفتح حصن ما ~~بولة، وبسرفوث، وكفرلاثا وهاب. # وكان الفرنج بعد قتل والده قذ طمعوا وظنوا أنهم يستردون ما أخذه، فلما ~~رأوا من نور الدين الجد في أول أمره، علموا بعدما أملوه. # وخرج ملك الألمان ونزل على دمشق، في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وسار ~~لنجدتها سيف الدين غازي من الموصل، ونور الدين محمود، فوصلا إلى حمص. # وتوجه نور الدين إلى بعلبك، واجتمع بمعين الدين أنر بها، ورحل ملك ~~الألمان عن دمشق، وكان صحبته ولد الفنش، وكان جده قد أخذ طرابلس من ~~المسلمين. فأخذ ولد الفنش هذا حصن العريمة من الفرنج، وعزم على أخذ طرابلس ~~من القمص، فأرسل القمص إلى نور الدين إلى بعلبك يقول له في قصد حصن العريمة ~~وأخذه من ولد الفنش. PageV01P330 # فسار نور الدين ومعين الدين آنر معه، وسيرا إلى سيف الدين غازي إلى حمص، ~~يستنجدانه فأمدهما بعسكر كثير مع الدبيسي صاحب الجزيرة، فنازلوا الحصن، ~~وحصروه وبه ولد الفنش. # فزحف المسلمون إليه مرارا، ونقب النقابون السور فطلب من به من الفرنج ~~الأمان، فملكه المسلمون، وأخذوا كل من به من فارس وراجل، وصبي، وامرأة، ~~وفيهم ابن الفنش، وأخربوا الحصن، وعادوا إلى حمص. # ثم عاد سيف الدين غازي إلى الموصل. # وتجمع الفرنج ليقصدوا أعمال حلب، فخرج إليهم نور الدين بعسكره والتقاهم ~~بيغري، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الفرنج، وأسر منهم جماعة وقتل خلق، ~~ولم ينج إلا القليل. # وفي هذه الوقعة يقول الشيخ أبو عبد الله القيسراني من قصيدة: # وكيف لا نثني على عيشنا ال ... محمود والسلطان محمود # وصارم الإسلام لا ينثني ... إلا وشلو الكفر مقدود # مكارم لم تك موجودة ... إلا ونور الدين موجود ### || بناء المدارس # وشرع نور الدين في تجديد المدارس والرباطات بحلب، وجلب أهل العلم ~~والفقهاء إليها، فجدد المدرسة المعروفة بالحلاويين، في سنة ثلاث وأربعين ~~وخمسمائة، واستدعى برهان الدين أبا الحسن علي بن الحسن البلخي الخفي وولاه ~~تدريسها، فغير الأذان بحلب، ومنع المؤذنين من قولهم: حي على خير العمل وجلس ~~تحت المنارة ومعه الفقهاء، وقال لهم: ms234 من لم يؤذن الأذان المشروع فألقوه PageV01P331 # من المنارة على رأسه. فأذنوا الأذان المشروع، واستمر الأمر من ذلك اليوم. # وجدد المدرسة العصرونية على مذهب الشافعي، وولاها شرف الدين بن أبي ~~عصرون، ومدرسة النفري، وولاها القطب النيسابوري، ومسجد الغضائري وقف عليه ~~وقفا، وولاه الشيخ شعيب، وصار يعرف به. وبقي برهان الدين البلخي بحلب مدرسا ~~بالحلاوية إلى أن أخرجه مجد الدين بن الداية، لوحشة وقعت بينهما، ووليها ~~علاء الدين عبد الرحمن بن محمود الغزنوي ومات ووليها ابنه محمود، ثم وليها ~~الزضي صاحب المحيط، ثم وليها علاء الدين الكاشاني. # وتوفي سيف الدين غازي بن زنكي بالموصل في سنة أربع وأربعين وترك ولدا ~~صغيرا، فرباه عمه نور الدين، وعطف عليه. ### || اقتسام مناطق النفوذ # واتفق الوزير جمال الدين وزين الدين علي على أن ملكوا قطب الدين مودود ~~ابن زنكي الموصل، وكان نور الدين أكبر منه، وكاتبه جماعة من الأمراء ~~وطلبوه. وفيمن كاتبه المقدم عبد الملك والد شمس الدين محمد، وكان بسنجار، ~~فكتب إليه يستدعيه ليتسلم سنجار. # فسار جريدة في سبعين فارسا من أمراء دولته فوصل سنجار مجدا، ونزل بظاهر ~~البلد، وأرسل إلى المقدم يعلمه بوصوله، فرآه الرسول وقد سار إلى الموصل، ~~وترك ولده شمس الدين محمدا بالقلعة، فسير من لحق أباه في الطريق، وأعلمه ~~بوصول نور الدين، فعاد إلى سنجار، وسلمها إليه، وأرسل إلى قرا أرسلان PageV01P332 # صاحب الحصن يستدعيه لمودة كانت بينهما، فوصل إليه. # ولما سمع قطب الدين والوزير جمال الدين، وزين الدين بالموصول، جمعوا ~~العساكر، وعزموا على قصد سنجار وساروا إلى تل أعفر، فأشار الوزير جمال ~~الدين بمداراته، وقال: إننا نحن قد عظمنا محله عند السلطان، وجعلنا محلنا ~~دونه، وهو فيعظمنا عند الفرنج، ويظهر أنه تبع لنا، ويقول: إن كنتم كما نحب ~~وإلا سلمت البلاد إلى صاحب الموصل، وحينئذ يفعل بكم ويصنع، فإن هزمناه طمع ~~فينا السلطان ويقول: إن الذي كانوا يعظمونه، ويخوفوننا به أضعف منهم، وقد ~~هزموه، وإن هو هزمنا طمع فيه الفرنج، ويقولون: إن الذي كان يحتمي بهم أضعف ~~منه، وبالجملة فهو إبن ms235 أتابك الكبير، وأشار بالصلح. # وسار إلى نور الدين بنفسه، فوفق بينهما على أن يسلم سنجار إلى قطب الدين، ~~ويتسلم الرحبة، ويتسلم نور الدين بالشام جميعه، وقطب الدين بالجزيرة ما خلا ~~الرها، فإنها لنور الدين. ### || انتصارات نور الدين وضم دمشق # وعاد نور الدين إلى الشام، وأخذ ما كان قد ادخره أبوه أتابك من الخزائن، ~~وكانت كثيرة جدا. # فغزا نور الدين محمود بن زنكي بلد الفرنج من ناحية أنطاكية، وقصد حصن ~~حارم وهو للفرنج، فحصره، وخرب ربضه، ونهب سواده، ثم رحل إلى حصن إنب فحصره ~~أيضا. # فاجتمع الفرنج مع البرنس صاحب أنطاكية وحارم، وتلك الأعمال، وساروا إلى ~~نور الدين ليرحلوه عن إنب، فلقيهم يوم الأربعاء حادي وعشرين من صفر، سنة ~~أربع وأربعين وخمسمائة، واقتتلوا قتالا عظيما، وباشر نور الدين القتال ذلك ~~اليوم، PageV01P333 # فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقتل منهم جمع كثير، وأسر مثله. # وكان ممن قتل ذلك اليوم البرنس صاحب أنطاكية، وكان من عظماء الفرنج ~~وأقويائهم. ويحكى عنه أنه كان يأخذ الركاب الحديد بيده، فيطبقه بيده ~~الواحدة، وأنه مر يوما وهو راكب حصانا قويا تحت قنطرة فيها حلقة أو شيء مما ~~يتعلق به، فتعلق بيديه وضم فخذيه على الحصان فمنعه الحركة. # فلما قتل البرنس ملك بعده ابنه بيمند، وتزوجت أمه بابرنس آخر، ليدبر ~~البلد إلى أن يكبر ابنها، وأقام معها بأنطاكية، فغزاهم نور الدين غزوة ~~ثانية، فاجتمعوا ولقوه فهزمهم، وقتل منهم خلقا وأسر كذلك، وأسر البرنس ~~الثاني زوج أم بيمند، واستقل بيمند بأنطاكية. # وفي ذلك يقول الشيخ أبو عبد الله القيسراني من قصيدة أولها: # هذي العزائم لا ما تدعي القضب ... وذي المكارم لا ما قالت الكتب # صافحت يا ابن عماد الدين ذروتها ... براحة للمساعي دونها تعب # أغرت سيوفك بالأفرنج راجفة ... فؤاد رومية الكبرى لها يحب # ضربت كبشهم منها بقاصمة ... أودى بها الصلب وانحطت بها الصلب # طهرت أرض الأعادي من دمائهم ... طهارة كل سيف عندها جنب # وقال ابن منير في ذلك: # صدم الصليب على صلابة عوده ... فتفرقت أيدي سبا خشباته # وسقى البرنس وقد تبرنس ms236 ذلة ... بالروج مما قد جنت غدراته # تمشي القناة برأسه وهو الذي ... نظمت مدار النيرين قناته # وسار نور الدين محمود إلى أفامية، في سنة خمس وأربعين، فالتجأ الفرنج إلى ~~حصنها فقاتله، واجتمع الفرنج وساروا إليه ليرحلوه عنه، فوجدوه قد ملكه ~~وملأه من PageV01P334 # الرجال والذخائر، فسار في طلبهم، فعدلوا عن طريقه، ودخلوا بلادهم. # وجمع نور الدين العساكر وسار إلى بلاد جوسلين الفرنجي ليملكها وكان ~~جوسلين من أشجع الفرنج وأسدهم رأيا، فجمع الفرنج وأكثر، وسار إلى نور الدين ~~والتقيا، وفانهرم المسلمون وقتل منهم وأسر. # وكان سلاحدار نور الدين ممن أسر، فأخذ جوسلين سلاحه، فسيره إلى الملك ~~مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية، وقال: هذا سلاح زوج ابنتك. فعظم ذلك على ~~نور الدين، وهجر الراحة إلى أن يأخذ بثأره، وجعل يفكر في حيلة يحتال بها ~~على جوسلين، وعلم أنه إن قصده احتمى في حصونه. # فأحضر أمراء التركمان، وبذل لهم الرغائب إن ظفروا بجوسلين، فجعلوا عليه ~~العيون، فخرج إلى الصيد فظفر به طائفة من التركمان، فصانعهم على مال يؤديه ~~إليهم، فأجابوه إلى إطلاقه إذا أحضر المال، وأرسل في إحضاره. # فمضى بعض التركمان إلى مجد الدين أبي بكر ابن الداية، وكان ابن داية نور ~~الدين، واستنابه في حلب، وسلم أمورها إليه، فأحسن الولاية فيها والتدبير، ~~فأعلم ذلك التركماني ابن الداية بصورة الحال، فسير مجد الدين معه عسكرا، ~~فكبسوا أولئك التركمان، وأخذوا جوسلين أسيرا، وأحضروه إلى ابن الداية، في ~~محرم هذه السنة. # فسار نور الدين عند ذلك إلى قلاع جوسلين، ففتح عزاز بعد الحصار، في PageV01P335 # ثامن عشر ربيع الأول، سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وفتح تل باشر، وتل خالد ~~وفتح عين تاب سنة خمسين، وفتح قورس والراوندان وبرج الرصاص، وحصن البيرة ~~وكفرسود ومرعش ونهر الجوز. # وتجمع الفرنج وساروا إليه وهو ببلاد جوسلين ليمنعوه عن فتحها، في سنة سبع ~~وأربعين وخمسمائة، فلما قربوا منه رجع إليهم، ولقيهم عند دلوك، فاقتتلوا ~~فانهرم الفرنج، وقتل منهم وأسر كثير، وعاد إلى دلوك ففتحها. # وأما تل باشر فإنه تسلمها منهم بعد فتحه دمشق، ms237 لأنهم لما علموا أنه فتح ~~دمشق، وأنه يقصدهم ولا طاقة لهم به راسلوه، وبذلوا له تسليمها إليه، فسير ~~إليهم الأمير حسان صاحب منبج لقربها من منبج فتسلمها منهم، وحصنها. # وكان فتحه دمشق في صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة لأن الفرنج أخذوا عسقلان ~~من المصريين في سنة ثمان وأربعين، ولم يكن له طريق إلى إزعاجهم عنها ~~لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان. # وطمع الفرنج في دمشق، وجعلوا عليها قطيعة يأخذونها منهم في كل سنة، فخاف ~~نور الدين أن يملكها الفرنج، فاحتال في أخذها لعلمه أن أخذها بالقهر يصعب PageV01P336 # لأنه متى نارلها راسل صاحبها الفرنج مستنجدا بهم، وأعانوه خوفا من نور ~~الدين أن يملكها فيقوى بها عليهم. # فراسل مجير الدين أبق بن محمد بن محمد بن بوري صاحبها، واستماله وهاداه، ~~وأظهر له المودة حتى وثق به، فكان يقول له في بعض الأوقات: " إن فلانا قد ~~كاتبني في تسليم دمشق يعني بعض أمراء مجير الدين فكان يبعد ذلك عنه، ويأخذ ~~أقطاعه، فلما لم يبق عنده أحد من الأمراء قدم أميرا يقال له عطاء بن حفاظ ~~الخادم، وكان شجاعا وفوض إليه أمور دولته، فكان نور الدين لا يتمكن من أخذ ~~دمشق منه، فقبض عليه مجير الدين وقتله. # فسار نور الدين حينئذ إلى دمشق، وكان قد كاتب أهلها واستمالهم، وكان ~~الناس يميلون إليه، لما هو عليه من العدل والديانة والإحسان، فوعدوه ~~بالتسليم إليه. فلما حصر دمشق أرسل مجير الدين إلى الفرنج يبذل لهم الأموال ~~وتسليم قلعة بعلبك إليهم، لينجدوه ويرحلوا نور الدين عنه، فشرعوا في جمع ~~فارسهم وراجلهم لذلك. # فتسلم نور الدين دمشق، وخرج الفرنج وقد قضي الأمر فعادوا خائبين، وسلمها ~~إليه أهلها من باب شرقي، والتجأ مجير الدين إلى القلعة، فراسله وبذل له ~~عوضا عنها حمص، وغيرها، فسلمها إليه وسار إلى حمص، ثم أنه راسل أهل دمشق، ~~فعلم نور الدين، فخاف منه، فأخذ منه حمص، وعوضه ببالس، فلم يرض بذلك، وسار ~~إلى بغداد فمات بها. # وسار نور الدين إلى حارم، وهي لبيمند صاحب أنطاكية، وحصرها ms238 في سنة إحدى ~~وخمسين، وضيق على أهلها، فتجمع الفرنج وعزموا على قصده فأرسل والي PageV01P337 # حارم إلى الفرنج، وقال: لا تلتقوه فإنه إن هزمكم أخذ حارم وغيرها، ونحن ~~في قوة والرأي مطاولته فأرسلوا إلى نور الدين، وصالحوه على أن يعطوه نصف ~~أعمال حارم، ورجع نور الدين إلى حلب. ### || الزلازل في بلاد الشام # ووقعت الزلازل في شهر رجب في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، بالشام، فخربت ~~حماة، وشيزر، وكفر طاب، وأفامية، ومعرة النعمان، وحمص، وحصن الشميمس عند ~~سلمية، وغير ذلك من بلاد الفرنج وتهدمت أسوار هذه البلاد فجمع نور الدين ~~العساكر، وخاف على البلاد من الفرنج، وشرع في عمارتها حتى أمن عليها. # وأما شيزر، فانقلبت القلعة على صاحبها وأهله، فهلكوا كلهم، وكان قد ختن ~~ولدا له وعمل وليمة، وأحضر أهله في داره، وكان له فرس يحبه ولا يكاد ~~يفارقه، وإذا كان في مجلس أقيم ذلك الفرس على بابه، فكان ذلك اليوم على ~~الباب، فجاءت الزلزلة فقام الناس ليخرجوا من الدار فخرج واحد من الباب ~~فرمحه ذلك الفرس فقتله، فامتنع الناس من الخروج، فسقطت الدار عليهم فهلكوا. # وبادر نور الدين، ووصل إلى شيزر، وقد هلك تاج الدولة بن متقذ وأولاده، ~~ولم يسلم منهم إلا الخاتون أخت شمس الملوك زوجة تاج الدولة، ونبشت من تحت PageV01P338 # الردم سالمة، فتسلم القلعة وعمر أسوارها ودورها، وكان نور الدين قد سأل ~~أخت شمس الملوك عن المال وهددها، فذكرت له أن الدار سقطت عليها وعليهم، ~~ونبشت هي دونهم، ولا تعلم بشيء، وإن كان لهم شيء فهو تحت الردم. # وكان شرف الدولة إسماعيل غائبا، فلما حضر وعاين قلعة شيزر، ورأى زوجة ~~أخيه في ذلك الذل بعد العز، عمل قصيدة أولها: # ليس الصباح من المساء بأمثل ... فأقول لليل الطويل ألا انجلى # قال فيها: # يا تاج دولة هاشم بل يا أبا الت ... يجان بل يا قصد كل مؤمل # لو عاينت عيناك قلعة شيزر ... والستر دون نسائها لم يسبل # لرأيت حصنا هائل المرأى غدا ... متهلهلا مثل النقا المتهيل # لايهتدي فيه السعاة لمساك ... فكأنما تسري ms239 بقاع مهول # ذكر فيها زوجة أخيه، فقال: # نزلت على رغم الزمان ولو حوت ... يمناك قائم سيفها لم تنزل # فتبدلت عن كبرها بتواضع ... وتعوضت عن عزها بتذلل # وأقامت الزلازل تتردد في البلاد سبع سنين، وهلك فيها خلق كثير. # وفي هذه السنة أبطل الملك العادل نور الدين، وهو بشيزر، مظالم ومكوسا ~~ببلاده كلها مقدارها مائة وخمسون ألف دينار. # ثم إن نور الدين تلطف الحال مع ضحاك البقاعي، وراسله، وهو ببعلبك، وكان ~~قد عصى فيها بعد فتح دمشق، ولم ير أن يحصره بها لقربه من الفرنج، فسلمها ~~إلى نور الدين في هذه السنة. # وجرت وقعة بين نور الدين وبين الفرنج بين طبرية وبانياس، فكسرهم نور ~~الدين كسرة عظيمة في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. PageV01P339 ### || مرض وعافية # ثم عاد نور الدين إلى حلب، فمرض بها في سنة أربع وخمسين مرضا شديدا، ~~بقلعتها، وأشفى على الموت، وكان بحلب أخوه الأصغر نصر الدين أمير أميران ~~محمد بن زنكي، وأرجف بموت نور الدين، فجمع أمير أميران الناس، واستمال ~~الحلبيين، وملك المدينة دون القلعة، وأذن للشيعة أن يزيدوا في الأذان: حي ~~على خير العمل محمذ وعلي خير البشر، على عادتهم من قبل، فمالوا إليه لذلك. # وثارت فتنة بين السنة والشيعة، ونهب الشيعة مدرسة ابن عصرون وغيرها من ~~أدر السنة، وكان أسد الدين شيركوه بحمص، فبلغه ذلك فسار إلى دمشق ليغلب ~~عليها، وكان بها أخوه نجم الدين أيوب فأنكر عليه ذلك، وقال: أهلكتنا ~~والمصلحة أن تعود إلى حلب، فإن كان نور الدين حيا خدمته في هذا الوقت، وإن ~~كان مات فأنا في دمشق، وتفعل ما تريد. # فعاد مجدا إلى حلب، فوجد نور الدين وقد ترجح إلى الصلاح، فأجلسه في طيارة ~~مشرفة إلى المدينة، بحيث يراه الناس كلهم، وهو مصفر الوجه من المرض، ونادوا ~~إلى الناس: هذا سلطانكم. فقال بعضهم: ما هذا نور الدين، بل هو فلان يعنون ~~رجلا كان يشبهه وقد طلى وجهه بصفرة، ليخدعوا الناس بذلك ولما تحقق أمير ~~أميران عافية أخيه خرج من الدار التي كان ms240 بها تحت القلعة، وبيده ترس يحميه ~~من النشاب، وكان الناس قد تفرقوا عنه، فسار إلى حران، فملكها. # وسير نور الدين إلى قاضي حلب، جدي أبي الفضل هبة الله بن أبي جرادة، وكان ~~يلي بها القضاء والخطابة والإمامة، وقال له: تمضي إلى الجامع، وتصلي ~~بالناس، ويعاد الأذان إلى ما كان عليه. PageV01P340 # فنرل جدي، وجلس بشمالية الجامع تحت المنارة، واستدعى المؤذنين، وأمرهم ~~بالأذان المشروع على رأي أبي حنيفة، فخافوا فقال لهم: ها أنا أسفل منكم ولي ~~أسوة بكم. # فصعد المؤذنون وشرعوا في الأذان، فاجتمع تحت المنارة من عوام الشيعة ~~وغوغائهم خلق كثير فقام القاضي إليهم، وقال: يا أصحابنا، وفقكم الله، من ~~كان على طهارة فليدخل وليصل، ومن كان محدثا فليجدد وضوءه ويصلي، فإن المولى ~~نور الدين بحمد الله في عافية، وقد تقدم بما يفعل، فانصرفوا راشدين. ~~فانصرفوا وقالوا: ايش نقول لقاضينا! ونزل المؤذنون وصلى بالناس، وسكنت ~~الفتن. # فلما عوفي نور الدين قصد حران، فهرب نصرة الدين أمير أميران، وترك أولاده ~~بالقلعة بحران فتسلمها، وأخرجهم منها، وسلمها إلى زين الدين علي كوجك، نائب ~~أخيه، قطب الدين. # ثم سار إلى الرقه وبها أولاد أميرك الجاندار، وقد مات أبوهم، فشفع إليه ~~بعض الأمراء في إبقائها عليهم، فغضب، وقال: هلا شفعتم في أولاد أخي لما ~~أخذت منهم حران، وكانت الشفاعة فيهم من أحب الأشياء إلي، وأخذها منهم. ### || تحرك الفرنج وانتصارهم في البقيعة # وخرج مجد الدين ابن الداية من حلب إلى الغزاة، في شهر رجب من سنة خمس ~~وخمسين، فلقي جوسلين بن جوسلين، فكسره، وأخذه أسيرا، ودخل به إلى قلعة حلب. # ثم إن الفرنج أغاروا على بلد عين تاب، فأخذوا التركمان، ونهبوا أغنامهم، ~~وعادوا يريدون أنطاكية، فخرج إليهم مجد الدين، ولقيهم بالجومة، وكسرهم، PageV01P341 # وقتل منهم خلقا عظيما، وأسر البرنس الثاني وخلقا معه، ودخل بهم إلى حلب ~~في مستهل ذي الحجة من سنة ست وخمسين وخمسمائة. # وفي سنة سبع، ولى نور الدين كمال الدين أبا الفضل محمد بن الشهرزوري قضاء ~~ممالكه كلها، وأمر القضاة ببلاده أن يكتبوا في ms241 الكتب بالنيابة عنه، وكان قد ~~حلف له على ذلك وعاهده عليه، وكان ذلك بدمشق في السنة المذكورة، فامتنع زكي ~~الدين قاضي دمشق، فعزل، وكتب إلى جدي أبي الفضل بحلب، فامتنع أيضا. # ووصل نور الدين ومعه مجد الدين ابن الداية، واستدعاه نور الدين إلى ~~القلعة، وقال: كنا قد عاهدنا كمال الدين، وحلفنا له على هذا الأمر، وما أنت ~~إلا نائبي، وله اسم قضاء البلاد لا غير فامتنع وقال: لا أنوب عن مكانين ~~فولى قضاء حلب محيي الدين أبا حامد ابن كمال الدين، وأبا المفاخر عبد ~~الغفور بن لقمان الكردي، وذلك بأشارة مجد الدين لوحشه كانت بينه وبين جدي. # ثم إن نور الدين جمع العساكر بحلب، في سنة سبع، وسار إلى حارم، وقاتلها، ~~فجمع الفرنج جموعهم، وساروا إليه. فطلب منهم المصاف فلم يجيبوه، وتلطفوا ~~معه حتى عاد إلى حلب. # ثم جمع العساكر في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، ودخل إلى بلاد الفرنج، ونزل ~~في البقيعة تحت حصن الأكراد محاصرا له، وعازما على أن يقصد طرابلس. # فاجتمع الفرنج، وخرج معهم الدوقس الرومي، وكان قد خرج في جمع كثير من ~~الروم واتفق رأيهم على كبسة المسلمين نهارا، فإنهم يكونون آمنين، فركبوا ~~لوقتهم ولم يتوقفوا، وساروا مجدين إلى أن قربوا من يزك المسلمين، فلم يكن PageV01P342 # لهم بهم طاقة وأرسلوا إلى نور الدين يعرفونه الحال فرهقهم الفرنج بالحملة ~~عليهم فلم يثبت المسلمون وعادوا منهزمين إلى نور الدين والفرنج في ظهورهم، ~~فوصلوا جميعا إلى عسكر نور الدين، ولم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل وأخذ ~~السلاح، حتى خالطهم الفرنج، فقتلوا، وأسروا، قتلا عظيما وأسرا كبيرا. # وكان الدوقس أشدهم على المسلمين، فلم يبق أصحابه على أحد، وقصدوا خيمة ~~نور الدين، وقد ركب فيها فرسه، فنجا بنفسه، ولسرعته ركب الفرس والشبحة في ~~رجله، فنرل إنسان كردي، وفداه بنفسه، فقطع الشبحة، ونجا نور الدين، وقتل ~~الكردي فأحسن إلى مخلفيه، ووقف عليهم الوقوف. # ووصل نور الدين إلى بحيرة قدس، وبينه وبين المعركة نحو أربعة فراسخ، ~~وتلاحق به من سلم من العسكر، فقال له ms242 بعضهم: المصلحة أن نسير، فإن الفرنج ~~ربما طمعوا وجاؤوا إلينا، ونحن على هذه الحال، فوبخه وأسكته، وقال: إذا كان ~~معي ألف فارس التقيتهم، ووالله لا أستظل بسقف حتى أخذ بثأري وثأر الإسلام. # وأرسل إلى حلب ودمشق، وأحضر الأموال الثياب والخيام والسلاح والخيل، ~~فأعطى الناس عوضا عما أخذ منهم بقولهم، وأصبح عسكره كأن لم يهزم ولم ينكب، ~~وكل من قتل أعطى أولاده أقطاعه. # ولما رأى أصحاب نور الدين كثرة خرجه قال له بعض صحابة السوء: إن لك في ~~بلادك إدرارات وصلات ووقوفا كثيرة على الفقهاء، والفقراء، والقراء، PageV01P343 # والصوفية وغيرهم، فلو استعنت بها في هذا الوقت لكان أصلح فغضب من ذلك ~~وقال: والله إنني لا أرجو النصر إلا بدعاء أولئك، فإنما ترزقون وتنصرون ~~بضعفائكم، كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا ~~تخطىء، وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال، كيف يحل لي أن أعطيه غيرهم!. # وقيل: إن برهان الدين البلخي قال لنور الدين: أتريدون أن تنصروا وفي ~~عسكركم الخمور والطبول والزمور، كلا والله. فلما سمع نور الدين كلامه عاهد ~~الله على التوبة، ونزع عنه ثيابه تلك التي كان يلبسها، والتزم بلبس الخشن، ~~وبطل جميع ما كان بقي في بلاده من الأعشار والمكوس والضرائب، ومنع من ~~ارتكاب الفواحش، وكتب إلى البلاد إلى زهادها وعبادها يذكر لهم ما نال ~~المسلمين من القتل والأسر، ويستمد منهم الدعاء، وإن يحثوا المسلمين على ~~الغزاة، وكاتب الملوك الإسلامية يطلب منهم النجد والإستعداد، وامتنع من ~~النوم على الوطيء وعن جميع الشهوات. ### || نور الدين وشيركوه # وراسله الفرنج في طلب الصلح فامتنع، فبينا هو في الاستعداد للجهاد إذ ورد ~~عليه في شهر ربيع الأول، من سنة تسع وخمسين وخمسمائة، شاور وزير العاضد ~~بمصر إلى دمشق، ملتجئا إليه، ومستجيرا به على ضرغام، وكان قد نازعه في ~~الوزارة وغلب عليها. # وطلب منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه، ويكون لنور الدين ~~ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر، ويكون نائبه مقيما بعساكره في مصر، PageV01P344 # ويتصرف بأمر نور ms243 الدين واختياره، فبقي مترددا بين أن يفعل ذلك وبين أن ~~يجعل جل قصده إلى الفرنج. # ثم قوي عزمه وسير أسد الدين شيركوه بن شادي، في عسكر معه، في جمادى ~~الأولى من سنة تسع وخمسين، وتقدم إلى أسد الدين أن يعيد شاور إلى منصبه. # وسار نور الدين إلى طرف بلاد الفرنج مما يلي دمشق، بما بقي من العساكر ~~ليمنع الفرنج من التعرض لأسد الدين وشاور في طريقهما، فاشتغل الفرنج بحفظ ~~بلادهم من نور الدين عن التعرض لهما، ووصل أسد الدين وشاور إلى بلبيس، فخرج ~~إليهم ناصر الدين أخو ضرغام بعسكر المصريين، ولقيهم فانهزم وعاد إلى القا ~~هرة. # ووصل أسد الدين إلى القاهرة، فنزل عليها قي آخر جمادى الآخرة، فخرج ضرغام ~~فقتل، وقتل أخوه، وخلع على شاور وأعيد إلى الوزارة. # وأقام أسد الدين بظاهر القاهرة، فغدر شاور، وعاد عما كان قرره مع نور ~~الدين. وأمر أسد الدين بالعود إلى الشام فامتنع، وطلب ما كان استقر فلم ~~يجبه إليه، فأرسل أسد الدين نوابه فتسلموا بلبيس، وحكم على البلاد الشرقية. # فأرسل شاور إلى الفرنج، واستنجد بهم، وخوفهم من نور الدين إن ملك مصر، ~~فسارعوا إلى تلبيته، وطمعوا في ملك الديار المصرية، وساروا إلى بلبيس، وسار ~~نور الدين إلى طرف بلادهم ليمنعهم عن المسير، فلم يلتفتوا، وتركوا في ~~بلادهم من يحفظها. # وسار ملك القدس في الباقين إلى بلبيس، واستعان بجمع كثير كانوا خرجوا إلى ~~زياره القدس، وأقام أسد الدين ببلبيس، وحصره الفرنج، والعسكر المصري ثلاثة ~~أشهر وهو يغاديهم القتال ويروحهم، فلم يظفروا منه بطائل، مع أن سور بلبيس ~~قصير، وهو من طين. PageV01P345 ### || من أمهات المعارك # فعند ذلك خرج نور الدين لقصد بلاد الفرنج، ونزل إلى حلب وجمع العساكر ~~وأرسل إلى أخيه قطب الدين صاحب الموصل، وإلى فخر الدين قرا أرسلان صاحب حصن ~~كيفا، والي نجم الدين ألبى صاحب ماردين وغيرهم من أصحاب الأطراف واستنجد ~~بهم. # فسار قطب الدين ومقدم عسكره زين الدين علي كوجك، وسير صاحب ماردين عسكره، ~~وأما صاحب الحصن فقال له خواصه وندماؤه: ms244 على أي شيء عزمت؟ فقال: على ~~القعود، فإن نور الدين قد تحشف من كثرة الصوم والصلاة، فهو يلقي نفسه ومن ~~معه في المهالك. # فلما جاء الغد أمر العسكر أن يتجهز للغزاة فسألوه عما صدفه عن رأيه، ~~فقال: إن نور الدين إن لم أنجده خرجت بلادي عن يدي، فإنه قد كاتب زهادها ~~والمنقطعين عن الدنيا يستمد منهم الدعاء، ويطلب منهم أن يحثوا المسلمين على ~~الغزاة، وقد قعد كل واحد منهم ومعه أتباعه وأصحابه، وهم يقرؤون كتب نور ~~الدين، ويبكون، فأخاف أن يجتمعوا على لعنتي والدعاء علي ثم تجهز وسار ~~بنفسه. # ولما اجتمعت العساكر خرج نور الدين إلى حارم، وحصرها، ونصب المجانيق ~~عليها، وزحف إليها، فخرج البرنس بيمند، والقمص صاحب طرابلس، وابن جوسلين ~~والدوك مقدم كبير من الروم. وابن لاون ملك الأرمن، وجمعوا جميع من بقي من ~~الفرنج بالساحل، وقصدوا نور الدين. # فرحل إلى أرتاح ليتمكن منهم إن طلبوه ويبتعدوا عن البلاد إن لقوه، وسير ~~أثقاله إلى تيزين، فساروا فنزلوا على الصفيف، ثم عادوا إلى حارم، فتبعهم ~~نور الدين على تعبئة الحرب، فلما تقاربوا اصطفوا للقتال فحمل الفرنج على ~~ميمنة PageV01P346 # المسلمين، وفيها عسكر حلب وصاحب الحصن، فانهزم المسلمون حتى وصلوا إلى ~~جدارهم، ونور الدين واقف بازائهم على تل هناك يتضرع إلى الله، وهو مكشوف ~~الرأس. # وبقي راجل الفرنجك فوق عم، مما يلي حارم بالصفيف، فعطف عليهم زين الدين ~~علي كوجك، في عسكر الموصل، وكان نور الدين قد جعله كمينا في طرف العمق، ~~وآجام القصب، فقتلهم عن آخرهم. # ورجعت الخيالة من الفرنج خوفا على الراجل أن يتبعوا المسلمين، فيقع ~~المسلمون عليهم، فوجدوا الأمر على ما قدروه، فرأوا الرجالة منهم قتلى ~~وأسرى، واتبعهم نور الدين مع من انهزم من المسلمين، فأحاطوا بهم من جميع ~~الجهات، فاشتد الحرب، وكثر القتل في الفرنج، فوقعت عليهم الغلبة. # وعدل المسلمون إلى الأسر، فأسروا صاحب أنطاكية، وصاحب طرابلس، والدوك ~~مقدم الروم، وابن جوسلين، ولم يسلم إلا مليح بن لاون، قيل إن الياروقية ~~أفرجوا له حتى هرب، لأنه كان خالهم. ms245 وكان عدة القتلى تزيد على عشرة آلاف. # وسار إلى حارم فملكها في شهر رمضان من السنة، وبث سراياه في أعمال ~~أنطاكية، فنهبوها وأسروا أهلها، وباع البرنس بمال عظيم وأسرى من المسلمين. # ثم ساروا في هذه السنة إلى دمشق، بعد أن أذن لعسكر الموصل وديار بكر ~~بالعود إلى بلادهم، ثم خرج إلى بانياس، فحصرها وقاتلها. وكان معه أخوه نصرة ~~الدين أمير أميران وكان قد رضي عنه وسامحه وهو على حارم، بعد أن دخل إلى ~~الفرنج، فأصابه سهم أذهب إحدى عينيه، فقال له: لو كشف لك عن الأجر الذي أعد ~~لك لتمنيت ذهاب الأخرى. وجد في حصارها وفتحها، وملأ PageV01P347 # القلعة بالذخائر والرجال، وشاطر الفرنج في أعمال طبرية، وقرروا له على ما ~~سوى ذلك مالا في كل سنة. # ووصل خبر فتح حارم وبانياس إلى الفرنج النازلين على بلبيس، فأرادوا العود ~~إلى بلادهم، فراسلوا أسد الدين في الصلح رجاء أن يلحقوا بانياس، فاتفق ~~الحال معهم على أن يعود إلى الشام، ويسلم ما بيده من أعمال مصر إلى أهلها، ~~ولم يكن عنده علم بما جرى لنور الدين بالشام، وكانت الذخائر قد قلت عنده ~~ببلبيس. # وخرج من الديار المصرية إلى الشام، وجاء الفرنج ليدركوا بانياس، فوجدوا ~~الأمر قد فات، وكشف أسد الدين الديار المصرية، واستصغر أمر من بها. # ودخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة، فسار نور الدين إلى المنيطرة جريدة في ~~قلة من العسكر، على غفلة من الفرنج، وحصر حصنها، وأخذه عنوة، وقتل من به، ~~وسبى وغنم غنيمة كثيرة، وأيس الفرنج من استرجاعه بعد أن تجمعوا له وتفرقوا. ### || موقعة البابين # وتحدث أسد الدين مع نور الدين، في عوده إلى الديار المصرية، فلما رأى جده ~~سيره إليها في ألفي فارس من خيار العسكر، في سنة اثنتين وستين وخمسمائة. # فسار على البر، وترك بلاد الفرنج على يمينه، فوصل الديار المصرية، وعبر ~~النيل إلى الجانب الغربي عند أطفيح، وحكم على البلاد الغربية، ونزل بالجيزة ~~مقابل مصر، فأقام نيفا وخمسين يوما. # فأرسل شاور واستنجد بالفرنج، فسار أسد الدين إلى الصعيد، وبلغ ms246 إلى موضع ~~يعرف بالبابين، وسارت العساكر المصرية والفرنجية خلفه، فوصلوا إليه وهو على ~~تعبئة وقد جعل أثقاله في القلب ليتكثر بها، وجعل ابن أخيه صلاح الدين في ~~القلب، وأوصاهم متى حملوا عليه أن يندفع بين أيديهم قليلا، فإذا عادوا ~~فارجعوا في أعقابهم. PageV01P348 # واختار من يثق بشجاعته، ووقف بهم في الميمنة، فحمل الفرنج على القلب، ~~فاندفع بين أيديهم غير مفرقين، فحمل أسد الدين بمن معه على من بقي منهم، ~~فهزمهم ووضع السيف فيهم، وأكثر القتل والأسر، وعاد الذين حملوا على القلب ~~فوجدوا أصحابهم قد مضوا قتلا وأسرا فانهزموا. # وسار أسد الدين إلى الاسكندرية، ففتحها باتفاق من أهلها، واستناب بها ~~صلاح الدين، وعاد إلى الصعيد، وجبى أمواله. # وتجمع الفرنج والمصريون، وحصروا صلاح الدين با لاسكندرية، فصبروا على ~~الحصار إلى أن عاد أسد الدين، فوقع الصلح على أن بذلوا لأسد الدين خمسين ~~ألف دينار، سوى ما أخذ من البلاد، وأن الفرنج لا يقيمون في البلاد، ~~فاصطلحوا على ذلك، وعاد إلى الشام، وتسلم المصريون الاسكندرية. ### || توسع نور الدين # وأما نور الدين فإنه جمع العساكر في هذه السنة، ودخل من حمص إلى بلاد ~~الفرنج، فنازل عرقة، ونهب بلدها، وخرب بلادهم، وفتح صافيتا والعريمة، وعاد ~~إلى حمص، وخرج إلى بانياس، وخرج إلى هونين، فانهزم الفرنج عنه وأحرقوه، ~~فوصل إليه نور الدين من الغد، فخرب سوره وعاد. # وكان حسان صاحب منبج قد مات، وأقطع نور الدين منبج ولده غازي بن حسان، ~~فعصى عليه في هذه السنة، فسير إليه عسكرا، وأخذوها منه فأقطعها أخاه قطب ~~الدين ينال بن حسان، وهو ائذي ابتنى المدرسة الحنفية بمنبج. # وفي سنة ثلاث وستين وخمسمائة، نزل شهاب الدين مالك بن علي بن مالك صاحب ~~قلعة جعبر ليتصيد، فأخذه بنو كلاب أسيرا وحملوه إلى نور الدين في رجب، ~~فاعتقله وأحسن إليه، ورغبه في الأقطاع فلم يجبه، فعدل إلى الشدة والعنف. # ثم سير إليها عسكرا فلم يقدر على فتحها، فعدل إلى اللين مع صاحبها، PageV01P349 # إلى أن اتفق الحال على أن عوضه عنها بسروج وبزاعا والملوحة، ms247 وسلم إليه ~~القلعة في سنة أربع وستين، وقيل لمالك: " أيما أحب إليك سروجا أو القلعة؟ ~~فقال: هذه أكثر مالا، وأما العز ففارقناه بالقلعة. # وفي هذه السنة أطلق نور الدين في بلاده بعض ما كان قد بقي من المظالم ~~والمؤن. # ثم إن الفرنج طمعوا في الديار المصرية فصعدوا إليها في سنة أربع وستين ~~وخمسمائة، وأخذوا بلبيس وساروا إلى القاهرة فقاتلوها، وسير العاضد يستغيث ~~إلى نور الدين، وسير شعور نسائه في الكتب، فوصله الرسول وهو بحلب، وبذل له ~~ثلث بلاد مصر، وأن يكون أسد الدين مقيما عندهم. ### || قتل شاور وموت أسد الدين # وكتبوا إلى أسد الدين بمثل ذلك، فوصل إلى نور الدين إلى حلب من حمص وقد ~~عزم على الايفاد إليه، فأمره بالتجهز إلى مصر، وأعطاه مائتي ألف دينار سوى ~~الثياب والسلاح والدواب، وحكمه في العسكر والخزائن فاختار ألفي فارس، وأخذ ~~المال وجمع ستة آلاف فارس، وسار هو ونور الدين إلى دمشق فوصلها سلخ صفر، ~~ورحل إلى رأس الماء. # وأضاف إلى أسد الدين جماعة أخرى من الأمراء منهم: عز الدين جورديك وغرس ~~الدين قلج، وشرف الدين برغش، وعين الدولة بن ياروق، وقطب الدين ينال بن ~~حسان، وصلاح الدين ابن أخيه. # وسار أسد الدين، فلما قارب مصر رحل عنها الفرنج إلى بلادهم، ووصل أسد ~~الدين إلى القاهرة سابع جمادى الآخرة، ودخل إليها واجتمع بالعاضد، وخلع ~~عليه وعاد إلى خيامه، وفي نفس شاور منه ما فيها، ولا يتجاسر على إظهاره. PageV01P350 # وكان شاور يخرج في الأحيان إلى أسد الدين يجتمع به، فخرج في بعض الأيام ~~على عادته فلم يجده في الخيام، وكان قد مضى لزيارة قبر الشافعي رضي الله ~~عنه فلقيه صلاح الدين، وجورديك، في جمع من العسكر وخدموه، وأعلموه أن أسد ~~الدين قد مضى للزيارة فقال: نمضي إليه فساروا جميعا، فساوره صلاح الدين ~~وجورديك، وألقياه إلى الأرض، فهرب عنه أصحابه وأخذ أسيرا. # وأرسلوا إلى أسد الدين فحضر في الحال، وجاءه التوقيع في الحال بالوزارة ~~على يد خادم خاص، ويقول: لا بد من رأسه، جريا ms248 على عادتهم في وزرائهم أن ~~الذي يقوى على الآخر يقتله. فقتل وأنفذ رأسه إلى العاضد. # وأنفذ إلى أسد الدين خلعة الوزارة، فسار ودخل القصر، وترتب وزيرا في سابع ~~عشر شهر ربيع الآخر، ودام آمرا ناهيا إلى أن عرض له خوانيق، فمات في الثاني ~~والعشرين من جمادى الآخرة. ### || وزارة صلاح الدين # وفوض الأمر بعده إلى ابن أخيه، وكان جماعة من الأمراء الذين كانوا مع أسد ~~الدين قد تطاولوا إلى الوزارة، منهم: عين الدولة بن ياروق، وسيف الدين ~~المشطوب، وشهاب الدين محمود الحارمي خال السلطان صلاح الدين وقطب الدين ~~ينال بن حسان. # فأرسل العاضد إلى صلاح الدين، وأحضره، عنده، وولاه الوزارة بعد عمه، وخلع ~~عليه، ولقبه بالملك الناصر، فاستتبت أحواله، وبذل المال، وتاب عن شرب ~~الخمر، وأخذ في الجد والتشمير في أموره كلها، وكان الفقيه عيسى الهكاري ~~معه، فميل الأمراء الذين كانوا قد طمعوا بالوزارة إلى الانقياد إليه، ~~فأجابوا سوى عين الدولة بن ياروق، فإنه امتنع، وعاد إلى نور الدين إلى ~~الشام. # فاستمر الملك الناصر بالديار المصرية وزيرا، وهو نائب عن نور الدين، وكان ~~إذا كتب إليه كتابا يكتب: الأمير الاسفهسلار، وكافة الأمراء بالديار PageV01P351 # المصرية يفعلون كذا. وتكتب العلامة على رأس الكتاب، ولا يذكر اسمه. وسير ~~الملك الناصر، وطلب أباه نجم الدين وأهله، فسيرهم نور الدين إليه مع عسكر، ~~واجتمع معهم من التجار خلق عظيم، وذلك في سنة خمس وستين. # وخاف نور الدين عليهم من الفرنج، فسار في عساكره إلى الكرك فحصره ونصب ~~عليه المجانيق، فتجمع الفرنج، وساروا إليه وتقدمهم ابن الهنفري، وابن ~~الدقيق، فرحل نور الدين نحوهما قبل أن تلحقهما بقية عساكر الفرنج فرجعا ~~خوفا منه واجتمعا ببقية الفرنج. # وسلك نور الدين وسط بلادهم، وأحرق ما في طريقه إلى أن وصل إلى بلاد ~~الاسلام، فنزل على عشترا على عزم الغزاة، فأتاه خبر الزلازل الحادثة ~~بالشام، فإنها خربت حلب خرابا شنيعا، وخرج أهلها إلى ظاهرها. ### || من الزلازل إلى وفاة قطب الدين # وتواترت الزلازل بها أياما متعددة، وكانت في ثاني عشر شوال من ms249 السنة يوم ~~الاثنين طلوع الشمس، وهلك من الناس ما يريد على خمسة آلاف نفر ذكر وأنثى، ~~وكان قد احترق جامع حلب وما يجاوره من الأسواق قبل ذلك في سنة أربع وستين ~~وخمسمائة، فاهتم نور الدين في عمارته وإعادته والأسواق التي تليه إلى ما ~~كانت عليه. وقيل: إن الاسماعيلية أحرقوه. # وبلغه أيضا وفاة مجد الدين ابن دايته، أخيه من الرضاعة بحلب، في شهر ~~رمضان سنة خمس وستين وخمسمائة، فتوجه نور الدين إلى حلب، فوجد أسوارها ~~وأسواقها قد تهدمت. # ونزل على ظاهر حلب حتى أحكم عمارة جميع أسوارها، وبنى الفصيل الدائر على ~~البلد، وهو سور ثان. # ورمم نوابه ما خرب من الحصون والقلاع مثل بعلبك، وحمص وحماة، وبارين، ~~وغيرها. PageV01P352 # وخرج نور الدين إلى تل باشر، فوصله الخبر بوفاة أخيه قطب الدين بالموصل ~~في ذي الحجة، وكان أوصى بالملك لابنه الأكبر عماد الدين زنكي، وكان طوع عمه ~~نور الدين لكثرة مقامه عنده، ولأنه زوج ابنته. # ثم إن فخر الدين عبد المسيح وخاتون ابنة تمرتاش بن إيلغاري زوجة قطب ~~الدين، وهي والدة سيف الدين غازي بن قطب الدين اتفقا على صرف قطب الدين عن ~~وصيته لابنه عماد الدين إلى سيف الدين غازي. # فرحل عماد الدين إلى عمه نور الدين مستنصرا به ليعينه على أخذ الملك له، ~~فسار نور الدين في سنة ست وستين وخمسمائة، وعبر الفرات عند قلعة جعبر في ~~مستهل المحرم، وقصد الرقة فحصرها وأخذها، ثم سار في الخابور، فملكه جميعه، ~~وملك نصيبين، وأقام بها يجمع العساكر، وكانت أكثر عساكره في الشام في ~~مقابلة الفرنج. # فلما اجتمعت العساكر سار إلى سنجار فحصرها، ونصب عليها المجانيق، وفتحها ~~فسلمها إلى عماد الدين زنكي ابن أخيه، وجاءته كتب الأمراء بالموصل يبذلون ~~له الطاعة، ويحثونه على الوصول إليهم، فسار إلى الموصل. # وكان سيف الدين غازي وعبد المسيح قد سيرا عز الدين مسعود بن قطب الدين ~~إلى أتابك شمس الدين إيلدكز صاحب أذربيجان وأصبهان، يستنجدانه على نور ~~الدين، فأرسل إيلدكز إليه رسولا ينهاه عن التعرض للموصل فقال نور ms250 الدين: قل ~~لصاحبك أنا أصلح لأولاد أخي منك، فلا تدخل بيننا، وعند الفراغ من إصلاح ~~بلادهم يكون لي معك الحديث على باب همذان، فإنك قد ملكت هذه المملكة ~~العظيمة، وأهملت الثغور حتى غلب الكرج عليها، وقد بليت أنا ولي مثل ربع ~~بلادك بالفرنج، فأخذت معظم بلادهم، وأسرت ملوكهم. # وأقام على الموصل فعزم من بها من الأمراء على مجاهرة عبد المسيح ~~بالعصيان، وتسليم البلد إلى نور الدين، فعلم بذلك، فأرسل إلى نور الدين في ~~تسليم PageV01P353 # البلد على أن يقره بيد سيف الدين، وطلب الأمان لنفسه وعلى أن يمضي صحبته ~~إلى الشام، ويقطعه ما يرضيه فتسلم البلد، وأبقى فيه سيف الدين غازي. # وعاد إلى حلب فدخلها في شعبان من هذه السنة. ### || انتقال الخطبة من الفاطميين إلى العباسيين # وكتب إلى الملك النصر صلاح الدين يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة ~~الخطبة المستضيئية العباسية، فامتنع واعتذر بالخوف من قيام أهل الديار ~~المصرية عليه، وكان يؤثر أن لا يقطع الخطبة للمصريين في ذلك الوقت، خوفا من ~~نور الدين أن يدخل إلى الديار المصرية فيأخذها منه، وإذا كان العاضد معه ~~امتنع وأهل مصر معه، فلم يقبل عذره نور الدين، وألح عليه. # وكان العاضد مريضا فخطب للمستضيء في الديار المصرية. وتوفي العاضد، ولم ~~يعلم بقطع الخطبة. وقيل: أنه علم قبل موته، وكان ذلك في سنة سبع وستين ~~وخمسمائة. # وفي هذه السنة تتبع نور الدين رسوم المظالم والمؤن في جميع البلاد التي ~~بيده، فأزالها وعفى رسومها ومحا آثار المنكرات والفواحش، بعدما كان أطلق من ~~ذلك في تواريخ متقدمة، وكان مبلغ ما أطلقه أولا وثانيا خمسمائة ألف وستة ~~وثمانين ألفا وأربعمائة وستين دينارا. # وكان رأى وزيره موفق الدين خالد بن القيسراني في المنام كأنه يفضل ثياب ~~نور الدين، ففسر ذلك عليه، ففكر في ذلك ولم يرد عليه جوابا، فخجل وزيره ~~وبقي أياما واستدعاه، وقال: تعالى يا خالد، اغسل ثيابي، وأمره فكتب توقيعا ~~بإزالة ما ذكرناه. ### || تراجع صلاح الدين الأيوبي # وسار الملك الناصر من مصر غازيا، فنازل حصن الشوبك وحصره، فطلبوا ms251 الأمان ~~واستمهلوه عشرة أيام، فلما سمع نور الدين بذلك سار عن دمشق، فدخل PageV01P354 # بلاد الفرنج من الجهة الأخرى، فقيل للملك الناصر: إن دخل نور الدين من ~~جانب وأنت من هذا الجانب ملك بلاد الفرنج، فلا يبقى لك معه بديار مصر مقام، ~~وإن جاء وأنت ههنا فلا بد لك من الإجتماع به، وببقى هو المتحكم فيك بما ~~شاء، والمصلحة الرجوع إلى مصر. # فرحل عن الشوبك إلى مصر، وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال أمور الديار ~~المصرية وأن شيعتها عزموا على الوثوب بها، فلم يقبل نور الدين عذره، وتغير ~~عليه وعزم على الدخول إلى الديار المصرية. # فسمع الملك الناصر، فجمع أباه نجم الدين وخاله شهاب الدين، وتقي الدين ~~عمر، وغيرهم من الأمراء، وأعلمهم ما بلغه من حركة نور الدين واستشارهم، فلم ~~يجبه أحد، فقام تقي الدين، وقال: إذا جاءنا قاتلناه. ووافقه غيره من أهله، ~~فشتمهم نجم الدين أيوب والد الملك الناصر، وأقعد تقي الدين، وقال للملك ~~الناصر: أنا أبوك، وهذا شهاب الدين خالك، ونحن أكثر محبة لك من جميع من ~~ترى، ووالله لو رأيت أنا وهذا خالك نور الدين لم يمكننا إلا أن نقبل الأرض ~~بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا. فإذا كنا نحن هكذا، فما ~~ظنك بغيرنا، وكل من نراه عندك، فهو كذلك، وهذه البلاد لنور الدين، ونحن ~~مماليكه ونوابه فيها، فإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا، والرأي أن تكتب كتابا مع ~~نجاب وتقول له: بلغني أنك تريد الحركة لأجل البلاد، ولا حاجة إلى ذلك بل ~~يرسل المولى نجابا يضع في رقبتي منديلا، ويأخذني إليك. وتفرقوا. # فلما خلا نجم الدين أيوب بالملك الناصر قال له: كيف فعلت مثل هذا؟ أما ~~تعلم أن نور الدين إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا أهم الوجوه إليه، ~~وحينئذ لا نقوى به، وأما إذا بلغه طاعتنا له تركنا واشتغل بغيرنا والأقدار ~~بيد الله، ووالله لو أراد نور الدين قصبة من قصب السكر لقاتلته عليها حتى ~~أمنعه أو أقتل. ففعل ما PageV01P355 # أشار به عليه ms252 والده فترك نور الدين قصده، واشتغل بغيره. # وخرج نور الدين بالعساكر، ففتح حصن عرقة، وصافيتا، وعريمة، ونهب وخرب ~~بلاد الفرنج ثم هادنهم. # ثم إن الفرنج ساروا إلى بلد حوران في سنة ثمان وستين للغارة، فسار نور ~~الدين إليهم، فنزل عشترا، وسير عسكره إلى أعمال طبرية، فغنموا غنائم عظيمة، ~~وعادوا. # وكان نور الدين قد استخدم مليح بن لاون، ملك الأرمن، وأقطعه أقطاعا من ~~بلاد الإسلام، وحضر معه حروبا متعددة فأنجده في هذه السنة بطائفة من عسكره، ~~فدخل مليح إلى أذنة وطرسوس والمصيصة، وفتحها من يد ملك الروم، وأرسل إلى ~~نور الدين كثيرا من غنائمهم وثلاثين أسيرا من أعيانهم. # وقصد قلج أرسلان ذا النون بن الدانشمند صاحب ملطية وسيواس، وأخذ بلاده، ~~وأخرجه عنها طريدا، فاستجار بنور الدين، ووصل إليه فأكرمه، وسير إلى قلج ~~أرسلان يشفع إليه في إعادة بلاده إليه، فلم يفعل، فسار نور الدين إليه في ~~هذه السنة فابتدأ بكيسوم، وبهسنى، ومرعش، ومرزبان، وما يليها. وكان ملكه ~~مرعش، وفي أوائل ذي القعدة، والباقي بعدها. # وسير طائفة من عسكره إلى سيواس، فملكها وراسله قلج أرسلان في الصلح، ~~وأتاه من أخبار الفرنج ما أزعجه فصالحه، وأعطى سيواس ذا النون، وجعل معه ~~قطعة من عسكره، وشرط على قلج أرسلان إنجاده بعساكره إلى الغزاة. ### || التراجع الثاني # واتفق نور الدين وصلاح الدين على أن يصل كل واحد منهما من جهته، وتواعدا ~~على يوم معلوم على أن يتفقا على قتال الفرنج، وأيهما سبق أقام للآخر PageV01P356 # منتظرا، إلى أن يقدم عليه، فسبق صلاح الدين ووصل إلى الكرك وحصره. # وسار نور الدين فوصل إلى الرقيم وبينه وبين الكرك مرحلتان فخاف صلاح ~~الدين، واتفق رأيه ورأي أهله على العود إلى مصر لعلمهم بأنهما متى اجتمعما ~~كان نور الدين قادرا على أخذ مصر منه. # فعاد إلى مصر وأرسل الفقيه عيسى إلى نور الدين يعتذر عن رحيله بأنه كان ~~استخلف أباه نجم الدين أيوب على مصر، وأنه بلغه أنه مريض، ويخاف أن يحدث به ~~حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم، ولم يكن ms253 مريضا، وأرسل مع الفقيه عيسى ~~من التحف والهدايا ما يجل عن الوصف، فجاء إليه فأعلمه برسالة صلاح الدين، ~~فعظم ذلك عليه ولم يظهر التأثر بذلك، وقال: حفظ مصر أهم عندنا. ### || موت والد صلاح الدين ثم موت نور الدين # واتفق أن صلاح الدين وصل إلى مصر فوجد أباه قد سقط عن الفرس، وبقي أياما ~~ومات، وهو غائب عنه، في السابع والعشرين من ذي الحجة من سنة ثمان وستين ~~وخمسمائة. # وخاف صلاح الدين من نور الدين أن يدخل مصر فيأخذها منهم، فشرع في تحصيل ~~مملكة أخرى لتكون عدة له بحيث أن نور الدين إن غلبه إلى الديار المصرية سار ~~هو وأهله إليها وأقاموا بها. # فسير أخاه الأكبر تورانشاه بإذن نور الدين له في ذلك، وسيره قاصدا عبد ~~النبي ابن مهدي، وكان دعا إلى نفسه، وقطع خطبة بني العباس، فمضى إليها، ~~وفتح زبيد وعدن ومعظم بلاد اليمن. PageV01P357 # وصلاح الدين على ما كان عليه من الطاعة في الظاهر لنور الدين إلى أن اتفق ~~أن مرض نور الدين بعلة الخوانيق بدمشق، وتوفي بها يوم الأربعاء حادي عشر ~~شوال من سنة تسع وستين وخمسمائة، وكان قد شرع في التأهب للدخول إلى الديار ~~المصرية وختن ولده الملك الصالح اسماعيل بدمشق، في خامس شوال، وأخرج صدقات ~~كثيرة وكسوات للأيتام الدين ختنهم معه. # واتسع ملكه بحيث خطب له بالحرمين الشريفين وبلاد اليمن التي افتتحهما شمس ~~الملوك، وانعمر بلد حلب في زمانه لعدله وحسن سيرته حتى لم تبق مزرعة في جبل ~~ولا واد إلا وفيها سكان ولها مغل. # وصار على ظاهر حلب من العمارة والمساكن أكثر من المدينة، مثل الحاضر ~~السليماني، وخارج باب الأربعين، وغير ذلك من الأبواب جميعها. # وارتفعت الأسعار مع كثرة المغلات لكثرة العالم، حتى كانت الأسعار في ~~السنة التي مات فيها بعد ذلك الرخص في السنة التي مات فيها والده: الحنطة ~~مكوك ونصف بدينار، والشعير مكوكان ونصف بدينار، والعدس مكوك ونصف بدينار، ~~والجلبان كذلك، والقطن ستة أرطال جوز بدينار. PageV01P358 ### | القسم الخامس والعشرون ### || الخطبة والحداد # وقام الملك الصالح ms254 بالملك بعده. وكان عمره إحدى عشرة سنة، وحلف له ~~الأمراء بدمشق. وخطب له الملك الناصر صلاح الدين بمصر، وأرسل إليه رسولا ~~يعزيه، ومعه دنانير مصرية عليها اسمه، ويعلمه أنه في طاعته، وأن الخطبة ~~أقيمت له بمصر. # وأما حلب فكان الوالي بقلعتها جمال الدين شاذبخت الخادم الهندي، عتيق نور ~~الدين وهو الذي بنى المدرسة، لأصحاب أبي حنيفة بحلب، وقبر بها، فوصله كتاب ~~الطير بوفاة نور الدين، فأمر في الحال بضرب الدبادب، والكوسات، والبوقات. ~~وأحضر المقدمين والأعيان بحلب، والفقهاء والأمراء، وقال: قد وصل كتاب ~~الطائر، يخبر أن مولانا الملك العادل قد ختن ولده، وولاه العهد بعده، ومشى ~~بين يديه. # فأظهروا السرور بذلك، وحمدوا الله تعالى، فقال لهم: تحلفون لولده الملك ~~الصالح، كما أمر الملك العادل بأن حلب له، وأن طاعتكم له وخدمتكم، كما كانت ~~لأبيه. فحلف الناس على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، في ذلك اليوم، ولم يترك ~~أحدا منهم يزول من مكانه. PageV01P359 # ثم قام إلى مجلس آخر، ولبس ثياب الحداد، وخرج إليهم وقال: يحسن الله ~~عزاءكم في الملك العادل، فإن الله قد نقله إلى جنات النعيم. وتوجه المؤيد ~~بن العميد، وعثمان زردك، وهمام الدين إلى حلب، لإثبات ما في الخزائن بحلب، ~~وختمها بخاتم الملك الصالح. # وكان وزير الملك العادل نور الدين: موفق الدين خالد بن محمد بن نصر بن ~~القيسراني، رسولا عنه بمصر. فاتفق رأي الجماعة على أن ولوا وزارة الملك ~~الصالح: شهاب الدين أبا صالح عبد الرحيم بن أبي طالب بن العجمي، وكان عدلا ~~على خزائن نور الدين. # وكان شمس الدين علي، ابن داية نور الدين، أخو مجد الدين لأمه، من أكبر ~~الأمراء النورية، وأمر حلب راجع إليه وإلى إخوته في أيام نور الدين. وكان ~~بحلب عند موت نور الدين، وسابق الدين عثمان وبدر الدين حسن أخواه، فتولى ~~شمس الدين علي تدبير حلب، وصعد إلى القلعة، وحصل بها مع شاذبخت، والأمير ~~بدر الدين حسن متولي الشحنكية بالمدينة. ### || استقلال سيف الدين غازي ببلاد الجزيرة # وكان نور الدين قد سير إلى الموصل وغيرها من ms255 البلاد يستدعي العساكر، بحجة ~~الغزاة، ومقصوده الطلوع إلى مصر، فسار سيف الدين غازي بعسكر الموصل، وعلى ~~مقدمته سعد الدين كمشتكين الخادم، وكان قد جعله نور الدين واليا من قبله ~~بالموصل. فلما كانوا ببعض الطريق، وصلتهم الأخبار بموت نور الدين فهرب سعد ~~الدين كمشتكين إلى حلب جريدة. # وأما سيف الدين فإنه أخذ بلاد الجزيرة جميعها، سوى قلعة جعبر، فأرسل PageV01P360 # شمس الدين علي ابن الداية يطلب الملك الصالح إلى حلب، ليمنع سيف الدين ~~ابن عمه من البلاد الجزرية. فلم يمكنه الأمراء الذين معه بدمشق من الانتقال ~~إلى حلب خوفا أن يغلبهم عليه شمس الدين علي. # وكان شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم قد صار متولي تدبيره بدمشق، ~~وكمال الدين بن الشهزروري وجماعة من الأمراء معه. وكان قد أشار كمال الدين ~~على الأمراء بمشاورة الملك الناصر فيما يفعلونه، لئلا يجعل ذلك حجة عليهم، ~~فخافوا منه ولم يفعلوا. ### || حصار بانياس الداخل # وخرج الفرنج، وحصروا قلعة بانياس فراسلهم ابن المقدم، وبذل لهم مالا، ~~وخوفهم بالاستنجاد بصلاح الدين وسيف الدين، فعادوا. وبلغ ذلك كله الملك ~~الناصر صلاح الدين، فأرسل صلاح الدين إلى الملك الصالح، وعتب عليه حيث لم ~~يعلمه بما تجدد من سيف الدين في أخذ الجزيرة ليحضر ويكفه. وأنكر صلح الفرنج ~~وبذل المال لهم، وبذل من نفسه قصد الفرنج، وكفهم عن التطاول إلى شيء من ~~بلاد الملك الصالح. # وكتب إلى كمال الدين وابن المقدم، والأمراء، وقال: لو أن نور الدين يعلم ~~أن فيكم من يقوم مقامي، أو يثق بي مثلي لسلم إليه مصر، ولو لم يعجل عليه ~~الموت لعهد إلي بتربية ولده. وأراكم قد تفردتم بمولاي وابن مولاي دوني، PageV01P361 # وسوف أصل إلى خدمته، وآكافي إنعام أبيه، وأجازي كلا منكم على فعله. ### || المراسلات في شأن الملك الصالح # وكثر خوف شمس الدين علي ابن الداية من سيف الدين غازي، وأن يعبر الفرات ~~إلى حلب فيملكها، فأرسل سعد الدين كمشتكين إلى دمشق، ليحضر الملك الصالح، ~~فلما قارب دمشق سير إليه شمس الدين بن المقدم عسكرا، فنهبوه، ms256 وعاد منهزما ~~إلى حلب، فأخلف عليه شمس الدين علي ابن الداية، عوضا عما أخذ منه. # ثم إن الأمراء بدمشق، اتفقوا على إرسال الملك الصالح إلى ابن الداية بحلب ~~لأنها أم البلاد، فأنفذوا إليه يطلبون إرسال سعد الدين ليأخذ الملك الصالح، ~~فوصل إليهم سعد الدين كمشتكين، واتفقوا على أن يكون شمس الدين علي أتابكا ~~للملك الصالح. وحلف شمس الدين وجمال الدين شاذبخت للأمراء على أقطاعهم، ~~ونفذت النسخة مع سابق الدين عثمان إلى دمشق. # وسار الملك الصالح وأمه مع سعد الدين كمشتكين والأمراء الذين أقطاعهم ~~بحلب، ولما وصلوا ما بين حماه وحلب وصل من جمال الدين شاذبخت من خوف ~~الأمراء من بني الداية، فقبضوا سابق الدين عثمان، بقنسرين، وكتموا الحال، ~~ووصلوا إلى باب حلب، فخرج بدر الدين حسن، فقبضوه، ودخلوا من باب الميدان ~~وقد عمل به الخوان، فلم يلتفتوا إليه، وبادروا بالملك الصالح، وصعدوا به ~~إلى القلعة. # وكان بشمس الدين علي نقرس، فحمل في محفة، وحضر بين يدي الملك الصالح، ~~فزندوا يديه، وقيدوا أخويه، وجعلوا الجميع في المطمورة، بالمركز. PageV01P362 # وكان شاذبخت قد احتاط، واستخدم جماعة من الأجناد، فصار في مقدار خمسمائة ~~راجل، وشمس الدين في مقدار مائة، وأمر اسباسلار باب القلعة أبا بكر بن ~~مقبل: أن يمنع من يصعد إلى القلعة من أصحابه وأصحاب إخوته، ما خلا سابق ~~الدين وبدر الدين. فكانا يصعدان، ومع كل واحد منهما غلام واحد ووكل بباب ~~شمس الدين ثلاثين رجلا كل ليلة، فعتب على شاذبخت فقال له: أنا أبعث الرجال ~~إليك، ليقوموا في الخدمة. وكان يوكل بالأجناد الدين خالفوه حفظة يمنعون من ~~يدخل منهم أو يخرج، وكان هذا حال القلعة، في غيبة الملك الصالح. ### || الفتنة الطائفية # وأما حال المدينة فإن السنة من أهل البلد مالوا إلى المجدية، لتعصبهم ~~للسنة على الشيعة، وجمعهم بدر الدين حسن شحنة حلب، واستخلصهم في الليل. ~~وكان فيهم بنو العجمي، والشيخ أبو يعلى بن أمين الدولة، وبنو قاضي بالس على ~~ما ذكر وطلب القاضي أبا الفضل بن الخشاب وبني الطرسوسي، فأبوا أن يحضروا. ms257 # وكان أهل حلب من الشيعة، يتوالون أبا الفضل بن الخشاب ويقدمونه عليهم، ~~فوافقوه على حفظ البلد للملك الصالح، وعلى مخالفة بني الذاية. فسير بدر ~~الدين حسن إلى ابن الخشاب، وقال له: إن جماعة عندي قذفوك، وتحدثوا بأنك ~~تطعن في الدولة، وأنك تريد أن تملك حلب. # وكان بدر الدين وأخواه أرادوا أن تقع الفتنة بحلب بين السنة والشيعة، ~~ليستقيم أمرهم، فثار الغوغاء من الشيعة ونهبوا دار قطب الدين بن العجمي ~~بالقرب من الزجاجين، ودار أبي يعلى بن أمين الدولة، بالجرن الأصفر. وكان ~~فيها أموال الأيتام. وانتقل ابن العجمي بعد ذلك إلى البلاط، وابن أمين ~~الدولة إلى تحت القلعة بالقرب من مسجد السيدة. # وقتل في ذلك اليوم في مدرسة الزجاجين الشيخ أبو العباس المغربي، وكان ~~مقرئا محدثا. # وثارت الفتنة بين الطائفتين، وطلب الفقراء دور الأغنياء فنهبت دار أبي ~~جعفر ابن المنذر بالعقبة، فجمع بدر الدين حسن جماعة من الأجناد ومن أهل ~~البلد السنة ومن العسكر، وألبسهم السلاح، وصعد إلى شاذبخت، وقال له: إن أبا ~~الفضل بن PageV01P363 # الخشاب يريد أن يملك البلد وقد مال إليه الشيعة وبعض السنة، فتعينني ~~بنقابين وزراقين حتى أقبض عليه، وأعتقله، إلى أن يحضر الملك الصالح. # فأمر الأجناد بلبس السلاح والخروج معه، وصار بهم إلى تل فيروز وهو موضع ~~سوق الصاغة الآن وكان إذ ذاك تلا. وأخذوا الفلايج والأبواب، وسدوا بها ~~الدروب، وزحفوا من الطرق والأسطحة، إلى دار ابن الخشاب. ووقع قتال شديد، ~~وقتل بين الفريقين جماعة كثيرة، وانتهى إلى الدار، فأحرقها ونهبها، ونهب ~~أدر جماعة من المجاورين له. # وانهزم القاضي أبو الفضل، واختفى في دار فخرا وابن كياعميد بالقرب من ~~حمام شراحيل، فأقام بها إلى أن وصل الملك الصالح في المحرم، من سنة سبعين ~~وخمسمائة، وصعد إلى القلعة، وقبض على بني الداية كما ذكرنا وصار الأمر ~~والتدبير إلى سعد الدين كمشتكين الخادم، وهو الذي بني الخانكاه المنسوبة ~~إليه بحلب، في جوارنا، وهي كانت دار أبي الطيب المتنبي، بحلب. # وكان شمس الدين علي قد عزم على أن الملك الصالح ms258 إذا قدم أخذه بمفرده، ~~وصعد به إلى القلعة. ولا يمكن أحدا من الأمراء من الصعود، ويطردهم، ويستقل ~~بالأمور. # فسير شاذبخت من أسر ذلك إلى الأمراء الدين كانوا في صحبة الملك الصالح ~~فاتفق رأيهم في قنسرين على قبض أولاد الداية، وتحالفوا على أن قدموا ~~كمشتكين، فلما رحلوا من قنسرين، بدأوا بسابق الدين، وكان قد وجه إلى دمشق ~~في تقرير الأمور، فقبضوه، وحفظوا الطرق لئلا يصل إلى حلب من يخبر أخويه، ~~إلى أن صعدوا إلى القلعة كما ذكرنا. # وأما أبو الفضل بن الخشاب، فإن الملك الصالح أمنه، وسير له خاتما، وركب ~~إلى القلعة، ومعه خلق كثير من أهل حلب، وعوامها، يمشون في خدمته، وأكد ~~أمره، وقرر على أن يقتل. فلما دخل إلى القلعة، ووصل قدام الفرن بالقلعة، ~~ضربه علي أخو عز الدين جورديك فرماه. وجاء بعض أجناد القلعة فاحتز رأسه، ~~وجعلوه على باب القلعة. ثم رفع على رمح إلى برج بالقلعة، يقال له برج الزيت ~~وتفرق أصحابه من تحت القلعة، عند ذلك. # واستو لى على دولة الملك الصالح أمير لالا المجاهد ياقوت، وهو الحاكم PageV01P364 # عليه، وهو الذي رباه، وجمال الدين شاذبخت الهندي وهو والي القلعة والحاكم ~~بها، وسعد الدين كمشتكين مقدم العساكر ومتولي إقطاعهم، وشهاب الدين أبو ~~صالح بن العجمي، وزير الملك الصالح، فخاف. وولوا رئاسة حلب الريس صفي الدين ~~طارق ابن الطريرة، وعزلوا أبا محمد الحكم، وكان يتولى الرئاسة في أيام نور ~~الدين. # فخاف ابن المقدم والأمراء، الدين بدمشق، أن يستقر أمر كمشتكين بحلب، ~~فيأخذ الملك الصالح، ويسير إلى دمشق، ويفعل كما فعل بأولاد الداية. فكاتبوا ~~سيف الدين غازي صاحب الموصل، ليصل إليهم، ويسلموا إليه دمشق، فخاف أن تكون ~~مكيدة منهم، فامتنع من ذلك. وراسل سعد الدين كمشتكين والملك الصالح، ~~وصالحهما على الجزيرة، وإبقائها في يده. ### || استدعاء صلاح الدين الأيوبي إلى دمشق # فخات الأمراء، بدمشق من اتفاق سيف الدين والملك الصالح عليهم، فكاتبوا ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، واستدعوه من مصر ليملكوه عليهم، ~~فسار من مصر في سمبعمائة فارس، ms259 والفرنج في طريقه، فلم يبال بهم. فخرج إليه ~~صاحب بصرى وكان ممن كاتبه. # ولما وصل إلى دمشق خرج كل من كان بها من العسكر، والتقوه ودخل البلد، ~~ونزل في دار أبيه المعروفة بدار العقيقي، وعصى عليه في القلعة خادم اسمه ~~ريحان، فأعلمه أنه إنما جاء في خدمة الملك الصالح، فسلم إليه القلعة، وصعد ~~الملك الناصر إليها، وأخذ ما فيها من الأموال، فاستعان به، وتزوج خاتون بنت ~~معين الدين، وكانت زوجة نور الدين، واستخلف أخاه طغتكين سيف الإسلام. PageV01P365 ### || مسيره إلى حمص وحماه وحلب # وسار إلى حمص وحماة، وهما في أقطاع فخر الدين مسعود بن الزعفراني. # وكان ظالما، فسار منها بعد موت نور الدين، فملك الملك الناصر في حادي عشر ~~جمادى الأولى، من سنة سبعين، مدينة حمص. وبقيت القلعة، وكان الولاة في ~~القلاع من جهة نور الدين، فترك في البلد من يحفظه، ويمنع من في القلعة من ~~النزول. # وسار إلى حماة، فملك مدينتها مستهل جمادى الآخرة، وكان بالقلعة عز الدين ~~جورديك، فأرسل إليه، وقال له: إني في طاعة الملك الصالح، والخطبة له في ~~البلاد التي في يدي على حالها، والمقصود اتفاق الكلمة على طاعة الملك ~~الصالح، وأن تسعد البلاد الجزرية وتحفظ بلاده. فاستحلفه جورديك على ذلك، ~~وسيره إلى حلب في اجتماع الكلمة، وفي إطلاق شمس الدين علي وأخويه من السجن، ~~وكان إقطاعهم قد قبض من نوابهم، ولم يبق في أيديهم غير شيزر وقلعة جعبر. # واستخلف جورديك بقلعة حماة أخاه ليحفظها، فلما وصل جورديك قبض عليه ~~كمشتكين، وسجنه، فعلم أخوه بذلك، فسلم قلعة حماه إلى الملك الناصر. # وسار الملك الناصر إلى حلب، فوصلها في ثالث جمادى الآخرة من سنة سبعين، ~~وحصرها. فركب الملك الصالح، وهو صبي عمره اثنتا عشرة سنة، وجمع أهل حلب، ~~وقال لهم: أنا يتيمكم، وقد عرفتم إحسان أبي إليكم، وقد جاء هذا الظالم ~~ينترع ملكي. وقال أقوالا كثيرة. وبكى فأبكى الناس، وبذلوا أنفسهم وأموالهم ~~له، واتفقوا على القتال دونه، والذب عنه. # فجعل الحلبيون يخرجون، ويقاتلون الملك الناصر عند جبل جوشن ms260 فلا يقدر أن ~~يتقرب إلى البلد وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية، PageV01P366 # وبذل له أموالا كثيرة ليقتل الملك الناصر، فقفزوا عليه، فحماه الله منهم، ~~وقتلوا. # وبقي محاصرا حلب إلى سلخ جمادى الآخرة، وكان كمشتكين قد أرسل إلى سيف ~~الدين غازي يستنجده، وكان ريمند صاحب طرابلس الذي أسره نور الدين قد أطلقه ~~كمشتكين بمائة ألف وخمسين ألفا صورية، في هذه السنة. وصار موضع مري ملك ~~الفرنج، فأرسل من بحلب إليه يطلبون منه أن يقصد بعض البلاد التي بيد الملك ~~الناصر، ليرحل عنهم، فسار إلى حمص ونازلها، فرحل الملك الناصر عن حلب، ~~مستهل شهر رجب. فلما نزل الرستن رحل الفرنج عن حمص، ووصل الملك الناصر ~~إليها، وحصر قلعتها إلى أن تسلمها. ### || من بعلبك إلى قرون حماة # وسار إلى بعلبك، فتسلمها وقلعتها، فى رابع شهر رمضان، من سنة سبعين ~~وخمسمائة. # وأما سيف الدين غازي فإنه جمع عساكره، وكاتب أخاه عماد الدين زنكي صاحب ~~سنجار، لينزل إليه بعساكره ليجتمعا على نصرة الملك الصالح، فامتنع. وكان ~~الملك الناصر قد كاتبه، وأطمعه في ملك الموصل، لأنه الكبير من أولاد أبيه، ~~فمضى سيف الدين إلى سنجار محاصرا لها، وسير عسكرا كثيرا إلى حلب مع أخيه عز ~~الدين مسعود، مع أكبر أمرائه زلفندار، فوصل عز الدين إلى حلب، PageV01P367 # واجتمعت عساكر حلب معه، وساروا إلى حماه، فقاتلوها. # فأرسل الملك الناصر، وبذل لهم تسليم حمص وحماة، وأن يقر بيده دمشق، وأن ~~يكون فيها نائبا عن الملك الصالح، فلم يجيبوه إلى ذلك. وقالوا. لا بد من ~~تسليم جميع ما أخذه من الشام، وعوده إلى مصر. # فسار الملك الناصر إلى عز الدين وزلفندار، فالتقوا في تاسع عشر شهر ~~رمضان، على قرون حماة. فانهزم عسكر الموصل، وثبت عز الدين بعد الهزيمة، ~~فقال الملك الناصر: إما أن يكون هذا أشجع الناس، أو أنه لا يعرف الحرب. ~~وأمر أصحابه فحملوا عليه حتى أزالوه عن موقفه، وتمت الهزيمة، وتبعهم الملك ~~الناصر، وغنموا غنائم كثيرة، وأسر جماعة كثيرة، فأطلقهم. ### || بعد صلح تحرك صاحب الموصل # ونزل ms261 الملك الناصر على حلب، محاصرا لها، وقطع حينئذ خطبة الملك الصالح، ~~وأزال اسمه عن السكة في بلاده، فلما طال الأمر عليهم راسلوه في الصلح، على ~~أن يكون له ما بيده من بلاد الشام، ولهم ما بأيديهم، وأخذ المعرة، وكفر ~~طاب، وانتظم الحال بينهم على ذلك. # ورحل عن حلب، في العشر الأول من شوال، إلى حماة، فوصلته خلع الخليفة بها ~~مع رسوله. ووصل خبر الكسرة إلى سيف الدين، وهو محاصر سنجار، فصالح عماد ~~الدين على ما بيده، ورحل إلى الموصل، وشرع في جمع العساكر. وسار الملك ~~الناصر من حماة إلى بارين، وفيها نائب عز الدين ابن الزعفراني، ولم يبق ~~بيده غيرها، فحصرها إلى أن سلمها واليها إليه بالأمان، فعاد إلى حماة، ~~وأقطعها خاله شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي، وأقطع حمص ناصر الدين محمد ~~ابن عمه أسد الدين، وعاد إلى دمشق. PageV01P368 # وخرج سيف الدين غازي صاحب الموصل، في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وسار إلى ~~نصيبين، واستنجد صاحب حصن كيفا وصاحب ماردين، فاجتمع معه عسكر كثير بلغت ~~عدتهم ستة آلاف فارس. وأقام بنصيبين حتى خرج الشتاء، فضجرت العساكر وفنيت ~~نفقاتهم. # ثم سار إلى حلب، فعبر ب البيرة وخيم على جانب الفرات الشامي، وراسل ~~كمشتكين والملك الصالح، لتستقر قاعدة يصل عليها إليهم. ووصل كمشتكين إليه، ~~وجرت مراجعات كثيرة، عزم فيها على العود مرارا، حتى استقر اجتماعه بالملك ~~الصالح، وسمحوا به، فسار ووصل إلى حلب. # وخرج الملك الصالح للقائه بنفسه، فالتقاه قريب القلعة، واعتنقه، وضمه ~~إليه، وبكى، ثم أمره بالعود إلى القلعة فعاد، وسار هو، فنزل بعين المباركة، ~~وأقام بها مدة، وعسكر حلب تخرج إلى خدمته في كل يوم، وصعد إلى قلعة حلب ~~جريدة، وأكل فيها شيئا، ونزل، وسار منها إلى تل السلطان، ومعه عسكر حلب، ~~مضافا إلى العساكر الواصلة معه. # وخرج رجل ادعى أنه المنتظر، وادعى النبوة بجبل ليلون، واستغوى أهل تلك ~~الناحية، وأظهر لهم زخارف، ومحالا، وقال لهم: إذا جاء العسكر إليكم، فسوف ~~أرميهم بكف من تراب فأهلكهم وأغاروا على تركمان بجبل ms262 سمعان وكان مقيما ~~بأتباعه بكفرند، فخرج طمان من العسكر، وسعد الدين كمشتكين بجماعة من ~~العسكر، ووصلوا إليهم، فجعل أتباعه يصيحون: وعدك يا مولانا! والسيف يعمل ~~فيهم، فألقى التراب، فزحف إليه العسكر، وقتل الرجال وسبى PageV01P369 # النساء، والتجأ جماعة إلى المغاير، فاستخرجوهم ولم يبقوا إلا على من أسلم ~~منهم، ودخنوا على جماعة في المغاير، فماتوا، ثم عاد العسكر إلى تل السلطان، ~~بعد أن قتل وصلب. # وكان الملك الناصر بدمشق في قل من العسكر، لانه كان قد سيرها إلى مصر، ~~وأنفذ إليها يستدعيها، فلو عاجله سيف الدين لبلغ منه غرضا لكنه تأخر، فوصل ~~عسكر مصر إلى الملك الناصر. ### || صلاح الدين وسيف الدين في تل السلطان # فسار من دمشق إلى ناحية حلب، ليلقى سيف الدين، فالتقاه بتل السلطان، وكان ~~سيف الدين قد سبقه إلى تل السلطان، فوصل الملك الناصر العصر، وقد تعب هو ~~وأصحابه وعطشوا، فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس فيهم حركة. # فأشير على سيف الدين بلقائهم في تلك الحالة، فقال زلفندار: ما بنا حاجة ~~إلى القتال في هذه الساعة، وغدا بكرة نأخذهم كلهم. فترك القتال إلى الغد، ~~فلما أصبحوا اصطفوا للقتال، فجعل زلفندار الأعلام في وهدة من الأرض، لا ~~يراها إلا من هو قريب منها. # فلما التقى الفريقان، ظن أكثر الناس أن سيف الدين قد انهزم، لأنهم لم ~~يروا الأعلام، فانهزموا بعد أن كان مظفر الدين بن زين الدين وهو في الميمنة ~~قد كسر ميسرة الملك الناصر. وولوا الأدبار، وأسر منهم جماعة فأطلقهم الملك ~~الناصر، منهم: فخر الدين عبد المسيح، وأمسك عن تتبع العسكر، فلم يقتل غير ~~رجل واحد، وذلك في يوم الخميس العاشر من شوال، سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. PageV01P370 # ونزل الملك الناصر وعسكره، في بقية ذلك اليوم في خيم القوم، واستولوا على ~~جميع ما فيها، وفرق الاصطبلات والخزائن، ووهب خيمة سيف الدين عز الدين ~~فروخشاه. ووصل سيف الدين إلى حلب، وترك أخاه عز الدين في جماعة من العسكر، ~~وعبر الفرات، وسار إلى الموصل. ### || بزاعا ومنبج وعزاز ومحاولة قتل صلاح الدين # ووصل الملك ms263 الناصر إلى حلب، يوم الأحد ثالث عشر شوال، فأقام عليها أربعة ~~أيام، ورحل عنها، يوم الجمعة ثامن عشر شوال، فنزل بزاعا فحصرها وتسلمها يوم ~~الاثنين العشرين من شوال. # ورحل فنزل منبج، فحصرها، في التاسع والعشرين من شوال، وبها قطب الدين ~~ينال بن حسان، وكان شديد العداوة للملك الناصر، وكان قد حنق عليه لذلك، ~~فملك المدينة، ونقبت القلعة، فحصره بها، ونقبها النقابون، وملكها عنوة، ~~وأخذ كل ما كان فيها، وأخذ صاحبها أسيرا، ثم أطلقه، فسار إلى الموصل، ~~فأقطعه سيف الدين الرقة. # ورحل الملك الناصر إلى عزاز فنازلها ثالث ذي القعدة وحصرها ونصب عليها ~~المنجنيقات. # وجلس يوما في خيمة بعض أمرائه، ويقال له جاولي مقدم الأسدية، فوثب عليه ~~باطني، فجرحه بسكين في رأسه، فرد المغفر عنه، وأمسك الملك الناصر يدي ~~الباطني بيديه، إلا أنه لا يقدر على منعه من الضرب بالكلية، بل يضرب ضربا ~~ضعيفا، فبقي الباطني يضربه بالسكين في رقبته، وكان عليه كراغند، فكانت PageV01P371 # الضربات تقع في ريقه، والزرد يمنعها من الوصول. وجاء سيف الدين يازكج ~~فأمسك السكين، فجرحه الباطني، ولم يطلقها من يده إلى أن قتل. وجاء باطنيان ~~آخران فقتلا. # وركب الملك الناصر إلى خيمته، ولازم حصار عزاز، حتى تسلمها بعد قتال ~~شديد، في بكرة الأربعاء، ثاني عشر ذي الحجة. ورحل عنها إلى مرج دابق. ### || حصار حلب والصلح # ثم سار فنزل حلب، يوم الجمعة، منتصف ذي الحجة، وحصرها، وبها جماعة من ~~العسكر، ومنع أهل البلد الملك الناصر من التقرب إلى البلد، وكانوا يخرجون ~~إلى خيم المعسكر فيقاتلوه، وإذا مسك واحد منهم شرحت قدماه، فيمتنع من ~~المشي، ولا يكفون عن القتال، وقام في نصرته السنة والشيعة من الحلبيين، ~~وأعطي الشيعة الشرقية في المسجد الجامع، فكانوا يجتمعون بها للصلاة. # واتفق أن الحلبيين اجتمعوا تحت القلعة، شاكين في السلاح، يستأذنون الملك ~~الصالح في الخزوج إلى قتال العسكر، فدخل رسول من الملك الناصر، يقال له سعد ~~الدين أبو حامد العجمي الكاتب، فصاح عوام الحلبيين: ما نصالح يا رسول، رح، ~~ودع عنك الفضول. ورجموه بالحجارة، ms264 فخرج، واتبعوه إلى قريب من الخيام. # ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح بين الملك الصالح، وسيف الدين صاحب ~~الموصل، وصاحب الحصن، وصاحب ماردين، وبين الملك الناصر. وتحالفوا، واستقرت ~~على أن يكونوا كلهم عونا على الناكث الغادر، واستقر الصلح. ورحل الملك ~~الناصر، في السادس عشر من محرم، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. PageV01P372 # ولما تقرر الصلح، أخرج الملك الصالح إلى الملك الناصر أخته بنت نور ~~الدين، وكانت طفلة صغيرة، فأكرمها، وحمل لها شيئا كثيرا، وقال لها ما ~~تريدين؟ قالت: أريد قلعة عزاز وكانوا قد علموها ذلك فسلمها إليهم. ### || أخبار الإسماعيلية # ورحل إلى بلد الإسماعيلية، وحصرهم، ثم صالحهم بوساطة خاله محمود بن تكش، ~~وسار بعساكره إلى مصر. وكان في شروط الصلح أن يطلق عز الدين جورديك، وشمس ~~الدين علي ابن الداية، وأخواه سابق الدين، وبدر الدين. فسار أولاد الداية ~~إلى الملك الناصر، فأكرمهم، وأنعم عليهم. وأما جورديك، فأقام في خدمة الملك ~~الصالح، وعلم الجماعة براءته مما ظنوا به. # وعصىغزس الدين قلج في تل خالد لأنه نسب إليه أمر أوجب وحشته، فحصل فيها ~~بماله، وحصنها، فخرج إليه سعد الدين كمشتكين بالعسكر، ومعه طمان، فحصره ~~مدة، فسير، واستشفع بالملك الناصر، فشفع فيه إلى الملك الناصر، فقبل ~~الشفاعة وأمنه، فخرج بماله وأهله، وحاشيته، ومضى إلى منبج، فنزل بها عند ~~الدويل، وكان الملك الناصر قد أقطعه إياها، وكان ذلك في سنة اثنتين وسبعين ~~وخمسمائة. # وفي هذه السنة، أظهر أهل جبل السماق الفسق والفجور، وتسموا بالصفاة، ~~واختلط النساء والرجال في مجالس الشرب، ولا يمتنع أحدهم من أخته ولا بنته، ~~ولبس النساء ثياب الرجال، وأعلن بعضهم بأن سنانا ربه. فسير الملك الصالح ~~إليهم عسكر حلب، فهربوا من الجبل وتحصنوا في رؤوس الجبال، فأرسل سنان، وسأل ~~فيهم، وأنكر حالتهم، وكانوا قد نسبوا ذلك إليه، وأنهم فعلوا ذلك بأمره، ~~فأشار سعد الدين بقبول شفاعته فيهم، وعاد العسكر عنهم. PageV01P373 # وشرع سنان في تتبع المقدمين منهم، فأهلكهم، وكان في الباب منهم جماعة ~~فثار بهم البنوية من أهل ذلك البلد، وقاتلوهم من التركمان، فانهزموا ~~واختبئوا ms265 في المغاير، فنهبوا دورهم، وعروا نساءهم، ودخنوا عليهم في ~~المغاير، وقتلوا من أمكنهم قتله. # ثم إن الاسماعيلية قزروا على الوزير شهاب الدين أبي صالح بن العجمي، يوم ~~الجمعة رابع شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وكان السبب في ~~ذلك أن أبا صالح كان يواطىء المجاهد اللالا وجمال الدين شاذبخت، على سعد ~~الدين كمشتكين، ويحاولون حطه عن مرتبته. فعلم كمشتكين ذلك، فكتب كتابا إلى ~~سنان مقدم الإسماعيلية بالحصون، على لسان الملك الصالح، يلتمس منه قتل أبي ~~صالح، واللالا، وشاذبخت. وكان قد أحضر الكتاب إلى الملك الصالح، وهو خارج ~~إلى الصيد، وطلب خطه، وهو أبيض، لم يكتب فيه شيء أصلا، وقال له: المولى ~~خارج، ويحتاج أن يكتب كتابا في أمر كذا وكذا، فيكتب المولى علامته. فكتب ~~ثقة بأن الأمر كما ذكر. # فكتب كمشتكين إلى سنان بالأمر الذي أراده، وسيره إليه، فلم يشك سنان في ~~أن الأمر وقع من الملك الصالح، ليستقل بأموره وملكه. فندب جماعة لقتل ~~المذكورين، فوثبوا على شهاب الدين أبي صالح، عندما خرج من باب الجامع ~~الشرقي، بالقرب من داره، وقتل الإسماعيليان اللذان وثبا عليه. # ثم وثب بعد ذلك بمدة ثلاثة منهم على اللالا، بالقرب من خانكاه القصر،. ~~وتعلق بذيل بغلتاقه ليضربه بالسكين، فرفس اللالا الفرس، وخرج من البغلتاق!، ~~فنجا. وأحاط الناس بالجماعة الذين قفزوا عليه، وفيهم اثنان كانا يترددان ~~إلى ركابدار اللالا، فقتل أحدهما وصلب، وصلب الركابدار أيضا، وكتب على ~~صدره: هذا جزاء من يؤوي الملحدة. PageV01P374 # وأما الآخر، فصعدوا به إلى القلعة، فضرب ضربا عنيفا، وثقب كعبه، ليقرر ~~على السبب الذي أوجب وثوبهم، فقال للملك الصالح: أنت تبعث كتبك إلى مولانا ~~سنان بقتل من أمرنا بقتله، ثم تنكر فعل ذلك؟ فقال: ما أمرت بشيء. وكتب إلى ~~سنان يعتب عليه فيما فعل بأبي صالح واللالا. فقال: أنا ما فعلت شيئا إلا ~~بأمرك وخطك. وسير إليه كتابا فيه علامته بقتل الثلاثة المذكورين، فعلم أن ~~ذلك كان ميكدة من كمشتكين. # وكان الإسماعيلية قد اجتهدوا في قتل شاذبخت، فلم يقدروا على ms266 الوثوب عليه، ~~لشدة احترازه في القلعة، فعند ذلك وجد أعداء كمشتكين طريقا للطعن عليه، ~~وقالوا: لا إنما أراد قتل هؤلاء ليستقل بملكك، ويفعل فيه ما لا يقدر أن ~~يفعله معهم، وأنه قد استصغرك، واحتقر أمرك. ### || تحرك الفرنج بغياب صلاح الدين # وكانت حارم لسعد الدين كمشتكين، أقطعه إياها الملك الصالح، حين أخذها من ~~بدر الدين حسن، فأنهي إلى الملك الصالح أن سعد الدين يريد أن يسلمها إلى ~~الفرنج، لأن أصله فرنجي، وأنه قد قرر معهم أن يبيعها عليهم بمال وافر. ~~والدليل على صدق ذلك أنه أطلق من كان بالقلعة، من أسرى الفرنج، من أيام نور ~~الدين، وأطلق البرنس أرناط، فقطع الطريق بالكرك، وسير أمواله من حلب ~~وغيبها. وكتب إليه رجل من الفرنج يقال له، الفارس بدران بشيء من ذلك، وبعث ~~بعدة كتب من سعد الدين إلى الفرنج، تشهد بما أنهاه، ولعله وضع ذلك كله ~~عليه، حتى نالوا غرضهم منه. # فقبض الملك الصالح على سعد الدين، في التاسع من شهر ربيع الأول، من سنة ~~ثلاث وسبعين، وكان قد جاء يطلب دستورا إلى حارم، وطلب تسليمها منه، فامتنع. ~~فحمل إليها تحت الحوطة، وجيء به إلى تحت قلعتها، وعذب، PageV01P375 # فاستدعى بعض من يثق إليه من المستحفظين بالقلعة، وأسر إليهما أنهم لا ~~يسلمونها، ولو قطع، ثم قال لهما جهرا: بعلامة كذا وكذا، سلموا. فصعد إلى ~~القلعة، وأظهر من فيها العصيان والمقاتلة، فعذب عذابا شديدا، وعلق برجليه، ~~وسقط بالخل، والكلس. والدخان، وعصر، وأصحابه يشاهدونه، ولا يجيبون إلى ~~التسليم. # وخرج الفرنج من أنطاكية، يطلبون حارم، فتقدم الملك الصالح بخنق كمشتكين، ~~فخنق بوتر، وأصحابه يشاهدونه ولا يسلمون، وكسروا يديه وعنقه، ورموه إلى ~~خندق حارم، فحين علم الفرنج ذلك ساروا إلى شيزر. # ودخل الملك الصالح إلى حلب، وخلف العسكر بأرض عم وجاشر، حول حارم، ~~يمنعونها من الفرنج، ويباكرونها كل يوم لطلب التسليم، ومقدم العسكر طمان بن ~~غازي وكان من أكبر الأمراء. # وعاد الفرنج إلى حماة فحصروها، ولم يظفروا بطائل، وطمعوا في حارم، لعصيان ~~أصحاب كمشتكين بها، وظنوا أن الملك ms267 الصالح صبي، وعسكره قليل، والملك الناصر ~~بمصر، فلا ينجدهم إلا بعد أن يأخذوا حارم، فنزلوا عليها، ومعهم كند كبير من ~~الفرنج، كان قد خرج من البحر إلى الساحل، يقال له كند قلنط لماني، ومعهم ~~البرنس، وابن لاون، والقومص صاحب طرابلس، فندم من بحارم، حيث لم يسلموها ~~إلى الملك الصالح. # وحصرها الفرنج، وضايقوها بالمجانيق والسلالم، فصاح من فيها: صلاح الدين ~~يا منصور! فأحضروا خيمة، كانوا أخذوها من خيم الملك الناصر في كسرة الرملة ~~في هذه السنة، وأخبروهم بالكسرة ليضعفوا عزيمتهم، وعسكر حلب بإزائهم من عم ~~إلى تيزين. # ودخلت سنة أربع وسبعين: والفرنج مجدون على قتال حارم، ونقبوا في تل PageV01P376 # القلعة، من جهة القبلة نقبا، ومن جهة الشمال آخر. فانهد السور على من ~~تحته، وهو موضع البغلة، التي جددها السلطان الملك الظاهر قدس الله روحه. # وامتنع القتال من تلك الناحية، خوفا من وقوع شيء آخر. فأخرج المسلمون ~~رجلا من عندهم إلى طمان، يطلب الأمان من الملك الصالح والنجدة، فسير إلى ~~الملك الصالح، وأعلمه. # فانتخب الملك الصالح رجالا أجلادا من الحلبيين، وأعطاهم مالا جزيلا، وقال ~~لهم: أريد منكم أن تدخلوا قلعة حارم، فجاءوا، والفرنج محدقون بها، في ~~الليل، فسلكوا خيامهم مفرقين، حتى جاوزوها. وصاحوا بالتكبير والتهليل، ~~وصعدوا القلعة، وصار فيها شوكة من المقاتلة، بعد أن كان قتل من المسلمين ~~بها رجال عدة. والمسلمون أعني عسكر حلب إذ ذاك حول الفرنج جرايد، وأثقالهم ~~بدير سمعان، وهم يتخطفون من يمكنهم أخذه من الفرنج ويحفظون أطراف البلد. ~~وسار العسكر عند ذاك إلى دير أطمة، وصادفوا الفرنج في وطأة أطمة، فحملوا ~~عليهم، فانهزموا وقتل من الفرنج، وأسر جماعة، فدام حصار الفرنج أربعة أشهر. ~~وأرسل الملك الصالح إليهم، وقال: إن الملك الناصر واصل إلى الشام، وربما ~~يسلم من بحارم إلى قلعتها، ويضحي في جواركم. وبذل لهم مالا بمقدار ما ~~أنفقوا مدة حصارهم لها. وانتظم الصلح، ورحلوا. # وخرج الملك الصالح، فنزل على حارم، فسلمها إليه أصحاب كمشتكين، وصفح عن ~~جرمهم، وولى فيها سرخك جمدار أبيه نور الدين. ودخل حلب ms268 وطالب نواب كمشتكين ~~بماله، واعتقل ابن التنبي وزيره، فأحضر بعض المال، وعذب حتى أحضره، ثم هرب ~~من الاعتقال. # وفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة، سعى جماعة بالقاضي محي الدين أبي حامد بن ~~الشهرزوري، قاضي حلب، وقدحوا فيه عند جمال الدين شاذبخت، PageV01P377 # وأوهموه أنه يميل إلى الملك الصالح، ووضعوا على لسانه أشعارا نسبوها ~~إليه، فأوجب ذلك استيحاشه، وتوجه إلى الموصل. وعرض القضاء على عمي أبي غانم ~~محمد بن هبة الله بن أبي جرادة فامتنع. فقلد والدي القضاء بحلب وأعمالها، ~~وبقي على قضائها إلى أن مات الملك الصالح، وفي دولة عز الدين، وعماد الدين، ~~ومدة من دولة السلطان الملك الناصر. # وقبض الملك الصالح قرية للإسماعيلية تعرف بحجيرا من ضياع نقرة بني أسد، ~~فكتب سنان إلى الملك الصالح كتبا عدة في إطلاقها، فلم يطلقها، فأرسل جماعة ~~من الرجال معهم النفط والنار، فعمدوا إلى الدكان التي في رأس الزجاجين من ~~الشرق في القرنة، فألقوا فيها النار. # فنهض نائب رئيس البلد بمن معه في المربعة، والجماعة المرتبون لحراسة ~~الأسواق، وأخذوا السقائين ليطفئوا الحريق، فأتى الإسماعيلية من أسطحة ~~الأسواق، وألقوا النار والنفط في الأسواق، فاحترق سوق البز الكبير، وسوق ~~العطارين، وسوق مجد الدين، المعد للبز، وسوق الخليع، وسوق الشراشين وهو ~~الآن يعرف الكتانيين وسوق السراجين، والسوق الذي غربي الجامع، جميعه، إلى ~~أن انتهى الحريق إلى المدرسة الحلاوية. # واحترق للتجار والسوقية، من القماش والآلات شيء كثير، وافتقر كثير منهم ~~بسبب ذلك، ولم يظفروا من الإسماعيلية بأحد، وذلك في سنة خمس وسبعين ~~وخمسمائة. # ومات سيف الدين غازي، صاحب الموصل، ووليها أخوه عز الدين مسعود، وذلك في ~~سنة ست وسبعين وخمسمائة. ### || وفاة إسماعيل بن نور الدين زنكي # وكان الملك الصالح في هاتين السنتين رخي البال، مستقرا في مملكته، سالكا ~~في الإحسان إلى أهل حلب طريق أبيه. عفيف اليد والفرج واللسان، فقدر الله ~~تعالى PageV01P378 # أن حضر أجله، وله نحو من تسع عشرة سنة، فمرض بالقولنج، واشتد مرضه. فدخل ~~إليه طبيبه ابن سكرة اليهودي، وقال له سرا: يا مولانا شفاؤك في الخمر، ms269 فإن ~~رأيت أن تأذن لي في حمله في كفي، بحيث لا يطلع اللالا، ولا شاذبخت، ولا أحد ~~من خلق الله على ذلك. فقال: يا حكيم، كنت والله أظنك عاقلا. ونبينا صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " وما ~~يؤمنني أن أموت عقيب شربها فألقى الله، والخمر في بطني، والله لو قال لي ~~ملك من الملائكة: إن شفاءك في الخمر لما استعملته. # حكي لي ذلك والدي عن ابن سكرة الطبيب. # ولما أيس من نفسه أحضر الأمراء والمستحفظين، وأوصاهم بتسليم البلد إلى ~~ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، واستحلفهم على ذلك، فقال لهم ~~بعضهم: إن عماد الدين ابن عمك أيضا، وهو زوج أختك، وكان والدك يحبه ويؤثره، ~~وهو تولى تربيته، وليس له غير سنجار، فلو أعطيته البلد لكان أصلح، وعز ~~الدين له من البلاد من الفرات إلى همذان، ولا حاجة له إلى بلدك، فقال له: ~~إن هذا لم يغب عني، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين، قد تغلب على البلاد ~~الشامية، سوى ما بيدي، ومتى سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها، وإن ~~ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام، وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه ~~حفظها بكثرة عساكره وبلاده. فاستحسنوا هذا القول منه، وعجبوا من حسن رأيه ~~مع شدة مرضه، وصغر سنه. # ثم مات يوم الجمعة خامس وعشرين شهر رجب، من سنة سبع وسبعين وخمسمائة. ~~ودفن بقلعة حلب، إلى أن ابتنت والدته الخانكاه تجاه القلعة، ونقل إليها في ~~أيام، فسير الأمراء: جورديك، والبصيري وبرغش، وجمال الدين شاذبخت، ~~النوريون، مع جماعة المماليك النورية، إلى عز الدين، يستدعونه، وجددوا ~~الأيمان فيما بينهم له. PageV01P379 ### | القسم السادس والعشرون ### || دخول عز الدين حلب # وأما علم الدين سليمان بن جندر، وحسام الدين طمان بن غازي، وأهل الحاضر، ~~فإنهم راسلوا عماد الدين صاحب سنجار، وكتموا أمرهم، وشاذبخت هو الوالي ~~بالقلعة، والحافظ لخزانتها، والمدبر للأمور مع النورية، فسير إلى علم الدين ~~سليمان، وحسام الدين طمان، وطلب منهما ms270 الموافقة في اليمين لعز الدين، ~~فماطلا، ودافعا. فلما تأخر وصول عماد الدين عليهما، وافقا على اليمين لعز ~~الذين. ولما وصل رسول الأمير إلى عز الدين، سار هو ومجد الدين قايماز إلى ~~الفرات، فنرل على البيرة ووصجل شهاب الدين أخو عماد الدين مختفيا واجتمع ~~بطمان وابن جندر، وأعلمهما أن عماد الدين في بعض الطريق، فأخبروه بأخذ ~~اليمين عليهم، وأن تربصه بالحركة أحوجهم إلى ذلك، فعاد إليه أخوه وعرفه، ~~فعاد إلى بلاده. # وأما عز الدين، فحين وصل إلى البيرة أرسل إلى الأمراء الدين بحلب، ~~واستدعاهم إليه. فخرجوا والتقوه بالبيرة، وساروا معه إلى حلب، ودخلها في ~~العشرين من شعبان. واستقبله مقدموها ورؤساؤها، وصعد إلى القلعة. # وكان تقي الدين عمر، ابن أخي الملك الناصر بمنبج، فعزم على أن يحول بين ~~عز الدين وحلب، حين وصل إلى البيرة لأنه وصل جريدة، وتخلف عنهم الغلمان ~~والحشد، ثم إنه تثاقل هو وأصحابه عن ذلك. # ولما وصل عز الدين إلى حلب، سار تقي الدين من منبج إلى حماة، وثار PageV01P381 # أهل حماة، ونادوا بشعار عز الدين فأشار عسكر حلب على عز الدين بقصدها، ~~وقصد دمشق، وأطمعوه فيها وفي غيرها من الشام، وأعلموه محبة أهل الشام لأهل ~~بيته. # وكان الملك الناصر بالديار المصرية، فلم يفعل، وقال: بيننا يمين، ولا ~~نغدر به. ولما بلغ الملك الناصر أخذ عز الدين حلب قال: خرجت حلب عن أيدينا، ~~ولم يبق لنا فيها طمع. # وأقام عز الدين بحلب، فسير إليه أخوه عماد الدين زنكي بن مودود، وقال ~~كيف: تختص أنت ببلاد عمي وابنه وبأمواله، دوني. وهذا أمر لا صبر لي عنه. ~~وطلب منه تسليم حلب إليه، وأن يأخذ منه سنجار عوضا عنها. # فامتنع عز الدين، ولم يجبه إلى ما أراد، فأرسل إليه وهدده بأن يسلم سنجار ~~إلى الملك الناصر فيضايق الموصل بها. فأشار عليه طائفة من الأمراء بأخذ ~~سنجار منه وإعطائه حلب. وكان أشد الناس في ذلك مجاهد الدين، وهو الذي كان ~~يتولى تدبيره. وكان أمراء حلب لا يلتفتون إلى مجاهد الدين، ولا يسلكون معه ms271 ~~ما يسلكه عسكر الموصل، فلذلك ميل عز الدين إلى ذلك. # وشرع عز الدين في الميل إلى الأمراء، الدين حلفوا له أولا، والإعراض عن ~~الذين مالوا إلى أخيه عماد الدين، وأحسن إلى أهل حلب، وخلع عليهم، وأجراهم ~~على عادتهم في أيام عمه نور الدين، وابنه الملك الصالح، وأبقى قاضيها ~~والدي، وخطيبها عمي، ورئيسها صفي الدين طارق ابن الطريرة لما على ولاياتهم، ~~وولى بقلعة حلب شهاب الدين إسحاق بن أميرك الجاندار، صاحب الرقة. وأبقي ~~شاذبخت في القلعة ناظرا معه، وولى مدينة حلب والديوان مظفر الدين بن زين ~~الدين. PageV01P382 # وكان الصلح قد انفسخ، بموت الملك الصالح، بين الفرنج والمسلمين. وكانت ~~شيح الحديد مناصفة بين المسلمين والفرنج، فأضافها عسكر حلب، قبل وصول عز ~~الدين إلى الدربساك واختصوا بها دون الفرنج، وحضر أهلها إلى طمان، فأعطاهم ~~الأمان. # فلما وصل عز الدين، سير العساكر إلى ناحية لاحارم، وحاولوا نهب العمق ~~فانحاز أهله كلهم إلى شيح لعلمهم بأن طمانا أمنهم، فأراد عسكر الموصل أن ~~ينهبوها، فقال لهم: إن شيح لحلب، وإنهم في أماني. فلم يتلفتوا إلى قوله، ~~وسار واليها ليلا، فسبقهم إلى المخاض، ووقف في وجوههم يردهم، فقتل منهم ~~جماعة. ثم تكاثروا وعبروا، فسبقهم طمان إلى شيح، وأمرهم أن يجعلوا النساء ~~في المغاير ودربها. # فوصل عسكر الموصل، فرأوا ذلك، فعزموا على القتال، فصاح طمان: إذا كنتم ~~تخفرون ذمتي، فأنا أرحل إلى الفرنج. وسار فى أصحابه إلى أن قرب من يغرا ~~فوصله من أخبره بأنهم عادوا عنها، ولم ينالوا منها طائلا. وخافوا من ملامة ~~عز الدين، فعاد طمان، ونزل كل منهم في خيامه بحارم. # وكاتب المواصلة عز الدين، يطعنون على طمان، وإنه وافق أهل شيح، في ~~العصيان، وأراد اللحاق بالفرنج، فأحضر طمان والمواصلة، وتقابلوا بين يديه. ~~فقال لعز الدين: الحق مع حسام الدين، ولا يجور نقض العهد لواحد من ~~المسلمين. وكان ذلك في شهر رمضان من السنة. # وبقيت المواحشة بين أمراء حلب والمواصلة، والحلبيون لا يرون التغاضي ~~لمجاهد الدين. ومجاهد الدين يحاول أن يكونوا معه كأمراء الموصل. والأمراء ms272 ~~الحلبيون يمنون عليه بأنهم اختاروه لهذا الأمر، ويطلبون منه الزيادة، ~~ويختلق المواصلة عليهم الأكاذيب. # فهرب الأمير علم الدين سليمان بن جندر، قاصدا الملك الناصر إلى مصر. PageV01P383 # فقالوا لعز الدين: إن طمانا سيهرب بعده، فأمر عز الدين مظفر الدين بن زين ~~الدين، وبني الغراف، والجرايحي وغيرهم أن يميدوا من السعدي إلى المباركة في ~~طريقه، وأن يقف جماعة حول دار طمان وكان يسكن خارج المدينة. # فلما لم يجر من طمان شيء من ذلك، جاؤوا إليه نصف الليل، وطلبوه، فخرج ~~إليهم، فوجد ابن زين الدين وبني الغراف، فسألهم عما يريدون، فقالوا. إنه ~~أنهي إلىعز الدين بأنك تريد الهرب، وقد أمرنا بأن نعوقك فقال: والله ما ~~لهذا صحة، ولو أردت المسير عن حلب لمضيت لا على وجه الخفية، ولا أخاف من ~~أحد. # فجعلوا لهم طريقا آخر إلى نيل غرضهم، وأصبحوا، وعز الدين منتظر ما يكون، ~~فقالوا له: كان قد عزم على الهرب، فلما علم أن الطريق قد أخذ عليه، وأن ~~الدار قد أحيط بها آخر ذلك إلى وقت ينتهز فيه الفرصة، والمصلحة قبضه قبل ~~هربه. فأمرهم بأن يقبضوه محترما، ويحضروه إليه. # فجاؤه ليلا، من أعلى الدار وأسفلها، وأزعجوه، وكان نائما، فخرج إلى ~~الباب، فوجد مظفر الدين بن زين الدين مع بني الغراف، فقالوا له: إن المولى ~~عز الدين قد أمرنا بالقبض عليك. فقال لهم: السمع والطاعة، فشأنكم وما أمرتم ~~به، فأركبوه، وحملوه، والرجال محيطة به، وفتحوا باليل باب القلعة، واعتقلوه ~~بها غير مضيق عليه. # وأحضره عز الدين، ووانسه، وقال: لم أفعل ما فعلت إلا لشدة رغبتي فيك، ~~وافتقاري إلى مثلك، فعرفه ما ينطوي عليه، وأن ما نقل عنه لم يخطر بباله. ~~فقال: إن وقيعة أعدائك فيك، لم تردك عندي إلا حظوة. # وبقي معتقلا في القلعة أسبوعا، ثم خلع عليه، وأطلقه وزاد في أقطاعه ~~الأخترين. # وأقام عز الدين حتى انقضت مدة الشتاء، ثم تزوج أم الملك الصالح، في خامس ~~شوال من السنة، ثم سيرها إلى الموصل، واستولى على جميع الخزائن التي PageV01P384 # كانت لنور الدين وولده ms273 بقلعة حلب، وما كان فيها من السلاح، والزرد ~~والقسي، والخوذ، والبركسطونات، والنشاب، والآلات، ولم يترك فيها إلا شيئا ~~يسيرا من السلاح العتيق، وسير ذلك كله إلى الرقة. # وترك في قلعة حلب ولده نور الدين محمودا طفلا صغيرا، ورد أمره إلى الوالي ~~بالقلعة: شهاب الدين إسحاق، وسلم البلد والعسكر إلى مظفر الدين بن زين ~~الدين. وسار إلى الرقة، سادس عشر شوال، فأقام بها فصل الربيع. ### || دخول عماد الدين حلب بعد المقايضة # وراسل أخاه عماد الدين، في المقايضة بسنجار، ليتوفر على حفظ بلاده، ويضم ~~بعضها إلى بعض، ولعلمه أنه يحتاج إلى الإقامة بالشام، لتعلق أطماع الملك ~~الناصر بحلب. وقدم عليه أخوه. واستقرت المقايضة على ذلك، وتحالفا على أن ~~تكون حلب وأعمالها لعماد الدين وسنجار وأعمالها لعز الدين. وأن كل واحد ~~منهما ينجد صاحبه، وأن يكون طمان مع عماد الدين، فسير طمان، وصعد إلى قلعة ~~حلب، وكان معهم علامة من عز الدين، فتسلمها، وسير عز الدين من تسلم سنجار. # وفي حال طلوع طمان، ونقل الوالي متاعه، طمع مظفر الدين بن زين الدين بأن ~~يملك القلعة، ووافقه جماعة من الحلبيين كانوا بقربه، في الدار المعروفة ~~بشمس الدين علي ابن الداية وجماعة من الأجناد، ولبس هو رردية، تحت قبائه، ~~وألبس جماعة من أصحابه الزرد تحت الثياب، ومع كل واحد منهم سيف. وأرسل إلى ~~شهاب الدين، وقال: له إنه وصلني كتاب من أتابك عز الدين، وأمرني أن أطلع في ~~جماعة إليك، فأمره بالصعود. # وكان جمال الدين شاذبخت، في حوش القلعة الشرقي، الذي هدمه الملك العادل ~~وكان بين الجسرين اللذين جددهما السلطان الملك الظاهر رحمه الله وعمل مكان ~~ذلك الحوش بغلة فرأى الجند مجتمعين تحت القلعة، فسير شاذبخت، وأحضر بوابا ~~كان للقلعة، يقال له علي بن منيعة وكان جلدا يقظا، وأمره بالاحتراز. PageV01P385 # فلما أن أراد أن يدخل من باب القلعة، تقدم إليه، وقال له: لا تدخل إلا ~~أنت وحدك. وكان في ركابه جماعة فمنعوهم. فلم يتتم له ما أراد. # وعاد ابن زين الدين إلى داره، وقيل إن ms274 ابن مقبل الاسباسلار، قال له: أنت ~~تصعد إلى القلعة، فما هذا الزرد عليك؟ فعاد، وجعل يعتذر عما شاع في الناس ~~من فعله. # وكتب شهاب الدين الوالي وجمال الدين شاذبخت إلى عز الدين كتابا بخط حسين ~~بن يلدك، إمام المقام. وأخذ تحته خطوط الأجناد، والنقيب، والاسباسلار. فلم ~~يمكن عز الدين مكاشفته في ذلك، لقرب الملك الناصر من البلاد. # وبعث مظفر الدين إلى عز الدين يعتذر، ويقول: إن الإسماعيلية أوعدوني ~~القتل، وما أمكنني إلا الاحتراز بالسلاح، أنا، ومن معي، وأنكر الحفظة ~~بالقلعة ذلك علي، ولم يكن ذلك لأمر غير ما ذكرته. فلم يقابله على ذلك. # وأما طمان، فإنه قبض على الجماعة الذين كانوا معه، وحبسهم في القلعة، ~~واطلع على ما كانوا أضمروه، وأطلقهم في اليوم الثاني، وستر هذا الأمر. # ثم وصل قطب الدين بن عماد الدين إلى حلب، ثم ورد أبوه عماد الدين، فوصل ~~بأهله، وماله، وأجناده، زوجته بنت نور الدين. ووصل على البرية من جهة ~~الأحمص. والتقاه الأكابر من الحلبيين. وصعد إلى قلعة حلب، في ثالث عشر ~~المحرم، من سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وقيل في مستهله. # وولى القلعة عبد الصمد بن الحكاك الموصلي، والعسكر، والخزائن، والنظر في ~~أحوال القلعة إلى مجاهد الدين بزغش. وأنرل شاذبخت من القلعة. والقضاء، ~~والخطابة والرئاسة، على ما كان عليه، في أيام أخيه وابن عمه. # وولى الوزارة بهاء الدين أبا الفتح نصر بن محضد بن القيسراني، أخا موفق ~~الدين خالد، وزير نور الدين واستمر الشيعة في أيامه، وأيام أخيه، على ~~قاعدتهم، قي أقرهم عليها الملك الصالح، من إقامة شعارهم بالشرقية، بالمسجد ~~الجامع. وأبقي سرخك في حارم على ما كان عليه. وحكم شاذبخت في عزاز PageV01P386 # وقلعتها وهو وكيل عن ابنة نور الدين التي أطلقها الملك الناصر لها وصالح ~~الفرنج. # وجرى في الإحسان إلى أهل حلب، على قاعدة عمه وابن عمه وأخيه. ولما بلغ ~~الملك الناصر حديث حلب وأخذ عماد الدين إياها، قال: أخذنا والله حلب. فقيل ~~له: كيف قلت في عز الدين أخذها خرجت حلب عن أيدينا، وقلت: ms275 حين أخذها عماد ~~الدين، أخذنا حلب. فقال: لأن عز الدين ملك صاحب رجال ومال، وعماد الدين، لا ~~مال ولا رجال. ### || صلاح الدين الأيوبي في بلاد الشام # وخرج الملك الناصر، من مصر في خامس المحرم من هذه السنة. وخرج الناس ~~يودعونه، ويسيرون معه ويتأسفون على فراقه، وكان معه معلم لبعض أولاده، ~~فالتفت إلى بعض الحاضرين، وأنشد: # تمتع من شميم عرار " نجد " ... فما بعد العشية من عرار # فانقبض السلطان، وتطير. فقدر أنه لم يعد إلى مصر، إلى أن مات، مع طول ~~مدته، واتساع ملكه في غيرها. # وسار على أيلة وأغار على بلاد الفرنج في طريقه. ووصل دمشق في صفر. ثم خرج ~~منها إلى ناحية الغور، فأغار على ناحية طبرية وبيسان، وعاد إلى دمشق. ثم ~~خرج إلى بيروت، ونارلها، واجتمع الفرنج فرحلوه عنها. فدخل إلى دمشق. وبلغه ~~أن المواصلة كاتبوا الفرنج على قتاله، فجعل ذلك حجة عليهم. PageV01P387 # وسار حتى نزل على حلب، في ثامن عشر من جمادى الأولى، سنة ثمان وسبعين ~~وخمسمائة. ونزل على عين أشمونيت، وامتد عسكره حولها شرقا، وأقام ثلاثة ~~أيام، فقال له عماد الدين: امض إلى سنجار، وخذها وادفعها إلي، وأنا أعطيك ~~حلب. # وكان عماد الدين قد ندم على مقايضة أخيه بحلب وسنجار، حيث وصل ووجد ~~خزائنها صفرا من المال، وقلعتها خالية من العدد والسلاح والآلات، وأنه ~~يجاور مثل الملك الناصر فيها. # فعند ذلك سار لا الملك الناصر إلى عبر البيرة، وكان صاحبها شهاب الدين ~~ابن أرتق قد صار في طاعته. فعبر إليه مظفر الدين بن زين الدين إلى الناحية ~~الشامية، وحران، إذ ذاك في يده، كان أقطعه إياهاعز الدين صاحب الموصل. ~~وحصلت بينه وبينه وحشة من الوقت الذي عزم فيه على أخذ قلعة حلب، فكانت رسله ~~تتردد إلى الملك الناصر، تطمعه في البلاد، وتحثه على الوصول. # وعاد ابن زين الدين معه حتى عبر الفرات في جسر البيرة، وكان عز الدين قد ~~وصل بعساكر الموصل إلى دارا، ليمنع الملك الناصر من حلب، فلما عبر الفرات ~~عاد إلى الموصل. ### || صلاح الدين ms276 في أرض الجزيرة # وعبر الملك الناصر، فأخذ الرها من ابن الرعفراني، وسلمها إلى ابن زين ~~الدين، وأخذ الرقة من ابن حسان، ودفعها إلى ابن الرعفراني. وكاتب ملوك ~~الشرق فأطاعوه، وقصد نضيبين، فأخذها. وسار إلى الموصل، وفيها عسكر قوي، ~~فقوتل قتالا شديدا، ولم يظفر منها PageV01P388 # بطائل، فرحل عنها إلى سنجار، فأنفذ مجاهد الدين إليها عسكرا، فمنعه الملك ~~الناصر من الوصول. وحاصر سنجار، فسلمها إليه أمير من الأكراد الزرزارية، ~~وكان في برج من أبراجها فسلم إليه تلك الناحية وصارت الباشورة معه فضعفت ~~نفس واليها أمير أميران أخي عز الدين، فسلمها بالأمان، في ثاني شهر رمضان ~~من السنة، وقرر الملك الناصر أمورها، وعاد إلى حران. # ولما قصد الملك الناصر البلاد الشرقية، رأى عماد الدين أن يخرب المعاقل ~~المطيفة ببلد حلب، فشن الغارات على شاطىء الفرات، وهدم حصن بالس، وحصر ~~قليعة ناعر ففتحها، ثم هدمها بعد ذلك، وأغار على قرى الشط، فأخربها واستاق ~~مواشيها، وأحرق جسر قلعة جعبر. # ثم وصل إلى منبج وقاتلها، وأغار على بلدها، ووصلت الغارة إلى قلعة نجم، ~~وعبر الفرات، فأغار على سروج. # ثم عاد إلى حلب، ثم خرج وهدم حصن الكرزين وخرب حصن بزاعا وقلعة عزاز، في ~~جمادى الآخرة، وخرب حصن كفرلاثا بعد أخذه من صاحبه بكمش، وكان قد استأمن ~~إلى الملك الناصر، وضاق الحال عليه، فشرع في قطع جامكية أجناد من القلعة، ~~وقتر على نفسه في النفقات. وأما الملك الناصر، فرحل من حران فنرل بحرزم تحت ~~قلعة ماردين. فلم ير فيها طمعا، فسار إلى آمد، في ذي الحجة. وكان قد وعد PageV01P389 # نور الدين محمد بن قرا أرسلان بأخذها من ابن نيسان، وتسليمها إليه، وحلف ~~له على ذلك، فتسلمها في العشر الأول، من المحرم من سنة تسع وسبعين ~~وخمسمائة. وكان فيها من المال شيء عظيم. فسلم ذلك كله مع البلد إلى نور ~~الدين، وقيل له في أخذ الأموال وتسليم البلد، فقال: ما كنت لأعطيه الأصل ~~وأبخل بالفرع. PageV01P390 ### | القسم السابع والعشرون ### || صلاح الدين يحاصر حلب # ثم إن الملك الناصر عبر إلى ms277 الشام، فمر بتل خالد فحصرها، فسلمها أهلها ~~بالأمان في المحرم. ثم سار منها إلى عين تاب، وبها ناصر الدين محمد أخو ~~الشيخ إسماعيل الخزندار، فدخل في طاعته، فأبقاها عليه. # ولما علم عماد الدين ذلك، وتحقق قصده لحلب، أخذ رهائن الحلبيين، وأصعد ~~جماعة من أولادهم وأقاربهم، خوفا من تسليم البلد، وقسم الأبراج والأبواب ~~على جماعة من الأمراء. وكان الأمراء الياروقية بها في شوكتهم. # وجاء الملك الناصر، ونزل على حلب في السادس والعشرين من محرم سنة تسع ~~وسبعين وخمسمائة. وامتد عسكره من بابلى إلى النهر ممتدا إلى باسلين، ونزل ~~هو على الخناقية، وقاتل عسكر حلب قتالا عظيما، في ذلك اليوم، وأسر حسام ~~الدين محمود بن الختلو، بالقرب من بانقوسا، وهو الذي تولى شحنكية حلب، فيما ~~بعد. # وهجم تاج الملوك بوري بن أيوب، أخو الملك الناصر، على عسكر حلب، فضرب ~~بنشاب زنبورك فأصاب ركبته، فوقع في الأكحل، فبقي أياما، ومات بعد PageV01P391 # فتح حلب، ودفن بتربة شهاب الدين الحارمي، بالمقام، ثم نقل إلى دمشق. وجد ~~الملك الناصر، بسبب أخيه على محاصرة حلب أياما، فاجتمع إليه الأجناد من ~~العسكر والرجال، وطلبوا منه قرارهم فمطلهم، فقالوا: قد ذهبت أخبارنا، ~~ونحتاج لغلاء الأسعار إلى ما لا بد منه، وشح بماله، فقال لهم: أنتم تعلمون ~~حالي، وقلة مالي، وأنني تسلمت حلب صفرا من الأموال، وضياعها في أقطاعكم. ~~فقال له بعضهم: من يريد حلب يحتاج إلى أن يخرج الأموال ولو باع حلي نسائه، ~~فأحضر أواني من الذهب والفضة، وغيرها، وباع ذلك، وأنفقه فيهم. # وكان الحلبيون يخرجون على جاري عادتهم، ويقاتلون أشد قتال بغير جامكية، ~~ولا قرار، نخوة على البلد، ومحبة لملكهم، فأفكر عماد الدين، ورأى أنه لا ~~قبل له بالملك الناصر، وأن ماله ينفد ولا يفيده شيئا، فخلا ليلة بطمان، ~~وقال له: ما عندك في أمرنا. هذا الملك الناصر، قد نزل محاصرا لنا، وهو ملك ~~قوي، ذو مال. والظاهر أنه يطيل الحصار، وتعلم أنني أخذت حلب خالية من ~~الخزائن، والجند يطالبونني وليس لي من المال ما يكفيني لمصابرته. ولا ms278 أدري ~~عاقبة هذا الأمر إلى ما ينتهي. # فأحس طمان عند ذلك بما قد حصل في نفسه، فقال له: أنا أذكر لك ما عندي، ~~على شريطة الكتمان والاحتياط بالمواثيق والأيمان، على أن لا يطلع أحد على ~~ما يدور بيننا، فإن هؤلاء الأمراء إن اطلعوا على شيء مما نحن فيه أفسدوه، ~~وانعكس الغرض. # فتحالفا على كتمان ذلك، فقال له طمان: أرى من الرأي في حلب أن تسلمها إلى ~~الملك الناصر، بجاهها، وحرمتها، قبل أن تنتهك حرمتها، ويضعف أمرها، وتفنى ~~الأموال، وتضجر الرجال، ويستغل بلدها فيتقوى هو وعسكره به، ونحن لا نزداد ~~إلا ضعفا. والآن فنحن عندنا قوة، ونأخذ منه ما نريد من الأموال والبلاد. PageV01P392 # نستريح من الأجناد وإلحاحهم في الطلب. ثم قد أصبح ملكا عظيما، وهو صاحب ~~مصر، وأكثر الشام، وملوك الشرق فقد أطاعوه ومعظم الجزيرة في يده. # فقال له: والله هذا الذي قلته كله رأيي، وهو الذي وقع لي، فاخرج إليه، ~~تحدث معه على أن يعطيني: الخابور، وسنجارة وأي شيء قدرت على أن ترداده ~~فافعل، واطلب الرقة لنفسك. # ثم إن طمان كتم ذلك الأمر، وباكر القتال، وأظهر أن بداره واصطبله بالحاضر ~~خشبا عظيما، وأنه يريد نقضها، كيلا يحرقها العسكر، فكان يبيت كل ليلة في ~~داره، خارج المدينة. ويجتمع بالسلطان الملك الناصر، خاليا، ويرتب الأمور ~~معه، ويجيء إلى عماد الدين ويقرر الحال معه، وينزل، ويصعد إلى القلعة من ~~برج المنشار، وكان عند باب الجبل الآن متصلا بالمنشار إلى أن قرر مع الملك ~~الناصر: أن يأخذ حلب وعملها، ولا يأخذ معها شيئا من أموالها، وذخائرها، ~~وجميع ما فيها من الآلات والسلاح، وأن يعطي عماد الدين عوضا عنها: سنجار، ~~والخابور، ونصيبين، وسروج، وأن يكون لطمان الرقة، ويكون مع عماد الدين. ~~وشرط عليه أن تكون الخطابة والقضاء للحنفية بحلب، في بني العديم، على ما هي ~~عليه، كما كان في دولة الملك الصالح، وأن لا ينقل إلى الشافعية. # هذا كله يتقرر، والقتال في كل يوم بين العسكرين على حاله. وليس عند ~~الطائفتين علم بما يجري. ويخرج ms279 من الحلبيين في كل يوم عشرة آلاف مقاتل أو ~~أكثر، يقاتلون أشد قتال. ### || التهيئة للتسليم والاستلام # ولم يعلم أحد من الأمراء ولا من أهل البلد، حتى صعدت أعلام الملك الناصر ~~على القلعة، بعد أن توثق كل واحد من الملكين من صاحبه بالأيمان. فأسقط في ~~أيدي أهل حلب والأمراء من الياروقية، وغيرهم. وخاف الياروقية على أخبارهم، ~~والحلبيون على أنفسهم، تكرر منهم من قتال الملك الناصر، مرة بعد أخرى، في ~~أيام الملك الصالح. # وصرح العوام بسبه، وحمل رجل من الحلبيين يقال له سيف بن المؤذن PageV01P393 # إجانة الغسال. وصار بها إلى تحت الطيارة بالقلعة، وعماد الدين جالس بها ~~يشير إليه أن يغسل فيها كالمخانيث، ونادى إليه: يا عماد الدين، نحن نقاتل ~~بلا جامكية ولا جراية، فما حملك على أن فعلت ما فعلت. # وقيل: إن بعضهم رماه بالنشاب، فوقع في وسط الطيارة، وعمل عوام حلب أشعارا ~~عامية، كانوا يغنون بها، ويدقون على طبيلاتهم بها، منها: # أحباب قلبي لاتلوموني ... هذا عماد الدين مجنون # قايض بسنجار لقلعة حلب ... وزاده المولى نصيبين # ودق آخر على طبله، وقال مشيرا إلى عماد الدين: # وبعت بسنجار قلعة حلب ... عدمتك من بايع مشتري # خريت على حلب خرية ... نسخت بها خرية " الأشعري " # وصعد إليه صفي الدين رئيس البلد ووبخه على ما فعل، وهو في قلعة حلب لم ~~يخرج منها بعد، فقال له عماد الدين: فما فات، فاستهزأ به. # وأنفذ عسكر حلب وأهلها، إلى السلطان الملك الناصر: عز الدين جورديك، وزين ~~الدين بلك، فاستحلفوه للعسكر ولأهل البلد، في سابع عشر صفر، من سنة تسع ~~وسبعين وخمسمائة. # وخرجت العساكر ومقدمو حلب إليه إلى، الميدان الأخضر، وخلع عليهم، وطيب ~~قلوبهم. # ولما استقر أمر الصلح، حضر الملك الناصر صلاح الدين عند أخيه تاج الملوك، ~~الخناقية يعوده وقال له: هذه حلب، قد أخذناها، وهي لك فقال: لو كان وأنا ~~حي، ووالله، لقد أخذتها غالية حيث تفقد مثلي. فبكى الملك الناصر والحاضرون. # وأقام عماد الدين بالقلعة، يقضي أشغاله، وينقل أقمشته، وخزائنه، PageV01P394 # والسلطان الملك الناصر مقيم بالميدان الأخضر، إلى ms280 يوم الخميس ثالث وعشرين ~~من صفر. فنرل عماد الدين من القلعة ورتب فيها طمان مقيما بها، إلى أن يتسلم ~~نواب عماد الدين ما اعتاض به عن حلب، واستنابه في بيع جميع ما كان في قلعة ~~حلب، حتى باع الأغلاق والخوابي، واشترى الملك الناصر منها شيئا كثيرا. # ونرل عماد الدين، في ذلك اليوم إلى السلطان الملك الناصر وعمل له السلطان ~~وليمة واحتفل وقدم لعماد الدين أشياء فاخرة من الخيل والعدد، والمتاع ~~الفاخر. وهم في ذلك إذ جاءه بعض أصحابه وأسر إليه بموت أخيه تاج الملوك ~~لما، فلم يظهر جزعا ولا هلعا، وكتم ذلك عن عماد الدين، إلى أن انقضى ~~المجلس، وأمرهم بتجهيزه. ### || دخول صلاح الدين قلعة حلب # فلما انقضى أمر الدعوة، وعلم عماد الدين بعد ذلك عزاه عن أخيه، وسار ~~السلطان الملك الناصر معه مشيعا في ذلك اليوم، فسار حتى نرل مرج قراحصار ~~فنرل به، والسلطان في خيمته إلى أن وصل عماد الدين رسل أصحابه يخبرونه ~~بأنهم تسلموا سنجار، والمواضع التي تقررت له معها، فرفعت أعلام الملك ~~الناصر، عند ذلك على القلعة. وصعد إليها في يوم الاثنين السابع والعشرين، ~~من صفر، من سنة تسع وسبعين وخمسمائة. ### || حارم وتل خالد وعزاز # وامتنع سرخك، والي حارم، من تسليمها إلى السلطان الملك الناصر، فبذل له ~~ما يجب من الإقطاع، فاشتط في الطلب. وراسل الفرنج، ليستنجد بهم، فسمع بعض ~~الأجناد، بقلعة حارم، ذلك، فخافوا أن يسلمها إلى الفرنج، فوثبوا عليه، ~~وحبسوه، وأرسلوا إلى السلطان، يعلمونه ذلك، ويطلبون منه الأمان والإنعام، ~~فأجابهم إلى ذلك وتسلمها. PageV01P395 # وأقر عين تاب بيد صاحبها، وسلم تل خالد إلى بدر الدين دلدرم، صاحب تل ~~باشر، وكان من كبار الياروقية. وأقطع عزاز الأمير علم الدين سليمان بن ~~جندر. وولى الملك الناصر قلعة حلب سيف الدين يازكج الأسدي. وولى شحنكية حلب ~~حسام الدين تميرك بن يونس، وولى ديوان حلب ناصح الدين ابن العميد الدمشقي. ~~وأبقى الرئيس صفي الدين طارق بن أبي غانم ابن الطريرة، في منصبه على حاله، ~~وزاد إقطاعه. # وكان الفقيه عيسى ms281 كثير التعصب، فما رال به، حتى نقل الخطابة عن الحنفية ~~إلى الشافعية، وعزل عنها عمي أبو المعالي. ووليها أبو البركات سعيد بن ~~هاشم. وفعل في القضاء كذلك، فسير إلى القاضي محيي الدين محمد بن زكي الدين ~~علي إلى دمشق، بسفارة القاضي الفاضل، فأحضر إلى حلب وولي قضاءها، وعزل ~~والدي عن القضاء، وامتدحه محيي الدين بن الزكي، بقصيدة بائية، قال فيها: # وفتحكم حلبا بالسيف في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب # فاتفق من أحسن الإتفاقات، وأعجبها، فتح القدس في شهر رجب من سنة ثلاث ~~وثمانين وخمسمائة. # وأقام محيي الدين في القضاء بحلب مدة، ثم استناب القاضي زين الدين أبا ~~البيان نبأ بن البانياسي في قضاء حلب، وطار إلى بلده دمشق. # ثم إن السلطان الملك الناصر أقام بحلب، ورحل منها في الثاني والعشرين من ~~ربيع الآخر، من سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وجعل فيها ولده الملك الظاهر غازي ~~وكان صبيا وجعل تدبير أمره إلى سيف الدين يازكج. ### || صلاح الدين والفرنج # وسار إلى دمشق، ثم خرج إلى الغزاة في جمادى الآخرة، وسار إلى PageV01P396 # بيسان، وقد هرب أهلها، فخربها، ونهبها، وخرب حصنها. ثم سار إلى عفر بلا، ~~فخربها، وجرد قطعة من العسكر، فخربوا الناصرة والفولة وما حولهما من ~~الضياع. # وجاء الفرنج فنزلوا عين الجالوت، ودار المسلمون بهم، وبثوا السرايا في ~~ديارهم، للغارة والنهب، ووقع جورديك، وجاولي الأسدي، وجماعة من النورية على ~~عسكر الكرك والشوبك، سائرين في نجدة الفرنج، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ~~وأسروا مائة نفر، وعادوا. # وجرى للمسلمين مع الفرنج وقعات، ولم يتجاسروا على الخروج للمصاف، وعاد ~~السلطان إلى الطور في سابع عشر جمادى الآخرة. فنرل تحت الجبل، مترقبا ~~رحيلهم ليجد فرصة، فأصبحوا، ورحلوا راجعين على أعقابهم. ورحل نحوهم، ~~وناوشهم العسكر الإسلاي، فلم يخرجوا إليهم، والمسلمون حولهم، حتى نزلوا ~~الفولة راجعين. وفرغ أزواد المسلمين. فعادوا إلى دمشق، ودخل السلطان دمشق، ~~في رابع وعشرين من جمادى الآخرة ثم عزم علىغزو الكرك، فخرج إليها في رجب، ~~وكتب إلى أخيه الملك العادل، وأمره أن يلتقيه إلى الكرك، وسار ms282 السلطان إلى ~~الكرك، وحاصرها، ونهب أعمالها، وهجم ربضها، في رابع شعبان. وهدم سورها ~~بالمنجنيقات، PageV01P397 # وأعجزه طم خندقها. ووصلت الفرنج لنجدتها فلما اجتمعوا بالجليل، رحل عنها، ~~ونزل بإزائها. ### || حلب وأبو بكر بن أيوب # ووصل أخوه الملك العادل، من مصر، وعقد لابن أخيه تقي الدين عمر، على ~~ولايتها. فسار إليها في نصف شعبان. # وعاد السلطان الملك الناصر إلى دمشق، والملك العادل أخوه معه، فعقد له ~~على ولاية حلب، وسار إليها في ثاني شهر رمضان، فوصلها، وصعد قلعتها في يوم ~~الجمعة، ثاني وعشرين من شهر رمضان. وخرج السلطان الملك الظاهر منها ومعه ~~يازكجا، فوصل إلى والده في شوال. # ويقال إن الملك العادل دفع إلى السلطان، لأجل حلب، ثلاثمائة ألف دينار ~~مصرية، وقيل دون ذلك. وكان السلطان محتاجا إليها لأجل الغزاة، فلذلك سلم ~~إليه حلب، وأخذها من ولده ولما دخلها الملك العادل، ولى بقلعتها صارم الدين ~~بزغش، وولى الديوان والأقطاع والجند، واستهداء الأموال، وشحنكية البلد: ~~شجاع الدين محمد بن بزغش البصراوي، واستكتب الصنيعة ابن النخال وكان ~~نصرانيا فأسلم على يديه. وولى وقوف الجامع فخر الدين أحمد بن عبد الله بن ~~القصري، وأمره بتجديد المساجد الداثرة بحلب، والقيام بمصالحها، وتوفير ~~أوقافها عليها، وأن لا يتعرض بوقف المسجد الجامع، بل يوفر وقفه على مصالحه، ~~ولا يرفع إلى الزردخاناه إلا ما فضل عن ذلك كله. وجدد في أيامه مساجد ~~متعددة كانت قد تهدمت. # ووقع في أيامه وقعة بين الحنفية والشافعية، وصار بينهم جراح، فصنع لهم ~~الملك العادل دعوة في الميدان الأخضر، وأصلح بين الفريقين، وخلع على ~~الأكابر من الفقهاء والمدرسين. وهدم الحوش. القبلي الشرقي الذي كان للقلعة، ~~وهو ما بين PageV01P398 # الجسرين تحت المركز، ورأى أن يسفحه، فسفحه السلطان الملك الظاهر بعده، ~~وكتب عليه اسمه بالسواد إلى أن غاب في أيام ابنه الملك العزيز فجدد، وزالت ~~الكتابة، وبقي بعضها. ### || خبر شيخ الشيوخ # ووصل رسول الخليفة شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل، إلى ~~السلطان الملك الناصر، في الإصلاح بينه وبين عز الدين صاحب الموصل وورد معه ~~في ms283 الموصل القاضي محيي الدين أبو حامد بن الشهرزوري، الذي كان قاضي حلب ثم ~~تولى قضاء الموصل، القاضي بهاء الدين أبو المحاسن بن شداد، الذي صار قاضي ~~عسكر السلطان الملك الناصر، وولي قضاء حلب في أيام ابنه الملك الظاهر. ولم ~~يتفق الصلح بينهما. # وحضرني حكاية جرت لشيخ الشيوخ مع محي الدين، في هذه السفرة، وذلك أن شيخ ~~الشيوخ كان قد وصل إلى السلطان الملك الناصر، وهو محاصر للموصل، ليصلح بينه ~~وبين عز الدين، في المحاصرة الأولى، فلم يتفق الصلح، واتهم أهل الموصل شيخ ~~الشيوخ بالميل مع الملك الناصر، فعمل محيي الدين فيه أبياتا منها: # بعثت رسولا أم بعثت محرضا ... على القتل تستجلي القتال وتستحلي؟ # وقال فيها مخاطبا للإمام الناصر: # فلا تغترر منه بفضل تنمس ... فما هكذا كان الجنيد ولا الشبلي # فبلغت الأبيات شيخ الشيوخ. # فلما اجتمعا في هذه السفرة وتباسطا، قال له شيخ الشيوخ: كيف تلك الأبيات ~~التي عملتها في. فغالطه عنها، فأقسم عليه بالله أن يتشده إياها، فذكرها له، ~~حتى أنشده البيت الذي ذكرناه أولا، فقال: والله لقد ظلمتني، وإنني والله، ~~اجتهدت في الإصلاح فما اتفق، فأنشده تمامها، حتى بلغ إلى قوله: فما هكذا ~~كان الجنيد ولا الشبلي. فقال: والله لقد صدقت، فما هكذا كان الجنيد ولا ~~الشبلي، أدور على أبواب الملوك من باب هذا إلى باب هذا. PageV01P399 # ثم إن الرسل ساروا عن غير زبدة، وتوجه الملك العادل من حلب في ذي الحجة، ~~وعيد عند أخيه بدمشق، ثم عاد إلى حلب. ### || غزو الكرك ونابلس وسبسطية وجنين # واهتم السلطان الملك الناصر، في سنة ثمانين وخمسمائة، لغزاة الكرك، فوصل ~~إليه نور الدين بن قرا أرسلان، واجتاز بحلب، فأكرمه الملك العادل، وأطلعه ~~إلى قلعتها في صفر، ثم رحل معه إلى دمشق، فخرج السلطان، والتقاه على عبر ~~الجسر، بالبقاع. ثم تقدم إلى دمشق ولحقاتا وتأهب للغزاة، وخرج إلى الكرك، ~~واستحضر العساكر المصرية، فوصل تقي الدين ابن أخيه، ومعه بيت الملك العادل، ~~وخزائنه، فسيرهم إلى حلب. ونازل الكرك، وأحدقت العساكر بها، وهجموا الربض، ~~وبينه وبين ms284 القلعة خندق وهما جميعا على سطح جبل، وسدوا أكثر الخندق، ~~وقاربوا فتح الحصن، وكانت للبرنس أرناط فكاتب من فيها الفرنج، فوصلوا في ~~جموعهم إلى موضع يعرف ب " الواله "، فسير الملك الناصر الأثقال، ورحل بعد ~~أن هدم الحصن بالمنجنيقات. # ورحل عنها في جمادى الآخرة، وأمر بعض العسكر فدخلوا إلى بلاد الفرنج، ~~فهجموا نابلس، ونهبوها، وخربوها، واستنقذوا منها أسرى من المسلمين، وفعلوا ~~في سبسطية وجينين مثل ذلك، وعادوا ودخلوا دمشق مع السلطان. PageV01P400 ### || نحو حران والموصل وميافارقين # ووصل إليه: شيخ الشيوخ بالخلع، من الخليفة الناصر، له ولأخيه الملك ~~العادل، ولابن عمه ناصر الدين، فلبسوها، ثم خلع السلطان، بعد أيام خلعته ~~الواردة من الخليفة على نور الدين بن قرا أرسلان. # وورد إليه رسول مظفر الدين بن زين الدين، يخبره أن عسكر لا الموصل، وعسكر ~~قزل نزلوا على إربل، وأنهم نهبوا وأخربوا، وأنه انتصر عليهم، ويشير عليه ~~بقصد الموصل، ويقوي طمعه، وبذل له إذا سار إليه خمسين ألف دينار، فعند ذلك ~~هادن الفرنج مدة. # ورحل من دمشق في ذي القعدة من سنة ثمانين، فوصل حلب وأقام بها إلى أن ~~خرجت السنة. # وسار منها إلى حران، والتقاه مظفر الدين بالبيرة، في المحرم سنة إحدى ~~وثمانين، وعاد معه إلى حران، وطالبه بما بذل له من المال، فأنكر ذلك فأحضر ~~رسوله العلم بن ماهان، فقابله على ذلك، فأنكر، فقبض عليه، ووكل به. # ثم أخذ منه مدينتي حران والرها، وأقام في الإعتقال إلى مستهل شهر ربيع ~~الأول، ثم أطلقه خوفا من انحراف الناس عنه، لأنهم علموا أنه الذي ملكه ~~البلاد الجزرية، وأعاد عليه حران، ووعده بإعادة الرها، إذ عاد من سفرته، ~~فأعادهما عليه. وسار الملك الناصر إلى الموصل، فوصل بلد، فنزلت إليه والدة ~~عز الدين، ومعها ابنة نور الدين، وغيرها من نساء بني أتابك، يطلبن منه ~~المصالحة، والموافقة، فردهن خائبات، ظنا منه أن عز الدين أرسلهن عجزا عن ~~حفظ الموصل، واعتذر بأعذار ندم عليها بعد ذلك. PageV01P401 # ورحل، حتى صار بينه وبين الموصل مقدار فرسخ فكان يجري القتال بين ~~العسكرين، ms285 وبذل أهل الموصل نفوسهم في القتال لرده النساء، وندم السلطان على ~~ردهن، وافتتح تل عفر، فأعطاها عماد الدين صاحب سنجار. # وأقام على حصار الموصل شهرين، ثم رحل عنها، وجاءه الخبر بموت شاه أرمن، ~~وكاتبه جماعة من أهل خلاط، فترك الموصل طمعا في خلاط فاصطلح أهل خلاط مع ~~البهلوان صاحب أذربيجان، فنرل السلطان على ميافارقين، وكان صاحبها قطب ~~الدين ايلغاري بن ألبي بن تمرتاش، وملك بعده حسام الدين يولق أرسلان، وهو ~~طفل، فطمع في أخذها، ونازلها، فتسلمها من واليها، وزوج بعض بنيه ببنت ~~الخاتون بنت قرا أبى سلان، ثم عاد إلى الموصل عند إياسه من خلاط، فوصل إلى ~~كفرزمار، في شعبان، من سنة إحدى وثمانين، فأقام بها مدة، والرسل تتردد بينه ~~وبين عز الدين. # فمرض السلطان بكفرزمار، فسار عائدا إلى حران، وأتبعه عز الدين بالقاضي ~~بهاء الدين بن شداد، وبهاء الدين الربيب، رسولين إليه في موافقته على ~~الخطبة والسكة، وأن يكون معه عسكر من جهته، وأن يسلم إليه شهرزور، ~~وأعمالها، وما وراء الزاب. ### || الشفاء وإعادة التوزيع # واشتد مرض السلطان بحران في شوال، وأيس منه، وأرجف بموته، ووصل إليه ~~الملك العادل من حلب، ومعه أطباؤها، واستدعى المقدمين من الأمراء من PageV01P402 # البلاد، فوصلوا إليه. وعزم الملك العادل على استحلاف الناس لنفسه. # وسار ناصر الدين صاحب حمص طمعا في ملك الشام، وقيل إنه إجتاز بحلب، ففرق ~~على أحداثها مالا، وسار إلى حمص، وجرى من تقي الدين بمصر حركات من يريد أن ~~يستبد بالملك. وتماثل السلطان، وبلغه ذلك كله، وأركب، فرآه الناس، وفرحوا، ~~وابتنى دارا ظاهر حران فجلس فيها حين عوفي، فسميت دار العافية. ولما عوفي ~~رد على مظفر الدين الرها، وأعطاه سنجقا، وأحضر رسولي الموصل، وحلف لهما على ~~ما تقرر في يوم عرفة. # وبلغه موت ابن عمه ناصر الدين، صاحب حمص، ورحل عن حران إلى حلب، وصعد ~~قلعتها يوم الأحد، رابع عشر محرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وأقام بها ~~أربعة أيام، ثم رحل إلى دمشق، فلقيه أسد الدين شيركوه، ابن صاحب حمص، ~~فأعطاه حمص، ms286 وسار إلى دمشق. # وسير إلى الملك العادل، وطلبه إليه إلى دمشق، فخرج من حلب جريدة، ليلة ~~السبت الرابع والعشرين، من شهر ربيع الأول من سنة اثنتين. فوصل إليه إلى ~~دمشق، وجرت بينهما أحاديث ومراجعات استقرت على أن الملك العادل يطلع إلى ~~مصر، ومعه الملك العزيز، ويكون أتابكه، ويسلم حلب إلى الملك الطاهر غازي، ~~وينزل الأفضل إلى دمشق من مصر، وينزل تقي الدين أيضا منها. وكان الذي حمله ~~على إخراج الملك العادل من حلب أن علم الدين سليمان ابن جندر كان بينه وبين ~~الملك الناصر صحبة قديمة، قبل الملك، ومعاشرة، وانبساط. وكان الملك العادل ~~وهو بحلب لا يوفيه ما يجب له، ويقدم عليه غيره. فلما عوفي الملك الناصر ~~سايره يوما سليمان، وجرى حديث مرضه، وكان قد أوصى لكل واحد من أولاده بشيء ~~من البلاد، فقال له سليمان بن جندر: بأي PageV01P403 # رأي كنت تظن أن وصيتك تمضي كأئك كنت خارجا إلى الصيد، وتعود فلا ~~يخانفونك، أما تستحيي أن يكون الطائر أهلى منك إلى المصلحة قال وكيف ذلك " ~~وهو يضحك قال: إذا أراد الطائر أن يعمل عشا لفراخه، قصد أعالي الشجرة، ~~ليحمي فراخه، وأنت سلمت الحصون إلى أهلك، وجعلت أولادك على الأرض. # هذه حلب وهي أتم البلاد بيد أخيك ث وحماة بيد تقيئ الذين، وحمص بيد ابن ~~أسد الدين، وابنك الأفضل مع تقي الذين بمصر بخرجه متى شاء، وابنك الآخر مع ~~أخيك في خيمته يفعل به ما أراد. فقال له: صدقت، واكتم هذا الأمر. PageV01P404 ### | القسم الثامن والعشرون ### || غازي في حلب # ثم أخذ حلب من أخيه، وأعطاها ابنه الملك الظاهر، وأعطى الملك العادل بعد ~~ذلك حران، والرها، وميافارقين، ليخرجه من الشام، ويتوفر الشام عاى أولاده. ~~فكان ما كان، وأخرج تقي الدين من مصر، فشق عليه ذلك وامتنع االقدوم، ثم ~~خاف، فقدم عليه. # وسير الملك العادل الصنيعة لإحضار أهله من حلب، وسار الملك الظاهر قدس ~~الله روحه - إلى حلب، وسير في خدمته شجاع الدين عيسى بن بلاشوا وولاه قلعة ~~حلب، وأوصاه بتربية الملك الطاهر، وأخيه ms287 الملك الزاهر، وحسام الدين بشارة ~~صاحب بانياس وولاه المدينة، وجعل الديوان بينهما. # وجعل قرار الملك الظاهر في السنة ثمانية وأربعين ألف دينار بيضا، كل شهر ~~أربعة الاف دينار. وكل يوم قباء وكمه، وعليق دوابه من الأهراء، وخبزه من ~~الأهراء، واستمزت هذه الوظيفة، إلى سنة ست وثمانين إلى رجب. # فورد كتاب الملك الئاصر إلى ولده الملك الظاهر، يأمره بأن يأمر وينهى وأن ~~يقطع الإقطاعات، وأن البلد بلده. وكان القاضي الزبداني يكتب له، فلم يعجبه ~~فانصرف على حال غير محمودة. ### || تذكر حكايه وعلى ذكر علم الدين سليمان بن جندر، تذكرت حكاية مستملحة عنه، ~~فأثبت. PageV01P405 # أخبرني الزكي أحمد بن مسعود الموصلي المقرىء، قال: كنت أوم بعلم الدين ~~سليمان بن جندر، فاتفق أن خرجت معه إلى حارم، في سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ~~وجلست معه تحت شجرة. هناك. فقال: كنت ومجد الدين أبو بكر ابن الداية والملك ~~الناصر صلاح الدين، تحت هذه الشجرة، ونور الدين إذ ذاك يحاصر حارم، وهي في ~~أيدي الفرنج. فقال مجد الدين: كنت أتمنى أن نور الدين يفتح حارم، ويعطيني ~~إياها، فقال صلاح الدين: أتمنى على الله مصر. ثم قالا لي: تمن أنت شيئا، ~~فقلت: إذ كان مجد الدين صاحب حارم وصلاح الدين صاحب مصر، ما أضيع بينهما. ~~فقالا: لا بد من أن تتمنى شيئا. فقلت: إذا كان ولا بد من ذلك فأريد عم. # فقذر الله أن نور الدين كسر الفرنج، وفتح حارم، وأعطاها مجد الدين، ~~وأعطاني عم. فقال صلاح الدين: أخذت أنا مصر والله، فاننا كنا ثلاثة، وتمنى ~~مجد الدين حارم، وأخذها. وتمنى علم الدين عم وأخذها. وقد بقيت أمنيتي. فقدر ~~الله تعالى: أن فتح أسد الدين مصر، ثم آل الأمر إلى أن ملكها صلاح الدين. ~~وهذا من أغرب الإتفاقات. # وزوج السلطان الملك الناصر ولده الملك الظاهر، في هذه السنة، بابنة أخيه ~~غازية خاتون بنت الملك العادل. ودخل بها يوم الأربعاء سادس وعشرين من شهر ~~رمضان. ### || العساكر الإسلامية والفرنج # ثم إن السلطان عزم قصد الكرك مرة أخرى فبرز من دمشق، ms288 في النصف من محرم ~~سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وسير إلى حلب يستدعي عسكرها، فاعتاق عليه، ~~لاشتغاله بالفرنج بأرض أنطاكية، وبلاد ابن لاون، وذلك أنه كان قد مات، ~~وأوصى لابن أخيه بالملك. # وكان الملك المظفر تقي الدين بحماة، فسير إليه السلطان، وأمره بالدخول ~~إلى بلاد العدو، فوصل إلى حلب في سابع عشري محرم، ونزل في دار عفيف الدين ~~بن زريق، وأقام بها إلى ثالث صفر، وانتقل إلى داري الآن، وكانت إذ ذاك في ~~ملك الأمير طمان. PageV01P406 # ثم خرج إلى حارم، وأقام بها إلى أن صالحهم في العشر الآواخر من شهر ربيع ~~الأول، ثم سار حتى لحق السلطان، وأما السلطان فإنه سار إلى رأس الماء، ~~واجتمعت إليه العساكر الإسلامية من الموصل، والشرق، ومصر، والشام، بعشترا، ~~بعد أن أتته الأخبار أن البرنس أرناط أيريد الخروج على الحاج، فأقام قريبا ~~من الكرك مشغلا خاطره، ليلزم مكانه إلى أن وصل الحاج، وتقدم إلى الكرك، وبث ~~سراياه، فنهبوا بلدها وبلد الشوبك، وخربوه. # وأرسل إلى ولده الملك الأفضل، فأخذ قطعة من العسكر، فدخل إلى بلد عكا، ~~فأخربوا ونهبوا، وخرج إليهم جمع من الداوية والاسبتارية، فظفروا بهم، وقتل ~~منهم جماعة، وأسر الباقون، وقتل مقدم الاسبتار. # وعاد السلطان إلى العسكر، وعرض العسكر قلبا وجناحين، وميمنة وميسرة، ~~وجاليشية وساقة، وعرف كلا منهم موضعه، وسار على تعبئة، فنرل بالأقحوانة ~~بالقرب من طبرية. # وكان القمص صاحبها قد انتمى إلى السلطان، لخلف جرى بينه وبين الفرنج. ~~فأرسل الفرنج إليه البطرك والقسوس والرهبان، وتهددوه بفسخ نكاح زوجته، ~~وتحريمه، فاعتذر، وتنصل، ورجع عن السلطان إليهم. ثم ساروا كلهم بجموعهم إلى ~~صفورية. PageV01P407 # فرحل السلطان، يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر، وخلف طبرية وراء ~~ظهره، وصعد جبلها، وتقدم إلى الفرنج، فلم يخرجوا من خيمهم، فنرل، وأمر ~~العسكر بالنزول، فلما جنه اليل، جعل في مقابلة الفرنج من يمنعهم من القتال. ~~ونزل إلى طبرية جريدة، وقاتلها، وأخذها في ساعة من نهار، ونهبوا المدينة ~~وأحرقوها. # فلما سمع الفرنج بذلك، تقدموا إلى عساكر المسلمين، فعاد السلطان إلى ~~عسكره، والتقى الفريقان، ms289 وجرى بينهما قتال، وفرق بينهما اليل. وطمع ~~المسلمون فيهم، وباتوا يحرض بعضهم بعضا. # فلما كان صباح السبت لخمس بقين من الشهر، طلب كل من الفريقين موضعه، وعلم ~~المسلمون أن الأردن من ورائهم، وبلاد القوم بين أيديهم، فحملت العساكر ~~الإسلامية من الجوانب، وحمل القلب، وصاحوا صيحة واحدة، فهرب القمص في أوائل ~~الأمر نحو صور، وتبعه جماعة من المسلمين، فنجا وحده، فلم يزل سقيما حتى مات ~~في رجب. ### || حطين وأنهزام الفرنج ونهاية أرناط # وأحاط المسلمون بالباقين من كل جانب، فانهزمت منهم طائفة، فتبعها ~~المسلمون فلم ينج منهم أحد. واعتصمت الطائفة الأخرى بتل حطين، وحطين: قرية ~~عندها قبر شعيب عليه السلام فضايقهم المسلمون على التل، وأوقدوا النيران ~~حولهم، فقتلهم العطش. وضاق الأمر بهم حتى استسلموا للأسر، فأسر مقدموهم وهم ~~الملك جفري، والبرنس أرناط صاحب الكرك وأخو الملك، وابن الهنفري، وأولاد ~~الست، وصاحب جبيل، ومقدم الداوية، ومقدم PageV01P408 # الاسبتار، وأمم لا يقع عليها الإحصاء، حتى كان الرجل المسلم يقتاد منهم ~~عشرين فرنجيا، في حلقهم حبل. # وأسروا من المصاف، ومن بلاد الفرنج أكثر من ثلاثين ألفا من الفرنج، ما ~~بين رجل، وامرأة، وصبي. وقتل من المقدمين وغيرهم خلق لا يحصى. ولم يجر على ~~الفرنج منذ خرجوا إلى الساحل مثل هذه الوقعة. # وكان من جملة الغنيمة في يوم المصاف صليب الصلبوت، وهو قطعة خشب مغلفة ~~بالذهب، مرصعة بالجوهر، يزعمون أن ربهم صلب عليها، وضربت في يديه المسامير، ~~أحضروه معهم يوم المصاف تبركا به، ورفعوه على رمح عال. فأما مقدم الدواية ~~والأسبتار، فاختار السلطان قتلهم فقتلوا، وأما الملك جفري، فإنه أكرمه، ~~وجلس له في دهليز الخيمة، واستحضره، وأحضر معه البرنس أرناط، وناول الملك ~~جفري شربة من جلاب بثلج، فشرب منها، وكان على أشد حال من العطش. ثم ناول ~~الملك بعضها برنس أرناط، فقال السطان للترجمان: قل للملك: أنت الذي سقيته، ~~وإلاما سقيته أنا. وأراد بذلك عادة العرب أن الأسير إذ أكل أو أشرب ممن ~~أسره أمن. # وكان السلطان قد نذر مرتين إن أظفره الله به أن يقتله. إحداهما ms290 لما أراد ~~المسير إلى مكة والمدينة، وبعثرة قبر النبي صلى الله عليه وسلم. # والمرة الأخرى أن السلطان كان قد هادنه، وتحالفا على أمن القوافل ~~المترددة من الشام إلى مصر. فاجتاز به قافلة عظيمة، غزيرة الأموال، كثيرة ~~الرجال، ومعها جماعة من الأجناد، فغدر بهم الملعون، وأخذهم وأموالهم وقال ~~لهم: قولوا لمحمد يجيء ينصركم. فبلغ ذلك السلطان سير إليه، وهدده، PageV01P409 # ولامه، وطلب منه ردها فلم يجب، فنذر أن يقتله متى ظفر به. # فالتفت السلطان إلى أرناط، ووافقه على ما قال، وقال له: هل أنا أنتصر ~~لمحمد. ثم عرض عليه الإسلام، فلم يفعل. فسل السيف، وضربه به، فحل كتفه، ~~وتمم عليه من حضر. وأخذ ورمي على باب الخيمة. # فلما رآه الملك على تلك الصورة لم يشد في أنه يثني به، فاستحضره، وطيب ~~قلبه، وقال: لم تجر عادة الملوك أنهم يقتلون الملوك. ولكن هذا طغى، وتجاوز ~~حده فجرى ما جرى. ### || فتح طبرية وعكا وبيروت وغيرها # ثم إن السلطان أصبح يوم الأحد، الخامس والعشرين، فنزل على طبرية، وتسلم ~~قلعتها بالأمان من صاحبتها ثم رحل منها يوم الثلاثاء إلى عكا، فنرل عليها ~~يوم الأربعاء سلخ الشهر. وقاتلها يوم الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذها، ~~واستنقذ منها أربعة آلاف أسير من المسلمين، وأخذ جميع ما فيها، وتفرق ~~العسكر. # وفتح بعده قيسارية ويالس، وحيفا، وصفورية، والناصرة، والشقيف، والفولة، ~~فأخذوها، واستولوا على سكانها، وأموالها. # ورحل السلطان من عكا إلى تبنين، وقاتلها، منها إلى صيدا فتسلمها يوم ~~الأربعاء العشرين منه. ثم سار إلى بيروت، ففتحها في التاسع والعشرين منه. ~~ثم سلمت جبيل، إلى أصحابه وهو على بيروت. PageV01P410 # ثم سار إلى عسقلان، ونازلها يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة، ~~وتسلمها يوم السبت سلخ جمادى الآخرة، بعد أن تسلم في طريقه مواضع كالرملة ~~وينبا والداروم. وأقام على عسقلان، وتسلم أصحابه غزة، وبيت جبرين، ~~والنطرون، وبيت لحم، ومسجد الخليل عليه السلام. ### || تسلم القدس من الفرنج # وسار إلى بيت المقدس، فنزل عليه يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب من سنة ~~ثلاث وثمانين، فنزل ms291 بالجانب الغربي، وكان مشحونا بالمقاتلة من الخيالة ~~والرجالة. وكان عليه من المقاتلة ما يريد على ستين ألفا غير النساء ~~والصبيان. ثم انتقل إلى الجانب الشمالي، يوم الجمعة العشرين من شهر رجب ~~ونصب عليه المنجنيقات، وضايقه بالزحف، والقتال، وكثرة الرماة، حتى أخذ ~~النقب في السور، مما يلي وادي جهنم، في قرنة شمالية. # ولما رأوا ذلك وعلموا أن لا ناصر لهم، وأن جميع البلاد التي افتتحها ~~السلطان صار من بقي من أهلها إلى القدس، خرج عند ذلك إليه ابن بارزان، ~~ملقيا بيده، ومتوسطا لأمر قومه، حتى استقر مع السلطان خزوج الفرنج عنها ~~بأموالهم وعيالهم، وأن يؤدوا عن كل رجل منهم عشرة دنانير، وعن كل امرأة ~~خمسة دنانير، وعن كل طفل لم يبلغ الحلم دينارين. ومن عجز عن ذلك استرق، ~~فبلغ الحاصل من ذلك عن من خرج منهم مائتين وستين ألف دينار صورية، واسترق ~~بعد ذلك منهم نحو ستة عشر ألفا. # وكان السلطان قد رتب في كل باب أميرا أمينا لأخذ ما استقر عليهم، فخانوا، ~~ولم يؤدوا الأمانة، فإنه كان فيه، على التحقيق، العدة التي ذكرناها. وأطلق ~~ابن PageV01P411 # بارزان ثمانية عشر ألف رجل من الفقراء، وزن عنهم ثلاثين ألف دينار. # وتسلم القدس في يوم الجمعة السابع والعشرين، من شهر رجب، وأقيمت صلاة ~~الجمعة فيه، في الجمعة التي تلي هذه، وهي رابع شعبان. # وخطب بالناس محيي الدين بن زكي الدين، وهو يومئذ قاضي حلب وأزيلت الصلبان ~~من قبة الصخرة، ومحراب داود، وأزيل ما كان بالمسجد الأقصى من حوانيت ~~الخمارين، وهدمت كنائسهم والمعابد، وبنيت المحاريب والمساجد. وأقام السلطان ~~على القدس، ثم رحل عنه، في الخامس والعشرين من شعبان، فنرل على صور بعد أن ~~قدم عليه ولده الملك الظاهر، من حلب في ثامن عشر شهر رمضان، قبل وصوله ~~إليها. # وكان نروله على صور في ثاني عشرين من شهر رمضان، وضايقها، وقاتلها. ~~واستدعى أسطول مصر، فكانت منه غزة في بعض الليالي، وظنوا أنه ليس في البحر ~~من يخافونه، فما راعهم إلا ومراكب الفرنج من صور قد كبستهم، ms292 وأخذوا منهم ~~جماعة، وقتلوا جماعة، فانكسر نشاط السلطان، ورحل عنها في ثاني ذي القعدة، ~~وأعطى العساكر دستورا، وساروا إلى بلادهم. ### || هونين وطرطوس وجبلة واللاذقية وصهيون # وأقام هو بعكا، إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وكان من بهونين ~~قد أرسلوا إلى السلطان، وهو بصور، فأمنهم، وسير من تسلمها. وسار السلطان، ~~فنرل على حصن كوكب في أوائل المحرم من السنة. وكان قد جعل حولها جماعة ~~يحفظونها من دخول قوة، فأخذ الفرنج عزتهم ليلا، وكبسوهم PageV01P412 # بعفربلا، وقتلوا مقدمهم سيف الدين أخا الجاولي. فسار السلطان، ونزل عليها ~~بمن كان قد بقي من خواصه بعكا، وكان ولده الملك الظاهر قد عاد عنه إلى حلب، ~~وعاد أخوه الملك العادل إلى مصر، فحصره، ثم رأى أنه حصن منيع، فرحل عنه ~~وجعل عليه قايماز النجمي محاصرا. # وسار إلى دمشق، ثم سار من دمشق في النصف من ربيع الأول إلى حمص، فنرل على ~~بحيرة قدس، ووصل إليه عماد الدين زنكي صاحب سنجار، وتلاحقت به العساكر، ~~واجتمعت عنده، فنرل على تل قبالة حصن الأكراد، في مستهل ربيع الآخر، وسير ~~إلى الملك الظاهر إلى حلب وإلى الملك المظفر، بأن يجتمعا وينرلا بتيزين ~~قبالة إنطاكية لحفظ ذلك الجانب، فسارا حتى نرلا تيزين في شهر ربيع الآخر ~~وتواصلت إليه العساكر في هذه المنزلة. # ثم رحل يوم الجمعة رابع جماى الأولى، على تعبئة لقاء العدو، ودخل إلى ~~بلاد العدو، وأغار على صافيتا والعريمة وغير ذلك من ولاياتهم. ووصل إلى ~~انطرسوس في سادس جمادى الأولى فوقف قبالتها، ونظر إليها، وسير من رد ~~الميمنة، وأمرها بالنزول على جانب البحر، وأمر الميسرة بالنزول على البحر، ~~من الجانب الآخر، ونزل في موضعه، وأحدقت العساكر بها من البحر إلى البحر، ~~وزحف عليها، فما استتم نصب الخيم حتى صعد الناس السور، وأخذها بالسيف، وغنم ~~العسكر جميع ما بها، وخرب سور البلد. # وسار إلى حلب، فوصل إليه ولده الملك الظاهر في أثناء الطريق، بالعساكر PageV01P413 # التي كانت بتيزين. ووصل إلى جبلة في ثامن عشر يوم الجمعة، فما استتم نزول ~~العسكر حتى ms293 تسلم البلد، سلمها إليه قاضيها وأهلها، وكانوا مسلمين تحت يد ~~الفرنج، فعملوا عليها وسلموها وبقيت القلعة ممتنعة. وقاتل القلعة، فسلمت ~~بالأمان يوم السبت تاسع عشر الشهر. # وسار عنها إلى اللاذقية، فنرل عليها يوم الخميس رابع عشري جمادى الأولى، ~~ولها قلعتان، فقاتلها، وأخذ البلد، وغنموا منه غنيمة، وفرق الليل بين ~~الناس. وأصبح المسلمون يوم السبت، واجتهدوا في قتال القلعتين، ونقبوا في ~~السور مقدار ستين ذراعا. فأيقن الفرنج بالعطب، فطلبوا الأمان، يوم الجمعة ~~الخامس والعشرين من جمادى الأولى، وسلموها يوم السبت. # ورحل عن اللاذقية، يوم الأحد، فنرل على صهيون، ونزل عليها يوم الثلاثاء ~~تاسع عشري جمادى الأولى، واستدار العسكر حولها، واشتد القتال عليها من جميع ~~الجوانب، فضربها منجنيق ولده الملك الظاهر، حتى هدم قطعة من سورها تمكن ~~الصاعد الصعود منها. وزحف عليها السلطان بكرة الجمعة، ثاني جمادى الآخرة، ~~فما كان إلا ساعة حتى ارتقى المسلمون على أسوار الربض، فهجموه، فانضم أهله ~~إلى القلعة، فاتلهم المسلمون فصاحوا الأمان. وسلموها على صلح القدس. # وأقام السلطان بها حتى تسلم عدة قلاع، كالغيد وقلعة الجماهريين وحصن ~~بلاطنش. ثم رحل ونزل على بكاس، وهي قلعة حصينة، من أعمال حلب على جانب ~~العاصي، ولها نثر يخرج من تحتها يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة على شاطىء ~~العاصي. PageV01P414 ### || بكاس والشغر وسرمانية وبرزية # وصعد السلطان جريدة إلى القلعة، وهي على جبل مطل على العاصي، فأحدق بها ~~من كل جانب، وقاتلها قتالا شديدا بالمنجنيقات والزحف. وفتحها يوم الجمعة ~~تاسع جمادى الآخرة عنوة، وأسر من كان بقي فيها، وغنم جميع ما كان فيها. ~~وكان لها قلعة تسمى الشغر قريبا منها يعبر من إحداهما إلى الأخرى بجسر، ~~فضربها بالمنجنيقات إلى أن طلبوا الأمان، ثم سلمها أهلها بعد ثلاثة أيام، ~~يوم الجمعة سادس عشر الشهر. # ثم عاد السلطان إلى الثقل، وسير ولده الملك الظاهر إلى قلعة تسمى سرمانية ~~يوم السبت، فقاتلها قتالا شديدا، وتسلمها يوم الجمعة ثالث عشري الشهر ~~المذكور. # واتفق له هذه الفتوحات المتتابعة كلها في أيام الجمع. وكذلك القدس يوم ~~الجمعة. ثم سار ms294 السلطان جريدة إلى حصن برزية وهو الذي يضرب به المثل في ~~الحصانة، ويحيط به أودية من سائر جوانبه، وعلوها خمسمائة ذراع ونيف وسبعون ~~ذراعا، فتأمله وقوى عزمه على حصاره، واستدعى الثقل وبقية العسكر، يوم السبت ~~رابع عشري جمادى الآخرة. فنزل الثقل تحت الجبل. # وفي بكرة الأحد صعد السلطان جريدة، مع المقاتلة، والمنجنيقات، وآلات ~~الحصار إلى الجبل، فأحدق بالقلعة، وركب المنجنيقات عليها فقاتلها ليلا ~~ونهارا. ثم قسم العسكر على ثلاثة أقسام، يوم الثلاثاء. ورتب كل قسم يقاتل ~~شطرا من النهار، بحيث لا يفتر القتال عليها. # وحضرت نوبة السلطان، فتسلمها بنفسه، وركب، وصاح في الناس، فحملوا حملة ~~الرجل الواحد، وطلعوا إلى الأسوار، وهجموها عنوة، ونهبوا جميع ما فيها، PageV01P415 # وأسروا من كان فيها. وعاد السلطان إلى الثقل. وأحضر صاحبها ومعه من أهله ~~سبعة عشر نفرا، فرق له السلطان، وأطلقه مع جماعته، وأنفذهم إلى صاحب ~~انطاكية، إستمالة له. فإنهم كانوا من أهله. ### || درب ساك وبغراس وصفد والكرك # ثم سار السلطان حتى نزل على درب ساك، يوم الجمعة ثامن شهر رجب من السنة، ~~فقاتلها قتالا شديدا بالمنجنيقات. وأخذ النقب تحت برج منها، فوقع، وحماه ~~الفرنج بالرجال، ووقفوا فيه يحمونه على كل من يروم الصعود فيه، وجعلوا كلما ~~قتل منهم واحد أقاموا غيره مقامه، عوضا عن السور. # ثم طلبوا الأمان على أن ينزلوا بأنفسهم وثيابهم لا غير، بعد مراجعتهم ~~أنطاكية، وتسلمها السلطان، يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رجب، وأعطاها ~~علم الدين سليمان بن جندر. # وسار عنها بكرة السبت، ثالث عشري الشهر، ونزل في مرج بغراس، وأحدق بعض ~~العسكر ببغراس، وأقام يزكا على باب أنطاكية بحيث لا يشد عنه من يخرج منها. ~~وقاتل البلد مقاتلة شديدة حتى طلبوا الأمان، وشرطوا إستئذان أنطاكية. ~~وتسلمها في ثاني شعبان من السنة. # وفي ذلك اليوم عاد إلى الخيم، وراسله أهل أنطاكية في طلب الصلح فصالحهم، ~~لشدة ضجر العسكر، وقلق عماد الدين صاحب سنجار لطلب العود إلى بلاده. واستقر ~~الصلح بينه وبين صاحب أنطاكية على أنطاكية لا غير، دون غيرها من ms295 بلاد ~~الفرنج، على أن يطلقوا جميع أسرى المسلمين الدين عندهم. وأن يكون ذلك إلى ~~سبعة أشهر، فإن جاءهم من ينصرهم وإلا سلموا البلد إلى السلطان. PageV01P416 # وطلبه ولده الملك الظاهر أن يتوجه معه إلى حلب، فسار معه إليها، ودخلها ~~في حادي عشر شعبان، وأقام بقلعتها ثلاثة أيام في ضيافة الملك الظاهر، وأنعم ~~الملك الظاهر على جماعة كثيرة من عسكره، فأشفق السلطان عليه. وسار من حلب ~~في رابع عشر شعبان، فوصل دمشق قبل دخول شهر رمضان. # فسار في أوائل شهر رمضان حتى نزل صفد، ونصب عليها المناجيق، وداومها ~~بالقتال حتى تسلمها بالأمان في رابع عشر شوال. وكان أصحابه الدين جعلهم على ~~حصار الكرك لازموا الحصار هذه المدة العظيمة، وصابرهم من بها من الفرنج، ~~حتى فنيت أزوادهم وذخائرهم، وأكلوا دوابهم. فراسلوا أخا السلطان الملك ~~العادل وكان قريبا منهم، منارلا بعض القلاع فطلبوا منه الأمان فأمنهم، ~~وتسلمها. وتسلم أيضا الشوبك، وغيرها من القلاع التي تجاورها. ### || فتح كوكب وشقيف أرنون # ثم سار السلطان من صفد إلى كوكب، ف نزل على سطح الجبل، وأحدق العسكر ~~بالقلعة، وضايقها بالقتال، حتى تمكن النقب من سورها، فطلب أهلها الأمان ~~فتسلمها في النصف من ذي القعدة. وسار بعد ذلك بمدة إلى بيت المقدس فدخله ~~يوم الجمعة ثامن ذي الحجة، وسار إلى عسقلان مودعا أخاه الملك العادل وكان ~~متوجها إلى مصر، فأخذ من أخيه عسقلان، وأعطاه الكرك. وتوجه لتفقد البلاد ~~الساحلية ودخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة وهو بعكا. وتوجه إلى دمشق فدخلها ~~مستهل صفر. # ثم توجه في الثالث من شهر ربيع الأول، إلى مرج فلوس محاصرا لشقيف أرنون، ~~ورحل من مرج فلوس، فأتى مرج عيون، وهو قريب من شقيف أرنون في سابع عشر ربيع ~~الأول. PageV01P417 # وضاق على الفرنج المجال، وقلت أزوادهم. فنزل أرناط صاحب الشقيف إليه وكان ~~عظيما فيهم ذا رأي ودهاء، فأظهر الطاعة والمودة للسلطان، ووعده بتسليم ~~المكان وقال: أريد أن تمهلني حتى أخلص أولادي وأهلي من الفرنج، وأسلم إليك ~~الحصن، وتعطيني موضعا أسكن فيه بدمشق، وأقطاعا تقوم بي وبأهلي ms296 وتمكنني الآن ~~من الإقامة بالشقيف، حتى أخلص أولادي. # فأجابه السلطان إلى ذلك. وجعل يتردد إلى خدمته. وكانت الهدنة بين أنطاكية ~~وبينه قد قرب وقتها، وخاطره مشغول بذلك. وقد سير إلى تقي الدين أن يجمع من ~~يقارب تلك الناحية من العساكر، ويكون بإزاء أنطاكية. # وبلغه أيضا أن الفرنج قد تجمعوا بصور في جموع عظيمة، وكان الأمر قد استقر ~~مع أرناط أن يسلم إليه الشقيف، في جمادى الآخرة، وهو مقيم بمرج عيون ينتظر ~~الميعاد، وأرناط في هذه المدة يشتري الأقوات من سوق المسلمين، ويقوي ~~الشقيف، والسلطان يحسن الظن به، ولا يسمع فيه قول من يعلمه بغدره ومكره. # فلما بقي من المدة ثلاثة أيام وحضر عنده أرناط قال له في معنى تسليم ~~الشقيف، فاعتذر بأولاده وأهله، وأن المركيس لم يمكنهم من المجيء إليه، وطلب ~~التأخير مدة أخرى. # فعلم السلطان مكره، فأخذه وحبسه، فأجاب إلى التسليم، فسير مع جماعة من ~~العسكر إلى تحت الشقيف، فأمرهم بالتسليم، فامتنعوا، وطلب قسيسا حدثه بلسانه ~~وعاد بما قال إليهم، فاشتدوا في المنع. # فعلم حينئذ أن ذلك كان تأكيدا مع القسيس، فأعادوه إلى السلطان، وسيره إلى ~~بانياس، وتقدم إلى الشقيف فحصره، وضيق عليه، وجعل عليه من يحفظه، PageV01P418 # إلى أن سلمها من بها بعد أن عذب صاحبها أشد العذاب، واشترطوا إطلاق ~~صاحبها، في يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الأول من سنة ست وثمانين. # وأما بقية الفرنج، فإن ملكهم كان وعده السلطان أنه متى سلم عسقلان أطلقه، ~~فاتفق أنه أطلقه بأنطرسوس، حين فتح تلك الناحية، واشترط عليه أن لا يشهر في ~~وجهه سيفا أبدا، فنكث، واتفق مع المركيس صاحب صور وعسكرا مع جموع الفرنج ~~على باب صور. واتفق بينهم وبين المسلمين حروب وغارات كانت النكاية فيها ~~سجالا بين الفريقين، بحيث تحاجز الفريقان في آخر تلك الأيام من جمادى ~~الآخرة من هذه السنة. ### || القتال حول عكا # وسار الفرنج إلى حصار عكا، فنزلوا عليها في يوم الأربعاء ثامن شهر رجب. ~~وسار السلطان فنزل عليهم بظاهر عكا، ومنعهم من الإحاطة بسورها فكان نازلا ms297 ~~على قطعة منها تلي الشمال، ومعه الباب الشمالي من عكا مفتوحا والمسلمون ~~يدخلون إليها ويخرجون، والفرنج على الجانب الجنوبي، وقد أغلق في وجوههم ~~الباب المعروف بباب عين البقر، وكان الفرنج يقومون بمحارب المسلمين، من ~~جانب المدينة ومن جانب العسكر. # وجرت بينهم وبين الفرنج وقعات متعددة، من أعظمها وقعة اتفقت يوم الجمعة ~~الثالث والعشرين من شعبان، خرج الفرنج واصطفوا على تعبئة القتال، والملك في ~~القلب وبين يديه الإنجيل، فوقف المسلمون أيضا على تعبئة، وتحركت ميسرة ~~الفرنج على ميمنة المسلمين، وفيها الملك المظفر، فتراجع عنهم، وأمده ~~السلطان بأطلاب عدة من القلب، فخف القلب، وعادت ميسرة الفرنج فطمعت فيه ~~فحملوا على القلب، فانكسر، وانكسر معه معظم الميمنة، وبلغت هزيمتهم إلى ~~الأقحوانة، ومنهم من دخل دمشق. # ووصل الفرنج إلى خيم السلطان، فقتلوا ذلك اليوم أبا علي الحسين بن عبد ~~الله بن رواحة. وكان قد مدح النبي صلى الله عليه وسلم ووقف بإزاء قبره، ~~وأنشد قصيدته. PageV01P419 # وقال: يا رسول الله إن لكل شاعر جائزة وقرى، وإني أطلب جائزتي الشهادة، ~~فاستجاب الله دعاءه. # وقتل ذلك اليوم مكبس السلطان وطشت داره، وثبتت ميسرة المسلمين، وصاح ~~السلطان فيمن بقي من المسلمين: يال الإسلام. وعادت ميسرة الفرنج إلى عسكره، ~~فتكاثر الناس وراءهم، وحملوا عليهم، فانهزموا، وتبعهم المسلمون، فقتلوا ~~منهم زهاء سبعة آلاف. ولم يقتل من المسلمين غير مائة وخمسين نفرا. # ثم إن الحرب إتصلت بينهم ليلا ونهارا، وكثر القتل بينهم، وأقبل الشتاء، ~~فلقي المسلمون منه شدة. وحضروا إلى السلطان، وأشاروا عليه بالرحيل عن عكا ~~إلى الخروبة، لينفسخ ما بين العسكرين. وكان ذلك للضجر من تلك المواقفة، ~~وملازمة القتال، حتى أوهم السلطان وقالوا له: إنك قد ضيقت على الفرنج مجال ~~الهرب، وحلت بينهم وبين صور، وطرابلس، ولو أفرجت لهم عن الطريق لما وقفوا ~~بين يديك. فرحل السلطان إلى الخروبة. # فأصبح الفرنج وقد انبسطوا على عكا، وأحاطوا بها من سائر جهاتها، واتصل ما ~~بينهم وبين صور، وجاءت مراكبهم منها، فحصرت عكا من جانب البحر، وضعفت قلوب ~~المسلمين بعكا، وعادوا يقتاتون من ms298 الحواصل المدخورة، بعد أن كان من المير ~~المجلوبة. # وتوفر الفرنج على قتال أهل عكا بعد أن كانوا مشغولين بالعسكر، وشرع ~~الفرنج في إدارة خندق على عساكرهم، كاستدارتهم بعكا، وجعلوه شكلا هلاليا: ~~طرفاه متصلان بالبحر، وأقاموا عليه سورا مما يليهم، وشرفوه بالجنويات ~~والطوارف، والتراس. # واتصلت الأمداد إليهم من البحر، بالأقوات والرجال والأسلحة، حتى كان PageV01P420 # ينقل إليهم البقول الرطبة، والخضراوات من جزيرة قبرس فتصبح عندهم في ~~اليوم الثاني. ### || تحرك الصليبيين الألمان # وسير السلطان إلى الخليفة، وإلى ملوك الإسلام، يستنفر ويستصرخ، واتصلت ~~الأخبار بوصول ملك الألمان إلى القسطنطينية، في ستمائة ألف رجل، منهم ~~ثلاثمائة ألف مقاتل، وثلاثمائة ألف سوقة، وأتباع وصناع. # وحكي أنه كان في عسكره خمسة وعشرون ألف عجلة تنقل الأسلحة والعلوفات، ~~فأسقط في أيدي المسلمين، واستولى اليأس عليهم، وتعلقت آمالهم أنه ربما ~~مانعه من في طريقه من الأرج ومن قلج أرسلان، فلم يتفق شيء من ذلك، بل سار، ~~وقطع البلاد، حتى وصل إلى قونية. # وأرسل الله عليهم وباء عظيما وحرا عظيما، ومجاعة أحوجتهم إلى نحر دوابهم، ~~وذبح البقر الذي يجر العجل، فكان يموت في كل يوم ألوف من الرجال، ويسابقون ~~الموتان إلى ما معهم من الدواب الحاملة للأثقال، حتى وصلوا إلى أنطاكية ولم ~~يبق منهم إلا دون العشر. # وكان في جملة من مات منهم ملكهم الذي غزا الشام، في سنة أربع وأربعين، ~~وحاصر دمشق، مات غريقا في نهر بطرسوس يقال له الفاتر، نزل، وسبح فيه فغرق. ~~وقيل بأنه سبح فيه وكان الماء باردا، فمرض ومات. وأخذ وسلق في خل، وجمعت ~~عظامه، ليدفن في البيت المقدس. # وأوصى بالملك لابنه مكانه، واتفقت الكلمة عليه، فمرض بالثنيات، وأقام ~~بها، وسير كند أكرا على عسكره، ووصل إلى أنطاكية، فمات ذلك الكند بها. وخرج ~~البرنس إلى الملك، واستدعاه إلى أنطاكية طمعا في أنه يموت ويأخذ PageV01P421 # ماله. وكان قد فرق عسكره ثلاث فرق لكثرته، فالفرقة الأولى: اختارت تحت ~~بغراس مع الكند المذكور. فوقع عليه عسكر حلب فأخذ منهم مائتي رجل، ووقع ~~أيضا على جمع عظيم خرجوا للعلوفة، ms299 فقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأسروا زهاء ~~خمسمائة نفر. # ولما وصل ملك الألمان إلى أنطاكية أخذها من صاحبها، وأودع فيها خزائنه، ~~وسار منها يوم الأربعاء خامس وعشرين من شهر رجب، سنة ست وثمانين وخمسمائة، ~~متوجها إلى عكا، وفشا فيهم الوباء حتى لم يسلم من كل عشرة واحد. ولم يخرجوا ~~من أنطاكية حتى ملؤوها قبورا. # ووصل الملك إلى طرابلس، في نحو ألفي فارس، لو صادفهم مائة من المسلمين ~~لأخذوهم، ووصلوا إلى عكا رجالة ضعفاء، لا ينفعون. ومات ابن ملك الألمان على ~~عكا في ذي الحجة، من سنة ست. ### || الأساطيل البحرية # ووصل إلى المسلمين بعكا الأسطول المصري في خمسين شينيا غنم في طريقه ~~إليها بطس ومراكب فرنجيه، أسر رجالها وغنم أموالها. وجرى له مصادمات مع ~~مراكب الفرنج المحاصرة لعكا، كانت الغلبة فيها للمسلمين، فدخلوا إلى عكا، ~~وتماسكت بما دخل فيها من الأقوات والسلاح، وكان دخولها في يوم الإثنين رابع ~~عشر شعبان، من سنة ست وثمانين. # وفي هذا الشهر، جهز الفرنج بطسا متعددة، لمحاصرة برج الذبان وهو على باب ~~ميناء عكا فجعلوا على صواري البطس برجا، وملؤوه حطبا ونفطا، على أنهم ~~يسيرون بالبطس، فإذا قاربت برج الذبان ولاصقته، أحرقوا البرج الذي على ~~الصاري، وألصقوه ببرج الذبان، ليلقوه على سطحه، ويقتل من عليه من المقاتلة ~~ويأخذونه. PageV01P422 # جعلوا في البطسة وقودا كثيرا، ليلقوه في البرج إذا اشتعلت النار فيه. ~~وعبؤوا بطسا ملؤوها حطبا، على أنهم يدفعونها لتدخل بين بطس المسلمين، ثم ~~يلهبونها لتحرق بطس المسلمين. # وجعلوا في بطسة ثالثة مقاتلة، تحت قبو، بحيث لا يصل إليهم نشاب، ويكونون ~~تحت القبو، ويقدمون البطسة إلى البرج، فأوقدوا النار، وضربوا النفط، فانعكس ~~الهواء عليهم، فاحترقت البطسة، وهلك من فيها، واحترقت البطسة الثانية، ~~وأخذها المسلمون، وانقلبت الثالثة التي فيها القبو بمن فيها. # وفي هذه السنة، في ربيع الأول، أحرق المسلمون ما كان صنعه الفرنج من آلات ~~الحرب والزحف إليهم، وهي أبرجة عظيمة المقدار، يزحف بها على عجل، وفيها ~~المقاتلة، والجروخ، والمجانيق، فعمد لها رجل دمشقي يعرف بعلي بن النحاس، ~~فرماها ms300 من السور، بقدور نفط متتابعة، وصار فيها ريح غريبة، كانت سببا ~~لإحراق تلك الآلات وما فيها ومن فيها. # واشتد حصار الفرنج على عكا، ومل من بها من الأجناد المقام، ووصل إليهم من ~~مصر مراكب فيها غلة، فأتلفوها بالإضاعة وبالتغريق، تبرما بالمقام. # وفي ربيع الأول، وصلت من بلاد الفرنج مراكب كثيرة، فيها ألوف من مقاتلة ~~الفرنج من أكبرهم ملكان: يعرف أحدهما بملك الفرنسيس والآخر بملك انكتير، ~~فاشتدت وطأتهما على عكا، وعظمت نكايتهما، في سورها. وقل ما بها من الميرة ~~والسلاح. # فأمر السلطان بأن أوسق مركب عظيم من بيروت، واستكثر فيه من السلاح ~~والأقوات والمقاتلة، وأظهر عليه زي الفرنج وشعارهم، وأخذ قوم من أساري ~~الفرنج الذين في قبضة المسلمين، فتركوا على ظاهر المركب، وأنزل معهم في ~~المركب جماعة من المسلمين ممن يعرف لغة الفرنج، وتزيوا بزي الفرنج، وحلقوا ~~شعورهم، وأخذوا معهم خنازير، ورفعوا على قلع المركب صليبا. وأوهموا الفرنج PageV01P423 # أنهم واصلون إليهم نجدة من بلادهم، وأقلعوا داخلين إلى مرسى عكا، مسلمين ~~على الفرنج بلغتهم، مبشرين لهم بأن وراءهم من المدد، من تثدد به منتهم وتعز ~~به نصرتهم، فلم يرتب المحاصرون بذلك، وأفرجوا لهم عن المرسى. # فدخلوا إلى عكا، وأوصلوا إلى المسلمين بها، ما كان معهم من الميرة ~~والسلاح والرجال، وتمت هذه الحيلة. وكانت من الفرص التي لا ينبغي أن تعاود ~~فركن المسلمون إليها، وطمعوا في أخرى مثلها، فجهزوا مركبا عظيما من بيروت ~~أيضا، وأودعوه مثل ما كان قبله من الآلات والسلاح والأقوات بما مبلغ قيمته ~~خمسة آلاف دينار. وجعل فيه سبعمائة من مقاتلة المسلمين. # وكان خبرهم قد وصل إلى الفرنج، فأخذوا عليهم الأرصاد، فمكثوا أياما ~~يلججون في البحر، ويقاربون عكا، فلا يجدون في الدخول مطمعا، حتى صادفتهم ~~مراكب الإنكتير في حال قدومه من بلاده، في إحدى وعشرين مركبا فقاتلوا ذلك ~~المركب الإسلامي يومين، وثبت لهم مع قلته، فغرق المسلمون من مراكب الفرنج ~~ثلاثة. # ولما رأوا أنهم قد يئسوا من النجاة، وأن الفرنج إن ظفروا بالمركب حصل لهم ~~به قوة عظيمة، وحصلوا في ms301 الأسر والذلة، عمد رجل حلبي حجار من أهل باب ~~الأربعين، يقال له يعقوب وكان مقدم الجماعة إلى سفل المركب وأخذ قطاعته، ~~وخسف المركب، ودخل فيه الماء، وغرق. ولم يظفر الكفار منه بشيء، سوى رجلين ~~تخطفهما الفرنج من رأس الماء، واحتملوهما في مراكبهم، فأخبرا بهذه الكائنة. # ولما وصل هذا الخبر إلى عكا قطع قلوب من بها، وأسقط في أيديهم، وهرب ~~جماعة من الأمراء منها، فألقوا أنفسهم في شخاتير صغار، فأضعف ذلك قلوب من ~~بقي بها. وعظمت النكاية في سور المدينة، وفشلوا، وكاتبوا السلطان، فأذن لهم ~~في مصالحة الفرنج عن أنفسهم بالبلد. PageV01P424 ### || عودة الفرنج إلى عكا وهدم عسقلان # فصالحوا الفرنج على تسليم البلد، وجميع ما فيه من الآلات، والعدد ~~والأسلحة، والمراكب، وغير ذلك، وعلى مائتي ألف دينار، وألف وخمسمائة أسير، ~~مجاهيل الأحوال، ومائة أسير معينين من جانبهم يختارونهم، وصليب الصلبوت، ~~على أن يخرجوا سالمين بأنفسهم، وذراريهم، وأموا لهم، وقماشهم، وضمنوا ~~للمركيس، عشرة آلاف دينار، لأنه كان الواسطة، ولأصحابه أربعة آلاف. # وحلف الفرنج لهم على ذلك، وتسلموا عكا، في يوم الجمعة سابع عشر جمادى ~~الآخرة، سنة سبع وثمانين وخمسمائة. ونكثوا ذلك العهد، وأسروا كل من كان بها ~~من المسلمين، وفرقوا بنيهم، واستصفوا أموالهم، وسلبوهم ثيابهم وأسلحتهم، ثم ~~قتلوا منهم ألفين ومائتين صبرا، على دم واحد، في يوم واحد، حيث توهموا فيهم ~~أنهم فقراء، ليس لهم مفاد، وأسروا من رجوا منه أن يفتدى بمال، أو يكون من ~~السلطان على بال. # وأقاموا بعكا نحو أربعين يوما، والملك الناصر على حصارهم، ثم خرجوا منها ~~متوجهين إلى عسقلان، فسار في عراضهم، ليمنعهم أن يخرجوا من ساحل البحر، ~~فساروا من عكا إلى يافا، وهي مسيرة يوم واحد، في شهر كامل، لمضايقة السلطان ~~لهم، وجرى بينهم وبين المسلمين مناضلة ومطاردة، فلما أشفق السلطان من أخذهم ~~عسقلان سبق إليها فهدمها، وأخرج أهله منها، في شهر رمضان من سنة سبع. فأقام ~~الفرنج بيافا، وانتقل السلطان إلى الرملة، وشرع الفرنج في بناء يافا ~~وتحصينها، ثم ساروا عنها، فنزلوا بعسقلان، وشرعوا في عمارتها. ms302 ثم ساروا إلى ~~الداروم، فحصروها ثلاث مرات، أخذوها في المرة الثالثة بالأمان. # وعاد السلطان، في ثالث ذي الحجة، بالعساكر، إلى البيت المقدس PageV01P425 # وعمره، وحصنه، ووعر طريقه، وعمق خندقه. وجعل الملك العادل، بإزاء الفرنج ~~بالرملة. # وتوفي الملك المظفر تقي الدين، على منازكرد، وهو محاصر لها، بعد أن جرى ~~له مصاف مع بكتمر صاحب خلاط، وكسره تقي الدين. # ودخلت سنة ثمان وثمانين والسلطان بالبيت المقدس، والملك العادل في ~~الرملة، وقد صار بيد الفرنج مما كان بيد المسلمين من الفتوح، ما بين عكا ~~والداروم، ولم يمكنهم مفارقة الساحل، خوفا من أن يحول المسلمون بينهم وبين ~~مراكبهم، فتنقطع مادتهم. # وعصى فيها الملك المنصور بن تقي الدين على السلطان بميافارقين، وحني، ~~وحران، والرها، وسميساط، والموزر، فسير إليه ابنه الملك الأفضل وأقطعه تلك ~~البلاد الشرقية، فسار إلى حلب ومعه أخوه الملك الظافر، ووصلا إلى حلب. ~~فأرسل السلطان أخاه الملك العادل، جريدة، في عشرين فارسا من مماليكه، وأمره ~~أن يرد الملك الأفضل، ويطيب قلب الملك المنصور، ويعطيه ما يريد، فوصل الملك ~~العادل، واجتمع بالملك المنصور، وقرر أمره. ### || الصلح مع الفرنج # ثم أن السلطان جرت له أحوال مع الفرنج، ووقعات، ومراسلات، يطول الكتاب ~~بتعدادها، إلى أن انتظم الصلح بينه وبين الفرنج، في حادي وعشرين من شعبان ~~سنة ثمان وثمانين، لمدة ثلاث سنين وخمسة أشهر، على أن سلموا إلى المسلمين ~~عسقلان، وغزة، والداروم. واقتصروا من البلاد الساحلية على ما بين صور، ~~ويافا بعد أن فتح السلطان يافا،، وبقي القلعة. # اتفق ملوك الجزائر من الفرنج على تمليك الساحل رجلا منهم يعرف PageV01P426 # بالكندهري، وزوجوه بنت ملكهم القديم، التي قد استقر عندهم أن يجعلوها على ~~كل من ملكوه. # وسار السلطان من القدس إلى بيروت في شوال، ووصل إلى خدمته صاحب أنطاكية ~~الابرنس وولده قومص طرابلس خلع عليهم، وجدد بينه وبينهما الهدنة والعقد. # وفي سادس عشري ذي القعدة، دخل إلى دمشق، بعد مدة تقارب أربع سنين. وكان ~~الملك الظاهر قد ودعه من القدس، ورحل إلى حلب في شهر رمضان. وأخبرني القاضي ~~بهاء الدين ms303 أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم: أنه ودعه، ثم سير إليه، ~~واستأذنه في مراجعته في أشياء فأدخله عليه وكنت، حاضرا ثم قال للملك ~~الظاهر: أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل خير: وأمرك بما أمرك الله به، فإنه ~~سبب نجاتك. وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد لها، فإن الدم لا ينام. ~~وأوصيك بحفظ قلوب الرعية، والنظر في أحوالهم، فأنت أميني وأمين الله عليهم. ~~وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء، وأرباب الدولة والأكابر. فما بلغت ما بلغت إلا ~~بمداراة الناس. ولا تحقد على أحد، فإن الموت لا يبقي على أحد، واحذر ما ~~بينك وبين الناس، فإنه لا يغفر إلا برضاهم، وما بينك وبين الله يغفره ~~بتوبتك إليه، فإنه كريم وفي شهر ذي القعدة، سلم إلى الملك المنصور ما كان ~~لأبيه بالشام، وهو منبج، وحماة، وسلمية، ومعرة النعمان وانقضت سنة ثمان ~~وثمانين. # والهدنة مع الفرنج مستمرة، والملك الناصر بدمشق، والملك الظاهر بحلب، ~~والملك العزيز بمصر، والملك الأفضل، وهو أكبر ولد السلطان، معه بدمشق. # فمرض السلطان، في اليوم الخامس عشر، من صفر، بحمى حادة، واختلط ذهنه في ~~السابع، وحبس كلامه، وانجذبت مادة المرض إلى دماغه. وتوفي رحمه الله في ~~الثالث عشر من مرضه، في وقت الفجر، من يوم الأربعاء، السابع والعشرين من ~~صفر، في سنة تسع وثمانين وخمسمائة. PageV01P427 # ليس في خزانته من المال يوم وفاته سوى دينار واحد صوري، وسبعة وأربعين ~~درهما نقرة. ودعوته على المنابر من أقصى حضرموت في الجنوب إلى أوائل بلاد ~~أراينه في الشمال عرضا، ومن طرابلس الغرب إلى باب همذان طولا. ونقودها من ~~الدراهم والدنانير مضروبة باسمه، وعساكرها مطيعة لأمره، سائرة تحت لوائه. ~~ومن جملة ملكه ديار مصر، والشام جميعه، والجزيرة وديار بكر، واليمن. # تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # وكان وزيره القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني، صاحب البلاغة في ~~الكتابة. # واستقر ملك ابنه السلطان الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر يوسف بن ~~أيوب لحلب، والبيرة، وكفر طاب، وعزاز، وحارم، وشيزر، وبارين، وتل باشر. ms304 ~~واستقل بملك حلب، وأنعم على رعيته، واستمال قلوبهم بالإحسان، وعمل بوصية ~~أبيه في الأفعال الحسان. وشارك أهل حلب في سرورهم والحزن، وقلد أعناقهم ~~أطواق الأنعام والمنن، وجالس الكبير منهم والصغير. واستمال الجليل والحقير. ~~وكان رحمه الله مع طلاقة وجهه، من أعظم الملوك هيبة، وأشدهم سطوة، وأسدهم ~~رأيا، وأكثرهم عطاء. وكانت الوفود في كل عام تزدحم ببابه من الشعراء، ~~والقراء، والفقراء، وغيرهم. وكان يوسعهم فضلا وإنعاما. ويوليهم مبرة ~~وإكراما. # ولم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد سيف الدولة بن حمدان ما اجتمع ببابه ~~رحمه الله وزاد على سيف الدولة في الحباء والفضل والعطاء. PageV01P428 ### | القسم التاسع والعشرون ### || التنافر والاتفاق # وخرج صاحب الموصل عز الدين،، باتفاق عماد الدين وصاحب ماردين لاستنقاذ ~~حران والرها، من يد الملك العادل، في شهر ربيع الآخر من هذ السنة، ونزل ~~بدنيسر. # ونزل الملك العادل بحران، واستنجد بعساكر الملك الظاهر والملك الأفضل، ~~فسير الملك الظاهر عسكره ومقدمه الملك المنصور بن تقي الدين، ونزل الملك ~~العادل على سروج فافتتحها. ومرض عز الدين، وعاد إلى الموصل عن غير لقاء. # ثم نرل الملك العادل على الرقة، فأخذها، وأعطاها ابن أخيه الملك الظاهر ~~وسار بالعساكر إلى نصيبين، وأقطع الخابور وبلد القنا، ثم اصطلحوا في شهر ~~شعبان. وكان الياروقية ومقدمهم دلدرم صاحب تل باشر، قد تكبروا وتحامقو على ~~الملك الظاهر، وقصروا في خدمته، في حياة أبيه. وكانوا يعالمون بدر الدين ~~دلدرم، ويركبون كلهم في خدمته حتى كأنه السلطان، وكان بأيديهم من الأقطاع ~~خيم ضياع جبل السماق وغيرها وملك الملك الظاهر حلب، فسلكوا معه من الحماقة، ~~ما كانوا يسلكونه من قبل، فاعتقل مقدمهم دلدرم في قلعة حلب، وقيده، وأخرج ~~الباقين عن حلب، وقبض أقطاعهم، وطلب من دلدرم تسليم تل باشر فامتنع، وذلك ~~في سنة تسعين وخمسمائة. PageV01P429 # واتفق أن وقع خلف بين الأفضل والملك العزيز، بسبب أميرين من الناصرية، ~~أحدهما ميمون القصري، والآخر سنقر الكبير، وكان بأيديهما عدة من القلاع، ~~فاستشعرا من الملك الأفضل أن يقبضهما، فسارا إلى مصر، وكاشفا الأفضل ~~بالعصيان. # وطلبا من العزيز الكون ms305 في خدمته على أن يذب عما في أيديهما، فأقطع الملك ~~الأفضل بلادهما، وأقطعهما الملك العزيز نابلس وكانت مقطعة مع ابن المشطوب ~~فامتنع من تسليمها إليهما، وسار إلى الملك الأفضل فوقع الشر بينهما بسبب ~~ذلك. ونزل الملك العزيز إلى دمشق، في جمادى الآخرة، وأقطع بلدها، وقاتلها، ~~فسير الملك الأفضل إلى عمه، وأعلمه بذلك، فسار الملك العادل من بلاده شرقي ~~الفرات جريدة، واجتمع بالملك الظاهر غازي بحلب، وأصعده إلى قلعة حلب، ~~وأنزله في الدار، التي فيها ابنة الملك العادل غازية خاتون، زوجة السلطان ~~الملك الظاهر. وطلب من الملك الظاهر موافقته على المسير إلى نصرة الملك ~~الأفضل، وإصلاح ما في قلوب الملكين من المضاغنة، فوافقه على ذلك. ثم قال له ~~الملك العادل: أنا ضيفك، ولا بد للضيف من قرى، وأطلب أن تكون ضيافتي منك ~~دلدرم. فأجابه إلى ذلك وأطلقه. # وكان العلم بن ماهان في خدمة السلطان الملك الظاهر، في محل الوزارة، ~~فأشار عليه بقبض عمه الملك العادل، فامتنع، وقال: هذا عمي، ومحله محل ~~الوالد. ونزل الملك بدلدرم من القلعة، فمضى في يومه إلى تل باشر. # وصعد الملك العادل والملك الظاهر، إلى نصرة الملك الأفضل، بعد أن سلم ~~الملك الأفضل إلى الملك الظاهر جبلة، واللاذقية، وبلاطنش وأعمال ذلك كله، ~~لينصره على أخيه. واجتمع الملك العادل والملك الظاهر بالملك الأفضل، وتأخر ~~الملك العزيز عن دمشق. # وجرت بين الملوك الثلاثة مراسلات أفضت إلى الاتفاق والصلح، على أن PageV01P430 # تكون بلاد الملك الأفضل بحالها، وما كان بيد ميمون وسنقر، على حاله، ~~ويكونان في خدمة الملك العزيز. ووقعت الأيمان والعهود على ذلك. في شعبان من ~~سنة تسعين وخمسمائة. # وعاد الملك العزيز إلى مصر والملك الظاهر إلى حلب، والملك العادل إلى ~~الشرق. # وفي سنة إحدى وتسعين اتصل القاضي بهاء الدين أبو المحاسن، يوسف بن رافع ~~بن تميم بخدمة الملك الظاهر، وقدم إليه إلى حلب، وولاه قضاء حلب ووقوفها، ~~وعزل عن قضائها، زين الدين أبا البيان بنا نائب محيي الدين بن الزكي، وحل ~~عنده بهاء الدين في رتبة الوزارة والمشورة. ### || التنافر ms306 الثاني وخروج الأفضل عن دمشق # ثم إن الملك الأفضل استشعر من أخيه الملك العزيز أن ينزل إلى دمشق، ~~ويحاصرها، في سنة إحدى وتسعين، كما فعل في السنة الخالية، فسار إلى قلعة ~~جعبر، واجتمع بعمه الملك العادل بها، وفاوضه في الوصول إليه إلى دمشق، ~~لينصره على الملك العزيز إن وصل إلى دمشق، إما بصلح أو بغيره، فوافقه على ~~ذلك. # وتوجه الملك العادل إلى دمشق، ثم عدل الملك الأفضل إلى حلب، إلى أخيه ~~الملك الظاهر، ووصل إليه إلى حلب، وفاوضه في إنجاده على الملك العزيز، فلم ~~يجد عنده نية صادقة في الحركة معه إلى دمشق. واشترط عليه شرائط من جملتها ~~أن صاحب حماة الملك المنصور محمد بن تقي الدين، وعز الدين بن المقدم صاحب ~~بارين، وبدر الدين دلدرم بن ياروق، صاحب تل باشر، كانوا كلهم في طاعته، ~~ومضافين إليه، وبلادهم من جملة بلاد الملك الظاهر، وأنهم كانوا من جملة ~~أصحابه، فانحرفوا عنه، وانضافوا إلى عمه الملك العادل. # وكان الملك العادل قد شفع إليه في دلدرم، وأطلقه لأجله، وضمن له عنه ~~الطاعة والقيام بما يجب، فانضات إلى عمه. PageV01P431 # وطلب الملك الظاهر أن الملك العادل يقوم له، بما جرى بينه وبينه من ~~الشرط، وأن لا يعرض لأتباعه المذكورين. # وسار الملك الأفضل إلى دمشق، على أن يقرر مع عمه ما التمسه الملك الظاهر. ~~فلم يتفق للملك الظاهر شيء مما التمسه. فعاد بالكلية عنهما، وأرسل إلى ~~الملك العزيز، يحضه، ويحرضه على قصدهما لأن الملك الأفضل مال إلى الملك ~~العادل، وألقى أموره كلها إليه. # ووصلت رسل الملك العزيز إلى الملك الظاهر، بموافقته معه، ومعاضدته. وحلف ~~له الملك الظاهر، في شهررجب من السنة. # ونزل الملك العزيز، من مصر، في شهر رمضان، والأسدية والأكراد مخامرون ~~عليه، والملك العادل والملك الأفضل، قد كاتباهم، فمالوا إليهما لتقدمة ~~الملك العزيز الناصرية عليهم. # وخرج الملك الظاهز، فنزل بقنسرين، وعيد بها عيد الفطر، وعيد الملك العزيز ~~بالفوار، وعزم الملك العزيز على الرحيل إلى دمشق، والنزول عليها، ورحل أبو ~~الهيجاء السمين والمهرانية، والأسدية في رابع ms307 شوال. وساروا إلى دمشق. ورحل ~~الملك الظاهر من قنسرين إلى قراحصار قاصدا حصار منبج وهي في يد الملك ~~المنصور صاحب حماة فلما وصل الملك الظاهر إلى بزاعا، وصله الخبر بأن العسكر ~~خامر على الملك العزيز، وأنه رجع عن دمشق، وسار الملك العادل والأفضل خلفه ~~إلى مصر، فعاد الملك الظاهر إلى قرا حصار حتى انسلخ شوال، ودخل حلب. # ووصله الخبر بأن الملك العادل والأفضل، سارا خلف الملك العزيز إلى مصر، ~~ونزلا على بلبيس، ودخل الملك العزيز إلى مصر، واسقر أمره بها، وعلم الملك ~~العادل بأنه لا يتمشى أمرهما مع الملك العزيز، فكتب إلى القاضي الفاضل، ~~وطلب الاجتماع به، فألزمه الملك العزيز بالخروج إليه، فاجتمع به، PageV01P432 # وأصلح حاله مع الملك العزيز، وشرط عليه أن يعفو عن الأسدية. وقال للملك ~~الأفضل: أنا كان مقصودي الإصلاح بينكم، وأن لا يقع على دولتكم خلل، وقد حصل ~~ذلك. # وتحالفوا، وعاد الملك الأفضل، ومعه أبو الهيجاء السمين، وبقي السلك ~~العادل مع الملك العزيز بمصر، ووافقه، فانحرف الملك الظاهر عن الملك العزيز ~~بذلك السبب، ومال إلى الملك الأفضل وكان الملك العادل قد احتوى على الملك ~~العزيز، وأوقع في نفسه أن السلطنة تكون له في بلاد الإسلام، والخطبة ~~والسكة. وكان يبلغه عن الملك الأفضل كلمات توجب الحنق عليه، فاتفق مع الملك ~~العزيز على أن ينزلا جميعا إلى الشام، لتقرير هذه القاعدة في جميع بلاد ~~الإسلام. # فسير الملك الظاهر أخاه الملك الزاهر داود، والقاضي بهاء الدين قاضي حلب، ~~وسابق الدين عثمان، صاحب شيزر في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة إلى الملك ~~العزيز، لتسكين الفتنة، والرجوع إلى ما فيه صلاح النية والموافقة بين ~~الأهل. فوصلوا والملك العادل، والملك العزيز، قد خرجا مبرزين إلى البركة في ~~ربيع الأول من السنة. وعادوا الرسل بغير زبدة، فعرفوا الملك الأفضل في ~~احتيازهم عليه، بما قد عزم الملك العزيز، والملك العادل عليه، من إقامة ~~الخطبة والسكة للملك العزيز، وتعجب من نقضهما الهدنة معه. # ولما وصلوا إلى حلب، راسل الملك الظاهر أخاه الأفضل، في تجديد الصلح ~~بينهما، وتحالفا ms308 على المعاضدة والمناصرة. ووصل إلى الملك الظاهر من ~~الأمراء: علم الدين قيصر الناصري، أمير جاندار أبيه الملك الناصر، فأقطعه ~~اللاذقية، وأخذها من ابن السلار. وسير العلم بن ماهان، ليعتبر ما في قلعتها ~~ويسلمها إلى قيصر، ويجعل الأجناد فيها على حالهم، ويحلفهم للسلطان الملك ~~الظاهر. # وكان العلم بن ماهان، إذ ذاك عند الملك الظاهر في محل الوزارة، فلما وصل PageV01P433 # إليها، ودخل قلعتها طمع باللاذقية، وحدثته نفسه بالعصيان، واستحلف ~~الأجناد لنفسه، وخالفه بعضهم، وامتنعوا، وكتبوا إلى الملك الظاهر، وقبضوا ~~على ابن ماهان. فسارع الملك الظاهر، وخرج إلى اللاذقية، وصعد إلى القلعة، ~~وأحضر ابن ماهان، وقطع يده، وقلع عينه، وقتل غلاما من خواصه، وقطع لسان ~~البدر بن ماهان قرابته وأذنيه، وسلخ العامل النصراني الذي كان بها. # واحتوى على جميع ما كان لابن هامان، وفرقه، ودخل إلى حلب وهو معه، فأركبه ~~حمارا مقلوبا، وعلى رأسه خف امرأة، ويده معلقة في عنقه. وطيف به على تلك ~~الحال، ولطم بالدرة. ثم صعدوا به إلى القلعة، فالتقاه ابن منيفة بوابها، ~~وقال له: أريد حقي منك. وأخذ نعله من رجله، ولطمه به لطما كثيرا. وحبس في ~~القلعة. وتحدث بعض الناس أن الملك الظاهر أراد أن يرجع عن إقطاع قيصر ~~اللاذقية، فكتب إلى ابن ماهان يأمره بالعصيان، ثم التزم بما فعل، ولم يظهر ~~صحة ذلك. # ولما دخل السلطان الملك الظاهر من اللاذقية، سير عسكرا من عسكر حلب، نجدة ~~لأخيه الملك الأفضل، ووصل الملك العزيز والملك العادل، فنزلا على دمشق، ~~وحصراها، وتسلمها الملك العزيز بمخامرة أوجبت دخول الملك العادل! من باب ~~توما والملك العزيز من باب الفرج. # وخرج الملك الأفضل من القلعة، وعوض عن دمشق بصرخد، فسار إليها ووصل الملك ~~الظاهر إلى أخيه الملك الظاهر إلى حلب، فأكرمه، واحتفل به، وذلك في شعبان ~~من سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. # وشرع الملك الظاهر في حفر الخنادق بحلب وتحصينها، وسير القاضي بهاء ~~الدين، وغرس الدين قلج، إلى الملك. العزيز، يطلب موافقته. وكان قد رحل إلى ~~مصر، وأبقى الملك العادل بدمشق. ### || تحرك الظاهر غازي ms309 حول حلب # وخرج الملك الظاهر إلى مرج دابق وأقام بها، وأظهر أن صاحب PageV01P434 # مرعش عاث في بلد رعبان، وسير يقدمه عسكره إلى عين تاب فخاف صاحبها حسام ~~الدين بن ناصر الدين، وحفظ القلعة. ونزل العسكر في الربض مظهرين أن لاغرض ~~لهم في حصار القلعة، بل لشدة البرد والثلج. ثم أظهر أن صاحب مرعش سير إلى ~~الملك الظاهر، واعتذر، وانقاد إلى طاعته، وحلف له. فرحل السلطان إلى ~~الراوندان، وأقام بها ثلاثة أيام، ورحل إلى عزاز ليلا، وهي في أيدي نواب ~~الأمير سيف الدين بن علم الدين علي بن سليمان بن جندر، وكان مريضا بحلب، ~~فأراد السلطان أن يصعد إلى القلعة من شدة المطر، فمنعه من في القلعة أن ~~يطلع إلا بإذن سيف الدين، فسار إلى دربساك وبها ركن الدين الياس ابن عم سيف ~~الدين، فقبض عليه. # وعاد إلى حلب مغضبا، ودخل إلى دار سيف الدين بنفسه، وأخذه في محفة، وسيره ~~إلى عزاز ليسلمها، ووكل به حسام الدين عثمان بن طمان، فوصل معه إليها ~~وسلمها إلى نواب السلطان الملك الظاهر، وعادوا به إلى حلب. # ولما جرى على سيف الدين ذلك، وكانت دربساك معه، وفيها ماله ونوابه، وبها ~~جماعة من أسرى الفرنج، فأعملوا الحيله، وكسروا القيود، وفتحوا خزانة ~~السلاح، ولبسوا العدد، وقاموا في القلعة، فاحتمى الوالي في القلعة مع جماعة ~~من الأجناد، والقتال عليهم. فعلم الملك الظاهر، بذلك، فخرج مجدا في السير ~~حتى وصل درب ساك، فوجد الوالي قد انتصر على الأسرى، وقتلهم. # وعاد السلطان إلى حارم، ثم دخل إلى حلب، فأقام حتى تقضت سنة اثنتين ~~وتسعين. ووصله القاضي وقلج بجواب الملك العزيز بانتظام الصلح بينه وبينه. # ورحل الملك العادل إلى بلاده الشرقية، ووصل ابنه الملك الكامل محمد إلى ~~حلب، زائرا ابن عمه الملك الظاهر، وكان قد طلبه من أبيه ليزوره، فالتقاه ~~الملك الظاهر، وأحسن ضيافته ثم سار إلى أبيه. # وعصي سربك برعبان على الملك الظاهر، وقد كانت في يده، عوضه بهما عن حارم ~~وكان من مماليك أبيه الشجعان، فأظهر الملك الظاهر أنه ms310 يخرج إلى الغزاة، ~~وخرج إلى قنسرين، ثم عطف من غير أن يعلم أحد حتى وصل إلى رعبان، فنزل PageV01P435 # عليها، وأقام أياما لا يقاتلها، في شهر رمضان، في سنة ثلاث وتسعين ~~وخمسمائة. واستغل بلدها، فلبس سربك سلاحه، وركب وحوله جماعة، قد لبسوا، ~~وفتح باب القلعة، ونزل إلى السلطان، والتمس منه العفو فعفا عنه. ورد رعبان ~~إليه، وسار إلى حلب، فأقام بها إلى أول ذي الحجة من سنة ثلاث وتسعين. ### || الخوف من الفرنج # وكان الملك العادل قد سار إلى الغور لحركة الفرنج، واستصحب معه نجدة من ~~الملك الظاهر، فوصلت رسله إلى السلطان الملك الظاهر، يخبره أن الفرنج قد ~~عزموا على قصد جبلة واللاذقية فخرج الملك الظاهر إلى الأثارب، وسير ~~الحجارين والزراقين. لهدم، حصني جبلة واللاذقية. وسار المبارز أقجا لهدم ~~جبلة، فهدموا سورها ودورها، وأجلى أهلها منها. # وسارغرس الدين قلج، وابن طمان، لهدم اللاذقية، فنقبوا القلعة، وعلقوها، ~~ورفعوا ذخائرها، وهدموا المدينة، وذهب أهلها، وبقي العسكر منتظرا وصول ~~العدو، ليلقوا النار في الأخشاب المحشوة في الأنقاب، فلم يصل أحد منهم. # وجاء البرنس في البحر تحت المرقب وطلب غرس الدين وابن طمان فوصلا إليه، ~~وكلماه على جانب البحر، فأشار عليهما بأن لا تهدم اللاذقية، وأخبرهما أن ~~الفرنج فتحوا صيدا وبيروت وعادوا إلى صور. # فسيرا وأعلما السلطان وهو بريحا، فأمر ببناء ما استهدم منها، وسار إلى ~~حارم، فوصلها في محرم سنة أربع وتسعين. وأقام بها مدة، ثم رحل إلى ~~اللاذقية، فعمرها وعمر ضياعها، وتوجه إلى حلب. # وتوفي غرس الدين قلج، فعصى أولاده بالقلاع التي كانت بيده، وهي: دركوش، ~~والشغر، وبكاس، وشقيف الزوج، وامتنعوا من تسليمها PageV01P436 # إلى الملك الظاهر. فخرج إليها، ونازلها، وأخذ عليها النقوب، واستنزلهم ~~منها، وصفح عن جرمهم، وأجرى لهم المعيشة السنية، وتقدم عنده منهم: سيف ~~الدين علي بن قلج. ### || من نتائج موت العزيز بمصر # ومات الملك العزيز بمصر، واختلف أمراؤها، فمال الأسدية إلى الملك الأفضل. ~~والناصرية إلى الملك العادل. # وانقاد الناصرية على نيات غير موافقة، واستدعوا الملك الأفضل، فسار من ~~صرخد إلى مصر ودخلها. ms311 وتلقاه إخوته على مرحلتين منها، واستوثقوا منه ~~بالأيمان، على أن يكون كافلا للملك المنصور محمد ابن الملك العزيز ومربيا ~~له. # وخرج الجحاف، وجهاركس، إلى ميمون، إلى القدس، فقيد الملك الأفضل أخاه ~~الملك المؤيد وجماعة من الأمراء كاتبوا الملك العادل، وأرسل الملك الظاهر ~~وزيره نظام الدين أبا المؤيد محمد بن الحسين، إلى أخيه الملك الأفضل، مهنئا ~~له بولاية مصر، فأقام عنده مدة، والرسل تترد إليه من الملك الظاهر في ~~الاتفاق على الملك. # وكان الملك العادل، إذ ذاك محاصرا ماردين، وقد أشرف على أخذها، فسار ~~الملك الأفضل إلى دمشق، وخرج الملك الظاهر إلى حارم، لغدر وقع من الفرنج ~~بناحية العمق، أغاروا على التركمان، في تلك الناحية. وسير بعض العسكر إلى ~~خناصرة ليقطع الطريق على الملك العادل إن توجه إلى دمشق. # وصالح الملك الظاهر الفرنج ورحل إلى مرج قراحصار في سلخ رجب من سنة خمس ~~وتسعين PageV01P437 ### || حصار دمشق وفشل الحصار # وسار الملك العادل حتى بلغ إلى تدمر، وسار في البرية إلى دمشق، ونزل ~~الملك الأفضل على دمشق، في نصف شعبان من السنة. ونزل بعض عسكره في الميدان، ~~وهجم بعض العسكر المدينة بمخامرة من أهلها، ونادوا بشعار الملك الأفضل. # وكان مجد الدين أخو الفقيه عيسى هو الذي دخل منها حتى بلغ السوق، وشربوا ~~الفقاع، فخرج الملك العادل، من القلعة، وأخرجهم في البلد. # وخامر بعض العسكر على الملك الأفضل، ودخلوا في الليل إلى دمشق، فاختل ~~الأمر عند ذلك، وتأخر الملك الأفضل إلى جسر الخشب. # وسار الملك الظاهر إلى حماة، فالتقى سيف الدين طغرل الظاهري قطعة من عسكر ~~حماة سائرة إلى منبج فظفر بها طغرل وأسر رجالها، وأحضرهم إلى الملك الظاهر، ~~فأطلقهم بعدتهم ودوابهم. # ولما وصل الملك الظاهر إلى حماة، منعه عسكرها من العبور على الجسر فعبر ~~قهرا، ونزل عليها، وقاتلها، فهادنه الملك المنصور صاحبها، وأخرج إليه تقدمة ~~سنية، وسير عسكره في خدمته، فأقطعه الملك الظاهر بارين وكانت في يد ابن ~~المقدم، فخرج صاحب حماة إليها محاصرا لها. # وسير الملك الظاهر إلى الموصل رسولا يأمر صاحبها ms312 بإنجاد ماردين، وترحيل ~~الملك الكامل والملك العادل عنها، ووصل الملك الظاهر إلى دمشق، واجتمع ~~بالملك الأفضل في منزلته، وخيموا بأرض داريا ثم إنهم زحفوا على المدينة، ~~وقاتلوها. PageV01P438 # وبلغ الملك الظاهر أن جهاركس وأسامة وسراسنقر وغيرهم، قد عزموا على ~~الدخول إلى دمشق، نجدة للملك العادل، فسير الملك الظاهر عسكرا مقدمه سيف ~~الدين بن علم الدين، ليمنعوهم من الدخول، فاختلفوا في الطريق، ودخل ~~المذكورون إلى الملك العادل، فاشتد بهم أزره، ولم يكن ينصح في القتال، وقت ~~الحصار غير العسكر الحلبي، فأما المصري فأكثره منافق. # ووصل المواصلة إلى ماردين، ورحلوا الملك الكامل عنها، ونهبوا ما كان ~~لعسكره بها، فضربت البشائر خارج دمشق في العسكر. # وسير الملك الظاهر عسكرا، مقدمه سيف الدين المذكور إلى الشرق ليجتمعوا مع ~~المواصلة، ويحصروا بلاد الملك العادل بالشرق، وأقطع سيف الدين سروج، وكان ~~الأمر قد استقر مع المواصلة، أن يرد إليهم سروج والرقة. فلما علموا بأن ~~السلطان أقطع سيف الدين سروج انحرفوا عنه، وعادوا، وخرج عسكر الرها، فوقعوا ~~على سيف الدين فانهزم عن سروج. # وفتح الملك المنصور صاحب حماة بارين في ذي القعدة من ابن المقدم وعوضه ~~عنها بمنبج، بعد ذلك على ما سنذكره فيما بعد. # ووصلت رسل الشرق إلى الملك الظاهر وهو على دمشق واتفقوا على أن يكون ~~لصاحب الموصل حران، والرها، والرقة، وسروج، وأن يكونوا يدا واحدة على من ~~خالفهم، وتحالفوا على ذلك، في ذي الحجة من سنة خمس وتسعه وخمسمائة. # ودخلت سنة ست وتسعين، والحصار على دمشق على حاله، وأكثر الأجناد يحملون ~~الأزواد في الليل، ويبيعونه على أهل البلد، فأخرج الملك العادل خزائته ~~جميعها، ثم اقترض من التجار جملة كبيرة، وأمر بعمل الروايا والقرب، للصعود ~~إلى مصر، واستدعى ابنه الملك الكامل من البلاد الشرقية، فجمع وحشد. # وسير الملك الظاهر إلى سيف الدين بن علم الدين، وإلى الملك المنصور صاحب ~~حماة، فاجتمعوا على سلمية ليمنعوا الملك الكامل من العبور، فعبر في جيش ~~عظيم، لم يكن لهما به طاقة، فانحازوا إلى حماة وساق سيف الدين بن علم ~~الدين، ms313 وأعلم السلطان الملك الظاهر بذلك. PageV01P439 # ووصل الملك الكامل إلى دمشق، فرحل الملك الظاهر، والملك الأفضل، إلى مرج ~~الصفر، ثم إلى رأس الماء. # ورحل الملك الظاهر، وأخفى نفسه جريدة إلى ناحية صرخد ومعه الملك المجاهد ~~صاحب حمص، وسار إلى طرف السماوة، وخرجوا إلى تدمر. وسار الملك الظاهر إلى ~~حلب، ووصل بعده بغال الثقل، دون الحمال على البرية، حتى وصلوا إلى ~~القريتين، ولحقهم الملك الكامل بالقريتين، وهو مسرع إلى الشرق، ووقع عسكر ~~حلب على قطعة من أصحابه، فظفروا بهم. # فلما وصل الملك الكامل، وقد دخل ثقل السلطان إلى القريتين، سير إلى مقدم ~~عسكر حلب علم الدين قيصر الناصري، واستدعاه، وقال له: ما بيننا وبينكم إلا ~~الخير، وما جئنا لنتبعكم، فردوا علينا ما أخذتم لنا. ففعل ذلك، وسار الملك ~~الكامل إلى الشرق، ووصلت البغال إلى حلب، في تاسع عشر شهر ربيع الأول. # وأما الملك الأفضل، فإنه توجه من رأس الماء إلى مصر وتوجه ثقل الملك ~~وخزانته معه إلى مصر. وخرج الملك العادل من دمشق، وسار خلفه إلى مصر، ~~فدخلها، وهرب الملك إلى صرخد. ### || الملك العادل في مصر # واستولى الملك العادل على الديار المصرية، في صورة الكافل، والمربي، ~~للملك المنصور محمد بن العزيز، وسير خزانة الملك الظاهر، وبقية ثقله جميعه ~~إليه، وخفر أصحابه حتى وصلوا إلى حلب، في نصف جمادى الأولى، والسلطان بتل ~~السلطان، فدخل إلى حلب. PageV01P440 # ووصلته رسل الملك العادل تطلب منه الموافقة، فلم يجبهم إلى ذلك، وخرج إلى ~~بكاس وحارم فمرض. ودخل حلب، واشتد مرضه، وطلب إليه القلعة الزهاد الذين ~~كانوا بحلب، مثل أبي الحسن الفاسي، وعمي أبي غانم، وعبد الرحمن ابن ~~الأستاذ، وسألهم الدعاء، وتبرك بهم، وأزال مظالم كثيرة. ثم أبل من مرضه ~~ذلك، في ذي الحجة من سنة ست وتسعين. # وانفصل عنه صاحب حمص وصاحب حماة، وصارا مع عمه الملك العادل، وعوض صاحب ~~حماة عز الدين بن المقدم بمنبج عن بارين، بإشارة الملك العادل. ومات ابن ~~المقدم بأفامية، وصار فيها أخ له صغير. # واستقل الملك العادل بملك مصر، وقطع الخطبة ms314 والسكة للملك المنصور بن ~~العزيز، واختلف جندها، فمنهم من مال إلى تمليك الملك العادل، وأقام في ~~خدمته، ومنهم من كان يريد ابن العزيز، فانفصل منهم جهاركس، والجحاف، ~~وغيرهما، فإنهم انفصلوا عن مصر، واتفقوا مع الملك الأفضل. ### || الملكان الأفضل والظاهر يحاصران دمشق # فوصل الملك الأفضل إلى أخيه السلطان الملك الظاهر إلى حلب، في عاشر جمادى ~~الأولى من سنة سبع وتسعين وخمسمائة. ووصل معه الجحاف، وأخبرا أأن جهاركس ~~بالغور، مع العسكر. واتفقوا على محاصرة دمشق. # وسير الملك الظاهر إلى الموصل بطلب نجدة تصله، وبرز مع أخيه الأفضل، ~~وقصدا منبج، ففتحها الملك الظاهر، وقبض على ابن المقدم وحبسه، وأقطعها ~~الجحاف، بعد أن خرب حصنها. وكان ابن فاخر سعد الدين مسعود بقلعة نجم، نائبا ~~عن ابن المقدم، وأخته معه، فسلمها إلى الملك الظاهر، وعوضه، بمائز قرية من ~~بلد عزاز وسلمها الملك الظاهر إلى الأفضل. # وسار إلى أفامية، ومعه ابن المقدم، فعاقبه تحتها ليسلموا إليه، فلم ~~يسلموا PageV01P441 # فسيره، وحبسه بحلب، وأقام بكفر طاب، واستولى على بلدها، ونزل بمعرة ~~النعمان، ونهب بلدها، وأخذ ما فيها لبيت المال، وسار إلى حماة، فنزل عليها، ~~في شعبان، وقاتلها إلى أن صالحه الملك المنصور صاحبها، ووزن له ثلاثين ألف ~~دينار، ووافقه. # وسار إلى حمص، فصالح الملك المجاهد صاحبها، ووافقه، وسار إلى دمشق ~~فنازلها، واستدعى جهاركس وقراجا من الغور، فدافعا عن الوصول، فسار السلطان ~~الملك الظاهر إليهما بنفسه، ولاطفهما حتى رحلا معه، بعد أن أعطى الملك ~~الأفضل قراجا صرخد، وأخرج أمه وعياله منها، ونزلوا على دمشق، وعزموا على ~~قتالها، ففند جهاركس عن ذلك، وكان قد صار في الباقين مع الملك العادل، ~~وقال: المصلحة أننا نلقى الملك العادل، فإذا كسرناه تم لنا ما نريد. # وكان الملك العادل قد نزل من مصر إلى الكرك، ثم توجه إلى نابلس، فلما رأى ~~جهاركس جد الملك الظاهر على حصار دمشق، هرب من العسكر إلى الملك العادل إلى ~~نابلس، وهرب قراجا إلى صرخد، وعصى بها، وتركا خيامهما على حالها وبركتهما، ~~فأنهب السلطان الملك الظاهر ذلك جميعه، ثم ms315 زحف بالعساكر على دمشق، وقاتلوها ~~قتالا شديدا، وأحرقوا العقيبة ونهبوا الخانات. # وراسل الملك العادل صاحب الموصل، فاتفق معه، ورجع عن الملك الظاهر، بعد ~~أن وصل إلى رأس عين. # وسار الملك الفائز بن العادل من البلاد الشرقية، طالبا تشعيث بلاد PageV01P442 # السلطان الملك الظاهر، وشغل خاطره عن حصار دمشق، فسير الملك الظاهر ~~المبارز أقجا وكان من أكبر أمراء حلب ومعه بعض العسكر، فنزل على بالس ~~ونهبها، وسار إلى منبج فنزلها، فوصل الملك الفائز إليها، فانهزم بمن كان ~~معه من العسكر إلى بزاعا، ودخلها الفائز، وبنى قلعتها وحصنها، وسار منها ~~طالبا عسكر حلب إلى بزاعا، فاندفعوا بين يديه إلى حلب، وأقام على بزاعا ~~أياما، وجفل بلد حلب خوفا منه، وهرب فلاحوه. # ورحل إلى أبيه إلى نابلس، فسير الملك العادل نجدة تدخل إلى دمشق، فبلغ ~~حديثها الملك الظاهر، وقد أحدقت العساكر بدمشق، فكمن لهم كمينا، فوقعوا ~~عليهم، وقتلوا منهم جمعا كثيرا، وانهزم بعضهم، ولم يدخل إلى المدينة إلا ~~القليل. ونكث صاحب حماة، وخرج إلى ناحية الروج، وأغار عليه، ونهب رستاق ~~شيزر. # وسار عسكر حلب إلى منبج، فلم يجد فيها مطمعا، واستدعاهم الملك الظاهر، ~~فمضوا إليه إلى دمشق، وطال الحصار، وضجر العسكر، وهرب شقير، والجحاف، بعد ~~استيلاء الفائز على منبج، وكان خير الجحاف. ### || الأفضل والظاهر يختلفان # ووقع الخلف بين الملك الأفضل والملك الظاهر على دمشق، فالملك الظاهر ~~يريدها لنفسه، لأنه أخرج الخزائن، وبذل الأموال، وحصرها بعسكره، والملك ~~الأفضل يريدها لنفسه لأنها بلده، وأنه أخرج صرخد من يده بسببها. وحصل ~~بينهما منافرة أوجبت رحيل الملك الظاهر، ومعه ميمون القصري، وسراسنقر، ~~وأيبك فطيس، والبكي الفارس، والقبيسي. # ورحل الملك الأفضل فنزل حمص، عند صاحبها الملك المجاهد، وزوج ابنه الملك ~~المنصور إبراهيم بابنة الملك الأفضل. # وسار الملك الظاهر إلى حماة، فأغار عليها، وشعث بلدها، وصانع صاحبها PageV01P443 # الملك المنصور، على مال أخذه منه، وسار إلى منبج، وعزم على أن يهجمها ~~بالسيف، ويقتل جميع من بها، لأنهم قاموا مع الملك الفائز، فشفع إليه ~~الأمراء في أن يسلموها طائعين، ويعفو عنهم، فتسلمها، ms316 وأقطعها ابن المشطوب، ~~في المحرم من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. # ثم دخل إلى حلب، وأقطع ميمون القصري عزاز، وشيح، وبلد الخوار، وأقطع أيبك ~~فطيس أقطاعا أرضاه، وعاد عنه سراسنقر، وتسلم السلطان أفامية من ابن المقدم، ~~وعوضه عنها بالراوندان. # وتوفي وزير السلطان الملك الظاهر جمال الدين أبو غالب عبد الواحد بن ~~الحصين البغدادي في شعبان سنة سبع وتسعين، وكان في خدمة أبيه الملك الناصر، ~~فانتقل بعد موته إلى حلب، ووزر له، وصار وزيره بعده نظام الدين أبو المؤيد ~~محمد ابن الحسين. # ووصل الملك العادل إلى دمشق، فتوجه إليه الملك المجاهد صاحب حمص، ومعه ~~الملك الأفضل، وترقق إليه، فأعطى الملك الأفضل شيحتان وجملين والموزر وقلعة ~~السن وسميساط. وسار إليها الملك الأفضل، ونزل الملك العادل إلى حماة، وراسل ~~الملك الظاهر، حتى استقر الصلح بينه وبينه، على أن خطب له الملك الظاهر ~~بحلب، وضرب السكة باسمه مع اسمه، في شهر جمادى الآخرة، من سنة ثمان وتسعين ~~وخمسمائة. # وصعد الرسول شمس الدين بن التنبي إلى المنبر، وقت إقامة الدعوة له، يوم ~~الجمعة، ونثر ذهبا كثيرا على الناس. وبلغ الملك الظاهر، عن ابن المشطوب، ~~أنه كان قد عزم على المخامرة، فسير إلى منبج العسكر، وأخذها منه، وعفا عنه، ~~وهدم قلعتها وسورها، فمضى ابن المشطوب إلى الشرق. # وجمع الملك الظاهر العرب في دابق، لأخذ العداد منهم، وخاف ابن المقدم ~~منه، فهرب إلى الراوندان، ليعصي بها، فسار الملك الظاهر خلفه، ولم يمهله، PageV01P444 # فلم يبت في قلعتها غير ليلة واحدة. ومضى إلى بدر الدين دلدرم، بتل باشر، ~~منهزما من السلطان. فوصل السلطان إليها ونزل عليها محاصرا لها، فسلمها من ~~كان بها إليه، وحار جميع ما كان فيها من الذخائر والأموال، ورتب أمورها. # وسار منها إلى منبج وسير نجدة للملك الكامل ابن عمه العادل، وكان نازلا ~~على ماردين لأن صاحبها صار مع ركن الدين بن قلج رسلان، ونزل السلطان في ~~بدايا، واتفق الأمر بينه وبين صاحب ماردين وابن الملك على الصلح، فعاد إلى ~~حلب بعد أن توجه إلى البيرة. # وخرج ms317 من البحر جمع كبير من الفرنج، في سنة تسع وتسعين وخمسمائة. ووصلت ~~طائفة منهم إلى جهة انطاكية، مجتازة على اللاذقية في البر، وكان مقطع ~~اللاذقية إذ ذاك، سيف الدين بن علم الدين. وعبروا في أرض اللاذقية، على كره ~~من المسلمين، وفي عزمهم إن رأوا لهم طمعا في اللاذقية يأخذوها. # فخرج سيف الدين بعسكره، والتقوا، ونصره الله عليهم، وأسر ملوكهم ومقدميهم ~~وكان ملكهم أعور وقتل منهم جمعا كثيرا، ووصل الأسرى، والملك، والرؤوس، ~~والخيل والسلاح، إلى حلب وكانت غنيمة عظيمة. # وعصى الملك الأفضل على عمه الملك العادل، في البلاد التي كان أعطاه إيا ~~ها، فسير، واستعاد منه شيحتان، وجملين، والموزر، وسروج، والسن، وسار الملك ~~الظاهر إلى قلعة نجم فأخذها من الملك الأفضل، خوفا أن يستولي عليها عمه، ~~وكان الملك الظاهر قد سلمها إلى الأفضل، فوصلت أم الملك الأفضل إلى حلب، ~~تسأل الملك الظاهر، سؤال عمه فيه، وفي رد البلاد عليه، فسير معها إلى دمشق ~~سيف الدين بن علم الدين في ذلك، فلم يجب إلى ترك شيء من البلاد عليه، سوى ~~سميساط. وشرط عليه أن لا تكون له حركة بعد ذلك. ### || من حوادث سنة 600 هجرية # ووصلت الأخبار بحركة الفرنج إلى جبلة واللاذقية، فسير السلطان إليها ~~العساكر، وأمرهم بخراب جبلة واللاذقية فلم يكن للفرنج حركة. وخربت قلعة PageV01P445 # اللاذقية والعتيقة وكانت من جهة الشمال وذلك بعد أن أخذت اللاذقية من ابن ~~جند، وسيف الدين بن علم الدين. # وولد للسلطان الملك الظاهر ولده، الملك الصالح أحمد في صفر، وسر به سرورا ~~عظيما، وزين البلد والقلعة، ولبس العسكر في أجمل هيئة وزي. ولبس السلطان، ~~ولعب العسكر معه في ميدان باب الصغير. # وفي محرم سنة إحدى وستمائة، هجم ملك الأرمن ابن لاون، وهو من ولد بردس ~~الفقاس، الذي كان في زمن سيف الدولة صاحب أنطاكية فسير الملك الظاهر عسكرا ~~من حلب، لنجدة البرنس صاحبها. # فلما وصلوا إلى العاصي، ضعف أمر ابن لاون عندهم، وقاموا عليه، وأخرجوه ~~منها، وقتلوا جماعة كبيرة من أصحابه، فعاد عسكر حلب إليها، ففسخ ms318 ابن لاون ~~الهدنة، وأغار على بلد العمق، واستاق مواشيها، وشرع في عمارة حصن داثر في ~~الجبل، بالقرب من دربساك، ليضيق به عليها. وأرسل إلى السلطان، وسأله أن ~~يخلي بينه وبين أنطاكية. وأن يعيد جميع ما أخذه من العمق، فأجابه إلى ذلك، ~~وهادنه على هذا الأمر. ونزل على أنطاكية، وخرب رستاقها، ووقع فيها غلاء ~~عظيم، فكان الملك الظاهر يمد أهل أنطاكية بالغلال، حتى قويت. ### || غارات ابن ليون الأرمني # فجرد ابن لاون في جمادى الأولى، في الليل، عسكرا في ليلة الميلاد، وجاء ~~على غفلة إلى ربض دربساك، فلم ينكروا وقود النار في ليلة الميلاد، فقاتلهم ~~أهل الربض ومن به من الأجناد، في بيوت الربض، فلم يظفروا منهم بطائل، وطلع ~~الفجر، فانتشروا في أرض العمق، ونهبوا من كان فيه من التركمان، وداموا إلى ~~صحوة ذلك النهار، ورجعوا. # وابتدرت عساكر تلك الناحية من المسلمين فلم يدركوهم، ودخل الأرمن إلى جبل ~~اللكام، فجاءهم في الليل ثلج عظيم، وهلك ما معهم من الخيل والمواشي، PageV01P446 # فكانوا يسلخون الشاء ويلبسون جلودها، لشقة البرد. فسير الملك الظاهر ~~عسكرا من عسكر حلب يقدمه ميمون القصري، ومعه أيبك فطيس، فنرلوا على حارم، ~~وقطعة من العسكر مع ابن طمان بدربساك وسيف الدين بن علم الدين نازل بعسكره ~~على تيزين وكانت جارية في أقطاعه وفي أكثر الأيام تجري وقعات بين العسكر ~~المقيم بدربساك، وبين عسكر ابن لاون ببغراس. # وخرج السلطان إلى مرج دابق، في شعبان من هذه السنة، للدخول إلى بلد لاون، ~~وجمع العساكر، وسير إليه عمه الملك العادل، وغيره من ملوك الإسلام النجد، ~~فأقام بدابق إلى أن انسلخ شهر الصيام. # فسار ابن لاون من الثنيات، وجاء على غير طريق البرك في الليل، فأصبح في ~~العمق غائرا على غزة من العسكر، وكبس العسكر الذي كان مع ميمون، حتى حصلوا ~~معهم في الخيام، وقابلوهم على غير أهبة فقاتلهم المسلمون، فقتل منهم جماعة، ~~ولم يلبث إلا قليلا، وعاد، وساق سيف الدين من تيزين، فوجده قد رجع. # وبلغ الخبر إلى السلطان، وهو بدابق، فسار بالجيوش التي ms319 معه فنزل بالعمق، ~~واجتمع من العساكر والتركمان ما لا يحد كثرة، فسير ابن لاون يبذل الطاعة، ~~وأن يهدم الحصن الذي بناه بقرب دربساك. # فأعرض عنه، ورد فلاحي العمق، وعمر ضياعه، وكمل استغلال ذلك البلد، والرسل ~~تتردد في إصلاح الحال، إلى أن استقرت القاعدة: على أن يهدم لاون الحصن الذي ~~بناه، ويرد جميع ما أخذ في الغارة، ويرد جميع أسارى المسلمين الدين في يده، ~~وأن لا يعرض لأنطاكية. وقرر الصلح إلى ثماني سنين، وخرب الحصن، ورد ما ~~استقر الأمر عليه. # ودخل السلطان حلب، في سنة ثلاث وستمائة، وأمر جماعة من مماليكه وأصحابه. ~~وعاد الفرنج على بلد حماة، في سنة خمس وستمائة، فسير الملك الظاهر من حلب، ~~نجدة من عسكره. PageV01P447 ### || الرد على الفرنج وظهور كيخسرو # ونزل الملك العادل على قدس، وغارت خيله على طرابلس، وخربوا حصونها، وشتى ~~بحماة إلى أن انقضى فصل الربيع. # وعاد إلى دمشق، وعاد ابنه الأشرف، إلى بلاده من خدمة أبيه، فعبر في حلب، ~~فالتقاه الملك الظاهر، واحتفل به، وأنزله في داره بقلعة حلب، وقدم له تحفا ~~جليلة من السلاح، والخيل، والذهب، والجوهر، والمماليك، والجواري، والثياب، ~~بما قيمته خمسون ألف دينار، وودعه بعد سبعة أيام، إلى قراحصار، وعاد إلى ~~حلب. # وقصد كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد ابن لاون، وطلب نجدة من السلطان الملك ~~الظاهر، فأرسل إليه عسكرا مقدمه سيف الدين بن علم الدين، وفي صحبته أيبك ~~فطيس، فاجتمعوا بمرعش، ونزلوا على برنوس في سنة خمس وستمائة، فافتتحوها، ~~وافتتحوا حصونا عدة من بلد ابن لاون. # فراسل لاون الملك العادل، والتجأ إليه، فأرسل الملك العادل إلى كيخسرو ~~وإلى الملك الظاهر، فابتدر كيسخرو، وصالح ابن لاون على أن يرد حصن بغراس ~~إلى الداوية، وأن لا يعرض لأنطاكية، وأن يرد ماله الذي تركه عنده، في حياة ~~أخيه ركن الدين. # وكان قد خاف من أخيه، فقدم حلب، وأقام عند الملك الظاهر مدة، وخاف الملك ~~الظاهر من أخيه ركن الدين، أن يتغير قلبه عليه بسببه، وأنه ربما يطلبه منه، ~~فلا يمكنه تسليمه إليه، فأعرض عنه. ms320 فدخل إلى ابن لاون، ثم خاف منه، فانهزم، ~~وترك عنده مالا وافرا، فاحتوى عليه فرده عليه، عند هذه الهدنة. ودفع إليه ~~جميع الأسرى من المسلمين، الذين كانوا في بلاده، وأن لا يعرض لبلاد السلطان ~~الملك الظاهر. ووصلت نجدة حلب إلى حلب. ### || العادل في الجزيرة # وخرج العادل من دمشق، في سنة ست وستمائة، وطلب من الملك الظاهر PageV01P448 # نجدة، تكون معه إلى الشرق، ليمضي إلى خلاط، لدفع الكرج عنها، فسير إليه ~~نجدة، وعبر الفرات. فلما وصل إلى رأس عين، رحل الكوج عن خلاط، ووصل إليه ~~صاحب آمد، فسار في العسكر إلى سنجار، وأقطع بلد الخابور، ونصيبين. # ونزل على سنجارمحاصرا لها، وشفع إليه مظفر الدين بن زين الدين، في صاحب ~~سنجار، فلم يقبل شفاعته. وقال: لا يجوز لي في الشرع، تمكين هؤلاء من أخذ ~~أموال بيت المال في الفساد وترك خدمة الأجناد، في مصلحة الجهاد، وضايق ~~سنجار، وقاتلها في شهر جمادى الآخرة. # وقام نور الدين بن عز الدين صاحب الموصل في نصرة ابن عمه صاحبها، واتفق ~~مع مظفر الدين، وتحالفا، وأفسدا جماعة من عسكر الملك العادل، وراسلا الملك ~~الظاهر، على أن يجعلاه الس لطان، ويخطبوا له، ويضربوا السكة باسمه. # وجعل الملك الظاهر يداري الجهتين، والرسل تتواتر إليه من البلدان، وهو في ~~الظاهر في طاعة عمه وعسكره معه، وفي الباطن في النظر في حفظ سنجار، ومداخلة ~~المواصلة، وهو يظهر لعمه أنه متمسك بيمينه له، إلى أن أرسل أخاه الملك ~~المؤيد، ووزيره نظام الدين الكاتب إلى عمه، معلما له أن رسول الموصل، ومظفر ~~الدين، وصلا يطلبان منه الشفاعة إليه، في إطلاق سنجار، وتقرير الأمر على ~~حالة يراها. # وتوسط الحال عند قدومه، على أن شفع فيهم الملك الظاهر، وأطلق لهم سنجار، ~~واستنزلهم عن الخابور ونصيبين. # وعاد الملك المؤيد، من حضرة عمه بالبر الوافر. فلما وصل رأس عين، دخل ~~إليها في ليلة باردة كثيرة الثلج، فنزل في دار فيها منرل مجصص، فستر بابه، PageV01P449 # وسد ما فيه من المنافس، وأوقد فيه نار من منقل، وعنده ثلاثة من أصحابه، ms321 ~~فاختنق، وواحد من أصحابه، وحمل إلى حلب ميتا في شعبان، من سنة ست وستمائة. # وجرى على الملك الظاهر منه ما لا يوصف من الحرن والأسف. # ووصل الملك العادل إلى حران، وخافه صاحب الموصل والجريرة، فراسل الملك ~~الظاهر، وطلب منه أن يخلي بينه وبين ملوك الشرق، وأن يحتكم في ما يطلبه ~~منه، وراسله صاحب الموصل، وصاحب إربل، وصاحب الجزيرة، يعتضدون به وهو لا ~~يؤيسهم. # فخرج السلطان إلى حيلان بعسكره، ثم رحل إلى السموقة وراسل عمه في ~~مهادنتهم وتطييب قلوبهم، وهو مخيم على لا السموقة على نهر قويق وطلب منه أن ~~تكون كلمة المسلمين كلهم متفقة. # وكذلك تدخل في الصلح ملك الروم، وأن يقصدوا الفرنج بجملتهم، فإن الفرنج ~~في نية التحرك، وخامر جماعة من عسكر الملك العادل. ووصل ابن كهدان إلى ~~السلطان الملك الظاهر، فأكرمه، فتخاذل عسكر الملك العادل، فاتفق الحال ~~بينهم على الصلح، ودخول ملوك الإسلام فيه. ### || زواج الظاهر وعنايته بالعمران # وتمت المصاهرة بين الملك العادل والملك الظاهر على ابنته الخاتون الجليلة ~~ضيفة خاتون بنت الملك العادل وشرع السلطان في عمل قناة حلب وفرقها على ~~الأمراء، والخواص. وحرر عيونها، وكلس طريقها جميعه، حتى كثر الماء بحلب. ~~وقسم الماء فى جميع محال حلب. وابتنى القساطل في PageV01P450 # المحال. ووقف عليها وقفا لإصلاحها، وذلك في سنة سبع وستمائة. # وتوفي وزير السلطان الملك الظاهر نظام الدين محمد بن الحسين بحلب، بعلة ~~الدوسنطاريا، في صفر سنة سبع وستمائة. وكان رحمه الله وزيرا صالحا مشفقا، ~~ناصحا، واسطة خير عند السلطان، لا يشير عليه إلا بما فيه مصلحة رعيته ~~والإحسان إليهم. وقام بعمه بكتابة الإنشاء والأسرار شرف الدين أبو منصور بن ~~الحصين، وشمس الدين بن أبي يعلى كان مستوفي الدواوين. فلما مات أبو منصور ~~بن الحصين استقل بالوزارة، وأضيف إليه ديوان الإنشان مع الاستيفاء. وعمر ~~السلطان باب قلعة حلب، والدركاه، وأوسع خندقها وعمل البغلة من الحجارة ~~الهرقلية، وعمق الخندق، إلى أن نبع الماء في سنة ثمان وستمائة. وخرجت من ~~مصر، في هذه السنة، الملكة الخاتون، ضيفة خاتون بنت ms322 الملك العادل إلى حلب، ~~مع شمس الدين بن التنبي. والتقاها الملك الظاهر بالقاضي بهاء الدين من ~~دمشق، ثم بالعساكر الحلبية بعد ذلك بتل السلطان واحتفل في اللقاء، وبالغ في ~~العطاء. ووصلت إلى حلب في النصف من المحرم من سنة تسع وستمائة. # وملك ابن التنبي قرية من قرى حلب، من ضياع الأرتيق يقال لها تلع وأعطاه ~~عطاء وافرا، وحظيت عنده حظوة، لم يسمع بمثلها. # ووقعت النار في مقام إبراهيم عليه السلام وهو الذي فيه المنبر، ليل ~~الميلاد، وكان فيه من الخيم والآلات والسلاح ما لا يوصف، فاحترق الجميع، ~~ولم يسلم غير الجرن الذي فيه رأس يحيى بن زكريا عليه السلام واحترقت السقوف ~~والأبواب، فجدده السلطان الملك الظاهر، في أقرب مدة أحسن مما كان. # وتوفي شرف الدين عبد الله بن الحصين كاتب السلطان، واستقل شمس الدين عبد ~~الباقي بن أبي يعلى بالوزارة، في سنة تسع وستمائة. # وشرع الملك الظاهر في هدم باب اليهود وحفر خندقه وتوسعته. وبناه بناء ~~حسنا، وغيره عن صورته التي كان عليها، وبنى عليه برجين عظيمين، وسماه باب ~~النصر. وأتم بناءه، في سنة عشر وستمائة. PageV01P451 # وولد للسلطان الملك الظاهر ولده الملك العزيز، من ابنة عمه الخاتون ضيفة ~~خاتون،، في يوم الخميس خامس ذي الحجة من سنة عشر وستمائة فضربت البشائر، ~~وزينت مدينة حلب، وعقدت القباب. # وفي اليوم السابع عشر، من ميلاده، ختن السلطان أخاه الملك الصالح، واحتفل ~~بختانه، ونصب الزورق، من قلعة حلب إلى المدينة، ونزل فيه الرجال، وعملوا من ~~الآلات والتماثيل التي ركبوها، حالة النرول أنواعا وطهر أولاد الأكابر من ~~أهل المدينة، وشرفهم، وخلع عليهم. # فجدد السلطان الملك الظاهر باشورة حلب، من باب الجنان إلى برج الثعابين، ~~وبنى لها سورا قويا ظاهرا عن السور العتيق، وجدد فيه أبرجة كالقلاع، وعزم ~~على أن يفتتح بالقرب من برج الثعابين بابا للمدينة، ويسميه باب الفراديس، ~~وكان يباشر الإشراف على العمارة بنفسه. # وأمر قي هذه السنة بتجديد ربض الظاهرية، خارج باب قنسرين، فيما بينه وبين ~~النهر، فنسب إليه لذلك، وخربت الياروقية، وانتقل ms323 معظم أهلها إليه. # ووثب الإسماعيلية على ابن الإبرنس، بكنيسة انطرسوس، فقتلوه، فجمع البرنس ~~جموع الفرنج، ونزل على حصونهم، وقتل وسبى، وحصر حصن الخوابي فكتبوا إلى ~~السلطان، يستغيثون به، ويستنجدونه، فاستخدم السلطان مائتي راجل. وسير جماعة ~~من عسكر حلب، يحفظونه، ليدخلوا إلى حصن الخوابي، ويمنعوا الفرنج من ~~الاستيلاء عليه. # وجرد عسكرا من حلب، مع سيف الدين بن علم الدين، ليشغل الفرنج من جهة ~~اللاذقية ليتمكن الرجالة من الدخول إلى الحصن. فلما سمع الفرنج بذلك، كمنوا ~~كمينا للرجالة والخيالة، الذين يحفظونهم، فأسروا الرجالة، وقتلوهم، وقبضوا ~~ثلاثين من الخيالة، وذلك في حادي عشر شهر رجب. # فعند ذلك خرج الملك المعظم ابن العادل، من دمشق، بعسكره، ودخل غائرا في ~~بلد طرابلس، فلم يترك في بلدها قرية إلا نهبها، وخربها، واستاق الغنائم ~~والأسرى، فرحلوا عن الخوابي، وأطلقوا الأسرى الدين أسروهم من أصحاب السلطان ~~الملك الظاهر،، وراسلوه، معتذرين، متلطفين، وافترقوا عن غير زبدة حصلت لهم. PageV01P452 # وتمت الباشورة، والباب والأبرجة، في سنة اثنتي عشر وستمائة. ولم يتم فتح ~~الباب، وسده طغرل الأتابك، مات الملك الظاهر، إلى أن فتحه السلطان الملك ~~الناصر أعز الله نصره على ما نذكره، في سنة اثنتين وأربعين وستمائة. ### || ولاية العهد وموت الظاهر # ووقعت المراسلة بين السلطان الملك الظاهر،، وبين السلطان كيكاوس بن ~~كيخسرو واتفقا على أن يمضي السلطان إلى خدمته، ويتفق معه خوفا من عمه ~~فأجابه كيكاوس إلى ذلك، وخرج بنفسه إلى أطراف البلاد. # وندم السلطان على ما كان منه، ورأى أن حفظ بيته أولى، وأن اتفاقه مع عمه ~~أجمل، فسير القاضي بهاء الدين قاضي حلب إلى عمه إلى مصر برسالة، تتضمن ~~الموافقة: أنه قد جعل ابنه الملك العزيز محمدا، ابن ابنة الملك العادل، ولي ~~عهده وطلب من الملك العادل أن يحلف له على ذلك. # فسار إلى مصر، فرتب السلطان خيل البريد، تطالعه بما يتجدد من أخبار عمه ~~لينظر في أمره، فإن وقع منه ما يستشعر منه، خرج بنفسه إلى كيكاوس، وهو مع ~~هذا كله في همه تجهيز الجيوش، والاستعداد للخزوج إلى كيكاوس، ms324 والاجتماع معه ~~على قصد بلد ابن لاون أولا. وكان ابن لاون قد ملك أنطاكية، وضاق ذرع ~~السلطان بمجاورته، لعلمه بانتمائه إلى عمه. # فوصلت الأخبار من القاضي من مصر، أن الملك العادل أجاب الملك الظاهر إلى ~~كل ما اقترحه، وسارع إلى تحصيل أغراضه، ولم يتوقف في أمر من الأمور. وجعل ~~كيكاوس يحث السلطان على الخروج، ويذكر أنه ينتظره، ونشب السلطان به، وضاق ~~صدره، وبقي مفكرا في أن عمه قد وافقه، ولا يرى الرجوع عنه إلى ملك الروم، ~~فيفسد ما بينه وبين عمه، ويغض من قدره بالخزوج إليه، ويفكر في حاله مع ملك ~~الروم، وفي كونه وعده بالخروج إليه والاجتماع به إذا خرج، وأنه إن رجع عن ~~ذلك فسد ما بينه وبين ملك الروم، والعسكر قد برز، وهو مهتم في ذلك الأمر. ~~وطلب الاعتذار إلى ملك الروم بوجه يجمل. PageV01P453 # فلشدة فكره، وضيق صدره، هجم عليه مرض حاد في جمادى الآخرة في سنة ثلاث ~~عشرة وستمائة. واعترته أمراض شتى. واشتد به الحال. # وجمع مقدمي البلد وأمراءه، واستحلفهم لابنه الملك العزيز محمد، ثم من ~~بعده لابنه الملك الصالح أحمد، ثم من بعده لابن أخيه، وزوج ابنته: الملك ~~المنصور محمد بن الملك العزيز. وجعل الأمير سيف الدين بن علم الدين مقدم ~~العسكر وشهاب الدين طغرل الخادم والي القلعة. ومتولي الخزانة، وتربية ~~أولاده، والنظر في مصالح الدار والنساء. # وأ نزل بدر الدين أيدمر والي قلعة حلب منها، وأقطعه زيادة على ما كان في ~~يده من الأقطاع قلعة نجم، بذخائرها وعددها، وزردنا أمع تسع ضياع آخر من ~~أمهات الضياع. وحلف إخوة السلطان على ذلك. # واستشعر السلطان من أخيه الملك الظاهر خضر وكان مقيما بالياروقية فأقطعه ~~كفر سوذ، وتقدم إليه بالتوجه إليها، فسار إليها، فسبقه الملك الزاهر، ~~فاستولى عليها، وعلى البيرة وحروص والمرزبان ونهر الجوز والكرزين والعمق. # ومات السلطان الملك الظاهر رحمه الله بقلعة حلب، في الخامس والعشرين، من ~~جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة وستمائة، وكتم خبر موته PageV01P454 # ذلك اليوم، حتى دفن في الحجرة، إلى جنب الدار ms325 الكبيرة، التي أنشأها بقلعة ~~حلب. # ثم أركب في اليوم الثاني من موته ولداه: الملك العزيز، والملك الصالح ~~وأنزلا بالثياب السود إلى أسفل جسر القلعة، وصعد أكابر البلد إليهما. # وأصيب أهل حلب بمصيبة فتت في أعضادهم. وكان له رحمه الله في كل دار بها ~~مأتم وعزاء، وفي كل قلية نكبة وبلاء: # والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير PageV01P455 ### | القسم الثلاثون ### || اتفاق الأمراء # ووصل القاضي بهاء الدين من الرسالة، في اليوم الثالث، والوزير ابن أبي ~~يعلى، قد استولى على التدبير، وحكم على الصغير والكبير، فصعد إلى القلعة، ~~واجتمع بشهاب الدين طغرل، وصرفه عن اضافة الأمور إلى الوزير. # وقرر أن الأمراء يجتمعون، ويتشاورون فيما يدبرونه، وأن لا يخرج الأمر عن ~~رأي شهاب الدين أيضا، فاجتمعوا بدار العدل، واتفقت أراؤهم على أن يكون ~~الملك المنصور بن العزيز أتابك العسكر، وأمر الأقطاع إليه، وأمر المناصب ~~الدينية يكون راجعا إلى شهاب الدين طغرل، وحلفوه على ذلك، وركب، والأمراء ~~كلهم في خدمته. # ونزل الملك العزيز، والملك الصالح، وجلسا في دار العدل، والملك العزيز في ~~منصب أبيه، وأخوه إلى جانبه، والملك المنصور، إلى جانبهما ثم اضطربت الحال، ~~ولم يرض إخوة الظاهر، بولاية المنصور. # ووصل في أثناء ذلك رسول الملك الرومي كيكاوس وكان مخيما بالقرب من البلاد ~~ينتظر وصول السلطان الملك الظاهر إليه فسير رسولا معزيا، ومشيرا بالموافقة ~~معه، وأن يكون الملك الأفضل أتابك العسكر، فإنه عم الملك العزيز، وهو أولى ~~بتربيته وحفظ ملكه. # ومال الأمراء المصريون مثل: مبارز الدين يوسف بن خطلخ، ومبارز الدين سنقر ~~الحلبي، وابن أبي ذكرى الكردي، وغيرهم، إلى هذا الرأي، وقالوا: إن هذا ملك ~~كبير، ولا ينتظم حفظ الملك إلا به، وإذا صار أمر حلب راجعا إليه كان قادرا ~~على أخذ ثأره من عمه، وأخذ الملك به PageV01P457 # ورأى القاضي بهاء الدين، وسيف الدين بن علم الدين، وسيف الدين بن قلج، ~~وغيرهما، غير ذلك، وقالوا: إن هذا إذا فعل، كان الملك العزيز على خطر من ~~الجانبين، لأن الملك العادل ملك عظيم، وصاحب الديار ms326 المصرية، فإذا قبلنا ~~ذلك خرج من أيدينا، فإن كانت الغلبة له انتزع الملك من أيدينا. # وإن كانت عليه فلا نأمن أن الملك الأفضل، يتغلب على ابن أخيه وينتزع ~~الملك منه، ويستقل به، كما فعل الملك العادل بابن العزيز، والملك العادل قد ~~حلف للملك الظاهر،، ولابنه الملك العزيز من بعده، وهو ابن ابنته، وابنته ~~بقلعة حلب، ونحن نطالبه بالوفاء بالعهد، وهو يذب عن حلب كما يذب عن غيرها ~~من ممالكه، وأمور الخزائن هي راجعة إلى شهاب الدين طغرل، وهو متولي القلعة. ~~والرأي أن يقع الاتفاق عليه، فإن المال عنده بالقلعة، وهو فيها ينتصف ممن ~~خالفه، وقد وقع اعتماد الملك الظاهر عليه. # فاتفق رأيهم كلهم عليه. # وعملت نسخة يمين، حلف بها جماعة والمقدمين من أهل البلد، على الموالاة، ~~والطاعة للملك العزيز، ثم من بعده لأخيه الملك الصالح، وعلى الموالاة ~~لأتابكه شهاب الدين طغرل، وانقاد الجميع له طائعين ومكرهين. # وأبعد الوزير ابن أبي يعلى، وصرف، واستقر الأمر على ذلك، في أواخر شعبان، ~~في السنة. # وسار ابن أبي يعلى عن حلب، في شهر رمضان من السنشة، واستقل طغرل بترتيب ~~البلاد والقلاع وتفريق الأموال والأقطاع، ولا يخرج في ذلك كله، عن رأي ~~القاضي بهاء الدين، وسيف الدين بن علم الدين، وسيف الدين بن قلج. # وأقطع علم الدين قيصر دربساك، وابن أمير التركمان اللاذقية، وسير علم ~~الدين إلى الملك الزاهر، أولا، يعاتبه على استيلائه على البلاد، فاعتقله، ~~وقال: أنا أحق بذلك، فإنني كنت ولي العهد لأخي، وقد حلف لي الناس. وطمع ~~بملك حلب، ثم انقاد إلى الطاعة والخطبة، وشرط أن تبقى البلاد، التي استولى ~~عليها بيده، فأجيب إلى ذلك. PageV01P458 # ولما استقر أمر الأتابكية لشهاب الدين طغرل، كره ذلك جماعة من الممالكيك ~~الظاهرية، فعمد عز الدين أيبك الجمدار الظاهري، واستضاف إليه جماعة من ~~المماليك الظاهرية، والأجناد. وكاتب الأسد أقطغان، وكان والي حارم واتفق ~~معه على أن يأتي إليه، إلى حارم بالجماعة الذين وافقهم، ويفتح له القلعة، ~~فإذا حصلوا بها انضم إليهم جماعة غيرهم، وكان لهم شأن حينئذ. ms327 # وكان العسكر المقيم بحارم قد أصعد إلى القلعة، ورتب بها، وفيها المبارز ~~أيوب ابن المبارز أقجا، فأحسوا باختلاف أمر الأسد الوالي، وأنكروا عليه ~~أشياء، فاستيقظوا لأنفسهم، واتفقوا على حفظ القلعة، والإحتياط عليها. # وسار أيبك الجمدار إلى حارم، ووقف تحت القلعة، ورام الصعود إليها، فمنعه ~~الأجناد والأمراء، الذين في القلعة من ذلك، ولم يمكنوا الوالي من التحرك ~~فيها بحركة، واحتاطوا عليه. # فسار أيبك إلى دربساك، وطمع أن يتم له فيها حيلة أيضا، فلم يستتب له ذلك، ~~وعصى ألطنبغا بقلعة بهسنى، وانضاف إلى ملك الروم كيكاوس. وانتظم الأمر بعد ~~ذلك، وسكنت الفتنة، في أواخر شوال من السنة. # ونزل الملك العادل من مصر إلى الشام، وأرسل إلى أتابك بما يطيب نفسه، ~~وسير خلعة للملك العزيز، وسنجقا، وحلف له على ما أوجب السكون والثقة. ### || تحرك الفرنج وملك الروم # واتفق خروج الفرنج من البحر، وتجمعوا في أرض عكا، وأغاروا على الغور، ~~واندفع الملك العادل بين أيديهم، إلى عجلون، ثم إلى حوران، ثم نازل الفرنج ~~الطور، وزحفوا عليه، فكانت النصرة للمسلمين، وقتل منهم جمع كثير، وانهزموا ~~عنها، وهدمها الملك العادل. PageV01P459 # وسار الفرنج إلى دمياط، ونزلوا عليها، وبينها وبينهم التيل، والملك ~~الكامل في مقابلتهم، واستدعى الملك العادل ابنه الملك الأشرف، فسار في ~~عسكره إلى حمص، ودخل بلاد الفرنج، ليشغلهم عن محاصرة دمياط. # فدخل إلى صافيتا، فخربوا ربضها، ونهبوا رستاقها، وهدموا ما حولها من ~~الحصون، ودخلوا إلى ربض حصن الأكراد، فنهبوه، وحاصروا القلعة، حتى أشرفت ~~على الأخذ، والملك العادل مقيم في عالقين. # وتحرك ملك الروم كيكاوس، ومعه الملك الأفضل، طالبا أن يملك حلب، ويطمع ~~الأفضل أن يأخذها له، ليرغب الأمراء في تمليكه عليهم، وكاتب جماعة من ~~الأمراء، وكتب لهم التواقيع، ومن جملة من كاتبه علم الدين قيصر. وكتب له ~~توقيعا بأبلستان. # واغتنما شغل قلب الملك العادل بالفرنج، ووافقهما الملك الصالح صاحب آمد ~~وكان كيكاوس يريد الملك لنفسه، ويجعل الأفضل ذريعة لتوصل إليه، وكاتبه ~~أمراء حلب الذين كانوا يميلون إلى الأفضل. فجمع العساكر، واحتشد، واستصحب ~~المناجيق، وسار في شهر ms328 ربيع الأول، فنزل رعبان وحصرها، وفتحها. # فسير الأتابك شهاب الدين زين الدين بن الأستاذ رسولا إلى الملك العادل، ~~يستصرخه على الرومي، والأفضل. فكتب إلى ولده الملك الأشرف، يأمره بالرحيل ~~إلى إنجاد حلب بالعساكر، وسير إليه خزانة، وجعل الملك المجاهد صاحب حمص في ~~مقابلة الفرنج. # وسار الملك الأشرف، حتى نزل حلب بالميدان الأخضر. وخرج الأمراء إلى ~~خدمته، واستحلفهم، وخلع عليهم، وأتاه مانع أمير العرب بجموعه المتوافرة، ~~وعاث العرب في بلد حلب، والملك الأشرف يداريهم لحاجته إليهم. PageV01P460 # وسار علم الدين قيصر إلى ملك الروم من دربساك، وجاهر بالعصيان، ونزل نجم ~~الدين ألطنبغا إليه من بهسنى، وتسلم الرومي المرزبان، وسار إلى تل باشر وهي ~~في يد ولد بدر الدين دلدرم فنازلها، وحصرها، وفتحها. ولم يعط الملك الأفضل ~~شيئا من البلاد التي افتتحها. # فتحقق الملك الأفضل فساد نيته، وسار إلى منبج، ففتحها بتسليم أهلها، وكان ~~قد صار في جملته رجل يقال له الصارم المنبجي، وله اتباع بمنبج فتولى له أمر ~~منبج، وشرع في ترميم سورها، واصلاحه. # وسار الملك الأشرف نحوه من حلب إلى وادي بزاعا على عزم لقائه، وجماعة من ~~الأمراء المخامرين في صحبته، فنزل في وادي بزاعا. وسير الرومي ألف فارس، هم ~~نخبة عسكره، ومقدمهم سوباشي سيواس، فوصلوا إلى تل قباسين فوقع عليهم العرب، ~~واحتووا عليهم، وعلى سوادهم. # وركب الملك الأشرف، فوصل إليهم، وقد استباحوهم قتلا وأسرا، وسيروا الأسرى ~~إلى حلب، ودخلوا بهم والبشائر تضرب بين أيديهم، وأودعوا السجن. # ولما سمع كيكاوس ذلك، سار عن منبج هاربا، ورحل الملك الأشرف من منزلته، ~~واتبعه يتخطف أطراف عسكره، حتى وصل إلى تل باشر، فنزل عليها، وحاصرها حتى ~~افتتحها، وسلمها إلى نواب الملك العزيز، وقال: هذه كانت، أولا، للملك ~~الظاهر رحمه الله وكان يؤثر ارتجاعها إليه، وأنا أردها إلى ولده. وذلك في ~~جمادى الأولى، من سنة خمس وعشرة وستمائة. # ثم إنه ملكها للأتابك شهاب الدين طغول، في سنة ثمان عشرة وستمائة، بجميع ~~قراها. PageV01P461 # ثم سار الملك الأشرف إلى رعبان وتل خالد فافتتحهما وافتتح برج الرصاص، ~~وأعطى ms329 الجميع الملك العزيز. وأقطعت رعبان لسيف الدين بن قلج. وعاد منكفئا ~~إلى حلب، ونزل على بانقوسا. ### || موت العادل وملك الكامل # وكان الخبر قد ورد بموت الملك العادل رحمه الله وكان مرض على عالقين، ~~فرحل إلى دمشق، فمات في الطريق، في جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة. # فكتب الأتابك شهاب الدين بذلك إلى الأمراء، والملك الأشرف قد قارب مدينة ~~حلب، فأعلموه بذلك، فجلس في خيمته للعزاء، وخرج أكابر البلد والأمراء إلى ~~خدمته، وأنشده الشعراء مرائي الملك العادل، وتكلم الوعاظ بين يديه. # ولما انفصل العزاء، سير الأتابك شهاب الدين إلى الملك الأشرف، وتحدث معه ~~في أن يكون هو السلطان موضع أبيه، وأن يخطب له في البلاد، وتضرب السكة ~~باسمه، وأن تكون العساكر الحلبية في خدمته. فقال: لا والله لا أغير قاعدة ~~قررها أبي، بل يكون السلطان أخي الملك الكامل، ويكون قائما مقام أبي. # فاتفق الحال بين أتابك وبينه، برأي القاضي بهاء الدين، وسيف الدين بن علم ~~الدين، وسيف الدين بن قلج، على أن خطب بحلب وأعمالها للملك الكامل، وبعده ~~للملك الأشرف، ثم للملك العزيز. # وضرب اسم الملك الكامل، والملك العزيز، على السكة. وجعل أمر الأجناد ~~والأقطاع في عسكر حلب إلى الملك الأشرف، وأخليت له دار الملك الظافر ~~بالياروقية، فنزل فيها، ورتب له برسم المعونة، من أعمال حلب سرمين وبزاعا ~~والجبول. PageV01P462 # ووصلت إليه رسل البلاد، من جميع الجهات، ومالوا إليه، وصاروا أتباعا له، ~~وأمر ونهى ببلد حلب، في الأجناد والأقطاع لا غير. وتردد أكابر الحلبيين إلى ~~خدمته، وخلع عليهم، وانقضى فصل الشتاء. ### || إنجاد دمياط وتحرك ابن المشطوب # فأقطع الأقطاع لأجناد حلب، ورتب أمور أمرائها، ولا يفعل شيئا من ذلك إلا ~~بمراجعة الأتابك شهاب الدين، وبدا من الأمراء المصريين تحرك في أمره، وكرهو ~~أمره ونهيه في حلب، وخافوا من استيلائه عليها، وانتقامه منهم لميلهم إلى ~~الملك الأفضل. وبلغه عنهم أشياء عزموا عليها، وهو ثابت لذلك كله. # ووصلته رسل أخيه الملك الكامل، يطلب منه النجدة إلى دمياط. وكان ابن ~~المشطوب قد أراد الوثوب عليه وتمليك ms330 الفائز أخيه، فأخرجه من الديار ~~المصرية، بعد أن رحل من منزلته، التي كان بها في قبالة الفرنج، وعبور ~~الفرنج إليها، ونهب الخيم ومنازلة دمياط، وقطعهم المادة عنها. # فاتفق رأي الملك الأشرف على تسيير الأمراء، الذين كانوا يضمرون الغدر، ~~فسيرهم نجدة إلى أخيه، وهم المبارزان: ابن خطلخ وسنقر الحلبيان، وابن ~~كهدان، وغيرهم. # وخاف ابن خطلخ منه، فاستحلفه على أن لا يؤذيه، فحلف له، وسيرهم إلى أخيه ~~الملك الكامل فأقاموا عنده بالكلية. # وتوفي نور الدين صاحب الموصل في هذه السنة. وترك ابنا صغيرا قام بدر ~~الدين لؤلؤ، مملوك جده بتربيته. وخطب للكامل والأشرف. # وقام زنكي بن عز الدين، فأخذ العمادية وهي قلعة حصينة فيها أموال الموصل ~~بمواطأة من أجنادها، وعزم على أخذ الموصل، وقال: أنا أولى بكفالة ابن أخي. ~~وساعده مظفر الدين صاحب إربل على ذلك، فسير لؤلؤ رسولا إلى الملك الأشرف ~~إلى حلب، يطلب إنجاده، فسير إليه عز الدين أيبك الأشرفي. PageV01P463 # وكان عماد الدين بن سيف الدين علي المشطوب، لما نفي من الديار المصرية، ~~قد وصل إلى حماة، وأقام عند صاحبها، وكاتب الملك الأفضل، وجمع جموعا كثيرة ~~من الأكراد، وأرباب الفساد، وساعده الملك المنصور صاحب حماة بالمال والرجال ~~على ذلك وعزم على أن يمضي، بمن جمعه من العساكر إلى الأفضل، وأن يقوم معه، ~~ويساعده صاحب حماة، وسلطان الروم. # ثم سار ابن المشطوب، بغتة، وخاض بلد حلب، وكان الزمن زمن الربيع، وخيول ~~الأجناد متفرقة في الربيع، فوصل إلى قنسرين ونفذ منها إلى تل أعون، وبلغ ~~الساجور، واستاق في طريقه ما وجد من الخيل، وغيره. # وبلغ خبره إلى الملك الأشرف، فأركب من كان بحضرته من العساكر، خلفه، وكان ~~فيهم ابن عماد الدين صاحب قرقيسيا، فلحقوه على الساجور، وفي صحبته نجم ~~الدين بن أبي عصرون، فقبضوا عليه وأتوا به إلى الملك الأشرف، فعفا عنه، وعن ~~ابن أبي عصرون، وأقطع ابن المشطوب رأس عين وأقام عنده مخيما بالياروقية، ~~إلى أن دخل شعبان، من السنة المذكورة. # وسار الملك الأشرف، إلى بلاده الشرقية، لإصلاح أمر الموصل، وكان ms331 صاحب ~~إربل وزنكي، قد كسرا لؤلؤ وأيبك الأشرفي، على الموصل. فنزل الملك الأشرف ~~على حران، وفي صحبته عسكر حلب. # ومات كيكاوس ملك الروم، وملك بعده أخوه كيقباذ، فراسل الملك ألأشرف، ~~واتفق معه. # وخربت القدس في أوائل هذه السنة. # وخرج إلى الفرنج المنازلين دمياط نجدة من البحر، ووقع الوباء في أهل ~~دمياط، وضعفوا عن حفظها، فهجمها الفرنج على غفلة من أهلها، في عاشر شهر ~~رمضان، والملك الكامل، مرابط حولها بالعساكر، وابتنى مدينة سماها المنصورة، ~~أقام فيها في مقابلة الفرنج. PageV01P464 # والملك الأشرف في حران، وابن المشطوب في اقطاعه رأس عين، وقد داخل صاحب ~~ماردين، وقرر الأمر معه على العصيان على الملك الأشرف، وجمع جماعة من ~~الأكراد، فنمي الخبر إلى الملك الأشرف. # وخاف ابن المشطوب، فسار إلى سنجار، فاعترضه والي نصيبين، من جهة الملك ~~الأشرف، وقاتله فهزمه، واستباح عسكره، وسار إلى سنجار، فأجاره قطب الدين ~~صاحبها. وأرسل الملك الأشرف إليه، في طلبه، فلم يجبه إلى ذلك، فسار الملك ~~الأشرف نحوه، فترك سنجار، ومضى إلى تلعفر، فعصى بها، فوصل إليه ابن صبره ~~وعسكر الموصل. # ووصل الملك الأشرف إلى سنجار، وفتحها، وعوض صاحبها بالرقة عنها، وفتح ~~لؤلؤ تلعفر، وسلمها إلى الملك الأشرف، واستجار ابن المشطوب بلؤلؤ، فأجاره ~~على حكم الملك الأشرف، فيها، وسلمه إلى الملك الأشرف، فقيده وسجنه بسنجار. ### || تحرك الأشرف إلى الموصل ومصر # وسار الملك الأشرف إلى الموصل، ومعه عسكر حلب، فأقام مخيما على ظاهرها، ~~حتى أصلح أمرها مع صاحب إربل، وهادنه. # ووصل الملك الفائز من الديار المصرية، مستصرخا، وطالبا للنجد، ووصل إلى ~~حلب، وأنزل بالميدان الأخضر، وسار إلى الموصل، إلى أخيه الملك الأشرف، ~~فأقام عنده، بظاهر الموصل، شهرا ومات. # وانفصل الملك الأشرف عن الموصل، بعد إصلاح أمورها، وشتى بسنجار، وقبض على ~~حسام الدين بن خشترين وكان أميرا من أمراء حلب لغدر بلغه عنه، وقيده، ~~وسيره، وابن المشطوب إلى قلعة حران، فحبسهما فيها إلى أن ماتا. وقبض على ~~ابن عماد الدين صاحب قرقيسيا، وأخذها، وعانة PageV01P465 # والبلاد التي كانت معه من يده، وقدم حران، فوصل ms332 إليه أخوه الملك المعظم ~~في محرم سنة ثمان عشرة من دمشق، فوافقه على الصعود إلى الديار المصرية، ~~لإزاحة الفرنج عنها، فجهز العساكر، واستدعى عسكر حلب، وعبر الفرات، والتقى ~~بعسكر حلب. # وسار إلى دمياط، مع أخيه الملك المعظم، وخرج الفرنج عن دمياط،، ونزلوا في ~~مقابلة المسلمين، فأرسلوا الماء عليهم، فمنعهم من العود إلى دمياط، ولم يبق ~~لهم طريق إليها وزحف المسلمون عليهم، واستداروا حولهم، فطلبوا الأمان ~~وتسليم دمياط، فتسلمها المسلمون في العشرين من شهر رجب سنة ثمان عشرة ~~وستمائة. # وكان الملك المنصور صاحب حماة قد توفي في ذي القعدة، سنة سبع عشرة ~~وستمائة. وكان ابنه الكبير الملك المطهر، في نجدة خاله بدمياط، فاستولى ~~ابنه الملك الناصر، على حماة، وسير إلى الأتابك شهاب الدين، يطلب الإعتضاد ~~به، والسفارة بينه وبين خاله الملك الأشرف، على أن ينتمي إليه، ويخطب له، ~~على أن يمنع عنه من يقصده، وروسل في ذلك، فأجاب، وحلف له على ذلك. ونزل ~~الملك الأشرف في الديار المصرية، ووصل إلى بلاده، وسير كتابا إلى الأتابك ~~شهاب الدين، يتضمن أنه: لما وقع الاتفاق في الابتداء، وعرض علي الجبول ~~وبزاعا وسرمين أجبت إلى ذلك، ليعلم المخالف والعدو، أن البلاد قد صارت ~~واحدة، والكلمة متفقة، والآن فقد تحقق الناس كلهم ذلك، وأوثر الآن التقدم ~~إلى نواب المولى الملك العزيز في قبضها، وإجرائها على العادة، وصرفها في ~~مصالح بلاده فأجبت إلى ذلك. # ورفع الملك الأشرف أيدي نوابه عنها. # وتوجه الملك الصالح ابن الملك الظاهر إلى الشغر وبكاس، وأضيف PageV01P466 # إليه الروج ومعرة مصرين. ورتب جماعة من الحجاب والمماليك في خدمته وذلك ~~في جمادى الأولى. ### || خبر الملك المعظم # وفي ذي الحجة من سنة تسع عشرة وستمائة خرج الملك صاحب حماة إلى الصيد، ~~فبلغ ذلك الملك المعظم عيسى، صاحب دمشق، فخرج مجدا من دمشق ليسبق صاحبها ~~إليها فيملكها، فانتهى الخبر إلى الناصر، فسبق إليها. # ووصل إلى الملك المعظم إلى حماة، فوجد الملك الناصر قد وصلها، وفاته ما ~~أراد، فسار إلى معرة النعمان واحتوى على مغلاتها، وسير أتابك شهاب ms333 الدين ~~إليه، تقدمة مع مظفر الدين بن جرديك، إلى المعرة، فقبلها، واعتذر بأنه إنما ~~جاء لكتاب، وصله من الملك الكامل، يأمره أن يقبض على خادم هرب منه، وأنه ~~خرج خلفه ليدركه، فلما قرب من حماة، بدا من صاحبها من الامتهان، وعدم النزل ~~والإقامة ما لا يليق. وتجنى عليه ذنوبا لا أصل لها، والملك الكامل، والملك ~~الأشرف، حينئذ بمصر. # فرحل الملك المعظم إلى سلمية، بعد أن رتب بالمعرة واليا، ورتب السلمية ~~واليا من قبله، وعزم على حصار حماة، واستعد صاحبها للحصار، ووكل الملك ~~المعظم العرب، لقطع الميرة عن حماة، ومنع من يقصدها من الأجناد للإنجاد، ~~وحول طريق القافلة على سلمية. # وأرجف الناس بأن حسام الدين ابن أمير تركمان، قد وافق الملك المعظم وأنه ~~قد صاهر صاحب صهيون، وكان سيف الدين بن قلج، هو الذي أشار بترتيبه في ~~اللاذقية وضمنه، فسار إليه، فلم يمتنع من تسليمها ولم يكن لما ذكر عنه صحة، ~~فترك سيف الدين بن قلج بها أخاه عماد الدين، واستصحب حسام الدين معه إلى ~~حلب، فأقام إلى أن زال الإستشعار من جهة الملك المعظم، وردت إليه. ووصل ~~حسام الدين الحاجب علي نائب الملك الأشرف في بلاده إلى حلب واجتمع بأتابك ~~شهاب الدين، وأعلمه أن الملك الأشرف، كتب إليه أن يرحل إلى الملك المعظم، ~~ويرحله عن بلاد الناصر، ويعلم أتابك، أن هذا الذي وقع، لم يكن بعلم الملك ~~الكامل، ولا الملك الأشرف، وأنهما لا يوافقانه على ذلك وسار الحاجب إليه في ~~هذا المعنى. PageV01P467 # ووصل الناصح أبو المعالي الفارسي أحد أمراء حلب برسالة الملك الكامل من ~~مصر، وكان قد صعد إليها إلى خدمته الملك الأشرف، وكان هو الحاجب بين يديه ~~إذ ذلك، والأمور كلها راجعة إليه، فقال له الناصح: الملك الكامل يأمر ~~المولى بالرحيل، وترك الخلاف، فأجاب إلى ذلك، وقرر الصلح بين صاحب حماة ~~وبينه، ورحل إلى دمشق، وعاد الناصح إلى مصر. # ونقل السلطان الملك الظاهر، من الحجرة التي دفن بها بالقلعة، إلى القبة ~~بالمدرسة التي ابتناها له أتابك، ودفنه بها في ms334 أول شعبان من سنة عشرين ~~وستمائة. ### || عودة الأشرف من مصر وعصيان المظفر # ونزل الملك الأشرف من مصر، ووصل إلى حلب في شوال من سنة عشرين، والتقاه ~~الملك العزيز، ونزل في خيمته، قبلي المقام وشرقيه، بالقرب من قرنبيا، وكان ~~قد صحبه خلعة للملك العزيز من الملك الكامل وسنجق. # وخرج الملك العرير، وأهل البلاد، في خدمته، بعد ذلك، ودخل الناس إلى ~~الخيمه، في خدمة السلطان الملك العزيز. # ومد الملك الأشرف السماط، في ذلك اليوم للناس، فلما أكلوا، وخرج الناس من ~~الخيمة، أحضر الخلع الكاملية وأفاضها على الملك العزيز. ووقف قائما في ~~خدمته. ثم أحضر المركوب فأركبه. وحمل الغاشية بين يديه، حتى خرج من الخيمة، ~~وركب إلى القلعة. # وأقام الملك الأشرف، فقدار عشرة أيام، واتفق رأيه مع الأمراء على إخراب ~~قلعه اللاذقية، فسار العسكر إليها، وخربوها في هذه السنة. # وتوجه الملك الأشرف إلى حران، وعصى الملك المظفر شهاب الدين غازي أخوه، ~~عليه ب أخلاط، وكان أخوه الملك المعظم، هو الذي حمله على ذلك، وحسنه له، ~~لأجل ما سبق من الملك الأشرف، فى نصرة صاحب حماة. PageV01P468 # فاستدعى الملك الأشرف عسكرا من حلب، فسار إليه عسكر قوي فيهم. سيف الدين ~~بن قلج، وعلم الدين قيصر، وحسام الدين بلدق، في سنة إحدى وعشرين وستمائة. # وسار إلى أخلاط، واتفق مظفر الدين صاحب إربل والملك المعظم صاحب دمشق، ~~على أن يخرج هذا إلى جهة الموصل، وهذا إلى جهة حمص، ليشغلا الملك الأشرف عن ~~أخلاط، فسير الملك الأشرف، وطلب طائفة من عسكر حلب ليقيم بسنجار، خوفا من ~~أن يغتالها صاحب إربل وخرج الملك المعظم، وأغار على بلد حمص، وبارين، ووصل ~~إلى بحيرة قدس، وعاد. # ووصل الملك الأشرف إلى أخلاط، فخرج أخوه، وقاتله، فهزمه إلى أخلاط، ~~وفتحها أهلها للملك الأشرف. # واحتمى الملك المظفر بالقلعة، حتى عفا عنه أخوه الملك الأشرف، وخرج إليه، ~~وأبقى عليه ميافارقين. # وعاد عسكر حلب والملك الأشرف، في رمضان، وشتى الملك الأشرف بسنجار. # وانهدم في هذه السنة من سور قلعة حلب الأبراج التي تلي باب الجبل، من ms335 حد ~~المركز، وهي عشرة أبراج، وتساقطت مع أبدانها، في سلخ ذي القعدة. ووافق ذلك ~~شدة البرد في الأربعينيات، فاهتم أتابك شهاب الدين بعمارتها، وتحصيل ~~آلاتها، من غير أن يستعين فيها بمعاونة أحد، ولازمها بنفسه، حتى أتمها في ~~سنة اثنتين وعشرين وستمائة. PageV01P469 # ومات الملك الأفضل، بسميساط، في هذه السنة في صفر، وحمل إلى حلب، فدفن في ~~التربة، التي دفن فيها أمه قبلي المقام. # ووصل محيي الدين أبو المظفر بن الجوري، إلى حلب بخلعة من الإمام الظاهر، ~~إلى الملك العزيز، وكان قد تولى الخلافة، في سنة اثنتين وعشرين، بعد موت ~~أبيه الإمام الناصر، فألبسها السلطان الملك العزيز، وركب بها، وكانت خلعة ~~سنية، واسعة الكتم، سوداء، بعمامة سوداء، وهي مذهبة، والثوب بالزركش. وكان ~~قد أحضر إلى الملك الأشرف خلعة، ألبسه أياها، وسار بخلعة أخرى إلى الملك ~~المعظم، وخلعة أخرى، إلى الملك الكامل. ### || من الحرب إلى الاتفاق فالموت # وكاتب الملك المعظم خوارزمشاه، وأطمعه في بلاد أخيه الملك الأشرف، ونزل ~~الملك المعظم من دمشق، ونازل حمص، وكان سير جماعة من الأعراب، فنهبوا قراها ~~ووصل مانع، في جموع العرب لإنجاد حمص، من جهة الملك الأشرف، فانتهبوا قرى ~~المعرة وحماة، وقسموا البيادر، ولم يؤدوا عدادا، في هذه السنة، لأحد. # ولما وصل الملك المعظم إلى حمص، اندفع مانع وعرب حلب، والجزيرة، إلى ~~قنسرين، ثم نزلوا قرا حصار، ثم تركوا أظعانهم، بمرج دابق، وساروا جريدة إلى ~~نحو حمص، فتواقع مانع وعرب دمشق، وقعات، وجرد عسكر من حلب إلى حمص، فوصلوا ~~إليها، قبل أن ينازلها الملك المعظم، فحين وصلوها اتفق وصول عسكر دمشق، ~~فاقتتلوا، ثم دخلوا إلى مدينة حمص. # وكان الملك الأشرف، على الرقة، فجاءه الخبر بحركة كيقباذ، وخروجه إلى ~~بلاد صاحب آمد، وأخذه حصن منصور، والكختا، فسير الملك PageV01P470 # الأشرف نجدة إلى آمد، فالتقاهم جيش الرومي، وهزمهم، فعاد الملك الأشرف ~~إلى حران، وخرج من بقي من عسكر حلب إلى حاضر قنسرين لإنجاد صاحب حمص. # ووقع الفناء في عسكر الملك المعظم، وماتت دوابهم، وكثر المرض في رجالهم، ~~فرحل عن حمص، في ms336 شهر رمضان من السنة. # وسار الملك الأشرف، عند ذلك بنفسه إلى دمشق، واجتمع بأخيه الملك المعظم ~~قطعا لمادة شره، وزينت دمشق لقدوم الملك الأشرف، وعقدت بها القباب. وأظهر ~~الملك المعظم السرور بقدومه، وحكمه في ماله، وباطنه ليس كظاهره، ورسله ~~تتردد إلى خوارزمشاه في الباطن، وجاءته خلعة من خوارزمشاه فلبسها. وكانا ~~لما انقضى شهر رمضان، قد خرجا عن دمشق، إلى المرج، وورد عليهما رسولا حلب: ~~القاضي زين الدين ابن الأستاذ نائب القاضي بهاء الدين، ومظفر الدين بن ~~جورديك، يطلبان تجديد الأيمان للملك العزيز، وأتابك. # فوجد الملك الأشرف، وقد أصبح مع الملك المعظم، بمنرلة التبع له، ويطلب ~~مداراته بكل طريق، وهو لا يتجاسر أن ينفرد بهما في حديث، دون الملك المعظم. ~~والملك المعظم يشترط شروطا كثيرة، والمراجعات بينهما وبين أتابك إلى حلب ~~مستمرة مدة شهرين. # إلى أن وردت الأخبار بنرول خوارزمشاه على أخلاط، ومحاصرتها، وفيها الحاجب ~~علي نائب الملك الأشرف فهجم بعض عسكره أخلاط، وقام من بهما من أهلها ~~وجندها، وأخرجوهم منها، كرها. # فوافق الملك الأشرف أخاه، على ما طلبه منه، واستدعى رسولي حلب، وحلفا ~~لهما، ورحل خوارزمشاه عن خلاط. PageV01P471 # وشتى الملك المعظم، والملك الأشرف بالغور. وأضحى الملك الأشرف كالأسير في ~~يدي أخيه الملك المعظم، لا يتجاسر على أن يخالفه في أمر من الأمور، وهو ~~يتلون معه، وكلما أجابه الملك الأشرف إلى قضية، رجع عنها إلى غيرها، وأقام ~~عنده، إلى أن دخلت سنة أربع وعشرين وستمائة. # وانقطعت مراسلة الملك الأشرف إلى حلب، لكثرة عيون أخيه عليه، وكونه لا ~~يأمن من جهة أمر يكرهه، لأنه أصبح في قبضته. # واتفق وصولي من الحج، في صفر من هذه السنة، فاستدعاني الملك الأشرف، ~~وحملني رسالة إلى أتابك شهاب الدين، مضمونها ما قد وقع فيه مع أخيه. وأنه ~~يتلون معه، تلون الحرباء، ولا يثبت على أمر من الأمور، وإن آخر ما قد وقع ~~بيني وبينه، أنه التمس مني أن يحلف له أتابك على مساعدته ومعاضدته، وأن لا ~~يوافق الملك الكامل عليه، وأنه متى قصده الملك الكامل، كان ms337 عونا له على ~~الملك الكامل. فلما أبلغت أتابك ما قال، امتنع من الموافقة على ذلك، وقال: ~~أنا حلفني الملك الأشرف للملك الكامل، وفي جملة يمينه: أنني لا أهادن أحدا ~~من الملوك على قضية إلا بأمره، فإذا أراد هذا مني فليأتني بأمر من الملك ~~الكامل، حتى أساعده على ذلك. # وحين رأى الملك الأشرف وقوعه في أنشوطة أخيه، وأن لا مخلص له إلا بما ~~يريده، ساعده على كل ما طلبه منه، واستحلفه على الملك الكامل، وصاحبي حماة ~~وحمص، فاطمأن الملك المعظم إلى ذلك، ومكن الملك الأشرف من الرحيل، فسار إلى ~~الرقة، في جمادى الآخرة من السنة. # فرجع الملك الأشرف عن جميع ما قرره مع أخيه، وتأول في أيمانه التي حلفها، ~~بأنه كان مكرها عليها، وأنه علم أنه لا ينجيه من يدي أخيه إلا موافقته فيما ~~طلب. وندم الملك المعظم على تمكينه من الإنفصال عنه، وسير العربان إلى بلد ~~حمص وحماة، فعاثوا فيهما، ونهبوا. # وخرج عسكر الأنبرور ملك الفرنج إلى عكا، في جموع عظيمة، فطمع صاحب حماة، ~~وصاحب حمص في الملك المعظم حينئذ، وأرسلا إليه يطلبان العوض عما أخذه من ~~بلادهما، فلاطف حينئذ أخاه الملك الأشرف، PageV01P472 # وأرسل إليه يطلب موافقته، فعنفه على أفعاله التي عامله بها، وقرعه على ما ~~اعتمد في حقه وحق أهله. # ومرض الملك المعظم بدمشق ومات سلخ ذي القعدة. وملك دمشق بعده الملك ~~الناصر ولده. # وفي هذه السنة، سلمت عين تاب، والراوندان والزوب، إلى الملك الصالح ابن ~~الملك الظاهر، وأخذ منه الشغر وبكاس، وما كان في يده معها. ودخل الحاجب، في ~~هذه السنة، وجمع من قدر عليه من العساكر، إلى بلد أذربيجان، وافتتح خوي، ~~وسلماس، وأخذ زوجة أربك وكانت في خوى وهي التي سلمت خوى إليه، وكانت قد ~~تزوجت بخوارزمشاه. # وخرج الملك الكامل من مصر حين سمع بموت أخيه. وسير الملك الناصر، إلى عمه ~~الملك الأشرف، يعتضد به، ويستمسك بذيله، مع ابن موسك. فوصل إليه إلى سنجار ~~وطلبه ليأتي إلى دمشق، فسار إليه إلى دمشق. ونزل الملك الكامل، فخيم بتل ms338 ~~العجول في مقابلة الفرنج، وسير الملك الأشرف إليه، سيف الدين بن تلج يطلب ~~منه ابقاء دمشق على ابن أخيه، ويقول له: إننا كلنا في طاعتك، ولم نخرج عن ~~موافقتك. فخاطبه بما أطمع الملك الأشرف في دمشق. PageV01P473 ### | القسم الحادي والثلاثون ### || التنازل عن القدس # وأما الملك العزيز، فإنه في هذه السنة، جلس في دار العدل في منصب أبيه، ~~ورفعت إليه الشكاوي، فأجاب عنها، وأمر ونهى، وكان يحضر عنده الفقهاء، في ~~ليالي الجمع ليلا، ويتكلمون في المسألة بين يديه. # وحضر عيد الفطر، فخلع على كافة الأمراء، ومقدمي البلد، وأرباب المناصب، ~~وعمل عيدا عظيما، احتفل فيه، ولم يعمل بحلب عيد، منذ مات الملك الظاهر،، ~~قبل هذه السنة. # ووصل الأنبرور إلى عكا، وخيم الملك الكامل بالعوجا. وتوجه الملك الأشرف، ~~إليه من دمشق، فجدد الأيمان فيما بينهما، وسارت النجدة من حلب، في آخر ~~المحرم سنة ست وعشرين وستمائة، فنزلت في الغور. # وصالح الملك الكامل الفرنج على أن أعطاهم مدينة القدس سوى الصخرة والمسجد ~~الأقصى وليس لهم في ظاهرها حكم، وأعطاهم بيت لحم، وضياعا في طريقهم إلى ~~القدس، من عكا. ### || الأشرف والكامل يقتسمان # وعاد الملك الأشرف، واجتمع بعسكر حلب، وبالملك الناصر ابن الملك المعظم، ~~فقال له: إنني قد اجتهدت في أمرك بالملك الكامل، فلم يرجع عن قصد دمشق، ~~وكان آخر ما انتهى إليه أن قال: يعطى الملك الناصر البلاد الشرقية، وتأخذ ~~أنت دمشق. PageV01P475 # فعلم الملك الناصر، أئهما قد توافقا على أخذ دمشق، وكال أيبك المعظمي معه ~~فأشار عليه بالرحيل إلى دمشق، فقوض خيامه، وسار، ولم يمكن الملك الأشرف ~~منعه، ومضى إلى دمشق، وشرع في تحصينها. # فسار الملك الأشرف بجيوش حلب، ونزل على دمشق، وقطع عنها الماء، فخرج عسكر ~~دمشق، وقاتلوا أشد القتال، حتى أعادوا الماء إليها، ووصل الملك الكامل، في ~~جمادى الأولى، بالعساكر المصرية، وخيموا جميعا على دمشق. # وسار القاضي بهاء الدين، وفي صحبته أكابر حلب وعدولها إلى دمشق، لعقد ~~المصاهرة بين الملك العزيز والملك الكامل. ووصل إلى ظاهر دمشق من ناحية ~~ضمير. # وخرج الملك الكامل من ms339 المخيم، والتقاه، وأنزله في المخيم، بالقرب من مشهد ~~القدم. وأحضره إلى خيمته، وقدم ما وصل على يده، للملك الكامل. ثم نقله بعد ~~ذلك إلى جوسق الملك العزيز بالمزة. # وكان يتردد إليه الملك الكامل، في بعض الأوقات، إلى أن اتفق الأمر، على ~~أن حمل الذهب الواصل، لتقدمة المهر، والجواري، والخدم، والدراهم، والمتاع. ~~وعقد العقد بحضور الملك الأشرف، في مسجد خاتون. # وتولى عقد النكاح عماد الدين ابن شيخ الشيوخ عن الملك الكامل، لابنته ~~فاطمه خاتون، على صداق، مبلغه خمسون ألف دينار. وقبل القاضي بهاء الدين ~~العقد عن الملك العزيز، وذلك في سحرة يوم الأحد سادس عشر شهر رجب. # وخلع الملك الكامل على القاضي، وعلى جميع أصحابه، وعلى الحاجي بشر أمير ~~لالا الملك العزيز، بعد أن فتحت دمشق. وعاد القاضي ومن كان في صحبته إلى ~~حلب. # واستقر أن يأخذ الملك الكامل من الملك الأشرف، عوضا عن دمشق: حران، ~~والرها، والرقة، وسروج، ورأس عين. وسار الملك الأشرف إلى بعلبك، فحضرها إلى ~~أن أخذها من صاحبها. PageV01P476 # وسار العسكر إلى حماة، بأمر الملك الكامل، فحصرها ليسلمها صاحبها إلى ~~الملك المظفر ابن الملك المنصور، فنزل إليه صاحبها الملك الناصر وكان نازلا ~~بمجمع المروج فحبسه عنده إلى أن سلمها إلى أخيه، وأعطاه بارين. وسار الملك ~~الكامل إلى الرقة. ### || خبر خلاط وتحرك الفرنج # ونزل خوارزمشاه على أخلاط ووافقه ابن زين الدين، في الباطن، وصاحب آمد في ~~الظاهر، وخطب له، وضاق الأمر بأهل أخلاط، فطلبوا الأمان فلم يجبهم إلى ذلك. ~~وافتتحها في ثامن وعشرين من جمادى الأولى، من سنة سبع وعشرين وستمائة. ووضع ~~السيف في أهلها، وسبى النساء والصبيان. # وفي ثامن جمادى الأولى، ولد للسلطان الملك العزيز، مولود من جارية. وسماه ~~باسم أبيه، ولقبه بلقبه الملك الظاهر غازي. وزين المدينة، وعقد القباب، ~~ولبس العسكر في أتم زينة وهيئة، وعمل الزورق من القلعة إلى المدينة، ونزل ~~الناس فيه، وانقطعت بكرة برجل منهم، فوقع في سفح القلعة، فمات، فبطل الملك ~~العزيز الزورف. # وولد له أيضا في هذه السنة، ولد آخر لقبه بالملك ms340 العادل. وولد له أيضا في ~~هذه السنة، السلطان الملك الناصر وهو الذي أوصى له بالملك، بعد أن مات ~~الولدان المتقدمان. # واتفق الملك الكامل، والملك الأشرف، وملك الروم كيقباذ، على خوارزمشاه. ~~وطلب الملك الأشرف نجدة من حلب، فسير الملك العزيز وأتابك، عسكرا يقدمه عز ~~الدين بن مجلي. PageV01P477 # فدخل الملك الأشرف، واجتمع بملك الروم، وسار إلى ناحية أرزنكان، واصطفت ~~العساكر للقتال، فكسر الخوارزمي في التاسع والعشرين من شهر رمضان، وهبت ريح ~~عاصفة في وجه عساكره، وانهزموا، وصادفوا شقيفا، في طريقهم، فوقع فيه أكثر ~~الخوارزمية فهلكوا. وصار الملك الأشرف إلى أخلاط، فاستعادها، وهادن ~~لخوارزمي. # وكان للفرنج حركة، وخرج عسكر حلب مع بدر الدين بن الوالي، وأغاروا على ~~ناحية المرقب، ونهبوا حصن بانياس، وخربوه، وسيروا أسرى إلى حلب، ثم تواقع ~~المسلمون والفرنج وقعة أخرى، قتل من الفريقين فيها جماعة، وكان الربح فيها ~~للمسلمين. وسيرت العساكر من حلب في النصف من شهر ربيع الآخر. واحتبس الغيث ~~في حلب، وارتفعت الأسعار فيها، وخرج الناس، واستسقوا على بانقوسا، فجاء مطر ~~يسير، بعد ذلك، وانحطت الأسعار قليلا. واستقرت الهدنة بين عسكر حلب ~~والداوية، والأسبتار، في العشرين من شعبان من السنة. ### || ممارسة العزيز صلاحياته # واستقل السلطان الملك العزيز بملكه، في هذه السنة، وتسلم خزائنه من أتابك ~~شهاب الدين، ورتب الولاة في القلاع، واستحلف الأجناد لنفسه، وخرج بنفسه، ~~ودار القلاع والحصون. # وركب أتابك شهاب الدين، في نصف شهر رمضان، من هذه السنة، ونزل من قلعة، ~~وركب الناس في خدمته، ولم ينزل منها، منذ توفي الملك الظاهر،، إلا هذه ~~المرة. ثم عاد إلى القلعة، وكان يركب منها في الأحايين، إلى أن دخل السلطان PageV01P478 # الملك العزيز بابنة الملك الكامل، وبقي أتابك مدة في القلعة، ثم نزل ~~منها، وسكن في داره، التي كانت تعرف بصاحب عين تاب، تجاه باب القلعة. # واستوزر الملك العزيز، في هذه السنة، خطيب القلعة وابن خطيبها زين الدين ~~عبد المحسن بن محمد بن حرب، ومال إليه بجملته. # وسير الملك العزيز القاضي بهاء الدين، في هذه السنة في شوال، إلى ms341 مصر، ~~لإحضار زوجته بنت الملك الكامل، فأقام بمصر مدة، إلى أن قدم في صحبتها ~~والدها الملك الكامل، إلى دمشق، وسيرها من دمشق صحبته، وأصحبها من جماعته: ~~فخر الدين البانياسي، والشريف قاضي العسكر. # وخرج وزيره، وأعيان دولته، فالتقوها من حماة، وأكابر أهل حلب أيضا، ~~والتقتها والدة السلطان عمتها من جباب التركمان، والتقاها بقية العساكر، ~~بتل السلطان، والتقاها أخو السلطان الملك الصالح، في عسكره، وتجمله. وعادت ~~العساكر في تجملها، واصطفت أطلابا طلبا بعد طلب، في الوضيحي. وخرج السلطان ~~إلى الوضيحي، ودخل مع زوجته، ليلا، إلى القلعة المنصورة، في شهر رمضان، من ~~سنة تسع وعشرين وستمائة. # وكانت العامة بحلب، قد ثاروا على محتسبها مجد الدين بن العجمي، لأن السعر ~~كان مرتفعا، وقد بلغ الرطل من الخبر إلى عشرة قراطيس، ثم انحط السعر كان في ~~تقاديم الغلة، إلى أن بيع الرطل بخمسة ونصف. فركب نائب المحتسب وسعره في ~~البلد بستة قراطيس، فهاجت العامة عليه، وقصدوا دكة المحتسب، وهموا بقتل ~~نائبه، وخربوا الدكة، ومضوا إلى دار المحتسب، لينهبوها. # فنزل والي البلد، والأمير علم الدين قيصر، وسكنوا الفتنة، بعد أن صعد ~~جماعة إلى السلطان، واستغاثوا على المحتسب، فظفروا بأخيه نائب الحشر الكمال ~~ابن العجمي، فرجموه بالحجارة، فانهزم، واحتفى في بعض دروب حلب، ثم هرب إلى ~~المسجد الجامع، فهموا به مرة ثانية، في الجامع، فحماه مقدم الأحداث، وكان ~~ذلك، في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان، من سنة تسع وعشرين وستمائة. وداوم ~~الملك العزيزالخروج إلى الصيد، ورمي البندق بنواحي العمق PageV01P479 # وغيرها، وحسن له جماعة من أصحابه، أن يسير إلى قلعة تل باشر، ويستولي ~~عليها، وينزعها من نواب أتابكه شهاب الدين طغرل، وأن يبقي عليه رستاقها، ~~وأن لا يكون شيء من القلاع إلا بيده، فنمى الخبر إلى أتابك، فسير إلى ~~الوالي، وأمره أن لا يعارضه في القلعة، وأن يسلمها إليه، وكان له بها ~~خزانة، فاستدعاها. # وخرج السلطان إلى عزاز، وكانت في يد والدة أخت الملك الصالح، وأولادها ~~بني ألطنبغا، عوضهم بها أتابك عن بهسنى، بعد قتل الرومي كيكاوس الطنبغا، ms342 ~~فصعد إلى قلعتها، وولى بها واليا من قبله، وأبقى عليهم ما كان في أيديهم من ~~بلدها. # ثم سار السلطان من عزاز، إلى تل باشر، وصعد إلى القلعة، وولى فيها واليا ~~من جهته، وانترعها من أيدي نواب أتابكه. # وبلغه أخذ الخزانة، من تل باشر، فسير من اعترض أصحاب أتابك في الطريق، ~~فأخذ الخزانة منهم، وكان يظن أن بها مالا طائلا، فلم يجد الأمر كما ذكر، ~~فأعادها على أتابك، فامتنع من أخذها، وقال: أنا ما ادخرت المال إلا لك. # ثم دخل السلطان إلى حلب، وكان ذلك كله، في شهر رمضان، من سنة تسع وعشرين ~~وستمائة. # ثم إن السلطان الملك العزيز، خرج في خرجاته، لرمي البندق إلى حارم، وتوجه ~~منها إلى دركوش ثم إلى أفامية، في سنة ثلاثين وستمائة، PageV01P480 # فلم يحتفل به صاحب شيزر شهاب الدين يوسف بن مسعود بن سابق الدين، وأنفذ ~~إليه إقامة يسيرة وهي شيء من الشعير على حمير، سخرها من بلد شيزر فشق عليه ~~ذلك. # فلما دخل حلب استدعى سيف الدين علي بن قلج الظاهري، وسيره إلى الملك ~~الكامل، ليستأذنه في حصار شيزر، وأخذها، وكانت مضافة إلى حلب، وإنما خاف أن ~~يلقي صاحبها نفسه على الملك الكامل، فيشفع إليه في أمره، فلا يتم له ما ~~يريد. # فصعد سيف الدين إلى دمشق، وقرر مع الملك الكامل، الأمر على ما يختاره ~~الملك العزيز، وسير إلى السلطان الملك العزيز، وأعلمه بذلك، فأخرج العسكر، ~~والزردخاناه، ونزل العسكر على شيزر، واحتاط الديوان، على ما في رستاق شيزر ~~من المغلات. # ووصل سيف الدين بن قلج من دمشق، وخرج السلطان بنفسه، فنصب عليها ~~المناجيق، من جهة الجبل، وترك المنجنيق المغربي، قبالة بابها. وسير إلى ~~صاحبها، وقال له: والله لئن قتل واحد من أصحابي، لأشنقتك بدله. فقتدم إلى ~~الجرخية بالقلعة، أن لا يرمي أحد بسهم، وتبلد، وأسقط في يده. # وأرسل الملك الكامل إلى السلطان نجابين، ومعهما خمسة آلاف دينار مصرية، ~~ليستخدم بها رجالة، يستعين بهم على حصار شيزر. # وقدم إليه إلى شيزر الملك المظفر محمود صاحب حماة ms343 وأرسل إليه صاحب شيزر، ~~يبذل له تسليمها، على أن يبقي عليه أمواله، التي بها، ويحلف له على أملاكه، ~~بحلب. فأجابه إلى ذلك. # ونزل من شيزر إلى خدمة السلطان، وسلمها إليه، ووفى له السلطان بما ~~اشترطه، وصعد السلطان إلى القلعة، وأقام أياما بشيزر، ثم دخل إلى مدينة ~~حلب. PageV01P481 # ومرض أتابك شهاب الدين طغرل بن عبد الله في أواخر هذه السنة، ودام مرضه، ~~إلى أن مات، ليلة الاثنين الحادية عشرة، من محرم سنة إحد وثلاثين وستمائة، ~~وحضر السلطان الملك العزيز، محمد ابن الملك الظاهر، جنازته، صبيحة الليلة ~~المذكورة. ومشى خلف جنازته، من داره إلى أن صلى عليه خارج باب الأربعين. ~~ودفن بتربته، التي أنشأها بتل قيقان، ووقفها مدرسة على أصحاب الإمام أبي ~~حنيفة رضي الله عنه وبكى السلطان عليه بكاء عظيما، وحضر عزاءه، يومين بعد ~~موته، بالمدرسة التي أنشأها أتابك، وجعل فيها تربة للسلطان الملك الظاهر ~~رحمهم الله. ### || الحرب ضد كيقباذ # وفي هذه السنة: نزل الملك الكامك، من مصر، واتفق مع أخيه الملك الأشرف، ~~على قصد بلاد السلطان كيقباذ بن كيخسرو، للوحشة التي تجددت بينهم، بسبب ~~استيلاء كيقباذ على بلاد أخلاط، وانتزاعها من أيدي نواب الملك الأشرف. # وسارا من دمشق، وخرج معهما الملك المجاهد، صاحب حمص، والملك المظفر، صاحب ~~حماة، ووصل معهم الملك الناصر، صاحب الكرك، ووصلوا إلى منبج بإذن السلطان ~~الملك العزيز. # وسير الملك العزيز، إليه إلى منبج، الإقامة العظيمة، والزردخاناه، ~~وعسكره، ومقدمه عمه الملك المعظم، وساروا من ناحية تل باشر، فنزل إليه ~~الملك الزاهر داود ابن الملك الناصر. # وقدم إليه صاحب سميساط الملك المفضل موسى، وصاحب عين تاب الملك عالح ابن ~~الملك الظاهر، والملك المظفر شهاب الدين ابن الملك العادل، والملك الحافظ ~~أخوه، وغيرهم، من الملوك. حتى اجتمع في عسكره ستة عشر أميرا. PageV01P482 # وسير ملك الروم إلى الملك العزيز، وقال له: أنا راض منك بأن تمد بالأجناد ~~والأموال، على أن لا تنرل إليه أبدا. وأعفاه الملك الكامل، من مثل ذلك. ~~ورضي كل واحد من الملكين بفعله. # وسار الملك الكامل في ms344 جيوشه، في أوائل سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، إلى ~~أن نزل على نهر الأزرق، في طرف بلاد الروم، وجاء عسكر الروم حتى نزل قبلي ~~زلى بينها وبين الدربند والسلطان معهم، وصعد الرجالة إلى فم الدربند، ~~بالقرب من نور كغال، وبنوا عليه سورا، وقاتلوا منه، ومنعوا من يطلع إليه، ~~وقلت الأقوات على العسكر الشامي. # فرجع الملك الكامل، وخرج إلى طرف بلد بهسنى، ونزل على بحير انرنيت، ووصل ~~إليه صاحب خرتبرت، ودخل في طاعته، وأشار عليه بالدخول من جهته، فسار إلى ~~ناحية خرتبرت ووقعت طائفة من عسكر الروم، على طائفة من عسكر الملك الكامل ~~وفيهم الملك المظفر صاحب حماة وشمس الدين صواب، فكسر العسكر الكااملي، ~~واعتصم من نجا منهم بخرتبرت، فحاصرهم ملك الروم إلى أن نزلو بالأمان، ~~وأطلقهم، واستولى كيقباذ على خرتبرت، وعفا عن صاحبها، وعوضه عنها بأقطاع في ~~بلاده. # ومرض الملك الزاهر في العسكر، فحمل مريضا إلى البيرة، وقوي مرضه، وطمع ~~بعض أولاده بملكها، وشرع في تحصينها وتقويتها، وبلغ الملك الزاهر ذلك، فسير ~~إلى السلطان الملك العزيز، واستدعاه إليه، وأصعده إلى PageV01P483 # القلعة، وأوصى إليه بالقلاع التي في يده، والخزائن وعين لأولاده شيئا من ~~ماله، وتوفي بالبيرة، والسلطان بها عنده، في أوائل صفر، من سنة اثنتين ~~وثلاثين وستمائة. # وأقام السلطان بها يرتب أحوالها، وأقام فيها واليا من قبله، فاتفق وفاة ~~القاضي بهاء الدين بحلب، في يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر، من سنة اثنتين ~~وثلاثين وستمائة. # وطلب الكمال بن العجمي قضاء حلب، وكاتب السلطان في ذلك، فلم يجبه إلى ~~ذلك. وسار السلطان من البيرة إلى حارم، فخرج ابن العجمي إليه، إلى حارم، ~~فمنعه الدخول إليه، وبذل له في قضاء حلب ستين ألف درهم، وأن يحمل في كل ~~سنة، للسلطان، من فواضل أوقاف الصدقة، ومن كتابة الشروط، خمسين ألف درهم، ~~فلم يصغ السلطان إلى شيء من ذلك. # وكتب إلى القاضي زين الدين، كتابا يأمره بأن يحكم بين الناس، على جاري ~~عادته، إلى أن يدخل إلى المدينة. # فلما دخل السلطان اجتهد ابن العجمي في قبول ms345 ما بذله، وبذل شيئا كثيرا غير ~~ذلك، لخواص السلطان، وحسنوا للسلطان قبول ما بذله، وإجابته إلى ما سأله، ~~فجرى على مذهب أبيه وجده في الإحسان، ولم يبع منصب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالأثمان ونظر في مصلحة الرعية، وأرضى الله ونبيه، وقلد القضاء بمدينة ~~حلب وأعمالها، في يوم الجمعة، الرابع عشر، من شهر ربيع الأول من سنة اثنتين ~~وثلاثين وستمائة، القاضي زين الدين أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن ~~علوان المعروف بابن الأستاذ وكان نائب القاضي بهاء الدين في الحكم. # وأما الملك الكامل، فإنه عاد في تلك الجيوش العظيمة، ولم يحظ بطائل، ودخل ~~فصل الشتاء، وحال بين الفريقين، وعاد كل إلى بلاده. # ولما خرج فضل الشتاء، خرج علاء الدين كيقباذ إلى الجزيرة، والرها، PageV01P484 # والرقة، وسبى عسكره أهل البلاد كما يسبى الكفار، وذلك في ذي الحجة، من ~~سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. # وسار الملك الكامل نحوها، فاندفع ملك الروم، فعاد الملك الكامل واستولى ~~على البلاد، وخرب قلعة الرها وبلدها، وسير إليه السلطان العسكر إلى الشرق، ~~والزردخاناه، وذلك في الجماديين، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. # ودام الملك العزيز، في ملكه بحلب، وسمت همته إلى معالي الأمور، ومال إلى ~~رعيته، وأحسن إليهم إلى أن دخلت سنة أربع وثلاثين وستمائة. # فغضب على وزيره زرين الدين بن حرب، وألزمه داره بقلعة حلب، وولى الديوان ~~مكانه، الوزير جمال الدين الأكرم أبا الحسن علي بن يوسف القفطي الشيباني. ### || موت العزيز محمد بن غازي # وخرج في أواخر شهر صفر إلى النقرة، ثم توجه منها إلى حارم، وحضر في ~~الحلقة، لرمي البندق، واحتاج إلى أن اغتسل بماء بارد، فحم، ودخل إلى حلب، ~~فالتقاه الناس، وهو موعوك، ودامت به الحمى، إلى أن قوي مرضه واستحلف الناس ~~لولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز. وسيرني إلى أخيه ~~الملك الصالح إلى عين تاب، يستحلفه له، ولابنه الملك الناصر، وعدت، وقد ~~مات، في شهر ربيع الأول، من سنة أربع وثلاثين وستمائة PageV01P485 ### | القسم الثاني والثلاثون ### || تدبير الدولة # وتولى تدبير دولته الأميران: شمس ms346 ~~الدين لؤلؤ الأميني، وعر الدين عمر بن محلى ووزير الدولة القاضي جمال الدين ~~الأكرم وجمال الدولة إقبال الخاتوني، يحضر بينهم في المشورة. وإذا اتفق ~~رأيهم على شيء، دخل جمال الدولة إقبال الخاتوني، إلى جده السلطان الملك ~~الناصر، والدة الملك العزيز، وعرفها ما اتفق رأي الجماعة عليه، فتأذن لهم ~~في فعله، والعلامات على التواقيع، والمكاتبمات إلى الستر العالي الخاتوني، ~~والدة الملك العزيز. فاتفق رأيهم، على أن سيروا القاضي زين الذين - قاضي ~~حلب - والأمير بدر الدين بدر بن أبي الهيجاء، إلى مصر، رسولين إلى الملك ~~الكامل، ليحلفاه للملك الناصر، ويتوثقا من جهته، واستصحبا معهما كزاغند ~~السلطان الملك العزيز، وزرد يته، وخوذته، ومركو به. # فلما وصلا إليه، أظهر الألم والحزن لموته، وقصر في إكرامهما وعطائهما ~~وحلف للملك الناصر، على الوجه الني اقترح عليه، خاطب الرسولين بمأ يشيران ~~به، عنه، من تقدمة الملك الصالح ابن الملك الظاهر "، على العسكر، وأن تكون ~~تربية الملك الناصر إليه، فلم ير الجماعة ذلك. # واتفق بعد ذلك بمدة، أن سير الملك الكامل خلعة للملك الناصر، بغير مركوب، ~~وسير عدة خلع لأمراء الدولة، وسير مع رسول مفرد خلعة " للملك الصالح"، على ~~أن يجيء إليه إلى "عين تاب"، فاستشعر أرباب الدولة التدبير PageV01P487 # من ذلك، وحصل عند جده السلطان وحشة من ذلك. # واتفق رأيهم، على أن لبس السلطان خلعته، ولم يخلع على أحد من الأمراء ~~شيء، مما سيره لهم، وردوا الرسول الوارد إلى الملك الصالح بخلعته، ولم ~~يمكنوه من الوصول إليه، واستوحشوا من جهة الملك الكامل. ### || خلافة الأخوين # وكان الملك الأشرف، قد تتابعت من أخيه، الملك الكامل أفعال أوجبت ضيق ~~صدره، وكان يغض على نفسه، ويحتملها، فمنها أنه أخذ بلاده الشرقية، حين ~~أعطاه دمشق، وأخذ من مضافات دمشق، مواضع متعددة. # واتفق أن كيقباذ ملك الروم، أخذ خلاط، فضاق ما في يد الملك الأشرف جدا، ~~وكان ينزل إليه في كل سنة إلى دمشق، في عبوره إلى الشرق، فيقيم بدمشق مدة، ~~فيحتاج الملك الأشرف، في ضيافتة إلى جملة. # وقبض على أملاكه التي كانت له ms347 بحران، والرقة، وسروج، والرها، ورأس عين، ~~وعلى جميع تمليكاته التي ملكها بتلك الناحية، وفتح آمد، وهو في صحبته، فلم ~~يطلق له من بلادها شيئا، وخذله في انتزاع خلاط من يد الرومي. # فاتفق هو، والملك المجاهد صاحب حمص والملك المظفر صاحب حماة وعزموا على ~~الخروج عليه، وعين لكل واحد منهم شيء من بلاده، وأرسل إلى الملكة الخاتون ~~والأمراء بحلب، وطلبوا موافقتهم على ذلك، وخوفوهم من جهته، وذكروا ما تمتد ~~أطماعه إليه فوافقوهم. # وتحالفوا عليه، وسيروا رسلا من جهتهم إلى ملك الروم كيقباذ، يطلبون منه ~~مثل ذلك. فوصلوا إليه ومات كيقباذ، قبل اجتماعهم به فذكروا رسالتهم لابنه ~~كيخسرو، فحلف لهم على ذلك. # واتفقوا كلهم على أن أرسلوا رسلا من جهتهم، إلى الملك الكامل، إلى مصر، ~~ومعهم رسول من حلب، وقالوا له: إننا قد اتفقنا كلنا، ونطلب منك أنك لا تعود ~~تخرج من مصر، ولا تنزل إلى الشام. PageV01P488 # فقال لهم: مبارك، أنتم قد اتفقتم، فما تطلبون من يميني، احلفوا أنتم أيضا ~~لي: أن لا تقصدوا بلادي، ولا تتعرضوا لشيء مما في يدي وأنا أوافقكم على ما ~~تطلبون. # ونزل رسوله، ومرض الملك الأشرف، واشتغل بمرضه، وطال إلى أن مات على ما ~~نذكره. # ومما تجدد في حلب، في سنة أربع وثلاثين وستمائة: أن شهاب الدين صاحب ~~شيزر، وكمال الدين عمر بن العجمي، اتفقا، على أن سيرا من جهتهما رجلا، يقال ~~له العز بن الأطفاني إلى دمشق إلى الملك الأشرف، وحدثاه في أن يقصد حلب، ~~وأنهما يساعدانة بأموالهما. # وأوهمه صاحب شيزر أن معظم الأمراء بحلب، يوافقونه على ذلك، وأوهمه ابن ~~العجمي أن أقاربه، وجماعة كبيرة من الحلبيين، يتابعونه، ويشايعونه، ~~ويوافقونه، على ذلك، واشترط على الملك الأشرف، أن يوليه قضاء حلب. # فمضى رسولهما إلى الملك الأشرف، واجتمع ببعض خواصه، وذكر له الأمر الذي ~~جاء فيه، فلم يحضره إليه، وأجابهما بأنه: لا تتصور أن يبدر مني غدر، ولا ~~قبيح في حق أحد من ذرية الملك الظاهر. # وأخبرني فلك الدين بن المسيري أنه هو الذي كان المتكلم بين الملك ms348 الأشرف، ~~وبين رسولهما. # ونمي هذا الخبر إلى الملكة، والأمراء، فسيروا من يوقف الرسول واتفق وصوله ~~إلى حلب فقبض في باب العراق وأصعد إلى القلعة، وسئل عن ذلك، فأخبرهم ~~بالحديث على فضه، فحبس الرسول، وحلقت لحيته، وسير إلى دربساك وحبس بها. # وأصعد ابن العجمي، وصاحب شيزر، واعتقلا بالقلعة، وأخذت أموال صاحب شيزر ~~جميعها، ولم يتعرض لأموال ابن العجمي، تطييبا لقلوب أهله. وداما في ~~الاعتقال، من جمادى، من سنة أربع وثلاثين إلى أن مات الملك الكامل، في سنة ~~خمس وثلاثين وستمائة، وأطلقا. PageV01P489 # ومما حدث أيضا، في سنة أربع وثلاثين، أن أميرا من التركمان، يقال له ~~قنغر، جمع إليه جمعا من التركمان، بعد موت الملك العزيز وعاث في أطراف بلاد ~~حلب، من ناحية قورس، وغيرها. ونهب ضياعا متعددة، وكان يغير ويدخل إلى بلد ~~الروم، فخرج إليه عسكر من حلب، فكسر ذلك العسكر، ونهبه. وتخوف أمراء حلب، ~~أن يكون ذلك بأمر ملك الروم، فسيروا رسولا إلى ملك الروم، في معناه، فأنكر ~~ذلك، وأمر برد ما أخذه، من بلد حلب، فرد بعضه، وانكف عن العيث والفساد. # وبذل ملك الروم من نفسه الموافقة، والنصرة للملك الناصر، وكف من يقصد ~~بلاده بأذى، فسير له تقدمة سنية، من حلب، على يد شرف الدين ابن أمير ~~جاندار، فأكرم الرسول إكراما كثيرا. # وسير إليه رسول في الباطن، وهو أوحد الدين قاضي خلاط فاستحلفه على ~~الموالاة للملك الناصر، والذب عن بلاده، ودفع من يقصدها. ### || تحرك الفرنج # واتفق أيضا، في هذه السنة، تحرك الداوية، من بغراس، وأغاروا في بلد العمق ~~واستاقوا أغناما للتركمان، ومواشي لغيرهم كثيرة. # فخرج الملك المعظم ابن الملك الناصر يقدم عسكر حلب، ونزلوا على بغراس، ~~وحصروها مدة، حتى ثغروا مواضع من سورها، ونفد ما فيها من الذخائر، وأشرفت ~~على الأخذ، فسير البرنس صاحب أنطاكية وشفع فيهم، بعد أن كان مغاضبا لهم. # فرأوا المصلحة، في إجابته إلى ذلك، وعقدوا الهدنة مع الداوية، على بغراس، ~~ورحلوا عنها، ولو أقاموا عليها يومين آخرين، استطاع من فيها الصبر على ~~المدافعة. PageV01P490 # وسار العسكر عن ms349 بغراس، بعد أن أخربوها، وبلدها، خرابا شنيعا. ونزل العسكر ~~الإسلامي بالقرب من دربساك،، فجمع الداوية جموعهم، واستنجدوا بصاحب جبيل ~~وغيره، من الفرنج، وجمعوا راجلا كثيرا، وساروا من جهة حجر شغلان إلى ~~دربساك، ظنا منهم أن يكبسوا الربض، على غرة من أهله، وأن ينالوا منه غرضا، ~~فاستعد لهم من بالربض من الأجناد. # ونزل جماعة من أجناد القلعة، وقاتلوهم في الربض، قتالا شديدا، وحموه ~~منهم، واشتغلوا بقتالهم، إلى أن وصل الخبر إلى عسكر حلب، فركبوا، ووصلوا ~~إليهم، وقد تعب الفرنج، وكلت خيولهم، فوقعوا عليهم، فانهزم الفرنج هزيمة ~~شنيعة، وقتل منهم خلق عظيم. # واستولى المسلمون على فارسهم وراجلهم، وكان فيهم جماعة من المقدمين ~~واختبأ منهم جماعة من الخيالة، وغيرهم، خلف الأشجار في الجبل، فأخذوا، ولم ~~ينج منهم إلا القليل، ودخلوا بالرؤوس والأسرى إلى حلب، وكان يوما مشهودا ~~وحبسوا في القلعة، ثم أنزلوا إلى الخندق. # وفتت هذه الوقعة في أعضاد الداوية، بالساحل، ولم ينتعشوا بعدها، وكانوا ~~قد استطالوا على المسلمين والفرنج. ### || وفاة كيقباذ والأشرف # ومات في هذه السنة علاء الدين كيقباذ ملك الروم بقيصرية، في أوائل شوال، ~~من سنة أربع وثلاثين وستمائة. # وسيرت رسولا إلى ابنه غياث الدين كيخسرو، القائم في الملك بعده، ~~بالتعزية، وتجدد الأيمان عليه، على القاعدة التي كانت مع أبيه، فحلفته على ~~ذلك، في ذي القعدة. # وكان قد قبض هلى قيرخان مقدم الخوارزمية فهرب من بقي منهم، من بلاد ~~الروم، ونهبوا في طريقهم ما قدروا عليه، وعبروا الفرات، واستمالهم الملك ~~الصالح ابن الملك الكامل، وأقطعهم مواضع في الجزيرة. PageV01P491 # وتوفي الملك الأشرف بدمشق، لأربع خلون من المحرم، من سنة خمس وثلاثين ~~وستمائة. وأوصى بها لأخيه الملك الصالح إسماعيل، وجدد الأيمان مع الجماعة، ~~الذين كانوا وافقوا أخاه الملك الأشرف. ### || الملك الكامل في دمشق ووفاته فيها # فخرج الملك الكامل من مصر، وقصد دمشق، وسير من حلب نجدة إلى دمشق وكذلك ~~سير الملك المجاهد ولده المنصور إليها، ونزل الملك الكامل على دمشق، وحصرها ~~مدة فرجع الملك المظفر صاحب حماة عن موافقة الجماعة وداخل الملك الكامل، ms350 ~~وأطلعه على جميع الأحوال، ووقع بينه وبين صاحب حمص اختلاف. وطلب من صاحب ~~حمص سلمية، لتجري الموافقه على ما كان عليه. # فسيرت من حلب، ومعي الأمير علاء الدين طبيغا الظاهري، ليوفق بين صاحب حمص ~~وصاحب حماة، فأبى كل واحد منهما، أن يجيب صاحبه إلى ما يريد. وكان مطلوب ~~صاحب حماة أن يعطيه صاحب حمص سلمية والقلعة التي جددها الملك المجاهد ~~المعروفة بشميميش. فقال الملك المجاهد: هذه ثمينة لي، وقد حلف لي على كل ما ~~بيدي،، وأبى أن يجيبه إلى ذلك. # فعدنا إلى حماة، وذكرنا لصاحبها مقالة الملك المجاهد، وأن في ما يحاوله ~~نقضا للعهد، فقال: هو قد نقض عهدي، وأنفذ ليفسد جماعة من عسكري، وعدد له ~~ذنوبا لا أصل لها، وقال: لا بد من قصده، وإذا نزل الملك الكامل على حمص، ~~نزلت معه عليها وفعلت ما يصل إليه جهدي. ولكن حلب، أبذل نفسي ومالي دون ~~الوصول إلى قرية منها، ولا أرجع عن اليمين التي حلفت بها للستر العالي، ~~والملك الناصر. PageV01P492 # فقلت: فالمولى يعلم ما جرى بيننا وبين صاحب حمص، من الأيمان، وما نقض ~~منها عهدا، وإذا قصده قاصد إلى حمص يتعين إنجاده ونصرته. وإذا وصل عسكر من ~~حلب لنجدته، فكيف يفعل المولى؟ فتلجلج، وقال: أنا قاتله، ومن قاتلني ~~قاتلته. # فكتبنا بذلك إلى حلب، فجاء الأمر بالتوجه إلى حلب، فسرنا في الحال من غير ~~توديع، حتى وصلنا العبادي ليلة الاثنين، مستهل جمادى الأولى، من سنه خمس ~~وثلاثين وستمائة، فلحقنا المهماندار بالخلع والتسفير، فلم نقبل منه شيئا. ~~ووصلنا إلى حلب يوم الثلاثاء، فتحقق أنه قد داخل الملك الكامل، وأنه يطالعه ~~بالمتجددات جميعها. # وأما دمشق، فإن الملك الكامل، لازم حصارها، حتى صالحه الملك الصالح، على ~~أن أبقى له بعلبك، وبصرى، وأخذ منه دمشق، في تاسع عشر جمادى الأولى، من ~~السنة، ولم يتعرض لنجدة حلب، وحمص، بسوء. وخرجوا من دمشق إلى مستقرهم. # ووصل الناصح، وعسكر حلب، إلى حلب، واستدعى الملك المعظم وأقارب السلطان ~~والأمراء، وحلفوا للسلطان الملك الناصر وللخاتون المملكة على طبقاتهم. ثم ~~حلف ms351 بعد ذلك أكابر البلد، ورؤساوها. ثم حلف الأجناد والعامة. # واستعد الناس للحصار بالذخائر، والأقوات، والحطب، وما يجري مجراه ونقلت ~~أحجار المناجيق إلى أبواب البلد، واستخدم جماعة من الخوارزمية وغيرهم. # ووصل قنغر التركماني، فاستخدم بحلب، وقدم على التركمان. وقفز جماعة من ~~العسكر الكاملي إلى حلب، فاستخدموا. # وتتابعت الرسل إلى ملك الروم لطلب نجدة، تصل إلى حلب، من PageV01P493 # جهته، فسير نجدة من أجود عساكره، وعرض عليهم أن يسير غيرها، فاكتفوا بمن ~~سيره. # وسير ملك الروم رسولا إلى الملك الكامل، يخاطبه في الامتناع عن قصد حلب، ~~فأمر بالتبريز من دمشق، لقصد حلب، وأخرج الخيم والأعلام، فمرض، ومات بدمشق، ~~في قلعتها، في حادي وعشرين، شهر رجب، من سنة خمس وثلاثين وستمائة. # ووصل خبر موته، فعمل له العزاء بحلب، وحضره، السلطان الملك الناصر، ~~يومين، وأمر العسكر، في الحال، بالخروج إلى معرة النعمان فخرج، ونازل معرة ~~النعمان، مع الملك المعظم، ووصل رسول الملك المظفر صاحب حماة يتلطف الحال، ~~فلم يلتفت إليه، ولم يستحضر. وسيرت المجانيق، ونصبت على قلعة المعرة. ### || زواج الملك الناصر وفتح معرة النعمان # ووصل في أثناء ذلك، رسول من السلطان غياث الدين كيخسرو، يطلب الوصلة إلى ~~الخاتون الملكة، بأن تزوجه بنت السلطان الملك العزيز، أخت السلطان الملك ~~الناصر، وأن يزوج السلطان الملك الناصر، أخت السلطان غياث الدين. # واستقر الأمر على ذلك، واجتمع الناس في دار السلطان، بالقلعة، وعقد عقد ~~السلطان غياث الدين على الست غازية خاتون. وتوليت عقد النكاح على مذهب ~~الإمام أبى حنيفة رضي الله عنه لصغر الزوجة، على خمسين ألف دينار. وقبل ~~النكاح، عن السلطان غياث الدين الرسول الواصل من جهته، عز الدين قاضي ~~دوقات، حينئذ ونثر الذهب، عند الفراغ من العقد. # ووصل، عند ذلك، الخبر بفتح معرة النعمان، في تلك الساعة، على جناح طائر ~~وضربت البشائر للأمرين، وذلك في سنة خمس وثلاثين وستمائة. PageV01P494 # وسار العسكر فنازل حماة، وابتنى صاحبها سورا من اللبن، على حاضرها، من ~~جهة القبلة، ونهب عسكر حلب بلد حماة ورستاقها. # ووصل رسول من الملك الصالح ابن الملك الكامل، ms352 يشفع في صاحب حماة، فلم يجب ~~إلى سؤاله فيه، واعتذر إليه بما بدا منه، وطلب الرسول، عن صاحبه، الموافقة ~~والمعاضدة، وأن يسفروا في الصلح، بينه وبين ملك الروم، فأجيب جوابا، لم ~~يحصل منه على طائل. # ووردت الرسل من مصر، من الملك العادل، والملك الكامل، يطلبون منه ~~الموافقة، بينه وبين صاحب حلب، وأن يجروا منه، على عادة أبيه، في الصلح، ~~وقامة الدعوة له بحلب، فلم يجب إلى شيء عن ذلك، ورجعت الرسل بغير طائل. وفي ~~هذه السنة، قبض على قنغر التركماني، وحبس بقلعة حلب، ونهبت خيمه ودوابه. ### || ابن العديم رسول السلطان # وسيرت من حلب، في الرابع من شوال، سنة خمس وثلاثين وستمائة، إلى بلاد ~~الروم، لعقد الوصلة بين السلطان الملك الناصر، والسلطان غياث الدين كيخسرو، ~~على أخت السلطان كيخسرو، وهي ابنة خالة الملك العزيز، والد الملك الناصر. # وسمع السلطان كيخسرو بوصولي، وكان في عزم كيخسرو التوجه إلى ناحية قونية، ~~فتعوق بسببي، وسير بولقا إلى أقجا دربند، قبل وصولي ابلستان يستحثني على ~~الوصول، ويعرفني تعويقه بسببي، ثم سير بولقا آخر، فوصل إلى تحت سمندو ~~يستحثني على الوصول. PageV01P495 # فأسرعت السير، حتى وصلت إلى قيصرية، والسلطان في الكيقباذية، فاستدعاني ~~إليه، ولم أنزل بقيصرية، واجتمعت به، عند وصولي، يوم الثلاثاء، سادس عشر ~~شوال، من سنة خمس وثلاثين وستمائة. # ووقعت الإجابة إلى عقد العقد. ووكل السلطان كمال الدين كاميار، على عقد ~~العقد معي، على أخته ملكة خاتون بنت كيقباذ. ودخلنا في تلك الساعة إلى ~~قيصرية، وأحضر قاضي البلدة، والشهود، وعقدت العقد مع كاميار، على خمسين ألف ~~دينار سلطانية، مثل صداق كيخسرو، الذي كتب عليه لأخت السلطان الملك الناصر. # وأظهر في ذلك اليوم من التجمل، وآلات الذهب، والفضة، ما لا يمكن وصفه. ~~ونثرت الدنانير الواصلة، صحبتي، وكانت ألف دينار. # ونثر في دار السلطان من الذهب، والدراهم، والثياب، والسكر، شيء كثير. ~~وضربت البشائر في دار السلطان، وأظهر من السرور والفرح، ما لا يوصف. وسيرت، ~~في الحال، بعض أصحابي إلى حلب، مبشرا بذلك كله، فضربت البشائر بحلب، وأفيضت ~~الخلع ms353 على المبشر. # وعدت إلى حلب، فدخلتها يوم الخميس، تاسع ذي القعدة، والتقاني السلطان ~~الملك الناصر أعز الله نصره يوم وصولي. # هذا كله، والعسكر الحلبي محاصر حماة. وكان قبل هذا العقد، سير السلطان ~~كيخسرو الأمير قمر الدين الخادم ويعرف بملك الأرمن رسولا إلى حلب، وعلى يده ~~توقيع من السلطان الملك الناصر، بالرها، وسروج. واتفق الأمر، معه، على أن ~~خطب له الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل وأقطعه حران، وأقطع ~~الملك المنصور صاحب ماردين سنجار، ونصيبين، والملك المجاهد صاحب حمص عانة، ~~وغربا من بلد الخابور. # وكانت هذه البلاد في يد الملك الصالح ابن الملك الكامل. واتفق الأمر، على ~~أن يأخذ السلطان كيخسرو آمد، وسميساط، وأعمالها. ### || قوة الخوارزمية # وكان الخوارزمية، قد خرجوا على الملك الصالح، واستولوا على البلاد PageV01P496 # وهرب الملك الصالح منهم. فأنعم على الرسول الواصل إلى حلب، وأعطي عطاء ~~وافرا، وقبل التوقيع منه. # ولم تر الملكة الخاتون مضايقة ابن أخيها في البلاد، ولم تتعرض لشيء منها. ~~وبلغه ذلك فسير إليها، وعرض عليها تلك البلاد، وغيرها، وقال: البلاد كلها ~~بحكمك، وإن شئت إرسال نائب يتسلم هذه البلاد، وغيرها، فأرسليه لأسلم إليه ~~ما تأمرين بتسليمه. فشكرته، وطيبت قلبه. # واتفق بعد ذلك مع الخوارزمية وأقطعهم: حران، والرها، وغيرهما، بعد أن ~~كانوا اتفقوا مع الملك المنصور صاحب ماردين وقصدوا بلاد الملك الصالح أيوب، ~~وأغاروا عليها، ونزلوا على حران، وأجفل أهلها. # وخاف الملك الصالح، فاختفى، ثم ظهر بسنجار، وحصره بدر الدين لؤلؤ صاحب ~~الموصل وكان قد ترك ولده الملك المغيث، بقلعة حران، فخاف من الخوارزمية، ~~وسار مختفيا نحو قلعة جعبر، فطلبوه، ونهبوه ومن معه، وأفلت في شرذمة من ~~أصحابه. # ووصل إلى منبج مستجيرا بعمته. فسير إليه من حلب، ورد عن الوصول إليها ~~بوجه لطيف، وقيل له: نخاف أن يطلبك منا سلطان الروم، ولا يمكننا منعك فعاد ~~إلى حران، ووصله كتاب أبيه يأمره بموافقة الخوارزمية والوصول إليه بهم لدفع ~~لؤلؤ، ففعل ذلك، وسار بالخوارزمية، طالبين عسكر الموصل، PageV01P497 # فانهزموا وأفرجوا عن سنجار، وأدركهم الخوارزمية فقتلوا منهم ونهبوا ms354 ~~أثقالهم، وقوي الملك الصالح بهم. # ووصل عسكر الروم إلى آمد، ونازلها، وأخذ بعض قلاعها، وتوجه عسكر ~~الخوارزمية إلى جهتهم، فرحلوا عن آمد. ولم ينالوا منها زبدة. ### || الدعوة للسلطان كيخسرو # ووصل رسول السلطان كيخسرو، عز الدين، قاضي دوقات، إلى حلب في هذه السنة، ~~وتحدث في إقامة الدعوة للسلطان كيخسرو، وضرب السكة باسمه. وكان الأمراء ~~والعسكر محاصرين حماة، فتوقفت الملكة في ذلك، وأشير عليها بموافقته على ما ~~طلب، فأجابت وخطب له في يوم الجمعة من سنة خمس وثلاثين وستمائة، على منبر ~~حلب. # وحضر في ذلك اليوم، الأمير جمال الدولة إقبال، وصعد الرسول إلى المنبر، ~~ونثر الدنانير عند إقامة الدعوة. ونثر جمال الدولة دنانير ودراهم، وخلع على ~~الدعاء، وأظهر من السرور، والاحتفال في ذلك اليوم، شيء عظيم، في مقابلة ما ~~أظهر بقيصرية من الاحتفال يوم عقد الملك الناصر. # وطال الحصار على حماة، ولم تكن الملكة الخاتون، توثر أخذها من ابن أختها، ~~وإنما أرادت التضييق عليه، لينزل عن طلب معرة النعمان. وضجر العسكر، ~~فاستدعي إلى حلب المحروسة، فوصل إليها في سنة ست وثلاثين وستمائة. ### || دمشق بين الملوك الجواد والصالح والصالح إسماعيل # وكان الملك الجواد يونس بن مودود ابن الملك العادل، بعد موت الملك ~~الكامل، قد استولى على دمشق، وعلى الخزائن، التي كانت في صحبة الملك PageV01P498 # الكامل، وأظهر الطاعة للملك العادل وأرسل إلى حلب، رسولا يطلب منهم ~~معاضدته، وانتماءه، فلم يصغوا إلى قوله، وامتنعوا أن يدخلوا بينه وبين ~~الملك العادل. وخاف من الملك العادل، فراسل الملك الصالح أيوب ابن الملك ~~الكامل، واتفقا على أن يسلم إلى الملك الصالح دمشق، ويعوضه عنها بالرقة ~~سنجار وعانة، فسار الملك الصالح، من الشرق، والخوارزمية في صحبته في جمادى ~~الأولى. # وتقدم الملك الصالح إلى دمشق، وتسلمها من الملك الجواد، في جمادى الآخرة ~~من سنة ست وثلاثين. # وأرسل إلى عمته إلى حلب، يعرفها بذلك، ويبذل من نفسه الموافقة على ما ~~تريده، ويطلب المساعدة له، والمعاضدة على أخذ مصر، فأجابته بأنها: لا تدخل ~~بينه وبين أخيه، وأنكما ولد أخي، ولم تجبه إلى ms355 ما اقترح. # وسار الملك الجواد إلى الرقة، فأخرجه الخوارزمية منها، وسار إلى سنجار، ~~فأقام بها مئة، وخرج إلى عانة، فسار بدر الدين لؤلؤ إلى سنجار بعملية كانت ~~له فيها، فاستولى عليها، في شهر ربيع الأول، من سنة سبع وثلاثين. وأما ~~الملك الصالح، فإنه صعد إلى نابلس، وأقام بها، وكاتب الأمر المصريين، وعثر ~~الملك العادل على قضيتهم، فقبض الذين كاتبوه، ولم يتفق للملك الصالح ما ~~أراد. # وساق عمه الملك الصالح إسماعيل، من بعلبك والملك المجاهد صاحب حمص منها، ~~ودخلا دمشق، وملكها الملك الصالح، وحصر القلعة يوما أو يومين، وفتحها، وذلك ~~في شهر ربيع الأول، من سنة سبع وثلاثين وستمائة وقبض على الملك المغيث ابن ~~الملك الصالح، وسجنه بقلعة دمشق. PageV01P499 # سمع الملك الصالح بن الكامل بذلك، فتوجه نحو دمشق، حتى وصل إلى العقبة، ~~فلم يجد معه من عسكره من ينصحه، فعاد إلى نابلس، فسير الملك الناصر صاحب ~~الكرك وقبض عليه، وحمله مقيدا إلى الكرك وسجنه بها. وتجددت الوحشة بين ~~الملك الناصر، وبين الملك الصالح، عمه، بسبب استيلائه على دمشق. واتفق ~~الملك العادل وعمه الملك الصالح. # فاستوحش الملك الناصر من الملك العادل لذلك، حتى آل الأمر به إلى أن أخرج ~~الملك الصالح بن الكامل من سجن الكرك، وخرج معه، وكاتب الأمراء بمصر، ~~فقبضوا على الملك العادل ببلبيس، في ليلة الجمعة، الثامنة من ذي القعدة، من ~~سنة سبع وثلاثين وستمائة. # ووصل الملك الصالح أيوب، فدخل القاهرة، بكرة الأحد الرابع والعشرين من ~~الشهر المذكور. # وكنت إذ ذاك بالقاهرة، رسولا إلى الملك العادل، أهنئه بكسر عسكره الإفرنج ~~على غزة، وأطلب أن يسير عماته بنات الملك العادل، معي إلى أختهن الملكة إلى ~~حلب، فاستحضرني الملك الصالح أيوب، يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة، وقال ~~لي: تقبل الأرض بين يدي الستر العالي، وتعرفها أنني مملوكها، وإنها عندي في ~~محل الملك الكامل، وأنا أعرض نفسي لخدمتها، وامتثال أمرها فيما تأمر به، ~~وحملني مثل هذا القول إلى السلطان الملك الناصر. # ونزلت في مصر، فاجتمعت بالملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل، ms356 في رابع ~~محرم سنة ثمان وثلاثين، وحملني رسالة إلى الملكة الخاتون، يطلب منها ~~معاضدته، ومساعدته على الملك الصالح صاحب مصر إن قصده، فلم تجبه إلى ذلك في ~~ذلك الوقت. ### || تحرك الخوارزمية # وكان الخوارزمية، في سنة سبع وثلاثين، قد وضعوا أيديهم على أوشين، من بلد ~~البيرة وطمعوا في أطراف باب البيرة، واستولوا على قلعة حران، PageV01P500 # حين كان الملك الصالح محبوسا بالكرك، وامتدت أطماعهم إلى البلاد المجاورة ~~لهم، وكثر تثقيلهم على الملك الحافظ أرسلان ابن الملك العادل، بناحية قلعة ~~جعبر، وهو يداريهم، ويبذل لهم الأموال، وأطماعهم تشتد. # واتفق أنه فلج، وخاف من ولده، فأرسل إلى أخته الملكة بحلب يطلب منها أن ~~تقايضه بقلعة جعبر وبالس، إلى شيء تعمل له، بمقدار قلعة جعبر، وبالس. فاتفق ~~الأمر على أن تعوضه بعزاز، ومواضع تعمل بمقدار ذلك. وسير من حلب من تسلم ~~قلعة جعبر، في صفر من سنة ثمان وثلاثين وستمائة. ووصل الملك الحافظ إلى ~~حلب، في هذا الشهر، وصعد في المحفة ألى القلعة، واجتمع بأخته الملكة، وأنزل ~~في الدار المعروفة بصاحب عين تاب تحت القلعة وسلمت إلى نوابه قلعة عزاز. # فخرج الخوارزمية، عند ذلك، وأغاروا على بلد قلعة جعبر، ووصلوا بالس، ~~فأغاروا عليها، ونهبوها، ولم يسلم منها إلا من كان خرج عنها إلى حلب وإلى ~~منبج. # وفي هذا الشهر، توفي القاضي. جمال الدين أبو عبد الله، محمد بن عبد ~~الرحمن بن علوان قاضي حلب وولي قضاءها بعده نائبه ابن أخيه كمال إلا أبو ~~العباس، أحمد ابن القاضي زين الدين أبي محمد. # وخرج عسكر حلب إلى جهة الخوارزمية، ومقدمهم الملك المعظم تورانشاه، ابن ~~الملك الناصر، فنزلوا بالنقرة، ورحلوا منها إلى منبج، وأقاموا بها مدة. ~~وتجمع الخوارزمية في حران، والحلبيون غير محتفلين بأمرهم وعسكر حلب بعضه في ~~نجدة ملك الروم في مقابلة التتار، وبعضهم في قلعة PageV01P501 # جعبر، وبعضهم مفرقون في القلاع، مثل شيزر، وحارم، وغيرهما. # وسار الخوارزمية، بجملتهم، في جمع عظيم، ومعهم الملك الجواد بن مودود ابن ~~الملك الحافظ، والملك الصالح ابن الملك المجاهد صاحب حمص، وكان ms357 جمعهم يريد ~~على اثني عشر ألفا، وانضم إليهم الأمير علي بن حديثة في جموعه من العرب، ~~وكان استوحش من أهل حلب، لتقريبهم الأحلاف. # وعبروا بجملتهم من جسر الرقة، وساروا، حتى وصلوا نهر بوجيار، وسمع بهم من ~~بمنبج، من عسكر حلب، فرحلوا من منبج، ونزلوا في وادي بزاعا، وأصبح كل واحد ~~من الفريقين، يطلب صاحبه، وعسكر حلب لا يزيدون عن ألف وخمسمائة فارس. # وتعبأ كل فريق لقتال صاحبه. وأقبل الخوارزمية ومقدمهم بركة خان، ومعه ~~صاروخان، وبردي خان، وكشلوخان. وغيرهم، من أمرائهم، والملك الجواد، وابن ~~الملك الحافظ، وابن صاحب حمص، وعسكر ماردين، نجدة معهم وعبروا نهر الذهب. # والتقى الفريقان، على البيرة قرية بالوادي في يوم الخميس رابع عشر، من ~~شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان وثلاثين وستمائة، فصدمهم عكسر حلب على قلته، ~~صدمة، تزحزحوا لها، وتكاثر الخوارزمية عليهم. # وجاء علي بن حديثة لما، وخرج من بين البساتين، وجاء من وراء عسكر حلب، ~~ووقع في الغلمان، والركابدارية، وأحاطوا بهم، من جميع الجهات، وانهزموا وهم ~~مطبقون عليهم، وجعلوا طريقهم على رصيف الملكة، الذي يأخذ من بزاعا إلى حلب، ~~حتى خرجوا فيما بين ربانا، وتلفيتا. PageV01P502 # والخوارزمية في آثارهم يقتلون، ويأسرون، ونزلوا من جهة الإعرابية، ~~وفرفارين، وهم في آثارهم، فقبضوا على الملك المعظم، بعد أن ثبت في المعركة، ~~وجرح جراحات مثخنة، وعلى أخيه نصرة الدين، وقبضوا على عاقة الأمراء، ولم ~~يسلم من العسكر إلا القليل. # وقتل في المعركة الملك الصالح، ابن الملك الأفضل، وابن الملك الزاهر، ~~وجماعة كثيرة. واستولوا على ثقل العسكر، ونهب الأحلاف من العرب أكثر ثقل ~~العسكر، وكانوا أشد ضررا على العسكر، في انتهاب أموالهم من أعدائهم. # ونزل الخوارزمية حول حيلان، وامتدوا على النهر، إلى فافين، وقطعوا على ~~جماعة من العكسر أموالا أخذوها منهم، وابتاعوا بها أنفسهم، وشربو تلك ~~الليلة، وقتلوا جماعة من الأسرى صبرا، فخاف الباقون، وقطعوا أموالا على ~~أنفسهم، وزنوها فمنهم من خلص، ومنهم من أخذوا منه المال، وغدروا به، ولم ~~يطلقوه. # واحتيط بلد حلب، وتقدم إلى مقدمي البلدة بحفظ الأسوار، والأبواب ms358 وجفل أهل ~~الحاضر، ومن كان خارج المدينة إلى المدينة، بما قدروا على نقله من أمتعتهم. # وبقي في البلد الأميران: شمس الدين لؤلؤ، وعز الدين بن مجلى، في جماعة، ~~لا تبلغ مائتي فارس يركبون، ويخرجون إلى ظاهر المدينة، يتعرفون أخبارهم، ~~وبثوا سراياهم، في أعمال حلب يشنون الغارة فيها، فبلغت خيلهم إلى بلد عزاز، ~~وتل باشر، وبرج الرصاص، وجبل سمعان، وبلد الحوار طرف العمق. # وجاؤوا أهل هذه النواحي على غفلة، فلم يستطيعوا أن يهربوا بين أيديهم، ~~ومن أجفل منهم لحقوه، فأخذوا من المواشي والأمتعة، والحرم، والصبيان، ما لا PageV01P503 # يحد ولا يوصف وارتكبوا من الفاحشة مع حرم المسلمين، ما لم يفعله أحد من ~~الكفار، إلا ما سمع عن القرامطة. # ثم رحلوا إلى بزاعا، والباب،، فعقبوا أهل الموضعين، واستقروهم على ~~أموالهم التي أخذوها، واستصفوها منهم. وقتلوا منهم جماعة ونهبوا ما كان ~~فيها من المتاع والمواشي، وكان بعضهم، قد هرب إلى حلب، وقت الوقعة، بما خف ~~معه من الحرم، والمتاع، فسلم. # ثم رحلوا إلى منبج، وقد استعصم أهلها بالسور، ودربوا المواضع التي لا سور ~~لها، فهجموها بالسيف، في يوم الخميس الحادي والعشرين، من شهر ربيع الآخر، ~~من سنة ثمان وثلاثين. # وقتلوا من أهلها خلقا كثيرا، وخربوا دورها، ونبشوها، فعثروا فيها على ~~أموال عظيمة، وسبوا أولادهم ونساءهم، وجاهروا الله تعالى بالمعاصي في ~~حرمهم. والتجأ لمة من النساء إلى المسجد الجامع، فدخلوا عليهن، وفحشوا ~~ببعضهن في المسجد الجامع، وكان الواحد منهم يأخذ المرأة، وعلى صدرها ولدها ~~الرضيع، فيأخذه منها، ويضرب به الأرض، ويأخذها، ويمضي. ### || النجدات ضد الخوارزمية # ووصل الخبر بكسرة عسكر حلب إلى حمص إلى الملك المنصور إبراهيم ابن الملك ~~المجاهد، وقد عزم على الدخول إلى بلد الفرنج للغارة، وعنده من عسكره وعسكر ~~دمشق مقدار ألف فارس، فساق بمن معه من العسكر ووصل إلى حلب في يوم السبت ~~الثالث والعشرين، من شهر ربيع الآخر. # وخرج السلطان وأهل البلد، والتقوه إلى السعدي، ونزل الهزازة، ثم أخليت له ~~في ذلك اليوم دار علم الدين قيصر الظاهري. بمصلى العبد العتيق ms359 خارج باب ~~الرابية فأقام بها، واستقر الأمر معه على أن يستخدم PageV01P504 # العساكر وتجمع، ووقع التوثق منه، وله، بالأيمان والعهود. # وسيرت رسولا إلى الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل لتحليفه فسرت، ~~ووصلت إلى دمشق، وحلفته في جمادى الآخرة من السنة، وطلبت منه نجدة من ~~عسكره، زيادة على من كان منهم بحلب، فسير نجدة أخرى، وأطلق الأسرى الداوية، ~~الذين كانوا بحلب استكفاء لشرهم. # وحين سمع الخوارزمية تجمع العساكر بحلب، عادوا من أقطاعاتهم وتجمعوا ~~بحران، وعزموا على العبور إلى جهة حلب، ومعاجلتهم قبل أن يكثر جمعهم، وظنوا ~~أنهم يبادرون إلى صلحهم. # وكان علي بن حديثة، قد انفصل عن الخوارزمية وظاهر بن غنام، قد خدم بحلب، ~~وأمر على سائر العرب، وزوجته الملكة الخاتون بعض جواريها، وأقطعته أقطاعا ~~ترضيه. # فسار الخوارزمية، من حران، في يوم الاثنين سادس عشر شهر رجب، من سنة ثمان ~~وثلاثين وستمائة، وتتابعوا في الرحيل، ووصلوا إلى الرقة، وعبروا الفرات، ~~وبلغ خبرهم إلى حلب، فبرز الملك المنصور خيمته، وضربها شرقي حلب، على أرض ~~النيرب وجبرين، وخرجت العساكر، بخيمها حوله. ووصل الخوارزمية إلى الفايا ثم ~~إلى دير حافر ثم إلى الجبول وامتدوا في أرض النقرة. وأقام الملك المنصور، ~~والعسكر معه، في الخيم ويزك الخوارزمية في تل عرن ويزك الملك المنصور على ~~بوشلا والعربان يناوشون الخوارزمية. # وعاث الخوارزمية في البلد، وأحرقوا الأبواب التي في القرى، وأخذوا ما ~~قدروا عليه، وكان الفساد في هذه المرة، أقل من المرة الأولى. وكان البلد قد PageV01P505 # أجفل، فلم ينتبهوا إلا ما عجز أهله عن حمله، وتأخر لقاء العسكر ~~الخوارزمية، لأنهم لم يتكملوا العدة. # ورحل الخوارزمية، فنزلوا بقرب الصافية، ومضوا إلى سرمين، ونهبوها، ودخلوا ~~دار الدعوة، وكان قد اجتمع فيها أمتعة كثيرة للناس، ظنا منهم أنهم لا ~~يجسرون على قربانها، خوفا من الإسماعيلية، فدخلوها قهرا، ونهبوا جميع ما ~~كان فيها، ورحلوا إلى معرة النعمان، ونزل العسكر مع الملك المنصور على تل ~~السلطان ثم رحلوا إلى الحيار. # ورحل الخوارزمية إلى كفر طاب، وجفل البلد بين أيديهم، وأحرقوا كفر طاب، ~~وساروا إلى ms360 شيزر، وتحيز أهلها إلى المدينة التي تحت القلعة، فهجموا الربض، ~~واحتمت المدينة التي تحت القلعة يوما، ثم هجموها في اليوم الثاني، ونهبوا ~~ما أمكنهم نهبه. # وأرسل عليهم أهل القلعة بالجروخ، والحجارة، فقتلوا منهم جماعة وافرة، ~~وبلغهم استعداد عسكر حلب، للقائهم، وأنهم قد وقفوا بينهم وبين بلادهم، ~~للقائهم، فطلبوا ناحية حماة، وجاوزوها إلى جهة القبلة. # فسارت العساكر الحلبية، لقصدهم، فقصدوا ناحية سلمية، ثم توجهوا إلى ناحية ~~الرصافة، وبلغ خبرهم عسكر حلب، فركبوا، وطلبوا مقاطعتهم. # ووقع جمع من العرب بهم، بقرب الرصافة، وقد تعبت خيولهم، وضعفت لقوة ~~السير، وقلة الزاد والعلف، فألقوا أثقالهم كلها، والغنائم التي كانت معهم ~~من البلاد، وأرسلوا خلفا ممن كانوا أسروه من بلد حلب، وشيزر، وكفر طاب، ~~وساروا طالبي الرقة مجدين في السير، واشتغل العرب، ومن كان معهم من الجند، ~~بنهب ما ألقوه. # ووصل الخوارزمية، إلى الفرات، مقابل الرقة غربي البليل وشماليه بكرة ~~الاثنين خامس شعبان. PageV01P506 # وأما الملك المنصور وعسكر حلب، فإنهم وصلوا إلى صفين، وساقوا سوقا قويا، ~~ليسبقوا الخوارزمية إلى الماء، ويحولوا بينهم وبين العبور إلى الرقة. # فوصلوا بعد وصول الخوارزمية بساعة، فوجدوا الخوارزمية قد احتموا بستان ~~البليل، وأخذوا منها الأبواب، وجعلوها ستائر عليهم، وحفروا خندقا عليهم، ~~فقاتلوهم إلى بعد العشاء، وأخذوا من الأغنام، التي لهم، شيئا كثيرا، ولم ~~يكن عندهم علوفة لدوابهم، ولا زاد لأنفسهم، فعادوا في الليل إلى منرلتهم ~~بصفين. # ونام جماعة من الرجالة في البليل، فوقع عليهم الخوارزمية فقتلوهم. وعبر ~~الخوارزمية إلى الرقة، وقد هلكت دوابهم إلا القليل، وأكثرهم رجالة، وسروا ~~إلى حران، وأحضروا لهم دواب ركبوها، وتوجهوا إلى حران. # وأراد الملك المنصور العبور من جسر قلعة جعبر، فلم يمكنه لقلة العلوفة، ~~فسار بالعساكر إلى البيرة، وعبر من عبرها بالعسكر والجموع. وسار حتى نزل ما ~~بين سروج والرها. # ووصل الخوارزمية ليكبسوا اليزك، فعلموا بهم، وناموا في الليل، وركب ~~العسكر، فعادوا والعسكر في آثارهم، إلى سروج، ولم ينالوا زبدة، ووصلوا إلى ~~حران، وجمعوا جمعا كثيرا، حتى أخذوا عوام حران، وألزموهم بالخروج معهم، ~~ليكثروا بهم السواد. ms361 # ووصلوا إلى قرب الرها إلى جبل يقال له جلهمان واجتمعوا عليه ورتبوا ~~عسكرهم، وكثروا سوادهم بالجمال، وعملوا رايات من القصب، على الجمال، ليلقوا ~~الرعب في قلوب العسكر، بتكثير السواد. ### || خسارة الخوارزمية # وركب العسكر من منزلته، بعد أن وصل رسول، من عسكر الروم، يخبر بوصوله في ~~النجدة، بعد حط الخيم للرحيل، فلم يتوقفوا. وساروا إلى أن وصلوا PageV01P507 # إلى الخوارزمية، يوم الأربعاء الحادي والعشرين، من شهر رمضان، سنة ثمان ~~وثلاثين وستمائة. # والتقوا، وكسر الخوارزمية، واستبيح عسكرهم، وهربوا، والعساكر في آثارهم، ~~إلى أن حال الليل بينهم وبينهم، فعاد العسكر، ووصل الخوارزمية إلى حران، ~~وأخذوا نساءهم، وهربوا، ورتبوا في قلعة حران واليا من جهة بركة خان وساروا، ~~ووصل الملك المنصور والعساكر إليها، فوكل بالقلعة من يحصرها. # وساروا خلف الخوارزمية إلى الخابور، والخوارزمية منهزمون، وألقوا ~~أثقالهم، وبعض أولادهم، ونزلوا في طريقهم على الفرات، فجاءهم السيل في ~~الليل، فأغرق منهم جمعا كثيرا، ودخلوا إلى بلد عانة واحتموا فيه لأنه بلد ~~الخليفة. # وزينت مدينة حلب أياما لهذه البشرى. وضربت البشائر، ووصلت أعلامهم ~~وأسراؤهم، إلى حلب. واعتصمت القلعة بحران أياما، ثم سلمت إلى الحلبيين، ~~وأخرج من كان بها من الأمراء، من أمراء حلب وأقارب السلطان. # وبادر بدر الدين لؤلؤ إلى نصيبين، وإلى دارا فاستولى عليهما، واستخلص من ~~دارا عم السلطان الملك المعظم تورانشاه، واستدعاه إلى الموصل، وقدم له ~~مراكب، وثيابا، وتحفا، كثيرة، وسيره إلى العسكر. # واستولى العكسر الحلبي، على حران، وسروج، والرها، ورأس عين، وجملين ~~والموزر، والرقة، وأعمال ذلك، واستولى الملك المنصور على بلد الخابور ~~وقرقيسيا. # واستولى نواب صاحب الروم على السويداء، بعد استيلاء عسكر حلب عليها، ~~لكونها من أعمال آمد. ووصل نجدة ملك الروم، بعد الكسرة، فسيرت إليهم الخلع، ~~والنفقات. PageV01P508 # وساروا إلى آمد، والتقوا بعساكر الروم، وحاصروها إلى أن اتفقوا مع صاحبها ~~ولد الملك الصالح على أن أبقوا بيده حصن كيفا وأعماله، وسلم إليهم آمد. ~~وأقام الخوارزمية. ببلاد الخليفة، إلى أن دخلت سنة تسع وثلاثين وستمائة. # وخرجوا إلى ناحية الموصل، واتفقوا مع صاحبها، إلى أن أظهر إليهم ms362 ~~المسالمة، وسلم إليهم نصيبين. # واتفقوا مع الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل صاحب ~~ميافارقين وسير إلى حلب، وأعلمهم بذلك، وطلب موافقته، واليمين له، على أنه ~~إن قصده سلطان الروم، دافعوا عنه. # وكان قد استشعر من جهته، فلم يوافقه الحلبيون على ذلك. ووصل إليه ~~الخوارزمية، واتفقوا على قصد آمد، فبرزت العساكر من حلب، ومقدمها الملك ~~المعظم تورانشاه، وخرجت إلى حران، في صفر، من سنة تسع وثلاثين. # وساروا بأجمعهم إلى آمد، ودفعوا الخوارزمية عنها، ورحلوا عنها إلى ~~ميافارقين، فأغاروا على رستاقها، ونهبوا بلدها، واعتصم الخوارزمية بحاضرها، ~~خارج البلد. # ووصلت العساكر وأقامت قريبا من ميافارقين، وجرت لهم معهم وقعات، إلى أن ~~تهادنوا، على أن يقطع ملك الروم الخوارزمية، ما كان أقطاعا لهم في PageV01P509 # بلاده، وأنهم يكونون مقيمين في أطراف بلاده، وعلى أن الملكة الخاتون ~~بحلب، تعطي أخاها الملك المظفر، ما تختاره، من غير اشتراط عليها، وعلى أن ~~يكونوا وشهاب الدين غازي سلما، لمن هو داخل في هدنتهم وكان صاحب ماردين قد ~~حلف للملك الناصر. # ورجع العسكر الحلبي، فلم ينتظم من الأمر الذي قرروه شيء، ووصل رسل الملك ~~المظفر، ورسل الخوارزمية. وعادوا عن غير اتفاق. وأطلق أسرى الخوارزمية من ~~حلب. # وخرج الملك المظفر والخوارزمية، ووصلوا إلى بلد الموصل. وعاد صاحب ماردين ~~إلى موافقتهم، ونزلوا على الموصل، ونهبوا رستاقها، واستاقوا مواشيها، ثم ~~توجهوا إلى ناحية االخابور، واتفق الأمر على أن ورد الملك المنصور صاحب حمص ~~إلى حلب. وخرج السلطان الملك الناصر، وأكابر المدينة، والتقوه إلى الوضيحي. ~~ووصل إلى ظاهر حلب، ونزل بدار علم الدين قيصر، وجمع العساكر، وتوجه إلى ~~بلاد الجزيرة. # ووصل الملك المظفر والخوارزمية بعد أن عبر الملك المنصور الفرات إلى رأس ~~عين، واعتصم أهلها، مع العسكر الذي كان بها، وكان معهم جماعة، من الرماة، ~~والجرخية، من الفرنج، فأفنوا أهلها، ودخلوها، وأخذوا من كان بها من العسكر. # ورحل الملك المنصور والعسكر من الفرات إلى حران، فعاد الملك المظفر ~~والخوارزمية إلى ميافارقين، وأطلقوا من كان بها، في صحبتهم، من العسكر ~~الدين أخذوهم من ms363 رأس عين. PageV01P510 # ثم توجه الملك المنصور والعسكر إلى آمد، واجتمعوا بمن كان بها من عسكر ~~الروم، وأقاموا ينتظرون وصول عساكر الروم، مع الدهليز، لمنازلة ميافارقين. # وتوفي الملك الحافظ أرسلان شاه، ابن الملك العادل، بقلعة عزاز ونقل ~~تابوته إلى مدينة حلب. وخرج السلطان إلى الملك الناصر وأعيان البلدة، وصلوا ~~عليه، ودفن في الفردوس، في المكان الذي أنشأته أخته الملكة الخاتون. وتسلم ~~نواب الملك الناصر قلعة عزاز، من نوابه من غير ممانعة، وذلك كله، في ذي ~~الحجة، من سنة تسع وثلاثين وستمائة. ### || موقعة المجدل # واتفق أن خرج التتار إلى أرزن الروم، واشتغل الروم بهم، أغاروا إلى بلد ~~خرتبرت، وخاف الملك المنصور والعسكر، من إقامتهم في تلك البلاد، وأنهم لا ~~يأمنون من كبسة تأتي من جهة التتار فعادوا إلى رأس عين فخرج الملك المظفر ~~والخوارزمية، إلى دنيسر، فخرج الملك المنصور إلى الجرجب، وساروا إلى جهتهم. ~~فوصلهم الخبر أنهم قد نزلوا الخابور. فساروا إلى جهتهم، ونزلوا المجدل. PageV01P511 # وكان قد انضاف إلى الخوارزمية جمع عظيم، من التركمان، يقدمهم أمير يقال ~~له ابن دودي، حتى بلغ من أمره أنه قال للملك المظفر: أنا أكسرهم بالجوابنة ~~الذين معي. وكان عدتهم سبعين ألف جوبان غير الخيالة من التركمان. ورحل ~~الملك المظفر، حتى نزل قريبا من المجدل، فعلم به الملك المنصور، فأشار ~~الأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني بمبادرتهم، والرحيل إليهم في تلك الساعة، ~~فرحلوا ووافوهم، وقد نزلوا، في يوم الخميس، الثالث والعشرين، من صفر، من ~~سنة أربعين وستمائة. # فركبوا، والتقى الصفان، فما هو إلا أن التقوا، وولى الملك المظفر منهزما، ~~والخوارزمية، وحالت الخيم بينهم وبينهم، فسلموا، وقتل منهم جماعة، ووقع ~~العسكر في الخيم، والجركاهات، وبها الأقمشة والنساء، فنهبوا جميع ما في ~~العسكر، وأخذوا النساء وجميع ما كان معهن من الأموال، والحلي، والذهب، ولم ~~يفلت من النساء أحد. # ونزل الملك المنصور، في خيمة الملك المظفر، واستولى على خزانته، وعلى ~~جميع ما كان في وطاقه، وغنم العسكر من الخيل، والبغال، والجمال، والآلات، ~~والأغنام، ما لا يحصى. # وبلغت الأغنام المنهوبة إلى الموصل ms364 وحلب وحماة وحمص، بحيث بيع الرأس من ~~الغنم في العسكر، بأبخس الأثمان، وضربت البشائر بحلب، وزينت أياما سبعة. # وتوجه الملك المنصور، والعساكر إلى حلب، وخرج السلطان الملك PageV01P512 # الناصر إلى قلعة جعبر. وتوجه إلى منبج للقائهم، واجتمع بهم، فوصلوا إلى ~~حلب، يوم الأربعاء مستهل جمادى الأولى، من سنة أربعين وستمائة. # وطلع للخاتون الملكة قرحة في مراق البطن، وازداد ورمها، وحدث لها حمى ~~بسببها. # وسار الملك المنصور ليلة الجمعة ثالث الشهر. وتوجه في صحبته نجدة من حلب، ~~لتقصد بلاد الفرنج بناحية طرابلس. # وقوي مرض الملكة الخاتون، إلى أن توفيت إلى رحمة الله تعالى، ليلة الجمعة ~~الحادية عشرة، من جمادى الأولى، من سنة أربعين وستمائة. ودفنت في الحجرة ~~بالقلعة، تجاه الصفة، التي دفن فيها ولدها الملك العزيز رحمهما الله. وكان ~~مولدها بقلعة حلب، حين كانت في ولاية أبيها الملك العادل، إما في سنة إحدى ~~أو اثنتين وثمانين وخمسمائة، وبلغني أنه كان عنده ضيف، فلما أخبر بولادتها، ~~سماها ضيفة لذلك. ### || حوادث متفرقة # وأمر السلطان الملك الناصر في ملكه، ونهى بإشارة وزيره جمال الدين الأكرم ~~والأمير جمال الدولة اقبال الخاتوني. # وعلم السلطان في التواقيع، وأشهد عليه بتمليك الأمير جمال الدولة نصف ~~الملوحة، والحصة الجارية في ملك بيت المال بالناعورة. وأقر على نفسه ~~بالبلوغ، وملك الوزير الحصة التي بأيدي نواب بيت المال تقيل ورحاها. # وجعل يجلس في دار العدل، في كل يوم اثنين وخميس، بعد الركوب وترفع إليه ~~المظالم. # وخلع على أمرائه وكبراء البلد، وأقطع الأمير جمال الدولة عزاز وقلعتها ~~وما كان في يد الملك الحافظ ابن الملك العادل، وجميع ما كان من الحواصل، في PageV01P513 # الأماكن المذكورة، وذلك في الحادي والعشرين، من جمادى الأولى من سنة ~~أربعين وستمائة. # وعاثت الخوارزمية والتركمان على بلاد الجزيرة، فخرج عسكر حلب، ومقدمهم ~~الأمير جمال الدولة في جمادى الآخرة، وساروا، واجتمعوا في رأس عين. # فتجمع الخوارزمية، وانضووا إلى صاحب ماردين، واحتموا بالجبل، فوصل عسكر ~~حلب، ونزلوا مقابلتهم، تحت الجبل، وخندقوا حولهم، وجرت لهم معهم وقعات. # وتضرر عسكر حلب، بالمقام، لقلة العلوفة، ms365 إلى أن ورد نائب المملكة بالروم ~~وهو الأمير شمس الدين الأصبهاني إلى شهاب الدين غازي والي صاحب ماردين ~~والخوارزمية، وأصلح بينهم على أن يعطى صاحب ماردين رأس عين. وأرضى ملك ~~الروم الخوارزمية بخرتبرت، وشيء من البلاد، والملك المظفر غازي بخلاط. # وتوجهت العساكر، والنائب الأصبهاني، في جملتها وخرج السلطان الملك ~~الناصر، وتلقاهم إلى منبج، ودخل النائب إلى حلب، يوم السبت التاسع عشر من ~~شوال. # ودخل السلطان والعسكر، يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شوال، وورد مع ~~النائب أموال عظيمة، لتستخدم بها العساكر للقاء التتار وبطلب نجدة من ~~البلاد عليهم، فسير من حلب نجدة، ومقدمها الناصح الفارسي، في ذي الحجة، من ~~سنة أربعين وستمائة. # فالتقاهم السلطان غياث الدين، بسيواس، أحسن لقاء، وأعطاهم عطاء سنيا، ~~وفوض تدبير العسكر إلى الناصح أبي المعالي الفارسي، وفرح أهل بلاد الروم ~~وقويت قلوبهم بنجدة حلب. # وسار السلطان من سيواس إلى أقشهر، ووصله الخبر بوصول PageV01P514 # التتار فسير بعض أمرائه، وعسكر حلب، ليكشفوهم. فوصلوا إليهم، ونشب القتال ~~بينهم. # ووقعت بينهم حملات، فانهزم التتار، بين أيديهم، ثم تكاثروا، وحملوا ~~عليهم، فانكسر عسكر الروم وثبت الحلبيون، وجرى بينهم كرات، وخرج عليهم ~~كمينان، من اليمين واليسار فأحدقوا بهم، فلم يسلم منهم إلا من حمل، وخرج من ~~بينهم، وذلك، في يوم الخميس، الثالث عشر من المحرم، سنة إحدى وأربعين ~~وستمائة. # وانهزم ملك الروم في الليل، ليلة الجمعة، وأجفل أهل بلاد الروم، إلى حلب ~~وأعمالها، وعاث التركمان في أطراف الروم، ونهبوا من خرج إلى الشام. ~~PageV01P515 ms366