######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022676 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: 665هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 665 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022676 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22676 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22676 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: طيار آلتي قولاج #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار صادر - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1395 هـ - 1975 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # الحمد لله الواحد الوتر الرحيم البر، عالم الغيب والشهادة والسر والجهر، ~~مصعد الكلم الطيب ومنزل القطر الذي يسر القرآن للذكر وأنزله في ليلة القدر. # أحمده وهو أهل الحمد والشكر على ما يساء وسر، وبيده النفع والضر، {ألا له ~~الخلق والأمر} (1) ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المؤمل لحط ~~الوزر ورفع الإصر وإسبال الستر وإلهام الصبر، شهادة مرغمة لأهل الشرك ~~والكفر، سارة لأهل التقوى المأمورين بالصلاة والصيام والحج والنحر. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (2) ~~المبعوث من خير العرب، وهم قريش أولاد لؤي بن غالب بن فهر، المرسل لإظهار ~~الإيمان بمعجزة القرآن ممن وفق لقبولها ومن المعاندين بالقسر والقهر. # صلى الله عليه وعلى جميع النبيين والملائكة المقربين الأكرمين كما شرفهم ~~بالعصمة والطهر، وفضلهم على ساكني البر والبحر، وعلى آله وصحبه الأبرار ~~أولي الحجا والحجر، والبشارة والبشر، والحل والعقد PageV01P005 # والطي والنشر، من أهل الهجرة والإنفاق والإيواء والنصر، المجاهدين ~~بالأنفس والأموال الموفين بالنذر، وعلى تابعيهم بإحسان، وعلى جميع أهل ~~الولاية والطاعة والبر، وعفا عن أهل التقصير الذين هم [2 و] لأولئك اللباب ~~كالقشر، وسلم عليهم أجمعين أبد الدهر، ما طلع الفجر، وأشرقت الشمس ونور ~~البدر. # أما بعد: فهذا تصنيف جليل يحتاج إليه أهل القرآن، خصوصا من يعتني بعلم ~~القراءات السبع ولا يعرف معنى هذه التسمية ولا ماذا نحاه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" (1) ولا يدري ما كان الأمر ~~عليه في قراءة القرآن وكتابته في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن جمع ~~بعده في خلافة أبي بكر (2) ، ثم جمع في خلافة عثمان (3) رضي الله عنهما، ~~ولا يهتدي إلى ما فعله كل واحد منهما، وما الفرق بين جمعيهما، وما الضابط ~~الفارق بين القراءات الشواذ وغيرها. # وأرجو أن يكون هذا التصنيف مشتملا على ذلك كله، قيما ببيانه مع فوائد أخر ~~تتصل به، وبالله التوفيق. # وقد حصل مقصود هذا الكتاب في ms001 ستة أبواب: PageV01P006 # الباب الأول في البيان عن كيفية نزول القرآن وتلاوته وذكر حفاظه في ذلك ~~الأوان. # الباب الثاني في جميع الصحابة رضي الله عنهم القرآن وإيضاح ما فعله أبو ~~بكر وعمر (1) وعثمان رضي الله عنهم. # الباب الثالث في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على ~~سبعة أحرف"، وشرح ذلك من كلام كل مصنف منصف. # الباب الرابع في معنى [2 ظ] القراءات السبع المشهورة الآن وتعريف الأمر ~~في ذلك كيف كان. # الباب الخامس في الفصل بين القراءة الصحيحة القوية والشاذة الضعيفة ~~المروية. # الباب السادس في الإقبال على ما ينفع من علوم القرآن والعمل بها، وترك ~~التعمق في تلاوة ألفاظه والغلو بسببها. # وسميته: # "المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز". # وهي معرفة كيفية نزول القرآن وجمعه وتلاوته، ومعنى الأحرف السبعة التي ~~نزل عليها، والمراد بالقراءات السبع وضابط ما قوي منها، وبيان ما انضم ~~إليها، والتعريف بحق تلاوته وحسن معاملته، والله الموفق. PageV01P007 ### | الباب الأول: في البيان عن كيفية نزول القرآن وتلاوته وذكر حفاظه في ذلك الأوان # قال الله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (1) وقال تعالى: {إنا ~~أنزلناه في ليلة مباركة} (2) ، وقال جلت قدرته: {إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر} (3) ، فليلة القدر هي الليلة المباركة وهي في شهر رمضان جمعا بين ~~هؤلاء الآيات؛ إذ لا منافاة بينها، فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ليلة ~~القدر في شهر رمضان، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتماسها في العشر ~~الأخير منه (4) ، ولا ليلة أبرك من ليلة، هي خير من ألف شهر. فتعين حمل ~~قوله سبحانه: {في ليلة مباركة} على ليلة القدر. كيف، وقد أرشد إلى ذلك قوله ~~تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} (5) ، فهو موافق لمعنى تسميتها بليلة ~~القدر؛ لأن معناه التقدير، فإذا ثبت هذا، علمت أنه قد أبعد من قال: الليلة ~~المباركة هي ليلة النصف من شعبان، وأن قوله تعالى: {أنزل فيه القرآن} (6) ~~معناه: PageV01P009 # أنزل في شأنه وفضل صيامه وبيان أحكامه، وأن ليلة القدر توجد في جميع ~~السنة لا تختص بشهر ms002 رمضان، بل هي منتقلة في الشهور على مر السنين، واتفق أن ~~وافقت زمن أنزال القرآن ليلة النصف من شعبان: # وإبطال هذا القول متحقق بالأحاديث الصحيحة الواردة في بيان ليلة القدر ~~وصفاتها وأحكامها على ما سنقرره إن شاء الله تعالى في المسائل الفقهية بين ~~كتابي الصيام والاعتكاف. # وبما اخترناه من القول في الجمع بين الآيات الثلاث، ورد الخبر عن ابن ~~عباس (1) رضي الله عنهما، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهود ~~له بأنه حبر الأمة وترجمان القرآن. # أخرج الحافظ أبو بكر البيهقي (2) في "كتاب الأسماء والصفات"، من حديث ~~السري (3) عن محمد بن أبي المجالد (4) عن مقسم (5) عن ابن عباس PageV01P010 # رضي الله عنهما قال: سأله عطية بن الأسود (1) فقال: إنه قد وقع في قلبي ~~الشك في قول الله عز وجل: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (2) ، وقوله ~~تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (3) ، وقوله سبحانه: {إنا أنزلناه في ~~ليلة مباركة} (4) ، [3 ظ] وقد أنزل في شوال وذي القعدة وذي الحجة ... يعني ~~وغير ذلك من الأشهر. # فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه أنزل في رمضان وفي ليلة القدر وفي ~~ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا في الشهور ~~والأيام (5) . # قلت: رسلا أي رفقا، وقوله على مواقع النجوم، أي على مثل مواقع النجوم، ~~ومواقعها مساقطها، يريد أنزل مفرقا يتلو بعضه بعضا على تؤدة ورفق، فقوله ~~على مواقع النجوم في موضع نصب على الحال، ورسلا أي ذا رسل يريد مفرقا ~~رافقا. # ودل أيضا على أن إنزال القرآن كان في شهر رمضان، رواية قتادة (6) عن ~~PageV01P011 # أبي المليح (1) عن واثلة بن الأسقع (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست ~~مضين من شهر رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان، وأنزل ~~الزبور لثماني عشرة خلت من شهر رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من ~~شهر رمضان" (3) . هكذا أخرجه البيهقي في "كتاب الأسماء والصفات" (4) و"شعب ms003 ~~الإيمان" (5) له، وذكره أيضا الثعلبي (6) في تفسيره (7) وغيره. # ووقع في "تفسير الماوردي" وغيره: "وأنزل الزبور لثنتي عشرة (8) والإنجيل ~~لثماني عشرة" (9) . وكذلك هو في كتاب أبي عبيد (10) . PageV01P012 # وفي بعض التفاسير عكس هذا: الإنجيل لثنتي عشرة والزبور لثماني عشرة، ~~واتفقوا على أن صحف إبراهيم عليه السلام لأول ليلة [4 و] والتوراة لست مضين ~~والقرآن لأربع وعشرين خلت. # قال أبو عبد الله الحليمي: يريد ليلة خمس وعشرين (1) . # وذكر أبو بكر ابن أبي شيبة (2) -وهو أحد شيوخ مسلم- (3) في "كتاب ثواب ~~القرآن" (4) عن أبي قلابة (5) قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من ~~رمضان. وعنه: أنزلت التوراة والزبور لثنتي عشرة، وفي رواية أخرى: الزبور في ~~ست، يعني في رمضان (6) . PageV01P013 # قال البيهقي في معنى قوله: "أنزل القرآن لأربع وعشرين": إنما أراد -والله ~~أعلم- نزول الملك بالقرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا (1) . # وقال في معنى قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (2) : يريد -والله ~~أعلم: إنا أسمعناه الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع، فيكون الملك ~~منتقلا به من علو إلى سفل (3) . # قلت: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى ~~شيء منه: يحتاج إلى نحو هذا التأويل أهل السنة المعتقدون قدم القرآن، وأنه ~~صفة قائمة بذات الله تعالى. # وفي المقصود بالإنزال الخاص المضاف إلى ليلة القدر أقوال: # أحدها: أنه ابتدئ إنزاله فيها. # والثاني: أنه أنزل في عشرين ليلة من عشرين سنة. # فنذكر ما حضرنا من الآثار في ذلك ومن أقوال المفسرين. # قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام [4 ظ] في "كتاب فضائل القرآن": حدثنا ~~يزيد (4) -يعني ابن هارون- عن داود بن أبي PageV01P014 # هند (1) عن عكرمة (2) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل القرآن جملة ~~واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، وقرأ: ~~{وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} (3) . # أخرجه الحاكم أبو عبد الله (4) في "كتاب المستدرك على الصحيحين" وقال في ~~آخره: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (5) . # ورواه عبد الأعلى (6) عن داود ms004 وقال: فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا ~~أوحاه، أو يحدث في الأرض منه شيئا أحدثه (7) . PageV01P015 # قال أبو عبيد: لا أدري كيف قرأه يزيد في حديثه، إلا أنه لا ينبغي أن يكون ~~على هذا التفسير إلا "فرقناه" بالتشديد. # قال أبو نصر ابن القشيري (1) في تفسيره: فرقناه أي فصلناه (2) . # قال ابن جبير (3) : نزل القرآن كله من السماء العليا إلى السماء السفلى ~~ثم فصل في السماء السفلى في السنين التي نزل فيها. # قال قتادة: كان بين أوله وآخره عشرون سنة، ولهذا قال: {لتقرأه على الناس ~~على مكث} (4) . # وقيل: فرقناه أي جعلناه آية آية وسورة سورة، وقيل: فصلناه أحكاما، كقوله ~~تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} (5) ، أي يفصل، وقيل: "فرقناه" بالتشديد أي ~~أنزلناه مفرقا، على مكث على تؤدة وترسل ونزلناه تنزيلا: أي نجما بعد نجم، ~~وقيلك جعلناه منازل ومراتب ينزل شيئا بعد [5 و] شيء ولو أخذوا بجميع ~~الفرائض في وقت واحد لنفروا. # وأسند الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك" من حديث ابن أبي ~~PageV01P016 # شيبة، حدثنا جرير (1) عن منصور (2) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (3) ، قال: أنزل القرآن ~~جملة واحدة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم، وكان الله ~~عز وجل ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض، قال الله ~~تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به ~~فؤادك ورتلناه ترتيلا} (4) ، صحيح على شرطهما (5) . # وأسنده البيهقي في دلائله (6) والواحدي (7) في تفسيره (8) . # وأسند البيهقي في "كتاب الشعب" عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء ~~PageV01P017 # الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين، قال: وتلا الآية {فلا أقسم بمواقع ~~النجوم} (1) ، قال: نزل متفرقا (2) . # قلت: هو من قولهم: نجم عليه الدية أي قطعها، ومنه نجوم الكتابة، فلما قطع ~~الله سبحانه القرآن وأنزله مفرقا قيل لتفاريقه نجوم، ومواقعها: مساقطها، ms005 ~~وهي أوقات نزولها، وقد قيل: إن المراد {بمواقع النجوم} مغارب نجوم السماء، ~~والله أعلم. # وقوله في الرواية الأولى: وكان بموقع النجوم: أي بمنزلة ذلك في تفرقه ~~وعدم تتابعه على وجه الاتصال، وإنما هو على حسب الوقائع والنوازل، وكذا ~~مواقع النجوم بحساب [5 ظ] أزمنة معلومة تمضي. وقرئ {بمواقع} بالجمع ~~و"بموقع" بالإفراد (3) . # وقال أبو الحسن الواحدي المفسر: وقال مقاتل (4) : أنزله الله من اللوح ~~المحفوظ إلى السفرة، وهم الكتبة من الملائكة في السماء الدنيا، فكان ينزل ~~ليلة القدر من الوحي على قدر ما ينزل به جبريل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم في السنة كلها إلى مثلها من العام القابل، حتى نزل القرآن كله في ليلة ~~القدر، ونزل به جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام في عشرين سنة (5) . ~~PageV01P018 # وفي "كتاب المنهاج" لأبي عبد الله الحليمي: كان ينزل من اللوح المحفوظ ~~إلى السماء الدنيا في كل ليلة، قدر ما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى الليلة التي تليها (1) ، فينزل جبريل عليه السلام ذلك نجوما بأمر الله ~~تعالى فيما بين الليلتين من السنة إلى أن ينزل القرآن كله من اللوح المحفوظ ~~في عشرين ليلة من عشرين سنة (2) . # قلت: فهذان قولان في كيفية إنزاله في ليلة القدر: أحدهما أنه نزل جملة ~~واحدة، والثاني أنه نزل في عشرين ليلة من عشرين سنة. # وذكر أبو الحسن الماوردي (3) في تفسيره قال: نزل القرآن في رمضان وفي ~~ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة من عند الله تعالى من اللوح المحفوظ ~~إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل ~~عليه السلام عشرين عليه، ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ~~[6 و] سنة، فكان ينزل على مواقع النجوم إرسالا في الشهور والأيام (4) . # ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (5) قال: فيه ~~قولان: أحدهما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما (6) ، فذكر ذلك، وكأنه ~~قول ثالث غير القولين المقدمين، أو أراد الجمع بينهما، PageV01P019 # فإن قوله: نزل جملة واحدة، ms006 هو القول الأول، وقوله: فنجمته السفرة على ~~جبريل عشرين ليلة، هو القول الثاني، كأنه فسر قول من قال: نزل في عشرين ~~ليلة بأن المراد بهذا الإنزال تنجيم السفرة ذلك على جبريل، قال: والقول ~~الثاني أن الله عز وجل ابتدأ بإنزاله في ليلة القدر، قال: وهذا قول الشعبي ~~(1) . # قلت: هو إشارة إلى ابتداء إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فإن ذلك كان وهو متحنث بحراء في شهر رمضان، وقد بينت ذلك في "شرح حديث ~~المبعث" (2) ، وغيره، وهذا وإن كان الأمر فيه كذلك إلا أن تفسير الآية به ~~بعيد مع ما قد صح من الآثار عن ابن عباس: أنه نزل جملة إلى سماء الدنيا، ~~على ما تقدم. # وفي الكتاب "المستدرك" أيضا عن الأعمش (3) عن حسان بن حريث (4) عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء ~~الدنيا فجعل جبريل عليه السلام ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم ويرتله ~~ترتيلا. قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (5) . PageV01P020 # وخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "كتاب ثواب القرآن" عن ابن عباس [6 ظ] رضي ~~الله عنهما في قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (1) قال: رفع إلى ~~جبريل في ليلة القدر جملة فرفع في بيت العزة ثم جعل ينزل تنزيلا (2) . # وفي "تفسير الثعلبي" عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح ~~المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، ~~ثم نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم نجوما عشرين سنة، فذلك قوله ~~عز وجل: {فلا أقسم بمواقع النجوم} (3) . # وقال أبو عبيد: حدثنا ابن أبي عدي (4) عن داود بن أبي هند قال: قلت ~~للشعبي: قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (5) ، أما نزل عليه ~~القرآن في سائر السنة إلا في شهر رمضان؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض ~~محمدا عليهما السلام بما ينزل عليه في سائر السنة في شهر رمضان. # زاد الثعلبي ms007 في تفسيره: فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء ~~وينسيه ما يشاء (6) . # زاد غير الثعلبي: فلما كان في العام الذي قبض فيه عرضه عرضتين، ~~PageV01P021 # فاستقر ما نسخ منه وبدل (1) . # وقال أبو القاسم البغوي (2) : حدثنا الحسن بن سفيان (3) ، حدثنا أبو بكر ~~بن أبي شيبة، حدثنا ابن أبي عدي عن داود بن أبي هند عن الشعبي: أن جبريل ~~عليه السلام كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بما أنزل عليه في سائر ~~السنة في شهر رمضان. # وعن أبي عبيد، عن إسماعيل بن إبراهيم (4) ، عن أيوب السختياني (5) ، عن ~~محمد بن سيرين (6) [7 و] نبئت أن القرآن كان يعارض على النبي صلى الله عليه ~~وسلم كل عام مرة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه ~~مرتين، قال ابن سيرين: فيرون أو يرجون أن تكون قراءتنا هذه أحدث القراءات ~~عهدا بالعرضة الأخيرة. PageV01P022 # قال ابن أبي شيبة: حدثنا الحسين بن علي (1) ، عن أبيه، عن ابن جدعان (2) ~~، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني (3) قال: القراءة التي عرضت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرأها ~~الناس اليوم (4) . # ورأيت في بعض التفاسير، قال: وقال جماعة من العلماء: نزل القرآن جملة ~~واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت، يقال له بيت العزة، فحفظه ~~جبريل عليه السلام، وغشي على أهل السماوات من هيبة كلام الله، فمر بهم ~~جبريل وقد أفاقوا فقالوا: {ماذا قال ربكم قالوا الحق} (5) ، يعني القرآن، ~~وهو معنى قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} (6) ، فأتى به جبريل إلى بيت ~~العزة، فأملاه جبريل على السفرة الكتبة، يعني الملائكة، وهو قوله تعالى: ~~{بأيدي سفرة، كرام بررة} (7) . # نقتله من "كتاب شفاء القلوب"، وهو تفسير علي بن سهل النيسابوري (8) . ~~PageV01P023 # وما رواه داود عن الشعبي، يعد قولا رابعا في معنى قوله تعالى: {أنزل فيه ~~القرآن} (1) ، وكأنه نزل عرضه وإحكامه في رمضان من كل سنة منزلة إنزاله ~~فيه، مع أنه قد لا ينفك من إحداث إنزال ما ms008 لم ينزل أو تغيير بعض ما نزل ~~بنسخ أو إباحة [7 ظ] تغيير بعض ألفاظه على ما سيأتي، وإن ضم إلى ذلك كونه ~~ابتدأ نزوله في شهر رمضان ظهرت قوته. # وقد أوضحنا في "كتاب شرح حديث المبعث" (2) : أن أول ما نزل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} (3) ، وذلك بحراء عند ابتداء ~~نبوته، ويجوز أن يكون قوله: {أنزل فيه القرآن} إشارة إلى كل ذلك، وهو كونه ~~أنزل جملة إلى السماء الدنيا وأول نزوله إلى الأرض وعرضه وإحكامه في شهر ~~رمضان، فقويت ملابسة شهر رمضان للقرآن، إنزالا جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما، ~~فلم يكن شيء من الأزمان تحقق له من الظرفية للقرآن ما تحقق لشهر رمضان، ~~فلمجموع هذه المعاني قيل: {أنزل فيه القرآن} . # فإن قلت: ما السر في إنزاله جملة إلى السماء الدنيا؟ # قلت: فيه تفخيم لأمره وأمر من أنزل عليه، وذلك بإعلام سكان السماوات ~~السبع أن هذا آخر الكتب، المنزل على خاتم الرسل لأشرف الأمم، قد قربناه ~~إليهم لننزله عليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب ~~الوقائع لم نهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله ~~تعالى باين بينه فجمع له الأمرين إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقا. PageV01P024 # وهذا من جملة ما شرف به نبينا صلى الله عليه وسلم، كما شرف بحيازة درجتي ~~الغني الشاكر والفقير الصابر، فأوتي مفاتيح خزائن الأرض، فردها واختار [8 ~~و] الفقر والإيثار بما فتح الله عليه من البلاد، فكان غنيا شاكرا وفقيرا ~~صابرا صلى الله عليه وسلم. # فإن قلت: في أي زمان نزل جملة إلى السماء الدنيا، أبعد ظهور نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم أم قبلها؟ # قلت: الظاهر أنه قبلها، وكلاهما محتمل، فإن كان بعدها، فالأمر على ما ~~ذكرناه من التفخيم له ولمن أنزل عليه، وإن كان قبلها، ففائدته أظهر وأكثر؛ ~~لأن فيه إعلام الملائكة بقرب ظهور أمة أحمد المرحومة الموصوفة في الكتب ~~السالفة، وإرسال نبيهم خاتم الأنبياء كما أعلم الله سبحانه وتعالى الملائكة ~~قبل خلق ms009 آدم بأنه جاعل في الأرض خليفة (1) ، وكما أعلمهم أيضا قبل إكمال ~~خلق آدم عليه السلام بأنه يخرج من ذريته محمد وهو سيد ولده، وعلى ذلك حملنا ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" (2) ، على ما ~~أوضحناه في "كتاب شرح المدائح النبوية" (3) ، وكان العلم بذلك حاصلا عند ~~الملائكة، ألا ترى أن في حديث الإسرى (4) ، لما كان جبريل يستفتح له ~~السماوات سماء سماء؟ كان يقال له: من هذا؟ فيقول: جبريل، يقال: من معك؟ ~~فيقول: محمد، فيقال: وقد بعث إليه؟ فيقول: نعم. فهذا كلام من كان عنده علم ~~بذلك قبل ذلك PageV01P025 # وقد تكلم على فائدة إنزال القرآن جملة، شيخنا أبو الحسن (1) رحمه الله ~~ببعض ما ذكرناه (2) . # ووقفت على كلام حسن للحكيم الترمذي [8 ظ] أبي عبد الله محمد بن علي (3) ~~في تفسيره فقال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا تسليما منه ~~للأمة ما كان أبرز لهم من الحظ بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن ~~بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت رحمة، فلما خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، فوضع القرآن ببيت العزة في السماء ~~الدنيا ليدخل في حد الدنيا، ووضعت النبوة في قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وجاء جبريل عليه السلام بالرسالة ثم الوحي، كأنه أراد تبارك وتعالى أن يسلم ~~هذه الرحمة التي كانت حظ هذه الأمة من الله تعالى إلى الأمة، ثم أجرى من ~~السماء الدنيا الآية بعد الآية عند نزول النوائب، قال الله تعالى: {وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (4) ، وقال عز وجل: {يا أيها الناس قد جاءتكم ~~موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} (5) . PageV01P026 # وقال الشيخ أبو الحسن في كتابه "جمال القراء ... ": في ذلك تكريم بني ~~آدم، وتعظيم شأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله عز وجل بهم ورحمته ~~لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة لما أنزل سورة الأنعام أن ~~تزفها، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل عليه السلام بإملائه على ms010 ~~السفرة الكرام البررة عليهم السلام وإنساخهم إياه وتلاوتهم له ... ثم ساق ~~الكلام إلى آخره (1) . # فإن قلت: فقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (2) من جملة القرآن ~~الذي نزل جملة، أم لا؟ فإن لم يكن منه فما نزل جملة، وإن كان منه فما وجه ~~صحة هذه العبارة؟ # قلت: له وجهان: # [9 و] أحدهما أن يكون معنى الكلام: إنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر، ~~وقضينا به، وقدرناه في الأزل، وأردناه، وشئناه، وما أشبه ذلك. # والثاني أن لفظه لفظ الماضي، ومعناه الاستقبال، وله نظائر في القرآن ~~وغيره، أي ننزله جملة في ليلة مباركة، هي ليلة القدر، واختير لفظ الماضي ~~لأمرين: أحدهما تحققه وكونه أمرا لا بد منه، والثاني أنه حال اتصاله ~~بالمنزل عليه، يكون الماضي في معناه محققا؛ لأن نزوله منجما كان بعد نزوله ~~جملة واحدة، وكل ذلك حسن واضح، والله أعلم. # فإن قلت: ما السر في نزوله إلى الأرض منجما، وهلا أنزل جملة كسائر الكتب؟ ~~PageV01P027 # قلت: هذا سؤال قد تولى الله سبحانه الجواب عنه فقال في كتابه العزيز: ~~{وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} (1) ، يعنون كما أنزل ~~على من كان قبله من الرسل، فأجابهم الله تعالى بقوله {كذلك} أي أنزلناه ~~كذلك مفرقا {لنثبت به فؤادك} أي لنقوي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في ~~كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول ~~الملك عليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب ~~العزيز فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في ~~رمضان لكثرة نزول [9 ظ] جبريل عليه السلام عليه فيه على ما سنذكره. # وقيل: معنى {لنثبت به فؤادك} (2) ، أي لتحفظه فيكون فؤادك ثابتا به غير ~~مضطرب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أميا لا يكتب ولا يقرأ، ففرق عليه ~~القرآن ليتيسر عليه حفظه، ولو نزل جملة لتعذر عليه حفظه في وقت واحد على ما ~~أجرى الله تعالى به عوائد خلقه، والتوراة نزلت على ms011 موسى عليه السلام مكتوبة ~~وكان كاتبا قارئا، وكذا كان غيره، والله أعلم. # فإن قلت: كان في القدرة إذا أنزله جملة أن يسهل عليه حفظه دفعة واحدة. # قلت: ما كل ممكن في القدرة بلازم وقوعه، فقد كان في قدرته تعالى أن يعلمه ~~الكتابة والقراءة في لحظة واحدة، وأن يلهمهم الإيمان به، ولكنه لم يفعل، ~~ولا معترض عليه في حكم. {ولو شاء الله لجمعهم PageV01P028 # على الهدى} (1) ، {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} (2) ~~. # وأيضا في القرآن ما هو جواب عن أمور سألوه عنها، فهو سبب من أسباب تفريق ~~النزول، ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا. # فهذه جوه ومعان حسنة في حكمة نزوله منجما، وكان بين نزول أول القرآن ~~وآخره عشرون أو ثلاث وعشرون أو خمس وعشرون سنة، وهو مبني على الخلاف في مدة ~~إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة، فقيل: عشر، وقيل: ثلاث ~~عشرة، [10 و] وقيل: خمس عشرة، ولم يختلف في مدة إقامته بالمدينة أنها عشر، ~~والله أعلم. # وكان الله تعالى قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم حفظ القرآن وبيانه، وضمن ~~له عدم نسيانه بقوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه ~~وقرآنه} (3) ، أي علينا أن نجمعه في صدرك فتقرؤه فلا ينفلت عنك منه شيء، ~~وقال تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} (4) ، أي غير ناس له. # وفي الصحيحين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه ~~وشفتيه، فيشتد عليه، فكان ذلك يعرف منه، فأنزل الله تعالى: {لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به} أخذه {إن علينا جمعه PageV01P029 # وقرآنه} ، إن علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه فتقرؤه، {فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه} (1) ، قال: أنزلناه فاستمع له {ثم إن علينا بيانه} (2) أن نبينه ~~بلسانك، فكان إذا أتاه جبريل عليه السلام أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده ~~الله تعالى (3) . # وفي رواية: كان النبي ms012 صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك ~~شفتيه، فأنزل الله عز وجل: {لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه ~~وقرآنه} ، قال: جمعه في صدرك ثم تقرؤه {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} ، قال: ~~فاستمع وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله صلى الله [10 ظ] ~~عليه وسلم إذا أتاه جبريل عليه السلام استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ~~صلى الله عليه وسلم كما أقرأه (4) . # وعن ابن شهاب (5) قال: أخبرني أنس بن مالك (6) أن الله تعالى تابع الوحي ~~على رسوله قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول ~~PageV01P030 # الله صلى الله عليه وسلم بعد (1) . هذا لفظ البخاري، ولمسلم: إن الله عز ~~وجل تابع الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته حتى توفي، ~~وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) . # قلت: يعني عام وفاته أو حين وفاته، يريد أيام مرضه كلها، كما يقال: يوم ~~الجمل ويوم صفين، وكانت أياما، والله أعلم. PageV01P031 ### | فصل # أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن أول سورة {اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق} (1) ، نزل ذلك عليه بحراء عند ابتداء نبوته، على ما شرحناه ~~في "كتاب المبعث" (2) ، ثم نزل {يا أيها المدثر} (3) ثم صار ينزل منه شيء ~~فشيء بحسب الوقائع والنوازل مكيا، ومدنيا حضرا وسفرا، وآخر ما نزل من ~~الآيات {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} (4) الآية، وقيل: {يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة} (5) إلى آخرها، وقيل: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم ~~عزيز} إلى آخر الآيتين (6) ، وقيل آيات الربا، وهو الموافق للقول الأول؛ ~~لأن {واتقوا PageV01P031 # يوما} هي آخرهن، ونزل يوم عرفة في حجة الوداع: {اليوم أكملت لكم دينكم} ~~(1) الآية. # قال أبو عبيد: حدثنا حجاج (2) عن ابن جريج (3) [11 و] قال: قال ابن عباس: ~~آخر آية أنزلت من القرآن: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} ، قال: زعموا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بعدها تسع ليال، وبدئ به ms013 يوم السبت ~~ومات يوم الاثنين. # قلت: يعني العاشر من يوم مرضه. # وقال: حدثنا عبد الله بن صالح (4) وابن بكير (5) عن الليث (6) عن عقيل ~~(7) PageV01P032 # عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين. # قلت: يعني من آيات الأحكام، والله أعلم. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما نزل من القرآن شيء أمر بكتابته ويقول ~~في مفرقات الآيات: "ضعوا هذه في سورة كذا" (1) ، وكان يعرضه على جبريل في ~~شهر رمضان في كل عام، وعرضه عليه عام وفاته مرتين، وكذلك كان يعرض جبريل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام مرة، وعرض عليه عام وفاته مرتين. # وحفظه في حياته جماعة من أصحابه، وكل قطعة منه كان يحفظها جماعة كثيرة، ~~أقلهم بالغون حد التواتر، ورخص لهم قراءته على سبعة أحرف توسعة عليهم. # ومنه ما نسخ لحكمة اقتضت نسخه، وكل ذلك فيه أخبار ثابتة: # ففي جامع الترمذي وغيره عن ابن عباس عن عثمان رضي الله عنهم قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه ~~السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه [11 ظ] الشيء منه دعا بعض من كان يكتب ~~فيقول: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا"، وإذا نزلت ~~عليه الآية يقول: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" ... ~~هذا حديث حسن (2) ، وقال الحاكم: PageV01P033 # هذا صحيح على شرط الشيخين (1) ولم يخرجاه (2) . # وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه "بسم الله الرحمن الرحيم" (3) ~~. وفي الرواية: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} ، فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت (4) . # وفي البخاري عن البراء بن عازب (5) قال: لما نزلت {لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله} (6) ، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "ادع لي زيدا (7) ، وليجئ باللوح والدواة والكتف" -أو ~~الكتف ms014 والدواة- ثم قال: "اكتب: {لا يستوي القاعدون} ". PageV01P034 # وخلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أم مكتوم الأعمى (1) فقال: يا ~~رسول الله فما تأمرني، فإني رجل ضرير البصر؟ فنزلت مكانها {غير أولي الضرر} ~~(2) . # وفيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ~~الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل عليه السلام كان ~~يلقاه كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود الخير من الريح المرسلة ~~(3) [12 و] . # وفيه عن عائشة (4) رضي الله عنها عن فاطمة (5) رضي الله عنها: أسر إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة، وأنه ~~عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي (6) . # وفيه عن أبي هريرة (7) رضي الله عنه قال: كان يعرض على النبي صلى ~~PageV01P035 # الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض ~~فيه، وكان يعتكف كل عام عشرا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض (1) . # وفيه عن مسروق (2) قال: ذكر عبد الله بن عمرو (3) عبد الله بن مسعود (4) # فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "خذوا القرآن ~~من أربعة؛ من عبد الله بن مسعود، وسالم (5) ، ومعاذ بن جبل (6) ، وأبي (7) ~~بن كعب" (8) . PageV01P036 # وفيه عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال: أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل ~~وزيد بن ثابت وأبو زيد (1) . وفي رواية: مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء (2) ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو ~~زيد، قال: ونحن ورثناه (3) ، وفي رواية: أحد عمومتي. # قال الحافظ البيهقي في "كتاب المدخل": الرواية الأولى أصح، ثم أسند عن ~~ابن سيرين قال: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة، لا ~~يختلف فيهم: معاذ بن ms015 جبل وأبي بن كعب وزيد وأبو زيد، واختلفوا في رجلين من ~~[12 ظ] ثلاثة، قالوا: عثمان وأبو الدرداء، وقالوا: عثمان وتميم الداري (4) ~~، رضي الله عنهم. PageV01P037 # وعن الشعبي قال: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ~~نفر من الأنصار: أبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وسعد ~~بن عبيد (1) وأبو زيد. ومجمع بن جارية (2) قد أخذه إلا سورتين أو ثلاثا، ~~قال: ولم يجمعه أحد من الخلفاء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم غير عثمان ~~رضي الله عنهم. # قلت: وقد أشبع القاضي أبو بكر محمد بن الطيب (3) رحمه الله في "كتاب ~~الانتصار" (4) الكلام في حملة القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأقام أدلة كثيرة على أنهم كانوا أضعاف هذه العدة المذكورة، وأن ~~العادة تحيل خلاف ذلك، ويشهد لصحة ذلك كثرة القراء المقتولين يوم مسيلمة ~~باليمامة على ما سيأتي ذكره، وذلك في أول خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وما ~~في الصحيح من قتل سبعين من الأنصار يوم بئر معونة (5) كانوا يسمون القراء ~~(6) . وقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص: جمعت PageV01P038 # القرآن فقرأته كله في ليلة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"اقرأه في شهر"، الحديث (1) . # وعبد الله بن عمرو غير مذكور في هذه الآثار المتقدمة فيمن جمع القرآن، ~~فدل على أنها ليست للحصر، وما كان من ألفاظها للحصر فله تأويل، وليس محمولا ~~[13 و] على ظاهره. # وقد ذكر القاضي وغيره له تأويلات سائغة: # منها أنه لم يجمعه على جميع الوجوه والأحرف والقراءات التي نزل بها، ~~وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كلها شاف كاف، إلا أولئك النفر ~~فقط. # ومنها أنه لم يجمع ما نسخ منه وأزيل رسمه بعد تلاوته مع ما ثبت رسمه وبقي ~~فرض حفظه وتلاوته، إلا تلك الجماعة. # ومنها أنه لم يجمع جميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأخذه ~~من فيه تلقيا، غير تلك الجماعة، فإن أكثرهم أخذوا بعضه عنه، ms016 وبعضه عن غيره. # ومنها أنه لم يجمعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن ظهر به ~~وأبدى ذلك من أمره وانتصب لتلقينه، غير تلك الجماعة مع جواز أن يكون فيهم ~~حفاظ لا يعرفهم الراوي إذا لم يظهر ذلك منهم (2) . # ومنها أنه لم يجمعه عنده شيئا بعد شيء كلما نزل حتى تكامل نزوله، إلا ~~هؤلاء، أي أنهم كتبوه وغيرهم حفظه وما كتبه، أو كتب بعضا. PageV01P039 # ومنها أنه لم يذكر أحد عن نفسه أنه أكمله في حياة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، سوى هؤلاء الأربعة؛ لأن من أكمله سواهم كان يتوقع نزول القرآن ما دام ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيا، فقد لا يستجيز النطق بأنه أكمله، واستجازه ~~هؤلاء، ومرادهم أنهم أكملوا الحاصل منه. # ويحتمل أيضا أن يكون من سواهم لم ينطق بإكماله خوفا من المراءة به، ~~واحتياطا [13 ظ] على النيات كما يفعل الصالحون في كثير من العبادة، وأظهر ~~هؤلاء الأربعة ذلك؛ لأنهم أمنوا على أنفسهم، أو لرأي اقتضى ذلك عندهم. # قال المازري (1) : وكيف يعرف النقلة أنه لم يكمله سوى أربعة، وكيف تتصور ~~الإحاطة بهذا، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقون في البلاد؟ ~~وهذا لا يتصور، حتى يلقى الناقل كل رجل منهم فيخبره عن نفسه أنه لم يكمل ~~القرآن. وهذا بعيد تصوره في العادة (2) . # وإن لم يكمل القرآن سوى أربعة، فقد حفظ جميع أجزائه مئون لا يحصون، وما ~~من شرط كونه متواترا أن يحفظ الكل الكل، بل الشيء الكثير إذا روى كل جزء ~~منه خلق كثير علم ضرورة وحصل متواترا (3) . # قلت: وقد سمى الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام أهل القرآن من الصحابة في ~~أول "كتاب القراءات" له، فذكر من المهاجرين أبا بكر وعمر وعثمان ~~PageV01P040 # وعليا (1) وطلحة (2) وسعدا (3) وابن مسعود وسالما مولى أبي حذيفة (4) ~~وحذيفة بن اليمان (5) وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر (6) وعبد الله بن ~~عمرو وعمرو بن العاص (7) وأبا هريرة ومعاوية بن أبي سفيان (8) وعبد الله بن ~~الزبير (9) وعبد الله PageV01P041 # ابن السائب (1) ، قارئ ms017 مكة. # ومن الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبا الدرداء وزيد بن ثابت ومجمع بن ~~جارية وأنس بن مالك. # ومن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وحفصة (2) [14 و] وأم سلمة (3) ~~. # قال: وبعض ما ذكرنا أكثر في القراءة وأعلى من بعض، وإنما خصصنا بالتسمية ~~كل ما وصف بالقراءة، وحكي عنه منها شيء. # قلت: وأما ما نسخ من القرآن فعلى ثلاثة أضرب: منه ما نسخت تلاوته وبقي ~~حكمه، ومنه ما نسخت تلاوته وحكمه، وزانك كآيتي الرجم (4) والرضاع. # ففي الصحيح عن عمر رضي الله عنه قال: إن الله بعث محمدا PageV01P042 # صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية ~~الرجم فقرأتها وعقلتها ووعيتها (1) . # وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: كان مما أنزل من القرآن: "عشر ~~رضعات معلومات يحرمن". ثم نسخن ب"خمس معلومات يحرمن"، فتوفي النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن (2) . # قال الحافظ البيهقي: فالعشر مما نسخ رسمه وحكمه، والخمس مما نسخ رسمه ~~بدليل أن الصحابة حين جمعوا القرآن لم يثبتوها رسما، وحكمها باق عندنا. # قال: وقولها " ... وهن مما يقرأ من القرآن"، يعني عند من لم يبلغه نسخ ~~تلاوته قرآنا. # قلت: هذا تأويل حسن، ومثله ما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله (3) ~~قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر، حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث (4) . # فمعناه، فعلها بعد النبي صلى الله عليه وسلم من لم يبلغه نهي النبي صلى ~~الله PageV01P043 # عليه وسلم عنها. فلما اتصل ذلك بعمر رضي الله عنه نهى عنها لنهي [14 ظ] ~~النبي صلى الله عليه وسلم عنها. فاشتهر ذلك وثبت، والله أعلم. # الضرب الثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته كآية عدة الوفاة حولا نسخت ~~بالآية التي قبلها التي ذكر فيها {أربعة أشهر وعشرا} (1) . # وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفان رضي ~~الله عنه الآية ms018 التي في البقرة: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} (2) ، لم تكتبها وقد نسختها الآية ~~الأخرى؟ قال: يابن أخي، لا أغير شيئا عن مكانه (3) . # وأسند البيهقي في "كتاب المدخل" و"الدلائل" عن زيد بن ثابت رضي الله عنه ~~قال: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف (4) القرآن، إذ قال: "طوبى ~~للشام"، فقيل له: ولم؟ قال: "إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم" (5) . # زاد في "الدلائل": نؤلف القرآن من الرقاع، ثم قال: وهذا يشبه أن يكون ~~أراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كانت مثبتة في الصدور مكتوبة في الرقاع ~~واللخاف والعسب، فجمعها منها في صحف بإشارة أبي بكر PageV01P044 # وعمر، ثم نسخ ما جمعه في الصحف في مصاحف بإشارة عثمان بن عفان على ما رسم ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم (1) . # وأخرج هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله في "كتاب المستدرك"، وقال: [15 و] ~~هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال: وفيه البيان الواضح أن جمع ~~القرآن لم يكن مرة واحدة، فقد جمع بعضه بحضرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصديق، والجمع الثالث -وهو ترتيب السور- ~~كان في خلافة أمير المؤمنين عثمان، رضي الله عنهم أجمعين (2) . # قال القاضي أبو بكر بن الطيب: "الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله ~~الله تعالى وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ويرفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي ~~بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان أمير المؤمنين رضي الله عنه، وأنه لم ~~ينقص منه شيء ولا زيد فيه، وأن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم كان بجميعه ~~بيانا شائعا ذائعا وواقعا على طريقة واحدة، ووجه تقوم به الحجة وينقطع ~~العذر، وأن الخلف نقله عن السلف على هذه السبيل، وأنه قد نسخ منه بعض ما ~~كانت تلاوته ثابتة مفروضة، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله سبحانه ~~ورتبه عليه رسوله من آي ms019 السور، لم يقدم من ذلك مؤخر، ولا آخر منه مقدم، وأن ~~الأمة ضبطت عن النبي صلى الله عليه وسلم ترتيب آي كل سورة ومواضعها وعرفت ~~مواقعها، كما ضبطت عنه نفس القرآن وذات التلاوة، وأنه قد يمكن أن يكون ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد رتب سوره على ما انطوى عليه مصحف عثمان، كما ~~رتب آيات PageV01P045 # سوره، ويمكن أن يكون قد وكل ذلك إلى الأمة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه [15 ~~ظ] صلى الله عليه وسلم، وإن هذا القول الثاني أقرب وأشبه بأن يكون حقا على ~~ما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى، وإن القرآن لم يثبت آيه على تاريخ ~~نزوله، بل قدم ما تأخر إنزاله، وأخر بعض ما تقدم نزوله على ما قد وقف عليه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك" (1) ... وساق الكلام إلى آخره في "كتاب ~~الانتصار" للقرآن، على كثرة فوائده، رحمه الله. # قلت: وقد ذكرنا أسماء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يكتبون ~~له الوحي وغيره في ترجمته صلى الله عليه وسلم في "تاريخ دمشق" (2) نحو خمسة ~~وعشرين اسما. والله أعلم. # وقد أخبرنا شيخنا أبو الحسن في "كتاب الوسيلة" عن شيخه الشاطبي (3) ~~بإسناده إلى ابن وهب (4) قال: سمعت مالكا (5) يقول: إنما ألف القرآن ~~PageV01P046 # على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ... ~~وذكره أبو عمرو الداني (2) في "كتاب المقنع" (3) . PageV01P047 ### | الباب الثاني: في جمع الصحابة رضي الله عنهم القرآن وإيضاح ما فعله أبو بكر وعمر وعثمان # قال البخاري (1) : حدثنا موسى بن إسماعيل (2) ، حدثنا إبراهيم بن سعد (3) ~~، حدثنا ابن شهاب عن عبيد بن السياق (4) ، أن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي ~~أبو بكر مقتل أهل اليمامة (5) ، فإذا عمر الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر ~~أتاني فقال: إن القتل قد استحر (6) يوم اليمامة بقراءة [16 و] القرآن، وإني ~~أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، ~~PageV01P048 # وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول ms020 ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى ~~شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رآه عمر. # قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل ~~جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمراني به من جمع القرآن. قلت: كيف ~~تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير. ~~فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ~~فتتبعت القرآن أجمعه من العسب (1) واللخاف (2) وصدور الرجال، حتى وجدت آخر ~~سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري (3) ، لم أجدها مع أحد غيره: {لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم} ، حتى خاتمة "براءة" (4) ، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى ~~توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر (5) . # حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك ~~حدثه: أن حذيفة بن اليمان قد على عثمان بن عفان رضي الله عنه، PageV01P049 # وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية (1) وأذربيجان (2) مع أهل العراق. ~~فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال [16 ظ] حذيفة لعثمان: يا أمير ~~المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ~~... فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم ~~نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن ~~الزبير وسعيد بن العاص (3) وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام (4) ، فنسخوها في ~~المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ~~ثابت في شيء من القرآن (5) فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا ~~حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق ~~بمصحف مما نسخوا، وأمر بما PageV01P050 # سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. # قال ابن شهاب: ms021 فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت (1) قال: سمعت زيد بن ثابت ~~قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخت الصحف، قد كنت أسمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري (2) : ~~{من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} (3) ، فألحقتها في سورتها في ~~المصحف (4) . # قلت: وخزيمة هذا غير أبي خزيمة الذي وجد معه الآيتين آخر "سورة براءة"، ~~ذاك أبو خزيمة بن أوس بن زيد من بني النجار، شهد بدرا وما بعدها، [17 و] ~~وتوفي في خلافة عثمان، وهذا خزيمة بن ثابت بن الفاكه من الأوس، شهد أحدا ~~وما بعدها، وقتل يوم صفين، وقيل غير ذلك. ومعنى قوله: "فقدت آية كذا ~~فوجدتها مع فلان ... " أنه كان يتطلب نسخ القرآن من غير ما كتب بأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فلم يجد كتابة تلك الآية مع ذلك الشخص، وإلا فالآية ~~كانت محفوظة عنده وعند غيره، وهذ المعنى أولى مما ذكره مكي (5) وغيره: أنهم ~~كانوا يحفظون PageV01P051 # الآية، لكنهم أنسوها فوجدوها في حفظ ذلك الرجل فتذاكروها وأثبتوها ~~لسماعهم إياها من النبي صلى الله عليه وسلم (1) . # وفي كتاب أبي عبيد: أنه وجد خاتمه "براءة" مع خزيمة بن ثابت وآية ~~"الأحزاب" مع خزيمة أو أبي خزيمة، وزاد: فلما كان مروان (2) أمير المدينة ~~أرسل إلى حفصة أم المؤمنين يسألها الصحف ليمزقها وخشي أن يخالف الكتاب بعضه ~~بعضا فمنعته إياها. # قال ابن شهاب: فحدثني سالم بن عبد الله (3) أنه لما توفيت حفصة، رحمة ~~الله عليها، أرسل مروان إلى عبد الله بن عمر ساعة رجعوا من جنازة حفصة ~~بعزيمة ليرسلن بها، فأرسل بها ابن عمر إلى مروان فمزقها مخافة أن يكون في ~~شيء من ذلك خلاف ما نسخ عثمان رحمة الله عليه (4) ، قال أبو عبيد: لم نسمع ~~في شيء من الحديث أن مروان مزق الصحف، إلا في [17 ظ] هذا الحديث (5) . ~~PageV01P052 # حدثنا عبد الرحمن بن مهدي (1) عن شعبة (2) عن أبي إسحاق (3) . عن مصعب بن ~~سعد (4) قال: أدركت الناس حين شقق (5) عثمان المصاحف فأعجبهم ms022 ذلك -أو قال: ~~لم يعب ذلك أحد. # وحدثنا عبد الرحمن عن شعبة عن علقمة بن مرثد (6) عن رجل عن سويد بن غفلة ~~(7) قال: قال علي رضوان الله عليه: لو وليت لفعلت في المصاحف الذي فعل ~~عثمان. وفي رواية أخرى لو وليت من أمر المصاحف ما ولي عثمان لفعلت ما فعل ~~عثمان. # قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيع (8) عن سفيان (9) عن السدي عن ~~PageV01P053 # عبد خير (1) قال: قال علي: يرحم الله أبا بكر، هو أول من جمع ما بين ~~اللوحين (2) . وفي رواية عنه: أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر (3) . # وفي "السنن الكبير" (4) عن علقمة بن مرثد عن العيزار بن جرول (5) عن سويد ~~بن غفلة عن علي رضي الله عنه قال: اختلف الناس في القرآن على عهد عثمان ~~فجعل الرجل يقول للرجل: قراءتي خير من قراءتك، فبلغ ذلك عثمان فجمعنا أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الناس قد اختلفوا اليوم في القراءة ~~وأنتم بين ظهرانيهم، فقد رأيت أن أجمع على قراءة واحدة، قال: فأجمع رأينا ~~مع رأيه على ذلك، قال: وقال علي: لو وليت مثل الذي ولي، لصنعت مثل الذي صنع ~~(6) . وفي رواية: يرحم الله عثمان، لو كنت أنا لصنعت في المصاحف ما صنع ~~عثمان. أخرجه البيهقي في "المدخل". PageV01P054 # وفي كتاب أبي بكر عبد الله بن أبي داود (1) عن هشام بن عروة (2) [18 و] ~~عن أبيه (3) قال: لما استحر القتل بالقراء يومئذ فرق (4) أبو بكر على ~~القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: اقعدا على باب المسجد، ~~فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله تعالى فاكتباه (5) . # قال الشيخ أبو الحسن في كتابه "جمال القراء": ومعنى هذ الحديث -والله ~~أعلم- من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وإلا فقد كان زيد جامعا للقرآن. # قال: ويجوز أن يكون معناه: من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله تعالى، ~~أي من الوجوه السبعة التي نزل بها ms023 القرآن، ولم يزد على شيء مما لم يقرأ ~~أصلا، ولم يعلم بوجه آخر (6) . # وفي كتاب ابن أبي داود أيضا عن أبي العالية (7) : أنهم جمعوا القرآن ~~PageV01P055 # في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون، ويملي عليهم أبي بن كعب، ~~فلما انتهوا إلى هذه الآية من "سورة براءة": {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ~~بأنهم قوم لا يفقهون} (1) ، فظنوا أنها آخر ما نزل من القرآن. فقال أبي: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدهن آيتين: {لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم عزيز عليه} إلى {وهو رب العرش العظيم} (2) . فهذا آخر ما نزل من ~~القرآن، فختم الأمر بما فتح به (3) ، يعني بكلمة التوحيد. # قال الشيخ أبو الحسن: "كان أبي يتتبع ما كتب بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في اللخاف (4) والأكتاف (5) والعسب (6) ونحو ذلك، [18 ظ] لا لأن ~~القرآن العزيز كان معدوما. وأما قوله وصدور الرجال -يعني في الحديث السابق- ~~فإنه كتب الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن، فكان يتتبعها من صدور الرجال ~~ليحيط بها علما، ودليل ذلك أنه كان عالما بالآيتين اللتين من صدور الرجال ~~ليحيط بها علما، ودليل ذلك أنه كان عالما بالآيتين في آخر "براءة" ثم لم ~~يقنع بذلك حتى طلبها وسأل عنها غيره فوجدها عند خزيمة، وإنما طلبها من غيره ~~مع علمه بها، ليقف على PageV01P056 # وجوه القراءات. والله أعلم" (1) . # قلت: إنما كان قصدهم أن ينقلوا من عين المكتوب بين يدي النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولم يكتبوا من حفظهم لأن قراءتهم كانت مختلفة لما أبيح لهم من ~~قراءة القرآن على سبعة أحرف على ما سيأتي تفسيرها. والله أعلم. # قال عبد الله (2) : "حدثنا أبو الطاهر (3) ، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك ~~عن ابن شهاب عن سالم وخارجة: أن أبا بكر الصديق كان قد جمع القرآن في ~~قراطيس، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك فأبى، حتى استعان عليه بعمر، ~~ففعل، فكانت تلك الكتب عند أبي بكر حتى توفي، ثم عند عمر حتى توفي، ثم عند ~~حفصة زوج ms024 النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليها عثمان فأبت أن تدفعها ~~إليه، حتى عاهدها ليردنها إليها، فبعثت بها إليه، فنسخ منها عثمان هذه ~~المصاحف، ثم ردها إليها، فلم تزل عندها حتى أرسل مروان فأخذها فحرقها" (4) ~~. # وفي تفسير الطبري: "عن عمارة بن غزية (5) عن [19 و] ابن شهاب عن خارجة بن ~~زيد بن ثابت عن أبيه قال: فأمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأدم PageV01P057 # وكسر الأكتاف (1) والعسب، فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتب ذلك في صحيفة ~~واحدة فكانت عنده. فلما هلك كانت الصحيفة عند حفصة ... # ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة فأعطته إياها، فعرض ~~المصحف عليها، فلم يختلفا في شيء، فردها إليها وطابت نفسه (2) ... ". # وعن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد قال: سمع عثمان قراءة أبي وعبد الله ومعاذ ~~فخطب الناس ثم قال: إنما قبض نبيكم منذ خمس عشرة سنة وقد اختلفتم في ~~القرآن. عزمت على من عنده شيء من القرآن سمعه من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما أتاني به. # فجعل الرجل يأتيه باللوح والكتف والعسيب فيه الكتاب، فمن أتاه بشيء قال: ~~أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم قال: أي الناس أفصح؟ قالوا: ~~سعيد بن العاص، قال: أي الناس أكتب؟ قالوا: زيد بن ثابت، قال: فليكتب زيد، ~~وليمل سعيد. قال: فكتب مصاحف، فقسمها في الأمصار، فما رأيت أحدا عاب ذلك ~~عليه (3) . # قلت: كذا في كتاب ابن أبي داود (4) . وفي تسمية معاذ هنا نظر، فإن معاذا ~~توفي قبل ذلك في طاعون عمواس (5) في خلافة عمر، ولعل قراءته PageV01P058 # بقيت بعده عند أصحابه، فسمعها عثمان منهم. # وأخرج هذا الحديث الحافظ البيهقي في كتاب "المدخل" بمخالفة لهذا في بعض ~~الألفاظ وبزيادة ونقصان فقال: [19 ظ] جلس عثمان على المنبر، فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: إنما عهدكم بنبيكم صلى الله عليه وسلم منذ ثلاث عشرة ~~سنة، وأنتم مختلفون في القراءة يقول الرجل لصاحبه: والله ما تقيم قراءتك. ~~قال: فعزم على كل من كان عنده شيء ms025 من القرآن إلا جاء به، فجاء الناس بما ~~عندهم فجعل يسألهم عليه البينة أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم قال: من أعرب الناس؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال: فمن أكتب الناس؟ ~~قالوا: زيد بن ثابت كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فليمل سعيد ~~وليكتب زيد. قال: فكتب مصاحف ففرقها في الأجناد، فلقد سمعت رجالا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: لقد أحسن. # قال البيهقي: فيه انقطاع بين مصعب وعثمان، وقد روينا عن زيد بن ثابت أن ~~التأليف كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وروينا عنه أن الجمع في ~~الصحف كان في زمن أبي بكر، والنسخ في المصاحف كان في زمن عثمان، وكان ما ~~يجمعون وينسخون معلوما لهم، فلم يكن به حاجة إلى مسألة البينة. # قلت: لم تكن البينة على أصل القرآن، فقد كان معلوما لهم ذكر، وإنما كانت ~~على ما أحضروه من الرقاع (1) المكتوبة فطلب البينة عليها أنها PageV01P059 # كانت كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبإذنه على ما سمع من ~~لفظه على ما سبق بيانه، ولهذا قال: فليمل سعيد، يعني [20 و] من الرقاع التي ~~أحضرت، ولو كانوا كتبوا من حفظهم لم يحتج زيد فيما كتبه إلى من يمليه عليه. # فإن قلت: كان قد جمع من الرقاع في أيام أبي بكر، فأي حاجة إلى استحضارها ~~في أيام عثمان؟ # قلت: يأتي جواب هذا في آخر الباب. # وذكر أبو عمرو الداني في كتاب "المقنع" أن عثمان قال: يا أصحاب محمد، ~~اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما يجمعهم، قال: وكانوا في المسجد فكثروا، فكانوا ~~إذا تماروا في الآية يقولون: إنه أقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية فلان بن فلان، وهو على رأس أميال من المدينة، فيبعث إليه فيجيء، ~~فيقولون: كيف أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم آية كذا وكذا؟ فيقول: ~~كذا، فيكتبون كما قال (1) . والله أعلم. # وفي كتاب ابن أبي داود أيضا عن هشام (2) عن محمد -هو ms026 ابن سيرين- قال: كان ~~الرجل يقرأ، حتى يقول الرجل لصاحبه: كفرت بما تقول. فرفع ذلك إلى عثمان بن ~~عفان، فتعاظم ذلك في نفسه، فجمع اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، فيهم أبي ~~بن كعب وزيد بن ثابت، فأرسل إلى الربعة التي كانت في بيت عمر، فيها القرآن ~~(3) . PageV01P060 # قال البيهقي في كتاب "المدخل": واعلم أن القرآن كان مجموعا كله في صدور ~~الرجال أيام حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومؤلفا هذا التأليف الذي ~~نشاهده ونقرؤه إلا "سورة براءة"، فإنها كانت من آخر ما نزل من [20 ظ] ~~القرآن، ولم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه موضعها من التأليف ~~حتى خرج من الدنيا، فقرنها الصحابة رضي الله عنهم ب"الأنفال". وبيان ذلك في ~~حديث ابن عباس قال: قلت لعثمان رضي الله عنه: ما حملكم على أن عمدتم إلا ~~"براءة" وهي من المئين، وإلى "الأنفال" وهي من المثاني، فقرنتم بينهما، ولم ~~تجعلوا بينهما سطرا فيه {بسم الله الرحمن الرحيم} ، ووضعتموها في السبع ~~الطوال؟ فقال: كانت "الأنفال" من أول ما نزل عليه بالمدينة، وكانت "براءة" ~~من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها تشبه قصتها، فقبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يبين أمرها، فظننت أنها منها (1) . # قال البيهقي: وفيما رويناه من الأحاديث المشهورة في ذكر من جمع القرآن من ~~الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ما روينا عن زيد بن ~~ثابت: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن، ثم ما رويناه في ~~كتاب السنن (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صدور الرجال، ~~مكتوبا في الرقاع واللخاف والعسب، وأمر أبو بكر الصديق حين استحر (3) القتل ~~بقراء القرآن يوم اليمامة بجمعه من مواضعه في PageV01P061 # صحف، ثم أمر عثمان حين خاف الاختلاف في القراءة بتحويله منها إلى مصاحف ~~مع بذل المجهود في معارضة ما كان في الصحف [21 و] بما كان مثبتا في صدور ~~الرجال، وذلك كله بمشورة من حضره من علماء الصحابة رضي الله عنهم، ms027 وارتضاه ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه وحمد أثره فيه. والله يغفر لنا ولكم. # قال: ويشبه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما لم يجمعه في مصحف ~~واحد، لما كان يعلم من جواز ورود النسخ على أحكامه، ورسومه، فلما ختم الله ~~دينه بوفاة نبيه صلى الله عليه وسلم، وانقطع الوحي، قيض لخلفائه الراشدين ~~عند الحاجة إليه جمعه بين الدفتين. # قال: وقد أشار الشيخ أبو سليمان الخطابي (1) رحمه الله تعالى إلى جملة ما ~~ذكرناه، وذكره أيضا غيره من أئمتنا، والأخبار الثابتة المشهورة ناطقة بجميع ~~ذلك. # قلت: وفي كتاب "الانتصار" أخبار في جمع القرآن، فيها زيادات على ما تقدم، ~~فنذكر منها ما يشتمل على فوائد تعرفنا الأمر كيف وقع، وتشرح لنا بعض ما ~~تقدم. # فمنها: قال زيد: فقلت يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو اجتمعت ~~أنا وعمر جميعا، فقال أبو بكر لعمر، فقال عمر: نعم، فانطلق بنا فخرجنا، حتى ~~جلسنا على باب المسجد الذي يلي موضع الجنائز PageV01P062 # فجلسنا، وجعل الناس يأتون بالقرآن، منهم من يأتي به في الصحيفة، ومنهم من ~~يأتي به في العسب حتى عرفنا من ذلك. وفي رواية: فقال أبو بكر لزيد: ثم ~~فاقعد على باب المسجد، فكل من جاءك بشيء من كتاب الله عز وجل تنكره فاطلب ~~منه شاهدين، ثم قال: يا عمر، قم [21 ظ] فكن مع زيد، قال عمر: فقمنا حتى ~~جلسنا على باب المسجد فأرسلت إلى أبي بن كعب فجاء، فوجدنا مع أبي كتبا مثل ~~ما وجدنا عند جميع الناس. # ومنها: أن عمر بن الخطاب جعل يذكر قتلى اليمامة وما أصيب من المسلمين وأن ~~القتل يومئذ استحر بأهل القرآن، ثم يقول: جعل مناد ينادي: يا أهل القرآن، ~~فيجيبون المنادي فرادى ومثنى، فاستحر بهم القتل، فرحم الله تلك الوجوه، ~~لولا ما استدرك خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع القرآن لخفت أن ~~لا يلتقي المسلمون وعدوهم في موضع، إلا استحر القتل بأهل القرآن. وفي ~~رواية: لما قتل أصحاب اليمامة ms028 دخل عمر بن الخطاب علي أبي بكر رضي الله ~~عنهما فقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تهافتوا في القتل يوم ~~اليمامة كما يتهافت الفراش في النار، وإني أخاف أن لا يشهدوا مشهدا، إلا ~~فعلوا ذلك، وهم حملة القرآن، فيضيع القرآن ويذهب. # قال القاضي أبو بكر: ومن تأمل مجيء هذه الأخبار وألفاظها علم وتيقن أن ~~أمر القرآن كان بينهم ظاهرا منتشرا، وأن حفاظه إذ ذاك كانوا في الأمة عددا ~~عظيما وخلقا كثيرا. قال: وروى موسى بن عقبة (1) عن PageV01P063 # ابن شهاب أنه قال: إن المسلمين لما أصيبوا باليمامة فزع أبو بكر رضي الله ~~عنه إلى القرآن، وخاف أن تهلك منه طائفة، وإنما كان في العسب والرقاع، ~~فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم، حتى جمع على عهد أبي بكر رضي الله عنه، ~~فكتبوه في الورق [22 و] وجمعوه فيه، وقال أبو بكر: التمسوا له اسما، فقال ~~بعضهم: السفر، وقال بعضهم: كان الحبشة يدعونه المصحف. # قال: فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في المصحف. # وعن أسلم مولى عمر (1) قال: اختلف الناس في القرآن فجعل الرجل يلقى الرجل ~~في مغزاته فيقول: معي من القرآن ما ليس معك، أقرأني أبي بن كعب كذا وكذا، ~~ويقول هذا: أقرأني عبد الله بن مسعود كذا وكذا، فلما رأى ذلك عثمان شاور ~~فيه أهل القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا أن يجمعوه في ~~مصحف واحد، ثم يفرق في البلاد مصحفا مصحفا، ثم تحرق سائر الصحف، فدعا عثمان ~~رضي الله عنه أربعة نفر، ثلاثة من قريش ورجلا من الأنصار: عبد الله بن ~~الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص وزيد بن ثابت فقال: ~~انسخوه. فنسخوه على هذا التأليف، وقال: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد بن ثابت ~~فاكتبوه على ما تقولون أنتم، فإن القرآن أنزل على لسان قريش، فنسخوا القرآن ~~في مصحف واحد حتى فرغوا منه، ثم نسخ من ذلك المصحف مصاحف، فبعث إلى كل بلد ~~مصحفا، وأمرهم بالاجتماع على هذا ms029 المصحف. # وروى يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن موسى بن جبير (2) أن عثمان ~~PageV01P064 # بن عفان دعا أبي بن كعب بن ثابت وسعيد بن العاص فقال لأبي: إنك كنت أعلم ~~الناس بما أنزل على [22 ظ] النبي صلى الله عليه وسلم، كنت تقرئ في زمانه، ~~وكان عمر بن الخطاب يأمر الناس بك، فأمل على هؤلاء القرآن في المصاحف، فإني ~~أرى الناس قد اختلفوا، قال: فكان أبي يملي عليهم القرآن، وزيد بن ثابت ~~وسعيد بن العاص ينسخان. # قال القاضي: وقد وردت الرواية أن عثمان لما أراد أن يجمع المصحف خطب ~~فقال: أعزم على كل رجل منكم كان معه من كتاب الله عز وجل، شيء لما جاء به، ~~قال: فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك شيئا ~~كثيرا، ثم دخل فدعاهم رجلا رجلا يناشده: أسمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو أمله عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك قال: من أكتب الناس؟ ~~قالوا: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت، قال: فأي الناس ~~أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد، فكتب مصاحف ~~فرقها في الناس. # قال القاضي: فهذا الخبر يقضي بأن سعيدا قد كان ممن يملي المصحف، ولا ~~يمتنع أن يمله سعيد ويمله أيضا أبي، فيحتاج إلى أبي لحفظه وإحاطته علما ~~بوجوه القراءات المنزلة التي يجب إثبات جميعها، وأن لا يطرح شيء منها، ويجب ~~نصب سعيد بن العاص لموضع فصاحته وعلمه بوجوه الإعراب وكونه أعربهم لسانا، ~~قال: وقد قيل: إن سعيدا كان أفصح الناس وأشبههم لهجة برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وليس يجب أن [23 و] تتعارض هذه الأخبار؛ لأنه قد ذكر في كل واحد ~~منها ممل غير الذي ذكر في غيره؛ لأنه لا يمتنع أن ينصب لإملائه قوم فصحاء، ~~حفاظ يتظاهرون على ذلك، ويذكر بعضهم بعضا، ويستدرك بعضهم ما لعله يسهو عنه ~~غيره. وهذا من أحوط الأمور وأحزمها في هذا الباب. # PageV01P065 # قال: وقد ذكر في ms030 بعض الروايات أن الذي نصبه عثمان لإملاء المصحف أبان بن ~~سعيد بن العاص (1) . والسيرة تشهد بأن ذلك غلط؛ لأن أهلها قد رووا أن أبان ~~بن سعيد متقدم الموت، وأنه قد هلك قبل جمع عثمان المصحف بزمان طويل، وأنه ~~قتل بالشام في وقعة أجنادين (2) في سنة ثلاث عشرة، وإنما المنصوب لإملاء ~~المصحف الذي أقامه عثمان لذلك سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، وهو ابن أخي ~~أبان بن سعيد بن العاص (3) . # ونقلت من كتاب "شرح السنة" الذي سمعناه على القاضي أبي المجد محمد بن ~~الحسين القزويني (4) بسماعه من الإمام أبي منصور محمد بن أسعد بن محمد حفدة ~~الطوسي (5) بسماعه من لفظ المصنف الفقيه الإمام محيي السنة أبي محمد الحسين ~~بن مسعود البغوي (6) رحمه الله قال: الصحابة رضي الله PageV01P066 # عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم من غير أن زادوا فيه أو نقصوا منه شيئا، والذي حملهم على جمعه ما جاء ~~بيانه في الحديث وهو أنه كان مفرقا في العسب واللخاف وصدور [23 ظ] الرجال ~~فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، ففزعوا فيه إلى خليفة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ودعوه إلى جمعه، فرأى في ذلك رأيهم وأمر بجمعه في موضع واحد ~~باتفاق من جميعهم، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ~~غير أن قدموا شيئا، أو أخروا، أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن أصحابه ~~ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا ~~بتوقيف جبريل عليه السلام إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه ~~الآية تكتب عقيب آية كذ في السورة التي يذكر فيها كذا، وروي معنى هذا عن ~~عثمان رضي الله عنه. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعلم ختم السورة حتى ينزل "بسم الله الرحمن الرحيم"، فإذا أنزل ms031 ~~"بسم الله الرحمن الرحيم" علم أن السورة قد ختمت (1) ، فثبت أن سعي الصحابة ~~كان في جمعه في موضع واحد، لا في ترتيبه، فإن القرآن مكتوب في اللوح ~~المحفوظ على الترتيب الذي هو في مصاحفنا، أنزله الله تعالى جملة واحدة في ~~شهر رمضان ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله مفرقا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مدة حياته عند الحاجة وحدوث ما يحدث على ما يشاء الله ~~PageV01P067 # عز وجل: وترتيب [24 و] النزول غير ترتيب التلاوة، وكان هذا الاتفاق من ~~الصحابة سببا لبقاء القرآن في الأمة رحمة من الله عز وجل لعباده، وتحقيقا ~~لوعده في حفظه على ما قال جل ذكره: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ~~(1) . # ثم إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرءون بالقراءة التي ~~أقرأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقنهم بإذن الله عز وجل، إلى أن وقع ~~الاختلاف بين القراء في زمن عثمان وعظم الأمر فيه، وكتب الناس بذلك من ~~الأمصار إلى عثمان، وناشدوه الله تعالى في جمع الكلمة وتدارك الناس قبل ~~تفاقم الأمر، وقدم حذيفة بن اليمان من غزوة إرمينية (2) ، فشافهه بذلك، ~~فجمع عثمان عند ذلك المهاجرين والأنصار، وشاورهم في جمع القرآن على حرف ~~واحد ليزول بذلك الخلاف وتتفق الكلمة، فاستصوبوا رأيه، وحضوه عليه، ورأوا ~~أنه من أحوط الأمور للقرآن، فاستحضر الصحف من عند حفصة، ونسخها في المصاحف، ~~وبعث بها إلى الأمصار. # وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي (3) قال: كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان ~~وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون قراءة العامة، وهي ~~القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام ~~الذي قبض فيه، وكان علي رضي الله عنه طول أيامه يقرأ PageV01P068 # مصحف عثمان، ويتخذه إماما [24 ظ] ويقال: إن زيد بن ثابت شهد العرضة ~~الأخيرة التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل وهي التي بين ~~فيها ما نسخ وما بقي. # قال أبو عبد الرحمن السلمي: ms032 قرأ زيد بن ثابت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سميت هذه القراءة قراءة ~~زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأها عليه، وشهد ~~العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر ~~في جمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف، رضي الله عنهم أجمعين (1) . # قلت: ومعنى قول عثمان رضي الله عنه، "إن القرآن أنزل بلسان قريش" أي ~~معظمه بلسانهم، فإذا وقع الاختلاف في كلمة فوضعها على موافقة لسان قريش ~~أولى من لسان غيرهم. أو المراد: نزل في الابتداء بلسانهم، ثم أبيح بعد ذلك ~~أن يقرأ بسبعة أحرف، وقول ابن عباس رضي الله عنهما: "لم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعلم ختم السورة حتى تنزل البسملة" (2) ، يعني به -والله أعلم- ~~وقت عرض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على على جبريل عليه السلام، فكان ~~لا يزال يقرأ في السورة إلى أن يأمره جبريل بالتسمية، فيعلم أن السورة قد ~~انقضت، وعبر النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ النزول، إشعارا بأنها قرآن، في ~~جميع أوائل السور [25 و] فيه، ويجوز أن يكون المراد بذلك أن جميع آيات كل ~~سورة كان ينزل قبل نزول البسملة، فإذا كملت آياتها نزل جبريل البسملة، ~~واستعرض السورة، PageV01P069 # فيعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن السورة قد ختمت، لم يبق يلحق بها شيء. # واعلم أن حاصل ما شهدت به الأخبار المتقدمة وما صرحت به أقوال الأئمة أن ~~تأليف القرآن على ما هو عليه الآن كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإذنه وأمره، وأن جمعه في الصحف خشية دثوره بقتل قرائه كان في زمن أبي بكر ~~رضي الله عنه، وأن نسخه في مصاحف حملا للناس على اللفظ المكتوب حين نزوله ~~بإملاء المنزل إليه صلى الله عليه وسلم ومنعا من قراءة كل لفظ يخالفه كان ~~في زمن عثمان رضي الله عنه، وكأن أبا بكر كان غرضه أن يجمع القرآن مكتوبا ~~مجتمعا غير مفرق ms033 على اللفظ الذي أملاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~كتبة الوحي ليعلم ذلك، ولم يكل ذلك إلى حفظ من حفظه خشية فنائهم بالقتل، ~~ولاختلاف لغاتهم في حفظهم على ما كان أبيح لم من قراءته على سبعة أحرف على ~~ما ستأتي معانيها في الباب الثالث، فلما ولي عثمان وكثر المسلمون وانتشروا ~~في البلاد وخيف عليهم الفساد من اختلافهم في قراءاتهم لاختلاف لغاتهم حملهم ~~عثمان على ذلك اللفظ الذي جمعه زيد في زمن أبي بكر، وبقي ما عداه ليجمع ~~الناس [25 ظ] على قراءة القرآن على وفق ما نزل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ولا يكثر فيه التصرف، فيتفاحش تغيره، وتنمحق ألفاظه المنزلة. ولهذا ~~قال أبو مجلز لاحق بن حميد (1) رحمه الله -وهو من جلة تابعي البصرة-: يرحم ~~الله عثمان، لو لم يجمع الناس على قراءة واحدة لقرأ الناس القرآن بالشعر. ~~PageV01P070 # وقال حماد بن سلمة (1) : كان عثمان في المصحف كأبي بكر في الردة. # وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان لعثمان شيئان ليس لأبي بكر ولا عمر مثلهما: ~~صبره نفسه حتى قتل مظلوما، وجمعه الناس على المصحف. # فقد اتضح بما ذكرناه معنى ما فعله كل واحد من الإمامين أبي بكر وعثمان ~~رضي الله عنهما، وتبين أن قصد كل واحد منهما غير قصد الآخر، فأبو بكر قصد ~~جمعه في مكان واحد، ذخرا للإسلام يرجع إليه إن اصطلم، والعياذ بالله، ~~قراؤه، وعثمان قصد أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتعدوه إلى غيره من القراءات التي كانت ~~مباحة لهم، المنافية لخط المصحف من الزيادة والنقصان وإبدال الألفاظ على ما ~~سيأتي شرحه. # وذكر أبو عمرو الداني في كتابه "المقنع" عن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا ~~بكر أول من جمع القرآن في المصاحف، وعثمان الذي جمع المصاحف على مصحف واحد ~~(2) . # وقد عبر الشيخ أبو القاسم [26 و] الشاطبي رحمه الله عما فعله الإمامان ~~بأبيات من جملة قصيدته المسماة ب"العقلية" في بيان رسم المصحف، ms034 أخبرنا بها ~~عنه شيخنا أبو الحسن وغيره فقال رحمه الله: # واعلم بأن كتاب الله خص بما ... تاه البرية عن إتيانه ظهرا # أي متظاهرين، ثم قال بعد أبيات: PageV01P071 # ولم يزل حفظه بين الصحابة في ... علا حياة رسول الله مبتدرا # أشار إلى كثرة حفاظه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: # وكل عام على جبريل يعرضه ... وقيل آخر عام عرضتين قرا # لو قال: "لكن آخر عام" كان أولى؛ لأن الجمع في خبر واحد صحيح. وقوله: ~~"وقيل" يوهم غير ذلك، فإن كان قال: و"قبل" بالموحدة فهو أجود، والله أعلم. ~~ثم قال رحمه الله: # إن اليمامة أهواها مسيلمة (1) ال ... كذاب في زمن الصديق إذ خسرا # وبعد باس شديد حان مصرعه ... وكان باسا على القراء مستعرا # نادى أبا بكر الفاروق: خفت على ال ... قراء فادرك القرآن مستطرا # فأجمعوا جمعه في الصحف واعتمدوا ... زبد بن ثابت العدل الرضا نظرا # فقام فيه بعون الله يجمعه ... بالنصح والجد والحزم الذي بهرا # من كل أوجهه حتى استتم له ... بالأحرف السبعة العليا كما اشتهرا # فأمسك الصحف الصديق ثم إلى ال ... فاروق أسلمها لما قضى العمرا # وعند حفصة كانت بعد فاختلف ال ... قراء فاعتزلوا في أحرف زمرا # وكان في بعض مغزاهم مشاهدهم ... حذيفة فرأى من خلفهم عبرا # فجاء عثمان مذعورا فقال له: ... أخاف أن يخلطوا فأدرك البشرا # فاستحضر الصحف الأولى التي جمعت ... وخص [26 ظ] زيدا ومن قريشه نفرا ~~PageV01P072 # على لسان قريش فاكتبوه كما ... على الرسول به إنزاله انتشرا # فجردوه كما يهوى كتابته ... ما فيه شكل ولا نقط فيحتجرا # وسار في نسخ منها مع المدني ... كوف وشام وبصر تملأ البصرا # وقيل: مكة والبحرين مع يمن ... ضاعت بها نسخ في نشرها قطرا (1) # القطر: العود، أي فاحت رائحة طيب هذه النسخ بهذه الأقاليم، فهو كقوله في ~~قصيدته الكبرى (2) : # "فقد ضاعت شذا وقرنفلا ... ### | ...................... # والهاء في "قريشه" لعثمان، وفي "به" تعود على لسان قريش، وقوله: "فجردوه" ~~أي كتبوه على لسان قريش مجردا من باقي لغات العرب. # وهذه مسألة فيها نظر واختلاف، وسيأتي تحقيقها ms035 في الباب الثالث الذي هو ~~عمدة هذا الكتاب، والمقصود بهذا التصنيف وما قبله وما بعده من الأبواب مقدم ~~بين يديه، وتبع له لشدة تعلق الجميع به. # قال أبو حاتم السجستاني (3) : لما كتب عثمان رضي الله عنه المصاحف حين ~~جمع القرآن كتب سبعة مصاحف، فبعث واحدا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى ~~اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة ~~واحدا. PageV01P073 # قال أبو عمرو الداني في كتاب "المقنع": أكثر العلماء على أن عثمان رحمه ~~الله لما كتب المصحف جعله على أربع نسخ: فوجه إلى [27 و] الكوفة إحداهن، ~~وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، واحتبس عند نفسه واحدة (1) . # وقال أبو محمد مكي رحمه الله في آخر كتاب "الكشف": "ذكر إسماعيل القاضي ~~(2) من روايته أن زيد بن ثابت قال: كتبته على عهد أبي بكر في قطع الأدم ~~وكسر الأكتاف، وفي كذا وكذا، قال: فلما هلك أبو برك وكان عمر كتبته في ~~صحيفة واحدة، وكانت عنده، فلما هلك كانت الصحيفة عند حفصة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم"، قال: "وروي أن حفصة لما ماتت قبض الصحيفة عبد الله بن ~~عمر، فعزم عليه مروان فأخذها.." (3) . # قلت: وقد سبق ذلك، فيكون على هذا قد كتبه زيد ثلاث مرات في أيام الأئمة ~~الثلاثة رضي الله عنهم، وهذه رواية غريبة، إلا أن ظاهر القصة يدل على ~~صحتها؛ لأن اختصاص آل عمر بالصحيفة بعد عمر دل على أنه كان كتبها لنفسه، ~~ولو كانت هي التي كتبت في زمن أبي بكر لما اختص بها آل عمر، والله أعلم. # وقد حكى القاضي أبو بكر في "كتاب الانتصار" خلافا في أن أبا بكر جمع ~~القرآن بين لوحين أو في صحف وأوراق متفرقة، وبكل معنى من PageV01P074 # ذلك قد وردت الآثار. وقيل: كتبه أولا في صحف ومدارج نسخت ونقلت إلى مصاحف ~~جعلت بين لوحين، وقيل: معنى قول علي: "أبو بكر أول من جمع القرآن [27 ظ] ~~بين اللوحين" (1) : أي جمع القرآن الذي هو الآن بين اللوحين، وكان هذا ms036 أقرب ~~إلى الصواب جمعا بين الروايات. وكأن أبا بكر رضي الله عنه كان جمع كل سورة ~~أو سورتين أو أكثر من ذلك في صحيفة على قدر طول السورة وقصرها. فمن ثم قيل: ~~إنه جمع القرآن في مصحف، ونحو ذلك من العبارات المشعرة بالتعدد، ثم إن ~~عثمان رضي الله عنه نسخ من تلك الصحف مصحفا جامعا لها، مرتبة سورة سورة على ~~هذا الترتيب، ويدل على ذلك ظاهر حديث يزيد الفارسي (2) عن ابن عباس قال: ~~قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى "براءة" و"الأنفال" فقرنتم بينهما؟ ~~الحديث (3) ، فإنه يدل على أن لعثمان في جمعه القرآن بعد أبي بكر تصرفا ما، ~~وهو هذا، فأبو بكر جمع آيات كل سورة كتابة لها من الأوراق المكتوبة بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وعثمان جمع السور على هذا التريب في مصحف واحدا ~~ناسخا لها من صحف أبي بكر. # وأما ما روي أن عثمان جمع القرآن أيضا من الرقاع (4) كما فعل أبو بكر ~~فرواية لم تثبت، ولم يكن له إلى ذلك حاجة، وقد كفيه بغيره، فالاعتماد على ~~ما قدمناه أول الباب من حديث صحيح البخاري (5) ، وإنما ذكرنا ما بعده ~~PageV01P075 # زيادة كالشرح له، وجمعا لما روي في ذلك، ويمكن أن يقال: إن عثمان طلب [28 ~~و] إحضار الرقاع ممن هي عنده، وجمع منها، وعارض بما جمعه أبو بكر، وعارض ~~بتلك الرقاع، أو جمع بين النظر في الجميع حالة النسخ، ففعل كل ذلك أو بعضه، ~~استظهارا ودفعا لوهم من يتوهم خلاف الصواب، وسدا لباب القالة: إن الصحف ~~غيرت أو زيد فيها ونقص، وما فعله مروان من طلبه الصحف من ابن عمر وتمزيقها ~~-إن صح ذلك- فلم يكن لمخالفة بين الجمعين، إلا فيما يتعلق بترتيب السور، ~~فخشي أن يتعلق متعلق بأنه في جمع الصديق غير مرتب السور، فسد الباب جملة. ~~هذا إن قلنا إن عين ما جمعه عثمان هو عين ما جمعه أبو بكر، ولم يكن لعثمان ~~فيه إلا حمل الناس عليه مع ترتيب السور، وأما ما قلنا بقول من ms037 زعم أن عثمان ~~اقتصر مما جمعه أبو بكر على حرف واحد من بين تلك القراءات المختلفة فأمر ما ~~فعله مروان ظاهر، وسيأتي الكلام على كل واحد من القولين وإيضاح الحق في ~~ذلك، إن شاء الله تعالى. # PageV01P076 ### | الباب الثالث: في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" # وفيه فصول: ### | الفصل الأول: في سرد الأحاديث في ذلك # ففي الصحيحين عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله (1) أن عبد ~~الله بن عباس حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أقرأني جبريل ~~عليه السلام على حرف واحد فراجعته [28 ظ] فلم أزل استزيده ويزيدني حتى ~~انتهى إلى سبعة أحرف" (2) . # وفيهما عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير (3) أن المسور بن مخرمة ~~(4) وعبد الرحمن بن عبد القاري (5) حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب ~~PageV01P077 # يقول: سمعت هشام بن حكيم (1) يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، ~~فلببته (2) بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: ~~أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ "سورة الفرقان" على حروف ~~لم تقرئنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: "أرسله"، فأرسله عمر ~~فقال لهشام: "اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "كذلك أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت ~~القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذلك أنزلت، إن ~~هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" (3) . واللفظ للبخاري. ~~زاد مسلم: قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي ~~يكون ms038 واحدا، لا يختلف في حلال [29 و] ولا حرام (4) . وأخرجه النسائي (5) في ~~سننه الكبرى وقال: فقرأ فيها حروفا لم يكن نبي PageV01P078 # الله أقرأنيها (1) . # وفي صحيح مسلم عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل فصلى فقرأ ~~قراءة أنكرتها، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة ~~دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن هذا قرأ قراءة ~~أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ -وفي رواية: ثم قرأ هذا- سوى قراءة صاحبه، ~~فأقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ، فحسن النبي صلى الله عليه ~~وسلم شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأنما أنظر ~~إلى الله عز وجل فرقا (2) فقال: "يا أبي إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن ~~على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثانية: اقرأه على حرفين، ~~فرددت إليه يهون على أمتي فرد إلي في الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف ولكل ~~بكل ردة رددتكها مسألة تسألينها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر ~~لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم" (3) . # وأخرجه أبو جعفر الطبري (4) في أول تفسيره بسنده عن أبي قال: دخلت ~~PageV01P079 # المسجد فصليت فقرأت النحل، ثم جاء رجل آخر فقرأها على غير قراءتي، ثم دخل ~~رجل آخر فقرأ بخلاف قراءتنا، فدخل في [29 ظ] نفسي من الشك والتكذيب أشد مما ~~كان في الجاهلية، فأخذت بأيديهما فأتيت بهما النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقلت: يا رسول الله استقرئ هذين، فقرأ أحدهما فقال: "أصبت"، ثم استقرأ ~~الآخر فقال: "أحسنت"، فدخل قلبي أشد مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب، ~~فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري وقال: "أعاذك الله من الشك وخسأ ~~عنك الشيطان" ففضت عرقا فقال: "أتاني جبريل فقال: اقرأ القرآن على حرف ~~واحد، فقلت: إن أمتي لا تستطيع ذلك، حتى قال ms039 سبع مرات فقال لي: اقرأ على ~~سبعة أحرف" (1) . # وفي رواية: فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان، حتى احمر وجهي، فعرف ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في وجهي فضرب بيده في صدري ثم قال: "اللهم اخسأ ~~الشيطان عنه، يا أبي، أتاني آت من ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن ~~على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك ~~أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثالثة فقال ~~مثل ذلك، فقلت مثله، ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن ~~على سبعة أحرف " (2) . # وفي رواية: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (3) أن رجلين اختصما في آية ~~PageV01P080 # من القرآن، وكل يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه، فتقارءا إلى أبي ~~[30 و] فخالفهما أبي، فتقارؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي ~~الله، اختلفنا في آية من القرآن وكلنا يزعم أنك أقرأته، فقال لأحدهما: ~~"اقرأ"، فقرأ فقال: "أصبت"، وقال الآخر: "اقرأ"، فقرأ خلاف ما قرأ صاحبه ~~فقال: "أصبت"، وقال لأبي: "اقرأ"، فقرأ فخالفهما فقال: "أصبت"، وذكر الحديث ~~(1) . # وفي رواية: "اقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة" (2) . # وفي أخرى: "من قرأ منها حرفا فهو كما قرأ" (3) . # وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار (4) ، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن ~~الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته ~~وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تقرأ ~~أمتك القرآن على حرفين فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ~~ذلك"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة ~~أحرف فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه ~~الرابعة فقال: إن الله يأمرك PageV01P081 # أن تقرأ أمتك القرآن ms040 على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا (1) ~~. # وفي سنن أبي داود عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"يا أبي، إني أقرئت القرآن، فقال لي: على حرف؟ فقال الملك الذي معي: [30 ظ] ~~قل على حرفين، قلت: على حرفين، فقيل لي: على حرفين؟ فقال الملك الذي معي: ~~قل على ثلاث، فقلت: على ثلاث، حتى بلغت سبعة أحرف"، ثم قال: "ليس منها إلا ~~شاف كاف، إن قلت سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو ~~آية رحمة بعذاب" (2) . # وفي سنن النسائي فقال: "إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني ~~وميكائيل عن يساري فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، ~~حتى بلغ سبعة أحرف، فكل حرف شاف كاف" (3) . # وفي جامع الترمذي عن أبي بن كعب قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جبريل فقال: "يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير ~~والغلام والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط قال: # يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف". قال: هذا حديث حسن صحيح. # وروي من غير وجه عن أبي بن كعب. وفي هذا الباب عن ابن عمر PageV01P082 # وحذيفة وأبي هريرة وابن عباس وأبي جهيم بن الحارث بن الصمة (1) وسمرة (2) ~~وأم أيوب (3) امرأة أبي أيوب الأنصاري (4) . # قلت: ورواه أبو جعفر الطبري في تفسيره: "منهم الغلام والخادم والشيخ ~~العاسي (5) والعجوز فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف" (6) . # وفي كتاب أبي عبيد عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لقيت جبريل عليه السلام عند أحجار المراء (7) فقلت: يا جبريل إني أرسلت ~~إلي أمة أمية الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ ~~كتابا قط، فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف". # وعن أبي جهيم الأنصاري أن رجلين [31 و] اختلفا في آية من القرآن، كلاهما ~~يزعم أنه تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمشيا جميعا حتى أتيا ~~رسول الله صلى ms041 الله عليه وسلم، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P083 # قال: "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فلا تماروا (1) فيه فإن مراء فيه ~~كفر" (2) . # وعن أبي قيس (3) مولى عمرو بن العاص أن رجلا قرأ آية من القرآن فقال له ~~عمرو بن العاص: إنما هي كذا وكذا، بغير ما قرأ الر جل، فقال الرجل: هكذا ~~أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذكرا ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن نزل ~~على سبعة أحرف فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا في القرآن فإن مراء فيه ~~كفر". # وفي كتاب ابن أبي شيبة عن أم أيوب قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"نزل القرآن على سبعة أحرف أيها قرأت أصبت" (4) . # وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة (5) عن أبيه أن جبريل قال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: اقرأ القرآن على حرف، فقال له ميكائيل: استزده، فقال على ~~حرفين، ثم قال: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف كلها كاف شاف كقولك: هلم وتعال، ~~ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة (6) . # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله [31 ظ] عليه ~~PageV01P084 # وسلم: "نزل القرآن على سبعة أحرف عليما حكيما غفورا رحيما" (1) . # وفي رواية: "عليم حكيم غفور رحيم". # وفي أول تفسير الطبري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف فالمراء في القرآن كفر -ثلاث مر ~~ات- فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم فردوه إلى عالمه" (2) . # وفي رواية: "فاقرءوا ولا حرج ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب ~~برحمة" (3) . # وعن زيد بن أرقم (4) قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود سورة أقرأنيها زيد وأقرأنيها أبي بن كعب ~~فاختلفت قراءتهم، قراءة أيهم آخذ؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms042 ~~قال: وعلي إلى جنبه، فقال علي: ليقرأ كل إنسان كما علم، كل حسن جميل (5) . ~~PageV01P085 # وعن علقمة (1) عن عبد الله قال: لقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيأمرنا فنقرأ عليه، فيخبرنا أن كلنا محسن، ولقد كنت أعلم ~~أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان، حتى كان عام قبض فعرض عليه مرتين، فكان ~~إذا فرغ أقرأ عليه، فيخبرني أني محسن، فمن قرأ على قراءتي فلا يدعنها رغبة ~~عنها، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف فلا يدعنه رغبة عنه، فإنه من جحد بآية ~~-وفي رواية: بحرف- منه جحد به كله (2) . # وفي [32و] كتاب "المستدرك" عن عبد الله قال: أقرأني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "سورة حم" (3) ورحت إلى المسجد عشية، فجلس إلي رهط، فقلت لرجل من ~~الرهط: اقرأ علي، فإذا هو يقرأ حروفا لا أقرؤها، فقلت له: من أقرأكها؟ قال: ~~أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وإذا عنده رجل فقلت: اختلفنا PageV01P086 # في قراءتنا وإن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تغير، ووجد في نفسه ~~حين ذكرت له الاختلاف فقال: "إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف" ثم أسر إلى ~~علي، فقال علي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن يقرأ كل رجل ~~منكم كما علم، قال: فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حروفا، لا يقرؤها صاحبه (1) ~~. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة. # وفي السنن الكبير عن سليمان بن صرد (2) عن أبي بن كعب قال: قرأت آية وقرأ ~~ابن مسعود خلافها، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألم تقرئني آية ~~كذا وكذا؟ قال: "بلى"، قال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ قال: "بلى"، ~~قال: "كلاكما محسن"، قلت: ما كلانا أحسن ولا أجمل، قال: فضرب صدري وقال: ~~"يا أبي إني أقرئت القرآن، فقيل لي: أعلى حرف أم على حرفين؟ فقال الملك ~~الذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقيل لي: أعلى حرفين أم ms043 ثلاثة؟ فقال ~~الملك الذي معي: على ثلاثة، [32ظ] فقلت: ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف"، قال: ~~"ليس فيها إلا شاف كاف، قلت: غفور رحيم، عليم حكيم، سميع عليم، عزيز حكيم، ~~نحو هذا ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب" (3) . # قال أبو عبيد: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة، ~~PageV01P087 # إلا حديثا واحدا يروى عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "أنزل القرآن على ثلاثة أحرف". قال أبو عبيد: ولا نرى المحفوظ إلا ~~السبعة؛ لأنها المشهورة. # قلت: أخرج حديث الثلاثة الحاكم في مستدركه (1) ، فيجوز أن يكون معناه: أن ~~بعضه أنزل على ثلاثة أحرف ك {جذوة} (2) و {الرهب} (3) و {الصدفين} (4) ، ~~يقرأ كل واحد على ثلاثة أوجه في هذه القراءات المشهورة، أو أراد: أنزل ~~ابتداء على ثلاثة، ثم زيد إلى سبعة، والله أعلم. ومعنى جميع ذلك أنه نزل ~~منه ما يقرأ على حرفين وعلى ثلاثة وعلى أكثر من ذلك إلى سبعة أحرف توسعة ~~على العباد باعتبار اختلاف اللغات والألفاظ المترادفة وما يقارب معانيها، ~~وقد جاء عن ابن مسعود: ليس الخطأ أن يدخل بعض السورة في الأخرى ولا أن تختم ~~الآية بحكيم عليم، أو عليم حكيم، ولكن الخطأ أن تجعل فيه ما ليس فيه، وإن ~~تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة (5) . PageV01P088 # وقال الأعمش: سمعت أبا وائل (1) يحدث عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت ~~القرأة فوجدتهم متقاربين، اقرءوا كما علمتم [33و] وإياكم والتنطع ~~والاختلاف، فإنما هو كقول أحدهم: هلم وتعال وأقبل (2) . # قال البيهقي: أما الأخبار التي وردت في إجازة قراءة "غفور رحيم" بدل ~~"عليم حكيم"، فلأن جميع ذلك مما نزل به الوحي، فإذا قرأ ذلك في غير موضعه ~~فكأنه قرأ آية من سورة، وآية من سورة أخرى، فلا يأثم بقراءتها كذلك ما لم ~~يختم آية عذاب بآية رحمة، ولا آية رحمة بآية عذاب (3) . # قلت: وكان هذا سائغا قبل جمع الصحابة المصحف تسهيلا على الأمة حفظه؛ لأنه ~~نزل على قوم لم يعتادوا الدرس والتكرار ms044 وحفظ الشيء بلفظه، بل هم قوم عرب ~~فصحاء يعبرون عما يسمعون باللفظ الفصيح. # ثم إن الصحابة رضي الله عنهم خافوا من كثرة الاختلاف، وألهموا، وفهموا أن ~~تلك الرخصة قد استغني عنها بكثرة الحفظة للقرآن، ومن نشأ على حفظه صغيرا ~~فحسموا مادة ذلك بنسخ القرآن على اللفظ المنزل غير اللفظ المرادف له، وصار ~~الأصل ما استقرت عليه القراءة في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد ما عارضه به جبريل عليه السلام في تلك السنة مرتين، ثم ~~اجتمعت الصحابة على إثباته بين الدفتين، وبقي من الأحرف السبعة التي كان ~~أبيح قراءة القرآن عليها ما لا يخالف المرسوم، وهو ما يتعلق بتلك الألفاظ ~~من الحركات والسكنات والتشديد والتخفيف PageV01P089 # وإبدال حرف بحرف يوافقه في الرسم، ونحو ذلك؛ وما لا يحتمله [33ظ] المرسوم ~~الواحد فرق في المصاحب فكتب بعضها على رسم قراءة، وبعضها على رسم قراءة ~~أخرى، وأمثلة ذلك كله معروفة عند العلماء بالقراءات، وصح عن زيد بن ثابت ~~رضي الله عنه وعن غيره أنه قال: إن القراءة سنة (1) . # قال البيهقي: أراد أن اتباع من قبلنا في الحروف سنة متبعة، لا يجوز ~~مخالفة المصحف الذي هو إمام، ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة، وإن كان ~~غير ذلك سائغا في اللغة، أو أظهر منها. # قال أبو بكر بن العربي (2) : سقط جميع اللغات والقراءات إلا ما ثبت في ~~المصحف بإجماع من الصحابة وما أذن فيه قبل ذلك ارتفع وذهب والله أعلم (3) . ~~PageV01P090 ### | الفصل الثاني: في المراد بالأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها # وفي ذلك اختلاف كثير، وكلام للمصنفين طويل، فنذكر ما أمكن من ذلك مع بيان ~~ما نختاره في تفسير ذلك بعون الله تعالى. # قال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب "غريب الحديث": ~~قوله سبعة أحرف يعني سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف ~~الواحد سبعة أوجه، هذا لم نسمع به قط، ولكن نقول: هذه اللغات السبع متفرقة ~~في القرآن، فبعضه نزل بلغة قريش، وبعضه ms045 نزل بلغة هوازن، وبعضه بلغة هذيل، ~~وبعضه بلغة أهل اليمن، وكذلك سائر اللغات، ومعانيها في هذا كله واحدة، قال: ~~ومما يبين ذلك قول [34و] ابن مسعود رضي الله عنه: "إني سمعت القرأة فوجدتهم ~~متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، إنما هو كقول أحدكم هلم وتعالى" (1) ، وكذلك ~~قال ابن سيرين: "إنما هو كقولك هلم وتعالى وأقبل"، ثم فسره ابن سيرين فقال: ~~في قراءة ابن مسعود "إن كانت إلا زقية واحدة"، وفي قراءتنا: {صيحة واحدة} ~~(2) ، فالمعنى فيهما واحد، وعلى هذا سائر اللغات (3) . # وقال في كتاب "فضائل القرآن": وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد ~~يقرأ على سبعة أوجه، هذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات ~~متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف منها بلغة قبيلة، ~~والثاني بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة PageV01P091 # أخرى سواهما، كذلك إلى سبعة، وبعض الأحياء أسعد بها، وأكثر حظا فيها من ~~بعض، وذلك بين في أحاديث تترى: # حدثني عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن أنس بن مالك أن ~~عثمان رحمة الله عليه قال للرهط القرشيين الثلاثة حين أمرهم أن يكتبوا ~~المصاحف: ما اختلفتهم فيه أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش، فإنه نزل ~~بلسانهم (1) . # قلت: يعني أول نزوله قبل الرخصة في قراءته على سبعة أحرف. # قال أبو عبيد: وكذلك يحدثون عن سعيد بن أبي عروبة (2) عن قتادة عمن سمع ~~ابن عباس يقول: نزل القرآن بلغة الكعبين، كعب بن قريش وكعب بن خزاعة [34 ظ] ~~قيل: وكيف ذاك؟ قال: لأن الدار واحدة (3) . # قال أبو عبيد: يعني أن خزاعة جيران قريش فأخذوا بلغتهم (4) . # وأما الكلبي (5) فإنه يروي عنه عن أبي صالح (6) عن ابن عباس قال: نزل ~~PageV01P092 # القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن (1) . # قال أبو عبيد: والعجز هم سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، ~~وثقيف، وهذه القبائل هي التي يقال لها: عليا هوازن، وهم الذين قال فيهم أبو ~~عمرو بن العلاء (2) : أفصح العرب عليا ms046 هوازن وسفلى تميم. فهذه عليا هوازن، ~~وأما سفلى تميم فبنو دارم، فهذه سبع قبائل. # قلت: والكعبان كعب بن لؤي من قريش، وكعب بن عمرو من خزاعة. # وقال أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي (3) : معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"أنزل القرآن على سبعة أحرف" مشكل لا يدرى معناه؛ لأن العرب تسمي الكلمة ~~المنظومة حرفا، وتسمي القصيدة بأسرها كلمة، والحرف يقع على الحرف المقطوع ~~من الحروف المعجمة، والحرف أيضا المعنى والجهة كقوله تعالى: {ومن الناس من ~~يعبد الله على حرف} (4) أي على جهة من الجهات ومعنى من المعاني. # قال أبو علي الأهوازي (5) : سمعت أبا عبد الله محمد بن المعلى ~~PageV01P093 # الأزدي (1) بالبصرة يقول: سمعت أبا بكر محمد بن دريد الأزدي (2) يقول: ~~سمعت أبا حاتم سهل بن محمد السجستاني يقول: معنى سبعة أحرف سبع لغات [35 و] ~~من لغات العرب، وذلك أن القرآن نزل بلغة قريش وهذيل وتميم وأزد وربيعة ~~وهوازن وسعد بن بكر، قال: وسمعت أبا الحسن علي بن إسماعيل بن الحسن القطان ~~(3) يقول: سمعت أبا جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم (4) يقول: سمعت أبي ~~يقول: وهذا القول عظيم من قائله؛ لأنه غير جائز أن يكون في القرآن لغة ~~تخالف لغة قريش لقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (5) ، ~~إلا أن يكون القائل لهذا أراد ما وافق من هذه اللغات لغة قريش. # وعن أيوب السختياني أنه قال: معنى قوله تعالى: {إلا بلسان قومه} أراد ~~العرب كلهم. PageV01P094 # قلت: فعلى هذا القول لا يستقيم اعتراض ابن قتيبة (1) على ذلك التأويل. # وقد قال بعض الشيوخ: الواضح من ذلك أن يكون الله تعالى أنزل القرآن بلغة ~~قريش ومن جاورهم من فصحاء العرب، ثم أباح للعرب المخاطبين به المنزل عليهم ~~أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ ~~والإعراب، ولم يكلف بعضهم الانتقال من لغة إلى غيرها لمشقة ذلك عليهم، ولأن ~~العربي إذا فارق لغته التي طبع عليها يدخل عليه الحمية من ذلك، فتأخذه ~~العزة، فجعلهم يقرءونه على عاداتهم وطباعهم ولغاتهم ms047 منا منه عز وجل لئلا ~~يكلفهم ما يشق عليهم، فيتباعدوا عن الإذعان، وكان الأصل على ما عهد رسول ~~الله [35 ظ] صلى الله عليه وسلم من الألفاظ والإعراب جميعا مع اتفاق ~~المعنى، فمن أجل ذلك جاء في القرآن ألفاظ مخالفة ألفاظ المصحف المجمع عليه، ~~كالصوف وهو "العهن" (2) ، وزقية وهي "صيحة" (3) ، وحططنا وهي "وضعنا" (4) ، ~~وحطب جعنم وهي "حصب" (5) ونحو ذلك، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل ~~رجل منهم متمسك بما أجازه له صلى الله عليه وسلم وإن كان مخالفا لقراءة ~~PageV01P095 # صاحبه في اللفظ، وعول المهاجرون والأنصار ومن تبعهم على العرضة الأخيرة ~~التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام في العام ~~الذي قبض فيه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض عليه في كل سنة ~~مرة جميع ما أنزل عليه فيها إلا في السنة التي قبض فيها، فإنه عرض عليه ~~مرتين. # قلت: وهذا كلام مستقيم حسن، وتتمته أن يقال: # أباح الله تعالى أن يقرأ على سبعة أحرف ما يحتمل ذلك من ألفاظ القرآن ~~وعلى دونها ما يحتمل ذلك من جهة اختلاف اللغات وترادف الألفاظ توسيعا على ~~العباد، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لما أوحي إليه أن يقرأه ~~على حرفين وثلاثة: "هون على أمتي ... " (1) على ما سبق ذكره في أول الباب، ~~فلما انتهى إلى سبعة وقف، وكأنه صلى الله عليه وسلم علم أنه لا يحتاج من ~~ألفاظه لفظة إلى أكثر من ذلك غالبا، والله أعلم. # وإنما غرضنا الآن تحقيق معنى [36 و] هذا العدد الذي هو سبعة أحرف. # قال الأهوازي: وقالت طائفة: سبع لغات من قريش حسب. وقال بعضهم: خمس منها ~~بلغة هوازن، وحرفان لسائر لغات العرب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ربي في هوازن ونشأ في هذيل. وجاء عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي ~~الله عنهما أنهما قالا: نزل القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب. وفي رواية ~~عن ابن عباس: أن النبي صلى الله ms048 عليه وسلم كان يقرئ الناس بلغة واحدة، ~~فاشتد ذلك عليهم، فنزل PageV01P096 # جبريل فقال: يا محمد، أقرئ كل قوم بلغتهم. # قلت: هذا هو الحق؛ لأنه إنما أبيح أن يقرأ بغير لسان قريش توسعة على ~~العرب، فلا ينبغي أن يوسع على قوم دون قوم، فلا يكلف أحد إلا قدر استطاعته، ~~فمن كانت لغته الإمالة، أو تخفيف الهمز، أو الإدغام، أو ضم ميم الجمع، أو ~~صلة هاء الكناية، أو نحو ذلك فكيف يكلف غيره؟ وكذا كل من كان من لغته أن ~~ينطق بالشين التي كالجيم، والجيم التي كالكاف، ونحو ذلك، فهم في ذلك بمنزلة ~~الألثغ (1) والأرت (2) ، لا يكلف ما ليس في وسعه، وعليه أن يتعلم ويجتهد، ~~والله أعلم. # وقد قال أبو بكر بن العربي شيخ السهيلي (3) في كتاب شرح الموطأ. # "لم تتعين هذه السبعة بنص من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بإجماع من ~~الصحابة، وقد اختلفت فيها الأقوال، فقال ابن عباس: اللغات [36 ظ] سبع ~~والسماوات سبع والأرضون سبع، وعدد السبعات، وكأن معناه أنه نزل بلغة العرب ~~كلها، وقيل: هذه الأحرف في لغة واحدة، وقيل: هي تبديل الكلمات إذا استوى ~~المعنى (4) . # وقال أبو سليمان الخطابي: PageV01P097 # "اختلف الناس في تفسير قوله "سبعة أحرف" فقال بعضهم: معنى الحروف اللغات، ~~يريد أنه نزل على سبع لغات من لغات العرب، هي أفصح اللغات، وأعلاها في ~~كلامهم، قالوا: وهذه اللغات متفرقة في القرآن، غير مجتمعة في الكلمة ~~الواحدة، وإلى نحو من هذا أشار أبو عبيد. وقال القتبي: لا نعرف في القرآن ~~حرفا يقرأ على سبعة أحرف (1) . وقال ابن الأنباري (2) هذا غلط، فقد وجد في ~~القرآن حروف تقرأ على سبعة أحرف، منها قوله تعالى: {وعبد الطاغوت} (3) ~~وقوله تعالى: {أرسله معنا غدا يرتع ويلعب} (4) ، وذكر وجوها، كأنه يذهب في ~~تأويل الحديث إلى أن بعض القرآن أنزل على سبعة أحرف، لا كله". PageV01P098 # "وذكر بعضهم وجها آخر، وهو أن القرآن أنزل مرخصا للقارئ، وموسعا عليه أن ~~يقرأه على سبعة أحرف، أي يقرأ بأي حرف شاء منها على البدل من صاحبه، ولو ms049 ~~أراد أن يقرأ على معنى ما قاله ابن الأنباري لقيل: أنزل القرآن سبعة أحرف، ~~وإنما قيل: "على سبعة أحرف" ليعلم أنه أريد به هذا المعنى، أي كأنه أنزل ~~على هذا من الشرط، أو على هذا من الرخصة والتوسعة، وذلك لتسهل قراءته على ~~الناس، ولو أخذوا [37 و] بأن يقرءوه على حرف واحد لشق عليهم، ولكان ذلك ~~داعية إلى الزهاد فيه وسببا للنفور عنه". # قال: "وقيل: فيه وجه آخر، وهو أن المراد به التوسعة، ليس حصرا للعدد" (1) ~~. # قلت: هذا موافق لما سبق تقريره على ما روي عن علي وابن عباس رضي الله ~~عنهم، وهو كما قيل في معنى قوله تعالى: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم} (2) إنه جرى كالمثل في التعبير عن التكثير، لا حصرا في هذا ~~العدد، والله أعلم. # وقال أبو القاسم الهذلي (3) في كتابه "الكامل": قال أبو عبيد: المقصود ~~PageV01P099 # سبع لغات، لغة قريش وهذيل وثقيف وهوازن وكنانة وتميم واليمن، وقيل: خمس ~~لغات في أكناف هوازن: لسعيد وثقيف وكنانة وهذيل وقريش ولغتان على جميع ~~ألسنة العرب. قال: وليس الشرط أن تأتي سبع لغات في كل حرف، بل يجوز أن يأتي ~~في حرف وجهان أو ثلاثة أو أكثر، ولم تأت سبعة أحرف إلا في كلمات يسيرة، ~~مثل: "أف" بالضم والفتح والكسر (1) مع التنوين وبغير تنوين مع الحركات ~~الثلاث وبالسكون. # فصل: # قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر (2) في "كتاب التمهيد": # "وهذا مجتمع عليه أن القرآن لا يجوز في حروفه وكلماته وآياته كلها أن ~~تقرأ على سبعة أحرف، ولا شيء منها، ولا يمكن ذلك فيها، بل لا يوجد في ~~القرآن كلمة تحتمل أن تقرأ على سبعة أوجه إلا قليل، مثل: {وعبد الطاغوت} ~~(3) [37 ظ] و {تشابه علينا} (4) ، وساق الكلام إلى أن قال: "وقال قوم: هي ~~سبع لغات في القرآن متفرقات على لغات العرب كلها يمنها PageV01P100 # ونزارها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجهل شيئا منها، وكان قد ~~أوتي جوامع الكلم". # "وقال آخرون: هذه اللغات كلها السبع، إنما ms050 تكون في مضر، واحتجوا بقول ~~عثمان رضي الله عنه: نزل القرآن بلسان مضر، وقالوا: جائز أن يكون منها ~~لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتميم، ومنها لضبة، ~~ومنها لقيس، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات على هذا المراتب". # "وأنكر آخرون أن تكون كلها في مضر وقالوا: في مضر شواذ، لا يجوز أن يقرأ ~~القرآن عليها، مثل كشكسة قيس وعنعنة تميم (1) . وفي سنن أبي داود أن عمر ~~كتب إلى ابن مسعود: أما بعد، فإن الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش، فإذا ~~أتاك كتابي هذا فاقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل" (2) . # "قال أبو عمر: ويحتمل أن يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار؛ لأن ما قرأ ~~به ابن مسعود لا يجوز"، قال: "وإذا أبيح لنا قراءته على كل ما أنزل فجائز ~~الاختيار فيما أنزل عندي، والله أعلم". قال: "وقد روي عن عثمان مثل قول عمر ~~هذا: "إن القرآن نزل بلغة قريش، بخلاف الرواية الأولى، وهذا أثبت عنه ~~ومعناه عندي في الأغلب؛ لأن غير لغة قريش موجود في صحيح القراءات من تحقيق ~~الهمزات ونحوها [38 و] وقريش لا تهمز" (3) . PageV01P101 # قلت: أشار عثمان رضي الله عنه إلى أول نزوله، ثم إن الله تعالى سهله على ~~الناس، فجوز لهم أن يقرءوه على لغاتهم على ما سبق تقريره؛ لأن الكل لغات ~~العرب، فلم يخرج عن كونه بلسان عربي مبين. # وأما من أراد من غير العرب حفظه فالمختار له أن يقرأه على لسان قريش، ~~وهذا إن شاء الله تعالى هو الذي كتب فيه عمر إلى ابن مسعود رضي الله عنهما: ~~"أقرئ الناس بلغة قريش"؛ لأن جميع لغات العرب بالنسبة إلى غير العربي ~~مستوية في التعسر عليه، فإذا لا بد من واحدة منها، فلغة النبي صلى الله ~~عليه وسلم أولى له، وإن أقرى بغيرها من لغات العرب، فجائز فيما لم يخالف خط ~~المصحف، وأما العربي المجبول على لغة فلا يكلف لغة قريش لتعسرها عليه، وقد ~~أباح الله تعالى القراءة على لغته، والله أعلم. # ثم ms051 قال ابن عبد البر: # "وقد روى الأعمش عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أنزل القرآن على سبعة ~~أحرف، صار في عجز هوازن منها خمسة" (1) . # "قال أبو حاتم: عجز هوازن ثقيف وبنو سعد بن بكر وبنو جشم وبنو نصر بن ~~معاوية: قال أبو حاتم: خص هؤلاء دون ربيعة وسائر العرب، [38 ظ] لقرب جوارهم ~~من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومنزل الوحي، وإنما مضر وربيعة أخوان، ~~قال: وأحب الألفاظ واللغات إلينا أن نقرأ بها لغات قريش، ثم أدناهم من بطون ~~مضر". # "قال أبو عمر: وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم "أنزل القرآن على سبعة أحرف" سبع لغات، وقالوا: PageV01P102 # هذا لا معنى له؛ لأنه لو كان كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض في أول ~~الأمر؛ لأنه من كانت لغته شيئا قد جبل وطبع عليه وفطر به لم ينكر عليه، ~~وأيضا فإن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي مكي، وقد اختلفت ~~قراءتهما، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته، كما محال أن يقرئ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واحدا منهما بغير ما يعرفه من لغته، والأحاديث الصحاح ~~المرفوعة كلها تدل على نحو ما يدل عليه حديث عمر هذا. وقالوا: إنما معنى ~~السبعة الأحرف سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو: ~~أقبل وتعالى وهلم، وعلى هذا أكثر أهل العلم (1) . # ثم ذكر الأحاديث في ذلك، منها: حديث أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # "أقرئت القرآن فقلت: على حرف أو حرفين، فقال لي الملك [39 و] الذي عندي: ~~على حرفين، فقلت: على حرفين أو ثلاثة، فقال الملك: على ثلاثة، فقلت: على ~~ثلاثة، هكذا حتى بلغ سبعة أحرف وليس منها إلا شاف كاف، غفورا رحيما، عليما ~~حكيما، عزيزا حكيما، أي ذلك قلت فإنه كذلك -زاد بعضهم- ما لم تختم عذابا ~~برحمة أو رحمة بعذاب" (2) . # ومنها: حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # "هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، ms052 فاقرءوا، ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر ~~رحمة بعذاب ولا ذكر برحمة" (3) . PageV01P103 # ومنها حديث أبي جهيم الأنصاري: # "أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن المراء ~~كفر" (1) . # قال: "وهذه الآثار كلها تدل على أنه لم يعن به سبع لغات، والله أعلم" (2) ~~. # "وقد جاء عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: {للذين آمنوا انظرونا} (3) ، ~~مهلونا، أخرونا، أرجئونا (4) ، وكان يقرأ: {كلما أضاء لهم مشوا فيه} (5) ، ~~مروا فيه، سعوا فيه (6) ، كل هذه الحروف كان يقرأ بها أبي بن كعب، إلا أن ~~مصحف عثمان الذي بأيدي الناس اليوم هو منها حرف واحد". وقال: "وعلى هذا أهل ~~العلم، فاعلم". # "وذكر ابن وهب في كتاب الترغيب من جامعه قال: قيل لمالك: أترى أن يقرأ ~~بمثل [39 ظ] ما قرأ به عمر بن الخطاب: "فامضوا إلى ذكر الله" (7) ؟ قال: ~~ذلك جائز، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنزل PageV01P104 # القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" (1) ، مثل تعملون ويعملون، ~~وقال مالك: لا أرى باختلافهم في مثل هذا بأسا" (2) . # "قال أبو عمر: معناه عندي أن يقرأ به في غير الصلاة على وجه التعليم ~~والوقوف على ما روي في ذلك من علم الخاصة، وإنما ذكرنا ذلك عن مالك تفسيرا ~~لمعنى الحديث، وإنما لم تجز القراءة به في الصلاة؛ لأن ما عدا مصحف عثمان ~~لا يقطع عليه، وإنما يجري مجرى السنن التي نقلها الآحاد، لكنه لا يقدم أحد ~~على القطع في رده، وقد قال مالك: إن من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود، أو ~~غيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يصل وراءه". # "وعلماء المسلمين مجمعون على ذلك، إلا قوما شذوا، لا يعرج عليهم، منهم ~~الأعمش". قال: "وهذا كله يدلك على أن السبعة الأحرف التي أشير إليها في ~~الحديث ليس بأيدي الناس منها، إلا حرف زيد بن ثابت الذي جمع عليه عثمان رضي ~~الله عنه المصاحف". # "قال أبو بكر محمد بن ms053 عبد الله الأصبهاني (3) المقرئ: أخبرنا أبو علي ~~الحسن بن صافي الصفار أن عبد الله بن سليمان حدثهم قال: حدثنا أبو [40 و] ~~الطاهر قال: سألت سفيان بن عيينة (4) عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين، ~~PageV01P105 # هل تدخل في السبعة الأحرف؟ فقال: لا، وإنما السبعة الأحرف كقولهم هلم، ~~أقبل، تعال، أي ذلك قلت أجزاك. قال أبو الطاهر: وقاله ابن وهب. قال أبو بكر ~~الأصبهاني: ومعنى قول سفيان هذا أن اختلاف العراقيين والمدنيين راجع إلى ~~حرف واحد من الأحرف السبعة، وبه قال محمد بن جرير الطبري" (1) . # "وقال أبو جعفر الطحاوي (2) : كانت هذه السبعة للناس في الحروف لعجزهم عن ~~أخذ القرآن على غيرها؛ لأنهم كانوا أميين، لا يكتبون إلا القليل منهم، فكان ~~يشق على كل ذي لغة منهم أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم ~~يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى ~~متفقا، فكانوا كذلك، حتى كثر من يكتب منهم، وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقرءوا بذلك على تحفظ ألفاظه، ولم يسعهم حينئذ أن ~~يقرءوا بخلافها، وبان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت ~~خاص، لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم [40 ظ] هذه ~~السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد" (3) . # "قال أبو عمر: وهو الذي عليه الناس في مصاحفهم وقراءاتهم من بين سائر ~~الحروف؛ لأن عثمان رضي الله عنه جمع المصاحف عليه". قال: "وهذا الذي عليه ~~جماعة الفقهاء فيما يقطع عليه، وتجوز الصلاة به، وبالله PageV01P106 # العصمة والهدى" (1) . # قلت: وسنعود إلى الكلام في هذا في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى. # فصل: # ذهب قوم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" ~~إلى أنها سبعة أنحاء وأصناف، فمنها زاجر، ومنها آمر، ومنها حلال، ومنها ~~حرام، ومنها محكم، ومنها متشابه، واحتجوا بحديث يرويه سلمة بن أبي سلمة بن ~~عبد الرحمن (2) عن أبيه (3) عن ابن مسعود عن النبي ms054 صلى الله عليه وسلم قال: ~~"كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة ~~أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا ~~حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا ~~بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا: آمنا به كل من عند [41 و] ~~ربنا" (4) . # قال عمر بن عبد البر: # "هذا حديث عند أهل العلم لم يثبت، وأبو سلمة (5) لم يلق ابن مسعود، ~~PageV01P107 # وابنه سلمة ليس ممن يحتج به، وهذا الحديث مجتمع على ضعفه من جهة إسناده، ~~وقد رده قوم من أهل النظر، منهم أحمد بن أبي عمران (1) فيما سمعه الطحاوي ~~منه قال: من قال في تأويل السبعة الأحرف هذا القول فتأويله فاسد؛ لأنه محال ~~أن يكون الحرف منها حراما لا ما سواه، أو يكون حلالا لا ما سواه؛ لأنه لا ~~يجوز أن يكون القرآن يقرأ على أنه حلال كله، أو حرام كله، أو أمثال كله. ~~قال أبو عمر: ويرويه الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سلمة بن أبي سلمة عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا" (2) . # قلت: "وهكذا رواه البيهقي في "كتاب المدخل" وقال: هذا مرسل جيد، أبو سلمة ~~لم يدرك ابن مسعود. ثم رواه موصولا وقال: فإن صح فمعنى قوله: "سبعة أحرف": ~~أي سبعة أوجه، وليس المراد به ما ورد في الحديث الآخر من نزول القرآن على ~~سبعة أحرف، ذاك المراد به اللغات التي أبيحت القراءة عليها، وهذا المراد به ~~الأنواع التي نزل القرآن عليها، والله [41 ظ] أعلم. # قلت: وعندي لهذا الأثر أيضا تأويلان آخران، أحدهما: ذكره أبو علي ~~الأهوازي في "كتاب الإيضاح"، والحافظ أبو العلاء (3) في "كتاب المقاطع"، أن ~~قوله "زاجر وآمر" إلى آخره استئناف كلام آخر، أي هو كذلك، ولم يرد به تفسير ~~الأحرف السبعة، وإنما توهم ذلك من توهمه، PageV01P108 # لاتفاقهما في العدد وهو السبعة، وروي "زاجرا وآمرا ... " بالنصب، أي نزل ~~على هذه الصفة من سبعة أبواب على سبعة أحرف، ms055 ويكون المراد بالأحرف غير ذلك. # التأويل الثاني: أن يكون ذلك تفسير للأبواب، لا للأحرف، أي هذه سبعة ~~أبواب من أبواب الكلام وأقسامه وأنواعه، أي أنزله الله تعالى كائنا من هذه ~~الأصناف، لم يقتصر به على صنف واحد، بخلاف ما يحكى أن الإنجيل كله مواعظ ~~وأمثال، والله أعلم. # إذا ثبت هذا فنعود إلى تفسير الأحرف السبعة بأحد القولين: وهم اللغات ~~السبع مع اتحاد صورة الكتابة، والثاني الألفاظ المترادفة والمتقاربة ~~المعاني كما سبق. # وقد ضعف الأهوازي تفسير الأحرف السبعة باللغات، قال: لأن اللغات في ~~القبائل كثير عددها، وأبطل تفسيرها [42 و] بالأصناف؛ لأن أصنافه أكثر من ~~ذلك، منها الإخبار، والاستخبار على وجه التقرير والتقريع، ومنها الوعد، ~~والوعيد، والخبر بما كان وبما يكون، والقصص، والمواعظ، والاحتجاج، ~~والتوحيد، والثناء، وغير ذلك. # واختار الحافظ أبو العلاء تفسيرها باللغات المتفرقة في القرآن، قال: وليس ~~الغرض أن تأتي اللغات السبع في كل كلمة من كلم القرآن، بل يجوز أن يأتي في ~~الكلمة وجهان أو ثلاثة، فصاعدا إلى سبعة، ولم تأت سبعة أوجه إلا في كلمات ~~محصورة، نحو "جبريل" (1) ، {وعبد PageV01P109 # الطاغوت} (1) ، "أرجئه" (2) ، و"أف" (3) ، و {عذاب بئيس} (4) ، و {هيهات} ~~(5) ، و"دري توقد" (6) ، ونظائرها، قال: وروي عن أبي طاهر بن أبي هاشم (7) ~~أنه قال: شاف أي يشفي من الريب، لا يقصر بعضه PageV01P110 # عن بعض في الفضل، وقوله كاف أي كاف في نفسه، غير محوج إلى غيره. # قال أبو العلاء الحافظ: واعلم أن الاختلاف على ضربين: تغاير تضاد، ~~فاختلاف التغاير جائز في القراءات، واختلاف التضاد لا يوجد إلا في الناسخ ~~والمنسوخ. # قلت: وقال قوم: السبعة الأحرف منها ستة مختلفة الرسم، كانت الصحابة تقرأ ~~بها إلى خلافة عثمان رضي الله عنهم، نحو الزيادة، والألفاظ المرادفة، ~~والتقديم، والتأخير، [42 و] نحو "إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي" (1) ~~، "وجاءت سكرة الحق بالموت" (2) ، "صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~وغير الضالين" (3) ، "يأخذ كل سفينة صالحة غصبا" (4) ، "والعصر ونوائب ~~الدهر" (5) ، "وله PageV01P111 # أخ أو أخت من أمة" (1) ، "وما أصابك من سيئة فمن نفسك إنا كتبناها عليك" ms056 ~~(2) ، و"إن كانت إلى زقية واحدة" (3) ، و"كالصوف المنقوش" (4) ، و"طعام ~~الفاجر" (5) ، و"إن بوركت النار ومن حولها" (6) في نظائر ذلك، فجمعهم عثمان ~~على الحرف السابع الذي كتبت عليه المصاحف، وبقي من القراءات ما وافق ~~المرسوم، فهو المعتبر، إلا حروفا يسيرة اختلف رسمها في مصاحف الأمصار، نحو ~~"أوصى" و"وصى" (7) ، و {من يرتد} و"من يرتدد" (8) ، PageV01P112 # و"من تحتها" و"تحتها" (1) ، وكأنهم أسقطوا ما فهموا نسخه بالعرضة الأخيرة ~~التي عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرضها النبي صلى الله عليه ~~وسلم على جبريل عليه السلام، ورسموا ما سوى ذلك من القراءات التي لم تنسخ. # فصل: # وقد حاول جماعة من أهل العلم بالقراءات استخراج سبعة أحرف من هذه ~~القراءات المشهورة فقال بعضهم: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها ~~سبعة: منها ما تتغير حركته ولا يزول [43 و] معناه ولا صورته، مثل {هن أطهر ~~لكم} , "أطهر لكم" (2) ، {ويضيق صدري} "ويضيق صدري" (3) بالرفع والنصب ~~فيهما، ومنها ما يتغير معناه ويزول بالإعراب ولا تتغير صورته، مثل "ربنا ~~باعد بين أسفارنا" و {ربنا باعد بين أسفارنا} (4) ، ومنا ما يتغير معناه ~~بالحروف واختلافها PageV01P113 # باللفظ ولا تتغير صورته في الخط، مثل "إلى العظام كيف ننشرها" (1) بالراء ~~والزاي، ومنها ما تتغير صورته ولا يتغير معناه، مثل {كالعهن المنفوش} ~~و"كالصوف المنفوش" (2) ، ومنها ما تتغير صورته ومعناه، مثل {وطلح منضود} ~~"وطلع منضود" (3) . ومنها التقديم والتأخير، مثل {وجاءت سكرة الموت بالحق} ~~"وجاء سكرة الحق بالموت" (4) ، ومنها الزيادة والنقصان، نحو "نعجة أنثى" ~~(5) ، و"من تحتها" (6) في آخر التوبة، و"هو الغني الحميد" (7) في الحديد. # قال ابن عبد البر: "وهذا وجه حسن من وجوه معنى الحديث، وفي كل وجه منها ~~حروف كثيرة لا تحصى عددا، وهذا يدلك على قول العلماء أن ليس بأيدي الناس من ~~الحرف السبعة التي نزل القرآن عليها، إلا حرف PageV01P114 # واحد، وهو صورة مصحف عثمان، وما دخل فيها يوافق صورته من الحركات واختلاف ~~النقط من سائر الحروف" (1) . # واعتمد على هذه الأوجه مكي، وجعل من القسم الأول [43 ظ] نحو "البخل" ~~و"البخل" (2) ، و"ميسرة" بضم السين وفتحها (3) ، ثم قال: "وهذه ms057 الأقسام ~~كلها كثيرة، لو تكلفنا أن نؤلف في كل قسم كتابا بما جاء منه وروي لقدرنا ~~على ذلك" (4) . # ثم ذكر أنه لا يقرأ من ذلك بما خالف خط المصحف، ثم قال: # "فأما ما أختلف فيه القراء من الإمالة والفتح والإدغام والإظهار والقصر ~~والمد والتشديد والتخفيف وشبه ذلك، فهو من القسم الأول لأن القراءة بما ~~يجوز منه في العربية، وروي عن أئمة وثقات: جائزة في القرآن؛ لأن كله موافق ~~للخط". قال: "وإلى هذه الأقسام في معاني السبعة ذهب جماعة من العلماء، وهو ~~قول ابن قتيبة (5) ، وابن شريح، وغيرهما، لكنا شرحنا ذلك من قولهم" (6) . # قال: "وهو الذي نعتقده ونقول به وهو الصواب إن شاء الله تعالى" (7) . ~~PageV01P115 # واختار أبو علي الأهوازي طريقة أخرى فقال: # "قال بعضهم: معنى ذلك هو الاختلاف الواقع في القرآن، يجمع ذلك سبعة أوجه: ~~الجمع والتوحيد، كقوله تعالى: {وكتبه} "وكتابه" (1) ، والتذكير والتأنيث، ~~كقوله تعالى: {لا يقبل} و"لا تقبل" (2) ، والإعراب، كقوله تعالى: "المجيد" ~~و {المجيد} (3) ، والتصريف، كقوله تعالى: "يعرشون" و {يعرشون} (4) ، ~~والأدوات التي يتغير الإعراب لتغيرها، كقوله تعالى: "ولكن الشياطين" {ولكن ~~الشياطين} (5) ، واللغات، كالهمز [44 و] وتركه، والفتح، والكسر، والإمالة، ~~والتفخيم، وبين بين، والمد، والقصر، والإدغام، والإظهار، وتغيير اللفظ ~~والنقط بالتفاق الخط، كقوله تعالى: "ننشرها" و {ننشزها} (6) ، ونحو ذلك". ~~قال: "وهذا القول أعدل الأقوال وأقربها PageV01P116 # لما قصدناه، وأشبهه بالصواب". # ثم ذكر وجها آخر فقال: "قال بعضهم: معنى ذلك سبعة معان في القراءة". # "أحدها: أن يكون الحرف له معنى واحد، تختلف فيه قراءتان تخالفان بين نقطة ~~ونقطة مثل {تعملون} و"يعملون" (1) . # "الثاني: أن يكون المعنى واحدا وهو بلفظين مختلفتين، مثل قوله تعالى: ~~{فاسعوا} و"فامضوا" (2) . # "والثالث: أن تكون القراءتان مختلفتين في اللفظ، إلا أن المعنيين متفرقان ~~في الموصوف، مثل قوله تعالى: "ملك" و {مالك} (3) . # "والرابع: أن تكون في الحرف لغتان، والمعنى واحد وهجاؤها واحد، مثل قوله ~~تعالى: "الرشد" ورالرشد" (4) . # "والخامس: أن يكون الحرف مهموزا وغير مهموز، مثل "النبيء" و {النبي} . # "والسادس: التثقيل والتخفيف، مثل {الأكل} و"الأكل" (5) . PageV01P117 # "والسابع: الإثبات والحذف، مثل "المنادي" و {المناد} " (1) . # قال ms058 أبو علي: "وهذا معنى يضاهي معنى القول الأول الذي قبله، وعليه اختلاف ~~قراءة السبعة الأحرف". # قلت: وذكر هذين الوجهين اللذين ذكرهما أبو علي الأهوازي، الحافظ أبو ~~العلاء الحسن بن أحمد، ونسب الأول إلى أبي طاهر بن أبي [44 ظ] هاشم، ثم قال ~~عقيبه: "وهذا أقرب إلى الصواب إن شاء الله". قال: "وقد روي عن مالك بن أنس ~~أنه كان يذهب إلى هذا المعنى". ونسب الوجه الثاني إلى أبي العباس أحمد بن ~~محمد بن واصل (2) . # وقال أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأذفوي (3) في "كتاب الاستغناء في ~~علوم القرآن" فيما نقله عن أبي غانم المظفر بن أحمد بن حمدان (4) ، قال: # "القرآن محيط بجميع اللغات الفصيحة، وتفصيل ذلك أن تكون هذه اللغات السبع ~~على نحو ما أذكره. # "فأول ذلك تحقيق الهمز وتخفيفه في القرآن كله، في مثل {يؤمنون} ، ~~PageV01P118 # و"مؤمنين" (1) ، {النبيين} (2) ، و {النسيء} (3) ، و {الصابئين} (4) ، و ~~{البرية} (5) ، و {سأل سائل} (6) ، وما أشبه ذلك، فتحقيقه وتخفيفه بمعنى ~~واحد، وقد يفرقون بين الهمز وتركه بين معنيين، في مثل {أو ننسها} من ~~"النسيان" "أو ننسأها" (7) من "التأخير"، ومثل {كوكب دري} و"دريء" (8) . # "ومنه إثبات الواو وحذفها في آخر الاسم المضمر، نحو: "ومنهمو PageV01P119 # أميون} " (1) . # "ومنه أن يكون باختلاف حركة وتسكينها، في مثل {غشاوة} ، و"غشوة" (2) ، و ~~{جبريل} (3) ، و {ميسرة} (4) ، و {البخل} (5) ، و {سخريا} " (6) . # "ومنه أن يكون بتغيير حرف، نحو "ننشرها" (7) ، و"يقض الحق" (8) ، و ~~{بضنين} (9) ". # "ومنه أن يكون بالتشديد والتخفيف، نحو {يبشرهم} ، و"يبشرهم" (10) . ~~PageV01P120 # "ومنه أن يكون بالمد والقصر، نحو "زكرياء" و {زكريا} " (1) . # "ومنه أن يكون بزيادة [45 و] حرف من "فعل" و"أفعل"، مثل {فأسر بأهلك} (2) ~~، و {نسقيكم} " (3) . # واختار نحو هذه الطريقة في تفسير الأحرف السبعة القاضي أبو بكر محمد بن ~~الطيب في "كتاب الانتصار" فذكر التقديم والتأخير وجها، ثم الزيادة والنقص، ~~نحو {وما عملته أيديهم} (4) و"يا مال" (5) و"ناخرة" (6) و"سرجا" (7) ، و ~~{خرجا} (8) . PageV01P121 # الثالث: اختلاف الصورة والمعنى، نحو {وطلح منضود} ، "وطلع منضود" (1) ، ~~وقيل هما اسمان لشيء واحد، بمنزلة {العهن} و"الصوف" (2) ، و {الأثيم} ~~و"الفاجر" (3) ، فيكون مما تختلف صورته في النطق والكتاب، ولا ms059 يختلف معناه، ~~قال: # "وقال الجمهور من الناس غير هذا، فزعم بعض أهل التفسير أن الطلح هو زينة ~~أهل الجنة، وأنه ليس من الطلع في شيء، وقال كثير منهم: إن الطلح هو الموز، ~~وقال آخرون: هو الشجر العظام الذي يظل ويعرش، وإن قريشا وأهل مكة كان ~~يعجبهم طلحات وج -وهو واد بالطائف- لعظمها وحسنها، فاخبروا على وجه الترغيب ~~أن في الجنة طلحا منضودا، يراد أنه متراكم كثير، وقالوا: إن العرب تسمي ~~الرجل طلحة، على وجه التشبيه له بالشجرة العظيمة المستحسنة، وإذا كان كذلك ~~ثبت أن الطلح والطلع إذا قرئ بهما كان مما تختلف صورته ومعناه"."الوجه ~~الرابع: أن يكون الاختلاف في القراءتين، اختلافا في حروف الكلمة بما يغير ~~معناها ولفظها [45 ظ] من السماع، ولا يغير صورتها في الكتاب، نحو "ننشرها" ~~و {ننشزها} (4) . # "الخامس: الاختلاف في بناء الكلمة بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا ~~يغير معناها، نحو "البخل" و"البخل" (5) ، و"ميسرة"، PageV01P122 # و"ميسرة" (1) ، "يعكفون" (2) ، {هل نجازي إلا الكفور} (3) ". # "السادس: تغيير الصورة دون المعنى، نحو "العهن" و"الصوف" (4) ، و {صيحة} ~~و"زقية" (5) ، {فومها} و"ثومها" (6) . # "السابع: اختلاف حركات الإعراب والبناء، بما يغير المعنى، والصورة واحدة، ~~نحو "باعد، وباعد بين أسفارنا" (7) ، و"لقد علمت ما أنزل هؤلاء" (8) بالضم ~~والفتح". قال: "فهذا، والله أعلم، هو تفسير السبعة الأحرف دون جميع ما ~~قدمنا ذكره" (9) . # وأخبرنا شيخنا أبو الحسن رحمه الله في كتابه "جمال القراءة" قال: # "فإن قيل: فأين السبعة الأحرف التي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~القرآن أنزل عليها في قراءتكم هذه المشهورة؟ # "قلت: هي متفرقة في القرآن، وجملة ذلك سبعة أوجه: # "الأول: كلمتان تقرأ بكل واحدة في موضع الأخرى، نحو PageV01P123 # {يسيركم} و"ينشركم" (1) ، و {لنبوئنهم} و"لنثوينهم" (2) ، و {فتبينوا} ~~و"فتثبتوا" (3) . # "الثاني: زيادة كلمة، نحو "من تحتها" (4) ، و {هو الغني} " (5) . # "الثالث: زيادة حرف، نحو {بما كسبت} و"فبما كسبت" (6) ، -يعني في سورة ~~الشورى". # "الرابع: مجئ حرف مكان آخر، نحو {يقول} و"نقول" (7) ، و {تبلو} و"تتلو" ~~(8) . PageV01P124 # "الخامس: تغيير حركات، [46 و] إما بحركات آخر، أو بسكون، نحو {فتلقى آدم ~~من ربه كلمات} (1) ، و"ليحكم ms060 أهل الإنجيل" (2) . # "السادس: التشديد والتخفيف، نحو {تساقط} (3) و"بلد ميت وميت" (4) . # "السابع: التقديم والتأخير، نحو {وقاتلوا وقتلوا} ، {وقتلوا وقاتلوا} (5) ~~. # ثم قال الشيخ: "وقوله عز وجل {ثم انظر أنى يوفكون} (6) يقرأ على سبعة ~~أوجه، وكذلك قوله عز وجل: {فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية} (7) ، وقوله عز وجل {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} ~~(8) ، ولذلك نظائر" (9) . PageV01P125 # قلت: يعني في مجموع هذه الكلم من هذه الآيات سبعة أوجه، لا في كل كلمة ~~منها، وقد يأتي في غيرها أكثر من سبعة أوجه بوجوه كثيرة إذا نظر إلى مجموع ~~الكلم آحادها، كقوله سبحانه في "طه": {وهل أتاك حديث موسى} (1) ، الآية، ~~وذلك كثير، وإنما الشأن أن يكون في الكلمة الواحدة سبعة أوجه، فهذا الذي عز ~~وجوده فعد من ذلك ألفاظ يسيرة، نحو {أف} (2) و {عذاب بئيس} (3) ، وليست كل ~~الوجوه فيها من القراءات المشهورة، بل بعضها من القراءات الشاذة، إلا أنها ~~من جملة اللغات والألفاظ المرادفة التي كانت القراءة قد أبيحت عليها، وقد ~~تقدم أن معنى الحديث أن كلمات القرآن أبيح أن يقرأ كل كلمة منها على ما ~~يحتمله من وجهين وثلاثة إلى سبعة، توسعة على الناس على قدر ما يخف [46 ظ] ~~على ألسنتهم. # وقد تقدم من حديث أبي بن كعب بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لجبريل عليه السلام: "إني بعثت إلى أمة أمية فيهم الشيخ الفاني والعجوز ~~الكبيرة والغلام، فقال: مرهم فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف" (4) . # قلت: فمعنى الحديث أنهم رخص لهم في إبدال ألفاظه بما يؤدي معناها، أو ~~يقاربه من حرف واحد إلى سبعة أحرف، ولم يلزموا المحافظة على حرف واحد؛ لأنه ~~نزل على أمة أمية لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء. PageV01P126 # على لفظه مع كبر أسنانهم واشتغالهم بالجهاد والمعاش، فرخص لهم في ذلك، ~~ومنهم من نشأ على لغة يصعب عليه الانتقال عنها إلى غيرها، فاختلفت القراءات ~~بسبب ذلك كله، ودلنا ما ثبت في الحديث من تفسير ذلك بنحو: هلم، وتعال، على ~~جواز إبداله باللفظ ms061 المرادف، ودلنا ما ثبت من جواز {غفورا رحيما} موضع ~~{عزيزا حكيما} على الإبدال بما يدل على أصل المعنى دون المحافظة على اللفظ، ~~فإن جميع ذلك ثناء على الله سبحانه، هذا كله فيما يمكن القارئ عادة التلفظ ~~به، وأما ما لا يمكنه لأنه ليس من لغته فأمره ظاهر ولا يخرج إن شاء الله ~~شيء من القراءات عن هذا الأصل وهو [47 و] إبدال اللفظ بمرادف له أو مقارب ~~في أصل المعنى، ثم لما رسمت المصاحف هجر من تلك القراءات ما نافى المرسوم، ~~وبقي ما يحتمله، ثم بعض ما يحتمله خط المصحف اشتهر وبعضه شذت روايته، وهذا ~~أولى من حمل جميع الأحرف السبعة على اللغات؛ إذ قد اختلفت قراءة عمر بن ~~الخطاب وهشام بن حكيم رضي الله عنهما وكلاهما قرشي مكي، لغتهما واحدة. # وهذه الطرق المذكورة في بيان وجود السبعة الأحرف في هذه القراءات ~~المشهورة كلها ضعيفة؛ إذ لا دليل على تعيين ما عينه كل واحد منهم، ومن ~~الممكن تعيين ما لم يعينوا. ثم لم يحصل حصر جميع القراءات فيما ذكروه من ~~الضوابط، فما الدليل على جعل ما ذكروه مما دخل في ضابطهم من جملة الأحرف ~~السبعة دون ما لم يدخل في ضابطهم، وكان أولى من جميع ذلك لو حملت على سبعة ~~أوجه من الأصول المطردة كصلة الميم، وهاء الضمير، وعدم ذلك، والإدغام، ~~والإظهار، والمد، والقصر، وتحقيق الهمز، وتخفيفه، والإمالة، وتركها، والوقف ~~بالسكون، وبالإشارة إلى الحركة، وفتح الياءات، وإسكانها، وإثباتها، وحذفها، ~~والله أعلم. # PageV01P127 # فصل: # وقد تكلم على معنى هذا الحديث كلاما شافيا صاحب "كتاب الدلائل"، -وهو ~~القاسم بن ثابت بن عبد الرحمن [47 ظ] العوفي السرقسطي (1) رحمه الله- فذكر ~~الوجه الذي بدأنا به في أول الفصل الماضي، وهو الوجه الذي استحسنه ابن عبد ~~البر من قول بعضهم (2) ، وإنما نقله أبو عمر من كتاب قاسم، ثم قال القاسم ~~عقيبه": # "وفي هذا التفسير ما رغب بعض الناس بقائله عنه، وإن كان قد ذهب مذهبا ~~واستنبط عجبا؛ لأنه اخترع معنى لا نعلم أحدا من السلف قال ms062 به، ولا أشار ~~إليه، وليس للخلف الخروج عن السلف، ولا رفض عامتهم لمذهب لم يسلكوه، وتأويل ~~لم يطلقوه، ونقول -وبالله التوفيق- بالذي صحت به الآثار، وتواطأت عليه ~~الأخبار، وتأويله من أهل التفسير من لا يدفع نقله ولا يتهم نظره، وإن الله ~~تبارك وتعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم والعرب متناءون في المحال ~~والمقامات، متباينون في كثير من الألفاظ واللغات، ولكل عمارة لغة دلت بها ~~ألسنتهم، وفحوى قد جرت عليها عادتهم، وفيهم الكبير العاسي والأعرابي القح، ~~ومن لو رام ففي عادته وحمل لسانه على غير ذريته تكلف منه حملا ثقيلا، وعالج ~~منه عبئا شديدا، ثم لم يكسر غربه ولم يملك استمراره إلا بعد التمرين ~~الشديد، والمساجلة الطويلة، فأسقط PageV01P128 # عنهم تبارك وتعالى هذه [48 و] المحنة، وأباح لهم القراءة على لغاتهم، ~~وحمل حروفه، على عاداتهم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرئهم بما ~~يفقهون، ويخاطبهم بالذي يستعملون بما طوقه الله من ذلك، وشرح به صدره، وفتق ~~به لسانه، وفضله على جميع خلقه". # ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "نزل القرآن على سبعة أحرف عليما حكيما غفورا رحيما" (1) ، قال: ~~"وهذا الحديث يفسره قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ليس الخطأ أن تجعل ~~خاتمة آية خاتمة آية آخرى، أن تقول: عزيز حكيم، وهو غفور رحيم، ولكن الخطأ ~~أن تجعل آية الرحمة آية العذاب" (2) . # وذكر حديث حسين بن علي عن زائدة (3) عن عاصم (4) عن زر (5) عن أبي رضي ~~الله عنه قال: لقي النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام PageV01P129 # عند أحجار المراء فقال: "إني بعثت إلى أمة أميين فيهم الغلام والجارية ~~والشيخ العاسي والعجوز"، فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف (1) ، ~~قال: "فمعنى قوله: "على سبعة أحرف"، يريد -والله أعلم- على لغات شعوب من ~~العرب سبعة، أو من جماهيرها وعمايرها". # ثم ذكر حديث عثمان رضي الله عنه: "أنزل القرآن بلسان مضر". # وعن سعيد بن المسيب (2) قال: "نزل القرآن على لغة هذ الحي من ms063 لدن هوازن ~~وثقيف [48 ظ] إلى ضربة". # وروي أبو خلدة (3) عن أبي العالية قال: "قرأ عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم من كل خمس رجل، فاختلفوا في اللغة، ورضي قراءتهم كلهم، وكانت تميم ~~أعرب القوم". # قال أبو حاتم السجستاني: "أحب الألفاظ واللغات إلينا لغات قريش ثم من دنا ~~منهم من بطون العرب ومن بطون مضر خاصة للحديث الذي جاء في مضر". # وقال الأعمش عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نزل القرآن ~~على سبعة أحرف، صارت في عجز هوازن منها خمسة" (4) . PageV01P130 # قال أبو حاتم: "عجز هوازن ثقيف وبنو سعد بن بكر وبنو جشم وبنو نصر". # قال أبو حاتم: "خص هؤلاء دون ربيعة وسائر العرب لقرب جوارهم من مولد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ومنزل الوحي، وإنما مضر وربيعة أخوان". # قال قاسم بن ثابت: "ولو أن رجلا مثالا، يريد به الدلالة على معنى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف". وجعل الأحرف على ~~مراتب سبعة، فقال: "منها لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ~~ومنها لتميم، ومنها لضبة وألفاظها، ومنها لقيس، لكان قد أوتي على قبائل مضر ~~في مراتب سبعة تستوعب اللغات التي نزل بها القرآن" (1) . # قال: [49 و] "وإن في لغة مضر شواذ، لا نختارها ولا نجيز القرآن بها، مثل ~~كشكشة قيس، يجعلون كاف المؤنث شينا (2) ، وعنعنة تميم، يقولون "عن" في موضع ~~"أن" (3) ، وكما ذكر عن بعضهم أنه يبدل السين تاء (4) . ثم قال: # "وهذه الأحاديث الصحاح التي ذكرنا بالأسانيد الثابتة المتصلة تضيق ~~PageV01P131 # عن كثير من الوجوه التي وجهها عليها من زعم أن الأحرف في صورة الكتبة وفي ~~التقديم والتأخير والزيادة والنقصان؛ لأن الرخصة كانت من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والعرب ليس لهم يومئذ كتاب يعتبرونه، ولا رسم يتعارفونه، ~~ولا يقف أكثرهم من الحروف على كتبه، ولا يرجعون منها إلى صورة، وإنما كانوا ~~يعرفون الألفاظ بجرسها، أي بصوتها، ويجدونها بمخارجها، ولم يدخل عليهم ~~يومئذ من اتفاق الحروف ما دخل بعدهم على الكتبين ms064 من اشتباه الصور، وكان ~~أكثرهم لا يعلم بين الزاي والسين سببا، ولا بين الصاد والضاد نسبا". # قال: "فإن قيل: فإنا نجد حروفا متباينة المخارج، وهي متفقة الصور يقرءون ~~بها، مثل "ننشرها" و {ننشزها} (1) ، فإن العلة في ذلك تقارب معانيها، وإن ~~تباعدت مخارجها، وليس بعجب أن يتوافى لحرفين [49 ظ] متباينين في اللفظ، ~~متقاربين في المخرج صورة تجمعهما وسمة تأخذهما، كما أنه ليس بعجب أن يتوافى ~~في اللفظ الواحد معنيان متباينان، يسوغ بها القول ويحملها التأويل. ألا ترى ~~أن الذين أخذت عنهم القراءة إنما تلقوها سماعا وأخذوها مشافهة وإنما ~~القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، ولا يلتفت في ذلك إلى الصحف ولا إلى ما ~~جاء من وراء وراء، وإنما أخذت الرخصة في ذلك بالأمة الأمية، والعصبة ~~المعدية، فلما كانت الرخصة وهم كانوا العلة، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب وإن الشهر هكذا وهكذا" (2) ، وجعل ~~يشير بأصابعه عد العرب". PageV01P132 # قال: "وذكر بعض الخبريين أن هشام بن عبد الملك (1) مر على ميل فقال ~~الأعرابي: انظر ما الذي عليه مكتوبا، فنظر ثم أقبل فقال: محجن وحلقة وثلاث، ~~كأنها أطباء الكلبة، وهامة كأنها منقار قطاة. فقال هشام: هذه خمسة". # قد قاسم بن ثابت: "ومن قول هذا الرجل أيضا أنه قال: ليس في كتاب الله ~~تعالى حرف له سبعة وجوه من القراءات". # قال: "وهذا اعتساف بلا تثبت، وقد جاء في كتاب الله عز وجل ما له وجوه من ~~القراءات سبعة، أو تزيد من غير أن تقول: "إن [50 و] هذا مراد النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، وإن ذلك موجود في جميع ~~الحروف". # ثم ذكر عن أبي حاتم السجستاني في قوله تعالى: {وعبد الطاغوت} (2) سبعة ~~أوجه من القراءات محفوظة، وإن كان المشهور عندنا اثنتين. # ثم قال: "وأما في اللغات فموجود عنهم أن يختلفوا في حركات الحرف الواحد ~~على سبعة وجوه، مثل قوله عز وجل: {أنعمت عليهم} (3) ، فقرأ بعضهم {عليهمو} ~~بضمتين وواو، وبعضهم بضمتين ms065 وألقى الواو وأبقى حركة الميم، وبعضهم "عليهم" ~~بضم الهاء وأسكن الميم، وبعضهم "عليهمي" بكسرتين وألحق الياء، وبعضهم ~~بكسرتين وألقى الياء، وبعضهم بكسر الهاء وتسكين الميم، وبعضهم بكسر الهاء ~~وضم PageV01P133 # الميم" (1) . قال: "وذلك كله مروي عن الأئمة من القراء والرؤساء من أهل ~~اللغة والفصحاء من العرب". # قلت: وبقي فيها قراءة ثامنة مشهورة، وهي كسر الهاء وصلة الميم بواو (2) . # وقال صاحب (3) شرح السنة: # "أظهر الأقاويل وأصحها وأشبهها بظاهر الحديث أن المراد من هذه الحروف ~~اللغات، وهو أن يقرأ كل قوم من العرب بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم من ~~الإدغام والإظهار والإمالة والتفخيم والإشمام والإتمام والهمز والتليين ~~وغير ذلك من وجوه [50 ظ] اللغات إلى سبعة أوجه منها في الكلة الواحدة". # ثم قال: "ولا يكون هذا الاختلاف داخلا تحت قوله تعالى: {ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (4) ؛ إذ ليس معنى هذه الحروف أن يقرأ ~~كل فريق بما شاء مما يوافق لغته من غير توقيف، بل كل هذه الحروف منصوصة، ~~وكلها كلام الله عز وجل، نزل بها الروح الأمين على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يدل عليه قوله عليه السلام: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" (5) ~~، فجعل الأحرف كلها منزلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعارض جبريل ~~عليه السلام PageV01P134 # في كل شهر رمضان بما يجتمع عنده من القرآن، فيحدث الله فيه ما شاء وينسخ ~~ما يشاء، وكان يعرض عليه في كل عرضة وجها من الوجوه التي أباح الله له أن ~~يقرأ القرآن به، وكان يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى ~~أن يقرأ ويقرئ بجميع ذلك، وهي كلها متفقة المعاني وإن اختلف بعض حروفها". # ثم قال: وقوله في الأحاديث: "كلها شاف كاف" (1) ، يريد -والله أعلم- أن ~~كل حرف من هذه الأحرف السبعة شاف لصدور المؤمنين، لاتفاقها في المعنى، ~~وكونها من عند الله وتنزيله ووحيه، كما قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى ~~وشفاء} (2) ، وهو كاف في الحجة [51 و] على صدق رسول الله صلى الله ms066 عليه ~~وسلم لإعجاز نظمه وعجز الخلائق عن الإتيان بمثله" (3) . # وفي "كتاب غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله قال في حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه ~~كفر" (4) . # "ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل، ولكنه عندنا على ~~الاختلاف في اللفظ أن يقرأ الرجل القرآن على حرف، فيقول له الآخر: ليس هو ~~هكذا ولكنه هكذا، على خلافه، وقد أنزلهما الله تبارك وتعالى جميعا، يعلم ~~ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إن القرآن PageV01P135 # نزل على سبعة أحرف كل حرف منها شاف كاف" (1) . # "ومنه حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إياكم والاختلاف والتنطع، ~~فإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال، فإذا جحد هذان الرجلان كل واحد منهما ما ~~قرأ صاحبه لم يؤمن أن يكون ذلك قد أخرجه إلى الكفر لهذا المعنى" (2) . # "ومنه حديث عمر رضي الله عنه: اقرءوا القرآن ما اتفقتم، فإذا اختلفتم ~~فقوموا عنه" (3) . # "ومنه حديث أبي العالية الرياحي: أنه إذا قرأ القرآن عنده إنسان لم يقل: ~~ليس هو هكذا، ولكن يقول: أما أنا فأقرأ هكذا" (4) . # "قال شعيب بن الحبحاب (5) : فذكرت ذلك لإبراهيم (6) فقال: أرى صاحبك [51 ~~ظ] قد سمع أنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كله" (7) . # وقال أبو جعفر الطبري: # "أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما خصه الله تعالى به وأمته من الفضيلة ~~PageV01P136 # والكرامة التي لم يؤتها أحدا في تنزيله". # "وذلك أن كل كتاب تقدم كتابنا نزوله على نبي من أنبياء الله صلوات الله ~~وسلامه عليهم، فإنما نزل بلسان واحد، متى حول إلى غير اللسان الذي نزل به، ~~كان ذلك ترجمة له وتفسيرا، لا تلاوة له على ما أنزل الله". # "وأنزل كتابنا بألسن سبعة، بأي تلك الألسن السبعة تلاه التالي كان له ~~تاليا على ما أنزله الله، لا مترجما ولا مفسرا، حتى يحوله عن تلك الألسن ~~السبعة إلى غيرها، فيصير فاعل ذلك حينئذ -إذا أصاب معناه- له مترجما". # "فذلك معنى قول النبي صلى الله عليه ms067 وسلم: "كان الكتاب الأول نزل على حرف ~~واحد، ونزل القرآن على سبعة أحرف". # "وأما معنى قوله: "إن الكتاب الأول نزل من باب واحد ونزل القرآن من سبعة ~~أبواب" (1) ، فقد مضى تفسير "الأبواب السبعة". # وهي أنه آمر وزاجر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، ولم يجمع كتاب مما ~~تقدم هذه "الأبواب السبعة" كزبور داود الذي هو تذكر ومواعظ، وإنجيل عيسى ~~الذي هو تمجيد ومحامد [52 و] وحض على الصفح والإعراض" (2) . # وأطال الطبري رحمه الله كلامه في تقرير ذلك، والله أعلم. PageV01P137 ### | الفصل الثالث: في المجموع في المصحف هل هو جميع الأحرف السبعة التي أبيحت القراءة عليها أو حرف واحد منها؟ # ميل القاضي أبي بكر إلى أنه جميعها (1) . # وصرح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده على أنه حرف منها. # وسننقل من كلام كل منهم ما دل على ما نسبناه إليه: # ومال الشيخ الشاطبي إلى قول القاضي فيما جمعه أبو بكر، وإلى قول الطبري ~~فيما جمعه عثمان رضي الله عنهما، ودل على ذلك أبياته المتقدمة (2) ، والحق ~~أن يلخص الأمر على ذلك فيقال: المجموع في المصحف هو المتفق على إنزاله ~~المقطوع به، وهو ما كتب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أو ثبت عنه أنه قرأ ~~به أو أقرأ غيره به. # وما اختلفت فيه المصاحف حذفا وإثباتا، نحو "من تحتها" (3) ، {هو الغني} ~~(4) ، {فبما كسبت أيديكم} (5) فمحمول على أنه نزل بالأمرين، وأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بكتابته على الصورتين لشخصين أو في مجلسين، أو أعلم بهما ~~شخصا واحدا وأمره بإثباتهما. # وأما ما لم يرسم فهو مما كان جوز به القراءة، وأذن فيه، ولما أنزل ما لم ~~يكن بذلك اللفظ خير بين تلك الألفاظ توسعة على الناس وتسهيلا عليهم، ~~PageV01P138 # فلما أفضى ذلك [52 ظ] إلى ما نقل من الاختلاف والتكثير اختار الصحابة رضي ~~الله عنهم الاقتصار على اللفظ المنزل المأذون في كتابته، وترك الباقي للخوف ~~من غائلته، فالمهجور هو ما لم يثبت إنزاله، بل هو من الضرب المأذون فيه ~~بحسب ما خف وجرى على ألسنتهم. # قال الإمام ms068 أبو جعفر الطبري: # "الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة ~~شاءت. كما أمرت، إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة، أن تكفر بأي الكفارات ~~الثلاث شاءت: إما بعتق أو إطعام أو كسوة. فلو أجمع جميعها على التكفير ~~بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير فيها بأي الثلاث شاء الكفر، ~~كانت مصيبة حكم الله مؤيدة في ذلك الواجب عليها في حق الله، فكذلك الأمة ~~أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت: فرأت -لعله من ~~العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد- قراءته بحرف واحد، ورفض القراءة ~~بالأحرف الستة الباقية، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن في ~~قراءته به" (1) . # ثم ساق الكلام إلى أن قال: # "فحملهم -يعني عثمان رضي الله عنه- على حرف واحد، وجمعهم على مصحف واحد، ~~وحرق ما عدا المصحف [53 و] الذي جمعهم عليه، فاستوسقت له الأمة على ذلك ~~بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف ~~الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له ونظرا منها ~~لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى PageV01P139 # درست من الأمة معرفتها وتعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة ~~بها لدثورها، وعفو آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير ~~جحود منهم صحتها، فلا القراءة اليوم لأحد من المسلمين إلا بالحرف الواحد ~~الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة ~~الباقية". # قال: "فإن قال بعض من ضعفت معرفته: كيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بقراءتها؟ ". # قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ~~ورخصة" (1) . ثم ساق الكلام في تقرير ذلك. # وقال أبو العباس أحمد بن عمار المقرئ (2) في "شرح الهداية": # "أصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك إنما نحن عليه في وقتنا ~~هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن". ms069 # قال: "وتفسير ذلك أن الحروف السبعة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن القرآن نزل [53 ظ] عليها تجري على ضربين": # "أحدهما: زيادة كلمة ونقص أخرى، وإبدال كلمة مكان أخرى، PageV01P140 # وتقديم كلمة على أخرى، وذلك نحو ما روي عن بعضهم: "ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج" (1) ، وروي عن بعضهم: "حم سق" (2) ، ~~"إذا جاء فتح الله والنصر" (3) ، فهذا الضرب وما أشبهه متروك، لا تجوز ~~القراءة به، ومن قرأ بشيء منه غير معاند ولا مجادل عليه وجب على الإمام أن ~~يأخذه بالأدب، بالضرب والسجن على ما يظهر له من الاجتهاد، فإن جادل عليه ~~ودعا الناس إليه وجب عليه القتل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المراء ~~في القرآن كفر" (4) ولإجماع الأمة على اتباع المصحف المرسوم". # "والضرب الثاني: ما اختلفت القراء فيه من إظهار، وإدغام، وروم، وإشمام، ~~وقصر، ومد، وتخفيف، وشد وإبدال حركة بأخرى، وياء بتاء، وواو بفاء، وما أشبه ~~ذلك من الاختلاف المتقارب". # "فهذا الضرب هو المستعمل في زماننا هذا، وهو الذي عليه خط مصاحف الأمصار، ~~سوى ما وقع فيه من اختلاف في حروف يسيرة". # "فثبت بهذا: أن هذه القراءات التي نقرؤها، هي بعض من الحروف السبعة التي ~~نزل عليها القرآن، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت PageV01P141 # عليه الأمة وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط [54 و] ~~المصحف؛ إذ ليس بواجب علينا القراءة بجميع الحروف السبعة التي نزل عليها ~~القرآن؛ وإذ قد أباح النبي صلى الله عليه وسلم لنا القراءة ببعضها دون بعض، ~~لقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر منه} (1) ، فصارت هذه القراءة المستعملة في ~~وقتنا هذا هي التي تيسرت لنا بسبب ما رواه سلف الأمة رضوان الله عليهم، من ~~جمع الناس على هذا المصحف، لقطع ما وقع بين الناس من الاختلاف وتكفير بعضهم ~~لبعض". # قال: "فهذا أصح ما قال العلماء في معنى الحديث". # قال: "وقد ذهب الطبري وغيره من العلماء إلى أن جميع هذه القراءات ~~المستعملة ترجع إلى حرف واحد، وهو حرف زيد بن ms070 ثابت" (2) . # قلت: لأن خط المصحف نفى ما كان يقرأ به من ألفاظ الزيادة والنقصان ~~والمرادفة والتقديم والتأخير، وكانوا علموا أن تلك الرخصة قد انتهت بكثرة ~~المسلمين واجتهاد القراءة وتمكنهم من الحفظ. # وقد قال القاضي أبو بكر بن الطيب: # "القوم لم يختلفوا عندنا في هذه الحروف المشهورة عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم التي لم يمت حتى علم من دينه أنه أقرأ بها وصوب المختلفين فيها، وإنما ~~اختلفوا في قراءات ووجوه أخر لم تثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم تقم ~~بها حجة، وكانت تجيء عنه مجيء الآحاد، [54 و] وما لم يعلم ثبوته وصحته، ~~وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل، نحو قوله تعالى: PageV01P142 # {والصلاة الوسطى} (1) ، وهي صلاة العصر، "فإن فاءوا فيهن" (2) , وأمثال ~~هذا مما وجدوه في بعض المصاحف، فمنع عثمان رضي الله عنه من هذا الذي لم ~~يثبت ولم تقم به الحجة، وحرقه، وأخذهم بالمستيقن المعلوم من قراءات الرسول ~~صلى الله عليه وسلم". # "فأما أن يستجيز هو أو غيره من أئمة المسلمين المنع من القراءة بحرف ثبت ~~أن الله تعالى أنزله، ويأمر بتحريقه والمنع من النظر فيه والانتساخ منه، ~~ويضيق على الأمة ما وسعه الله تعالى، ويحرم من ذلك ما أحله، ويمنع منه ما ~~أطلقه وأباحه، فمعاذ الله أن يكون ذلك كذلك". # وقال في موضع آخر: # "ليس الأمر على ما توهمتم من أن عثمان رضي الله عنه جمعهم على حرف واحد ~~وقراءة واحدة، بل إنما جمعهم على القراءة بسبعة أحرف وسبع قراءات، كلها ~~عنده وعند الأمة ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم". # وساق الكلام في تقرير ذلك إلى أن قال: # ".. لئلا تسقط قراءة قرأ بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعفو أثرها، ~~ويندرس رسمها، ويظن بعد ذلك القارئ بها أنه قارئ بغير ما أنزل الله من ~~القرآن". # "وعرف عثمان حاجة الناس إلى معرفة جميع تلك الأحرف، كتبها PageV01P143 # في مصاحفه، وأنفذ كل إمام منها إلى ناحية، لتكون [55 و] جميع القراءات ~~محروسة محفوظة". # وقال في موضع آخر: # "إنما ms071 اختار عثمان حرف زيد؛ لأنه هو كان حرف جماعة المهاجرين والأنصار، ~~وهو القراءة الراتبة المشهورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعليها كان ~~أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي وعبد الله ومعاذ ومجمع بن جارية وجميع السلف ~~رضي الله عنهم، وعدل عما عداها من القراءات والأحرف؛ لأنها لم تكن عند ~~عثمان والجماعة ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا مشهورة مستفيضة ~~استفاضة حرف زيد". # "وإنما نسب هذه الحرف إلى زيد؛ لأنه تولى رسمه في المصاحف وانتصب لإقراء ~~الناس به دون غيره". # وقال صاحب (1) "شرح السنة": # "جمع الله تعالى الأمة بحسن اختيار الصحابة على مصحف واحد، وهو آخر ~~العرضات على رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه أمر بكتبته، جمعا بعد ما كان مفرقا في الرقاع ليكون أصلا للمسلمين، ~~يرجعون إليه ويعتمدون عليه، وأمر عثمان بنسخه في المصاحف، وجمع القوم عليه، ~~وأمر بتحريق ما سواه قطعا لمادة الخلاف، فكان ما يخالف الخط المتفق عليه في ~~حكم المنسوخ والمرفوع، كسائر ما نسخ ورفع منه باتفاق الصحابة، والمكتوب بين ~~اللوحين هو المحفوظ من الله عز وجل للعباد [55 ظ] وهو الإمام للأمة، فليس ~~لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما PageV01P144 # هو خارج من رسم الكتابة والسواد". # "فأما القراءة باللغات المختلفة مما يوافق الخط والكتاب فالفسحة فيه ~~باقية، والتوسعة قائمة بعد ثبوتها وصحتها، بنقل العدول عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم" (1) . # قلت: ولا يلزم في ذلك تواتر، بل تكفي الآحاد الصحيحة من الاستفاضة ~~وموافقة خط المصحف وعدم المنكرين لها نقلا وتوجيها من حيث اللغة، والله ~~أعلم. PageV01P145 ### | الباب الرابع: في معنى القراءات المشهورة الآن وتعريف الأمر في ذلك كيف كان # وقد قدمت في أول "إبراز المعاني" المختصر قولا موجزا في ذلك (1) وطولت ~~النفس فيه في الكتاب الكبير في شرح: # "جزى الله بالخيرات ... # "فمنهم بدور سبعة ... # البيتين، فننقل ذلك إلى هذا الكتاب مع زيادة فوائد إن شاء الله. # وقد ظن جماعة ممن لا خبرة له بأصول هذا العلم ms072 أن قراءة هؤلاء الأئمة ~~السبعة هي التي عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أنزل القرآن على ~~سبعة أحرف"، فقراءة كل واحد من هؤلاء حرف من تلك الأحرف، ولقد أخطأ من نسب ~~إلى ابن مجاهد (2) أنه قال ذلك. # قال أبو طاهر عبد الواحد بن أبي هاشم: PageV01P146 # "رام هذا [56 و] الغافل مطعنا في أبي بكر شيخنا، فلم يجده، فحمله ذلك على ~~أن قوله قولا لم يقله هو ولا غيره، ليجد مساغا إلى ثلبه، فحكى عنه أنه ~~اعتقد أن تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة ~~أحرف" أن تلك السبعة الأحرف هي قراءة السبعة القراء الذين ائتم بهم أهل ~~الأمصار، فقال على الرجل إفكا واحتقب عارا، ولم يحظ من أكذوبته بطائل، وذلك ~~أن أبا بكر رحمه الله كان أيقظ من أن يتقلد مذهبا لم يقل به أحد، ولا يصح ~~عند التفتيش والفحص". # "وذلك أن أهل العلم قالوا في معنى قوله عليه السلام: "أنزل القرآن على ~~سبعة أحرف": إنهن سبع لغات، بدلالة قول ابن مسعود رضي الله عنه وغيره: إن ~~ذلك كقولك هلم وتعال وأقبل" (1) . # "فكان ذلك جاريا مجرى قراءة عبد الله: "إن كانت إلا زقية واحدة" (2) ~~و"كالصوف المنفوش" (3) ، وقراءة أبي رضي الله عنه: "أن بوركت النار ومن ~~حولها" (4) ، "من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار" (5) ، وكقراءة ~~ابن عباس رضي الله عنهما: "وعلى كل ضامر يأتون" (6) . # "وهذا النوع من الاختلاف معدوم اليوم، غير مأخوذ به ولا معمول ~~PageV01P147 # بشيء منه بل هو اليوم متلو على حرف واحد متفق الصورة في الرسم غير متناف ~~في المعاني إلا حروفا يسيرة اختلفت صور رسمها في مصاحف الأمصار واتفقت ~~معانيها فجرى مجرى ما اتفقت [56 و] صورته". # "وذلك كالحرف المرسوم في مصحف أهل المدينة والشام "وأوصى بها إبراهيم"، ~~وفي مصحف الكوفيين "ووصى" (1) ، وفي مصحف أهل الحرمين {لئن أنجيتنا} ، وفي ~~مصحف الكوفيين "أنجينا" (2) . # قال: "ولا شك أن زيد بن ثابت سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ~~على هذه الهيئات ms073 فأثبتها في المصاحف مختلفة الصور على ما سمعها من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم". # ثم ساق الكلام في تقرير ذلك على نحو مما تقدم عن الإمام أبي جعفر بن جرير ~~-وهو شيخه- فذكر أن الأمر بقراءة القرآن على سبعة أحرف أمر تخيير، قال: # "فثبتت الأمة على حرف واحد من السبعة التي خيروا فيها، وكان سبب ثباتهم ~~على ذلك ورفض الستة ما أجمع عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~خافوا على الأمة تكفير بعضهم بعضا أن يستطيل ذلك إلى القتال PageV01P148 # وسفك الدماء وتقطيع الأرحام، فرسموا لهم مصحفا، أجمعوا جميعا عليه وعلى ~~نبذ ما عداه لتصير الكلمة واحدة، فكان ذلك حجة قاطعة وفرضا لازما". # قال: "وأما ما اختلف فيه أئمة القراءة بالأمصار من النصب والرفع والتحريك ~~والإسكان والهمز وتركه والتشديد والتخفيف والمد والقصر وإبدال حرف بحرف ~~يوافق صورته [57 و] فليس ذلك بداخل في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أنزل القرآن على سبعة أحرف". # قال: "وذلك من قبل أن كل حرف اختلفت فيه أئمة القراءة لا يوجب المراء ~~كفرا لمن مارى به في قول أحد من المسلمين، وقد أثبت النبي صلى الله عليه ~~وسلم الكفر للمماري بكل حرف من الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن". # ثم قال: "فإن قيل: فما السبب في اختلاف هؤلاء الأئمة بعد المرسوم لهم، ~~ذلك شيء تخيروه من قبل أنفسهم، أم ذلك شيء وقفوا عليه بعد توجيه المصاحف ~~إليهم؟ # "قيل: لما خلت تلك المصاحف من الشكل والإعجام وحصر الحروف المحتملة على ~~أحد الوجوه وكان أهل كل ناحية من النواحي التي وجهت إليها المصاحف قد كان ~~لهم في مصرهم ذلك من الصحابة معلمون كأبي موسى (1) بالبصرة وعلي وعبد الله ~~بالكوفة وزيد وأبي بن كعب بالحجاز ومعاذ وأبي PageV01P149 # الدرداء بالشام، فانتقلوا عما بان لهم أنهم أمروا بالانتقال عنه مما كان ~~بأيديهم، وثبتوا على ما لم يكن في المصاحف الموجهة إليهم مما يستدلون به ~~على انتقالهم عنه". # قلت: وذكر نحو ذلك مكي في كتابه المفرد (1) الذي ms074 ألحقه "بكتاب الكشف" ~~وكذلك الإمام أبو بكر بن العربي في "كتاب القبس"، قال: # "فإن [57 ظ] قيل: فما تقولون في هذه القراءات السبع التي ألفت في الكتب؟ # "قلنا: إنما أرسل أمير المؤمنين (2) المصاحف إلى الأمصار الخمسة بعد أن ~~كتبت بلغة قريش، فإن القرآن إنما نزل بلغتها ثم أذن رحمة من الله تعالى لكل ~~طائفة من العرب أن تقرأ بلغتها على قدر استطاعتها، فلما صارت المصاحف في ~~الآفاق غير مضبوطة ولا معجمة قرأها الناس فما أنفذوه منها نفذ، وما احتمل ~~وجهين طلبوا فيه السماع حتى وجدوه". # "فلما أراد بعضهم أن يجمع ما شذ عن خط المصحف من الضبط جمعه على سبعة ~~أوجه اقتداء بقوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف". # قال: "وليست هذه الروايات بأصل في التعيين، بل ربما خرج عنها ما هو مثلها ~~أو فوقها كحروف أبي جعفر المدني (3) وغيره" (4) . PageV01P150 # قال أبو محمد مكي: # "هذه القراءات كلها التي يقرؤها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة ~~إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووافق اللفظ بها خط ~~المصحف الذي أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه وعلى اطراح ما سواه، ولم ينقط ولم ~~يضبط فاحتمل التأويل لذلك" (1) . # قال: "فأما من ظن أن قراءة كل واحد من هؤلاء القراء [58 و] كنافع (2) ~~وعاصم وأبي عمرو، أحد الأحرف السبعة التي نص النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فذلك منه غلط عظيم؛ إذ يجب أن يكون ما لم يقرأ به هؤلاء السبعة متروكا؛ إذ ~~قد استولوا على الأحرف السبعة عنده، فما خرج عن قراءتهم فليس من السبعة ~~عنده". # "ويجب من هذا القول أن تترك القراءة بما روي عن أئمة هؤلاء السبعة من ~~التابعين والصحابة مما يوافق خط المصحف، مما لم يقرأ به هؤلاء السبعة". # "ويجب منه أن لا تروى قراءة عن ثامن فما فوقه؛ لأن هؤلاء السبعة عند ~~معتقد هذه القول قد أحاطت قراءتهم بالأحرف السبعة". # قال: "وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة ~~وأجل قدرا من هؤلا ms075 السبعة، على أنه قد ترك جماعة من العلماء في كتبهم في ~~القراءات ذكر بعض هؤلاء السبعة واطرحهم: PageV01P151 # قد ترك أبو حاتم وغيره ذكر حمزة (1) والكسائي (2) وابن عامر (3) ، وزاد ~~نحو عشرين رجلا من الأئمة ممن هو فوق هؤلاء السبعة". # "وكذلك زاد الطبري في "كتاب القراءات" له على هؤلاء السبعة نحو خمسة عشر ~~رجلا". # "وكذلك فعل أبو عبيد وإسماعيل القاضي". # "فكيف يجوز أن يظن ظان أن هؤلاء السبعة المتأخرين قراءة (4) [58 ظ] كل ~~واحد منهم أحد الحروف السبعة التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، هذا ~~تخلف عظيم، أكان ذلك ينص من النبي صلى الله عليه وسلم أم كيف ذلك". # قال: "وكيف يكون ذلك والكسائي إنما ألحق بالسبعة بالأمس في أيام ~~PageV01P152 # المأمون (1) ، وغيره كان السابع -وهو يعقوب الحضرمي- (2) فأثبت ابن مجاهد ~~في سنة ثلاثمائة أو نحوها الكسائي في موضع يعقوب"؟. # "وكيف يكون ذلك والكسائي إنما قرأ على حمزة وغيره، وإذا كانت قراءة حمزة ~~أحد الحروف السبعة فكيف يخرج حرف آخر من الحروف السبعة؟ " (3) . # وأطال الكلام في تقرير ذلك، ثم قال: # "وأما قول الناس: قرأ فلان بالأحرف السبعة فمعناه أن قراءة كل إمام تسمى ~~حرفا، كما يقال: قرأت بحرف نافع، وبحرف أبي وبحرف ابن مسعود، فهي أكثر من ~~سبعمائة حرف لو عددنا الأئمة الذي نقلت عنهم القراءات من الصحابة فمن ~~بعدهم". # فحصل (4) أن الذي في أيدينا من القرآن هو ما في مصحف عثمان رضي الله عنه ~~الذي أجمع المسلمون عليه. # "والذي في أيدينا من القراءات هو ما وافق خط ذلك المصحف من القراءات التي ~~نزل بها القرآن وهو من الإجماع أيضا. وسقط العمل بالقراءات PageV01P153 # التي تخالف خط المصحف، فكأنها [59 و] منسوخة بالإجماع على خط المصحف". # "والنسخ للقرآن بالإجماع فيه اختلاف، فلذلك تمادى بعض الناس على القراءة ~~بما يخالف خط المصحف مما ثبت نقله، وليس ذلك بجيد ولا صواب؛ لأن فيه مخالفة ~~الجماعة، وفيه أخذ القرآن بأخبار الآحاد، وذلك غير جائز عند أحد من الناس" ~~(1) . # قلت: مثال هذا ما ثبت في الصحيحين من ms076 قراءة عبد الله بن مسعود وأبي ~~الدرداء: "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى" (2) . وقراءة ~~الجماعة على وفق خط المصحف: {وما خلق الذكر والأنثى} (3) ، وقد أوضحت هذا ~~في أول ترجمة علقمة بن قيس من التاريخ الكبير. # وأما قول مكي: "إن الكسائي ألحق بالسبعة في أيام المأمون، وكان السابع ~~يعقوب" ففيه نظر، فإن ابن مجاهد صنف "كتاب السبعة" وهو متأخر عن زمن ~~المأمون بكثير، فإنه توفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، ومات المأمون سنة ~~ثماني عشرة ومائتين، فلعل مصنفا آخر سبق ابن مجاهد إلى تصنيف قراءات ~~السبعة، وذكر يعقوب دون الكسائي، إن صح ما أشار إليه مكي. # فإن غيره من الأئمة المصنفين في القراءات الثماني يقولون: وإنما ألحق ~~يعقوب بهؤلاء السبعة أخيرا لكثرة روايته وحسن اختياره ودرايته. [59 ظ] ~~PageV01P154 # وأما قوله: "إن نسخ القرآن بالإجماع فيه اختلاف"، فالمحققون من الأصوليين ~~لا يرضون هذه العبارة، بل يقولون: الإجماع لا ينسخ به؛ إذ لا نسخ بعد ~~انقطاع الوحي، وما نسخ بالإجماع، فالإجماع يدل على ناسخ قد سبق في زمن نزول ~~الوحي من كتاب أو سنة. # ثم قال مكي رحمه الله: # "فإن سأل سائل: ما العلة التي من أجلها كثر الاختلاف عن هؤلاء الأئمة، ~~وكل واحد منهم قد انفرد بقراءة اختارها مما قرأ به على أئمته"؟ # قال: "فالجواب: أن كل واحد من الأئمة قرأ على جماعات بقراءات مختلفة فنقل ~~ذلك على ما قرأ، فكانوا في برهة من أعمارهم، يقرءون الناس بما قرءوا، فمن ~~قرأ عليهم بأي حرف كان لم يردوه عنه؛ إذ كان ذلك مما قرءوا به على أئمتهم". # "ألا ترى أن نافعا قال: قرأ على سبعين من التابعين، فما اتفق عليه اثنان ~~أخذته، وما شك فيه واحد تركته. يريد -والله أعلم- مما خالف المصحف. وكان من ~~قرأ عليه بما اتفق فيه اثنان من أئمته لم ينكر عليه ذلك". # "وقد روي عنه أنه كان يقرئ الناس بكل ما قرأ به حتى يقال له: نريد أن ~~نقرأ عليك باختيارك مما رويت". # "وهذا قالون (1) ربيبه وأخص الناس ms077 به، وورش (2) أشهر الناس المتحملين ~~PageV01P155 # [60 و] إليه اختلفا في أكثر من ثلاثة آلاف حرف من قطع وهمز وتخفيف وإدغام ~~وشبهه". # "ولم يوافق أحد من الرواة عن نافع رواية ورش عنه ولا نقلها أحد عن نافع ~~غير ورش، وإنما ذلك لأن ورشا قرأ عليه بما تعلم في بلده فوافق ذلك رواية ~~قرأها نافع على بعض أئمته فتركه على ذلك. وكذلك ما قرأ عليه به قالون ~~وغيره" (1) . # ثم قال: "فإن سأل سائل: "ما العلة التي من أجلها اشتهر هؤلاء السبعة ~~بالقراءة دون من هو فوقهم، فنسبت إليهم السبعة الأحرف مجازا، وصاروا في ~~وقتنا أشهر من غيرهم ممن هو أعلى درجة منهم وأجل قدرا؟ ". # "فالجواب: أن الرواة عن الأئمة من القراءة كانوا في العصر الثاني والثالث ~~كثيرا في العدد، كثيرا في الاختلاف. فأراد الناس في العصر الرابع أن ~~يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة ~~به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدين وكمال ~~العلم، واشتهر أمره وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ ~~وروى، وعلمه بما يقرئ به، ولم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، ~~فافردوا [60 ظ] من كل مصر وجه إليه عثمان رضي الله عنه مصحفا إماما، هذه ~~وقراءته في مصحف ذلك المصر". # "فكان أبو عمرو من أهل البصرة، وحمزة وعاصم من أهل الكوفة PageV01P156 # وسوادها، والكسائي من أهل العراق، وابن كثير (1) من أهل مكة، وابن عامر ~~من أهل الشام، ونافع من أهل المدينة، كلهم ممن اشتهرت أمانته وطال عمره في ~~الإقراء، وارتحل الناس إليه من البلدان، ولم يترك الناس مع هذا نقل ما كان ~~عليه أئمة هؤلاء من الاختلاف ولا القراءة بذلك". # "وأول من اقتصر على هؤلاء السبعة أبو بكر بن مجاهد، قبل سنة ثلاثمائة أو ~~في نحوها وتابعه على ذلك من أتى بعده إلى الآن، ولم تترك القراءة برواية ~~غيرهم واختيار من أتى بعدهم إلى الآن". # "فهذه قراءة يعقوب الحضرمي غير متروكة، وكذلك قراءة عاصم الجحدري ms078 (2) ~~وقراءة أبي جعفر وشيبة (3) إمامي نافع، وكذلك اختيار أبي حاتم وأبي عبيد، ~~واختيار المفضل (4) ، واختيارات لغير هؤلاء الناس على القراءة كذلك في كل ~~الأمصار من المشرق". # "وهؤلاء الذين اختاروا إنما قرءوا للجماعة بروايات، فاختار كل واحد ~~PageV01P157 # مما قرأ وروى قراءة تنسب إليه بلفظ الاختيار، وقد اختار الطبري وغيره، ~~[61 و] وأكثر اختياراتهم إنما هو في الحرف إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء: # "قوة وجهه في العربية، وموافقته للمصحف، واجتماع الأمة عليه". # "والعامة عندهم ما اتفق عليه أهل المدينة وأهل الكوفة، فذلك عندهم حجة ~~قوية توجب الاختيار". # "وربما جعلوا العامة ما اجتمع عليه أهل الحرمين (1) ، وربما جعلوا ~~الاختيار ما اتفق عليه نافع وعاصم، فقراءة هذين الإمامين أوثق القراءات ~~وأصحها سندا وأفصحها في العربية، ويتلوها في الفصاحة خاصة قراءة أبي عمرو ~~والكسائي رحمهم الله" (2) . # ثم قال: "فإن سأل سائل: لم جعل القراء الذين اختيروا للقراءة سبعة؟ ألا ~~كانوا أكثر أو أقل؟ ". # "فالجواب: أنهم جعلوا سبعة لعلتين: # "إحداهما: أن عثمان رضي الله عنه كتب سبعة مصاحف ووجه بها إلى الأمصار، ~~فجعل عدد القراء على عدد المصاحف". # "والثانية: أنه جعل عددهم على عدد الحروف التي نزل بها القرآن، وهي سبعة ~~على أنه لو جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمتنع ذلك؛ إذ عدد الرواة الموثوق بهم ~~أكثر من أن يحصى". PageV01P158 # "وقد ألف ابن جبير المقرئ (1) -وكان قبل ابن مجاهد- كتابا في القراءات ~~وسماه "كتاب الخمسة"، ذكر فيه خمسة من القراء (2) [61 ظ] لا غير، وألف غيره ~~كتابا وسماه "كتاب الثمانية"، وزاد على هؤلاء السبعة يعقوب الحضرمي، وهذا ~~باب واسع". # قال: "وإنما الأصل الذي يعتمد عليه في هذا: أن ما صح سنده، واستقام وجهه ~~في العربية، ووافق لفظه خط المصحف فهو من السبعة المنصوص عليها، ولو رواه ~~سبعون ألفا، مفترقين أو مجتمعين، فهذا هو الأصل الذي بني عليه في ثبوت ~~القراءات عن سبعة أو عن سبعة آلاف، فاعرفه وابن عليه" (3) . # قال أبو علي الأهوازي: # "وإنما كانوا من هذه الأمصار الخمسة دون غيرها لأجل أن عثمان رضي الله ms079 ~~عنه جعل لكل مصر من هذه الأمصار مصحفا، وأمر باتباعه، ووجه بمصحف إلى ~~اليمن، وبمصحف إلى البحرين، فلم نسمع لهما خبرا ولا رأينا لهما أثرا". # قال: "وهؤلاء السبعة لزموا القيام بمصحفهم، وانتصبوا لقراءته، وتجردوا ~~لروايته، ولم يشتهروا بغيره، واتبعوا ولم يبتدعوا. # قال: "وقد كان في وقتهم جماعة في مصر كل واحد منهم من القرأة PageV01P159 # ولم يجمعوا عليهم لأجل مخالفتهم للمصحف في يسير من الحروف". # قال: "ولسنا نقول: إن ما قرأه هؤلاء السبعة يشتمل على جميع ما أنزله الله ~~عز وجل [62 و] من الأحرف السبعة التي أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقرأ بها، ولا معنى ما ورد عنهم معنى ذلك". # قال: "وقد ظن بعض من لا معرفة له بالآثار أنه إذا أتقن عن هؤلاء السبعة ~~قراءتهم أنه قد قرأ السبعة الأحرف التي جاء بها جبريل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم". قال: "وهو خطأ بين وغلط ظاهر عند جميع أهل البصر بالتأويل". # وقال شيخنا أبو الحسن علي بن محمد رحمه الله: # "لما كان العصر الرابع سنة ثلاثمائة وما قاربها، كان أبو بكر بن مجاهد ~~رحمه الله، قد انتهت إليه الرياسة في علم القراءة، وقد تقدم في ذلك على أهل ~~ذلك العصر، اختار من القراءات ما وافق خط المصحف ومن القراء بها من اشتهرت ~~قراءته، وفاقت معرفته، وقد تقدم أهل زمانه في الدين والأمانة والمعرفة ~~والصيانة، واختاره أهل عصره في هذا الشأن، وأطبقوا على قراءته، وقصد من ~~سائر الأقطار، وطالت ممارسته للقراءة والإقراء، وخص في ذلك بطول البقاء، ~~ورأى أن يكونوا سبعة تأسيا بعدة المصاحف الأئمة، وبقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إن هذا القرآن [62 ظ] أنزل على سبعة أحرف من سبعة أبواب" (1) ، ~~فاختار هؤلاء القراء السبعة أئمة الأمصار، فكان أبو بكر بن مجاهد أول من ~~اقتصر على هؤلاء السبعة، وصنف كتابه في قراءاتهم، واتبعه الناس على ذلك، ~~ولم يسبقه أحد PageV01P160 # إلى تصنيف قراءة هؤلاء السبعة" (1) . # "وقد أضاف قوم بعد ابن مجاهد إلى هؤلاء السبعة يعقوب الحضرمي، ms080 وكان فاعل ~~ذلك نسب ابن مجاهد إلى التقصير في اقتصاره على السبعة، ولم يكن عالما بغرض ~~ابن مجاهد، وقراءة يعقوب خارجة عن غرضه لنزول الإسناد؛ لأنه قرأ على سلام ~~بن سليمان (2) وقرأ سليمان على عاصم، ولما فيها (3) من الخروج عن قراءة ~~العامة، وكذلك من صنف العشرة" (4) . # قلت: ووقع في "كتاب البيان" لأبي طاهر بن أبي هاشم كلام لأبي جعفر ~~الطبري، ظن منه أنه طعن على قراءة ابن عامر، وإنما حاصله أنه استبعد قراءته ~~على عثمان بن عفان رضي الله عنه على ما جاء في بعض الروايات عنه على ما ~~نقلناه في "الكتاب الكبير من إبراز المعاني"، وذلك غير ضائر. # فهب أنه لم يصح أنه قرأ على عثمان، فقد قرأ على غيره من الصحابة، وكان ~~يقول: هذه حروف أهل الشام التي يقرءونها. # قال أبو جعفر: [63 و] . # "ولعله أراد أنه أخذ ذلك عن جماعة من قرائها، فقد كان أدرك منهم من ~~الصحابة وقدماء السلف خلقا كثيرا". # ثم قال أبو طاهر: # "وأحسن الوجوه عندي أن يقال: إن قراءة ابن عامر قراءة اتفق عليها ~~PageV01P161 # أهل الشام وإنها مسندة إلى أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". # قال: "ولم يتفقوا إن شاء الله عليها، إلا ولها مادة صحيحة من بعض الصحابة ~~تتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كنا لا نعلمها كعلمنا بمادة قراءة ~~أهل الحرمين (1) والعراقين" (2) . # قال: "ولولا أن أبا بكر شيخنا جعله سابعا لأئمة القراءة، فاقتدينا بفعله؛ ~~لأنه لم يزل موفقا، فاتبعنا أثره، واهتدينا بهديه لما كان إسناد قراءته ~~مرضيا، لكان (3) أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش بذلك أولى منه؛ إذ كانت ~~قراءته منقولة عن الأئمة المرضيين، وموافقة للمصحف المأثور باتباع ما فيه، ~~ولكنا لا نعدل عما مضى عليه أئمتنا، ولا نتجاوز ما رسمه أولونا؛ إذ كان ذلك ~~بنا أولى، وكنا إلى التمسك بفعلهم أحرى". # قلت: وكان غرض ابن مجاهد أن يأتي بسبعة من القراء من الأمصار التي نفدت ~~إليها المصاحف، ولم يمكنه ذلك في البحرين [63 ظ] واليمن ms081 لإعواز أئمة ~~القراءة منهما، فأخذ بدلهما من الكوفة لكثرة القراء بها، وإذا كان هذا غرضه ~~فلم يكن له بد من ذكر إمام من أهل الشام، ولم يكن فيهم من انتصب لذلك من ~~التابعين مثل ابن عامر، فذكره. # وقال في كتابه: # "وعلى قراءة ابن عامر أهل الشام وبلاد الجزيرة". # ثم قال: "فهؤلاء السبعة من أهل الحجاز والعراق والشام خلفوا في ~~PageV01P162 # القراءة التابعين، وأجمع على قراءتهم من أهل كل مصر من هذه الأمصار ~~وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار، إلا أن يستحسن رجل لنفسه حرفا ~~شاذا فيقرأ به من الحروف التي رويت عن بعض الأوائل منفردة، فذلك غير داخل ~~في قراءة العوام". # قال: "ولا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأئمة والسلف بوجه يراه ~~جائزا في العربية، أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه" (1) . # وقد ذكر الإمام أبو عبيد في أول كتابه في القراءات ما يعرفك كيف كان هذا ~~الشأن من أول الإسلام إلى آخره ما ذكره. # فذكر القراء من الصحابة على ما سبق ذكره في آخر الباب الأول (2) ، ثم قال ~~بعد ذكر التابعين: # "فهؤلاء الذين سمينا من الصحابة والتابعين [64 و] هم الذين يحكى عنهم عظم ~~القراءة، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث". # قال: "ثم قام من بعدهم بالقرآن قوم، ليست لهم أسنان من ذكرنا ولا قدمهم، ~~غير أنهم تجردوا في القراءة، فاشتدت بها عنايتهم، ولها طلبهم، حتى صاروا ~~بذلك أئمة يأخذها الناس عنهم ويقتدون بهم فيها، وهم خمسة عشر رجلا من هذه ~~الأمصار، في كل مصر منهم ثلاثة رجال: # "فكان من قراء المدينة: أبو جعفر ثم شيبة بن نصاح ثم نافع وإليه صارت ~~قراءة أهل المدينة". PageV01P163 # "وكان من قراء مكة: عبد الله بن كثير وحميد بن قيس الأعرج (1) ومحمد بن ~~محيصن (2) ، وأقدمهم ابن كثير، وإليه صارت قراءة أهل مكة أو أكثرهم". # "وكان من قراء الكوفة: يحيى بن وثاب (3) وعاصم والأعمش، ثم تلاهم حمزة ~~رابعا، وهو الذي صار عظم أهل الكوفة إلى قراءته من غير أن ms082 يطبق عليه ~~جماعتهم. وأما الكسائي فإنه يتخير القراءات، فأخذ من قراءة حمزة بعضا وترك ~~بعضا". # "وكان من قراء البصرة: عبد الله بن أبي إسحاق (4) ، وأبو عمرو بن العلاء ~~وعيسى بن عمر (5) . والذي صار إليه أهل البصرة في القراءة، واتخذوه إماما ~~أبو عمرو. وقد كان لهم [64 ظ] رابعا، وهو عاصم الجحدري، غير أنه لم يرو عنه ~~في الكثرة ما روي عن هؤلاء الثلاثة". PageV01P164 # "وكان من قراء الشام: عبد الله بن عامر ويحيى بن الحارث الذماري (1) ~~وثالث، قد سمي لي بالشام ونسيت اسمه، فهؤلاء قراء الأمصار الذين كانوا من ~~التابعين". # قلت: الذي نسيه أبو عبيد، قيل: هو خليد بن سعد (2) صاحب أبي الدرداء، ~~وعندي أنه عطية بن قيس الكلابي (3) أو إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ~~(4) . فإن كل واحد منهما كان قارئا للجند، وكان عطية بن قيس تصلح المصاحف ~~على قراءته بدمشق على ما نقلناه في ترجمتهما في التاريخ. # ثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا، وتفرقوا في البلاد، وانتشروا، وخلفهم أمم ~~بعد أمم، عرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم، فمنهم المحكم للتلاوة المعروف ~~بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف، وكثر بسبب ذلك ~~بينهم الاختلاف، وقل الضبط، واتسع الحرق، والتبس الباطل بالحق، فميز جهابذة ~~العلماء بتصانيفهم، PageV01P165 # وحرروه وضبطوه في تواليفهم على ما سيأتي شرحه في الباب الخامس إن شاء ~~الله تعالى [65 و] . # وقد قال القاضي أبو بكر الأشعري رحمه الله: # "جميع ما قرأ به قراء الأمصار مما اشتهر عنهم واستفاض نقله ولم يدخل في ~~حكم الشذوذ، ولم يقع بين القراء تناكر له، ولا تخطئه لقارئه، بل رواه سائغا ~~جائزا من همز وإدغام ومد وتشديد وحذف وإمالة، أو ترك كل ذلك، أو شيء منه، ~~أو تقديم وتأخير، فإنه كله منزل من عند الله تعالى ومما وقف الرسول صلى ~~الله عليه وسلم على صحته وخير بينه وبين غيره وصوب جميع القراءة به. ولو ~~سوغنا لبعض القراء إمالة ما لم يمله الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة أو ~~غير ذلك، لسوغنا لهم ms083 مخالفة جميع قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم". # وأطال الكلام في تقرير ذلك، وجوز أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يقرئ ~~واحدا بعض القرآن بحرف، وبعضه بحرف آخر على قدر ما يراه أيسر على القارئ. # فظهر لي من هذا: أن اختلاف القراء في الشيء الواحد مع اختلاف المواضع من ~~هذا على قدر ما رووا، وأن ذلك المتلقن له من النبي صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك الوجه أقرأ غيره كما سمعه، ثم من بعده كذلك إلى أن اتصل بالسبعة، ~~ومثاله قراءة نافع "يحزن" بضم الياء وكسر الزاي في جميع [65 ظ] القرآن (1) ~~، إلا حرف PageV01P166 # الأنبياء (1) ، وقراءة ابن عامر "إبراهام" بالألف في بعض السور (2) دون ~~بعض، ونحو ذلك مما يقال فيه: إنه جمع بين اللغتين، والله أعلم. PageV01P167 ### | الباب الخامس: في ال ### | فصل # بين القراءة الصحيحة القوية والشاذة الضعيفة المروية # قال الإمام أبو بكر بن مجاهد في "كتاب السبعة": # "اختلف الناس في القراءات، كما اختلفوا في الأحكام، ورويت الآثار ~~بالاختلاف عن الصحابة والتابعين، توسعة ورحمة للمسلمين، وبعض ذلك قريب من ~~بعض، وحملة القرآن متفاضلون في حمله ونقله الحروف، منازل في نقل حروفه". # "فمن حملة القرآن المعرب العالم بوجوه الإعراب في القراءات، العارف ~~باللغات ومعاني الكلام، البصير بعيب القراءة المنتقد للآثار، فذلك الإمام ~~الذي يفزع إليه حفاظ القرآن في كل مصر من أمصار المسلمين". # "ومنهم من يعرب ولا يلحن ولا علم له بغير ذلك، فذلك كالأعرابي الذي يقرأ ~~بلغته ولا يقدر على تحويل لسانه، فهو مطبوع على كلامه". # "ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذ منه، وليس عنده إلا الأداء لما تعلم، لا ~~يعرف الإعراب [66 و] ولا غيره، فذلك الحافظ ولا يلبث مثله أن ينسى إذا طال ~~عهده، فيقرأ بلحن لا يعرفه وتدعوه الشبهة إلى أن يرويه عن غيره ويبرئ نفسه، ~~وعسى أن يكون عند الناس مصدقا، فيحمل ذلك عنه وقد نسيه وأوهم فيه وجسر على ~~لزومه والإصرار عليه، أو يكون # PageV01P168 # قد قرأ على من نسي وضع الإعراب ودخلته الشبهة فتوهم، ms084 فذلك لا يقلد في ~~القراءة ولا يحتج بنقله". # "ومنهم من يعرب قراءته ويبصر المعنى ويعرف اللغات ولا علم له بالقراءات ~~واختلاف الناس في الآثار، فربما دعاه بصره بالإعراب إلى أن يقرأ بحرف جائز ~~في العربية لم يقرأ به أحد من الماضين، فيكون بذلك مبتدعا، وقد روينا في ~~كراهة ذلك وخطره أحاديث". # ثم قال: "وأما الآثار التي رويت في الحروف فكالآثار التي رويت في ~~الأحكام: منها المجتمع عليه السائر المعروف، ومنها المتروك المكروه عند ~~الناس: المعيب من أخذ به، وإن كان قد روي وحفظ، ومنها ما قد توهم فيه من ~~رواه فضيع روايته ونسي سماعه لطول عهده، فإذا عرض على أهله عرفوا توهمه ~~وردوه على من حمله. # "وربما سقط بالرواية لذلك بإصراره على لزومه [66 ظ] وتركه الانصراف عنه، ~~ولعل كثيرا ممن ترك حديثه وانهم في روايته كانت هذه علته، وإنما ينتقد ذلك ~~أهل العلم بالأخبار والحلال والحرام والأحكام، وليس انتقاد ذلك إلى من لا ~~يعرف الحديث ولا يبصر الرواية والاختلاف". # "وكذلك ما روي من الآثار في حروف القرآن": # "منها اللغة الشاذة القليلة، ومنها الضعيف المعنى في الإعراب، غير أنه قد ~~قرئ به، ومنها ما توهم فيه فغلط به، فهو لحن غير جائز عند من لا يبصر من ~~العربية غير اليسير، ومنها اللحن الخفي الذي لا يعرفه إلا العالم النحرير، ~~وبكل قد جاءت الآثار في القراءات". # قال: "والقراءة التي عليها الناس بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ~~هي القراءة التي تلقوها عن أوليهم تلقيا، وقام بها في كل مصر من هذه # PageV01P169 # الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين، اجتمعت الخاصة والعامة على قراءته ~~وسلكوا فيها طريقه وتمسكوا بمذاهبه على ما روي -يعني- عن عمر بن الخطاب ~~وزيد بن ثابت رضي الله عنهما من الصحابة، وعن ابن المنكدر (1) وعروة بن ~~الزبير وعمر بن عبد العزيز (2) وعامر الشعبي من التابعين أنهم قالوا: ~~القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، فاقرءوا كما علمتموه، قال زيد: القراءة ~~سنة" (3) . [67 و] . # قال إسماعيل القاضي: "أحسبه يعني هذه القراءة التي جمعت ms085 في المصحف". # وذكر عن محمد بن سيرين أنه قال: # "كانوا يرون أن قراءتنا هذه هي أحدثهن بالعرضة الأخيرة"، وفي رواية قال: ~~"نبئت أن القرآن كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم كل عام مرة في شهر ~~رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه مرتين". # قال ابن سيرين: "فيرون أو يرجون أن تكون قراءتنا هذه أحدث القراءات عهدا ~~بالعرضة الأخيرة". أخرجه أبو عبيد وغيره (4) . PageV01P170 # وعنه عن عبيدة السلماني قال: "القراءة التي عرضت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في العام الذي قبض فيه، هي التي يقرؤها الناس اليوم". # وفي رواية: "القرآن الذي عرض". أخرجه ابن أبي شيبة (1) . # قلت: وهذه السنة التي أشار إليها هي ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نصا أنه قرأه وأذن فيه على ما صح عنه: "إن القرآن نزل على سبعة أحرف". ~~فلأجل ذلك كثر الاختلاف في القراءة في زمانه صلى الله عليه وسلم وبعده إلى ~~أن كتبت المصاحف، باتفاق من الصحابة بالمدينة على ذلك، ونفذت إلى الأمصار ~~وأمروا باتباعها وترك ما عداها، فأخذ الناس بها، وتركوا من تلك القراءات كل ~~ما خالفها، وأبقوا ما يوافقها صريحا [67 ظ] كقراءة {الصراط} بالصاد (2) ، ~~واحتمالا كقراءة {مالك} بالألف (3) ؛ لأن المصاحف اتفقت على كتابة "ملك" ~~فيها بغير ألف، فاحتمل أن يكون مراده كما حذفت من "الرحمن" و"إسمعيل" ~~و"إسحق" وغير ذلك. # ويحمل على اعتقاد ذلك ثبوت تلك القراءة بالنقل الصحيح عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا يلتمز فيه تواتر، بل تكفي الآحاد الصحيحة مع الاستفاضة، ~~وموافقة خط المصحف، بمعنى أنها لا تنافيه عدم المنكرين لها نقلا وتوجيها من ~~حيث اللغة. # فكل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيها ومجيئها على الفصيح ~~PageV01P171 # من لغة العرب، فهي قراءة صحيحة معتبرة. # فإن اختلت هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة. ~~أشار إلى ذلك كلام الأئمة المتقدمين، ونص عليه الشيخ المقرئ أبو محمد مكي ~~بن أبي طالب القيرواني في كتاب مفرد (1) صنفه في ms086 معاني القراءات السبع وأمر ~~بإلحاقه "بكتاب الكشف عن وجوه القراءات" من تصانيفه، وقد تقدم فيما نقلناه ~~من كلامه في الباب الرابع الذي قبل هذا الباب (2) . # وقد ذكره أيضا شيخنا أبو الحسن رحمه الله في كتابه "جمال القراء" في باب ~~مراتب الأصول وغرائب الفصول فقال: [68 و] . # "وقد اختار قوم قراءة عاصم ونافع فيما اتفقا عليه وقالوا: قراءة هذين ~~الإمامين أصح القراءات سندا وأفصحها في العربية، وبعدهما في الفصاحة قراءة ~~أبي عمرو والكسائي". # "وإذا اجتمع للحرف قوته في العربية وموافقة المصحف واجتماع العامة عليه ~~فهو المختار عند أكثرهم. وإذا قالوا: قراءة العامة، فإنما يريدون ما اتفق ~~عليه أهل المدينة وأهل الكوفة. فهو عندهم سبب قوي يوجب الاختيار. وربما ~~اختاروا ما اجتمع عليه أهل الحرمين، وسموه أيضا بالعامة" (3) . # قلت: ولعل مرادهم بموافقة خط المصحف ما يرجع إلى زيادة الكلم ونقصانها. # فإن فيما يروى من ذلك عن أبي بن كعب وابن مسعود رضي الله عنهما ~~PageV01P172 # من هذا النوع شيئا كثيرا، فكتبت المصاحف على اللفظ الذي استقر عليه في ~~العرضة الأخيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما سبق تفسيره. # وأما ما يرجع إلى الهجاء وتصوير الحروف، فلا اعتبار بذلك في الرسم، فإنه ~~مظنة الاختلاف، وأكثره اصطلاح، وقد خولف الرسم بالإجماع في مواضع من ذلك، ~~كالصلاة والزكاة والحياة، فهي مرسومات بالواو ولم يقرأها أحد على لفظ ~~الواو. # فليكتف في مثل ذلك بالأمرين الآخرين، وهما [68 ظ] صحة النقل والفصاحة في ~~لغة العرب. # PageV01P173 ### | ### | فصل # واعلم أن القراءات الصحيحة المعتبرة المجمع عليها، قد انتهت إلى السبعة ~~القراء المقدم ذكرهم، واشتهر نقلها عنهم لتصديهم لذلك وإجماع الناس عليهم، ~~فاشتهروا بها كما اشتهر في كل علم من الحديث والفقه والعربية أئمة اقتدي ~~بهم وعول فيها عليهم. # ونحن فإن قلنا: إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت وعنهم نقلت، فلسنا ممن ~~يقول: إن جميع ما روي عنهم يكون بهذه الصفة، بل قد روي عنهم ما يطلق عليه ~~أنه ضعيف وشاذ بخروجه عن الضابط المذكور باختلال بعض الأركان الثلاثة، ~~ولهذا ms087 ترى كتب المصنفين في القراءات السبع مختلفة في ذلك، ففي بعضها ذكر ما ~~سقط في غيرها، والصحيح بالاعتبار الذي ذكرناه موجود في جميعها إن شاء الله ~~تعالى. # PageV01P173 # فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة ويطلق ~~عليها لفظ الصحة، وإن هكذا أنزلت إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ~~ينفرد بنقلها مصنف عن غيره ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم ~~من القراء، فذلك لا يخرجها عن الصحة. فإن الاعتماد على استجماع تلك ~~الأوصاف، لا عمن تنسب إليه. # فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع ~~عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة [69 و] لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع ~~عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم، فوق ما ينقل عن غيرهم. # فمما نسب إليهم وفيه إنكار لأهل اللغة وغيرهم: # الجمع بين الساكنين في تاءات البزي (1) ، إدغام (2) أبي عمرو، وقراءة ~~حمزة "فما اسطاعوا" (3) ، وتسكين من أسكن "بارئكم" و"يأمركم" (4) ~~PageV01P174 # ونحوه و"سبأ" (1) و"يا بني" (2) و"مكر السيئ"" (3) ، وإشباع الياء في ~~"نرتعي" (4) و"يتقي ويصبر" (5) و"أفئدة من الناس" (6) وقراءة "ليكة" (7) ~~بفتح الهاء، وهمز "سأقيها" (8) ، وخفض PageV01P175 # "والأرحام" (1) ، ونصب "كن فيكون" (2) ، والفصل بين المضافين في ~~"الأنعام" (3) ، وغير ذلك على ما نقلناه وبيناه بعون الله تعالى وتوفيقه في ~~شرح (4) قصيدة الشيخ الشاطبي رحمه الله. # فكل هذا محمول على قلة ضبط الرواة فيه على ما أشار إليه كلام ابن مجاهد ~~المنقول في أول هذا الباب (5) . # وإن صح فيه النقل فهو من بقايا الأحرف السبعة التي كانت القراءة مباحة ~~عليها، على ما هو جائز في العربية، فصيحا كان أو دون ذلك. # وأما بعد كتابة المصاحف على اللفظ المنزل، فلا ينبغي قراءة ذلك اللفظ إلا ~~على اللغة الفصحى من لغة قريش وما ناسبها، حملا لقراءة النبي صلى الله عليه ~~وسلم والسادة من أصحابه على ما هو اللائق بهم، فإنهم كما كتبوه على لسان ~~قريش، فكذا قراءتهم له. # وقد شاع [69 ظ] على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم ms088 ~~PageV01P176 # من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة، أي كل فرد فرد مما روى عن ~~هؤلاء الأئمة السبعة، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب. # ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق ~~من غير نكير له مع أنه شاع واشتهر واستفاض، فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم ~~يتفق التواتر في بعضها. # فإن القراءات السبع المراد بها ما روي عن الأئمة السبعة القراء ~~المشهورين، وذلك المروي عنهم منقسم إلى ما أجمع عليه عنهم لم يختلف فيه ~~الطرق، وإلى ما اختلف فيه بمعنى أنه نفيت نسبته إليهم في بعض الطرق. # فالمصنفون لكتب القراءات يختلفون في ذلك اختلافا كثيرا، ومن تصفح كتبهم ~~في ذلك ووقف على كلامهم فيه عرف صحة ما ذكرناه. # وأما من يهول في عبارته قائلا: إن القراءات السبع متواترة، ل"أن القرآن ~~أنزل على سبعة أحرف" فخطؤه ظاهر؛ لأن الأحرف السبعة المراد بها غير ~~القراءات السبع على ما سبق تقريره في الأبواب المتقدمة. # ولو سئل هذا القائل عن القراءات السبع التي ذكرها لم يعرفها ولم يهتد [70 ~~و] إلى حصرها، وإنما هي شيء طرق سمعه فقاله غير مفكر في صحته، وغايته -إن ~~كان من أهل هذا العلم- أن يجيب بما في الكتاب الذي حفظه. # والكتب في ذلك -كما ذكرنا- مختلفة، ولا سيما كتب المغاربة والمشارقة، ~~فبين كتب الفريقين تباين في مواضع كثيرة، فكم في كتابه من قراءة قد أنكرت، ~~وكم فات كتابه من قراءة صحيحة فيه ما سطرت، على أنه لو عرف شروط التواتر لم ~~يجسر على إطلاق هذه العبارة في كل حرف من حروف القراءة. # PageV01P177 # فالحاصل إنا لسنا ممن يلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين ~~القراء، بل القراءات كلها منقسمة إلى متواتر وغير متواتر، وذلك بين لمن ~~أنصف وعرف وتصفح القراءات وطرقها. # وغاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها كإدغام أبي عمرو ونقل الحركة ~~لورش وصلة ميم الجمع وهاء الكناية لابن كثير أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي ~~نسبت تلك القراءة إليه بعد ms089 أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة إلا ~~أنه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ~~فرد فرد من ذلك، وهنالك تكسب العبرات، فإنها من ثم لم تنقل إلا آحادا، إلا ~~اليسير منها. # وقد حققنا هذا [70 ظ] الفصل أيضا في "كتاب البسملة الكبير" ونقلنا فيه من ~~كلام الحذاق من الأئمة المتقنين ما تلاشى عنده شبه المشنعين، وبالله ~~التوفيق. # فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما ذكرناه مرارا من أن كل قراءة اشتهرت ~~بعد صحة إسنادها وموافقتها خط المصحف ولم تنكر من جهة العربية فهي القراءة ~~المعتمد عليها، وما عدا ذلك فهو داخل في حيز الشاذ والضعيف، وبعض ذلك أقوى ~~من بعض. # والمأمور باجتنابه من ذلك ما خالف الإجماع لا ما خالف شيئا من هذه الكتب ~~المشهورة عند من لا خبرة له. # قال أبو القاسم الهذلي في كتابه "الكامل": # "وليس لأحد أن يقول: لا تكثروا من الروايات، ويسمي ما لم يصل من القراءات ~~الشاذ؛ لأن ما من قراءة قرئت ولا رواية رويت إلا وهي صحيحة إذا وافقت رسم ~~الإمام ولم تخالف الإجماع". # PageV01P178 # فإن قلت: قراءة من لم يبسمل بين السورتين ينبغي أن يكون ضعيفة لمخالفتها ~~الرسم. # قلت: لا، فإنه يبسمل إذا ابتدأ كل سورة، فهو يرى أن البسملة إنما رسمت في ~~أوائل السور لذلك على أنا نقول الترجيح مع من بسمل مطلقا بين السورتين وعند ~~الابتداء، وذلك على وفق مذهب إمامنا الشافعي (1) رحمه الله، وفي كل ذلك ~~مباحث حسنة ذكرناها في "كتاب البسملة الكبير"، وبالله التوفيق. PageV01P179 ### | ### | فصل # : # قال شيخنا أبو الحسن رحمه الله: # "الشاذ مأخوذ من قولهم: شذ الرجل يشذ ويشذ شذوذا، إذا انفرد عن القوم ~~واعتزل عن جماعتهم، وكفى بهذه التسمية تنبيها على انفراد الشاذ وخروجه عما ~~عليه [71 و] الجمهور، والذي لم تزل عليه الأئمة الكبار القدوة في جميع ~~الأمصار من الفقهاء والمحدثين وأئمة العربية توقير القرآن واجتناب الشاذ ~~واتباع القراءة المشهورة ولزوم الطرق المعروفة في الصلاة وغيرها". # "وقال ms090 ابن مهدي: لا يكون إماما في العلم من أخذ بالشاذ من العلم أو # PageV01P179 # روى عن كل أحد أو روى كل ما سمع". # "وقال خلاد بن يزيد الباهلي (1) : قلت ليحيى بن عبد الله بن أبي مليكة ~~(2) : إن نافعا (3) حدثني عن أبيك عن عائشة أنها كانت تقرأ "إذ تلقونه" (4) ~~وتقول: إنما هو ولق الكذب. فقال يحيى: ما يضرك أن لا تكون سمعته عن عائشة، ~~نافع ثقة على أبي وأبي ثقة على عائشة، وما يسرني أني قرأتها هكذا، ولي كذا ~~وكذا. قلت: ولم وأنت تزعم أنها قد قرئت؟ قال: لأنه غير قراءة الناس، ونحن ~~لو وجدنا رجلا يقرأ بما ليس بين اللوحين ما كان بيننا وبينه إلا التوبة أو ~~نضرب عنقه، نجيء به، نحن عن الأمة عن الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~جبري عن الله عز وجل. وتقولون أنتم: حدثنا فلان الأعرج عن فلان الأعمى أن ~~ابن مسعود يقرأ ما بين اللوحين، ما أدري ماذا، إنما هو والله ضرب العنق أو ~~التوبة". # "وقال [71 ظ] هارون (5) : ذكرت ذلك لأبي عمرو -يعني القراءة PageV01P180 # المعزوة إلى عائشة فقال: قد سمعت هذا قبل أن تولد، ولكنا لا نأخذ به. ~~وقال أبو عمرو في رواية أخرى: إني أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما ~~جاءت به العامة". # "قال أبو حاتم السجستاني: أول من تتبع بالبصرة وجوه القراءات وألفها ~~وتتبع الشاذ منها فبحث عن إسناده هارون بن موسى الأعور، وكان من العتيك ~~مولى، وكان من القراء فكره الناس ذلك، وقالوا: قد أساء حين ألفها، وذلك أن ~~القراءة إنما يأخذها هارون وأمة عن أفواه الأمة، ولا يلتفت منها إلى ما جاء ~~من وراء وراء". # "وقال الأصمعي (1) عن هارون المذكور: وكان ثقة مأمونا، قال: وكنت أشتهي ~~أن يضرب لمكان تأليفه الحروف" (2) . # ثم قال الشيخ: # "فإن قيل: فهل في هذه الشواذ شيء تجوز القراءة به؟ " # "قلت: لا تجوز القراءة بشيء منها لخروجها عن إجماع المسلمين وعن الوجه ~~الذي ثبت به القرآن -وهو التواتر- وإن كان موافقا للعربية وخط ms091 المصحف؛ لأنه ~~جاء من طريق الآحاد، وإن كانت نقلته ثقات. فتلك الطريق لا يثبت بها القرآن. ~~ومنها ما نقله من لا يعتد بنقله ولا يوثق [72 و] PageV01P181 # بخبره، فهذا أيضا مردود، لا تجوز القراءة به ولا يقبل، وإن وافق العربية ~~وخط المصحف، نحو "ملك يوم الدين" (1) بالنصب (2) . # قلت: هذا كلام صحيح، ولكن الشاذ في ضبط ما تواتر من ذلك وما أجمع عليه. # ثم قال: "ولقد نبغ في هذا الزمان قوم يطالعون كتب الشواذ ويقرءون بما ~~فيها، وربما صحفوا ذلك فيزداد الأمر ظلمة وعمى" (3) . # قلت: وقد سبق في الباب الثالث ما نقله ابن عبد البر عن مالك رحمه الله من ~~المنع من قراءة ما خالف المصحف في الصلاة (4) ، قال مالك: # "من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف، ~~لم يصل وراءه". # قال أبو عمر: # "وعلماء المسلمين مجمعون على ذلك إلا قوما شذوا لا يعرج عليهم" (5) . # قلت: وقد ذكر الإمام أبو بكر الشاشي (6) في كتابه المسمى بالمستظهري ~~PageV01P182 # نقلا عن القاضي الحسين (1) وهو من كبار فقهاء الشافعية المراوزة (2) : ~~"إن الصلاة بالقراءة الشاذة لا تصح". # ثم قال أبو بكر: "هذا فيما يحيل المعنى عن المشهور، فإن لم يحل صحت". # قلت: ورد إلى دمشق استفتاء من بلاد العجم عن ذلك وعن قراءة القارئ عشرا، ~~كل آية بقراءة قارئ، فأجاب عن ذلك جماعة من مشايخ عصرنا، [72 ظ] منهم شيخا ~~الشافعية والمالكية حينئذ -وكلاهما أبو عمرو عثمان- (3) ، قال شيخ ~~الشافعية: # "يشترط أن يكون المقروء به قد تواتر نقله عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قرآنا أو استفاض نقله كذلك وتلقته الأمة بالقبول كهذه القراءات السبع؛ ~~لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع على ما تقرر وتمهد في الأصول، فما لم ~~يوجد فيه ذلك كما عدا السبع أو كما عدا العشر فممنوع من القراءة به منع ~~تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارج الصلاة، وممنوع منه من PageV01P183 # عرف المصادر والمعاني ومن لم يعرف ذلك، وواجب على ما قدر على الأمر ~~بالمعروف والنهي ms092 عن المنكر أن يقوم بواجب ذلك، وإنما نقلها من نقلها من ~~العلماء لفوائد فيها تتعلق بعلم العربية، لا للقراءة بها، هذا طريق من ~~استقام سبيله". # ثم قال: "والقراءة الشاذة ما نقل قرآنا من غير تواتر واستفاطة، متلقاة ~~بالقبول من الأمة كما اشتمل عليه "المحتسب" لابن جني (1) وغيره، وأما ~~القراءة بالمعنى على تجوزه من غير أن ينقل قرآنا فليس ذلك من القراءات ~~الشاذة أصلا، والمجترئ على ذلك مجترى على عظيم وضال ضلا [73 و] لا بعيدا، ~~فيعزر ويمنع بالحبس ونحوه ولا يخلي ذا ضلالة ولا يحل للمتمكن من ذلك ~~إمهاله، ويجب منع القارئ بالشاذ وتأثيمه بعد تعريفه، وإن لم يمتنع فعليه ~~التعزير بشرطه". # "إذا شاع القارئ بقراءة فينبغي أن لا يزال يقرأ بها ما بقي للكلام تعلق ~~بما ابتدأ به، وما خالف هذا ففيه جائز وممتنع، وعذر المرض منع من بيانه ~~بحقه، والعلم عند الله تبارك وتعالى" (2) . # وقال شيخ المالكية رحمه الله: # "لا يجوز أن يقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ولا غيرها، عالما كان بالعربية ~~أو جاهلا. وإذا قرأ بها قارئ فإن كان جاهلا بالتحريم عرف به وأمر بتركها، ~~وإن كان عالما أدب بشرطه، وإن أصر على ذلك أدب على إصراره PageV01P184 # وحبس إلى أن يرتدع عن ذلك". # "وأما تبديل "أتينا" بأعطينا و"سولت" بزينت ونحوه، فليس هذا من الشواذ، ~~وهو أشد تحريما، والتأديب عليه أبلغ، والمنع منه أوجب". # "وأما القراءة بالقراءات المختلفة في آي العشر الواحد فالأولى أن لا ~~يفعل، نعم، إن قرأ بقراءتين في موضع إحداهما مبنية على الأخرى، مثل أن يقرأ ~~"نغفر لكم" بالنون و"خطيئاتكم" بالرفع (1) ، ومثل "إن تضل إحديهما" بالكسر ~~(2) "فتذكر إحديهما" بالنصب (3) ، فهذا أيضا [73 ظ] ممتنع، وحكم المنع كما ~~تقدم، والله أعلم". # قلت: المنع من هذا ظاهر، وأما ما ليس كذلك فلا منع منه، فإن الجميع جائز، ~~والتخيير في هذا، وأكثر منه كان حاصلا بما ثبت من إنزال القرآن على سبعة ~~أحرف توسعة على القراء، فلا ينبغي أن يضيق بالمنع من هذا ولا ضرر فيه، نعم، ~~أكره ms093 ترداد الآية بقراءات مختلفة كما يفعله أهل زماننا في جميع القراءات ~~لما فيه من الابتداع، ولم يرد في شيء عن المتقدمين. وقد بلغني كراهته عن ~~بعض متصدري المغاربة المتأخرين، والله أعلم. PageV01P185 ### | فصل # قال الإمام أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم -وهو صاحب ~~الإمامين أبي بكر بن مجاهد وأبي جعفر الطبري- في أول "كتاب البيان" عن ~~اختلاف القراءة. # "وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا، فزعم أن كل ما صح عنده وجه في العربية لحرف ~~من القرآن، يوافق خط المصحف فقراءته به جائزة في الصلاة وفي غيرها، فابتدع ~~بفعله ذلك بدعة ضل بها عن قصد السبيل، وأورط نفسه في مزلة عظمت بها جنايته ~~على الإسلام وأهله، وحاول إلحاق كتاب الله عز وجل من الباطل ما لا يأتيه ~~[74 و] من بين يديه ولا من خلفه، إذا جعل لأهل الإلحاد في دين الله عز وجل ~~بسيئ رأيه طريقا إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراءات من جهة البحث ~~والاستخراج بالآراء دون الاعتصام والتمسك بالأثر المفترض على أهل الإسلام ~~قبولة والأخذ به كابرا عن كابر وخالفا عن سالف". # "وكان أبو بكر بن مجاهد -نضر الله وجهه- نشله من بدعته المضلة باستتابته ~~منها، وأشهد عليه بترك ما ارتكبه من الضلالة بعد أن سئل البرهان على صحة ما ~~ذهب إليه، فلم يأت بطائل، ولم تكن له حجة قوية ولا ضعيفة، فاستوهب أبو بكر ~~رحمه الله تأديبه من السلطان عند توبته وإظهار الإقلاع عن بدعته". # قال: "ثم عاود في وقتنا هذا إلى ما كان ابتدعه واستغوى من أصاغر المسلمين ~~ممن هو في الغفلة والغباوة دونه ظنا منه أن ذلك يكون للناس دينا، # PageV01P186 # وأن يجعلوه فيما ابتدعه إماما، ولن يعدو ما ضل به مجلسه؛ لأن الله عز وجل ~~قد أعلمنا أنه حافظ كتابه من لغط الزائغين وشبهات الملحدين بقوله عز وجل: ~~{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} " (1) . # قلت: هذا الشخص المشار إليه هو أبو الحسن [74 ظ] محمد بن أحمد بن أيوب بن ~~الصلت المقرئ ms094 المعروف بابن شنبوذ البغدادي (2) في طبقة ابن مجاهد مقرئ ~~مشهور. # قال الخطيب (3) في "تاريخ بغداد": # "روى عن خلق كثير من شيوخ الشام ومصر وكان قد تخير لنفسه حروفا من شواذ ~~القراءات تخالف الإجماع يقرأ بها. فصنف أبو بكر بن الأنباري وغيره كتبا في ~~الرد عليه". # "وقال إسماعيل الخطبي (4) في كتاب التاريخ: اشتهر ببغداد أمر رجل يعرف ~~بابن شنبوذ، يقرئ الناس ويقرأ في المحراب بحروف يخالف فيها المصحف مما يروى ~~عن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما مما كان يقرأ به قبل جمع المصحف ~~الذي جمعه عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويتتبع الشواذ فيقرأ بها ويجادل، ~~حتى عظم أمره وفحش، وأنكره الناس، فوجه PageV01P187 # السلطان (1) فقبض عليه في يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث ~~وعشرين وثلاثمائة، وحمل إلى دار الوزير محمد بن علي -يعني ابن مقلة- (2) ~~وأحضر القضاة والفقهاء والقراء وناظره -يعني الوزير- بحضرتهم، فأقام على ما ~~ذكر عنه ونصره واستنزله الوزير عن ذلك [75 و] فأبى أن ينزل عنه أو يرجع عما ~~يقرأ به من هذه الشواذ المنكرة التي تزيد على المصحف وتخالفه، فأنكر ذلك ~~جميع من حضر المجلس وأشاروا بعقوبته ومعاملته بما يضطره إلى الرجوع فأمر ~~بتجريده وإقامته بين الهنبازين وضربه بالدرة على قفاه، فضرب نحو العشرة ~~ضربا شديدا، فلم يصبر واستغاث وأذعن بالرجوع والتوبة فخلي عنه وأعيدت عليه ~~ثيابه واستتيب، وكتب عليه كتاب بتوبته وأخذ فيه خطه بالتوبة" (3) . # وقرأت في تاريخ هارون بن المأمون قال: # "وفي أيام الراضي ضرب ابن مقلة ابن شنبوذ سبع درر لأجل قراءة أنكرت عليه ~~ودعا عليه بقطع اليد وتشتت الشمل فقطعت يده ثم لسانه. # وقرأت في تاريخ ثابت بن سنان (4) شرح هذه القصة فقال: # "بلغ الوزير أبا علي محمد بن مقلة أن رجلا -يعرف بابن شنبوذ- PageV01P188 # بغير حروفا من القرآن، فاستحضره واعتقله في داره أياما، ثم استحضر القاضي ~~أبا الحسين عمر بن محمد (1) وأبا بكر أحمد بن موسى بن مجاهد وجماعة من أهل ~~القرآن، وأحضر ابن شنبوذ ونوظر بحضرة الوزير، فأغلظ ms095 للوزير [75 ظ] في ~~الخطاب وللقاضي ولابن مجاهد، ونسبهم إلى قلة المعرفة، وعيرهم بأنهم ما ~~سافروا في طلب العلم كما سافر، واستصبى القاضي، فأمر الوزير بضربه، فنصب ~~بين الهنبازين وضرب سبع درر، فدعا -وهو يضرب- على ابن مقلة بأن تقطع يده ~~ويشتت شمله، ثم وقف على الحروف التي قيل إنه يقرأ بها فأنكر ما كان منها ~~شنعا". # وقال فيما سوى ذلك: "إنه قد قرأ به قوم فاستتابوه فتاب. وقال: إنه قد رجع ~~عما كان يقرأ به وإنه لا يقرأ إلا بمصحف عثمان رضي الله عنه وبالقراءة ~~المتعاملة المشهورة التي يقرأ بها الناس، فكتب عليه الوزير أبو علي محضرا ~~بما سمع من لفظه، صورته: # "يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ: قد كنت أقرأ حروفا تخالف ~~ما في مصحف عثمان المجمع عليه الذي اتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على تلاوته، ثم بان لي أن ذلك خطأ، فأنا منه تائب، وعنه مقلع، وإلى ~~الله عز وجل منه بريء؛ إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه ولا ~~أن يقرأ بغير ما فيه". # "وكتب ابن شنبوذ فيه: # يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ: إن [76 و] . PageV01P189 # ما في هذه الرقعة صحيح، وهو قولي واعتقادي، وأشهد الله عز وجل وسائر من ~~حضر على نفسي بذلك". # "وكتب بخطه: # "فمتى خالفت ذلك أو بان مني غيره فأمير المؤمنين (1) -وأطال الله بقاه- ~~في حل وفي سعة من دمي، وذلك في يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ~~ثلاث وعشرين وثلاثمائة في مجلس الوزير أبي علي بن علي، أدام الله توفيقه". # "وكان مما اعترف به يومئذ: "فامضوا إلى ذكر الله" (2) ، "وتجعلون شكركم ~~أنكم تكذبون" (3) ، "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا" (4) ، ~~"كالصوف المنفوش" (5) ، "تبت يدا أبي لهب وقد تب" (6) ، "فلما خر تبينت ~~الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب" (7) ، ~~PageV01P190 # "والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى" (1) و"فقد كذب الكافرون فسوف يكون ~~لزاما" (2) ، "ولتكن منكم ms096 أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم" (3) ، "ولتكن فتنة في الأرض وفساد ~~عريض" (4) . # "وتحت ذلك بخط ابن مجاهد: # "اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الوقعة بحضرتي وكتب ابن مجاهد بيده". [76 ظ] # قلت: ثم مات ابن شنبوذ في صفر سنة ثمان وعشرين بعد موت ابن مجاهد بأربع ~~سنين، وعزل ابن مقلة ونكب في سنة أربع وعشرين بعد نكبة ابن شنبوذ بسنة ~~واحدة، فجرى عليه من الإهانة بالضرب والتعليق والمصادرة أمر عظيم، ثم آل ~~أمره إلى قطع يده ولسانه ونسأل الله تعالى العافية. # وابن شنبوذ وإن كان ليس بمصيب فيما ذهب إليه ولكن خطأه في واقعة لا يسقط ~~حقه من حرمة أهل القرآن والعلم، فكان الرفق به ومداراته أولى PageV01P191 # من إقامته مقام الدعار المفسدين في الأرض وإجرائه مجراهم في العقوبة، ~~فكان اعتقاله وإغلاظ القول له كافيا في ذلك إن شاء الله تعالى، ولكنه ~~سبحانه وتعالى: {يفعل ما يشاء} (1) ويبتلي من شاء بما شاء سبحانه {لا يسأل ~~عما يفعل} (2) ، وهو تعالى أعلم وأحكم. PageV01P192 ### | الباب السادس: في الإقبال على ما ينفع من علوم القرآن والعمل بها وترك التعمق في تلاوة ألفاظه والغلو بسببها # لم يبق لمعظم من طلب القرآن العزيز همة إلا في قوة حفظه وسرعة سرده ~~وتحرير النطق بألفاظه والبحث [77 و] عن مخارج حروفه والرغبة في حسن الصوت ~~به. # وكل ذلك وإن كان حسنا ولكن فوقه ما هو أهم منه وأتم وأولى وأحرى وهو فهم ~~معانيه والتفكر فيه والعمل بمقتضاه والوقوف عند حدوده وثمرة خشية الله ~~تعالى من حسن تلاوته، ونحن نسرد من الأخبار والآثار ما يشهد لما قلناه ~~بالاعتبار. # أخرج أبو عبيد القاسم بن سلام في "كتاب فضائل القرآن" عن ابن عباس ومجاهد ~~(1) وعكرمة في قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} (2) ، ~~قال: يتبعونه حق إتباعه. PageV01P193 # وعن الشعبي في قوله تعالى: {فنبذوه وراء ظهورهم} (1) ، قال: أما إنه ما ~~كان بين أيديهم، ولكن نبذوا العمل به. # وعن أبي هريرة (2) : أن رجلا أتى أبا ms097 الدرداء بابنه فقال: با أبا ~~الدرداء، إن ابني هذا جمع القرآن، فقال: اللهم اغفر، إنما جمع القرآن من ~~سمع له وأطاعه (3) . # وروي مرفوعا وموقوفا: "اقرءوا القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه" ~~(4) . # وعن الحسن (5) : أن أولى الناس بالقرآن من اتبعه وإن لم يكن يقرؤه. [77 ~~ظ] # قال: وحدثنا حجاج عن عبد الرحمن بن أبي الزناد (6) عن سليمان بن سحيم (7) ~~قال: أخبرني من رأى ابن عمر وهو يصلي ويترجح ويتمايل ويتأوه، حتى لو رآه من ~~يجهله لقال: أصيب الرجل، وذلك لذكر النار إذا مر بقوله PageV01P194 # تعالى: {وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا} (1) ، أو ~~شبه ذلك. # حدثنا ابن المبارك (2) عن مسعر (3) عن عبد الأعلى التيمي قال: من أوتي من ~~العلم ما لا يبكيه: فليس بخليق أن يكون أوتي علما ينفعه؛ لأن الله تبارك ~~وتعالى نعت العلماء فقال: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا، ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، ويخرون ~~للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} (4) . # وعن أبي ذر (5) رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~من الليالي يقرأ آية واحدة الليل كله، حتى أصبح، بها يقوم وبها يركع وبها ~~يسجد: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} (6) . # وعن تميم الداري: أنه أتى المقام ذات ليلة، فقام يصلي، فافتتح السورة ~~PageV01P195 # التي تذكر فيها الجاثية، فلما أتى على هذه الآية {أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون} (1) ، لم يزل يرددها حتى أصبح. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه يردد {وقل رب زدني علما} (2) ، حتى ~~أصبح. # وعن عامر بن عبد قيس (3) : أنه قرأ ليلة من سورة المؤمن فلما انتهى إلى ~~قوله تعالى: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} (4) ، لم ~~يزل يرددها حتى أصبح. # وعن هشام بن عروة عن عبد الله بن يحيى بن حمزة عن أبيه عن جده قال: ~~افتتحت أسماء بنت ms098 أبي بكر (5) رضي الله عنهما "سورة الطور" فلما انتهت إلى ~~قوله تعالى: {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} (6) . ذهبت إلى السوق في ~~حاجة ثم رجعت، وهي تكررها: {ووقانا عذاب السموم} ، قال: وهي في الصلاة. # وعن سعيد بن جبير: أنه ردد هذه الآية في الصلاة بضعا وعشرين PageV01P196 # مرة: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون} (1) . # وعنه أنه استفتح بعد العشاء الآخرة بسورة: {إذا السماء انفطرت} (2) فلم ~~يزل فيها، حتى نادى منادي السحر. # وعن أبي حمزة قال: قلت [78 ظ] لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ ~~القرآن ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة، فأدبرها وأرتلها، أحب إلي من ~~أن أقرأ كما تقول (3) . # وسئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة، قيامهما واحد ~~وركوعهما واحد وسجودهما واحد وجلوسهما واحد، أيهما أفضل؟ فقال: الذي قرأ ~~البقرة، ثم قرأ: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} ~~(4) . # وعن مجاهد في قوله تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} (5) ، قال: ترسل فيه ~~ترسلا. # وحدثنا جرير عن مغيرة (6) عن إبراهيم قال: قرأ علقمة على عبد الله، ~~PageV01P197 # فكأنه عجل، فقال عبد الله: فداك أبي وأمي، رتل، فإنه زين القرآن. # وفي كتاب ابن أبي شيبة: # عن ابن عباس {ورتل القرآن ترتيلا} ، قال: بينه تبيينا. وعن مجاهد قال: ~~بعضه في إثر بعض. # وعن محمد بن كعب (1) قال: لأن أقرأ {إذا زلزلت} و {القارعة} (2) ، ~~أرددهما وأتفكر فيهما، أحب إلي من أن هذا القرآن (3) . # قال أبو عبيد: حدثنا أبو النضر (4) عن شعبة قال: حدثني معاوية بن قرة (5) ~~قال: سمعت عبد الله بن مغفل (6) يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم الفتح على ناقته أو جمله يسير، وهو يقرأ سورة الفتح [79 و]-أو قال: من ~~سورة الفتح- ثم قرأ معاوية قراءة لينة، فرجع ثم قال: PageV01P198 # لولا أخشى أن يجتمع الناس علينا، لقرأت ذلك اللحن (1) . # قال: وحدثنا حجاج عن ابن جريج قال: قلت لعطاء (2) ما تقول في القراءة على ~~الألحان؟ فقال: وما ms099 بأس بذلك، سمعت عبد الله بن عمر يقول: كان داود عليه ~~السلام يفعل كذا وكذا لشيء ذكره، يريد أن يبكي بذلك ويبكي. # ثم ذكر أبو عبيد أحاديث كثيرة في تحسين الصوت بالقرآن، ثم قال: وعلى هذا ~~المعنى تحمل هذه الأحاديث، إنما هو طريق الحزن والتخويف والتشويق، لا ~~الألحان المطربة الملهية. # وقد روي في ذلك أحاديث مفسرة مرفوعة وغير مرفوعة، منها عن طاوس (3) قال: # سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحسن صوتا بالقرآن -أو أحسن ~~قراءة- فقال: "الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله تعالى" (4) . # وعنه: "أحسن الصوت بالقرآن أخشاهم لله تعالى". PageV01P199 # وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرءوا ~~القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، ~~وسيجيء قوم من بعدي يرجعون القرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا ~~يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم" (1) . # وعن عابس الغفاري (2) أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف على أمته ~~خصالا: بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوما يتخذون القرآن من ~~أمير، يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا بأفضلهم، إلا ليغنيهم به غناء. # وعن أنس: أنه سمع رجلا يقرأ بهذه الألحان التي أحدث الناس، فأنكر ذلك ~~ونهى عنه. # وقال شعبة: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم" (3) ~~. PageV01P200 # قال أبو عبيد: وإنما ذكره أيوب فيما يرى أن يتأول الناس بهذا الحديث ~~الرخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الألحان المبتدعة (1) ، ~~يعني معنى الحديث غير ذلك، وهو لما سبق. # وعن الحارث (2) عن علي رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يرفع الرجل صوته بالقرآن في الصلاة قبل العشاء الآخرة وبعدها ويغلط ~~أصحابه (3) . # وعن يحيى بن أبي كثير (4) قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ههنا ~~قوما يجهرون بالقراءة في صلاة النهار، فقال: "ارموهم بالبعر". # قال أبو عبيد: جلست إلى معمر بن سليمان (5) بالرقة، وكان من خير من رأيت، ~~وكانت له [80 و] حاجة إلى بعض ms100 الملوك، فقيل له: لو أتيته فكلمته، فقال: قد ~~أردت إتيانه، ثم ذكرت القرآن والعلم، فأكرمتهما PageV01P201 # عن ذلك (1) . # وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "كتاب ثواب القرآن". # حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان يكره أن يقرأ القرآن عند الأمر ~~يعرض من أمر الدنيا. # حدثنا حفص (2) عن هشام بن عروة قال: كان إذا رأى شيئا من أمر الدنيا ~~يعجبه، قرأ: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم} (3) الآية. # حدثنا معاذ (4) عن عوف (5) عن زياد بن مخراق (6) عن أبي كنانة (7) عن أبي ~~موسى PageV01P202 # الأشعري رضي الله عنه قال: إن من إجلال الله إكرام حامل القرآن غير ~~الغالي فيه ولا الجافي عنه (1) . # ورواه البيهقي في "الشعب" عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن من إجلال الله عز وجل إكرام ذي الشيبة المسلم ~~وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط" (2) ~~. # وقال أبو بكر بن أبي شيبة: # حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء ~~الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم" (3) . # وقال عبد الله: إياكم والتنطع والاختلاف (4) . # وقال [80 ظ] حذيفة: إن من أقرأ الناس المنافق الذي لا يدع واوا ولا ألفا، ~~يلفت كما تلفت البقرة بلسانها، لا يجاوز ترقوته (5) . # قال صاحب الغريبين (6) في الحديث: "هلك المتنطعون ... " (7) . ~~PageV01P203 # "هم المتعمقون الغالون"، قال: "ويكون الذين يتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ ~~من النطع، وهو الغار الأعلى" (1) . قال: "وفي حديث حذيفة: من أقرأ الناس ~~منافق لا يدع منه واوا ولا ألفا يلفته بلسانه، كما تلفت البقرة الخلاء ~~بلسانها، أي تلويه، يقال: لفته وفتله، أي لواه" (2) والخلاء الرطب من ~~الكلأ. # وخرج أبو بكر محمد بن الحسين الآجري (3) جزءا في حلية القارئ، جمع فيه ~~أخبارا وآثارا حسنة، من ذلك: # وعن سعد بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن ms101 هذا ~~القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكو" (4) : # وعن بريدة (5) رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"اقرءوا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن". # وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحسن ~~الناس صوتا بالقرآن من إذا سمعته يقرأ، حسبته PageV01P204 # يخشى الله عز وجل" (1) . # وعن إبراهيم عن علقمة قال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: لا تنثروه نثر ~~الدقل ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا [81 و] ~~يكن هم أحدكم آخر السورة (2) . # وعن الحسن البصري قال: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان، لا علم لهم ~~بتلاوته، ولم ينالوا الأمر من أوله. قال الله عز وجل: {كتاب أنزلناه إليك ~~مبارك ليدبروا آياته} (3) ، أما تدبر آياته، اتباعه والعمل بعلمه، أما ~~والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن ~~كله، فما أسقط منه حرفا، وقد والله أسقطه كله (4) ما يرى له القرآن في خلق ~~ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نفس واحد، والله ما ~~هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة، متى كانت القراء تقول ~~مثل هذا، لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء. # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله ~~إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبورعه إذا الناس يخلطون، ~~وبتواضعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه PageV01P205 # إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون (1) . # وقال الفضيل بن عياض (2) : ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له إلى أحد من ~~الخلق حاجة، إلى الخليفة فمن دونه، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه" (3) . # وفي "كتب شعب الإيمان": # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ ~~القرآن فقام به آناء الليل والنهار يحل حلاله ويحرم حرامه خلطه الله بلحمه ~~ودمه، وجعله رفيق السفرة الكرام البررة، وإذا كان يوم القيامة ms102 كان القرآن ~~له حجيجا" (4) . # وعن عبد الملك بن شبيب عن رجل من ولد (5) ابن أبي ليلى قال: دخلت على ~~امرأة وأنا أقرأ سورة هود، فقالت لي: يا أبا عبد الرحمن، هكذا تقرأ سورة ~~هود، والله إني فيها منذ ستة أشهر، وما فرغت من قراءتها (6) , PageV01P206 # قال ابن أبي مليكة (1) : صحبت ابن عباس -يعني في السفر- فإذا نزل قام شطر ~~الليل ويرتل القرآن، يقرأ حرفا حرفا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب (2) . # وقال عبد الله بن عروة بن الزبير (3) : قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف ~~كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا القرآن؟ قالت: تدمع ~~أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله (4) . # وقال محمد بن جحادة (5) : قلت لأم ولد الحسن البصري: ما رأيت منه؟ (6) ~~فقالت: رأيته فتح المصحف، فرأيت عينيه تسيلان وشفتيه لا تتحركان (7) . # وعن ابن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال: كنا جلوسا نقرأ القرآن، فخرج ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا فقال: "اقرءوا القرآن، فيوشك أن ~~يأتي قوم يقرءونه، يقومونه كما يقوم القدح ويتعجلونه ولا يتأجلونه" (8) . ~~PageV01P207 # وفي رواية سهل بن سعد (1) : يقومون حروفه كما يقام السهم، لا يجاوز ~~تراقيهم، يتعجلون آخره ولا يتأجلونه (2) . # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: إياكم والهذاذين الذين يهذون القرآن ~~ويسرعون بقراءته، فإنما مثل ذلك كمثل الأكمة التي لا أمسكت ماء ولا أنبتت ~~[82 و] كلأ (3) . # وفي كتاب شيخنا "جمال القراء": # "قال رجل لسليم (4) رحمه الله: جئتك لأقرأ عليك التحقيق، فقال سليم: يابن ~~أخي، شهدت حمزة وأتاه رجل في مثل هذا، فبكى وقال: يابن أخي، إن التحقيق صون ~~القرآن، فإن صنته فقد حققته، وهذا هو التشديق" (5) . # وفيه: # "قال سفيان بن عيينة: من أعطى القرآن فمد عينيه إلى شيء مما صغر القرآن، ~~فقد خالف القرآن، ألم تسمع قوله سبحانه وتعالى: {ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني والقرآن العظيم، لا تمدن عينيك إلى ما متعنا PageV01P208 # به أزواجا منهم} (1) . وقال: {ورزق ربك خير وأبقى} (2) ، يعني القرآن". # قال الشيخ رحمه الله: "أي ما رزقك الله من ms103 القرآن خير وأبقى مما رزقهم من ~~الدنيا". # "وقال الحسن: قراء القرآن على ثلاثة أصناف: # صنف اتخذوه بضاعة يأكلون به، وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده واستطالوا ~~به على أهل بلادهم واستدروا به الولاة، كثير هذا الضرب من حملة القرآن، لا ~~كثرهم الله، وصنف عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم واستشعروا ~~الخوف وارتدوا الحزن، فأولئك يسقي الله بهم الغيث وينصرهم على الأعداء، ~~والله لهذا الضرب من حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر". # "وعن أبي الأحوص قال: إن كان الرجل ليطرق الخباء فيسمع فيه كدوي النحل، ~~فما لهؤلاء يأمنون ما كان أولئك يخافون" (3) . # وفي "كتاب الإحياء": # "حكي عن أبي سليمان الداراني (4) أنه قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها ~~PageV01P209 # أربع ليال، أو خمس ليال، ولولا إني أقطع [82 ظ] الفكر فيها، ما جاوزتها ~~إلى غيرها" (1) . # قلت: فمثل هذا الذي حصل على المقصود من العلوم. # قال أبو حامد الغزالي (2) في كتاب ذم الغرور: # "اللب الأقصى هو العمل، والذي فوقه هو معرفة العمل، وهو كالقشر للعمل ~~وكاللب بالإضافة إلى ما فوقه، والذي فوقه هو سماع الألفاظ وحفظها بطريق ~~الرواية، وهو قشر بالإضافة إلى المعرفة ولب بالإضافة إلى ما فوقه، وما فوقه ~~هو العلم باللغة والنحو، وفوق ذلك القشرة العليا وهو العلم بمخارج الحروف، ~~والعارفون بهذه الدرجات كلهم مغترون إلا من اتخذ هذه الدرجات منازل، فلم ~~يعرج عليها إلا بقدر حاجته، فتجاوز إلى ما وراءه، حتى وصل إلى باب العمل، ~~وطالب بحقيقة العمل قلبه وجوارحه، ورجى عمره في حمل النفس عليه وتصحيح ~~الأعمال وتصفيتها عن الشوائب والآفات، فهذا هو المقصود المخدوم من جملة ~~علوم الشرع، وسائر العلوم خدم له ووسائل إليه وقشور له ومنازل بالإضافة ~~إليه، وكل من لم يبلغ المقصد فقد خاب، سواء كان في المنزل القريب، أو في ~~المنزل البعيد، وهذه العلوم لما كانت متعلقة بعلوم الشرع اغتر بها أربابها" ~~(3) . # وقال في كتاب تلاوة القرآن: PageV01P210 # "أكثر الناس منعوا من فهم القرآن لأسباب وحجب سدلها الشيطان على قلوبهم، ~~فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن: أولها ms104 أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق ~~الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن ~~معاني كلام الله تعالى، فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف، يخيل إليهم أنه ~~لا يخرج من مخرجه، فهذا يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف، فأنى تنكشف له ~~المعاني؟ وأعظم ضحكة الشيطان لمن كان مطيعا لمثل هذا التلبيس" (1) . # ثم قال: "وتلاوة القرآن حق تلاوته أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، ~~فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب ~~الاتعاظ والتأثر والانزجار والائتمار. فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب ~~يتعظ" (2) . # قلت: صدق رحمه الله، ومع أن الأمر كذلك، فقد تجاوز بعض من يدعي تجويد ~~اللفظ إلى تكلف ما لا حاجة إليه، وربما أفسد ما زعم أنه مصلح له. # قال أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني الحافظ المقرئ رحمه الله: # "التحقيق الوارد عن أئمة القراءة حده أن يوفي الحروف حقوقها [83 و] من ~~المد والهمز والتشديد والإدغام والحركة والسكون والإمالة والفتح، إن كانت ~~كذلك من غير تجاوز ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف". # قال: "فأما ما يذهب إليه بعض أهل الغباوة من القراء من الإفراط في ~~PageV01P211 # التمطيط، والتعسف في التفكيك، والإسراف في إشباع الحركات إلى غير ذلك من ~~الألفاظ المستبشعة والمذاهب المكروهة فخارج عن مذاهب الأئمة وجمهور سلف ~~الأمة، وقد وردت الآثار عنهم بكراهة ذلك". # قال أبو بكر بن مجاهد: # "كان أبو عمرو سهل القراءة، غير متكلف، يؤثر التخفيف ما وجد إليه السبيل" ~~(1) . # وقال حمزة: # إن لهذا التحقيق منتهى ينتهي إليه، ثم يكون قبيحا مثل البياض، له منتهى ~~ينتهي إليه، فإذا زاد صار برصا. # وقال رجل لحمزة: يا أبا عمارة، رأيت رجلا من أصحابك همز حتى انقطع زره ~~فقال: لم آمرهم بهذا كله (2) . # وقال أبو بكر بن عياش: إمامنا يهمز {مؤصدة} (3) ، فأشتهي أن أسد أذني إذا ~~سمعته يهمزها. # وأنشدنا شيخنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي رحمه الله تعالى قصيدة من ~~نظمه في علم التجويد، يقول فيها: # لا تحسب التجويد مدا مفرطا ... أو ms105 مد ما لا مد فيه لوان # أو أن تشدد بعد مد همزة ... أو أن تلوك الحرف كالسكران PageV01P212 # أو أن تفوه بهمزة متهوعا ... فيفر سامعها من الغثيان # للحرف ميزان، فلا تك طاغيا ... فيه، ولا تك مخسر الميزان # فإذا همزت فجئ به متلطفا ... من غير ما بهر وغير توان # وامدد حروف المد عند مسكن ... أو همزة حسنا أخا إحسان (1) [83 ظ] # أي: مدا حسنا، والقصيدة طويلة تنيف على ستين بيتا، والله تعالى يوفقنا ~~للرشد ويكفينا شر كل أحد. PageV01P213 ms106