######OpenITI# #META# book_id: 1941 #META# epub_url: https://www.masaha.org/pages/download.php?flink=../upload_book/dl_file/2068.epub&bid=1941 #META# title: أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها #META# المؤلف: عبد الحق بن سبعين المرسي‏ #META# المواضيع: أهل البيت #META# عدد الصفحات: 280 #META#Header#End# # أنوار النبي (صلى الله عليه وسلم) أسرارها وأنواعها تأليف الشيخ الإمام ~~القطب عبد الحق بن سبعين المرسى الأندلسى (المتوفى سنة 669 ه) إعداد الشيخ ~~أحمد فريد المزيدى PageV01P067 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | رسالة في أنوار النبي (صلى الله عليه وسلم) # قال الشيخ ابن سبعين (قدس الله سره): # الحمد لله الذي بنوره يعلم ويعبد، وبحضوره يعرف ويشهد، الذي خلق النيرات ~~والنجوم المسخرات، وأودع الأرواح سر عهده الأول الأوصل، وذكرها صورة ~~المفارق للمواد، وجعل القلوب مظاهر ملكه الأكمل، وزينها بالعلوم والعقل ~~المستفاد، وجعل طريقة خليله إبراهيم (عليه السلام) بما ظهر من الأنوار ~~لعالم الإنسان، وطريقة حبيبه محمد (صلى الله عليه وسلم) بما بطن من ~~الأسرار، وخصه بمقام الإحسان فكان ذلك مريدا وكان هذا مرادا، ثم إنه مات ~~وصحفت صحفه كما صحفت صحف موسى، وهذا بالضد توفي (صلى الله عليه وسلم)، ~~وعاشت شريعته، والذي كان مبددا في حياته (صلى الله عليه وسلم) اجتمع بعد ~~مماته، ولا تركته العناية حتى جعلت من الرسل من يتبعه وهو عيسى (عليه ~~السلام). # فلما أبصرت هذه العناية الكبرى، وحققت أن كل درجة بالنظر إلى درجته هي ~~النعمة الصغرى حتى عظم أمره في الدنيا، وأكبر أمره هي في الأخرى. # وإذا أبصرت من آياته ما أبصرت نبهتك، ثم أتتك بعدها أخرى اجتمعت في نفسي، ~~ونزعت بالجملة إلى حضرة جلالته حتى إني غبت بذلك عن حسي، وأهملت معاشرة ~~جنسي، واشتد بالغلو في صلاته أنسي. # قلت عن غائب عينه إرساله وزاجر أكده إجلاله: # يا أيها الإنسان! والمراد بهذا الجنس وله أقصد بالخطاب ولا أبالي على أي ~~حال كان فإن الحقائق إذا تعينت، ونور الله إذا كان مظهره الأفضل هو به على ~~الوجه الأكمل والقدر الأوصل. # قيل فيه بحسب الطاقة: فمن مسلم ومن ضده ومن عاش ومن مبصر ومن موف ومن ~~مقصر من ذلك، ومن مقتصد، ومن مطفف، ومن مجتهد. # وقد خرج بنا الكلام إلى غير الذي قصدناه بالقصد الأول، وبالقصد أيضا كان. PageV01P069 # فنرجع فنقول: # يا هذا المسلم النور قد استولى وتراكم بالغرض، وزاد ms001 حتى غلب الكمية ~~والكليات بل الخطوط المتوهمة، حتى إنه يفوت ما يقال وما يتوهم وما يعلم ~~ويقدر، ولا تلحقه لمبالغة الإعياء، والناس في تصوره على أنحاء وعلى مراتب، ~~وبقدر نصيب كل، وعادة الله تعالى في عباده أن ما من عليم إلا وفوقه عليم، ~~وما من حكيم إلا وفوقه من هو منه أحكم، وفوق الكل أحكم الحاكمين العليم ~~الحكيم، ثم انقسم اعتقاد الجهال على أربعة أقسام. # والذي يرجع إلى حاصل ما يعتقدون ويقولون فيه، أعني في نور النبوة والمقام ~~المحمدي على أنحاء. # فنترك الكلام على المخالف لنا إلى موضوع آخر، ونتكلم على مراتب أمته (صلى ~~الله عليه وسلم)، وخصوصا على المعنى الحاصل المعلوم منهم، من حيث النار هذه ~~ومن طالع ظهورها. # فنقول: هم أربع درجات، وبينهما طبقات دون كذا، وعند كذا منها بالنسبة إلى ~~كل واحد، فالذي في الدرجة الأولى هو الذي يقول: أنا أعتذر وأستخرج في ذلك ~~العجائب، وأصرف الأمور إلى مراتبها الأولى. # والثاني الذي يتلوه في الدرجة الثانية هو القائل: ما هذه إلا مصيبة أو ~~شبهة يثقب فيها مع المخالف لنا في المسألة، لكنه إنا لله وإنا إليه راجعون. # والثالث الذي بينهما هو القائل: هذا ينبغي أن يكتم ولا يتكلم به؛ فإنه ~~يخاف مما يعود على العوام به. # والرابع هو الذي يقول: هذه مصيبة أصيب بها عين الإسلام، ويا لها من كائنة ~~ما أصعبها، وكأنها ثانية لنفخة الصعق أو هي أختها، هذه مبطلة، هذه قاصمة ~~الظهر، هذه غير هينة. # والذي يجد الأسف ولا يعلل هو يمتد في الأولى إلى الثانية، والذي يضحك ولا ~~يعلم ما أمره في ذلك بالجملة، وكأنه غير معتبر عنده إلا من حيث أنه يقول ~~إذا سمع القول فقط، وما يشعر النفس بأمر يوهم أو يحرك، وهذا يمتد مع ~~الثانية إلى الثالثة، والذي يقول هذه PageV01P070 # من الشروط، وإذا كان الله يفعل هذا بحبيبه فما يفعل بغيره، يفعل ذلك من ~~قبل الموعظة. # والجميع من ذكر يضحك منهم العلم، وتبكي عليهم المعرفة (1)، ويهملهم ~~التمكين (2)، ويحملهم التحقيق (3). # فاعلم أنت ms002 وأهل الدرجات أن نور السموات والأرض رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم)، مظهره ومشكاة مصباحه ووحيه زيتونة زيتها، ثم هو نفسه نور الله، وكذا ~~وحيه ومعجزاته وآياته، ومجموعة ما قال في ذلك وبعد نور النبوة واتصافه بها. # وقوله (صلى الله عليه وسلم): «اللهم اجعل لي نورا في قلبي ونورا في جسمي ~~ونورا في شعري (4)»، وتتبع جوارحه كلها كذلك. # ثم قال (صلى الله عليه وسلم): «واجعلني نورا». # ثم كان (صلى الله عليه وسلم) يذكر الله في كل زمان فرد، والقرآن من ~~أسمائه النور، وكان يتلوه وعليه أنزل بالملك تارة، وتارة من حيث روعه ~~الداخل، ثم طلب الرفيق الأعلى عند موته، ومحل الأنوار وروحه هناك يتنعم، ~~فهذه أنوار معها أنوار، وأنوار بعد أنوار وقبل أنوار، ثم أنوار لا نهاية ~~لها، ثم نور الله الذي لا يحد ولا يكيف، لا يفوته في روحه وعقله وحسه ~~وخياله وجميع مواده الباطنة والظاهرة، ثم أنوار آيات تلحق بذاته ينبغي أن ~~يقال لا نهاية لأنواره. # ثم إذا نظر إلى مضافها وإلى مشارها بالجملة وإلى جملة ما هو عليه لا ~~ينبغي للعاقل إلا أن يقول: @QUR@06 ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [المائدة: 54]. PageV01P071 # وبعد هذا كله لو سمعت من المحققين من أمته: ما هي الأنوار؟ وإلى كم ~~تنقسم؟ وما المراد بها؟ وما عالمها وكونها؟ هي عندهم عوالم الاتصال الثلاث، ~~والكمال الثاني، وبعد هذا كلامهم فيها. # وفي التجليات هو المطلب الأقصى للمباحث، والمتأله بالأمر الخاص العزيز، ~~ولهم ما هو أعلى، فكيف لسيدهم الذي هو السبب لذلك كله، وهو الصورة المفيدة ~~لذلك، ومما يصلون إليه حتى أنهم يضحكون من الأنوار العقلية التي يشعر بها ~~اصطلاح الحكماء! وكذلك يعللون مراتب المثل المعلقة بعد الطبيعة بالجملة، ~~وأنوار التولد والاستدلال، وغير ذلك بالكلية، والأنوار الحادثة في النفوس ~~الجزئية، وكذلك يسخرون بالأنوار المضافة بعد علم الثالوجي (1)، علم ~~الوحدة، وعلم أحكام التوحد هناك. # ولهم في الأنوار جملة مقاصد ما هي قبيل من يذكر عندهم، فإن أضعف أنوارهم ~~عواشق الأفضل ممن تقدم. # فاعلم أني قلت ذلك لكي ms003 تتنبه. # وأما أنوار المقامات والأسماء عندهم ثم الأنوار الباطنة والخلافة الآلية ~~(2)، ونور الإحاطة، ونور التقدير المثالي، ونور التعرض الذي يصحب لصاحبه ~~السكينة، ثم نور الله الذي إذا فرض دائرة وضعية كان الحق المحض ذات المقدر ~~الواقف. # فاعلم يا هذا من يكون الضعيف من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)، يجد أن ~~هذا عين المحبوب الأعز عنده، ثم يطلب له بيان حال مجده، إن كان يريد أن ~~يبين ذلك ببرهان فهو صاحبه بالجملة، وإن كان يريد أن يبين البين فهو يتحرك ~~في سلسلة جنونه، وينوع السخف، ويقسم أشخاص فنونه، وإن كان على جهة أن يقال ~~هذا يقول: وهذا ينطق بكذا، ويروم أن يحمد، فقد قصم ظهر قوله: @QUR@08 ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق: 18]، فمن أمر من أجله رجال الله ألا ~~يرفعوا أصواتهم، فكيف يسمح به أن يتهم أن يدبر بغير PageV01P072 # مجده الإلهي؟! أعوذ بالله من الحرمان، التوبة يا غير خبير! التوبة يا غبي ~~الذات! التوبة يا غافل! التوبة يا غالط! التوبة يا جاهل! التوبة يا ضعيف ~~المجموع! وسلام على من اتبع الهدى. ### ||| القول على أنواع أنوار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) # اعلم أن أنواره (صلى الله عليه وسلم) تختلف باختلاف متعلقاتها ومضافاتها، ~~ومن حيث الأقل والأكثر، والأشد والأضعف، هذا بالنظر إلى نوع النوع لا أنها ~~تنقص أو تضعف من حيث أنها أنوار إلا بأمر يلحقها في نفس الأمر. # فمن ذلك: # - نور عزته. # - ثم نور الغاية الإنسانية. # - ثم نور الإدراك. # - ثم نور النبوة. # - ثم نور النشأة. # - ثم نور السابقة. # - ثم نور التشريف. # - ثم نور التدلل. # - ثم نور التركيب. # - ثم نور المولد. # - ثم نور الخلقة. # - ثم نور التربية. # - ثم نور الانتقال. # - ثم نور النهاية. PageV01P073 # - ثم نور التضمن. # - ثم نور العادة. # - ثم نور التسخير. # - ثم نور الاتباع. # - ثم نور اللواحق. # - ثم نور الجاه. # - ثم نور الخطابة. # - ثم نور المقايسة. # - ثم نور التفضيل. # - ثم نور الإحاطة. # - ثم نور الحصر. # - ثم نور الكشف. # - ثم نور التزكية. # - ثم نور المكانة الكبرى. # - ثم نور ms004 الانفراد. # - ثم نور الذكر والعلامة. # - ثم نور العلانية. # - ثم نور الخصوصية في أول حاله. # - ثم نور الخير المحض. # - ثم نور اللواء. # - ثم نور العبودية. PageV01P074 # فأما النور الأول: وهو نور العزة: فهو نور الشهادة التي تقال مع شهادة ~~الله: هذا كشف عن عزته عند الله، ومنها أيضا في جملة أحكام أمته (صلى الله ~~عليه وسلم) فيها يتبع كالتشهد في الصلاة والآذان. # وأما الثاني: وهو نور الغاية الإنسانية: فهو شأنه الذي كان ليلة الإسراء، ~~فإن الأنبياء خير البشر جاز عليهم في السموات، ثم تركهم وقطع عوالم الملأ. # فهذه نورانية كشف بها أنه وصل الغاية وبلغها ثم وصل إلى محل الكروبيين ثم ~~إلى أكثر ثم إلى آخر العمارة الروحانية والجسمانية. # وأما النور الثالث: وهو نور الإدراك: فإنه أدراك الله وأبصره على أي نوع ~~كان وعلى أي مذهب إن كانت العلمية أو الأخرى ثم كان يبصر من خلفه (صلى الله ~~عليه وسلم) كما كان يبصر من أمامه، وأيضا إدراك الجنة قبل موته. # وأيضا كوشف عن الذي في قبره يعذب، وأيضا كشف له عن الجنة في عرض الحائط. # وأيضا أبصر الملك على صورته التي خلق فيها ثم على أنحاء بعد ذلك هذا نور ~~كشف له عن أعز المدركات كلها. # وأما النور الرابع: وهو نور النبوة: فهو ما له ظهر من الآيات وما تحدى به ~~من المعجزات، ثم ما أدرك من النوع الأكمل. هذا كشف له به عن مقام النبوءة ~~وأظهر الله به قدره ومكانه. # وأما النور الخامس: وهو نور النشأة: فهو الذي كشف له مكانته وعناية الله ~~به وحفظه وما فعلت الملائكة به وتطهيره وشق بطنه واتصافه بما يجب وكونه كان ~~يتيما محفوظا حتى إن أمه الأولى حدثت عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه كان ~~يسبح في بطنها وعند ولادته تعنى وبعدها وأمه أعني أم تربيته كذلك كانت تقول ~~إذا أكلت الطعام المختلف فيه لا يشرف لبنها. وجملة الأمر كان مجموع قرائن ~~أحوال رسول الله (صلى الله عليه وسلم). # وأما النور السادس: وهو نور السابقة: ms005 فكونه في الأول أريد بذلك، فإنه قد ~~أخبر أنه سيد ولد آدم، وكان وكل ذلك عن الله، وخبر الله لا يتغير، وكذلك ~~علمه لا يتبدل PageV01P075 # وأيضا كونه قال: «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» فكشف له هذا الطين أنه ~~كان مشتهر ما بين الأنبياء في الأزل قبل الكون وأظهر أنه نبي، وهو ممكن ~~الوجود وقبل كونه وهذه أيضا سابقة ثانية، وكذلك اسمه في اللوح إذا أرادت ~~الملائكة ترحم عباد الله وتدعو الله فيهم لكي يدفع أو يرفع عنهم العذاب ~~النازل- قصدوه وتوسلوا له به. # ذكر ذلك ابن شوع ورفعه إلى أبى بكر الصديق رضي الله عنه. # وأما النور السابع: وهو نور التشريف: فهو النور الذي كشف له عن الخصوصية ~~الملكوتية ورسم اسمه مع اسمه في اللوح وكتب بالنور. # وأما النور الثامن: وهو نور التدلل: كشف له عن مقام القرب وهو قوله ~~تعالى: @QUR@03 ثم دنا فتدلى [النجم: 8] لأمر. # وأما النور التاسع: وهو نور التركيب: فهو الذي انكشف له به عن الغاية ~~العظمى في التوحيد فإنه كان إذا فكر في الموجودات ثم في النظام القديم ثم ~~في سر القدر ثم في الأمور العالية كان يغان على قلبه إذا ركب هذه المعلومات ~~العزيزة. # وأما النور العاشر: وهو نور المولد: فإنه كشف له عن سعادة مولده بالبرهان ~~الفلكي الإلهي السماوي فإنه كان له نصبة عجيبة لم يبصر قط في أيام العالم ~~مثلها ثم ظهر يوم مولده في الآفاق مائة معجزة منها خمود نار فارس وانشقاق ~~إيوان كسرى وزلزلة أبداد الهنود. # وأما النور الحادي عشر: وهو نور الخلقة: فكان (صلى الله عليه وسلم) يظهر ~~بين عينيه النور الذي لا يخفي على أحد حتى إن من العرب من كان يغنيه في ~~إيمانه عن طلب المعجزة والآية منه. # ومع ذلك أيضا النور في تبسمه وفي جبينه كما حدثت عائشة رضي الله عنها. ~~وفي موضوعه كله. ولما كلامه وأفعاله وحركاته كل أكوانه وما ظهر من خلقه، ~~وما بطن من مجموعة أنوار هذا في أصل وضعه. وكيف، وهو أيضا قد ms006 قال اللهم ~~اجعلني نورا بعد ما عدد أجزاء بدنه (صلى الله عليه وسلم) وهذا كشف له أنه ~~النور بل نور النور الروحاني والجسماني. # وأما النور الثاني عشر: وهو نور التربية: فما كشف له عن العناية الحافظة ~~له والعصمة PageV01P076 # الإلهية التي لا يشترط فيها العقل وأسباب التكليف والعلامات مثل السحابة ~~التي كانت تظله، وما ظهر في بنيان البيت ومصارعته لأبى جهل هذه كلها أنوار ~~كاشفة لأمور خارقة للعادة. # وأما النور الثالث عشر: وهو نور الانتقال: فهو النور الذي كان يبصر في ~~عين أبيه وأمه، وما سمع في ذلك بعد ما حملت به أمه، وكونه (صلى الله عليه ~~وسلم) ورث ذلك منهم بعد ولادته (صلى الله عليه وسلم) وانتقاله من الظهر ~~الظاهر إلى الظهر الطاهر وحكى أبو الفضل عياض أنه كان كل من تقدم من آبائه ~~(صلى الله عليه وسلم) إذا أوقع في الرحم ما أودع الله تعالي في ظهره من ~~نطفة المصطفي (صلى الله عليه وسلم) يجد الفراغ والكسل وتختل عليه أحواله ~~كلها حتى جاهه في الناس، هذا بالنظر إلى مكانه الأول وهذا النور كشف له عن ~~نورانية نطفته (صلى الله عليه وسلم). # وأما النور الرابع عشر: وهو نور النهاية: فهو نور الله تعالى الذي ختم به ~~النبوة وانتهي الأمر عنده، وصور التكميل بالجملة. وهذا أظهر له (صلى الله ~~عليه وسلم) أنه خير الرسل. فإنه نسخ ما ظهر أنه صاحب نهاية الأمور الذي ~~يرجع إليه والكامل الذي لا يمكن أن يزاد فيه ولا ينقص منه. # وأما النور الخامس عشر: وهو نور التضمن: فهو الذي كشف له به أن الذي كان ~~عليه أسهل وأكمل من الذي سلكه أبوه إبراهيم (عليه السلام) فإن هذا كان في ~~أمره كالمختار المحبوب وأبوه كالطالب المجتهد. وقصة انتقال إبراهيم (عليه ~~السلام) تعلمك بالحال. # وأما النور السادس عشر: وهو نور التسخير: فهو كشف له (صلى الله عليه ~~وسلم) أنه الغاية في السموات والأرض وأن القمر انشق له والكواكب سخرت لحفظ ~~نظام ملته وتلك أيضا معجزة ظهرت في مدة ms007 ملته (صلى الله عليه وسلم) وهي ~~باقية وغفل عنها كثير من الناس وهي الشهب التي ترسل على الشياطين. وما ذلك ~~إلا بركة كتابة ولأجل موضوعه وكذلك الملائكة من تسخيره وخدمته، فإنها تكتب ~~فضائل أمته (صلى الله عليه وسلم) وقاتلت معه (صلى الله عليه وسلم)، وإلى ~~الآن أولياء أمته في منادمتهم ومخاطبتهم مشافهة، وكذلك الصور الروحانية كلها. # وهذا نور كشف له أنه المدلل في السموات والأرض، وفي كل العوالم. PageV01P077 # وأما النور السابع عشر: وهو نور العادة: فإنه أظهر في أيام الدنيا وأيام ~~العالم وأيام الدين من العدل وصلاح الأحوال وسياسة المنزل والتدبير ~~المحمود، فأظهر له أنه الحكيم الأعظم. # وأما النور الثامن عشر: وهو نور الأتباع: فما ظهر لهم من النصر بالسنان ~~فإنهم استفتحوا بلاد الكفر من بعده (صلى الله عليه وسلم)، وما فتح الله به ~~وما ظهر على رجال أمته من الكرامات على العلماء من العلوم على أنحائها. # وبالجملة ظهر أن الأمر فيه مع الأنبياء والرسل هو الأمر فيهم مع علماء ~~والملل والدول. # وقوله: @QUR@09 وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~[البقرة: 143] فهي ذلك الآية. # وأما النور التاسع عشر: وهو نور اللواحق: فما بعده من الآيات التي أخبر ~~به وما أيضا في العالم من العجائب فهي له حتى فضائل أمته فإنها هي فضائله. # فإن قلت: لا تحصر كراماتهم وعلومهم، فقد قلت: لا نهاية لمعجزاته (صلى ~~الله عليه وسلم)، هو فإنه الأصل في ذلك. والذي يفيد الكرامة بتبعيته هو ~~الكامل. حتى أن هذا النوع باتباعه يترجح على المعجزة الحاضرة معه، فإن تلك ~~بإزاء تكذيبه ولضرورة المعاند، وهذه من عند الله على جهة الإكرام ثم هي ~~أيضا مركبة بزيادة أمر محمود وهذا أظهر له (صلى الله عليه وسلم) أصل كل فضل ~~وسعادة وعناية. # وأما النور العشرون: وهو نور الجاه: فهو كشف له أنه واحد الله في التخصيص ~~والشفاعة تدل على ذلك وأشباهها. # وأما النور الحادي والعشرون: وهو نور الخطابة: فكونه كيف له أنه الذي ~~أوتي جوامع الكلم. # وأما النور الثاني والعشرون: وهو ms008 النور الذي سميته نور المقايسة: فهو كشف ~~له أنه إذا جمع في الذهن جميع الأنبياء والرسل في تقديره لفضلهم. PageV01P078 # ودليله أنه أعلم الخلق بالله، والدرجة التي هناك لا تقاس بما بعدها، وإن ~~تعددت فإن المجموع لا يقوم منه ما يساوى، فإن الذوات لا تتحد، فاعلم. # وأيضا إذا قلنا: إنه أفضل من إبراهيم فالمرتبة أو الدرجة التي يفضله بها ~~أي شيء يقاس بها لا بد لها من تنظير تنظر معها، ثم سلمنا أنه أرفع ~~الأنبياء منزلة في الجنة، والكل دونه فلا ينفع ما عظم واجتمع، فإنه مع ما ~~هم فيه ينظر إليهم من تحت. # فاعلم ذلك ولا تقس الأمر فيه بالمحسوس، فتقول: هو صاحب ألف درهم في ~~التمثيل، وهم من مجموع الكل منهم، وإن كان لكل واحد منهم مائة جملة. # قيل: ما الأمر الذي نحن فيه هذا يشابهه، فإنك هناك تقيس الأمر بقدره وهي ~~درجة عند الله، فاعلم. # وأما النور الثالث والعشرون: وهو نور التفضيل: فهو يكشف له (صلى الله ~~عليه وسلم) على قدره بالنظر إلى الرسل (عليهم السلام)، ومقر له بأنه سيد ~~ولد آدم (عليه السلام). # وقول الله تعالى: @QUR@05 وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، فنحن في الأمم مثله ~~هو في الأنبياء والرسل (عليهم السلام). # وأما النور الرابع والعشرون: وهو نور الإحاطة: فهو يكشف له أنه عين ~~المعنى المجموع الذي إليه تصل العناية العلمية والعملية، ومع كل محمود ~~محترم يشار إليه فهو الذي أحاط بها، وجميع ما تفرق في الأنبياء اجتمع به ~~وله ولأمته وفي ملته (صلى الله عليه وسلم). # وأما النور الخامس والعشرون: وهو نور الحصر: فهو النور الذي يكشف له عن ~~الخواص عن المراتب وعن المنامات حتى عن أقصر ما يمكن. # فإذا قدرنا أنه نالها لا يجد أحد بعده ما يطلب مثل ما تقول يتيمة الدهر ~~عند الملك لا يملكها أحد معه كذلك القول فيه، فله الوسيلة والدرجة الرفيعة، ~~فهذا هو الحصر فإنه الذي ملك الأوفى من الكل. # وأما النور السادس والعشرون: وهو نور العلامة والدلالة: فهو الذي كشف له ms009 ~~(صلى الله عليه وسلم) صورة منتظرة ومعتبرة، فإن الكتب نطقت به، وكذلك ~~الصنائع العلمية كلها حتى الكهانة. PageV01P079 # ومن علاماته أيضا (صلى الله عليه وسلم) ما ظهر عليه (صلى الله عليه وسلم) ~~حتى خاتم النبوة الذي بين كتفيه (صلى الله عليه وسلم) وما كان قط لأحد؛ ثم ~~علامات صدقه المتأخرة. # وهذا يكشف له أنه كذلك وحده. # ومما ينبغي أن يقال لأهل الكتاب: هذا نبينا (صلى الله عليه وسلم)، قد ~~أخبرنا عن أمور قد ظهرت بعده، حتى إن من بعض أتباعه لو تحدى بها لم يعلم ~~حدود رسوله وجد الصواب في قطع الخصم وأنتم ما الذي أخبركم به هذه أنواره. # وأما النور السابع والعشرون: وهو نور الخصوصية: فهو الذي يكشف له أنه لا ~~مقام أمامه ولأمر ما بعده والسعادة الإلهية فإنه نال ما منعه الغير في ~~السعادة. # وأما النور الثامن والعشرون: وهو نور الخير المحض: فهو الذي يكشف له عن ~~كمال ما ظهر منه وما بطن له، فإنه في نومه معصوم الخيال، وفي ذلك العلوم، ~~وفي قيامه ويقظته لا ينطق عن الهوى، وفي عقله فلم تغلب قط شهوته عقله: # فإن علم الكتاب والفضائل على ما ينبغي، وعلم إذا أفرط في ذلك حتى قال ~~الله تعالى: # @QUR@011 واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة [الأحزاب: 34]، ~~قيل: من السنة. # وأما النور التاسع والعشرون: فهو نور اللواء: وهو النور الذي يكشف له أنه ~~ينشر مجده في القيامة. # وأما النور الثلاثون: وهو نور الانفراد: فهو الذي يكشف أنه (صلى الله ~~عليه وسلم) خبر متبوع. # قال تعالى: @QUR@05 كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110] فمتبوعها ~~خير متبوع. # وأما النور الواحد والثلاثون: وهو نور العبودية: فهو يكشف له عن الإضافة ~~الخاصة التي هي نفس المنعم فقط. # قال الله تعالى: @QUR@011 سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ~~إلى المسجد الأقصى [الإسراء: 1]. PageV01P080 # وأما النور الثاني والثلاثون: وهو نور التزكية: فهو يكشف له كونه (صلى ~~الله عليه وسلم) حجة الله على العالمين. # وأما النور الثالث والثلاثون: وهو نور المكانة ms010 الكبرى: فهو الذي يكشف له ~~عن جلاله (صلى الله عليه وسلم) في التكميل وفي التحديد وفي التتميم، وعوالم ~~غير هذه ومعنى غير هذا كله. # وأيضا كون بعض أمته يتجلى لله خاصة وللناس عامة، وهذه مرتبة أعلى مما ~~ذكر، وبهذا يكشف له (صلى الله عليه وسلم) عن أمر ما عند العقول منه ما تفرض ~~مقدمة، ولا تضع قضية، ولا تنقل مخاطبة صناعية وهنا يجب الإمساك عليه فاعلم ~~ذلك كله، وكيف كشف له حتى إن أمورا قل وجودها في الملائكة، فكيف في غيرهم! ~~وهذا كشف لنا أنه في عوالم غير هذه، وبقى في ذلك. # قال تعالى: @QUR@06 وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]. # فاعلم ولا تقل يا من هو من أهله إلا أنه هو النور المحض، وله ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # كملت والحمد لله رب العالمين PageV01P081 ### | [شرح أنوار الأنوار المحمدية] ### ||| النور الأول وهو نور العزة: # فهو نور الشهادة التي تقال مع شهادة الله: هذا كشف عن عزته عند الله. # ومنها أيضا في جملة أحكام أمته (صلى الله عليه وسلم) فيها يتبع كالتشهد ~~في الصلاة والأذان. # * قلت: وعزة الله بعزته في قوله: @QUR@05 ولله العزة ولرسوله ~~[المنافقون: 8]. # @QUR@05 ولله العزة ولرسوله بتيسير أسباب العزة، وهي: الاستقامة ~~المحمدية الأزلية. # @QUR@05 ولله العزة ولرسوله فقد ألقى الله عليه أستار العزة الإلهية. # @QUR@05 ولله العزة ولرسوله : أي الامتناع وجلالة القدر. # @QUR@05 ولله العزة ولرسوله : أي العزيز، ومعناه: الذي لا نظير له في ~~خلق الله تعالى. # @QUR@05 ولله العزة ولرسوله : أي له روح العزة؛ لأنه مظهر كمالات العزيز ~~الحكيم، ولرسوله الذي هو القلب لا مرسل إلى القوى، كالسلطان إلى الجنة، ولا ~~بد للخليفة من العزة الذاتية والإضافية. # @QUR@07 ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين : أي وللمؤمنين الذين أعزهم الله ~~بعزة نفسه وبعزة رسوله، فإنهم حزب الله الغالبون، وإنهم الجند المنصورون، ~~فلهم الفعل الذي هو عين العزة، ولأعدائهم الانفعال الذي هو عين الذلة، ~~فالمؤمنون في درجة الذكورة وإن كانوا إناثا، والمنافقون والكافرون في درجة ~~الأنوثة وإن كانوا ذكروا، فعليك بالتشبه ms011 بالذكور حتى تكون مذكرا حقيقيا. # وقال الشيخ الأكبر في كتاب «التجليات» في الكلام على تجلي العزة ما نصه: # ما لك وللحق تعالى أية مناسبة بينك وبينه، وفي أي وجه تجتمع، اترك الحق ~~للحق، فلا يعرف الحق إلا الحق، يقول الحق: وعزة الحق لا عرفت نفسك حتى ~~أجليك لك، وأشهدك إياك، فكيف تعرفني، تأدب فما هلك امرؤ عرف قدره، واقتد ~~بالمهتدين من عباده انتهى. # وقال فيه أيضا: في تجلي بأي عين تراه من زعم أنه يدركه على الحقيقة فقد جهل، PageV01P082 # وإنما يدركه المحدث من حيث نسبته إليه، كما علمه من حيث نسبته إليه. # وقال الشيخ صدر الدين محمد بن إسحاق القونوي، تلميذ الشيخ الأكبر وربيبه، ~~في رسالة له سماها «مفتاح الغيب» ما نصه: # ولما كان الحق تعالى من حيث حقيقته في حجاب عزه لا نسبة بينه وبين ما ~~ستراه، كما سبق التنبيه عليه، كان الخوض فيه من هذا الوجه، والتشوق إلى ~~طلبه تضييعا للوقت، وطلبا لما لا يمكن تحصيله، ولا الظفر به إلا بوجه جلي، ~~وهو أن وراء ما تعين به أمر به ظهر كل متعين لذلك. # قال سبحانه بلسان الرحمة والإرشاد: @QUR@08 ويحذركم الله نفسه والله رؤف ~~بالعباد [آل عمران: 30]، فمن رأفته أن اختار راحتهم، وحذرهم عن السعي في ~~طلب ما لا يحصل، لكن لهذا الوجود الحق من حيث مرتبته عروض وظهور في نسب ~~علمه التي هي الممكنات، ويتبع ذلك العروض والظهور أحكام وتفاصيل وآثار بها ~~تتعلق المعرفة التفصيلية، وفيها ومنها يفهم الكلام، وأما ما وراء ذلك فلا ~~لسان له، ولا خطاب يفصله، بل الإعراب عنه يزده إعجاما، والإفصاح إبهاما على ~~ما ستعرفه إن شاء الله تعالى. انتهى منه بلفظه. # ومثله للعارف بالله الجامي (قدس سره) في شرحه لنقش الفصوص الذي سماه نقض ~~النصوص فراجعه. # وفي التعريفات للسيد الشريف الجرجاني ما نصه: # حجاب العزة هو العمى والحيرة؛ إذ لا تأثير للإدراكات الكثيفة في كنه ~~الذات، فعدم نفوذها فيه حجاب لا يرتفع في حق الغير أبدا انتهى. # وفي كتاب «اللمع الأفقية» وهو ms012 كتاب التراجم للشيخ الأكبر في ترجمة المنة ~~ما نصه: # حجاب العزة لا يرفع، ولا يمكن أن يرفع، وآخر حجاب يرفع رداء الكبرياء عن ~~وجهه في جنة عدن، كما جاء الخبر عن النبي (صلى الله عليه وسلم). # وقال القطب سيدي عبد الكريم الجيلي في كمالاته في الكلام على اسمه تعالى ~~(الواسع) PageV01P083 # ما نصه: والإنسان الكامل ولو عرف أنه هو الله، وتحقق بما تحقق به من ~~الأسماء والصفات، فإنه لا يبلغ غاية الكنه الذاتي، ولا يستوفيه بوجه من ~~الوجوه. # ولهذا قال الصديق الأكبر: العجز عن الإدراك إدراك. # وقال سيد المقربين، وخاتم المرسلين: «لا أحصي ثناء عليك (1)». # وقال تعالى: @QUR@06 وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] يعني ~~المقربين والكمل، المحققين من الأنبياء والمرسلين، ومن دونهم من الأولياء ~~والصديقين، وسائر المؤمنين والكافرين جميعا ما قدروا الله حق قدره، بل هو ~~فوق ما عرفوه، وقدره وراء ما قدروه فافهم. انتهى منه بلفظه. # وقال الشيخ الأكبر في شرحه لترجمان الأشواق: # كل من الخلق واقف خلف حجاب العزة الأحمى، وعند هذا الحجاب تنتهي علوم ~~العالمين، ومعرفة العارفين، ولا يصح لأحد أن يتعدى هذا الحجاب ولو كان من ~~أكابر الأحباب. # وقال سيدي علي بن وفا (رحمه الله): جلت ذات الحق تعالى أن تدخل تحت إحاطة ~~علم أو إدراك انتهى. # قلت: وذكروا أن الحقيقة المحمدية من ورائها حجاب العزة، وهو حجاب ~~الكبرياء والعظمة الذي لا ينخرق لأحد ثمة، وحينئذ فهما نوران حاجبان للخلق ~~عن رؤية تجليات الحق: نور العزة الذي هو نور الكبرياء والعظمة، ونور ~~الحقيقة المحمدية وهو الثاني. # والحقيقة أيضا دونها حجب الأنوار، فلا مطمع لأحد في الوصول إليها، ولا في ~~تخطي الحجب المشرفة عليها، وعليه فتجليات الحق تعالى له (صلى الله عليه ~~وسلم) كلها من وراء حجاب الكبرياء والعظمة، الذي هو وصف من أوصاف ذاته ~~المعظمة. PageV01P084 ### ||| النور الثاني وهو نور الغاية الإنسانية: # فهو شأنه الذي كان ليلة الإسراء، فإن الأنبياء خير البشر جاز عليهم في ~~السموات، ثم تركهم وقطع عوالم الملأ. # فهذه نورانية كشف بها أنه وصل الغاية ms013 وبلغها، ثم وصل إلى محل الكروبيين، ~~ثم إلى أكثر ثم إلى آخر العمارة الروحانية والجسمانية. # * قلت: قال الشيخ جعفر الكتناني رضي الله عنه: # قال الشيخ الأكبر في الفتوحات في الباب الثامن والتسعين ومائة في الفصل ~~السابع والثلاثين ما نصه: # لما أراد الله تعالى كمال هذه النشأة الإنسانية جمع لها بين يديه، ~~وأعطاها جميع حقائق العالم، وتجلى لها في الأسماء كلها، فحازت الصورة ~~الإلهية والصورة الكونية، وجعلهما روحا للعالم، وجعل أصناف العالم له ~~كالأعضاء من الجسم للروح المدبر له، فلو فارق العالم هذا الإنسان مات ~~العالم، كما أنه إذا فارق منه ما فارق كان فراقه لذلك الصنف من العالم ~~كالخدر لبعض الجوارح من الجسم فتتعطل تلك الجارحة؛ لكون الروح الحساس ~~النامي فارقها كما تتعطل الدنيا بمفارقة الإنسان، فالدار الدنيا جارحة من ~~جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه، فلما كان له هذا الاسم الجامع قابل ~~الحضرتين بذاته، فصحت له الخلافة وتدبير العالم وتفصيله انتهى. # ومنها: إنه مخلوق من ذات الله بلا واسطة، كما في الحديث الذي يذكره أرباب ~~الكشف وهو: «أنا من الله والمؤمنين مني (1)» وهذا لم يكن لغيره. # وفي حق سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم): @QUR@08 سبحان الذي أسرى بعبده ~~ليلا من المسجد الحرام إلى قوله: @QUR@03 لنريه من آياتنا أي: عجائب ملكنا ~~وملكوتنا @QUR@03 إنه هو السميع لتلك الآيات PageV01P085 # @QUR@01 البصير [الإسراء: 1] بها. # فالضمير في (إنه) يعود عليه (صلى الله عليه وسلم) كما هو المتبادر من الآية. # وذكره الشيخ الأكبر في «فتوحاته» فقال: إنه أسري به فرأى الآيات، وسمع ~~صريف الأقلام، فكان يرى الآيات ويسمع فيها ما حظه السماع، وهو الصوت انتهى. # وقال في حقه أيضا: @QUR@06 لقد رأى من آيات ربه الكبرى [النجم: 18] ~~يعني الآية الكبرى وهي حقيقته (عليه السلام)؛ إذ لم يخلق الله آية هي أكبر ~~منها ولا أفخر ولا أعجب، كيف وهو أول المخلوقات، ولأجلها ومنها تفرعت ~~الكائنات. # وقيل: معناه الآيات العظام: أي الآيات التي هي أكبر الآيات وأعظمها ~~وأجلها، دفعا لما يتوهم من أنه إنما اطلع على الآيات الصغار، وكيف ms014 وهو أفضل ~~الخلق وأكرمهم على الله تعالى، فالمناسب لقدره كبار الآيات لا صغارها، مما ~~لم يكشف لأحد سواه (صلى الله عليه وسلم). # فإنه لما أسري به أتته ملائكة السماوات فما فوقها خاضعة طائعة، وأظهر ~~الكل الانقياد له والدخول تحت حكمه وولايته، وجاءت لدعوته الأشجار والأحجار ~~والحيوانات العجم، وكلمته بلسانها وسجدت له، وانقادت لأمره. # أسرى به ليلا من المسجد الحرام الأدنى، وعرج به إلى السماوات، وزاد به ~~إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وكلمه كفاحا تكليما، ~~وأمده من العلوم اللدنية والكونية بما لا يخطر ببال أحد، ولا هو حاصل في ~~أمنيته، وتممها بالقطرة التي قطرت على لسانه ليلة الإسراء من بحر العلم ~~الأزلي، وبيده الكريمة التي وضعها بين كتفيه تتميما. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي في التفسير في سورة (ص)، واللفظ ~~له ولأحمد والمروزي في كتاب «الصلاة» عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم): «آتاني الليلة ربي»، وفي رواية أحمد: «أتاني ربي عز وجل ~~الليلة في أحسن صورة- أحسبه يعني في المنام- قال كذا في الحديث وفي رواية ~~أحمد- أحسبه يعني في النوم- فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ؟ قال: ~~قلت: لا». PageV01P086 # قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ~~ثديي- أو قال نحري- فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، ثم قال: يا محمد، ~~هل تدري فيم يختصم الملأ؟ قال: قلت: نعم (1)». الحديث. # وقد أخرجه الترمذي (2) من حديث سلمة بن شبيب وعبد بن حميد قال: حدثنا ~~عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس به ثم قال: قال أبو ~~عيسى: يعني نفسه، وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين ابن عباس في هذا الحديث رجلا. # ثم أخرجه ثانيا من حديث محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام يعني ~~الدستوائي، حدثني أبي عن قتادة، عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن ~~عباس، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «آتاني ربي في أحسن ms015 صورة فقال: ~~يا محمد قلت لبيك ربي وسعديك قال: فيم يختصم الملأ؟ قلت: ربي لا أدري فوضع ~~يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما بين المشرق والمغرب ... (3)» ~~الحديث. # وقال الترمذي فيه: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. # قال: وفي الباب عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عائش عن النبي (صلى الله ~~عليه وسلم)، ثم أخرج ثالثا من حديث محمد بن بشار: حدثنا معاذ بن هانئ، ~~حدثنا أبو هانئ اليشكوري، حدثنا جهضم بن عبد الله عن يحيي بن أبي كثير، عن ~~زيد بن سلام، عن أبي سلام: أي وهو منظور الحبشي، عن عبد الرحمن بن عائش ~~الحضرمي أنه حدثه عن مالك السكسكي، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس ~~عنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا ~~نتراءى عين الشمس، فخرج سريعا فثوب بالصلاة، فصلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم)، وتجوز في صلاته، فلما سلم دعا بصوته، قال لنا: على مصافكم كما أنتم، ~~ثم انفتل إلينا ثم قال: أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من ~~الليل، فتوضأت وصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى انشغلت، فإذا أنا بربي ~~تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا PageV01P087 # محمد، قلت: لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ؟ قلت: لا أدري، قالها: ثلاثا، ~~قال: فرأيته، وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلي: أي ~~انكشف وظهر، وبدا لي كل شيء، يعني من العوالم العلوية والسفلية مطلقا، كما ~~هو ظاهره وعرفت: أي عرفته عيانا- كما قاله ابن حجر الهيتمي في شرح المشكاة- ~~فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربي، قال: «فيم يختصم الملأ، قلت: في الكفارات ~~... (1)» الحديث. # ثم قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا ~~الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال: هذا أصح من حديث الوليد بن مسلم عن ~~عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثنا خالد بن اللجلاج، حدثني عبد ms016 الرحمن ~~بن عائش الحضرمي قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ... فذكر ~~الحديث. # وهذا غير محفوظ هكذا، ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال: ~~سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم). # وروى بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد ~~عن عبد الرحمن بن عائش، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهذا أصح، وعبد ~~الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي (صلى الله عليه وسلم) انتهى. # قلت: حديث ابن عباس من طريق أيوب عن أبي قلابة أخرجه أيضا أحمد في مسنده ~~من روايته عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب به. # ومن طريق قتادة عن أبي قلابة أخرجه أيضا أبو يعلى في مسنده من رواية هشام ~~الدستوائي عنه. # وقد ذكر أحمد بن حنبل أن قتادة أخطأ فيه، وأخرجه من وجه آخر عن ابن عباس، ~~رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، وفيه سياق آخر وزيادة غريبة فقال: حدثنا ~~أحمد بن عيسى التميمي، حدثنا سليمان بن عمر بن سيار، حدثني أبي عن سعيد بن ~~زربي، عن عمر بن سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس قال: PageV01P088 # قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «رأيت ربي في أحسن صورة، فقال لي: يا ~~محمد هل تدري فيم يختصم الملأ؟ فقلت: لا يا رب، فوضع يده بين كتفي فوجدت ~~بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماوات والأرض، فقلت: يا رب في الدرجات ~~والكفارات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فقلت: ~~يا رب، إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمات موسى تكليما، وفعلت وفعلت، فقال: ~~ألم نشرح لك صدرك، ألم أضع عنك وزرك، ألم أفعل بك، ألم أفعل؟ قال: فأفضي ~~إلي بأشياء لم يؤذن لي أن أحدثكموها، قال: # فذلك قوله في كتابه: @QUR@02 ثم دنا إلى قوله: @QUR@02 ما رأى [النجم: ~~8: 11]، فجعل نور بصري في فؤادي فنظرت إليه بفؤادي (1)». # أورده ابن كثير في تفسيره وقال: إسناده ضعيف، والسيوطي في الدر المنثور. # وحديث معاذ أخرجه أيضا من طريق جهضم بن عبد ms017 الله بالسند السابق أحمد في ~~مسنده، وذلك بنحو من رواية الترمذي هذه، وفيه أيضا: «فتجلى لي كل شيء ~~وعرفت»، ومن عنده أورده ابن كثير في تفسيره. # وقال عقبه: هو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط، وهو في السنن ~~من طرق، قال: وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله ~~اليمامي به، وقال: حسن صحيح انتهى. # قلت: وبكون الرؤية هنا منامية يرتفع إشكال قوله: «في أحسن صورة»؛ لأن ~~الرائي قد يرى غير المتشكل متشكلا، والمتشكل بغير شكله، على أن الصوفية ~~(رضوان الله عليهم) ذكروا أن الحق تعالى يتجلى لخلقه على طريق التنزل منهم ~~إليهم في الصور كلها من غير حلول، ولا كيفية، ولا تغير عما هو عليه في ذاته ~~العلية من التنزيه، وعدم المثلية، مستدلين على ذلك زيادة على ما كوشفوا به ~~منه بأدلة نقلية. # وفي المرقاة لعلي القاري الحنفي قال: سمعت شيخنا الشيخ عطية السلمي ناقلا ~~عن شيخه أبي الحسن البكري أن لله تعالى تجليات صورية مع تنزه ذاته الأحدية ~~عن المثلية، PageV01P089 # قال: وبهذا يندفع كثير من المتشابهات القرآنية والحديثية انتهى. # وحينئذ فما ورد في الكتاب أو السنة من التنزيه مصروف إلى الذات الهوية، ~~وما ورد فيهما من التشبيه مصروف إلى الصور التي يقع التجلي فيها، والله أعلم. # وقد أخرج حديث معاذ المذكور محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة، وابن ~~خزيمة، والحاكم في صحيحيهما، والروياني، والطبراني في الكبير، وابن مردويه، ~~والدار قطني، وابن عدي، وغيرهم. # وأفاد غير واحد من الحفاظ أنه حديث قوي صحيح، وحديث عبد الرحمن بن عائش ~~بالياء وبالهمز، ويقال له: عياش، أخرجه جماعة ممن نذكره قريبا. # وأخرجه أيضا من غيرهم محمد بن نصر في كتاب «الصلاة»، والطبراني في السنة، ~~والحكيم الترمذي في النوادر، وأفاد في «الإصابة» في ترجمة عبد الرحمن بن ~~عائش هذا أن رواية الوليد ابن مسلم بالتصريح بسماع ابن عائش من النبي (صلى ~~الله عليه وسلم)، أخرجها ابن خزيمة، والدارمي، والبغوي، وابن السكن، وأبو ~~نعيم، من طرق إليه ms018 أعني إلى الوليد، وأنه لم ينفرد بالتصريح المذكور، بل ~~تابعه فيه حماد بن مالك الأشجعي، والوليد بن مزيد البيروتي، وعمارة بن بشر، ~~وغيرهم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، أخرج رواية الأول وهو حماد: البغوي ~~وابن خزيمة من طريقه عن جابر. # ورواية الثاني وهو ابن مزيد: الحاكم، وابن منده، والبيهقي من طريق العباس ~~ابنه عنه عن ابن جابر والأوزاعى. # ورواية الثالث وهو عمارة: الدار قطني في كتاب الرؤية من طريقه عن ابن جابر. # قلت: وفي الجمع في مسند عبد الرحمن بن عايش الحضرمي قال ابن عساكر: له ~~حديث واحد عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، قال: «صلى بنا رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) ذات غداة فقال قائل: ما رأيت أسفر وجها منك الغداة، فقال: ~~ما لي وقد رأيت ربي الليلة في أحسن صورة، فقال لي: يا محمد فيم يختصم ~~الملأ؟ قلت: لا أعلم، فوضع كفه بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما ~~في السماوات والأرض، ثم تلا: @QUR@03 وكذلك نري PageV01P090 # @QUR@09 إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين [الأنعام: ~~75] الحديث (1)». # رواه ابن منده والبغوي والبيهقي في السنن وابن عساكر انتهى. # وأخرج الذهبي في طبقات الحفاظ في ترجمة محمد بن المبارك الصوري من طريق ~~عبد الله الدارمي عنه عن الوليد، عن ابن جابر، عن خالد بن اللجلاج، سمعت ~~عبد الرحمن بن عايش، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «رأيت ربي ~~في أحسن صورة، قال: فيم يختصم الملأ قلت: أنت أعلم يا رب، فوضع كفه بين ~~كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماء وما في الأرض، وتلا: @QUR@08 ~~وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض انتهى. # وأخرج البيهقي في كتاب «الأسماء والصفات» في باب ما ذكر في الصورة من ~~طريق الوليد بن مزيد البيروتي، قال: حدثنا ابن جابر قال: وحدثنا الأوزاعي ~~أيضا قالا: حدثنا خالد بن اللجلاج، قال: سمعت عبد الرحمن بن عياش الحضرمي ~~يقول: «صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات غداة فقال له قائل: ما ms019 ~~رأيتك أسفر وجها منك الغداة، فقال: ما لي وقد تبدا لي ربي في أحسن صورة، ~~فقال: فيم يختصم الملأ يا محمد؟ قال: قلت: أنت أعلم أي رب، قال: فيم يختصم ~~الملأ يا محمد؟ قلت: أنت أعلم أي رب، فوضع كفه بين كتفي، فوجدت بردها بين ~~ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض، وتلا هذه الآية: @QUR@012 وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين [الأنعام: 75]. # قال: فيما يختصم الملأ يا محمد؟ قلت: في الكفارات رب .. الحديث (2)». # وأفاد في الإصابة أيضا رواية بشر بن بكر التي أشار إليها الترمذي، وهي ~~التي لم يقع فيها تصريح بالسماع، أخرجها الهيثم بن كليب في مسنده، وابن ~~خزيمة، والدار قطني من طريقه عن ابن جابر، عن خالد بن اللجلاج، سمعت عبد ~~الرحمن بن عايش يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم). PageV01P091 # قلت: وفي المشكاة عن عبد الرحمن بن عائش قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم): «رأيت ربي في أحسن صورة، قال: فيما يختصم الملأ؟ قلت: أنت ~~أعلم، فوضع كفه بين كتفيا فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماوات ~~والأرض، وتلا: @QUR@012 وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين [الأنعام: 75]. # رواه الدارمي مرسلا انتهى. # قال ابن حجر الهيتمي في شرحها في معنى (فعلمت ما في السماوات والأرض): أي ~~جميع الكائنات التي في السماوات، بل وما فوقها، كما يستفاد من قصة المعراج، ~~والأرض هي بمعنى الجنس: أي وجميع ما في الأرضين السبع، بل وما تحتها، كما ~~أفاده إخباره (عليه السلام) عن الثور والحوت اللذين عليهما الأرضون كلها. ~~انتهى على نقل صاحب المرقاة. # وزاد ويمكن أن يراد بالسماوات: الجهة العليا، والأرض: الجهة السفلى، ~~فيشمل الجميع، ثم ذكر أنه لا بد من التقييد في هذا، وله المراد ما أعلمه ~~الله به، فما فيهما قال: # وذكر يصح إطلاق الجميع كما هو الظاهر انتهى. # قلت: جميع من أدلته التقييد في التخصيص، واللفظ يفيد العموم، وهناك ما ~~يعضضه، ويدل على بقائه على عمومه كرواية: «فتجلى لي كل شيء ms020 وعرفت». # ورواية: «وعلمني كل شيء»، ولا مانع من عمومه لا شرعا ولا عقلا، مجرد ~~استبعاد العقول القاصرة المحصورة لذلك لا يفيد في هذا الباب، كما هو واضح ~~لأولي الألباب، والله أعلم. # وأفاد في الإصابة أيضا أن عبد الرحمن بن عايش قال: هذا مختلف في صحبته. # فقال ابن حبان: له صحبة. # والبخاري: له حديث واحد إلا أنهم مضطربون فيه. # وابن السكن يقال له: صحبة، وذكره في الصحابة محمد بن سعد، والبخاري، وأبو ~~زرعة الدمشقي، وأبو الحسن بن سميع، وأبو القاسم البغوي، وأبو عروبة ~~الحراني، وغيرهم. PageV01P092 # وقال أبو حاتم الرازي والترمذي: لم يسمع من النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~راجعها في ترجمته. # وفي الاستيعاب وأسد الغابة: لا تصح له صحبة؛ لأن حديثه مضطرب. # قلت: ومن المحدثين من روى هذا الحديث عنه عن رجل من الصحابة من غير تعيين. # أخرج أحمد والطبراني عن عبد الرحمن بن عايش الحضرمي، عن رجل من أصحاب ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~ذات غداة وهو طيب النفس، مسفر الوجه، فسألناه فقال: وما يمنعني وأتاني ربي ~~الليلة في أحسن صورة، فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربي وسعديك، قال: فيم يختصم ~~الملأ؟ قلت: لا أدري، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي، حتى تجلى ~~لي ما في السماوات وما في الأرض، قال: ثم قرأ: @QUR@012 وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين [الأنعام: 75] (1)». # قال في الخصائص الكبرى: له طرق وهو مطول انتهى. # قلت: وفي تلاوته للآية المذكورة إشارة إلى أنه كشف له عن الملكوت ~~والأسفل، وأري ما فيهما، كما وقع ذلك لسيدنا إبراهيم الخليل (عليه السلام)، ~~والمناسب لمقامه (عليه السلام) أن يكون كشفه أكمل، وما اطلع عليه من ذلك ~~أجلى وأتم وأفضل، فيكون قد تجلى له جميع ما في الكون حتى رآه وعلمه علما ~~تفصيليا، ولا مانع من ذلك لا عقلي ولا شرعي، وربنا قدير على كل شيء، ونبيه ~~أهل لكل خير (صلى الله عليه وسلم). # وقد قال ms021 البيهقي في كتاب «الأسماء والصفات» بعد إخراجه لحديث ابن عياش ~~هذا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) بلا واسطة ما نصه: # هذا حديث مختلف في إسناده، فروي هكذا، ورواه زهير بن محمد عن يزيد بن ~~يزيد ابن جابر: أي وهو أخو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر السابق عن خالد بن ~~اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عياش، عن رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم). # ورواه جهضم بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، PageV01P093 # عن عبد الرحمن بن عياش الحضرمي، عن مالك بن يوخامر، عن معاذ بن جبل، عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم). # ورواه موسى بن خلف العمي عن يحيى: أي ابن أبي كثير، عن زيد: أي ابن سلام، ~~عن جده ممطور، وهو أبي سلام، عن أبي عبد الرحمن السكسكي، عن مالك بن ~~يوخامر، عن معاذ. # وقيل فيه غير ذلك. # قلت: أفاد في الإصابة أن طريق زهير بن محمد أخرج له أحمد في مسنده قال: ~~ولكن رواية زهير بن محمد عن الشاميين ضعيفة كما قال البخاري وغيره، وهذا ~~منه وإن طريق جهضم بن عبد الله أخرجها أحمد وابن خزيمة والروياني والترمذي ~~والدار قطني وابن عدي وغيرهم، وإن طريق موسى بن خلف أخرجها الدار قطني وابن ~~عدي، ونقل عن أحمد أنه قال: هذه الطريقة أصحها. # قال الحافظ: فإن كان الأمر كذلك فإنما روي هذا الحديث عن مالك أبو عبد ~~الرحمن السكسكي، لا عبد الرحمن بن عائش، ويكون للحديث سندان: ابن جابر عن ~~خالد عن عبد الرحمن بن عائش، ويحيي عن زيد عن أبي سلام عن أبي عبد الرحمن ~~عن مالك عن معاذ، قال: ويقوي ذلك اختلاف السياق بين الروايتين انتهى. # ثم قال البيهقي عقب ما مر عنه: ورواه أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس وقال فيه: # أحسبه يعني في المنام، ورواه قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ~~ابن عباس. # قلت: رواية أيوب تقدم أنه أخرجها أحمد والترمذي، ms022 ورواية قتادة الترمذي ~~وأبو يعلى. # قال في الإصابة: ورواه أيوب عن أبي قلابة مرسلا، لم يذكر فوقه أحد، أخرجه ~~الترمذي وأحمد، وكذا أرسله بكر بن عبد الله المزني عن أبي قلابة، أخرجه ~~الدارقطني، ورواه سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي قلابة، فخالف الجميع قال: ~~عن أبي أسماء عن ثوبان، وهي رواية أخطأ فيها سعيد بن بشير، وأشد منها خطأ ~~رواية أخرجها أبو بكر النيسابوري في الزيادات من طريق يوسف بن عطية، عن ~~قتادة، عن أنس، وأخرجها PageV01P094 # الدارقطني ويوسف متروك انتهى. # ثم أخرج البيهقي بسنده إلى البخاري قال: عبد الرحمن بن عائش الحضرمي له ~~حديث واحد إلا أنهم يضطربون فيه، وهو حديث الرؤية. # قال الشيخ: أي البيهقي: وقد روي من أوجه أخر كلها ضعيفة، وأحسن طريق فيه ~~طريق جهضم بن عبد الله، ثم رواية موسى بن خلف، وفيهما ما يدل على أن ذلك ~~كان في المنام انتهى. # قلت: بعد ما نقل في الإصابة عن ابن السكن أنه ليس لعبد الرحمن بن عائش ~~حديث غير هذا، وذكر أنه سبقه إلى ذلك البخاري، ولكن ليس في عبارته تصريح، ~~قال عقب ذلك: قلت: وقد وجدت له حديثا آخر مرفوعا، وله حديث ثالث موقوف، ثم ~~ذكر الأول راجعه، ثم هذا الحديث وارد أيضا عن جماعة آخرين من الصحابة غير ~~الأربعة المذكورين، معاذ وابن عباس وعبد الرحمن بن عائش متصلا أو مرسلا، ~~والرجل من الصحابة، فأخرج الطبراني في السنة، وابن مردويه عن جابر بن سمرة ~~مرفوعا: «إن الله تجلى لي في أحسن صورة، فسألني فيم يختصم الملأ؟ قلت: يا ~~رب، ما لي به علم، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي، فما سألني ~~عن شيء إلا علمته .. # الحديث (1)». # وأخرجا أيضا عن أبي هريرة مرفوعا: «رأيت ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد، ~~فقلت: لبيك ربي وسعديك ثلاث مرات، قال: هل تدري فيم يختصم الملأ؟ قلت: لا ~~فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، ففهمت الذي سألني عنه، فقلت: نعم ~~يا رب .. الحديث». ms023 # وأخرجا أيضا والشيرازي في الألقاب عن أنس قال: «أصبحنا يوما فأتنا رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) فأخبرنا فقال: أتاني ربي البارحة في منامي في ~~أحسن صورة فوضع يده بين ثديي وبين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمني كل ~~شيء .. الحديث». PageV01P095 # قلت: وهذه الرواية رواية: «فتجلى لي مع كل شيء وعرفت»، يفيدان أنه أعلم ~~بكل شيء، واطلع على كل شيء مما يتعلق بأمر العوالم كلها دنيا وأخرى. # وأخرجه أيضا محمد بن نصر المروزي عن أبي أمامة مرفوعا: «أتاني ربي في ~~أحسن صورة، فقال: يا محمد، فقلت: لبيك وسعديك، قال: فيم يختصم الملأ؟ قلت: ~~لا أدري فوضع يده بين ثديي، فعلمت في مقامي ذلك ما سألني عنه من أمر الدنيا ~~والآخرة ... # الحديث». # قلت: وهو يفيد أن السؤال وقع عن أشياء عديدة، منها ما يتعلق بأمر الدنيا، ~~ومنها ما يتعلق بأمر الآخرة، وإن لم يخبر أصحابه بها كلها. # وأخرج البزار والطبراني في السنة، ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة، ~~عن ثوبان قال: خرج إلينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد صلاة الصبح ~~فقال: «إن ربي عز وجل أتاني الليلة في أحسن صورة، فقال لي: يا محمد هل تدري ~~فيم يختصم الملأ؟ فقلت: لا أعلم يا رب، قال: فوضع كفيه بين كتفي حتى وجدت ~~برد أنامله في صدري، فتجلى لي ما بين السماء والأرض، فقلت: نعم يا رب ~~يختصمون في الكفارات والدرجات (1) ... الحديث». # وأخرج البزار أيضا عن ابن عمر مرفوعا: «إني صليت في مصلاه فضرب على أذني، ~~فجاءني ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة ...» الحديث ذكره السيوطي في خصائصه ~~الكبرى مختصرا فيه على هذا القدر. # وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الرحمن الجمحي المكي قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الله تجلى لي في أحسن صورة، فسألني فيم ~~اختصم الملأ؟ فقلت: ربي لا علم لي به، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها ~~بين ثديي، فما سألني عن شيء إلا علمته (2)». PageV01P096 # فهؤلاء أيضا ستة من الصحابة: ms024 جابر بن سمرة، وأنس، وأبو أمامة، وثوبان، ~~وابن عمر، ومعهم واحد من التابعين وهو عبد الرحمن الجمحي. # وذكر في الجمع ممن ورد عنه من الصحابة أبا رافع، وطارق بن شهاب البجلي ~~الكوفي، وكانت له رؤية، ولم يسمع من النبي (صلى الله عليه وسلم) على ما قال ~~أبو داود، وأبا عبيدة بن الجراح ونص كلامه: # «أتاني الليلة ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة- أحسبه قال في المنام- ~~فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ؟ قلت: لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت ~~بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض ..» ثم ذكر بقية الحديث. # وقال في تخريجه: عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وقال: حسن ~~غريب، ومحمد بن نصر في كتاب «الصلاة» عن ابن عباس، والترمذي، والطبراني في ~~الكبير، وابن مردويه عن معاذ بن جبل، والطبراني في الكبير، وابن مردويه عن ~~أبي أمامة، والطبراني في الكبير، وابن مردويه عن أبي رافع، والطبراني في ~~الكبير، وابن مردويه عن طارق بن شهاب، والطبراني في السنة، وابن مردويه عن ~~جابر بن سمرة، والحكيم، والطبراني في السنة، وابن مردويه عن أبي هريرة، ~~والطبراني في السنة، وابن مردويه عن أنس، والطبراني في السنة، والخطيب عن ~~أبي عبيدة بن الجراح، والحكيم، والطبراني في السنة، عن عبد الرحمن بن عياش ~~الحضرمي، وأحمد عنه عن بعض الصحابة، والحكيم، والبزار، والطبراني في السنة ~~عن ثوبان انتهى. # وهاهنا في هذا الحديث رواية فيها بعد ذكر الوضع، فعلمت علم الأولين ~~والآخرين، ذكره غير واحد من المعتبرين وصححوها، ولم أقف الآن لشدة القصور ~~في بعض الكتب على من خرجها من الأئمة الحفاظ في كتابه. # وممن ذكره العارف بالله سيدي عبد الوهاب الشعراني في كتابه: «الجواهر ~~والدرر» وحديثها على ما قال: «أتاني الليلة آت من ربي- قال: وفي رواية: ~~أتاني ربي عز وجل- فوضع أصابعه بين ثديي حتى وجدت برد أنامله، فعلمت علم ~~الأولين والآخرين». PageV01P097 # ثم ذكر أنه سأل شيخه سيدي علي الخواص عن المراد بهذا الحديث: هل العلم ~~عام لجميع ما علمته أمته من ms025 معقول ومنقول في فقه أو نحو أو أصول أو غير ~~ذلك؟ فقال له: # نعم، هو شامل لجميع ذلك، قال: فقلت له: فما المراد بالأولين والآخرين؟ ~~فقال: من تقدمه من الأمم، ومن تأخر من أتباعه إلى يوم القيامة، راجعه. # وفي «الفتوحات المكية» في الباب الرابع والثلاثين بعد ما ذكر أن لله ~~تعالى عبادا خرق لهم العادة في إدراكهم العلوم، فمنهم من جعل له إدراك ما ~~يدرك بجميع القوى بقوة البصر خاصة، وآخر بقوة السمع، وهكذا جميع القوى، ثم ~~بأمور عرضية خلاف القوى من ضرب وحركة وسكون، وغير ذلك ما نصه: # قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الله ضرب بيده بين كتفي فوجدت ~~برد أنامله بين ثديي، فعلمت علم الأولين والآخرين». # فدخل في هذا العلم كل معلوم معقول ومحسوس مما يدركه المخلوق، فهذا علم ~~حاصل لا عن قوة من القوى الحسية والمعنوية، فلهذا قلنا: إن ثم أشياء أخر ~~خلاف هذه القوى تدرك به المعلومات انتهى. # وقال ابن حجر المكي في شرح الهمزية لدى قوله لك ذات العلوم ما نصه: أكثر ~~علوم نبينا (صلى الله عليه وسلم) تتعلق بالمغيبات بدليل: «فعلمت علم ~~الأولين والآخرين» انتهى. # وتقدم في كلام الشيخ سيدي عبد الغني النابلسي في شرح الفصوص وصفه بالصحة ~~أيضا، وقد أشار إليه من قال: # إن تك فاتح الخيرات طرا %~% فإنك قد ختمت المرسلينا # لوم الآخرين عليك قصت %~% وقد أوتيت علم الأولينا # كما أشار إلى حديث: «أنا مدينة العلم وعلى بابها (1)» من قال أيضا: # قلبي بمنجد نازل بقبابى %~% فيها مليح سيد الأعراب PageV01P098 # عرضت عليه كنوز الأرض فلم %~% علما بأن مصيرها لذهاب # وإذا سألت عن العلوم فإنه %~% لمدينة مفتوحة الأبواب # وقد ذكر غير واحد أنه وقع هذا الوضع مرة أخرى ليلة الإسراء، ففي كتاب ~~لأبي الحسن علي بن غالب، تكلم فيه على أحاديث الحجب نقلا عن أبي الربيع بن ~~سبع في شفاء الصدور، عن ابن عباس قال: قال علي: سلوني قبل أن تفقدوني، ~~سلوني عن علم لا يعلمه جبريل، ولا ميكائيل، أعلمني رسول ms026 الله (صلى الله ~~عليه وسلم) مما علمه ربه ليلة الإسراء، ثم ذكر الحديث. # وفيه أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: «أتاني جبريل وكان السفير بي إلى ~~ربي، إلى أن انتهى إلى مقام، ثم وقف عند ذلك فقلت: يا جبريل، في مثل هذا ~~المقام يترك الخل خله؟ فقال: إن تجاوزته احترقت بالنور» إلى أن قال: يعني ~~النبي (صلى الله عليه وسلم): «وسألني ربي فلم أستطع أن أجيبه. فوضع يده بين ~~كتفي بلا تكييف ولا تحديد، فوجدت بردها بين ثديي، فأورثني علم الأولين ~~والآخرين، وعلمني علوما شتى، فعلم أخذ علي العهد بكتمانه؛ إذ علم أنه لا ~~يقدر على حمله أحد غيري، وعلم خيرني فيه فكنت أسر إلى أبي بكر وإلى عمر ~~وإلى عثمان وإليك يا أبا الحسن، وعلمني القرآن، فكان جبريل (عليه السلام) ~~يذكرني به، وعلم أمرني بتبليغه إلى العام والخاص من أمتي، ولقد عاجلت جبريل ~~(عليه السلام) في آية نزل علي بها، فعاتبني ربي وأنزل علي: @QUR@015 ولا ~~تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما [طه: # 114]». انتهى المراد منه. # وقد نقله في المواهب اللدنية في المقصد الخامس في الإسراء والمعراج من ~~قوله: (أتاني جبريل) إلى آخره، لكنه جعله من حديث ابن عباس، فأوهم أن ابن ~~عباس رواه بلا واسطة، وليس كذلك. # وقال في آخره: رواه في كتاب شفاء الصدور كما ذكره ابن غالب، والعهدة في ~~ذلك عليه انتهى. PageV01P099 # وقال الحافظ الشامي في معراجه (1) بعد نقله لكلام صاحب المواهب: هذا وهو ~~كذب بلا شك انتهى. # فجزم ببطلانه مع نقل غير واحد له من أهل الله وغيرهم، وممن نقله الشيخ ~~الأستاذ المربي القطب أبو زين العابدين سيدي المختار بن أحمد بن أبي بكر ~~الكنتي، ثم الوافي في نزهة الراوي، وبغية الحاوي في الباب الخامس منه في ~~بدء الوحي والإسراء، وربك أعلم بما في نفس الأمر. # وفي «روح البيان» لدى قوله تعالى: @QUR@04 سبحان الذي أسرى بعبده ~~[الإسراء: 1] الآية أثناء كلامه على قصة الإسراء ما نصه: # قال (صلى الله عليه وسلم) ms027 سألني ربي فلم أستطع أن أجيبه، فوضع يده بين ~~كتفي بلا تكييف ولا تحديد، قال: أي يد قدرته؛ لأنه سبحانه منزه عن الجارحة، ~~فوجدت بردها فأورثني علم الأولين والآخرين، وعلمني علوما شتى، فعلم أخذ على ~~كتمانه؛ إذ علم أنه لا يقدر على حمله غيري، وعلم خيرني فيه، وعلم أمرني ~~بتبليغه إلى العام والخاص من أمتي وهو الإنس والجن. # قال: وهذا التفصيل يدل على أن العلوم الشتى هذه العلوم الثلاثة، كما يدل ~~عليه الفاء وهي زائدة على علوم الأولين والآخرين، فالعلم الأول من باب ~~الحقيقة الصرفة، والثاني من باب المعرفة، والثالث من باب الشريعة، انتهى ~~منه بلفظه. # وقال العلامة ابن زكرى في شرحه لصلاة ابن مشيش ما نصه: جميع علوم النبيين ~~والمرسلين تنزلت فيه (صلى الله عليه وسلم)، كما يدل عليه قوله: «أورثني ربي ~~علم الأولين والآخرين». # وفي شرح البردة للزركشي عن ابن عباس أنه (عليه السلام) لما ولد قال في ~~أذنه رضوان خازن الجنان: أبشر فما بقي لنبي علم-: أي بكسر فسكون- إلا قد ~~أعطيته، فأنت أكثرهم علما، وأشجعهم قلبا انتهى. # وهذا الذي نقله عن ابن عباس ذكر في المواهب اللدنية أنه رواه الحافظ أبو ~~بكر بن PageV01P100 # عائذ في كتابه «المولد» قال كما نقله عنه الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح ~~بردة المديح، قال في شرح المواهب: وهذا أرسله ابن عباس، ومرسل الصاحب وصل ~~في الأصح وحكمه الرفع؛ إذ لا مجال للرأي فيه انتهى، والله أعلم. # وأخرج أحمد وأبو داود في سننه، واللفظ له، والحاكم في المستدرك، ~~والبيهقي، والطبراني في الكبير عن المقدام بن معديكرب الكندي مرفوعا: «ألا ~~إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل ~~ينثني شبعانا على أريكته يقول عليكم بالقرآن (1)» الحديث. # أخرجه أبو داود في باب لزوم السنة من كتاب السنة، وأخرجه الترمذي أيضا في ~~أبواب العلم لكن لا بهذا اللفظ، وأورده الحافظ ابن حجر في أول لسان الميزان ~~بلفظ: «ألا إني أوتيت الكتاب»، ومثله معه: «ألا إني أوتيت القرآن»، ومثله معه. ms028 # وذكر بقية الحديث ثم قال: حسنه الترمذي، وصححه الحاكم والبيهقي انتهى. # وأورده بعضهم من عند أبي داود وابن حبان من حديث المقدام أيضا بلفظ: «ألا ~~إني أوتيت الكتاب وما يعدله .. الحديث». # ومعناه: أنه (صلى الله عليه وسلم) أوتي القرآن العظيم بما اشتمل عليه من ~~الأحكام الظاهرة، والعلوم المتكاثرة التي يمكن أن تدرك منه لأهل العلم ~~الظاهر بالوجوه المعروفة، والطرق المألوفة، ومثلها معها من الأحكام التي لم ~~يصرح بها فيه، والعلوم التي لا يدركها منه أكثر العلماء، وإن كان يمكن أن ~~تستنبط منه بوجه غير مألوف، وأمر غير معروف، لمن أمده الله بعلومه اللدنية، ~~أو تقول معناه أنه (عليه السلام) أوتي القرآن العظيم بعلومه وأسراره ~~وخواصه، وجميع ما يشتمل عليه من تصريح أو تلويح أو رمز أو إشارة، ومن ظاهر ~~وباطن الباطن إلى غير ذلك من كل ما يمكن أن يعلمه منه البشر والخلق من غيره ~~(صلى الله عليه وسلم)، وأوتي أيضا مثل ذلك وما يعدله من علوم أخر، وأحكام ~~مختصة به، ومعارف وأسرار لا يحاط بها، انفراد بها (صلى الله عليه وسلم) ولم ~~يؤتها أحد سواه، أخذها (صلى الله عليه وسلم) من ربه تبارك وتعالى بلا واسطة ~~شيء، ويمكنه أخذها PageV01P101 # واستنباطها من القرآن أيضا؛ لكونه جامعا لعلوم الأولين والآخرين، ولكن ~~بفهم اختص به، وإلهام خاص لم يحصل لغيره، والأول أقرب إلى الأفهام، والثاني ~~أنسب وأليق بالمقام، والله أعلم. ### ||| النور الثالث وهو نور الإدراك: # فإنه أدرك الله وأبصره على أي نوع كان وعلى أي مذهب إن كانت العلمية أو ~~الأخرى، ثم كان يبصر من خلفه (صلى الله عليه وسلم) كما كان يبصر من أمامه. # وأيضا إدراك الجنة قبل موته. # وأيضا كوشف عن الذي في قبره يعذب. # وأيضا كشف له عن الجنة في عرض الحائط. # وأيضا أبصر الملك على صورته التي خلق فيها، ثم على أنحاء بعد ذلك. # هذا نور كشف له عن أعز المدركات كلها. # * قلت: قوله: (الإدراك) فمطلق الإدراك؛ اسم لحقيقة اتصال المدرك بالمدرك ~~وهو كالجنس، والعلم، والمعرفة، والتعقل، والإحساس ms029 بالسمع والبصر وسائر ~~القوى والآلات كلها ألقاب، وصفات لمطلق الإدراك يحدث ويتعين بحسب تقيده ~~بالآلات المتوسطة من المدرك والمدرك وبحسب المراتب والمحال التي يقع فيها ~~الإدراك فيتقيد لديها. # ويندرج فيه: المعرفة، والعلم، والتعقل، والفكر، والتصور، والفهم، ~~والإحساس بالحواس الظاهرة والباطنة على اختلاف ضروبها وطبقاتها؛ وهو حقيقة ~~التصور وأقسامه محصورة فيما نذكر: # وأولها من وجه أدراك الخلق بالخلق في الخلق؛ أعني: إدراك ما يسمى مخلوقا ~~بمثله في مثله على اختلاف القوى والمدارك التي يحصل بها. # الإدراك الآخر إدراك الخلق بالحق في الخلق الآخر، وإدراك الخلق في الحق ~~الآخر إدراك PageV01P102 # الخلق بالحق في الحق، فيكون حينئذ مرآة لحقائق الخلق لا للخلق الآخر ~~إدراك الحق بالخلق في الخلق الآخر إدراك الحق بالحق في الخلق الآخر إدراك ~~الحق بالخلق في الحق الآخر إدراك الحق بالحق في الحق. # وهذا بعد تجاوز مقامات المعرفة والتوحيد التي من جملتها رؤية الحق بالخلق ~~في الحقن وهذا الذي أخبرت عنه، إدراك الحق بالحق في الخلق هو المترجم عنه ب ~~«كنت سمعه وبصره» (1). # وفوقه ما هو عكس الأول وهو أن يصل العبد بعد استهلاك كثرته في وحدة الحق ~~غلبة حكم ما به الاتحاد على حكم ما به الامتياز من الأمور التعددية؛ سمع ~~الحق وبصره وسائر صفاته الذاتية الوحدانية الحقيقية، فيسمع بما به يبصر بما ~~به ينطق بما به يسعى بما به يعقل، وإليه الإشارة بقوله (صلى الله عليه وسلم). # «إن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده». # وفوقه مقام الجمع بين الأمرين والواصفين المذكورين، وفوقه مقام أحدية ~~الجمع وله الجمع بين كل ما ذكره دون الحصر فيه وصفا وحكما، فيرى بذاته ~~ويسمع بذاته، كالحق في مرتبة غناه الذاتي مع قطع النظر عما أوجد، فظهر فيه ~~أو به، فيستغنى عن السوى، كان السوى من كان، فافهم. # وحينئذ يكون مثلا ويكون على الصورة تماما، فيكون مقتضى ذاته الظهور ~~والتلبس PageV01P103 # بكل ما ذكر بحسب المراتب والدرجات، لا بحسب من ذكر من أرباب المدارك ~~التقييدية، فيستوعب ولا يتعين بوصف يعرف ويحد به؛ ms030 لانحصاره فيه حكما أو عينا. # وقوله: (ثم كان يبصر من خلفه (صلى الله عليه وسلم) كما كان يبصر من ~~أمامه). # وأخرج مالك في الموطأ في العمل في جامع الصلاة وأحمد والشيخان عن أبي ~~هريرة مرفوعا: «أترون»، وفي رواية قال: «هل ترون قبلتي هاهنا-: أي مقابلتي ~~ومواجهتي في جهة القبلة فقط- فو الله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم، إني ~~لأراكم من وراء ظهري» (1). # وأخرج مسلم واللفظة له النسائي وابن خزيمة في صحيحه عنه أيضا قال: «صلى ~~بنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوما ثم انصرف فقال: يا فلان ألا تحسن ~~صلاتك، ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه، إني والله ~~لأبصار من وراء كما أبصر من بين يدي، ولفظ ابن خزيمة في آخره: «إنكم ترون ~~أني لا أراكم: أي والله لأرى من خلف ظهري كما أرى من بين يدى» (2). # وأخرج عبد الرزاق في جامعه والحاكم في المستدرك، وأبو نعيم من حديثه أيضا ~~مرفوعا: «إني لأنظر إلى ما ورائي كما أنظر إلى ما بين يدي» (3). # وأخرج أحمد وعبد الرزاق بسند صحيح من حديثه أيضا: «والذي نفسي بيده إني ~~لأنظر- زاد في رواية في الصلاة- إلى من ورائي، كما أنظر إلى من بين يدي ~~فسووا صفوفكم، وأحسنوا ركوعكم وسجودكم» (4). # وفي رواية لأحمد: «إني أنظر- أو قال: إني لأنظر- ما ورائي كما أنظر ما ~~بين يدي ...» الحديث. PageV01P104 # وأخرج أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «إني أراكم من وراء ظهري». # وأخرج أحمد والشيخان والنسائي عن أنس مرفوعا: «أتموا الركوع والسجود، فو ~~الذي نفسي بيده إني لأراكم من بعد ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم (1)» ~~هكذا ذكره السيوطي في الجامع عازيا له لمن ذكر. # وقد أخرجه البخاري في مواضع منها في باب الخشوع في الصلاة ولفظه فيه وهو ~~لمسلم أيضا: «أقيموا الركوع والسجود فو الله إني لأراكم من بعدي»، وربما ~~قال: «من بعد ظهري إذا ركعتم وإذا سجدتم». # ومنها في باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة، وذكر القبلة، ولفظه فيه ~~عن أنس بن ms031 مالك قال: صلى بنا النبي (صلى الله عليه وسلم) صلاة ثم رقى ~~المنبر فقال في الصلاة وفي الركوع: «إني لأراكم من ورائي كما أراكم يعني من ~~أمامي». # ومنها في باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف ولفظه فيه حدثنا ~~أنس قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بوجهه ~~فقال: «أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري (2)». # وقد عزى في الجمع هذا اللفظ للبخاري والنسائي، وابن حبان في صحيحه عن أنس. # ومنها في الترجمة قبل هذه ولفظه فيها: «أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهرى». # وأخرجه أيضا مسلم في الصلاة بألفاظ منها قوله عن أنس أن نبي الله (صلى ~~الله عليه وسلم) قال: «أتموا الركوع والسجود، فو الله إني لأراكم من بعد ~~ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم». # قال: وفي حديث سعيد: «إذا ركعتم وسجدتم». # ومنها قوله عن أنس قال: صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات يوم، ~~فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: «أيها الناس إني إمامكم فلا ~~تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا PageV01P105 # بالقيام، ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي ومن خلفى. ثم قال: والذي نفس ~~محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، قالوا: وما رأيت ~~يا رسول الله، قال: # رأيت الجنة والنار (1)». # رؤيته (عليه السلام) لأصحابه من وراء ظهره رؤية حقيقية، ثم الرؤية ~~المذكورة في هذه الأحاديث مذهب الجمهور، وهو الصواب المختار أنها على ~~ظاهرها، وأنها رؤية حقيقية، وإدراك حقيقي، اختص به (صلى الله عليه وسلم)، ~~انخرقت له فيه العادة، وعلى هذا عمل البخاري، فإنه أخرج هذا الحديث في ~~علامات النبوة، وكذا نقل عن أحمد وغيره خلافا لمن حمل الرؤية فيه على ~~الرؤية القلبية، وهي رؤية البصيرة، وإن صح أو على العلم إما بوحي بأن يوحى ~~إليه كيفية فعلهم، وإما بإلهام بأن يلهمه الله تعالى حالتهم وهيأتهم، فإن ~~ذلك بخلاف ما تظاهرت عليه الظواهر التي لا يحيلها عقل، ولا يعارضها شرع، ~~ولو كان المراد العلم لم يقيد بقوله: ms032 (من وراء ظهري). # ومنهم من حملها على أنه كان يلتفت يمينا وشمالا التفاتا يسيرا، لا يلوي ~~فيه عنقه، يدرك به حال من وراءه، ولا يخفى ما فيه من التكلف والعدول عن ~~الظاهر بلا موجب مع ما فيه من ارتكاب ما لا يليق بالمقام، وقد أنكره أحمد ~~على قائله، والظاهر أنها كانت من غير عضو ولا مقابلة، ولا شيء مما جرت به ~~العادة بناء على مذهب أهل الحق، وهم أهل السنة من أن الرؤية لا يشترط لها ~~عقلا عضو مخصوص، ولا مقابلة، ولا شعاع، ولا تتوقف على ضوء، ولا على قرب، ~~كما لا تتوقف على الآلة المخصوصة التي هي العين، وإنما هذه أمور عادية يجوز ~~عقلا حصول الإدراك مع عدمها، ولذا حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار ~~الآخرة، خلافا لأهل البدع بوقوفهم مع العادة. # وجوز بعضهم كونها برؤية عينية، وإنه انخرقت له فيهما العادة أيضا، وصحح ~~آخرون كونها بعين خلف ظهره يرى بها من ورائه، لا يحجبها الثياب ولا غيرها، ~~وبعض المتكلمين أن تكون بإدراك خلق له في القفا أعم من كونه في بنية أم لا ~~أخذا من قوله في بعض الروايات: «إني لأبصار من قفايا كما أبصر من بين يدي». PageV01P106 # وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يبصر بهما، لا يحجبهما أيضا ثوب ~~ولا غيره، قاله مختار بن محمود الحنفي الزاهدي شارح القدوري من الحنفية. # ورده أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني قائلا هذا مع ما وصف به من كمال ~~الخلقة يشين، ولو أن إنسانا كانت له عينان في قفاه لكان أقبح شيء، وخيال ~~غيره هو قول مرغوب عنه بل ساقط، ونازع بعضهم فيه، وفي القولين قبله بأنها ~~تحتاج لتوقيف من الشارع. # ورواية: (من قفايا) ليست نصا في المراد. # وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما تنطبع في المرآة، فترى ~~أمثلتهم فيها فيشاهد أفعالهم، ورد بأنه يحتاج أيضا إلى توقيف، وظاهر الحديث ~~أن ذلك يختص بحالة الصلاة. # ويؤيده ما أخرجه الحميدي في مسنده، وابن المنذر في ms033 تفسيره، والبيهقي عن ~~مجاهد في قوله تعالى: @QUR@04 وتقلبك في الساجدين [الشعراء: 219]، قال: ~~كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا قام في الصلاة يرى من خلفه كما يرى من ~~أمامه (1). # ويحتمل أن يكون ذلك واقعا في جميع أحواله (صلى الله عليه وسلم) وهو ~~الظاهر، ومذهب أهل الباطن، ومحققي أهل الباطن، ونقل عن مجاهد أيضا وعن جمع ~~من المتقدمين، وعللوه بأنه إنما كان يبصر من خلفه؛ لأنه كان يرى من كل جهة؛ ~~لأنه كان كله نورا، وقد ثبت مثله لكثير من خواص أمته، وما ذاك إلا بما ~~أمدهم الله به من نور مشكاته المفاض عليهم. # وفي الفتوحات في الباب التاسع والستين في معرفة أسرار الصلاة وعمومها ما نصه: # اعلم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كله وجه بلا قفا، فإنه قال (صلى الله ~~عليه وسلم): «إني أراكم من خلف ظهري»، فأثبت الرؤية لحاله ومقامه، فثبتت ~~الوجهية له، وذكر الخلف والظهر لبشريته (صلى الله عليه وسلم)، فإنهم ما PageV01P107 # يرون رؤيته ويرون خلفه وظهره (صلى الله عليه وسلم)، ولما ورثته (صلى الله ~~عليه وسلم) في هذا المقام، وكانت لي هذه الحالة: # كنت أصلي بالناس بالمسجد الأزهر بمدينة فاس، قلت: وهو المعروف الآن بمسجد ~~عين الخيل، قال: فإذا دخلت المحراب أرجع بذاتي كلها عينا واحدا، فأرى من ~~جميع جهاتي كما أرى قبلتي، لا يخفى على الداخل ولا الخارج، ولا واحد من ~~الجماعة حتى إنه ربما يسهو من أدرك معي ركعة من الصلاة، فإذا سلمت ورددت ~~وجهي إلى الجماعة أدعوا أرى ذلك الرجل يجبر ما فاته فيخل بركعة، فأقول له: ~~فاتتك كذا وكذا، فيتم صلاته ويتذكر، فلا يعرف هذه الأشياء، ولا هذه الأحوال ~~إلا من ذاقها، انتهى منها بلفظها. # وفي نزهة الزاد وبغية الحاوي للعارف بالله القطب سيدي المختار بن أحمد ~~الكنتي في الباب الخامس في بدء الوحي والإسراء ما نصه: # ثبت عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه لما حمل على الرفرف والتمع بصره جعل ~~يرى بجميع بدنه، فيرى من أمامه كما يرى من خلفه، وكما ms034 يرى عن يمينه وشماله، ~~وذلك بأن صار كله بصرا، فحينئذ تأهل أن يرى ربه لما أمده به من وضع يده بين ~~كتفيه حتى وجد بردها على فؤاده، فعلم بذلك علوما شتى، ثم قطرت نقطة العلم ~~على قلبه وفؤاده، فازداد علما على علم، انتهى المراد منه بلفظه. # وقال العارف الحفني في حاشيته على الجامع الصغير في الكلام على رواية: ~~أتموا الركوع والسجود ما نصه: # قوله لأراكم أي: رؤية إدراك وكشف قلبي، فلا تتوقف على وجود البصر، ولا ~~على وجود الضوء، فهو خرق للعادة. # قال: وهذا الإدراك حاصل له (صلى الله عليه وسلم) من حين رأى ربه ليلة ~~الإسراء بعين بصره، وما قيل: # (كان له (صلى الله عليه وسلم) حدقتان في ظهره) رد بأن ذلك مشوه للخلقة، ~~وقد كان سيدنا موسى يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء مسيرة عشرة أيام، ~~وقيل: فراسخ من حين كلمه الله تعالى، ثم قال: فذاك الإدراك ليس بحدقتين في ~~ظهره، كسم الخياط لا يحجبهما الثياب، كما قال بعضهم فإنه لا أصل له؛ إذ هو ~~مشوه، وليس هذا خاص بالصلاة انتهى. PageV01P108 # وفي فيض القدير في حديث: «أتموا الصفوف» ما نصه: قال في المطامح في أبي ~~داود عن معاوية ما يدل على أن هذا كان في أواخر عمره. # ولذا قال عياض: كان ذلك له بعد ليلة الإسراء كما كان موسى يرى النملة ~~السوداء في الليلة الظلماء من عشرة فراسخ بعد ليلة الطور، انتهى منه بلفظه. # قال الشيخ جعفر الكتاني: وعياض ذكر هذا في الشفاء في فصل وفور عقله (صلى ~~الله عليه وسلم) من الباب الثاني فراجعه. # وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنهما أنها سئلت عن هذا الإدراك، فقالت: ~~«زيادة زاده الله إياها في حجته»، وهو بضم الهاء، يعني في معجزته. # وضبط بعضهم لها وهو بفتحها على أن معناه أن هذه الزيادة إنما وقعت له في ~~آخر عمره في حجة الوداع، غير صحيح. # مراقبة النبي (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه، وقد ذكروا من جملة فوائد هذه ~~الأحاديث مراقبة النبي ms035 (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه في حالة الصلاة، كما ~~أنه كان يراقبهم في غيرها من الأحوال سرا وعلانية، ظاهرا وباطنا، غيبة ~~وحضورا، وقد كان على قدمه في هذا كبار العارفين والأولياء، حتى كان الشيخ ~~عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه كثيرا ما يقول لأصحابه على كرسيه: إني ~~أراكم كالزجاجات. # وكم من مريد أراد أن يرتكب بعض المحرمات وهو غائب عن شيخه، فخرج عليه ~~ومنعه من ذلك، وقضاياهم في هذا كثيرة: # منها: إنه وقع لعارف أن مريده أراد الزنا بامرأة، فلما هم سمع صوت شيخه ~~من بلاد بعيدة يقول له: هكذا تفعل يا فلان، ففر هاربا. # ووقع لآخر مع مريده في نظير هذا أنه ما شعر إذ هم إلا والشيخ قد لطمه ~~لطمة أذهبت بصره، فخرج وأمر من جاء به إلى الشيخ، فقال: ادع الله لي أن يرد ~~بصري، فإني تائب إلى الله تعالى، فقال: نعم، ولكن لا تموت إلا أعمى، فدعى ~~له فرد عليه بصره، ثم عمي قبل موته بثلاثة أيام. PageV01P109 # ووقع للشيخ أبي الغيث بن جميل اليمني أنه كان له تلميذ بالعجم فهم بالزنا ~~بامرأة فضربه الشيخ بقبقابه مع زجر وغضب بحضرة الفقراء، فلم يدروا ما ~~الخبر، حتى قدم الشخص العجمي بقبقاب الشيخ بعد شهر تائبا. # أمدنا الله تعالى بمدد أوليائه، ومن علينا بسلوك سبيل أصفيائه آمين. # وقد حكى بقى بن مخلد عن عائشة أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يبصر ويرى في ~~الظلمة، كما يبصر ويرى في الضوء، وهذا أخرجه عنها البيهقي، وابن عدي، وابن ~~عساكر، وإسناده ضعيف. # وأخرج البيهقي أيضا في الدلائل عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء، وهو أيضا ضعيف ~~ضعفه غير واحد، لكنه حسن بشواهده، وما اشتهر من خبر لا أعلم ما وراء جداري. # قال الحافظ ابن حجر فيما نقله عنه في فيض القدير في الكلام على حديث: ~~«أتموا الصفوف» لا أصل له. # قال في الفيض ويعرض وروده: فالمراد به أنه لا ms036 يعلم الغيب إلا باطلاعه ~~تعالى. انتهى وراجع ما تقدم في هذا الخبر، والله الهادي والمرشد بمنه (1). # وأخرج أحمد والشيخان والترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وأبو عوانة، ~~وابن حبان في صحيحه عن جابر مرفوعا قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: # «لما كذبني قريش قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن ~~آياته وأنا أنظر إليه» (2). # وفي هذا انكشاف الأشياء له (صلى الله عليه وسلم) عند التوجه والالتفات ~~إليها بحقائقها وأحوالها ومتعلقاتها، ونظره بعين البصر والبصيرة إليها بحيث ~~لا يغيب عن نظره شيء منها، وهذا واقع لغيره من أولياء الله تعالى، فكيف به ~~(صلى الله عليه وسلم) الذي كل نوال من نواله، وكل خير وفضل PageV01P110 # في العالمين منه، ومن أياديه وأفضاله. # وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والحميدي والبخاري في مواضع منها ~~علامات النبوة، ومسلم في الفتن، والعدني، وابن حماد في الفتن، وأبو عوانة، ~~والحاكم في المستدرك، عن أسامة بن زيد، قال: أشرف النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) على أطم من آطام المدينة فقال: «هل ترون ما أرى إني لأرى مواقع الفتن ~~خلال بيوتكم كمواقع القطر (1)» # وفي رواية: «إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كموقع القطر». # وفي أخرى: «إني أرى الفتن تقع خلال بيوتكم مواقع القطر (2)». # فائدة: يجوز رؤية الشيء وسماعه قبل وجوده للأنبياء والأولياء. # قلت: وبهذا الحديث ونحوه استدل الصوفية على جواز، بل وقوع رؤية الشيء ~~وسماعه قبل وجوده للأنبياء والأولياء، بناء على ما هو المتبادر من هذا ~~الحديث أنها رؤية بصرية، وقضايا الأولياء في رؤيتهم بل وسماعهم للأشياء قبل ~~وجودها لا تنحصر كثرة، ومن ثم أطبقوا على رؤيته تعالى، وسمعه للمعدوم ~~الممكن الذي علم أنه سيوجد مخالفين في ذلك للمتكلمين في قولهم: إن السمع ~~والبصر إنما يتعلقان بالموجودات، والمراد بها كل ما له تحقق في الخارج فقط، ~~ولا يتعلقان بالمعدوم ممكنا كان أو مستحيلا. # ومن أدلة الصوفية في هذا قوله تعالى: @QUR@016 قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما ms037 [المجادلة: 1]. # فإن قولها إنما كان فيما لا يزال، وتعلق سمعه وبصره إنما هو في الأزل. # وقد قال العلامة ابن زكري في بعض تقاييده التي قيدها على الصغرى للسنوسي: # ما قاله الصوفية هو المتعين؛ لأن تعلقهما تعلق انكشاف، فيلزم على تخصيصه ~~بالموجود حال وجوده بعده في الأزل انتهى. PageV01P111 # نقله الشيخ جسوس في شرح عقائد الرسالة، وفي بعض أجوبة الشيخ أبو عبد الله ~~محمد بن يوسف السنوسي، لما ذكر له اعتراض بعض المتأخرين على ما وقع لأبي ~~طالب المكي: أي في «قوت القلوب» من التصريح بتعلق سمع الله تعالى وبصره ~~بالموجودات والمعدومات قبل وجودها، وإن مثله وقع في المواقف النفرية ~~الصوفية: أي ووقع أيضا للشيخ الجليل القصري مؤلف: «شعب الإيمان في شرح ~~الأسماء» قال: # لا يخفى على ما في اعتراضه على هذا الولي من سوء الأدب، بل الواجب ~~التسليم لأولياء الله تعالى فيما خفي علينا علمه من كلامهم؛ إذ ليس يستوي ~~من ينظر في النور ومن ينظر في الظلمات. انتهى نقله العارف الفاسي في حواشيه ~~على شرح الصغرى، والله أعلم. # وأخرج أحمد والترمذي في أبواب الزهد وقال: حسن غريب، وابن ماجه والحاكم ~~في المستدرك، والضياء المقدسي في المختارة، وأبو الشيخ في العظمة، وأبو ~~نعيم، وابن منيع عن أبي ذر رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ~~«إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء، وحق لها أن تئط ما ~~فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله، لو تعلمون ما أعلم ~~لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى ~~الصعدات تجأرون إلى الله لوددت أني كنت شجرة تعضد (1)». # وأخرج الطبراني في الكبير، والضياء، وابن أبي حاتم في التفسير، وأبو ~~الشيخ في العظمة، وأبو نعيم عن حكيم بن حزام، قال: بينما رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) في أصحابه إذ قال لهم: # «أتسمعون». # وفي لفظ: «هل تسمعون». # وفي آخر «تسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما تسمع من شيء، قال: إني لأسمع أطيط ~~السماء وما ms038 تلام أن تئط ما فيها موضع شبر». PageV01P112 # وفي رواية: «قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم (1)». # وأخرج ابن منده، وابن عساكر عن عبد الرحمن بن العلاء بن سعد عن أبيه ~~مرفوعا: # «هل تسمعون ما أسمع أطت السماء، وحق لها أن تئط ليس منها موضع قدم إلا ~~وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد (2)». # وتقدم من حديث سيدنا العباس عند البيهقي وغيره أنه (عليه السلام) كان وهو ~~في المهد يسمع وجبة القمر: أي سقطته حين يسجد تحت العرش. # ذكره السيوطي في خصائصه وغيره. # وفيها أيضا أنه (عليه السلام) كان يسمع حفيف أجنحة جبريل وهو بعد في سدرة ~~المنتهى، ويشم رائحته إذا توجه بالوحي إليه، وذكر ذلك أيضا الشعراني في ~~«كشف الغمة» ناقلا له عن خط شيخه جلال الدين السيوطي. # قلت: وهذا أعني رؤية الإنسان للأشياء البعيدة عنه جدا في الأرض برا ~~وبحرا، وفي السماء أو ما فوقها، وسماعه لها وشمه لرائحتها لا ينكر، فإنه ~~واقع لأولياء الله كثيرا، فكيف به (عليه السلام). # وفي «الفتوحات» في الباب الثاني وثلاثمائة ورد في حديث نبوي صحيح عند أهل ~~الكشف وإن لم يثبت طريقه عند أهل النقل لضعف الراوي، ولقد صدق فيه، قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لو لا تزييد في حديثكم، وتمريح في ~~قلوبكم، لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع (3)» انتهى. # قلت: وهو طرف من حديث أخرجه أحمد، وابن جرير الطبري، ولفظ ابن جرير فيه: # «لو لا تمريح قلوبكم، وتزيدكم في الحديث، لسمعتم ما أسمع». وتقدم لفظ ~~أحمد وما في الحديث من الكلام، فليراجع. PageV01P113 # وفي المواهب اللدنية من خصائصه (عليه السلام) أنه كان يبلغ صوته وسمعه ما ~~لا يبلغه صوت غيره ولا سمعه، قال شارحها: فقد كان يخطب فتسمعه الهواتف في ~~البيوت، ويسمع أطيط كما السماء مر بسط ذلك في شمائله انتهى. # وانظر إلى ما أخرجه البيهقي وأبو نعيم عن عائشة أن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) جلس يوم الجمعة على المنبر، فقال للناس: اجلسوا، فسمعه عبد الله بن ~~رواحة، وهو في ms039 بني علم، فجلس في مكانه وفيه معجزة وكرامة، وكأنه فهم أن ~~الخطاب عام في حق من بلغه الصوت، ولو كان خارجا عن المسجد النبوي، ولو ~~بعيدا منه، ولذلك جلس امتثالا وأدبا، وكأن القرينة على ذلك بلوغ الصوت له ~~بطريق المعجزة الخارقة للعادة، وإن لم يظهر لجلوسه هو في مكانه فائدة، فقد ~~تكون موجودة ولا يطلع عليها؛ إذ قد تخفى في بعض الأوامر والنواهي، ولذلك ~~يحكم الفقهاء على ما خفيت فيه بأنه تعبدي، والله أعلم. # وانظر أيضا إلى ما ورد من قول سيدنا عمر بن الخطاب أثناء خطبته يوم جمعة ~~لسارية ابن زنيم الدؤلي، وكان قد أمره على جيش وسيره إلى فارس، وذلك سنة ~~ثلاث وعشرين من الهجرة، فرآهم من المدينة وهو يخطب، وقد جعل العدو عليهم ~~كمينا على يسار الجبل: # يا سارية الجبل، الجبل، يعني خذ طريق الجبل واحذر كمين العدو، ورفع صوته ~~فألقى الله ذلك في أسماع سارية وأصحابه، وكانوا بنهاوند بلد بأقصى العراق ~~جنوبي همدان، بينها وبين المدينة أكثر من مسيرة شهر، فعدلوا إلى الجبل، ~~ففتح الله عليهم وهي قضية مشهورة، أخرجها الواقدي وسيف في الفتوح، والبيهقي ~~في الدلائل، واللالكائي في شرح السنة، وابن الأعرابي في كرامات الأولياء، ~~وابن مردويه، وغيرهم. # راجع الإصابة في ترجمة سارية المذكور. # وفي لطائف المنن: إن القطب الحلبي الحافظ أفرد لطرقها جزءا. # قال بعضهم: وكان هذا في حياة سارية، فلما مات في مصر دفن أيضا في قلعة ~~الجبل، فكأنه امتثل قول عمر بعد وفاته أيضا. # راجع الرحلة الكبرى لسيدي عبد الغني النابلسي. PageV01P114 # وفي العهود المحمدية في عهد الاستعداد لوقوف عرفة ما نصه: # إن لله تعالى رجالا يسمعون كلام من بينهم وبينه مسيرة ثلاثين ألف سنة، ~~وراثة إبراهيمية قال: وقد وقع لي في ابتداء أمري أني كنت أسمع كلام من في ~~أقطار الأرض من الهند والصين وغيرهما، حتى إني كنت أسمع كلام السمك في ~~البحار المحيطة، ثم إن الله حجب ذلك عني، وأبقى معي العلم كي لا أنكر مثل ~~ذلك على أحد. # وكان سيدي ms040 أحمد بن الرفاعي يتكلم على الكرسي بأم عبيدة، فيسمعه من حوله ~~من القرى، والله على كل شيء قدير انتهى. # وقد ذكر بعض الكبار أنه انخرق لسمعه (صلى الله عليه وسلم) وبصره وشمه ~~وإدراكه ولمسه وسائر حواسه جميع الكون، وسائر المملكة الربانية، وأنه يرى ~~منها ما شاء متى شاء، ويسمع ويسمع ويشم ويشم ويلمس ويتناول، ويأخذ ويعطي، ~~كذلك ويحول ويتصرف، ويفعل ما شاء على الوجه الذي شاء، وأذن له فيه، ولا ~~ينحجب عنه شيء، أو يمتنع منه أيا كان، إذا أراده على أي وجه كان، وأي وصف ~~في المملكة كلها عموما. # قلت: والأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب والحكايات المنقولة عن أهل ~~الله تعالى تشهد بذلك، وتأمل ما تقدم عن الشيخ عبد السلام الأسمر أن الله ~~تعالى أطلعه على جميع الكائنات، وكشف له عن ملكوت السماوات والأرض والجنة ~~وما فيهما ظاهرا وباطنا. # وعن سيدي أحمد بن الرفاعي من أنه صحب ثمانمائة ألف أمة ممن يأكل ويشرب ~~ويروث وينكح، وأنه لا يكمل الرجل حتى يصحب هذا العدد، ويعرف كلامهم وصفاتهم ~~وأسماءهم وأرزاقهم وآجالهم، ولا تستقر نطفة في فرج أنثى إلا وينظر إليها، ~~ويعلم بها، وأمثال هذا عن الأولياء كثير، وهم قطرات أو جداويل من بحار علمه ~~ومعرفته، وما أطلعه الله عليه وأراه إياه، بل ما نالوا ذلك إلا منه، ولا ~~اغترفوه إلا من بحره الطام الذي لا حد له ولا نهاية، والعقول كلها لا تتسع ~~لإدراك ماهيته وحقيقته، والله ذو الفضل العظيم والمن على ما يشاء من خلقه، ~~لا رب سواه سبحانه وتعالى. # وقوله: (إدراك الجنة قبل موته). PageV01P115 # أخرج مالك في الموطأ وأحمد والشيخان: البخاري في العلم والطهارة والكسوف ~~والاعتصام والاجتهاد والسهو، ومسلم في الصلاة، وغيرهم من حديثها أيضا في ~~صلاة الكسوف، واللفظ لمسلم قالت: فانصرف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~وقد تجلت الشمس، فخطب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الناس فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد .. ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيته في ~~مقامي ms041 هذا حتى الجنة والنار» الحديث. # ولفظ مالك في الموطأ، والبخاري في باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف، ~~وفي باب: من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل من كتاب الطهارة: # فلما انصرف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حمد الله وأثني عليه ثم قال: ~~«ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، ~~الحديث (1)». # وفي أخرى للبخارى في العلم في باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، ~~فحمد الله النبي (صلى الله عليه وسلم) وأثنى عليه ثم قال: «ما من شيء لم ~~أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار (2)». # وفي أخرى لأحمد عنها: «أيها الناس إنه لم يبق شيء لم أكن رأيته إلا وقد ~~رأيته في مقامي هذا». # وفي هذه الرواية أنه قال: «أيها الناس إنكم لن تسألوني عن شيء حتى قام ~~رجل فقال: # من أبي؟ قال: أبوك فلان الذي كان ينسب إليه (3)». # وفي أخرى له: «لقد أدنيت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لأتيتكم بقطف من ~~قطافها، ولقد أدنيت مني النار حتى قلت: يا رب وأنا معهم (4)» الحديث. # وأخرج الشيخان والنسائي من حديث عائشة في صلاته أيضا: «لقد رأيت في مقامي ~~هذا كل شيء وعدته» (5). PageV01P116 # وفي رواية ابن وهب عن يونس عند مسلم والنسائى: «وعدتم حتى لقد رأيتني ~~أريد أن آخذ قطفا- أي: عنقودا- من الجنة حين رأيتموني جعلت أتقدم، ولقد ~~رأيت جهنم يحطم- أي: يكسر ويزاحم- بعضها بعضا حين رأيتموني تأخرت، ورأيت ~~فيها عمرو بن لحي وهو الذي سيب السوائب (1)». # وأخرج مالك في الموطأ، وأحمد، والشيخان، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، ~~وابن جرير من حديث ابن عباس في صلاته أيضا قالوا: «يا رسول الله رأيناك ~~تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك كففت- وفي رواية: تكعكعت- فقال: إني ~~رأيت- وفي لفظ للبخاري: أريت- الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته- وفي ~~رواية: ولو أصبته- لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت- وفي رواية: وأريت- ~~النار فلم أر منظرا قط- وفي رواية: فلم أر منظرا كاليوم قط- أفظع، ورأيت ~~أكثر أهلها النساء ... الحديث (2)». # وأخرج مسلم واللفظ ms042 له، وابن جرير الطبري من حديث جابر بن عبد الله قال: # كسفت الشمس على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في يوم شديد الحر ~~الحديث. # وفيه أنه (عليه السلام) قال: «إنه عرض علي كل شيء تولجونه- وفي رواية ~~ابن جرير: # توعدونه- فعرضت علي الجنة حتى لو تناولت منها قطفا أخذته- أو قال: تناولت ~~منه قطفا فكثرت يدي عنه- وعرضت علي النار، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل ~~تعذب في هرة لها ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ورأيت ~~أبا ثمامة عمرو بن مالك يجر قصبه في النار (3)» الحديث. # وأخرج أحمد ومسلم واللفظ له من حديثه أيضا قال: «انكسفت الشمس على عهد ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم مات إبراهيم ابن رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) (4)» الحديث. # وفيه أنه (عليه السلام) قال: «ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي ~~هذه، وقد جيء PageV01P117 # بالنار وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها، وحتى رأيت ~~فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه، فإن فطن له ~~قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به، وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة ~~التي ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعا، ثم ~~جيء بالجنة وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي ~~وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي ألا أفعل، فما من ~~شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه (1)». # ولابن خزيمة من حديث سمرة بن جندب قال: «لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم ~~لاقون في دنياكم وآخرتكم (2)». # ولأحمد من حديثه أيضا: «إني والله لقد رأيت منذ قمت أصلي لكم ما أنتم ~~لاقون من أمر دنياكم وآخرتكم (3)». # ولفظ البيهقي في سننه الكبرى من حديثه: «والله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما ~~أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم (4)» الحديث. # وأورده السيوطي في جامعه الكبير في (يا أيها الناس) وقال فيه: «فقد أريت ~~في مقامي وأنا أصلي ms043 ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم». # ثم عزاه لتخريج أحمد وأبي يعلى وابن خزيمة والطحاوي وابن حبان وابن جرير ~~والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن والضياء ~~المقدسي عن ثمرة ولفظ رواية الطبراني في الكبير عنه: # «ما رأيتم من شيء في الدنيا له لون ولا نبئتم به في الجنة ولا في النار ~~إلا وقد صور لي من قبل هذا الجدار منذ صليت لكم صلاتي هذه، فنظرت إليه ~~مصورا في جدار المسجد (5)». # وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: PageV01P118 # «انكسفت الشمس على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)» الحديث. # وفيه: «والذي نفس محمد بيده لقد أدنيت الجنة مني حتى لو بسطت يدي لتعاطيت ~~من قطوفها، ولقد أدنيت النار مني حتى لقد جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم .. # الحديث (1)». # ولفظ أحمد: «أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، فإذا ~~كسف أحدهما فافزعوا إلى المساجد، فو الذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة حتى ~~لو أشاء لتعاطيت بعض أغصانها، وعرضت على النار حتى إني لأطفئها خشية أن ~~تخشاكم .. # الحديث (2)». # وفي لفظ آخر له وللنسائي قال: فلما صلى قال: «عرضت علي الجنة حتى لو مددت ~~يدي تناولت من قطوفها، وعرضت علي النار، فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرها، ~~ورأيت فيها سارق بدنتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ورأيت فيها أخا بني ~~دعدع سارق الحجيج فإذا فطن له قالوا: هذا عمل المحجم، ورأيت فيها امرأة ~~طويلة سوداء، تعذب في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها، ولم تدعها تأكل من ~~خشاش الأرض حتى ماتت (3)» الحديث. # وفي حديث أحمد عن المغيرة بن شعبة: «إن النار أدنيت مني حتى نفخت حرها عن ~~وجهي فرأيت فيها صاحب المحجن، والذي بحر البحيرة وصاحبة حمير صاحبة الهرة (4)». # ففي هذه الأحاديث رؤيته للجنة والنار وما فيهما، وعرضهما عليه كما تعرض ~~الأشياء والرعية على الملوك لمعرفتها، وتفقد أحوالها، ورؤيته لكل شيء لم ~~يكن رآه قبل، ولكل شيء وعد به ms044 هو أو وعدت به أمته، ولكل شيء تلاقيه أمته ~~في دنياها وآخرتها، ولكل شيء رأوه في الدنيا، وأنبئوا به في الجنة والنار. PageV01P119 # وفي الحديث الأول أنه علم كم خزنة النار، وحملة العرش، وأنه أوتي فواتح ~~الكلم وخواتمه: أي أوائله وأواخره وجوامعه: أي أسراره التي جمعت فيه. # والكلم يحتمل أن يراد به خصوص الكلام العربي، وأن يراد به كل الكلام من ~~جميع اللغات التي لبني آدم، أو التي لسائر الخلائق من جن وإنس وملك وحيوان ~~وغيرها، وهو أظهر لمعرفته بلسان الكل، وبعثته له على القول المرتضى، والله أعلم. # وقد ذكر المحققون من العلماء أن رؤيته (عليه السلام) للجنة والنار في ~~صلاة الكسوف هي رؤية عين، بأن رفعت الحجب بينه وبينها حتى رآهما رؤية ~~حقيقية، وطويت المسافات بينه وبينهما حتى أمكنه أن يتقدم إلى الجنة، وأن ~~يتأخر عن النار، ولا مانع من هذا وهو الأقرب، والأشبه بظاهر الحديث ويؤيده ~~ما ذكروه، ويأتي في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى من أن الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام إذا قالوا: رأينا الجنة أو النار أو غير ذلك، فالمرئي لهم ~~هو الحقيقة دون المثال، بخلاف الولي. # ويؤيده أيضا ما وقع في بعض الروايات المذكورة، من أنه تناول من الجنة ~~عنقودا، وفي الرواية الأخرى: إنه أراد أن يأخذ منها قطفا، وهو اسم لكل ما ~~يقطف، وما وقع في بعضها أيضا من أنهما دنتا أو أدنيتا منه، وأنه جعل ينفخ ~~خشية أن يغشاهم حر النار. # ومنهم من حمل الرؤية (1) فيهما على رؤية المثال، وأنهما مثلتا له وصورتا ~~في قبلة المسجد، كما تنطبع الصورة في المرآة، فرأى جميع ما فيهما، واستدل ~~له بحديث أنس الآتي، وهو في الصحيح: «لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الجنة ~~والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار». # وفي رواية: «والذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا ~~الحائط وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشر». PageV01P120 # وفيه أن هذه قصة أخرى وقعت له في صلاة الظهر، ولا مانع أن يرى الجنة ms045 ~~والنار مرتين بل مرارا عديدة على صور مختلفة. # ومنهم من حملها على العلم، وأن الله عز وجل زاده الآن من العلم بحالهما ~~تفصيلا لم يكن له قبل؛ ليزداد بذلك خوفه ورجاؤه وعلمه، وهو أضعف مما قبله، ~~بل في غاية البعد. # وفي شرح ابن أبي جمرة لمختصره لصحيح البخاري في الكلام على حديث أسماء ~~السابق في الوجه الثالث ما نصه: # قوله (عليه السلام): «ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا»، ~~فيه دليل على أنه (عليه السلام) لم يكن يرى من الغيب جميعه في الزمن ~~المتقدم قبل هذا الموطن إلا البعض، وأنه في هذا الموطن تكملت له الرؤية ~~لتلك الأشياء كلها، ثم تردد في أنه أخبر بجميع الغيوب، أو بما يحتاج به ~~الإخبار إلى أمته، وما يخصه (عليه السلام) في ذاته المكرمة، أو مما أكرمه ~~الله للاطلاع عليه، واستظهر الثاني منهما. # ثم قال في الوجه الخامس: فيه دليل على عظيم قدرة الله تعالى؛ إذ إنه ~~(عليه السلام) رأى في هذه الدار في هذا الزمن اليسير ما لم يره ليلة ~~المعراج في العالم العلوي، ومشاهدة الملكوت، وفيه دليل على أن القدرة لا ~~تتوقف في شيء ممكن؛ لأنه (عليه السلام) رأى في هذا الزمن اليسير أمورا ~~عظام، ثم عقلها جميعا مع إبقاء أوصاف البشرية عليه. # ثم قال في الوجه السادس: قوله (عليه السلام): «حتى الجنة والنار»، هذا ~~اللفظ محتمل لوجهين: # الأول: أن يكون (عليه السلام) أراد أن يخبرهم بأنه عاين كل ما يلقون بعد ~~خروجهم من هذه الدار حتى يستقروا في الجنة أو النار. # الثاني: أن يكون (عليه السلام) أراد أن يخبرهم بعظيم ما رأى من أمور ~~الغيب بذكر الجنة والنار، تنبيها على ذلك؛ لأن الجنة قد روي أن سقفها عرش ~~الرحمن، والنار في أسفل سافلين تحت البحر الأعظم: أي الذي عليه قرار ~~الأرضين، فإذا رأى هذين الطرفين، فمن باب أولى أن يرى ما بينهما، انتهى منه بلفظه. # وقال الكرماني في قوله: «ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته» ms046 ما نصه: PageV01P121 # فإن قلت: هل فيه دلالة على أنه (صلى الله عليه وسلم) رأى في هذا المقام ~~ذات الله تعالى؟ # قلت: نعم إذ الشيء يتناوله، والعقل لا يمنعه، والعرف لا يقتضي إخراجه انتهى. # وعبارته في «إرشاد الساري» في كتاب العلم: «ما من شيء لم أكن أريته» بضم ~~الهمزة: أي مما تصح رؤيته عقلا، كرؤية الباري تعالى، ويليق عرفا مما يتعلق ~~بأمر الدين وغيره «إلا رأيته»: رؤية عين حقيقة حال كوني في مقامي انتهى. # وقال الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق قوله: «في مقامي» يجوز أن يكون ~~المراد به المقام الحسي وهو المنبر، ويجوز أن يكون المراد به المقام ~~المعنوي، وهو مقام المكاشفة والتجلي بالحضارات الخمسة، التي هي عبارة عن ~~حضرة الملك والملكوت والأرواح، والغيب الإضافي، والغيب الحقيقي، فإنه ~~البرزخ الذي له التوجه إلى الكل، كنقطة الدائرة بالنسبة إلى الدائرة، ~~(صلوات الله عليه وسلامه)، ونفحنا من نفحات قدسه بمتابعته انتهى. # وقوله: (وأيضا كشف له عن الجنة في عرض الحائط). # قد تكررت رؤيته (عليه السلام) للجنة والنار يقظة ومناما، ودخوله لهما ~~وإخباره عما فيهما كثيرا، وكثرت الأحاديث الواردة في ذلك. # أخرج أحمد والبخاري في عدة مواضع منها في النكاح، والترمذي عن عمران بن ~~حصين، وأحمد عن عبد الله بن عمرو، وأحمد، ومسلم، والترمذي، عن أنس، وأبو ~~داود الطيالسي وهناد ومسلم والنسائي عن ابن عباس، وابن منده وأبو نعيم عن ~~عبد الرحمن بن حارثة ابن السلمي عن جده رفعوه: «اطلعت في الجنة- يعني ليلة ~~الإسراء أو في النوم أو بالوحي أو بالكشف بعين الرأس أو بعين القلب لا في ~~صلاة الكسوف ولا كما قيل- فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، ~~فرأيت أكثر أهلها النساء» (1). # وفي رواية لعبد الله بن الإمام أحمد في زيادات المسند عن ابن عمرو ابن العاص: PageV01P122 # «فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء». # ورواه أحمد عن أبي هريرة بلفظ: «اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ~~واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء» (1). # وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أسامة بن زيد مرفوعا: «قمت ms047 على باب ~~الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب ~~النار فقد أمر بهم إلى النار وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها ~~النساء» (2). # وأخرج أحمد والشيخان عن أبي هريرة مرفوعا: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي ~~يجر قصبه- يعني أمعاءه- في النار، وكان أول من سيب السوائب». # زاد في رواية: «وبحر البحيرة». # وأخرج أحمد والبخاري في عدة مواضع، ومسلم وابن ماجه عن أبي هريرة، وابن ~~عساكر في تاريخه عن ابن عمر مرفوعا: «بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا ~~امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، ~~فذكرت غيرته، فوليت مدبرا». فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله (3). # وأخرج ابن عساكر عن أنس مرفوعا: «أدخلت الجنة فرفع لي قصر فقلت: لمن هذا؟ # قالوا: لعمر بن الخطاب، فما منعني أن أدخله إلا غيرتك». # قال أبو بكر بن عياش راويه عن حميد عن أنس: فقلت لحميد: في النوم أو في ~~اليقظة؟ # قال: لا بل في اليقظة (4). # وأخرج البخاري من حديث جابر مرفوعا: «رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا ~~بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت ~~قصرا بفنائه PageV01P123 # جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقال: لعمر» الحديث (1). # وأخرج أحمد والترمذي وابن خزيمة في صحيحه من حديث عبد الله بن بريدة عن ~~أبيه وهو بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوما ~~فدعا بلالا فقال: «يا بلال بم سبقتني إلى الجنة إني دخلت الجنة البارحة ~~فسمعت خشخشتك أمامي» الحديث (2). # وأخرج أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة قال: قال نبي الله (صلى الله عليه ~~وسلم) لبلال عند صلاة الفجر: «حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام ~~منفعة؛ فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة» الحديث (3). # ولفظ البخاري عن أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لبلال عند ~~صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف ~~نعليك بين يدي في الجنة» ms048 الحديث (4). # وأخرج الترمذي والحاكم وصححه وتعقب عن أبي هريرة أيضا مرفوعا: «رأيت ~~جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين» (5). # وأخرج الطبراني في الكبير عن جابر مرفوعا: «رأيت خديجة على نهر من أنهار ~~الجنة في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب»، وإسناده صحيح، واقتصار من اقتصر ~~على حسنه تقصير. # وأخرج النسائي والحاكم في المستدرك عن أنس مرفوعا: «دخلت الجنة فسمعت ~~فيها قراءة فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان، كذا لكم البر، كذا لكم ~~البر (6)»: أي له قال: هذه الدرجة بسبب بره لأمه. PageV01P124 # وإسناده صحيح كما في الإصابة. # وأخرج أحمد ومسلم والنسائي عن أنس مرفوعا: «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين ~~يدي فقلت: ما هذه الخشفة؟ فقيل: الخميصاء بنت ملحان يعني أم سليم ~~الأنصارية». # وأخرج البخاري والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه عن أنس أيضا ~~مرفوعا: «بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ- ~~المجوف- قلت للملك: ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله- قال- ثم ضرب ~~بيده إلى طينة، فاستخرج مسكا ثم رفعت لي سدرة المنتهى فرأيت عندها نورا ~~عظيما (1)». # وأخرج ابن عساكر في تاريخه بسند جيد عن عائشة مرفوعا: «ادخلت الجنة فرأيت ~~لزيد بن عمرو بن نفيل درجتين». # وأخرج الطبراني في الكبير بسند حسن عن أبي أمامة مرفوعا: «دخلت الجنة ~~فرأيت على بابها: الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر (2)». # وأخرج الطبراني في الكبير عن أوس بن أوس الثقفي مرفوعا: «بينا أنا جالس ~~إذ جاءني جبريل فحملني فأدخلني جنة ربي، فبينا أنا جالس إذ جعلت في يدي ~~تفاحة فانفلقت التفاحة بنصفين، فخرجت منها جارية لم أر جارية أحسن منها ~~حسنا، ولا أجمل منها جمالا، تسبح تسبيحا لم يسمع الأولون والآخرون بمثله، ~~فقلت: من أنت يا جارية؟ قالت: # أنا من الحور العين، خلقني الله تعالى من نور عرشه، فقلت: لمن أنت؟ ~~فقالت: أنا للخليفة المظلوم عثمان بن عفان (3)». # وخرجه الملائي في سيرته من حديث أنس، وخيثمة بن سليمان من حديث عقبة بن ~~عامر الجهني. # راجع «الرياض النضرة». PageV01P125 # وأخرج ms049 ابن مردويه عن علي بن أبي طالب أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله ~~خبرني بما رأيت في الجنة ليلة أسري بك؟ فقال: يا ابن الخطاب، لو لبست فيكم ~~ما لبس نوح في قومه ألف سنة أحدثكم كما رأيت في الجنة لما فرغت منه ...» ~~الحديث ذكره السيوطي في الجامع في مسند علي. # وهو يدل على أن ما حدث به النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الجنة والنار، ~~والعالم العلوي والسفلي، شيء يسير جدا، بل أقل من القليل بالنسبة لما ~~يعلمه، وأطلع عليه من أحوال ذلك. # وأخرج الحاكم في المستدرك عن أنس قال: «صلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~ذات ليلة صلاة فمد يده ثم أخرجها فسألناه عن ذلك؟ فقال: إنه عرضت علي ~~الجنة، فرأيت فيها أغصان دالية، قطوفها دانية، فأردت أن أتناول منها شيئا، ~~وعرضت على النار فيما بينكم وبيني حتى رأيت ظلي وظلكم فيها (1)». # وأخرج أيضا عن ابن مسعود رفعه: «إنه عرضت علي الجنة، فرأيت فيها دالية ~~قطوفها دانية، فأردت أن أتناول منها شيئا، فأوحي إلي أن استأخر، فاستأخرت، ~~وعرضت علي النار فيما بينكم وبيني حتى رأيت ظلي وظلكم فيها، فأومأت إليكم ~~أن استأخروا، فأوحي إلي أن أقرهم ... الحديث». # وأخرج أبو يعلى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بينا نحن في ~~صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فتقدمنا معه، ثم تناول ~~شيئا ليأخذه، ثم تأخر فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب: يا رسول الله، ~~صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما كنت تصنعه؟ قال: # إنه عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفا من ~~عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه ما بين السماء ~~والأرض لا ينقص منه». # ذكره ابن كثير في تفسيره. # وأورده في الجمع من عند أحمد، وعبد بن حميد، وأبي يعلى، والشاشي، والضياء عن PageV01P126 # جابر بلفظ: «عرضت علي الجنة بما فيها من النضرة، فتناولت منها قطفا من ~~عنب لآتيكم به، ms050 فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء ~~والأرض ولا ينقص، ثم عرضت علي النار، فلما وجدت سفعها تأخرت عنها» الحديث. # وأخرج أحمد، والحاكم في المستدرك، والضياء المقدسي من طريق الطفيل بن أبي ~~بن كعب عن أبيه مرفوعا: «عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة، ~~فتناولت قطفا من عنبها لآتيكم به، ولو أخذته لأكل منه من بين السماء والأرض ~~لا ينقصونه، فحيل بيني وبينه، وعرضت علي النار، فلما وجدت حر شعاعها تأخرت» ~~الحديث (1). # وأخرج مسلم من حديث أنس أنه (عليه السلام) قال: «والذي نفس محمد بيده لو ~~رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا». قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ ~~قال: «رأيت الجنة والنار» (2). # وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والترمذي وقال: حسن صحيح، واللفظ له والنسائي ~~والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، وابن جرير، وابن مردويه عن حذيفة بن ~~اليمان قال: «أتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)- يعني ليلة الإسراء- ~~بدابة طويلة الظهر ممدودة هكذا خطوه مد بصره، فما زايلا ظهر البراق حتى ~~رأيا الجنة والنار ووعد الآخرة أجمع ثم رجعا عودهما على بدئهما قال: ~~ويتحدثون أنه ربطه لم يفر منه وإنما سخره له عالم الغيب والشهادة (3)». # وفي لفظ عن حذيفة أنه حدث عن ليلة أسري برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~فقال: «ما زايل البراق حتى فتحت له أبواب السماوات، فرأى الجنة والنار ووعد ~~الآخرة أجمع، ثم عاد». # ولفظ ابن مردويه كما في الدر المنثور: «فأري ما في السماوات وما أري في ~~الأرض ... # الحديث». PageV01P127 # وفي الجمع للسيوطي: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل، يضع حافره حيث ~~منتهى طرفه، فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس، ففتحت لي ~~أبواب السماء، ورأيت أبواب الجنة والنار». # رواه أحمد وابن أبي عمر وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والضياء عن حذيفة انتهى. # وأخرج أحمد والبخاري في عدة مواضع منها في الصلاة والرقاق والفتن ~~والاعتصام، ومسلم في المناقب في فضائل النبي (صلى الله عليه وسلم)، ~~والترمذي في التفسير، والنسائي في الرقائق، ms051 وغيرهم، واللفظ للبخاري عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) خرج حين زاغت الشمس، ~~فصلى الظهر، فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورا ~~عظام ثم قال: «من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فو الله لا تسألوني عن ~~شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا، قال أنس: فأكثر الناس البكاء، ~~وأكثر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يقول: # «سلوني سلوني؟» قال أنس: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: # «النار» فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: «أبوك ~~حذافة»، ثم أكثر أن يقول: «سلوني سلوني؟»، فبرك عمر على ركبتيه وقال: رضينا ~~بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد (صلى الله عليه وسلم) رسولا، قال: فسكت ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم): «أو لي؟ والذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا ~~في عرض هذا الحائط، وأنا أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر (1)». # هكذا أورده في باب ما يكره من كثرة السؤال من كتاب الاعتصام، وساقه أيضا ~~بنحوه في باب وقت الظهر من كتاب الصلاة، وأورده في باب التعوذ من الفتن من ~~كتاب الفتن بلفظ عن أنس رضي الله عنه قال: # سألوا النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى أحفوه بالمسألة فصعد النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) ذات يوم المنبر فقال: «لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم». # ولفظ رواية مسلم: «لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم»، فلما سمع ذلك ~~القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يديه أمر قد حضر. PageV01P128 # ثم قال البخاري في روايته عن أنس: فجعلت أنظر يمينا وشمالا، فإذا كل رجل ~~رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان إذا لاح يدعى إلى غير أبيه فقال: يا نبي ~~الله من أبي؟ فقال: # «أبوك حذافة»، ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، ~~وبمحمد ms052 رسولا، نعوذ بالله من سوء الفتن، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): ~~«ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إنه عرضت لي الجنة والنار حتى رأيتهما ~~دون الحائط». # وفي رواية مسلم: «لم أر كاليوم قط في الخير والشر، إني صورت لي الجنة ~~والنار فرأيتهما دون هذا الحائط». # وأورده البخاري أيضا في باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، ولفظه فيه ~~عن أنس ابن مالك قال: صلى بنا النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم رقي المنبر ~~فأشار بيده قبل قبلة المسجد، ثم قال: # «لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار، ~~فلم أر كاليوم في الخير والشر ثلاثا». # وفي لفظ لمسلم في الفضائل عن أنس بن مالك: بلغ رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) عن أصحابه شيء فخطب فقال: «عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في ~~الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» الحديث. # وقد ذكره السيوطي في جامعه الصغير من عنده، فقال شارحه المناوي في «فيض ~~القدير» ما نصه: (1) # وقد تجلى له (صلى الله عليه وسلم) الكون كله، وزويت له الأرض بأسرها، ~~فأري مشارق الأرض ومغاربها، وكل ذلك عند اندراج المسافات في حقه انتهى. # قلت: وقوله: (في عرض هذا الحائط) العرض بضم العين: الجانب. # وقيل: الوسط. # وقيل: الجهة. PageV01P129 # وعرض الجنة والنار عليه في الحائط يحتمل أن يكون حقيقة، وأنه (عليه ~~السلام) رآهما من ذلك الموضع، كما يقال: رأيت الهلال في منزلي في الطاق، ~~والمراد من موضع الطاق، ويدل له قوله في الحديث الآخر: «فتناولت منها قطفا ~~من عنب»، لكن هذه رؤية أخرى في صلاة الكسوف غير هذه الرؤية أنها في صلاة ~~الظهر، ويحتمل أن يكون مجازا من باب التمثيل، وأنه ضرب له (صلى الله عليه ~~وسلم) مثلهما، وشرح له أمرهما بأمر أريه في الحائط وجهته ويدل عليه رواية ~~مثلث لي، وصورت لي، والقدرة صالحة لكليهما. # وقد قال الأبي في شرح مسلم قال القرطبي: ظاهر أحاديث الكسوف أنه (صلى ~~الله عليه وسلم) ms053 رأى الجنة حقيقة؛ لتناوله العنقود، والنار؛ لتأخره مخافة ~~أن يصيبه لهبها، ولقوله (صلى الله عليه وسلم): رأيت فيها فلانا وفلانا. # وظاهر هذه الأحاديث يعني أحاديث صلاة الظهر أنها صورت له (صلى الله عليه ~~وسلم)، ولا إحالة في ذلك، كما تصور الأشياء في الأجسام الصقيلة، فإن قلت: ~~الحائط ليس بصقيل، قيل: # الصقالة شرط عادي لا عقلي، فيجوز أن تنخرق له العادة فتمثل له في الحائط انتهى. # وقال (صلى الله عليه وسلم): «ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي ~~هذا حتى الجنة والنار» الحديث (1). # والأخبار كثيرة متواترة حتى لا يكاد أن يرتاب فيها أحد من المسلمين ~~والسلام. # انتهى. # وقوله: (كوشف عن الذي في قبره يعذب). # وأخرج أحمد وابن حبان في «صحيحه» عن أبي أمامة: إن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) مر على قبرين، فقال: «إنهما ليعذبان الآن ويفتنان في قبريهما. قالوا: ~~وحتى متى هما يعذبان؟ قال: غيب لا يعلمه إلا الله، ولو لا تمزع قلوبكم ~~وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع». # ذكره بهذا اللفظ في «جمع الجوامع» وعزاه لمن ذكر، وذكره المنذري في ~~«الترغيب» PageV01P130 # بلفظ آخر، وقال: رواه أحمد واللفظ له وابن ماجه كلاهما من طريق علي بن ~~يزيد الألهاني عن القاسم، يعني ابن عبد الرحمن الشامي عنه، يعني عن أبي أمامة. # قلت: ولفظ أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، حدثني علي بن ~~يزيد قال: سمعت القاسم أبا عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة قال: «مر النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) في يوم شديد الحر نحو بقيع الغرقد، قال: فكان الناس ~~يمشون خلفه قال: فلما سمع صوت النعال وقر ذلك في نفسه، فجلس حتى قدمهم ~~أمامه؛ لئلا يقع في نفسه شيء من الكبر، فلما مر ببقيع الغرقد إذا بقبرين ~~قد دفنوا فيهما رجلين- قال- فوقف النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: # «من دفنتم هاهنا اليوم؟» قالوا: يا نبي الله فلان وفلان. قال: «إنهما ~~ليعذبان الآن ويفتنان في قبريهما». قالوا: يا رسول الله، فيم ذلك؟ قال: ~~«أما أحدهما فكان لا ms054 يتنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة». وأخذ ~~جريدة رطبة فشقها ثم جعلها على القبرين قالوا: يا نبي الله، ولم فعلت؟ قال: ~~«ليخففن عنهما». قالوا: يا نبي الله وحتى متى- يعني إلى متى يعذبهما الله؟ ~~قال: «غيب لا يعلمه إلا الله». قال: «ولو لا تمزيع قلوبكم أو تزيدكم في ~~الحديث لسمعتم ما أسمع» (1). # وعلي بن يزيد هذا اختلف فيه، ووثقه ابن معين والجوزجاني والترمذي وصحح ~~له، وقال العجلى: ثقة يكتب حديثه، وليس بالقوي. # وابن ماجه رواه في باب من كره أن يوطأ عقباه من أبواب قصر العلم ~~والعلماء، إلا أنه اقتصر على صدره إلى قوله: من الكبر. # وقوله: (لئلا يقع في نفسه شيء من الكبر) معناه في نفس من وقع له مثل ~~هذا؛ لأنه (عليه السلام) معصوم، فهو من التنبيه على ضعف حالة البشر، وأنهم ~~محل للآفات كلها إلا من عصمه الله تعالى. # وأيضا أبصر الملك على صورته التي خلق فيها. # مرتبة عالم المثال وهي عبارة عن الأشياء الكونية المركبة اللطيفة التي لا ~~تقبل التجزئة والتبعيض ولا الخرق والالتئام. PageV01P131 # وقال في «نقش النصوص»: العالم المثالى هو عالم روحاني من جوهر نوراني، ~~شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريا، وبالجوهر المجرد العقلي في ~~كونه نورانيا، وليس بجسم مركب مادي، ولا جوهر مجرد عقلي؛ لأنه برزخ وحد ~~فاصل بينهما، وكل ما هو برزخ بين الشيئين لا بد وأن يكون غيرهما، بل له ~~جهتان يشبه بكل منهما ما يناسب عالمه، إلا أن يقال: إنه جسم نوراني في غاية ~~ما يكون من اللطافة، فيكون حدا فاصلا بين الجواهر المجردة اللطيفة وبين ~~الجواهر الجسمانية المادية الكثيفة، وإن كان بعض من هذه الأجسام أيضا ألطف ~~من بعض، كالسماوات بالنسبة إلى غيرها، فليس بعالم عرضي كما زعم بعضهم؛ ~~لزعمه أن الصور المثالية منفكة عن حقائقها، كما زعم في الصور العقلية، ~~والحق أن الحقائق الجوهرية موجودة في كل من العوالم الروحانية والعقلية ~~والخيالية، ولها صور بحسب عوالمها انتهى. # وقال آخرون: عوالم المثال عالم لطيف بالنسبة إلى الأجرام، كثيف ms055 بالنسبة ~~إلى الأرواح، فهو برزخ بين عالمي المجردات والأجسام؛ لتجرده عن المواد، ~~كالمجردات، وامتداده كامتداد الأجسام، غير قابل للفصل والوصل، مثل قبول هذه ~~الأجسام. # وقال: هذه العبارات واحد، سمي بالعالم المثالي؛ لكون أول مثال صوري لما ~~في الحضرة العلمية الإلهية من صور الأعيان والحقائق، ولكونه مشتملا على صور ~~ما في العالم الجسماني من عرش وكرسي وسماوات وأرضين، وما في جميعها من ~~الأملاك وغيرها، وليس هناك معنى من المعاني الممكنة، ولا روح من الأرواح ~~إلا وله صورة مثالية مطابقة لما هو عليه؛ إذ لكل منها نصيب من الاسم ~~الظاهر، وكل ما له وجود في العالم الحسي هو في العالم المثالى دون العكس. # ولذلك قال أرباب الشهود: إن العالم الحسي بالنسبة للعالم المثالي كحلقة ~~ملقاة في بيداء، لا نهاية لها، والأصل في وجوده الكتاب والسنة والكشف ~~الصحيح. # أما الكتاب: فقوله تعالى: @QUR@07 فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا ~~سويا [مريم: 17]. # وأما السنة: فأحاديث كثيرة، منها قوله في حديث بدء الوحي في البخاري وغيره: PageV01P132 # «وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول (1)». # واستدل البيهقي لذلك بما أخرجه الشيخان عن عائشة أن الحارث بن هشام رضي ~~الله عنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله، كيف ~~يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أحيانا يأتني مثل ~~صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل ~~لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول». # قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد ~~البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا (2). # فهذا الحديث ونحوه صريح في أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان ينتقل من ~~حالته المعروفة إلى حالة تستلزم الاستغراق والغيبة عن الحالة الدنيوية، حتى ~~ينتهي الوحي ويفارقه الملك. # قال السراج بن البلقيني: هي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت، ~~فهو مقام برزخي يحصل له عند تلقي الوحي، ولما كان البرزخ العام ينكشف فيه ~~للميت كثير من الأحوال، ms056 خص الله نبيه ببرزخ في الحياة يلقي الله فيه وحيه، ~~المشتمل على كثير من الأسرار، وقد يقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم ~~أو غيره، اطلاع على كثير من الأسرار، وذلك مستمد من المقام النبوي، ويشهد ~~له حديث: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة (3)» انتهى. # ويشهد له حديث مجيء الملك بسورة (اقرأ) حيث قال: «فغطني حتى بلغ مني ~~الجهد (4)»: أي بلغ الغط مني غاية وسعي. # ومنه الغط في الماء، وكأنه أراد ضمني وعصرني، أخرجه الشيخان. PageV01P133 # وحديث: «فأخذ بحلقي (1)»: أي ضمني وخنقني، أخرجه أبو داود الطيالسي في ~~مسنده بسند حسن. # وأما الكشف فأجمع العارفون بالله على إثباته كشفا وشهودا خلافا لمن أنكره ~~مستدلا على إنكاره بطريق النظر والعقل، ثم هو عند من أثبته قسمان: قسم ~~يشترط في إدراكه القوة المتخيلة، المتصلة بنشأة الإنسان، فلا يدرك إلا بها، ~~ويذهب بذهابها، ويسمى مثالا مقيدا، ومثالا متصلا، وهو نوعان: نوع مقيد ~~بالنوع، ونوع غير مقيد به، ولكنه مشروط بحصول غيبة وفتور ما في الحس، كما ~~في الواقعات المشهورات للصوفية، وأول ما يراه الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام من الوحي إنما هو الصور المثالية المرئية في النوم والخيال، ثم ~~يترقون إلى رؤية الملك في المثال المطلق أو المقيد في غير حال النوم، لكن ~~مع فتور في الحس. # وقسم لا يشترط فيه ذلك، أعني القوة المتخيلة، فيحصل بدونها، ولا يذهب ~~بذهابها، ويسمى مثالا مطلقا، ومثالا منفصلا، وهو حضرة ذاتية قابلة دائما ~~للمعاني والصور، فتجدها بخاصيتها لا يكون غير ذلك. # ومن هذا القسم الثاني وهو المطلق الصور المرئية في المرايا ونحوها من ~~الأجسام الصقيلة، وتشكل الملك كجبريل (عليه السلام) بمثل صورة دحية الكلبي ~~أو غيره، والأنبياء والأولياء بمثل أشكالهم العنصرية، وتصور الأعمال ~~الصالحة بصور حسنة جميلة، والسيئة بصور ظلمانية قبيحة، والأنبياء والكمل ~~أكثر ما يرون الأشياء ويشاهدونها في حضرة المثال المطلق، وكل ما يرى فيها ~~لا بد أن يكون حقا مطابقا للواقع: أي للصورة الخارجية من غير اختلال، ومن ~~ثم لا يحتاج فيها إلى تعبير ms057 بخلاف حضرة المثال المقيد، فشأنها أن يعبر عن ~~الصورة الممثلة فيها إلى المعاني المقصودة منها، فمن ثم تحتاج إلى التعبير ~~في الغالب، وهو الجواز من صورة ما رأى إلى أمر آخر، وهو المعنى المراد بها. PageV01P134 ### ||| النور الرابع وهو نور النبوة: # فهو ما له ظهر من الآيات، وما تحدى به من المعجزات، ثم ما أدرك من النوع ~~الأكمل. هذا كشف له به عن مقام النبوءة، وأظهر الله به قدره ومكانه. # * قلت: قال ابن دحية: النبي: يهمز ولا يهمز، فالنبي بلا همزة معناه: ~~الرفيع الشأن، العالي الأمر، أخذ من النباوة: وهي ما ارتفع من الأرض، ومن ~~جعله من النبإ بهمزة؛ لأنه ينبئ عن الله تعالى، أي: يخبر، فهو منبئ، أو ~~لأنه تنبأ هو بالوحي، وقد همزه نافع في جميع القرآن، وقال العباس بن مرداس ~~السلمي: # يا خاتم النباء إنك مرسل %~% بالحق كل هدى السبيل هداكا # إن الإله بنى عليك محبة %~% من خلقه ومحمدا سماكا # وهذا البيت، والاشتقاق، وقراءة أهل المدينة تثبت فيه الهمزة، وترك همزة ~~على التخفيف، فمن جعل التخفيف فيه لازما، وهو قراءة الأكثرين قال: في جمعه، ~~أنبياء، مثل تقي وأتقياء، ووصي وأوصياء. # قال النحوي، العالم أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل في كتاب: ~~«الاشتقاق» له: # وسمعت علي بن سليمان يقول: الأولى في العربية في «نبي» ترك الهمز، ويدل ~~على ذلك القرآن، وذلك قوله عز وجل: @QUR@011 ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون الأنبياء بغير حق [آل عمران: 112]، فهذا جمع غير مهموز، كما ~~يقال: صفي وأصفياء، ولو كان مهموزا لقلت في جمعها: نباء، كما تقول: كرماء ~~في جمع كريم. # ولم يأت القرآن الكريم بنبإ، وإنما جاء في شعر عباس بن مرداس. # وقيل: النبي «الطريق» سمي بذلك لأنه «الطريق» إلى الله، وسمي رسل الله ~~أنبياء لأنهم «الطرق» إلى الله، إلا أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاP ~~لأن الرسول هو المرسل للأمة من قبل الله عز وجل، داعيا إليه، وصادعا ~~بالدلالة عليه، ومرشدا إلى كليات المصالح العامة التي يستقيم بها ms058 نظام ~~الدنيا، وينال الفوز الأكبر في العقبى، ناسخا بشرعته لشرعة PageV01P135 # من تقدمه من الرسل (صلوات الله عليهم أجمعين)، وهو مخاطب من الله جل ~~جلاله، ومخبر عنه إما بوساطة الملك كفاحا، وإما من وراء حجاب صراحا، وهو ~~سماع الكلام القديم كما سمعه موسى (صلى الله عليه وسلم) بنص القرآن العظيم، ~~ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) بنص الحديث الكريم. # والوحي على ضروب: فمنه هذا، ثم وحي رسالة بواسطة ملك، ووحي تلق بالقلب ~~كما ذكر عن داود (عليه السلام)، والرسول يعم البشر والملائكة، والنبي يخص ~~البشر، وقد جاء بذلك القرآن العظيم. # وأما النبي فهو المبلغ عن الله عز وجل للأمة التي هو من جملة شيعة ~~رسولها، واتباعه ما يؤمر بتبليغه إليها من بشارة ونذارة إما بإلهام، أو ~~منام، أو مخاطبة بعض الملائكة الكرام (عليهم السلام)، وليس له نسخ شيء من ~~شرعة من تقدمه. # وأما قوله جل من قائل: @QUR@03 محمد رسول الله [الفتح: 29]. # وكذلك: @QUR@010 وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل [آل عمران: 144]. # وكذلك: @QUR@07 ما كان محمد أبا أحد من رجالكم [الأحزاب: 40]. # وقول عيسى: @QUR@08 ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد [الصف: 6]. # @QUR@011 وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم [محمد: 2]. # فإنما أراد جل وعلا تعريفه بالاسم؛ ليعلم من جحده أن أمره وكتابه هو ~~الحق، ولأنهم لم يعرفوه إلا بمحمد ولو لم يسمه لم يعلم اسمه من الكتاب ~~العزيز، مع أن اسمه مشتق من اسم الله عز وجل كما مدح به: # وشق له من اسمه ليجله %~% فذو العرش محمود وهذا محمد # ولم يواجهه في القرآن العظيم باسمه؛ بل ناداه فيه بالنبوة والرسالة. # وناداه باللطف: @QUR@03 يا أيها المزمل [المزمل: 1]. # و@QUR@03 يا أيها المدثر [المدثر: 1]. # وناداه بالرمز بقوله جل من قائل: @QUR@01 طه [طه: 1]. PageV01P136 # وقال الحرالي: النبوة الخاصة به (صلى الله عليه وسلم) هي نبوة الرفعة ~~المشتقة من نبوة الأرض، وهو ما ارتفع منها، فلرفعته في وجوه الرفعة كلها ~~عروجا وتدليا رفعة إحاطة لا رفعة اختصاص كان (صلى الله عليه وسلم) نبي ~~النبوة التي ms059 هي علو، وعلت نبوته عن أن تكون خبرا من النبأ؛ لاستغنائه ~~بالعلم عن الخبر، ولذلك والله أعلم لما قيل له: يا نبيء الله (بالهمزة) ~~قال: «لست بنبيء الله؛ أنا نبي الله (1)»، فبين اختصاصه بنبوة العلو ~~والرفعة، وتنزهه عن نبوءة النبأ والإخبار، الذي هو حظ من لا علم له بما نبئ به. # فلما علمه الله ما لم يكن يعلم كان (صلى الله عليه وسلم) نبي علو، لما ~~انتهى إليه علمه إلى الغاية الجامعة المحيطة فكان العالم بالحق الأعلم ~~بالله، كانت نبوة تماما، فكان النبي المكمل بما يشير إليه الدوم كلمة (ال). # فإذا أطلق اسم النبي اختص به هو (صلى الله عليه وسلم)، وإلا قيل: نبي بني ~~إسرائيل، ونبي بني فلان. # فهو النبي المحيط النبوة، الذي كل النبوة من نبوته، السابق في النبوة، ~~كما قال (صلى الله عليه وسلم): # «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين (2)»، وهو (صلى الله عليه وسلم) النبي ~~بما أوحى إليه ربه ما أوحى بلا واسطة ملق ولا مبلغ، المنتهي في النبوة إلى ~~جمع علو السمع، والعين المنتهية إلى الوجد العلي الذي هو به نور كله، قلبه ~~وقبره وشعره وبشره ولحمه وعظمه ودمه، حتى كان (صلى الله عليه وسلم) طاهر ~~الدم طاهر جميع الفضلات بما هو نور كله، فهو النبي مطلقا في ذاته نور، وفى ~~بيانه إنارة. # قال السبكي: أرسل للخلق كافة من لدن آدم، والأنبياء قبله بعثوا بشرائع ~~معينات، فهو نبي الأنبياء، وأرسل إلى الجن بالإجماع وإلى الملائكة في أحد ~~القولين، رجحه السبكي. # زاد المازري: وإلى الجمادات والحيوانات والحجر والشجر، وبعث رحمة ~~للعالمين حتى PageV01P137 # الكفار بتأخير العذاب عنهم، ولم يعاجلوا بالعقوبة كسائر الأمم المكذبة، ~~وبأن الله أقسم بحياته وأقسم على رسالته، وتولى الرد على أعدائه، وخاطبه ~~بلطف ما خاطب به الأنبياء، وقرن اسمه باسمه في كتابه، وفرض على العالم ~~طاعته والتأسي به فرضا مطلقا لا شرط فيه ولا استثناء، ووصفه في كتابه عضوا ~~عضوا، ولم يخاطبه في القرآن باسمه، بل: يا أيها النبي يا أيها الرسول، وحرم ~~على ms060 الأمة نداءه باسمه. # وكره الشافعي أن نقول في حقه: (الرسول) بل (رسول الله)؛ لأنه ليس فيه من ~~التعظيم ما في الإضافة، وفرض على من ناجاه أن يقدم بين يدي نجواه صدقة ثم ~~نسخ ذلك، ولم يره في أمته شيئا يسوؤه حتى قبضه بخلاف سائر الأنبياء، وبأنه ~~حبيب الرحمن، وجمع له بين المحبة والخلة، وبين الكلام والرؤية، وكلمه عند ~~سدرة المنتهى، وكلم موسى على الجبل، قاله ابن عبد السلام. # وجمع بين القبلتين والهجرتين، وجمع له بين الحكم بالظاهر والباطن معا، ~~ونصر بالرعب مسيرة شهر أمامه وشهر خلفه، وأوتي جوامع الكلم، وأوتي مفاتيح ~~خزائن الأرض على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس، وكلم بجميع أصناف الوحي، عد ~~هذه ابن عبد السلام. # وهبط عليه إسرائيل ولم يهبط على نبي قبله، عد هذه ابن سبع، وجمع له بين ~~النبوة والسلطان، عد هذه الغزالي في الإحياء. # وأوتي علم كل شيء إلا الخمس التي في قوله تعالى: @QUR@05 إن الله عنده ~~علم الساعة [لقمان: 34]. # وقيل: إنه أوتيها وأمر بكتمها، والخلاف حار في الروح أيضا، وبين له أمر ~~الدجال ما لم يبن لأحد، ووعد بالمغفرة، وهو يمشي حيا صحيحا. # قال ابن عباس: ما أمن الله أحدا من خلقه إلا محمدا. # قال: @QUR@010 ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 2]. # وقال الله تعالى للملائكة: @QUR@011 ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم [الأنبياء: 29]. PageV01P138 # وقال عمر بن الخطاب: «والله ما تدري نفس ما ذا مفعول بها، ليس هذا إلا ~~للرجل الذي قد بين له أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» (صلى الله ~~عليه وسلم)، أفرده الحاكم، ورفع ذكره؛ فلا يذكر الله جل جلاله في أذان ولا ~~خطبة ولا تشهد إلا ذكر معه، وعرض عليه أمته بآخرهم حتى رآهم، وعرض عليه ما ~~هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة. # قال الأسفراييني: وعرض عليه الخلق كلهم من لدن آدم فمن بعده، كما علم ~~أسماء كل شيء، وهو سيد ولد آدم (1)، وأكرم الخلق على الله، ms061 فهو أفضل من ~~سائر المرسلين، وجميع الملائكة المقربين، وكان أفرس العالمين، عد هذه ابن ~~سراقة، وأيد بأربعة وزراء: # جبريل وميكائيل وأبي بكر وعمر، وأعطي من أصحابه أربعة عشر نجيبا، وكل نبي ~~أعطي سبعة، وأسلم قرينه، وكان أزواجه عونا له، وأصحابه أفضل العالمين إلا ~~النبيين وكلهم يجتهدون. # ولهذا قال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم (2)»، ومسجده أفضل ~~المساجد، وبلده أفضل البلاد بالإجماع، فيما عدا مكة على أحد القولين فيها ~~وهو المختار، وتربتها مؤمنة، وغبارها يطفئ الجذام، ونصف أكراش الغنم فيها، ~~مثل ما عليها في غيرها من البلاد، ولا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وصرف ~~الحمى عنها أول ما قدمها، ونقل حماها إلى الجحفة، ثم لما أتاه جبريل بالحمى ~~والطاعون أمسك الحمى بالمدينة، وأرسل الطاعون إلى الشام، ولما عادت الحمى ~~إلى المدينة باختياره إياها لم تستطع أن تأتي أحدا من أهلها، حتى جاءت وقفت ~~ببابه واستأذنته فيمن يبعثها إليه، فأرسلها إلى الأنصار (3)، وأحلت له مكة ~~ساعة من نهار، وحرم ما بين لابتي المدينة. # وقال المازري والقاضي عياض: لا تقتل حيات المدينة التي للنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) إلا بإنذار، والحديث الوارد في إيذان الحيات خاص بها، ويسأل عنه ~~الميت في قبره، واستأذن ملك PageV01P139 # الموت عليه ولم يستأذن على نبي قبله، والبقعة التي دفن فيها أفضل من ~~الكعبة ومن العرش، ويحرم التكني بكنيته، والتسمي باسمه محمد، والتسمي ~~بالقاسم؛ لئلا يكنى أبوه أبا القاسم، حكاهما النووي في شرح مسلم (1)، ~~ويجوز أن يقسم على الله به (2)، وليس ذلك لأحد، ذكر هذه ابن عبد السلام، ~~ولم تر عورته قط، ولو رآها أحد طمست عيناه، وذكر المازري في توثيق عرى ~~الإيمان من خصائصه: أنه لخواص الأنبياء وأنه نبي الأنبياء، وأنه ما من نبي ~~إلا وله خاصة نبوة من أمته إلا وفي هذه الأمة عالم من علمائها يقوم في قومه ~~مقام ذلك النبي في أمته وينحو منحاه في زمانه، ولهذا ورد: «علماء أمتي ~~كأنبياء بني إسرائيل (3)». # وورد: «أن العالم في قومه كالنبي في أمته (4)». # ومن خواصه أن سماه الله عبد ms062 الله ولم يطلقها على أحد سواه وإنما قال: ~~@QUR@04 إنه كان عبدا شكورا [الإسراء: 3]، @QUR@02 نعم العبد [ص: 30]. # ومن خواصه: أنه ليس في القرآن ولا غيره صلاة من الله على غيره، فهي خصيصة ~~اختصه الله بها دون سائر الأنبياء انتهى. ### ||| النور الخامس وهو نور النشأة: # فهو الذي كشف له مكانته وعناية الله به وحفظه، وما فعلت الملائكة به ~~وتطهيره، وشق بطنه، واتصافه بما يجب، وكونه كان يتيما محفوظا حتى إن أمه ~~الأولى حدثت عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يسبح في بطنها وعند ولادته ~~تعنى وبعدها وأمه أعني أم تربيته كذلك PageV01P140 # كانت تقول: إذا أكلت الطعام المختلف فيه لا يشرف لبنها. # وجملة الأمر كان مجموع قرائن أحوال رسول الله (صلى الله عليه وسلم). # * قلت: قال الشيخ الكتاني: جرت المشيئة الإلهية الأزلية بإيجاد الإنسان ~~الكامل أولا وبالذات من الذات الأحدية، وجعله أصلا ومنبعا لجميع العوالم ~~الخلقية، ومادة ممدة لكل ذرة من ذرات البرية، فكان منه الأمر والخلق، وكل ~~جمع وفرد، ومنه المبدأ وإليه المنتهي وفيه كل ما يرام ويشتهى والمفاض عليه ~~سر الذات والمحلى بحلي الصفات، والمسمى بالأسماء العلية، والمخلوق على ~~الصورة الجليلة البهية، والمعلم بلا واسطة، والمقرب بدون رابطة، والمعنى ~~دون غيره حقيقة بالخطاب، والمنزل عليه أصالة كل ما أنزل من كتاب. # فهو رسول الرسل ونبي الأنبياء، هو المبعوث إلى كل من تقدم أو تأخر من ~~الأمم وسائر البرية وجميع الأصفياء والمعطى جزاما والخليفة، المفوض إليه ~~أمر العوالم كلها وفاقا بين المحمديين من أهل الله لا خلافا، أشرف ~~الموجودات مكانة ومكانا، وأعلاها وأسماها منزلة ومنزلا وأولاها، أدار الله ~~عليه رحى مخلوقاته، وجعله قطب فلك جميع مصنوعاته، فكان لهذا العالم الكوني ~~القطب الأصلي والأب الحقيقي لكل موجود منه فرعي أو أصلي، والقطبية لغيره ~~بحكم النيابة عنه والعارية، والكل في قبضته وتحت ولايته الممتدة والسارية. # وقد غسل قلبه (صلى الله عليه وسلم) بعد ما شق بماء النسيم في طست من ذهب ~~مملوء ثلج؛ فهو أنقى الخلق وأتقاها، استخرجا قلبه (صلى الله عليه وسلم) ms063 ~~ملكان عظيمان أجل الملائكة، فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء، فطرحاها، ثم ~~غسلا قلبه وبطنه بذلك الثلج حتى أنقياه. # ورأت أمه حين وضعته نورا خرج منها أضاءت له قصور بصري، ولم تجد في حملها ~~به ما تجده النساء من المشقة، وإنما عرفت حملها به بإخبار ملك أتاها بين ~~النوم واليقظة، وبشرها بأنها حملت بسيد هذه الأمة ونبيها، مع ارتفاع ~~حيضتها، وانتقال النور الذي كان في وجه عبد الله والده إلى وجهها. # وحصلت ليلة مولده إرهاصات كثيرة منها: PageV01P141 # خمود نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام. # وارتجاج إيوان كسرى حتى انشق وسقطت منه أربع عشرة شرافة. # وغيض بحيرة ساوة. # وتنكس جميع الأصنام، وكذا انتكست عند الحمل به. # ومات أبوه عبد الله وأمه حامل به على الصحيح الذي عليه أكثر العلماء. # ولهذا كان المسمى له بمحمد، والعاق عنه بشاة يوم سابع ولادته: جده عبد ~~المطلب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ### ||| النور السادس وهو نور السابقة: # فكونه في الأول أريد بذلك، فإنه قد أخبر أنه سيد ولد آدم، وكان وكل ذلك ~~عن الله، وخبر الله لا يتغير، وكذلك علمه لا يتبدل وأيضا كونه قال: «كنت ~~نبيا وآدم بين الماء والطين»، فكشف له هذا الطين أنه كان مشتهر ما بين ~~الأنبياء في الأزل قبل الكون وأظهر أنه نبي، وهو ممكن الوجود وقبل كونه، ~~وهذه أيضا سابقة ثانية. # وكذلك اسمه في اللوح إذا أرادت الملائكة ترحم عباد الله وتدعو الله فيهم ~~لكي يدفع أو يرفع عنهم العذاب النازل- قصدوه وتوسلوا له به. ذكر ذلك ابن ~~شوع ورفعه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # * قلت: قال الشيخ الكتاني: روى مسلم في المناقب، وأبو داود في السنة عن ~~أبي هريرة: # «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأنا أول ~~شافع وأول مشفع (1)». # وحديث أحمد، والترمذي في المناقب وقال: حسن صحيح، وابن ماجه عن أبي سعيد PageV01P142 # الخدرى: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدى لواء الحمد ولا ~~فخر، ما ms064 من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائى، وأنا أول من تنشق عنه ~~الأرض ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفع ولا فخر (1)». # وحديث الدارمي، والترمذي مختصرا وقال غريب عن أنس مرفوعا: # «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا ~~أنصتوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا (2)». # وفي رواية: «أيسوا الكرامة، والمفاتيح يومئذ بيدي، ولواء الحمد يومئذ ~~بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف علي ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ ~~منثور». # وحديث الطبراني في «الكبير» عن عبد الله بن سلام: «أنا سيد ولد آدم يوم ~~القيامة ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأول شافع ومشفع، لواء ~~الحمد بيدى يوم القيامة تحتي آدم فمن دونه». # وحديث الديلمي عن ابن عباس: «وأنا سيد الأولين والآخرين من النبيين ولا فخر». # وحديث البيهقي في «فضائل الصحابة»، والحاكم في «المستدرك» وصححه وتعقب: # «أنا سيد العالمين». # وحديث الدارمي بسند رجاله ثقات، والبخاري في «تاريخه»، والطبراني في ~~«الأوسط» والبيهقي، وأبي نعيم عن جابر، وابن عساكر في «تاريخه» عن أبي ~~هريرة: «أنا قائد المرسلين ولا فخر» الحديث (3). # وحديث أبي الحسن القطان في «المطولات»، وابن عساكر قال في: «الجمع»: ~~وسنده حسن. PageV01P143 # عن حذيفة: «ولد آدم كلهم تحت لوائي يوم القيامة وأنا أول من يفتح له باب ~~الجنة». # وحديث أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم في «المستدرك» والبيهقي، وابن ~~أبي شيبة بسند صحيح عن أبي بن كعب: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين ~~وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر (1)». # وحديث الطبراني في «الكبير»، والضياء عن جابر، والحاكم وصححه وتعقب عن ~~عائشة، والدارقطنى في «الأفراد» عن ابن عباس: «إذا كان يوم القيامة كان ~~لواء الحمد معي، وكنت إمام المرسلين وصاحب شفاعتهم». # وحديث سعيد بن منصور وسمويه والضياء المقدسي عن جابر: «أنا سيد النبيين ~~ولا فخر». # وحديث ابن النجار عن أم كرز: «أنا سيد المرسلين إذا بعثوا، وسابقهم إذا ~~وردوا، ومبشرهم إذا أيسوا، وإمامهم إذا سجدوا، وأقربهم مجلسا إذا اجتمعوا، ms065 ~~أتكلم فيصدقني، وأشفع فيشفعني، وأسأل فيعطيني». # وحديث الطبراني، والبيهقي في «الدلائل» وعياض في «الشفاء» عن ابن عباس: ~~«وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر (2)». # وحديث الترمذي وقال: حسن غريب والدارمي وأبي نعيم عنه أيضا: «وأنا أكرم ~~الأولين والآخرين ولا فخر (3)». # وحديث الحاكم في «المستدرك»، وابن عساكر عن عبادة بن الصامت: «إني لسيد ~~الناس يوم القيامة ولا فخر ولا رياء، وما من الناس من أحد إلا وهو تحت ~~لوائي يوم القيامة (4)». PageV01P144 # وحديث الديلمي عن جابر: «أنا أشرف الناس حسبا ولا فخر، وأكرم الناس قدرا ~~ولا فخر .. الحديث (1)». # وحديث الطبراني في «الكبير»، وابن النجار في «تاريخه» عن عمر: # «إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى ~~تدخلها أمتي (2)». # وحديث ابن أبي حاتم في «تفسيره» وأبي نعيم في «الدلائل» من طرق عن قتادة ~~عن الحسن، عن أبي هريرة وابن سعد عن قتادة مرسلا: «كنت أول النبيين في ~~الخلق وآخرهم في البعث». # وفي رواية: «أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا». # وحديث أحمد، والبخاري في «تاريخه الكبير»، وأبي نعيم والبغوي وابن السكن ~~وابن سعد، والطبراني، والحاكم، وصححه، والبيهقي عن ميسرة الفجر، والبزار، ~~والطبراني، وأبي نعيم من طريق الشعبي عن ابن عباس، وابن سعد عن عبد الله بن ~~أبي الجدعاء التميمي أو الكناني: «كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد». # وحديث الترمذي وقال: حسن صحيح غريب. # والحاكم والبيهقي وأبي نعيم عن أبي هريرة قال: «قالوا: يا رسول الله، متى ~~وجبت لك النبوة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد (3)». # وحديث أحمد، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والطبراني، والبزار، وأبي ~~نعيم عن العرباض بن سارية: PageV01P145 # «إني عبد الله وخاتم النبيين (1)». # وفي لفظ: عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، «وإن آدم مجندل في طينته (2)». # وحديث أحمد، وأبي يعلى عن جابر، وأبي نعيم عن عمر بن الخطاب: «والذي نفس ~~محمد بيده لو أن موسى كان حيا»- زاد في رواية اليوم- ما وسعه- أي ما جاز ~~له- «إلا أن يتبعني». # وحديث أحمد، وأبي داود، وابن حبان في «صحيحه»، والبيهقي في «شعب ~~الإيمان»، ms066 عن جابر: «أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم ~~بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي (3)». # وحديث أحمد أيضا والبزار عنه: «والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له ~~إلا أن يتبعني (4)». # وحديث الدارمي عنه أيضا: «والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه ~~وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيا وأدرك نبوتي لا تبعني (5)». # وحديث ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «لما ~~قرب الله موسى إلى طور سيناء نجيا قال: أي رب هل أحد أكرم عليك مني قربتني ~~نجيا وكلمتني تكليما؟ قال: نعم محمد أكرم علي منك (6)». # وحديث النسائي عنه أيضا: أنه (عليه السلام) صعد المنبر وقال: «أيها الناس ~~أي أهل الأرض PageV01P146 # تعلمون أكرم على الله عز وجل؟ فقالوا: أنت (1)» أخرجه في القسامة. # وحديث مسلم عن أبي هريرة وحذيفة وحديثه معا في الشفاعة: وفيه قول إبراهيم ~~(عليه السلام): «إنما كنت خليلا من وراء وراء»: أي من وراء مرتبة الحبيب ~~التي هي المرتبة الحائلة بين الرب وجميع الخلق (2). # وحديث الحاكم في «تاريخه» عن أبي بن كعب: «والذي نفسي بيده إن إبراهيم ~~ليرغب في شفاعتي (3)». # وحديث مسلم عن أبي بن كعب: إن الله تعالى قال له (عليه السلام) في مسألة ~~ترديده في قراءة القرآن على حرف وعلى حرفين وعلى سبعة أحرف: «ولك بكل ردة ~~رددتكها مسألة تسألنيها، قال: فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، ~~وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم (عليه السلام) (4)». # إلى غيرها من الأحاديث الواردة في هذا الباب، كالأحاديث الواردة بأن عيسى ~~(عليه السلام) إذا نزل في آخر الزمان يحكم بشريعته، ويكون على دينه وملته، ~~والواردة في تمني غير واحد من المرسلين أن يكون من أمته وأتباعه المختصين ~~به وزمرته، فإنها كلها تؤذن بأنه نبي الأنبياء، ورسول الرسل، وسيدهم، ~~وإمامهم، وزعيمهم، وأخصهم، وأقربهم، وأعرفهم بالله، وأعلمهم به، وأولاهم ~~بالكرامة، وأحقهم بالفخامة والزعامة، فيكون باسم الخلافة أولى وأحق، ولكل ~~كرامة من الله ms067 لخلقه أسرع وأسبق، والخلفاء قبله وبعده نوابون عنه، وتابعون ~~له، ولهذا لم يبعث إلى الخلق عامة إلا هو خاصة (صلى الله عليه وسلم)، ومما ~~يؤذن بذلك أيضا ما ذكره غير واحد من المحققين من أن السجود الواقع لآدم ~~(عليه السلام) من الملائكة إنما كان من أجل ما أكرم به في صورته الآدمية من ~~الظهور بالسمة المحمدية وفي الفتوحات المكية سجود الملائكة لآدم إنما كان ~~لأجل الصورة لا لأن علمهم الأسماء انتهى. PageV01P147 # وهو محتمل لأن يريد به الصورة الإلهية أو المحمدية أو هما معا وفي ~~«الطبقات الشعرانية» في ترجمة أبي المواهب الشاذلي أنه كان يقول: كان سجود ~~الملائكة لآدم (عليه السلام) إشارة لتواضع الصغير للكبير، وإظهارا للكرامة ~~بظهور صورته بسمة محمد (صلى الله عليه وسلم)، وذلك أن رأس آدم ميم، ويديه ~~حاء، وسرته ميم، ورجليه دال، وكذا كان يكتب في الخط القدي، م انظر تمامه. # وذكر آخرون أنه إنما كان من أجل ما كان في جبهته وجبينه من نور سيدنا ~~محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويرحم الله القائل: # يا بني الزهراء لا لاقيتم %~% أبد الآباد سوء من أحد # سركم لاح بمعنى آدم %~% فلذا كل إليه قد سجد # وفي «الفتوحات المكية» في الباب العاشر بعد ما ذكر فيها أنه ثبت له (صلى ~~الله عليه وسلم) السيادة والشرف على أبناء جنسه من البشر، وأن الذين تقدموا ~~على زمن ظهوره كانوا في العالم نوابه من آدم إلى آخر الرسل، وهو عيسى (عليه ~~السلام) لو كان موجودا بجسمه من لدن آدم إلى زمن وجوده لكان جميع بني آدم ~~تحت حكم شريعته إلى يوم القيامة حسا، وإنه الملك والسيد على جميع بني آدم، ~~وإن جميع من تقدمه كان ملكا له وتبعا، والحاكمون فيه نواب عنه، وإن هذا إذا ~~كان الملك عبارة عن الأناسي خاصة، فإن نظرنا إلى سيادته (صلى الله عليه ~~وسلم) على جميع ما سوى الحق كان ملكه وسيادته على جميع الخلق ما نصه: # فالإنسان آخر موجود من أجناس العالم، فإنه ما ثم إلا ستة ms068 أجناس، وكل جنس ~~تحته أنواع، وتحت الأنواع أنواع، فالجنس الأول: الملك، والثاني: الجان، ~~والثالث: المعدن، والرابع: النبات، والخامس: الحيوان، ولما انتهى الملك ~~وتمهد واستوى كان الجنس السادس: # جنس الإنسان، وهو الخليفة على هذه المملكة، وإنما وجد أخيرا ليكون إماما ~~بالفعل حقيقة لا بالصلاحية والقوة، فعند ما أوجد عينه لم يوجده إلا واليا ~~سلطانا ملحوظا ثم جعل له نوابا حين تأخرت نشأة جسده، فأول نائب كان له ~~وخليفة آدم (عليه السلام) ثم ولده واتصل النسل، وعين في كل زمان خلفاء إلى ~~أن وصل زمن نشأة الجسم الطاهر المحمدي (صلى الله عليه وسلم)، فظهر مثل ~~الشمس الباهرة، فاندرج كل نور في نوره الساطع، وغاب كل حكم في PageV01P148 # حكمه، وانقادت جميع الشرائع إليه، وظهرت سيادته التي كانت باطنة، فهو ~~الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. انتهى المراد منه. # وقد تقدم قبل هذا تمام كلامه في هذا المرام انتهى. # وفي الفتوحات المكية في الباب الثالث والسبعين في الجواب عن السؤال ~~السادس والسبعين من أسئلة الحكيم الترمذي، وهو ما لواء الحمد بعد أن ذكر ~~أنه حمد الحمد، وهو أتم المحامد وأسناها وأعلاها مرتبة، وإنه سمى لواء لأنه ~~يلتوي على جميع المحامد، فلا يخرج عنه حمد، وإنه لا يكون إلا بالأسماء، ~~وآدم (عليه السلام) عالم بجميعها كلها في المقام الثاني من مقامه (صلى الله ~~عليه وسلم) ما نصه: # فكان قد تقدم لمحمد (صلى الله عليه وسلم) علمه بجوامع الكلم، والأسماء ~~كلها من الكلم، ولم تكن في الظاهر لمحمد (صلى الله عليه وسلم) عينا، فيظهر ~~بالأسماء؛ لأنه صاحبها، فظهر ذلك في أول موجود من البشر وهو آدم (عليه ~~السلام)، فكان هو صاحب اللواء في الملائكة بحكم النيابة عن محمد (صلى الله ~~عليه وسلم)؛ لأنه تقدم عليه بوجوده الطيني، فمتى ظهر محمد (صلى الله عليه ~~وسلم) كان أحق بولايته ولوائه، فيأخذ اللواء من آدم يوم القيامة بحكم ~~الأصالة، فيكون آدم فمن دونه تحت لوائه (صلى الله عليه وسلم)، وقد كانت ~~الملائكة تحت ذلك اللواء في زمن ms069 آدم، فهم في الآخرة تحته، فتظهر في هذه ~~المرتبة خلافة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الجميع انتهى. ### ||| النور السابع وهو نور التشريف: # فهو النور الذي كشف له عن الخصوصية الملكوتية، ورسم اسمه مع اسمه في ~~اللوح وكتب بالنور. # * قلت: قال الشيخ أبو عبد الله المكي: ولهذا الاسم الكريم يعني محمدا ~~إشارات لطيفة من حيث صورته ومادته: أي من جهة حروفه المادية، ومن جهة هيئته ~~الصورية. # أما الأول: فلما اشتمل عليه في اعتبار حروفه من ميم الملكوت الأجلى، وحاء ~~الحياة والحفظ الذي به، وفيه كتب العلم الأسنى، وميم الملكوت الباطني في ~~ميم الملك الظاهر، ودال الدوام منه، والاتصال الماحية لوهمي الانقطاع ~~والانفصال. PageV01P149 # وأما الثاني: فإن صورة هذا الاسم على صورة الإنسان؛ فالميم الأولى رأسه، ~~والحاء جناحاه، والميم الثانية بطنه، والدال رجلاه، والإنسان صغير وكبير ~~كما هو في مصطلح القوم انتهى. # للعلماء في تفسير الملك والملكوت عبارات حاصلها أن الملك هو: التصرف في ~~الأمور، وفي تحقيقه كلام يطلب من محله، والملكوت: عظم الملك؛ لأنه مبالغة ~~فيه كالرهبوت، ولهذا فسر الملك بعالم الشهادة، والملكوت بعالم الغيب، وهو ~~عالم الأمر. # وقيل: الملك: ما يدرك بالحس، والملكوت: ما لا يدرك به. # وذكر بعضهم عبارة أبسط من هذه فقال: عالم الملك: عالم الشهادة، ويقال: ~~عالم الخلق، وهو عالم الأجسام والجسمانيات، ويكون بقدرة الله تعالى بعضه من ~~بعض، وبتضمنه التغير، وعالم الملكوت عالم الغيب، ويقال له: عالم الأمر، وهو ~~عالم الأرواح والروحانيات، وهو ما أوجده الله تعالى بالأمر الأزلي بلا ~~تدريج، وبقي على حالة واحدة من غير زيادة ولا نقصان، والجبروت عالم الأسماء ~~والصفات الإلهية، يعني صفات العظمة والعلو. # وقيل: هو عالم بين العالمين يشبه أن يكون في الظاهر من عالم الملك، فجبر ~~بالقدرة الأزلية بما هو من عالم الملكوت. # وأما الحاء: فقد تقدم أنه يمكن أن تكون إشارة إلى الحكم والحكمة والحلم. # وأما الدال: فيمكن أن تكون مشعرة بالدلالة كما سبق، ومظاهر الدلالة ~~الكبرى أربعة: وهي: العلم المأمور في الأزل بكتابة الكائنات، واللوح ~~المحفوظ، ms070 وأمين الوحي، ومبلغه للخلق عليهما أفضل الصلاة وأزكى التسليمات، ~~ولا يعارض ما ذكرناه هنا ما أسلفناه؛ لأن المقام مقام التماس نكات، والنكات ~~لا تتزاحم، فكل ما بدا وظهر للفهم من وجوه اللطائف المناسبة لا يبعد ولا ~~يستنكر، وأما هيئته فحركة الميم الأولى هي الضمة التي هي أقوى الحركات، ~~يناسبها قوة ذلك الملك، وظهور سلطانه، وإشارته في قوله تعالى: # @QUR@05 وينصرك الله نصرا عزيزا [الفتح: 3]. PageV01P150 # وفي نحو: @QUR@04 والله متم نوره [الصف: 8]. # @QUR@07 ويأبى الله إلا أن يتم نوره [التوبة: 32]. # @QUR@04 ليظهره على الدين كله [الفتح: 28]. # @QUR@07 وقل جاء الحق وزهق الباطل [الإسراء: 81]. # @QUR@03 إنا لننصر رسلنا [غافر: 51]. # @QUR@06 كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [المجادلة: 21]. # وحركة الحاء هي الفتحة، وكم فتح الله بحكمه وحكمته وحلمه قلوبا عميا، ~~وآذانا صما، ومناسبة فتح حاء الحكم لضمة ميم الملك، تظهر بأدنى توجه. # وحركة الميم الثانية: الفتحة المؤيدة بالتشديد المشعر بتأكد ملك الآخرة؛ ~~لبقائه واستمراره، وعزة آثاره، وعدم تناهي أسراره، وأما ملك الدنيا فهو وإن ~~قوي سلطانه وظهر إبانه معرض للزوال بزوال محله، فكأنه نموذج بل مقدمة ~~للثاني، وتقدم كلام الشيخ أبي عبد الله المكي في فصل معاني حروف الاسم ~~المكرم فلا تغافل عما فيه. # وأما الدال: فمورد للحركات الإعرابية، وكذا للسكون إذا تجرد الاسم عن ~~العوامل اللفظية والمعنوية، أو وقف عليه، وهذا يناسبه توارد واردات ~~الدلالات الملكية والإلهامية، وتنوع أنواع النعيم في دوام التنعيم، ومراتب ~~التعظيم في دار التكريم، وسكون أشرف وارده بأعظم الموارد، ولا شبهه في ~~التجرد حينئذ من طوارق العوارض الدنيوية، والدنيا دار الأكدار، والجنة دار ~~القرار، فإن قبلت أن سكون الميم الثانية يسبب الإدغام يناسبه الإشارة إلى ~~السكون البرزخي، وإلى أن البرزخ هو المنزلة الثانية الكائنة بين الدارين، ~~الفاصلة بين المقامين، فلا بأس، وأي بعد لفهم يلتمس من سر ذلك المقتبس، وأن ~~تدعني وخيالي، فقد رضيت بحالي، فاطو عني بيانك وبديعك، لا أسمع صنيعك، ما ~~أنت طبيبي، خلني وحبيبي، لا زال هيامي يتجدد، وغرامي يتأكد، وفؤادي يتوقد. # إذا ذكر اسم محمد هنالك تقوم القلوب على أقدام الخدمة، وتطرق ms071 رءوس ~~العقول؛ مهابة لتلك الحرمة، وتذرف عيون الأرواح حنينا إلى تلك النعمة، ~~وتسبح الملائكة تعظيما PageV01P151 # لتلك النعمة، وتطمئن العوالم لعموم تلك الرحمة، أول من وحد نور محمد، ~~قارن في أشهد، إذ هو أحمد، سيد من يحمد، أشرف من يحمد، صدا الجوانح، من ~~نداءه صائح، والشوق صادح، والبدر لائح. # أشرق البدر علينا من ثنيات %~% وجب الشكر علينا ما دعا لله داع # قال بعض أرباب التسليك: الناظرين إلى مدارج الإيقاظ لا إلى إعراب الألفاظ ~~وكسر قفص طبعك يكشف لك الغطا، ألق للأكوان سمعك تسمع كل شيء. # قال الجلال السيوطي في الخصائص: ومن خصائصه أن الله تعالى قرن اسمه باسمه ~~في كتابه عند ذكر طاعته ومعصيته وفرائضه وأحكامه ووعده ووعيده؛ تشريفا ~~وتعظيما. # قال تعالى: @QUR@08 وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين [الأنفال: 1]. # @QUR@05 ويطيعون الله ورسوله [التوبة: 71]. # @QUR@07 إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله [الحجرات: 15]. # @QUR@05 براءة من الله ورسوله [التوبة: 1]. # @QUR@06 وأذان من الله ورسوله [التوبة: 3]. # @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول [الأنفال: 24]. # @QUR@04 شاقوا الله ورسوله [الحشر: 4]. # @QUR@06 ومن يعص الله ورسوله [الجن: 23]. # @QUR@04 يحاربون الله ورسوله [المائدة: 33]. # @QUR@06 من دون الله ولا رسوله [التوبة: 16]. # @QUR@05 ما حرم الله ورسوله [التوبة: 29]. # @QUR@05 قل الأنفال لله والرسول [الأنفال: 1]. # @QUR@05 فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59]. PageV01P152 # وقوله: @QUR@015 ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله [التوبة: 59]. # @QUR@06 أغناهم الله ورسوله من فضله [التوبة: 74]. # @QUR@04 كذبوا الله ورسوله [التوبة: 90]. # @QUR@06 أنعم الله عليه وأنعمت عليه [الأحزاب: 37] انتهى. ### ||| النور الثامن وهو نور التدلل: # كشف له عن مقام القرب وهو قوله تعالى: @QUR@03 ثم دنا فتدلى لأمر. # * قلت: قال الشيخ القاشاني في القرب: هو القيام بالطاعة، والقرب: هو دنو ~~العبد من الله تعالى بكل ما يعطيه من السعادة، لأقرب الحق العبد، فإنه من ~~حيث دلالة: @QUR@06 وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4]، عليه قرب عام سواء ~~كان سعيدا، أو شقيا، فكل عبد، في كل وقت، تحت حكومة الأسماء الإلهية قرب، ~~من حيث تجلي اسم إلهي وبعد من حيثية اسم آخر، فالقريب من المضل فلا بعيد من ~~الهادي، والعكس، فكل ms072 اسم يعطي قربا، فالسعادة ترجع إلى هذا القرب المصطلح ~~عليه، وقد يكون للحق قرب خاص من العبد زائد على قربه العام. # كما قال تعالى لموسى وأخيه (عليهما السلام): @QUR@08 قال لا تخافا إنني ~~معكما أسمع وأرى ، فإن هذه المعية، معية العناية بالحفظ والكلاءة، لا ~~المعية العامة، فقرب العبد من الحق بكل ما يعطي من السعادة يتبع له قربا ~~خاصا من الحضرات بالحقية، كما قال (صلى الله عليه وسلم) عن ربه تعالى: «من ~~تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا، ومن ~~أتاني يسعى أتيته هرولة». # والقرب على قسمين: علمي، وعملي. # فالعلمي: أعلاه العالم بتوحيد الألوهية، وهو على نوعين نظرى، وشهودي. PageV01P153 # والعملي: على نحوين: # قرب بأداء الواجبات: وهو القرب الفرضي كما قال (صلى الله عليه وسلم) عن ~~ربه تعالى: «ما تقرب المقربون بأحب إلي من أداء ما فرضته عليهم». # وقرب نفلى: كما قال (صلى الله عليه وسلم) عن ربه تعالى: «لا يزال العبد ~~يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت له سمعا وبصرا». ومداد ~~العمل المقرب: # إما من الباطن إلى الظاهر، فأعمه وأتمه الإيمان. # وإما من الظاهر إلى الباطن، فأعمه وأتمه الإسلام. # وإما من القلب الجامع بين الظاهر والباطن، فأعلمه وأتمه الإحسان. # فمقتضى القرب النفلى: تجلى الحق للعبد متلبسا القابلية المحدودة. # ومقتضى القرب الفرضي: تجلي الحق له، وظهور العبد بحسب الحق، غير محدود، ~~ولا متناه. # فالتمييز بين قوسي الحقانية والعبدانية في القرب المفرط إن كان خفيا يعبر ~~ب «قاب قوسين». # وإن كان أخفى يعبر عنه ب «أو أدنى». # ومن هنا قال (قدس سره): وقد يطلق على حقيقة: «قاب قوسين»، فالتجلي بحكم ~~هذا القرب، إن كان في مادة وصورة، تتبعها القرب في النسبة المكانية، في ~~مجلس الشهود، وإن كان في مجلس الشهود، وإن كان في غير مادة، كان قرب ~~المنزلة والمكانة، كقرب الوزير من الملك .. فافهم. # وقال الشيخ محمد بن عمر القادري: اعلم أن قاب قوسين مقام القرب الأسمائي ~~باعتبار التقابل بين الأسماء في الأمر الإلهي المسمى ms073 دائرة الوجود كالإبداء ~~والإعادة والنزول، والفاعلية، والقابلية، وهو الاتحاد بالحق مع بقاء ~~التمييز والاثنينية، المعبر عنه بالاتصال، ولا أعلى من هذا المقام إلا مقام ~~أو أدنى لارتفاع الاثنينية، الاعتبار به والتمييز PageV01P154 # هناك بالفناء المحض، والطمس الكلي للرسوم كلها تنبيه في تفسير الآية، ثم ~~دنا: أي النبي (صلى الله عليه وسلم) من الله تعالى وترقى عن مقام جبريل ~~بالفناء في الوحدة، والترقي عن مقام الروح. # وفي هذا المقام قال جبريل (عليه السلام): «لو دنوت أنملة لاحترقت (1)» ~~إذ وراء مقامه ليس إلا الفناء في الذات، والاحتراق بسبحات الجمال لا سبحات ~~الجلال؛ لأن سبحات الجلال هي أنوار تجليات الصفات، وسبحات الجمال هي أنوار ~~تجليات الذات، والاحتراق بالجمال، فتدلى: أي مال إلى الجهة الإنسية بالرجوع ~~من الحق إلى الخلق حال البقاء بعد الفناء، والوجوب الموهب الحقاني، فكان ~~قاب قوسين: أي كان (صلى الله عليه وسلم) مقدار دائرة الوجود الشاملة للكل ~~المنقسمة بخط موهوم إلى قوسين، باعتبار الحق والخلق، والاعتبار هو الخط ~~الموهوم القاسم للدائرة إلى نصفين، فباعتبار البداية والتداني يكون الخلق ~~هو القوس الأول الحاجب للهوية في أعيان المخلوقات وصورها، والحق تعالى هو ~~النصف الأخير، وباعتبار النهاية والتدلي، فالحق هو القوس الأول الثابت على ~~حاله أزلا وأبدا، والخلق هو القوس الأخير الذي يحدث بعد الفناء بالوجود ~~الجديد الذي وهب له. # وهذا ما دامت الاثنينية أو أدنى من مقدار القوسين بارتفاع الاثنينية ~~الفاصلة الموهومة لاتصال أحد القوسين بالآخر، وتحقق الوحدة الحقيقة في عين ~~الكثرة بحيث تضمحل الكثرة فيها وتبقى الدائرة غير منقسمة بالحقيقة، وهذا ~~نهاية الولاية. # فما أكمل نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) وما أسعدنا به (صلى الله عليه ~~وسلم)، فلله الحمد والمنة على هذا النبي الكريم الذي شرف الأكوان (صلى الله ~~عليه وسلم). # لائحة سدرة المنتهى شهود الخلائق الكونية، وقاب قوسين شهود: (الرقائق ~~الأسمائية) أو أدنى شهود الذات، ورؤيتها شهود لا أكمل منه. ### ||| النور التاسع وهو نور التركيب: # فهو الذي انكشف له به عن الغاية العظمى في التوحيد، فإنه كان إذا فكر في ms074 PageV01P155 # الموجودات، ثم في النظام القديم، ثم في سر القدر، ثم في الأمور العالية ~~كان يغان على قلبه إذا ركب هذه المعلومات العزيزة. # * قلت: قال الشيخ جعفر: ولهذا قال (عليه السلام): «ليغان على قلبي، ~~فأستغفر الله (1)»: أي لتتراكم الأنوار والمعارف على قلبي، وتكثر التجليات ~~الذاتية والصفاتية على باطني ولبي بسبب ترقي في المعارج العرفانية والكمال، ~~وارتقاء على ما هو أعلى وأوسع في الحال، فأستغفر الله مما كنت فيه قبل ذلك، ~~وأتوب إليه مما أسلفته من التقصير هنالك. # وقد نقل الشيخ زروق في بعض شروحه على الحكم العطائية أن أبا الحسن ~~الشاذلي اجتمع بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وقال: يا رسول الله إنك قلت: ~~«إنه ليغان على قلبي؟» قال: نعم، قال: # ما هذا الغين؟ فقال (صلى الله عليه وسلم): # «هو غين أنوار لا غين أغيار يا مبارك» فسماه مباركا وأجابه بهذا الجواب. # وفي اللطائف للقاشاني في الكلام على الغيون بعد ما ذكر أنه يراد بها ~~تجليات الذات الأقدس ما نصه: # تكاد الذي يغطي قلبه (صلى الله عليه وسلم) ويغسله إنما هو تجليات ذاتية ~~متظاهرة فكان لقوة حقيقتها، وغلبة أحديتها تمحو حطم بشريته، وتمحو أثر ~~خلقيته، بحيث لا تبقي أثرا ولا رسما، بل تذهب العين في العين بالكلية فلهذا ~~يستغفر الله: أي يطلب الغفر والستر خوفا من غلبة أحكامها عليه، وتظاهر ~~آثارها؛ لئلا يهمل حكم نبوته، وكمال وسطيته، ولئلا يظهر أثر ذلك للخلائق ~~فيعبد، أو يقال فيه كما يقال في عيسى وعزيز (عليهما السلام) انتهى. # ومثله ذكره أيضا الشيخ أبو عبد الله محمد بن سعيد بن أحمد بن محمد سعد ~~الدين الفرغاني في شرحه لتائية ابن الفارض الكبرى، وهو أول شارح لها، ~~ووفاته في حدود سنة سبعمائة، وفي كلام غير واحد من الأكابر أن الترقي ~~المذكور له (صلى الله عليه وسلم) غير مقصور على حالة الحياة الدنيوية، بل ~~هو موجود في حياته البرزخية، وفي الموقف، وفي الجنة، لا ينقطع ما دام ملك ~~الله موجودا، فخرج من هذا أن علمه (صلى الله عليه وسلم) ms075 ومقامه وكماله يقبل ~~الزيادة دائما وأبدا، PageV01P156 # وإن غايات كمالاته وعلومه ومراتبه وارتقائه لا حد لها ولا انتهاء، بل هو ~~دائم الترقي بما لا يطلع عليه ويعلم كنهه إلا الله تعالى، وإن الترقي ~~الحاصل له (صلى الله عليه وسلم) هو في الذات الإلهية وكمالاتها وأسرارها ~~وعلومها لا في غير ذلك. # وذكر بعضهم أنه (عليه السلام) كان يزداد علما بجزئيات الأسماء الإلهية ~~والكوائن الجزئية التي لا تتناهى قال: لأن الكائنات لا تزال تظهر كل آن ~~بالتجلي الإلهي، وكل تجل له اسم إلهي يخصه يظهر من الغيب؛ إذ لا تكرار في ~~التجلي للوسع الإلهي، فلهذا كان (صلى الله عليه وسلم) لا يزال يزداد علما ~~مع الآنات دنيا وبرزخا وآخرة وإن كان عالما بما لا يتناهى إجمالا. # وفي عبارة: إن الترقي حاصل له في مدارج الجزئيات الداخلة تحت أجناس ~~الكمالات المتعلقة بإكمال الدين والشفاعة للمذنبين، الحاصلة له (صلى الله ~~عليه وسلم) على الكمال قبل وفاته؛ لأن جزئياتها وأشخاصها لا تنتهي إلى غاية ~~كنعيم أهل الجنة فليتأمل. ### ||| النور العاشر وهو نور المولد: # فإنه كشف له عن سعادة مولده بالبرهان الفلكي الإلهي السماوي، فإنه كان له ~~نصبة عجيبة لم يبصر قط في أيام العالم مثلها، ثم ظهر يوم مولده في الآفاق ~~مائة معجزة: # منها: خمود نار فارس، وانشقاق إيوان كسرى، وزلزلة أبداد الهنود. # * قلت: بيان مولده الشريف: اختلفوا في عام ولادته، فالأكثرون أنه عام ~~الفيل، بل حكي الاتفاق عليه، والمشهور أنه ولد بعده بخمسين يوما. # والصواب: إنه بمكة بالعشب، والمشهور أنه بالمسجد المشهور الآن بالمولد، ~~وكان بعد طلوع فجر يوم الإثنين، ثاني عشر شهر ربيع الأول على المشهور، ~~وقيل: ثامنه، وانتصر له كثيرون، قيل: وهو قول أكثر المحدثين، ووافق مولده ~~بالشهور الشمسية ليسان، وما أحسن ما قيل في حقه: # يقول لنا لسان الحال منه %~% وقول الحق يعذب للسميع # فوجهي والزمان وشهر وضعي %~% ربيع في ربيع في ربيع PageV01P157 # وقال الإمام أحمد بن المبارك في كتابه الإبريز: سألت شيخنا القطب الغوثي ~~سيدي عبد العزيز الدباغ، وقع خلاف بين ms076 أهل السنة في وقت ولادته (صلى الله ~~عليه وسلم). # ففي بعض الروايات: ولد ليلا، وفي بعضها ولد نهارا، فعلى أي الروايتين ~~نعتمد؟. # فقال: على كل منهما يعتمد، وأنه لا خلف بينهما حقيقة، بل هو لفظي، وذلك ~~أن ابتداء الوضع كان من أول السدس الأخير، وانتهاؤه كان بعد الفجر، فمن ~~قال: ولد ليلا نظر لابتداء الوضع، ومن قال نهارا نظر لانتهائه انتهى. # ونقل الزركشي في شرح البردة عن ابن عباس رضي الله عنه لما ولد النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) قال في أذنيه رضوان خازن الجنان: أبشر يا محمد فما بقي ~~لنبي علم إلا وقد أعطيته؛ فأنت أكثرهم علما، وأشجعهم قلبا انتهى. # ونزل (صلى الله عليه وسلم) على يد الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف، فهي ~~قابلته رافعا بصره إلى السماء، واضعا يديه بالأرض. # وفي ذلك من الإشارات ما لا يخفى، مكحولا، نظيفا، مسرورا: أي مقطوع السر ~~بضم السين: وهو ما تقطعه القابلة من السرة، مختونا: أي على صورة المختون. # وقيل: ختنه جده سابع ولادته، وجمع بينهما بأنه يجوز أن يكون ولد مختونا ~~ختانا غير تام، كما هو الغالب في المولود مختونا، فتمم جده ختانه. # وقيل: ختنه جبريل (عليه السلام) يوم شق قلبه عند مرضعته حليمة. # وروي أنه تكلم حين خروجه من بطن أمه فقال: جلال ربي الرفيع، وقيل: قال: ~~الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ويمكن الجمع. # وقال عياض: وما جرى من العجائب ليلة مولده من ارتجاج إيوان كسرى، وسقوط ~~شرفاته، وغيض بحيرة طبرية، وخمود نار فارس، وكان لها ألف عام لم تخمد. # وأنه كان إذا أكل مع عمه أبي طالب وآله وهو صغير شبعوا ورووا، فإذا غاب ~~فأكلوا في غيبته لم يشبعوا. # ومن ذلك حراسة السماء بالشهب وقطع رصد الشياطين ومنعهم استراق السمع. PageV01P158 # وما حدث ببلاد الهند أشار إليه ابن كثير في سيرته الفصول (2/ 115). ### ||| النور الحادي عشر وهو نور الخلقة: # فكان (صلى الله عليه وسلم) يظهر بين عينيه النور الذي لا يخفى على أحد ~~حتى ms077 إن من العرب من كان يغنيه في إيمانه عن طلب المعجزة والآية منه. # ومع ذلك أيضا النور في تبسمه، وفي جبينه كما حدثت عائشة رضى الله عنها. # وفي موضوعه كله. ولما كلامه وأفعاله وحركاته كل أكوانه وما ظهر من خلقه، ~~وما بطن من مجموعة أنوار هذا في أصل وضعه. # وكيف، وهو أيضا قد قال: «اللهم اجعلني نورا» بعد ما عدد أجزاء بدنه (صلى ~~الله عليه وسلم) وهذا كشف له أنه النور بل نور النور الروحاني والجسماني. # * قلت: قال ابن كنون: جاء أنه (صلى الله عليه وسلم) أقنى الأنف: أي طويلة ~~مع دقة أرنبته، وأحد يداب في وسطه، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم: ~~أي مرتفع قصبة الأنف مع استواء أعلاها، وإشراق الأرنبة، فلحسن قناه، والنور ~~الذي علاه يخفى على الناظر إليه من غير تأمل احديداب وسطه، ويظن استواء ~~القصبة، ولو أمعن النظر لحكم بخلاف ذلك. # وسمى (صلى الله عليه وسلم) نورا لضياء وجهه وتلألؤ بدره، وحسن منظره ~~وإشراقه. # وقد كان (عليه السلام) لا ظل له؛ لأنه نور كله. # وقد دخل على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وقد سقطت لها إبرة في ~~الظلام من يدها في بيتها. فلما دخل المصطفى (صلى الله عليه وسلم) أشرق نوره ~~العظيم عليها، وحلت بركته لديها فرأت إبرتها لضياء نوره، وزاد نور قلبها ~~بمشاهدة تلألؤه. # فهو (صلى الله عليه وسلم) صاحب الجبين الأزهر، لزهارته. # وذكر حسان بن ثابت رضي الله عنه ذلك بالليل في قوله: # أضاء في الداج البهيم جبينه %~% يلح مثل مصباح الدجى المتوقد PageV01P159 # فمن كان أو من قد يكون كأحمد %~% نظاما لحق أو نكالا لملحد # وليس ظهور النور في الليل أقوى وأشد، وإنما خص الجبين؛ لأن النور أول ما ~~يظهر في الأماكن المرتفعة ثم ينتشر. # وفي البخاري: عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه انتهى. # ولا يفهم من هذا أن استنارة وجهه ms078 خاصة بوقت السرور؛ لأن أصلها ظاهر في كل ~~وقت؛ لأن نورانيته (صلى الله عليه وسلم) ذاتية لازمة، وكمالها وتمامها خاص ~~بوقت السرور، وهذا أمر معروف في كل حسن يتجلى تمام حسنه عند السرور أكثر. # وقد دخل (صلى الله عليه وسلم) يوما على عائشة وأساريره تبرق: أي يلمع ~~منها شبه البرق فقالت: يا رسول الله أنت أحق بقول أبي كثير الذي قال في ربيبه: # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه %~% برقت كبرق العارض المتهلل # وهذا أصل كما قال القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين في قلب ~~المعنى الحسن، وأخذه من غير حقه ووضعه في حقه. # وكان (صلى الله عليه وسلم) يعرف غضبه في وجهه لشدة صفاء بشرته وقوة ~~نورانيته. # وقد شبه بعضهم جبهته المقدسة (صلى الله عليه وسلم) في بياضها المشوب ~~بالحمرة، وصفائها وإشراقها واستنارتها بلوح فضة يتموج فيه الذهب، وفي هذا ~~التشبيه وصف جبهته الشريفة بتمام الحسن، وكمال الجمال، وتفريج الناظر، ~~وظفره بأكمل المطالب، وأشرف المآرب. # وقد روى ابن المبارك وابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله عنهما: إنه (صلى ~~الله عليه وسلم) لم يقم مع شمس قط إلا غلب ضوءه ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج ~~قط إلا غلب ضوءه ضوء السراج، ولهذا لم يظهر له (صلى الله عليه وسلم) ظل في ~~شمس ولا قمر، كما قاله ابن سبع، والقاضي عياض وغيرهما. # وقد كانت رضي الله عنها تتذكر بديع صفاته، وحسن جماله، وبهاء نوره، كأن PageV01P160 # الشمس تجري في وجهه ونصاعة منظره، وإذا تكلم فالنور يخرج من ثنياه، وإذا ~~تبسم أضاء نوره في الجدرات. # وتذكر محاسن أعضائه، وظرافة شكله، وحسن شمائله، وحلاوة ألفاظه، ورشاقتها ~~في نطقه. # ثم تذكر ما شاء الله من الصفات التي عجز البلغاء عن حصرها، وكلت ألسن ~~الفصحاء عن عدها. # ثم يقول: كان والله (صلى الله عليه وسلم) كما قال شاعره حسان رضي الله عنه: # متى يدب في الداجي البهيم جبينه %~% يلح مثل مصابح الدجى المتوقد # فمن كان أو من قد يكون كأحمد %~% نظام الحق، أو ms079 نكال لملجد # وقال الأشعري: إنه تعالى نور ليس كالأنوار، والروح النبوية القدسية لمعة ~~من نوره، والملائكة شرر تلك الأنوار انتهى، نقله في مطالع المسرات. # والإشارة بقوله (صلى الله عليه وسلم): «اجعلنى نورا»: أي حقا يظهر في كل ~~شيء ولا أظهر بشيء، وقد يستهلك الحق به، فكل شيء ينسب لوجوده، ويكون هو ~~المرتدي والحق رداءه، فالمرتدي هو المستهلك فيه، فإذا كان العبد رداء كان ~~هو الظاهر والحق باطن، وإذا كان الحق رداء فالأمر بالعكس. # وبالنسبة للنور الروحاني: وهو الانعكاس نور الأنبياء، ويسمى بالانعكاس ~~الثاني، ومنه خلقت أرواح الملائكة، فالملائكة خلقت من نور، وهي نورانية، ~~وهذا النور هو النور المحمدي في الانعكاس الثاني، والمرحلة الثالثة من عالم ~~الأمر، فهو فرع الفرع. # والحقيقة لبشريته (صلى الله عليه وسلم) في الكل، وخلقت من نوره (صلى الله ~~عليه وسلم)، وهو أول عين تعين، ومنه تفرعت الأعيان. # والنور الحسي والجسماني: هو الانعكاس الثلاثي، فالنور المحمدي الأول كلما ~~ازداد انعكاسه وابتعد عن أصله ازداد كثافة، إلى أن أصبح ضياء حسيا كالشمس، ~~ثم انعكاس النور المحمدي على الوجود بأركانه الأربعة وهي الماء والعرش ~~والقلم واللوح المحفوظ، PageV01P161 # أحدث ظلا، وهذا الظل هي الظلمة، ومنها خلق كل كثيف من الأشباح والصور ~~والأشكال. # وبهذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) وما زال أصل كل وجود، وبه تكون ~~أوليته، ونورانيته (صلى الله عليه وسلم). # واعلم أن النور المعنوي والعقلي والقلبي من جنس النور الروحاني. ### ||| النور الثاني عشر وهو نور التربية: # فما كشف له عن العناية الحافظة له والعصمة الإلهية التي لا يشترط فيها ~~العقل وأسباب التكليف والعلامات مثل: السحابة التي كانت تظله، وما ظهر في ~~بنيان البيت، ومصارعته لأبي جهل، هذه كلها أنوار كاشفة لأمور خارقة للعادة. # * قلت: هو صاحب العصمة الكاملة التي تفرعت عنها جميع العصم، فعصمه الله ~~من كل ذنب ولو صغيرا أو سهوا، وكذلك الأنبياء، ويتنزه عن فعل المكروه. # وقد وعده الله تعالى العصمة بقوله: @QUR@05 والله يعصمك من الناس ~~[المائدة: 67]. # وهذه الآية نزلت بالمدينة فيما أخرجه الشيخان عن عائشة ms080 قالت: أرق النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) ذات ليلة فقال: «ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني ~~الليلة؛ إذ سمعنا صوت السلاح، قال: # من هذا؟ قيل: سعد يا رسول الله، جئت أحرسك، فنام النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) حتى سمعنا غطيطه (1)». # وما أخرجه الترمذي عنها أيضا، قالت: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحرس ~~حتى نزلت هذه الآية: # @QUR@05 والله يعصمك من الناس ، فأخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~رأسه من القبة فقال لهم: «يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله (2)». # ثم قال الترمذي: حديث غريب، ورواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح ~~الإسناد، PageV01P162 # ولم يخرجاه. # قلت: لأن في سنده أبا قدامة الحارث بن عبيد الإيادي، وقد قال أحمد: مضطرب ~~الحديث، وقال ابن معين: ضعيف، لكن أخرج له البخاري في المتابعات، واحتج به ~~مسلم، والله أعلم. # فهذا الحديث مع الذي قبله يدل على أن ذلك كان بالمدينة؛ لأن عائشة أخبرت ~~عن مشاهدة ذلك، وهي لم تكن عنده (صلى الله عليه وسلم) بمكة، ويعارض ذلك ما ~~أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره عن جابر: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت: @QUR@05 والله يعصمك من ~~الناس ، فذهب ليبعث معه، قال: «يا عم، إن الله قد عصمني، لا حاجة لي إلى ~~من تبعث (1)». # وما أخرجه الطبراني وغيره عن ابن عباس: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~يحرس، وكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم حتى نزلت هذه ~~الآية: @QUR@05 والله يعصمك من الناس ، قال: فأراد عمه أن يرسل معه من ~~يحرسه، فقال: «يا عم، إن الله قد عصمني من الجن والإنس (2)». # فهذا الحديث والذي قبله يدلان على أن نزول الآية بمكة في أوائل الأمر، ~~فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايات، وما في الصحيح أولى، لكنا نلتزم تأخر ~~نزول الآية بالمدينة، وندعي أن الإنكار كان داخلا وكان في عموم التشريع لمن ~~هو مخاطب به، بشرط استطاعته له (صلى الله عليه وسلم) وهي الأمن ms081 من مفسدة ~~تحصل له، بدليل عموم قوله تعالى: @QUR@06 ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~[البقرة: 159]. # فلما نزلت آية العصمة وجب الإنكار مع الاستطاعة وعدمها؛ لأن الله تعالى ~~تولى حفظه وعصمته، ولهذا كان أولا يحتاج إلى الحرس، وثانيا لا يحتاج إليه، ~~وهذا معنى بديع تزول به إشكالات كثيرة، والله أعلم. PageV01P163 # وقد ثبتت أحاديث في كراماته ومعجزاته وما ظهر على يديه من خوارق عاداته، ~~فإنها تعطى بمجموعها وجملتها أن بيديه في العالم العلوي والسفلي وجميع ~~المملكة الربانية التصرف والتحكيم والأمر والنهي والرد لما شاء أو التسليم ~~من غير منازعة ولا معارضة ولا مناقشة ولا مناقضة وإن الكل تحت خدمته وطاعته ~~لا قدرة له على معصيته أو مخالفته كأحاديث تظليل الغمام وطاعة السحاب له ~~بالتمام ونزول المطر وارتفاعه بأمره غير مرة ومرتين وانشقاق القمر لما أشار ~~له فرقتين ونزول ملائكة السماوات عليه بالطاعة لما يأمر به أو يشير إليه ~~وإحياء الموتى ونطقهم بكرامته وكلام الصبيان معه وشهادتهم برسالته وإبرائه ~~للمرضي وذوى العاهات وسجود الشجر والحجر له والحيوانات ونطقها له كغيرها من ~~الأحجار والجمادات والأشجار والنباتات وطواعيتها لجنابه ومجيئها لحضرته ~~ورحابه وانفعال الأشياء كلها بدعوته ورجوعها لما يطلبه منها في خلوته ~~وجلوته وقوله لأشياء كن فتكون على حسب ما أراده وتتكون في الحال طبق المراد ~~وذلك كله معلوم مشهور وفي كتب السير والمعجزات مذكور. # روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~حدثته أنها قالت للنبي (صلى الله عليه وسلم): # «هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان ~~أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ~~فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا ~~بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها ~~جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث ~~الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، ms082 فيهم فناداني ملك الجبال، فسلم علي ~~ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال ~~النبي (صلى الله عليه وسلم): بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ~~وحده لا يشرك به شيئا» (1). PageV01P164 ### ||| النور الثالث عشر وهو نور الانتقال: # فهو النور الذي كان يبصر في عين أبيه وأمه، وما سمع في ذلك بعد ما حملت ~~به أمه، وكونه (صلى الله عليه وسلم)، ورث ذلك منهم بعد ولادته (صلى الله ~~عليه وسلم) وانتقاله من الظهر الظاهر إلى الظهر الطاهر. # وحكى أبو الفضل عياض أنه كان كل من تقدم من آبائه (صلى الله عليه وسلم) ~~إذا أوقع في الرحم ما أودع الله تعالى في ظهره من نطفة المصطفى (صلى الله ~~عليه وسلم) يجد الفراغ والكسل وتختل عليه أحواله كلها حتى جاهه في الناس، ~~هذا بالنظر إلى مكانه الأول، وهذا النور كشف له عن نورانية نطفته (صلى الله ~~عليه وسلم). # * قلت: قال الشيخ أبو محمد عبد الجليل القصري في «شعبه»: فقد أعلمك- يعني ~~عليا رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) عقدت له النبوة قبل كل ~~شيء وأنه دعا الخليقة عند خلق الأرواح وبدء الأنوار إلى الله تعالى كما ~~دعاهم آخرا في خلقة جسده آخر الزمان. # ومن هذا المعنى قوله تعالى: @QUR@06 وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ... ~~الآية إلى قوله: # @QUR@04 لتؤمنن به ولتنصرنه [آل عمران: 81]. # إلى آخر المعنى فقد آمن الكل به فهو آدم الأرواح ويعسوبها كما أن آدم أبو ~~الأجساد وسببها، ثم قال وانظر قوله عز وجل @QUR@09 تبارك الذي نزل الفرقان ~~على عبده ليكون للعالمين نذيرا [الفرقان: 1]. # والعالمون هم جميع الخليقة فقد أنذر الخليقة أجمع، وآمن الكل به في ~~الأولية والآخرية، وانتقال النور في جميع العالم من صلب إلى صلب فافهم انتهى. # قال الشيخ محمد بن جعفر الكتاني: ولما خلق آدم (عليه السلام) باطنا من ~~أصل هذه الطينة المحمدية ولذا كان هو وبنوه مرسومين بقلم القدرة على رسم ~~اسم محمد (صلى الله عليه وسلم) ms083 وهو قول ابن الفارض على لسان الحقيقة ~~المحمدية وذلك في «تائيته الكبرى»: # وإني وإن كنت ابن آدم صورة %~% فلي فيه معنى شاهد بأبوتى PageV01P165 # فإن هذا كما قاله الشيخ عبد الغني في «شرح الديوان الفارضي» هو الطينة ~~المحمدية وظاهرا من قبضة قبضها الحق تعالى أي قبضها عزرائيل (عليه السلام) ~~بأمره من جميع أجزاء الأرض من جميع أي ما قدر الله أن يسكنه بنو آدم منها ~~وخمرت فيها أي في الأرض وألقيت حتى استعدت لقبول الصورة الإنسانية فحملت ~~إلى الجنة وعجنت بمائها ليطيب عنصره ويحسن خلقه ويطبع على طباع أهلها وصورت ~~جعلت درته (عليه السلام) بالدال المهملة وإن شئت قلت جوهرته وما معها في ~~طينة من الذرات الكريمة التي هي ذوات إخوانه من النبيين والمرسلين وعترته ~~الطاهرين وأقطاب أمته العارفين في موضع الصلب من ذاته الحمئية وكذا جعل فيه ~~بقية الذرات التي كل ذرة فيها مادة صورة من بني آدم لكن من طينة آدم أهل ~~السعادة منهم في ناحية اليمين وأهل الشقاوة في ناحية اليسار ولما تم خلقه ~~ونفخت فيه الروح وذلك في الجنة وأقام فيها ما شاء الله أن يقيم وأهبط إلى ~~الأرض أراد الحق تعالى أن يستخرج ذريته منه ليختبر حالهم ويرى الذي بالدعوة ~~إليه قر وثبت لهم على ما يفيده أكثر الأحاديث من أن أخذ الميثاق من بني آدم ~~كان بعد خلقه ونفخ الروح فيه، وقيل: # كان قبل النفخ ورد ذلك في بعض الأحاديث كما يأتي فأهبط بقدرته الأرواح ~~كلها من أماكنها على تلك الذرات على وفق علمه وحكمته حتى حييت ثم كلمهم ~~وذلك بعد أن مسحهم من ظهر آدم بيمينه ونثرهم بين يديه كالذر وذلك في يوم ~~عرفة بين مكة والطائف بموضع يقال له نعمان بالفتح، وهو واد في طريق الطائف ~~يخرج إلى عرفات يسمى نعمان الأراك، وقيل: كان أخذ الميثاق بدهناء من أرض ~~الهند في موضع هبوطه، وقيل: كان في السماء قبل هبوطه، وقال المحققون بتعدد ~~المواثيق والعهود، وبذلك تجتمع الأخبار قائلا في خطابه لهم: ألست بربكم؟ ms084 ~~فكانت درته أول من قال بلى. إرشادا لهم إلى الإجابة بمثل ذلك على وفق ~~التعليم السابق منه لهم هنالك، فمنهم من أجاب محبة وطوعا، ومنهم مخافة ~~وكرها، ثم حل سبحانه عقال الأرواح، فطارت إلى مكامنها في الملكوت إلى وقت ~~اتصالها بالأجنة في الأرحام، وردت الذرات إلى محلها من صلب آدم (عليه ~~السلام) فكان (صلى الله عليه وسلم) نبيا ورسولا بالفعل عالما بنبوته ~~ورسالته في عالمي الحقائق والأرواح كما مر ثم في عالم الأجسام والذر واتصلت ~~نبوته بجميع الخلائق من غير انقطاع إلى زمن وجود جسده المكرم فبعث بجسده في ~~عالم الأجساد إلى كل أحمر وأسود وكل عين مخلوقة، PageV01P166 # وكان من قبله من الأنبياء والرسل نوابا عنه ثم بعد انتقاله إلى الدار ~~الآخرة بقيت نبوته كما هي قائمة إلى أبد الأبد من غير انقطاع ولا زوال، ~~وهذا لم يكن لغيره وبه تفهم معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «كنت نبيا وآدم ~~بين الروح والجسد». # أخرجه ابن سعد في طبقاته وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو نعيم في الحلية ~~والحاكم وصححه والبغوي وابن السكن وغيرهم كلهم من حديث ميسرة الفجر، وابن ~~سعد في طبقاته عن عبد الله بن أبي الجدعاء، والطبراني في الكبير عن ابن ~~عباس وعن أبي هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟ قال: ~~وآدم بين الروح والجسد. رواه الترمذي وقال: حديث حسن (1). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا قال: «إن قريشا كانت نورا بين يدي ~~الله عز وجل قبل أن يخلق آدم (عليه السلام) بألفي عام، يسبح ذلك النور ~~فتسبح الملائكة بتسبيحه، فلما خلق الله آدم جعل ذلك النور في صلبه، فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم): فأهبطه الله على الأرض في صلب آدم (عليه ~~السلام)، فجعل في صلب نوح في السفينة، وقذف في النار في صلب إبراهيم، ولم ~~يزل ينقلني من أصلاب الكرام إلى الأرحام حتى أخرجني من بين أبواي، لم ~~يلتقيا عل سفاح قط» (2). PageV01P167 ### ||| النور الرابع عشر وهو نور النهاية: # فهو نور الله تعالى ms085 الذي ختم به النبوة وانتهي الأمر عنده، وصور التكميل ~~بالجملة. # وهذا أظهر له (صلى الله عليه وسلم) أنه خير الرسل. # فإنه نسخ ما ظهر أنه صاحب نهاية الأمور الذي يرجع إليه والكامل الذي لا ~~يمكن أن يزاد فيه ولا ينقص منه. # * قلت: قال الشيخ القونوي: ختم نبوة التشريع ورسالته فلا يوجد بعده نبي ~~مشرع أصلا، وهو سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وإلى ذلك الإشارة بقوله: ~~@QUR@03 وخاتم النبيين [الأحزاب: 40]. # وقال الشيخ عبد الغني النابلسي في كتاب الرد المتين على منتقص العارف ~~محيي الدين ما نصه: # اعلم أن سيدنا محمدا (صلى الله عليه وسلم) خاتم جميع الأنبياء والمرسلين، ~~ومعنى ذلك أنه ذائق لمشرب كل نبي، وكل رسول ممن تقدمه، فهو جامع لجميع ~~مشارب الأنبياء والمرسلين، ولهذا جاء بتصديقهم كلهم، وأفصح عن مقاماتهم ~~ومراتبهم، وكشف له عن أحوالهم كلها، وتنزلت أخبارهم على نفسه بما تلاه ~~علينا من القرآن العظيم، فنبوته أصل لجميع النبوات، والنبوات فرع عن نبوته، ~~ولهذا قال (عليه السلام): «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين». # وبقية الأنبياء (عليهم السلام) إنما كانوا نبيين حين بعثوا لا قبل ذلك، ~~فأصل مشارب الأنبياء كلها، وهي روحانياتهم الفاضلة، كالمياه المنقسمة ~~مجموعة في مشرب محمد (صلى الله عليه وسلم) الجامع الذي هو روحانيته التي ~~بدأ الله تعالى بها الوجود، كما ورد أنه أول ما خلق الله نور محمد (صلى ~~الله عليه وسلم) من نوره تعالى، والحديث في ذلك طويل، ثم لما خلق الله طينة ~~آدم (عليه السلام)، وسواه أجرى ماء روحانية آدم من مشرب محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) الجامع، وكذلك حين خلق طينة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وبقية ~~المرسلين (عليهم السلام) على حسب ترتيب خلق طيناتهم في هذا الوجود أجرى ~~الله تعالى مياه روحانياتهم التي هي مشاربهم الخاصة من ماء روحانية محمد ~~(صلى الله عليه وسلم) التي هي مشربه الجامع، ثم لما خلق الله تعالى طينة ~~محمد (صلى الله عليه وسلم) أجرى ماء روحانيته، PageV01P168 # الجامعة في طينته المخصوصة (صلى الله عليه وسلم)، فظهر في ms086 هذا الوجود ~~مرتين مرة بطريق التفصيل في أطوار رقائق الأنبياء والمرسلين قبله، ومرة ~~بطريق الإجمال. # ومعلوم أن الإجمال بعد التفصيل، ولهذا ختمت به النبوة، فلا نبي بعده ~~لتمام التفصيل بإجماله (صلى الله عليه وسلم)، انتهى منه بلفظه. # وقلت: فهو (صلى الله عليه وسلم) النسخة الصغرى وهي العبد الكامل الذي كان ~~مظهرا لكل اسم إلهي من غير أن يغلب عليه اسم من الأسماء، ويسمى من وجه ~~بالخليفة والنائب، وهو الرداء على الحق، وقد يستهلك بالحق بحيث لا يظهر له ~~وجود عين أصلا، فيكون حقا كله والانفعالات تقع منه من غير أن تنسب إلى شيء ~~من وجوده. # وإليه الإشارة بقوله (صلى الله عليه وسلم): «واجعلنى نورا (1)»: أي حقا ~~يظهر في كل شيء ولا أظهر بشيء، وقد يستهلك الحق به، فكل شيء ينسب ~~لوجوده، ويكون هو المرتدي والحق رداءه، فالمرتدي هو المستهلك فيه، فإذا كان ~~العبد رداء كان هو الظاهر والحق باطن، وإذا كان الحق رداء فالأمر بالعكس. # وقد أشار حضرة الشيخ الأكبر إلى هذا في المسائل الترمذية بقوله: أنا ~~البرداء، أنا السر الذي ظهرت في ظلمة الكون؛ إذ صيرتها نورا، فهذا الخليفة ~~مع صغر حجمه جمع مظهره وعينه كل مظهر، وعين من العلوي والسفلي، فما من شيء ~~إلا وهو تفصيله وجزء منه، بمعنى أن فيه أنموذج كل شيء كما سيذكر، إلا أن ~~الأشياء أجزاؤه حقيقة كما يتوهم، بل هو مبدأ الآثار في كل شيء. # وتمام هذه النسخة المظهر المحمدي الأتم، وكون غيره من الكمل متحققا بهذه ~~النسخة، باعتبار أنه مظهر من مظاهره (صلى الله عليه وسلم) التي تفرعت عنها ~~النسخة الكبرى، أعني هذا العالم الكبير الهضل، فإنه بأجمعه تفصيل مظهره ~~(صلى الله عليه وسلم) في كل مرتبة. # أما في الأعيان والصور فلما قدمناه من أنه أول تعين للحق تعالى، مشتمل ~~ومنطو على PageV01P169 # كل حقيقة إلهية وكونية، فهو كجنس الأجناس لها. # وأما في الأرواح فلأن روحه العقل الأول الذي خلق الله به السماوات ~~والأرض، بل أوجد به كل العالم، وهو مجمل كلي منطو ms087 على كل روح وعقل ونفس. # وأما في المثال فكذلك لجمع خياله. # وأما في الطبيعيات فكذلك، فإنه ظهر بصورة الهباء هيولي الكل، واستوى على ~~العرش، ومنه تفصلت الأشياء حتى انتهى الحال إلى هذا النوع الإنساني الحسي ~~الجامع لكل ما عداه، وهو هذه النسخة، بل هو الذي كان للحق بمنزلة إنسان ~~العين من العين، فبه يرى جميع ما سواه، فالأمر في كل المراتب جملي ثم يتفصل. # والجملي هو النسخة الصغرى، وما تفصل منه وتفرع هو النسخة الكبرى، نظير ~~ذلك نقطة البسملة والقرآن العظيم الجامع. ### ||| النور الخامس عشر وهو نور التضمن: # فهو الذي كشف له به أن الذي كان عليه أسهل وأكمل من الذي سلكه أبوه ~~إبراهيم (عليه السلام)، فإن هذا كان في أمره كالمختار المحبوب، وأبوه ~~كالطالب المجتهد. # وقصة انتقال إبراهيم (عليه السلام) تعلمك بالحال. # * قلت: قال الشيخ ابن غانم المقدسي رضي الله عنه: لما توسل به آدم (عليه ~~السلام) سلم من الملام، ولما انتقل إلى صلب إبراهيم الخليل (عليه السلام) ~~صارت النار عليه بردا وسلاما، ولما أودعته ذرة وجوده صدفة إسماعيل، فدي ~~بذبح عظيم، فثمرة غصن أصحاب اليمين يحبهم ويحبونه. # ولأن آدم (صلى الله عليه وسلم) لما خلق الله نور سيدنا محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) في جبينه كانت الملائكة تستقبله، وتسلم على نور محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) وآدم (عليه السلام) لم يره، فقال: يا رب أحب أن أنظر إلى نور ~~ولدي محمد (صلى الله عليه وسلم)، فحوله على عضو من أعضائي لأراه، فحوله إلى ~~سبابته في يده اليمنى، فنظر إليه يتلألأ في مسبحته، فرفعها فقال: أشهد أن ~~لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لذلك سميت ~~المسبحة. والله أعلم. PageV01P170 ### ||| النور السادس عشر وهو نور التسخير: # فهو كشف له (صلى الله عليه وسلم) أنه الغاية في السموات والأرض، وأن ~~القمر انشق له والكواكب سخرت لحفظ نظام ملته، وتلك أيضا معجزة ظهرت في مدة ~~ملته (صلى الله عليه وسلم)، وهي باقية، وغفل عنها كثير من الناس، ms088 وهي الشهب ~~التي ترسل على الشياطين. # وما ذلك إلا بركة كتابه ولأجل موضوعه، وكذلك الملائكة من تسخيره وخدمته، ~~فإنها تكتب فضائل أمته (صلى الله عليه وسلم)، وقاتلت معه (صلى الله عليه ~~وسلم)، وإلى الآن أولياء أمته في منادمتهم ومخاطبتهم مشافهة، وكذلك الصور ~~الروحانية كلها. # وهذا نور كشف له أنه المدلل في السموات والأرض، وفي كل العوالم. # * قلت: قال الشيخ الكتاني: وقد ذكر العارف بالله سيدي عبد الوهاب ~~الشعراني في كتابه «العهود المحمدية» وفي «كشف الحجاب والران عن وجه أسأله ~~الجان» وغيرهما من بعض كتبه أنه لا يجمع بين رؤية الملك وسماع خطابه إلا ~~الأنبياء فقط وأما الولي فإن رأى شخصه لا يكون مكلما له وإن كلمه لا يرى ~~شخصه وأصله للشيخ الأكبر في «فتوحاته» ونصه في الباب الثامن والستين ~~ومائتين: # وأهل الله يشاهدون تنزل الأرواح على قلوبهم، ولا يرون الملك النازل إلا ~~أن يكون المنزل عليه نبيا أو رسولا، فالولى يشهد الملائكة، ولكن لا يشهدها ~~ملقية عليه، أو يشهدون الإلقاء ويعلمون أنه من الملك من غير شهود، فلا يجمع ~~بين رؤية الملك والإلقاء منه إلا لنبي أو رسول، وبهذا يفترق عند القوم ~~ويتميز النبي من الولى، انتهى منه بلفظه. # وقال في الباب الثالث والخمسين وثلاثمائة بعد ما ذكر أن الأولياء لهم من ~~الله الإلهام لا الوحى وإن الإلهام خبر إلهى وإخبار من الله للعبد على يد ~~ملك مغيب عن هذا الملهم، وأنه قد يلهم من الوجه الخاص ما نصه: # فالرسول والنبي يشهد الملك ويراه رؤية بصر عند ما يوحى إليه، وغير الرسول يحس PageV01P171 # بأثره ولا يراه رؤية بصر، فيلهمه الله به ما شاء أن يلهمه، أو يعطيه من ~~الوجه الخاص بارتفاع الوسائط، وهو أجل الإلقاء وأشرفه، وهو الذي يجتمع فيه ~~الرسول والولى أيضا، انتهى بلفظه أيضا. # وقال في الباب الرابع والستين وثلاثمائة ما نصه: وصل: وأما من قال من ~~أصحابنا وذهب إليه كالإمام أبي حامد الغزالى وغيره بأن الفرق بين النبي ~~والولى نزول الملك، فإن الولي ملهم والنبي ينزل عليه ms089 الملك مع كونه في أمور ~~يكون ملهما، فإنه جامع بين الولاية والنبوة، فهذا غلط عندنا من القائلين ~~به، ودليل على عدم ذوق القائلين به، وإنما الفرقان إنما هو مما ينزل به ~~الملك لا في نزول الملك، فالذي ينزل به الملك على الرسول والنبي خلاف الذي ~~ينزل به الملك على الولي التابع. # ثم ذكر أن الملك قد ينزل على الولي التابع بالاتباع وبإفهام ما جاء به ~~النبي مما لم يتحقق هذا الولي بالعلم به، وقد ينزل عليه بتعريف صحة ما جاء ~~به النبي، وسقمه مما قد وقع عليه أو توهم أنه صحيح عنه أو ترك لضعف الراوى ~~وهو صحيح في نفس الأمر وقد ينزل عليه بالبشرى من الله بأنه من أهل السعادة ~~والفوز وبالأمان .. إلى آخر ما قال. # لم يذكرها هنا في هذا الملك النازل على الولي بشيء هل يراه الولي رؤية ~~بصر أو لا يراه، وإنما يحس بأثره، وهذا هو الظاهر جمعا بين كلاميه، وإن كان ~~الأول هو المتبادر من إطلاقه. # وأقول: قد ثبت في السنة الغراء جمع الصحابة وليسوا بأنبياء ولا برسل بين ~~رؤية الملك المتمثل بصورة البشريين وسماعهم لكلامه، وذلك بحضرة النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) كما في حديث سؤال جبريل للنبي (صلى الله عليه وسلم) عن ~~الإسلام والإيمان والإحسان بمحضر الصحابة، وهم يرونه بأبصارهم ويسمعون ~~كلامه إلا أن الخطاب فيه كان للنبي دونهم. # وقد قال الحافظ في «فتح الباري» فيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) فيراه ويتكلم بحضرته وهو يسمع قال: وقد ثبت عن عمران ~~بن حصين أنه كان يسمع كلام الملائكة انتهى. # وفي «الاستيعاب» لأبي عمر بن عبد البر في ترجمة عمران هذا ما نصه: PageV01P172 # وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم يقول عنه أهل البصرة أنه كان يرى الحفظة ~~وكانت تكلمه حتى اكتوى انتهى. # فظاهره أنه كان يجمع بين رؤيتهم وسماع كلامهم. # وقد ورد أيضا أنها كانت تسلم عليه فلما اكتوى رفع ذلك، فلما زال أثر الكي ~~عاد إليه. # وورد أنها ms090 كانت تصافحه. # وفي «الطبقات» للمناوى في ترجمة القطب سيدي إبراهيم الدسوقي نقلا عنه قال: # وليت القطبانية فرأيت المشرقين وما تحت التخوم وصافحت جبريل. انتهى. # ففيه مصافحة الملائكة للصحابة والأولياء وتسليمها عليهم، ولا بعد في ~~ظهورها لهم عند ذلك بل هو الظاهر، وفيه أيضا لقاء الأولياء لسيدنا جبريل ~~(عليه السلام) بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم)، وما اشتهر من أنه لا ينزل ~~إلى الأرض بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم)، لا أصل له إلا ما ورد في خبر ~~ضعيف جدا أنه قال للنبي (صلى الله عليه وسلم) قبيل وفاته وطأتى بالأرض. # ومن الدليل على بطلانه ما للطبراني في «الكبير» عن ميمونة بنت سعد قالت: ~~يا رسول الله هل يرقد الجنب؟ قال: ما أحب أن يرقد حتى يتوضأ، فإني أخاف أن ~~يتوفى فلا يحضره جبريل. # ففيه أنه يحضر كل من مات من هذه الأمة إلا أن يمنع من حضوره مانع. # ولنعيم بن حماد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في وصف الدجال قال: فيمر ~~بمكة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا ميكائيل بعثني الله ~~لأمنعه من حرمه. ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟ فيقول: ~~أنا جبريل بعثني الله لأمنعه من حرم رسوله (1). # وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله تعالى: @QUR@05 تنزل الملائكة والروح ~~فيها [القدر: 4] قال: الروح جبريل. راجع «الإعلام بنزول عيسى (عليه ~~السلام)» للحافظ السيوطي، PageV01P173 # وكذا ما اشتهر من أنه لا ينزل على الأولياء، وأن نزوله خاص بالأنبياء لا ~~أصل له ولا يصح، بل ينزل على الأولياء ويصافحهم كما سبق عن سيدي إبراهيم ~~الدسوقي ويسلم عليهم، ويأتيهم بالأمر والنهي كما في قوله: @QUR@04 وإذ قالت ~~الملائكة [آل عمران: # 42]، يعني جبريل وحده كما أخرجه إسحاق بن بشر، وابن عساكر عن ابن عباس. # قال تعالى: @QUR@022 يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء ~~العالمين. يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين [آل عمران: 42: ~~43] إلى قوله: # @QUR@010 إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه [آل ms091 عمران: 45]. # فأفاد أن الملائكة: أي جبريل منهم نزلت عليها بالأمر وهو قوله: @QUR@02 ~~اقنتي لربك [آل عمران: 43] إلى آخر الآية، والظاهر المتبادر منه أيضا أنها ~~جمعت بين رؤيتهم وسماع خطابهم. # ويؤيده ما في «الدر المنثور» قال: أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ~~@QUR@03 إن الله يبشرك [آل عمران: 45] قال: شافهتها الملائكة بذلك، ~~والصحيح أنها لم تكن نبية، بل نفى النبوة عن جميع النساء. # وفي «الإبريز» في الكلام على هذه الآية نقلا عن شيخه قال: وأما ما ذكروه ~~في الفرق بين النبي والولي من نزول الملك وعدمه فليس بصحيح؛ لأن المفتوح ~~عليه سواء كان نبيا أو وليا لا بد أن يشاهد الملائكة بذواتهم على ما هم ~~عليه، ويخاطبهم ويخاطبونه، وكل من قال أن الولي لا يشاهد الملك ولا يكلمه ~~فذاك دليل على أنه غير مفتوح عليه، انتهى منه بلفظه. # فظاهره الجمع بينهما للولي، وهو ظاهر كلام غير واحد من الفحول. # وفي كتاب «الأسرار لأحد مفاتيح الكنوز الأربعة»، وهو العارف بالله سيدي ~~عبد الرحمن الشامي قضايا جمع له فيها بين رؤية الملائكة ومخاطبتهم فراجعه ~~والله أعلم. # ثم ظاهر كلام الشيخ الأكبر السابق في الفرق بين النبي والولي: # إن الولي لا ينزل عليه الملك بالأمر والنهي. PageV01P174 # واعترضه مؤلف «الإبريز» وقال: إنه غير ظاهر. # فإن الولي ينزل عليه الملك بالأمر والنهي، ولا يلزم منه أن يكون ذا شريعة ~~كما في قصة مريم، فإن الملك نزل عليها بالأمر وليست نبية كما سبق انتهى كلامه. # وعليه فالصواب في الفرق بين النبي والولي، وإن كان كل منهما ينزل عليه ~~جبريل أو غيره من الملائكة، فيراه ببصره، ويسمع خطابه بالأمر أو النهي أو ~~غيرهما على ما تحرر أن النبي ينزل عليه الملك بالنبوة وبما يناسبها، ~~ويتبعها من الأحوال والأقوال والشرائع، والولي لا يأتيه بنبوة ولا بما ~~يناسبها، وإنما ينزل عليه بغير ذلك مما يناسب حال الولاية مما تقدم أو نحوه ~~فاعرفه. ### ||| النور السابع عشر وهو نور العادة: # فإنه أظهر في أيام الدنيا، وأيام العالم، وأيام الدين من العدل ms092 وصلاح ~~الأحوال، وسياسة المنزل والتدبير المحمود، فأظهر له أنه الحكيم الأعظم. # * قلت: كان (صلى الله عليه وسلم) أوجز الناس كلاما، وبذاك جاءه جبريل ~~(عليه السلام)، وكان مع الإيجاز يجمع كل ما أراد، وكان يتكلم بجوامع الكلم ~~لا فضول ولا تقصير، كأنه يتبع بعضه بعضا، بين كلامه توقف يحفظه سامعه ~~ويعيه، وكان جهير الصوت، أحسن الناس نغمة. # وكان طويل السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، ولا يقول المنكر. # وكان (صلى الله عليه وسلم) أحلم الناس وأرغبهم في العفو مع المقدرة. # وكان (صلى الله عليه وسلم) في حرب فرأوا في المسلمين غرة، فجاء رجل حتى ~~قام على رأس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالسيف، فقال: «من يمنعك مني؟ ~~فقال: الله، قال: فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~السيف، فقال: من يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ، قال: قل: أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأني رسول الله. فقال: لا، غير أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم ~~يقاتلونك، PageV01P175 # فخلا سبيله، فجاء أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس (1)». # وكان (صلى الله عليه وسلم) أجود الناس وأسخاهم. # وكان في شهر رمضان كالريح المرسلة لا يمسك شيئا، وما سئل شيئا قط على ~~الإسلام إلا أعطاه. # وإن رجلا أتاه فسأله فأعطاه غنما سدت ما بين جبلين، فرجع إلى قومه، وقال: # أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة (2). # وما سئل شيئا قط فقال له: لا، وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعها على حصير، ~~ثم قام إليها فقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها. # ولما قفل من حنين جاءت الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه، ~~فوقف رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقال: «أعطوني ردائي، لو كان عندي ~~عدد العضاه نعما لقسمتها بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا ~~(3)»، فحاشاه من ذلك (صلى الله عليه وسلم) لبيان كرمه، وشجاعته (صلى الله ~~عليه وسلم)، وكان (صلى الله عليه وسلم) أكرم الناس وأشجعهم. # قال علي رضي الله ms093 عنه: «لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا (4)». # وقال أيضا رضي الله عنه: «كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا ~~برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه (5)». # وقيل: «كان (صلى الله عليه وسلم) قليل الكلام، قليل الحديث، فإذا أمر ~~الناس بالقتال تشمر، وكان PageV01P176 # من أشد الناس بأسا، وكان الشجاع هو الذي يقرب منه في الحرب لقربه من ~~العدو (1)». # وقال عمران بن الحصين رضي الله عنه: «ما لقي رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) كتيبة إلا وكان أول من يضرب (2)». # وكان (صلى الله عليه وسلم) أشد الناس تواضعا في علو منصبه، فكان يركب ~~الحمار موكفا عليه قطيفة، وكان مع ذلك يستردف، وركب مرة حمارا عريا، وأمر ~~أبا هريرة رضي الله عنه أن يركب معه، وكان فيه ثقل، فوثب ليركب فلم يقدر، ~~فأمسك به (صلى الله عليه وسلم) فوقعا جميعا، ثم ثانيا كذلك، ثم أمره ثالثا ~~فقال: «والذي بعثك بالحق لأركبنك ثالثا (3)». # وكان (صلى الله عليه وسلم) يعود المريض، ويتبع الجنائز، ويجيب دعوة ~~الملوك، ويخصف النعل، ويرقع الثوب. # وكان يصنع في بيته مع أهله في حاجاتهم. # وكان أصحابه رضي الله عنهم أجمعين لا يقومون له لما عرفوا من كراهته ~~لذلك، وكان يمر على الصبيان فيسلم عليهم، وأتى برجل فأرعد من هيبته، فقال ~~له: «هون عليك، فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد (4)». # وكان (صلى الله عليه وسلم) يجلس بين أصحابه مختلطا بهم كأنه أحدهم، فيأتي ~~الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، حتى طلبوا إليه (صلى الله عليه وسلم) أن ~~يجلس مجلسا يعرفه الغريب، فبنوا له دكانا من طين فكان يجلس عليه (5). PageV01P177 # وكان لا يدعوه أحد من أصحابه وغيرهم إلا وقال: لبيك. # وكان إذا جلس مع الناس إن تكلموا في معنى الآخرة أخذ معهم، وإن تحدثوا في ~~طعام أو شراب تحدث معهم، وإن تكلموا في الدنيا تحدث معهم ms094 رفقا بهم وتواضعا لهم. # وكان يتناشدون الشعر بين يديه أحيانا، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، ~~ويضحكون فيبتسم هو إذا ضحكوا، ولا يزجرهم إلا عن حرام. ### ||| النور الثامن عشر وهو نور الأتباع: # فما ظهر لهم من النصر بالسنان فإنهم استفتحوا بلاد الكفر من بعده (صلى ~~الله عليه وسلم) وما فتح الله به، وما ظهر على رجال أمته من الكرامات على ~~العلماء من العلوم على أنحائها. # وبالجملة: ظهر أن الأمر فيه مع الأنبياء والرسل هو الأمر فيهم مع العلماء ~~والملل والدول. # وقوله تعالى: @QUR@09 وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~[البقرة: # 143] فهي ذلك الآية. # * قلت: فهو نور الأمم: أي البادي في نفسه المبدي لغيره، والأمم: جمع أمة، ~~وهى الطائفة القاصدة لمأم: أي مقصد يقصده؛ ليهتدي به مما أحست به من ضلال ~~مسلكها، وأن الله عز وجل كما ورد: خلق الخلق في ظلمة (1)، وظلمة الخلق ~~ذواتهم وإحساسهم بأنفسهم، تلك ظلمتهم التي طمست عنهم الوجد بربهم، ثم ~~تضاعفت عليهم ظلم ذواتهم دركة دركة إلى أسفل سافلين وإلى أطباق سجين، بحيث ~~صارت أدنى الظلمتين طمسا أهونهما بما يداخل أدنى الظلمتين من نور يظهر ظلمه ~~أشدهما، وكل نور يظهر ذاتا من ذوات الخلق؛ فهو بما يظهر نور، وبما هو دون ~~إراءة الحق وإظهار نور الله ظلمة. PageV01P178 # قال تعالى: @QUR@08 هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا [يونس: 5]. # فهو نور بما يظهر من طمس الظلمة، وهو ظلمة بما هو باد من بوادي الخلق، ~~حجاب من دون نور الحق. # قال (صلى الله عليه وسلم) لعائشة رضي الله عنها وقد نظرت القمر: «استعيذي ~~بالله من شره؛ فإنه الغاسق إذا وقب (1)»، فكل باد من الخلق ظلمة بوجه ما ~~إلا محمدا (صلى الله عليه وسلم) وآله. # فهو نور لكل من أمه من الأمم بما أبدى الله به من نوره وطمس مما سواه، ~~حتى شهد يبطل ما خلا الله، وبمحو الكفر الذي تغطيته هي الظلمة التي محاها ~~نوره، فهو نور الأمم الذي لا يبقي لمن آمن به ظلمة من وراء نوره، وذلك ms095 بما ~~هو النور الأول. # كما قال (صلى الله عليه وسلم): «إن الله خلقني من نور (2)»، فهو (صلى ~~الله عليه وسلم) نور لا بقية لظلمة فيه، بما هو فان عن نفسه قائم بربه، كما ~~يقول هو (صلى الله عليه وسلم): «ما أنا حملتكم، الله حملكم (3)». # وكما قيل في أنه شعاع، نوره من أصحابه وأنصاره: @QUR@06 فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم [الأنفال: 17]. # وكما قال: @QUR@09 وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17]، فهو ~~(صلى الله عليه وسلم) نور ليس في إنارته بقية ظلمة بما نزع الله ممن ائتم ~~به واتبعه، خفي الشرك الباقي في خواص أمته، فصاروا أئمة، ولذلك كانوا نور ~~الأمم الذي ينتهي إلى نوره الأنوار ويأتم به الأئمة، فهو نور الله المستمد ~~بمدد الله، فلذلك هو نور لا يطفأ (صلى الله عليه وسلم). # فلما كان (صلى الله عليه وسلم) محيطا في خلقه بما كل خلق منه ومحيطا في ~~أمره بما كل أمر من أمره كان (صلى الله عليه وسلم) مبينا أعلى أمر الله ~~لأدنى خلق الله، فهو نور الله البادي الذي أرسله، وهو نور الأمم PageV01P179 # الهادي الذي أوصلها، فهو نور الأمم بما هو هاديها، ونور الله بما هو ~~باديه، الذي لا خفاء له، ولما كان الأول الآخر فكان الخاتم ليس وراء مكانته ~~مكانة ولا وراء إنارة نوره إنارة، لم يكن وراءه ما هو أكمل نورية منه فيطفئ ~~نوريته، كما شأن الأنوار المترتبة في حكمة الله أن تطفئ أشدها أضعفها، كما ~~يطفئ نور الكواكب ويطفئ ضوء الشمس بعد القمر، والإطفاء إذهاب الإنارة، ~~والإنارة الإراءة للأشياء بما شأنه أن يبدو ويبدي، فالإطفاء ذهاب له أو ~~ذهاب لأثره، كما يذهب السراج وتذهب إثارة القمر بضوء الشمس، فكل نور يطفئه ~~فهو أكمل منه، ونور الله الذي هو نور السماوات والأرض نور لا يطفأ، فلما ~~كان (صلى الله عليه وسلم) نور البادي كله خلقا وأمرا لم يكن وراءه نور بما ~~هو نور الإحاطة إلى ما ورائها من إطلاق الحد؛ فهو لذلك نور الله الذي لا ~~يطفأ، ms096 بما ليس وراء نوره مرمى. # والكلام على الآية التي استدل بها الشيخ ابن سبعين، قلت: # قال الرصاع: نقلا عن بعض أهل التحقيق في قوله: @QUR@05 وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا [البقرة: 143]، إن الله تعالى أيد موسى باسمه الرب فقال: @QUR@04 فلما ~~تجلى ربه للجبل [الأعراف: 143]. # وأيد عيسى باسمه المحيى وإبراهيم باسمه الباطن فأراه ملكوت السماوات ~~والأرض. # وأيد سيد أهل الأكوان الجامع لخصال أهل العرفان بقوله: @QUR@05 يا أيها ~~النبي حسبك الله [الأنفال: 64]، فذكر له اسمه الجامع لذاته وصفاته، فقرنه ~~باسم نبوته، فليس ذلك لغيره. # ثم نقل عن بعضهم أن ذاته الكريمة (صلى الله عليه وسلم) جمعت حقائق ~~الموجودات، ونبوته جامعة لسائر النبوات، ونوره جامع لسائر الأنوار، وسره ~~منه تفرعت الأسرار، ويومه جامع لسائر الأيام، وكتابه جامع للكتب المنزلة ~~على أنبياء الله الكرام عليهم الصلاة والسلام، انتهى. # وقال الحرالي: لما كان (صلى الله عليه وسلم) شاهدا من ربه في خلقه فكان ~~شاهدهم بما أشهده الله منهم، حتى عرفهم حال كونهم وقبل كونهم، وعرض عليه ~~الكون كله ملكه وملكوته ظاهره وباطنه، وأشهد الله بإشهاده من شاء ممن ~~اصطفاه من أئمة أمته، والبراء من الانتهاء في الافتراق إلى اللعن ~~والمنابذة، وكان (صلى الله عليه وسلم) شهيدا على شهداء أمته الذين هم ~~الشهداء على الناس، كما قال تعالى: @QUR@05 وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~[البقرة: 143]. PageV01P180 # والوسط: ما بين طرفي الشيء المالئ لكليته، وكانوا وسطا بما شهدوا من أمر ~~الله مما بين الأزل والأبد، فكانوا بذلك شهداء على خلق الله، وكان هو (صلى ~~الله عليه وسلم) شهيدا على هؤلاء الشهداء كما كان نبيا للأنبياء؛ ليكون في ~~الرتبة الثالثة علوا من كل بداية، فيكون له أحمدية الحمد الذي هو علي على المدح. # قال تعالى: @QUR@04 لتكونوا شهداء على الناس [البقرة: 143]. # ومن الناس من لم يستخلصه الإيمان بالكلية، وبقي له توقين إلى عاجلة ~~الدنيا حب شرفها وحب مالها كما هو حال الملوك وأتباعهم ورؤساء القبائل ~~وأتباعهم، الذين حظهم منه التذكرة لأجل ذلك الحب للعاجلة كما قال تعالى: ~~@QUR@016 أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل ms097 منهم أن أنذر الناس وبشر ~~الذين آمنوا [يونس: 2]. # فأمته الحمادون لله على كل حال، الذين لا يلعنون شيئا ولا يبرءون من خلق، ~~بما شهدوا من حمد ربهم هم الشهداء كما قال (صلى الله عليه وسلم): «اللعانون ~~لا يكونوا شهداء ولا شفعاء يوم القيامة (1)». # فالانتهاء في الافتراق إلى اللعن جرحة هذه الشهادة المحمدية؛ لأنهم منه ~~بما قيل له هو (صلى الله عليه وسلم): «إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، ~~وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا (2)». # ولذلك يقول ناطق العلم: إنه لا ينبغي لأهل النقل والرواية أن يقولوا: لعن ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كذا في نقلهم بعد هذا التقرير، ولكن يكون ~~لفظ النقل أن يقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): # لعن رسول الله كذا، ليقع الفرق بين أن يكون في اللعنة ناقلا أو منشئا؛ ~~لأن الله عز وجل أسند اللعن في كتابه لما صرح به في قوله: # @QUR@09 أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين [البقرة: 161] ~~فكالذين انتظم في أنهم يلعنون، هم الذين يشهد عليهم، وهم الناس لا الذين ~~يشهدون PageV01P181 # الذين ليس شأنهم أن يلعنوا؛ فهو (صلى الله عليه وسلم) شهيد الشهداء بما ~~شهد من عين المشار إليه في إشارة قوله تعالى: @QUR@024 وجاهدوا في الله حق ~~جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو ~~سماكم المسلمين من قبل [الحج: 78]. # وفى هذا فشهوده عيان، هذا المشار إليه في هذه الإشارة العظيمة هو سر ~~شهادته، كما قال تعالى: @QUR@09 ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء ~~على الناس [الحج: 78]، فالناس مشهود عليهم، والوسط الشاهدون شهداء على ~~الناس، والله أعلم. ### ||| النور التاسع عشر وهو نور اللواحق: # فما بعده من الآيات التي أخبر به، وما أيضا في العالم من العجائب فهي له ~~حتى فضائل أمته، فإنها هي فضائله. # فإن قلت: لا تحصر كراماتهم وعلومهم فقد قلت: لا نهاية لمعجزاته (صلى الله ~~عليه وسلم) هو فإنه الأصل في ذلك. والذي يفيد الكرامة بتبعيته هو الكامل. # حتى أن هذا النوع ms098 باتباعه يترجح على المعجزة الحاضرة معه، فإن تلك بإزاء ~~تكذيبه ولضرورة المعاند، وهذه من عند الله على جهة الإكرام ثم هي أيضا ~~مركبة بزيادة أمر محمود وهذا أظهر له (صلى الله عليه وسلم) أصل كل فضل ~~وسعادة وعناية. # * قلت: قال الشيخ الموصلي الكردي: قال الإمام نجم الدين عمر النسفي في ~~«عقائده»: وكرامات الأولياء حق، فتظهر الكرامة على طريق تقفي العادة للولي ~~من قطع المسافة البعيدة في المدة القليلة، وظهور الطعام، واللباس، والشراب، ~~والمشي على الماء وفي الهواء، وكلام الجماد، والعجماء وغير ذلك من الأشياء، ~~ويكون ذلك معجزة للرسول الذي ظهرت هذه الكرامة لواحد من أمته؛ لأنه يظهر ~~بها أنه ولي، ولن يكون وليا إلا وأن يكون محقا في ديانته، وديانته الإقرار ~~برسالة رسوله مع الطاعة له في أوامره ونواهيه. # قال الشارح سعد الدين: حتى لو ادعى هذا الولي الاستقلال بنفسه وعدم ~~المتابعة لم يكن وليا، ولم يظهر ذلك على يده، وإذا ظهر فلا يكون كرامة بل ~~استدراجا. # والحاصل أن الأمر الخارق للعادة فهو بالنسبة إلى النبي معجزة سواء ظهر من ~~قبله أو من قبل آحاد أمته، وبالنسبة إلى الولي كرامة؛ لخلوه عن دعوى نبوة ~~من ظهر ذلك من قبله. PageV01P182 # وقال إمام الحرمين في كتابه «الإرشاد»: ما صار إليه أهل الحق انخراق ~~العادات للأولياء. # ثم قال: وإن الكرامة والمعجزة ليس بينهما فرق إلا وقوع المعجزة على حسب ~~دعوى النبوة والكرامة دون ادعاء النبوة. # وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه «المحصل»: ثم تتميز الكرامة من ~~المعجزة بتحدي النبوة. # وقال الإمام ناصر الدين البيضاوي في كتابه «المصباح»: الكرامات جائزة ~~خلافا للمعتزلة والأستاذ، وتتميز عن المعجزة بعدم التحدي. # وقال الإمام عبد الله بن أسعد اليافعي في كتابه «نشر المحاسن»: ظهور ~~الكرامات للأولياء جائز عقلا، وواقع نقلا، أما جوازه في العقل فلأنه ليس ~~مستحيل في قدرة الله تعالى بل هو من قبيل الممكنات كظهور معجزات الأنبياء، ~~هذا مذهب أهل السنة من المشايخ العارفين، والنطقاء الأصوليين، والفقهاء، ~~والمحدثين، وتصانيفهم ناطقة بذلك شرقا وغربا عجما وعربا، ms099 وأما وقوع ذلك ~~بالنقل فقد جاء في القرآن والأخبار والآثار بالإسناد ما يخرج عن الحصر ~~والتعداد، فمن ذلك في القرآن ما أخبر الله تعالى عن مريم (عليها السلام) ~~بقوله تعالى: @QUR@05 كلما دخل عليها زكريا المحراب [آل عمران: 37]، وكان ~~يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، هكذا جاء في ~~التفسير، وكذلك ما أخبر الله تعالى من إلهام أم موسى (عليه السلام) في أمره ~~ما هو معروف، وكذلك ما أخبر الله تعالى من العجائب عن الخضر مع موسى ~~(عليهما السلام)، وكذلك قصة أصحاب الكهف والأعاجيب التي ظهرت عليهم من كلام ~~الكلب معهم وغير ذلك، وكذلك قصة آصف بن برخيا مع سليمان (عليه السلام) في ~~عرش بلقيس في قوله تعالى: @QUR@014 قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك ~~به قبل أن يرتد إليك طرفك [النمل: 40]. # ومن ذلك في الأخبار حديث جريح الراهب الذي كلمه الطفل في المهد، وهو حديث ~~صحيح أخرجه البخاري ومسلم. # وحديث الغار الذي انطبقت عليهم الصخرة، ثم انفرجت عنهم، وهو أيضا حديث ~~صحيح أخرجه البخاري ومسلم. PageV01P183 # وحديث البقرة التي كلمت صاحبها، وهو حديث صحيح مشهور، والحديث المتفق على ~~صحته المذكور في الصحيحين في أبي بكر الصديق مع ضيفه وبركة الطعام حتى صار ~~بعد الأكل أكثر مما كان قبله ثلاث مرات، وكذلك ما اشتهر عن الصديق أيضا أنه ~~أخبر أن حمل امرأته أنثى فكان كذلك، وحديث الصحيحين المتفق على صحته في عمر ~~رضي الله عنه أنه من المحدثين بفتح الدال، وكذلك ما صح عنه أنه قال: يا ~~سارية الجبل في حال خطبة في يوم الجمعة، فبلغ صوته إلى سارية، فكان لعمر ~~رضي الله عنه في ذلك كرامتان: إحداهما: ما كشف له عن حال سارية وأصحابه ~~المسلمين، وحال العدو، والثانية: بلوغ صوته إلى بلاد بعيدة. # والحديث المتفق على صحته في سعد وسعيد في إجابة دعوة كل واحد منهما، ~~والحديث الصحيح في البخاري في «خبيب» في قطف العنب الذي وجد في يده يأكله ~~في غير أوان الثمر. # والحديث الصحيح حديث ms100 البخاري أيضا في: أسيد بن خضير، وعباد بن بشر الذين ~~خرجا من عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ليلة مظلمة ومعهما مثل ~~المصباحين بين أيديهما. # والحديث الصحيح: حديث الرجل الذي سمع صوتا في السحاب يقول: اسقي حديقة ~~فلان، وما جاء أن ابن عمر رضي الله عنهما قال للأسد الذي منع الناس الطريق: ~~تنح، فبصبص بذنبه وذهب، وما جاء أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعث ~~العلاء بن الحضرمي، فحال بينهم وبين الموضع قطعة من البحر، فدعا بالاسم ~~الأعظم، ومشى على الماء. # وما جاء أنه كان مع سلمان وأبي الدرداء قصعة فسبحت حتى سمعا التسبيح، ~~وكذلك ما اشتهر أن عمران بن الحصين كان يسمع تسبيح الملائكة عليه حتى ~~اكتوى، فانحبس عنه ذلك، ثم أعاده الله تعالى عليه. # والحديث الصحيح حديث مسلم قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «رب أشعث ~~مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره (1)». # قلت: ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكفى دليلا. # وقد ورد عن السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشايخ ~~العارفين PageV01P184 # والفقراء الصادقين وسائر الأولياء والصالحين من الكرامات المستفيضات، ~~الصادرات عن العيان والمشاهدات، ما طبق الآفاق، وملأ جميع البلاد، وعجزت ~~الدفاتر عن اليسير منه في الحصر والتعداد، وأما كثرة ظهور الكرامات ~~واشتهارها بعد زمن الصحابة وزيادتها على ما كان في زمانهم فالجواب عن ذلك ~~ما أجاب به الإمام أحمد لما قيل له: يا أبا عبد الله، إن الصحابة لم يرو ~~عنهم مثلما قد روي عن الأولياء والصالحين، فكيف هذا؟! فقال: أولئك كان ~~إيمانهم قويا، فما احتاجوا إلى زيادة شيء يتقوون به، وغيرهم كان إيمانهم ~~ضعيفا لم يبلغوا إيمان أولئك، فقووا بإظهار الكرامات. # وكذلك قال الشيخ شهاب الدين السهروردي: وخرق العادة إنما يكاشف به لموضع ~~ضعف يقين المكاشف رحمة من الله تعالى على عباده العباد، وثوابا معجلا لهم، ~~وفوق هؤلاء قوم ارتفعت الحجب من قلوبهم، وباشر بواطنهم نور اليقين، وصدق ~~المعرفة، فلا حاجة لهم إلى مدد من المخرقات، ورؤية القدر والآيات، ms101 ولهذا ما ~~نقل عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كثير من ذلك إلا القليل، ونقل ~~عن المتأخرين من المشايخ والصادقين أكثر؛ لأن أصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) لبركة صحبة النبي (صلى الله عليه وسلم) ومجاورة نزول الوحي ~~وتردد الملائكة وهبوطها تنورت بواطنهم، وعاينوا الآخرة، وزهدوا في الدنيا ~~وتزكت نفوسهم، وانخلعت عاداتهم، وانصقلت مرايا قلوبهم، فاستغنوا بما أعطوا ~~من رؤية الكرامة، واستماع أنوار القدرة. # قال اليافعي: وأيضا فهذه الكرامات من الكشف وغيره أنوار، والأنوار إنما ~~يظهر حسن بهائها في الظلمة، فأما الصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين) فكلهم ~~أنوار ليس فيهم ظلمة؛ لتوهج ضياء شمس النبوة عليهم، وكمال محاسنهم، ثم أن ~~الشمس إذا غربت تظهر الظلمة عقيب غروبها ولا تظهر إلا الكواكب الكبار، ~~فكلما تغرب عن الأفق تكثر الظلمة، فتظهر سائر الكواكب إلى أن يظهر فجر ~~الوعيد، وأيضا الصحابة كانوا أهل حق، وسنة، وطاعة، وعدل، ومعروف، ثم ظهر ~~بعدهم عكس ذلك من الباطل والبدع، والمعاصي، والظلم، والمنكر، فبث الله ~~تعالى في سائر البلدان رجالا قلدهم سيوفا ماضيات تقطع أعناق المنكرين عليهم. PageV01P185 # والحاصل أنه قد علمت أنهم قد اتفقوا على أن الفارق بين الكرامة والمعجزة ~~هو تحدي النبوة فقط، ولم يشترط أحد منهم لكون الكرامة دون المعجزة في جنسها ~~وعظمها، فدل ذلك على جواز استوائهما فيما عدا التحدي المذكور، ويشهد لصحة ~~هذا القول قوله (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح: «لو أقسم على الله ~~لأبره (1)». # فإن الأبرار المذكور عام في كل مقسم فيه، ثم إن وقوع ذلك من كثير من ~~الأولياء أعني عظام الكرامات خارج عن الحصر، وها أنا أقتصر في التنبيه على ~~ذلك بذكر عشرة أنواع: ### | [موجز في أنواع الكرامات] ### ||| النوع الأول: إحياء الموتى: # روى القشيري بإسناده في رسالته: أن أبا عبيد البسري غزا سنة من السنين، ~~فخرج في البرية، فمات المهر الذي كان تحته وهو في البرية، فقال: يا رب، ~~أعرناه حتى نرجع إلى بسر: يعني قرينه، فإذا المهر قائم، فلما غزا ورجع إلى ~~بشر، قال ms102 لابنه: يا بني، خذ السرج من المهر، قال ابنه: فقلت له: إنه عرق ~~فإذا أخذت السرج داخله الريح، فقال: يا بني، إنه عارية، قال: فلما أخذت ~~السرج وقع المهر. # وروى أيضا بإسناده في رسالته: أنه انطلق رجل من اليمن، فلما كان في بعض ~~الطريق نقض حماره، فقام فتوضأ، ثم صلى ركعتين، ثم قال: اللهم إني جئت ~~مجاهدا في سبيلك ابتغاء مرضاتك، وإني أشهد أنك تحيي الموتى، وأنك تبعث من ~~في القبور، ولا تجعل لأحد علي منة اليوم، أطلب منك أن تبعث حماري، فقام ~~الحمار ينفض أذنيه، وقد نقل هذا عن الإمام الشعبي أيضا. # وروى أيضا بإسناده فيها أن محمد بن سعيد البصري قال: بينما أنا أمشي في ~~طرق البصرة إذ رأيت أعرابيا يسوق جملا، فالتفت فإذا الجمل وقع ميتا، ووقع ~~الرجل والقنب، فمشيت ثم التفت فإذا الأعرابي يقول: يا مسبب كل سبب، ويا ~~مأمول من طلبه رد علي ما ذهب، وحمل الرجل القنب، فإذا الجمل قائم، والرجل ~~والقنب فوقه. # وروى أيضا بإسناده فيها إلى الشيخ سهل بن عبد الله التستري أنه قال: PageV01P186 # الذاكر لله على الحقيقة لو هم أن يحيي الموتى لفعل بإذن الله تعالى، ومسح ~~يده على عليل بين يديه فبرأ وقام. # وكان الشيخ مفرج الدماميلي عبدا حبشيا اصطفاه الله تعالى، ولما تكاثرت ~~كراماته أحضرت عنده فراخ مشوية، قال لها: طيري، فطارت أحياء بإذن الله تعالى. # ومن المشهور ما روي سندا في كتاب «مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني» (قدس ~~سره) من خمسة طرق عن جماعة من الشيوخ الأجلاء قالوا: # جاءت إليه امرأة بولدها، وقالت له: إني رأيت قلب ابني هذا شديد التعلق ~~بك، وقد خرجت من حقي فيه لله سبحانه وتعالى ولك، فقبله الشيخ، وأمره ~~بالمجاهدة وسلوك الطريق، فدخلت أمه عليه يوما فوجدته نحيلا مصفرا من آثار ~~الجوع والسهر، ووجدته يأكل قرصا من شعير، فدخلت على الشيخ، فوجدت بين يديه ~~إناء فيه عظام دجاجة مسلوقة قد أكلها، فقالت: يا سيدي، تأكل لحم الدجاج ~~ويأكل ابني خبز الشعير. فوضع يده ms103 على تلك العظام، وقال: قومي بإذن الله ~~تعالى الذي يحيي العظام وهي رميم، فقامت دجاجة سوية، وصاحت، فقال الشيخ: ~~إذا صار ابنك هكذا فليأكل ما شاء. # قالوا: ومرت على مجلسه حدأة طائرة في يوم شديد الريح، فصاحت، فشوشت على ~~الحاضرين، فقال: يا ريح، خذي رأس هذه الحدأة، فوقعت لوقتها في ناحية ورأسها ~~في ناحية، فنزل الشيخ من الكرسي، وأخذها في يديه وأمر يده الأخرى عليها، ~~وقال: بسم الله الرحمن الرحيم فحييت وطارت والناس يشاهدون ذلك. # قلت: فإحياء الله تعالى الموتى كرامة لهم، فهو وإن كان عظيما فهو جائز ~~كما قدمنا عن الأئمة أن ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي ~~بشرط ألا يدعي النبوة. ### ||| النوع الثاني: كلام الموتى: # قال اليافعي: أخبرني بعض الشيوخ الصالحين من أهل اليمين عن الفقيه ~~إسماعيل الحضرمي أنه مر يوما على مقبرة ومعه ناس كثيرون، فبكى بكاء شديدا ~~ثم ضحك في PageV01P187 # الحال، فسئل عن ذلك؟ فقال: رأيت أهل هذه المقبرة يعذبون، فحزنت لذلك، ثم ~~سألت الله عز وجل أن يشفعني فيهم، فشفعني، فقالت صاحبة هذا القبر وأشار إلى ~~قبر قريب العهد بالحفر: وأنا معهم يا فقيه إسماعيل، أنا فلانة المغنية. ~~فضحكت، وقلت: أنت معهم، ثم أرسل إلى الحفار، وقال له هذا قبر من؟ فقال: قبر ~~فلانة المغنية. # وروى القشيري أن الشيخ أبا سعيد الخراز قال: كنت مجاورا بمكة، فجزت يوما ~~بباب بني شيبة، فرأيت شابا حسن الوجه ميتا، فنظرت في وجهه، فتبسم، وقال لي: ~~يا أبا سعيد، ما علمت أن الأحياء أحياء وإن ماتوا، وإنما ينقلون من دار إلى دار. # ومن المشهور ما روي مسندا من ثلاثة طرق عن جماعة من الشيوخ الأكابر في ~~كتاب «مناقب الشيخ عبد القادر»، قالوا: # زار شيخنا محيي الدين عبد القادر الكيلاني الشونيزي يوم الأربعاء السابع ~~والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وخمسمائة ومعه جمع كثير من الفقهاء والفقراء، ~~ووقف عند قبر الشيخ حماد الدباس زمنا طويلا حتى اشتد الحر والناس واقفون ~~خلفه، ثم انصرف والسرور بين ms104 في وجهه، فسئل عن سبب طول قيامه؟ فقال: كنت ~~خرجت من بغداد في يوم الجمعة منتصف شعبان سنة تسع وتسعين وأربعمائة مع ~~جماعة من أصحاب الشيخ حماد لنصلي الجمعة في جامع «الرصافة» والشيخ معنا، ~~فلما كنا عند قنطرة النهر دفعني، فرمى بي في الماء وكان في شدة البرد في ~~كوانين، فقلت: بسم الله غسل الجمعة، وكان علي جبة صوف، وفي كمي أجزاء، ~~فرفعت يدي لئلا تبتل وتركوني وانصرفوا، وخرجت من الماء، وعصرت الجبة ~~وتبعتهم وقد تأذيت بالبرد أذى كثيرا، فطمع في أصحابه، فنهرهم وقال: # إنما أوذيه لأمتحنه فأراه جبلا لا يتحرك، وإني رأيته اليوم في قبره وعليه ~~حلة من جوهر، وعلى رأسه تاج من ياقوت، وفي يده أساور من ذهب، وفي رجليه ~~نعلان من ذهب، ويده اليمنى لا تطيعه، فقلت: ما هذا؟ قال: هذه اليد التي ~~رميتك فهل أنت غافر لي ذلك؟ # قلت: نعم، قال: فاسأل الله تعالى أن يردها علي. فوقفت أسأل الله تعالى في ~~ذلك، وقام خمسة آلاف ولي من أولياء الله تعالى في قبورهم يسألون الله عز ~~وجل أن يقبل مسألتي فيه، ويشفعون عندي في تمام المسألة، فما زلت أسأل الله ~~عز وجل في مقامي ذلك حتى رد الله تعالى يده، وصافحني بها وقد تم سروره. PageV01P188 # قالوا: فلما اشتهر هذا القول في بغداد اجتمع المشايخ والصوفية من أهل ~~بغداد من أصحاب الشيخ حماد؛ ليطالبوا الشيخ عبد القادر بتحقيق ما قاله في ~~الشيخ حماد، وتبعهم خلق كثير من الفقراء، وأتوا إلى المدرسة فلم يتكلم منهم ~~أحد إجلالا للشيخ، فبدأهم بمرادهم، وقال لهم: اختاروا رجلين من المشايخ ~~يتبين لكم ما ذكرته على لسانهما، فأجمعوا على الشيخ أبى يعقوب يوسف بن أيوب ~~الهمداني، وكان يومئذ قد ورد إلى بغداد والشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن شعيب ~~الكردي وكان مقيما ببغداد، وكان من ذوي الكشف الخارق والأحوال الفاخرة، ~~وقالوا له: أمهلناك في بيان ذلك على لسانهما جمعة. فقال لهم: # بل ما تقومون من مقامكم هذا حتى يتحقق لكم الأمر، وأطرق وأطرقوا، ms105 فصاح ~~الفقراء من خارج المدرسة، وإذا بالشيخ يوسف قد جاء حافيا يشتد في عدوه حتى ~~دخل المدرسة، وقال: أشهدني الله عز وجل ساعة الشيخ حماد لو قال لي يا يوسف ~~أسرع إلى مدرسة الشيخ عبد القادر وقل للمشايخ الذين فيها: صدق الشيخ عبد ~~القادر فيما أخبر به عني فلم يتم كلامه الشيخ يوسف حتى جاء الشيخ عبد ~~الرحمن بن شعيب، وقال مثل قول الشيخ يوسف، فقام المشايخ كلهم يستغفرون ~~للشيخ عبد القادر (قدس الله تعالى روحه). # قال الإمام عبد الله بن أسعد اليافعي في كتابه «نشر المحاسن»: أخبرني بعض ~~الأخيار عن بعض الصالحين أنه يأتي قبر والده في بعض الأوقات ويتحدث معه. # ومن المشهور أن الشيخ الكبير أحمد بن موسى بن عجيل سمعه بعض الفقهاء ~~الصلحاء من قرابته يقرأ في سورة النور في قبره. # قال: وروينا أن الشيخ نجم الدين الأصبهاني طلع مع جنازة بعض الصالحين، ~~فلما جلس بعض الناس من أهل العلم يلقن الميت ضحك الشيخ نجم الدين ولم يكن ~~الضحك عادته، فسئل عن ذلك؟ فقال: سمعت صاحب القبر يقول: أما تعجبون من ميت ~~يلقن حيا وغير ذلك مما يطول ذكره من كلام الموتى للأولياء. ### ||| النوع الثالث: انغلاق البحر وجفافه: # من ذلك ما روي أنه مات بعض الفقراء في سفينة، قال الراوي: فأردنا إلقاءه ~~في البحر، فرأيت البحر قد انشق نصفين، ونزلت السفينة إلى الأرض، فخرجنا ~~وحفرنا له قبرا ودفناه فيه، فلما فرغنا استوى الماء، وارتفعت السفينة وسرنا. PageV01P189 # روى القشيري (رحمه الله تعالى) في رسالته عن بعضهم قال: كنا في مركب فمات ~~رجل عليل كان معنا، فأخذنا في جهازه، وأردنا أن نلقيه في البحر، وسار البحر ~~جافا، ونزلت السفينة فخرجنا، وحفرنا له قبرا، ودفناه، فلما استوى الماء ~~وارتفع المركب سرنا. ### ||| النوع الرابع: انقلاب الأعيان: # اعلم أن هذا النوع مما كثر وقوعه لهم واشتهر عنهم، كانقلاب الحصى جواهر ~~وذهبا لكثير منهم، وانقلاب ماء البحر عذبا، ولبعضهم سمنا، ولبعضهم مع الرمل ~~سويقا وسكرا، ولبعضهم الحطب ذهبا، وغير ذلك مما يتعذر حصره، ms106 وهذه الأشياء ~~مشهورة مذكورة في الكتب المشتملة على بعض كرامات الأولياء كالرسالة وغيرها، ~~وأعجب من ذلك انقلاب الخمر سمنا، كما روي عن الشيخ عيسى المعروف بالهتار ~~اليمني: أنه مر على امرأة بغي، فقال لها: بعد العشاء آتيك، ففرحت بذلك، ~~وتزينت، فلما كان بعد العشاء دخل عليها البيت فصلى ركعتين ثم خرج. # فقالت: أراك خرجت. فقال: المقصود حصل، فورد عليها واردا أزعجها عما كانت ~~عليه، وخرجت بعد الشيخ وتابت على يديه، فزوجها من بعض الفقراء. # وقال: اعملوا الوليمة عصيدة، ولا تشتروا لها أداما، ففعلوا ذلك، وأحضروه، ~~وحضر الفقراء والشيخ معهم كالمنتظر لشيء يؤتى به، فوصل الخبر إلى أمير تلك ~~البلدة، فأخرج قارورتين مملوءتين خمرا، وأرسل بهما إلى الشيخ، وأراد أن ~~يستهزئ بالفقراء ويفضحهم، وقال للرسول: قل للشيخ: قد سرني ما سمعت، وبلغني ~~أنه ما عندكم أدام فخذوا هذا فادموا به، فلما أقبل الرسول قال له الشيخ: ~~أبطأت، ثم تناول إحداهما فخاضها، ثم صبها، ثم كذلك الأخرى، ثم قال للرسول: ~~اجلس فكل، فأكل فطعم سمنا لم ير مثله طعما، وريحا، ولونا، ورجع وأخبر ~~الأمير بذلك، فجاء الأمير فأكل، وتحير مما رأى، فتاب أيضا على يد الشيخ، ~~والحمد لله الذي جعل هؤلاء السادة سببا للسعادة. # وأعظم من ذلك ما رواه اليافعي في نشر المحاسن عن جماعة من الصالحين. # روي عن بعض الأولياء أنه طلب بعض الناس يدعو له إلى الله تعالى أن يرزقه ~~ولدا ذكرا، فقال له: إن أحببت ذلك فسلم للفقراء مائة دينار. فسلم إليه ذلك، ~~ثم جاءه بعد ذلك بمدة، وقال له: يا سيدي، وعدتني بولد ذكر وما وضعت امرأتي ~~إلا أنثى. PageV01P190 # فقال له الشيخ: الدنانير التي سلمتها ناقصة. قال: يا سيدي، ما هي ناقصة ~~إلا شيئا يسيرا. فقال له الشيخ: ونحن أيضا ما نقصناك إلا شيئا يسيرا، فإن ~~أحببت أن نوفي لك فأوفي لنا. قال: نعم يا سيدي، ثم ذهب وعاد إليه بتوفية ~~ذلك النقصان. # فقال له الشيخ: اذهب فقد أوفينا لك كما أوفيت، فرجع إلى منزله، فوجد ~~الولد غلاما ms107 بقدرة الله تعالى وإكرامه للأولياء. # ومن ذلك ما روي مسندا في كتاب «مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني» أنه خرج ~~يوما لصلاة الجمعة، فمر به في الطريق ثلاثة أحمال خمرا للسلطان قد فاحت ~~رائحتها واشتدت، ومعها صاحب الشرطة وأعوان الديوان، فقال لهم الشيخ: قفوا. ~~فلم يفعلوا، وأسرعوا في سوق الدواب. # فقال الشيخ للدواب: قفي. فوقفت مكانها كأنها جمادات، فضربوها ضربا عنيفا ~~فلم تتحرك من مواضعها، وأخذهم كلهم القولنج، وجعلوا يتقلبون على الأرض ~~يمينا وشمالا من شدة المهم، وضجوا بالشيخ، وأعلنوا بالتوبة والاستغفار، ~~فزال عنهم المهم، وانقلبت رائحة الخمر برائحة الخل، ففتحوا الأواني فإذا هي ~~خل ومشت، فعلت أصوات الناس بالضجيج، وذهب الشيخ إلى الجامع، وانتهى الخبر ~~إلى السلطان، فبكى رعبا، وارتدع من فعل كثير من المحرمات، وجاء إلى الشيخ ~~زائرا، وكان بعد ذلك يجلس بين يديه متواضعا متصاغرا. # وعن بعضهم قال: بينما أنا أسير في فلاة من الأرض إذ برجل يدور حول شجرة ~~شوك، ويأكل منها رطبا، فسلمت عليه، فقال: وعليك السلام تقدم وكل. # فتقدمت للشجرة، فكلما أخذت منها رطبا عاد شوكا فتبسم الرجل، وقال: هيهات ~~لو أطعته في الخلوات أطعمك الرطب في الفلوات. ### ||| النوع الخامس: علمهم ببعض الحوادث قبل وجودها، والاطلاع على ضمائر الخلق: # وأما قول ربنا سبحانه وتعالى: @QUR@07 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا PageV01P191 # @QUR@05 إلا من ارتضى من رسول [الجن: 26، 27]، فقد قال الإمام ناصر ~~الدين البيضاوي، واستدل به على إبطال الكرامات، وجوابه تخصيص الرسول بالملك ~~والإظهار بما يكون بغير وسط، وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون ~~تلقيا عن الملائكة كاطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء (عليهم ~~السلام): يعني أن الله سبحانه وتعالى يظهر الغيب على الملك، والملك على ~~الأنبياء وعلى الأولياء. # قال الإمام مظهر الدين: وقد تستفيد الأولياء من أرواح الأنبياء، وأما ~~أصحاب الأنبياء من ألسنتهم فظاهر انتهى. # وسئل الإمام اليافعي هل يكفر من قال: المؤمن يعلم الغيب أم لا؟ فقال: ~~أقول وبالله التوفيق لا يستعجل بتكفير من قال المؤمن يعلم الغيب حتى يسأل ~~ما ذا أراد بالمؤمن ms108 وبالعلم وبالغيب؟ فإن أراد بالمؤمن المؤمن الخاص وهو ~~الولي دون المؤمن العام وهو كل مؤمن وبالعلم بأنه يعلم بإعلام الله تعالى ~~له لا يعلمه بنفسه استقلالا وبالغيب بعض الغيوب لا جميعها فإنه لا يكفر ~~بذلك؛ لأنه جائز في كرامات الأولياء بل واقع. ### | [الأدلة على علم المؤمن بالغيب] # وقد دل على جوازه العقل، وشهد بوقوعه النقل. ### ||| أما العقل: # فلأن ذلك ليس بمستحيل في قدرة الله تعالى؛ بل هو من قبيل الممكنات ولا ~~قادح في معجزات الأنبياء، وقدمنا أنه لا فرق بين الكرامات والمعجزات إلا ~~دعوة النبوة. ### ||| وأما النقل: # فهو خارج عن الحصر؛ إذ لا يمكن تعداد ما نقل عن الأولياء من الكشف في كل ~~عصر ومهر، ولو أمكن جمع ما وقع لهم من المكاشفات في جميع الأشياء في كل ~~زمان ومكان لاحتيج في ذلك إلى كتب يطول عدها، ويتعذر حصرها، فكيف يحصر ~~المكتوب فيها؟ فليس يمكن جميع ذلك، ولا يقدر أحد يحصيه إلا الله تعالى. # ويكفي من ذلك ما أخبر الله عز وجل عن الخضر (عليه السلام) مع موسى (عليه ~~السلام) مع كون الخضر وليا لا نبيا عند جمهور العلماء، وعند جميع العارفين ~~بالله تعالى، وكذلك ما قدمناه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيما كشف له ~~من حال الحمل في بطن امرأته، وما كشف لعمر رضي الله عنه من حال سارية ومن ~~معه من المسلمين، وحال العدو وما أخبر عنه (صلى الله عليه وسلم) من كونه من ~~المحدثين. PageV01P192 # وما ورد عن السلف والخلف مما رواه خلائق في كتب الحقائق والرقائق، وصحت ~~به الروايات، وأخبر به الأولياء والعلماء والثقات، فمن ذلك: # ما رواه القشيري عن الشيخ أبي يعقوب السوسي؟ قال: جاءني مريد مكة، فقال: ~~يا أستاذنا، غدا أموت وقت الظهر، فخذ هذا الديا نار فاحفر لي بنصفه، وكفني ~~بالنصف الآخر. # ثم لما كان الغد وقت الظهر جاء، وطاف، ثم تباعد، ومات فغسلته، ووضعته في ~~اللحد، ففتح عينيه، فقلت أحياة بعد موت، فقال: أنا حي وكل محب لله حي. # وقال أبو ms109 سعيد الخراز: دخلت المسجد الحرام، فرأيت فقيرا عليه خرقتان يسأل ~~شيئا فقلت في نفسي: مثل هذا كل على الناس، فنظر إلي وقال: واعلموا أن الله ~~يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، قال: فاستغفرت الله تعالى في نفسي، فناداني وهو ~~الذي يقبل التوبة عن عباده. # وقال خير النساج: كنت جالسا في بيتي فوقع لي أن الجنيد بالباب فنفيت عن ~~قلبي، فوقع ثانيا وثالثا، فخرجت فإذا أنا بالجنيد، فقال: لم لم تخرج مع ~~الخاطر الأول؟. # وقال أبو العباس بن مسروق: دخلت على شيخ من أصحابنا أعوده فوجدته على ~~حالة رثة، فقلت في نفسي: من أين يرتفق هذا؟ فقال: يا أبا العباس دع عنك هذه ~~الخواطر الدنية؛ فإن لله ألطافا خفية. # وعن الشيخ أبي عبد الله القرشي قال: هجم أهل الشرك ببلاد الأندلس على ~~قرية من قراها فدخلوها في غرة، فشق على أهلها، وأخذوا في طريقهم أسارى ~~عديدة فانزعج أهل الأندلس لذلك، وبلغ الخبر أن الأسارى يرمى لهم الحشيش مع ~~الخيل وهم مكتوفون فيأكلون بأفواههم كما ترعى البهائم. # قال: فبت في بعض تلك الليالي عند الشيخ أبي إسحاق بن ظريف، فوضع الطعام ~~بيننا ثم تنفس بعد أن قال: بسم الله، ثم قال: يا محمد، أما بلغك ما طرأ على ~~المسلمين. فقلت: # نعم. فجعل يقص الخبر، ويبكي حتى علا بكاؤه، ثم قال: والله لا أكلت طعاما ~~ولا شربت PageV01P193 # شرابا حتى يفرج الله تعالى عن المسلمين، ثم اعتزل عن الطعام، ثم جلس ساعة ~~فسمعته يقول: الحمد لله، ثم دنا إلى الطعام، وقال: كل. فأكلت معه وعجبت منه ~~كيف تركه ثم عاد إليه بعد قسمه في ساعة! ثم أن الخبر وصل إلينا بعد ذلك أن ~~الوقت الذي تكلم فيه الشيخ صادف أن النصارى سمعوا رجفة عظيمة اعتقدوا أن ~~معسكر المسلمين دهمهم، فركبوا خيولهم، ونجوا بأنفسهم، وتركوا الغنيمة ~~والأسارى، فخلص الله المسلمين. # وقال الشيخ أبو زيد القرطبي: سمعت في بعض الآثار أن من قال: لا إله إلا ~~الله سبعين مرة كانت فداؤه من النار، فعملت ذلك لبركة الوعد، ms110 وعلمت منها ~~لأهلي، وعملت منها أعمالا ادخرتها لنفسي، وكان إذ ذاك يبيت معنا شاب يقال ~~أنه يكاشف في بعض الأوقات بالجنة والنار، وكانت الجماعة ترى له فضلا على ~~صغر سنه، وكان في قلبي منه شيء، فاتفق أنه استدعانا بعض الأخوان إلى منزله ~~فنحن نتناول الطعام والشاب معنا؛ إذ صاح صيحة منكرة، واجتمع في نفسه وهو ~~يقول: يا عم، هذه أمي في النار وهو يصيح بصياح عظيم لا يشك من سمعه أنه عن ~~أمر، فلما رأيت ما به من الانزعاج قلت في نفسي: اليوم أجري صدقه، فقلت في ~~نفسي: إن كان الأثر حقا. # والذين رووه لنا صادقون أن السبعين ألفا فداء هذه الامرأة أم هذا الشاب ~~فما استتممت الخاطر في نفسي إلى أن قال: يا عم، ها هي أخرجت الحمد لله ~~الحمد لله. # فحصلت لي فائدتين: إيماني بصدق الأثر، وسلامتي من الشاب، وعلمي بصدقه. # وذكر الشيخ شهاب الدين في كتابه «العوارف»: # إن الشيخ عبد القادر الكيلاني بعث إلى شخص، وقال لفلان: عندك طعام وذهب، ~~ائتني من الذهب بكذا، ومن الطعام بكذا. فقال الرجل: كيف أتصرف فى وديعة ~~عندي ولو أستفتيك ما أفتيتني في التصرف. فألزمه الشيخ بذلك، فأحسن الظن ~~بالشيخ، وجاء إليه بالذي طلب، فلما وقع التصرف منه جاءه مكتوب من صاحب ~~الوديعة وهو غائب في بعض نواحي العراق أن حمل إلى الشيخ عبد القادر كذا ~~وكذا القدر الذي عينه الشيخ عبد القادر، فعاتبه الشيخ بعد ذاك على توقفه، ~~وقال: ظننت بالفقراء أن إشارتهم تكون على غير صحة وعلم. PageV01P194 # وروى سندا من ثلاث عن جماعة من الشيوخ في كتاب مناقب الشيخ عبد القادر: ~~أنه أرسل إليه بعض الشيوخ جماعة من أصحابه، وقال لهم: اذهبوا إلى بغداد، ~~وقولوا للشيخ عبد القادر: يسلم عليك عبد الرحمن، ويقول لك: إن له أربعين ~~سنة في دركات باب القدرة فما رآك تمر لا داخلا ولا خارجا. # فقال الشيخ عبد القادر في ذلك الوقت لجماعة من أصحابه: اذهبوا إلى الشيخ ~~عبد الرحمن، وستجدون في طريقكم جماعة من ms111 أصحابه بعثهم إلي بكذا وكذا، فإذا ~~لقيتموهم فردوهم معكم، فإذا أتيتموه فقولوا: يسلم عليك عبد القادر، ويقول ~~لك: أنت في الدركات، ومن هو في الدركات لا يرى من في الحضرة، ومن هو في ~~الحضرة لا يرى من في المخدع، وأنا في المخدع أدخل وأخرج من باب الشر من حيث ~~لا تراني بأمارة أن أخرجت لك الخلعة الفلانية في الوقت الفلاني على يدي وهي ~~خلعة الرضا، وبأمارة خروج التشريف الفلاني لك على يدي وهو تشريف الفتح، ~~وبأمارة أن خلع عليك في الدركات بمحض اثنا عشر ألف ولي لله خلعة الولاية ~~وهي فرجية خضراء طرازها سورة الإخلاص على يدي خرجت لك. فانتهوا إلى نصف ~~الطريق، فوجدوا أصحاب الشيخ عبد الرحمن فردوهم، وأتوا إليه، وبلغوا رسالة ~~الشيخ عبد القادر، فقال: صدق الشيخ عبد القادر سلطان الوقت وصاحب التصريف فيه. # وفي كتاب «نشر المحاسن» عن الشيخ أبي الغيث اليافعي اليمني: # أنه قال له الفقراء ذات يوم: تشتهي اللحم. # فقال لهم: اصبروا إلى اليوم الفلاني، وكان يوم سوق تأتيه القوافل فلما ~~جاء ذلك اليوم جاء الخبر أن قطاع الطريق أخذوا القافلة، ثم جاء بعض القطاع ~~الحرامية بحب، وجاء آخر منهم بثور. # فقال الشيخ للفقراء: تصرفوا فيه وخلوا رأس الثور على حاله. فتصرفوا، ~~وأحضروا العيش، فدعاهم الفقراء إلى الأكل، فامتنعوا. # فقال الشيخ للفقراء: كلوا، الفقهاء ما يأكلون الحرام. PageV01P195 # فلما فرغوا من الأكل جاء إنسان إلى الشيخ، وقال: يا سيدي، نذرت للفقراء ~~كذا وكذا من الحب فأخذه الحرامية. وجاء آخر أيضا، وقال: نذرت للفقراء ثورا ~~فنهب. فقال لهم الشيخ: قد وصل إلى الفقراء متاعهم. # وقال لصاحب الثور: تعرف ثورك إذا رأيت رأسه، قال: نعم. # فأمر الفقراء بإحضاره، فلما رآه قال هذا رأس ثوري بعينه، فبقي الفقهاء ~~يضربون يدا على يد ندما على ترك مرافقة الفقراء. # ومن اطلاع الله تعالى لهم على ما يشاء في الحوادث قبل وقوعها: # ما روي سندا في كتاب مناقب الشيخ عبد القادر: قال بعض أصحابه: # كنت أشتغل على سيدي الشيخ محيي الدين عبد ms112 القادر الكيلاني، وكنت أسهر ~~أكثر الليل أترقب حاجته، فخرج من داره ليلة، فناولته إبريقا فلم يأخذه، ~~وقصد باب المدرسة، فانفتح له الباب، فخرج وخرجت خلفه، ومشى إلى أن قرب من ~~باب بغداد، فانفتح له الباب، فخرج وخرجت معه ثم عاد الباب مغلقا، ومشى غير ~~بعيد، فإذا نحن في بلد لا أعرفه، فدخل فيه مكانا شبيها بالرباط، وإذا فيه ~~ستة نفر فبادروا إلى السلام عليه، والتجأت إلى سارية هناك، وسمعت من جانب ~~ذلك المكان أنينا فلم نلبث إلا يسيرا حتى سكت الأنين. # ودخل رجل وذهب إلى الجهة التي سمعت منها الأنين، ثم خرج يحمل شخصا على ~~عاتقه، ودخل آخر مكشوف الرأس طويل شعر الشارب، وجلس بين يدي الشيخ فأخذ ~~عليه الشهادتين، وقص شعر رأسه وشاربه وألبسه طاقية، وسماه محمدا، وقال ~~لأولئك النفر: قد أمرت أن يكون هذا بدلا عن الميت. # فقالوا: سمعا وطاعة. ثم خرج الشيخ وتركهم وخرجت خلفه، ومشينا غير بعيد، ~~وإذا نحن عند باب بغداد، فانفتح كأول مرة، ثم أتى إلى المدرسة، فانفتح ~~بابها أيضا، ودخل داره، فلما كان الغد جلست بين يديه أقرأ على عادتي فلم ~~أستطع من هيبته، فقال لي: أي بني اقرأ ولا عليك. PageV01P196 # فأقسمت له أن يبين لي ما رأيت، فقال: أما البلد «فنهاوند». # وأما الستة فهم الأبدال، وصاحب الأنين سابعهم كان مريضا فلما حضرت وفاته ~~جئت أحضره، وأما الرجل الذي خرج يحمل شخصا فأبو العباس الخضر ذهب به ليتولى ~~أمره، وأما الرجل الذي أخذت عليه الشهادتين فرجل من أهل القسطنطينية كان ~~نصرانيا، وأمرت أن يكون بدلا عن المتوفى، فأتى به، فأسلم على يدي وهو الآن ~~منهم، وأخذ علي ألا أحدث بذلك أحدا وهو حي. # وقد أخبر خلائق منهم بموتهم وموت كثير من الناس في أزمنة وأمكنة معينات ~~وبأشياء تقع بعد موتهم، فوقع جميع ذلك على وفق ما أخبروا. # فمن ذلك ما روي أن الشيخ أبا الغيث اليمني وقفت بين يديه مغنية، فغشي ~~عليها، ووقعت، فلما أفاقت طلبت التوبة وصحبة الفقراء، وكانت من المترفات ~~وأهل ms113 الرعونات، فقال لها الشيخ: إنا نذبحك أتصبرين على الذبح؟ فقالت: نعم. ~~فأمرها أن تسقي الماء للفقراء، فمكثت ستة أشهر تحمل الماء على ظهرها قد ~~تبذلت وتبدلت عن حالها الأول، ثم قالت للشيخ: إني قد اشتقت لربي. فقال ~~الشيخ: يوم الخميس تلقين ربك. فماتت يوم الخميس. # وعن الشيخ إسماعيل الحضرمي أنه قال: أنا أموت في الضحى (بفتح الضاد ~~المعجمة والحاء المهملة)، موضع في اليمن، فمات وتقدمت الحكاية عن الفقير ~~الذي قال: أنا غدا أموت وقت الظهر. # وقال بعضهم: صحبت خير النساج، فقال لي قبل موته بثمانية أيام: أنا أموت ~~يوم الخميس وقت المغرب، وأدفن يوم الجمعة قبل الصلاة، وستنسى هذا. # قال: فنسيته إلى يوم الجمعة، فلقيني من أخبرني بموته، فخرجت لأحضر جنازته ~~فوجدت الجنازة قد أخرجت قبل الصلاة كما ذكر. # وعن الشيخ سهل بن عبد الله التستري قال: مات شاه بن شجاع الكرماني في وقت ~~توقيت موته. # وغير ذلك مما هو خارج عن الحصر. PageV01P197 # وقد قيل في تفسير قوله تعالى: @QUR@05 إن في ذلك لآيات للمتوسمين ~~[الحجر: 75]: # أي المتفرسين. # وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم): «اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ~~ينظر بنور الله (1)». # وعن القشيري: أن الجنيد وقف عليه غلام نصراني متنكرا وهو يتكلم على الناس ~~في الجامع، فقال: أيها الشيخ، ما معنى قول النبي (صلى الله عليه وسلم): ~~«اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله»؟ فأطرق الجنيد، ثم رفع رأسه، ثم ~~قال: أسلم؛ فقد حان وقت إسلامك. فأسلم الغلام (2). # وسئل بعضهم عن الفراسة؟ فقال: أرواح تتقلب في الملكوت، فتشرف على معاني ~~الغيوب، فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة وعيان لا نطق ظن وحسبان. # وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي: العالم من نطق عن سرك، واطلع على عواقب أمرك. # وقال أيضا: الولي يرى الأشياء من وراء حجاب الشرع. # وجميع هذه الأقوال مما رويناهم عنهم مشهورة مروية عند أهل العلم في ~~تصانيف مشهورة كالرسالة وغيرها، وليس القصد حصر ما قاله الشيوخ في ذلك ولا ~~ما وقع له منه، فإن ذلك مما لا ms114 سبيل إلى نزف بحره التيار العميق الزخار، ~~وإنما القصد التنبيه على ذلك مع أنه لا حاجة أيضا إلى التنبيه عليه؛ فقد ~~قام البرهان القطعي على جواز كرامات الأولياء من حيث الجملة، وهذا من ~~جملتها، وقد تقدم الدليل على جواز بلوغ الكرامة مبلغ المعجزة في جنسها ~~وعظمها. PageV01P198 ### ||| النوع السادس: طي الأرض لهم من غير حركة منهم: # من ذلك ما روي أن بعضهم كان في جامع «طرسوس» فاشتاق إلى زيارة الحرم، ~~فأدخل رأسه في جيبه ثم أخرجه وهو في الحرم. # وكذلك اجتمع جماعة في بعض البلدان البعيدة في يوم عرفة، فاغتسلوا، وصلوا، ~~وأحرموا، ثم سجدوا، ومكثوا فيها ما شاء الله تعالى، ثم رفعوا رءوسهم وإذا ~~هم ينظرون الجمال سائرة من منى إلى عرفات. # وعن الشيخ سهل بن عبد الله التستري قال: # توضأت في يوم الجمعة، فمضيت إلى الجامع في أيام البداية، فوجدته قد امتلأ ~~بالناس وهم الخطيب أنا يرقى المنبر، فأسأت الأدب، ولم أزل أتخطى رقاب الناس ~~حتى وصلت إلى الصف الأول، فجلست وإذا عن يميني شاب حسن المظهر طيب الرائحة ~~عليه أطمار الصوف، فلما نظر إلي قال: كيف تجدك يا سهل؟ فقلت: بخير أصلحك ~~الله، وبقيت متفكرا في معرفته، وأنا لم أعرفه، فبينما أنا كذلك إذ أخذني ~~حذقان بول فأكربني، فبقيت على وجل خوفا أن أتخطى رقاب الناس، وإن جلست لم ~~يكن لي صلاة، فالتفت إلي وقال: يا سهل أخذك حذقان بول. فقلت: أجل. فنزع ~~إحرامه من منكبه، فغشاني به، ثم قال: اقض حاجتك وأسرع تلحق الصلاة. # قال: فأغمي علي، وفتحت عيني فإذا بباب مفتوح، فسمعت قائلا يقول: # لج الباب يرحمك الله. فولجت، وإذا أنا بقصر مشيد عالي البنيان، وإذا ~~بنخلة قائمة، وإذا بجنبها مطهرة مملوءة ماء أحلى من الشهد، ومنزل لإراقة ~~الماء، ومنشفة معلقة وسواك، فحللت لباسي، وأرقت الماء ثم اغتسلت، وتنشفت ~~بالمنشفة، فسمعته يناديني، ويقول: إن كنت قضيت إربك فقل: نعم. فقلت: نعم. ~~فنزع الإحرام عني، وإذا أنا جالس بمكاني، ولم يشعر بي أحد، فبقيت متفكرا في ~~نفسي وأنا ms115 أكذب نفسي فيما جرى، فقامت الصلاة فصلى الناس وصليت معهم ولم يكن ~~لي شغل إلا الفتى لا أعرفه. # فلما فرغ تبعت أثره فإذا به قد دخل إلى درب، فالتفت إلي، وقال: يا سهل، ~~كأنك ما أيقنت بما رأيت. PageV01P199 # قلت: بلى. قال: لج الباب يرحمك الله. فنظرت الباب بعينه، فولجت القصر، ~~فنظرت النخلة، والمطهرة، والحال بعينه، والمنشفة مبلولة، فقلت: آمنت بالله. # فقال: يا سهل، من أطاع الله أطاعه كل شيء، يا سهل، اطلبه بحمده. فتغرغرت ~~عيناي بالدموع، فمسحتهما وفتحتهما فلم أر الفتى ولا القصر، فبقيت متحسرا ~~على ما فاتني منه، ثم أخذت في العبادة. # وهذه الحكاية عجيبة لا يكاد يؤمن بها كثير من الناس، ولها احتمالات: # منها: أنه يحتمل أنه نقل من مكانه لما أغمي عليه إلى حيثما شاء الله ~~تعالى من غير شعور منه، ثم أعيد كذلك إلى مكانه لطفا من الله تعالى وكرامة ~~لأوليائه، والله على كل شيء قدير. # وعن الشيخ مفرج الدماميلي: أنه رآه بعض أصحابه بعرفة، ورآه آخر من أصحابه ~~في مكانه لم يفارقه في جميع ذلك اليوم، فذكر كل واحد منهما ذلك لصاحبه ثم ~~تنازعا، وحلف كل واحد منهما بالطلاق من زوجته أنه كما ذكر، فاختصما إلى ~~الشيخ، وذكر كل واحد منهما يمينه، فأقرهما الشيخ على حالهما، وأبقى كل واحد ~~منهما على الزوجية. # قال الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور: فسألت الشيخ مفرجا عن حكمه في هذه ~~القضية بعدم حنث الاثنين مع كون صدق أحدهما يوجب حنث الآخر، وكان معنا في ~~وقت سؤالي جماعة فيهم رجال معتبرون لهم معرفة بالعلم. # فقال لنا الشيخ: قولوا: يعني تكلموا في هذه المسألة، وكان ذلك إذنا منه ~~بأن نتحدث في سر هذا الحكم، فتحدث كل منهم بوجه غير كاف، وكانت المسألة قد ~~اتضحت لي، فأشار إلي الشيخ بإيضاحها، فقلت: الولي إذا تحقق في ولايته ومكن ~~من التصور في روحانيته يعطى من القدرة في التصور في صورة عديدة في وقت واحد ~~فى جهات متعددة على حكم إرادته، فالصورة التي ظهرت لمن ms116 رآها بعرفة حق، ~~والصورة التي رآها الآخر في مكانه في ذلك الوقت حق، وكل واحد منهما صادق في ~~يمينه. فقال الشيخ مفرج: هذا هو الصحيح، فإن قيل كيف يتصور تعداد الصور من ~~شخص واحد؟ قلت: إن ذلك قد وقع، وشوهد ولا يمكن جحوده، وإن تحير فيه العقل. PageV01P200 # ومن ذلك: ما اشتهر عن كثير من الفقهاء وغيرهم: أن الكعبة المعظمة شوهدت ~~تطوف بجماعة من الأولياء في أوقات في أمكنة غير مكانها، ومعلوم أنها في ~~مكانها لم تفارقه في تلك الأوقات، فعلم من هذا أن وراء طور العقل طورا آخر. # ومن ذلك: الشيخ قضيب البان حين شوهد وقد صلى أربع ركعات في أربع صور، ~~فلما أسلم الإمام ضحك في وجه الفقيه الذي بجنبه، وقال له: أي الأربعة الذي ~~صلى معكم هذه الصلاة. # وقيل: إنما سمي الأبدال أبدالا؛ لأنهم إذا غابوا يبدل في مكانهم صور ~~روحانية تخلفهم، وهذا أحد القولين في سبب تسميتهم أبدالا. # ونؤيد ما ذكرناه عن الشيخ سهل عن الولي الذي ستره بإحرامه وعن الشيخ مفرج ~~وعن الشيخ قضيب البان ما روي بالإسناد الصحيح المتعدد برواية جماعة من ~~الشيوخ: # إن الشيخ عبد القادر الكيلاني حضر في مجلسه أبو المعالي محمد بن أحمد ~~البغدادي التاجر، فأخذته حقنة شديدة منعته من الحركة، وبلغت منه الجهد، ~~فنظر إلى الشيخ عبد القادر نظر المستغيث، فنزل الشيخ مرقاة من الكرسي الذي ~~يتكلم عليه، فظهر على تلك المرقاة رأس كرأس الآدمي، ثم نزل أخرى، فظهر ~~كتفان وصدر، وما زال ينزل مرقاة مرقاة حتى تكملت على الكرسي صورة كصورته ~~تتكلم على الناس بصوت مثل صوته، وكلام مثل كلامه، ولا يرى ذلك إلا هو ومن ~~شاء الله من الحاضرين، وجاء يشق الناس حتى وقف عليه، وغطى رأسه بكمه. # وفي رواية: بمنديله، فإذا هو في صحراء متسعة فيها نهر عنده شجرة، فعلق ~~فيها مفاتيح كانت في كمه، وأزال حقنته، وتوضأ من ذلك النهر، وصلى ركعتين، ~~فلما سلم منها رفع الشيخ الغطاء عنه، فإذا هو في المجلس وأعضاؤه مبتلة ~~بالماء ولا ms117 حقنة به، والشيخ على الكرسي يتكلم كأنه لم ينزل منه، وتفقد ~~مفاتيحه فلم يجدها معه، ثم بعد مدة جهز قافلة إلى بلاد العجم، وساروا من ~~بغداد أربعة عشر يوما، فنزلوا منزلا في برية فيها صحراء، فذهب فيها ليزيل ~~حقنة به، فقال: ما أشبه هذه الصحراء بتلك الصحراء. PageV01P201 # وذكر شأنه في ذلك اليوم فإذا هو بذلك النهر وتلك الشجرة ومفاتيحه معلقة ~~عليها، فلما رجعوا أتى إلى الشيخ ليخبره بذلك فأمسك بأذنه قبل أن يخبره، ~~وقال له: يا أبا المعالي، لا تذكره لأحد وأنا حي. فلازم خدمته إلى أن مات. # وروي مسندا في كتاب مناقب الشيخ عبد القادر عن الشيخ محمد بن الأزهر قال: # مكثت مدة أسأل الله تعالى يريني أحدا من رجال الغيب، فرأيت ليلة في ~~المنام أني أزور قبر الإمام أحمد بن حنبل وعند قبره رجل، فوقع في نفسي أنه ~~من رجال الغيب، فاستيقظت فرجوت أن أراه في اليقظة، فأتيت قبر الإمام أحمد ~~في وقتي، فوجدت الرجل الذي رأيته في المنام بعينه، فخرج قدامي، وتعجلت في ~~الزيارة، وتبعته إلى أن وصل إلى دجلة، فالتقى له طرفاها حتى صارت قدر خطوة ~~الرجل، فعبرها إلى الجانب الآخر، فأقسمت عليه أن يقف ليكلمني، فوقف، فقلت: ~~ما مذهبك؟ فقال: حنيفا مسلما وما أنا من المشركين. # فوقع عندي أنه حنفي المذهب، وانصرفت، فقلت في نفسي: آتي الشيخ عبد ~~القادر، وأذكر له ما رأيت، فأتيت مدرسته، وقمت على بابه، فناداني من داخل ~~داره، وقال: يا محمد، ما في الأرض من المشرق إلى المغرب في هذا الوقت ولي ~~لله سبحانه وتعالى حنفي سواه. # وحكاياتهم في هذا كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية. ### ||| النوع السابع: انفجار الماء لهم: # من ذلك ما روى القشيري في رسالته بإسناده فيها: أن أبا تراب النخشبي قال ~~له بعض أصحابه في طريق مكة: أنا عطشان، فضرب برجله الأرض فإذا عين ماء ~~زلال، فقال الفتى: أحب أن أشربه في قدح، فضرب بيده الأرض فناوله قدحا من ~~زجاج أبيض كأحسن ما رأيت، فشرب، وسقانا وما زال القدح ms118 معنا إلى مكة. # وعن الشيخ أبي عبد الله القرشي: أنه جاء إلى بئر من آبار مني بركوتة يطلب ~~ماء وهو عطشان، فضربه بعض من كان على البئر، ورمى بركوته بعيدا. # قال: فمضيت إليها لآخذها وأنا منكسر القلب، فوجدتها في بركة ماء حلو، PageV01P202 # فاستقيت، وشربت، وجئت بها إلى أصحابي فشربوا، وأعلمتهم بالقصة فمضوا إلى ~~المكان؛ ليستقوا منه، فلم يجدوا ماء ولا أثرا لماء، قلت: إنها آية. # وحكي عن بعض الأخيار: أنه عطش في طريق الحج، فدار في الركب من أوله إلى ~~آخره في طلب الماء، فلم يحصل له شيء، وإذا بفقير قد ركز عكازه في ساقية ~~بركة، والماء ينبع من تحت العكاز، ويجري إلى البركة، فملأ قربته، وأعلم ~~الحاج، فاستقوا منها، وتركوها وهي تطفح، وحكاياتهم من هذا النوع لا يمكن ~~حصرها، وقصدنا التنبيه عليها والإشارة إليها. ### ||| النوع الثامن: كلام الجمادات والحيوانات لهم: # من ذلك الحكاية المشهورة في مخاطبة شجرة الرمان لإبراهيم بن أدهم في طريق ~~بيت المقدس، وقولها: يا أبا إسحاق، اكرمنا بأن تأكل منا شيئا، قالت ذلك ~~ثلاث مرات، وكانت شجرة قصيرة، ورمانها حامض، وتحمل في السنة مرة، فلما أكل ~~منها صارت طويلة، ورمانها حلوا، وتحمل في السنة مرتين، فسموها رمانة ~~العابدين، ويأوي إلى ظلها العابدون. # قال الشبلي: اعتقدت وقتا ألا آكل إلا من الحلال، فكنت أدور في البراري، ~~فرأيت شجرة تين، فمددت يدي إليها لآكل منها، فنادتني الشجرة: احفظ عليك ~~عقدك ولا تأكل مني؛ فإني ليهودي. # وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي: بينما أنا أسير على بعض السواحل إذ ~~خاطبتني حشيشة: أنا شفاء هذا المرض الذي بك. فلم أتناول منها ولم أستعملها. # وعن بعضهم: أنه قال: كلمني جمل في طريق مكة لما رأيت الجمال والمحامل ~~عليها وقد مدت أعناقها في الليل، فقلت: سبحان من تحمل عنها ما هي فيه، ~~فالتفت إلي جمل، وقال لي: قل: جل الله، فقلت: جل الله. # وعن بعضهم: أنه كان يضرب رأس حمار كان تحته، فرفع الحمار رأسه، وقال: # اضرب أو لا تضرب؛ فإنما تضرب ms119 على رأسك. # ولا يستنكر هذا؛ فقد أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح ~~بكلام البقرة التي كلمت PageV01P203 # صاحبها، وقالت: «إنما خلقت للحرث .... الحديث (1)». # وقوله (صلى الله عليه وسلم) فيما أخرج: «آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر ~~(2)»، فشهد لهما بالإيمان بذلك وهما غائبان حينئذ لما قال الناس: سبحان ~~الله بقرة تتكلم، وناهيك بهذا شرفا لهما. # وكذلك ما روي عن الشيخ أبي الربيع المالقي قال: قيض الله لي طيرا في بعض ~~الأسفار يبيت يسامرني، فكنت أسمعه الليل كله ينطق: يا قدوس يا قدوس، فإذا ~~أصبح صفق بجناحيه، وقال: سبحان الرزاق، وطار. # وكذلك ما روي أن بعضهم كان يأتيه طير بمكة، ويحادثه، فلما كان ذات يوم ~~أتاه وقال له: موعدي وموعدك الشام. فاجتمع به بعد ذلك في الشام، وكذلك ~~الحكاية المشهودة المشهورة في الطير الذي يبشر أبا مسلم بسلامة السرية، ~~وقدومها في وقت عينه له في بعض الغزوات، فقال له: من أنت يرحمك الله؟ فقال ~~له الطير: أنا مذهب الأحزان عن قلوب المؤمنين. فقدمت السرية كما ذكر وغير ~~ذلك مما يخرج عن الحصر مما قد علم واشتهر. ### ||| النوع التاسع: إبراء العلل ببركتهم: # من ذلك ما روي أنه ظهر بيعقوب بن الليث علة أعيت الأطباء، فقيل له: في ~~ولايتك رجل صالح يقال له: سهل بن عبد الله، فلو استحضرته لعله يدعو لك. ~~فأحضره، وسأله الدعاء، فقال: كيف يستجاب دعائي لك وفي سجنك محبوسون؟ فأطلق ~~كل من كان في السجن، فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة، ~~وفرج عنه. فعوفي، فعرض مالا على سهل فأبى أن يقبل، فقيل له: # لو قبلته وفرقته على المساكين؟ فنظر إلى الحصى في الصحراء فإذا هي جواهر، ~~فقال: من أعطي مثل هذا يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث؟! # وعن السري السقطي قال: كنت أطلب رجلا صديقا مدة من الأوقات، فمررت في PageV01P204 # بعض الجبال فإذا أنا بجماعة زمنى، وعميانا، ومرضى، فسألت عن حالهم، ~~فقالوا: هاهنا رجل يخرج في السنة مرة فيدعوهم، فيجدون الشفاء، فقفوت أثره، ~~وتعلقت ms120 به، وقلت: # بي علة باطنية فما دوائها؟ فقال: يا سري، خل عني؛ فإنه غيور لا يراك ~~تساكن غيره، فتسقط من عينه. # وكذلك الحكاية المشهورة عن البنت الزمنة التي قالت: يا رب أسألك بحرمة ~~ضيفنا أن تعافيني. فقامت تمشي في الليل، فلما رأى ذلك أهلها طلبوا الضيف ~~وكان صبيا حمالا في السوق، بات عندهم فلم يجدوه والأبواب على حالها مغلقة. # وروي مسندا في كتاب مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني: أنه جاءه فضل الله ~~بن إسماعيل البغدادي التاجر فقال له: يا سيدي قال جدك (صلى الله عليه ~~وسلم): من دعي فليجب، وقد دعوتك إلى منزلي، فقال: إن أذن لي جئت، ثم أطرق ~~مليا، ثم قال: نعم، فركب بغلته، وكان عنده شيخان من الشيوخ الكبار فأخذ ~~أحدهما بركابه الأيمن والآخر بركابه الأيسر حتى أتوا إلى داره فإذا فيها ~~مشايخ بغداد وعلماؤها وأعيانها ومد سماط فيه من كل حلو وحامض، وأتي بسلة ~~كبيرة مختومة يحملها اثنان، ووضعت في آخر السماط، وقال فضل الله: بسم الله، ~~والشيخ مطرق فما أكل أحد ولا أذن في الأكل لأحد وأهل المجلس كأن على رءوسهم ~~الطير من هيبته، فأشار إلى الشيخين الذين جاءا معه: أن قدما لي تلك السلة. ~~فقاما وحملاها حتى وضعاها بين يديه، وأمرهما ففتحاها فإذا فيها ولد للذي ~~دعاهم أكمه مقعد مجذوم ومفلوج. # فقال له الشيخ: قم بإذن الله تعالى معافى. فإذا الصبي يعدو وهو بصير ولا ~~عاهة به، فضج الحاضرون وخرج الشيخ في غلبات الناس ولم يأكل شيئا. # قال الراوي: وهو أحد الشيخين المذكورين، فأتاه بعد ذلك جمع من الرافدة ~~بقفتين مخيطتين، وقالوا له: قل لنا ما فى هاتين القفتين، فنزل من الكرسي ~~الذي يتكلم عليه ووضع يده على إحداهما، وقال: في هذه صبي مقعد وأمر بفتحها ~~فإذا فيها صبي، فأمسك بيده، وقال له: قم بإذن الله تعالى. # فقام يعدو، ووضع يده على الأخرى، وقال: فى هذه صبي لا عاهة به، وأمر ~~بفتحها، PageV01P205 # وإذا فيها صبي فقام يمشي، فأمسك بناصيته، وقال له: اقعد. فأقعد، فتابوا ms121 ~~عن الرفض على يديه، ومات في المجلس يومئذ من الحاضرين ثلاثة. # وروي أنه مات في مجلسه في بعض الأيام سبعة. # وروي أن الشيخ أحمد بن موسى بن عجيل اليمني جاءه بعض الناس وفي يده سلعة، ~~فقال له: ادع الله لي أن يزول عني هذه السلعة وإلا ما بقيت أحسن ظني بأحد ~~من الصالحين. فقال له: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومسح على ~~يده وربط عليها بخرقة، وقال: لا تفتحها حتى تصل إلى منزلك. فخرج من عنده، ~~فلما كان في بعض الطريق أراد أن يتغذى ففتح يده ليأكل فلم ير لها أثرا. # ولعل الشيخ أراد أن يستر هذه الكرامة بستر اليد بالخرقة؛ لئلا تظهر في ~~الحال، وربما كان عنده في ذلك الوقت ناس فرأى ظهورها بعد تراخي الوقت أهون ~~وأقل شهرة. # والكلام في هذا النوع واسع جله ولسنا إلى تتبعه نتعدى. ### ||| النوع العاشر: طاعة الأشياء لهم: # من المشهور أن كثيرا منهم كانت السباع تحرمهم، وقد ركب كثير منهم على ~~ظهورها، وبعضهم حمل عليها زاده، وبعضهم حطبا، منهم الشيخ أبو الغيث اليمني ~~حمل حطبا على ظهر أسد افترس حماره، فقال له: وعزة المعبود ما أحمل حطبي إلا ~~على ظهرك، فخضع له، فحمل الحطب على ظهره، وساقه إلى باب البلد ثم حط عنه، وخلاه. # وعن المرأة الصالحة شعوانة: أنها رزقت ولدا فربته أحسن تربية، فلما كبر ~~ونشأ قال لها: سألتك بالله يا أماه إلا ما وهبتيني لله تعالى. # فقالت له: يا بني، إنه لا يصلح أن يهدي للملوك إلا أهل الأدب والتقى، ~~وأنت يا ولدي غر ما تعرف ما يراد بك ولم يأن لك ذلك. فأمسك عنها ولم يقل ~~لها شيئا، فلما كان ذات يوم خرج إلى الجبل ليحتطب ومعه دابة، فنزل عنها ~~ليجمع حطبا، فلما جمع ورجع وجد السبع قد افترسها، فجعل يده في رقبة السبع. # وقال له: يا كلب الله وحق سيدي لأحملنك الحطب كما تعديت على دابتي، فحمل PageV01P206 # على ظهره الحطب وهو طائع لأمره حتى وصل إلى ms122 دار أمه، فقرع عليها الباب، ~~ففتحت له، وقالت له لما رأت ذلك: يا بني أما الآن فقد صلحت لخدمة الملوك، ~~اذهب فقد وهبتك لله تعالى. فودعها، وذهب. # وروي أن الشيخ الكبير شاه بن شجاع الكرماني خرج للصيد وهو ملك كرمان، ~~فأمعن في الطلب حتى وقع في برية مقفرة وحده فإذا هو بشاب راكب على سبع ~~وحوله سباع، فلما رأته ابتدرت نحوه، فزجرها الشاب عنه، وخرجت عجوز بيدها ~~شربة ماء فناولتها الشاب فشرب ودفع باقيه إلى شاه، فشرب وقال: ما شربت شيئا ~~ألذ منه ولا أعذب، ثم غابت العجوز، فقال الشاب: هذه الدنيا وكلها الله ~~تعالى إلى خدمتي، فما احتجت إلى شيء إلا أحضرته إلي حين يخطر ببالي، أما ~~بلغك أن الله تعالى لما خلق الدنيا قال لها: يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن ~~خدمك فاستخدميه، ووعظه وعظا حسنا فكان ذلك سبب توبته وخروجه من الملك ~~ودخوله في طريق القوم حتى كان من أمره ما كان. # وروي أن جماعة من أهل العلم قصدوا زيارة بعض الشيوخ فلما أتوه وجدوه يلحن ~~في قرآنه في الصلاة فتغير اعتقادهم فيه، فلما ناموا تلك الليلة أجنبوا كلهم ~~فخرجوا ليغتسلوا في بركة ماء، فوضعوا ثيابهم ودخلوا في الماء، فجاء الأسد ~~وجلس على ثيابهم، فلم يقدروا يخرجون، فلاقوا شدة من شدة البرد، فجاء الشيخ ~~وزجر الأسد، وقال له: لا تتعرض لضيفاتنا، فبصبص وذهب. ثم قال لهم الشيخ: ~~أنتم اشتغلتم بإصلاح الظاهر، فخفتم الأسد، ونحن اشتغلنا بإصلاح الباطن ~~فخافنا الأسد. # ومن المشهور أن السباع كانت تأتي إلى سهل بن عبد الله، فكان يدخلها بيتا ~~ويضيفها ويطعمها اللحم، ثم يخليها، فكان الناس يسمون ذلك البيت بيت السباع. # قال الشيخ أبو ناصر السراج: ورأيت أهل تستر كلهم متفقون على هذا لا ~~ينكرونه. # وكذلك الحكاية المشهورة عن الشيخ إبراهيم الخواص مع الأسد الذي جاء يعرج ~~فوضع يده في حجره فرآها وارمة، فنعسها بعود، وأخرج منها قيحا، فذهب الأسد ~~وجاءه بعد ساعة ومعه شبلان فبصبصا له وحملا إليه رغيفين، وذلك في البرية، ms123 ~~وهذه الكرامة اشتملت على كرامات كثيرة: PageV01P207 # منها قصد الأسد إليه، واستئناسه به، ومده يده إليه، ووضعها في حجره، ~~والتماسه منه لقشها، وإخراج القيح منها، وعوده إليه، وإتيانه بوالديه ~~كالمتودد إليه والشاكر له على جميله، وحمله إليه الرغيفين كالمجازي له، ~~وإحضار الخبز في موضع لا يوجد فيه مع كون محضره ليس من أهل الخبز، وكذلك ~~المخدة التي شوهدت تروح على الشيخ إبراهيم بن أدهم بالنرجس وهو نائم في ~~البستان، والظبية التي كانت تأتي بعضهم فيشرب لبنها في بعض البراري، ~~والطيور التي كانت تؤانسهم في الجبال والقفار، وتحمل إليهم أنواع الثمار، ~~وغير ذلك مما امتلأت باليسير منه كتب الحقيقة، وإنما نبهت على قطرة من بحار ~~عميقة، وعلى الجملة فالدنيا كلها تتصور لهم في صورة عجوزة تخدمهم، وأعظم من ~~ذلك طواف الكعبة المعظمة بكثير منهم، وكل ذلك مشهور مذكور بالأسانيد ~~الصحيحة. # قال اليافعي في كتابه «نشر المحاسن»: ومن جملة ما اشتهر في بلاد اليمن ~~وربما تواتر عن الشيخ الفقيه إسماعيل الحضرمي: أنه قال يوما لخادمه وهو في ~~سفر يقول للشمس تقف له حتى يصل إلى منزله، وكان في مكان بعيد، وقد قرب ~~غروبها، فقال لها الخادم: قال لك الفقيه إسماعيل قفي له، فوقفت له حتى بلغ ~~مكانه، ثم قال للخادم: ما تطلق ذلك المحبوس. فأمرها الخادم بالغروب، فغربت، ~~وأظلم الليل في الحال. # قال: والمرجوع في هذا كله إلى أصل يجب الإيمان به، وهو أن الله على كل ~~شيء قدير، وليس الخارق للعوائد بمستحيل في العقل كما تقدم، ولا ملتبس ~~بالمعجزات والسحر للفرق بين ذلك. # ومن طاعة الجان له ما روي مسندا في كتاب مناقب الشيخ عبد القادر ~~الكيلاني: أنه جاءه بعض أهل بغداد، وذكر له أن ابنة له اختطفت من سطح داره ~~وهي بكر عمرها ستة عشرة سنة، فقال له الشيخ: اذهب هذه الليلة إلى خراب ~~الكوخ واجلس عند التل الخامس وخط عليك دائرة في الأرض، وقل وأنت تخطها: # بسم الله على نية عبد القادر فإذا كانت فحمة العشاء مرت بك طوائف من ms124 الجن ~~على صور شتى فلا يروعنك منظرهم، فإذا كان السحر مر بك ملكهم في جحفل منهم، ~~فيسألك عن حاجتك، فقل له: قد بعثني عبد القادر إليك، واذكر له شأن ابنتك. PageV01P208 # قال: فذهبت، وفعلت ما أمرني به فمر بي منهم صور مزعجة المنظر، ولا يقدر ~~أحد منهم أن يدنو من الدائرة التي أنا فيها وما زالوا يمرون زمرا زمرا إلى ~~أن جاء ملكهم راكبا فرسا وبين يديه، فوقف بإزاء الدائرة. # وقال: يا أنس، ما حاجتك؟ قلت: قد بعثني الشيخ عبد القادر إليك، فنزل عن ~~فرسه، وقبل الأرض، وجلس خارج الدائرة، وجلس من معه وقال: ما شأنك؟ فذكرت ~~قصة ابنتي، فقال لمن معه: من فعل هذا؟ فلم يعلموا من فعله، فأتي بمارد وهي ~~معه، وقيل له: هذا من مردة الصين. فقال له: ما حملك على أن اختطفت من تحت ~~ركاب القطب. # قال: إنها وقعت في نفسي. فأمر به، فضرب عنقه، وأعطاني ابنتي، فقلت له: ما ~~رأين كالليلة في امتثالك أمر الشيخ عبد القادر. قال: نعم، إنه لينظر من ~~داره إلى الزمرة منا وهم بأقصى الأرض فيفرون من هيبته إلى مساكنهم، وإن ~~الله تعالى إذا أقام قطبا مكنه من الجن والإنس. # قال الإمام اليافعي في كتابه «نشر المحاسن»: لا شك أن الكرامات قد ظهرت ~~في زمن الصحابة وكثرت، ولكن ظهورها فيما بعد أكثر، ثم أن كثيرا من المنكرين ~~لكرامات الأولياء والصالحين لو رأوهم يطيرون في الهواء لقالوا: هذا سحر، ~~وقالوا: هؤلاء شياطين، ولا شك أن من حرم التوفيق فكذب بالحق غيبا وحدسا كذب ~~به عيانا وحسا، كما قال الله تعالى وهو أصدق القائلين مخاطبا لنبيه سيد ~~المرسلين: @QUR@017 ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين [الأنعام: 7] الآية. # فإن قيل: إن هذه الكرامات تشبه السحر؛ فإن سماع الإنسان الهواتف في ~~الهواء وسماع النداء من بطنه وطي الأرض له وقلب الأعيان ونحو ذلك غير معهود ~~في الحس أنه صحيح، إنما يظهر ذلك من أهل السيمياء والنار نجيات. ms125 # فالجواب: ما أجاب به المشايخ العارفون والعلماء المحققون في الفرق بين ~~الكرامة والسحر أن السحر يظهر على يد الفساق والزنادقة والكفار الذين هم ~~على غير شريعة ومتابعة، وأما الأولياء فإنما وصلوا إلى ذلك بكثرة اجتهادهم ~~واتباعهم السنة حتى بلغوا فيها الدرجة العليا فافترقا، وليس العجب ممن ينكر ~~الكرامات من المعتزلة؛ فليس ذلك PageV01P209 # بمستنكر ولا مستكثر منهم؛ فقد خالفوا أهل السنة والجماعة بما هو أنكر ~~وأكثر، وإنما العجب من قوم ينكرونها ينتمون إلى أهل السنة، وهم أقسام: # فقسم منهم ينكرون على مشايخ الصوفية ومن ينتمي إليهم، ويسيئون الظن بهم، ~~ويطعنون فيهم، وينكرون كراماتهم، والعجب كل العجب منهم في إنكارهم على ~~سادات ما بين أوتاد وأبدال وصديقين عارفين بالله محققين، قد ملأوا الوجود ~~كرامات وأنوار ومعارف وحكما وأسرارا يعدون إقبال الناس عليهم ليلا وإدبارهم ~~عنهم نهارا قد صفوا بواطنهم من شوائب الكدر واستوى عندهم الذهب والمدرة ~~والمدح والذم والشدائد والنعم، بل يعدون نعمة الدنيا منعا وبلاء، والشدة ~~عطاء ورخاء، أعرضوا في بدايتهم عما سوى الله فخصوا في نهايتهم من فضل الله ~~ما لا يعلمه إلا الله، فما ظنهم بقوم ضبطوا أنفاسهم مع الله، فشغلهم طول ~~دهرهم بمراقبته. # يقول الصغير منهم: وقفت على باب قلبي عشرين سنة ما جاز به شيء لغير الله ~~إلا رددته، أما علموا أن أعلام العلماء الصالحين الحلماء لم يزالوا قديما ~~وحديثا يعتقدون طائفة الصوفية ويزورونهم ويتبركون بمجالستهم ودعائهم ~~وآثارهم ويحترمونهم. # وقد روي أن الإمام تقي الدين بن دقيق العيد المشهور كان يزور بعض الفقراء ~~ويطلب منه الدعاء، ويخضع ويتذلل بين يديه حتى أنه قال في وقت: لهو عندي خير ~~من مائة فقيه، أو قال: ألف فقيه. # وكذلك الإمام النووي كان يجتمع وينتفع بالشيخ ياسين المزين ويستمع كلامه، ~~ويقبل إشارته حتى أنه أمره بالسفر ورد ما كان عنده من الكتب المستعارة قبل ~~موته بقليل فامتثل أمره، وقبل إشارته، وسافر راجعا إلى بلدته، فمرض، وتوفي ~~بين أهله وإخوته. # وكذلك الإمام مفتي الأنام عز الدين بن عبد السلام كان يعتقد المشايخ ms126 ~~ويقول بفضلهم حتى أنه سئل عن الخضر (عليه السلام) أحي هو؟ فقال: ما تقولون ~~لو أخبركم ابن دقيق العيد أنه رآه بعينه أكنتم تصدقونه؟ قالوا: أي والله ~~نصدقه. قال: فو الله لقد أخبر عنه سبعون صديقا أنهم رأوه كل واحد منهم خير ~~من ابن دقيق العيد. PageV01P210 # قال اليافعي: وقوله هذا يرد قول ابن الجوزي في زعمه أن الخضر ليس بحي. # قلت: وأظنه قد رجع عن هذا القول؛ فإنه قد روى بإسناده المتصل أربع ~~روايات: # الأولى: إن الخضر (عليه السلام) حي، أخذ إياها عن الإمام علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه أنه رآه متعلقا بأستار الكعبة، وهو يدعو بهذا الدعاء: (اللهم ~~يا من لا يشغله سمع عن سمع ...) # الدعاء المشهور، وخاطبه الإمام وعرفه. # والثانية: عن الإمام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال الراوي: لا ~~أعلمه إلا مرفوعا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «يلتقي الخضر وإلياس ~~(عليهما السلام) في كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ~~ويفترقا عن هؤلاء الكلمات: بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ~~ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله، ~~ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله (1)». # والثالثة: عن الإمام علي رضي الله عنه أيضا: أنه يجتمع يوم عرفة بعرفات ~~جبرائيل وميكائيل وإسرافيل والخضر (عليهم السلام)، وذكر أنهم يتجاوبون بنحو ~~هذا الذكر المذكور. # والرابعة: إن عيسى وإدريس في السماء وإلياس والخضر في الأرض. # روى هذه الروايات الأربع بإسناده المتصل. # قال ابن عباس رضي الله عنه في الكلمات التي يقولهن الخضر وإلياس: من ~~قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات أمنه الله تعالى من الغرق والحرق ~~والسرق. # قال الراوي: وأحسبه قال: ومن الشيطان والسلطان والحية والعقرب (2). # والقسم الثاني من أقسام المنكرين: قوم يكذبون بكرامات أولياء أزمانهم، ~~ويصدقون بكرامات الذين ليسوا في زمانهم. PageV01P211 # فهؤلاء كما قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: والله ما هي إلا إسرائيلية ~~صدقوا بموسى ms127 وكذبوا بمحمد (صلى الله عليه وسلم)؛ لأنهم أدركوا زمنه. # القسم الثالث: قوم يصدقون بأن لله تعالى أولياء لهم كرامات، ولكن لا ~~يصدقون بواحد معين من أهل زمانهم، فهؤلاء محرومون أيضا؛ لأن من لم يسلم ~~لواحد معين لم ينتفع بأحد، ومن أنكر على الصالحين حرم بركتهم. # قال الشيوخ: وذلك أقل عقوبته، ويخشى عليه سوء الخاتمة العياذ بالله تعالى انتهى. # قال الشيخ عبد الغني الشامي: وربما طعن بعض المنكرين في الفقراء بأنهم ~~مسرفون على أنفسهم، فتراهم يطلبون فقراء في طريق الله تعالى معصومين من ~~الزلل والمعصية، وهذا لا يكون أبدا بل من غلب خيره على شره فهو الكامل، بل ~~في الحديث الشريف النبوي ما هو أبلغ من ذلك، وهو الاكتفاء بالعشر من الخير ~~فضلا عن غلبته على الشر وكونه نصفا أو ربعا، قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم): «إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمان من عمل ~~منهم بعشر ما أمر به نجا (1)». # رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، وذكره السيوطي في «الجامع ~~الصغير». # فقد حكم نبينا (صلى الله عليه وسلم) بالنجاة لمن عمل بالعشر، وهي بشارة ~~عظيمة لكل من سلم من الكفر والشرك إلى يوم القيامة، فالحمد لله الذي جعلنا ~~من أمة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). PageV01P212 ### ||| النور العشرون وهو نور الجاه: # فهو كشف له أنه واحد الله في التخصيص، والشفاعة تدل على ذلك وأشباهها. # * قلت: فهو (صلى الله عليه وسلم) الشفيع، وشفيع المذنبين، صاحب الشفاعة ~~الكبرى. # وصاحب الشيء مستحقه المختص به دون من سواه، ولما كان (صلى الله عليه ~~وسلم) المختص بدعوة الشفاعة كما قال (صلى الله عليه وسلم): «لكل نبي دعوة، ~~فمنهم من يجعلها في دنياه، ومنهم من جعلها دعاء على قومه، وإني اختبأت ~~دعوتي؛ شفاعة لأمتي يوم القيامة (1)». # فهو (صلى الله عليه وسلم) المخصوص بمطلق الشفاعة من حيث جرت وعلى أي شفيع ~~أجريت، ثم هو (صلى الله عليه وسلم) ظاهر الاختصاص بأجلها وأعلاها وأكبرها، ~~فكبر الشفاعة التي ms128 يظهر للخاص والعام اختصاصه بها من حيث الكبر ما ظهرت ~~للعيان أتته، واشترك جميع الناظرين في رؤيته، وله الكبرياء في السماوات ~~والأرض، فمن حيث ظهر موجود السماء والأرض كان له فيه تعالى الكبرياء، ومن ~~حيث بطن موجود الملكوت كان فيه العلو، فأظهر شفاعاته للخلائق شفاعته يوم ~~الجمع في استفتاح الحكم وإنقاذ الخلائق من أسرار الوقوف وخطر الانتظار؛ ~~ليفصل سبيل الخلق إلى سبيل المعاد بإنقاذ الجزاء وبما يتبع كبراها الظاهرة ~~من شفاعات الشفعاء دونها يتضح وجه الكبر في الشفاعة الجامعة. # ورد أن موطنا من مواطن يوم الجمع يظهر الحق تعالى لمحة من سطوته فيراع ~~لها قلوب الأولين والآخرين إلا من شاء الله، فيقول آدم (عليه السلام): «لا ~~أسألك اليوم شيث ابني، لا أسألك إلا نفسي (2)». # ويقول نوح (عليه السلام): «لا أسألك اليوم سام ابني، لا أسألك إلا نفسي (3)». PageV01P213 # ويقول إبراهيم (عليه السلام): «لا أسألك اليوم إسماعيل ابني، لا أسألك ~~إلا نفسي (1)». # ويقول موسى: «لا أسألك اليوم هارون أخي، لا أسألك إلا نفسي (2)». # ويقول عيسى (عليه السلام): «لا أسألك اليوم مريم أمي، لا أسألك إلا نفسي (3)». # ويقول محمد (صلى الله عليه وسلم): «لا أسألك اليوم نفسي ولا فاطمة ابنتي ~~ولا عليا أخي ولا الحسن والحسين ابني، لا أسألك اليوم إلا أمتي (4)». # ويستمر هذا الموقف حتى تفكه شفاعته الكبرى البادئة الظهور لمجمع العالمين ~~من أهل السماوات وأهل الأرض. قاله الحرالي. ### ||| النور الحادي والعشرون وهو نور الخطابة: # فكونه كيف له أنه الذي أوتي جوامع الكلم. # قال الشيخ الكتاني: وفي «الفتوحات» أيضا في الباب الرابع والثمانين ~~وثلاثمائة بعد ما ذكر فيه أن الحق تعالى لا يكلم عباده ولا يخاطبهم إلا من ~~وراء حجاب صورة يتجلى لهم فيها تكون له تلك الصورة حجابا عنه ودليلا عليه ~~ما نصه: # وتسمى هذه الحضرة التي منها يكون الخطاب الإلهي لمن شاء من عباده حضرة ~~اللسن ومنها كلم الله موسى (عليه السلام) ألا تراه تجلى له في صورة حاجته. # ومنها أعطي (صلى الله عليه وسلم) جوامع الكلم، فجمع له في ms129 هذه الحضرة صور ~~العالم كلها فكان علم أسماء هذه الصور علم آدم (عليه السلام) وأعيانها ~~لمحمد (صلى الله عليه وسلم) مع أسمائها التي أعطيت آدم (عليه السلام) فإن PageV01P214 # آدم من الأولين الذين أعطى الله محمدا (صلى الله عليه وسلم) علمهم حين ~~قال عن نفسه أنه أعطاه الله علم الأولين والآخرين. # ومنها أتى الله داود الحكمة وفصل الخطاب، وجميع الصحف والكتب المنزلة من ~~هذه الحضرة صدرت. # ومنها أملى الحق على القلم الأعلى ما سطره في اللوح المحفوظ، وكلام ~~العالم كله غيبه وشهادته من هذه الحضرة، والكل كلام الله، فإنها الحضرة ~~الأولى انتهى منه بلفظه أيضا. # وفيها أيضا في الباب الرابع والتسعين وثلاثمائة ما نصه: # والممكن الكامل المخلوق على الصورة الإلهية المخصوص بالصورة الإمامية لا ~~بد وأن يكون جامعا لجميع الخير كله، ولهذا استحق الإمامة والنيابة العامة ~~في العالم، ولهذا قال في آدم (عليه السلام): @QUR@05 وعلم آدم الأسماء كلها ~~[البقرة: 31]، وما ثم إلا اسم ومسمى وقد حصل علم الأسماء محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) حين قال: «علمت علم الأولين والآخرين»، فعلمنا أنه قد حصل عنده ~~علم الأسماء فإنه من العلم الأول لأن آدم له الأولية فهو من الأولين في ~~الوجود الحسي. # وقال عن نفسه فيما خص به على غيره أنه أوتي جوامع الكلم. # والكلم: جمع كلمة والكلم أعيان المسميات، قال تعالى: @QUR@05 وكلمته ~~ألقاها إلى مريم [النساء: 171]، وليست غير عيسى فأعيان الموجودات كلها ~~أعيان كلمات الحق، وهي لا تنفد، فقد حصل له الأسماء والمسميات، فقد جمع ~~الخير كله فاستحق السيادة على جميع الناس، وهو قوله: «أنا سيد الناس يوم ~~القيامة (1)». # وهناك تظهر سيادته لكون الآخرة محل تجلى الحق العام، فلا يتمكن لتجليه ~~دعوى من أحد فيما ينبغي أن يكون لله أو يكون من الله لمن شاء من عباده ~~انتهى منه بلفظه أيضا. # وقد فسر الكلم بأعيان المسميات: أي مسميات أسماء آدم التي هي أعني ~~المسميات الموجودات. PageV01P215 # وفسر الشيخ عبد الرحمن الجامي في «شرحه لفصوص الحكم» جوامع الكلم بأمهات ~~الحقائق الإلهية، والكونية الجامعة بجزئياتها، ms130 قال كما هي يعني الحقائق ~~مسميات آدم، وعليه فمسميات أسماء آدم هي الحقائق الإلهية، والحقائق الكونية ~~الظاهرة في التعين الثاني، والمرتبة الثانية التي هي أعني الحقائق المذكورة ~~ظلال وصور للشئون الذاتية التي هي اعتبارات الوحدة المندرجة فيها في التعين ~~الأول والمرتبة الأولى، وأسماء آدم هي أسماء تلك الحقائق، وهي من الباري ~~تعالى أسماء الصفات التي لها تعلق وارتباط بالكون، ومن المكونات أسماء كل ~~مخلوق من العرش إلى ما تحت الأرض، وليس المراد بها خصوص الأسماء النازلة ~~وهي التي تشعر بالمسمى في الجملة كما عليه المفسرون؛ لأنه لا يظهر بذلك ~~كبير خصوصية لآدم (عليه السلام)، وإنما المراد بها الأسماء العالية كما ~~ذكره الشيخ الأكبر ونقله «في الإبريز»، وفي «جواهر المعاني»، كل منها عن ~~شيخه، وهي التي تشعر بأصل المسمى، ومن أي شيء هو، وبفائدته، ولأي شيء ~~يصلح، وبكيفية ترتيبه ووضع شكله، وما يطرأ عليه من ابتدائه إلى انتهائه؛ ~~لأنه ما من مخلوق في الكون إلا وله اسم على قدره في العظم، وبه قوامه إذا ~~سمعه العارف يفهم منه المسمي بجميع أحواله، وسائر ما يتعلق به. # فكان سيدنا آدم (عليه السلام) يعلم من كل مخلوق من المخلوقات الناطقة ~~والجامدة بمجرد سماع اسمه العالي، أو خطوره في ذهنه كل ما يتعلق به من هذه ~~الأمور المذكورة، وهي علوم آدم (عليه السلام) التي أشار إليها ابن مشيش في قوله: # وتنزلت علوم آدم، وهي أيضا علوم أولاده من الأنبياء والأولياء الكمل كما ~~ذكره في «الإبريز»، نقلا عن شيخه، وأراد بالأولياء الكمل الأفراد الجامعين، ~~وهم الأقطاب الخلفاء، قال: وإنما خص آدم بالذكر؛ لأنه أول من علم هذه ~~العلوم، ومن علمها من أولاده فإنما علمها بعده انتهى. # وعلى هذا فالكلية في قوله تعالى: @QUR@05 وعلم آدم الأسماء كلها [البقرة: 31]. # هي إحاطته بجميع متعلقات الكون حتى لا يشذ عليه منها شيء وإن شئت قلت: ~~هي إحاطته بجميع الأسماء الكونية، وكذا الإلهية التي بها نظام الكون، ومما ~~يشهد له قوله تعالى: # @QUR@04 ثم عرضهم على الملائكة ؛ لأن المعروض عليهم إنما هو ms131 صور الكائنات ~~ومسمياتها PageV01P216 # فدل على أن المراد بالأسماء الأسماء الكونية والتي يطلبها الكون من ~~أسمائه تعالى. # وفي «الفتوحات» في الباب الثامن والأربعين المراد من قوله كل الأسماء ~~الإلهية التي تطلب الآثار في العالم وما يمتد به من أسماء التنزيه والتقديس انتهى. # وقال قبله بقليل: خص آدم بعلم الأسماء كلها التي لها توجه إلى العالم، ~~ولم يكن ذلك العلم أعطاه الله للملائكة، وهم العالم الأعلى الأشرف. # قال الله تعالى: @QUR@05 وعلم آدم الأسماء كلها ، ولم يقل بعضها، وقال: ~~(عرضهم) ولم يقل: (عرضها)، فدل على أنه عرض المسميات لا الأسماء انتهى. # قال في الباب التاسع عشر وثلاثمائة ما نصه: # ولما أوجد الله العالم أوجده إنسانا كبيرا، وجعل آدم وبنيه مختصر هذا ~~العالم، ولهذا أعطاه الأسماء كلها: أي كل الأسماء المتوجهة على إيجاد ~~العالم، وهي الأسماء الإلهية التي يطلبها العالم بذاته إذ كان وجوده عنها انتهى. # وقال في «جواهر المعاني» وكذا في «الجامع» نقلا عن شيخهما أبي العباس ~~التيجاني وأما الأسماء الخارجة عن الكون فلا تمكن الإحاطة بها، ولا نهاية لها. # قال سبحانه وتعالى @QUR@05 ولا يحيطون به علما [طه: 110]. # قال: فإن العارفين والأقطاب والنبيين والمرسلين من فتحهم في المعرفة ~~ينكشف لهم في كل مقدار طرفة عين من أسماء الله الباطنة أمر لا حد له ثم ~~يبقون على هذا الحال أبدا سرمدا في طول عمر الدنيا وفي طول عمر البرزخ وفي ~~طول عمر يوم القيامة وفي طول عمر الأبد في الجنة بلا نهاية في كل مقدار ~~طرفة عين ينكشف لهم من أسماء الله الباطنة ما لا حد له ولا غاية له في طول ~~هذه المدة، ولا نهاية لانكشاف الأسماء على طول أبد الأبد، فكيف يقال: أحاط ~~بها كلها، وإنما الكلية في الأسماء التي يطلبها الكون فقط انتهى منه بلفظه. # وقد ذكره صاحب «الجواهر» في الفصل الأول من الباب الخامس. PageV01P217 # ونحوه قوله في «الإبريز» نقلا عن شيخه بعد تخصيصه لأسماء آدم بالتي ~~يطيقها آدم ويحتاج إليها البشر أو لهم بها تعلق ما نصه: # وإنما خصصناها بما ms132 يحتاج إليه وذريته وبما يطيقونه لئلا يلزم من عدم ~~التخصيص الإحاطة بمعلومات الله تعالى انتهى. # فإن قلت: يلزم مما ذكرته علم آدم (عليه السلام) بالأسماء والمسميات معا، ~~كما وقع ذلك لنبينا (صلى الله عليه وسلم)، فما وجه الخصوصية لنبينا؟ # قلت: آدم (عليه السلام) أوتي الأسماء التي هى كالقشر، والغلاف الصائن ~~للشيء بطريق الأصالة، فكان مظهرها، وحطت له المسميات بطريق التبع، ونبينا ~~(صلى الله عليه وسلم) أوتي المسميات التي هي اللب والمقصود بطريق الأصالة، ~~والأسماء تابعة لها، وكان مظهرا للكل، وأيضا فالرسوخ التام والتنزل الحقيقي ~~إنما هو له (صلى الله عليه وسلم)، وفيه دون غيره، فإنه لم يحصل له من ~~الرسوخ والتمكن فيها مثل، ولا مقارب ما حصل له (صلى الله عليه وسلم)، ولذا ~~عجز الخلائق كلهم آدم وغيره فافهم. # وأمهات الحقائق هي أصولها وأئمتها التي ترجع إليها، والحقائق الإلهية هي ~~مسميات الأسماء الإلهية: أي مفهوماتها بخصوصياتها الامتيازية، والمراد بها ~~هنا خصوص التي يفتقر العالم إليها، وأمهاتها سبعة: الحياة، والعلم، ~~والإرادة، والقدرة، والكلام، والجود، والأقساط، والحقائق الكونية هي مسميات ~~أسماء الموجودات كلها، وهي مع ما ذكر الحقائق الإلهية كلمات الله التي لا ~~نفاد لها المشار إليها بقوله تعالى: @QUR@07 قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي [الكهف: 109]. # وقوله: @QUR@020 ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله [لقمان: 27]. # فإن المراد بها هنا على ما ذكره المحققون أمران: # أحدهما: الحقائق الإلهية الأسمائية والصفاتية وإن كانت الحقائق الإلهية ~~قد تطلق أيضا على ما هو منه (صلى الله عليه وسلم) وبسببه من أسرار الحق ~~التي فرقها في خلقه، وهي ثلاثمائة وستة وستون PageV01P218 # سرا، ظهرت في الحيوانات والجمادات وسائر المخلوقات على ما أراده الحق ~~تعالى، وهي ما جعله فيهم من المنافع والعلوم والأسرار وأوصاف الكمال من ~~الصدق والتحمل وغير ذلك. # ثانيهما: الحقائق المظهرية الكونية، وهي الموجودات كلها محسوسة كانت أو ~~معقولة أو موهومة، أو تقول: روحانية كانت أو مثالية أو جثمانية، سميت هذه ~~بكلمات الله؛ لصدورها عن ms133 الله تعالى ب (كن) لكل شيء منها فيكون، و(كن) ~~كلمة الله فسمي ما صدر عنها باسمها تسمية للمسبب باسم السبب. # وفي «الفتوحات المكية» في الباب الثالث والسبعين وثلاثمائة ما نصه: # فادم ومن دونه إنما هو وارث محمد (صلى الله عليه وسلم)؛ لأنه كان نبيا ~~وآدم بين الماء والطين لم يكن بعد موجودا، فالنبوة لمحمد (صلى الله عليه ~~وسلم) ولا آدم، والصورة الطبيعية لآدم ولا صورة لمحمد (صلى الله عليه ~~وسلم)، وعلى آدم وجميع النبيين فادم أبو الأجسام الإنسانية، ومحمد (صلى ~~الله عليه وسلم) أبو الورثة من آدم إلى خاتم الأمر من الورثة، فكل شرع ظهر، ~~وكل علم إنما هو ميراث محمدي في كل زمان ورسول ونبي من آدم إلى يوم ~~القيامة، ولهذا أوتي جوامع الكلم. # ومنها علم الله آدم الأسماء كلها فظهر حكم الكل في الصورة الآدمية ~~والصورة المحمدية، فهي في آدم أسماء، وفي محمد (صلى الله عليه وسلم) كلمات، ~~وكلمات الله سبحانه لا تنفد، وموجوداته من حيث جوهرها لا تنفد، وإن ذهبت ~~صورها وتبدلت أحكامها فالعين لا تذهب ولا تتبدل انتهى منه بلفظه. # وفيها أيضا في الفصل الثاني من الباب الثاني ما نصه: # نكتة وإشارة: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أوتيت جوامع الكلم». # وقال تعالى: @QUR@05 وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء: 171]. # وقال: @QUR@06 وصدقت بكلمات ربها وكتبه [التحريم: 12]. # ويقال: قطع الأمير يد السارق، وضرب الأمير اللص، فمن ألقي عن أمره شيء ~~فهو ألقاه، فكان الملقي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ألقى عن الله كلمات ~~العلم بأسره من غير استثناء شيء منه PageV01P219 # البتة، فمنه ما ألقاه بنفسه كأرواح الملائكة وأكثر العالم العلوي، ومنه ~~أيضا ما ألقاه عن أمره، فيحدث الشيء عن وسائط كبرة الزراعة ما تصل إلى أن ~~تجري في أعضائك روحا مسبحا وممجدا إلا بعد أدوار كثيرة، وانتقالات في عالم، ~~وتنقلب في كل عالم من جنسه على شكل أشخاصه، فرجع الكل في ذلك إلى من أوتي ~~جوامع الكلم انتهى المراد منه بلفظه أيضا وراجعه. # وفيها أيضا في الباب السابع ms134 والثلاثين وثلاثمائة ما نصه: # وأما منزلته (صلى الله عليه وسلم) في العلوم خاصة، فأحاطه بعلم كل عالم ~~بالله من العلماء به تعالى متقدميهم ومتأخريهم، ثم ذكر أن من كماله (صلى ~~الله عليه وسلم) أنه خص بست لم تكن لنبي قبله. # ثم قال: والخصلة الثانية: أوتي (صلى الله عليه وسلم) جوامع الكلم، ~~والكلم: جمع كلمة، وكلمات الله لا تنفد، فأعطي علم ما لا يتناهى، فعلم بما ~~لا يتناهى ما حصره الوجود، وعلم ما لم يدخل في الوجود، وهو غير متناه، ~~فأحاط علما بحقائق المعلومات، وهي صفة إلهية لم تكن لغيره انتهى المراد منه ~~بلفظه أيضا. # وقال الأمير عبد القادر الجزائري في «مواقفه» في الموقف السادس والثمانين ~~ومائتين أثناء كلام له ما نصه: # وكما أن الحق تعالى علم كل شيء من علمه بنفسه؛ لأن جميع الأشياء كذلك هو ~~(صلى الله عليه وسلم) علم جميع الأشياء إجمالا وتفصيلا من علمه بذاته ~~وحقيقته التي هي حقيقة الحقائق، ومصدر كل كائن ومبدأ الكل وخزانة العلوم ~~الإلهية والكونية منه تخرج وعلى يديه تقسم فالقلم الأعلى وهو العقل الأول ~~والنفس الكلية وهي اللوح المحفوظ وسائر الأرواح العلوية والسفلية من ذواته ~~تكتب وبعينه تبصر ومن مشكاته تنظر فهو بكل شيء عليم بيده مفاتيح الخزائن ~~الإلهية وكل ما ظهر في العالم مطلقا فلا يظهره الاسم الإلهي إلا عن إذن ~~محمد (صلى الله عليه وسلم). # فإن قيل: ما الفرق بين علمه (صلى الله عليه وسلم) وبين علم الحق تعالى في ~~مقام الفرق؟ # قلنا: هو أنه تعالى علم الأشياء وهي في العدم لا عين لها في الوجود بوجه ~~من الوجوه وهو (صلى الله عليه وسلم) إنما علم الأشياء بعد أن صار لها ضرب ~~من الوجود وهو الوجود العلمي فإنه ما PageV01P220 # علمها إلا وهي موجودة في علم الحق تعالى. # ثم قال: أما علمه (صلى الله عليه وسلم) بربه فإنه علم علم الأولين قبله: ~~أي قبل اتصال روحه بجسمه الشريفين (صلى الله عليه وسلم)، والآخرين بعده من ~~كل ما خلق الله تعالى، كما ms135 أخبر بذلك عن نفسه في حديث الضربة، وأما علمه ~~(صلى الله عليه وسلم) بالعالم، وهو كل ما سوى الحق تعالى، فالعالم على ضربين: # ضرب وجدت أجناسه وأنواعه وبعض أشخاصه وأفراده ولأفراده نهاية، كالنوع ~~الإنساني مثلا، فهذا الضرب يعلمه (صلى الله عليه وسلم) تفصيلا؛ لأنه (صلى ~~الله عليه وسلم) علم جميع الأسماء المتوجهة على إيجاد العالم كلياتها ~~وجزئياتها، وما من حقيقة كونية إلا وهي مرتبطة بحقيقة جزئية الإلهية، ~~ومستندة إليها، لا بد من ذلك، وقد علم (صلى الله عليه وسلم) الأسماء فأحرى ~~آثارها، فإن آدم (عليه السلام) الذي هو قطرة من بحره، وجزء من كله، علمه ~~الله الأسماء كلها، فكيف به (صلى الله عليه وسلم)، والضرب الآخر من العالم، ~~وجدت أجناسه وأنواعه وبعض أشخاصه، ولا نهاية لأفراده وأشخاصه، فهذا الضرب ~~الذي لا تتناهى أفراده أبد الآبدين ودهر الداهرين، يعلمه (صلى الله عليه ~~وسلم) غير متناه، فإنه أخبر أنه أوتي جوامع الكلم، وكلمات الله لا تنفد، ~~بمعنى مقدوراته ومراداته، فقد أعطي (صلى الله عليه وسلم) ما لا يتناهى ~~إجمالا، كما أعطى علم ما يتناهى تفصيلا خصوصية له (صلى الله عليه وسلم)، ~~فإنه ما أعطي مخلوق علم جميع العالم أجناسه وأنواعه وأشخاصه ما يتناهى منه ~~وما لا يتناهى غيره (صلى الله عليه وسلم) ثم قال: فأحاط (صلى الله عليه ~~وسلم) علما بحقائق المعلومات المتناهية وغير المتناهية، وعلم أجناسها ~~وأنواعها على التفصيل وبعض شخصياتها وجزئياتها كذلك، وعلم ما لا يتناهى من ~~الأفراد والجزئيات على الإجمال، وهذه صفة إلهية لم تكن لغيره (صلى الله ~~عليه وسلم). ### ||| النور الثاني والعشرون وهو النور الذي سميته نور المقايسة: # فهو كشف له أنه إذا جمع في الذهن جميع الأنبياء والرسل في تقديره لفضلهم ~~ودليله أنه أعلم الخلق بالله، والدرجة التي هناك لا تقاس بما بعدها، وإن ~~تعددت فإن المجموع لا يقوم منه ما يساوي، فإن الذوات لا تتحد- فاعلم. # وأيضا إذا قلنا أنه أفضل من إبراهيم فالمرتبة أو الدرجة التي يفضله بها ~~أي شيء يقاس بها لا بد لها من ms136 تنظير تنظر معها. PageV01P221 # ثم سلمنا أنه أرفع الأنبياء منزلة في الجنة، والكل دونه فلا ينفع ما عظم ~~واجتمع فإنه مع ما هم فيه ينظر إليهم من تحت. # فاعلم ذلك ولا تقس الأمر فيه بالمحسوس فتقول: هو صاحب ألف درهم في ~~التمثيل وهم من مجموع الكل منهم وإن كان لكل واحد منهم مائة جملة قيل لك: ~~ما الأمر الذي نحن فيه، هذا يشابهه، فإنك هناك تقيس الأمر بقدره وهي درجة ~~عند الله. # فاعلم. # * قلت: قال الشيخ الكتاني: ومقام الوسيلة قيل: إنه مقام حسي وأنه علم على ~~أعلى منزلة ودرجة في الجنة وهي منزلة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وداره ~~في الجنة وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش وقيل: إنه معنوي وهو أنه يكون في ~~الجنة في قربه من الله القرب المعنوي بمنزلة الوزير من الملك من غير تشبيه ~~ولا تمثيل يتوسل ويشفع في قضاء الحاجات ورفع الدرجات ونيل المطالب وحصول ~~جميع الرغبات ولا يصل لأحد شيء إلا بواسطته وعلى يديه والمعنيان معا ~~صحيحان في حقه (صلى الله عليه وسلم) وحينئذ فهما وسيلتان إحداهما حسية ~~والأخرى معنوية وكل منهما مختص به (صلى الله عليه وسلم). # وفي «شفاء السقام» لتقي الدين السبكي في الباب العاشر في الشفاعة أثناء ~~كلام له ما نصه: لكن الشيخ عبد الجليل القصري في كتاب «شعب الإيمان» له ذكر ~~في تفسير الوسيلة التي اختص بها النبي (صلى الله عليه وسلم) أنها التوسل ~~وأن النبي (صلى الله عليه وسلم) يكون في الجنة بمنزلة الوزير من الملك من ~~غير تمثيل لا يصل إلى أحد شيء إلا بواسطته (صلى الله عليه وسلم) انتهى. # وقال العارف بالله أبو يزيد الفاسي (قدس الله سره) في حواشيه على «دلائل ~~الخيرات» وهي المسماة: بالأنوار اللامعات في الكلام على دلائل الخيرات ما ~~نصه: الوسيلة قال السيوطي في خصائصه: هي أعلى درجة في الجنة. # وقال عبد الجليل القصري في شعب الإيمان: الوسيلة التي اختص بها هي التوسل ~~وذلك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يكون في الجنة ms137 بمنزلة الوزير للملك ~~بغير تمثيل لا يصل لأحد شيء إلا بواسطته انتهى. PageV01P222 # ونصه في «الشعب» وأما المقام الثالث من شفاعته (صلى الله عليه وسلم) ~~فإنها في الجنة وهي دائمة وهي مقام الوسيلة التي لا تنبغي إلا لمحمد (صلى ~~الله عليه وسلم) روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه كما في الصحيح أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول ~~المؤذن وصلوا علي فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا ~~الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، ~~وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة». # وهي مشتقة من التوسل الذي هو الطلب والدعاء والتشفع فالنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) في الجنة في قربه من الله بمنزلة الوزير من الملك في درجة ~~الوسيلة يتوسل ويشفع في قضاء الحاجات ورفع الدرجات، ويستأذن في الزيارة ~~العلية، والنظر إلى الوجه الكريم، وفتح أبواب حضائر القدس وغير ذلك، وهو ~~أول من يتقدم للزيارة، وأول من ينظر إلى الله تعالى، وأول في كل شيء، ~~فيتوسل لنفسه ولغيره، فلا يرد على الخلق في الجنان خير إلا على يديه (صلى ~~الله عليه وسلم)؛ لأنه أول من يرتقي في الدرجات، فيرتقي بارتقائه، ويزيد ~~بزيادته كل من في الجنة، فافهم فهمنا الله وإياك، انتهى منه بلفظه. # قلت- الكتاني في الجلاء-: وحديث: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول ~~المؤذن» أورده هكذا في الجامع الصغير من غير زيادة وعزاه لأحمد ومالك ~~والستة من حديث أبي سعيد، ثم أورده بلفظ: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما ~~يقول، ثم صلوا علي ... الحديث» كما تقدم وعزاه لأحمد ومسلم والثلاثة عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص. # وحينئذ فهما حديثان دخل له أحدهما في الآخر، والله أعلم. # ومن كتاب «نقد النصوص» للعارف بالله المنلي الجامي (قدس سره) ما نصه: # وفي كتاب «الفكوك» يعني للشيخ الكبير صدر الدين أبي المعالي محمد بن ~~إسحاق القونوي: الإنسان الكامل الحقيقي ms138 هو البرزخ بين الوجوب والإمكان، ~~والمرآة الجامعة بين صفات القدم وإحكامه، وبين صفات الحدثان، وهو الواسطة ~~بين الحق والخلق، وبه ومن مرتبته يصل فيض الحق والمدد الذي هو سبب بقاء ما ~~سوى الحق إلى العالم كله، علوا وسفلا، ولولاه من حيث برزخيته التي لا تغاير ~~الطرفين لم يقبل شيء من العالم المدد الإلهي PageV01P223 # الوجداني؛ لعدم المناسبة والارتباط، ولم يصل إليه، فكان يفنى وأنه عمد ~~السماوات والأرض، ولهذا السر برحلته من مركز الأرض التي هي صورة حضرة الجمع ~~وأحديته، ومنزلة الخلافة الإلهية إلى الكرسي الكريم، والعرش المجيد، ~~المحيطين بالسماوات والأرض، ينخرم نظامها، فبدل الأرض غير الأرض والسماوات. # إلى أن قال: فإذا انتقل انشقت السماء، وكورت الشمس، وانكدرت النجوم ~~وانتثرت، وسيرت الجبال، وزلزلت الأرض، وجاءت القيامة، ولو لا ثبوته من حيث ~~مظهريته في الجنة التي محلها الكرسي والعرش المجيد لكان الحال فيهما كالحال ~~في الأرض والسماوات، وإنما قيدت ثبوته بقولي: (من حيث مظهريته) من أجل ما ~~أطلعنا الله عليه من أن الجنة لا تسع إنسانا كاملا، وإنما يكون منه في ~~الجنة ما يناسب الجنة، وفي كل عالم ما يناسب ذلك العالم، وما يستدعيه ذلك ~~العالم من الحق من حيث ما في ذلك العالم من الإنسان. # بل أقول: ولو خلت جهنم منه لم تبق وبه امتلأت، وإليه الإشارة بقدم الجبار ~~المذكور في الحديث انتهى المراد منه بلفظه راجعه في الكلام على الفص ~~الآدمي. # وفي عبارة لبعضهم قال: لو لا ثبوت الإنسان الكامل في الجنة وعدم زواله ~~منها لكان الحال فيها كالحال في الأرض والسماوات من زوالهما عند زواله ~~منهما وكذا لو خلت منه جهنم لزالت، بل إذا زال عن دار أي دار كانت فإنها ~~تزول بزواله، وإذا ثبت فيها فإنها تثبت بثبوته، وكذا جميع الأمكنة، ومنه ~~تعلم أن العوالم كلها لا تخلو منه؛ لأنها لو خلت منه لتلاشت واضمحلت؛ ~~لكونها ليس لها قيام ولا قوام إلا به، ولجمعيته للأسماء الإلهية ~~والإمكانية، ومظهريته للطرفين، وكونه برزخا جامعا بين قوسي الوجوب ~~والإمكان، لم تسعه الجنة ms139 ولا عالم من العوالم، وإنما يكون منه في الجنة ما ~~يناسب الجنة، وفي كل عالم ما يناسب ذلك العالم، وفي جهنم ما يناسب جهنم؛ إذ ~~لو خلت جهنم منه لم تبق وبه امتلأت، أعني بما يناسبها منه، وإليه الإشارة ~~بقدم الجبار المذكور في الحديث الشريف فلتفهم والله أعلم انتهى. # وقال الشيخ شرف الدين القيصري في «شرح الفصوص» لدى ما ذكره الشيخ من أن PageV01P224 # الأمر إذا انتقل إلى الآخرة يكون الإنسان الكامل ختما على خزانتها ختما ~~أبديا ما نصه: # وكون الكامل ختما على خزانة الآخرة دليل على أن التجليات الإلهية لأهل ~~الآخرة إنما هي بواسطة الكامل، كما في الدنيا، والمعاني المفصلة لأهلها ~~مفرغة من مرتبته، ومقام جمعه أبدا، كما تفرع منه أزلا، وما للكامل من ~~الكمالات في الآخرة، لا يقاس على ما له من الكمالات في الدنيا؛ إذ لا قياس ~~لنعم الآخرة على نعم الدنيا، والله أعلم. ### ||| النور الثالث والعشرون وهو نور التفضيل: # فهو يكشف له (صلى الله عليه وسلم) على قدره بالنظر إلى الرسل (عليهم ~~السلام) ومقر له بأنه سيد ولد آدم (عليه السلام). # وقول الله تعالى: @QUR@05 وكذلك جعلناكم أمة وسطا فنحن في الأمم مثله هو ~~في الأنبياء والرسل (عليهم السلام). # قلت: والجملة فيه أن أفضل الخلائق سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، ~~وبعده أفضل الخلائق غيره من الأنبياء والمرسلين، وبعد الأنبياء والمرسلين ~~(صلوات الله تعالى عليهم أجمعين) أفضل بني آدم أمة سيدنا محمد (صلى الله ~~عليه وسلم). # وأدلة تفضيله (صلى الله عليه وسلم) على غيره من جميع الخلق، والكلام على ~~ذلك طويل منتشر جدا، وقد قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي: # ثبوت شرفه (صلى الله عليه وسلم) وأفضليته على جميع المخلوقات يكاد أن ~~يكون معلوما من الدين بالضرورة بحيث لا يحتاج إلى سرد دليل. # وقال المحققون: هو أفضل من كل واحد من الأنبياء والملائكة وجميع الخلق ~~على حدته، وأفضل من مجموعهم، وأفضل من جميعهم، والموجودات وإن تفاوتت في ~~الدرجات فهو في الدرجة التي لا درجة فوقها، ms140 والآيات والأخبار وأقاويل ~~العلماء والآثار الدالة على ذلك كثيرة. PageV01P225 # ولله در البوصيرى إذ يقول: # فمبلغ العلم فيه أنه بشر %~% وأنه خير خلق الله كلهم ### ||| النور الرابع والعشرون وهو نور الإحاطة: # فهو يكشف له أنه عين المعنى المجموع الذي إليه تصل العناية العلمية ~~والعملية، ومع كل محمود محترم يشار إليه، فهو الذي أحاط بها، وجميع ما تفرق ~~في الأنبياء اجتمع به وله ولأمته وفي ملته (صلى الله عليه وسلم). # قلت: قال سيدنا الكتاني: اعلم هداك الله، ولكل رشد وفلاح أهلك وأرشدك أنه ~~لا خلاف بين أهل العلم كلهم في أنه (عليه السلام) كان معلما من قبل الله ~~تعالى بالمغيبات الكثيرة، التي لا تنحصر كثرة وعددا، ولا ينقضي ظهورها مدى ~~الدهور أبدا، وفي أنه أوتي من علوم الكوائن الماضية والحاضرة والمستقبلة ما ~~تعجز عنه عقول البشر، ولم يؤته نبي ولا رسول قبله، ووقع نزاع عظيم وخبط ~~شديد وهيم بين المتأخرين من المشارقة والمغاربة في أن علمه (عليه السلام) ~~كان محيطا بالأشياء كلها حتى الخمس والروح، وما هو في معناهما، أو غير محيط ~~بها، والإحاطة بالأشياء جميعها إنما هي لله تعالى وحده، أو محيطا بها ولكن ~~لا كإحاطة علم الله، بل إحاطة ما لا تخلو عن شيء مخصوص منها، استأثر الله ~~به، أو متوقف فيه فلا يقال فيه: إنه محيط ولا غير محيط؛ لتعارض الأدلة، ~~وعدم وجود قاطع، أقوال أربعة: # القول الأول: في بيان إحاطة الذات المحمدية بالعلوم الجديدة الكونية، ~~فممن أفتى بالأول- وهو القول بالإحاطة- من المغاربة قاضي سجلماسة وأعلمها ~~في وقته الفقيه العلامة المشارك المحقق أبو مروان عبد الملك بن محمد ~~السجلماسي التاجموعتي المتوفى في صفر سنة ثمان عشرة ومائة وألف، لما سأله ~~عن هذه المسألة جدنا للأم المحب في الجانب النبوي المداح له العلامة المؤلف ~~الناظم الناثر الصوفي الولي الصالح أبو العباس أحمد بن عبد الحي الحلبي ~~الشافعي نزيل فاس ودفينها. PageV01P226 # وقال في جوابه له: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يفارق الدنيا حتى ~~علم كل شيء. # ولما بلغ جوابه هذا ms141 لعلماء فاس وما هو في حكمها أنكروه، وبالغوا في ~~التشنيع عليه حتى إن بعضهم نسب معتقده هذا إلى الكفر، فلما بلغه هذا ~~الإنكار رد عليهم أبلغ رد في جواب له كتبه في هذه المسألة، وقال فيه: وإني ~~لأفضي العجب من المنكرين لذلك مع ورود الأحاديث الصحيحة به. # ففي «كبير» الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما عنه (صلى الله عليه وسلم) ~~قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس (1)». وعن عبد الله ابن مسعود رضي ~~الله عنه مثله. # وقد تقرر أن الاستثناء معيار العموم، وعليه فعلمه (صلى الله عليه وسلم) ~~محيط بكل شيء سوى الخمس، والخمس قد علمها (صلى الله عليه وسلم) بعد على ما ~~عليه المحققون؛ إذ هو (صلى الله عليه وسلم) من لدن بعثه الله إلى أن قبضه ~~في الترقيات والتجليات فبحسبها ورد: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل». # «لا تفضلوا بين الأنبياء». # ثم ورد بعد أنه علم الخمس، وأنه سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وما من ~~نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائه. # وقال الحافظ السيوطى: أوتي (صلى الله عليه وسلم) علم كل شيء إلا الخمس. # وقيل: إنه أوتيها أيضا وأمر بكتمها، والخلاف جار في الروح. # وإذا تقرر هذا علم أنه (صلى الله عليه وسلم) أحاط بكل شيء علما فضلا من ~~الله تعالى فما يقال لفضل الله ذا فكم؟ وقال البوصيري: # دع ما ادعته النصارى في نبيهم %~% واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم (2) PageV01P227 # وفي «الصحيح»: أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: «سلوني عما شئتم (1)». # ولا شك أنه كالنص في التحدي بهذه الخصوصية، فتلحق بالمعجزات، وما في ~~الكتاب العزيز من الآي الدالة على أنه لا يعلم الغيب إلا الله محمول على ~~العلم بغير واسطة. # وأما الاطلاع على ذلك بإعلام الله فأمر متحقق؛ لقوله: @QUR@012 عالم ~~الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول [الجن: 26- 27] # وفي «الطبراني» عن ابن عمر مرفوعا: «إن الله قد رفع لي الدنيا، فأنا أنظر ~~إليها وإلى ما هو كائن فيها ms142 إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفي هذه (2)». # والقول الفصل: إنه (صلى الله عليه وسلم) أوتي علم كل شيء قبل أن يفارق ~~الدنيا، وقد اتضح أن المنكر إما جاهل فيعلم، أو ملحد فيؤثم، ثم ليت شعري ما ~~وجه الإنكار؟ فإن مسألة لم تخرج عن دائرة الإمكان، وكل ما كان سبيله ذلك، ~~وأخبر الصادق المصدوق بوقوعه وجب المصير إليه اعتقادا واعتمادا، والله يقول ~~الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، انتهى باختصار. # وقد كتب بعده موافقا عليه الفقيه الأوحد سيدي مسعود جموع مستدلا على ~~الموافقة بحديث أحمد والترمذي عن معاذ في وضع الرب تعالى كفه بين كتفيه في ~~المنام فتجلى له بها كل شيء، ثم إن التاجموعتي ألف في المسألة رسالة ~~سماها: «ملاك الطلب وجواب أستاذ حلب»، وفي «نشر المثاني في أهل القرن ~~الحادي والثاني» في ترجمته كلاما آخر له في هذه المسألة في بعض رسائله، ~~يصحح فيه القول بما رآه فيها ويرد القول بخلافه، راجعه. # وممن أفتى به من المشارقة الفقيه الأريب المشارك الأديب: أبو عبد الله ~~محمد بن أحمد المنوفي المصري الشافعي نزيل مكة المشرفة، المتوفى سنة أربع ~~وأربعين وألف، ذكر ذلك المحبي في «خلاصة الأثر في أعيان أهل القرن الحادي ~~عشر» في ترجمته، ونصه: PageV01P228 # ومما اتفق له أنه سئل: هل كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يعلم السحر ~~ويعرفه على التعميم؟ # فأجاب عنه: إنه كان يعلم كل شيء منه ومن غيره من غير شك انتهى. # وانظر هل أرادوا بهذه الإحاطة، وهذا العلم علوم الكائنات خاصة كما هو ~~الظاهر المتبادر، أو ما يشمل علوم الذات العلية، كما فهمه من رد كلامهم ~~واعتمد ملامهم، فإن كان الأول فلا ملام على ما نفصله، وإن كان الثاني فهو ~~بعيد من المقام، والله أعلم. # القول الثاني في بيان إحاطة الذات المحمدية بالعلوم الجديدة الكونية: # وممن أفتى بالثاني، وهو القول بعدم الإحاطة، من المغاربة العلامة الأشهر ~~والمحرر الأكبر أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي، والكثير من علماء المغرب، ~~وخصوصا أهل فاس، وقالوا: إن ms143 الإحاطة بالأشياء كلها إنما هي لله، والقائل ~~بالإحاطة لغيره إن كان يعتقد ويرى مساواة علم غيره تعالى لعلمه فهو كافر، ~~وبعض المعاصرين للتاجموعتي من علماء فاس ألف في رد كلامه مؤلفا سماه: ~~«المنهج القويم في قصر الإحاطة على العلم القديم». # واستدل بآيات وأحاديث ونصوص، كقول الشيخ علي الأجهوري في شرحه لمختصر ~~خليل في باب مصرف الزكاة: إن القائل بأن الأنبياء يعلمون ما كان وما يكون ~~مبتدع يكفر ببدعته اتفاقا انتهى. # قلت: وعبارة الشيخ إبراهيم بن مرعي الشبرخيتي في شرحه: ولا يعطي منها- ~~يعني الزكاة- إجماعا من يكفر ببدعته اتفاقا، كالقائل بنبوة علي رضي الله ~~عنه وأن جبريل غلط، والقائل بأن في الأمة رسولين: ناطق، وصامت، فالناطق: ~~محمد (صلى الله عليه وسلم)، والصامت: علي، والقائل بأن الأنبياء والأئمة ~~يعلمون ما كان وما يكون وشبههم، انتهى منه بلفظه. # ومثله للشيخ عبد الباقي الزرقاني، وأشار محشيه البناني إلى أنه وقع في ~~كلامهم خلل وتحريف، فكتب على كلام الزرقاني ما نصه: # عبارة ابن رشد في رسم العتق من سماع عيسى: ومن يقول أن الأئمة أنبياء ~~يعلمون ما كان وما يكون إلى يوم القيامة انتهى. # أي فهذا هو الذي يكفر ببدعته، كما في النص دون ما ذكره هؤلاء، وكيف يقال PageV01P229 # بتكفير من يقول أن الأنبياء والأولياء يعلمون ما كان أو يكون من قبل الله ~~تعالى، وهؤلاء جماعة من الصحابة يقولون: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~أعلمهم بما كان ويكون إلى يوم القيامة. # وهذا علي رضي الله عنه يقول كما تقدم: سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء ~~يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به، وهو واضع علم الجفر المحتوي على علم ~~ما كان ويكون. # وهذا ابنه الحسن يقول فيه حين قتل: لقد فارقكم بالأمس رجل ما سبقه ~~الأولون بعلم ولا أدركه الآخرون. أخرجه أحمد (1). # وهؤلاء جماعة من الأولياء الكبار أخبروا عن أنفسهم بأنهم يعلمون ما كان ~~ويكون بإعلام الله، أفيقدر أحد على أن يسمهم بشيء فضلا عن أن يكفرهم، إلا ~~إن كان والعياذ بالله تعالى ms144 ممكورا به ممن سبقت له من الله الشقاوة الكبرى ~~والخزي الدائم، فالاستدلال بكلام علي الأجهوري هذا وبكلام أتباعه فيه ساقط. # ورد كلامه أيضا- أعني كلام التاجموعتي- الشيخ أبو علي اليوسي المذكور ~~وكان معاصرا له- برسالة لطيفة، قال فيها: # ينبغي أن نعتقد تعظيم نبينا (صلى الله عليه وسلم) ونعتقد أنه أعطي العلم ~~والنور وسائر مراتب الكمالات اللائقة به ما لم يعط أحد من العالمين؛ لأنه ~~خير الخلق أجمعين. # ثم نكتفي بهذا وما أشبهه، ولا نطالب بالبحث من إحصاء ما علم، فإنه أمر لا ~~تبلغه عقولنا، وليس مطلوبا منا، فالاشتغال به فضول من ثلاثة أوجه، ثم ~~بينها، ومحصلها أن هذا أمر غير مطلوب منا، وإنا لا نبلغ إلى إحصائه ولو ~~اجتهدنا، وأن الباحث فيه إما أن يقع في استنزال صفوة الله من خلقه عن ~~مرتبته الرفيعة، أو في سوء الأدب مع الله تعالى في تشبيه خلقه به، ثم ذكر ~~أن القائل بالتعميم في حقه (عليه السلام) إن أراد الحقيقي بحيث يكون علمه ~~على حد علم الله تعالى، فلا فرق بينهما، فقد وقع في الورطة العظمى والشرك ~~مع الله مخسرة، وما يوجد من حديث أو أثر من علمه (عليه السلام) كل شيء على ~~الإجمال لا يفيد شيئا؛ لأن العمومات تقع حقيقية وإضافية بحسب صنف الوقوع. PageV01P230 # وقد قال الله في حق سيدنا موسى: @QUR@013 وكتبنا له في الألواح من كل ~~شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء [الأعراف: 145]. # ثم قال له مع ذلك: عبد لنا بمجمع البحرين هو أعلم منك. # ولما لقي الخضر قال له: يا موسى إني على علم من علم الله لا تعلمه أنت. ~~وقال له: # ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص هذا العصفور من البحر. # وقال تعالى في القرآن: @QUR@06 ما فرطنا في الكتاب من شيء [الأنعام: 38]. # وقال: تبيانا ما لكل شيء. # ثم قال له: @QUR@05 وقل رب زدني علما [طه: 114]. # وإن أراد الإطلاق فعليه بيانه ليستفاد الحكم على الكلية بحسبه، وإلا فهو ~~كلام محمول لا تحصل منه فائدة. # ثم ذكر إن شئنا عبرنا في ms145 حقه (عليه السلام) بالكلية، ولكن مع إرادة ~~التقييد بجنس أو نوع أو صنف كأن نقول: يعلم جميع ما ينبغي لمثله أو كل ما ~~تبلغه عقول البشر، أو كل ما لم يستأثر الله بعلمه أو نحو هذا مما نجزم ~~بصحته ونعتقد أن كل علم قرأته نقص غير لائق به في حاله فهو حاصل له؛ لأنه ~~في عين الكمال إلى غير هذا من كلامه، فليراجع في رسالته المذكورة، وهي في ~~نحو من ثلاثة أوراق، وله في هذه المسألة رسالة أخرى كبيرة لم أقف الآن عليها. # وقد أشار إليها في «نشر المثاني» في ترجمته فقال: وله كلام في كراريس مع ~~قاضي سجلماسة الشيخ أبي محمد عبد المالك التاجموعتي في قوله (صلى الله عليه ~~وسلم): «أوتيت علم كل شيء» انتهى. # وممن أفتي به من المشارقة الشيخ نجم الدين محمد بن محمد بن محمد الغزي ~~الدمشقي الشافعي محدث الشام ومسندها وشيخ الإسلام بها، والأستاذ الكبير ~~العالم الصوفي الشهير صاحب التحريرات والرسائل التي لا حصر لها الشيخ أيوب ~~بن أحمد بن أيوب الحنفي الخلوتي الصالحي المتوفى في صفر الخير سنة إحدى ~~وسبعين وألف، وذلك أن المنوفي السابق PageV01P231 # لما قال مقالته السابقة، وهي أنه (عليه السلام) كان يعلم كل شيء من ~~السحر وغيره من غير شك. # نقل جوابه هذا إلى الشيخ نجم الدين الغزي السابق فغضب غاية الغضب وقال: ~~إنه افتراها. # قال في «خلاصة الأثر»: وأخذ النجم يقيم عليه الحدود في درسه كل ليلة ويقول: # إنه إن أصر على ذلك كفر، ونطلب من أقرانه عمل رسالة على وفق مراده ~~فامتنعوا من ذلك وقالوا: إنه أخطأ حيث قالها للعوام. # ومنهم من أحجم ولم يتكلم، وقال: قد وقع فيها خلاف وما رجحوا منها قولا ~~ينقل، وطال التنقيب على هذه المسألة. # قال في «الخلاصة»: حتى ألف الشيخ أيوب الخلوتي المقدم ذكره في ذلك رسالة ~~سماها «الصك الموفي على رقبة المنوفي»، وهي رسالة جامعة لكل منثور ومنظوم، ~~فكف بعد المنوفي عن الدرس انتهى. راجعها في ترجمة المنوفي المذكور. # قلت: ولا أدري ms146 إنكارهم عليه هل هو من جهة نسبته إلى النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) العلم بعلم السحر، أو من جهة ما تضمنه كلامه من أنه كان يعلم كل ~~شيء، أو من جهتهما معا، فإن كان الأول فإنما يتوجه إنكارهم لو أراد أنه ~~كان يعلمه بالتعلم من السحرة ونحوهم؛ إذ هذه رذيلة لا تليق باحاد المسلمين ~~فضلا عن جنابه (صلى الله عليه وسلم)، وليس في كلامه ما يفيد هذا أو يشعر ~~به، أما لو كان أراد أن الله تعالى أعلمه به وبكيفيته من جملة العلوم التي ~~أعلمه إياها وأمده بها معجزة له- كما هو المتبادر من المقام- فلا إنكار. # وقد ذكر في «الفتوحات» في الباب الثالث والسبعين ومائتين أنه اطلع في ~~جملة ما أطلعه الله عليه في بعض الحضرات على خزائن العلوم المهلكة، ورأى ~~فيها علوما ما انشغل بها أحد إلا هلك من علوم العقل المخصوصة بأرباب ~~الأفكار من الحكماء والمتكلمين، ورأى منها ما يؤدي صاحبه إلى الهلاك ~~الدائم، وما يؤدي صاحبه إلى هلاك ثم ينجو غير أنه ليس لنور الشرع فيه أثر ~~البتة من علوم البراهمة كثيرا، ومن علوم السحر وغير ذلك، قال: فحصلت جميع ~~ما فيها من العلوم لتجنبها، وهي أسرار لا يمكن إظهارها، وتسمى علوم السر. ~~انتهى راجعه. # وإن كان الثاني، فلا إنكار أيضا إلا إن كان يريد العموم الحقيقي اللازم ~~منه مساواة PageV01P232 # علمه (صلى الله عليه وسلم) لعلم الله تعالى، وليس في كلامه ما يعين هذه ~~الإرادة. # وإن كان الثالث فجوابه يعلم من جواب هذين فليتأمل، والله أعلم. # ومما يؤيد فتواهم- أعني فتوى أصحاب هذا القول الثاني- كلام عياض في ~~«الشفاء» في القسم الثالث في الباب الأول منه في فصل حكم عقود الأنبياء في ~~غير التوحيد والإيمان، ونصه: # وأما ما تعلق بعقده يعني بجرم قلبه من ملكوت السموات والأرض وخلق الله ~~تعالى وتعيين أسمائه الحسنى وآياته الكبرى، وأمور الآخرة، وأشراط الساعة، ~~وأحوال السعداء والأشقياء، وعلم ما كان وما يكون مما لم يعلمه إلا بوحي، ~~فعلى ما تقدم من أنه معصوم فيه لا ms147 يأخذه فيما أعلم به منه شك ولا ريب، بل ~~هو فيه على غاية اليقين، لكنه لا يشترط له العلم بجميع تفاصيل ذلك، وإن كان ~~عنده من علم ذلك ما ليس عند جميع البشر؛ لقوله (عليه السلام): «إني لا أعلم ~~إلا ما علمني ربى (1)». # ولقوله حكاية عن ربه: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بل ما اطلعتم عليه واقرءوا إن شئتم: @QUR@09 ~~فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [السجدة: 17] (2)». # وقول موسى للخضر (عليهما السلام): @QUR@08 هل أتبعك على أن تعلمن مما ~~علمت رشدا [الكهف: 66]. # وقوله (عليه السلام): «أسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم (3)». # وقوله: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك». # وقد قال تعالى: @QUR@06 وفوق كل ذي علم عليم [يوسف: 76]. PageV01P233 # قال زيد بن أسلم وغيره: حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى. # وهذا مما لا خفاء به؛ إذ معلوماته لا يحاط بها ولا منتهى لها، انتهى منه بلفظه. # وقد ترى أنه يلزم مما قاله التاجموعتي ومن وافقه إن قلنا: إنهم أرادوا ~~بالإحاطة الإحاطة الكاملة- وهي الحقيقية- مساواة العلم الحادث للعلم القدين ~~في العموم، والإحاطة والمساواة فيهما تستلزم المماثلة في الحقيقة والذات، ~~وهي مستلزمة لحدوث العلم القديم، بل ولسائر لوازم العلم الحادث من العرضية ~~والافتقار وغيرهما، واعتقاد ذلك والقول به كفر، وممن أشار إلى هذا الشيخ ~~الأستاذ شهاب الدين أحمد الملوي المصري في شرحه الكبير لسلم الإمام الأخضري ~~في علم المنطق (1) لدى قوله: # صلى عليه الله ما دام الحجا %~% يخوض في بحر المعاني لججا # نصه فيه: قال المصنف يعني الأخضري وفي هذا: أي في قوله: (يخوض في بحر ~~المعاني لججا) شبه على أنه لا يحتوي على جميع المعاني إلا الله تعالى، كما ~~قال: @QUR@08 ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما [البقرة: 255]. # وقال تعالى: @QUR@06 وفوق كل ذي علم عليم [يوسف: 76]. # وقال تعالى: @QUR@05 وقل رب زدني علما [طه: 114]. # قلت- أي: قال العلامة الملوي- وهو صريح في الرد على ms148 من ادعى أن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) علمه مساو لعلم الله تعالى، محيط بكل شيء من كل وجه ~~إحاطة كإحاطة علم الله تعالى فإنه ما توفي حتى أعلمه الله بكل شيء. # وقد ألف شيخ شيوخنا العلامة اليوسي تأليفا في الرد على من زعم ذلك ~~وتكفيره، واستدل على ذلك بأدلة عقلية ونقلية، كيف وهو مصادم أيضا؛ لقوله ~~تعالى: @QUR@08 وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو [الأنعام: 59]. # وقوله تعالى: @QUR@05 وقل رب زدني علما [طه: 114]. PageV01P234 # وقوله تعالى: @QUR@012 ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني ~~السوء [الأعراف: 188] الآية. # وقوله تعالى: @QUR@05 إن الله عنده علم الساعة [لقمان: 34] الآية. # وعلى القول بأن الله تعالى أعلمه (صلى الله عليه وسلم) مفاتيح الغيب فليس ~~علم إحاطة كعلمه تعالى، وهو مصادم أيضا للإجماع على أن سر القدر لم يعلمه ~~ولا يعلمه نبي مرسل ولا ملك ولا غيرهما من هو من مواقف العقول، ويلزم أن ~~يكون علمه (صلى الله عليه وسلم) مساويا لعلم الله تعالى، ومماثلا له في ~~الإحاطة والحقيقة، فلزم حدوث علمه تعالى للمماثلة؛ لأنه يجب لأحد المثلين ~~ما وجب للآخر، بل ويلزم سائر لوازم العلم الحادث من العرضية والافتقار ~~وغيرهما، ولا يجاب بالاختلاف بالقدم والحدوث؛ لأن القدم والحدوث خارجان عن ~~حقيقة العلم، والحقيقة لا تختلف بالعوارض، وأما الأحاديث الموهمة خلاف تلك ~~القواطع فمؤولة، أما عدم ادعاء المساواة لعلم الله كأن يقال: إن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) علم علم الأولين والآخرين فلا يمتنع؛ لأن ذلك ليس مستلزما ~~لمساواته لعلم الله تعالى والإحاطة من كل وجه. # ومن أقوى ما يرد به على هذا القائل أيضا ما ورد في الحديث من أنه (صلى ~~الله عليه وسلم) يلهم في الآخرة محامد يحمد بها الله عز وجل لم يكن ألهمها ~~قبل، لكن شيخ شيخنا بالغ في القول بتكفيره، والذي يظهر عدم التكفير؛ لأن ~~هذه اللوازم بعيدة لا يقول بها هذا القائل مع أن لازم المذهب ليس بمذهب، ~~خصوصا إذا كان اللازم بعيدا. انتهى منه بلفظه. # وقد نقل تلميذه العلامة ms149 الصبان أوله وآخره وحذف وسطه من قوله: كيف وهو ~~مصادم أيضا إلى قوله: لكن شيخ شيخنا وذلك في حاشيته على الشرح الصغير ~~للملوي على السلم المذكور وأقره. # والقدر: قال الشيخ الكتاني: وفيه بحثان: أحدهما: في قوله: وهو مصادم أيضا ~~للإجماع على أن سر القدر لم يعلمه ولا يعلمه نبي مرسل ولا ملك ولا غيرهما، ~~فإنه مخالف كما في نصوص الناس من أن الذي لم يعلمه ولا يعلمه أحد القدر لا سره. PageV01P235 # قال النووي في «شرح مسلم» في كتاب القدر ما نصه (1): # القدر سر من أسرار الله التي ضربت من دونها الأستار، اختص الله به وحجبه ~~عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، وواجبنا أن نقف حيث حد لنا ولا ~~نتجاوزه، وقد طوى الله تعالى علم القدر عن العالم، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ~~ملك مقرب، وقيل: # إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها، والله ~~أعلم انتهى منه. # وفي «فصوص الشيخ الأكبر» في فص الحكمة الشيثية وقوف بعض أصناف أهل الله ~~أي: اطلاعه على سر القدر. # وفي كلام الشيخ أبي حامد في «إحيائه» أن سر القدر من الخفيات التي يعلمها ~~الأنبياء والصديقون إلا أنهم منعوا من إفشائها. # وفي الفصل الثاني من كتاب «قواعد العقائد» عند ما تعرض فيه لذكر الأسرار ~~التي تختص المقربون بدركها، ولا يشاركهم الأكثرون في علمها، ويمنعون من ~~إفشائها إليهم، وقسمها إلى خمسة أقسام ما نصه: # القسم الثاني من الخفيات التي تمتنع الأنبياء والصديقون عن ذكرها، ما هو ~~مفهوم في نفسه لا يكل الفهم عنه، ولكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ولا يضر ~~بالأنبياء والصديقين، وسر القدر منع أهل العلم من إفشائه من هذا القسم ~~انتهى المراد منه بلفظه (2). # وقال أيضا في كتاب الرجاء والخوف عند تعرضه للسؤال عن السبب الموجب ~~لإكرام هذا وتخصيصه بسليط إزادة الطاعات عليه، وإماتة الآخر، وإبعاده ~~بتسليط دوام المعصية عليه، وأنه كيف يحال ذلك على الضد والحوالة ترجع إلى ~~القضاء الأزلي من غير جناية ولا وسيلة ما نصه: ms150 ووراء هذا المعنى سر القدر ~~الذي لا يجوز إفشاؤه انتهى. PageV01P236 # قال شارحها: وقد جاء في الخبر: القدر سر الله فلا تفشوه. # فهذا خطاب لمن كوشف به. # وفي لفظ آخر: «ستر الله». وهذا خطاب لمن لم يكاشف به، وقد نهي عن السؤال ~~عنه انتهى. # قلت في الجامع: «القدر سر الله»، ولم يذكر له مخرجا ولا راويا على خلاف عادته. # وقد خرجه أئمة مشاهير منهم أبو نعيم في «حليته»، وابن عدي في كامله، عن ~~ابن عمر، وله تتمة عند مخرجه وهى: فلا تفشوا سره. # ويخالفه أيضا ما ذكره الشيخ سيدي عبد الوهاب الشعراني في كتابه «الجواهر ~~والدرر» ونصه: # سألت شيخنا- يعني الشيخ سيدي عليا الخواص- عن سر القدر المتحكم في ~~الخلائق، هل اطلع عليه أحد من الأولياء المحمديين؟ فقال رضي الله عنه: نعم، ~~لكن بحكم الإرث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا بحكم الأصالة، ولم يعط ~~علمه لأحد من الأنبياء غير نبينا (صلى الله عليه وسلم) انتهى المراد منه، ~~وراجعه. # وما ذكره السيد الجرجاني في «تعريفاته (1)» ونصه: # المستريح من العباد من أطلعه الله على سر القدر؛ لأنه يرى أن كل مقدور ~~يجب وقوعه في وقته المعلوم، وكل ما ليس بمقدور يمتنع وقوعه، فاستراح من ~~الطلب والانتظار لما لم يقع، انتهى منه بلفظه. # وما ذكره القاشاني في لطائفه في ترجمة سر القدر ونصه (2): # فسر القدر من أجل العلوم وما يفهمه الله إلا لمن اختصه بالمعرفة التامة، ~~فالعلم به PageV01P237 # يعطي الراحة الكلية للعالم به، ويعطي العذاب الأليم للعالم به أيضا إلا ~~لمن أشهده الله عينه الثابتة؛ لأنه من أكابر السعداء، فهذا الشخص يسميه ~~شيخنا صفاء خلاصة خاصة الخاصة، كما ذكر ذلك في الفصل الشيثي من كتاب «فصوص ~~الحكم» انتهى. # ثم وجدت الشيخ الأكبر في «فتوحاته» في الباب الثالث والسبعين في الكلام ~~على السؤال الثالث والثلاثين من أسئلة الحكيم الترمذي، وما سبب طي علم ~~القدر الذي طوي عن الرسل فمن دونهم ذكر أنه ليس ثم من يعلم علم القدر، وأن ~~من علم الله علم القدر، ومن ms151 جهل الله جهل القدر، والله سبحانه مجهول، ~~فالقدر مجهول. # قال: ولكن قد يعلم سره وتحكمه على هذا القيل المماثلة في الحقيقة والذات، ~~وذلك أن إحاطة علمه (عليه السلام) على تقدير القول بها عارضة وطارئة ~~مستفادة ومكتسبة منه تعالى فضلا منه عليه ومنا، فهي حادثة وهي من حيث ذاتها ~~ونفس حدوثها قابلة لطروء النسيان والعدم، ونحوهما من جميع التغيرات، وإحاطة ~~علمه تعالى متأصلة ذاتية، غير مكتسبة ولا مستفادة في شيء، فهي قديمة ولا ~~تقبل التغير بحال لقدمها والاختلاف بينهما بهذه الأوصاف يدل على الاختلاف ~~بينهما بالحقيقة والذات، كما هو الواقع؛ لأن الاختلاف في اللوازم يدل على ~~الاختلاف في الملزومات، وإن عجزنا نحن عن بيان وجه الاختلاف فيها لجهلنا ~~بالحقيقة، وعدم علمنا بها، ولا نقول أن الاختلاف بينهما إنما هو بالقدم ~~والحدوث خاصة حتى يقال إنهما خارجان عن حقيقة العلم والحقيقة لا تختلف ~~بالعوارض بل نقول بشيء آخر لا نعلمه نحن ولا نفهمه، ولا يدخل تحت عقولنا، ~~والقدم والحدوث وإن اختلافهما بذلك يدل على اختلافهما في الحقيقة لا أن ~~الاختلاف في الحقيقة وقع بهما كما فهم الملوي فافهم. # ومما يؤيد هذا ويرشحه ما في العهود المحمدية في عهد لا يدعي العلم إلا ~~لغرض شرعي أثناء كلام له ونصه: # ومعلوم الله هو العلم الذي يبثه في قلوب عباده، وهو غير علمه الأزلي ~~الخاص به؛ لأن علم الخلق وإن كان من جملة علم الله، ففيه رائحة الحدوث من ~~حيث إضافته إلى الخلق. # فافهم وإياك والغلط. انتهى منها بلفظها فتأمله. PageV01P238 # ويؤيده أيضا ما في الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ونصه: # إن علم الأنبياء والأولياء إنما هو بإعلام من الله لهم، وعلمنا بذلك إنما ~~هو بإعلامهم لنا، وهذا غير علم الله تعالى الذي تفرد به، وهو صفة من صفاته ~~القديمة الأزلية الدائمة الأبدية المنزهة عن التغير، وسمات الحدث والنقص ~~والمشاركة والانقسام، بل هو علم واحد علم به جميع المعلومات كلياتها ~~وجزئياتها، ما كان منها وما يكون أو يجوز أن يكون ليس بضروري ولا كسبي ولا ~~حادث ms152 بخلاف علم سائر الخلق. انتهى منها بلفظها أيضا. # وعليه فما ألزموه على القول بالإحاطة الحقيقية في علمه (صلى الله عليه ~~وسلم) من حدوث علمه تعالى وغير ذلك لا يلزم. # وقد نقل غير واحد عن الأستاذ الكبير، والعارف الشهير الغوث الرباني، ~~والهيكل الصمداني شيخ الإسلام على الإطلاق، وعلامة الزمان بالاتفاق شمس ~~الدين أبي المكارم أبيض الوجه، محمد بن الأستاذ الأعظم، المجتهد المطلق، ~~الولي المفسر، تاج العارفين، أبي الحسن محمد بن جلال الدين أبي البقاء محمد ~~بن عبد الرحمن البكري الصديقي الشافعي المصري قطب دائرة السادات البكريين، ~~وصاحب الصلوات النبوية التي منها صلاة الفاتح لما أغلق ذات الفضائل الجمة ~~والحاوية لاسم الله الأعظم المولد ليلة الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة ختام ~~سنة ثلاثين وتسعمائة أنه ذكر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يعلم جميع ~~علم الله تعالى. # قلت: والأستاذ المذكور كان نظير الشيخ عبد القادر الجيلاني في عصره من ~~حيث الناطقين في الخلائق، وقد أعلمنا به فعلمناه بحمد الله، انتهى المراد منه. # فتبين أن الذي لم يعلمه ولا يعلمه نبي مرسل ولا ملك ولا غيرهما هو القدر ~~لا سره، والفرق بينهما أن القدر صفة نفسية للذات بها يتخصص المعلوم بما ~~يكون عليه من الاستعدادات، فهو مما لا يمكن أن يعرف، ولا أن يطلع عليه أحد ~~بوجه قط؛ لأنه لو عرف لعرف كنه الذات، وذلك محال، وسره ما هو عليه المعلوم ~~في نفسه من الاستعدادات الثابتة في العلم، فهو مانع للقدر، وتحكمه هو حكمه ~~في الأشياء وعليها بها: أي بما أعطته المعلومات مما هي عليه في نفسها، فهو ~~مانع لعين الشيء الذي يحكم فيه، وعليه بما تقتضيه ذاته، وبذلك كانت لله ~~تعالى على خلقه الحجة البالغة؛ إذ ما أعطاهم إلا ما طلبوه منه PageV01P239 # بالسر استعداداتهم، فكان إيجاده للأشياء كلها، وإفاضته لصورها ولوازمها ~~بحسب القوابل والاستعدادات لا غير، فإن قلت: الأعيان الثابتة واستعداداتها ~~فائضة من الحق، فهو جعلها كذلك. # قلت: الأعيان نسب مجعولة مجعل الجاعل، وإنما هي صور علمية للأسماء ~~والصفات الإلهية، فهي ms153 بظاهرها وأسماؤه تعالى وصفاته، غير ذاته عند العلماء ~~بالله، وليست بشيء زائد على الذات، إلا بالاعتبار والتعقل والذات أزلية ~~أبدية، لا تتغير ولا تتبدل، وأحكامها قديمة لا تعلل، راجع «الفصوص» وشروحها ~~في فص الكلمة العزيزية. # والثانى: في قوله: إنه يلزم إذا قلنا: إن علمه (عليه السلام) مساو لعلم ~~الله أن يكون مماثلا له في الإحاطة والحقيقة، فإنه قد يقال: لا يلزم من ~~المساواة في الإحاطة والعموم الذي هو المدعى. # عن المرتبة، وهو الذي تكلم على نقطة البسملة في الجامع الأزهر في ألفي ~~مجلس، وفي ألف التي في افتتاح الاسم الجامع من آية الكرسي أكثر من ذلك، وله ~~مناقب مشهورة وكرامات عجيبة مأثورة. # وقد ذكروا عنه أنه بلغ درجة القطبانية العظمى وهو القائل: قدمي هذه على ~~رقبة كل ولي لله تعالى مشرقا كان أو مغربا، وهو لسان حال القطب الأعظم، ~~والقائل: # تألت مرآة العز أن لا يرى فيها %~% سوانا وجاءتنا عليها مواثق # وما فخرنا بأشياء بقين وإنما %~% بها وبهم دارت علينا المناطق # والقائل: # ولم يبق ما بين الأثير إلى الثرى %~% مقام ولم يزهو لنا فيه موكب # ولو رام قوم قربهم لإلههم %~% ولم يخدموا أعتابنا لم يقربوا # والقائل: # لئن كان فخر الأقدمين صحائفا %~% فإنا لآيات الكتاب فواتح PageV01P240 # ليعتز من يهوي هوانا فإننا %~% لنا العز ما غنت بأيك صوائح # عقم الزمان مقدما ومؤخرا %~% والقائل: عن أن تحيط بمثلي الآفاق # والقائل: # وقام يرفض ناسوت الوجود بنا %~% كشفا فنظهر واللاهوت يخفينا # والقائل: # فإن شئت أن تلقى المحبين كلهم %~% فحسبك من كل الورى أن ترانيا # والقائل: # وها أنت طفت شرق الوجود %~% فلا تلق لي مثلا ولا تلق لي شكلا # والقائل: # واجمع صحابي والمحبين كلهم %~% فلن يروا مثلي من الناس حاميا # فجاهي جاه لم يخطر بحضرة %~% وفي كل وقت يعظم الله جاهيا # والقائل: # فانهض إلى قبلة العرفان حافيا %~% ومرغ الخد في أعتابنا حينا # ونادنا للذي ترجوه ونزهنا من %~% ريب الزمان فلا رد لراجينا # انظر: «الكوكب الدري في مناقب الأستاذ محمد البكري» لأبي السرور البكري، ~~و«عمدة التحقيق في ms154 بشائر آل الصديق» للشيخ إبراهيم بن عامر بن علي العبيدي ~~المالكي، فأشكل عليه في هذه المقدمة جماعة من المنكرين عليه في عصره وبعده، ~~وقالوا: إنها تشمل بظاهرها جميع الواجبات والمستحيلات والجائزات، الموجودات ~~والمعدومات، الحاضرات والماضيات، والثابتات جملة وتفصيلا، كما في علمه ~~تعالى، فيلزم منه مساواة علم غيره تعالى لعلمه، وهو خلاف العقل والنقل، أما ~~العقل فلأنه لا يتصور شرعا اشتراك المخلوق مع الخالق في نعت من النعوت بحسب ~~الوصف الحقيقي أبدا؛ لما يلزم عليه من حدوث ذلك الوصف المستلزم لحدوث الذات ~~العلية، تعالى سبحانه عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P241 # وأما النقل فلقوله: @QUR@03 ليس كمثله شيء [الشورى: 11] يعني ذاتا ~~وصفاتا وأفعالا. # وقوله: @QUR@05 ولم يكن له كفوا [الإخلاص: 1] يعني مثلا: @QUR@01 أحد : ~~أي لا في ذات ولا في صفة ولا في فعل، بل ادعاء المساواة في العلم ونحوه عده ~~جماعة من المكفرات لمن اعتقده، بل ذكر علي القاري في «موضوعاته الكبرى» أنه ~~كفر إجماعا. # وفي بعض العبارات المنسوبة لبعض الأئمة المتأخرين قال: قد جاهر بالكفر ~~بعض من يدعي العلم في زماننا، وهو متشبع بما لم يعط، فزعم أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) كان يعلم الخمس وغيرها، وكل ما يعلمه الله تعالى ~~وهؤلاء الغلاة عندهم علم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منطبق على علم ~~الله تعالى سواء بسواء، فكل ما يعلمه الله تعالى يعلمه رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم)، ومن اعتقد تسوية علم الله تعالى وعلم رسوله (صلى الله عليه ~~وسلم) يكفر إجماعا كما لا يخفى انتهى. # وأجاب بعضهم عنه بأنه لا يدعي مشاركته (صلى الله عليه وسلم) لربه تعالى ~~في علمه الحقيقي الذاتي حاشا وكلا، ولا مساواة علمه لعلمه في الحقيقة ~~والذات، ولا يلزم من علمه جميع علمه على ما قاله الشيخ أو غيره، ذلك لأن ~~علمه تعالى واجب، وهو صفة من صفاته الأزلية الأبدية القائمة بذاته العلية، ~~المنزهة عن التغير والنقص والزيادة والمشاركة والانقسام والمحو والإثبات، ~~وغيرها من سمات الحدوث، ليس بضروري ولا كسبي ولا دفعي ولا تدريجي، ولا ms155 ~~مستمد من شيء، بل من ذاته العلية، بخلاف علمه (صلى الله عليه وسلم)، فإنه ~~جائز وليس بواجب، حادث لم يكن ثم كان، ويجوز عليه بالنظر لذاته طروء العدم ~~ونحوه، ويوصف بالضرورة وبالكسب وبكونه دفعيا أو تدريجيا، وهو مستمد من الله ~~تعالى لا من ذاته؛ لأنه بإعلامه تعالى واطلاعه، وقد قال: @QUR@010 فلا يظهر ~~على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول [الجن: 26- 27] وهذا رسول، بل أعظم ~~الرسل وأفضلهم، فلا بعد في أن يطلعه الله تعالى على جميع معلوماته، ولا ~~محذور في ذلك عقلا، فإن الاختلاف المذكور قاطع بأن الحقيقة غير الحقيقة، ~~وبأنه لا مشاركة بينهما في الذات أصلا، بل بأن بينهما غاية التباين. # وبنحو من هذا الجواب أجاب عن العارف المذكور الفقيه الكبير، مفتي حلب ~~المحدث الواعظ أبو حفص عمر بن عبد الوهاب بن إبراهيم الحلبي الشافعي ~~القاضي، المتوفى سنة أربع وعشرين وألف حين سئل، وهو في مجلس درسه عن مقالة ~~الأستاذ المذكور حسبما ذكره في «خلاصة الأثر» ونصها: PageV01P242 # ومن تعليقاته جوابه عن مقالة الأستاذ محمد البكري أن النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) كان يعلم جميع علم الله تعالى، وقد سئل عنها في مجلس درس فأجاب ~~بأن مقالة الشيخ هذه صحيحة، ولا إنكار عليه فيها؛ إذ يجوز أن الله تعالى ~~يفهمه علمه ويطلعه عليه، ولا يلزم من ذلك أن يدرك سيدنا محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) مقام الربوبية؛ إذ العلم المذكور ثابت لله تعالى، واصطفى بتعليم ~~الله تعالى إياه، وإلى مثل ذلك أشار البوصيري بقوله (1): # فإن من جودك الدنيا وضرتها %~% ومن علومك علم اللوح والقلم # وفي الحديث: «قال لي ربي ليلة الإسراء: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ ~~قلت: لا أدري فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها في ثديي، فعلمت علم الأولين ~~والآخرين، ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: في الوضوء على المكاره ~~... (2)» إلى آخر الحديث، انتهى منها بلفظها. # وفي شرح صلاة أبي الفتيان سيدي أحمد البدوي للعارف بالله تعالى سيدي عبد ~~الرحمن العيدروس لدى قوله فيها: وخزائن العلوم الاصطفائية ms156 بعد كلام له ما ~~نصه: لطيفة: # وقفت بعد كتابتي هذه التعليقة في كلام أبيض الوجه البكري تحت قوله (صلى ~~الله عليه وسلم)، فتجلى لي كل شيء وعرفته ما حاصله أنه يمكن أن يكون ذلك ~~التجلي ما هو الآن واقع بل وقع، ثم ألقى الله سبحانه عليه أستار العزة ~~الإلهية، وأذهب بقاء ذلك منتقشا بصورته في لوح القوة الذاكرة النبوية أمامه ~~لنواميس الربوبية، وإرجاعا إلى منازل العبودية، فيكون الكشف الأول لتكرمته ~~(صلى الله عليه وسلم)، والحجب بعد ذلك لما قررناه الآن، على أنما أشرنا ~~لعدم بقائه في الذاكرة فقط انتهى الغرض منه. # وقد ذاكرني بعض الأصحاب في أنه يلزم أن يساوي علمه (صلى الله عليه وسلم) ~~علم الله تعالى إذا قلنا: # إنه يعلم كل شيء. فأجبته بأنه لا يلزم شيء من ذلك؛ لأن ذلك لله تعالى ~~بالأصالة، وله (صلى الله عليه وسلم) بالتبعية، وكذا من علم شيئا وأحاط به، ~~فإنه بإعلام الله تعالى وتحويطه، فأعجبه هذا الجواب انتهى منه بلفظه. PageV01P243 # وفي كلام جامع ديوان الشيخ العالم العارف المحقق شرف الدين أبي حفص عمر ~~بن علي السعدي المعروف بابن الفارض المصري نقلا عن الشيخ الإمام برهان ~~الدين إبراهيم ابن عمرو الجعبري، وهو من تلامذة ابن الفارض المذكور، وكان ~~معه بمصر وقت احتضاره وانتقاله إلى الله تعالى قال: كنت سألت جماعة من ~~الأولياء عن مسألة فلم يجبني أحد منهم عنها، فسألته- يعني ابن الفارض- فقلت ~~له: يا سيدي هل أحاط أحد بالله علما؟ قال: فنظر إلى نظر تعظيم لي وقال: نعم ~~إذا حيطهم يحيطون يا إبراهيم وأنت منهم، انتهى. # وظاهر هذا حصول العلم بذاته تعالى بوصف من أوصافه على وجه الإحاطة حتى ~~لغيره (صلى الله عليه وسلم) من أعاظم الأولياء والصديقين، وهو مشكل مع قوله ~~سبحانه: @QUR@05 ولا يحيطون به علما [طه: 110]، وقد اختلفوا في فهمه، فمنهم ~~من قال: إنه محمول على الإحاطة الفرضية التقديرية على ما يأتي نقله عن ~~العارف بالله سيدي عبد الوهاب الشعراني، بناء على أن وقوع هذا ممكن لا ~~الوقوعية؛ لأنه لم ms157 يسمع وقوع ذلك لأحد بوجه من الوجوه، ولا في حال من ~~الأحوال. # ولكن النصوص الشرعية قاضية بالمنع من وقوع هذا وإمكانه مع ما يأتي عن ~~الشيخ الأكبر في «فتوحاته» أنه لم يكن في الإمكان أن يخلق الله تعالى فيما ~~خلق قوة في موجود يحيط ذلك الموجود بالله علما من حيث قيامها به. # وعليه فالأحسن حمله على الإحاطة النسبية المجازية، وهي المعرفة الكاملة ~~كمالا يليق بحال المخلوق لا الحقيقية، تعالى الله عنها علوا كبيرا، فإن ~~الإجماع ممن يعتد به من المتكلمين والفقهاء، ومعهم جميع العارفين ~~والأولياء، على أنها لم تقع ولا تقع لأحد مطلقا، ولو لأشرف الخلق (صلى الله ~~عليه وسلم)، لا في الدنيا ولا في الآخرة، كما يأتي بسطه إن شاء الله تعالى. # وقال بعض الإخوان في مذاكرة وقعت له معنا في هذا: إنه يمكن حمل الإحاطة ~~في كلامه هذا على حصول الشبيه؛ إذ هي التي يقصدها الصوفية كثيرا في كلامهم ~~دون حضرة التنزيه؛ لأنه لا علم لأحد بها فضلا عن الإحاطة، وهو كلام حسن. # وقال النابلسي في شرح هذا الديوان المسمى ب «كشف السر الغامض في شرح ديوان PageV01P244 # ابن الفارض» جواب آخر نصه: نعم إذا حيطهم بالتشديد جعلهم محيطين به علما ~~سبحانه وتعالى بأن أبهاهم في ظهور وجوده الحق بحيث لا يبقي منهم عندهم ~~بقية، وتضمحل رسومهم في حقيقته النورية بالكلية، فعند ذلك يحيطون به علما، ~~وإنما المحيط به مولاهم، وأما أنهم يبقون موجودين، فالوهم عند نفوسهم، ومع ~~ذلك يحيطون به علما، فذلك من أعظم المحال، وليس لأحد أصلا في ذلك مجال، ولا ~~يتصور عنه جواب ولا سؤال؛ لأن الموجود عند نفسه قائم بالوهم المجرد، فلا ~~يعرف نفسه، وإذا لم يعرف نفسه فلا يعرف ربه، وإذا لم يعرف ربه فليس بولي ~~لله، وهذا السؤال سؤال الأولياء لبعضهم بعض، لا سؤال الغافلين للغافلين. ~~انتهى المراد منه بلفظه. # قلت: في شرحه اللامية نقل كلام ابن الفارض هذا ثم قال: ولا يمنع من ~~قولهم: إذا حيطهم يحيطون قوله تعالى: @QUR@05 ولا يحيطون به ms158 علما [طه: ~~110]، وقوله سبحانه: @QUR@09 ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ~~[البقرة: 255]، يعني ما لم يحيطهم فيحيطون، كما قال تعالى: @QUR@07 من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه . # وأيضا فإن المفهوم من قوله: إذا حيطهم بتشديد التحتية أنه إذا خلق لهم ~~الإحاطة اللائقة بهم المخلوقة له اتصفوا بها فأحاطوا به، لا كإحاطته تعالى ~~بنفسه؛ لأن إحاطته بنفسه قديمة، وإحاطتهم حادثة، والقديم منزه عن مشابهة ~~الحوادث. # وإذا علم هذا كله فالأظهر هو تأويل كلام الأستاذ البكري أيضا إما بمثل ما ~~ذكره مولانا عبد الغني في جوابه أو لا عن التحييط بأن يقال: إن الحق تعالى ~~تجلى عليه بذاته وأفناه عنه وعن فنائه وجميع صفاته، حتى اضمحلت رسومه، ~~وذهبت آثاره وعلومه، وغرق في أنوار ذات الحق، فصار عند ذلك مظهرا له تعالى، ~~عالما بمعلوماته، وإنما العالم بذلك هو سبحانه لا غيره، وهذا التجلي كما ~~سبق في كلام الأستاذ أبيض الوجه يمكن أن يكون ما هو واقع الآن، بل وقع ~~تكرمة له (صلى الله عليه وسلم)، ثم ألقيت عليه أستار العزة الإلهية إقامة ~~لنواميس الربوبية، وإرجاعا إلى منازل العبودية، وإما بأن يقال: إنه أراد به ~~أنه (عليه السلام) كان يعلم جميع علم الله تعالى في خلقه، أو نقول في ~~مكوناته، لا أنه أراد جميع علمه مطلقا حتى يشمل علوم الذات العلية بأسرها؛ ~~ليكون كلامه هذا موافقا لكلام غيره من الأولياء. PageV01P245 # إن الله تعالى أطلعه على جميع علمه في مكوناته لا مطلقا كما يأتي عنهم، ~~وليسلم من الاعتراض السابق عليه بلزوم التساوي بينه وبين علم الله تعالى، ~~وإن أجيب عنه كما مر، فإن الحق الذي عليه المعول أنه لا مساواة في شيء ~~وبين الحادث وبين القديم الأول. # وأما قوله في الحديث: فتجلى لي كل شيء وعرفته. فيمكن تخصيصه أيضا ~~بالمكونات، وإذا عمم فيه فيحتمل في الذات العلية وأوصافها على ما مر، أو ~~على ما يليق أن يعلمه أفضل مخلوق، وأكمله من الخالق، والله أعلم. # وأما التكفير في هذه المسألة- أعني مسألة ادعاء الإحاطة في علمه ms159 (صلى ~~الله عليه وسلم)- فيبعد، ولا سيما في حق من أجمل في الكلام ولم يصرح بما ~~يفيد العموم الحقيقي والمساواة؛ لعلم الله تعالى وعلى فرض التصريح، فإنما ~~يظهر لو ادعى أن ذلك حاصل له (صلى الله عليه وسلم) من ذاته وبطريق ~~الاستقلال، أو ادعى قدم علمه (صلى الله عليه وسلم)، أو حدوث علم الله ~~تعالى، أو تماثلهما في الحقيقة والذات، وهذا لا يدعيه أحد ممن ذكر، ولا ~~يتفوه به، بل ينكره أشد الإنكار، ويكفر القائل به إذا عرض عليه، فإن قيل: ~~بعض هذا لازم من قولهم. # قلنا: لا نسلم اللزوم كما سبق بيانه، وعلى تسليمه فهو بعيد لمن قال ولازم ~~القول لا يعد قولا إلا إذا كان اللزوم بينا، وهو هنا غير بين، وحينئذ فلا ~~يكفر في هذه المسألة بالنسبة لما ذكر أصلا، فاعرف ذلك وتبينه، وأعرض عما ~~سواه، وربنا سبحانه وتعالى يمن علينا وعليك برضاه، آمين. # وأفتى بالثالث- وهو أن علمه (صلى الله عليه وسلم) محيط بالأشياء ولكن لا ~~كإحاطة علم الله تعالى- جماعة ممن نحا نحو التوسط والجمع بين النصوص ~~والأدلة، وقالوا: إن هذا هو التحقيق وما سواه خلافه. # ومما يدل له ما ذكره الشيخ الأكبر في فتوحاته في الباب الخامس والستين ~~وثلاثمائة ونصه: # وما ذكر عن أحد من نبي ولا حكيم أنه أحاط علما بما يحوي عليه حاله في كل ~~نفس إلى حين موته، بل يعلم بعضا ولا يعلم بعضا إلى أن قال: فلا يعلم الأمور ~~على التفصيل PageV01P246 # إلا الله وحده: @QUR@09 ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء [البقرة: ~~255] انتهى منه بلفظه. # وما ذكره في الباب التاسع والستين وثلاثمائة ونصه: # لا يعلم الشيء من جميع وجوهه إلا الله، المحيط علمه بكل شيء سواء كان ~~الشيء فانيا أو موجودا، متناهيا أو غير متناه انتهى. # وما ذكره في الباب الرابع والتسعين وثلاثمائة ونصه: # ثم إنك إذا أخذت تفصل بالحدود أعيان الموجودات وجدتها بالتفصيل نسبيا، ~~وبالمجموع أمرا وجوديا لا يمكن لمخلوق أن يعلم صورة الأمر فيهما، فلا علم ~~لمخلوق مما سوى الله، ms160 ولا للعقل الأول أن يعقل كيفية اجتماع نسب يكون عن ~~اجتماعها عين وجودية مستقلة في الظهور، غير مستقلة في الغني، مفتقرة ~~بالإمكان المحكوم عليها به، وهذا علم لا يعلمه إلا الله تعالى، وليس في ~~الإمكان أن يعلمه غير الله تعالى، ولا يقبل التعليم- أعني أن يعلمه الله ~~مرسلا من عباده- فأشبه العلم به العلم بذات الحق، والعلم بذات الحق محال ~~حصوله لغير الله تعالى، فمن المحال حصول العلم بالعالم أو بالإنسان نفسه، ~~أو بنفس كل شيء لنفسه بغير الله تعالى فتفهم هذه المسألة، فإني ما سمعت ~~ولا علمت أن أحدا نبه عليها، وإن كان فهمها مما يستصعبه التصور، مع أن فحول ~~العلماء يقولون بها ولا يعلمون له سر كبلقيس تقول: @QUR@02 كأنه هو [النمل: ~~42] وهو هو. انتهى منه بلفظه. # وما ذكره في الباب الثامن والسبعين ومائة في الفصل الحادي عشر في الاسم ~~الإلهي عند تعرضه لآية: @QUR@04 وشاورهم في الأمر [آل عمران: 159] ونصه: # والسبب الموجب للمشورة كون الحق له وجه خاص في كل موجود لا يكون لغير ذلك ~~الموجود، فقد يلقي إليه الحق سبحانه في أمرها ما لا يلقيه لمن هو أعلى منه ~~طبقة، كعلم الأسماء لآدم مع كون الملأ الأعلى عند الله أشرف منه، ومع هذا ~~فكان عند آدم ما لم يكن عندهم. PageV01P247 # إلى أن قال: وسبب ذلك قومية الألوهية ما تستحقه لما علم أن لله تعالى في ~~كل موجود وجها خاصا، يلقي إليه منه ما يشاء مما لا يكون لغيره من الوجود، ~~ومن ذلك الوجه يفتقر كل موجود إليه وإن كان عن سبب انتهى. # وما ذكره العارف بالله سيدي عبد الوهاب الشعراني في «المنن الكبرى» آخر ~~الجزء الأول في منة كثرة تصديقه للأولياء فيما يدعونه من الاطلاع على ~~المغيبات في آخرها ونصه: # وبالجملة فلله تعالى في كل علم وعمل وغيرهما من سائر المخلوقات علم خاص ~~لا سبيل لأحد من المخلوقين إلى الوصول إليه؛ لأنه من صفات الألوهية انتهى. # وما ذكره أيضا في «العهود المحمدية» في عهد أن نميط الأذى عن طريق ~~المسلمين ms161 بعد ما ذكر أنه لا بد من السلوك على يد شيخ عارف بالله إلى أعلى ~~معرفة منه؛ لإزالة الشبهة العارضة لسالك طريق الآخرة في عقائده ونصه: # وقد وضعت في ذلك ميزانا نحو كراسة أزلت به غالب الإشكالات التي في مذاهب ~~الفرق الإسلامية كالجبرية والمعتزلة، ووضعت ميزانا أخرى تزيل الشبه التي ~~تعرض للعبد في طريق المعرفة بالله تعالى، حاصلها أن الله تعالى لم يكلف ~~عبدا بأن يعرف الله تعالى كما يعرف الله نفسه أبدا، وإن لله تعالى بنفسه ~~علما اختص به لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ لأنهم لو علموه لساووه في ~~العلم، ولا قائل بذلك من جميع الملل فضلا عن دين الإسلام، وذلك أن الله ~~تعالى لا يتحد مع عبده في حد ولا حقيقة ولا فصل ولا جنس. # فرد يا أخي جميع ما ورد في الآيات والأخبار من التنزيه إلى مرتبة علمه ~~تعالى بنفسه، ورد جميع ما ورد في الآيات والأخبار من الصفات التي ظاهرها ~~التشبيه إلى مرتبة علم خلقه تعالى به، فما أحوج الناس إلى التأويل إلا ظنهم ~~بأن الله تعالى كلفهم بتعقل مرتبة التنزيه التي لا يتعقلونها، وإلا فلو ~~علموا أنها خاصة به تعالى ما أولو شيئا، وكان يكفيهم الإيمان بأنه ليس ~~كمثله شيء انتهى منه بلفظه. # وأفتى بالرابع- وهو التوقف- جماعة من المتورعين ممن تعارضت عندهم الأدلة في PageV01P248 # هذه المسألة، ولم يقفوا فيها على نص غير محتمل يقطع النزاع ويرفع الخلاف. # وقالوا: إن القطع فيها بأمر يخاف أن يوقع في أحد شيئين: إما في استنزال ~~سيد الكائنات (صلى الله عليه وسلم) عن قدره الرفيع، وجنابه العلي المنيع، ~~وإما في سوء الأدب مع الله تعالى بتسوية بعض مخلوقاته به، وذلك أيضا يسوء ~~المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ويؤذيه، ولذا حذر من مثله في قوله: «لا ~~تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ~~ورسوله» (1). # وحينئذ فالتوقف وتفويض الأمر إلى الله تعالى فيها أولى وأسلم في عاقبة ~~المرء، ورد الأمر إلى الله تعالى في مواطن ms162 الاشتباه من العلم، ومن الرأي ~~السديد في الدين. # هذا مع اعتقاد أنه (عليه السلام) نال من ربه المكانة التي لا مكانة ~~فوقها، والرتبة التي لا يمكن أن ينالها بشر ومخلوق سواه، وأنه سيد ~~الكائنات، ومفخر أهل الأرض والسموات، ونقطة الكون، وعروس المملكة، وأصل ~~الوجود، ومادة كل موجود (صلى الله عليه وسلم)، وممن نحا إلى هذا صاحب «نشر ~~المثاني في أهل القرن الحادي والثاني»، وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن ~~الطيب القادري الحسيني الفاسي، وذلك في ترجمة التاجموعتي بعد ما ذكر كلاما ~~له في هذه المسألة يصحح فيه رأيه فيها ويرد القول بخلافه ونصه: # ولا خلاف بينه وبين من حاجه من أهل فاس في أنه (صلى الله عليه وسلم) يعلم ~~كثيرا من الغيب مما يتعلق بالدنيا والآخرة، ويعلم جميع ما دلت على علمه هذه ~~الأحاديث-: أي المذكورة في كلامه- وأكثر من ذلك؛ لأنها لا تدل على الإحاطة ~~بالمعلومات، ثم قال: وإنما نزاع من نازع في القدر الزائد على ذلك، والله أعلم. # ثم الإمساك عن الخوض في هذا الزائد أحسن؛ لأنه لم ينقل لنا كلام عن ~~أسلافنا فيه، والله أعلم، مع اعتقاد أنه (صلى الله عليه وسلم) بأعلى درجات ~~الكمال في الدرجة التي لا درجة فوقها، وأنه (صلى الله عليه وسلم) سيد ~~الأولين والآخرين، ولا يعلم قدره إلا خالقه رب العالمين، قال في «محصل ~~المقاصد»: PageV01P249 # نبينا أفضل بالإطباق %~% من كل مخلوق على الإطلاق # فهذه أقوال أربعة، وهي وقفنا عليها لساداتنا العلماء (رضوان الله عليهم) ~~في هذه المسألة، والأخير منها وهو الوقف أحوط وأورع وأسلم، والثالث بالتوسط ~~أحسن وأبين وأقوم، والثاني بعدم الإحاطة لأحد إلا لله تعالى أجرى على ظواهر ~~أكثر النصوص الشرعية وأوفق، بقاعدة سد الذرائع المرعية، والرابع بالإحاطة ~~محتمل لوجوه: # أحدها: أن يريد قائله الإحاطة الحقيقية الكلية في كل شيء حتى في الذات ~~العلية، وهذا هو محط التهويل والإنكار، ومحل اختلاف الأذهان والأفكار. # الثانى: أن يريد به الإحاطة المجازية الإجمالية دون الحقيقة التفصيلية، ~~وهذا يرجع للقول الثالث. # الثالث: أن يريد به ms163 الإحاطة الإضافية باعتبار نوع أو جنس من الأجناس ~~الكونية، إلا أنه لم يقع منه له بيان اتكالا على الأذهان، ولا بد حينئذ من ~~معرفته؛ ليقع الحكم بحسبه على كليته، وإلا فهو كلام مجهول، لا يرجع منه إلى ~~شيء محصول، ولكل أناس مشربهم، وكل وما اختار بحسب ما أودعه الله في قلبه ~~من الأنوار. # قال تعالى: @QUR@014 كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك ~~محظورا [الإسراء: 20]. # وقد بقي في المسألة قول آخر خامس لم يذكره أهل الظاهر، وذكره جماعة من ~~الأفراد الأكابر، وهو أن علمه (صلى الله عليه وسلم) يحيط بجميع المكنونات، ~~وسائر ما أوجده الله من الذوات، فالذوات من الأزل إلى الأبد عرشا وفرشا وما ~~فوقهما وما تحتهما وما بينهما لا يشذ عن علمه شيء من ذلك، ولا ما يعرض له ~~من ابتدائه إلى انتهائه، وأما الذات العلية وأوصافها وأسماؤها فما حصل له ~~(صلى الله عليه وسلم) من العلم بها لم يحصل لبشر ولا مخلوق سواه، ولم يشم ~~أكابر الأنبياء والرسل والمقربون من الملائكة رائحته، فضلا عمن دونهم. # وأما معرفة كنهها أو الإحاطة بها أو بشيء مما لها فليست لأحد أصلا، ولا ~~مطمع لمخلوق فيها بوجه من الوجوه، ولا باعتبار من الاعتبارات، لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة، PageV01P250 # ومستندهم في هذا الكشف والبصيرة، وما أمدهم الله به من الفراسة وصدق ~~السريرة، مع ما يؤيد ذلك من الأحاديث والأخبار، ويؤكده من الإشارات الجليلة ~~المقدار. # وقد خرج أنها أقاويل خمسة، وأن الثلاثة المتوسطة منها مقبولة عند ~~العلماء، والأول مردود عند أكثر العارفين والفقهاء، والأخير هو المعول عليه ~~عند كثير من أهل الله، كما يأتي بسطه بحول الله. # وإذا تقرر هذا وعلم، وتأمل وفهم، فلنشر بعده لما عثرنا عليه في المسألة ~~من الآيات والأخبار والآثار، وما يتعلق بها من كلام الأئمة النظار، حتى ~~تتبين أدلتها وتتضح لكل ذي بصر محجتها، وتزداد الأقاويل بها بيانا والقوة ~~فيها قوة وبرهانا، ونختم بكلام أهل البصائر من الأولياء والصلحاء الأكابر؛ ~~لأن كلامهم في هذا ms164 الباب هو الذي عليه المدار، وهو أولى بالاعتماد عليه ~~والتعويل والاعتبار؛ لصدق فراستهم ونورانية بصيرتهم. ### ||| النور الخامس والعشرون وهو نور الحصر: # فهو النور الذي يكشف له عن الخواص عن المراتب وعن المنامات حتى عن أقصر ~~ما يمكن، فإذا قدرنا أنه نالها لا يجد أحد بعده ما يطلب، مثل ما تقول يتيمة ~~الدهر عند الملك لا يملكها أحد معه- كذلك القول فيه، فله الوسيلة والدرجة ~~الرفيعة، فهذا هو الحصر، فإنه الذي ملك الأوفى من الكل. # * قلت: فهو الإنسان الكامل، وليس لأكمليته نظير (صلى الله عليه وسلم). ~~وفيما تقدم ما يشير إلى توضيح ذلك. PageV01P251 ### ||| النور السادس والعشرون وهو نور العلامة والدلالة: # فهو الذي كشف له (صلى الله عليه وسلم) صورة منتظرة ومعتبرة، فإن الكتب ~~نطقت به، وكذلك الصنائع العلمية كلها حتى الكهانة. # ومن علاماته أيضا (صلى الله عليه وسلم) ما ظهر عليه (صلى الله عليه وسلم) ~~حتى خاتم النبوة الذي بين كتفيه (صلى الله عليه وسلم)، وما كان قط لأحد؛ ثم ~~علامات صدقه المتأخرة. # وهذا يكشف له أنه كذلك وحده. # ومما ينبغي أن يقال لأهل الكتاب: هذا نبينا (صلى الله عليه وسلم) قد ~~أخبرنا عن أمور قد ظهرت بعده، حتى إن من بعض أتباعه لو تحدى بها لم يعلم ~~حدود رسوله وجد الصواب في قطع الخصم، وأنتم ما الذي أخبركم به، هذه أنواره. # * قلت: قال ابن طولون: خص (صلى الله عليه وسلم) بأنه أول النبيين في ~~الخلق وتقدم نبوته، فكان نبيا وآدم منجدل في طينته، وبتقدم أخذ الميثاق ~~عليه، وأنه أول من قال: (بلى) يوم: @QUR@03 ألست بربكم [الأعراف: 172]، ~~وخلق آدم وجميع المخلوقات لأجله، وكتابة اسمه الشريف على العرش وكل سماء ~~والجنان وما فيها وسائر ما في الملكوت، وذكر الملائكة له في كل ساعة، وذكر ~~اسمه في الأذان في عهد آدم وفي الملكوت الأعلى، وأخذ الميثاق على النبيين ~~آدم فمن بعده أن يؤمنوا به وينصروه، والتبشير به في الكتب السابقة، ونعته ~~فيها، ونعت أصحابه وخلفائه وأمته، وحجب إبليس عن السموات لمولده، وشق صدره ~~في ms165 أحد القولين وهو الأصح، وجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل ~~الشيطان، وسائر الأنبياء كان الخاتم في يمينهم، وبأن له ألف اسم، وباشتقاق ~~اسمه من اسم الله، وبأنه سمي من أسماء الله بنحو سبعين اسما، وبأنه سمي ~~بأحمد، ولم يسم به أحد قبله، وقد عدت هذه من الخصائص في حديث مسلم، وبإظلال ~~الملائكة له في سفره، وبأنه أرجح الناس عقلا، وبأنه أوتي كل الحسن ولم يؤت ~~يوسف إلا شطره، وبغطه ثلاثا عند ابتداء الوحي، وبرؤية جبريل في صورته التي ~~خلق عليها، عد هذه البيهقي. PageV01P252 # وبانقطاع الكهانة بمبعثه، وحراسة السماء من استراق السمع والرمي بالشهب، ~~عد هذه ابن سبع، وبإحياء أبويه حتى آمنا به، وبوعده بالعصمة من الناس ~~وبالإسراء، وما تضمنه من اختراق السموات السبع، والعلو إلى قاب قوسين، ~~ووطئه مكانا ما وطئه نبي مرسل ولا ملك مقرب، وإحياء الأنبياء له وصلاته ~~إماما بهم وبالملائكة، واطلاعه على الجنة والنار، عد هذه البيهقي، ورؤيته ~~من آيات ربه الكبرى، وحفظه حتى ما زاغ البصر وما طغى، ورؤيته للباري تعالى ~~مرتين، وبركوب البراق في أحد القولين، وقتال الملائكة معه وسيرهم معه حيث ~~سار ويمشون خلف ظهره، وبإتيانه الكتاب وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، وبأن ~~كتابه معجز ومحفوظ من التبديل والتحريف على ممر الدهور، ومشتمل على ما ~~اشتملت عليه جميع الكتب وزيادة، وجامع لكل شيء، ومستغن عن غيره، وميسر ~~للحفظ، ونزل منجما، وعلى سبعة أحرف، ومن سبع أبواب، وبكل لغة، عد هذه ابن ~~النقيب. # وقال صحاب التحرير: فضل القرآن على سائر الكتب المنزلة بثلاثين خصلة لم ~~تكن في غيره. # وقال الحليمي في المنهاج: ومن عظم قدر القرآن أن الله خصه بأنه دعوة ~~وحجة، ولم يكن مثل هذا لنبي قط، إنما كان يكون لكل واحد منهم دعوة ثم يكون ~~له حجة غيرها، وقد جمعها الله لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في القرآن فهو ~~دعوة بمعانيه، حجة بألفاظه، وكفى الدعوة شرفا ألا تنفصل الدعوة عنها انتهى. # وأعطي من كنز العرش، ولم يعط منه أحد، وخص ms166 بالبسملة والفاتحة وآية الكرسي ~~وخواتيم سورة البقرة والسبع الطول والمفصل، وبأن معجزته مستمرة إلى يوم ~~القيامة وهي القرآن، ومعجزات الأنبياء انقرضت لوقتها، وبأنه أكثر الأنبياء ~~معجزات، فقد قيل بأنها تبلغ ألفا، وقيل ثلاثة آلاف، سوى القرآن؛ فإن فيه ~~ستين ألف معجزة، قال الحليمي: # وفيها مع كثرتها معنى آخر هو: أنه ليس في شيء من معجزات غيره ما ينحو ~~اختراع الأجسام، وإنما ذلك في معجزات نبينا (صلى الله عليه وسلم) خاصة، ~~وبأنه جمع له كل ما أوتيه الأنبياء من PageV01P253 # معجزات وفضائل، ولم يجمع ذلك لغيره، بل اختص كل بنوع، وأوتي انشقاق القمر ~~(1) وتسليم الحجر (2) وحنين الجذع (3) ونبع الماء من بين أصابعه (4)، ولم ~~يثبت لواحد من الأنبياء مثل ذلك، ذكره ابن عبد السلام. # وقال بعضهم: خص تعالى بعضا بالمعجزات في الأفعال كموسى، وبعضا بالصفات ~~كعيسى، ونبينا بالمجموع ليميزه، وبأنه آخرهم بعثا فلا نبي بعده، وشرعه مؤبد ~~إلى يوم القيامة لا ينسخ، وناسخ لجميع الشرائع قبله، ولو أدركه الأنبياء ~~لوجب عليهم اتباعه، وفي كتابه وشرعه الناسخ والمنسوخ، وبعموم الدعوة للناس ~~كافة، وأنه أكثر الأنبياء تابعا (5). # وقال الحرالي: فهو خاتم ما مضى، وخاتم ما هو كائن، وخاتم ما يكون أمدا ~~وأبدا، وكما هو خاتم الله في ذاته وخاتم كل رتبة كذلك ما اشتمل عليه إحاطة ~~ذاته خاتم ذلك المعنى،؛ فقلبه خاتم القلوب، ونفسه خاتم الأنفس، وجسمه ~~الطاهر خاتم الأبدان، ولذلك بدأ ظهور الختم بين كتفيه إشعارا بما أودعه ~~الله في كلية إحاطة أمره في حكمته وعلمه وكتابه ومعرفته ومناجاته ورؤيته ~~وشهوده ووجوده إلى سره الذي لا يقال، فهو وما نسب إليه ورجع إليه بوجه ما ~~خاتم، حتى أن ذلك شائع في الآية، ومراكبه حتى فرسه المختص به هو خاتم موجود ~~صنف الخيل، وكذلك بغلته وسيفه وقوسه وقضيبه وهراوته وكل شيء من أدواته، ~~ولذلك كان (صلى الله عليه وسلم) لا يستعمل شيئا إلا سماه، فأظهر بذلك سموه ~~على ما سواه، يسمي كل شيء حتى قدحه وفراشه ولحاف منامه إظهارا لسموه على ~~ما سواه من جنسه، ms167 فكل ما له ومنه خاتم لما دونه بجميع غيبه وشهادته، وهو ذو ~~بداية كونه. PageV01P254 # وقد قال (صلى الله عليه وسلم): «أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم المساجد ~~(1)»، فكذلك يجري هذا المعنى في كل ما هو له وأضيف إليه، كما أن أمته خاتم ~~الأمم، وله الختم نبوة في بداية يومه، وهداية في خاتمه يومه، كما قال علي ~~(عليه السلام) لما أنبأ بانتقال النور في الظهور الذي كان يظهر في وجوه ~~آباء النبي (صلى الله عليه وسلم) من لدن آدم إليه: «إنه لما توفي النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) انتقل ظهور النور إلى آله وذريته، فقال: ثم انتقل ~~النور إلى غرائزنا ولمع مع أئمتنا، فنحن أنوار السماء، وأنوار الأرض، فبنا ~~النجاة، وفينا مكنون العلم، وبمهدينا تنقطع الحجج (2)»، خاتم الأئمة ومنقذ ~~الأمة، فهو (صلى الله عليه وسلم) وما له وما منه كل خاتم لما هو أصله وما ~~يرجع إليه مما سواه، وبما أن الخاتم زينة وحلية فهو (صلى الله عليه وسلم) ~~زينة الكون وحليته، الذي به علن أمر الله، وأضاء نور الله، وأنقذ الله به ~~خواتم أمره وبداياته، فلذلك ما جعل الله له لإنقاذ أوامره خاتمه الذي اتخذه ~~فكان يلبسه في يده اليمنى تارة وفى يده اليسرى تارة؛ إشعارا باستواء أمره ~~ميمنة وميسرة، كما أن كلتا يدي ربه يمين مباركة، فلذلك كلتا يديه (صلى الله ~~عليه وسلم) يمين مباركة، وكان ذلك أيضا باد في آله. # قال علي رضي الله عنه في أمر الوضوء: «لا نبالي بدأنا بأيماننا أو ~~بأيسارنا إذا أسبغنا الوضوء (3)»، وذلك بما أن الخاتم مظهر استواء طرفي ~~حلقته بما كمل من صورته باتصال غيبه من طرفيه سواء شهادته، ولما لآله من ~~تحققهم بختمه أمر عليا (عليه السلام) أن ينقش على فص خاتمه: «نحن بالله ~~وله (4)»؛ أداء للمعنى الختمي، ودخولا للاسم المحمدي في مسمى هذا الإضمار ~~الجامع كلمة (نحن)؛ ليكون اسمه الخاتم منقوشا على خواتم آله إضمارا كما هو ~~منقوش على خاتمه هو إظهارا، أو لما كان هو (صلى الله عليه وسلم) الخاتم ms168 ~~وصورته صورة هجاء محمد كما قال (صلى الله عليه وسلم): «إن الله خلق آدم على ~~صورة هجاء اسمي (محمد)، فالرأس والوجه بمنزلة الميم، واليدان إذا مددتهما ~~بمنزلة الحاء، والبطن بمنزلة الميم، والرجلان بمنزلة الدال، PageV01P255 # فهو محمد ولا فخر (1)»، كذلك نقش (صلى الله عليه وسلم) على خاتمه صورته ~~أمرا فكان عليه: (محمد رسول الله)، وبما أن الخاتم حافظ لما هو عليه لم ~~يظهر الاختلاف في أمر الخلافة حتى سقط خاتمه (صلى الله عليه وسلم) من يد ~~عثمان رضي الله عنه في بئر أريس (2)، ولذلك ذكره (صلى الله عليه وسلم) ~~حفيظة، ووجود آليته حفيظة كما قال تعالى: @QUR@08 وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم [الأنفال: 33]. # كذلك ذكره (صلى الله عليه وسلم) أمان من كل مخافة كما قال (صلى الله عليه ~~وسلم): «أنا الذي من أجلي نجى الله نوحا ومن معه لما كتب حول السفينة: (لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله)، فنطقت السفينة فقالت: # ألا وكل من دخل في فهو في ضمان الله حتى يخرج، ولا فخر (3)»، كل ذلك ~~لهيبة ظهور خاتم الملك على ما ظهر عليه بما هو خالص له لا لسواه، ومسلم ممن ~~سواه له، مسلم ذاته لمن هو له كما قيل له: @QUR@07 فقل أسلمت وجهي لله ومن ~~اتبعن [آل عمران: 20]. # فهو من الله بمنزلة الخاتم الذي لا حراك له ولا سكون إلا بيد من الخاتم ~~له، فلذلك انتهى إسلامه إلى أولية الإسلام حتى لقنه الله أن يقول: @QUR@022 ~~قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت ~~وأنا أول المسلمين [الأنعام: # 162، 163]، ولذلك ما ظهر منه فهو منسوب إلى الله دونه، كما قيل له: ~~@QUR@04 ولكن الله رمى [الأنفال: 17]. # وقال تعالى: @QUR@06 من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء: 80]. # وقال تعالى: @QUR@09 ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم [آل ~~عمران: 101] فأجرى تعالى عليه اسمه العظيم في غير موضع من كتابه، وذلك بما ~~هو خاتم، والخاتم متصل الأول بالآخر فيما هو كذلك كان وجوده له بما هو ~~وجوده لربه ms169 في: «كان الله ولا شيء PageV01P256 # معه (1)»، وصحبة ذلك في كل رتبة، فكان خاتما لكل رتبة فأعلن منها بأنه ~~خاتم النبيين، وألاح إفهامها كمال الختم، فهو الخاتم الذي ليس وراء ختمه خاتم. # انتهى والله أعلم. ### ||| النور السابع والعشرون وهو نور الخصوصية: # فهو الذي يكشف له أنه لا مقام أمامه، ولأمر ما بعده، والسعادة الإلهية، ~~فإنه نال ما منعه الغير في السعادة. # قلت: فهو (صلى الله عليه وسلم) السعيد لما ورد: «أنا سبيل الله، الداعي ~~إليه، من صلى علي نجا وفاز، السعيد في الدنيا والآخرة، فلا سعيد مثله (2)». # وقيل: السعيد المفرد بالسعادة السابقة، وقيل: السعيد لتوليه أسباب ~~السعادة. ### ||| النور الثامن والعشرون وهو نور الخير المحض: # فهو الذي يكشف له عن كمال ما ظهر منه وما بطن له، فإنه في نومه معصوم ~~الخيال، وفي ذلك العلوم، وفي قيامه ويقظته لا ينطق عن الهوى، وفي عقله فلم ~~تغلب قط شهوته عقله: فإن علم الكتاب والفضائل على ما ينبغي، وعلم إذا أفرط ~~في ذلك حتى قال الله: @QUR@011 واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة قيل: من السنة. # * قلت: قال الشيخ العطار: أحواله (صلى الله عليه وسلم) لا يقاس عليها ~~حال؛ فإنه مرسل بالمقامين، مقام الظاهر ومقام الباطن، والمخاطب بالأول عموم ~~الخلق، وبالثاني خواص الخواص، ويكفيهم الإشارة بخلاف الأول، فرجع ذلك إلى ~~ما قلنا من أن أحواله لا يقاس عليها غيرها. PageV01P257 # واعلم أنه (صلى الله عليه وسلم) من حين نشأته الروحية أزلا إلى تنزله إلى ~~الحس، ومنه إلى البرزخ، ومنه إلى الدار الآخرة، لم يحجبه عن مشاهدة ربه ~~حجاب وغفلة أصلا، بل هو كل آن ملتفت إلى ربه، قال (صلى الله عليه وسلم): ~~«كنت نبيا وآدم بين الماء والطين (1)». # فأعلمه تعالى بنبوته، واستصحب ذلك بالالتفات إليه تعالى إلى حين خلق جسمه ~~ببلد لم يكن فيها موحد غيره، ثم صار يتحنث بغار حراء إلى أن أرسله الله ~~تعالى إلى كافة خلقه، وقد قال مشيرا إلى استصحاب هذه المشاهدة: «تنام عيناي ~~ولا ينام قلبي (2)». # فهو نائم ms170 حسا ليس نائما معنى كما أن موته كذلك، وهذا مقام ما ناله بشر ~~سواه، مع أنه ببشريته قد وقع له تخلل بهذا المقام دون روحانيته. # واعلم أن الكامل إذا تخلق بالأسماء الإلهية وتحقق بها يصير ملحوظا من ~~جانب الأزل محفوظا بالكلية عن أن يلم به الخطأ أو يعرض له الزلل لكونه تخلق ~~في جميع حركاته وسكناته بأسماء الحق، وتحقق في ذاته وصفاته بطهارته عن ~~أحكام ما سوى الحق بحيث لم يبق له فعل سوى فعل حق بحق لحق. # قال تعالى: @QUR@09 وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17]. # وقال: @QUR@06 إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10]. # وقال: @QUR@05 وما ينطق عن الهوى [النجم: 3]؛ لتحققه بجميع ذراته وسائر ~~حالاته بالحق تعالى، ومن وصل لهذه المرتبة لا تكون له إرادة ممتازة عن ~~إرادته تعالى، بل هو مرآة إرادة ربه وغيرها من الصفات، وحينئذ لا تخرج ~~أحكامه عن أحكامه، ولا تصرفاته الباطنية عن تصرفه، ويقع ما يريده من غير ~~احتياج إلى قول ولا دعاء لموافقة إرادته لإرادة ربه وهو تعالى فعال لما يريد. # وقال العارف بالله سيدي عبد الوهاب الشعراني في كتابه: «كشف الغمة» في الباب PageV01P258 # الأول من أبواب النكاح في بيان جملة من خصائصه (صلى الله عليه وسلم) مما ~~ذكره في آخره أنه نقله عن خط شيخه السيوطي في القسم الثامن مما اختص به من ~~الكرامات والفضائل ما نصه: # وكان له أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام كجعله شهادة خزيمة بشهادة ~~رجلين، وكما رخص في النياحة لخولة بنت حكيم، وفي الإحداد: أي في تركه ~~لأسماء بنت عميس، وأسلم رجل على أنه لا يصلي إلا صلاتين، فقبل منه ذلك، وخص ~~نساء المهاجرين بأن يرثن دور أزواجهن؛ لكونهن غرائب لا مأوى لهن، كما تقدم ~~في كتاب الفرائض بيانه، وكان أنس يصوم من طلوع الشمس لا من طلوع الفجر، ~~فالظاهر أنها خصوصية له، وأصام أطفال بيته وهم رضع، انتهى منه بلفظه. ### ||| النور التاسع والعشرون فهو نور اللواء: # وهو النور الذي يكشف له أنه ينشر ms171 مجده في القيامة. # * قلت: اللواء: علم أجل من يتقدم بالجيوش من نبي في زمان النبوة، أو ~~خليفة في حضرة الخلافة، أو أمير في موقع الإمارة، أو ملك في زمن الملك، وهو ~~ما يرجع إليه الاتباع من علم مشهود بجمعهم إلى واحد من أعلام متفرقة، فهو ~~علم الأعلام الذي تجتمع إليه الأعلام الجامعة، فهو (صلى الله عليه وسلم) في ~~ذاته لواء حمد ربه، واسمه أحمد ومحمد لواء الأسماء، وهو صاحب اللواء يوم ~~القيامة كما قال (صلى الله عليه وسلم): «أنا صاحب لواء الحمد يوم القيامة، ~~ولوائي يبلغ المشرق والمغرب، والأنبياء والمرسلين كلهم تحت لوائي، ولا فخر (1)». # وإنما اختص (صلى الله عليه وسلم) بلواء الحمد بما أشهده الله من كلية أمر ~~الله وخلقه جمعا، لا مذمة فيه، ولا عيب يلحقه، ولا نقص يتطرق إليه من حيث ~~إنه ينظر إليه من هو قائم بقيومية الله حمد في جمعه وبفضله ورتقه وفتقه ~~ووصله وفصله، وإنما يفقد الحمد من ينظر إلى التفضيل PageV01P259 # والتفريق غير ناشئ عن وحدة جمع، ولا مفروج عن جمع إحاطة، وأصل منفرد ~~واحد، فيتفضل له الكون في مدح وذم من حيث ينحجب عن مجرى القيومية فيه ~~وسوائها في تكوينه، فلا يكون ذا حمد ولا يزال صاحب مدح أو ذم مفترق ولا منفرج. # واعلم أن نباء المعاد نباء بواسطة ملكوتي بين بادية كائن يوم الملوك ~~وغاية مما وراء عالم الملك والملكوت جمعا، فهو (صلى الله عليه وسلم) صاحب ~~الحمد في الدنيا، وصاحب لواء الحمد في يوم المعاد، ومشهد الحمد لأهل الحمد، ~~الذي إليه الانتهاء شهادة اللواء للجمع في عقبى نهاية العود إلى الله، الذي ~~إليه المنتهى وليس وراءه مرمى، فذلك كمال الحمد الآلي في يوم الملك، ولمن ~~شاء الله أن يلحق بهم فيما وراء ذلك إلى أن يرضى (صلى الله عليه وسلم) ~~الرضا الموعود الذي قيل له فيه: @QUR@05 ولسوف يعطيك ربك فترضى [الضحى: 5]. # وروى أحمد في المسند، والترمذي وقال: حسن صحيح. # عن أبي سعيد الخدرى مرفوعا: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا ms172 فخر، وبيدى ~~لواء الحمد ولا فخر، ما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائى، وأنا أول ~~من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفع ولا فخر (1)». # وذكر الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية في الباب الثالث والسبعين في ~~الجواب عن السؤال السادس والسبعين من أسئلة الحكيم الترمذي وهو: ما لواء ~~الحمد بعد أن ذكر أنه حمد الحمد وهو أتم المحامد وأسناها وأعلاها مرتبة ~~وإنه سمى لواء لأنه يلتوى على جميع المحامد فلا يخرج عنه حمد، وإنه لا يكون ~~إلا بالأسماء، وآدم (عليه السلام) عالم بجميعها كلها في المقام الثاني من ~~مقامه (صلى الله عليه وسلم) ما نصه: # فكان قد تقدم لمحمد (صلى الله عليه وسلم) علمه بجوامع الكلم، والأسماء ~~كلها من الكلم، ولم تكن في الظاهر لمحمد (صلى الله عليه وسلم) عينا، فيظهر ~~بالأسماء؛ لأنه صاحبها، فظهر ذلك في أول موجود من البشر، وهو آدم (عليه ~~السلام)، فكان هو صاحب اللواء في الملائكة بحكم النيابة عن محمد (صلى الله ~~عليه وسلم)؛ لأنه تقدم عليه بوجوده الطيني فمتى ظهر محمد (صلى الله عليه ~~وسلم) كان أحق بولايته ولوائه، فيأخذ اللواء PageV01P260 # من آدم يوم القيامة بحكم الأصالة، فيكون آدم فمن دونه تحت لوائه (صلى ~~الله عليه وسلم)، وقد كانت الملائكة تحت ذلك اللواء في زمن آدم فهم في ~~الآخرة تحته، فتظهر في هذه المرتبة خلافة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~على الجميع انتهى. ### ||| النور الثلاثون وهو نور الانفراد: # فهو الذي يكشف أنه (صلى الله عليه وسلم) خبر متبوع قال تعالى: @QUR@05 ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس فمتبوعها خير متبوع. # * قلت: وهو كما قال (صلى الله عليه وسلم): «شرف أمتي بي؛ فبي يتشرفون، ~~وهم خير أمة أخرجت للناس (1)»؛ فهو أشرف الخلائق الإنسانية بدليل الكتاب ~~والسنة، ومجمع الحقائق الإيمانية التي لا تلبس فيها. وأمته أشرف الأمم. # وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «صار حتى بيت المقدس، فنزل، وربط فرسه ~~إلى صخرة، فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل، ms173 من هذا ~~الذي معك؟ # قال: هذا محمد رسول الله، خاتم النبيين. قالوا: أو قد أرسل إليه؟! قال: ~~نعم. قالوا: أحياه الله تعالى من أخ وخليفة، فنعم الأخ! ونعم الخليفة! ثم ~~لقوا أرواح الأنبياء (عليهم السلام)، فأثنوا على ربهم، وذكر كلام واحد ~~منهم، وهم إبراهيم (عليه السلام)، وموسى، وعيسى، وداود، وسليمان (عليهم ~~السلام)، ثم ذكر كلام النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: وإن محمدا (صلى ~~الله عليه وسلم) أثنى على ربه عز وجل، فقال: كلكم أثنى على ربه، وأنا أثنى ~~علي ربي، الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين كافة، وللناس بشيرا ونذيرا، ~~وأنزل علي الفرقان فيه تبيان لكل شيء، وجعل أمتي خير أمة، فجعل أمتي أمة ~~وسطا، وجعل أمتي هم الأولون، وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ~~ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا وخاتما. فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد، وإنه ~~واسطة عقد النبيين ورفيعهم (2)». PageV01P261 # وقال بعضهم: قد يحصل للورثة من هذه الأمة من العلوم التي اقتبسوها من ~~مشكاة نبوته عليه الصلاة والسلام بالمتابعة له والاقتداء ما لم يحصل ~~للأنبياء الماضين (عليهم السلام) بسبب عدم كونهم من هذه الأمة والورثة من ~~هذه الأمة ما نالوها من جهة أنفسهم وإنما نالوها من نبوة نبيهم ولا يلزم من ~~ذلك تفضيلهم على الأنبياء الماضين؛ لأن حصول العلم من الغير السابق إليه لا ~~تلزم الفضيلة به وإنما الفضيلة لمتبوعهم في حصوله وهو سيدنا محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) لأن الحاصل له (عليه السلام) من نبوته الكاملة. # قال الشيخ سيدي عبد الغني النابلسي في «شرح الفصوص» في الكلام على الفص ~~اليوسفى: # ومن هنا: أي من هذا المذكور وهو أن الورثة من هذه الأمة قد يحصل لهم من ~~العلوم ما لم يحصل للأنبياء الماضين، قول- المصنف- يعني الشيخ الأكبر (قدس ~~سره)، خضنا بحرا وقفت الأنبياء بساحله. ### ||| النور الواحد والثلاثون وهو نور العبودية: # فهو يكشف له عن الإضافة الخاصة التي هي نفس المنعم فقط. # قال الله تعالى: @QUR@011 سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ~~إلى المسجد الأقصى . # * قلت: قال ms174 الشيخ الحرالي في شرح اسمه (صلى الله عليه وسلم) (عبد الله): ~~العبد: المتخلي عن ذاته لسيده، فبحسب التخلي تتحقق العبودية، وبما هو متخل ~~هو متنزل إلى أدنى رتب التصرفات، بما أن العبد هو المعد للمهنة، والسيد هو ~~المحاط للعلو والرفعة، ولما كان تجلي الحق تعالى بالتعالي والجلال كان ~~التقرب إليه بتحقق ما يقابل علوه من الدنو وعزته من الذلة ورفعته من ~~المهانة، فكان أقرب القرب إلى الله العلي أبعد البعد في الدنو والتذلل ~~والضعة. PageV01P262 # قال (صلى الله عليه وسلم): «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد (1)»، ~~فبحسب ظهور التذلل في التصرفات والأوصاف والأحوال تتحقق العبودية، فيتحقق ~~القرب والدنو لمقابلة من العلو، من حيث إن أقرب قريب لا طرف منظر فيما ~~يقابله من الطرف الآخر؛ ليظهر معنى من الختم لالتقاء الطرفين. # قال (صلى الله عليه وسلم): «لا يزال الله من العبد والعبد من الله ما لم ~~يخدم، فإذا أخدم وقع عليه الحساب (2)»، ولذلك كان رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) يخدم في مهنة أهله، ويقم البيت، ويرقع القميص، ويخصف النعل، ~~ويتولى علف فرسه بيده، ويناول السائل بيده، ويضع يده مع الخادم في الطحين، ~~ويجلس للأكل جلوس العبد كجلوسه في الصلاة؛ لتكون هيئته في تعبده في صلاته ~~وفي أكله هيئة واحدة، فيكون دائم العبودية غير منصرف عنها، ولما قيل له في ~~ذلك قال: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد (3)». # وقيل له مرة: أتأكل كما يأكل العبد؟! فقال: «وأي عبد أعبد مني (4)». # فكان (صلى الله عليه وسلم) يتخلى عن وجوه الترفعات كلها في ملبسه ومطعمه ~~ومشربه ومبيته ومسكنه؛ إظهارا لظاهر العبودية فيما يناله العيان منه صدقا ~~عما في باطنه من تحقق العبودية لربه بما هو بمعنى الذي جاء بالصدق وصدق به، ~~وكان يظهر ذلك في أحوال ما يغلب عليه وصف العزة تحقيقا للعبودية وتخليا ~~للعلي الحق. # دخل (صلى الله عليه وسلم) مكة عام الفتح حين أحل الله له ما لم يحل لأحد ~~قبله ولا يحله لأحد بعده بما PageV01P263 # حل له من ms175 حرمة حرمه، فدخل وعلى رأسه المغفر حربا، وهو (صلى الله عليه ~~وسلم) قد وضع ذقنه الكريمة على مقدمة رحله؛ تواضعا لله عز وجل (1)، فتخلى ~~عن أسوأ الجلسة؛ إظهارا لهيئة التواضع لصورة العبودية، ولما خير بين أن ~~يكون نبيا عبدا أو يكون نبيا ملكا اختار أن يكون نبيا عبدا، بما أن ~~العبودية للخلق حق متحقق دائم خاص، لم يتصف به الحق تعالى، فكل اسم تسمى به ~~الحق فحق العبودية التخلي عنه؛ لأن ما تحلى به السيد فحق على العبد التخلي ~~عنه، فالملك اسم تعال لا يتحقق للعبد، فاختار ما هو دائم ثابت عما هو زائل ~~ذاهب، حتى أن وصف الملك إنما يبدو أمره وكثره ساعة من نهار. # كما قال الصادقون: إن ربنا غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب ~~بعده مثله (2)، فلم يكن في الأسماء ما يتحقق للعبد دواما وثباتا إلا ~~العبد، وما سواه اسم لظهور أمر في وقت من أيام الله، كما أن الاسم العظيم ~~(الله) الاسم الدائم القائم الذي لا يختص بمثل من الخلق، وسائر أسمائه ~~أسماء تظهر أمد الوقت. # كما قيل: رحمان الدنيا ورحيم الآخرة ملك يوم الدين. # فلما كان اسم (الله) العظيم هو الدائم تعين لإضافة ما هو به من أسماء ~~الخلق، وهو اسم العبد فكان اسم العبد راتبا له دائما عليه، وكل اسم سواه ~~خاص بحال أو وقت، فكانت العبودية للعبد مورد متقابلاته، فكان الماحي ~~لاسمائه الثابت له دواما، كما كان اسم الله المحيط بأسمائه الدائم له ~~كمالا، فالبادي عبد كما قال (صلى الله عليه وسلم): «وكلنا لك عبد (3)». # وهو (صلى الله عليه وسلم) قلب ذلك العبد الذي منه مدده ظاهر جسمانيته ~~وباطن روحانيته، بما هو النور الأول الذي خلق من نوره كل كائن، ولسانه ~~المعبر عنه، وإمامه المتقدم به، وشفيعه الموصل إليه، وجميع أسمائه متشعبة ~~من أصل عبدانيته التي اختص بها اختصاص ربه بالإلهية PageV01P264 # واللاهوتية، فلم يكن أثبت له في الأسماء من هذا الاسم ولا أتم إحاطة، ~~فالعبد بالله قائم، كما كان يقول ms176 (صلى الله عليه وسلم): «أإنا بك! (1)». # وكما قال لعلي رضي الله عنه في نقش خاتمه: «نحن بالله (2)». # فإذا نطق الناطق بهذا الاسم: (عبد الله) أحاط إحاطة كمال بالبادي ~~العبداني، فدخل كل تفصيل في ضمن نطقه ومعناه وحقيقته، كما انتظم اسم العظيم ~~(الله) جميع أسمائه مما لا يناله الإحصاء، كذلك اسمه (العبد) ينتظم من ~~أسمائه (صلى الله عليه وسلم) مما لا يناله الإحصاء. # كذلك كان يقول (صلى الله عليه وسلم): «قولوا: عبد الله (3)»؛ ولأن سائر ~~الأسماء التي هي من أوصاف تجليات الله عن اسمه مما يسلمها العبد إلى ربه؛ ~~لأنها مشقوقة من أسماء الله وأوصافه، كما قال (صلى الله عليه وسلم): «أنا ~~الذي شق الله اسمي من اسمه، فالله محمود وأنا محمد ولا فخر (4)»، وسائر ~~أسمائه تفاضيل من معنى ما يجمعه له (محمد) إلا اسم (العبد)؛ فإنه ليس له ~~بمشوق من اسم من أسماء الله تعالى، فكان أصل كل اسم له، فأسلم الله ما سواه ~~أداء لأمانته، فكذلك كان يقول (صلى الله عليه وسلم): «لا تضروني كما أضرت ~~النصارى عيسى، ولكن قولوا: عبد الله (5)»، فاستثبت ما هو ثابت، وأسلم لله ~~ما هو له لا لسواه، وليس للعبد إلا اسم العبد ولله كل شيء، فعبد الله اسم ~~ملء وإحاطة لا يدع شيئا، ولذلك أحب الأسماء إلى الله (عبد الله)، و(عبد ~~الله) لا يتطرق إليه تعبد لشيء سواه بما حجب الخلق وأبق بهم عن استخلاص ~~العبودية لله، حتى لم يصح كمالا إلا لعبد الله محمد رسول الله؛ لأن من رغب ~~في شيء فقد عبده وصار عبده، والمرء رق ما استولى عليه أمر من أمر الدنيا ~~أو أمر من أمر الآخرة أو أمر مما سوى الله، فهو عبد ذلك الشيء لا عبد ~~الله، حتى يكون كما قال (صلى الله عليه وسلم): «تعس عبد الديا نار وعبد ~~الدرهم وعبد الخميصة (6)». PageV01P265 # وكذلك يصير المرء عبد أمله وعبد سلطانه وعبد ماله وعبد ولده، فما تحقق ~~بالعبودية لله إلا من استخلص قلبه له، فكان قلب المؤمن الذي وسعه، ms177 كما قال ~~تعالى: «ووسعني قلب عبدي المؤمن (1)»، فذلك عبد الله الذي منه كل شيء، ~~وهو من لي كل شيء، وولي كل شيء، والله وليه ومولاه، وهو العبد الذي يذهبه ~~الله عنه فيجري عليه أمره كما فعل لعبد الله حبيبه حيث أجرى عليه اسمه ~~العظيم في كتابه المبين فيما لا يكاد يحصى ولا يهتدى إليه إلا بعناية إفهام ~~من الله إلا ما هو باد نحو قوله تعالى: @QUR@06 إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله [الفتح: 10]، حتى يجري ذلك على حواسه، كما قال في قوله: ~~«فأكون سمعه وبصره (2)» الحديث. # فذلك عبد الله إذا ذكرت اسمه لم يبق من ورائه ذكر، فكان مضمنا لكل حمد، ~~هو لعبد الله بما هو لله بما العبد من طينة سيده، والله الولي الحميد. # وقال الشيخ العطار في شرح الصلاة للشيخ الأكبر: (الجامع بين العبودية ~~والربوبية): # فمظهره (صلى الله عليه وسلم) وسع الحق بجميع أسمائه وصفاته، وكل من هو ~~كذلك كان مظهره جامعا لكل مظهر من مظاهر الحق تعالى، حيث أن كل واحد منها ~~مظهر اسم من الأسماء، وكل الأسماء كانت بمظهره (صلى الله عليه وسلم)، فكان ~~جامعا بين العبودية، أعني من حيث أن مظهره جمع كل مظهر؛ إذ المظهر خاضع لمن ~~ظهر به عبد له. # والربوبية من حيث أن اسمه الظاهر به جمع كل الأسماء، وهو الاسم (الله) رب ~~الأرباب، فعبوديته أحاطت بكل عبودية، وربوبيته أحاطت بكل رب. # فقد جمع (صلى الله عليه وسلم) بحقيقته الظاهرة بين العبودية والربوبية، ~~كما جمع ذلك بباطنه وقد تقدم ذلك، ولم تكن هذه الجمعية لغيره أبدا؛ لعدم ~~الحيطة التامة في غيره. # فهو العبد حقيقة، من أجل هذا ذكر في القرآن بلفظ العبد كقوله تعالى: PageV01P266 # @QUR@03 أنزلنا على عبدنا [الأنفال: 41]. # وقوله تعالى: @QUR@04 سبحان الذي أسرى بعبده [الإسراء: 1]. # وقد قال (صلى الله عليه وسلم): «أنا عبد الله ورسوله (1)». # وإذا جمع بين العبودية والربوبية جمع الجميع؛ إذ الحال دائر بين عبد ورب ~~ولا ثالث لهما، وفي هذه الجملة من الاصطلاحات المظهر والعبودية والربوبية، ~~وقد مضى شرح ms178 ذلك إلا العبودية، وهي انتساب العبد إلى مظهره، مثل أن تقول: ~~قاموا بين يدي ربهم، والعبودة هي نسبة العبد إليه تعالى لا إلى أحد سواه. # وقد قال حضرة الشيخ في الفتوحات المكية: إن عباد الله منسوبون إلى ~~العبودة لا إلى العبودية؛ لأنهم لو نسبوا إليها لانتسبوا إلى الصفة لا إليه. ### ||| النور الثاني والثلاثون وهو نور التزكية: # فهو يكشف له كونه (صلى الله عليه وسلم) حجة الله على العالمين. # * قلت: قال الحرالي: هو حجة الله على الخلائق، والحجة عليه أعلى الرتبتين ~~في حكمة الله لأدناهما قولا وجدلا، ولما كان (صلى الله عليه وسلم) أعلى في ~~كل رتبة من رتب الحكمة كما هو أعظم في بادئ كل كلمة كان علوه على أعلى ~~الحكمة حجة على ما دونه، وكل شيء من الخلائق منه فهو حجة على ما كان منه، ~~كما أن الأصل حجة على فرعه لا الفرع ثمرة أصله، ولما كان (صلى الله عليه ~~وسلم) متنزلا مع كل رتبة خلقا وأمرا كان حجة في كل رتبة دنيا أو عليا على ~~الرتبة التي دونها بما له في تلك الرتبة العليا على الدنيا من الأحمدية ~~فيها، ولأنه رسول الله للخلق من أنفسهم؛ فهو حجة على كل نفس من حيث مسرى ~~أحمديته إليها، من حيث ما أوتيت واتسعت. # قال تعالى: @QUR@07 لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها [الطلاق: 7]. PageV01P267 # وقال تعالى: @QUR@06 لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [البقرة: 286]. # فمن تفضيل ذلك أنه في أمور الطبع حجة على ذي طبع: غدر أو كذب كان عليه ~~حجة بما هو حكم بشر في حكم البشرية، وآدمي في حكم الآدمية، ويشارك الخلق في ~~ذات طباعهم مع علوه في رتبة أحمدية ذلك الطبع، فلذلك ألزم كافة الخلائق ~~برسالته من حيث إنه في الطباع رسول بكرم طبعه، كما هو في الديانة رسول بعلو ~~ديانته، كذلك هو في رتب المعقولات والنظر في الدلالات والتفكر في الآيات؛ ~~فهو حجة الله على كل ذي عقل في عقله، وعلى كل ذي دين في دينه، وعلى كل ذي ms179 ~~طبع في طبعه، كما هو كامل جامع، له في كل ما في الفطرة والجبلة علو ~~الأحمدية لذلك، بوجد سنته (صلى الله عليه وسلم) وحلمه وأفعاله وأحواله في ~~جميع تصرفاته الطبيعية والعقلية والدينية وجميع ما يشاركه فيه خلق منبئة ~~ومظهرة لأعلى رتبة فيما فيه بادئها بين ذلة النفس إلى العزة بالله فما ~~بينهما من الأحوال والتصرفات، فهو من حيث علو المشاركة في كل رتبة حجة على ~~أهل تلك الرتبة بتنزله إلى كل رتبة وتحققه في أحمدية تلك الرتبة، فهو بما ~~له من شكر العبادة حجة الله على كل عابد، وبما له من مزيد العلم وإحاطته ~~حجة الله على كل عالم، وبما له من علو الإيمان حجة الله على كل مؤمن، وبما ~~له من كمال الإسلام حجة الله على كل مسلم، وبما له من تمام الإحسان حجة ~~الله على كل محسن، وبما له من صفاء الإيقان حجة الله على كل موقن، كذلك في ~~جميع رتب الديانة، ولذلك هو (صلى الله عليه وسلم) في جميع الأحوال النفسية، ~~فهو بخلقه العظيم حجة الله على كل ذي خلق وتخلق، كذلك في تفاضيل أحوال ~~الأخلاق كلها من الصبر والشكر والرضا والطمأنينة وجميع الأحوال والأخلاق ~~النفسانية، كذلك هو في الأمور الطبيعية في اقتناعه (صلى الله عليه وسلم) ~~لنفسه ولآله بغير الوقت في مطعم أو مشرب أو ملبس أو مأوى، كما قال (صلى ~~الله عليه وسلم): «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا (1)»، «اللهم اجعل رزق آل ~~محمد كفافا (2)». # وكان (صلى الله عليه وسلم) بذلك حجة على جميع رتب الخلائق في بادئ خلقهم ~~وباطن أمرهم. PageV01P268 # قلت: وهو أيضا: (لسان الحجة) في جميع الكتب المنزلة؛ فهو حجة الله تبارك ~~وتعالى على سائر المخلوقات، اندرج كل شيء في فضله، خلقه القرآن العظيم، ~~حجة المتكلمين في مدار الأزمنة، ولسان حجة المقام العلوي والسفلي. # وقد كرر بعض العلماء أن الحجة من حيثية الدين قوة تمكين العبد فيما أقامه ~~فيه، وتعريفها: ذكر الشيء المنعوت به، المتصف على ما قرر. # قال بعض العلماء: الحجة المعرفة ms180 القائمة بكيفية العلوم الإلهية: من وهبي، ~~وكسبي، وهذا أحسن ما قال أهل التفسير. # وقال التيفاشي: الحجة القاطعة لجميع المخلوقات ما جاء به محمد (صلى الله ~~عليه وسلم)؛ فهو قائم بسائر ما قامت به العباد والزهاد والملائكة وغيرهم: ~~من سائر الوظائف؛ اطلاعا من الله تبارك وتعالى. # وقال الإمام المنذري: جميع أعمال العباد اندرجات في عمله، فما هيأ الله ~~تبارك وتعالى لعبد سببا من أسباب السعادة إلا وهو منه مأخوذ، وله فيه أجر، ~~فهو لسان الحجة (صلى الله عليه وسلم). # قاله الشيخ الأبشيهي. # وبالجملة: فهو (صلى الله عليه وسلم) ثابت الحجة، وصاحب الحجة البالغة ~~القاطعة، والحجة على سائر العباد، وحجة الله على أعدائه (صلى الله عليه وسلم). PageV01P269 ### ||| النور الثالث والثلاثون: وهو نور المكانة الكبرى: # فهو الذي يكشف له عن جلاله (صلى الله عليه وسلم) في التكميل وفي التحديد ~~وفي التتميم وعوالم غير هذه ومعنى غير هذا كله. # وأيضا كون بعض أمته يتجلى الله خاصة وللناس عامة، وهذه مرتبة أعلى مما ~~ذكر؛ وبهذا يكشف له (صلى الله عليه وسلم) عن أمر ما عند العقول منه ما تفرض ~~مقدمة، ولا تضع قضية، ولا تنقل مخاطبة صناعية، وهنا يجب الإمساك عليه فاعلم ~~ذلك كله. # وكيف كشف له حتى إن أمورا قل وجودها في الملائكة، فكيف في غيرهم! وهذا ~~كشف لنا أنه في عوالم غير هذه، وبقى في ذلك قوله تعالى: @QUR@06 وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]. # فاعلم ولا تقل يا من هو من أهله إلا أنه هو النور المحض، وله ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # كملت والحمد لله رب العالمين # * قلت: قال الغوث سيدي محمد وفا (قدس الله سره): اعلم وفقك الله أن ~~العوالم (1) الثلاث: وهو عالم العقل وبما فيه من أسرار ذاتية، لاهوتية ~~وصفات قدوسية واجبية، ومعان نورانية، هي أقوية التفرد والتحكمات. # وموضع إبداء الأسرار والصفات بالتجليات. PageV01P270 # كان هذا عالم الجبروت، مفارقا لما سواه بذاته وصفاته وإياه، وبما تنزه عن ~~الزمان والمكان، والأين والمثل والكيف، والإطعام والأذواق، ms181 والألوان، وكانت ~~النفس الناطقة وهي العالم القريب بالتجريد من صفاته المحققة بالتوحيد، هي ~~عرشه وفرشه، وحضرته وقدسه، وهي عالم الملائكة العظام، والحجب المقدسة ~~الكرام، ثم إن عالم الكون والفساد والطباع الأربعة الأكوان، وبما انحصروا ~~في القوة الحيوان، ولذلك كان النتاج من حيث هذه الروح الحيوانية عن الكل ~~بالجزء، تبرز نوادرا من القوة للفعل، ثم تتطور وتنتقل من الاستعداد ~~المعدني، ثم استعداد النبات، ثم استعداد الحيوان، ثم تتنزل الروح من العالم ~~المشترك البرزخي، الذي هو الفصل بين العالمين، والوصل بين المتباعدين، عالم ~~الروح الأمين بالاستعدادات الإنسانية إلى الكمل من الأشخاص الحيوانية، وبما ~~نزفت الممكنات الكونيات بتنزل الواجبيات الآمريات، حكمة كحكمة، وسنة كسنة. # واعلم أنه ما خلف حجاب هذه الأكوان الحيوان غير عالم الجان، ونهايتها ~~الإنسان، كما أن غاية الإنسان الرحمن، وما بين الإنسان والرحمن إلا ~~الملائكة المقربون، والأرواح القدسيون المكرمون، وما نزفت من الأرواح ~~الحيوانية تكون بالملائكية، وإن عكست انتقلت إلى الشيطانية، ومهما نزفت من ~~الإنسانية إلى الملائكية فإلى النبوية، فإن أحجمت وقفت مع الملائكية، وإن ~~نفدت فإلى الحضرات الرحمانية. # هذا فيما يعطى الترقي والتلقي مع الجاذب الملكي، والدليل النبوي. # وأما فيما تعطى التنزلات الربانية بالبطانات السريانية، فتخصيص لا يعقل ~~سره ولا يدرك كنهه. # واعلم أن الاسم الذات المتصف بجميع الصفات بالذات يتجلى على أسماء الصفات ~~الذات الوجودية، فيستغرقها في الذات، فإذا صارت ذوات وكلمات تامات تجلت على ~~ما يليها من أسماء الأفعال، فرقتها إلى مقاماتها التي عنها انتقلت، فإذا ~~كانت الأفعال صفات للذات نقلت المفعولات بالتجليات إلى مقام الأفعال، ثم ~~يبرز الحيوان من أفلاكه الأربعة الطباع لإحكام الترتيب للأوضاع، والأمر ~~كذلك ولا نهاية لذلك، أسرار تتنزل بالإلهية إلى الحيوانية، وتترقى ~~بالروحانية إلى الرحمانية، وما بين هذا التنزل والترقي PageV01P271 # فقعرات سجينيات أرضيات، ودرجات رضوانيات سماويات، وحضرات وغير حضرات، ~~وعوالم مفترقات، فسبحان من لا يدرك كنهه، ولا يبلغ شأوه، ولا ينفد أمره انتهى. # وقال الشيخ الكتاني: وقوله تعالى: @QUR@06 وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين . # وقوله تعالى: @QUR@09 تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ms182 للعالمين ~~نذيرا [الفرقان: 1] فإن العالمين هم جميع الخلق من إنس وجن وملك وحيوان ~~ومعدن ونبات وعرش وما فوقه وما تحته إلى ما لا يعلمه إلا الله تعالى فيكون ~~رحمة للكل ومأمورا بإنذار الكل والكل مأمور باتباعه وطاعته والإيمان به ~~والانقياد إليه والخضوع والذل بين يديه وما ذاك إلا لأنه خليفة الله عليهم ~~الممد جميعهم والمصرف بأمر الله فيهم، فإن من شأن خليفة الملك المستخلف على ~~كل مملكته أن يتصرف فيها كلها بأمره وينقاد له من فيها بأسره ويخضعوا له ~~كما يخضعون للملك وتنفذ فيهم أوامره كما تنفذ أوامر الملك. # ومثل الآية الأولى حديث: «إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين (1)». # أخرجه أبو نعيم في دلائله عن أبي أمامة. # وحديث: «إن الله بعثني رحمة للعالمين كافة». # أخرجه الديلمي عن المسور بن مخرمة. # وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» عن أبي أمامة مرفوعا: «إن الله بعثني رحمة ~~للعالمين وهدى للمتقين». # وأخرج ابن منده في «الصحابة» عن أنس مرفوعا: «بعثني الله هدى ورحمة ~~للعالمين». # وأخرج أحمد، وأبو داود، والطبراني، عن سلمان مرفوعا: «أيما رجل من أمتي ~~سببته سبة في غضبى، أو لعنته لعنة إنما أنا رجل من ولد آدم، أغضب كما ~~يغضبون، وإنما بعثتني رحمة للعالمين» فاجعلها عليه صلاة يوم القيامة (2). PageV01P272 # ومن أسمائه أيضا عين الرحمة ورحمة العالمين قال تعالى: @QUR@06 وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]: أي رحمة شاملة لكلهم عامة في ~~جميعهم مفاضة على سائرهم من جن وإنس، وملك وغيرهم، إيجادا وإمدادا، ~~وامتنانا وإسعادا. # وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: جميع الأنبياء خلقوا من ~~الرحمة ونبينا (صلى الله عليه وسلم) هو عين الرحمة. # قال تعالى: @QUR@06 وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]. # وإذا كان عين الرحمة فهو أصل الرحمات وينبوعها، وليس شيء منها خارجا عنه ~~بل كل مرحوم مسهوم منه وآخذ لحصته من جنابه. # وقال الشيخ عبد الجليل القصري في «شعب الإيمان» له في الشعبة الموفية ~~خمسين وهي شعبة حب الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد ذكره لهذه الآية ما نصه: # فهو ms183 (صلى الله عليه وسلم) المرحوم به العالمون بنص هذه الآية، ثم قال بعد ~~كلام في بيان ذلك فإذا فهمت هذا كله علمت أنه رحمة للعالمين وبركة شاعت ~~وظهرت في الوجود أو تظهر من أول الإيجاد إلى آخره إنما ذلك بسببه (صلى الله ~~عليه وسلم) انتهى. # أخرج أبو عبد الله محمد الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» جعل الله تعالى ~~للجنة بابا زائدا، وهو باب محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو باب الرحمة وباب ~~التوبة، فهو منذ خلقه الله مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق، ~~فلم يفتح إلى يوم القيامة وسائر أبواب الأعمال مقسومة على أعمال البر. # ثم قال: فأما باب التوبة من الجنة الزائد على الأبواب، فليس هو باب عمل ~~إنما هو باب الرحمة العظمى، إليه تدخل توبة العباد إلى الله تعالى، ولذلك ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أنا نبي التوبة وأنا رحمة مهداه». # فنفس محمد (صلى الله عليه وسلم) رحمة للعالمين وسائر الأنبياء مبعثهم ~~رحمة، فلذلك سعد من أجاب ما بعثوا به من الهدى وعوجل بالعذاب، من أعرض عنهم ~~ومحمد (صلى الله عليه وسلم) مولده ونفسه رحمة وأمان، وكذا مدفنه إلى نفخ ~~الصور، فحرمة تلك الرحمة وأمانه قائم انتهى. PageV01P273 # وقيل في قوله تعالى: @QUR@05 ورحمتي وسعت كل شيء [الأعراف: 156] إنها ~~سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وإنه الرحمة التي وسعت العالمين كلهم ~~مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم، حيوانهم ونباتهم وجمادهم، أرضهم وسماءهم، عرشهم ~~وفرشهم، دنياهم وأخراهم. # وقيل في قوله: @QUR@07 قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا [يونس: 58]: ~~إن الرحمة هو سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، والفضل من الله، إبرازه ~~للعالمين والهداية والتوفيق للإيمان به والمجيء إليه، والزيادة له، ~~والاستغفار عنده انتهى. # وأما ما يتعلق بكونه (صلى الله عليه وسلم) النور المحض: # ففي «جواهر المعاني» نقلا عن شيخه أبي العباس التيجاني في «شرحه لجوهرة ~~الكمال» لدى قوله فيها عين الرحمة قال ما نصه: # اعلم أن الحق سبحانه وتعالى اقتطع قطعة من النور الإلهي في غاية الصفاء ~~والتجوهر، ثم أبطن ms184 في تلك القطعة ما شاء أن يقسمه لخلقه من العلم بصفات ~~الله تعالى وأسمائه وكمالات ألوهيته، وبأحوال الكون وأسراره ومنافعه ~~ومضاره، وبالأحكام الإلهية أمرا ونهيا، وجعل تلك القطعة من النور مقر ~~الانصباب، كل ما قسم لخلقه في سابق علمه من الرحمة الإلهية، ثم صار يفيض ~~على خلقه، ما أقره في الحقيقة المحمدية من العلم والرحمة، فكان بهذه ~~المثابة هو عين الرحمة (صلى الله عليه وسلم)، وكان ذلك النور هو الحقيقة ~~المحمدية، وتلك الرحمة المفاضة في ذاته هي التي يفيضها على الوجود من ذاته ~~الكريمة، فلا يصل شيء من الرحمة إلى الوجود إلا من ذاته (صلى الله عليه ~~وسلم)، فذاته الكريمة بمنزلة المقر للمياه الذي تجتمع فيه وتتفرق من ذلك ~~المقر سواقي للسقى والانتفاع، ولذلك قال (صلى الله عليه وسلم): «إنما أنا ~~قاسم والله معطى (1)». # أي ينظر إلى ما سبق في العلم الأزلي من الاقتطاع، ثم يفرق (صلى الله عليه ~~وسلم) تلك الرحمة على حسب ذلك الاقتطاع، فلهذا سمي عين الرحمة (صلى الله ~~عليه وسلم)، ثم ذكر لتسميته بعين الرحمة نسبة أخرى ووجه آخر، وهو أنه ~~الأنموذج الجامع في إفاضة الوجود على جميع الوجود، فإنه لو لا وجوده (صلى ~~الله عليه وسلم) ما كان لموجود أصلا من غير الحق سبحانه وتعالى. PageV01P274 # وأطال في بيان هذا ثم قال: فبان لك أن الفيض من ذاته ينقسم إلى رحمتين: # الرحمة الأولى: إفاضة الوجود على جميع الأكوان حتى خرجت من العدم إلى ~~الوجود. # والرحمة الثانية: إفاضة فيض الرحمات الإلهية على جميعها من جملة الأرزاق ~~والمنافع والمواهب والمنح، فإنه بذلك يدوم تمتعها بالوجود، قال: فإذا علمت ~~هذا علمت أنه (صلى الله عليه وسلم) عين الرحمة الربانية؛ لأنه رحم جميع ~~الوجود بوجوده (صلى الله عليه وسلم)، ومن فيض جوده أيضا رحم جميع الوجود، ~~فلذا قيل فيه: إنه عين الرحمة الربانية (صلى الله عليه وسلم) انتهى المراد منه. # وفي جواهر المعاني ما نصه: أول موجود أوجده الله من حضرة الغيب هو روح ~~سيدنا (صلى الله عليه وسلم)، ثم ms185 نسل الله أرواح العالم من روحه (صلى الله ~~عليه وسلم)، والروح هنا هي الكيفية التي بها مادة الحياة في الأجسام وخلق ~~من روحه (صلى الله عليه وسلم) الأجسام النورانية كالملائكة ومن ضاهاهم. # وأما الأجساد الكثيفة الظلمانية، فإنما خلقت من النسبة الثانية من نسبتي ~~روحه (صلى الله عليه وسلم)، فإن لروحه (صلى الله عليه وسلم) نسبتين أفاضهما ~~على الوجود كله، فالنسبة الأولى نسبة النور المحض، ومنه خلقت الأرواح كلها ~~والأجسام النورانية التي لا ظلام فيها. # النسبة الثانية نسبة الظلام، ومنها خلق الله الأجسام الظلمانية كالشياطين ~~والجحيم وسائر دركاتها، فهذه نسبة العالم كله إلى (صلى الله عليه وسلم) انتهى. # فإذا عرفت هذا فاعلم أن الظل موجود بلا ريب في الحس تابع في الوجود ~~للشخص، لكن لا يظهر إلا إذا كان ثمة من يظهر فيه، وكذا محل ظهور هذا الظل ~~لا يظهر إلا به، وذلك لأن النور المحض لا يدرك ما لم يمتزج بظلمة ما، وكذا ~~الظلمة الصرفة لا بد لها في الإدراك من النور. # والأرواح المودعة في ذوات الموجودات، هي لطائف اختص كل موجود منها ~~بلطيفة، وهي السر الذي بين الحق والعبد لا يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي ~~مرسل؛ لأنه من أمر الله، وأمر الله مجهول. # وقد قال الله تعالى أمرا إلى رسوله: @QUR@05 قل الروح من أمر ربي ~~[الإسراء: 85]. # وعلى التقدير لا يرى ولا يشهد ذوقا ووجدانا لطائف الأرواح أحد من أهل ~~العقول PageV01P275 # إلا الرجل الذي تصفى: أي صار صافيا من كدورات الأشباح الكثيفة؛ لأنه لا ~~يرى النور إلا بالنور، ولا اللطيف إلا باللطيف؛ إذا الكثيف ظلمة، والظلمة ~~عدم، والعدم غير مدرك، ومع هذا لا يرى النور المحض ما لم يمتزج بظلمة ما، ~~كما أن الظلمة لا تدرك إلا بالنور فافهم. # فبتأمل هذا كله ونظره بعين الاعتبار والاستبصار فيه بشيء ما من ~~الاستبصار تفهم من فحواه أنه (عليه السلام) النقطة التي عليها المدار، ~~والفائز من ربه تعالى بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على سر من ~~الأسرار، وتعلم ms186 أنه المحبوب من الأزل، والمخصوص بالخلافة العظمى فيما لم ~~يزل، فضلا منه تعالى عليه، ومنة سابقة من جنابه لديه. # بل قلت: إنه (صلى الله عليه وسلم) مقامه أعلى من مقام ما لا عين رأت، ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # حيث هو كما أخبر عن نفسه الشريفة المقدسة: «لا يعرف قدري غير ربي»، ~~والجنة ما خلقت إلا من نوره، فهو النور المحض (صلى الله عليه وسلم). ### | خاتمة الشرح: # تم الشرح بفضل الله وعونه، على يد الفقير إلى ربه: أبو الحسن أحمد فريد ~~المزيدي الشافعي الأكبري القادري المصطفوي، بداره الحقيقة المحمدية لتراث ~~السادة الصوفية. PageV01P276 ms187