######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001159 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: العز بن عبدالسلام #META# 010.AuthorNAME :: سلطان العلماء عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 660 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل أو مختصر رعاية المحاسبي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب أخرى :: كتب الأخلاق والسلوك :: كتب متفرقة في الأخلاق والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل #META# 030.LibURI :: JK_001159 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: إياد خالد الطباع #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفكر #META# 044.EdPLACE :: دمشق #META# 045.EdYEAR :: 1416هـ - 1995م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل PageV01P001 # | بسم الله الرحمن الرحيم # # | رب يسر # قال الشيخ العلامة أوحد عصره وفريد دهره لسان الشريعة سيد علماء الطريقة ~~أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي رحمه الله تعالى ~~ممليا لحل مقاصد الرعاية للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رضي الله عنه الحمد ~~لله الذي لا تتم الصالحات إلا به وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى ~~آله وأصحابه # | فصل في حسن الاستماع إلى كل ما أمر العباد بالاستماع إليه # حسن الاستماع أن تصغي إلى ما تستمع إليه من غير أن تشغل قلبك أو ~~PageV01P011 شيئا من جوارحك بغير ما تستمع إليه وتقبل عليه إلى ما يعينك ~~على فهم ذلك من الإقبال بعينك من يحدث بذلك أو تنظر في كتاب يشتمل على ذلك ~~وقد ضمن الله سبحانه وتعالى لمن أحسن الاستماع أن يحصل له الاتعاظ ~~والانتفاع بما استمع له وأصغي إليه فقال تعالى @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن ~~كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد @QE@ أي إن في ذلك اتعاظا لمن كان له ~~عقل أو ألقى سمعه إلى الموعظة وهو حاضر العقل غير غائب عما يستمع إليه # | فصل فيما يجب رعايته من حقوق الله تعالى # رعاية الشيء حفظه من الفوات والنقصان # وحقوق الله سبحانه وتعالى ضربان أحدهما فعل الواجبات # والثاني ترك المحرمات # ففعل كل واجب تقوى وترك كل محرم تقوى والحامل على التقوى الخوف من عذاب ~~الله تعالى وعقابه فمن أتى بخصلة منها فقد وقى نفسه بها ما رتب PageV01P012 ~~على تركها من شر الدنيا والآخرة مع ما يحصل له من نعيم الجنان ورضا الرحمن # | 3 فصل فيما يتقرب به إلى الله تعالى # لا يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى إلا بطاعته وطاعته فعل واجب أو مندوب ~~وترك محرم أو مكروه فمن تقواه تقديم ما قدم الله سبحانه وتعالى من الواجبات ~~على المندوبات وتقديم ما قدمه من اجتناب المحرمات على ترك المكروهات وهذا ~~بخلاف ما يفعله الجاهلون الذين يظنون أنهم إلى الله سبحانه وتعالى ms01 متقربون ~~وهم منه متباعدون فيضيع أحدهم الواجبات حفظا للمندوبات ويرتكب المحرمات ~~تصونا عن ترك المكروهات ولا يقع في مثل هذا إلا ذوو الضلالات وأهل الجهالات # فكم منا مقيم لصور الطاعة مع انطواء قلبه على الرياء والحسد والغل والكبر ~~والإعجاب بالعمل والإدلال على الله تعالى بالطاعات @QB@ الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا @QE@ الكهف PageV01P013 # وكم من ناظر إلى ما لا يحل النظر إليه ومغتاب لمن لا تجوز غيبته ومزدر ~~لمن لا يحل ازدراؤه ظنا أن ذلك من الجائزات وغفلة عن كونه من المحرمات # والتقوى قسمان أحدهما متعلق بالقلوب وهو ضربان # أحدهما واجب كإخلاص الأعمال والإيمان # والثاني محرم كالرياء وتعظيم الأوثان # والثاني يتعلق بالأعضاء الظاهرة كنظر الأعين وبطش الأيدي ومشي الأرجل ~~ونطق اللسان # | 4 فائدة # إذا صحت التقوى أثمرت الورع والورع ترك ما لا بأس به خوفا من الوقوع فيما ~~به بأس # | 5 فصل في تعريف الجاهل المغرور غرته # قد تقدم أن التقوى متعلقة بالجنان وبالأركان فنبدأ بتعرف اختلال التقوى ~~في الأركان # وطريق ذلك أن يعرض أعمال جوارحه الظاهرة من حين PageV01P014 بلغ إلى وقته ~~ذلك على كتاب الله سبحانه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن وجد نفسه ~~على حفظ حدود الله تعالى بجميع جوارحه فليعدل بعد ذلك إلى تقوى قلبه فإن ~~وجد قلبه مستقيما من حين بلوغه إلى حين عرضه فهذا ولي من أولياء الله ~~سبحانه وتعالى وقل أن يوجد ذلك في هذا الزمان # وكيفية عرض ذلك أن ينظر إلى ما يتعلق بكل عضو من أعضائه من أمر الله ~~تعالى ونهيه فيعرضهما عضوا عضوا فيعرض اللسان مثلا هل ترك ما أمر الله ~~سبحانه وتعالى بقوله كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن تحقق أنه قام ~~بجميع ما أمره الله تعالى وما أعز ذلك فليرجع إلى ما نهى عنه فإن عرف أن ~~لسانه محفوظ عن ذلك من حين بلغ إلى حين عرضه وما اعز ذلك فليعدل إلى تقوى ~~العين بفعل مأموراتها واجتناب منهياتها فإن استقامت على الأمر والنهي ms02 في ~~جميع ذلك ولن يسلم له ذلك فليعدل إلى منهيات سمعه ومأموراته فإن علم أنه ~~قائم بوظائفها وما أندر ذلك فليعدل إلى بطش يده فليعتبر استقامتها على ~~الأمر والنهي في بطشها فإن علم أنه قد أدى ما عليه في جميع ذلك وما أغرب ~~ذلك PageV01P015 فليعدل إلى مشي رجله فليعتبره بالأمر والنهي كذلك ثم إلى ~~بطنه وفرجه كذلك فإن ظن الاستقامة في ذلك جميعه أو بعضه فلا يغترن بذلك ~~ولينظر إلى قصده بجميع طاعته هل أراد بكل واحدة منهن وجه الله سبحانه ~~وتعالى أم لا فإن صفى له ذلك وما أعز صفاءه فلينظر هل أعجب بنفسه فرأى أنه ~~لأجل طاعته خير من غيره أم لا فإن لم ير نفسه خيرا من غيره في شيء من طاعته ~~فلينظر هل تكبر على عباد الله بسبب ذلك أم لا فإن صفا له ذلك وما أعز أن ~~يصفو فلينظر هل أسند استقامته إلى عزمه وحزمه أم نسب ذلك إلى ربه سبحانه ~~وتعالى فإن صفا له ذلك مع عزته وندرته فلينظر هل أعجبته نفسه بذلك أم لا ~~صفا له ذلك مع غرابته فلينظر هل أدل على الله سبحانه وتعالى بهذه الاستقامة ~~أم لا فإن صفت له هذه الأحوال المتعلقة بالطاعات فلينظر في معاصي أخرى هل ~~تطهر منها قلبه أم لا كالحسد والشماتة وإرادة العلو في الأرض # فإذا اعتبر ذلك جميعه وأنصف من نفسه عرف أنه كان هاربا عن الله سبحانه ~~وتعالى وهو يعتقد أنه هارب إليه ومعرض عن الله سبحانه وتعالى وهو يعتقد أنه ~~مقبل عليه ومعتمد على خلقه وهو يعتقد أنه معتمد عليه ومفوض إليه ~~PageV01P016 # | 6 فصل في ابتداء المسير إلى الله عز وجل # أول ما يجب على المكلف أن يعلم أن له ربا أمره ونهاه ليثيبه على طاعته ~~ويعاقبه على معصيته وأنه يلزمه الفرار من عقوبته بطاعته واجتناب معصيته ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى @QB@ ففروا إلى الله @QE@ الذاريات والفرار إليه ~~إنما يكون بطاعته واجتناب معصيته وإنما تعرف طاعته ومعصيته بتعلم شريعته # فعليه أن يتعلم من ms03 علم الشرع ما حرم الله سبحانه وتعالى عليه في ظاهره ~~وباطنه ليجتنبه وما أوجبه عليه في ظاهره وباطنه ليفعله على حسب الحال التي ~~هو ملابسها ومدفوع إليها # فيلزمه تعلم الصلاة والصوم بأركانهما وشرائطهما إذا دخل وقتهما أو دنا ~~دخول وقتهما ولا يلزمه تعلم الزكاة إلا إذا وجبت أو دنا وجوبها وكذلك لا ~~يلزمه تعلم الحج والجهاد إلا إذا كان من أهلهما فإن اتسع وقتهما كان التعلم ~~واجبا مخيرا فإن ضاق وقتهما تضيق تعلمهما # وكذلك سائر ما يتجدد له من سائر الأسباب الموجبة للتقوى في ظاهره وباطنه ~~يلزمه تعلم ذلك بأسبابه وأوقاته وشرائطه وأركانه ومفسداته PageV01P017 # | 7 فصل في بيان محاسبة النفس على الأعمال السالفة والمستأنفة # أجمع العلماء على وجوب محاسبة النفوس في ما سلف في الأعمال وفيما يستقبل ~~منها فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها ~~وتمنى على الله سبحانه وتعالى # فأما المحاسبة في الماضي فبأن ينظر في التقوى المتعلقة بالقلب والجوارح ~~والأعضاء فيعتبرها عضوا عضوا وطاعة طاعة فإن سلم جميع ذلك بأركانه وشرائطه ~~وأوقاته وأسبابه فليحمد الله سبحانه وتعالى على ذلك فإنه من أكمل نعمة الله ~~تعالى على عباده # والأولى به أن يحاسب نفسه من ليل إلى ليل فما رآه من تقصير في يومه ذلك ~~فليتداركه بالتوبة والاستغفار وكذلك كان يصنع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ~~رضي الله تعالى عنه # وإن وجد في أعمال يومه ظلامه فليردها من وقته على أهلها إن أمكن ذلك وإلا ~~فليعزم على ردها على حسب إمكانه PageV01P018 # وأما المحاسبة في المستأنف فلينظر إذا خطر له إقدام على فعل أو إحجام عنه ~~فإن كان ذلك الفعل سيئة أحجم عنه وعن العزم عليه وليغيبه عن خاطره ما ~~استطاع # فإن مالت إليه نفسه واشتدت شهوته فليجاهدها بصرفها عنه وخلاصها منه # فإن غلبته وعزمت عليه فليجاهدها في الإقلاع عن عزيمتها والاستغفار منها # فإن غلبته نفسه العاصية الأمارة بالسوء ففعل ذلك فليبادر إلى التوبة وهي ~~الندم على ما فاته من طاعة الله تعالى والعزم على ms04 أن لا يعود إلى مثل ذلك ~~في المستقبل والإقلاع عن المعصية إن كان ملابسها في الحال # فإن أخر التوبة أثم بتأخيرها عن كل وقت يتسع لإيقاعها فيه # فإن أبت نفسه عن الإقلاع فليحذرها بما يفوتها من ثواب الله سبحانه وتعالى ~~وبما تعرضت له من عقاب الله تعالى ويستمر على تخويفها بذلك إلى أن يحصل ~~الخوف الموجب للتوبة والاستغفار من الحوبة PageV01P019 # | 8 فائدة في مراقبة النفس للفعل الحسن والقبيح # إنما يفرق المريد بين الفعل الحسن والقبيح بالكتاب والسنة إن كان عارفا ~~بذلك فإن التبس عليه الفعل الحسن بالقبيح فليكف عنه ولا يعزم على إقدام ولا ~~إحجام حتى يسأل عن ذلك من يعرفه من علماء الشريعة لأن التباس المحرم ~~بالمحلل مانع عن الإقدام على ما لا يعرف حلاله من حرامه # وأما المحاسبة في مستقبل الأعمال الصالحات فإنها مبنية على معرفة رتب ~~الطاعات وما يجب تقديمه منها أو توسطه أو تأخيره فإن الشيطان إذا يئس من ~~التائب أن يوافقه على المعاصي الظاهرة دس عليه معاصي خفية لا يشعر بها ~~فيأمره بتقديم طاعة أوجب الله تعالى تأخيرها أو توسيطها أو يأمره بتقديم ~~طاعة أوجب الله تعالى تقديمها أو توسيطها كل ذلك ليخسر العبد من حيث لا ~~يعلم # وقد توافق النفس الشيطان على ذلك فرارا من أثقل العبادتين وأشقهما إلى ~~أخفهما وأرفقهما وطريقة في النجاة من ذلك أنه إذا خطرت له حسنة فلا يقدم ~~عليها حتى ينظر أهي مما قدمه الله أو مما أخره أو مما وسطه فإن كانت مما ~~قدمه الله في ذلك الوقت على سائر الطاعات فلا يقدم عليها حتى يخلصها لله عز ~~وجل ولا يرد بها سواه # وإرادة الله تعالى بالأعمال الصالحات أقسام أحدها أن يعمل له طمعا في ~~ثوابه PageV01P020 # والثاني أن يعمل له خوفا من عقابه # والثالث أن يعمل له حياء منه أن يخالفه # والرابع أن يعمل له حبا وودادة # والخامس أن يعمل له إجلالا وتعظيما عن المخالفة # والسادس أن يضيف بعض هذه الأعراض إلى بعض # وكل ذلك حسن وإن كان ms05 بعضه أفضل من بعض # | 9 فصل في رتب مشقة التقوى والمحاسبة # الناس في ذلك ثلاثة أقسام # أحدهم شاب نشأ في عبادة الله لا تقع منه إلا الصغائر في أندر الأوقات ~~فرعاية التوبة والتقوى على مثل هذا سهلة قليلة المؤنة لأن التقوى ~~PageV01P021 قد صارت له عادة مألوفة يلتذ بها ويسكن إليها وإذا وقعت منه ~~الزلة استوحش بسببها وبادر إلى الإقلاع عنها والتوبة منها # الثاني من تاب من ذنوبه وأقلع عن عيوبه بعدما ألف المعاصي والمخالفة ~~فنفسه تذكره بتلك الشهوات والتلذذ بها ليعود إليها والشيطان يحثه على ذلك ~~ويدعوه إليه فرعاية التقوى والتوبة على هذا شاقة لأجل ما ألفه من الركون ~~إلى الشهوات والاستراحة من مشقة الطاعات # الثالث مسلم موحد مرتكب لجميع ما يهواه من المعاصي والمخالفات قد رين على ~~قلبه بسوء كسبه فرعاية التقوى على هذا شديدة المشقة لأجل ما يفوته من تلك ~~الساعات ولما يشق عليه من ملابسة الطاعات # | 10 فصل في بيان تيسير التقوى الشاقة وتسهيلها على النفس # خلق الله تعالى الإنسان مجبولا على السعي فيما يلذه من الشهوات وعلى ~~النفور مما يشق عليه من المؤلمات فكان من محنته لعباده أن كلفهم بفعل ما ~~يشق عليهم من الطاعات وبترك ما يشق عليهم تركه من المخالفات فحف جنته ~~بالمكاره وحف ناره بالشهوات PageV01P022 # ولما علم ذلك من عباده وعد من أطاعه وخالف شهوته بالمثوبات والكرامات ~~ليقبلوا على الطاعات والقربات # وتوعد من عصاه ووافق شهوته بالعقوبات والإهانات ليحجموا عن المعاصي ~~والمخالفات # فالطريق إلى سهولة التقوى تكون تارة بالخوف وتارة بالرجاء فإنه إذا نظر ~~إلى ما أعده الله لعباده الطائعين من الكرامات مال إليه بطبعه فحثه طبعه ~~على احتمال مشقة الطاعات بفعل المأمورات وترك المنهيات وإذا نظر إلى ما ~~توعد الله به عباده العاصين من العقوبات حثه طبعه على أن يتقيها بملابسة ~~المشقات في إقامة الطاعات # فالخوف والرجاء وسيلتان إلى فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات ~~والمكروهات ولكن لا بد من الإكباب على استحضار ذلك على الدوام واستدامته في ~~أكثر الأوقات حتى يصير الثواب ms06 والعقاب نصب عينيه فيحثاه على فعل الطاعات ~~وترك المخالفات # لكن الفكر الذي يحصل به الإكباب على استحضار الثواب والعقاب شاق على ~~النفس من ثلاثة أوجه # أحدها أن الفكر في أهوال الآخرة وشدائدها شاق على النفوس ملذع ~~PageV01P023 لقلوب ولا سيما في حق من كثرت ذنوبه وعظمت عيوبه وتفكر في ~~وقوفه بين يدي ربه وعرض أعماله القبيحة عليه # الثاني أن الفكر في أحوال الآخرة وشدائدها مانع من الفكر في لذات الدنيا ~~وشهواتها # الثالث أن الشيطان ونفس الإنسان يستشعران من التائب أنه يمنع نفسه من نيل ~~شهواتها وإدراك لذاتها في مستقبل الزمان فيحثانه على ترك ما عزم عليه # أما النفس فتحثه على ذلك لتنال لذاتها وشهواتها العاجلة وأما الشيطان ~~فلأنه عدو للإنسان فلذلك يأمره بكل إثم وعدوان ليحله في دار الهوان وغضب ~~الديان فالذي يخفف الفكرة على قلبه أن ينظر إلى ما تحصل عليه من لذات ~~الدنيا وإلى نظره في الآخرة ليعلم أنما يفوته من لذات الدنيا المقرونة ~~بالنغص لا نسبة له إلى ما يفوته في الآخرة من النعيم والنظر إلى وجه الله ~~الكريم # والعاقل لا يؤثر الحقير القليل الفاني على الكثير الخطير الباقي غير ~~مقرون بنغص بلا تعب ولا نصب فإذا واظب على النظر في ذلك آثر النفيس الباقي ~~على الخسيس الفاني ثم ينظر إلى ما يتحمله في الدنيا من مشاق الطاعات وينسبه ~~إلى ما يتحمله في الآخرة من مشاق العقوبات الممزوجة بغضب رب PageV01P024 ~~السماوات فيتحمل المشاق اليسيرة الفانية دفعا للمشاق العظيمة الباقية لأن ~~العاقل يدفع أعلى الضررين بأدناهما ويحاسب نفسه بأن يقول لها ويحك يا نفس ~~كيف تجزعين من تلذيع ذكر أهوال الآخرة لقلبك ولا تجزعين من تلذيع عقوبات ~~الآخرة ومشاقها لجسدك وقلبك وكيف يشق عليك ترك الفكر في لذة الدنيا مع ~~نغصها وخساستها ولا يشق عليك فوات لذات الآخرة مع شرفها ونفاستها أتستبدلين ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير @QB@ ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ~~@QE@ البقرة ولو أنك واظبت على الفكر في أمور الآخرة لأبدلك الله من وحشة ms07 ~~العصيان وذلته بأنس الطاعات وعزتها وسرورها وروح رجاء الجزاء عليها في ~~الآخرة ولن يحصل له الإكباب على الفكر الذي يستحضر به أهوال القيامة إلا ~~بجمع همه على الفكر في ذلك ولن يحصل له ذلك إلا بتفريغ قلبه من كل شيء سوى ~~ما يفكر فيه أو يعينه على الفكر فيه وكذلك لا يشغل جوارحه بما يلهيه عن ~~الفكر فيما هو بصدده PageV01P025 # وقد ذكرنا نظير ذلك في حسن الاستماع # ولا بد من إدامة الفكر في ذلك إلى أن يحصل في القلب وجل وخوف يحثانه على ~~الاستعداد لذلك اليوم ومثال ذلك الوقود تحت القدر لا بد من إدمانه إلى ~~إنضاج ما في القدر فلذلك لا ينضج القلب إلا خوف متوال متواصل يوجب للقلب ~~قذف الشهوات خوفا من العقوبات كما يقذف القدر بالزبد عند إدمان الوقود ~~وتكثيره فإذا فعل ذلك أراد الشيطان أن يفسد عليه عمله فأوهمه أنك ما نلت ~~ذلك إلا بعزمك وحزمك وحسن نظرك لنفسك # فإن قبل منه ذلك وكله الله إلى نفسه وإن رد ذلك على الشيطان حصل الخوف ~~الناجع بالتفكر وحصل الإقلاع عن الزلات والإنابة إلى الطاعات بسبب الخوف ~~الناجع وتوفيق رب الأرض والسماوات # ولو لاحت لهؤلاء أو لأحدهم لائحة من لوائح العرفان لاجتمع همه من غير ~~تكرير الفكر ولا إدمان وما أعز هذا في هذا الزمان # وأنشد فيه # ( كانت لقلبي أهواء مفرقة % فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي ) PageV01P026 # ( تركت للناس دنياهم ودينهم % شغلا بذكرك يا ديني ودنياي ) # ( فصار يحسدني من كنت أحسده % وصرت مولى الورى مذ صرت مولاي ) # وقد مثل إدمان الفكر وجمع الهم لتحصيل الخوف الحامل على التقوى والإنابة ~~إلى الله تعالى بمثالين # أحدهما الثوب الذي كثرت أوساخه وأدرانه فإنه لا يزول ذلك إلا بتكرير ~~الغسل وحته وقرصه وكذلك القلب الذي رانت عليه الشهوات ودنسته اللذات ~~المحرمات لا يزول ما فيه من الشهوات إلا بالإدمان على الفكر الموجب للإقلاع ~~عن الزلات # المثال الثاني المرض المزمن المستحكم لا يزول إلا بتكرير الأدوية ~~والمعالجات فكذلك القلوب المريضة لا تزول أمراضها إلا ms08 بتكرير الفكر فيما ~~أعد الله تعالى للعصاة من العقوبات PageV01P027 # | 11 فائدة في فرط الخوف بسبب إدمان الفكر # قد يفرط الخوف بسبب إدمان الفكر فيخشى منه أن يصير قنوطا فلا بد أن يكسر ~~بروح الرجاء # وإنما يحصل ذلك بإدمان الفكر في سعة رحمة الله تعالى وغفرانه للحوبات ~~وقبوله للتوبات # | 12 فصل في اعتراض النفس والشيطان في أيام تخويف المغرور نفسه # قد يتأخر الخوف الناجع كما يتأخر البرء عن استعمال الدواء النافع ~~PageV01P029 فتعرض النفس والشيطان لمن يداوي قلبه بإدمان الفكر والتخويف ~~فيقولان مثلك لا ينجع فيه إدمان الفكر ولا ينفعه التخويف وربما حرمك ربك ~~ذلك لكثرة ذنوبك وفرط عيوبك # فإن أصغى إليهما وقبل منهما يئس من روح الله ورحمته ورجع إلى أشد مما كان ~~عليه من الفسوق والعصيان @QB@ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ~~@QE@ يوسف # وطريقه في ذلك أن يقول التخويف إنما يليق بمثلي وأمثالي ولولا أن ربي ~~أراد بي خيرا لما نبهني على الذكر واجتماع الفكر لأخاف من عقوبة ربي فأقبل ~~على طاعته واجتناب معصيته وكم من ذنب أكبر من ذنبي وقد غفره ربي وكم عيب ~~أقبح من عيبي قد ستره ربي # فحينئذ يستمر على الفكر المثمر للخوف الناجع فإن أفرط خوفه كسر سورته ~~بالرجاء فحينئذ تعرضه النفس والشيطان فيقولان له إنما وصلت إلى هذه المنزلة ~~بحزمك وعزمك وحسن نظرك لنفسك # فينسى إنعام الله تعالى عليه وإحسانه إليه ويضيف ذلك إلى نفسه الأمارة ~~بالسوء فحينئذ لا يأمن أن يخذله ربه لحمده من لا يستحق الحمد # وطريقه في ذلك أن يقول لنفسه كيف تدعين أنك وصلت إلى هذا بحزمك وعزمك ~~وأنت ما دخلت فيه إلا كارهة أبية مع أنك أنت التي أوقعتني في المعاصي ~~والمخالفات PageV01P030 # فإن دفع الله عنه كيدهما في ذلك اعترضا له بالإعجاب بنفسه # وطريقه في دفع الإعجاب أن يذكر نفسه بأن خير أمة أخرجت للناس أعجبتها ~~كثرتها يوم حنين فلم تغن عنهم شيئا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم ولوا ~~مدبرين # وكذلك داود عليه السلام لما ms09 أعجبته نفسه فتن بالمرأة على ما ذكر الله ~~تعالى في كتابه وكذلك موسى الكليم عليه الصلاة والسلام لما ادعى أنه أعلم ~~أهل الأرض لما سئل فعتب الله سبحانه وتعالى عليه بكون أنه لم يرد العلم إلى ~~الله سبحانه وتعالى ثم دله على الخضر # فإذا اعترض هذا التائب حقوق الله تعالى عليه وحقوق عباده لديه فيما مضى ~~من دهره حقا حقا بعد أن اعترضها من حين بلوغه إلى حين توبته ثم اعترض حقوق ~~الله تعالى في قلبه ثم خرج من كل حق كان ضيعه في أيام سهوه وبطالته فلا ~~يغفل التيقظ والتحرز فيما بقي من أيام عمره فإن طبعه الذي دعاه إلى ~~المخالفة والعصيان قائم والنفس الأمارة بالسوء لم تمت والشيطان الحريص على ~~إضلال الإنسان وإغوائه متفقد لأحواله مرتقب لغفلاته لعله يعثر على غفلة ~~يرده فيها إلى أسوء أعماله وأقبح أحواله # ويقع التفقد في المأمورات والمنهيات PageV01P031 # فالمأمورات ثلاث # إحداهن حق الله كأن تركه ثم تاب إلى الله تعالى من تركه فتذكره به النفس ~~والشيطان في أوقات غفلاته ليعود إلى تركه فلا يطعهما ويستمر على فعله حسب ~~ما أمر به # والثاني حق لله تعالى تركه وهو لا يشعر بوجوبه عليه فعليه الآن أن يتذكره ~~ويتفقده ليستدرك قضاءه حسب ما أمر به مثل أن تجب الزكاة في ماله فلم يشعر ~~بها لفرط غفلته في حين غرته وإن كان ذلك مما لا يدرك جدد التوبة والاستغفار ~~منه # والثالث حق لم يجب عليه فيما مضى وإنما وجب عليه لما تاب ككسب الحلال ~~لنفقة العيال وإخلاص الأعمال # والمنهيات ثلاث # إحداهن معصية أقلع عنها وتاب إلى الله منها فلا يعد إليها # الثانية معصية لم يعلم في أيام غفلته أنها معصية فيتفقدها الآن ليتحرز ~~منها # الثالثة معصية لم توجد في أيام غفلته وإنما حدثت بعد توبته وإنابته كترك ~~التكسب لعيال حدثوا بعد التوبة والإنابة فإذا واظب التائب على التيقظ لما ~~ذكرناه فقد تحرز بذلك من كيد النفس وإغواء الشيطان فإن PageV01P032 اعترض ~~له ذلك في بعض الأحيان رجع إلى ms10 دفعه بما ذكرناه من الأسباب والله الموفق ~~للصواب # | 13 فصل في كيفية رعاية حقوق الله عز وجل مضيقها وموسعها ومعينها ~~ومخيرها ومقدمها ومؤخرها وما أوجب الله تعالى على العباد عند الخطرات ~~وكيفية ابتداء الأعمال من ابتدائها إلى انتهائها # اعلم أن القلوب أول محل التكاليف وأن أعمال الأبدان موقوفة على أعمال ~~القلوب وأن الأعمال إنما يقع ابتداؤها من القلوب ثم يظهر على الجوارح # فأول ما يخطر للمكلف فعل من أفعال القلوب فلا تكليف بسبب خطوره على القلب ~~فإذا خطر على القلب وعرفت النفس ما فيه من المصالح أو المفاسد فإنها تميل ~~إليه إن وافقها وتنفر منه إن خالفها ولا يتعلق التكليف أيضا بالميل إليه ~~ولا بالنفور عنه فإنهما أمران طبعيان لا انفكاك عنهما ولا انفصال منهما ولن ~~يكلف الله تعالى نفسا في ضرها ونفعها إلا قدر وسعها # فإذا حصل ميل النفس أو نفورها حضر الشيطان فزين لها الإقدام على فعل ما ~~مالت إليه إن كان من العصيان المسخط للديان أو زين لها النفور مما يرضي ~~الرحمن إن كان مما تنفر منه فهذا ابتداء تكليف القلوب PageV01P033 إذ لا ~~يحق على الإنسان أن لا يعزم إلا على ما يرضي الرحمن ويرغم الشيطان # فالعزم أول ما تكلف به القلوب فإن كان المعزوم عليه خيرا كان العزم ~~مأمورا به وإن كان المعزوم عليه شرا كان العزم منهيا عنه والعزم أول واجب ~~أو محرم بعد حسن الإعتقاد وتصحيح الإيمان # والخطرات ثلاث # خطرة من النفس تخطرها لتنال بها هواها وتدرك بها مناها # وخطرة من الشيطان يخطرها ليهلك الإنسان بما يزينه له من الفسوق والعصيان # وخطرة من الرحمن يخطرها رحمة للإنسان لما ينيله من الثواب والرضوان ~~والسكنى غدا في جوار الديان # فحق على كل إنسان إذا خطرت له خطرة أن لا يوافقها حتى يعرفها ويميزها ~~تخطرة النفس والشيطان مما يخطره الرحمن # وإنما يقع التمييز بالتثبت وعرض تلك الخطرات على الكتاب والسنة فما وافق ~~الكتاب والسنة علم أنه من أخطار الرحمن إما بواسطة الملك أو بغير واسطة # وما خالف ms11 الكتاب والسنة علم أنه من أخطار النفس أو أخطار الشيطان وتتميز ~~خطرة النفس عن خطرة الشيطان بأن يمنعها من العزم على PageV01P034 ما خطر ~~لها فإن ألحت في طلبه فهو من أخطارها وإن نكلت عنه فهو من أخطار الشيطان # فالعقل مع خطرات الرحمن والنفس مع خطرات الشيطان # وإذا ثبت أن العزم ينقسم إلى محلل ومحرم فالتبس أحدهما بالآخر لم يجز ~~الإقدام على إحداهما إلا بعد النظر والتبيان كما لو اشتبه إناء طاهر بإناء ~~نجس أو ثوب طاهر بثوب نجس أو درهم حلال بدرهم حرام PageV01P035 وجب التلبث ~~والتثبت إلى أن تتبين الخطرة فإن عرضها على الكتاب والسنة فلم يظهر له شيء ~~لم يجز له الإقدام على الحلال الملتبس بالحرام كما لو اجتهد بين طاهر ونجس ~~فاجتهد فيهما فلم يظهر له شيء فإنه لا يحل له الإقدام على أحدهما # | 14 فصل في أمثلة تقديم ما يقدم وتأخير ما يؤخر # وفيه أمثلة الأول أن يقدم بر الوالدة على الوالد ثم يقدم الأقارب على ~~الأقرب فالأقرب فإن استووا قدم أشدهم حاجة على أخفهم حاجة PageV01P036 # الثاني يقدم النفقات الواجبات على الحج والعمرة لأنهما واجبان على ~~التراخي # الثالث إذا وعد إنسانا على بر أو عمل خير وحضرت صلاة الجمعة أو ضاق وقت ~~صلاة مكتوبة فإنه يقدم الجمعة والصلاة المكتوبة على تلك المواعدة لأن إطلاق ~~المواعدة محمول على ما لا يفوت فريضة أوجبها الشرع # الرابع لا يقدم بر الوالدين المندوب على صلاة الجمعة ولا على فريضة ضاق ~~وقتها # الخامس تقديم الديون الحالة التي يطالب بها أربابها على الحج وإن طولب ~~بدين قدم نفقة العيال على الدين في يوم الطلب وقضى الباقي في الدين ثم ~~يتوكل في أمره وأمر عياله على الله تعالى # السادس لو نهاه والداه عن دين يطالب به أو عن أداء أمانة يطالب بها أو عن ~~رد واجب يطالب به فليؤد الدين والأمانة والواجب ولا يطعهما إذ لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق # السابع لو نذر صوما معلقا بشرط فوجد شرطه في رمضان أو في يوم ms12 يحرم فيه ~~الصوم لم يجز وفاء النذر في ذلك الوقت # الثامن إذا وجبت عليه عبادة موسعة الوقت كالحج والصلاة وأمره والداه بأمر ~~لا يفوت عليه الصلاة والحج فليبدأ بطاعتهما لإمكان الجمع بين PageV01P037 ~~طاعتهما وبين ما أوجب الله تعالى عليه وكذلك يقدم كل مأمور مضيق على كل ~~مأمور موسع لإمكان جمعهما # | 15 فصل في النهي عن التوسل إلى المأمورات بالمحرمات والشبهات # لا يتوسل إلى أداء واجب من الديون والنفقات والزكوات والكفارات وسائر ~~القربات بشيء من المحرمات ولا بشيء من الشبهات ولذلك أمثلة # الأول اكتساب الحرام لنفقة العيال # الثاني تقديم إرضاء الزوجات بإغضاب الوالدات # الثالث إرضاء الوالدات بتضييق حقوق الزوجات # الرابع ضرب الأولاد وإهانتهم لأجل الزوجات # الخامس الأمر بالمعروف مع السب والشتم واللعن والضرب # السادس إرضاء الوالدين بقطع الأرحام # السابع ضرب الزوجة والخادم إذا خاف تقصيرهما فيما يعدانه له من ماء ~~الطهارة أو غيره ظنا منه أن ذلك غضب لله ولو غضب على نفسه لعصيانه لكان ذلك ~~أولى به PageV01P038 # | 16 فصل في الخروج من فرض إلى فرض قبل إتمامه # إذا شرع المكلف في فرض فسنح له فرض آخر فإن كان الثاني أهم في الشرع أبطل ~~الأول وأتى بالثاني وله مثالان # أحدهما أن يشرع في صلاة الفريضة فرأى إنسانا يكره امرأة على الزنا أو ~~صبيا على اللواط وهو قادر على الإنقاذ فيلزمه الإنقاذ وقطع الصلاة 3 الثاني ~~أن يرى إنسانا يقتل إنسانا وهو قادر على تخليصه فيلزمه أن يقطع الصلاة ~~ويخلصه # وكذلك قطع اليد والرجل والجارحة فإن اهتمام الشرع بهذه الأشياء أتم من ~~اهتمامه بالصلاة # وإن كان الفرض الذي هو ملابسه أهم من الفرض الذي سنح له لم يجز له إفساد ~~الفرض الذي هو فيه مثل أن يدعوه أبواه وهو في صلاة فرض إلى أمر ليس في رتبة ~~الصلاة فلا يجوز له قطع الصلاة لأجله ولعل جريجا لما دعته أمه وهو في ~~الصلاة كانت صلاته نافلة إن كان شرعه كشرعنا يكون من القسم الأول ~~PageV01P039 # | 17 فصل في النهي عن التسبب إلى الورع إلى ms13 ارتكاب الحرام # وفيه أمثلة الأول أن يترك نفقة العيال والاكتساب لهم خوفا أن يكون ماله ~~أو كسبه حراما # الثاني أن يترك الحج تورعا عن أن يكون المال الذي ينفقه فيه حراما # الثالث أن يخرج من البلد خوفا أن لا يقدر فيه على مال حلال فيضيع ~~الوالدين والعيال # | 18 فصل في النهي عن تضييع الفرض لإكمال المفرض # وله أمثلة منها أن يتوسوس في الوضوء إما في نية أو في استيعاب الأعضاء ~~بالغسل فيكرر ذلك إلى أن تفوته الصلاة # وكذلك التوسوس في غسل الجنابة PageV01P040 # ومنها أن يتوسوس في نية الصلاة أو في شيء من أركانها وشرائطها فيكرر ~~النية أو القراءة أو يقطع الصلاة لشكه في قطع نيتها # ومنها أن يبادر إلي الصلوات في أوائل الأوقات فيبالغ في ذلك حتى يقدمها ~~على وقتها وهذا أكثر الوقوع في صلاة الصبح # ومن ذلك أن يؤخر الفرض عن وقته لأجل عذر مستمر كسلس البول وذرب البطن أو ~~لجراحة نضاخة أو يترك الصلاة إذا عجز عن القيام ليصليها بعد الوقت قائما ~~وكذلك لو تعذر عليه الركوع والسجود فيؤخرها عن وقتها ليصليها بعد الوقت ~~ساجدا أو راكعا تامة الركوع تامة السجود # ومن الغلط أن يصرف زكاته أو ما توكل في صرفه أو ما أوصي إليه به إلى من ~~يرجو مكافأته أو يخاف شره أو كان له عليه حق خدمة لنفسه أو لأهله أو من ~~يتعلق به فيقي ماله بحق الله عز وجل أو بحق من وكله أو أوصى إليه # ومن الغلط أن يمتنع من كسب الحلال للإنفاق على المحتاجين وهو قادر عليه ~~مع كونه لا يشغله عما هو أهم منه تحرزا عن الاشتغال بكسب المال عن ~~PageV01P041 طاعة الرحمن أو يمسك ماله لعياله ولا يجود منه على محتاج ظنا ~~منه أنه عامل بقوله صلى الله عليه وسلم ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) # وعلى الجملة فمن قدم واجبا على أوجب منه فقد عصى الله تعالى ومن قدم نفلا ~~على نفل أفضل منه فقد ضيع حظه من ثواب الله تعالى # ومن ms14 الغلط إتيان الظلمة من السلاطين والولاة والقضاة توهما منه أن يدفع ~~مظلمة عن إنسان أو يجلب نفعا إلى مستحق وهو غالط في ذلك فإن من خالط الظلمة ~~لا يقدر على أن ينكر عليهم فيترك الإنكار لا لسبب شرعي بل حفظا لقلوبهم ~~ومخافة أن يفوته ما يرجوه منهم ونفسه تسخر به وتوهمه أنه متسبب إلى نفع ~~عباد الله تعالى والذب عنهم والذي تعرض له أعظم من ثواب ما تسبب إليه # وكذلك يصانع أهل البدع لأجل جاههم ويصانع فجرة الأغنياء لأجل ما يتوقعه ~~منهم من إرفاق الفقراء وكذلك موافقة الإخوان الصالحين في بغض من أبغضوا وحب ~~من أحبوه وعداوة من عادوه وولاية من والوه بغير PageV01P042 سبب شرعي في ~~ذلك يزعم أنه يحفظ قلوبهم بذلك ويستديم به صحبتهم # ومن الغلط أن يلازم الصوم والجوع أو يلازم عبادة تقطعه عما هو أفضل منها ~~أو يلحقه من فرط الجوع ضجر وضيق فتسوء أخلاقه فيسب من لا يجوز سبه وربما ~~ضرب من لا يجوز ضربه وقد يتورع من بعض الاكتساب فيضيع ما أوجب الله تعالى ~~عليه من نفقات العيال # | 19 فصل في الغلط في تقديم بعض النوافل على بعض النوافل كالفرائض # وهن أقسام # أحدها أن تكون النافلة أفضل من غيرها من النوافل فتقدم عليهن # الثاني أن تكون مفضولة فتؤخر إلى رتبتها التي شرعت فيها # الثالث أن يكونا متساويين والوقت متسع لهما فيتخير في تقديم أيتهما شاء # الرابع أن يتردد بين التساوي والتفاضل فيبحث عن ذلك إن كان أهلا للبحث أو ~~يسأل عنه أهله # ومن قدم مفضولا على فاضل في هذا الباب فلا إثم عليه ولكن يفوته ما بين ~~الرتبتين من الفضل وإنما يفوت ذلك بتسويل النفس وتزيين الشيطان أما الشيطان ~~فيزين له ذلك ما بين النافلتين من الفضل PageV01P043 # وأما النفس فتدعوه إلى ذلك ليكون الأفضل أثقل وأشق مثاله تقديم الزيارة ~~على العيادة وتقديم بر الأخ المكتفي على الأخ المحتاج وتقديم زيارة المفضول ~~من الإخوان على الفاضل لأن الشيطان يستشعر من الفاضل أنه يأمر بالمعروف ~~وينهاه عن ms15 المنكر والنفس تكره ذلك لعلمها أنه يأمره بفطامها عن شهواتها # وكتقديم تشييع جنائز الأغنياء على جنائز الفقراء إذا حضروا في وقت واحد ~~إما ليد كانت للغني عليه أو لمداراة أو خوف مذمة وهذا عند تساوي الأغنياء ~~والفقراء في الفضل والدين وسائر الأسباب # ومن ذلك أن يؤثر الصلاة في مكان حسن تميل إليه نفسه على مكان يجتمع فيه ~~همه وإقباله على صلاته لارتياح نفسه إلى المكان المفضول # ومن ذلك أن يترك الصوم الذي اعتاده توهما أن يقطعه عن كثير من الطاعات ~~وهو غالط في ذلك # ومن ذلك تقديم ما لا يخاف فوته من الطاعات على ما يخاف فوته من الطاعات # ومن ذلك أن يشرع في شيء من العبادات وأنواع القربات بحيث يراه الناس أو ~~في خفية ثم يراه الناس فيخشى على نفسه من الرياء فيترك ما شرع فيه لله ~~تعالى لأمر يتوهمه PageV01P044 # ومن ذلك أن يلابس شيئا من أنواع الطاعات مخلصا لله عز وجل ثم يخشى أن ~~ينسب إلى الرياء فيدع ذلك العمل # ومن ذلك أن يترك سماع ما أمر بالاستماع إليه كخطبة الجمعة وقراءة الإمام ~~في الصلاة ويشتغل عن ذلك بالتفكر في شيء من أمور الآخرة ولا يشعر بأنه أساء ~~الأدب بترك الإصغاء إلى ما أمر بالإصغاء إليه # وكذلك إذا قرأ القرآن وتفكر في غير معاني القرآن التي هو ملابسها # ومن ذلك أن يعتاد عملا من أعمال البر وهو قوي عليه فتوهمه نفسه أن تقليله ~~وتنقيصه أولى به مستدلة عليه بقوله صلى الله عليه وسلم ( خير العمل أدومه ~~وإن قل ) فتوهمه أنه عامل بالسنة ولا غرض لها إلا الركون إلى الراحة ~~PageV01P045 # | 20 فصل في أشكال الفضائل إذا عرض فرضان أو ندبان فعرضتهما على الكتاب ~~والسنة أو سألت العلماء عن أيهما أفضل فلم يظهر الفاضل من المفضول # فالطريق إلى معرفة ذلك أن ينظر إلى أخفهما على نفسك فأيهما كان أخف ~~فاتركه فهو المفضول لأن الغالب على الأنفس مشقة الفضائل إلا أن تكون من ~~أكابر أولياء الله تعالى فتقدم ما خف على ms16 نفسك لأن الغالب من أولياء الله ~~تعالى استخفاف الأفضل فالأفضل لشدة إقبالهم على الله تعالى والاشتغال به ~~فإن استويا في الثقل والخفة فاعرض نفسك على أيهما تؤثر الموت عليه حالة ~~التلبس به فافعله فإن النفس المؤمنة وإن كانت مقصرة لا تؤثر الموت إلا على ~~أفضل الأعمال وأحسن الأحوال فإن استويا في إيثار الموت عليهما فأنت مخير في ~~البداءة بأيهما شئت PageV01P046 # | 21 فصل في بيان المنازل في رعاية التقوى # والتقوى تتعلق بالقلوب والجوارح فنبدأ بما يتعلق بالقلب إذا خطرت خطرة ~~يكرهها الله تعالى من أعمال القلوب كالكبر والرياء والحسد والعجب فأول ~~المنازل في رعاية التقوى أن يقطع استمرار خطورها عن القلب على الفور ~~PageV01P047 # الثانية أن يدعها حتى تتمكن من قلبه وتغلب على لبه وتميل إليها نفسه ~~ويحثه عليها شيطانه ولا يعزم عليها حتى يحضره خوف من الله تعالى أو حياء أو ~~إجلال فيقطعها ولا يحقق العزم عليها # الثالثة أن يعزم عليها ثم يقطع العزم عليها قبل ملابستها # الرابعة أن يستمر عزمه عليها فيلابسها فيشرع فيها ثم يوفق للتوبة عنها ~~فيقطعها خوفا أو حياء أو إجلالا # وأما أعمال البدن فأقسام أيضا # أحدها أن يقطع الخطرة على الفور من خطورها # الثاني أن يدعها حتى تستمكن من قلبه وتستحكم في لبه ويميل طبعه إليها ~~فتحثه النفس والشيطان عليها ثم يقطعها # الثالث أن يقصدها ويعزم عليها ثم يقطع العزم عليها # الرابع أن يستمر العزم عليها إلى أن يشرع فيها فيقطع الشروع فيها # الخامس أن يرجع عنها قبل إكمالها وإتمامها أو بعد الشروع فيها كمن نظر ~~إلى محرم أو استمع إلى محرم أو تكلم بمحرم أو أصغى إلى محرم أو بطش بمحرم ~~أو سعى إلى محرم ثم حضره خوف أو حياء أو إجلال فترك إتمام ما شرع فيه قبل ~~بلوغ مقصده منه PageV01P048 # السادس أن يكمل الفعل المحرم الذي عزم عليه ثم أدركه الندم على فعله ~~ومخالفة أمر ربه فتاب وعقد عزمه أن لا يعود إليه وقد يبلغ به بحيث يتوب من ~~جميع الذنوب لفرط خوفه أو ms17 حيائه أو إجلاله # السابع أن يتوب من البعض دون البعض إما لفرط شهوته له أو لشدة مشقة تركه ~~أو لأنه يعتقد أنه من الصغائر وخير من هؤلاء كلهم من طهر الله تعالى قلبه ~~من هذه الخطرات إلا في أنذر الأوقات # والمذنبون أقسام # أحدهم من يسعى في التخويف الحامل على التوبة مع شدة مشقة التخويف عليه ~~وهو مستشعر الأسى والبكاء والحزن على ما فات فهو يخوف نفسه في كثير من ~~الأوقات بحيث لا ينتهي إلى الخوف الناجع المفيد PageV01P049 # الثاني من يكره ذنوبه ويحزنه تقصيره ولا يسعى في التخويف الحامل للتوبة ~~ولكنه يسوف به من وقت إلى وقت ومن زمان إلى زمان # الثالث المصر على الذنوب غير مكترث بها ولا عازم على الإقلاع عنها ولا ~~على التخويف لها لأنه يحتقرها ولا يراها عظيمة عند الله @QB@ وتحسبونه هينا ~~وهو عند الله عظيم @QE@ النور أو لاعتقاده أن توبة مثله لا تقبل أو ~~لاعتقاده أن التخويف لا ينجع في مثله # وطريق القسمين الأولين أن يذكرا شيئين # أحدهما مباغتة الموت ومعالجته قبل التوبة فيلقيا ربهما وهو عليهما ساخط ~~غضبان # والثاني التخويف من أن يؤديهما الإصرار على الذنوب إلى الرين والطبع على ~~القلوب فيقال للذي يسوف بالتوبة ويؤخرها أنت لا تخلو من ثلاثة أحوال # إما أن تموت قبل التوبة فتتعرض لسخط الله تعالى # أو أن يران على قلبك فلا يؤمن عليك سوء الخاتمة PageV01P050 # أو أن توفق للتوبة بعد التسويف فيطول وقوفك في موقف الحساب مع مذلة ~~التوبيخ والتعنيف ولو أنك عجلت التوبة لأمنت من ذلك # فانظر لنفسك قبل أن تروم التوبة فلا تقدر عليها وتسأل الرجعة إلى الدنيا ~~فلا تجاب إليها # والاستعداد للقاء الله تعالى ضربان # أحدهما واجب وهو التوبة كما ذكرناه # الثاني التقرب إلى الله تعالى بأنواع الطاعات المندوبات # ويحمله على ذلك قصر الأمل ويحمله على قصر الأمل علمه بأن أجل الموت مطوي ~~عنه وأنه ما يدري متى يأتيه الطلب ولا متى يكون المنقلب وإنما ينجع ذلك ~~بإدمان الفكر فيه والإكباب عليه # | 22 فصل فيما يجب ms18 على العبد إذا وقف على أفضل الأعمال وأولاها # إذا وقف على أفضل الأعمال وتحقق فحق عليه أن لا يقدم عليه حتى يخلصه لرب ~~الأرباب فلا يقصد به سواه # والتائب من الزلات تنقسم أعماله إلى ظاهر وباطن PageV01P051 فأما الباطن ~~الذي في قلبه فلا يمكنه الرياء به فإن الناس لا ينظرون إليه ولا يقفون عليه ~~إلا أن يسمعهم بذلك ليعظموه ويفخموه ويوقروه ويشكروه ويجلبون إليه ما ~~يقدرون عليه من نفع ويدفعون عنه ما يقدرون على دفعه من ضر # فأما عمل الجوارح والأعضاء فمنه ما يمكن إخفاؤه ومنه ما لا يمكن إخفاءه ~~ولا يتأتى فيه الرياء فيصونه عن الرياء كحزنه بعد سروره وإمساكه عن الكلام ~~الذي لا يحل بعد خوضه فيه والانقطاع من أهل الفسوق والعصيان إلى أهل الطاعة ~~والإيمان وكذلك كل عبادة فضلها في إظهارها فإذا عزم عليها اعترضه النفس ~~والشيطان ليحملاه على الرياء والتصنع بها أما الشيطان فيحمله على ذاك ليفسد ~~عليه عمله # وأما النفس فتنال غرضها من التعظيم والتوقير ومن دفع الضرر عنها ومن جلب ~~النفع إليها وكذلك ما يظهر عليه من زي الصالحين في المآكل والمشارب ~~والملابس والمناكح فيقصد الرياء وقد أعمت شهوته بصيرته عن إدراك الرياء وما ~~أخفى الرياء عن معظم الناس لأنه قصد خفي غمرته شهوة عظيمة فأعمت البصيرة ~~وأفسدت السريرة بخلاف معاصي الأعضاء فإنها ظاهرة محسوسة لا تخفى على أحد ~~PageV01P052 # واعلم أن النفس والشيطان يدعوان الإنسان إلى ترك الورع فإن أطاعهما فاتته ~~منازل أهل الورع وإن عصاهما دعواه إلى ترك الرياء بالورع وإن أطاعهما هلك ~~وفسد ورعه وإن عصاهما دعواه إلى ترك النوافل وقالا تكفيك الفرائض والورع ~~فإن أطاعهما فاتته فضيلة النوافل وقد قال الله سبحانه وتعالى ( لا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ) وإن عصاهما حملاه على الرياء بالنوافل ~~فإن أطاعهما فسدت نوافله وحبط أجره وصار مقتا عند الله تعالى وإن عصاهما ~~وأخلص أوهماه أنه مراء وقالا له لا خلاص لك من الرياء إلا بترك العمل فإن ~~أطاعهما وترك النوافل فاته ما يترتب عليها ms19 من ثواب الله تعالى ومحبته وإن ~~عصاهما أخذا في مجادلته ومخاصمته في كونه مرائيا متصنعا ليشوشا عليه قلبه ~~ويمنعاه من إحضار قلبه في طاعة ربه # أما الشيطان فلأنه عدو للإنسان حاسد له على طاعة الرحمن PageV01P053 # وأما النفس فتنال هواها وتدرك مناها بفكرها في لذات دنياها فإنها مجبولة ~~على حب العاجل والإعراض عن الآجل # وقد حذرنا الرحمن من الشيطان فقال @QB@ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ~~@QE@ أي لا تلتفتوا عليه ولا تصغوا إليه # وحذرنا من النفس بقوله تعالى @QB@ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ~~@QE@ يوسف وقليل ما هم # | 23 فصل في بيان الإخلاص والرياء # الإخلاص أن يريد الله بطاعته ولا يريد به سواه وهو أقسام # أحدها أن يريد الخلاص من العقاب # الثاني أن يريد الفوز بالثواب # الثالث أن يريدهما جميعا # الرابع أن يفعل ذلك حياء من الله تعالى من غير خطور ثواب أو عقاب # الخامس أن يفعل ذلك حبا لله تعالى من غير ملاحظة ثواب أو عقاب # السادس أن يفعل ذلك إجلالا وتعظيما PageV01P054 # وأما الرياء فهو أن يريد الناس بطاعة الله تعالى وعبادته وهما ضربان # أحدهما أن لا يريد بتلك الطاعة إلا الناس # والثاني أن يريد بطاعته الناس ورب الناس وهذا أخف الريائين لأنه أقبل على ~~الله من وجه وعلى الناس من وجه # وأما الأول فإنه إعراض عن الله بالكلية وإقبال على الناس وكلاهما محبط ~~للعمل لقول الله عز وجل ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه ~~معي غيري تركته لشريكه ) وفي رواية ( تركته لشريكي # ولا يتصور شرك الرياء لمن عبد الله تعالى تعظيما وإجلالا لأن تعظيمه ~~يمنعه من أن يعصيه بشرك الرياء # وكذلك الحياء أيضا يزعه عن ذلك # وكذلك الحب مانع من عصيان المحبوب فيما يتقرب به إليه PageV01P055 # | 24 فصل في الأسباب الحاملة على الرياء # النفوس مجبولة على طلب ما يلائمها من شهواتها ولذاتها ومن أعظم شهواتها ~~التعزير والتوقير ودفع ما يؤلمها وجلب ما يلذ لها # والنفوس مستشعرة بأن الناس برهم وفاجرهم يعظمون أهل الدين ms20 ويثنون عليهم ~~ويتقربون إليهم ببذل أموالهم وأنفسهم في مباشرة خدمتهم واحترامهم حتى ~~الملوك الذين هم أعظم الناس عند الناس فإذا علمت النفوس ذلك مالت إلى أن ~~تتصنع لهم بطاعة الله تعالى ليوقروها ويعظموها ويثنوا عليها ويتقربوا إلى ~~الله عز وجل بخدمتها بالأنفس والأموال والأولاد ويصغوا إليهم إذا قالوا ~~ويطيعوهم إذا أمروا ويعتذروا عنهم إذا أخطؤوا ويكفوا عنهم أذية من آذاهم ~~وعداوة من عاداهم PageV01P056 # فإذن للرياء ثلاثة أسباب # أحدهما التعظيم والإجلال وهو أعظمها وعنه ينشأ السببان الآخران # أحدهما الطمع فيما في أيدي الناس من المنافع والأموال # والثاني دفع الضرر وذلك على قدر همم الناس فيما يلتمسون # فمنهم من لا يؤثر إلا التعظيم والإجلال وإن بذلت له الأموال لم يقبل ~~عليها ولم يلتفت إليها لعلمه بأنه يعظم بتركها ويؤثر الإعراض عنها وكذلك لا ~~يستعين بأحد يدفع الضر تصنعا بأنه مستغن عن الناس إما بقوته على دفعه وإما ~~بتوكله على ربه # ومنهم من يؤثر بريائه جلب النفع وإن قل # ومنهم من يؤثر بريائه دفع الضرر ولا يخلو هذا من قصد التعظيم والتوقير ~~فما من رياء إلا فيه طلب تعظيم وتوقير وقد يكون الرياء ناشئا عن هذه ~~الأسباب الثلاثة PageV01P057 # | 25 فصل في أمثلة الرياء لدفع الضرر والذم # وله أمثلة أحدها أن يتقدم مع المجاهدين إلى الصف الأول وهو لا يؤثر ~~التقدم معهم لجبنه ولكنه يتقدم خوفا أن يذم بالجبن وقلة الشجاعة فيتقدم ~~معهم دفعا للمذمة # الثاني أن يكون قائما في الصف فتجبن نفسه عن الثبوت فيخاف على نفسه فيثبت ~~لئلا ينسب إلى الجبن والفشل والتعرض لسخط الله تعالى # ولو غفل عنه أصحابه أو كان بين قوم لا يعرفونه لانهزم فهذا قد تعرض لسخط ~~الله تعالى وإن كان ظاهر فعله أنه مجاهد في سبيل الله # الثالث أن يكون بين قوم يتصدقون بالقدر الكثير من المال ومن عادته أن لا ~~يتصدق وإن تصدق تصدق بالقليل فيخشى أن يبخل وينسب إلى قلة الرحمة فيوافقهم ~~على التصدق بالكثير دفعا لريبة البخل وقلة الرحمة # وكذلك لو كان من عادته ms21 أن لا يتصدق بقليل ولا بكثير فيتصدق من أجلهم ~~بالقليل ليدفع بذلك بعض التبخيل # الرابع أن يحاضر قوما يصلون في الليل أو النهار صلاة لم يعتدها فيخاف أن ~~ينسبوه إلى قلة الرغبة في الخير أو يحضر مع قوم يطيلون الصلاة ويحسنونها ~~فيصنع مثل صنعهم أو دون ذلك على خلاف عاداته دفعا للذم PageV01P058 أو بعضه ~~ومما يشبه الرياء لمشاركته إياه في العلة وليس برياء أن ينزل به نازلة يجهل ~~حكم الله فيها فيخشى أن ينسب إلى الجهل بذلك الحكم فيترك السؤال عنه خوفا ~~من النسبة إلى الجهل بمثله # وكذلك أن يسأل الفقيه أو الشيخ من المشايخ عن حكم من أحكام الله فيجيبنا ~~عن ذلك بما لا يعلمانه خوفا أن ينسبا إلى الجهل بمثل ذلك # وكذلك يخشى أن ينسب إلى قلة المعرفة فيدعي أنه كتب من الأحاديث ما لم ~~يكتبه وسمع منها ما لم يسمعه دفعا للذم # | 26 فصل في الرياء لجلب النفع والطمع فيما في أيدي الناس # وله أمثلة # الأول أن يحاضر من يرجو بره وصلته وإحسانه فيرائيه بطاعة الله تعالى ~~لينيله مارجا منه من البر الصلة # ولو اطلع منه هذا المرجو على زلته لاغتم لاطلاعه عليها ما لا يغتم لاطلاع ~~غيره خوفا من انقطاع بره وصلته ولو اطلع على عبادته وطاعته لارتاح بذلك ~~وفرح به ما لم يرتح إلى إطلاع غيره ممن لا يرجوه # الثاني أن يكون له من يعامله بالنسيئة والمسامحة والصبر بالثمن الحال ~~فيتصنع له بعبادة الله تعالى وطاعته رغبة في الاستمرار على معاملته ~~ومسامحته وصبره PageV01P059 # الثالث الأجير والوكيل يبالغان في النصح وأداء الأمانة طمعا في استمرار ~~التوكيل والإجارة # | 27 فصل فيما يهيج أسباب الرياء خوف الذم من حب الحمد وحب الطمع فيما ~~أيدي الناس # الذي يهيج الرياء ويحث عليه معرفة العبد بأن الناس يعظمون من ظهر صلاحه ~~وديانته ويوقرونه ويؤثرونه ويصدرونه في المجالس ويبدؤونه بالسلام ويقبلون ~~عليه ويصغون إليه ويحسنون الجلوس بين يديه ويستشيرونه في المهام وإن أذنب ~~تأولوا ذنبه وإن كذب تأولوا كذبه ويبذلون له أموالهم ms22 وينكحونه بناتهم ~~ويتقربون إلى الله عز وجل بولايته ويتبركون بدعائه ويبذلون له الندى ويكفون ~~عنه الأذى فإذا شعرت النفس بمثل هذه المنزلة التي لا ينال مثلها إلا ~~بالطاعة تصنعت عندهم بطاعة الله تعالى وعبادته لتنال هذه المنازل أو بعضها ~~ويدفع الناس عنها ما تكره خوفا من الله أن يؤذوا وليا من أوليائه فإن من ~~آذى لله وليا فقد بارز بالمحاربة PageV01P060 # | 28 فصل فيما يضعف دواعي الرياء ويكسر أسبابه # تضعف دواعي الرياء بأسباب منها # تذكير النفس بما يحرمه الله عز وجل من توفيقه أو صلاح قلبه بسبب الرياء # ومنها خوف مقت الله تعالى إذا اطلع على قلبه وهو معتقد الرياء # ومنها ما يفوته أو ينقص له من ثوابه على الإخلاص # ومنها ما ينقص من ثوابه في الآخرة # ومنها ما يتعرض له من عقاب الله تعالى وسخطه وعذابه الأليم في الآخرة # ومنها أنه لا يأمن أن يعجل الله تعالى بعض العقوبات ولا يمهله فيفضحه ~~ويمقته لمن كان يتحبب إليه بريائه # ومنها تقبيح ما يحببه إلى العباد بما يبغضه إلى رب العباد # ومنها تزيينه لهم بما يشينه عند الله تعالى # ومنها التقرب إليهم بما يبعده عن رحمة الله تعالى ومن بعد عن الله فقد ~~هوى به ريح شؤم المعصية في مكان سحيق وضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا مبينا ~~PageV01P061 # ومنها التحمد إليهم بما يوجب ذمة عند الله تعالى # ومنها إرضاؤهم بالتعرض لسخط الله تعالى مع حبوط عمله يوم فقره وفاقته ~~والله لو لم يكن إلا خجلته بين يدي رب العالمين إذا عرض عليه إقباله على ~~الناس وإعراضه عن الله تعالى لكان ذلك من أعظم العقوبات وأوضعها # ومنها أن رضا الناس عنه غاية لا تدرك ومطلوب لا يملك فقد يرضي بعضهم ما ~~يسخط الآخرين # ومنها أن ما ينال منهم لو حصل له مع تعرضه لها بالآفات لكان من أخسر ~~الخاسرين مع أنه يجهل ما يحصل له من المنزلة في قلوب الناس مما يظهره من ~~أعماله وريائه ولا يأمن أن يطلعهم الله تعالى على ريائه فيمقتوه ms23 ويحرموه ~~ويضروه ولا ينفعوه فيخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين # ولأنه إن راآى لدفع الضرر كان ما يناله من ضرر الآخرة أعظم من الضرر الذي ~~راآهم به دفعا له وإن راآهم لجلب نفع كان الذي يفوته من نفع الآخرة أعظم من ~~ذلك النفع وقد يطلعون على ريائه فيفوته النفعان # وإن راآهم ليمدحوه أو ليعظموه وليوقروه كان ما فاته من مدح الله تعالى في ~~ذلك كله على ريائه فيفوته ذلك كله مع عظيم ما تعرض له من غضب الله تعالى ~~PageV01P062 ومقته وعذابه وعقابه الذي لا يدفع ولا يطاق ونعوذ بالله من ~~سخطه وغضبه وعقابه # فإذا واظب من رغب في الإخلاص لله تعالى على ما ذكرناه بإحضاره وإدمانه ~~الفكر فيه وتضرع إلى الله تعالى في أن يعينه ويثبته على الإخلاص ويوفقه ~~إليه اضمحل رياؤه وتلاشى شيئا فشيئا فمجته نفسه بما فيه من عظم الضرر وفوات ~~عظيم النفع ولا يزال يتدرج في الإخلاص إلى أن يصير من المخلصين برحمة رب ~~العالمين # | 29 فصل في بيان ما يرائى به من الطاعات وغيرها # يراءي الناس في دينهم ودنياهم بخمسة أشياء والرياء بالدنيا أخف من ~~PageV01P063 الرياء بالأديان فيرائي أهل الدين والدنيا بأبدانهم وأقوالهم ~~وأعمالهم وبزيهم في أبدانهم ولباسهم # فأما رياء أهل الدين بأبدانهم فيرائي العبد بالنحول واصفرار اللون ليوهم ~~الناس أنه شديد الاجتهاد والخوف والحزن وبضعف صوته وغور عينيه وذبول شفتيه ~~إعلاما للناس بذلك أنه صائم # فالنحول دليل على قلة الغذاء وكثرة الهموم والأحزان والاصفرار دليل على ~~قيام الليل وغلبة الهموم والأحزان وليس هذا رياء على الحقيقة وإنما هو ~~تسميع بلسان الحال لا بلسان المقال # وأما رياء أهل الدنيا بالأبدان فبسمتها وحسنها وصفاء ألوانها # وأما رياء أهل الدين بالزي واللباس فبشعث الرؤوس وحلق الشوارب واستئصال ~~الشعر أو فرقه نهارا لكونه متابعا للرسول صلى الله عليه وسلم في زيه وكذلك ~~غلظ الثياب وآثار السجود وتشمير القمص وقصر الأكمام وخصف النعال وحذوها على ~~زي أهل الدين PageV01P064 # ومن هؤلاء من يؤثر مدح أهل الدنيا والدين فيطلب بريائه ليمدحه ms24 الفريقان ~~وينفق عليهم ليصل إلى أغراضه منهم فيلبس الثياب الخشان لينفق عند أهل ~~الدنيا ويقصر أكمامها ويشمر ذيولها لينفق على أهل الدين وكذلك يلبس النعال ~~الخصاف محذوة على نعال أهل الدين # ومنه من يبالغ في جودة الثياب وغيرها من اللباس ويجعل هيأتها على هيئة ~~لباس أهل الدين ليحمده الفريقان وينفق عندهما ويتقرب من السلاطين زعما منه ~~أنه إنما يتقرب إليهما لقضاء حوائج المسلمين # ومنهم من يتصنع بالطاعة لينفق على أهل السنة وأهل البدعة # ومن هؤلاء من لو أعطي ما أعطي من الأموال الخطيرة لما خرج عن زيه الذي ~~عرف به لئلا يقال خرج عن اقتدائه بنبيه عليه الصلاة والسلام وفتر عما كان ~~عليه من تقشفه وخوفا من الكساد عند من تحبب إليهم ونفق عندهم # ويرائي أهل الدنيا بالثياب النفيسة والطيالسة الرفيعة والجباب المصبغة ~~وغير ذلك من زيهم المعروف عندهم فيخرجون عن زي أهل الدين في ذلك كله # وأما الرياء بالأقوال فيرائي أهل الدين بالنطق بالحكم وإقامة الحجج عند ~~إقامة المناظرة وبالحفظ للحديث وأقوال المختلفين وذكر الله تعالى بالألسن ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتضعيف الصوت عند PageV01P065 الجواب ~~وبتحسين الصوت ورفعه عند القراءة أو تحزينه والتأوه عند القراءة ليدل بذلك ~~على المخافة # وأما رياء أهل الدنيا بالأقوال فيراؤون بالنطق بالطاعة وغير الطاعة ~~وبالفصاحة وبحسن البيان في المحاورة وحسن الصوت وإنشاد الشعر ومعرفة الغناء ~~والنحو والعربية واللغة # وكان السلف إذا اجتمعوا يكرهون أن يذكر الرجل أفضل ما عنده # وأما الرياء بالأعمال فيرائي أهل الدين من أعمالهم بطول الصلاة وتحسين ~~ركوعها وسجوداتها وبالصوم والغزو والحج وطول الصمت وبذل الأموال وإطعام ~~الطعام والإخبات بالمشي إذا لقوا الناس بإرخاء الجفون وتنكس الرؤوس والتثبت ~~عند السؤال # ومنهم من يمشي سريعا فإذا اطلع عليه أهل الدين مشى مشية أهل الدين فإذا ~~جاوزه عاد إلى ما كان عليه # ويرائي أهل الدنيا بصحبة أهل الدين من العلماء والعباد ليقال فلان يمشي ~~إلى فلان العالم أو العابد ويصحبه ويتردد إليه # إما لينفق عند الملوك أو ليتولى القضاء أو ليستشهد أو ms25 يستودع أو يوصى ~~إليه فيخون الأمانة PageV01P066 # | 30 فصل في مراتب نفي الرياء للشيطان # في الرياء ثلاثة أحوال إحداهم أن يخطر الرياء بقلب العبد # الثانية أن يزينه ويحببه إلى العبد # الثالثة أن يدعوه إليه ويحثه عليه بعد أن حببه إليه # فأسعد الناس من يدفع الخطرة ويصرفها عن قلبه ويليه الذي يدفعه بعد تحسينه ~~وتزيينه ويليه الذي لا يتعاطاه بعد حث الشيطان عليه ودعائه إليه وهذا جار ~~في جميع المعاصي ويندفع دعاء الشيطان إلى الرياء وإلى جميع أنواع العصيان ~~بشيئين # أحدهما كراهية المعصية والرياء # والثاني الامتناع مما كرهه # وإنما تحصل الكراهة بتذكر ما في تلك المعصية أو الرياء من سخط الله تعالى ~~وغضبه وعقابه وبما اشتملت عليه مما ذكرناه من مضار الدارين # فإن الله تعالى جبل الإنسان على محبة ما ينفعه وكراهة ما يضره وخلق النفس ~~ميالة إلى ما ينفعها نافرة عما يضرها # والشيطان عون لها على ذلك # وخلق PageV01P067 العقل ليدفع أعظم الضررين بأدناهما ويقدم أعلى النفعين ~~على أدناهما والشرع هو المعرف للنفع والضر # والعقل كالبصر لا يرى النفع والضر إلا في نور الشرع كما أن البصر لا يرى ~~الحسن والقبيح إلا في نور العقل # وإذا زين الشيطان المعصية وحببها إلى النفس امتلأ القلب بحبها فنسي العبد ~~ما كان عزم عليه من الطاعة والإخلاص فيغفل عما في الفعل من مضرته في دينه ~~ودنياه وإنما يقطع ذلك باستجلاب التذكر لما في الذنب من المفاسد التي تربى ~~على ما في الشهوة من المصالح # فإذا علم ما في طاعة الشهوة من الضرر العظيم كرهتها النفس حينئذ لأنها ~~مجبولة على دفع أعظم الضررين بالتزام أخفهما PageV01P068 # ولا شك أن ضرر الذنوب في الدنيا والآخرة أعظم من ضرر فوات شهوة فانية ~~فإذا اطلعت النفس على ذلك صارت مع العقل فيغلب جند الرحمن جند الشيطان إذ ~~لا يتصور في العادة أن يتذكر العبد ما في الطاعة والإخلاص من مصالح الدنيا ~~والآخرة ويستحضره وما في الرياء والمعصية من مفاسد الدنيا والآخرة ثم يقدم ~~على الرياء والعصيان مع العلم بما فيهما ms26 من فوات الصالح وحصول المفاسد # | 31 فائدة في أحوال العبد إذا حضره الرياء في شيء من الطاعات # إذا حضر الشيطان الرياء في شيء من الطاعات كالصلاة مثلا فللعبد أربعة ~~أحوال إحداهن أن لا يلتفت عليه ولا يصغي إليه # الثانية أن ينتهره ويسبه فتنقض صلاته لأنه اشتغل بسب الشيطان عن مناجاة ~~الرحمن PageV01P069 # الثالثة أن يجادله ويناظره ويبين له أن يخدعه فهذا أيضا قد اشتغل بمخاصمة ~~الشيطان عن الإقبال على الملك الديان # الرابعة أن لا يلتفت إليه ولكن يزيد في تحسين صلاته بخضوعها وخشوعها ~~وإتمام سجودها وركوعها إرغاما للشيطان وهذا هو الأفضل لأنه إذا أدمن على ~~ذلك هرب منه الشيطان لأن غرضه بالوسواس وإحضار الرياء أن يفسد عبادة ~~الإنسان فإذا صار إحضاره ووسواسه سببا للتكثير من الطاعة هرب ممن يفعل ذلك ~~لأن سعيه في ذلك سبب لإرغامه بتحسين الطاعة وتكميل العبادة وذلك مرض للرحمن ~~مرغم للشيطان PageV01P070 # | 32 فصل في حكم التحرز من الشيطان والحذر منه # اختلف الناس في ذلك # فقالت طائفة ينبغي أن يشتغل العبد بالعبادات والطاعات ولا يلتفت إلى ~~الشيطان ولا يشتغل بالتحذر منه بل يجعل بدل التحذر منه طاعة الله عز وجل # وقالت طائفة التحذر من الشيطان وأخذ الحذر منه مناف للتوكل على الله ~~تعالى والاعتماد عليه إذ لا قدرة للشيطان على إضلال ولا إغواء إلا بمشيئة ~~الرحمن وإرادة الديان # وهاتان الفرقتان غالطتان مخالفتان لنصوص القرآن واتفاق أهل الإسلام على ~~وجوب التحرز من الكفار وإعداد ما استطعنا لهم من قوة وكراع وسلاح وقد قال ~~الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم @QE@ وكيف يكون امتثال أمر ~~الله سبحانه شغلا عن الله متوكلا على غيره وقد دخل سيد المتوكلين مكة وعلى ~~رأسه المغفر وظاهر يوم أحد بين درعين PageV01P071 # وإذا أمرنا بأخذ الحذر من عدو نراه كما يرانا فما بال الظن بعدو يرانا ~~ولا نراه ويجري منا مجرى الدم وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بالاستعاذة من الشيطان الرجيم بل أمره بالاستعاذة من جميع ~~الشياطين بقوله تعالى @QB@ وقل ms27 رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب ~~أن يحضرون @QE@ أي في شيء من أحوالي كلها # والتحرز من الشياطين أولى من التحرز من الكافرين لأن الشيطان إذا نكبك ~~بشيء من مكره كنت من العاصين الخاسرين والكفار إذا نكبوك بشيء من مكرهم كان ~~ذلك مكفرا لسيئاتك رافعا لدرجاتك فالصواب أخذ الحذر منه والتحرز منه كما ~~أمر رب العالمين # واختلف القائلون بذلك في كيفية التحرز منه وأخذ الحذر فقالت طائفة ينبغي ~~أن يؤخذ الحذر منه في أغلب الأحوال ترقبا لخطره يخطرها فيدفع تلك الخطرة ~~بما غلب على القلب من ذكره والتحرز منه # وقالت طائفة يؤخذ الحذر منه عند كل طاعة تعرض مخافة أن يدخل فيها ما ~~يفسدها # وأخطأت الطائفة الأولى بجعلها ذكر الشيطان أغلب من ذكر الرحمن ~~PageV01P072 # وأخطأت الطائفة الثانية بتسويتها بين ذكر الشيطان وذكر الرحمن # والصواب أن يتحرز منه تحرزا يتنبه بمثله عند خطرته على معصيته ومخالفته ~~ورد خطرته وأن يكثر الاشتغال بالطاعات والقربات والأذكار وتلاوة القرآن ولا ~~تضره الغفلة عنه في أكثر الأوقات # ألا ترى أن من اهتم بشيء ثم رقد فإن اهتمامه يوجب انتباهه لأجله مرات ~~فإذا كان الاهتمام موجبا لتنبيه النائم فإيجابه لتذكير الغافل أولى # | 33 فصل في ترك العمل مخافة الرياء # الشيطان يدعو إلى ترك الطاعات فإن غلبه العبد وقصد الطاعة التي هي أولى ~~من غيرها أخطر له الرياء ليفسدها عليه فإن لم يطعه أوهمه أنه مراء وأن ترك ~~الطاعة بالرياء أولى من فعلها مع الرياء فيدع العمل خيفة من الرياء لأن ~~الشيطان أوهمه أن ترك العمل خيفة الرياء إخلاص والشيطان كاذب في إيهامه إذ ~~ليس ترك العمل خوف الرياء إخلاص وإنما الإخلاص إيقاع الطاعة خالصة لله ~~تعالى دون الناس وقد تترك العمل مخافة الرياء فيوهمك الشيطان أنك مراء بترك ~~العمل لينغص عليك العيش فيما تعمله وفيما تتركه # مثال ذلك أن يكون في قراءة أو تعليم أو ذكر أو أمر PageV01P073 بمعروف أو ~~نهي عن منكر فيوهمك أنك مراء بذلك فتتركه فيوهمك أنك مراء بالصمت وأن يقال ms28 ~~إنما صمت خيفة من الرياء فتغيب عن الناس خوفا من الرياء فيوهمك أنك مراء ~~بالهروب منهم والاعتزال عنهم وأنهم يقولون إنما فر بدينه خوفا من الرياء ~~فتستحلي النفس أن تقول الناس إنما فر بدينه خوف الرياء ولا خلاص لك من مثل ~~ذلك إلا بالكراهة والإباء # فإن أشكل عليك أمرك فإن وجدت نفسك مائلة إليه من غير كراهة ولا إباء فقد ~~صدقك الشيطان فيما أخبرك به من أنك مراء فإن لم تنفك عن خطرة الرياء ولم ~~يجد من نفسك الكراهة والإباء فإن كان ذلك العمل نفلا فدعه وإن كان فرضا ~~لزمك أن تجاهد نفسك على حسب إمكانك في استحضار نفسك الكراهة والإباء # وإن دخلت في الفرض على الإخلاص فأوهمك أنك مراء فلا تصغ إليه ولا تلتفت ~~عليه لأنك تحققت الإخلاص وشككت في الرياء واليقين لا يزال بالشك # | 34 فصل في بيان أوقات الخطرات بالرياء والتسميع # لا يكون التسميع إلا بعد انقضاء العمل على الإخلاص فيسمع العبد ~~PageV01P074 الناس بما فعله لأجل الله تعالى ليحصل على الأغراض التي ~~ذكرناها في الرياء من التوقير والتعظيم والإكرام والاحترام والتصدر في ~~المجالس والبداءة بالسلام وفي الحديث الصحيح ( من سمع سمع الله به ) # ولخطرات الرياء ثلاثة أحوال # إحداهن قبل الشروع في العمل # والثانية عند الشروع فيه # والثالثة بعد الشروع في العمل الخالص # فأما ما يقترن بأول العمل فقد ذكرناه PageV01P075 # وأما ما يقع قبل العمل فللخطرة فيه أحوال # إحداهن أن يخطر له عمل لا يقدر عليه ويتمنى أن لو قدر عليه ليرائى به ~~ويحصل على أغراض الرياء فهذا متمن غير أنه لا يريد معصية الله تعالى # الثانية أن يخطر له الرياء إرادة بحمد المخلوقين ولا يريد عند ذلك رياء ~~ولا إخلاصا # والثالثة أن تخطر له خطرة الرياء لحمد المخلوقين لا غير مع ذكر الإخلاص ~~والرياء فيتغافل عن الإخلاص ولا يفزع من الرياء # والرابعة أن تخطر الخطرة فيكرهها ويحب العصمة منها ولا يدعها لفرط شهوته ~~في الرياء كما يتفق مثل ذلك في سائر الذنوب وهذا أقرب من غيره لأجل ms29 توجعه ~~وكراهته # الخامسة أن يخطر له إرادة الله تعالى وإرادة الخلق # والسادسة أن يخطر له الإخلاص ثم يطرأ عليه الرياء ثم يدخل في العمل بنية ~~الرياء # وأما الخطرة بعد الدخول في العمل فلها حالان # أحدهما أن يخطر له الرياء المحض وله حالتان PageV01P076 # أحدهما أن يستمر على عمله مرائيا به من غير زيادة فيه # الثانية أن يزيد في تحسين العمل وتكميل نوافله لأجل الرياء # الثاني من الحالتين الأولين أن تخطر له رياء الشرك فيزيد في العمل رياء ~~أو يستمر عليه فهذه خطرات المرائي # وأما المسمع فله أحوال # إحداهن أن يحدث به صريحا ليكون على ثقة من حصول أغراض الرياء # الثانية أن يعرض به تعريضا مخافة أن يفطنوا بتسميعه فلا يحصل غرضه ورجاء ~~أن يفهم بعضهم ذلك فيحصل على غرضه وقد يخطر له ذلك فيحبه ويؤثره ولا يعرض ~~به ولا يصرح اكتفاء بما ظهر عليه من الدلالات كاصفرار لونه ونحول جسمه وغور ~~عينيه وذبول شفتيه # | 35 فصل في دركات الرياء والتسميع # شر دركات الرياء الرياء بالإسلام والإيمان وذلك رياء المنافقين # ويليه الرياء بالفرائض كالصلاة والزكاة والحج والعمرة والجهاد والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما فرضه الله عز وجل على عباده فيأتي ~~به العبد لأجل الرياء تصنعا للناس وكراهة للذم وحبا للحمد PageV01P077 # ولو تمكن من ذلك جميعه لما فعل شيئا وقد يسمع بعبادة لم يفعلها وطاعة لم ~~يأتها فيكون جامعا بين ذنبين أحدهما التسميع # والثاني الكذب # ويليه الرياء بما تأكد في الشرع كصلاة جماعة وقرى الضيف وعيادة المرضى ~~وتشييع الجنائز يأتي ذلك لأجل الناس كي لا يذم بترك ما سنه الله تعالى ~~وأكده وإرادة حمدهم ولو أمكنه أن يترك ذلك كله لتركه # وقد يرائي أحدهم بالورع وإظهار النسك فيطيل الصمت ويترك الاغتياب وينهى ~~عنه ويؤدي الأمانة ويجتنب الخيانة وإذا ظهرت منه زلة أظهر التوجع والتندم ~~والحزن والكآبة ويستحل ممن ظلمه والله تعالى يعلم أنه لو تمكن من ترك ذلك ~~كله أو من ترك بعضه لتركه غير مبال بتركه # ويليه الذي يكمل ms30 الفرائض بسننها كإطالة الركوع والسجود والاعتدال والقعود ~~يفعله إذا رآه الناس ويتركه إذا لم يروه وكذلك يؤدي الزكاة من أجود أمواله ~~ولولا الناس لاقتصر على القدر المجزئ # وكذلك يصمت في الصوم عن الغيبة والكذب ويمسك عن النظر إلى ما لا يحل ~~ولولا الرياء لما فعل شيئا من ذلك # ويليه المبادرة إلى التكبيرة الأولى ورفع اليدين وأخذ شماله بيمينه ~~وتسكين أعضائه لا يفعل ذلك إلا رياء ولو خلا بصلاته لم يفعل شيئا من ذلك ~~PageV01P078 # ويليه المبادرة إلى الصف الأول عن يمين الإمام وإكرام الضيف فوق ما يستحق # ويليه من يرائي بالتطوع والتورع وغير ذلك من طلب العلم والتخشع ومجالسة ~~الصالحين وإتيان مجالس المذكرين والواعظين ليصل بذلك إلى معصية من معاصي ~~الله تعالى كإتيان الغلمان والنسوان وأن يولى أمانة أو معصية أو قضاء أو ~~شهادة فيخون في ذلك كله # ويليه من يصر على المعصية ويخشى أن تشاع عنه فيظهر من النوافل والتطوعات ~~والخضوع والخشوع والبكاء ما يوجب تكذيب من يخبر عنه بالمعصية التي هو مصر ~~عليها فقد جعل الله تعالى وقاية لعرضه # ويليه من يأتي بكثير من الطاعات لينال به شيئا من المباحات مثل أن يتصنع ~~لقوم يرغب في النكاح إليهم فيكون كمهاجر أم قيس # ويليه من يطلع منه على نقيصه فيظهر من الطاعة ما يجبرها ويمحوها من قلوب ~~الناس كمن يمشي منبسطا في مشيه فإذا اطلع على من يتنقصه مشى بالسكينة ~~والوقار ونكس رأسه وأسبل يديه وأرخى عينيه وكذلك الضاحك المنبسط في حديثه ~~يطلع عليه فيخشى أن ينسب إلى قلة الأدب وترك التخلق بآداب الصالحين ~~والاستكانة لرب العالمين فيترك ذلك ويظهر الندم عليه والاستغفار منه خوفا ~~من تغير اعتقاد الناس فيه PageV01P079 # ويليه من يرى الناس يتهجدون فيتهجد معهم لئلا ينسب إلى قلة الرغبة في ~~الخير ويراهم يتصدقون فيتصدق لمثل ذلك وكذلك سائر التطوعات يأتي بها ليحمد ~~ويشكر ويولى والله تعالى يعلم منه أنه لو خلا عن الناس لم يفعل شيئا من ذلك # ويليه من يعمل العمل لله تعالى ولأجل العباد ولولا ms31 العباد لما فعله # ويليه من يعمل العمل لله تعالى إذا خلا فإذا رآه الناس فعل ذلك لأجلهم ~~ولأجل الثواب # ويليه من يوهم الناس أنه صائم تطوعا وهو مفطر لكنه يخشى أن ينسب إلى قلة ~~الرغبة في الخير ويكون ممن يظن به الخير فيسقط اعتقاد الظان فيه فيمتنع من ~~الطعام والشراب مع حاجته إليهما وقلة صبره عنهما # وفي بعض هذه الرتب نظر # | 36 فصل فيما يورثه الرياء من الخصال المذمومة # يورث الرياء خصالا مذمومة منها حب الرياسة والمباهاة بالعلم والعمل ~~والتفاخر بالدين والدنيا ومحبة العلو والتكاثر بالمال وغيره من أمور الدنيا ~~وبالعلم والعمل والتحاسد عليهما من غير منافسة بل خوفا من PageV01P080 أن ~~ينال من يحاسده من المنزلة والحمد لا يناله هو ورد الحق على من أمر به أو ~~ناظر فيه لئلا يقال هو أعلم منه وحب الغلبة في المناظرة وترك تعلم من يحتاج ~~إلى تعليمه # وحب الرياسة أن يحب التعظيم والإجلال وتسخير العباد والاحتقار بهم وان لا ~~يرد عليه شيء من أقواله وأن لا يساوى في العلم بأمثاله وأن يصر على الخطأ ~~كي لا تنكسر رياسته وإن وعظ عنف وإن وعظ أنف # والمباهاة بالعلم أن يخبر عن نفسه بكثرة الحفظ والمواظبة عليه وكثرة عدد ~~من لقي من المحدثين والمبادرة بالجواب حين يسأل هو أو غيره يريد بذلك كله ~~أن يعلو على غيره وأن يعلمه أنه أعلم منه وإن أخبر بحديث ذكر أنه يعرفه ~~مباهاة # والمباهاة بالعمل أن يحاضر من يعمل عملا من أعمال البر كالصلاة والجهاد ~~وغيرهما فيأتي بمثل ما يأتي به ويزيد عليه لا يريد بذلك إلا تعريفه أنه ~~افضل منه ولو خلا بنفسه لما فعل شيئا من ذلك PageV01P081 # وأما المباهاة بالدنيا فبأن يزيد على أبناء جنسه بالأبنية والمآكل ~~والمشارب والملابس والمناكح والأثاث والخدم لا يريد بذلك إلا أن يفوق غيره ~~وأن يعرفه أنه أفضل منه في ذلك # والمفاخرة كالمباهاة وتزيد عليها بأن يذكر ما فضله به تعظيما لنفسه ~~وتحقيرا لصاحبه مثل أن يقول كم سمعت أنت وهل تحسن شيئا ms32 وما تقول في مسألة ~~كذا وكذا أو يقول ما يحسن فلان مثل ما أحسن ولا قام مقامي قط في حرب ولا في ~~غيره وكم تحفظ من الحديث ومن لقيت من الشيوخ ومن أدركت من العلماء # والمفاخرة بالدنيا كقوله أنت فقير ولا مال لك وكم ربحت وأي شيء ملكت ~~وعبدي ومولاي أغنى منك # والتكاثر كالمفاخرة ويزيد عليها بالتعديد مثل أن يقول سمعت كذا وكذا من ~~الحديث وغزوت وحججت كذا وكذا غزوة وحجة وأدركت كذا وكذا من المشايخ وما ~~أفطرت من كذا وكذا # ومن ينام بالسحر فإن كان المفاخر المكاثر فطنا يحب أن يحمد بما فاخر به ~~أو كاثر ويخشى أن يذم بالمفاخرة والمكاثرة عرض بالمفاخرة والمكاثرة ليحصل ~~على غرضيه # وهذه الأخلاق الذميمة يجامع بعضها بعضا ويزيد بعضها على بعض ولأجل ذلك ~~فرق الكتاب والسنة بينهما ففي الكتاب @QB@ وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد @QE@ PageV01P082 ) وفي الحديث ( من طلب الدنيا مفاخرا مكاثرا ~~مرائيا ) # ومن الأخلاق الذميمة الحسد ويكون مسببا عن الرياء وغيره كما يكون التفاخر ~~والتكاثر كذلك فالحسد أن يتمنى زوال ما فضل الله تعالى به غيره عليه مخافة ~~أن يعتقد الناس فضله عليه وحب الغلبة يكون عن الرياء وغيره فيحب أن يغلب في ~~المناظرة وأن يخطئ خصمه فيها ليظهر صوابه ليعظم بذلك ويوقر أكثر مما يعظم ~~خصمه ولو أصاب خصمه أو ساواه في المعارضة لساءه ذلك ولطال همه وغمه وقد ~~يترك السؤال عما يلزمه تعلمه أو يجيب بما لا يعلمه مخافة أن ينسب إلى الجهل ~~بذلك وهذا على الحقيقة تسميع بالعلم بلسان الحال PageV01P083 # | 37 فائدة في علامة الرياء في نفس الإنسان # من أراد أن يعلم من نفسه أنه مراء أو مخلص فعلامة كونه مرائيا أن يحب ~~الحمد على الطاعة ويكره الذم فيفعل الطاعة خوفا من الذم # وإذا أخلص العمل لله تعالى أو علم علما لا يعلمه الناس لم يقنع بعلم الله ~~منه ذلك وهاج قلبه لمحبة إطلاع الناس عليه # فأحب الناس إليه من يمدحه على ذلك # وإن طالب نفسه بطاعة خفية ثقلت ms33 عليه ولم تطاوعه على ذلك ولا تتمنى طاعة ~~لا يعلم بها أحد وينفى الرياء بأن يعمل العبد العمل لا يريد به إلا الله ~~تعالى اقتصارا على علم الله الذي بيده النفع والضر فقد يعمل العمل في السر ~~بجوارحه أو بقلبه كالفكر الذي يهيج البكاء والأحزان فتجزع نفسه من خفاء ذلك ~~عن الناس فتقول له كيف تخفي مثل هذه الفضيلة عن الناس ولو علموا بها لقمت ~~عندهم مقاما عظيما ولا يعلم العبد أن في ذلك ضعة قدره عند ربه حتى يلزم ~~قلبه الإخلاص فيقنع بعلم PageV01P084 الله تعالى فإن اطلع عليه منع قلبه من ~~الارتياح إلى اطلاعهم عليه فإن غلبته على الارتياح رد عليها بالكراهة ~~والإباء وامتنع من الركون إليه ولا يزال حذرا حتى يفرغ من العمل فإذا فرغ ~~من العمل منع نفسه من طلب التسميع به فإن كان العمل ظاهرا كتشييع الجنائز ~~وطلب العلم والتطوع يوم الجمعة في المسجد فليوطن نفسه على أن تقنع بعلم ~~الله تعالى ولا ينظر إلى علم من لا يضر ولا ينفع ولا يلتفت إليه # | 38 فصل فيمن يخلص العمل في السر فيطلع عليه فيعجبه ذلك # من أخلص العمل لله سرا فاطلع عليه فأفرحه ذلك وأعجبه فله أحوال # إحداهن أن يفرح بذلك لأن الله عز وجل ستر مساوءه وأظهر محاسنه ولا يفرح ~~بسبب اطلاع الناس على ذلك فهذا فرح بإنعام الله عليه وإحسانه إليه يرجى له ~~الأجر على ذلك وقد يرجو أن يستر الله عليه ذنوبه في الآخرة كما سترها في ~~الدنيا فيكون محسنا للظن بربه وقد قال تعالى ( أنا عند ظن عبدي بي ) ~~PageV01P085 # الثانية أن يسر كون أن الناس اطلعوا عليه فأطاعوا الله فيه بإحسان الظن ~~به فيكون سروره بكونهم أطاعوا الله تعالى فيه فهذا سرور منه للمسلمين بطاعة ~~الله سبحانه وتعالى فيه # الثالثة أن يطلعوا عليه فيقتدوا به فيسر بكونهم اقتدوا به وبأن الله ~~تعالى جعل طاعته سبب الاقتداء به فأحسن به من سرور وقد أمرنا الله عز وجل ~~أن نفرح بفضله وبرحمته # الرابعة أن ms34 يسر باطلاعهم عليه ليعظموه ويشكروه وأن ينال منهم ما يرجوه ~~أهل الرياء فلا يحبط عمله بذلك لأنه مضى على الإخلاص ولم يأثم به لأن من ~~طبع الإنسان الميل إلى ما يوافق طبعه والنفور مما يخالف طبعه وما كلف أحد ~~أن يخرج عن طبعه ولكنه إذا ظهر حبه لذلك لم يأمن أن يكون خطرت له خطرة رياء ~~فخفيت عليه لأن الرياء في العبيد أخفى من دبيب النمل فإن اطلع عليه في ~~أثناء العمل فسر بذلك لأجل المنزلة عند الناس فقد اختلف فيه وتردد الشيخ ~~فيه ثم اختار الإحباط وهذا بعيد إذا لم يراء ببقية عمله فإن مجرد الحب ~~لاطلاع الناس ميل طبعي لا معصية فيه فكيف تحبط الطاعة بما لا معصية فيه # ولو مال قلب الإنسان في الصلاة أو الصوم أو الحج إلى شيء من المعاصي لم ~~تبطل عبادته بذلك فما الفرق بين هذا أو بين الميل إلى الرياء PageV01P086 # فإن قال الشيخ لا آمن عليه الرياء لم يستقم ذلك لأنه تيقن صحة العبادة ~~وإنما انعقدت على الإخلاص وشك فيما يفسدها وقد جاء في حديث وقفه أكثر رواته ~~على أبي صالح أن رجلا قال يا رسول الله أسر العمل لا أحب أن يطلع عليه ~~فيطلع عليه فيسرني فقال ( لك أجران أجر السر وأجر العلانية ) فهذا محمول ~~على من سر بذلك لستر الله عليه لا لاطلاع الناس ونيل المنزلة عندهم أو على ~~من سره ذلك لأن الناس وقروا من أطاع الله عز وجل فيه ولم يقعوا فيه أو ~~لأنهم اقتدوا به لما اطلعوا عليه ولا وجه لإحباط العمل ولا لبعضه بمجرد ~~الرياء إلا أن يقترن بها رياء أو إرادة رياء PageV01P087 # | 39 فائدة في عدم جواز الدخول في العمل إلا بعد التيقن من الإخلاص # لا يجوز أن يدخل في العمل إلا وهو متيقن بالإخلاص الحقيقي أو الحكمي فإذا ~~شرع في العمل ومضى عليه زمان يمكن أن يخطر فيه الرياء ثم أنساه أجزأته ~~العبادة لأنه تيقن الإخلاص في أولها وشك في الرياء المفسد لها فأشبه ms35 من دخل ~~فيها في الصلاة على يقين من الطهارة ثم شك في زوالها فإن تخوف من ذلك كان ~~مأجورا على خوفه من صحة عبادته # | 40 فصل في الإخلاص في النية الحكمية والحقيقية # يتعلق بكل عبادة نيتان # إحداهما أن ينوي كونها عبادة # والثانية أن ينوي كونها لله عز وجل # فأما نية العبادة فضربان # أحدهما حكمية # والثاني حقيقية # فأما الحقيقية فيشترط اقترانها بأول العبادة PageV01P088 # وأما الحكمية فتجزأ في سائر العبادات إذا تحققت في أولها وكذلك تجزأ في ~~أول العبادة إذا تعذر اقتران النية الحقيقية بأولها كما هي في الصيام إذ لا ~~تقترن النية الحقيقية بأوله # وأما الإخلاص فإن كان قد تقدم من المكلف أنه مهما فعله من الطاعات إنما ~~يفعله خالصا لله تعالى فتجزئه هذه النية الحكمية من أول العمل إلى آخره إن ~~كان اسم ذلك الفعل في الشريعة عبادة أو طاعة والأولى أن يأتي في أول الفعل ~~بنية الإخلاص حقيقة كما يفعل ذلك في نية العبادة كالصلاة وتشييع الجنازة # والنية الحكمية في الإخلاص وغيره لا تجزأ إلا إذا لم يطرأ مناقض لها # وإن كان العمل مما الغالب عليه أن يفعل لأجل الناس كالمساعدة على قضاء ~~الحاجات فهذا لا يجزئ إلا بنية حقيقية إلا في أربعة أشياء نفع العالم ~~والعابد والمضطر والرحم والظاهر أنه لا يحتاج إلى تجديد النية في ذلك ~~PageV01P089 # | 41 فائدة في إدخال السرور على المؤمن بالتعليم والإفادة # إدخال السرور على المؤمن بالتعليم والإفادة إن أراد به وجه الله تعالى ~~فهو مثاب عليه وإن أراد به أن يعظمه المتعلم أو يوقره ويحمده أو ينال منه ~~مالا أو غيره من المنافع الدنيوية فلا يقدم على ذلك وليغير إرادته ما ~~استطاع حتى تكون لله وحده إذ @QB@ وما عند الله خير وأبقى @QE@ وإن التبس ~~عليه الأمر فلا يقدم على ذلك حتى يتحقق أنه لا يريد بإدخال السرورة عليه ~~إلا لوجه الله تعالى PageV01P090 # | 42 فصل في من افتتح طاعة لله تعالى مخلصا لله فيها ثم حدث له فيها نشاط ~~فزاد فيها وكان ذلك بمرأى ms36 من الناس فأشكل عليه أمر الزيادة أهو مخلص فيها ~~أم لا # من افتتح طاعة الله تعالى على الإخلاص أو افتتح عملا مما يتعلق بالناس ~~على الإخلاص أيضا وكان ذلك بمرأى من الناس ثم وجد نشاطا لزيادة ذلك العمل ~~فزاد فيه فإن أراد بالزيادة الرياء فهو مراء وإن أراد بها الإخلاص فهو مخلص ~~وإن التبس عليه الأمر فلم يدر أمخلص هو أم مراء فالأولى به أن يجدد النية ~~لإخلاص تلك الزيادة فإن لم يجددها صح عمله لأنه تحقق إخلاصه وشك في الرياء # | 43 فائدة في أن الرياء والإخلاص إرادتان زائدتان على إرادة العبادة # الرياء والإخلاص إرادتان زائدتان على إرادة العبادة فإرادة العبادة أن ~~يريد إيقاع تلك الطاعة والإخلاص أن يريد بها ثواب الله تعالى دون شيء من ~~الأغراض الدنيوية والرياء أن يريد بعمله التعظيم والمدح وغير ذلك من أغراض ~~الرياء PageV01P091 # | 44 فصل فيما لا يدخل فيه الإخلاص # لا يدخل الإخلاص في مباح لا يشتمل على قربة ولا يؤدي إلى قربة كرفع ~~البنيان لا لغرض والد ولا والدة بل لمحض رعونة النفس وكذلك لا إخلاص في ~~محرم ولا مكروه كمن ينظر إلى ما لا يحل النظر إليه ويزعم أنه ينظر إلى ذلك ~~يتفكر في صنع الصانع فهذا لا إخلاص فيه بل لا قربة فيه البتة # | 45 فصل في حكم من سئل عن طاعة من الطاعات أو عبادة من العبادات فقال لا ~~تحضرني نية # ولهذا حالان أحدهما أن يقول لا تحضرني نية لكسلي عن هذا العمل المتطوع به ~~أو لاشتغالي بغيره فهذا صادق في قوله محروم من طاعة ربه ولا حرج ~~PageV01P092 عليه في ذلك لجواز ترك التطوعات # والأولى به أن يحث نفسه على تلك الطاعة واستحضار نيتها فإن التقرب إلى ~~الله تعالى بالنوافل سبب لمحبة الله تعالى العبد وأحسن به وأعظم به من سبب # الثانية أن لا يعوقه عن تلك الطاعة عائق ويقول لا تحضرني النية التي هي ~~الإخلاص فهذا غالط باعتذاره لأنه لم يؤمر بترك العمل لعزوب الإخلاص وإنما ~~أمر بأن يستجلب ms37 الإخلاص على حسب إمكانه ولو ترك العمل لعزوب نية الإخلاص ~~لحمله الشيطان على ترك الواجبات لعزوب نية الإخلاص ولا يضره في ذلك ما ~~يوسوسه الشيطان من ترك الطاعة ولا اشتغال النفس بتلك الطاعة ولا محبتها ~~لحمد الناس على الطاعة ولا محبتها لتعظيمهم إياه وتوقيرهم لأن الله عز وجل ~~جبل النفوس على محبة ما وافقها طاعة كانت أو غير طاعة وعلى كراهة ما خالفها ~~من الطاعات وغيرها وما أمر الله تبارك وتعالى أحدا من خلقه أن يخرج عن طبعه ~~إذ لا قدرة للعبد على ذلك وكذلك لا يقدر على دفع وسواس الشيطان وإنما أمر ~~بمخالفة طبعه بما فيه رضا الرحمن وإرغام الشيطان # وأهل السماوات والأرض ثلاثة أقسام # أحدها الملائكة وقد ركبت فيها العقول دون الكراهة والملال PageV01P093 ~~ولذلك يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يسأمون ولا يثابون على أعمالهم ~~لأنهم لم يجاهدوا أنفسهم ولم يخالفوا أهواءهم # القسم الثاني البهائم والطير والوحش وقد ركبت فيها الشهوات التي تقوم ~~بمصالحها والنفرة مما يؤذيها ويخالف طبعها ولم يركب فيها عقول تعرف بها ~~الأمر والنهي فلم يؤاخذها بشيء لعدم العقل ولا ثواب لها في الآخرة إذ لا ~~طاعة لها ولا عقاب عليها فيما تتلفه من النفوس والأموال وغير ذلك من ~~الأفعال التي يعاقب عليها الثقلان # القسم الثالث الثقلان وقد ركبت فيهم العقول كالملائكة وجعلت فيهم الشهوات ~~كالوحش والطير والدواب فكلفوا لأجل عقولهم وأثيبوا لطاعتهم ومخالفتهم ~~أهواءهم وعوقبوا على معاصيهم ومخالفة أمر ربهم لأن لهم عقولا تردعهم عن ~~موافقة أهوائهم وتزجرهم عن مخالفة أمر ربهم ولم يكلفوا إلا بما يطيقون ولم ~~يكلفوا بالخروج عن طباعهم ولا بإخراج الشيطان من صدورهم ولا حرج على ~~الإنسان في وسواس الشيطان فإن شياطين الجن مثل شياطين الإنس ولو أمرك شيطان ~~إنسي بمعصية الديان ومخالفة الرحمن لم يكن عليك حرج في أمره إياك بذلك ~~وإنما الحرج في إجابة الشيطان وموافقة الطباع فيما يكرهه الرحمن ويزجر عنه ~~القرآن PageV01P094 # | 46 فصل في حكم من ابتدأ طاعته على الرياء ثم أخلصها في أثنائها # والأعمال ضربان ms38 # أحدهما متعدد حكما وصورة كقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والصدقة المترتبة فهذا إذا افتتحه على الرياء ثم أخلص صح ما اقترن به ~~الإخلاص وبطل ما اقترن به الرياء لأن ذلك بمثابة عبادات راءى في بعضهن ~~وأخلص في بعضهن # الثاني العبادة المتخذة كالصلاة والصوم والحج إذا افتتحها مرائيا ثم أخلص ~~في أثنائها فقد اختلف العلماء في ذلك # فقال بعضهم لا يعتد له بشيء منها وهذا هو الظاهر # وقال بعضهم لا يعتد له إلا بافتتاحها دون ما عداه # وقال آخرون يعتد له بالجميع لأنه ما أتى بذلك إلا لله عز وجل فإن التكبير ~~والتسبيح والركوع والسجود لا يكون إلا لله عز وجل وهذا يشكل عليه سائر ~~الأعمال التي لا تكون إلا لله عز وجل PageV01P095 # ولعل هذا يقول لا يبطل الرياء العمل إلا إذا اقترن به من أوله إلى آخره ~~وقد بنى أمره على أن النظر إلى خاتمة العبادة وقد وقعت خالصة لله عز وجل # ولعل من يقول بالصحة في الجميع يجعل الرياء محرما اقترن بالصلاة فلا ~~يبطلها كمن صلى لابسا ثوب حرير أو متختما بخاتم من ذهب أو من صلى في دار ~~مغصوبة ولكن هذا لا يستقيم لأن الشيخ نص على أن ما اقترن بالرياء غير معتد ~~به وليس هذا الفصل صافيا من كدر الإشكال # | 47 فصل فيمن يحمده الناس على الطاعة ويشكل عليه سكون نفسه إلى حمدهم # وطريقه في تعرف ذلك أن يعرض على نفسه أنهم إن ذموه وعابوه أو تركوا حمده ~~من غير ذم فإن كره ذلك واشتغل له قلبه لم يؤمن عليه الرياء وإن لم يبال ~~بذلك ولم يلتفت عليه فالظاهر أنه مخلص وقد يكون قبل ذلك مرائيا واقفا مع ~~حمدهم ثم يخطر له ترك الوقوف مع الحمد وكذلك قد يكون مخلصا فإذا تركوا حمده ~~شق عليه ذلك # ومثل هذا أن يكون للعبد أسباب عتيدة لرزقه فتسكن نفسه ولا يدري هل سكونه ~~اعتماد على الله عز وجل أو اعتماد على تلك الأسباب فيعتبر ذلك PageV01P096 ~~بأن يقدر زوال ms39 الأسباب فإن بقي سكونه فالظاهر أنه كان متوكلا على الله ~~تعالى ويجوز خلاف ذلك وإن قلقت نفسه فالظاهر أنه كان معتمدا على الأسباب # | 48 فصل فيمن يترك النوافل كي لا يأثم الناس بنسبته إلى الرياء # قد يكره المتطوع نسبته إلى الرياء فيترك العمل دفعا لذلك وقد يتركه شفقة ~~على الناس أن يأثموا بنسبته إلى الرياء # وطريقه إلى معرفة ذلك أن ينظر إلى ذنوب الناس فإن شقت عليه كمشقة نسبته ~~إلى الرياء أو أعظم فليس يغالط في ذلك وإن لم يشق عليه ذنوبهم كما يشق عليه ~~نسبتهم إياه إلى الرياء فهو مخطئ من وجهين # أحدهما أنه ترك العمل المحقق نفعه خوفا مما ظنه # والثاني أنه أساء الظن بالمسلمين أن يعصوا الله فيه بنسبته إلى الرياء # | 49 فصل في إظهار العمل للاقتداء # من أظهر عمله ليقتدي به فله حالان # أحدهما أن يكون ممن لا يلتفت إليه ولا يقتدى بأفعاله فلا يظهر ~~PageV01P097 شيئا من أعماله لأنه لا يأمن في إظهارها الرياء وليس على ثقة ~~من الاقتداء به # الثانية أن يكون ممن يقتدى به فيما يظهر من أعماله فإن كان ذلك العمل من ~~أعماله العلانية كالجهاد وأمن من الرياء فأظهر من أعماله التقدم إلى العدو ~~والثبوت في نحره والصبر إذا انهزم الناس على مكافحة العدو فإن أمن الرياء ~~فله أجران أجر الجهاد وأجر التسبب إلى الاقتداء به لأن ( الدال على الخير ~~كفاعله ) وكذلك إظهار الصدقة مع الأمن من الرياء إظهارها للاقتداء ممن ~~يقتدى بمثله أفضل من إخفائها إلا أن يتأذى آخذ الصدقة بأخذها في العلانية ~~فيكون إخفاؤها أولى لأن المن والأذى قد يحبطان أجر الصدقة ولا يقاوم تسببه ~~إلى الاقتداء به تعريضه أخاه المسلم للضيم والأذى وإن أشكل عليه الأمر في ~~ذلك فليعرض الإخفاء والإظهار على نفسه فإن جزعت نفسه من الإخفاء وشق عليها ~~فلا يظهره ذلك إذ لا يأمن على نفسه الرياء وإن جزعها إنما كان لفوات غرضها ~~من الرياء لا لفوات الاقتداء PageV01P098 # | 50 فصل في الإخبار بالطاعة # من عمل طاعة ثم أخبر ms40 بها الناس فله ثلاثة أحوال # إحداهن أن يظهر ذلك ليعظم ويوقر ويحصل أغراض المرائين فهذا مسمع و ( من ~~سمع سمع الله به ) # الثاني أن يفعل ذلك ليقتدي به ويكون سببا يحث المخبرين على الطاعات ~~والعبادات فله حالان PageV01P099 # أحدهما أن يكون مما لا يقتدى به ولا يلتفت إليه فلا يتحدث بشيء من ذلك ~~احترازا من التسميع والتصنع للناس وقد يسخر منه إذا أظهر عمله ونسب إلى ~~الرياء فيكون مخاطرا بالتسميع متسببا إلى وقوع الناس فيه # الثانية أن يكون ممن يقتدي به وله حالان # أحدهما أن يكون ممن يعتقد فيه عامة الناس كالخلفاء الراشدين والعلماء ~~المتقين فإن وثق من أمنه من الرياء إذا تحدث بذلك فليتحدث به وقد فعل ذلك ~~جماعة من الصحابة والتابعين الذين يقتدى بهم في أقوالهم وأفعالهم وقد تسبب ~~بإظهار ذلك إلى نصح المسلمين وحثهم على طاعة رب العالمين # الثانية أن يكون ممن يعتقد فيه بعض الناس دون بعض فلا يتحدث به من لا ~~يعتقد فيه ويذكره عند من يعتقد فيه إذا أمن الرياء # وإن اجتمع الفريقان ففيه تفصيل # الحالة الثالثة أن يخشى من التحدث بالعمل للرياء والتسميع فلا يتحدث بذلك ~~احتياطا وتحرزا عن التصنع والتسميع PageV01P100 # | 51 فصل في تفضيل عمل السر على عمل العلانية # اختلف العلماء في ذلك # فقالت فرقة عمل السر أفضل من عمل العلانية للقدوة وغير القدوة وعمل ~~العلانية للقدوة أفضل من عمل العلانية لغير القدوة # والفرق بينهما أنه في إظهار عمل السر لا يأمن الرياء فيمكنه أن يحفظ عمله ~~عن الرياء بإسراره وإخفائه وحفظ إخلاص العمل أولى من المخاطرة به # وأما عمل العلانية فلا يقدر على التحرز فيه من الرياء # وقالت طائفة عمل السر أفضل من عمل العلانية لغير القدوة وعمل العلانية ~~للقدوة أفضل من عمل السر لأن من تسبب إلى خير أو سن سنة حسنة أجر على ذلك ~~أجرين أو أجورا كثيرة على عدد المقتدين به PageV01P101 # وجاء في حديث ( إن عمل العلانية يضاعف على عمل السر إذا استن بعامله ~~بسبعين ضعفا ) # وعمل السر ما ms41 شرع إسراره من أول أمره كالنوافل والأذكار # وعمل العلانية ما شرعت العلانية في أول أمره أو ما لا يتأتى عمله إلا في ~~العلانية كعيادة المرضى وتشييع الجنائز وحضور الأعياد # فالإسرار بأعمال السر أولى إلا رجاء الاقتداء لمن يأمن الرياء وعمل ~~العلانية مع مجاهدة النفس من خطرات الرياء أولى من تركه مخافة الرياء # وقد ترك جماعة من السلف الأعمال لما اطلع عليهم مع كونهم أعلنوا ما هو ~~أفضل ومنها وما تركوا ذلك إلا عند ضعف الحال في بعض الأوقات خوفا من خطرة ~~التصنع والرياء PageV01P102 # | 52 فصل في ترك العمل خوفا من الرياء # لخطرة الرياء ثلاثة أحوال # إحداهن أن يخطر قبل الشروع في العمل لا ينوي بعمله إلا الرياء فعليه أن ~~يترك العمل إلى أن يستحضر الإخلاص # الثانية أن يخطر رياء الشرك فيترك ولا يقدم على العمل حتى يمحض الإخلاص # الثالثة أن يخطر في أثناء العمل الخالص فليدفعها ويستمر في العمل فإن ~~دامت الخطرة ولم يجب نفسه إلى الرياء صح عمله استصحابا لنيته الأولى ~~PageV01P103 # | 53 فصل فيما يندب إلى تركه من الأعمال الخالصة # الأعمال قسمان # أحدهما عام كالصلاة والصوم والغزو والجهاد والذكر والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر فهذه وما أشبهها من الأعمال العامة لا يترك شيء منها بل يفعلها ~~الخاص والعام # والثاني خاص كالخلافة والإمرة والقضاء والانتصاب للحق بالدعاء إلى الله ~~تعالى فهذا القسم يؤمر العامة بتركه خوفا من العجز عن القيام بحقه ولا ~~يتولى ذلك إلا الأقوياء الواثقون بأنفسهم وقد جاء تشديد عظيم في النهي عن ~~الولايات # وقد أجمع المسلمون على أن الولاة أفضل من غيرهم # وتفصيل ذلك أن الولايات تشتمل على غرض شرعي وغرض طبعي فنهي عنها من يغلبه ~~طبعه وهواه وأمر بها من يكون قاهرا لطبعه غالبا لهواه # فلا يتولاها من لا يملك هواه ولا يرد نفسه إلا أن يتعين لها فيجب عليه أن ~~يتولى وأن يجاهد نفسه في دفع هواها ما استطاع # وأما الأعمال العامة فلا يترك شيء منها PageV01P104 # وأما الاكتساب بالأسباب المباحة ليتصدق مما يكسبه ويصرفه في ms42 القربات فقد ~~اختلف فيه هل تركه أفضل أم فعله # فقالت طائفة تركه أفضل # وقال آخرون بل فعله مع السلامة أولى كما في الصلاة والصيام # | 54 فائدة في أن العمل بطاعة الله إرادة محبة الناس رياء # من الرياء أن يعمل العبد بطاعة الله تعالى إرادة محبة الناس ومن أخلص ~~عمله لله عز وجل وأحب أن يحبه الناس من غير أن يعمل لأجلهم فلا بأس # | 55 فائدة فيمن اطلع الناس على ذنبه وتقصيره فاشتد غمه # من اطلع الناس على ذنبه وتقصيره فاشتد غمه لذلك فلا بأس عليه لأن ذلك من ~~فعل الطبع والغريزة التي لا يكلف بترك آثارها وله أحوال # إحداهن أن يكون اغتمامه باطلاع الناس على تقصيره أشد من اغتمامه باطلاع ~~الله عز وجل عليه فهذا خاسر في دينه # الثانية أن يكون اغتمامه باطلاع الله تعالى عليه أشد من اغتمامه باطلاعهم ~~عليه فهذا أفضل في الدين PageV01P105 # الثالثة أن يخشى سقوط المنزلة عند الناس فيعتذر بالكذب أو يتصنع بالأعمال ~~الصالحة ليمحو ذلك من قلوبهم فلا يجوز ذلك # الرابعة أن يجزع أن يشغله غمه عن القيام بوظائف الطاعات فهذا أفضل لعزة ~~دينه عليه # الخامسة أن لا يبتنى على اغتمامه شيء مما ذكرناه فلا بأس عليه إذ لا ~~يتعلق التكليف بمجرد الاغتمام # | 56 فائدة في أنه لا يفعل في الخلوة إلا ما يسهل فعله في العلانية # ينبغي للمريد أن لا يفعل في الخلوة إلا ما يسهل عليه فعله في العلانية ~~ولذلك قال عمر رضي الله عنه عليكم بعمل العلانية # ويستثنى من ذلك ما يستحي منه كالجماع وقضاء الحاجة وليس كتم الإنسان ~~ذنوبه وإخفاؤها وإخفاء عيوبه من أبواب الرياء إلا أن يظهر من أعماله ~~وأقواله ما يدل على أنه عفيف عن تلك الذنوب منزه عنها فيكون حينئذ كاذبا ~~ومسمعا بلسان الحال # وقد اتفق العلماء على أن المجاهرة بالذنب محظورة إلا أن تمس إليها حاجة ~~كالإقرار بما يوجب الحدود أو الكفارة كما في حديث PageV01P106 ماعز ~~والأعرابي الذي واقع في رمضان وكذلك الإقرار للعباد بحقوقهم ومعصية الله ms43 ~~تعالى فيهم فيلزمه تعريف المستحق لذلك ليبرئه ألا يقيم عليه العقوبة ~~الشرعية # | 57 فصل في التباس سبب الرياء بالحياء # اعلم أن الله عز وجل جبل الآدمي على أوصاف جالبة للنفع وعلى أوصاف دافعة ~~للضر فخلق صفة الجوع لأنها جاذبة لنفع تنفيذ الغذاء وخلق صفة الظمأ لأنها ~~جالبة لنفع تنفيذه للغذاء وخلق شهوة الجماع لأنها في الغالب سبب للنسل وخلق ~~الغضب لدفع الضيم وخلق الحياء لجلب النفع ودفع الضر جميعا # فيحمل الحياء العبد على فعل ما يستحي من تركه PageV01P107 وترك ما يستحي ~~من فعله فقد جمع من الخير ما تفرق في غيره ولذلك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( الحياء من الإيمان ) شبهه بالإيمان لاستوائهما في الحث على كل ~~حسن والزجر عن كل قبيح وقد يفعل الإنسان البر حياء وقد يفعله رياء # مثال ما يفعله حياء أن يسأل شيئا من أنواع البر فيدفعه حياء من السائل أن ~~يمنعه فله أربعة أحوال # إحداهن أن يدفعه رياء فهذا مذموم لأنه قدم الحياء من الخلق على الحياء من ~~الله سبحانه وتعالى # الثاني أن يفعله إخلاصا وحياء فهذا ممدوح مأجور لأنه استعمل الحياء في ~~موضع ينبغي أن يستعمل الحياء فيه # الثالث أن يتردد بين كونه مرائيا أو كونه مستحيا فلا يقضى بإثمه ~~PageV01P108 ولا بكونه مخلصا لأنه لا نتحقق إخلاصه فيكون مأجورا ولا نتحقق ~~رياءه فيكون مأزورا # الرابع أنه يعلم أنه فعله حياء من غير إخلاص ولا رياء فهذا محمود لا ~~مأجور ولا مأزور ومثل هذا عزيز الوجود أن يفعل العبد فعلا لا لغرض # ومثال ترك البر حياء أن يرى شيخا ذا شيبة ووقار وهيبة قد ألم بذنب يجب ~~الإنكار عليه فيترك الإنكار عليه حياء من شيبته ووقاره فهذا عاص لله تعالى ~~من وجهين بترك النكير على من يجب عليه الإنكار وبتقديم استحيائه من الشيخ ~~الكبير على استحيائه من الملك القدير ولو لاحظ عظمة الله تعالى لم يستح إلا ~~منه ولكن الغفلة عن ملاحظة العظمة أوجبت له ذلك # | 58 فصل في أسباب كراهة العبد لذم ms44 الناس # كراهة الذم أمر طبيعي لا يتعلق به تكليف وقد يكره لأسباب PageV01P109 # أحدها أن يكره ذمهم مخافة أن يكون ذمهم دليلا على ذم الله تعالى له إذ هم ~~شهداء الله سبحانه وتعالى في الأرض # الثاني أن يكره ذمهم لكونه شاغلا لقلبه عن طاعة ربه # الثالث أن يكره ذمهم مخافة أن يعصي الله تعالى فيهم بقلبه أو بجوارحه # الرابع أن يكره ذمهم مخافة أن يعصوا الله تعالى فيه بذمهم إياه فهذا كله ~~لا بأس به ولا حرج عليه فيه # الخامس أن يكره ذلك مخافة أن يزول عنه مدح الناس واعتقادهم فيه الورع فإن ~~لم يراء بشيء من الأعمال فهذا نقص في دينه بالنسبة إلى ما تقدم وإن راءى ~~بشيء من الطاعات أو اعتذر كاذبا فقد عصى الله عز وجل # الذي ينبغي للمؤمن أن لا يلاحظ حمد الناس إياه على طاعة ربه ولا ذمهم على ~~معصية ربه وأن يخلي قلبه من ذلك كله وأن يجعل من يعرفه كمن لا يعرفه فيتفرغ ~~عن حمد معارفه وكراهة ذمهم كما يتفرغ من ذلك في حق من لا يعرفه ولو اطلع ~~على حمدهم فسره ذلك لأنهم أطاعوا الله تعالى فيه فلا بأس بذلك # وكذلك لو سره أن الله تعالى ستر مساوئه وأظهر محاسنه فذلك سرور بإنعام ~~الله تعالى عليه وإحسانه إليه PageV01P110 # | 59 فصل في بيان ما يسوى فيه بين الحامد والذام وما يفترقان فيه # على العبد أن يسوي بين حامده وذامه في كونهما لا يقدران بحمدهما ولا ~~ذمهما على نفعه ولا ضره لا في دينه ولا في دنياه ولا في آخرته فيصير الذم ~~والمدح في حقه مستويين في كونهما لا يجلبان خيرا أو لا يدفعان ضرا وهذا ~~معنى قول ابن مسعود رضي الله عنه حتى يكون حامده وذامه في الحق سواء بخلاف ~~ذم الله تعالى ومدحه فإنه هو الضار النافع المعطي المانع الخافض الرافع ~~فمدحه زين وذمه شين مع ما يترتب على مدحه من العطاء والرفع وعلى ذمه من ~~الخفض والمنع # وأما ما يفترق فيه مدح ms45 العباد وذمهم فنفور النفس من الذم وسكونها إلى ~~المدح # وللعبد في تأثيره بالذم والمدح أحوال # أحدها أن يتأثر لنفسه كما قدمناه # الثاني أن يتأثر لأجل ربه كما ذكرناه # الثالث أن يلتبس عليه أمره في ذلك # فطريقه في ذلك أن ينظر إلى مدح الناس لغيره وذمهم فإن تأثر به كما ~~PageV01P111 يتأثر به في حق نفسه بتين بذلك أن محبته وكراهته لأجل ربه ~~سبحانه وإن لم يتأثر به عرف بذلك أن كراهته ومحبته لأجل نفسه لأنه لو كره ~~ذلك أو أحبه لأجل الله عز وجل لكانت محبته وكراهته في حق غيره كمحبته ~~وكراهته في حق نفسه وإن تأثر بذلك في حق غيره أقل مما يتأثر به في حق نفسه ~~دل ذلك على أنه قد شرك في المحبة والكراهة بين نفسه وربه # | 60 فائدة في التوسل بالرياء إلى طاعة الرحمن # لا يجوز لأحد أن يرائي العالم بعمله ليزداد علما بذلك ولا أن يرائي ~~والديه بشيء من عمله ليرضيا عنه لأن الرياء معصية لله تعالى وليس لأحد أن ~~يتوسل بمعاصي الله تعالى إلى طاعته # قال الشيخ وفي هذا نظر لأن هذا توسل بطاعة الله إلى طاعة الله تعالى ~~بخلاف المرائي فإنه توسل بطاعة الله تعالى إلى هوى نفسه PageV01P112 # | 61 فصل فيمن راءى من يطيع الله تعالى بطاعة لم يعتدها هو فوافقه على ~~تلك الطاعة # من راءى المتهجدين فتهجد والقارئين فقرأ أو المتصدقين فتصدق أو الصائمين ~~فصام أو الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر فوافقهم ولم يكن شيء من ذلك ~~من عادته فله ثلاثة أحوال # أحدها أن يفعل ذلك خالصا لله عز وجل واقتداء بمن رآه يفعل ذلك فهذا مطيع ~~لله تعالى حثه ما رآه على طاعة ربه # الثاني أن يخشى الذم بترك الطاعة فيفعلها رياء لدفع الذم وجلب الحمد أو ~~لأحدهما فهذا مراء شقي فإن كان ذلك العمل واجبا جاهد نفسه في دفع الرياء ~~وجلب الإخلاص وإن كان ندبا لم يجز له فعله حتى يتحقق إخلاصه # الثالث أن يلتبس عليه أمره في ذلك فلا يدري ms46 أمخلص هو أم مراء فطريقه ~~معرفة ذلك أن يقدر نفسه مستترا عنهم بحيث لا يرونه فإن طابت نفسه بالإقتداء ~~بهم مع الاستتار عنهم فهو مخلص وإن لم تطب بذلك فهو مراء فلا يقدم على ذلك ~~العمل حتى يخلصه لله تعالى PageV01P113 # وكذلك من راءى الباكين من خشية الله تعالى فاستحضر أسباب البكاء فبكى فإن ~~بكى رياء فهو مراء وإن بكى خالصا من خشية الله تعالى فهو مخلص وإن أشكل ~~أمره عليه قدر نفسه غائبا عنهم فإن بكى مع الغيبة فهو مخلص وإلا فلا # | 62 فصل في التصنع بالصياح والتنهد والزفير والشهيق والتحزن # من سمع وعظا أو قرآنا أو رأى أسبابا يهيج مثلها الخوف والحزن وما في ~~معناهما فتنهد لذلك أو تنفس أو صاح أو أظهر الحزن والتندم والزفير والشهيق ~~أو ما في معنى ذلك فله حالان # أحدهما أن لا يكون في قلبه شيء من الحزن والخوف والندم ولكنه يظهر ذلك ~~تصنعا للناس إما ليحمدوه على ذلك أو لئلا يذموه وينسبوه إلى القسوة وترك ~~الخوف أو يتصنع بذلك ليشككهم فيما بلغهم عنه من الذنوب أو يوهمهم أنه قد ~~تاب من ذنوبه وأقلع عن عيوبه # الثاني أن يكون إذا سمع القرآن أو الوعظ أو تفكر فيما يوجب الحزن أو ~~الخوف فخاف خوفا يسيرا أو حزن حزنا خفيفا فأظهر ما ذكرناه ليوهم الناس أن ~~حزنه وخوفه شديد فهذا والذي تقدمه مسمعان بلسان PageV01P114 الحال لا بلسان ~~المقال وهذا أخف حالا من الذي قبله # وإن خطر له التصنع بذلك فلم يتصنع فقد خلص وسلم وإن تصنع فقد سمع بلسان ~~الحال وعليه إثمان إثم الكذب وإثم التصنع بخلاف التسميع بالأعمال الخالصة ~~فإنه صادق في الإخبار عنها آثم في التسميع بها والمتشبع بما لم يعط كلابس ~~ثوبي زور # وإن هجم عليه سبب من أسباب الخوف أو الحزن فهاجت نفسه ليصنع بذلك # فإن قبل ذلك وتصنع به فهو مسمع بلسان الحال وإن لم يقبله فلا بأس به ~~ولكنه نقص # وكذلك حكم من ظهر منه الشهيق والتنفس والتنهد لخوف أوجب ms47 ذلك فخطر له خطرة ~~التصنع بالزيادة فإن لم يقبلها فلا بأس عليه وإن قبلها فهو متصنع # وحكم المتصنع في البكاء كما ذكرناه في التصنع في الشهيق والتنفس والتنهد ~~PageV01P115 # | 63 فصل في التصنع في السقوط والإغماء # من سقط عند الأسباب المحزنة أو المخوفة فله أحوال # إحداهن أن يسقط لغلبة حزنه أو خوفه بحيث لا يستطيع أن يتمالك فلا بأس ~~عليه فإن إفراط الخوف والحزن قد يوجبان ذلك # الثاني أن يتعاطى ذلك تصنعا بإظهار الشدة الخوف والحزن فهذا كاذب مسمع ~~بلسان الحال وقد يتوهم هذا الكاذب أن الناس قد فطنوا لتصنعه فيتغاشى ~~ويوهمهم أن عقله قد ذهب وأن سقوطه إنما كان لذهاب عقله وقد يسقط ويغشى عليه ~~لفرط خوفه وحزنه أو لفرط غرامه وحبه ثم يفيق عن قريب فيطيل ذلك فيوهم أنه ~~لم يكن متصنعا في سقوطه أو يوهم أن خوفه شديد لا يفيق من غشيته عن قريب ~~فيطيل الغشية تصنعا وإيهاما لشدة الخوف وقد يسقط لفرط ضعفه لا لخوف ربه ~~ويفيق عن قرب فيزيد ذلك لإيهام خوفه فيطيل التغاشي أو يعجز عن PageV01P116 ~~التغاشي فيوهم الضعف في قوله وبدنه وجميع جوارحه # وقد يحضر ذلك عاشق لبعض الأشخاص أو من مات له حبيب عن قرب فيبكي ويصيح ~~ويسقط ويغمى عليه من فرط عشقه وحزنه على ميته ويظهر أن ذلك من حبه لربه أو ~~من حزنه على تقصيره في حق ربه # | 64 فصل فيما ينفى به التخشع والتصنع بما ذكر في الفصل قبله # إذا أبدى من الخشوع ما ليس في قلبه أو خشع ظاهره كما خشع باطنه ثم زاد في ~~ذلك تصنعا أو أظهر السقوط أو الصياح والتنهد تصنعا بالحب أو الخوف وليس ~~بمحب ولا خائف أو أظهر ذلك عن خوف من غير تصنع ثم أحدث التصنع أو أظهر ~~السقوط أو الغشي عن الخوف وليس بخائف أو أظهر ذلك عن خوف حقيقي ثم تصنع أو ~~زاد رياء أو بكى مغلوبا أو تباكى تصنعا أو غير هذا مما في معناه فطريقه في ~~نفي ذلك كله ms48 أن يفكر في نظر الله عز وجل إليه واطلاعه عليه وأنه يظهر الخوف ~~من الله تعالى وهو آمن أو يظهر الحزن على ما فاته من الله تعالى وهو خلي من ~~الحزن وأنه يتحبب إلى الناس بما يتبغض به إلى الله تعالى وأنه لا يأمن أن ~~يطلع الله PageV01P117 العباد على تصنعه فيمقتوه فيجتمع مقت الناس إلى مقت ~~الله تعالى فيخسر الدنيا والآخرة فإذا أدمن على ذلك بالفكر والملاحظة ~~والاستحضار ذهب تصنعه لمن لا يملك له ضرا ولا نفعا وأخلص عمله لمن له الأمر ~~كله # | 65 فائدة في زيادة خشوع العبد إذا نظر الناس إليه # إذا نظر الناس إلى الخاشع فزاد خشوعه فإن تصنع به فمراء وإن زاد فيه من ~~غير تصنع فله أحوال # إحداها أن يزيده لله عز وجل وحده فهذا مخلص # الثانية أن يزيد في خشوعه لئلا يطمع الناس فيه فيمنعوه من خشوعه # الثالثة أن يفعل ذلك ليقتدى به ففيه فضيلة الخشوع والسبب إلى الاقتداء # الرابعة أن يزيد في خشوعه إرغاما للشيطان الذي حمله على التصنع بالخشوع ~~فهذا مخلص مجاهد الشيطان PageV01P118 # | 66 فصل في إيثار الأصحاب الأغنياء على الفقراء # من صحب غنيا وفقيرا أو كانت مخالطته للغني أكثر من مخالطته للفقير ~~وزيارته للغني أكثر من زيارته للفقير فله أحوال # إحداها أن تكون مخالطته للغني أسلم له في دينه أو أزيد في علمه وعمله أو ~~لأنه أجهل من الفقير فيزيد تعليمه وإرشاده فمخالطته للغني على هذا الوجه ~~أولى من مخالطة الفقير # الثانية أن يكون الأمر بالعكس فتكون مخالطة الفقير أولى من مخالطة الغني # الثالثة أن يستوي حال الفقير وحال الغني فيتخير بينهما إلا أن يترجح ~~أحدهما بقرابة أو مجاورة أو رحم # الرابعة أن يلتبس عليه الأمر فيعرض على نفسه أن الفقير لو كان غنيا ~~والغني فقيرا أكان يؤثر الغني أم لا فإن كان بحيث أن يؤثر الغني على الفقير ~~فليعلم أنه إنما آثره عليه لغناه وإن كان بحيث لا يؤثره عليه فهو مخير ما ~~لم يسنح سبب يقتضي إيثار أحدهما على ms49 الآخر PageV01P119 # | 67 فصل فيما يعين على ترك المعاصي رياء كان أو غيره # ولذلك أمثلة # أحدهما ما يعين على ترك الرياء وهو أن لا يحاضر قوما يرائيهم إلا لضرورة ~~كأداء فريضة أو معيشة كافيه لنفسه وعياله ويتحرز من ذلك جهده وطاقته # الثاني أن يكون ممن لا يقدر على حفظ بصره من المحارم فلا يخرج إلى ~~الأسواق ولا يجلس على الطريق ولا ينظر في طاق يتعرض فيه لرؤية المحارم إلا ~~أن يخرج لأداء فريضة أو كفاية معيشة # الثالث أن لا يخالط أقواما لا يكاد يسلم معهم دينه مثل أن يوافقهم على ~~الغيبة أو على تصديق كاذبهم أو تكذيب صادقهم أو على الإزراء بالمسلمين ~~واحتقارهم فلا يخالط هؤلاء إلا لضرورة مع التحرز من موافقتهم على أغراضهم # فإن خالطهم لغير ضرورة دعت ل ذلك فقد غرر بدينه PageV01P120 وتعرض لإسخاط ~~ربه # فإن جالسهم على مذاكرة علم أو نحوها من الطاعات المندوبات فانجر بهم ~~الحال إلى شيء من المعاصي فليعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره فإن جرت ~~نفسه في مخالطتهم فتكرر ذلك منهم مرارا فليجتنب مخالطتهم لما تجر إليه من ~~المعصية إذ لا تقوم المذاكرات والتطوعات بالمعصية وليس هؤلاء بإخوان ولا ~~أصدقاء ولا أصحاب لأن الأخ والصديق والصاحب من يسلم معه دينك أو تزداد ~~بمجالسته خيرا # وأما من يعرضك لسخط الله تعالى ومعصيته فإنه باسم العدو أولى منه باسم ~~الصديق فعليك أن لا تستهين بما يجري بينكم من الكلم فرب كلمة يكتب الله بها ~~لقائلها سخطه إلى يوم القيامة @QB@ وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم @QE@ # ومن هؤلاء من لا يرضى منك إلا بالتصنع ويلتمس منك أن تعادي من عاداه أو ~~توالي من والاه وتصدقه في كذبه وتعينه على ظلمه # والجليس السوء كصاحب الكير إما أن يحرق ثيابك شرره وإما أن تجد منه ريحا ~~منتنة وقد قال الله تعالى لموسى يا موسى كن يقظان مرتادا لنفسك إخوانا فكل ~~خدن لا يؤاتيك على مسرتي فلا تصحبه فإنه عدوك وهو يقسى عليك قلبك ~~PageV01P121 # ولا يؤتى الناس في الأغلب ms50 إلا ممن يشاكلهم فيجتمعون تارة على الخير ~~فيحسدهم الشيطان عليه فيزين لهم الانتقال منه إلى الحديث المباح من الفكاهة ~~وغيرها فإن أجابوه إلى ذلك طمع فيهم وحملهم على الخروج إلى اغتياب من ~~يبغضونه وإلى احتقار من لا يجوز احتقاره فإن أجابوه إلى ذلك دعاهم إلى ما ~~هو أشد منه من السعاية فيمن يكرهونه وفي أذيته وحط منزلته عند الناس # والشيطان صياد حاذق يصطاد كل إنسان بشكله ونظيره كما يفعل الصيادون في ~~اصطياد كل طير بشكله # فالويل كل الويل لمن آثر طاعة الشيطان على طاعة الرحمن فقدم إرضاء ~~الإخوان على إرضاء الديان # | 68 فائدة في المجالسة # يسهل عليك مقاطعة من ذكرت وترك مجالسته بأن تعرض على نفسك ما في مجالسته ~~من التعرض لغضب الله تعالى وسخطه وتطيل التفكر في ذلك فتكره لقاءه بسببه ~~وما مثلك في ذلك إلا كمثل من يلقى إخوانه PageV01P122 فكلما لقي واحدا منهم ~~أخذ شعرة من لحيته أو سلكا من ثوبه فإنه يكره لقاءهم فإنه لو واظب على ~~لقائهم على تلك الحال لأصبح بادي العورة منتوف اللحية وهذا مما يأنف منه كل ~~عاقل # ومهما دعتك نفسك إلى مجالستهم ومخالطتهم لما ألفته من مصاحبتهم فاعرض ذلك ~~على نفسك فإنها تنفر منهم وتكره لقاءهم # فإن بليت بمخالطة من لا تقدر على مفارقته كالأهل ومن تشتغل معهم بالعلم ~~أو بالشركة في الصنائع والتجارات أو بمن يستأجرك أو تستأجره فالطريق في ~~فطامهم أن تظهر لهم شدة كراهتك لمشاركتهم في معاصيهم وغفلتهم فإن أبوا عليك ~~فالطريق في ذلك أن تعظهم وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر فتكون مأجورا ~~أجرين أحدهما على كفك عن مشاركتهم في عصيانهم والآخر في أمرهم بالمعروف ~~ونهيهم عن المنكر فإن أجابوك إلى ذلك كان لك أجر ثالث على إجابتهم فإن من ~~دعى إلى هدى كان له أجره ومثل أجور من دعاهم إليه فإن شق عليك ذلك في ~~PageV01P123 ابتداء الأمر فواظبت عليه ابتغاء مرضات الله تعالى فإن الله ~~تعالى يهونه عليك وييسره لك بحيث يصير ألفا وعادة لك والله عز وجل ms51 لا يضيع ~~أجر من أحسن عملا # | 69 فصل في بيان أن النفس شر أعداء الإنسان # الشيطان عدو فاتن للإنسان وكذلك الدنيا ولهذا جمع الله تعالى بينهما في ~~قوله تعالى @QB@ فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور @QE@ # وكذلك كل شيطان إنسي يدعوك إلى معصية الله تعالى # وشر أعدائك نفسك التي بين جنبيك لأن الدنيا والشيطان يدعوانك بغرورهما ~~وكذلك شيطان الإنس # ولا ضرر عليك في دعاء هؤلاء إلى معصية الله تعالى وإنما تضررك في الدنيا ~~والآخرة بإجابة هؤلاء إلى ما يدعونك إليه فهم متسببون وهي مباشرة # والعهدة العظمى على المباشر دون المتسبب ما لم يكن قاهرا مجبرا ولذلك ~~يقول الشيطان يوم القيامة @QB@ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني @QE@ لأني متسبب ولوموا أنفسكم لأنكم مباشرون وإذا ~~أردت أن تعرف نفسك فانظر في كثرة مخالفتها ومعصيتها PageV01P124 كيف عرضتك ~~بكل ذنب من ذنوبها لسخط الله تعالى وعقابه ثم انظر في حسناتها وفي مقاصدها ~~بأعمالها قل ما ينفعك عمل من أعمالها من رياء أو كبر أو عجب فإذا كشفت عن ~~ذلك حق الكشف وفتشت عنه حق التفتيش عرفت أنها هي المباشرة لأسباب إهلاكك ~~بمعاصيها وصور طاعتها التي لا تنفك عن رياء أو كبر أو إعجاب # ومما يبين لك كذبها وغدرها أنها تعدك بكثير من الطاعات قبل حدوث أسباب ~~تلك الطاعات فإذا أحدثت أسبابها أخلفت وعدها وظهر تعزيرها وأبدلت ما وعدته ~~من الطاعات بمعصية أو معاص عظام وما مثلها في غدرها وغرورها إلا كمثل رجل ~~وعدك أنه يساعدك عند الضرورة وينصرك عند الغلبة فإذا حدثت الضرورة والغلبة ~~خذلك وأسلمك للهلكة # ولكذبها وإخلاف وعدها أمثلة منها أن تعدك بالحلم عند جهل الجاهلين أو ~~أذية المؤذين فإذا جهل عليك جاهل أو آذاك مؤذ أخلفت وعدها فلم تحلم عنه ~~وارتكبت من سبه وإضراره والسعي في أذيته ما لا يحل مثله PageV01P125 # ومنها أن تعدك بالإخلاص في جميع الأفعال وأن لا تفعلها إلا لله وحده فإذا ~~سنحت العبادة ووجدت من ترائيه غدرت بك ونقضت ms52 عزمها وراءت بأعمالها وتصنعت ~~بأحوالها وأقوالها # ومنها أن تعدك بالورع عند حصول أسبابه فإذا حصلت أسبابه لم تتورع وارتكبت ~~أعظم الشبهات غدرا منها وقلة حياء من ربها # ومن ذلك أن تعدك بالزهد في الأشياء قبل تملكها والقدرة عليها فإذا ملكتها ~~وقدرت عليها تكالبت عليها واشتدت رغبتك فيها # وكذلك أيضا تعدك بالرضا بالقضاء قبل نزوله فإذا نزل القضاء كرهت ما زعمت ~~أنها ترضى به وتسخطت بالقضاء ولم تصبر على البلاء ولمثل هذا جاء في الحديث ~~( وأسألك الرضاء بعد القضاء ) # ومن ذلك أن تعدك بالتوكل مع قيام الأسباب عند انقطاع الأسباب فإذا انقطعت ~~الأسباب رجعت إلى المخلوقين فخافتهم ورجتهم وكانت قبل ذلك تتوهم أنها ~~متوكلة على الله تعالى وإنما كانت متوكلة على الأسباب فتظن أنها من الراضين ~~بالقضاء وليست براضية بل عازمة عليه PageV01P126 # وكذلك تظن الإخلاص قبل العمل وليست بمخلصة وإنما هي عازمة على الإخلاص # وكذلك جميع ما ذكرناه من الأحوال قبل حضور أسبابه فإنها عازمة عليه متصفة ~~به فالتبس عليها العزم بالمعزوم عليه جهلا منها بأوصافها ومتعلقات أوصافها # ولو أنك خوفتها بأنواع التخويف وحثثتها على الطاعة بأنواع الحث فأجابت ~~إلى الطاعة لصارت إلى المعاصي الخفية كالرياء والكبر والإعجاب وغير ذلك مما ~~يسنح للعباد دون أهل الغي والفساد وليس غرضها بما تدعوك إليه من المعاصي ~~الجلية والخفية أن تهلكك وأن تعرضك لعذاب الله تعالى وإنما غرضها أن تنال ~~شهوتها ولذتها أينما كانت وحيث ما عجلت سفها منها وغفلا وجهلا بعواقب ~~الأمور بخلاف الشيطان فإنه يأمرك بطاعة هواك ليهلكك ويرديك لا لتلتذ بنيل ~~هواك وبلوغ مناك # ولو قدر أن يهلكك بما لا لذة فيه لفعل لفرط عداوته إياك وكيف لا تتحرز من ~~عدو لم ترد خيرا قط إلا نازعتك إلى خلافه إن لم يكن موافقا لهواها ولا عرض ~~لك شر قط يوافق هواها إلا كانت هي الداعية إليه والحاثة عليه ولا ضيعت خيرا ~~قط إلا بهواها ولا ركبت مكروها قط إلا بمحبتها PageV01P127 ومناها فكيف لا ~~تحذر ممن هذا شأنها وقد شهد عليها خالقها ms53 بأنها أمارة بالسوء كما شهد على ~~الشيطان أنه يأمر بالسوء والفحشاء # إن تيقظت لمعادك شغلتك عن ذلك بالفكر في شهواتها وأمر دنياها فإن قهرتها ~~بعقلك نازعتك أشد المنازعة حتى لا يخلو شيء من صلواتك من فكرها في هواها ~~وأمر دنياها ولو عاملك بعض أعدائك بما تعاملك به على الدوام لأبغضته ومقته ~~وقاطعته وهجرته ولكن هذا عدو لا تقدر على مقاطعته ولا على مهاجرته إذ لا ~~يمكنك مفارقتها ولا يجوز لك قتلها فهي العدو الملازم الذي لا يفارق وجهادها ~~أعظم من جهاد الكفار لأنك إذا قتلت عدوك الكافر أجرك الله على ذلك وإن قتلك ~~أعطاك الله تعالى منازل الشهداء ولو قتلتك نفسك أو قتلتها لخسرت الدنيا ~~والآخرة فشرها قائم وغرورها دائم # فينبغي لك أن تقابل شرها وغرورها بقمع أوصافها وردع أخلاقها حتى تسوقها ~~إلى الله عز وجل وهي كارهة # فعليك بأخذ حذرك منها متوكلا على ربك لا على حذرك وهي مع هذه الأوصاف ~~الخسيسة والأخلاق الذميمة إذا وفقك الله تعالى لشيء من الطاعة وابتغاء ~~مرضاته على خلاف غرضها نسبت ذلك إلى نفسها ونسيت PageV01P128 منة خالقها ~~وإن نبهك الله سبحانه على خير نسبت ذلك إلى نفسها وأدلت به على ربها مع أنه ~~لم ينبهك للخير سواه # فإياك إياك أن تنسب الخير إلى من لم تعرفه إلا بالشر وانسب ذلك إلى ربك ~~الذي وفقك لذلك ونبهك عليه @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ واعتمد في ~~ذلك كله على لطف الله تعالى وحسن توفيقه فما التوفيق إلا من عند الله وما ~~التحقيق إلا من رفده # | 70 فائدة في أخذ الحذر من العجب # واعلم أنك إذا استقمت وقمعت نفسك استعظمت أفعالك فأعجبت PageV01P129 بذلك ~~فألقتك في مهالك العجب الذي أهلك كثيرا من العالمين والعابدين والزاهدين # لأن من أعجب بعمله لم ير لنفسه ذنبا فيتوب منه ولم ير لنفسه تقصيرا فيقلع ~~عنه وقد جاءت الشريعة بذم الإعجاب لأدائه إلى ما ذكرته # فالعجب معم لأكثر الذنوب والعيوب موجب لاستعظام الطاعات والإدلال بها على ~~رب السماوات مفض إلى العزة ms54 والكبر والتعظيم على العباد حتى يصير المعجب كأن ~~له منة على الله تعالى لاستعظامه أعماله وكذلك يمن على عباد الله بما يسديه ~~إليهم من معروفه وإحسانه في زعمه فما أجدره بأن يحبط الله عمله بإعجابه ~~ويكله ربه على نفسه # واعلم أن سبب العجب استعظام واستكثار لما فيك من خير وعلم وعمل بزعمك # فأما العلم فمعرفة الكتاب والسنة وإجماع الأمة PageV01P130 # ويقع الإعجاب أيضا بالرأي الصواب وهو القياس الصحيح # ويقع أيضا بالرأي الخطأ وهو القياس الفاسد والاستدلال الباطل وهو خطأ من ~~وجوه # أحدها زيغه عن الحق # الثاني فرحه بالباطل # الثالث إعجابه بما لا يجوز إعجابه به والعجب فرحة في النفس بإضافة العمل ~~إليها وحمدها عليه مع نسيان أن الله تعالى هو المنعم به والمتفضل بالتوفيق ~~لها # ومن فرح بذلك بكونه منة من الله تعالى واستعظمه لما يرجو عليه من ثواب ~~الله عز وجل ولم يضف ذلك إلى نفسه ولم يحمدها عليه فليس بمعجب # وكذلك إذا علمت أن كل نعمة من الله ثم استعظمت شيئا من أعمالك ناسيا ~~غافلا عن كونه من الله تعالى ومن نفسك غير حامد لنفسك عليه فلست بمعجب ولو ~~استحضرت كونها من الله تعالى كان ذلك أفضل # فالفرح بنسبة النعم إلى الله تعالى مأمور به في كتاب الله في قوله تعالى ~~@QB@ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا @QE@ وإنما الشر والإعجاب في ~~نسبة تلك النعم إلى النفس ونسيان كونها من الله تعالى وما أجدر من فعل ذلك ~~أن يكله الله عز وجل إلى نفسه كما فعل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تسليما يوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم فنسبوا PageV01P131 النصر إلى الكثرة ~~ونسوا نسبته إلى الله تعالى @QB@ علوا كبيرا @QE@ فخذلوا فهزموا مع أنهم ~~خير خلق الله # وقد يؤدي العجب إلى الإدلال على الله تعالى # والإدلال أن يرى العبد أن له عند الله سبحانه وتعالى قدرا عظيما قد ~~استحقه واستحق الثواب عليه مع الأمن من عقاب الله تعالى وليس رجاء المغفرة ~~مع الخوف إدلالا # واللإدلال علامات # منها أن يناجي ربه ms55 بإدلاله بعمله # ومنها أن يستنكر أن ينزل به بلاء # ومنها أن يستنكر أن ينصر عليه غيره أو ترد دعوته مع كونه عامل بالعمل ~~الذي استعظمه حتى حمله العجب والإدلال فما أجهل المدل على الله تعالى بعمله ~~كيف يدل على ربه بإنعامه عليه وإحسانه إليه والشكر على النعم من جملة النعم ~~والله تعالى يقول @QB@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد ~~أبدا @QE@ وقد قال سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ( ما منكم من ~~أحد ينجيه عمله ) قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ( ولا أنا إلا أن يتغمدني ~~الله منه برحمة وفضل ) PageV01P132 # | 71 فائدة في أن الإعجاب لا يقع إلا بصفة كمال # لا يقع العجب إلا بصفة كمال أو ما يعتقد انه صفة كمال # فمن أخطأ في اعتقاده أو في مسألة من مسائل الفروع فإنما أتاه الإعجاب من ~~جهة أنه ظن أنه على الصواب فأعجب بصوابه إذ لا يصح الإعجاب إلا بما يعلم أو ~~يظن أنه من باب الخيور وما فرح هؤلاء بخطئهم إلا باعتقادهم أنهم أصابوا # وقد ذم الله تبارك وتعالى فرحهم في كتابه في قوله تعالى @QB@ فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ # | 72 فصل فيما ينفي الإعجاب بالعلم والعمل والرأي الصواب # وينفى ذلك باستحضار أن الذي وفقك للعمل إنما هو الله عز وجل وأن النفس لا ~~صنع لها في ذلك وأنك إنما فعلته على كراهة منها وأن من الخطأ أن تنسب الخير ~~إلى من لم تعرفه إلا بالشر وأن تقطعه عن من له الأمر كله وأن النعم كلها ~~منه # فإذا لاحظت ذلك وداومت عليه ارتفع عنك العجب PageV01P133 # فإن غفلت عن ذلك فعادت إلى الإعجاب ونسيت منة الله رب الأرباب فعاودها ~~بالدواء الذي ذكرته كلما عادت # | 73 فصل فيما ينفي الإعجاب بالرأي الخطأ # ليس الخطأ نعمة حتى يقع الإعجاب بها وإنما هي بلية من الله عز وجل يتوهم ~~المخطئ أنها نعمة من الله تعالى فيعجب بها # وطريقه في نفي الإعجاب به أن يعلم ms56 أنه من جملة بني آدم وأن بني آدم قد ~~أخطؤوا وضلوا في كثير من الفروع والأصول وأعجبوا بخطئهم ظنا منهم أنه صواب ~~وهو بشر مثلهم يجوز عليه ما جاز عليهم ومآخذ الحق والصواب PageV01P134 ~~موجودة في السنة والكتاب فمن ذلك ما هو محكم ظاهر لا يقع فيه خطأ ومنه ما ~~هو متشابه قابل للخطأ والصواب فيجب عليه أن يتوقف فيه وأن لا يجزم فيه برأي ~~حتى يقف على دليل شرعي يعتمد على مثله # فإن لم يقف على دليل يرشده إلى مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله ~~عليه وسلم من ذلك المتشابه فليسأل العلماء عن ذلك فإن وقفوه على ما يجوز ~~الاعتماد عليه أصغى إليه واعتمد عليه وإن لم يقفوه على ذلك آمن بالمتشابه ~~ولم يتأوله حتى يقف على دليل شرعي موجب للتأويل وعلى العامة الإيمان ~~بالمتشابه ورد معناه إلى العلماء # وقد يقع الإعجاب بما يستقبل من الأعمال بناء على عزمه وحزمه وما جربه من ~~نفسه ناسيا لمنة ربه ومضيفا له إلى نفسه الأمارة بالسوء # | 74 فصل فيما يقع به الإعجاب من الأسباب الدنيوية غير الأسباب الدينية # ويقع الإعجاب بأسباب أخر غير العلم والدين # فمن ذلك إعجاب المرء بحسن صوته ناسيا لإنعام الله تعالى عليه بذلك ~~PageV01P135 وقد يحمله حسن الصوت على الفجور والافتخار به على غيره وينفي ~~ذلك بنظره في بدء خلقه وأنه خلق من نطفة قدره وفيما ينقلب إليه من الأقذار ~~وبما يصير إليه في آخر أمره من سيلان صديده وتبديل صورته ونتنه وتغير ريحه ~~وفي تضييعه ما وجب عليه من شكر ربه وفيما يتعرض له بترك الشكر من سخط الله ~~عز وجل ودخول النار المغيرة لشكله وحسن صورته # ومن ذلك الإعجاب بالقوة باستعظامها والاعتماد عليها ونسيان شكرها مع ترك ~~الاتكال على خالقها كما قالت عاد من أشد منا قوة وكما أدل سليمان عليه ~~السلام بقوته فقال لأطوفن الليلة على سبعين امرأة # ولم يقل إن شاء الله # وينفي العجب بذلك بأن يعلم أنها نعمة من الله تعالى ابتلاه بها هل ms57 ~~يستعملها في طاعته أم في معصيته وإن الله عز وجل قادر على أن يسلبها منه ~~فيصبح من اضعف خلق الله # ومن ذلك العجب بالعقل والذهن والفطنة باستعظام ذلك واستحسانه ونسيان نعم ~~الله تعالى به والاتكال عليه أن يدرك به من أمور دينه ودنياه ما لا يصل ~~إليه غيره ناسيا لإنعام الله تعالى به عليه للتوكل على الله PageV01P136 عز ~~وجل في ذلك كله وقد يحمله ذلك على الجدال بالباطل ورد الحق على أهله ~~واستصغار علم العلماء بالإضافة إلى علمه # وقد يستصغر ما علموه من البر والخير مع تضييعه العمل بذلك اجتراء منه ~~بفهمه وفطنته وينفي العجب بذلك بأن يعلم بان الله عز وجل هو المنعم عليه ~~بذلك نعمة من الله ابتلاه بها لتكون حجة عليه آكد منها على غيره وأنه لا ~~يأمن أن يسلبه الله تعالى ذلك كما فعل بغيره وكيف ينفعه عقله وجودة ذهنه ~~إذا كان غيره أطوع لله تعالى منه فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء # ومن ذلك العجب بالحسب وهو أن يتعظم بانتسابه إلى من عظم الله قدره في ~~الدين والعلم والرسالة والنبوة ناسيا لإنعام الله تعالى به عليه ومحتقرا ~~لعباد الله ومعتقدا أن له الحق عليهم # وقد يعتقد أحدهم أن ينجو بغير عمل وقد يفتخر على الناس بذلك مع عصيانه ~~وفجوره # وينفي العجب بذلك بأن يعده من إنعام الله تعالى عليه وإحسانه إليه وأن ~~الأحساب لا تجلب شيئا من الثواب ولا تدفع شيئا من PageV01P137 العقاب وأن ~~أكرم الناس عند الله أتقاهم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابنته ~~فاطمة وعمته صفية رضي الله عنهما ( لا أغني عنكما من الله شيئا ) وأن ~~الأحساب ليست من أسباب الثواب # وليعلم أن أسلافه الذين يفتخر بهم إنما شرفوا بطاعة الله عز وجل واجتناب ~~معصيته وقد كان أبو طالب وأبو لهب من اقرب الناس إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلم يغن ذلك عنهما من الله شيئا ولا يغتر بما روي عن رسول الله ~~صلى ms58 الله عليه وسلم من الشفاعة لبني عبد المطلب فإن الله عز وجل لا يشفع في ~~أحد من ذوي الأحساب ولا من غيرهم إلا لمن ارتضى منهم فهو وغيره مما لا حسب ~~له في ذلك سواء # وقد يبلغ الحمق بأحدهم بأن يعجب بالانتماء إلى جماعة من أكابر مشركي ~~العرب وينفي الإعجاب بذلك بأن يعلم أن الذين افتخر بهم عند الله عز وجل ~~وعند عباده المؤمنين شر من الكلاب مع التخليد في العذاب ولو تصاغرت به نفسه ~~إلى الانتماء إلى هؤلاء لكان أولى به # وأحمق من هؤلاء من يعجب بالانتماء إلى الملوك المشركين من غير العرب ~~استعظاما لقدره ونسيانا إلى ما صاروا إليه من السخط والعذاب وينفي الإعجاب ~~بذلك بأن يعلم أن PageV01P138 ما كانوا فيه من السعة والسطوة وبال عليهم من ~~الله عز وجل فإذا لاحظ ذلك وعلم هوانهم عند الله انتفى إعجابه بذلك # ومنهم من يعجب بكثرة العدد والأولاد والمماليك والموالي والعشائر ~~والأصحاب متكلا عليهم ناسيا للتوكل على رب الأرباب وقد يحمله ذلك على أن ~~يسطو بمن خالفه ويبطش بمن آسفة اعتمادا على كثرة عدده ومدده # وينفي العجب بذلك بأن يعلم أن النصر من عند الله وان الكثرة لا تغني شيئا ~~كما لم تغن كثرة الصحابة عنهم يوم حنين شيئا مع أنهم خير عصابة على وجه ~~الأرض وبأن يعلم أن ولده وعشيرته وخوله وإن كثروا لن يغنوا عنه شيئا إذا ~~حضر الموت وأفرد في قبره ويوم يبعث منفردا وكل منهم مشغول عنه بنفسه @QB@ ~~يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن ~~يغنيه @QE@ وبأن يعلم أن كثرة ما ذكرناه من النعم الموجبة للشكر وأن من ~~شكرها أن لا يعتمد عليها ولا يستند إليها # ومنهم من يعجب بكثرة الأموال فيفتخر بها على الفقراء ويحتقرهم بسبب فقرهم ~~وخصاصتهم وينفي عجبه بذلك بأن يعلم أن الأموال فتنة ومحنة ابتلي بها العباد ~~@QB@ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى @QE@ PageV01P139 وأن الأكثرين هم ~~الأقلون يوم القيامة وأن الله عز وجل قد عافى ms59 الفقراء من التعرض لهذه ~~الفتنة وخلصهم من هذه المحنة وأن غنى قارون كان سببا لإهلاكه # | 75 فصل في الكبر # الكبر أن يتعظم على غيره أنفة منه واحتقارا له # وله أسباب من جملتها العجب وهو أكبرها وكذلك يطلق الكبر على العجب لأنه ~~سبب عنه ولا يتكبر إلا من جهل قدره وعظمة ربه # وقد تهدد الله تعالى المتكبرين في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه صلى الله ~~عليه وسلم لأن العظمة و الكبرياء لا يليقان إلا برب الأرباب # وقد تسمى أخلاق الكبر كبرا أيضا لكونها مسببة عنه PageV01P140 # والكبر أقسام أحدها الكبر عن بعض طاعة الله تعالى # الثاني الكبر عن متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم # الثالث الكبر على العباد أن يرى أنه خير منهم فينظر إليهم بعين الازدراء ~~والأنفة والحقرية وأن لا يقبل منهم الحق لعلمه أنه حق فمن أمره بخير تكبر ~~عن قبوله منه مع علمه أنه صواب كما تكبرت اليهود عن متابعة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وكما تكبر إبليس على آدم مع ~~علمه بأن الله تعالى فضله عليه # وقد يحمل التكبر على المخلوق على التكبر على الخالق كما فعل إبليس إذ ~~حمله التكبر على آدم على التكبر عن السجود فمن رأى أنه خير من أخيه حقرية ~~له وازدراء به أو رد الحق وهو يعرفه فقد تكبر على العباد # ومن تعظم وأنف عن الذل والخضوع لطاعة الله تعالى فقد تكبر على الله تعالى # فأصل الكبر التعظيم وحقيقته الأنفة والازدراء ورد الحق مع العلم به ~~PageV01P141 # | 76 فصل في الكبر المسبب عن العجب بالعلم # من أعجب بعلمه تكبر على من هو دونه في العلم وعلى العامة وينتهر من يعلمه ~~وإن وعظ عنف وإن وعظ أنف وإن أمر بالحق لم يقبله وإن ناظر ازدرأ بمناظريه ~~وينقبض عن الناس ليبدؤوا بالسلام ويسخرهم في أغراضه ويغضب على من لم يقم ~~بحوائجه # فمن المتكبرين من يجمع بين هذه الخلال القبيحة لفرط غفلته عن الله عز وجل # ومنهم من يعامل الناس ms60 ببعض ذلك # والعلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا فتغيره الأشجار إلى طباعها ~~فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة وكذلك العلم إذا حصله المتكبرون ازدادوا ~~كبرا إلى كبرهم وإذا ناله المتواضعون ازدادوا تواضعا إلى تواضعهم ~~PageV01P142 # | 77 فصل في الكبر المسبب عن العجب بالعمل # من تكبر إعجابا بعمله احتقر من لا يعمل مثل عمله فإن كان أجهل منه قال ~~مضيع جاهل وإن كان أعلم منه قال الحجة عليه أعظم منها علي فينظر إلى الناس ~~بعين الاحتقار والازدراء منقبضا عنهم ليبدؤه بالسلام ولا يبدؤهم ويزوروه ~~ولا يزورهم ويعودوه ولا يعودهم ويخدموه ولا يخدمهم وإن بدأ أحدا منهم ~~بالسلام أو زاره أو عاده رأى أنه قد تفضل عليه وأحسن إليه وأن مثلهم لا ~~يستحق ذلك منه ويرجو لنفسه أكثر مما يرجوه لهم ويخاف عليهم أكثر مما يخاف ~~على نفسه آمنا من عذاب الله تعالى وهم يتواضعون له ويوقرونه ويقومون بحقوقه ~~الواجبة والمندوبة تقربا إلى الله عز وجل وهو يعاملهم بما ذكرناه من ~~الأوصاف معصية لله فيهم فهم عند الله تعالى خير منه # | 78 فصل في الكبر المسبب عن الرياء # من تكبر على الرياء حمله ذلك على أن يرد الحق على من أمره به أو ناظره ~~فيه وإن كان أفضل منه وأعلم كي لا يقال غلب فلان فلانا PageV01P143 أو خطاه ~~أو قهره فيخرجه ذلك إلى الأنفة من قبول الحق والاعتراف به وقد يوجب الحقد ~~تكبرا موجبا لرد الحق مع العلم به كما ذكرناه من الكبر المسبب عن العجب # | 79 فائدة في أن الإعجاب والكبر في الغالب لا يكون إلا بنعم دينية أو ~~دنيوية # لا يكون الإعجاب والكبر في الغالب إلا بنعم دينية أو دنيوية ونعم الدين ~~أعظم من نعم الدنيا وقل أن يخلو عارف أو عابد أو عالم عن نوع من الكبر ولكن ~~قد يخلو القوي عن آثار الكبر فإن تكبر بقلبه لم يحمله ذلك على رد الحق ولا ~~على شيء مما ذكرناه من أفعال الجوارح المذمومة # وقد جاء عن حذيفة رضي الله عنه أنه ms61 ترك إمامة قومه لأن نفسه حدثته أنه ~~أفضلهم # واستأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إمام قوم في أن يدعو بدعوات بعد ~~الصلوات فمنعه من ذلك خوفا عليه من الكبر وقال أخاف أن تنتفخ حتى تبلغ ~~الثريا PageV01P144 # | 80 فصل في التكبر بالأسباب الدنيوية # وهي ضروب # أحدها التكبر بالأحساب الموجبة احتقار الناس واجتنابهم والافتخار عليهم ~~مثل أن يقول أنا فلان بن فلان فمن أبوك ومثلك يقاوم مثلي أو يخاطبه وقد يقع ~~ذلك لبعض الصالحين في بعض الأحايين في أوقات الغفلات ولكن لا يخرجهم ذلك ~~إلى جميع ما ذكرناه # الثاني التكبر بالقوي وحسن الصور ويخرج إلى الافتخار بذلك على من هو دونه ~~وإلى حقريته واجتنابه # الثالث التكبر بالأموال والأولاد وكثرة العشائر والأنصار يخرج إلى ~~الافتخار والاحتقار لمن ليس كذلك PageV01P145 # | 81 فصل فيما ينفى به الكبر # ينفى الكبر بأن يعلم الإنسان أن الله عز وجل خلق أباه من التراب ثم من ~~حمأ مسنون أي طين منتن ثم جعل نسله من نطفة قدره في مكان قذر فأوجده بعد ~~العدم وأسمعه بعد الصمم وأنطقه بعد البكم وخلق له العقل الذي يعرف به ~~أوصافه ثم أخرجه من بطن أمه ضعيفا عاجزا جاهلا ثم رباه إلى أن أدركه أجله ~~وهو فيما بين ذلك ملابس الأقذار كالبول والغائط والمخاط والبزاق لا ينفك عن ~~ذلك ولا يتخلص منه يريد أن يذكر فينسى وأن يعلم فيجهل وأن يصح فيسقم وأن ~~يقدر فيعجز وأن يستغني فيفتقر لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا خفضا ولا ~~رفعا وهو مع ذلك كثير الكبر على العباد والجرأة على رب الأرباب لا يشكر ~~إحسانه إليه ولا يذكر إنعامه عليه ولا يستحي من وقوفه غدا بين يديه عريان ~~حافيا حاسرا فيسأله عن أعماله كلها دقها وجلها فيا خجلته بين يديه من عرض ~~أعماله القبيحة عليه بل لو ذكر انفراده في القبر عن الأموال والأولاد ~~والحشم والأحفاد وقد صار جيفة قذرة منتنة لكان ذلك مانعا له من الكبر الذي ~~لا يليق إلا بمن لا يزول ولا يحول ms62 وليس كمثله شيء وهو السميع PageV01P146 ~~البصير # فسبحان من العظمة إزاره والكبرياء رداؤه فمن نازعه من ذلك كان جديرا ~~بالعذاب وسوء المآب # وعلى المرء إذا خاف الإعجاب أن يتفقد نفسه فإن خطرت له خطرة للكبر فطريقه ~~في ذلك أن يردعها عن ذلك بما ذكرناه فإن أبت نفسه زجرها بوعيد الله وتهديده # وإن تكبر في مناظرة أو في سؤال من دونه فليردعها عن ذلك حتى تقبل الحق ~~ممن هو دونها وتعترف لمن يناظرها بالحق والصواب وكذلك يردعها عن الامتناع ~~من الكسب الدنيء إذا كان حلالا وعن الأنفة من حمل سلعتها وكذلك يزجرها عن ~~إجابة الداعي وإن كان عبدا أو فقيرا وكذلك عيادة الضعفاء والفقراء وإن كان ~~أرفع منهم في حسبه ونسبه وكذلك لا يأنف من الانتساب إلى أصله وإن كان دنيا ~~وكذلك لا يأنف من لبس الخشن من الثياب وأكل الخشن من الطعام ومن جميع ما ~~يأنف منه الجبارون والمتكبرون PageV01P147 # وإذا شك في نفسه هل تواضعت أم لا فليمتحنها بهذه الأسباب فإن أنفت منها ~~واستكبرت عنها فهو باق على كبره متوهم أنه صار من أهل التواضع وقد جرب عبد ~~الله بن سلام رضي الله عنه نفسه في ذلك بأن حمل حزمة حطب مع كثرة غلمانه ~~وأتباعه تجربة لنفسه # وقد يحمله الكبر على أن يتصنع بما ليس عنده من العلم والعمل والحسب ~~الشريف ونزاهة النفس وسلامة العرض وكذلك يحمله على ترك الاختلاف إلى ~~العلماء إظهارا منه أنه مثلهم أو أفضل منهم وأن يأنف أن يتقدم عليه غيره في ~~الصلاة كل ذلك تكبرا أو خوفا من سقوط منزلته عند الناس # وربما أوهمته نفسه أنه يترك السؤال وغيره حياء من الناس وهو متكبر غير ~~مستح يخيل إليه أن كبره استحياء إليه ليروج عليه الكبر ويدفع ذلك كله بما ~~ذكر أول الفصل PageV01P148 # | 82 فصل في ترك الكبر على الفساق والتباس الكبر بالبغض لله سبحانه ~~والغضب لله سبحانه وتعالى # الناس بالنسبة إليك أقسام # أحدها من لا تعرفه ولا تعرف أنك فضلت عليه # الثاني من تعرفه بذنوب أقل ms63 من ذنوبك فلا يمكنك أن تتكبر على هذا ولا على ~~القسم الأول # الثالث من عرفت أن ذنوبه أكثر من ذنوبك وعيوبه أكبر من عيوبك مع أنك من ~~عيوبك على يقين ومن عيوبه على ظن # فإن كنت تخاف على نفسك من العقوبة أكثر مما تخاف عليه فلست بمتكبر عليه ~~وإن خفت عليه أكثر مما تخاف على نفسك فأنت متكبر عليه فإن سبب الخوف ~~العصيان # فلو كان خوفك لأجل معصيته مع قلتها لكان خوفك على نفسك مع كثرة معاصيك ~~أكثر وإن كانت معاصيه أكثر من معاصيك فالطريق في ترك الكبر عليه بأن تعرف ~~نعمة الله عليك بعصمته إياك من مثل عمله وأن تغضب عليه وتجانبه غضب الله ~~تعالى مع خوفك على نفسك بحيث لا ترى أنك ناج وهو هالك إذ لا تدري بما يختم ~~له وبما يختم لك # وأنك أمرت بالخوف على نفسك دون الخوف عليه إلا من طريق الإشفاق مع ~~ملازمتك الخوف من سوء الخاتمة ومما اقترن بأعمالك الصالحة من المفسدات ~~كالرياء والعجب وغيرهما # فكم من عاص ختم الله أعماله بأحسن الأعمال وكم PageV01P149 من مطيع ختم ~~الله أعماله بسيء الأعمال @QB@ لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ~~@QE@ # وكذلك أهل البدع المضلون للناس يجب عليك أن تبغضهم في الله وأن لا تنكر ~~عليهم بحيث تظن أنك عند الله خير منهم فإن الأعمال بالخواتيم ولا تدري ~~بماذا يختم لك من الأعمال وبماذا يختم لهم # وكذلك الكفار تبغضهم في الله وتعاديهم فيه ولا تتكبر عليهم بناء على أن ~~عاقبتك عند الله خير من عاقبتهم إذ لا تدري نفس ماذا تكسب غدا # ولا يدري أحد بما ذا تختم أعماله فقد ارتد جماعة من الصحابة وماتوا على ~~الردة # وكم من كافر احتقره المؤمنون وكان عند الله خيرا منهم # ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تأخر إسلامه عن إسلام جماعة من ~~الصحابة رضي الله عنهم ولعلهم كانوا ينظرون إليه قبل إسلامه بعين الإزراء ~~ولا يدرون أنه عند الله تعالى أفضل منهم ms64 PageV01P150 # وليس من الكبر أن يعرف الإنسان ما فضله الله تعالى به على غيره وإنما ~~الكبر أن يحتقره وينكر عليه أنه عند الله في الآخرة خير منه مع جهله بما ~~يؤول إليه أمرهما # | 83 فصل في الحسد والتنافس # التنافس عبارة عن طلب الأنفس وهو مأمور به في الدين لقوله تعالى @QB@ وفي ~~ذلك فليتنافس المتنافسون @QE@ والحسد تمن وهو من أعمال القلوب وله آثار من ~~الأقوال والأعمال # والتمني ضربان أحدهما أن يتمنى مثل ما لغيره من الفضل والخير في الدين أو ~~الدنيا ويعبر عنه بالغبطة # والثاني أن يتمنى زوال ما لغيره من فضل في دين أو دنيا فهذا منهي عنه ~~لقوله تعالى @QB@ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض @QE@ وأمر ~~بالغبطة في قوله تعالى @QB@ واسألوا الله من فضله @QE@ والحسد المذموم ~~ضربان شرهما أن يتمنى زوال النعمة عن المحسود وإن لم تصل إليه # والثاني أن يتمنى زوالها عن المحسود إليه PageV01P151 # وقد أجمع العلماء على تحريم هذين الضربين وورد بذلك الكتاب والسنة في غير ~~ما موضع # وشر الحسد الحسد على معاصي الله عز وجل وهو أن يتمنى أن يتمكن من المعاصي ~~التي يفعلها غيره # وليس من الحسد أن لا ينال غيره خيرا من خيور الدنيا والآخرة لأن الحسد ~~مخصوص بما حصل من النعم # وينشأ التحاسد في الدين عن فرط المحبة لطاعة الله تعالى وفي الدنيا عن ~~فرط المحبة للدنيا وقد يكون مسببا عن الكبر وعن العجب وعن الرياسة وحب ~~المنزلة والرياء وقد يكون مسببا عن العداوة والبغضاء وهو أشدها فإنه قد يحث ~~على السعي في إهلاك النفوس والأموال # ولا يتصور الحسد لمحبوب لأن المحب يتمنى زيادة النعم للمحبوب ولا يتمنى ~~زوال النعم عنه # وقد يقع التحاسد على تفضيل دنيوي كإيثار الأب أحد ابنيه والزوج لإحدى ~~زوجتيه # وقد يقع التحاسد بين أرباب الصنائع والمتعلقين بالأمراء والملوك ~~PageV01P152 # وقد يقع التحاسد بسبب الإعجاب بالفضائل في الأنساب وكذلك التماثل في ~~الأنساب كالأخوة وبني الأعمام بحسد بعضهم بعضا وكذلك يحسد العباد العباد ~~والعلماء العلماء # والغالب أن الحسد لا ms65 يقع إلا بين المشتركين في فضيلة من الفضائل أو في ~~شيء من الأسباب الدنيوية فلا يحسد الفقيه النحوي ولا التاجر الجمال ولا ~~الصانع البقال # ومن أسباب الحسد التجاوز ولذلك أمر عمر رضي الله تعالى عنه الأقارب أن ~~يتزاوروا ولا يتجاوروا # وقال كعب رضي الله عنه ما من حكيم في قوم إلا حسدوه وكثروا عليه # وشر أنواع الحسد تمني زوال النعم عن عباد الله عز وجل وإن لم تصل إلى ~~الحاسد # ويزال هذا النوع بأن تعلم أنك لم تحب لأخيك المسلم ما أحببت لنفسك وأنك ~~شاركت الشيطان في عداوة أخيك المسلم وسخطت لما أعطى الله عباده من غير أن ~~يحصل لك بذلك نفع أو غرض صحيح # وما الحاسدون إلا كما قال الله تعالى @QB@ وإن يهلكون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون @QE@ PageV01P153 # ومثل الحاسد مع المحسود كمثل رجل رمى إنسانا بحجر ليقتله أو يفقأ عينه ~~فرجع الحجر عليه فقتله أو فقأ عينه بل حال الحسد أشد لأنه يتعرض بحسده لغضب ~~الله تعالى وسخطه عليه # | 84 فائدة في مدافعة خطرة الحسد # لم يكلف الله تعالى العباد أن يخرجوا عن مقتضى طباعهم في الحسد ولا في ~~شيء من الشهوات وإنما عليك إذا خطرت لك خطرة الحسد ودعاك الشيطان إليه أن ~~تكره ذلك أشد الكراهة لما يؤدي إليه من السعي في مضارة المحسود وكذلك كراهة ~~جميع الشهوات تكرهها إذا نازعتك نفسك وعدوك إليها # | 85 فائدة أخرى في آثار الحسد # للحسد آثار قبيحة وهي السعي في أذية المحسود بالأقوال والأفعال وإزالة ~~النعمة عنه فمن حسد وترك آثار الحسد فله حالان PageV01P154 # أحدهما أن يكره الحسد ولا يريد ضرر المحسود فليس هذا بحاسد # الثاني أن لا يكره الحسد فقد قال بعض الناس لا إثم عليه إذ لا حسد على ~~الحقيقة إلا السعي في أذية المحسود وهذا لا يصح لأن الحسد من أفعال القلوب ~~وقد يتجوز به عن آثاره فتسمى حسدا وإنما نهى عن الحسد لكونه إذا تمكن من ~~القلب حمل على المعاملة بآثاره فيكون تحريمه من باب تحريم الوسائل # | 86 ms66 فائدة في إثم الحسد وآثاره # الحسد بالقلب ذنب بين الحاسد وبين الرب تعالى لا تقف صحة التوبة عنه على ~~تحليل المحسود وإبرائه بخلاف آثار الحسد فإنها أذية للمحسود فلا تصح التوبة ~~عنها إلا بالخروج عن عهدتها لأن الضرر ليس بمجرد الحسد وإنما هو بتعاطي ~~آثاره # | 87 فصل في النهي عن الغرة # الغرة اعتماد القلب على ما لا ينبغي أن يعتمد عليه كاعتماد العالم على ~~PageV01P155 علمه والحليم على حلمه والزاهد على زهادته والعابد على عبادته ~~والعارف على معرفته والعصاة على إمهال الله تعالى إياهم والأغنياء على ~~غناهم وهذا شرك فإن الاعتماد ليس إلا على رحمة الله عز وجل إذ لا ينجي أحدا ~~عمله إلا أن يتغمده الله برحمة منه وفضل وقد يلتبس على العامة الرجاء ~~بالغرة فيجترئ على المعاصي اغترارا بسعة الرحمة وكثرة النعمة وجهلا بالفرق ~~بين الغرور والرجاء فإن الرجاء إنما يتحقق عند أسباب الفلاح وطرق النجاح # فمن بذر بذرا في أرض طيبة وتعهد بذره تعهد مثله كان راجيا لاستغلاله # ومن بذر بذرا في أرض خبيثة أو في أرض طيبة ولم يتعهده تعهده مثله ثم قال ~~أنا راج لاستغلاله قيل له بل أنت مغرور لأن الرجاء إنما يتحقق عند القيام ~~بأسباب المرجو # ومدار الغرور كله على الجهل فما اغتر الكفار بعبادتهم إلا جهلا منهم ~~بحبوطها وما اغتر المبتدعة ببدعهم إلا جهلا منهم ببطلانها وما اغتر ~~الأغنياء بغناهم إلا جهلا منهم بأنه فتنة ومحنة وظنا منهم أنه كرامة ونعمة ~~PageV01P156 # وكذلك اغترار العابد بعبادته والزاهد بزهادته والعارف بمعرفته وربما أقدم ~~هؤلاء على معصية ربهم ظنا منهم أن الله عز وجل لا يؤاخذهم بقربهم إليه ~~وكرامتهم عليه # والرجاء ضربان أحدهما ما يخرج عن القنوط من رحمة الله تعالى كرجاء العصاة ~~للتوبة # والثاني رجاء ارتفاع الدرجات وكثرة المثوبات والكرامات وهذا لا يصح إلا ~~من العاملين المقبلين على إرضاء رب العالمين قال الله تعالى @QB@ الذين ~~آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله @QE@ وقال ~~في الرجاء القاطع للقنوط @QB@ يا عبادي الذين أسرفوا ms67 على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله @QE@ # | 88 فائدة في تخويف النفس من خطرة المعصية # إذا خطرت خطرة بمعصية فليخوف النفس من القصد إليها والعزم عليها فإن ~~قصدتها فليخوف النفس من الإقدام عليها فإن غلبته وأقدمت عليها فليخوفها من ~~الإصرار عليها وليأمرها بالتوبة منها فإن حدثه الشيطان بأن توبته لا تقبل ~~وأن توبته لا تغفر فليرجها سعة رحمة الله تعالى وليذكرها أنه يغفر الذنوب ~~جميعا ولا يبالي # فإن أصرت على الذنب قنوطا من رحمة الله فليذكرها أنه لا يقنط من رحمة ~~الله إلا الظالمون # ويعرفها أن القنوط من رحمة PageV01P157 الله سبب الانهماك في المعاصي ~~والمخالفات وكذلك متى ما رأى كثرة غرتها بالله تعالى فليجتهد في تخويفها من ~~غضب الله تعالى وعقابه وأليم عذابه فيكون بذلك واضعا للخوف في مواضعه ~~وللرجاء في مظانه # | 89 فصل في الغرة بأنواع دينه # وهي أنواع أحدها كثرة الروايات والتبحر في علم الحديث يغتر به من قام به ~~معتقدا أنه ينجيه ناسيا الاعتماد على ربه مقصرا في طاعته محتقرا لعباد الله ~~عز وجل عاملا بمعصية الله تعالى لا يرى أن أحدا يكافيه وربما ارتكب بعضهم ~~الكبائر معتقدا ان مثله لا يؤاخذ بذلك وتنفى الغرة بذلك بأن يعلم أن علمه ~~حجة لله عز وجل عليه وأنه إذا لم يعمل بالعلم كان وبالا عليه # وقد جاء في الحديث ( إن أول من يدخل النار العلماء الذين لا يعملون ~~بعلمهم فيقولون أي ربنا بدئ بنا قبل عبدة الأوثان فيقال لهم ليس من علم كمن ~~لم يعلم ) # وينبغي أن يواظب على هذه الملاحظة إلى أن تزول غرته ويعتمد على ~~PageV01P158 رحمة ربه ناظرا إلى قوله صلى الله عليه وسلم ( لن ينجي أحدكم ~~عمله ) فإذا كان العمل الذي هو المقصود لا ينجي فما الظن بالوسيلة التي هي ~~العلم # النوع الثاني في الاغترار بالفقه والتبحر في معرفة الحلال والحرام وسائر ~~الأحكام والتأهل للقضاء والفتيا فغرة هذا أشد من غرة من تفرد بالرواية لأن ~~هذا يعتقد أن به قوام الدين لمعرفته بالشرع ويعتقد أنه هو ms68 الطبيب وأن ~~الراوي هو الصيدلاني فيعميه ذلك حتى يخفى عليه أكثر ذنوبه وعيوبه وإن عرف ~~ذنوبه وعيوبه اعتمد على علمه وقال مثلي لا يؤاخذ بذلك وينفي الغرة بذلك بأن ~~يعلم أن المعرفة بجلال الله تعالى وكماله وسعة رحمته وشدة نقمته وبمعرفة ~~أحكام القلوب وأعمالها أفضل من علمه الذي وصل إليه واعتمد عليه وقد قال ~~الله تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ # قال ابن عباس رضي الله عنهما إنما يخشاني من عبادي من علم عزتي وملكوتي ~~وسلطاني # وكذلك يكثر ذكر المعاد وما أعد الله تعالى فيه من الحساب والمناقشة على ~~الأعمال والثواب والعقاب PageV01P159 # النوع الثالث الاغترار بمعرفة الأحوال والآداب وأخلاق النفوس الذميمة ~~والحميدة وكيفية السعي في إبطالها وتقلبها وكذلك معرفة التعظيم والإجلال ~~والترك والإهمال والخوف وأسبابه والرجاء وموجباته والمحبة والمهابة والتوبة ~~وأركانها وشرائطها والزهد والرغبة ورتب المجهود فيه والمرغوب فيه والتوكل ~~على الله تعالى والرياء والإخلاص ويبالغ في حسن التعبير عن ذلك كله ويظن ~~بجهله أنه متصف بهذه الأوصاف توهما منه أن حسن العبارة عنها تدل على ~~تحقيقها فيعتقد أنه راج وهو مغرور ويعتقد أنه خائف وهو متوهم ويعتقد أنه ~~متوكل على الله تعالى وهو متوكل على الأسباب ويعتقد أنه مقبل على الله وهو ~~معرض عنه ويعتقد أنه محب مع خلوه من آثار الحب ويعتقد أنه مشمر وهو متهاون ~~إلى غير ذلك مما يوهمه الشيطان أنه من أهله وليس من أهله # وإنما يعرف هذا غلطه بأن يجرب نفسه فيما يدعيه من الأوصاف فإن ادعت عليه ~~الخوف جربها عند همه بمعصيته لله تعالى فإن أقدم على ما هم به فليس بخائف ~~ثم ينظر في قطع الإصرار عن ذنبه والتوبة منه فإن لم تسمح نفسه بالتوبة علم ~~أنه غير خائف لأن أول رتب الخوف الخوف من الذنوب فكيف يدعي الخوف من ليس في ~~رتب أدنى الخائفين PageV01P160 # وكذلك توهمه نفسه الزهد في الدنيا ما دام فاقدا لها فإذا سنحت له الدنيا ~~أخلد إليها وأقبل عليها فيعلم بذلك أن زهده كان من أماني نفسه ms69 وكذلك يعتبر ~~المحبة لله تعالى بآثارها من الأنس والمبادرة إلى الطاعة وتجنب أسباب السخط ~~والالتذاذ بذكره وحلاوة مناجاته وكثرة اللهج بذكره فإذا لم يكن عنده ذلك ~~علم أن نفسه قد كذبته # وكذلك يعرف أنه متوكل على الأسباب دون رب الأرباب بأن يزيل الأسباب فإذا ~~جزعت نفسه لذلك علم أنه كان معتمدا على الأسباب دون رب الأرباب ومثال ذلك ~~بأن يكون لرزقه أسباب يعتمد عليها كضيعة أو صنعة أو راتبا أو من يقوم بأمره ~~من ولد ووالد فتسكن نفسه إلى تلك الأسباب فيتوهم أن سكونه إلى الله عز وجل ~~فإذا أزيلت تلك الأسباب جزعت نفسه واضطربت وتبين أنها كانت معتمدة على ~~الأسباب دون ربها عز وجل # وكذلك يعتقد أنه من المخلصين في أعماله وأقواله وأحواله فإذا سنحت له ~~أسباب الرياء لم يملك نفسه حتى يرائي بأقواله وأعماله وأحواله PageV01P161 # وكذلك يعتقد البراءة من الكذب والإعجاب والإدلال بالأعمال فإذا وقعت ~~أسباب ذلك مالت نفسه إليه وغلبته عليه وإنما غلط هذا فيما اعتقده من ~~الأحوال المذكورة من جهة أن المسلم المؤمن بالله واليوم الآخر لا يخلو عن ~~أصول هذه الأحوال فلا ينفك أحد من المؤمنين عن الإخلاص لله تعالى ولو في ~~التوحيد ولا عن التوكل ولوفي حال الشدائد ولا عن محبة الله تعالى إما ~~لملاحظته جماله وكماله أو بملاحظته إنعامه وإحسانه وإفضاله # وقد جبلت النفوس على حب من أنعم عليها وأحسن إليها # وكذلك لا تخلو عن الرجاء عند ملاحظة سعة الرحمة ولا عن الخوف عند ملاحظة ~~شدة النقمة ولا عن التوكل عند ملاحظة توحد الله تعالى بالنفع والضر # فلما كانت أصول الأحوال موجودة فيه توهم أن تلك الأحوال في رتب الكمال ~~فإذا دعى الناس إلى شيء من ذلك فإن أوهمهم أنه متصف بأعلى رتب هذه الأحوال ~~فقد تصنع بما ليس فيه بلسان الحال إلا أن يقع في أثناء ذلك قول يدل على ذلك ~~فيكون متصنعا بلسان المقال و ( المتشبع بما ليس فيه كلابس ثوبي زور ) ~~PageV01P162 # النوع الرابع الاغترار بما يحفظ من كلام القصاص والوعاظ ms70 والمذكرين ولا ~~يفهم معانيه ولا يعرف صحيحه من فاسده فتارة يحدث به العامة وتارة يخص به ~~أصحابه وهو مغتبط به يظن أنه سبب نجاته ويقتصر في ذلك في طاعة ربه وينتفي ~~الاغترار بذلك بأن يعرض أعماله على أقواله فإذا وجد نفسه واصفة للزهد وهو ~~من الراغبين وللخوف وهو من الآمنين وللإخلاص وهو من المرائين وللعفاف وهو ~~من الفاسقين وللاجتهاد وهو من المقصرين وللإقبال على الله وهو من المعرضين ~~علم حينئذ أنه من المغترين # النوع الخامس الاغترار بعلم الكلام والجدل والرد على أهل الأديان وإبطال ~~مذاهبهم والرد على أهل البدع وإبطال بدعهم ودحض حججهم يعتقد أحدهم أنه لا ~~يعرف الله تعالى سواه وأنه لا يصح العمل إلا بأحكام ما عرفه وهم مع ذلك ~~حفاة عصاة يظنون علمهم ينجيهم من سخط ربهم فمنهم من يضيع الصلوات ويتبع ~~الشهوات ولا يقدرون لأحد قدرا ولا يقيمون له وزنا وتنتفي غرة هؤلاء بأن ~~يعلموا بان الكتاب والسنة مشتملان على المحكم والمتشابه وأن النظر بالعقل ~~قد يخطئ ويصيب ولا يغره جزمه بمذهبه فإن خصمه كذلك جازم بمذهبه مضلل غيره ~~@QB@ ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون @QE@ PageV01P163 # والطريق في استقامة الاقتداء بما اتفق عليه السلف الصالح في أصول الدين ~~وفروعه فيتابعه فلا يلزمه سوى ذلك ومما ينجع فيه أن الإعتقاد قد يلتبس ~~بالعلم فيظن المعتقد الجازم بانه عارف عالم وبمثل هذا ضل أكثر المختلفين ~~ويدل على ذلك أن الإنسان يقطع بالشيء ويجزم به ثم يظهر له بطلان جزمه ~~لاعتقاد يعتقده أو علم يعلمه فالجزم أن يتمسك بالسنة التي درج الناس عليها ~~وأن لا يتعداها إلى غيرها لما في ذلك من المخاطرة بالدين ومخالفة سيد ~~المرسلين صلى الله عليه وسلم والسلف الصالحين رضي الله عنهم أجمعين # النوع السادس الاغترار بالعبادة والزهادة والتقشف والصيام والقيام ودعوى ~~محبة الله عز وجل حتى يصعق أحدهم عند ذكره ويتغاشى في السماع إيهاما لغلبة ~~الحب عليه # ومن هؤلاء من يترك الأهم بما ليس كذلك ككسب الحلال وتضييع العيال والخروج ~~للحج والعمرة بغير ms71 زاد وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وكل من هؤلاء معتقد أنه ~~قد أقام التقوى على حدودها وحقوقها وأنه قد صار إلى منازل المتقين الورعين # وطريقه في نفي ذلك أن يعتبر اكتسابه وأقواله وأعماله وجميع أحواله فإذا ~~بحث عن كسبه وجده حراما أو شبهة فقد تبين له مجانبة التقوى في مكسبه وإذا ~~حج بغير زاد زاعما أنه متوكل على ربه تعالى فليعتبر توكله بما ذكرناه عند ~~ارتفاع الأسباب وليعلم أنه مخالف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ~~في تزودهم في أسفارهم للحج وغيره # وإن ظهر أن أقواله وأعماله موافقة في ظاهرها للكتاب والسنة فلينظر في ~~إخلاصها لله عز وجل وليعرضها في نفسه عملا عملا فإذا اطلع على تصنعه وريائه ~~زالت PageV01P164 غرته بأعمال كان يعتقد صحتها وهي باطلة عند الله تعالى ~~بالرياء وكذلك يعتبر جميع أعماله الظاهرة والباطنة فإذا اطلع من ذلك على ~~نفسه زالت غرته وأقبل على إصلاح أعماله وأقواله # النوع السابع الاغترار بالتورع في المآكل والمشارب والملابس مع ظن فاعل ~~ذلك أنه قد قام بالتقوى في جميع ما أمر به وهو مضيع لكثير من التقوى في ~~ظاهره وباطنه ظنا منه أن تقشفه في المطعم والملبس ينجيه وينفي اغتراره بذلك ~~بان يعلم أن التقوى ليست بمحصورة فيما تورع فيه وأنها متعلقة بالقلوب ~~والأسماع وسائر الأعضاء وأن الله سبحانه وتعالى توعد من أضاع تقواه بالعذاب ~~الشديد مع طيب مشربه ومطعمه وملبسه # النوع الثامن الاغترار بالخلوة والعزلة والانقطاع عن الناس مع الاعتماد ~~عليها والسرور بما ينسبه الناس إليه من الانقطاع إلى الله عز وجل وينفي ~~الاغترار بذلك بأن ينظر فيما حرمه الله تعالى عليه في ظاهره وباطنه من ~~PageV01P165 حين كلف وإلى وقته فلا يكاد أن يسلم في ذلك كله بل لا يسلم في ~~بعضه فكيف يغتر بانقطاعه وعزلته مع وقوعه في معصية ربه التي قد تحبط أعماله ~~وتسقط آماله # ثم ينظر بعد ذلك في جميع ما أوجبه الله تعالى عليه فلا يكاد يسلم من ~~تفريطه في واجب أو واجبات فإن ظهر تفريطه ms72 فيها لم يأمن من أن يكون تفريطه ~~سببا لإحباط عمله وحسناته وفي التنزيل @QB@ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون @QE@ # وقد جاء في الحديث ( إن من ضيع صلاة العصر حبط عمله ) وإن أتى بها على ~~وجهها لم يأمن الرياء المحبط لها وإن أخلصها لم يأمن التصنع بها فإن لم ~~يتصنع بها لم يأمن الإعجاب بها والإدلال بها على ربه والتكبر بها على عباد ~~الله تعالى فإن سلم له ذلك لم يأمن من إحباطه ببعض ذنوبه وفي إحباط العمل ~~بالعجب نظر # النوع التاسع الاغترار بالغزو والحج وقيام الليل وصوم النهار مع تضييع ~~أكثر التقوى الظاهرة والباطنة وترك التفقد لأقواله وأعماله وأحواله ظنا منه ~~أن مثله لا يحتاج إلى التفقد ونسيانا لتضييع الواجبات وارتكاب المنهيات ~~وتنتفي الغرة بذلك بما ذكرناه في الفصل قبله # واغترار الذي قبله PageV01P166 بالعزلة والانقطاع أقبح من اغترار هذا لأن ~~ذلك اغترار بمندوب ليس بمفروض وليست رتبته في المندوبات كرتبة القيام ~~والصيام والحج والغزو ولا يقع إلا واجبا لأن الصفوف إذا التقت تعين القتال # النوع العاشر الاغترار برعاية التقوى الظاهرة والباطنة والاهتمام ~~بتقديمها على غيرها من الطاعات المسنونات والمندوبات مع اعتقاد أحدهم ~~التوحد في عصره وأنه الناجي دون غيره وهو لو سلمت تقواه له لم يأمن أن يحبط ~~الله تقواه بما يقع منه في الاستقبال أو أن يعذبه بما تقدم من ذنوبه قبل ~~تقواه # وينتفي الاغترار بذلك بأن يعرض تقواه على تقوى سلف هذه الأمة وخوفه على ~~خوفهم ووجله على وجلهم واستشعار نفسه على استشعار أنفسهم فقد كانوا كما ~~وصفهم ربهم بقوله @QB@ والذين يؤتون ما آتوا @QE@ من التقوى والطاعة @QB@ ~~وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون @QE@ أي خائفة من رجوعهم إلى جزاء ربهم ~~ولقد انتهى بهم الوجل والخوف إلى أن تمنى أحدهم أن يكون شجرة تعضد وتمنى ~~بعضهم أن يكون كبشا سمنه أهله فذبحوه وأكلوه وقد كان سيد الأولين والآخرين ~~صلى الله عليه وسلم أخوفهم لله تعالى مع ms73 أن هذا المغتر بتقواه لا يأمن أن ~~يكون ضيع من التقوى ما يحبط تقواه PageV01P167 # النوع الحادي عشر الاغترار بالعزم على التقوى وبالعزم على الأفعال الرضية ~~والأحوال السنية كالبصر والتوكل والرضا والإخلاص وغير ذلك من الأحوال ~~العلية وبالعزم على ترك الأخلاق الدنية كالغضب والحسد والرياء # ويظن كل من هؤلاء أنه من أهل ما عزم عليه بمجرد عزمه فإذا سنحت له ~~الأسباب المقتضية للمعزوم جاشت عليه نفسه فخرج عما عزم عليه إلا القليل منه ~~فإنه يأتي به فيزداد غروره لاعتقاده أنه من أهل ما عزم عليه # مثال ذلك أن يعزم على الصبر على ما يصيبه فإذا حضر ما يصبر عليه كذبته ~~نفسه وجزعت # وكذلك يعزم على الإخلاص فإذا وجد من يرائيه جاشت نفسه إلى الرياء وحملته ~~عليه # وكذلك يعزم على الرضا بالقضاء فإذا نزل القضاء كان من أسخط الناس به ~~وتنتفي الغرة بذلك بأن يتامل التفرقة بين العزم وبين المعزوم عليه فيعلم أن ~~العزم على الإخلاص ليس بإخلاص وعلى التوكل ليس بتوكل وعلى الحلم ليس بحلم ~~وعلى الصبر ليس بصبر وعلى الرضا ليس برضا وأنه مغرور بعمل لم يصدر منه ~~بخلاف من تقدم ذكره من المغرورين فإنهم صدرت منهم أعمال وأحوال اغتروا بها ~~واعتمدوا عليها # النوع الثاني عشر الاغترار بستر الله تعالى على الذنوب والعيوب وبإمهاله ~~عن المؤاخذة مع تضييع كثير من حقوق الله تعالى ظنا منه أن الله PageV01P168 ~~تعالى إنما أمهله وستر عليه لكرامته عليه وحظوته لديه وأنه إنما حببه إلى ~~إخوانه وإلى غيرهم من الأجانب لمنزلته عنده وتنتفي الغرة بذلك بأن يعلم بان ~~ثناءهم حجة لله تعالى عليه وأنه يلزمه أن يشكر الله تعالى على إظهار محاسنه ~~وستر ذنوبه وعيوبه وأنه لا يأمن أن يختم له بذنوبه التي سترت عليه فيكون ~~عند الله سبحانه من الهالكين # وأن من أشد الجهل اغترار الإنسان بما يقوله الناس بالظن الكاذب وترك ~~الوجل مما يتحققه من ذنوبه وعيوبه وينبغي لمن مدح بما ليس فيه أن يقول ~~اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما ms74 يظنون واغفر لي ما لا يعلمون # | 90 فصل في سيرة المريد في نومه ويقظته # ينبغي للمريد إذا أراد النوم أن يجدد التوبة من معاصي الله تعالى وأن ~~يعزم فيما بقي من عمره على طاعة الله عز وجل واجتناب معصيته وأن يحذر من أن ~~يفاجئه الموت في نومته وأن يقول اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت اللهم أنت ~~خلقت نفسي وأنت تتوفاها لك مماتها ومحياها إن أمسكتها فاغفر لها وإن ~~أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين PageV01P169 # فإذا استيقظ حمد الله تعالى على إمهاله إياه وذكر المعاد وليستعد له فإن ~~اليقظة من النوم مشبهة للحياة بعد الموت # وقد كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فيقول ( الحمد لله الذي أحيانا ~~بعدما أماتنا وإليه النشور ) ثم يتذكر ما عاهد الله تعالى عليه عند نومه ~~استحياء منه وإجلالا له عن أن ينقض عهده عن قريب فإذا أراد أن يلبس ثوبه ~~فلينو بلبسه امتثال أمر ربه في ستر عورته ثم ليستاك ناويا للاقتداء بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من ~~النوم شاص فاه بالسواك ثم يقضي حاجته ليدخل الصلاة وهو غير مدافع للأخبثين ~~ناويا لذلك ويبسمل قبل دخوله الخلاء ويقول ( أعوذ بالله من الخبث والخبائث ~~) PageV01P170 فإذا خرج فليقل ( الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى ~~علي ما ينفعني ) ثم يتوضأ الوضوء المشروع بسننه وآدابه راجيا تكفير خطيئاته ~~بما يغسله من أعضائه ثم يقصد إلى المسجد ماشيا بالسكينة والوقار وبالزيارة ~~للمسجد وإظهار الشعار ثم يأتي بصلاة الفجر بشرائطها وأركانها وخشوعها ~~وخضوعها إن استطاع ثم ينظر ما هو الأهم به في دينه ودنياه فليخرج إليه فإن ~~اختار الخروج إلى منزله فليدخل إليه مشفقا من عذاب الله تعالى ومعلما لأهله ~~ما يحتاجون إليه في أمر دينهم وحاثا لهم عليه امتثالا لقوله تعالى @QB@ قوا ~~أنفسكم وأهليكم نارا @QE@ وليدخل في مدحه بقوله @QB@ إنا كنا قبل في أهلنا ~~مشفقين @QE@ # وإذا سلك طريقا إلى منزله أو من منزله إلى سوقه فلينو أنه ms75 إذا رأى منكرا ~~أنكره أو صادف أمرا بمعروف أمر به أو صادف من يشرع السلام عليه سلم ~~PageV01P171 عليه فإن وقع ذلك أثيب على نيته وفعله وإن لم يقع ذلك أثيب على ~~نيته # وكذلك ينوي نصرة المظلوم وإماطة الأذى عن الطريق وليسلم في طريقه على من ~~مر به غير مستوعب لجميعهم وإن لقيك أحد من أصحابك أو معارفك فسألته عن حاله ~~وحال أهله كان ذلك حسنا وآكد من يبدأ بالسلام من إذا تركت التسليم عليه ~~ساءه ذلك وحقد عليك ولتكن في ذلك مخلصا لله عز وجل فإذا سلمت على أحد من ~~إخوانك أو سلم عليك فاحترز كل التحرز من التصنع والرياء بأقوالك وأفعالك أو ~~شيء من أعمالك وإياك والتصنع بلسان الحال فإنه كالتصنع بلسان المقال # وإن خرجت لاكتساب ما تنفقه على نفسك أو عيالك أو على إخوانك أو في حق ~~لزمك أو ندبت إليه فاقصد بذلك كله امتثال أمر الله تعالى وطلب مرضاته وتوكل ~~في ذلك على ربك لا على حسن صناعتك ولا على كسبك في تجارتك قاصدا لترك ~~اكتساب الشبهات فإن اجتنابها أبرأ لدينك وعرضك # وأكثر من ذكر الله تعالى في سوقك وحانوتك فإن ذكر الله تعالى في الغافلين ~~كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم PageV01P172 # وتجنب الخوض مع أرباب الأسواق فيما يخوضون فيه ولا تشتغل بدنياك عن طاعة ~~مولاك وتستعمل مثل هذا في جميع العقود والمعاملات والقضاء والاقتضاء # وإن غدوت طالبا للعلم فاقصد بطلبه وتعلمه أن تستقيم في نفسك وتأمر ~~بالاستقامة بمقتضاه وان تعلمه الناس ابتغاء وجه الله تعالى وكذلك يكون قصدك ~~في جميع أقوالك وأعمالك كعيادة المرضى وتشييع الجنائز وإطعام الجيعان وكسوة ~~العريان وقرى الضيفان وإغاثة اللهفان فإن الله تعالى لا يقبل من الأعمال ~~إلا ما أريد به وجهه # | 91 فائدة في حسد الشيطان من استقام على رعاية حقوق الله تعالى # فمن استقام على رعاية حقوق الله تعالى في ظاهره وباطنه كما ذكرناه حسده ~~الشيطان على ذلك فأراد أن يخرجه عن حيز الرعاية إلى حيز المعصية بأن ~~PageV01P173 زين له طاعة ms76 من الطاعات تستلزم كثيرا من المعاصي والمخالفات ~~فيقول له انظر إلى عباد الله قد فسدت قلوبهم واعرضوا عن ربهم وأقبلوا على ~~دنياهم وتركوا أمر مولاهم فاخرج إلى عباد الله وانصحهم في دين الله ~~بدلالتهم عليه وإرشادهم إليه فلأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير مما طلعت ~~عليه الشمس فتحثه نفسه على ذلك لعلمها بما يحصل لها من الرئاسة والتعظيم ~~والإجلال والخدمة ونفوذ الكلمة واعتقاد الولاية فيخرج إلى الناس ليدعوهم ~~إلى ذلك فيعظموه ويوقروه ويبذلوا له أنفسهم وأموالهم ويبجلونه غاية التبجيل ~~ويعظمونه أقصى التعظيم وتستشعر النفس بلذة لم تستشعرها قط فترائي في بعض ~~المواطن لئلا تزول تلك المنزلة # وإذا رد عليه شيء من كلامه غضب كيف يرد على مثله وربما قابل الراد بالشتم ~~والسب مع كونه محقا في رده وربما اغتابه ونال منه ونسبه إلى الجهل وسوء ~~الأدب وربما وقعت منه زلة أو ركوب أمر مباح لا يليق بأمثاله فيخشى من نقص ~~منزلته عند أصحابه فيأتي من الرياء والتصنع والتسميع ما يمحو به ذلك من ~~قلوب أصحابه فيصير معرضا عن الله تعالى بعد أن كان مقبلا عليه وظاعنا عنه ~~بعد أن كان سائرا إليه ومتباعدا منه بعد أن كان متقربا إليه ولو لم يخرج ~~إلى الناس ليسلم من هذا كله وإنما يخرج إلى الناس من رسخت قدمه في التقوى ~~ووثق بالسلامة من هذه المفاسد في غالب الأمر وإنما يحصل PageV01P174 له ذلك ~~بعد تجربة نفسه في الوعظ والتذكير والدعاء إلى الله تعالى مع غلبة السلامة ~~عليه في ذلك PageV01P175 ms77