######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008608 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء (المتوفى: 660هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 660 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قواعد الأحكام في مصالح الأنام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008608 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8608 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8608 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مقدمة الكتاب] # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق الإنس والجن ليكلفهم أن ~~يوحدوه ويعبدوه، ويقدسوه ويمجدوه ويشكروه ولا يكفروه، ويطيعوه ولا يعصوه، ~~وأرسل إليهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليعزروه ويوقروه ويطيعوه ~~وينصروه؛ فأمرهم على لسانه بكل بر وإحسان، وزجرهم على لسانه عن كل إثم ~~وطغيان وكذلك أمرهم بالمعاونة على البر والتقوى، ونهاهم عن المعاونة على ~~الإثم والطغوى. وحثهم على الاقتداء والاتباع، كما زجرهم عن الاختلاف ~~والابتداع. # وكذلك أمر عباده بكل خير؛ واجب أو مندوب، ووعدهم بالثواب على قليله ~~وكثيره بقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] . # ونهاهم عن كل شر محرم أو مكروه، وتوعدهم بالعقاب على محظور جليله وحقيره ~~بقوله: {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] ، وبقوله: {ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] . # وكذلك أمرهم بتحصيل مصالح إجابته وطاعته، ودرء مفاسد معصيته ومخالفته؛ ~~إحسانا إليهم، وإنعاما عليهم؛ لأنه غني عن طاعتهم وعبادتهم. فعرفهم ما فيه ~~رشدهم ومصالحهم ليفعلوه، وما فيه غيهم ومفاسدهم ليجتنبوه، وأخبرهم أن ~~الشيطان عدو لهم ليعادوه ويخالفوه، فرتب مصالح الدارين على طاعته واجتناب ~~معصيته، فأنزل الكتب بالأمر والزجر والوعد الوعيد، ولو شاء الله لأصلحهم ~~بدون ذلك؛ ولكنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وما ربك بظلام للعبيد. # PageV01P003 ### | [فصل في بيان جلب مصالح الدارين ودرء مفاسدهما] # على الظنون # الاعتماد في جلب معظم مصالح الدارين ودرء مفاسدهما على ما يظهر في ~~الظنون. وللدارين مصالح إذا فاتت فسد أمرهما، ومفاسد إذا تحققت هلك أهلهما، ~~وتحصيل معظم هذه المصالح بتعاطي أسبابها مظنون غير مقطوع به؛ فإن عمال ~~الآخرة لا يقطعون بحسن الخاتمة وإنما يعملون بناء على حسن الظنون، وهم مع ~~ذلك يخافون ألا يقبل منهم ما يعملون، وقد جاء التنزيل بذلك في قوله: ~~{والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: 60] ~~، فكذلك أهل الدنيا إنما يتصرفون بناء على حسن الظنون، وإنما اعتمد عليها ~~لأن الغالب صدقها عند قيام أسبابها؛ فإن التجار يسافرون على ظن أنهم ~~يستعملون بما به يرتفقون، والأكارون يحرثون ويزرعون بناء ms001 على أنهم مستغلون، ~~والجمالون والبغالون يتصدرون للكراء لعلهم يستأجرون، والملوك يجندون ~~الأجناد ويحصنون البلاد بناء على أنهم بذلك ينتصرون. # وكذلك يأخذ الأجناد الحذر والأسلحة على ظن أنهم يغلبون ويسلمون، والشفعاء ~~يشفعون على ظن أنهم يشفعون والعلماء يشتغلون بالعلوم على ظن أنهم ينجحون ~~ويتميزون. # وكذلك الناظرون في الأدلة والمجتهدون في تعرف الأحكام، يعتمدون في الأكثر ~~على ظن أنهم يظفرون بما يطلبون، والمرضى يتداوون لعلهم يشفون ويبرءون. ~~ومعظم هذه الظنون صادق موافق غير مخالف ولا كاذب، فلا يجوز تعطيل هذه ~~المصالح الغالبة الوقوع خوفا من ندور وكذب الظنون، ولا يفعل ذلك إلا ~~الجاهلون. # PageV01P004 ### | [فصل فيما استثني من تحصيل المصالح ودرء المفاسد] # فيما استثني من تحصيل المصالح ودرء المفاسد لما عارضه أو رجح عليه # وقد أمر الله تعالى بإقامة مصالح متجانسة وأخرج بعضها عن الأمر، إما ~~لمشقة ملابستها وإما لمفسدة تعارضها، وزجر عن مفاسد متماثلة وأخرج بعضها عن ~~الزجر إما لمشقة اجتنابها، وإما لمصلحة تعارضها، ويعبر عن المصالح والمفاسد ~~بالخير والشر، والنفع والضر، والحسنات والسيئات؛ لأن المصالح كلها خيور ~~نافعات حسنات، والمفاسد بأسرها شرور مضرات سيئات، وقد غلب في القرآن ~~استعمال الحسنات في المصالح، والسيئات في المفاسد. ### | [فصل فيما تعرف به المصالح والمفاسد وفي تفاوتهما] # فيما تعرف به المصالح والمفاسد وفي تفاوتهما # ومعظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل وذلك معظم الشرائع؛ إذ لا يخفى ~~على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن ~~نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود ~~حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح ~~فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وأن تقديم ~~المصالح الراجحة على المرجوحة محمود حسن، وأن درء المفاسد الراجحة على ~~المصالح المرجوحة محمود حسن. # واتفق الحكماء على ذلك. وكذلك الشرائع على تحريم الدماء والأبضاع ~~والأموال والأعراض، وعلى تحصيل الأفضل فالأفضل من الأقوال والأعمال. وإن ~~اختلف في بعض ذلك فالغالب أن ذلك # PageV01P005 # لأجل الاختلاف في التساوي والرجحان، فيتحير العباد عند ms002 التساوي ويتوقفون ~~إذا تحيروا في التفاوت والتساوي. # وكذلك الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، ويجلبون أعلى ~~السلامتين والصحتين ولا يبالون بفوات أدناهما، ويتوقفون عند الحيرة في ~~التساوي والتفاوت؛ فإن الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء ~~مفاسد المعاطب والأسقام، ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك، ولجلب ما أمكن جلبه من ~~ذلك. فإن تعذر درء الجميع أو جلب الجميع فإن تساوت الرتب تخير، وإن تفاوتت ~~استعمل الترجيح عند عرفانه والتوقف عند الجهل به. والذي وضع الشرع هو الذي ~~وضع الطب، فإن كل واحد منهما موضوع لجلب مصالح ودرء مفاسدهم. # وكما لا يحل الإقدام للمتوقف في الرجحان في المصالح الدينية حتى يظهر له ~~الراجح، فكذلك لا يحل للطبيب الإقدام مع التوقف في الرجحان إلى أن يظهر له ~~الراجح، وما يحيد عن ذلك في الغالب إلا جاهل بالصالح والأصلح، والفاسد ~~والأفسد، فإن الطباع مجبولة على ذلك بحيث لا يخرج عنه إلا جاهل غلبت عليه ~~الشقاوة أو أحمق زادت عليه الغباوة. فمن حرم ذبح الحيوان من الكفرة رام ~~بذلك مصلحة الحيوان فحاد عن الصواب؛ لأنه قدم مصلحة حيوان خسيس على مصلحة ~~حيوان نفيس، ولو خلوا عن الجهل والهوى لقدموا الأحسن على الأخس، ولدفعوا ~~الأقبح بالتزام القبيح. {فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين} [الروم: ~~29] ؟ فمن وفقه الله وعصمه أطلعه على دق ذلك وجله، ووفقه للعمل بمقتضى ما ~~أطلعه عليه فقد فاز وقليل ما هم. # قال: وقد كنا نعدهم قليلا فقد صاروا أقل من القليل، وكذلك المجتهدون في ~~الأحكام من وفقه الله وعصمه من الزلل أطلعه الله على الأدلة الراجحة، فأصاب ~~الصواب فأجره على قصده وصوابه، بخلاف من أخطأ الرجحان # PageV01P006 # فإن أجره على قصده واجتهاده، ويعفى عن خطئه وزلله. وأعظم من ذلك الخطأ ~~فيما يتعلق بالأصول. واعلم أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد ~~مركوز في طبائع العباد نظرا لهم من رب الأرباب، كما ذكرنا في هذا الكتاب، ~~فلو خيرت الصبي الصغير بين اللذيذ والألذ لاختار الألذ، ولو خير بين الحسن ms003 ~~والأحسن لاختار الأحسن، ولو خير بين فلس ودرهم لاختار الدرهم، ولو خير بين ~~درهم ودينار لاختار الدينار. لا يقدم الصالح على الأصلح إلا جاهل بفضل ~~الأصلح، أو شقي متجاهل لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من التفاوت. واعلم أن ~~المصالح الخالصة عزيزة الوجود، فإن المآكل والمشارب والملابس والمناكح ~~والمراكب والمساكن لا تحصل إلا بنصب مقترن بها، أو سابق، أو لاحق، وأن ~~السعي في تحصيل هذه الأشياء كلها شاق على معظم الخلق لا ينال إلا بكد وتعب، ~~فإذا حصلت اقترن بها من الآفات ما ينكدها وينغصها، فتحصيل هذه الأشياء شاق. ~~أما المآكل والمشارب فيتألم الإنسان بشهوتها، ثم يتألم بالسعي في تحصيلها. ~~ثم يتألم بما يصير إليه الطعام والشراب من النجاسة والأقذار ومعالجة غسله ~~بيده. # وأما الملابس فمفاسدها مشقة اكتسابها، وما يقترن بها من آفاتها؛ كالتخرق ~~والتفتق والبلى والاحتراق. # وأما المناكح فيتألم المرء بمؤنها ونفقتها وكسوتها وجميع حقوقها. # وأما المراكب فمفاسدها مشقة اكتسابها والعناء في القيام بعلفها وسقيها ~~وحفظها وسياستها، وما عساه يلحقها من الآفات، وكذلك الرقيق فيه هذه ~~المفاسد. # وأما المساكن فلا تحصل إلا بكد ونصب، وتقترن بها آفاتها من الانهدام ~~والاحتراق والتزلزل والتعيب وسوء الجار، والضيق على من لا يستطيع ضيقها، ~~واتساعها على من يتألم باتساعها، وسوء صقعها في الوخامة والدمامة والبعد من ~~الماء ومجاورة الأتونات والحمامات والمدابغ ذوات الروائح المستخبثات. # PageV01P007 # والاشتهاء كله مفاسد لما فيه من الآلام، فلا تحصل لذة شهوة إلا بتألم ~~الطبع بتلك الشهوة، فإن كانت مؤدية إلى مفسدة عاجلة أو آجلة يعقبها ما ~~ينبني عليها من المفاسد العظام، ورب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا وعذابا ~~وبيلا. فإن قيل إذا كانت الشهوة ألما ومرارة فالجنة إذن دار الآلام ~~والمرارات لأن فيها ما تشتهي الأنفس؟ قلت ألم الشهوة مختص بدار المحنة. # وأما دار الكرامة فإن اللذة تحصل فيها من غير ألم يتقدمها أو يقترن بها، ~~لأن اللذة والألم في ذلك عرضان متلازمان في هذه الدار بحكم العادة المطردة، ~~وتلك الدار قد خرقت فيها العادة كما خرقت في المخاط ms004 والبصاق والبول والغائط ~~والتعادي والتحاسد ومساوئ الأخلاق. # وكذلك تخرق العادة في وجدان لذتها من غير ألم سابق أو مقارن؛ فيجد أهلها ~~لذة الشراب من غير عطش ولا ظمأ، ولذة الطعام من غير جوع ولا سغب، وكذلك خرق ~~العادات في العقوبات؛ فإن أقل عقوبات الآخرة لا تبقى معه في هذه الدار ~~حياة. # وأما في تلك الدار فإن أحدهم لتأتيه أسباب الموت من كل مكان وما هو بميت. # وأما مصالح الآخرة ومفاسدها فلا تعرف إلا بالنقل، ومصالح الدارين ~~ومفاسدهما في رتب متفاوتة فمنها؛ ما هو في أعلاها، ومنها ما هو في أدناها، ~~ومنها ما يتوسط بينهما، وهو منقسم إلى متفق عليه ومختلف فيه. فكل مأمور به ~~ففيه مصلحة الدارين أو إحداهما، وكل منهي عنه ففيه مفسدة فيهما أو في ~~إحداهما، فما كان من الاكتساب محصلا لأحسن المصالح فهو أفضل الأعمال، وما ~~كان منها محصلا لأقبح المفاسد فهو أرذل الأعمال. فلا سعادة أصلح من العرفان ~~والإيمان وطاعة الرحمن، ولا شقاوة أقبح من الجهل بالديان والكفر والفسوق ~~والعصيان. ويتفاوت ثواب الآخرة بتفاوت المصالح في الأغلب، ويتفاوت عقابها ~~بتفاوت المفاسد في الأغلب، ومعظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح ~~وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها، فلا نسبة بمصالح الدنيا ~~ومفاسدها إلى مصالح الآخرة ومفاسدها، لأن مصالح الآخرة # PageV01P008 # خلود الجنان ورضا الرحمن، مع النظر إلى وجهه الكريم، فيا له من نعيم ~~مقيم، ومفاسدها خلود النيران وسخط الديان مع الحجب عن النظر إلى وجهه ~~الكريم، فيا له من عذاب أليم، والمصالح ثلاثة أنواع: أحدها مصالح المباحات. # الثاني مصالح المندوبات. # الثالث: مصالح الواجبات. # والمفاسد نوعان: أحدهما: مفاسد المكروهات. # الثاني: مفاسد المحرمات. ### | [فائدة قدم الأولياء والأصفياء مصالح الآخرة على مصالح الدنيا] # (فائدة) قدم الأولياء والأصفياء مصالح الآخرة على مصالح هذه الدار ~~لمعرفتهم بتفاوت المصلحتين ودرءوا مفاسد الآخرة بالتزام مفاسد بعض هذه ~~الدار لمعرفتهم بتفاوت الرتبتين. # وأما أصفياء الأصفياء فإنهم عرفوا أن لذات المعارف والأحوال أشرف اللذات ~~فقدموها على لذات الدارين. ولو عرف الناس كلهم من ذلك ما عرفوه؛ لكانوا ~~أمثالهم ms005 فنصبوا ليستريحوا واغتربوا ليقتربوا. فمنهم من تحضره المعارف بغير ~~تكلف، فينشأ عنها الأحوال اللائقة بها بغير تصنع ولا تخلق، ومنهم من يستذكر ~~المعارف لينشأ عنها أحوالها، وشتان ما بين الفريقين. وقد يتكلف المحروم ~~استحضار المعارف فلا تحضره، فسبحان من عرف نفسه لهؤلاء من غير تعب ولا نصب ~~ولا استدلال ولا وصب، بل جاد عليهم وسقاهم خالص وبله وصافي فضله فشغلهم به ~~عما سواه فلا هم لهم سواه ولا مؤنس لهم غيره ولا معتمد لهم إلا عليه، ~~لعلمهم أنه لا ملجأ لهم إلا إليه؛ فرضوا بقضائه وصبروا على بلائه وشكروا ~~لنعمائه، يتسع عليهم ما يضيق على الناس ويضيق عليهم ما يتسع للناس، أدبهم ~~القرآن معلمهم الرحمن وجليسهم الديان وسرابيلهم الإذعان، قد انقطعوا عن ~~الإخوان وتغربوا عن الأوطان، بكاؤهم طويل وفرحهم قليل يردون كل حين موردا ~~لم يتوهموه، وينزلون منزلا لم يفهموه، ويشاهدون ما لم يعرفوه، لا يعرف ~~منازلهم عارف، ولا يصف أحوالهم واصف، إلا من نازلها ولابسها، قد اتصفوا ~~بأخلاق القرآن على حسب الإمكان، وتلك الأخلاق موجبة لرضا الرحمن وسكنى ~~الجنان في الرغد والأمان، مع النظر إلى الديان. # PageV01P009 ### | [فصل فيما تعرف به مصالح الدارين ومفاسدهما] # فيما تعرف به مصالح الدارين ومفاسدهما # أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع، فإن خفي منها ~~شيء طلب من أدلة الشرع وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبر ~~والاستدلال الصحيح. # وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب ~~والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته، ومن أراد أن ~~يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحهما ومرجوحهما فليعرض ذلك على عقله ~~بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام فلا يكاد حكم منها يخرج عن ~~ذلك إلا ما تعبد الله به عباده ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته، وبذلك تعرف ~~حسن الأعمال وقبحها، مع أن الله عز وجل لا يجب عليه جلب مصالح الحسن، ولا ~~درء مفاسد القبيح، كما لا يجب عليه خلق ولا رزق ولا تكليف ولا إثابة ولا ~~عقوبة، وإنما ms006 يجلب مصالح الحسن ويدرأ مفاسد القبيح طولا منه على عباده ~~وتفضلا، ولو عكس الأمر لم يكن قبيحا إذ لا حجر لأحد عليه. ### | [فصل في بيان مقاصد هذا الكتاب] # الغرض بوضع هذا الكتاب بيان مصالح الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات ~~لسعي العباد في تحصيلها، وبيان مقاصد المخالفات ليسعى العباد في درئها، ~~وبيان مصالح العبادات ليكون العباد على خبر منها، وبيان ما يقدم من بعض ~~المصالح على بعض، وما يؤخر من بعض المفاسد على بعض، وما يدخل تحت اكتساب ~~العبيد دون ما لا قدرة لهم عليه ولا سبيل لهم إليه، # PageV01P010 # والشريعة كلها مصالح إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح، فإذا سمعت الله يقول: ~~{يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] ؛ فتأمل وصيته بعد ندائه، فلا تجد إلا ~~خيرا يحثك عليه أو شرا يزجرك عنه، أو جمعا بين الحث والزجر، وقد أبان في ~~كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثا على اجتناب المفاسد وما في بعض ~~الأحكام من المصالح حثا على إتيان المصالح. فصل في تقسيم اكتساب العباد # اعلم أن اكتساب العباد ضربان: أحدهما ما هو سبب للمصالح وهو أنواع: # أحدها: ما هو سبب لمصالح دنيوية. # والثاني: ما هو سبب لمصالح أخروية. # الثالث ما هو سبب لمصالح دنيوية وأخروية، وكل هذه الاكتسابات مأمور بها، ~~ويتأكد الأمر بها على قدر مراتبها في الحسن والرشاد، ومن هذه الاكتسابات ما ~~هو خير من الثواب كالمعرفة والإيمان، وقد يكون الثواب خيرا من الاكتساب ~~كالنظر إلى وجه الله الكريم ورضاه الذي هو أعلى من كل نعيم سوى النظر إلى ~~وجهه الكريم. # الضرب الثاني: من الاكتساب ما هو سبب للمفاسد وهو أنواع: أحدهما: ما هو ~~سبب لمفاسد دنيوية، الثاني ما هو سبب لمفاسد أخروية، الثالث: ما هو سبب ~~لمفاسد دنيوية وأخروية، وكل هذه الاكتسابات منهي عنها، ويتأكد النهي عنها ~~على قدر مراتبها في القبح والفساد. ### | [فصل في بيان حقيقة المصالح والمفاسد] # المصالح أربعة أنواع: اللذات وأسبابها، والأفراح وأسبابها. والمفاسد # PageV01P011 # أربعة أنواع: الآلام وأسبابها، والغموم وأسبابها، وهي منقسمة إلى دنيوية ~~وأخروية، فأما ms007 لذات الدنيا وأسبابها وأفراحها وآلامها وأسبابها، وغمومها ~~وأسبابها، فمعلومة بالعادات، ومن أفضل لذات الدنيا لذات المعارف وبعض ~~الأحوال، ولذات بعض الأفعال في حق الأنبياء والأبدال، فليس من جعلت قرة ~~عينه في الصلاة كمن جعلت الصلاة شاقة عليه، وليس من يرتاح إلى إيتاء الزكاة ~~كمن يبذلها وهو كاره لها، وأما لذات الآخرة وأسبابها وأفراحها وأسبابها، ~~وآلامها وأسبابها وغمومها وأسبابها، فقد دل عليه الوعيد، والزجر والتهديد. # وأما اللذات فمثل قوله: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} [الزخرف: ~~71] ، وقوله: {يطاف عليهم بكأس من معين - بيضاء لذة للشاربين} [الصافات: 45 ~~- 46] . # وأما الأفراح ففي مثل قوله تعالى: {ولقاهم نضرة وسرورا} [الإنسان: 11] ، ~~وقوله: {فرحين بما آتاهم الله من فضله} [آل عمران: 170] . # وفي مثل قوله: {يستبشرون بنعمة من الله وفضل} [آل عمران: 171] . # وأما الآلام ففي مثل قوله: {ولهم عذاب أليم} [البقرة: 10] ، وقوله: ~~{ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ} [إبراهيم: 17] ~~. # وأما الغموم ففي مثل قوله: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا ~~فيها} [الحج: 22] . ### | [فائدة سعى الناس في جانب الأفراح واللذات وفي درء الغموم المؤلمات] # (فائدة) سعى الناس كلهم في جانب الأفراح واللذات وفي درء الغموم ~~المؤلمات، فمنهم من يطلب الأعلى من ذلك فالأعلى وقليل ما هم. ومنهم من ~~يقتصر على طلب الأدنى، ومنهم الساعون في المتوسطات، والقدر من وراء سعي ~~السعادة وكل متسبب في مطلوبه. فمن بين ظافر وخائب ومغلوب وغالب ورابح وخاسر ~~ومتمكن وحاسر، كلهم يتقلبون وإلى القضاء ينقلبون، فمن طلب لذات المعارف ~~والأحوال في الدنيا ولذة النظر والقرب في الآخرة فهو أفضل الطالبين، لأن ~~مطلوبه أفضل من كل مطلوب، ومن طلب نعيم الجنان وأفراحها ولذاتها فهو في ~~الدرجة الثانية، ومن طلب أفراح هذه الدار ولذاتها في الدرجة الثالثة، ثم ~~يتفاوت هؤلاء الطلاب في رتب # PageV01P012 # مطلوباتهم. فمنهم الأعلون والمتوسطون، فأما طلاب الآخرة فاقتصروا من طلب ~~لذات الدنيا وأفراحها على ما يدفع الحاجة أو الضرورة واشتغلوا بمطالب ~~الآخرة، ولن يصل أحد منهم إلا إلى ما قدر له، وقد غر بعضهم ms008 أنهم أدركوا بعض ~~ما طلبوا فظنوا أنهم نالوا ذلك بحزمهم وقواهم فخابوا ونكصوا ووكلوا إلى ~~أنفسهم فهلكوا، ومنهم من واظب أنه لا ينال خيرا إلا بتوفيق الله ولا ينال ~~ضيرا إلا بإرادة الله فهؤلاء لا يزالون في زيادة، لأن الطاعات والمعارف ~~والأحوال إذا دامت أدت إلى أمثالها وإلى أفضل منها. وعلى الجملة فمن أقبل ~~على الله أقبل الله عليه، ومن أعرض عن الله أعرض الله عنه، ومن تقرب إلى ~~الله شبرا تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا، ومن مشى إليه ~~هرول إليه ومن نسب شيئا إلى نفسه فقد زل وضل، ومن نسب الأشياء إلى خالقها ~~المنعم بها كان في الزيادة، لأن الله تعالى قال: {لئن شكرتم لأزيدنكم} ~~[إبراهيم: 7] ، {وسنجزي الشاكرين} [آل عمران: 145] . # وأفضل ما تقرب به التذلل لعزة الله والتخضع لعظمته والإيحاش لهيبته، ~~والتبري من الحول والقوة إلا به، وهذا شأن العارفين، وما خرج عنه فهو طريق ~~الجاهلين أو الغافلين، وقد تمت الحكمة وفرغ من القسمة، وسينزل كل أحد في ~~دار قراره حكما وعدلا وحقا، قسطا وفضلا، وما ثبت في القدم لا يخلفه العدم ~~ولا تغيره الهمم، بعد أن جرى به القلم وقضاه العدل الحكم، فأين المهرب وإلى ~~أين المذهب وقد عز المطلب ووقع ما يذهب، فيا خيبة من طلب ما لم تجز به ~~الأقدار ولم تكتبه الأقلام، يا لها من مصيبة ما أعظمها وخيبة ما أفحمها. ~~أين المهرب من الله وأين الذهاب عن الله وأين الفرار من قدرة الله؟ بينا ~~يرى أحدهم قريبا دانيا إذ أصبح بعيدا نائيا، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ~~ولا حفظا ولا رفعا # PageV01P013 # بأي نواحي الأرض نرجو وصالكم ... وأنتم ملوك ما لمقصدكم نحو # والله لن تصل إلى شيء إلا بالله فكيف توصل بغيره. ### | [فصل المصالح ضربان] # (فصل) المصالح ضربان: أحدهما حقيقي وهو الأفراح واللذات، والثاني مجازي ~~وهو أسبابها، وربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح لا لكونها ~~مفاسد بل لكونها مؤدية إلى مصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظا ms009 للأرواح، ~~وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة ~~لكونها مفاسد بل لكونها المقصودة من شرعها كقطع السارق وقطع الطريق وقتل ~~الجناة ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم: وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها ~~الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقة، وتسميتها بالمصالح من مجاز ~~تسمية السبب باسم المسبب. # وكذلك المفاسد ضربان: أحدهما حقيقي وهو الغموم والآلام، والثاني مجازي ~~وهو أسبابها، وربما كانت أسباب المفاسد مصالح فنهى الشرع عنها لا لكونها ~~مصالح بل لأدائها إلى المفاسد وذلك كالسعي في تحصيل اللذات المحرمات ~~والشبهات المكروهات والترفهات بترك مشاق الواجبات والمندوبات فإنها مصالح ~~نهي عنها لا لكونها مصالح بل لأدائها إلى المفاسد الحقيقة وتسميتها مفاسد ~~من مجاز تسمية السبب باسم المسبب. ### | [فائدة المصالح المحضة] # (فائدة) المصالح المحضة قليلة وكذلك المفاسد المحضة، والأكثر منها اشتمل ~~على المصالح والمفاسد ويدل عليه قوله - عليه السلام -: «حفت الجنة بالمكاره ~~وحفت النار بالشهوات» . والمكاره مفاسد من جهة كونها مكروهات مؤلمات، ~~والشهوات مصالح من جهة كونها شهوات ملذات مشتهيات، والإنسان بطبعه يؤثر ما ~~رجحت مصلحته على مفسدته، وينفر مما رجحت مفسدته على مصلحته، ولذلك شرعت ~~الحدود ووقع التهديد # PageV01P014 # والزجر والوعيد، فإن الإنسان إذا نظر إلى اللذات وإلى ما يترتب عليهما من ~~الحدود والعقوبات العاجلة والآجلة نفر منها بطبعه لرجحان مفاسدها، لكن ~~الأشقياء لا يستحضرون ذكر مفاسدها إذا قصدوها، ولذلك يقدمون عليها، فإن ~~العاقل إذا ذكر ما في قبلة محرمة من التعزير والذم العاجلين والعقاب الآجل، ~~زجره ذلك. # وكذلك إذا ذكر اطلاع الرب سبحانه عليه حمله ألم الاستحياء والخجل على ترك ~~المعصية واجتناب لذاتها، وكذلك إذا فكر في المصالح الشاقة من الغموم ~~والآلام دعاه ذلك إلى تركها، فإذا ذكر ما يترتب عليها من مصالح الدنيا ~~والآخرة حمله ذلك على الصبر على مكارهها ومشاقها، ألا ترى أن المريض يصبر ~~على ألم مرارة الدواء، وألم قلع الأضراس المتوجعة وألم قطع الأعضاء ~~المتآكلة؛ لما يتوقع من لذات العافية وفرحاتها. # وكذلك إذا ذكر اطلاع الرب عليه ونظره إليه حمله ذلك على الطاعة ms010 وتحمل ~~مكارهها ومشاقها، وكذلك ترك الطعام الشهي والشراب الهني لما يتوقع من سوء ~~عاقبة أكله وشربه، ولو شاء الله لما جعل في الطاعات شيئا من المكاره ~~والمشقات، كما فعل بالملائكة، ولما جعل في المعاصي شيئا من اللذات ~~والراحات، ولو فعل ذلك لما قعد أحد عن طاعة ولا أقدم على معصية، ولكن سبق ~~القضاء بشدة الابتلاء، وليس الملائكة كذلك فإنهم يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، إذ لا مشقة عليهم في ~~ذلك ولا ألم. # وكذلك أهل الجنة يلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس، وكذلك لو شاء الله لم ~~يخلق الأوهام ولا الشكوك ولا التخيلات ولا الظنون في العقائد ولا في غيرها، ~~بل خلق العلم بالأشياء من غير توهم مضلل ولا شك متعب، ولا تخيل مجهل ولا ظن ~~موهم، وليت شعري هل تزول هذه الأشياء في الجنة بحيث # PageV01P015 # لا يبقى لأهلها إلا محض العلوم التي بها يتم نعيمهم وسرورهم وفرحهم ~~وحبورهم، أم يبقى ذلك كما هو في الدنيا؟ ولقد أعد الله لهم في الجنة ما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولعل هذا يكون من جملة ما أعد ~~الله لهم، فسبحان من لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، ~~وإنما نفع الطاعات لأربابها وسوء المخالفات لأصحابها. # والقلوب معادن الخواطر والكفر والإيمان والعزوم والإرادات والبغض والحب ~~والطواعية والإباء والمعارف والأقوال، وكذلك استحسان الحسن واستقباح ~~القبيح، وكذلك الظنون الصادقة والكاذبة، وقد قسم لكل قلب من ذلك ما سبقت به ~~الأقدار وجرت به الأقلام، والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، أسعد ~~من أسعد بغير علة، وأشقى من أشقى بغير سبب، وكيف الخلاص مما حق وكتب، وأين ~~المهرب مما حتم ووجب؟ فمثل القلب كمثل نهر تجري فيه المياه على الدوام، ~~فكذلك الخواطر في ورودها على قلوب الأنام لا يذهب خاطرنا به ولا ما ابتنى ~~عليه من العزوم والأحوال والكفر والإيمان والطاعة والعصيان إلا رده خاطر ~~إما من نوعه أو من غير نوعه ms011 ثم المياه الجارية منها ما ينفع، ومنها ما يضر، ~~ومنها ما لا يضر ولا ينفع، فكذلك الخواطر الجارية في القلوب والواردة عليها ~~منها ما ينفع ومنها ما يضر ومنها ما لا ينفع ولا يضر والإنسان بعد ذلك مكلف ~~باجتناب العزوم على المفاسد ووسائلها، وبالقصود إلى المصالح وأسبابها ولا ~~تكليف قبل ورود الخواطر، ولا بورود الخواطر ولا بميل الطبع إلى ما وردت به ~~الخواطر، ولا بنفوره عما أتت به الخواطر. # والخواطر ضربان: أحدهما ما يرد على القلوب من غير اكتساب كورود المياه ~~على الأنهار. # PageV01P016 # الضرب الثاني: ما يرد على القلوب من الخواطر بالاكتساب، وعلى الاكتساب ~~يترتب المدح والذم والثواب والعقاب. ### | [فصل في الحث على جلب المصالح ودرء المفاسد] # لما علم الرب سبحانه أنه قد جبل عباده على الميل إلى الأفراح واللذات، ~~والنفور من الغموم والمؤلمات وأنه قد حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، ~~وعد من عصى هواه وأطاع مولاه بما أعده في الجنان من المثوبة والرضوان، ~~ترغيبا في الطاعات ليتحملوا مكارهها ومشاقها، ويتوعد من عصى مولاه وأطاع ~~هواه بما أعده في النيران من العقوبة والهوان، زجرا عن المخالفات ليجتنبوا ~~ملاذها ورفاهيتها، ومدح الطائعين ترغيبا في الدخول في حمده ومدحته، وذم ~~العاصين تنفيرا من الدخول في لومه ومذمته. # وكذلك وضع الحدود والعقوبات العاجلة زجرا عن السيئات. فالواجب على العباد ~~اتباع الرشاد، وتنكب أسباب الفساد، وقضاء الله وقدره من وراء ذلك، فلا راد ~~لحكمه ولا معقب لقضائه، ولا خروج لعبد عما حكم له أو عليه من سعادة أو ~~شقاوة. ### | [فصل في بيان أن الأسباب الشرعية بمثابة الأوقات] # في بيان أن الأسباب الشرعية بمثابة الأوقات # التكاليف كلها مبنية على الأسباب المعتادة من غير أن تكون الأسباب جالبة ~~للمصالح بأنفسها ولا دارئة للمفاسد بأنفسها، بل الأسباب في الحقيقة مواقيت ~~للأحكام ولمصالح الأحكام، والله هو الجالب للمصالح الدارئ للمفاسد، ولكنه ~~أجرى عادته وطرد سنته بترتيب بعض مخلوقاته على # PageV01P017 # بعض، لتعريف العباد عند وجود الأسباب ما رتب عليها من خير فيطلبوه عند ~~وقوعها ووجودها، وما رتب عليها من ms012 شر فيجتنبوه عند قيامها وتحققها وهذا هو ~~الغالب في العادة، وكثير من ينفك عن ذلك، فكم من مرغب لم يرغب، وكم من مرهب ~~لم يرهب، وكم من مزجور لم يزدجر، وكم من مذكر لم يتذكر، وكم من مأمور ~~بالصبر لم يصطبر، ولو شاء الله لقطع كل مسبب عن سببه، وخلق المسببات كلها ~~مجردة عن الأسباب، وكذلك لو شاء لخلق الأسباب كلها مجردة عن المسببات، لكنه ~~قرن الأسباب بالمسببات في مطرد العادات، ليضل بذلك من يشاء ويهدي من يشاء. # وكذلك لو شاء لأقام الأجساد بدون الطعام والشراب ولما تحلل شيء من ~~أجزائها حتى يحتاج إلى الخلف والإبدال. فله أن يخلق ألم النار بغير نار ~~ولذة الشراب والطعام والجماع من غير ماء ولا طعام ولا جماع. # وكذلك الحكم في جميع الأسباب المؤلمات، واللذات لو شاء لخلقها دون ~~مسبباتها، ولو شاء لخلق مسبباتها دونها وكذلك القوى التي أودعها الله في ~~النبات والحيوان لو شاء لخلق آثارها ابتداء كجذب الغذاء بغير قوة جاذبة، ~~وأمسك الغذاء في حال إمساكه بغير قوة ممسكة، وغذى بغير، قوة مغذية، ودفع ~~بغير قوة دافعة، وصور بغير قوة مصورة، ولما رأى الأغبياء العمي عن الأمور ~~الإلهية ربط المسببات من غير انفكاك في مطرد العادات، اعتقدوا أن المسببات ~~صادرة عن الأسباب، وأن الأسباب أفادتها الوجود؛ فاقتطعوا ذلك عن رب الأرباب ~~ومسبب الأسباب، وأضافوه إلى تلك الأسباب: # ولو أن ليلى أبرزت حسن وجهها ... لهام بها اللوام مثل هيامي # PageV01P018 # ولكنها أخفت محاسن وجهها ... فضلوا جميعا عن حضور مقامي # وما أشد طمع الناس في معرفة ما لم يضع الله على معرفته سببا، كلما نظروا ~~فيه وحرصوا عليه ازدادوا حيرة وغفلة، فالحزم الإضراب عنه كما فعل السلف ~~الصالح، والبصائر كالأبصار فمن حرص أن يرى ببصره ما وارته الجبال لم ينفعه ~~إطالة تحديقه إلى ذلك مع قيام الساتر. # وكذلك تحديق البصائر إلى ما غيبه الله عنها وستره بالأوهام والظنون ~~والاعتقادات الفاسدة كم من اعتقاد جزم المرء به وبالغ في الإنكار على ~~مخالفه ثم تبين له خطؤه ms013 وقبحه بعد الجزم بصوابه وحسنه. ومن السعادة أن ~~يختار المرء لنفسه المواظبة على أفضل الأعمال فأفضلها بحيث لا يضع بذلك ما ~~هو أولى بالتقديم منه، والسعادة كلها في اتباع الشريعة في كل ورد وصدر، ~~ونبذ الهوى فيما يخالفها؛ فقد قال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} ~~[طه: 123] ، أي فلا يضل في الدنيا عن الصواب ولا يشقى في الآخرة بالعذاب. # وقال ابن عباس في قوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} [الأعراف: 3] ، ~~الكتاب والسنة {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 71] ما ~~من طاعة يأتي بها الطالب على وجهها إلا أحدثت في قلبه نورا، وكلما كثرت ~~الطاعات تراكمت الأنوار حتى يصير المطيع إلى درجات العارفين الأبرار ~~{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] وهذا مما يعرفه ~~المطيعون المخلصون. فإذا خلت الأعمال # PageV01P019 # عن الإخلاص لم يزدد العاملون إلا ظلمة في القلوب، لأنهم عاصون بترك ~~الإخلاص وإبطال ما أفسده الرياء والتصنع من الأعمال. # وعلى الجملة فلو أن الرب سبحانه وتعالى عرف عباده نفسه وأوصافه من غير ~~نظر ولا استدلال لهاموا في جلاله وتحيروا في كماله، لكنه كشف الحجاب بينه ~~وبين السعداء وسدله بينه وبين الأشقياء، فلا يستطيع أحد كشف حجاب سدله الله ~~ولا حفظ ما ضيعه الله وأهمله، جرت المقادير من الأزل واستمرت في الأبد وجفت ~~الأقلام بما قضي على الأنام؛ فلا يتقدم أحد منهم قدر أنملة ولا يتأخر إلا ~~بمقادير سابقة وكتابة لاحقة. فلو تهيأت أسباب السعادة كلها للأشقياء لما ~~سعدوا، ولو تهيأت أسباب الشقاوة كلها للسعداء لما شقوا: {وإذا أراد الله ~~بقوم سوءا فلا مرد له} [الرعد: 11] ، {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} [يونس: 107] . ### | [فصل في بيان ما رتب على الطاعات والمخالفات] # في بيان ما رتب على الطاعات والمخالفات # الطاعات ضربان: أحدهما ما هو مصلحة في الآخرة كالصوم والصلاة والنسك ~~والاعتكاف. # الضرب الثاني: ما هو مصلحة في الآخرة لباذله وفي الدنيا لآخذيه كالزكاة ~~والصدقات والضحايا والهدايا والأوقاف والصلاة، والخير ms014 كله في الطاعات والشر ~~كله في المخالفات؛ ولذلك جاء القرآن بالحث على الطاعات دقها وجلها قليلها ~~وكثيرها جليلها وحقيرها، والزجر عن المخالفات دقها وجلها قليلها وكثيرها ~~جليلها وحقيرها، فأما الحث على الطاعات فبمدحها وبمدح فاعليها، وبما وعدوا ~~عليها من الرضا والمثوبات، وبما رتب عليها في الدنيا من الكفاية والهداية، ~~والتأهل للشهادة والرواية والولاية. # وأما الزجر عن المخالفات فبذمها وذم فاعليها، وبما وعدوا # PageV01P020 # عليها من السخط والعقوبات، وبرد الشهادات والولايات والانعزال عن ~~الولايات. # وأما ما قرن بالآيات من الصفات فإنه جاء أيضا حاثا على الطاعات، وزجرا عن ~~المخالفات، مثل أن يذكر سعة رحمته ليرجوه فيعملوا بالطاعات، ويذكر شدة ~~نقمته ليخافوه فيجتنبوا المخالفات، ويذكر نظره إليهم، ليستحيوا من اطلاعه ~~عليهم فلا يعصوه، ويذكر تفرده بالضر والنفع، ليتوكلوا عليه ويغوضوا إليه، ~~ويذكر إنعامه عليهم وإحسانه إليهم، ليحبوه ويطيعوه ولا يخالفوه، فإن القلوب ~~مجبولة على حب من أنعم عليها وأحسن إليها. # وكذلك يذكر أوصاف كماله ليعظموه ويهابوه، ويذكر سمعه ليحفظوا ألسنتهم من ~~مخالفته، ويذكر بصره ليستحيوا من نظر مراقبته، ويجمع بين ذكر رحمته ~~وعقوبته، ليكونوا بين الخوف والرجاء، فإن السطوة لو أفردت بالذكر لخيف من ~~أدائها إلى القنوط من رحمته، ولو أفردت الرحمة بالذكر لخيف من إفضائها إلى ~~الغرور بإحسانه وكرامته، مثل قوله: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} ~~[الحجر: 49] {وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر: 50] ، وقوله: {وإن ربك ~~لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد: 6] ، وقوله: ~~{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة: 98] وقد يجمع ~~المدائح في بعض المواضع، ليتعرف بها إلى عباده فيعرفوه بها ويعاملوه ~~بمقتضاها. # وكذلك ما ذكره في قصص الأولين وإنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين، إنما ~~ذكره زجرا عن الكفر وحثا على الإيمان، فيا خيبة من خالفه وعصاه، ويا غبطة ~~من أطاعه واتقاه. # PageV01P021 ### | [فصل فيما عرفت حكمته من المشروعات وما لم تعرف حكمته من المشروعات] # فيما عرفت حكمته من المشروعات وما لم تعرف حكمته من المشروعات # المشروعات ضربان: أحدهما ما ظهر لنا أنه جالب لمصلحة ms015 أو دارئ لمفسدة، أو ~~جالب دارئ لمفسدة، أو جالب دارئ لمصلحة، ويعبر عنه بأنه معقول المعنى. # الضرب الثاني: ما لم يظهر لنا جلبه لمصلحة أو درؤه لمفسدة، ويعبر عنه ~~بالتعبد. وفي التعبد من الطواعية والإذعان مما لم تعرف حكمته ولا تعرف علته ~~ما ليس مما ظهرت علته وفهمت حكمته، فإن ملابسه قد يفعله لأجل تحصيل حكمته ~~وفائدته، والمتعبد لا يفعل ما تعبد به إلا إجلالا للرب وانقيادا إلى طاعته، ~~ويجوز أن تتجرد التعبدات عن جلب المصالح ودرء المفاسد، ثم يقع الثواب عليها ~~بناء على الطاعة والإذعان، من غير جلب مصلحة غير مصلحة الثواب، ودرء مفسدة ~~غير مفسدة العصيان، فيحصل من هذا أن الثواب قد يكون على مجرد الطواعية من ~~غير أن تحصل تلك الطواعية جلب مصلحة أو درء مفسدة، سوى مصلحة أجر الطواعية. ### | [فصل في تفاوت رتب الأعمال بتفاوت رتب المصالح والمفاسد] # طلب الشرع لتحصيل أعلى الطاعات، كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة، ~~كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها، إذ لا تفاوت بين طلب ~~وطلب، وإنما التفاوت بين المطلوبات من جلب المصالح ودرء المفاسد، لذلك ~~انقسمت الطاعات إلى الفاضل والأفضل، لانقسام # PageV01P022 # مصالحها إلى الكامل والأكمل، وانقسمت المعاصي إلى الكبير والأكبر لانقسام ~~مفاسدها إلى الرذيل والأرذل. ### | [فصل فيما تتميز به الصغائر من الكبائر] # فيما تتميز به الصغائر من الكبائر # إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد ~~الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ~~ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهي من الكبائر. فمن شتم الرب أو ~~الرسول أو استهان بالرسل أو كذب واحدا منهم أو ضمخ الكعبة بالعذرة أو ألقى ~~المصحف في القاذورات فهذا من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة. # وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها أو مسلما لمن يقتله فلا شك أن ~~مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر. # وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين ms016 مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته ~~ويسبون حرمهم وأطفالهم، ويغتنمون أموالهم ويزنون بنسائهم ويخربون ديارهم، ~~فإن تسببه إلى هذه المفاسد أعظم من توليته يوم الزحف بغير عذر مع كونه من ~~الكبائر. # وكذلك لو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه يقتل بسببه، ولو كذب على إنسان ~~كذبا يعلم أنه تؤخذ منه تمرة بسبب كذبه لم يكن ذلك من الكبائر، وقد نص ~~الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر فإن وقعا في مال خطير ~~فهذا ظاهر، وإن وقعا في مال حقير كزبيبة وتمرة فهذا مشكل، فيجوز أن يجعل من ~~الكبائر فطاما عن هذه المفاسد، كما جعل شرب قطرة من الخمر من جملة الكبائر ~~وإن لم يتحقق المفسدة فيه، ويجوز أن يضبط ذلك المال بنصاب السرقة. # PageV01P023 # والحكم بغير الحق كبيرة فإن شاهد الزور متسبب متوسل والحاكم مباشر فإذا ~~جعل التسبب كبيرة فالمباشرة أكبر من تلك الكبيرة، ولو شهد اثنان بالزور على ~~قتل موجب للقصاص فسلم الحاكم المشهود عليه إلى الوالي فقتله وكلهم عالمون ~~بأنهم ظالمون فشهادة الزور كبيرة والحكم أكبر منها ومباشرة القتل أكبر من ~~الحكم، والوقوف على تساوي المفاسد وتفاوتها عزة ولا يهتدي إليها إلا من ~~وفقه الله تعالى، والوقوف على التساوي أعز من الوقوف على التفاوت، ولا يمكن ~~ضبط المصالح والمفاسد إلا بالتقريب، ولا يلزم من النص على كون الذنب كبيرة ~~أن يكون مساويا لغيره من الكبائر، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن من ~~الكبائر أن يشتم الرجل والديه قالوا: يا رسول الله وكيف يشتم الرجل والديه؟ ~~فقال. نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه» . رواه مسلم في ~~الصحيح. جعل - صلى الله عليه وسلم - التسبب إلى سبهما من الكبائر، وهذا ~~تنبيه على أن مباشرة سبهما أكبر من التسبب إليه. # وفي رواية البخاري: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قالوا يا ~~رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه ~~فيسب أمه» # جعل اللعن من أكبر الكبائر لفرط قبحه ms017 بخلاف السب المطلق. وقد نص الرسول - ~~عليه السلام - على أن عقوق الوالدين من الكبائر، مع الخلاف في رتب العقوق، ~~ولم أقف في عقوق الوالدين ولا فيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد ~~عليه، فإن ما يحرم في حق الأجانب فهو حرام في حقهما وما يجب للأجانب فهو ~~واجب لهما، ولا يجب على الولد طاعتهما في كل ما يأمران به ولا في كل ما ~~ينهيان عنه باتفاق العلماء، وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما يشق ~~عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد ~~ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو على عضو من أعضائه، وقد ساوى ~~الوالدان الرقيق في النفقة والكسوة والسكنى. وقد ضبط بعض العلماء الكبائر ~~بأن قال. كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن فهو من الكبائر. فتغيير منار ~~الأرض كبيرة لاقتران اللعن به. # وكذلك قتل # PageV01P024 # المؤمن كبيرة لأنه اقترن به الوعيد واللعن والحد، والمحاربة والزنا ~~والسرقة والقذف كبائر لاقتران الحدود بها، وعلى هذا كل ذنب علم أن مفسدته ~~كمفسدة ما قرن به الوعيد أو اللعن أو الحد أو أكبر من مفسدته فهو كبيرة. ### | [فائدة من قذف محصنا قذفا لا يسمعه أحد إلا الله تعالى والحفظة] # (فائدة) فإن قيل الكذب فيما لا يضر ولا ينفع صغيرة فما تقولون فيمن قذف ~~محصنا قذفا لا يسمعه أحد إلا الله تعالى والحفظة؟ مع أنه لم يواجه به ~~المقذوف ولم يغتبه به عند الناس، هل يكون قذفه كبيرة موجبة للحد مع خلوه من ~~مفسدة الأذى؟ قلنا الظاهر أنه ليس بكبيرة موجبة للحد لانتفاء المفسدة ولا ~~يعاقب في الآخرة عقاب المجاهر في وجه المقذوف أو في ملأ من الناس، بل عقاب ~~الكذابين غير المصرين وقد قال الشاعر: # فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل # شبهه بالذي لم يقل لانتفاء ضرره وأذيته، فإن قيل إذا اغتابه بالقذف لم ~~يتأذ المقذوف مع غيبته، فلم أوجبتم الحد مع انتفاء مفسدة ms018 التأذي؟ قلنا لأن ~~ذلك لو بلغه لكان أشد عليه من القذف في الخلوة، ولأنه إذا قذفه على ملأ من ~~الناس احتقروه بذلك وزهدوا في معاملته ومواصلته، وربما أشاعوا ذلك إلى أن ~~يبلغه وليس كذلك قذفه في الخلوة، والإنسان يكره بطبعه أن يهتك عرضه في ~~غيبته وأما قذفه في الخلوة فلا فرق بين إجرائه على لسانه وبين إجرائه على ~~قلبه. ### | [فصل في من ارتكب كبيرة في ظنه وليست في الباطن كبيرة] # في من ارتكب كبيرة في ظنه يتصورها بتصور الكبائر وليست في الباطن كبيرة # إن قيل لو أن إنسانا قتل رجلا يعتقد أنه معصوم فظهر أنه يستحق دمه # PageV01P025 # أو وطئ امرأة يعتقد أنها أجنبية وأنه زان بها فإذا هي زوجته، أو أمته أو ~~أكل مالا يعتقد أنه ليتيم ثم تبين أنه ملكه، أو شهد بالزور في ظنه وكانت ~~شهادته موافقة للباطن، أو حكم بباطل ثم ظهر أنه حق، فهل يكون مرتكبا لكبيرة ~~مع كونه لم تتحقق المفسدة؟ قلنا أما في الدنيا فيجري عليه أحكام الفاسقين، ~~وتسقط عدالته لجرأته على رب العالمين، وترد شهادته وروايته، وتبطل بذلك كل ~~ولاية تشترط فيها العدالة، لأن العدالة إنما شرطت في الشهادات والروايات ~~والولايات، لتحصل الثقة بصدقه في أخباره وشهادته وبأدائه الأمانة في ~~ولايته، وقد انخرمت الثقة في ذلك كله لجراءته على ربه بارتكاب ما يعتقده ~~كبيرة، لأن الوازع عن الكذب في أخباره وشهادته، وعن التقصير في ولايته إنما ~~هو خوفه من الجرأة على ربه بارتكاب كبيرة، أو بالإصرار على صغيرة، فإذا ~~حصلت جرأته على ما ذكرته سقطت الثقة، بما يزعه عن الكذب في خبره وشهادته ~~والنصح في ولايته. # وأما مفاسد الآخرة وعذابها فلا يعذب تعذيب زان ولا قاتل ولا آكل مالا ~~حراما، لأن عذاب الآخرة مرتب على رتب المفاسد في الغالب كما أن ثوابها مرتب ~~على رتب المصالح في الغالب، ولا يتفاوتان بمجرد الطاعة ولا بمجرد المعصية، ~~مع قطع النظر عن رتب المصالح والمفاسد، ولو كان كذلك لكان أجر التصدق بتمرة ~~كأجر التصدق ببدرة، ولكانت ms019 غيبة المؤمنين بنسبتهم إلى الكبائر كغيبتهم ~~بنسبتهم إلى الصغائر، ولكان سب الأنبياء كسب الأولياء، والظاهر أن هذا لا ~~يعذب تعذيب من ارتكب صغيرة لأجل جرأته وانتهاكه الحرمة بل يعذب عذابا ~~متوسطا بين الكبيرة والصغيرة بجرأته على الله تعالى بما يعتقد أنه كبيرة، ~~والأولى أن تضبط الكبيرة بما يشعر بتهاون مرتكبها في دينه إشعار أصغر ~~الكبائر المنصوص عليها بذلك، ولم أقف لأحد من العلماء على ضابط لذلك. # PageV01P026 ### | [فصل في حكم الإصرار على الصغائر] # في حكم الإصرار على الصغائر # فإن قيل قد جعلتم الإصرار على الصغيرة بمثابة ارتكاب الكبيرة، فما حد ~~الإصرار أيثبت بمرتين أم بأكثر من ذلك؟ قلنا إذا تكررت منه الصغيرة تكررا ~~يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك ردت شهادته وروايته ~~بذلك. # وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر أصغر ~~الكبائر. ### | [فصل في إتيان المفاسد ظنا أنها من المصالح] # في إتيان المفاسد ظنا أنها من المصالح # من أتى ما هو مصلحة في ظنه وهو مفسدة في نفس الأمر كمن أكل مالا يعتقده ~~لنفسه، أو وطئ جاريته يظن أنها في ملكه، أو لبس ثوبا يعتقده لنفسه، أو سكن ~~دارا يعتقدها في ملكه، أو استخدم عبدا يعتقده لنفسه، ثم بان أن وكيله أخرج ~~ذلك عن ملكه فلا إثم عليه لظنه، ولا يتصف فعله بكونه طاعة ولا معصية ولا ~~مباحا، وإنما هو معفو عنه كأفعال الصبيان والمجانين، ويلزم ضمان ما فوته من ~~ذلك لأنه جائز، والجوائز لا تتوقف على المآثم. # وكذلك لو وطئ أجنبية يعتقدها زوجته أو أمته فإنه لا يأثم ويلزمه مهر ~~مثلها. ### | [فصل فيمن فعل ما يظنه قربة أو واجبا وهو مفسدة] # فيمن فعل ما يظنه قربة أو واجبا وهو مفسدة في نفس الأمر من فعل فعلا يظنه ~~قربة أو مباحا وهو من المفاسد المحرمة في نفس الأمر؛ كالحاكم إذا حكم بما ~~يظنه حقا بناء على الحجج الشرعية، وكالمصلي # PageV01P027 # يصلي على ظن أنه متطهر، أو كمن يصلي على مرتد يعتقده مسلما، وكالشاهد ~~يشهد بحق عرفه ms020 بناء على استصحاب بقائه فظهر كذب الظن في ذلك كله، فهذا خطأ ~~معفو عنه كالذي قبله، ولكن يثاب فاعله على قصده دون فعله، إلا من صلى محدثا ~~فإنه يثاب على قصده وعلى ما أتى به في صلاته مما لا تشترط الطهارة فيه. # ولو أوجر مضطرا طعاما قاصدا لحفظ حياته وكان الطعام مسموما فقتل المضطر ~~فإنه يثاب على قصده دون إيجاره، وتجب الدية على عاقلته والكفارة في ماله، ~~ونظائر هذا كثيرة، ولو أكل في المخمصة طعاما يجهل كونه مسموما فقتله فلا ~~دية على عاقلته، وفي وجوب الكفارة في ماله اختلاف جار في كل من قتل نفسه. ### | [فصل في بيان تقسيم المصالح والمفاسد] # في بيان تقسيم المصالح والمفاسد # المصالح والمفاسد أقسام: # أحدها: ما تعرفه الأذكياء والأغبياء # الثاني ما يختص بمعرفته الأذكياء، الثالث ما يختص بمعرفته الأولياء، لأن ~~الله تعالى ضمن لمن جاهد في سبيله أن يهديه إلى سبيله فقال: {والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] ، ولأن الأولياء يهتمون بمعرفة أحكامه ~~وشرعه فيكون بحثهم عنه أتم واجتهادهم فيه أكمل، مع أن من عمل بما يعلم ورثه ~~الله علم ما لم يعلم. وكيف يستوي المتقون والفاسقون؟ لا والله لا يستوون في ~~الدرجات ولا في المحيا ولا في الممات. والعلماء ورثة الأنبياء، فينبغي أن ~~يعرضوا عن الجهلة الأغبياء الذين يطعنون في علومهم ويلغون في أقوالهم، ~~ويفهمون غير مقصودهم، كما فعل المشركون في القرآن المبين فقالوا: {لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت: 26] . فكما جعل لكل ~~نبي عدوا من المجرمين، جعل لكل عالم من المقربين عدوا من المجرمين. فمن صبر ~~من العلماء على عداوة الأغبياء كما صبر الأنبياء، نصر كما نصروا وأجر كما ~~أجروا وظفر # PageV01P028 # كما ظفروا وكيف يفلح من يعادي حزب الله ويسعى في إطفاء نور الله؟ والحسد ~~يحمل على أكثر من ذلك، فإن اليهود لما حسدوا الرسول - عليه السلام - حملهم ~~حسدهم على أن قاتلوه وعاندوه، مع أنهم جحدوا رسالته وكذبوا مقالته. ### | [فصل في بيان تفاوت رتب المصالح والمفاسد وتساويها] # المصالح والمفاسد في ms021 رتب متفاوتة، وعلى رتب المصالح تترتب الفضائل في ~~الدنيا، والأجور في العقبى، وعلى رتب المفاسد تترتب الصغائر والكبائر ~~وعقوبات الدنيا والآخرة، وقد تستوي مصلحة الفعلين من كل وجه فيوجب الرب ~~تحصيل إحدى المصلحتين نظرا لمن أوجبها له أو عليه، ويجعل أجرها أتم من أجر ~~التي لم يوجبها. فإن درهم النفل مساو لدرهم الزكاة لكنه أوجبه لأنه لو لم ~~يوجبه لتقاعد الأغنياء عن بر الفقراء فيهلك الفقراء، وجعل الأجر عليه أكثر ~~من الأجر على غيره، ترغيبا في التزامه والقيام به، فإنه قد يؤجر على أحد ~~العملين المتماثلين ما لا يؤجر على نظيره، مع أنه لا تفاوت بينهما إلا ~~بتحمل مشقة الإيجاب ووجوب العقاب على الترك ولذلك أمثلة: أحدها: أن حج ~~الفرض وعمرته متساويان بحج النفل وعمرته من كل وجه. # الثاني: أن صوم رمضان مساو لصوم شعبان من كل وجه، مع أن صوم رمضان أفضل ~~من صوم شعبان، بل لو وقع صوم رمضان في أقصر الأيام وصوم غيره في أطولها ~~لكان صوم رمضان أفضل مع خفته وقصره من صوم سائر الأيام مع ثقلها وطولها. # المثال الثالث: أن الذكر الواجب والمندوب متساويان من كل وجه فإن تكبيرة ~~الإحرام مماثلة لسائر # PageV01P029 # التكبيرات وهي أفضل منها بلا خلاف، وكذلك قراءة حمدلة الفاتحة في الصلاة ~~مساوية لقراءتها في غير الصلاة مع أنها أفضل منها إذا قرئت خارج الصلاة ~~وكذلك الأذكار التي في القرآن إذا قصد بها القراءة شرطت فيها الطهارة عن ~~الجنابة، ولو قصد بها الذكر كالبسملة على الطعام والشراب، والحمدلة عند ~~الفراغ منها، والتسبيحات المذكورة في القرآن، لم يشترط فيها الطهارة عن ~~الجنابة، مع تساوي هذه الأذكار من كل وجه. # وكذلك ما فرضه الله في الزكاة قد تساوي مصلحته مصلحة نظيره من الصدقات في ~~سد الخلات ودفع الحاجات وله أمثلة: أحدها إخراج درهمين متساويين أحدهما ~~زكاة والآخر صدقة. # الثاني: شاتان متساويتان تصدق بأحدهما وزكى بالأخرى، الثالث إخراج العشر ~~في الزكاة مع عشر آخر من ذلك الجنس، فالزكاة في ذلك كله أفضل من الصدقة مع ~~القطع ms022 بالاستواء في دفع الحاجات وسد الخلات، وقد يكون النفل من الصدقات ~~أكمل مصلحة من الفرض في الزكاة وتكون الزكاة أفضل. وله أمثلة. أحدها: أن ~~يتصدق بشاة نفيسة أو بغير نفيس أو حنطة جيدة ويزكي بشاة خسيسة أو بعير رذل ~~أو بحنطة ردية. # الثاني: أن يخرج بنت مخاض في الزكاة ويتصدق بحقة أو جذعة. # الثالث أن يتصدق بفضة لينة حسنة ويزكي بفضة خشنة ردية من جنس النصاب، فإن ~~الجيد من جنس هذه الأجناس أكمل مصلحة وأتم فائدة في باب الصدقات، مع القطع ~~بأن أجره دون أجر ما ذكرناه في الزكاة، ومدار ذلك كله قوله - عليه السلام - ~~عن ربه عز وجل أنه قال: «ولن يتقرب إلي عبد بمثل أداء ما افترضت عليه» ، ~~ولا شك أن هذا الحديث معمول به إذا ساوى الفرض النفل كما ذكرناه في درهم ~~الصدقة ودرهم الزكاة، وفي حج الفرض وحج النفل وفي صوم الفرض وصوم النفل، ~~فإنهما متساويان من كل وجه، أما إذا تفاوتا بالقلة والكثرة مثل أن يزكي ~~بخمسة دراهم ويتصدق بعشرة آلاف درهم، وزكى # PageV01P030 # بشاة وتصدق بعشرة آلاف شاة، فيحتمل في مثل هذا أن يكون الفرض أفضل من ~~النفل من غير نظر إلى تفاوت المصلحتين، ويحتمل أن يخص الحديث بالعملين ~~المتساويين في المصلحة كدرهم الزكاة مع درهم الصدقة، وشاة الزكاة مع شاة ~~الصدقة، ولكن فيه مخالفة لظاهر الحديث، وليس ببعيد من تفضل الرب أن يؤجر ~~على أقل العملين المتجانسين، أكبر مما يؤجر على أكثرهما، كما فضل أجر هذه ~~الأمة مع قلة عملها على أجر اليهود والنصارى مع كثرة عملهم، وكما فضل أجر ~~الفرائض على مساويها من النوافل طولا على من يشاء من عباده، وكما أن قيام ~~ليلة القدر موجب لغفران الذنوب مع مساواته لقيام كل ليلة من ليالي رمضان. # وكذلك العمل في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر مع التساوي. # وكذلك الصلاة في المسجدين أفضل منها في سائر المساجد مع تساويهما في جميع ~~ما شرع فيها، وإذا كانت الحسنة في ليلة القدر أفضل من ms023 ثلاثين ألف حسنة في ~~غيرها، مع أن تسبيحها كتسبيح غيرها، وصلاتها كصلاة غيرها، وقراءتها كقراءة ~~غيرها؛ علم أن الله يتفضل على عباده في بعض الأزمان بما لا يتفضل به في ~~غيره مع القطع بالتساوي، وليس ذلك إلا تفضلا من الإله، إذ لا فرق بين وقت ~~ووقت. # وكذلك تفضله سبحانه في بعض الأماكن بتضعيف الأجور؛ كما جعل الصلاة في ~~مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام مع ~~التساوي بين الصلوات. # ومما يدل أيضا على أن الله قد يؤجر على قليل الأعمال ما لا يؤجر على ~~كثيرها ما روي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مثلكم ~~ومثل أهل الكتابين كرجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي من غدوة إلى نصف ~~النهار على قيراط، فعملت اليهود، ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة ~~العصر على قيراط فعملت النصارى، ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى أن ~~تغيب الشمس على قيراطين، فهم أنتم، فغضبت # PageV01P031 # اليهود والنصارى، وقالوا ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء؟ ، فقال هل نقصتكم ~~من حقكم شيئا؟ قالوا لا قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء» ، أخرجه البخاري. ~~ويدل هذا الحديث أيضا على أن الثواب ليس على قدر النصب قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -. «الإيمان بضع وستون شعبة أفضلها لا إله إلا الله وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق» ، وهو من المصالح العامة لكل مجتاز بالطريق بإزالة ~~الشوك والأحجار والأقذار مع مشقة ذلك وخفة النطق بكلمة الإيمان. # فإن قيل هل تتفاوت رتب المعارف والإيمان بالفرض والنفل، كما تفاوتت رتب ~~العبادات بالفرض والنفل؟ قلنا نعم فإن الإيمان الأول والتعرف الأول مفروض ~~بالإجماع، واستحضارها بعد ذلك نفل لا يلزم تعاطيه، فيكون تفاوتهما لسبب ~~الفرضية والنفلية لا بتفاوت شرفهما في أنفسهما فإنهما متساويان في الشرف ~~والكمال، إلا ما استثني من وجوب التشهد في الصلاة ونحوه. # وأما التفاوت في الأحوال فظاهر فإن مرتبة التعظيم والإجلال أكمل من مرتبة ~~الخوف والرجاء، لأن الإعظام ms024 والإجلال صدرا عن ملاحظة الذات والصفات فكان ~~لهما شرفان: أحدهما من مصدرهما، والثاني من تعلقهما. # وأما الخوف والرجاء فإن الخوف صدر على ملاحظة العقوبات والرجاء صدر عن ~~ملاحظة المثوبات، وتعلقا بما صدرا عنه فانحطا عن التعظيم والإجلال ~~بمرتبتين، وكذلك رتبة المحبة الصادرة عن ملاحظة الإنعام والأفضال منحطة عن ~~رتبة المحبة الصادرة عن ملاحظة الكمال والجمال، لصدور تلك المحبة عن ملاحظة ~~الأغيار، وصدور محبة الإجلال عن ملاحظة أوصاف الجمال والكمال، والتعظيم ~~والمهابة أفضل من المحبة الصادرة عن معرفة الجلال والجمال لما في المحبة من ~~اللذة بجمال المحبوب، بخلاف المعظم الهائب فإن الهيبة والتعظيم يقتضيان ~~التصاغر والانقباض، ولا حظ للنفس في ذلك فخلص لله وحده. # فإن قيل هل يستوي الحاج عن نفسه # PageV01P032 # والمحجوج عنه في مقاصد الحج؟ قلنا: قيل يستويان في براءة الذمة ولا ~~يستويان في الأجر، وأين مجرد بذل الأجرة في مباشرة الحج والقيام بأركانه ~~وشرائطه وسننه وآدابه مع تحمل مشقته، وما يحصل فيه من الخضوع والخشوع ~~والتناوش والاستكانة والتعظيم، وهكذا الأبدال كلها لا تساوي مبدلاتها، فليس ~~التيمم كالوضوء والغسل، وليس صوم الكفارة كإعتاقها ولا إطعامها كصيامها، ~~ولا تساوت الأبدال والمبدلات في المصالح لما في شرط الانتقال إلى أحدهما من ~~فقد الآخر. # فإن قيل لو حصل للأجير على الحج تذلل وتمسكن وتناوش وخضوع وخشوع وإجلال ~~وتعظيم ومهابة ومحبة وأنس وفرح وسرور وخوف ورجاء وبكاء واستحياء، فهل يحصل ~~أجر ذلك للمحجوج عنه؟ قلنا: لا فإن الإجارة متعلقة بأركان الحج وواجباته ~~وسننه ولا يحصل فيه من أعمال القلوب إلا النية لوقوف الصحة عليها، ولا يحصل ~~شيء من ذلك للمحجوج عنه، لأن الإجارة لم تتناوله، بل لو استؤجر عليه لم يصح ~~للعجز عنه في الغالب، وعدم الاحتياج إليه بخلاف الحج وسننه. # فإن قيل. ما تقولون في من سد جوعة مسكين في عشرة أيام؟ هل يساوي أجره أجر ~~من سد جوعة عشرة مساكين، مع أن الفرض سد عشر جوعات، والكل عباد الله، ~~والفرض الإحسان إليهم، فأي فرق بين تحصيل هذه المصالح في محل واحد أو ms025 في ~~محال متعددة؟ قلنا لا يستويان لأن الجماعة يمكن أن يكون فيهم ولي لله أو ~~أولياء له فيكون إطعامهم أفضل من تكرير إطعام واحد. # وقد حث الرب سبحانه وتعالى على الإحسان إلى الصالحين بقوله: {وأنكحوا ~~الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] ، ومثل هذا لا ~~يتحقق في واحد بعينه، ولأنه يرجى من دعاء الجماعة ما لا يرجى من دعاء ~~الواحد، كما يرجى من دعاء المصلين على الميت إذا بلغوا أربعين ما لا يرجى ~~من دعائهم إذا نقصوا عن ذلك، كما جاء في الحديث، ولمثل # PageV01P033 # هذا أوجب الشافعي - رضي الله عنه - صرف الزكاة إلى الأصناف، لما فيه من ~~دفع أنواع من المفاسد وجلب أنواع من المصالح، فإن دفع الفقر والمسكنة نوع ~~مخالف لدفع الرق عن المكاتبين، والغرم عن الغارمين، والغربة والانقطاع عن ~~أبناء السبيل، وكذلك التأليف على الدين عند من يرى أن سهم المؤلفة باق، ~~وكذلك إعانة المجاهدين على الجهاد الذي هو تلو الإيمان برب العالمين. # فإن قيل: قد يترتب الشرع على الفعل اليسير مثل ما يترتب على الفعل ~~الخطير، كما رتب غفران الذنوب على الحج المبرور، ورتب مثل ذلك على موافقة ~~تأمين المصلي تأمين الملائكة، ورتب غفران الذنوب على قيام ليلة القدر، كما ~~رتبه على قيام جميع رمضان، فالجواب أن هذه الطاعات وإن تساوت في التكفير ~~فلا تساوي بينها في الأجور؛ فإن الله سبحانه وتعالى رتب على الحسنات رفع ~~الدرجات وتكفير السيئات، ولا يلزم من التساوي في تكفير السيئات التساوي في ~~رفع الدرجات، وكلامنا في جملة ما يترتب على الفعل من جلب المصالح ودرء ~~المفاسد، وذلك مختلف فيه باختلاف الأعمال. فمن الأعمال ما يكون شريفا بنفسه ~~وفيما رتب عليه من جلب المصالح ودرء المفاسد، فيكون القليل منه أفضل من ~~الكثير من غيره، والخفيف منه أفضل من الشاق من غيره، ولا يكون الثواب على ~~قدر النصب في مثل هذا الباب كما ظن بعض الجهلة، بل ثوابه على قدر خطره في ~~نفسه، كالمعارف العلية والأحوال السنية والكلمات المرضية. فرب عبادة خفيفة ~~على ms026 اللسان ثقيلة في الميزان وعبادة ثقيلة على الإنسان خفيفة في الميزان ~~بدليل أن التوحيد خفيف على الجنان واللسان وهو أفضل ما أعطيه الإنسان ومن ~~به الرحمن، والتفوه به أفضل كل كلام، بدليل أنه يوجب الجنان ويدرأ غضب ~~الديان، وقد صرح - عليه السلام - # PageV01P034 # بأنه أفضل الأعمال، لما «قيل له أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان بالله» ، ~~وجعل الجهاد دونه مع أنه أشق منه، وكذلك معرفة التوحيد أفضل المعارف، ~~واعتقاده أفضل الاعتقادات، مع سهولة ذلك وخفته مع تحققه، وقد كانت قرة عين ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، وكانت شاقة على غيره، وليست صلاة ~~غيره مع مشقتها مساوية لصلاته مع خفتها وقرتها، وكذلك إعطاء الزكاة عن طيب ~~نفس أفضل من إعطائها مع البخل، ومجاهدة النفس. # وكذلك جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الماهر بالقرآن مع السفرة ~~الكرام البررة. # وجعل للذي يقرؤه يتعتع فيه وهو عليه شاق أجرين، ومما يدل على أن الثواب ~~لا يترتب على قدر النصب في جميع العبادات ما روى أبو الدرداء عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند ~~مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من ~~أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا بلى قال: ذكر الله، ~~قال معاذ بن جبل: ما شيء أنجا من عذاب الله من ذكر الله» ، رواه الترمذي. # ومما يدل على ذلك أيضا ما رواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت ~~أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه» ، ~~أخرجه مسلم في صحيحه. # وكذلك قوله - عليه السلام - فيما رواه أبو هريرة أيضا قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ~~حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» ، أخرجاه في ~~الصحيحين. # PageV01P035 # والحاصل بأن الثواب يترتب على تفاوت الرتب ms027 في الشرف، فإن تساوى العملان ~~من كل وجه كان أكثر الثواب على أكثرهما لقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره} [الزلزلة: 7] . ### | [فصل فيما يتفاوت أجره بتفاوت تحمل مشقته] # إن قيل: ما ضابط الفعل الشاق الذي يؤجر عليه أكثر مما يؤجر على الخفيف؟ ~~قلت: إذا اتحد الفعلان في الشرف والشرائط والسنن والأركان، وكان أحدهما ~~شاقا فقد استويا في أجرهما لتساويهما في جميع الوظائف، وانفرد أحدهما بتحمل ~~المشقة لأجل الله سبحانه وتعالى، فأثيب على تحمل المشقة لا على عين المشاق، ~~إذ لا يصح التقرب بالمشاق، لأن القرب كلها تعظيم للرب سبحانه وتعالى، وليس ~~عين المشاق تعظيما ولا توقيرا. # ويدل على ذلك أن من تحمل مشقة في خدمة إنسان فإنه يرى ذلك لا لأجل كونه ~~شق عليه وإنما يراه له بسبب تحمل مشقة الخدمة لأجله، وذلك كالاغتسال في ~~الصيف والربيع بالنسبة إلى الاغتسال في شدة برد الشتاء؛ فإن أجرهما سواء ~~لتساويهما في الشرائط والسنن والأركان، ويزيد أجر الاغتسال في الشتاء لأجل ~~تحمل مشقة البرد، فليس التفاوت في نفس الغسلين وإنما التفاوت فيما لزم ~~عنهما. # وكذلك مشاق الوسائل في من يقصد المساجد والحج والغزو من مسافة قريبة، ~~وآخر يقصد هذه العبادات من مسافة بعيدة، فإن ثوابيهما يتفاوتان بتفاوت ~~الوسيلة، ويتساويان من جهة القيام بسنن هذه العبادات وشرائطها وأركانها. ~~فإن الشرع يثيب على الوسائل إلى الطاعات كما يثيب على المقاصد، مع تفاوت ~~أجور الوسائل والمقاصد. # وكذلك جعل لكل خطوة يخطوها # PageV01P036 # المصلي إلى إقامة الجماعة رفع درجة وحط خطيئة، وجعل أبعدهم ممشى إلى ~~الصلاة أعظم أجرا من أقربهم ممشى إليها، وكذلك جعل للمسافرين إلى الجهاد - ~~بما يلقونه من الظمأ والنصب والمخمصة والنفقة الصغيرة والكبيرة وقطع ~~الأودية وبما ينالونه من الأعداء وبالوطء الغائظ للكفار - أجر عمل صالح، ~~فكذلك تحمل المشاق الناشئة عن العبادة أو عن وسائل العبادة، ويختلف أجر ~~تحمل المشاق بشدة المشاق وخفتها. # فإن قيل قد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مسندا عن عائشة أنها قالت: ~~«قلت يا رسول الله يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك ms028 واحد؟ قال: انتظري فإذا ~~طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي منه ثم الحقينا عند كذا وكذا. قال أظنه قال: ~~غدا ولكنها على قدر نصبك أو قال نفقتك» . قلت: هذا مشكوك فيه هل قال قدر ~~نصبك أو قال قدر نفقتك؟ فإن كان الواقع قوله: على قدر نفقتك فلا شك أن ما ~~ينفق في طاعة الله يفرق بين قليله وكثيره، وإن كان الواقع قوله: على قدر ~~نصبك فيجب أن يكون التقدير على قدر تحمل نصبك لما ذكرناه، وقد قيل: إن في ~~بعض كتب الله أنه قال: بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي. وقد علمنا من ~~موارد الشرع ومصادره أن مطلوب الشرع إنما هو مصالح العباد في دينهم ~~ودنياهم، وليست المشقة مصلحة. بل الأمر بما يستلزم المشقة بمثابة أمر ~~الطبيب المريض باستعمال الدواء المر البشع، فإنه ليس غرضه إلا الشفاء، ولو ~~قال قائل كان غرض الطبيب أن يوجده مشقة ألم مرارة الدواء، لما حسن ذلك فيمن ~~يقصد الإصلاح. # وكذلك الوالد يقطع من ولده اليد المتآكلة حفظا لمهجته ليس غرضه إيجاده ~~ألم القطع، وإنما غرضه حفظ مهجته مع أنه يفعل ذلك متوجعا متألما لقطع يده. # وقد قال - عليه السلام - فيما حكاه «عن ربه عز وجل أنه قال: وما ترددت في ~~شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا ~~بد له # PageV01P037 # منه» ولا شك أن المشاق من حيث إنها مشاق تسوء المؤمن وغيره، وإنما يهون ~~أمرها لما يبتنى على تحملها من الأجر والثواب، ويكون قليل العمل البدني ~~أفضل من كثيره، وخفيفه أفضل من ثقيله، كتفضيل القصر على الإتمام، وكتفضيل ~~صلاة الصبح مع نقص ركعاتها على سائر الصلوات عند من رآها الصلاة الوسطى، مع ~~أنها أقصر من صلاة العصر على ما جاءت به السنة، والله تعالى يؤتي فضله من ~~يشاء، ولو كان الثواب على قدر النصب مطلقا، لما كان الأمر كذلك، ولما فضلت ~~ركعة الوتر على ركعتي الفجر، ولما فضلت ركعتا الفجر على مثلها من الرواتب. # وأما الإبراد بالظهر مع ما ms029 فيه من تفويت المبادرة إلى الصلاة فإنه من باب ~~تقديم مصلحة راجحة على مصلحة مرجوحة، فإن المشي إلى الجماعات في شدة الحر ~~يشوش الخشوع الذي هو أفضل أوصاف الصلاة، فقدم الخشوع الذي هو من أفضل أوصاف ~~الصلاة على المبادرة التي لا تدانيه في الرتبة، ولهذا المعنى أمر بالمشي ~~إلى الجماعة بالسكينة والوقار مع ما فيه من تفويت النداء وتكميل الاقتداء ~~بالإمام، لأنه لو أسرع لانزعج وذهب خشوعه؛ فقدم الشرع رعاية الخشوع على ~~المبادرة وعلى الاقتداء في جميع الصلوات، وكذلك تؤخر الصلاة بكل ما يشوش ~~الخشوع كإفراط الظمأ والجوع، وكذلك يؤخرها الحاقن والحاقب، وينبغي أن يؤخر ~~بكل مشوش يؤخر الحاكم الحكم بمثله. # وكذلك تؤخر الصلاة إلى آخر الأوقات في حق من يتيقن وجود الماء في أواخر ~~الأوقات؛ لأن فضيلة الصلاة بطهارة الماء أفضل من المبادرة إلى الجماعات، ~~وإنما فضلت لأن اهتمام الشرع بشرائط العبادات أعظم من اهتمامه بالسنن ~~المكملات، ويدل على ذلك أن القادر على الماء لا يتخير بينه وبين التيمم، ~~والقادر على المبادرة إلى الجماعات مخير بين المبادرة والجماعة وبين ~~التأخير والانفراد، ولو كانت مصلحة المبادرة كمصلحة استعمال الماء لتعينت ~~عند القدرة عليها كما يتعين استعمال الماء، وإنما تحمل الصائم # PageV01P038 # مشقة رائحة الخلوف، فقد فضله الشافعي على إزالة الخلوف بالسواك، مستدلا ~~بأن ثوابه أطيب من ريح المسك، ولم يوافق الشافعي على ذلك إذ لا يلزم من ذكر ~~ثواب العمل أن يكون أفضل من غيره، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة حصول ~~الرجحان بالأفضلية، ألا ترى أن الوتر عند الشافعي في قوله الجديد أفضل من ~~ركعتي الفجر، مع قوله - عليه السلام -: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما ~~فيها» وكم من عبادة قد أثنى الشرع عليها وذكر فضيلتها مع أن غيرها أفضل ~~منها، وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما؛ فإن ~~السواك نوع من التطهر المشروع لإجلال الرب سبحانه وتعالى، لأن مخاطبة ~~العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا شك فيه، ولأجله شرع السواك وليس في ~~الخلوف تعظيم ولا إجلال، ms030 فكيف يقال إن فضيلة الخلوف تربو على تعظيم ذي ~~الجلال بتطييب الأفواه؟ ، ويدل أن مصلحة السواك أعظم من مصلحة تحمل مشقة ~~الخلوف قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة» ، ولولا أن مصلحته أتم من مصلحة تحمل مشقة الخلوف لما ~~أسقط إيجابه لمشقته، وهذا يدل على أن مصلحته انتهت إلى رتب الإيجاب. # وقد نص على اعتباره بقوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل ~~صلاة» ، والذي ذكره الشافعي - رحمه الله - تخصيص للعام لمجرد الاستدلال ~~المذكور المعارض لما ذكرناه، ولا يصح قياسه على دم الشهيد؛ لأن المستاك ~~مناج لربه، فشرع له تطهير فمه بالسواك، وجسد الميت قد صار جيفة غير مناجية، ~~فلا يصح - مع ذلك - الإلحاق. # PageV01P039 ### | [فصل في تساوي العقوبات العاجلة مع تفاوت المفاسد] # في تساوي العقوبات العاجلة مع تفاوت المفاسد # قد تتساوى العقوبات العاجلة مع تفاوت الزلات مع أن الأغلب تفاوت العقوبات ~~بتفاوت المخالفات، فإن من شرب قطرة من الخمر مقتصرا عليها يحد كما يحد من ~~شرب ما أسكره وخبل عقله مع تفاوت المفسدتين، ولم يجعل الوسائل إلى الزنا ~~والسرقة والقتل، مثل الزنا والسرقة والقتل، والفرق بينهما وبين شرب القطرة ~~من الخمر خفة حد السكر وثقل ما عداه من الحدود، مع أن التوسل إلى السرقة ~~والقتل لا يحرك الداعية إليهما، ولا يحث عليهما، بخلاف وسائل الزنا من ~~النظر واللمس وغيرهما، فإنها تؤكد الحث عليه، والدعاة إليه، والقتل في ~~الزواجر. فإن قيل هل يكون وزر من سرق ربع دينار كوزر من سرق ألف دينار ~~لاستوائهما في القطع؟ قلنا: لا، بل يتفاوت وزرهما في الدار الآخرة بتفاوت ~~مفسدة سرقتيهما. قال تعالى: {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] ، ~~{وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47] . # والقطع الواجب في الألف متعلق بربع دينار من الألف، ولا يلزم من الاستواء ~~في العقوبة العاجلة الاستواء في العقوبة الآجلة، ويجوز أن يجاب بمثل هذا في ~~حدي القطرة والسكرة. لكن الحدود كفارة لأهلها، ms031 فقد استويا في الحدين وتكفير ~~الذنبين. # وفي السرقتين. استويا في المفسدتين، وهما أخذ ربع دينار، فيكفر الحدان ما ~~يتعلق بربع الدينار من السرقتين، ويبقى الزائد إلى تمام الألف لا مقابل له # PageV01P040 # ولا تكفير. # وأما تفاوت حدي زنا البكر والمحصن، ففيه إشكال يسر الله حله. # فإن قيل لم فرق بين الأحرار والعبيد في الحدود مع تساويهم في الجرائم ~~وتحقيق المفاسد؟ قلنا: تعذيب الأماثل على الإساءة أشد من تعذيب الأراذل؛ ~~لأن صدور المعصية منهم مع الإنعام عليهم والإحسان إليهم أقبح من صدورها من ~~الأراذل. ألا ترى إلى قوله، {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف ~~لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30] ، وإلى قوله: {لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا} [الإسراء: 74] {إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} [الإسراء: 75] ~~، وإلى قوله: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} [الحاقة: 44] {لأخذنا منه ~~باليمين} [الحاقة: 45] {ثم لقطعنا منه الوتين} [الحاقة: 46] . وإنما كان ~~كذلك لما يجب على المنعم عليه المفضل من شكر إحسان المنعم المتفضل، فإذا ~~قابل إحسانه بعصيانه، كان ذلك أقبح من عصيان غيره. ولذلك قبحت معصية ~~الوالدين وعقوقهما لما يجب من شكر إنعامهما بتربيتهما، ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: 14] ولو سب الوزير الملك بمسبة سبه ~~بها السائس لاستحق العذاب الأليم، ولم يسو بينه وبين السائس لأجل الإنعام ~~عليه، والإحسان إليه. فإن قيل قد سويتم بين الأحرار والعبيد في قطع السرقة ~~وقتل المحاربة؟ قلنا: سوينا بينهما لتعذر تبعيض القطع والقتل. # فإن قيل هل يستوي إثم الذابح، وإثم من قطع أنملة إنسان فسرت إلى نفسه؟ ~~فالجواب أنهما متساويان في الكفارة والدية والقصاص، ويتفاوتان في العقوبة ~~الآجلة؛ لأن جرأة الذابح على انتهاك الحرمة في الذبح أشد من جرأة القاطع ~~على انتهاك الحرمة في القطع. # وكذلك # PageV01P041 # لو جرح أحد الجانيين جرحا واحدا وجرح الآخر مائة جراحة، أو قطع أحدهما ~~أنملة واحدة وقطع الآخر جميع الأعضاء والأنامل، فمات المجني عليه بذلك، ~~فإنهما يتفاوتان في عقوبة الآخرة لتفاوتهما في تعدد المعصية وعظم الجرأة، ~~مع تساويهما في الدية والكفارة ms032 والقصاص. # وكذلك لو ذبح الجاني رجلا أو قطع الجاني الآخر رجلا إربا إربا حتى مات، ~~فإنهما يتساويان في العهدة العاجلة، ويتفاوتان في العقوبة الآجلة لعظم. ~~الجرأة، وتعدد المعصية في أحدهما واتحادها في الآخر، وكذلك قتل المثلة أعظم ~~وزرا من الذبح وقطع الرقبة. # فإن قيل هل يحرم الرب ما لا مفسدة فيه؟ قلنا: نعم، قد يحرم الرب ما لا ~~مفسدة فيه عقوبة لمخالفته وحرمانا لهم أو تعبدا. أما تحريم الحرمات، فكما ~~حرم على اليهود كل ذي ظفر، وكما حرم عليهم الثروب من البقر والغنم، عقوبة ~~لهم لا لمفسدة في ذلك، ولو كان فيه مفسدة لما أحل ذلك لنا مع أنا أكرم عليه ~~منهم. وقد نص على ذلك بقوله: {ذلك جزيناهم ببغيهم} [الأنعام: 146] ، ~~وبقوله: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 160] ~~. # وأما تحريم التعبد فكتحريم الصيد في الإحرام، والدهن والطيب واللباس، ~~فإنها لم تحرم لصفة قائمة بها تقتضي تحريمها، بل لأمر خارج عن أوصافها، ~~وصار ذلك بمثابة أكل مال الغير، فإنه لم يحرم لصفة قائمة به، وإنما حرم ~~لأمر خارج. ### | [فصل في انقسام المصالح إلى العاجل والآجل] # في انقسام المصالح إلى العاجل والآجل # المصالح ثلاثة أقسام: أحدها واجب التحصيل، فإن عظمت المصلحة وجبت في كل ~~شريعة. # القسم الثاني: مندوبة التحصيل، الثالث مباحة # PageV01P042 # التحصيل ثم المصالح ثلاثة أضرب: # أحدهما: أخروية وهي متوقعة الحصول، إذ لا يعرف أحد بم يختم له؟ ولو عرف ~~ذلك لم يقطع بالقبول، ولو قطع بالقبول لم يقطع بحصول ثوابها ومصالحها، ~~لجواز ذهابها بالموازنة والمقاصة. # الضرب الثاني: مصالح دنيوية وهي قسمان أحدهما ناجز الحصول كمصالح المآكل ~~والمشارب والملابس، والمناكح والمساكن والمراكب، وكذلك مصالح المعاملات ~~الناجزة الأعواض وحيازة المباح - كالاصطياد والاحتشاش والاحتطاب. # القسم الثاني: متوقع الحصول كالاتجار لتحصيل الأرباح وكذلك الاتجار في ~~أموال اليتامى لما يتوقع فيها من الأرباح. # وكذلك تعليمهم الصنائع والعلوم لما يتوقع من مصالحها وفوائدها، وكذلك ~~بناء الدار وزرع الحبوب وغرس الأشجار، وكل ذلك مصالحه متوقعة غير مقطوع ~~بها، وكذلك ما يتوقع من مصالح الانزجار ms033 من الحدود والعقوبات الشرعية. # الضرب الثالث: ما يكون له مصلحتان إحداهما عاجلة والأخرى آجلة كالكفارات ~~والعبادات الماليات، فإن مصالحها العاجلة لقابليها، والآجلة لباذليها، ~~فمصالحها العاجلة ناجزة الحصول، والآجلة متوقعة الحصول. ### | [فصل في انقسام المفاسد إلى العاجل والآجل] # في انقسام المفاسد إلى العاجل والآجل # المفاسد ثلاثة أقسام - أحدها: ما يجب درؤه فإن عظمت مفسدته وجب درؤه في ~~كل شريعة وذلك كالكفر والقتل والزنا والغصب وإفساد العقول. # القسم الثاني: ما تختلف فيه الشرائع فيحظر في شرع ويباح في آخر تشديدا ~~على من حرم عليه، وتخفيفا على من أبيح له، الثالث: ما تدرؤه الشرائع كراهية ~~له. # PageV01P043 # ثم المفاسد ثلاثة أضرب: أحدها أخروية وهي متوقعة الحصول لا يقطع بتحققها ~~لأنها قد تسقط بالتوبة أو العفو أو الشفاعة أو الموازنة. # الضرب الثاني: دنيوية وهي قسمان: # أحدهما: ناجز الحصول كالكفر والجهل الواجب الإزالة، وكالجوع والظمأ ~~والعري وضرر الصيال والقتال. # القسم الثاني: متوقع الحصول كقتال من يقصدنا من الكفار والبغاة وأهل ~~الصيال. # الضرب الثالث: ما يكون له مفسدتان: إحداهما عاجلة والأخرى آجلة، كالكفر، ~~فالعاجلة ناجزة الحصول والآجلة متوقعة الحصول. # وأما ما يكون مفسدته عاجلة ومصلحته آجلة فكالصيال على الدماء والأبضاع ~~والأموال، فإن درء مفسدته عاجل حاصل لمن درئت عنه، ومصلحة درئه آجلة لمن ~~درأه. ### | [فائدة إذا عظمت المصلحة أوجبها الرب في كل شريعة] # وكذلك إذا عظمت المفسدة، حرمها في كل شريعة، وإن تفاوتت رتب المصالح ~~والمفاسد فقد يقدم الشرع بعض المصالح في بعض الشرائع على غيرها، ويخالف ذلك ~~في بعض الشرائع. # وكذلك المفاسد، فالقصاص في شريعة موسى واجب حقا لله كما في حد السرقة ~~والزنا، وهو عندنا حق للعبد مقترن بحق الرب، ورجح فيه حق العبد على حق الرب ~~في شرعنا نظرا للجاني ولولي الدم. # وكذلك حرم في النكاح الزيادة على امرأة واحدة في شرع عيسى نظرا للنساء ~~وكيلا يتضررن بكثرة الضرائر والإماء، وأجازه من غير حصر في شريعة موسى لمن ~~قدر على القيام بالوطء ومؤن النكاح، وأجاز في شرعنا الزيادة على واحدة نظرا ~~للرجال وحرم الزيادة ms034 على الأربع نظرا للنساء ورحمة بهن، ووطء الإماء من غير ~~حصر نظرا للرجال. ### | [فصل في تفاوت الأعمال مع تساويها باختلاف الأماكن والأزمان] # في تفاوت الأعمال مع تساويها باختلاف الأماكن والأزمان اعلم أن الأماكن ~~والأزمان كلها متساوية، ويفضلان بما يقع فيهما لا بصفات قائمة بهما، ويرجع ~~تفضيلهما إلى ما ينيل الله العباد فيهما من فضله وكرمه # PageV01P044 # فإن له أن يعاقب بغير كفر ولا عصيان، ويتفضل بغير طاعة وإيمان، وقد صح ~~أنه ينشئ في الجنة أقواما وفي الجنة آخرين. # وكذلك من خلقه في الجنان من الحور العين. وتفضيل الأماكن والأزمان ضربان: # أحدهما دنيوي كتفضيل الربيع على غيره من الأزمان، وكتفضيل بعض البلدان ~~على بعض بما فيها من الأنهار والثمار وطيب الهواء وموافقة الأهواء. # الضرب الثاني: تفضل ديني راجع إلى أن الله يجود على عباده فيهما بتفضيل ~~أجر العاملين كتفضيل صوم رمضان على صوم سائر الشهور # وكذلك يوم عاشوراء وعشر ذي الحجة، ويوم الاثنين والخميس وشعبان وستة أيام ~~من شوال، فضلهما راجع إلى جود الله وإحسانه إلى عباده فيها، وكذلك فضل ~~الثلث الأخير من كل ليلة راجع إلى أن الله يعطي فيه من إجابة الدعوات ~~والمغفرة وإعطاء السؤال ونيل المأمول ما لا يعطيه في الثلثين الأولين. # وكذلك اختصاص عرفة بالوقوف فيها، ومنى بالرمي فيها، والصفا والمروة ~~بالسعي فيهما، مع القطع بتساوي الأماكن والأزمان، وكذلك تفضيل مكة على سائر ~~البلدان. ### | [فصل في تفضيل مكة على المدينة] # في تفضيل مكة على المدينة # إن قيل: قد ذهب مالك - رحمه الله - إلى تفضيل المدينة على مكة، فما ~~الدليل على تفضيل مكة عليها؟ قلنا معنى ذلك أن الله يجود على عباده في مكة ~~بما لا يجود بمثله في المدينة، وذلك من وجوه: أحدها: وجوب قصدها للحج ~~والعمرة وهذان واجبان لا يقع مثلهما في المدينة، فالإثابة عليهما إثابة على ~~واجب، ولا يجب قصد المدينة بل قصدها بعد موت الرسول - عليه السلام - بسبب ~~زيارته سنة غير واجبة. # PageV01P045 # الوجه الثاني: إن فضلت المدينة بإقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعد ms035 النبوة، كانت مكة أفضل منها؛ لأنه أقام بها بعد النبوة ثلاث عشرة سنة ~~أو خمس عشرة سنة وأقام بالمدينة عشرا. # الوجه الثالث: إن فضلت المدينة بكثرة الطارقين من عباد الله الصالحين، ~~فمكة أفضل منها بكثرة من طرقها من الصالحين والأنبياء والمرسلين، وما من ~~نبي إلا حجها آدم ومن دونه من الأنبياء والأولياء، ولو كان لملك داران ~~فضليان فأوجب على عبيده أن يأتوا إحدى داريه، ووعدهم على ذلك بغفران ~~سيئاتهم ورفع درجاتهم وإسكانهم في قربه وجواره في أفضل دوره، لم يرتب ذو لب ~~أن اهتمامه بهذا المكان أتم من اهتمامه بغيره من بيوته، وقد قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» . ~~وقال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» ، وقال في المدينة، «من صبر ~~على لأوائها وشدتها كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» . # الوجه الرابع: أن التقبيل والاستلام ضرب من الاحترام وهما مختصان ~~بالركنين اليمانيين ولم يوجد مثل ذلك في مسجد المدينة على ساكنها أفضل ~~السلام. # الوجه الخامس: أن الله أوجب علينا استقبالها في الصلاة حيثما كنا من ~~البلاد والفلوات، فإن قيل إن دلت الصلاة إليها على فضلها فلتكن الصخرة أفضل ~~منها لما وجبت الصلاة إليها؟ فالجواب إن صلاته وصلاة أمته إلى الكعبة أطول ~~زمانا، فإنها قبلتهم إلى القيامة، ولولا أن مصلحتها أكبر لما اختارها لهم ~~على الدوام، وكل فعل نسخ إيجابه إلى غيره كان كل واحد منهما في زمانه أفضل ~~من الآخر أو مثله لقوله: {نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] ، وكونه ~~أفضل في زمانه وجه، لا يدل على فضله على ما هو أفضل من وجوه شتى. # PageV01P046 # الوجه السادس: أن الله حرم علينا استدبار الكعبة واستقبالها عند قضاء ~~الحاجات. # الوجه السابع: أن الله حرمها يوم خلق السموات والأرض، فلم تحل لأحد من ~~الرسل والأنبياء إلا لنبينا - صلى الله عليه وسلم -، فإنها أحلت له ساعة من ~~نهار. # الوجه الثامن: أن الله بوأها لإبراهيم الخليل - عليه السلام -، ولابنه ~~إسماعيل - عليه السلام ms036 -، وجعلها مبوأ ومولدا لسيد المرسلين وخاتم النبيين ~~صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. # الوجه التاسع: أن الله جعلها حرما آمنا في الجاهلية والإسلام. # الوجه العاشر: أن مكة لا تدخل إلا بحج أو عمرة، إما وجوبا أو ندبا، وليس ~~في المدينة مثل ذلك ولا بدل منه. # الوجه الحادي عشر: أن الله عز وجل قال في مكة: {إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] ، عبر بالمسجد الحرام عن ~~الحرم كله، وهذا من مجاز التعبير بالبعض عن الكل، كما يعبر بالوجه عن ~~الجملة، وبالرأس عن الجملة. # الوجه الثاني عشر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اغتسل لدخول مكة، ~~وهو مسنون ولم ينقل في المدينة مثل ذلك، وفي هذا نظر من جهة أن اغتساله ~~لأجل الحج لا لأجل دخول البلد كما في غسل الإحرام، وقد أثنى الله على البيت ~~في كتابه بما لم يثن على المدينة فقال: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ~~مباركا وهدى للعالمين} [آل عمران: 96] ، وكيف لا نعتقد أن مكانا أوجب الله ~~إتيانه على كل مستطيع أفضل من مكان لا يجب إتيانه، ومن شرف مكة # PageV01P047 # أن الصلاة لا تكره فيها في الأوقات المكروهات لما روى جبير بن مطعم أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال. «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف ~~بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» . أخرجه أبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث حسن صحيح. # وأما ما رواه من قوله - عليه السلام -: «اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع ~~إلي فأسكني في أحب البقاع إليك» . فهذا حديث لم يصح عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # وإن صح فهو من المجاز الذي لا يعرفه كثير من الناس، وهو من مجاز وصف ~~المكان بصفة ما يقع فيه، ولا يقوم به قيام العرض بالجوهر كقوله {بلدة طيبة} ~~[سبأ: 15] وصفها بالطيب الذي هو صفة لهوائها. # وكذلك الأرض المقدسة وصفت بالقدس الذي هو وصف لمن حل بها من الأنبياء ~~والأولياء ms037 المقدسين من الذنوب والخطايا، وكذلك الوادي المقدس وصف بقدس موسى ~~- عليه السلام - وبقدس الملائكة الذين حلوا فيه. # وكذلك قوله - عليه السلام - «أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد ~~إلى الله تعالى أسواقها» ، أراد بمحبة المساجد محبة ما يقع فيها من ذكره ~~وتلاوة كتابه والاعتكاف والصلوات، وأراد ببغض الأسواق ما يقع فيها من الغش ~~والخيانة وسوء المعاملة، مع كون أهلها لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ~~ولا يغضون الأبصار عن المحرمات وكذلك قولهم بلد خائف وآمن وصف بصفة من حل ~~فيه من الخائفين والآمنين، فكذلك وصفه بكونه محبوبا هو وصف بما حصل فيه مما ~~يحبه الله ورسوله، وهو إقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإرشاده ~~أهله إلى ما بعث به، فكانت حينئذ واجبة عليه، ومعلوم أن ما كان أحب إلى ~~الله كان أحب إلى رسوله، وكذلك لما هاجر إلى المدينة كانت إقامته بها ~~وإرشاده أهلها أحب إلى الله وإليه - صلى الله عليه وسلم - من إقامته ~~بغيرها، ومعلوم أن الطاعة التي هي أحب إلى الله من غيرها أحب إلى رسوله من # PageV01P048 # جميع الطاعات، ولا يلزم من قوله أحب البقاع إليك ألا تكون أحب إلى رسوله. ~~كما لا يلزم من قوله أحب البقاع إلى أن تكون أحب البقاع إلى ربه. فالتعبير ~~بالأحب في البلدين دال على أن كل واحد من البلدين أحب إلى الله وإلى رسوله، ~~إذ لا يظن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخالف ربه في محبة ما ~~أحبه. ويجوز أن يوصف كل واحد من البلدين بحسب ما وقع فيه: من إبلاغ ~~الرسالة، والأمر بالطاعات، والنهي عن المعاصي، وكل ذلك أحب إلى الله ورسوله ~~مما سواه من النوافل، وأحسن من هذا أن يكون المعنى: أخرجتني من أحب البقاع ~~إلي في أمر معاشي فأسكني أحب البقاع إليك في أمر معادي وهذا متجه ظاهر، ~~فإنه لم يزل في زيادة من دينه وتبليغ أمره إلى أن تكامل الوحي وبشره بإكمال ~~دينه وإتمام إنعامه بقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ms038 ~~ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] . # ومما يدل على أن الأماكن والأزمان يوصفان بصفة ما يقع فيهما قوله تعالى: ~~{رب اجعل هذا البلد آمنا} [إبراهيم: 35] وقوله {أولم يروا أنا جعلنا حرما ~~آمنا} [العنكبوت: 67] فوصفهما بصفة أهلهما. # وكذلك قوله سبحانه: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} ~~[النمل: 91] وصفها بالتحريم الواقع فيها وهو تحريم صيدها، وعضد شجرها ~~واختلاء خلائها، وتحريم التقاط لقطتها إلا لمنشد. وكذلك وصف سبحانه وتعالى ~~الأشهر بالتحريم. # في قوله: {منها أربعة حرم} [التوبة: 36] . وفي قوله. {الشهر الحرام ~~بالشهر الحرام} [البقرة: 194] . # وقالت العرب. يوم بارد وليل نائم، ونهار صائم، ومنه قول جرير: # ونمت وما ليل المطي بنائم # وفي الكتاب. {فذلك يومئذ يوم عسير} [المدثر: 9] ، {فيأخذكم عذاب يوم ~~عظيم} [الشعراء: 156] وكذلك يوم عصيب، وقمطرير، وثقيل. كل ذلك صفة لما يحصل ~~في تلك الأزمان، وكذلك وصف ليلة القدر بكونها خيرا من ألف شهر، إنما هو وصف ~~للعمل الواقع فيها. # وأما فضل الثغور فعائد إلى فضيلة الرباط # PageV01P049 # فيها على نية الجهاد - فيثاب حاضروها على نية الجهاد - وعلى التسبب إليه ~~بالإقامة فيها، وكذلك حراستها ممن يقصدها من الكفار. # وأما فضيلة المساجد فليست راجعة إلى أجرامها ولا إلى أعراض قامت ~~بأجرامها، وإنما ترجع فضيلتها إلى مقصودها من إقامة الجماعات والجمعات ~~فيها. # وكذلك الاعتكاف فيها، وكذلك منع من البيع والشراء فيها، وإيداع الأماكن ~~والأزمان لهذه الفضائل كإيداع الأنبياء والرسل النبوة والرسالة ليس إلا ~~جودا من الله، ولذلك قالت الرسل لقومهم: {إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله ~~يمن على من يشاء من عباده} [إبراهيم: 11] . # وكذلك سائر الأوصاف الشراف لم يضعها الرب سبحانه وتعالى فيمن يشاء من ~~عباده لمعنى اقتضاها واستدعاها، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده. # وكذلك ما من به من المعارف والأحوال وحسن الأخلاق، لم يكن ذلك إلا فضلا ~~من فضله وجودا من جوده على من يشاء من عباده، فكذلك الأماكن والأزمان أودع ~~الله في بعضها فضلا لا وجود له في غيرها، مع القطع بالتماثل والمساواة، ~~وكذلك الأجسام التي فضلت ms039 بأعراضها كالذهب والفضة، وسائر الجواهر النفيسة. ### | [فصل في انقسام جلب المصالح ودرء المفاسد إلى فروض كفايات وفروض أعيان] # اعلم أن المصالح ضربان: أحدهما ما يثاب على فعله لعظم المصلحة في فعله، ~~ويعاقب على تركه لعظم المفسدة في تركه وهو ضربان: أحدهما فرض على الكفاية ~~كتعلم الأحكام الشرعية الزائدة على ما يتعين تعلمه على المكلفين إلى نيل ~~رتبة الفتيا، وكجهاد الطلب وجهاد الدفع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وإطعام المضطرين، وكسوة العارين وإغاثة المستغيثين، والفتاوى والأحكام بين ~~ذوي الاختصام، والإمامة العظمى والشهادات، وتجهيز الأموات، وإعانة الأئمة ~~والحكام وحفظ القرآن. # والثاني: فرض # PageV01P050 # على الأعيان كتعلم ما يتعين تعلمه من أحكام الشريعة، وقراءة الفاتحة، ~~وأركان الصلاة، وغير ذلك من عبادات الأعيان، وكذلك الحج والعمرة والصلوات ~~والزكاة والصيام. واعلم أن المقصود لفرض الكفاية تحصيل المصالح ودرء ~~المفاسد دون ابتلاء الأعيان بتكليفه، والمقصود بتكليف الأعيان حصول المصلحة ~~لكل واحد من المكلفين على حدته، لتظهر طاعته أو معصيته، فلذلك لا يسقط فرض ~~العين إلا بفعل المكلف به، ويسقط فرض الكفاية بفعل القائمين به دون من كلف ~~به في ابتداء الأمر. # أما سقوطه عن فاعليه فلأنهم قاموا بتحصيل مصلحته، وأما سقوطه عن الباقين ~~فلتعذر التكليف به والتكليف تارة يسقط بالامتثال، وتارة يسقط بتعذر ~~الامتثال، فإذا خاض في فرض الكفاية من يستقل به ثم لحقه آخرون قبل تحصيل ~~مصلحته، كان ما فعلوه فرضا وإن حصلت الكفاية بغيرهم، لأن مصلحته لم تحصل ~~بعد ذلك، ولذلك أمثلة: أحدها: أن يخرج إلى العدو من يستقل بدفعهم ثم يلحق ~~بهم آخرون قبل انقضاء القتال، فيكتب لهم أجر الفرض، وإن تفاوتت رتبهم في ~~الثواب بقلة العمل وكثرته. # المثال الثاني: أن يقوم بغسل الميت أو تكفينه أو الصلاة عليه أو حمله أو ~~دفنه من تحصل به الكفاية، ثم يلحقهم من يشاركهم في ذلك، فيكون له أجر فرض ~~الكفاية على قدر عمله. # المثال الثالث: أن يشتغل بعلم الشرع من تحصل به الكفاية الواجبة، ثم يلحق ~~بهم من يشتغل به فيكون مفترضا لأن المصلحة لم تكمل ms040 بعد. فإن قيل: لو صلى ~~على الجنازة ثانيا من لم يصل عليها أولا بعد إسقاط فرضها في الحكم لكانت ~~الصلاة الثانية فرضا عند أصحاب الشافعي، فكيف يحكم بأنها فرض مع سقوط الفرض ~~بصلاة السابقين، وليس هذا # PageV01P051 # كاللاحقين في الصلاة، لأن مصلحة الفرض لا تحصل إلا بالتحلل من الصلاة؟ ~~فالجواب: أن جميع مصالح فروض الكفاية إذا أتي بها فقد دخلت في الوجود قطعا ~~ولا يغلب ذلك على الظن، ومصلحة فرض الصلاة على الميت لا يقطع بدخولها في ~~الوجود، لأن مقصودها الأعظم إجابة الدعاء وهو غيب لا اطلاع لنا عليه، فمن ~~الجائز أن يقبل دعاء من تقدم إلى الصلاة فتكون الصلاة الثانية محصلة ~~للمصلحة التي هي إجابة الدعاء، إذ لا يلزم من ههنا من ظهور المصلحة - إذا ~~صلى عليه الأبرار - أن يتحقق في الباطن، بخلاف مصالح فروض الكفاية فإنها ~~تتحقق ظاهرا وباطنا. ولذلك يكرر الدعاء على المطلوب الواحد كدعاء الفاتحة ~~والقنوت وبين السجدتين، وكذلك يكرر التسليم والترحم على الأموات، ولو علمت ~~الإجابة لكان الدعاء عبثا، وكذلك تكرير التسليم عند اللقاء والافتراق مع ~~كونه دعاء بكل سلامة. # وكذلك كرر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الاستغفار في اليوم الواحد ~~سبعين مرة أو مائة مرة ولم يكن ذلك لكثرة ما يستغفر منه بل للإلحاح في ~~الاستغفار على تقصير واحد أو تقصيرين والله يحب الملحين في الدعاء. # فإن قيل: كيف أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالاستغفار مع وعده ~~بغفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قلنا وعد بغفران مبني على استغفاره كما ~~وعد المؤمنون بنعيم الجنان المبني على الطاعات والإيمان. # فإن قيل: هلا وجب تكرير صلاة الجنازة إلى أن يغلب على الظن حصول الإجابة؟ ~~قلنا لا تكرر لما في التكرير من المشقة ولا ضابط لغلبة الظن في ذلك. فإن ~~قيل. إذا بعد سقوط الفرض بصلاة الفجرة الذين نبعد إجابة دعائهم فهلا وجب أن ~~يكون المصلون بررة يغلب على الظن قبول دعائهم؟ فالجواب أن البررة لا ~~يتيسرون في أوقات حضور الجنائز # PageV01P052 # ورب فاجر مقبول الدعاء لشدة ms041 تضرعه وقيامه بآداب الدعاء، ورب بر مردود ~~الدعاء لتقصيره في القيام بآدابه. # الضرب الثاني من المصالح ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه # وهو ضربان: أحدهما سنة على الكفاية كالأذان والإقامة، وتسليم بعض الجماعة ~~على من مروا به من أهل الإسلام، وتشميت العاطس، وما يفعل بالأموات مما ندب ~~إليه. # والثاني سنة على الأعيان كالرواتب، وصيام الأيام الفاضلة، وصلاة العيدين ~~والكسوفين، والتهجد وعيادة المرضى، والاعتكاف والتطوع بالنسكين، والطواف من ~~غير نسك، والصدقات المندوبات، ومصالح هذا دون مصالح الواجب. # والمفاسد ضربان: أحدهما ما يعاقب على فعله ويؤجر على تركه إذا نوى بتركه ~~القربة كالتعرض للدماء والأبضاع والأعراض والأموال. # والثاني: ما لا يعاقب على فعله وتفوته مصلحة بتركه كالصلاة في الأوقات ~~المكروهات، وغمس اليدين في الإناء قبل غسلهما لمن قام من المنام، وترك ~~السنن المشروعات في الصلوات. ### | [فصل في انقسام المصالح والمفاسد إلى الوسائل والمقاصد] # في انقسام المصالح والمفاسد إلى الوسائل والمقاصد # الواجبات والمندوبات ضربان: أحدهما مقاصد، والثاني وسائل، وكذلك ~~المكروهات والمحرمات ضربان: أحدهما مقاصد # والثاني: وسائل، وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي ~~أفضل # PageV01P053 # الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل، ثم تترتب الوسائل ~~بترتب المصالح والمفاسد، فمن وفقه الله للوقوف على ترتب المصالح عرف فاضلها ~~من مفضولها، ومقدمها من مؤخرها، وقد يختلف العلماء في بعض رتب المصالح ~~فيختلفون في تقديمها عند تعذر الجمع، وكذلك من وفقه الله لمعرفة رتب ~~المفاسد فإنه يدرأ أعظمها بأخفها عند تزاحمها، وقد يختلف العلماء في بعض ~~رتب المفاسد فيختلفون فيما يدرأ منها عند تعذر دفع جميعها، والشريعة طافحة ~~بما ذكرناه وسنذكر أمثلة ذلك إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في بيان رتب المصالح] # وهي ضربان: أحدهما مصلحة أوجبها الله عز وجل نظرا لعباده، وهي متفاوتة ~~الرتب منقسمة إلى الفاضل والأفضل والمتوسط بينهما. فأفضل المصالح ما كان ~~شريفا في نفسه، دافعا لأقبح المفاسد، جالبا لأرجح المصالح، وقد «سئل - عليه ~~السلام - أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان بالله، قيل ثم أي؟ قال: الجهاد في ~~سبيل الله، قيل ms042 ثم أي؟ قال: حج مبرور» . # جعل الإيمان أفضل الأعمال لجلبه لأحسن المصالح، ودرئه لأقبح المفاسد، مع ~~شرفه في نفسه وشرف متعلقه، ومصالحه ضربان: أحدهما عاجلة وهي إجراء أحكام ~~الإسلام، وصيانة النفوس والأموال والحرم والأطفال. # والثاني: آجلة وهو خلود الجنان ورضاء الرحمن. وجعل الجهاد تلو الإيمان، ~~لأنه ليس بشريف في نفسه، وإنما وجب وجوب الوسائل - وفوائده ضربان أحدهما ~~مصالحه، وهي منقسمة إلى العاجل والآجل فأما مصالحه العاجلة فإعزاز الدين، ~~ومحق الكافرين، وشفاء صدور المؤمنين من اغتنام أموالهم وتخميسها، وإرقاق ~~نسائهم وأطفالهم. # وأما مصالح الآجلة فالأجر العظيم قال الله تعالى: {ومن يقاتل في سبيل ~~الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 74] ، # PageV01P054 # فجعل الأجر العظيم للقتلى والغالبين، والغالب أفضل من القتيل، لأنه حصل ~~مقاصد الجهاد، وليس القتيل مثابا على القتل لأنه ليس من فعله، وإنما يثاب ~~على تعرضه للقتل في نصرة الدين. # الضرب الثاني: من فوائد الجهاد درؤه لمفاسد عاجلة وآجلة، أما الآجلة ~~فلأنه سبب لغفران الذنوب، والغفران دافع لمفاسد العقاب. # وأما العاجلة فإنه يدرأ الكفر من صدور الكافرين إن قتلوا أو أسلموا خوفا ~~من القتل، وكذلك يدرأ استيلاء الكفار على قتل المسلمين وأخذ أموالهم وإرقاق ~~حرمهم وأطفالهم، وانتهاك حرمة الدين. وجعل الحج في الرتبة الثالثة لانحطاط ~~مصالحه عن مصالح الجهاد وهو أيضا يجلب المصالح ويدرأ المفاسد. # أما جلبه للمصالح فلأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وأما درؤه ~~للمفاسد فإنه يدرأ العقوبات بغفران الذنوب. قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» ، ولا ~~تزال رتب المصالح الواجبة التحصيل تتناقض إلى رتبة لو تناقضت لانتهينا إلى ~~رتب المصالح المندوبات. # وكذلك تتفاوت رتب فرض الكفاية فيما تجلبه من مصلحة أو تدرؤه من مفسدة، ~~فقتال الدفع أفضل من قتال الطلب، ودفع الصوال عن الأرواح والأبضاع أفضل من ~~درئهم عن المنافع والأموال. # وكذلك تتفاوت رتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتفاوت رتب المأمور به ~~في المصالح والمنهي عنه في المفاسد. # الضرب الثاني: ms043 من رتب المصالح: ما ندب الله عباده إليه إصلاحا لهم، وأعلى ~~رتب مصالح الندب دون أدنى رتب مصالح الواجب، وتتفاوت إلى أن تنتهي إلى ~~مصلحة يسيرة لو فاتت لصادفنا مصالح المباح. # وكذلك مندوب الكفاية يتفاوت بتفاوت رتب مصالحه وفضائله. # PageV01P055 ### | [فائدة في مصالح المباح] # : مصالح المباح عاجلة بعضها أنفع وأكبر من بعض ولا أجر عليها، فمن أكل شق ~~تمرة كان محسنا إلى نفسه بمصلحة عاجلة، ومن تصدق بشق تمرة كان محسنا إلى ~~نفسه بمصلحة آجلة، وإلى الفقراء بمصلحة عاجلة، ومن أتى مصلحة أخروية قاصرة ~~عليه كان له أجرها وذخرها، ومن أتى مصلحة متعدية كان له أجرها ولمن تعدت ~~إليه أجرها الآجل إن كانت في دينه وكان نفعها العاجل إن كانت في دنياه. ### | [فصل في بيان المفاسد] # في بيان المفاسد وهي ضربان: ضرب حرم الله قربانه، وضرب كره الله إتيانه، ~~والمفاسد ما حرم الله قربانه رتبتان إحداهما: رتبة الكبائر وهي منقسمة إلى ~~الكبير والأكبر والمتوسط بينهما، فالأكبر أعظم الكبائر مفسدة. # وكذلك الأنقص فالأنقص، ولا تزال مفاسد الكبائر تتناقص إلى أن تنتهي إلى ~~مفسدة لو نقصت لوقعت في أعظم رتب مفاسد الصغائر وهي الرتبة الثانية. ثم لا ~~تزال مفاسد الصغائر تتناقص إلى أن تنتهي إلى مفسدة لو فاتت لانتهت إلى أعلى ~~رتب مفاسد المكروهات وهي الضرب الثاني من رتب المفاسد، ولا تزال تتناقص ~~مفاسد المكروهات إلى أن تنتهي إلى حد لو زال لوقعت في المباح. # وقد أبان - صلى الله عليه وسلم - من تفاوت الكبائر ثلاث مراتب، إذ سئل - ~~عليه السلام - أي الذنوب أكبر؟ فقال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قيل ثم ~~أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قيل. ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة ~~جارك» جعل الكفر أكبر الكبائر مع قبحه في نفسه، لجلبه لأقبح المفاسد ودرئه ~~لأحسن المصالح، فإنه يجلب مفاسد الكفر ويدرأ مصالح الإيمان. ومفاسده ضربان: # PageV01P056 # أحدهما عاجل وهو إراقة الدماء وسلب الأموال وإرقاق الحرم والأطفال. # الضرب الثاني: آجل وهو خلود النيران مع سخط الديان. وأما درؤه ms044 لأحسن ~~المصالح فإنه يدرأ في الدنيا عن المشركين التوحيد والإيمان وعن الإسلام ~~والأمن من القتل والسبي واغتنام الأموال، ويدرأ في الآخرة نعيم الجنان ورضا ~~الرحمن. وجعل قتل الأولاد تاليا لاتخاذ الأنداد، لما فيه من الإفساد وقطع ~~الأرحام والخروج من حيز العدالة إلى حيز الفسوق والعصيان، مع التعرض لعقاب ~~الآخرة، وتغريم الدية والكفارة، والانعزال عن الولاية التي تشترط فيها ~~العدالة وجعل الزنا بحليلة جاره تلو قتل الأولاد لما في ذلك من مفاسد الزنا ~~كاختلاف المياه واشتباه الأنساب وحصول العار، وأذية الجار، والتعرض لحد ~~الدنيا أو لعقاب الآخرة، والانتقال من حيز العدالة إلى حيز الفسوق والعصيان ~~والانعزال عن جميع الولايات. ### | [فصل تقسيم المصالح والمفاسد] # تنقسم المصالح والمفاسد إلى نفيس وخسيس، ودقيق وجل، وكثر وقل، وجلي وخفي، ~~وآجل أخروي وعاجل دنيوي، والدنيوي ينقسم إلى متوقع وواقع، ومختلف فيه ومتفق ~~عليه، وكذلك ترجيح بعض المصالح على بعض، وترجيح بعض المصالح على بعض، ~~وترجيح بعض المفاسد على بعض، ينقسم إلى المتفق عليه والمختلف فيه، فالسعيد ~~من فعل ما اتفق على صلاحه، وترك ما اتفق على فساده، وأسعد منه من ضم إلى ~~ذلك فعل ما اختلف في صلاحه، وترك ما اختلف في فساده، فإن الاحتياط # PageV01P057 # لحيازة المصالح بالفعل ولاجتناب المفاسد بالترك، وقليل من يفعل ذلك. وقد ~~يعبر عن القليل بالمعدوم. # فمن المصالح والمفاسد ما يشترك في معرفته الخاصة والعامة، ومنها ما ينفرد ~~بمعرفته خاصة الخاصة، ولا يقف على الخفي من ذلك كله إلا من وفقه الله بنور ~~يقذفه في قلبه، وهذا جار في مصالح الدارين ومفاسدهما، وفي مثله طال الخلاف ~~والنزاع بين الناس في علوم الشرائع والطبائع، وتدبير المسالك والمهالك، ~~وغير ذلك من الولايات والنيات وجميع التصرفات، ولأجل الاختلاف في ذلك منع ~~الشرع من نصب الخليفتين لما يقع بينهما من الاختلافات في المصالح والأصلح ~~والمفاسد والأفسد، لأنه لو جوز نصبهما لتعطل تحصيل ما خفي من المصالح ~~واجتناب ما خفي من المفاسد، وكذلك ترجيح الخفي. # وأما نصب القضاء مع اختلافهم في الأحكام فيجوز لأن مصالح القضاء خاصة، ms045 ~~ومصالح الخلافة عامة، ويتعذر نصب قاض واحد لجميع الناس ولا شك أن نصب ~~القضاة والولاة من الوسائل إلى جلب المصالح العامة والخاصة. # وأما نصب أعوان القضاة والولاة فمن وسائل الوسائل. # وكذلك الرسائل الإلهية وسائل إلى تحصيل مقاصد الشرائع وهي من أفضل ~~الوسائل وكذلك تحمل الشهادات وسيلة إلى أدائها، وأداؤها وسيلة إلى الحكم ~~بها والحكم بها وسيلة إلى جلب المصالح ودرء المفاسد. ### | [فصل فيما يخفى من المصالح والمفاسد من غير تعبد] # الأفعال ضربان: أحدهما ما خفيت عنا مصالحه ومفاسده فلا نقدم عليه حتى ~~تظهر مصلحته المجردة عن المفسدة أو الراجحة عليها، وهذا الذي جاءت الشريعة ~~بمدح الأناة فيه إلى أن يظهر رشده وصلاحه. # PageV01P058 # الضرب الثاني ما ظهرت لنا مصلحته، وله حالان: أحدهما ألا تعارض مصلحته ~~مفسدته ولا مصلحة أخرى، فالأولى تعجيله، والثانية أن تعارض مصلحته مصلحة هي ~~أرجح منه مع الخلو عن المفسدة، فيؤخر عنه رجاء إلى تحصيله، وإن عارضته ~~مفسدة تساويه قدمت مصلحة التعجيل لما ذكرنا فيما خلا عن المعارض. والضابط ~~أنه مهما ظهرت المصلحة الخلية عن المفاسد يسعى في تحصيلها، ومهما ظهرت ~~المفاسد الخلية عن المصالح يسعى في درئها، وإن التبس الحال احتطنا للمصالح ~~بتقدير وجودها وفعلناها، وللمفاسد بتقدير وجودها وتركناها. وإن دار الفعل ~~بين الوجوب والندب بنينا على أنه واجب وأتينا به، وهذا فيما لا تشترط النية ~~فيه كدفع الصائل عن النفس فإنه محبوب على قول وواجب على آخر. # وأما ما تشترط فيه النية ففيه نظر من جهة حزم النية، وإن دار بين الندب ~~والإباحة بنينا على أنه مندوب وأتينا به، وإن دار بين الحرام والمكروه ~~بنينا على أنه حرام واجتنبناه، وإن دار بين المكروه والمباح بنينا على أنه ~~مكروه وتركناه. وقد جاءت الشريعة بمدح السرعة في أمور كالذبح والنحر وضرب ~~الرقاب في القصاص، لما في السرعة في ذلك من تهوين الموت، وقد كتب الله ~~الإحسان على كل شيء، وأمر بإحسان القتلة والذبحة، وكذلك أيضا قصاص الأطراف ~~تحمد فيه السرعة. ولو صيل على مسلم في نفس أو بضع ms046 أو مال بحيث لو اقتصرنا ~~في الدفع عنه لتحققت المفسدة، فإن السرعة في هذا وأمثاله واجب لا يسع ~~تركها. # وكذلك السرعة في القتال ومكافحة الأبطال، وقد مدح الله المسارعة في ~~الخيرات وأثنى على المسارعين فيها، وقال موسى - عليه السلام - # {وعجلت إليك رب لترضى} [طه: 84] . وقد جعل لمن قتل الوزغ بضربة واحدة ~~مائة حسنة، ولمن قتله بضربتين سبعين حسنة، لما في # PageV01P059 # الضربة الواحدة من المسارعة إلى إزهاق روحه ودفع ضرره وإحسان قتلته. ### | [قاعدة في الموازنة بين المصالح والمفاسد] # إذا تعارضت المصلحتان وتعذر جمعهما فإن علم رجحان إحداهما قدمت، وإن لم ~~يعلم رجحان، فإن غلب التساوي فقد يظهر لبعض العلماء رجحان إحداهما فيقدمها ~~ويظن آخر رجحان مقابلها فيقدمه، فإن صوبنا المجتهدين فقد حصل لكل واحد ~~منهما مصلحة لم يحصلها الآخر، وإن حصرنا الصواب في أحدهما فالذي صار إلى ~~المصلحة الراجحة مصيب للحق والذي صار إلى المصلحة المرجوحة مخطئ معفو عنه، ~~إذا بذل جهده في اجتهاده، وكذلك إذا تعارضت المفسدة والمصلحة. # فإن قيل: كيف تصوبون المختلفين، مع أن بعضهم قد أصاب المرجوح الذي لو ~~اطلع عليه لما جاز له الاعتماد عليه. قلنا: ترك الرجحان رخصة على خلاف ~~القواعد وفي الرخص تترك المصالح الراجحة إلى المصالح المرجوحة للعذر دفعا ~~للمشاق، ولو قلنا بوجوب الاستدراك لأدى إلى مشقة عظيمة عامة بخلاف من أخطأ ~~النص والإجماع، والأقيسة الجلية أو القواعد الكلية، فإن خطأ ذلك لا يقع إلا ~~نادرا، فمن له أهلية الاجتهاد فيجب استدراكه لندرته وقلته. والحاصل أن ~~الشرع يجعل المصلحة المرجوحة عند تعذر الوصول إلى الراجحة أو عند مشقة ~~الوصول إلى الراجحة، بدلا من المصلحة الراجحة، كما يبدل الوضوء بالتيمم، ~~والصيام بالإعتاق، والإطعام بالصيام، والعرفان بالاعتقاد في حق العوام، ~~والفاتحة بالأذكار، وجهة السفر في صلاة النافلة بالقبلة، وجهة المقاتلة في ~~الجهاد بالقبلة. # PageV01P060 # (فائدة) الحكمة في اللغة المنع، قال الشاعر: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا # أي امنعوهم. # وفي الشرع عبارة عن ترك المأمورات أو فعل المنهيات، وحاصله المنع من ترك ~~المصالح الخالصة ms047 أو الراجحة، والمنع من فعل المفاسد الخالصة أو الراجحة، ~~والوعظ وهو الأمر بجلب المصالح، الخالصة أو الراجحة أو النهي عن ارتكاب ~~المفاسد الخالصة أو الراجحة، والذي يسميه الجهلة البطلة سياسة هو فعل ~~المفاسد الراجحة أو ترك المصالح الراجحة على المفاسد. ففي تضمين المكوس ~~والخمور والأبضاع مصالح مرجوحة مغمورة بمفاسد الدنيا والآخرة: {وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل} [النمل: 24] ، وبمثل هذا يفتنون الأشقياء ~~أنفسهم بإيثار المفاسد الراجحة على المصالح قضاء للذات الأفراح العاجلة، ~~ويتركون المصالح الراجحة للذات خسيسة أو أفراح دنيئة، ولا يبالون بما رتب ~~عليها من المفاسد العاجلة أو الآجلة. وذلك كشرب الخمور والأنبذة للذة ~~إطرابها، والزنا أو اللواط، وأذية الأعداء المحرمة، وقتل من أغضبهم وسب من ~~غاضبهم، وغصب الأموال والتكبر والتجبر، وكذلك يهربون من الآلام والغموم ~~العاجلة التي أمرنا بتحملها لما في تحملها من المصالح العاجلة، ولا يبالون ~~بما يلتزمون من تحمل أعظم المفسدتين تحصيلا للذات أدناهما، وكذلك يتركون ~~أعظم المصلحتين تحصيلا للذات أدناهما. # أسكرتهم اللذات والشهوات فنسوا الممات وما بعده من الآفات فويل لمن ترك ~~سياسة الرحمن، واتبع سياسة الشيطان، وارتكب الفسوق والعصيان، أولئك أهل ~~البغي والضلال. # PageV01P061 # والجهل مفسدة وهو ثلاثة أقسام: أحدها ما يجب إزالته كالجهل بما يجب تعلمه ~~من الأصول والفروع. # القسم الثاني: ما لا تجب إزالته ببعض أحكام الفروع. # القسم الثالث: ما اختلف في إزالته. # والعرفان مصلحة وهو ثلاثة أقسام: أحدها ما يجب تحصيله من علوم الأصول ~~والفروع. # القسم الثاني: ما لا يجب تحصيله ولا حد له. # القسم الثالث: ما اختلف في وجوب تحصيله من الأصول والفروع. ### | [فصل في اجتماع المصالح المجردة عن المفاسد] # إذا اجتمعت المصالح الأخروية الخالصة، فإن أمكن تحصيلها حصلناها، وإن ~~تعذر تحصيلها حصلنا الأصلح فالأصلح والأفضل فالأفضل، لقوله تعالى: {فبشر ~~عباد} [الزمر: 17] {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18] . # وقوله: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: 55] ، وقوله: {وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها} [الأعراف: 145] ، فإذا استوت مع تعذر الجمع تخيرنا، ~~وقد يقرع، وقد يختلف في التساوي والتفاوت، ولا فرق في ذلك ms048 بين المصالح ~~الواجبات والمندوبات، ولبيان الأفضل وتقديم الفاضل على المفضول أمثلة: ~~أحدها: تقديم العرفان بالله وصفاته على الإيمان بتلك، ويقوم الاعتقاد في حق ~~العامة مقام العرفان، ويقوم الإيمان المبني على العرفان لتعذر وصول العامة ~~إلى العرفان وما يتبعه من الإيمان، وعلى ذلك الإيمان بالرسل وبما جاءوا به ~~من الشرائع والأخبار وعذاب الفجار وثواب الأبرار، والعرفان متقدم على ذلك ~~لشرفه في نفسه لتعلقه بالديان، ولأنه شرط في صحة عبادة الرحمن، وهو أيضا ~~مقدم بالزمان إلا على النص الدال عليه المفضي إليه، وليس يقدم النظر إلا ~~بالزمان، وإنما تأخر # PageV01P062 # الإيمان بالكتب والرسل، إذ لا يمكن أن يؤمن بالرسول والرسالة من لا يعرف ~~المرسل، فقد تأخر لقصور رتبته عن رتبة الإيمان. والعرفان لكونه تعلق ~~بمخلوق، ولتعذر تحصيله قبل تحصيل الاعتقاد والإيمان والعرفان، ولفضل ~~الإيمان تأخرت الواجبات عند ابتداء الإسلام ترغيبا فيه، فإنها لو وجبت في ~~الابتداء لنفروا من الإيمان لثقل تكاليفه. # ولذلك أمثلة أحدها. أن الله أخر إيجاب الصلاة إلى ليلة الإسراء لأنه لو ~~أوجبها في ابتداء الإسلام لنفروا من ثقلها عليهم. # المثال الثاني: الصيام لو وجب في ابتداء الإسلام لنفروا من الدخول في ~~الإسلام. # المثال الثالث: تأخير وجوب الزكاة إلى ما بعد الهجرة لأنها لو وجبت في ~~الابتداء لكان إيجابها أشد تنفيرا لغلبة الضنة بالأموال. # المثال الرابع: الجهاد لو وجب في الابتداء لأباد الكفرة أهل الإسلام؛ ~~لقلة المؤمنين وكثرة الكافرين. # المثال الخامس: القتال في الشهر الحرام لو أجل في ابتداء الإسلام لنفروا ~~منه لشدة استعظامهم لذلك، وكذلك القتال في البلد الحرام. # المثال السادس: القصر على أربع نسوة، لو ثبت في ابتداء الإسلام لنفرت ~~الكفار من الدخول فيه، وكذلك القصر على ثلاث طلقات؛ فتأخرت هذه الواجبات ~~تأليفا على الإسلام الذي هو أفضل من كل واجب، ومصلحته تربو على جميع ~~المصالح. # ولمثل هذا قر الشرع من أسلم منهم على الأنكحة المعقودة على خلاف # PageV01P063 # شرائط الإسلام، وكذلك أسقط عن المجانين ما يتلفونه من أنفس المؤمنين ~~وأموالهم لأنه لو ألزمهم بذلك لنفروا من الدخول في الإسلام. ms049 # وكذلك بني على الإسلام غفران جميع الذنوب لأن عهدها لو بقيت بعد الإسلام ~~لنفروا، وكذلك قال جماعة قد زنوا فأكثروا من الزنا ومن غيره من الكبائر ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. إن ما تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا ~~أن لما عملنا كفارة؟ فأنزل الله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم} [الزمر: 53] الآية، وقال في غيرهم: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] ، وإنما أمرهم في ابتداء الإسلام بإفشاء ~~السلام. # وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، والصدق والعفاف، لأن ذلك كان ملائما ~~لطباعهم حاثا على الدخول في الإسلام، وكذلك ألف - صلى الله عليه وسلم - ~~جماعة على الإسلام بما دفعه لهم من الأموال، وامتنع من قتل جماعة من ~~المنافقين قد عرف بنفاقهم خوفا أن يتحدث الناس بأنه أخذ في قتل أصحابه ~~فينفروا من الدخول في الإسلام، فهذه كلها مصالح أخرت، لما في تقديمها من ~~المفاسد المذكورة. # المثال الثاني من تقديم الفاضل على المفضول: تقديم بعض الفرائض على بعض، ~~كتقديم الصلاة الوسطى على سائر الصلوات. # المثال الثالث: تقديم كل فريضة على نوعها من النوافل كتقديم فرائض ~~الطهارات على نوافلها، وفرائض الصلوات على نوافلها، وفرائض الصدقات على ~~نوافلها، وتقديم فرائض الصيام على نوافله، وكتقديم فرض الحج والعمرة على ~~نوافلهما، مع أنهما لا يقعان إلا واجبين، لأنهما يجبان بالشروع، ولكن ليس ~~ما أوجبه الإنسان على نفسه في رتبة ما أوجبه الله عليه، ويدل على تقديم ~~المفروضات على نوعها من المندوبات # PageV01P064 # ما ذكرناه من الكتاب، وقوله - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن ربه عز وجل ~~أنه قال: «ولن يتقرب إلي عبد بمثل أداء ما افترضت عليه» . # المثال الرابع: تقديم فرائض الصلوات ونوافلها على مفروضات الأعمال ~~ونوافلها لقوله - عليه السلام -: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» ، هذا ~~مذهب الشافعي - رحمه الله - وفيه إشكال، لأن رسول الله - عليه السلام - ~~«سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان بالله، قيل ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل ~~الله، قيل ثم ماذا؟ قال: حج مبرور» ، ويبعد أن تكون ms050 صلاة الصبح أفضل من حجة ~~مبرورة، وركعتا الفجر أفضل من حجة التطوع. وقد جعل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الجهاد تلو الإيمان، وجعل الحج في الرتبة الثالثة، فإن قدمت ~~الصلاة عليهما كان ذلك مخالفا للحديث، وإن تأخرت عنهما لم يستقم كون الصلاة ~~أفضل الأعمال البدنية، ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يجعل الحج المفروض أفضل من ~~صلاة مفروضة ويجعل استغراق الصلاة لأزمان تتسع للحج أفضل من الحج، لأن ~~الإقبال على الله بالصلاة في زمن يتسع للحج أكمل وأتم من الإقبال عليه ~~بأفعال الحج فيكون جمعا بين الحديثين وقد «سئل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ فقال: بر الوالدين» ، «وسئل أي الأعمال أفضل؟ ~~فقال: الصلاة لأول وقتها» ، «وسئل أي الأعمال أفضل؟ فقال. حج مبرور» ، وهذا ~~جواب لسؤال السائل فيختص بما يليق بالسائل من الأعمال، لأنهم ما كانوا ~~يسألون عن الأفضل إلا ليتقربوا به إلى ذي الجلال، فكأن السائل قال: «أي ~~الأعمال أفضل لي؟ فقال: بر الوالدين» لمن له والدان يشتغل ببرهما، وقال لمن ~~يقدر على الجهاد لما سأله عن أفضل الأعمال بالنسبة إليه: «الجهاد في سبيل ~~الله» ، وقال لمن يعجز عن الحج والجهاد: # PageV01P065 # «الصلاة على أول وقتها» ، ويجب التنزيل على مثل هذا لئلا يتناقض الكلام ~~في التفضيل. # المثال الخامس: تقديم المبدلات على أبدالها؛ كتقديم الاستنجاء بالماء على ~~الاستجمار بالأحجار، وكتقديم الطهارة بالماء على الطهارة بالتراب، وكتقديم ~~العتق في كفارة القتل والظهار وإفساد الصيام على صوم شهرين متتابعين؛ فإن ~~مصلحة البدل قاصرة عن مصلحة المبدل منه. # المثال السادس: تقديم ما شرع فيه الجماعة من الصلوات على ما لم تشرع فيه، ~~إذا كان مخصوصا بأوقات كالعيدين والكسوفين، لأنها أشبهت الفرائض في وصفين: # أحدهما: شرعية الجماعات. # والثاني: تقدير الأوقات. # المثال السابع: تقديم بعض الرواتب على بعض؛ كتقديم الوتر وسنة الفجر على ~~سائر الرواتب، وهل يقدم الوتر على سنة الفجر أو بالعكس؟ فيه اختلاف، والأصح ~~تقديم الوتر. # المثال الثامن: تقديم إنقاذ الغرقى المعصومين على أداء الصلوات، لأن ~~إنقاذ الغرقى المعصومين عند ms051 الله أفضل من أداء الصلاة، والجمع بين ~~المصلحتين ممكن بأن ينقذ الغريق ثم يقضي الصلاة، ومعلوم أن ما فاته من ~~مصلحة أداء الصلاة لا يقارب إنقاذ نفس مسلمة من الهلاك. # وكذلك لو رأى الصائم في رمضان غريقا لا يتمكن من إنقاذه إلا بالفطر، أو ~~رأى مصولا عليه لا يمكن تخليصه إلا بالتقوي بالفطر، فإنه يفطر وينقذه، وهذا ~~أيضا من باب الجمع بين المصالح، لأن في النفوس حقا لله عز وجل وحقا لصاحب ~~النفس، فقدم ذلك على فوات أداء الصوم دون أصله. # المثال التاسع: تقديم صلاة الجنازة على صلاة العيدين والكسوفين وإن خيف ~~فواتهما لتأكد تعجيلها، وتقدم على الجمعة إن اتسع وقت الجمعة، # PageV01P066 # فإن خفنا تغير الميت قدمناه على الجمعة وإن فاتت الجمعة، لأن حرمته آكد ~~من أداء الجمعة، وهذا من باب تقديم حق العبد والرب على محض حق العبد، مع أن ~~الجمع بين المصلحتين ممكن بأن يدفن الميت ثم تقضى الصلاة. # ولو قدمنا الجمعة لسقطت حرمة الميت لا إلى بدل، وإن لم يخف تغير الميت ~~فقولان، ولو اجتمعت الجمعة مع الكسوف خطب للجمعة وذكر فيها الكسوف، فإن ~~قدمنا الكسوف على العيد صلى الكسوف وعقبه بالعيد، لأن صلاة العيد أهم من ~~الخطبتين، ثم خطب خطبتين للعيد والكسوف. # المثال العاشر: إذا ضاق وقت الفريضة بحيث لا يتسع لغيرها، فذكر صلاة ~~نسيها قبل الشروع في الصلاة المؤداة أو في أثنائها فليؤد الأداء ويقضي ~~الفائتة بعد خروج الوقت، لأنه لو قدم المقضية على المؤداة لفاتت رتبة ~~الأداء في الصلاتين جميعا فتفوت مصلحة الأداء في الصلاتين، ولا شك أن تحصيل ~~المصلحة في إحدى الصلاتين أولى من تفويتها في الصلاتين، ولا يتم قول ~~المخالف ما لم يبين أن فضيلة تقديم المقضية تزكى على ما ذكرناه من فضيلة ~~الأداء في إحدى الصلاتين وهذا من باب تقديم الأفضل فالأفضل من حقوق الله عز ~~وجل. # المثال الحادي عشر: إذا ضاق عن الجمع بين الأذان والإقامة والراتبة ~~والفريضة بحيث لا يتسع إلا للفريضة، فإنا نقدم الفريضة لكمال مصلحة أدائها ~~على ms052 مصلحة الأذان والإقامة والسنة الراتبة، وإن كانت الرواتب والفرائض ~~قابلة للقضاء، فإن فضيلة أداء الفرائض أتم من فضيلة أداء النوافل، فقدمنا ~~أفضل الأداءين على الآخر، وهذا من باب الجمع بين المصلحتين. # PageV01P067 # المثال الثاني عشر: إذا ضاق على المحرم وقت عشاء الآخرة بحيث لا يتسع إلا ~~لأربع ركعات لو اشتغل بها لفاته إتيان عرفة، فقد قيل يدع الصلاة ويذهب إلى ~~عرفة لأن أداء فرض الحج أفضل من أداء فرض الصلاة إذ جعله - صلى الله عليه ~~وسلم - تلو الجهاد وجعل الجهاد تلو الإيمان، وقيل يشتغل بأداء الصلاة، لأن ~~أداء الصلاة أفضل من أداء الحج لقوله - عليه السلام -. «واعلموا أن خير ~~أعمالكم الصلاة» ، والأصح أنه يجمع بين المصلحتين فيصلي صلاة الخوف وهو ~~ذاهب إلى عرفة، فيكون جامعا بين المصلحتين على حسب الإمكان، لأن مشقة فوات ~~الحج عظيمة، فإذا جاز أن يصلي صلاة الخوف لأجل حفظ مال يسير، فجوازه لحفظ ~~أداء الحج أولى # المثال الثالث عشر: تقديم الكفارات على التطوعات. # المثال الرابع عشر: النفقات التي ليست من العبادات المفتقرات إلى النيات، ~~فيقدم المرء نفسه على نفقة آبائه وأولاده وزوجاته، ويقدم نفقة زوجاته على ~~نفقة آبائه وأولاده، لأنها من تتمة حاجاته، وتقدم نفقة القريب على نفقة ~~الرقيق في بعض الصور لأنها صدقة وصلة، وتقدم نفقة الرقيق على القريب وذلك ~~مثل أن يكون الرقيق مضطرا يخشى هلاكه والقريب محتاجا لا يخشى هلاكه، وتقدم ~~نفقة الرقيق على نفقة البهائم والأنعام، لأن حرمته آكد ومصلحته أعظم، ولذلك ~~جاز بيع الحيوان حفظا لروح الإنسان وإن ملك حيوانا يؤكل وحيوانا لا يؤكل ~~ولم يجد إلا نفقة أحدهما وتعذر بيعهما احتمل أن يقدم نفقة ما لا يؤكل على ~~نفقة ما يؤكل ويذبح المأكول، واحتمل أن يسوي بينهما، فإن كان المأكول يساوي ~~ألفا وغير المأكول يساوي درهما، ففي هذا نظر واحتمال. # PageV01P068 # المثال الخامس عشر: إذا اجتمع مضطران فإن كان معه ما يدفع ضرورتهما لزمه ~~الجمع بين الضرورتين تحصيلا للمصلحتين، وإن وجد ما يكفي ضرورة أحدهما، فإن ~~تساويا في الضرورة والقرابة والجوار والصلاح ms053 احتمل أن يتخير بينهما، واحتمل ~~أن يقسمه عليهما، وإن كان أحدهما أولى، مثل أن يكون والدا أو والدة، أو ~~قريبا أو زوجة، أو وليا من أولياء الله تعالى، أو إماما مقسطا أو حاكما ~~عدلا، قدم الفاضل على المفضول، لما في ذلك من المصالح الظاهرة، فإن قيل لو ~~وجد المكلف مضطرين متساويين ومعه رغيف لو أطعمه لأحدهما لعاش يوما ولو أطعم ~~كل واحد منهما نصفه لعاش نصف يوم، فهل يجوز أن يطعمه أحدهما أم يجب فضه ~~عليها، فالمختار أن تخصيص أحدهما غير جائز لما ذكرته من أن أحدهما قد يكون ~~وليا لله تعالى، ولأن الله سبحانه وتعالى أمر بالعدل والإنصاف، والعدل ~~التسوية، فدفعه إليهما عدل وإنصاف وإحسان مندرج في قوله تعالى: {إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] . # وكذلك لو وجد محتاجين فإنه يندب إلى فض الرغيف عليهما، وألا يخص أحدهما ~~به لما ذكرته، ولأن تخصيص أحدهما موغر لصدر الآخر مؤذ له. # وكذلك لو كان له ولدان لا يقدر إلا على قوت أحدهما فإنه يفضه عليهما ~~تسوية بينهما، فإن قيل إذا كان نصف الرغيف شبعا لأحد ولديه سادا لنصف جوعة ~~الآخر فكيف يفضه عليهما؟ قلت يفضه عليهما بحيث يسد من جوعة أحدهما ما يسد ~~من جوعة الآخر، فإذا كان ثلث الرغيف سادا لنصف جوعة أحدهما، وثلثاه سادا ~~لنصف جوعة الآخر فليوزعه عليهما كذلك، لأن هذا هو الإنصاف، كما أنه يجب ~~عليه مع القدرة إشباع كل واحد منهما مع اختلاف مقدار كليهما، فكذلك هذا، ~~لأن الغرض الأعظم إنما هو كفاية البدن في التغذية. # وكذلك يجب أن يطعم الكبير الرغيب أكثر مما يطعم الصغير الزهيد، ولمثل هذا ~~يعطى الراجل سهما # PageV01P069 # واحدا من الغنائم ويعطى الفارس ثلاثة أسهم، دفعا لحاجتيهما، فإن الراجل ~~يأخذ سهما لحاجته، والفارس يأخذ أقوى الأسهم لحاجته والسهم الثاني لفرسه ~~والسهم الثالث لسائس فرسه، فيسوى بينهما في المال الذي أخذ بسبب القتال. # فإن قيل لم قسم مال المصالح على الحاجات دون الفضائل؟ قلنا ذهب عمر - رضي ~~الله عنه - إلى قسمته على الفضائل ms054 ترغيبا للناس في الفضائل الدينية، وخالفه ~~أبو بكر - رضي الله عنه - في ذلك لما التمس منه تفضيل السابقين على ~~اللاحقين فقال: إنما أسلموا لله وأجرهم على الله وإنما الدنيا بلاغ. ومعنى ~~هذا أني لا أعطيهم على إسلامهم وفضائلهم التي يتقربون بها إلى الله شيئا من ~~الدنيا، لأنهم فعلوها لله، وقد ضمن الله لهم أجرها في الآخرة، وإنما الدنيا ~~بلاغ ودفع للحاجات، فأضع الدنيا حيث وضعها الله من دفع الحاجات وسد الخلات، ~~والآخرة موضوعة للجزاء على الفضائل فأضعها حيث وضعها الله، ولا أعطي أحدا ~~على سعيها شيئا من متاع الدنيا، وبذلك قال الشافعي - رحمه الله -. # فإن قيل فهلا قسمت الغنائم كذلك إذا كان الفارس لا عيال له والراجل له ~~عيال كثير؟ قلنا لما حصل ذلك بكسب الغانمين وسعيهم فضلوا على قدر عنائهم ~~فيه ولا شك أن عناء الفرسان في القتال أكمل من عناء الرجالة. # فإن قيل هلا قدر الشافعي - رحمه الله تعالى - نفقات الزوجات بالحاجات ~~كنفقة الآباء والأمهات والبنين والبنات ولم قدرها بالأمداد؟ قلنا لما كانت ~~النفقة عوضا عن البضع قدرها لأن الأصل في الأعواض التقدير، وله قول إنها ~~مقدرة بالمعروف لنفقة الأقارب، وعملا بقوله - عليه السلام - # PageV01P070 # لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» ، ولم تكن هند عارفة بكون المعروف ~~مدين في حق الغني ومدا في حق الفقير ومدا ونصفا في حق المتوسط، وقد نص الله ~~على أن الكسوة بالمعروف في قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف} [البقرة: 233] . # وكذلك السكنى وماعون الدار يرجع فيها إلى العرف من غير تقدير، والغالب في ~~كل ما ورد في الشرع إلى المعروف أنه غير مقدر، وأنه يرجع فيه إلى ما عرف في ~~الشرع، أو إلى ما يتعارفه الناس، ولا فائدة في تقدير الحب فإن ما يضم إليه ~~من مؤنة إصلاحه مجهول، والمجهول إذا ضم إلى المعلوم صار الجميع مجهولا، ولم ~~يعهد في السلف ولا في الخلف أن أحدا أنفق الحب على زوجته مع مؤنته، بل ~~المعهود منهم الإنفاق على ما جرت به العادة. والذي ms055 قاله الشافعي مؤد إلى أن ~~يموت كل واحد ونفقة زوجته في ذمته، لأن المعاوضة عن الحب الذي أوجبه بما ~~يطعمه الرجل زوجته من الخبز واللحم وغيرهما ربا لا يصح في الشرع، ولا يجوز ~~أن يكون عوضا، ولو جاز أن يكون عوضا لم يبر من النفقة لأنه لم يتعاقد عليه ~~الزوجان، وما بلغنا أن أحدا أطعم زوجته على العادة ثم أوصى بأن توفى نفقتها ~~حبا من ماله، ولا حكم بذلك حاكم على أحد من الأزواج بعد موته، وليست النفقة ~~في مقابلة ملك البضع وإنما هي في مقابلة التمكين، والبضع مقابل بالصداق ~~فتكون نفقة المرأة كنفقة العبد المشترى، فإن الثمن في مقابلة رقبته، ~~والنفقة جارية بسبب ذلك الملك. # فصل في بيان العدل تقدير النفقات بالحاجات مع تفاوتها عدل وتسوية، من جهة ~~أنه سوى بين المنفق عليهم في دفع حاجاتهم لا في مقادير ما وصل إليهم # PageV01P071 # لأن دفع الحاجات هو المقصود الأعظم في النفقات وغيرها من أموال المصالح. # فإن قيل: إذا كان العدل في اللغة هو التسوية، والقاضي لا يسوي بين الخصوم ~~في قبول قولهم، بل يقبل قول المدعى عليه مع يمينه ولا يقبل قول المدعي إلا ~~بعد نكول المدعى عليه. # وكذلك وظف البينة على المدعي وهذا تفاوت لا تسوية فيه. قلنا معنى التسوية ~~في الحكم وجميع الولايات أنه يسوي بين المدعين في العمل بالظاهر في توظيف ~~البينة على المدعين، والأيمان على المنكرين، ورد الأيمان على المدعين عند ~~نكول المنكرين. # وكذلك التسوية بين من يقبل قوله من المدعين فيما وظف عليهم كالولي في ~~القسامة، والزوج في اللعان، والأمناء في قبول قولهم في التلف، والمدعين في ~~قبول قولهم في الرد. وحاصل هذا كله التسوية في الأحكام عند التساوي في ~~الأسباب. # واعلم أن لما ذكرناه من العدل واجتناب إيغار الصدور، يجب على الحكام ~~التسوية بين الخصوم في الإعراض والإقبال وغير ذلك، لأن تقديم أحد الخصمين ~~موجب لإيغار صدر الآخر وحقده، ولا يجري ذلك في حق المسلم والكافر، لأن ~~جنايته على أمر نفسه بالكفر أخرته وأوجبت ms056 بغضه وإذلاله، كما يظهر بالغبار ~~وإظهار الصغار، فإن قيل لو خطب إلى الولي إحدى ابنتيه فهل يتخير في تزويج ~~أيتهما شاء أو يبدأ بإحداهما؟ قلنا. إن تساويا في الصلاح والتوقان إلى ~~النكاح تخير بينهما وقد يقرع، وإن تساويا في الصلاح - واختلفا في التوقان ~~قدم أتوقهما، وإن خف توقان الصالحة وزاد توقان الطالحة ففي هذا نظر ~~واحتمال، والذي أراه تقديم الطالحة درءا لما يتوقع من فجورها. # وأما الصالحة فيزعها صلاحها عن الفجور. وقد كان - صلى الله عليه وسلم - ~~يعطي الرجل # PageV01P072 # وغيره أحب إليه منه خيفة أن يكب في النار على وجهه، لأن تقى المتقي يزعه ~~عن العصيان، وفجور الفاجر يوقعه في الإثم والعدوان. # المثال السادس عشر: من تقديم الفاضل على المفضول: إذا كان له عبدان ~~أحدهما بر تقي والآخر فاجر شقي، قدم إعتاق البر التقي على إعتاق الفاجر ~~الشقي، لأن الإحسان إلى الأبرار أفضل من الإحسان إلى الفجار. # وكذلك لو كان أحد العبدين قريبا والآخر أجنبيا، قدم القريب على الأجنبي ~~لاشتمال عتقه على مصلحة الإعتاق وصلة الرحم، فإن كان الأجنبي في غاية ~~الصلاح في تقديم عتقه على عتق القريب الفاسق نظر. وقد قال الأصحاب إذا ~~اشترى عبدا للإعتاق فليشتر المكدود والمجهود، فإن إعتاقه أفضل من إعتاق ~~المرفه لأن ما يدفعه عنه من ذل الرق وصعوبة الجهد والكد أفضل مما يدفعه من ~~مجرد ذل الرق، وكذلك لو اشترى عبدا للقنية ليدفع عنه الكد والجهد لأثيب على ~~ذلك لما فيه من رفع المفسدة عن العبد. وكم في هذا وأمثاله من مثقال ذرة من ~~الخير. # المثال السابع عشر: إذا وجد من يصول على بضع محرم، ومن يصول على عضو محرم ~~أو نفس محرمة أو مال محرم، فإن أمكن الجمع بين حفظ البضع والعضو والمال ~~والنفس، جمع بين صون النفس والعضو والبضع والمال لمصالحها، وإن تعذر الجمع ~~بينها، قدم الدفع عن النفس على الدفع عن العضو، وقدم الدفع عن العضو على ~~الدفع عن البضع وقدم الدفع عن البضع على الدفع عن المال، وقدم الدفع عن ms057 ~~المال الخطير على الدفع عن المال الحقير، إلا أن يكون صاحب الخطير غنيا ~~وصاحب الحقير فقيرا لا مال له سواه ففي هذا نظر وتأمل، وتفاوت هذه المصالح ~~ظاهر، وإنما قدم الدفع عن العضو على الدفع عن البضع لأن قطع العضو سبب مفض # PageV01P073 # إلى فوات النفس، فكان صون النفس مقدما على صون البضع، لأن ما يفوت بفوات ~~الأرواح أعظم مما يفوت بفوات الأبضاع. # المثال الثامن عشر: تقديم الدفع عن الإنسان على الدفع عن الحيوان ~~المحترم، ولك أن تجعل هذا كله من باب تحمل أخف المفسدتين دفعا لأعظمهما. ~~فنقول: مفسدة فوات الأعضاء والأرواح أعظم من مفسدة فوات الأبضاع ومفسدة ~~فوات الأبضاع أعظم من مفسدة فوات الأموال، ومفسدة فوات الأموال النفيسة ~~أعظم من مفسدة فوات الأموال الخسيسة، ومفسدة هلاك الإنسان أعظم من مفسدة ~~هلاك الحيوان. # المثال التاسع عشر: إذا شغر الزمان عن من له الولاية العظمى، وحضر اثنان ~~يصلحان للولاية، لم يجز الجمع بينهما، لما يؤدي إليه من الفساد باختلاف ~~الآراء: فتتعطل المصالح بسبب ذلك، لأن أحدهما يرى ما لا يرى الآخر من جلب ~~المصالح ودرء المفاسد، فيختل أمر الأمة فيما يتعلق بالمصالح والمفاسد، ~~وإنما تنصب الولاة في كل ولاية عامة أو خاصة للقيام بجلب مصالح المولى ~~عليهم، وبدرء المفاسد عنه، بدليل قول موسى لأخيه هارون - عليه السلام -: ~~{اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142] . # فإن كانا متساويين من كل وجه تخيرنا بينهما، ويحتمل أن يقرع بينهما دفعا ~~لتأذي من يؤخر منهما، وإن كان أحدهما أصلح تعينت ولاية الأصلح؛ لما قدمناه ~~من تقديم أصلح المصالح فأصلحها، وأفضلها فأفضلها إلا أن يكون الأصلح بغيضا ~~للناس أو محتقرا عندهم، ويكون الصالح محببا إليهم عظيما في أعينهم، فيقدم ~~الصالح على الأصلح، لأن الإقبال عليه موجب للمسارعة إلى طواعيته وامتثال ~~أمره في جلب المصالح ودرء المفاسد، فيصير حينئذ أرجح ممن ينفر منه لتقاعد ~~أعوانه عن المسارعة إلى ما يأمر به من جلب المصالح ودرء المفاسد، فيصير ~~الصالح بهذا السبب أصلح. # PageV01P074 # المثال العشرون: إذا اجتمع اثنان ms058 يصلحان لولاية الأحكام، فإن تساويا من ~~كل وجه ولينا كل واحد منهما قطرا إن شغرت الأقطار، وإن كانت مشحونة بالقضاة ~~والحكام تخيرنا بينهما أو ولينا كل واحد منهما جانبا من جوانب البلد، أو ~~أقرعنا بينهما كما ذكرنا في الإمام. # المثال الحادي والعشرون: إذا اجتمع جماعة يصلحون للقيام بالأيتام، قدم ~~الحاكم أقومهم بذلك وأعرفهم بمصالح الأيتام، وأشدهم شفقة ومرحمة، فإن ~~تساووا من كل وجه تخير. ويجوز أن يولي كل واحد منهم بعض الولاية ما لم يكن ~~بينهما تنازع واختلاف يؤدي إلى تعطيل مصالحها، وتعطيل درء مفاسدها، لأن ~~الولاية كلما ضاقت قوي الوالي على القيام بجلب مصالحها ودرء مفاسدها، وكلما ~~اتسعت عجز الوالي عن القيام بذلك. # المثال الثاني والعشرون: إذا اجتمع جماعة يصلحون للأذان فإن تساووا ~~أقرعنا بينهم في قوله - عليه السلام -: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف ~~الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» ، فإن تفاوتوا في ~~الثقة والأمانة والعفة عن النظر إلى حرم الناس ومعرفة المواقيت وحسن الصوت، ~~قدمنا الأفضل فالأفضل، لأن المصلحة فيه أعظم، وقد قال - عليه السلام -: «من ~~ولي من أمر المؤمنين شيئا ثم لم يجهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام» . # وفي رواية «لم يدخل الجنة معهم» . # المثال الثالث والعشرون: لا يقدم في ولاية الحرب إلا أشجع الناس وأعرفهم ~~بمكائد الحروب والقتال مع النجدة والشجاعة وحسن السيرة في الاتباع، فإن ~~استووا فإن كانت الجهة واحدة تخير الإمام، وله أن يقرع بينهم كي لا يجد ~~بعضهم على الإمام بتقديم غيره عليه، وإن تعددت الجهات صرف بكل واحد منهم ~~إلى الجهة التي تليق به. # PageV01P075 # والضابط في الولايات كلها أنا لا نقدم فيها إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ~~ودرء مفاسدها، فيقدم في الأقوم بأركانها وشرائطها، على الأقوم بسننها ~~وآدابها، فيقدم في الإقامة الفقيه على القارئ، والأفقه على الأقرأ؛ لأن ~~الفقيه أعرف باختلال الأركان والشرائط، وبما يطرأ على الصلاة من المفسدات، ~~وكذلك يقدم الورع على غيره، لأن ورعه يحثه على إكمال الشرائط والسنن ~~والأركان، ويكون أقوم إذا ms059 بمصلحة الصلاة. وقدم بعض الأصحاب بنظافة الثياب، ~~لأن الغالب أن المتنزه من الأقذار التي ليست بأنجاس أنه يتنزه عن النجاسات؛ ~~فيكون أقوم بشرط الصلاة. # وكذلك يقدم البصير على الأعمى عند بعضهم لأنه يرى من النجاسات ما لا يراه ~~الأعمى؛ فيكون أشد تحرزا من النجاسات التي اجتنابها شرط في صحة الصلاة. # وأما غض الأعمى عن المحرمات فليس غضه شرطا في صحة الصلاة، وأما غسل ~~الموتى وتكفينهم وحملهم ودفنهم فيقدم فيه الأقارب لأن حنوهم على ميتهم ~~يحملهم على أكمل القيام بمقاصد هذه الواجبات وكذلك يقدم الآباء على ~~الأولاد، لأن حنو الآباء أكمل من حنو الأولاد. # وكذلك يقدم القريب في الصلاة على الأموات على جميع أهل الولايات؛ لأن من ~~الصلاة الشفاعة للميت، والقريب لفرط شفقته وشدة حزنه عليه يبالغ في الدعاء ~~له ما لا يفعله الأجانب. # وكذلك تقدم الأمهات على الآباء في الحضانة لمعرفتهن بها وفرط حنوهن على ~~الأطفال، وإذا استوى النساء في درجات الحضانة فقد يقرع بينهن وقد يتخير ~~والقرعة أولى. # ويقدم الآباء على الأمهات في النظر في مصالح أموال المجانين والأطفال. # وفي التأديب وارتياد الحرف والصناعات، لأنهم أقوم بذلك وأعرف به من ~~الأمهات. # وكذلك يقدم في ولاية النكاح الأقارب على الموالي والحكام، ويقدم من ~~الأقارب أرفقهم بالمولى عليه كالآباء والأجداد، وإذا اجتمع # PageV01P076 # أولياء النكاح في درجة واحدة كالإخوة والأعمام، فالأولى للمرأة أن تأذن ~~لأسنهم وأعلمهم وأفضلهم، ولا تعدل إلى غيره لما في ذلك من كسر قلبه، ولما ~~في توليته من مصلحتها، فإن أذنت الجميع جاز لتساويهم في تحصيل المصلحة ~~المقصودة من النكاح، فإذا أذنت لهم فالأفضل لهم أن يقدموا أفضلهم لما ~~ذكرناه، فإن لم يقدموا أحدهم وتنازعوا أيهم يتولى العقد أقرع بينهم ~~لتساويهم. والإنسان يأنف من تقديم نظيره عليه ولا يأنف من تقديم من هو خير ~~منه عليه. # وكذلك قلنا الأفضل أن يفوض العقد إلى أفضلهم، ويقدم الجد على الأوصياء ~~والأئمة والحكام، ويقدم الأوصياء على الحكام، وإنما قدمنا الأقرب من ذوي ~~الأنساب لأن شفقته على المبالغة في جلب المصالح ودرء المفاسد. ms060 # ويجب على الأئمة في تفريق مال المصالح أن يصرفوه في تحصيل أعلاها مصلحة ~~فأعلاها، وفي درء أعظمها مفسدة فأعظمها. ### | [فصل فيما لا تشترط فيه العدالة من الولايات] # العدالة شرط في بعض الولايات، وإنما شرطت لتكون وازعة عن الخيانة ~~والتقصير في الولاية. ولا تشترط العدالة في ولاية القريب على الأموات في ~~التجهيز والدفن والتكفين والحمل والتقدم في الصلاة، لأن فرط شفقة القريب ~~ومرحمته تحثه على المبالغة في الغسل والتكفين والدعاء في الصلاة. # وكذلك انكساره بالحزن على التضرع في دعاء الصلاة فتكون العدالة في هذا ~~الباب من التتمات والتكملات. # وكذلك ولاية النكاح لا تشترط فيها العدالة على قول لأن العدالة # PageV01P077 # إنما شرطت في الولايات لتزع الولي عن التقصير والخيانة، وطبع الولي في ~~النكاح يزعه عن التقصير والخيانة في حق وليته، لأنه لو وضعها في غير كفء ~~كان ذلك عارا عليه وعليهم، وطبعه يزعه عما يدخله على نفسه ووليته من ~~الأضرار والعار. # وكذلك لو كان الولي مستورا صح النكاح في ظاهر الحكم اعتمادا على العدالة ~~الظاهرة مع قوة الوازع، ولو كان شهود النكاح مستورين صح النكاح في الحكم ~~على الأصح، لغلبة الأنكحة في البوادي والقرى حيث لا يوجد العدول لمسيس ~~الحاجة في ذلك. وللتعليل بقوة الوازع فيما ذكرناه قبل الإقرار من المسلم ~~والكافر والبر والفاجر؛ ولأن طباعهم تزعهم عن الكذب في الإقرار المضر بهم ~~في حقوقهم، كالدماء والأبضاع والأموال، ولا تقبل الشهادة إلا من عدل، لأن ~~الفاسق لا يزعه طبعه عن الكذب، فشرطت العدالة في الشاهد لتكون وازعة عن ~~الكذب في الإقرار. # وكذلك يقبل إقرار العبد بما يوجب الحدود والقصاص لأن طبعه يزعه عن الكذب ~~على السيد بما يوجب قتله أو قطعه أو جلده. # واختلف في اشتراط العدالة في ولاية الآباء على الأطفال، فمنهم من ألحقها ~~بولاية النكاح لما ذكرناه من الطبع الوازع عن التقصير والإضرار، ومنهم من ~~فرق بينهما بأن الإضرار في ولاية النكاح يدخل على الولي والمولى عليه ~~والطبع وازع عنها. # وأما في ولاية المال فإن طبعه يزعه عن الإضرار بالطفل ms061 لأجل غيره ولا يزعه ~~عن ذلك في حق نفسه، فإن طبعه يحثه على تقديم نفسه على أولاده وأحفاده، ~~فتشترط العدالة فيه لتكون وازعة عن التقصير بالنسبة إليه وإلى غيره، ولذلك ~~ردت شهادته لنفسه اتفاقا لقوة الداعي، واختلف في شهادته لوالديه وأولاده. # وأما الوصي فتشترط فيه العدالة لضعف الوازع على التقصير والخيانة بخلاف ~~الأب. # PageV01P078 # وأما الإمامة العظمى ففي اشتراط العدالة فيها اختلاف لغلبة الفسوق على ~~الولاة، ولو شرطناها لتعطلت التصرفات الموافقة للحق في تولية من يولونه من ~~القضاة والولاة والسعاة وأمراء الغزوات، وأخذ ما يأخذونه وبذل ما يعطونه. ~~وقبض الصدقات والأموال العامة والخاصة المندرجة تحت ولايتهم، فلم تشترط ~~العدالة في تصرفاتهم الموافقة للحق لما في اشتراطها من الضرر العام، وفوات ~~هذه المصالح أقبح من فوات عدالة السلطان. # ولما كان تصرف القضاة أعم من تصرف الأوصياء وأخص من تصرف الأئمة اختلف في ~~إلحاقهم بالأئمة، فمنهم من ألحقهم بالأئمة لأن تصرفهم أعم من تصرف ~~الأوصياء، ومنهم من ألحقهم بالأوصياء لأن تصرفهم أخص من تصرف الأئمة. # والمشاق في الشرع ثلاثة أقسام. أحدها: مشقة عامة مؤثرة في الرخص ~~والتحقيقات كما ذكرنا في تعطيل تصرفات الولاة. # القسم الثاني: مشقة خاصة كما ذكرناه في تصرفات الأوصياء. # القسم الثالث: مشقة بين المشقتين كما ذكرناه في تصرف القضاء. ### | [فصل في تنفيذ تصرفات البغاة وأئمة الجور لما وافق الحق لضرورة العامة] # وقد ينفذ التصرف العام من غير ولاية كما في تصرف الأئمة البغاة فإنه ينفذ ~~مع القطع بأنه لا ولاية لهم، وإنما نفذت تصرفاتهم وتوليتهم لضرورة الرعايا، ~~وإذا نفذ ذلك مع ندرة البغي فأولى أن ينفذ تصرف الولاة والأئمة مع غلبة ~~الفجور عليهم، وإنه لا انفكاك للناس عنهم، # PageV01P079 # وأما أخذهم الزكاة، فإن صرفوها في مصارفها أجزأت لما ذكرناه، وإن صرفوها ~~في غير مصارفها لم يبرأ الأغنياء منها على المختار لما في إجزائها من تضرر ~~الفقراء بخلاف سائر المصالح التي لا معارض لها، فإنها إنما نفذت لتمحصها. ~~وأما ههنا فالقول بإجزاء أخذها نافع للأغنياء مضر للفقراء، ودفع المفسدة عن ~~الفقراء أولى ms062 من دفع المفسدة عن الأغنياء، وإن شئت قلت لأن مصالح الفقراء ~~أولى من مصالح الأغنياء، لأنهم يتضررون بعدم نصيبهم من الزكاة ما لا يتضرر ~~به الأغنياء من تثنية الزكاة، ولمثل هذا يتخير الساعي في الأحظ للفقراء؛ ~~إذا كان في المال أربع حقاق وخمس بنات لبون، ولا تخير الولاة فيما يصنعون ~~إلا نادرا وهو إذا تساوى تحصيل المصلحتين، أو دفع المفسدتين من كل وجه؛ فإن ~~كانت المصلحة في التعزير وجب، وإن كانت في العفو والإغضاء وجب. ### | [فصل في تقيد العزل بالأصلح للمسلمين فالأصلح] # إذا أراد الإمام عزل الحاكم فإن أرابه منه شيء عزله لما في إبقاء المريب ~~من المفسدة إذ لا يصلح في تقرير المريب على ولاية عامة ولا خاصة، لما يخشى ~~من خيانته فيها، وإن لم تكن ريبة فله أحوال. # إحداهما: أن يعزله بمن هو دونه، ولا يجوز عزله لما فيه من تفويت المسلمين ~~المصلحة الحاصلة من جهة فضله على غيره وليس للإمام تفويت المصالح من غير ~~معارض. # الحال الثانية: أن يعزله بمن هو أفضل منه فينفذ عزله تقديما للأصلح على ~~الصالح لما فيه من تحصيل المصلحة الراجحة للمسلمين. # PageV01P080 # الحال الثالثة: أن يعزله بمن يساويه؛ فقد أجاز بعضهم ذلك لما ذكرناه من ~~التخير عند تساوي المصالح، وكما يتخير بينهما في ابتداء الولاية، وقال ~~آخرون لا يجوز لما فيه من كسر العزل وعاره بخلاف ابتداء الولاية. # فإن قيل ينبغي أن يجوز لما فيه من النفع للمولى؟ قلنا حفظ الموجود أولى ~~من تحصيل المفقود، ودفع الضرر أولى من جلب النفع، وهذا معروف بالعادة، وقد ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ولي من أمر المسلمين شيئا ثم لم يجهد لهم ~~وينصح لم يدخل الجنة معهم» . ولما اتهم خالد بن الوليد بأنه قتل مالك بن ~~نويرة ليتزوج بامرأته حتى قال الشاعر: # وجرت منايا مالك بن نويرة ... عقيلته الحسناء أيام خالد # حرض عمر على أن يعزله أبو بكر وقال قتل رجلا من المسلمين ونزى على ~~امرأته، فامتنع أبو بكر من عزله لأنه كان أصلح في ms063 القيام لقتال أهل الردة ~~من غيره، وهو أصوب مما رآه عمر لأن تلك الريبة لم تكن قادحة في كونه أقوم ~~بالحرب من غيره، فلما تولى عمر عزله عن حرب الشام، وولى أبا عبيدة بن ~~الجراح، فوصل كتاب العزل إلى أبي عبيدة والناس صفوف للقتال، فلم يخبر خالدا ~~حتى انقشعت الحرب لعلمه بتقدمه في مكان الحرب، وترتيب القتال، ولو أخبره ~~بذلك لتشوش أمر المسلمين، وإنما لم يخبره لأنه أذن له في ذلك، أو رأى أنه ~~لا ينعزل حتى يقف على الكتاب. # PageV01P081 ### | [فصل في تصرف الآحاد في الأموال العامة عند جور الأئمة] # في تصرف الآحاد في الأموال العامة عند جور الأئمة # لا يتصرف في أموال المصالح العامة إلا الأئمة ونوابهم، فإذا تعذر قيامهم ~~بذلك، وأمكن القيام بها ممن يصلح لذلك من الآحاد بأن وجد شيئا من مال ~~المصالح، فليصرف إلى مستحقيه على الوجه الذي يجب على الإمام العدل أن يصرفه ~~فيه، بأن يقدم الأهم فالأهم، والأصلح فالأصلح، فيصرف كل مال خاص في جهاته ~~أهمها فأهمها، ويصرف ما وجده من أموال المصالح العامة في مصارفها أصلحها ~~فأصلحها، لأنا لو منعنا ذلك لفاتت مصالح صرف تلك الأموال إلى مستحقيها، ~~ولأثم أئمة الجور بذلك وضمنوه، فكان تحصيل هذه المصالح ودرء هذه المفاسد ~~أولى من تعطيلها. وإن وجد أموالا مغصوبة، فإن عرف مالكيها فليردها عليهم، ~~وإن لم يعرفها فإن تعذرت معرفتهم بحيث يئس من معرفتهم صرفها في المصالح ~~العامة أولاها فأولاها، وإنما قلنا ذلك لأن الله قال: {وتعاونوا على البر ~~والتقوى} [المائدة: 2] ، وهذا بر وتقوى. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«والله في عون العبد ما كان في عون أخيه» ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«كل معروف صدقة» ، فإذا جوز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهند أن تأخذ ~~من مال زوجها أبي سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف، مع كون المصلحة خاصة، ~~فلأن يجوز ذلك في المصالح العامة أولى، ولا سيما غلبة الظلمة للحقوق. # ولا شك أن القيام بهذه المصالح أتم من ترك هذه الأموال بأيدي الظلمة ms064 ~~يأكلونها بغير حقها، ويصرفونها إلى غير مستحقها. ويحتمل أن يجب ذلك على من ~~ظفر به كمن وجد اللقطة في مضيعة، وإذا جوز الشرع لمن جحد حقه أن يأخذ من ~~مال جاحده إذا ظفر به إن كان من جنسه، وأن يأخذه ويبيعه إن كان من غير ~~جنسه، مع أن هذه مصلحة خاصة فجواز ما ذكرناه مع عمومه أولى. # PageV01P082 # وقد خير بعض أصحاب الشافعي واجد ذلك بين أن يصرفه في مصارفه، وبين أن ~~يحفظه إلى أن يلي المسلمين من هو أهل يصرف ذلك في مصارفه، وينبغي أن يتقيد ~~بما ذكره بعض الأصحاب بوقت يتوقع فيه ظهور إمام عدل. # وأما في مثل هذا الزمان المأيوس فيه من ذلك فيتعين على واجده أن يصرفه ~~على الفور في مصارفه، لما في إبقائه من التغرير به وحرمان مستحقيه من تعجيل ~~أخذه، ولا سيما إن كانت الحاجة ماسة إليه بحيث يجب على الإمام تعجيلها. ### | [فصل فيما يجوز أخذه من مال بيت المال] # إن قال قائل: إذا دفع الظلمة مما بأيديهم من الأموال إلى إنسان شيئا فهل ~~يجوز له أخذه منهم أم لا؟ قيل له: إن علم المبذول له أن ما يدفع له مغصوب ~~فله حالان: الأولى: أن يكون ممن يقتدى به ولو أخذ لفسد ظن الناس فيه بحيث ~~لا يقتدون به ولا يقبلون فتياه، فلا يجوز له أخذه لما في أخذه من فساد ~~اعتقاد الناس في صدقه ودينه، لا يقبلون له فتيا، فيكون قد ضيع على الناس ~~مصالح الفتيا. ولا شك أن حفظ تلك المصالح العامة الدائمة أولى من أخذ ~~المغصوب ليرده على صاحبه. # وكذلك الشهود والحكام ما لم يصرحوا بأنهم أخذوه للرد على مالكه. # الحالة الثانية: ألا يكون المبذول له كذلك، فإن أخذه لنفسه حرم عليه، وإن ~~أخذه ليرده إلى مالكه جاز ذلك، وإن جهل مالكه بحث عنه إلى أن يعرفه، فإن ~~تعذرت معرفته صرفه في المصالح العامة أهمها فأهمها، وأصلحها فأصلحها، فإن ~~لم يعرف تلك المصالح دفعه # PageV01P083 # إلى من يعرفها، فإن لم يجد من يعرفها ms065 تربص بها إلى أن يجده فيتعرفها منه، ~~أو يدفعها إليه ليصرفها في مصالحها إن كان عدلا، وإن كان المال الذي ~~يبذلونه مأخوذا بحق، فإن كان المال لمصالح خاصة كالزكاة لأربابها والخمس ~~لأربابه، والفيء للأجناد على قول، فإن كان المبذول له من أهل ذلك المال ~~الخاص فإن أعطي قدر حقه فليأخذه، وإن أعطي زائدا على حقه فليأخذ قدر حقه ~~ويكون حكم الزائد على حقه ما ذكرناه في المال المغصوب، وإن كان ذلك من ~~الأموال العامة فليأخذه إن لم تفت بأخذه مصلحة الفتيا، وليصرفه في المصارف ~~العامة أصلحها فأصلحها، وإن لم يكن من أهل ذلك فعل ما ذكرنا في المال ~~المغصوب، وإن بذل له المال من جهة مجهولة فإن يئس من معرفة مستحقه فقد صار ~~باليأس للمصالح العامة فليأخذه ويصرفه فيها، وإن توقع معرفة مستحقيه ~~فليأخذه بنية البحث عن مستحقيه، فإن تعذرت معرفتهم بعد البحث التام صار ~~كمال المصالح العامة. ### | [فصل في معاملة من أقر بأن أكثر ما في يده حرام] # فإن قيل، ما تقولون في معاملة من اعترف بأن أكثر ماله حرام، هل تجوز أم ~~لا؟ قلنا: إن غلب الحرام عليه بحيث يندر الخلاص منه لم تجز معاملته، مثل أن ~~يقر إنسان أن في يده ألف دينار كلها حرام إلا دينارا واحدا، فهذا لا تجوز ~~معاملته، لندرة الوقوع في الحلال، كما لا يجوز الاصطياد إذا اختلطت حمامة ~~برية بألف حمامة بلدية، وإن عومل بأكثر من الدينار أو اصطياد أكثر من حمامة ~~فلا شك في تحريم ذلك، وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال ~~جازت المعاملة كما لو اختلطت أخته من الرضاع بألف امرأة أجنبية، أو اختلطت ~~ألف حمامة برية بحمامة بلدية فإن المعاملة صحيحة جائزة لندرة الوقوع في ~~الحرام. # وكذلك الاصطياد، وبين هاتين الرتبتين # PageV01P084 # من قلة الحرام وكثرته مراتب محرمة، ومكروهة، ومباحة، وضابطها أن الكراهة ~~تشتد بكثرة الحرام وتخف بكثرة الحلال، فاشتباه أحد الدينارين بآخر سبب ~~تحريم بين، واشتباه دينار حلال بألف دينار حرام سبب تحريم بين، وبينهما ms066 ~~أمور مشتبهات مبنية على قلة الحرام وكثرته بالنسبة إلى الحلال فكلما كثر ~~الحرام تأكدت الشبهة، وكلما قل خفت الشبهة إلى أن يساوي الحلال الحرام ~~فتستوي الشبهات، وسنذكر هذا في موضعه مستقصى إن شاء الله تعالى. ### | [قاعدة في تعذر العدالة في الولايات] # قاعدة: إذا تعذرت العدالة في الولاية العامة والخاصة بحيث لا يوجد عدل، ~~ولينا أقلهم فسوقا وله أمثلة: - أحدها: إذا تعذر في الأئمة فيقدم أقلهم ~~فسوقا عند الإمكان، فإذا كان الأقل فسوقا يفرط في عشر المصالح العامة مثلا ~~وغيره يفرط في خمسها لم تجز تولية من يفرط في الخمس فما زاد عليه، ويجوز ~~تولية من يفرط في العشر، وإنما جوزنا ذلك لأن حفظ تسعة الأعشار بتضييع ~~العشر أصلح للأيتام ولأهل الإسلام من تضييع الجميع، ومن تضييع الخمس أيضا، ~~فيكون هذا من باب دفع أشد المفسدتين بأخفهما، ولو تولى الأموال العامة ~~محجور عليه بالتبذير نفذت تصرفاته العامة إذا وافقت الحق للضرورة، ولا ينفذ ~~تصرفه لنفسه، إذ لا موجب لإنقاذه مع خصوص مصلحته، ولو ابتلي الناس بتولية ~~امرأة أو صبي مميز يرجع إلى رأي العقلاء فهل ينفذ تصرفهما العام فيما يوافق ~~الحق كتجنيد الأجناد وتولية القضاة والولاة؟ ففي ذلك وقفة. # ولو استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين ~~العامة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله جلبا للمصالح العامة ودفعا للمفاسد ~~الشاملة، إذ يبعد عن رحمة الشرع ورعايته لمصالح عباده تعطيل # PageV01P085 # المصالح العامة وتحمل المفاسد الشاملة، لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها ~~لمن هو أهل لها، وفي ذلك احتمال بعيد. # المثال الثاني: الحكام إذا تفاوتوا في الفسوق قدمنا أقلهم فسوقا، لأنا لو ~~قدمنا غيره لفات مع المصالح ما لنا عنه مندوحة، ولا يجوز تفويت مصالح ~~الإسلام إلا عند تعذر القيام بها، ولو لم يجوز هذا وأمثاله لضاعت أموال ~~الأيتام كلها، وأموال المصالح بأسرها. وقد قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} [التغابن: 16] . ولو فاتت العدالة في شهود الحكام ففي هذا وقفة، ~~من جهة أن مصلحة المدعي معارضة بمفسدة المدعى عليه، والمختار ms067 أنه لا يقبل، ~~لأن الأصل عدم الحقوق المتعلقة بالذمم والأبدان، والظاهر مما في الأيدي ~~لأربابها. # المثال الثالث: إذا تعذرت العدالة في ولاية الأيتام فيختص بها أقلهم ~~فسوقا فأقلهم، لأن حفظ البعض أولى من تضييع الكل، فإذا كان مال اليتيم ألفا ~~وأقل ولاية فسوقا يخون في مائة من الألف ويحفظ الباقي لم يجز أن يدفع إلى ~~من يخون في مائتين فما زاد عليها. # المثال الرابع: فوات العدالة في المؤذنين والأئمة يقدم فيها الفاسق على ~~الأفسق تحصيلا للمصالح على حسب الإمكان. # المثال الخامس: إذا تفاوتت رتب الفسوق في حق الأئمة قدمنا أقلهم فسوقا، ~~مثل إن كان فسق أحد الأئمة بقتل النفوس وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع، ~~وفسق الآخر بالتضرع للأموال، قدمنا المتضرع للأموال على المتضرع للدماء ~~والأبضاع، فإن تعذر تقديمه قدمنا المتضرع للأبضاع على من يتعرض للدماء، ~~وكذلك يترتب التقديم على الكبير من الذنوب والأكبر والصغير منها والأصغر ~~على اختلاف رتبها. # PageV01P086 # فإن قيل: أيجوز القتال مع أحدهما لإقامة ولايته وإدامة تصرفه مع إعانته ~~على معصيته؟ قلنا: نعم دفعا لما بين مفسدتي الفسوقين من التفاوت ودرءا ~~للأفسد فالأفسد، وفي هذا وقفة وإشكال من جهة أنا نعين الظالم على فساد ~~الأموال دفعا لمفسدة الأبضاع وهي معصية. # وكذلك نعين الآخر على إفساد الأبضاع دفعا لمفسدة الدماء وهي معصية، ولكن ~~قد يجوز الإعانة على المعصية لا لكونها معصية بل لكونها وسيلة إلى تحصيل ~~المصلحة الراجحة وكذلك إذا حصل بالإعانة مصلحة تربو على مصلحة تفويت ~~المفسدة كما، تبذل الأموال في فدى الأسرى الأحرار المسلمين من أيدي الكفرة ~~والفجرة. # المثال السادس: إذا لم تجد المرأة وليا ولا حاكما فهل لها أن تحكم أجنبيا ~~يزوجها؟ أو تفوض إليه التزويج من غير تحكيم؟ فيه اختلاف، ومبنى هذه المسائل ~~كلها على الضرورات ومسيس الحاجات، وقد يجوز في حال الاضطرار ما لا يجوز في ~~حال الاختيار، كما يجوز لمن ظفر بمال غريمه الجاحد لدينه أن يأخذ من ماله ~~مثل حقه، فإن كان من غير جنسه فله أن يأخذه ويبيعه. # وكذلك مسألة هروب ms068 الجمال وتركه الجمال، كذلك الالتقاط وتخيير الملتقط في ~~التمليك بعد التعريف المعتبر، وكذلك أكل المضطر الطعام بغير إذن ربه. # PageV01P087 ### | [فصل في تقديم المفضول على الفاضل بالزمان إذا اتسع وقت الفاضل] # قد يتقدم المفضول على الفاضل بالزمان عند اتساع وقت الفاضل، كتقديم ~~الأذان والإقامة والسنن الرواتب على الفرائض في أوائل الأوقات. ومثل ذلك: ~~تقديم المفضول الذي يخاف فوته على الفاضل الذي لا يخشى فوته؛ كتقديم حمدلة ~~العاطس وتشميته في أثناء الأذان، وفي أثناء قراءة القرآن، وكتقديم السلام ~~ورده المسنون على توالي كلمات الأذان وقراءة القرآن، فإن تعين رد السلام ~~كان تقديمه على القراءة من باب تقديم الفرض على النفل، وإن وقع الأذان في ~~الصلاة، فإن كان المصلي في الفاتحة لم يجبه لئلا ينقطع ولاء الفاتحة، فإن ~~كان في غير الفاتحة ففي إجابته قولان؛ لأن مصلحة الإجابة قد عارضتها مصلحة ~~موالاة أذكار الصلاة وقراءتها. ### | [فصل في تساوي المصالح مع تعذر جمعها] # إذا تساوت المصالح مع تعذر الجمع تخيرنا في التقديم والتأخير للتنازع بين ~~المتساويين ولذلك أمثلة: أحدها إذا رأينا صائلا يصول على نفسين من المسلمين ~~متساويين وعجزنا عن دفعه عنهما فإنا نتخير. # المثال الثاني: لو رأينا من يصول على بضعين متساويين وعجزنا عن الدفع ~~عنهما فإنا نتخير، ولو وجدنا من يقصد غلاما باللواط وامرأة بالزنا ففي هذا ~~نظر وتأمل. فيجوز أن يدفع الزاني، لأن مفاسد الزنا لا يتحقق # PageV01P088 # مثلها في اللواط، ولأن العلماء اتفقوا على حد الزنا واختلفوا في حد ~~اللائط، ويجوز أن يبدأ بدفع اللائط لأن جنسه لم يحلل قط، ولما فيه من إذلال ~~الذكور وإبطال شهامتهم، ويجوز أن يتخير في ذلك. # المثال الثالث: لو رأينا من يصول على مالين متساويين لمسلمين معصومين ~~متساويين تخيرنا. # المثال الرابع: إذا حجز الحاكم على المفلس وجبت التسوية بين الديون ~~بالمحاصة فإن كان الدين مائة وماله عشرة سوى بين الغرماء بإيصال كل منهم ~~إلى عشر دينه. # المثال الخامس: إذا مات وعليه دين لرجلين بحيث تضيق عنه التركة سوى ~~بينهما في المحاصة؛ إذ لا مزية لأحدهما ms069 على الآخر. # المثال السادس: إذا حضر فقيران متساويان تخير في الدفع إلى أيهما شاء وفي ~~الفض عليهما. # المثال السابع: إذا حضرت أضحيتان متساويتان تخير بينهما فإن تفاوتت بدأ ~~بأفضلهما، ووقع في الفتاوى فيمن كانت عنده مهرية تساوي ألفا، وعشرة أينق ~~تساوي ألفا، فالتضحية بأيهما أفضل؟ فكان الجواب أن التضحية بالأينق أولى ~~لما فيها من تعميم الإقاتة والنفع، وفضيلة المهرية تفوت بذبحها بخلاف عتق ~~أنفس الرقبتين وأغلاها ثمنا عند أهلها، لأن شرف المخرج يختلف باختلاف ~~مشرفه؛ فإخراج أشراف المال أحسن في الطواعية؛ لأن الهدايا تعظيم المهدى ~~إليه وأفضل الهدايا أنفسها. # وكذلك لو أراد أن يشتري حصانا يساوي ألفا بألف ويذبحه ويتصدق بلحمه، وأن ~~يشتري بالألف ألف شاة ويتصدق بلحمها فلا شك أن التصدق # PageV01P089 # بلحوم الشياه أفضل لكثرة ما يحصله من المقاصد والمنافع؛ ولأن فضيلة ~~الحصان تفوت بذبحه من غير أن يحصل إلى الفقراء منها شيء. # المثال الثامن: إذا ملك نفقة زوجه وله زوجتان متساويتان سوى بينهما. # المثال التاسع: إذا كان له ابنان متساويان من كل وجه ولا يقدر إلا على ~~نفقة أحدهما فليوزعها بينهما. # المثال العاشر: إذا اجتمع عليه دينان متساويان ولا يقدر إلا على أحدهما، ~~فالأولى أن يفضه على مالكيهما وإن قدم أحدهما على الآخر جاز. # المثال الحادي عشر: لو دعي الشاهد في وقت واحد إلى شهادة بحقين متساويين ~~تخير في إجابة من شاء من الداعين، وإذا اختلف الحقان فإن خيف فوات أحدهما ~~وأمن فوات الآخر وجب البدار إلى ما يخشى فواته وإن لم يخف ذلك تخير. ### | [فصل في الإقراع عند تساوي الحقوق] # وإنما شرعت القرعة عند تساوي الحقوق دفعا للضغائن والأحقاد، وللرضاء بما ~~جرت به الأقدار، وقضاه الملك الجبار، فمن ذلك الإقراع بين الخلفاء عند ~~تساويهم في مقاصد الخلافة، ومن ذلك الإقراع بين الأئمة عند تساويهم في ~~مقاصد الإمامة، ومن ذلك تقارعهم على الأذان عند تساوي المؤذنين، ومن ذلك ~~الإقراع في الصف الأول عند تزاحم المتسابقين، ومن ذلك الإقراع في تغسيل ~~الأموات عند تساوي الأولياء في الصفات، ومن ذلك ms070 الإقراع بين الحاضنات إذا ~~كن في رتبة واحدة، # PageV01P090 # ومن ذلك الإقراع بين الأولياء إذا أذنت لهم المرأة وكلهم في درجة واحدة، ~~ومن ذلك الإقراع في السفر بين الزوجات؛ لما في تخير الزوج من إيغار صدورهن ~~وإيحاش قلوبهن. # وكذلك لو أراد البداءة بإحداهن في القسم، ومن ذلك الإقراع في زفافهن، ومن ~~ذلك الإقراع بين العبيد في الإعتاق إذا زادوا على الثلث، ومن ذلك الإقراع ~~في استيفاء القصاص من قتل جماعة دفعة واحدة، ولا يتخير الحاكم بين أولياء ~~القتلى إذا طلبوا القصاص دفعا لإيغار صدورهم، وإذا تساوت السهام في قسمة ~~الدور والأراضي لم يتخير القاسم بل يقرع بين الشركاء لتساوي حقوقهم ولا ~~يتخير في التقدم لما فيه من إيغار الصدور، ولو حضر الحاكم خصوم لا مزية ~~لبعضهم على بعض أقرع بينهم لئلا يوغر صدورهم، وإن ترجح بعضهم على بعض ~~كالمرأة والمقيم والمسافر قدم المرأة على الرجال لأنها عورة، وقدم المسافر ~~على المقيم لئلا يتضرر بفوت الرفاق، ولا وجه للإقراع عند تعارض البينتين ~~ولا عند تعارض الخبرين، إذ لا يفيد ثقة بأحد الخبرين ولا بإحدى الشهادتين، ~~ومن ذلك الإقراع في التقاط اللقطاء، ولو تساوى اثنان يصلحان للولاية أو ~~الإمامة أو الأحكام احتمل أن يقرع بينهما، واحتمل أن يتخير بينهما من يفوض ~~إليه ذلك. فكل هذه الحقوق متساوية المصالح ولكن الشرع أقرع ليعين بعضها ~~دفعا للضغائن والأحقاد المؤدية إلى التباغض والتحاسد والعناد، فإن من يتولى ~~الأمر في ذلك إذا قدم بغير قرعة أدى ذلك إلى مقته وبغضته، وإلى أن يحسد ~~المتأخر المتقدم؛ فشرعت القرعة دفعا لهذا الفساد والعناد، لا لأن إحدى ~~المصلحتين رجحت على الأخرى، ولا يمكن مثل ذلك في تعارض البينتين، فإن ~~القرعة لا ترجح الثقة بإحدى # PageV01P091 # الشهادتين إذ لا تزيد بيانا، والترجيح في كل باب إنما يقع بالزيادة في ~~مقاصد ذلك الباب. ### | [فصل فيما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساده] # أو بإفساد بعضه أو بإفساد صفة من صفاته # فأما ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بفساده فكإفساد الأطعمة والأشربة ~~والأدوية لأجل الشفاء ms071 والاغتذاء وإبقاء المكلفين لعبادة رب العالمين، ~~وكإحراق الأحطاب وإبلاء الثياب والبسط والفرش وآلات الصنائع بالاستعمال. # وأما ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه فكقطع اليد المتآكلة حفظا ~~للروح، إذا كان الغالب السلامة فإنه يجوز قطعها، وإن كان إفسادا لها لما ~~فيه من تحصيل المصلحة الراجحة وهو حفظ الروح. # وكذلك حفظ بعض الأموال بتفويت بعضها؛ كتعييب أموال اليتامى والمجانين ~~والسفهاء، وأموال المصالح إذا خيف عليها الغصب، فإن حفظها قد صار بتعييبها ~~فأشبه ما يفوت من ماليتها من أجور حارسها وحانوتها. وقد فعل الخضر - عليه ~~السلام - مثل ذلك لما خاف على السفينة الغصب فخرقها ليزهد غاصبها في أخذها # وأما ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد صفة من صفاته فكقطع الخفين أسفل ~~من الكعبين في الإحرام؛ فإن حرمة الإحرام آكد من حرمة سلامة الخفين. # وأما إتلاف أموال الكفار بالتحريق والتخريب وقطع الأشجار فإنه جائز ~~لإخزائهم وإرغامهم، بدليل قوله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة ~~على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} [الحشر: 5] ، ومثله قتل # PageV01P092 # خيولهم وإبلهم، إذا كانت تحتهم في حال القتال. # وكذلك قتل أطفالهم إذا تترسوا بهم، لأنه أشد إخزاء لهم من تحريق ديارهم ~~وقطع أشجارهم. ### | [فصل في اجتماع المفاسد المجردة عن المصالح] # إذا اجتمعت المفاسد المحضة فإن أمكن درؤها درأنا، وإن تعذر درء الجميع ~~درأنا الأفسد فالأفسد والأرذل فالأرذل، فإن تساوت فقد يتوقف وقد يتخير وقد ~~يختلف في التساوي والتفاوت، ولا فرق في ذلك بين مفاسد المحرمات والمكروهات، ~~ولاجتماع المفاسد أمثلة: أحدها: أن يكره على قتل مسلم بحيث لو امتنع منه ~~قتل، فيلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصبر على القتل، لأن صبره على القتل أقل ~~مفسدة من إقدامه عليه، وإن قدر على دفع المكروه بسبب من الأسباب لزمه ذلك ~~لقدرته على درء المفسدة، وإنما قدم درء القتل بالصبر لإجماع العلماء على ~~تحريم القتل واختلافهم في الاستسلام للقتل، فوجب تقديم درء المفسدة للجمع ~~على وجوب درئها، على درء المفسدة المختلف في وجوب درئها وكذلك لو أكره على ~~الزنا واللواط ms072 فإن الصبر مختلف في جوازه ولا خلاف في تحريم الزنا واللواط. # وكذلك لو أكره بالقتل على شهادة زور أو على حكم بباطل فإن كان المكره على ~~الشهادة به أو الحكم به قتلا أو قطع عضو وإحلال بضع محرم لم تجز الشهادة ~~ولا الحكم؛ لأن الاستسلام للقتل أولى من التسبب إلى قتل مسلم بغير ذنب، أو ~~قطع عضو بغير جرم، أو إتيان بضع محرم وإن كانت الشهادة أو الحكم بمال لزمه ~~إتلافه بالشهادة أو بالحكم حفظا لمهجته كما يلزم حفظهما بأكل مال الغير. # وكذلك من أكره على شرب الخمر، أو غص ولم يجد ما يسيغ به الغصة سوى الخمر، ~~فإنه يلزمه ذلك؛ لأن حفظ الحياة أعظم في نظر الشرع من رعاية المحرمات ~~المذكورات. # PageV01P093 # المثال الثاني: إذا اضطر إلى أكل مال الغير أكله، لأن حرمة مال الغير أخف ~~من حرمة النفس، وفوات النفس أعظم من إتلاف مال الغير ببدل، وهذا من قاعدة ~~الجمع بين إحدى المصلحتين وبذل المصلحة الأخرى، وهو كثير في الشرع وله ~~أمثلة: أحدها إذا وجد عادم الماء ما يكفيه لطهارة الحدث أو الخبث، فإنه ~~يطهر به الخبث ويتيمم عن الحدث. # المثال الثالث: إذا وجد المحرم ما يكفيه لطهارة الحدث أو لغسل الطيب ~~العالق به، فإنه يغسل به الطيب تحصيلا لمصلحة التنزه منه في حال الإحرام، ~~ويتيمم عن الحدث، تحصيلا لمصلحة بدل طهارة الحدث، ولو عكس لفاتت إحدى ~~المصلحتين من غير بدل. # المثال الرابع: إذا عتق بعض عبد سرى العتق إلى نصيب شريكه تحصيلا لمصلحة ~~تكميل العتق، وتجب القيمة تحصيلا لبدل ملك شريكه. # المثال الخامس: إذا عتق الواقف أو الموقوف عليه ثم قلنا لا ملك له لم ~~ينفذ عتقه، وإن ملكناه فإن كان المعتق هو الواقف كان إعتاقه كإعتاق الراهن. # وإن كان المعتق هو الموقوف عليه نفذ إعتاقه على الأصح تحصيلا لمصلحة ~~تكميل العتق، ويلزم قيمة نصيب شريكه ليشتري بها ما يوقف بدله تحصيلا لمصلحة ~~بدل الوقف، فكان تحصيل إحدى المصلحتين في هذه المسائل مع بدل الأخرى، أولى ~~من تحصيل ms073 إحدى المصلحتين وتعطيل بدل الأخرى. # وكذلك لو اضطر إلى أكل النجاسات وجب عليه أكلها، لأن مفسدة فوات النفس ~~والأعضاء أعظم من مفسدة أكل النجاسات. # PageV01P094 # المثال السادس: إذا وجد المضطر إنسانا ميتا أكل لحمه لأن المفسدة في أكل ~~لحم ميت الإنسان، أقل من المفسدة في فوت حياة الإنسان. # المثال السابع: لو وجد المضطر من يحل قتله كالحربي والزاني المحصن وقاطع ~~الطريق الذي تحتم قتله واللائط والمصر، على ترك الصلاة، جاز له ذبحهم ~~وأكلهم إذا لا حرمة لحياتهم لأنها مستحقة الإزالة، فكانت المفسدة في زوالها ~~أقل من المفسدة في فوات حياة المعصوم، ولك أن تقول في هذا وما شابهه جاز ~~ذلك تحصلا لأعلى المصلحتين أو دفعا لأعظم المفسدتين. فتقول: جاز التداوي ~~بالنجاسات إذا لم يجد طاهرا يقوم مقامها، لأن مصلحة العافية والسلامة أكمل ~~من مصلحة اجتناب النجاسة، ولا يجوز التداوي بالخمر على الأصح إلا إذا علم ~~أن الشفاء يحصل بها، ولم يجد دواء غيرها، ومثله قطع السلعة التي يخشى على ~~النفس من بقائها. # فإن قيل. قد أجزتم قلع الضرس إذا اشتد ألمه ولم تجوزوا قطع العضو إذا ~~اشتد ألمه؟ قلنا الفرق بينهما من وجهين أحدهما: أن قطع العضو مفوت لأصل ~~الانتفاع به، وقلع الضرس مفوت لتكميل الانتفاع فإن غيره من الأضراس ~~والأسنان يقوم مقامه. # والثاني: أن قلع الضرس لا سراية له إلى الروح بخلاف قطع العضو. # فإن قيل: لم التزم في صلح الحديبية إدخال الضيم على المسلمين وإعطاء ~~الدنية في الدين؟ قلنا: التزم ذلك دفعا لمفاسد عظيمة وهي قتل المؤمنين ~~والمؤمنات الذين كانوا بمكة لا يعرفهم أهل الحديبية وفي قتلهم معرة عظيمة ~~على المؤمنين، فاقتضت المصلحة إيقاع الصلح على أن يرد إلى الكفار من جاء ~~منهم إلى المؤمنين وذلك أهون من قتل المؤمنين الخاملين، مع أن الله # PageV01P095 # عز وجل علم أن في تأخير القتال مصلحة عظيمة وهي إسلام جماعة من الكافرين ~~وكذلك قال: {ليدخل الله في رحمته من يشاء} [الفتح: 25] أي في ملته التي هي ~~أفضل رحمته وكذلك قال: {لو تزيلوا لعذبنا ms074 الذين كفروا} [الفتح: 25] أي لو ~~تفرق بين المؤمنين والكافرين وتميز بعضهم من بعض لعذبنا الذين كفروا بالقتل ~~والسبي منهم عذابا أليما. # ولتساوي المفاسد أمثلة: أحدها إذا وقع رجل على طفل من بين الأطفال إن ~~أقام على أحدهم قتله، وإن انفتل إلى آخر من جيرانه قتله، فقد قيل ليس في ~~هذه المسألة حكم شرعي وهي باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها ~~ولم ترد الشريعة بالتخيير بين هاتين المفسدتين، فلو كان بعضهم مسلما وبعضهم ~~كافرا فهل يلزمه الانفتال إلى الكافر، لأن قتله أخف مفسدة من قتل الطفل ~~المحكوم بإسلامه؟ فالأظهر عندي أنه يلزمه لأنا نجوز قتل أولاد الكفار عند ~~التترس بهم حيث لا يجوز مثل ذلك في أطفال المسلمين. # المثال الثاني: إذا اغتلم البحر بحيث علم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون ~~إلا بتغريق شطر الركبان لتخف بهم السفينة، فلا يجوز إلقاء أحد منهم في ~~البحر بقرعة ولا بغير قرعة، لأنهم مستوون في العصمة، وقتل من لا ذنب له ~~محرم، ولو كان في السفينة مال أو حيوان محترم لوجب إلقاء المال ثم الحيوان ~~المحترم. لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات المحترمة أخف من المفسدة ~~في فوات أرواح الناس. # المثال الثالث: إذا أكره إنسان على إفساد درهم من درهمين لرجل أو رجلين ~~تخير في إفساد أيهما شاء. # PageV01P096 # المثال الرابع: لو أكره بالقتل على إتلاف حيوان محترم من حيوانين يتخير ~~بينهما. # المثال الخامس: لو أكره على شرب قدح خمر من قدحين تخير أيضا. # المثال السادس: لو وجد حربيين في المخمصة فإن تساويا تخير في أكل أيهما ~~شاء وإن، تفاوتا بأن كان أحدهما أجنبيا والآخر أبا أو ابنا أو أما أو جده ~~كره أن يأكل قريبه ويدع الأجنبي، كما يكره أن يقتله في الجهاد، ولو وجد ~~صبيا أو مجنونا مع بالغ كافر أكل الكافر بعد ذبحه وكف عن الصبي والمجنون ~~لما في أكلهما من إضاعة ماليتهما على المسلمين، ولأن الكافر الحقيقي أقبح ~~من الكافر الحكمي. # المثال السابع: لو وجد كافرين قويين أيدين في حال ms075 المبارزة تخير في قتل ~~أيهما شاء، إلا أن يكون أحدهما أعرف بمكايد القتال والحروب، وأضر على أهل ~~الإسلام، فإنه يقدم قتله على قتل الآخر لعظم مفسدة بقائه، بل لو كان ضعيفا ~~وهو أعرف بمكايد الحروب والقتال، قدم قتله على قتل القوي، لما في إبقائه من ~~عموم المفسدة. # المثال الثامن: لو قصد المسلمين عدوان، أحدهما من المشرق والآخر من ~~المغرب، فتعذر دفعهما جميعا، دفعنا أضرهما أو أكثرهما عددا ونجدة ونكاية في ~~أهل الإسلام، إلا أن تكون الضعيفة أقرب إلينا من القوية ونتمكن من دفعهما ~~قبل أن تغشانا الفئة القوية فنبدأ بها، ولو تكافأ العدوان من كل وجه من ~~القرب والبعد وغيرهما تخيرنا في ذلك عند تعذر الجمع. # PageV01P097 ### | [فصل في اجتماع المصالح مع المفاسد] # إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك ~~امتثالا لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} [التغابن: 16] ، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم ~~من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: ~~{يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من ~~نفعهما} [البقرة: 219] . حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما. # أما منفعة الخمر فبالتجارة ونحوها، وأما منفعة الميسر فبما يأخذه القامر ~~من المقمور. # وأما مفسدة الخمر فبإزالتها العقول، وما تحدثه من العداوة والبغضاء، ~~والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. # وأما مفسدة القمار فبإيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة، وهذه مفاسد عظيمة لا نسبة إلى المنافع المذكورة إليها. وإن كانت ~~المصلحة أعظم من المفسدة حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة، وإن استوت ~~المصالح والمفاسد فقد يتخير بينهما وقد يتوقف فيهما، وقد يقع الاختلاف في ~~تفاوت المفاسد. # فنبدأ بأمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد من رجحان مصالحهما ~~على مفاسدهما وهذه المصالح أقسام: أحدهما ما يباح. # والثاني: ما يجب لعظم مصلحته، والثالث ما يستحب لزيادة مصلحته على مصلحة ~~المباح، والرابع مختلف فيه. # المثال الأول: التلفظ بكلمة الكفر مفسدة محرمة لكنه جائز بالحكاية ~~والإكراه، إذا ms076 كان قلب المكره مطمئنا بالإيمان، لأن حفظ المهج # PageV01P098 # والأرواح أكمل مصلحة من مفسدة التلفظ بكلمة لا يعتقدها الجنان، ولو صبر ~~عليها لكان أفضل لما فيه من اعتزاز الدين وإجلال رب العالمين، والتغرير ~~بالأرواح في إعزاز الدين جائز، وأبعد من أوجب التلفظ بها. # المثال الثاني: ما يكفر به من الأفعال المناقضة للتعظيم والإجلال إذا ~~فعله بالإكراه، ولا يتصور الإكراه على الكفر بالجنان، ولا على جحد ما يجب ~~الإيمان به؛ إذ لا اطلاع للمكره على ما يشتمل عليه الجنان من كفر وإيمان ~~وجحد وعرفان. # المثال الثالث: استعمال الماء المشمس مفسدة مكروهة، فإن لم يجد غيره وجب ~~استعماله لأن تحصيل مصلحة الواجب، أولى من دفع مفسدة المكروه، لأن تحمل ~~مشقة المكروه، أولى من تحمل مفسدة تفويت الواجب. فإن قيل هلا حرمتم استعمال ~~الماء المشمس لما فيه من الأضرار بإفساد الأجساد، والرب سبحانه وتعالى لا ~~يحب الفساد ولا أهل الفساد؟ قلنا أسباب الضرر أقسام: - أحدها ما لا يختلف ~~مسببه عنه، إلا أن يقع معجزة لنبي أو كرامة لولي؛ كالإلقاء في النار وشرب ~~السموم المذففة، والأسباب الموجبة، فهذا ما لا يجوز الإقدام عليه في حال ~~اختيار ولا في حال إكراه؛ إذ لا يجوز للإنسان قتل نفسه بالإكراه، ولو أصابه ~~مرض لا يطيقه لفرط ألمه لم يجز قتل نفسه، كما لا يجوز الإقدام على الزنا ~~واللواط بشيء من أسباب الإكراه، ولو وقع بركبان السفينة نار لا يرجى الخلاص ~~منها فعجزوا عن الصبر على تحملها مع العلم بأنه لا نجاة لهم من آلامها إلا ~~بالإلقاء في الماء المغرق؛ فالأصح أنه لا يلزمهم الصبر على ذلك، إذ استوت ~~مدتا الحياة في الإحراق والإغراق، لأن إقامتهم في النار سبب مهلك لا انفكاك ~~عنه. # وكذلك إغراق أنفسهم في الماء لا انفكاك عنه، وإنما يجب الصبر على شدة ~~الآلام إذا تضمن الصبر على شدتها بقاء الحياة، # PageV01P099 # وههنا لا يفيد الصبر على ألم النار شيئا من الحياة فتبقى مفسدة لا فائدة ~~لها. # القسم الثاني: ما يغلب ترتب مسببه عليه وقد ينفك عنه ms077 نادرا فهذا أيضا لا ~~يجوز الإقدام عليه؛ لأن الشرع أقام الظن مقام العلم في أكبر الأحوال. # القسم الثالث: ما لا يترتب مسببه إلا نادرا، فهذا لا يحرم الإقدام عليه ~~لغلبة السلامة من أذيته وهذا كالماء المشمس في الأواني المعدنية في البلاد ~~الحارة، فإنه يكره استعماله مع وجدان غيره، خوفا من وقوع نادر ضرره، فإن لم ~~يجد غيره تعين استعماله لغلبة السلامة من شره؛ إذ لا يجوز تعطيل المصالح ~~الغالبة لوقوع المفاسد النادرة، ومن وقف الكراهة على استعمال فيه على قصد ~~استعماله فقد غلط، لأن ما يؤثر بطبعه الذي جبله الله عليه لا يقف تأثيره ~~على قصد القاصدين؛ فإن الخبز يشبع، والماء يروي، والسقمونيا تسهل، والسم ~~يقتل، والفروة تدفئ، ولا يقف شيء من ذلك على قصد القاصدين. # المثال الرابع: من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان ~~مصالحها على مفاسدها الصلاة مع الأحداث الثلاثة، مفسدة يجب اتقاؤها عند ~~الإمكان، فإن تعذر اتقاؤها فللمكلف حالان: إحداهما: أن يتمكن من إبدالها ~~بالتيمم فيجب جبرا لما فات من مصالحها عند تعذرها. # الحالة الثانية: أن يعجز عن بدلها فالأصح أنه يصلي على حسب حاله؛ لأن ~~المصالح الحاصلة من مقاصد الصلاة، أكمل من المفسدة الحاصلة من استصحاب ~~الأحداث في الصلاة. # PageV01P100 # المثال الخامس: الصلاة مع الأنجاس مفسدة يجب اتقاؤها في الصلاة لأن ~~المصلي جليس الرب مناج له، فمن إجلال الرب ألا يناجى إلا على أشرف الأحوال، ~~فإن شق الاجتناب بعذر غالب كفضلة الاستجمار ودم البراغيث وطين الشوارع ودم ~~القروح والبثرات جازت صلاته رفقا بالعباد، وإن تعذر الاجتناب بحيث لا تمكن ~~الطهارة صحت الصلاة على الأصح، لأن تحصيل مقاصد الصلاة العظمى أولى من ~~رعاية الطهارة التي هي بمثابة التتمات والتكملات، وقد اختلف العلماء في ~~اشتراطها في الصلاة. # المثال السادس: الصلاة مع تجدد الحدث والخبث مفسدة محرمة، فإن تعذرت ~~الطهارة من أحدهما وشقت من الآخر كصلاة المستحاضة، ومن به سلس البول والمذي ~~والودي وذرب المعدة، جازت الصلاة معها؛ لأن رعاية مقاصد الصلاة أولى من ~~تحصيل مصلحة الطهارتين، أو ms078 من دفع مفسدة الحدث والخبث. # المثال السابع: الصلاة إلى غير القبلة مفسدة محرمة، فإن تعذر استقبال ~~القبلة بصلب أو عجز أو إكراه، وجب الصلاة على الأصح إلى الجهة التي حول ~~وجهه إليها لئلا تفوت مقاصد الصلاة وسائر شرائطها بفوات شرط من شرائطها لا ~~نسبة لمصلحته إلى شيء من مصالح مقاصدها، وإن اشتد الخوف بحيث لا يتمكن ~~الغازي من استقبال القبلة سقط استقبالها وصار استقبال جهة المقاتل بدلا من ~~القبلة، وهذا جمع بين مصلحتي الجهاد والصلاة. # وكذلك السفر المباح يصير صوبه بدلا من جهة القبلة في حق المتنفل، لما ~~ذكرناه من أن تحصيل مقاصد الصلاة أولى من رعاية شرط من شروطها، ولو منعنا ~~التنفل في الأسفار لامتنع أكثر الناس من التنفل في السفر ولامتنع الأبرار ~~من الأسفار حرصا على إقامة النافلة. # PageV01P101 # المثال الثامن: صلاة العريان مفسدة محرمة لما فيها من قبح الهيئة لا لأن ~~المصلي مستتر من ربه، فمن عدم السترة صلى عريانا على الأصح؛ لئلا تفوت ~~مقاصد الصلاة حفظا للسترة التي اختلف العلماء في اشتراطها في الصلاة، وهي ~~من التوابع. # المثال التاسع: نبش الأموات مفسدة محرمة، لما فيه من انتهاك حرمتهم، لكنه ~~واجب إذا دفنوا بغير غسل أو وجهوا إلى غير القبلة؛ لأن مصلحة غسلهم ~~وتوجيههم إلى القبلة أعظم من توقيرهم بترك نبشهم، فإن جيفوا وسال صديدهم لم ~~ينبشوا لإفراط قبح نبشهم، ولو ابتلعوا جواهر مغصوبة شقت أجوافهم، فإن كانت ~~الجواهر لمستقل فالأولى ألا يستخرجها إلى أن تتجرد عظامهم عن لحومهم حفظا ~~لحرمتهم، وإن كانت لغير مستقل كالمحجور عليه وأموال المصالح والأوقاف ~~العامة استخرجها حفظا على المحجور عليه وصرفا لها في جهات استحقاقها، وإن ~~دفنوا في أرض مغصوبة جاز نقلهم، لأن حرمة مال الحي آكد من حرمة الميت، ~~والأولى بمالك الأرض ألا ينقلهم، فإن أبى فالأولى أن يتركهم إلى أن تتجرد ~~عظامهم عن لحومهم وتتفرق أوصالهم. # وكذلك شق جوف المرأة على الجنين المرجو حياته، لأن حفظ حياته أعظم مصلحة ~~من مفسدة انتهاك حرمة أمه، وإذا اختلط قتلى الكافرين بقتلى المسلمين ms079 وجب ~~تغسيل الجميع وتكفينهم وحملهم، نظرا لإقامة مصلحة ذلك في حق المسلمين، ولا ~~يصلى على الجميع، بل ينوى الصلاة على المسلمين خاصة، فتجهيز المسلمين مصلحة ~~مقصودة، وتجهيز الكافرين وسيلة إلى تحصيل المصلحة المقصودة للمسلمين. # المثال العاشر: ذبح الحيوان المأكول للتغذية مفسدة في حق الحيوان # PageV01P102 # لكنه جاز تقديما لمصلحة بقاء الإنسان على مصلحة بقاء الحيوان. # وكذلك ذبح من يباح دمه من المسلمين والكفار كالزاني المحصن، ومن تحتم ~~قتله في قطع الطريق، والمصر على ترك الصلاة، جائز في حال الاضطرار، حفظا ~~لحياة الإنسان المعصوم الواجبة الحفظ، والإبقاء بإزالة حياة واجبة الإزالة ~~والإفناء. # المثال الحادي عشر: قتل الصيد الوحشي المأكول بغير الذبح مفسدة محرمة، ~~لكنه جاز بالحرج عند تعذر الذبح لمصلحة تغذية الأجساد. # المثال الثاني عشر: ذبح صيد الحرم، أو الصيد في الإحرام مفسدة محرمة، ~~لكنه جائز في حال الضرورة، تقديما لحرمة الإنسان على حرمة الحيوان، وهذا من ~~باب تقديم حق العبد على حق الرب. # وكذلك أكل أموال المسلمين بغير إذن منهم مفسدة، لكنه جائز عند الضرورات ~~ومسيس الحاجات. # وكذلك جواز أكل النجاسات والميتات من الناس والخنازير والضباع والسباع ~~للضرورة، وهذا من المصالح الواجبات، لأن حفظ الأرواح أكمل مصلحة من اجتناب ~~النجاسات، ولو وجد المضطر المحرم صيدا وميتة وطعام أجنبي، فهل يتخير، أو ~~يتعين أكل الميتة أو الصيد أو مال الغير، فيه اختلاف، مأخذه أي هذه المفاسد ~~أخف وأيها أعظم. # المثال الثالث عشر: ترك الصلاة وصوم رمضان وتأخير الزكاة وحقوق الناس ~~الواجبات من غير عذر شرعي مفسدة محرمة، لكنه جائز بالإكراه؛ فإن حفظ النفوس ~~أولى مما يترك بالإكراه، مع أن تداركه ممكن، فيكون جمعا بين هذه الحقوق ~~وبين حفظ الأرواح. # المثال الرابع عشر: الخمر مفسدة محرمة، لكنه جائز بالإكراه لأن # PageV01P103 # حفظ النفوس والأطراف أولى من حفظ العقول في زمن قليل، ولأن فوات النفوس ~~والأطراف دائم، وزوال العقول يرتفع عن قريب بالصحو. # المثال الخامس عشر: شهادة الزور مفسدة كبيرة فإن أكره عليها بالقتل أو ~~بما يؤدي إلى القتل كقطع عضو، فإن كان المشهود به ms080 يتضمن قتل نفس معصومة أو ~~زنا أو لواطا لم يجز، لقبح الكذب وقبح التسبب إلى القتل والزنا واللواط، ~~وإن كانت الشهادة بغير ذلك جازت لأن حرمة نفس الشاهد أعظم من حرمة ما أكره ~~على الشهادة به، والإكراه على الحكم كالإكراه على شهادة الزور. # المثال السادس عشر: هجرة المسلم محرمة لما فيها من المفسدة، لكنها جازت ~~في ثلاثة أيام دفعا للمشقة عن المحرج الغضبان. # المثال السابع عشر: الحجر على المرء المستقل في تصرفه في منافع نفسه ~~مفسدة، لكنه ثبت على النساء في النكاح دفعا لمشقة مباشرته عنهن، فإن المرأة ~~تستحي ويشتد خجلها من العقد على نفسها أو غيرها ولا سيما المستحيات ~~الخضرات. # وكذلك إجبار النساء على النكاح مفسدة، لأنه أحد الرقين، لكنه جاز في حق ~~الأبكار الأصاغر، لما فيه من المبادرة إلى تحصيل الأكفاء، إذ لا يتفق حصول ~~الأكفاء في جميع الأوقات. # المثال الثامن عشر: الحجر على المرضى فيما زاد على الثلث مفسدة في # PageV01P104 # حقهم، لكنه ثبت، نظرا لمصلحة الورثة في سلامة الثلثين لهم، كما ثبت تقديم ~~حقه في الثلث على حقوقهم. # المثال التاسع عشر: الحجر على المفلس مفسدة في حقه لكنه ثبت تقديما ~~لمصلحة الغرماء على مفسدة الحجر، وإن شئت قلت تقديما لمصلحة غرمائه على ~~مصلحته في الإطلاق، بخلاف الإنفاق عليه وعلى أهله إلى يوم قضاء الدين، فإن ~~مصلحته بالكسوة والإنفاق ومصلحة من يلزمه مصلحته مقدمة على مصالح غرمائه. ~~فإن قيل: كيف يكون الحجر عليه مفسدة في حقه مع ما فيه من إبراء ذمته الذي ~~هو مهم في الشرع والطبع؟ قلنا: المقصود الأعظم توفير الحقوق للغرماء وبراءة ~~ذمته تبعا لذلك، وأما حجر التبذير فإنه واجب لرجحان مصلحة الحجر على مفسدة ~~الإطلاق، والحجر على الصبيان والمجانين مصلحة محضة لا تعارضها مفسدة، إذ لا ~~يأتي منهم التصرف. # وفي الحجر على الصبي المميز في البيع ونحوه اختلاف بين العلماء. # وكذلك الحجر على السفيه ثابت لمصلحته، لأن إطلاقه مفسدة في حقه، لكنه ~~تجوز وصيته لأنها مصلحة في حقه لا تعارضها مفسدة. # وكذلك وصية الصبي ms081 المميز على القول المختار، فإنها مصلحة له في أخراه لا ~~تعارضها مفسدة في دنياه ولا في أخراه. # المثال العشرون: الحجر على العبيد مفسدة في حقهم مصلحة في حق السادة، ~~لشرف الحرية. # المثال الحادي والعشرون: بيع العبد في جنايته مفسدة في حق السيد مصلحة في ~~حق المجني عليه، وقد خالف فيها بعض أهل الظاهر، وخلافهم ظاهر. # PageV01P105 # المثال الثاني والعشرون: وضع اليد بغير إذن المالك مفسدة موجبة للضمان، ~~إلا في حق الحكام ونواب الحكام، إذا غلطوا بذلك في معرض التصرف بالأحكام، ~~أو النيابة عن الحكام. لأن التغريم يكثر ويشق عليهم ويزهدهم في ولاية ~~الأموال، ويجوز التقاط الأموال لمصالح أربابها. # وكذلك أخذ الحكام إياها لحفظها، وهذا واجب على الحكام. # وكذلك الأمانة الشرعية، مثل من طيرت إليه الريح ثوبا. والالتقاط محبوب أو ~~واجب فيه اختلاف، والالتقاط للتعريف والتملك جائز لمصلحة المالك والملتقط، ~~وظفر المستحق بجنس حقه وبغير جنسه عند تعذر أخذه ممن هو عليه جائز، وهذا من ~~المصالح المباحة إلا في حق المجانين والأيتام والأموال العامة لأهل ~~الإسلام. # المثال الثالث والعشرون: إتلاف مال الغير مفسدة في حقه مضمون ببذله، إلا ~~في قتال البغاة والصوال والممتنعين من أداء الحقوق بالقتال # المثال الرابع والعشرون: القتل بغير حق مع الجهل بكونه مستحق مفسدة موجبة ~~للضمان على القاتل أو على عاقلته، إلا أن يكون جلادا، لما في تغريمه من ~~تكرر الغرم الداعي إلى ترك القيام بمصلحة إقامة الحدود والقصاص. # المثال الخامس والعشرون: قتل المسلم مفسدة محرمة، لكنه يجوز بالزنا بغير ~~الإحصان، وبقطع الطريق والبغي والصيال. # المثال السادس والعشرون: تقديم عاقلة الحاكم الدية فيما يخطئ به الحاكم ~~في معرض الأحكام، ومصالح الإسلام مضرة على عاقلته، فتجب على بيت المال دون ~~العاقلة على قول، لما في تغريم عاقلته من تكرير تحميل العقل وكذلك ما يفسده ~~الإمام ويفوته من الأموال بسبب تصرفاته لأهل الإسلام، هل يغرمه أو يجب في ~~بيت المال؟ فيه القولان. # PageV01P106 # المثال السابع والعشرون: تصحيح ولاية الفاسق مفسدة، لما يغلب عليه من ~~الخيانة في الولاية، لكنها صححناها في حق ms082 الإمام الفاسق والحاكم الفاسق؛ ~~لما في إبطال ولايتهما من تفويت المصالح العامة، ونحن لا ننفذ من تصرفاتهم ~~إلا ما ينفذ من تصرف الأئمة المقسطين والحكام العادلين، فلا نبطل تصرفه في ~~المصالح لأجل تصرفه في المفاسد، إذ لا يترك الحق المقدور عليه لأجل الباطل، ~~والذي أراه في ذلك أنا نصحح تصرفهم الموافق للحق مع عدم ولايتهم لضرورة ~~الرعية، كما نصحح تصرفات إمام البغاة مع عدم أمانته؛ لأن ما ثبت للضرورة ~~تقدر بقدرها، والضرورة في خصوص تصرفاته، فلا نحكم بصحة الولاية فيما عدا ~~ذلك، بخلاف الإمام العادل فإن ولايته قائمة في كل ما هو مفوض إلى الأئمة. # المثال الثامن والعشرون: تولي الآحاد لما يختص بالأئمة مفسدة، لكنه يجوز ~~في الأموال إذا كان الإمام جائرا يضع الحق في غير مستحقه، فيجوز لمن ظفر ~~بشيء من ذلك الحق أن يدفعه إلى مستحقيه تحصيلا لمصلحة ذلك الحق الذي لو دفع ~~إلى الإمام الجائر لضاع، ولكان دفعه إليه إعانة على العصيان، وقد قال الله ~~تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] . # المثال التاسع والعشرون: نكاح الأحرار الإماء مفسدة محرمة، لما فيه من ~~تعريض الأولاد للإرقاق، لكنه جائز عند خوف العنت وفقد الطول، دفعا لمفسدة ~~وقوع التائق في الزنا الموجب في الدنيا للعار وفي الآخرة لعذاب النار. فإن ~~قيل: كيف يحرم تحصيل مصلحة ناجزة محققة لتوقع مفسدة ممهلة؟ قلنا لما غلب ~~وقوع هذه المفسدة جعل الشرع المتوقع كالواقع، فإن العلوق غالب كثير، والشرع ~~قد يحتاط لما يكثر وقوعه احتياطه لما تحقق وقوعه. # PageV01P107 # ألا ترى أن من أثبت أن أباه مات فإنه يلزمه حصر الورثة فيه، وإن أثبت نفي ~~الزوجات والآباء والأمهات لم ينفعه الإثبات، وإن كان الأصل عدم من سوى ~~الأصول والزوجات، وذلك احتياط لما يتوهم وجوده من الورثة. فإن قيل لو طلب ~~هذا الأمين من التركة درهما واحدا وهي عشرة آلاف، فهل يدفع إليه شيء قبل ~~الحصر أم لا؟ قلنا نعم يدفع إليه ما يقطع بأنه يستحقه إذا كان عدد الورثة ~~لا ينتهي إلى مثل عدد ms083 التركة في العادة، كما يدفع إلى ذوي الفروض فروضهم ~~عائلة، إذ من المحال في العادة أن ينتهي عدد الورثة إلى ألف أو ألفين فما ~~النظر بعشرة الآلاف. فإن قيل: إذا تزوج الأمة حر مجبوب الذكر والأنثيين ~~فليجز ذلك مع أمن العنت ووجدان الطول إذ لا يتوقع له ولد فيرق؟ قلت: إن ~~ألحقنا به النسب جاز كغير المجبوب وإن لم يلحق به النسب فالذي أراه جواز ~~ذلك إذ لا مانع منه. # المثال الثلاثون: تزوج الضرات بعقد أو عقود مفسدة؛ لما فيه من الإضرار ~~بالزوجات، لكنه جاز أن تضر كل واحدة منهن بثلاث نظرا لمصالح الرجال وتحصيلا ~~لمقاصد النكاح، فإن خيف من الجور عليهن استحب الاقتصار على واحدة أو سرية، ~~دفعا لما يتوقع من مفسدة الجور، وحرمت الزيادة على الأربع نظرا للنساء ~~ودفعا لمظان جور الرجال على الأزواج، كما جاز كسر المرأة بثلاث طلقات ولم ~~تجز الزيادة عليها نظرا لمصالح النساء وزجرا للرجال عن تكثير مفسدة الطلاق. # PageV01P108 # المثال الحادي والثلاثون: التقرير على الأنكحة الفاسدة مفسدة إلا في ~~تقرير الكفار على الأنكحة الفاسدة إذا أسلموا، فإنه واجب، لأنا لو أفسدناها ~~لزهد الكفار في الإسلام خوفا من بطلان أنكحتهم فتقاعدوا عن الإسلام، ~~والترغيب في الإسلام بتقريرهم على أنكحتهم أولى من التنفير من الإسلام ~~بإفساد أنكحتهم، إذ لا مفسدة أقبح من تفويت الإسلام والسعي في تفويته. # وكذلك لا يقتص منهم بمن قتلوه من المسلمين ولا يغرمون ما أتلفوا على ~~المسلمين من الأموال؛ لأنا لو ألزمناهم ذلك لتقاعدوا عن الإسلام. # المثال الثاني والثلاثون: التقرير على الكفر مفسدة عظيمة لأنه أعظم ~~المفاسد وفي تقرير المرتد ثلاثة أيام قولان. أحدهما: لا يقرر لوجوب إزالة ~~المفاسد على الفور والكفر من أعظم المفاسد. # والثاني: يقرر نظرا له كما تجوز مصالحة أهل الحرب على التقرير أربعة أشهر ~~ولا تجوز الزيادة عليها، لما في ذلك من تقرير أعظم المفاسد وأنكر المنكرات. ~~فإن خيف على أهل الإسلام جاز التقرير بالصلح عشر سنين رعاية لمصالح ~~المسلمين، وتوقعا في هذه المدة لإسلام بعض الكافرين. وقد ms084 صالح رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أهل مكة عشر سنين فدخل منهم خلق كثير في الإسلام، ولا ~~تجوز الزيادة عليها لأن الكفر أنكر المنكرات، فلا يجوز التقرير عليه إلا ~~بقدر ما جاءت به السنة. # وكذلك لا تخلى كل سنة من غزوة، وواجب الإمام القتال على الدوام، ~~والاستمرار عند الإمكان، والذي ذكره ظاهر لأن إزالة المفاسد واجبة عند ~~الإمكان، فما الظن بإزالة أعظم المفاسد وهو الكفر بالملك الديان. فإن قيل: ~~كيف قررتم الكوافر على كفرهن على الدوام؟ قلنا لأنهن قد صرن مالا من أموال ~~المسلمين مع قرب رجوعهن إلى الإسلام. # PageV01P109 # المثال الثالث والثلاثون: وجوب إجارة مستجير الكفار إلى أن يسمع كلام ~~الله، لعله إذا سمعه أن يقبل عليه ويميل إليه. # المثال الرابع والثلاثون: وجوب إجارة رسل الكفار مع كفرهم، لمصلحة ما ~~يتعلق بالرسالة من المصالح الخاصة والعامة. # المثال الخامس والثلاثون: التقرير بالجزية، وهو مختص بأهل الكتابين ~~لإيمانهم بالكتب السماوية التي يوافق أعظم أحكامها أحكام الإسلام فخف كفرهم ~~لإيمانهم بتلك الأحكام، بخلاف من جحدها فإنه كذب الله سبحانه وتعالى في ~~معظم أحكامه وكلامه، فكان كفره أغلظ، بخلاف من آمن بالأكثر وكفر بالأقل، ~~ولا تؤخذ الجزية عوضا عن تقريرهم على الكفر، إذ ليس من إجلال الرب أن تؤخذ ~~الأعواض على التقرير على سبه وشتمه ونسبته إلى ما لا يليق بعظمته، ومن ذهب ~~إلى ذلك فقد أبعد، وإنما الجزية مأخوذة عوضا عن حقن دمائهم وصيانة أموالهم ~~وحرمهم وأطفالهم، مع الذب عنهم إن كانوا في ديارنا، وليست مأخوذة عن سكنى ~~دار الإسلام إذ يجوز عقد الذمة مع تقريرهم في ديارهم. # (فائدة) إن قيل الجزية للأجناد على قول وللمصالح على قول، وقد رأينا ~~جماعة من أهل العلم والصلاح لا يتورعون عنها ولا يخرجون من الخلاف منها مع ~~ظهوره؟ فالجواب أن الجند قد أكلوا من أموال المصالح التي يستحقها أهل العلم ~~والورع وغيرهم ممن يجب تقديمه أكثرها، فيؤخذ من الجزية ما يكون قصاصا ببعض ~~ما أخذوه فأكلوه. # المثال السادس والثلاثون: التقرير على المعاصي كلها مفسدة لكن ms085 يجوز ~~التقرير عليها عند العجز عن إنكارها باليد واللسان، ومن قدر على إنكارها # PageV01P110 # مع الخوف على نفسه كان إنكاره مندوبا إليه ومحثوثا عليه، لأن المخاطرة ~~بالنفوس في إعزاز الدين مأمور بها كما يعذر بها في قتال المشركين، وقتال ~~البغاة المتأولين، وقتال مانعي الحقوق بحيث لا يمكن تخليصها منهم إلا ~~بالقتال وقد قال - عليه السلام -: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» . ~~جعلها أفضل الجهاد لأن قائلها قد جاد بنفسه كل الجود، بخلاف من يلاقي قرنه ~~من القتال، فإنه يجوز أن يقهره ويقتله فلا يكون بذله نفسه مع تجويز ~~سلامتها، كبذل المنكر نفسه مع يأسه من السلامة. # المثال السابع والثلاثون: انهزام المسلمين من الكافرين مفسدة، لكنه جائز ~~إذا زاد الكافرون على ضعف المسلمين مع التقارب في الصفات تخفيفا عنهم لما ~~في ذلك من المشقة، ودفعا لمفسدة غلبة الكافرين لفرط كثرتهم على المسلمين. # وكذلك التحرف للقتال، والتحيز إلى فئة مقاتلة بنية أن يقاتل المتحيز ~~معهم، لأنهما وإن كانا إدبارا إلا أنهما نوع من الإقبال على القتال. # المثال الثامن والثلاثون: قتل الكفار من النساء والمجانين والأطفال ~~مفسدة، لكنه يجوز إذا تترس بهم الكفار بحيث لا يمكن دفعهم إلا بقتلهم. # المثال التاسع والثلاثون: قتل من لا ذنب له من المسلمين مفسدة إلا إذا ~~تترس بهم الكفار وخيف من ذلك اصطلام المسلمين، ففي جواز قتلهم خلاف، لأن ~~قتل عشرة من المسلمين أقل مفسدة من قتل جميع المسلمين. # المثال الأربعون: التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة لكنه واجب إذا علم أنه ~~يقتل من غير نكاية في الكفار، لأن التغرير بالنفوس إنما جاز لما فيه من # PageV01P111 # مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين، فإذا لم تحصل النكاية وجب ~~الانهزام لما في الثبوت من فوات النفوس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل ~~الإسلام وقد صار الثبوت ههنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة. # المثال الحادي والأربعون: الإرقاق مفسدة، ولكنه من آثار الكفر فثبت في ~~نساء الكفار وأطفالهم ومجانينهم، زجرا عن الكفر وتقديما لمصالح المسلمين. # وكذلك إذ اختار الإمام إرقاق المكلفين ms086 من الرجال أما إرقاق الرجال فمن ~~آثار الكفر. # وأما إرقاق النساء والصبيان فليس عقوبة لهم بذنب غيرهم وإنما هو عقوبة ~~بالنسبة إلى الآباء والأمهات، وهي بالنسبة إلى النساء والصبيان مصيبة من ~~مصائب الدنيا، كما يصابون بالأمراض والأسقام من غير إجرام. # المثال الثاني والأربعون: قتل الممتنعين من أداء الحقوق بغير عذر إذا ~~امتنعوا من أدائها بالقتال، دفعا لمفسدة المعصية، وتحصيلا لمصلحة الحقوق ~~التي امتنعوا من أدائها. # المثال الثالث والأربعون: قتل المرتد مفسدة في حقه، لكنه جاز دفعا لمفسدة ~~الكفر. # المثال الرابع والأربعون: الكذب مفسدة محرمة إلا أن يكون فيه جلب مصلحة ~~أو درء مفسدة، فيجوز تارة ويجب أخرى وله أمثلة: أحدها: أن يكذب لزوجته ~~لإصلاحها وحسن عشرتها فيجوز لأن قبح الكذب الذي لا يضر ولا ينفع يسير، فإذا ~~تضمن مصلحة تربو على قبحه أبيح الإقدام عليه تحصيلا لتلك المصلحة. # وكذلك الكذب للإصلاح بين الناس وهو أولى بالجواز لعموم مصلحته. # PageV01P112 # الثاني: أن يختبئ عنده معصوم من ظالم يريد قطع يده فيسأله عنه فيقول ما ~~رأيته فهذا الكذب أفضل من الصدق، لوجوبه من جهة أن مصلحة حفظ العضو أعظم من ~~مصلحة الصدق الذي لا يضر ولا ينفع، فما الظن بالصدق الضار؟ وأولى من ذلك ~~إذا اختبأ عنده معصوم ممن يريد قتله. # الثالث: أن يسأل الظالم القاصد لأخذ الوديعة المستودع عن الوديعة فيجب ~~عليه أن ينكرها، لأن حفظ الودائع واجب وإنكارها ههنا حفظ لها، ولو أخبره ~~بها لضمنها وإنكارها إحسان. # الرابع: أن تختبئ عنده امرأة أو غلام يقصدان بالفاحشة، فيسأله القاصد ~~عنهما فيجب عليه أن ينكرهما الخامس: أن يكره على الشرك الذي هو أقبح الكذب ~~أو على نوع من أنواع الكفر فيجوز له أن يتلفظ به حفظا لنفسه، لأن مفسدة لفظ ~~الشرك من غير اعتقاد، دون مفسدة فوات الأرواح، والتحقيق في هذه الصور ~~وأمثالها أن الكذب يصير مأذونا فيه ويثاب على المصلحة التي تضمنها على قدر ~~رتبة تلك المصلحة من الوجوب في حفظ الأموال والأبضاع والأرواح، ولو صدق في ~~هذه المواطن لأثم إثم المتسبب ms087 إلى تحقيق هذه المفاسد، وتتفاوت الرتب له، ثم ~~التسبب إلى المفاسد بتفاوت رتب تلك المفاسد. # المثال الخامس والأربعون: من ترجيح المصالح على المفاسد: الغيبة مفسدة ~~محرمة، لكنها جائزة إذا تضمنت مصلحة واجبة التحصيل، أو جائزة التحصيل، ولها ~~أحوال: أحدها: أن يشاور في مصاهرة إنسان فذكره بما يكره كما قال «- صلى ~~الله عليه وسلم - لفاطمة بنت قيس لما خطبها أبو جهم ومعاوية: إن أبا جهم ~~ضراب للنساء، وإن معاوية صعلوك لا مال له» فذكرهما بما يكرهانه # PageV01P113 # نصحا لها ودفعا لضيق عيشها مع معاوية وتعريضا لضرب أبي الجهم. فهذا جائز، ~~والذي يظهر لي أنه واجب لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنصح لكل ~~مسلم. # الحالة الثانية: القدح في الرواة واجب، لما فيه من دفع إثبات الشرع بقول ~~من لا يجوز إثبات الشرع به، لما على الناس في ذلك من الضرر في التحريم ~~والتحليل وغيرهما من الأحكام. # وكذلك كل خبر يجوز الشرع الاعتماد عليه والرجوع إليه. الحالة الثالثة: ~~جرح الشهود عند الحكام فيه مفسدة هتك أستارهم، لكنه واجب لأن المصلحة في ~~حفظ الحقوق من الدماء والأموال والأعراض والأبضاع والأنساب وسائر الحقوق ~~أعم وأعظم، فإن علم منه ذنبين أحدهما أكبر من الآخر لم يجز أن يجرحه ~~بالأكبر لأنه مستغنى عنه، وإن استويا تخير ولا يجمع بينهما. # المثال السادس والأربعون: النميمة مفسدة محرمة، لكنها جائزة أو مأمور بها ~~إذا اشتملت على مصلحة للمنموم إليه، مثاله: إذا نقل إلى مسلم أن فلانا عزم ~~على قتله في ليلة كذا وكذا، أو على أخذ ماله في يوم كذا وكذا، أو على ~~التعرض لأهله في وقت كذا وكذا، فهذا جائز بل واجب لأنه توسل إلى دفع هذه ~~المفاسد عن المسلم، وإن شئت قلت لأنه تسبب إلى تحصيل مصالح أضداد هذه ~~المفاسد. ويدل على ذلك كله قوله تعالى: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال ~~يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} [القصص: 20] الآية. # وكذلك ما نقله أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المنافقين. # PageV01P114 # المثال السابع والأربعون: ms088 هتك الأعراض مفسدة كبيرة، لكنه يجوز في الشهادة ~~على الزاني بالزنا لإقامة حد الله تعالى، وعلى القاتل بالقتل لإقامة ~~القصاص، وعلى القاذف بالقذف لإقامة الحد للمقذوف، وعلى الغاصب بالغصب ~~لتغريم الأموال والمنافع. # وكذلك الشهادة على السراق وقطاع الطريق بما صنعوه من أخذ الأموال وإراقة ~~الدماء، لإقامة حقوق الله تعالى وحقوق عباده؛ فهذا كله صدق مضر بالمشهود ~~عليه هاتك لستره، لكنه جاز لما فيه من مصالح إقامة حقوق الله وحقوق عباده. # وكذلك الشهادة بالكفر والسرقة وغير ذلك من المعاصي الموجبة للعقوبات ~~الشرعية والغرامات المالية، كل ذلك صدق مضر بالمشهود عليه نافع للمشهود له. # وكذلك الحكم بما يضر المحكوم عليه وينفع المحكوم له. # وكذلك إقامة الحكام على إقامة هذه الأحكام، وكذلك تولية الولاة الذين ~~يضرون قوما وينفعون آخرين. وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي ~~وقاص: «ولعل الله أن يؤخرك حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرين» . # المثال الثامن والأربعون: كشف العورات والنظر إليها مفسدتان محرمتان على ~~الناظر والمنظور إليه، لما في ذلك من هتك الأستار، ويجوزان لما يتضمنانه من ~~مصلحة الختان أو المداواة أو الشهادات على العيوب أو النظر إلى فرج ~~الزانيين، لإقامة حدود الله، إن كان الناظر أهلا للشهادة بالزنا وكمل ~~العدد، وإن لم يكن كذلك لم يجز لأنه مفسدة لا يبنى عليه مصلحة. # المثال التاسع والأربعون: الرمي بالزنا مفسدة لما فيه من، الإيلام بتحمل ~~العار، لكنه يباح في بعض الصور ويجب في بعضها، لما يتضمنه من المصالح، وله ~~أمثلة. # PageV01P115 # أحدها: قذف الرجل زوجته إذا تحقق زناها شفاء لصدره لما أدخلته عليه من ~~ضرر إفساد فراشه وإرغام غيرته. # الثاني: وجوب قذفها إذا أتت بولد يلحقه في ظاهر الحكم وهو يعلم أنه ليس ~~منه، فيلزمه أن يقذفها لنفيه، لأنه لو ترك نفيه لخالط بناته وأخواته وجميع ~~محارمه، وورثه ولزمته نفقته ولتولى أنكحة بناته إلى غير ذلك من الأحكام ~~المتعلقة بالنسب، فيلزمه نفيه درءا لهذه المفاسد وتحصيلا لأضدادها من ~~المصالح، ولو أتت به خفية بحيث لا يلحق به في الحكم ms089 لم يجب نفيه، والأولى ~~به الستر والكف عن القذف. # الثالث: جرح الشاهد والراوي بالزنا، وهو واجب دفعا عن المشهود عنه، سواء ~~كان المشهود به قليلا أو كثيرا. ### | [فائدة إذا قذف امرأة عند الحاكم] # (فائدة) إذا قذف امرأة عند الحاكم، فإن الحاكم يبعث إليها ليعلمها بقذفه، ~~نصحا لها حتى تعفو أو تستوفي حقها، وهذا ضار بالقاذف نافع للمقذوف، وفي ~~وجوبه اختلاف، والمختار وجوبه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «واغد يا أنيس ~~على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» لم يكن هذا حرصا منه - صلى الله عليه ~~وسلم - على رجمها وإنما كان إعلاما بما يمكن من ثبوت حقها بسبب هتك عرضها. # المثال الخمسون: من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع ~~رجحان مصالحها على مفاسدها، قطع يد السارق إفساد لها، لكنه زاجر حافظ لجميع ~~الأموال، فقدمت مصلحة حفظ الأموال على مفسدة قطع يد السارق. # PageV01P116 # المثال الحادي والخمسون: قطع أعضاء الجاني حفظا لأعضاء الناس. # المثال الثاني والخمسون: جرح الجاني حفظا للسلامة من الجراح # المثال الثالث والخمسون: قتل الجاني مفسدة بتفويت حياته لكنه جاز لما فيه ~~من حفظ حياة الناس على العموم ولذلك قال سبحانه وتعالى: {ولكم في القصاص ~~حياة} [البقرة: 179] . # المثال الرابع والخمسون: التمثيل بالجناة إذا مثلوا بالمجني عليه مفسدة ~~في حقهم، لكنه مصلحة زاجرة عن التمثيل في الجناية. # المثال الخامس والخمسون: حد القاذف صيانة للأعراض. # المثال السادس والخمسون: جلد الزاني ونفيه حفظا للفروج والأنساب ودفعا ~~للعار. # المثال السابع والخمسون: الرجم في حق الزاني الثيب مبالغة في حفظ ما ~~ذكرناه. # المثال الثامن والخمسون: حد الشرب حفظا للعقول عن الطيش والاختلال. # المثال التاسع والخمسون: حدود قطاع الطريق حفظا للنفوس والأطراف ~~والأموال. # المثال الستون: دفع الصول - ولو بالقتل - عن النفوس والأبضاع والأموال. # PageV01P117 # المثال الحادي والستون: التعزيرات دفعا لمفاسد المعاصي والمخالفات وهي ~~إما حفظا لحقوق الله تعالى، أو لحقوق عباده، أو للحقين جميعا. # المثال الثاني والستون: الحبس وهو مفسدة في حق المحبوس، لكنه جاز لمصالح ~~ترجح على مفسدته وهي أنواع: منها حبس الجاني عند غيبة المستحق حفظا ms090 لمحل ~~القصاص، ومنها حبس الممتنع من دفع الحق إلى مستحقه إلجاء إليه وحملا عليه، ~~ومنها حبس التعزير ردعا عن المعاصي، ومنها حبس كل ممتنع من تصرف واجب لا ~~تدخله النيابة: كحبس من أسلم على أختين وامتنع من تعيين إحداهما، والمقر ~~بأحد عينين وامتنع من تعيينها دفعا لمفسدة المبطل بالحق، ومنها حبس من ~~امتنع من أداء حقوق الله التي لا تدخلها النيابة كالممتنع من صيام رمضان ~~فإن قيل: إذا امتنع من أداء درهم واحد مع القدرة على أدائه ومع عجزكم عن ~~دفعه إلى خصمه، فإنكم تخلدون عليه الحبس إلى أن يؤديه. والتخليد هنا في ~~الحبس عذاب كبير على جرم صغير؟ قلنا الأمر كذلك وإنما عاقبنا بعذاب صغير ~~على جرم صغير، فإنه عاص في كل ساعة بامتناعه من أداء الحق، فتقابل كل ساعة ~~من ساعات امتناعه بساعة من ساعات حبسه، وللحاكم زجره وتعزيره إذا لم ينجع ~~الحبس فيه، ويفعل ذلك مرات إلى أن يؤدي الحق إلى مستحقه. # فإن قيل؛ وإذا شهد مستوران ظاهرهما العدالة فلم تحبسون المدعى عليه إلى ~~أن يزكيا، مع أن الأصل براءته مما ادعى عليه؟ وكذلك لم يحولون بين الحق ~~والمدعى عليه بشهادة المستورين؟ قلنا لأن الظن المستفاد # PageV01P118 # من شهادة المستورين أقوى من الظن المستفاد من أصل براءة المدعى عليه من ~~الحق. فإن قيل: لم تحبسون مدعي الإعسار بالحق مع أن الأصل عدم الغنى؟ قلنا ~~له أحوال: أحدها أن نعرف له مالا بمقدار الحق أو أكثر منه، فنحبسه بناء على ~~أن الأصل بقاء ذلك، وقد انتسخ فكرة القديم بالغنى الذي عهدنا. # فإن قيل: إذا طالت المدة وكان ضعيفا عن الكسب فالظاهر أنه ينفق مما ~~عهدناه على نفسه وعياله، فإذا مضت مدة تستوعب نفقتها الغنى الذي عهدناه ~~فينبغي أن لا يحبس لمضارعة هذا الظاهر لاستمرار غناه؟ قلنا جواب هذا السؤال ~~مشكل جدا ولعل الله أن ييسر حله، فإن ما ذكروه ظاهر فيمن قرب عهده بالغنى ~~دون من مضت عليه مدة تستوعب نفقتها أضعاف غناه، مع أن الأصل عدم اكتساب غير ms091 ~~ما في يده، وليس تقدير الإنفاق من كسبه بأولى من تقديره مما في يده. # الحالة الثانية لا يعرف له غنى ولا فقر وفيه مذاهب: أحدها: لا يحبس لأن ~~الأصل فقره فإن الله خلق عباده فقراء لا يملكون شيئا. # والثاني: نحبسه لأن الغالب في الناس أنهم يملكون ما فوق كفايتهم، ~~والفقراء الذين لا يملكون ذلك بالنسبة إلى هؤلاء قليل، وهذا مشكل جدا إذا ~~كان الحق كثيرا عزيزا كالألف والألفين، إذ ليست الغلبة متحققة في الغنى ~~المتسع فكيف نحبس الغريم على عشرة آلاف وليس الغالب في الناس من يملك عشرة ~~آلاف ولا ضابط لمقدار الغالب من ذلك، فكيف # PageV01P119 # يخلد من هذا شأنه في الحبس على ما لا يعرف قدره ولا يمكنه الانفصال منه؟ ~~ويحتمل أن يقال إذا أدى قدرا يخرج به عن الغلبة وجب إطلاقه، وهذا قريب ~~المذهب. # الثالث: إن لزمه الدين باختياره فالقول قوله لأن الغالب في الناس أنهم لا ~~يلتزمون ما لا يقدرون عليه وهذا بعيد، فإن الفقراء يلتزمون الأجور والمهور ~~والأثمان مع عجزهم عنها. الحالة الثالثة من أحوال مدعي الإعسار أن يعهد له ~~مال ناقص عن مقدار الحق الذي لزمه فيحبس عليه وفي حبسه على ما رواه الخلاف ~~المذكور في الحال الثانية إن كان المدعي به نزرا يسيرا، وإن كان كثيرا ففيه ~~قولان: # أحدهما: يطلق الأصل. # والثاني: يفرق بين ما التزمه وبين ما لزمه بغير اختياره ولا يجيء # المذهب الثالث إذ لا غلبة. # الحال الرابعة إن ثبت عسره فلا يجوز حبسه حتى يثبت يساره، لأن الأصل بقاء ~~عسرته، وأنه إن اكتسب شيئا صرفه في نفقته ونفقة من يلزمه نفقته. فإن قيل: ~~تخلدون مجهول الحال في الحبس إلى أن يموت؟ قلنا المختار أنه لا يخلد ويجب ~~على الحاكم أن يبعث عدلين يسألان عن أمره في اليسار والإعسار، فإذا غلب على ~~ظنهما فقره شهدا بذلك ووجب إطلاقه؛ إذ لا يليق بالشريعة السهلة السمحة أن ~~يخلد المسلم في الحبس بظن ضعيف، وإنما يخلد في الحبس من ظهر عناده وإصراره ~~على الباطل إلى ms092 أن يفيء إلى الحق. # وأما المحبوس على القصاص فإنه يخلد في الحبس إلى أن يموت؛ حفظا لحق # PageV01P120 # مستحق القصاص إلى أن يقدم الغائب أو يبلغ الصبي، إذ لا مندوحة عن ذلك إلا ~~بحبسه الذي هو أخف عليه من قتله أو قطع يده. # المثال الثالث والستون: من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد ~~مع رجحان مصالحها على مفاسدها: قتال البغاة دفعا لمفسدة البغي والمخالفة، ~~ولا يشترط في درء المفاسد أن يكون ملابسها أو المتسبب إليها عاصيا. # وكذلك لا يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون المأمور ~~والمنهي عاصيين، بل يشترط فيه أن يكون أحدهما ملابسا لمفسدة واجبة الدفع، ~~والآخر تاركا لمصلحة واجبة التحصيل. ولذلك أمثلة: أحدها أمر الجاهل بمعروف ~~لا يعرف إيجابه. # المثال الثاني: نهيه عن منكر لا يعرف تحريمه. # المثال الثالث: قتال أهل البغي، مع أنه لا إثم عليهم في بغيهم لتأويلهم. # المثال الرابع: ضرب الصبيان على ترك الصلاة والصيام، وغير ذلك من ~~المصالح. فإن قيل: إذا كان الصبي لا يصلحه إلا الضرب المبرح فهل يجوز ضربه ~~تحصيلا لمصلحة تأديبه؟ قلنا لا يجوز ذلك، بل يجوز أن يضربه ضربا غير مبرح؛ ~~لأن الضرب الذي لا يبرح مفسدة، وإنما جاز لكونه وسيلة إلى مصلحة التأديب، ~~فإذا لم يحصل التأديب سقط الضرب الخفيف، كما يسقط الضرب الشديد؛ لأن ~~الوسائل تسقط بسقوط المقاصد. فإن قيل: إذا كان المعزر البالغ لا يرتدع عن ~~معصيته إلا بتعزير مبرح فهل يلحق بالصبي؟ قلنا: لا يلحق به بل نعزره تعزيرا ~~غير مبرح ونحبسه # PageV01P121 # مدة يرجى فيها صلاحه. # وكذلك إذا منعنا من الزيادة على عشرة أسواط في التعزير، وكان ذلك لا يردع ~~المعزر فانضم إليه الحبس مدة يرجى في مثلها حصول الارتداع. # المثال الخامس: قتل الصبيان والمجانين إذا صالوا على الدماء والأبضاع، ~~ولم يمكن دفعهم إلا بقتلهم. # المثال السادس: حد الحنفي على شرب النبيذ، مع الجزم بعدالته، وأنه ليس ~~بعاص، دفعا لمفسدة شرب المسكر. فإن قيل: هلا حددتم بالوطء في النكاح ~~المختلف في صحته، كما حددتم ms093 الحنفي بشرب النبيذ المختلف في حل شربه؟ قلنا: ~~الفرق بينهما أن مفسدة الزنا لا تتحقق في النكاح المختلف فيه؛ فإنه يوجب ~~المهر والعدة، ويلحق النسب، ويثبت حرمة المصاهرة، بخلاف الزنا فإنه يقطع ~~الأنساب، ولا يوجب مهرا ولا عدة، والمفسدة في شرب النبيذ مثلها في شرب ~~الخمر من غير فرق. # المثال السابع: إذا وكل وكيلا في القصاص، ثم عفا ولم يعلم الوكيل، أو ~~أخبره فاسق بالعفو فلم يصدقه، وأراد الاقتصاص، فللفاسق أن يدفعه بالقتل إذا ~~لم يمكن دفعه إلا به دفعا لمفسدة القتل من غير حق. # المثال الثامن: إذا وكل وكيلا في بيع جاريته فباعها، فأراد الموكل وطأها ~~ظنا أن الوكيل لم يبعها، فأخبره المشتري أنه اشتراها، فلم يصدقه، فللمشتري ~~أن يدفعه عنها ولو بالقتل، مع أنه لا إثم عليه دفعا لمفسدة الوطء بغير حق، ~~وإن وطئها في الحال لم يكن زانيا ولا آثما. # المثال التاسع: ضرب البهائم في التعليم والرياضة دفعا لمفسدة الشراس ~~والجماح وكذلك ضربها حملا على الإسراع لمس الحاجة إليه على الكر والفر ~~والقتال. # PageV01P122 # وأما ما رجحت مفسدته على مصلحته فكقطع اليد المتآكلة حفظا للروح إذا كان ~~الغالب السلامة بقطعها. # وأما ما تكافأت فيه المصلحة والمفسدة، فقد يتخير فيه وقد يمتنع كما ~~ذكرناه، وهذا كقطع اليد المتآكلة عند استواء الخوف في قطعها وإبقائها، وكل ~~شيء يمثل به في هذا الكتاب من أمثلة المصالح والمفاسد، فمنه ما هو مجمع ~~عليه وهو الأكثر، ومنه ما هو مختلف فيه. # (فائدة في تنويع العقوبات الشرعية) حدود الشرع: قتل، وجلد، وتغريب ورجم، ~~وقطع أعضاء، وأيد وأرجل، وجرح، وصلب وتعزير بضرب أو حبس أو توبيخ، أو جمع ~~بين بعض ذلك على حسب الصلاح. ### | [فصل في بيان الوسائل إلى المصالح] # يختلف أجر وسائل الطاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها، فالوسيلة إلى ~~المقاصد أفضل من سائر الوسائل، فالتوسل إلى معرفة الله تعالى ومعرفة ذاته ~~وصفاته أفضل من التوسل إلى معرفة أحكامه، والتوسل إلى معرفة أحكامه أفضل من ~~التوسل إلى معرفة آياته، والتوسل بالسعي إلى الجهاد أفضل من ms094 التوسل بالسعي ~~إلى الجمعات، والتوسل بالسعي إلى الجمعات أفضل من التوسل بالسعي إلى ~~الجماعات في الصلوات المكتوبات، والتوسل بالسعي إلى الصلوات المكتوبات أفضل ~~من التوسل بالسعي إلى المندوبات التي شرعت فيها الجماعات كالعيدين ~~والكسوفين، وكلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة، كان أجرها أعظم من ~~أجر ما نقص عنها، فتبليغ رسالات الله من أفضل الوسائل، لأدائه إلى جلب كل ~~صلاح دعت إليه الرسل، وإلى درء كل فاسد زجرت عنه الرسل، والإنذار وسيلة إلى ~~درء مفاسد # PageV01P123 # الكفر والعصيان، والتبشير وسيلة إلى جلب مصالح الطاعة والإيمان. # وكذلك المدح والذم، وكذلك الأمر بالمعروف وسيلة إلى تحصيل ذلك المعروف ~~المأمور به، رتبته في الفضل والثواب مبنية على رتبة مصلحة الفعل المأمور به ~~في باب المصالح، فالأمر بالإيمان أفضل أنواع الأمر بالمعروف. # وكذلك الأمر بالفرائض أفضل من الأمر بالنوافل، والأمر بإماطة الأذى عن ~~الطريق من أدنى مراتب الأمر بالمعروف، قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق» ؛ فمن قدر على الجمع بين الأمر بمعروفين في وقت واحد، لزمه ذلك، ~~لما ذكرناه من وجوب الجمع بين المصلحتين، وإن تعذر الجمع بينهما أمر ~~بأفضلهما؛ لما ذكرناه من تقديم أعلى المصلحتين على أدناهما، مثال الجمع بين ~~الأمر بمعروفين فما زاد، أن يرى جماعة قد تركوا الصلاة المفروضة حتى ضاق ~~وقتها بغير عذر فيقول لهم بكلمة صلوا أو قوموا إلى الصلاة، فإن أمر كل واحد ~~منهم واجب على الفور. # وكذلك تعليم ما يجب تعليمه، وتفهيم ما يجب تفهيمه، يختلف باختلاف رتبه ~~وهذان قسمان: أحدهما: وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه، كتعريف التوحيد وصفات ~~الإله؛ فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد والتوسل إليه من أفضل الوسائل. # القسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة كتعليم أحكام الشرع، فإنه وسيلة إلى ~~العلم بالأحكام التي هي وسيلة إلى إقامه الطاعات، التي هي وسائل إلى ~~المثوبة والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد. # ويدل على فضل التوسل إلى الجهاد قول الله تعالى: {ذلك ms095 بأنهم لا يصيبهم ~~ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ~~ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح} [التوبة: 120] . # PageV01P124 # وإنما أثيبوا على الظمأ والنصب وليسا من فعلهم، لأنهم تسببوا إليهما ~~بسفرهم وسعيهم. وعلى الحقيقة فالتأهب للجهاد بالسفر إليه، وإعداد الكراع ~~والسلاح والخيل، وسيلة إلى الجهاد الذي هو وسيلة إلى إعزاز الدين، وغير ذلك ~~من مقاصد الجهاد، فالمقصود ما شرع الجهاد لأجله، والجهاد وسيلة إليه، ~~وأسباب الجهاد كلها وسائل إلى الجهاد الذي هو وسيلة إلى مقاصده، فالاستعداد ~~له من باب وسائل الوسائل. ويدل على فضل التوسل إلى الجمعات والجماعات قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «من تطهر في بيته، ثم راح إلى بيت من بيوت الله ~~ليقضي فريضة من فروض الله، كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع ~~درجة» . # وتتفاوت الحسنات المكتوبة والسيئات المحطوطة، بتفاوت رتب الصلاة التي ~~يمشي إليها، وقد جاء في التنزيل: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ~~[الأنعام: 160] . # وتتفاوت رتب تلك الأعشار بتفاوت رتب الحسنات في أنفسها، فمن تصدق بتمرة ~~فله عشر حسنات، ومن تصدق ببدرة فله عشر حسنات، لا نسبة لشرف حسنات التمرة ~~إليها. # وكذلك الولايات تختلف رتبها باختلاف ما تجلبه من المصالح وتدرؤه من ~~المفاسد، فالولاية العظمى أفضل من كل ولاية، لعموم جلبها المنافع، ودرئها ~~المفاسد، وتليها ولاية القضاء لأنها أعم من سائر الولايات، والولاية على ~~الجهاد أفضل من الولاية على الحج، لأن فضيلة الجهاد أكمل من فضيلة الحج، ~~وتختلف رتب الولايات بخصوص منافعها وعمومها فيما وراء ذلك من جلب المصالح ~~ودرء المفاسد، ولا شك بأن الوسائل تسقط بسقوط المقاصد فمن فاتته الجمعات ~~والجماعات أو الغزوات سقط عنه السعي إليها، لأنه استفاد الوجوب من وجوبهن. # وكذلك تسقط وسائل المندوبات بسقوطهن لأنها استفادت الندب منهن، فمن نسي ~~صلاة من صلاتين مكتوبتين لزمه قضاؤهما، فيقضي # PageV01P125 # إحداهما: لأنها المفروضة، ويقضي. # الثانية: فإنها وسيلة إلى تحصيل مصلحة المفروضة، فإن ذكر في الثانية أن ~~الأولى هي المفروضة سقط وجوبها بسقوط المتوسل إليه، وهل ms096 تبطل أو تبقى نفلا؟ ~~فيه خلاف مبني على أن من نوى صلاة مخصوصة فلم تحصل له فهل تبطل أو تبقى ~~نفلا؟ فيه قولان، وإن ذكر في الأولى أنها فرضه استمر عليها وسقطت الثانية، ~~وإن ذكر أن فرضه الثانية سقط وجوب الأولى وفي بقائها نفلا خلاف. فإن قيل: ~~كيف صحت النية مع التردد في وجوب كل واحدة من الصلاتين؟ قلنا: صحت لأن ~~الأصل وجوب كل واحدة منهما في ذمته فصحت لذلك نيته، لظنه بقاءها في ذمته، ~~فأشبه من وجبت عليه صلاة معينة فشك في أدائها، فإنها تجزئه مع شكه، لاستناد ~~نيته إلى أن الأصل بقاؤها في ذمته، وقد استثنى في سقوط الوسائل بسقوط ~~المقاصد، أن الناسك الذي لا شعر على رأسه مأمور بإمرار الموسى على رأسه، مع ~~أن إمرار الموسى على رأسه وسيلة إلى إزالة الشعر فيما ظهر لنا، فإن ثبت أن ~~الإمرار مقصود في نفسه لا لكونه وسيلة، كان هذا من قاعدة من أمر بأمرين ~~فقدر على أحدهما وعجز عن الآخر. ### | [فصل في بيان وسائل المفاسد] # يختلف وزن وسائل المخالفات باختلاف رذائل المقاصد ومفاسدها، فالوسيلة إلى ~~أرذل المقاصد أرذل من سائر الوسائل، فالتوسل إلى الجهل بذات الله وصفاته، ~~أرذل من التوسل إلى الجهل بأحكامه، والتوسل إلى القتل أرذل من التوسل إلى ~~الزنا، والتوسل إلى الزنا أقبح من التوسل إلى أكل بالباطل، والإعانة على ~~القتل بالإمساك أقبح من الدلالة عليه، # PageV01P126 # وكذلك مناولة آلة القتل أقبح من الدلالة عليه، والنظر إلى الأجنبية محرم ~~لكونه وسيلة إلى الزنا، والخلوة بها أقبح من النظر إليها، وعناقها في ~~الخلوة أقبح من الخلوة بها، والجلوس بين رجليها بغير حائل أقبح من ذلك كله، ~~لقوة أدائه إلى المفسدة المقصودة بالتحريم. # وهكذا تختلف رتب الوسائل باختلاف قوة أدائها إلى المفاسد، فإن الشهوة ~~تشتد بالعناق بحيث لا تطاق، وليس كذلك النظر، والتفسير أقبح من ذلك كله ~~لقوة أدائه إلى الزنا، وكلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المفسدة كان إثمها ~~أعظم من إثم ما نقص عنها، والبيع الشاغل عن الجمعة ms097 حرام لا لأنه بيع، بل ~~لكونه شاغلا عن الجمعة، فإن رتبت مصلحة التصرف والطاعات على مصلحة الجمعة، ~~قدم ذلك التصرف على الجمعة. لفضل مصلحته على مصلحة أداء الجمعة، فيقدم ~~إنقاذ الغريق، وإطفاء الحريق، على صلاة الجمعة. # وكذلك يقدم الدفع عن النفوس والأبضاع على صلاة الجمعة من غير تخيير بين ~~هذه الواجبات وبين الجمعة، بخلاف الأعذار الخفيفة المسقطة لوجوب الجمعة ~~فإنها تخيير بين الظهر والجمعة. # ولو تصرف ببيع أو هبة أو غير ذلك من التصرفات وهو ذاهب إلى الجمعة تصرفا ~~لا يشغله عن الجمعة لم يحرم ذلك، لخروجه عن كونه وسيلة إلى ترك الجمعة، ~~وكذا النهي عن المنكر وسيلة إلى دفع مفسدة ذلك المنكر المنهي عنه، ورتبته ~~في الفضل والثواب مبنية على رتبة درء مفسدة الفعل المنهي عنه في باب ~~المفاسد، ثم تترتب رتبه على رتب المفاسد إلى أن تنتهي إلى أصغر الصغائر، ~~فالنهي عن الكفر بالله أفضل من كل نهي في باب النهي عن المنكر. فمن قدر على ~~الجمع بين درء أعظم الفعلين مفسدة ودرء أدناهما مفسدة جمع بينهما لما ~~ذكرناه من وجوب الجمع بين ردء المفاسد، مثل أن ينهى عن # PageV01P127 # منكرين متفاوتين أو متساويين فما زاد، بكلمة واحدة. مثال المتفاوتين أن ~~يرى إنسانا يقتل رجلا وآخر يسلب مال إنسان، فيقول لهما كفا عما تصنعان. ~~ومثال المتساويين أن يرى اثنين قد اجتمعا على قتل إنسان أو سلب ماله فيقول ~~لهما كفا عن قتله أو سلبه. # وكذلك يقول للجماعة كفوا عما تصنعون، وإن قدر على دفع المنكرين دفعة ~~واحدة لزمه ذلك، وإن قدر على دفع أحدهما دفع الأفسد فالأفسد، والأرذل ~~فالأرذل سواء قدر على دفع ذلك بيده أو بلسانه، مثل أن يتمكن الغازي من قتل ~~واحد من المشركين بسهم ومن قتل عشرة برمية واحدة تنفذ في جميعهم، فإنه يقدم ~~رمي العشرة على رمي الواحد، إلا أن يكون الواحد بطلا عظيم النكاية في ~~الإسلام، حسن التدبير في الحروب: فيبدأ برميه دفعا لمفسدة بقائه، لأنها ~~أعظم من مفسدة بقاء العشرة. # وكذلك لو قدر ms098 على أن يفتح فوهة نهر على ألف من الكفار لا نجاة لهم منها ~~وقدر على قتل مائة بشيء من آلات القتال لكان فتح فوهة النهر أولى من قتل ~~المائة لما فيه من عظم المصلحة، وإن كان فتح الفوهة أخف من قتل المائة ~~بالسلاح. # وكذلك تتفاوت كراهة المنكر بالقلوب عند العجز عن إنكاره باليد واللسان ~~بتفاوت رتبه، فتكون كراهة الأقبح أعظم من كراهة ما دونه. # فإن علم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن أمره ونهيه لا يجديان ولا ~~يفيدان شيئا، أو غلب على ظنه، سقط الوجوب لأنه وسيلة ويبقى الاستحباب، ~~والوسائل تسقط بسقوط المقاصد، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يدخل إلى ~~المسجد الحرام وفيه الأنصاب والأوثان ولم يكن ينكر ذلك كلما رآه. # وكذلك لم يكن كلما رأى المشركين ينكر عليهم، وكذلك كان السلف لا ينكرون ~~على الفسقة والظلمة فسوقهم وظلمهم وفجورهم، كلما رأوهم، مع علمهم أنه لا ~~يجدي إنكارهم. # PageV01P128 # وقد يكون من الفسقة من إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فيزداد ~~فسوقا إلى فسوقه، وفجورا إلى فجوره، فمن أتى شيئا مختلفا في تحريمه معتقدا ~~تحريمه وجب الإنكار عليه لانتهاك الحرمة، وذلك مثل اللعب بالشطرنج، وإن ~~اعتقد تحليله لم يجز الإنكار عليه إلا أن يكون مأخذ المحلل ضعيفا تنقض ~~الأحكام بمثله لبطلانه في الشرع، إذ لا ينقض إلا لكونه باطلا، وذلك كمن يطأ ~~جارية بالإباحة معتقدا لمذهب عطاء فيجب الإنكار عليه، وإن لم يعتقد تحريما ~~ولا تحليلا أرشد إلى اجتنابه من غير توبيخ ولا إنكار، ولا يخفى أن وسائل ~~المكروه مكروهة، والمندوب مندوبة، والمباح مباحة. # وكذلك ولاية المظالم تختلف باختلاف رتبها في المفاسد فالولاية على القتل ~~والقطع والصلب بغير حق أقبح من الولاية على الضرب بغير حق. # وكذلك الولاية على المكوس وغصب الأموال، وتضمين الخمور والأبضاع، وكذلك ~~الإعانة على إثم وعدوان وفسوق وعصيان، وقد تجوز المعاونة على الإثم ~~والعدوان والفسوق والعصيان لا من جهة كونه معصية، بل من جهة كونه وسيلة إلى ~~مصلحة وله أمثلة منها ما يبذل في ms099 افتكاك الأسارى فإنه حرام على آخذيه مباح ~~لباذليه ومنها أن يريد الظالم قتل إنسان مصادرة على ماله ويغلب على ظنه أنه ~~يقتله إن لم يدفع إليه ماله، فإنه يجب عليه بذل ماله فكاكا لنفسه، ومنها أن ~~يكره امرأة على الزنا ولا يتركها إلا بافتداء بمالها أو بمال غيرها فيلزمها ~~ذلك عند إمكانه. وليس هذا على التحقيق معاونة على الإثم والعدوان والفسوق ~~والعصيان وإنما هو إعانة على درء المفاسد فكانت المعاونة على الإثم ~~والعدوان والفسوق والعصيان فيها تبعا لا مقصودا. # PageV01P129 ### | [فصل اختلاف الآثار باختلاف المفاسد] # يختلف إثم المفاسد باختلافها في الصغر والكبر، وباختلاف ما تفوته من ~~المنافع والمصالح، فيختلف الإثم في قطع الأعضاء وقتل النفوس وإزالة منافع ~~الأعضاء باختلاف المنافع، فليس إثم من قطع الخنصر والبنصر من الرجل كإثم من ~~قطع الخنصر والبنصر من اليد، لما فوته من منافعها الدينية والدنيوية، وسواء ~~قطع ذلك من نفسه أو من غيره، وليس الإثم في قطع الأذن كالإثم في قطع ~~اللسان، لما سنذكره من منافع اللسان إن شاء الله تعالى، وليس من قتل فاسقا ~~ظالما من فساق المسلمين بمثابة من قتل إماما عدلا، أو حاكما مقسطا، أو وليا ~~منصفا، لما فوته على المسلمين من العدل والإنصاف. وعلى هذا حمل بعضهم قوله ~~تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن ~~أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} [المائدة: 32] لما عمت المفسدة في قتل نفس ~~جعل إثمها كإثم من قتل الناس جميعا لما فوته على الناس من مصالح ولما عمت ~~المفسدة في إنقاذ ولاة العدل والإقساط والإنصاف من المهالك، جعل أجر منقذها ~~كأجر منقذ الناس من أسباب الهلاك جميعا لعموم ما سعى فيه من المصالح، وكذلك ~~جناية الإنسان على أعضاء نفسه يتفاوت إثمها بتفاوت منافع ما جنى عليه، ~~وبتفاوت ما فوته على الناس من عدله وإقساطه وبره وإنصافه ونصرته للدين، ~~وليس لأحد أن يتلف ذلك من نفسه، لأن الحق في ذلك كله مشترك بينه وبين ربه، ~~وليس قطع العالم أو الحاكم ms100 أو المفتي أو الإمام الأعظم لسان نفسه كقطع من ~~لا ينتفع بلسانه. # وكذلك قطع البطل الشديد النكاية في الجهاد يد نفسه أو رجل نفسه أعظم من ~~قطع الضعيف # PageV01P130 # الذي لا أثر له في الجهاد يد نفسه أو رجل نفسه، ولا يلزم من تساوي ~~الأعضاء في الأبدال تساوي تفويتها في الآثام. # وكذلك فقء العينين أشد إثما من صلم الأذنين، وكذلك قطع الرجلين أعظم وزرا ~~من قطع أصابعهما، وكذلك قطع الإبهام والسبابة من إحدى اليدين أعظم وزرا من ~~قطع الخنصر والبنصر منهما. والمدار في هذا كله على رتب تفويت المصالح ~~وتحقيق المفاسد. فكل عضو كانت منفعته أتم كانت الجناية عليه أعظم وزرا، ~~فليست الجناية على العقل واللسان كالجناية على الخناصر والآذان. ### | [فصل فيما يؤجر على قصده دون فعله] # وتختلف الأجور باختلاف رتب المصالح؛ فإذا تحققت الأسباب والشرائط ~~والأركان في الباطن، فإن ثبت في الظاهر ما يوافق الباطن من تحقق الأسباب ~~والشرائط والأركان، فقد حصل مقصود الشرع ظاهرا أو باطنا من جلب المصالح ~~ودرء المفاسد، وترتب عليه ثواب الآخرة، وإن كذب الظن بأن ثبت في الظاهر ما ~~يخالف الباطن، أثيب المكلف على قصد العمل بالحق، ولا يثاب على عمله لأنه ~~خطأ ولا ثواب على الخطأ، لأنه مفسدة ولا ثواب على المفاسد ولذلك أمثلة ~~أحدها ما ينتفع به الإنسان من المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمساكن ~~المراكب، فإنه لا يقطع بحل شيء من ذلك، فإن صدق ظنه فغلب حصلت المصلحة ~~المقصودة من إباحة ذلك، وإن كذب ظنه، لزمه ضمان ما انتفع به من ذلك، أو تلف ~~عنده. # المثال الثاني ما ينفقه المكلف من الأموال في القربات: كالزكاة والكفارات ~~والأوقاف والصدقات وعمارة الربط والمدارس والمساجد والضحايا والهدايا ~~والوصايا وجميع ما يتقرب به إلى الله من الأموال، فإنه لا يقطع بحل شيء من # PageV01P131 # ذلك، فإن وافق ظاهره باطنه أثيب متعاطيه على قصده وفعله، لأنه هم بحسنة ~~وعملها، فكتب له بذلك عشر حسنات بسبب ما حصله من مصالح تلك القربات. وإن ~~اختلف ظنه في ذلك أو في شيء ms101 منه، أثيب على قصده ونيته دون فعله؛ لأن فعله ~~خطأ معفو عنه، لا يترتب عليه ثواب ولا يلحق به عقاب إذ لا يتقرب إلى الرب ~~بشيء من أنواع المفاسد والشرور. # وكذلك قال - صلى الله عليه وسلم - في ثنائه على ربه عز وجل: «والخير كله ~~في يديك، والشر ليس إليك» : أي والشر ليس قربة ولا وسيلة إليك؛ إذ لا يتقرب ~~إلى الله إلا بأنواع المصالح والخيور، ولا يتقرب إليه بشيء من أنواع ~~المفاسد والشرور، بخلاف ظلمة الملوك الذين يتقرب إليهم بالشرور، كغصب ~~الأموال وقتل النفوس، وظلمهم العباد، وإفشاء الفساد وإظهار العناد، وتخريب ~~البلاد، ولا يتقرب إلى رب الأرباب إلا بالحق والرشاد، فإن قيل: الجهاد ~~إفساد، وتفويت النفوس والأطراف والأموال، وهو مع ذلك قربة إلى الله؟ قلنا: ~~لا يتقرب به من جهة كونه إفسادا، وإنما يتقرب من جهة كونه وسيلة إلى درء ~~المفاسد وجلب الصلاح، كما أن قطع اليد المتآكلة وسيلة إلى حفظ الأرواح، ~~وليس مقصودا من جهة كونه إفسادا لليد. # وكذلك الفصد والحجامة وشرب الأدوية المرة البشعة، وكذلك ما يتحمله الناس ~~من المشاق التي هي وسائل المصالح. # المثال الثالث أن يقضي المكلف دينه بمال يعتقد أنه ملكه، أو ينفقه على من ~~تلزمه نفقته من زوجه وأقاربه ورقيقه ودوابه، وذلك المال في الباطن ملك ~~لغيره، فيثاب على قصده ونيته، ولا يثاب على إنفاقه، لأنه مفسدة ولا يثاب ~~على المفاسد. # المثال الرابع إذا اعتكف المكلف في مكان يظنه مسجدا، فإن كان مسجدا في ~~الباطن أثيب على قصده واعتكافه، لأنه هم بحسنة وعملها، وإن لم يكن مسجدا في ~~الباطن أثيب على قصده دون اعتكافه، لأن اعتكافه إفساد لمنافع لا يستحقها ~~وتلزمه أجرتها. # PageV01P132 # المثال الخامس أن يقتل الحاكم من يجوز قتله في ظاهر الشرع، أو يرجمه أو ~~يحده، أو يسلم المرأة إلى من ثبت أنه زوجها، فإن كذب الظن في ذلك كله فإنه ~~يؤجر على قصده، ولا يؤجر على فعله، لأنه معاونة على مفاسد عظيمة من قتل نفس ~~معصومة، وحد نفس بريئة مظلومة أو رجمها، ms102 وتسليم امرأة أجنبية إلى من يزني ~~بها، والإعانة على المفاسد أقصى غاياتها أن يعفى عنها، أما أن تكون سببا ~~للثواب فلا. # وكذلك كل من ساعده وعاونه على تنفيذ أحكامه. وإن صدق ظنه في ذلك فقد أعان ~~على إقامة الحق، فيثاب على نيته وفعله، لأنه هم بحسنات وعملها. # وكذلك كل من ساعده وعاونه من أتباعه وأنصاره على تنفيذ أحكامه. وقد أمرنا ~~بالمعاونة على البر والتقوى، ونهينا عن المعاونة على الإثم والعدوان. # ولو علم الشاهد والحاكم ومباشر القتل والرجم أن القتيل مظلوم، وأن المرأة ~~أجنبية، كان إثم المباشر أعظم من إثم الحاكم إذا لم يخبر الحاكم، وإثم ~~الحاكم أعظم من إثم الشاهد، لأن المباشر قد حقق المفاسد، والحاكم سبب ~~لمباشرته، والشاهد سبب لحكم الحاكم. فإن قيل: لو صلى المكلف صلاة معتقدا ~~لاجتماع أركانها وشرائطها، ثم ظهر أنه صلى محدثا، أو صلى قبل الوقت، أو أن ~~إمامه كان كافرا أو امرأة، أو صلى على غير القبلة، فهل يبطل جميع ما باشره ~~من أفعال الصلاة وأقوالها وخضوعها وخشوعها أم لا؟ فالجواب: أن ما لا يشترط ~~فيه صحة الطهارة ولا الوقت، كالتسبيح والتهليل، والدعاء والتشهد والتسليم، ~~والصلاة والتسليم على سيد المرسلين، والدعاء لنفسه وللمؤمنين، والخضوع ~~والخشوع، وملاحظة معاني الأذكار والقراءة، والخوف والرجاء، والمهابة ~~والإجلال، فإن هذا كله صحيح يثاب كما لو فعله في غير # PageV01P133 # الصلاة. # وأما ما يقف على الطهارة وعلى دخول الوقت، فلا يثاب عليه، لأنه خطأ محرم ~~لو شعر به. # وأما قراءة القرآن في صلاة الجنب ففي الثواب عليها نظر مأخذه النظر في ~~تعذر الجهة، كما في الصلاة في الدار المغصوبة. # فإن قيل: قد قال - عليه السلام -: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر» ، ~~فهذه كان بمثابته؟ قلنا: لا يثاب المجتهد على خطئه وإنما ثوابه على اجتهاده ~~وقصده فكذلك ههنا، وإذ أصاب المجتهد فله أجر على قصده وأجر على إصابته، كما ~~ذكرناه فيما إذا وافق الظاهر الباطن في جلب المصالح ودرء المفاسد. # فإن قيل: لو فعل المكلف ما هو مفسدة في ظنه واعتقاده، وليس ms103 بمفسدة في نفس ~~الأمر، فهل يعاقب عليه عقاب من عصى الله بتحقيق المفسدة؟ فالجواب ألا يعاقب ~~إلا على جرأته ومخالفته دون تحقيقه المفسدة، لأن الأوزار تختلف باختلاف صغر ~~المفاسد وكبرها، وإنما قلنا إن المفاسد لا يثاب عليها، إذ لا تعظيم فيها ~~للرب ولا مصلحة فيها لعباده، بل هي ضارة للعباد كما ذكرناها في رجم من لا ~~يجوز رجمه، وقتل من لا يجوز قتله، وأخذ ما لا يجوز أخذه، وتسليم من لا يجوز ~~تسليمه؛ كتسليم الجارية والزوجة بما بعث في الظاهر من البيع والنكاح على ~~خلاف الباطن. ### | [فصل فيما يتعلق به الثواب والعقاب من الأفعال] # لا يثاب الإنسان ولا يعاقب إلا على كسبه وإكسابه. ولا يكون إلا بمباشرة ~~أو بسبب قريب أو بعيد: قال الله تعالى: {إنما تجزون ما كنتم تعملون} ~~[الطور: 16] ، وقال: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] ، أي ليس له ~~إلا # PageV01P134 # جزاء سعيه، وقال: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: 164] ، ولأن ~~الغرض بالتكاليف تعظيم الإله بطاعته واجتناب معصيته، وذلك مختص بفاعليه، إذ ~~لا يكون معظم المحرمات منتهكا لها بانتهاك غيره، ولا منتهك المحرمات معظما ~~لها بتعظيم غيره، فكذلك لا تجوز الاستنابة في المعاصي والمخالفات، ولا في ~~الطاعات البدنيات، إلا ما استثنى من الطاعات كالحج والعمرة والصوم والصدقات ~~رحمة للعاجزين بتحصيل ثواب هذه القربات، وللنائبين عنهم بالتسبب إلى إنالة ~~ثواب هذه الطاعات. # وأما قوله - عليه الصلاة والسلام -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ~~ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ، ومعناه انقطع ~~أجر عمله أو ثواب عمله فهذا على وفق القاعدة لأن هذه المستثنيات من كسبه، ~~فإن العلم المنتفع به من كسبه فجعل له ثواب التسبب إلى تعليم هذا العلم. # وكذلك الصدقة الجارية تحمل على الوقف وعلى الوصية بمنافع داره وثمار ~~بستانه على الدوام، فإن ذلك من كسبه، لتسببه إليه، فكان له أجر التسبب، ~~وليس الدعاء مخصوصا بالولد، بل الدعاء شفاعة جائزة من الأقارب والأجانب، ~~وليست مستثناة من هذه، لأن ثواب ms104 الدعاء للداعي والمدعو به حاصل للمدعو له، ~~فإن طلب له المغفرة والرحمة كانت المغفرة والرحمة مخصوصين بالمدعو له، ~~وثواب الدعاء للداعي، كما لو شفع إنسان لفقير في كسوة أو في العفو عن زلة، ~~كانت للشافع ثواب الشفاعة في العفو والكسوة، وكانت مصلحة العفو والكسوة ~~للفقير. # وقد ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور على مصيبته، وهذا خطأ صريح فإن ~~المصائب ليست من كسبه بمباشرة ولا تسبب، فمن قتل ولده أو غصب ماله أو أصيب ~~ببلاء في جسده، فليست هذه المصائب من كسبه ولا تسببه حتى يؤجر عليها، بل إن ~~صبر عليها كان له أجر الصابرين وإن # PageV01P135 # رضي بها كان له أجر الراضين ولا يؤجر على نفس المصيبة، لأنها ليست من ~~عمله، فقد قال تعالى: {إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور: 16] ، كيف ~~والمصائب الدنيوية عقوبات على الذنوب، والعقوبة ليست ثوابا، ويدل على ذلك ~~قوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] ، وقوله ~~- عليه السلام -. «ما من مؤمن يشاك شوكة فما دونها إلا قص به من سيئاته» ، ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يصيب المؤمن من وصب ولا نصب حتى الهم ~~يهمه والشوكة يشاكها إلا كفر به من سيئاته» . # فيحمل قوله - عليه السلام - «من عزى مصابا فله مثل أجره» ، على تقدير فله ~~مثل أجر صبره. لقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] . ~~هذا في المصائب التي لا تسبب له إليها. # وأما ما تسبب إليه فإن كان من السيئات كتب عليه وأخذ به في الدنيا ~~والآخرة، فإن من جرح إنسانا فسرى الجراح إلى نفسه كان وزر القتل وقصاصه ~~وديته عليه، ولو ألقى على إنسان حجرا ثم مات الملقي قبل وصول الحجر على ~~الملقى عليه فهلك بذلك الحجر بعد موت الملقي، فإنه يأثم إثم القاتلين ~~العامدين، ويجب عليه ما يجب عليهم، مع كون القتل وقع بعد خروجه عن التكليف، ~~لأنه لما كان القتل مسببا عن إلقائه، قدر كأنه قتله عند ابتداء إلقائه وإن ~~كان ما يتسبب إليه من الحسنات أجر عليه ms105 ومثاله: التسبب للقتل في سبيل الله ~~تعالى بالجراح أو الرمي كما لو رمى سهما في كافر فأصابه السهم بعد موت ~~الرامي فقتله كان له سلبه وأجر قتله. # وكذلك إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقتل بسبب أمره ونهيه فهذا متسبب ~~إلى قتل نفسه لله عز وجل، فيكون حكمه حكم من قتل الكفرة أو الفجرة، ولا ~~يثاب على القتل، لأن القتل ليس من كسبه، وإنما يثاب عليه لأنه تسبب إليه ~~بأمره ونهيه. # وكذلك تسبب الغازي إلى قتل نفسه لحضوره المعركة. # PageV01P136 # فإن قيل: القتل معصية من القاتل الكافر، فكيف يتمنى الإنسان الشهادة مع ~~أن تسببها معصية؟ فالجواب أنه ما يتمنى القتل من جهة أنه قتل وإنما تمنى أن ~~يثبت في القتال، فإن أتى القتل على نفسه فكان ثوابه على تعرضه للقتل لا على ~~نفس القتل الذي ليس من كسبه، وعلى هذا يجعل قوله تعالى: {ولقد كنتم تمنون ~~الموت من قبل أن تلقوه} [آل عمران: 143] ، أي تمنون القتل في سبيل الله من ~~قبل أن تلقوا أسبابه في يوم أحد، ويجوز أن يتمنى الإنسان القتل من جهة كونه ~~سببا لنيل منازل الشهداء، لا من جهة كونه قتلا ومعصية، وقد كان عمر - رضي ~~الله عنه - يقول: اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك، وموتا في بلد رسولك. # وأما قتل أهل البغي فإنه خطأ من البغاة، ولا يثاب المقطوع على خطأ غيره، ~~وكذا الثواب على دفع مفسدة البغي بالقتال. ### | [فصل فيما يثاب عليه من حسن الصفات وما لا يثاب عليه] # كل صفة جبلية لا كسب للمرء فيها، كحسن الصور، واعتدال القامات وحسن ~~الأخلاق، والشجاعة والجود، والحياء والغيرة، والنخوة وشدة البطش، ونفوذ ~~الحواس، ووفور العقول، فهذا لا ثواب عليه مع فضله وشرفه لأنه ليس بكسب لمن ~~اتصف به، وإنما الثواب والعقاب على ثمراته المكتسبة، فمن أجاب هذه الصفات ~~إلى ما دعت إليه الشريعة كان مثابا على إجابته جامعا لصفتين حسناوين ~~إحداهما: جبلية، والأخرى كسبية، ومن لم يجب إلى ذلك كان وصفه حسنا وفعله ~~قبيحا، وأما ما يصدر عن ms106 هذه الأوصاف من آثارها المكتسبة فإن لم يقصد بها ~~وجه الله فلا ثواب عليها، وإن قصد بها الرياء والتسميع أثم بذلك، وإن قصد ~~بها وجه الله تعالى أجر وفاز بخير الدارين ومدحهما. # PageV01P137 ### | [فصل فيما يعاقب من قبح الصفات وما لا يعاقب عليه] # كل صفة قبيحة جبلية لا كسب للإنسان فيها فلا أجر عليها ولا وزر، كقبح ~~الصورة، ودمامة الخلق، وشناعة الأعضاء، ونقص العقول والحواس، وسوء الأخلاق ~~كالقحة والجبن والشح والبخل، والميل إلى كل رذيلة، والنفور عن كل فضيلة، ~~والقسوة والعجلة فيما لم يتبين غيه من رشده، وغير ذلك من الصفات القباح. ~~فمن أجاب هذه الصفات إلى ما تقتضيه مما يخالف الشرع كان معاقبا على قبح ~~إجابته، لا على قبح أوصافه، ومن خالفها ووافق الشرع في قهرها والعمل بخلاف ~~مقتضاها كان مثابا على مخالفته غير معاقب على قبح صفاته، هذا إن قصد به وجه ~~الله فإنه يؤجر على عمله وعلى مجاهدة نفسه، وإن قصد به الرياء أو التسميع ~~أثم، وإن قصد به التجمل بذلك من غير رياء ولا سمعة، فلا أجر؛ لأنه لم يقصد ~~وجه الله، ولا وزر لأنه لم يعص، وقد جوز الشرع التجمل والتزين بقوله: {ولكم ~~فيها جمال} [النحل: 6] وقوله: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} ~~[النحل: 8] . ولا أعرف في الوجود شيئا أكثر تقلبا في الأوصاف والأحوال من ~~القلوب، لكثرة ما يرد عليها من الخواطر والقصور، والكراهة والمحبة، والكفر ~~والإيمان، والخضوع والخشوع، والخوف والرجاء، والأفراح والأحزان، والانقباض ~~والانبساط، والارتفاع والانحطاط، والظنون والأوهام، والشكوك والعرفان، ~~والنفور والإقبال، والمسألة والملال، والخسران والندم، واستقباح الحسن ~~واستحسان القبيح، ولكثرة تقلبها كان - عليه السلام - يقول: «يا مقلب القلوب ~~ثبت قلبي على دينك» ، وكانت # PageV01P138 # يمينه «لا، ومقلب القلوب» ، وسمي القلب قلبا لتقلبه من حال إلى حال، ولا ~~عقاب على الخواطر، ولا على حديث النفس لغلبتها على الناس، ولا على ميل ~~الطبع إلى الحسنات والسيئات، إذ لا تكليف بما يشق اجتنابه مشقة فادحة، ولا ~~بما يطاق فعله ولا تركه. ومبدأ التكليف العزوم والقصود، فالعزم على الحسنات ~~حسن، ms107 وعلى السيئات قبيح، وعلى المباح مأذون. ### | [فصل فيما يثاب عليه من العلوم] # كل العلوم شريفة، وتختلف رتب شرفها باختلاف رتب متعلقاتها، فما تعلق ~~بالإله وأوصافه كان أشرف العلوم؛ لأن متعلقه أشرف من كل شريف. والعلوم ~~أقسام: # أحدها الضروريات ولا ثواب عليها، لأنها ليست من كسب العالم بها. # الثاني النظريات، ويثاب الإنسان عليها لقدرته على تحصيلها بالتسبب إليها. # الثالث علوم يمنحها الأنبياء والأولياء بأن يخلقها الله فيهم من غير ~~ضرورة ولا نظر وهي ضربان: # أحدهما: أشرف من الآخر وهو العلم بما يتعلق بالذات والصفات وله شرف عظيم ~~ولا ثواب عليه في نفسه، ولا على الأحوال الناشئة عنه، فإن حدث عنها أمر ~~مكتسب كان الثواب عليه دونها وكفى به شرفا في نفسه وهي كالمحامد التي ~~يلتمسها الرسول - عليه السلام - بين يدي شفاعته لأمته، فكم من شرف عظيم لا ~~ثواب عليه لأنه خير من # PageV01P139 # الثواب فإن النظر إلى الله أشرف من كل شريف وأفضل من كل نعيم روحاني أو ~~جثماني، وقد جعل زيادة على الأجور، لأنه أعظم من أن يقابل به عمل من ~~الأعمال أو حال من الأحوال، وكذلك رضوان الله من أفضل ما أعطيته ولا ثواب ~~عليه. # الضرب الثاني: علوم إلهامية، يكشف بها عما في القلوب، فيرى أحدهم بعينيه ~~من الغائبات ما لم تجر العادة بسماع مثله. # وكذلك شمه ومسه ولمسه وكذلك يدرك بقلبه علوما متعلقة بالأكوان، وقد رأى ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض، ومنهم من يرى الملائكة والشياطين والبلاد ~~النائية، بل ينظر إلى ما تحت الثرى، ومنهم من يرى السموات وأفلاكها ~~وكواكبها وشمسها وقمرها على ما هي عليه، ومنهم من يرى اللوح المحفوظ ويقرأ ~~ما فيه. # وكذلك يسمع أحدهم صرير الأقلام وأصوات الملائكة والجان، ويفهم أحدهم منطق ~~الطير، فسبحان من أعزهم وأدناهم، وأذل آخرين وأقصاهم، ومن يهن الله فما له ~~من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء. ### | [فصل فيما يثاب عليه العالم والحاكم وما لا يثابان عليه] # إن قيل: على أي شيء يثاب العالم والحاكم؟ قلنا: إن تعلما العلم للرياء ~~والسمعة أثما ms108 ما لم يتوبا، فإن أفتى أحدهما وحكم للرياء والسمعة كانا ~~مأثومين أيضا لريائهما، فإن أفتى أحدهما وحكم الآخر مخلصين لله أثيب كل ~~واحد منهما على ما فعله خالصا لله، وإن تعلما مخلصين لله أجرا على تعلمهما، ~~فإن عزما على أن يعملا بما أمرا به في الفتيا والحكم أثيبا على عزمهما، فإن ~~أمضيا ما عزما عليه، أثيبا على عزمهما وفعلهما، وإن رجعا عما عزما عليه، ~~أثيبا # PageV01P140 # على عزمهما وأثما برجوعهما، وكذلك الإفادة والتدريس وعلم الحديث، وكل علم ~~يتقرب به إلى الله عز وجل. ### | [فصل فيما يثاب عليه المتناظران وما لا يثابان عليه] # إن قيل: هل يثاب المتناظران على المناظرة أم لا؟ قلنا إن قصد كل واحد ~~بمناظرته إرشاد خصمه إلى ما ظهر له من الحق فهما مأجوران على قصدهما ~~وتناظرهما، لأنهما متسببان إلى إظهار الحق، وإن قصد كل واحد منهما أن يظهر ~~على خصمه ويغلبه، سواء أكان الحق معه أو مع خصمه فهما آثمان، وإن قصد ~~أحدهما الإرشاد وقصد الآخر العناد، أجر قاصد الإرشاد، وأثم قاصد العناد. ثم ~~إن قصدا أو أحدهما العناد وأظهر الله الحق على لسان خصمه، فإن تمادى على ~~عناده أثم، وانفرد صاحبه بالأجر إن قصد وجه الله، وإن قطع عزمه عن العناد ~~وعاد إلى اتباع الرشاد وانقطعت معصيته أثيب على رجوعه إلى الرشاد، وإن أصر ~~على العناد أثم على عزمه وعناده، ووجب تعزيره في الدنيا، وإن لم يعزر فيها ~~فهو متعرض لعقاب الآخرة كغيره من العصاة. ولو عزم أحدهما على قبول الحق إذا ~~ظهر على لسان خصمه فعانده فهو مأثوم لعناده مأجور على عزمه فالذي يسخر من ~~خصمه ويضحك منه ويستضحك الناس منه أشد وزرا مما ذكرناه، لأنه زاد على تلك ~~المعصية السخرية بالمؤمنين، والأولى بذوي الألباب ألا يناظروا من هذا شأنه، ~~لئلا يتسببوا بمناظرته إلى إيقاعه في الآثام المذكورة. # PageV01P141 ### | [فصل في تفضيل الحكام على المفتين والأئمة على الحكام] # إن قيل: هل يتساوى أجر الحاكم والمفتي القائمين بوظائف الحكم والفتيا أم ~~لا؟ فالجواب إن أجر الحاكم أعظم ms109 لأنه يفتي ويلزم فله أجران: أحدهما: على ~~فتياه والآخر على إلزامه، هذا إذا استوت الواقعة التي فيها الفتيا والحكم، ~~وتختلف أجورهما باختلاف ما يجلبانه من المصالح ويدرآنه، من المفاسد، وتصدي ~~الحاكم للحكم أفضل من تصدي المفتي للفتيا، وأجر الإمام الأعظم أفضل من أجر ~~المفتي والحاكم، لأن ما يجلبه من المصالح ويدرأه من المفاسد أتم وأعم؛ ~~وكذلك جاء في الحديث: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام ~~عادل» ، فبدأ به لعلو مرتبته. # وأجمع المسلمون على أن الولايات من أفضل الطاعات فإن الولاة المقسطين ~~أعظم أجرا وأجل قدرا من غيرهم لكثرة ما يجري على أيديهم من إقامة الحق ودرء ~~الباطل، فإن أحدهم يقول الكلمة الواحدة فيدفع بها مائة ألف مظلمة فما ~~دونها، أو يجلب بها مائة ألف مصلحة فما دونها، فيا له من كلام يسير وأجر ~~كبير. # وأما ولاة السوء وقضاة الجور فمن أعظم الناس وزرا وأحطهم درجة عند الله، ~~لعموم ما يجري على أيديهم من جلب المفاسد العظام ودرء المصالح الجسام، وإن ~~أحدهم ليقول الكلمة الواحدة فيأثم بها ألف إثم وأكثر على حسب عموم مفسدة ~~تلك الكلمة، وعلى حسب ما يدفعه بتلك الكلمة من مصالح المسلمين، فيا لها من ~~صفقة خاسرة وتجارة بائرة. # PageV01P142 # مثال ذلك: أن يأمر بقتال طائفة من المسلمين أو يأخذ أموالهم أو يتمكسهم ~~أو يتضمن البغايا والخمور وغير ذلك من المحرمات المغضبات لرب الأرضين ~~والسموات. وإذا أمر العادل بإبطال هذه المحرمات التي أمر بها الجائر أثيب ~~على ردء هذه المحرمات التي أمر بها الجائر أثيب على درء هذه المفاسد ~~المذكورات، على حسب قلتها وكثرتها وعمومها وشمولها، فيا له من سعي راجح ~~وإنجاز رابح. وقد قال سيد المرسلين: «المقسطون على منابر من نور على يمين ~~الرحمن وكلتا يدي ربي يمين» وعلى الجملة فالعادل من الأئمة والولاة والحكام ~~أعظم أجرا من جميع الأنام بإجماع أهل الإسلام، لأنهم يقومون بجلب كل صالح ~~كامل، ودرء كل فاسد شامل فإذا أمر الإمام بجلب المصالح العامة ودرء المفاسد ~~العامة، كان ms110 له أجر بحسب ما دعا إليه من المصالح العامة، وزجر عنه من ~~المفاسد ولو كان ذلك بكلمة واحدة لأجر عليها بعدد متعلقاتها كما ذكرنا. # وكذلك أجر أعوانه على جلب المصالح ودرء المفاسد، فإذا أمر الإمام بالجهاد ~~كان متسببا إلى تحصيل مصالحه بأمره الأجناد بمباشرة القتال، ولمباشرة ~~القتال أجر الإمام متوسل إلى مصالح الجهاد، والمقاتل مباشر، لكن الظاهر أن ~~أجر الإمام أفضل من أجر الواحد من المجاهدين، فإذا كانوا ألفا كان لكل واحد ~~أجر مباشرته على حسب ما باشر، وللإمام أجر تسببه إلى قتال الألف، فقد صدر ~~منه ألف تسبب، وألف تسبب أفضل من مباشرة واحدة، لأن بتلك التسميات حصلت ~~مصالح القتال ولو فرض أنه أمر واحدا بالقتال فقاتل وحصل المصلحة المأمور ~~بها فلا شك أن المباشر أفضل من الآخر. # PageV01P143 # وليس أمر الحاكم لأحد أعوانه كذلك. فالحاكم متصد لسماع الدعوى وجوابها ~~وسماع البينة واستزكائها ثم الحكم بعد ذلك، فقد صدر منه طاعات متعددة ولم ~~يصدر من آحاد أعوانه سوى طاعة واحدة. # وأما المفتون فيثابون على تصديهم للفتاوى، وتتفاوت أجورهم بتفاوت تلك ~~الفتاوى وكثرتها، وعمومها وخصوصها. ### | [فصل فيمن جمع بين الجور والعدل في ولايته] # إن قيل: إذا جار الأئمة والحكام وعدلوا فهل يقوم عدلهم بجورهم؟ فالجواب: ~~إن ما فوتوه من الأموال مضمون عليهم في الدين، إن فنيت حسناتهم طرح عليهم ~~من سيئات من ظلموه، ثم طرحوا في الجحيم. والتقدير: أخذ في الآخرة من ثواب ~~حسناتهم. فإن فنيت حسناتهم طرح من ثواب حسناتهم، فإن فنيت حسناتهم طرح ~~عليهم من عقوبات - سيئات - من ظلموه بقدر ظلمه. وكذلك الحكم في الدماء ~~والأبضاع والأعراض، وفيما أخروه من الحقوق التي يجب تقديمها، أو قدموه من ~~الحقوق التي يجب تأخيرها، فقد قال رب العالمين: {ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا} [الأنبياء: 47] الآية. # فإن قيل لو مات المكلف وعليه دين لم يأثم بسببه ولا بمطله، فهل يؤخذ من ~~حسناته في الآخرة بمقدار ما عليه من الدين؟ # PageV01P144 # قلنا: نعم، يؤخذ من ثواب حسناته بمقدار ما عليه من ms111 الدين وإن فنيت ~~حسناته، كما تؤخذ أمواله ومساكنه وعبيده وإماؤه في الدين، وإن لم يكن آثما ~~بسبب الدين لا بمطله فإن فنيت حسناته في الآخرة لم يطرح عليه من السيئات ~~لأنه غير عاص ولا آثم، ولا يتعجبن متعجب منه، ذلك عدل من الله في الدنيا ~~والآخرة. فإن قيل: فما حكم ما يفضل عليه من الديون بعد فناء حسناته؟ قلت: ~~الأمر في ذلك إلى الله إن شاء عوض رب الدين من عنده، وإن شاء لم يعوضه، ~~وهذا موقوف على صحة الخبر فيه، ولا يؤخذ من ثواب الإيمان المندوب نظر وهو ~~داخل في عموم الحديث. ### | [فصل فيما يثاب عليه الشهود وما لا يثابون] # تحمل الشهادة توسل إلى أدائها وأداؤها توسل إلى الحكم بها، والحكم بها ~~توسل إلى تحصيل مصالح الحكم بالحق ودرء مفاسد الحكم بالجور. فمن شهد بالحكم ~~الموافق لما في نفس الأمر مبتغيا بذلك وجه الله، كتب له أجر الإعانة على ~~استيفاء تلك الحقوق التي تثبت بشهادته والمصالح التي حصل بها، ولذلك كتب له ~~أجر ما درأه من المفاسد بشهادته على اختلاف رتبها، وكان عند الله من الذين. ~~تعاونوا على البر والتقوى، وكتب له أجران: أحدهما على ما أعان عليه من ~~الحق، والآخر على إخلاصه لله. وإن شهد بالحق رياء وسمعة أثم على ريائه، دون ~~معاونته على إرجاع الحق إلى مستحقيه. # PageV01P145 # وإن شهد بالباطل وهو يعلم أنه باطل، فهذا شاهد زور مرتكب لكبيرة. وإن بنى ~~شهادته على الأسباب الشرعية وكان المشهود به باطلا في نفس الأمر، أثيب على ~~قصده ولا يثاب على شهادته؛ لأنها إعانة على باطل. وإن شهد بالأجرة وجوزنا ~~ذلك، فهذا عقد معاوضة، إن سامح ببعض العوض أجر عليه، وإلا فلا ### | [فصل في بيان الإخلاص في العبادات وأنواع الطاعات] # الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصا لله وحده لا يريد بها تعظيما من ~~الناس ولا توقيرا، ولا جلب نفع ديني، ولا دفع ضرر دنيوي، وله رتب: منها أن ~~يفعلها خوفا من عذاب ومنها أن يفعلها تعظيما لله ومهابة وانقيادا وإجابة، ms112 ~~ولا يخطر له عرض من الأعراض، بل يعبد مولاه كأنه يراه وإذا رآه غابت عنه ~~الأكوان كلها وانقطعت الأعراض بأسرها وأمر العابد أن يعبد الله كأنه يراه، ~~فإن لم يقدر على تقدير نظره إلى الله، فليقدر أن الله ناظر إليه، ومطلع ~~عليه فإن ذلك يحمله على الاستحياء منه والخوف والمهابة وهذا معلوم ~~بالعبادات أن النظر إلى العظماء يوجب مهابتهم وإجلالهم والأدب معهم إلى ~~أقصى الغايات، فما الظن بالنظر إلى رب السموات؟ وكذلك لو قدر إنسان في نفسه ~~أن عظيما من العظماء ناظر إليه، ومطلع عليه، # PageV01P146 # لم يتصور لأن يأتي برذيلة، وأنه يتزين له بملابسة كل فضيلة، فسبحان الله ~~ما جمع هذا الحديث من الأدب مع الله في عياداته وطاعاته. ### | [فصل في بيان الرياء في العبادات وأنواع الطاعات] # الرياء إظهار عمل العبادة لينال مظهرها عرضا دنيويا إما بجلب نفع دنيوي، ~~أو لدفع ضرر دنيوي، أو تعظيم أو إجلال، فمن اقترن بعبادته شيء من ذلك ~~أبطلها لأنه جعل عبادة الله وطاعته وسيلة إلى نيل أعراض خسيسة دنية، ~~فاستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فهذا هو الرياء الخالص. # وأما رياء الشرك فهو أن يفعل العبادة لأجل الله ولأجل ما ذكر من أغراض ~~المرائين وهو محبط للعمل أيضا، قال تعالى: «من عمل عملا أشرك فيه غيري ~~تركته لشريكه وفي رواية: تركته لشريكي» . ### | [فصل في بيان التسميع في العبادات وأنواع الطاعات] # وهو ضربان. أحدهما تسميع الصادقين وهو أن يعمل الطاعة خالصة لله، ثم ~~يظهرها ويسمع الناس بها ليعظموه ويوقروه وينفعوه ولا يؤذوه. وهذا محرم وقد ~~جاء في الحديث الصحيح: «من سمع سمع الله به. ومن راءى راءى الله به، وهذا ~~تسميع الصادقين» . # الضرب الثاني: تسميع الكاذبين وهو أن يقول صليت ولم يصل، وزكيت ولم يزك، ~~وصمت ولم يصم، وحججت ولم يحج، وغزوت ولم يغز. فهذا أشد ذنبا من الأول لأنه ~~زاد على إثم التسميع إثم الكذب، فأتى بذلك # PageV01P147 # معصيتين قبيحتين، بخلاف الأول فإنه آثم إثم التسميع وحده. وجاء في الحديث ~~الصحيح: «المتسمع بما لم ms113 يعط كلابس ثوبي زور» . # وكذلك لو راءى بعبادات ثم سمع موهما لإخلاصها فإنه يأثم بالتسميع والرياء ~~جميعا. وإثم هذا أشد إثما من الكاذب الذي لم يفعل ما سمع به، لأن هذا أثم ~~بريائه وتسميعه وكذبه ثلاثة آثام. ومن أمن الرياء لقوة في دينه فأخبر بما ~~فعله من الطاعات ليقتدي الناس به، كان له أجر طاعته التي سمع بها وأجر ~~تسببه إلى الاقتداء في تلك الطاعات التي سمع بها على اختلاف رتبها ### | [فائدة أعمال القلوب وطاعتها مصونة من الرياء] # (فائدة) أعمال القلوب وطاعتها مصونة من الرياء، إذ لا رياء إلا بأفعال ~~ظاهرة ترى أو تسمع. والتسميع عام لأعمال القلوب والجوارح. # وكذلك الصوم لا يظهر غالبا بالرياء والتسميع، لأنه عبادة ووزره مختلف ~~باختلاف شرف المرائي به فأشرف ما يرائي به أشد وزرا مما دونه، فإن الرياء ~~مفسدة وإفساد الأشرف أقبح من إفساد الشريف. وليس حب الرياء ولا غيره من ~~جميع المعاصي معصية، فإن أطلق عليه اسم الرياء كان ذلك مجازا من تسمية ~~السبب باسم المسبب، وكل شيء حرمه الله تعالى فلا يأثم مشتهيه بشهوته، وإنما ~~يأثم بعزمه عليه وإرادته، ثم بملابسته. وكل ما تكرهه الطباع، وتنفر منه ~~القلوب والأسماع، من الخيور والشرور فلا إثم على كراهيته ولا النفور منه، ~~وإنما الإثم على فعله إن كان قبيحا أو تركه إن كان حسنا. فشهوة الرياء ~~والشكر، وقهر الأقران وإضرار الأعداء لا إثم فيها لخروجها عن قدرة المكلف، ~~ولتعذر الانفكاك منها والانفصال عنها، ومن استعمل شيئا من المحبوبات في غير ~~بابه فقد أخطأ وزل. وعلى المرء أن يجاهد طبعه ويخالف فيما يدعو إليه من ترك ~~المأمورات # PageV01P148 # واجتناب المنهيات، والموفق من أعين على ذلك، فمن أسعده الله حبب إليه ~~الطاعة والإيمان، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان. واعلم أنه لا أدب كأدب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا خلق كأخلاقه فمن وفقه الله أعانه ~~على أخلاقه والاقتداء به ليتخلق منه بما يقدر عليه ويصل إليه، وما من أحد ~~إلا وقد هم ولم فيا سعادة من اقتدى ms114 به، واستسن بسيرته وأخذ بطريقته، وامتلأ ~~قلبه من محبته، في دق ذلك كله وجله وكثره وقله: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] ، وإن تطيعوه تهتدوا، {ومن يطع الله ~~ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 71] ، وكيف لا يكون كذلك وقد قال، ~~تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4] . وكان خلقه الممدوح بالعظمة ~~واتباع القرآن، القرآن مشتمل على الأمر باتباعه - صلى الله عليه وسلم - ~~فيما جاء من كتاب أو سنة. # فإن قيل: قد خالف كثير ممن اشتهر بالولاية بعض أدب الشرع فهل يقدح ذلك في ~~ولايته؟ قلنا: أما ما ترك من ذلك لعذر شرعي فلا بأس به. # وأما ما ترك لغير عذر شرعي، فإن كان مندوبا لم يقدح في ولايته، وإن كان ~~محرما فإن كان كبيرا فقد خرج عن الولاية في حال ملابسته دون ما مضى، وإن ~~كان صغيرا فقد غلظ أكثر الناس في هذا الذنب الصغير. فمنهم من يسقط الولاية ~~بصغيرة يرتكبها الولي، وهؤلاء جهلة لأن اجتناب الصغيرة ليس بشرط في حق ~~الأنبياء فضلا عن الأولياء، ومنهم من إذا عرف صغيرة الولي أخرجه عن الولاية ~~وطعن فيه، وربما هجره ورفضه وقلاه وأبغضه ومنع الناس من الاقتداء به، ومنهم ~~من يحمله حسن ظنه في الولي على أن يعتقد اختصاص ذلك الولي بإباحة تلك ~~الصغيرة التي حرمها الله تعالى، ويزعم أن الله أحل له ما لم يحله لغيره ~~وهذا خطأ عظيم، فإن الله لم يستثن أحدا من التحليل والتحريم والندب ~~والإيجاب، إلا لعذر خاص أو عام، وهذا أشر الأقسام. وأشر منه من يعتقد أن ~~ذلك الذنب قربة لصدوره # PageV01P149 # عن ذلك الولي، وأسعدهم من اعتقد ولايته مع ارتكابه لذلك الذنب الصغير، ~~ومخالفته لما أمر به ونهى عنه، فقد عصى آدم وداود وغيرهما، ولم يخرج واحد ~~منهم بمعصيته عن حدود ولايته، ولو رفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام. ~~لم يجز تعزيرهم عليها، بل يقبل عثرتهم ويستر زلتهم، فهم أولى من أقيلت ~~عثرته، وسترت زلته. فإن قيل: كيف يجوز غيبة الأنبياء بنسبتهم إلى ms115 ما صدر ~~منهم من الذنوب؟ قلنا: إن ذكر ذلك تعبيرا لهم وإزراء عليهم حرم وكان كفرا، ~~فإن الله ما ذكر ذلك تعبيرا وإزراء عليهم وإنما ذكره تنبيها على سعة رحمته ~~وسبوغ نعمته، وإطماعا في التوبة من معصيته ومخالفته، فإن مسامحة الأكابر ~~تدل على أن مسامحة الأصاغر أولى، لأن الذنب الصغير من الأماثل كبيرة. ولهذا ~~قوله تعالى: {من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: ~~30] ، وإن ذكر للغرض الذي ذكره الله لأجله فلا بأس به، بل ربما يندب إليه ~~ويحث عليه، إذا كان فيه مصلحة للمذنبين القانطين من رحمة رب العالمين. فإن ~~قيل: إذا كان الإنسان وليا في شطر عمره ثم صار فاسقا في الشطر الآخر فما ~~حكم ولايته مع فسوقه؟ قلت: إن زادت مفاسد فسوقه على مصالح ولايته وقعت ~~المقاصة بين حسناته وسيئاته، وأخذ بما فضل من سيئاته، وإن زادت مصالحه على ~~مفاسد فسوقه وقعت المقاصة بين حسناته وسيئاته، وأجر بما فضل من حسناته. # PageV01P150 ### | [فصل في بيان أن الإعانة على الأديان وطاعة الرحمن ليست شركا] # في عبادة الديان وطاعة الرحمن إن قيل: هل يكون انتظار الإمام المسبوق ~~ليدركه في الركوع شركا في العبادة أم لا؟ قلت: ظن بعض العلماء ذلك وليس كما ~~ظن، بل هو جمع بين قربتين لما فيه من الإعانة على إدراك الركوع وهي قربة ~~أخرى، والإعانة على الطاعات من أفضل الوسائل عند الله، ورتب تلك المعونات ~~عند الله على قدر رتب المعان عليه من القربات. والإعانة على معرفة الله ~~ومعرفة ذاته وصفاته أفضل الإعانات. # وكذلك الإعانة على معرفة شرعه، وكذلك المعونة بالفتاوى والتعليم ~~والتفهيم، والإعانة على الفرائض أفضل من الإعانة على النوافل، وإذا كانت ~~الصلاة أفضل القربات البدنيات كان الإعانة عليها من أفضل الإعانات فإذا ~~أعان المصلي بماء الطهارة أو ستر العورة أو دله على القبلة، كان مأجورا على ~~ذلك كله. وليس لأحد أن يقول هذا شرك في العبادة بين الخالق والمخلوق. فإن ~~الإعانة على الخير والطاعة لو كانت رياء وشركا، لكان تبليغ الرسالة وتعليم ms116 ~~العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رياء وشركا، وهذا لا يقوله أحد، ~~لأن الرياء والشرك أن يقصد بإظهار عمله ما لا قربة به إلى الله من نيل ~~أعواض نفسه الدنية وهو قد أعان على القرب إلى الله وأرشد عباده إليه، ولو ~~كان هذا شركا لكان الأذان وتعليم القرآن شركين وقد جاء في الحديث الصحيح: ~~«أن رجلا صلى منفردا فقال - عليه السلام -: من يتجر على هذا؟» وروي: «من ~~يتصدق على هذا؟ فقام رجل فصلى وراءه» ليفيده فضيلة الاقتداء، ولم يجعله - ~~عليه السلام - رياء ولا شركا لما فيه من إفادة الجماعة المقربة إلى الله ~~تعالى. # PageV01P151 # وإذا أحس الإمام بداخل وهو راكع فالمستحب أن ينتظره لينيله فضيلة إدراك ~~الركوع، ولا يكون ذلك شركا ولا رياء، لأنه - عليه السلام - جعل مثله صدقة ~~واتجارا، وأمر به في جميع الصلوات، فكيف يكون رياء وشركا وهذا شأنه في ~~الشريعة؟ ولا وجه لكراهية ذلك، ومن أبطل الصلاة به فقد أبعد، فليت شعري ~~ماذا يقول في الانتظار المشروع في صلاة الخوف هل كان شركا ورياء، أو عملا ~~صالحا لله تعالى؟ ### | [فصل في تفاوت فضل الإسرار والإعلان بالطاعات] # إن قيل: هل الإخفاء أفضل من الإعلان لما فيه من اجتناب الرياء أم لا؟ ~~فالجواب: إن الطاعات ثلاثة أضرب: أحدها ما شرع مجهورا به كالأذان والإقامة ~~والتكبير، والجهر بالقراءة في الصلاة، والخطب الشرعية، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وإقامة الجمعة والجماعات والأعياد، والجهاد، وعيادة ~~المرضى، وتشييع الأموات، فهذا لا يمكن إخفاؤه. فإن خاف فاعله الرياء جاهد ~~نفسه في دفعه إلى أن تحضره نية إخلاصه، فيأتي به مخلصا كما شرع، فيحصل على ~~أجر ذلك الفعل وعلى أجر المجاهد، لما فيه من المصلحة المتعدية. # الثاني: ما يكون إسراره خيرا من إعلانه كإسرار القراءة في الصلاة. وإسرار ~~أذكارها، فهذا إسراره خير من إعلانه. # الثالث: ما يخفى تارة ويظهر أخرى كالصدقات، فإن خاف على نفسه الرياء أو ~~عرف ذلك من عادته، كان الإخفاء أفضل من الإبداء، لقوله تعالى: {وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: ms117 271] ، ومن أمن الرياء فله حالان: # PageV01P152 # إحداهما ألا يكون ممن يقتدى به - فإخفاؤها أفضل، إذ لا يأمن من الرياء ~~عند الإظهار، وإن كان ممن يقتدى به كان الإبداء أولى لما فيه من سد خلة ~~الفقراء مع مصلحة الاقتداء، فيكون قد نفع الفقراء بصدقته وبتسببه إلى تصدق ~~الأغنياء عليهم وقد نفع الأغنياء بتسببه إلى اقتدائهم به في نفع الفقراء. ### | [قاعدة في بيان الحقوق الخالصة والمركبة] # (قاعدة في بيان الحقوق الخالصة والمركبة) جلب المصالح ودرء المفاسد ~~ضربان: أحدهما ما يتعلق بحقوق الخالق كالطاعة والإيمان، وترك الكفر ~~والعصيان وحقوق الله ثلاثة أقسام: أحدها ما هو خالص لله كالمعارف والأحوال ~~المبنية عليها، والإيمان بما يجب الإيمان به، كالإيمان بإرسال الرسل، ~~وإنزال الكتب، وبما تضمنته الشرائع من الأحكام، وبالحشر والنشر والثواب ~~والعقاب. # الثاني: ما يتركب من حقوق الله وحقوق عباده، كالزكاة والصدقات والكفارات ~~والأموال المندوبات، والضحايا والهدايا والوصايا والأوقاف، فهذه قربة إلى ~~الله من وجه، ونفع لعباده من وجه، والغرض الأظهر منها نفع عباده وإصلاحهم ~~بما وجب من ذلك، أو ندب إليه، فإنه قربة لباذليه ورفق لآخذيه. # الثالث: ما يتركب من حقوق الله وحقوق رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحقوق ~~المكلف والعباد، أو يشتمل على الحقوق الثلاثة. ولذلك أمثلة: أحدها الأذان ~~فيه الحقوق الثلاثة أما حق الله تعالى فالتكبيرات والشهادة بالوحدانية. # وأما حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فالشهادة له بالرسالة، وأما حق ~~العباد فبالإرشاد إلى تعريف دخول الأوقات في حق النساء والمنفردين، والدعاء ~~إلى الجماعات في حق المقتدي. # وكذلك الإقامة، حق الله منها التكبيرات والشهادة بالوحدانية، والرسول # PageV01P153 # - صلى الله عليه وسلم - الشهادة بالرسالة، وحق العباد إعلامهم بقيام ~~الصلاة وحضور الإمام. فإن قيل: هل الأذان أفضل من الإقامة لاشتماله على هذه ~~الفوائد؟ قلنا: ذهب بعضهم إلى أنه أفضل لهذه الفوائد، ولأن عمله أكثر من ~~عمل الإمام، فإن الإمام لم يرد في صلاته شيئا سوى الجهر بالأذكار المعروفة ~~وبانتقاله من ركن إلى ركن، ومنهم من فضل الإمامة لتسبب فضل الإمام إلى ~~إفادة فضل الجماعة لنفسه وللحاضرين. # وصلاة ms118 الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة، أو سبع وعشرين ~~درجة على ما جاءت به السنة، ولا يوجد مثل هذا في الأذان. فإن قيل: هل يؤجر ~~المؤتم على إفادته الإمام فضل الجماعة؟ قلنا: نعم لقوله - عليه السلام -: ~~«من يتصدق على هذا؟» . # (فائدة) : مقصود الجماعة ضربان: # أحدهما: الاقتداء # والثاني: الاجتماع على الاقتداء، وإنما شرع الاجتماع على الاقتداء لأن ~~الاجتماع على التعظيم تعظيم ثان، ألا ترى أن الخدم والأجناد إذا اجتمعوا ~~وكثروا كان اجتماعهم أوقر في النفوس وأعظم في الصدور، ولو سار الملك وهم ~~متفرقون، أو جلس وهم متباعدون لم يحصل من التوقير والتعظيم ما يحصل من ~~اجتماعهم. # وكذلك اختلف الناس في التباعد المانع من الاجتماع. # المثال الثاني: الصلاة وفيها الحقوق الثلاثة أما حق الله فالنيات ~~والتكبيرات والتسبيحات والتحيات والقيام والقعود والركوع والسجود. # وكذلك توابعها من التورك والافتراش والكف عن الكلام وكثير الأفعال. # وأما حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأضرب - أحدها: التسليم عليه في ~~آخر الصلاة مع الترحم والتبرك. # PageV01P154 # الثاني: الصلاة عليه في التشهد الأخير، وفي الأول خلاف. # الثالث: الشهادة له بالرسالة. # وأما حق المكلف على نفسه فكدعائه في الفاتحة بالهداية والإعانة على ~~العبادة في الفاتحة. # وكذلك دعاء القنوت، وكذلك التسليم على عباد الله الصالحين، وكذلك الصلاة ~~على آل الرسول - عليه السلام -. # وكذلك التسليمات الأخريات على الحاضرين، ولما اشتملت الصلاة على هذه ~~الحقوق كانت من أفضل عمل العاملين. # الرابع: الجهاد وفيه الحقوق الثلاثة: أما حق الله فكمحو الكفر وإزالته من ~~قلوب الكافرين ومن ألسنتهم، وكتخريب كنائسهم وكسر صلبانهم وأوثانهم. # وأما حق الرسول - عليه السلام - وحق المسلمين فالذب عن أنفسهم وأموالهم ~~وحرمهم وأطفالهم - وما يحصل لهم من الأخماس. # وأما حقه على نفسه فكدفعه عن نفسه وحرمه وأطفاله وما يأخذ من سهام ~~الغنيمة وأسلاب المشركين. # الخامس: كفارة الظهار فيها حق محض لله وهو الصيام، وفيها حق للمظاهر وهو ~~تحليل الوطء، وفيها حق الأرقاء بالإعتاق، وللمساكين بالإطعام عند العجز عن ~~الصيام. # الضرب الثاني: فيما يتعلق بحقوق المخلوقين من جلب مصالح ودرء مفاسد وهو ms119 ~~ثلاثة أقسام: أحدها: حقوق المكلف على نفسه كتقديمه نفسه بالكساء والمساكن ~~والنفقات، وكذلك حقوقه في النوم والإفطار، وترك الترهب. # PageV01P155 # الثاني: حقوق بعض المكلفين على بعض، وضابطها جلب كل مصلحة واجبة أو ~~مندوبة، ودرء كل مفسدة محرمة أو مكروهة. وهي منقسمة إلى فرض عين وفرض ~~كفاية، وسنة عين وسنة كفاية، ومنها ما اختلف في وجوبه وندبه في كونه فرض ~~كفاية أو فرض عين. والشريعة طافحة بذلك ويدل على ذلك جميعا قوله تعالى: ~~{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] ~~، وهذا نهي عن التسبب إلى المفاسد، وأمر بالتسبب إلى تحصيل المصالح وقوله ~~تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} [النحل: 90] ، ~~وهذا أمر بالمصالح وأسبابها، ونهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهذا نهي عن ~~المفاسد وأسبابها. والآيات الآمرة بالإصلاح والزاجرة عن الإفساد كثيرة، وهي ~~مشتملة على الأمر المتعلق بحقوق الله وحقوق عباده، وعن النهي على الإفساد ~~المتعلق بحقوق الله وحقوق عباده. # فمن الأدلة المشتملة على الأمر قوله تعالى: {وما يفعلوا من خير فلن ~~يكفروه} [آل عمران: 115] ، وقوله: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} ~~[الأنبياء: 90] ، وقوله: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} ~~[الأنبياء: 94] ، وقوله: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين} [الأعراف: 170] وقوله - عليه السلام -: «كل معروف صدقة» ~~، وقوله: «الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» وقوله: «من يسر على ~~معسر يسر الله عليه، ومن ستر مسلما ستر الله عليه» ، وقوله: «إن الله كتب ~~الإحسان على كل شيء» ، وقوله. «في كل كبدة رطبة أجر» ، «وأمر برد الخيط من ~~الغلول» . # وكذلك قوله - عليه السلام -: «تصدقوا ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة ~~طيبة» ، وقوله: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط ~~وجهك إليه» . # وفي رواية: «ولو أن تلقى أخاك بوجه # PageV01P156 # طلق» ، وقوله: «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» ، وأتم منه قوله ~~تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] ، وهذا حث على جلب ~~المصالح ودرئها، دقها وجلها، قليلها ms120 وكثيرها. ومن الأدلة المشتملة على ~~النهي عن الإفساد قوله تعالى {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} [الأعراف: ~~56] ، وقوله: {والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] ، وقوله: {زدناهم عذابا ~~فوق العذاب بما كانوا يفسدون} [النحل: 88] ، وقوله تعالى: {تلك الدار ~~الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا} [القصص: 83] ، ~~وقوله تعالى {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123] وأعم منه قوله تعالى: ~~{ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] . وهذا زجر عن المفاسد كلها، ~~قليلها وكثيرها، لأن أسبابها من جملة الشرور. وقد نص - عليه السلام - على ~~النهي عن غصب قضيب من أراك، وقال، «إياكم ومحراب الذنوب» . والكتاب والسنة ~~يشتملان على الأمر بالمصالح كلها دقها وجلها، وعلى النهي عن المفاسد كلها، ~~دقها وجلها. فمنه يدل بالوعد والوعيد، إذ لا يعد الثواب إلا على فعل مأمور، ~~ولا يوعد بالعقاب إلا على منهي عنه، ولو لم يكن في مخالفة الرب إلا ذل ~~المعصية في الدنيا، وخجلة الوقوف بين يديه في العقبى، مع العفو بعد ذلك ~~زاجرا كافيا، فكيف بمن يعاقب بعد ذلك بالعذاب وحرمان الثواب؟ # ولحقوق بعض المكلفين على بعض أمثلة كثيرة: منها التسليم عند القدوم، ~~وتشميت العاطس، وعيادة المرضى، ومنها الإعانة على البر والتقوى وعلى كل ~~مباح، ومنها ما يجب على الإنسان من حقوق المعاملات، ومنها الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر؛ لأن الأمر بالمعروف سعي في جلب مصالح # PageV01P157 # المأمور به، والنهي عن المنكر، سعي في درء مفاسد المنهى عنه، وهذا هو ~~النصح لكل مسلم، وقد بايع - صلى الله عليه وسلم - على النصح لكل مسلم، ~~ومنها تحمل الشهادة وأداؤها عند الحكام، ومنها حكم الحكام والأئمة والولاة ~~بإنصاف المظلومين من الظالمين، وتوفير الحقوق على المستحقين العاجزين، وصرف ~~الدعاء عن رب العالمين على ما ذكره عمر أمير المؤمنين، إذ قال في أول خطبة ~~خطبها: أيها الناس إن الله قد كلفني أن أصرف عنه الدعاء. # وقال أبو بكر - رضي الله عنه - في أول خطبة خطبها بمحضر من المهاجرين ~~والأنصار: أيها الناس إن قويكم عندنا لضعيف حتى نأخذ الحق منه، ms121 وإن ضعيفكم ~~عندنا لقوي حتى نأخذ له الحق ومعنى صرف الدعاء عن الله أن ينصف المظلومين ~~من الظالمين ولا يحوجهم أن يسألوا الله ذلك. # وكذلك أن يدفع حاجات الناس وضروراتهم بحيث لا يحوجهم أن يطلبوا ذلك من رب ~~العالمين، فما أفصح هذه الكلمة وما أجمعها لمعظم حقوق المسلمين، ومن ذلك ~~حفظ أموال الأيتام والمجانين والعاجزين والغائبين ومنها التقاط الأموال ~~الضائعة والأطفال المهملين، ومنها الضحايا والهدايا ومنها اصطناع المعروف ~~كله دقه وجله، ومنها إنظار المعسرين وإبراء المقترين، ومنها حقوق نكاح ~~النساء على الأولياء، وحقوق كل واحد من الزوجين على صاحبه، ومنها القسم بين ~~المتنازعين، ومنها الرأفة والرحمة إلا في استيفاء العقوبات المشروعات، ~~ومنها الإحسان إلى الرقيق بأن لا يكلفه ما لا يطيق، وأن يطعمه مما يأكل ~~ويلبسه مما يلبس، وأن يكرم من يستحق الإكرام من العبيد والإماء، ولا يفرق ~~بين الوالدة وولدها، ولا بين الأخت وأختها، وعلى الأرقاء القيام بحقوق ~~ساداتهم التي حث الشرع عليها وندب إليها، ومنها ستر الفضائح والكف عن إظهار ~~القبائح، ومنها الكف عن الشتم والظلم، ومنها جرح الشهود وتعديلهم وتفطير ~~الصائمين وإبرار المقسمين، ومنها كسوة العراة وفك العناة، ومنها القرض ~~والضمان والحجر بالإفلاس # PageV01P158 # على المرضى فيما زاد على الثلث، ومنها إعانة القضاة والولاة وأئمة ~~المسلمين على ما تولوه من القيام بتحصيل الرشاد ودفع الفساد وحفظ البلاد ~~وتجنيد الأجناد ومنع المفسدين والمعاندين. # ومنها نصح المستنصحين بل نصح جميع المسلمين، ومنها بر الوالدين وإسعاف ~~القاصدين، ومنها الإنكار على الناس باليد، فإن عجز عن ذلك فباللسان، أو ~~يكره ذلك بقلبه إن عجز عن اليد واللسان، وذلك أضعف الإيمان، ومنها الإنفاق ~~على الأقارب كالآباء والأمهات، والبنين والبنات، والأجداد والجدات، إذ ~~كانوا عاجزين، ومنها حضانة الأطفال وتربيتهم وتأديبهم وتعليمهم حسن الكلام، ~~والصلاة والصيام إذا صلحوا لذلك، والسعي في مصالح العاجلة والآجلة، ~~والمبالغة في حفظ أموالهم ودفع الأذى عنهم وجلب الأصلح فالأصلح لهم، ودرء ~~الأفسد فالأفسد عنهم، وإذا وجب هذا في حق الأصاغر والأطفال فما الظن بما ~~يلزم القيام به من مصالح المسلمين؛ ms122 ومنها حسن الصحبة وكرم العشرة، وكف ~~الأذى وبذل الندى، وإكرام الضيفان والإحسان إلى الجيران، وصلة الأرحام ~~وإطعام الطعام وإفشاء السلام، ومنها العدل في الأقوال والأفعال، والإحسان ~~والإجمال، ومنها الوفاء بالعقود والعهود، وإنجاز الوعود، وإكرام الوفود، ~~ومنها الإصلاح بين الناس إذا اقتتلوا واختلفوا وامتنعوا من الحقوق الواجبة، ~~أو بغوا على الأئمة أو اجترءوا على الأئمة. ومنها إرشاد الحيارى، وتزويج ~~الأيامى وود الأصدقاء، وإكرام الأرقاء والبشاشة عند اللقاء، ومنها أن يحسن ~~إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وبلغ من ذلك أن يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ~~ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه، ومنها أن ينزل الناس منازلهم ~~كتعظيم الأنبياء، وإكرام الأتقياء، واحترام الأولياء، وتوقير العلماء، ~~ورحمة الضعفاء، ومنها أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأن لا يبيع على بيعه، ولا ~~يسوم على سومه، ولا يشتري على شرائه ولا يخطب على خطبته، ولا # PageV01P159 # يجلس على تكرمته إلا بإذنه، ولا يظلمه ولا يشتمه، ولا يبرمه، ولا يخجله ~~ولا يرحله ولا يعجله، ولا يحقره ولا يخفره؛ ومنها الإيفاء إذا وفى، ~~والإغضاء إذا استوفى، ومنها أن يسامح بحقه، وأن يعفو عما يستحقه على الناس ~~من قصاص أو حد أو تعزير، وأن يغض بصره عن العورات، ويجيب الدعوات، ويقيل ~~العثرات، ويغفر الزلات، ويسد الخلات. # وأن يتصدق على الناس بماله وجاهه وجميع ما يقدر عليه من المعروف ~~والمبرات، ومنها ألا يحاسدهم ولا يقاطعهم ولا يدابرهم ولا يتكبر عليهم ولا ~~يسيء إليهم، وأن يترك اعتيابهم وهمزهم ولمزهم، والطعن في أعراضهم والقدح في ~~أنسابهم، وأن لا يتلقى الركبان، ولا يحتكر احتكارا يزيد في الأثمان، وأن لا ~~ينجش ولا يبخس ولا ينقص. # ومن أمثلة حقوق بعض المكلفين على بعض أن ينظر المعسر، ويتجاوز عن الموسر ~~ويوسع على المقتر، ولا يماطل بالحقوق، وأن يجانب العقوق، ولا يخاتل ولا ~~يماحل ولا يجاحد بالباطل، ولا يقطع كلام قائل، ومنها ألا يؤخر الزكاة إذا ~~وجبت، ولا الديون إذ طلبت، ولا الأحكام إذا أمكنت، ولا الشهادة إذا تعينت، ~~ولا الفتيا إذا تبينت وألا يؤخر ms123 حقوق الناس إلا بعذر شرعي وطبعي. # مثال ذلك: أن يؤخر الزكاة لحضور جار أو قريب أو لمن هو أشد ضرورة من ~~الحاضرين، وإلى حضور نائب أمير المؤمنين فيما يجب دفعه إلى الأئمة ~~المقسطين. # وكذلك الديون لا يجب دفعها إلا عند التمكن من إحضارها فإن كان بها لم يجب ~~دفعها حتى يشهد على مستحقها إقباضها، دفعا لضرر إنكار المستحق أو من ورثته. # وكذلك الشهادة على الشهادة، وكذلك تأخير إنكاح الكفء إذا التمسته المرأة ~~مع قرب المسافة. # وكذلك تأخير # PageV01P160 # ما يتعين من الشهادات إذا كان الشاهد مشغولا بأكل أو شرب أو صلاة، وكذلك ~~دفع الأمانة إلى أربابها مع الاشتغال بالأكل والشرب أو صلاة النافلة أو ~~الاستحمام، وقد يختلف في إيجاب بعض الحقوق كوضع الأجذاع وقسمة التعديل عن ~~الامتناع. وإنما أتيت بهذه الألفاظ في هذا الكتاب التي أكثرها مترادفات، ~~وفي المعاني متلاقيات حرصا على البيان، والتقرير في الجنان، كما تكررت ~~المواعظ والقصص والأمر والزجر، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب وغير ذلك ~~في القرآن، ولا شك أن في التكرير والإكثار من التقرير في القلوب ما ليس ~~الإيجاز والاختصار؛ ومن نظر إلى تكرير مواعظ القرآن ووصاياه ألقاها كذلك، ~~وإنما كررها الإله لما علم فيها من إصلاح العباد وهذا هو الغالب المعتاد. ~~ولو قلت في حق العباد هو أن يجلب إليهم كل خير، ويدفع عنهم كل ضير، لكان ~~ذلك جامعا عاما ولكن لا يحصل به من البيان ما يحصل بالتكرير وتنويع ~~الأنواع. # وكذلك لو قلت في حق الإله هو أن يطيعوه ولا يعصوه لكان مختصرا عاما ولكن ~~لا يفيد ما يفيده الإطناب والإسهاب. # وكذلك لو قلت في بعض حقوق المرء على نفسه هو أن ينفعها في دينها ودنياها ~~ولا يضرها في أولاها وأخراها، لكان ذلك شاملا لجميع حقوق المرء، وقد يظن ~~بعض الجهلة الأغبياء أن الإيجاز والاختصار أولى من الإسهاب والإكثار، وهو ~~مخطئ في ظنه لما ذكرنا من التكرير الواقع في القرآن والعادة شاهدة بخطئه في ~~ظنه، وما دلت العادة عليه، وأرشد القرآن إليه، أولى مما وقع ms124 للأغبياء ~~الجاهلين الذين لا يعرفون عادة الله ولا يفهمون كتاب الله، وفقنا الله ~~لاتباع كتابه وفهم خطابه. # PageV01P161 # وقد نظرت في القرآن فوجدته ينقسم إلى أقسام: أحدها الثناء على الإله، ~~والثاني: الأحكام، والثالث: توابع الأحكام ومؤكداتها وهي أنواع: # أحدها: مدح الأفعال وذمها ترغيبا في ممدوحها، وتزهيدا في مذمومها وهذا ~~ضرب من التأكيد. # النوع الثاني: مدح الفاعلين ترغيبا للعباد في الدخول في مدحة رب العالمين ~~التي هي زين للطائعين. # النوع الثالث: ذم الغافلين تنفيرا من الدخول في مذمة الله التي هي شين ~~للعاصين. وقد قال بعضهم لسيد المرسلين وخاتم النبيين صلى الله عليه وعلى ~~آله وصحبه أجمعين: «يا محمد اعطني فإن مدحي زين وهجوي شين، فقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: ذلك رب العالمين» . # النوع الرابع: الوعد بأنواع الثواب الآجل ترغيبا في تحصيل مصالح الطاعات. # النوع الخامس: الوعيد بأنواع العقاب الآجل تنفيرا من المعاصي والمخالفات. # النوع السادس: الوعد بأنواع الثواب العاجل، فإن النفوس قد جبلت على حب ~~العاجلة وذلك كقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] ~~{ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 3] ، {ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا} [الطلاق: 4] . # وكذلك بيان ما في الفعل من المصلحة العاجلة كقوله: {ادفع بالتي هي أحسن ~~فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34] ، وكقوله: {إن ~~تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد: 7] ، فإن في مصلحة الفعل حثا ~~عليه وترغيبا فيه. # PageV01P162 # النوع السابع: الوعيد بأنواع العقاب العاجل، فإن النفوس قد جبلت على ~~الخوف من المكروه الآجل وذلك كقوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: ~~178] ، وكقوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ، ~~وكقوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] . # وكذلك بيان ما في الفعل من المفسدة العاجلة كقوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} [النساء: 3] ، وكقوله: ~~{ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} [الأنفال: 46] ، فإن في بيان مفسدة ~~الفعل زجرا عنه وتزهيدا فيه. # النوع الثامن: الأمثال وهي ضربان: أحدهما ما ذكر ترغيبا في الخيور وله ~~مثالان. أحدهما ms125 قوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261] ~~، ذكر ذلك ترغيبا في النفقات وحثا على التبرعات. # المثال الثاني في مثل قوله تعالى: {كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء} [إبراهيم: 24] {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: ~~25] ، ذكر ذلك ترغيبا في كلمة التوحيد. # الضرب الثاني من الأمثال: ما ذكر تنفيرا من الشرور وله مثالان. أحدهما ~~قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] ، ذكره تنفيرا من ~~النفاق. # PageV01P163 # الثاني قوله تعالى: {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما ~~لها من قرار} [إبراهيم: 26] ، ذكره تنفيرا من كلمة الكفر. # النوع التاسع: قصص المرسلين وما فيها من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك ~~الكافرين، ذكره ترغيبا في اتباع المرسلين، وتنفيرا من عصيان النبيين، وكذلك ~~اللوم والتقريع والتوبيخ على بعض الأفعال. # النوع العاشر: تمننه علينا بما خلقه لأجلنا لنشكره على إحسانه إلينا ~~وإنعامه علينا، وله أمثلة: أحدها قوله: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} [النحل: 78] ، ~~ذكر ذلك لنشكره على هذه النعم الجسام التي لا يكاد أحد يذكرها إلا عند ~~اختلالها أو فقدها، ثم صرح بالسبب فقال: {لعلكم تشكرون} [النحل: 78] . # المثال الثاني: قوله: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال ~~أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته ~~عليكم لعلكم تسلمون} [النحل: 81] . # المثال الثالث: قوله: {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} [الجاثية: 12] ، وأعم من ذلك كله قوله: ~~{وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا} [الجاثية: 13] ، وكل شيء ~~ذكره تمننا علينا كان ذلك مقتضيا لأمرين، أحدهما: شكره على ذلك كما ذكرناه. # والثاني: إباحته لنا، إذ لا يصح التمنن علينا بما نهينا عنه، وقد تمنن ~~علينا في كتابه بالمآكل والمشارب، والملابس والمناكح، والمراكب والفواكه، ~~والتجمل والتزين والتحلي بالجواهر، فذكر تمننه بالضروريات والحاجيات، ~~والتتمات والتكملات، وهو ms126 كثير في القرآن، فمنه ما هو جالب للمصالح كقوله: # PageV01P164 # {لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} [النحل: 5] ، ومنه ما هو دارئ ~~للمفاسد كقوله: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: ~~81] . ومن مدح الإله نفسه ما لا يخرج مخرج المدح بل يخرج مخرج تأكيد ~~الأحكام كقوله: {والله بصير بما تعملون} [الحجرات: 18] ، ذكر ذلك ترغيبا في ~~الطاعات، وتنفيرا من المعاصي والمخالفات، وكقوله: {ثم جعلناكم خلائف في ~~الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} [يونس: 14] ، فإنا إذا تأملنا نظره إلينا ~~واطلاعه علينا استحيينا منه أن يرانا حيث نهانا، أو يفقدنا حيث اقتضانا. # وكذلك قوله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} ~~[آل عمران: 181] ، لم يذكر ذلك تمدحا بسمعه، وإنما ذكره تهديدا لقائليه ~~بخلاف قوله: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] ، إنما يتحقق ~~الترغيب والترهيب بصفة السمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة دون الحياة ~~والكلام، فإنهما لا يذكران إلا تمدحا، أما الحياة ففي مثل قوله: هو الحي ~~القيوم لا إله إلا هو. # وفي مثل قوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] وأما ~~الكلام ففي قوله: {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} [النحل: 76] يريد بمن يأمر ~~بالعدل: نفسه سبحانه وتعالى. فإن قيل كيف يتمدح بالحياة ولا يصح تمدح غيره ~~بها لاشتراك الحيوانات فيها؟ . قلنا: إنما يتمدح بحياة يختص بها بأزليتها ~~وأبديتها وكونها غير مستفادة من أحد، ولا شريك له في ذلك، فلما انفردت به ~~الصفات عن كل حياة، صح التمدح بها لاختصاصها بما ذكرناه، ولأنها تذكر تفرقة ~~بينه وبين الأصنام التي هي أموات غير أحياء، وإنما تمدح بالكلام في قوله: ~~{هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} [النحل: 76] ، وهو لأنه قابل به الأبكم الذي ~~لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه، فقابل الأمر بالعدل بالبكم الذي هو ~~الخرس # PageV01P165 # المانع من الكلام # وهذه الأحكام كلها والأنواع بأسرها شاهدة لما ذكرته من أن التأكيد ~~والتكرير أنفع وأنجع من ذكر الشيء مرة واحدة، فإن ما ذكرناه من توابع الأمر ~~يتنزل منزلة تكريره. ms127 والله يسمع من يشاء من عباده، فطوبى لمن فهم خطابه، ~~وتبع كتابه، وقبل نصائحه، فمن أفضل منائحه تفهم كتابه، وتعقل خطابه، ليتقرب ~~بذلك إليه شكرا على ما أولاه من إبلائه ومنحه وإعطائه، وشكره هو طاعته ~~واجتناب معصيته، ومن جملة شكره الثناء عليه والانقطاع إليه، وقد يقع في هذا ~~الكتاب من التكرير ما يدخل في بابين من المصالح فيذكر في أحد البابين لأجل ~~النوع الذي يليق بذلك الباب ويكرر في الباب الآخر لأجل النوع الآخر المتعلق ~~بالباب الآخر، فما وقع من هذا كان تكريره في بابين لأجل أن فيه دلالتين على ~~معنيين مختلفين، فمعظم حقوق العباد ترجع إلى الدماء والأموال والأعراض، وقد ~~أوحى بذلك - عليه السلام - في حجة الوداع وصية مؤكدة بقوله: «دماؤكم ~~وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا» ، وإنما شبهه ~~بذلك لأنه كان عندهم في أعلى غايات الاحترام، ثم أمر بتبليغ ذلك عنه بقوله: ~~«ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب» ، ثم اعتذر إلى ربه بقوله: «اللهم هل ~~بلغت؟ فقالوا نعم. فقال: اللهم اشهد» أي اشهد عليهم باعترافهم أني بلغتهم. # واعلم أن حقوق العباد ضربان: أحدهما حقوقهم في حياتهم. # والثاني حقوقهم بعد مماتهم من أنواع إكرامهم وغسلهم وحملهم وتكفينهم ~~ودفنهم وتوجيههم إلى القبلة والصلاة عليهم والدعاء لهم والزيارة ~~والاستغفار، وما يفعل بهم مما ندب إليه ولم يوجبه الشرع كالغسلة الثانية ~~والثالثة إلى السابعة، وكإحسان الأكفان وإحسان الحمل والمبالغة في الدعاء، ~~وحسن الوضع في القبر وحسن الدفن، ولا تسقط حقوق الميت بإسقاطه، فلو # PageV01P166 # أوصى بألا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن لم يلتفت إليه، لأن هذا ~~من الحقوق التي لا تقبل الإسقاط لما فيها من حق الله عز وجل. ### | [فائدة ما من حق للعباد يسقط بإسقاطهم إلا وفيه حق لله] # (فائدة) ما من حق للعباد يسقط بإسقاطهم أو لا يسقط بإسقاطهم إلا وفيه حق ~~لله، وهو حق الإجابة والطاعة، سواء كان الحق مما يباح بالإجابة أو لا يباح ~~بها، وإذا سقط حق الآدمي بالعفو فهل يعزر من ms128 عليه الحق لانتهاك الحرمة؟ فيه ~~اختلاف والمختار أنه لا يسقط إغلاقا لباب الجرأة على الله عز وجل. ### | [القسم الثالث من أقسام الضرب الثاني من جلب المصالح ودرء المفاسد] # حقوق البهائم والحيوان على الإنسان، وذلك أن ينفق عليها نفقة مثلها ولو ~~زمنت أو مرضت بحيث لا ينتفع بها، وألا يحملها ما لا تطيق ولا يجمع بينها ~~وبين ما يؤذيها من جنسها أو من غير جنسها بكسر أو نطح أو جرح، وأن يحسن ~~ذبحها إذا ذبحها ولا يمزق جلدها ولا يكسر عظمها حتى تبرد وتزول حياتها وألا ~~يذبح أولادها بمرأى منها، وأن يفردها ويحسن مباركها وأعطانها، وأن يجمع بين ~~ذكورها وإناثها في إبان إتيانها، وأن لا يحذف صيدها ولا يرميه بما يكسر ~~عظمه أو يرديه بما لا يحلل لحمه. # والحقوق كلها ضربان: أحدهما مقاصد. # والثاني وسائل ووسائل وسائل، وهذه الحقوق كلها منقسمة إلى ما له سبب وإلى ~~ما ليس له سبب فأما ما لا سبب له فكالمعارف والحج والاعتكاف والطواف، وأما ~~ما له سبب فكالصلاة والزكاة والمعاملات والحقوق الماليات # PageV01P167 # فإن قيل: هلا كان دخول أشهر الحج سببا لوجوبه كما كان دخول وقت الصلاة ~~سببا لوجوبها؟ قلنا قد يجب الحج قبل دخول وقته على من بعدت داره وفي هذا ~~بحث، ولا يتعلق حظر ولا إيجاب ولا كراهة ولا استحباب إلا بفعل داخل تحت ~~قدرة المكلف واختياره، والتكاليف مقيدة بالحياة. ### | [فصل في انقسام الحقوق إلى المتفاوت والمتساوي والمختلف فيه] # في انقسام الحقوق إلى المتفاوت والمتساوي والمختلف فيه اعلم أن حقوق الرب ~~وحقوق عباده أقسام: أحدها متساوي، والثاني متفاوت، والثالث مختلف في تساويه ~~وتفاوته؛ وسأذكر لذلك أمثلة في فصول ترشد إلى نظائرها. # الفصل الأول: في تقديم حقوق الله بعضها على بعض عند تعذر جمعها وعند ~~تيسره لتفاوت مصالحها وله أمثلة: منها تقديم الصلوات المفروضات على الصلوات ~~المندوبات، ومنها تقديم الطاعات الواجبات في أواخر الأوقات على الطاعات ~~المندوبات، ومنها تأخير الظهر للإبراد، ومنها تقديم الصلاة المقضية على ~~الصلاة المؤداة إذا اتسع وقت المؤداة، ومنها تقديم الصلاة ms129 المؤداة على ~~الصلاة المقضية إذا ضاق وقت المؤداة عند الشافعي - رحمه الله -، لئلا تفوت ~~مصلحة الأداء في الصلاتين. # ومنها الترتيب في الصلوات الفائتات، ومنها تقديم النوافل المؤقتة التي ~~شرعت فيها الجماعة كالعيدين والكسوفين على الرواتب، ومنها # PageV01P168 # تقديم الرواتب على النوافل المبتدآت، ومنها تقديم الوتر وركعتي الفجر على ~~سائر الرواتب، والأصح تقديم الوتر على ركعتي الفجر، ومنها تقديم الزكاة على ~~سائر الصدقات المندوبات، ومنها تقديم الصوم الواجب على المندوب، ومنها ~~تقديم فرض الحج والعمرة على مندوبيهما، ومنها تقديم الإفراد على القران عند ~~قوم، وتقديم التمتع على الإفراد عند قوم، وتقديم القران عليهما عند آخرين، ~~ومنها التقديم في جمع عرفة، ومنها التأخير في جمع مزدلفة، ومنها رمي جمرة ~~العقبة بعد طلوع الشمس، ومنها رمي سائر الجمرات بعد الزوال. # ومنها تأخير العشاء على قول، ومنها الإتمام في سفر لا تبلغ مسيرته ثلاثة ~~أيام، ومنها تأخير الصيام في حق من يضره الصيام، وفي تقديم ترتيب أركان ~~الصلاة على الاقتداء في حق المزحوم قولان، ومنها تقديم الكفارات على ~~الوصايا المندوبات عند ضيق التركات، ومنها أن المسافر إذا عرف أنه يجد ~~الماء في آخر الوقت فتأخير الصلاة أفضل من المبادرة إليها بالتيمم، وهاتان ~~فضيلتان لا يمكن الجمع بينهما، وإنما قدمنا التأخير لأنه راجع إلى رعاية ~~الشروط وما رجع إلى رعاية الشروط والأركان أولى مما رجع إلى السنن والآداب، ~~ويدل على ذلك أن المبادر مخير بين المبادرة وتركها والقادر على الماء لا ~~يتخير بينه وبين التيمم لشرفه وعلو رتبته، ولو ظن وجود الماء في آخر الوقت ~~فقولان: أحدهما يؤخر لما ذكرناه. # والثاني لا يؤخر لأن المبادرة فضيلة محققة فلا يؤخرها لفضيلة مظنونة، وإن ~~لم يظن ذلك فلا خلاف عند المراوزة أن المبادرة أولى إذ لا معارض لها، ~~والمبادرة إلى الصلاة في الانفراد أفضل من انتظار الجماعة في آخر الوقت، ~~لأن الجماعة ليست شرطا والذي قالوه ظاهر السنة. # وقد قال بعض العراقيين في انتظار الجماعة قولين، ومنها أن من أراد التبرع ~~بماء الطهارة على أفضل القربات قدم غسل ms130 الميت على غسل الجنب والحائض لأنه ~~آخر عهد الميت، والجنب والحائض # PageV01P169 # يصبران إلى طهارة الماء، ويقدم غسل النجاسة على غسل الحيض والجنابة وهو ~~قريب من الجمع بين الحقوق، لأن غسل النجاسة لا بدل له وغسل الحيض والجنابة ~~له بدل وهو التيمم. # وفي تقديم غسل الميت على غسل النجاسة وجهان: # أحدهما: يقدم غسل الميت لأنه آخر عهده. # والثاني: يقدم غسل النجاسة إذ لا بد له وييمم الميت وفي غسل الحيض ~~والجنابة أوجه ثالثها التسوية بينهما فتقرع بينهما، فإن طلب أحدهما القسمة ~~والآخر القرعة فمن يجاب؟ وجهان ومنها تقديم غسل الجمعة والغسل من غسل الميت ~~على سائر الأغسال المندوبات، وأيهما أفضل فيه قولان، ومنها أن العري عذر في ~~ترك الجماعة غير مانع للصحة، والانفراد فيه أفضل من الاجتماع على الجديد، ~~ويقدم ستر السوأتين على ستر الفخذين عند العجز، فإن لم يجد إلا ما يكفي ~~أحدهما ففي المقدم منهما اختلاف، ولا خلاف في تقديم ستر النساء على ستر ~~الرجال دفعا لأعظم المفسدتين، ولو انحل إزار المصلي أو كشف الريح سوأته، ~~فإن تعذر رده بطلت صلاته لندرته وعظم المفسدة، وإن رده قريبا لم تبطل، وإن ~~تكشف أو تحرف عن القبلة أو لاقى نجاسة يابسة فإن تعمد بطلت صلاته، وإن لم ~~يتعمد لم تبطل إلا أن يطول الزمان. ### | [الفصل الثاني فيما يتساوى من حقوق الرب فيتخير فيه العبد] # ، وله أمثلة: منها أنه إذا كان عليه صوم أيام من رمضانين فإنه يتخير ~~بينهما، ومنها أنه إذا كان على الشيخ الفاني فدية من رمضانين فما زاد فإنه ~~يتخير بينهما. # وكذلك لو اجتمع عليه زكاة إبل وبقر وغنم وذهب وفضة # PageV01P170 # فإنه يتخير في تقديم أيتها شاء، ومنها أنه إذا لزمه حج أو عمرة بنذر واحد ~~أو بنذور مختلفة فإنه يبدأ بأيهما شاء، متخير بين العمر والحجج، ويرتب ~~العمر على الحجج. ### | [الفصل الثالث فيما اختلف في تفاوته وتساويه من حقوق الإله] # لاختلاف في تساوي مصلحته وتفاوتها وله أمثلة: منها أن العاري هل يصلي ~~قاعدا موميا بالركوع والسجود محافظة على ms131 ستر العورة، أو يصلي قائما متما ~~لركوعه وسجوده وقيامه لأنها أركان عظيمة الوقوع في الصلاة فكانت المحافظة ~~عليها أولى من المحافظة على ستر العورة الذي هو شرط مختلف في اشتراطه بين ~~العلماء، أو يتخير بينهما لاستوائهما؟ فيه خلاف والمختار إتمام الركوع ~~والسجود والقيام، ومنها أن من حبس في حبس لا يقدر فيه على مكان طاهر فهل ~~يسجد على النجاسة إتماما للسجود أو يقاربها من غير أن يمسها أو يتخير، فيه ~~الأوجه الماضية، فإن كانت النجاسة رطبة فقد قطع بعضهم بأنه لا يضع جبهته ~~على النجاسة فيستصحب النجاسة في جميع صلاته، ومنها أنه إذ لم يكن له إلا ~~ثوب واحد نجس فهل يصلي عاريا توقيا للنجاسة أو مستترا توقيا لكشف العورة، ~~أو يتخير؟ فيه الأوجه الثلاثة. ومنها أنه إذا كان معه ثوب طاهر وهو في مكان ~~نجس فهل يبسط ثوبه ويصلي عليه توقيا للنجاسة أو يصلي بثوبه على النجاسة ~~توقيا للعري أو يتخير؟ فيها الأوجه الثلاثة. # PageV01P171 ### | [الفصل الرابع فيما يقدم من حقوق بعض العباد على بعض] # لترجح التقديم على التأخير في جلب المصالح ودرء المفاسد وله أمثلة: منها ~~تقديم نفقة المرء وكسوته وسكناه على نفقة زوجته وأصوله وفصوله وكسوتهم ~~وسكناهم، ومنها تقديم نفقة زوجه وكسوتها وسكناها على نفقة أصوله وكسوتهم ~~وسكناهم، ومنها بيع ماله ومسكنه وعبيده وإمائه في نفقة هؤلاء وكسوتهم ~~وسكناهم، ومنها تقديم غرمائه عليه في جميع أمواله في قضاء ديونهم، ومنها ~~تقديمه على غرمائه بنفقته ونفقة عياله وكسوته وكسوة عياله من حين يحجز عليه ~~إلى يوم وفاء دينه. ومنها تقديم المضطر عليه بالطعام والشراب إن لم يكن ~~مضطرا إليهما. ومنها تقديم المرأة على الرجل والمسافر على المقيم في ~~المخاصمات عند الحكام، ومنها تقدم الأفاضل على الأراذل في الولايات، ومنها ~~تقديم الأفضل على الفاضل في المناصب الدينيات، ومنها تقديم ذوي الضرورات ~~على ذوي الحاجات فيما ينفق من الأموال العامة. # وكذلك التقديم بالحاجة الماسة على ما دونها من الحاجات، وكذلك التقديم ~~بالسبق في الفتاوى والحكومات، وكذلك التقديم في القصاص بالسبق إلى ms132 ~~الجنايات، بأن يبدأ بقصاص الأول فالأول من القتلى أو الجرحى أو مقطوعي ~~الأعضاء، وتقديم القاتل بسلب القتيل على سائر الغزاة. # وكذلك التقديم بالسبق إلى المساجد ومقاعد الأسواق واكتساب المباحات، ~~وكذلك تقديم أحد الزوجين على الآخر بالفسخ بعيوب النكاح، وكذلك تقديم حق ~~المرأة على الرجل في الفسخ بالإعسار وفي الطلاق بالإيلاء، وكذلك التقديم ~~بالفسوخ في المعاوضات. # PageV01P172 ### | [الفصل الخامس فيما يتساوى من حقوق العباد فيتخير فيه المكلف] # جمعا بين المصلحتين ودفعا للضررين وله أمثلة: منها النفقات على الزوجات ~~والعبيد والأولاد والآباء والأجداد إذا وسعتهم النفقات، ومنها إذن المرأة ~~لأوليائها في النكاح والإنكاح عند التساوي في الدرجات، ومنها التسوية بين ~~الزوجات في القسم والنفقات، وكذلك تسوية الحكام بين الخصوم في المحاكمات. # وكذلك تسوية الشركاء في طلب القسمة وفي الإجبار عليها في المثليات، وكذلك ~~ما يقبل قسمة التعديل في المقومات، وكذلك التسوية بين البائع والمشتري في ~~الإجبار على قبض العوضين. # وكذلك تسوية الحكام في قسمة مال المحجوز عليه بالفلس، وكذلك التسوية بين ~~الشركاء في حق الشفعة، وكذلك التسوية بين السابقين إلى شيء من المباحات. ### | [الفصل السادس فيما يتقدم من حقوق الرب على حقوق عباده] # إحسانا إليهم في أخراهم وله أمثلة: منها تقديم الصلوات المفروضات عند ضيق ~~الأوقات على الرفاهية والشراب والطعام وسائر التصرفات، وليس تقديم إنقاذ ~~الغرقى وتخليص الهلكى على الصلوات من هذا الباب وإنما هو من باب تقديم حق ~~الله وحق العباد على الصلوات، ومنها تحمل المشقات في العبادات فإنها مقدمة ~~على قضاء الأوطار والراحات، ومنها تقديم الزكاة على الحاجات، # PageV01P173 # ومنها بذل النفوس والأموال في قتال الكفار مع تعريض النفوس والأعضاء ~~للفوات، ومنها تقديم سراية العتق على صرف الأموال في قضاء الأوطار ودفع ~~الحاجات، وهذا على الحقيقة حق لله وحق للعبد، لكن غلب فيه حق الله إذ لا ~~يسقط بإسقاط العبد، ولا يجوز له تأخيره تغليبا لحق الله عز وجل، ومنها ~~التغرير بالنفوس والأعضاء في قتال من يجب قتاله، فمن يمتنع من أداء حق يجب ~~أداؤه بالمحاربة كقتال البغاة ومانعي الزكاة، ومنها تحريم ms133 الوطء في الصوم ~~والحج والعمرة والاعتكاف، ومنها تحريم وطء الحيض في جميع الأحوال إلا في ~~حال إلجاء أو إكراه، ومنها تحريم وطء المتحيرة في جميع الأوقات وتضعيف ~~الصوم عليها حتى يبلغ شهرين فما زاد. # وكذلك الصلوات في جميع الأوقات، وكذلك غسل العصائب عند أوقات الصلوات، ~~ومنها تحريم لباس المخيط وتحريم ستر رءوس الرجال ووجوه النساء في الإحرام، ~~وكذلك تحريم قلم الأظفار وإبانة الشعر والطيب والإدهان في الإحرام والتلذذ ~~بالنساء، وتحريم أكل الصيد والاصطياد، ومنها تحريم النكاح والإنكاح في ~~الإحرام، ومنها تحريم الطعام والشراب والجماع على الصوام، ومنها تزكية ~~الشهود فإن الغالب عليها حق الله إذ لا تسقط بإسقاط المشهود عليه، ومنها ~~الأنساب فإنها حق لله ولعباده ولا تسقط بإسقاط مسقطيها، ومنها تحليف المدعى ~~عليه فإن الغالب عليه حق الله، فلو رضي المدعي بأن يجعل القول قول المدعى ~~عليه من غير نكول لم يسمع ذلك منه، ومنها دفع الغرر عن البياعات فإنه اعتبر ~~للحقين، والغالب عليه حق الله بدليل أنه لا يسقط بإسقاط عصبات المزني بها ~~لأن الشرع لو فوض استيفاءه إليهم لما استوفوه خوفا من العار والشنار، بخلاف ~~استيفاء القصاص وحد القذف فإنهما حقان لله ولعباده، غلب عليهما حق العبد ~~بالاستيفاء والإسقاط شفاء لغليل المقذوف والمجني عليه إن كان حيا ولورثته ~~إن كان ميتا، ومن ذلك حد # PageV01P174 # السرقة وجب صيانة للأموال، ولم يفوض إلى المسروق منه لغلبة الرحمة على ~~الملاك أن يقطعوا السارق بسرقة ربع دينار ونظائر هذا كثيرة. ### | [الفصل السابع فيما يتقدم من حقوق العباد على حقوق الرب] # رفقا بهم في دنياهم وله أمثلة: منها التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه حفظا ~~للنفوس والأعضاء، ليقوم المكلف بعد ذلك بوظائف الطاعات والعبادات، ومنها ~~ترك الصلاة والصيام وكل حق يجب لله على الفور بالإلجاء والإكراه، ومنها ~~الأعذار المجوزة لقطع الصلوات، ومنها الأعذار المجوزة لترك الجماعات ~~والجمعات، ومنها الأعذار المجوزة لترك الجهاد، ومنها الانهزام يوم الزحف ~~وهو جائز إذا أربى عدد الكفرة على عدد الإسلام مع التقارب في الصفات، وليس ~~منها وجوب الفرار ms134 من الكفار في حق من علم أنه لو ثبت لقتل من غير نكاية في ~~الكفار، فإن ثبوته لا جدوى له إلا كسر قلوب المسلمين وشفاء صدور الكافرين، ~~ومنها التحلل بالإحصار بالعدو وفي الإحصار بغيره من الأعذار خلاف بين ~~العلماء، ومنها تأخير الصيام بالأمراض والأسفار، ومنها قصر الصلوات الثلاث ~~في السفر، ومنها جمع التقديم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ~~بالأسفار والأمطار، ومنها الشرب في أواني الذهب والفضة عند الحاجة ولبس ~~الحرير عند الحكة. # PageV01P175 ### | [الفصل الثامن فيما اختلف فيه من تقديم حقوق الله على حقوق عباده] # وله أمثلة: أحدها إذا مات وعليه ديون وزكوات فإن كانت نصب الزكوات باقية ~~قدمت الزكوات لأن تعلقها بالنصب يشبه تعلق الديون بالرهون، وإن كانت تالفة ~~فمن العلماء من قدم الديون نظرا إلى رجحان المصلحة في حقوق العباد، ومنهم ~~من سوى بينهما لتكافؤ المصلحتين عنده، ومنهم من قدم الزكوات نظرا إلى رجحان ~~المصلحة في حقوق الله وهذا هو المختار لوجهين: أحدهما قوله - عليه السلام ~~-: «فدين الله أحق بالقضاء» ؛ فجعل دين الله أحق بالقضاء من ديون العباد. # والثاني: أن الزكوات فيها حق لله وحق للفقراء والمساكين فكانوا أحق ~~بالتقديم، فلا يجوز تقديم واحد على حقين، ولا سيما إذا كان الدين لغني، إذ ~~لا نسبة لحقه إلى حق الفقراء مع ضرورتهم وخصاصتهم، وإذا كان في الكفارة عتق ~~كان أولى بالتقديم لاهتمام الشرع به وكثرة تشوقه إليه، فإنه يكمل مبعضه ~~فيمن أعتق بعض عبده، ويسري إلى أنصباء الشركاء. فإن قيل: لو وجبت الكفارة ~~في الغلاء الشديد والخوف على النفوس فهل يقدم الطعام فيها على العتق ~~والكسوة أم لا؟ قلنا: أما الكفارة المرتبة فلا يجوز تغيير ترتيبها بل يقدم ~~فيها ما قدمه الله، ويؤخر فيها ما أخره الله، وأما كفارة الأيمان وكفارة ~~الحلق في الحج فيقدم فيها الطعام والنسك على الصيام، وكذلك يقدم الطعام في ~~الكفارة على الإعتاق ولا سيما إذا كان الرقيق عاجزا عن الاكتساب مع غلاء ~~الأسعار، فإن إعتاقه يضر به # PageV01P176 # وبالمساكين، لأنه مسقط لنفقته على مولاه، ومانع ms135 للمساكين من الارتفاق ~~بالطعام مع سوء الحال وغلاء الأسعار. # المثال الثاني: اجتماع الحج والديون على الميت فمنهم من يقدم الحج لورود ~~النص في تقديمه بقوله - عليه السلام -: «فدين الله أحق بالقضاء» ومنهم من ~~يقدم الدين، ومنهم من يسوي بينهما إن وجد من يحج بالحصة. # المثال الثالث: إذ اجتمع حق سراية العتق مع الديون ففيه نفس الأقوال، ~~والمختار تقديم سراية العتق، لما ذكرناه في اجتماع الديون والزكوات. ### | [فصل فيما يثاب عليه من الطاعات] # الواجبات أقسام: أحدها ما تميز لله بصورته فهذا يثاب عليه مهما قصد إليه ~~وإن لم ينو به القربة كالمعرفة والإيمان والأذان والتسبيح والتقديس وقراءة ~~القرآن. # القسم الثاني: ما لم يتميز من الطاعات لله بصورته لكنه شرع قربة لله عز ~~وجل، فهذا لا يثاب عليه إلا بنيتين: # إحداهما: نية إيجاد الفعل. # والثانية: نية التقرب به إلى الله عز وجل، فإن تجرد عن نية التقرب أثيب ~~على أجزائه التي لا تقف على نية القربة كالتسبيحات والتكبيرات والتهليلات ~~الواقعة في الصلوات الفاسدة. # القسم الثالث: ما شرع للمصالح الدنيوية ولا تتعلق به المصالح الأخروية ~~إلا تبعا كإقباض الحقوق الواجبة، وفروض الكفايات التي # PageV01P177 # تتعلق بها المصالح الدنيوية من الحرث والزرع، والنسج والغزل، والصنائع ~~التي يتوقف عليها بقاء العالم، ودفع ما يجب دفعه وقطع ما يجب قطعه، فهذا لا ~~يؤجر عليه إذا قصد إليه إلا أن ينوي به القربة إلى الله عز وجل، فإن الله ~~لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، وإنما الأعمال بالنيات. فكم من ~~مقيم لصور الطاعات ولا أجر له عليها، وكذلك لا يثاب على ترك العصيان إلا ~~إذا قصد بذلك طاعة الديان، فحينئذ يثاب عليه، بل لو قصد الإنسان القربة ~~بوسيلة ليست بقربة لا يثاب على قصده دون فعله، كمن قصد نوم بعض الليل ~~ليتقوى به على قيام بقيته، وكمن قصد الأكل ليتقوى به على الجهاد وغيره من ~~الطاعات، ولو نذر ذلك لم يلزمه، ولو قصد المعصية بما ليس بمعصية لعوقب على ~~قصده دون فعله، مثل أن يقصد ms136 وطء جارية أو أكل طعام يظنهما لغيره، فوطئ وأكل ~~مع كونهما ملكا له، فإنه يعاقب على قصده دون فعله. ### | [قاعدة في الجوابر والزواجر] # (قاعدة) في الجوابر والزواجر الجوابر مشروعة لجلب ما فات من المصالح، ~~والزواجر مشروعة لدرء المفاسد، والغرض من الجوابر جبر ما فات من مصالح حقوق ~~الله وحقوق عباده، ولا يشترط في ذلك أن يكون من وجب عليه الجبر آثما، وكذلك ~~شرع الجبر مع الخطأ والعمد والجهل والعلم والذكر والنسيان، وعلى المجانين ~~والصبيان، بخلاف الزواجر فإن معظمها لا يجب إلا على عاص زجرا له عن ~~المعصية، وقد تجب الزواجر دفعا للمفاسد من غير إثم ولا عدوان، كما في حد ~~الحنفي إذا شرب النبيذ، ورياضة البهائم، وتأديب الصبيان استصلاحا لهم. وقد ~~اختلف في بعض الكفارات هل هي زواجر أم جوابر فمنهم من جعلها زواجر عن ~~العصيان لأن تفويت الأموال وتحميل المشاق رادع زاجر عن الإثم والعدوان، ~~والظاهر أنها جوابر لأنها عبادات وقربات لا تصح إلا بالنيات، وليس التقرب ~~إلى الله زاجرا، بخلاف الحدود والتعزيرات فإنها ليست بقربات # PageV01P178 # إذ ليست فعلا للمزجور، وإنما يفعلها الأئمة ونوابهم. # والجوابر تقع في العبادات والأموال والنفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء ~~والجراح. والجوابر تقع في العبادات وغيرها وهي أنواع كثيرة. فأما الجوابر ~~المتعلقة بالعبادات فمنها جبر الطهارة بالماء بالطهارة بالتراب، ومنها جبر ~~ما فات بالسهو من ترتيب الصلاة والكف عن الأفعال المفسدة بالسجود، ومنها ~~التشهد الأول والقنوت بالسجود، ومنها جبر ما فات من القبلة وقت المسابقة ~~بجهة المقاتلة، ومنها جبر القبلة بصوب السفر في حق النوافل، ومنها صلاة ~~الجماعة لمن صلى منفردا فإنها جابرة لما فات من فضيلة الجماعة في صلاة ~~الانفراد، ومنها جبر ما بين السنتين من التفاوت في الزكاة بشاتين أو عشرين ~~درهما، وهذا جبر خارج عن قياس الجبر بالقيم، ومنها جبر الصوم في حق الشيخ ~~الكبير بمد من الطعام، وكذلك جبر المرضع والحامل بالفدية لما فاتهما من ~~أداء الصيام، ومنها جبر تأخير قضاء صوم رمضان إلى رمضان آخر عن كل يوم بمد ~~من طعام، ms137 ومنها جبر مناهي النسك بالدماء والطعام والصيام. ومنها نقص التمتع ~~والقران بالدم ثم بالصيام، ومنها جبر الرمي وترك الإحرام من المواقيت ~~بالتخيير بين النسك والطعام وصيام ثلاثة أيام. ومنها جبر الصيد المأكول ~~البري في الحرم أو الإحرام بالمثل والطعام والصيام، ومنها جبر الصيد ~~المملوك لمالكه بقيمته وللرب بالمثل أو الطعام أو الصيام، وهذا متلف واحد ~~جبر ببدلين مختلفين، ومنها جبر أشجار الحرم بالنعم والتخير بينها وبين ~~الإطعام والصيام. واعلم أن الصلاة لا تجبر إلا بعمل بدني، والأموال لا تجبر ~~إلا بجابر مالي والنسكان يجبران تارة بعمل بدني وتارة يجبران بجابر مالي ~~فالبدني # PageV01P179 # كالصيام في التمتع والقران وبعض محضورات الإحرام، والمال كذبح النسك ~~والإطعام وإتلاف الصيد، يخير بالهدي أو الطعام أو الصيام، والصوم تارة يجبر ~~بمثله في حق من مات وعليه صيام وتارة يجبر بالمال كما ذكرناه في حق الشيخ ~~الكبير. # وأما الجوابر المتعلقة بالأموال فالأصل رد الحقوق بأعيانها عند الإمكان ~~فإذا ردها كاملة الأوصاف برئ من عهدتها، وإن ردها ناقصة الأوصاف جبر ~~أوصافها بالقيمة، لأن الأوصاف ليست من ذوات الأمثال، إن ردها ناقصة القيمة ~~موفرة الأوصاف لم يضمن ما نقص قيمتها بانخفاض الأسواق خلافا لأبي ثور، لأنه ~~لم يفت شيئا من أجزائها ولا من أوصافها. مثاله: إذا غصب حنطة تساوي مائة ~~فردها وهي تساوي عشرة، أو غصب ثوبا يساوي عشرة فرده وهو يساوي خمسة لانحطاط ~~الأسعار لأن الغاية رغبات الناس وهي غير متقومة في الشرع، والصفات والمنافع ~~لا يمكن رد أعيانها فتضمن الصفات عند الفوات بما نقص من قيم الأعيان. # وتضمن المنافع بأجور الأمثال إذا تعذر رد الأعيان، ولها حالان: أحدهما أن ~~تكون من ذوات الأمثال فتجبر بما يماثلها في المالية وجميع الأوصاف الخلقية ~~كضمان البر بالبر، والزيت بالزيت، والسمسم بالسمسم، والشيرج بالشيرج، وإنما ~~يجب جبرها لقيامها من جميع الوجوه وجميع الأعراض؛ فإن الأعيان إذا تساوت في ~~قدر المالية وفي الأوصاف الخلقية فقد حصل الجبر بما يقصده العقلاء من ~~المالية والأوصاف وجميع الأعراض، ولا مبالاة بتفاوت العين إذ لا يتعلق ms138 به ~~غرض عاقل بعد الفوات ولا يعدل ذلك إلا في صورتين: إحداهما إذا أدى إلى نقص ~~المالية مثل أن يشرب المضطرون ماء مغصوبا في مظان فقد # PageV01P180 # الماء وغلاء ثمنه وارتفاع قيمته فإنهم يضمنونه إذا حضروا بقيمته في محل ~~عزته كي لا تضيع على مالكه قيمته وماليته، وكذلك نظائره. # المثال الثاني: جبر لبن المصراة بالتمر فإنه مثلي خارج عن جبر الأعيان ~~بالقيم والأمثال، وإنما نحكم بذلك لأنا لا نعلم ما اختلط من لبن البائع ~~بلبن المشتري فتولى الشرع تقديره، إذ لا سبيل لنا إلى تقديره، وجعله بالتمر ~~لموافقته للبن في الاقتيات ولعزة التقدير عند العرب. فإن قيل: لو جبر المال ~~المقطوع بحله بمثله من مال أكثره حرام فقد فات وصف مقصود في الشرع وعند ~~أولي الألباب، فهل يجبر المستحق على أخذه مع التفاوت الظاهر بين الحلال ~~المحض وبين ما تمكنت بشبهة الحرام؟ قلنا: في هذا نظر واحتمال وظاهر حكمهم ~~أنه يجبر على أخذه كما يجبر رب الدين على أخذ مال اعترف بأنه حرام، وفي هذا ~~أيضا بعد وإشكال. # الحال الثانية: من تعذر رد الأعيان أن تكون العين من ذوات القيم كالشاة ~~والبعير والعبد والفرس فيجبر كل واحد منهما بما يماثله في القيمة والمالية ~~لتعذر جبره بما يماثله في سائر الصفات، فإن أتلفه متلف ليس في يده بأن أحرق ~~دارا ليست في يده، أو قتل عبدا في يد سيده، أو أتلف دابة في يد راكبها فإنه ~~يجبر ذلك بقيمته وقت إتلافه لأنها هي التي فوتها. # وإن فات شيء من ذلك تحت يده الضامنة بتفديته أو بتفويته أو بتفويت غيره ~~أو بآفة سماوية فإنه يخير عند الشافعي - رحمه الله - بقيمته أكبر ما كانت ~~من حين وضع يده إلى حين الفوات تحت يده، لأنه مطالب برده في كل زمان، فلذلك ~~وجب عليه أقصى قيمة. وقال بعض العلماء: يجبر كل شيء بمثله من حيث الخلقة ~~وإن تفاوتت أوصافه، وهذا إن شرط التساوي في المالية فقريب، وإن لم يشترط ~~ذلك فقد أبعد عن الحق ونأى عن ms139 الصواب، فإن جبره بأكثر من قيمته ظلم لغاصبه، ~~وجبره بدون قيمته # PageV01P181 # ظلم لمالكه بما نقص من ماليته، ولا يجوز القياس على جبر الصيد بالمثل من ~~النعم، فإن ذلك تعبد حائد عن قواعد الجبر. # وأما صفات الأموال فليست من ذوات الأمثال، والطريق إلى جبرها إذا فاتت ~~بسبب مضمن أو فاتت تحت الأيدي الضامنة أن تقوم العين على أوصاف كمالها، ثم ~~تقوم على أوصاف نقصانها فيجبر التفاوت بين الصفتين بما بين القيمتين مثل إن ~~غصب شابة حسنة فصارت عنده عجوزا شوهاء فيجبر ما فات من صفة شبابها ونضارتها ~~بما بين قيمتيها، وكذلك لو عيب شيئا من الأموال فإنه يجبره بما بين قيمته ~~سليما ومعيبا، وكذلك لو هدم دارا فإنه يجبر تأليفها بما بين قيمتها في ~~حالتي البناء والانهدام، لأن تأليفها ليس من ذوات الأمثال. وقد نص الشافعي ~~- رحمه الله - على أن الغاصب لو حفر الأرض فنقصت بحفر لزمه أن يرد التراب ~~إلى حفره ليسوي الأرض كما كانت. وهذا قضاء بأن تأليف بعض التراب إلى بعض ~~وتسوية الحفر من ذوات الأمثال، فإنه لو كان من ذوات القيم لأوجب عليه أرش ~~النقصان، وعلى هذا لو رفع خشبة من جدار أو حجرا من بين أحجار ثم ردهما إلى ~~مكانيهما أجزأه ذلك لأنه محصل لمثل الغرض الأول من غير تفاوت، فأشبه تسوية ~~الحفر وطم الآبار تنزيلا لتماثل التأليفات منزلة تماثل المثليات. وعلى هذا ~~لو نقض قصرا مبنيا بالأحجار من غير طين ولا جيار وأمكن أن يرد كل حجر في ~~مكانه من غير تفاوت لم يلزمه سوى ذلك كما لا يلزمه شيء إذا سوى الحفر وطم ~~الآبار وقد ذكر بعض الأصحاب أن الشريك إذا هدم الجدار المشترك أجبر على ~~إعادته، فإن أراد بذلك ما لا يساوي تأليفه فهو صواب، وإن أراد بذلك وجوب ~~الإعادة مع تفاوت التأليف فهو خارج عن قياس الشرع، وإبدال المتلفات لأدائه ~~إلى إبدال الفائت بدونه أو بأفضل منه. # PageV01P182 # فإن قيل: لو زادت قيمة المتلف بصفة ترغب بمثلها العصاة وتزيد بها القيم ~~عندهم كالكبش ms140 النطاح والديك المهراش والغلام الفاتن بحسن صورته وحركته فإن ~~لهؤلاء قيمة زائدة عند أهل الفساد على القيمة المعتبرة عند أهل الصلاح؟ ~~قلنا: لا نظر إلى ذلك لفساد الغرض المتعلق به، كما لا نظر إلى قيمة الزمر ~~والكوبة والصور المحرمة، وإنما العبرة بقيمة ذلك عند أهل الرشد والصلاح كما ~~في كسر الأوثان والصلبان. # وأما جبر الأروش في المعاملات فحكمه حكم جبر الصفات يقوم العرض صحيحا ~~ومعيبا ويحسب ما بين القيمتين منسوبا إلى الثمن. # وأما المنافع فضربان: أحدهما منفعة محرمة كمنافع الملاهي والفروج المحرمة ~~واللمس والمس والتقبيل والضم المحرم فلا جبر لهذه المنافع احتقارا لها، كما ~~لا تجبر الأعيان النجسة لحقارتها، فإن استوفى شيئا منها بغير مطاوعة من ذي ~~المنفعة فلا يجبر شيء منها إلا مهر المزني بها كرها أو شبهة، ولا يجبر مثل ~~ذلك في اللواط لأنه لم يتقوم قط فأشبه القبل والعناق. # الضرب الثاني: أن تكون المنفعة مباحة متقومة فتجبر في العقود الفاسدة ~~والصحيحة والفوات تحت الأيدي المبطلة والتفويت بالانتفاع، لأن الشرع قد ~~قومها ونزلها منزلة الأموال فلا فرق بين جبرها بالعقود وجبرها بالتفويت ~~والإتلاف، لأن المنافع هي الغرض الأظهر من جميع الأموال، فمن غصب قرية أو ~~دارا قيمتها في كل سنة ألف درهم وبقيت في يده سبعين سنة ينتفع بها منافع ~~تساوي أضعاف قيمتها ولم تلزمه قيمتها لكان ذلك بعيدا من العدل والإنصاف ~~الذي لم ترد شريعة بمثله ولا بما يقاربه، وهذا كله في منافع الأعيان ~~المملوكة. # PageV01P183 # وأما منافع الأحرار فيجبر استيفاؤها في العقود الصحيحة والفاسدة وفي غير ~~العقود، وهل تجبر بحبس الحر من غير استيفاء لها؟ فيه خلاف من جهة أن الحر ~~على منافعه فلا يتصور فواتها في يد غيره. # وأما الأبضاع فإنها تجبر في العقود الفاسدة والصحيحة وفي وطء الشبهة ووطء ~~الإكراه بمهور الأمثال، ولا تجبر منافع الأبضاع إلا بعقد صحيح أو فاسد أو ~~تفويت بشبهة أو إكراه، ولا تجبر بالفوات تحت الأيدي العادية، والفرق بين ~~منافع الأبضاع وسائر المنافع الفائتة تحت الأيدي العادية أن القليل من ms141 ~~المنافع يجبر بقليل الأجر وحقيرها، وضمان الأبضاع بمهور الأمثال يتحقق ~~بمجرد إيلاج الحشفة في الفرج. فلو جبر بالفوات تحت الأيدي لجبر بما لا يمكن ~~ضبطه من الأموال. فإذا كان مهر المثل مائة ومدة الإيلاج لحظة لطيفة، ~~فأمسكها يوما يشتمل على ألفي لحظة للزمه في اليوم الواحد ألفا دينار بل ~~ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف أو عشرة آلاف، إذ لا يمكن أن يأتي في اليوم ~~الواحد بعشرة آلاف إيلاجة وذلك بعيد من مقاصد الشرع. # وأما النفوس فإنها خارجة عن قيام جبر الأموال والمنافع والأوصاف إذ لا ~~تجبر بأمثالها ولا تختلف جوابرها باختلاف الأوصاف في الحسن والقبح والفضائل ~~والرذائل، وإنما تختلف باختلاف الأديان والذكورة والأنوثة: فيجبر المسلم ~~بمائة من الإبل والمسلمة بخمسين من الإبل، ويجبر اليهودي والنصراني بثلث ~~دية المسلم، وتجبر اليهودية والنصرانية بسدس دية المسلم، ويجبر المجوسي ~~بثمانمائة درهم والمجوسية بأربعمائة درهم ولا عبرة في جبر الأموال بالأديان ~~فيجبر العبد المجوسي الذي يساوي ألفا بألف، ويجبر العبد المسلم الذي يساوي ~~مائة بمائة، لأن المجبور هو المالية دون الأديان. # PageV01P184 # وأما الجراح فضربان: أحدهما ما يصل إلى العظام في الوجه أو الرأس وأرشه ~~مقدر لا يزيد ولا ينقص بسبب طوله ولا قصره ولا ضيقه ولا اتساعه وهذا بخلاف ~~الأموال. # الضرب الثاني: ما تجب فيه الحكومة من الجراح وهو على قياس الإتلاف يجبر ~~بأرش النقص من المجني عليه لو كان عبدا سليما ومجنيا عليه وبحسب ما بينهما ~~ولكن بالنسبة إلى الدية دون القيمة. # وأما أعضاء بني آدم فإنها تجبر بالدية تارة وبمقدر ينسب إلى الدية تارة، ~~ولو وقع مثله في الدواب لم يجبر بمقدر وجبر بما ينقص من قيمة السالم من ~~الجناية. # ولو وجب في الإنسان ديات ثم مات بسرايتها لعادت الديات إلى دية واحدة، ~~ولو فرض مثل ذلك في أعضاء الحيوان ثم مات بالسراية لجبر بقيمته يوم موته ~~ولم يسقط شيئا من أروش أعضائه، لأن الغالب على جنايات الأناس التعبد الذي ~~لا يوقف على معناه، والحكومات وإن كانت على وفق القياس من وجه ms142 فهي على خلاف ~~القياس من جهة نسبتها إلى الديات. وقد سوى الشرع بين أرش إبهام اليد اليمنى ~~وخنصرها مع ما بينهما من التفاوت في المنفعة، وكذلك سوى بين أرش إبهام ~~الرجل اليمنى وخنصرها مع التفاوت الظاهر، وكذلك سوى بين أرش أصابع اليدين ~~وأرش أصابع الرجلين مع بقاء معظم منافع الرجلين وفوات معظم منافع اليدين، ~~وأعظم من ذلك في مجانبة القياس التسوية بين أرش إبهام اليد اليمنى وسبابتها ~~وبين أرش خنصر الرجل اليسرى وبنصرها، وكذلك التسوية بين أرش إبهام اليد ~~اليمنى وأرش خنصر الرجل اليسرى، وأعجب منه التسوية بين دية الأذنين ودية ~~اللسان مع تفاوت النفعين، وكذلك التسوية بين دية الشم والعقل ودية البصر ~~والشم، وكذلك التسوية بين الأذنين والرجلين وبينهما وبين اليدين، وكذلك ~~التسوية بين ديات الأسنان والأصابع مع تفاوتهما في المنافع، وكذلك التسوية ~~بين موضحتين إحداهما مستوعبة لجميع الرأس # PageV01P185 # والأخرى بقدر رأس الإبرة، وكذلك التسوية بين الهاشمتين والمنقلتين مع ~~تفاوتهما في الهشم ونقل العظام، وليس ذلك إلا تعبدا لا يقف العباد على ~~معناه. # وكذلك خولف القصاص في التماثل الواقع بين الجابر والمجبور في غير الإناس ~~فإن الإنسان يجبر بالإبل وليست من جنسه ولا من جنس أعضائه كما يجبر جزاء ~~الصيد بما ليس من جنسه ولا من جنس أعضائه، والعبد متردد بين البعير ~~والإنسان فتجبر أعضاؤه عند بعض العلماء بما نقص من قيمته نظرا إلى ماليته ~~كما تجبر أعضاء البعير بمثل ذلك، والأصح عند الشافعي - رحمه الله - أن نسبة ~~أروش جراحة العبد إلى قيمته كنسبة أروش جراح الحر إلى ديته. # وأما الزواجر فنوعان. أحدهما ما هو زاجر عن الإصرار على ذنب حاضر أو ~~مفسدة ملابسة لا إثم على فاعلها وهو ما قصد به دفع المفسدة الموجودة ويسقط ~~باندفاعها. # النوع الثاني: ما يقع زاجرا عن مثل ذنب ماض منصرم أو عن مثل مفسدة ماضية ~~منصرمة ولا يسقط إلا بالاستيفاء وهو ضربان. أحدهما ما يجب إعلام مستحقه به ~~ليبرأ منه أو يستوفيه وذلك كالقصاص في النفوس والأطراف وكحد القذف فإنه ~~يلزم من ms143 وجب عليه أن يعرف مستحقه ليستوفيه أو يعفو عنه. # الضرب الثاني: ما الأولى بالمتسبب إليه ستره، كحد الزنا والخمر والسرقة. ~~والجرائم المزجور عنها ضربان: أحدهما ما يجب زجرها على مرتكبها كالكفارات ~~الزاجرة عن إفساد الصوم وإفساد الحج وإفساد الاعتكاف والطهارة. # PageV01P186 # الضرب الثاني: ما يتخير فيه مستوفيه بين استيفائه وبين العفو عنه والعفو ~~أفضل كالقصاص في النفوس والأعضاء، وكحد القذف عند الشافعي - رحمه الله - # الضرب الثالث: التعزيرات المفوضات إلى الأئمة الحكام، فإن كانت للجنايات ~~على حقوق الناس لم يجز للأئمة والحكام وإسقاطها إذا طلبها مستحقها وإن كانت ~~لله فاستيفاؤها مبني على الأصلح فإن كان الأصلح استيفاءها وجب استيفاؤها، ~~وإن كان الأصلح درأها وجب درؤها. # أما الزواجر عن الإضرار فله أمثلة. أحدها قتل تارك الصلاة حثا عليها فإن ~~أتى بها تركناه. # المثال الثاني: الزجر عن مفسدة البغاة فإن رجعوا إلى الطاعة كففنا عن ~~قتلهم وقتالهم وهذا زجر عن مفسدة لا إثم فيه. # المثال الثالث: ضرب الصبيان على ترك الصلاة فإن صلوا تركناهم وهو أيضا ~~زجر عن مفسدة لا إثم فيها. # المثال الرابع: تحريم المطلقة ثلاثا على من طلقها زجرا له عن تكرير ~~أذيتها بالطلاق، وهذا زجر عما ليست مفسدته محرمة. # المثال الخامس: قتال الممتنعين من أداء الحقوق كالممتنعين عن أداء الزكاة ~~وغيرها بالحرب، فإن أدوا الحقوق سقط قتالهم. # المثال السادس: زجر الناظر إلى الحرم في الدور برمي عينه، فإن انكف سقط ~~رميها. # المثال السابع: قتال الصوال ما داموا مقبلين على الصيال، فإن انكفوا حرم ~~قتلهم وقتالهم. # PageV01P187 # المثال الثامن: قتال المشركين إلى أن يسلموا. # المثال التاسع: قتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا أو يؤدوا الجزية. # المثال العاشر: ضرب الرجل امرأته الناشزة إلى أن ترجع عن النشوز. # المثال الحادي عشر: قتال الفئتين المقتتلتين عصبية أو على الدنيا إلى أن ~~تفيء إلى أمر الله. # المثال الثاني عشر: قتال الداخل إلى الدور عند عدم المغيث إلى أن يولي ~~خارجا. # المثال الثالث عشر: حبس الممتنعين من أداء الحقوق إلى أن يبذلوها. # المثال الرابع عشر: قتال الخوارج إلى ms144 أن يرجعوا إلى رأي الجماعة والله ~~أعلم. # وأما الزواجر عما تصرم من الجرائم التي لا تسقط عقوبتها إلا باستيفائها ~~أو بعفو مستحقها فله أمثلة: أحدها: أن يقذف رجلا محصنا قذفا موجبا للحد ~~فيجب عليه إعلامه ليستوفيه أو يعفو عنه، وإن أقر بذلك عند الحكام فهل يجب ~~على الحاكم إعلام مستحقه به؟ فيه خلاف. والمختار إيجابه لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» ، لم يقل ~~ذلك - صلى الله عليه وسلم - حرصا منه على إقامة حد الزنا وإنما ذكر ذلك ~~نصحا للمقذوفة حتى إذا كانت عفيفة تخيرت بين حد القذف والعفو عنه، وإن ~~اعترفت بالزنا رجمها. # المثال الثاني: القصاص في النفوس والأطراف يجب على الجاني إعلام # PageV01P188 # مستحقه به ليستوفيه أو يعفو عنه، وإن وقع ذلك عند الحاكم فينبغي أن يخرج ~~على الخلاف في وجوب الإعلام. # المثال الثالث: إذا سرق مال إنسان سرقة موجبة للقطع لم يجب عليه الإعلام ~~بالسرقة بل يخبر مالك السرقة بأن له عليه مالا بقدر المسروق إن كان تالفا ~~ليستوفيه أو يبرئه ولا يتعرض لذكر السرقة لأن زاجرها حد من حدود الله، ~~فالأولى بمرتكبها أن يسترها على نفسه، وإن كان المسروق باقيا رده، أو وكل ~~من يرده من غير اعتراف بسرقة، ولا يوكل مع القدرة على الرد بنفسه، إذ ليس ~~له رد المغصوب إلى غير مالكه إلا إلى الحاكم وأمثاله ممن يجوز له انتزاع ~~المغصوب من الغاصب. # المثال الرابع: حد قطع الطريق إن محصناه لله فهو كحد السرقة يجبر بالمال ~~لمستحقه ولا يذكر سببه سترا على نفسه، وإن جعلنا فيه مع تحتمه حقا للآدمي ~~وجب إعلامه به ليستوفيه أو يتركه فيستوفيه الإمام. # وأما ما الأولى بالتسبب إليه ستر سببه على نفسه، فحكمه حكم الزنا والشرب ~~والسرقة والأولى بفاعلها سترها على نفسه، وإن أظهرها للأئمة ليستوفوها جاز ~~ذلك، وإن كان معلنا بكبيرة لما يبتنى على إظهارها من إقامة شعار الدين وزجر ~~المفسدين عن الفساد، ويكره للمذنب المجرم أن يكشف عيوبه ويجهر بذنوبه لقوله ms145 ~~- صلى الله عليه وسلم -: «وكل أمتي معافى إلا المجاهر الذي يبيت يعصي ربه ~~ثم يصبح يقول: فعلت كذا كذا فيفضح نفسه بعد أن ستره ربه» . # وأما الشهود على هذه الجرائم فإن تعلق بها حقوق للعباد لزمهم أن يشهدوا ~~بها وأن يعرفوا بها أربابها، وإن كانت زواجرها حقا محضا لله فإن كانت ~~المصلحة في إقامة الشهادة بها فيشهدوا بها، مثل أن يطلعوا من إنسان على ~~تكرر الزنا والسرقة والإدمان على شرب الخمور وإتيان الذكور، فالأولى أن # PageV01P189 # يشهدوا عليه دفعا لهذه المفاسد، وإن كانت المصلحة في الستر عليه مثل زلة ~~من هذه الزلات تقع ندرة من ذوي الهيئات ثم يقلع عنها ويتوب منها فالأولى أن ~~لا يشهدوا، وقد «قال - صلى الله عليه وسلم -: لضرار في حق ماعز: هلا سترته ~~بثوبك يا ضرار؟» وجاء في حديث: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» وصح أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة» . ~~فإن قيل: إذا علم الشهود أن الزاني قد تاب من الزنا فصلحت حاله بحيث يجوز ~~لهم تزكيته فهل لهم أن يشهدوا عليه بالزنا بعد ذلك؟ قلنا: إن أسقطنا الحد ~~بالتوبة لم تجز الشهادة، وإن بقينا الحد مع التوبة جازت الشهادة، والأولى ~~كتمانها. فإن قيل: ما معنى قول الفقهاء وجب عليه التعزير والحد والقصاص؟ ~~قلنا: هو مجاز عن وجوب تمكينه من استيفاء العقوبات لإجماع العلماء على أنه ~~لا يجب على الجاني أن يقتل نفسه، ولا على الجارح أن يجرح نفسه ولا على ~~الزاني أن يجلد نفسه ولا أن يرجمها، وكذلك المعزر، وقد صرح الرب بإيجاب ~~أداء الأمانات إلى أهلها، وأداؤها عبارة عن تمكين أهلها من قبضها وأخذها، ~~فكذلك وجوب العقوبات على ذوي الجرائم. # والحقوق في الشرع ضربان: أحدهما ما يجب التمكين من قبضه وأخذه كأمانات ~~الرب وأمانات عباده، فأما أمانات الرب فكاستئمانه الآباء والأوصياء على ~~اليتامى، وكاستئمانه من أطارت إليه الريح ثوبا لغيره وكاستئمانه من كانت في ~~يده أمانة لإنسان فمات ربها وانتقلت إلى ورثته مع بقائها في ms146 يد الأمين، ~~فإنها تكون أمانة في يده لورثته فيجب أن يعلم بها أربابها إن لم يكونوا ~~علموا بها، ثم لا يجب عليه بعد الإعلام بها إلا التمكين من قبضها. # وأما أمانات الناس فكالودائع ولا يجب فيها إلا التمكين من قبضها. # PageV01P190 # الضرب الثاني من الحقوق: ما تكون مؤنة إقباضه على مقبضه كالأثمان ~~والعواري والغصوب، وقد اختلف فيما يجب على الجناة فقال بعضهم: يجب عليهم ~~التمكين كما في الأمانات الشرعية، وقال آخرون: يجب عليهم الإقباض والتسليم ~~كما في العواري والغصوب والديون والأثمان، وتظهر فائدة هذا الخلاف في أجرة ~~الجلاد والمستوفي للقصاص. فإن أوجبنا التمكين لم يلزم الجاني أجرة ~~المستوفي، وإن أوجبنا التسلم وجب أجرة المستوفي على الجاني كما تجب أجرة ~~الكيال والوزان على من عليه الدين. ### | [فائدة سجدتا السهو جبر من وجه وزجر للشيطان من وجه] # (فائدة) سجدتا السهو جبر من وجه وزجر للشيطان عن الوسواس في الصلاة من ~~وجه؛ لما في السجدتين من ترغيمه، فإن الإنسان إذا سجد اعتزل الشيطان يبكي ~~ويقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت ~~فلي النار. فإن قيل: محرمات الحج تسع من تعمدها زجر عنها بالكفارة إلا ~~النكاح والإنكاح فإنه يزجر عنهما بالتعزير دون التكفير فما الفرق بينهما؟ ~~فالجواب أن الناكح والمنكح لم يحصلا على غرضهما من المحرم الذي ارتكباه ~~بخلاف من ارتكب سائر المحظورات فإنه يحصل على الأغراض التي حرمت لأجلها، ~~فإن الغرض المقصود من الطيب والدهن واللباس وستر الرأس والاستمتاع بالجماع ~~وبما دون الجماع، وأكل الصيد وحلق الشعر وتقليم الأظفار حاصل لمن تعاطى ~~ذلك، فزجر بالكفارة فطاما له عن السعي في تحصيل هذه اللذات، والنكاح ~~والإنكاح كلام لا يترتب عليه # PageV01P191 # شيء من الأغراض ولا يصح وما جازت مباشرته من هذه المحظورات لعذر كانت ~~الكفارة جبرا لا زجرا عند من جعل الكفارة زواجر، ومن لم يجعلها زواجر جعلها ~~جوابر لما نقص من العبادات، ومهما جاز الإقدام على شيء من هذه المحظورات ~~وجب كأكل المحرم المضطر الصيد فليست كفارة زاجرة بل ms147 هي جابرة لا غير، إذ لا ~~زجر عما أوجبه الله تعالى أو أذن فيه، وإنما الزجر عن المفاسد المحققات. ~~فإن قيل: كيف زجر الحنفي بالحد عن شرب النبيذ مع إباحته؟ قلنا: ليس بمباح ~~وإنما يخطئ في شربه، وقد عفا الشرع عن المفاسد الواقعة من المخطئين ~~الجاهلين دون العامدين العارفين. فإن قيل: إذا قلنا بتصويب المجتهدين فهلا ~~كان شرب الحنفي مباحا؟ قلنا: من صوب المجتهدين شرط في ذلك أن يكون مذهب ~~الخصم مستندا إلى دليل ينقض الحكم المستند به إليه. # فإن قيل: ما مفاسد الجرائم التي شرعت عنها الزواجر؟ قلنا: أما القصاص في ~~الأرواح فزاجر عن إزهاق النفوس وقطع الحياة وهي من أعلى المفاسد. # وأما القصاص في الأعضاء ومنافعها فزاجر عن تفويت الانتفاع بالأعضاء في ~~الطاعات والعبادات والمعاملات والأغراض التي خلقت هذه المنافع والأطراف ~~لأجلها، والقصاص مشتمل على حق لله وحق للعبد، ولذلك لا يباح بالإباحة لما ~~فيه من حق الله، ولا يؤخذ فيه عضو خسيس بعضو نفيس، وإن أذن المجني عليه ~~وغلب فيه حق العبد فسقط بإسقاطه لأن الغالب من المجني عليه ومن ورثته ~~استيفاؤه فلا يؤدي تفويضه إليهم إلى تحقق المفاسد لأنها تندفع بتشفيهم في ~~الغالب. # وأما حد الزنا فزاجر عن مفاسد الزنا وعن مفاسد ما فيه، من مفاسد # PageV01P192 # اختلاط المياه واشتباه الأنساب وإرغام أنف العصبات والأقارب، ولم يفوضه ~~الشرع إلى من تأذى به من أولياء المزني بها، لأنه لو فوضه إليهم لما ~~استوفوه غالبا خوفا من العار والافتضاح. # وأما حد السرقة فزاجر عن مفسدة تفويت الأموال التي يتوسل بها إلى مصالح ~~الدنيا والدين، ويتقرب بها إلى رب العالمين. ولم يفوض الشرع استيفاءه إلى ~~المسروق منه لغلبة الرقة في معظم الناس على السارقين، فلو فوض إليهم لما ~~استوفوه رقة وحنوا وشفقة على السارقين. فإن قيل: كيف تقطع يد ديتها خمسون ~~من الإبل أو خمسمائة دينار بربع دينار أو بعشرة دراهم كما قال أبو حنيفة - ~~رحمه الله -؟ قلنا: ليس الزجر عما أخذ وإنما الزجر عن تكرير ما لا يتناهى ~~من ms148 السرقة المفوتة للأموال الكثيرة التي لا ضابط لها ولو شرط الشرع في نصاب ~~السرقة مالا خطيرا لضاعت أموال الفقراء الناقصة عن نصاب الخطير، وفي ذلك ~~مفسدة عامة للفقراء. # وأما حد الخمر فزاجر عن شرب كثير المفسدة للعقل الذي هو أشرف المخلوقات ~~والله لا يحب الفساد في شيء حقير، فما الظن بإفساد العقل الذي هو أخطر من ~~كل خطير؟ ولذلك أوجب الحد في شرب اليسير منه لكونه وسيلة إلى شرب الكثير. ~~فإن قيل: هلا وجب الحد في إزالة عقله بغير سكر كالبنج وغيره؟ فالجواب: أن ~~إفساد العقل بذلك في غاية الندور إذ ليس فيه تفريح # PageV01P193 # ولا إطراب يحثان على تعاطيه، بخلاف الخمر والنبيذ فإن ما فيهما من ~~التفريح والإطراب حاث على شربهما فغلبت لذلك مفسدتهما فوجب الحد لغلبة ~~المفسدة، ولم تجب في البنج ونحوه لندرة الإفساد به. # وأما حد قطع الطريق فزاجر عن أخذ الأموال بالقطع وعن الجناية على النفوس ~~والأعضاء بالقصاص، وإنما تحتم كما تحتم حد الزنا من جهة أنهم ضموا إلى ~~جناياتهم إخافة السبيل في حق كل مجتاز بها، بخلاف من قتل إنسانا أو سرق ~~ماله في خفية. # وأما حد القذف فزاجر عن هتك الأعراض بالتعبير بالزنا واللواط وهو مشتمل ~~على حق الله عز وجل إذ لا يباح بالإباحة، وعلى حق الآدمي للآدمي لدرء تغيره ~~بالقذف، وقد غلب بعض العلماء فيه حق الله عز وجل فلم يسقطه بإسقاط المقذوف، ~~وغلب الشافعي - رحمه الله - فيه حق الآدمي فأسقطه بإسقاطه كالقصاص، ولم أقف ~~على المفسدة المقتضية لرجم الثيب الزاني وقد قيل فيها ما لا أرتضيه. # وكذلك المفسدة المقتضية لجعل الربا من الكبائر لم أقف فيها على ما يعتمد ~~على مثله، فإن كونه مطعوما أو قيمة للأشياء أو مقدرا لا يقتضي مفسدة عظيمة ~~تكون من الكبائر لأجلها، ولا يصح التعليل بأنه لشرفه حرم فيه ربا الفضل، ~~وربا النساء، فإن من باع ألف دينار بدرهم واحد صح بيعه، ومن باع كر شعير ~~بألف كر حنطة، أو باع مد شعير بألف مد من حنطة، ms149 أو باع مدا من حنطة بمثله، ~~أو دينارا بمثله، أو درهما بمثله وأجل ذلك لحظة فإن البيع يفسد مع أنه لا ~~يلوح في مثل هذه الصور معنى يصار إليه ولا يعتمد. # وأما التعزيرات فزواجر عن ذنوب لم تشرع فيها حدود ولا كفارات، وهي ~~متفاوتة بتفاوت الذنوب في القبح والإيذاء، وقد قدرها بعض العلماء بعشرة ~~سياط لقوله - عليه السلام -: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر # PageV01P194 # أن يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» ، وقدرها بعضهم بما نقص ~~عن أدنى الحدود، وقدرها آخرون بغير ذلك. فإن قيل: يعزر في اليمين الغموس مع ~~إيجاد الكفارة أم لا؟ قلنا يعزر لجرأته على ربه، والكفارة ما وجبت لكون ~~الحالف مجترئا وإنما وجبت بسبب مخالفة موجب اليمين وإن كان مباحا أو مندوبا ~~بدليل أنها تجب حيث لا عصيان. فإن قيل: كيف يزدجر الجلد القوي الذي عم ~~فساده وعظم عناده بعشرة أسواط؟ قلنا: يضم إليه الحبس الطويل الذي يرجى ~~الازدجار بمثله وللإمام صلبه مبالغة في زجره. فإن قيل من آذى مسلما بشيء من ~~ضروب الأذى فقد عصى الله بمخالفته وآذى المسلم بانتهاك حرمته، فإذا عفا ~~المستحق عن عقوبة ذلك الأذى أو عن حده فهل تسقط عقوبة الله في مخالفته؟ ~~قلنا هذا مما اختلف فيه. فمنهم من أسقط عقوبته تبعا لسقوط حق الآدمي، ومنهم ~~من أوجبها زجرا عن الجرأة على انتهاك حرمة الله تعالى. # وأما كفارة قتل الخطأ فوجبت جبرا لما فوت من حق الله تعالى، كما وجبت ~~الدية جبرا لما فات من حق العبد، وكذلك وجب القصاص في قتل العمد زجرا عن ~~تفويت حق العبد وتحصيلا لاستمرار الحياة بدليل قوله تعالى: {ولكم في القصاص ~~حياة} [البقرة: 179] ، والتقدير ولكم في خوف القصاص حياة، فإن الجاني إذا ~~عرف أنه يقتل إذا جنى خاف القصاص فكف عن القتل فاستمرت حياته وحياة المجني ~~عليه، ووجبت الكفارة عند الشافعي زجرا عن تفويت حق الرب. # PageV01P195 ### | [فصل فيما يشترط فيه التماثل من الزواجر وما لا يشترط] # الأصل في القصاص التماثل ms150 إلا أن يؤدي اعتباره إلى إغلاق باب القصاص قطعا ~~أو غالبا وله أمثلة: أحدها: التساوي في أجرام الأعضاء كالأيدي والأرجل ~~والأنف والشفاه والجفون وسمك اللحم في الجراح، لو شرط التساوي بين أجرامهما ~~لما وجب القصاص إلا في أندر الصور، بل يؤخذ أعظم العضوين بأدناهما. # وكذلك تفاوت الجراح في سمك ما على العظم من الجلد واللحم، بخلاف التساوي ~~في مساحات الجراحات على الرءوس والأبدان، فإنا نأخذ مساحتها في الطول ~~والصغر والكبر لأن اعتبار ذلك لا يؤدي إلى إغلاق باب القصاص، ولا نظر إلى ~~التفاوت في سمك اللحم المجلل للرأس لأنه لو اعتبر تساويه لأغلق باب القصاص ~~في الجراح. # المثال الثاني: منافع الأعضاء كبطش اليدين ومشي الرجلين وبصر العينين ~~وسمع الأذنين وذوق اللسان، لو شرط فيها التساوي على حيالها لما وجب فيها ~~قصاص. # المثال الثالث: التساوي في العقول، إذا أوجبنا القصاص فيها لو اعتبر ~~التساوي لسقط القصاص فيها، ولا وقوف لنا على تساوي العقول بل يؤخذ أتم ~~العقول بأقلها، وأنفذ الأبصار بأضعفها، وكذلك القول في الشم والذوق والمشي ~~والبطش وسائر منافع الأعضاء. # المثال الرابع: قتل الجماعة بالواحد وقطع أيدي الجماعة بقطع يد الواحد، ~~لو اعتبرنا فيها التساوي لسقط القصاص في كثير من الأحوال بتواطؤ الجمع على # PageV01P196 # القتل والقطع، والاجتماع على القطع في ذلك أندر من الاجتماع على القتل ~~فلذلك خالف فيه أبو حنيفة كما خالف بعض العلماء في قتل الجماعة بالواحد. # وكذلك القول في الحياة التي لم يبق بها إلا صبابة يسيرة فإنا نأخذ بها ~~الحياة الطويلة المرجوة الدوام فيقتل الشاب الأيد في عنفوان شبابه بالشيخ ~~الهرم الذي نضب عمره وانقضى دهره، وكذلك يؤخذ الشباب في عنفوان شبابه بقتله ~~من أنفذت مقاتله ويئس بحيث لا يبقى منها إلا ساعة أو ساعتين. # وكذلك لا نظر إلى التفاوت في الصنائع فتؤخذ يد الصانع الماهر في صناعته ~~بيد الأخرق الذي لا يعرف شيئا مثل أن تؤخذ يد ابن البواب بيد من لا يعرف من ~~الكتابة شيئا، وكذلك تؤخذ يد أحذق الناس في الرماية وغيرها من ms151 الصنائع بيد ~~من لا يحسن الرماية ولا شيئا من تلك الصنائع. ### | [فصل في بيان متعلقات حقوق الله عز وجل ومحالها] # في بيان متعلقات حقوق الله عز وجل ومحالها، مبدأ التكاليف كلها ومحلها أو ~~مصدرها القلوب، وأول واجب يجب - بعد النظر - معرفة الله ومعرفة صفاته، وهي ~~شرط في جميع عباداته وطاعاته، والطاعات كلها مشروعة لإصلاح القلوب ~~والأجساد، ولنفع العباد في الآجل والمعاد إما بالتسبب أو بالمباشرة، وصلاح ~~الأجساد موقوف على صلاح القلوب، وفساد الأجساد موقوف على فساد القلوب. # ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا ~~صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» ، أي إذا صلحت ~~بالمعارف ومحاسن الأحوال والأعمال صلح الجسد كله بالطاعة والإذعان، # PageV01P197 # وإذا فسدت بالجهالات ومساوئ الأحوال والأعمال فسد الجسد كله بالفسوق ~~والعصيان. # وطاعة الأبدان بالأقوال والأعمال نافعة بجلبها لمصالح الدارين أو إحداهما ~~وبدرئها لمفاسد الدارين أو إحداهما، والأحوال ناشئة عن المعارف والقصود ~~ناشئة عن المعارف والأحوال، والأعمال والأقوال ناشئان عن القصود الناشئة عن ~~المعارف والأحوال، وأحكام الله كلها مصالح لعباده، فطوبى لمن قبل نصح ربه، ~~وتاب عن ذنبه. ### | [قاعدة في بيان متعلقات الأحكام] # للأحكام تعلق بالقلوب والأبدان والجوارح والحواس، والأموال، والأماكن ~~والأزمان. # والطاعات كلها بدنية، وإنما قسمت إلى البدنية والمالية لتعلق بعضها ~~بالأموال، والمتعلق بالمالي تارة يكون بالأقوال كالأوقاف والوصايا، وتارة ~~يكون بالأفعال كإقباض الفقراء الزكاة والكفارات، وتارة يكون بالإسقاط ~~كالإعتاق في الكفارات فنبدأ بما يتعلق بالقلوب من حقوق الله عز وجل وحقوق ~~عباده. # فأما حقوق الله فإنها منقسمة إلى المقاصد والوسائل: فأما المقاصد فكمعرفة ~~ذاته وصفاته، أما الوسائل فكمعرفة أحكامه فإنها ليست مقصودة لعينها وإنما ~~مقصودة للعمل بها، وكذلك الأحوال قسمان أحدهما مقصود في نفسه كالمهابة ~~والإجلال، والثاني وسيلة إلى غيره كالخوف والرجاء، فإن الخوف وازع عن ~~المخالفات لما رتب عليها من العقوبات، والرجاء حاث على الطاعات لما رتب ~~عليها من المثوبات. # وأما حقوق العباد المتعلقة بالقلوب، فكلها وسائل كالنيات، والحقوق كلها ~~إما فعل للحسنات، وإما ms152 كف عن السيئات، فنبدأ من حقوق الله # PageV01P198 # المتعلقة بالقلوب ما كان من الحسنات دون أضدادها، فإنا إذا ذكرناها دلت ~~على أن أضدادها من السيئات فلا حاجة إلى التطويل بذكرها، والحقوق المتعلقة ~~بالقلوب أنواع. # النوع الأول: معرفة ذات الله سبحانه وتعالى وما يجب لها من الأزلية ~~والأبدية والأحدية وانتفاء الجوهرية والعرضية والجسمية والاستغناء عن ~~الموجب والموجد والتوجد بذلك عن سائر الذوات. # النوع الثاني: معرفة حياته بالأزلية والأبدية والأحدية والاستغناء عن ~~الموجب والموجد، والتوحد بذلك عن غيرها من الحياة. # النوع الثالث: معرفة علمه بالأزلية والأبدية والأحدية والاستغناء عن ~~الموجب والموجد، والتعلق بكل واجب وجائز ومستحيل، والتوحد بذلك عن سائر ~~العلوم. # النوع الرابع: معرفة إرادته بالأزلية والأبدية والأحدية والاستغناء عن ~~الموجب والموجد، والتعلق بما تتعلق به القدرة والتوحد بذلك عن سائر ~~الإرادات. # النوع الخامس: معرفة قدرته على الممكنات بالأزلية والأبدية والأحدية ~~والاستغناء عن الموجب والموجد، والتوحد بذلك عن سائر القدور. # النوع السادس: معرفة سمعه بالأزلية والأبدية والأحدية والاستغناء عن ~~الموجب والموجد والتعلق بكل مسموع قديم أو حادث، والتوحد بذلك من بين سائر ~~الأسماع. # PageV01P199 # النوع السابع: معرفة بصره بالأزلية والأبدية والأحدية والاستغناء عن ~~الموجب والموجد، والتعلق بكل موجود قديم أو حادث، والتوحد بذلك على سائر ~~الأبصار. # النوع الثامن: معرفة كلامه بالأزلية والأبدية والتعلق بجميع ما يتعلق به ~~العلم، والتوحد بذلك عن سائر أنواع الكلام. # فهذه الصفات كلها قائمة بذات الله، وهي منقسمة إلى ما يتعلق بغيره حكما ~~كالحياة، وإلى ما يتعلق بغيره كالعلم والسمع والبصر، وإلى ما يتعلق بغيره ~~تأثيرا كالقدرة، وإلى ما يتعلق بغيره من غير كشف ولا تأثير كالكلام، وأعمها ~~تعلقا العلم والكلام، وأخصها السمع، ومتوسطها البصر. # النوع التاسع: معرفة ما يجب سلبه عن ذاته من كل عيب ونقص، ومن كل صفة لا ~~كمال فيها ولا نقصان. # النوع العاشر: معرفة تفرده بالإلهية والاختراع. # النوع الحادي عشر: معرفة صفاته الفعلية الصادرة من قدرته الخارجة عن ذاته ~~وهي منقسمة إلى الجواهر والأعراض، فالأعراض أنواع كالخفض والرفع، والعطاء ~~والمنع، والإعزاز والإغناء والإقناء والإماتة والإحياء، والإعادة ms153 والإفناء. # النوع الثاني عشر: معرفة ما له أن يفعله وأن لا يفعله كإرسال الرسل ~~وإنزال الكتب، والتكليف والجزاء بالثواب والعقاب. # النوع الثالث عشر: معرفة حسن أفعاله كلها خيرها وشرها نفعها وضرها قليلها ~~وكثيرها، وأنه لا حق لأحد عليه، ولا ملجأ منه إلا إليه، له حق وليس عليه حق ~~ومهما قال فالحسن الجميل. # وكذلك لو عذب أهل السماوات # PageV01P200 # والأرضين وأقصاهم لكان عادلا في ذلك كله. # ولو أثابهم وأدناهم لكان منعما متفضلا بذلك كله. # النوع الرابع عشر: اعتقاد جميع ما ذكرناه في حق العامة، وهو قائم مقام ~~العلم في حق الخاصة، لما في تعرف ذلك من المشقة الظاهرة للعامة، فإن الله ~~كلف الخاصة أن يعرفوه بالأزلية والأبدية والتفرد بالإلهية وأنه حي عالم ~~قادر مريد سميع بصير متكلم صادق في أخباره، وكلف العامة أن يعتقدوا ذلك ~~لعسر وقوفهم على أدلة معرفته فاجتزى منهم باعتقاد ذلك. # وأما كونه عالما بعلم قادرا بقدرة فإنه مما يلتبس، وقد اختلف الناس فيه ~~لالتباسه، وكذلك القول في قدم كلامه وفي أن ما وصف به نفسه من الوجه ~~واليدين والعينين صفات معنوية قائمة بذاته أو هي متأولة بما يرجع إلى ~~الصفات فيعبر بالوجه عن الذات، وباليدين عن القدرة، وبالعينين عن العلم. # وكذلك اختلف الناس أهي جهة أم لا جهة له مما يطول النزاع فيه ويعسر ~~الوقوف على أدلته، وقد تردد أصحاب الأشعري - رحمهم الله - في القدم والبقاء ~~أهما من صفات السلب أم من صفات الذات؟ وقد كثرت مقالات الأشعري حتى جمعها ~~ابن فورك في مجلدين وكل ذلك مما لا يمكن تصويب للمجتهدين فيه بل الحق مع ~~واحد منهم، والباقون مخطئون خطأ معفوا عنه لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه، ~~ولا سيما قول معتقد الجهة فإن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل ~~عن العالم ولا متصل به، ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل ~~الخلقة في العادة، ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك ~~عسرة الفهم فلأجل هذه المشقة عفا الله ms154 عنها في حق العادي. # ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - لا يلزم أحدا ممن أسلم على البحث عن ~~ذلك بل كان # PageV01P201 # يقرهم على ما يعلم أنه لا انفكاك لهم عنه، وما زال الخلفاء الراشدون ~~والعلماء المهتدون يقرون على ذلك مع علمهم بأن العامة لم يقفوا على الحق ~~فيه ولم يهتدوا إليه، وأجروا عليهم أحكام الإسلام من جواز المناكحات ~~والتوارث والصلاة عليهم إذا ماتوا وتغسيلهم وتكفينهم وحملهم ودفنهم في ~~مقابر المسلمين، ولولا أن الله قد سامحهم بذلك وعفا عنه لعسر الانفصال منه ~~ولما أجريت عليهم أحكام المسلمين بإجماع المسلمين، ومن زعم أن الإله يحل في ~~شيء من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة ~~التجسم على الناس فإنهم لا يفهمون موجودا في غير جهة بخلاف الحلول فإنه لا ~~يعم الابتلاء به ولا يخطر على قلب عاقل ولا يعفى عنه، ولا عبرة بقول من ~~أوجب النظر عند البلوغ على جميع المكلفين فإن معظم الناس مهملون لذلك غير ~~واقفين عليه ولا مهتدين إليه، ومع ذلك لم يفسقهم أحد من السلف الصالحين ~~كالصحابة والتابعين، والأصح أن النظر لا يجب على المكلفين إلا أن يكونوا ~~شاكين فيما يجب اعتقاده فيلزمهم البحث عنه والنظر فيه إلى أن يعتقدوه أو ~~يعرفوه، وكيف نكفر العامة الذين لا يعرفون أن كلام الله معنى قديم قائم ~~بنفسه متجه مع القضاء بكونه أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وخبرا واستخبارا ونداء ~~ومسموعا مع أنه ليس بصوت وأن اعتقاد مثل هذا لصعب جدا على المعتقدين ~~الذاهبين إلى أنه من القواطع، المكفرين لجاحديه. # وكذلك كيف نكفر العامي بجهله أن النبوة عبارة عن كون النبي مخبرا عن الله ~~فلا ترجع النبوة إلى صفة وجودية بل تكون عبارة عن نسبة تعلق الخطاب به، ~~والقول لا يوجب صفة ثبوتية للمقول له ولا للمقول فيه أو عن كون النبوات ~~عبارة عن إخباره عن الله فترجع إلى صفة ثبوتية قائمة به، فعلى الأول يكون ~~فعيلا بمعنى مفعول وعلى الثاني يكون فعيلا بمعنى فاعل، وقد ms155 رجع الأشعري # PageV01P202 # - رحمه الله - عند موته عن تكفير أهل القبلة لأن الجهل بالصفات ليس جهلا ~~بالموصوفات، وقد اختلف في عبارات والمشار إليه واحد، وقد مثل ما ذكره - ~~رحمه الله - بمن كتب إلى عبيده يأمرهم بأشياء وينهاهم عن أشياء فاختلفوا في ~~صفاته مع اتفاقهم على أنه سيدهم فقال بعضهم: هو أكحل العينين، وقال آخرون ~~أزرق العينين، وقال: بعضهم هو أدعج العينين وقال بعضهم هو ربعة، وقال آخرون ~~بل هو طوال. # وكذلك اختلفوا في لونه أبيض أو أسود أو أسمر أو أحمر فلا يجوز أن يقال إن ~~اختلافهم في صفته اختلاف في كونه سيدهم المستحق لطاعتهم وعبادتهم، فكذلك لا ~~يكون اختلاف المسلمين في صفات الإله اختلافا في كونه خالقهم وسيدهم المستحق ~~لطاعتهم وعبادتهم. # وكذلك اختلف قوم في صفات أبيهم مع اتفاقهم على أنه أصلهم الذي خلقوا من ~~مائه ولا يكون اختلافهم في أوصافه اختلافا في كونهم نشئوا عنه وخلقوا منه. # فإن قيل: يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه في جهة أن يكون حادثا؟ قلنا: ~~لازم المذهب ليس بمذهب، لأن المجسمة جازمون بأنه في جهة وجازمون بأنه قديم ~~أزلي ليس بمحدث فلا يجوز أن ينسب إلى مذهب من يصرح بخلافه وإن كان لازما من ~~قوله. # والعجب أن الأشعرية اختلفوا في كثير من الصفات كالقدم والبقاء والوجه ~~واليدين والعينين. # وفي الأحوال كالعالمية والقادرية وفي تعدد الكلام واتحاده ومع ذلك لم ~~يكفر بعضهم بعضا، واختلفوا في تكفير نفاة الصفات مع اتفاقهم على كونه حيا ~~قادرا سميعا بصيرا متكلما، فاتفقوا على كماله بذلك واختلفوا في تعليله ~~بالصفات المذكورة. # (فائدة) اتفق المسلمون على أن الله موصوف بكل كمال، بريء من كل # PageV01P203 # نقصان لكنهم اختلفوا في بعض الأوصاف فاعتقد بعضهم أنها كمال فأثبتها له، ~~واعتقد آخرون أنها نقصان فنفوها عنه، ولذلك أمثلة: أحدها: قول المعتزلة إن ~~الإنسان خالق لأفعاله لأن الله لو خلقها ثم سبه عليها ولامه لما فعلها مع ~~أنه لم يفعلها، وعذبه عليها مع أنه لم يوجدها، لكان ظالما والظلم نقصان ~~وكيف يصح أن يفعل شيئا ms156 ثم يلوم غيره عليه ويقول له كيف فعلته ولم فعلته؟ ؟ ~~وأهل السنة يقولون: إن الله خالق لأفعال الإنسان لأن الإنسان لو خلقها لما ~~قدر الإله على خلقها ونفي القدرة عيب ونقصان، وليس تعذيب الرب على ما خلقه ~~بظلم بدليل تعذيبه للبهائم والمجانين والأطفال لأنه يتصرف في ملكه كيف ~~يشاء، والقول بالتحسين والتقبيح باطل، فرأوا أن يكون كماله في خلق أفعال ~~العباد ورأوا تعذيبهم على ما لم يخلقوه جائزا من أفعاله غير قبيح. # المثال الثاني: اختلاف المجسمة مع المنزهة لو كان جسما لكان حادثا ولفاته ~~كمال الأزلية. # المثال الثالث: إيجاب المعتزلي على الله سبحانه أن يثيب الطائعين كي لا ~~يظلمهم والظلم نقصان، وقول الأشعري ليس ذلك بنقص إذ لا يجب عليه حق ولو وجب ~~عليه حق لغيره لكان في قيده، والتقيد بالأغيار نقصان. # المثال الرابع: قول المعتزلة بأن الله يريد الطاعات وإن لم تقع، لأن ~~إرادتها كمال ويكره المعاصي وإن وقعت لأن إرادتها نقصان، وقول الأشعري لو ~~أراد ما لا يقع لكان ذلك نقصا في إرادته لكلالها عن النفوذ فيما تعلقت به، ~~ولو كره المعاصي مع وقوعها لكان ذلك كلالا في كراهيته وذلك نقصان. # PageV01P204 # المثال الخامس: إيجاب المعتزلة على الله رعاية الصلاح لعباده لما في تركه ~~من النقصان، وقول الأشعري لا يلزم ذلك لأن الإلزام نقصان وكمال الإله أن ~~يكون في قيد المتألهين. # النوع الخامس عشر: من الحقوق المتعلقة بالقلوب: تصديق القلب بجميع ما ~~ذكرناه من الاعتقاد والعرفان. # النوع السادس عشر: النظر في تعريف ذلك أو اعتقاده وهو واجب وجوب الوسائل. # النوع السابع عشر: معرفة ما أمر بفعله من طاعته بأركانها وشرائطها وسننها ~~وآدابها، وموانعها ومبطلاتها، وأوقاتها ومقدمها ومؤخرها، ومضيقها وموسعها، ~~ومعينها ومخيرها ومؤداها ومقضيها. # النوع الثامن عشر: معرفة ما زجر عن فعله من معاصيه ليجتنب لما فيه من ~~المفاسد، قال الله تعالى: {ولتستبين سبيل المجرمين} [الأنعام: 55] . # النوع التاسع عشر: معرفة أحكام تصرفات العباد ومعاملاتهم صحيحها وفاسدها ~~وبيان المحللات والمحرمات والمكروهات والواجبات والمندوبات والولايات ~~ولواحقها وغير ذلك. # النوع العشرون: معرفة أدلة ms157 أحكامه من كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - وإجماع أمته والأقيسة الصحيحة، والاستدلالات المستقيمة، والعبارات ~~القويمة. # النوع الحادي والعشرون: معرفة ما يتوقف عليه فهم خطابه وخطاب رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - من اللغة العربية. # PageV01P205 # النوع الثاني والعشرون: النظر في معرفة ما التبس من أحكامه وأدلتها ~~ومتعلقاتها # النوع الثالث والعشرون: الظنون المعتبرة في معرفة الأحكام وأسبابها وسائر ~~متعلقاتها، ولا يشترط فيها العلم إذ لو شرط فيها العلم لفات معظم المصالح ~~الدنيوية والأخروية، ولا يكفي فيما يتعلق بأوصاف الإله إلا العلم أو ~~الاعتقاد، والفرق بينهما أن الظان مجوز بخلاف مظنونه، وإذا ظن صفة من صفات ~~الإله فإنه يجوز نقيضها وهو نقص ولا يجوز تجويز النقص على الإله، لأن الظن ~~لا يمنع من تجويز نقيض المظنون، بخلاف الأحكام فإنه لو ظن الحلال حراما ~~والحرام حلالا لم يكن ذلك تجويز نقص على الرب سبحانه وتعالى، لأنه لو أحل ~~الحرام وحرم الحلال لم يكن ذلك نقصا فدار تجويزه بين أمرين، كل واحد منهما ~~كمال، بخلاف الصفات فإن كمالها شرف وضده نقصان، ولا يشترط في المعارف ~~والاعتقادات الواجبة الاستمرار والدوام لما في ذلك من المشقة والضرر العام ~~والمقصود بالشرائع إرفاق العباد بل يكفي في ذلك الإيمان الحكمي مع عزوب ~~الإيمان الحقيقي ما لم يطرأ ضد يناقض المعارف والاعتقاد، والعرفان أفضل من ~~الاعتقاد، وحكم العرفان أفضل من حكم الاعتقاد. # النوع الرابع والعشرون: الأحوال الناشئة عن معرفة الصفات. # اعلم أن الخوف ناشئ عن معرفة شدة النقمة، والرجاء ناشئ عن معرفة سعة ~~الرحمة، والتوكل ناشئ عن معرفة تفرد الرب بالضر والنفع والخفض والرفع. # والمحبة تنشأ تارة عن معرفة الإحسان والإنعام، وتارة عن معرفة الجلال ~~والجمال، والمهابة ناشئة عن معرفة كمال الذات والصفات، وكل واحدة من هذه ~~الأحوال حاثة على الطاعة التي تناسبها، فالخوف حاث على ترك المعاصي ~~والمخالفات، والرجاء حاث على الإكثار من المندوبات # PageV01P206 # وعلى كثير من الواجبات لما يرجى على ذلك من المثوبات، والتوكل حاث على ~~الإجمال في الطلب والدعاء، والابتهال زاجر عن الوقوف مع الأسباب، والمحبة ms158 ~~حاثة على طاعة مثل طاعة الهائبين المجلين المعظمين المستحيين، وهو أكمل من ~~طاعة المحبين، ولا يمكن اكتساب هذه الأحوال في العادة إلا باستحضار المعارف ~~التي هي منشأ لهذه الأحوال. # النوع الخامس والعشرون؛ القصود والنيات والعزوم على الطاعات فيما يستقبل ~~من الأوقات، فيجب على المكلف أن يعزم على الطاعات قبل وجوبها ووجوب ~~أسبابها، فإذا حضرت العبادات وجبت فيها القصود إلى اكتسابها والنية بالتقرب ~~بها إلى رب السموات. # واعلم أن الإيمان والنيات والإخلاص ينقسم إلى حقيقي وحكمي، فالإيمان ~~الحكمي شرط في العبادات من أولها إلى آخرها، والنية الحقيقية مشروطة في أول ~~العبادات دون استمرارها، والحكمية كافية في استمرارها، وكذلك إخلاص العبادة ~~شرط في أولها، والحكمي كاف في دوامها، ولو وجب الإيمان الحقيقي في جميع ~~الأوقات، والنية الحقيقية في استمرار العبادات لحصلت المشقة في استحضار ~~الإيمان والنيات، ولم يشترط الإيمان الحقيقي في ابتداء العبادة لأن استحضار ~~النية شاق عسير ولأن نية القربة تتضمن الإيمان، والإيمان لا يتضمن نية ~~القربات، والغرض من النيات تمييز العبادات عن العادات، أو تمييز رتب ~~العبادات أثناء تمييز العبادات عن العادات وله أمثلة: أحدها: الغسل فإنه ~~مردد بين ما يفعل قربة إلى الله كالغسل عن الأحداث، وغيرها يفعل لأغراض ~~العباد من التبرد والتنظيف والاستحمام والمداواة وإزالات الأوضار والأقذار، ~~فلما تردد بين هذه المقاصد وجب تمييز ما يفعل لرب الأرباب عما يفعل لأغراض ~~العباد. # PageV01P207 # المثال الثاني: دفع الأموال مردد بين أن يفعل هبة أو هدية أو وديعة، وبين ~~أن يفعل قربة إلى الله كالزكاة والصدقات والكفارات، فلما تردد بين هذه ~~الأغراض، وجب أن تميز النية لما يفعل لله عما يفعل لغير الله. # المثال الثالث: الإمساك عن المفطرات تارة يفعل لغرض الإمساك عن المفطرات ~~وتارة يفعل قربة إلى رب الأرضين والسموات، فوجب فيه النية لتصرفه عن أغراض ~~العباد إلى التقرب إلى المعبود. # المثال الرابع: حضور المساجد قد يكون للصلوات أو الراحات أو للقربة ~~بالحضور فيها زيارة للرب سبحانه وتعالى. # لما تردد بين هذه الجهات وجب أن يميز الحضور في المسجد زيارة ms159 لرب الأرباب ~~عما يفعل لغير ذلك من الأغراض. # المثال الخامس: الضحايا والهدايا لما كان ذبح الذبائح في الغالب لغير ~~الله من ضيافة الضيفان وتغذية الأبدان، ونادر أحواله أن يفعل تقربا إلى ~~الملك الديان شرطت فيه النية تمييزا لذبح القربة عن الذبح للاقتيات ~~والضيافات، لأن تطهر الحيوان بالذكاة كتطهير الأعضاء بالمياه من الأحداث، ~~تارة يكون لله وتارة يكون لغير الله فتميزه الطهارة الواقعة لله عن الطهارة ~~الواقعة لغيره. # المثال السادس: الحج لما كانت أفعاله مرددة بين العبادات والعادات وجب ~~فيه النية تمييزا للعبادات عن العادات. # وأما مثال تمييز رتب العبادات فكالصلاة تنقسم إلى فرض ونفل، والنفل ينقسم ~~إلى راتب وغير راتب، والفرض ينقسم إلى منذور وغير منذور، وغير المنذور ~~ينقسم إلى ظهر وعصر ومغرب وعشاء وصبح، وإلى قضاء وأداء فيجب في النفل أن ~~يميز الراتب عن غيره بالنية وكذلك تميز صلاة الاستسقاء عن صلاة العيد. # وكذلك في الفرض تميز الظهر عن العصر، والمنذورة عن المفروضة بأصل الشرع، ~~وكذلك في العبادة # PageV01P208 # المالية تميز الصدقة الواجبة عن النافلة، والزكاة عن المنذورة والنافلة. # وكذلك يميز صوم النذر عن صوم النفل، وصوم الكفارة عنهما، وصوم رمضان عما ~~سواه، ويميز الحج عن العمرة تميزا لبعض راتب العبادات عن بعض. # ولا يكفيه مجرد نية القربة دون تعيين الرتبة، فإن أطلق نية الصوم والصلاة ~~حمل على أقلها، لأنه لم ينو التقرب بما زاد على رتبتها، فإذا نوى الراتبة ~~لم يكفه ذلك حتى يعينها بتعين الصلاة التي شرعت لها بأن يضيفها إلى الصلاة ~~التابعة لها، وإذا نوى العيد أو الكسوف أو الاستسقاء فلا بد من إضافتها إلى ~~أسبابها لتمييز رتبتها عن رتب الرواتب، وإن نوى الفرائض فلا بد من تمييزها ~~بالإضافة إلى أوقاتها وأسبابها، وليست الأوقات والأسباب قربة ولا صفة ~~للقربة وإنما تذكر في النية لتبيين المرتبة، وإن نوى الكفارة ولم يذكر ~~سببها أجزأته لأن رتبتها متساوية لا تفاوت فيها، إذ العتق في كفارة القتل ~~مثل العتق في كفارة الظهار وكفارة الجماع في رمضان. # وقد خالف أبو حنيفة - رحمه ms160 الله - في ذلك وجعل إضافة الكفارات إلى ~~أسبابها كإضافة الصلاة إلى أوقاتها، والأول أوجه لما ذكرنا من تساوي الرتب، ~~وليست الأوقات والأسباب من العبادات حتى يجب ذكرها لا سيما أسباب الكفارات ~~فإن معظمها جنايات، فإذا لم تكن الأسباب قربة ولا دالة على تفاوت رتبة فلا ~~حاجة إلى قصدها لأن العتق بنية الكفارة قد يميز عن العتق المندوب برتبته، ~~بخلاف رتب الصلاة فإنها مختلفة، ولذلك شرع بعضها ما لم يشرع في بعض كالجهر ~~والإسرار والتطويل والتقصير، ولو تساوت مقاصد الصلاة تساوت مقاصد العتق لما ~~اختلفت أحكام الصلاة وأوصافها، وعندي وقفة في صلاتي العيدين لأنهما مستويان ~~في جميع الصفات فينبغي أن تلحق بالكفارات فيكفيه أن ينوي صلاة العيدين من ~~غير تعرض لصلاة فطر أو أضحى، بخلاف صلاة الكسوف والخسوف فإنهما يختلفان ~~بالجهر والإسرار، فإن كانت العبادة غير ملتبسة بالعادة كالإيمان والتعظيم ~~والإجلال والخوف والرجاء والتوكل # PageV01P209 # والحياء والمحبة والمهابة، فهذه متعلقة بالله عز وجل قربة في أنفسها ~~متميزة لله بصورتها لا تفتقر إلى قصد تمييزها وبجعلها قربة متميزة، فلا ~~حاجة في هذا النوع إلى نية تصرفه إلى الله عز وجل وكذلك التسبيح والتقديس ~~والتهليل والتكبير والثناء على الله عز وجل بما لا يشارك فيه والأذان ~~وقراءة القرآن فإنه لا يحتاج إلى نية، إذ لا تردد بين العبادة والعادة ولا ~~بين رتب العبادة كما ذكرناه، ولا حاجة إلى التعليل بأن النية لو افتقرت إلى ~~نية لأدى ذلك إلى التسلسل لأن انصرافها بصورتها إلى الرب سبحانه وتعالى ~~مميز لها فلا تحتاج إلى مميز، ولأن النية لا رتب لها في نفسها، ومثل هذا ~~نقول في الكلام إن كان صريحا لم يفتقر إلى نية لأنه بصراحته منصرف إلى ما ~~دل عليه، وإن كان كناية افتقر إلى نية مميزة لتردده، وكذلك نقول في ~~المعاملات إن امتاز المقصود عن غيره فلا حاجة إلى ما يميزه، فمن استأجر ~~عمامة أو ثوبا أو قدوما أو سيفا أو بساطا لم يحتج إلى ذكر منفعة لأن صورته ~~منصرفة إلى منفعته مميزة لها فلا ms161 حاجة إلى مميز، وإن كانت المنفعة مرددة ~~كالدابة تكترى للعمل والركوب. # والأرض تكترى للزرع والغرس والبناء فلا بد من تمييز المنفعة باللفظ، ~~وكذلك إن كان في البلد نقد غالب حمل العقد عليه لامتيازه بغلبته وإن كان في ~~البلد نقود مختلفة لا غالب فيها فلا بد من تمييز باللفظ، وكذلك الحقوق ~~المتعينة لا يفتقر أداؤها إلى نية بل تصح وتبرى من غير نية لتعينها ~~لمستحقها، وإن ترددت مثل أن يقبض المدين مالا لرب الدين من جنس حقه فإنه ~~مردد بين الوديعة والهبة والعارية والإباحة وقضاء الدين فلا بد من نية تميز ~~إقباض الدين عن سائر أنواع الإقباض. # وكذلك كل من جاز له الشراء لنفسه ولغيره فإنه لا ينصرف إلى غيره إلا بنية ~~تميزه عن الشراء لنفسه. # وكذلك لو ملك التصرف بأسباب مختلفة كالوكيل والوصي فإنه يملك الشراء ~~لنفسه ولغيره بنية فلو أطلق الشراء عن النية لانصرف إلى نفسه لأنه الغالب ~~من أفعاله، ولا ينصرف إلى يتيمه إلا بنية وليس المقصود من # PageV01P210 # نية التصرف التقرب إلى المستحق، بخلاف نية العبادات فإن القصد بتمييزها ~~التقرب إلى المعبود بذلك المقصود، وكذلك ما تشترط فيه النية من التصرفات ~~ليس الغرض منها إلا مجرد التمييز دون التقرب. # فإن قيل: لم أثيب ناوي القربة على مجرد نيته من غير عمل ولا يثاب على ~~أكثر الأعمال إلا إذا نواه؟ فالجواب: ما ذكرناه من أن النية منصرفة إلى ~~الله تعالى بنفسها، والفعل المردد بين العادة والعبادة غير منصرف إلى الله ~~فلذلك لا يثاب عليه. # فإذا قيل: لم أثيب على النية ثواب حسنة واحدة، وإن اتصل بها الفعل أثيب ~~بعشر مع كون النية متصلة إلى الله بنفسها؟ فالجواب: أن الفعل المنوي، به ~~تتحقق المصالح المطلوبة من العبادات فلذلك كان أجره أعظم وثوابه أوفر. # (فائدة) هل يشترط أن يستحضر إضافة النية إلى الله أو يكفيه استلزامه ~~القربة للإضافة إلى الله؟ فيه اختلاف. # (فائدة) الذي ينوى من العبادات ضربان: أحدهما ما هو مقصود في نفسه فيوجه ~~النية إلى التقرب به إلى الله ms162 عز وجل. # الضرب الثاني: ما يكون المقصود به غيره وهو ضربان: أحدهما ما لا يكون ~~مقصودا في نفسه كالتيمم فهذا ينوي به استباحة ما يحرمه الحدث ويدل على أنه ~~غير مقصود في نفسه أنه لا يشرع تحديده، وإن نوى أداء التيمم أو فريضة ~~التيمم فوجهان. # أحدهما لا يصح لأنه غير مقصود # والثاني: يصح كما يصح مثله في سائر العبادات. # PageV01P211 # الضرب الثاني: ما كان مقصودا في نفسه كطهارة الأحداث بالماء، فهذا يخير ~~بين أن ينويه في نفسه كسائر العبادات، وبين أن ينوي مقصوده، وله حالان. # أحدهما: أن ينوي رفع شيء يحرمه ذلك الحدث. # والثانية: أن ينوي استباحة شيء مما يحرمه ذلك الحدث، وإنما كفارة ذلك في ~~حصول العبادة لأن الحدث لا يرتفع إلا بطهارة وهي قربة. # فإن قيل الصلاة والتيمم ممتازان بصورتيهما عن العادات وعن غيرهما من ~~العبادات فلم افتقر إلى النية - مع تمييزهما؟ قلنا. # أما التيمم فإنه افتقر إلى النية - لأنه خارج عما يفعل عبادة أو عادة، ~~وليس مسح الوجه بالتراب نوعا من التعظيم في مطرد العادات بل صورته كصورة ~~اللعب والعبث الذي لا فائدة فيه، فلذلك افتقر إلى نية تصرفه عن اللعب ~~والعبث إلى العبادة إذ لا تعظيم في صورته، والعبادات كلها إجلال وتعظيم. # وأما الصلاة فإنما وجبت النية فيها لوجوب ترتيبها، وإذا بطل أولها بطل ما ~~ابتنى عليه فلم تجب النية فيها لتمييزها عن العادة، وإنما وجبت لتمييز رتب ~~العبادة، فإن مرتبة التكبير في النافلة المطلقة دون مرتبته في النوافل ~~المرتبة والمؤقتة، ورتب العبادة في النوافل المؤقتة دون رتب المفروضة ~~والمنذورة، فإذا وقع مرددا بين هذه الجهات، فقد تردد بين رتب مختلفة فلا ~~يعتقد به في رتبة عليا وحمل على أدنى الرتب، وكان ما بعده من أفعال الصلاة ~~مبنيا على رتبته وهو مردد والمبني على المردد مثله في التردد، بل رتبة ~~التكبير في النفل المطلق أعلى من رتبته خارج الصلاة، ولا بد أن ينوي به أصل ~~الصلاة وإلا وقع مرددا بين رتبة تكبير الصلاة ورتبة التكبير الخارج عن ms163 ~~الصلاة. # PageV01P212 # فصل في وقت النية المشروطة في العبادة إذا كان الغرض بالنيات التمييز كما ~~ذكرنا وجب أن تقترن النية بأول العبادة ليقع أولها مميزا ثم يبتنى عليه ما ~~بعده، إلا أن يشق مقارنتها إياها كما في نية الصوم، وقد اختلف في نية تقديم ~~الزكاة، لما في التوكيل في إخراجها من مصلحة الإخلاص ودفع إخجال الفقير من ~~باذلها، فإن تأخرت النية عن أول العبادة لم يجز ذلك إلا في صوم التطوع لأن ~~ما مضى يقع مرددا بين العبادة والعادة، أو بين رتب العبادة، وإن تقدمت ~~النية فإن استمرت إلى أن شرع في العبادة أجزأه ما اقترن منها بالعبادة وإن ~~انقطعت النية قبل الشروع في العبادة لم تصح العبادة لترددها، فإن قرب ~~انقطاعها أجزأت عند بعض العلماء وفيه بعد، لأنها إذا انقطعت وقع ابتداء ~~العبادة مرددا فإن اكتفى بالنية السابقة فلا فرق بين بعيدها وقريبها لتحقق ~~ترددها ابتداء العبادة مع القرب والبعد، وينبغي أن يستصحب ذكر النية في ~~الوضوء إلى آخره لأنه أقرب إلى مقصود النيات، ولا يفعل مثل ذلك في الصلاة، ~~لأن قلبه مشغول عن ذكر النية بملاحظة معنى الأذكار والقراءة والدعاء، فكان ~~الاشتغال بالأهم في الصلاة أولى من ملاحظة النية وذكرها. # فإن قيل: هل يشترط أن ينوي الاقتداء في صلاة الجمعة كما ينوي سائر ~~الصلاة؟ فالذي أراه أنه لا يشترط لأن الاقتداء شرط في صلاة الجمعة فلا يفرد ~~بالنية كسائر الشرائط والأركان. # (فائدة) يكفي في العبادات نية فردة لقوله - عليه السلام -: «إنما الأعمال ~~بالنيات» ، وقد قال الشافعي - رحمه الله - في الصلاة: ينوي مع التكبير لا ~~قبله ولا بعده. # واختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من قال لا بد من استمرار النية # PageV01P213 # من أول التكبير إلى آخره، وهذا مخالف للنية في جميع العبادات مع ما فيه ~~من العسر الموجب للوسواس، والمختار أنه تجزئ نية فردة مقرونة بالتكبير كما ~~تجزئ في الصوم والزكاة والكفارات والاعتكاف والحج والعمرة نية فردة، وليس ~~قول الشافعي مع التكبير لا قبله ولا بعده نصا في بسط النية على ms164 التكبير، ~~لأن اسم الشيء يطلق على ابتدائه وعلى انتهائه كما يطلق لفظ الصلاة على أول ~~أجزائها وعلى آخر أجزائها كما في حديث جبريل - عليه السلام -، فكذلك يطلق ~~لفظ التكبير على أول أجزائه وهو الهمزة، وقال بعض أصحابنا: لا يتصور بسط ~~النية لأنها عرض فرد لا يتصور فيه البسط، وإنما يبسط العلم بالنية وهذا لا ~~يصح لأن العلم عرض لا يتصور الغرض منه كما لا يتصور بسط الغرض من النية ~~وإنما المعنى. # يبسطها تكريرها بتوالي أمثالها. # فصل في قطع النية في أثناء العبادة وإذا قطع نية العبادة في أثناء الصلاة ~~بطلت صلاته لانقطاع النية المستصحبة كما يبطل الإيمان المستصحب بطريان ضد ~~من أضداده. # ولو قطع نية الحج أو العمرة لم يبطل حجه ولا عمرته، وإن قطع نية الصيام ~~بطل على الأصح، فأحكام النية في الصلاة أغلظ من أحكامها في النسك، ولو شك ~~هل نوى شيئا من هذه العبادات أو لم ينو لم يحكم بانعقاده لأن الأصل عدم ~~نيته، ولو تردد أيستمر على شيء من هذه العبادات أم يخرج منها لم يخرج بذلك ~~من صومه ولا من نسكه وتبطل صلاته، ولو تردد في أصل النية ثم تذكر في أثناء ~~العبادة أنه نوى في أولها صح صومه ونسكه. # وأما الصلاة فإن فعل في حال شكه ركنا لا يزاد مثله في الصلاة كالركوع ~~والسجود # PageV01P214 # بطلت صلاته لأنه زاد فيها متعمدا ركنا لا يعتد به لفوات النية الحكمية ~~فيه، فصار كما لو تعمد زيادته من غير نسيان، وإن لم يأت بركن لا يزاد مثله ~~في الصلاة فإن قصر زمان الشك لم تبطل صلاته كما لا تبطل بالكلام القليل ~~والفعل اليسير في حال النسيان، وإن طال زمن التردد ففي البطلان وجهان ~~كالوجهين في البطلان بالكلام الكثير والفعل الكثير في حال النسيان والفرق ~~بينهما أن النسيان اليسير غالب والكلام اليسير نادر، وقد فرق في الأعذار ~~بين غالبها ونادرها، وإن أتى في حال الشك بركن يزاد مثله في الصلاة ~~كالفاتحة والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعتد ms165 به لخلوه عن ~~النية الحكمية والحقيقية، ويلزمه إعادته إن قصر زمان الشك وإن طال فوجهان ~~والفرق في تغليظ أحكام النية بين الصلاة وغيرها أن المصلي مناج لربه مقبل ~~عليه، ولذلك نهي عن الالتفات فيها والإعراض عن الله عز وجل لما فيه من سوء ~~الأدب، وزجر عن الفعل الكثير والكلام الكثير وأمر باستقبال جهة واحدة لأنه ~~أكمل في الإقبال على مناجاة ذي الجلال وقد قال: «أنا جليس من ذكرني» فكان ~~تردده في الخروج عن المجالسة تركا للإقبال على ذي الجلال وسوء أدب، فلذلك ~~أبطل تردده في قطع نية الصلاة. # فإن من أمره بعض الكبراء بمناجاته ومجالسته فجالسه وناجاه ثم عزم على قطع ~~مجالسته أو مناجاته أو تردد في قطعها فإنه يعد ذلك - إذا اطلع عليه - من ~~سوء أدب المناجاة والمجالسة، وليس سائر العبادات بمثابة الصلاة في المجالسة ~~والمناجاة، والفرق بين النسك والصيام أن الناسك لا يخرج من نسكه بأقوى ~~المفسدات وهو الجماع، فكذلك لم تؤثر فيه قواعد النيات فجاز أن ينوي إحراما ~~كإحرام غيره، وجاز أن يبهم إحرامه ثم يصرفه إلى أحد النسكين أو إليهما، ~~وجاز أن ينوي النفل فيقع عن الفرض أو ينوي الحج عن غيره فيقع عن نفسه ولو ~~أبطله الشرع بمثل ذلك لعظمت المشقة في قضائه بخلاف الصلاة والصيام. # PageV01P215 # فإن قيل: هل تصح العبادة بنية تقع في أثنائها؟ قلنا: نعم وله صور: أحدها: ~~أن ينوي المتنفل ركعة واحدة ثم ينوي أن يزيد عليها ركعة أو أكثر فتصح ~~الركعة الأولى بالنية الأولى وصح ما زاد عليها بالنية الثانية، وليس هذا ~~كتفريق النية على الصلاة لأن المفرق ينوي ما لا يكون صلاة مفردة وههنا قد ~~نوى بالنية الأولى الركعة الأولى وهي صلاة على حيالها ونوى الزيادة بنية ~~ثانية وهي صلاة أيضا على حيالها، وليس كمن نوى تكبيرة أو قومة أو نوى من ~~الظهر ركعة على انفرادها فإن الركعة المنفردة لا تكون ظهرا. # الصورة الثانية: إذا نوى الاقتصار في الصلاة على الأركان والشرائط ثم نوى ~~التطويل المشروع أو السنن المشروعة فإن ms166 ذلك يجزئه لاشتمال النية الأولى على ~~الأركان والشرائط، والثانية على السنن النابعة، فإنها وإن لم تكن صلاة ~~مستقلة فقد ثبت للتابع ما لا يثبت للمتبوع، أو يكون ذلك من رخص النوافل كما ~~رخص للمسافر في صلاتها إلى غير القبلة توسعة لتكثير النوافل، وكذلك لو نوى ~~التسليم بعد انقضاء التشهد ثم بدا له أن يطول في الأدعية والأذكار. # الصورة الثالثة: إذا نوى المسافر القصر ثم نوى الإتمام فإن الركعتين ~~الأولتين يجزئانه بالنية الأولى والركعتان الأخريان يجزئانه بالنية الثانية ~~لأن المقصود بالنيتين تمييز رتبة الظهر عن غيرها، وقد تحقق ذلك بالنيتين. # الصورة الرابعة: إذا اقترن بصلاة القاصر ما يوجب الإتمام أو طرأ عليها ما ~~يوجب إتمامها وهو لا يشعر به في أثناء الصلاة فإنه يتم الصلاة بالنية ~~الثانية وقد قال بعض أصحابنا تجزئه بالنية الأولى، وقد جعل القصر معلقا # PageV01P216 # على شرط أن لا يطرأ ما يوجب الإتمام وهذا لا يصح في حق من لا يشعر بهذا ~~الحكم ولم يخطر بباله مع أنه حكمه الإتمام. # الصورة الخامسة: إذا مات الأجير في الحج قبل إتمامه الحج وجوزنا البناء ~~عليه فاستأجرنا من يبني عليه وقد وقع ما تقدم بنية الأجير الأول وما تأخر ~~بنية الأجير الثاني فيؤدى الحج بنيتين من شخصين: إحداهما في ابتدائه ~~والثانية في انتهائه. # فإن قيل: النية قصد ولا بد للقصد من مقصود مكتسب يتعلق به القصد، فأي كسب ~~مقصود للإمام إذا نوى الإمامة فإن صلاته مع القوم لا تزيد على صلاته وحده؟ ~~وكذلك إذا أحرم الناسك بالعمرة والحج مع اتحاد الفعل بخلاف ما لو أدخل الحج ~~على العمرة فإن أفعال الحج تزيد على أفعال العمرة. # وقد قال الشافعي رحمة الله عليه: لو أدخل العمرة على الحج لم تصح على قول ~~إذ لا ينوي بهذه المسائل مشكلة ولا يصح أن يقال نوى الأحكام لأن الأحكام ~~ليست من كسبه ولا من صفات كسبه، والنيات لا تتعلق إلا بكسب أو صفة تابعة ~~للكسب، ومن المشكل قول الشافعي ومالك رحمهما الله: إن الحج والعمرة ينعقدان ms167 ~~بمجرد نية الإحرام من غير قول ولا فعل، فإن أريد بالإحرام أفعال الحج لم ~~يصح لأنه لم يتلبس بشيء منها في وقت النية ولأن محظورات الحج لا تتقدم عليه ~~كما لا تتقدم محظورات العبادة عليها، وإن أريد به الانفكاك عن محظورات ~~الإحرام لم يصح لأنه إن نوى الإحرام مع ملابسته لمحظورات سوى الجماع لصح ~~إحرامه وإن كان الكف عنهما هو الإحرام لما صح مع ملابستها كما لا يصح ~~الصيام مع ملابسته الأكل والشرب، وإن كان الإحرام هو الكف عن الجماع لما صح ~~إحرام من يجهل وجوب الكف # PageV01P217 # عن الجماع لأن الجهل به يمنع من توجه النية، إذ لا يصح قصد ما يجهل ~~حقيقته، وشرط ابن خيران التلبية متجه لأن التلبية في الحج كتكبيرة الإحرام ~~في الصلاة وشرط بعض العلماء التلبية أو سوق الهدي. # فصل في تردد النية مع ترجح أحد الطرفين النية قصد لا يتصور توجهه إلا إلى ~~معلوم أو مظنون فلا تتعلق بمشكوك فيه. # وكذلك لا تتعلق بالموهوم ولا بد أن يكون جزمها مستندا إلى علم أو اعتقاد ~~أو ظن، فإذا نوى ما يتردد فيه فإن كان تحققه راجحا صحت نيته مثل أن ينوي ~~الزكاة عن مال شك في هلاكه أو ينوي الصيام ليلة الثلاثين من رمضان فتصح ~~نيته لأن ما نواه ثابت محقق باستصحاب الأصل، وإن كان عدم ما نواه راجحا ~~بالاستصحاب لم تصح نيته لأنها لا تتحقق إلا مع علم أو ظن كما لو أخرج ~~الزكاة عن مال شك هل ملكه أم لا، وكما لو نوى الصيام ليلة الثلاثين من ~~شعبان. # فإن قيل: كيف يصح صوم المستحاضة المتحيرة وصلاتها مع عدم رجحان الطهارة ~~على الحيض والحيض على الطهارة؟ قلنا: هذا مما استثني للضرورة بخلاف ما ~~سنذكره إن شاء الله في مسألة السبيكة لأنه يقدر على تمييز الذهب من الفضة ~~فيزول الشك، ولا قدرة للمستحاضة على مثل ذلك، ولو نوى الصيام معلقا على ~~مشيئة الله تعالى، فإن جزم النية واعتقد أن ما جزمه موقوف التحقق على مشيئة ~~الله ms168 فهذه نية صحيحة لجزمها وقد أضاف إليها الاعتراف بوقوف عبادته على ~~مشيئة الله، وذلك إتيان بطاعتين، وإن تشكك بالفعل لم تصح نيته لتردده، وذلك ~~مثل أن يقول إن شاء الله وقع مني الصوم ولا يجزم بذلك فهذا لا يصح تردده ~~وشكه. # PageV01P218 # فصل في تفريق النيات على الطاعات تفريق النية على الطاعة يختلف باختلاف ~~الطاعات، والطاعات أقسام: أحدهما: طاعة متحدة وهي التي يفسد أولها بفساد ~~آخرها كالصلاة والصيام، فلا يجوز تفريق النية على أبعاضها، مثاله في الصيام ~~أن ينوي إمساك الساعة الأولى وحدها ثم ينوي إمساك الساعة الثانية وكذلك ~~يفرد كل إمساك بنية تختص بها إلى آخر النهار، فإن صومه لا يصح. # وكذلك لو فرق نية الصلاة على أركانها وأبعاضها مثل أن أفرد التكبير بنية ~~والقيام بنية ثانية والركوع ثالثة وكذلك إلى انقضاء الصلاة، فإن صلاته لا ~~تصح لأن ما نواه من هذه المفردات ليس بجزء من الصلاة على حياله. # القسم الثاني: طاعة متعددة كالزكاة والصدقات وقراءة القرآن فهذا يجوز أن ~~يفرد أبعاضه بالنية وأن يجمعه في نية واحدة، فلو فرق النية على أحد جزئي ~~الجملة في القراءة مثل أن قال بسم الله، أو قال فالذين آمنوا، فالذي أراه ~~أنه لا يثاب على ذلك، ولا يثاب إلا إذا فرق النية على الجمل المفيدة، إذ لا ~~قيمة في الإتيان بأحد جزئي الجملة وجمل القرآن أحدها ما لا يذكر إلا قرآنا ~~كقوله: {كذبت قوم نوح المرسلين} [الشعراء: 105] فهذا يحرم على الجنب ~~قراءته. # الضرب الثاني: ما يغلب عليه كونه ذكرا ليس بقرآن كقوله بسم الله، والحمد ~~لله، ولا إله إلا الله، فهذا لا يحرم على الجنب قراءته إلا أن ينوي القراءة ~~لغلبة الذكر عليه. # PageV01P219 # القسم الثالث: ما اختلف في اتحاده كالوضوء والغسل فمن رآهما متحدين منع ~~من تفريق النية على أجزائهما، ومن رآهما متعددين جوز تفريق النية على ~~أبعاضها. # النوع السادس والعشرين من أعمال القلوب التوبة ولها ثلاثة أركان أحدهما: ~~الندم على المعصية والمخالفة. # والثاني: العزم على أن لا يعود إلى مثل تلك المعصية ms169 في الاستقبال. # والثالث: إقلاع عن تلك المعصية في الحال، فهذه التوبة مركبة من ثلاثة ~~أركان: العزم، والندم، والإقلاع، وقد تكون التوبة مجرد الندم في حق من عجز ~~عن العزم والإقلاع فلا يسقط المقدور عليه بالمعجوز عنه، كما لا يسقط ما قدر ~~عليه من الأركان في الصلاة بما عجز عنه، وذلك كتوبة الأعمى عن النظر ~~المحرم، وتوبة المجبوب عن الزنا وهذا مبني على قاعدة مستفادة من قوله - ~~عليه السلام -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ، أي إذا أمرتكم ~~بمأمور فأتوا من ذلك المأمور ما استطعتموه، أي ما قدرتم عليه، فالأعمى ~~والمجبوب قادران على الندم عاجزان عن العزم والإقلاع. # ويستحب للتائب إذا ذكر ذنبه الذي تاب منه أن يجدد الندم على فعله، والعزم ~~على ترك العود إلى مثله، وعلى هذا يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إني ~~لأستغفر الله وأتوب إليه مائة مرة» ، لا يعني بذلك أنه يذنب في كل يوم مائة ~~مرة، بل معناه تجديد التوبة وتكريرها عن ذنب واحد # PageV01P220 # صغير، وذكره - صلى الله عليه وسلم - إياه في اليوم مائة مرة يدل على ~~استعظامه له مع صغره، وذلك يدل على فرط تعظيمه وإجلاله لربه، فشتان بين من ~~لا ينسى الصغير الحقير من الذنوب حتى يجدد التوبة منه في كل يوم مائة مرة ~~إجلالا لربه وبين من ينسى عظيم ذنوبه ولا تمر على باله احتقارا لذنوبه ~~وجهلا بعظمة ربه، وقد ذم الله من وعظ بآيات ربه فأعرض عن سماع الموعظة ونسي ~~ما قدمت يداه، والعارف الموقن إذا ذكر الصغيرة خجل منها وندم عليها وتألم ~~لها، وعزم على أن لا يعود إلى مثلها إجلالا لربه وفرقا من ذنبه، والتوبة ~~واجبة على الفور فمن أخرها زمانا صار عاصيا بتأخيرها، وكذلك يتكرر عصيانه ~~بتكرر الأزمنة المتسعة لها، فيحتاج إلى توبة من تأخيرها وهذا جار في تأخير ~~كل ما يجب تقديمه من الطاعات. # فإن قيل: كيف تتصور التوبة مع ملاحظة توحد الله بالأفعال خيرها وشرها مع ~~أن الندم على فعل الأغيار لا يتصور؟ قلنا: من ms170 رأى للآدمي كسبا خصص الندم ~~والعزم بكسبه دون صنع ربه، ومن لا يرى الكسب خصص التوبة بحال الغفلة عن ~~التوحد، وهذا مشكل جدا من جهة أنه يتوب على ما يظنه فعلا له وليس بفعل له ~~في نفس الأمر. # النوع السابع والعشرون الإخلاص وهو أن يقصد بطاعته وجه الله ولا يريد بها ~~سواه، فإن قصد بها سواه كان مرائيا، سواء قصد الناس على انفرادهم أو قصد ~~الرب والناس جميعا. # النوع الثامن والعشرون الرضا بالقضاء: فإن كان المقضي به طاعة فليرض ~~بالقضاء والمقضي به جميعا، وإن كان معصية فليرض بالقضاء ولا يرضى بالمقضي ~~به بل يكرهه، وإن لم يكن طاعة ولا معصية فليرض بالقضاء ولا يتسخط بالمقضي ~~به وإن رضي به كان أفضل. # PageV01P221 # النوع التاسع والعشرون التفكير في ملكوت السموات والأرض وجميع مخلوقات ~~الله، ليستدل بذلك على قدرته وحكمته ونفوذ إرادته. # وكذلك التفكر في آيات كتابه وفي فهم شرائعه وأحكامه، وكذلك تدبر آيات ~~كتابه وكذلك التفكر في الحشر والنشر والثواب والعقاب، ليكون المتفكر بين ~~الخوف والرجاء، ليعمل بطاعته رجاء لثوابه، وبتجنب معصيته. # وأفعال القلوب كثيرة: منها حسن الظن بالله، ومنها الحزن على ما فات من ~~طاعته، ومنها الفرح بفضله ورحمته، ومنها محبة الطاعة والإيمان، وكراهة ~~الكفر والفسوق والعصيان، ومنها الحب في الله والبغض في الله كحب الأنبياء ~~وبغض العصاة والأشقياء، ومنها الصبر على البليات والطاعات، وعن المعاصي ~~والمخالفات، ومنها التذلل والتخضع والتخشع والتذكر والتيقظ، وغبطة الأبرار ~~على برهم، والأخيار على خيرهم، والأتقياء على تقواهم، ومنها الكف عن أضداد ~~هذه المأمورات، ومنها الشوق إلى لقاء الله، ومنها أن يحب للمؤمنين ما يحب ~~لنفسه، وأن يكره لهم مثل ما يكره لنفسه، ومنها مجاهدة النفس والشيطان إذا ~~دعوا إلى المخالفات والعصيان، ومنها ذكرها ذم اللذات وذكر الوقوف بين يدي ~~رب السموات، ومنها السرور بطاعة الله والاغتمام بمعصية الله فنعم من سرته ~~حسنته وساءته سيئته كما قال - عليه السلام -، ومنها الإيمان بجميع ما أخبر ~~الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - به من السابق واللاحق، ومنها إضمار ms171 ~~النصيحة لكل مسلم، ومنها استحضار المخلوقات عند نزوع النفس إلى اتباع ~~الشهوات. # ومنها أن يقدر إذا عبد ربه كأنه يراه لتقع العبادة على أكمل الأحوال، فإن ~~عجز عن ذلك فليقدر أن الله ناظر إليه، ومطلع عليه، وهذا هو إحسان # PageV01P222 # العبادات، ومنها تفريغ القلب من الأكوان الحادثات شغلا برب الأرض ~~والسموات، وهذا هو المعبر عنه بالفناء عند أهل الصفوة والصفاء، وحقيقته ~~غفلة عن كل شيء للشغل برب كل شيء، ومنها الزهد في كل ما يمكن الاستغناء عنه ~~من متاع الدنيا إلا ما استثناه الشرع بالحث عليه والندب إليه كالنكاح، ~~والزهد في الشيء خلو القلب من التعلق به مع الرغبة عنه، والفراغ منه، ولا ~~يشترط خلو اليد منه ولا انقطاع الملك عنه، فإن سيد المرسلين وقدوة الزاهدين ~~مات عن فدك والعوالي ونصف وادي القرى وسهامه من خيبر، وملك سليمان الأرض ~~كلها وكان شغلهما بالله مانعا لهما من التعلق بكل ما ملكا. ### | [فصل فيما تتعلق به الأحكام من الأبدان] # فيما تتعلق به الأحكام من الأبدان وهو قسمان: أحدهما مقاصد، والثاني ~~وسائل. # فالمقاصد: كالقيام في الصلاة والطواف، والاعتكاف والسعي، والتعريف، ~~والمبيت بمزدلفة وبمنى والأغسال الواجبات والمندوبات. # والوسائل: كالمشي إلى الجماعات والجمعات وجميع العبادات والطاعات وإلى ~~تغيير المذكرات والمشي إلى عيادة المرضى وزيارة الأموات، ومن المحرمات لبس ~~المخيط في الإحرام والتضمخ والأدهان. ### | [فصل فيما تتعلق به الأحكام من الجوارح] # الجوارح كالألسن والشفاه والأفواه والبطون والأنوف والعيون والآذان ~~والوجوه والأيدي والأرجل والركب والأصابع والأنامل والفروج وغيرها. # PageV01P223 # فأما اللسان فيتعلق به من الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات ما ~~لا يتعلق بغيره من الجوارح والأركان، بل يتعلق به من ذلك ما يتعلق بالجنان ~~كالإكراه على الكبائر كلها والصغائر بأسرها، والأمر بكل منكر والنهي عن كل ~~معروف، والقذف وتكذيب من لا يجوز تكذيبه وتصديق من لا يجوز تصديقه، والكفر ~~وشهادة الزور، والحكم بالباطل والسحر، والهجو، وكل كلمة محرمة: كالغيبة ~~والنميمة والطعن في الأنساب والتفاخر بالأحساب والنياحة. # وكذلك يتعلق به الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتصديق ~~من يجب تصديقه ms172 وتكذيب من يجب تكذيبه، والأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر، ~~والشهادة بالحق، والحكم بالقسط وأمر الأئمة بما يأمرون به وتعليم العلوم ~~الشرعية، والعبادات المرضية، والفتاوى والأحكام، وزجر المفسدين، وإرشاد ~~الضالين، وتعليم الجاهلين، والثناء على رب العالمين بجميع أوصافه المذكورة ~~والدعاء إليه، فلا أحد أحسن قولا ممن دعا إلى الله وكذلك يتعلق به ~~الاستغفار، والدعاء، والوعظ والتذكير، والإقامة والأذان وقراءة القرآن، ~~وغير ذلك: كتشميت العاطس وحمدلته، والسلام ورده وإجابة المؤذن والمقيم. # وقد قال لقمان - عليه السلام - في ذلك: ليس في الإنسان أحسن من مضغتين ~~وأفسد من مضغتين وهما: القلب واللسان، وصدق فيما قاله لامتيازهما بما ~~ذكرناه من الأحكام عن سائر الجوارح والأركان. # وكذلك يتعلق باللسان الكف عن كل قبيح من الكفر فما دونه من أنواع الفسوق ~~والعصيان المتعلقة باللسان كما يتعلق به الأمر من محاسن الكلام. # وليس للجنان في مثل هذا كله إلا القصد إليه والعزم عليه مع إخلاصه لله عز ~~وجل، إثم المعاصي أعظم من إثم # PageV01P224 # قصدها، كما أن أجر الطاعات أعظم من أجر قصدها، فإن من هم بحسنة فلم ~~يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشرا. # وأما قوله - عليه السلام -: «نية المؤمن خير من عمله» ، ففيه وجهان: ~~أحدهما أن أجر النية المجردة عن العمل خير من العمل المجرد عن النية. # الوجه الثاني: ما روي «أنه - عليه السلام - وعد على حفر بئر بأجر فنوى ~~عثمان - رضي الله عنه - أن يحفرها فسبقه إلى حفرها يهودي فقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: نية المؤمن خير من عمله» ، أي نية عثمان خير من حفر اليهودي ~~البئر، فإن عثمان يؤجر على نية الحفر وإن لم يحفر، ولا أجر لليهودي بحفره ~~لإحباطه بيهوديته. # وأما الشفاه فإنها معينة على الكلام فيتعلق بها من الأحكام ما يتعلق ~~بإتمام الكلام المأمور به والمنهي عنه، وكذلك يتعلق بها التقبيل المحرم ~~والمأمور به، كتقبيل الأجنبيات وتقبيل الحجر الأسود. # وأما الأفواه والبطون فلا يجوز أن يلقى فيها ما يحرم أكله كالميتة والدم ~~والخمر، ويجب أن يطرح فيها ما ms173 يجب أكله في حال الاضطرار. # وكذلك يستحب أن يطرح فيها ما يندب إلى أكله من الولائم والضحايا ~~والهدايا، وكذلك الابتلاع والمضغ بالأسنان، والشرب كالأكل فيما ذكرناه، وقد ~~«أخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من في الحسين - رضي الله عنه - ~~تمرة من تمر الصدقة» ، وتقيأ العمران - رضي الله عنه - لحم جزور أكلاه ثم ~~تبين لهما أنه حرام، وأوجب الشافعي - رحمه الله - على من شرب خمرا أن ~~يتقيأها فيحتمل أن يعلل ذلك بدفع مفسدة الإسكار وإن كان لكونها محرمة اطرد ~~ذلك في جميع المأكولات بالحرام فيحرم تغذية الأجساد بالحرام كما يحرم بناء ~~الدور بالآلات المحرمة، ويجب نثرتها إن # PageV01P225 # بنيت بها، ويحتمل أن يفرق بأن الغذاء قد تعذر الوصول إليه وبطلت ماليته ~~واستقر بدله في الذمة بخلاف أبنية الدور، ويدل على ذلك أن من غذى شاة عشر ~~سنين بمال محرم، فإن أكلها لا يحرم عليه ولا على غيره، فإن استحالة الأغذية ~~عن صفاتها إلى صفات الأعضاء إتلاف لها لتعذر الوصول إليها واستحقاق مالكها ~~لبدلها. # فإن قيل: إذا مضغ الطعام المغصوب في الأفواه فقد فسدت ماليته وبطلت قيمته ~~واستقر بدله، فهل يبقى اختصاص مالكه كما يبقى العبد المغصوب على اختصاص ~~مالكه إذ بطلت ماليته بالموت فيحرم ابتلاعه؟ قلت: لا يبطل اختصاصه كما لا ~~يبطل الاختصاص بالعبد لوجوب تغسيله وتكفينه وحفر قبره ودفنه على مالكه وهذا ~~أولى من العبد، ولا نسلم إبطال ماليته فإنه طاهر منتفع به ويجوز إطعامه ~~للطيور والبهائم والأطفال، وإن أكل ما يحرم لضره كالسموم وغيرها وجب ~~استقياؤه إذا كانت دافعة لضرره أو لبعض ضرره. # وكذلك لو ابتلع جوهرة لغيره وتمكن من استقاءتها لزمه استقاءتها إذ يجب ~~تسليمها إلى ربها مع الإمكان، وتسليمها بالاستقاءة ممكن في الحال، ورد ~~المغصوبات واجب على الفور، ويتعلق بالأفواه من المأمورات التطهير بالمضمضة ~~من الأحداث والأنجاس كما يتعلق الاستنشاق وغسل النجاسة ببواطن الأنوف ~~ويتعلق بالأفواه أيضا النهي عن فتحها عند التثاؤب، ويتعلق بالأنوف التحميد ~~عند العطاس وغض الصوت به، ويتعلق بها أيضا السجود عليها ندبا. # وأما ms174 العيون: فيتعلق بها غسلها من الأنجاس دون الأحداث ولا يتعلق بها حكم ~~الحدث الأصغر والأكبر وجوبا ولا استحبابا. # وأما الآذان: فيتعلق بها الأغسال الواجبة والمندوبة والمسح في الوضوء. # PageV01P226 # وأما الوجوه: فيتعلق بها الإيجاب والندب، فأما الإيجاب فكالسجود على ~~الجبهة. # وأما الندب فكالإطراق في الصلاة والبشاشة في وجوه المؤمنين والعبوسة عند ~~الإنكار على الكافرين والفاسقين، ويتعلق بها أيضا تحريم سترها في النساء في ~~الإحرام واستحباب كشفها للرجال فيه. # وأما الرءوس: فيتعلق بها الغسل الواجب والمندوب والمسح في الوضوء، وكذلك ~~يتعلق بها تضمخها بالطيب واستحبابه في حال الإحلال، وقيل الإحرام والإحلال، ~~وكذلك يتعلق بها تحريم سترها في الإحرام، وكذلك يتعلق بها الغسل بشعور ~~الوجه والأجساد، وقص الشوارب وحلق العانة ونتف الإبط، وتقصير شعر الرءوس ~~وحلقها في الحج والعمرة، وكذلك جز الشعور حيال المناكب والآذان على الدوام ~~والاستمرار، ويتعلق بالشعور أيضا تحريم دهنها في حال الإحرام. # وأما الأيدي: فيتعلق بها كل بطش أمر به في سبيل الله والرجم والجلد في ~~الحدود والتعزيرات، وكذلك يتعلق بها كتابة ما أمرنا بكتابته والرفع في ~~التكبيرات وفي بعض الدعوات، والوضع على الركب في الركوع وعلى الأرض في ~~السجود، واستلام الحجر الأسود والركن اليماني باليمنى منهما، وكذلك بسطها ~~إلى كل مصلحة من الواجبات والمندوبات، وكذلك قبضها عند كل مفسدة من ~~المحرمات والمكروهات، وكذلك البداءة بغسل الأيمان في الوضوء والأغسال ~~الواجبات والمندوبات، وكذلك انتقاض الوضوء بمس أحد الفرجين بباطن الكف. # وأما الأرجل: فيتعلق بها كل ما فيه مصلحة من الواجبات والمندوبات # PageV01P227 # كما يتعلق بها كل ما فيه مفسدة من المحرمات والمكروهات، فأما المصالح ~~فكالمشي إلى المساجد وإلى الجهاد وإلى تشييع الجنائز والأعياد والطواف ~~والسعي بين الصفا والمروة والرمل والإسراع، وصفها مع تفريقها في قيام ~~الصلاة وكشفها في الإحرام. # وأما المفاسد: فكالمشي إلى كل محرم أو مكروه. # وأما الركب: فإنه يتعلق بها السجود عليها ونصبها في حال الركوع وتقديمها ~~في الوضع على الأيدي في السجود. # وأما الأصابع: فيتعلق بها كل ما لا يتأتى إلا بها من الواجبات والمحرمات ~~والمندوبات والمكروهات. ms175 # فأما الواجبات فكالرمي في سبيل الله وكتابة ما يجب كتابته، وأما ~~المندوبات فكقبض أصابع اليد اليمنى في التشهدين وعقد الإبهام مع المسبحة ~~ورفع المسبحة عند الشهادة لله بالوحدانية، وبسط أصابع اليد اليسرى على ~~الفخذ اليسرى، وفتح أصابع الرجلين في السجود، والبداءة بتخليل خنصر أصابع ~~الرجل اليمنى، والختم بخنصر أصابع الرجل اليسرى، لأن خنصر الرجل اليمنى هي ~~يمين أصابعها وإبهامها هو يمين إبهام الرجل اليسرى وإبهام الرجل اليسرى ~~يمين التي تليها. # وكذلك إلى آخرها، وكذلك مسح الآذان بأصابع اليدين ولم يقدم الشرع مسح ~~يمين الأذنين على يسراهما إذ لا فضل ليمناهما على يسراهما في المصلحة ~~المقصودة منهما. # وكذلك لم يقدم يمين الخدين على الآخر بخلاف الأيدي والأرجل فإنه قدمت ~~يمناها على يسراها في الطهارات والمصافحات والأكل والشرب والذبح لتمييزها ~~بالقوى التي أودعها الله فيها ولأنها أشرف العضوين فكان من تعظيم العبادة ~~وشكر النعم أن يستعمل فيها أفضل العضوين، ولما شرفت بمباشرة العبادات كره ~~الاستنجاء بها وأن يمس بها # PageV01P228 # السوآت، وكذلك لا يبدأ بها في الدخول في الحشوش ولا في الخروج من المساجد ~~ولا شك أن مقابلة الشريف بالشريف حسنة في العقول، وكذلك يبدأ بها في ~~الانتقال لأنه إكرام لها ويؤخر نزعها لذلك، ولأجل هذا المعنى بدئ بوجه ~~البيت في الطواف لأنه أشرف جدرانه، وابتدئ بالطواف من الحجر الأسود لأنه ~~يمين البيت فيبدأ الطائف بوجه البيت من يمين الوجه، وكذلك يدخل إلى مكة من ~~ثنية كداء لأن الداخل منها يأتي البيت من قبل وجهه، ولا يؤتى من ورائه ولا ~~عن يمينه وشماله ولشرف وجه البيت أمرنا بصلاة ركعتي الطواف إليه دون سائر ~~جهاته وهذا معروف في كل من جاء إلى بيت مكرما لربه أو زائرا فإنه يأتيه من ~~قبل وجهه الذي فيه بابه، وعليه يقف القاصدون، ولذلك تزخرف الناس وجوه ~~بيوتهم التي فيها أبوابهم، وكل من أتى البيوت من أبوابها فقد أصاب. # وسمي اليمين يمينا لوقوعه على يمين البيت، وسمي الشام شاما لأنه على شامة ~~البيت، وسمي الدبور دبورا لأنها تأتي من ms176 قبل دبر البيت وبابه نحو المشرق، ~~والذي يدل على ما ذكرته من اليمين واليسار ههنا أن كل شيء قابلته كان ما ~~حذاء يمينك يسارا له وما حذاء يسارك يمينا له، ولذلك يسمى جانباه الركنين ~~اليمانيين ولذلك يسمى جانباه الآخران الركنين الشاميين، وكذلك قدمنا ~~الأعالي على الأسافل في الطهارة لشرفها فبدئ بالوجه لشرفه على سائر الأعضاء ~~ولما اشتمل من الحواس والنطق، وثنى باليدين لكثرة جدواهما في الطاعة ~~وغيرها، وقدم الرأس على الرجلين لشرفه عليهما ولا سيما لما استودع فيه من ~~القوى الداركة والقوى الموجبة لحركات الأعضاء وأخرت الرجلان لتقاعدهما عما ~~ذكرناه. # وقد أوجب الشافعي ذلك وخالفه أكثر العلماء، وكذلك قال أكثرهم لا يجب ~~ترتيب الغسل وخالف فيه بعضهم وقدمت المضمضة على الاستنشاق لشرف منافع الفم ~~على منافع الأنف # PageV01P229 # فإن قيل: كيف بدئ بغسل الفرجين في الإغسال؟ قلنا: بدئ بهما لأنهما لو ~~أخرا لانتقضت الطهارة بمسهما فقدما محافظة على الطهارة من الانتقاض من غير ~~استعمال في طاعة، وقد خرج عما ذكرته في تقديم اليمنى بالشرف، حلق الرأس مع ~~تساوي الشعر إذ لا فرق بين الفودين. # وكذلك في مواضع نادرة ككحل إحدى العينين وقص إحدى الشاربين. # وأما تقليم أظفار اليدين فإن نظرنا إلى الأفضل الأنفع فينبغي أن يبدأ ~~بالمسبحة والإبهام، وقد ذكر الغزالي في البداءة أشياء لا أصل لها، ولعل ~~البداءة بيمنى المتساويين تفعل تيمنا وتفاؤلا باليمنى والبركة، فقد كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يحب الفأل ويكره الطيرة» ، لأن التفاؤل ~~حسن الظن بالله والتطير سوء ظن بالله وقد قال تعالى، «أنا عند ظن عبدي بي ~~فيظن بي ما شاء» ، والتفاؤل أن يرى أو يسمع ما يدل على الخير فيرجوه ويطلبه ~~وذلك حسن ظن بالله، والطيرة أن يرى أو يسمع ما يدل على الشر فيخافه ويرهبه، ~~وذلك سوء ظن بالله. # فإن قيل: لم استحب حسن الظن عند الموت وترك الخوف بمعزل؟ قلت: لأنه إنما ~~شرع الخوف لأنه وسيلة زاجرة عن العصيان، وإذا حضر الموت انقطعت المعاصي ~~فسقط الخوف الذي هو رادع عنها ms177 مانع منها بخلاف حسن الظن. # وأما الأنامل فإدخالها في صماخي الأذنين وما يتعلق بها من عدد التسبيحات ~~والتكبيرات المأمور بعدها، والكتابة المأمور بها والمنهي عنها وكل ذلك فعل ~~لا يتأتى إلا بها، وكذلك استحباب تقليم الأظفار للمحلين وتحريم قلمها على ~~المحرمين، وترك قلمها في عشر ذي الحجة للمضحين. # PageV01P230 # وأما الفروج: فيتعلق بها تحريم كشفها من عذر شرعي. # وكذلك الختان المتعلق بفروج النساء والرجال، ويتعلق انتقاض الطهارة ~~بمسها، وبما يخرج منها من بول أو مني أو حيض، وكذلك يتعلق بها تحريم ~~الاستمتاع بما لم يأذن الله فيه منها، وتحريم الاستمناء بها، وكذلك يتعلق ~~بها الندب إلى النكاح المندوب إليه كتعاهد المرأة والسرية بين الضرات ~~والسريات فيه، وفي إيجاب الوطء في بعض الصور اختلاف، ويتعلق بالوطء أحكام ~~كثيرة، وهي قريب من ستين حكما سنذكرها إن شاء الله تعالى عند تعديد أحكام ~~الأسباب وإيجادها، ويتعلق بالأليتين الجلوس على الأرض بهما في تشهد التحلل ~~وعلى الرجل اليسرى في سائر جلسات الصلوات. ### | [فصل فيما تتعلق به الأحكام من الحواس] # وهي خمس: إحداها حاسة البصر، ويتعلق بها الأحكام الخمسة: أما الإيجاب: ~~فكإيجاب الحراسة في سبيل الله وحراسة الأجير ما استؤجر على حراسته وحراسة ~~كل أمين ما استؤجر على حراسته، وكنظر الشهود إلى ما يجب النظر إليه لإثبات ~~الحقوق وإسقاطها في الدعاوى والمخاصمات. # وأما الاستحباب: فكالنظر إلى الكعبة وإلى المصاحف وكتب العلم للقراءة ~~وإلى الخاطبين في الخطب المشروعات والخاطبين السائلين والمجيبين، وإلى ~~المصنوعات كلها للتفكر في القدرة ونفوذ الإرادة وبديع الحكمة، وكذلك النظر ~~إلى منازل الهالكين للاتعاظ والاعتبار. # PageV01P231 # وأما التحريم: فكتحريم النظر إلى السوآت والعورات والصور المشتهاة كالمرد ~~والأجنبيات. # وأما الكراهة: فككراهة نظر الإنسان إلى سوأته وسوأة جاريته وزوجته. وأما ~~الإباحة: فكالنظر إلى كل ما خرج عن الأحكام الأربعة: كالنظر إلى الزوجة ~~والمملوك والمناظر الحسنة من الديار والأشجار والأنهار. # الثانية حاسة السمع: ويتعلق بها الأحكام الخمسة. # أما الإيجاب: فكالاستماع إلى كل ما يجب استماعه كاستماع الخطب الواجب ~~استماعها واستماع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكاستماع ما يجب ms178 تعلمه ~~من الفتاوى والأحكام، وكذلك استماع الحكام للدعاوى والبينات والأقارير ~~والشهادات. # وأما الاستحباب: فكاستماع القرآن والأذان والثناء على الله بما هو أهله ~~والإصغاء إلى الخطب المندوبة كخطبة الكسوفين والعيدين. # وأما التحريم فكاستماع كلمة الكفر والقذف والتسميع إلى حديث قوم هم له ~~كارهون، وكاستماع الملاهي المحرمات وأصوات النساء الفاتنات. # وأما الكراهة: فكاستماع الملاهي المكروهات ونحوها من كل كلمة كرهتها ~~الشريعة. ولا يخفى أمثلة المباح كاستماع كل كلمة مباحة أو صوت مطرب مباح ~~كأصوات الأطيار الطيبة، ونشد الأشعار المطربة. # PageV01P232 # الثالثة حاسة الشم ويتعلق به الأحكام الخمسة: أما الإيجاب: فكإيجاب ما ~~يجب على الحاكم شمه أو على الشهود بأمره إياهم فيما يختلف فيه الخصوم عند ~~التنازع في روائح المشموم، لأجل الرد بالعيب أو لمنع الرد إذا حدث عند ~~المشتري. # وأما الاستحباب: فكاستحباب شم ما في شمه شفاء من الأمراض والأسقام. # وأما الطيب المحبوب للجماعات والجمعات والأعياد والتحليل للإحرام ففيه ~~مصلحتان: إحداهما للمتطيب، والثانية لمن يقاربه ويدانيه من الناس. # وأما التحريم: فكتحريم شم الطيب في حال الإحرام وتحريم اشتمام طيب النساء ~~الأجنبيات الحسان. # وأما الكراهة: فككراهة شم الأدهان المضرة بالأمزجة والحواس والأبدان. # وأما الإباحة فكإباحة ما يباح شمه من أنواع الطيب والأزهار، ولو شم طيبا ~~لا يملكه كشم الإمام الطيب الذي يختص بالمسلمين إذا لم يتصرف في جرمه فلا ~~بأس به، وقد تورع عنه بعض الأكابر، وقال وهل ينتفع من الطيب إلا بريحه وفي ~~كونه ورعا نظر من جهة أن شمه لا يؤثر فيه نقضا ولا عيبا فيكون إدراك الشم ~~له بمثابة النظر إليه، بخلاف وضع اليد عليه، ولو نظر الإنسان إلى بساتين ~~الناس وغرفهم ودورهم لم يمنع من ذلك إلا إذا خشى الافتتان بالنظر إلى أموال ~~الأغنياء، فقد قال رب العالمين # PageV01P233 # لسيد المرسلين: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا} [طه: 131] وكذلك لو مس جدار إنسان لم يمنع من مسه، ولو استند إلى ~~جدار إنسان لجاز كما لو جاز مطيبا أو جالسه متطيب، فإن ذلك مأذون بحكم ~~العرف ms179 ولو منعه من الاستناد إلى جداره فقد اختلفوا فيه إذا كان الاستناد لا ~~يؤثر في الجدار ألبتة، ولا ينبغي أن يطرد في ذلك شم ريح المتطيب، وكذلك مما ~~لا أعده ورعا أكل طعام حلال محض حمله ظالم ولا سيما الطعام الذي ندب الشرع ~~إليه كطعام الولائم، لأن ما كان حلالا بوصفه وسببه فلا وجه لاجتنابه إلا ~~بالوسواس والأوهام التي لا لفتة للشرع إلى مثلها. # الرابعة حاسة الذوق: فلا يذاق بها مكروه ولا حرام ويذاق بها الطعام ~~المندوب إلى أكله وذوقه كطعام الولائم لما في ذوقه من جبر قلوب الإخوان. # وكذلك يجب الذوق على الحاكم والشاهد عند اختلاف الخصوم في مطعم المبيع. # الخامسة حاسة اللمس ويتعلق بها الأحكام الخمسة: أما الإيجاب: فكإيجاب لمس ~~المصلي بالجباه. # وأما الاستحباب: فكاستحباب لمس المصلي بالأنوف والأكف ولمس أركان البيت ~~وتقبيل الحجر وتقبيل الوالدين وأكابر الأولياء والعلماء، وكذا لمس المصافحة ~~والمعانقة في لقاء الإخوان. # وأما التحريم: فكلمس عورات الأجانب، وكذلك لمس ما خرج عن العورة من أبدان ~~النساء الأجنبيات والمرد الحسان عند مخافة الافتتان، وكذلك التلامس بين ~~الزوجين المحرمين بشهوة في حال الإحرام. # PageV01P234 # وأما الكراهة: فككراهة لمس الفروج بالأيمان، وكذلك لمس السرية والمملوكة ~~وتقبيلهما عند الخوف على فساد الصيام، وقد اختلف في تحريم ذلك. # وأما الإباحة: فعام لكل ما جوز الشرع لمسه من الزوجات والمملوكات وسائر ~~الأعيان ومعظم ما يتعلق بالحواس وسائل إلى ما يبتنى عليها من المصالح ~~والمفاسد، بخلاف ما يتعلق بالقلوب والجوارح والأركان فإن معظمه مقاصد إلى ~~جلب المصالح ودرء المفاسد. ### | [فصل فيما تتعلق به الطاعات من الأموال] # فيما تتعلق به الطاعات من الأموال أما بعد: فإن الله عز وجل جعل الأموال ~~والمنافع وسائل إلى مصالح دنيوية وأخروية، ولم يسو بين عباده فيها ابتلاء ~~وامتحانا لمن قدر عليه رزقه، واتخذ الأغنياء الفقراء سخريا في القيام ~~بمصالحهم كالحرث والزرع والحصد والطحن والخبز والعجن والنساجة والخياطة ~~وبناء المساكن وحمل ونقل الأثقال وحراسة الأموال وغير ذلك من المنافع. # وكذلك تمنن على عباده بما أباحه من البيع والشراء، ms180 وبما جوزه من الإجارات ~~والجعالات والوكالات تحصيلا للمنافع التي لا تحصى كثرة فإن البيع لو لم ~~يشرعه الشرع لفاتت مصالح الخلق فيما يرجع إلى أقواتهم ولباسهم ومساكنهم ~~ومزارعهم ومغارسهم وسواتر عوراتهم وما يتقربون به إلى عالم خفياتهم، ولا ~~عبرة بالهبات والوصايا والصدقات لأنها نادرة لا يجود مستحقها إلا نادرا. # وكذلك الإجارات لو لم يجوزها الشرع لفاتت مصالحها من الانتفاع بالمساكن ~~والمراكب والمزارعة والحراثة والسقي والحصاد والتنقية والنقل # PageV01P235 # والطحن والعجن والخبز ولا عبرة بالعواري وبذل المنافع كالخدمة نحوها ~~فإنها لا تقع إلا نادرا لضنة أربابها مع ما فيها من مشقة المنة على من بذلت ~~له، ولتعطل الحج والغزو والأسفار إلا على من يملك رقبة الظهر والأدوات ~~والآلات ولكان الإنسان جمالا بغالا سائسا لدوابه حمالا لأمتعته ضاربا ~~لأخبيته، ولتعطلت المداواة والفصد والحجامة والحلق والدلك وجبر الفك، ~~ولتعطلت إقامة الحدود لافتقار المرء إلى أن يكون كاتبا حاسبا فلاحا حصادا ~~حطابا صانعا دباغا خياطا حشاشا زبالا بناء نبالا رماحا قواسا حراثا لأمواله ~~حمالا لأعداله وأثقاله، وكذلك الجعالة لو لم تجز لفات على الملاك ما يحصل ~~لهم من رد المفقود من أموالها كالعبد الآبق، والفرس العائر، والجمل الشارد ~~فشرعت الجعالة رفقا بالفاقد والواجد، وكذلك الوكالة لو لم تشرع لتضرر من ~~يبتذل ولا يعرف التصرف بما يفوته من مصلحة ذلك التصرف، ولتضرر الوكيل بما ~~يفوته من الثواب إن كان متبرعا أو من الجعل إن كان غير متبرع، وقد حرم الله ~~أخذ الأموال إلا بأسباب نصبها، ومعظمها حقوق تتعلق بالدماء والأبضاع ~~والأعراض والأموال كما ذكرناه ولا يجوز أخذ شيء منها إلا بحقه ولا صرفه إلا ~~لمستحقه وأوجب لنفسه حقوقا في الأموال على خلقه ليعود بها على المحتاجين، ~~ويدفع بها ضرورة المضطرين وذلك في الزكاة والكفارات والمنذورات وندب إلى ~~الصدقات والضحايا والهدايا والوصايا والأوقاف والضيافات. ### | [فصل فيما يتعلق بالأماكن من الطاعات] # فيما يتعلق بالأماكن من الطاعات يتعلق بالأماكن قربات مالية وبدنية: فأما ~~المالية فمنها ما يتعلق بالحرم كالهدايا ودماء القربات كدم التمتع والقران ~~ومنها ما تختص تفرقته # PageV01P236 # ببلدان ms181 الأموال ندبا ووجوبا كتفرقة الزكاة على أهل بلدان الأموال، ومنها ~~ما يتعين لأهل بلد الباذل على الأظهر وهو زكاة الفطر من رمضان، ومنها ما ~~ينذر من الذبح والتفرقة على أهل البلدان. # وأما البدنية فأنواع أحدها الذبح والنحر المتعينان في الحرم من النسائك ~~المختصة بأهله. # النوع الثاني: الاعتكاف ولا يصح إلا في المساجد الثلاثة عند بعض العلماء ~~وعند الجمهور يصح في جميع المساجد. # النوع الثالث: ما يتعلق بالمناسك كالطواف ومحله المسجد الحرام ولو طاف ~~خارجا عنه لم يجزه ولو وسع لأجزأ فيه الطواف كالسعي بين الصفا والمروة ~~والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة والرمي بمنى إلى الجمرات الثلاث. # النوع الرابع: ما يختص بدار الإقامة كالجمعات والجماعات، وما يختص فضله ~~بالبيوت كصلوات النوافل فيها. # النوع الخامس: ما يختص بالمسجدين من فضيلة الصلوات المكتوبات. # النوع السادس: ما يختص بالمساجد من فضيلة الجماعات. # النوع السابع: ما يختص بالمساجد الثلاث من شد الرحال إليها للقربات ~~والزيارات. ### | [فصل فيما يتعلق بالأزمان من الطاعات] # فيما يتعلق بالأزمان من الطاعات وهي أنواع: أحدها صلاة الكسوف والخسوف، ~~وهما مختصتان بزمن الكسوف والخسوف. # PageV01P237 # النوع الثاني: الصلوات المكتوبات وهي مختصة الأداء بالأوقات المعروفة ~~جائزة القضاء بعد خروج وقت الأداء. # النوع الثالث: الجمعات وهي مختصة بوقت الظهر لا تقبل القضاء. # النوع الرابع: الصيام الواجب وهو مخصوص بشهر رمضان قابل للقضاء. # النوع الخامس: الصيام المندوب المعين الأوقات، كصيام الاثنين والخميس، ~~والأيام البيض، وعاشر ذي الحجة وعاشر المحرم. # النوع السادس: الضحايا وهي مؤقتة بيوم العيد وبأيام التشريق، ولا تقبل ~~القضاء إلا أن تكون منذورة. # النوع السابع: الحج وهو مؤقت عند بعضهم بشوال وذي القعدة وذي الحجة، وعند ~~آخرين بالشهرين المذكورين وعشر من ذي الحجة وعند الشافعي - رحمه الله - ~~بالشهرين المذكورين وتسع ليال من ذي الحجة. # النوع الثامن: العمرة ولا وقت لها خلافا لبعض العلماء. # النوع التاسع: الصلوات والأوقات كلها قابلة لها إلا الأوقات الخمسة ~~المكروهات. # النوع العاشر: صوم التطوع والأوقات كلها قابلة له إلا رمضان والعيدين ~~وأيام التشريق، وأكثر اختصاص العبادات بالأماكن والأزمان مما لا يعرف ms182 معناه ~~كما ذكرناه. # PageV01P238 ### | [فصل في تنويع العبادات البدنية] # في تنويع العبادات البدنية وهو أنواع: أحدها الأقوال: كالتكبيرات ~~والتحميدات والتسبيحات والتهليلات والتسليمات والدعوات، وحمدلة العاطسين ~~وتشميتهم، والتحيات وردها، والخطب المشروعات والأمر بالواجبات والمندوبات ~~والنهي عن المحرمات والمكروهات، والسؤال عما يجب السؤال عنه، والفتيا ~~والحكم والشهادات، والإقامة والأذان وقراءة القرآن، والبسملة على الطعام ~~والشراب، والنحر والذبح، وقراءة القرآن عند فزع الشياطين وهمزاتهم. # النوع الثاني: الأفعال المجردة كالجهاد في سبيل الله وإنقاذ الغرقى ~~والهلكى ودفع الصوال والأغسال، وكذلك تجهيز الأموات وإكرامهم بما أمر الله ~~سبحانه وتعالى من الأفعال الواجبات والمندوبات. # النوع الثالث: الكف كالصيام الذي هو كف مجرد عن المفطرات. # النوع الرابع: ما يشتمل على الفعل والكف وهو أنواع: أحدها الاعتكاف وهو ~~مكث في بيت من بيوت الله مع الكف عن المباشرة والجماع، ومنها الحج والطواف ~~والسعي والتعريف والإحرام والكف عن المحرمات المعروفات وهو: الطيب والدهن ~~وإزالة الشعر وقص الأظفار، والجماع والمباشرة بشهوة النكاح والإنكاح، وقتل ~~الصيد وأكل ما صاده أو صيد له وستر وجوه النساء ورءوس الرجال ولبس الرجال ~~الخفاف. # النوع الخامس: الصلاة وهي مشتملة على أفعالها الظاهرة والباطنة وعلى ~~الأقوال وعلى الكف عن كلام الناس وكثرة الأفعال المتوالية وعن الالتفات # PageV01P239 # بالقلوب والأبدان، والصلاة عند الشافعي - رحمه الله - أفضل العبادات ~~البدنيات لاشتمالها على ما ذكرناه من الأفعال والأقوال والخضوع والخشوع ~~وترك الالتفات الظاهر. # وكذلك الباطن عما أمر بالإقبال عليه فإن المصلي مأمور إذا قرأ القرآن أن ~~يلاحظ معانيه، وإن كان في آية وعد رجاه، ولهذا قال سبحانه وتعالى: {أمن هو ~~قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} [الزمر: 9] . # وإذا كانت آيات الصفات تأمل تلك الصفة فإن كانت مشعرة بالتوكل فليعزم ~~عليه، وإن كانت موجبة للحياء فليستحي منه، وإن كانت موجبة للتعظيم فليعظمه، ~~وإن كانت موجبة للحب فليحبه، وإن كانت حاثة على طاعة فليعزم على إتيانها، ~~وإن كانت زاجرة عن معصية فليعزم على اجتنابها، ولا يشتغل عن معنى ذكر من ~~الأذكار بمعنى غيره وإن كان أفضل منه لأنه سوء أدب ms183 ولكل مقام مقال يليق به ~~ولا يتعداه، وكذلك لا يشتغل عن معنى من معاني القرآن باستحضار معنى غيره ~~وإن كان أفضل منه، ولذلك تكره قراءة القرآن في الركوع والسجود، ويكره ~~التسبيح في القعود مكان الدعاء، وإذا دعا فليتأدب في الدعاء بالتضرع ~~والإخفاء لقوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] فالتفات ~~الجنان عما ذكرناه إعراض عن الرب سبحانه وتعالى بأفضل أجزاء الإنسان، وليس ~~الالتفات بالأركان كالالتفات بالجنان لأن الالتفات بالجنان مفوت لهذه ~~المصالح التي هي أعم العبادات ورأس الطاعات وعنها تصلح الأجساد وتستقيم ~~الأبدان فمن صلى على هذا الوجه كانت صلاته كاملة ناهية عن الفحشاء والمنكر ~~وعلى هذا يحمل قوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: ~~45] ، فيكون الألف فيها واللام للكمال، وما أجدر مثل هذه الصلاة أن تنهي عن ~~الفحشاء والمنكر، إن من اتصف بهذه الأحوال والملاحظات كان إذا تحلل من ~~الصلاة قريب العهد بذكر هذه الصفات والأحوال الزاجرة عن الفحشاء والمنكر. # PageV01P240 # النوع السادس: إسقاط الحقوق كالاعتكاف في الكفارات والإبراء من الديون ~~والعفو عن الإساءات، ويتفاوت شرف الإسقاط بتفاوت المسقط في الشرف، فالعفو ~~عن القصاص أفضل من العفو عن حد القذف، والعفو عن حد القذف أفضل من العفو عن ~~التعذير، والإبراء من الدينار أفضل من الإبراء من الدرهم. # وكذلك يتفاوت شرف التمليك بتفاوت شرف المملك، وإخراج بنت مخاض في الصدقة ~~أفضل من إخراج الشاة، وإخراج بنت اللبون أفضل من إخراج بنت مخاض، وإخراج ~~الحقة أفضل من إخراج بنت اللبون، وإخراج الجذعة أفضل من إخراج الحقة، ~~وإخراج الثنية أفضل من إخراج الجذعة، وكذلك إخراج جزرات المال وخياره أفضل ~~مما دون ذلك. # والعبادات منقسمة إلى الأداء والقضاء، والمضيق وقته والموسع زمانه، وإلى ~~المخير والمرتب، وإلى ما يقبل التقديم، ولا يقبل التأخير، وإلى ما يقبل ~~التأخير ولا يقبل التقديم، وإلى ما لا يقبلهما، وإلى ما يجب على الفور، ~~وإلى ما يجب على التراخي، وإلى ما يقبل التداخل وما لا يقبله، وإلى ما ~~اختلف فيه، وإلى ما عزيمته أفضل من رخصته، وإلى ما ms184 رخصته أفضل من عزيمته، ~~وإلى ما يقضى في جميع الأوقات، وإلى ما لا يقضى إلا في مثل وقته، وإلى ما ~~يقبل الأداء والقضاء، وإلى ما يتعذر وقت قضائه مع قبوله للتأخير، وإلى ما ~~يكون قضاؤه متراخيا، وإلى ما يجب قضاؤه على الفور، وإلى ما يدخله الشرط من ~~العبادات، وإلى ما لا يقبل التعليق على الشرط، ولكل حكم من هذه الأحكام ~~حكمة تختص به: منها ما عرفناه، ومنها ما جهلناه كما في الأوقات وعدد ~~الركعات والسجدات والقعدات، ومقادير نصب الزكاة ومقادير الديات وأروش ~~الجنايات والكفارات والزكاة، وتعين لفظ التكبير في إحرام الصلاة عند ~~الشافعي # PageV01P241 # - رحمه الله -، وكذلك تعين لفظ الشهادة في أداء الشهادات وتقدير الحدود ~~وكذلك العدد مع القطع ببراءة الأرحام. # وكذلك تحريم نكاح بعض الأقارب وكذلك تحريم الرضاع، وكذلك حضور عرفة ~~ومزدلفة ورمي الجمار، وكذلك توقيت الوقوف بعرفة وتعيين سائر الأوقات، وكذلك ~~مسح الخفاف والعصائب والعمائم والجبائر فإن الحدث لم يؤثر فيها. # وكذلك الوضوء والغسل فإن أسبابهما لا تناسبهما بل هي شبيهة بالأوقات، ~~وكذلك إبدالهما بالتيمم بالتراب، وكذلك تفاوت الأوقات في الطول والقصر، ~~وكذلك اعتبار الإحصان في رجم المحصنين والمحصنات، وكذلك وجوب الوضوء بلمس ~~النساء ومس الفروج، وكذلك وجوب الغسل من خروج المني والتقاء الختانين، ~~وأبعد من ذلك الغسل من الولادة، ويجوز أن تكون هذه الأحكام كلها لا مصالح ~~فيها ظاهرة ولا باطنة سوى مجرى الثواب على الطاعة والامتثال، ولكنه خلاف ~~قول الأكثرين. فأما الأداء فما فعل في وقته شرعا. # وأما المضيق وقته فما كان فيه بمقدار العمل كالصيام، فإن وقته من طلوع ~~الفجر إلى غروب الشمس. # وأما الموسع زمانه فكالظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح فإن المصلي ~~مخير بين أن يقدمها في أوائل أوقاتها، وبين أن يوسطها، أو يؤخرها بحيث يقع ~~التحلل منها قبل انقضاء أوقاتها، وأذان كل صلاة مؤقت بوقتها لا يقدم على ~~وقتها إلا أذان الصبح فإنه يقدم على وقتها ليتأهب الناس بالطهارات وقضاء ~~الحاجات لإدراك فضيلة أول وقتها وكالأضحية في وقتها وصلاة الضحى. # وأما المخير فله أمثلة: ms185 أحدها ما لا تلزمه الطهارة بالماء لاحتياجه إلى ~~ثمنه فإنه مخير بين شراء الماء للطهارة وبين الصلاة بالتيمم. # PageV01P242 # المثال الثاني: تخير المتوضئ بين المرة والمرتين والثلاث وكذلك التخير في ~~غسل النجاسات. # المثال الثالث: التخير بين الاستنجاء بالماء والاستجمار بالأحجار ~~والعزيمة أفضل. # المثال الرابع: التخير بين تقديم الصلوات في أوائل الأوقات وبين تأخيرها، ~~وتقديمها أفضل إلا لانتظار الجماعة على قول، أو لتيقن وجود الماء في آخر ~~الوقت، أو للإبراد على المذهب أو في العشاء الآخرة على قول. # المثال الخامس: التخيير في تخفيف الصلاة على الجماعات وتطويلها، وتخفيفها ~~أفضل إلا أن يؤثر التطويل. # المثال السادس: التخيير في القصر والإتمام فيما دون ثلاثة أيام، والعزيمة ~~أفضل خروجا من خلاف العلماء. # المثال السابع: التخير في الصلوات في مسيرة ثلاثة أيام فما زاد والقصر ~~أفضل فيما دون ثلاثة أيام، وكذلك فيما بعدها على الأصح. # المثال الثامن: التخير بين جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء في الأسفار ~~والعزيمة أفضل إلا بعرفة ومزدلفة فإن جمع التقديم بعرفة أولى، وجمع التأخير ~~بمزدلفة أفضل، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك والخلفاء ~~الراشدون بعده وعليه درج الناس، وكان الأغلب على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في أسفاره تفريق الصلوات على أوقاتها. # المثال التاسع: التخير في الخطب بين التطويل والتقصير، والتقصير أفضل. # PageV01P243 # المثال العاشر: يتخير المعذور الذي لا تلزمه الجمعة بينها وبين الظهر، ~~والجمعة أفضل. # المثال الحادي عشر: من عنده ثلاثون من البقر فإنه يخير بين المسنة ~~والتبيع والمسنة أفضل. # المثال الثاني عشر: من عنده خمس من الإبل فإنه مخير بين شاة وبنت المخاض ~~وابن لبون وبنت لبون وحق وحقة وجذع وجذعة وثني وثنية، وكذلك الحكم في كل سن ~~مع ما فوقه. # المثال الثالث عشر: من عنده مائتان من الإبل فإنه مخير بين أربع حقاق ~~وخمس بنات لبون أو تلزمه الحقاق أو يختار الساعي الأصلح للفقراء؟ فيه خلاف. # المثال الرابع عشر: التخير بين إخراج الجيد والأجود في الزكاة، والأجود ~~أفضل لما فيه من إيثار الفقراء. # المثال الخامس عشر: ms186 التخير في الجبران بين الشاتين والعشرين درهما، ~~وأنفعهما للفقراء أفضل. # المثال السادس عشر: التخير في الجبر بين السن الأعلى والأدنى وخيرهما ~~للفقراء أفضل. # المثال السابع عشر: التخير بين تعجيل زكاة الضال المغصوب والدين المؤجل، ~~وبين التأخير إلى الحضور والتمكن من قبضه والتعجيل أفضل لما فيه من إرفاق ~~الفقراء. # المثال الثامن عشر: التخير في تقديم الزكاة على أحد سنى وجوبها. # المثال التاسع عشر: التخير بين تقديم الكفارات بعد وجوبها وبين تأخيرها، ~~وتقديمها أفضل. # PageV01P244 # المثال العشرون: يتخير المعتكف في المساجد، وفي المسجد الجامع أفضل. # المثال الحادي والعشرون: التخير بين التمتع والإفراد والقران والإبهام. # المثال الثاني والعشرون: التخير بين المشي والركوب في الحج والعمرة، ~~والمشي أفضل على القديم، والركوب أفضل على الجديد لإعانته على مقاصد ~~النسكين. # المثال الثالث والعشرون: التخير بين الصيام بعرفة وبين الإفطار، والإفطار ~~أفضل لأنه أعون على أذكار عرفة. # المثال الرابع والعشرون: التخير في التضحية بين الإبل والبقر وسبع من ~~الغنم، والبعير أفضل من البقر، والبقر أفضل من الشاة، وسبع من الإبل أفضل ~~من سبع من البقر: وسبع من البقر أفضل من سبع من الغنم، وسبع من الغنم أفضل ~~من البدنة، ولا يدل التخيير بين الأشياء الواجبات والمندوبات على التساوي ~~في المصالح والفضائل لما ذكرناه في هذه الأمثلة من تقديم الجمعة على الظهر، ~~وتقديم الاستنجاء على الاستجمار، وتقديم الجذعة على الشاة. # المثال الخامس والعشرون: بدل جزاء الصيد، وهو مخير بين المثل والطعام ~~والصيام. # المثال السادس والعشرون: كفارة الحلق في العمرة أو الحج وهي مخيرة بين ~~النسك والإطعام والصيام. # المثال السابع والعشرون: كفارة اليمين وهو مخير بين التحرير # PageV01P245 # والكسوة والإطعام، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فهذه كفارة مخيرة مرتبة. # المثال الثامن والعشرون: يخير من ثبت له فسخ عقد بين الفسخ والإمضاء ~~وفعله ما هو الأغبط للمفسوخ عليه. # المثال التاسع والعشرون: تخير الشفيع بين الأخذ والعفو، والعفو أفضل إلا ~~أن يكون المشتري نادما مغبونا. # المثال الثلاثون: تخير الولي المجبر بين الأكفاء المتساوين. # المثال الحادي والثلاثون: تخير المرأة في تقديم بعض الأولياء ms187 عند اتحاد ~~الدرجة، وتخصيص الإذن: بالأسن أولى وأفضل. # المثال الثاني والثلاثون: تخير الرجال في السفر بالنساء أو الإقامة بهن ~~وفعل الأرفق أفضل. # المثال الثالث والثلاثون: تخير الرجال في تعيين المساكن، وتعيين الأرفق ~~بالنساء أفضل. # المثال الرابع والثلاثون: تخير الرجال بين الجماع وتركه، وفعل الأصلح ~~للزوجين أفضل. # فإن قيل: لم خير الرجل في الاستمتاع وأجبرت المرأة؟ قلنا: لو خيرت النساء ~~لعجز الرجال عن إجابتهن إذ لا تطاوعهم القوى على إجابتهن، ولا يتأتى لهم ~~ذلك في كثير من الأحوال لضعف القوى وعدم الاستنشار والمرأة يمكنها التمكن ~~في كل وقت وحين. فإن قيل: لم جعل الطلاق بيد الرجال دون النساء؟ قلنا: ~~لوفور عقول # PageV01P246 # الرجال ومعرفتهم بما هو الأصلح من الطلاق والتلاق والاتصال والافتراق. # فإن قيل لم جوز للرجال الطلاق مع ما فيه من كسر النساء وأذيتهن؟ لأن ~~الرجل قد يكره المرأة ويسوءها لسوء أخلاقها أو لدمامة خلقها أو لسبب من ~~الأسباب، فلو ألزم بإمساكها فيما بقي من عمره بحيث لا يقدر على دفع ذلك ~~الضرر لعظم الإضرار بالرجال. فإن قيل: فهلا شرع الطلاق مرة واحدة كي لا ~~يتكرر على النساء كسر الطلاق مع ما فيه من شدة البلاء وشماتة الأعداء؟ ~~قلنا: لو جوز الشرع الطلاق من غير حصر لعظم الإضرار بالنساء، ولو قصر على ~~مرة واحدة لتضرر الرجال، فإن الندم يلحق المطلق بعد انقضاء العدة في كثير ~~من الأحوال فقصر الطلاق على الثلاث لأن الثلاث قد عرفت في مواطن الشريعة ~~كإحداد النساء على الموتى والتهاجر بين أهل الإسلام. # فإن قيل: لم فضل الرجال على النساء بتحذيرهن والحكم عليهن والإلزام ~~بالسفر والمقام؟ وفضل النساء على الرجال بإيجاب النفقة والكسوة والإسكان مع ~~استوائهم في نيل المراد وقضاء الأوطار، قلنا: لما جعل للرجال التحكم عليهن ~~في التحذير والتسفير والإلزام بالتمكين، جعل لهن ذلك جبرا لما جعل عليهن من ~~أحكام الرجال في الانفصال والاتصال ولزوم المساكن وتعيين الديار والمواطن، ~~فأوجب الله لكل واحد منهما ما يليق بحاله إذ لا قدرة للنساء في الغالب على ~~اكتساب الكسوة والنفقة ms188 وتحصيل المساكن، وماعون الدار ولا يليق بالرجال ~~الكاملة أديانهم وعقولهم أن تحكم عليهم النساء لنقصان عقولهن وأديانهن وفي ~~ذلك كسر لنخوة الرجال مع غلبة المفاسد فيما يحكم به النساء على الرجال وقد ~~قال - عليه السلام -: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» . # PageV01P247 # فإن قيل: لم اعتبرت المساكن بحال النساء والنفقات والكسي بحال الرجال ~~قلنا: المرأة تتعير بالمسكن الخسيس الذي لا يناسب حالها لأنه مشاهد لا يخفى ~~على أوليائها وأعدائها، بخلاف الكسوة والطعام فإنهما لا يشاهدان في أغلب ~~الأحوال فكان تضررها بالمسكن الخسيس أعظم من تضررها بأكل الرديء ولبس ~~الخسيس. # المثال الخامس والثلاثون: من أمثلة التخير: إذا زاد العدو على ضعف ~~المسلمين فالغزاة مخيرون بين الثبوت والانهزام إذا لم يخش الاصطلام. المثال ~~السادس والثلاثون: تخير الأئمة والقضاة بين جلب المصالح المتساوية ودرء ~~المفاسد المتساوية، وكذلك تخير الآحاد عند تماثل المصالح والمفاسد. # وأما المرتب فله أمثلة: أحدها ترتيب التيمم على طهارة الماء. # المثال الثاني: ترتيب كفارة الظهار والجماع في صوم رمضان، والصوم فيها ~~مرتب على التحرير، والإطعام مرتب على الصيام وكذلك كفارة الجماع في الحج ~~البقرة بعد البدنة، والشاة بعد البقرة، ثم الطعام والصيام. # المثال الثالث: كفارة التمتع والقران، والصوم فيها مرتب على النسك المثال ~~الرابع: ترتيب السعي على الطواف في النسكين. # المثال الخامس: ترتيب طواف الإفاضة على التعريف المثال السادس: ترتيب ~~السنن الرواتب بعد الصلاة على التحلل من الصلوات. # المثال السابع: ترتيب أركان الصلاة، وفي ترتيب أركان الوضوء # PageV01P248 # خلاف. # وأما ما يقبل التقديم ولا يقبل التأخير فصلاة العصر والعشاء، فإن العصر ~~يقبل التقديم إلى وقت الظهر، والعشاء إلى وقت المغرب، ولا يقبلان التأخير ~~عن وقتهما. # وأما ما يقبل التأخير ولا يقبل التقديم فله أمثلة: أحدها الظهر لا يقدم ~~على وقتها، ويقبل التأخير إلى وقت العصر. # المثال الثاني: المغرب لا تقبل التقديم على وقتها وتقبل التأخير إلى وقت ~~العشاء. # المثال الثالث: الصوم لا يقبل التقديم على وقته، ويقبل التأخير إلى ~~الأوقات القابلة للصيام. # المثال الرابع: السنن الرواتب قبل الصلاة تقبل التأخير ولا تقبل ms189 التقديم ~~على أوقات الصلوات. # المثال الخامس: السنن الرواتب بعد الصلوات لا تقبل التقديم على التقديم ~~على الصلوات وتقبل التأخير. # وأما ما لا يقبل التقديم ولا التأخير فكصلاة الصبح لا تقبل التقديم على ~~وقتها ولا التأخير عنه بل تقبل القضاء. # وأما ما يجب على الفور فكالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكزكاة الأنعام ~~والنقدين عند تمام الحول والتمكن من الأداء. # وكذلك زكاة المعشرات وكذلك زكاة الركاز عند وجدانه وفي زكاة المعادن خلاف ~~وكذلك الحكم بين الخصوم ويجب سلوك أقرب الطرق فيه دفعا لعظم أحد الخصمين ~~على الفور، وكذلك يجب بيان أحكام الشرع على المفتي على # PageV01P249 # الفور عند تحقق الحاجة إليها، وكذلك العقوبات كلها شرعت على الفور تحصيلا ~~لمصالح الردع والزجر فإنها لو أخرت لم يؤمن من ملابسة جرائمها. # فمن ذلك قتال أهل البغي وضرب الصبيان وقتل المجانين والصبيان دفعا لمفاسد ~~الصيال إذا لم يندفعوا إلا بالقتل. # وكذلك حد الحنفي على شرب النبيذ ودفع المجانين والصبيان على الزنا والقتل ~~والعقوبات ولو بالقتل، وإذا اجتمعت الحدود قدم أخفها لأنه أقرب إلى ~~استيفائها على الفور لأن الأشق لو قدم طال الانتظار إلى البرء، وإذا قدم ~~الأخف لم يطل ولأن حفظ محل الحقوق واجب، فلو قدم الأشق لكان تغريرا بضياع ~~محل الحق، وإنما وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الفور لأن الغرض ~~بالنهي زوال المفسدة، فلو أخر النهي عنها لتحققت المفسدة والمعصية، وكذلك ~~يجب على الفور الأمر بالمعروف كي لا تتأخر مصلحته عن الوقت الذي وجب فيه، ~~وكذلك الزكاة إنما وجبت على الفور لأن الغرض منها سد الخلات ودفع الحاجات ~~والضرورات وهي محققة على الفور. # وفي تأخيرها إضرار بالمستحقين مع أن الفقراء تتعلق أطماعهم بها ويتشوفون ~~إليها فهم طالبون لها بلسان الحال دون لسان المقال، بخلاف الكفارات ~~والمندوبات التي لا شعور لهم فإنهم لا يتشوفون إلى ما لا شعور لهم به. # وكذلك لو كان على المكلف دين فإنه لا يلزمه المبادرة إلى أدائه مع علم ~~صاحبه به ولا تجب المبادرة إليه إلا إذا طلبه بلسان ms190 المقال، وإن ظهرت قرائن ~~تشعر بالطلب بلسان الحال ففي وجوب المبادرة تردد واحتمال، وإنما وجب الحكم ~~بين الخصوم على الفور لأن أحد الخصمين ظالم مبطل وظلمه مفسدة، ولو تأخر ~~الحكم لتحققت المفسدة. # وكذلك يجب أداء # PageV01P250 # الشهادة على الفور وكذلك الفتيا عند مسيس الحاجة إليها كما ذكرناه دفعا ~~للمفسدة عن المستفتي. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سئل عما ~~مسته الحاجة إليه بادر بالجواب، وإن لم يكن عنده علم صبر حتى ينزل الوحي ~~بجواب الواقعة، وكذلك المفتون بعده إذا سئلوا عما لا يعلمون صبروا حتى ~~يجتهدوا في حكم الواقعة، فإن كان الجواب مما يجب على الفور فالاجتهاد في ~~معرفة الحكم واجب وكل واجب على التراخي فإنه يصير واجبا على الفور إذا ضاق ~~وقته، ومن ترك الصلاة عمدا ففي وجوب قضائها على الفور خلاف لأن وقتها لما ~~ضاق صارت على الفور. # وكذلك من أفسد الحج وجب قضاؤه على الفور لأنه صار على الفور لما أحرم به، ~~فإن قيل هلا وجب الحج على الفور؟ قلنا لأن المقصود الأعظم منه ثواب الآخرة ~~وهو متراخ بخلاف الزكاة فإن المقصود منها دفع الحاجات وهي متحققة على ~~الفور. # وأما ما يجب على التراخي فكالحج، والعمرة والنذور المطلقة، والكفارات. # وأما ما يقبل التداخل فله أمثلة: أحدها العمرة تدخل في الحج. # المثال الثاني: في الوضوء إذا تعدد أسبابه أو تكرر السبب الواحد. # المثال الثالث: الغسل إذا تعددت أسبابه أو تكرر السبب الواحد. # المثال الرابع: سجود السهو يتداخل مع تعدد أسبابه، ولا تداخل في جزاء ~~الصيد لأنه غرامة متلفة. # المثال الخامس: الحدود المتداخلة المتماثلة إذا لم يتخلل بين أسبابها حد ~~وكذلك العدد إذا كانت لرجل واحد. # وأما ما لا يقبل التداخل كالصلوات، والزكوات والصدقات، وديون # PageV01P251 # العباد والحج، والعمرة، فلا يتداخل فيها، فمن أحرم بحجتين أو عمرتين أو ~~أدخل حجا على حج أو عمرة على عمرة، أو نوى الصلاة عن ظهرين انعقد له حج ~~واحد وعمرة واحدة، ولم تنعقد صلاته، ولو جامع في كل يوم من أيام رمضان لزمه ms191 ~~ثلاثون كفارة لتعدد العبادات التي وقعت عليها الجنايات، وخالف أبو حنيفة - ~~رحمه الله - في ذلك فأوجب كفارة واحدة، ولو وقع ذلك في رمضانين ففيه في ~~التداخل روايتان. # وأما ما اختلف فيه فكالكفارات، ودخول الوضوء في الغسل، والمختار أن لا ~~تداخل في الكفارات لأن التداخل على خلاف الأصل، والأصل تعدد الأحكام بتعدد ~~الأسباب، وأولى الواجبات بالتداخل الحدود لأنها أسباب مهلكة والزجر يحصل ~~بالواحد منها، ألا ترى إيلاج الحشفة في الفرج موجبة للحد ولو تعدد الحد ~~بالإيلاجات الواقعة بعد الإيلاجة الأولى لوجبت عليه حدود متعددة، فإن قيل ~~لم كررتم الحد إذا تخلل بين الرتبتين؟ والقطع إذا تخلل بين السرقتين؟ قلنا ~~لما علمنا أن الحد الأول يزجره حين أقدم على الجريمة ثانيا، جددنا عليه ~~الحد إصلاحا له بالزجر وفطاما له عن المعاودة، إذ لا يمكن إهماله بغير زاجر ~~فإن إهماله مؤد إلى تكثير جرائم وتفويت مصلحة الزجر. # وأما دخول العمرة في الحج فإنه بعيد من قواعد العبادات فيقتصر فيه على حد ~~وروده، وشرط التداخل التماثل: فلا يدخل جلد في قطع ولا رجم، وقد يقع ~~التداخل في حقوق العباد وذلك في العدد إذا كانت العدتان لشخص واحد، وإن ~~كانا شخصين ففي التداخل خلاف بين العلماء. # وكذلك تدخل ديات الأطراف في دية النفس إذا فاتت قبل الاندمال لأن ~~الجراحات قد صارت قتلا، ولو قتله أجنبي لزمه دية لنفسه ووجبت دية الأطراف ~~على قاطعها، ولو قتله قاطع الأطراف فقد نص الشافعي - رحمه الله - على ~~التداخل وفيه إشكال من قبل أن السراية قد # PageV01P252 # انقطعت بالقتل فأشبه ما لو انقطعت بالاندمال، وقد خالف ابن شريح الشافعي ~~في ذلك وقوله متجه. # وأما ما عزيمته أفضل من رخصته فكالاستنجاء بالماء فإنه أفضل من الاستجمار ~~بالأحجار. # وكذلك الصلاة بطهارة الماء أفضل منها بطهارة التراب. # وكذلك قراءة القرآن والطواف وسجود التلاوة والشكر بطهارة الماء أفضل منها ~~بطهارة التراب. # وكذلك صوم المسافر والمريض في شهر رمضان أفضل من الترخص بتأخيره. # وأما ما رخصته أفضل من عزيمته فكقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أيام فإن ms192 نقص ~~عنها كانت العزيمة أفضل خروجا من خلاف العلماء. وقد أطلق بعض أكابر أصحاب ~~الشافعي - رحمه الله - أن الخروج من الخلاف حيث وقع أفضل من التورط فيه ~~وليس كما أطلق، بل الخلاف على أقسام. # القسم الأول: أن يكون الخلاف في التحريم والجواز فالخروج من الاختلاف ~~بالاجتناب أفضل. # القسم الثاني: أن يكون الخلاف في الاستحباب أو الإيجاب فالفعل أفضل ~~كقراءة البسملة في الفاتحة فإنها مكروهة عند مالك واجبة عند الشافعي وكذلك ~~رفع اليدين في التكبيرات فإن أبا حنيفة لا يراه من السنن، وكذلك مالك في ~~إحدى الروايتين عنه، وهو عند الشافعي سنة للاتفاق على صحة الأحاديث وكثرتها ~~فيه. # وكذلك صلاة الكسوف على الهيئة المنقولة عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فإنها سنة عند الشافعي، وأبو حنيفة لا يراها والسنة أن يفعل ما خالف ~~فيه أبو حنيفة وغيره من ذلك وأمثاله. # وكذلك المشي أمام الجنازة مختلف فيه بين العلماء ولا يترك المشي أمامها ~~لاختلافهم والضابط في هذا أن مأخذ المخالف إن كان في غاية الضعف والبعد من ~~الصواب فلا نظر إليه ولا التفات عليه إذا كان ما اعتمد عليه لا يصح نصه ~~دليلا شرعا، ولا سيما إذا كان مأخذه مما ينقض الحكم بمثله. # PageV01P253 # وإن تقاربت الأدلة في سائر الخلاف بحيث لا يبعد قول المخالف كل البعد ~~فهذا مما يستحب الخروج من الخلاف فيه حذرا من كون الصواب مع الخصم والشرع ~~يحتاط لفعل الواجبات والمندوبات، كما يحتاط لترك المحرمات والمكروهات. # وأما الإبراد بالظهر فقد قال بعض الأصحاب إنه رخصة وليس بصحيح فإن ~~الإبراد سنة فقدمت على المبادرة إلى الصلاة لما ذكرناه. # وأما ما يقضى في جميع الأوقات فكالضحايا والهدايا المنذورات. # وأما ما لا يقضى إلا في مثل وقته فهو كالحج. # وأما ما يقبل الأداء والقضاء فكالحج والصوم والصلاة. # وأما ما يقبل الأداء ولا يقبل القضاء فكالعمرة والجمعات، والأصح أن ~~الرواتب والأعياد قابلة للقضاء، ولو فات القارن الحج فهل يحكم بفوات العمرة ~~تبعا للحج؟ فيه خلاف. # وأما ما لا يوصف بقضاء ولا أداء ms193 من النوافل المبتدآت التي لا أسباب لها ~~كالصيام، والصلاة التي لا أسباب لها ولا أوقات، وكذا الجهاد لا يتصور قضاؤه ~~لأنه ليس له وقت مضروب يزيد ولا ينقص، وكذلك الحكم والفتيا لا يوصفان بقضاء ~~ولا أداء، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك افتتاح الصلاة، ~~وكذلك الأذكار المشروعات في غير الصلاة. # وأما ما يتقدر وقت قضائه مع قبوله للتأخير، فكصوم رمضان لا يجوز تأخيره ~~إلى دخول رمضان ثان، مع جواز قضائه مع رمضان آخر. # أما ما يكون قضاؤه متراخيا فكصلاة النائم والناسي. # وأما ما يجب قضاؤه على الفور، فكالحج والعمرة إذا فسدا أو فاتتا. # وأما ما يدخله الشرط من العبادات فالنذر قابل للتعليق على الشرائط # PageV01P254 # مع اختلاف أنواع المنذورات ولو شرط المحرم التحلل بالمرض أو لأمر مهم ففي ~~صحة الشرط خلاف، وكذلك يجوز الاستثناء في الاعتكاف والخروج منه بكل عرض ~~معتبر عاجل أو آجل، ولو شرع في صوم منذور بنية أن يتحلل منه لعرض صحيح لا ~~يبيح مثله الإفطار جاز عند العراقيين أن يخرج منه ويقضيه. # وأما ما لا يقبل التعليق على الشرط فكالصوم والصلاة الواجبين بأصل الشرع، ~~ومن الطاعات ما يعتبر بوقت فعله لا بوقت وجوبه فكطهارة الصلاة واستقبال ~~القبلة والتستر في الصلاة، وإتمام أركانها كالقيام والقعود والركوع والسجود ~~فإنها معتبرة بوقت فعلها لا بوقت وجوبها، فإذا قدر في وقت وجوبها على ~~إكمالها بأركانها وشروطها أو طهارتها ثم عجز ذلك فإنه يقضيها ناقصة وتجزئه، ~~وكذلك العدالة تعتبر بوقت أداء الشهادة لا بوقت تحملها، ومن الطاعات ما ~~يعتبر بوقت وجوبه كمن وجبت عليه صلاة في الحضر فقضاها في السفر فإنه يتم، ~~وكمن وجب عليه الحد بكرا ثم صار محصنا فإنه يحد حد الأبكار وكذلك لو وجب ~~عليه الحد وهو محصن ثم صار رقيقا فإنه يحد حد الإحصان. # وكذلك القصاص يعتبر التكافؤ فيه بوقت وجوبه دون وقت استيفائه. ومن ~~الطاعات ما اختلف في اعتباره بوقت وجوبه أو بوقت أدائه كالكفارات وكفائتة ~~السفر إذا قضاها في الحضر أو السفر. # PageV01P255 ### | [فصل فيما يفوت ms194 من المصالح أو يتحقق من المفاسد مع النسيان] # بسم الله الرحمن الرحيم # فصل فيما يفوت من المصالح أو يتحقق من المفاسد مع النسيان النسيان غالب ~~على الإنسان، ولا إثم على النسيان، فمن نسي مأمورا به لم يسقط بنسيانه مع ~~إمكان التدارك؛ لأن غرض الشرع تحصيل مصلحته، فمن نسي صلاة أو صوما أو حجا ~~أو عمرة أو قصاصا أو شيئا من حقوق الله - تعالى - أو حقوق عباده، فإن كان ~~مما لا يقبل التدارك كالجهاد والجمعات، وصلاة الكسوف والرواتب - على قول - ~~وصلاة الجنازة في بعض، وإسكان من يجب إسكانه من الزوجات والآباء والأمهات ~~والرقيق؛ سقط وجوبه بفواته، وإن كان مما يقبل التدارك من حقوق الله، أو ~~حقوق عباده، كالصلاة والزكاة والصيام والنذور والديون والكفارات ونفقات ~~الزوجات، وجب تداركه على الفور إن كان واجبا على الفور، وإن كان على ~~التراخي فهو باق على تراخيه، والأولى تعجيله؛ لأنه مسارعة في الخيرات. # ولمن نسي التحريم حالان: إحداهما أن يكون من محرمات العبادة كالكلام، ~~والفعل الكثير في الصلاة، وارتكاب محظورات الحج، ومنهيات الصيام، والاعتكاف ~~مع نسيان العبادة التي هو ملابسها، فإن كان منهي العبادة من قبيل الإتلاف ~~كقتل الصيد في الإحرام، وحلق # PageV02P003 # الشعر، وقلم الأظفار، لم تسقط كفارته؛ لأنها وجبت جابرة، والجوابر لا ~~تسقط بالنسيان، وإن لم يكن منهي العبادة إتلافا سقط إثمه من غير بدل. # ولو صلى ناسيا لطهارة الحدث لم تصح؛ لأنه نسي مأمورا به، ولو صلى ناسيا ~~لنجاسة لا يعفى عن مثلها في حال الاختيار ففي عذره قولان مأخذهما أن ~~الطهارة عن النجس من جملة المأمورات كالطهارة عن الحدث، وأن استصحاب ~~النجاسة في الصلاة من قبيل المنهيات، وإنما وجب تدارك المأمورات إذا ذكرت؛ ~~لأن الغرض تحصيل مصلحتها وهي ممكنة التدارك بعد الذكر، والغرض من المنهي ~~دفع المفاسد، فإذا وقع المنهي وتحققت مفسدته لم يمكن رفعا بعد وقوعها. # الحال الثانية: أن لا يختص تحريمها بالعبادة فيسقط إثمه ويجب الضمان، كمن ~~باع جاريته ثم نسي بيعها فوطئها، أو أبان زوجته ثم نسي إبانتها فوطئها، أو ms195 ~~أعتق أمته ثم نسي عتقها فوطئها، أو باعها، أو باع طعاما ثم نسي بيعه فأكله، ~~فلا إثم عليه في ذلك كله، ولا ينفذ تصرفه، ويلزمه ضمان ما أتلفه من منافع ~~البضع وغيره؛ لأن الضمان من الجوابر، والجوابر لا تسقط بالنسيان. # ولو حلف بالله على شيء أو بطلاق أو إعتاق ثم فعل ما حلف عليه ناسيا لحلفه ~~ففيه قولان بين العلماء والمختار حنثه، وبه قال الأئمة الثلاثة؛ لأن اللفظ ~~لم يغلب في عرف الاستعمال على حال الذكر فيتقيد بها. # (فائدة) : الغالب من النسيان ما يقصر أمده ولا يستمر على طول الزمان إلا ~~ما ندر منه، فمن أتى بمحظور الصلاة مع النسيان فإن قصر زمانه عفي عنه ~~اتفاقا، وإن طال زمانه ففيه مذهبان: أحدهما يعفى عنه؛ لأنه ينتهك الحرمة ~~به. # والثاني: لا يعفى عنه؛ لأن الشرع قد فرق في الأعذار بين غالبها ونادرها، # PageV02P004 # فعفا عن غالبها لما في اجتنابه من المشقة الغالبة، وآخذ بنادرها؛ لانتفاء ~~المشقة الغالبة، فإنا نفرق بين دم البراغيث والبثرات، وبين غيرهما من ~~النجاسات النادرات، وكذلك نفرق بين فضلة الاستجمار لغلبة الابتلاء بها، ~~وبين غيرها من النجاسات. ### | [فصل في مناسبة العلل لأحكامها وزوال الأحكام بزوال أسبابها] # فالضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلبا لمصالحها، والجنايات مناسبة ~~لإيجاب العقوبات درءا لمفاسدها، والنجاسات مناسبة لوجوب اجتنابها، ولا ~~مناسبة بين طهارة الأحداث وأسبابها، إذ كيف يناسب خروج المني من الفرج أو ~~إيلاج أحد الفرجين في الآخر أو خروج الحيض والنفاس لغسل جميع أعضاء البدن، ~~ولا مناسبة بين المس واللمس وخروج الخارج من إحدى السبيلين لإيجاب تطهير ~~الأربعة مع العفو عن نجاسة محل الخروج، ولا للمسح على العمائم والعصائب ~~والجبائر والخفاف، وكذلك لا مناسبة؛ لأسباب الحدث الأصغر والأكبر لإيجاب ~~مسح الوجه واليدين بالتراب، بل ذلك تعبد من رب الأرباب ومالك الرقاب الذي ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وما أشبه هذه الأسباب بالتوقيت. # والأصل أن تزول الأحكام بزوال عللها فإذا تنجس الماء القليل ثم بلغ قلتين ~~زالت نجاسته؛ لزوال علتها، وهي القلة، ولو تغير الكثير ms196 ثم أزيل تغيره طهر؛ ~~لزوال علة نجاسته، وهي التغير، فإذا انقلب العصير خمرا زالت طهارته، فإذا ~~انقلب الخمر خلا زالت نجاستها، وكذلك الصبا والسفه # PageV02P005 # والإغماء والنوم والجنون أسباب لزوال التكاليف ونفوذ التصرف، فإذا زالت ~~حصل التكليف، ونفذ التصرف، وكلما عاد النوم أو الإغماء أو الجنون زال ~~التكليف بزوال علته، وكذلك يثبت التصرف بحصول الملك ويزول بزواله، وكذلك ~~أحكام الحدث الأصغر والأكبر، وكذلك حكم السهو والغفلة والذكر والنسيان، ~~وكذلك وجوب العصمة بالإيمان، وزوالها بالكفر، وكذلك تزول ولاية الأب والوصي ~~والحاكم بفسوقهم، فإن عادوا إلى العدالة عاد الأب إلى ولايته دون الوصي ~~والحاكم؛ لأن فسوق الأب مانع، وفسوق الوصي والحاكم قاطع. # وكذلك موانع ولاية النكاح في حق الأولياء ترفع الولاية بزوالها وتعود ~~بارتفاعها، وقد شرع الرمل في الطواف لإيهام المشركين قوة المؤمنين، وقد زال ~~ذلك والرمل مشروع إلى يوم الدين. # ومثل هذا لا يقاس عليه؛ لأن القياس فرع لفهم المعنى، ويجوز أن يقال: إنه ~~- صلى الله عليه وسلم - رمل في حجة الوداع مع زوال السبب تذكيرا لنعمة ~~الأمن بعد الخوف لنشكر عليها، فقد أمرنا الله بذكر نعمه في غير موضع من ~~كتابه وما أمرنا بذكرها إلا لنشكرها. ### | [فائدة إذا خلف العلة علة موجبة حكم الأولى] # (فائدة) : إذا خلف العلة علة موجبة حكم الأولى استمر الحكم، كما لو بلغ ~~الصبي سفيها أو مغمى عليه أو مجنونا. ### | [فصل فيما يتدارك إذا فات بعذر وما لا يتدارك مع قيام العذر] # الضابط أن اختلال الشرائط والأركان إذا وقع لضرورة أو حاجة فإن لم يختص ~~وجوبه بالصلاة كالستر فإن كان في قوم يعمهم العري فلا قضاء # PageV02P006 # عليه؛ لما فيه من المشقة، وإن ندر العري في بعض الجهات فإن أمرناه بإتمام ~~الركوع والسجود لم يقض على الأصح، وإن أمرناه بالإيماء وجب القضاء على ~~الأصح، وإن اختص وجوبه بالصلاة في الأركان والطهارتين كان العذر عاما؛ لعدم ~~الماء في الأسفار، والقعود في الصلاة بالأمراض، فلا قضاء لما فيه من المشقة ~~العامة، وإن ندر فإن كان مما يدوم إذا وقع كالاستحاضة ms197 وسلس البول واسترخاء ~~الاست والاضطجاع في الصلاة بالمرض فلا قضاء، وإن كان للعذر النادر بدل ~~كتيمم المسافر خوفا من البرد، وتيمم صاحب الجبيرة، وكالتيمم بانقطاع الماء ~~في الحضر ففي القضاء لندرة هذا قولان، وإن لم يكن بدل كمن فقد الماء ~~والتراب فالمذهب وجوب القضاء إلا في صلاة المحارب إذا اشتد الخوف والتحم ~~القتال، ومذهب الشافعي - رحمه الله - أن الصلاة لا تسقط إلا بسقوط التكليف ~~أو الحيض، وقال أبو حنيفة - رحمه الله - كل صلاة لا يجب قضاؤها فلا يجب ~~أداؤها لاختلاله، وهو قول الشافعي، إلا أن الشافعي لا يحرم الأداء خلافا ~~لأبي حنيفة فإنه حرمه لاختلاله، وقال المزني كل صلاة وجب أداؤها فلا يجب ~~قضاؤها وبنى على ذلك. ### | [قاعدة من كلف بشيء من الطاعات فقدر على بعضه وعجز عن بعضه] # (قاعدة) وهي أن من كلف بشيء من الطاعات فقدر على بعضه وعجز عن بعضه فإنه ~~يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه لقوله - سبحانه وتعالى -: {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] وقوله - عليه السلام -: «إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ، وبهذا قال أهل الظاهر. # واستثنى بعض الظاهرية صلاة المحدث لقوله - عليه السلام - «لا يقبل الله ~~صلاة بغير طهور» ، وقال أهل الظاهر وبعض العلماء: من تعمد ترك الصلاة أو ~~الصيام يلزمه القضاء؛ لأن القضاء ورد في الناسي والنائم، وهما معذوران وليس ~~المتعمد في معنى المعذور، ولما قالوه وجه حسن، وذلك أن الصلاة ليست عقوبة ~~من العقوبات # PageV02P007 # حتى يقال إذا وجبت على المعذور فوجوبها على غيره أولى؛ لأن الصلاة إكرام ~~من الله - تعالى - للعبد، وقد سماه جليسا له «وأقرب ما يكون العبد من ربه ~~إذا كان ساجدا» ، ولا يستقيم مع هذا أن يقال إذا أكرم المعذور بالمجالسة ~~والتقريب كان العاصي الذي لا عذر له أولى بالإكرام والتقريب، وما هذا إلا ~~بمثابة من يرتب الكرامة على أسباب الإهانة فيقول إذا كففت عن عقوبة الإعفاء ~~كان الكف عن حد الزناة وقطاع الطريق وشربة الخمر والجناة على النفوس ~~والأطراف أولى، وهذا قطع ms198 للمناسبة من الأسباب ومسبباتها. ### | [فصل في بيان تخفيفات الشرع] # ، وهي أنواع: منها تخفيف الإسقاط كإسقاط الجمعات والصوم والحج والعمرة ~~بأعذار معروفة، ومنها تخفيف التنقيص كقصر الصلاة، وتنقيص ما عجز عنه المريض ~~من أفعال الصلوات كتنقيص الركوع والسجود وغيرهما إلى القدر الميسور من ذلك. # ومنها تخفيف الأبدال كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، وإبدال القيام في ~~الصلاة بالقعود، والقعود بالاضطجاع، والاضطجاع بالإيماء، وإبدال العتق ~~بالصوم، وكإبدال بعض واجبات الحج والعمرة بالكفارات عند قيام الأعذار ومنها ~~تخفيف التقديم كتقديم العصر إلى الظهر. # والعشاء إلى المغرب في السفر والمطر، وكتقديم الزكاة على حولها والكفارة ~~على حنثها. # ومنها تخفيف التأخير كتأخير الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء ورمضان ~~إلى ما بعده. # PageV02P008 # ومنها تخفيف الترخيص، كصلاة المتيمم مع الحدث، وصلاة المستجمر مع فضلة ~~النجو، وكأكل النجاسات للمداواة، وشرب الخمر للغصة، والتلفظ بكلمة الكفر ~~عند الإكراه، ويعبر عن هذا بالإطلاق مع قيام المانع، أو بالإباحة مع قيام ~~الحاظر. ### | [فصل في المشاق الموجبة للتخفيفات الشرعية] # المشاق ضربان: أحدهما مشقة لا تنفك العبادة عنها كمشقة الوضوء والغسل في ~~شدة السبرات وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد، ولا سيما صلاة الفجر، ~~وكمشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، وكمشقة الحج التي لا انفكاك عنها ~~غالبا، وكمشقة الاجتهاد في طلب العلم والرحلة فيه، وكذلك المشقة في رجم ~~الزناة، وإقامة الحدود على الجناة، ولا سيما في حق الآباء والأمهات والبنين ~~والبنات، فإن في ذلك مشقة عظيمة على مقيم هذه العقوبات بما يجده من الرقة ~~والمرحمة بها للسراق والزناة والجناة من الأجانب والأقارب البنين والبنات، ~~ولمثل هذا قال - تعالى -: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} [النور: 2] ~~وقال - عليه الصلاة والسلام -: «لو أن فاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- سرقت لقطعت يدها» ، وهو - صلى الله عليه وسلم - أولى بتحمل هذه المشاق من ~~غيره؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - وصفه في كتابه العزيز بأنه بالمؤمنين ~~رءوف رحيم، فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات ولا في ~~تخفيفها؛ لأنها لو أثرت لفاتت مصالح ms199 # PageV02P009 # العبادات والطاعات في جميع الأوقات أو في غالب الأوقات، ولفات ما رتب ~~عليها من المثوبات الباقيات ما دامت الأرض والسموات. # الضرب الثاني: مشقة تنفك عنها العبادات غالبا، وهي أنواع # النوع الأول مشقة عظيمة فادحة كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع ~~الأطراف فهذه مشقة موجبة للتخفيف والترخيص؛ لأن حفظ المهج والأطراف لإقامة ~~مصالح الدارين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات ثم تفوت أمثالها. # النوع الثاني مشقة خفيفة كأدنى وجع في إصبع أو أدنى صداع أو سوء مزاج ~~خفيف، فهذا لافتة إليه ولا تعريج عليه؛ لأن تحصيل مصالح العبادة أولى من ~~دفع مثل هذه المشقة التي لا يؤبه لها. # النوع الثالث مشاق واقعة بين هاتين المشقتين مختلفة في الخفة والشدة فما ~~دنا منها من المشقة العليا أوجب التخفيف، وما دنا منها من المشقة الدنيا لم ~~يوجب التخفيف إلا عند أهل الظاهر، كالحمى الخفيفة ووجع الضرس اليسير وما ~~وقع بين هاتين الرتبتين مختلف فيه، ومنهم من يلحقه بالعليا، ومنهم من يلحقه ~~بالدنيا، فكلما قارب العليا كان أولى بالتخفيف، وكلما قارب الدنيا كان أولى ~~بعدم التخفيف، وقد توسط مشاق بين الرتبتين بحيث لا تدنو من أحدهما فقد ~~يتوقف فيها، وقد يرجح بعضها بأمر خارج عنها، وذلك كابتلاع الدقيق في الصوم، ~~وابتلاع غبار الطريق، وغربلة الدقيق لا أثر له لشدة مشقة التحرز منها ولا ~~يعفى عما عداها مما تخف المشقة في الاحتراز عنه وفي ما بينهما كابتلاع ماء ~~المضمضة مع الغلبة اختلاق لوقوعه بين # PageV02P010 # الرتبتين. # ولما كانت المبالغة مستندة إلى تقصيره بفعله ما نهى عنه ألحقها بعضهم بما ~~تيسر الاحتراز عنه وأبطل بها الصوم، وألحقها بعضهم بالمضمضة لوقوعها عن ~~الغلبة، وتختلف المشاق باختلاف العبادات في اهتمام الشرع فما اشتد اهتمامه ~~به شرط في تخفيفه المشاق الشديدة أو العامة، وما لم يهتم به خففه بالمشاق ~~الخفيفة، وقد تخفف مشاقه مع شرفه وعلو مرتبته لتكرر مشاقه كي لا يؤدي إلى ~~المشاق العامة الكثيرة الوقوع. # مثاله: ترخيص الشرع في الصلاة التي من أفضل الأعمال تقام مع ms200 الخبث الذي ~~يشق الاحتراز منه، ومع الحدث في حق المتيمم والمستحاضة، ومن كان عذره كعذر ~~المستحاضة. # وكذلك المشاق في الحج ثلاثة أقسام: منها ما يعظم فيمنع وجوب الحج، ومنها ~~ما يخف ولا يمنع الوجوب، ومنها ما يتوسط فيتردد فيه، وما قرب منه إلى ~~المشقة العليا كان أولى بمنع الوجوب، وما قرب منه إلى المشقة الدنيا كان ~~أولى بألا يمنع الوجوب. # ولا تختص المشاق بالعبادات بل تجري في المعاملات. # مثاله: الغرر في البيوع، وهو أيضا ثلاثة أقسام: أحدها ما يعسر اجتنابه ~~كبيع الفستق والبندق والرمان والبطيخ في قشورها فيعفى عنه. # القسم الثاني: ما لا يعسر اجتنابه فلا يعفى عنه. # القسم الثالث: ما يقع بين الرتبتين وفيه اختلاف، منهم من يلحقه بما عظمت ~~مشقته، لارتفاعه عما خفت مشقته، ومنهم من يلحقه بما خفت مشقته لانحطاطه عما ~~عظمت مشقته، إلا أنه تارة يعظم الغرر فيه فلا يعفى عنه على الأصح كبيع ~~الجوز الأخضر في قشرته، وتارة يخف العسر فيه لمسيس الحاجة إلى بيعه فيكون ~~الأصح جوازه كبيع الباقلاء الأخضر في قشرته. # PageV02P011 # فأما الصلاة فينتقل فيها القائم إلى القعود بالمرض الذي يشوش على الخشوع ~~والأذكار ولا يشترط فيها الضرورة ولا العجز عن تصوير القيام اتفاقا، ويشترط ~~في الانتقال من القعود إلى الاضطجاع عذرا أشق من عذر الانتقال من القيام ~~إلى القعود؛ لأن الاضطجاع مناف لتعظيم العبادات ولا سيما والمصلي مناج ربه، ~~وقد قال - سبحانه -: «أنا جليس من ذكرني» . # وأما الأعذار في ترك الجماعات والجمعات فخفيفة؛ لأن الجماعات سنة ~~والجمعات بدل. # وأما الصوم فالأعذار فيه خفيفة كالسفر والمرض الذي يشق الصوم معه لمشقة ~~الصوم على المسافر، وهذان عذران خفيفان، وما كان أشد منهما كالخوف على ~~الأطراف والأرواح كان أولى بجواز الفطر. # وأما الحج: فالأعذار في إباحة محظوراته خفيفة إذ يجوز لبس المخيط فيه ~~بالتأذي بالحر والبرد، ويجوز حلق الرأس فيه بالتأذي من المرض والقمل، وكذلك ~~الطيب والدهن وقلم الأظفار. # وأما التيمم فقد جوزه الشافعي - رحمه الله - تارة بأعذار خفيفة، ومنعه ~~تارة على قول بأعذار أثقل ms201 منها، والأعذار عنده رتب متفاوتة في المشقة. # الرتبة الأولى: مشقة عظيمة فادحة كالخوف على النفوس والأعضاء ومنافع ~~الأعضاء فيباح بها التيمم. # الرتبة الثانية: مشقة دون هذه المشقة في الرتبة كالخوف من حدوث المرض ~~المخوف، فهذا ملحق بالرتبة العليا على الأصح. # الرتبة الثالثة: خوف إبطاء البرء وشدة الضنى ففي إلحاقه بالرتبة الثانية ~~خلاف، والأصح الإلحاق. # PageV02P012 # الرتبة الرابعة: خوف الشين إن كان باطنا لم يكن عذرا، وإن كان ظاهرا ففيه ~~خلاف والمختار الإباحة، فهذه الأعذار كلها كما ذكرناه في إباحة الفطر في ~~الصوم وفي إباحة القعود في الصلاة ويدل على ذلك صور جوز فيها الشافعي ~~التيمم بمشاق خفيفة دون هذه المشاق. # أحدها: إذا بيع منه الماء بأكثر من ثمن المثل بشيء يسير فإنه لا يلزمه ~~شراؤه، ولا شك أن ضرر الغبن بدانق دون ضرر المشقة بظهور الشين، وإبطاء ~~البرء، وشدة الضنى، ولا سيما إذا ظهر الشين في وجوه النساء اللاتي نفاقهن ~~في جمالهن، مع أن ضرر الشين يدوم إلى الممات، وضرر الغبن بالدانق ينصرم في ~~الحال، وقد خالف مالك في ذلك، وخلافه متجه. # الصورة الثانية: إذا وهب منه ثمن الماء، وهو درهم مثلا فإنه لا يلزمه ~~قبوله، وله أن يتيمم دفعا لتضرره بالمنة بالدرهم، ولا شك أن تضرره بالشين ~~والمرض المخوف وشدة الضنى وبطء البرء دوامها أعظم من تضرره بذلك مع تصرمه. # الصورة الثالثة: إذا كان معه ثمن الماء، ولكنه محتاج إليه في نفقة سفره ~~في ذهابه وإيابه، فإنه يتيمم، كي لا ينقطع عن سفره ويكون سفره سفر نزهة غير ~~مهم في أمر الدين وتضرره لانقطاعه عن هذا السفر دون تضرره بما ذكرناه من ~~المرض المخوف، وشدة الضنى، وبطء البرء، وظهور الشين، مع أن سفر النزهة من ~~روعات النفوس التي لا يقصدها معظم العقلاء، بخلاف التضرر بما ذكرناه فإنه ~~مقصود الدفع لكل عاقل. # ونظير هذا التشديد في باب التيمم، ما ذكره الشافعي ومالك - رحمهما الله # PageV02P013 # في أن التحلل من الحج مختص بحصر العدو، وقد خولفوا في ذلك؛ لأن الآية ~~دالة على جواز ms202 الخروج من الحج بالأعذار، فإن الإحصار عند المعتبر من أهل ~~اللغة موضوع لإحصار الأعذار، والحصر موضوع لحصر الأعداء بدليل قوله: ~~{وخذوهم واحصروهم} [التوبة: 5] وقال بعض أهل اللغة هما لغتان في حصر ~~الأعداء، فإن قيل إن قوله: {فإن أحصرتم} [البقرة: 196] الآية نزلت ~~بالحديبية ولم يكن إحصار عذر وإنما كان إحصار عدو؟ قلنا: فإنها دلت على ~~إحصار العذر بمنطوقها، وعلى إحصار العدو بمفهومها فتناولت الأمرين جميعا، ~~ونبهت على أن التحلل بحصر الأعذار أولى من التحلل بحصر الأعداء. # فإن قيل: قد قرن بها ما يدل على أنها نزلت في حصر الأعداء، وهو قوله: ~~{فإذا أمنتم} [البقرة: 196] فالأمن إنما يستعمل في زوال الخوف من الأعداء ~~دون زوال الأمراض والأعذار؟ فالجواب أن الآية لما دلت على أن التحلل بالحصر ~~أولى يرجع الأمر إلى ما دلت عليه الآية بطريق الأولى لا بطريق اللفظ، وإن ~~جعلنا حصر وأحصر لغتين دل أحصر على الأمرين، ورجع لفظ الأمن إلى أحدهما دون ~~الآخر، والذي ذكره مالك والشافعي لا نظير له في الشريعة السمحة التي قال ~~الله - تعالى - فيها: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] ، وقال ~~فيها: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] وقال: {يريد ~~الله أن يخفف عنكم} [النساء: 28] ، فإن من انكسرت رجله وتعذر عليه أن يعود ~~إلى الحج والعمرة يبقى في بقية عمره حاسر الرأس متجردا من اللباس محرما ~~عليه النكاح والإنكاح، وأكل الصيود والتطيب والأدهان، وقلم الأظفار وحلق ~~الشعر ولبس الخفاف والسراويلات،، وهذا بعيد من رحمة الشرع ورفقه ولطفه ~~بعباده. # PageV02P014 # الصورة الرابعة: أن أصحابنا قالوا لا يلزمه طلب الماء من فرسخ ولا من نصف ~~فرسخ لما فيه من المشقة، ولا شك أن هذه المشقة أخف مما ذكرناه من المرض ~~المخوف، وبطء البرء، وشدة الضنى، وظهور الشين، وكذلك قالوا لا يطلبه مع ~~الخوف على ماله، ولم يفرقوا بين المال القليل والكثير، قالوا: بل يطلبه من ~~مكان لو استغاث منه برفقته لأغاثوه مع ما هم عليه من اشتغالهم. # وأما المنة فجعلوها ثلاثة أقسام: أحدها أن ms203 يوهب منه ثمن الماء والدلو ~~والرشاء فيجوز له التيمم لعظم المنة فيها. # القسم الثاني: أن يوهب منه الماء أو يعار الدلو والرشاء أو يقرض ثمن ~~الماء مع القدرة على الوفاء فلا يجوز له التيمم لخفة مشقة المنة بمثل ذلك. # القسم الثالث: هل يجب عليه استيهاب الماء أو استعارة الدلو والرشاء فيه، ~~فإن قيل: المشاق تنقسم إلى ما هو في أعلى مراتب الشدة، وإلى ما هو في ~~أدناها، وإلى ما يتوسط بينهما، فكيف تعرف المشاق المتوسطة المبيحة التي لا ~~ضابط لها، مع أن الشرع قد ربط التخفيفات بالشديد والأشد والشاق والأشق، مع ~~أن معرفة الشديد والشاق متعذرة؛ لعدم الضابط؟ قلنا: لا وجه لضبط هذا ~~وأمثاله إلا بالتقريب فإن ما لا يحد ضابطه لا يجوز تعطيله، ويجب تقريبه، ~~فالأولى في ضابط مشاق العبادات أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق ~~المعتبرة في تلك العبادة، فإن كانت مثلها أو أزيد ثبتت الرخصة بها، ولن ~~يعلم التماثل إلا بالزيادة، إذ ليس في قدرة البشر الوقوف على تساوي المشاق، ~~فإذا زادت إحدى المشقتين على الأخرى علمنا أنهما قد استويا فما # PageV02P015 # اشتملت عليه المشقة الدنيا منهما وكان ثبوت التخفيف والترخيص بسبب ~~الزيادة أو؛ لأمثال ذلك. # أن التأذي بالقمل مبيح للحلق في حق الناسك فينبغي أن يعتبر تأذيه ~~بالأمراض بمثل مشقة القمل، كذلك سائر المشاق المبيحة للبس والطيب والدهن ~~وغير ذلك من المحظورات، وكذلك ينبغي أن تقرب المشاق المبيحة للتيمم بأدنى ~~مشقة أبيح بمثلها التيمم، وفي هذا إشكال، فإن مشقة الزيادة اليسيرة على ثمن ~~المثل، ومشقة الانقطاع من سفر النزهة خفيفة لا ينبغي أن يعتبر بها الأمراض. # وأما المبيح للفطر فينبغي أن تقرب مشقته بمشقة الصيام في الحضر، فإذا شق ~~الصوم مشقة تربى على مشقة الصوم في الحضر فليجز الإفطار بذلك، ولهذا نظائر ~~كثيرة.: # منها مقادير الأغرار في المعاملات، ومنها توقان الجائع إلى الطعام وقد ~~حضرت الصلاة، ومنها التأذي بالرياح الباردة في الليلة المظلمة، وكذلك ~~التأذي بالمشي في الوحل، ومنها غصب الحكام المانع من الإقدام على الحكام، ms204 ~~فإن المراتب في ذلك كله مختلفة، ولا ضابط لمتوسطاتها إلا بالتقريب. # وقد ضبط غصب الحاكم بما يمنع من استيفاء النظر وكل هذه تقريبات يرجع في ~~أمثالها إلى ظنون المكلفين، ولا ينهى الحاكم الغضبان عن الحكم بما هو معلوم ~~له إذ لا حاجة به إلى النظر فيه مثاله أن يدعي إنسان على إنسان بدرهم معلوم ~~فينكره فلا يكره للحاكم الحكم بينهما إذ لا يحتاج في هذه المسألة إلى نظر ~~واعتبار بل حكمه في حال رضاه، فإن قيل قد تقرر في الشرع أن ما لا يمكن ضبطه ~~لا يجب الحمل على أقله كمن باع عبدا، وشرط أنه كاتب أو نجار أو رام أو بان ~~فإن الشرط يحمل على أقل رتبة الكتابة والتجارة والخياطة والبناء، وكذلك من ~~أسلم في شيء ووصفه بصفات لكل # PageV02P016 # واحدة منهن رتب عالية، ورتب دانية، ورتب متوسطة. # فإنه يحمل على أدناهن، إذ لا ضبط لما زاد عليها، فإذا وصف الجارية بإشراق ~~اللون، أو بالكحل، أو بالبياض حمل على أقل رتب ذلك، وكذلك سائر الصفات، ~~فهلا قلتم بالحمل ههنا على أدنى رتب المشاق لعسر ضبط رتب المشاق الزائدة ~~على أدناهن؟ قلنا: لا يجوز تفويت مصالح العبادات مع عظمها وشرفها بمثل هذه ~~المشاق مع خفتها وسهولة تحملها، بل تحمل هذه المشاق لا وزن له في تحصيل ~~مصالح العبادات؛ لأن مصالح العبادات باقية أبد الآبدين ودهر الداهرين مع ما ~~يبتنى عليها من رضا رب العالمين، ولذلك كان اجتناب الترخص في معظم هذه ~~المشاق أولى؛ لأن تحمل المشاق فيها أعظم أجرا من تعاطيه بغير مشقة؛ لما ~~ذكرناه من فضل تحمل المشاق؛ لأجل الله. # وإنما حملنا في المعاملات على الأقل تحصيلا لمقاصد المعاملات ومصالحها، ~~فإن الحمل على الأعلى يؤدي في السلم إلى عزة الوجود، وهي مبطلة للسلم، ~~والحمل في الصفات المشروطة في البيوع على الأعلى يؤدي إلى كثرة التنازع ~~والاختلاف، والحمل على ما بينهما لا ضابط له، ولا وقوف عليه؛ فتعذر تجويزه؛ ~~لعدم الاطلاع عليه. ### | [فصل في الاحتياط في جلب المصالح ودرء المفاسد] # المصالح ms205 التي أمر الشرع بتحصيلها ضربان: أحدهما مصالح الإيجاب. # والثاني: مصالح الندب. # والمفاسد التي أمر الشرع بدرئها ضربان: # PageV02P017 # أحدهما: مفاسد الكراهة. # الثاني: مفاسد التحريم. # والشرع يحتاط لدرء مفاسد الكراهة والتحريم، كما يحتاط لجلب مصالح الندب ~~والإيجاب، والاحتياط ضربان أحدهما ما يندب إليه، ويعبر عنه بالورع، كغسل ~~اليدين ثلاثا إذا قام من النوم قبل إدخالهما الإناء، وكالخروج من خلاف ~~العلماء عند تقارب المأخذ، وكإصلاح الحكام بين الخصوم في مسائل الخلاف، ~~وكاجتناب كل مفسدة موهمة، وفعل كل مصلحة موهمة؛ فمن شك في عقد من العقود، ~~أو في شرط من شروطه، أو في ركن من أركانه، فليعده بشروطه وأركانه، وكذلك من ~~فرغ من عبادة، ثم شك في شيء من أركانها، أو شرائطها بعد زمن طويل، فالورع ~~أن يعيدها، فلو شك في إبراء من دين، أو تعزير، أو حد، أو قصاص؛ فليبرئ من ~~ذلك ليحصل على جزاء المحسنين، ويبرأ خصمه بيقين، وإن شك في إعتاق، أو نكاح ~~قبل الدخول، فليجدد النكاح والإعتاق، وإن شك أطلق قبل الدخول أو بعده، فإن ~~كان قبل انقضاء العدة، فليجدد رجعة ونكاحا، وإن كان بعد انقضائها، فليجدد ~~النكاح، وإن شك أطلق واحدة أو اثنتين، فإن أراد بقاء النكاح مع الورع، ~~فليطلق طلقة معلقة على نفي الطلقة الثانية، بأن يقول إن لم أكن طلقتها فهي ~~طالق كي لا يقع عليه طلقتان، وإن شك في الطلقة أرجعية هي أم خلع فليرتجع، ~~وليجدد النكاح؛ لأنها إن تكن رجعية، فقد تلافاها بالرجعة، وإن كانت خلعا، ~~فقد تلافاها، وإن شك في حال المال المخرج في الزكاة، أو الكفارة، أو ~~الديون، فليعد ذلك، ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، فالورع أن يحدث، ثم ~~يتطهر، فإن تطهر من غير حدث، # PageV02P018 # فالمختار أن الورع لا يحصل بذلك؛ لعجزه عن جزم نية رفع الحدث؛ لأن بقاء ~~الطهارة يمنعه من الجزم، كما أن بقاء شعبان يمنع من جزم نية صوم شهر رمضان ~~ليلة الثلاثين من شعبان، وهذا هو الجاري على أصول مذهب الشافعي، - رحمه ~~الله -، من جهة أن استصحاب الأصل ms206 قد منع الجزم والإجزاء في مسائل شتى، ولا ~~فرق بينهما وبين هذا، ولو التبس عليه المني بالمذي فليجامع ثم يغتسل لجزم ~~النية، فإن اغتسل من غير جنابة فينبغي أن لا يجزئه إلا في أعضاء الوضوء، لا ~~أن استصحاب الطهارة فيما عدا الوضوء مانع من جزم نية الغسل فيها، ونظائر ~~هذا كثيرة، وضابطه أن يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، ومن ترك الشبهات فقد ~~استبرأ لدينه وعرضه. # الضرب الثاني ما يجب من الاحتياط لكونه وسيلة إلى تحصيل ما تحقق تحريمه، ~~فإذا دارت المصلحة بين الإيجاب والندب، والاحتياط، حملها على الإيجاب؛ لما ~~في ذلك من تحقق براءة الذمة، فإن كانت عند الله واجبة فقد حصل مصلحتها، وإن ~~كانت مندوبة فقد حصل على مصلحة الندب وعلى ثواب نية الجواب، فإن من هم ~~بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، وإذا دارت المفسدة بين الكراهة والتحريم ~~فالاحتياط حملها على التحريم، فإن كانت مفسدة التحريم محققة، فقد فاز ~~باجتنابها، وإن كانت منفية فقد اندفعت مفسدة المكروهة، وأثيب على قصد ~~اجتناب المحرم، فإن اجتناب المحرم أفضل من اجتناب المكروه، كما أن فعل ~~الواجب أفضل من فعل المندوب. # والاحتياط لتحصيل مصلحة الواجب له أمثلة # أحدها: أن من نسي صلاة من خمس لا يعرف عينها، فإنه يلزمه الخمس ليتوسل ~~بالأربع إلى تحصيل الواجبة. # المثال الثاني: أن من نسي ركوعا أو سجودا أو ركنا من أركان الصلاة، ولم ~~يعرف محله، فإنه يلزمه البناء على اليقين احتياطا لتحصيل مصلحة # PageV02P019 # الواجب، والبناء على اليقين تقدير أشق الأمرين والإتيان بالأشق، منهما، ~~فإذا شك أترك الركن من الركعة الأولى أم من الثانية بنى على أنه من الأولى؛ ~~لأنه الأشق. # المثال الثالث: يجب على الخنثى المشكل أن يستتر في الصلاة كالتستر للنساء ~~احتياطا؛ لتحصيل مصلحة السترة. # المثال الرابع: إذا اختلط قتلى المسلمين بقتلى الكفار فإنا نغسل الجميع ~~ونكفنهم وندفنهم، توسلا إلى إقامة حقوق المسلمين من الغسل والدفن والتكفين. # وكذلك إذا تعارضت شهادتان في كفر الميت وإسلامه، فإنا نغسله ونكفنه ونصلي ~~عليه وندفنه في قبور ms207 المسلمين، وفي اختلاط المسلمين بالكافرين لا نصلي على ~~الكافرين. # بل نخص المؤمنين بنية الصلاة عليهم لتحريم الصلاة على الكافرين، ولا يمكن ~~الاختلاط عند تعارض النيات إلا بالصلاة. # المثال الخامس: أن من لزمته زكاة من زكاتين لا يعرف عينها مثل أن لزمته ~~زكاة لا يدري أبقرة هي، أم بعير أم دينار، أم درهم أم حنطة، أم شعير فإنه ~~يأتي بالزكاة ليخرج عما وجب عليه، وفي هذا نظر، فإن الأصل عدم كل واحدة ~~منهما، بخلاف نسيان صلاة من خمس فإن الأصل في كل واحدة منهن الوجوب. # المثال السادس: إذا شك الناسك هل هو مفرد أو متمتع أو قارن وكان ذلك قبل ~~الطواف، فإنه يجعل نفسه قارنا ليبرأ بيقين؛ لأنه إن كان قبل ذلك قارن لم ~~تضره نية القران، وإن كان متمتعا فقد أدخل الحج على العمرة فيبرأ من الحج ~~بكل حال. # PageV02P020 # المثال السابع: إذا شكت المرأة هل الواجب عليها عدة وفاة أو عدة طلاق ~~فإنه يلزمها الإتيان بالعدتين لتخرج عما عليها بيقين. # المثال الثامن: إذا مات زوج الأمة وسيدها وشكت في السابق منهما، فإنه ~~يلزمها الاستبراء وعدة الوفاة لتبرأ بيقين. # المثال التاسع: وجوب الغسل لكل صلاة على المتحيرة لتبرأ عما عليها بيقين؛ ~~لأنها إن كانت حائضا فلا طهارة عليها، وإن كانت قد طهرت من الحيض فوظيفتها ~~الغسل وقد أتت به. # المثال العاشر: وجوب الصلاة على المستحاضة المتحيرة في جميع الأوقات ~~لاحتمال طهرها في كل واحدة منها. # المثال الحادي عشر: يجب على المستحاضة صوم شهر رمضان مع صوم شهر آخر، ~~وقضاء يومين بستة من ثمانية عشر يوما لتبرأ عما عليها بيقين، وهذا مشكل من ~~جهة أن الشافعي قدر لها أكثر الحيض وأقل الطهر، وذلك في غاية الندور، ورد ~~المعتادة إلى العبادة من غير زيادة مع جواز أن يكون حيضها قد صار إلى خمسة ~~عشر، فأي فرق بين رد المعتادة إلى العادة من غير زيادة بناء على أن الأصل ~~عدم تغير العادة، وبين رد هذا إلى غالب العادات لندرة دوران العادة على ~~أكثر الحيض ms208 وأقل الطهر. # فإن قيل كيف تجزم المستحاضة نية الصوم والصلاة مع أنها ما من وقت تنوي ~~فيه الصوم والصلاة إلا، وهي يجوز أن تكون فيه طاهرة، وأن تكون حائضا، ولا ~~يتصور مع هذا التردد جزم؟ قلنا: لما كان وقت الطهر أكثر من وقت الحيض غالبا ~~جاز استناد الجزم إلى هذه الغلبة. # PageV02P021 # وللاحتياط لدرء مفسدة المحرم أمثلة # أحدها: إذا اشتبه إناء طاهر بإناء نجس، أو ثوب طاهر بثوب نجس، وتعذر ~~معرفة الطاهر منهما، فإنه يجب اجتنابهما درءا لمفسدة النجس منهما. # المثال الثاني: إذا اشتبهت أخته من الرضاع بأجنبية فإنهما يحرمان عليه ~~احتياطا؛ لدرء مفسدة نكاح الأخت. # المثال الثالث: إذا اختلط درهم حلال بدرهم حرام، وجب اجتنابهما دفعا ~~لمفسدة الحرام. # المثال الرابع: إذا اختلط حمام بر بحمام بلد مملوك مع استوائهما فإنه ~~يحرم الاصطياد منه درءا لمفسدة اصطياد المملوك على الاختيار. # المثال الخامس: نكاح الخنثى المشكل باطل درءا لمفسدة المرأة بالمرأة أو ~~الرجل بالرجل. # المثال السادس: إذا قطع رجل أو امرأة ذكر خنثى مشكل وشفريه وأنثييه فإنا ~~لا نوجب القصاص على واحد منهما درءا لمفسدة أخذ الزائد بالأصلي. # المثال السابع: إذا قال إذا كان هذا الطائر غرابا فامرأتي طالق، وإن لم ~~يكن غرابا فأمتي حرة فطار الغراب وتعذرت معرفته، فإنا نحرم عليه الأمة ~~والمطلقة درءا لمفسدة تحريم إحداهما. # وكذلك إذا قال إذا كان هذا الطائر غرابا فأمتي حرة، وإن لم يكن غرابا ~~فعبدي حر فإنه يمنع من التصرف فيهما درءا لمفسدة التصرف في الحر منهما. # المثال الثامن: تحريم وطء المستحاضة المتحيرة عند كثير من الأصحاب # PageV02P022 # درءا لما يتوهم من مفسدة الوطء في الحيض، وقد جوزه بعضهم نظرا لحق الزوج ~~في البضع، وأنه ليس تقدير الحيض بأولى من تقدير الطهر؛ ولما فيه من الضرر ~~الدائم ولا سيما في حق الزوجين الشابين، فإن قيل الصلاة مع الحيض حرام، ومع ~~الطهر واجبة فلم قدمتم الاحتياط لتحصيل مصالح الصلاة على الاحتياط لدرء ~~مفسدة الصلاة في الحيض؟ قلنا: إن الطهارة شرط من شروط الصلاة فلا تهمل ~~المصالح ms209 الحاصلة من أركان الصلاة وسائر شرائطها بفوات شرط واحد، فإن مصالح ~~الصلاة خطيرة عظيمة لا تدانيها مصلحة الطهر من الحيض؛ لأن الطهر منه ~~كالتتمة والتكملة لمقاصد الصلاة، فلا تقدم التتمات والتكملات على مقاصد ~~الصلاة على ما سنذكره إن شاء الله - تعالى - في مقاصد الصلاة، كيف وكل ركن ~~من أركان الصلاة وكل شرط من شروطها مقصود مهم لا يسقط ميسوره بمعسوره. # وكذلك يصلي من لا يجد ماء ولا ترابا ولا سترة، ولا يتمكن من القبلة ولا ~~من الركوع، ولا من السجود على حسب حاله. # المثال التاسع: لا يقتدي الرجل بالخنثى،، ولا الخنثى بالخنثى دفعا لمفسدة ~~اقتداء الذكور بالإناث. # المثال العاشر: الاحتياط لمن يوجد ويتوقع وجوده كتحريم نكاح الأمة خوفا ~~من إرقاق الولد الذي يتوقع وجوده، والرق من أعظم المفاسد. # فإن قيل: فكيف أجزتموه مع العنت وفقد مهر الحرة؟ قلت: دفع مفسدة الزنا ~~عمن تحقق وجوده أولى من دفع مفسدة الرق عمن يتوهم وجوده، ولو تحقق وجوده ~~لكان حق أبيه في درء مفسدة الزنا أولى من حقه في دفع مفسدة الرق؛ لأن مفاسد ~~الزنا عاجلة وآجلة ومفاسد الرق عاجلة لا غير، إذ لا يأثم أحد بكونه رقيقا، ~~ويأثم بكونه زانيا، بل العبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه فله ~~أجران. # PageV02P023 # المثال الحادي عشر: الشهادة بحصر الورثة ولها حالان: أحدهما: أن تكون ~~احتياطا لما تحقق وجوده كالآباء والأمهات والأجداد والجدات، فإذا أقام ~~الوارث بينة بأن الميت أخوه من أبويه لم يدفع إليه شيئا؛ لأن الأصل بقاء ~~أبويهما، وكذلك أجدادهما وجداتهما. # الحال الثانية: الشهادة بنفي الزوجين والإخوة والأخوات، وأمثال ذلك فإنا ~~لا ندفع شيئا من الميراث إلا بالحصر في الوارث المذكور، وإن كان الأصل عدم ~~الأزواج والزوجات والإخوة والأخوات، فهذا احتياط لمن لم يتحقق وجوده، ولكن ~~وجوده كثير غالب # وللاحتياط لتحصيل مصلحة المندوب أمثلة # منها: أن من نسي ركعتين من السنن الرواتب، ولم يعلم أهي سنة الفجر أم سنة ~~الظهر فإنا نأتي بالسنتين لنحصل على المنسية لمن نسي صلاة من صلاتين ~~مفروضتين. # ومنها ms210 من شك هل غسل في الوضوء ثلاثا أو اثنتين فإنه يأتي بالثالثة ~~احتياطا للمندوب. # وللاحتياط لدفع مفسدة المكروه أمثلة # منها أن لا تقوم الخنثى عن يمين الإمام، ومنها: ألا تتقدم الخنثى على ~~الرجال. # ومنها أنه يكره للرجال أن يصلوا وراء الخنثى في الصفوف وفي صف فيه خنثى. # (فائدة) : قد يتعذر الورع على الحاكم في مسائل الخلاف كما إذا كان # PageV02P024 # ليتيم على يتيم حق مختلف في وجوبه فلا يمكن الصلح بينهما، إذ لا تجوز ~~المسامحة بمال أحدهما، وعلى الحاكم التوسط في الخلاف، وكذلك حكم الأب ~~والوصي. ### | [فصل فيما يقتضيه النهي من الفساد وما لا يقتضيه] # للنهي أحوال: الأولى أن ينهى عن الشيء لاختلال ركن من أركانه أو شرط من ~~شرائطه كالنهي عن الصلاة في المزبلة والمجزرة، وكالنهي عن صوم يومي ~~العيدين. # وكنهي المحرم عن النكاح والإنكاح، وكذا النهي عن بيع الحر، وعن بيع ~~الملاقح، وبيع المضامين، فهذا كله محمول على فساد المنهي عنه. # الحال الثانية: النهي لاقتران مفسدته وله أمثلة أحدها: التطهر بالماء ~~المغصوب ليس النهي عنه لعينه، وإنما النهي عن استمرار غصبه، # وكذلك التطهر بما يخاف منه التلف؛ لشدة حر أو برد فإنه لم ينه عنه لعينه، ~~وإنما النهي عما اقترن به من خوف التلف. # المثال الثاني: الصلاة في الدار المغصوبة ليس النهي عنها لعينها، وإنما ~~المراد بالنهي عما اقترن بها من الغصب، فالنهي متعلق بالصلاة من جهة اللفظ ~~وبالغصب من جهة المعنى، وهو من المجاز العرفي لقولهم لا أرينك ههنا، وكقوله ~~- تعالى -: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] ، النهي عن الموت ~~باللفظ، وعما يقترن به من الكفر في المعنى. # ومثله قوله: {ولا يصدنكم الشيطان} [الزخرف: 62] ، النهي عن الصد للشيطان ~~في اللفظ، للمكلفين في المعنى. # PageV02P025 # المثال الثاني: النهي عن البيع وقت النداء مع توفر أركانه وشرائطه ليس ~~نهيا عنه في نفسه، وإنما هو نهي عن التقاعد والتشاغل عن الجمعة. # المثال الرابع: النهي عن البيع على بيع الأخ مع توفر الشرائط والأركان، ~~ليس النهي من جهة المعنى عن البيع، وإنما ms211 هو نهي عن الإضرار المقترن ~~بالبيع، وليس النهي عن النجش والسوم على السوم، والخطبة على الخطبة من هذا ~~القبيل؛ لأنها مناه منفصلة عن البيع. # المثال الخامس: بيع الحاضر للبادي ليس منهيا عنه لعينه، وإنما النهي عن ~~الإضرار بالناس. # الحالة الثالثة: ما يتردد بين هذين النوعين كصوم يوم الشك وأيام التشريق، ~~والصلاة في الأوقات المكروهات، وفيه خلاف مأخذه أن النهي عنه هل هو لعينه ~~أو لأمر يقترن به. # الحال الرابعة: أن ينهى عما لا يعلم أنه لاختلال الشرائط والأركان أو ~~لأمر مجاوز فهذا أيضا مقتض للفساد حملا للفظ على الحقيقة، ومثاله نهيه - ~~صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطعام حتى يجزئ فيه الصاعان. # الحال الخامسة: أن ينهى عن الشيء لفوات فضيلة في العبادة فلا يقتضي ~~الفساد كالنهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، فإنه ينهى عن ذلك؛ لما فيه من ~~تشويش الخشوع، ولو ترك الخشوع عمدا لصحت الصلاة. # وأما نهي الحاكم عن الحكم في حال الغضب الشديد فاحتياط للحكم، فإذا وقع ~~الحكم بشرائطه وأركانه صح لحصول مقاصده. # PageV02P026 ### | [فصل في بيان جلب المصالح ودرء المفاسد على الظنون] # لما كان الغالب صدق الظنون بنيت عليها مصالح الدنيا والآخرة؛ لأن كذبها ~~نادر ولا يجوز تعطيل مصالح صدقها الغالب خوفا من وقوع مفاسد كذبها النادر، ~~ولا شك أن مصالح الدنيا والآخرة مبنية على الظنون كما ذكرناه، ولا يجوز ~~العمل بكل ظن، والظنون المعتبرة أقسام. # أحدها: ظن في أدنى الرتب. # والثاني: ظن في أعلاها، والثالث ظنون متوسطات. # فإن قيل: لم ثبتت أحكام الشرع بالظنون المستفادة من أخبار الآحاد ولم ~~ثبتت الحقوق عند الحكام بمثل ذلك؟ بل شرط في أكثرها العدد والذكورة وجعلت ~~في رتب متفاوتة فأعلاها ما شرط فيه أربع شهادات وأدناها ما شرط فيه شاهد ~~واحد كالشهادة على هلال رمضان وفوقه؟ ومن ادعى بحد القذف فلا يحل له النكول ~~كي لا يكون عونا على جلده، وإسقاط عدالته، والعزل عن ولايته التي يجب عليه ~~المضي فيها. # ومن ادعى على الولي المجبر أنه زوج ابنته فلا يحل له ms212 النكول كي لا يكون ~~عونا على تسليم ابنته إلى من يزني بها، وكذلك ولي اليتيم حيث تشرع اليمين ~~في حقه في التصرفات المالية لا يجوز له النكول كي لا يكون ذلك عونا على أخذ ~~أموال اليتامى ظلما، ويلحق بذلك إذا لاعن الرجل امرأته كاذبا ولا يحل لها ~~النكول عن اللعان، كي لا يكون عونا على جلدها # PageV02P027 # أو رجمها وفضيحة أهلها، وأما يمين المدعي فإن كانت كاذبة لم تحل فضلا عن ~~أن تجب، وإن كانت صادقة فللحق المدعي حالان. # أحدهما أن يكون مما يباح بالإباحة، فالأولى بالمدعي إذا نكل أن يبيح الحق ~~أو يبرأ منه دفعا لمفسدة إضرار خصمه على الباطل. # الحال الثانية أن يكون الحق مما لا يباح بالإباحة، ويعلم المدعي أن الحق ~~يؤخذ منه إذا نكل عن اليمين، فيلزمه أن يحلف حفظا لما يحرم بذله وله أمثلة. # أحدها: أن تدعي الزوجة البينونة فتعرض اليمين على الزوج فينكر وينكل، ~~فيلزمها الحلف حفظا لبضعها من الزنا وتوابعه من الخلوة وغيرها، فإن نكلت عن ~~اليمين فسلمت إليه فراودها عن نفسها لزمها منعه بالتدرج إن قدرت، فإن لم ~~تقدر عليه وقدرت على قتله في أول الأمر لزمها ذلك. # المثال الثاني: أن تدعي الأمة أن سيدها أعتقها فينكر وينكل فيلزمها الحلف ~~حفظا لبضعها، ولما يتعلق بحريتها من حقوق الله وحقوق عباده. # المثال الثالث: أن يدعي العبد أن سيده أعتقه فينكر وينكل فيلزم العبد ~~الحلف حفظا لحريته؛ ولما يتعلق بها من حقوق الله، وحقوق عباده كالجمعة ~~والجهاد وغير ذلك. # المثال الرابع: أن يدعي الجاني عفو الولي فينكر وينكل فيلزم الجاني الحلف ~~حفظا لنفسه أو لأطرافه. # المثال الخامس: أن يدعي القاذف عفو المقذوف فينكر وينكل فيلزم # PageV02P028 # المقذوف الحلف حفظا لجسده من ثمانين جلدة، ولو نكل الولي عن أيمان ~~القسامة فإن أوجبنا بها القصاص وجب اليمين بها وإلا فلا. # فإن قيل: هل يأمر الحاكم من عليه اليمين بالحلف، أم يعرضه عليه من غير ~~طلب؟ قلنا: بل يعرضه عليه من غير طلب؛ لأنه لا يدري أصادق هو أم ms213 كاذب، ولو ~~أمره وقال له احلف فلا بأس بذلك عندي بناء على الظاهر، فإن الشرع لا يعرض ~~اليمين إلا على من ظهر صدقه وترجح جانبه. # وقد جوز الشافعي - رحمه الله - لمن باع عبدا كان ملكه إذا خاصمه المشتري ~~في قدم عيب يمكن حدوثه، أن يحلف أنه باعه وما به عيب بناء على أن الأصل عدم ~~حدوث العيب في الزمن الماضي. # فإن قيل هل يجوز للمدعي مطالبة المدعى عليه باليمين مع علمه بكذبه فيها ~~وفجوره؟ والقاعدة تحريم طلب ما لا يحل، ولا سيما هذه اليمين الموجبة لغضب ~~الله، إذ صح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حلف يمينا كاذبا ~~يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» . # قلنا: يجوز ذلك استثناء من قاعدة تحريم طلب ما لا يحل الإقدام عليه ~~لوجهين: أحدهما: أنا لو لم نجوز ذلك لبطلت فائدة الأيمان وضاعت بذلك حقوق ~~كثيرة. # الوجه الثاني: أن ذلك لو حرم لجاز للحاكم أن يأذن له في تحليف خصمه؛ لأنه ~~مصادق أن خصمه كاذب في إنكاره ويمينه جميعا، ولا يجوز للحاكم أن يأذن؛ لأحد ~~في طلب ما اعترف بأنه معصية فيكون هذا مستثنى، # PageV02P029 # كما جعلت اليمين على نية المستحلف من استثناء قاعدة كون اليمين على نية ~~الحالفين، وكون مقاصد الألفاظ على نية اللافظين، والشرع يستثني من القواعد ~~ما لا تداني مصلحته هذه المصلحة العامة، فما الظن بهذه المصلحة؟ . ### | [فصل فيما يجب على الغريم إذا دعي إلى الحاكم] # إذا دعا الحاكم أحدا من الخصوم لزمته الإجابة من مسافة العدو فما دونها ~~إذا لا تتم مصالح الأحكام وإنصاف المظلومين من الظالمين إلا بذلك، وإن دعاه ~~خصمه إلى الحاكم فإن لم يكن عليه حق لم تلزمه الإجابة وإن كان عليه حق ~~فللحق حالان. # أحدهما أن يتوقف القيام به على حكم الحاكم، فإن كان قادرا عليه لزمه ~~أداؤه، ولا يحل المطال به إلا بعذر شرعي، ولا تلزمه الإجابة إلى الحضور عند ~~الحاكم، وإن كان معسرا به لم تلزمه إجابته إلى الحضور ms214 عند الحاكم، فإن علم ~~عسرته لم تحل له مطالبته بالحق ولا بالحضور إلى الحاكم، وإن جهل عسرته ~~فينبغي أن يخرج جواز إحضاره إلى الحاكم على الخلاف في حبس المعسر المجهول ~~اليسار. # وكذلك لو دعاه الحاكم مع علم المدعو بأنه يحكم عليه بالباطل بناء على ~~الحجة الظاهرة، فإنه يجوز بينه وبين الله أن يمتنع من إتيان الحاكم، ولا ~~سيما فيما يتعلق بالدماء والفروج والحدود وسائر العقوبات الشرعية. # الحال الثانية أن يتوقف القيام بالحق على حكم الحاكم كضرب أجل للعنين ~~فيتخير الزوج بين أن يطلق ولا تلزمه الإجابة إلى الحاكم، وبين أن يجيب ~~الحاكم، وليس له # PageV02P030 # الامتناع منها، وكذلك القسمة التي تتوقف على الحكم يتخير فيها المدعى ~~عليه بين أن يملك حصته لغيره وبين الحضور عند الحاكم، وليس له الامتناع ~~منهما. # وكذلك الفسوخ الموقوفة على الحضور عند الحاكم. # ولو دعا خصمه إلى التحاكم في مختلف في ثبوته فإن كان المدعى عليه معتقدا ~~ثبوته فهو على ما مضى، وإن اعتقد انتفاءه لم تلزمه إجابة خصمه، وإن دعاه ~~الحاكم لزمته الإجابة، وإن طولب بدين أو حق واجب على الفور لزمه أداؤه، ولا ~~يحل له أن يقول لخصمه لا أدفعه إلا بالحاكم؛ لأنه مطل والمطل بالحقوق ~~المقدور عليها محظور؛ لقوله - عليه السلام -: «مطل الغني ظلم» ، وكثيرا ما ~~يصدر هذا من العامة مع الجهل بتحريمه، وإثمه أعظم من إثم المطال المجرد؛ ~~لما فيه من تعطيل المدعي بانطلاقه إلى الحاكم ومثوله بين يديه، وبما يغرمه ~~لأعوان الحاكم على الإحضار. # وأما النفقات: فإن كانت للأقارب وجبت الإجابة إلى الحضور عند الحاكم ~~ليقدرها، وإن كانت للرقيق أو للزوجات يتخير بين تمليك الرقيق وإبانة ~~الزوجة، وبين الإجابة إلى الحضور عند الحاكم. ### | [فائدة إذا لزم المدعى عليه إحضار العين لتقوم عليها البينة] # (فائدة) إذا لزم المدعى عليه إحضار العين لتقوم عليها البينة فأحضرت فإن ~~ثبت الحق كانت مؤنة الإحضار على المدعي، وإن لم يثبت كانت مؤنة الإحضار ~~والرد على المدعى عليه؛ لأنه مبطل في ظاهر الشرع، ولا يجب أجرة تعطيل ~~المدعى ms215 عليه في مدة الإحضار؛ لأنه حق للحاكم لا تتم مصالح الأحكام إلا به. ### | [فائدة من ادعى عليه الحق مسندا إلى سبب فنفاه أو نفى سببه] # (فائدة) من ادعى عليه الحق مسندا إلى سبب كالبيع والإجارة والنكاح ~~والجناية الموجبة للقصاص والحد والتعزير فنفاه أو نفى سببه قبل # PageV02P031 # منه، وليس للحاكم إلزامه بنفي سببه؛ لأن الأسباب قد تتحقق ويسقط حقوقها ~~ومواجبها بعد ثبوتها، فلا يلزمه أن يحلف ما باع لاحتمال أن يتحقق البيع ثم ~~تقع الإقالة بعده، أو الفسخ أو الإبراء من الثمن، فلو كلف أن يحلف على نفي ~~البيع لتضرر، فإنه إن صدق ألزم بموجب البيع، وإن كذب فقد حلف بالله كاذبا ~~كذبا لا تدعوا الحاجة إليه، إذ له عنه مندوحة بنفي الاستحقاق الذي هو مقصود ~~الخصم. # وكذلك الإجارة قد يتعقبها من الفسخ، أو الإبراء، أو الإقالة ما يقطع ~~استحقاقها، وكذلك النكاح قد يرتفع بالإبانة والفسوخ، فلو اعترف به لألزم ~~بحكمه وموجبه، وفيه إضرار به، وكذلك الجناية الموجبة للقصاص والحد والتعزير ~~قد يقع بعدها عفو أو صلح يسقط موجبها، فإذا حلف على نفي الاستحقاق فقد نفى ~~المقصود بالدعوى وسلم من هذه المؤاخذات، ولو ألزم الحلف على نفي السبب مع ~~تحققه لحملناه على الحلف كاذبا مع أن كذبه غير محتاج إليه، وإن أقر بالسبب ~~خوفا من الكذب تضرر بإلزامه حقا قد سقط، فكان الجمع بين حقه في ذلك، وبين ~~حق الخصم في الإجابة لنفي الحق دفعا بين حقيهما من غير تعريض واحد منهما ~~لضرر دينه أو حقه، ولا يخفى ما في هذا من الإنصاف الذي يبنى القضاء على ~~أمثاله. ### | [فائدة القول قول المدعى عليه] # (فائدة) إن قيل كيف جعلتم القول قول المدعى عليه مع أن كذب كل واحد منهما ~~ممكن؟ قلنا: جعلنا القول قوله لظهور صدقه فإن الأصل براءة ذمته من الحقوق، ~~وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات، وبراءته من الانتساب إلى شخص ~~معين، ومن الأقوال كلها والأفعال بأسرها، وكذلك الأصل عدم إسقاط ما ثبت ~~للمدعي من الحقوق وعدم نقلها. # فيدخل في ms216 هذا جميع العقود والتصرفات حتى الكفر والإيمان، # PageV02P032 # وكذلك الظاهر أن ما في يده مختص به فجعلنا عليه لرجحان جانبه بما ذكرناه ~~فقوينا الظن المستند إلى ما ذكرناه بالظن المستفاد من اليمين، فإن نكل زال ~~الظن المستفاد من براءة ذمته وجسده ويده؛ لأن الطبع وازع عن النكول الموجب ~~لحلف المدعي بما يضر الإنسان في ذمته وجسده ويده فرجح بذلك جانب المدعي ~~فعرضت اليمين عليه ليحصل لنا الظن المستفاد من النكول، وقد جعل بعض العلماء ~~الظن المستفاد من النكول موجب للحكم لقوته وشدة ظهوره، فإذا قامت البينة ~~العادلة قدمت على ذلك؛ لأن الظن المستفاد منها أقوى وأظهر من الظن المستفاد ~~من تحليف أحد الخصمين. # فإن قيل: قد أمر الأئمة والحكام بالعدل، وهو التسوية بين المستحقين ~~والمتخاصمين وقد فاوتم بينهم فقدمتم قول المدعى عليه؟ قلنا: أما الحاكم ~~فيسوي بين الخصوم من وجهين. # أحدهما التسوية بينهم في الإقبال والإعراض والنظر والمجلس. # الوجه الثاني: التسوية بينهم في العمل بالظنون فيجعل القول قول كل مدع مع ~~يمينه إلا ما استثناه الشرع كالقسامة واللعان، فيسوي فيه بين الأزواج، ~~وكذلك يسوي بين النساء في درء الحدود باللعان، وكذلك يسوي بين الخصوم في ~~تحليف كل مدع بعد النكول، وكذلك إذا تناكلا ولم يحلف واحد منهما فيسوي ~~بينهما في صرفهما. # وأما الإمام فيلزمه مثل ما لزم الحاكم من ذلك، ويلزمه أن يقدم الضرورات ~~على الحاجات في حق جميع الناس. # وأن يسوي بينهم في تقديم أضرهم فأضرهم وأمسهم حاجة فأمسهم، والتسوية ~~بينهم ليست من مقادير ما يدفع إليهم الإمام، بل التسوية بينهم أن يدفع إلى ~~كل واحد منهم ما يدفع به # PageV02P033 # حاجته من غير نظر إلى تفاوت مقاديره فيتساووا في اندفاع الحاجات، وكذلك ~~يسوي بين الناس في نصب القضاة والولاة ودفع المضرات، ولا يخلي كل قطر من ~~الولاة والحكام، ولا يخلي الثغور من كفايتها من الكراع والسلاح والأجناد ~~الذين يرجى من مثلهم كف الفساد ودرء الكفار وعرامة الفجار، إلى غير ذلك مما ~~يتصرف به الأئمة. # وإذا قسم الإمام الأموال فليقدم الأفضل ms217 فالأفضل منهم في تسليم نصيبه إليه ~~كي لا تنكسر قلوب الفضلاء بتأخيرهم، إلا أن يكون المفضول أعظم ضرورة وأمس ~~حاجة فيبدأ به قبل الفاضل؛ لأن الفاضل إذا عرف ضرورة المضطر رق له، وهان ~~عليه تقديمه. # فإن قيل: لم جعلتم القول قول بعض المدعين مع يمينه ابتداء؟ قلنا: فعلنا ~~ذلك إما لترجح جانبه، أو لإقامة # مصلحة عامة # ، أو لدفع ضرورة خاصة. # فأما ترجح جانبه فله مثالان: أحدهما: دعوى القتل مع اللوث، فإن اللوث قد ~~رجح جانبه بالظن المستفاد من اللوث فانتقلت اليمين إلى جانبه، ثم أكدنا ~~الظن بتحليفه خمسين يمينا؛ لما في ذلك من بعد الجرأة على الله بخمسين ~~كاذبة، فأوجبنا الدية لما ظهر لنا من صدقه، وفي إيجاب القول بمثل هذا الظن ~~خلاف بين العلماء. # المثال الثاني: قذف الرجل زوجته، فإن صدقه فيه ظاهر؛ لأن الغالب في الزوج ~~نفي الفواحش عن امرأته، وأنه يتعير بظهور زناها، ولولا صدقه في هذه الواقعة ~~لما أقدم على ذلك، فلما ظهر صدقه ضممنا إلى هذا الظهور # PageV02P034 # الظهور المستفاد من أيمان اللعان، وأكدنا ذلك بدعائه على نفسه باللعن ~~الذي لا يقدم عليه غالبا إلا صادق في قوله، فإذا تم لعانه فقد اختلف ~~العلماء في حد المرأة بهذه الحجة، فذهب إلى أنها لا تحد لضعف هذه الحجة ~~ورأي الشافعي - رحمه الله - أنها تحد بهذه الحجة عملا بقوله - عز وجل -: ~~{ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} [النور: 8] حملا للعذاب على ~~الجلد المذكور في قوله: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] ، ~~وفرق الشافعي - رحمه الله - بين هذا وبين القود بالقسامة؛ لأن المرأة قادرة ~~على درء الحد باللعان، بخلاف القصاص فإن المقتص منه لا يقدر على درئه. # وأما قبول قول المدعي لإقامة مصلحة عامة فله أمثلة: أحدها: قبول قول ~~الأمناء في تلف الأمانة لو لم يشرع لزهد الأمناء في قبول الأمانات ولفاتت ~~المصالح المبنية على حفظ الأمانات. # المثال الثاني: قبول قول الحكام فيما يدعونه من الجرح والتعديل، وغيرها ~~من الأحكام لو لم يقبل لفاتت مصالح تلك الأحكام ms218 لرغبة الحكام عن ولاية ~~الأحكام. # المثال الثالث: قبول قول المدعي رد الأمانة على مستحقها وللأمين في ذلك ~~حالان: أحدهما أن يكون أمينا من قبل الشرع كالوصي يدعي رد المال على ~~اليتيم، وكذلك من كانت عنده أمانة شرعية فادعى ردها على مالكها الذي لم ~~يأتمنه عليها فلا يقبل قوله في ذلك لتيسر الإشهاد على الرد فإذا فرط في ~~الإشهاد لم نخالف القواعد والأصول؛ لأجل تفريطه. # وأما ما يقبل في قول المدعي لرفع ضرورة خاصة: فكالغاصب يدعي تلف المغصوب ~~فالقول قوله مع يمينه؛ لأنا لو رددنا قوله لأدى إلى أن نخلده في الحبس إلى ~~موته، ويجب طرد هذا في كل يد ضامنة كيد المستعير. # PageV02P035 ### | [فصل فيما يقدح في الظنون من التهم وما لا يقدح فيها] # التهم ثلاثة أضرب # أحدها تهمة قوية كحكم الحاكم لنفسه، وشهادة الشاهد لنفسه، فهذه تهمة ~~موجبة لرد الحكم والشهادة؛ لأن قوة الداعي الطبعي قادحة في الظن المستفاد ~~من الوازع الشرعي قدحا ظاهرا لا يبقى معه إلا ظن ضعيف لا يصلح للاعتماد ~~عليه، ولا لاستناد الحكم إليه. # الضرب الثاني: تهمة ضعيفة كشهادة الأخ لأخيه، والصديق لصديقه والرفيق ~~لرفيقه، والعتيق لمعتقه، فلا أثر لهذه التهمة، وقد خالف مالك - رحمه الله - ~~في الصديق الملاصق، ولا تصلح تهمة الصداقة للقدح في الوازع الشرعي، وقد وقع ~~الاتفاق على أن الشهادة لا ترد بكل تهمة. # الضرب الثالث: تهمة مختلفة في رد الشهادة والحكم بها ولها رتب. # أحدها تهمة قوية، وهي تهمة شهادة الوالد لأولاده وأحفاده، أو لآبائه ~~وأجداده فالأصح أنها موجبة للرد لقوة التهمة، وعن أحمد - رحمه الله تعالى - ~~روايات، ثالثها: رد شهادة الأب وقبول شهادة الابن؛ لقوة تهمة الأب لفرط ~~شفقته وحنوه على الوالد. # الرتبة الثانية تهمة شهادة العدو على عدوه، وهي موجبة للرد لقوة التهمة، ~~وخالف فيها بعض العلماء. # الرتبة الثالثة تهمة أحد الزوجين إذا شهد للآخر وفيها أقوال، ثالثها: رد ~~شهادة الزوجة دون الزوج؛ لأن تهمتها أقوى من تهمة الزوج؛ لأن ما ثبت له من ~~الحق متعلق لكسوتها ونفقتها وسائر حقوقها. ms219 # PageV02P036 # الرتبة الرابعة تهمة القاضي إذا حكم بعلمه، والأصح أنها لا توجب الرد إذ ~~كان الحاكم ظاهر التقوى والورع. # الرتبة الخامسة تهمة الحاكم في إقراره بالحكم، وهي موجبة للرد عند مالك - ~~رحمه الله -، غير موجبة له عند الشافعي - رحمه الله -؛ لأن من ملك الإنشاء ~~ملك الإقرار، والحاكم مالك لإنشاء الحكم، فملك الإقرار به، وقول مالك - ~~رحمه الله - متجه إذا منعنا الحكم بالعلم. # الرتبة السادسة تهمة حكم الحاكم مانعة من نفوذ حكمه؛ لأولاده وأحفاده ~~وعلى أعدائه وأضداده، فإن سمع البينة وفوض الحكم إلى غيره فوجهان. # وقال الإمام - رحمه الله - الأصح أنه لا يحكم بعلمه هاهنا، وإن جوزنا ~~الحكم بالعلم. # وإن حكم بالبينة فوجهان، وإنما ردت الشهادة بالتهم من جهة أنها مضعفة ~~للظن المستفاد من الشهادة، موجبة لانحطاطه عن الظن الذي لا يعارضه تهمة، ~~ولأن داعي الطبع أقوى من داعي الشرع، ويدل على ذلك رد شهادة أعدل الناس ~~لنفسه ورد حكم أقسط الناس لنفسه. # فإن قيل: لم رجعتم في الجرح والتعديل إلى علم الحاكم؟ قلنا: لو لم نرجع ~~إليه في التفسيق لنفذنا حكمه بشهادة من أقر بأنه لا يصلح للشهادة، وإقراره ~~بفسق الشاهد يقتضي إبطال كل حكم ينبني على شهادته. # وأما التعديل فإنه مسند في أصله إلى علمه، فإنه لا تقبل التزكية إلا ممن ~~عرف بالعدالة، وكذلك تزكية المزكي ومزكي المزكي إلى أن يستند ذلك إلى علمه. # فإن قيل: لم حرمتم على الحاكم ألا يحكم بخلاف علمه؟ قلنا: لأنه لو حكم ~~بخلاف علمه لكان قاطعا ببطلان حكمه، والحكم على الباطل محرم في كل ملة، ~~فإنه إذا رأى رجلا قتل رجلا فادعى الولي القتل على غير # PageV02P037 # القاتل فأقر المدعى عليه بالقتل، أو قامت به بينة عادلة، فلا يجوز له قتل ~~غير القاتل لعلمه بكذب المقر والبينة، فلو حكم بذلك لكان حكما بغير حجة ~~شرعية، بل هو أقبح من الحكم بغير حجة شرعية؛ لأنه إذا حكم بغير حجة شرعية ~~جاز أن يكون ما حكم به حقا موافقا للباطل. # وأما هاهنا فإنه ظالم باطنا وظاهرا ويجب ms220 عليه القصاص. ### | [فائدة إذا زكيت البينة عند الحاكم ثم شهدت بحق آخر] # (فائدة) : إذا زكيت البينة عند الحاكم ثم شهدت بحق آخر فإنها تقبل إذا ~~قرب الزمان استصحابا لعدالتهم، وإن بعد الزمان فقد اختلف فيه، فمنهم من قبل ~~الشهادة؛ لأن الأصل بقاء العدالة، وكما يحكم ببقاء عدالة الوصي والحاكم ~~والإمام عند طول الزمان، ومنهم من لا يقبلها؛ لأن الغالب على الإنسان تغير ~~الأحوال، وهذا مطرد في العدول المرتبين عند الحكام، والفرق أنا لو اعتبرنا ~~ذلك في الأوصياء والأئمة والحكام لأدى ذلك إلى ضرر عظيم من تعطيل المصالح ~~العامة والخاصة، بخلاف ما ذكرناه من إعادة تزكية الشهود، فإنه ليس من ~~اعتباره ضرر عام، واختلف القائلون بهذا في طول الزمان فقدره العراقيون من ~~ثلاثة أيام، وفيه بعد، وقدره آخرون بمدة تتغير فيها الأحوال في الغالب، ~~وهذا أقرب. ### | [فائدة لا ترد شهادة أهل الأهواء] # (فائدة) لا ترد شهادة أهل الأهواء؛ لأن الثقة حاصلة بشهادتهم حصولها ~~بشهادة أهل السنة، ومدار قبول الشهادة والرواية على الثقة بالصدق وذلك ~~متحقق في أهل الأهواء تحققه في أهل السنة، والأصح أنهم لا يكفرون ببدعهم، ~~وكذلك تقبل شهادة الحنفي إذا حددناه في شرب النبيذ؛ لأن الثقة بقولهم لم ~~تنخرم بشربه لاعتقاده إباحته، وإنما ردت شهادة الخطابية؛ لأنهم يشهدون بناء ~~على إخبار بعضهم بعضا فلا تحصل الثقة بشهادتهم لاحتمال بنائها على ما ~~ذكرناه. # PageV02P038 ### | [فائدة إذا شهد على أبيه أنه طلق ضرة أمه ثلاثا] # (فائدة) إذا شهد على أبيه أنه طلق ضرة أمه ثلاثا فهذه شهادة تنفع أمه ~~وتضر أباه وفي قبولها قولان، والمختار أنها تقبل لضعف التهمة، فإن طبعه ~~يزعه عن نفع أمه بما يضر أباه. # وكذلك لو شهد لأحد ابنيه على الآخر؛ لأن الوازع الطبعي قد تعارض وظهر ~~الصدق لضعف التهمة المتعارضة، ولو شهد؛ لأعدائه على آبائه وأبنائه فهذه ~~شهادة متأكدة؛ لأن الظاهر عليها الوازع الطبعي والشرعي؛ لأن طبعه يحثه على ~~نفع أبنائه وآبائه، وعلى ضر خصومه وأعدائه فمنعه وازع الشرع من نفع آبائه ~~وأبنائه وضر أضداده وأعدائه. ### | [فائدة ms221 شهد الفاسق المستخفي بفسقه فردت شهادته فأعادها بعد العدالة] # (فائدة) إذا شهد الفاسق المستخفي بفسقه الذي يتعير بنسبته إليه فردت ~~شهادته فأعادها بعد العدالة لم تقبل؛ لأن له غرضا طبعيا في نفي الكذب عن ~~شهادته، وإن لم يكن الفاسق كذلك فأعاد الشهادة فوجهان. # فإن تهمته ضعيفة لضعف غرضه، ولو شهد لمكاتبه أو على عدوه فردت شهادته ~~فأعادها بعد العتق والصداقة فوجهان لضعف التهمة. # فإن قيل: متى يحكم بشهادة الفاسق إذا تاب مع كونه مدعيا للتوبة، فإن ~~ركنيها، وهما الندم والعزم من أعمال القلوب؟ قلنا: القاعدة أن ما لا يعلم ~~إلا من جهة الإنسان، فإنا نقبل قوله فيه، فإذا أخبر المكلف عن نيته فيما ~~تعتبر فيه النية، أو أخبر الكافر عن إسلامه، أو المؤمن عن ردته، أو أخبرت ~~المرأة عن حيضها أو أخبر الكتابي عن نيته أو المدين عن دفع دينه، فإنا نقبل ~~ذلك كله وتجري عليه أحكامه؛ لأنا لو لم نقبله لتعطلت مصالح هذا الباب؛ ~~لتعذر إقامة الحجج عليها، ولذلك قبلنا قول المرأة في الإجهاض. # وأما التائب فلا يقبل قوله مع توبته حتى نحكم بعدالته، ولا بد أن تمضي ~~مدة طويلة يعلم في مثلها صدقه بملازمته للمروءة واجتناب الكبائر وتنكب ~~الإصرار على الصغائر، فإذا انتهى إلى حد يغلب على الظن # PageV02P039 # عدالته، كما يغلب على الظن عدالة غيره من العدول قبلنا شهادته لإفادتها ~~الظن الذي يفيده قول غيره من العدول، وقد اختلف في مقدار هذه المدة، فقدرها ~~بعضهم بستة أشهر وذلك تحكم، والمختار أن ذلك يختلف باختلاف ما ظهر من ~~التائبين من التلهف والتأسف، والتندم، والإقبال على الطاعات، وحفظ المروآت، ~~والتباعد عن المعاصي والمخالفات، ويدل على ذلك قوله تعالى - في القذفة: ~~{ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] {إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} [النور: 5] فشرط في قبول الشهادة بعد التوبة ~~الإصلاح، وليس هذا شرطا في التوبة في نفس الأمر، فإن التوبة إذا تحققت بنيت ~~عليها الأحكام في الباطن، وأما في الظاهر فلا بد من اختباره واستبرائه حتى ms222 ~~يظهر صدقه في دعواه التوبة، فتعود إليه في الباطن كل ولاية تشترط فيها ~~العدالة، ولا يعود شيء من ذلك في الظاهر إلا بعد استبرائه. # فإن قيل: كيف قال الشافعي - رحمه الله - توبة القاذف في إكذابه نفسه، مع ~~أن الإكذاب ليس ركنا من أركان التوبة؟ قلنا: قد خفي هذا على كثير من أصحاب ~~الشافعي حتى تأولوه بتأويل لا يصح، والذي ذكره - رحمه الله - ظاهر عائد إلى ~~الإقلاع عن الذنب الذي تاب منه، فإنا إنما فسقناه لكونه كاذبا في الظاهر، ~~فلو لم يكذب نفسه لكان مصرا على الذنب الذي شرط الإقلاع عنه، فإذا أكذب ~~نفسه، فقد أقلع عن الذنب الذي فسقناه؛ لأجله. # فإن قيل: إن كان كاذبا فهو فاسق، وإن كان صادقا فهو عاص؛ إذ لا يجوز ~~تعيير من تحقق زناه بالقذف فكيف ينفعه تكذيبه نفسه مع كونه عاصيا بكل حال؟ ~~قلنا: ليس قذفه، وهو صادق كبيرة موجبة لرد شهادته بل ذلك من الصغائر التي ~~لا تحرم الشهادات ولا الروايات. # PageV02P040 # فإن قيل: إذا كان صادقا فكيف يجوز له أن يكذب نفسه فيما هو صادق فيه؟ ~~قلنا الكذب للحاجة جائز في الشرع، كما يجوز كذب الرجل لزوجته، وفي الإصلاح ~~بين المختصمين، وفي هذا الكذب مصالح. # أحدها: الستر على المقذوف، وتقليل أذيته وفضيحته عند الناس. # الثانية: قبول شهادة القاذف بعد الاستبراء. # الثالثة: عوده إلى الولايات التي تشترط فيها العدالة؛ كنظره في أموال ~~أولاده وإنكاحه لمولياته. # الرابعة: تعرضه للولايات الشرعية والمناصب الدينية. ### | [فائدة بحث الحاكم عن الشهود عند الريبة والتهمة] # (فائدة) بحث الحاكم عن الشهود عند الريبة والتهمة حق واجب في حقوق الله ~~وحقوق عباده، فإن بحث على حسب إمكانه فلم تزل الريبة والتهمة لزمه القضاء؛ ~~لأنه بذل ما في وسعه، وهذا مشكل عند قيام الشك مع تساوي الطرفين، عند غلبة ~~كذب الشهود على ظنه. # فإن قيل: إذا شهد الوالد لولده أو العدو على عدوه أو الفاسق بما يعلمونه ~~من الحق، والحاكم لا يشعر بالولادة والفسوق والعداوة فهل يأثم الشهود بذلك؟ ~~قلت: هذا مختلف فيه ms223 والمختار جوازه؛ لأنهم لم يحملوا الحاكم على باطل، ~~وإنما حملوه على إيصال الحق للمستحق، وإنما ردت شهادة هؤلاء للتهم؛ لأن ~~التهمة مانعة للحاكم من جهة قدحها في ظنه، وههنا لا إثم على الحاكم لتوفر ~~ظنه، ولا على الخصم؛ لأخذ حقه، ولا على الشاهد لمعونته. # فإن قيل: ما تقولون فيمن له حق على إنسان فاستعان على أخذه ببعض الولاة ~~والقضاة فساعداه عليه بغير حجة شرعية، فهل يجوز له أن يستعين بالوالي ~~والقاضي على ذلك مع كون الوالي والقاضي آثمين في أخذهما الحق بغير حجة ~~شرعية؟ قلت: أما الوالي والقاضي فآثمان. # وأما المستعين بهما فينبغي أن ينظر فيه إلى الحق المستعان عليه وله رتب. # PageV02P041 # أحدها أن يكون الحق جارية استحل غاصبها بضعها فلا أرى بأسا بالاستعانة ~~بالوالي والقاضي، وإن عصيا، بل ذلك واجب عند القدرة عليه؛ لأن مفسدة معصية ~~الوالي والقاضي دون مفسدة الغصب والزنا، وكذلك لو غصب إنسان على زوجته ~~فاستعان على تخليصها بالوالي والقاضي فلا إثم عليه مع كون القاضي والوالي ~~عاصيين؛ لأن مفسدة بقائها مع من يزني بها أعظم من مفسدة مساعدة الوالي ~~والقاضي بغير حجة شرعية. # وكذلك لو استعان بالآحاد وأعانوه بمجرد دعواه فإنهم يأثمون بذلك ولا يأثم ~~المستعين بهم؛ لأن مفسدة مخالفتهم الشرع في مثل هذا دون المفسدتين ~~المذكورتين. # الرتبة الثانية إذا استعان بالولاة أو بالقضاة أو بالآحاد على رد المغصوب ~~من غاصبه أو المجحود من جاحده فأعانوه على تخليص ذلك من غير حجة شرعية مثل ~~أن غصب إنسان دابته وثيابه وسلاحه ومنزله وماعونه أو جحده ذلك من غير غصب ~~فاستعان بهم فأعانوه فإنهم يأثمون على إعانته بغير حجة شرعية ولا إثم عليه ~~في ذلك؛ لأن مفسدة بقاء ذلك بيد للغاصب والجاحد أعظم من مفسدة عصيانهم؛ لأن ~~الذي صدر منهم مجرد معصية لا مفسدة فيها، والذي صدر من الغاصب والجاحد ~~عصيان مع تحقق المفسدة، وقد يجوز إجابة العاصي على معصيته لا من جهة كونها ~~معصية بل لما تضمنته الإعانة من المصلحة كما ذكرناه في فداء الأسرى. # الرتبة ms224 الثالثة أن يكون الحق حقيرا ككسرة أو ثمرة فهذا لا تجوز الاستعانة ~~على تخليصه بغير حجة شرعية؛ لأن معصية مفسدة المساعد عليه تربى على مفسدة ~~فواته. # PageV02P042 ### | [فائدة الغرض من نصب القضاة] # (فائدة) الغرض من نصب القضاة إنصاف المظلومين من الظالمين، وتوفير الحقوق ~~على المستحقين، والنظر لمن يتعذر نظره لنفسه كالصبيان والمجانين والمبذرين ~~والغائبين، فلذلك كان سلوك أقرب الطرق في القضاء واجبا على الفور؛ # لما فيه من إيصال الحقوق إلى المستحقين ودرء المفسدة عن الظالمين ~~والمبطلين # ، وقد تقدم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على الفور، وأحد ~~الخصمين ههنا ظالم أو مبطل وتجب إزالة الظلم والباطل على الفور وإن لم يكن ~~آثما بجهله؛ لأن الغرض إنما هو دفع المفاسد سواء كان مرتكبا آثما أو غير ~~آثم. # وكذلك يجب القضاء على الغائب لما في تأخيره إلى حضوره من استمرار ~~المفسدة؛ لأن الدعوة إن كانت بطلاق تضررت المرأة ببقائها في قيود نكاح ~~مرتفع، ولم تتمكن من التزوج ولا مما يتمكن منه الخليات، وإن كانت بعتاق ~~تضررت الأمة والعبد بإجراء أحكام الرق عليهما إلى حضور الغائب، وإن كانت ~~الدعوى بعين تضرر ربها بالحيلولة بينه وبينها، وإن كانت بدين تضرر ربه ~~بتأخير قبضه وعدم الارتفاق به، ولا فرق بين الغائب والحاضر في إقامة الحجج، ~~فإن الظن المستفاد في إقامة الحجج على الغائب كالظن المستفاد من إقامتها ~~على الحاضر. # فإن قيل: الحاضر يناضل عن نفسه بالمعارضات، والجرح بخلاف الغائب. قلنا: ~~لا يجوز ترك ما وجب ظهوره بحجة شرعية لاحتمال الأصل وعدمه، والحاكم يناضل ~~عن الغائب على حسب الإمكان، ولذلك يحلف المدعي، ولا يجوز إهمال الحجج ~~الشرعية لمجرد الأوهام والظنون الضعيفة؛ لما ذكرناه من تقديم الظن القوي ~~على الظن الضعيف في سائر الأحكام. # فإن قيل: ما المعنى بالظالم والمبطل في هذا الباب؟ قلنا: أما الظالم فهو ~~ظالم بأنه عاص لله بجحوده وإنكاره ومنع الحق من مستحقه، فيجب على الحاكم ~~سلوك أقرب الطرق في دفع هذه المفسدة عن المستحق، ولا سيما # PageV02P043 # إذا تعلقت الدعاوى بالأبضاع؛ ولأن مطل ms225 الغني بالحقوق التي يقدر على دفعها ~~ظلم، ولا تجوز الإعانة على الظلم، وقد قال - عليه السلام -: «أنصر أخاك ~~ظالما أو مظلوما» وأراد بنصر الظالم أن يزعه عن الظلم ويكفه عنه كما فسره - ~~عليه السلام -. # وأما المبطل فهو الذي يجحد ما يجهل وجوبه من الحقوق الواجبة في نفس الأمر ~~فهذا لا إثم عليه، ولكنه يجب إيصال الحق إلى مستحقه على الفور، وإن لم يكن ~~المستحق عليه آثما دفعا لمفسدة تأخر الحق عن مستحقه ولا سيما إذا ادعت ~~الزوجة الطلاق والأمة العتاق فأنكرهما، وكان وكيله قد طلق الزوجة وأعتق ~~الأمة، وهو لا يشعر. # وكذلك إذا أخرج وكيله شيئا من الأعيان والمنافع عن ملكه فأنكره ظنا أن ~~الوكيل ما تصرف فيه. # وكذلك لو زوجه أبوه امرأة في صغره فادعت عليه حقوق النكاح في كبره ~~فأنكرها بناء على جهله بالنكاح، فيجب سلوك أقرب الطرق في إيصالها وفي حقوق ~~النكاح فوجوبها على الصحة، فإن المطل بالحق بعد طلبه مفسدة محرمة على من ~~علمها. ### | [فائدة الظن المستفاد من إخبار أكابر الصحابة] # (فائدة) الظن المستفاد من إخبار أكابر الصحابة آكد من الظن المستفاد من ~~غيرهم من عدول الأزمان بعدهم، ولا تشترط المساواة بينهم وبين عدول سائر ~~القرون، فإن ذلك يؤدي إلى إغلاق باب الشهادة والرواية، بل الموجب لقبول ~~شهادة الصحابة إنما هو مساواتهم إيانا في حفظ المروءة، والانكفاف عن ~~الكبائر، وعن الإصرار على الصغائر والزيادة مؤكدة ليست شرطا في القبول. # وكذلك القول في العدالة المشروطة في القضاة والخلفاء والولاة، إذ لو شرطت ~~الزيادة على ذلك # لفاتت المصالح المتعلقة بالقضاة والخلفاء # وغيرهما من الولاة، بل لو تعذرت العدالة في جميع الناس لما جاز تعطيل ~~المصالح المذكورة بل قدمنا أمثل الفسقة فأمثلهم، وأصلحهم للقيام بذلك ~~فأصلحهم، بناء على # PageV02P044 # أنا إذا أمرنا أتينا منه بما قدرنا عليه ويسقط عنا ما عجزنا عنه، ولا شك ~~أن حفظ البعض أولى من تضييع الكل، وقد قال شعيب - عليه السلام -: {إن أريد ~~إلا الإصلاح ما استطعت} [هود: 88] ، وقال الله تعالى: {فاتقوا الله ما ~~استطعتم} ms226 [التغابن: 16] ، فعلق تحصيل مصالح التقوى على الاستطاعة، فكذلك ~~المصالح كلها. # ولمثل هذا قلنا: إذا عم الحرام بحيث لا يوجد حلال فلا يجب على الناس ~~الصبر إلى تحقق الضرورة، لما يؤدي إليه من الضرر العام. ### | [فائدة إنما شرط العدد في الشهادة] # (فائدة) إنما شرط العدد في الشهادة؛ لأن الخبر الصادر من اثنين آكد ظنا ~~وأقوى حسبانا من الخبر المستفاد من قول الواحد، وكلما كثر المخبرون كثر ~~الظن بكثرة عددهم إلى أن ينتهي خبرهم إلى الاعتقاد، فإن تكرر بعد حصول ~~الاعتقاد انتهى إلى إفادة العلم، وهذا معلوم باطراد العادات فيما يندرج فيه ~~من الخبر المتواتر، ويجب على هذا أن تتوارد الشهادتان على شيء متحد. # فإذا شهد واحد على قتل أو قبض أو غصب أو قذف أو بيع أو إجارة في يوم ~~الأحد، وشهد آخر على وقوع ذلك يوم الاثنين لم يثبت؛ لأن الشهادتين لم ~~يتعلقا بشيء واحد حتى يتأكد الظن، ومن خالف في ذلك فقد أخطأ؛ لأن الشهادتين ~~لم يتواردا على شيء واحد، فإن حكم بذلك كان حكما بشاهد واحد، ولا سيما في ~~القتل والإتلاف، فإن الشهادتين متكاذبتان فلو حكم بذلك لكان حكما بالشك، ~~وإن اختلف تاريخ الإقرار. # فإن كان الإقرار بشيئين مختلفين لم يحكم بالشهادة إذ لم يقم في كل واحد ~~من الإقرارين إلا شاهد واحد، وإن كان الإقرار بشيء واحد فالأصح ثبوت المقر ~~به، وفيه إشكال من جهة أن الشهادتين لم تتواردا على إقرار واحد، فإن إقرار ~~يوم الأحد لم يشهد به إلا واحدا وكذلك إقرار يوم الاثنين لم يشهد به إلا ~~واحدا فلم تتوارد الشهادتان على إقرار واحد، فيتأكد الظن بانضمام إحدى ~~الشهادتين إلى الأخرى، ولكن لما اتحد المقر به وقع القرار عليه، وهذا لا ~~يزيل الإشكال؛ لأن الشاهدين لم يشهدا بالمقر به حتى يقال تواردت الشهادتان # PageV02P045 # عليه، وإنما شهدا بلفظ، وليس لفظه عين المشهود به، فإن الخبر يغاير ~~المخبر. # وقد يكون المقر كاذبا في إقراره وبحثه قول من منع الثبوت بمثل هذا. ### | [فائدة قول الحاكم هل يثبت به ms227 حكما] # (فائدة) ليس قول الحاكم (يثبت عندي) حكما به إلا أن يقول الحاكم إذا ~~أطلقت لفظ الثبوت فإنما أعني به الحكم بالحق الذي يثبت عندي، فإن لم يفعل ~~ذلك، فمن قضى بأن لفظ الثبوت إخبار عن الحكم كلفظ القضاء والحكم فقد أخطأ؛ ~~لأن اللفظة المترددة بين أمرين إذا صدرت من حكم أو غيره لم يجب حملها على ~~أحد الأمرين إلا أن تكون ظاهرة فيه لا يفهم منه عند الإطلاق غيرها. # ولفظ الثبوت قد يعبر به بعض الناس عن الحكم ويعبر به الأكثرون عن غير ~~الحكم، فمن أين لمن لم يقض بأن مطلق هذه اللفظة إنما أطلقها بإزاء الحكم، ~~وحمل المجمل على أحد محتمليه المتساويين غير جائز فما الظن بحمله على ~~الاحتمال المرجوح، ولا وقفة عندي في نقض حكم من يحكم بأن الإثبات حكم، ~~لمخالفته القاعدة المجمع عليها من غير دليل في منع حمل اللفظة على أحد ~~معنييها المتساويين، أو على المعنى المرجوح، والقوم يسمعون ألفاظا لم ~~يعرفوا معانيها ولا مأخذها فيختارون بلا علم. # بل لا يفهمون حقيقة الخلاف في ذلك. ### | [فائدة لا يتغير حكم الباطن بحكم الحاكم في فسخ ولا عقد] # (فائدة) : لا يتغير حكم الباطن بحكم الحاكم في فسخ ولا عقد، ولا في ~~غيرهما إلا أن يقع الحكم في مجتهد فيه، ففي تغير الباطن فيه خلاف يفرق في ~~أن له بين الحكم على العامي، والحكم على المجتهد، إذ ليس اجتهاد الحاكم ~~أولى من اجتهاد المحكوم عليه. ### | [فائدة قول الحاكم ثبت عندي] # (فائدة) قد أقام الشافعي - رحمه الله - قول الحاكم: " ثبت عندي " مقام ~~قول اثنين، وقد يكون كل واحد منهما أوثق منه وأعدل، ويغلب الظن بقول أحدهما ~~أكثر مما يغلب بقوله، وذلك؛ لأجل الحاجة. # PageV02P046 # مثاله: إذا جعلنا الثبوت نقلا للشهادة فإنا نقيم قول الحاكم " ثبت عندي " ~~مقام قول شهود الواقعة. ### | [فائدة ادعى رجل رق إنسان يستسخره وينطاع انطياع العبد] # (فائدة) إذا ادعى رجل رق إنسان يستسخره استسخار العبد وينطاع انطياع ~~العبد، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه إذا كان بالغا، ms228 وإن صغيرا فقد جعله ~~الشافعي كالثبوت، وهذا مشكل؛ لأن الأصل في الثبات الملك، والأصل والغالب في ~~الناس الحرية، وإنما جعل القول قول البالغ؛ لأن الأصل والغلبة الدالين على ~~حريته لا يعارضهما مجرد الاستسخار فضلا عن أن يرجح عليهما، وهي موجودان في ~~حق الصبي وجودهما في حق البالغ فعلى هذا لا ينبغي للحاكم أن يلتفت إلى قول ~~المدعي؛ لرجحان جانب الصبا بالأصل والغلبة على مجرد استسخاره، وإن لم يثبت ~~عند الحاكم استسخار لم يجز الحكم بجعل الصبي كالثوب، إذ لا معارض لرجحان ~~جانبه بالأصل والغلبة، فكيف نحكم له بمجرد دعواه مع رجحان جانب المدعى عليه ~~مع وجهين لا معارض لواحد منهما؟ ،. # والعجب ممن لا يجعل القول قول الصبي بعد البلوغ مع الرجحان المذكور؛ لأن ~~من جعله كالثوب يحتج بأنه لا عبرة بقوله، فإذا صار قوله معتبرا فكيف نجزم ~~برقه مع ظهور صدقه وكذب غريمه في دعواه، وهذا مما لا أتوقف فيه، والمسألة ~~مشكلة، وكذلك إقامة قول الحاكم وحده مقام قول شاهدين، بل مقام قول أربعة ~~شهود، وليست المسألة مشكلة إجماعية، فإن من جعل الثبوت حكما نفذ قول ~~الحاكم؛ لأنه إنشاء يقدر عليه، ومن قدر على الإنشاء قدر على الإقرار ومالك ~~يختلف في إقرار الحاكم إذا منع القضاء بعلمه؛ لأن التهمة موجودة في قوله ~~حكمت مثلها في غير ذلك من أحكامه، ولا شك أن إنشاء تصرف في حق من حقوقه ~~فإنه يملك الإقرار به، ويملك المجبر الإقرار به ويملك المجبر بتزويج ~~المجبرة لظهور صدقه ولتعلق حقه؛ بخلاف إقرار الأخ المأذون له في النكاح. # ولو ملك إنشاء تصرف بالتوكيل ثم اختلف الموكل والوكيل في إنشائه فيه ~~خلاف، إذ الأصل عدم الإنشاء وليس الحق عليه، وهذا ظاهر. # PageV02P047 ### | [فائدة الظن المستفاد ممن يخبر عن الواقعة عن سماع أو مشاهدة] # (فائدة) الظن المستفاد ممن يخبر عن الواقعة عن سماع أو مشاهدة أقوى من ~~الظن المستفاد ممن يخبر بذلك عمن شهد الواقعة، أجرى الله العادة بذلك، فإن ~~العدل إذا قال أخبرني فلان العدل أنه رأى فلانا قتل ms229 فلانا فإنا نظن صدقه في ~~ذلك ظنا منحطا عن الظن المستفاد ممن يخبر أنه رآه قتله. # ولهذا لا تقبل شهادة بشهود الفرع إلا عند تعذر حضور شهود الأصل أو عند ~~المشقة في حضورهم، إذ لا يجتزئ بالظن الضعيف مع التمكن من الظن القوي في ~~باب الشهادة إذا وجد النصاب، بخلاف مثله في الرواية؛ لأن التوسع في باب ~~الرواية مقصود بخلاف الشهادات. ### | [فائدة إذا أمر القاضي أو الوالي بما هو محبوب للمأمور به] # (فائدة) إذا أمر القاضي أو الوالي بما هو محبوب للمأمور به أنه ليس بواجب ~~عليه كي لا يغره بأنه واجب، فإنه إذا علم بندبه فقد لا تسخو به نفسه. ### | [فائدة حكم الحاكم في محل يسوغ فيه الاجتهاد] # (فائدة) لو حكم الحاكم في محل يسوغ فيه الاجتهاد، ثم تغير اجتهاده فحكم ~~بما أدى إليه اجتهاده ثانيا، كان ذلك قطعا لما حكم به أولا، ولا يبطل الأول ~~بذلك بل ينقطع من حين تغير الاجتهاد، ويبقى الأول على ما كان عليه، كما ~~تنتقض الطهارة عند الناقض وتنقطع أحكامها حينئذ، ولا تبطل فيما تقدم على ~~الناقض. # وكذلك فسخ المعاملات، فقولنا انتقضت الوضوء وانفسخ البيع وانتقض العهد، ~~كل ذلك من مجاز الحذف أصله انتقض أحكام الوضوء المبنية عليه، وانفسخت أحكام ~~البيع المبنية عليه. # وانتقضت أحكام العهد المبنية عليه؛ لأن الوضوء والبيع والعهد حقائق قد ~~دخلت في الوجود لا يمكن نقضها ولا رفعها. ### | [فصل في بيان أدلة الأحكام وهي ضربان] # أحدهما: ما يدل على شرعيتها. # والثاني: ما يدل على وقوعها مستندة إلى أسبابها: فالأسباب مثبتة، والأدلة ~~مظهرة. # PageV02P048 # فأما أدلة شرعية الأحكام: فالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح، ~~والاستدلال المعتبر. # وأما أدلة وقوعها ووقوع أسبابها وشرائطها وموانعها وأوقاتها وإحلالها ~~فضربان، أحدهما ما يتحقق، ويعلم أسباب وقوعه كالعلم بطلوع الفجر الذي هو ~~سبب لصلاة الصبح وتوابعها من الأذان والإقامة والسنة المقدمة على الصلاة ~~وكالعلم بزوال الشمس الذي هو سبب لوجود الظهر وتوابعها، وكذلك مصير ظل ~~الشمس مثله، وغروب الشمس، ومغيب الشفق الأحمر وهي أسباب لوجوب العصر ~~والمغرب ms230 والعشاء وتوابعها، وكذلك الأسباب المرتبات كالقتل والقطع، وكذلك ~~المسموعات كالطلاق والعتاق وعقود المعاوضات. # الضرب الثاني ما يظن تحقق أسبابها ووقوعه بظنون متفاوتة في القوة والضعف، ~~وهي أنواع: منها إقرار المقرين، ثم شهادة أربع من المعدلين، ثم شهادة رجلين ~~من المؤمنين، ثم شهادة رجل وامرأتين من الصالحين، ثم شهادة عدل واحد مع ~~اليمين. # ومنها شهادة أربع نسوة بما يخفى غالبا على الرجال المعدلين، ومنها ~~الأيمان الواقعة بعد نكول الناكلين. # ومنها أيمان القسامة مع اللوث على القائلين، ومنها أيمان اللعان على ~~القاذفين. # وأما يمين المدعى عليه وأيمان لعان النساء فدافعة للمدعى به غير موجبة ~~له. # ومنها خبر الواحد في دخول الأوقات وتعريف جهات القبلة، وتعريف ما وقع في ~~الأواني من النجاسات. # PageV02P049 # ومنها: تقويم المقومين، ومسح الماسحين، وقسمة القاسمين، وخرص الخارصين. # ومنها استلحاق المستلحقين، وقيافة القائفين، والانتساب عند عدم القيافة ~~إلى الوالدين. # ومنها زفاف العروس إلى بعلها مع إخبارها بأنها زوجته أو مع إخبار غيرها ~~من النساء، ومنها إخبار المرأة عن حيضها وطهرها، ومنها إخبار المكلف عما في ~~يده أنه ملكه، ومنها إخباره عن تحقق ما لا يعلم إلا من جهته كالثبات في ~~الديون، وإخبار المأذون والولي عما يعاملان به للمولى عليه، ومنها وصف ~~اللقطة، وتبيين عفاصها ووكائها فإنه مجوز لدفعها، ومنها دلالة الأيدي على ~~استحقاق المستحقين. # ومنها دلالة الأيدي والتصرف إلى إملاك المالكين، ومنها وصف اللقطة دلالة ~~الاستفاضة على استحقاق ما استفاضت. # ومنها دلالة الدار على إسلام اللقيط، ومنها دلالة وصف الأبنية وأشكالها ~~على استحقاق المستحقين. # ومنها دلالة الاستطراق على اشتراك أهل المحلة فيما يستطرقون فيه إذا كان ~~مفسدا من أحد طرفيه. # ومنها دلالة الأجنحة والميازيب والقنى والجداول والسواقي والأنهار على ~~استحقاق ما اتصلت بملكه. # ومنها معاملة من يجهل رشده وحريته، وأكل طعامه والحكم له وعليه بناء على ~~أن الغالب في الناس الحرية. # ولو توقفت المعاملات على إثبات الرشد والحرية لما عاملنا كثيرا من التجار ~~الواردين، ولا من أهل الأسواق المقيمين، ولا من أهل الصناع المتربصين ~~لاستعمال المستعملين كالحاكة # PageV02P050 # والأساكفة والخياطين والنجارين، ms231 ولما جاز لسائل وفقير وعالم أن يتناولوا ~~الزكاة والصدقة إلا ممن ثبت رشده وحريته عندهم من الباذلين، ولا يخفى ما في ~~هذا من العسر الشديد المؤدي إلى تعطيل المعاملات والمحاكمات والتبرعات، ~~وذلك على خلاف إجماع المسلمين. # وهذا ما غلب فيه الظاهر على استصحاب الأصل المقطوع به، فإنا نقطع أن كل ~~أحد إن كان تحت الحجر إذ هو صغير، وقد زال حجر الصبي بالبلوغ، فاحتمل بعد ~~زواله أن يخلفه الرشد، وجاز أن يخلفه حجر السفه، وليس أحدهما أولى من ~~الآخر، فيحجر على من قرب عهده بالبلوغ للشك في الرشد، بل لقلة العفة على من ~~قرب عهده ببلوغه، فإذا انتهى إلى حد يغلب فيه الرشد عند الناس حكم برشده ~~لغلبة الرشد عليه، ولما ذكرته من إجماع المسلمين على معاملة المجهولين ~~البالغين إلى حدود الرشد في الغالب. # ومنها استصحاب الأصول كمن لزمه طهارة أو صلاة أو زكاة أو حج أو عمرة أو ~~دين لآدمي ثم شك في أداء ركن من أركانه أو شرط من شرائطه فإنه يلزمه القيام ~~به؛ لأن الأصل بقاؤه في عهدته، ولو شك هل لزمه شيء من ذلك أو لزمه دين في ~~ذمته، أو عين في ذمته، أو شك في عتق أمته أو طلاق زوجته، أو شك في نذر أو ~~شيء مما ذكرناه فلا يلزمه شيء من ذلك؛ لأن الأصل براءة ذمته، فإن الله خلق ~~عباده كلهم أبرياء الذمم والأجساد من حقوقه وحقوق العباد إلى أن تتحقق ~~أسباب وجوبها فهذه أدلة مفيدة لظنون متفاوتة في قوتها وضعفها أثبت ضعيفها ~~لمسيس الحاجة إليه فاكتفى في الاستفاضة في السيب إلى الإبانة إذ لا سبيل ~~إلى معرفته، ولو ثبتت الاستفاضة لانسد باب إثبات الأنساب، وإنما اكتفى في ~~الأموال ومنافع الأموال بالشاهد واليمين؛ لكثرة التصرف بينهما والارتفاق في ~~الظعن والإقامة، فلو شرط فيهما عدد الشهود لتعذر ذلك في كثير من الأحوال، ~~إذ لا يتيسر العدد في كل مكان من الحضر أو السفر واكتفى في النساء # PageV02P051 # المجردات فيما لا يطلع عليه الرجال إذ لو لم ms232 نكتف بهن لغلب ضياع ذلك الحق ~~وفواته، وقد ذهب بعض العلماء إلى شرط الأربعة في القتل؛ لأنه أعظم من ~~الزنا، وليس الأمر كما ظنه بل الغرض من كثرة العدد في الزنا ستر الأعراض، ~~ودفع العار عن العشائر والقبائل فضيق الشرع طريق إثباته دفعا لمفاسده إذ لا ~~يتيسر حضور أربعة من العدول يشاهدون زنا الزانين، ولا عار على القاتلين، ~~ولا على عشائرهم في الغالب بل قد يتبجج كثير من الناس بقتل الأعداء وتتمدح ~~به عشائرهم. # وذلك كثير مشهور في أسفار العرب والناس كلهم حراس على كتم الفواحش كالزنا ~~واللواط، وقد عيب على امرئ القيس ذكره مقدم الزنا في بعض قصائده ولا يتصور ~~كذب العلم وإخلافه، والظن يتصور الكذب والإخلاف. # إلا أن الصدق والوفاق غالب عليه، ولذلك اعتبره الشرع واتبعه العقلاء في ~~التصرفات الدنيوية، فإن الصدق الظن المستفاد مع جميع الأدلة المذكورة، فقد ~~حصل مقصود الشرع من جلب المصالح ودرء المفاسد ظاهرا وباطنا، وإن كذب الظن ~~فقد فاتت المصالح وتحققت المفاسد ولم يحصل مقصود الشرع من ذلك، ويعفى عن ~~كذبه في حق العاملين به لجهلهم بكذبه، ولن يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~وطاقتها. # فإن قيل: ما تقولون إذا تعارضت الأدلة؟ قلنا: أما أدلة نصب الشريعة ووضع ~~الأحكام فالأصح أن المجتهد لا يتخير بين الدليلين بل يتوقف إلى أن يظهر له ~~ترجح من نسخ وغيره، فإن بذل جهده فلم يظفر بمرجح، ورجع حينئذ إلى القياس، ~~وإذا ليس أحد الدليلين بأولى من الآخر، ولا يتصور تعارض علمين، ولا تعارض ~~ظنين؛ لأن ذلك مؤد إلى الجمع بين النفي والإثبات في شيء واحد في زمن واحد، ~~وإنما يقع التعارض بين أدلتها التي ذكرناها، فتعارض الشهادتان والخبران ~~والأصلان والظاهران. # وكذلك # PageV02P052 # يتعارض الأصل والظاهر، وتعارضت الأدلة المفيدة للظنون، فإن كان التعارض ~~بين ظاهرين كشهادتين متناقضتين أو خبرين متناقضين فإن كانا متساويين من كل ~~وجه وجب التوقيف؛ لانتفاء الظن الذي هو مستند الأحكام، إذ لا يجوز الحكم في ~~الشرع إلا بعلم أو اعتقاد، فإذا تعارض دليلان ظنيان فإن وجدنا ms233 من أنفسنا ~~الظن المستند إلى أن أحد الدليلين حكمنا به. # وإن وجدنا الشك والتردد على سواء وجب التوقف، وإنما يجب الظن عند التعارض ~~بين أحدهما؛ لأن الظن المستفاد منه عند انفراده أقوى من الظن المستفاد من ~~معارضه في حال الانفراد. # مثال ذلك اليد: ظاهرة في استحقاق ذي اليد، والبينة والإقرار واليمين ~~المردودة مرجحة؛ لقوة إفادتها الظن، فإذا تعارضت بينتان ولم نجد ظنا ~~لتساويهما من كل وجه، فقد اختلف في ذلك، والأصح ما ذكرناه من سقوطهما، فإن ~~القرع بينهما لا يفيد رجحان أحدهما بالقرعة، وإذا لم يرجح أحدهما حكمنا ~~بالشك، والحكم بالشك غير جائز، والقرعة في الشرع لتعيين أحد المتساويين، ~~وههنا لا يعين رجحانه، والشك بعد وجودها مثله قبل وجودها، إذ لم يفد رجحانا ~~في الظن، ولا بيانا فيه، ومن قسم بين المتداعيين فقد خالف موجب البينتين في ~~نصف ما شهدت به؛ لأن كل واحدة منهما شاهدة بالجميع، ولا يجوز أن يجعل تعارض ~~البينتين المتساويتين كاجتماع اليدين على العينين؛ لأن كل واحدة من اليدين ~~مفيدة للظن غير مكذبة لصاحبتهما، والبينتان ههنا متكاذبتان لا يحصل من ~~واحدة منهما ظن، والبينة ما فيه بيان. # فإذا لم يكن في كل واحدة منهما بيان كان الحكم بغير بينة على خلاف الشرع، ~~ومن ذهب إلى وقف البينتين إلى إصلاح الخصمين فما أبعد، ولكنه يؤدي إلى ~~تعطيل الحكم إلى اتفاق الاصطلاح. # PageV02P053 ### | [فصل في بيان تعارض أصل وظاهر] # وقد يتعارض أصل وظاهر، ويختلف العلماء في ترجيح أحدهما لا من جهة كونه ~~استصحابا بل لمرجح ينضم إليه من خارج، ولذلك أمثلة: أحدها: طين الشارع في ~~البلدان في نجاسته قولان: أحدهما أنه نجس لغلبة النجاسة عليه. # والثاني: أنه طاهر؛ لأن الأصل طهارته. # المثال الثاني: المقبرة القديمة المشكوك في نبشها في تحريم الصلاة فيها ~~قولان: # أحدهما: التحريم؛ لأن الغالب على القبور النبش، والثاني: يجوز؛ لأن الأصل ~~الطهارة. # المثال الثالث: في الصلاة في ثياب من يغلب عليه النجاسة بمخامرة النجاسة ~~من المسلمين والمشركين قولان: # أحدهما: لا يجوز لغلبة النجاسة عليها. # والثاني: يجوز؛ ms234 لأن الأصل الطهارة. # المثال الرابع: إذا اختلف الزوجان في النفقة مع اجتماعهما وتلازمهما ~~ومشاهدة ما ينقله الزوج إلى مسكنهما من الأطعمة والأشربة. # فالشافعي يجعل القول قول المرأة؛ لأن الأصل عدم قبضها كسائر الديون، ~~ومالك يجعل القول قول الزوج؛ لأنه الغالب في العادة، وقوله ظاهر، والفرق ~~بين النفقة وسائر الديون أن العادة الغالبة مثيرة للظن بصدق الزوج بخلاف ~~الاستصحاب في الديون فإنه لا معارض له، ولو حصل له # PageV02P054 # معارض كالشاهد واليمين لأسقطناه، مع أن الظن المستفاد من الشاهد واليمين ~~أضعف من الظن المستفاد من العادة المطردة في إنفاق الأزواج على نسائهم مع ~~المخالطة الدائمة، نعم لو اختلفنا في نفقة يوم أو يومين لم يبعد ما قاله ~~الشافعي - رحمه الله -. # المثال الخامس: ما إذا ادعى الجاني شلل عضو المجني عليه، وادعى المجني ~~عليه سلامته فقولان: أحدهما القول قول الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته # والثاني: القول قول المجني عليه؛ لأن الظاهر الغالب من أعضاء الناس ~~السلامة، وكذلك إذا اختلف الجاني والمجني عليه في وجود عضو من أعضاء المجني ~~عليه فإن الظاهر وجوده للغلبة، والأصل براءة ذمة الجاني في ذمة ذلك العضو ~~المختلف فيه ومن قصاصه. ### | [فصل في بيان الأصلين] # وقد يتعارض أصلان ويختلف العلماء فيهما ولذلك مثالان: أحدهما: إذا قد ~~ملفوفا نصفين فزعم الولي أنه حي وطلب القصاص وزعم القاد أنه ميت، فعلى قول: ~~القول قول القاد؛ لأن الأصل براءة ذمته من الدية وبدنه من القصاص. # وعلى قول، قول الولي؛ لأن الأصل بقاء حياة المقدود، وقيل إن كان ملفوفا ~~في ثياب الأحياء فالقول قول الأولياء، وإن كان ملفوفا في ثياب الأموات ~~فالقول قول الأجنياء. # المثال الثاني: إذا غاب العبد وانقطعت أخباره ففي وجوب فطرته قولان: # أحدهما: تجب؛ لأن الأصل بقاء حياته. # والثاني: لا تجب؛ لأن الأصل براءة ذمة السيد عن فطرته. # PageV02P055 ### | [فصل في تعارض ظاهرين] # قد يتعارض ظاهران، ويختلف العلماء فيهما ولذلك مثالان: # أحدهما: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فادعاه كل واحد منهما أو ادعى ~~أحدهما الاشتراك في الجميع فإن الشافعي - رحمه ms235 الله - يسوي بينهما نظرا إلى ~~الظاهر المستفاد من اليد، وبعض العلماء يخص كل واحد منهما بما يليق به نظرا ~~إلى الظاهر المستفاد من العادة الغالبة، وهذا مذهب ظاهر متجه، فإذا كان ~~الزوج جنديا فادعى أنه شريك المرأة في مغازلها وحقاقها ومقانعها، وادعت ~~المرأة أنها شريكته في خيله وسلاحه وأقبيته ومناطقه وجبته وخوذته وبرديته ~~فإنا نجد في أنفسنا ظنا لا يمكننا دفعه أن ما يختص بالأجناد للزوج، وما ~~يختص بالنساء للمرأة. # وكذلك لو كان الزوج فقيها فنازعته في كتب الفقه، أو مقرئا فنازعته في كتب ~~القراءة، أو طبيبا فنازعته في كتب الطب، أو محدثا فنازعته في كتب الحديث، ~~أو حجاما فنازعته في آلة الحجامة، أو نساجا فنازعته في آلة النسج، أو ~~بيطارا فنازعته في آلة البيطرة، ونازعها هؤلاء فيما يختص بالنساء من ~~المكاحل والمغازل والحقاق، فإن كل واحد يجد في نفسه ظنا لا يمكنه دفعه عن ~~نفسه بأن ما يختص بالأزواج المذكورين لهم، وما يختص بالنساء لهن، وما أبعد ~~المشاركة بين الجندي وامرأته في حقيهما. # المثال الثاني: إذا تأمل الناس الهلال فشهد برؤيته عدلان منهم، ولم يتفوه ~~غيرهما برؤيته، فقد اختلف العلماء فيه، فسمع الشافعي - رحمه الله - ~~شهادتهما وظهور صدقهما بما ثبت من عدالتهما الوازعة عن الكذب، ورأى بعض # PageV02P056 # العلماء رد شهادتهما؛ لأن العادة تكذبهما، فإن العادة أن الجمع الكثير ~~إذا رأوا الهلال شهروه وتفوهوا برؤيته، فإذا لم يتفوه برؤيته إلا الشاهدان ~~دل الظاهر المستفاد من العادة على كذبهما أو على ضعف الظن المستفاد من ~~قولهما، فهذه كلها من الدلائل على ثبوت الأحكام ولا يكذب شيء من هذه ~~الدلائل إلا نادرا، فلذلك اعتمد الشرع عليها # كي لا تفوت # مصالح كثيرة غالبة خوفا من وقوع مفاسد قليلة نادرة. ### | [فائدة يحكم بمجرد الظهور أو بمجرد الاستصحاب] # (فائدة) قد ذكرنا أنه يحكم بمجرد الظهور أو بمجرد الاستصحاب، ولا نجتزي ~~في بعض الصور بمجرد الظهور ولا بمجرد الاستصحاب حتى نضم إليهما ظنا مستفادا ~~من سبب آخر. # ولذلك أمثلة: أحدها لن نجمع بين ظنين مستفادين ظاهرين ms236 كتحليف المدعى عليه ~~فيما هو في يده، فإن يده دالة على صدقه، وكذلك يمينه ظاهرة في الدلالة على ~~صدقه، إذ الغالب ممن يعرف الرب - سبحانه وتعالى - أنه لا يتجرأ على الحلف ~~به كاذبا. # المثال الثاني: تحليف المدعي بعد نكول خصمه حتى نضم إليه الظن المستفاد ~~من يمينه. # المثال الثالث: لا نجتزي بالظن المستفاد من استصحاب الأصل حتى ينضم إليه ~~ظن مستفاد من ظاهر كتحليف المدعى عليه بحق يتعلق بذمته أو ببدنه؛ فإن الأصل ~~براءته منهما، ولا نكتفي بالظن المستفاد منه حتى نضم إليه المستفاد من ~~يمينه. # المثال الرابع: من اشتبه عليه إناء طاهر بإناء نجس، أو ثوب طاهر بثوب نجس ~~فأراد استعمال أحدهما بناء على الاستصحاب لم يجز، فإنا # PageV02P057 # لا نحكم بالظن المستفاد من الاستصحاب حتى نضم إليه الظن المستفاد من ~~الاجتهاد، ونكتفي في القبلة بالظن المستفاد من الاجتهاد؛ لتعذر ضم ~~الاستصحاب إليه، إذ ليس في الجهات جهة يقال: الأصل وجوب القبلة فيها. # وكذلك الاجتهاد في أحكام الشرع نكتفي فيه بمجرد الظن المستفاد من ~~الاجتهاد؛ لتعذر الاستصحاب. # ولو أثبته ماء وبول فلا اجتهاد إذ لا نقنع في هذا الباب بمجرد الظن ~~المستفاد من الاجتهاد وفيه وجه، والفارق تعذر ذلك في القبلة والأحكام، ~~وتيسره في الاجتهاد بين الماء الطاهر والنجس. # وأما الاجتهاد في دخول رمضان ودخول أوقات الصلاة فإنه مستفاد من مجرد ~~الظاهر دون أصل يستصحب. # فإن قيل: هل يبنى إنكار المنكر على الظنون كما ذكرتموه؟ قلنا: نعم ~~الإنكار مبني على الظنون كغيره، فإنا لو رأينا إنسانا يسلب ثياب إنسان لوجب ~~علينا الإنكار عليه بناء على الظن المستفاد من ظاهر يد المسلوب. # وكذلك لو رأيناه يجر امرأة إلى منزله يزعم أنها زوجته أو أمته وهي تنكر ~~ذلك لوجب علينا الإنكار عليه؛ لأن الأصل عدم ما ادعاه. # وكذلك لو رأيناه يقتل إنسانا يزعم أنه كافر حربي دخل إلى دار الإسلام ~~بغير أمان وهو يكذبه في ذلك لوجب علينا الإنكار؛ لأن الله خلق عباده حنفاء، ~~والدار دالة على إسلام أهلها لغلبة المسلمين عليها، ms237 فإذا أصابت ظنوننا في ~~ذلك فقد قمنا بالمصالح التي أوجب الله علينا القيام بها وأجرنا عليها إذا ~~قصدنا بذلك وجه الله - تعالى -. # وإن اختلفت ظنوننا أثبنا على قصودنا وكنا معذورين في ذلك كما عذر موسى - ~~عليه السلام - في إنكاره على الخضر خرق السفينة وقتل الغلام وبالغ في ~~إنكاره بقسمه بالله في قوليه: {لقد جئت شيئا إمرا} [الكهف: 71] ، {لقد جئت ~~شيئا نكرا} [الكهف: 74] . # ولو اطلع موسى على ما في خرق السفينة من المصلحة، وعلى ما في # PageV02P058 # قتل الغلام من المصلحة، وعلى ما في ترك السفينة من مفسدة غصبها، وعلى ما ~~في إبقاء الغلام من كفر أبويه وطغيانهما لما أنكر عليه ولساعده في ذلك وصوب ~~رأيه، لما في ذلك من القربة إلى الله - عز وجل -، ولو وقع مثل ذلك في ~~زماننا هذا لكان حكمه كذلك. # وله أمثلة كثيرة: منها: أن تكون السفينة ليتيم يخاف عليها الوصي أن تغصب ~~وعلم الوصي أنه لو خرقها لزهد الغاصب عن غصبها، فإنه يلزمه خرقها حفظا ~~للأكثر بتفويت الأقل، فإن حفظ الكثير الخطير بتفويت القليل الحقير من أحسن ~~التصرفات وقد قال تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} ~~[الأنعام: 152] . # ومنها: لو هرب من الإمام من تحتم قتله فأمر الإمام من يلحقه ليقتله ~~فاستغاث بنا لنمنعه من قتله فإغاثته واجبة علينا إذا لم نعلم بالواقعة، بل ~~لو لم يندفع الهام بقتله إلا بالقتل لقتلناه. # ولو اطلعنا على الباطن لساعدنا على ذلك، وكان الأجر في مساعدته؛ لأن ذلك ~~هو الواجب عند الله - عز وجل - فإن قيل: كيف جوز الشرع اللعان من الجانبين ~~مع العلم بأن أحدهما كاذب في أيمانه ولعانه؟ قلنا: إنما جوز ذلك؛ لأن مع كل ~~واحد منهما ظاهرا يقتضي تصديقه، فإن الظاهر من حال الزوج الصدق في قذفها إذ ~~الغالب أن الأزواج لا يقذفون أزواجهم، والظاهر من حال المرأة الصدق؛ لأن ~~الأصل عدم زناها. # ومثل ذلك: ما لو قال رجل إن كان هذا الطائر غرابا فزوجتي طالق أو عبدي حر ~~أو أمتي حرة؛ وقال آخر ms238 إن لم يكن غرابا فزوجتي طالق أو عبدي حر أو أمتي ~~حرة، ولم نعلم حال الطائر فإنا نقر كل واحد منهما على ما كان عليه قبل ~~التعليق؛ لأن الأصل في حق كل واحد منهما ملكه البضع ورقبة الرقيق فأشبه ~~اللعان، ولو انتقل رقيق أحدهما إلى الآخر # PageV02P059 # لقطعنا بالحجر عليه فيهما؛ لتحقق المفسدة في حقه، # وإنما عمل بالظنون في موارد الشرع ومصادره # ؛ لأن كذب الظنون نادر وصدقها غالب؛ فلو ترك العمل بها خوفا من وقوع نادر ~~كذبها لتعطلت مصالح كثيرة غالبة خوفا من وقوع مفاسد قليلة نادرة، وذلك على ~~خلاف حكمة الإله الذي شرع الشرائع لأجلها. # ولقد هدى الله أولي الألباب إلى مثل هذا قبل تنزيل الكتاب، فإن معظم ~~تصرفهم في متاجرهم وصنائعهم، وإقامتهم وأسفارهم وسائر تقلباتهم مبني على ~~أغلب المصالح مع تجويز أندر المفاسد، فإن المسافر مع تجويزه لتلفه وتلف ~~ماله في السفر يبتني سفره على السلامة الغالبة في ذلك، وإن كان عطب نفسه ~~وماله نادرا لغلبة السلامة عليه وندرة الهلاك بالنسبة إليه، ولو قعد المرء ~~في بيته مهملا لمصالح دينه وديناه خوفا من أنه لو خرج لكدمه بعير أو رفسه ~~بغل أو ندسه حمار أو قتله جبار مع ندرة هذه الأسباب لألحقه العقلاء بالحمقى ~~والنوكى والمجانين، ولو كان له جبار يطلبه أو عدو يرهبه أو كلب عقور يقصده ~~ليعضه فخرج على هؤلاء مغررا بنفسه لعده العقلاء من الحمقى والنوكى وللامته ~~الشرائع. # وكذلك لو قعد عن القتال عن أهله وماله وحريمه وأطفاله، وإحراز دينه لعد ~~جبنه على ذلك من أقبح القبائح لما فوت به من عظيم المصالح، وإن كان التغرير ~~بالنفوس والأطراف قبيحا من غير مصالح يحوزها ومفاسد يجوزها، لعد العقلاء ~~ذلك قبيحا منه، وقد بينا أن الله قد فطر عباده على معرفة معظم المصالح ~~الدنيوية ليحصلوها، وعلى معرفة معظم المفاسد الدنيوية ليتركوها، ولو استقرى ~~ذلك لم يخرج عما ركزه الله في الطباع من ذلك إلا اليسير القليل، فمعظم ما ~~تحث عليه الطبائع قد حثت عليه الشرائع وما اتفق على ms239 الصواب إلا أولو ~~الألباب. # فإن قيل: قد كثر في كلام العلماء أن يقولوا ما وجب بيقين فلا يبرأ منه # PageV02P060 # إلا بيقين، فالجواب عنه من وجهين أحدهما: أن اليقين مستعار للظن المعتبر ~~شرعا. # الوجه الثاني: نقول إن الله - تعالى - أوجب علينا في الأقوال والأفعال ما ~~نظن أنه الواجب فإذا كان المتيقن هو المظنون فالمكلف يتيقن أن الذي يأتي به ~~مظنون له وأن الله - تعالى - لم يكلفه إلا ما يظنه، وإن قطعه بالحكم عند ~~ظنه ليس قطعه بمتعلق ظنه بل هو قطع بوجود ظنه، وفرق بين الظن وبين القطع ~~بوجود المظنون. # فعلى هذا من ظن الكعبة في جهة فإنه يقطع بوجوب استقبال تلك الجهة، ولا ~~يقطع بكون الكعبة فيها، والورع ترك ما يريب المكلف إلى ما لا يريبه وهو ~~المعبر عنه بالاحتياط # فإذا اشتبه عليه إناء طاهر بإناء نجس فإن لم يكن معه سواهما وجب عليه ~~الاجتهاد، فإذا أداه الاجتهاد إلى طهارة أحدهما وجب عليه استعماله إن لم ~~يقدر على إناء طاهر بيقين، كمن تعذرت عليه معرفة القبلة فإنه يلزمه ~~الاجتهاد والبناء عليه. # وإن كان معه إناء طاهر بيقين جاز له أن يجتهد بين الإناءين، فإن أداه ~~الاجتهاد إلى اليقين تخير في التطهر بأي الماءين شاء، وإن أداه الاجتهاد ~~إلى الظن فالأصح أنه يجب له استعماله لما ذكرناه من أن الطاهر بالظن ~~كالطاهر باليقين. # وكما لو لبس ثوبا طاهرا بالظن مع القدرة على ثوب طاهر بيقين، وفيه وجه ~~أنه لا يجوز الاعتماد على الاجتهاد مع وجود ماء طاهر لظاهر قوله - عليه ~~السلام -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وفي العمل بعموم هذا الحديث ~~إشكال؛ لأنك إذا حملته على الواجبات لصيغة الأمر فخرجت منه المندوبات. # وإن حملته على المندوبات كان تحكما، وإن حملته عليهما جمعت بين المجاز ~~والحقيقة أو بين المشتركات، والحمل على الواجبات أولى من جهة أن الغالب على ~~صيغة الأمر الإيجاب، والغالب على العموم التخصيص، وكان الحمل على ما حمل ~~عليه من صيغة الإيجاب أولى من الحمل على العموم مع ms240 غلبة تخصيصه. # PageV02P061 # ومثله قوله: {وافعلوا الخير} [الحج: 77] ، وإنما ذم الله العمل بالظن في ~~كل موضع يشترط فيه العلم أو الاعتقاد الجازم كمعرفة الإله ومعرفة صفاته، ~~والفرق بينهما ظاهر، والحاصل أن معظم مصالح الذنوب والواجبات والمباح مبني ~~على الظنون المضبوطة بالضوابط الشرعية. # ولو شك المصلي في فرائض الصلاة أو في أعداد ركعاتها وجب البناء على ~~اليقين ههنا، وليس المعنى باليقين إلا الاعتقاد دون العلم، ويدل على ذلك ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلم من اثنتين» معتقدا أنه كمل ~~الصلاة، ولو كان العلم شرطا لما سلم مع انتفاء العلم، ولو شك الإمام في ~~أعداد الركعات فسبح له الجماعة تنبيها على أنه أكمل الصلاة، فإن كانوا عددا ~~تحيل العادة وقوع النسيان من جميعهم بنى الإمام على قولهم لعلمه. # فإن قيل: ماذا تقولون في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا ~~من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12] وفي قوله - عليه السلام -: «إياكم ~~والظن فإن الظن أكذب الحديث» ؟ . # قلنا: أما الآية فلم ينه فيها عن كل ظن، وإنما نهى عن بعضه وهو أن نبني ~~على الظن ما لا يجوز بناؤه عليه، مثل أن يظن بإنسان أنه زنى أو سرق أو قطع ~~الطريق أو قتل نفسا أو أخذ مالا أو ثلب عرضا فأراد أن يؤاخذه بذلك من غير ~~حجة شرعية يستند إليها ظنه. # وأراد أن يشهد عليه بذلك على ظنه المذكور فهذا هو الإثم، وتقدير الآية ~~اجتنبوا كثيرا من اتباع الظن إن بعض الظن إثم، ويجب تقدير هذا؛ لأن النهي ~~عن الظن مع قيام أسبابه المثيرة له لا يصح؛ لأنه تكليف لاجتناب ما لا يطاق ~~اجتنابه، إذ لا يمكن الظان دفعه عن نفسه مع قيام أسبابه، ولن يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها. # وأما الحديث فإن التقدير فيه: إياكم واتباع بعض الظن، وإنما قدر ذلك ~~لإجماع المسلمين على وجوب اتباع الظن فيما # PageV02P062 # ذكرناه. # وكذلك جواز اتباعه فيما أوردناه، واتباع هذه الظنون المذكورة سبب لعلاج ~~الدنيا والآخرة، وإن ظنا هذه عاقبته خير من علم ms241 لا يجلب خيرا ولا يدفع ~~ضيرا، فأكرم به من ظن موجب لرضا الرحمن وسكنى الجنان، وربما كان كثيرا من ~~العلوم مؤديا إلى سخط الديان وخلود النيران، وقد شاهدنا كثيرا من أرباب هذه ~~العلوم قد فارقوا الإسلام ونبذوا الإيمان وذموا علم الشرائع ومدحوا علم ~~الطبائع {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} ~~[الكهف: 104] . # فالسعادة كل السعادة اتباع القرآن، والتمسك بشريعة الإسلام وسنة النبي - ~~عليه السلام -، ومن خالف ذلك فقد بعد من الله بقدر ما خالف منه فمن شاء ~~فليقل، ومن شاء فليستكثر، وسيعلم المغرور إذا انقشع الغبار أفرس تحته أم ~~حمار؟ وما مثل هؤلاء في هذا الزمان إلا كمثل المنافقين في ابتداء الإسلام. ### | [فصل في حكم كذب الظنون] # وله أمثلة: منها إذا صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم ظهر له كذب ظنه ففي ~~الإعادة قولان. # ومنها: أنه إذا شك في طهارة الحدث فصلى بالاستصحاب ثم ظهر كذب ظنه لزمته ~~الإعادة لاهتمام الشرع بطهارة الحدث. # ومنها: أنه إذا رأى المتيمم المسافر ركبا فظن أن معهم ماء فأخلف ظنه بطل ~~تيممه. # PageV02P063 # ومنها: أنه إذا ظن المتيمم فقد الماء فصلى بالتيمم ثم ظهر أن في بعض ~~قماشه ماء أو وجد بئرا حيث يلزمه الطلب لزمته الإعادة للصلاة. # ومنها: أنه إذا صلى بالنجاسة ناسيا على استصحاب الطهارة ثم أخلف ظنه وجبت ~~الإعادة على الجديد. # ومنها: أنه إذا صلى بما يظن طهارته ثم بان أنه نجس لزمته الإعادة ولا وجه ~~للخلاف في ذلك. # ومنها: أنه إذا صلى فريضة على ظن دخول وقتها بأن أخبره بدخول الوقت مخبر ~~ثم أخلف ظنه وجبت الإعادة. # ومنها: أنه إذا رأى المسلمون أشباحا في الليل فخافوهم فصلوا صلاة شدة ~~الخوف ثم بان أنها أنعام فقولان: أحدهما: لا تجب الإعادة؛ لأن الله علق ~~الصلاة بمجرد الخوف وقد تحقق. # والثاني: تجب الإعادة لكذب الظن وانتفاء الضرر. # ومنها: أنه إذا صلى خلف من يظنه مسلما أو ذكرا فأخلف ظنه لزمته الإعادة ~~لندرة ذلك، وكذلك الخنثى المشكل على الأظهر؛ لأن الكفر والأنوثة ms242 لا يخفيان ~~غالبا، وكذلك الخنوثة من جهة أن الخنوثة خلقة للعادة والدواعي متوفرة على ~~إشاعة مثلها وكذلك لا يوجد خنثى مشكل في بلد من البلدان إلا كان مشهورا عند ~~الناس. # ومنها: أنه إذا شرع في صلاة الكسوف معتقدا بقاءه فأخلف ظنه # PageV02P064 # بطلت صلاته، ولا يخرج على الخلاف في بقائها نفلا، إذ ليس لنا نفل على ~~صورة الكسوف فيندرج في نيته. # ومنها: أنه إذا أدى الزكاة من مال يظن حله فأخلف ظنه، لم تسقط الزكاة ~~بذلك. # وكذلك لو أدى دينا أو عينا ظانا وجوب أدائها عليه فأخلف ظنه فإنه يرجع ~~بذلك. # ومنها: أنه إذا عجل الزكاة على ظن بقاء الفقر إلى الحول فأخلف ظنه ~~باستغناء الفقير لم تسقط الزكاة بذلك، وله الرجوع باطنا لخروج المقبوض عن ~~كونه زكاة. # ومنهما أنه إذا دفع الزكاة إلى من يظن سبب استحقاقه كالفقر والغرم ~~والكتابة فأخلف ظنه لم تسقط الزكاة عنه، وله استرجاع ما دفعه. # ومنها أنه إذا أكمل الصائمون عدة شعبان على ظن بقائه ثم كذب ظنهم في ~~النهار، وجب القضاء، وفي إمساك ما بقي من النهار قولان. # ومنها: أنه إذا تسحر الصائم ظانا بقاء الليل فأخلف ظنه لزمه القضاء، وإن ~~صدق ظنه أو لم يتحقق صدقه فلا قضاء عليه؛ لأن الأصل بقاء الليل، وإن أكل ~~ظانا دخول الليل فأخلف ظنه لزمه القضاء؛ لأن الأصل بقاء النهار، وإن أكل في ~~النهار أو جامع لظن أنه مفطر فكذب ظنه لم يبطل صومه. # ومنها: إذا اجتهد الأسير في الصوم فصام بناء على ظنه المستفاد من اجتهاده ~~فأخلف ظنه، فإن وقع صومه بعد الشهر أجزأه، وإن وقع قبل الشهر فقولان، وإن ~~قلنا لا يجزئه ففي انعقاده وجهان. # PageV02P065 # ومنها: أنه إذا اعتكف في مسجد ثم بان أنه مغصوب أو مملوك بطل اعتكافه. # ومنها: أنه إذا أكمل الحجاج ذا القعدة ووقفوا في التاسع بناء على ظنهم ~~بالعاشر فإن كانوا شرذمة قليلة وجب القضاء، وإن كانوا جميع الحاج لم يجب ~~القضاء لما فيه من المشقة العامة، وإذا تبين أنهم وقفوا ms243 في الثامن فوجهان ~~لندرة ذلك. # ومنها: أنه من نذر هديا معينا أو صدقة معينة ظنا أنه يملك ذلك ثم كذب ظنه ~~في ذلك كله فإنه يبطل نذره، ولو أعتق عبده ظنا أنه حي أو جعل بعيره هدية أو ~~أضحية ظنا أنه حي فكذب ظنه بطل ذلك، ولو نذر صوم يوم معين ظانا أنه يقبل ~~الصوم فكذب ظنه بطل نذره. # ومنها: أنه إذا أوقع شيئا من المعاوضات أو التبرعات أو الأوقاف أو الهبات ~~أو الوصايا أو الهدايا ظنا أنه يملكه فكذب ظنه بطل تصرفه، ولو شرط عقدا في ~~عقد فأتى بالعقد المشروط ظانا وجوبه عليه ثم أخلف ظنه في وجوبه صح تصرفه ~~على الأصح لوجوب أركانه وشرائطه، بخلاف ما لو قضى دينا يظن وجوبه فأخلف ~~ظنه، فإن قضاء الدين إسقاط يستدعي ثبوتا، فلم يجد حقيقته، بخلاف العقد الذي ~~ظن وجوبه، فإن حقيقته قد وجدت بأركانها وشرائطها، وغلط القاضي في ذلك فألحق ~~العقد بالدين. # ومنها: أنه إذا باع مال أبيه على ظن أنه حي فظهر أنه ميت وأنه قد ورثه ~~ففي صحة بيعه قولان، ولو باع مال أبيه ظانا أنه له، فظهر أنه باعه بعد أن ~~ورثه من أبيه صح بيعه لجزمه بالرضا. # ومنها: أنه إذا توكل في تصرف ظانا بقاء وكالته ثم كذب ظنه بأن مات الموكل ~~أو أزال الملك عما وكله فيه بطل، وإن عزله فقولان، ولو مات الإمام # PageV02P066 # فتصرف الحكام بعده على ظن أنه حي؛ نفذ تصرفهم؛ لأن الإمام استنابهم عن ~~المسلمين دون نفسه، ولو مات الحاكم، ففي انعزال نوابه لموته خلاف مأخذه ~~أنهم نوابه أو نواب المسلمين. # ومنها أنه إذا وكل في إعتاق عبد فأعتقه ظانا أنه عبد الموكل، فإذا هو ~~عبده نفذ عتقه. # ومنها: ما لو ضيف بطعام يظنه للمضيف فكذب ظنه لزمه العزم، ولا يرجع به ~~على الأصح. # ومنها: أنه إذا أعتق أو كاتب أو دبر ثم اختلف ظنه في الملك بطل تصرفه. # ومنها: أنه إذا تزوج امرأة يظنها خلية من الموانع وكذب ظنه، أو ظن ms244 أن ~~الذي زوجها وليها فكذب ظنه بطل نكاحه، ولو أنفق عليها ظانا بقاء زوجيتهما ~~فكذب ظنه بأن طلقها وكيله فعلمت بذلك أو فسخت النكاح في غيبته أو ارتدت ~~فانفسخ النكاح، أو انفسخ بمصاهرة أو برضاع أو بغير ذلك من الأسباب رجع بما ~~أنفقه. # وكذلك لو طلقها أو آلى منها أو ظاهر ظانا بقاء نكاحها فكذب ظنه بطل ~~الطلاق والإيلاء والظهار. # وكذلك لو ارتجعها ظانا بقاء عدتها فكذب ظنه بطلت رجعته، ولو طلق امرأة ~~يظنها أجنبية فإذا هي زوجته أو أعتق عبدا يظنه لغيره فإذا هو عبده، نفذ ~~طلاقه وعتقه، ولو وطئ أمة يظنها مملوكته أو حرة يظنها زوجته فأخلف ظنه وجبت ~~العدة ومهر المثل. # ومنها أنه إذا قتل الحاكم أو الإمام رجلا قصاصا أو حدا أو رجما في زنا أو ~~جلدا في حد فمات المحدود من الجلد فأخلف الظن، وجب الضمان ولا يطالب به ~~الجلاد. # وهل يتعلق بعاقلة الإمام والحاكم أو ببيت المال؟ فيه خلاف ولو حكم الحاكم ~~بالشهادة من ظن أنه أهل للشهادة أو بإقرار من ظن أنه أهل # PageV02P067 # للإقرار أو ولى على الأيتام من ظن أهليته لذلك ثم أخلف ظنه بطل حكمه بذلك ~~كله. # وكذلك لو حكم بعلمه ثم تبين أن الجلد قد أسقط قبل حكمه بطل حكمه، ولو ~~اجتهد المجتهد في حكم شرعي ثم بان كذب ظنه، فإن تبين ذلك بظن يساويه أو ~~ترجح عليه أدنى رجحان، فإن تعلق به حكم ينقض حكمه وبنى على اجتهاده الثاني ~~فيما عدا الأحكام المبنية على الاجتهاد الأول، وإن تباعد المأخذان بحيث ~~تبعد إصابته في الظن الأول نقض حكمه، مثل أن يكون اجتهاده الأول مخالفا لنص ~~أو إجماع أو قياس جلي، أو للقواعد الكلية فإنه ينقض حكمه، وإن لم يتعلق به ~~حكم بنى على ما أدى إليه اجتهاده ثانيا، إلا أن يستوي الظنان فيجب التوقف ~~على الأصح. ### | [فصل في بيان مصالح المعاملات والتصرفات] # اعلم أن الله - تعالى - خلق الخلق وأحوج بعضهم إلى بعض لتقوم كل طائفة ~~بمصالح غيرها، فيقوم بمصالح الأصاغر ms245 الأكابر، والأصاغر بمصالح الأكابر، ~~والأغنياء بمصالح الفقراء، والفقراء بمصالح الأغنياء، والنظراء بمصالح ~~النظراء، والنساء بمصالح الرجال، والرجال بمصالح النساء، والرقيق بمصالح ~~السادات، والسادات بمصالح الأرقاء، وهذا القيام منقسم إلى جلب مصالح ~~الدارين أو أحدهما أو إلى دفع مفاسدهما أو أحدهما. # أما احتياج الأصاغر إلى الأكابر فهو أنواع: أحدها: الاحتياج إلى الإمام ~~الأعظم ثم إلى الولاة القائمين بمصالح المسلمين، ثم إلى القضاة القائمين ~~بإنصاف المظلومين من الظالمين وحفظ الحقوق على الغائبين، وعلى الأطفال ~~والمجانين، ثم إلى الآباء والأمهات القائمين بمصالح البنين والبنات، ثم ~~بأولياء النكاح، ثم بالأمانات الشرعية، ولولا نصب الإمام الأعظم لفاتت ~~المصالح الشاملة، وتحققت المفاسد العامة # PageV02P068 # ولاستولى القوي على الضعيف، والدنيء على الشريف، وكذلك ولاة الإمام فإنه ~~لا يتم إلا بالاستعانة بهم للقيام بمصالح المسلمين، وكذلك الحكام لو لم ~~ينصبوا لفاتت حقوق المسلمين ولضاعت أموال الغيب والصبيان والمجانين، وكذلك ~~لو لم تفوض التربية إلى الآباء والأمهات لضاع البنون والبنات. # وكذلك لو لم يفوض الإنكاح إلى الرجال لاستحيا معظم النساء من مباشرة ~~العقد، ولتضررن بالخجل والاستحياء، ولا سيما المستحسنات الخفرات، وكذلك ~~الأمانات الشرعية لو لم تشرع لضاعت الأموال التي استأمنهم الشرع عليها ~~ولتضرر مالكوها، وكذلك اللقطاء لو لم يشرع التقاطهم لفاتت على أربابها ~~وسنذكر إن شاء الله فوائد كل ولاية ولاية. # وأما احتياج الأكابر إلى الأصاغر فنوعان. أحدهما: الاحتياج إلى المعاونة ~~والمساعدة على # القيام بمصالح الأجسام الخاصة بهم وذلك بالمنافع كالاستيداع والخياطة ~~والكتابة والحراثة # والنساجة والنجارة والتجارة والبناء والطب والمساحة والقسمة، وغير ذلك من ~~أنواع ما يحتاج العباد إليه من المنافع، كالوكالة والإعارة والجعالة ~~والسفادة والحلب وكراء الجمال والخيل والبغال والحمير والأنعام، وغير ذلك ~~مما تمس الحاجة إليه أو تدعو إليه الضرورات لو لم يأذن الشرع في هذا بعوض ~~أو بغير عوض، لأدى إلى هلاك العالم، إذ لا يتم نظامه إلا بما ذكرته، ولذلك ~~قال - سبحانه وتعالى -: {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا} [الزخرف: 32] ، أي لتسخر الأغنياء الفقراء فيما يحتاجون إليه من ~~المنافع المذكورة وغيرها، فإنه لو ms246 لم يبح ذلك لاحتاج كل واحد أن يكون حراثا ~~زراعا ساقيا باذرا حاصدا دائسا منقيا طحانا عجانا خبازا طباخا، ولاحتاج في ~~آلات ذلك إلى أن يكون حدادا لآلاته نجارا لها، وكذلك كل ما يتوقف عليه من ~~جلب الحديد والأخشاب واستصناعها، وكذلك اللباس يفتقر قطنه وكتانه إلى ما ~~يفتقر إليه الزرع # PageV02P069 # ثم إلى غزله ونسجه أو جزه إن كان من الأصواف والأوبار والأشعار، ثم إلى ~~غزله ونسجه. # وكذلك المساكن لو لم تجز إجارتها لكان أكثر الناس مطروحين على الطرقات ~~متعرضين للآفات وظهور العورات، ولانكشاف أزواجهم وبناتهم وأمهاتهم ~~وأخواتهم، وكذلك كل حرفة من الحرف وصنعة من الصنائع لو لم تجز الإجارة فيها ~~لتعطلت جميع مصالحها المبنية عليها لندرة التبرع بها، ولا سيما الدلاك ~~والحلاق والحشاش والقمام لولا اضطرار الفقر إليه لما باشروه ولا أكبوا ~~عليه، ولكن الله أحوجهم إلى ذلك فلا مسوءة لاضطرارهم إليه. # ومن حكمته - سبحانه وتعالى - أن وفر دواعي كل قوم على القيام بنوع من ~~المصالح فزين لكل أمة عملهم وحببه إليهم ليصيروا بذلك إلى ما قضى لهم ~~وعليهم. # ولو نظر الناظرون في جل هذه المصالح ودقها، لعجزوا عن شكرها، بل لو عدوها ~~لما أحصوا عدها، ولا قدر شيء منها إلا عند فقده وعدمه، فنسأل الله ألا ~~يخلينا من فضله وكرمه، فلو فقد أحدنا بيتا يأويه، أو ثوبا يواريه أو مدفئا ~~يدفئه، لما أطاق الصبر عليه، ولكننا لما غمرتنا النعم نسيناها. # وكذلك احتاج النظراء إلى النظراء في المعاملات على المنافع والأعيان، ~~وإباحتهما بالمعاوضات، والعواري والإباحات كالمآكل والمشارب والملابس ~~والمراكب والأدوية وغير ذلك لو لم يبح الشرع فيه التمليك بالبيع وغيره لهلك ~~العالم؛ لأن التبرع به نادر. # ومن هذه المعاملات: ما أجمع المسلمون على أنه فرض كفاية، ومنها ما أجمعوا ~~على أنه ندب، ومنها ما أجمعوا على إباحته كالتتمات والتكملات من لبس ~~الناعمات، وأكل الطيبات، وشرب اللذيذات، وسكنى القصور العاليات، والغرف ~~المرتفعات. # PageV02P070 # وعلى الجملة فمصالح الدنيا والآخرة ثلاثة أقسام كل قسم منها في منازل ~~متفاوتات. فأما مصالح الدنيا فتنقسم إلى الضرورات ms247 والحاجات والتتمات ~~والتكملات. فالضرورات: كالمآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح ~~والمراكب الجوالب للأقوات وغيرها مما تمس إليه الضرورات، وأقل المجزئ من ~~ذلك ضروري، وما كان في ذلك في أعلا المراتب كالمآكل الطيبات والملابس ~~الناعمات، والغرف العاليات، والقصور الواسعات، والمراكب النفيسات ونكاح ~~الحسناوات، والسراري الفائقات، فهو من التتمات والتكملات، وما توسط بينهما ~~فهو من الحاجات. # وأما مصالح الآخرة ففعل الواجبات واجتناب المحرمات من الضروريات وفعل ~~السنن المؤكدات الفاضلات من الحاجات، وما عدا ذلك من المندوبات التابعة ~~للفرائض والمستقلات فهي من التتمات والتكملات. # وفاضل كل قسم من الأقسام الثلاثة مقدم على مفضوله، فيقدم ما اشتدت ~~الضرورة إليه على ما مست الحاجة إليه. # فإن قيل: قد ساوى الشرع في القسمة العامة على تفاوت الحاجات دون الفضائل ~~والمناقب فهلا كانت قسمة القضاء والقدر كذلك؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أن ~~قسمة القدر لو كانت كقسمة الشرع لأدى إلى أن يعجز الناس عن قيام كل واحد ~~منهم بما ذكرناه من المصالح المذكورة، وأدى ذلك إلى هلاك العالم وتعطيل ~~مصالح الدنيا والآخرة. # الوجه الثاني: أن الغرض بقسمة القدر أن ينظر الغني إلى من دونه امتحانا ~~لشكره، وينظر الفقير إلى الغني اختبارا لصبره، وقد نص القرآن على هذا # PageV02P071 # بقوله: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون} [الفرقان: 20] والغرض بالقسمة ~~الشرعية إنما هي دفع الحاجات والضرورات فسوى بينهم في ذلك. # وأما قيام الرجال والنساء بالمصالح بالإعفاف من الطرفين من الوقوع في ~~الحرام وبقضاء الأوطار وبسكون بعضهم إلى بعض، وعودة بعضهم بعضا، وبرحمة ~~بعضهم بعضا حتى يصير أحدهما للآخر كالحميم الشفيق، أو الأخ الشقيق، يفضي كل ~~واحد منهما إلى الآخر بما لا يقضى به إلى ولد ولا والد ولا صديق، وكذلك بما ~~يجب للنساء على الرجال من المآكل والملابس والمساكن، وما يجب للرجال على ~~النساء من لزوم البيوت والطواعية إذا دعاها من غير عذر شرعي، ونقلها إلى أي ~~البلاد شاء، وإلى أي الأوطان أراد، وتوريث كل واحد منهما من صاحبه، وبما ~~يندب إلى واحد منهما زائد عما يجب عليه. # وأما انتفاع الرقيق بالسادات ms248 فبما أوجبه الله عليهم من المآكل والمشارب ~~والمساكن. # وأما انتفاع السادات بالرقيق فبخدمتهم في كل ما أوجب الشرع خدمتهم فيه، ~~ويزيد الإناث على ذلك بالاستمتاع والانتفاع. ### | [فصل في بيان أقسام العبادات والمعاملات] # اعلم أن من أنعم الله عليه وأحسن إليه وفقه لطاعته ونيل مثوبته، ومن خذله ~~أبعده بمعصيته وعقوبته، فمصالح الآخرة الحصول على الثواب، والنجاة من ~~العقاب، ومفاسدها الحصول على العقاب وفوات الثواب، ويعبر عن ذلك كله ~~بالمصالح الآجلة، والمقصود من العبادات كلها إجلال الإله وتعظيمه ومهابته ~~والتوكل عليه والتفويض إليه. وكفى بمعرفته ومعرفة صفاته شرفا، والآخرة وهي ~~أفضل من كل ثواب يقع عليها ما عدا النظر إلى وجهه الكريم. # PageV02P072 # وأما مصالح الدنيا فما تدع إليه الضروريات أو الحاجات والتتمات ~~والتكملات. # وأما مفاسدها ففوات ذلك بالحصول على أضداده، ويعبر عن ذلك كله بالمصالح ~~العاجلة، وقد ندب الرب إلى الإكثار من المصالح الأخروية على قدر ~~الاستطاعات، وندب إلى الاقتصار في المصالح الدنيوية على ما تمس إليه ~~الضرورات والحاجات، فرغب الأغنياء الأشقياء في تكثير ما أمر بتقليله وفي ~~تقليل ما أمر بتكثيره فسخط عليهم وأشقاهم، وأبعدهم وأقصاهم وقد قال في ~~أكثرهم: {بل تؤثرون الحياة الدنيا} [الأعلى: 16] {والآخرة خير وأبقى} ~~[الأعلى: 17] ورغب الأنبياء في الاقتصار على الكفاف من الأعراض الدنيوية، ~~وفي الإكثار من التسبب في المصالح الأخروية، فقربهم الرب إليه وأزلفهم لديه ~~فرضي عنهم وأرضاهم، وأسعدهم وتولاهم، فيا شقوة من آثر الخسيس الفاني على ~~النفيس الباقي، ويا غبطة من أرضى مولاه وآثر أخراه على أولاه فلمثل ذلك ~~فليعمل العاملون، وفيه فليتنافس المتنافسون. ### | [فائدة التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد] # (فائدة) التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم والله ~~غني عن عبادة الكل، ولا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين بل لو ~~كانوا كلهم على أفجر قلب رجل واحد منهم لم ينقص ذلك من ملكه شيئا، ولو ~~كانوا كلهم على أتقى قلب رجل واحد منهم لم يزد ذلك في ملكه شيئا، ولم ~~يبلغوا ضره فيضروه ولا نفعه فينفعوه، وكل ضال إلا ms249 من هداه الله، وجائع إلا ~~من أطعمه الله، وعار إلا من كساه، وإنما سبق علمه - سبحانه وتعالى - بترتيب ~~بعض الحادثات على بعض من غير أن يكون مقدمها موجبا لمؤخرها ولا منشئا له بل ~~هو المتحد بترتيب المسببات على أسبابها، وبالعقوبات على المخالفات، ~~وبالمثوبات على الطاعات من غير أن # PageV02P073 # يوجد شيء منها مما ترتب عليه، بل الكل مستند إليه، ولو عاقب من غير كفر ~~وعصيان لكان عدلا مقسطا، ولو أثاب من غير طاعة، وإيمان لكان متفضلا، وقد ~~أجرى أحكامه في الدنيا على أسباب ربط بها ليعرف العباد بالأسباب أحكامها ~~ليسارعوا بذلك إلى طاعته واجتناب معصيته إذا وقفوا على الأسباب، فأمر ~~المكلفين كلهم ونهاهم، ودعاهم إلى طاعته واجتناب معصيته واقتضاهم، مع علمه ~~بأن أكثرهم يعصونه ولا يطيعونه، ويخالفونه ولا يوافقونه لسبق علمه في ذلك ~~فيهم ونفوذ إرادته وقضائه عليهم. # فإن قيل: إذا علم منهم ذلك فلم وجه الخطاب إليهم مع علمه أنهم لا يطيعون ~~ولا يمتثلون، وكيف يطلب منهم ما يخالف علمه فيهم، وهم لا يقدرون على تبديل ~~علمه، ولا على تغيير حكمه، فعلى هذا قد كلفهم بما لا يطيقون؛ لأن ما علم ~~أنه لا يكون فواجب ألا يكون، وما علم أن يكون فواجب حتم أن يكون. # قلنا: أحسن ما قيل في ذلك أن توجه الخطاب إلى الأشقياء الذين لا يمتثلون ~~ما أمروا به، ولا يجتنبون ما نهوا عنه، ليس طلبا على الحقيقة، وإنما هو ~~علامة وضعت على شقاوتهم، وأمارة نصبت على تعذيبهم، إذ لا يبعد في كلام ~~العرب أن يعبر بصيغة الأمر والنهي عن الخبر كقوله - تعالى -: {قل من كان في ~~الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} [مريم: 75] ، وكقوله - تعالى -: {إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] ، وكقوله: {ولنحمل خطاياكم} ~~[العنكبوت: 12] وكقوله: {قل كونوا حجارة أو حديدا} [الإسراء: 50] {أو خلقا ~~مما يكبر في صدوركم} [الإسراء: 51] ، ولا استبعاد في تعذيب من لم يذنب ولم ~~يخالف ما سنذكره في إيلام المجانين والبهائم والصبيان إن شاء الله - تعالى ~~-. # وكما روي في ms250 الحديث الصحيح: # PageV02P074 # «إن الله عز وجل ينشئ في الجنة أقواما» ، وكذلك الحكم في الحور العين، ~~وكذلك الحكم في أطفال المسلمين، وليس بدعا من إحسانه المبتدأ من غير عمل، ~~فإنه قد أحسن إلى الملائكة المقربين، وإلى النبيين والمرسلين، وكذلك أحسن ~~إلى الفجار والأبرار في هذه الدار، وكذلك إلى الحيوانات من الوحوش والبهائم ~~والأنعام، وقد يكلف بالطاعة ولا يثيب عليها كما كلف الملائكة المقربين، ولا ~~اعتراض على رب العالمين الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ومن اعترض زاد ~~شقاؤه، واشتد بلاؤه، وعظم عناؤه. # ويجاب على اعتراضه أن الربوبية ليست مقيدة بمصالح العبودية، ولا حجر ~~للعباد على ربهم حتى لا يفعل إلا ما يصلحهم، بل القدرة الأزلية مطلقة لا ~~تتقيد بما يصلح العباد ولا بما يعمر البلاد، ولا بما يوجب الرشاد، وقد ~~شاهدنا ما يبتلى به من لا ذنب له ولا تكليف عليه كالصبيان والمجانين ~~والبهائم من الآلام والأوصاب والجوع والظمأ والغرق والحرق، مع أنا نعلم أن ~~الرب لا ينتفع بذلك ولا يتضرر بفقده، وكذلك لا ينتفع المبتلى بذلك بل ينتفع ~~بفقده. # فإن قال بعض الأشقياء: إنما ذلك ليثيبهم عليه؟ قلنا له: قد ضللت عن سواء ~~السبيل، أما كان في قدرة رب العالمين أن يحسن إليهم إلا عوضا عن تعذيبهم؟ ~~فإن قال: لا يقدر على ذلك، فلا يخفى ما في قبح هذا الكلام. # وإن قال: إنه يقدر على ذلك قيل له فلماذا أضر بهؤلاء المساكين؟ فإن قال ~~الشقي: إنما فعل ذلك ليدفع ضرر منته. # فجوابه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كان قادرا على ألا يخلق لمنته ضررا. # الوجه الثاني: أن منة رب العالمين شرفا في الدنيا والآخرة ولا خروج لأحد ~~منها ولا انفكاك له عنها، وكيف نخرج عنها وهو الخالق لذواتنا وجميع صفاتنا ~~وأرزاقنا. # PageV02P075 # الوجه الثالث: إن قدر في منة الرب ضرر - تعالى الله عن ذلك - فمفسدة ذلك ~~الضرر أخف من المفاسد المذكورة بما لا يتناهى، فإنا لو فرضنا مبتلى ملقى ~~على المزابل مجذوما مقطوع اليدين والرجلين فأتاه إنسان غني يقدر على ms251 ألف ~~قنطار من المال فقلع عينه ثم أطعمه لقمة فقيل له لم قلعت عين هذا الضعيف ~~المسكين؟ قال إنما قلعتها ثم أطعمه هذه اللقمة، فقيل له: أكنت قادرا على ~~إطعامه من غير أن تقلع عينه؟ فقال نعم: كنت قادرا على ذلك فقيل: له فلم ~~قلعتها مع سعة غناك وقدرتك على أن لا تقلعها؟ فقال؛ لأحسن إليه بدفع تمنني ~~عليه، لقطع العقلاء بقبح ما أتاه ولعدوه من أسخف الناس عقلا، وأفسدهم عملا، ~~وأفشلهم رأيا، فإن اعتبروا الغائب بالشاهد كان هذا مكذبا لهم لقبحه في ~~الشاهد، وحسن صدوره من الرب. # وإن لم يعتبروا الغائب بالشاهد لم يجز لهم إلحاق الغائب بالشاهد مع ظهور ~~الفارق، فإن هذا قبيح في الشاهد حسن في الغائب. # وقد قال الشافعي - رحمه الله -: القدرية إذا سلموا العلم خصموا، ومعناه ~~إذا سلموا أن الله عالم بما يقع في العالم من المفاسد فلم يزلها مع قدرته ~~على إزالتها فهذا قبيح في الشاهد ممن قدر على إزالته، ولا يقبح من الرب ~~لموافقتهم على أنه قادر عليه، وقد مثل ذلك برجل له عبد مفسد مقيد يعلم ~~مالكه أنه لو أطلقه لأفسد أملاك سيده وأمواله، ولزنا بإمائه وبناته ونسائه، ~~ولقتل أولاده وأحباءه، فأطلقه ففعل ذلك كله وهو ينظر إليه قادرا على دفعه ~~من غير عسر فلم يدفعه، فإن هذا قبيح عند جميع العقلاء في مطرد العادات، ولم ~~يلحقوا الغائب فيه بالشاهد. # فإن الله أقدر العاصين على عصيانهم، والمفسدين على إفسادهم، مع أنه عالم ~~بما يصدر منهم من المعاصي والفساد، وهو مطلع عليهم ناظر إليهم لا يغير شيئا ~~من ذلك مع قدرته على تغييره، وقد اتفقنا على أن هذا حسن من الله - عز وجل - ~~فإذا انقطع الغائب عن الشاهد في هذه الصورة فكيف يلحق به # PageV02P076 # فيما سواها، فيقول بعد هذا إنما نصبت الأسباب الشرعية لجلب المصالح ودرء ~~المفاسد في حق بعض المكلفين دون بعض، وهم الذين علم الله - عز وجل - أنهم ~~يأتمرون بأوامره، ويزدجرون بزواجره. # واعلم أن مصالح الآخرة لا تتم إلا بمعظم مصالح ms252 الدنيا كالمآكل والمشارب ~~والمناكح وكثير من المنافع، فلذلك انقسمت الشريعة إلى العبادات المحضة في ~~طلب المصالح الأخروية، وإلى العبادات المتعلقة بمصالح الدنيا والآخرة، وإلى ~~ما يغلب عليه مصالح الدنيا كالزكاة، وإلى ما يغلب عليه مصالح الأخرى ~~كالصلاة، وكذلك انقسمت المعاملات إلى ما يغلب عليه # مصالح الدنيا # كالبياعات والإجارات، وإلى ما يغلب عليه مصالح الآخرة كالإجارة بالطاعات ~~على الطاعات، وإلى ما يجتمع فيه المصلحتان. # أما مصالح الأخرى فلباذليه، وأما المصالح الدنيا فلآخذيه وقابليه، وإلى ~~ما يتخير باذلوه بين أن يجعلوه لدنياهم أو أخراهم، أو أن يشركوا فيه بين ~~دنياهم وأخراهم. # وأما العبادات فأنواع. أحدها: المعارف المختصة بالله - تعالى -، وكذلك ~~الأحوال المبنية عليها. # النوع الثاني: الأقوال المختصة بالله - تعالى - كالتسبيح والتقديس ~~والتحميد والتهليل والتكبير وسائر المدائح التي بها يمدح الإله. # النوع الثالث: الأفعال المختصة بالله كالحج في العمرة والركوع والسجود ~~والصيام والطواف المجرد والاعتكاف. # النوع الرابع: ما يغلب عليه حق الله وفيه حق للعباد كالصلوات المفروضات ~~والمندوبات. # PageV02P077 # النوع الخامس: ما يشتمل على الحقين ويغلب عليه حق العباد كالزكاة ~~والكفارات وستر العورات، وقد يجتمع الحقان في الدماء، والأبضاع والأعراض ~~والأنساب. # وأما الأموال فحق الله - تعالى - فيها تابع لحقوق العباد بدليل أنها تباح ~~بإباحتهم ويتصرف فيها بإذنهم، وفي الجهاد الحقان جميعا. # وأما المعاملات فأنواع. أحدها: ما وضع # لإفادة المصالح العاجلة # كالبيوع والإجارات وتدخله المصالح الآجلة بالمباحات والمسامحات. # النوع الثاني: ما يكون # مصلحة عوضية # آجلة كالاستئجار للحج والعمرة بتعليم القرآن، وكالاستئجار للأذان بالحج ~~أو العمرة أو بتعليم القرآن وكالاستئجار بالحج أو بالعمرة على الصيام، ~~وكالاستئجار على بناء المساجد بالحج أو الأذان أو تعليم القرآن. # النوع الثالث: ما تكون إحدى مصلحتيه عاجلة والثانية آجلة كالقرض، مصلحته ~~للمقترض عاجلة وللمقرض آجلة إذا قصد به وجه الله، وكذلك ضمان إحضار ما يجب ~~إحضاره مصلحته العاجلة للمضمون، والآجلة للضامن إذا قصد به القربة إلى الله ~~- تعالى -. # النوع الرابع: ما تكون إحدى مصلحتيه عاجلة والأخرى يتخير باذلها بين ~~تعجيلها وتأجيلها، أو ما تأجل بعضها دون بعض كضمان الديون مصلحته العاجلة ms253 ~~للمضمون له. # وأما الآجلة، فإن ضمن ذلك بعوض كان كالقرض، وإن ضمنه مجانا أثيب عليه إن ~~قصد به وجه الله. # وكذلك إن شرط الرجوع بالبعض دون البعض، وكذلك الحكم في قبول الودائع ~~والأمانات والوكالات مصلحتها العاجلة للمالك والموكل والمودع وفي الآجل ~~للقابل إن قصد به وجه الله. # PageV02P078 # النوع الخامس: ما تكون مصلحته الآجلة لباذليه، والعاجلة لقابليه كالأوقاف ~~والهبات والعواري والوصايا والهدايا. # ومن ذلك المسامحة ببعض الأعواض، مصلحتها العاجلة للمسامح القابل، والآجلة ~~للمسامح الباذل. # وأما الولايات، فإن كانت في إحدى الصلوات المكتوبات فمصلحتها الآجلة ~~مشتركة بين الأئمة والمقتدين، إذ لا تتم إلا بالفريقين، وذلك واجب في ~~الجمعات مؤكدة في غيرها من الصلوات. # وأما الصلاة على الأموات ففائدتها للمصلي والمصلى عليه آجلة، وإن كانت ~~الولاية عليه في غير الصلاة فإن كانت في الحضانة فمصلحتها للمحضون في ~~العاجل والحاضن في الآجل. # وإن كانت في ولاية النكاح فمصلحتها العاجلة لها، ويثاب عليها الولي إذا ~~قصد القربة في الآجل، وكذلك المولى عليه إذا كان تائقا إلى النكاح قاصدا ~~للعفاف فإن النكاح للتائق أفضل من التنفل في العبادات، والولي معين عليه ~~وثواب الإعانة على قدر فضل المعان عليه، وإن كانت الولاية في الحجر فهو ~~ضربان. # أحدهما: أن يكون الحجر لمصلحة المحجور عليه كالحجر على السفهاء والصبيان ~~والمجانين فمصلحة الحاجر فيه آجلة ومصلحة المحجور عليه عاجلة. # الضرب الثاني: أن يكون الحجر لمصلحة غير المحجور عليه كحجر الرق والفلس ~~والمرض. أما حجر الرق فمصلحته العاجلة للسادات، والعبد إذا أدى حق الله، ~~وحق مواليه كان له أجره مرتين. # وأما حجر الفلس فمصلحته العاجلة للغرماء ومصلحته الآجلة للحاكم، وفيه ~~مصلحة للمحجور عليه من جهة براءة ذمته. # وأما الشهادات، فإن كانت بحقوق الله الخاصة به فالقيام بها من المصالح # PageV02P079 # الآجلة، وإن كانت بحقوق العباد كانت مصالحها العاجلة للمشهود له والآجلة ~~للشاهد إذا قصد بذلك وجه الله، وإعانة أخيه المؤمن على حفظ حقه. والحكم ~~كالشهادة في ذلك، وكذلك تصرف الإمام إن تصرف في حقوق الله المحضة، كانت ~~مصالح تصرفه آجلة، وإن تصرف ms254 في حقوق العباد كانت مصالح العباد عاجلة ومصالح ~~الإمام آجلة، وإن تصرف لإقامة الحقين حصل المحكوم له على الفوائد العاجلة ~~وحصل الإمام على الأجرين. # وأما الالتقاط، فمصلحته العاجلة للقيط ومصلحته الآجلة للملتقط. # وأما اللقطة، فإن قصد الملتقط الحفظ والتعريف كانت المصلحة للمالك في ~~العاجل وللملتقط في الآجل، وإن التقط للتعريف والتمليك كانت المصلحة ~~العاجلة للمالك وللملتقط مع ما يرجى للملتقط من الأجر في الآجل. # وإن كانت الولاية على القسمة فإن قسمها مجانا كانت الفائدة العاجلة ~~للمقتسمين والآجلة للقاسمين، لما فيها من إعانة المقتسمين، وإن كانت بعوض ~~لا مسامحة فيه كانت عاجلة للقاسمين والمقتسمين، وإن سامح القاسم في الأجرة ~~كان له أجر المسامحين. ### | [قاعدة في بيان حقائق التصرفات] ### | [الباب الأول في نقل الحق من مستحق إلى مستحق] # الإنسان مكلف بعبادة الديان باكتساب في القلوب والحواس والأركان ما دامت ~~حياته، ولم تتم حياته إلا بدفع ضروراته وحاجاته من المآكل والمشارب ~~والملابس والمناكح، وغير ذلك من المنافع، ولم يتأت ذلك إلا بإباحته ~~التصرفات الدافعة للضرورات والحاجات. # PageV02P080 # والتصرفات أنواع: نقل، وإسقاط وقبض، وإذن ورهن، وخلط وتملك، واختصاص، ~~وإتلاف، وتأديب خاص وعام، فنذكر كل نوع في باب إن شاء الله - تعالى -. # الباب الأول في نقل الحق من مستحق إلى مستحق وهو ضربان: الضرب الأول: في ~~النقل بعوض وهو أنواع # الأول: البيع وهو نقل ملك كل واحد من المتبايعين إلى صاحبه إن كان ~~العوضان عينا، وإن كان دينا فهو مقابله التزام دين بالتزام دين إلى أن يتفق ~~التقابض فينتقل ملك البائع إلى المشتري وملك المشتري إلى البائع. وإن كان ~~المبيع عينا والثمن دينا كان التزام الدين في نقل مقابله ملك العين فإذا ~~قبض الدين انتقل الملك إلى البائع. # النوع الثاني: الإجارة وهي بيع المنافع بعين أو دين أو منافع، وتتعلق ~~المنافع والحقوق تارة بالذمم وتارة بالأعيان. # النوع الثالث: المساقاة والمزارعة التابعة لها وهي: التزام أعمال الفلاحة ~~بجزء شائع من الغلة المعمول على تحصيلها. # النوع الرابع: القرض وهو تعاقد على الإجارة بجزء شائع من الأرباح. # النوع الخامس: ms255 السلم وهو بيع دين بعين مقبوضة في المجلس أو بدين يقبض ~~فيه. # النوع السادس: القرض وهو بدل عين في مقابلة دين. # PageV02P081 # النوع السابع: الجعالة وهي بذل مال في مقابلة عمل مقصود مجهول، وفي ~~المعلوم خلاف. # والحوالة مركبة من بيع وقبض، والصلح بيع أو إجارة أو إبراء أو هبة، ~~والقسمة بيع على قول وتمييز حق على آخر وتكون نوعا مستقلا. # وأما الفسوخ فهي تراد بين العوضين أو رد في أحدهما في مقابلة قيمة الآخر ~~كالفسخ بخيار المجلس، وخيار الشرط وخيار الرؤية وخيار التدليس، وخيار الرد ~~بالعيب، وخيار رجوع البائع بفلس المشتري، وخيار تعذر إمضاء العقد. # وكذلك ما سرقه المسلمون من أموال أهل الحرب، فإن الملك ينتقل فيه بغير ~~عوض وكذلك اغتنام أموالهم، واستحقاق القاتل السلب. وكذلك الأخذ بالشفعة ~~ناقل للملك من المحابين. # وأما الوقف على معنيين فهو نقل للمنافع والغلات إلى الموقوف عليه، وهل هو ~~نقل لرقاب الأعيان فيه خلاف. # الضرب الثاني: النقل مجانا بغير عوض كالهدايا والوصايا والعمرى والرقبى ~~والهبات والصدقات والكفارات والزكاة. ### | [الباب الثاني في إسقاط الحقوق] # وهي ضربان أحدهما: إسقاط بغير عوض فمنه الإبراء الذي يسقط الدين من الذمة ~~ولا ينقله إلى المدين، ومنه إسقاط القصاص بالعفو فإن العفو يسقط القصاص عن ~~الجاني، ولا ينقله إليه، وكذلك اللعان يسقط حد القذف عن الزوج ولا ينقله ~~إليه، وكذلك العفو عن التعزير وعن حد القذف، وكذلك # PageV02P082 # إسقاط حق النكاح والاستمتاع بالطلاق فإنه يسقط الملك عن الرقاب، ولا ~~ينقله إلى الرقيق، وكذلك وقف المساجد يسقط ملكها ولا ينقله. # الضرب الثاني: الإسقاط بالأعواض كإسقاط حق الزوج من البضع بالخلع أو ~~بالطلاق على مال، وكالصلح عن الدين فإنه يسقطه عن المدين ولا ينقله إليه، ~~وكذلك العتق على مال، وبيع العبد من نفسه فإنه يسقط الملك، ولا ينقله إلى ~~الرقيق، وكذلك الصلح عن القصاص في النفوس والأطراف فإنه يسقط القصاص عن ~~الجاني ولا ينقله إليه، فيقع بهذه التصرفات النقل في أحد الجانبين والإسقاط ~~من الآخر. # وأما مقابلة الإسقاط عند تساوي الديون في باب التقاص ms256 فلا نقل فيه من ~~الجانبين ولا من أحدهما، وإنما هو سقوط في مقابلة سقوط إذا لم يشترط الرضا ~~أو إسقاط في مقابلة إسقاط ما لها عليه في ذمته، ولا يقابل إسقاط حد القذف ~~بشيء من الأعواض على الأصح. ### | [الباب الثالث في القبض] # وهو ثلاثة أضرب أحدها: قبض بمجرد إذن الشرع دون إذن المستحق وهو أنواع ~~فمنها اللقطة ومال اللقيط وقبض المغصوب من الغاصب للولاة والحكام وفي ~~الآحاد خلاف ومنها قبض الحاكم أموال الغيب التي لا حافظ لها، ومن ذلك قبض ~~أموال المجانين والمحجور عليهم بسفه أو صغر، وحفظ أموال الغيب والمحبوسين ~~الذين لا يتمكنون من حفظ أموالهم، ومنها من طيرت الريح ثوبا إلى حجره أو ~~داره، ومنها المودع إذا مات المودع الوديعة عنده، ومنها قبض المضطر من طعام ~~الأجانب ما تدفع به ضرورته. # وكذلك سرقة أموال أهل الحرب، وكذلك قبض الإنسان حقه إذا ظفر به، بجنسه أو ~~بغير جنسه. # PageV02P083 # الضرب الثاني: ما يتوقف جواز قبضه على إذن مستحقه كقبض المبيع وقبض ~~المتساوم عليه، والقبض بالبيع الفاسد، وقبض الرهون، والهبات والصدقات، ~~والعواري، وقبض جميع الأمانات. # الضرب الثالث: قبض بغير إذن من الشرع ولا من المستحق، فإن كان القابض ~~عالما بتحريمه فهو قبض المغصوب وهو مضمن الأعيان والمنافع والصفات، وإن كان ~~جاهلا مثل أن يقبض مالا يعتقده لنفسه فإذا هو لغيره فلا إثم عليه ولا إباحة ~~فيه، وتضمن به العين والمنافع والصفات. ### | [الباب الرابع في الإقباض وهو أنواع] # أحدها: المناولة فيما جرت العادة بمناولته كالحلي والجواهر. # النوع الثاني: ما لا يمكن نقله كالعقار، وإقباضه بتمكين القابض من المقبض ~~مع إزالة يد المقبض وتمكن القابض من القبض. # الثالث: ما جرت العادة بنقله وهو ضربان: أحدهما ما يستحق كيله أو وزنه، ~~فقبضه بكيل مكيله ووزن موزونه: ثم نقله بعد تقديره. # الضرب الثاني: ما جرت العادة بنقله من غير كيل ولا وزن كالمتاع والنحاس ~~والرصاص ونحوها فقبضه بنقله إلى مكان لا يختص ببائعه، ولا تكفي فيه التخلية ~~على الأصح. # النوع الرابع: الثمار على الأشجار إذا ms257 أينعت وبدا صلاحها والأصح أن ~~تخليتها قبض لها. # PageV02P084 # النوع الخامس: ما يقبضه الوالد لولده أو حفيده ويقبضه من نفسه عن ولده ~~لنفسه ومن نفسه لولده. # النوع السادس: إذا كان للمدين حق في يد رب الدين فأمره أن يقبضه من يده ~~لنفسه ففيه خلاف. ### | [فائدة إذا كان المقبوض غائبا] # (فائدة) إذا كان المقبوض غائبا فلا بد أن يمضي زمان يمكن المضي إليه فيه، ~~ولو كان ما يستحق قبضه بيد القابض وهو غائب عنه فلا بد من مضي الزمان، وفي ~~اشتراط الرؤية خلاف فإن شرطناها ففي اشتراط نقله خلاف. ### | [الباب الخامس في التزام الحقوق من غير قبول] # وهي أنواع # أحدها: بنذر في الذمم أو الأعيان. # الثاني: التزام الديون بالضمان. # الثالث: ضمان الدرك. # الرابع: ضمان الوجه. # الخامس: ضمان إحضار ما يجب إحضاره من الأعيان المضمونات. ### | [الباب السادس الخلط والشركة ضربان] # أحدهما: شركة شياع. # والثاني: شركة فيما لا يتميز من ذوات الأمثال. # PageV02P085 ### | [الباب السابع إنشاء الملك فيما ليس بمملوك] # وهو أنواع # أحدهما: إرقاق الكفار بالقهر والأسر. # الثاني: التمليك بإحياء الموات. # الثالث: التمليك بالاصطياد. # الرابع: تملك المباحات بالحيازة كالمعادن والحشيش والحطب والأحجار وسائر ~~الجواهر التي في المعادن والبحار. ### | [الباب الثامن الاختصاص بالمنافع] # وهي أنواع # أحدها: الاختصاص بإحياء الموات بالتحجر والإقطاع. # الثاني: الاختصاص بالسبق إلى بعض المباحات. # الثالث: الاختصاص بالسبق إلى مقاعد الأسواق. # الرابع: الاختصاص بمقاعد المساجد للصلاة والعزلة والاعتكاف. # الخامس: الاختصاص بالسبق إلى المدارس والربط والأوقاف. # السادس: الاختصاص بمواقع النسك كالمطاف والمسعى وعرفة والمزدلفة ومنى ~~وبرمي الجمار. # السابع: الاختصاص بالخانات المسبلة في الطرقات. # الثامن: الاختصاص بالكلاب والمحترم من الخمور. # PageV02P086 ### | [الباب التاسع في الإذن] # وهو ضربان أحدها: ما ترجع فائدته إلى المأذون له، فإن كان من المنافع فهو ~~العواري، وإن كان من الأعيان فهو المنائح والضيافات، والأصح أن القرض إذن ~~في الإتلاف بشرط الضمان فلا يفتقر إلى القبول بالقول. # الضرب الثاني: ما ترجع فائدته إلى الآذن، فإن كان من الاستصناع كالحلق ~~والحجامة والدلك ففي استحقاق الأجرة به خلاف، وإن كان من التصرف القولي فهو ~~التوكيل في ms258 أصناف المعاملات، وإن كان تصرفا فعليا كالقبض والإقباض فهو ~~التوكيل في كل ما يتعلق به الإذن من الأفعال القابلة للتوكيل. ### | [الباب العاشر الإتلاف] # وهو أضرب أحدها: إتلاف # لإصلاح الأجساد وحفظ الأرواح # ، كإتلاف الأطعمة والأشربة والأدوية، وذبح الحيوان المباح حفظا للأمزجة ~~والأرواح، ويلحق به قطع الأعضاء المتآكلة حفظا للأرواح، فإن إفساد هذه ~~الأشياء جائز # للإصلاح. # الضرب الثاني: إتلاف الدفع وهو أنواع. أحدها: القتل والقطع والجرح؛ # لدفع ضرر الصيال على الأرواح والأبضاع والأموال. # PageV02P087 # الثاني: قتل الحيوانات المؤذية كالحية والعقرب والسباع والضباع. # الثالث: قتل الكفار دفعا لمفسدة الكفر في قتال الطلب، ودفعا لمفسدتي ~~الكفر والإضرار بالمسلمين في قتال الدفع. # الرابع: قتل البغاة دفعا لبغيهم وخروجهم عن الطاعة. # الخامس: إتلاف لدفع المعصية كقتال الظلمة # دفعا لظلمهم وعصيانهم # ، وكذلك تخريب ديار الكفار وقطع أشجارهم وتحريقها، وإتلاف ملابسهم ~~وتمزيقها، وهي نوع من الجهاد. # السادس: إتلاف ما يعصى الله به كالملاهي والصلبان والأوثان. # السابع: إتلاف الزجر كرمي الزناة والقصاص من الجناة، وقطع السراق ~~والمحاربين؛ زجرا عن السرقة والمحاربة والجناية وصونا لهم. ### | [الباب الحادي عشر التأديب والزجر] # وهو أضرب أحدها: ما قدره الشرع كحد الزنا والقذف فلا يزاد عليه ولا ينقص ~~منه. # الثاني: ما لا تقدير فيه كالتعزيرات. # الثالث: التأديب كتأديب الآباء والأمهات للبنين والبنات. # الرابع: تأديب الإماء والعبيد وهو مفوض إلى السادات في الحدود ~~والتعزيرات. # الخامس: تأديب الدواب بأنواع الرياضات. ومهما حصل التأديب بالأخف من ~~الأفعال والأقوال والحبس والاعتقاد، لم يعدل إلى الأغلظ إذ هو مفسدة لا ~~فائدة فيه؛ لحصول الغرض بما دونه. # PageV02P088 ### | [فصل في تصرف الولاة ونوابهم] # يتصرف الولاة ونوابهم بما ذكرنا من التصرفات بما هو الأصلح للمولى عليه ~~درءا للضرر والفساد، وجلبا للنفع والرشاد، ولا يقتصر أحدهم على الصلاح مع ~~القدرة على الأصلح إلا أن يؤدي إلى مشقة شديدة، ولا يتخيرون في التصرف حسب ~~تخيرهم في حقوق أنفسهم مثل أن يبيعوا درهما بدرهم، أو مكيلة زبيب بمثلها ~~لقول الله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: ~~152] ، وإن كان هذا في حقوق اليتامى ms259 فأولى أن يثبت في حقوق عامة المسلمين ~~فيما يتصرف فيه الأئمة من الأموال العامة؛ لأن اعتناء الشرع بالمصالح ~~العامة أوفر وأكثر من # اعتنائه بالمصالح الخاصة # ، وكل تصرف جر فسادا أو دفع صلاحا فهو منهي عنه # كإضاعة المال بغير فائدة، وإضرار الأمزجة لغير عائدة # ، والأكل على الشبع منهي عنه؛ لما فيه من إتلاف الأموال، وإفساد الأمزجة، ~~وقد يؤدي إلى تفويت الأرواح، ولو وقعت مثل قصة الخضر - عليه السلام - في ~~زماننا هذا لجاز تعييب المال حفظا لأصله ولأوجبت الولاية ذلك في حق المولى ~~عليه حفظا للأكثر بتفويت الأقل فإن الشرع يحصل الأصلح # بتفويت المصالح # ، كما يدرأ الأفسد بارتكاب المفاسد، وما لا فساد فيه ولا صلاح فلا يتصرف ~~فيه الولاة على المولى عليه إذا أمكن الانفكاك عنه. # (فوائد) الأولى: العدالة شرط في كل ولاية لتكون العدالة وازعة عن التقصير ~~في # جلب المصالح ودرء المفاسد # ، ولا يشترط ذلك في ولاية النكاح على الأصح؛ لأن الوازع الطبعي يزع عن ~~التقصير في حق المولى عليه. # ولم تشترط الولاية في قبول الإقرار؛ لأن الطبع يزع عن الكذب فيما يضر ~~بنفسه أو ماله، والوازع الطبيعي أقوى من الوازع الشرعي. # PageV02P089 # الفائدة الثانية: يشترط في الأنكحة ما لا يشترط في سائر العقود من ~~الألفاظ والأولياء والشهود تمييزا للنكاح عن السفاح ودرءا للتهمة عن ~~الافتضاح. # الفائدة الثالثة: كل شيء عسر اجتنابه في العقود فإن الشرع يسمح في تحمله ~~كبيع الفستق في قشره وما لا تدعو إليه الحاجة فإنه لا يؤثر في العقود، ولا ~~يشترط في الأنكحة رؤية المنكوحة، وإن كان الغرض يختلف بذلك اختلافا ظاهرا ~~لما في شرط ذلك من الضرر على النساء والأولياء، ولذلك تقدرت مدة النكاح ~~بعمر أقصر الزوجين عمرا، ولم يشترط أن تكون مدة معلومة، كما يشترط في ~~الإجارة والمساقاة والمزارعة، وليس النكاح نقلا من كل وجه إذ يثبت للزوج من ~~حقوق الاستمتاع ما لم يكن ثابتا للمرأة فهو كالنقل من وجه، وإنشاء تمليك من ~~وجه، ولا يتصرف الزوج في إزالته إلا بالإسقاط دون النقل فيما أنشأه المولى ms260 ~~من حق الاستمتاع الذي لم يكن ثابتا للمرأة. ### | [فصل فيما يسري من التصرفات وله أمثلة] # أحدها: أن يعتق من عبده جزءا معينا أو شائعا فيسري إلى سائره لما في ~~تحصيل العتق من المصالح المختصة بالأحرار. # المثال الثاني: أن يعتق من العبد المشترك جزءا معينا أو شائعا فيسري ~~العتق إلى بقيته، ولا يسري العتق من شخص إلى شخص إلا إعتاق الأمة فإنه يسري ~~إلى جنينها، ولو أعتق الجنين يسري إلى أمه على الأصح. # المثال الثالث: إذا طلق من امرأته جزءا معينا أو شائعا سرى الطلاق إلى ~~بقيتها احتياطا للأبضاع بخلاف الأوقاف والصدقات، فإن التصرف فيها مقصور على ~~محله. # المثال الرابع: العفو عن بعض القصاص في النفس ممن يستحق بعضه أو كله، ~~فإنه يسري إلى جميعه؛ لأنه يسقط بالشبهات، وخالف بعض العلماء في عفو الشريك ~~في ذلك. # PageV02P090 # المثال الخامس: العفو عن بعض المأخوذ بالشفعة مسقط لها؛ لأنها تثبت على ~~خلاف الأصل # ودفعا للتضرر # بتفريق المأخوذ. ### | [قاعدة في ألفاظ التصرفات] # لا يتعين للعقود لفظ إلا النكاح، فإنه يتعين له لفظ التزويج أو النكاح؛ ~~لأن جميع الألفاظ لا تستقل بالدلالة على مقاصد النكاح، فإن لفظ البيع ~~والهبة يدل على نقل الملك في الرقبة، ثم المنافع والثمار بعد ذلك مستفادة ~~من الملك غير معقود عليها، ولفظ الإجارة يدل على تمليك المنفعة المقدرة، ~~والنكاح مؤجل بموت أقصر الزوجين عمرا أو بالعمرين إن مات الزوجان معا، ~~وجميع ألفاظ العقود لا تدل على خصائص النكاح، وإن نوى جميع ذلك لم يصح؛ لأن ~~الشهادة شرط في صحة النكاح، ولا اطلاع للشهود على النيات. ### | [قاعدة فيما تحمل عليه ألفاظ التصرفات] # . من أقر بشيء من التصرفات كالبيع والإجارة والرهن والوكالة والسلم ~~والطلاق والعتاق والنكاح والزكاة والكفارات والنذور والهدي، وعين أو حلف ~~على شيء من ذلك، أو علق عليه طلاقا، أو عتاقا، أو نذرا، فإن إقراره ويمينه ~~وتعليقه محمول على الصحيح من ذلك دون الفاسد لظهوره فيه، فإن تأول شيئا من ~~ذلك فإن كان لفظه محتملا لما نواه قبل تأويله في الفساد ms261 دون الحكم؛ لأن ~~المفتي أسير المستفتي، والحاكم أسير الحجج الشرعية # PageV02P091 # والظواهر، وإن لم يحتمله لفظه لم يقبل تأويله في الفتيا إلا أن يقصد وضع ~~اللفظ على المعنى الذي أراده فلا ينفعه على الأصح. # وإن أقر بسرقة وجب المال؛ لأن لفظ السرقة صريح في أخذه بغير حق، ولا يجب ~~القطع بذكر السرقة لاختلاف العلماء فيه ولخفاء شرائط البيع والإجارة ~~والنكاح. # وللشافعي أنه لا بد من ذكر الشروط في النكاح لاختلاف الناس في شرائطه، ~~وطرده بعضهم في البيع والإجارة، وفرق بعضهم بالاحتياط للنكاح؛ لأجل ~~الأبضاع، ويجب طرد ما قال في بيع الجواري، ولو قيل: إن البيع أولى بالتفصيل ~~من النكاح لكان متجها؛ لأن الغالب من الأنكحة وقوعها بالشرائط المعتبرة، ~~وليست البيوع كذلك لغلبة بيع المعاطاة وبيع ما لم ير من المتاع. # وإن ادعى أمرا مختلفا في حده وحقيقته الشرعية كدعوى الرضاع والميراث ~~والتفسيق ونجاسة الماء. فللمدعى به حالان: إحداهما أن تختلف رتبته وله ~~مثالان: أحدهما الشهادة بالرضاع، وللحاكم ثلاثة أحوال: الحال الأولى أن ~~يقول بأدنى رتب الأسباب فيحرم بالمصة والمصتين كمالك فيلزمه السماع والحكم؛ ~~لأن الشهادة لم تتردد بين ما يقبل وبين ما لا يقبل. # الحال الثانية: أن يقول بثلاث رضعات فلا يكفي بمجرد الشهادة بالرضاع ~~لترددها بين الثلاث المحرمة وما دونها. # الحال الثالثة: أن يقول أشهد أنها ارتضعت منها رضعات، فلمن يقول بالثلاث ~~أن يعتمد على شهادته، إذ لا تردد فيها بين المحرم وغيره، وإن شهدت البينة ~~عند من يقول بالخمس لم يحكم بها؛ لترددها بين الخمس وما دونها. # المثال الثاني: أن يشهد بانحصار الإرث في إنسان ولا يذكر سبب الإرث # PageV02P092 # مثل أن يقول أشهد أن هذا وارث فلان لا وارث له سواه، فإن كان الحاكم ممن ~~يقول بتوريث ذوي الأرحام قبلها؛ لأنه إن كان من ذوي الأرحام ورث بالرحم، ~~وإن كان من غير ذوي الأرحام ورث بالقرابة أو بالولاء فلم تتردد الشهادة بين ~~ما يورث وما لا يورث؛ لأنها إن حملت على أدنى الأسباب ثبت الإرث، وإن حملت ~~على أعلاها ms262 ثبت الإرث، فالإرث ثابت بكل حال دنية أو علية، وإن كان الحاكم ~~ممن لا يورث بالرحم لم يقبل الشهادة حتى يبين الشاهد سبب الإرث كالبنوة ~~والأخوة لتردد شهادته بين ما يثبت الإرث وما لا يثبته، ولو نص على أنه ~~وارثه بالبنوة لقبل؛ لأن حصر الإرث في الأخوة قد يكون الأخ من الأم عند من ~~يراه. # الحال الثانية أن يكون المشهود به مما لا رتب له في التبرع وليس له لفظ ~~يختص به ويظهر فيه وله أمثلة: أحدها: أن يشهد بنجاسة ماء أو طعام فإن ذكر ~~سببا مجمعا عليه أو سببا يراه الحاكم قبل شهادته، وإن أطلق شهادته لم تقبل؛ ~~لأنه قد يعتقد ما ليس بنجس نجسا إما لجهله بالنجاسات، وإما لاعتقاده نجاسة ~~لا يراها الحاكم كسؤر السباع. # المثال الثاني: تفسيق الشهود لا يقبل مطلقا؛ لأن الشاهد قد يظن ما ليس ~~بمفسق مفسقا، أو يرى التفسيق بسبب لا يراه الحاكم مفسقا. # المثال الثالث: الشهادة بالإكراه لا تقبل مطلقة؛ لأنه قد يرى ما ليس ~~بإكراه إكراها لجهله، أو يعتقد الإكراه بسبب لا يراه الحاكم إكراها، وليس ~~للإكراه المعتبر لفظ يظهر فيه بخلاف ألفاظ التصرفات، ولا يجوز حمل الإكراه ~~على أدنى الرتب. # PageV02P093 # وضابط هذا كله أن الدعوى والشهادة والرواية المرددة بين ما يقبل وما لا ~~يقبل لا يجوز الاعتماد عليها إذ ليس حملها على ما يقبل أولى من حملها على ~~ما لا يقبل، والأصل عدم المشهود به والمخبر عنه، فلا يترك الأصل إلا بيقين ~~أو ظن يعتمد الشرع على مثله. # وأيضا فإن اللفظ المردد المحمل غير مقبول في الشهادات؛ لأنه لا يتوجه إلى ~~مقصود الخصم بدلالة لفظية بخلاف ما ذكر من ألفاظ التصرفات فإنها صريحة في ~~مدلولاتها ويشكل على هذا مسألتان. # إحداهما: أن الشهادة المطلقة بالملك مقبولة، وإن لم يذكر سببه. # وكذلك الشهادة بالدين مع أن أسبابهما مختلف فيها فلعل الشاهد أسند الملك ~~والدين إلى سبب لا يصلح أن يكون سببا لجهله، أو أسندهما إلى سبب لا يراه ~~الحاكم سببا وهذا مشكل جدا. ms263 # المسألة الثانية: إذا قال الشاهد: إن بين هذين رضاعا محرما فإن الرضاع ~~يثبت على ما ذكره بعض أصحابنا مع أن الشاهد قد يظن أن التحريم قد يحصل ~~بالمصة أو بثلاث رضعات أو بخمس رضعات فيصفه بالتحريم بناء على اعتقاده ~~ومذهبه، فإن الناس يحرمون ويحللون ويوجبون ويحظرون بناء على عقائدهم ~~ومذاهبهم، ولو أطلق الشاهد الشهادة بأن اللقيط ملك الملتقط فيه قولان من ~~جهة أن الشاهد قد يسند الشهادة إلى يد الالتقاط مع جهله بكونها يد التقاط. # وفي مسألة الإقرار إشكال أيضا من جهة أن الإنسان إنما يقر في الغالب بما ~~يعتقد صحته وليس كل عقد يباشر صحيحا، بل هو منقسم إلى الصحيح والفاسد، وليس ~~العقد المختلف في فساده نادرا بل هو غالب، ففي حمل الإقرار عليه من غير ~~استفصال هذا الإشكال، ولا سيما المعاطاة فإنه # PageV02P094 # غالب على المحقرات، فإذا أقر ببيع محقر أو شرائه فكيف يؤاخذه من لا يرى ~~بيع المعاطاة؟ وكذلك بيع ما لم ير كثير الوقوع، ولا سيما في الثياب ~~المطوية، والسلع التي جرت العادة أنها لا تقلب ولا ترى في البياعات. # كالثياب والأكسية والجلود وغيرها، فينبغي أن يستفسر المقر كما يستفسر ~~الشاهد، فإن ذكر سببا صحيحا حكم به، وإلا فلا، ولو أقر بالسرقة ثبت المال ~~ولا يقطع حتى يفصلها. # فإن قيل: هلا قبلتم الشهادة بالمجهول وطالبتم الشاهد بتفسيره كما تقبلون ~~الإقرار بالمجهول وتطالبون المقر بتفسيره؟ . # قلنا: هذا مختلف فيه والمختار قبوله واستفسار الشاهد عما شهد به كما ~~يستفسر عما أقر به، إذ ليس بينهما كبير فارق ويعتمد على مثله؛ ولأن ~~استفساره أقرب إلى فصل الحكومة، وإن لم يفسر الشاهد ألزمنا المشهود عليه ~~بتفسير ما أجمله الشاهد كما يلزم المقر بتفسير ما أجمله في إقراره. ### | [قاعدة في بيان الوقت الذي يثبت فيه أحكام الأسباب من المعاملات] # للأسباب مع أحكامها أحوال: # أحدها ما تقترن أحكامه بأسبابه كالأفعال # الثانية: ما يتقدم أحكامه على أسبابه. # الثالثة: ما اختلف في وقت ترتيب أحكامه على أسبابه وهو منقسم إلى ما ~~يتعجل أحكامه، وإلى ما ms264 يتأخر عنه بعض أحكامه. # PageV02P095 # فأما الأفعال فتقترن أحكامها بها ولذلك أمثلة: أحدها حيازة المباح ~~بالاستيلاء على الحشيش والحطب، والمعادن، والمياه، والصيود كالأخذ بالأيدي ~~أو بالشباك، أو الإثبات بالرمي بالسهام، أو بالطعن بالرماح. # المثال الثاني: قتل الكفار فإنه يقترن به استحقاق الأسلاب. # المثال الثالث: الخمر والزنا وقطع الطريق تترتب عليها حدودها، والتفسيق ~~وما يترتب على التفسيق. # المثال الرابع: ما يتعلق عليه طلاق أو إعتاق كالأكل والشرب ودخول الدار ~~فإن أحكامه تترتب عليه مقرونة به. # وأما ما يتقدم أحكامه على أسبابه # فله أمثلة: أحدها إذا تلف المبيع قبل القبض، فإن البيع ينفسخ بالتلف قبيل ~~التلف؛ لتعذر اقترانه به ووقوعه بعده؛ لأن الانفساخ انقلاب الملكين إلى ~~باذليهما، ولا يتصور انقلاب الملكين بعد تلف المبيع؛ لأنه خرج عن أن يكون ~~مملوكا فيتعين انقلابه إلى ملك البائع قبيل تلفه، وكذلك تجب مؤنة تجهيزه ~~وتكفينه على بائعه. # المثال الثاني: قتل الخطأ وله حكمان: # أحدهما ما يقترن به وهو وجوب الكفارة. # الثاني: ما يتقدم عليه، وهو وجوب الدية؛ لتكون موروثة عنه على فرائض الله ~~- تعالى - فتقضى منها ديونه وتنفذ وصاياه؛ لأنه أحق ببدل نفسه من ورثته، ~~فإن الأبدال في الشرع حقوق لمن يختص بالمبدل وهو أخص بنفسه من ورثته، ويدل ~~على ذلك «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الضحاك بن قيس أن يورث ~~امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» ؛ ولأنها تورث على فرائض الله - تعالى -، ~~ويدخل فيه الحجبان اللذان هما من خصائص # PageV02P096 # الميراث، ولا يقدر مثل ذلك في الكفارة إذ لا حاجة إلى مخالفة الأصول بغير ~~سبب. # المثال الثالث: إذا قال لغيره: أعتق عبدك مجانا أو بعوض سماه فأعتقه عنه، ~~فإنه يملكه قبل عتقه ثم يعتق بعد ذلك، وغلط من قال: يقع العتق والملك معا؛ ~~لأنه جمع بين النفي والإثبات، فإن الملك اختصاص والعتق قاطع لكل اختصاص. # المثال الرابع: إذا حكمنا بزوال ملك البائع في مدة الخيار فأعتق العبد ~~المبيع فإنه يملكه بالاعتقاق ملكا متقدما على الإعتاق، كي لا يقع الإعتاق ~~في غير ملك المعتق، ms265 ولو أجاز البائع فأعتق المشتري وقلنا ببقاء ملك البائع ~~كان إعتاقه كإعتاق البائع فيما ذكرناه. # وأما ما اختلف في وقت ترتيب أحكامه على أسبابه، فهو الأسباب القولية. # وهو منقسم إلى ما يستقل به المتكلم، وإلى ما لا يتم إلا بالجواب، فأما ما ~~يستقل به المتكلم فكالإبراء، وطلاق الثلاث قبل الدخول، والعتاق والرجعة، ~~والأصح أن أحكام هذه الألفاظ تقترن بآخر حرف من حروفها، فتقترن الحرية ~~بالراء من قوله أنت حر، والطلاق بالقاف من قوله أنت طالق، والإبراء بالميم ~~من قوله أبرأتك من درهم، ولو قال خصمه أبرئني من درهم فقال أبرأتك اقترنت ~~البراءة بالكاف من قوله أبرأتك، وكذلك الرجعة، تعود أحكام النكاح مع آخر ~~حرف من حروفها، وهذا اختيار الأشعري والحذاق من أصحاب الشافعي، وهذا مطرد ~~في جميع الألفاظ كالأمر والنهي وغيرهما، فإذا قال اقعد كان أمرا مع الدال ~~من قوله اقعد، وإذا قال لا تقعد كان نهيا مع الدال من قوله لا تقعد، وكذلك ~~الأقارير والشهادات وأحكام الحكام. # وقال بعض أصحاب الشافعي لا تقترن هذه بشيء من هذه الألفاظ بل تقع عقيبها ~~من غير تخلل زمان، ويدل على # PageV02P097 # الاقتران أن من سمع حرفا من آخر حروف الكلمة فإنه يحكم على مطلقها ~~بموجبها عند آخر حرف من حروفها. # وأما ما يفتقر إلى الجواب فكالمعاوضات وغيرها من المحاورات، والأصح ~~اقتران أحكامها بآخر حرف من حروفها. # فإذا قال بعتك هذه الدار بألف اقترنت صحة البيع بالتاء من قوله قبلت على ~~الأصح، ولو قال بعنيها بألف فقال بعتك انعقد البيع مع الكاف على الأصح. # وكذلك لو قال زوجتك ابنتي فقال قبلت انعقد النكاح مع التاء من قوله قبلت، ~~إن قلنا لا يفتقر إلى أن يقول قبلت نكاحها، وإن قلنا يفتقر إلى ذلك انعقد ~~مع الألف من نكاحها. # ولو قال لزوجته أنت طالق إن شئت فقالت شئت، وقع الطلاق مع التاء من قولها ~~شئت، ولو قال أجرتك دار بدرهم فقال قبلت انعقدت الإجارة مع قوله قبلت، ولو ~~قال أجرني دارك بدرهم فقال أجرتك انعقدت الإجارة ms266 مع قوله أجرتك. # وأما ما يتعجل أحكامه ويتأخر عنه بعض أحكامه فله أمثلة: أحدها: البيع ~~ويقترن الانعقاد والصحة بآخر حروفه على الأصح، ويتراخى لزومه إلى الإجازة ~~والافتراق، وانقضاء خيار الشرط، وفي اقتران الملك به أقوال. أحدها: يقترن ~~به. # والثاني: يتراخى إلى لزومه. # والثالث: أن اقترانه به موقوف، فإن أجيز العقد تبينا اقترانه،، وإن فسخ ~~أو انفسخ تبينا أنه لم يقترن. # المثال الثاني: عقد الهبة، ويقترن صحتها وانعقادها بآخر حروفها على ~~الأصح، ويتراخى لزومها إلى قبضها. # المثال الثالث: الرهن ويقترن انعقاده بآخر حروفه على الأصح، ويتراخى ~~لزومه على إقباضه. # PageV02P098 # المثال الرابع: الطلاق الرجعي ويقترن وقوعه وتنقيصه للعدد وتحريمه ~~للاستمتاع وتمكينه للرجعة بالقاف من قوله طالق ويتراخى قطعه النكاح إلى ~~انقضاء العدة. # وأما الرجعة فيقترن بها جميع أحكامها. # وأما الوصية فللشافعي - رحمه الله - قول: إن الملك يحصل فيها بالقبول، ~~وهو على وفق ما ذكرناه وهو بعيد، وللشافعي قولان آخران: أحدهما يحصل الملك ~~بموت الموصى فيقع بين الإيجاب والقبول. # والثاني وهو الظاهر أن الملك موقوف فإن قيل تبين أن الملك حصل بالموت بين ~~الإيجاب والقبول، وإن رد تبين أن الملك لم يحصل، وهذا مما خالفت فيه ~~الوصايا سائر التصرفات. # المثال الخامس: قتل الخطأ يتقدم وجوب ديته ويتراخى طلب ثلثها إلى انقضاء ~~السنة الأولى، والثلث الثاني إلى انقضاء السنة الثانية، والثالث إلى ~~الثالثة، وكذلك الأعواض المؤجلة يقترن وجوبها بأسبابها ويتراخى طلبها إلى ~~انقضاء آجالها. ### | [فائدة المناسبة في الأحكام] # (فائدة) اعلم أن الأسباب منقسمة إلى ما يناسب أحكامه وهو الأكثر، وإلى ما ~~لا يناسبها، وهو التعبد. # وفي الأشباه اختلاف. مثال ما لا يناسب أحكامه: وجوب غسل الأطراف في ~~الوضوء بالمس واللمس وخروج الخارج من السبيلين، فإن كل واحد من هذه الأسباب ~~لا تعقل مناسبته لغسل الأطراف، إذ كيف يعفى عن محل النجاسة ويجب غسل ما لم ~~تصبه النجاسة؟ مثال ما يناسب أحكامه: وجوب غسل النجاسة، وجوب عقاب الجناة ~~زجرا لهم عن الجنايات، ووجوب اشتراط العدالة في الولاة لتحملهم عدالتهم على ~~إقامة مصالح الولايات، وكذلك إيجاب ms267 الغنائم للغانمين، فإن القتال يناسب ~~إيجابها لهم؛ لأنهم حصلوها بقتالهم وتسببوا إليها برماحهم وسهامهم، وكذلك ~~جعل الأسلاب للقاتلين المخاطرين لقوة تسببهم إلى # PageV02P099 # تحصيلها ترغيبا لهم في المخاطرة بقتل المشتركين. # وكذلك إيجاب الفيء لسيد المرسلين وخاتم النبيين لما نصره الله به من ~~الرعب في قلوب الكافرين، وقد جعله الشافعي - رحمه الله - على أحد قوليه بعد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأجناد المسلمين؛ لأنهم قاموا مقامه في ~~إرعاب الكافرين. # وكذلك إيجاب الأسلاب للمثخنين دون الذابحين بعد الإثخان كما وقع في قصة ~~ابني عفراء وابن مسعود - رضي الله عنهم - فإنهما أثخنا أبا جهل وذبحه ابن ~~مسعود بعد ذلك؛ لأن السلب إنما استحقه القاتل؛ لأنه كفى مئونته ودفع شره عن ~~المسلمين، وذلك مختص بالمثخنين دون الذابحين بعد الإثخان، وكذلك تخصيص قبول ~~الروايات والشهادات بالمعدلين لاختصاصهم بظهور صدقهم والثقة بأقوالهم بين ~~كافة المسلمين. # وكذلك تخصيص المعاملات والمناكحات دفعا للضرورات والحاجات، فمن الأسباب ~~ما يبنى عليه حكم واحد، ومنها ما يبنى عليه حكمان، إلى أن ينتهي السبب ~~الواحد إلى قريب من ستين حكما أو أكثر. # فلما له من الأسباب حكم واحد أمثلة أحدها: ملك الصيد بالحيازة. # المثال الثاني: وجوب الحكم بالشهادة. # المثال الثالث: وجوب الحكم بالإقرار. # المثال الرابع: وجوب الحكم إذا حلف المدعي بعد نكول المدعى عليه. # المثال الخامس: تنجيس الماء بمصادفة النجاسة مع القلة أو عند تغير أحد ~~أوصافه، وللنجاسة أحكام كثيرة، وكذلك حصول الطهارة عند الغسل المشروع ~~وللطهارة أحكام كثيرة. # المثال السادس: وجوب الطاعة عند أمر الإمام أو الحاكم أو السيد أو ~~الوالد. # المثال السابع: تخير القاتل بعد تمام الإيجاب في قريب الزمان دون بعيده. # PageV02P100 # المثال الثامن: إتلاف الأموال خطأ موجب للضمان. # المثال التاسع: قتل المحرم الصيد موجب للتخير بين الجزاء والصوم والإطعام ~~وذلك حكم واحد. # المثال العاشر: أهلية الإمامة والقضاء موجبة لتولية الإمام والقضاة. # المثال الحادي عشر: الطيب والأدهان موجبان للتخير بين الخصال الثلاث. # المثال الثاني عشر: حلق الرأس موجب للتخير بين الصيام والصدقة والنسك. # المثال الثالث عشر: ملك خمس من الإبل ms268 موجب للخيار بين الشاة وبين بنت ~~مخاض أو لبون والحقة والجذعة والثنية. # ولما له من الأسباب حكمان أمثلة. أحدها قتل الخطأ وهو معفو عنه وله ~~حكمان: أحدهما وجوب الكفارة. # والثاني: وجوب الضمان. # المثال الثاني: الحنث في اليمين إذا كان مباحا أو واجبا أو مندوبا فله ~~حكمان أحدهما: التخير بين الخصال الثلاث، والثاني ترتيب الصيام، وإن كان ~~الحنث محرما فإن كان كبيرة أوجب التحريم والتفسيق والتفكير المذكور، وإن ~~كان الحنث صغيرة أوجب التحريم والتخيير والترتيب. # المثال الثالث: التمتع موجب لحكمين أحدهما الهدي، والثاني الصيام عند ~~العجز. # وأما السب والضرب فإنهما موجبان للتحريم والتعزير ما لم ينتهيا إلى حد ~~الكبائر، فإن انتهيا إلى حد الكبائر حصل التحريم والتفسيق والتعزير. # ولما له من الأسباب ثلاثة أحكام أمثلة - أحدها إتلاف الأموال عمدا ~~وأحكامه التحريم والتعزير وإيجاب الضمان. # المثال الثاني: القذف وأحكامه التحريم والتفسيق والجلد. # المثال الثالث: زنا الثيب وأحكامه التحريم والتفسيق والرجم. # المثال الرابع: شرب الخمر وأحكامه التحريم والتفسيق والحد. # PageV02P101 # المثال الخامس: شرب النبيذ وهو موجب للتحريم والتفسيق والحد على من يعتقد ~~تحريمه، وأما من لا يعتقد تحريمه فهو موجب لحده من غير تحريم ولا تفسيق. # المثال السادس: الظهار وهو موجب للتحريم والتفسيق والكفارة المرتبة. # وأما قتل العمد فهو موجب للتحريم والتفسيق والتخيير بين الدية والقصاص، ~~وزاد الشافعي - رحمه الله - الكفارة فله على مذهبه أربعة أحكام. # وأما ماله من الأسباب أربعة أحكام فكزنا البكر وهو موجب للتحريم والتفسيق ~~والجلد والتغريب. # وأما الحدث الأصغر فسبب لتحريم الصلاة والطواف وسجدة الشكر والسهو ~~والتلاوة ومس المصحف، ويزيد عليه حدث الجنابة وهو الحدث الأوسط بتحريم ~~الصوم والوطء والطلاق. # وأما الوطء فله أحكام كثيرة منها الأحكام السبعة في الجنابة، ومنها ~~العشرة في الحيض، ومنها أحكامه في الصوم وهي التحريم والتفسيق والإفساد، ~~وإيجاب الكفارة المرتبة، ومنها أحكامه في الاعتكاف الواجب، وهي التحريم ~~والإفساد والتعزير، وأما التفسيق فإن وقع الجماع في المسجد كان فسقا. # وإن كان خارج المسجد فإن وقع في وقت ملابسة الحاجة فليس بمفسق؛ لأجل ~~الاختلاف في إباحة ذلك، ms269 وإن وقع وراء ذلك ففيه وقفة. # ومنها: أحكامه في الحج والعمرة وهي التحريم والتفسيق والكفارة، وإفساد ~~الصحة دون الانعقاد، وأما المضي في الفاسد ففيه نظر من جهة أنه واجب ~~بالإحرام لا بالجماع، ومنها تحليل المرأة لمطلقها، ومنها تقرير المهر ~~المسمى في النكاح الصحيح، وإيجابه لمهر المثل في النكاح الفاسد وفي الوطء # PageV02P102 # بالشبهة، ووطء النكاح، وكذلك إيجابه الاستبراء في المملوكة إذا ملكت، ~~وبعد زوال ملكها، وكذلك إيجابه للتحريم والتفسيق والجلد والتغريب. # وكذلك إيجابه لإلحاق الأولاد في ظاهر الحكم في الحرائر والإماء ~~المشتركات، وكذلك إلحاقه النسب إذا وقع بالشبهة في العزبات الخليات، ومنها ~~التحصين في حق الزوجين فيما يرجع إلى حق الزنا، ومنها حصول الفيئة به في ~~الإيلاء وحصول العود به في الظهار عند بعض العلماء، ومنها قطعه للعدة إذا ~~وقع في أثنائها بشبهة وحصل منه الحمل، ومنها تحريمه أم الزوجة وجداتها وبنت ~~الزوجة وبناتها وتفسيقه، وإيجابه الحد في كل واحدة منهن، ومنها تحريمه ~~الجمع بين الأختين وتفسيقه، وإيجابه الحد على من علمه. # ومنها تحريمه وتفسيقه إذا وقع بشبهة الشركة، وإيجابه لبعض المهر، ومنها ~~تحريمه وطء الزوج في عدة النكاح إذا وقعت في أثناء النكاح، وإيجابه ~~التعزير، وكل موضع حرمناه على الزوج، فالتمكين منه حرام على النساء إذا ~~علمن موجب للتعزير إن وقع بشبهة كالوطء في الجارية المملوكة، والحد إن خلا ~~عن الشبهة: إما بالرجم أو بالجلد والتغريب، وإن وقعت الشبهة من أحد ~~الجانبين دون الآخر، فإن تعلقت بالنساء فلهن مهور أمثالهن، ولا حد عليهن ~~ولا تحريم، وإن تعلقت بالرجل تعلق بالنساء ما يتعلق بالزناة، ولا مهر ~~للنساء وعليهن العدد. ### | [فصل في تقسيم الموانع] # موانع صحة العبادات والمعاملات قسمان، أحدهما ما يمنع الصحة في الابتداء ~~أو الدوام وله أمثلة: إحداها: الكفر وهو مانع من ابتداء العبادة ودوامها. # PageV02P103 # المثال الثاني: الردة تمنع صحة النكاح ابتداء ودواما إن وقعت قبل الدخول ~~وإن وقعت بعد الدخول ودامت حتى انقضت العدة فإنها تقطع الدوام. # المثال الثالث: الحدث يمنع ابتداء الصلاة والطواف ودوامهما. # المثال الرابع: المحرمية تمنع ms270 من ابتداء النكاح واستمراره. # المثال الخامس: الرضاع يمنع من ابتداء النكاح ودوامه. # القسم الثاني: ما يمنع الابتداء ولا يمنع الدوام وله أمثلة. # أحدها: الإحرام فإنه يمنع ابتداء النكاح ولا يمنع الدوام. # المثال الثاني: العدة تمنع ابتداء النكاح ولا تمنع الدوام. # المثال الثالث: وجود الطول يمنع ابتداء نكاح الأمة ولا يمنع الدوام، ~~المثال الرابع: أمن العنت يمنع الابتداء في نكاح الأمة ولا يمنع الدوام. # المثال الخامس: توقيت النكاح مانع من ابتدائه ولا يمنع استدامته، إذا قال ~~أنت طالق غدا أو بعد شهر، خلافا لمالك - رحمه الله - فإنه ألحقه بالابتداء. # المثال السادس: رؤية الماء مانعة من ابتداء الصلاة بالتيمم، وغير مانعة ~~في الدوام عند الشافعي - رحمه الله - # المثال السابع: وجدان الرقبة في صوم الظهار وكفارة القتل. والرقبة مانعة ~~من ابتداء الصوم وغير مانعة من دوامه. # PageV02P104 ### | [فصل في الشرط] # الشرط في الاصطلاح ما يتوقف عليه الحكم وليس بعلة الحكم ولا يجزئ لعلته، ~~وأما في اللفظ فأكثر ما يعبر بلفظ الشرط عن الأسباب أو عن أسباب الأسباب ~~فأما التعبير بلفظ الشرط عن الأسباب فله أمثلة. # أحدها قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ~~[البقرة: 194] ومعلوم أن الاعتداء الأول سبب الاعتداء الثاني المثال الثاني ~~- قوله: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239] والخوف سبب للقتل في ~~ذلك. # المثال الثالث - قوله: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] ولا شك أن الطلاق الثلاث سبب لتحريمها. # المثال الرابع - قوله - عليه السلام - «من قتل قتيلا فله سلبه» . # المثال الخامس: قوله - صلى الله عليه وسلم - «من أحيا أرضا ميتة فهي له» # المثال السادس قوله: «من دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن» . # وأما التعبير بلفظ الشرط عن أسباب الأسباب المحذوفة فله أمثلة: أحدها ~~وقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: ~~184] ، تقديره فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعليه صوم عدة من أيام ~~أخر فالمرض والسبب سببان لجواز الإفطار. والإفطار سبب لصوم ms271 عدة من أيام ~~أخر. # PageV02P105 # المثال الثاني وقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: ~~196] ، تقديره فإن أحصرتم فتحللتم فعليكم ما استيسر من الهدي. أي فعلى كل ~~واحد منكم ما استيسر من الهدي. # المثال الثالث قوله: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] على التخيير على أمرين أحدهما منطوق ~~به، والثاني محذوف كما ذكرناه في الصيام. ### | [قاعدة في بيان الشبهات المأمور باجتنابها] # قال - عليه السلام -: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا ~~يعلمها كثير من الناس، فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» وهذا حث ~~منه - عليه السلام - على ترك المشتبهات. # اعلم أن التحليل والتحريم والإباحة والندب والإيجاب والكراهة ليس لها ~~متعلق إلا أفعال العباد المقدور عليها أو على التسبب لها، ولا يطلب الشرع ~~من الأفعال والتروك إلا ما يقدر المكلف عليه كما لا يجده إلا في مقدور ~~عليه، فليس وصف الأفعال بالتحليل والتحريم والكراهة والندب والإيجاب وصفا ~~حقيقيا قائما بالأفعال إذ لا يقوم عرض بعرض، ولا يقع التكليف إلا بالأعراض، ~~وإنما هو عبارة عن تعلق الشرع بالأفعال، وكذلك الوصف بالسببية والشرطية ~~والمانعية والرق والحرية والملك والاختصاص، فالمملوك ما ثبت له أحكام ~~الملك، والحر من ثبتت له أحكام الحرية، والرقيق من ثبتت له أحكام الرق، ~~والوقف ما ثبتت له أحكام الوقف، بخلاف المسلم والكافر والبر والفاجر فإن ~~الإسلام والكفر # PageV02P106 # والبر والفجور أوصاف حقيقية قائمة بالمحل، وإطلاق أسمائها على النائم ~~والمجنون والغافل عنها إنما هو من مجاز تسمية الشيء بما كان عليه، والوصف ~~بها في حال الغفلة عنها كالوصف بالرق والحرية، وإحرام الأحكام عليها من باب ~~إعطاء المعدوم حكم الموجود على ما سنذكره عقيب هذه القاعدة إن شاء الله # ثم الأفعال التي تتعلق بها الأحكام ضربان - أحدهما ما هو حسن في ذاته ~~وثمراته كمعرفة الإله وصفاته والإيمان بذلك، فإنه أحسن ما كلفه الإنسان، ~~وهو أفضل من ثمراته التي هي خلود الجنان والزحزحة عن النيران. # الضرب الثاني: ما هو قبيح في ms272 ذاته وثمراته كالجهل بما يجب من العرفان ~~والإيمان، وثمراته خلود النيران وحرمان الجنان، وجزاؤه مثله في القبح قال ~~تعالى: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} [الأنعام: 160] . # ومن الأفعال ما هو حقيقته وذاته ولكنه ينهى عنه مرة لقبح ثمراته ويؤمر به ~~تارة لحسن ثمراته ويباح تارة لمصالح تتقاربه في الإقدام عليه والإحجام عنه ~~وله أمثلة - أحدها القتل وهو ثلاثة أقسام باعتبار ثمراته لا باعتبار ذاته ~~لأن ذاته فساد وإتلاف. # القسم الأول: قتل من يجب قتله من الكافرين والمسلمين وهو حسن لحسن ~~ثمراته، أما قتل الكافر فلما فيه من محو الكفر الذي هو من أفسد المفاسد ~~وإبداله بالإيمان الذي هو أصلح المصالح، وأما قتل الجاني، فلما فيه من حفظ ~~الأرواح بزجر الجناة عن الجنايات. # القسم الثاني: تحريم المسلمين وهو مماثل في ذاته لقتل الكافرين والمسلمين ~~المحاربين، ولكنه حرم لقبح ثمراته. # القسم الثالث: قتل من يجوز قتله بالقصاص من الجناة، فإنه حسن لثمراته. # PageV02P107 # المثال الثاني: الأكل متحد في ذاته وحقيقته، وإنما قبح لأسبابه أو ~~لثمراته، فأكل الميتة والدم ولحم الخنزير مساو في حقيقته وذاته لأكل البر ~~والشعير ولكنه حرم لقبح أسبابه وثمراته. # المثال الثالث: الوطء متحد في حقيقته وذاته لكنه يحرم تارة لقبح ثمراته ~~ويحل تارة لحسن ثمراته، وقد يجمع الفعل الواحد مفاسد كثيرة فيترتب عليه ~~أحكامها وزواجرها، وكفاراتها. مثاله، إذا زنا بأمه في جوف الكعبة وهما ~~صائمان في رمضان، فقد أتى بكبائر يتعلق به أحكامها لو تفرقت. فإنه بالنظر ~~إلى انتهاك حرمة الكعبة مرتكب لكبيرة موجبة للتحريم وللتفسيق والتعزير، ~~وبالنظر إلى إيقاع الزنا بأمه مرتكب لكبيرة عظيمة وهي أن عقوق الأم وعقوق ~~الوالدين من الكبائر الموجبة للتعزير، وبالنظر إلى كونه مفسدا للعمرة ~~مرتكبا لكبيرة مفسقة موجبة لكفارة مرتبة، وبالنظر إلى كونه زانيا مرتكبا ~~لكبيرة مفسقة موجبة للرجم إن كان محصنا، والجلد والتغريب إن كان بكرا. # وكذلك قد يجمع الفعل الواحد مصالح شتى من غير أن يخبر الإمام بظهور الزنا ~~والربا واستلاب الأموال وقتل الرجال وتعطيل الصلوات والزكاة وانتهاك ~~الحرمات واتباع الشهوات ms273 فيأمر بتغيير ذلك كله بكلمة واحدة يثاب على تسببه ~~إلى تغير كل واحدة من هذه المفاسد بكلمة كما يثاب عليها إذا تسبب إلى إزالة ~~كل واحدة منها على حدتها. # وأسباب التحريم والتحليل ضربان: أحدهما قائم بالمحل الذي يتعلق به فعل ~~المكلف، والثاني خارج عن المحل، فأما القائم بالمحل من أسباب التحريم فهو ~~كل صفة قائمة بالمحل موجبة للتحريم كصفة الخمر فإنها محرمة، لما قام بشربها ~~من الشدة المطربة المفسدة للعقول، وكالميتة حرمت لما قام بها من الاستقذار، ~~وكلحم الخنزير يحرم لصفة قائمة به، وكالسموم القاتلة حرمت # PageV02P108 # لما قام بها من الصفة القاتلة، وكذلك الصفات النسبية كالأمومة والجدودة ~~والبنوة والأخوة والعمومة والخؤولة واللعان المحرم للنكاح. # وأما القائم بالمحل من أسباب التحليل فهو كل صفة قائمة بالمحل موجبة ~~للتحليل، كصفة البر والشعير والرطب والعنب والإبل والبقر والغنم. # وأما الخارج عن المحل فضربان: أحدهما الأسباب الباطلة كالغصب والقمار ~~والحرية المانعة من البيع فهذه أسباب خارجة عن المحل موجبة لتحريم الفعل ~~المتعلق به. # الضرب الثاني: الأسباب الصحيحة كالبيع الصحيح والإجارة الصحيحة ~~والمعاملات المحكوم بصحتها شرعا إما بنص أو إجماع فهذا حلال بسببه، فما كان ~~في هذه الأعيان حلالا بوصفه وسببه فهو حلال بين كما لو باع النعم أو البر ~~أو الشعير أو الرطب أو العنب بيعا صحيحا متفقا على صحته أو منصوصا عليها، ~~وما كان من هذه الأعيان حرام بوصفه وسببه فهو حرام بين كالخمر ولحم الخنزير ~~يغصبان من ذمي، وما كان من هذه الأعيان متفقا على وصفه القائم به مختلفا في ~~سببه الخارج عنه، أو كان متفقا على سببه الخارج عنه مختلفا في وصفه القائم ~~به، فإنك تنظر إلى مأخذ تحليله وتحريمه بالنظر إلى وصفه القائم به وإلى ~~سببه الخارج عنه، فإن كانت أدلتهما متفاوتة، فما رجح دليل تحريمه كان ~~حراما، وما رجح دليل تحليله كان حلالا، وإن تقاربت أدلته كان مشتبها وكان ~~اجتنابه من ترك الشبهات، فإنه أشبه المحلل من جهة قيام دليل تحليله، وأشبه ~~المحرم من جهة قيام دليل تحريمه فمن ms274 ترك مثل هذا فقد استبرأ لدينه وعرضه، ~~وإذا تقاربت الأدلة فما كان أقرب إلى أدلة التحريم تأكد اجتنابه واشتدت # PageV02P109 # كراهته، وما كان أقرب إلى أدلة التحليل خف الورع في اجتنابه وإن كافأ ~~دليل التحليل دليل التحريم حرم الإقدام ولم يتخير على الأصح، وكل حكم استند ~~إلى دليل لو حكم به الحاكم لنقض حكمه فذلك دال على البطلان، لأنا إنما ~~حكمنا بنقضه لبطلان دليله، وما بطل دليله كان باطلا في نفسه. # وقد أطلق الفقهاء أن اختلاف العلماء شبهة وليس ذلك على إطلاقه، إذ ليس ~~عين الخلاف شبهة بدليل أن خلاف عطاء في جواز وطء الجواري بالإباحة خلاف ~~محقق، ومع ذلك لا يدرأ الحد، وإنما الشبهة الدارئة للحد ففي مأخذ الخلاف ~~وأدلته المتقاربة كالخلاف في النكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح المتعة، فإن ~~الأدلة فيه متقاربة لا يبعد كل واحد من المجتهدين إصابة خصمه عند الله عز ~~وجل فنذكر لذلك أمثلة: أحدها: أكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير لو ~~اشتري بعقد غير مختلف في صحته لو وقع فيما يحل بصفته لكان الخلاف في صفته ~~قائما، وصفته ما قام به من نابه ومخلبه. # المثال الثاني: أكل البر والشعير والرطب والعنب والإبل والبقر والغنم إذا ~~اشتريت ببيع مختلف في صحته كبيع الفضولي وبيع الغائب والبيع وقت النداء ~~لكان الخلاف في سببه قائما موجبا للورع في مباشرته، ويختلف الورع في ~~مباشرته، ويختلف الورع في هذين المثالين باختلاف رتب أدلتهما. # المثال الثالث: نكاح المخلوقة من ماء الزاني إذا عقد عليها عقد لو عقد ~~على أجنبية لكان صحيحا بالنص أو الإجماع فهذا مما يشتد التورع في نكاحها ~~للاختلاف في كون صفتها مقتضية للتحريم. # وقد يلتبس ما حل بوصفه وسببه بما حرم بوصفه وسببه وله حالان. # أحدهما: أن تلتبس عين واحدة بأخرى كما إذا اختلطت أخته من الرضاع بأجنبية ~~فالإقدام على تزويج إحداهما أو وطئها بملك اليمين حرام بين. # PageV02P110 # الحال الثانية: أن تختلط أخته من الرضاع بأهل بلد لا ينحصرون فأيما امرأة ~~تزوجها من أهل تلك ms275 البلدة أو نكحها بملك اليمين فوطؤها حلال بين، وبين ~~هاتين الرتبتين أعداد كثيرة، فإذا جاوز العدد مائتين مثلا كان النكاح ~~جائزا، وإذا زاد كان أولى بالجواز، وإذا نقصت رتب العدد على أهل البلدة ~~كانت رتب الورع مرتبة على رتب النقص، ولو اختلطت حمامة مباحة بحمامة مملوكة ~~لكان كاختلاط الأختين ولا اختلطت حمامة مملوكة بحمام مباح لا ينحصر كان ~~كاختلاط الأخت بأهل بلدة لا ينحصرون، ولو اختلط حمام مباح لا ينحصر بحمام ~~مملوك لا ينحصر فقد اختلف فيه لأن نسبة ما لا ينحصر إلى نسبة ما ينحصر ~~كنسبة المنحصر إلى ما لا ينحصر. ### | [فائدة ما كان حراما بوصفه وسببه أو بأحدهما] # (فائدة) ما كان حراما بوصفه وسببه أو بأحدهما فلا يأتيه التحليل إلا من ~~جهة الضرورة أو الإكراه، وما كان حلالا بوصفه فلا يأتيه التحريم إلا من جهة ~~سببه، وما كان حلالا بسببه لا يأتيه التحريم إلا من جهة وصفه، فلو عقد على ~~الخمر والخنزير عقد متفق على صحة مثله لم يأته التحريم إلا من قبل وصفه. ### | [فائدة إذا أكل برا مغصوبا أو شاة مغصوبة] # (فائدة) إذا أكل برا مغصوبا أو شاة مغصوبة صح أن يقال أكل حراما لكونه ~~حراما بسببه، وصح أن يقال ما أكل حراما لأنه حلال بصفته، وإن أكل برا ~~مشتركا بغير إذن شريكه صح أن يقال أكل حراما وحلالا لأن نصيبه حلال له ~~بملكه وصفته، ونصيب شريكه حرام عليه بسببه دون صفته، ولا شك أن هذا لا يأثم ~~إثم من أكل طعاما كله مغصوب لكمال المفسدة في المغصوب ونقصها في المشترك، ~~فإن المشترك حرم تحريم الوسائل وهذا حرم تحريم المقاصد، فلو أكل المحرم ~~الصيد لأكل ما هو حلال بصفته حرام بسببه، وإن ذبح المحرم الصيد فإن حرمنا ~~تذكيته كان أكلا لما # PageV02P111 # حرم بصفته وسببه، وإن أبحنا ذكاته كان أكلا لما حرم بسببه الذي هو حرام ~~دون صفته. ### | [فائدة ما يحرم بوصفه لا يحل إلا لضرورة] # (فائدة) ما يحرم بوصفه لا يحل إلا لضرورة أو إكراه، وما حل ms276 بصفته لا يحرم ~~إلا بفساد سببه، ولا يتصور فيما حل بالنسبة القائمة به كالأمهات والأخوات ~~أن تحل بسبب من الأسباب ولا بضرورة ولا إكراه، وهذا ككفر الجنان لا يحل ~~بسبب من الأسباب، بخلاف كفر اللسان فإنه يباح بالإكراه. # فإن قيل: لو وطئ واحدة من هؤلاء بسبقه فهل يوصف وطؤه بالتحليل والتحريم؟ ~~قلنا: لا يوصف بشيء من الأحكام الخمسة لأنه خطأ معفو عنه فصار كأفعال ~~المجانين والصبيان، وكذلك القول في النسيان. ### | [فصل في التقدير على خلاف التحقيق] # التقدير إعطاء المعدوم حكم الموجود، أو الموجود حكم المعدوم، فأما إعطاء ~~المعدوم حكم الموجود فله أمثلة. # أحدها: إيمان الصبيان في وقت الطفولة فإنهم لم يتصفوا به حقيقة وإنما قدر ~~وجوده وأجري على ذلك الموجود المقدر أحكام الإيمان، وكذلك تقدير الإيمان في ~~حق البالغين إذا غفلوا عنه أو زال إدراكهم بنوم أو إغماء أو جنون. # المثال الثاني: تقدير الكفر في أولاد الكفار مع أنهم لا يتعقلون إيمانا ~~ولا كفرا وتجري عليهم في الدنيا أحكام آبائهم. # PageV02P112 # المثال الثالث: العدالة مقدرة في العدول إذا غفلوا عنها وزوال إدراكهم ~~بنوم أو إغماء أو جنون. # المثال الرابع: الفسق يقدر في الفاسق مع غفلته عنه أو مع زوال الإدراك. # المثال الخامس: الإخلاص والرياء فإنهما يقدران مع زوالهما، ومن مات على ~~شيء من هذه التقديرات بعثه الله على ما مات عليه فمن غفل عند الموت من ~~المؤمنين عن إيمانه، ومن الكافرين عن كفره، ومن المخلصين عن إخلاصه، ومن ~~المرائين عن ريائه، ومن العدول والفسقة عن عدالته وفسقه ومن المصرين ~~والمقلعين عن إصراره وإقلاعه، لقي الله بذلك المقدر في حقه لقوله - عليه ~~السلام -: «يبعث كل عبد على ما مات عليه» # المثال السادس: تقدير النيات في العبادات مع عزوبها والغفلة عنها. # المثال السابع: تقدير العلوم للعلماء مع غيبتها عنهم، فيقدر الفقه في ~~الفقيه مع غفلته عنه، وكذلك الشعر في الشاعر، والطب في الطبيب وعلم الحديث ~~في المحدث. # وأما نبوة الأنبياء فقد جعل النبي بمعنى المنبئ عن الله فإنه يقدرها في ~~حال سكوت النبي ms277 عن الإنباء وتحققها في حال ملابسة الإنباء، ومن جعل النبي ~~بمعنى المنبئ المخبر كانت النبوة عبارة عن تعلق إنباء الله به وليس ذلك ~~وصفا حقيقيا، فإن متعلق الخطاب لا يستفيد صفة حقيقية من تعلق الخطاب. # المثال الثامن: تقدير الصداقة في الأصدقاء والعداوة في الأعداء والحسد في ~~الحساد مع الغفلة عنها وفي حال النوم والغشي. # PageV02P113 # فإن قيل: ما معنى وقوله تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد} [الفلق: 5] فالجواب ~~أن الحسد الحكمي لا يضر المحسود لغفلة الحاسد عنه، والحسد الحقيقي هو الحاث ~~على أذية المحسود، فقوله تعالى: {ومن شر حاسد} [الفلق: 5] صالح للحسد ~~الحكمي والحقيقي قال: {إذا حسد} [الفلق: 5] تخصيصا للحسد الحقيقي الذي هو ~~مظنة الأذى بالاستعاذة فإن الحكمي لا ضرر فيه. # المثال التاسع: صوم المتطوع من أول النهار إذا نواه قبل الزوال على رأي ~~من يراه صائما من أول النهار. # المثال العاشر: إذ باع سارقا فقطع في يد المشتري ففي تقدير القطع في يد ~~البائع مذهبان، فإن قدر قطعه في يد البائع ثبت الرد للمشتري وإلا فلا. # المثال الحادي عشر: إذا باع عبدا مرتدا فقتل بالردة في يد المشتري ففي ~~تقدير القتل في يد البائع وجهان، فإن قدرناه في يد البائع بطل البيع ورجع ~~بجميع الثمن وإلا فلا. # المثال الثاني عشر: الذمم وهي تقدير أمر الإنسان يصلح للالتزام والإلزام ~~من غير تحقق له. # المثال الثالث عشر: الديون فإنها تقدر موجودة في الذمم من غير تحقق لها ~~ولا لمحلها، ويدل على تقديرها وجوب الزكاة فيها، ولو لم يقدر وجودها لما ~~وجبت الزكاة في معدوم، ولا يقال إنما وجبت الزكاة فيها لأنها تفضى إلى ~~الوجود بقبضها، فإن الدين إذا كان على غني ملي وفي مقر حاضر يدفعه متى طولب ~~به ومضت عليه أحوال على هذه الصفة ثم تعذر أخذه بعد ذلك بموت المدين معسرا ~~فإن مالكه يطالب بزكاة ما مضى وإن لم يفض أمره إلى التحقق والوجود. # PageV02P114 # المثال الرابع عشر: تقدير الذهب والفضة في عروض التجارة، فإنه لو ملك ~~نصابا من الذهب أو ms278 الفضة ستة أشهر ثم اشترى بها عروضا للتجارة ومضى على ~~العروض ستة أشهر فإن الزكاة تلزمه تقديرا لبقاء الذهب والفضة في العروض، ~~وكذلك لو اشترى العرض للتجارة بما لا زكاة فيه فإنا نقدر نقد البلد في ~~النصاب. # المثال الخامس عشر: تقدير الملك في المملوكات فإنه ليس أمرا حقيقيا قائما ~~بالمملوك؛ وإنما هو مقدر فيه لتجرى عليه أحكامه، وكذلك الرق والحرية مقدران ~~في الأحرار وليسا بصفة حقيقية للأحرار والعبيد، وإنما رجع الملك والرق ~~والحرية إلى تعلق أحكام مخصوصة بهذه المحال، وكذلك الزوجية في الزوجين أمر ~~مقدر يتعلق به أحكام خاصة. # وأما إعطاء الموجود حكم المعدوم فله مثالان - أحدهما وجود الماء يحتاج ~~إليه المسافر لعطشه أو لقضاء دينه، أو لنفقة ذهابه وإيابه، أو لزيادة ثمنه ~~على ثمن مثله، أو بهبة ثمنه منه، فإنه يقدر معدوما مع وجوده. # المثال الثاني: وجود المكفر الرقبة مع احتياجه إليها واعتماده عليها ~~فإنها تقدر معدومة لينتقل إلى بدلها. # ومن التقديرات: إعطاء المتأخر حكم المتقدم كمن رمى سهما أو دهور حجرا ثم ~~مات فأصابا بعد موته شيئا فأفسداه فإنه يلزمه ضمانه تقديرا لإفساده قبيل ~~موته. # وكذلك لو حفر بئرا في محل عدوانا فوقع فيها إنسان بعد موته وجب ضمانه، ~~فإن كانت له تركة صرفت في ذلك، فإن أتلفها الورثة لزمهم ضمانها وتصرف في ~~ذلك، وإن لم يخلف شيئا بقيت الظلامة إلى القيامة. # PageV02P115 # ومن التقديرات: إعطاء الآثار والصفات حكم الأعيان الموجودات كالمفلس إذا ~~قصر الثوب المبيع فهل يكون قصره كصبغه فيه قولان: فإن جعلناه كصبغه كان ذلك ~~تقديرا للمعدوم موجودا، واعلم أنه لا يعرى شيء من العقود والمعاوضات من ~~جواز إيراده على معدوم، فإن البيع قد يكون مقابلة عين بعين، وقد يكون ~~مقابلة عين بدين، وقد يقابل الدين بالدين ثم ينفع التقابض في المجلس ~~وكلاهما عند العقد معدوم. # وأما الإجارة فإن قوبلت المنفعة بمنفعة كان العوضان معدومين، وإن قوبلت ~~بعين كانت المنافع معدومة. # وأما السلم فمقابلة معدوم بموجود إن كان رأس المال عينا، أو بدين يقبض في ~~المجلس إن ms279 كان رأس السلم دينا. # وأما القرض فمقابلة موجود بمعدوم. # وأما الوكالة فإذن في معدوم. # وأما المضاربة فعمل العامل فيها معدوم وكذلك الأرباح. # وأما المساقاة والمزارعة المتفق عليهما فمقابلة معدوم بمعدوم، فإن عمل ~~الفلاح معدوم ونصيبه من الثمر والزرع معدوم، فإن وقعت المساقاة على الثمر ~~بعد وجوده في الصحة خلاف. # وأما الجعالة فإن عين الجعل كان مقابلة معلوم بمعدوم، وإن لم يعينه كان ~~مقابلة معدوم بمعدوم. # وأما الوقف فهو تمليك لمنافع معدومة وفوائد معقودة تارة لموجود وتارة ~~لمفقود، وتمليك المفقود أعظم أحوال الوقف، فإن المستحقين الموجودين وقت ~~الوقف إذا انقرضوا صارت الغلات والمنافع معدومة # PageV02P116 # المثال الحادي والخمسون: قطع أعضاء الجاني حفظا لأعضاء الناس. # المثال الثاني والخمسون: جرح الجاني حفظا للسلامة من الجراح. # المثال الثالث والخمسون: قتل الجاني مفسدة بتفويت حياته لكنه جاز لما فيه ~~من حفظ حياة الناس على العموم ولذلك قوله سبحانه وتعالى: {ولكم في القصاص ~~حياة} [البقرة: 179] . # المثال الرابع والخمسون: التمثيل بالجناة إذا مثلوا بالمجني عليه مفسدة ~~في حقهم، لكنه مصلحة زاجرة عن التمثيل في الجناية. # المثال الخامس والخمسون: حد القاذف صيانة للأعراض. # المثال السادس والخمسون: جلد الزاني ونفيه حفظا للفروج والأنساب ودفعا ~~للعار. # المثال السابع والخمسون: الرجم في حق الزاني الثيب مبالغة في حفظ ما ~~ذكرناه. # المثال الثامن والخمسون: حد الشرب حفظا للعقول عن الطيش والاختلال. # المثال التاسع والخمسون: حدود قطاع الطريق حفظا للنفوس والأطراف ~~والأموال. # المثال الستون: دفع الصول - ولو بالقتل - عن النفوس والأبضاع والأموال. # PageV02P117 # وأما الحوالة فتتعلق بدين في مقابلة دين، وهي معاوضة على رأي، وقبض مقدر ~~على رأي، والأظهر أنها من الأحكام المركبة فيثبت لها حكم القبض. من وجه، ~~وحكم المعاوضة من وجه. # وأما الصلح فلا يخرج عن كونه بيعا أو إجارة أو إبراء أو هبة، والعجب ممن ~~يعتقد أن المعاوضة على المعدوم على خلاف الأصل مع أن الشريعة طافحة بها في ~~جميع التصرفات، بل الأمر والنهي والإباحة لا تتعلق إلا بكسب معدوم، وكذلك ~~معظم النذور والوعود لا تتعلق إلا بمعدوم. ### | [قاعدة فيما يقبل من ms280 التأويل وما لا يقبل] # من ذكر لفظا ظاهرا مع الأدلة على شيء ثم تأوله لم يقبل تأويله في الظاهر ~~إلا في صورة يكون إقراره فيها مبنيا على ظنه، فإقرار المرأة بنفي الرجعة، ~~وإقرار المشتري في الخصام بأن المبيع ملك البائع، فإن تأويلهما مقبول ولا ~~نحكم عليهما بظاهر إقرارهما، إذا تأولاه لأن رجوعهما لا يناقضه من جهة أن ~~إقرارهما لا محل له إلا ظنهما، وليس تكذيب الظن بمناقض لتحقق الظن، فكأنه ~~قال أظن كذا وكذا ثم كذب ظني. # وكذلك قول السيد لمكاتبه إذا أدى النجوم اذهب فأنت حر ثم ظهرت النجوم ~~مستحقة، فإنه لا يعتق إذا تأول قوله بأنه بناه على أنه عتق بأداء النجوم، ~~ونحوه إذا شهد أنه لا وارث له سوى فلان ثم ظهر له وارث آخر فإن شهادته لا ~~تبطل إلا في الحصر، لأنه أسند شهادته بذلك إلى ظاهر ويبقى الحصر فيما وراء ~~ذلك ولذلك نظائر أخر. # وأما قبوله في الباطن فله أحوال: إحداها أن يكون اللفظ قابلا لتأويله من ~~جهة اللغة فيقبل منه في الفتيا ولا يقبل في الحكم، فلو طلق # PageV02P118 # بصحيح اللفظ ثم قال أردت بذلك طلاقا من وثاق لم يقبل في الحكم ولا يسع ~~امرأته أن تصدقه في ذلك كما لا يسع الحكم تسليمها لأنهما متعبدان في العمل ~~بالظاهر، وإن صدقته لم يعتبر تصديقها لما لله في تحريم الأبضاع من الحق، ~~وكذا لو قال لأمته أنت حرة ثم قال أردت حرية النفس والأخلاق لم يقبل ولا ~~يسعها أن تسلم نفسها إليه ولا أن تدع الحقوق الواجبة لله على الحرائر، ~~وكذلك العبد لا يسعه تصديقه ولا يسقط عنه ما يجب لله من الحقوق على ~~الأحرار، كالجمعة والجهاد وغير ذلك مما يكلف به الأحرار، لأن إقراره ~~بالحرية يتضمن وجوب ذلك عليه، ومن أقر بحق لغيره ثم رجع عنه لم يقبل رجوعه ~~إلا أن يصدقه المستحق، ولا عبرة بما ذكره في الحاوي في مثل هذا. # الحال الثانية: أن ينوي ما لا يحتمله لفظه من جهة اللغة مثل أن ms281 ينوي ~~بالطلاق والعتاق الأمر بالأكل والشرب فلا يقبل منه ظاهرا ولا باطنا ويلزم ~~بصريح لفظه في الطلاق والعتاق وغيرهما. # الحال الثالثة: أن ينوي وضع اللفظ اللغوي على ما لا يحتمله في اللغة ففيه ~~خلاف يعبر عنه بالوضع الخاص كمن يعبر بالألفين عن الألف في مسألة السر ~~والعلانية. # الحال الرابعة: أن ينوي ما يحتمله لفظه في اللغة احتمالا ظاهرا لكنه لا ~~يقبل منه لا ظاهرا ولا باطنا، بل يكون وجوده كعدمه ويجري اللفظ على مقتضاه ~~في اللغة. # مثاله: إذا حلف المدعى عليه متأولا ليمينه أو معلقا لها على المشيئة وهو ~~مبطل لذلك، ولا عبرة بنيته لما تؤدي إليه من إبطال فائدة الأيمان، فإنها ~~إنما شرعت ليهاب الخصم الإقدام عليها خوفا من الله عز وجل، فلو صح # PageV02P119 # تأويله واعتبرت نيته بطلت هذه الفائدة وفات بسببها حقوق كثيرة واستحلت ~~بذلك الأموال والأبضاع، فإذا حلف ما طلقها أو ما أعتقها أو ما بعته أو ما ~~قتلته وما قذفته وتأول يمينه بما يصح في اللغة مبطلا في ذلك كله لانتهكت ~~حرمة الأبضاع والدماء والأعراض والأموال، ولبيع الأحرار ولزني بالنساء، ~~فلما جر اعتبار تأويله هذا الفساد العظيم سقط تأويله فاستثني هذا من قاعدة ~~النية التي يحتملها اللفظ. # ولو ادعى عليه بحق وهو معسر به فقال المدعى عليه لا يستحقه علي وتأول ~~يمينه بأنه لا يستحقه علي الآن صح تأويله ولا يؤاخذ بيمينه لأن اعتبار ~~تأويله ههنا لا يؤدي إلى شيء من المفاسد التي ذكرناها بل خصمه ظالم ~~بمطالبته إن كان عالما بعسره أو مخطئ بمطالبته إن كان جاهلا بعسره فلا تغير ~~القواعد لخطأ المخطئين ولا لظلم الظالمين، بخلاف التأويل بغير حق، لأنه لو ~~كان معتبرا لكان مؤديا إلى المفاسد التي ذكرنا وعلى هذا يحمل قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «اليمين على نية المستحلف يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك» ~~، يريد بالمستحلف الحاكم وبالصاحب الخصم. # وكذلك اليمين في اللعان إذا تأولها أحد الزوجين لم يصح تأويله ولا تعتبر ~~نيته لما يؤدي إليه من إبطال حق القذف في ms282 الرجل وإبطال حد الزنا في حق ~~المرأة. # وكذلك يمين المدعين في أيمان القسامة وفي رد الودائع وتلفها. ### | [فصل فيمن أطلق لفظا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه] # إذا نطق الأعجمي بكلمة كفر أو أيمان أو طلاق أو إعتاق أو بيع أو شراء أو ~~صلح أو إبراء لم يؤخذ بشيء من ذلك لأنه لم يلتزم مقتضاه، # PageV02P120 # ولم يقصد إليه وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه المعاني بلفظ أعجمي ~~لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك لأنه لم يرده. فإن الإرادة لا ~~تتوجه إلا إلى معلوم أو مظنون، وإن قصد العربي بنطق شيء من هذه الكلم مع ~~معرفته بمعانيها نفذ ذلك منه، فإن كان لا يعرف معانيها مثل أن قال العربي ~~لزوجته أنت طالق للسنة أو للبدعة وهي حامل بمعنى اللفظين، أو نطق بلفظ ~~الخلع أو غيره أو الرجعة أو النكاح أو الإعتاق وهو لا يعرف معناه مع كونه ~~عربيا فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك إذ لا شعور له بمدلوله حتى يقصد إلى اللفظ ~~الدال عليه، وكثيرا ما يخالع الجهال من الذين لا يعرفون مدلول اللفظ للخلع ~~ويحكمون بصحته للجهل بهذه القاعدة. ### | [فائدة اللفظ محمول على ما يدل عليه ظاهره في اللغة أو العرف] # (فائدة) اللفظ محمول على ما يدل عليه ظاهره في اللغة أو عرف الشرع أو عرف ~~الاستعمال، ولا يحمل على الاحتمال الخفي ما لا يقصد أو يقترن به دليل، فمن ~~حلف بالقرآن لم تنعقد يمينه عند النعمان لأنه ظاهر في هذه الألفاظ في عرف ~~الاستعمال، ولا سيما في حق النساء والجهال الذين لا يعرفون كلام النفس ولا ~~يخطر لهم ببال، وخالف الشافعي ومالك في قولهما بعد ولا سيما فيمن حلف ~~بالمصحف عند أصحاب مالك، فإنه لا يخطر بباله الكلام القديم ولا التجوز ~~بالمصحف عنه بل الحلف به كالحلف بالكعبة. ### | [فائدة تعليق التصرف على المشيئة] # (فائدة) تعليق التصرف على المشيئة ضربان: أحدهما أن يجزم بما علقه تعلق ~~ما جزم به على المشيئة فهذا مفوض إلى ms283 مشيئة الله فيما جزم به، فيصح تصرفه ~~لأنه جزم به ولم يشك، وإنما اعترف بأن ما جزم به لا يتم إلا بمشيئة الله ~~وهذا التصرف نافذ لا إشكال فيه. # الضرب الثاني: أن لا يجزم بالتصرف بل يعلقه على المشيئة مترددا في إيقاعه ~~وتحققه فهذا تصرف غير نافذ لأنه لم يجزم ولم يقصد إليه، فإذا # PageV02P121 # أطلق العامي ذلك واستثنى فيه احتمل أن يطلقه شاكا، واحتمل أن يطلقه جازما ~~مفوضا، فعندي فيه وقفة في وجوب استفصاله عن مراده، والذي يظهر لي أن الأغلب ~~على الناس هو الجزم، والشك نادر، فإن تعليق التفويض أغلب من تعليق الترديد. ### | [فصل فيما أثبت على خلاف الظاهر وله أمثلة] # أحدها: إذا ادعى البر التقي الصدوق الموثوق بعدالته وصدقه على الفاجر ~~المعروف بغصب الأموال وإنكارها أنه غصبه درهما واحدا وأنكر المدعى عليه ~~فالقول قول المدعى عليه مع ظهور صدق المدعي وبعد صدق المدعى عليه. # المثال الثاني: لو ادعى هذا الفاجر على هذا التقي وطلب يمينه حلفناه مع ~~أن الظاهر كذبه في دعواه. # المثال الثالث: إذا أتت الزوجة بالولد لدون أربع سنين من حين طلقها الزوج ~~بعد انقضاء عدتها بالأقراء فإنه يلحقه مع أن الغالب الظاهر أن الولد لا ~~يتأخر إلى هذه المدة. # فإن قيل: إنما لحقه لأن الأصل عدم الزنا وعدم الوطء بالشبهة والإكراه، ~~قلنا وقوع الزنا أغلب من تأخر الحمل إلى أربع سنين إلا ساعة واحدة وكذلك ~~الإكراه والوطء بالشبهة ولا يلزم على ذلك حد الزنا فإن الحدود تسقط ~~بالشبهات، بخلاف إلحاق الأنساب فإن فيه مفاسد عظيمة منها جريان التوارث ~~ومنها نظر الولد إلى محارم الزوج، ومنها إيجاب النفقة والكسوة والسكنى، ~~ومنها الإنكاح والحضانة. # المثال الرابع: إذا أتت بولد لستة أشهر من حين تزوجها فإن الولد يلحقه مع ~~ندرة الولادة بهذه المدة. # PageV02P122 # المثال الخامس: لو زنى بها إنسان ثم تزوجت وأتت بولد لتسعة أشهر من حين ~~الزنا ولستة أشهر من النكاح والزوج ينكر الوطء فإنا نلحقه بالزوج مع ظهور ~~صدقه بالأصل والغلبة ومع ظهور كونه من الزاني ms284 بوضعه على تسعة أشهر، لكن ~~الزوج يمكن أن يدفع هذا عن نفسه باللعان، وإنما المشكل أن يلزم بضرر لا ~~يمكن دفعه عن نفسه. # المثال السادس: لو وطئ أمته ثم استبرأها بقرء ثم أتت بتسعة أشهر من حين ~~الوطء فإنه لا يلحقه عند الشافعي وهذا مشكل من جهة أن الأمة فراش حقيقي، ~~وهذه مدة غالبة فكيف لا يلحقه الولد لفراش حقيقي مع غلبة المدة، ويلحق ~~بإمكان الوطء في الزوجة مع قلة المدة أو ندرة الولادة في مثلها؟ وقد خالف ~~بعض أصحابه في ذلك وهو متجه. ### | [فائدة هل لا يلحق الولد إلا لستة أشهر] # (فائدة) قد يظن بعض الأغبياء أن الولد لا يلحق إلا لستة أشهر وهو خطأ لأن ~~الولد يلحق بدون ذلك فلو جنى على الحامل فأجهضت جنينا ميتا لدون ستة أشهر ~~فإنه يلحق بأبويه وتثبت الغرة لهما، وكذلك لو أجهضته بغير جناية لكان مؤنة ~~تكفينه وتجهيزه على أبيه وإنما يتقيد بالأشهر الولد الكامل دون الناقص. # المثال السابع: إذا قال له علي مال عظيم فإن الشافعي يقبل تفسيره بأقل ما ~~يتمول وهذه خلاف ظاهر اللفظ، وعلل الشافعي مذهبه بأن العظيم لا ضابط له ~~لأنه يختلف باختلاف همم الناس، فقد يرى الفقير المدقع الدينار عظيما ~~بالنسبة إليه والغني المكثر قد لا يرى المئين عظيمة بالنسبة إلى غنائه، ~~فلما لم يكن للعظمة ضابط يرجع إليه رجع الشافعي إلى ما يحتمله اللفظ في ~~اللغة حملا للعظمة على الصفة بكونه حلالا أو خالصا من الشبهة ولا يخفى ما ~~في هذا من مخالفة الظاهر، ومن العلماء من حمل ذلك على النصاب الزكوي وهو # PageV02P123 # بعيد أيضا من جهة أن العظمة نسبية ولم يستعمل الشرع لفظها في نصب الزكاة، ~~وكيف يحمل قول فقير يعتقد أن الدينار عظيم على عشرين دينارا ويحمل قول ~~الخليفة الذي يعتقد أن المئين حقيرة والقنطار عظيم على عشرين دينارا ~~والمخرج من هذا صعب. # المثال الثامن: إذا قال لرجل أنت أزنى الناس أو قال أنت أزنى من زيد ~~فظاهر هذا اللفظ أن زناه أكثر من ms285 زنا زيد وأكثر من زنا سائر الناس وقال ~~الشافعي: لا حد عليه حتى يقول أنت أزنى زناة الناس، وفلان زان وأنت أزنى ~~منه وفي هذا بعد من جهة أن المجاز قد غلب على هذا اللفظ، فيقال فلان أشجع ~~الناس، وأسخى الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس، والناس كلهم يفهمون من هذا ~~اللفظ أنه أشجع شجعان الناس، وأسخى أسخياء الناس، وأعلم علماء الناس، وأحسن ~~حسان الناس، والتعيير الذي وجب الحد لأجله حاصل بهذا اللفظ فوق حصوله بقوله ~~أنت زان. # المثال التاسع: أن القرآن يطلق على الألفاظ المتداولة الدالة على الكلام ~~القديم، ويطلق على الكلام القديم الذي هو مدلول الألفاظ، واستعماله في ~~الألفاظ أظهر وأغلب من استعماله في مدلولها، فإذا حلف بالقرآن فقد حمله أبو ~~حنيفة على الألفاظ فلم يحكم بانعقاد يمينه، وحمله الشافعي ومالك على الكلام ~~القديم وهو خلاف الظاهر من استعمال اللفظ وأبعد من ذلك تحنيث الحالف ~~بالمصحف إذا خالف موجب يمينه. # المثال العاشر: إذا قال لامرأته إذا رأيت الهلال فأنت طالق فرآه غيرها ~~طلقت عند الشافعي حملا للرؤية على العرفان، وهذا على خلاف الوضع وعرف ~~الاستعمال، وخالفه أبو حنيفة في ذلك، واستدل الشافعي بصحة قول الناس رأينا ~~الهلال، وإن لم يروه كلهم: وجوابه أن قول الناس: # PageV02P124 # رأينا الهلال من مجاز نسبة فعل البعض إلى الكل، كقول امرئ القيس # " وإن تقتلونا نقتلكم " # معناه وإن تقتلوا بعضنا نقتلكم، وكذلك قوله: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم ~~فيها} [البقرة: 72] ، وإنما قتله بعضهم وادارءوا فيه، وكذلك وقوله تعالى ~~لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} ~~[التوبة: 7] ، فنسب المعاهدة إلى الجماعة مع تفرده صلى الله عليه بها، فليس ~~ما استدل به الشافعي بمجاز لمحل النزاع، فإن مجاز محل النزاع لا يشهد لما ~~ذكره الشافعي، فإنه علقه على نفس رؤيتها وهي واحدة لا ينسب إليها ما وجد في ~~غيرها، فاستدل بنوع من المجاز على نوع آخر لا يناسبه ولا يوافقه. # المثال الحادي عشر: لو ادعى السوقة على الخليفة أو على عظيم من الملوك ~~أنه ms286 استأجره لكنس داره وسياسة دوابه، فإن الشافعي يقبله وهذا في غاية البعد ~~ومخالفة الظاهر، وخالفه بعض أصحابه في ذلك وخلافه متجه لظهور كذب المدعي. # والقاعدة في الأخبار من الدعاوى والشهادات والأقارير وغيرها أن ما كذبه ~~العقل أو جوزه وأحالته العادة فهو مردود. # وأما ما أبعدته العادة من غير إحالة فله رتب في البعد والقرب قد يختلف ~~فيها، فما كان أبعد وقوعا فهو أولى بالرد، وما كان أقرب وقوعا فهو أولى ~~بالقبول، وبينهما رتب متفاوتة. # المثال الثاني عشر: إذا ادعى الصدوق اللهجة أنه أدى ما عليه من دين أو ~~عين إلى ربه وهو فاجر كذاب فأنكره لم يقبل قوله. # المثال الثالث عشر: إذا تعاشر الزوجان على الدوام مدة عشرين سنة فادعت ~~عليه أنه لم ينفق عليها شيئا ولم يكسها شيئا فالقول قولها عند الشافعي مع ~~مخالفة هذا الظاهر في العادة. # PageV02P125 # المثال الرابع عشر: قول أبي حنيفة إذا قال لامرأة بحضرة الحاكم إن تزوجتك ~~فأنت طالق ثم قبل نكاحها من الحاكم بإذنها، فإن الطلاق يقع عقيب النكاح ولو ~~أتت بولد لستة أشهر لحقه، وهذا خروج عن العادة بالكلية وهو أبعد من قوله في ~~المشرقي والمغربية، إلا أنه يوجب اللعان على الزوج وفيه إشكال إذ لا يجب ~~الأيمان في الشرع على من يقطع بصدقه. ### | [فصل في تنزيل دلالة العادات وقرائن الأحوال منزلة صريح الأقوال] # في تخصيص العموم وتقييد المطلق وغيرهما وله أمثلة أحدها: التوكيل في ~~البيع المطلق فإنه يتقيد بثمن المثل وغالب نقد بلد البيع تنزيلا للغلبة ~~منزلة صريح اللفظ، كأنه قال للوكيل بع هذا بثمن مثله من نقد هذا البلد إن ~~كان له نقد واحد، أو من غالب نقد هذا البلد إن كان له نقود، ويدل على هذا ~~أن الرجل إذا قال لوكيله: بع داري هذه فباعها بجوزة فعند أهل العرف أن هذا ~~غير مراد ولا داخل تحت لفظه، وكذلك لو وكله في بيع جارية تساوي ألفا فباعها ~~بتمرة، فإن العقلاء يقطعون بأن ذلك غير مندرج في لفظه لاطراد العرف بخلافه. # المثال ms287 الثاني: حمل الإذن في النكاح على الكفء ومهر المثل هو المتبادر ~~إلى الأفهام، بدليل أنه إذا قال من هو أشرف الناس وأفضلهم وأغناهم لوكيله ~~وكلتك في تزويج ابنتي، فزوجها بعبد فاسق مشوه الخلق على نصف درهم فإن أهل ~~العرف يقطعون بأن ذلك غير مراد باللفظ، لأن اللفظ قد صار عندهم مقيدا ~~بالكفء ومهر المثل، ولا شك أن هذا طارئ على أصل الوضع. # PageV02P126 # المثال الثالث: إذا وكله في إجارة داره سنة، وأجرة مثلها ألف فأجرها بنصف ~~درهم فإن الإجارة لا تصح لما ذكرناه في البيع، ولو قال لامرأته إن أعطيتني ~~ألفا فأنت طالق فإن الإعطاء يتقيد بالفور للعرف في ذلك. # وكذلك، إذا قال لامرأته إن شئت فأنت طالق فإن المشيئة تتقيد بالفور للعرف ~~في ذلك تنزيلا للاقتضاء العرفي منزلة الاقتضاء اللفظي، والعرف في هذين دون ~~العرف في التقييد بالقيمة ونقد البلد في البيع والإجارة. # المثال الرابع: إذا باع ثمرة قد بدا صلاحها فإنه يجب إبقاؤها إلى أوان ~~جدادها، والتمكين من سقيها بمائها لأن هذين مشروطان بالعرف فصار كما لو ~~شرطاهما بلفظه. # فإن قيل: لو باع ماشية وشرط سقيها أو علفها على البائع أو شرط إبقاءها في ~~ملك البائع مدة فإن ذلك لا يصح فلم صح هذا الاشتراط ههنا؟ قلنا لأن الحاجة ~~ماسة إليه وحاملة عليه فكان من المستثنيات عن القواعد تحصيلا لمصالح هذا ~~العقد. # المثال الخامس: حمل الودائع والأمانات على حرز المثل فلا تحفظ الجواهر ~~والذهب والفضة بإحراز الثياب والأحطاب تنزيلا للعرف منزلة تصريحه بحفظها في ~~حرز مثلها. # المثال السادس: حمل الصناعات على صناعة المثل في محلها، فإذا استأجر ~~الخياط لخياطة الكرباس الغليظ والبز الرفيع كالديبقي فإنه يحمل في كل واحدة ~~منهما على مثله في العادة، فلو خاط الديبقي خياطة الكرابيس لم يستحق شيئا ~~تنزيلا للفظ منزلة التصريح بخياطة المثل. # وكذلك الاستئجار على الأبنية يحمل في كل مبنى على البناء اللائق بمثله من ~~حسن النظم والتأليف وغيرهما. # PageV02P127 # وكذلك الاستئجار على الطبخ والخبز يحمل على إنضاج المثل دون ما تجاوزه أو ~~قصر ms288 عنه، فإذا ترك الخبز في التنور على ما جرت العادة في مثله فاتفق أنه ~~احترق لم يلزمه الضمان تنزيلا لمقتضى العرف منزلة صريح اللفظ، ولو صرح له ~~ذلك بلفظه لم يلزمه ضمان لأنه أتلفه بإذنه، فكذلك الإتلاف بالإذن العرفي ~~منزل منزلة الإتلاف بالإذن اللفظي. # وكذلك حمل إجارة الدواب على اليسير المعتاد والمنازل المعتادة، وكذلك ~~دخول حمل الأمتعة والبسط وأواني الطعام والشراب في الإجارة على الدواب إذا ~~استؤجرت للركوب في الأسفار لإطراد العرف بذلك، بخلاف ما لو استؤجرت للتردد ~~في القرى والأمصار. # وكذلك دخول ماء الآبار والأنهار في عقود الإجارات وإن لم تشترط لاطراد ~~العرف بتبعيته، وكذلك حمل إجارة الخدمة على ما يليق بالمستأجر المخدوم في ~~رتبته ومنصبه وقدر حاله # واختلف في وجوب الحبر على الناسخ، والخيط على الخياط لاضطراب العرف فيه. # وكذلك ما يستثنى من المنافع بحكم العرف كأوقات الصلاة، وأوقات الأكل ~~والشرب، وقضاء الحاجات والليل فإنه مستثنى من مدة الاستئجار للخدمة، إلا ~~الأوقات التي جرت العادة بالاستخدام فيها فإن الألفاظ منزلة عليها كأنه صرح ~~بها من جهة أن دلالة العرف عليها كدلالة اللفظ، ونظير ذلك في العبادة خروج ~~المعتكف من معتكفه في أوقات قضاء الحاجات، حتى كأنه قال أعتكف شهرا إلا ~~أوقات قضاء الحاجات. # وإذا وقعت الإجارة على مدة معينة كان عمل الأجير محمولا على المتوسط في ~~العرف من غير خروج على العادة في التباطؤ والإسراع. # PageV02P128 # المثال السابع: توزيع القيمة على الأعيان المبيعة في الصفقة الواحدة وعلى ~~المنافع المختلفة المستحقة بإجارة واحدة. مثاله في البيوع: إذا اشترى جارية ~~تساوي ألفا وأخرى تساوي خمسمائة بتسعمائة فإنا نقابل التي تساوي ألفا ~~بستمائة والتي تساوي خمسمائة بثلاثمائة، ومثاله في الإجارة إجارة منازل مكة ~~فإن الشهر منها في أيام الموسم يساوي عشرة، وبقية السنة تساوي عشرة فيقابل ~~شهر الموسم بنصف الأجرة، وبقية السنة بما بقي منها، فإن أهل العرف يبذلون ~~أشرف الثمن في أشرف المثمن، وأرذله في أرذله ويقابلون النفيس بالنفيس ~~والخسيس بالخسيس، وكذلك في الإجارات. # ولا يشك عاقل أن من اشترى خرزة ms289 ودرة بألف في أنه بذل في الدرة أكثر الثمن ~~وفي الخرزة أقله، وأن من استأجر دارا خسيسة مع دار نفيسة أو استأجر دابة ~~فارهة مع دابة بطيئة أو استأجر سيفا قاطعا وسيفا كالا، أنه بذل أكثر الأجرة ~~في أكثر ذلك منفعة وأقل الأجرة في أقل ذلك منفعة. # ولهذه القاعدة امتنعت مسألة مد عجوة، ومسألة المراطلة، وكذلك أخذ الشقص ~~بما يخصه من الثمن بناء على هذه القاعدة، وجاز لمن اشترى عبدين بثمن أن ~~يوزع الثمن على قيمتهما ثم يخبر أنه اشترى كل واحد منهما بما يقتضيه ~~التوزيع على القيمة. # وأما ما ذكره بعض العلماء في مسألة مد عجوة من مقابله الربوي بمثله من ~~الربوي فبعيد إذ لا يخطر ما ذكره على بال أحد من المتعاقدين، بخلاف الحمل ~~على التوزيع فإنه غالب مفهوم. # فإن قيل: وضع العقود على أن يكون العوض في مقابلة المقصود، وأن تتوزع ~~أجزاء العوض على أجزاء المقصود، فإذا مات الأجير في أثناء الحج فهلا تسقط ~~جميع أجرته لأنه لم يحصل شيئا من مقصود المحجوج عنه؟ # PageV02P129 # قلنا: إن جوزنا البناء على ما فعله الأجير فقد حصل الأجير أجرة المقصود، ~~وإن لم نجوز ذلك ففيه قولان: أحدهما: لا يستحق شيئا وهو القياس، إذ لم يحصل ~~شيئا من مقصود المستأجر، لأن مقصوده براءة الذمة من الحج، ولم تبرأ الذمة ~~من شيء من أركان الحج، بخلاف غيره من الإيجارات فيمن استأجر لبناء حائط ~~فبنى شطره، أو لطحن حنطة فطحن بعضها، أو لخياطة ثوب فخاط بعضه، أو لكتابة ~~مصحف فكتب بعضه فإنه قد حصل بعض مقصود المستأجر - والأجير في الحج لم يحصل ~~شيئا من مقصود المستأجر - وإن أتى بمعظم أركان الحج. فيشبه ما لو رد عامل ~~الجعالة العبد الآبق من مسيرة شهر إلى باب دار الجاعل فهرب منه قبل تسليمه ~~إلى الجاعل، فإنه لا يستحق شيئا اتفاقا لأنه لم يحصل شيئا من مقصود الجاعل. # القول الثاني: أن الأجرة توزع على أعمال الحج فيستحق منها بقدر ما عمل، ~~ويسقط منها بقدر ما ترك، قياسا ms290 على سائر الأعمال، وفيه بعد لأن سائر ~~الأعمال إنما يقسط عليها لاشتمالها على تحصيل بعض المقصود، وهذه الأعمال لم ~~تحصل شيئا من المقصود، والعقود مبنية على مراعاة المقصود دون صور الأعواض، ~~وفي هذا القول نظر إلى مصلحة الأجير لكنه بعيد من الأقيسة. # المثال الثامن: استصناع الصناع الذين جرت عادتهم بأنهم لا يعملون إلا ~~بالأجرة إذا استصنعهم مستصنع من غير تسمية أجرة كالدلال والحلاق والفاصد ~~والحجام والنجار والحمال والقصار، فالأصح أنهم يستحقون من الأجرة ما جرت به ~~العادة، لدلالة العرف على ذلك. # المثال التاسع: تقديم الطعام إلى الضيفان إذا أكمل وضعه بين أيديهم ودخل ~~الوقت الذي جرت العادة بأكلهم فيه فإنه يباح الإقدام عليه تنزيلا # PageV02P130 # للدلالة العرفية منزلة اللفظية، ولا يجوز لأحد منهم أن يطعم السنور ولا ~~السائل ما لم يعلم من باذل الطعام الرضا بذلك، ولا يجوز للأراذل أن يأكلوا ~~مما بين أيدي الأماثل من الأطعمة النفيسة المخصوصة بالأماثل، إذ لا دلالة ~~على ذلك بلفظ ولا عرف زاجر عن ذلك. # فإن قيل: إذا أكل الضيف فوق شبعه فهل يحرم عليه من جهة أن العرف إنما هو ~~الإذن في مقدار الشبع؟ قلت: ينبغي أن لا يحرم عليه لكونه على خلاف الإذن إذ ~~لا يتقيد الإذن بالعرف بذلك، وإنما يحرم عليه لأنه مضيع لما أفسده من ~~الطعام لغير فائدة. # فإن قيل: هل يكون هذا إذنا في معلوم أو مجهول، لأن ما قد يأكله كل واحد ~~من الضيفان مجهول للآذن؟ قلنا: لا يشترط في الإباحة أن يكون المباح معلوما ~~للمبيح فلو أباح الأكل من ثمار بستانه، أو منح شاة أو ناقة أو أعار دابة ~~ولم يقيد مدة الانتفاع، أو أعطاه نخلة يرتفق بثمارها على الدوام جاز ذلك، ~~وهذا مستثنى من الرضا بالمجهولات لمسيس الحاجة إليه. # فإن قيل: لو كان أحد الضيفان يأكل أكلة مثل عشرة أنفس، ورب الطعام يشعر ~~بكثرة أكله، فهل يجوز له أن يأكل لانتفاء الإذن اللفظي والعرفي فيما جاوز ~~ذلك، وكذلك لو كان الطعام كثيرا فأكل لقما كبارا مسرعا في ms291 مضغها وابتلاعها ~~حتى أكل أكثر الطعام ويحرم أصحابه لم يجز له ذلك لعدم الإذن العرفي واللفظي ~~فيه، ولنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن القران في التمر من غير إذن. # فإن قيل: فما حكم مسألة القران؟ قلت لها أحوال: # إحداها أن يكون الطعام كثيرا يفضل عن شبع الجميع فلكل واحد أن يأكل كيف ~~شاء من إفراد أو قران. # PageV02P131 # الحال الثانية: أن يكون الطعام قليلا فهذه مسألة النهي في حق الضيفان ~~وأما صاحب الطعام فله الإفراد والقران، وإن كان قرانه مخالفا للمروءة وأدب ~~المؤاكلة. # الحال الثالثة: أن يكون الطعام قليلا مشتركا بين الآكلين فهذا أيضا في ~~معنى النهي عن قران الضيفان. # المثال العاشر: دخول الحمامات والقياسير والخانات إذا افتتحت أبوابها في ~~الأوقات التي جرت العادة في الارتفاق بها فيها فإنه جائز، إقامة للعرف ~~المطرد مقام صريح الإذن، ولا يجوز لداخل الحمام أن يقيم فيه أكثر مما جرت ~~به العادة، ولا أن يستعمل من الماء أكثر مما جرت به العادة، إذ ليس فيه إذن ~~لفظي ولا عرفي، والأصل في الأموال التحريم ما لم يتحقق السبب المبيح. # المثال الحادي عشر: الدخول إلى دور القضاة والولاة في الأوقات التي جرت ~~العادة: بالدخول فيها بعد فتح أبوابها للحكومات والخصومات وكذلك الجلوس ~~فيها على حصرها وبسطها إلى انقضاء حاجة الداخل إليها، فإذا أراد أن يقيم ~~إلى قضاء حاجته إقامة طويلة أو أراد من لا حاجة له الدخول للتنزه أو للوقوف ~~على ما يجري للخصوم، فالأظهر جوازه لجريان العادة بمثله. # المثال الثاني عشر: الدخول إلى المدارس للإذن العرفي فيه، ولا يجوز ~~الدخول إلى الكنائس بغير إذن لانتفاء الإذن العرفي واللفظي، فإنهم يكرهون ~~دخول المسلمين إليها. # المثال الثالث عشر: دخول الدور بإخبار الصبيان عن إذن رب الدار في الدخول ~~جائز على الأظهر لما اقترن به من بعد جرأتهم على مالك الدار، # PageV02P132 # وكذلك حمل الهدايا مع الصبيان وإخبارهم بأن مالكها قد أهداها فإنه يجوز ~~أخذها والارتفاق بها فلو أذن في الدخول فاسق أو حمل الهدية فاسق فالذي أراه ~~أنه يجوز ms292 الإقدام قولا واحدا لأن قوله مقبول في الشرع معتبر وجرأته أبعد من ~~جرأة الصبيان، ولا وقفة عندي في المستور، وعلى هذا عمل الناس من غير إنكار ~~واستثني ذلك لما على المالك من المشقة في مباشرة ذلك بنفسه، وأصول هذه ~~الشريعة مبنية على أن الأشياء إذا ضاقت اتسعت. # المثال الرابع عشر: التقاط كل مال حقير جرت العادة أن مالكه لا يعرج عليه ~~ولا يلتفت إليه، فإنه يجوز تملكه والارتفاق به لاطراد العادات ببذله. # المثال الخامس عشر: الشرب وسقي الدواب من الجداول والأنهار المملوكة إذا ~~كان السقي لا يضر بمالكها جائز إقامة للإذن العرفي مقام الإذن اللفظي. # فلو أورد ألفا من الإبل إلى جدول ضعيف فيه ماء يسير، فلا أرى جواز ذلك ~~فيما زاد على المعتاد لأنه لا يقتضيه إذن لفظي ولا عرفي، ولو كان الجدول أو ~~النهر لمن لا يعتبر إذنه كاليتيم والأوقاف العامة أو سقط من يتيم أو من وقف ~~على المساجد ما لو كان لمالك يعبر إذنه لأبيح، فعندي في هذا وقفة لأن صريح ~~إذن المستحق لا يؤثر ههنا، فكيف يؤثر ما قام مقامه من العرف المعتاد؟ . # المثال السادس عشر: حمل الألفاظ الحقيقية العربية على مجازها إذا علمت ~~كلفظ الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة، وحمل لفظ الأخبار على الإنشاء، ~~واستعمال الماضي في ألفاظ المعاملات: كبعت وأجرت وضمنت ووكلت ووهبت وأقرضت ~~ووقفت وتصدقت، وحمل المستقبل على إنشاء الشهادات كأشهد بكذا. # وكذلك الدعوى في قوله ادعى عليه بكذا لأن # PageV02P133 # أشهد مردد بين الحال والاستقبال، وهو منصرف إلى الحال بعرف الاستعمال ~~وكذلك قوله أنت حر وأنت طالق، وضعه أن يكون خبرا عن أمر محقق ثابت من غير ~~اللفظ، فصار بالعرف بإنشاء للحرية والطلاق بحيث لا يثبتان إلا مع آخر حروف ~~الكلمة على قول الأكثرين، أو عقيبه على قول آخرين. # المثال السابع عشر: حمل أوقاف المدارس فيما يستحقه أربابها على التفاوت ~~بقدر رتبتهم في الفقه والتفقه والإعادة والتدريس. # وكذلك تقديم العمارة مستفاد من الغلة حتى ينزل لفظ الواقف عليه كما ينزل ~~الموكل على ms293 المبيع بثمن المثل من غالب نقد البلد وكذلك وقت التدريس محمول ~~على البكور لاطراد العرف بذلك، فلو أراد المدرس أن يذكر الدرس في الليل أو ~~وقت الزوال أو وقت المغرب منع من ذلك. # المثال الثامن عشر: وجوب الإثابة في سباب الأراذل للأماثل بناء على العرف ~~الغالب فيه. # المثال التاسع عشر: اندراج الأبنية والأشجار في بيع الدار ولو لم يصرح ~~البائع بذلك بناء على العرف الغالب فيه واندراجهما في بيع الأرض، والساحة ~~والعرصة أبعد لأنهما قد يفردان عن الملك في الساحات والأراضي والعراص، ~~بخلاف الأبنية والديار. # المثال العشرون: دخول ثياب العبد والأمة في بيعهما عند من رآه لاطراد ~~العرف بذلك. # المثال الحادي والعشرون: التوكيل في أداء الديون يجب على الوكيل الإشهاد ~~على الأداء بحكم العرف. # PageV02P134 # المثال الثاني والعشرون: الاعتماد في كون الركاز جاهليا أو غير جاهلي على ~~العلامات المختصة بإحدى الملتين: فما وجدت عليه علامات الإسلام كان لقطة ~~واجبة التعريف، وما كان عليه علامة الجاهلية كان ركازا يجب فيه الخمس، وما ~~خلا من العلامتين واحتمل أن يكون لكل واحدة من الطائفتين، فالنص أنه لقطة، ~~وجعله بعضهم كالركاز لعموم قوله - عليه السلام -: «وفي الركاز الخمس» . # المثال الثالث والعشرين: إذن الإمام للجلاد في جلد الحدود والتعزيرات ~~فإنه يحمل على حزب بين حزبين لسقوط بين سقوطين في زمن بين زمانين وإذا أمر ~~الإمام بالرجم تعين الرجم بالأحجار المعتادة فلا يجوز بالصخور ولا بالحصيات ~~الصغار ولا يجلد عريان وإن كان أصل الوضع يدل على ذلك فإن معنى جلده ضرب ~~جلده، كما يقال رأسه إذا ضرب رأسه، وركبه إذا ضرب ركبته إلا أنه صار بعرف ~~الاستعمال محمولا على الحائل خلافا لمالك في تجريد الرجال، ويدل عليه قوله ~~تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] مع ~~انعقاد الإجماع على أن المرأة لا تتجرد فيستعمل اللفظ فيهما استعمالا ~~واحدا، فكأنه قيل فاضربوا جلد كل واحد منهما فوق ثوبه. # وأما إشارة الأخرس المفهمة فهي كصريح المقال إن فهمها جميع الناس، كما لو ~~قيل له كم طلقت ms294 امرأتك، فأشار بأصابعه الثلاث، وكم أخذت من الدراهم؟ فأشار ~~بأصابعه الخمس. # وإن كانت مما يفهمه الناس نزلت منزلة الظواهر، وإن كانت مما يتردد فيه ~~نزلت منزلة الكنايات، وكذلك من اعتقل لسانه بمرض أو غيره فقيل له لفلان ~~عليك ألف فأشار برأسه - أي نعم - أو أشار برأسه إلى فوق # PageV02P135 # أي لا شيء له - وكذا لو قيل له قتلت زيدا؟ وكذلك كتابته تقوم مقام إشارته ~~وأما كتابة غيره من القادرين على النطق ففي إقامتها مقام كلامه قولان. ### | [فصل في حمل الألفاظ على ظنون مستفادة من العادات] # لمسيس الحاجات إلى ذلك وله أمثلة أحدها: إزفاف العروس إلى زوجها مع كونه ~~لا يعرفها فإنه يجوز له وطؤها لأن زفافها شاهد على أنها امرأته لبعد ~~التدليس في ذلك في العادات. # المثال الثاني: الأكل من الهدي المنحور المشعر بالفلاة جائز على المختار ~~لدلالة النحر والإشعار القائمين مقام صريح اللفظ على البذل والإطلاق. # المثال الثالث: الدخول إلى الأزقة والدروب المشتركة جائز للإذن العرفي ~~المطرد فيه، فلو منعه بعض المستحقين امتنع من الدخول، ولو كان فيهم يتيم أو ~~مجنون ففي هذا نظر، ولو استند لجدار إنسان فإن كان استناده مما يؤثر فيه ~~اختلالا أو ميلا أو سقوطا لم يجز لعدم الإذن اللفظي والعرفي، وإن كان ~~الجدار مما لا يؤثر فيه الاستناد إليه ألبتة جاز الاستناد إليه للإذن ~~العرفي، فإن منعه مالكه من الاستناد إليه فقد اختلف في مثل هذا من جهة أنه ~~عناد محض فيصير بمثابة قوله لا تنظر إلى حسن داري، ولا إلى نضارة أشجاري، ~~ولا إلى رونق أثوابي ولا إلى كثر أصحابي. # المثال الرابع: طرق باب الدار والإيقاد من السرج والمصابيح كل ذلك جائز ~~للإذن العرفي. # PageV02P136 # المثال الخامس: صدقة التطوع يكفي فيها المناولة لأن قرينة حال الفقير ~~تشهد على أنها صدقة، ولا وجه لقول من شرط فيها اللفظ لأنه خلاف ما درج عليه ~~السلف والخلف. # المثال السادس: المعاطاة في المحقرات قائمة مقام الإيجاب والقبول لمن جلس ~~في الأسواق للبيع والشراء لأنها دالة على الرضا بالمعاوضة دلالة ms295 صريح ~~الألفاظ، وكذلك الطائف بالمحقرات. # المثال السابع: إتلاف المشتري المبيع ووطء المشتري الجارية المبيعة بحضرة ~~البائع فإنه يتنزل منزلة الإمضاء بصريح اللفظ، ولو وطئها البائع لكان فسخا ~~لدلالته عليه، فإن الغالب من المسلم لا يقدم على الفجور مع إمكان الوطء ~~الحلال. # المثال الثامن: سكوت الأبكار إذا استؤذن في النكاح فإنه يدل ظاهرا على ~~الرضا به، إذ لو كرهته لصرحت بالمنع، إذ لا تستحي من المنع استحياءها من ~~الإذن. # المثال التاسع: الاعتماد في المعاملات والضيافات والتبرعات على بذل ~~الباذل لأن دلالتها على ملكه واختصاصه ظاهرة في العرف المطرد. # المثال العاشر: معاملة مجهول الحرية والرشد، وسماع دعواه وإقراره وأكل ~~طعامه وقبول هديته، وإباحته والدخول في منزله بناء على أن الغالب في الناس ~~الحرية والإطلاق. # المثال الحادي عشر: الاعتماد على قول المقومين العارفين بالصفات النفيسة ~~الموجبة لارتفاع القيمة، وبالصفات الخسيسة الموجبة لانحطاط # PageV02P137 # القيمة لغلبة الإصابة على تقويمهم، وكذلك الاعتماد على قول الخارصين ~~لغلبة إصابتهم في ذلك حتى لا يكادون يخطئون. # المثال الثاني عشر: اعتماد المنتسب على ميل طبعه إلى أحد المتداعين في ~~الانتساب وهذا من أضعف الظنون، ولذلك كان في آخر رتب الإلحاق عند عدم ~~القائف. # المثال الثالث عشر: الاعتماد على كيل الكائلين ووزن الوازنين ومساحة ~~الماسحين لغلبة الإصابة في ذلك. # المثال الرابع عشر: الاعتماد في رفع اللقطة على وصف من يصف وكاءها ~~وعفاصها وقدرها لظهور دلالته على صدقه بأنها ملكه. # المثال الخامس عشر: الاعتماد على أمارات الطهارة والنجاسة وجهة القبلة. # المثال السادس عشر: حبس المدعى عليه بشهادة مستورين إلى أن يعدلا لأن ~~الغالب من المستورين العدالة. # المثال السابع عشر: حمل الدعاوى بالأسباب والتصرفات والعقود - على صحيحها ~~دون فاسدها لغلبة صحيحها وندرة فاسدها. # المثال الثامن عشر: سماع الشهادات بالإقرار مع إهمال الشاهد ذكر أهلية ~~المقر للإقرار لغلبة الرشد والاختيار على المقرين المتصرفين. # المثال التاسع عشر: دلالة الاتصال على الاختصاص فإذا حال جدار بين أرضين، ~~فإذا كانتا لمستحقين خاصين كان الجدار بينهما لأن اتصاله بملكيهما يدل على ~~أنه لهما، ولو كان حائلا بين الشارع ms296 وبين ملك، أو بين موات وبين ملك، اختص ~~به المالك لأن الطرق والموات لا تحوط عليها في العادة بخلاف الملكية. # PageV02P138 # المثال العشرون: دلالة أوضاع الأبنية على اختصاص أحد المتجاورين كما لو ~~كان بين ملكين جدار متصل بأبنية أحد الملكين اتصال تداخل وترصيف، فإنه يختص ~~به ذو الترصيف، لأن معه دلالتين: أحدهما الاتصال، والثاني التداخل ~~والترصيف، ولو تداخل من أحد طرفيه في ملك أحدهما ومن الطرف الآخر في ملك ~~الآخر اشتركا فيه لتساويه في الدلالتين. # المثال الحادي والعشرون: الأبواب المشرعة في الدروب المنسدة دالة على ~~الاشتراك في الدروب إلى حد كل باب منها فيكون الأول شريكا من أول الدرب إلى ~~بابه الأول، ويكون الثاني شريكا من أول الدرب إلى بابه الثاني وكذلك الثالث ~~أو الرابع إلى أن يصير الذي في صدر الدرب شريكا من أول الدرب إلى آخر ~~الأبواب، ويختص بما وراء آخر الأبواب إلى صدر الدرب على المذهب. # المثال الثاني والعشرون: وجود الأجنحة المشرعة المطلة على ملك الجار وعلى ~~الدروب المشتركة فإنها دالة على أنها وضعت باستحقاق. # وكذلك القنوات المدفونة تحت الأملاك، والجداول والأنهار الجارية في أملاك ~~الناس دالة على استحقاقها لأرباب المياه، لأن صورها دالة على أنها وضعت ~~باستحقاق. # المثال الثالث والعشرون: دلالة الأيدي على الاستحقاق لأنه الغالب. # فإن قيل: هذا ظاهر في بعض المنقولات كثياب الإنسان الذي هو لابسها وعدد ~~الدواب المشدود عليها، والبز الذي في أيدي التجار. # وأما ما اطردت العادة بإيجاره وخروجه عن يد مالكه إلى يد مستأجره # PageV02P139 # الثواب فإن النظر إلى الله أشرف من كل شريف وأفضل من كل نعيم روحاني أو ~~جسماني، وقد جعل زيادة على الأجور، لأنه أعظم من أن يقابل به عمل من ~~الأعمال أو حال من الأحوال. # وكذلك رضوان الله من أفضل ما أعطيته ولا ثواب عليه. # الضرب الثاني: علوم إلهامية، يكشف بها عما في القلوب، فيرى أحدهم بعينيه ~~من الغائبات ما لم تجر العادة بسماع مثله، وكذلك شمه ومسه ولمسه وكذلك يدرك ~~بقلبه علوما متعلقة بالأكوان، وقد رأى إبراهيم ملكوت ms297 السموات والأرض، ومنهم ~~من يرى الملائكة والشياطين والبلاد النائية، بل ينظر إلى ما تحت الثرى، ~~ومنهم من يرى السموات وأفلاكها وكواكبها وشمسها وقمرها على ما هي عليه، ~~ومنهم من يرى اللوح المحفوظ ويقرأ ما فيه. # وكذلك يسمع أحدهم صرير الأقلام وأصوات الملائكة والجان، ويفهم أحدهم منطق ~~الطير، فسبحان من أعزهم وأدناهم، وأذل آخرين وأقصاهم، {ومن يهن الله فما له ~~من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} [الحج: 18] . ### | [فصل فيما يثاب عليه العالم والحاكم وما لا يثابان عليه] # إن قيل: على أي شيء يثاب العالم والحاكم؟ قلنا: إن تعلما العلم للرياء ~~والسمعة أثما ما لم يتوبا، فإن أفتى أحدهما وحكم للرياء والسمعة كانا ~~مأثومين أيضا لريائهما، فإن أفتى أحدهما وحكم الآخر مخلصين لله أثيب كل ~~واحد منهما على ما فعله خالصا لله، وإن تعلما مخلصين لله أجرا على تعلمهما، ~~فإن عزما على أن يعملا بما أمرا به في الفتيا والحكم أثيبا على عزمهما، فإن ~~أمضيا ما عزما عليه، أثيبا على عزمهما وفعلهما، وإن رجعا عما عزما عليه، ~~أثيبا # PageV02P140 # الخبرين والشهادتين، وإن لم يكذب كل واحد منهما صاحبه عمل بهما على حسب ~~الإمكان كدابة عليها راكبان فإنه يحكم بها لهما، لأن كل واحد من اليدين لا ~~تكذب الأخرى وكذلك الدار فيها ساكنان، والخشبة لها حاملان، والحبل يتجاذبه ~~اثنان والجدار المتصل بملكين فهذا يحكم به لهما، إذ لا تكاذب بينهما. ### | [فائدة اليد عبارة عن القرب والاتصال] # وللقرب والاتصال مراتب بعضها أقوى من بعض في الدلالة # أعلاها: ما اشتد اتصاله بالإنسان كثيابه التي هو لابسها وعمامته ومنطقته ~~وخاتمه وسراويله ونعله الذي في رجله ودراهمه التي في كمه أو جيبه أو يده، ~~فهذا الاتصال أقوى الأيدي لاحتوائه عليها ودنوه منها. # الرتبة الثانية: البساط الذي هو جالس عليه أو البغل الذي هو راكب عليه ~~فهذا في الرتبة الثانية. # الرتبة الثالثة: الدابة التي هو سائقها أو قائدها، فإن يده في ذلك أضعف ~~من يد راكبها. # الرتبة الرابعة: الدار التي هو ساكنها، ودلالتها دون دلالة الراكب ~~والسائق والقائد ms298 لأنه غير مسئول على جميعها ويقدم أقوى اليدين على أضعفهما، ~~فلو كان اثنان في دار فتنازعا في الدار وفي ما هما لابسانه جعلت الدار ~~بينهما بأيمانهما لاستوائهما في الاتصال وجعل القول قول كل واحد منهما في ~~ما هو لباسه المختص به لقوة القرب والاتصال، ولو اختلف الراكبان في ~~مركوبهما حلفا وجعل بينهما لاستوائهما، ولو اختلف الراكب مع القائد أو ~~السائق قدم الراكب عليهما بيمينه. # PageV02P141 ### | [فصل في الحمل على الغالب والأغلب في العادات ولذلك أمثلة] # منها: أن من أتلف متقوما فإنه يلزمه ضمانه بقيمته من نقد البلد، أو من ~~غالبه إن كان فيه نقود، أو من أغلبه إن كان فيه نقود بعضها أغلب من بعض. # ومنها: أن من ملك خمسا من الإبل فإنه يلزمه شاة من شياه البلد. # ومنها: وجوب الفطرة من غالب قوت البلد. # ومنها: أن من ملك التصرف القولي بأسباب مختلفة ثم صدر منه تصرف صالح ~~للاستناد إلى كل واحد من تلك الأسباب فإنه يحمل على أغلبها. فمن هذا تصرف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفتيا والحكم والأمانة العظمى، فإنه ~~إمام الأئمة، فإذا صدر منه تصرف حمل على أغلب تصرفاته وهو الفتيا ما لم يدل ~~دليل على خلافه، وله أمثلة: أحدها: «قوله - صلى الله عليه وسلم - لهند ~~امرأة أبي سفيان لما شكت إليه إمساك أبي سفيان وشحه: خذي ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف» احتمل أن يكون فتيا، واحتمل أن يكون حكما، فمنهم من جعله حكما ~~والأصح أنه فتيا، لأن فتياه - صلى الله عليه وسلم - أغلب من أحكامه، ولأنه ~~لم يستوف شروط القضاء. # المثال الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل قتيلا فله سلبه» ~~محمول على الفتيا لأنه أغلب تصرفه بالقضاء وبالإمامة العظمى. # PageV02P142 # المثال الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» ~~حمله أبو حنيفة - رحمه الله - على التصرف بالإمامة العظمى، لأنه لا يجوز ~~إلا بإذن الإمام وحمله الشافعي - رحمه الله - على التصرف بالفتيا لأنه ~~الغالب عليه، وقال يكفي في ذلك إذن رسول الله - صلى ms299 الله عليه وسلم -، ومما ~~يحمل على غالب التصرف تصرف الوكيل والمضارب، والوصي، والولي العام والخاص، ~~إذا اشتروا شيئا بثمن مثله مما يصح شراؤه لأنفسهم وللمولى عليهم فإنه يقع ~~لهم، لأن الغالب من تصرفاتهم التصرف لأنفسهم فقصر عليهم إلا أن ينووا به من ~~تحت ولايتهم، وإن اشتروه مطلقا بعين مال المولى عليهم تعين للمولى عليهم إذ ~~لا تردد فيه. # (قاعدة) كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل فلا يصح بيع حر ولا أم ~~ولد، ولا نكاح محرم، ولا محرم، ولا إجارة على عمل محرم، فإن شرط نفي الخيار ~~في البيع صح على قول مختار لأن لزومه هو المقصود والخيار دخيل عليه. ### | [قاعدة في اختلاف أحكام التصرفات لاختلاف مصالحها] # اعلم أن الله تعالى شرع في كل تصرف من التصرفات ما يحصل مقاصده ويوفر ~~مصالحه؛ فشرع في باب ما يحصل مصالحه العامة والخاصة، فإن عمت المصلحة جميع ~~التصرفات شرعت تلك المصلحة في كل تصرف، وإن اختصت ببعض التصرفات شرعت فيما ~~اختصت به دون ما لم تختص به، بل قد يشترط في بعض الأبواب ما يكون مبطلا في ~~غيره نظرا إلى مصلحة البابين، كما يشترط استقصاء أوصاف المحكوم له والمحكوم ~~عليه أن ينتهي إلى عزة وجوده المشارك في تلك الأوصاف، كي لا يقع الحكم على ~~مبهم. # PageV02P143 # ولو وقع مثل ذلك في السلم لأفسده لأنه مؤد إلى تعذر تحصيل مقصوده، ولذلك ~~شرط التوقيت في الإجارة والمساقاة والمزارعة، ولو وقع التوقيت في النكاح ~~لأفسده لمنافاته لمقصوده، وكذلك شرط في العقود اللازمة على المنافع أن يكون ~~أجلها معلوما وجعل أجل النكاح مقدرا لعمر أقصر الزوجين عمرا. # فمن ذلك أن الشرع منع من بيع المعدوم وإجارته وهبته لما في ذلك من الغرر ~~وعدم الحاجة، وجوز عقود المنافع مع عدمها إذ لا يتصور وجودها حال العقد، ~~ولا تحصل منافعها إلا كذلك وقد جوز الشافعي - رحمه الله - إجارة المنافع ~~بالمنافع، وإن كانتا معدومتين، كما جوزت الشريعة عقد النكاح بتعليم القرآن، ~~وهو مقابلة منفعة التعليم بمنفعة البضع، والتقدير زوجتكها بتعليم ms300 ما معك من ~~القرآن أو بتلقين ما معك من القرآن، وكما أنكح شعيب ابنته من موسى برعي عشر ~~حجج مقابل منافع البضع بالرعي، كما قابل - صلى الله عليه وسلم - منافع ~~البضع بتعليم القرآن. # وكذلك جوز الشرع القراض على عمل معدوم مجهول وجزء من الربح معدوم مجهول، ~~إذ لا تحصل فائدة القراض من الطرفين ومصلحته غالبا إلا كذلك، لكنه شرط في ~~ذلك غلبة الوجود في العوضين كما شرط في الإجارة، وكذلك جوزت المساقاة على ~~ثمر مجهول معدوم، وعلى عمل معلوم معدوم، إذ لا حاجة إلى جهالة العمل في ~~المساقاة والمزارعة وإذ لا حاجة إلى جهل الجعل في الجعالة، لكن يشترط في ~~عوض المساقاة غلبة الوجود، ولا يشترط ذلك في عمل الجعالة لتعذره. وإن كانت ~~الثمرة موجودة جازت المساقاة على الأصح، لانتفاء الغرس وموافقة ذلك لقواعد ~~العقود. # ونظير تجويز المساقاة على ثمار مجهولة معدومة بأعمال معلومة: الإجارة على ~~الرضاع؛ فإن اللبن فيه معدوم مجهول كالثمار والحبوب في المساقاة والمزارعة # PageV02P144 # والأجرة في ذلك معلومة إذ لا حاجة أن تكون مجهولة كما في عمل المساقاة، ~~ولا وجه لقول من شرط الحضانة في الإجارة على الرضاع ليكون الرضاع تابعا كما ~~يتبع الماء الإجارة على المزارعة، وهذا لا يصح لأن المقصود الأعظم من ~~الرضاع إنما هو اللبن دون الحضانة، ويدل على ذلك أن الله علق إيتاء الأجرة ~~على مجرد الرضاع بقوله: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] . # وكذلك دخول مياه الأنهار والعيون والآبار في الإجارة على زرع الحبوب أو ~~غرس الأشجار، وكذلك دخول المياه المذكورة في إجارة الأرحية والديار، إذ لا ~~يتم مقاصد هذه الإجارة إلا بذلك، لأنه في الديار يكمل الانتفاع وفي الأرحية ~~والمزارع والمغارس محصل لأصل الانتفاع. # وكذلك جوزت الجعالة على عمل مجهول مع عمل مجهول لأن مصلحة رد الضائع لا ~~تحصل في الغالب إلا كذلك، وشرط في الجعل ما شرط في الأجرة إذ لا تدعو ~~الحاجة إلى مخالفة الأصول فيه إلا مسألة العلج وهو الكافر الغليظ الشديد ~~إذا دل المسلمين على عورات حصون ms301 المشركين يجعل من مال المشركين، فإنه يصح ~~مع أنه مجهول غير مملوك ولا مقدور على تسليمه لماس الحاجة إلى ذلك في إقامة ~~مصالح الجهالة. # وكذلك شرطت الرؤية في المبيع والمأجور والموهوب دفعا للغرر، ولم تشترط في ~~النكاح مع أن جمال المرأة من أكمل المقاصد لما في اشتراطها فيه من الضرر ~~على النساء والأولياء وإرغام أنف النخوة والحياء. # ومن أجاز بيع الغائب على الصفة خيره إذا رأى المبيع بين الفسخ والإمضاء ~~ولا يجري مثله في النكاح لما فيه من الضرر العظيم على النساء والأولياء، ~~ولا يشترط وصف المرأة كما يشترط وصف المبيع الغائب لما في وصفها من # PageV02P145 # والابتذال والامتهان مع أن الزوج قادر على أن يرسل إليها من يشاهدها ~~ويخبره بأوصافها. # وقد ندب الشارع الخاطب إلى رؤيتها ليعلم ما يقدر عليه فيرغب في النكاح ~~ويكون على بصيرة من الإحجام أو الإقدام وإنما جوز ذلك ليرجو رجاء ظاهرا أن ~~يجاب إلى خطبته دون من يعلم أنه لا يجاب، أو يغلب على ظنه أنه لا يجاب، وإن ~~استوى الأمران ففي هذا احتمال من جهة أن النظر لا يحمل إلا عند غلبة الظن ~~بالسبب المجوز، وإن عجز الرؤية أرسل إليها من يشاهدها ويقدم الرؤية ~~والإرسال على الخطبة، كي لا يشاهدها بعد الخطبة فلا تعجبه فيتركها ويكسرها ~~ويكسر أولياءها بزهده فيهم. # فإن قيل: لم لا يشرط الذوق في المذوقات مع كونه مقصودا، وهلا شرط اختبار ~~الدواب المستأجرة بالركوب والتسيير. # قلنا لم يشترط ذلك لأن رؤية الأوصاف الظاهرة من المبيع والمأجور تدل على ~~ما يظن من أوصافه دلالة ظاهرة، فاكتفى برؤية ما ظهر عن معرفة ما بطن، ولو ~~شرط ذوق المطعوم لتلف أكثره بذوق الذائقين، لأنه قد يذوقه فلا يعجبه، أو ~~يذوقه التذاذا بطعمه من غير رغبة في شرائه. # وكذلك # شرع في الوقف ما يتم مصالحه # كتمليك المعدوم من المنافع والغلات لموجود منهم: كالوقف على الفقراء ~~والحجاج والغزاة، ولمعدوم منهم: كالوقف على أولاد الأولاد بعد الأولاد ~~وكالوقف على من سيوجد من الفقراء والمساكين إلى يوم الدين ms302 لأن مصلحة هذه ~~الصدقة الجارية إلى يوم المعاد لا تحصل إلا بما ذكرناه، وكذلك إخراج ~~المنافع إلى غير مالك: كالوقف على بناء القناطر والمساجد ومصالحهما، وإنما ~~خولفت القواعد لأن المقصود منه المنافع والغلات وهي باقية إلى يوم الدين، # PageV02P146 # فلما عظمت مصلحة خولفت القواعد في أمره تحصيلا لمصلحته. # ومن ذلك الوصايا خولفت فيها القواعد تحصيلا لمصالحها نظرا إلى الأموات ~~إذا انقطعت حسناتهم لافتقارهم إلى رفع درجاتهم وتكفير سيئاتهم بحسناتهم ~~فجاز فيها تراخي القبول عن الإيجاب، لأن شرط القبول الاتصال بالإيجاب فإن ~~تأخر تأخرا يشعر بالإضراب عن القبول بطل سلطان القبول لأن الإيجاب موجب ~~لسلطان القبول للقابل في المدة التي يعد فيها مجيبا للموجب غير مضرب عن ~~جوابه، وهذا معتبر باتصال الكلام حتى لو فرق الفاتحة تفريقا يعد به مضربا ~~عن القراءة انقطع ولاء الفاتحة وكذلك اتصال الاستثناء والشرط بكلام ~~المستثني والشارط، وإذا جوزنا المعاملة بالكتابة جاز أن يتراخى القبول بعد ~~وصول الخبر بزمان لا يعد بالتأخير في مثله مضربا عن الإيجاب. # وإنما جاز ذلك في الوصية تحصيلا لمقاصدها وكذلك جاز فيها أيضا أن يتراخى ~~القبول عن بلوغ الخبر. # وكذلك جاز فيها أن يوصي بما لا يملك حال الوصية، وجاز فيها أيضا الوقف ~~فيما زاد على الثلث على الأصح مع أن الشافعي - رحمه الله - لا يرى وقف ~~العقود، ومما تختص به الوصية أن إيجابها لا يبطل بموجبها فإنه لو بطل لفات ~~جميع مقاصدها. # (فائدة) إذا مات الموجب بين الإيجاب والقبول بطل إيجابه بخلاف الوصية إذ ~~لا يتم مقصودها إلا كذلك بخلاف سائر العقود. # وكذلك لو أغمي على الموجب أو جن بطل إيجابه إلا في الوصايا فإنها لم تبطل ~~بالموت، فالأولى أن تبطل بما دونه والله أعلم. # ومن ذلك جواز التصرفات ولزومها، والتصرفات أنواع # PageV02P147 # أحدها: ما لا يتم مصالحه ومقاصده إلا بلزومه من طرفيه كالبيع والإجارة ~~والأنكحة والأوقاف والضمان والهبات. # وأما البيع والإجارة فلو كانا جائزين لما وثق كل واحد من المتعاقدين ~~بالانتفاع بما صار إليه ولبطلت فائدة شرعيتهما إذ لا يأمن من ms303 فسخ صاحبه، ~~لكن دخل في البيع خيار المجلس على خلاف قاعدته لأن الحاجة تمس إليه فجاز مع ~~قصر مدته، وقد لا يتحقق العاقد في مدة المجلس أنه غابن أو مغبون، فشرع خيار ~~الشرط مقدرا بثلاثة أيام تكميلا للغرض من شرعية الخيار، ولو شرط أحد ~~المتعاقدين خيار المجلس لسقط على المختار لأن سقوطه موافق لمقاصد العقد ~~بخلاف ما لو شرط نفي الملك والقبض لأنهما مراغمان لمقصود العقد. # وفي ثبوت خيار المجلس في الإجارة المقدرة بالمدة خلاف لأدائه إلى تفويت ~~بعض المعقود عليه. # وكذلك يثبت الخيار في البيع لأسباب تغض من مقاصد الخيار كخيار الخلف ~~وخيار العيب وخيار التدليس، وكذلك في الإجارة. # وأما النكاح فلا تحصل مقاصده إلا بلزومه ولا يثبت فيه خيار مجلس ولا خيار ~~شرط لما في ذلك من الضرر على الزوجين في أن يرد كل واحد منهما رد السلع مع ~~أن الغالب في النكاح أن لا يقع إلا بعد البحث وصحة الرغبة، ولا يفسخ إلا ~~بعيوب خمسة قادحة في مقاصده ويقع بالطلاق عند الإيلاء. # وأما قطعه بالإعسار فهل هو قطع فسخ أو قطع طلاق فيه قولان، وقد رأى بعض ~~العلماء أن لا يفسخ بالإعسار، لأن اليسار ليس من المقاصد الأصلية. # وأما الأوقاف فلا يحصل مقصودها الذي هو جريان أجرها في الحياة وبعد ~~الممات إلا بلزومها، وأما الضمان فلا يحصل مقصوده إلا بلزومه ولا خيار فيه ~~في الوقف بحال. # وأما الهبات فالأصل فيها اللزوم ليحصل المتهب على مقاصدها لكن # PageV02P148 # شرع فيها الجواز إلى الإقباض نظرا للواهب والمتهب، كما شرع خيار المجلس ~~في البيع، فإن الواهب قد يرى المصلحة في فسخ الهبة وصرف الموهوب فيما هو ~~أهم منها، وقد يرى المتهب أن لا يتحمل منه الواهب، واستثنى الشرع رجوع ~~الآباء والأمهات في الهبات بعد الإقباض تخصيصا لشرف الولادة كما أوجب ~~لهؤلاء من الحقوق ما لم يوجبه لغيرهم، وحرم الرجوع في الهبات بعد لزومها ~~على سواهم حتى شبه العائد في هبته بالكلب يعود في قيئه زجرا عن العود فيها ~~لما فيه من ms304 أذية المتهب بإزالة ملكه مع تحمله ضيم منة الأجانب. # النوع الثاني من التصرفات: ما يكون مصلحته في جوازه من طرفيه كالشركة ~~والوكالة والجعالة والوصية والقراض والعواري والودائع. # أما الوكالة فلو لزمت من جانب الوكيل لأدى إلى أن يزهد الوكلاء في ~~الوكالة خوف لزومها فيتعطل عليها هذا النوع من البر، ولو لزمت من جانب ~~الموكل لتضرر لأنه قد يحتاج إلى الانتفاع بما وكل فيه لجهات أخر كالأكل ~~والشرب واللبس أو العتق أو السكنى أو الوقف وغير ذلك من أنواع البر المتعلق ~~بالأموات، والشركة وكالة لأنها إن كانت من أحد الجانبين فالتعليل ما ~~ذكرناه، وإن كانت من الجانبين فإن لزمت فقد فات على كل واحد منهما ~~المقصودان المذكوران. # وأما الجعالة فلو لزمت لكان في لزومها من الضرر ما ذكرناه في الوكالة. # وأما الوصية فلو لزمت لزهد الناس في الوصايا. # وأما القراض فلو لزم على التأبيد عظم الضرر فيه من الجانبين وفاتت ~~الأغراض التي ذكرناها في الوكالة، وإن لزم إلى مدة لا يحصل فيها الربح في ~~مثل تلك المدة فلا يحصل مقصود العقد، فإن قيل هلا لزم إلى مدة يحصل فيها ~~الأرباح غالبا، قلنا ليس لتلك الأرباح ضابط يعتمد على مثله. # أما العواري فلو لزمت لزهد الناس فيها، فإن المعير قد يحتاج إليها لما من ~~الأغراض والمستعير قد يزهد فيها دفعا لمنة المعير. # PageV02P149 # وأما الودائع فلو لزمت لتضرر المودع والمستودع، ولزهد المستودعون في قبول ~~الودائع، وقد اختلف الشافعي - رحمه الله - في المسابقة والمناضلة فألحقهما ~~على قول بالإجارات، وألحقهما على قول بالجعالات. # النوع الثالث من التصرفات: ما تكون مصلحته في جوازه من أحد طرفيه ولزومه ~~من الطرف الآخر كالرهن والكتابة وعقد الجزية، وإجارة المشرك المستجير لسماع ~~كلام الله تعالى. # وأما الرهن فإن مقصوده التوثق ولا يحصل إلا بلزومه على الراهن وهو حق من ~~حقوق المرتهن فله إسقاط توثقه به كما تسقط وثيقة الضمان بإبراء الضامن وهو ~~محسن بإسقاطهما. # وأما الكتابة فمقصودها الأعظم حصول العتق فلو جازت من قبل السيد لأدى ذلك ~~إلى أن يفسخها ms305 متى شاء بعد أن يكدح العبد في تحصيل معظم النجوم وذلك مبطل ~~لتحصيل مقصود الكتابة، وجازت من قبل العبد إذ لا يلزمه السعي في تحصيل ~~حريته. # وأما عقد الجزية فإنه جائز من جهة الكافرين لازم من جهة المسلمين تحصيلا ~~لمصالحه ولو جاز من جهة المسلمين لامتنع الكافرون منه لعدم الثقة به لكن ~~يجوز فسخه بأسباب تطرأ منهم وذلك غير منفرد من الدخول فيه. # وأما إجارة المشرك المستجير لسماع كلام الله تعالى فإنها جائزة من جهة ~~المستجيرين لازمة من جهة المسلمين إذ لا تتم مصلحتها إلا بلزومها من قبلنا ~~فإنها لو لم تلزم لفات مقصودها وهو معرفة المستجير لدعوة الإسلام والدخول ~~فيه بعد الاطلاع عليه. # فإن قيل لم منعتم الزيادة على العشر في أموال الكفار وقلتم لا تؤخذ في ~~السنة إلا مرة واحدة؟ قلنا لأنا لو خالفنا ذلك لزهدوا في التجارة إلى ~~بلادنا وانقطع ارتفاق المسلمين بالعشور وبما يجلبونه مما يحتاج إليه من ~~أموال التجارة والأقوات وغير ذلك. # PageV02P150 ### | [فائدة العفو عن القصاص والعقوبات] # لازم لا يقبل الجواز. # وكذلك الإبراء عن الديون. # وأما الولايات فإن تعين المتولي ولم يوجد من يقوم مقامه فإنها لازمة في ~~حقه لا يقبل العزل ولا الانعزال إلى أن يوجد من يقوم مقامه فينفذ العزل ~~والانعزال، فلو عزل الإمام أو الحاكم أنفسهما وليس في الوجود من يصلح لذلك ~~لم ينفذ عزلهما أنفسهما لوجوب المضي عليهما. # وكذلك الوصي إذا لم يجد حاكما يوثق به فينبغي أن لا ينفذ عزل نفسه ولو ~~نفذ عزل نفسه لصار المال بيده أمانة شرعية، إذ لا يجوز تسليمه إلى الظلمة ~~والفجرة، لأن التسلم إلى الظلمة والفجرة كالإلقاء في مضيعة. ### | [فائدة القسمة المجبر عليها] # (فائدة) القسمة المجبر عليها لازمة إذ لا يحصل مقصودها إلا بلزومها # وكذلك قسمة التراضي لازمة سواء جعلت بيعا أم إقرارا لأن مقصودها زوال ضرر ~~الشركة لما على كل واحد من الشريكين من امتناع الانتفاع بنصيبه إلا بإذن ~~شريكه، إذ لا يجوز لأحد الشريكين أكل ما يؤكل ولا شرب ما يشرب، ولا ms306 ركوب ما ~~يركب، ولا لبس ما يلبس، ولا سكنى ما يسكن إلا بإذن شريكه، وكذلك التصدق ~~والهدية والإيداع والضيافة لا يرتفع هذا الحجر إلا بلزوم القسمة. ### | [فائدة في اختلاف مصالح الأركان والشرائط] # كل تصرف جالب لمصلحة أو دارئ لمفسدة فقد شرع الله من الأركان والشرائط ما ~~يحصل تلك # المصالح المقصودة الجلب بشرعه # ، أو يدرئ المفاسد المقصودة الدرء بوضعه، فإن اشتركت للتصرفات في مصالح ~~الشرائط والأركان كانت تلك الشرائط والأركان مشروعة في جميعها، وإن اختص # PageV02P151 # بعض التصرفات بشيء من الشروط أو الأركان اختص ذلك التصرف بهما. # وقد يشترط في أحد التصرفين ما يكون مفسدا في التصرف الآخر لتقاربهما في ~~جلب مصالحهما ودرء مفاسدهما: فالإيمان شرط في كل عبادة، والطهارة شرط في كل ~~صلاة وطواف، وكذلك السترة واستقبال القبلة، ولا يشترط ذلك في حج ولا صوم ~~ولا زكاة ولا قراءة ولا ذكر الله ولا تعريف ولا سعي ولا اعتكاف ولا رمي، ~~وكذلك يشترط في بعض التصرفات: كالبيع والإجارة الوجود والقدرة على التسليم ~~وانتفاء الأغرار السهلة الاجتناب، ولا يشترط ذلك في قراض ولا بيع ولا ~~مساقاة ولا مزارعة ولا جعالة ولا إجارة ولا إرضاع ولا في مياه العيون ~~والآبار والجداول والأنهار التابعة للإجارة على المزارعة وغرس الأشجار، فإن ~~ذلك لو شرط لفاتت مصالح هذه التصرفات ومقاصدها ولا يخشى ما في فوات هذه ~~المصالح من المفسدة والإضرار، ولا سيما فيما يتعلق بالرضاع ومياه الآبار ~~والأنهار. # ويشترط في الوكالة أن يكون الموكل مالكا للتصرف الذي يوكل فيه إذ لا يملك ~~الفرع ما لم يملكه الأصل ويستثنى من ذلك إذن المرأة في النكاح وإذن الأعمى ~~في البيع والشراء وإذن المضارب للعامل في التصرف في عروض التجارة التي لا ~~يملكها المالك ولا العامل لمسيس الحاجة إلى ذلك، فإن ذلك لو منع لفاتت ~~مصالح التزويج والبيع والشراء في حق العميان، وكذلك أرباح القراض. # ولا شك أن المصالح التي خولفت القواعد لأجلها: منها ما هو ضروري لا بد ~~منه، ومنها ما تمس إليه الحاجة المتأكدة. # PageV02P152 # ولو شهد الوصي ليتيم ms307 بحق يتصرف فيه الوصي لم تقبل شهادته لجرها إليه جواز ~~التصرف فيما شهد به، وكذلك لو حكم الحاكم لموكله أو لولده الطفل لم ينفذ ~~حكمه، ولو حكم للأيتام بحق لنفذ حكمه في محل تصرفه على الأصح لعموم الحاجة ~~إليه، وكذلك يشترط في الحكم للغائب وعلى الغائب المبالغة في وصفه بحيث يعز ~~وجود مثله ونظيره دفعا للإبهام عن الأحكام، فإن الإبهام في المحكوم به ~~والمحكوم له والمحكوم عليه مبطل للدعاوى والشهادات والأحكام، ولو وصف ~~المسلم فيه بما يعز وجوده لبطل السلم لمنافاة عزة الوجود للمقصود من السلم. # وكذلك يشترط الإطلاق في المضاربة لمنافاة التأجيل لمقصودها، ولا يشترط في ~~النكاح لمنافاته لمقصوده، ولا يشترط التأقيت في المضاربة، ويشترط في ~~الإجارة والمساقاة والمزارعة، ولو شرط في النكاح لأبطله لمنافاته لمقاصد ~~النكاح. # فأحكام الإله كلها مضبوطة بالحكم محالة على الأسباب والشرائط التي شرعها، ~~كما أن تدبيره وتصرفه في خلقه مشروط بالحكم المبينة المخلوقة مع كونه ~~الفاعل للأسباب على الأسباب والمسببات، ولو شاء لاقتطع الأسباب عن المسببات ~~ودل بينهما من التلازم، فكما شرع للتحريم والتحليل والكراهة والندب للإيجاب ~~أسبابا وشروطا، وكذلك وضع لتدبيره وتصرفه في خلقه أسبابا، وشروطا فجعل ~~للجوع أسبابا، وللشبع أسبابا، وللسقم أسبابا وللموت أسبابا، والحياة ~~أسبابا، وللغنى أسبابا، وللقرب أسبابا، وللبعد أسبابا، وللعز أسبابا، وللذل ~~أسبابا، وللضحك أسبابا، وللبكاء أسبابا، وللنشاط أسبابا، وللكسل أسبابا، ~~وللحركات أسبابا، وللنصح أسبابا، وللغش أسبابا، وللصدق أسبابا، وللسعادة ~~أسبابا، وللشقاوة أسبابا وللغموم أسبابا، وللذات أسبابا، وللآلام أسبابا، ~~وللصحة أسبابا، وللخوف أسبابا، وللغضب أسبابا، وللأمن أسبابا، وللراحات ~~أسبابا، وللنصب # PageV02P153 # أسبابا، وللعرفان أسبابا، وللاعتقادات الصحيحة أسبابا، وللفاسدة أسبابا، ~~وللشك أسبابا، ولليقين أسبابا، وللظنون أسبابا، وللأوهام أسبابا. # كل ذلك قد نصبه الإله مع الاستغناء عنه وهو المنفرد بخلق الأسباب ~~ومسبباتها، فلا يوجد سبب مسببا إذ لا موجود غيره، ولا مدبر إلا هو، يحكم ~~بما يشاء ويفعل ما يريد من غير فائدة تعود إليه، ولا نفع يحصل له، وهو بعد ~~خلق المخلوقات كما كان قبل أن يخلقها لا يفيده شيء غنى ms308 ولا عزا ولا شرفا، ~~بل هو الآن على ما عليه كان من أوصاف الجلال، ونعوت الكمال، والاستغناء عن ~~الأكوان. ### | [قاعدة فيما يوجب الضمان والقصاص] # يجب الضمان بأربعة أشياء: اليد والمباشرة، والتسبب، والشرط. # فأما اليد فالغصوب والأيدي الضامنة من غير غصب، وأما المباشرة فهي إيجاد ~~علة الهلاك، وتنقسم إلى القوي والضعيف والمتوسط: فأما القوي فكالذبح ~~والإحراق والإغراق وإيجاد السموم المذففة والحبس مع المنع من الطعام ~~والشراب. # وأما الضعيف فظن المغرور بنكاح الأمة إذا أحبلها ظانا أنها حرة يضمن ما ~~فات من حرية الولد بظنه فتلزمه قيمته عند الولادة يرجع بها على من غره لأنه ~~تسبب غاره ههنا أقوى من مباشرته بظنه، وتلزمه قيمته حال ولادته وهذا مخالف ~~للقواعد في كون المتلف إنما يضمن بقيمته حال إتلافه دون ما قبلها وما ~~بعدها، وإنما خرج هذا عن القاعدة، إذ لا قيمة له يوم الإحبال فإنه نطفة ~~قذرة لكنه كانت أجزاؤه دم أمة، وإن كان تكونه حيوانا بالقوى التي أودعها ~~الله في رحم أمه صار كالثمرة المخلوقة من الشجر كسبا من أكساب أمه لأنه ~~إنما صلح وصار حيوانا بالقوى التي في رحمها فيشبه # PageV02P154 # ما صنعته بيدها، فذلك قدر الإتلاف متأخرا إلى حين الوضع، وكأنه رقيق فوت ~~حريته حال الوضع، ولهذا جعل الولد تابعا لأمه في الملك والرق والحرية وأما ~~المتوسط فكالجراحات السارية، وقد تتردد صور بين الضعيف والمتوسط كغرز ~~الإبرة فيختلف فيها. # وأما التسبب فإيجاد علة المباشرة وهو منقسم إلى قوي وضعيف ومردد بينهما ~~وله أمثلة. # أحدها: الإكراه وهو موجب للقصاص والضمان على المكره لأنه ملجئ المكره إلى ~~المباشرة، فإن طبعه يحثه على درء المكروه عنه، وقد جعل المكره شريكا للتسبب ~~الذي هو المكره لتولد مباشرته عن الإكراه. # الثاني: إذا شهد بالزنا على إنسان فقتل بشهادته أو رجم في الحد بشهادته ~~فإنه يلزمه الضمان والقصاص لأن الشاهد ولد في الحاكم وفي ولي الدم الداعية ~~إلى القتل، لأن الحاكم يخاف من عذاب الآخرة وإن ترك الحكم، ومن عار الدنيا ~~إذ ينسب إلى الفسوق والجور، وكذلك ms309 الولي ولد فيه الشاهد داعية طبيعية تحثه ~~على استيفاء القصاص، والوازع الشرعي دون الوازع الطبعي. # والثالث إذا حكم الحاكم بالقتل جائرا في حكمه لزمه القصاص، لأنه ولد في ~~الولي داعية استيفاء القصاص، ولو أمر السلطان العادل العالم بأحكام الشرع ~~بقتل رجل بغير حق فقتله الجلاد جاهلا بذلك فإن الضمان يجب على الإمام دون ~~الجلاد، وإن كان الجلاد مختارا غير ملجئ، لأنه ولد فيه داعية القتل، إذ ~~الغالب من أمره أن لا يكون إلا بحق، فالجلاد وإن كان مختارا فلا إثم عليه ~~ولا قصاص لأنه يعتقد أنه مطيع لله. # وكذلك لا إثم على الحاكم إذا لم يعلم بشهادة الزور بخلاف المكره فإنه أثم ~~إذ ليس على الحاكم إذا لم يعلم بشهادة الزور بخلاف المكره فإنه أثم إذا ليس ~~له أن يفدي نفسه المظلومة بنفس معصومة إذ لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ~~ثلاث، فإذا كان الإمام جائرا ظالما لم يجز للجلاد امتثال أمره إلا إذا علم ~~أو # PageV02P155 # غلب على ظنه أنه غالب في أمره بالقطع والقتل وغيرهما من العقوبات، لأنه ~~بمثابة فاسق من الرعية أكره على قتل مسلم، وإن أكره الإمام على القتل بغير ~~حق فهو كغيره من المكرهين وإن لم يكره ولكن عهد منه أنه يسطو بمن خالفه ~~سطوة يكون مثلها لو هدد بها إكراها ففي إلحاقه بالإكراه خلاف والمختار أنه ~~إكراه إذا أثار خوفا كالخوف الذي يثيره التهديد. # وأما الشرط ففي إيجاد ما يتوقف عليه الإتلاف وليس بمباشرة ولا تسبب ~~كالممسك مع المباشر أو المتسبب لأنه لم يصدر منه شيء من أجزاء القتل وإنما ~~هو ممكن للقاتل من القتل، وقد خالفنا مالك في ذلك مبالغة في صيانة الدماء. ~~واستدلالا بقول عمر - رضي الله عنه - في قتيل قتله جماعة: لو تمالأ عليه ~~أهل صنعاء لقتلتهم به، ولا حجة في هذا الأثر ونحن قائلون بموجبه لأن معناه ~~لو تمالأ على قتله أهل صنعاء لقتلهم به، والتمالؤ على القتل إنما يكون ~~بالاشتراك فيه، والممسك وإن كان ذنبه عظيما فما كل ذنب ms310 يصلح لإراقة الدم ~~وقد يتردد في أسباب منها تقديم الطعام المسموم إلى الضيف إذا أكله فمات ~~بسمه فهذا التقديم لا إلجاء فيه، لأن الضيف مختار في الأكل غير مضطر إليه ~~وداعية الأكل مخلوقة فيه غير متولدة من المضيف، فلهذا اختلف في كونه سببا. # وكذلك لو ضيف إنسانا بطعام مغصوب وجب الضمان على الغاصب والآكل ولا رجوع ~~للآكل على الأصح لأنه غير ملجئ وقد وقع التردد في مسائل دائرة بين الشرط ~~والسبب كشهودي الإحصان مع شهودي الزنا، وقد حصل من ذلك أن الإتلاف يقع ~~بالظنون والأيدي والأقوال والأفعال، ويجري الضمان في عمدها وخطئها لأنه من ~~الجوابر، ولا تجري العقوبة والقصاص إلا في عمدها لأنهما من الزواجر. # أما العمد فلا بد من قصاص، أحدهما القصد إلى الفعل والثاني القصد إلى ~~المجني عليه، ولا بد أن يكون الفعل المقصود # PageV02P156 # إليه مما يقصد به التلف قطعا كالذبح أو غالبا كالقطع والجرح، وإذا تحققت ~~هذه الأركان الثلاثة كان القتل عمدا موجبا للعقوبة الشرعية. # وإذا وجد القصد إلى الفعل وإلى الشخص، وكان الفعل مما لا يقتل غالبا فهذا ~~القتل يقال له عمد الخطأ لأن فيه عمدين: أحدهما إلى الفعل، والثاني إلى ~~الشخص، وجعل خطأ بالنسبة إلى الفعل الذي لا يقتل غالبا، ويقال له أيضا شبه ~~العمد، لأنه أشبه العمد في القصدين، وقد يقع الخطأ بعد فوات القصدين لمن ~~زلق فوقع على إنسان فقتله، أو على مال فأتلفه. ### | [فائدة إذا شهد اثنان بالزور على تصرف ثم رجعا] # (فائدة) إذا شهد اثنان بالزور على تصرف ثم رجعا، فإن كان ذلك التصرف مما ~~لا يمكن تداركه، كالوقف والعتاق والطلاق لزمهما الضمان، وإن كان مما يمكن ~~تداركه، كالأملاك والأقارير وجب الضمان على الأصح، فإن تمكن الموقف عليه من ~~الوقف والمشهود عليه بالعتق من العبد، والمشهود عليه بالطلاق من المرأة ~~لعدم من يعرف الشهادة بذلك يسقط الضمان لرجوع الحقوق إلى مستحقها. ### | [قاعدة فيمن تجب طاعته ومن تجوز طاعته ومن لا تجوز طاعته] # لا طاعة لأحد المخلوقين إلا لمن أذن الله في ms311 طاعته كالرسل والعلماء ~~والأئمة والقضاة والولاة والآباء والأمهات والسادات والأزواج والمستأجرين ~~في الإجارات على الأعمال والصناعات، ولا طاعة لأحد في معصية الله عز وجل ~~لما فيه من المفسدة الموبقة في الدارين أو في أحدهما، فمن أمر # PageV02P157 # بمعصية فلا سمع ولا طاعة له، إلا أن يكره إنسانا على أمر يبيحه الإكراه ~~فلا إثم على مطيعه، وقد تجب طاعته لا لكونه آمرا بل لدفع مفسدة ما يهدده به ~~من قتل أو قطع أو جناية على بضع، ولو أمر الإمام أو الحاكم إنسانا بما ~~يعتقد الآمر حله والمأمور تحريمه فهل له فعله نظرا إلى رأي الآمر أو يمتنع ~~نظرا إلى رأي المأمور، فيه خلاف، وهذا مختص فيما لا ينقض حكم الآمر به، فإن ~~كان مما ينقض حكمه به فلا سمع ولا طاعة، وكذلك لا طاعة لجهلة الملوك ~~والأمراء إلا فيما يعلم المأمور أنه مأذون في الشرع. # وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح ~~الديني والدنيوي، فما من خير إلا هو جالبه، وما من ضير إلا هو سالبه، وليس ~~بعض العباد بأن يكون مطاعا بأولى من البعض، إذ ليس لأحد منهم إنعام بشيء ~~مما ذكرته في حق الإله، وكذلك لا حكم إلا له فأحكامه مستفادة من الكتاب ~~والسنة والإجماع والأقيسة الصحيحة والاستدلالات المعتبرة، فليس لأحد أن ~~يستحسن ولا أن يستعمل مصلحة مرسلة، ولا أن يقلد أحدا لم يؤمر بتقليده: ~~كالمجتهد في تقليد المجتهد أو في تقليد الصحابة وفي هذه المسائل اختلاف بين ~~العلماء، ويرد على من خالف في ذلك قوله عز وجل: {إن الحكم إلا لله أمر ألا ~~تعبدوا إلا إياه} [يوسف: 40] . # ويستثنى من ذلك العامة فإن وظيفتهم التقليد لعجزهم عن التوصل إلى معرفة ~~الأحكام بالاجتهاد، بخلاف المجتهد فإنه قادر على النظر المؤدي إلى الحكم، ~~ومن قلد إماما من الأئمة ثم أراد تقليد غيره فهل له ذلك؟ فيه خلاف، ~~والمختار التفصيل، فإن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه مما ينقض فيه ~~الحكم؛ فليس له الانتقال إلى حكم يجب نقضه فإنه لم يجب ms312 نقضه إلا لبطلانه، ~~فإن كان المأخذان متقاربين جاز التقليد والانتقال # PageV02P158 # لأن الناس لم يزالوا من زمن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب الأربعة يقلدون ~~من اتفق من العلماء من غير نكير من أحد يعتبر إنكاره، ولو كان ذلك باطلا ~~لأنكروه وكذلك لا يجب تقليد الأفضل وإن كان هو الأولى، لأنه لو وجب تقليده ~~لما قلد الناس الفاضل والمفضول في زمن الصحابة والتابعين من غير نكير، بل ~~كانوا مسترسلين في تقليد الفاضل والأفضل ولم يكن الأفضل يدعو الكل إلى ~~تقليد نفسه، ولا المفضول يمنع من سأله عن وجود الفاضل وهذا مما لا يرتاب ~~فيه عاقل. # ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث ~~لا يجد لضعفه مدفعا ومع هذا يقلده فيه، ويترك من الكتاب والسنة والأقيسة ~~الصحيحة لمذهبه جمودا على تقليد إمامه، بل يتحلل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ~~ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده، وقد رأيناهم يجتمعون ~~في المجالس فإذا ذكر لأحدهم في خلاف ما وظن نفسه عليه تعجب غاية التعجب من ~~استرواح إلى دليل بل لما ألفه من تقليد إمامه حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب ~~إمامه أولى من تعجبه من مذهب غيره، فالبحث مع هؤلاء ضائع مفض إلى التقاطع ~~والتدابر من غير فائدة يجديها، وما رأيت أحدا رجع عن مذهب إمامه إذا ظهر له ~~الحق في غيره بل يصير عليه مع علمه بضعفه وبعده، فالأولى ترك البحث مع ~~هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه قال لعل إمامي وقف على دليل ~~لم أقف عليه ولم أهتد إليه، ولم يعلم المسكين أن هذا مقابل بمثله ويفضل ~~لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح والبرهان اللائح، فسبحان الله ما أكثر من ~~أعمى التقليد بصره حتى حمله على مثل ما ذكر، وفقنا الله لاتباع الحق أين ما ~~كان وعلى لسان من ظهر، وأين هذا من مناظرة السلف ومشاورتهم في الأحكام ~~ومسارعتهم إلى اتباع الحق إذا ظهر على لسان الخصم، وقد نقل # PageV02P159 # عن الشافعي - رحمه الله ms313 - أنه قال: ما ناظرت أحدا إلا قلت اللهم أجر الحق ~~على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني وإن كان الحق معه اتبعته. # (فائدة) اختلف العلماء في تقليد الحاكم المجتهد لمجتهد آخر فأجازه بعضهم ~~لأن الظاهر من المجتهدين أنهم أصابوا الحق، فلا فرق بين مجتهد ومجتهد فإذا ~~جاز للمجتهد أن يعتمد على ظنه المستفاد من الشرع فلم لا يجوز له الاعتماد ~~على ظن المجتهد المعتمد على أدلة الشرع، ولا سيما إذا كان المقلد أنبل ~~وأفضل في معرفة الأدلة الشرعية، ومنعه الشافعي وغيره، وقالوا ثقة بما يجده ~~من نفسه من الظن المستفاد ومن أدلة الشرع أقوى مما يستفيده من غيره ولا ~~سيما إن كان هو أفضل الجماعة، وخير أبو حنيفة في تقليد من شاء من المجتهدين ~~لأن كل واحد منهم على حق وصواب، وهذا ظاهر متجه إذا قلنا كل مجتهد مصيب. ### | [قاعدة في الشبهات الدارئة للحدود] # الشبهات دارئة للحدود وهي ثلاثة: إحداها في الفاعل وهو ظن حل الوطء إذا ~~وطئ امرأة يظنها زوجته أو مملوكته # الثانية: شبهة في الموطوءة كوطء الشركاء الجارية المشتركة، الثالثة: في ~~السبب المبيح للوطء كالنكاح المختلف في صحته. # فأما الشبهة الأولى فدرأت عن الواطئ الحد لأنه غير آثم، والنسب لاحق به، ~~والعدة واجبة على الموطوءة، والمهر واجب عليه. # وأما الشبهة الثانية فدرأت الحد لأن ما فيها من ملكه يقتضي الإباحة، وما ~~فيها من ملك غيره يقتضي التحريم، فلا تكون المفسدة فيه كمفسدة الزنا المحض، ~~بل لو أكل الإنسان رغيفا مشتركا بينه وبين غيره لم يأثم بأكل نصيبه مثل ~~إثمه # PageV02P160 # بأكل نصيب شريكه بل يأثم به إثم الوسائل، وكذلك لو قتل أحد الأولياء ~~الجاني بغير إذن شركائه أثم ولم يقتص منه، ولا يأثم إثم من قتل من لا شريك ~~له في قتله. # وكذلك الوسائل إلى المصالح لا يثاب عليها مثل ثواب المصالح، فإن صلاة من ~~فاتته صلاة من صلاتين لزمه أداؤهما، ولا يثاب على الوسيلة منهما مثل ثواب ~~الواجبة منهما، ولذلك فعلهما بتيمم واحد على الأصح. # وأما الشبهة ms314 الثالثة فليس اختلاف العلماء هو الشبهة، ولذلك لم يلتفت إلى ~~خلاف عطاء في إباحة الجواز، وإنما الشبهة التعارض بين أدلة التحريم ~~والتحليل، فإن الحلال ما قام دليل تحليله، والحرام ما قام دليل تحريمه، ~~وليس أحدهما أولى من الآخر، كما أن ملك أحد الشريكين يقتضي التحليل وملك ~~الآخر يقتضي التحريم، وإنما غلب درء الحدود مع تحقق الشبهة لأن المصلحة ~~العظمى في استيفاء الإنسان لعبادة الديان، والحدود أسباب محظرة فلا تثبت ~~إلا عند كمال المفسدة وتمحضها، وخالف الظاهرة في شبهة لا تدفع التحريم كوطء ~~أحد الشريكين ظنا منهم أن الزنا عبارة عن الوطء المحرم، وليس كما ظنوا لأن ~~العرب وصفوا اسم الزنا لمن وطئ بضعا لا حق له فيه، واستعمال الزنا في وطء ~~يملك بعضه يكون تجوزا أو اشتراكا وكلاهما على خلاف الأصل، ومثل درء الحد ~~بوطء أحد الشريكين درء القطع بسرقة أحد الشريكين. ### | [قاعدة من المستثنيات من القواعد الشرعية] # اعلم أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل مصالح عاجلة وآجلة تجمع كل قاعدة ~~منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة أو # PageV02P161 # مفسدة تربى على تلك المصالح، وكذلك شرع لهم السعي في درء مفاسد في ~~الدارين أو في أحدهما تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم استثنى منها ما في ~~اجتنابه مشقة شديدة أو مصلحة تربى على تلك المفاسد، وكل ذلك رحمة بعباده ~~ونظر لهم ورفق، ويعبر عن ذلك كله بما خالف القياس، وذلك جار في العبادات ~~والمعاوضات وسائر التصدقات. # أما في العبادات فله أمثلة: أحدها تغير أحد أوصاف الماء بشيء سالب ~~لطهوريته استثنى من ذلك ما يشق حفظ الماء منه. # المثال الثاني: تلاقي النجاسة والماء القليل موجب لنجاسته استثنى من ذلك ~~غسالة النجاسة ما دامت على المحل لأنها لو لم تستثن ما ظهر محل نجس إلا ~~بقلتين، فإذا انفصل فالأصح بقاء طهارته. # المثال الثالث: استعمال الماء في الحدث سالب لطهورته إذا انفصل على الأصح ~~يسلبها ما دام على المحل لما ذكرناه في النجاسة، وقالوا لو انغمس الجنب ms315 في ~~ماء قليل ناويا رفع الحدث لم يسلب طهوريته حتى ينفصل عنه، وكان ينبغي أن ~~يقال إذا طهر جسده فينبغي أن تسلب طهوريته وإن لم ينفصل، إذ لا حاجة إلى ~~الحكم ببقاء طهوريته بعد تطهير المحل. # ولو قيل إنما طهر الجسد من الحدث بالمقدار الذي لاقاه من الماء دون ما ~~وراء ذلك فكان لا ينبغي أن لا يثبت حكم الاستعمال إلا للقدر المطهر ثم ينسب ~~بالمقدار المطهر إلى بقية الماء فإن كان بحيث يغيره لو خالفه زالت طهوريته، ~~وإن كان بحيث لا يخالفه فلا وجه لزوال طهوريته لما كان بعيدا. # المثال الرابع: استعمال أواني الذهب والفضة حرام على النساء والرجال لكنه ~~يباح عند الحاجة وفقد الآنية المباحة. # PageV02P162 # المثال الخامس: إيقاع الطهارة على غير محل الحدث أو ما اتصل بمحل الحدث ~~عبث لكنه جاز على الخفاف والعصائب والجبائر لمس الحاجة إلى لبس الخف، ~~وللضرورة إلى وضع العصائب والجبائر كي لا يعتاد المكلف ترك المسح فيثقلا ~~عليه عند إمكانهما الغسل. # المثال السادس: الصلاة مع الحدث محظورة لكنها جازت للتيمم عند فقد الماء ~~شرعا وحسا عند الأمراض التي يخشى منها على النفوس والأعضاء أو المشاق ~~الشديدة وكذلك يجوز عند فقد الماء والتراب إقامة لمصالح الصلاة التي لا ~~تدانيها مصالح الطهارة. # المثال السابع: الحدث مانع من ابتداء الطهارة قاطع لأحكامها بعد انعقادها ~~لكنه غير مانع في حق المستحاضة ومن عذره دائم كسلس البول وسلس المذي وذرب ~~المعدة، لأن ما يفوت من مصالح أركان الصلاة وشرائطها أعظم مما يفوت من ~~مصالح الطهارة. # المثال الثامن: الجمادات كلها طاهرة لأن أوصافها مستطابة غير مستقذرة ~~واستثني منها الخمر عند جمهور العلماء تغليظا لأمرها، والحيوانات كلها ~~طاهرة واستثني منها الكلب والخنزير وفروعهما عند الشافعي تغليظا لأمرهما ~~وتنفيرا من مخالطتهما، لأن الكلب يروع الضيف وابن السبيل، والخنزير أسوأ ~~حالا منه لوجوب قتله بكل حال، ولا يجوز اقتناء الكلاب إلا لحاجة ماسة كحفظ ~~الزرع والمواشي واكتساب الصيود. # المثال التاسع: الميتات كلها نجسة لأن الميت مظنة العيافة والاستقذار، ~~واستثني من ذلك الآدمي ms316 لكرامته والسمك والجراد، وما يستحيل من الطعام كدود ~~الخل والتفاح لمسيس الحاجة إلى ذلك. # وكذلك إذا ذكي الحيوان # PageV02P163 # فوجد في جوفه جنين ميت ولو وجد حيا فقصر في ذبحه حتى مات نجس وحرم، ~~واختلف في ميتة ما ليس له نفس سائلة. # المثال العاشر: الأصل في الطهارات أن يتبع الأوصاف المستطابة، وفي ~~النجاسة أن يتبع الأوصاف المستخبثة. # وكذلك إذا صار العصير خمرا تنجس للاستخباث الشرعي. # وكذلك إذا صار خلا للتطيب الشرعي والحسي وكذلك ألبان الحيوان المأكول لما ~~تبدلت أوصافها إلى الاستطابة طهرت فكذا المخاط والبصاق والدمع والعرق ~~واللعاب، وكذلك الحيوان المخلوق من النجاسات، وكذلك الثمار المسقية بالمياه ~~النجسة طاهرة محللة لاستحالتها إلى صفات مستطابة. # وكذلك بيض الحيوان المأكول والمسك والإنفحة واختلف العلماء في رماد ~~النجاسات فمن طهره استدل بتبديل أوصافه المستخبثة بالأوصاف المستطابة، وكما ~~تطهر النجاسات باستحالة أوصافها فكذلك تطهر الأعيان التي أصابتها نجاسة ~~بإزالة النجاسة، وإذا دبغ الجلد فلا بد من إزالة فضلاته وتغير صفاته، فمنهم ~~من غلب عليه الإزالة، ومنهم من غلب عليه الاستحالة، ومنهم من قال: هر مركب ~~منهما. # المثال الحادي عشر: المقصود بالتطهر من الأحداث والأخباث، تعظيم الإله ~~وإجلاله من أن يناجى أو يتلى كتابه أو يمكث في بيوته مع وجود الأحداث ~~والأخباث، وقد ذكرنا المستثنى من الأحداث. # وأما المستثنى من الأخباث فكل نجاسة يعم الابتلاء بها كفضلة الاستجمار ~~ودم البراغيث والبثرات وطين الشارع المحكوم بنجاسته فإنه يعفى عن قليله ولا ~~يعفى عن كثيره لندرته بالنسبة إلى قليله ولتفاحشه وإذا كانت الخراجة نضاخة ~~فحكمها حكم دم الاستحاضة وأما تفاحش كثرته كالنجاسة تعم جميع الجسد والمصلى ~~فإنه يعفى عنها في الصلاة إذا لم يجد ما يزيلها # PageV02P164 # ولم يمكنه التحول عنها، لأن مصلحة ما يفوت من أركان الصلاة وشرائطها أعظم ~~من مصلحة ما يفوت من طهارة الأخباث. # المثال الثاني عشر: ستر العورات والسوآت واجب وهو من أفضل المروآت وأجمل ~~العادات ولا سيما في النساء الأجنبيات، لكنه يجوز للضرورات والحاجات. # أما الحاجات فكنظر كل واحد من الزوجين إلى صاحبه، وكذلك ms317 نظر المالك إلى ~~أمته التي تحل له ونظرها إليه، وكذلك نظر الشهود لتحمل الشهادات، ونظر ~~الأطباء لحاجة المداواة، والنظر إلى الزوجة المرغوب في نكاحها قبل العقد ~~عليها إن كانت ممن ترجى إجابتها. # وكذلك يجوز النظر لإقامة شعائر الدين كالختان وإقامة الحد على الزناة، ~~وإذا تحقق الناظر إلى الزانيين من إيلاج الحشفة في الفرج حرم عليه النظر ~~بعد ذلك، إذ لا حاجة إليه، وكذلك لو وقف الشاهد على العيب أو الطبيب على ~~الداء فلا يحل له النظر بعد ذلك. لأنه لا حاجة إليه لذلك، لأن ما أحل إلا ~~لضرورة أو حاجة يقدر بقدرها ويزال بزوالها. # وأما الضرورات فكقطع السلع المهلكات ومداواة الجراحات المتلفات، ويشترط ~~في النظر إلى السوآت لقبحها من شدة الحاجة ما لا يشترط في النظر إلى سائر ~~العورات، وكذلك يشترط في النظر إلى سوأة النساء من الضرورة والحاجة ما لا ~~يشترط في النظر إلى سوأة الرجال، لما في النظر إلى سوآتهن من خوف الافتتان، ~~وكذلك ليس النظر إلى ما قارب الركبتين من الفخذين كالنظر إلى الأليتين. # المثال الثالث عشر: يجب التوجه في الصلوات إلى أفضل الجهات لكنه جاز تركه ~~في نوافل الأسفار تحصيلا لمصالح، وجعل صوب السفر بدلا # PageV02P165 # من القبلة لأنه هو الذي مست الحاجة إليه، كما جعلت جهة محاربة الكفار ~~بدلا من جهة القبلة لأنها هي التي مست الحاجة إليها وحثت الضرورة عليها. # المثال الرابع عشر: تنقيص أركان الصلاة ممنوع واستثني من ذلك الفاتحة ~~وقيامها في حق المسبوق جبرا لها بشرف الاقتداء. # المثال الخامس عشر: الزيادة على قعدات الصلاة وسجداتها مبطل لها إلا في ~~حق المقتدي إذا اقتدى بالإمام بعد رفع رأسه من الركوع فإنه يأتي بسجدتين ~~وقعدة بينهما، ولو أدرك ذلك في آخر الصلاة لزاد على ذلك أركان التشهد ~~وتطويل القعود، ولو قرأ المسبوق بعض الفاتحة فرجع الإمام قبل إتمامه ~~فالمختار إلحاقه بالمسبوق بجميع قراءة القيام. # المثال السادس عشر: مساوقة الإمام المأموم في أركان الصلاة جائزة إلا في ~~الإحرام عند الشافعي إذ به الانعقاد وقال أبو حنيفة ms318 الأفضل أن يساوق فيه ~~ليكون مقتديا من أول الصلاة إلى آخرها. # المثال السابع عشر: مخالفة المؤتم الإمام بالمسابقة إلى الأركان إن كثرت ~~أفسدت الصلاة إلا مع الغفلة والنسيان فمسابقته بركنين مبطلة مع العمد، وفي ~~المسابقة بركن واحد خلاف، ولو سابق إلى الأركان واجتمع مع الإمام في كل ركن ~~منها لم تبطل صلاته على المذهب. والتخلف كالتقدم إلا ما استثني في صلاة ~~عسفان. # وفي التأخر بأوائل الأركان، وإذا شرع الإمام في الانتقال إلى ركن من ~~الأركان فالسنة أن لا يتابعه المأموم حتى يلابس الركن الذي انتقل إليه ~~فحينئذ يشرع في متابعته، والانتظار في قومات الصلاة غير مشروع وفي الانتظار ~~في الركوع قولان. . # PageV02P166 # المثال الثامن عشر: الفعل الكثير المتوالي مبطل للصلاة إلا في حال ~~النسيان وفي حال التحام القتال. # المثال التاسع عشر: التخلف بأركان كثيرة والانتظار في القيام ممنوع إلا ~~في التخلف للحراسة في صلاة عسفان، وفي الانتظار في صلاة ذات الرقاع تقديما ~~لمصالح الجهاد على مصالح الاقتداء وعلى التحقيق هذا جمع بين مصالح الاقتداء ~~ومصالح الجهاد، فإن الحراسة والانتظار ضرب من الجهاد، وكذلك الجمع في صلاة ~~شدة الخوف بين الجهاد وبين الإتيان بما قدر عليه من الأركان. # المثال العشرون: لبس الذهب والتحلي به محرم على الرجال إلا لضرورة وحاجة ~~ماسة، وكذلك الفضة إلا الخاتم وآلات الحرب، وكذلك الحرير لا يجوز للرجال ~~إلا لضرورة أو حاجة ماسة. ويجوز لبس الحرير والتحلي بالذهب والفضة للنساء ~~تحبيبا لهن إلى الرجال، فإن حبهن حاث على إيلادهن من يباهي به الرسول ~~الأنبياء وينتفع به الوالد إن عاش بما جرت به العادة من الانتفاع بالأولاد ~~والأحفاد، وإن مات كان فرطا لأبويه وأجرا وذخرا ووقاية من النار بحيث لا ~~تصيبه إلا تحلة القسم. # المثال الحادي والعشرون: تجليل الدواب بالجلود النجسة جائز إلا جلد كلب ~~أو خنزير. # المثال الثاني والعشرون: الصلاة واجبة على الأموات لافتقارهم إلى رفع ~~وتكفير السيئات إلا الأطفال لا يدعى لهم بتكفير السيئات، لكن يدعى لهم برفع ~~الدرجات لافتقارهم إليها، وقد روى مالك عن سعيد بن ms319 المسيب أنه سمع أنسا ~~يدعو لصبي في الصلاة عليه: أن يعيذه الله من عذاب القبر، وليس هذا ببعيد إذ ~~يجوز أن يبتلى في قبره كما يبتلى في الدنيا، وإن لم # PageV02P167 # يكن له ذنب فيجوز أن يكون هذا رأيا من أنس، ويجوز أن يكون أخذ ذاك من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يصلى على الشهداء فإنهم قد غفرت لهم ~~الزلات لأن أول قطرة تقطر من دم الشهيد يكفر بها كل ذنب إلا الدين. # فإن قيل: هلا صلي عليهم لرفع الدرجات كما صلي على الأطفال؟ قلنا: لو صلي ~~عليهم لم يعرف أنهم قد استغنوا عن الشفاعات، فتركت الصلاة عليهم ترغيبا ~~للناس في الجهاد. # فإن قيل: لم ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على المدين مع ~~افتقاره إليها قلنا؟ تركها تنفيرا من الديون، لما في العجز عن أدائها من ~~مضرة أربابها، ولأن المدين إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وقد سئل - صلى الله ~~عليه وسلم - عن كثرة استعاذته من المأثم والمغرم فقال: «إن الرجل إذا غرم ~~حدث فكذب ووعد فأخلف» . # فإن قيل: قد صلى الصحابة على سيد الأولين والآخرين مع أن الله أخبره أنه ~~قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قلنا: كما أمروا بالصلاة عليه قبل ~~موته أمروا بمثل ذلك بعد موته. # فإن قيل: الدعاء شفاعة للمدعو له فكيف يشفع؟ قلنا ليست الصلاة عليه شفاعة ~~له، ولكن قد أمرنا بأن نكافئ من أسدى إلينا المعروف وإن عجزنا عن مكافأته ~~أن ندعو له بدلا من مكافأته، ولا معروف أكمل مما أسداه إلينا - صلى الله ~~عليه وسلم - فنحن ندعو الله عز وجل أن يكافئه عنا لعجزنا عن مكافأته. # المثال الثالث والعشرون: تكفين الأموات على الهيئة المعتادة - إكراما لهم ~~- واجب. # وكذلك تطهرهم من النجاسات، استثني من ذلك الشهداء # PageV02P168 # فإنهم يدفنون في ثيابهم بكلومهم ودمائهم ليقدموا على الله عز وجل على وجه ~~يوجب العطف عليهم والرحمة لهم، وهذا معلوم بالعادة أن العبد إذا ناضل عن ~~سيده فقتل لأجل مناضلته ثم أحضر ms320 إليه ملفوفا في ثيابه مخضبا بدمائه فإنه ~~يعطف عليه ويرحمه ويود مكافأته على صنيعته، لأنه بذل في طاعته أنفس الأشياء ~~عنده وأحبها إليه، وكذلك لو رأى عبده مجندلا بالفلاة تأكله السباع والطير ~~لكان عطفه عليه أكثر، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - «في حمزة - رضي ~~الله عنه - لما قتل بأحد: لولا أن تكون سنة لتركته حتى يحشر من بطون السباع ~~وحواصل الطير» وكذلك يحشر الشهداء يوم القيامة وجراحاتهم تنعب دما، ويقارب ~~هذا المعنى المحرم إذا مات فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. # المثال الرابع والعشرون: الحول معتبر في زكاة النعم والنقدين إلا في ~~النتاج كما أنه معتبر في زكاة التجارة إلا في الأرباح لأنهما نشئا عن ~~النصاب الذي وجبت فيه الزكاة فتبعاه في الحول. # المثال الخامس والعشرون: إذا نقص المال عن النصاب في أثناء الحول لم ~~ينعقد الحول، وإن نقص في أثناء الحول انقطع الحول إلا في زكاة التجارة على ~~قول معتبر وفيه إشكال. # المثال السادس والعشرون: إذا قلنا بملك الفقراء الزكاة بحول الحول فنفقة ~~نصيبهم على المزكي، وهذا مستثنى من إيجاب نفقة الملك على المالك، وللمالك ~~إبدال ما ملكوه من الزكاة بمثله أو أفضل منه، وهذا مستثنى من التصرف في ~~الملك بغير إذن المالك، لكنه جاز رفقا بأرباب الأموال فيما لا ضرر فيه على ~~الفقراء، إذ لا يجوز إبداله إلا بمثله وأفضل منه. # المثال السابع والعشرون: إذا بدل المالك النصاب الزكوي في أثناء # PageV02P169 # الحول بجنسه أو بغير جنسه انقطع الحول إلا في زكاة التجارة، فإن قيمة ~~العروض فيها تبدل بالقيمة القائمة بأثمانها ولا ينقطع الحول بذلك تقديرا ~~لاستمرارها كي لا يتضرر الفقراء بذلك. # المثال الثامن والعشرون: جبران الأسنان مستثنى من قياس الجبران فإن ~~إبدالها يتقدر بقيمتها من نقد البلد من غير تخيير، وإنما استثني ذلك لعسر ~~إحضار المقومين إلى أهل البوادي، ولم يجب فيها ذهب لعزته في البوادي، ~~والتقدير بالخرص على خلاف الأصل لأن الخطأ يكثر فيه، بخلاف الميزان والزرع ~~والكيل والتقويم، وأضبط هذه التقديرات الوزن لقلة التفاوت فيما بين ms321 ~~الوزنين، وأبعدها الخرص، لكنه جاز في الزكاة والمساقاة لمسيس الحاجة ~~العامة، فإن الرطب والعنب إذا بدا صلاحهما ووجبت الزكاة فيهما خرص على ~~المالكين وضمنوا مقدار الزكاة بالخرص، لأنهم لو منعوا من التصرف فيه بالأكل ~~والبيع والشراء لتضرر الملاك والناس بمنعهم من ذلك إلى أن ييبس ويقدر ~~بالمكيال، وكذلك حكم الخرص في المساقاة لئلا يمتنع على الشركاء الأكل ~~والتصرف، وإذا امتنع عليهم امتنع على كافة الناس وذلك حزر عام دون عموم ضرر ~~الزكاة، فإن الشريكين ههنا يتصرفان فيه بالرضا وإن لم يخرص، والفقراء يتعذر ~~رضاهم لأنهم لا يتعينون. # المثال التاسع والعشرون من أمثلة مستثنيات العبادات: لا زكاة فيما نقص من ~~النعم عن النصاب إلا في الخلطة عند الشافعي - رحمه الله -، ولو تخالط ~~أربعون رجلا بأربعين شاة أو ثمانون رجلا بأربعين شاة لأوجب الشافعي - رحمه ~~الله - الزكاة على من يملك شاة أو نصف شاة مع كونه مالا نزرا لا يحتمل ~~المواساة. # فإن قيل: إنما اعتبرت النصب ليكون المال محتملا للمواساة فهلا أوجبتم ~~الزكاة على من يملك من الجواهر والخيل والحمير والبغال والقرى والبساتين # PageV02P170 # والدور والدكاكين ما يساوي مائة ألف دينار لاحتمال ماله للمواساة؟ وكيف ~~لا يجب على هذا الزكاة وهي واجبة على الضعيف ذي العيال في خمس من الإبل أو ~~في جزء من بعير في صورة الخلطة؟ قلت إن اشتملت قراه وبساتينه على الأموال ~~الزكوية من النخل والكرم والزرع كانت زكاتها مجزية عن زكاة رقابها، وإن لم ~~يكن فيها مال زكوي، فإن ثمار بساتينها تباع بالنقود في الغالب، وكذلك تؤجر ~~أراضيها بالنقود في الغالب فإن بقيت نقودها حتى حال عليها الحول قامت زكاة ~~النقود مقام زكاة رقابها، وإن اتجر في نقدها قامت زكاة التجارة مقام زكاة ~~النقد، وكذلك القول في إيجار الدور والدكاكين. # وكذلك البغال والحمير، واختلف العلماء في زكاة الخيل. # وأما الجواهر في الغالب أنها لا تقتنى بل يتجر فيها ولا يدخرها إلا ~~القليل من الناس، وأما اقتناء الملوك لها، فإن كانت لبيت مال المسلمين فلا ~~زكاة في بيت المال، والملوك ms322 فقراء وليسوا بأغنياء بسبب ما حازوه من بيت ~~المال لأنفسهم ظلما وعدوانا، ولا زكاة في مال بيت المال إذ لا يتعين ~~مستحقوه، وإن كان مما اشتروه لأنفسهم: فإن اشتروه بعين مال بيت المال لم ~~يملكوه، وإن اشتروا في ذمتهم ونقدوا ثمنه من مال بيت المال كانت أثمانه ~~دينا عليهم. # وفي وجوب الزكاة على المدين خلاف بين العلماء وقد خالف بعض العلماء في ~~الجواهر المستخرجة من البحار. # المثال الثلاثون: لا يثبت شيء من الشريعة إلا بشاهدين عدلين، وتثبت أوقات ~~الصلاة بخبر العدل الواحد، ولا يثبت شوال إلا بعدلين على المذهب، وإنما ثبت ~~رمضان بعدل واحد، لأنه حق الله عز وجل يبعد في العادة الكذب فيه فيصير ~~كالإخبار عن الشرعيات واحتياطا لهذه العبادة العظيمة التي هي ركن من أركان ~~الإسلام، بخلاف الحج فإنه لا يقع إلا نادرا، فلا تخالف قواعد النيات لأجله ~~مع ندرته. # PageV02P171 # المثال الحادي والثلاثون: لا تصح النيابة في شيء من العبادات كالعرفان ~~والإيمان والصلاة والتسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد والأذان وقراءة ~~القرآن، لأن الغرض بها تعظيم الإله، وليس المنيب معظما بتعظيم النيابة، ~~واستثني من ذلك الحج والعمرة في حق العاجزين إما بالموت أو بالهرم أو مرض ~~لا يرجى زواله، ولم يستثن من الصلاة إلا ركعتا الطواف في نسك النيابة لأنها ~~تابعة للنسك، وقد يجوز بالتبعية ما لا يجوز بالأصالة، وكذلك الصيام على ~~الأصح، وقد ألحق الاعتكاف بالصيام، وفيه بعد إذ لا نص فيه، ولا مجال للقياس ~~في مثل ذلك. # المثال الثاني والثلاثون: من نوى التنفل بعبادة من العبادات لم ينقلب ~~تنفله فرضا إلا في النسكين. # المثال الثالث والثلاثون: من استناب في عمل يقبل النيابة فعمله ناويا به ~~مستنيبه وقع لمستنيبه إلا في النسكين فإن الضرورة المستأخرة في النسكين على ~~الذمة إذا نوى النسكين أو أحدهما عن مستنيبه. # المثال الرابع والثلاثون: إبهام النية بين عبادتين بدنيتين لا تصح إلا في ~~النسكين. فإن إبهامه الإحرام يصح ثم يصرفه المحرم إلى من يشاء من النسكين ~~أو أحدهما، ويصح إبهام الزكاة والكفارات، فإن الغالب ms323 عليهما المالية ~~كالديون. # المثال الخامس والثلاثون: من علق إحرامه بالعبادة على إحرام غيره مثل أن ~~قال صليت صلاة كصلاة فلان لم يصح إلا في النسكين، فإذا علق إحرامه على ما ~~أحرم به غيره فإن إحرامه ينعقد بما أحرم به غيره وإن كان غير شاعر به. # PageV02P172 # المثال السادس والثلاثون: خروج وقت العبادة المقدر يجعلها قضاء خطأ كان ~~خروجه أم عمدا إلا في جمع التأخير، وفي غلط يوم عرفة فإنها تكون أداء: أما ~~في الجمع فلعذر السفر. # وأما في العيد فلرتبة فوات الأداء، وأما في الحج فللضرر العام مع فوات ~~رتبة الأداء. # المثال السابع والثلاثون: من أفسد العبادة بطل انعقادها ووصفها إلا في ~~النسكين إذا أفسدهما بالجماع فإنه يبطل وصفهما وهو الصحة ولا يبطل ~~انعقادهما، فيلزمه أن يأتي بما كان يلزمه الإتيان به قبل الإفساد، وليس ~~إمساك الصائم إذا أفسد صومه من شهر رمضان كذلك، لأن مفسدة النسك مستمرة في ~~عبادة يلزمه كفارات محظوراتها إذا ارتكبها، ولو جامع الممسك في رمضان بعد ~~الإفساد لما لزمه كفارة جماعه، لأنه ليس في صوم منعقد إنما هو متشبه ~~بالصائمين. # المثال الثامن والثلاثون: فوات العبادات موجب لقضائها غير ناقل لعبادة ~~أخرى إلا الحج، فإن من فاته لزمه الإتيان بعمل عمرة ثم القضاء في العام ~~المقبل. # المثال التاسع والثلاثون: ليس للعبادات كلها إلا تحليل واحد، أما الصلاة ~~فيخرج منها بالتسليم. # وأما الصوم فلا يتوقف خروجه منه على فعله ولا على اختياره بل ينتهي ~~بانتهاء النهار، وأما الاعتكاف فيخرج منه تارة بانتهاء مدته كالصوم وتارة ~~بالخروج من المسجد بغير عذر، بخلاف الحج فإنه يخرج منه خروج أحدهما بالتحلل ~~الأول، والثاني بالتحلل الثاني. # المثال الأربعون: ترتفع أحكام العبادات بموت العابد إلا في النسكين فإن ~~المحرم إذا مات لم يجز تخمير رأسه ولا ستر بدنه بالمخيط ولا تطييبه # PageV02P173 # وليس هذا استثناء على الحقيقة، فإن تكليفه قد انقطع بموته، وإنما ذلك ~~تكليف لمن يتولاه من الأحياء. # وفي ارتفاع الإحداد بموت المعتدة خلاف. # المثال الحادي والأربعون: الانتفاع بملك الغير بغير إذنه من ms324 غير ضرورة ~~منهي عنه إلا ركوب الهدي المنذور للفقراء، ودرء الفاضل عن ولده، وكذلك قدر ~~الزكاة من النعم فإن الانتفاع به جائز، وإن جعلناه ملكا للفقراء. # المثال الثاني والأربعون: من نذر قربة لزمه القيام بما نذر إلا نذر ~~اللجاج فإنه لما جعل الملتزم بالنذر حاثا على الفعل أو زاجرا عنه أشبه ~~اليمين فيتخير على قول بين القيام بما نذره، وبين الكفارة، وتتعين الكفارة ~~على قول آخر، لقوله - عليه السلام -: «كفارة النذر كفارة اليمين» . # المثال الثالث والأربعون: من نذر أن يحج ماشيا فحج راكبا أو أن يحج راكبا ~~فحج ماشيا فقد بناه بعض أصحاب الشافعي على أن الأفضل هو المشي أو الركوب ~~وبرأه بالأفضل منهما، وقال آخرون لا يبرأ من الفاضل منهما عن المفضول، ~~لأنهما جنسان مختلفان، وهذا هو المختار لأن المشي لا يجانس الركوب. # وأما ما خالف القياس في المعاوضات وغيرها من التصرفات فله أمثلة: أحدها: ~~أن الرضا شرط في جميع التصرفات إلا أن يتعدد رضا المتصرف والعامل ورضا ~~نائبهما فإن الحاكم يتصرف فيما لزمه من التصرفات القابلة للنيابة مع غيبته ~~أو امتناعه على كره منهم إيصالا للحق إلى مستحقه ونفعا للممتنع ببراءته من ~~الحق، وقد فعل ذلك عمر - رضي الله عنه - بأسيفع جهينة، ولا بد لهذا الرضا ~~من لفظ يدل عليه سواء كان مما يستقل به الإنسان # PageV02P174 # كالطلاق والعتاق والعفو والإبراء، أما ما لا يستقل به: كالبيع والإجارة ~~فإن لم يقم مقام اللفظ عرف تعين اللفظ، إلا فيمن خرس لسانه وتعذر بيانه فإن ~~إشارته تقوم مقام لفظه للحاجة إلى ذلك، إذ لا مندوحة عنه ولا خلاص منه. # وفي إقامة الكتابة مقام اللفظ في حق الناطق اختلاف، وإن حصل عرف دال على ~~ما يدل عليه اللفظ كالمعاطاة في محقرات البياعات واستعمال الصناع، وتقديم ~~الطعام إلى الضيفان، ففي إقامة العرف مقام اللفظ خلاف، لاشتراكهما في ~~الدلالة على الرضا على المقصود، فإن حصل العلم أو الاعتقاد أو ظن قوي يربى ~~على الظن الذي ذكرناه أقيم ذلك مقام اللفظ لقوة دلالة العرف وإطراده، ms325 وكذلك ~~كدخول الحمامات والقياسير والحانات ودور القضاة والولايات في الأوقات التي ~~اطردت العادة فيها بالجلوس للخصومات والحكومات وقد ذكرنا لذلك نظائر، وإن ~~لم يحصل عرف ولا كتابة تعين اللفظ كما في الأنكحة. # فإن قيل هل يستقل أحد بالتملك والتمليك، وهل يقوم أحد مقام اثنين أم لا؟ ~~قلنا: نعم وله أمثلة. # أحدها: الأب يستقل ببيع مال ابنه من نفسه وببيع مال نفسه من ابنه. # وكذلك في الإجارة وسائر المعاوضات يستقل بتمليك مال ابنه من نفسه وبتمليك ~~مال ابنه لنفسه، وإذا فعل ذلك هل يفتقر إلى إيجاب وقبول فيه وجهان: أحدهما ~~نعم ليأتي بصورة العقد، والثاني لا، لتحقق الرضا فإذا أتى بأحد شقي العقد ~~أتى بما يدل على الرضا من الجانبين، وكذلك الجد لقوة الولاية، وإن زوج الجد ~~بنت ابنه ابن ابنه ففيه خلاف، مأخذه إن تولي الأب لطرفي البيع كان لكثرة ~~وقوعه أو لقوة الولاية. # المثال الثاني: استقلال الشفيع بأخذ الشقص المشفوع به ببذل الثمن وهذا ~~استقلال بالتملك والتمليك. # PageV02P175 # المثال الثالث: إذا ظفر الإنسان بجنس حقه بمال من ظلمه فإنه يستقل بأخذه، ~~فإن الشارع أقامه مقام القابض والمقبض لمسيس الحاجة، ولو كان بغير جنس حقه ~~جاز له أخذه وبيعه ثم استيفاء حقه من ثمنه، فقد قام في قبضه مقام قابض ~~ومقبض، وقام في بيعه مقام وكيل وموكل، وقام في أخذ حقه مقام قابض ومقبض ~~فهذه ثلاث تصرفات أقامه الشرع في كل واحدة مقام اثنين. # المثال الرابع: المضطر في المخمصة إذا وجد طعام أجنبي أكله بقيمته، وقد ~~أقامه الشرع مقام مقرض ومقترض لضرورته. # المثال الخامس: استقلال الملتقط بتمليك اللقطة إقامة له مقام مقترض ~~ومقرض. # المثال السادس: استقلال القاتل بملك سلب القتيل، واستقلال السارق بملك ما ~~سرقه من دار الحرب، إذ لا حرمة لأموالهم حتى يشترط فيها رضاهم. # وكذلك استقلال الجند بتمليك الغنيمة، وكذلك استقلالهم بأكل أقواتهم من ~~مال الغنيمة وعلف دوابهم ما داموا في دار الحرب. # المثال السابع: استقلال كل فاسخ باسترداد ما بذله وبتمليك ما استبدله. # المثال الثامن: استقلال الإمام بإرقاق ms326 رجال المشركين. # المثال الثاني: من أمثلة ما خالف القياس في المعاوضات وغيرها من ~~التصرفات: الرضا بالمجهول والإبراء من المجهول لا يصحان، إذ لا يتصور توجه ~~الرضا والإبراء مع الجهالة بالرضا والمبرأ منه، كما لا يتصور توجه الإرادة # PageV02P176 # إلا إلى معلوم أو مظنون: فمن أبرأ مما لا يعلم جنسه أو قدره برئ المبرأ ~~من القدر المعلوم منه ولا يبرأ من المجهول على الأصح، ومن برأه من المجهول ~~كان هذا مستثنى من قاعدة الرضا، ولأجل قاعدة اعتبار نهي الشرع عن بيع الغرر ~~إلى ما يشق الاحتراز منه مشقة عظيمة وإلى ما لا يشق الاحتراز منه إلا مشقة ~~خفيفة وإلى ما بين الرتبتين من المشاق عفا الشرع عن بيع ما اشتدت مشقته: ~~كالبندق والفستق والبطيخ والرمان والبيض وأساس الدار المدفون في الأرض ~~وباطن الصبر من الطعام، وباطن ما في الأواني من المائعات، واجتزأ فيه ~~بالرضا فيما علمه المكلف من الأوصاف ولم يشترط الرضا فيما وراء ذلك لما فيه ~~من المشقة. # وأما ما خفت مشقته: كبيع عبد من عبدين، وثوب من ثوبين، وكبيع الثمار قبل ~~بدو صلاحها فهذا لا يصح العقد معه إذ لا يعسر اجتنابه. # وأما ما يقع بين الرتبتين: كبيع الغائب والجوز واللوز في قشريهما والمسك ~~في فأرته والحنطة في سنبلها واللبن في ضرعه فهذا مختلف فيه، فكلما خفت ~~المشقة في اجتنابه كان أولى بأن لا يحتمل في العقد لاضطراب الرضا فيه، ~~وكلما عظمت المشقة في اجتنابه كان أولى بأن لا يحتمل في العقد لاطراد الرضا ~~فيه وكلما عظمت المشقة في احتماله كان أولى بتحمله. # والغرر تارة يكون في الصفات: كبيع الغائب المستقصى الأوصاف فإن الغرر باق ~~فيه لأن كل صفة ذكرها مرددة بين الرتبة العليا والرتبة الدنيا والرتب ~~المتوسطات بين ذلك، وتتفاوت القيم بتفاوت هذه الصفات، وتارة يكون الغرر في ~~تعيين المبيع كبيع عبد من عبدين فهذا غرر لا حاجة إلى تحمله، ويستثنى منه ~~بيع صاع من صبرة مجهولة الصيعان فإنه على غرر من تعين الصاع مشبه ما لو ~~أشار إلى ms327 صاعين متفرقين فقال بعتك أحد هذين الصاعين، وإلا أن في بيع صاع من ~~صاعين غرر لا تمس الحاجة إليه إذ لا يمكنه # PageV02P177 # إيقاع المبيع على عين أحد الصاعين، ولا يمكن إيقاع البيع على صاع معين من ~~الصبرة، ولو شرط فصل الصاع من الصبرة، لو وقع العقد عليه معينا لأدى إلى ~~مشقة ظاهرة في فصله من الصبرة، وقد لا ينفع البيع بعد فصله أو يتفق ثم يفسخ ~~البيع في مجلس العقد فيؤدي إلى مشقة في الفصل وإلى مشقة في الرد إلى ~~الصبرة، فإن قيل لو باع صبرة مجهولة الصيعان واستثنى منها صاعا فهل يصح هذا ~~البيع؟ قلنا لا يصح لأن المبيع غير مقدر بالكيل ولا بتخمين العيان، فإن ~~العيان لا يخمن المقادير إلا بعد الانفصال، فلما تعذر التقدير الحقيقي ~~والتخميني في هذه الصفقة حكم ببطلانها، لأن الجهل بتقديرها وتخمينها غرر لا ~~تمس الحاجة إليه، وربما وقع الغرر في حصول المقصود عليه مع تحقق وجوده ~~كالفرس العاثر والعبد الآبق والجمل الشارد فهذا غرر عظيم في المقصود ~~وأوصافه. # ولا يصح بيع الجمل لأنه مجهول المالية إذ لا ثقة بحياته ولا بشيء من ~~صفاته ولا ببقائه وسلامته، ولأن الجمل يتزايد من ملك البائع تزايدا لا ضبط ~~له، فيشبه ما لو باع عبدا وشرط نفقته على البائع في مدة مجهولة، وربما وقع ~~الغرر في سلامة المبيع كبيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها وله علتان: إحداهما ~~أنه لا ثقة بسلامته لكثرة الحوائج، والثانية اغتذاؤه من ملك البائع بما ~~يمتصه ويجتذبه من شجراته إلى أن يبدو صلاحه. # فإن قيل فلم جاز بيعه بعد بدو صلاحه مع أنه يمتد بما يمصه من ملك البائع ~~إلى أوان جذاذه؟ قلنا: هذا نزر يسير بالنسبة إلى ما قبل بدو الصلاح مع مسيس ~~الحاجة إلى أكله وبيعه بعد بدو صلاحه، ولو لم يجز ذلك لتعذر على الناس أكل ~~الثمار الرطبة، وذلك ضرر عام لم ترد الشريعة بمثله، وقد يكون الغرر في ~~مقدار المبيع: كما لو باع صبرة على أرض غير مستوية فقد ms328 # PageV02P178 # نزله بعضهم على بيع الغائب وجعل الجهل بالمقدار كالجهل بالوصف، ومنهم من ~~أبطل العقد ههنا لعظم الغرر فإن الجهل بالوصف والموصوف أعظم من الجهل ~~بالوصف على حياله. # المثال الثالث: الإقباض يختلف باختلاف المقبوض، فإن كان عقارا فتخليته من ~~التمكن من أخذه قبض له، وإن كان قليلا أو موزونا فقبضه بكيله أو وزنه ثم ~~نقله، وإن كان غير مكيل ولا موزون فالأصح أن قبضه بنقله إلى موضع عام أو ~~موضع يختص به المشتري، واستثني من ذلك الثمار على الأشجار فإن الأصح أن ~~قبضها بتخليتها لما ذكرناه من الحاجة العامة إلى بيعه ليأكلها الناس رطبة. # المثال الرابع: إذا شرط في البيع قطع الملك بطل البيع إلا إذا شرط قطعه ~~بالعتق فإنه يصح على الأصح لشدة اهتمام الشرع بالعتق، ولذلك كمل مبعضه ~~وسراه إلى أنصباء الشركاء، ويكون الغرض من هذا البيع حصول ثمرات العتق ~~للمشتري في الدنيا بالولاء، وفي الآخرة بالإعتاق من النار، ويكون الثواب ~~ثواب التسبب إلى مثل هذه الفضيلة فإنه تسبب إلى تحصيل مصلحة الحرية في ~~الدنيا والآخرة وإلى تحصيل إعتاق المشتري من النار، ولو شرط قطع الملك ~~بالوقف ففيه وجهان: أحدهما يصح لأن الوقف قربة كالعتق، ولأن ما يحصل من ~~فعله إلى يوم القيامة يربى على مصلحة العتق، والثاني لا يصح لأن الشرع لم ~~يكمل مبعضه ولم يسره إلى أنصباء الشركاء. # المثال الخامس: لا يدخل في البيع إلا ما تناوله الاسم، وقد اختلف في ~~الاستثناء من هذه القاعدة، ولذلك أمثلة. # أحدها: يثاب العبد للعرف في ذلك، وهذا لا يصح لأن العرف دال على إطلاقه ~~والمسامحة به لا على تمليكه. # PageV02P179 # المثال الثاني: إذا قال بعت هذه الأرض أو هذه الساحة أو رهنتكها وفيها ~~بناء أو غراس، ففي دخولهما في البيع والرهن اختلاف، والقياس أن لا يدخلا ~~لأن الاسم لا يتناولهما. # المثال الثالث: مفتاح الدار وفي دخوله في البيع والإجارة اختلاف. # المثال الرابع: حجر الرحا إذا كان الأسفل منهما مبنيا وفي دخولهما في ~~البيع مذاهب. # ثالثهما التفرقة بين الأعلى والأسفل، ولو باع ms329 نخلا عليها طلع مؤبر لم ~~يدخل في البيع لأن اسم النخلة لا يتناوله، وإن كان غير مؤبر فالقياس أنه لا ~~يدخل لخروجه عن اسم النخلة، لكن الشافعي نقله إلى المشتري مع خروجه عن اسم ~~النخلة لاستتاره، كما نقل حمل الجارية والبهيمة إلى المشتري لاستتارهما، ~~وعملا بقوله - عليه السلام -: «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن ~~يشترط المبتاع» ، ومفهوم هذا أن ما لم يؤبر فهو للمشتري، ولا يدخل في البيع ~~ما كان مدفونا في الأرض من الحجارة والكنوز والأحطاب والأخشاب لأنه ليس ~~جزءا منها ولا داخلا في اسمها ولا متصلا بها اتصال الأبنية. # فإن قيل فما تقولون فيمن اشترى دارا أو أرضا فوجد فيها شيئا من ذلك فماذا ~~يجب عليه؟ قلنا: ينظر فيما وجده. فإن أمكن أن يكون من كانت الدار تحت يده ~~هو الدافن أخبره به، فإن ذكر أنه دافنه دفعه إليه لاشتمال يده عليه، وإن لم ~~يمكن أن يكون هو الدافن له سأل من أمكن أن يكون هو الدافن له، فإن لم يعرفه ~~ويئس من معرفته كان ذلك مالا ضائعا يصرفه الواجد في المصالح العامة إن لم ~~يجد إماما عادلا، وإن وجد إماما عادلا صرفه إليه. # PageV02P180 # المثال السادس: من أمثلة ما خالف القياس في المعارضات وغيرها من ~~التصرفات. # من جمع في التصرف بين ما يصح وما لا يصح بطل تصرفه فيما لا يصح، وفيما ~~يصح خلاف، واستثني من ذلك أمثلة أحدها: إذا أوصى بما زاد على الثلث وقلنا ~~ببطلان وصيته فإنها تصح من الثلث ولا يخرج على الخلاف في البيع والإجارة ~~ونحوهما. # المثال الثاني: إذا قال لامرأته وأجنبية أنتما طالقان طلقت امرأته ولا ~~تطلق الأجنبية. # المثال الثالث: إذا قال لعبده وأجنبي أنتما حران فإنه يعتق عبده دون ~~الأجنبي. # المثال السابع: إذا باع عينين ثم وجد بأحدهما عيبا فأراد أن يفردهما ~~بالرد قبل تلف إحداهما أو بعد تلفها فهل له ذلك فيه خلاف، فإن قلنا يرد قوم ~~التالف والباقي بما يخصهما من الثمن ورد الباقي مع قيمة التالف، ms330 واستثني من ~~ذلك المصراة فإنه يردها ويرد بدل قيمة اللبن صاعا من التمر، لأن اللبن الذي ~~تناوله البيع قد اختلط بما حدث على ملك المشتري من اللبن بحيث لا يعرف قدر ~~كل واحد منهما، فقدر الشافعي البدل قطعا للنزاع والخصام وجعله من التمر ~~لمشاركته اللبن في كونه قوتا. # المثال الثامن: لا يباع المال الربوي المكيل إلا بالكيل ولا يباع رطبه ~~بيابسه إلا في العرايا، فإن الشرع قدره بالخرص، وقد جوز بيع رطبه بيابسه في ~~دون خمسة أوسق لمسيس الحاجة إلى مثل ذلك. # المثال التاسع: لا تجوز المعاملة على ما جهلت أوصافه لاختلاف رتب # PageV02P181 # الأوصاف في النفاسة والخساسة وزيادة المالية ونقصانها بسبب ذلك، واستثنى ~~من ذلك السلم لمسيس الحاجة إليه وترك كل وصف من أوصافه على أدنى رتبه ولم ~~يسمح بالزيادة على أدنى الأوصاف إذ لا ضابط لها. # وكذلك جوز الشارع شرط الصفات التي تتعلق بها الأغراض في الثمن والمثمن، ~~إذ لا يمكن مشاهدتها مع مسيس الحاجة إليها، وترك كل وصف منها على أدنى رتبه ~~لما ذكرناه في السلم، فإذا شرط في العبد أنه كاتب أو حاسب أو رام أو بان أو ~~نجار أو قصار، حمل على أقل ما يقع عليه كاتب أو حاسب ورام وبان ونجار ~~وقصار. # المثال العاشر: الحلول شرط في صحة المعاملة على الأموال الربوية والقبض ~~في العوضين شرط في استمرار العقد، واستثني من ذلك القرض الواقع في الأموال ~~الربوية لمسيس الحاجة إليه. # المثال الحادي عشر: الميت لا يملك لانتفاء حاجته إلى الملك إلا أنه يملك ~~في الموتة الأولى في الإرث عن أبيه أو ابنه لأنه صائر إلى الاحتياج إلى ~~الملك فثبت له الملك بالإرث دفعا لما سيصير إليه من الحاجات. # وأما الموتة الثانية: فإن لم يكن على الميت دين ولا أوصى بشيء انقطع ملكه ~~بموته لانتفاء الحاجة في الحال والمآل، وإن كان عليه دين أو أوصى بشيء فهل ~~يبقى ملكه بعد موته لاحتياجه إلى قضاء دينه وتنفيذ وصيته أو ينتقل الملك ~~إلى ورثته بعد موته وتتعلق الديون ms331 به، أو يكون موقوفا فإن برئ من الديون ~~وردت الوصايا تبين أنهم ملكوه، وإن أديت الديون وقبلت الوصايا تبين أنهم لم ~~يملكوه؟ فيه أقوال، فإن قلنا: إنهم يملكوه كان تصرفهم فيه كتصرف السيد في ~~رقبة العبد الجاني، وكتصرف الراهن في المرهون فيه خلاف يجري مثله في تعليق ~~حق الزكاة بمقدارها من النصاب، والأولى أن يجعل التعلق بالتركة كتعلق الرهن ~~نظرا للميت فإنه أحق بماله من ورثته، فكان الحجر على ورثته أقرب إلى أداء ~~ديونه وتنفيذ وصاياه. # PageV02P182 # والتوثق المتعلق بالأعيان أقسام. # منها التوثق في الزكاة، ومنها التوثق في حبس المبيع على قول، ومنها توثق ~~جناية العبد، ومنها توثق الرهن، ومنها توثق البائع بالبيع في صورة الفلس، ~~ومنها توثق الغرماء بالحجر على المفلس، ومنها التوثق بالحجر على البائع إذا ~~أوجبنا البداءة بتسليم الثمن على المشتري وهذا حجر بعيد، ومنها التوثق ~~بضمان الديون وضمان الوجوه وضمان إحضار ما يجب إحضاره من الأعيان المضمونة ~~وضمان العهدة، ومنها التوثق للصداق، ومنها التوثق للبضع، ومنها التوثق بحبس ~~الجناة إلى حضور الغيب وإفاقة المجانين وبلوغ الصبيان. ومنها التوثق بحبس ~~من يحبس على الحقوق، ومنها التوثق بالإشهاد الواجب على أداء الديون، ومنها ~~التوثق بالحيلولة بين المدعى عليه وبين العين إذا شهد بها شاهدان مستوران. # وكذلك حبس المدعي إذا شهد عليه مستوران بالدين أو بشيء يتعلق ببدنه، ~~كالحد والقصاص والتعزير، أو بالرق والزوجية إلى أن تزكي البينة أو يخرج مع ~~حد الحاكم في المسارعة إلى استزكاء المستورين. # المثال الثاني عشر: لا يجوز توكيل الإنسان ولا إذنه فيما سيملكه إذ لا ~~ينفذ فيما لا سلطان له عليه إلا في المضاربة، فإن إذن المالك في بيع ما ~~سيملكه من العروض نافذ إذ لا تتم مصالح هذا العقد إلا بذلك، إذ لا مندوحة ~~عنه ولا خلاص منه. # المثال الثالث عشر: من لا يملك تصرفا لا يملك الإذن فيه ويستثنى من ذلك ~~المرأة فإنها لا تملك النكاح وتملك الإذن فيه. # وكذلك الأعمى لا يملك البيع والإجارة على العين ويملك الإذن فيهما. # وأما إيجارة ms332 نفسه وشراؤها من سيدها وكتابته عليها فجائز لعلمه بالمعقود ~~عليه، ومن لا يملك الإنشاء لا يملك الإقرار بما لا يملكه من الإنشاءات وقد ~~استثني منه المرأة لا تملك # PageV02P183 # إنشاء النكاح وتملك الإقرار به وكذلك لا يملك مجهول الحرية إنشاء الرق ~~على نفسه ويملك الإقرار به ولا يصح الإبراء مما لا يملكه، الإنسان ويصح مما ~~ملكه وإن وجد سبب ملكه ووجوبه ولم يملك ففي صحة الإبراء منه قولان، ووجه ~~الصحة تقدير الملك والوجوب عند التسبب، وحكم الضمان في ذلك حكم الإبراء. # المثال الرابع عشر: لا يجتمع العوضان، إنما جوزت لمصالح المتعاقدين فلا ~~يختص أحدهما، وكذلك لا تصح الإجارة على الطاعات كالإيمان والجهاد والصلاة، ~~لأنها لو صحت لاجتمع الأجر والأجرة لواحد، وإنما جازت الإجارة في الأذان ~~لأن الأجرة مقابلة لما فيه من مجرد الإعلام بدخول الأوقات ولما فيه من ~~الأذكار التي يختص أجرها بالمؤذن. # وأما المسابقة والنضال فإن الغالب فيهما يفوز بالغلب وأخذ السبق، لأن ~~الحصول عليها حاث على تعلم أسباب الجهاد الذي هو تلو الإيمان، فإن كان ~~السبق من واحد جاز ذلك لما ذكرناه، وإن كان من المتسابقين والمتناضلين فلا ~~بد من إدخال محلل بينهما تمييزا لصورة المسابقة والمناضلة عن صورة القمار، ~~كما شرط في النكاح الولي والشهود تمييزا لصورة النكاح عن صورة السفاح. # المثال الخامس عشر: إيجار المأجور بعد قبضه جائز من أن المنافع لم تقبض، ~~ولكن أقام الشرع قبض محلها مقام قبضها في نفسها للحاجة إلى ذلك، ولو تلفت ~~العين في أثناء المدة لانفسخ العقد فيما بقي لفوات بعض المعقود عليه قبل ~~قبضه. # المثال السادس عشر: إيجار عمر - رضي الله عنه - أرض السواد بأجرة مؤبدة ~~معدومة مجهولة المقدار لما في # ذلك من المصلحة العامة المؤبدة # ، ولو أجرها ذرية مستأجريها بأجرة مجهولة لم يجز على الأصح إذ يجوز ~~للمصالح # PageV02P184 # العامة ما لا يجوز للخاصة، وقال ابن شريح ما يؤخذ منه ثمن، وهو أيضا خارج ~~عن القياس، ولكن الذي ذكره الشافعي أبعد من القياس، لأن الجهالة واقعة في ~~العوض والمعوض، وعلى ms333 قول ابن شريح تختص الجهالة بالثمن دون المثمن، لكنه ~~خالف النقل في أن عمر أخرجها من الكفار. # والإجارة لا تنفسخ بموت المؤجر، وفي مذهب الشافعي إشكال من جهة حكمه ~~بالوقف على أرباب الأيدي بمجرد الرواية من غير بينة قامت على ذلك، ولا ~~إقرار من ذي اليد، فإن الأيدي لا تزال في الشرع بمجرد الأخبار الصحيحة، ~~وإنما تزال ببينة أو بإقرار، ومثل هذا الإشكال وارد عن مالك في أراضي مصر. # المثال السابع عشر: لا يجوز تقطيع المنافع في الإجارة إلا عند مسيس ~~الحاجة، فإذا استأجر لبعض الأعمال يوما خرجت أوقات الأكل والشرب والصلاة ~~وقضاء الحاجات عن ذلك لمسيس الحاجة إلى هذا التقطيع، وكذلك لو استأجره ~~للخدمة أو لبعض الأعمال شهرا أو سنة أو جمعة خرجت هذه الأوقات مع الليالي ~~عن الاستحقاق، فإن ذلك لو منع لأدى إلى ضرر عظيم. # ولو قال استأجرتك من أول النهار إلى الظهر ومن العصر إلى المغرب لما صحت ~~الإجارة، إذ لا حاجة إلى التقطيع، وكذلك الاستئجار للحمل والنقل والركوب ~~تنقطع فيه المنافع في المراحل والمنازل الخارجة عن الاستحقاق ومطرد ~~العادات. # وقد أجاز بعض العلماء الإجارة في الحال وعلى الحول القابل لأن المنافع لا ~~تكون في حال العقد إلا معدومة، ولا فرق بين المنافع المتعقبة العقد وبين ~~المنافع المستقبلة، والشافعي - رحمه الله - يجعل المنافع المستقبلة للعقد ~~المتحد تابعة لما يتعقب العقد من المنافع، ويجوز في التابع ما لا يجوز في ~~المتبوع، ويجاب عنه بأن القليل يتبع الكثير في العقود، ولا يجوز أن يجعل # PageV02P185 # معظم المقصود تابعا لأقله فلو أجره عشر سنين لكان ما يستقبل من مقصود ~~العقد تابعا لما يتعقب العقد من المنفعة التافهة. # (فائدة) كل ما يثبت في العرف إذا صرح المتعاقدان بخلافه بما يوافق مقصود ~~العقد صح فلو شرط المستأجر على الأجير أن يستوعب النهار بالعمل من غير أكل ~~وشرب ويقطع المنفعة لزمه ذلك، ولو أدخل أوقات قضاء الحاجات في الإجارة مع ~~الجهل بحال الأجير في قضاء الحاجة لم يصح، ولو شرط عليه أن لا ms334 يصلي الرواتب ~~وأن يقتصر في الفرائض على الأركان صح ووجب الوفاء بذلك لأن تلك الأوقات ~~إنما خرجت عن الاستحقاق بالعرف القائم مقام الشرط، فإذا صرح بخلاف ذلك مما ~~يجوزه الشرع ويمكن الوفاء به جاز، كما لو أدخل بعض الليل في الإجارة بالنص ~~عليه، ولو شرط عليه أن يعمل شهرا الليل والنهار بحيث لا ينام ليلا ولا ~~نهارا فالذي أراه بطلان هذه الإجارة لتعذر الوفاء به، فإن النوم يغلب بحيث ~~لا يتمكن الأجير من العمل، فكان ذلك غررا لا تمس الحاجة إليه، بخلاف ما لو ~~شرط ذلك في ليلة أو ليلتين. # المثال الثامن عشر: أكل الوصي الفقير من مال اليتيم بالمعروف إن جعلناه ~~قرضا فقد اتحد المقرض والمقترض لأنه مقترض لنفسه ومقرض عن اليتيم، وإن لم ~~نجعله قرضا فقد قبض من نفسه لنفسه، ولا يأخذ أكثر من أجرة مثله، لأن ذلك ~~مقيد بالمعروف، لأن الله تعالى قيد ذلك بالمعروف. # المثال التاسع عشر: المخالطة في الطعام جائزة من المطلقين، لأن كل واحد ~~من المخالطين باذل للآخرين ما يأكلونه وإن كان مجهولا، إذ لا يشترط العلم ~~في الإباحة، فإن المنائح والعواري وثمار البساتين جائزة مع الجهل بقدر ما ~~يتناوله المباح له من ذلك، وكذلك ما يأكله الضيفان كما ذكرناه. # PageV02P186 # وأما مخالطة الأوصياء وأولياء اليتامى في مثل ذلك فيجوز أن يكون ذلك ~~إباحة في مقابلة إباحة، فإن الإباحة في مال اليتيم هي التي لا مقابل لها، ~~بخلاف هذه الإباحة ويجوز أن تكون مخالطة المحجور عليهم ومخالطة المطلقين من ~~باب المعاوضة، فيكون ما يأكله كل واحد منهم من نصيب غيره في مقابلة ما بذله ~~من نصيب نفسه، وإن تفاوت المتقابلان، ولا يجوز للوصي أن يخالط اليتيم بحيث ~~يقطع بأنه أكل من ماله أكثر مما بذله، ولذلك قال الله تعالى: {والله يعلم ~~المفسد من المصلح} [البقرة: 220] أي يعرف المفسد لما يتناوله من تفاوت ~~المقابلة، والأولى بالولي والوصي أن يخالطا اليتيم بما يعلمان أن اليتيم ~~يأكل بقدر ماله أو أكثر منه. # فإن قيل لو كانت المخالطة من ms335 باب المقابلة لأدى ذلك إلى الربا للجهل ~~بالمماثلة، ولأن معظم الأطعمة خارج عن حال كمال المأكول، فيجاب عن ذلك بأن ~~هذا رخصة من المستثنيات للحاجات العامة فلا يتقاعد عن رخصة العرايا في ~~الجهل بالمماثلة وخروج الرطب عن حال الكمال، بل لو علمت المفاضلة ههنا بين ~~المخالطين لجاز في مخالطة غير الأيتام، وكذلك في الأيتام، إذا كان ما يأكل ~~اليتيم أكثر من ماله للحاجة إلى ذلك. # المثال العشرون: لا يصح قبض الصبي والمجنون لشيء من الأعيان والديون سواء ~~كان المقبوض لهما أو لغيرهما، ويستثنى من ذلك ما مست الحاجة إليه ودعت إليه ~~الضرورة، كثياب الصبي والمجنون وما يدفع إليهما من الطعام والشراب ليأكلاه، ~~وكذلك إرضاع الصبي لما استؤجرت المرأة على رضاعة فلا يصح قبضها فيما وراء ~~ذلك. # وقد أجاز الشافعي - رحمه الله - الخلع على الإرضاع ومن طعام الصبي عشر ~~سنين إذا وصف الطعام بصفات السلم، فإن سلمت # PageV02P187 # الطعام إلى الولي ثم سلمه إليها لتطعمه الصبي برئت ذمتها، وإن أذن لها في ~~إطعامه إياه فهذا مما لا تمس الحاجة العامة ولا الضرورة الخاصة إليه، فلا ~~وجه لمخالفة القاعدة فيه لندرته وسهولة الانفكاك منه والانفصال عنه. ولو ~~قال لإنسان ادفع ديني عليك إلى صبي أو مجنون أو ألقه ففعل لم يبرأ من ~~الدين، إذ لا براء منه إلا بقبض صحيح، ولو وثب صبي أو مجنون فقتلا قاتل ~~أبيهما ففي وقوعه قصاص خلاف، لأن الغرض بالقصاص تفويت نفس الجاني وإزالة ~~حياته بسبب مضمن وقد تحقق ذلك. # المثال الحادي والعشرون: لو عم الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيها حلال جاز ~~أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات ~~لأنه لو وقف عليها لأدى إلى ضعف العباد واستيلاء أهل الكفر والعناد على ~~بلاد الإسلام، ولا يقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح ~~الأنام. # قال الإمام - رحمه الله -: ولا يتبسط في هذه الأموال كما يتبسط في المال ~~الحلال بل يقتصر على ما تمس إليه الحاجة دون أكل الطيبات وشرب ms336 المستلذات ~~ولبس الناعمات التي هي بمنازل التتمات، وصور هذه المسألة أن يجهل المستحقين ~~بحيث يتوقع أن يعرفهم في المستقبل، ولو يئسنا من معرفتهم لما تصورت هذه ~~المسألة لأنه يصير حينئذ للمصالح العامة، وإنما جاز تناول ذلك قبل اليأس من ~~معرفة المستحقين، لأن المصلحة العامة كالضرورة الخاصة، ولو دعت ضرورة واحد ~~إلى غصب أموال الناس لجاز له ذلك بل يجب عليه إذا خاف الهلاك لجوع أو حر أو ~~برد، وإذا وجب هذا لإحياء نفس واحدة، فما الظن بإحياء نفوس، مع أن النفس ~~الواحدة قد لا يكون لها قدر عند الله، ولا يخلو العالم من الأولياء ~~والصديقين والصالحين، بل إقامة هؤلاء أرجح من دفع الضرورة عن واحد قد يكون ~~وليا لله، وقد يكون عدوا لله، وقد جوز الشرع أكل اللقطة بعد التعريف ولم ~~يشترط الضرورة. # PageV02P188 # ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك ~~اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز ~~قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع ~~يوجب ذلك. ومثل ذلك أن من عاشر إنسانا من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم ما ~~يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فإنه ~~يعرف بمجموع ما عهده من طريقته وألفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره ~~تلك المفسدة. ولو تتبعنا مقاصد ما في الكتاب والسنة، ولعلمنا أن الله أمر ~~بكل خير دقه وجله، وزجر عن كل شر دقه وجله، فإن الخير يعبر به عن جلب ~~المصالح ودرء المفاسد، والشر يعبر به عن جلب المفاسد ودرء المصالح، وقد قال ~~تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره} [الزلزلة: 8] وهذا ظاهر في الخير الخالص والشر المحض. وإنما ~~الإشكال إذا لم يعرف خير الخيرين وشر الشرين أو يعرف ترجيح المصلحة على ~~المفسدة أو ترجيح المفسدة على المصلحة أو جهلنا المصلحة والمفسدة، ومن ~~المصالح ms337 والمفاسد ما لا يعرف إلا كل ذي فهم سليم وطبع مستقيم يعرف بهما دق ~~المصالح والمفاسد وجلهما، وأرجحهما من مرجوحهما، وتفاوت الناس في ذلك على ~~قدر تفاوتهم فيما ذكرته، وقد يغفل الحاذق الأفضل عن بعض ما يطلع عليه ~~الأخرق المفضول ولكنه قليل. # وأجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها والزجر عن المفاسد بأسرها ~~قوله تعالى {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 90] فإن الألف واللام ~~في العدل والإحسان للعموم والاستغراق، فلا يبقى من دق العدل وجله شيء إلا ~~اندرج في قوله {إن الله يأمر بالعدل} [النحل: 90] ولا يبقى من دق الإحسان ~~وجله # PageV02P189 # شيء إلا اندرج في أمره بالإحسان، والعدل هو التسوية والإنصاف، والإحسان: ~~إما جلب مصلحة أو دفع مفسدة وكذلك الألف واللام في الفحشاء والمنكر والبغي ~~عامة مستغرقة لأنواع الفواحش ولما يذكر من الأقوال والأعمال. وأفرد البغي - ~~وهو ظلم الناس - بالذكر مع اندراجه في الفحشاء والمنكر للاهتمام به، فإن ~~العرب إذا اهتموا أتوا بمسميات العام. ولهذا أفرد البغي وهو الظلم مع ~~اندراجه في الفحشاء والمنكر للاهتمام به، كما أفرد إيتاء ذي القربى بالذكر ~~مع اندراجه بالعدل والإحسان. # (فائدة) الإحسان لا يخلو عن جلب نفع أو دفع ضرر أو عنهما. # وتارة يكون في الدنيا، وتارة يكون في العقبى: أما في العقبى فتعليم العلم ~~والفتيا والإعانة على جميع الطاعات وعلى دفع المعاصي والمخالفات، فيدخل فيه ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان. # وأما في الدنيا فبالإرفاق الدنيوية ودفع المضار الدنيوية، وكذلك إسقاط ~~الحقوق والعفو عن المظالم. # قال بعض العلماء ينبغي أن لا يعفى عن الظالم كي لا يجترئ على المظالم وهو ~~بعيد من القواعد، لأن الغالب ممن يعفى عنه أنه يستحي ويرتدع عن الظلم ولا ~~سيما عن ظلم المعافى وقد وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم -: بأنه لا يجزي ~~بالسيئة السيئة. ولكن يعفو ويصفح، مع أن الجرأة عليه أقبح من كل جرأة، ولأن ~~العفو لا يؤدي إلى الجرأة غالبا إذ لا ms338 يعفو من الناس إلا القليل، وقد مدح ~~الله العافين عن الناس وهو عفو يحب العفو، وقد رغب في العفو بقوله: {فمن ~~عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40] وقال في القصاص: {فمن تصدق به فهو ~~كفارة له} [المائدة: 45] . # قال بعضهم لو أرخص بعض الناس في السعر على الناس وسامحهم في البيع # PageV02P190 # وساهلهم في الثمن من ذلك لما يؤدي إليه من كساد أهل سوقه، وهذا أيضا بعيد ~~فإن الذين يسامحون من المشترين أكثر من الكاسدين من أهل السوقة فلا ترجح ~~مصالح خاصة على مصالح عامة، وقد قال - عليه السلام -: «رحم الله رجلا سمحا ~~إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى» . # المثال الثاني والعشرون: الكتابة وهي خارجة عن القياس، فإنها في الحقيقة ~~هي بيع ملك السيد وهو الرقبة بما يملكه من اكتساب العبد، لكن الشرع قدر ~~الأكساب خارجة عن ملك السيد. وجعل الأعمال الواقعة بينه وبين السيد ~~كالمعاملة الواقعة بين السيد وبين الأجنبي تحصيلا لمصالح العتق. # ولكن مذهب الشافعي - رحمه الله - مشكل من جهة أنه شرط في الكتابة التنجيم ~~بنجمين. ولو كاتبه على ثمن درهم وأجله مثلا بشهر لم يصح عند الشافعي مع ~~كونه أقرب إلى تحصيل العتق، وهذا لا يلائم أوضاع العقود لأن كل ما كان أقرب ~~إلى تحصيل المقصود من العقود كان أولى بالجواز لقربه إلى تحصيل المقصود، ~~وقد خولف في ذلك ومنع أيضا من الكتابة الحالة مع كونها مقتضية لتعجيل تحصيل ~~المقصود، وقد علل ذلك بعجز المكاتب عن النجوم الحالة، وقد رد ذلك بالبيع من ~~المفلس. وأجيب عنه بأنه يملك المبيع فيكون موسرا به، وهذا لا يستقيم، فإنه ~~لو اشترى ما يساوي درهما واحدا بمائة درهم حالة فإن البيع يصح مع عجزه عن ~~معظم الثمن. # وكذلك لو تبايع اثنان عينا غائبة والمشتري معسر، وهما في برية ومسافة ~~بعيدة فإن المشتري عاجز عن تسليم الثمن في الحال، والبيع مع ذلك صحيح. # المثال الثالث والعشرون: اعلم أن الله قسم أموال المصالح العامة على قدر ~~الحاجات والضرورات، وقسم الغنائم ms339 أيضا على قدر الحاجات: فجعل # PageV02P191 # للراجل سهما واحدا لأن له حاجة واحدة، وجعل للفارس ثلاثة أسهم لأن له ~~ثلاث حاجات: حاجة لنفسه وحاجة للفرس، وحاجة لسائس فرسه. # وكذلك مواريث البنين والبنات والإخوة والأخوات على قدر الحاجات: فجعل ~~للإناث من هؤلاء سهما واحدا، وجعل للذكر سهمين، لأن للذكر في الغالب حاجة ~~لنفسه وحاجة لزوجته، وللأنثى في الغالب حاجة واحدة لأنها مكفولة في الغالب، ~~والرجل كافل في الغالب، لكن خولف هذا القياس في الإخوة من الأم: فسوى فيهم ~~بين ذكورهم وإناثهم من جهة إدلائهم بالأم، وسوى بين الأب والأم: فجعل لكل ~~واحد منهما السدس مع وجود الأولاد، وفضل الأب مع الأم مع فقدهم، وقدم ~~الأبناء على الآباء في التعصيب لأن الابن بضعة من الأب وبعض له، فكان بعض ~~الميت أحق بماله من أبيه لأنه أقرب إليه، ويقدم الآباء على الإخوة ~~والأخوات، لأنهن بضعة من الأموات، لكن خولف القياس فيما إذا مات عن مائة ~~وخمسين درهما وعن مائة بنت وأخت واحدة من أبويه، فإن الأخت تفوز بالثلث وهو ~~أضعاف ما يحصل للبنات مع قربهن، إذ يحصل لكل بنت درهم واحد، ويحصل للأخت ~~خمسون درهما مع كون البنت بضعة للميت وبعضا له، والأخت بضعة من الجد مع ~~بعده، وهذا موغل في البعد عن القياس. # وكذلك خولف القياس في الإخوة مع الجد لأن كل واحد منهما يدلي بالأب والأخ ~~أولى بالأب المدلى به، والجد ليس كذلك، ولهذا جعل الشافعي الأخ في باب ~~الولاء مقدما على الجد على قول، لكنه بضعة من المدلى به، ولولا إجماع ~~الصحابة على أن الأخ لا يقدم على الجد في الإرث لقال بتقديم الأخ كما قال ~~به في الولاء. # المثال الرابع والعشرون: الأحداث المطلقون مستقلون في التصرف في منافع ~~أموالهم وأجسادهم، واستثني من ذلك تزويج المرأة نفسها لما في # PageV02P192 # مباشرتها ذلك من المشقة والخجل والاستحياء، ولا سيما في حق المحضرات ~~بحضرة شهود النكاح، وكذلك إجبار الأب البكر المستقلة مخالف لقاعدة التصرف ~~في منافع الحر بغير اختيار، لكنه جاز للآباء والأجداد، لما ms340 فيهم من ~~الاستصلاح وتحصيل مقاصد النكاح. # المثال الخامس والعشرون: قول الرجل لزوجته إن أعطيتني ألفا فأنت طالق ~~ففعلت فإنها تطلق: وهو مشكل لأنه إن حمل الإعطاء على الإقباض من غير تمليك ~~فينبغي أن تطلق ولا يستحق شيئا كما لو قال إن أقبضتني ألفا فأنت طالق وإن ~~أراد إعطاء التمليك فكيف يصح التمليك بمجرد الفعل، فإن قيل قد قام تعليق ~~الطلاق على الإعطاء من الإيجاب، قلنا فكيف يصح أن يكون الإيجاب بالفعل، ~~وقاعدة الشافعي أن العقود لا تنعقد إلا بالأفعال، ولو قال إن أعطيتني ألفا ~~فأنت طالق فأعطته ألفا من غير النقد الغالب، وقع الطلاق ووجب الإبدال بألف ~~من الغالب، وهذا في غاية الإشكال، لأن الطلاق إن علق على غير الغالب لم يجب ~~إبداله، كما لو نص عليه، وإن علق على الغالب فينبغي أن لا يقع الطلاق بغير ~~الغالب، لأن الشرط لم يوجد. # المثال السادس والعشرون: لا يجوز إسقاط شيء من حقوق المولى عليه مجانا ~~ويستثنى بعد ذلك عفو الولي المجبر عن نصف الصداق قبل الدخول لما في ~~المسامحة من وليها. # المثال السابع والعشرون: من أتلف شيئا عمدا بغير حق لزمه الضمان جبرا لما ~~فات من الحق ويستثنى من ذلك صور. # إحداها: ما أتلفه الكفار على المسلمين من النفوس والأموال فإنهم لا ~~يضمنون لما في تضمينه من التنفير عن الإسلام، وإتلافهم إياه محرم لأنهم ~~مخاطبون بفروع الإسلام. # PageV02P193 # الصورة الثانية: ما يتلفه المرتدون في حال القتال، وفي تضمنه مع تحريمه ~~اختلاف من جهة أن التضمين منفر من الإسلام، ولكن الردة لا تعم عموم الكفر ~~الأصلي. # الصورة الثالثة ما يتلفه البغاة على أهل العدل في حال القتال فإنهم لا ~~يضمنونه على قول لما فيه من التنفير عن الطاعة والإذعان، وعلى قول يضمنون ~~لانحطاط رتبة التنفير عن الإسلام، ولا يتصف إتلافهم بتحليل ولا تحريم ولا ~~إباحة لأنه خطأ معفو عنه. # الصورة الرابعة: ما يتلفه العبيد على السادة فإنهم لا يضمنونه مع تحريم ~~إتلافهم وفي هذا إشكال، لأن إيجاب ما يتلفه العبيد في ذمتهم لا ms341 يمنع منه ~~شرع ولا عقل، ولا فرق بين السادة وغيرهم في ذلك، وكذلك قولهم لا يثبت للسيد ~~دين في ذمة عبده لا وجه له. # وأما ما يتلفه العبد على غير سيده فإنه يتعلق برقبته خلافا لأهل الظاهر، ~~وهذا مشكل من جهة لأن السيد لم يتلف شيئا ولا تسبب إلى إتلافه والذي تقتضيه ~~القواعد أن يبث في ذمة العبد ولا يتعلق برقبته، ولا وجه لقول من قال إنما ~~وقع التعلق برقبته، لتفريط السيد في حفظه فصار كالبهيمة إذا قصر صاحبها في ~~حفظها فأتلفت شيئا، لأن التعلق بالرقبة في عبيد الصبيان والمجانين ثابت مع ~~أنه لا ينسب إليهم تقصير بسبب ولا مباشرة ولا شرط، والتقصير في حفظ الدابة ~~لا يختص بمالكها بل يعم من قصر في ضبطها وحفظها من مالك أو غالب أو مودع أو ~~مستعير أو مستأجر. # الصورة الخامسة: أن الإمام والحاكم إذا أتلفا شيئا من النفوس أو الأموال ~~في تصرفهما للمصالح فإنه يجب على بيت المال دون الحاكم والإمام # PageV02P194 # ودون عواقلهما على قول الشافعي، لأنهما لما تصرفا للمسلمين صار كأن ~~المسلمين هم المتلفون ولأن ذلك يكثر في حقهما فيتضرران به ويتضرر عواقلهما. # الصورة السادسة: أن الجلاد إذا قتل بالحد أو القصاص من لا يجوز قتله في ~~نفس الأمر فإنه لا يطالب بشيء من ضمان ذلك مع كونه غير ملجئ إلى الإتلاف، ~~ومن وضع يده خطأ على مال غيره لزمه ضمانه إلا الحكام وأمناء الحكام فيما ~~يتعلق بعهدة ما باعوه، لأن ذلك لو شرط لزهد الناس في البيع بطريق الحكم ~~ونيابة الحكم. # المثال الثامن والعشرون: إهدار الضمان مع التسبب وقد ذكرنا أن الضمان يجب ~~تارة بالمباشرة، وتارة بالتسبب واستثني من ذلك صور يشق الاحتراز منها وتدعو ~~الحاجة إلى التسبب إليها. # إحداها: إرسال البهائم للرعي بالنهار فإنه لا يضمن ما تتلفه لما في تضمنه ~~من الضرر العام. # الصورة الثانية: إذا أوقد في داره نارا على الاقتصاد المعتاد فطار منها ~~شرر فأتلف شيئا بالإحراق فإنه لا يضمن لما ذكرناه. # الصورة الثالثة: إذا سقى ms342 بستانه على الاقتصاد في مثله فسرى إلى جاره ~~فأفسد له شيئا فلا ضمان عليه. # الصورة الرابعة: إذا ساق دابته على الاقتصاد في الأسواق فأثارت غبارا أو ~~شيئا من الأوحال والإيذاء فأفسد ذلك شيئا فلا ضمان، إلا أن يزيد على ~~الاقتصاد في السوق. # ولو ساق في الأسواق إبلا غير مقطورة أو ركب دابة نزقة لا يؤثر # PageV02P195 # فيها كبح اللجام لزمه الضمان لخروج ذلك عن المعتاد، ولو بالت أو راثت في ~~الطريق فتلف بذلك إنسان أو غيره فلا ضمان، وإن أوقفها فزاد انتشار بولها ~~وروثها بسبب وقفها فإن كان الطريق واسعا لم يضمن، وإن كان ضيقا لزمه ~~الضمان. # المثال التاسع والعشرون الأصل في الضمان أن يضمن المثلي بمثله، والمتقوم ~~بقيمته، فإن تعذر المثل رجع إلى القيمة جبرا للمالية، ولو شرب المضطر ماء ~~لأجنبي له قيمة خطيرة حيث شربه ضمنه لمستحقه بقيمته إذا رجع إلى المصر إذ ~~لا قيمة لمثله في الأمصار، وإن كانت له قيمة فهي خسيسة. # المثال الثلاثون: الذكاة واجبة في الحيوان المأكول تقليلا لما فيه من ~~الدم النجس واستثني من ذلك ما لا يقدر على ذكاته من الوحوش والطيور وشوارد ~~الأنعام فإن جرحها يقوم مقام ذكاتها لتعذر ذكاتها، وكذلك لو سقط بعير في ~~بئر يتعذر رفعه منه، وأمكن طعنه في بعض مقاتله حل بذلك، وهذا وأمثاله داخل ~~في قول الشافعي: بنيت الأصول على أن الأشياء إذا ضاقت اتسعت يريد؛ بالأصول ~~قواعد الشريعة، وبالاتساع الترخيص الخارج عن الأقيسة واطراد القواعد، وعبر ~~بالضيق عن المشقة. # (فائدة) إذا سقط الصيد وفيه حياة مستقرة: فإن كان بحيث لو سعى إليه عدوا ~~لأدرك ذكاته فلم يفعل ذلك حرم، وإن لم يمكن ذلك حل وإن بقي على حياة ~~مستقرة، ولا يلزمه أن يجهد نفسه ليدرك ذكاته، بل يعدو إليه عدوا كعدو ~~الصيادين. # المثال الحادي والثلاثون: إذا ظهر في نصيب أحد المقتسمين حق معين لإنسان ~~كبيت من دار يطلب القسمة لخروجها عن حقيقتها، فإن القسمة إفراد ما يستحق كل ~~واحد من المقتسمين ولا يحق له ههنا، ولو ms343 خرج ذلك في قسمة # PageV02P196 # الغنائم وعسر إبطالها لكثرتهم لم يحكم ببطلانها، وعوض من وقع المستحق في ~~نصيبه من سهم المصالح العامة لما في نقض القسمة مع كثرة الجند من العسر، ~~ولو كان الجند قليلا كعشرة مثلا فينبغي أن تبطل القسمة إذ لا عسر في ~~إعادتها. # المثال الثاني والثلاثون: من ملك شيئا ثم أعرض عنه وتركه لغيره لم يزل ~~ملكه عنه إلا الغنائم إذا ترك حقه من الغنيمة فإنه يسقط حقه ويبطل ملكه، ~~لأن مقصود الجهاد الأعظم إنما هو إعلاء كلمة الدين، وملك الغنائم تابع لذلك ~~غير مقصود، فإذا أعرض عنه سقط لأنه غير مقصود، وليتمحص الجهاد لنصرة الدين ~~وإعلاء كلمة رب العالمين. # المثال الثالث والثلاثون: لا يجوز تعطيل الإنسان عن منافعه وأشغاله ~~واستثني من ذلك تعطيل المدعى عليه إذا استدعاه الحاكم بطلب خصمه لإحضاره # لما فيه من المصلحة العامة # ، وكذلك تعطيل الشهود إذا استحضروا لما تعين عليهم أداؤه، وكذلك ~~استحضارهم لما لا يتم إلا بالشهادة كالنكاح، لأنها حقوق واجبة فصار ~~كتعطيلهم فيما لا يثمر من حقوق الله إلا بالتعليل: كالغزوات والجمعات ~~وتغيير المنكرات. # المثال الرابع والثلاثون: لا يستوفي أحد حق نفسه بالضرب واستثني من ذلك ~~العبد والأمة إذا استغنى من خدمة السيد والقيام بحقوقه ولم يرتدعا بالوعظ ~~والكلام، وكذلك المرأة الناشزة على زوجها، وهو أن يضربها لاستيفاء حقه، ~~والضرب في هذا كله غير مبرح، ويختلف باختلاف المضروب في الضعف والقوة. # المثال الخامس والثلاثون: من قدر على استيفاء حق له مضبوط معين فله ~~استيفاؤه: كانتزاع المغصوب من غاصبه، والمسروق من سارقه، ويستثنى # PageV02P197 # من ذلك القصاص فإنه لا يستوفى إلا بحضرة الإمام لأن الانفراد باستيفائه ~~محرك للفتن، ولو انفرد بحيث لا يرى فينبغي أن لا يمنع منه، ولا سيما إذا ~~عجز عن إثباته. # وكذلك لا يستوفى حد القذف إلا بحضرة الإمام، ولا ينفرد مستحقه باستيفائه ~~لأنه غير مضبوط في شدة وقعه وإيلامه. # وكذلك التعزير لا يفوض إلى مستحقه إلا أن يضبطه الإمام بالحبس في مكان ~~معلوم في مدة معلومة فيجوز له أن ms344 يتولاه المستحق. # وكذلك لا يجوز تفويض الحد والتعزير إلى عدو المحدود والمعزر: لما يخشى ~~ذلك من مجاوزة الشرع في شدة الضرب. # وكذلك لا يفوض إلى الآباء والأبناء لاتهامهم في تخفيفه عن القدر المشروع، ~~ولو فوض الإمام قطع السرقة إلى السارق، أو وكل المجني عليه الجاني في قطع ~~عضو القصاص فوجهان: # أحدهما: يجوز لحصول المقصود باستيفائه. # والثاني لا يجوز لأن الاستيفاء لغيره أزجر له كما قالت الزباء لما مصت ~~السم من خاتمها: بيدي لا بيدك يا عمرو. # ولو أوجر رجلا سما مدففا فقتله فأمره ولي القصاص بأن يشرب مثل ذلك السم، ~~فينبغي أن يخرج على الوجهين، وقد قدمنا نظائر كثيرة لما خالف القواعد ~~والأقيسة لما فيه من جلب المصالح العامة والخاصة، والشريعة كلها مصالح من ~~رب الأرباب لعباده فيا خيبة من لم يقبل نصحه في الدنيا والآخرة؟ ؟ # ارض لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنب عقابه فيه # وكفى بالإنسان شرفا أن يتزين بطاعة مولاه فيما أمره ونهاه. وكفى به شرا ~~أن يؤثر هواه على طاعة مولاه {بئس للظالمين بدلا} [الكهف: 50] {ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] . # PageV02P198 ### | [فصل في الأذكار] # ينبغي للإنسان أن يختار من الأذكار أفضلها، ومن الأقوال والأفعال أشرفها، ~~ويأتي بالأفضل في أحيانه التي شرع فيها. ويأتي بالمفضول في وقته الذي ضرب ~~له، وإذا جمع بين الدعاء والثناء كما في ثناء الفاتحة ودعائها، وكذلك دعاء ~~السجود بعد التسبيح والثناء، وقد نهى عن بعض القرآن في بعض الأوقات، كما ~~نهى عن القرآن في الركوع والسجود، وعن الثناء في القعود بين السجدتين، وعن ~~الصلاة في بعض الأماكن والأزمان، وعن الصوم في بعض الأيام. # أما النهي عن العبادة المؤدية إلى الملالة والسآمة فلأنه يؤدي إما إلى ~~استثقالها وكراهيتها لثقلها، أو لأنه يؤدي إلى أن لا يفهم أقوالها، فيذهب ~~إلى أن يستغفر لذنبه فيسب نفسه، وينبغي أن لا يلابسها وقلبه ساه عنها، ولا ~~لاه عن المقصود منها. # فإن قيل أيما أفضل قراءة تبت أم سورة الكافرون أو الاشتغال بالباقيات ~~الصالحات وهي: سبحان ms345 الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، مع أن الباقيات الصالحات متعلقة بالله ~~وهي ثناء عليه، وتبت متعلقة بأبي لهب وبالكفار، والقول يشرف بشرف متعلقه. # فالجواب ما ذكرناه من أنه قد تكون القراءة أفضل من بعض الأذكار كالقراءة ~~في قيام الصلاة، وقد تكون الأذكار أفضل من القراءة في بعض الأطوار، بل تكره ~~القراءة في بعض الأحوال: كالقراءة في الركوع # PageV02P199 # والسجود والقعود، وكذلك يكون الثناء أفضل من القراءة والأذكار في بعض ~~الأطوار كدعاء القنوت والدعاء بين السجدتين. # فإذا كان الوقت قابلا للأذكار وقراءة القرآن بحيث لو أتى بأحدهما لم ينه ~~عنه فهل تكون قراءة ما يتعلق من القرآن بغير الإله أولى من الأذكار لحرمة ~~القرآن، ولذلك لا يجوز للجنب قراءته ويأتي من الأذكار بما شاء، أو تكون ~~الأذكار لتعلقها بالإله أولى مما يتعلق بغير الإله؟ فالذي أراه أن الأذكار ~~أولى نظرا إلى شرف متعلقها وهو المقصود من الكلام. # وأما ما يشتمل من القرآن على الأذكار والثناء: كآية الكرسي وسورة الإخلاص ~~وغيرهما من الآيات المشتملة على التمجيد والتحميد والثناء الخاص والعام ~~فينبغي أن يكون أفضل من الأذكار إلا أن يحكي بالأذكار لفظ القرآن ومعناه ~~فحينئذ الشرفان فيكون أفضل. # واعلم أن المعارف والعبادات مقاصد ووسائل إلى ثواب الآخرة، والنظر إلى ~~الله تعالى من أعلى مقاصد الآخرة، وكذلك رضوانه وتسليمه على عباده من أعلى ~~المقاصد، والتسليم في الدنيا وسيلة إلى حصول السلامة، وكذلك الشفاعات ~~والدعوات والخوف وسيلة إلى الكف عن العصيان، والرجاء وسيلة إلى الطاعات ~~وحسن الظن بالرحمن، والتوكل مقصود من كل وجه، ووسيلة من وجه، والحب ~~والإجلال مقصودان، والمقصود وسائل إلى كل مطلوب من الوسائل والمقاصد، ~~والأكل والشرب وسيلة إلى تحصيل الاغتذاء والارتواء والشفاء، والحياء وسيلة ~~إلى الكف عن القبائح، والغضب وسيلة إلى دفع الضيم، وشهوة الجماع وسيلة ~~إليه، وهو وسيلة إلى كثرة النسل، كما أن شهوة الطعام والشراب وسيلة إلى ~~الأكل والشرب اللذين هما وسيلتان إلى الاغتذاء والارتواء، وبذل المال في # PageV02P200 # القربات ms346 وسيلة إلى مصالح المبذول له العاجلة، وإلى مصالح الباذل الآجلة، ~~وإنما فضل الذكر على سائر الأعمال لأنه مقصود في نفسه ووسيلة إلى حصول ~~الأحوال الناشئة عنه التي تنشأ عنها الاستقامة في الأقوال والأعمال. # وأفضل الأذكار ما صدر عن استحضار صفات الكمال ونعوت الجلال، ودونهما ذكر ~~الإنعام والإفضال الذي هو وسيلة إلى الحب والشكر، وذكر الثواب والعقاب ~~اللذين هما وسيلتان إلى ترك العصيان ليسا بمقصودين إلا للحث على الطاعة ~~والإيمان، وذكر الجنان أفضل من ذكر اللسان لأنه منشأ الأحوال، وقد يحضر ذكر ~~الصفات الموجبة للأحوال من غير قصد ولا تكلف استحضار، وذلك غالب من ~~الأنبياء والأولياء، وغلبته على الأنبياء أكثر منها على الأولياء، ولما عسر ~~ذلك في حق عامة الخلق سقط عنهم في الصلاة وفي سائر الأوقات، لأنه لو لم ~~يسقط عنهم لما صحت صلاتهم ولا أجيبت دعواتهم، # ولما كانت مصلحته أعظم المصالح اقتضى عظم مصالحه # أن يجب، لكنه لما تعذر على أعظم الخلق سقط رفقا بهم ورحمة. # وأما من قدر وتمكن منه فيجوز أن يجب عليه تحصيلا لمصالحه، ويجوز أن يسقط ~~عنه كما يسقط عن غيره. ### | [فائدة الأذكار المشروعة أفضل من الأذكار المخترعة] # (فائدة) الأذكار المشروعة أفضل من الأذكار المخترعة، وكذلك الاقتصار على ~~الدعوات الصحيحة المشروعة أولى من الدعوات المجموعات وإن كانت جائزة. # وكذلك التعبير عن معاني القرآن بما جاء فيه من الكلمات أولى من التعبير ~~عن ذلك بالمراجعات إلا أن يكون الغرض البيان، وكذلك لا يطلق على الإله من ~~المرادفات إلا ما أطلقه على نفسه وأوصى في كتابه أو سنة نبيه. # وكذلك لا يعبر عن طاعاته وعباداته إلا بما سماها به: كالفجر والظهر ~~والعصر والمغرب والعشاء والجمعات، وكذلك الحج والعمرة والاعتكاف، وكذلك # PageV02P201 # لا يقال حظرت عليكم أمهاتكم، ولا يقال لعن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - المبيح والمباح له بدل قوله المحلل والمحلل له، بل الأدب التعبير عن ~~المعاني بما عبر العظماء عنها موافقة لهم وإجلالا لهم، وكذلك تنزيه القلوب ~~والألسنة التي جرى فيها ذكر الإله عن أن يذكر ms347 بها سواه إلا بقدر ما تدعو ~~الحاجة إليه وتحث الضرورة عليه. ### | [فصل في السؤال] # يشرف السؤال بشرف المسئول عنه: فالسؤال عن الله وصفاته أفضل من كل سؤال ~~لأنه وسيلة إلى معرفة ذاته وصفاته قال الله تعالى: {فاسأل به خبيرا} ~~[الفرقان: 59] ثم السؤال عما تمس لضرورة أو الحاجة إليه من أحكامه، وكذلك ~~السؤال عما يلابسه المكلف من مجهول الأقوال والأعمال، ثم السؤال عن معرفة ~~مصالح ما يعزم عليه، فإن كان من المصالح المقدمة قدم، وإن كان من المصالح ~~المؤخرة أخر، وإن جهل أهو من المصالح المقدمة أم المؤخرة فلا يقدم حتى يعلم ~~الأصلح من تقديمه وتأخيره. # وأما سؤال الشيء وطلبه: فإن كان المطلوب محرما فسؤاله حرام، وإن كان ~~مكروها فسؤاله مكروه، وإن كان واجبا فسؤاله واجب، وإن كان مندوبا فسؤاله ~~ندب، وأما طلب المباح: فإن كان مما لا يتأذى المطلوب منه ببذله ولا رده فلا ~~بأس به كالسؤال عن الطريق وعن اسم الرفيق، وإن كان مما يتأذى ببذله المسئول ~~منه ويخجل إذا رده فهذا مكروه، وإن كان السائل قادرا على تحصيله بغير مسألة ~~من جهة أن يخجل المسئول أن يرده فيتأذى بمشقة الخجل ويستحي إذا منعه: إما ~~لبخله، وإما لحاجته، # PageV02P202 # وإن كان عاجزا عن تحصيله مع مسيس الحاجة إليه فلا بأس بسؤاله، كما سأل ~~موسى والخضر - عليهما السلام - الضيافة من أهل قرية لئام فلم يضيفوهما. # فإن قيل قد قال - عليه السلام - في حديث قبيصة: «إن المسألة لا تحل إلا ~~لأحد ثلاثة، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يقضيها ثم يمسك، ورجل ~~أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال ~~سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد ~~أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال سدادا من ~~عيش - فما سواهن يا قبيصة من المسألة سحتا يأكلها صاحبها» فجعل ما عدا ذلك ~~سحتا. # قلنا ذلك محمول على أن يسأل الزكاة من ليس أهلا ms348 لها، وذلك من الطلب ~~المحرم، وقد سأل جماعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ~~والتابعين فلم ينكر عليهم الرسول ولا أحد من الصحابة والتابعين، ولكن يجاب ~~عن ذلك بأنها وقائع أحوال، ولعل الرسول والصحابة شاهدوا من ضعف السؤال ~~وقرائن الأحوال ما يجوز لهم السؤال، فلو كانوا ممن تظهر منهم القدرة على ~~كسب الكفاية لصحة أجسامهم وقوة أبدانهم ولم ينكروا عليه لحصل الغرض، وقد ~~يسأل الكريم الأريحي ما هو محتاج إليه فيتأذى بمنعه وبذله، وهذا معروف عند ~~أهل الكرم والمروآت، وكيف يفلح من عود نفسه السؤال مع ما جاء فيه من الوعيد ~~والإنكار، ومما يكره السؤال عنه سؤال ما لا حاجة إليه من الفضول. # وأما السؤال عن عورات الناس لغير مصلحة شرعية فمحرم داخل في قوله: {ولا ~~تجسسوا} [الحجرات: 12] . وإن كثيرا من أهل المروآت ليعز عليهم أن يسألوا عن ~~الطرقات مع أنه لا يضر. # PageV02P203 ### | [فصل في البدع] # البدعة فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهي ~~منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة ~~مباحة، والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة: فإن دخلت ~~في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن ~~دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، ~~وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة، وللبدع الواجبة أمثلة. # أحدها: الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله وكلام رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب ولا يتأتى حفظها إلا ~~بمعرفة ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. # المثال الثاني: حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة. # المثال الثالث: تدوين أصول الفقه. # المثال الرابع: الكلام في الجرح والتعديل لتمييز الصحيح من السقيم، وقد ~~دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على القدر ~~المتعين، ولا يتأتى حفظ الشريعة إلا بما ذكرناه. # وللبدع المحرمة أمثلة. منها: مذهب القدرية، ومنها مذهب الجبرية، ms349 ومنها ~~مذهب المرجئة، ومنها مذهب المجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة. # PageV02P204 # وللبدع المندوبة أمثلة. منها: إحداث الربط والمدارس وبناء القناطر، ومنها ~~كل إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومنها: صلاة التراويح، ومنها الكلام في ~~دقائق التصوف، ومنها الكلام في الجدل في جمع المحافل للاستدلال على المسائل ~~إذا قصد بذلك وجه الله سبحانه. # وللبدع المكروهة أمثلة. منها: زخرفة المساجد، ومنها تزويق المصاحف، وأما ~~تلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي، فالأصح أنه من البدع ~~المحرمة. # وللبدع المباحة أمثلة. منها: المصافحة عقيب الصبح والعصر، ومنها التوسع ~~في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن، ولبس الطيالسة، وتوسيع ~~الأكمام. وقد يختلف في بعض ذلك، فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة، ~~ويجعله آخرون من السنن المفعولة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فما بعده، وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة. ### | [فصل في الاقتصاد في المصالح والخيور] # الاقتصاد رتبة بين رتبتين، ومنزلة بين منزلتين، والمنازل ثلاثة: التقصير ~~في جلب المصالح، والإسراف في جلبها، والاقتصاد بينهما. قال الله تعالى: ~~{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} ~~[الإسراء: 29] وقال: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما} [الفرقان: 67] وقال حذيفة: الحسنة بين السيئتين، ومعناه أن التقصير ~~سيئة، والإسراف سيئة، والحسنة ما توسط بين الإسراف والتقصير، # PageV02P205 # وخير الأمور أوسطها، فلا يكلف الإنسان نفسه من الخيور والطاعات إلا ما ~~يطيق المداومة عليه ولا يؤدي إلى الملالة والسآمة، وقال - عليه السلام - في ~~قيام الليل: «ليصل أحدكم نشاطه فإذا وجد كسلا أو فتورا فليقعد - أو قال ~~فليرقد» - ومن تكلف من العبادة ما لا يطيقه، فقد تسبب إلى تبغيض عبادة ~~الله، ومن قصر عما يطيقه، فقد ضيع حظه مما ندبه الله إليه وحثه عليه، قد ~~«نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التنطع في الدين وقد هلك ~~المتنطعون» ، «وأنكر على عبد الله بن عمرو بن العاص التزامه قيام الليل، ~~وصيام النهار، واجتناب النساء وقال له أرغبت عن سنتي؟ فقال: بل ms350 سنتك أبغي، ~~قال: فإني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» ~~وقد نهى الله عثمان بن مظعون وأصحابه عما عزموا عليه: من سرد الصوم وقيام ~~الليل والاختصاء، وكانوا قد حرموا على أنفسهم الفطر والنوم ظنا أنه قربة ~~إلى ربهم، فنهاهم عن ذلك لأنه غلو في الدين واعتداء عما شرع فقال: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين} [المائدة: 87] والتقدير ولا تحرموا تناول ما أحل الله لكم من ~~الأكل والشرب والنوم والنكاح ولا تعتدوا بالاختصاء، إن الله لا يحب ~~المختصين، أو لا يحب المعتدين بالاختصاء وغيره، وقال بعض المفسرين ولا ~~تعتدوا بما التزمتموه: أي ولا تعتدوا الاقتصاد إلى السرف، وإنما عزموا على ~~ذلك تحبيبا إلى الله عز وجل، فأخبرهم أنه لا يحب من اعتدى حدوده، وما رسمه ~~من الاقتصاد في أمور الدين. # وللاقتصاد أمثلة: في استعمال مياه الطهارة فلا يستعمل من الماء إلا قدر ~~الإسباغ، ولا ينقص من ذلك عن المد في الوضوء والصاع في الغسل، لأنه قد نقل ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه «كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع» ~~، وللمتوضئ والمغتسل في ذلك ثلاثة أحوال: إحداها أن يكون # PageV02P206 # معتدل الخلق كاعتدال خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقتدي به في ~~اجتناب التنقيص عن المد والصاع. # الحال الثانية أن يكون ضئيلا لطيف الخلق بحيث يعادل جسده بعض جسد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فيستحب له أن يستعمل من الماء ما تكون نسبته ~~إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # الحال الثالثة أن يكون متفاحش الخلق في الطول والعرض وعظم البطن وفخامة ~~الأعضاء فيستحب أن لا ينقص عن مقدار تكون نسبته إلى بدنه كنسبة المد والصاع ~~إلى بدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد جاء في الحديث «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ مفردا ومثنيا ومثلثا، وقال وهذا وضوئي، ~~ووضوء الأنبياء من قبلي، ووضوء ms351 خليلي إبراهيم، فمن زاد أو نقص فقد أساء ~~وظلم» . # ولفظه في سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رجلا أتى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء ~~فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم ~~أدخل إصبعيه السبابتين في أذنه ومسح إبهامه على ظاهر أذنيه وبالسبابتين ~~باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء؛ فمن زاد على ~~هذا أو نقص فقد أساء وظلم - أو ظلم وأساء» - وأخرجه النسائي وابن ماجه؛ ولا ~~شك أن من نقص عن المرة فقد أساء ومن زاد على الثلاث فإن كان قاصدا للقربة ~~بالزيادة على الثلاث فقد أساء لتقربه إلى الرب بما ليس بقربة، وإن قصد به ~~تبردا أو تنظفا بالماء الحار أو تداويا، فإن لم يفرق بين أعضاء الوضوء فلا ~~بأس بذلك وإن فرق بينها فقد أساء بتفريق الوضوء لا بمجرد الزيادة. # PageV02P207 # ومنها الاقتصاد في المواعظ: «كان - صلى الله عليه وسلم - يتحول أصحابه ~~بالموعظة مخافة السآمة عليهم» ، والمواعظ إذا كثرت لم تؤثر في القلوب فيسقط ~~بالإكثار فائدة الوعظ. # ومنها الاقتصاد في قيام الليل، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن السرف فيه، وقال: «خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى ~~تسأموا» . # ومنها الاقتصاد في العقوبات والحدود والتعزيرات فيعاقب كل واحد من الجناة ~~على حسب قوته وضعفه، وكذلك رجم الزناة لا يرجم بحصيات ولا بصخرات وإنما ~~يضرب بحجر لطيف يرجم بمثله في العادة، وكذلك الاقتصاد في الضرب لا يبالغ ~~فيه إلى سفح الدم، ولا يضرب ضربا لا أثر له في الزجر والردع، بل يكون ضربه ~~بين ضربين، وكذلك يكون سوط الضرب بين سوطين، ليس بحديد يقطع الجلود ولا ~~ببال لا يحصل المقصود، وكذلك الزمن يكون بين زمانين كزمني الربيع والخريف ~~دون زمني الحر الشديد والبرد الشديد، وهذا الاقتصاد في الضرب والسوط جار في ~~ضرب الرقيق والصبيان والبهائم والنسوان عند التأديب ms352 والرياضة والنشوز. # ومنها الاقتصاد في الدعاء، لأن الغالب على أدعية رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الصلاة وغيرها اختيار الأدعية، فنقل عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - دعوات مختصرات جامعات، وعلة ذلك أن الله أمرنا بالتضرع والخفية في ~~الدعاء، ولا يحضر ذلك غالبا إلا بالتكلف، وإذا أطال الدعاء عزب التضرع ~~والإخفاء وذهب أدب الدعاء، وقد استحب الشافعي أن يكون دعاء التشهد دون قدر ~~التشهد. # ومنها الجهر بالكلام لا يخافت فيه بحيث لا يسمعه حاضروه، ولا # PageV02P208 # يرفعه فوق حد أسماعهم، لأن رفعه فوق أسماعهم فضول لا حاجة إليه، ولذلك ~~شرع إخفاء الدعاء فإن الله يسمع الخفي كما يسمع الجلي، فرفع الصوت في ~~مناجاة الرب فضول لا حاجة إليه. # ومنها الأكل والشرب لا يتجاوز فيهما حد الشبع والري، ولا يقتصر منهما على ~~ما يضعفه ويضنيه ويقعده عن العبادات والتصرفات، وقد قال تعالى: {وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف: 31] وقال: {كلوا من ~~ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} ~~[الأنعام: 141] . # ومنها إمكان السير إلى الحج والعمرة لا تزاد فيه شدة الإسراع المضنية ~~للأجساد ولا التباطؤ الخارج عن المعتاد. # ومنها زيارة الإخوان لا يكثر منها بحيث يملونه ويستثقلونه، ولا يقل منها ~~بحيث يشتاقونه ويعتبونه. # ومنها مخالطة النساء لا يكثر بحيث تغلب عليه أخلاقهن، ولا يقللها بحيث ~~يتأذين بذلك. # ومنها دراسة العلوم لا يكثر منها بحيث يؤدي إلى السآمة والكراهة، ولا ~~يقللها بحيث يعد مقصرا فيها. # ومنها السؤال عما تدعوا الحاجة إليه إلى السؤال عنه من أمور الدنيا لا ~~يكثر منه إلا لضرورة أو حاجة ماسة. # وكذلك المزاح والضحك واللعب. # وكذلك المدح المباح لا يكثر منه ولا يتقاعد عن اليسير منه عند مسيس # PageV02P209 # الحاجة ترغيبا للممدوح في الإكثار مما مدح به أو تذكيرا له بنعمة الله ~~عليه ليشكرها وليذكرها بشرط الأمن على الممدوح من الفتنة. # وكذلك الهجاء الذي تمس الحاجة إليه لا ينبغي أن يكثر منه إلا حيث أمر به ~~في الشهادات والروايات والمشورات، ولا تكاد ms353 تجد مداحا إلا رذلا، ولا هجاء ~~إلا نذلا، إذ الأغلب على المداحين الهجائين الكذب والتغرير، ومدحك نفسك ~~أقبح من مدحك غيرك، فإن غلط الإنسان في حق نفسه أكثر من غلطه في حق غيره، ~~فإن حبك الشيء يعمي ويصم، ولا شيء أحب إلى الإنسان من نفسه، ولذلك يرى عيوب ~~غيره ولا يرى عيوب نفسه، ويعذر به نفسه بما لا يعذر به غيره، وقد قال ~~تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} [النجم: 32] وقال: {ألم تر إلى ~~الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء} [النساء: 49] . مبحث قد يمدح ~~المرء نفسه إذا دعت الحاجة ولا يمدح المرء نفسه إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك ~~مثل أن يكون خاطبا إلى قوم فيرغبهم في نكاحه، أو فيعرف أهليته الولايات ~~الشرعية والمناصب الدينية ليقوم بما فرض الله عليه عينا أو كفاية كقول يوسف ~~- عليه السلام -: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف: 55] وقد ~~يمدح المرء نفسه ليقتدى به فيما مدح به نفسه كقول عثمان - رضي الله عنه - ~~ما تعنيت منذ أسلمت، ولا تمنيت، ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وهذا مختص بالأقوياء الذين يأمنون التسميع ويقتدى ~~بأمثالهم. # PageV02P210 # وعلى الجملة فالأولى بالمرء أن لا يأتي من أقواله وأعماله الظاهرة ~~والباطنة إلا بما فيه جلب مصلحة عاجلة أو آجلة أو درء مفسدة عاجلة أو آجلة، ~~مع الاقتصاد المتوسط بين الغلو والتقصير، فلا يأتي في طهارته إلا بما يكمل ~~طهارته، لأن الزائد عليه عبث لا حاجة إليه. # وكذلك لا يرفع صوته في الكلام إلا بمقدار ما يبلغ سامعيه إلا أن يكون في ~~وعظ أو زجر، «فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب اشتد غضبه ~~وعلا صوته حتى كأنه منذر جيش، وكان يرفع صوته بالتلبية تذكيرا للناس بها ~~حتى يلبوا» ، ولذلك شرع رفع الصوت في الأذان لكثرة السامعين وخفضه في ~~الإقامة لقلة الحاضرين، ولهذا المعنى قال ربنا عز وجل: {ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية} [الأعراف: 55] أنه إذا سمع الدعاء ms354 الخفي فلا حاجة إلى رفع الصوت ~~لأنه لا فائدة فيه، ولذلك قال ربنا عز وجل: {إنه لا يحب المعتدين} ~~[الأعراف: 55] فقال بعض المفسرين أراد الذين يعتدون برفع أصواتهم في ~~الدعاء، وقال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه لما رفعوا أصواتهم بالذكر: ~~«أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا ~~دون رءوس رحالكم» وقال آخرون لا يحب المعتدين في الدعاء ولا في غيره. # ونقل «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جهر في أدعية» ولكن كان ~~جهره تعليما لأصحابه دون النوع من الدعاء، والحاجة ماسة إلا التعليم فيكون ~~للجاهر بذلك أجران # أحدهما: أجر الدعاء. # والثاني: أجر التعليم. # وكذلك الكلام لا ينبغي لك أن تتكلم إلا بما يجر مصلحة أو يدرأ مفسدة، ~~وكذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل ~~خيرا أو ليصمت» فإن قيل فما تقولون في المزاح؟ قلنا: إنما # PageV02P211 # يجوز المزاح لما فيه من الاسترواح إما للمازح أو للممزوح معه وإما لهما. # وأما المزاح المؤذي المغير للقلوب الموجس للنفوس فإنه لا ينفك عن تحريم ~~أو كراهة، وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمزح جبرا للممزوح معه ~~وإيناسا وبسطا، كقوله لأخي أنس بن مالك: «يا أبا عمير ما فعل النغير» وشرط ~~المزاح المباح أن يكون بالصدق دون الكذب. # وأما ما يفعله الناس من أخذ المتاع على سبيل المزاح فهذا محظور لما فيه ~~من ترويع صاحب المتاع وقد جاء في الحديث: «لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبا ~~جادا» جعله لاعبا من جهة أنه أخذه بنية رده، جادا من جهة أنه روع أخاه ~~المسلم بفقد متاعه، وعلى الجملة فلا ينبغي لعاقل أن يخطر بقلبه ولا يجري ~~على جوارحه إلا ما يوجب صلاحا أو يدرأ فسادا، فإن سنح له غير ذلك فليدرأ ما ~~استطاع. # والطريق في إصلاح القلوب التي تصلح الأجساد بصلاحها وتفسد بفسادها ~~تطهيرها من كل ما يباعد عن الله وتزيينها بكل ما يقرب إليه ويزلفه لديه من ~~الأحوال والأقوال والأعمال وحسن ms355 الآمال ولزوم الإقبال عليه والإصغاء إليه ~~والمثول بين يديه في كل وقت من الأوقات وحال من الأحوال على حسب الإمكان من ~~غير أداء إلى السآمة والملال، ومعرفة ذلك هي الملقبة بعلم الحقيقة، وليست ~~الحقيقة خارجة عن الشريعة، بل الشريعة طافحة بإصلاح القلوب بالمعارف ~~والأحوال والعزوم والنيات، وغير ذلك مما ذكرناه من أعمال القلوب، فمعرفة ~~أحكام الظواهر معرفة لجل الشرع، ومعرفة أحكام البواطن معرفة لدق الشريعة، ~~ولا ينكر شيئا منهما إلا كافر أو فاجر، وقد يتشبه بالقوم من ليس منهم ولا ~~يقاربهم في شيء من الصفات وهم شر من قطاع الطريق، ولأنهم يقطعون طرق ~~الذاهبين إلى الله تعالى وقد اعتمدوا على كلمات قبيحات يطلقونها على الله ~~ويسيئون الأدب # PageV02P212 # على الأنبياء والرسل وأتباع الأنبياء من العلماء الأتقياء، وينهون من ~~يصحبهم عن السماع من الفقهاء، لعلمهم بأن الفقهاء ينهون عن صحبتهم وعن سلوك ~~طريقهم. # واعلم أن الأصول أنواع أحدها. الخوف وهو ناشئ عن معرفة شدة الانتقام. # النوع الثاني: الرجاء وهو ناشئ عن معرفة الرحمة والإنعام. # النوع الثالث: التوكل وهو ناشئ عن معرفة تفرد الرب بالضر والنفع والخفض ~~والرفع، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، والإكثار والإقلال. # النوع الرابع: المحبة ولها سببان أحدهما: معرفة إحسانه وعنها تنشأ محبة ~~الإنعام والإفضال، فإن القلوب مجبولة على حب من أنعم عليها وأحسن إليها فما ~~الظن بمحبة من الإنعام كله منه والإحسان كله صادر عنه. # السبب الثاني: معرفة جماله وعنها تنشأ محبة الجلال وينبغي أن يكون كل ~~واحد من المحبين أفضل من كل محبة إذ لا إفضال كإفضاله، ولا جمال كجماله. # النوع الخامس: الحياء وهو ناشئ عن معرفة نظره إلينا واطلاعه علينا فمن ~~حضرته هذه المعرفة استحيا من نظره إلينا واطلاعه علينا، فلم يأت إلا بما ~~يقربه إليه ويزلفه لديه، ولا يأتي بما يبعده منه وينحيه عنه. # النوع السادس والسابع: المهابة والإجلال ومنشؤهما معرفة جلاله وكماله ~~فينبغي أن تكون مهابته وإجلاله، أعظم من كل مهابة وإجلال إذ لا إجلال ~~كإجلاله ولا كمال ككماله. # PageV02P213 # النوع الثامن: الفناء الناشئ عن الاستغراق ببعض ms356 هذه الأحوال وحقيقة ~~الفناء غفلة وغيبة، وفراغ القلب عن الأكوان إلا عن السبب المفني، فمن فقد ~~معرفة من هذه المعارف فقد ما يبتنى عليها من الأحوال، وما يناسب تلك ~~الأحوال من الأقوال والأعمال، ومن دامت معارفه بهذه الصفات دامت له الأحوال ~~الناشئة عنها والمستفادة منها، وتتفاوت رتب القوم بتفاوت دوام المعارف ~~والأحوال المبنية عليها، وكذلك تتفاوت رتبهم بشرف الأحوال الناشئة عن ~~المعارف المذكورة، فمراتب الخائفين والراجين دون مراتب المحبين لتعلق أسباب ~~الخوف والرجاء بالمخوف من الشرور، والمرجو من الخيور وتتعلق المحبة بالإله. # ثم المحبة الناشئة عن معرفة الجمال أفضل من المحبة الناشئة عن معرفة ~~الإنعام والإفضال، لأن محبة الجمال نشأت عن جمال الإله، ومحبة الإنعام ~~والإفضال نشأت عما صدر منه من إنعامه وإفضاله، والتعظيم والإجلال أفضل من ~~الكل، لأنهما نشآ عن معرفة الجلال والجمال فنشآ عن جلال الله وكماله ~~وتعلقاته فلهما شرف من وجهين اثنين، ومن أطلعه الله على أوصاف غير هذه ~~الأوصاف، فنشأت عنها أحوال تناسبها غير هذه الأحوال لا يمكنهم العبارة ~~عنها، إذ لم توضع عبارة عليها ولا الإشارة إليها، فإن دلالة الإشارة دون ~~دلالة العبارة، فإن للأكابر علوما خارجة عن العلم الضروري النظري وهم فيها ~~متفاوتون ولحضور هذه المعارف المذكورة في القلوب رتب أعلاها أن تبدأ القلوب ~~من غير سعي في استحضارها واكتسابها، فيصدر عنها الأحوال الناشئة لها، ثم ~~تدوم بدوامها وتنقطع بانقطاعها، وهذا ثابت للنبيين والمرسلين في أغلب ~~الأحوال والقليل من الأبدال. # الرتبة الثانية: أن يستحضرها العبد باستجلابها واستذكارها حتى تحضر وينشأ ~~عنها أحوالها اللائقة بها ويختلف الناس في ذلك: فمنهم من تستمر # PageV02P214 # عليه هذه المعارف، فتستمر به الأحوال الناشئة عنها، وهذا دأب الأولياء، ~~ومنهم من تنقطع عنهم هذه المعارف والأحوال على الفور من استحضارها وهذا حال ~~مثلنا وأمثالنا، ومنهم من يقع انقطاعها بين هاتين الرتبتين وهم يتفاوتون في ~~سرعة الانقطاع وبطئه. # الرتبة الثالثة: من لا تحضره هذه المعارف والأحوال الناشئة عنها إلا بسبب ~~خارج، ولهم رتب. # أحدها: من تحضره المعارف وأحوالها عند سماع القرآن، وهؤلاء ms357 أفضل أهل ~~السماع. # الرتبة الثانية: من تحضره المعارف والأحوال عند سماع الوعظ والتذكير، ~~وهؤلاء في الرتبة الثانية. # الرتبة الثالثة: من تحضره هذه المعارف والأحوال عند سماع الحداء والنشيد، ~~وهذا في الرتبة الثالثة لارتياح النفوس والتذاذها بسماع المتزن من الأشعار ~~والنشيد، وفي هذا نقص من جهة ما فيه من حظ النفس. # الرتبة الرابعة: من تحضره هذه المعارف والأحوال المبنية عليها عند سماع ~~المطربات المختلف في تحليلها كسماع الدف والشبابات، فهذا إن اعتقد تحريم ~~ذلك فهو مسيء بسماعه محسن بما يحصل له من المعارف والأحوال، وإن اعتقد ~~إباحتها تقليدا لمن قال بها من العلماء فهو تارك للورع باستماعها محسن بما ~~حضره من المعارف والأحوال الناشئة عنها. # الرتبة الخامسة: من تحضره هذه المعارف والأحوال عند سماع المطربات ~~المحرمة عند جمهور العلماء كسماع الأوتار والمزمار فهذا مرتكب لمحرم ملتذ ~~النفس بسبب محرم، فإن حضره معرفة وحال تناسب تلك المعرفة، كان # PageV02P215 # مازجا للخير بالشر، والنفع بالضر، مرتكبا لحسنات وسيئات ولعل حسناته لا ~~تفي بسيئاته فإن انضم إلى ذلك نظر إلى مطرب لا يحل النظر إليه، فقد زادت ~~شقوته ومعصيته. # فهذه رتب من تحضرهم المعارف والأحوال بسبب ما يستمعونه، فالمستمعون ~~بالقرآن أفضل هؤلاء لأن سببهم أفضل الأسباب، ويليهم من يستمع الوعظ ~~والتذكير إذ ليس فيه غرض للنفوس حاصل من الأوزان، ويليهم من يستمع الحداء ~~والأشعار، لما فيه من حظ النفوس بلذة سماع موزون الكلام، فإنه يلتذ به ~~المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وليس لذة النفوس بذلك من أمر الدين في شيء، ~~ويليهم من يسمع المطربات المختلف في تحريمها للاختلاف في قبح سببه، ويليهم ~~من يسمع ما ذهب الجمهور إلى تحريمه، لأنه أسوأ حالا ممن تقدمه. # وعلى الجملة: فالسماع بالحداء ونشيد الأشعار بدعة لا بأس بسماع بعضها. # وأما سماع المطربات المحرمات فغلط من الجهلة المتشيعين المتشبهين ~~المجترئين على رب العالمين، ولو كان ذلك قربة كما زعموه لما أهمل الأنبياء ~~أن يفعلوه ويعرفوه لأتباعهم وأشياعهم، ولم ينقل ذلك عن أحد من الأنبياء ولا ~~من أكابر الأولياء، ولا أشار إليه ms358 كتاب من الكتب المنزلة من السماء، وقد ~~قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} [المائدة: 3] ولو كان السماع بالملاهي المطربات من الدين، ~~لبينه رسول رب العالمين، وقد قال - عليه السلام -: «والذي نفسي بيده ما ~~تركت شيئا يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا نهيتكم عنه» . # واعلم أن السماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم، وهم أقسام # PageV02P216 # أحدها العارفون بالله، ويختلف سماعهم باختلاف أحوالهم فمن غلب، عليه ~~الخوف أثر فيه السماع عند ذكر المخلوقات وظهرت آثاره عليه من الحزن والبكاء ~~وتغيير اللون. # والخوف على أقسام أحدها: خوف العقاب، والثاني خوف فوات الثواب، والثالث ~~خوف فوات الحظ من الأنس والقرب بالملك الوهاب، وهذا من أفضل الخائفين وأفضل ~~السامعين، فمثل هذا لا يتصنع في السماع، ولا يصدر عنه إلا ما غلب عليه من ~~آثار الخوف لأن الخوف وازع عن التصنع والرياء، وهذا إذا سمع القرآن كان ~~تأثيره فيه أشد من تأثير النشيد والغناء. # والقسم الثاني: من غلب عليه الرجاء فهذا يؤثر فيه السماع عند ذكر ~~المطمعات والمرجيات؛ فإن كان رجاؤه للأنس والقرب كان سماعه أفضل سماع ~~الراجين، وإن كان رجاؤه للثواب فهذا في الرتبة الثانية، وتأثير السماع في ~~الأول أشد من تأثيره في الثاني. # القسم الثالث: من غلب عليه الحب وهو قسمان: أحدهما من أحب الله لإنعامه ~~عليه وإحسانه إليه فهذا يؤثر فيه سماع الإنعام والإفضال والإحسان والإكرام. # والقسم الثاني: من غلب عليه حب الله لشرف ذاته وكمال صفاته فهذا يؤثر فيه ~~ذكر شرف الذات وكمال الصفات، ويشتد تأثيره فيه عند ذكر الإقصاء والإبعاد، ~~وهو أفضل من الذي قبله، لأن سبب حبه أفضل الأسباب. # القسم الرابع: من غلب عليه التعظيم والإجلال فهذا أفضل من الأقسام ~~الثلاثة إذ لا حظ له في سماعه لنفسه، فإن النفس تتضاءل وتتصاغر للتعظيم ~~والإجلال، فلا حظ لنفسه في هذا السماع بخلاف من تقدم ذكره من الأقسام # PageV02P217 # فإنهم واقفون مع ربهم من وجه، ومع أنفسهم من وجه أو وجوه وشتان بين ما ~~خلص ms359 لله، وبين ما شاركته فيه النفوس، فإن المحب ملتذ بجمال محبوبه وهو حظ ~~نفسه، والهائب ليس كذلك. # وتختلف أحوال هؤلاء في المسموع منه، فالسماع من الأولياء، أشد تأثيرا من ~~السماع من الجهلة الأغبياء، والسماع من الأنبياء أشد تأثيرا من السماع من ~~الأولياء والسماع من رب الأرض والسماء أشد تأثيرا من السماع من الأنبياء ~~لأن كلام المهيب أشد تأثيرا في الهائب من كلام غيره، كما أن كلام الحبيب ~~أشد تأثيرا في المحب من كلام غيره. ولهذا لم يشتغل الأنبياء والصديقون ~~وأصحابهم بسماع الملاهي والغناء واقتصروا على كلام ربهم لشدة تأثيره في ~~أحوالهم، ولقد غلط كثير من الناس في سماع النشيد وطيب نغمات الغناء من جهة ~~أن أصوات الملاهي وطيب النشيد وطيب نغمات الغناء فيها حظ للنفوس، وإذا سمع ~~أحدهم شيئا مما يحرك التذت نفسه بأصوات الملاهي ونغمات الغناء وذكره النشيد ~~والغناء بما يقتضيه حاله: من الحب والخوف والرجاء فتثور فيه تلك الأحوال ~~فتلتذ النفوس من وجه مؤثره، ويؤثر السماع ما يشتمل عليه الغناء من الحب ~~والخوف والرجاء فيحصل الأمران: لذة نفسه، والتعلق بأوصاف ربه فيظن أن الكل ~~متعلق بالله وهو غالط. # القسم الخامس: من يغلب عليه هوى مباح، كمن يعشق زوجته وأسريته فهذا يهيجه ~~السماع ويؤثر فيه آثار الشوق وخوف الفراق ورجاء التلاق فيطرب لذلك، فسماع ~~هذا لا بأس به. # القسم السادس: من يغلب عليه هوى محرم، كهوى المرد ومن لا تحل له من ~~النساء، فهذا يهيجه السماع إلى السعي في الحرام وما أدى إلى الحرام فهو ~~حرام. # القسم السابع: من قال لأحد: في نفسي شيء مما ذكرتموه في الأقسام الستة ~~فما حكم السماع في حقي؟ قلنا هو مكروه، من وجه أن الغالب على # PageV02P218 # العامة إنما هو الأهواء الفاسدة، فربما هاجه السماع على صورة محرمة ~~فيتعلق بها ويميل إليها ولا يحرم عليه ذلك لأنا لا نتحقق السبب المحرم، وقد ~~يحضر السماع قوم من الفجرة فيبكون وينزعجون لأسباب خبيثة انطووا عليها ~~ويراءون الحاضرين بأن سماعهم للأسباب المذكورة في الأقسام الستة وهذا جمع ms360 ~~بين المعصية وبين إيهام كونه من الأولياء، وقد يحضر السماع قوم قد فقدوا ~~أهاليهم ومن يعز عليهم ويذكر المنشد فراق الأحبة وعدم الأنس بهم فيبكي ~~أحدهم ويوهم الحاضرين أن بكاءه لأجل رب العالمين، وهذا مراء بأمر غير محرم. # واعلم أنه ليس من أدب السماع أن يشبه غلب المحبة بالسكر من الخمر فإنه ~~سوء أدب، لأن الخمر أم الخبائث فلا يشبه ما أحبه الله بما أبغضه وقضى بخبثه ~~ونجاسته، لأن تشبيه النفيس بالخسيس سوء أدب لا شك فيه، وكذلك التشبيه ~~بالخصر والردف ونحو ذلك من التشبيهات المستقبحات. # ولقد كره بعضهم: أنتم روحي ومعكم راحتي، وبعضهم: فأنت السمع والبصر، لأنه ~~شبه ما لا شبيه له بروحه الخسيسة وسمعه وبصره اللذين لا قدر لهما. # ولهم ألفاظ يطلقونها يستعظمها سامعها منها: التجلي وهو عبارة عن العلم ~~والعرفان، وكذلك المشاهدة، ومنها الذوق وهو عبارة عن وجدان لذة الأحوال ~~ووقع التعظيم والإجلال، ومنها: الحجاب وهو عبارة عن الجهل والغفلة ~~والنسيان، ومنها: قولهم قال لي ربي، وإنما ذلك عبارة عن القول بلسان الحال ~~دون لسان المقال. # كما قالت العرب: امتلأ الحوض، وقال قطني، كذلك قوله: إذا قالت الإشباع ~~للبطن ألحق. ومنها قولهم القلب بيت الرب، ومعناه القلب بيت معرفة الرب، ~~شبهوا حلول المعارف بالقلوب بحلول الأشخاص في البيوت، # PageV02P219 # ومنها: البيتوتة عند الرب سبحانه في قوله - عليه السلام -: «إني أبيت عند ~~ربي يطعمني ويسقيني» تجوز بالمبيت عن التقرب، وبالإطعام والسقي عن التقوية ~~بما يقوم مقام الطعام والشراب من السرور والتقريب، ومنها القرب وهو عبارة ~~عن الأسباب الموجبة لتقريب الإله، ومنها البعد وهو عبارة عن الأسباب ~~الموجبة للإبعاد، ومنها المجالسة وهو عبارة عن لذة يخلقها الرب سبحانه ~~وتعالى مجانسة للذة الأنس وبمجالسة الأكابر. # وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث لا يفعلها إلا راعن ~~أو متصنع كذاب وكيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه وذهب ~~قلبه، وقد قال - عليه السلام -: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم» ، ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يقتدى ms361 بهم يفعل شيئا من ذلك. # وإنما استحوذ الشيطان على قوم يظنون أن طربهم عند السماع إنما هو متعلق ~~بالله عز وجل ولقد مانوا فيما قالوا وكذبوا فيما ادعوا من جهة أنهم عند ~~سماع المطربات وجدوا لذتين اثنتين: إحداهما لذة المعارف والأحوال المتعلقة ~~بذي الجلال. # والثانية: لذة الأصوات والنغمات والكلمات الموزونات الموجبات للذات النفس ~~التي ليست من الدين ولا متعلقة بأمور الدين، فلما عظمت عندهم اللذتان غلطوا ~~فظنوا أن مجموع اللذة إنما حصل بالمعارف والأحوال، وليس كذلك بل الأغلب ~~عليهم حصول لذات النفوس التي ليست من الدين بشيء. # وقد حرم بعض العلماء التصفيق لقوله - عليه السلام -: «إنما التصفيق ~~للنساء» «ولعن - عليه السلام - المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من ~~الرجال بالنساء» ، ومن هاب الإله وأدرك شيئا من تعظيمه لم يتصور منه رقص # PageV02P220 # ولا تصفيق، ولا يصدر التصفيق والرقص إلا من غبي جاهل، ولا يصدران من عاقل ~~فاضل، ويدل على جهالة فاعلهما أن الشريعة لم ترد بهما في كتاب ولا سنة، ولم ~~يفعل ذلك أحد الأنبياء ولا معتبر من أتباع الأنبياء، وإنما يفعل ذلك الجهلة ~~السفهاء الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء، وقد قال تعالى: {ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] وقد مضى السلف وأفاضل الخلف ولم ~~يلابسوا شيئا من ذلك، ومن فعل ذلك أو اعتقد أنه غرض من أغراض نفسه وليس ~~بقربة إلى ربه، فإن كان ممن يقتدى به ويعتقد أنه ما فعل ذلك إلا لكونه قربة ~~فبئس ما صنع لإيهامه أن هذا من الطاعات، وإنما هو من أقبح الرعونات. # وأما الصياح والتغاشي والتباكي تصنعا ورياء فإن كان حال لا تقتضيه فقد ~~أثم من وجهين: أحدهما: إيهامه الحال التامة الموجبة لذلك. # والثاني: تصنعه به ورياؤه، وإن كان عن حال تقتضيه أثم إثم ريائه لا غير، ~~وكذلك نتف الشعور وضرب الصدور، وتمزيق الثياب محرم لما فيه من إضاعة المال، ~~وأي ثمرة لضرب الصدور ونتف الشعور وشق الجيوب إلا رعونات صادرة عن النفوس. ### | [فائدة اعلم أنه لا يحصل السماع المحمود إلا عند ذكر الصفات] ms362 # (فائدة) اعلم أنه لا يحصل السماع المحمود إلا عند ذكر الصفات حال يختص ~~بها، فمن ذكر صفة الرحمة أو ذكر بها كانت حاله حالة الراجين، وسماعه سماع ~~الراجين، ومن ذكر شدة النقمة أو ذكر بها كانت حاله حال الخائفين، وسماعه ~~سماع الخائفين، ومن حاله حال المحبة إذا ذكر حال المحبوب أو ذكر به كانت ~~حاله حال المحبين، وسماعه سماع المحبين، ومن كانت حاله حال المعظمين ~~الهائبين فذكر العظمة أو ذكر بها كانت حاله حال المعظمين، وسماعه سماع ~~الهائبين المعظمين، ومن كانت حاله حال التوكل فذكر تفرد الرب بالضر والنفع، ~~والخفض والرفع، والتقرب والإبعاد، والإشقاء والإسعاد، فذكر ذلك أو ذكر به ~~في السماع كانت حاله حال # PageV02P221 # المتوكلين المفوضين، وسماعه سماعهم، وقد ينتقل كثير من الناس في السماع ~~بين هذه الأحوال فينتقل من حال إلى حال على حسب الإمكان بحسب اختلاف ~~التذكير، وقد يغلب الحال على بعضهم بحيث لا يصغي إلى ما يقوله المنشد ولا ~~يلتفت إليه لغلبة حال الأول عليه. # ومن أعمال القلوب: الخضوع والخشوع. وكلاهما ذل في القلوب والرضا والصبر ~~والتوبة والزهد فأما الرضا: فهو سكون النفس إلى سابق القضاء من غير نكير ~~على القاضي بما قضى، وأما الصبر فهو حبس النفس عن الجزع، والرضا جزء منه ~~لأنه سكون بما جرت به المقادير، ولا يشترط أن يرضى بالمقضي به إلا إذا كان ~~المقضي به خيرا، فإن كان المقضى به معصية فليرض بالقضاء وليكره المقضي به، ~~لأن القضاء حكم الله والمقضي هو المحكوم به. وهذا كالمريض إذا وصف الطبيب ~~الدواء المر أو قطع اليد المتآكلة فإنه يرضى لوصف الطبيب وقضائه وإن كره ~~المقضي به من مرارة الدواء وألم القطع. # وأما التوبة فأقسام: أحدها: التوبة من ترك الواجبات وفعل المحرمات. # القسم الثاني: التوبة من ارتكاب المكروهات. # القسم الثالث: التوبة من الشبهات. # القسم الرابع: التوبة من ملابسة المباحات إلا ما تدعو إليه الضرورات أو ~~تمس إليه الحاجات. # القسم الخامس: التوبة من رؤية التوبة ورؤية جميع ما يتقرب به إلى ذي ~~الجلال ومعنى ذلك ms363 ترك الاعتماد والاستناد إلى شيء من المعارف والأحوال # PageV02P222 # والأقوال والأعمال، إذ لا ينجي شيء من ذلك صاحبه؛ فإنه لا اعتماد في ~~النجاة إلا على ذي الجلال، وقد قال - عليه السلام -: «لن ينجي أحدكم عمله ~~قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه ~~وفضل» . # وأما الزهد فأقسام: # أحدها: الزهد في الحرام. # القسم الثاني: الزهد في المكروهات. # القسم الثالث: الزهد في الشبهات. # القسم الرابع: الزهد في المباحات إلا ما تدعو إليه الضرورات أو تمس إليه ~~الحاجات. # القسم الخامس: الزهد في رؤية الزهد والاعتماد عليه. # والفرق بين التوبة والزهد وإن كانا من أعمال القلوب: أن التوبة ذات أركان ~~ثلاثة: # أحدها: الندم على ما فات من الطاعات. # والركن الثاني: العزم على أن لا يعود إلى تلك المعصية. # الركن الثالث: الإقلاع عن المعصية المتوب عنها في الحال. # ويتحقق الزهد بقطع تعلق القلب عما ذكرناه من المحرمات والمكروهات ~~والمباحات، وليس الزهد عبارة عن خلو اليد من المال، وإنما الزهد خلو القلب ~~عن التعلق به، فليس الغنى بمناف للزهد. # فإن قيل أيما أفضل حال الأغنياء أم حال الفقراء؟ فالجواب أن الناس أقسام: # أحدها: من يستقيم على الغنى وتفسد أحواله بالفقر، فلا خلاف أن غنى هذا ~~خير له من فقره. # القسم الثاني: من يستقيم على الفقر ويفسده الغنى ويحمله على الطغيان فلا ~~خلاف أن هذا فقره خير من غناه. # القسم الثالث: من إذا افتقر قام بجميع وظائف الفقر كالرضا والصبر، وإن ~~استغنى قام بجميع وظائف الغنى من البذل والإحسان وشكر الملك الديان، فقد ~~اختلف في أي حالي هذا أفضل فذهب قوم: إلى أن الفقر لهذا أفضل. # وقال # PageV02P223 # آخرون: غناه أفضل وهو المختار، لاستعاذته - صلى الله عليه وسلم -، من ~~الفقر، ولا يجوز حمله على فقر النفس لأنه خلاف للظاهر بغير دليل، وقد يستدل ~~لهؤلاء لأن الرسول - عليه السلام - كان أغلب أحواله الفقر إلى أن أغناه ~~الله عز وجل بحصون خيبر وفدك والعوالي وأموال بني النضير. # والجواب عن ذلك أن الأنبياء والأولياء لا ms364 يأتي عليهم يوم إلا كان أفضل من ~~الذي قبله، فإن من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان أمسه خيرا من يومه فهو ~~ملعون أي مطرود مغبون، وقد ختم آخر أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ~~بالغنى ولم يخرجه غناه عما كان يتعاطاه في أيام فقره من البذل والإيثار ~~والتقلل حتى أنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي على آصع من شعير، وكيف لا يكون ~~كذلك وهو - عليه السلام - يقول: «ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن ~~تمسكه شر لك» أراد بالفضل ما فضل عن الحاجة الماسة كما فعل - صلى الله عليه ~~وسلم -، فمن سلك من الأغنياء هذا الطريق فبذل الفضل كله مقتصرا على عيش مثل ~~عيش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا امتراء بأن غنى هذا خير من فقره. # ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة أنه قال «أتى فقراء المسلمين ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول الله ذهب ذوو الأموال ~~بالدرجات العلا والنعيم المقيم يعتقون ولا نجد ما نعتق، ويتصدقون ولا نجد ~~ما نتصدق، وينفقون ولا نجد ما ننفق؟ فقال ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه ~~أدركتم به من كان قبلكم وفتم به من بعدكم؟ قالوا بلى، قال: تسبحون الله ~~تعالى وتحمدونه وتكبرونه على إثر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة فلما صنعوا ذلك ~~سمع الأغنياء بذلك فقالوا مثل ما قالوا، فذهب الفقراء إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فأخبروه أنهم قد قالوا مثل # PageV02P224 # ما قلنا؟ فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء» . # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل ~~الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام» وقوله - عليه السلام -: «اطلعت على ~~الجنة فرأيت أكثرها الفقراء واطلعت على النار فرأيت أكثرها النساء» فإن ذلك ~~محمول على الغالب من أحوال الأغنياء والفقراء، إذ لا يتصف من الأغنياء بما ~~ذكرناه من أن يعيش عيش الفقراء ويتقرب إلى الله تعالى بما فضل من ms365 عيشه ~~مقدما فضل البذل فأفضله، إلا الشذوذ النادرون الذين لا يكادون يوجدون، ~~الصابرون على الفقر وقليل ما هم، والراضون أقل من ذلك القليل. # ويحقق هذا أنه - عليه السلام - كان قبل الغنى قائما بوظائف الفقراء فلما ~~أغناه الله قام بوظائف الفقراء والأغنياء، فكان غنيا فقيرا صبورا شكورا ~~راضيا بعيش الفقراء جوادا بأفضل جود الأغنياء. # ومن أعمال القلوب احتقار ما حقره الله من الدنيا وأسبابها، وتعظيم ما ~~عظمه الله من الفقر والذل والمسكنة والخضوع والخشوع والغربة وعدم الجاه ~~والمال: لأن الغنى بالمعارف والأحوال أفضل وألذ من الغنى بالجاه والأموال، ~~والبذل لله عز وجل، والفقر غنى، والغربة لأجله استيطان. # لأن العبد إذا كان عند سيده فهو في أفضل الأوطان، وإن عظم ونأى بجانبه ~~فأعظم به من خسران. # ومن أعمال القلوب أن نكثر من ذكر الله بقلوبنا فإنه من المثمر للأحوال ~~عند ذي الجلال من ذكر اللسان، وأن نختار من المعارف أفضلها فأفضلها، ومن ~~الأحوال أكملها فأكملها، وأن نحفظ الأوقات فلا نصرف شيئا إلا # PageV02P225 # في أفضل القربات اللائقة بتلك الأوقات، فقد يكون الاشتغال بالمفضول في ~~بعض الأوقات أولى من الاشتغال بالفاضل في غيرها كالاشتغال بالدعاء فإنه ~~أفضل من الاشتغال بالذكر في غير أوانه كالدعاء بين السجدتين فالاشتغال به ~~أفضل من الاشتغال بالتسبيح والثناء، كذلك قراءة القرآن في الركوع والسجود ~~والقعود فإن الله شرع لكل وقت طاعة هي فيه أفضل من غيرها فيه، وإنما يشتغل ~~بالأفضل فالأفضل إذا كان صالحا لهما جميعا، والهداية لأفضل الأعمال ~~والأحوال والأقوال في أوقاتها المضروبة لها أفضل ما من به الإله سبحانه ~~وتعالى. ### | [فصل في معرفة الفضائل] # الفضائل بالمعارف والأحوال وما يتبعهما من الأقوال والأعمال، ولقد نال ~~الأنبياء من ذلك أفضل منال، فورث عنهم العارفون بعض المعارف والأحوال، وورث ~~عنهم العارفون التقرب بالأقوال والأعمال، وورث عنهم الفقهاء التقرب بمعرفة ~~الأحكام المتعلقة بالجوارح والأبدان، وورث عنهم أهل الطريقة الأحكام ~~المتعلقة بالبواطن، وورث عنهم الزهاد الترك والإقلال، واختص الأنبياء ~~بمعارف لا تدرك بنظر العقول لا بضرورتها، واختصوا بالأحوال المبنية على تلك ~~المعارف، ms366 ولعل بعض الأولياء والأبدال ورثوا أشياء من ذلك، وكذلك اختص ~~الأنبياء بالمعجزات والكرامات، وشاركهم الأولياء في بعض الكرامات. # والمعارف والأحوال غير الكرامات وخرق العادات، لتعلق المعارف بالله وتعلق ~~الكرامات بخرق العادات في بعض المخلوقات. وفرق فيما تعلق برب الأرض ~~والسموات. وفيما تعلق بفك اطراد العادات من النظر إلى رب الأرباب ومالك ~~الرقاب من النظر إلى من هو ستر وحجاب بين القلوب وبين الملك الوهاب، وكفى ~~بالغفلة عن الله عقابا. # PageV02P226 # ارض لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنب عقابه فيه # وفقنا الله للإقبال عليه والإصغاء، إليه، ولما لم يدان الأنبياء أحد في ~~شيء مما ذكرناه من المعارف والأحوال، وكذلك في الأعمال، لم يدانهم في ~~أدائها أحد، لأن ركعة من الأنبياء أفضل من ركعات كثيرة من غيرهم لكمالها في ~~القيام بوظائف آدابها: من التعظيم والإجلال والخضوع والخشوع حتى كأنهم ~~ينظرون إلى ربهم، وكذلك قيام ليلة منهم أفضل من قيام ليال كثيرة من غيرهم ~~لما في عبادات الأنبياء من كمال التعظيم والإجلال وما في عبادة غيرهم من ~~النقص والإخلال، وكذلك أحوالهم ومعارفهم في حضورهم بغير استحضار ودوامها ~~على مر الليالي والأيام. ### | [فصل في تعريف ما يظهر من معارف الأولياء وأحوالهم] # للأحوال آثار تظهر على الجوارح والأبدان، فإذا أردت معرفة مراتب الرجال ~~فانظر إلى ما يظهر عليهم من الآثار، ويغلب عليهم من الأقوال والأعمال، فمن ~~غلب عليه آثار الخوف كالبكاء والاقشعرار عند ذكر الوعيد فهو من الخائفين، ~~ومن غلب عليه السرور والاستبشار عند ذكر الوعد فاعلم أنه من الراجين ومن ~~غلبا عليه عند ذكرهما فهو من الخائفين الراجين، ومن غلب عليه الهشاشة ~~والبشاشة عند ذكر الجمال فهو من المحبين، الراجين، ومن غلب عليه الانقباض ~~والذل عند ذكر العظمة والجلال فهو من الهائبين المعظمين، ومن غلب عليه ~~الانقطاع عن الأسباب عند نزول النوازل وحلول المصائب فهو من المتوكلين، ومن ~~غلب عليه من هؤلاء أفضل المعارف والأحوال فهو الأفضل، ومن غلب عليه الخوف ~~والرجاء فهو # PageV02P227 # الأسفل، ومن غلب عليه محبة الإجلال فهو أفضل ممن غلب عليه محبة ms367 الإنعام ~~والإفضال، وغلبة الخوف خير من غلبة الرجاء. # وكان الأنبياء يتصفون بهذه الأحوال في مظانها وعند تحقق أسبابها وقد يغلب ~~الحال على الضعيف من الأولياء فيفقد لبه لعظمة ربه، وقد يضحك أحدهم طمعا في ~~قرب ربه وإسعاده، ويبكي أحدهم خوفا من طرده وإبعاده. # فكل من هؤلاء إذا ذكر نفسه بهذه الصفات في خلوة نشأ عن تذكره بهذه ~~الأحوال، فسبحان من أنعم عليهم وأحسن إليهم بما وصلوا إليه وقدموا عليه، ~~فإذا غلب الحال على أحدهم خرج عن الإدراك والإحساس، فلو ضرب وجه أحدهم ~~بالسيف لما أحس به، وقد كان أحد هؤلاء في الزمن القديم لينشر بالمناشر فلا ~~يبالي بذلك، ولمثل هذه لما تهدد فرعون السحرة بالقطع والصلب قالوا: لا ضير، ~~فيحتمل أن حالاتهم اقتضت ذلك، ويحتمل أنهم قالوا ذلك صبرا على البلاء في ~~ذات الله، يدل عليه قولهم: ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين. ### | [فصل في بيان أحوال الناس] # معظم الناس خاسرون، وأقلهم رابحون، فمن أراد أن ينظر في خسره وربحه ~~فليعرض نفسه على الكتاب والسنة فإن وافقهما فهو الرابح إن صدق ظنه في ~~موافقتهما، وإن كذب ظنه فيا حسرة عليه، وقد أخبر الله بخسران الخاسرين وربح ~~الرابحين، وأقسم بالعصر إن الإنسان لفي خسر إلا من # PageV02P228 # اجتمع فيه أربعة أوصاف: # أحدها: الإيمان. # والثاني: العمل الصالح # والثالث: التواصي بالحق. # والرابع: التواصي بالصبر. # وقد روي أن الصحابة كانوا إذا اجتمعوا لم يفترقوا حتى يقرءوها، واختلف في ~~العصر فقيل: هي الصلاة الوسطى، صلاة العصر، وقيل: العصر آخر النهار، وقيل: ~~العصر الدهر، واختلف في الصالحات فقيل: هي الفرائض، وقيل هي الأعمال ~~الصالحات، واختلف في الحق فقيل: هو الله، والتقدير تواصوا بطاعة الحق وقيل: ~~الإسلام، وقيل القرآن والتقدير تواصوا باتباع الحق كقوله: {واتبعوا أحسن ما ~~أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: 55] وقوله: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} ~~[الأحزاب: 2] وأما الصبر فيحتمل أن يراد به الصبر على الطاعات فيدخل الصبر ~~عن المعصية وعلى الطاعة، ويحتمل الصبر على المصائب والبليات، ويحتمل على ~~البليات والطاعات، وعن المعاصي والمخالفات واجتماع ms368 هذه الخصال في الإنسان ~~عزيز نادر في هذا الزمان، وكيف يتحقق الإنسان أنه جامع لهذه الصفات التي ~~أقسم الله على خسران من خرج عنها وبعد منها مع علمه بقبح أقواله وسوء ~~أعماله، فكم من عاص يظن أنه مطيع، ومن بعيد يظن أنه قريب، ومن مخالف يعتقد ~~أنه موافق، ومن منتهك يعتقد أنه متنسك، ومن مدبر يعتقد أنه مقبل، ومن هارب ~~يعتقد أنه طالب، ومن جاهل يعتقد أنه عارف، ومن آمن يعتقد أنه خائف، ومن ~~مراء يعتقد أنه مخلص، ومن ضال يعتقد أنه مهتد، ومن عم يعتقد أنه مبصر، ومن ~~راغب يعتقد أنه زاهد؟ ، وكم من عمل يعتمد عليه المرائي وهو وبال عليه؟ ، ~~وكم من طاعة يهلك بها المتسمع وهي مردودة إليه؟ ، والشرع ميزان يوزن به ~~الرجال، وبه يتيقن الربح من الخسران، فمن رجح في ميزان الشرع كان من أولياء ~~الله، وتختلف مراتب الرجحان، ومن نقص # PageV02P229 # في ميزان الشرع فأولئك أهل الخسران، وتتفاوت خفتهم في الميزان، وأخسها ~~مراتب الكفارة، ولا تزال المراتب تتناقص حتى تنتهي إلى منزلة مرتكب أصغر ~~الصغائر، فإذا رأيت إنسانا يطير في الهواء ويمشي على الماء أو يخبر ~~بالمغيبات، ويخالف الشرع بارتكاب المحرمات بغير سبب محلل، أو يترك الواجبات ~~بغير سبب مجوز، فاعلم أنه شيطان نصبه الله فتنة للجهلة وليس ذلك ببعيد من ~~الأسباب التي وصفها الله للضلال، فإن الدجال يحيي ويميت فتنة لأهل الضلال، ~~وكذلك يأتي الخربة فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وكذلك يظهر للناس أنه معه ~~جنة ونار فناره جنة، وجنته نار، وكذلك من يأكل الحيات ويدخل النيران فإنه ~~مرتكب الحرام بأكل الحيات، وفاتن الناس بدخول النيران ليقتدوا به في ضلالته ~~ويتابعوه على جهالته. ### | [فصل في تفضيل بعض الحادثات على بعض الجواهر] # فصل في معرفة تفضيل بعض الموجودات الحادثات على بعض الجواهر والأجسام ~~الأجسام كلها متساوية من جهة ذواتها، وإنما يفضل بعضها على بعض بصفاتها ~~وأعراضها وأنسابها إلى الأوصاف الشريفة والأفعال النفيسة. # والفضائل ضربان: أحدهما فضائل الجمادات كفضل الجوهر على الذهب وفضل الذهب ~~على الفضة، وفضل الفضة ms369 على الحديد، وفضل الأنوار على الظلمات، وفضل الشفاف ~~على غير الشفاف، وفضل اللطيف على الكثيف، والنير على المظلم، والحسن على ~~القبيح. # PageV02P230 # الضرب الثاني فضائل الخيرات وهي أقسام: # أحدها: حسن الصورة. # والثاني: قوى الأجسام، كالقوى الحادثة والممسكة والدافعة والغاذية، ~~والقوى على الجهاد والقتال وحمل الأعباء والأثقال. # الثالث: الصفات الداعية إلى الخيور، والوازعة عن الشرور: كالغيرة والنخوة ~~والحياء والشجاعة والحلم والأناة والسخاء. # الرابع: العقول. # الخامس: الحواس. # السادس: العلوم المكتسبة وهي أقسام: # أحدها: معرفة وجود الإله وصفاته الذاتية والسلبية والعقلية. # الثاني: معرفة إرسال الرسل وإنزال الكتب وتنبيه الأنبياء. # الثالث: معرفة ما شرعه الله من الأحكام الخمسة وأسبابها وشرائعها ~~وتوابعها. # السابع: الأحوال الناشئة عما ذكره من المعارف. # الثامن: القيام بطاعة الله في كل ما أمر به ونهى عنه. # التاسع: ما رتبه الله على هذه المعارف والأحوال والطاعات من لذات الآخرة ~~وأفراحها بالنعيم الروحاني: كلذة الأمن من عذاب الله، والأنس بقربه وجواره، ~~وسماعه وكلامه، وتبشيره بالرضا الدائم، وكذلك النظر إلى وجهه الكريم مع ~~الخلاص من عذابه الأليم. # فهذه فضائل بعضها أفضل من بعض فمن اتصف بأفضلها كان من أفضل البرية، ولا ~~شك أن معرفة الله ومعرفة صفاته ولذات رضاه والنظر إلى وجهه الكريم أفضل مما ~~عداهن، وأفضل الملائكة من قام به أفضل هذه الصفات، فإن تساوى اثنان من ~~الملائكة في ذلك لم يفضل أحدهما على الآخر # PageV02P231 # وإن فضل البشر على الملك بشيء من ذلك كان أفضل منه، وإن فضل الملك على ~~البشر بشيء من ذلك كان أفضل منه، والفضل منحصر في أوصاف الكمال، والكمال ~~إنما يكون بالمعارف والطاعات والأحوال. # أما بالأفراح واللذات فإنه أحسن إلى أجساد الأنبياء والأولياء بما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأحسن إلى أرواحهم بالمعارف الكاملة ~~والأحوال المتوالية، وأذاقهم لذة النظر إليه وسرور رضاه عنهم وكرامة تسليمه ~~عليهم فمن أين للملائكة مثل هذا؟ # واعلم أن الأجساد مساكن الأرواح وللساكن والمسكن أحوال: # إحداها: أن يكون الساكن أشرف من المسكن. # الثانية: أن يكون المسكن أشرف من الساكن الثالث: ms370 يتساويا في الشرف فلا ~~يفضل أحدهما على الآخر وإذا كان الشرف للساكن فلا مبالاة بخساسة المسكن، ~~وإذا كان الشرف للمسكن فلا يتشرف به الساكن والأجساد مساكن الأرواح، وقد ~~اختلف الناس في التفضيل الواقع بين البشر والملك: فإن فاضل بينهما مفضل من ~~جهة تفاوت الأجساد التي هي مساكن الأرواح فلا شك أن الملائكة أفضل وأشرف من ~~أجساد البشر المركبة من الأخلاط المستقذرة، وإن فاضل بين أرواح البشر ~~وأرواح الملائكة مع قطع النظر إلى الأجساد، فأرواح الأنبياء أفضل من أرواح ~~الملائكة، لأنهم فضلوا عليهم من وجوه: أحدها الإرسال ورسل الملائكة قليل، ~~ولأن رسول الملائكة يأتي إلى نبي واحد، ورسول الأمم يأتي إلى أمم وإلى أمة ~~واحدة فيهديهم الله على يديه فيكون له أجر تبليغه، ومثل أجر كل من اهتدى ~~على يديه، وليس مثل هذا الملك. # الثاني: القيام بالجهاد في سبيل الله. # الثالث: الصبر على المصائب الدنيا ومحنها والله يحب الصابرين. # الرابع: الرضا بمر القضاء وحلوه. # الخامس: نفع العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجلب المنافع ودفع ~~المكاره، وليس للملائكة شيء مثل هذا # السادس: ما أعده في الآخرة لعباده الصالحين مما لا عين رأت # PageV02P232 # ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم يثبت مثل هذا للملائكة. # السابع: ما أعده الله لهم في الآخرة من النعيم الروحاني كالأنس والرضا ~~والنظر إلى وجهه الكريم، وليس للملائكة مثل هذا. # فإن قيل الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، والأنبياء يفترون ~~وينامون؟ قلت إذا فترت الأنبياء عن التسبيح فقد يأتون في حال فتورهم من ~~الثناء على الله ومن الطاعات والعبادات بما هو أفضل من التسبيح، والنوم ~~مختص بأجسادهم، وقلوبهم متيقظة غير نائمة وسيساوونهم في الآخرة في إلهام ~~التسبيح كما يلهمون النفس. # الوجه الثامن: وهو مختص بآدم - عليه السلام - أن الله عرفه من أسماء كل ~~شيء ومنافعه ما لا يعرفون. الوجه التاسع: وهو أيضا مختص به أن الله تعالى ~~أمر الملائكة بالسجود لآدم، ولا شك أن المسجود له أفضل وأشرف من الساجدين. # وعلى الجملة فما يفضل الملائكة على ms371 الأنبياء إلا هجام يبنى التفضيل على ~~خيالات توهمها، وأوهام فاسدة اعتمدها ولم يتقرر بالخيالات والتوهمات من ~~أمور يعلم الله خلافها، بل قد يرى الإنسان اثنين فيظن أن أحدهما أفضل من ~~الآخر، لما يرى من طاعته الظاهرة، والآخر أفضل منه بدرجات كثيرة لما اشتمل ~~عليه من المعارف والأحوال، والقليل من أعمال الأعرف خير من الكثير من أعمال ~~العارف، وأين الثناء من المستحضرين لأوصاف الجلال وتعرف الكمال من ثناء ~~المسبحين بألسنتهم الغافلين بقلوبهم. # ليس التكحل في العينين كالكحل # ليس استجلاب الأحوال باستذكارها المعارف كمن تحضره المعارف بغير سعي ولا ~~اكتساب، ولا عبرة بفضل أجساد الملائكة على أجساد الأنبياء، لأن الأجساد ~~مساكن ولا شرف بالمساكن، وإنما الشرف بالأوصاف القائمة # PageV02P233 # بالساكن، والاعتبار إنما هو بالساكنين دون المساكن، فإن الأنبياء قد ~~سكنوا بطون أمهاتهم مع القطع بأنهم أفضل من أمهاتهم. # نفس عصام سودت عصاما # فروح المسيح - عليه السلام - أفضل من جسد مريم، وكذلك روح إبراهيم - عليه ~~السلام - أفضل من جسد أمه. # وأما من كفر من أولاد المؤمنات فهم شر البرية، ومساكنهم خير منهم، فإذا ~~حملت مؤمنة بكافر كان جسدها خيرا من روحه، إذ قام بروحه أخس الصفات وهو ~~الكفر برب الأرضين والسموات. # فإن قيل أين محل الأرواح من الأجساد؟ قلنا في كل جسد روحان: إحداهما: روح ~~اليقظة، وهي الروح التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان ~~الإنسان مستيقظا، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان ورأت تلك الروح المنامات ~~إذا فارقت الجسد، فإن رأتها في السموات صحت الرؤيا فلا سبيل للشياطين إلى ~~السموات، وإن رأتها دون السماء كان من إلقاء الشياطين وتحريفهم، فإذا رجعت ~~هذه الروح إلى الإنسان يستيقظ الإنسان كما كان. # الروح الثانية: روح الحياة وهي الروح التي أجرى الله العادة أنها إذا ~~كانت في الجسد كان حيا، فإذا فارقته مات الجسد فإذا رجعت إليه حيي. # وهاتان الروحان في باطن الإنسان لا يعرف باطن مقرهما إلا من أطلعه الله ~~على ذلك، فهما كجنينين في بطن امرأة واحدة، وقد يكون في بطن # PageV02P234 # الإنسان ms372 روح ثالثة وهي روح الشيطان ومقرها الصدور بدليل قوله: {الذي ~~يوسوس في صدور الناس} [الناس: 5] وجاء في [الحديث الصحيح: «إن المتثائب إذا ~~قال هاه هاه ضحك الشيطان في جوفه» وجاء في الحديث: «إن للملك لمة وإن ~~للشيطان لمة» وقال بعض المتكلمين: الذي يظهر أن الروح بقرب القلب، ولا يبعد ~~عندي أن يكون الروح في القلب، ويجوز أن يحضر الملك في باطن الإنسان حيث يحل ~~الروحان، ويحضر الشيطان. # ويجوز في كل واحدة من الأرواح أن تكون جوهرا فردا يقوم به ما يليق به من ~~الصفات الخسيسة والنفيسة، ويجوز أن تكون كل واحدة منهن جسما لطيفا حيا ~~سميعا بصيرا عليما قديرا مريدا متكلما، فتكون حيوانا كاملا في داخل حيوان ~~ناقص، ويجوز أن تكون الأرواح كلها نورانية لطيفة شفافة، ويجوز أن يخص ذلك ~~بأرواح المؤمنين والملائكة، دون أرواح الجن والشياطين. # فإن قيل: إذا أتى جبريل النبي - عليه السلام - في صورة دحية فأين تكون ~~روحه؟ في الجسد الذي يتشبه بجسد دحية، أم في الجسد الذي خلق عليه ستمائة ~~جناح؟ فإن كانت في الجسد الأعظم فما الذي أتى إلى الرسول جبريل لا من جهة ~~روحه ولا من جهة جسده، وإن كانت في الجسد المشبه دحية فهل يموت الجسد الذي ~~له ستمائة جناح كما تموت الأجساد إذا فارقتها الأرواح أم يبقى حيا خاليا من ~~الروح المنتقلة من الجسد المشبه بجسد دحية؟ قلت: لا يبعد أن يكون انتقالها ~~من الجسد الأول غير موجب لموته، لأن موت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب ~~عقلا، وإنما هو بعبادة مطردة # PageV02P235 # أجراها الله في أرواح بني آدم فيبقى ذلك الجسد حيا لا ينقص معارفه ولا ~~طاعته شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى ~~أجواف الطيور الخضر، تأكل تلك الطيور من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها وتأوي ~~إلى قناديل معلقة بالعرش. # وقالت طائفة: الأرواح باقية في القبور، ولذلك سلم - عليه السلام - عليهم ~~وأمرنا بالتسليم عليهم، وقال: «سلام على أهل الديار من المسلمين والمؤمنين» ~~وأهل الدار في عرف الناس من ms373 سكن الدار أو كان بفنائها، وقد أمرنا ~~بالاستعاذة من عذاب القبر، ومر بقبرين فقال: «إنهما يعذبان وما يعذبان في ~~كبير» وهذا يدل على أن الأرواح في القبور دون أفنيتها وهو المختار. # ولذلك قال - عليه السلام - في المؤمن: «ويفسح له في قبره ويملأ عليه خضرا ~~إلى يوم يبعثون» وقيل إن الأنبياء ترفع أجسادهم ولم يثبت ذلك، وزعمت طائفة ~~أن أرواح الكفار ببئر باليمن وظاهر السنة يرد عليهم فإنه - عليه السلام - ~~أمر بالتعوذ من عذاب القبر، وقال: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن ~~يسمعكم من عذاب الموتى في قبورهم» والأرواح كلها تنتقل يوم القيامة إلى ~~أجساد غير أجسادها، لأن ضرس الكافر مثل أحد، وغلظ جسده مسيرة ثلاثة أيام، ~~ومقعده كما بين مكة والمدينة، وأجساد المؤمنين على هيئة جسد آدم ستون ذراعا ~~في السماء # (فما الديار الديار ولا الخيام الخيام) ### | [فائدة أيهما أفضل النبوة أم الإرسال] # (فائدة) إن قيل أيهما أفضل النبوة أم الإرسال؟ فنقول النبوة أفضل لأن ~~النبوة إخبار عما يستحقه الرب من صفات الجمال ونعوت الكمال وهي متعلقة ~~بالله من طرفيها، والإرسال دونها، أمر بالإبلاغ إلى العباد # PageV02P236 # فهو متعلق بالله من أحد طرفيه وبالعباد من الطرف الآخر، ولا شك أن ما ~~يتعلق من طرفيه أفضل مما يتعلق به من أحد طرفيه، والنبوة سابقة على الإرسال ~~فإن قول الله لموسى: {إني أنا الله رب العالمين} [القصص: 30] مقدم على ~~قوله: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} [النازعات: 17] فجميع ما تحدث به قبل قوله: ~~اذهب إلى فرعون نبوة، وما أمره بعد ذلك من التبليغ فهو إرسال. # والحاصل أن النبوة راجعة إلى التعريف بالإله وبما يجب له، والإرسال إلى ~~أمر الرسول بأن يبلغ عنه إلى عباده أو إلى بعض عباده ما أوجبه عليهم من ~~معرفته وطاعته واجتناب معصيته، وكذلك الرسول - عليه السلام - لما قال له ~~جبريل: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] إلى قوله: {إلى ربك الرجعى} ~~[العلق: 8] كان هذا نبوة، وكان ابتداء الرسالة حين جاء جبريل: ب {يا أيها ~~المدثر} [المدثر: 1] {قم فأنذر} [المدثر: ms374 2] . ### | [فائدة إذا استوى اثنان في حال من الأحوال] # (فائدة) إذا استوى اثنان في حال من الأحوال فهما في التفضل سيان، وإن ~~تفاوتا في ذلك بطول الزمان وقصره كان من طال زمانه أفضل ممن قصر زمانه عند ~~اتحاد الحال، فإن تفاوتا في الأحوال: فإن كانت إحدى الحالتين أشرف وأطول ~~زمانا، فلا شك أن صاحبها أشرف وأفضل، مثاله الخائف مع الهائب، فإن الهيبة ~~أفضل من الخوف، فإذا طال زمان الهيبة وقصر زمن الخوف فقد فضلته من وجهين ~~اثنين، وإن استوى الزمان كان الهائب أفضل وكذلك إن قصر زمان الهيبة عن زمن ~~الخوف كان الهيبة أفضل لعلو رتبتها وشرفها ألا ترى أن وزن دينار من الجوهر ~~أفضل من الدينار، والدينار أفضل من الدرهمين والعشرة لشرف وصفه على وصف ~~الفضة، والدرهم أفضل من مائة درهم من النحاس لشرف وصفه، وبهذا الميزان يعرف ~~تفاوت # PageV02P237 # الرجال وكذلك تعرف مراتب الطائعين بملابسة بعضهم لأفضل الطاعات وبملابسة ~~الآخرين لأدنى الطاعات وإن استووا في الطاعات لم يجز التفضل في باب ~~الطاعات، وإن كثرت طاعات أحدهم وقلت معارف الآخر وأحواله يقدم شرف المعارف ~~والأحوال على شرف الأعمال والأقوال، ولهذا جاء في الحديث: «ما سبقكم أبو ~~بكر بصوم ولا صلاة ولكن بأمر وقر في صدره» وقال - عليه السلام - لما استعظم ~~بعضهم طاعاته: «إني لأرجو أن أكون أعلمكم بالله وأشدكم له خشية» لفضل ~~المعرفة وشدة الخشية على كثرة الأعمال والله أعلم. PageV02P238 ms375