######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009406 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: أبو شامة المقدسي #META# 010.AuthorNAME :: شهاب الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بأبي شامة المقدسي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 665 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب أصول الفقه الإسلامي :: مسائل أصولية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: خطبة الكتاب المؤمل #META# 030.LibURI :: JK_009406 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: جمال عزون #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة أضواء السلف #META# 044.EdPLACE :: الرياض / السعودية #META# 045.EdYEAR :: 1424 هـ / 2003 م . #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي شرفنا بكلمة التوحيد ، وكرمنا بالاعتقاد السديد ، وأيدنا ~~| باتباع كتابه وسنة نبيه أحسن تأييد ، وسهل انتزاع الأحكام منهما على كل | ~~مجتهد مجيد ، وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبناوكره إلينا طريقة كل جبار ~~| عتيد ، وشيطان مريد ، ونوع أصناف خلقه في الدنيا وحصرهم في الآخرة بين | ~~شقي وسعيد ، ووعدهم على طاعته وأوعدهم على معصيته فهم راجون | خائفون أبدا ~~بين وعد ووعيد ، سبحانه هو المبدئ المعيد ، الوارث الشهيد ، | وهو الغفور ~~الودود ذو العرش المجيد ، فعال لما يريد . له الحمد على نعمه التي لا | ~~تحصى وقد أمر بالتحدث بنعمته ، وله الشكر على ما أولى من التفقه في كتابه | ~~وسنته ، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد خير بريته ، صلاة وتسليما باقيين | ~~على التأبيد ، وعلى آله وصحابته وأزواجه وذريته وأشياعه وعترته ، كما صلى | ~~PageV01P047 | على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنه حميد مجيد . ~~اللهم وصل على | ملائكتك وأنبيائك ، وسائر رسلك وأوليائك ، وسلم عليهم ~~أجمعين وبارك ، | وعلى التابعين لهم بإحسان الذين هم صفوة العبيد ، وألحقنا ~~بهم بلطفك | ورحمتك ، وإن قصرنا في محاولة طاعتك ، وجنبنا طرق مخالفتك ، ~~وقرب علينا | فيما يرضيك كل بعيد ، واجعلنا يا ذا المنن والطول إذ لم يكن ~~لنا إلا بك قوة | ولا حول من الذين هدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط ~~الحميد . # / أما بعد : # فإن العلم قد درست أعلامه ، وقل في هذه الأزمان إتقانه وإحكامه ، وآل | ~~به الإهمال إلى أن عدم احترامه ، وترك إجلاله وإعظامه ، فتدارك بعد ~~المحافظة | عليه انصرامه ، حتى صعب مرامه ، وكاد يجهل حلاله وحرامه ، هذا ~~مع حث | الشرع عليه ، ونظره بعين التبجيل إليه ، ووصفه العلماء القائمين به ~~بخشيتهم | إياه ورفع درجتهم ، وضمه لهم مع الملائكة في شهادتهم . # وقال : ^ ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أتوا العلم درجات ) ^ # قال الله تعالى : ^ ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ^ . # وقال : ^ ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ) ^ . # وقال : ^ ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) ^ . | ~~PageV01P048 # وقال : ^ ( بل هو آيات بينات في صدور الذين ms01 أوتوا العلم ) ^ . # وقال : ^ ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) ^ . # وقال : ^ ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ^ . # إلى غير ذلك من الآيات التي فاز بها العالمون . # وأخبر الرسول المصطفى [ & ] بفضل العالم وأنه يوم القيامة يشفع ، وقال : ~~| ' إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع ' . # أخرج أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في ' سننه ' وغيره | من ~~حديث أبان بن عثمان ، عن أبيه عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول | الله [ ~~& ] قال : ' يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء ~~' . # وقال بعض أهل العلم : أعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة | بشهادة ~~رسول الله [ & ] . | PageV01P049 # وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم في ' سننهم ' بأسانيدهم | عن ~~أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله [ & ] يقول : # ' من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة ، | وإن ~~الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ، وإن فضل العالم على العابد كفضل | ~~القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العالم / ليستغفر له من في | ~~السماوات ومن في الأرض وكل شيء حتى الحيتان في جوف الماء ، وإن العلماء | ~~ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا ولا درهما وأورثوا العلم ، فمن أخذه ~~| أخذ بحظ وافر ' . # فليعلم أن العلم - كما قيل - : # أنفس ما طلبه الطالبون ، وأجل شيء رغب فيه الراغبون ، وأفضل فضيلة | سعى ~~لها الفاضلون ، باستثماره سعد الصالحون ، وبانتحاء مناره فاز الفائزون ، | ~~اتفق على شرفه الأمم وتطابقت ، وتظاهرت الأدلة على تفضيله وتناصرت ، | فهو ~~ساعد السعادة ، وأس السيادة ، والمرقاة إلى النجاة في الدار الآخرة التي | ~~هي مطمح آمال المستبصرين ، وغاية مضمار الموفقين . | PageV01P050 # ومن كلام السلف : # لولا العلم لكان الناس كالبهائم . # مثل العالم في البلدة كالعين العذبة نفعها دائم . # قال أبو مسلم الخولاني رحمه الله : مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في | ~~السماء إذا بدت للناس اهتدوا ، وإذا خفيت عليهم تحيروا . ومثل الصالحين مثل ~~| الأميال في الأرض ينجو بها السالك من الضلالة . # وقال ميمون بن مهران : بنفسي العلماء ، وجدت صلاح قلبي في | مجالستهم ، ~~هم ms02 بغيتي في أرض غربة ، وهم ضالتي إذا لم أجدهم . # وقال عمرو بن الحارث المصري : الشرف شرفان : شرف العلم ، وشرف | السلطان ~~، وشرف العلم أشرفهما . # وقال يحيى بن أكثم : قال لي الرشيد : ما أنبل المراتب ؟ قلت : ما أنت فيه ~~| يا أمير المؤمنين . قال : أفتعرف أجل مني ؟ قلت : لا . قال : لكني أعرفه ~~: رجل في | حلقة يقول : حدثنا فلان عن فلان قال : قال رسول الله [ & ] . ~~قلت : يا أمير | المؤمنين هذا خير منك وأنت ابن عم رسول الله [ & ] وولي ~~عهد المسلمين ؟ قال : | PageV01P051 | نعم ، ويلك هذا خير مني لأن اسمه ~~مقترن باسم رسول الله [ & ] ، لا يموت أبدا ، | نحن نموت ونفنى والعلماء ~~باقون / ما بقي الدهر . # وقال ذو النون المصري : # الناس كلهم موتى إلا العلماء ، والعلماء كلهم نيام إلا العاملين ، | ~~والعاملون كلهم مغترون إلا المخلصين ، والمخلصون على خطر عظيم . # [ قال الله تعالى : ^ ( ليسأل الصادقين عن صدقهم ) ^ ] # ما أحسن هذا الكلام ، وما أوقعه في قلوب الموفقين من سامعيه ، نسأل | ~~الله تعالى العمل بالعلم والإخلاص فيه . # ويروى للقاضي أبي محمد عبد الوهاب المالكي رحمه الله تعالى : | # % وا لهف نفسي على شيئين لو جمعا % % عندي لكنت امرءا من أسعد البشر % # % كفاف عيش كفاني ذل مسألة % % وخدمة العلم حتى ينقضي عمري % % ~~PageV01P052 # وللعلامة أبي القاسم الزمخشري : | # % وكل فضيلة فيها سناء % % وجدت العلم من هاتيك أسمى % # % فلا تعتد غير العلم ذخرا % % فإن العلم كنز ليس يفنى % # | فصل # وانضم إلى شرف العلم أن طلبه من أحسن العبادات وأفضلها ، والتقرب | به ~~إلى الله تعالى من أتم القربات وأكملها . # جاء عن إمامنا أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه أنه | ~~قال : ما تقرب إلى الله عز وجل بعد أداء الفريضة بأفضل من طلب العلم . هذه ~~| رواية حرملة بن يحيى عنه . # وفي رواية الربيع بن سليمان عنه قال : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة . # وفي رواية أخرى عنه : ليس بعد أداء الفرائض شيء أفضل من طلب | العلم . ~~قيل : ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله . | ~~PageV01P053 # وروي معنى ذلك عمن تقدم ms03 الشافعي من التابعين وأتباعهم رضي الله عنهم . # جاء عن الحسن البصري أنه قال : ما أعلم شيئا أفضل من الجهاد في سبيل | ~~الله إلا أن يكون طلب العلم فإنه أفضل من الجهاد في سبيل الله . # وقال الإمام أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري : لا أعلم شيئا من | ~~الأعمال أفضل من طلب العلم أو الحديث لمن حسنت نيته فيه . # وروي مثله عن صاحبه عبد الله بن المبارك . # وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي : من تعلم بابا من العلم كان أفضل | من ~~عبادة حول يصام نهاره ، ويقام ليله . # وقال سليمان التيمي : كنا في مجلس نتذاكر فيه الفقه والسنن ومعنا أبو | ~~مجلز ، فقال رجل : لو قرأتم سورة . فقال أبو مجلز : ما نرى أن قراءة سورة ~~أفضل مما نحن فيه . | PageV01P054 # وقال ابن عبد الحكم : كنت عند مالك أقرأ عليه العلم ، فدخل وقت | الظهر ، ~~فجمعت الكتب لأصلي فقال : يا هذا ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه إذا ~~صحت النية . # يعني قيامه لإحراز فضيلة أول الوقت والله أعلم . # وصح عن الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال لابنه عبد الله لما قدم ~~| أبو زرعة الرازي من الري إلى بغداد : يا بني قد اعتضت عن نوافلي بمذاكرة ~~| هذا الشيخ . # وكل هؤلاء من أئمة الهدى ، الذين بهم يقتدى ، وجاء مثل ذلك عن | الصحابة ~~رضي الله عنهم موقوفا ومرفوعا . # وقال ابن عباس : مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة . | PageV01P055 # وقال ابن مسعود : لأن أجلس في مجلس فقه ساعة أحب إلي من صيام | يوم وقيام ~~ليلة . # وروي مرفوعا إلى النبي [ & ] : ' فضل العلم خير من فضل العبادة ، وخير | ~~دينكم الورع ' . # وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : قال أبو هريرة وأبو ذر : باب من العلم | ~~نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع ، وباب نعلمه عملنا به أو لم نعمل | أحب ~~إلينا من مائة ركعة تطوعا . وقالا : سمعنا رسول الله [ & ] يقول : إذا جاء ~~| طالب العلم الموت وهو على هذه الحال مات وهو شهيد . | PageV01P056 # وعن أبي بكر الهذلي ، عن عون بن ms04 عبد الله أن رجلا جاء إلى أبي ذر | فقال ~~له : يا أبا ذر إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه . قال له : تعلم | ~~العلم فإنك إن مت عالما خير لك من أن تموت جاهلا . ثم جاء إلى أبي الدرداء ~~| فقال له : يا أبا الدرداء إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه . فقال ~~/ له : | هريرة فقال : [ يا أبا هريرة إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن ~~أضيعه . | فقال ] له أبو هريرة : تعلم العلم فإنك لن تجد له إضاعة أشد من ~~تركه . # وفي رواية قال أبو ذر : إنك أن توسد العلم خير من أن توسد الجهل . | وقال ~~أبو الدرداء : إن الناس يبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه ، فيبعث | ~~العالم عالما والجاهل جاهلا . وقال أبو هريرة : ما أنت بواجد شيئا أضيع | ~~له من تركه . | PageV01P057 # وفي رواية قال أبو ذر : إن تفترش العلم خير من أن تفترش الجهل . وقال | ~~أبو هريرة : كفى بترك العلم إضاعة . قال الحسن البصري : وكان أبو هريرة من ~~| أحسن القوم كلاما . # قلت : # صدق وبر فإنا مأمورون بالعلم وبالعمل ، فلا ينبغي أن يحملنا تقصيرنا في | ~~العمل على أن نقصر في تحصيل العلم ، فنكون قد خالفنا الأمر فيهما ، مع أنه ~~| يرجى من بركة العلم النافع أن يفضي بصاحبه إلى العمل ، فقد جاء عن جماعة ~~| من أكابر التابعين وأتباعهم في العلم والدين أنهم قالوا : تعلمنا العلم ~~لغير الله | فأبى أن يكون إلا الله . # وقال بعضهم : تعلمنا العلم وما لنا فيه كبير نية ثم رزقنا الله النية بعد ~~. # فهذا تفسير قول من قال : ' تعلمناه لغير الله فأبى أن يكون إلا لله ' . ~~أي | فحصلت النية . | PageV01P058 # وذكر الغزالي في ' كتاب الإحياء ' أن بعضهم قال : معناه أن العلم | أبى ~~وامتنع علينا فلم تنكشف لنا حقيقته ، وإنما حصل لنا حديثه وألفاظه . # والتفسير الأول أولى إذ بعض الروايات فسر بعضا ، ووقع هذا القول من | ~~جماعة أكابر لا يظن بهم سوى المعنى الأول . # قال سماك بن حرب : طلبنا هذا الأمر ونحن لا نريد الله به ، فلما بلغت ms05 | ~~حاجتي دلني على ما ينفعني ، وحجزني عما يضرني . # فهذا معنى ما ذهبوا إليه رحمهم الله . | # | فصل # ثم أفضل العلوم بعد معرفة الله تعالى معرفة أحكامه وتكاليفه التي بعث | ~~بها الرسل ، وأوضح لها السبل ، وهي علم كتاب الله المنزل ، وسنة نبيه ~~المرسل ، | إذ هما مادة العلوم الشرعية ، وأصل المعالم الدينية . ثم علم ~~الفقه المستخرج من | ذينك الأصلين ، الكافل لمن قام به على الوجه المأمور ~~به فضلا بل فضلين ، وإلى | PageV01P059 | ذلك الإشارة بقوله [ & ] في حديث ~~عبد الله بن عمرو بن العاص : ' العلم ثلاثة | وما سوى ذلك فضل : آية محكمة ~~، وسنة قائمة ، وفريضة عادلة ' أخرجه أبو | داود وابن ماجه في ' سننهما ' . # وفي ' الصحيحين ' من حديث معاوية بن أبي سفيان قال : سمعت رسول | الله [ ~~& ] يقول : ' من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ' . # وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة قال : قال النبي [ & ] : ' الناس معادن | ~~خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ' . # وفي ' جامع الترمذي ' عن أبي هريرة قال : قال رسول الله [ & ] : | ' ~~خصلتان لا تجتمعان في منافق : حسن سمت ، وفقه في الدين ' . | PageV01P060 # وفي الحديث : # ' فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد . لكل شيء عماد وعماد | الدين ~~الفقه . ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين ' . # وعن عمر بن علي بن أبي طالب رفعه : ' نعم الرجل الفقيه إن احتيج | إليه ~~انتفع به ، وإن استغني عنه أغنى نفسه ' . # وقال علي الأزدي : سألت ابن عباس عن الجهاد ؟ فقال : ألا أدلك على | ما ~~هو خير لك من الجهاد ؟ تبني مسجدا فتعلم فيه القرآن والفقه في الدين أو | ~~قال : السنة . | وعن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى بن مريم عليهما السلام : ~~يا روح | الله هل بعدنا من أمة ؟ قال نعم أمة أحمد ، حكماء علماء ، أبرار ~~أتقياء ، كأنهم | PageV01P061 | من الفقه أنبياء ، يرضون من الله باليسير ~~من الرزق ، ويرضى الله منهم باليسير | من العمل . # وقال سفيان بن عيينة : / لم يعط أحد بعد النبوة شيئا أفضل من العلم ~~والفقه . # ولله در القائل : | # % كل العلوم سوى القرآن مشغلة % % إلا الحديث وإلا الفقه ms06 في الدين % # ولقد أحسن الآخر في قوله : | # % غاية العلم بعيد غورها % % إنما العلم بحور زاخره % # % فعليك الفقه منه تحتوي % % شرف الدنيا وفوز الآخره % # فالفقه عميم الفائدة عظيم الجدوى ، وإليه المرجع في الأحكام والفتوى ، | ~~فليطلب بفضل عناية مصحوبة بالتقوى ، فهو ثمرة تلك الأصول المباركة | ~~والطريقة المثلى . # واعلم أن استخراج مسائل الفقه وتحقيقها متوقف على إحكام علم | أصول الفقه ~~، وإتقان كل هذه العلوم متوقف على التبحر في معرفة علم اللسان | العربي ، ~~من وجوهه وطرقه ومجازه ومجاري استعماله ؛ ولهذا ضل كثير ممن | PageV01P062 ~~| جهله فزلوا في علوم الأصول والفروع أنواعا من الزلل ، وأخطؤوا فيها ضروبا ~~| من الخطأ والخطل . # قال أبو عبيد : سمعت الأصمعي يقول : سمعت الخليل بن أحمد يقول : | سمعت ~~أيوب السختياني يقول : عامة من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربية . # وقال الزهري : إنما أخطأ الناس في كثير من تأويل القرآن لجهلهم | بلغة ~~العرب . # قلت : # وسبب الخطأ حمل الألفاظ مطلقا على ظواهرها ، وانصراف الأذهان عن | مجاري ~~كلام العرب ، والغفلة عن كثرة تصرفاته وتفننه ومذاهبه التي لا يعقلها | إلا ~~العالمون به . وهو لغة صاحب الشريعة المنزل على لغته كلام مرسله ، المبلغ | ~~ما أنزل إليه من ربه المبين له [ & ] . # وكل علم من هذه العلوم بحر زاخر ، لا يحصل على درره إلا كل سابح | غواص ~~ماهر ، ولا سبيل إلى الإحاطة بجميعها لفاضل ، فليمتثل ما / أشار إليه ~~القائل : | # % ما حوى العلم جميعا أحد % % لا ولو مارسه ألف سنه % # % إنما العلم بعيد غوره % % فخذوا من كل شيء أحسنه % % قيل لبعض الحكماء ~~: من يعرف كل العلم ؟ فقال : كل الناس . | يعني كل العلم الذي آتاه الله ~~خلقه لا يعرفه إلا جميعهم ، ولا يعرف العلم | بأسره مطلقا إلا خالفهم عز ~~وجل . | PageV01P063 # والفقه كان شعار أكثر أصحاب رسول الله [ & ] الذين صحبوه | ولازموه ، ~~ورزقوا فهم ما تلقوه عنه وسمعوه ، كالخلفاء الأربعة وباقي العشرة | وابن ~~مسعود ومعاذ وأبي زيد بن ثابت وأبي موسى وأبي الدرداء وعائشة | وابن عمر ~~وابن عباس وابن عمرو وابن الزبير وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر بن | عبد الله ~~وغيرهم . # ونقل الفقه أيضا عن ms07 غيرهم في مواضع قليلة كأبي ذر وعمار وحذيفة | وسلمان ~~وعبادة بن الصامت وأبي مسعود وفضالة وواثلة وخالد ومعاوية | وعمرو بن العاص ~~وأم سلمة وأسماء بنت أبي بكر الصديق والحسن والحسين | رضي الله عنهم أجمعين ~~. # والأولون اشتهروا به وكثرت فتاويهم فيه ، وأكثرهم في ذلك تسعة : عمر | ~~وعلي وابن مسعود وأبي وزيد وأبو موسى وعائشة وابن عمر وابن عباس | رضي الله ~~عنهم . # والذين اشتهروا من هؤلاء بكثرة الأصحاب ثلاثة : عبد الله بن مسعود | وزيد ~~بن ثابت وعبد الله بن عباس . # واعتماد أهل المدينة في الفقه على رأي زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر . | ~~PageV01P064 # واعتماد أهل مكة على رأي ابن عباس . # واعتماد أهل الكوفة على رأي علي وعبد الله بن مسعود . # وأهل البصرة على رأي أبي موسى وعمران بن حصين وغيرهما . # وكان بالشام معاذ وأبو الدرداء وغيرهما . # ثم انتقل الفقه إلى التابعين فمن بعدهم : # فكان بالمدينة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد | وخارجة ~~بن زيد / وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله وأبو بكر بن عبد | الرحمن ~~، وهؤلاء هم فقهاء المدينة السبعة المشهورون بهذه العبارة . # وقد جمعوا في بيت قال ناظمه : | # % ألا كل من لا يقتدي بأئمة % % فقسمته ضيزى عن الحق وخارجه % # % فخذهم عبيد الله عروة قاسم % % سعيد أبو بكر سليمان خارجة % # ومن جملة فقهاء المدينة أيضا من التابعين : # سالم بن عبد الله وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وقبيصة بن | ~~ذؤيب وغيرهم من كبار تابعي المدينة . # ولحقهم من تابعيها أيضا عمر بن عبد العزيز وعلي بن الحسين ويحى بن | سعيد ~~وأبو الزناد والزهري وربيعة وغيرهم . | PageV01P065 # ثم انتقل إلى أتباع التابعين كابن أبي ذئب والماجشون والإمام مالك بن | ~~أنس وأصحابه . # وكان بمكة عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة وسعيد | ابن ~~جبير وابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وغيرهم . # ثم انتقل إلى ابن أبي نجيح وابن جريح وسفيان بن عيينة ومسلم بن خالد | ~~وسعيد بن سالم وغيرهم . # ثم انتقل إلى الإمام أبي عبد الله ms08 الشافعي وأصحابه . # وكان بالكوفة أصحاب ابن مسعود الأكابر : علقمة وعبيدة ومسروق | والأسود ~~وعبد الرحمن ابنا يزيد وعمرو بن شرحبيل وشريح القاضي وغيرهم . # وبعدهم عامر الشعبي وإبراهيم النخعي . # وبعدهم الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان ومنصور بن المعتمر وغيرهم . # وبعدهم ابن شبرمة وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريك والإمامان | أبو ~~حنيفة وسفيان الثوري وأصحابهما . # وكان بالبصرة الحسن وابن سيرين ومطرف بن عبد الله وجابر بن | زيد وأبو ~~قلابة . # ثم قتادة وأيوب ويونس وسليمان التيمي وابن عون وعثمان البتي . # ثم الحمادان ابن زيد وابن سلمة ويحيى بن سعيد وابن مهدي . # وكان بالشام أبو إدريس الخولاني / وشهر بن حوشب وابن أبي زكريا | ورجاء ~~بن حيوة وعبادة بن نسي ومكحول وغيرهم . | PageV01P066 # ثم الإمام الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وسليمان بن موسى وغيرهم . # وباليمن طاووس ووهب بن منبه وغيرهما . # وبمصر يزيد بن أبي حبيب وعمرو بن الحارث والليث بن سعد وغيرهم . # ثم أصحاب مالك والشافعي وأصحابه رحمهم الله . # وبخراسان الضحاك بن مزاحم وإبراهيم الصائغ وعبد الله بن المبارك | وإسحاق ~~بن راهوية . # وببغداد أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل ، ثم أبو | ثور ~~وأبو عبيد القاسم بن سلام ، ثم داود ومحمد بن جرير وغيرهم . | # | فصل # ثم إن هؤلاء المذكورين من كل طبقة وإن كانوا مشهورين بالفقه | والإمامة ~~فبعضهم أشهر من بعض وأغلب في ذلك من بعض . # قال القاسم بن محمد : كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على | عهد رسول ~~الله [ & ] . | PageV01P067 # وقال مسروق : شاممت أصحاب محمد [ & ] - أي قاربتهم - فوجدت العلم | انتهى ~~إلى ستة . وفي رواية : انتهى علم أصحاب محمد [ & ] إلى ستة . وفي أخرى : | ~~كان أصحاب الفتوى . وفي أخرى : كان أصحاب القضاء من أصحاب | رسول الله [ & ~~] ستة : عمر وعلي وابن مسعود وأبي وزيد وأبو موسى . # وقال الزهري : الفقهاء أربعة - يعني من التابعين - سعيد بن المسيب | ~~بالمدينة ، والشعبي بالكوفة ، والحسن بالبصرة ، ومكحول بالشام . # وقال عبد الرحمن بن مهدي : العلماء عندنا أربعة - يعني من تابعي | ~~التابعين - سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وحماد بن زيد . # وقال سفيان بن ms09 عيينة : لم يدرك مثل ابن عباس في زمانه ، ولا مثل الشعبي | ~~في زمانه ، ولا مثل الثوري في زمانه . # وفي رواية : أئمة الناس ثلاثة بعد أصحاب النبي [ & ] - / يعني أكابر | ~~الصحابة - فذكرهم : ابن عباس والشعبي والثوري . | PageV01P068 # يعني أنهم أئمة الناس في هذه الأعصار الثلاثة كل واحد في عصره وهم | خير ~~القرون ، عصر الصحابة - بعد الأكابر منهم - وعصر التابعين وأتباعهم . # وقال الزهري : قدمت على عبد الملك بن مروان فقال : من أين قدمت يا | زهري ~~؟ قلت : من مكة . قال : فمن خلفت بها يسود أهلها ؟ قلت : عطاء بن | أبي ~~رباح . قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قلت : من الموالي . قال : وبم ~~سادهم ؟ | قلت : بالديانة والرواية . قال : إن أهل الديانة والرواية لينبغي ~~أن يسودوا . فمن | يسود أهل اليمن ؟ قلت : طاووس بن كيسان . قال : فمن ~~العرب أم من الموالي ؟ | قلت : من الموالي . قال : وبم سادهم ؟ قلت : بما ~~سادهم به عطاء . قال : إنه | لينبغي . فمن يسود أهل مصر ؟ قلت : يزيد بن ~~أبي حبيب . قال : فمن العرب أم | من الموالي ؟ قلت : من الموالي . قال : ~~فمن يسود أهل الشام ؟ قلت : مكحول . | قال : من العرب أم من الموالي ؟ قلت ~~: من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من | هذيل . قال : فمن يسود أهل ~~الجزيرة ؟ قلت : ميمون بن مهران . قال : فمن | العرب أم من الموالي ؟ قلت : ~~من الموالي . قال : فمن يسود أهل خراسان ؟ قلت : | الضحاك بن مزاحم . قال : ~~فمن العرب أم من الموالي ؟ قلت : من الموالي . قال : | فمن يسود أهل البصرة ~~؟ قلت : الحسن بن أبي الحسن . قال : فمن العرب أم من | الموالي ؟ قلت : من ~~الموالي . قال : فمن يسود أهل الكوفة ؟ قلت : إبراهيم | النخعي . قال : فمن ~~العرب أم من الموالي ؟ قلت : من العرب . قال : ويلك يا | PageV01P069 | ~~زهري فرجت عني ، والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على | ~~المنابر والعرب تحتها . قلت : يا أمير المؤمنين إنما هو أمر الله ودينه ؛ ~~من حفظه | ساد ، ومن / ضيعه سقط . # قلت : # فهكذا كان العلماء هم الأعيان يسأل عنهم ويبجلون في كل مكان | لجمعهم بين ~~العلم والعمل ، وإعراضهم عن المراء ms10 والجدل . # ثم إن الله تعالى شهر بالفقه أربعة أئمة اشتهرت مذاهبهم ، واقتدى الناس | ~~بهم في كل الأمصار في جميع الأعصار وهم : أبو حنيفة النعمان بن ثابت ، | ~~وآباء عبد الله مالك بن أنس الأصبحي ، ومحمد بن إدريس الشافعي ، وأحمد بن | ~~محمد بن حنبل الشيباني . # فهم أئمة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين ، فضائلهم ومناقبهم كثيرة ، | ~~وفوائدهم وفرائدهم غزيرة ، وقد صنف في مناقبهم كتب مجردة ، | مطولة ومقتصدة ~~. | PageV01P070 | # | فصل # وقد كان من مضى من الأئمة المجتهدين ، بجميع علوم الإجتهاد قائمين ، | ~~وبنشرها في الآفاق معتنين ، وهم في ذلك متفاضلون . # فمنهم المحكم لعلم الكتاب ، ومنهم القائم بأمر السنة ، ومنهم المتبحر في ~~| العربية ، ومنهم المتقن لجودة استنباط الأحكام ، وقل من اجتمع فيه القيام ~~بجميع | ذلك ، فكان من أجمعهم وأقومهم به إمامنا أبو عبد الله القرشي ~~المطلبي الشافعي | رضي الله عنه ، جمع الله تعالى له النسب الطاهر ، والعلم ~~الباهر ، وكثرة المآثر ، | وجل المفاخر ؛ فكان فيه من المناقب والفضائل ، ~~ما فرقه في كثير من الأئمة | الأفاضل ، وشهد له بذلك من أهل كل فن سادة ~~أماثل . # قال المزني : سمعت الشافعي يقول : حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين ، | ~~وحفظت الموطأ ' وأنا ابن عشر سنين . # قال يونس بن عبد الأعلى : كان الشافعي إذا أخذ في التفسير كأنه | شهد ~~التنزيل . | PageV01P071 # قال أحمد بن محمد بن بنت الشافعي : سمعت أبي وعمي يقولان : كان | سفيان ~~بن عيينة / إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا يسأل عنها التفت إلى | الشافعي ~~فيقول : سلوا هذا . # وقال له شيخه مسلم بن خالد - وهو مفتي مكة - : يا أبا عبد الله افت | فقد ~~والله آن لك أن تفتي وهو ابن خمس عشرة سنة . وقيل : ست عشرة . | وقيل : ~~ثماني عشرة . وفي أخرى : وهو ابن دون عشرين سنة . # وقال الربيع : كان الشافعي يفتي وهو ابن خمس عشرة سنة ، وكان يحيي | ~~الليل إلى أن مات . # قال أبو نعيم الحافظ : سمعت سليمان بن أحمد يقول : سمعت أحمد بن | محمد ~~الشافعي يقول : كانت الحلقة في الفتيا بمكة في المسجد الحرام لابن عباس ، | ~~وبعده لعطاء بن أبي رباح ms11 ، وبعده لعبد الملك بن جريج ، وبعده لمسلم بن خالد ~~، | وبعده لسعيد بن سالم ، وبعده لمحمد بن إدريس الشافعي وهو شاب . # قال ابن مهدي : سمعت مالكا يقول : ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى | - ~~يعني الشافعي - . | PageV01P072 # قال أبو عبيد القاسم بن سلام : ما رأيت قط أعقل ولا أورع ولا | أفصح من ~~الشافعي . # قال هلال بن العلاء الرقي : أصحاب الحديث عيال على الشافعي ، فتح | لهم ~~الأقفال . # قال إسحاق بن راهويه : لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال : تعال حتى | أريك ~~رجلا لم تر عيناك مثله ، فأراني الشافعي . قال : فتناظرنا في الحديث فلم | ~~أر أعلم منه . ثم تناظرنا في الفقه فلم أر أفقه منه . ثم تناظرنا في القرآن ~~فلم أر | أقرأ منه . ثم تناظرنا في اللغة فوجدته بيت اللغة . وما رأت عيناي ~~مثله قط . | قال : فلما فارقناه أخبرني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان ~~أعلم الناس في | زمانه بمعاني القرآن وأنه قد كان أوتي فهما في القرآن . # قال أحمد بن حنبل : كان الفقهاء أطباء والمحدثون صيادلة ، فجاء الشافعي | ~~/ طبيبا صيدلانيا ، ما مقلت العيون مثله . | PageV01P073 # وقال : إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن ، | وينفي ~~عن رسول الله [ & ] الكذب ، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد | العزيز ~~، وفي رأس المائتين الشافعي . # وقال : إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرا قلت فيها بقول | الشافعي ؛ ~~لأنه إمام عالم من قريش وروي عن النبي [ & ] أنه قال : ' عالم قريش | يملأ ~~الأرض علما ' . # وقال : كلام الشافعي في اللغة حجة . # وقال أبو عبيد : وابن هشام صاحب ' المغازي ' : الشافعي ممن يؤخذ | عنه في ~~اللغة أو من أهل اللغة . | PageV01P074 # قال أبو بكر بن الأنباري : حدثني أبي ، عن أبي عثمان المازني قال : | ~~الشافعي عندنا حجة في النحو . # قال أبو العباس المبرد : رحم الله الشافعي كان من أشعر الناس ، وآدب | ~~الناس ، وأعرفهم بالقراءات . # كذا وقع وأظنه تصحيفا إنما هو : ' وأعرفهم بالقرآن ' أي بمعانيه | ~~وأحكامه ، أي رزق فهما فائقا فيه على ما سبق من كلام إسحاق بن راهويه | ~~ويونس ms12 بن عبد الأعلى وغيرهما . # قال أبو ثور إبراهيم بن خالد : كان الشافعي من معادن الفقه ، وجهابذة | ~~الألفاظ ، ونقاد المعاني . # قال الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني : كان أصحاب الحديث رقودا | حتى ~~جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا . # قال الحسين الكرابيسي : ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه الناس الكتاب | ~~والسنة والاتفاق ، ما كنا ندري ما الكتاب والسنة نحن ولا الأولون حتى | ~~سمعنا من الشافعي الكتاب والسنة والإجماع . | PageV01P075 # يعني أنه أول من وضع علم أصول الفقه ، وأتى بهذه العبارات | الحسنة رحمه ~~الله . # قال أبو زرعة الرازي : ما عند الشافعي حديث غلط فيه . # وقال أبو داود السجستاني : / ما من العلماء أحد إلا وقد أخطأ في | حديثه ~~غير ابن علية وبشر بن المفضل ، وما أعلم للشافعي حديثا خطأ . # وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : إن كان أحد من العلماء حجة في | ~~شيء فالشافعي حجة في كل شيء . # وقال أبو بكر بن دريد من قصيدة له في مدح الشافعي رحمه الله : | # % وهذب حتى لم تشر بقضيلة % % إذا التمست إلا إليه الأصابع % # % فمن يك علم الشافعي أمامه % % فمرتعه في ساحة العلم واسع % % ~~PageV01P076 # قال سويد بن سعيد : كنا عند سفيان بن عيينة بمكة ، فجاء الشافعي | فسلم ~~وجلس ، فروى ابن عيينة حديثا رقيقا فغشي على الشافعي . فقيل : يا أبا | ~~محمد مات محمد بن إدريس . فقال ابن عيينة : إن كان مات محمد بن إدريس | فقد ~~مات أفضل أهل زمانه . # فهذا طرف من ثناء العلماء عليه في فضله وفقهه وعلمه بالكتاب والسنة | ~~والعربية واستخراج علم أصول الفقه ، وانضم إلى ذلك اجتهاده في طاعة ربه | ~~من الورع والعبادة ، والنصح والخشية والزهادة . # قال أبو عبيد : ما رأيت قط رجلا أورع من الشافعي . # قال حرملة بن يحيى : قال الشافعي : ما كذبت قط ، وما حلفت | قط بالله ~~آثما . # قال الربيع : كان الشافعي لا يصلي مع الناس في قيام رمضان ويصلي في بيته ~~، | ويختم ستين ختمة ليس منها شيء إلا في صلاة ، ختمة بالنهار وختمة بالليل ~~. # قال هارون بن سعيد الأيلي : ما رأيت مثل ms13 الشافعي ، وما رأيت | أحسن صلاة ~~منه . | PageV01P077 # قال الربيع : كان الشافعي قد جزء الليل ثلاثة أثلاث : الثلث الأول | يكتب ~~، والثلث الثاني يصلي ، والثلث الثالث ينام . # وقال : سمعت الشافعي يقول : ما شبعت منذ عشرين سنة . وفي رواية : | منذ ~~ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي . # وقال : ما تركت غسل / الجمعة في شتاء ولا صيف قط . # قال الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي : | ' للشافعي رحمة الله عليه ثلاث ~~كلمات ما تكلم بها أحد في الإسلام | قبله ، ولا يفوه بها أحد بعده إلا ~~والمأخذ فيها كان عنه . # إحداها : أني سمعت ابن خزيمة يقول : سمعت المزني يقول : سمعت | الشافعي ~~يقول : إذا صح لكم الحديث عن النبي [ & ] فخذوا به ودعوا قولي . # الثانية : أخبرني محمد بن المنذر بن سعيد ، عن الحسن بن محمد بن الصباح | ~~الزعفراني ، قال : سمعت الشافعي يقول : ما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطىء | ~~زاد في رواية أخرى : إلا صاحب بدعة فأني أحب أن ينكشف أمره للناس . # قال : والثالثة : سمعت موسى بن محمد الديلمي بأنطاكية يقول : سمعت | ~~الربيع بن سليمان يقول : سمعت الشافعي يقول : وددت أن الناس تعلموا هذه | ~~الكتب ولم ينسبوها إلي ' . | PageV01P078 # وفي رواية : وددت أن كل علم أعلمه تعلمه الناس أؤجر عليه ولا | يحمدوني ، ~~وما ناظرت أحدا قط إلا على النصيحة . # قلت : # وقد كان رحمه الله مع ما منحه الله من الطاعة والتبحر في علوم الاجتهاد ~~قد | جمع فيه فضائل شتى ، كجودة الرمي ، والسخاء الذي أربى فيه على نظرائه ~~وزاد . # قال عمرو بن سواد : كان الشافعي أسخى الناس على الدينار | والدرهم ~~والطعام . # وقال : قال الشافعي : كان نهمتي في شيئين في الرمي وطلب العلم ، | فنلت ~~من الرمي حتى أصبت من عشرة عشرة ، والعلم فما ترى . # وفي رواية : وسكت عن العلم . فقلت له : أنت والله في العلم أكثر | منك في ~~الرمي . | PageV01P079 # وكان الشافعي رحمه الله شديد الإنصاف للفضلاء ، كثير الثناء على العلماء ~~. # فمما روي عنه من ثنائه على الأئمة الثلاثة المشتهرة مذاهبهم مع مذهبه | ~~رضي الله عنهم أن قال : من أراد أن يتبحر ms14 في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة ~~، | / كان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه . # وقال : من أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك ، ومن أراد الجدل | فعليه بأبي ~~حنيفة . # وقال : إذا جاء الأثر فمالك النجم ، إذا جاءك الحديث عن مالك فشد | به ~~يديك ، ما على الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك . # وفي رواية : ما أعلم شيئا بعد كتاب الله تعالى أصح من ' موطأ مالك ' ، | ~~لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز . | PageV01P080 # وقال : خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدا أتقى ولا أورع ولا أفقه | ولا ~~أعلم من أحمد بن حنبل . # فهذا القدر كاف فيما يتعلق بأخباره وآثاره من اضطلاعه بالعلم | واطلاعه ، ~~فالحمد لله على ما وفق من اتباعه ، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد | وآله ~~وأتباعه ، وأصحابه وأشياعه . # ولد الشافعي رحمه الله سنة خمسين ومائة ، ومات بمصر سنة أربع | ومائتين ، ~~وله أربع وخمسون سنة . وقد جمعت في ' تاريخنا الشامي ' ما تفرق | من أخباره ~~في كتب المصنفين في ترجمته في حرف الميم . # وولد أبو حنيفة رحمه الله سنة ثمانين ، ومات سنة خمسين ومائة ببغداد ، | ~~وله سبعون سنة . # وولد مالك بن أنس رحمه الله سنة أربع وتسعين ، وتوفي بالمدينة سنة | تسع ~~وسبعين ومائة ، وله خمس وثمانون سنة . # وولد أحمد بن حنبل رحمه الله سنة أربع وستين ومائة ، وتوفي ببغداد سنة | ~~إحدى وأربعين ومائتين ، وله سبع وسبعون سنة . | PageV01P081 # فانظر كيف اتفق أن مالكا ولد بعد أبي حنيفة بأربع عشرة سنة وزاد | عمره ~~على عمره . وولد أحمد بعد الشافعي بأربع عشرة سنة وزاد عمره على | عمره . ~~ومالك أطولهم عمرا ، والشافعي أقصرهم عمرا ، رضي الله عنهم | أجمعين . | # | فصل # ثم انتقل الفقه بعد الشافعي إلى أصحابه ، وأجلهم من أهل مكة أبو بكر | ~~عبد الله بن الزبير الحميدي ، ومن أهل بغداد أبو عبد الله أحمد بن حنبل ، ~~وأبو | ثور إبراهيم بن خالد ، وأبوا علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ~~، | والحسين بن علي الكرابيسي ، ومن أهل / مصر أبو يعقوب يوسف بن يحيى | ~~البويطي ، وأبو حفص حرملة بن يحيى ms15 التجيبي ، وأبو موسى يونس بن عبد | ~~الأعلى الصدفي ، وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني ، والربيعان ابنا ~~سليمان | المرادي ، والجيزي ، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ~~. # وكتب عنه علي بن المديني كتاب ' الرسالة ' وحملها إلى عبد الرحمن بن | ~~مهدي ويحيى بن سعيد القطان بالبصرة فأعجبا بها وكانا من كبار أئمة الآثار ، ~~| فكانا يدعوان الله للشافعي . | PageV01P082 # وقيل : إن الذي حملها إليهما صاحبه الحارث بن سريج النقال . # قال الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله : | ' وقد عد أبو الحسن الدارقطني ~~من روى عن الشافعي رحمه الله أحاديثه | وأخباره وكلامه زيادة على مائة مع ~~قصور سنه عن سن أمثاله من الأئمة ، | وإنما تكثر الرواية عن العالم إذا ~~جاوز سنه الستين أو السبعين ، والشافعي لم | يبلغ في السن أكثر من أربع ~~وخمسين ' . # ثم قام بعد هؤلاء بالفقه على مذهب الشافعي جماعة مثل أبي القاسم | ~~الأنماطي ، وزكريا بن يحيى الساجي ، وأبي نعيم الأستراباذي ، وإمام الأئمة ~~أبي | بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ، وهم ممن أخذ عن أصحاب الشافعي ، | ~~وكذلك الإمامان محمد بن نصر المروزي ، وأبو بكر محمد بن المنذر . # وأخذ عن أبي القاسم الأنماطي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج ، وعنه | ~~انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق ، وأخذ عنه فقهاء الإسلام مثل أبي الطيب ~~| ابن سلمة ، وأبي علي بن خيران ، وأبي عبيد بن حربويه ، وأبي حفص بن | ~~الوكيل ، وأبي سعيد الإصطخري ، وأبي بكر الصيرفي ، وأبي العباس بن القاص ، ~~| PageV01P083 | وأبي بكر محمد بن علي القفال الشاشي ، وأبي إسحاق المروزي ~~، وأبي علي بن أبي | هريرة ، وأبي الحسين بن القطان ، ومن هذه الطبقة أبو ~~بكر بن زياد ، وابن الحداد . # ثم حصل الفقه في طبقة أخرى مثل أبي حامد المروروذي ، وأبي زيد | المروزي ~~، وأبي علي الطبري ، وأبي سهل الصعلوكي ، وأبي بكر الإسماعيلي ، | وأبي ~~الحسن الماسرجسي ، وأبي القاسم الداركي ، وغيرهم . # / ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى مثل أبي الحسين بن اللبان الفرضي ، | ~~وأبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي ، والقاضي أبي الحسن علي بن عبد | العزيز ~~الجرجاني ، وأبي ms16 حامد الإسفراييني ، وأبي بكر البرقاني ، والقاضي أبي | ~~الطيب الطبري ، والقفال المروزي . # ثم بعد هؤلاء أبو الحسن المحاملي ، والماوردي ، وأبو الفتح سليم بن | ~~أيوب الرازي ، وأصحاب القفال : أبو علي السنجي ، وأبو بكر الصيدلاني ، | ~~والقاضي حسين ، وأبو محمد الجويني . # ثم بعد هؤلاء أبو إسحاق الشيرازي ، والشيخ نصر المقدسي ، وإمام | الحرمين ~~أبو المعالي ، والحسين بن مسعود البغوي ، وأبو نصر بن الصباغ ، وغيرهم . # ثم بعدهم الإمام أبو حامد الغزالي ، وأبو بكر الشاشي ، ومن في طبقتهما | ~~بالعراق وخراسان . # وعندنا بالشام أبو الحسن علي بن المسلم السلمي جمال الإسلام ، وأبو | ~~الفتح نصر الله بن محمد المصيصي ، وبعدهما أبو المعالي مسعود بن محمد | ~~النيسابوري ، وأبو سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون . | PageV01P084 # ثم الشيوخ الذين أدركناهم ممن جمع بين العلم والعمل كالقاضي أبي | القاسم ~~الأنصاري ، وشيخنا أبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن ، ومن | تبعه ~~وجرى على ذلك السنن ، أذهب الله عنا وعنهم في الدنيا والآخرة الحزن ، | ~~وأصلح أعمالنا في السر والعلن ، ودفع عنا بفضله المحن ، ووفقنا للمداومة ~~على | الاشتغال بالعلم ورزقنا العمل به . # قيل لعبد الله بن المبارك : إلى متى تطلب العلم ؟ قال : أرجو أن تروني ~~فيه | حتى أموت . وقال : لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم أسمعها بعد . # وقال غيره : أليس يقال : يستغفر له - يعني لطالب العلم - كل شيء حتى | ~~الحيتان في الماء ، أفلهذا مترك ؟ | # | فصل | في صفة أهل العلم # قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ليس العلم بكثرة الحديث ولكن | ~~العلم الخشية . | PageV01P085 # / وقال مالك بن أنس رحمه الله : ليس العلم بكثرة الرواية ، ولكنه نور | ~~يجعله الله في قلب من يشاء من خلقه . # وفي رواية : العلم الحكمة ، ونور يهدي به الله من يشاء ، وليس | بكثرة ~~المسائل . # وقال الأوزاعي رحمه الله : كان هذا العلم كريما يتلاقاه الرجال بينهم ، | ~~فلما كتب ذهب نوره ، وصار إلى غير أهله . # وفي رواية : كان هذا العلم سنيا شريفا إذ كان الناس يتلاقونه بينهم ، ~~فلما | كتب ذهب نوره ، وصار إلى غير أهله . | PageV01P086 # وقال : إذا أراد الله بقوم شرا فتح ms17 عليهم الجدل ، ومنعهم العمل . # وقال مسلم بن يسار : إياكم والمراء فإنها ساعة جهل العالم ، وعندها | ~~يبتغي الشيطان زلته . # وقال مالك بن أنس : ليس هذا الجدال من الدين بشيء . # وقال أيضا : المراء في العلم يقسي القلوب ، ويورث الضغائن . # وقال وهب بن منبه : دع المراء والجدال ، كيف تماري وتجادل من هو | أعلم ~~منك أو من أنت أعلم منه ولا يطيعك ! فاطو ذلك عنه . # قالوا : وكان أبو سلمة يماري ابن عباس فحرم منه علما كثيرا . | ~~PageV01P087 # وكان هارون الرشيد مع محبته للفقه والفقهاء ، وميله إلى العلم والعلماء ، ~~| يكره الجدال في الدين والمراء ، ويقول : إنه لخليق أن لا يفتح خيرا . # وفي ' جامع الترمذي ' عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله | [ ~~& ] : ' ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ، ثم تلا رسول الله ~~[ & ] : | ^ ( ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) ^ . قال : هذا حديث ~~| حسن صحيح . # جعلنا الله ربنا من القائمين بحقوق العلم العاملين به ، المرتفعين في ~~الدنيا | والآخرة بسببه ، وأوضح لنا به المحجة ، ولا جعله علينا حجة ، بل ~~كما كان | الفقهاء من السلف الصالح أهل نسك وعبادة ، وورع وزهادة ، أرادوا ~~الله | بعلمهم ، وصانوا العلم / فصانهم ، وتدرعوا من الأعمال الصالحة ما ~~زانهم ، ولم | يشنهم الحرص على الدنيا وخدمة أهلها ، بل أقبلوا على طاعة ~~الله تعالى التي | خلقوا من أجلها ، فأولئك الذين عناهم الإمام الشافعي ~~رحمة الله بقوله : ما | أحد أورع لخالقه من الفقهاء . وفي رواية : إن لم ~~يكن الفقهاء أولياء الله في | الآخرة فما لله ولي . | PageV01P088 # قال ابن مسعود : لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا | ~~أهل زمانهم ، ولكنهم وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا عليهم ~~. # وروى ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : لو أن العلماء أخذوا العلم | ~~بحقه لأحبهم الله عز وجل والملائكة والصالحون من عباده ، ولهابهم الناس | ~~لفضل العلم وشرفه . # وقال وهب بن منبه : إن الفقهاء فيما خلا حملوا العلم فأحسنوا حمله | ~~فاحتاجت إليهم الملوك وأهل الدنيا ، ورغبوا في علمهم ، فلما كان ms18 بأخرة فشت ~~| علماء فحملوا العلم فلم يحسنوا حمله ، فطرحوا علمهم على الملوك وأهل | ~~الدنيا فاهتضموهم واحتقروهم . # وقال أيضا : كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم ، فكانوا ~~| لا يلتفتون إلى دنياهم ، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم ، فأصبح ~~أهل | العلم منا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم ، وأصبح ~~أهل الدنيا | قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم . | ~~PageV01P089 # اللهم فجنبنا طريقة أقوام لم يقوموا بحق العلم وأرادوا به الدنيا ، ~~وأعرضوا | عما لهم في الآخرة من الدرجة العليا ، فلم يهنؤوا بحلاوته ، ولم ~~يمتعوا بنضارته ، | بل خلقت عندهم ديباجته ، ورثت حالته ، وعرف مقداره ~~جماعة من السادة | فعظموه وبجلوه ووقروه واستغنوا به ، ورأوه بعد المعرفة ~~أفضل ما أعطي البشر ، | واحتقروا في جنبته كل مفتخر ، / وتلوا : ^ ( فما ~~آتاني الله خير مما آتاكم ) ^ ، | وكيف لا يكون الأمر كذلك والعلم حياة ~~والجهل موت ، فبينهما كما بين | الحياة والموت . # ولقد أحسن القائل : | # % وفي الجهل قبل الموت موت لأهله % % فأجسامهم قبل القبور قبور % # % وإن امرءا لم يحي بالعلم ميت % % وليس له حتى النشور نشور % # وعن إسماعيل بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عمرو قال : من قرأ القرآن | ~~فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه . ومن قرأ القرآن ~~فرأى | أن أحدا من الخلق أعطي أفضل مما أعطي فقد حقر ما عظم الله وعظم ما | ~~حقر الله . ليس ينبغي لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل ، ولا يجد فيمن يجد ، ~~| ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن . | PageV01P090 # وللقاضي أبي سعيد الخليل بن أحمد السجزي الحنفي : | # % رضيت من الدنيا بقوت يقيمني % % ولا أبتغي من بعده أبدا فضلا % # % ولست أروم القوت إلا لأنه % % يعين على علم أرد به الجهلا % # % فما هذه الدنيا بطيب نعيمها % % لأصغر ما في العلم من نكتة عدلا % # فهذا رحمه الله عرف مقدار العلم ؛ فلا جرم زهد في الدنيا ، وقنع منها | ~~بالقوت ، وحصل على رياض العلم ومتنزهاته ، ومحاسن أوجهه وطيب أوقاته . # وما أجود أبيات القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني ms19 من | ~~أصحابنا في صيانة العلم وترك التبذل به ، وهي قصيدة نفيسة منها : | # % ولو أن أهل العلم صانوه صانهم % % ولو عظموه في النفوس لعظما % # % ولكن أذالوه فهان ودنسوا % % محياه بالأطماع حتى تجهما % # % ولم أقض حق العلم إن كان كلما % % بدا طمع صيرته لي سلما % # % وأقبض خطوي عن فضول كثيرة % % إذا لم أنلها وافر العرض مكرما % # % / يقولون هذا منهل قلت قد أرى % % ولكن نفس الحر تحتمل الظما % # % وماذا عسى الدنيا وإن جل خطبها % % ينال بها من صير الصبر مطعما % % ~~PageV01P091 # وينبغي لمن نظمه الله سبحانه في سلك العلماء أن يعرف قدر نعمته عليه ، | ~~فقد قربه من درجة النبوة بما أسداه إليه ، فلا يحزن لما يفوته من أمر ~~الدنيا ، فما | آتاه الله خير مما أوتي أهلها ، ولا يتبرم بما ينزل به من ~~مصائبها فإن ذلك من | علامات قبوله ولحوقه بسلفه ، فقد جاء في الحديث : ' ~~أشد الناس بلاء الأنبياء ، | ثم العلماء ، ثم الصالحون ' . # وفي رواية : ' النبيون ، ثم الأمثل ، فالأمثل ' . # وقال وهب بن منبه : لا يكون الفقيه فقيها حتى يعد البلاء نعمة ، | ~~والرخاء مصيبة ، وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء ، وصاحب الرخاء | ينتظر ~~البلاء . | PageV01P092 | # | فصل # صح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله [ & ] | يقول ~~: ' إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلماء | ~~فيقبض العلم ، حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤرسا جهالا فأفتوا بغير | ~~علم فضلوا وأضلوا ' . # ما أعظم حظ من بذل نفسه وجهدها في تحصيل العلم حفظا على الناس | ما بقي ~~بأيديهم منه ، فإن هذه الأزمنة قد غلب على أهلها الكسل والملل وحب | الدنيا ~~، فالمشتغل منهم عليها يحوم ، ولها يقعد ويقوم ، فإذا حصلت فترت همته | ~~واشتغل بها ، وطلب الزيادة منها . # ومنهم من تفتر همته لعدم حصولها [ له ] ولا سيما إذا حصلت لغيره | ممن ~~يراه دون درجته ، هذا / مع أن اشتغال المشتغل منهم ضعيف ، قد قنع | الحريص ~~منهم من علوم القرآن بحفظ سواده ، ونقل بعض قراءاته ، وأغفل علم | تفسيره ~~ومعانيه ، واستنباط أحكام الشريعة من مبانيه . # واقتصر ms20 من علم الحديث على سماع بعض الكتب على شيوخ أكثرهم | أجهل منه ~~بعلم الرواية ، فضلا عن الدراية ، وأغفل إتقان معرفة الأسانيد ، والمتون | ~~من التقييد اللفظي ، والبحث الصحيح المعنوي . | PageV01P093 # واجتزأ من علم الفقه بحفظ مختصر ، ولولا الجاري عليه بسببه لما صبر . | ~~ومنهم من صعب عليه أيضا حفظ المختصر [ ورفع نفسه عنه ] ، فنظر في | بعض نكت ~~الخلافيين المتأخرين ، العارية عن مآخذ الأئمة وفقه المتقدمين ، وعد | نفسه ~~- لغرابة ما أتى به - من رؤوس العلماء ، وهو عند الله تعالى وعند علماء | ~~الشريعة من أجهل الجهلاء ، قد حرم أنفاس أهل الدين والعلم الفاخر ، ورضي | ~~مما هم عليه بإطلاق اسم المستدل المناظر . # واكتفى من علم العربية بالنظر في مقدمة يزعم أنه يصلح بها لسانه ، | ~~ويقوي بها عند الجدال جنانه ، وصدف عن الكتب النفيسة الكافلة بنفائس | هذا ~~الشأن ، وعن الاشتغال بعلمي اللغة والبيان ، اللذين بهما يفهم الحديث ~~والقرآن . # وأما علم أصول الفقه فقد هجر هجرا فلا تكاد تسمع له ذكرا ، إلا | بأبحاث ~~خارجة عنه ، وإن كانت قد سطرت فيه حتى حسبت أنها منه . # فليتدبر ما قلناه طالب العلم ، وليتهم نفسه بالتحصيل ، فكل علم من هذه | ~~العلوم بحر زاخر ، ولا يحصل على درره إلا كل سابح غواص ماهر ، قد مرت | ~~عليه أزمنة في ملازمة الطلب ، وطول / النصب والتعب ، من التكرار والبحث | ~~والشرح والمراجعات ، ومذاكرة العلماء وكثرة المطالعات ، مع الأهلية التامة ~~من | صحة الذهن وحدته ، وطول الفكر منه وحسن نيته ، فيراجع ما أشكل عليه | ~~ويحققه ، وإذا عد تنبيه من نبهه على خطئه فائدة منه وشكره عليها فالله ~~يوفقه . | PageV01P094 # وليعتمد من مذاكرة الشيوخ ومطالعة الكتب كل معتمد عليه ، ولا | يتجاوز ~~تحقيق ما أشكل لديه ، فهذه صفة المشتغل المحقق ، وهو الذي ينتفع | وينفع ~~الله به كل موفق . | قال مسلم بن الحجاج في ' صحيحه ' : حدثنا يحيى بن يحيى ~~التميمي ، | أنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير ، قال : سمعت أبي يقول : لا ~~يستطاع العلم | براحة الجسم . # قلت : # ومن آدابه : اجتناب المراء والافتراء ، واللغط الهراء ، وحرصه أبدا على | ~~إظهار الحق ، وطلبه من حيث ms21 كان ، كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله : ما | ~~ناظرت أحدا إلا على النصيحة ، وما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ . # وروينا عنه أيضا أنه قال : من تعلم علما فليدقق فيه لئلا يضيع | دقيق ~~العلم . | PageV01P095 | # | فصل # والعلم بالأحكام واستنباطها كان أولا حاصلا للصحابة فمن بعدهم من | علمهم ~~بالقرآن والسنة ، ومعرفتهم بلسان العرب ، فكانوا إذا نزلت بهم النازلة | ~~بحثوا عن حكم الله تعالى فيها من كتاب الله وسنة نبيه [ & ] ، وكانوا ~~يتدافعون | الفتوى ويود كل منهم لو كفاه إياها غيره . # وكان جماعة منهم يكرهون الكلام في مسألة لم تقع ، ويقولون للسائل / | ~~عنها : أكان ذلك ؟ فإن قال : لا ، قالوا دعه حتى يقع ، ثم نجتهد فيه . # كل ذلك يفعلونه خوفا من الهجوم على ما لا علم لهم به ، واشتغالا بما | هو ~~الأهم من العبادة والجهاد ، وإذا وقعت الواقعة لم يكن بد من النظر فيها . # قال الحافظ البيهقي : وقد كره بعض السلف للعوام المسألة عما لم يكن | ولم ~~يمض به كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر ، ليعملوا عليه إذا وقع ، وكرهوا | ~~للمسؤول الاجتهاد فيه قبل أن يقع ؛ لأن الاجتهاد إنما أبيح للضرورة ولا ~~ضرورة | قبل الواقعة ، وقد يتغير اجتهاده عند الواقعة فلا يغنيهم ما مضى من ~~الاجتهاد . # واحتج بعضهم في ذلك بما روي عن النبي [ & ] موصولا ومنقطعا : ' من | حسن ~~إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ' . | PageV01P096 # وعن طاووس قال : قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر : أحرج بالله | على كل ~~امرئ مسلم سأل عن شيء لم يكن ؛ فإن الله قد بين ما هو كائن . # وفي رواية : لا يحل لكم أن تسألوا عما لم يكن فإنه قد قضى فيما | هو كائن ~~. # وعن عبد الرحمن بن شريح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول : | ~~إياكم وهذه العضل فإنها إذا نزلت بعث الله لها من يقيمها ويفسرها . # وعن الصلت بن راشد قال : سألت طاووسا عن شيء فقال : أكان هذا ؟ | قلت : ~~نعم . قال : آالله الذي لا إله إلا هو ؟ قلت : الله الذي لا إله إلا هو . ~~قال : | PageV01P097 | إن أصحابنا ms22 حدثونا عن معاذ بن جبل أنه قال : أيها ~~الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل | نزوله فيذهب بكم هاهنا وهاهنا ، وإنكم إن لم ~~تفعلوا - أي لم تعجلوا بالبلاء | قبل نزوله - لم ينفك المسلمون أن يكون ~~فيهم من إذا سئل سدد أو قال : وفق . # وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلا قال : قال رسول الله [ & ] : ' لا | ~~تستعجلوا بالبلية قبل / نزولها فإنكم إذا فعلتم ذلك لم يزل منكم من يوفق | ~~ويسدد ، وإنكم إن استعجلتم بها قبل نزولها تفرقت بكم السبل هاهنا وهاهنا | ~~وأشار عن يمينه وشماله ' . # وقال مسروق : سألت أبي بن كعب عن شيء فقال : أكان بعد ؟ قلت : | لا . قال ~~: فأجمنا حتى يكون ، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا . | وقال عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى : أدركت عشرين ومائة من الأنصار من | أصحاب محمد [ & ] ما منهم من أحد ~~يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه ، | ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه ~~كفاه الفتيا . | PageV01P098 # وفي رواية : يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا | ~~حتى ترجع إلى الأول : # قلت : # ثم كثرت الوقائع والنوازل وأفتى فيها مجتهدوا الصحابة والتابعين | ~~وأتباعهم ، وحفظت فتاويهم وسطرت ودونت ، ووصلت إلى من بعدهم من | الفقهاء ~~الأئمة ففرعوا عليها وقاسوا واجتهدوا في إلحاق غيرها بها ، فتضاعفت | مسائل ~~الفقه و كثر الاختلاف . # واختلاف الأئمة رحمة إذ نصوص القرآن والسنة تحتمل وجوها من | التأويل ، ~~وطرق العربية ومجاريها واسعة ، فلكل قول منها دليل . # ولم يزل علم الفقه كريما يتوارثه الأئمة معتمدين على الأصلين الكتاب | ~~والسنة مستظهرين بأقوال السلف على فهم ما فيهما من غير تقليد . # فقد نهى إمامنا الشافعي رحمه الله عن تقليده وتقليد غيره على ما | سنذكره ~~في فصل بعد هذا . وكانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين ، وكل صنف | على ما ~~رأى ، وتعقب بعضهم بعضا مستمدين من الأصلين الكتاب والسنة ، | وترجيح ~~الراجح من أقوال السلف المختلفة . ولم يزل الأمر على ما / وصفت | إلى أن ~~استقرت المذاهب المدونة ، ثم اشتهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها ، | ~~PageV01P099 | فقصرت همم أتباعهم إلا قليلا منهم ، فقلدوا ولم ms23 ينظروا فيما ~~نظر فيه | المتقدمون من الاستنباط من الأصلين الكتاب والسنة ، بل صارت ~~أقوال | أئمتهم بمنزلة الأصلين ، فأخذوها مسلمة مفروغا منها ، ففرعوا عليها ~~، | واستنبطوا منها ، ولم يبق لهم نظر إلا فيها ، وأعرضوا عن علوم الأصلين ~~، فعدم | المجتهدون ، وغلب المقلدون ، حتى صاروا ممن يروم رتبة الاجتهاد ~~يعجبون ، وله | يزدرون ، وكثر التعصب للمذاهب ، وقلت النصفة وبانت المثالب ~~، ودبت | بينهم العقارب ، فجرى من بعضهم في بعض العجائب والغرائب ، وآل بهم ~~| التعصب إلى أن صار أحدهم إذا أورد عليه شيء من الكتاب و السنة الثابتة | ~~على خلاف مذهبه يجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويل البعيد نصرة لقوله ، | ~~وإعراضا عما يجب عليه الأخذ به ، ولو كان ذلك وصل إلى إمامه الذي يقلده | ~~هذا المتعصب لقابله ذلك الإمام بالتعظيم والتبجيل ، ولصار إليه إن لم ~~يعارضه دليل . # ثم تفاقم الأمر حتى صار كثير منهم لا يرون الاشتغال بعلوم القرآن | ~~والحديث ، ويعيبون من يعتني بهما ، ويرون أن ما هم عليه هو الذي ينبغي | ~~المواظبة عليه ، وتقدمته بين يديه ، من الاحتجاج للمذاهب بالآراء ، وكثرة | ~~الجدال والمراء ، فينقضي منهم المجلس بعد المجلس لا يسمع فيه آية تتلى ، ~~ولا | حديث يروى ، وإن اتفق ذكر شيء من ذلك لم يكن في المجلس من يعرف | ~~صحيحه من سقيمه ، ولا إيراده على وجهه ولا فهم معناه . وغرض كل منهم . | ~~PageV01P100 | قمع خصمهم وإبطال حكمه ، وعدم منهم / الإنصاف في مسائل ~~الخلاف ، ولا | سيما لما وقفت عليهم الأوقاف . # ثم نبغ قوم آخرون صارت عقيدتهم في الاشتعال بمسائل المذهب كعقيدة | أولئك ~~في الاشتعال بعلوم الأصلين ، يرون أن أولى منه الاقتصار على نكت | خلافية ~~وضعوها ، وأشكال منطقية ألفوها . | # % بالمنطق اشتغلوا فقلت لجمعهم % % إن البلاء موكل بالمنطق % # فأعرضوا عن تلك المحاسن ، وسموا المشتغلين بعلم المذهب كودان ، | وذلك من ~~وساوس الشيطان ، وعلامات الخذلان ؛ فنعوذ بالله من هذا البلاء ، | وسوء ~~القضاء ، ومن تضييع الزمان في الجدال والمراء ، ونسأله الثبات على | التمسك ~~بالآثار ، والاعتماد على [ صحيح ] الأخبار ، ويلحقنا بالسادة | الأخيار ، ~~ويباعدنا من هؤلاء الجهال الأغبياء الأشرار . | PageV01P101 # وقوم آخرون قنعوا بزي المتفقهين ، والصياح ms24 الجاري بين المتناظرين ، | ~~وقالوا : علام نتعب أنفسنا ، وريع المدارس حاصل لنا . # وما أظرف ما قال فيهم بعض الظرفاء ، من المتأخرين الفضلاء : | # % يا طالب العلم من كتاب % % ومن حديث طلاب مسلم % # % بدون هذا ترى فقيها % % فوسع الثوب ثم عمم % # % والبس من الشرب طيلسانا % % واعقده في المنكبين واختم % # % إلا صياحا ونفض كم % % وقول لا لا وعقد لم لم % # # % فما أرى عندهم علوما % % أكثر من لم ولا أسلم % # وفي ' مسند البزار ' وغيره عن جبير بن نفير ، عن عوف بن مالك | الأشجعي ~~قال : قال رسول الله [ & ] : ' تفترق أمتي على بضع وسبعين شعبة ، | فرقة ~~أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم ، فيحلون الحرام ، | ~~ويحرمون الحلال ' . | PageV01P102 # وعن عقبة بن أوس ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله [ & ] : ' لن ~~| يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما / جئتكم به ' . # وقال عمر بن الخطاب وسهل بن حنيف رضي الله عنهما : اتهموا | الرأي على ~~الدين . وفي رواية : اتقوا الرأي على دينكم . # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : يحدث قوم يقيسون الأمور | برأيهم ~~فيهدم الإسلام . # وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : لا يزال الناس على الطريق ما | ~~اتبعوا الأثر . | PageV01P103 # وعن الشعبي من قوله ، وقيل : رفعه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه : | ~~إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها | ~~فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا . # وقال الأوزاعي : عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس ، وإياك ورأي | الرجال ~~وإن زخرفوه بالقول ، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم . # وقال أيضا : إذا بلغك عن رسول الله [ & ] حديث فإياك أن تقول بغيره فإن | ~~رسول الله [ & ] كان مبلغا عن الله تبارك وتعالى . # وقال أيضا : العلم ما جاء عن أصحاب محمد [ & ] ، وما لم يجئ عن | أصحاب ~~محمد [ & ] فليس بعلم - يعني ما لم يجئ أصله عنهم - . | PageV01P104 # وقال سفيان الثوري : إنما العلم كله العلم بالآثار . # وقال ابن المبارك : ليكن الذي تعتمد عليه بالأثر ، وخذ من الرأي ما يفسر ~~| لك الحديث . # وقال أحمد بن حنبل : سألت الشافعي عن القياس ms25 ؟ فقال : عند الضرورات . # وقال : كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن | عنده ~~قال به وترك قوله . # قلت : # وما أحسن قول القائل : | # % تجنب ركوب الرأي فالرأي ربية % % عليك بآثار النبي محمد % # % فمن يركب الآراء يعم عن الهدى % % ومن يتبع الآثار يهد ويحمد % % ~~PageV01P105 | وقال الآخر : | # % دين النبي محمد أنوار % % نعم المطية للفتى آثار % # % لا ترغبن عن الحديث وأهله % % فالرأي ليل والحديث نهار % % ولبعض فضلاء ~~المغاربة : | # % انظر بعين الهدى إن كنت ذا نظر % % فإنما العلم مبني على الأثر % # % لا ترض غير رسول الله متبعا % % ما دمت تقدر في حكم على خبر % # / ومن شعر القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري | الشافعي رحمه الله ~~: | # % أقول بالأثر المروي متبعا % % وبالقياس إذا لم أعرف الأثرا % # % وما أبالي إذا ما العلم صاحبني % % ثم التقى فيه أن لا أصحب البشرا % % ~~PageV01P106 | # | فصل # لم أزل منذ فتح الله علي الاشتغال بعلم الشريعة ، وفهم ما ذكرت من | ~~الاتفاق والاختلاف ودلالات الكتاب والسنة ، مهتما بجمع كتاب يجمع ذلك | أو ~~يقاربه ، توفيقا من الله تعالى لمعاودة الأمر الأول ، وهو ما كان عليه ~~الأئمة | المتقدمون من استنباط الأحكام من الأصلين مستظهرين بأقوال السلف ~~فيها | طلبا لفهم معانيها ، ثم يصار إلى الراجح منها بطريقة وددت لو كان ~~كفاني | ذلك غيري ممن هو في زمني ، أو وجدت أحدا من أصحابنا فعله قبلي ، بل ~~داب | كل مصنف من أصحابنا ومن غيرهم التعصب لمذهبه وترجيح قول إمامه في | ~~كل ما أتى به ، وكان الواجب على الجميع نظرهم بعين الإنصاف ، في كل ما | ~~وقع فيه الاختلاف ، والصيرورة إلى القول الراجح وهو الأقرب إلى ما دل عليه ~~| الأصلان الكتاب والسنة ، فيزول الخلاف في كثير من المسائل ، ولا يبقى ~~منها | إلا القليل على ما ستراه من السبيل إن شاء الله تعالى . # وهذا الكتاب المشار إليه أرجو أن أكون ألممت فيه بامتثال أمر الله عز | ~~وجل في قوله سبحانه : ^ ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) ^ . # قال الشافعي رحمه الله في كتاب ' الرسالة ' : | ' يعني - والله ms26 أعلم - ~~إلى ما قال الله والرسول إن عرفتموه ، وإن لم تعرفوه | سألتم الرسول عنه . ~~ومن تنازع من بعد رسول الله [ & ] رد الأمر إلى قضاء الله | PageV01P107 | ~~ثم قضاء رسوله فإن لم يكن فيما يتنازعون فيه قضاء فيهما ولا في واحد | ~~منهما ردوه قياسا على أحدهما ' . # قلت : # ولم يختلف المفسرون فيما وقفت عليه من كتبهم في أن معناها إلى كتاب | ~~الله وسنة رسوله ، وتقدير ذلك : فردوه إلى قول الله تعالى وقول الرسول ، ~~فيجب | رد جميع / ما اختلف فيه إلى ذلك ، فما كان أقرب إليه اعتقد صحته ~~وأخذ به ؛ | ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ' ردوا الجهالات إلى ~~السنة ' . # وفي رواية : ' يرد الناس من الجهالات إلى السنة ' . # وهذه كانت طريقة العلماء الأعلام أئمة الدين كما سبق ذكره ، وهي | طريقة ~~إمامنا أبي عبد الله الشافعي رحمهم الله ، فإنه تعقب على من تقدمه من | ~~العلماء بذلك السبب ، ولهذا قال فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله : ~~ما | من أحد وضع الكتب حتى ظهرت أتبع للسنة من الشافعي . | PageV01P108 # ثم إن الشافعي رحمه الله احتاط لنفسه وعلم أن البشر لا يخلو من السهو | ~~والغفلة وعدم الإحاطة ، فصح عنه من غير وجه أنه أمر إذا وجد قوله على | ~~مخالفة الحديث الذي يصح الاحتجاج به أن يرد قوله ويؤخذ بالحديث . # أنبأنا القاضي أبو القاسم ، عمن أخبره الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين | ~~البيهقي ، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ~~قال : سمعت | الربيع بن سليمان يقول : سمعت الشافعي يقول : # إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله [ & ] فقولوا بسنة رسول الله | [ ~~& ] ، ودعوا ما قلت : # قال البيهقي : ' وقد يثق - يعني الشافعي - ببعض من هو مختلف في | عدالته ~~على ما يؤدي إليه اجتهاده كما يفعله غيره ، ثم لم يدع لرسول الله [ & ] | ~~سنة بلغته وثبتت عنده حتى قلدها ، وما خفي عليه ثبوته علق قوله به - يعني - ~~| على ثبوته ، وما عسى لم يبلغه أوصى من بلغه باتباعه وترك خلافه ، وذلك ~~بين | في كتبه وفيما ذكر ms27 من أقاويله . # أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو زكريا العنبري ، أنا أبو عبد ~~الله | محمد بن إبراهيم العبدي فيما ذكره من فضائل الشافعي رحمه الله ~~ومناقبه قال : | PageV01P109 # ' ثم بلغ من حرصه - يعني من حرص الشافعي - على إفهام المسترشدين | أني ~~سمعت ربيعا يقول : قال الشافعي رحمه الله : ' وددت أن الناس نظروا في | هذه ~~/ الكتب ثم نحلوها غيري ' ؛ طلبا منه للنصيحة لهم ، وأن قصده إنما كان | من ~~وضع الكتب وتسييرها في الناس أن يفهموها ، ليدلهم البيان فيها على | الأرجح ~~من المذاهب التي هي أتبع للكتاب والسنة وما أشبه الكتاب والسنة ، | تبرأ ~~إلى الله جل ذكره من حوله وقوته ، غير ملتمس بها ذكرا ولا في الدنيا | شرفا ~~. قال : وهذه صحة النية ، ومشكور الطوية ، وما يحمد من الصالحين | من ~~الضمير والعزيمة ' . # قلت : # وعلى هذا المعنى كان وضع الشافعي وغيره من الأئمة الكتب إرشادا | للخلق ~~إلى ما ظنه كل واحد منهم صوابا ، لا على أنهم أرادوا تقليدهم ونصرة | ~~أقوالهم كيفما كانت ، فقد صح أن الشافعي رحمه الله نهى عن تقليده وتقليد ~~غيره . # قال صاحبه أبو إبراهيم المزني في أول ' مختصره ' : ' اختصرت هذا | من علم ~~الشافعي ومن معنى قوله لأقربه على من أراده مع إعلاميه نهيه عن | تقليده ~~وتقليد غيره ؛ لينظر فيه لدينه ، ويحتاط لنفسه ' . # أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي نهي الشافعي عن تقليده وتقليد | غيره . ~~هذا أحسن ما أول به هذا الكلام . وانظروا رحمكم الله إلى قوله : ' لينظر | ~~فيه لدينه ، ويحتاط لنفسه ' أي ليسترشد بذلك إلى الحق . | PageV01P110 # قال صاحب ' الحاوي ' وهو القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن | حبيب ~~الماوردي : ' وقوله : ' ويحتاط لنفسه ' أي ليتطلب الاحتياط لنفسه | ~~بالاجتهاد في المذاهب ، وترك التقليد بطلب الدلالة ' . # قلت : # فعلى هذا كان السلف الصالح يتبعون الصواب حيث كان ، يجتهدون في | طلبه ~~وينهون عن التقليد . # وقال أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص صاحب | أبي ~~العباس بن سريج في أول كتاب ' التلخيص ' له : # ' ذكر المزني في كتابه المترجم ب : ' الجامع الكبير ' في المتيمم إذا ms28 | ~~دخل في الصلاة ، ثم رأى الماء أن الشافعي / نهى عن التقليد نصحا منه لكم ، ~~| فله أجر صوابكم وهو برئ من خطئكم رضي الله عنه وقبل منه نصحكم ' . # قال الشيخ أبو علي [ السنجي ] في كتاب ' شرح التلخيص ' : # ' وإنما ذكر المزني هذا في هذه المسألة لأنها أول مسألة خالف الشافعي | ~~فيها في ' جامعيه الصغير والكبير ' حيث ذهب فيها إلى مذهب أهل الكوفة | ~~PageV01P111 | أنه يخرج من صلاته ويتوضأ ويستأنف . فبسط العذر لنفسه في ~~مخالفة الشافعي | لأنه منعه من تقليده وتقليد غيره . # قلت : # فالمزني رحمه الله امتثل أمر إمامه في النهي عن تقليده ، فخالفه في هذه | ~~المسألة لما ظهر له من جهة النظر والرأي ، فما الظن به لو وجد حديثا مصرحا ~~| بخلاف نصه ، فهو إن شاء الله حينئذ كان أشد مبادرة إلى مخالفة نص إمامه ، ~~| وإن كان في الحقيقة موافقا لا مخالفا لأنه قد أمر إذا وجد الحديث على ~~خلاف | قوله أن يترك قوله ، فهو إنما ترك قوله بقوله فهو موافق ممتثل للأمر ~~. # وقد فعل هذا صاحبه أبو يعقوب البويطي رحمه الله في مسألة التيمم إلى | ~~الكوعين فخالفه وصار إليه كما سيأتي . # وإذا كشفت واعتنيت بهذا وكانت لك همة في التنقيب عنه وعناية | بظهور الحق ~~، وجدت جماعة من أهل العلم والتحقيق والمصنفين على مذهب | الشافعي رحمهم ~~الله قد نصروا مذهبه ، وامتثلوا ما أمر به من مخالفة قوله لحديث | يصح ~~الاحتجاج به ، وهذا مأمور به من جهة الشارع ولو لم يقله الشافعي . # فذكر كل واحد منهم ما أمكنه مما وصل إليه علمه على قلة ذلك وعزته | في ~~كتبهم ، وإنما يكثر ذلك في كتب المتضلعين من الحديث الباحثين عن فقهه | ~~ومعانيه ، الذاكرين لأقوال العلماء ومذاهبهم من غير تقيد ، كأبي بكر بن ~~المنذر | وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر البيهقي وأبي عمر بن عبد البر ~~وغيرهم رحمهم الله . # ونبه صاحب ' التهذيب ' من أصحابنا وهو أبو علي / الحسين بن | مسعود ~~البغوي على مواضع حسنة منها : | PageV01P112 # تصحيحه للقول القديم أن وقت المغرب يمتد إلى وقت مغيب الشفق | فقال : وهو ~~الصحيح ms29 لحديث بريدة أن النبي [ & ] صلاها في يومين في وقتين . # ووافقه على ذلك إمام الحرمين أبو المعالي ابن الجويني في ' مختصره ' | ~~الذي اختصر فيه كتاب ' النهاية ' ، وإن لم يكن ما نذكره في نفس كتاب | ' ~~النهاية ' ، فقال في ' المختصر ' : # والظاهر عندنا القول الثاني - يعني القديم - فقد صح أن رسول الله [ & ] | ~~صلى المغرب عند اشتباك النجوم . # قال : وفي نصرة هذا القول نصوص ولذلك اختاره الإمام أحمد ، ولولا | صحة ~~الأخبار عنده لما رأى ذلك . | PageV01P113 # ونقل أيضا إمام الحرمين في باب التعزير من كتاب ' النهاية ' عن | صاحب ' ~~التقريب ' كلاما حسنا في هذا المعنى وإن كان فيما استنبطه نظر | فقال : ~~ولما ذكر صاحب ' التقريب ' مقالات الأصحاب في التعزيرات ومبالغها | روى عن ~~أبي بردة بن نيار أن رسول الله [ & ] قال : ' لا يجلد فوق العشرة إلا في | ~~حد ' . قال صاحب ' التقريب : هذا خبر صحيح لو بلغ الشافعي لقال به . | وقد ~~صح من أقوال الشافعي رضي الله عنه أن من يبلغه مذهبه عنه ويصح عنده | خبر ~~على خلافه فحق عليه أن يتبع الخبر ويعتقد أنه مذهب الشافعي ، فإن كل | ما ~~أطلقه في المسائل مقيد باستثناء الخبر ، وكأنه لا يقول قولا في واقعة إلا | ~~وهو مصرح بأن الأمر كذلك إن لم يصح خبر على خلافة عن رسول الله [ & ] . # قلت : # وهذا الحديث متفق عليه في ' الصحيحين ' ولكن له عندي تأويل وهو | أن ~~المراد به ضرب التأديب الصادر من غير الولاة ؛ كضرب السيد عبده ، | والزوج ~~امرأته ، والأب ولده ، والمعلم / والمؤدب من تحت أيديهما من | الصبيان ~~المتعلمين . | PageV01P114 # وقوله [ & ] : ' إلا في حد ' يعني ما يضربه الولاة على الجرائم فإنها | ~~حدود شرعية أي موانع وزواجر . وهي منقسمة إلى حد مقدر كحد الزنا | والقذف ~~وإلى [ حد ] غير مقدر وهي التعزيزات على الجرائم التي لا مقدر | في حدها من ~~جهة الشرع ، وإنما هو موكول إلى اجتهاد ولاة الأمر يفعلون من | ذلك ما هو ~~الرادع الزاجر لصاحب تلك الجريمة مما هو لائق به ، وذلك يختلف | باختلاف ~~الجرائم ؛ فمنها كبائر كأكل الربا ، ومال اليتيم ، والغصب ، والفرار | من ~~الزحف ، وعقوق ms30 الوالدين ، فكيف يسوى بين هذه وبين الصغائر في أن | لا يبلغ ~~بالجميع عشرة أسواط ؟ فأي انزجار يحصل بذلك ؟ لا سيما من | الأراذل والسفل ~~، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ' إن الناس قد | تتايعوا في شرب ~~الخمر ، واستقلوا الحد ' ، وهذا مع كونه أربعين جلدة لم يبالوا | بها ، ~~وانهمكوا على الشرب الذي هو متلف للأموال ، ومذهب للعقول ، | وحامل على ~~كثرة المعاصي ، فكيف بمن تمرد وتمرن على عقوق الوالدين | والسحر ، وشرهت ~~نفسه في جميع الأموال من الربا والغصب ، أيزجر بتسعة | أسواط مثلا ، هذا ~~مناف لحكمة شرعية الحدود والتعزيرات ، فليس لهذا الحديث | الصحيح محمل إلا ~~ما ذكرته وهو معنى حسن جيد . والحمد لله على فهمه ، | PageV01P115 | وسيأتي ~~تقرير ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه ، وإنما قدمته هنا خوفا من | اخترام ~~المنية قبل الوصول إليه لأنه في أواخر الكتاب ، واستطرد الكلام بنا إليه | ~~فذكرته ، ولم يكن الغرض هنا إلا ذكر ما نقله إمام الحرمين عن صاحب | ' ~~التقريب ' في تقرير جواز مخالفة نصوص الشافعي المخالفة لما صح من | الحديث ~~وإن لم يكن هذا منها وبالله التوفيق . | # | فصل # ثم إن المصنفين من أصحابنا المتصفين بالصفات المتقدمة من الاتكال على | ~~نصوص إمامهم ، معتمدين عليها اعتماد الأئمة قبلهم على الأصلين الكتاب | ~~والسنة ، قد وقع في مصنفاتهم خلل كثير من وجهين عظيمين : # الأول : أنهم يختلفون كثيرا فيما ينقلون من نصوص الشافعي رحمه | الله ، ~~وفيما يصححونه منها ويختارونه ، وما ينسبونه إلى القديم والجديد ولا | سيما ~~المتأخرين منهم ، وصارت لهم طرق مختلفة خراسانية وعراقية ، فترى هؤلاء | ~~ينقلون عن إمامهم خلاف ما ينقله هؤلاء ، والمرجع في هذا كله إلى إمام واحد ~~، | وكتبه مدونه مروية موجودة ، أفلا كانوا يرجعون إليها ، وينقون تصانيفهم ~~من | كثرة اختلافهم عليها . # وأجود تصانيف أصحابنا من الكتب الكبار فيما يتعلق بصحة نقل | نصوص ~~الشافعي رحمه الله هو كتاب ' التقريب ' ، وأثنى عليه بذلك أخبر | ~~PageV01P116 | المتأخرين بنصوص الشافعي وهو الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي ~~رحمه الله ، ذكر | ذلك في رسالة له كتبها إلى الشيخ أبي محمد عبد الله بن ~~يوسف ms31 الجويني والد | إمام الحرمين ناصحا له فيها ، ومنكرا عليه ما وقف عليه ~~من تصنيف له في الفقه | شرع فيه وسماه ' المحيط ' فقال فيها : # ' وكنت أنظر في كتب بعض أصحابنا حكايات من حكى منهم عن | الشافعي رضي ~~الله عنه نصا ، وأبصر اختلافهم في بعضها ، فيضيق قلبي | بالاختلاف ، مع ~~كراهية الحكاية من غير ثبت ، فحملني ذلك على نقل مبسوط | ما اختصره المزني ~~رحمه الله على ترتيب ' المختصر ' . ثم نظرت في كتاب | ' التقريب ' ، وكتاب ~~' جمع الجوامع ' ، و ' عيون المسائل ' ، وغيرها فلم | PageV01P117 | أر ~~أحدا منهم فيما حكاه أوثق من صاحب ' التقريب ' ، رحمنا الله وإياه ، وهو | ~~في النصف الأول من كتابه أكثر حكاية لألفاظ الشافعي رحمه الله منه في | ~~النصف الآخر ، وقد / غفل في النصفين جميعا - من اجتماع الكتب له أو | ~~أكثرها وذهاب بعضها في عصرنا - عن حكاية ألفاظ لا بد لنا من معرفتها لئلا | ~~نجترئ على تخطئة المزني في بعض ما نخطئة فيه ، وهو عندي برئ ، | و لنتخلص ~~بها عن كثير من تخريجات أصحابنا ' . # وقال البيهقي في موضع آخر : ' وجدت في بعض ما نقل من كتب | الشافعي وحول ~~منها إلى غيره خللا في النقل ، وعدولا عن الصحة بالتحويل ، | فرددت مبسوط ~~كتبه القديمة والجديدة إلى ترتيب ' المختصر ' ؛ ليتبين لمن تفكر | في ~~مسائلة من أهل الفقه ما وقع فيه من التحريف والتبديل ، ويظهر لمن نظر في | ~~أخباره من أهل العلم بالحديث ما وقع فيه الخلل بالتقصير في النقل ' . | ~~PageV01P118 # قلت : # فلا بد لنا إن شاء الله من إيضاح الحق فيما اختلفوا فيه إن قدرت على | ~~ذلك في هذا الكتاب ، وإلا أوردت اختلافهم على وجهه ، ونسبت كلا إلى | قائلة ~~في كتابه . # وإذا كان هذا الخلل قد وقع منهم في نقل نصوص إمامهم فما الظن بما | ~~ينقلونه من نصوص باقي المذاهب ؟ فترى في كتبهم من ذلك أشياء ينكرها | أصحاب ~~تلك المذاهب وكأن الخلل إنما جاءهم من تقليد بعضهم بعضا فيما | ينقله من ~~مذهب غيره أو من نص إمامه ، ويكون الأول قد غلط فيتبعه من | بعده ، والغلط ~~جائز على كل ms32 أحد إلا من عصمه الله تعالى ، ولكن لو أن كل من ينقل | عن أحد ~~مذهبا أو قولا راجع في ذلك كتابه إن كان له مصنف أو | كتب أهل مذهبه كما ~~نفعله نحن إن شاء الله في هذا الكتاب ، لقل ذلك الخلل ، | وزال أكثر الوهم ~~وبطل ، والله الموفق . # الوجه الثاني : ما يفعلونه في الأحاديث النبوية والآثار المروية من كثرة ~~| استدلالهم بالأحاديث الضعيفة على ما يذهبون إليه نصرة لقولهم ، ومن تغيير ~~لفظ ما | صح منها / والزيادة فيه والنقص منه لقلة خبرتهم بذلك ، وما أكثره ~~في كتب أبي | المعالي وصاحبه أبي حامد ، نحو : ' إذا اختلف المتبايعان ~~تحالفا وترادا ' . | PageV01P119 # ومن العجيب ما ذكره صاحب ' المهذب ' في أول باب إزالة النجاسة | قال : ' ~~وأما الغائط فهو نجس لقوله [ & ] لعمار : ' إنما تغسل ثوبك من الغائط | ~~والبول والمني والدم والقيء ' . ثم ذكر بعد ذلك طهارة مني الآدمي ولم | ~~يتعرض للجواب عن هذا الحديث الذي هو حجة خصمه ، ولم يكن له حاجة | إلى ذكره ~~أصلا فإن الغائط لا ضرورة إلى الاستدلال على نجاسته بهذا الحديث | الضعيف ~~المنتهض حجة عليه في أمر آخر والله الموفق . # ومن قبيح ما يأتي به بعضهم تضعيفهم لخبر يحتج به بعض مخالفيهم ، ثم | ~~يحتاجون هم إلى الاحتجاج بذلك الخبر بعينه في مسألة أخرى ، فيوردونه | ~~معرضين عما كانوا ضعفوه به ، ففي كتابي ' الحاوي ' و ' الشامل ' وغيرهما | ~~من ذلك شيء كثير . # هذا وهم مقلدون لإمامهم الشافعي رحمه الله ، فهلا اتبعوا طريقته في ترك | ~~الاحتجاج بالضعيف ، وتعقبه على من احتج بذلك ، وتبيين ضعفه . | PageV01P120 # ثم إن من مذهبه رحمه الله ترك الاحتجاج بالمراسيل إلا بشروط | سنذكرها في ~~مقدمة الأصول إن شاء الله تعالى . # ولو ذكر سند الحديث وعرفت عدالة رجاله إلى التابعي وسقط من | السند ذكر ~~الصحابي كان مرسلا ، ويورد هؤلاء المصنفون هذه الأحاديث | محتجين بها بلا ~~إسناد أصلا ، فيقولون : قال رسول الله [ & ] ، وروي عن رسول | الله [ & ] ، ~~ويظنون أن ذلك حجة ، وإمامهم رضي الله عنه يرى أنه لو سقط من | السند ~~الصحابي وحده لم يكن حجة ، وكذا لو سقط ms33 غير الصحابي من السند ، | فليتهم إذ ~~عجزوا عن أسانيد الحديث ومعرفة رجالها عزوها إلى الكتب التي | أخذوها منها ~~، ولتكن من كتب الحديث المعتمد عليها ، ولكنهم لم يأخذوا تلك | الأحاديث ~~إلا من كتب من سبقهم من مشايخهم ممن هو على مثل حالهم ، | فبعضهم يأخذها من ~~بعض / فيقع التغيير والزيادة والنقصان فيما صح أصله ، | ويختلط الصحيح ~~بالسقيم ، وهذا كله غير مستقيم ، بل الواجب في الاستدلال | على الأحكام ، ~~وبيان الحلال والحرام ، وأن من يستدل بحديث يذكر سنده | ويتكلم عليه بما ~~يجوز الاستدلال به ، أو يعزوه إلى كتاب مشهور من كتب أهل | الحديث المعتمدة ~~، فيرجع من يطلب صحة ذلك الحديث وسقمه إلى ذلك | الكتاب وينظر في سنده ، ~~وما قال ذلك المصنف أو غيره فيه . # وما أحسن ما قال الحافظ البيهقي للشيخ أبي محمد الجويني في ' رسالته ' | ~~التي كتبها إليه ونصحه فيها قال : # ' وكنت أسمع رغبة الشيخ - أدام الله أيامه - في سماع الحديث والنظر في | ~~كتب أهله ، فأسكن إليه ، وأشكر الله تعالى عليه ، وأقول في نفسي ثم فيما | ~~PageV01P121 | بين الناس : قد جاء الله عز وجل بمن يرغب في الحديث ويرغب ~~فيه من بين | الفقهاء ، ويميز فيما يرويه ويحتج به الصحيح من السقيم من ~~جماعة العلماء ، | وأرجو من الله سبحانه أن يحيي به سنة إمامنا المطلبي في ~~قبول الآثار ، حيث | أماتها أكثر فقهاء الأمصار ، بعد من مضى من الأئمة ~~الكبار ، الذين جمعوا بين | نوعي علم الفقه والأخبار . # ثم لم يرض بعضهم بالجهل به حتى رأيته حمل على العالم به ، | والوقوع فيه ~~، والإزراء به ، والضحك منه ، وهو مع هذا يعظم صاحب | مذهبه ويجله ، ويزعم ~~أنه لا يفارق في منصوصاته قوله ، ثم يدعي في كيفية قبول | الحديث ورده ~~طريقته ، ولا يسلك فيها سيرته ، لقلة معرفته بما عرف ، هلا | نظر في كتبه ~~ثم اعتبر باحتياطه في انتقاده لرواة خبره ، واعتماده فيمن اشتبه | عليه ~~حاله على رواية غيره ، فيرى سلوك مذهبه مع دلالة العقل والسمع واجبا | على ~~كل من انتصب للفتيا ، فإما أن يجتهد في تعلمه ، أو يسكت عن الوقوع ms34 | فيمن ~~يعلمه . فلا يجتمع / عليه وزران ، حيث فاته الأجران ، والله المستعان ' . # وقال قبل ذلك : # ' قد علم الشيخ اشتغالي بالحديث واجتهادي في طلبه ، ومعظم مقصودي | منه ~~في الابتداء التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار وبين ما لا يصح ، | ~~PageV01P122 | حين رأيت المحدثين من أصحابنا يرسلونها في المسائل على ما ~~يحضرهم من | ألفاظها ، من غير تمييز منهم بين صحيحها وسقيمها . ثم إذا احتج ~~عليهم بعض | مخالفيهم بحديث يشق عليهم تأويله أخذوا في تعليله بما وجدوه في ~~كتب | المتقدمين من أصحابنا تقليدا ، ولو عرفوه معرفتهم لميزوا به صحيح ما ~~يوافق | أقوالهم من سقيمه ، ولأمسكوا عن كثير مما يحتجون به وإن كان يطابق ~~| آراءهم ، ولاقتدوا في ترك الاحتجاج برواية الضعفاء والمجهولين بإمامهم ، ~~وما | رد من الأخبار لضعف رواته وانقطاع إسناده كثير ' . # قلت : # وقد يسر الله تعالى - وله الحمد - الوقوف على ما ثبت من الأحاديث | وتجنب ~~ما ضعف منها بما جمعه علماء الحديث في كتبهم من الجوامع والمساند . # فالجوامع : هي المرتبة على الأبواب من الفقه والرقائق والمناقب وغير | ~~ذلك ؛ فمنها ما اشترط فيه الصحة أي لا يذكر فيه إلا حديث صحيح على | شرط ~~مصنفه ، ك : ' كتابي البخاري ومسلم ' وما ألحق بهما واستدرك | عليهما ، وك ~~: ' صحيح إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة ' ، و ' كتاب | أبي عيسى ~~الترمذي ' ، وهو كتاب جليل مبين فيه الحديث الصحيح والحسن | PageV01P123 | ~~والغريب والضعيف ، وفيه عن الأئمة فقه كثير ، ثم ' سنن ' أبي داود والنسائي ~~| وابن ماجه وغيرهم ، ممن هو في زمن هؤلاء المذكورين وفي طبقتهم ، ففي ذلك ~~| العصر أكثر من تدوين كتب الحديث وجمعت ونقحت وميزت . ومن بعدهم | ' سنن ~~أبي الحسن الدارقطني ' ، و ' التقاسيم ' لأبي حاتم بن حبان ، وغيرهما . # ثم ما / رتبه وجمعه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي في ' سننه | الكبير ' ~~، و ' الأوسط ' ، و ' الصغير ' التي أتى بها على ترتيب ' مختصر | المزني ' ~~، وقربها إلى الفقهاء بجهده . # فلا عذر لهم ولا سيما الشافعية منهم في تجنب الاشتغال بهذه الكتب أو | ~~ببعضها ، وكثرة النظر فيها وسماعها ، والبحث عن فقهها ومعانيها ، ومطالعة | ~~الكتب النفيسة ms35 المصنفة في شروحها وغريبها ، بل أفنوا زمانهم وعمرهم في | ~~النظر في أقوال من سبقهم من متأخري الفقهاء ، وتركوا النظر في نصوص نبيهم | ~~المعصوم من الخطأ [ & ] ، وآثار الصحابة الذين شهدوا الوحي وعاينوا | ~~المصطفى ، وفهموا أنفاس الشريعة ؛ فلا جرم حرم هؤلاء رتبة الاجتهاد ، وبقوا ~~| مقلدين على الآباد . # وقد كانت العلماء في الصدر الأول معذورين في ترك ما لم يقفوا عليه من | ~~الحديث ؛ لأن الأحاديث لم تكن حينئذ فيما بينهم مدونة ، إنما كانت تتلقى من ~~| أفواه الرجال وهم متفرقون في البلدان ، ولو كان الشافعي رحمه الله وجد في ~~| PageV01P124 | زمانه كتابا في أحكام السنن أكبر من ' الموطأ ' لحفظه ~~مضافا إلى ما تلقاه من | أفواه مشايخه ، فلهذا كان الشافعي بالعراق يقول ~~لأحمد بن حنبل رحمهما الله : | أعلموني بالحديث الصحيح أصر إليه . # وفي رواية : إذا صح الحديث عن رسول الله [ & ] فقولوا حتى أذهب إليه . # ثم قد زال العذر ولله الحمد بجمع الحفاظ الأحاديث المحتج بها في | كتب ، ~~نوعوها وقسموها ، وسهلوا الطريق إليها فبوبوها وترجموها ، وبينوا | ضعف ~~كثير منها وصحته ، وتكلموا في عدالة الرجال وجرح المجروح منهم ، | وفي علل ~~الحديث ، ولم يدعوا لمشتغل شيئا يتعلل به ، وفسر القرآن والحديث ، | وتكلم ~~على غريبهما وفقههما ، وكل ما يتعلق / بهما ، في مصنفات عديدة | جليلة ، ~~فالآلات متهيئة لذي طلب صادق وهمة وذكاء وفطنة . # وأئمة الحديث المعتبرون هم القدوة في فنهم ، فوجب الرجوع إليهم في | ذلك ~~، وعرض آراء الفقهاء على السنن والآثار الصحيحة ، فما ساعده الأثر فهو | ~~المعتبر وإلا فلا . # ولا نبطل الخبر بالرأي بل نضعفه إن كان على اختلاف وجوه الضعف | من علل ~~الحديث المعروفة عند أهله ، أو بإجماع الكافة على خلافه ، وقد يظهر | ضعف ~~الحديث وقد يخفي . وأقرب ما يؤمر به في ذلك أنك متى رأيت حديثا | ~~PageV01P125 | خارجا عن دواوين الإسلام ك : ' الموطأ ' و ' مسند أحمد ' و ' ~~الصحيحين ' | و ' سنن ' أبي داود والترمذي والنسائي ونحوها مما تقدم ذكره ~~ومما لم نذكره ، | فانظر فيه فإن كان له نظير في الصحاح أو الحسان قرب أمره ~~، وإن رأيته | يباين الأصول وارتبت به فتأمل ms36 رجال إسناده ، واعتبر أحوالهم ~~من الكتب | المصنفة في ذلك ، وأصعب الأحوال أن يكون رجال الإسناد كلهم ثقات ~~| ويكون متن الحديث موضوعا عليهم أو مقلوبا أو قد جرى فيه تدليس ، ولا | ~~يعرف هذا إلا النقاد من علماء الحديث ، فإن كنت من أهله وإلا سل عنه أهله . # قال الأوزاعي : كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض | الدرهم ~~الزائف ، فما عرفوا منه أخذنا ، وما أنكروا تركنا . # قلت : # وكذلك المسائل الفقهية المبنية على دلالات اللغة ومقتضيات الألفاظ | يرجع ~~فيها إلى أقوال أهل اللغة وصناعة العربية ، وكل ذلك قد حرره أهله | وحققوه ~~. فالتوصل إلى الإجتهاد بعد جمع السنن في الكتب المعتمدة - إذا رزق | ~~الإنسان الحفظ والفهم ومعرفة اللسان - أسهل منه قبل ذلك [ لولا قلة همم | ~~PageV01P126 | المتأخرين ، وبعدهم عن المتبحرين ] . ومن أكبر أسبابه / ~~تعصبهم وتقيدهم | برفق الوقوف ، وجهل أكثر المصدرين منهم على ما هو المعروف ~~، الذي هو | منكر مألوف . | # | فصل # فإذا ظهر هذا وتقرر تبين أن التعصب لمذهب الإمام المقلد ليس هو | باتباع ~~أقواله كلها كيفما كانت ، بل بالجمع بينها وبين ما ثبت من الأخبار | ~~والآثار ، ويكون الخبر هو المتبع ، ويؤول كلام ذلك الإمام تنزيلا له على ~~الخبر . | والأمر عند المقلدين أو أكثرهم بخلاف هذا وإنما هم يؤولون الخبر ~~تنزيلا له | على نص إمامهم . ثم الشافعيون كانوا أولى بما ذكرناه لنص ~~إمامهم رضي الله | عنه على ترك قوله إذا ظفر بحديث ثابت عن رسول الله [ & ] ~~على خلافه ، | فالتعصب له على الحقيقة إنما هو امتثال أمره في ذلك ، وسلوك ~~طريقته في قبول | الأخبار ، والبحث عنها والتفقه فيها ، وقد نقلت - والحمد ~~لله - ما روي عنه من | وصيته بذلك في ترجمته في ' تاريخ دمشق ' . # قال الربيع : قال الشافعي : قد أعطيتك جملة تغنيك إن شاء الله : لا تدع | ~~لرسول الله [ & ] حديثا أبدا إلا أن يأتي عن رسول الله [ & ] خلافه ، فتعمل ~~بما قلت | لك في الأحاديث إذا اختلفت . PageV01P127 # وسيأتي ذلك في مقدمة الأصول إن شاء الله تعالى . # وفي رواية : إذا وجدتم عن رسول الله [ & ] سنة خلاف قولي فخذوا السنة | ~~ودعوا ms37 قولي فإني أقول بها . # وفي رواية : إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله [ & ] فقولوا بسنة | ~~رسول الله [ & ] ودعوا ما قلت . # وفي رواية : كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي [ & ] عند أهل | ~~النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي . # قال : وسمعت الشافعي يقول - وروى حديثا - فقال له رجل : تأخذ بهذا | يا ~~أبا عبد الله ؟ فقال : متى رويت عن رسول الله [ & ] حديثا صحيحا فلم آخذ | ~~به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب ، وأشار بيده على رؤوسهم . | PageV01P128 # وقال حرملة : قال الشافعي : كل ما قلت / وكان عن النبي [ & ] خلاف | قولي ~~مما يصح فحديث النبي [ & ] أولى ولا تقلدوني . # وفي ' كتاب ابن أبي حاتم ' عن أبي ثور قال : سمعت الشافعي يقول : | كل ~~حديث عن النبي [ & ] فهو قولي وإن تسمعوه مني . # وفيه عن الحسين - هو الكرابيسي - قال : قال الشافعي : إن أصبتم | الحجة ~~في الطريق مطروحة فاحكوها عني فإني قائل بها . # وقال الربيع : سمعت الشافعي يقول : ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة | لرسول ~~الله [ & ] وتعزب عنه ، فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن | رسول ~~الله [ & ] خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله [ & ] ، وهو قولي : قال : ~~| وجعل يردد هذا الكلام . | PageV01P129 # قال : وقال الشافعي : من تبع سنة رسول الله [ & ] وافقته ، ومن غلط | ~~فتركها خالفته ، صاحبي اللازم الذي لا أفارقه الثابت عن رسول الله [ & ] ~~وإن | بعد ، والذي أفارق من لم يقل بسنة رسول الله [ & ] وإن قرب . # وقال الزعفراني : كنا ولو قيل لنا : سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن ~~| علقمة ، عن عبد الله يعني عن النبي [ & ] ، قلنا : هذا مأخوذ وهذا غير ~~مأخوذ ، | حتى قدم علينا الشافعي فقال لنا : ما هذا ؟ إذا صح الحديث عن ~~رسول الله [ & ] | فهو مأخوذ به لا يترك لقول غيره . [ قال ] : فنبهنا لشيء ~~لم نعرفه - يعني | نبهنا على هذا المعنى - . # وقال أبو بكر الأثرم : كنا عند البويطي فذكرت حديث عمار في التيمم ، | ~~فأخذ السكين وحته من كتابه ، وصيره ضربة . وقال : هكذا أوصانا صاحبنا : | ~~إذا صح عندكم الخبر فهو ms38 قولي أو كما قال هذا معناه . # قلت : # هذا من البويطي فعل حسن موافق للسنة ولما أمر به إمامه رحمه الله ، | ~~وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه في باب التيمم إن شاء الله تعالى . # وأما الذين يظهرون التعصب لأقوال الشافعي / كيفما كانت وإن جاءت | سنة ~~بخلافها فليسوا متعصبين في الحقيقة ؛ لأنهم لم يمتثلوا ما أمر به إمامهم ، ~~بل | دأبهم وديدنهم إذا أورد عليهم حديث صحيح - هو مذهب إمامهم لو وقف | ~~PageV01P130 | عليه لقال به - أن يحتالوا في دفعه بما لا ينفعهم ، لما نقل ~~عن إمامهم من قول | قد أمر بتركه عند وجدان ما يخالفه من السنة ، هذا مع ~~كونهم عاصين بذلك | لمخالفتهم ظاهر كتاب الله وسنة رسوله على ما سنبينه إن ~~شاء الله تعالى في | فصل كيفية اتباع الكتاب والسنة من كلام الشافعي رحمه ~~الله وغيره في مقدمة | الأصول السابق ذكرها . # وروى الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي وغيرهم عن ابن عيينة . # قال الشافعي : أنا سفيان بن عيينة ، أبنا سالم أبو النضر ، أنه سمع عبيد ~~الله | ابن أبي رافع ، يخبر عن أبيه قال : قال رسول الله [ & ] : # ' لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به | أو ~~نهيت عنه ، فيقول : لا أدري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ' . # قال الحميدي : إذ نهي رسول الله [ & ] من ترك ما جاء عنه مما لم يكن في | ~~كتاب الله كانت الحجة على من ترك ذلك لرأي نفسه أوكد ، وله ألزم ، | وكان ~~عن طريق الحق أجور . | PageV01P131 # قلت : # فكيف حال من يترك ذلك لأنه لا يجده في كتب المتأخرين المقلدين ، أو | يجد ~~فيها خلافه . والعجب أن منهم من يستجيز مخالفة نص الشافعي لنص له | آخر في ~~مسألة أخرى بخلافه ، عسر عليهم الفرق بينهما فيصنعون فيهما شيئا | يسمونه ~~النقل والتخريج ، فيخالفون نصه في المسألتين لأنهم ينقلون جوابه من | كل ~~مسألة منها إلى الأخرى ، ثم لا يرون مخالفة نصه لأجل نص رسول | الله [ & ] ~~، مع أنه قد صح عن الشافعي أنه أذن لهم فيما لعلهم يتركونه من ms39 ذلك ، | ~~وليسوا يقدرون أن يرووا عنه أنه أذن لهم فيما فعلوه من النقل والتخريج ، | ~~ولعله رحمه الله كان عنده بين المسألتين فرق لم يطلعهم [ الله ] عليه ، ~~فمالهم | يقولونه في [ كل ] مسألة منهما قولا لم يقله حتى كثرت الأقوال في ~~| المذهب والتخريجات ، وكثرت في ذلك المناظرات ، ولم يقولوه ما دل عليه قول ~~| رسول الله [ & ] مع أنه قد قال لهم : ' القول ما قال رسول الله [ & ] وهو ~~قولي ' ، | على ما تقدم نقله عنه رضي الله عنه . # وقد قال البويطي : سمعت الشافعي يقول : لقد ألفت هذه الكتب ولم آل | فيها ~~، ولابد أن يوجد فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول : ^ ( ولو كان من عند غير ~~| PageV01P132 | الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ^ ، فما وجدتم في كتبي ~~هذه مما يخالف | الكتاب والسنة فقد رجعت عنه . # وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي : ثنا معن بن عيسى القزاز ، قال : سمعت | ~~مالكا يقول : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا في رأيي فكل ما وافق | ~~الكتاب والسنة فخذوا به ، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه . # قلت : # فهذا الإمام مالك بن أنس رحمه الله قد سبق إمامنا الشافعي بهذا الكلام | ~~وهو الحق ، وذلك الظن بجميع الأئمة وإن لم ينقل عنهم . # وقد نقل عن أبي حنيفة رحمه الله معنى ذلك . # قال نعيم بن حماد : سمعت أبا عصمة يقول : سمعت أبا حنيفة يقول : ما | جاء ~~عن رسول الله [ & ] فعلى الرأس والعينين ، وما جاء عن أصحابه اخترنا ، وما ~~| كان غير ذلك فنحن رجال وهم رجال . | PageV01P133 # وفي رواية : قال نعيم : سمعت ابن المبارك يقول : سمعت أبا حنيفة يقول : | ~~إذا جاء عن النبي [ & ] فعلى الرأس والعين ، وإذا جاء عن أصحاب النبي [ & ] ~~نختار | من قولهم ، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم . # وفي رواية أخرى : قال آخذ بكتاب الله / فإن لم أجد فبسنة رسول الله | [ & ~~] ، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه ، | آخذ ~~بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم ، ولا أخرج من قولهم إلى | قول ~~غيرهم ، فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم [ النخعي ms40 ] والشعبي وابن | سيرين ~~والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب وعدد رجالا من التابعين ، فقوم | اجتهدوا ~~فأجتهد كما اجتهدوا . # قلت : # وليس يعني رحمة الله اختيار شهوة بل اختيار نظر واستدلال وقياس | واعتبار ~~على ما دل عليه الكتاب والسنة . وفرق بين الصحابة والتابعين | PageV01P134 ~~| فجوز أن يذهب إلى ما لم ينقل عن واحد منهم في مسألة اختلفوا فيها عن | ~~اجتهاد ولا نص فيها ، ولم يرد إذا أجمعوا على قول واحد فإن الإجماع حجة في ~~| التابعين كما هو في الصحابة على المذهب الصحيح . # وقال سفيان الثوري لما بلغه ذلك عن أبي حنيفة : نتهم رأينا كرأيهم . # وكأنه رحمه الله سوى بين التابعين والصحابة في أنهم إذا أجمعوا في | ~~مسألة على قولين مثلا لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث ، وجوز أبو حنيفة | ~~ذلك ، وهي مسألة مختلف فيها بين الأصوليين وفيها تفصيل سنذكره إن شاء | ~~الله تعالى ، وأما ما أجمع الصحابة عليه فلا كلام في أنه لا تجوز مخالفته . # فقد وضح لك من أقوال الأئمة أنه متى جاء عن رسول الله [ & ] حديث | ثابت ~~فواجب المصير إلى ما دل عليه ظاهره ، ما لم يعارضه دليل آخر على ما | سيأتي ~~تحقيقه ، وهذا هو الذي لا يسع أحدا غيره . # قال الله تعالى : ^ ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم | ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت / ويسلموا تسليما ) ^ ، فنفى | الإيمان ~~عمن لم يحكم رسوله [ & ] فيما وقع التنازع فيه ولم يسلم لقضائه . # وقال عز وجل : ^ ( وإن تطيعوه تهتدوا ) ^ فضمن الهداية في طاعة رسوله | [ ~~& ] ولم يضمنها في طاعة غيره . | PageV01P135 # وقال : ^ ( ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ) ^ . # وأوعد على مخالفته فقال : ^ ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم | ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) ^ . # وقال : ^ ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون | ~~لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) ^ . # قال يونس بن عبد الأعلى : ثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن | ~~مجاهد قال : ليس من أحد إلا ms41 يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي [ & ] . # وروي أيضا عن مجاهد بإسناد آخر ، وروي معناه عن الشعبي ، | وكذلك روى ~~شعبة ، عن الحكم بن عيينة ، وروى أيضا عن مالك بن أنس | وقال : إلا صاحب ~~هذا القبر ، وأشار إلى قبر النبي [ & ] . | PageV01P136 | # | فصل # كان العلماء من قدماء أصحابنا يعتنون ب : ' مختصر المزني ' رحمه الله | ~~حفظا وشرحا ، وبسببه سهل تحصيل مذهب الشافعي رحمه الله على طلابه في | ذلك ~~الزمان ، وسمعه من المزني خلق عظيم من الغرباء ، ورحل إليه بسببه ، | ~~وامتلأت بنسخه البلدان حتى إنه بلغني أن المرأة كانت إذا جهزت للدخول | على ~~زوجها حمل في جهازها مصحف ونسخة من ' مختصر المزني ' ، | فاشتهر اشتهارا ~~عظيما ، وانتفع به أئمة أكابر ، وتخرج به المشايخ ، وتفقه به | معظم ~~الأصحاب . # ويروي عن المزني رحمه الله أنه قال : بقيت في تصنيف هذا ' المختصر ' | / ~~ست عشرة سنة ، وما صليت لله تعالى في طول هذه المدة فريضة ولا نافلة إلا | ~~سألت الله عز وجل البركة لمن تعلمه ونظر فيه . # وجاء عن أبي العباس بن سريج رحمه الله تعالى أنه كان يقول في ' المختصر ' ~~: | # % لصيق فؤادي مذ ثلاثون حجة % % وصيقل ذهني والمفرج عن همي % # % عزيز على مثلي إضاعة مثله % % لما فيه نسج بديع ومن نظم % # % جموع لأنواع العلوم بأسرها % % وآيته أن لا يفارقه كمي % % PageV01P137 # وعلى ترتيبه وضعت الكتب المطولة في مذهب الشافعي ومعظم | المختصرة . ثم ~~صنف أبو العباس بن القاص مختصرة المسمى ب : ' التلخيص ' ، | فاعتني به أيضا ~~حفظا وشرحا . وطالت كتب أصحابنا الكبار الشارحة ل : | ' مختصر المزني ' ~~بجمعهم مسائل المذهب المنتشرة إلى ترتيبه ، وكذلك يذكرون | مذاهب العلماء ~~والكلام عليها بالبحث والتقرير ، ويستدلون للجميع بالآيات | والأخبار ~~والمعاني ، ويلتزمون في كل مسألة منها تقرير مذهبهم ، إلا مواضع | قليلة ~~نادرة ربما يتوقف فيها بعضهم أو ينبه عليها ، وسينقل ذلك في مواضعه | إن ~~شاء الله تعالى . # ولا شك أن النظر في بعض المسائل يؤدي إلى تصحيح مذهب بعض | الأئمة أو إلى ~~ترجيحه ، فمن الإنصاف الاعتراف بل هو الواجب نصحا لدين | الله وللناس فإن ~~الدين النصيحة . # واعلم أنه لا ms42 يفقه كل الفقه من لا يعرف اختلاف الناس ومذاهبهم ، | ويقف ~~على أدلتهم وما تمسكوا به . # قال أبو قدامة : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : لا يجوز أن يكون | / ~~الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح ، وحتى لا يحتج بكل شيء ، | وحتى ~~يعلم مخارج العلم . # وقال قتادة : من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه . | PageV01P138 # وقال عطاء الخراساني : لا ينبغي لأحد أن يفتي أحدا من الناس حتى | يكون ~~عالما باختلاف الناس ، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق | من ~~الذي في يديه . # وسئل مالك بن أنس : لمن تجوز الفتيا ؟ فقال : لمن علم ما اختلف الناس فيه ~~. # وقال سعيد بن أبي عروبة : من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالما . # وقال يحيى بن سلام : ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول : هذا أحب ~~إلي . # وقال الحافظ البيهقي : # ' وقد قابلت بتوفيق الله تعالى أقوال كل واحد من الأئمة بمبلغ علمي | من ~~كتاب الله عز وجل ، ثم ما جمعت من السنن والآثار في الفرائض | والنوافل ~~والحلال والحرام والحدود والأحكام ، فوجدت الشافعي رحمه الله | أكثرهم ~~اتباعا ، وأقواهم احتجابا ، وأصحهم قياسا ، وأوضحهم إرشادا ، | وذلك فيما ~~صنف من الكتب القديمة والجديدة في الأصول والفروع ، بأبين | بيان ، وأفصح ~~لسان ' . | PageV01P139 # قلت : # ثم اشتهر في آخر الزمان على مذهب الشافعي تصانيف الشيخين أبي | إسحاق ~~الشيرازي - وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزاباذي - وأبي | حامد محمد بن ~~محمد بن محمد الغزالي الطوسي رحمهما الله ، فأكب الناس على | الاشتغال ~~بكتبهما ، وكثرت النسخ بها ، واشتهرت اشتهارا عظيما ، وانتفع بها | نفعا ~~كثيرا ، وكثر المتعصبون لهما حتى صار المتبحر المرتفع عند نفسه يرى أن | ~~نصوصهما كنصوص الكتاب والسنة لا يرى الخروج عنها ، وإن أخبر بنصوص | غيرهما ~~/ من أئمة مذهبه [ الواردة ] بخلاف ذلك لم يلتفت إليها التفاته إلى | ~~نصوصهما ؛ تعصبا وحمية وقلة خبرة بالمصنفات ومصنفيها ، وإنما هم على قدر | ~~مبلغهم من العلم . وقد يقع في بعض مصنفاتهما أو مصنفات أحدهما شيء قد | ~~خالف [ المصنف ] فيه صريح حديث صحيح ، أو ساق ms43 حديثا على خلاف | لفظه ، أو ~~نقل إجماعا أو حكما عن مذهب بعض الأئمة وليس كذلك ، فإذا | ذكر لذلك ~~المتعصب الصواب في مثل ذلك تأذى وتنمر ، وصاح وزمجر ، | وأخفى العداوة ~~وأظهر ، وكان سبيله أن يفرح بوصوله إلى علم ما لم يكن | يعرفه ، ولكن عمى ~~التقليد أصمه عن سماع العلم المفيد . ويقول المتحذلق منهم | المتصدر في ~~منصب لا يستحقه : أما كان هؤلاء الأئمة يعرفون هذا الحديث | الصحيح الوارد ~~على خلاف نصهم ، فيرد حديث رسول الله [ & ] ونصه الدال | PageV01P140 | على ~~خلاف ما هو عليه بمثل هذا الهذيان الذي لو فكر فيه أسكته عنه ؛ لأن | خصمه ~~في مثل هذا هو الله ورسوله ؛ لأنه سبحانه افترض علينا طاعة رسوله ، | وقد ~~وصلنا حديثه دالا على أمر فلا نرده بقول أحد إلا بحجة شرعية . # ثم إن في ذلك إبطالا لمذهبه وهدما لأصله الذي مهده إمامه وأسسه | وبنى ~~عليه ، وذلك أن الشافعي رحمه الله إنما تعقب على من كان قبله من | الأئمة ~~بمثل ذلك من دلالات الكتاب والسنة مما ظنه خفي على من سبقه ، | وكان من ~~الممكن أن يقال له : أما كان أولئك يعرفون هذا ، وأولئك المتقدمون | أولى ~~بذلك من هؤلاء المتأخرين ، فلو سمع مثل هذا الهذيان لبطلت المذاهب . # فهذه طريقة من لا يعد من العلماء ، بل ينبغي لكل من يطلب العلم أن | يكون ~~أبدا في طلب ازدياد علم ما / لم يعلم من أي شخص كان ، فالحكمة | ضالة ~~المؤمن أينما وجدها أخذها . وعليه بالإنصاف وترك التقليد واتباع | الدليل ، ~~فكل أحد يخطئ ويصيب إلا من شهدت له الشريعة بالعصمة وهو | النبي [ & ] ~~وإجماع الأمة . # قال الشافعي رحمه الله في كتاب ' اختلاف الحديث ' : أخبرنا | سفيان ، عن ~~عمرو بن دينار ، عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب | نهى عن ~~الطيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة . قال سالم : فقالت عائشة : | ~~PageV01P141 # طيبت رسول الله [ & ] بيدي هاتين لإحرامه قبل أن يحرم ، ولحله قبل أن ~~يطوف | بالبيت ، وسنة رسول الله [ & ] أحق . # قال الشافعي : ' فترك سالم قول جده عمر في إمامته وقبل خبر عائشة ms44 | وحدها ~~، وأعلم من حدثه أن خبرها وحدها سنة وأن سنة رسول الله [ & ] أحق ، | وذلك ~~الذي يجب عليه ، ومنع ذلك الذين بعد التابعين ' . # قلت : # وما زال أكابر الصحابة من [ عهد الصديق ] أبي بكر فمن بعده | رضي الله ~~عنهم يخفي عنهم شيء من السنة كميراث الجدة ، وتوريث المرأة من | دية زوجها ~~، ووضع اليدين على الركبتين في الصلاة ، خفي الأول على أبي | بكر ، والثاني ~~على عمر ، والثالث على ابن مسعود ، حتى نبههم على ذلك | غيرهم ، ولذلك ~~أمثلة كثيرة تأتي في مواضعها عن الصحابة والتابعين وأئمة | المسلمين . ~~ويستسهل ذلك من يسمعه من هؤلاء المتفقهة ولا ينكره قلبه . وإذا | نسب إلى ~~بعض المتأخرين أنه خفي عليه شيء من السنة أنف ذلك المقلد | المتعصب المتصعب ~~من هذا وأنكر ، وخوف وحذر ، وهو غارق في غيه | المنكر ، لو سمع وأبصر . | ~~PageV01P142 # ومن العجب أن كثيرا منهم إذا أورد على مذهبهم أثر عن بعض أكابر | الصحابة ~~يقول مبادرا بلا حياء ولا حشمة : ' مذهب الشافعي الجديد أن قول | الصحابي ~~ليس بحجة ' ، وإنما طريقه في هذا / تأويله وتخريجه والاعتذار عنه | بدون ~~هذه العبارة الردية التي يروم أن يرد بها قول مثل أبي بكر وعمر رضي | الله ~~عنهما لتصحيح مذهبه ، والنبي [ & ] يقول : ' إن تطيعوا أبا بكر وعمر | ~~ترشدوا ' ، ' واقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ' ، وسيأتي الكلام | في ~~تحقيق هذه المسألة ، ونقل مذهب الشافعي وغيره فيها ، وبيان أن الأمر ليس | ~~على ما فهموه ، أو ظنوه وتوهموه . # وإذا أورد لهذا المعجب بمذهبه ، القليل الحياء في عبارته ، حديث صحيح | ~~على خلاف ما سطره له الشيخان أبو إسحاق والغزالي أو أحدهما لا يرى | ~~الانقياد له ، ومذهب الشافعي رحمه الله اتباع الحديث وترك قوله المخالف له ~~| كما سبق . فيرى رد قول الصحابي بقول إمامه كما زعم ، ولا يرى رد قول | من ~~صنف على مذهبه من المتأخرين بقول النبي [ & ] . مع أن الشافعي رضي الله | ~~عنه أذن في هذا وأمر بأن يترك نصه هو في نفسه ، فما الظن بنص بعض متأخري ~~مقلديه . | PageV01P143 # ومما يتعجب منه أيضا من هؤلاء أنهم ms45 يرون مصنفات الشيخ أبي إسحاق | وغيره ~~مشحونة بتخطئة المزني وغيره من الأكابر فيما خالفوا فيه مذهبهم ، فلا | ~~تراهم ينكرون شيئا من هذا ، فإن اتفق أنهم يسمعون أحدا يقول : ' أخطأ | ~~الشيخ أبو إسحاق في كذا بدليل كذا وكذا ' انزعجوا وغضبوا وأنكروا ورأوا | ~~أنه قد ارتكب كبيرا من الإثم ، فإن كان الأمر كما ذكروا فالذي ارتكبه أبو | ~~إسحاق أعظم ، فما لهم لا ينكرون ذلك ولا يغضبون منه ، لولا قلة معرفتهم | ~~وكثرة جهلهم بمراتب السلف رضي الله عنهم . # وما أحسن أبيات منذر بن سعيد البلوطي أحد شيوخ المغرب في العلم | والدين ~~قال رحمه الله تعالى : | # % / عذيري من قوم يقولون كلما % % طلبت دليلا هكذا قال مالك % # % وقد قاله ابن القاسم الثقة الذي % % على قصد منهاج القضا هو سالك % # % فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب % % وقد كان لا تخفى عليه المسالك % # % فإن زدت قالوا قال سحنون مثله % % ومن لم يقل ما قاله فهو آفك % # % فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا % % وقالوا جميعا أنت قرن مماحك % # % وإن قلت قد قال الرسول فقولهم % % أتت مالكا في ترك ذاك المآلك % % ~~PageV01P144 # وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله : | # % يا سائلي عن موضع التقليد خذ % % عني الجواب بفهم لب حاضر % # % وأصخ إلى قولي ودن بنصيحتي % % واحفظ على بوادري ونوادر % # % لا فرق بين مقلد وبهيمة % % تنقاد بين جنادل ودعاثر % # % تبا لقاض أو لمفت لا يرى % % عللا ومعنى للمقال السائر % # % فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة المبعوث % % بالدين الحنيف الطاهر % # % ثم الصحابة عند عدمك سنة % % فأولاء أهل نهى وأهل بصائر % # % وكذاك إجماع الذين يلونهم % % من تابعيهم كابرا عن كابر % # % إجماع أمتنا وقول نبينا % % مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر % # % وكذا المدينة حجة إن أجمعوا % % متتابعين أوائلا بأواخر % # % وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد % % ومع الدليل فمل بفهم وافر % # % وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس % % فرعا بفرع كالجهول الحائر % # % والشر ما فيه فديتك أسوة % % فانظر ولا تحفل بزلة ماهر % % PageV01P145 # / ومما لا يعجبني من تصرفات كثير من المصنفين أنهم يذكرون مذهبهم | في ~~مسألة ثم يقولون : ' وقال فلان ms46 كذا ' أي بخلاف ذلك ، ويذكرون واحدا | من ~~أكابر الصحابة كما في ' الوسيط ' من ذكر عمر رضي الله عنه في مسألة | نقض ~~القضاء في امرأة المفقود ، ومن ذكر علي رضي الله عنه في منع قتل | الذكر ~~بالأنثى ، وفي فصل ما يحصل به العتق في باب الكتابة ، ومن ذكر | ابن مسعود ~~رضي الله عنه في باب القدوة في صلاة الجماعة ، وإنما الواجب | أن تقابل ~~المذاهب بعضها ببعض وأقوال الصحابة بعضها ببعض ، من غير إزراء | بشيء منها ~~، ويرجح الراجح منها بطريقة فيقال : مذهب أبي بكر كذا ، | ومذهب ابن مسعود ~~كذا ، أو يقال : مذهب الشافعي كذا وهو قول زيد بن | ثابت ، وقال ابن مسعود ~~كذا ، فمثل تلك العبارات وما شاكلها نرجو من الله | أن نتجنبها في هذا ~~الكتاب ، ونسأله سبحانه أن يوفقنا للصواب . | # | فصل # قدم تقدم أن الشافعي رحمه الله بنى مذهبه بناء محكما وذلك أنه كان | ~~اعتماده على كتاب الله ، وسنة رسول الله ، والنظر الصحيح من الاجتهاد | ~~الراجع إلى الكتاب والسنة ، وترجيح أشبه المذاهب بالكتاب والسنة ، وهذا هو ~~| PageV01P146 | الأس الصحيح القوي الذي يتم البناء عليه ، إلا أنه رحمه ~~الله قد يعرض له ما | يعرض لغيره من البشر ممن ليس بمعصوم من الغفلة ~~والنسيان ، فأحالنا بصريح | قوله على أن ما صح من أقوال النبي [ & ] فهو ~~مذهبه ، فلم يترك رحمه الله لعائب | عيبا ، ولا لمنتقد من حساده انتقادا ، ~~وإنما بقي نظر المقتدين به السالكين مسلكه | المتمسكين بمذهبه في البحث في ~~السنن والآثار التي جمعها الأئمة الكبار | وتيسرت ، فينظر فيما كان فيها ~~مخالفا لما نص عليه فيفعل فيه ما أمر به . # وقد بحثت - والحمد لله - عن معرفة أحكام الله تعالى / وما خاطبنا به في | ~~كتابه العزيز وعلى لسان نبيه محمد [ & ] ، واستخرجت ذلك من معادنه وهي | ~~كتب الحديث المعتمد عليها عند أربابها ، ورددت ما اختلف فيه العلماء إلى | ~~ذلك بمبلغ جهدي وطاقتي عملا بقوله تعالى : ^ ( فإن تنازعتم في شيء فرده إلى ~~| الله والرسول ) ^ ، فظهر لي ما ستراه في هذا الكتاب مختارا ، وجميع ذلك ~~إن | شاء الله تعالى ms47 هو مذهب الشافعي . # من ذلك : # - ما هو منصوص له وقد صحح الأصحاب خلافه لأجل نص له آخر | كصوم الولي عن ~~الميت . # - أو يكون النص لا خلاف عنه فيه لكنه على مخالفة حديث ثابت | كاختياره ~~قول المأموم : ' سمع الله لمن حمده ' في الرفع من الركوع كالإمام . ~~PageV01P147 # - أو يكون قد علق قوله على ثبوت حديث فوجد ثابتا كإخراج | الأقط في زكاة ~~الفطر . # - أو دل عليه حديث آخر ثابت . # - أو يكون الشافعي قد تمسك بحديث وفي الباب حديث أثبت منه قد دل | على ~~خلاف ذلك ، كحديث عمار في التيمم ضربة واحدة مسح بها وجهه | وكفيه . # - أو يكون الحديث قد دل على حكم في مسألة لم يعلم فيها نص | للشافعي بنفي ~~ولا إثبات ، كرفع اليدين عند القيام من التشهد الأول . # - أو يكون الشافعي قد تمسك بظاهر آية أو حديث وقد دل الدليل | على أن ذلك ~~ليس على ظاهره ، كإلزام كل من يخرج زكاة ماله بنفسه أن | يصرفها إلى ~~الأصناف الثمانية أو من قدر عليه منهم حتى في زكاة الفطر . | وكنقض الطهارة ~~بمس الفرج وإن كان الاحتياط فعل ما قاله الشافعي رحمه الله | في هذا ، لكن ~~هذا الاحتياط يكون مندوبا لا واجبا . # فمذهب الشافعي في هذا كله أو أكثره الرجوع إلى ما ثبت في السنة . # فأما ما طريقه البحث والنظر فللاجتهاد فيه مجال فقد يظهر له ما لم يظهر | ~~لغيره ، فلا نقوله ما لم يقل كما في مسألة الأصناف ومس الفرج ، لكن ننبه | ~~على الدليل المقتضي خلاف ذلك ويرجح به مذهب غيره إن لم يمكن | إدراج ذلك ~~فيما أمر به من مخالفة قوله لدلالة السنة / الصحيحة لأن هذا | في معناه ~~والله أعلم . | PageV01P148 # فنقول : ما صح من حديثه [ & ] ودل على حكم لا نص للشافعي على | خلافه فهو ~~مذهبه لا شك فيه ؛ أخذا من قوله ومما أمر به ، وأما ما له نص | على خلافه ~~فهو على قسمين : # أحدهما : أن يكون الحديث لم يبلغه فهذا كالقسم الأول يترك نصه | ويصار ~~إلى الحديث وهو مذهبه كما أمر ، وذلك إذا ms48 وضحت دلالة الحديث | على ذلك ~~الحكم ، أما إذا خفيت وأمكن الجمع بين الحديث والنص وأمكن | تنزيل الحديث ~~عليه فلا . # القسم الثاني : أن يكون الحديث قد بلغ الشافعي ووقف عليه وعرف | ثبوته ~~وأوله وتكلم عليه ، فينظر في كلامه فإن كان ظاهرا متوجها لا دفع له لم | ~~يخالف ، وحمل الحديث على ما حمله هو عليه ، وذلك كاختياره الجهر | بالبسملة ~~في الصلوات الجهرية ، وتأويله لحديث أنس الثابت الظاهر الدلالة في | بعض ~~الروايات على نفي الجهر بما ذكرناه في كتاب مفرد لذلك . # ومن ذلك أيضا إفطار الصائم بالحجامة فإنه رحمه الله لم ير ذلك وتكلم | ~~على حديث : ' أفطر الحاجم والمحجوم ' بأنه منسوخ فيما سيأتي في موضعه . | ~~PageV01P149 # وإن كان لكلامه مدفع صير إلى الحديث لأن ذلك يتناوله قوله : ' ودعوا | ما ~~قلت ' ، وذلك كما سنذكره في التيمم إلى المرفقين ونحوه . فإذا وضحت | الحجة ~~، لم يبق إلا سلوك تلك المحجة . # ولا ينبغي أن يفعل هذا إلا في حديث لم يعلم أن الشافعي تكلم عليه | بكلام ~~شاف بعد البحث التام عن ذلك ، ثم ليبحث عن ذلك الحديث هل له | معارض أو ~~ناسخ أو مانع من العمل به ، ولا يتأتى ذلك إلا من عالم بعلوم | الاجتهاد ~~فذلك هو الذي خاطبه الشافعي رحمه الله بقوله : ' إذا وجدتم حديث | رسول ~~الله [ & ] على خلاف قولي فخذوا به ودعوا ما قلت ' . # وليس هذا الكل أحد فكم في السنة من أحاديث كثيرة صحيحة والعمل | / ~~والفتوى على خلاف ظاهرها إما إجماعا وإما اختيار لمانع منع من ذلك مما | ~~عهد رسول الله [ & ] وأبي بكر ' ، ' صليت مع رسول الله [ & ] بالمدينة سبعا ~~| جميعا وثمانيا جميعا في غير خوف ولا مطر ' ، ' غسل الجمعة واجب على | كل ~~محتلم ' ، وسيأتي الكلام على كل ذلك إن شاء الله تعالى في مواضعه . | ~~PageV01P150 # فالأمر في ذلك ليس بالسهل ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمة الله : | ' ~~الحديث مضلة إلا للفقهاء ' ، ويروى : ' إلا للعلماء ' ، يريد من قذف الله | ~~تعالى في قلبه نور العلم ؛ فقه في دينه ، وعرف مخارج الأحاديث ، وليس العلم ~~| بكثرة الرواية كما قال مالك ms49 بن أنس رحمه الله وقد تقدم والله أعلم . | # | فصل # هذه الفصول التي ذكرناها فصول حسنة كثيرة الفوائد ، مجموعة من عدة | ~~مصنفات ، ينبغي لكل من يعتني بالعلم النظر فيها والاطلاع عليها ، وقد رأيت ~~| أن أختمها بفصل هو أهمها وأجلها وأعمها نفعا وأولاها ذكرا ، وهو ما اعتنى ~~| ببيانه الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في أول كتاب ' الإحياء ' من ~~نصح | أهل العلم وبيان العلوم النافعة والتحذير من العلوم الضارة حيث قال : # ' أدلة الطريق هم العلماء ، الذين هم ورثة الأنبياء ، وقد شغر عنهم | ~~الزمان ، ولم يبق إلا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان ، واستغواهم ~~| الطغيان ، وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفا ، فصار يرى المعروف | منكرا ~~والمنكر معروفا ، حتى ظل علم الدين مندرسا ، ومنار الهدى في أقطار | الأرض ~~منطمسا ، ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة يستعين | بها ~~القضاة على فصل الخصام عند تهاويش الطغام ، أو جدل يتذرع به | PageV01P151 ~~| طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام / أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى | ~~استدراج العوام ، إذا لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام ، وشبكة | ~~للحطام . فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله | ~~سبحانه في كتابه فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح | بين ~~الخلق مطويا ، وصار نسيا منسيا ' . # ثم أتى على علم المعاملة وقال : # ' هو علم أحوال القلب ؛ ما يحمد منها كالصبر والشكر والخوف | والرجاء ~~والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء وحسن الخلق والصدق | والإخلاص ، ~~وما يذم كالغل والحقد والحسد والغش والكبر والرياء والبخل | والتزين للخلق ~~والمداهنة والخيانة وطول الأمل والقسوة وقلة الحياء وقلة الرحمة ، | فهذه ~~وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش ، والأخلاق المحمودة منبع | الطاعات ~~، والعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمرتها وعلاجها هو | علم ~~الآخرة ، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة ، المعرض عنها هالك | بسطوة ملك ~~الملوك في الآخرة ، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك | بسيف سلاطين ~~الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا . فنظر الفقهاء في فروض | العين بالإضافة ~~إلى صلاح الدنيا ، وهذه ms50 بالإضافة إلى صلاح الآخرة . ولو | سئل فقيه عن معنى ~~من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا أو عن التوكل أو | PageV01P152 | عن ~~وجه الاحتراز عن الربا لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله | هلاكه ~~في الآخرة . ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد | عليك مجلدات ~~من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى | شيء منها ، وإن ~~احتيج لم يخل البلد عمن يقوم بها ويكيفه مؤنة التعب فيها ' . # ثم ساق / الكلام إلى أن قال : # ' فلا تغفل عن الصحابة وعلو منصبهم ، وأنه لم يكن تقدمهم إلا بعلم | ~~الآخرة وسلوك طريقها ، وما فضل أبو بكر رضي الله عنه الناس إلا بشيء وقر | ~~في صدره كما شهد له سيد البشر . # فليكن حرصك في طلب ذلك الشيء فهو الجوهر النفيس والدر المكنون ، | فلقد ~~قبض رسول الله [ & ] عن آلاف من الصحابة كلهم علماء بالله عز وجل ، | ولم ~~يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام ، ولم ينصب نفسه للفتوى منهم إلا | القليل ، ~~وكان ابن عمر منهم وكان إذا سئل عن الفتوى يقول : ' اذهب إلى | هذا الأمير ~~الذي تقلد أمور الناس وضعها في عنقه ' ، إشارة إلى أن الفتوى في | ~~PageV01P153 | القضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة . ولما مات عمر ~~رضي الله عنه قال | ابن مسعود : مات تسعة أعشار العلم . فقيل له : أتقول ~~ذلك وفينا جلة | الصحابة ؟ فقال : لست أريد علم الفتوى والأحكام إنما أريد ~~العلم بالله سبحانه . # أفترى أنه أراد صنعة الكلام والجدل ، فمالك لا تحرص على معرفة ذلك | ~~العلم الذي مات بموت عمر رضي الله عنه ' . # ثم قال : # ' وقد كان كل واحد من الفقهاء - الذين هم قادة الخلق وكثرت | أتباعهم - ~~عابدا زاهدا عالما بعلوم الآخرة ، فقيها في مصالح الخلق في الدنيا ، | ~~مريدا بفقه وجه الله تعالى . # فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء الفرق من جملتها على خصلة واحدة | وهي ~~التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه ؛ لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا | ~~للآخرة ، وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا والآخرة إن أريد بها الآخرة ، | ~~فلصلاحها للدنيا تشمروا لها وادعوا بها ms51 مشابهة أولئك الأئمة ، وهيهات فلا | ~~تقاس الملائكة بالحدادين ' . | PageV01P154 # ثم قال : # ' وتصرفوا في لفظ الفقه فخصصوه بمعرفة الفروع الغربية في الفتاوى ، | ~~والوقوف على دقائق عللها / واستكثار الكلام فيها ، وحفظ المقالات المتعلقة ~~| بها ، فمن كان أشد تعمقا فيها وأكثر اشتغالا بها يقال هو الأفقه . ولقد ~~كان | اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة ، ومعرفة دقائق ~~آفات | النفوس ومفسدات الأعمال ، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا ، وشدة التطلع ~~إلى | نعيم الآخرة ، واستيلاء الخوف على القلب . ويدلك عليه قوله تعالى : | ~~^ ( ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) ^ ، وما به ~~الإنذار والتخويف هو | هذا الفقه دون تفريعات الطلاق واللعان والسلم ~~والإجارة ، فذلك لا يحصل به | إنذار وتخويف ، بل التجرد له على الدوام يقسي ~~القلب وينزع الخشية منه كما | يشاهد من المتجردين له . # وقال النبي [ & ] للذين وفدوا عليه : ' علماء حكماء فقهاء ' . | ~~PageV01P155 # وسئل سعد بن إبراهيم : أي أهل المدينة أفقه ؟ فقال : أتقاهم . # فكأنه أشار إلى ثمرة الفقه ، والتقوى ثمرة العلم الباطن دون الفتاوى ~~والأقضية . # وروي موقوفا ومرفوعا : ' لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في | ذات ~~الله ، ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتا ، وحتى يرى للقرآن وجوها ' . # وسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء فأجابه فقال : إن الفقهاء | يخالفونك . ~~فقال الحسن : ثكلتك أمك فريقد ، وهل رأيت فقيها بعينك ، إنما | الفقيه ~~الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، البصير بدينه ، المداوم على عبادة ~~ربه ، | الورع الكاف نفسه عن أعراض المسلمين ، العفيف عن أموالهم ، الناصح ~~لجماعتهم . # قال : ' ولفظ العلم كان يطلق على العلم بالله وبآياته ، وأفعاله في | ~~عباده وبأحكامه وصفاته ، وصار الآن مطلقا على من لا يحيط من علوم الشرع | ~~PageV01P156 | بشيء سوى رسوم جدلية ، في مسائل خلافية ، فيعد به من فحول ~~العلماء مع | جهله بالتفسير والأخبار وعلم المذهب / وغيره ، وصار ذلك سببا ~~مهلكا لخلق | كثير من الطلبة ' . # قال : ' واسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والمنجم حتى على | الذي يدحرج ~~القرعة على أكف السوادية في شوارع الطرق . والحكمة هي التي | أثنى الله عز ~~وجل عليها فقال : ^ ( ومن ms52 يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) ^ . | وقال [ & ~~] : ' كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا ' ' . # قال : ' فانظر ما الذي كانت الحكمة عبارة عنه وإلى ماذا نقل ، وقس به | ~~بقية الألفاظ ' . # ثم قال - مرشدا إلى ماذا ينبغي أن يشتغل به من العلوم فقال - : # ابتدئ بكتاب الله ، ثم بسنة رسول الله [ & ] ، ثم بعلم التفسير وسائر | ~~علوم القرآن وكذا في السنة ، ثم اشتغل بالفروع وهو علم المذهب من علم | ~~الفقه دون الخلاف ، ثم بأصول الفقه ، وهكذا إلى بقية العلوم على ما يتسع له ~~| العمر ، واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة ' . | PageV01P157 # ثم قال : ' وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه الأعصار المتأخرة وأبدع | ~~فيها من التحريرات والتصنيفات والمجادلات ما لم يعهد مثلها في السلف ، ~~فإياك وأن | تحوم حولها ، واجتنبها اجتناب السم القاتل فإنه الداء العضال ، ~~وهو الذي رد الفقهاء | كلهم إلى طلب المنافسة والمباهاة على ما سيأتيك ~~تفصيل غوائلها وآفاتها ' . # قال : ' وهذا الكلام ربما يسمع من قائله فيقال : الناس أعداء ما جلهوا ، ~~| فلا تظنن ذلك ، فعلى الخبير سقطت فيه ، واقبل هذه النصيحة ممن ضيع العمر ~~فيه | زمانا ، وزاد فيه على الأولين تصنيفا وتحقيقا وجدلا وبيانا ، ثم ~~ألهمه الله سبحانه | رشده / وأطلعه على غيه ، فهجره واشتغل بنفسه ولا يغرنك ~~قول من يقول : | الفتوى عماد الشرع ، ولا تعرف علله إلا بعلم الخلاف فإن ~~علل المذهب | مذكورة في المذهب ، والزيادة عليها مجادلات لم يعرفها الأولون ~~ولا الصحابة ، | وكانوا أعلم بعلل الفتاوى من غيرهم ، بل هي - مع أنها غير ~~مفيدة في علم | المذهب فهي - ضارة مفسدة لذوق الفقه . وقد رئي بعض العلماء ~~في المنام فقيل | له : ما خبر تلك العلوم التي كنت تجادل فيها وتناظر عليها ~~؟ فبسط يده ونفخ | فيها وقال : طاحت كلها هباء منثورا ، ما انتفعت إلا ~~بركعتين خلصتا لي في | جوف الليل ' . # وقد سبق في بعض الفصول المتقدمة أخبار وآثار في ذم الجدل . # ثم قال الغزالي رحمه الله : | ' اعلم أن الخلافة بعد رسول الله [ & ] ~~تولاها الخلفاء الراشدون وكانوا | أئمة وعلماء بالله تعالى وفقهاء في ms53 ~~أحكامه ، ومستقلين بالفتاوى في الأقضية ، | PageV01P158 | فكانوا لا ~~يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة ، | ~~فتفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا لها ، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما ~~يتعلق | بأحكام الخلق من الدنيا ، وأقبلوا على الله عز وجل بكنه اجتهادهم ، ~~كما نقل | من سيرهم . # فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوا بغير استحقاق ولا استقلال | ~~بعلم الفتاوى والأحكام ، اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في ~~جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم ، وكان قد بقي من علماء | ~~التابعين من هو مستمر على الطراز الأول وملازم صفو الدين ، ومواظب على | ~~سمت علماء السلف ، فكانوا إذا / طلبوا هربوا وأعرضوا ، واضطر الخلفاء إلى | ~~الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات ، فرأى أهل تلك الأعصار عز | ~~العلماء وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم ، فاشرأبوا لطلب ~~العلم | توصلا إلى نيل الغرور ودرك الجاه من قبل الولاة ، فأكبوا على علم ~~الفتاوى | وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم ، وطلبوا الولايات ~~والصلات منهم ، | فمنهم من حرم ، ومنهم من أنجح ، والمنجح لم يخل من ذل ~~الطلب ومهانة | الابتذال ، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين ، ~~وبعد أن كانوا أعزة | بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم ، إلا من ~~وفقه الله عز وجل في كل | عصر من علماء دينه . # وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية | لشدة ~~الحاجة إليها في الولايات والحكومات ، ثم ظهر بعدهم من الصدور | والأمراء ~~من سمع كلام الناس في قواعد العقائد ، ومالت نفسه إلى سماع الحجج | ~~PageV01P159 | فيها ، فعلم رغبته في المناظرة والمجادلة في الكلام ، فأكب ~~الناس على علم الكلام | وأكثروا فيه التصانيف ، ورتبوا فيه طرق المجادلات ، ~~واستخرجوا فنون المناقضات في | المقالات ، وزعموا أن غرضنا الذب عن دين ~~الله عز وجل ، والنضال عن السنة | وقمع المبتدعة ، كما زعم من قبلهم أن ~~غرضهم الاستقلال بفتاوى الدين ، وتقلد | أحكام المسلمين إشفاقا على خلق ~~الله ونصيحة لهم ، ثم ظهر بعد ذلك من الصدور | من لم يستصوب الخوض في ~~الكلام وفتح باب المناظرة فيه لما كان قد تولد في ms54 فتح | بابه من التعصبات ~~الفاحشة ، والخصومات / الناشئة المفضية إلى إهراق الدماء | وتخريب البلاد ، ~~ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهبي الشافعي | وأبي ~~حنيفة ، فترك الناس الكلام في فنون العلم وانثالوا على المسائل الخلافية ، ~~| وأكثروا فيها التصاريف والاستنباطات ، ورتبوا فيها أنواع المجادلات ~~والتصنيفات ، | وهم مستمرون عليه إلى الآن ، وليس ندري ما الذي قدر الله ~~سبحانه فيها بعدنا | من الأعصار ' . # قلت : # ما ازدادوا في ذلك إلا ضلالا ، ما زال أهل [ فن ] الخلاف ينسلون من | فقه ~~المذهب انسلالا ، حتى أورثهم العميدي بطريقته وبالا ، وعلمهم محالا ، لو | ~~PageV01P160 | خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ، ولكن الله تعالى تدارك ~~أمرهم ، وأطفأ | جمرهم ، وأذهب شرهم ، فأهلكهم وبددهم ، وأفناهم وشردهم ، ~~ونرجو من | الله تعالى أن يعيد عباده إلى خير ما عودهم . # ثم قال الغزالي رحمه الله : # ' وأما الخلاف المحض ومجادلة الكلام ومعرفة التفريعات الغربية فلا يزيد | ~~التجرد لها مع الإعراض عن غيرها إلا قسوة في القلب ، وغفلة عن الله سبحانه ~~، | وتماديا في الضلال وطلب الجاه ، إلا من تداركه الله برحمته ، أو مزج به ~~غيره من | العلوم الدينية ، ولا برهان على هذا كالتجربة والمشاهدة ، فانظر ~~واعتبر | واستبصر تشاهد تحقيق ذلك في العباد والبلاد . # رئي سفيان الثوري رحمه الله حزينا ، فقيل له : مالك ؟ فقال : صرنا متجرا ~~| لأبناء الدنيا ، يلزمنا أحدهم حتى إذا تعلم جعل عاملا أو قاضيا أو ~~قهرمانا ' . # ثم قال الغزالي : | ' أما علماء الدنيا فإنهم يتبعون غرائب التفريع في ~~الحكومات | والأقضية ، ويتعبون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع ، وإن وقعت ~~/ فإنما | تقع لغيرهم لا لهم ، وإذا وقعت كان في القائمين بها كثرة ، ~~ويتركون ما | يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل والنهار في خواطرهم ووساوسهم ~~وأعمالهم ، | وما أبعد من السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر ~~، إيثار للقبول | والتقرب من الخلق على التقرب من الله عز وجل ، وشرها في ~~أن يسميه | البطالون من أبناء الدنيا فاضلا محققا عالما بالدقائق ، وجزاؤه ~~من الله تعالى أن لا | PageV01P161 | ينتفع في الدنيا بقبول الخلق ، بل ~~يتكدر عليه صدره بنوائب ms55 الزمان ، ثم يرد | القيامة مفلسا متحسرا على ما ~~يشاهده من ربح العاملين ، وفوز المقربين ، وذلك | هو الخسران المبين . # ولقد كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء ، وأقربهم | هديا ~~من الصحابة ، اتفقت الكلمات في حقه على ذلك ، وكان أكثر كلامه في | خواطر ~~القلوب ، وفساد الأعمال ، ووساوس النفوس ، والصفات الخفية | الغامضة من ~~شهوات النفس . وقيل له : يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام ليس | يسمع من غيرك ~~فمن أين أخذته ؟ فقال : من حذيفة بن اليمان ' . # قلت : # كذا هو في كتاب ' الإحياء ' ، والحسن يصغر عن لقاء حذيفة رضي الله | ~~عنهما ، ولعله أراد : أخذته من كلامه ومن طريقته ، أي سلكت مسلكه الذي | ~~روي لنا عنه والله أعلم . # وقال حذيفة : ' معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى ، وإن منكركم | معروف ~~زمان قد أتى ، وإنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق ، وكان القائم فيكم | ~~غير مستخف به ' . # قال أبو حامد : ' ولقد صدق فأكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في | عصر ~~الصحابة ، إذ من غرر المعروفات في زماننا تزيين المساجد وتنجيدها ، | ~~وإنفاق الأموال العظيمة في دقائق عماراتها ، وفرش البسط الرفيعة فيها ، وقد ~~| PageV01P162 | / كان يعد فرش البواري في المسجد بدعة ، وقيل : إنه من ~~محدثات الحجاج ؛ | فقد كان الأولون قلما يجعلون بينهم وبين التراب حاجزا . ~~وكذلك الاشتعال | بدقائق الجدل والمناظرة من أجل علوم الزمان ، ويزعمون أنه ~~أعظم القربات ، | وقد كان ذلك من المنكرات . ومن ذلك التلحين في الأذان ~~والقرآن ، والتعسف | في النظافة والوسوسة في الطهارة ، وتقدير الأسباب ~~البعيدة في نجاسة الثياب ، | مع التساهل في حل الأطعمة وتحريمها ، إلى ~~نظائر ذلك . # ولقد صدق ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال : ' أنتم اليوم في زمان | الهوى ~~فيه تابع للعلم ، وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعا للهوى ' . # وكان أحمد يقول : تركوا العلم وأقبلوا على الغرائب ، ما أقل الفقه فيهم | ~~والله المستعان . # وقال مالك بن أنس : لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور | كما ~~يسأل الناس اليوم ، ولم يكن العلماء يقولون : حرام ولا حلال ، أدركتهم | ~~يقولون : مكروه ومستحب . # ومعناه أنهم كانوا ينظرون ms56 في دقائق الكراهية والاستحباب ، فأما الحرام | ~~فكان تجنبه ظاهرا . # وكان هشام بن عروة يقول : لا تسألوهم اليوم عما أحدثوا فإنهم قد | أعدوا ~~له جوابا ، ولكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها . | PageV01P163 # وقال بعض العارفين : إنما انقطع الأبدال في أطراف الأرض واستتروا | عن ~~أعين الجمهور لأنهم لا يطيقون النظر إلى علماء الوقت ؛ لأنهم عندهم | جهال ~~بالله تعالى ، وهم عند أنفسهم وعند الجاهلين علماء . # وقال سهل التستري : كل عالم خاض في الدنيا فلا ينبغي أن يصغى إلى | قوله ~~؛ لأن كل إنسان يخوض فيما أحب ويدفع ما لا يوافق محبوبه ، ولذلك قال | ~~تعالى : ^ ( ولا تطع من / أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ~~) ^ . # وكتب يوسف بن أسباط إلى حذيفة المرعشي رحمهما الله : ما ظنك بمن | بقي لا ~~يجد أحدا يذكر الله تعالى معه إلا كان آثما ، وكانت مذاكرته معصية ، | وذلك ~~أنه لا يجد أهله . # قال أبو حامد : ' ولقد صدق فإن مخالطة الناس لا تنفك من غيبة أو | سكوت ~~على منكر ، وأحسن أحواله أن يفيد علما ، ولو تأمل لعلم أن المستفيد | إنما ~~يريد أن يجعل ذلك آلة إلى طلب الدنيا ، ووسيلة إلى الشر ، فيكون هو | معينا ~~له وردءا وظهيرا ومهيئا لأسبابه ، كالذي يبيع السيف من قطاع الطريق ، | ~~فالعلم كالسيف وصلاحه للخير كصلاح السيف للغزو ' . | PageV01P164 # ثم قال : ' فكن أحد رجلين ؛ إما متصفا بهذه الصفات - يعني صفات | علماء ~~الآخرة - أو معترفا بالتقصير مع الإقرار به ، وإياك أن تكون الثالث فتلبس | ~~على نفسك بأن تلقب آلة الدنيا بالدين ، وسيرة البطالين بسيرة العلماء | ~~الراشدين الراسخين ، فتلتحق - بجهلك وإنكارك - بزمرة الهالكين الآيسين ، ~~نعوذ | بالله من خدع الشيطان فبها هلك الجمهور ، ونسأل الله أن يجعلنا ممن ~~لا تغره | الحياة الدنيا ولا يغره بالله الغرور . # قلت : # ونحن من المقرين بالتقصير المعترفين به ، ونسأل الله حسن النية فيما | ~~قصدناه ، وحسن العاقبة فيما تعبنا فيه ونويناه ، وأن يوفقنا لتحصيل العلم ~~النافع | ونشره ، ويجعلنا دعاة إلى سبيله وأمره ، فمتى / حصل حسن النية ~~أمنا كل هذه | الآفات ، فإن الأعمال كما قال النبي [ & ] بالنيات ms57 . # قال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت محمد بن أحمد الفراء يقول : قيل | ~~لحمدون القصار : ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا ؟ قال : لأنهم تكلموا | ~~لعز الإسلام ، ونجاة النفوس ، ورضا الرحمن ، ونحن نتكلم لعز النفس ، وطلب | ~~الدنيا ، وقبول الخلق . # ومما غلب على المتفقهة المراء والجدال ومناقشة الناس في الكلام وذلك | ~~مذموم منهي عنه ، وقد بسط أبو حامد الغزالي رحمه الله الكلام فيه في كتاب | ~~PageV01P165 | آفات اللسان وهو الرابع من ربع المهلكات من كتاب ' إحياء ~~علوم الدين ' | وذكره أيضا في كتاب ' بداية الهداية ' ثم قال : # ' ومن خالط فتفقهة العصر غلب على طبعه المراء وعسر عليه الصمت ، | إذ ~~ألقى إليهم علماء السوء أن ذلك هو الفضل ، وأن القدرة على المجاحدة | ~~والمناقشة هو الذي يتمدح به ، ففر منهم فرارك من الأسد ، واعلم أن المراء | ~~سبب المقت عند الله وعند الخلق ' . # وذكر في كتاب ذم الغرور آخر ربع المهلكات من كتاب ' الإحياء ' | بيان ~~أصناف المغرورين فقال : # ' منهم فرقة أحكمت العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها ، وأهملوا | ~~تفقه الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات ، واغتروا بعلمهم فظنوا | ~~أنهم عند الله . بمكان ، وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذب الله مثلهم ~~، بل | يقبل في الخلق شفاعتهم ، وأنه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم ~~على | الله ، وهم مغرورون / فإن العلم لا يراد إلا للعمل ، فالمريض إذا عرف ~~الدواء | ولم يستعمله لم تنفعه معرفته للدواء شيئا - يعني فيما يرجع إلى ~~شفاء مرضه - | قال الله تعالى : ^ ( قد أفلح من زكاها ) ^ ولم يقل : أفلح ~~من تعلم كيفية | تزكيتها وكتب علمها وعلمها الناس ' . | PageV01P166 # قال : ' فإن أذكره الشيطان ما جاء في فضائل العلم وغره بذلك فليذكر | ما ~~ورد في ذم العالم الفاجر . # وقال ابن مسعود : كفى بخشية الله علما ، وكفى بالاغترار بالله جهلا . # واستفتي الحسن عن مسألة فأجاب فقيل : إن فقهاءنا لا يقولون ذلك . | فقال ~~: وهل رأيتم فقيها قط ، الفقيه القائم ليله ، الصائم نهاره ، الزاهد في ~~الدنيا ' . # وقد تقدم هذا الأثر بعبارة أخرى . # ثم ذكر أبو حامد رحمه الله ما يفعلونه في ملابسهم ومجالسهم ms58 ومراكبهم | من ~~التكبر ، وإذا عوتبوا في ذلك قالوا : ما هذا كبر إنما هو عز للدين وإظهار | ~~لشرف العلم ؛ فإنا لو لبسنا الدون من الثياب وجلسنا في الدون من المجالس | ~~شمت بنا أعداء الدين ، وكان في ذلك ذل على المسلمين . ونسي المغرور ما | ~~كان النبي [ & ] والصحابة عليه من التواضع والتبذل والقناعة بالفقر ~~والمسكنة ، | حتى عوتب عمر رضي الله عنه في بذاذة زيه عند قدومه الشام ، ~~فقال : إنا | قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب العز في غيره ' . | ~~PageV01P167 # قال : ' ويدخل أحدهم إلى السلطان ، ويتودد إليه ، ويثني عليه ، ويتواضع | ~~له ، وإذا خطر له أن التواضع للسلاطين الظلمة حرام قال له الشيطان : أنت | ~~غرضك أن تشفع للمسلمين ، وتزيل الضرر عنهم ، وتدفع شر أعدائك عن | نفسك ، ~~والله يعلم من باطنه أنه لو / ظهر لبعض أقرانه قبول عند ذلك | السلطان حتى ~~رفع الضرر عن جميع المسلمين ثقل ذلك عليه ، ولو قدر على | أن يقبح حاله عند ~~السلطان بالطعن فيه والكذب عليه لفعل ' . # قال : ' وقد ينتهي غرور بعضهم إلى أن يأخذ أموالهم ، وإذا خطر له | أنه ~~حرام قال له الشيطان : هذا مال لا مالك له وهو لمصالح المسلمين ، وأنت إمام ~~| المسلمين وعالمهم وبك قوام دين الله ، أفلا يحل لك أن تأخذ قدر حاجتك ! ' ~~. # قال : ' والذين أخذ منهم ذلك المال أو أولادهم وورثتهم أحياء ، ولعل | ~~الذين فسد دينهم بهذا هذا العالم فرغبوا في الدنيا وأعرضوا عن الآخرة ، | ~~أكثر من الذين زهدوا في الدنيا وأقبلوا على الله بسببه ، فهو دجال ويعتقد ~~أن به | قوام الدين ' . | PageV01P168 # قال : ' وأصناف غرور أهل العلم في هذه الأعصار المتأخرة خارج عن | الحصر ~~، وإذا أراد الله بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه ، ومن سرته حسناته وساءته | ~~سيئاته فهو مرجو الحال ، وأمره أقرب من المغرور المزكي لنفسه الممتن على | ~~الله بعلمه وعمله ، الظان أنه من خيار خلقه . وهذا غرور الذين حصلوا العلوم ~~| المهمة لكن قصروا في العمل بالعلم . # فأما غرور الذين قنعوا من العلوم بما لا يهمهم ، فمنهم فرقة اقتصروا على ~~| علم الفتاوى والحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدنيوية ms59 الجارية بين ~~| الخلق لمصالح المعايش ، وخصصوا اسم الفقه بها وسموها الفقه وعلم المذهب ، ~~| وربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة ، فلم يتفقدوا الجوارح ، ~~ولم | يحرسوا اللسان عن / الغيبة ، والبطن عن الحرام ، والرجل عن المشي إلى ~~| السلاطين ، وكذا سائر الجوارح ، ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والرياء ~~والحسد | وسائر المهلكات ؛ فهؤلاء مغرورون من حيث العمل والعلم . # أما العمل فقد ذكرنا أن مثالهم مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء | ~~واشتغل بتكراره وتعليمه . لا بل مثالهم من به علة البواسير والبرسام وهو | ~~مشرف على الهلاك ويحتاج إلى تعلم الدواء واستعماله ، فاشتغل بتعلم دواء | ~~الاستحاضة ، وبتكرار ذلك ليلا ونهارا مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا | ~~يستحاض ، ولكن يقول : ربما وقع علة الاستحاضة لامرأة وتسألني عنها ، | ~~PageV01P169 | وذلك غاية الغرور ، فكذلك المتفقه المسكين قد سلط عليه حب ~~الدنيا واتباع | الشهوات والحسد والكبر والرياء ، فيلقى الله وهو عليه ~~غضبان . فترك ذلك كله | واشتغل بعلم السلم والإجارة والظهار واللعان ~~والجراحات والديات والدعاوى | والبينات وبكتاب الحيض ، ولا يحتاج إلى شيء ~~من ذلك قط في عمره لنفسه ، | وإذا احتاج غيره كان في المفتين كثرة ، فيشتغل ~~بذلك ويحرص عليه لما فيه من | الجاه والمال والرياسة . # وأما من حيث العلم فحيث اقتصر على علم الفتاوى وظن أنه علم | الدين ، ~~وترك علم كتاب الله وسنة رسوله [ & ] ، وترك علم تهذيب الأخلاق ، | وترك ~~الفقه عن الله بإدراك جلاله وعظمته ، وهو العلم الذي يورث الخوف | والهيبة ~~والخشوع ويحمل على التقوى ، فقد ترك العلوم التي هي / أهم وهو | غافل مغرور ~~، وسبب غروره ما سمع في الشرع من تعظيم الفقه ، ولم يدر أن | ذلك الفقه هو ~~الفقه عن الله ومعرفة صفاته المخوفة والمرجوة التي بها يستشعر | القلب ~~الخوف ويلازم التقوى ' . # وقال في كتاب العزلة وهو السادس من ربع العادات من ' كتاب الإحياء ' : # ' أما التعليم ففيه ثواب عظيم مهما صحت نية المتعلم والمعلم ، ومهما | ~~كان القصد إقامة الجاه والاستكثار بالأصحاب والأتباع فهو هلاك الدين . | ~~وحكم العالم في هذا الزمان أن يعتزل إن أراد سلامة دينه فإنه لا يرى | ~~PageV01P170 | مستفيدا ms60 يطلب فائدة لدينه ، بل لا طالب إلا لكلام مزخرف ~~يستمال به العوام | في معرض الوعظ ، أو لجدال معقد يتوصل به إلى إفحام ~~الأقران ، ويتقرب به إلى | السلطان ، ويستعمل في معرض المنافسة والمباهاة . # وأقرب علم مرغوب فيه المذهب ولا يطلب غالبا إلا للتوصل إلى التقدم | على ~~الأمثال ، وتولي الولايات واجتلاب الأموال ، وهؤلاء كلهم يقتضي الدين | ~~والحزم الاعتزال عنهم ، فإن صودف طالب لله ومتقرب بالعلم إلى الله فأكبر | ~~الكبائر الاعتزال عنه ، وكتمان العلم منه ، وهذا لا يصادف في بلد كبير أكثر ~~| من واحد أو اثنين إن صودف . # ولا ينبغي أن يغتر الإنسان بقول سفيان : ' تعلمنا العلم لغير الله فأبى ~~أن | يكون إلا لله ' ، وأن الفقهاء يتعلمون لغير الله ثم يرجعون إلى الله . ~~وانظر إلى | أواخر أعمار الأكثرين منهم ، واعتبرهم أنهم ماتوا وهم هلكى على ~~طلب الدنيا | ومتكالبين عليها ، أو راغبين عنها / وزاهدين فيها ، وليس ~~الخبر كالمعاينة . # واعلم أن العلم الذي أشار إليه سفيان هو علم الحديث وتفسير القرآن | ~~ومعرفة سير الأنبياء والصحابة فإن فيها التخويف والتحذير ، وهي سبب لإثارة ~~| الخوف من الله تعالى ، فإن لم يؤثر في الحال أثر في المآل . # فأما الكلام والفقه المجرد الذي يتعلق بفتاوى المعاملات وفصل | الخصومات ~~، المذهب منه والخلاف ، فلا يرد الراغب فيه للدنيا إلى الله ، بل لا | يزال ~~متماديا في حرصه إلى آخر عمره ، فلا ينبغي أن يخادع الإنسان نفسه ، فإن | ~~المقصر العالم بتقصيره أسعد حالا من الجاهل المغرور أو المتجاهل المغبون . ~~وكل | عالم اشتد حرصه على التعليم يوشك أن يكون غرضه القبول والجاه ، وحظه ~~| PageV01P171 | تلذذ النفس في الحال باستشعار الإدلال على الجهال والتكبر ~~عليهم ، فآفة العلم | الخيلاء كما قال [ & ] . # ولذلك حكي عن بشر أنه دفن عشرة قماطر من كتب الأحاديث التي | سمعها ، ~~وكان لا يحدث ويقول : إني أشتهي أن أحدث فلذلك لا أحدث ، ولو | اشتهيت أن ~~لا أحدث لحدثت ، ولذلك قال : ' ثنا ' باب من الدنيا ، وإذا قال | الرجل : ' ~~ثنا ' فإنما يقول : أوسعوا لي . # وقالت رابعة العدوية لسفيان الثوري : نعم الرجل أنت لولا رغبتك في | ~~الدنيا ms61 . قال : وفي ماذا رغبت ؟ قالت : في الحديث . # ولذلك قال أبو سليمان الداراني : من تزوج أو كتب الحديث أو اشتغل | ~~بالسفر فقد ركن إلى الدنيا . # والحزم الاحتراز بالعزلة وترك الاستكثار من الأصحاب ما أمكن ، بل | الذي ~~يطلب الدنيا بتدريسه وتعليمه / فالصواب له إن كان عاقلا في هذا | الزمان أن ~~يترك ذلك ، فلقد صدق أبو سليمان الخطابي حيث قال : # دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك فليس لك منهم مال ولا جمال ، | إخوان ~~العلانية أعداء السر ، إذا لقوك تملقوك ، وإذا غبت عنهم سبعوك ، من | أتاك ~~منهم كان عليك رقيبا ، وإذا خرج كان عليك خطيبا ، أهل نفاق ونميمة ، | وغل ~~وخديعة ، فلا تغتر باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم بل الجاه والمال ، | وأن ~~يتخذوك سلما إلى أوطارهم ، وحمارا في حاجاتهم ، إن قصرت في غرض | ~~PageV01P172 | من أغراضهم كانوا أشد أعدائك ، ثم يعدون ترددهم إليك دالة ~~عليك ، ويرونه | حقا واجبا لديك ، ويعرضون عليك أن تبذل عرضك وجاهك ودينك ~~لهم ، | فتعادي عدوهم ، وتنصر قريبهم وخادمهم ووليهم ، وتنتهض لهم سفيها ، ~~وقد | كنت فقيها ، وتكون لهم تابعا خسيسا ، بعد أن كنت متبوعا رئيسا ، ~~ولذلك | قيل : اعتزال العامة ، مروءة تامة . # قال : فهذا معنى كلامه وإن خالف بعض ألفاظه ، وهو حق وصدق فإنك | ترى ~~المدرسين في رق دائم ، وتحت حق لازم ، ومنة ثقيلة ممن يتردد إليهم ، | ~~فكأنه يهدي تحفه إليهم ، فيرى حقه واجبا عليهم ، وربما لا يختلف إليه ما لم ~~| يتكفل برزق له على الإدرار . # ثم إن المدرس المسكين قد يعجز عن القيام بذلك من ماله ، فلا يزال | يتردد ~~إلى أبواب السلاطين يقاسي الذل والشدائد مقاساة الذليل المهين ، حتى | يكتب ~~له على بعض وجوه السحت مال حرام ، ثم لا يزال العامل يسترقه | ويستخدمه ~~ويمتهنه ويستذله إلى أن يسلم إليه ما يقدره نعمة مستأنفة من عنده | عليه ، ~~ثم يبقى في مقاساة / القسمة على أصحابه ، إن سوى بينهم مقته | المبرزون ، ~~ونسبوه إلى الحمق ، وقلة التمييز ، والقصور عن درك مصادفات | الفضل ، ~~والقيام في مقادير الحقوق بالعدل ، وإن فاوت بينهم سلقه السفهاء | بألسنة ~~حداد ، وثاروا عليه ثوران ms62 الأساود والآساد ، فلا يزال في مقاساتهم في | ~~الدنيا ، وفي مظالم ما يأخذه ويفرقه في العقبى . والعجب أنه مع هذا البلاء ~~كله | تمنيه نفسه بالأباطيل ، وتدليه بحبل الغرور ، وتقول له : لا تفتر عن ~~صنيعك | فإنما أنت بما تفعله مريد وجه الله ، ومذيع شرع رسول الله [ & ] ، ~~وناشر علم | دين الله ، وقائم بكفاية طلاب العلم من عباد الله ، وأموال ~~السلاطين لا مالك | PageV01P173 | لها وهي مرصدة للمصالح ، وأي مصلحة أكبر ~~من تكثير أهل العلم ، فبهم يظهر | الدين ويتقوى أهله . # قال : ولو لم يكن ضحكة للشيطان لعلم بأدنى تأمل أن فساد الزمان لا | سبب ~~له إلا كثرة أمثال أولئك الفقهاء الذين يأكلون ما يجدون ، ولا يميزون | بين ~~الحلال والحرام ، تلحظهم أعين الجهال فيستجرؤن على المعاصي | باستجرائهم ، ~~اقتداء بهم واقتفاء لآثارهم ، ولذلك قيل : ما فسدت الرعية إلا | بفساد ~~الملوك ، وما فسد الملوك إلا بفساد العلماء . فنعوذ بالله من الغرور والعمى ~~| فإنه الداء الذي ليس له دواء ' . # وقال في كتاب ذم الغرور أيضا : ' فالعلم المهم هو معرفة سلوك | الطريق ، ~~وقطع عقبات القلب التي هي الصفات المذمومة ، فهي الحجاب بين | العبد وبين ~~الله ، وإذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا عن الله . # ومثال المقتصر على علم الفقه مثال من اقتصر من سلوك طريق الحج على | علم ~~خرز الرواية والخف ، ولا شك في أنه لو لم يكن لتعطل الحج ، ولكن | المقتصر ~~عليه / ليس من الحاج في شيء ' . # قال : ' ومن هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيات ، ولم يهمه | إلا ~~تعلم طرق المجادلة والإلزام ، وإفحام الخصوم ، ودفع الحق ؛ لأجل الغلبة | ~~PageV01P174 | والمباهاة ، فهو طول الليل والنهار في التفتيش عن مناقضات ~~أرباب المذاهب ، | والتفقد لعيوب الأقران ، والتلقف لأنواع الأسباب المؤذية ~~. # وهؤلاء هم سباع الإنس ، طبعهم الإيذاء ، وهمهم السفه . فنعوذ بالله من | ~~الغفلة والاغترار ، ونسأله سلوك طريق الأبرار ، ومجانبة الأشرار الفجار ' . # قلت : # فليثبنه المشتغل بالعلم ، وليتدبر ما ذكر في هذا الفصل من الفضل ، والله ~~| يوفقنا وإياه ، لما يحبه ويرضاه . # وقد رأيت أن أختمه بشيء من عبارات أهل المعرفة والتقوى ، العاملين | ~~بالعلم الذي ms63 يورث الخوف والهيبة والخشوع والزهد في الدنيا . # روينا عن عبد الله بن خبيق الأنطاكي - وهو أحد السادة العباد - | قال : ~~سألت يوسف بن أسباط : هل مع حذيفة المرعشي علم ؟ فقال : معه العلم | الأكبر ~~خوف الله عز وجل . | PageV01P175 # ذكر في مجلس أحمد بن حنبل معروف الكرخي رحمة الله عليهما فقال | بعض من ~~حضر : هو قليل العلم . فقال أحمد : أمسك - عافاك الله - وهل يراد | من ~~العلم إلا ما وصل إليه معروف . # قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : ذهب أبي ويحيى بن معين إلى معروف ، | ~~فقال يحيى بن معين : أيش المعنى في سجدتي السهو ولم جعلتا في الصلاة ؟ فقال ~~| معروف مسرعا : عقوبة للقلب - عافاك الله - إذا سها ، ولم سها عن الله عز ~~| وجل وهو بين يدي الله عز وجل ؟ قال : فقال له أبي : يا أبا زكريا ، هذا ~~من | علمك ، هذا من كتبك أو من كتب أصحابك . # / وعن جعفر بن محمد الخواص قال : سئل جنيد بن محمد عن فرض | الصلاة ، فدل ~~السائل إلى مجالس الفقهاء ، فلما مضى الرجل قال لأصحابه : | تدرون ما فرض ~~الصلاة ؟ قطع العلائق ، وجمع الهم ، والحضور بين يدي الله عز | وجل . قيل ~~له : كيف تدخل في الصلاة ؟ قال : بإلقاء سمع ، وشهود قلب ، | وحضور عقل ، ~~وجمع هم ، وصحة تيقظ ، وحسن إقبال ، وتدبر في ترتيل . # وعن زيد بن يحيى الذراع قال : كنا عند مالك بن دينار فمر به خليفة | ~~البحراني ، فسلم على مالك . فقال له عظنا يا أبا عبد الله . | قال : بم أعظ ~~يا أبا | يحيى ؟ إنك - والله - إن عرفت الله حق معرفته أغناك ذلك عن كل ~~كلام | وموعظة . يا أبا يحيى إن المؤمنين لم يعبدوا إلههم عن رؤية وإنما ~~عبدوه عن | دلالة . إنهم - والله - لما نظروا إلى اختلاف الليل والنهار ، ~~ودوران هذا الفلك ، | PageV01P176 | وارتفاع هذا السقف المرفوع بغير عمد ، ~~ومجاري هذه الأنهار والبحار ، علموا | - والله - أن لذلك صانعا مدبرا ، لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة من خلقه في | السماوات ولا في الأرض ، فعبدوه - والله - ~~بدلالته على نفسه عبادة أنضت | الأبدان ، وأحالت الألوان ، حتى ms64 كأنما عبدوه ~~عن رؤية ، فهم في الدنيا حية | قلوبهم ، ميتة جوارحهم ، إلا عند الذكر ~~والمناجاة والنهوض إلى طاعة الله . # قال : فبكى مالك يومئذ بكاء شديدا ، ثم قام عشية إذ ولم يتكلم . # قال أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي الحافظ : # دخلت دمشق على كتبة الحديث ، فمررت بحلقة قاسم الجوعي ، فرأيت | نفرا ~~جلوسا حوله وهو يتكلم عليهم / فهالني منظرهم ، فتقدمت إليهم | فسمعته يقول ~~: # اغتنموا من أهل زمانكم خمسا : إن حضرتم لم تعرفوا ، وإن غبتم لم | ~~تفتقدوا ، وإن شهدتم لم تشاوروا ، وإن قلتم شيئا لم يقبل قولكم ، وإن عملتم ~~| شيئا لم تعطوا به . وأوصيكم بخمس أيضا : إن ظلمتم لم تظلموا ، وإن مدحتم ~~لم | تفرحوا ، وإن ذممتم لم تجزعوا ، وإن كذبتم فلا تغضبوا ، وإن خانوكم ~~فلا | تخونوا . قال : فجعلت هذا فائدتي من دمشق . # قلت : # فهذا وأمثاله هو ثمرة علم العلماء الذين يريدون الله بطلب العلم النافع ، ~~| جعلنا الله منهم بفضله ، ووفقنا لأن نكون من أهله . | PageV01P177 # آخر الخطبة الكبرى المقدمة بين يدي كتاب : ' العلم الجامع بين الفقه | ~~والآثر ' ، [ و ] الحمد لله رب العالمين ، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد ~~وآله | وصحبه خير البشر . # فرغه كاتبه لنفسه علي بن أيوب بن منصور المقدسي عفا الله عنه ، في | ~~أواخر ذي القعدة سنة ثمان وسبعمائة ، بالمدرسة الباذرائية من دمشق صانها ~~الله | وأهلها وسائر بلاد المسلمين . # وقابلها وعارضها بالأصل المنقول منه المعارض بأصل المصنف المسموع | عليه ~~وعليه خطه رحمه الله ، فصح حسب الطاقة ، نفعنا الله به والمسلمين . | ~~PageV01P178 ms65