######OpenITI# #META# comp: 1 #META# max: 401 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس الدرجيني #META# bk: طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس الدرجيني #META# bkord: 506 #META# archive: 1 #META# الكتاب: طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس الدرجيني #META# cat: التاريخ #META# iso: طبقات المشايخ بالمغرب لابي العباس الدرجيني #META# bkid: 107 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# ### | CHECK طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس الدرجيني # طبقات المشايخ بالمغرب # الجزء الأول # تأليف : الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني رحمه الله تعالى # ? تقديم الكتاب # ? مقدمة # ? ذكر الفاظ مما اصطلح عليها أهل الطريق وتعارفون بينهم # ? ذكر طبقات المشائخ # ? ذكر فضائل الفرس من العجم # ? فضائل البربر من العجم # ? حملة العلم إلى المغرب # ? امامة أبى الخطاب عبد الاعلى بن السمح # ? بيان مسالة الحارث وعبد الجبار واختلاف الناس فيها # ? مقتل أبى الخطاب واصحابه رحمهم الله # ? ولاية ابى حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزى الهوارى # ? ذكر وقعة مغمداس # ? مقتل أبى حاتم واصحابه # ? امامة عبد الرحمن بن رستم # ? أمامه عبد الوهاب بن عبد الرحمن # ? أول افتراق في الأباضية # ? محاربة الامام عبد الوهاب رحمه الله للواصلية # ? نزول الامام عبد الوهاب رحمة الله على مدينة طرابلس # ? الافتراق الثاني في الاباضية # ? استعمال أبو عبيدة عبد الحميد الجناونى رحمة الله ومحاربته خلف بن السمح # ? امامة افلح بن عبد الوهاب # ? الافتراق الثالث في الاباضية # ? امامة محمد افلح بن عبدالوهاب # ? امامة يوسف بن محمد بن افلح # ? وقعة مانو وانقراض الإمامة # ? انتشار مذهب الشيعة # ? ذكر اخبار ابي يزيد مخلد بن كيداد الناكثي # تقديم الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب الذي بنعمته تتم الصالحات # أضع بين يدك أيها القارىء الكريم هذا الكتاب القيم الذي يكتب لهو لأول ~~مرة أن يخرج من حيز المخطوطة وظلمات خزان الكتب بعد أن تحدث الناس عنه ~~كثيرا ونقل منه كتاب السير والتاريخ بالمغرب العربي وخاصة تونس والجزائر ~~ولم يكتب له الحظ أن يعتني أحدا منهم بتحقيقه وإخراجه . PageV01P001 # وما أقدمني على هذا العمل المضني وشجعني عليه ألا ما نحن عليه في مغربنا ~~هذا من حاجة إلى احياء تراثنا وابراز معالم شخصيتنا التاريخية وبط حاضرنا ~~المشرق بماضينا المجيد لنبني على دعائم الأصالة والتفتح معا لانفرط ولانفرط ~~ولعلها تكون منا مساهمة متواضعة في دفع مسيرة النهضة وتراثها تلك النهضة ~~الثقافية التي تحياها الجزائر وسائر أقطاب المغرب العربي في هذه الظروف ~~الحساسة . # وقد أعتمد في تحقيق هذا الكتاب ثلاث نسخ خطية ms001 رأيت فيهن الغناء من غيرهن ~~وهن قلائل النسخة الأولى نسخة خزانة شيخي الفاضل ابراهيم ابن ابي بكر ~~الفراري وهي أصح النسخ وأشدها تحقيقا ، وقد أهمل الناسخ ذكر تاريخ كتابتها ~~وذكر اسمه ، والنسخة الثانية نسخة الشيخ اطفيش الحاج محمد ، وهي هي نسخة ~~قديمة جدا قريبة من عهد المؤلف يذكر كاتبها أنه فرغ منها سنة 758 هجرية ، ~~والنسخة الثالثة نسخة خزانة القاضي أبو فاره ابراهيم ويرجع تاريخها إلى ~~القرن الثاني عشر الهجري . # وقد حاولة أن أقابل بين النسخ ما استطعت وأثبت النص صحيحا بعد تحقيقه ~~وربما تكون النسخ متفقة في العبارة كما هي مع الإشارة استطعت وأثبت النص ~~صحيحا بعد تحقيقه وربما تكون النسخ متفقة في العبارة كما عدم اتضاح المراد ~~أو استقامة العبارة عند ذلك أثبت العبارة كما هي مع الإشارة إليها وأبداء ~~ما يبدو لي الصواب . # وخدمة للكتاب وتقريبا له لمتناول القارىء أضفت عناوين هامشية لمختلف ~~المساءل والمباحث الواردة في أثناء الكتاب وأثبتها على هامش الصفحات حتى ~~يسهل الرجوع إليها واستجلاؤها كما أضفت للكتاب فهارس العناوين والموضوعات ~~الواردة فيه وللأعلام والأماكن المذكورة وسوف يجد القارىء من حين لآخر ~~تعليقا مني على ما أراه لابد منه للإيضاح أو إزالة اللبس. PageV01P002 # وبودي لو أخرج الكتاب وعليه دراسة علمية وتحقيقات تاريخية لتكون الفائدة ~~أكمل وأشمل ولكن أعتقد أن هذا العمل سيكون خطوة ثانية بعد تحقيقه وطبعه ~~وعسى أن يجد أبناءنا الطلبة والرجال المتفرغين للبحث من ينتدب لذلك وحسبي ~~أن أكون قد قمت بأول خطوة في الموضوع. # وقد رجوت من الشيخ الفضل المحقق عبد الرحمن بكلي _ وأنا في أثناء تحقيق ~~الكتاب - أن يقدم له بمقدمة تكون أمس بالموضوع وأنسب بالكتاب أكتفى بها عن ~~التعريف بالكتاب وبالمؤلف فلبي رغبتي ورحب بها فله مني كامل الشكر والتقدير ~~كما أقدم ثنائي وشكري الخالص للأخوان الذين قدموا لي يد المساعدة ولم ~~يبخلوا بأي جهد فساهموا معي في اخراج الكتاب بما قدموه من جهد وخدمات شكر ~~الله سعيهم وجزاهم خيرا. # مقدمة # الحمد لله الذي الذي خلق السمات والأرض ms002 وجعل الظلمات والنور يعلم ما ~~يسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور ، خلق الأنسان عمله البيان وكل شئ ~~عنده بمقدار سبحان من جعل له عينين ولسانا وشفتين ، وهديناه النجدين ، ~~فسعيد يسره لليسرى وشقى يسره للعسرى ، هو الذي خلقكم وما تعلمون لا يسئل ~~عما يفعل وهم يسئلون ، احمده من عرف جلاله وكبرياءه واقدس من دون التشبيه ~~صفته واسماءه ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين ~~الذي ارسله الله رحمة للعالمين ونسخ بشريعة دينه كل شريعة ودين ، وعلى آله ~~واصحابه الاكرمين ، وتابعيهم باحسان إلى يوم الدين وتابعي التابعين صلى ~~الله عليهم اجمعين صلاة دائمة إلى يوم الدين . # وبعد : فان العلم دليل يقتدي به ، والي طريق الرشد هاد يهتي به " إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء " " والعلماء ورثة الانبياء " وفي الآية والخبر ~~دليل على أن العلم ما صاحبه العمل ، وصادفته الخشية والوجل فإنه من أخشى ~~الله تعالى لما لديه ، ويسعى فيما يقدم بين يديه ، وهل لمن عرى من الخشية ~~فوز بعمل الحسنات ، واستحقاق وراثة تلك الدرجات ؟ PageV01P003 # وينبغي لمن نزع إلى هذا النزع وطلب هذا العمل الأرفع ، آن يتعرف مناقب ~~السلف والأخبار ، ويحصل سيرهم الصالحة ليقتدي بحميد تلك الآثار ، فإن ذلك ~~مما يقوى الرغبة والاشتياق (1) والحرص على المصير إلى تلك المنازل السنية ~~واللحاق ، ويخص على الطريق الأثوم ، وينهي عن أهواء الهاون في هواء الخسران ~~والندم ، فما أتقمن من عرف طريق الصلاح ان يتبعه ! وما أقبح من جهة أن ~~يضيعه ! وقد استمرت عادة اصحابنا ان اول ما يمرن عليه المبتدئ أذا وصل ، ~~السكينة والوقار وتعليم سير السلف ، لتكون لهم على اتباعهم معينة ، فإاذ ~~أكتسى تلك السلف تلك الحلة قلما بدلها ، ثم بعد ذلك " ما يفتح الله الناس ~~من رحمة قلما بدلها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم " . ~~فالله ينفعهم وينفع بهم في الدنيا والدين ، ويجعلنا لآثارهم مقتدين ، لا ~~مبدلين ولا مغيرين وينقذنا برحمته اجمعين ، وهو ارحم الراحمين PageV01P004 ~~كتاب ابى زكرياء يحيى بن ابى بكر رضى الله عنه (2)استخلص ذلك وانتقيه ms003 ~~فبادرت لاجابة سؤاله ايجابا لعظم حرمة السؤال وان كان ينبغى ان اكون ممن ~~استغفى واستقال فرأيت عصيانه من النكير بل المحظور ، فأخذت في تهذيب الكتاب ~~المذكور واضيف إلى ذلك ما لا بد منه من خطبة وشعر غير مشهور ، على انى ~~معترف بالقصر والفهامة ، وراغب في الاغضاء من ذوى الفطان والنباهة متيقن ان ~~الماء يطيب بطيب موارده ، وان كان اجاجا ، وقد يعود مرا معافا وان كان عذبا ~~ثجاجا ، ولا شك انى قصدت الفن الذي بدأت بذكره لم احفل بعيب عائب ، ولا ~~بشكره فان ظفرت بموافقة من اجيب سؤاله فقد ظفرت بالمرغوب ، فان قصرت فلا ~~غرو لابطاء السكيت (3)عن شاء المجلى والله اسأله . التوفيق والارشاد إلى ~~سواء الطريق ، وقد رأيت ان اقدم مقدمة تكون فراشا للكتاب ، تفهم منها ألفاظ ~~اصطلح عليه اصحابنا المتأخرون ، وفيها عند من لا يعرفها اضطراب ، ثم آتى ~~بتسمية مشائخها وذكر طباقتهم خلفا عن سلف ، على ترتيب يتأتى بيانه ، ليتم ~~المقصود ويتألف ، ثم اجرد السيرة وانقلها من الكتاب المذكور ، على حسب ما ~~وقعت فيه ، وما كان في ألفاظه خشونة نقلت معانية فيكون نفهم ما سئلت سهلا ~~على قارئه . # ---------------------------------------------- # (1) في نسخة : الاستيثاق # (2) يشر الى تاريخ أبي زكرياء يحي بن أبي بكر الذي لا زال مخطوطل وهو اصل ~~هذا الكتاب # (3) السكيت بصيفة التصغير : آخر الخيل في الحلبة عكس المجلى # ذكر الفاظ مما اصطلح عليها أهل الطريق وتعارفون بينهم PageV01P005 فمن ~~ذلك العزابة واحدهم عزابى ، هذه اللفظة أستعملتها لقبا لكل من لازم الطريق ~~وطلب العلم وسير أهل الخير ، وحافظ عليها وعمل بها ، فان حسن جميع هذه ~~الصفات سمي عزابيا ، وان حافظ على السير والعمل بها فقط سمي به ، وأن حصل ~~العلم دون السير والعمل بها والمحافظة عليها لم يسم بهذا الاسم ن واعلم ان ~~لهذا الصنف سيما انفردوا بها ، واحوالا عرفوا بها ، لا يتفضل عليهم فيها ~~سواهم ، وذلك في تسميتهم ، وخطابهم ، ومؤاكلتهم ، ولباسهم ، واوقات نومهم ~~وقيامهم ، واورادهم وصيامهم ، وعبادتهم ، وعندهم في ذلك قوانين يعتادونها ~~وحود لا يتعدونها ، وهذا الاسم مشتق من الغزوب عن ms004 الشئ وهو البعد عنه ، ~~فاستعير لمن بعد عن الامور الدنيوية الشاغلة عن الاخرة ، ولو استقصينا وصف ~~تلك الاحوال لا تسع القول فطال ، وسيأتي ذكر ما امكن من ذلك في موضعه ان ~~شاء الله ، واول ما استعمل هذا اللقب في أيام ابي عبدالله محمد بن ابى بكر ~~رضى الله عنه ، لما أسس الحلقة ورتب قوانينها . # الحلقة ، اسم لجماعة تشتمل على الشيخ يعلمهم العلم ويلقنه السير ويبصرهم ~~في الدين بحسب ما يفتح الله على كل واحد منه يحصل البعض ، وان أعياه الكل ، ~~" فان لم يصبها وابل فطل " فكانهم محلقون ولو أنهم مفترقون . # التلميذ اسم للواحد المبتدئ عند الدخول في الطريق سواء كان طالب فنو أو ~~مقتصرا على الصلاحية فقط وأصل هذه اللفظة فارسى . # الختمة : اجتماعهم لذكر الله والدعاء عند طلوع الشمس وعند غروبها بشيخ أو ~~بغير ، وكأنهم يختمون به عمل الليل وعمل النهار . PageV01P006 # المجتمع والجمع والميعاد ، الفاظ مترادفة على معنى واحد وهو أن يجمعهم ~~الشيخ على وعظ يفيدهم ، أو لتذمير امرمهم يكون شورى من أصلاح فساد أو تلاقي ~~فوات ، أو امر بمعروف أو نهي عن منكر ، فمع الاختيار أن يكون ذلك يوم ~~الاثنين ويوم الاثنيني ويوم الخميس ، ويكون في أي وقت دعت اليه الحال ، ~~ليلا أو نهارا ، في أي يوم كان ، أول من رتبة أبو الحر على بن الحصين بمكة (1) # الهجران والابعاد الفاظ تترادف على معنى واحد وذلك ، او ظهرت عليه خزية ~~أو أتى بنقيصه في قول أو عمل أو تصنيع ، فأنه يهاجره كل اهل الصلاح فلا ~~يكلم ولا يخطر حالت بينه وبين أهل الخير ، فان تاب واستغفر قبل منه ورجع ~~إلى الجماعة ، وزال عنه شين ذلك الوسم ، وكان بقاؤه في وحشة الهجران بقدر ~~عظم الجرم وصغره ، وتوبة المجرم واصراره ، فمنهم من يتوب فيرجعه في الحال ، ~~ومنهم من يبقى ساعة او ساعتين أو يوما أو يومين أو أياما أو أعواما أو عمره ~~أن عظم الجرم ودوام المجرم على الاصرار وترك الاستغفار ، أسال الله ان ~~يقينا شرا أتفسنا وشر كل ذي شر . # الظهور ms005 : تولية أمام عدل يسند إليه الأمور . # الكتمان : ملازمة الأمر سرا بلا امام # ولاية الدفاع : أن يدهم أهل الكتمان بداهمة ، فيولوا عليهم من يدفع عنهم ~~العدو . # ------------------------------------ # (1) أبو الحر علي بن الحصين العنبري الشاري من أصحاب عبدالله بن يحي طالب ~~الحق وهما من الشراه ، عاش في أوائل القرن الثاني بجنوب الجزيرة العربية ~~رحمه الله # ذكر طبقات المشائخ وتسمية المشاهير منهم جيلا بعد جيل PageV01P007 هذا ~~الفصل نقتله مما فعله الشيخ ابو عمار عبد الكافى رضى الله عنه : وذلك أنه ~~لما رأى العزابة يسندون أمر دينهم واحدا عن واحد ، اكابر ذلك ، وثقة عن ثقة ~~، رأى من حسن نظرة أن يكون ذلك جولة عن جملة ، ولم يتخللها خلل ولا اختلال ~~، لن ذلك أذا كان واحدا عن واحد دخله الغلط ووقع فيه الطعن ولأن أخبار ~~اآحاد ضعيفة عند اصحاب الحديث فرتبها رحمة الله على المبين من سني الهجرة ، ~~والتاريخ الذي بينه وبين هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر ممن ~~أشتملت عليه كل خمسين سنة من المئين المذكورة . # فالذين اجتمعت عليهم الخمسون الأولى من المائة الاولى هم أصحاب رسول الله ~~عليه وسلم ، وفضيلتهم رضي الله عنه ، واسماؤهم ومزاياهم أشهر من أن نحتاج ~~إلى تعدادهم ، فهم مجوم الهدى ومصابيح الدجا ، وأنما نعتت على مكانتهم من ~~أمهاد الفضل ، تبركا بذكرهم ، ولئلا يكون السكوت عن ذكرهم في محالهم من ~~التقدم اعراضا ، أو التجوز عن شرفهم غمضا (1) وأغماضا (2). # وممن اشتملت عليهم الخمسون الخرى من المائة الاولى : جابر بن زيد الازدي ~~، وعبدالله بن أباض المدنى ، وعمران بن حطان الشيباني ، وجعفر بن السماك ~~العبدى واوب بلال مرادس وعروة ابنا ادية وهي جدة لهما وهما ابنا جدير ~~حنطليان فيما ذكر المبرد ، وصحار العبدي ، وقريب ، وزحاف ، وسالم بن عطية ~~الهلالى ، والخباب بن كليب ، والاحنف بن قيس ، وأياس بن معاوية ، ونظراؤهم ~~كثيرون . # وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الثانية : أبو عبيدة مسلم بن ~~ابي كريمة التميمي ، وضمام بن السائب ، وابو مودود حاجب الطائى ، وابو ~~عبيدة عبد الله بن القاسم ، وأبو حمزة بن نوح ms006 الدهان ، وعبدالله بن يحيى ~~الكندي ، وابو حمزة المختار بن عوف الشارى ويلج بن عقبة ، وابرهن بان عبد ~~الرحمن ، وابو الحر على ابن الحصين العنبرى ، وابو يزيد الخوارزمي ، وأبو ~~محمد المهدى ،وابو روح ومازن ابنا كنانة ، ونظراؤهم كثير. PageV01P008 # وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الثانية ومن هنا أنتشار ~~المذهب بالمغرب ، ولذلك كان رجاله شرقيين وغربيين عربا وبربرا تلامذة ابي ~~عبيده وغيرهم ، الربيع أبن حبيب ووائل بن ايوب الحضرمى وابو غسان مخلد بن ~~المعرد ، وعبد السلام بن عبد القدوس ، ومحبوب بن الرحيل ، وأبو الخطاب ~~المعافري وهو عبد الاعلى بن السمح وعبد داود القبلى ، واسماعيل بن درار ~~الغدامسى ،وعبد الوهاب بن عبد الرحمن ابن رستم ، وابو حاتم الملزوزى وابو ~~سفيان ، ونظراؤهم كثير . # وممن اشتملت عليهم الخمسون الاولى من المائة الثالثة : افلح بن عبد ~~الوهاب ، وابو مرادس ، ومهدى ، وابان بن وسيم ، ومحمد بن يانس ، وبو مهاصر ~~، وابو زكرياء التوكيتي ، وعبد الحميد ، ونظراؤهم كثير . # ممن اشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة الثالثة : محمد بن افلح وبانه ~~يوسف وسعد بن أبي يوسف وعمروس ابن فتح ، ابو منصور الياس ، وابو معروف ، ~~ونظراؤهم كثير. # وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الرابعة : حسنون ابن ايوب ، ~~وابو مسور اليهراسنى ، وابو الخطاب وسيل بن سيتتن(3) الزواعي ، وابو القاسم ~~يزيد بن مخلد ، وابو خزر يغلى بن زلتاف ، وهي امه وهو ابن أيوب ، وعبود ~~المزاتى ، وجنون بن يمريان ، وسليمان بن ماطوس ، وسليمان بن زرقون النفوسى ~~، ومحمد بن مسلم وابو سهل الفارسى ، ونظراؤهم كثير . # وممن اشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة الرابعة : أبو نوح سعيد بان ~~زنغيل وابو صالح بكر بن القاسم اليهراسنى ، وابو زكرياء فيصل بن ابى مسور ، ~~وابو عمر النملى ، وابو موسى عيسى بن السميح الزواغى ، وابو نوح سعيد بن ~~بخلف المدونى ، وابو محمد ويسلان بان يعقوب ونظراؤهم كثير . PageV01P009 # وممن أشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة الخامسة : ومن هنا ابتداء ~~العزابة ابو عبدالله محمد بن بكر ، وزكرياء ويونس ابما فصيل بن أبى مسور ، ~~وعبدالله بن مانوج وعبدالله بن زورتين ، وويسلان ms007 بن ابى صالح وابو بكر ~~الزواغى وورسفلاس ابن مهدى وعبدالله أبن الخير ، وورسفلاس بن عبدالله ، ~~وابو مكدول مطلكودانس الزنزفى ، وأهل غار " أمجان " وابو جابر بن سدرمام ، ~~وابو عمران موسى بن زكرياء ، وكباب ابم مصلح وابو يحي زكرياء بن جرنان ، ~~وعبدالله المدونى ونظراؤهم كثير . # وممن اشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة الخامسة : سليمان بن يخلف # ، وابو يخلف ، وابو سليمان داود بن أبى يوسف ، وابو العباس احمد بن محمد ~~بن بكر ، وعيسى بن يرشوكسن ويحيى بن ابى بكر ، وزكرياء بن ابى زكرياء ، ~~وماكسن ابن الخير ، ومزين بن عبدالله ن ومصال بن يحيى ، وسليمان ابن موسى ، ~~وعبدالله ابن سلام ، واسماعيل بن ييدير . # وممن اشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة السادسة : عبد الرحمن بن معلى ~~، ويحيى بن زكرياء ، وايوب بن اسماعيل بن المعيز ، وعبدالله بن محمد . فالى ~~هنا انتهت تسمية من سمينا - ثم قال فهؤلاء أئمتنا في الدين وقاداتنا في ~~الاسلام رحمهم الله . PageV01P010 # " قال الشيخ ابو العباس " فهذا الترتيب الذي رتبه الشيخ ابو عمار عبد ~~الكافى رضى الله عنه حسن في المعنى إلا أنه لم يذكر الطبقة التي فيها شيوخه ~~ومعاضروه إلا بعضا من الكل واستغنى فيها عن كثير من العدد ، وفيمن سمى ~~كفاية ، ولولا قصده الاكتفاء بتسمية من سمى لزدت من معاصره عدة مشائخ ، ~~أئمة أهل علم ودين ، وأصحاب تواليف اضراب عثمان بن خليفه السوفى وقرناؤه ~~ولكنى عدلت عن ذلك إذ المقصور تسمية جماعة فالمحصول قد حصل ، ورأيت ان أذكر ~~جماعة الاشياخ الذين اخذوا عن الجماعة التي أنتهى إليها ترتيب الشيخ الذين ~~أبى عمار واضمهم إلى الخمسين من المائة التي نحن فيها وهم الذين أخذنا عنهم ~~وفي آخر الكتاب أذكر أن شاء الله ما وصل إلى وصح عندى من مناقبهم ، ~~وكراماتهم ، فيتقدم ذكر مناقب من تقديمهم فيكون كل واحد في رتبته ، ويجرى ~~كل سابق في حلبته . # ففمن أشتملت عليه الخمسون الاخيرة من المائة السادسة : ابو عمارة عبد ~~الكافى بن يعقوب التناوتي ، وابو يعقوب يوسف بن ابراهيم السدراتى ، وابنه ~~ابراهيم ، وزكرياء ابن صالح ، وفيصل ms008 بن ابى مسعود ،وأسحاق بن ابراهيم ومحمد ~~التميجارى ، وموسى النفوسى ، وابو نوح بن يوسف وابنه يحي، ويوسف بن خلفون ، ~~ومحمد بن أبى على السوفى ، وعبد السلام بن عبد الكريم ، والفضل بن أبى ~~سفيان ، اسماعيل بن صالح ، ويوسف بن محمد الوسياني ، وفى هذه الطبقة ~~أدركتهم يعدون جدى سليمان أبن علي ، وجدى يخلف بت يخلف النفوسى ، ونظراؤهم كثير . PageV01P011 # ممن أشتملت عليه الخمسون الاولى من المائة السابعة : مشائخ جيلنا فمنهم ~~من صار إلى الله ومنهم الاحياء فمن الاموات محمد بن ابى جميل ، وسعد بن ~~معاذ ، وابراهيم أبن اسحاق ، وابو سهل يحيى ، وابو يعقوب بن عبدالله وميمون ~~بن معدين ، وقد اشير علي بان انظم والدي في سلكهم ومن الاحياء ، يحيى بن ~~فيصل ، وعيسى بن زكرياء وصالح بن سليمان الزواغي ، ويحيى بن داود السعيدى ~~(4) ويبيب بن محمد ، واحمد بن محمد ، وعمر بن يخلف الزواغى ، ومن هذه ~~الطبقة معاصرون من أهل الاجتهاد والزهد والكرامات وليسوا هنالك في العلوم : ~~عبد الكافى ابن ونمو الريغى ، وابراهيم بن عيسى المديونى ، وسليمان أبن ~~يكنى ونظراء النوعين كثير . # فهؤلاء أشياخنا وقادتنا وائمتنا وساداتنا جعلهم الله اعلاما للهدى وجنبنا ~~باتباعهم سبيل الموبقات والردى وحشرنا أجمعين في زمرة اوليائه المتقين. # ثم ناخذ في ذكر ما بسطنا لاجله مقدمة الكتاب ، ونذكر الامم فالامم من ~~اخبار المتقدمين ، ونأتى بعده بمناقب الصالحين ، وربما اندرج ذكر بعض ~~المناقب في أثناء التاريخ والاخبار ، والله الموفق وبه نعتصم وهو حسبنا ~~ونعم الوكيل . # ومن ها هنا أبتدائ في أستخراج ما أنبه عليه من الكتاب المذكور فأول ذلك ~~ذكر سبب مصير مذهب الاباضية ببلاد المغرب وابتداء امرهم ونقتله من ارض ~~المشرق واخبار العلم الخمسة النفر . PageV01P012 # حدث غير واحد من اصحابنا عن الامام افلح عن ابنه عبد الوهاب عن جده عبد ~~الرحمن بن رستم أنه قال : أول من جاء يطلب مذهب الاباضية ونحن بقيروان ~~أفريقية ، سلامة بن سعيد قال قدم علينا من أرض البصرة ومعه عكرمة الاباضية ~~وعكرمة يدعو إلى مذهب الصفرية ، فسمعت سلامة يقول وددت ان لو ظهر هذا الامر ~~يعنى ms009 مذهب الاباضية يوما واحدا من أول النهار إلى آخر فلا أسف على الحياة ~~بعدة ، فقيام عبد الرحمان مجتهدا في ذلك الامر ، فقال له رجل من أهل الدعوة ~~اذا كنت تريد العلم بما كلفت به وعلقت مطلبه بخاطرك ، فدونك أرض البصرة ، ~~فان بها رجلا عالما يكنى ، أبا عبيدة مسلم بن ابى كريمة التميمي ، فانك تجد ~~عنده ما تطلب ، فلذلك توجه عبد الرحمن بن رستم إلى البصرة رحمة الله ، وقيل ~~أن أمه هي التي ارشدته إلى ذلك وله حديث سأذكره بعد أن شاء الله عند الخمسة ~~النفر الذين قرأوا على أبي عبيدة واذكر ما صح عندنا من خبرهم في موضعه من ~~الكتاب . # --------------------------------------------- # (1) تساهلا # (2) التجاوز عن الشئ وتركه # (3) اثبته صاحب السير باسم وسيل بن سنتين ، وكذلك صاحب الاباضية في موكب ~~التاريخ وهو أصح # (4) كذا بالنسخ ولعلة نسبة إلى صعيد مصر # ذكر فضائل الفرس من العجم PageV01P013 بلغنا أن رسول اله صلى الله عليه ~~وسلم لما نزل قوله تعالى : " يايها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه " ~~الآية أشار إلى سليمان الفارسى وكان جالسا بين يديه قال : لعلهم أن يكونو ~~من رهط هذا ، وعنه صلى الله عليه وسلم قال : " أن لله كنزا ليس من ذهب ولا ~~من فضة ، لكنه في بطون ابناء فارس " وذكر ابن داب عن عمر بن الخطاب رصى ~~الله عنه أنه مشى ذات يوم مع المغيرة بن شعبة ، وكان المغيرة اعور ، فقال ~~له عمر رضى الله عنه ك هل أبصرت بعينيك هذه قط شيئا يا مغيرة ؟ قال نعم يا ~~أمير المؤمنين قال له عمر سيعود الاسلام كما عورت ثم ليعمن حتى لا يدرى من ~~له ولا من عليه ، فاذا أتى علية مائة وستون سنة رد عليه سمعه وبصره ، بوفد ~~كوفد الملوك ، طيبة ارواحهم ، صالحة اعمالهم ، فقال له المغيرة من أي ماء ~~يا امير المؤمنين ؟ امن الحجاز ام من ماء العراق ام من ماء الشام ؟ فولى ~~عنه عمر وتركه ، فوليت الفرس تاهرت على رأس ستين ومائة . وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms010 قال : لو تعلق الدين بالثريا لنالته رجال من العجم ، ~~واسعدهم به فارس ، وروى زيد بن اسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ~~رؤيا وقصها على أصحابه ، فقال رأيت غنما سوداء خالطتها غنم بيض ، فتأولتها ~~ان العجم يدخلون الاسلام فيشتركونكم في نسائكم ، واموالكم ، فتعجبوا من ذلك ~~، فقال : العجم يدخلون بلادنا يا رسول الله ! فقال : أي ، والذي نفسي بيده ~~لو أن الدين تعلق بالثريا لنالته رجاله من العجم ، واسعدهم به أهل فارس ، ~~ومن طريق آخر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : لو تعلق العلم بالثريا ~~لنالته الفرس ، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى :" ستدعون إلى الفرس ، ~~وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : "ستدعون إلى قوم أولى باس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون " هم بنو جنيفة وقال بعضهم هم فارس . PageV01P014 # وذكر أبن قتيبة وعمرو بن بحر الجاحظ وغيرهما من أصحاب التاريخ عن أبن ~~عباس رضى الله عنهما أنه قال لما كان ليلة مولد النبى صلى الله عليه وسلم ، ~~ارتج ايوان كسرى ، فسقطت منه أربع عشرة شرافة فعظم ذلك اهل مملكته فما كان ~~باوشك من أن كتب إليه صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة ، ~~وكتب إليه صاحب الشام يخبره أن وادى السماوة انقطع تلك الليلة وكتب إليه ~~صاحب طبرية يخبره أن ماء تلك الليلة لم يجر في بحيرة طبرية ، وكتب غليه ~~صاحب فارس يخبره أن بيوت النيران خمدت تلك الليلة ، ولم تخمد قبل ذلك بألف ~~سنة فلما تواترت الكتب عليه ابرز سرية وظهر لأهل مملكته فاخبرهم الخبر ، ~~فقال : الموبذان ايها الملك أنى رأيت تلك الليلة رؤيا هالتنى ، قال له وما ~~رايت ؟ قال له : رأيت أبلا صعابا تقود خيلا عرابا حتى أقتحمت دجلة وانتشرت ~~في بلادنا فقال له : لقد رأيت ، فما عندك في اويلها ؟ فقال له : ما عندي ~~فيها ولا في تأويلها شئ ، ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة يوجه إليك رجلا من ~~علمائهم فانهم أهل علم بالدثان فبعث إليه رجلا من علمائهم فانهم أهل علم ~~بالحدثان فبعث إليه فوجه إليه ms011 عبد المسيح بن نفيلة الغسانى ، فلما قدم عليه ~~أخبره كسرى الخبر فقال : أيها الملك والله ما عندى أخبره كسرى الخبر فقال : ~~ايها الملك والله ما عندى فيها ولا في تأويلها شئ ، ولكن جهزنى إلى خال لى ~~في الشام ، يقال له سطيح فقال : جهزوه ، فلما قدم على سطيح وجده أختصر ~~فناداه فلم يجبه وكلمه فلم يرد عليه فقال عبد المسيح : PageV01P015 # فرفع إليه سيطح رأسه فقال : عبد المسيح على جمل مشيخ إلى سطيح بعثط ملك ~~بنى ساسان لارتجاج الايوان وخمود النيران ، ورؤيا الموبذان ، رأى أبلا ~~صعابا ، تقود خيلا عرابا ، حتى اقتحمت الوادى ، وانشرت في البلاد ! عبد ~~المسيح : أذا ظهرت التلاوة ، وغاض وادى السماوة ، وغارت بحيرة ساوة وظهر ~~صاحب الهرواة فليس الشام بشام ، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرافات ، ~~وكل ما هو آت آت ، ثم قال : # ثم اتى كسرى فاخبره الخبر فغمه وهاله ثم تعزى ، وقال إلى أن يملك أربعة ~~عشر ملكا يدور الزمان ، فملك منهم تسعة إلى مبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، وقال ابن قتيبة فالله اعلم ممن التمام ، وليس إلا الخمسة الائمة ~~الذين ولوا بتاهرت من ارض بعض المغرب ، ولوها نيفا على مائة وخمسين فيما ~~ذكر بعض الرواة ، قال أبو العباس احمد رحمه الله . اما قول الشيخ ان التمام ~~كان بالائمة الخمسة وانهم منهم فانا اراد في النسب لا في غيره ، واراد ان ~~ولايتهم اذ ولول صحيحا غلا ان ولايتهم على دين الاسلام ومذهب العدل والقوام . # فضائل البربر من العجم PageV01P016 وعن فضائل البربر من العجم ما بلغنى ~~ان عائشة رضى الله عنها ، دخل عليها ذات مرة رجل من البربر وهى جالسة ومعها ~~نفر من المهاجرين والانصار ، فقامت عائشة وسادتها فطرحتها للبربرى دونهم ، ~~فانسل القوم واجلين بذلك ، فلما قضى البربرى حاجته وخرج ارسلت إليهم عائشة ~~، حتى أجتمعو إليها ، فقالت لهم : ما الذي اوجب خروجهم على تلك الحال ؟ ~~قالوا : لا يثارك علينا وعلى نفسك رجلا كنا نزدريه ، وننتقص قومه ، فقالت ~~انما فعلت ذلك لما قال فيهم رسول الله صلى الله ms012 عليه وسلم ، قالت اتعرفون ~~فلانا البربري ؟ قالوا نعم ، قالت كنت انا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ذات مرة جالسين ، اذ دخل علينا ذلك البربرى مصفر الوجه غائر العنين ، فنظر ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ما دهاك ؟ أمرض ؟ فارقتنى بالأمس ~~ظاره الدم فجئتنني الساعة كأنما انتشرت من قبر ، فقال ، يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، بت في هم شديد ، فقال ما همك ؟ قال : تردد بصرك في بالامس ~~خفت ان يكون نزل في قرآن فقال : لا يحزنك ذلك ، فانما ترديدى البصرة فيك لن ~~جبريل عليه السلام جاءنى ، فقال أوصيك بتقوى الله وبالبربر قلت: وأى البربر ~~؟ قال قوم هذا ، واشار إليك فنظرت غليك ، فقلم لجبريل ما شأنهم ؟ قال : قوم ~~يحيون دين الله بعد ان كاد يموت ويجدونه بعد أذا يبلى ثم قال جبريل : يا ~~محمد دين الله خلق من خلق الله نشأ بالحجارة واهله بالمدينة ، خلقه ضعيفا ~~ثم ينميه وينشئة ، حتى يعلو ويعظم ، ويثمر كما تثمر الشجرة ثم يقع وانما ~~يقع رأسه بالمغرب ، والشئ إذا وقع لم يرفع من وسطه ، ولا من اسفله ، انما ~~يرفع من عند رأسه. PageV01P017 # وبلغنا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قدم عليه وفد من البربر ، من ~~لواته ارسلهم إليه عمرو بن العاص وهم محلقو الرؤوس واللحا ، فقال لهم عمر ~~من أنتم قالوا من البربر من لواته ؟ فقال عمر لجلسائه : هل فيكم من يعرف ~~هذه القبيلة في شئ من قبائل العرب والعجم ، قالوا : لا ، قال : العباس بن ~~مرادس السلمى عندى منهم علم يا أمير المؤمنين هؤلاء من ولد بنى قيس ، وكان ~~لقيس عدة من الاولاد ، أحدهم يسمى بربر بن قيس ، وفى خلقه بعض الرعونة فقال ~~: اخرق ذات مرة فخرج إلى البرارى فكثر بها نسله وولده ، فكانت العرب تقول ~~تبربروا أى كثروا فنظر إليه عمرو بن الخطاب رضى الله عنه فاستحضر ترجمانا ~~يترجم كلامهم ، فقال لهم مالكم محلقو الرؤوس واللحا ؟ فقالوا شعر نبت في ~~الكفر ، فاحببنا ان نبدله بشعر ينبت في الاسلام ، فقال ms013 هل لكم مدائن ~~تسكنونها فقالوا : لا ، قال : فهل لكم حصون تتحصنون فيها ؟ قالوا : لا فقال ~~: هل لكم اسواق تتبايعون فيها ؟ قالوا : لا ، قال : فبكى عمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه ، فقال له جلساؤه وما يبكيك يا أمي المؤمنين ؟ قال عمر أبكاني قلة ~~هذه العصابة من المسلمين ، واجتماع أمم الكفر عليها ، فان الله تعالى سيفتح ~~للاسلام بابا من المغرب بقوم يعز بهم الاسلام ويذل بهم الكفر ، أهل خشية ~~وبصائر يموتون على ما أبصروا ، وليست لهم مدائن يسكنون فيها ولا حصون ~~يتحصنون فيها ، ولا أسواق يتبايعون فيها ، فلذلك بكيت الساعة . حين ذكرت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ن وما ذكر من الفضل عليهم فردهم إلى عمرو بن ~~العاص وأمره ان يجعلهم في مقدمات العسكر ، واحس إليهم عمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه وأكرمهم ، وأمرمهم ، وامر عمرو بن العاص أن يحس إليهم ، فكانوا مع ~~عمرو بن العاص حتى قتل عثمان ، فلما كان هذا الخبر في عصابة من أهل المغرب ~~عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رجونا أن يكونوا أئمتنا ومن ~~اقتفى آثارهم وأن يكونوا أهل تلك الفضيلة . PageV01P018 # وبلغنا ان رجلا من 1رية ابى بكر الصديق رضى الله عنه عن بعض الخلفاء أنه ~~قال : با أهل مكة ويا أهل المدينة اوصيكم بالله وبالبربر خيرا ، فانهم ~~سياتونكم بدين الله من المغرب بعد أن تضيعوه ، هم الذين ذكرهم الله في ~~كتابه بقوله :" يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتى الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين . يجاهدون في ~~سبيل الله واسع عليم ". لا ينظرون في حسب امرئ غير طاعة الله ، قال البكرى ~~: فمن حين وقعت الفتنة انما نقاتل نحن العرب على الدينار والدرهم وأما ~~البربر فانهم يقاتلون على دين الله ليقيموه قال : وهو يرفع الحديث إلى ابن ~~مسعود رضى الله عنه أن آخر حجة حججنا قام خطيبا فقال : يا أهل مكة ويا أهل ~~المدينة اوصيكم بتقوى الله وبالبربر فأنهم سيأتونكم بدين الله من المغرب ، ~~وهم ms014 الذين يستبدل الله بكم اذ يقول :" وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا امثالكم " والذى نفس ابن مسعود بيده لو ادركتهم كنت لهم أطوع من ~~امائهم ، واقرب إليهم من دثارهم ، وبلغنا عن عائشة رضى الله عنها انها ~~أبصرت صبيا له ذؤابتان ذا جمال وهيئة فقالت من اى قبيل هذا الصبى الشقى ؟ ~~قالوا من البربر ، قالت عائشة البربر يقرون الضيف ويضربون بالسيف ويلجمون ~~الملوك لجام الخيل . # قلت وانما قدم الشيخ رحمة الله ذكر الفرس والبربر تنبيها على فضيلة ~~ائمتنا اذ كانوا من الفرس وفضيلة من انتهى إليه مذهبنا بالمغرب اذ كانوا ~~جلهم البربر ولم يقصد بذلك تاخير العرب عن الفضيلة اذ فضيلة العرب افضل ~~وشرفهم أقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابة ، وعلى ألسنتهم أنزل ~~القرآن ، ومنهم كان أسلافنا من الصحابة والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين ~~، ولكل خصلة من الفضل بحسب عطاء الله ويسره له ، والله يؤتى من فضله من ~~يشاء والله واسع عليم . # خبر الخمسة نفر (حملة العلم إلى المغرب) PageV01P019 أبو الخطاب عبد ~~الاعلى بن المسيح المعافرى ، وعبد الرحمن بن رستم الفارسى ، وعاصم السدراتى ~~، واسماعيل أبن درار الغدامسى ، وابو داود القبلى ، وتحدثهم إلى ابى عبيدة ~~رحمة الله وأخبارهم الاول فالاول . # أخبار عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى الملك الفارسى رحمه الله # كان مولده بالعراق وكان أبوه منجما وكان يرى في علم مدخر عندهم ان ذريته ~~ستلى أرض المغرب ، وكان أبوه رستم متوجها من العراق ومعه عبد الرحمن أبنه ~~وزوجته ليصل إلى أرض المغرب ، فلما كان بمكه أو قريبا منها ادركته حمامه ، ~~وانتقضت أيامه فلقى عبد الرحمن وامه الحجاج من أهل ارض المغرب بمكة فتزوج ~~رجل من القيروان أن عبد الرحمن ، فأقبل بهما حتى قدموا أرض القيروان ، ونشأ ~~بها عبد الرحمن . PageV01P020 # فلما بلغ مبلغ الرجال وقرأ وتصفح ، نظر إليه رجل من أهل مذهبنا ، فقال له ~~يا بنى ، ان كنت جادا فيما أراك تطلبه فاقصد ابا عبيدة مسلم بن ابى كريمه ، ~~تجد عنده ماتطلب . فسار عبد الرحمن ms015 بن رستم إلى ابى عبيدة رحمة الله فاجتمع ~~بالنفر الذى ذكرنا ، فصدوا ابا عبيده رحمه فصافحهم ابو عبيده وسألهم عن ~~احوالهم ، ومن أين أقبلوا فاخبروه انهم أرادوا تعلم العلم ، فاجابهم إلى ~~ذلك ، ومكثوا عنده عدة سنين ، وكان أبو عبيدة رحمة الله مستخيفا تخوفا من ~~بعض أمراء البصرة (1) فادخلهم سربا وجعل فيه سللسة وطفق يعمل القفاف بباب ~~السرب فمتى رأى شخصا مقبلا حرك السلسلة فسكتوا فإذا انصرف حركها فيأخذون في ~~دراستهم ، وكان عبد الرحمن شابا جميلا حديث السن وكان أبو عبيدة يجعل بينه ~~وبين الناس سترا لئلا يشغلهم بجماله ، فلما بلغوا من العلم ما شاء الله ~~وأرادوا الانصراف إلى بلادهم رغب عجائز متصلحات من المذهب إلى ابى عبيده في ~~أن يريهن عبد الرحمن ليودعنه ويزودنه بالدعاء ، فقالت أحداهن : بارك الله ~~فيك كما بارك في عين الشمس ، وقالت الثانية بارك الله فيك كما بارك في ~~انسان العين ، وقالت الثالثة : بارك الله فيك كما بارك في مطيب الطعام من ~~الملح . # فلما عزموا على المسير إلى بلادهم كلموا أبا عبيدة وشاوروه فيما يستقبلون ~~من أمورهم ، فقالوا له : يا شيخنا أرأيت أن لو كانت لنا قوة بالمغرب ووجدنا ~~في أنفسنا طاقة أفنولى علينا رجلا منا ؟ فقال لهم أبو عبيدة توجهوا إلى ~~بلادكم فان يكن في أهل دعوتكم من العدد والعدة ما تجب معه التولية عليكم ~~فولوا على أنفسكم رجلا منكم، فان ابى فاقتلوه ، واشار إلى أبى الخطاب رحمه ~~الله تعالى . PageV01P021 # قالوا فلما أرادوا الخروج من عنده هيأ الشيخ المركوب لتوديعهم ، ووضع ~~رجله في الركاب فسأله اسماعيل عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الاحكام قبل أن ~~يستوى علة متن الدابة ن فقال له : أبو عبيدة اتريد ان تكون قاضيا يا أبن ~~درار ؟ قال له : أرأيت أن أبتليت بذلك ! فبماذا تأمرنى يرحمك الله ؟ وقد ~~ذكر أنه أنما قال له ذلك في موطن المذكور . # ثم توجهوا إلى المغرب فلما وصلوا عرضوا الامامة على عبد الرحمن فاعتذر ~~بامانة كانت عنده للناس فقبلوا عذره وأرادوا تواية ابى الخطاب رحمه الله . # --------------------------------- # (1) هو ms016 الحجاج بن يوسف امير الامويين على العراق # امامة أبى الخطاب عبد الاعلى بن السمح # قال الشيخ أبو العباس رحمه الله أنما وضع الشيخ رحمه الله في هذا الموضع ~~من كتابه ذكر ولاية أبى الخطاب ، ثم ولاية الفرس ، لما أعتمده من ذكر ولاية ~~الفرس وأنتشار المذهب وائمتى ونقله إلى أرض المغرب فلما كان ذلك هو المهم ~~جعله أولا ، والذي ينبغى أن نقدم نبدأ بذكر من أستخلف من اصحاب رسول الله ~~صلى الله عليى وسلم ، ثم أمامة عبد الله بن وهب الراسبى رحمه الله ونبدأ من ~~أخباره ، ثم تأخذ السير على التدريج ، ولعل فعله أصلح والذي رآه أنجح ، أذ ~~علم ما عداه قد أنتهى حفظ الاكثرين إليه واغنت شهرته عن الدلالة عليه فنشرع ~~في ذكر ولاية من ولى بالمغرب ، ولنبتدئ بذكر أبى الخطاب رحمه الله ، وله ~~التقدم لسبقه إليه ولاستحقاقه أياه وسبق فضيلة العرب ثم لا بد أن شاء الله ~~من ذكر ما امكن من أخبار من اشرت إليهم في موضع يفرد لذلك أن شاء الله تعالى. PageV01P022 # ذكر بعض أصحابنا انه لما قدم ابو الخطاب واصحابه من المشرق الى طرابلس ~~اهتم بامور الناس ومصالح المسلمين من له فيهم نظر من المشائخ والاعيان ، ~~وافاضل الناس ، واجتمعت جماعة ممن وصفته ، ذلك بعد قتل الحارث وعبد الجبار ~~، والناس حينئذ في الكتمان فكانوا يتفاوضون في عقد الامامة ، وفيمن هو أهل ~~لها ، فاجالوا أفكارهم فيمن يولونه امرهم ، ثم اذا اجتمع رأيهم على أمضاء ~~ذلك جعلوا يرددون النظر فيما عزموا عليه هل لهم به طاقة ؟ وهل يستطيعون ~~مدافعه عدوهم ام لا؟ فكانوا يجتمعون في موضع يقال له " صياد " بخارج مدينة ~~طرابلس ويظهرون أنهم يجتمعون في قضية أرض مشتركة بين قوم أرادوا قسمتها ، ~~وذكر أنما أضهروا أنهم أجتمعوا في قضية لجل وأمراة تخاصما فيها وتفاقم ~~أمرهما فكانهم يريدون أصلاحها ، وكلما أنقضى مجلس وانفصلوا دخل منهم جمع ~~إلى والى المدينة فسلموت عليه مداراة له ، حتى إذا اتفق رأيهم على عقد ~~الاماة اجتمعت كلمتهم على مبايعة ابى الخطاب رحمه الله . PageV01P023 # وذكر ms017 بعض اصحابنا انهم لما اتفقوا على ذلك جعلوا بينهم موعدا معلوما ~~ليجتمعوا فيه بصياد ، فاتفقوا على ان ياتى كل واحد منهم بجماعة رجال من ~~عشرية واتباعه ، وأن يأتوا بالأسحلة ويجعلوا الدروق في الجواليق ويخفونها ~~بالتبن ، وجعلوا امارة بينهم وبين من في المدينة من مشائخ أهل دعوتهم ومن ~~لا يقدر على النهوض معهم انهم أذا رأوهم دخلو المدينة المدينة بجماعتهم ان ~~يستهروا السلاح ، واخبروهم سرا أن الامام ابو الخطاب فلما كانوا بالموعد ~~الذي يجتمعون فيه بعامة المسلمين من شيوخ القبائل من نفوسه وهوارة وزريشة ، ~~وزناته وغيرهم فتوافوا بصياد ن ومعهم ابو الخطاب ، حين عمدوا لعقد ما ~~اعتقدوا قالوا له امض معنا على بركة الله إلى الذى ترددنا فيه منذ زمان ، ~~قال فخرج معهم أبو الخطاب ولم يدر ما يريدونه فلما وصلوا صياد تكلم متكلمهم ~~، فقال أليس قد اجتمع رئاينا على ما قد علمتوه ؟ قالوا بلى ، قال فأتموا ~~أمركم إذا فقامت منهم طائفة ناحية فتناجنوا ساعة ن ثم رجعوا فقالوا لابى ~~الخطاب أبسط يديك لنبايعك على أن تحكم بيننا بكتاب الله وسنة نبيئه صلى ~~الله عليه وسلم وآثار الصالحين ، فقال لهم أبو الخطاب ما حسبت أن لهذا كان ~~خروجى معكم ، فقالوا لا بد لنا من تقليدك أمور المسلمين ، فلما رأى جدهم ، ~~قال لا أقبل أن أتحمل امانتكم ألا على شروط ، قالو كل شرط يجوز فنحن نعطيكه ~~، ونعطيك فيه ، فقال لهم: شرطى عليكم أن لا تذكروا في عسكرى مسألة الحارث ~~وعبد الجبار ، خوفا من أن يكون في جماعة المسلمين أختلاف وفرقة . # بيان مسالة الحارث وعبد الجبار واختلاف الناس فيها PageV01P024 وقد حدث ~~بعض أصحابنا أن مسألة الحارث وعبد الجبار أتصلت إلى المشرق فكان بين ~~اصحابنا الذين في المشرق بهذه المسالة أختلاف وفرقة وفي المغرب أشد من ذلك ~~، حتى كتب إليهم أبو عبيده وأبو مودود حاجب الطائى رضى الله عنهما بالكف عن ~~ذكرها . قال الشيخ أبو العباس الخلاف الذي في المسالة قديما وحديثا أصلة في ~~الولاية المعينة هل تنتقل إلى الوقوف أم لا إلا أن ms018 أنتقلت بحكم كتعين إلى ~~البراءة ؟ وهذه المسألة مبينة في العقائد وفي الفقه ، على اليقين هلى يدفعه ~~الشك ؟ فعند أصحابنا ان اليقين يدفع الشك ولا يدفعه الشك فالولاية لا تنقل ~~إلى الووقف وعند الزيدية أنها تنتقل إلى الوقوف ولهم في ذلك أشكالات ياتى ~~ذكرها ومدافعتها ن وذلك أن الحارث وعبد الجبار كانا رجلين موصوفين بالصلاح ~~، وهما من أهل الولاية ، فوجدا في موضع واحد مقتولين وسيف كل واحد منهما في ~~جثة الآخر . فوقع الاختلاف فيها ، فقائل يقول ان كلا منهما قتل الاخر ، ~~فينبغي أن نبرأ منهما فهذا ارذل الاقوال ، وقائل بان كل واح منهما قتل ~~الآخر إلا أنا لا ندرى الباغى منها فنبرا منه ولا المبغى عليه فنتولاه فلا ~~يسعنا إلا الوقوف عن ولايتها والبراءة منهما هذا قول اصحاب عبدالله بن زيد ~~، فقائل أنهما باقيان على ما كانا يستحقانه من الولاية لأن صلاحيتها متيقنة ~~وقتل احهما الآخر مشكوك فيه فلا نتوقف عن وايتها فهذا من الاحتمال ، اذ من ~~الاحتمال الذي سبق إلى الخيال أن يكون البغاة الذين قتلوهما قد أولجوا سيف ~~كل واحد منهما في جثة صاحبة وتركوهما لما أرادوه من هذا الخلاف فهذا قول ~~اصحابنا . PageV01P025 # وللزيدية (1) هنا افراط بمسئلتين ، احداهما ان يقع اللعان بين الزوجين ~~وهما من أهل الولاية فلا بد أن يكون البغل قاذفا أو تكون المرأة زاينة ، ~~وكلا الفاحشتين من الكبائر إلا أنا لا ندرى من أرتكيها منها فعلينا الوقوف ~~او البراءة ، والثانية أن ترى من بعد رجلين من أهل الولاية وقد جرد كل واحد ~~منهما سيفه ، وضرب صاحبه حتى ماتا ولست تدرى الباغى ولا المبغى عليه ، قلنا ~~هذا كله احتمالات ولنا في رسول الله اسوة حسنة ، أذا نزل عليه :" وممن ~~حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة ، مردوا على النفاق ، لا تعلمهم ~~نحن نعلمهم " ، فلم يبلغنا عنه صلى الله عليه وسلم أنه توقف عن مواصلة أحد ~~ممن أظهر الايمان من أهل المدينة ولا من الاعراب ولا انه تجنب أحدا مع انه ~~صلى الله عليه وسلم ألم انه لا ms019 يعلمهم ، وان الله تعالى يعلمهم ، بل أبقاهم ~~على ما هم عليه من الولاية المتقدم اليقين بها حتى فضحتهم الآية من سور ~~براءة في قوله تعالى : ومهم فلما عرفوا يقينا أنتقلت الولاية إلى البراءة ، ~~فاطلب ذلك في موضعه تجده . # وبلغنى عن ناس من أصحابنا الذين بالشرق . بل قد وقفت عليه من قولهم : ~~أنهم رحجوا قول اصحابنا في القتيلين والمقتولين ، ورحجوا قول الزيدية في ~~الملاعنيين فاعتمد هذاك الله على القرآن وما تعلق به يدحض كل قول يخالفه ، ~~فهذا هو الخلاف الذى في المسئلة . PageV01P026 # رجعنا ، فأراد ابو الخطاب رضى الله عنه أن يقطع الاختلاف من جماعة ~~المسلمين بامامته ، فقالوا له لك ذلك علينا فبايعوه على القيام بحقوق الله ~~، وعلى ما فيه في الكتاب والسنة واتباع الائمة المهتدي ، فقبل مبايعتهم ، ~~وانصرف إلى المدينة ومعه جماعة المسلمين ، وذكر بعض أصحابنا ان ولاية أبى ~~الخطاب كانت على رأس اربعين ومائة سنة ، ثم أجتمع رأيهم على دخول المدينة ~~مدينة طرابلس وبها عامل لابي جعفر المنصور ، فعمدوا إلى رجال باسلحتهم ~~فحملوها في الجواليق افواه الجمال ، وكأنهم عير اقبلت إلى المدينة وقد ~~جعلوا افواه الجواليق إلى داخلها من أسفل ، وجعلوا مع كل جمل رجلين بالسلاح ~~، فلما توسطوا المدينة ولم يفطن احد بما صنعوا فتحوا الجواليق ، فخرج ~~الرجال والسلاح في أيديهم ، وقالوا : لا حكم إلا لله ، ولا طاعة إلا طاعة ~~الله وطاعة ابى الخطاب ، وقصدوا نحو العامل ليقتلوه ، فأبى عليهم أبو ~~الخطاب ، وقصدوا نحو العامل ليقتلوه فأبى عليهم أبو الخطاب من ذلك ، وقال : ~~أنما دخلنا عليهم بالامان . فلما رءاهم اهل المدينة وقد شهروا السلاح قالوا ~~بالامان : هذه غدرة ، فقال لهم اصحاب أبى الخطاب : لا بأس عليكم لسنا بأهل ~~غدر . فمن أراد العافية منكم فليقم في منزله ، ويخر أبو الخطاب العامل في ~~الاقامة في المدينة وينخلع عن العمل ، أو الخروج بالامان . فاختار الخروج ~~إلى أرض المشرق ، ودفع لابى الخطاب مفتاح بين المال فأخذها منه . PageV01P027 # فاحسن ابو الخطاب رضي الله عنه السيرة وعدل في سيرته واحكامه ، وكانت ~~ولاية أبي الخطاب اربع سنين ms020 وقد ولي على رأس أربعين ومائة ، وبلغنا ان ~~امرأة من نساء القيروان كتبت بطاقة إلى الامام ابي الخطاب رضي الله عنه ~~تشكو اليه جور (ورفجومة ) تقول فيما كتبت له : ( اما بعد " يا أمير ~~المؤمنين " فان لى ابنة وقد بلغت في الخوف عليها من ورجفومة والحوطة عليها ~~ان حفرت حفرة تحت سريري وصنتها فيها عنهم خشية ان يفسدوها كما فعلوا ~~بامثالها فانظر الينا والسلام ) وكانت ورفجومة ولاة مدينة القيروان فلما ~~وصلت البطاقة الى ابي الخطاب رضي الله عنه صادفته وهو يتوضأ ، فقرأها وجعل ~~يبكي رحمة بما نزل بها ، فنادى ( الصلاة جماعة ) واجتمع اليه الناس وصلى ~~بهم ، ثم صعد المنبر خطيبا ، فحمد الله وانثى عليه ثم أخذ في ترغيب اصحابه ~~في الجهاد وامر رعيته في التأهب والاستعداد ، وان يعزموا على المصابرة ~~والجلاد ، فخرج من المسجد وسل عند بابه سيفه وكسر غمده ، قال : لا حكم إلا ~~لله ترغيبا في الجهاد وغضبا لله ولدينه ، وبلغنا من طريق آخر ان ورفجومة ~~أخرجوا امرأة من القيروان وهي تصيح وتقول : اغيثونى معاشر المسلمين ، فلم ~~تجد احدا يدفع عنها فلما بلغ أبا الخطاب رحمه الله ما نزل بها ، واستغاثتها ~~بمعشر المسلمين فلم تجد أحدا يدفع عنها قال أبو الخطاب مجيبا لها : لبيك لبيك . PageV01P028 # وقد ذكر بعض أصحابنا ان امرأة من أهل القيروان طلبها ورفجومة فصاحت من ~~القيروان يا ابا الخطاب اغثنى فمد الله في صوتها فسمعها أبو الخطاب من ~~مدينة طرابلس ، فقال لها : لبيك يا اختاه ، قال الشيخ ابو العباس رحمه الله ~~ولا ينكر هذا وامثاله من كرامات الاولياء يؤيده ما بلغنا عن رسول الله صلى ~~عليه وسلم يقول الله جل وعلا :" لا يوال العبد يخدمنى حتى احبه فإذا أحببته ~~وهبت له عيني فيرى بها وسمعي فيسمع بها" الحديث ، ولا تقل العين والاذن ~~ههنا جارحتان ، بل الكلام عليها كالكلام على امثالهما مما نزل في القرآن ~~وفيما ورد في السنة ، وكل ذلك محمول على قدرة الله تعالى ، قال : فعند ذلك ~~أمر أبو الخطاب مناديه بان ينادى : النفير النفير فعسكر ms021 على طرف المدينة ~~حتى أجتمع إليه من اصحابه جموع كثيرة ، ثم أن أبا الخطاب خرج فيمن اجتمع له ~~من أصحابه ومعه عبد الرحمن بن رستم افارسى رضى الله عنه ن فخرجوا في سنة ~~ممحملة ذات جوع وجذب ، فامدهم الله بالجراد ن فإذا نزلوا نزل معهم ، واذا ~~ارتحلوا ارتحل معهم . PageV01P029 # وبلغنا ان ابا الخطاب لما خرج امر مناديه فنادى : ايها الناس من له ابوان ~~كبيران أو أحدهما فليرجع ، ومن له عروس قريب عهدها فليرجع ، ومن اراد ~~الرجوع منكم فليرجع بالليل رجعت طائفة من عسكره فلما كان بالغد أمر خيلا ~~تقطع وراءه فوجد أثر من رجع من الناس إلى أهلهم ، ثم فعل ذلك في الليلة ~~الثانية وفي الليلة الثالثة ، حتى رجعت خيلة فاخبرته بانه لم يبق من يرجع ، ~~وانه لم يبق معه إلا من له رغبة في الجهاد . فعرض عسكره في ستة آلاف ، وقال ~~فيما قال : انى لأرجو لمن خرج في عسكرنا ومات مجاهدا ان يكون من أهل الجنة ~~الا من من فيه أحدى ثلاث قتل نفس بغير نفس ، وافتراش في حرام ز واقتناء أرض ~~غصبا ،. فمن كانت فيه هذه الخصال أو واحدة منهن فليعلم انه واجد منهن مخرجا ~~أما قاتل النفس فبان ينقاد لاولياء انه واجد منهن مخرجا أما لم يعلم له ولي ~~ليشهد على نفسه بتركها واما الاثنتان الاخيرتان فانه ليشهد على نفسه ~~بتركهما والتخلى عنهما . وبلغنا ان أبا الخطاب مر بمدينة " قابس " فحاصر ~~أهلها حتى ضعفوا واذعنوا له بالطاعة فجعل على المدينة عاملا ، وارتحل حتى ~~اذا نزل على القيروان فحاصر المدينة عاملا ، وارتحل حتى اذا نزل على ~~القيروان مرض عاصم السدراتى مرضا شديدا ، كان من اخيار أهل العسكر ن ~~وانجدهم ، واشهدهم شوكة على أهل القيروان فسمع بمرضه أهل القيروان وأنه ~~أشتهى القثاء فبعث أهل القيروان ببائع القثاء ، فسممعوا واحدة من قثائه ، ~~وامروه ان لا يبيعها الا لعاصم السدراتى فمضى البياع بما عنده من القثاء ~~إلى المعسكر ، فاشترى لعصم اصحابه تلك المسمومة فأتوه بها فاكلها فثار فيه ~~سمعها ، حتى هلك ms022 ، وقد هرب البياع حين باعها فاستشهد عاصم رحمه الله فصاح ~~أهل المدينة أين عاصم السدراتى المقتول بالسم ؟ ثم جعلوا يقولون مات عاصمكم ~~يا بربر . PageV01P030 # فعلم أبو الخطاب أنهم خدعوه وبلغ منه موت عاصم مبلغا عظيما ، فقال ~~لاصحابه : أنهم خدعونا وغدرونا ، فسنخدعهم ونغدرهم كما فعلوا ، فخدعهم رحمة ~~الله ، وامر اهل العسكر بان يأخذوا سلاحهم ويخلا اخبيتهم ويخرجوا تحت الليل ~~وياخذوا الطريق شبه الهاربية مذعورين ، فاصبح منزل عسكر ابى الخطاب خاليا ، ~~فظن أهل القيروان أنهم هربوا منهم ليلا ، وقالوا : انهزمت البربر ، واخذوا ~~بآثارهم ن ومضى أبو الخطاب رحمه الله فيمن معه إلى واد وراء فحص رقادة ، ~~وكمن فيه بخلية ورجله ، فأخذ اهل المدينة في طلب ابى الخطاب واصحابه . فلما ~~لحقوا بهم ، وجدوهم معسكرين فثار ابو الخطاب وأصحابه في وجوههم ، فهزموهم ~~فتبعهم أبو الخطاب واصحابه ، يقتلونهم ، حتى دخلوا معهم المدينة فتحصلت ~~المدينة لأبى الخطاب في سنة احدى واربعين ومائة من التاريخ . # فلما ولى ابو الخطاب المدينة أستعمل عليها عبد الرحمن بن رستم رحمه الله ~~، وقد أمر أبو الخطاب أصحابه حين كان في حصار المدينة ان لا يفسدوا زرعا ~~ولا غيره . # وحدث بعض أصحابنا ان شيخا من شيوخ القيروان بعث ابنا له يرتاد مزرعة كانت ~~له بقرب منزل عسكر ابى الخطاب فقال يا بنى : أذهب وانظر هل بقى في مزرعتنا ~~شئ قال : فخرج الغلام إلى المزرعة فوجدها سالمة لن ينلها فساد ، فرجع ~~الغلام إلى أبيه فأخبره ، فعجب لذلك وعجب الناس لعدل ابى الخطاي وسيرته ~~وطاعة أصحابه له فيما يامرهم به وينهاهم عنه . وكان من مقالة الشيخ المذكور ~~اذ ذاك لمن حضره من أهل القيروان : أتظنون ان ابا الخطاب يشبه من ولي عليكم ~~قبلة دنيا وفضلا ؟ وأن سيرتهم كسيرته حسنا وعدلا ؟ كلا والله . أين مثل أبى ~~الخطاب في سيرته وعدله وفضله ! PageV01P031 # وبلغنا ان أمرأتين قد خرجتا من القيروان حين فتحها الله لابى الخطاب بعد ~~هزيمة أهلها ، فنظرت احداهما إلى القتلى مزملين في ثيابهم كانهم رقود ، ~~فقالن لصاحبتها : انظرى اليهم كانهم رقود . فسمى ذلك الموضع رقادة ms023 إلى ~~اليوم ولما دخل ابو الخطاب المدينة أمر أهل المدينة بان يخرجوا إلى قتلاهم ~~ليدفعوهم . # وقد أمر ابو الخطاب من يتفقد القتلى ، فوجد قتيلا واحدا منهم مسلوبا ، ~~وامر مناديا ينادى في عسكره من نزع عن أحد من القتلى شيئا فليردده ، فلم ~~يردد أحد شيئا فعلم ان سالبه عمل غير صالح ، فلما أيس من رده سلب القتيل ~~المذكور طوعا ، ومخافة من عقاب الله تعالى ، ودعا أبو الخطاب ربه عزوجل أن ~~يفضحه ويظهر على اعين الناس فامر أبو الخطاب فرسان من عسكره بان يخرجوا ~~ويجروا خيلهم بين يديه وكان فيهم رجل فارس ن سدراته فلما اجريت الخيل انقطع ~~حزام سرج السدراتى ن فوجد كساء سفسارية تحت سرجه ، فسقط الكساء على أعين ~~الناس وقيل بل كان جبة حرير . قلت والجراد أيضا عند الاحيتاج إليه واجابه ~~الدعاء على الخائن كل ذلك من الكرامات فأخذه الامام رحمه الله فعزره حسب ما ~~اقتضاه الاجتهاد . PageV01P032 # وبلغنا أن أبا الخطاب رضى الله عنه لما هزمهم احسن فيهم السيرة وامر ~~اصحابه ان لا يتعبوا مدبرا ، ولايجهزوا على جريح فقال رجل من لواته من عسكر ~~ابى الخطاب يقال له خالد أناكل من اموالهم كما يأكلون أموالنا ويعتقدون ~~أنها غنيمة احلت لهم ؟ فقال : أبو الخطاب رحمه الله ان فعلنا كما فعلوا فحق ~~على الله ان يرفضنا ويدخلنا معهم جهنم فنكون كما قال الله تعالى : " كما ~~دخلت امة لعنت أختها فنكون كما قال الله تعالى :" كلما دخلت أمة لعنت أختها ~~حتى أذا أراركو فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ~~عذابا ضعفا من النار ، قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ، وقالت أولاهم لخراهم ~~فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون "(2) ثم أن ابا ~~الخطاب توجه إلى المدينة طرابلس وقد استعمل عبد الرحمن بن رستم رحمه الله ~~على القيروان . وعلى ما يليها من المدن ، فاستعمل عبد الرحمن على القيوروان ~~, وعلى ما يليها من المدن ، فاستعمل عبد الرحمن على كتابته رجلا منهم يقال ~~له عبدالله بن عقيب فصلحت ms024 أحوال الناس . PageV01P033 # وقد كان الرجل السدراتى لما لم لم يتجاوز عنه أبو الخطاب رأى أن قد نزلت ~~عليه مصيبة عظيمة في أجتماع الفضيحة والاعانة عليه ، فسار مغضبا ، متوجها ~~إلى بغداد ليستنفر منها جيشا من تلقاء ابلا جعفر المنصور ، فلما وصل بغداد ~~طلب الدخول على ابى جعفر فوقت على الباب سنة لا يؤذن له في الدخول على ابى ~~جعفر ولا بالانصراف ، فبعد تمام حول اذن له ابو جعفر في الدخول ، فدخل عليه ~~وخلا به ، وسأله عن حاجته ، فقال له : حاجتى أن تنفذ معى عسكرا إلى ناحيتع ~~المغرب ، فامر ابو جعفر بالاستعداد بالمسير إلى أرض المغرب ، فانفذ جيشا ~~وجعل عليه محمدا بن الاشعت الخزاعى اميرا . وذكر بعض أصحابنا ان عدد أهل ~~العسكر خمسون ألفا ، وقال : بعضهم سبعون ألفا ، فجعل على طائفة من العسكر ~~رجلا دون ابن الاشعت ، فتوجه ابن الاشعث قاصدا إلى ابى الخطاب ، فلما انفصل ~~العسكر من مصر أرسل عيونه فكانت العيون تختلف بين الفريقين باخبار كل عيونه ~~فكانت العيون تختلف بين الفريقين باخبار كل منهما إلى الآخر ، وبجميع ما ~~يحدث عندهم فقدمت عيون ابن الاشعث من عند ابى الخطاب فسألهم عن اخباره ، ~~فقالوا له أنجمل ام نفضل ؟ فقال : بل اجملوا ، فقالوا رأينا رهبانا بالليل ~~واسدا بالنهار ، يتمنون لقاءك كما يتمنى المريض الطبيب ، لو زنى صاحبهم ~~لرجموه ولو سرق لقطعوه ، خيلهم من نتاجهم ، ليس لهم بيت مال برتزقون منه ~~وانما معاشهم من كسب ايديهم . فلما سمع بان الاشعت ما وصفوه هاله ذلك ظن ~~فشاور الامير الذى دونه في الرجوع فابى له من ذلك . PageV01P034 # ولما رأى أبن الاشعت ذلك وخاف تفرق الكلمة ، عمد إلى رجال من عسكره ~~فامرهم أن يتزيوا بزي الرسل ، كأنهم قدموا من ارض المشرق ، واودعتهم كتاب ~~أستخرجه على لسان ابى جعفر ، وامرهم أن يتنجوا عن العسكر فإذا كان وقت ~~الضحى من الغد اقبلوا كأنهم قادمين من بغداد بكتاب خليفتهم فلما كان الوقت ~~الذى وعدهم بالقدهم فيه اقبلوا ، فلما رءاهم أهل العسكر تبادروا ، وأتوا ~~بهم إلى ابن الاشعث ، فناولوه الكتاب ms025 الذى قدموا به فقرأه وأظهر أن ابا ~~جعفر أمره بالرجوع ن فرجع بالعسكر لما أعتل به من أمر ابى جعفر اياه ~~بالرجوع لأمر هو احوج إليهم فيه مما توجهوا إليه ، فرجع ، وكره صاحب ابن ~~الاشعث الرجوع فلما رءاه كذلك أرسل إليه وأمر به فقتل ، فخيل إلى الناس أن ~~أبا جعفر أمره بذلك ن وضم إلى نفسه العسكرين . ثم أنه كر راجعا إلى المشرق ~~وتباطأ في سيره وقرب المراحل ، والعيون تختلف باخبار الفريقين فإذا ارتحل ~~ابن الاشعث أول النهار نزل عند أنتصافه، فإذا كان إذا أرتحل، وعيون ابى ~~الخطاب كلما رأت ابن الاشعث أرتحل مرحلة رجعت منهم طائفة ، وأبن الأشعث ~~كلما ارتحل مرحلة أمر خيلا تقطع الأثر خلفه لتنظر هلى بقى في عسكر ابى ~~الخطاب أم لا ، وعيون أبن الاشعث في عسكره من عيون ابى الخطاب أم لا ، ~~وعيون أبن الاشعث في عسكر ابى الخطاب مقيمه ، فلما وصلت عيون أبى اجتمع ~~إليه من عسكر ابن الاشعث تخبره برجوعه - وقد اجتمع على ابى الخطاب زهاء ~~تسعين ألفا - ابتدرت الناس إلى مواطنهم وذلك في زمان الحصاد ن فقال لهم أبو ~~الخطاب يا قوم : أن العرب أهل مكر وغدر ، فلا تفترقوا عن ملككم ، حتى ~~تستيقنوا برجوع القوم ، وغلبت عليه العمة فإذن لهم بالحاق (3) أهليهم ~~فساروا وتفرقوا عنه ، وفى كل ذلك لم تزل عيون أبن الاشعث في عسكر ابى ~~الخطاب. PageV01P035 # فلما تيقنوا تفرق جموع ابى الخطاب اسرعوا بالمسير إلى صاحبهم ، فاخبروه ~~فكر ابن الاشعث راجعا يطوى المراحل ، فلم يشعر ابو الخطاب الا وعسكر ابن ~~الاشعث قد غشي حيز طرابلس ، وأبو الخطاب بها مقيم فقال لاصحابه أن العدو قد ~~غشي حريمى فلا يسعنى القعود عن المدافعة عن رعيتى ، وقد اعلمتكم من قبل بما ~~كنت أتوقعه من مكر العرب ، قال ففرق الرسل أبو الخطاب في البلدان تستنفر ~~عسكره وتستمدهم فارسل إلى عبد الرحمن بن رستم يستحثه ،فأمر أبو الخطاب ~~اصحابه بالخروج فاشار عليه بعضهم بالاقامة حتى تاتيه امداده ، فابى إلا ~~لخروج ، وقال : لا يسعنى المقام، وقل دخل ms026 العدو حريم رعيتى ، حتى أدفع ، ~~حتى ادفع عنها ما غشيها أو الحق بالله ، فخرج بمن حضره من أصحابه ومن بقرب ~~المدينة من نفوسه وهو أرة وزويشة وغيرهم يريد محمد بن الأشعث فالتقيا " ~~بتاورغا " وهو على مسيرة ثمانية أيام من طرابلس . # ------------------------------ # (1) لعله اليزيدية . تأمل # (2) سورة العراف : آيه 37-38 # (3) كذا في النسخ لعله باللحاق بأهليهم # مقتل أبى الخطاب واصحابه رحمهم الله PageV01P036 حدث غير واحد من أصحابنا ~~أن ابا الخطاب لما سمع برجوع أبن الاشعث إليه بمن خرج بمن حضره من أصحابه ~~فأجد السير إليه ، فوجد أبو الخطاب قد سبق إلى الماء نازلا عليه فقال ابن ~~الاشعث لاصحابه : أن نزل أبو الخطاب واصحابه واسترحوا وسقوا كراعهم ، ~~واستقوا فانكم لا تظفرون بهم بشئ ، ولا طاقة لكم بهم ، ، والا فانتم أقدر ~~عليهم منهم عليكم ، وهذا بتاروغا ، فلما وصلهم ابو الخطاب وعسكره شاقت ~~نفوسهم إلى لقائهم ، والجهاد في سبيل الله على بصيرة فلاقاهم أبو الخطاب في ~~قلة والعدو في كثرة ن فاسرع القتل في أصحاب أبى الخطاب واشتد القتال فكان ~~الرجال بين الصفين تنهدم كالحيطان ، ولم يبرج ابو الخطاب زاصحابه رحمهم ~~الله حتى أستشهدوا جميعا ن وكانوا في أربعة عشر ألفا فيما ذكر الرواة ، وقد ~~ذكر بعضهم أثنى عشر الفا فلم ينج من القتل إلا السير ، فتسامعت رعيته ~~بنقتله فهربوا إلى الجبال ، ولجأوا إلى الحصون المنيعة والقلاع العلية . PageV01P037 # وبلغنا أن عبد الرحمن بن رستم رحه الله لما وصلته رسل الامام اسرع ليحلق ~~به ، فلما انتهى إلى مدينة " قابس " تلقاه مقتل الامام وعسكره ، فافترت ~~عساكره وكر راجعا إلى مدينة القيروان ، فلما سمع عبد الرحمن بن حبيب بمصاب ~~ابى الخطاب ومن معه وتفرق العساكر ثار من مدينة القيروان ، وطلب عبد الرحمن ~~بن رستم فلم يجده ، فلم يزل يبحث على أخباره حتى ظفر به فابتدره رجل ، فلم ~~يزل يبحث على أخباره حتى ظفر به فابتدره رجل من أهل القيروان من أصحاب عبد ~~الرحمن بن رستم إلى عبد الرحمن بن حبيب شافعا إليه فيه فقال له أيها الامير ~~لى أليك ms027 حاجة ، فقال حوائجكم كلها مقضية ألا عبد الرحمن بن رستم ن رضى الله ~~عنه ، فقال أن لم أسألك في عبد الرحمن بن رستم لما اراد أستعمال ابن حبيب ~~على بعض أموال المسلمين لما أراد أستعمال ابن حبيب على بعض اموال المسلمين ~~قال : يا معشر المسلمين أبن حبيب على بعض أموال المسلمين قال : يا معشر ~~المسلمين ، لا تولوا ابن حبيب أمور المسلمين ، فانه أبليس ألا ان عليه بشر ~~ابن آدم فحقدها عليه ابن حبيب . # فلما تفرق جنود ابى الخطاب وجنود عبد الرحمن بن رستم وتخلص من أبن حبيب ~~خرج عبد الرحمن هو وأبنه عبد الوهاب وعبد لهما خائفين مستحقين ، متوجهين ~~إلى أرض المغرب ، وليس معه حمولة ولا مركب غير فرس واحد ، فمات الفرس في ~~بعض الطريق ، فدفنوه مخافة أن تقص أثرهم ، فيطمع فيهم ، وذلك في خارج ~~قسطيلية ، فسمى ذلك الموضع " قبر الفرس " فلما عدموا الفرس وقد ضعفت قوى ~~عبد الرحمن تعاون عليه ابنه يحمله تارة ويحمله العبد اخرى ن فاذا حمله ~~العبد قال عبد الوهاب :أن ادركنا العدو فلا تحطط ابى عن ظهرك لما دون ~~خمسمائة ونحوها ، واذا عيى العبد وحمله عبد الوهاب قال : له العبد كقوله له ~~العبد كقوله له ، فلما وصلوا حول واد ، أجج وهو جبل منبع قصده عبد الرحمن ~~وتحضن به . PageV01P038 # وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رحمه الله عمن حدثه : أن عبد الرحمن لما ~~تحصن بوادى اجج وتحصن بالجبل ، لحقه هنالك ستون شيخا من شيوخ الاباضية من ~~طرابلس ، وسمع ابن الاشعث بذلك ، فأقبل مجدا معدا في طلبه ، فأخبر بأنه قي ~~جبل منيع ، حتى وصله فحاصر عبد الرحمن بن رستم بعد أن عسكر على عسكره مخافة ~~أن يأتيه أبن رستم واصحابه ، فأطال المكث تحته فوخم عسكر أبن الاشعث ووقع ~~فيهم الجدرى ومات منهم خلق كثير ، فجمع أبن الاشعث أصحابه فقال لهم مستشيرا ~~: قد رايتم هؤلاء القوم وما هم فيه من المنعه واقامتنا عليهم لا تجدى شيئا ~~فما ترون في الاقامة عليهم او الارتحال عنهم ؟ فاختلف رأيهم ، فجد هو ms028 على ~~الارتحال ، فرجع إلى القيروان وقد يئس من عبد الرحمن وأصحابه ودخلها وتحصن فيها . # ولاية ابى حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزى الهوارى رحمه الله PageV01P039 ~~حدث غير واحد من أصحابنا ان أبا حاتم ولى مدينة طرابلس في رجب سنة أربع ~~وخمسين وائة ومكث فيها اربع سنين ، وكانت ولايته دفاع ، وطلب الحق يرسل ~~ثقاته بما يجتمع من مال الصدقة إلى عبد الرحمن قبل ظهوره ، وسبب ولاية ابى ~~حاتم ان جماعة من أصحابه من بقية من كان مع أبى الخطاب لما أنسوا من نفوسهم ~~في حيز طرابلس بعد أبى الخطاب قوة ن هموا بالاجتماع لامر ابرموه ن فاظهروا ~~عن انفسهم غيره ، كما فعلوا أول مرة في تولية أبى الخطاب ، فعزموا على ~~القيام على حيز طرابلس وواليها من قبل ابى جعفر المنصور فسمع الوالى ~~باجتماعهم فأخرج إليهم خمسمائة فارس ، وأمر عليهم امير منهم . فلما وصلتهم ~~الخيل ، قال لهم أميرها : أجيبوا بالطاعة لامير المؤمنين ، قالوا اجبنا ~~بالطاعة لامير المؤمنين . لا يعنون أبا جعفر ، وامير الخيل يعتقد أنهم عنوه ~~، فرجع بخيله إلى والى المدينة ن فاخبروه باجابتهم ن فلم يقنعه ذلك منهم ثم ~~أن جماعة ايعان اهل الدعوة اجتمعوا ليلة منصرف الخيل عنهم ، واتفقوا على ~~عقد الامامة لابى حاتم ولاية الدفاع ، فعقدوها له في ليلتهم تلك ، فلما ~~أصبح خرج إليهم الوالى بنفسه في خيل عظيمة ، فلما أتاهم قال أجيبوا لطاعة ~~امير المؤمنين أبى جعفر المنصور ، فقالوا عليك لعنة الله ، وعلى أي كافر ~~معك ، يعنن أبا جعفر فناجزهم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمهم أبو حاتم ~~ومن معه من أهل الدعوة ، فاتبعوهم يقتلونهم حتى دخلوا مدينة طرابلس ن فمات ~~من ذوى الجبابرة بشر كثير . PageV01P040 # وبلغنا أن أبا حاتم لما هزم الله على يديه العدو وقد كان معه من عوام ~~البربر من لا نظر له في أمور الدين وانما حضروا تسليما لامور المسلمين ~~فعمدوا إلى أسلاب القتلى فنزعوها عنهم ن فغضب أبو حاتم لذلك ، وقال ليس من ~~سيرة المسلمين أذا قتلوا من بغى عليهم من أهل التوحيد أن يسلبوه ms029 ، بل ~~يقولون لأهل المدينة أرجعوا إلى قتلاكم فادفنوهم وخذوا ثيابهم . والآن أما ~~رددتم الاسلاب ، وأما اعتزلت اموركم ، وتركت الولاية ، فلما سمعوا ذلك منه ~~أطاعوه وردوا اسلاب القتلى . فدخل ابو حاتم رحمه الله مدينة طرابلس اثر ~~الهزيمة فاقام بها ما شاء الله ثم نادى بالخروج إلى افريقية ، فبلغنا أنه ~~خرج إليه جيش من أفريقية ، فتلقاه أبو حاتم ببعض الطريق ن فقاتلهم فهزمهم ~~الله له ، وأحسن فيهم السيرة ، فلم يجهز على جريح ولم يسلب قتيلا . # فلما نزل بالقيروان حاصره أهلها سنة ن وطال الحصار على أهلها فالقوا ~~السلم واذعنوا واطاعوا ، إلا ما كان من ابن الاشعث فإنه أنحجر في دار ~~الامارة في بقية من أصحابه الذين قدم بهم من أرض المشرق ، فحاصره ابو حاتم ~~سنة أخرى ، بعد دخول المدينة فاجلى أبو حاتم من بها من بقية جندا أبن ~~الاشعث فاعطى كل خمسة رغيفا لزاده ، فتفرق أولئك البقية منصرفين إلى المشرق ~~، وذكر بعض أصحابنا أن السدراتى المجلود على الخيانه الذي جلب العسكر من ان ~~السدراتى المجلود على الخيانة الذي جلب العسكر من المشرق ندم على ما فعل من ~~أعانة العدو على قومه ، وأهل مذهبه ، واذاءته اياهم ، فخرج ببقية العسكر ~~يريد بهم المشرق ، واظهر لهم أنه يريد أن يردهم إلى بلادهم فأخذ بهم طريقا ~~مضلة فهلكوا عن آخرهم . # ذكر وقعة مغمداس PageV01P041 وبلغنا ان أبا حاتم سمع بطوالع أقبلوا من ~~المشرق فخرج من مدينة طرابلس فتلقاهم بموضع يقال له ( مغمداس ) على مسيرة ~~ثمانية ايام من المدينة فلما وصلهم أبو حاتم صفوا واقتلوا قتالا شديدا ن ~~فهزم الله على يديه العدو فقتل منهم سته عشر ألفا ، وبلغنا ان رجلا من ~~الحضر لقى رجلا من أهل الدعوى ، فقال له المخالف ما تفسير تاورغا ؟ ( يقرعه ~~بمقتل ابى الخطاب واصحاب رحمهم الله ) وكان صاحبنا فطينا فاجابة ، بان قال ~~تفسيرها مغمداس فيه أربعة أكداس ، في كل كدس أربعة آلاف ، ثم لما هزمهم رجع ~~إلى طرابلس وحسنت حالته فيها . # مقتل أبى حاتم واصحابه رحمهم الله # وبلغنا ان ابا حاتم لما تكمن ms030 في مدينة طرابلس دس الكتب إلى المشرق من بقى ~~من الطوالع بطرابلس والقيروان إلى أبى جعفر ببغداد ، يشكون ابا حاتم . ~~ويستقضون عليه ، فانفر إلى ابى حاتم جيشا كبيرا . وامر عليه يزيد ابن حاتم ~~الازدى قال : فلما أنفصل يزيد بن حاتم من مصر بعساكره ، وسمع أبو حاتم ~~بتوجهة ، جمع أصحابه ومن ولى عليه من القبائل ن فحضهم على الجهاد ورغبهم في ~~الاستشهاد . ولما قرب يزيد من حيز طرابلس خرج إليه ابو حاتم بمن معه من ~~أصحابه ، حين نزل موضعا يقال له " جنى " ومعه قبيلة من البربر يقال لها ~~مليلة ، يزيد بن حاتم على أبى حاتم ، فسأل أبو حاتم من حضره من هوارة هلى ~~أعان ابن حاتم على احد من البربر ؟ فقالوا : ليس أحد من البربر الاقبيلة ~~واحدة من هوارة . يقال لها مليلة فقال أبو حاتم : اللهم أذلل مليلة فاجاب ~~الله دعوته فبقيت فيهم إلى اليوم ، فهم اذل البربر ، قيل وكان مع أبن حاتم ~~رجل من نفوسه يقال له عمر بن مطكود لاغير . # فلما التقى الفريقان أقتتلوا قتالا شديدا ، فاستنجز القتل في اصحابه أبى ~~حاتم ، فلما رأى ذلك أبو حاتم قال لاصحابه : زفونى إلى الموت في سبيل الله ~~زفاف العروس وقفوا لى قليلا قال ، فتقدم أبو حاتم رحمه الله حتى استشهد ومن ~~معه من اصحابه رحمهم الله . PageV01P042 # وبلغنا ان الموضع الذى استشهدوا فيه يرى فيه نور ساطع يضئ في كل ليلة ~~الخميس يبصره من بعيد ن يصعد عمودا في السماء وكذا ذكر من شاهده من أهل ~~عصرنا على الصفة المذكرة . وحدث يعقوب بن يوسف اليجرانى أنه أجتاز هو وصاحب ~~له بالوضع المذكور، فلما هبطاه وهو في مطمئن من الارض ، أضاء لهم النور حتى ~~تبين أثر الحشرات في الارض ، كما تبين نهارا ، فلما خرجا منه دخلا في مظلمة ~~عظيمة ، فالتفتا إلى الموضع فاذا الضياء ساطع في الهواء والظلمة تحفهم من ~~كل جانب فعادا ، إلى الموضع فطفقا يدعون الله تعالى لما تبيناه من كرامة ، ~~وكان يعقوب رجلا شجاعا شديد المرة لا يروعه هول ولا ms031 يصيبه خور بل كان ثبتا ~~لا يتهم خبره # امامة عبد الرحمن بن رستم رحمه الله # حدث غير واحد من أصحابنا ان عبد الرحمن بن رستم ولى بتاهرت على رأس ستين ~~ومائة ، وذكر بعضهم أنه ولى سنة اثنين وستين ومائة ، والله اعلم أى ~~التاريخين أصح وسبب ولايته أن جماعة اهل الدعوة اتفقوا على ان ينتخبوا ~~موضعا يبنون فيه مدينة تكون حصنا لهم ، فارسلوا رجالا من ذوى المعرفة ، ~~وفرقوهم في الجهات يتخيرون مكانا يصلح لما حاولوه ، ورجعوا وقد وقع ~~اختيارهم على تاهرت فدلوهم عليها ، فاتفق جمهورهم مع اهل تاهرت القديمة على ~~شئ معلوم يأخذونه على غلتها ، وقد كانت قبل ذلك رياضا لا عمارة فيها إلا ~~السباع والهوام . PageV01P043 # فلما أتفقوا على عمارتها أمروا مناديا ينادى بسباعها ووحوشها وهوامها ان ~~أخرجوا فانا اردنا عمارة هذه الارض فأجلوها ثلاثة أيام ، وبلغنا أنهم راوا ~~وحوشها تحمل أولادها خارجة بها منها ن فكان ذلك مما رغبهم في عمارتها وقوى ~~عزمهم على انشائها . ثم أنهم اطلقوا النيران فاحترقت أشجارها ، وبقى أصول ~~ما احترق منها فشق عليهم مؤونة أقتلاعها ، فعمدوا إلى حيس فلثوه بعسل ~~،وجعلوا تحت أصل كل شجرة منها شيئا قليلا ، فلما جن الليل طرقت الخنازير ~~تلك الاصول ، فجعلت تتبع رائحة الحيس ن وتحفر تحت الاصول ، حتى أتت على ~~آخرها ، فلما أصبحوا وجدوها مقتلعة ، فعمدوا إلى مكان فأصلحوا لصلاتهم ن ~~فلما أرادوا بناءه وقع اختيارهم على اربعة مواضع فاقرعوا عليها أيها يجعل ~~المسجد الجامع ، فوقعت القرعة على المكان الاول الذى اصلحوا لصلاتهم ، ~~فبنوا الجامع به ، ثم أخذوا فى انشائها وعمارتها ، فجعلوها ديارا وقصورا . # ثم أن أهل الخير والصلاح وذوى الآراء السديدة من جماعة أهل الدعوة رأوا ~~ان لهم قوة تجب معها عليهم تولية أمام . فتشاوروا فيمن يرون لذلك أهلا من ~~القبائل ، فوجدوا من كل قبيلة رأسا أو رأسين ، فكل منهم أهل لذلك فقال ~~فضلاؤهم : أن عبد الرحمن بن رستم ممن لا تجهلون فضله ، وهو أحد حملة العلم ~~وعامل الامام أبى الخطاب رحمه الله ، وقد كان المسلمون عرضووا عنها ms032 ودفعها ~~عن نفسه فهو أهل للامامة لدينه وعلمه ، وسابقته ، ومكانه ، وغير ذلك من ~~حميد أوضافة ، لا سيما وليست له قبيلة تمنعه أن بدل أو غير . فأن رأيتم ~~توليته أموركم فافعلوا ، فاتفق رأيهم جميعا على توليته ، فبايعوه على ~~الامامة ، بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآثار الخلفاء ~~الراشدين ، فأحسن السرة في أمامته ولم ينقم عليه احد في حكومته ، ولم يكن ~~في أيامه أختلاف ، والاباضية كلها يومئذ مجتمعة متآلفة لم يثر فيها ثأئر. PageV01P044 # قال الشيخ أبو العباس وقد وقفت في كتابه المسالك والممالك من ذكر بناء ~~تاهرت على ما هو أوضح وأزيد فائدة ، ورأيت أن أثبته في هذا الموضع وأن كان ~~في بعصه خلاف لما صححناه عن المشائخ . ذكر أبو عبيدة البكرى " أن تاهرت ~~مدينة مسورة أنها أربعة أبواب باب الصفاء وبااب المنازل وباب الاندلس وباب ~~المطاحن ، ولها قصبة مشرفة على السوق وتسمى المعصومة ، وهي على نهر تسمى " ~~نافس " ومنها شرب بساتينها وهي في شئ ، وفيها جميع الثمار وهي شددية البرد ~~كثرة الغيوم ، والثلج . وقال أبو عبد الرحمن بكر بن حماد :(1) # وتاهرت الجديدة على خمسة أيمال منها تاهرت القديمة وهي في شرق الحديثة ، ~~ويقال أنهم لما ارادوا بناء تاهرت كانوا يبنون بالنهار ، فاذا جن الليل ~~واصبحوا وجدوا بنيانهم قد تهدم فبنوا حينئذ تاهرت السفلى ، وهي الحديثة ~~وكان صاحب تاهرت ميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، بن بهرام بن ~~ذو شراز بن سابور بن بابكان بن سابور ذى الاكتاف الملك الفارسى . كان ميمون ~~رأس الاباضية وأمامهم ، وأمام الصفار ، والواصيلة ، وكان يسلم عليه ~~بالخلافة ،وكان مجتمع الواصيلة قريبا من تاهرت ، وكان عددهم ثلاثين ألفا ، ~~في بيوت كبيوت الاعراب يحملونها . PageV01P045 # وتعاقب مملكة تاهرت بن ميمون وبنو اخوية اسماعيل وعبد الرحمن بن الرستمية ~~إلى سنة ستة وتسعين ومائتين فوصل أبو عبد الله الشيعى 00مدينة تاهرت فدخلها ~~بالأمان ثم قتل فيها من الرستمية عددا كبيرا ، وبعث برؤوسهم إلى أخيه أبي ~~العباس ، واطيف بها في القيروان ، ونصبت على باب رقادة . وأقام ملك ms033 بني ~~رستم بتاهرت مائة وثلاثين سنة . وذكر محمد ابن يوسف أن عبد الرحمن بن رستم ~~كان خليفة لأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح بن عبيد بن حرملة أيام تملكه ~~على افريقية ، فلما قتله محمد بن الأشعث الخزاعي وذلك في صفر سنة اربع ~~وأربعين ومائة هرب عبد الرحمن باهله وما خف من ماله ، ونزل القيروان ~~فاجتمعت اليه جماعة من اصحابه واتفقوا على تقديمه وبنيان مدينه تجمعهم ، ~~فنزلوا موضع تاهرت البرج وهو غيضة اشب ،ونزل عبد الرحمن منها موضعا مربعا ~~لا شجر فيه ، قال البربر : ( نزل تافدمت : تفسيره : الدف شبهوه بالدف ~~لتربيعه ، وادركتهم صلاة الجمعة فصلوها هنالك فلما انقضت الصلاة ثارت صيحة ~~شديدة على أسد ظهر في الشعراء فاخذ حيا وأوتي به إلى الموضع الذي صلوا فيه ~~فقتل هنالك ، فقال عبد الرحمن بن رستم هذا موضع لا يفارقه سفك دم ، ولا حرب ~~أبدا ، وابتدروا من تلك الساعة فبنوا في ذلك الموضع مسجدا وقطعوا خشبه من ~~تلك الأشجار ، فهو كذلك إلى اليوم ، وهو مسجد جامع وهو من أربع بلاطات ، ~~قال : وكان موضع تاهرت ملكا لقوم مستضعفين من منداس وصنهاجة فراودهم عبد ~~الرحم على البيع ، فوافقهم ان يودوا اليهم الخراج من الأسواق ، ويبيحوا لهم ~~بنيان المساكن فاختطوا وبنوا ، وسمى موضع تاهرت معسكر عبد الرحمن إلى ~~اليوم(2 ) . PageV01P046 # قال الشيخ : وبلغنا أن الوالي على أهل عمان في أيام عبد الرحمن رجل يسمى ~~عبد الوارث ، وابو عبيدة حي إذ ذاك وفي أمامة عبد الرحمن رحمه الله . ثم ان ~~ولاية عبد الرحمن بالمغرب اتصلت بمن بالبصرة من أهل الدعوة فبعثوا اليه ~~بثلاثة احمال مالا ، فلما وصلت الرسل تاهرت جعلوا يسألون عن دار الإمارة ~~وقد خلفوا المال بخارج المدينة ، فلما وصلوا الدار ، وجدوا الإمام رحمه ~~الله في أعلى بيت يعمل بيده في السقف ، والعبد يناوله الطين ، فسألوا العبد ~~أن يأذن لهم ، وستأذن عليهم . وقد علم العبد أن سيده يسمع كلامهم ، فقال له ~~: اخرهم قليلا : فنزل وغسل من الطين جسده ، فأذن لهم ، فدخلوا فسلموا عليه ~~وامر بخبز وسمن فقدم بين ms034 ايديهم فلما أكلوا استأذنوا للتنحي عنه للنجوى ، ~~فأذن لهم ، فتناجوا واتفقوا ان يدفعوا له المال ، وانهم راضون ما عاينوه من ~~أحواله . فلما وصلت الأموال ووضعت للامام ، شاور اصحابه فيها فاشاروا عليه ~~بان يأخذها ، ويبثها في فقراء المسلمين ، وفي الاسلام ، وفعل رحمه الله ذلك ~~بمحضر الرسل . PageV01P047 # فلما رجعت الرسل إلى المشرق اعلموا اخوانهم بسيرة عبد الرحمن وعدله وفضله ~~، وبعثوا بعد ذلك باموال أكثر من الأولى ، فلما وصلت إلى عبد الرحمن شاور ~~اصحابه أيضا ، فقالوا : رأيك يا أمير المؤمنين ، فقال اما إذ رددتم إلى ~~الرأي ، فان رايي أن يرد إلى أهله ، فهم أحوج منا إليه فقد قوانا الله ~~واغنانا ، فله الحمد ، فشق ذلك على الرسل وليس لهم بد من طاعة الامام ، ~~فعجب أهل المشرق من زهادة الامام في الدنيا ورغبته في الآخرة فأقروا ~~بامامته ووصلوه بكتبهم . فكانت تاهرت حرزا وحصنا لجماعة أهل الدعوة وسميت ~~المعسكر المبارك . قلت أما كون الإمام رحمه الله وافق اصحابه في صرف المال ~~الأول في الوجوه التي ادلوا بها لما رأى في ذلك من سد الخلل ، وأما رده ~~المال الآخر فلعله تعلق بقوله صلى الله عليه وسلم تؤخذ من اغنيائكم وترد في ~~فقرائكم ، فقصد التخصيص في الاضافة ورأى فقراء مواضع أخذت منه الزكاة بها ~~أولى ، ولعله علم ان في المال الأول مالا غير مال الصدقة ، وان المال الآخر ~~كله من مال الصدقة فرأى فيه الرأي الذي ذكرته من صرفه في فقراء الجهة التي ~~أخذ منها المال . PageV01P048 # قال : فلما حضرت الوفاة عبد الرحمن رحمه الله جعل الامامه شورى في ستة ~~نفر كصنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه : احدهم مسعود الاندلسي ، وكان فاضلا ~~فقيها ، ورعا من شيوخ المسلمين ، وابو قدامة يزيد بن فندين اليفرنى ، ~~ومروان الاندلسي ، وعبد الوهاب بن عبد الرحمن ، وابو الموفق سعدوس ابن عطية ~~، وشكر بن صالح الكتامى ، فلما مات رحمه الله اجتمع أهل الشورى يتفاوضون ~~فيمن يولونه أمور المسلمين فتدافعها بعضهم إلى بعض . الا ان عامة المسلمين ~~مالت نفوسهم إلى اثنين من النفر المسميين ؛ احدهما مسعود ms035 ، والآخر عبد ~~الوهاب فبعضهم أراد توليه هذا ، وبعضهم أراد تولية هذا ، فمكثوا نحو شهرين ~~يرون الرأي ثم ان الجمهور رجحوا مسعود أو مالت نفوسهم إلى توليته ، فبادروا ~~ليبايعوه ، فهرب واختفى فابتدروا عبد الوهاب ليبايعوه فلما سمع مسعود ~~بتركهم اياه وطلبهم عبد الوهاب خرج مبادرا ليكون أول من يبايعه ، وكان أبو ~~قدامة لما لم تمل قلوب الناس إليه ورأى انه قد خلا منها اراد تولية عبد ~~الوهاب وقال : هو منا أقرب رحما من غيره ، فلعل ذلك يعطفه علينا ، وانما ~~قال ذلك لأن ام عبد الوهاب يفرنية فرجوا أن يؤثرهم في الأمر ، فقام ابو ~~قدامه في نفر من اصحابه فأبوا الا مبايعة عبد الوهاب لما يرجونه من يثاره ~~اياهم ومع ذلك فقد تخوفت نفوسهم منه . # ---------------------------------------- # (1) هو الاديب المشهور والشاعر التاهرتى ولد بها وتوفى سنة 292 ه # (2) راجع المغرب في ذكر بلاد افريقيا والمغرب ، وهو جزء من كتاب المسالك ~~والممالك من ص 66 # أمامه عبد الوهاب بن عبد الرحمن رحمهما الله PageV01P049 فلما اراد الناس ~~مبايعة عبد الوهاب تقدم مسعود الأندلسي ليبايعه فعارضه ابن فندين واصحابه ~~بالقول ، فقالوا نبايعه على شرط ان لا يقضى أمرا دون جماعة معلومة ، فقال ~~لهم مسعود : لا نعلم في الإمامة شرطا غير ان يحكم فينا بكتاب الله وسنة ~~نبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فترك ابن فندين واصحابه الشرط . فتقدم ~~مسعود فبايع عبد الوهاب وبايعه الناس بعد ذلك بيعة عامة وحملوه إلى دار ~~الامارة ولم يتخلف عن بيعته احد ولم ينقم عليه احد في حكومة ولا في أمر من ~~أموره حتى نجم ابن فندين واصحابه . # أول افتراق في الأباضية # مع ان طائفة تنتحل اسم الاباضية يقال لهم ( العمرية ) لم تجمعنا واياهم ~~العمرية من قبل وهم يزعمون انهم اباضية ، وسندون مذهبهم إلى عبد الله بن ~~مسعود رحمه الله وهم تبع عيسى بن عمير ، وسنفرد كتابا في الرد عليهم ، ونقض ~~ما خالفوا فيه أهل الحق ، ونذكر فيه الإفتراقات والرد على كل فرقه خالفت ~~أهل الحق ، قلت انما نبه الشيخ رحمه ms036 الله على ذكر العمرية ليعلم ان ~~الافتراق قد كان من قبل ، وانما عنى هنا أول الافتراق بالمغرب ، قال الشيخ ~~اسماعيل بن صالح رحمه الله سألت الشيخ أبا نوح بن يوسف رحمه الله قلت : أين ~~الكتاب الذي وعد به اشيخ أبو زكرياء ؟ قال قد قام عنه به الشيخ أبو عمار ~~عبد الكافى وهو الكتاب ( الموجز ) (1 ) رجعنا. PageV01P050 # فأما سب افتراق الاباضية فيما ذكر غير واحد من اصحابنا فهو : ان عبد ~~الوهاب رحمه الله لما ولى المسلمين استعمل على ولايته كلها أهل الورع ~~والزهد ، وكل من علم انه ليست له رغبة في الولاية ، فاستعان على ما قلده ~~الله من أمور المسلمين باهل العلم والبصائر في الدين . ولما رأى ذلك ابن ~~فندين واصحابه وتحققوا مخالفة ما يرجونه من ايثاره اياهم ، تغيرت قلوبهم ~~وتنكرت صدورهم وساءت ظنونهم وسقط في ايديهم وندموا على ما فرط منهم في ~~مبايعة عبد الوهاب ، واخذوا في العلل والاباطيل ، وقالوا : انما كانت ولاية ~~عبد الوهاب على شرط ان لا يقطع أمرا دون جماعة معلومة ، ورجعوا في حاجة (2) ~~امرهم الذي لم يجزه لهم اهل البصائر من قبل ، وجعلوا يفتشون ذلك عند الجهال ~~والطغاة ، ومن ليست لهم بصيرة في الدين يستنزلون عقولهم ، ويستفزون افكارهم ~~، ويحيلون عقائدهم واشاعوا انه حابى عليهم بعض الناس ، وولاهم الامور دونهم ~~، وزعموا انهم بذلك أولىمن سواهم ، وانه لا ينبغي ان يلي امر جماعة ~~المسلمين احد إذا كان في الجماعة من هو اعلم منه ، فتفاقم امرهم ، وكثر ~~القيل والقال في البلد ، وعظم داؤهم ، وكثر النزاع وانتشر الخلاف ، فتارة ~~يقولون نحن وليناه ، وتارة بقولون كيف يلينا وفينا اعلم منه ، وتارة يقولون ~~انما كانت ولايته على شرط . PageV01P051 # ثم ان جماعة المسلمين اجتمع رأيهم مع ابن فندين واصحابه على التوقف ، ~~واصطلحوا على وضع اوزار الحرب ويراسلوا في هذه القضية اخوانهم بالشرق ، فما ~~اجابوهم به وقفوا عنده ، وعملوا به . فبعثوا رسولين وتوجها إلى المشرق ، ~~فلما وصلا مصر وجدا بها شعيب بن المعروف وشيعته فأخبراه بموت عبد الرحمن ~~ومبايعة الناس عب الوهاب وخروج ابن ms037 فندين عليه وادعائه في امامة عبد الوهاب ~~، وما زخرف من الأباطيل ، فلما سمع شعيب ما ذكراه من الاختلاف خلا بطائفة ~~من اصحابه ، منهم ابو المتوكل ، فعزموا على المسير إلى تاهرت ليكونوا التاء ~~على الامام ، ثم ان الرسولين توجها إلى مكة فوجدا أبا عمرو الربيع بن حبيب ~~وابا غسان مخلد بن المعرد رحمهم الله في جماعة من اصحابنا ، واخبراهما بما ~~فيه من ارسال اخوانهم اليهم ، وبما حدث بالمغرب ، فدفعا اليهم كتبهم ~~وقرأوها واجتمعوا ليجاوبوا عنها فكتبوا : # ( PageV01P052 بسم الله الرحمن الرحيم )، صلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وسلم تسليما . أما بعد ، فقد اتصل بنا ما وقع قبلكم وما كتبتم فيه ، فأما ~~ما ذكرتموه من امر الشرط فليس من سيرة المسلمين ان يجعلوا في الامامة شرطا ~~: ان لا يقطع الامام امرا دون جماعة معلومة . الامامة صحيحة والشرط باطل ، ~~فلو صح في الامامة الشرط لما قام لله حق ولا اقيم له حد ، ولبطلت الحدود ~~والاحكام ، وضاع الحق ، والجماعة يتعذر اتفاقها . على ان الامام ان قدم ~~اليه سارق فلا يمكنه ان يقيم عليه الحق فيقطع يده حتى تحضر الجماعة ، أو ~~زنى أحد فلا يرجم أو يجلد حتى تحضر الجماعة ، ولا يجاهد الامام عدوا ، ولا ~~ينهى عن منكر ، الا بمحضر الجماعة ، فيكونوا كلهم اذا اماما ، وكلهم لا ~~امام ، فهذا ابطال ، وتتبعه غير الاستقامه ، ورمي الامامة به بغي ، والسؤال ~~عن هذا غبي . واما ما ذكرتم من توليه رجل وفي جماعة المسلمين من هو اعلم ~~منه فذلك جائز اذا كان مستكملا لشوط الامامة ، وكان من أهل الفضل والدين ~~ولاعدل والسياسة والمنزلة المرضية ، فقد ولى ابو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ ~~وزيد بن ثابت افرض منه ، وعلى اقضى منه ، ومعاذ بالحلال والحرام اعرف منه ، ~~وأبي بكتاب الله أقرأ منه ، كل شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ~~ومع هذا فلم يكن احد منهم أولى منه بالامامة ، فالجواب اثبات الولاية ~~وابطال الشرط ، ولو انعقدت عليه ، وتخطئه من اختلفه واحله غير محله ) # ومما ضمنوه جوابهم ان الامامة لا تبطل ms038 الا بحدث في الامام بعد الاعذار ~~والانذار ، وتمادى المحدث على الاصرار والاستكبار ، فحينئذ يجب القيام عليه ~~. وابطال ما صار من أمر المسلمين اليه . PageV01P053 # ونرجع إلى ذكر شعيب وذلك انه لما انتهى اليه الرسولان بما قد تقدم ذكره ~~من وقوع الخلاف بالمغرب توجه إلى تاهرت في نفر من اصحابه ، دون مشاورة من ~~بمصر من المشائخ أهل الدعوة ، بل قد نهاه عن ذلك من فطن به منهم فسار طمعا ~~في الامارة ، فلما وصل هو واصحابه دخل على الامام ولم يكن له بد من الدخول ~~عليه ، فسأله الامام رحمه الله عن الامامة والشرط فأجابه بان الامامة صحيحة ~~والشرط باطل ، وسأله ايضا هل تجوز تولية رجل وفي جماعة المسلمين من هو اعلم ~~منه ؟ فاجاب بجواز ذلك . ثم ان شعيبا خرج فتوجه نحو ابن فندين ، واصحابه ~~فأطعموه في الامارة ، فندم على فتياه للامام رحمه الله فوازر(3 ) ابن فندين ~~واصحابه على الامام ، وصار لهم عونا على الخلاف ، فخرج من بالمدينة من ~~اكابر اصحاب ابن فندين إلى المنازل المتدانية من تاهرت ، وجعلوا يستفسدون ~~قلوب أهلهاويجتمعون فيها بحل ما انعقد من الامامة ويتناجون بالاثم والعدوان ~~، وذلك سموا ( النجوية ) ثم بعد ذلك ولما ادخلوا بذلك شغبا في الاسلام سموا ~~( الشغبية ) ، ثم الحدوا في اسماء الله تعالى فسموا ( الملحدة ) . وسموا ~~النكاث لنكثهم البيعة بغير حدث ، وبلغنا انهم كانوا يدخلون المدينة ~~بالجماعات ، فتكلم جماعة من المسلمين بذلك ، واشاروا على الامام بان ينهاهم ~~عن ذلك ، فنهاهم الامام فلم ينتهوا ، وعاب عليهم خروجهم من المدينة إلى ~~المنازل فقالوا : هذه مدينتنا وتلك منالنا ، فان رأى الامام في ذلك منكرا ~~تركناه . قال فاعرض عنهم الامام ثم صاروا بعد ذلك يدخلون المدينة بالسلاح ، ~~فاشار أيضا جماعة من المسلمين على الامام بان ينهاهم عن ذلك . فقالوا : ان ~~رأى الامام في امساك السلاح منكرا تركناه قال : فاعرض عنهم الامام ، وامر ~~اهل المدينة بامساك السلاح مخافة منهم من غدر يحدث منهم . PageV01P054 # وبلغنا ان نفرا منهم اجتمعوا على غدر الامام فأداروا الامر بينهم ، فقال ~~قائلهم كيف لنا بالوصول إلى قتله ms039 ؟ فلم يتجه لهم ذلك . ثم ان رجلا اشار ~~عليهم بأن يحضروا تابوتا فيجعلوه فيه ، ويمضوا بالتابوت إلى الامام كأنهم ~~مختصمون فيه ، وكان الاتفاق قد تعذر ، ليفضي الأمر إلى وضعه على يد الأمين ~~، ثم لا يرضون الا ان يكون في امانة الامام ، فعمدوا إلى تابوت وادخلوا فيه ~~الرجل المشير ، ومعه سيفه وكان غلق التابوت من داخله ، قأقبلوا بالتابوت ~~إلى الامام رحمه الله ، ففعلوا ما عزموا عليه من الملاحاة . حتى اظهروا ان ~~كادوا يقتتلون ، فقال قائلهم للامام ، يا أمير المؤمنين أفصل بين هؤلاء ~~القوم ، وانزع التابوت من ايديهم جميعا حتى يصطلحوا أو يصح لمن يصح منهم ، ~~فقالوا باجمعهم : قد اصاب فيما اشار به عليك يا امير المؤمنين ، فقال : ~~دونكم وما أشار به . فقال المختصمون : لسنا نثق بامانة أحد الا أن يكون ~~امير المؤمنين ، فتوخى رحمه الله مرضاتهم وساعدهم ، فقال : احملوا تابوتكم ~~إلى حيث آمركم ان تضعوه ، فلما حملوه تبين للامام ان الذي حملوه ثقيل وقال ~~متمثلا ( يا بؤسا للغدر فما اسجاه !! ) ثم ان الامام تأمل التابوت فوجده ~~مغلقا من داخله ، فازداد ريبة وغلب على ظنه انهم ارادوا الغدر . وكانوا قد ~~رغبوا في ان لا يوضع التابوت الا في بيت ينام الامام فيه ، فلما وضعوه ~~خرجوا مستبشرين فرحين ، وظنوا ان قد ظفروا بحاجتهم فخيبهم الله ، ورد عليهم ~~مكرهم وجعل كيدهم في تضليل . PageV01P055 # وقد ذكر انهم قالوا لصاحبهم اذا انت قتلت الامام فأذن لصلاة الصبح عند ~~طلوع الفجر ، فاذا سمعوا اذانه ابتدروا لدار الامام ، وان هو لم يؤذن علموا ~~انه لم يظفر بحاجته فلما جن الليل أخذ الامام رحمه الله في صلاته فلما فرغ ~~منها وكانت عادته اذا فرغ منها ان يتناول كابا فيقرأ فيه حينا من الليل ، ~~فلما كانت تلك الليلة عمد الامام إلى زق منفوخ فوضعه على فراشه . والقى ~~عليه ملحفة بيضاء ، فلما قضى حاجته من قراءة الكتاب وحان وقت نومه أخذ ~~مصباحا وأوقده وكب علي غطاء يستره ، وتنحى إلى جانب البيت واقبل على الصلاة ~~بحيث لا يسمعه ولا يراه من بالتابوت ms040 . فلما هدأ صوت الامام عن صاحب التابوت ~~، وظن ان الامام قد نام ، فتح التابوت فخرج منه فنظر في البيت يمينا وشمالا ~~ن فلم ير شيئا الا بياضا في ناحية البيت كهيئة المضطجع ، فظن انه الامام ، ~~فتيممه فجرد سيفه ، والامام رحمه الله يراه فلما وقف على الفراش ضرب الزق ~~بالسيف فظن انه قد قتل الامام فلما سمع الامام وقعة السيف على الزق كشف ~~الغطاء عن المصباح واتاه الامام والسيف في يده فقده نصفين ولفه في تابوته . # فلما كان الغد اجتمعوا فسألوا من لقيهم ، هل حدث حادث فلم يخبروا بشيء ~~فقال بعضهم لبعض : اسمع احد منكم عن الامام وصاحبكم شيئا ؟ فكل قال : لا ، ~~فقالوا : امضوا بنا لنأخذ تابوتنا ، فنقول قد اتفقنا . ففعلوا ذلك فقال لهم ~~الامام : امضوا إلى حيث وضعتموه فخذوه . فمضوا حتى دخلوا البيت فوجدوا ~~تابوتهم في الموضع الذي تركوه فيه فحملوه ، فما وصلوا إلى مأمنهم فتحوا ~~التابوت فوجدوا صاحبهم قتيلا مقدودا نصفين ، فخيب الله سعيهم ، واخلف ظنهم ~~، والحد لله ، فخرجوا من المدينة خوفا من ان يوقع بهم الامام والمسلمون ~~لسوء صنعهم . PageV01P056 # ثم ان شعيبا خرج من عند الامام قال لابن فندين واصحابه ماذا تنتظرون به ~~فبادروه ورعيته لتظفروا بغفلته وانما قال ذلك استعجلا وخوفا ان يأتي الجواب ~~من المشرق فتكون عليهم الحجة ويفترق عنه أهل الشغب وقد علم ان الصواب ما ~~افتى به أولا ثم رجع عن الصواب حين طمع فيما طمع فيه ، وكان ابن فندين ~~واصحابه يتربصون الدوائر بالمسلمين ، ويتوقعون فرصة ينتهزونها ويترقبون من ~~أهل المدينة غرة يجدونها ، والامام كما ذكرنا قد قد أمر بامساك السلاح ~~رعيته واصحابه ، فهم على ذلك فلما كان ذات يوم خرج الامام لبعض حاجاته ، ~~فبادر يزيد بن فندين واصحابه المدينة ليدخلوها على حي غفلة من أهلها فقامت ~~في المدينة الصيحة فتبادر الناس من كل مكان فخرج افلح بن الامام في سلاحه ~~مبادرا فوجدهم على باب المدينة ، وقد كادوا يدخلونها ، فوقف افلح على الباب ~~واثبت احدى رجليه في صفات الباب( 4) حتى انسلخ جلد قدمه إلى ms041 العرقوب وجعل ~~يتقى بدرقته ، حتى لم يجد فيها حصنا يتقى به شيئا ، فرمى بها ، فاقتلع باب ~~المدينة فتترس به ، وعادة يتقى به الطعن ، والضرب ، فتكامل عنده أهل ~~المدينة فوجدوا يزيد بن فندين مقالبلة ، وعلى رأس ابن فندين بيضتان ، وضربه ~~افلح بالسيف فقد البيضتين والرأس ونشب السيف في عمود الباب ، فخر ابن فندين ~~صريعا ، فوجد افلح في يده بعض الشدة حين ضربه فظن ان صلابة في رأس ابن ~~فنديم ، فقال ( ما اقوى رأسك يا بربري يا مشوم ) ولما رءاه اصحابه صريعاص ~~ولوا منهزمين ، فقتل منهم جماعة كثيرة فكان عدد القتلى اثنى عشر ألفا فعثر ~~بهم شؤمهم أول مرة في هلاك هذا العدد الكثير . وبلغنا ان دم قتلاهم سالت ~~على باب المدينة كالسيل لكثرتهم . PageV01P057 # ثم ان أهل المدينة اجتمعوا في عدد وحاولوا أن يردوا الباب كما كان لم ~~يستطيعوا ذلك ، فقالوا لأفلح اردد ما نزعت فقال : ردوا علي غضبي آنفا اردده ~~لكم ، ثم إن الإمام رحمه ال رجع إلى المدينة فوجد على بابها المقتلة فهاله ~~ما رأى بسأل عن ذلك فاخبر بما كان من ابن فندين واصحابه فامر بجمع القتلى ~~فجمعوا ، وصلى عليهم رجاء للصلح وطلبا للعافية لعامة المسلمين ثم ان شعيبا ~~لما انهزم القوم هرب إلى مدينة طرابلس ،فاظهر مخالفة الامام والبراءة منه ~~واستقبل الحجاج بذلك ، واتصل ذلك بالربيع رحمه الله وبمن بالمشرق من أهل ~~الدعوة فبرؤوا من شعيب وابن فندين ن ومن قتل معه ، ومن سلك سبيله ، الامن تاب . # وكان الربيع يقول في مجالسه : عبد الوهاب امامنا وتقينا وامام المسلمين ~~ويظهر البراءة ممن خالفه ، فقيل له : كيف تبرأ من شعيب بغير حدث ؟ فقال : ~~أي حدث أعظم من خلافة لعبد الوهاب وبراءته منه ؟ ثم ان بقية اصحاب ابن ~~فندين الذين لم يصابوا يوم قتل عمرت صدورهم ضغائن واحقادا فتنحوا ناحية عن ~~المدينة ، فاجتمعوا بكدية ، فسميت كدية النكار ، وجعلوا يفشون الخلاف ~~والفساد سرا وجهرا ، وفي كل ذلك لم يزل شرهم يعود عليهم ، وبعد ان أهلك ~~الله ابن فندين واصحابه قدم الرسولان بالجاب ms042 من فقهاء المشرق مشتملا على ~~ماتقدم ذكره م ولاية عبد الوهاب واستحقاقه الامامه ، وتخطئه ابن فندين ~~واصحابه ، والبراءة منهم . # فزاد ذلك يقينا كل من شرح الله صدره للطاعة ، وحمدا لله على ما وهب له من ~~سلامة دينه ودنياه ، وثبوت عقائدهم على صحة يقينهم . PageV01P058 # وبلغنا ان ميمون بن عبد الوهاب قتل ليلا وقطع لحمه اربا اربا ، فلما اصبح ~~وجده اهل المدينة على تلك الحال فأوتي به إلى الامام رحمه اله فنظر إليه ~~الامام فقال : أي بني ، اجتمعت في مصيبتي فيك ثلاث امثال للعامة ، احدهما ~~قولهم فيمن مرت الخيل بكسائه ، والثانية قولهم فيمن اصيب بليل ، والثالثة ~~قولهم اذا مسست ابن السلطان فأمسسه مس عنيفا . ثم جهز ابنه ودفنه ، ولم يدر ~~من قتله وذلك بعد مصاب ابن فندين واصحابه ورجوع الجواب . ثم ان ابنا لميمون ~~خرج ساعيا ، فلما وصل إلى النكار نادوه يا ابن المهدور دمه ، فرجع إلى جده ~~عبد الوهاب فاخبره الخبر ، فجعل يبحث عن قاتله حتى حقق ان النكار قتلوه ، ~~فاخرج اليهم عسكرا وامر عليه ابن ميمون فأدركهم بعد أيام فألفاهم مجتمعين ~~على اهبة ينتظرون . فصادفوه فقاتلهم فهزمهم الله له ، وقتل منهم عددا كثيرا ~~فقصر الناس عن احصاء عدد القتلى ، فقالوا : أي اسماء القوم اقل عددا فصححوا ~~ان أقل اسماءهم هارون ، فقالوا احسبوا كم قتيلا اسمه هارون ، فوجدهم ~~ثلاثمائة ، فما ظنك بسوى هارون فاومن الله قوتهم ورد كيدهم واذلهم . # وكان بيت الرستميين بيت العلوم وجامعا لفنونها ، من علم التفسير والحديث ~~، والفرائض ، والاصول ، والفروع وعلم اللسان ، وعلم النجوم ، وقد حكي عن ~~بعضهم انه قال : معاذ الله ان تكون عندنا امة لا تعرف منزلة القمر ، وبلغنا ~~ان عبد الوهاب بعث ألف دينار إلى اخوانه بالبصرة ليشتروا له بها كتبا ، ~~فاقتضى نظرهم ان يشتروها ورقا وتطوعوا بالمداد واجرة النساخ والمفسرين ، ~~حتى اكملوا ديوانا عظيما فبعثوا به اليه فشق(5 ) جميع الديوان فقال الحمد ~~لله اذ ليس فيه مسألة عزبت عنى الا مسألتان ولو سئلت عنهما لاجبت قياسا على ~~نظائرهما ووافقت الصواب . # ---------------------------------- # ( PageV01P059 1) -لا زال الكتاب من ms043 جملة المخطوطات ن وقد قام الدكتور ~~عمار الطالبي من جامعة الجزائر اخيرا بدراسة عليه ، واخبرني انه يقوم بطبعه . # (2) - كذا في النسخ ، ولعل الصواب : ورجعوا إلى لجاجة أمرهم # (3) - من وزارة موازرة على الامر عاونه وقواه ن مقلوب آزره # (4) - كذا في الأصل ، وفي نسخه في صفات بالباب # (5) - كذا بالنسخ ، لعله فشقق جميع الديوان ، فيكون من شقق الكلام : ~~اخرجه اسحن مخرج ، في الحديث : ( تشقيق الكلام عليكم شديد ) # محاربة الامام عبد الوهاب رحمه الله للواصلية # حدث غير واحد من اصحابنا ان الامام عبد الوهاب رحمه الله لما أوهن الله ~~على يديه كلمة النكار واورثهم الخزي والعار ، تحرك الواصلية بعض الحركة ، ~~وهم قوم من البربر اكثرهم من زناتة ، وذلك لما احسوا بوقوع التفرق وحاولوا ~~ان ينتهزوا فرصة ، فبلغ الامام ذلك فاعذر اليهم مرة بعد مرة ، وقد نشأ في ~~الواصلية شاب حدث السن شجاع لا يقوم له شيء ، وهو ابن اميرهم ، وفيهم رجل ~~ينتحل المناظرة فتتكاتفت كلمة الواصلية ، واجتمعوا من كل أوب منحازين من ~~تاهرت ، واكثرهم أهل البادية . فاظهروا مخالفة الامام رحمه الله ، فاعذر ~~اليهم ، ثم خرج اليهم ، بعساكر كثيرة فقاتلهم مرة بعد مرة فكان الشاب ~~الواصلي لا يدرك احدا الا قتلة ، وابوه يحرضه على القتال . PageV01P060 # فلما رأى ما نزل به منهم ، وان حربهم مقيم ، أرسل إلى أهل نفوسه ستمدهم ~~طالبا منهم جيشا نجيبا يكون فيهم رجل مناظر عالم بفنون الرد على المخالفين ~~، ورجل علام بفنون التفاسير ، ورجل شجاع ، يستعده لمبارزة الشاب الواصلي ، ~~ولما وصلت رسل الامام رحمه الله إلى جبل نفوسه ائتمروا فيمن يرسلونه إلى ~~الامام ، فاجتمعوا على ان يبعثوا اربعة نفر احدهم مهدى الويغوي ، والثاني ~~ايوب بن العباس ، والثالث ابن يأنيس ، والرابع قيل اسمه محمد ابو محمد ، ~~وقيل ابو الحسن الابدلاني رحمهم الله ، فاستحضرهم عامل جبل نفوسه فملا ~~حضروا اعلمهم بما كان من استمداد الامام ، واتفاق الجماعة على توجيههم ~~وامروهم ان يتأهبوا للمسير . PageV01P061 # فبلغنا ان النفر تساءلوا فيما بينهم فقال لهم مهدي اما انا فاكفيكم ~~المناظرة ، وقال محمد بن يأنيس وانا تفسير القرآن ، قد ms044 اخذته عن الثقات ، ~~واعتمدوا على أيوب في المبارزة . وأخذ النفر في اهبة السفر فخرجوا من جبل ~~نفوسة متوجهين إلى تاهرت ، فلما انفصلوا عن الجبل رغب اليهم محمد بن يأنيس ~~في ان يكون لهم خادما فأبوا عليه ، فالح عليهم إلى أن اجابوا رغبته فجعلوا ~~كلما رحلوا ، ساروا نهارهم الى الليل ، فاذا نزلوا عمد محمد بن يأنيس إلى ~~خيلهم فعلفها ، ثم اخذ في معالجة معيشتهم فإذا طعموا أو ناموا اقبل على ~~الصلاة راكعا ساجدا إلى الفجر ، وكان صائما نهاره وقائما ليله ، فكان هذا ~~دأبه ودأبهم ، فلما رأوا تماديه على ذلك شق عليهم ، واشفقوا عليه . فرغبوا ~~اليه ان يرفق بنفسه أو يدع عن بعض ما تكلفه في سفره ، وينام ساعة من ليله ، ~~فأبى ، فعزموا عليه ان يترك ، والا نظروا في خادم سواه ، فلما تحقق جدهم ~~وخشي ان يعزلوه عما تولى من خدمتهم . قال : قد اجبت ، على ان تأذنوا لي في ~~ركعتين لا غير ، فطابت انفسهم وأذنوا له في الركعتين فلما كان في الليلة ~~المقبلة وقد فرغ من خدمتهم قام ليأتي بالركعتين فقرأ في الركعة الاولى نصف ~~القرآن ، وفي الثانية النصف الآخر ، فطلع عليه الفجر ، فلما كان من الغد ~~وعلم اصحابه بما كان منه شق عليهم اشد مما كان قبل ، فرغبوا اليه في ان ~~يعودوا الى الحالة الأولى ، ورأوا ذلك ارفق به مما صار اليه . # وبلغنا انهم ناموا ذات ليلة فاستيقظ احدهم فرأى ابن يأنيس قائما يصلي ~~وكانت ليلة مطيرة شديدة البرد والريح فسمع لكساء بن يأنيس صريرا اذا ضربته ~~الريح ، فقال : ان كان لا يدخل الجنة الا من كان مثلك يا ابن يأنيس ~~فستستوحش فيها . بل الله لطيف بعباده ورحمته واسعة . PageV01P062 # وبلغنا ان الامام رحمه الله لما سمع بخروجهم من جبل نفوسه متوجهين اليه ~~قال لعبيدة من بشرني منكم بقدومهم فهو حر ، وكان العبيد اذا اصبح خرجوا من ~~المدينة ينظرون يمينا وشمالا ، وكان احد عبيد الامام أعرج لا يستطيع النهوض ~~مع العبيد فكان يرقى سور المدينة فلما كان يوم قدومهم أبصرهم العبيد الذين ms045 ~~كانوا في خارج المدينة ، فلما تحققوا ذلك بادروا يتسابقون ليخبروا الامام ~~فلما رءاهم الاعرج عن بعد ، عجل إلى الامام فبشره ، فخرج حرا فجاءه اصحابه ~~فوجدوا الاعرج قد سبقهم بالبشارة فقالوا ( فاز بها الاعرج ) فلما وصل النفر ~~المدينة اخبروا الامام بانهم اربعة فساءه ذلك ، وكان ينتظر قدوم عسكر كبير ~~فلما دخلوا على الامام رحمه الله ، سألهم عن احوالهم وعن قدومهم في اربعة ~~نفر دون عسكر . فاخبره كل واحد منهم بما تكفل به ، واعلمه انهم بمعونة الله ~~عز وجل ومساعدة الأمام يقومون مقام العسكر . فامر الامام رحمه الله ~~بانزالهم في دار الضيافة ، فاقاموا في أبر حال . # وبلغنا ان الامام اجل قبل ذلك الواصلية أجلا ، قبل قدوم النفوسيين ، فلما ~~قدموا قال لهم : تأهبوا للخروج قالوا له : دعنا حتى نستريح وتستريح دوابنا ~~فقد اساءها السفر ، فأسعفهم ، ولما جرى ذكر المناظرة بينهم وبين الامام ~~واعلمهم مهدى انه يكفيهم المناظرة قال لهم الامام : انه جرى بيني وبين ~~الواصلي المنتحل المناظرة كلام ، اريد ان اعرضه عليك فقال : افعل يا امير ~~المؤمنين ، فجعل الامام يعرض عليه ما وقع بينهما من مناظرة ، ويذكر سؤال كل ~~واحد منهما ، وجواب الآخر فكلما وجد من كلام الواصلي حيدة ، قال : يا امير ~~المؤمنين زاغ في الحجة ، وزاغ عن الحجة ، حتى اطلع الامام رحمه الله على ~~جميع ما لبس فيه المعتزلى ، ومواضع حيداته ، فوثق بان مهديا سيظفر ~~بالمعتزلي. PageV01P063 # وبلغنا ان مهديا لما صار بتاهرت - جعل - يغيب عن اصحابه اياما لا يدرون ~~له مستقرا ، حتى ساءت ظنونهم ، فلما كان ذات ليلة قدم عليهم ، فقالوا له: ~~قد استبطأناك ففيم كان مغيبك ؟ فقال لهم : انى قد رددت الى مذهب الحق سبعين ~~عالما من أهل الخلاف . # ثم ان الامام بعث إلى رئيس المعتزلة بانه سيخرج اليهم في يوم كذا ، فلما ~~كان ذلك اليوم وقد ساءت ظنون المعتزلة وامتلأت قلوبهم رعبا يتوقعون ما ~~سيجلى لهم من أمر نفوسة فكانوا في غم شديد ، فامر الامام رعيته بالخروج الى ~~الواصلية والحضور لمناظرة مهدى للمعتزلة . PageV01P064 # فقال له ايوب بن العباس يا امير ms046 المؤمنين بخيل نركبها ، فامر الامام رحمه ~~الله ايوب بدخول دار الدواب فدخل الاصطبل فجعل كلما رأى فرسا حسن الصورة ، ~~أخذ بناصيته وجذبه فلا تثبت حوافره على الأرض يكاد يسقط على رأسه ، حتى أتى ~~على آخرها فلم يعجبه منها شيء فقال ايوب للامام اجمع(1) فرسي فان تعبه علي ~~احسن إلى من غيره ، فامر الامام بفرسه فاحضر ، فلما جذبه كما فعل بكل فرس ~~اجتذبه قبل ولم يال جهدا في جبذه فاقنع الفرس برأسه في الهواء طامحا ، ولم ~~تزل له حوافر مثبتة في موضعها ، ثم ردد النظر في الفرس فوجد به الحفاء ، ~~فامر باحراق الرمل حتى حمي ، وفرش ، وأمر عليه فرسه يطأ ذلك الرمل بحوافره ~~، ففعل به ذلك ثلاثة ايام ، فبعد ذلك امر الناس بالخروج ، فخرجوا والتقى ~~العسكران والناس ينظرون الى ايوب ، فيتعجبون بما يسمعون عنه من اشجاعة ، ~~وانه لا يلقى شجاعا الا قتله ، فاعذر الامام الى المعتزلة ودعاهم الى ترك ~~ما به ضلوا ، فأبوا الا المناصبة وسألوا المناظرة ، وقد صفت الصفوف فخرج ~~مهدى لمحمد بن يأنيس أخرج اليه فناظرة ، فقال له ابن يانيس رحمه الله : بل ~~اخرج اليه انت ، ولست باعلم منا ، ولكن اخشى ان يعقدني العرق الذي من قبل ~~ذلك اسملته نفسه فارسل إلى مهدى في خفية من اصحابه : ان انا ناظرتك فظفرت ~~بي سترت علي ، وان ظفرت بك سترت عليك ، فليس منا احد يدري لمن يكون الظفر . ~~فارسل مهدى إلى اصحابه ان علامة ظفري بالمعتزلي ان أنزع القلنسوة عن رأسي ، ~~واضعها تحت ركبتي ، ثم تناظرا فجرت بينهما وجوه من المناظرة والناس يعلمون ~~ما يقولون ،فلم يظفر احد بصاحبه ، ثم دخلا في مناظرات لم يفقهها احد غير ~~الامام ، ثم دخلا في وجه لم يفقهها أحد ولا الامام ، فما كان باوشك من ان ~~ظفر به مهدى والقى القلنسوة ، فكبر اصحاب مهدى لعلمهم بظفره بالمعتزلي ، ~~فلما رأى المعتزلي ذلك قال غدرت يا مهدى . PageV01P065 # وافترقا عن مجلس المناظرة ن وقد اظفر الله مهديا ، ونصر حجة أهل الحق ~~ولله الحمد . ثم خرج الفتى المشهور بالشجاعة ms047 يطلب المبارزة ، فأخذ ايوب بن ~~العباس في اهبة الخروج اليه فجبنذ فرسه حتى استوى بين الصفين واراد ركوبه ~~بحيث يراه كلا الفريقين ، فتجاهل في ركوبه ، فضحك منه عامة الفريقين ~~وازدروه ، فقال لهم ابو الفتى الواصلي الآن جاء من يقتل ولدي ، افلا ترون ~~ان فرسه لما ركبه ادلى واسترسل ، ولا يفعل الفرس ذلك الا تحت الفارس الحاذق ~~الممارس ، فخرج ايوب الى لفتى فبارزه فتطاردا قليلا ،وتضاربا حينا ، فحمل ~~عليه ايوب فضربه وقتله ، وذكر بعض أصحابنا اه شكه بالرمح واحتمله كالجرادة ~~، فلما رات المعتزلة رئيسها وفارسها صريعا ، ولوا منهزمين بعد ما حمى ~~الوطيس وقتل الرئيس واستنجر القتل في المعتزلة وكان أفلح بن عبد الوهاب ~~يضرب ناحية وايوب يضرب ناحية أخرى ، وكان سيف ايوب بن العباس ليس له الا حد ~~واحد ، وقيل ان ذلك اذا عيى حمله على عاتقه ، فلما امعن اهل العسكر في قتل ~~الواصلية ودخوهم ، وضعت الحرب اوزارها ، ولم يكن بقى من المعتزلة إلا ~~اليسير وصار المسلمون يعدونهم من قتلة أفلح من قتله أيوب فوجدوا احدهما ~~يزيد على الآخر واحدا ، قيل وصاحب الزيادة هو افلح ، وذكر بعض اصحابنا ان ~~قتلى افلح اربعمائة . ولما أوهن الله المعتزلة ، ونهزموا وعسكر الامام ي ~~سافلتهم ، بلغنا ان ايوب بن العباس رأى شخصا قائما كهيئة ارجل فى حومة ~~القتال ، فخاله رجلا فضربه بالسيف فأحس شدة ، فلما رجع قال لاصحابه : انى ~~ضربت شيئا فيه ولم ادر ما هو فتصفحوا القتلى فوجدوه عمودا قائما ، فلمسوه ~~بأيدهم ، فسقط منفصلا من الموضع الذى أصابته ضربة ايوب . PageV01P066 # ثم بعد ذلك بزمان أرسلت المعتزلة إلى أيوب بن العباس بان يأتيهم بعد فعله ~~الافاعيل فيهم ، فعزم على المسير إليهم فمنعه أصحابه فأبى إلا المسير ~~فحذروره الغدر ، فلم يعبا بهم ، فسار أيوب حتى وصل بعض احيائهم ، فتيممه ~~فإذا برجال من احي ينتظرون المامه بهم ، فانزلوه في خص ورحبوا به فلما جن ~~الليل قدموا له العشاء وهي جفنة طعام عليها شاة ووطب من لبن ، قال أسند ~~ظهره إى دعامة الخص وجعل يتلو القرآن ، حى طلع ms048 الفجر ، فصلى الصبح بوضوء ~~العشاء ، فلما طلعت عليه الشمس، أمرهم بان يقدموا فرسة ، فقدموه وهم عازمون ~~على غدره فلما ركب فرسه تكلم متكلمهم فقال : يا ايوب ان فتيان الحي راغبون ~~في أن تلاعبهم على فرسك ، فقال ايوب ال ، ثم ان فتيان الحى ركبوا خيلهم ، ~~فتناولوا قضبانا يترامون بها ، وفيهم رجل شجاع قد تكفل لهم بغدر ايوب ~~فلاعبهم ايوب قليلا ، ولم يشعر الا والرجل خلفه قد ش عليه بالرمح ، فتغافل ~~عنه ايوب حين علم به ، فلما اراد أن يضربه اتقى ايوب ضربته ، وشد عليه ~~اويوب فقتله فحمل على اصحابه فقتل منهم ثمانية ، ثم حمل أخرى فقتل ثمانية ~~أخرى ، فصاح ايوب بنساء الحي هلى يكفيكن ، أو ازيدكن ؟ فقلن : قد اكتفينا ، ~~قال فتوجه ايوب فمر بواد فوجد فيه اسدا ولبوة وأشبالهما ، فشد عليها بالسيف ~~فقطع ارجلهما فتركهما يزحفان ، واجتاز بحى من احياء البربر ، فقال يا أهل ~~الحى من اراد منكم اللحم المكروه فليقصد الوادى عند السدرة فابتدر الحى إلى ~~الوادى فوجدوا الاسد واللبوة وأشبالهما فطفق القوم يأكلون . PageV01P067 # وذكر بعض اصحابنا ان مهديا كان رجلا ورعا زاهدا في الدنيا طالبا للآخرة ، ~~وكان له أخ أو ابن خالة طالبا لللاخرة من غير أعراض عن خطة من الدنيا ~~فاختصما يوما بتاهرت إلى الامام ، فقال ، مهدى : يا امير المؤمنين ان هذا ~~أخي قد شغلته دنيا حتى كاد يضر بآخرته ، فقال الآخر : ان هذا اخى قد شغله ~~رفض دنياه حتى كاد يضر بآخرته ن فاعرض عنهما ودعا لهما بخير . # ولما توجه الامام رحمه الله الى جبل نفوسة اصابه مطر بين منازل نفوسة وهو ~~مرتحل ، فقصد دار مهدى فوجدها دار عابد زاهد ليست له رغبة في الدنيا ، فلم ~~يجد بها ما يقى عن نفسه القطر ، فرغب اليه ابن خالته الذي له حظ من الدنيا ~~وسأله انتقال الإمام ومن معه الى داره ، واعمله ان ذلك ارفق بالامام لما هو ~~فيه من اليسار ، واخف عن مهدى لما علمه فيه من الاقتار ، فاجابه سؤاله ، ~~فخرجوا الى دار ابن خال مهدى ، ومهدى معه ms049 ، فلما دخلوا داره وجدوها دار ذي ~~نعمة وبسطة ، وسعة رزق ، فخلع على كل واحد منهم ثيابا جديدة لم يصبها مطر ، ~~وفرش فرشا وثيرة واحضر أطعمة حفيلة وأظهر لهم من صنوف البر ما استحسنه ~~الامام غاية الاستحسان ن حتى استدعى منه ان قال لمدى : الآن خضمك ابن ~~خالتك(2) فيما اختصمتما ، وبان ان حجته قامت على حجتك . PageV01P068 # وبلغنا ان مهديا خطب امرأة بجبل نفوسة فاستشارت في أمره شيخا من المشائخ ~~. فقال لها : ان مهديا رجل له رغبة في الآخرة وزهد في الدنيا واجتهاد في ~~الصلاح وله أرض كريمة محثوت لها سد فوق سد ، قد انهدمت سدودها وخربت رها ، ~~ولم تدعه نفسه الى اصلاح شيء منها ، ولا يستطيع اصلاحها العدد القليل من ~~الناس ، واراد ان يتزوجك ، فلا تصلح جسوره الا بتراب تنقليه على رأسك ~~فزادها ذلك رغبة فيه وفي صلاحية وتزوجها مهدى ، وهي تنقل التراب على رأسها ~~لاصلاح الجسور ، فذكرها الشيخ فيما اعملها من قبل به ، فحمدت الله على ما ~~اعطاها من خدمة ولي من أوليائه . قال اشيخ ابو العباس وانما ساق الشيخ رحمه ~~الله هذا الخبر قبله ليعلمك بمراتب الرجال وما حووا من درجات الكمال ، وهم ~~مع نذلك لا يعتورهم كبر ولا استنكاف ، بل قد سلكوا سبيل من درج من اخيار ~~الاسلاف ، فالله ينفعنا ببركتهم اجمعين . # --------------------------------- # (1) - في نسخة القطب اجمع على فرسي # (2) - أي غلبك في الخصام # نزول الامام عبد الوهاب رحمة الله على مدينة طرابلس PageV01P069 حدث غير ~~واحد من اصحابنا ان الامام رحمه الله أراد المسير الى الحج فاخذ في اهبة ~~السفر ، ثم سار متوجها ، فلما وصل الى جبال دمرا استعمل عليها رجلا من ~~أهلها يقال له فزار ، ثم توجه إلى جبل نفوسه ، فاجتمعت عليه جموع نفوسه ~~فاخبرهم بما عزم عليه من تيممه الحج .فقالوا يا امير المؤمنين ان رايت ~~المقا م فعلت ، فانا نخشى عليك من المسودة(1 ) ، فانهم ان علموا بمسيرك عن ~~بلادك وتوجهك الى بلادهم لم تسلم من افة تصيبك منهم ، من قتل ، او سجن ، او ~~نكال . وقد تعين عليك ms050 القيام بأمور المسلمين ، والنظر فيما يجمع كلمتهم ، ~~ويصلح شأنهم فاقامتك فيهم آكد وواجب . فقد علمت انك لو غبت عنهم لضاعت ~~الحقوق وتفرقت الكلمة ، قال فأرسل الامام رحمه الله إلى اخوانه بالمشرق ~~وكان المقدم في ذلك العصر في العلم والورع والفضل أبا الربيع بن حبيب ، ~~رحمه الله وابن عباد المصري ، فلما وصلهم الرسل والقوا اليهما من القول ما ~~دار بين الامام وبين جماعة نفوسة ، واخبروهما ان الامام يستفتيهما مستضيئا ~~علما من نورهما ، مع ما وهب الله له من العلم ، معتمدا ان فتيا غيره في ~~نازلة مختصة به أولى ، وانهى للنفس عنالهوى . فاجابه الربيع بان من كان ~~مثلك في العناية بأمور المسلمين ومحل امانتهم وخاف على نفسه من أهل الجور ~~والبغي ، فينبغي له ان يستأجر من يحج عنه وهو حي . واجاب ابن عباد بان من ~~كان على هذه الصفة فليس عليه حج ، لان امان الطريق من الشروط التي هي ~~مشترطة في وجوب الحج . فمكث الامام رحمه الله ينتظر رسله ، فلما قدمت الرسل ~~بالجوابين أخذ بجواب الربيع وارسل من يحج عنه . PageV01P070 # وأقام بجبل نفوسة في تلك الحالة سبعة أعوام يستدرجهم في تعليم مسائل ~~الصلاة ، وانفصل عنه فيما ذكر قبل تكميلها . قال ابو العباس احمد بن الشيخ ~~ابي عثمان سعيد ، وذلك لان نوازل مسائل الصلاة كثيرة ، وهي أول ما يحافظ ~~عليه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أول ما يحاسب به العبد ~~الصلاة )) . # قال وكان الامام رحمه الله لما صرف الرسل الى المشرق جمع جموعا كثيرة ~~وعسكرا ونزل على مدينة طرابلس محاصرا لها ومحاولا دخولها في الطاعة ، ~~والمصير إلى ما عليه أهل الحق ، فحاصرها اشد الحصار ، ثم رأى له الصواب في ~~الارتحال عنها فإرتحل عنها . # -------------------------------- # (1) -لقب العباسيين # الافتراق الثاني في الاباضية # حدث جماعة من اصحابنا ان الامام رحمه الله لما اراد التوجه الى تاهرت ~~اجتمعت جموع أهل بلاد طرابلس ، فسألوا واليا يوليه عليهم ، وأراد ان يولى ~~عليهم بعض وزرائه فلم يوافق ذلك مرادهم ، ورغبوا في ان يولى عليهم وزيره ~~السمح ابن عبد ms051 الاعلى رحمه الله ، لما رأوا محبة الإمام فيه ، وحسن ظنه مع ~~كونه ابن إمامهم . فلما علم الإمام عبد الوهاب رحمه الله إن رغبتهم في ~~السمح ، اذ لا يقوم مقامه في نصيحة وعناية وحسن محبة احد ، ثم قال لهم ومع ~~هذا فانى أو ثركم به على نفسي ، فاستعمله عليهم وارتحل إلى تاهرت . PageV01P071 # فلما ولى السمح على حيز طرابلس احسن فيهم السيرة ، وعدل في احكامه ، ~~فصلحت أحوالهم فلم يزل مقرا بإمامة عبد الوهاب وناصحا له في رعيته حتى ~~حضرته الوفاة ، وقد كانت عماله على نواحي طرابلس سالكين مسلكه ، في حسن ~~السيرة ، فاجتمع اليه اصحابه فقالوا له : اوصنا وأمرنا بأمرك ، فانا مطيعوك ~~في الحياة وبعد الممات ، فانك لم تال بيننا رشدا جزاك الله عن رعيتك وعن ~~الاسلام خيرا . فقال لهم السمح رحمه الله أوصيكم ونفسى بتقوى الله ، والعمل ~~بما أمركم به ، والانتهاء عما نهاكم عنه ، وطاعة امامكم عبد الوهاب وتأييده ~~ما دام على الحق الذي عليه سلفه ، وجهاد من خالفه ، فبذلك تستقيم احوالكم ، ~~وينتظر شملكم ، ويتم خير دينكم ودنياكم . وتوفي رحمه الله ، فلما توفي عظم ~~مصابه وبلغ في الناس فقده مبلغا عظيما . # وخلف ولدا اسمه ( خلف ) فلشدة محبة الناس في السمح وعظم منزلته فيهم ~~أحسنت العامة الظن ( بخلف ) وأراد من ليست له بصيرة في الدين ولا نظر في ~~العواقب توليته عليهم ، فقال أهل البصائر : لا ينبغي لكم ان تفتاتوا على ~~امامكم في شيء مما قلده الله من أموركم ، وولاه من صالح جمهوركم ، فقال ذوو ~~العقول القاصرة : اما ان فعلنا ذلك رجونا ان يكون وفق ارادة امامنا ، وقال ~~فريق منهم : نوليه على انفسنا ريثما يصل من الامام أمر نقف عنده ، فان ~~اثبته اثبتناه ، وان عزله عزلناه . فأبى ذلك كله أهل الصلاح كابى منيف ~~اسماعيل بن درار الغدامسى وابى الحسن ايوب ، وامثالهما . فغلبت العامة ~~وولوه من غير اذن الامام ، ولا رضى من أهل الصلاح فولوه على انفسهم . ~~وكاتبوا الامام بموت عامله ، واقامتهم ولده مقامه ، على انه ان اجاز اجازوه ~~والا عزلوه . فلما وقف على ما ms052 خاطبوه جاوبهم بما نصه : # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه PageV01P072 " أما بعد فانى آمركم ~~بتقوى الله تعالى ، والاتباع بما آمركم به ، والانتهاء عما نهاكم عنه ، ~~والذي كتبتموني به من وفاة السمح وتولية بعض الناس خلفا ، خلفا منهم ورد ~~أهل الخير ذلك ، فان مولى خلفا بغير اذن امامه قد أخطأ سيرة المسلمين ، ومن ~~ابى توليته فقد اصاب ، فاذا اتاكم كتابي هذا فليرجع كل عامل استعمله السمح ~~الى عمله الذي ولي عليه ، الاخلف بن السمح ، فحتى يأتيه أمرى وتوبوا الى ~~ربكم لعلكم تفلحون " # فلما وصل جواب الامام أهل بلاد طرابلس بما تضمنه من رد العمال الى ~~اعمالهم ، وتخطئة من ولى خلفا ، وتصويب من توقف عن توليته ، قلقوا فكتبوا ~~الى الامام يراجعونه في أمر خلف ، ويسألونه ان يجيز توليتهم اياه . فجاوب ~~رحمه الله بكتابين احدهما الى الجماعة ، والآخر أفراد به خلفا ، يعلمهم ان ~~ذلك لا يسعه من قبل الله تعالى ، وانه لا سبيل الى بقائه على عمل . ثم ~~اقتضى نظر الامام رحمه الله ان يوجه امناء من قبله الى جهة طرابلس مختبرين ~~لاحوالها ، وعلم(1 ) اليهم بتولية خلف على جهات طرابلس ان وجدوه قد اعتزل ~~واطاع الله ، وامر التقدمة . وان هم وجدوه مصرا على الخلاف نابذا امر ~~الامام وراءه ظهريا ، رفضوه . حتى يحكم الله فيه وهو خير الحاكمين . # قال فوصل امناء الامام فوجدوا خلفا في عتوه واستنكاره ، فدفعوا له كتابا ~~بالاعتزال ، فابى . وشايعه على ذلك اصحابه الذين ولوه وانهم لما وصل كتاب ~~الامام بتخطئتهم كتبوا الى ابى سفيان محبوب بن الرحيل كتاب الامام بتخطئتهم ~~كتبوا الى ابى سفيان محبوب بن الرحيل كتابا وجهوه اليه بالمشرق ، وهو اذاك ~~رأس جماعة أهل الدعوة هنالك ، والمقدم عليهم بعد انقراض طبقة الربيع ~~ومعاصريه ، رافعين اليه ماصدر عن الامام فيهم ، وقدروا ما هم عليه من ~~اصابتهم بزعمهم ، وحسنوا تولية خلف ورجوا ان يكون منه جواب يوافق نظرهم ~~الفاسد ، فوصلهم جوابه رحمه الله بتخطئتهم وتصويب من امتنع عن توليته ، ~~وتوجيب طاعة امامهم . PageV01P073 # فلما وصلهم جواب ms053 محبوب بما خالف مواقفهم نبذوه واخذوا في مسلك طرق الضلال ~~، حتى اعلنوا بنبذ امامة عبد الوهاب وقالوا ما هو لنا بامام ، وانما امامنا ~~خلف ، اذ هو في حوزتنا ، والحافظ لجماعتنا ، والجامع لكلمتنا . واما عبد ~~الوهاب فانه في حوزة غير حوزتنا ، وغير أهل لجماعتنا ،فبرأ منهم أهل الدعوة ~~وليس بيننا وبينهم خلاف الا في مسألة الاقرار بامامة عبد الوهاب . # -------------------------------------------------- # (1) - يريد عهد اليهم وامرهم # استعمال أبو عبيدة عبد الحميد الجناونى رحمة الله ومحاربته خلف بن السمح # ذكر جماعة من اصحابنا ان عامل الامام عبد الوهاب رحمه الله ابو الحسن ~~ايوب ادركته منيته فكتبت نفسة ومن حولهم من بلاد طرابلس الى الامام ، ~~يخبرونه ويستدعون منه استعمال عامل ، فكاتبهم بان يعلموه برجل يرضى ~~لاعمالهم وتتفق عليه كلمة أهل الفضل منهم ، فسموه له ، فكاتبوه باتفاق ~~كلمتهم على ابى عبيدة عبد الحميد الجناوني ، فكتب بتوليته على اعمالهم ~~والنظر في امورهم ، ولا علم له بما أرادوه . ونفذ به امر الإمام فاجتمعت ~~جموع أهل بلاد طرابلس من نفوسة وغيرهم على أبي عبيدة ليسمعوا منه ويطيعوا ، ~~فلما قرأ كتاب الامام تنصل من الولاية وقال : انا ضعيف قالها مرارا فكتب ~~الىالامام متنصلا ومقرا بالعجز والضعف فلم يقبل منه الامام عذرا فكتب اليه ~~بالاقامة على ما ولاه من القيام على أمور المسلمين . PageV01P074 # وكتب فيما كتب به اليه ( ان كنت ضعيفا في المال فبيت مال المسلمين تقويك ~~، وان كنت ضعيف البدن فالحق يقويك وان كنت ضعيفا في العلم فعليك بابى ~~زكرياء اللالوتي فاستعن به فيما يستقبل من امورك ) . فاجتمعت عليه أيضا ~~الجموع فقال لهم انتظروني ، فغاب عنهم ما يدرون ما يحاول فسار الى عجوز ~~نفوسية مشهورة بالعلم والدين والصلاح ، فاستشارها في تحمل ما تقلد أو ~~الفرار ، فقالت له هلتعلم في بلادك من أهل زمانك أقوم منك بما كلفت له هل ~~تعلم في بلادك من أهل زمانك أقوم منك بما كلفت به واحق بتقليد ما تقلدت ؟ ~~قال : اما في امور الرجال فلا ، قالت فادخل اذا فيما قلدك الامام ، والا ~~فانى اخشى ان تهشم ms054 عظامك في نار جهنم ، فقد قامت عليك الحجة ، فرجع اليهم ~~وتقلد ما قلده من أ/ورهم فكانت جماعة نفوسة يذكرون فضلها ، ويعترفون بها . # فلما ولى عبد الحميد احسن السيرة وقام بحقوق الله عز وجل وعمل بطاعته . ~~فلما سمع خلف بن السمح بتولية الامام عبد الحميد بلغ ذلك منه مبلغا عظيما ، ~~واستكبر ، واستخف اشياعه من الضلال فأطاعوه ، وجعل يشن الغارات على رعية ~~عبد الحميد ، ويدس اللصوص ، فوجه اليه أبو عبيدة الحميد يأمره بالكف عن ~~الرعية ، فلم يكف ، فكتب أبو عبيدة الى الامام يخبره بما نزل بالرعية فكتب ~~اليه الامام ان يعامله بالملاطفة والملاينة ما استطاع ، لعله يتذكر أو يخشى ~~، فقال له : ان لم تجد بدا من المدافعة فمدافع عن الرعية . فمكث يلاطفة ~~حينا الى ان ورد عليه الخبر بوفاة الامام رحمه الله . # امامة افلح بن عبد الوهاب رحمه الله PageV01P075 ولما توفي عبد الوهاب ~~تدانى العدو من تاهرت طمعا في الاستيلاء عليها ، ورجوا الظفر بها وباهلها ~~لما ظنوه من عجزهم عن المدافعة ، اذا اضحوا بلا امام ، فابتدر جماعة أهل ~~الدعوة ، فبايعوا افلح بن عبد الوهاب ، فعقدوا له الامامة فكان ميمون ~~النقيبة ، فسكن الله به البلاد ووقية من الفساد . وما بلغ ابا عبيدة موت ~~الامام وتولية ابنه افلح الامامة ، كتب ابو عبيدة الى افلح يستشيره في امر ~~الخبيث بن الطيب ويستأذنه الدفاع ، فكتب اليه بمثل ما كتب به ابوه رحمه الله . # فلما بلغ خلفا وفاة الامام وتولية افلح انف واستكبر ولم يقر بامامته ، ~~ولا دان بطاعته ، وانحاز بمن معه الى موضع يقال له ( تيمتى ) فسلط اشياعه ~~على الطعام ، وشن الغارات على رعايا الامام ، واستباح الاموال ، واخرب ~~الديار ، وقتل الرجال ، حتى قتل عدة من اصحابه ، يحسب انهم من رعية ابي ~~عبيدة عبد الحميد ، ثم عظمت صولته واشتدت شوكته حتى استمال كثيرا من الناس ~~فمالوا اليه ، واكثر ميلهم خصب جانب خلف ، وجذب حيز ابي عبيدة ، فكانوا معه ~~طلبا لمعاشهم ورغبة في الدنيا وكانوا معه على رأيه وبدعته . # ولما رأى قلة اصحاب ابي عبيدة وكثرة من معه ms055 من الضلال سولت له نفسه ~~الخبيث انتهاز الفرصة ومبادرة ابي عبيدة واصحابه ليستأصل شافتهم ، فجمع ~~عساكره وتيمم أبا عبيدة فلما سمع به أبو عبيدة أمر اصحابه بالخروج فخرجوا . ~~فعسكر ببعد من الجبل ولما تدانى العسكران بعث خلف رعيلا من خيله نحو ~~أربعمائه فارس ، فهم اصحاب عبد الحميد بأن يخرجوا إلى محاربتهم فمنهم عبد ~~الحميد من ذلك رقوبا ما عند الامام، وطلبا للسلامة ، فقصدت الخيل قرية يقال ~~لها " ويدوف " من رعيته عبد الحميد، فانتهبوا ما امكنهم من الاموال وقتلوا ~~ما قدروا عليه من الرجال وكان أكثر الخيل أخذه خلف واهل بيته ومواليه ~~ومماليكه . PageV01P076 # فلما تحقق عبد الحميد بغيهم ولم يجد بدا من قتالهم امر أصحابه بقتالهم . ~~فالتقوا وانهزمت خيل خلف وقتل منهم عدد كثير . فاراد أصحاب عبد الحميد ~~أتباعهم فناهم عن ذلك . واحسن السيرة ولما رأى خلف ما أصاب اصحابه من ~~الهزيمة والتقل ، كر راجعا إلى الموضوع الذي منه خرج وهو موضع يقال له ~~تيمتى فأقام به ، ورجع عبد الحميد إلى موضعه وأمر أصحابه بالرجوع إلى ~~مواضعهم ، وظن ان القوم لا يريدون بعد ذلك باسا ن ثم أرسل إلى خلف أذا ما ~~فعلت فكن في حيزك ، واكون في حيزى ، وضع الحرب فأبى خلف إلا المحاربة وجعل ~~يشن الغارات على رعية عبد الحميد ، وسلط عليها من يسومها أنواع العذاب لا ~~يألوا فسادا وقتلا في الاموال ، والانفس ، ثم أن خلفا أزدهى بكثرة من اجتمع ~~له العدد ، فأمر أبو عبيده اصحابه بالخروج ، فخرجوا وهم في عدد قليل ، ~~ولكنهم أهل بصائر يموتون على ما بايديهم من الحق . لا يأسفون على ما فاتهم ~~من دنياهم ولا يعدون زايدا الا تقوى بهم ، ولا مطلبا الا ما يقدمونه ~~لأخراهم . PageV01P077 # وقد اختلف في عددهم فقيل سبعمائة وقيل عدد اصحاب بدر ثلاثماءة وثلاثة عشر ~~، فاقبل خلف بمن اجتمع له وقد غره بالله الغرور ، ولم يدر ( ان الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون ) فجاء في أربعة آلاف فارس فارسل الىابي ~~عبيدة رسولين بخلع ولاية افلح ويقر له بالولاية ، فلما قدم ms056 رسولاه بذلك ~~الىابي عبيدة حاجهم ابو عبيدة في امر الائمة ، فقال : هل احدث افلح أو أبوه ~~في الاسلام حدثا يحل لكما معه خلع ولايتهما ؟ واحتج عليهم بطاعة السمح لعبد ~~الوهاب رحمه الله ، فاعتلا بانقطاع الحوازات ، فقال لهما : السمح قد اقر ~~بطاعته عى اختلاف الحوازات ، فقال له احدهما انا نخاف ان لم نجب الى طاعة ~~هذا الرجل هراقة الدماء ، فقال ابو عبيدة : ايهما اعظم هراقة الدماء ام ~~الترك للقيام بدين الله تعالى ؟ فقال له الرجل : هراقة الدماء اعظم ، قال ~~له عبد الحميد : لو كان الامر كما ذكرت ما افترق اصحاب النهراوان وغيرهم ، ~~واصحاب النخيلة ، وابو بلال واصحابه وعبدالله بن يحيى ، وابو حمزة ~~واصحابهما ، وابو الخطاب ومن معه ، وابو حام ومن تبعه ، ولأذعنوا للطاعة ~~دون هراقة الدماء ، انما قاتلوا وقتلوا في القيام بدين الله ، ولم ينكلوا ~~خوفا من اراقة الدماء بل قد بذلوا مهجتهم ، مجاهدين على آثارهم خير متقدمين ~~، لا نبغى عنهم بدلا ولا عنهم حولا . فمن حاول منا غير ذلك فالله يحكم ~~بيننا وهو خير الحاكمين ، ثم قال للرسولين : فان استعظمتم هراقة الدماء ، ~~فارجعا الى صاحبكما فقولا له : ان هذا يوم الخميس فدعونا ، فاذا كان غدا ~~يوم الجمعة نصوم لله تعالى ونطلع ، أنا ، وهو ،وابو المنيف اسماعيل بن درار ~~، فنبتهل فنجعل لعنة الله على الظالمين ، ونسأل الله ربنا ان يفتح بيننا ~~وهو خير الفاتحين . PageV01P078 # فرجع الرسولان الى خلف فاخبراه بما جرى بينهما وبين ابي عبيدة من القول ~~فامر خلف عساكره بالتهيء للقاء ابي عبيدة ، فلما قرب عسكره عسكر ابي عبيدة ~~، تقدم رجل من اصحاب خلف ممن يرى تصويب ابي عبيدة ، واصحابه تميل نفسه ~~اليهم ويشفق عليهم ، فقال لابي عبيدة : تنح باصحابك الىسفح الجبل فان كانت ~~الدائرة لكم ادركتم ما رجوتم ، وامنتم ما خفتم ، وان تكن عليكم كنتم في حصن ~~ولا يضركم ذلك . PageV01P079 # فقال ابو عبيدة لاصحابه هذه نصيحة قد اخرجها الله من عدوكم وعدوه ، فامر ~~اصحابه بالتنحي ، واسندوا ظهورهم الى جبل فظن خلف ان ذلك على جبن وهلع فقدم ~~سرعان خيله ms057 ، ورعيان رجله ، فلما جاء والعساكر على اثره ، وغشوا ابا عبيدة ~~دعا ابو عبيدة بوضوء فتوضأ مستترا برجال ، وصلى ركعتين وابتهل وتضرع الى ~~الله تعالى عز وجل ، وسأل ان يقل شوكتهم وقال : ( يا من لم اعرض عنه منذ ~~استقبلت أمره لا تفرق هذه العصابة على يدي ) وبلغنا ان رجلا من اصحاب خلف ~~دنا من عسكر ابي عبيدة فقال لرجل منهم ما الذي أوقفكم ؟ قال وقفنا ندععو ~~الله ، فقال الخلفي فما بال السلاح ، فقال للدفاع في سبيل الله ، قال من ~~تدفعون ؟ فقال : ندفع من بغى علينا ، فقال له آخر من اصحاب ابي عبيدة ~~لصاحبه مالك النت له القول؟ فقال له : طمعا في الصلح ورغبة في تأخير بعض ~~الشر ، يا اخي ، ثم تدانى القوم بعضهم من بعض ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، ~~وذلك في عشية الخميس الثالث عشر من رجب سنة احدى عشرة ومائتين ، قال وكان ~~في عسكر ابي عبيدة رجل شجاع ، حاذق بالطعن يقال له البعاس ،ولد ايوب بن ~~العباس ، فنظر اليه ابو عبيدة فرآه يضرب يمينا وشمالا ، وقد حمى الميمنة ~~والميسرة والقلب ، فقال ابو عبيدة وقد ركزه اه لحمي المعقبات ، وقاه الله ~~نار العقاب ، وذكر عن العباس انه ضرب رجلا بسيفه فأطار رأسه ، وقال العباس ~~للرأس : الى النار وقال الراس : وبئس المصير ، وكان ممن يكثر النسك ~~والاجتهاد قبل ذلك ، فقال العباس : هذا جسد كنت ادعوا له بالجنة زمانا ، ~~وانه لمن وقود النار ، انا لله وانا اليه راجعون ، نسأل الله خواتم الخير . PageV01P080 # ثم انهزم اصحاب خلف واسرع القتل فيهم ، فقتل منهم عدد كثير ، فأمر أبو ~~عبيدة اصحابه ان لا يتبعوا مدبرا ،ولا يجهزوا على جريح ، واحسن فيهم السيرة ~~، فانحاز خلف وبقية اصحابه الى الموضع الذي يقال له تيمتي ، وامر باخراج ~~جميع من فيها من نفوسة ، واجلهم ثلاثة أيام ، وقال من وجد فيها بعد الثلاثة ~~ايام فمهدور الدم ، وباخراج اليتامى ، والارامل ، ومن لا ذنب له ، فخرجوا ~~من ديارهم كرها . ولما رأى اصحابه ما نزل بهم من خسار الدين والدنيا ، ~~تفرقوا عنه الا قليلا منهم . # ثم ms058 سار من تفرق عنه منهم يقرأون على أبي عبيدة السلام ، تائبين ، فمن جاء ~~منهم قبل توبته ، فاوهن الله شوكة خلف فلم تكن له بعد ذلك حركة ثم مات في ~~زيغه ثم ابنه مات ، ولم تكن له حركة . ثم ولد ابن خلف بعدهما فانحاز الى ~~جزيرة جربة وما جاورها ، وسنذكر خبره اذا وصلنا اليه ان شاء الله . # ثم ان الامام افلح رحمه الله تمكن في امامته واستقامت له الاحوال ~~واستقامت به ، ولم يبق في ايامه بعد خلف منازع ولا في جهاته طالع ، وبلغنا ~~انه كان في العلوم متفقها وعلى انواعه متطلعا ، ولقد ذكر انه كان يجلس ~~لأربع حلق وذلك قبل بلوغه الحلم . وقام أبو عبيدة على ما ولاه الامام ~~ملازما طاعة الله وحفظ ما اوجب عليه حفظه ، من حدود الله وحقوق رعيته الى ~~ان توفي رحمه الله . ثم استعمل الامام رحمه الله العباس على ما كان عليه ~~عبد الحميد ، فأحسن السيرة وعامل رعيته بما عاملها به اب عبيدة عبد الحميد ~~من الرفق والحنان والعدل والاحسان الى ان توفي العباس رحمه الله . # الافتراق الثالث في الاباضية # الافتراق الثالث في الاباضية : خروج نفاث وهو فرج بن ناصر PageV01P081 ~~حدث غير واحد م اصحابنا ان الامام رضي الله عنه استعمل على قنطنار ابا يونس ~~وسيم بن يونيس النفوسي ، فولى قنطنار وما ولاها ، فاحسن السيرة . ووسيم هذا ~~من نفوسة الجبل ، ومنها خرج تحرجا من تباعات الناس ، وذلك انه كان له اماء ~~يحتطبن من غير املاكه ، فخرج ذات مرة لما شعر بذلك فوجد الواضع التي يحتطبن ~~منها قد دمرت وتهدمت جسورها ، لاستنقاع الماء بها لماصنع الامام فلم ير ~~السلامة الا في الهروب بدينه ، فولاه الامام قنطنار لما علم من صلاحيته ~~وورعه ، وكان له ابن اسمه سعد ، وكان ذا فهم وذكاء ، فسار سعد الى تاهرت ~~ليطلب العلم بها فكان هو ونفاث بن نصر يحضران معا مجالس الامام رحمه الله ، ~~يقرآن عليه ، فكان كل واحد منهما يجتهد ويجهد نفسه في دراسة العلم ، حتى ~~حصلا ما رأيا فيه مقنعا ، وتشوقا ms059 الى بلادهما ، وذلك بعد وفاة وسيم ، فخرجا ~~متوجهين الى بلادهما ، وكان الامام لما بلغه موت ابي يونس عازما على ~~استعمال عامل يلي جهات قنطنار ، فنظر في ذلك فلم ير له اهلا الا سعدا لما ~~تحققه من صلاحيته واختبره من حسن حاله ، فكتب كتابا باستعمال سعد ، فطواه ~~،وختم عليه بخاتمه ،وأودعهما اياه ، ولم يعلمهما أيهما العامل وقال لهما ~~حين دفعه اليهما : لا تفكاه حتى تصلا قنطنار . PageV01P082 # فسار فلما كان ببعض الطريق غلب الشره على نفاث فاستخفه حب الرئاسه ، ~~فاستغل سعدا وتخلف الى رحلهما ، فقص خاتم الكتاب وقرأه ، فوجد سعدا هو ~~العامل ، فظنت نفسه الظنون ، واعتقد العداوة واضمر الغش لاستمال الامام ~~سعدا دونه ، ولما وصلا قنطنار قرأ بها كتاب الأمام ، فسمع أهلها واطاعا ~~فاقام سعد واليا عليهم ، محسنا للسيرة ، عاملا بطاعة الله عز وجل ، وتمادى ~~نفاث الى بالده ، فسئل عن الامام واحواله ، فاظهر الطعن فيه ، وقال انه ~~اضاع امور المسلمين ويزيد في الخلقة اذا مشى ، ويلبس الطرطور ،ويخرج الى ~~الصيد ن ويصلى بالاشبور(1 ) ، فبلغ الامام طعنه فيه ، وارسل الامام اليه ~~بان يحضره بما نقم عليه فقا لان كان ما تقول حقا قبلنا ورجعنا اليه ، وان ~~كان باطلا فاءة ، وهذه الكلمة فيها معنى الوعيد ، فلما بلغ ذلك نفاثا ، قال ~~ايه من السلطان هو القتل . # وله مسائل انتحلها لا اصل لها منها زعمه ان الخطبة بدعة ومنها قوله ان ~~ابن الاخ الشقيق أولى بالميراث من الأخوة للأب ، وانهم يحجبونهم ، ولما ~~انتشر ذلك عنه وسمعه مشائخ أهل الدعوة ن قالوا لو لم يكن له جرم الا فتياه ~~هذه لكان بها أهلا للضلال ، فكيف والضلال محيط به في جميع الاحوال ، فمن ~~مذموم احواله ما بلغنا انه دخل قرية وجاء الى دار رجل من اهلها فلم يجده ~~فانصرف ، فلما اتى صاحب الدار اعلمه اهله بمجئ نفاث يسأل عنه ، فابتدر ~~الرجل وكب دابته وخرج يطلب نفاثا ، ليرجع الى مذهبه ، فسار الى الليل فادرك ~~نفاثا يعاتب نفسه ويقول : ضللت وأضللت يا نفاث ، فمحمد الرجل ربه ورجع ~~الىاهله ، واقام على ms060 مذهب اهل الحق ، وبلغنا ان ابن اخت لنفاث اتاه فقال له ~~: عبر لى رؤيا رأيتها ، رأيت رجلا جمع شعيرا فجعله صبرة كبيرة فرقى سنور ~~اعلاها ، فقال له ذلك رجل جمع علوما فاستولى عليه الشيطان ،فقال انت هو ~~الرجل يا خالي . PageV01P083 # وبلغنا انه بلغ عظيما في تحصيل العلوم واوتي فهما ، الا انه فسد ذلك بما ~~طبع عليه من الحسد ، وغلب عليه من حب الخوض في غمرات الدنيا ، فم فهمه ان ~~امرأة سألته عن بيض طاهر طبخ في ماء نجس ، هل سنجس البيض ام لا ، فقال لها ~~قفى مكانك حتى اخرج اليك ، فدخل الدار واخذ نيلجا فجعله في ماء ، وطبخ فيه ~~بيضا حتى نضج ، فلما قشر البيضة وجد لون النيلج قد خلط الى داخل البيضة ، ~~فعلم ان القشر لا يمنع النجس فخرج الى المرأة ، فأعلمها ان البيض غير طاهر ~~. وبلغنا ان سعدا خرج في اثر نفاث ليتلافى أهل جبل نفوسة ، قبل استفساد ~~نفاث نثم شرع في بناء دار مجاورة لنفاث وجعل اخوانه يحسنون عونه في البناء ~~، وفي اثناء ذلك لم يزل نفاث يلازم العمل معه بيده ، وكان يحسن صناعة ~~البناء فكلما رأىذلك منه خاف توهم النفوسيين انه راض عن نفاث ، فكان يقول ~~له بمحضر جمعهم الى متى انت مقيم على كفرك يا نفاث ؟ فقال معاذ الله من ~~الكفر( 2) يا شيخ فاذا خلا سعد باصحابه قاله لهم ، ما كان جزاء من يحسن ~~عوني ان اعامله بقبح من القول ، ولا ان اقابله الا يحسن عوني ان اعامله ~~بقبح من القول ، ولا ان اقابله الا بالاكرام ، وانما خفت ان يراه معي اهل ~~الموضع فيحسنون به الظن ويجد سبيلا الى فتنتهم . # وذكر عن نفاث انه توجه الى ارض الشرق ووصل بغداد ومكث فيها زمانا وكان ~~يستأنس برجل من أهل بغداد ، ويجالسه وبينما هما ذات يوم جالسان ، اذ سمع ~~نفاث مناديا ينادي فقال لصاحبه ما هذا ؟ فقال مسألة وقعت في مجلس امير ~~المؤمنين ، فمن اجابه عنه فله سؤاله ، ومناه فقال له نفاث انا اجيب امير ~~المؤمنين عن ms061 مسألته ، فقال له صاحبه اخشى عليك من القتل ان لم تجبه بعد ~~تكلفك بالجواب . فقال له بل اجيبه عن كل ما سأل . PageV01P084 # فاجتاز به خدمة السلطان فسأله عن احواله، وبلديه ونسبه ومولده، فقال له ~~نفاث: يا أمير المؤمنين أنا رجل من البربر والبربر لا أدب عندهم فان رأى ~~أمير المؤمنين الصفح عن العبد ان أساء والتجاوز عنه ان بدا منه الجفاء فعل؟ ~~فقال له السلطان: قل ما بدا لك فسأله السلطان عن المسألة فاجاب عنها، ثم ~~سأله عن مسألة أخرى فاجاب، ثم سأله عن اخرى فاجاب، وذلك بمحضر الفقهاء ~~الأكابر من أهل بغداد، فطفق كل منهم يسأله فيجيب حتى نفذ السؤال فلم يقف عن ~~جواب. فنظر اليه السلطان نظرة مزدر برثاثة حالة على ما اوتى من العلم، فقال ~~نعم العسل في ظرف سوء، ففطن به نفاث، فقال معرضا: ونعم الرجل في قبر سوء، ~~يعني ديوان جابر بن زيد رحمه الله فانى في خزانة السلطان لا ينتفع به احد، ~~فغضب السلطان لذلك وهم به. وتذكر ما قدم من اذنه في ان يقول ما شاء، فامسك، ~~ثم انه قال له: سل حاجتك ن فقال لا حاجتى ان تهب لي ديوان جابر بن زيد رحمه ~~الله لاستنسخه، فاجابه السلطان الى ذلك. فلما خرج نفاث قال للسلطان بعض ~~وزرائه، يا أمير هذا ديوان معدوم غير موجودا الا في خزانتك ن فكيف تسمح ~~لسواك فيخرجه فيصير في غير خزانتك، وفي غير بلدك، ويزداد به هذا المغربي ~~فخامة. ما هذا براي، فقال لهم انى قد وعدت الرجل ومثلى لا ينبغي له ان ~~يخالف وعدا، فما الحيلة فاشار عليه احدهم ان يخيره في يوم وليلة مقبلة من ~~ايام اقامته فينسخ فيهما ما قدر عليه، ففعل فاختار يوما وليلة واعلمه بهما ~~ثم اعد جميع ما قد رأى ان فيه كفاية، من حبر واقلام مبرية، وورق وكاغد ~~واستأجر جماعة من الوراقين. PageV01P085 # فلما كان اليوم الذي عزم فيه على أخذ الديوان وقد هيأ كل ما يحتاج الي ، ~~فرق الديوان على ms062 الوراقين ، وجعل لكل ناسخ دينارا ولكل ممل نصف دينار دينار ~~،فلما كان آخر النهار استدعى آخرين ،وجعل لكل ناسخ دينارين ،ولكل ممل ~~دينارا فالأجرة الأولي على عمل النهار ،والأخرى على عمل الليل ،فما انقضى ~~الليل آلا والديوان كله قد كمل نسخه ،آلا سفرا واحد .فجاءه رسول السلطان ~~يطلب الديوان ،فدفعه الى من تناوله له ،أبقى في يديه السفر الذي لم ينسخه ~~،فشقه في مجلس السلطان مرة واحده فحفظه كله ،فاعلم السلطان بذلك أمر ~~بامتحانه فاخذ منه الكتاب فقراه سردا بلا نظر ،فعجب السلطان بذلك ،ففصل ~~نفاث من مجلسه أملا السفر على من نسخه فكمل له الديوان ،وأعملت الحيلة في ~~القبض عليه .واعمل هو حيله في التخلص ،وسلك طريقا مجهولة ،حتى نفذ الى بلده ~~ومعه الديوان ،قيل بأنه سبعة أحمال .فلما وصل إلى بلاد طرابلس وجد أصحابه ~~الذين ضلو لضلالته قد قلوا وضعفوا ،فساء ظنه وخشى ان اظهر الديوان تكون ~~جماعة اهل الدعوة هم المنتفعون به ،فلم تسمح نفسه الخبيثه باظهاره ،فحفر ~~حفره ودفن فيها الديوان بحيث لا يعلم له موضع ،ففقد الى يومنا هذا ،ومات ~~نفاث وكان بدء امره نفاقا وكفرا وعاقبته حسدا،فنعوذ بالله من علم لا ينفع ~~وعمل للكلم الطيب لا يرفع ،ولم يبق ببلادنا من يقول بقول نفاث وينصر حجته ~~الا فريق من مطماطة فمنهم من بالجملة ومنهم بالجمل واليه ينسبون ، فيقال ~~لهم النفاثية ، فوقى الله الإمامة شره ،ودحض عزه . PageV01P086 # واقام الامام رحمه الله بتاهرت سالمة ايامه من الشوائب متصفا بجميل الخير ~~وحميد المناقب ، رادعا لكل باغ وظالم لا تاخذه في الله لومة لائم ، الى ان ~~توفي رحمه الله عليه . وكانت مدة امامته ستين سنه . فولى بعده ابنه ابو بكر ~~وكان ابنه محمد غائبا بارض المشرق لقضاء فريضة الحج فدل عليه واخذ بمكه ~~وحمل الى بغداد وسجن بها حينا ،ثم اطلق واحسنت جائزته . فتوجه يريد المغرب ~~، فزعموا انه لما انفصل من بغداد كان ببغداد من اهل التعديل من اعلمهم انه ~~سوف تكون له ولايه ، فجدوا في طلبه يريدون ms063 به شرا ، فنجاه الله من شرهم ~~ووصل الى تاهرت فوجد اهلها مجتمعين في أمر ابي بكرلما بينه وبين ابن عرفة. ~~وذلك ان ابن عرفة من اعيان اهل تاهرت فكانت بينه وبين ابي بكر مواقعه افضت ~~الىحرب وكاد الافتراق ان يقع والفتن لا ترفع بينهما، فبينما الناس في ذلك ~~اذ اصبح ابن عرفة قتيلا. فنسب الى ابي بكر وهذا ما منع من وقوع الاتفاق على ~~طاعته، فلما يسر الله بقدوم محمد كان رافعا للخلاف، وقاطعا لقبائح الاوصاف ~~فاعتزل ابو بكر الولاية وانسلخ منها. ولم يجد الناس لمحمد محيدا عنها، ~~فعقدوا له بيعة، والتزموا سمعه وطاعته. # ----------------------------------------- # (1) -في بعض النسخ الثبور # (2) - لا تنس ان الاباضية تطلق كلمة كفر على اقتراف المعصية والاصرار على ~~الذنب على حد قول الرسول عليه السلام للصحابه ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض ). # - هو الامام الجليل والمحدث الثقة ، وهو أول من نقل عنه المذهب الاباضي ~~ويبدوا ان ديوانه هذا مجموع الاحاديث والآثار المروية عن الصحابة على ~~الطريقة الاولى التي انتهجتها كتب الحديث ،وتوفي رحمه الله سنة # 96ه # امامة محمد افلح بن عبدالوهاب رحمه الله PageV01P087 حدث غير واحد من ~~اصحابنا ان محمدا بن افلح اجمعت على توليته جماعة المسلمين ، فولوه على ~~انفسهم فلم يختلف عليه اثنان ،وبلغ الغايه فى العدل والفضل والاقتداء بمن ~~سلفه ، فكانت نفوسه فيما قيل لا يعدلون ايامه وسيرته الا بايام جده عبد ~~الرحمن وسيرته الا بايام جده عبد الرحمن وسيرته وذلك انهم اتخذوا مجلسه ~~حينئذ كالمسجد ، فطائفه يصلون ، وطائفه يقرأون الكتاب ، وطائفة يتذاكرونفي ~~فنون العلم ،ومكث في امامته اربعين سنة على هذا الحال ، محمود السيره ~~مجتهدا في الصلاح قائما بالحق قاضيا بالعدل الى ان علت سنة ورق عظمه ، ~~وتوفي رحمه الله ، وله تاليف في الرد على اهل الخلاف لا يشق فيها غباره ولا ~~تياره ، فولى ابنه يوسف ابن محمدا بن افلح رحمه الله . # امامة يوسف بن محمد بن افلح رحمه الله # ولما مات محمد رحمه الله ولى ابنه يوسف ، فمكث في الامامه اثنى عشر ms064 سنة ، ~~وقد اطردت له الامور ، وكان عامله على جبل نفوسه ابا منصور الياس على ما ~~كان علية في ايام ابيه، وايام جده، وكان قاضية اذ ذاك عمروس فتح رحمة الله ~~وكان عالما كبيرا وله تواليف تأليف في الاصول والفروع. وكان قد عزم على ان ~~يؤلف تأليفا مرضيا على ثلاثة قواعد : الكتاب، والسنة، والرأى، ويجعل كل ~~قاعدة بمعزل فادركه اجله عجلا قبل تأليفه " فانا لله وانا اليه راجعون " ، ~~وفي ايام يوسف كان طلب أبى منصور ولد ابن خلف على ما سيأتي ذكره . وذلك ان ~~ابا منصور كان فاضلا مستجاب الدعاء ،اذ كرامات، ذكر عنه انه اذا خرج في ~~عسكر ركب بغله وكان لا يتقي النبال ، وكانت النبال تتحادى عنه وعن بغلته ~~يمينا وشمالا ، وهو مقتحم الحروب، لا يقع شئ منها عليه ولا عليها ، قلت ~~ولعل ركوبه البغلة لان ينشط العامة، ويشجعهم ولان يعلموا انه لا يحدث نفسه ~~بفرار فيتاسوه به، وان كانت البغله ليست بمركوب لقتحم الحروب . PageV01P088 # وحديث يعقوب بن ابى يعقوب ان ابا منصور رحمه الله حرج فى طلب ولد ابن خلف ~~فى اخر ولاية الرستميين وقد هرب منه وسار الى زواغة والتأمت رواغة . ~~واجمعوا أن يمنعوه ، وكانوا على مذهب ابيه فسمعوا قوله واطاعوه واقبلوا ~~مجيبين دعوته إلى أن من الله عليهم بأبي منصور فردهم عن مذهبه ، إلى مذهب ~~الحق حسبما يأتي ذكره أن شاء الله ، قال فسار أبو منصور بعسكر من نفوسة ~~فلما وصل ريضة بخارج جزيرة جربة وجد بها جموع زواغة ، في اعداد كثيرة ~~محدقين على ولد ابن خلف ، عازمين على منعه من ابي منصور ، قال : فقام فيهم ~~شيخ من بني يوراسن يقال ابو سلامة ، فقال : يا معشر زواغة عندي لكم نصيحة ، ~~وذلك أن تختاروا واحدة من ثلاثة اما ان تتركوا بادية زيرة ، وتدخلوا جزيرة ~~جربة فتمتنعوا باخوتكم وتمنعوا صاحبكم ، واما ان ترسلوا وفدا الى الامام ، ~~فترغبوا اليه في ان يفردكم بعامل ، فتخرجوا من طاعة نفوسة ، فلا يكون لهم ~~عليكم سبيل . واما ان تدفعوا لي ابن خلف فانطلق ms065 به الى نفوسة تحت امان وانا ~~كفيل بسلامته ، وانهم لا يخرجون فيه عن قانون الحق ، فلما سمعت زواغة ~~مقالته قام رجل من عامتهم فقال ما اراد هذا اليوراسنى الأ الأيقاع بخليفتنا ~~، فقال ابو سلامة : كيف قلت ؟ فابتدر الجواب رجل من علمائهم ، فقال اعرض ~~عنه يا ابا سلامة ، فأنه جاهل ، فقال قد اعرضت عنه ، وقام منصرفا عن محفلهم . PageV01P089 # ثم ان زواغة اجتمعت على مناصبة ابي منصور فناجزهم القتال فاقتتلوا قتالا ~~شديدا ، فانهزمت زواغة ، وكان اكثر شجر الريضة قريب عهد بالأنشاء ، وكانوا ~~لما غرسوه حفوه باعواد اثبتوها في حفر ووصلوا ما بينها بالحبال لترد عنها ~~الوحش لئلا يفسدها ، فاكثر تلك الأرض على هذه الصفة ، فلما خرج القوم ~~اعترضتهم تلك الجبال ، فكلما راموا مهربا وطلبوا ملجأ حالت الحبال بينهم ~~وبين ما يطلبون، فطفق اصحاب ابى منصور يقتلونهم في كل مكان ، حتى مات منهم ~~عدد كثير ، فرجع عنهم . واجتمع من ابقته الوقيعة منهم فلجأوا الى جزيرة ~~جربة واستجار ولد ابن خلف برجل من زواعة يقال له معقل من بنى تامستاوت، ~~فادخله في قصر من قصور جربة ، يقال له غردان فسار اليهم أبو منصور بعسكره ، ~~فلما دنا من جزيرة جربه وجه رجلا من بنى يراس الى الزواغى مجير ولد ابن ~~خلف، وارسل معه مائة دينار مصارفة ، ودخل الرجل جربة فلما وصل الى الزواغى ~~سلم عليه وجعل يصافحه ويصب الدنانير من كمه الى كم الزواغى فلما أحس ~~بالدنانير جعل يسأله عن أحوال الشيخ ويقول له: لو اتيت الى اولادنا ~~لدفعناهم اليك. وكان ابو منصور رحمه الله لما قدم الى جربة وصل اليها بعد ~~ثلاثة أو قريبا منها لان من سيرته اذا كان مرتحلا بعسكره وحضر وقت الصلاة ~~نقر في الطبل فيقف أول العسكر وآخره ثم ينزل فيصلى بهم ، فاذا صلوا ارتحلوا . PageV01P090 # وكان هذا دأبه فهو سبب مهله في السير، فلما حل بهم أبو منصور تقدم الى ~~معقل ولد ابن خلف ، فقال : انزل ايها الامير فقد طالما ارملت نساء زواغة، ~~فقال ولد ابن خلف ليتكم لم تسمونى ms066 اميرا وناداهم نداء فيه جفاء ، قال ~~فدفعوه الى ابى منص2ور فساد به ولم يكن بجزبة حينئذ حركة ولا قتال ، فاحتمل ~~ولد ابن خلف الى الجبل فسجنوه هنالك ، ولم يزل مسجونا حتى نزلت عنده نازلة ~~في قطع رجل لص ، فاختلفوا فيها فاحتاجوا اليه، فانه، كان عالما فتوجهوا ~~نحوه وسألوه من أين تقطع رجل السارق فافتاهم بانها تقطع دون العقب، فقال ~~عند ذلك مقالة جابر بن زيد لما استفتى فى السجن وخبره مشهور وسيأتي ذكره، ~~وقد ذكر بعض اصحابنا ان الفتى تاب ورجع الى مذهب أهل الحق ، وحسنت حاله، ثم ~~ان أبا منصور توفي رحمه الله وولى مكانه افلح بن العباس بنفوسة من قبل ~~الامام فكان حسن السيرة كأبيه . # وقعة مانو وانقراض الإمامة # حدث غير واحد من اصحابنا ان نفوسة كانوا اطوع رعيا بالدولة الرستمية ~~وأكثرها عونا على الخير وأشدها بأسا في النصر على الاعداء، وفي ذلك يقول ~~الامام رحمه الله : انما قام هذا الدين بنفوس نفوسة وأموال مزاته، وانشهر ~~الصيت على نفوسة حتى اشتهر في بلاد المشرق عند سلوك المسودة، لمكتبات أهل ~~بلاد القيروان وأهل طرابلس وغيرها من بلاد المغرب التي انتشرت بها دعوتهم، ~~واستقامت بها مملكتهم، وبهم ظهروا على من سواهم وكان ذلك في أيام المتوكل ~~ببغداد. PageV01P091 # فلما تواترت الكتب اليه من الجهات الغربيه ان دعوة الرستميين قد تمت ~~وأيامهم قد استقامت لا ينازعهم فيها منازع ولا يدافعهم عنا مدافع، ~~ويستنفرون من عنده جيشا ينتظم به اليهم ملك طرابلس والمغرب فاهتز لذلك ~~وتحرك اليه خاطره، فوجه عسكرا الى المغرب وأمر عليه ابراهيم بن احمد بن بني ~~الاغلب فتوجه ابراهيم بعسكره الى المغرب قاصدا تاهرت، فلما قرب من طرابلس ~~سمعت بخبره نفوسة فاجتمعوا، واجتمع رأيهم على ان يتركواه وما اراده من ~~المسير الى تاهرت، دون ان يناصبوه. فاتصل به ما عزموا عليه، فوجه اليهم ان ~~اتركوا الي ساحل البحر مقدار نشر عمامتي لأجتاز فيه انا ومن معي ، فأبوا من ~~ذلك فلما رأى ابراهيم ان لا بد من رجوعه الى المشرق أو ms067 مناصبتهم عزم على ~~لقائهم، فقال لأصحابه: خذوا اسلحتكم وشمروا وجوزوا على الساحل و لا تتعرضوا ~~لهؤلاء القوم فان تركونا و طريقنا . . . والا قاتلناهم، فبلغ نفوسة ما عزم ~~عليه ابراهيم، فقال بعضهم دعوا هذا الرجل يجتاز ولا تتعرضوا له بشيء، فأبى ~~الأكثرون ذلك وكان ممن كره تعرضهم يعد بن ابي يونس وأشار بالكف عنهم، فقال ~~له بعض العامة: يا سعد تشوقت الى شداخ قنطنار فجزعت من القتل في سبيل الله. ~~فقال لهم يا قوم ليس في ما تقولون، ولكن خشيت ان تذبح البقرة فيتبعها ~~عجلها- يعني بالبقرة نفوسة وبالعجل قنطنار- ثم خرجوا الى العسكر يمنعونه ~~السلوك الى المغرب. PageV01P092 # فلحقوه بموضع يقال له مانو ، وهو قصر على ساحل البحر من ابنية الامم ~~السالفة فاقتتلوا قتالا شديدا لم ير أشد منه بالمغرب فى ذلك العصر فخرج رجل ~~من عسكر المشرق يطلب المبارزة من عسكر نفوسة فلم يخرج اليه احد الاقتله، ~~فأراد الخروج اليه افلح بن العباس وهو امير الجيش، فأبى ذلك أصحابه فقال ~~لابد من ذلك فخرج اليه فقتله افلح واشتد بينهم واسرع القتل في الفريقين ~~وكثر القتل والجراح في نفوسة حتى هموا بألانهزام، فلما رأى ذلك افلح أمر ~~أمر صاحب البند ان يركزه في الارض حتى لاينهزم احد على البند، فأبى صاحب ~~البند من ذلك . ثم اقتتلوا مليا، ثم رجع فقال اركز البند فأبى فقال لابد ان ~~تحفر للبند فتركزه فقال له صاحب البند انى قد امسكته مع جدك ومع ابيك ومع ~~اخيك ، ولم يأمرنى احد منهم بأن احفر له ، وها انا حفرت له حفر الله لك . ~~فلما ركزه فى الحفرة، ولى أفلح منهزما وتركهم يلوذون به، ولم يستجيزوا ان ~~ينهزموا ويتركوا البند قلئما ، فقتل منهم بشر كثير . وقد كان أفلح فيما ~~بلفنا قد كره خروجهم الى ابراهيم، وقتالهم اياه، ولذلك فعل بهم ما فعل . ثم ~~ان رجلا من ذوى البصيرة فى دين الله ردد بصره في البند فرآه قائما والناس ~~يلوذون به ويصرعون حوله فعمد اليه وقال انى لارى انك لم يبق لك ms068 حظ في ~~النصر، وانك منهزم، فضربه بسيقه فسيط. فلما رأى من بقى من عسكر أفلح ان ~~البند قد سقط ولوا مدبرين، فافلت من افلت منهم . فذكر من يوثق به ان عدة ~~القيلى اثنا عشر ألفا، فمن نفوسة يومئذ اربعة آلاف ومن سائر القبائل ثمانية ~~آلاف، وكان في القتى اربعمائة عالم، ولم يبق بعدهم عالم يفتى في النوازل ~~الا ابو القاسم البغطورى، وعبدالله بن الخير. ثم تلامذتها بعدهما. وبلغنا ~~ان عمروس ابن فتح كان في آخر العسكر وتحته فرس سابق وكان يحمى صاحبه، فاذا ~~طلب لحق واذا طلب سبق، فنصبوا له حبالا واضطروه اليها، فعثر به الفرس واخذ أسيرا. PageV01P093 # ومضوا به الى ابراهيم بن أحمد ، فاشار الى عمروس بان يستعفى فيعفى عنه، ~~قال عمروس تلك كلمة لا يسعها منى، ولكن أسال ان لا تنزعوا عنى سروايلى هذا ~~فانى أوقن بالهلاك ، فجعلوا يقطعون اعضاءه فقطعوه أنملة فأنملة، فلما وصلوا ~~بالقطع الى عضده استثهد رحمه الله . # ثم ان بقية نفوسة بعد الواقعة رجعوا الى جبل نفوسة فتحصنوا فيه، وتشاوروا ~~فى عزل أفلح بن العباس وتولية له ابو بكر بن يوسف النفوسى، رحمه الله ، ~~ووحه اليه ، فأخذته رسله من تيزاج، وهى قرية من قراها، فلما أخذوه سألهم ~~الشيخ ان يدعوه حتى يركع ركعتين، فتركوه فصلى واخذ فى الدعاء والتصرع الى ~~الله عز وجل ، فارسل الله عليهيم ريحا صرصرا، فأظلمت الارض اشد من ظلمة ~~الليل فحيل بينهم وبين الشيخ مكفوف البصر، ومضى الى تناوته، وهم اهل القرية ~~المعروفة بشيطان، من قرى نفزاوة، فنجاه الله من كيدهم. # ثم ان عدو الله توجه الى القيروان بالثمانين رحلا الذين هم فى وثاقه، من ~~قنطنار، وفيهم رجل يقال له ابن تتيت مقطوعالعرقوب_ ولم تطلب نفسه بالهروب ~~دون اذنهم _ فأذنوا له، فسل رجله من القيد وهرب . فأخذ اصحابه ، فقتلوا ~~باجمعهم ، فكان ما ابقته من الضعف هذه الواقعة وما اتصل بها سببا لانقراض ~~الدعوة، وذلك لان نفوسة كانوا عمدتها، قامت بقيامهم، وانقطعت لانقطاعهم، ~~فلما ضعفوا انتهكت الحرمة. واستفزت الامامة. حتى ms069 انقرضت حسبما ياتى ذكره. # انتشار مذهب الشيعة # نبدأ بنبد من أخبار عبيد الله ووقوعه بأرض المغرب وانتشار مذهب الشيعة ~~بها، وما يتصل بذلك من الاخبار التى ذكرها، ويفتقر هذا الكتاب اليها ، حتى ~~لا يخلو منها ، لارتباطها بشئ سلفنا # رأيت باستخارة الله ان اختزل اكثر ما ذكره الشيخ رحمه الله ، فى هذا ~~الموضع، لقلة فائدته، واذكر منها موضع الحاجة، واستخلصه عن مقتضى ما ذكره ~~"الرقيق" في تاريخ أفريقية ما تدعوا اليه الحاجة. PageV01P094 # فاقول : عبيد الله هذا هو الذى يكنى ابا القاسم ، وسموه المهدى محمد، وهو ~~الذى يسمى : الامام القائم بن على بن موسى ابن جعفر بن محمد بن على بن ~~الحسين ، بن على بن ابى طالب فيما ذكره الرقيق. # وقد ذكر الرقيق ان المهدى هو ابو محمد ، وانت الخليفة بعده ابنه القائم ~~ابو القاسم محمد بن المهدى وبعده ابنه المنصور اسماعيل بن بن القائم ، ~~وبعده ابنه المعز،معد بن المنصور ، ومعد هو ابو تميم ، وسيأتى ذكر شئ عنه ~~فى اثناء أخبار هذا الكتاب . # وقد قال بعض الناسبين، واصحاب التواريخ ان انتسابهم الى أهل البيت غير ~~ثابت ، وكان هذا قد حصل به شئ من علم الحدثان، وكان يرى ان امره بعزلاعة من ~~ارض اليمن ، ومنها تفرق دعاتهم ، وان بأرض المغرب تتم الدولة ، ويعم ذكرها ~~ورأى بالعلامات ان ابا القاسم الحسين بن فرج بن حوشب الكوفى هو الداعى ~~باليمن ، الى ان انتشرت به الدعوة الشيعية وان عبدالله الحسن بن احمد بن ~~زكرياء الكوفى المعروف بصاحب البدر هو الداعى بأرض المغرب ، فوجهه اليها ~~وامره انيبدأ بلقاء ابى القاسم الداعى باليمن ويتمنى سيرته، وينتظر مخارج ~~افعاله، فيجتهد بها ، ففعل. # ثم خرج الى مكه فصادف بها جماعة من كتامة، ممن حج تلك السنة، وكان منهم ~~من تقدم له شئ من التشبع ، فصاحنهم حتى أنزلوه قلة ايكجان بنظر ميلة، من ~~بلاد كتامة، فلدلك قيل له الكجانى، ثم انتقل الى تاصروت ، # فأقام ببلاد كتامة داعيا مدة سنتين، تمكنت به الدعوة الشعبية، وانتشرت ~~فيما يليها من الجهات بعد ان عبأ ms070 العساكر، وكابر الحروب ، وقارع غير واحد ~~من الاغالبة،ة وقوي ، وافتتح البلاد في أخبار تطول ، وانما قصدنا من ذلك ~~الاختصار. PageV01P095 # وفي اثناء هذه المدة توفى الامام بالعراق، وعهد الى ابنه المهدى عبيد ~~الله ، فجاءته في الكتاب عبيد الله يعلمه ان الامور قد تمهدت، او كادت ، ~~فتوجه الى المغرب مجاهدا قاصدا سلجماسة، فاجتاز في طريقه على وأرجلان ~~فاستخف به سفهاؤها، وحتوا في وجهه التراب يقولون: هذا الذى جاء من الشرق ~~يطلب الملك ، وكان اشر الناس عليه أهل قصر بكر، وكان عند وصوله حسبما يأتى ~~ذكره حرق المسجد الكبير ، وكان عند وصوله: غيلر فتطير بهذا الاسم. PageV01P096 # فتوجه الى سلجماسة فوجد صاحب سلجماسة اليسع بن مدرار فأكرم مثواه ، ~~وأسكنه عالية دار لرجل من أهل سلجماسة ساكن في اسفلها ، فلما كان ليلة من ~~الليالى رأى السلمجاسى في منامه كأن ثعبان عظيما فى داره مضطجعا، فانتيه ~~مذعورا، فقص الرؤيا على ضيفه من غير ان يعلمه انه الذى لرأها ، فقال له ان ~~صح ما ذكرت فهذا ملك يملك المغرب والمشرق ، فقبل يده وقالب : والله يا ~~مولاى انى رأيت الرؤيا وليس معى في دارى غيرك ، فازداد بذلك أنسا وازال ~~وحشه، واقام بسجلماسة الى ان فتح ابو عبدالله طبنة وبغاي وطرابلس والقيروان ~~وقفصة وما يتخلل هذه المدن من القرى، واستولى على جميع افريقية، واجلى عنها ~~من كان فيها الاغلبة، فلما طاعت له البلاد واستقامت له الامور عزم على ~~المسير الى سلجلماسة في طلب المهدى عبيد الله فخرج ابو عبيد الله من رقادة ~~الى سجلماسة ، فاجتاز على تاهرت فكان منها ما كان من غدر بنى اليقظان ~~بالامام يوسف بن محمد بن افلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم رحمه ~~الله ، وشكى من بتاهرت ونظائرها من الشيعة والواصلية وغيرهم الى الشيعة ~~أمارة الفرس ،وسألوه أن يستأصل شافتهم ، وخرجت دوس بنت الأمام يوسف رحمه ~~الله ، تشكو الى عبدالله الشيعي غدر بني يقظان اباها ، ووعدته ان يتزوجها ~~ان هو أخذ لها ثار ابيها ، فجاءه فيمن جاءه من أهل الموضع ومعهم ابوهم ms071 ، ~~فسأله ابو عبدالله الكجاني من انت ؟ قال : أنا يقظان فقال بل انت حيران ، ~~مالذي دعاكم الى قتل اميركم فاسلبتم ملكه ، واطفأتم نور الأسلام بغير سبب ، ~~والقيتم بأيديكم الينا بغير قتال ؟ ثم امر بهم فقتلوا جميعا ، ثم ان يعقوب ~~بن الأمام وابنة اخيه دوس خرجا في خفاء الى جهة وارجلان حتى نزلاها وانما ~~خرج بها خوفا من ابي عبدالله الشيعي أن يستنجز الوعد ، فطلبها فلم يجدها ، ~~ودخل المدينه فانتهبها وانتهك حرمتها ، واجلى كثيرا من أهلها ، وجعل اعزة ~~اهلها اذلة . PageV01P097 # وكان دخوله المدينة بالامان فلما دخلها غدر وقتل اهل بيت الامامة من ~~الرستميين واهل الملك وأهلك الحرث والنسل ، فانقطعت الأمامة بموت الأمام ~~يوسف رحمه الله ومن قتل معه ومن قتل بعد دخول المدينة وذكر انه وجد صومعة ~~مملوءة كتبا وهي المشتملة على ديوان تاهرت الذي يذكره العزابة ، فانتقى منه ~~ما انتقى واحرق الباقي ، فلم يبق لشي من الديوان اثر أصلا . PageV01P098 # ولما علم عبيد الله بقدوم ابي عبد الله خرج ليلقاه وقد علم جميع الدعاة ~~والقيادةانه صاحب الوقت ، وان له يدعو بعد ما خاف عليه الغدر من ابن مدرار ~~، فلما قدم على عسكر ابي عبدالله جاء معه ابنه القاسم فقدم لهما ابو ~~عبدالله فرسين فركبا وحفت بهم العساكر ، ومشى عبيد الله والدعاة بين يديه ~~وأبو عبد الله يقول : هذا مولاي ومولاكم ، وابن ابنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، والذي كنتم تنتظرون ، وجميع الناس يسمعون كلامه ، وعقدوا له ~~البيعة فلما دخل افريقية وذلك في عام سبعة وتسعين ومائتين ، وقد تمكنت ~~دولته ، وجه عسكرا عظيما الى وارجلان ، فلما سمع اهله باقبال العسكر تحصنوا ~~بالكدية المعروفة بكريمة ، وهي كدية حصينة شاهقة بينها وبين وارجلان قدر ~~ستة اميال ، فملأوا مؤاجل بها ماء ، واخرجوا ما قدروا عليه وما امكنهم ، ~~فلما وصلهم العسكر دمر الديار وحاصروهم في الكدية ، وطوق بها سبعة اطواق ، ~~وهم بالمقام معهم ، حتى يهلكوا عطشا ، فقال لهم رجل ممن كان معهم ويقال انه ~~يهودي لعنه الله هاتوا قصاعا كبارا ، فملأوها زيتا ، ونصبوها علىحرف((كريمة ~~)) بحيث يراهم ms072 أهل العسكر وجعلوا كانهم يمتجون الماء ويصبونها للجمال تشرب ~~، ومعهم جمال كثيرة وقد تمكن منها العطش ، فجعلت الجمال كلما رأت القصاع ~~مملوءة حسبتها ماء ، فقصدتها فكلما كرعت وجدته زيتا فقنعت برؤوسها ، وتنفض ~~مشافرها ، وتنشر بأنوفها ، فلما رأى ذلك اهل العسكر قالوا ما هذا الا عن ~~ماء جم لا تكنسه الدلاء ففيم المقام ؟ وارتحلوا وقد كانوا حين انتهاب ~~الديار وجدوا بيضة نعامة مملوءة شعيرا فحملوها معهم فلما وصلوا رملة ايفران ~~لحقهم رجل من وارجلان ممن اراد هلاك المسلمين فوالاه من العسكر ناس ~~سدراتيون فقال لهم لم ارتحلتم عن القوم وليس معهم ماء ؟ وانما تلك حيلة ~~احتالوها عليكم ، فارجعوا فانكم ستظفرون فابتدره السدراتيون ، فقتلوه خوفا ~~ان يسمع مقالته احد من أهل العسكر . PageV01P099 # وانما فعلوا ذلك حمية لاخوانهم وقبيلهم ان يظفر بهم اهل العسكر . وإنما ~~فعلوا ذلك حمية لاخوانهم وقبيلهم أن يظفر بهم أهل العسكر ، ولما وصل أهل ~~العسكر الى صاحبهم بالقيروان لامهم ، ونسب اليهم التقصير ، فقالوا : كيف ~~نقاتل حصنا هكذا ؟ ورشقوا رغيفا بأعلى ذرع طويل وهذه مطامرهم ، واخرجوا له ~~البيضة المملوءة شعيرا. # قالوا كيف نقاتل هؤلاء وأي فائدة تفيد بقتالهم ؟ فنجاهم الله عز وجل . ~~ويسر اسباب سلامتهم ، ولما تمكن امر عبيد الله بالقيروان واستحكمت دولته ~~بلغ عن ابي عبد الله انه عازم على غدره فلما تحقق ذلك منه بذاته وبمن صافوه ~~على ذلك من الكتاميين ، فقتلهم اجمعين ، وذلك في جمادى الثانية سنة 98 ثمان ~~وتسعين ومائتين وسلم له ملك افريقية حتى قبض وولى بعده ابنة القاسم وفي ~~ايامه ظهر ابو يزيد بن كيداد اليفرني. # ذكر اخبار ابي يزيد مخلد بن كيداد الناكثي PageV01P100 حدث بعض اصحابنا ~~أن أبا يزيد رجل من بني يفرن وكان مسكنة بقلعة" سدادة " من تفيوس ، قلت أما ~~نسب سدادة فوهم أو غلط . وأن كان هذا النسب قد وقع أيضا ليس هكذا في كتاب ~~الرقيق ، وإنما ذكر اصلة من بني ويسيان توزر ، ثم نشأ بتفيوس وليس كذلك . ~~انما كان مسكنة في منزل يلي جهة سدادة وهو اليوم خال دارس في ms073 الجانب الغربي ~~منه كانت مدرسة ابي يزيد على عين ماء ، هي معروفة بعين النكارة الى يومنا ~~هذا ، وعشيرته من أهل تطاوين ، وهم رهط "بني كندل" قال : وله حديث مع ابي ~~الربيع سليمان بن زرقون فى ابتداء اشغالهم بطلب العلم ورجوع ابي يزيد الى ~~مكان مذهب النكارة وتركه لمذهب الوهبية نستدركه في موضعه ان شاء الله ، ~~وإنما قصدنا هنا أن نذكر قيامه على القاسم بن عبيد الله ، وما أل إليه أمره ~~فاول ما اوقع في نفسه القيام أنه لما توجه الى المشرق يريد الحج حين فراره ~~من عبيد الله لما طلبه ، فلما وصل الى مصر وقد حلق رأسه وقال له : غط رأسك ~~أيها الثائر فلما سمعها ابو يزيد وقع في نفسه ما وقع من ذلك فسار متوجها . ~~فطولب في بعض البلاد التي سلكها بمكس ، فاستعظمه ولما رجع ووصل الى قرب جبل ~~نفوسة فارقة من كان معه من أهل جبل نفوسه ، قاصدين منازلهم . فقال لهم أبو ~~يزيد: اقرأوا اخواننا السلام ، وقولوا لهم قد فاتنا منكم كثير وفاتكم منا ~~كثير ، وانه ليس لله علينا أن نشتري حجة ، يشير بهذا الى المكس الحقير الذي ~~طولب به ، ويريد بهذه الرسالة اختلاف القلوب . # ثم سار حتى وصل موضعه بتقيوس ، فجعل النكار يجتمعون عليه في المكان ~~المعروف به واطلع منهم من اطلع على عزم من القيام حتى اشتهر خبره ، وفشى ~~وسمع به ابن المهدي القاسم ، فكاتب والى قسطالية بمطالبته والبحث عنه ، ~~لأنه كان يرى أن قائما يقوم عليه من زناته فيلقى منه شغبا ، وسمع من علامات ~~ابي يزيد ما دله على أنه الذي أنه الذي يقوم عليه. PageV01P101 # فوجه اليه والى قسطالية من توزر فأخذ وسجن في توزر مكبولا ، فطال مقامه ~~في السجن حتى قنط ويئس من السلامة واشتدت عليه أبواب الحيل . فبلغ خبره ~~جماعة من النكار ، فتشاورا في أمره ، فأجمعوا على أن يختاروا أربعة رجال ~~أهل شدة ونجدة ، فساروا أخر النهار ودخلوا مدينة توزر ، فوقف احدهم على باب ~~المدينة وتقدم ثلاثة الى السجن وكسروا بابه وقتلوا السجان ms074 ، واخرجوا جميع ~~من في السجن، فاخرجوا صاحبهم في كبوله،فحمله أحد الثلاثة على ظهره وجرد ~~الأخران سيوفهم ، فجعل احدهما أمامة والأخر وراءه فكل من قام اليهم قتلوه ، ~~حتى خرجوا من المدينة ، فلم يتبعهم أحد. فلما وصلوا موضعا بين الحامة وتوزر ~~وهناك صخرة حطوه عليها ، وكسروا الكبول ، حتى أطلقوه ، والصخرة معروفة ~~بصخرة ابي يزيد الى اليوم ، فتوجهوا بصاحبهم الى صحراء سماطة قاصدين بني ~~درجين ، وكان بها حينئذ عدد كثير زهاء ثمانية عشر ألف فارس ، فيما ذكروا ~~ورجوا أن يمنعوه فلم يكترثوا به، إذ كان غير المذهب. # فسار من عندهم مستخفيا حتى وصل جبل أوراس، وكان عند اخوانه بالجبل مكرما ~~ولم يزل البحث عنه حتى علم موضعه فوجه اليه القاسم بن عبيد الله جيشا ~~عظيما، فحاصروه بجبل أوراس سبع سنين، وبلغت نفوسهم التراقي حتى قال قائلهم ~~لما نزل بهم ما نزل من البلوى والضرر، وقال :"جبل لا يصعد ، ومطر سكب، وفتى ~~مستقص، وشيخ لا يثنى ونحن المبتلون". ولما رأى القوم ما نزل بهم اتوا ابا ~~يزيد، وقالوا له قد رأيت ما نزل بنا من هلاك هذا الفتى، ولا طاقة لنا ~~بمدافعته، ولا صبر على أكثر مما أصابنا من الضرر، وهلاك رجل واحد أيسر من ~~هلاك جماعة كبيرة، فقال لهم ابو يزيد امهلوني هذه الليلة. PageV01P102 # فلما اظلم الليل امر بخمسمائة ثور ، وان يشد بكل قرني ثور حزمة حلفا، وفي ~~ذنبه أخرى، وأمر بخمسمائة رجل من أصحابه من ذوي النجدة والبأس واخذوا ~~سلاحهم واستاق كل رجل منهم ثورا ، حتى اذا قربوا من العسكر أطلق كل رجل ~~منهم نارا في حلفا ثوره فلما احست الثيران حرارة النيران ، ركضت وخاضت ~~العسكر ، والرجال في ساقتها بالسيوف مسلطة ، يضربون بها كل من ادركوه من ~~أهل العسكر ، وجعل الله ذلك سببا لهزيمة العسكر ، فانهزموا وابو يزيد ~~وأصحابه يقتلونهم حتى قتلوا عددا كثيرا ، ولما اصبح عرض أبو يزيد عسكره ~~فعرض في اثنى عشر ألف فارس ممن صار اليه من عسكر الشيعة خاصة ممن كان عدوه ~~بالامس وسار في طلب عسكرهم ، فتسامعت ms075 به القبائل فجاءوة منكل مكان ، وطار ~~إسمه في الأفاق فاجتمعت له عساكر عظيمة ، حتى عدوا في عسكرة ألف ألف أبلق ~~فيما قيل ، ومعه جماعة كبيرة من مزاتة فجعل يفتح المدن والقرى حتى افتتح ~~الساحل كله،واقبل يريد قسطالية ، التي منها خرج فافتتحها . فلما احس من ~~نفسه قوة ورأى كثرة من معه ، قال له بعض عزابته الى متى ننتظر بثأر يزيد بن ~~فندين يومى الى امامهم المقتول بتاهرت ، فقال له أبو يزيد أن نحن تخلصنا ~~وتفرغنا من نسج الكساء اشتغلنا بفليه. PageV01P103 # قال وكان حوله جماعة من مزاتة فيهم مسارة بن غني وهو يومئذ رأسهم فسمع ~~مقالة أبي يزيد وفهم المثل الذى ضربه ، فقال له: لا تظن أن الوهبية خرجوا ~~معك فانهم في مساجدهم وانما خرجنا معك نحن نشاركك في أكل هذه الميتة ، فدع ~~ما تحدث به نفسك والا اقتتلنا قتال كلاب الحي ، يريد بالميتة الاموال التي ~~كانوا ينتهبونها ،ثم أنه سار يريد القاسم بالقيروان ، فكل مدينة وقرية مروا ~~بها اخربها وسبي النساء واستباح الأموال ، كفعل نافع بن الأزرق وغيره من ~~الخوارج ، بل قد زاد عليهم ، وكان ينكر عليه، ويقول ان هذا لهو الخروج من ~~الدين ، ولما رأى أبو يزيد ذلك منه خشي أن يفسد عليه قلوب العامة ، فامر ~~بقتله ليلا، فلم يعلم خبرة . فلما سمع القاسم باقبال ابي يزيد اليه بجنود ~~لا قبل لهم بها خرج من القيروان ، يريد المهدية وخلف على القيروان واليا من قبيلة. # فلما نزل أبو يزيد على القيروان حاصرها حصارا شديدا حتى أشرف أهلها على ~~الهلاك ،فانهب طائفة من المدينة وحاز كثيرا من اطرافها ، والقوا اليه ~~بايديهم ، وخرجوا باجمعهم الا قاضي المدينة ،فانه انحجز في دار الامارة ~~بأموال جسيمة فوجه اليه أبو يزيد بان يخرج فأبى أن يخرج الا عن أمان فأمنه ~~فلما خرج شاور أبو يزيد في أمره وزراءه فقال أحدهم( وكان يكنى أبا عمارة ) ~~ألم تعلم ما قال في كتاب كليلة ودمنه؟ قال وما الذي قال؟ قال : ( ليس شيء ~~اروح للقلب من قتل عدو ، وان بلغ ms076 في الضعف النهاية) فامر ابو يزيد بقتله ~~فقتل بعد أخذه بالامان ،واخذ جميع تلك الأموال. # وذكر أن عدة ما خربت من القرى على يديه في أفريقية ثلاثون ألف قرية ،وفعل ~~في أفريقية من الفسوق والفجور والعصيان وأنواع الفساد ما لم تفعله الفراعنة ~~ولا أحد من ملوك أهل الكفار. PageV01P104 # وبلغنا أنه عوتب يوما على ما يفعله أهل عسكره من الفساد واستباحة المحارم ~~،فقال :وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا "وكان في هذه الحركات كلها يركب ~~على حمار أوتي به من مصر ،فكان يعجز الخيل أن مشى وعدا ،وبلغنا أن الشيخ ~~أبا القاسم يزيد بن مخلد الوسياني رحمه الله قال يوما وقد وصف له ما اخرب ~~أبو يزيد من البلدان فذكر قومنا فقال لقد فتح فيهم أبو يزيد بابا ، ألا أنه ~~لم يحسن السيرة ، وبلغنا أنه مر بعسكره على قابس درهم فامر بافسادها . ~~فاقام عليهم مدة يدمر ويخرب ، فلما أراد الإرتحال عنها قومت بدرهم ،فصار ~~يطالب أهل قابس بما بين القيمتين . وبلغنا أنه نزل الساحل فأخذ أهل عسكره ~~صبيتين جميلتين ، فجاءته أمهما شاكية ، فقالت له: ياشيخ أن العزابة أخذوا ~~ابنتين سبوهما وغصبوهما وهما حرتان فلم يجبها ، غير أنه قال : وهل في ~~أفريقية حرة؟ فخافت المرأة على نفسها ، فهربت ونجت بنفسها، وبلغنا عنه أنه ~~لا يبيت كل ليلة الا على اربع ابكار من بنات الأحرار. # ثم أن أبا يزيد سار من القيروان يريد المهدية حتى نزلها وحاصر بها القاسم ~~زمانا طويلا وكان قد نزل بالرملة التي بباب المدينة وبني حول المدينة مصلى ~~هو اليوم معروف بمصلى أبي يزيد ، ولم يزل محاصرا الى أن توفي القاسم وولى ~~إبنه إسماعيل فسمع ، أهل العسكر بوفاة القاسم. PageV01P105 # طبقات المشايخ بالمغرب # الجزء الثاني # تأليف : الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني رحمه الله تعالى # شبكة الدرة الإسلامية # www.aldura.net # الطبقة الأولى : 1- عبدالله بن وهب الراسبي # 2- حرقوص بن زهير السعدي # الطبقة الثانية : 1- جابر بن زيد # 2- عبدالله بن أباض # 3- أبو بلال وعروة # 4- عمران بن حطان # 5- جعفر بن السماك # 6- صحار العبدي # 7- الأحنف ms077 بن قيس # 8- إياس بن معاوية # الطبقة الثالثة : 100- 150 ه : 1- أبو عبيدة مسلم # 2- ضمام بن السائب # 3- حاجب الطائي # 4- أبو عبيدة عبدالله بن القاسم # 5- أبو نوح صالح الدهان # 6- أبو روح ومازن ابني كنانة # 7- أبو محمد النهدي # 8- أبو يزيد الخوارزمي # 9- عبدالله طالب الحق وأبو حمزة الشاري # *** ثورة طالب الحق وأصحابه على بني أمية # **** خطبة أبي حمزة بمكة # *****خطبة أبي حمزة بالمدينة # ****** أبو حر وطريقته في استصلاح الأحداث # الطبقة الرابعة 150-200: 1- الربيع بن حبيب # 2- وائل بن أيوب الحضرمي # 3- محبوب بن الرحيل # 4- أبو غسان مخلد # الطبقة الخامسة200-250 : 1- أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني # 2- أبو زكرياالتكوتي # 3- أبو ميمون الجطالي # 4-أبو المنيب محمد بن ياسن # 5- أبو خليل البدركلي # 6- أبان بن وسيم # 7- أبو ماهر موسى بن جعفر # 8- أبو عثمان المزاتي # 9- مهدي النفوسي # 10 -أبو مسور يصنيتن # 11- أبو محمد عبدالله بن الخير # 12- أبو زكريايحيى بن يوسن # الطبقة السادسة 250-300 ه: 1- الإمامان محمد بن أفلح وابنه # 2- عمروس بن فتح # 3- الشيخ أبو معروف ويدران بن جواد # 4- أبو منصور الياس # 5- الشيخ يعقوب بن سهلون # 6- أبو محمد ملي # 7- الشيخ سعد بن أبي يوسف # 8- الشيخ باكرين وداودين باكرين # الطبقة السابعة: 300-350 ه : 1- الشيخ أبو مسور يسجا # 2- الشيخ محنون بن أيوب # 3- أبو الخطاب وسيل # 4- الشيخان أبو القاسم مخلد وأبو خزر يغلا # 5- أبو صالح جنون بن يمريان # 6- الشيخ أبو محمد جمال المدوني # 7- سليمان بن زرقون وابن ماطوس PageV02P001 8- الشيخ أبو سهل الفارسي # الطبقة الثامنة 350-400 ه : 1- أبو نوح سعيد بن زنغيل # 2- أبو صالح بكر بن قاسم # 3- أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور # 4- أبو عمرو النميلي # 5- أبو موسى عيسى الزواغي # 6- أبو نوح سعيد بن يخلف # 7- أبو محمد واسلان بن يعقوب المزاتي # 8- أبو صالح الياجراني # الطبقة التاسعة 400-450 ه :1-أبو عبدالله محمد بن بكر # 2- أبو يحيى زكرياء وأبو القاسم يونس # 3- الشيوخ الثلاثة الكنومون ك أبو عبدالله بن محمد بن سوردين وأبو محمد ~~عبدالله بن زورستن وميمون حمودى ابن زورستن الوسيانيون # 4- أبو محمد عبدالله بن مانوج # 5- أبو جعفر أحمد بن خيران # 6- أبو الخطاب عبدالسلام # 7- الشيخ أبو عمران المزاتي # 8- أبو اسماعيل البصير ms078 # 9- أبو محمد عبدالله بن الأمير # 10- أبو زكرياء يحيى بن ويجمن # 11- أبو عبدالله محمد بن سليمان # 12- الشيخ أبو مكدول الزنزفي # 13- أبو موسى يزيد المزاتي # 14- أبو يعقوب بن سهلون # الطبقة العاشرة 450-500 ه :1- أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي # 2- الشيخان أبو محمد ماكسن بن الخير وأبو عبدالله مزين بن عبدالله ~~الوسيانيان # 3- أبو سليمان داود بن أبي يوسف # 4- أبو القاسم يونس ابن أبي الحسن # 5- أبو الربيع سليمان الزلفيني # 6- أبو العباس أحمد وأبو يعقوب يوسف ابنا الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر # 7- أبو العباس أحمد الوليلي # 8- أبو زكرياء يحيى وأخوه زكرياء # 9- مصالة بن يحيى وفلفول بن يحيى # 10- أبو موسى عيسى بن يرصوكسن # 11- اسماعيل بن يدير # الطبقة الحادية عشر 500-550 ه :1- عبدالرحمن بن معلى # 2- أبو اسماعيل أيوب بن اسماعيل # 3- أبو زكرياء يحيى بن أبي زكرياء # 4- أبو محمد عبدالله اللواتي # 5- أبو محمد عبدالله بن محمد اللنثي # 6- أبو عمرو عثمان بن خليفة # الطبقة الثانية عشر 550 -600ه :1- أبو عمار عبد الكافي # 2- أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي # 3-أبو يعقوب يوسف بن خلفون # 4- أبو عبدالله محمد بن علي # 5- أبو يحيى زكرياء اليراسني PageV02P002 6- أبو يحيى فصيل بن مسعود # 7- الشيخان أبو عبدالله محمد ، وأبو الربيع سليمان # 8- أبو محمد عبدالله بن يحيى بن عيسى العباسي # 9- عبد السلام بن عبدالكريم # 10- أبو نوح يوسف وابنه أبو زكرياء يحيى # 11- ميمون بن أحمد المزاتي ويوسف بن أحمد # 12- أبو الربيع سليمان بن عبدالسلام # 13- الشيخ سليمان بن علي # 14- يوسف بن سد ميمان # الطبقة الأولى : 1- عبدالله بن وهب الراسبي # قد قدمنا في الجزء الأول أن الطبقة الأولى هم أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأن فضيلتهم أشهر، ومزاياهم وأسماءهم أظهر من أن تحتاج إلى ~~تسميتهم، فأقول الآن: أن الصحابة رضوان الله عليهم تحصل من سيرهم وأخبارهم ~~في الدواوين، ومن آثارهم محفوظا في صدور الراوين، ما أغنى عن تكلف تصنيف ~~وانتحال تأليف، وحسبهم أن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يشقى ~~من رآني )، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أفضل أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين ms079 يلونهم)، وأحاديث كثيرة من فضائلهم، فإذا ثبت هذا فاعلم أن من ~~الصحابة من لا يخالفنا في تقدمهم مخالف، فقد امتلأت بذكر فضائلهم الصحائف، ~~ومنهم من لم ينل حظا من الإنصاف، عند كثير من أهل الخلاف، وهم معدودون ~~عندنا في جملة أخبار الأسلاف، فلنذكر منهم من أمكن ذكره، ووجب علينا وإن ~~عاب الغير شكره. # عبدالله بن وهب الراسبي PageV02P003 فمنهم عبدالله بن وهب الراسبى الأزدي ~~العماني -رحمه الله- ، لما كان من أمر الحكمين ما كان، ونجاة من نجى من تلك ~~المحن والافتتان، وانحياز من انحاز الفريقين، وتبين الاعتدال والعدل، عن ~~كلا الطريقين، أرادوا تولية رجل منهم يعتمدون عليه في أمورهم ويطبق على ~~طاعته، رأى جمهورهم فعزموا على تولية عبدالله بن وهب، فتكره ذلك وأباه، فلم ~~يريدوا غيره ولم يرضوا سواه، فلما رأى ذلك منهم قال: يا قوم استبيتوا الرأي ~~-أي دعوه يغيب- وتأتي عليه ليلة، فندبر عواقبه، وكان يقول: نعوذ بالله من ~~الرأي الدبري، فبايعوه وكان ذا رأي وحزم، ودين وعلم، وقع به الائتلاف ~~وارتفع في أيامه الاختلاف، فلم يزل يقول بالحق، ويحكم بالعدل، ويلطف ~~بالرعية ويقسم بالسوية، حتى قبض -رحمه الله- عليه. # حرقوص بن زهير السعدي # ومنهم حرقوص بن زهير السعدي، كان حرقوص من أهل النسك والعبادة والتقشف ~~والزهادة، وكان ذا نجدة وبأس وشدة، وكان أحد الأمراء والأجناد في أيام عمر ~~رضي الله عنه، وهو الذي فتح الأهواز في أيام عمر، وكان له هناك آراء سديدة ~~وآثار حميدة، وشكره عمر -رحمه الله- واستحسن ما كان منه حينئذ فإنه صبر ~~وصابر، حتى أظفره الله تعالى، واطلب ذلك في أخبار فتوح العراق تجده، وكان ~~حرقوص ممن شهد صفين، وأبى تحكيم الحكمين، وكان في أصحابه حتى قتل -رحمه ~~الله- . # الأحاديث المنتحلة فيه والرد عليها PageV02P004 وحرقوص هذا هو الذي ~~ينتحل"1" أحاديث لا يبعد أن تكون مصنوعة فإن فيها ما يدل على سقمها لتناقض ~~مثبوتها، ولكن أكثرها منتحل، ورواها على طرق، فمنها ما نسب إليه أنه قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم خيبر: (ما عدلت منذ اليوم) ms080 ~~فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: ألا أقتله يا رسول الله؟ ~~فقال: إنه يكون لهذا أو لأصحابه نبأ، ومنها ما نسب إليه أنه لما قال ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك فمن يعدل إن لم أعدل؟ ثم قال ~~لأصحابه واحدا بعد واحد: أيكم يقتله؟ فقال له الأول: وجدته راكعا، وقال ~~الثاني: وجدته ساجدا، وقال الثالث: لم أجده، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : لو قتل هذا ما اختلف في الله اثنان، ومنها أنه قال وقد قسم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مالا ورد عليه بين أربعة من المؤلفة قلوبهم، ~~فزعموا أنه قال: "لقد رأيت قسمة لا أريد بها وجه الله" فغضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى تورد خده، ثم قال: أمنني الله على أهل الأرض ولا ~~تأمنني؟! فقام عليه عمر -رحمه الله- فقال: ألا أقتله يا رسول الله؟ فقال:" ~~سيكون من ضئضئ"2" ، هذا أقوام تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، ~~يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم يمرقون من الدين -إلى قوله- وتتمارى في ~~الفوق" ففي هذه الأخبار دلائل على سقمها من أوجه كثيرة، أحدها: أنه لو صح ~~عنه أنه غير عدل إذ قال ما عدلت منذ اليوم ما آمن ولا أقام على دينه ولا ~~صلى إلى قبلته، والثاني: لو صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه خاض بالطعن في ~~النبوءة لما أهمله، ولكان هو المبتدر إلى قتله، ولم يكله إلى غيره، الثالث: ~~أنه لو صح ذلك عند عمر رضي الله عنه وأنه من المأمورين بقتله، وأعلمه أنه ~~مارق من الدين فكيف يستعين به على الجهاد؟ وهو أعظم أركان الدين، فيجعله ~~أميرا على جنوده المؤمنين، وظهيرا على قتال الكافرين، الرابع: أنه لو صح ~~عند أصحاب رسول الله صلى الله PageV02P005 عليه وسلم أنه قال ذلك وأنهم ~~مأمورون بقتله لم يتراخوا في قتله، بل يجعلونه أوكد فرائضهم، فكيف تسامحوا ~~حتى خرج ثم لم يكترثوا به، الخامس: أنه صلى الله عليه وسلم منزه عن أن ~~ينتسب ms081 إلى كلامه الغلو والمجازفة، حتى يقول لو قتل هذا ما اختلف في الله ~~اثنان، فيلزم على هذا أن تكون حياة حرقوص سببا لكفر اليهود والنصارى، ~~والصابين والمجوس، وعبدة الأوثان، والمعطلة والزنادقة وغيرهم، وهذا من ~~المحال الذي ينكره الحس ويأباه العقل، ويقوى الدليل على بطلانه، إذ لو شاء ~~لضلوا جميعا قبل وجود حرقوص وبعد موته، لكنهم (ولا يزالون مختلفين إلا من ~~رحم ربك ولذلك خلقهم) (هود:118-119) فقد اتفقوا واختلفوا وبينهم من هو خير ~~من حرقوص وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اتفقوا واختلفوا وفيهم شر ~~منه وهو أبو جهل، لعنه الله، فهذا يبعد أن يكون من كلام من لا ينطق عن ~~الهوى، السادس انه قد شهد من ضئضه من حرق القرآن قلبه، وصدع كبده فضلا عن ~~مجاوزة الحنجرة وشوهد من مخاليفهم من لا يصل لسانه فضلا عن الحنجرة، أعنى ~~في العمل به والامتثال لأوامره، والانتهاء عن مناهيه، السابع ذكر المروق. ~~فرأيك أعلم بالمارق وباللص السارق، وقد حقق كثير منهم ممن عامل بالأنصاف أن ~~القوم إنما قاتلوا هروبا من اتباع الهوى واطراحا لزهرة الحياة الدنيا ورغبة ~~فيما يرجونه عند الله في الدار الآخرة، وفيها أدلة كثيرة غير ما ذكرناه، ~~فحرقوص مبرأ مما قالوه، ومما إليه نسبوا. # --------------------- # الطبقة الثانية 50-100ه : 1- جابر بن زيد الازدي PageV02P006 منهم جابر ~~بن زيد الازدى -رحمه الله- . بحر العلوم العجاج"1" وسراج التقوى، ناهيك به ~~من سراج، أصل المذهب وأسه الذي قام عليه نظامه، ومنار الدين ومن انتصبت به ~~أعلامه، صاحب ابن عباس رضى الله عنه، وكان امهر من صحبه، وقرأ عليه، ~~والمقدم ممن يشار في الفتيى إليه، ذكر أبو طالب المكي في كتاب قوت القلوب ~~قال ابن عباس -رحمه الله- : اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق ~~والمغرب لوسعهم علمه، وعن اياس بن معاوية قال: لقد رأيت البصرة وما بها مفت ~~غير جابر بن زيد وعن الحصي بن حيال انه قال: لما مات جابر بن زيد بلغ موته ~~انس بن مالك فقال: مات أعلم من على ظهر الأرض ms082 أو قال مات خير أهل الأرض، ~~وعن ابن عباس أيضا انه قال: جابر بن زيد أعلم الناس، وعنه انه كان يقول ~~عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون ألينا وعندهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه ~~لوسعهم علمه، وله آثار كثيرة مذكورة، وكرامات، ومقامات في العلم تعلو ~~المقامات سيأتى ما أمكن. إن شاء الله. # جابر بن زيد يدعو الناس للاعتبار # فمن ذلك ما ذكر أبو سفيان* قال: أصاب الناس على عهد جابر بن زيد ظلمة ~~وريح، ورعد، ففزعوا إلى المساجد قال فخرج أبو الشعثاء إلى بعض المساجد فجلس ~~فيه يذكر الله، والناس في تضرع وضجة، قال فلما انجلت تلك الريح وتلك الظلمة ~~أخذ الناس ينصرفون إلى أسواقهم ومنازلهم قال: فدعا قوما كانوا قريبا منه ~~فقال لهم ما كنتم تظنون هذا الأمر؟ قالوا خفنا أن تكون القيامة قد قامت قال ~~إنما خفتم طي الدنيا والإفضاء إلى الآخرة، قالوا نعم قال لقد خفتم أمرا ~~عظيما فحق عليكم أن تخافوه، ثم قال أين تذهبون الآن؟ قالوا إلى منازلنا قال ~~لقد خفتم أمرا عظيم ففزعتم إلى الدعاء، ولو جاء ما خفتم لم يغن عنكم ما ~~كنتم فيه شيئا، فالآن إذ رد الله عليكم دنياكم فاعملوا حين قبول العمل وأما ~~ما كنتم فيه فلو كان الأمر ما خفتموه لم يغن عنكم دعاؤكم من الله شيئا. PageV02P007 # وذكر أبو سفيان: أن جابر بن زيد دخل المسجد الحرام فإذا برجل من الحجاج ~~يصلى على ظهر الكعبة، قال، فقال: جابر بن زيد من المصلى؟ لا قبله له، قال، ~~وكان ابن عباس في ناحية المسجد، فسمع قوله أو اخبر به، فقال إن كان جابر في ~~شيء من البلد فهذا القول منه، قال فنظر فإذا هو جابر بن زيد. # جابر بن زيد يسأل عائشة ويستفيتها # وقال أبو سفيان أن جابر بن زيد وأبا بلال دخلا على عائشة رضى الله عنها، ~~فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل قال فاستغفرت الله تعالى، وتابت مما ~~كانت قد دخلت فيه وقال أبو سفيان دخل جابر بن ms083 زيد على عائشة رضى الله عنها ~~فاقبل يسألها. مسائل لم يسألها أحد عنها حتى سألها عن جماع النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، كيف كان يفعل، وإن جبينه يتصبب عرقا، وهي تقول سل يا بني، ثم ~~قالت له ممن أنت؟ قال من أهل المشرق من عمان، قال أبو سفيان فذكرت شيئا له ~~لم احفظه إلا أنى أظنها قالت. النبئ صلى الله عليه وسلم، قال: ليكثرن وراد ~~حوضى من أهل عمان أو شبه هذا. # جابر يتمنى لقاء الحسن البصري قبل أن يموت PageV02P008 ولما حضرت جابر بن ~~زيد الوفاة أتاه ثابت البناني وقال يا أبا الشعتاء، هل تشتهى شيئا؟ قال إني ~~لا أشتهى إلا أن ألقى الحسن قبل أن أموت، قال فخرج ثابت البناني فدخل على ~~الحسن فأعلمه بقول جابر بن زيد قال وكان الحسن إذ ذاك مستخفيا، فقال: كيف ~~لي بذلك؟ قال اركب بغلتي على السرج وأنا أردف خلفك، وأعطيك طيلسانى وأرجوا ~~أن لا يعرض لنا. قال ففعل، ودخل على أبى الشعثاء وهو مضطجع فانكب عليه ~~الحسن وهو يقول يا أبا الشعثاء قل لا اله إلا الله فرفع جابر عينيه، فقال: ~~أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار، فقال له الحسن يا أبا الشعثاء، قل لا ~~إله إلا الله، قال فقال: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار، ثم قال: يا ~~أبا سعيد ) ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من ~~قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ( (الأنعام:158) قال فقال الحسن هذا والله ~~الفقيه العالم، ثم قال يا أبا سعيد حدثني بحديث ترويه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، في المؤمن إذا حضرته الوفاة. قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا) فقال جابر الله ~~أكبر، والله إني لأجد بردا على كبدي. # يحبس لكي لا يذهب إلى الحج PageV02P009 قال وكان جابر بن زيد يحج كل سنة ~~فلما كان ذات سنة بعث إليه والي البصرة أن لا ms084 يبرح العام فان الناس إليه ~~محتاجون، فقال لا أفعل: فحبسه، فلما كان غرة ذي الحجة جاءه الناس فقالوا ~~أصلحك الله قد هل هلال ذى الحجة فأرسل إليه وأخرجه من السجن. قال فأتى إلى ~~داره وله ناقة قد أعدها للخروج فأخذ يشد عليها الرحل، ويقول ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها، ثم قال: يا آمنة"2" عندك شيء؟ قالت نعم، قال ~~فاجعليه في جرابي، قال فهيئت له زاده، ثم قال من سألك فلا تخبريه بمسيري ~~يومي هذا قال فخرج من ليلته، قال فانتهى إلى عرفات والناس بالموقف، قال ~~فضربت بجرانها الأرض، وتجلجلت فقال الناس: ذكها ذكها يا أبا الشعثاء، فقال ~~حقيق لناقة رأت هلال ذى الحجة بالبصرة أن تفعل هذا ثم سلمها الله، قال وكان ~~قد سافر عليها أربعا وعشرين سفرة، في حجة وعمرة. # جابر يحاجج المستحلين لدماء من خالفهم # وقد بلغنا عن جابر بن زيد أن امرأة كانت له جارية فقالت له: يا أبا ~~الشعثاء إن فلانا يخطب إلي جاريتي فما ترى؟ قال: لا تزوجيه، فانطلقت فعاد ~~إليها الرجل فعادت إلى جابر، وقال لا تزوجيه فانطلقت فعاد إليها الرجل فقال ~~إن لم تزوجيها وقعتها حراما، فأتت جابرا، فأعلمته بالذي كان من قول الرجل، ~~فقال زوجيها الآن فهذا خوف العنت. # وقال: حدث ضمام أن جابر بن زيد كان يلقى الخوارج فيقول: أليس قد أحل الله ~~دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ قال: فيقولون بلى. قال: ويقولوا ~~وحرم ولا يتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ قال فيقولون بلى، فهل أحل ما عدا ~~هذا بدين؟ قال فيسكتون ولا يجيبونه بشيء. قلت وهؤلاء أصحاب نافع بن الأزرق ~~ومن قال بقولهم، في استحلال أموال المسلمين بدين. # حكم عطاء الجبابرة PageV02P010 وقال: تكلمت نساء من المسلمين بعد جابر في ~~المال الذي تجمعه الجبابرة فقلن انه حرام، قال: ثم أفشينه حتى لقين رجلا ~~يقال له أبو الوزير، فأجابهن إلى ذلك فقال صدقتن قال وهممن أن يرفعن ذلك ~~إلى ضمام وأبي عبيدة، قال: فلم يزل بهن ms085 حتى لقين أبا حمزة الأشعث فكلمنه في ~~ذلك فقال لهن أبو حمزة: ومن وافقكن على ما تقلن؟ قلن: أبو الوزير، فقال أبو ~~حمزة: أو قد بلغ من ضعف أبي الوزير ما أرى؟ قال: ثم نهاهن وأعظم ذاك عليهن ~~فقال: أما إذ زعمتن ذلك فانكن تتقدمن على جابر بن زيد وأبي بلال واصحابه، ~~فانهم ماتوا وهم يأخذون أعطيتهم، قال: وبلغ ذلك ضماما فاشتد في ذلك وأعظم ~~قولهن قال: فرجعن واستغفرن الله ولم يعدن إلى ذكر شيء من ذلك . # قال: ولما مات جابر بن زيد أتى قتادة وهو إذ ذاك قد عمي وقال: أدنوني من ~~قبره قال: فأدنوه حتى وضع يده على قبره ثم قال: اليوم مات عالم العرب، ~~وقال: لقي جابر امرأة من أهل الدعوة فوقف ساعة يكلمها وتكلمه قال: فلما ~~أرادا أن يفترقا قال لها إني أحبك ثم افترقا فانطلق غير بعيد، ففكر في قوله ~~لها إنى أحبك، فانصرف إليها وقال: في الله قال: فقالت له: وما تظن أني حملت ~~ذلك على غير الحب في الله؟ أي والله في الله. # لا نكافي الإساءة بمثلها # وقال خرجت آمنة زوج جابر إلى مكة ذات سنة، فأقام جابر تلك السنة قال: ~~فلما رجعت سألها عن كريها"3" فذكرت منه سوء الصحبة، ولم تثن عليه بخير، ~~قال: فخرج إليه جابر فأدخله الدار فأمر باشتراء لابله علفا، وعولج له طعام ~~فلما تغدى خرج به إلى السوق، فاشترى له ثوبين فكساهما إياه، ودفع إليه ما ~~كان مع آمنة من قربة وأداة وغير ذلك من آلات السفر، قال فقالت له آمنة ~~أخبرتك بسوء الصحبة ففعلت معه ما أرى، قال: أفنكافيه بمثل فعله فنكون مثله؟ ~~لا بل نكافيه بسوء خيرا. وبالإساءة إحسانا. # رأي جابر في الهرم العاجز عن الصوم PageV02P011 وقال أبو سفيان كانت جدة ~~أبي يقال لها أم الرحيل والرحيل أبي وبه يسمى، واسم جدي العنبر وكانت أم ~~الرحيل قد كبرت حتى لم تطق الصيام، قال فأت بها ابناها الرحيل والعنبر إلى ~~جابر، فقالا: يا أبا الشعثاء إن أم ms086 الرحيل قد كبرت فلا تطيق الصيام قال: ~~وأنها لحية بعد، قالا نعم، قال: فصوما عنها قال فتنافسا في ذلك قال: وكان ~~الرحيل أكبر من العنبر، فصام عنها الرحيل، فلما كان في العام الثاني أتياه ~~فأعلماه أيضا بحالها، فقال ما كنت أمرتكم به في العام الأول؟ قال: أمرتنا ~~أن نصوم عنها، قال: فأطعما عنها فأطعم عنها العنبر. # وقال جاء أبو الحر إلى أبي عبيدة ذات سنة قال يا أبا عبيده أقم للناس بعد ~~الموسم خمسة أيام فامتنع وقال: لأ بي الحر عليك بضمام بن السائب فانه يفعل، ~~قال: أو عنده من العلوم ما يكتفي الناس به؟ قال نعم، وأكثر من ذلك، قال: ~~فأتاه فأقام الناس فاجتمع إليه من حضر الموسم، فجعلوا يسألونه عن أشياء ~~كثيرة من مسائل دينهم، قال: فكان جوابه أن يقول سألت جابرا، أو سئل جابر أو ~~سمع جابرا، أو قال جابر قال أبو سفيان وكان ضمام قد حفظ عن جابر ما لم ~~يحفظه عنه أبو عبيدة ولا أبو نوح ولا أحد من تلاميذه وقال: بعثت هندة بنت ~~المهلب إلى جابر جزورا في رمضان فنحرها وعالج للناس طعاما، فلما غابت الشمس ~~أتانا بالجفان في المجلس فوضعت للناس وكان مؤذنه يقال له أبو هارون وكان ~~فاضلا، وقال له: يا أبا هارون أرى أن تهبط فتأكل معهم ولا تعجلهم الإقامة، ~~حتى يتفرغوا من طعامهم. # وقال: اطلع أبو الشعثاء يوما فإذا برجل من الاكارين يبكي ويصيح. فقال: ~~مالك ويحك؟ فقال: ؟إن فتيان دربكم هذا نزعوا منى قنوي نخل جئت بهما إلى ~~صاحب الأرض، فأخاف أن لا يصدقني قال: فبعث جابر إلى رجل من أصحابه له نخل، ~~فأخذ قنوين فدفعهما إليه. # جابر يتهرب من القضاء PageV02P012 ووفد جابر بن زيد فيما كان يفد فيه إلى ~~يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، وكان به خاصا، قال: فأدخله أبو مسلم على ~~الحجاج: فكان فيما كان يسائله أن قال له: أتقرأ؟ قال نعم، قال: أتفرض؟ قال: ~~نعم، فعجب الحجاج، ثم قال: ما ينبغي لنا أن نؤثر بك ms087 أحدا بل نجعلك قاضيا ~~بين المسلمين، قال: فقال: جابر إني أضعف من ذلك، قال وما مبلغ ضعفك؟ قال ~~يقع بين المرأة وخادمها شر فلا أحسن أن أصلح بينهما، قال: إن هذا لهو ~~الضعف، ثم قال: فهل لك من حاجة؟ قال: نعم وما هي؟ قال تعطيني عطائي وترفع ~~عني المكروه، فقال الحجاج: هذا أمر لا يستقيم أن أعطيك من بيت مال ~~المسلمين، ولا نستعملك لهم فقال له يزيد بن أبي مسلم: أصلحك الله أن هاهنا ~~خصلة تخف على الشيخ وفيها عون للمسلمين، قال: وما هي؟ قال: تجعله في أعوان ~~صاحب ديوان البصرة، قال: وذلك، قال: فلما خرج من عنده قال له جابر: يا هذا ~~ما صنعت شيئا أتراني أن أكون عونا لصاحب الديوان؟ قال له يزيد: اكتب إلى ~~صاحب الديوان أن لا يكلفك مؤونة، ويعطيك عطائك كاملا، قيل وكان عطاؤه ~~سبعمائة أو ستمائة درهم قيل وكان في ديوان المعاملة. # رأي جابر في القدر # وقال وقع في نفس الحجاج شيء من أمر القدر، فدعا كتابه يزيد بن أبي مسلم ~~قال: ويحك يا يزيد وقع في نفسي شيء من القدر فهل عندك فرج؟ قال: سأكتب لك ~~إلى رجل بالبصرة عنده من ذلك علم، قال فكتب إلى جابر بن زيد، أما بعد فإن ~~الأمير وقع في نفسه شيء من أمر القدر فاكتب إليه بما تفرج به عنه، قال: قل ~~للأمير يكثر ترديد خطبته فإن فيها بيانا لما سأل عنه، قال: فأعلمه بذلك ~~يزيد، قال: فرددها مرارا كل ذلك لا ينتبه منها بشيء حتى إذا كان بعد ذلك ~~انتبه، فقال من يهدى الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فقال يا يزيد ~~ويحك ما أعلم صاحبك!. # مما يؤثر عن جابر PageV02P013 وقال: خرج جابر بن زيد وهو يريد الجمعة ~~فلما أتى المسجد تلقاه الناس متفرقين، قال: فشق ذلك عليه مشقة عظيمة شديدة ~~وقال: اللهم لك علي أن لا أعود، وقال: استأذن عمارة بن حيان على جابر بن ~~زيد فقال له ارجع، فلما ذهب قال ms088 ردوه فردوه فقال: أراك وجدت في نفسك أما ~~انه أزكى لك إذ رجعت، وقال دخل العنبر على جابر في ليلة صافية مظلمة وآمنة ~~قاعدة إلى جانبه في الدار. وقال فأخذت عليها صلاته فحدثها جابر، وقال: إن ~~الله جعل الليل لباسا، قال: يقول أن الخمار والمقنعة بالليل يجزيان عن رداء. # وقال: قال: جابر بن زيد ليس للعالم أن يقول لجاهل أعلم مثل علمي وإلا ~~قطعت عذرك وليس للجاهل أن يقول للعالم اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك، فإذا ~~قال العالم ذلك للجاهل قطع الله عذر العالم وإذا قال الجاهل ذلك للعالم قطع ~~عذر الجاهل. # وقال: مر رجلان من أهل الدعوة على أبي الشعثاء وهو قاعد في سقيفة باب ~~داره ولم يرياه وهما يتذاكران رجلا فقالا: عليه لعنه الله، فقال أبو ~~الشعثاء: لعن الله من لعنتما، قال فانصرفا حين سمعا كلامه، فقالا: ما ~~رأيناك ولا علمنا بمكانك ثم قالا: يا أبا الشعثاء أتلعن رجلا ولم يثبت عندك ~~أمره؟ قال: وأي شيء أثبت منكما وقد أجمعتما على لعنه؟ وعن الربيع بن حبيب ~~عن شيخ من أهل البصرة. أنه قال: دخل جابر على عائشة رحمهما الله فسألها عن ~~مسائل ثم انصرف فقالت عائشة لقد سألني عن مسائل لم يسألني عنها مخلوق قط ~~تعني جابرا. وعن الربيع بن حبيب عن بعضهم قال أتيت جابر بن زيد في بعض ~~الفتيى مما يبتلى به الناس فما أعلم أني كلمت فقيها ولا عالما ولا أميرا ~~أعلم منه، ولا أعقل منه. # جابر تمنى من الله ثلاث فحققها له PageV02P014 وعن الحصين عن جابر بن زيد ~~أنه قال: سألت ربي عن ثلاث فأعطانيهن سألت زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة ورزقا ~~حلالا كفافا يوما بيوم، وقال لأصحابه: ليس منكم رجل أغنى مني، ليس عندي ~~درهم ولا علي دين، وعن قتادة أن الحجاج أرسل إلى جابر بن زيد يسأله عن ~~الخنثى كيف يورث؟ فقال، تحبسونني وتستفتونني! ثم قال: يورث من قبل مباله ~~قلت: وعلى ذلك العمل. # ------------------------------ # 1- البحر أو النهر العجاج بالمبالغة الذي تسمع له ms089 عجيجا أي دويا عظيما. # 2- في نسخ تذكر باسم أمينه. # 3- الكرى بشد الياء المكاري. # عبدالله بن أباض # ومنهم عبدالله بن أباض المرى التميمي -رحمه الله- : كان عبدالله بن أباض ~~إمام أهل الطريق وجامع الكلمة لما وقع التفريق، فهو العمدة في الاعتقادات، ~~والمبين لطرق الاستدلالات والاعتمادات، والمؤسس لأبنية هي مستندات الأسلاف، ~~والمهدم لما اعتمده أهل الخلاف، وكان رأس العقد، ورئيس من بالبصرة وغيرها ~~من الأمصار والمتقدم في حلبة الفضل بين أولئك الأخيار، قعد عن اللحاق ~~فاشتراه من غير إنكار، وقنع بالخمول من غير قصور ولا اقصار، وقلى ما اعتقده ~~ابن الأزرق في المحمدية"1"، وعدل عن طريقي البيهسية، والنجدية وسلك محجة ~~العدل، وكان قدوة لأهل الفضل، فإليه النسبة اليوم في العقائد، معدولا بها ~~عن اسم الولد إلى اسم الوالد طلبا للتخفيف واختصاص الأشهر، وذلك في اللغة ~~معروف لا ينكر، ولابن أباض فضائل مشهورة في الآفاق، وآثار حميدة مخلدة في ~~بطون الأوراق. # -------------------------------- # 1- يعني أمة محمد عليه السلام من تحلة دماءهم وأموالهم مما يراه غلاة ~~الخوارج كالفرق التي ذكرها بعد. # أبو بلال وعروة # أبو بلال وعروة الشاريان PageV02P015 ومنهم أبو بلال مرداس وعروة أبنا ~~أدية رحمهما الله بلغا في الورع والديانة، والعلم والصيانة الأمد الأقصى ~~ولكل منهما فضائل لا تحصى، يعجز عن وصفها كل قائل فلا تكاد تحصى ولكل منهما ~~أيام الخروج، وأيام القعود كل موطن مرضي وكل مقام محمود، من أمر بالطاعة ~~ونهي عن المحارم لا تأخذه لومه لائم، وأما التشمير والتصميم في الدين ~~والأنفة عن طريق المهادنين، فذلك عليهما وقف، لا وهن ولا ضعف يدركهما"1". # أبو بلال يحذر غيلان الضبى # ثبت عندنا من طريق صحيح أن أبا بلال -رحمه الله- كان في المسجد الجامع ~~فسمع زيادا يقول على المنبر: والله لآخذن المحسن منكم بالمسيء والحاضر ~~بالغائب والصحيح بالسقيم، فقام -رحمه الله- إليه فقال: قد سمعنا ما قلت ~~أيها الإنسان وما هكذا ذكر الله عن نبيه إبراهيم عليه السلام إذ يقول ~~(وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن ~~وأن سعيه ms090 سوف يرى) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ثم يجزاه الجزاء الأوفى) ~~(لنجم:من 37 إلى 41) # وانك تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصي، قيل وفي عقب ذلك اليوم كان خروجه ~~-رحمه الله- عليه، وروي أن غيلان بن خوشت الضبى سمر ذات ليلة عند ابن زياد ~~ومعه جماعة فذكر أمر أبي بلال وأصحابه فأحنى عليهم غيلان ثم انصرف بعد ~~الليل إلى منزله فلقيه أبو بلال فقال له: يا غيلان قد بلغني ما كان منك ~~الليلة عند الفاسق من ذكر هؤلاء القوم الذين يشرون أنفسهم، وابتاعوا آخرتهم ~~بدنياهم، ما يؤمنك أن يلقاك رجل أحرص والله على الموت منك على الحياة فينفذ ~~حصنك برمحه، فقال غيلان: لن يبلغك أني ذكرتهم بعد الليلة. PageV02P016 # وعن غير واحد من أصحاب التواريخ أن أول سيف سل للمحكمة سيف عروة بن أدية ~~وذلك أن الأشعث بن قيس لما جاء بصحيفة دعوة أهل الشام في صفين إلى الحكمين ~~جعل الأشعث يطوف بها في منازل أهل عسكر العراق من منزل إلى منزل، حتى أتى ~~بني تميم فسل عروة سيفه وأقبل على الأشعث، فقال: ما هذه الدنية يا أشعث؟ ~~وما هذا التحكيم؟ أشرط أوثق من شرط الله؟ ثم ضربه بالسيف والأشعث مولى ~~فأصاب بالسيف عجز البغلة، فشبت البغله فنفرت اليمانية، وكانوا جل أهل ~~العسكر، فلما رأى ذلك الأحنف قصد هو وحارثة بن قدامة ومسعود بن فدكيك"2" ~~وشيبة بن ربعى إلى الأشعث، فسألوه الصفح ففعل. # صراحة عروة وتقواه # وذكر المبرد أن عروة لم يزل باقيا مدة من أيام معاوية حتى أتى به زياد، ~~ومع عروة مولى له فسأل زياد عروة عن أحوال الخلفاء والولاة حتى سأله عن ~~نفسه، فقال: أولك لزنى وآخرك لدعوى، وأنت بعد عاص لربك ثم أمر به فضربت ~~عنقه، ثم دعا مولاه فقال صف لي أموره فقال أطنب أم اختصر؟ فقال: اختصر، ~~فقال ما أتيته بطعام نهارا قط ولا فرشت له فراشا بليل قط، ومن كامل المبرد ~~قال: وكان مرداس بن حدير أبو بلال"3"أحد بنى ربيعه بن حنظلة يعظمه الخوارج ~~وكان مجتهدا ms091 كثير الصواب في لفظه، فلقيه غيلان بن خوشت الظبي فقال يا أبا ~~بلال: أني سمعت البارحة الامير عبدالله بن زياد يذكر البلجاء وأحسبها ~~ستؤخذ، فمضى إليها أبو بلال فقال لها: إن الله قد وسع عن المؤمنين في ~~التقية فاستتري فان هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك فقالت: إن ~~يأخذني فهي أشقى به فأما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي فوجه إليها عبيد ~~الله بن زياد فأوتى بها فقطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق فمر بها أبو ~~بلال والناس مجتمعون وقال: ما هذا ؟ فقالوا: البلجاء فعرج إليها ثم عض ~~لحيته فقال لنفسه: لهذا أطيب نفسا على بقية الدنيا منها يا مرداس؟"4" PageV02P017 # قال ثم إن عبيد الله اتبع أبا بلال وأصحابه يحبسهم، فحبس مرداسا فرأى ~~صاحب السجن شدة اجتهاده وحلاوة منطقه فقال: إني أرى مذهبا حسنا وإني لأحب ~~أن أوليك معروفا أفرأيت أن تركتك تنصرف إلى بيتك ليلا أتروح إلي؟ قال: نعم ~~فكان يفعل ذلك فلج عبدالله في قتلهم وحبسهم. فكلم في بعضهم فأبى. وقال ~~اقمعهم قبل أن ينجموا كلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع"5" ~~قال: فلما كان ذات يوم قتل رجل منهم رجلا من الشرط فقال ابن زياد: ما أدري ~~ما أصنع بهؤلاء كلما أمرت رجلا يقتل رجلا منهم فتك بقاتله، لأقتلن من في ~~حبسي منهم، وقد أخرج السجان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل، وأتى مرداسا ~~الخبر، فلما كان السحر تهيأ للرجوع فقال له أهله: اتق الله في نفسك فانك إن ~~رجعت قتلت. فقال: ما كنت لألقى الله غادرا، فرجع إلى السجان فقال: أني علمت ~~ما عزم عليه صاحبك فقال: أو علمت ورجعت؟! # قال ويروى إن مرداسا مر بإعرابي هنأ بعيرا فهرج البعير فسقط مرداس مغشيا ~~عليه، فظن الأعرابي أنه صرع، فقرأ في أذنه، فلما أفاق قال له الأعرابي أني ~~قد قرأت في أذنك فقال مرداس: ليس في ما خفته علي، ولكن رأيت بعيرك هرج من ~~القطران، فذكرت به قطران جهنم، فأصابني ما ms092 رأيت، فقال له: لا جرم، والله ما ~~فارقتك. # رأي الشراة في السكوت عن الظلمة وخروجهم عنهم PageV02P018 قال فلما خرج ~~من حبس ابن زياد ورأى جده في طلب الشراة عزم على الخروج، فقال لأصحابه: إنه ~~والله لا يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم مجانفين ~~للعدل، مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف ~~وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا نشذ عنهم ولا نجرد سيفا، ولا نقاتل إلا من ~~قاتلنا. فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا منهم حريث بن حجل السدسى ~~وكهمس بن طلق الصريمي، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى، فولوا أمرهم ~~مرداسا فلما مضى بأصحابه لقيه عبدالله بن زياد الأنصاري"6" ، وكان له صديقا ~~فقال له يا أخي أين تريد؟ فقال أريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام ~~هؤلاء الجورة، فقال أعلم بكم أحد؟ قال لا، قال: فارجع، قال: أتخاف علي ~~مكروها؟ قال نعم، وأن يؤتي بك قال: فلا تخف، فإني لا أجرد سيف ولا أخيف ~~أحدا ولا أقاتل الا من قاتلني ثم مضى حتى نزل آسك وهو ما بين ( رام هرمز) و ~~( أرجلان) فمر به مال يحمل إلى ابن زياد وقد قارب أصحابه أربعين فحط ذلك ~~المال، فأخذ منه عطاءه، ورد الباقي على الرسل. وقال لهم: قولوا لصاحبكم ~~إنما قبضنا اعطياتنا، فقال بعض أصحابه: فعلام تدع لهم الباقي وهو فئ؟ فقال ~~لهم إنما يقسمون الفئ كما يقيمون الصلاة. أفنقاتلهم على الصلاة؟ # ولأبي بلال أشعار في الخروج اخترنا منها قوله: PageV02P019 # قال: ويروى أن رجلا من أصحاب ابن زياد قال خرجنا في جيش نريد خراسان، ~~فمررنا بآسك، فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلا، فصاح بنا أبو بلال: أقاصدين ~~لقتالنا أنتم؟ وكنت أنا وأخي فدخلنا زربا، فوقف أخي ببابه فقال: السلام ~~عليكم فقال مرداس: وعليكم السلام، فقال لأخى: أجئتم لقتالنا؟ قلنا: لا إنما ~~نريد خراسان، قال: فابلغوا من لقيكم اننا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا لنروع ~~أحدا، ولكن هربا من الظلم، ولسنا نقاتل الا من يقاتلنا، ولا نأخذ ms093 من الفئ ~~إلا اعطياتنا ثم قال: أندب الينا أحد؟ قلنا: نعم أسلم بن زرعة الكلابى، ~~قال: فمتى ترون يصل الينا؟ قلنا يوم كذا وكذا فقال أبو بلال: حسبنا الله ~~ونعم الوكيل. وجهز عبيد الله بن زرعة في أسرع وقت، ووجهه إليهم في ألفين، ~~وقد تتام أصحاب مرداس أربعين رجلا: فلما صار اليهم أبن زرعة صاح به ابو ~~بلال: اتق الله يا مسلم فإنا لا نريد قتالا ولا نحتجن فيئا، فما الذي تريد؟ ~~قال: أريد أن أردكم إلى ابن زياد، قال مرداس: إذا يقتلنا، قال: وأن قتلكم ! ~~قال تشرك في دمائنا، قال أذن الله بأنه محق وأنت مبطلون، فصاح به حريث بن ~~حجل: هو ممن يطيع الفجرة وهو أحدهم ويقتل بالظنة، ويخص بالفئ ويجور في ~~الحكم أما علمت أنه قتل بابن سعادة أربعة براء، وأنا أحد قتلته؟ ولقد وضعت ~~في بطنه دراهم كانت معه"8". # ثم حملوا عليه حملة رجل واحد، فانهزم هو وأصحابه بغير قتال، قال وكان ~~معبد أحد الشراة قد كاد أن يأخذه، فلما ورد على ابن زياد غضب عليه غضبا ~~شديدا، وقال: ويحك أتمضي في ألفين وتهزم لحملة من أربعين رجلا؟ وكان مسلم ~~يقول: لأن يذمني ابن زياد وأنا حي أحب إلي من أن يمدحني وأنا ميت. وكان إذا ~~خرج إلى السوق ومر بصبيان صاحوا به أبو بلال وراءك، وربما صاحوا به يا أبا ~~سعيد"9" خذه، فشكى ذلك إلى ابن زياد فأمر الشرط أن يكف الناس عنه، ففي ذلك ~~يقول عيسى بن فاتك التميمي من بني تيم اللات بن تغلبة في كلمة له: PageV02P020 # قال ثم ندب أبن زياد لهم الناس فاختار عباد بن أخضر فوجهه في أربعة آلاف ~~فنهد لهم، ويزعم أهل العلم: أن القوم قد كانوا تنحوا عن دار ( بجرد) بأرض ~~فارس فصار إليهم عباد وكان التقاؤهم في يوم الجمعة فناداهم أبو بلال اخرج ~~إلي يا عباد فإني أريد أن أحاورك، فخرج إليه( فقال له أبو بلال ) ما الذي ~~تبغي؟ قال أن آخذ بأقفائكم ونردكم إلى الأمير عبدالله ms094 بن زياد، قال أو غير ~~ذلك؟ قال وما هو؟ قال أن ترجع، فإنا لا نخيف سبيلا، ولا نذعر مسلما، ولا ~~نحارب إلا من حاربنا، ولا نجبى إلا ما حمينا. فقال له عباد الأمر ما قلت ~~لك، فقال له حريث بن حجل: أتحاول أن ترد فئة من المسلمين إلى جبار عنيد؟ ~~فقال لهم: أنتم أولى بالضلال منه، وما من ذلك بد. قال وقدم القعقاع بن عطية ~~الباهلي من خراسان يريد الحج، فلما رأى الجمعين قال ما هذا؟ قيل له الشراة، ~~فحمل عليهم ونشبت الحرب فأخذ القعقاع أسيرا، فأوتى به أبا بلال، فقال له من ~~أنت؟ قال لست من أعدائك وإنما قدمت للحج فجهلت وغررت، فأطلقه فرجع إلى ~~عباد، فاصلح من شأنه ثم رجع فحمل عليهم ثانية وهو يقول. # فحمل عليه حريث وكهمس فأسراه فقتلاه،. ولم يأتيا به أبا بلال. # تابع الموضوع >>>> # ------------------------------------- # (1) راجع بعض أخبارهما في كامل المبدر من 190 ج3 تحقيق أحمد محمد شاكر. # (2) كذا بالنسخ وذكره في الكامل باسم مسعود بن فدكي بن عبد وذكر من بعده ~~باسم شبت بن ربعي الرياحي راجع الكامل ج3 ص909 # (3) هو اسم أبيه وأما اضافتهما هو وأخوه إلى أدية فهي جدتهما، كما ذكر ~~ذلك المبرد وتجد نسبهما كاملا عنده. # (4) عبارة الكامل : لهذه أطيب نفسا عن بقية الدنيا منك يا مرداس. # (5) اليراع : القصب. # (6) حققه الشيخ أحمد محمد شاكر في الكامل بعبد الله بن رباح الأنصاري قال ~~أنه من الثقات مات 90ه # (7) رواية المبرد فيها بعض خلاف فراجعها إن أردت. # (8) كذا في النسخ التي بأيدينا. # (9) عبارة المبرد يا معبد خذه. PageV02P021 # يقتلون غدرا لأجل محافظتهم على الصلاة # فلم يزل القوم يتجلدون إلى وقت الصلاة صلاة يوم الجمعه، فناداهم أبو ~~بلال: يا قوم هذا وقت الصلاة، فدعونا حتى نصلى وتصلوا صلاة الجمعه قالوا لك ~~ذلك، فرمى القوم أجمعين بأسلحتهم، وعمدوا للصلاة، فأسرع عباد ومن معه، وأبو ~~بلال وأصحابه بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد، حتى مال عليهم عباد ~~ومن معه فقتلوهم جميعا، وأتي برأس أبى بلال وكان ms095 في القوم كهمس وكان ابر ~~الناس بأمه فقال يا أماه لولا مكانك لخرجت، فقالت: يا بني قد وهبتك لله ففي ~~ذلك يقول عيسى بن فاتك. # وقال عمران بن حطان: # قال: ثم أن عبادا لبث في المصر محمودا لما كان منه حتى ائتمر به جماعة من ~~الشراة، أن يفتكوا به، وذمر بعضهم بعضا على ذلك فجلسوا له في جمعة، وقد ~~أقبل على بغلة له، وابنه رديفه فقام إليه رجل منهم، فقال أسألك عن مسألة؟ ~~قال: قل قال: أرأيت رجلا قتل رجلا بغير حق والقاتل ذو جاه وقدر وناحية عند ~~السلطان، ألولي ذلك المقتول أن يفتك به أن قدر عليه؟ قال: بل يرفعه إلى ~~السلطان قال: إن السلطان لا يعدى عليه لمكانه منه قال: أخاف عليه من أن ~~يقتله به قال: دع ما تخافه هو وأصحابه وخبطوه بأسيافهم، فرمى عباد بابنه ~~فنجا، وتنادى الناس، قتل عباد فأخذوا أفواه الطرق، وكان مقتل عباد، سكة بني ~~مازن فحارب بنو مازن قتلة عباد حتى قتلوهم. # قيل، وكان ذلك سببا لجد ابن زياد في تتبعه الشراة حتى بعث إلى خليفته ~~بالصرة، أن وجه إلى بعروة بن أدية فلم يزل يطلبه حتى دل عليهفي سرب العلا ~~بن سوية المنقري. فكتب بذلك إلى عبيد الله بن زياد فقرئ عليه الكتاب: أن ~~أصبناه في شرب فتهانف(2) به عبيد الله فقال له: صفحت ولؤمت، إذ هو في سرب ~~العلا بن سوية ولوددت أنه ما كان ممن يشرب النبيذ قلت: وهذا الخبر قد تقدم ~~معناه، وفي الرواية بعض المخالفة للخبر المتقدم من ذكر عروة. # الحوار الذي دار بين ابن زياد وعروة PageV02P022 قيل، فلما أقيم عروة بين ~~يديه أخذ يحاوره وقد أختلف في خبره وأصحه عندنا أنه قال له: أجهزت أخاك ~~علي؟ فقال: والله لقد كنت به ضنينا، وكان لي عرى(3) ولقد أردت له ما أريد ~~لنفسي، فعزم عزما فمضى عليه، وما أحب لنفسي إلا المقام وترك الخروج، قال: ~~فأنت على رأيه، قال: كنا نعبد ربا واحدا قال: أما والله لا مثلن ms096 بك. اختر ~~لنفسك من القصاص ما شئت فأمر به فقطعوا يديه ورجليه ثم قال له كيف ترى؟ قال ~~أفسدت علي دنياي وأفسدت عليك آخرتك، ثم أمر به فقتل ثم صلب علي باب داره، ~~ثم دعا مولاه فسأله عنه فأجابه بجواب قد مضى ذكره، وقال أبو سفيان لما قطع ~~الفاسق عبيد الله بن زياد يدي عروة ورجليه جاءه أعرابي، فقال: من هذا؟ ~~قالوا رجل أراد الأمير عذا به، قال: هلم إلي بسيف فأعطاه سيفا فضرب عنقه، ~~قال: فاجتمع لذلك نفر من الشراة فأتوا إلى امرأة منهم فقالوا لها: قاتل ~~عروة دلينا على موضعه، فقالت: اقتلوه في بيتي وعلى أن آتيكم به فعمدوا إلى ~~موضع في البيت فحفروا فيه حفرة. ثم القوا عليها شيئا ثم ذهبت إليه فعرضت ~~عليه شيئا يشتريه أو اشترت منه شيئا، وأقبلت فأدخلته الدار عليها، فألقوه ~~في الحفرة فردوا عليه الحجارة والتراب ثم غيبوه، وألحقه الله إلى النار ~~وبئس المصير. # إذا كنت في مجلس فاحسن حمل رأسك # وقال أبو سفيان مر أبو بلال يوما بجماعة من قومه في ناديهم على فرس له، ~~فوقف فسلم، فقال شاب منهم يا أبا بلال فرسك حروري، فقال أبو بلال: وددت ~~والله أني أوطأته بطنك في سبيل الله، قال: فمضى أبو بلال وقد وقع في نفس ~~الفتى قولة أبي بلال قال: فقال:لأصحابه أني مقتول، قالوا: لا تخف، قال: ~~دعوني إني مقتول قال فمشت إليه جماعة منهم بالفتى فقالوا: يا أبا بلال زلة ~~كانت، فاصفح عنها. قال: فعلت، ولكن يا فتى إذا كنت في مجلس فأحسن حمل رأسك. # خشية أبي بلال وخوفه من الله PageV02P023 وقال خرج أبو بلال مع صاحب له ~~فبينما هو يسير في الطريق إذ مر بحدادين فنظر إليهم، فغشي عليه ولم يزل به ~~الرجل يرش على وجهه الماء حتى أفاق، ثم سار فبينما هما يسيران استقبلتهما ~~امرأة جسيمة بهية عليها من الكسوة والهيئه ما الله به عالم، فلما نظر إليها ~~غشي عليه، ولم يزل يرش على وجهه الماء حتى أفاق ثم ms097 سار حتى استقبلهما رجل ~~على برذون في نزهة وهيئة عجيبة وخلفه غلمان، فلما نظر إليه غشي عليه، فلم ~~يزل يرش على وجهه الماء حتى أفاق فقال يا أبا بلال رحمك الله ما هذا؟ قال: ~~أما المرة الأولى فقد علمت أنك عاينت النار فحدثني عنك حين رأيت المرأة ~~والرجل فقال: أما المرأة فإنى لما رأيت عظمها وحسنها وما هي فيه من الهيئة ~~ذكرت تقلبها في النار فكان ما رأيت، وأما الرجل فإني كنت أراه كثيرا يشهد ~~مجالس المسلمين فذكرت سوابق الشقاء. فنسأل الله العافية، وذكر أبو سفيان ~~لما رفع أهل الشام المصاحف قال عروة -رحمه الله- : # ------------------------------------- # (1) انظر تتمة المقطوعة في الكامل # (2) تهانف : ضحك وتبسم. # (3) في نسخه كان لي عزا # عمران بن حطان # ومنهم عمران بن حطان الشاري -رحمه الله- ورضي عنه هو النهاية في الورع ~~والصلاح واطراح الدنيا كل الاطراح لما خصه الله عز وجل من فنون العلم ~~والنزاهة والحلم وشهامة الجنان، وفصاحة اللسان، إن خطب أبلغ وأطنب أو أوجز، ~~وإن نظم سحر بيانه وأعجز، فمن ذلك ما حكى المبرد قال لما قتل أبو بلال ~~-رحمه الله- قال عمران بن حطان: # وقال يرثيه في أبيات قد تقدمت. وأولها ( يا عين أبكي لمرداس ومصرعه) ~~وقالها أبو بلال قبل الخروج، وقد نسبت لغيره، قيل والصحيح إنها له، ذكرها ~~ابن السيكت وغيره وهي قوله: PageV02P024 # ومن هاهنا أخذ عمران قوله لقد زاد الحياة إلى بغضا قال المبرد كان عمران ~~رأس العقد وخطيبهم وشاعرهم، قال وكان من حديثه أنه لما طرده الحجاج كان ~~ينتقل في القبائل فكان إذا نزل في حي انتسب نسبا يقرب منه وفي ذلك يقول: # ثم خرج حتى نزل عند روح بن زنباع الخدامى وكان روح يقرى الأضياف وكان ~~مسامرا لعبد الملك بن مروان أثيرا عنده، وانتمى له من الازد وفي غير هذا ~~الحديث إن عبد الملك ذكره وقال ما أعطى أحد ما أعطي أبو زرعه أعطي فقه أهل ~~الحجاز ودهاء أهل العراق، وطاعة أهل الشام قال وكان روح بن زنباع لا يسمع ~~شعرا نادرا ولا ms098 حديثا غريبا عند عبد الملك، فيسأل عنه عمران إبن حطان إلا ~~عرفه وزاد فيه، وذكر ذلك لعبد الملك بن مروان وقال أن لي جارا من الازد ما ~~أسمع من أمير المؤمنين خبرا ولا شعرا إلا عرفه وزاد فيه، وقال: أخبرني ببغض ~~أخباره فخبره وأنشده، فقال إن اللغة عدنانية وإني لأحسب ضيفك عمران بن حطان ~~حتى تذاكر الليلة بيتين من الشعر، فلم يدر عبد الملك لمن هما فرجع روح فسأل ~~عمران عنهما، فقال هما لعمران بن حطان فرجع روح إلى عبد الملك فأخبره فقال ~~ضيفك عمران بن حطان اذهب فجئني به فرجع إليه فقال: أمير المؤمنين قد احب أن ~~يراك، فقال عمران: قد أردت أن أسألك ذلك فاستحيت منك، فامض فإني بالأثر ~~فرجع روح إلى عبد الملك فأخبره فقال عبد الملك: أما إنك سترجع فلا تجده ~~فرجع وعمران قد ارتحل وخلف رقعة فيها: # ثم ارتحل حتى نزل بزفر بن الحارث الكلابي أحد بني عمرو بن كلاب فانتسب له ~~أوزاعيا فكان عمران ممن يطيل الصلاة، وكان غلمان بني عمرو يضحكون منه فأتاه ~~رجل يوما ممن رآه عند روح بن زنباع، فسلم عليه فدعاه زفر فقال: من هذا؟ قال ~~رجل من الازد رأيته ضيفا لروح بن زنباع، فقال له زفر: ما هذا؟ أزديا مرة ~~وأوزاعيا أخرى! أن كنت خائف أمناك وان كنت فقير جبرناك . فلما أمسى خلف في ~~منزله رقعة - وهرب - فيها: PageV02P025 # ثم ارتحل حتى أتى عمان فوجدهم يعظمون أمر أبي بلال ويظهرونه فاظهر أمره ~~فيهم فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عمان فيه، فهرب عمران حتى أتى قوما من الازد ~~فلم يزل فيهم حتى مات -رحمه الله-. وهو يقول: # ومر عمران بالفرزدق على باب بعض الملوك الطائيين ينشد شعرا يمدحه به ~~فسمعه قد تجاوز النهاية في المدح وغلا غلوا عظيما فقال عمران: # وذكر غير واحد من أهل التواريخ انه لما أوتي الحجاج بعمران بن حطان أسيرا ~~قال يا حربي أضرب عنق ابن الزانية، فقال له عمران: ( بئس ما أدبك به أهلك ~~يا حجاج: ms099 أبعد الموت منزلة أصانعك عليها؟ ما كان يؤمنك أن ألقاك بمثلها)؟ ! ~~فاستحى الحجاج فأطلقه وذكر أن أصحابه اجتمعوا إليه فقالوا: إنما أطلقك الله ~~لما رأى في رجوعك إلينا هلم إلى محاربة الحجاج فقال: هيهات غل يدا مطلقها، ~~واسترق رقبة معتقها، والله لا أحاربه أبدا، فجعل ينتقل في الأحياء مختفيا ~~كما تقدم. # جعفر بن السماك # ومنهم جعفر بن السماك -رحمه الله- . شيخ الصيانة والنزاهة، وركن الديانة ~~والفقاهة(1)، المحافظ على طريق الصديقين والمطرح في حرمة الخالق حرمة ~~المخلوقين الآتي بيت الصلاح من بابه، إلا فيما ليس باللائق باضرابه له ~~الكعب العالي في أهل زمانه، والتقدم في فضله ومكانه . # وفوده مع جماعة على عمر بن عبد العزيز : PageV02P026 # قال أبو سفيان وفد جعفر بن السماك العبدي وكان شيخ أبي عبيده وكان ما حفظ ~~عنه أبو عبيدة أكثر مما حفظ عن جابر قال فخرج جعفر بن السماك، والخباب بن ~~كليب، وسالم الهلالي في جماعة من اخوانهم إلى عمر بن عبد العزيز حين ولي ~~الخلافة، قال فدخلوا عليه فكلموه، فقال لهم: هل تنكرون من أمر الأحكام ~~شيئا؟ قالوا: لا، قال: فكلما كلموه يفزع إلى الأحكام قال فبايعوه وذكروا ~~أمر الولاة قبله فأخذ يعتذر عنهم، يريد أن ينصرفوا عنه قال فقال الخباب: ~~فضربت على ركبته، وقلت: أو إنك لها هنا تذر الظلمة؟ وتفعل؟ فقال عمر: يا ~~عبد الله أمسك عليك يدك فأني لو أمرت، قال: وكان جعفر ألطفهم به قال: فقال: ~~ما فيكم أرفق من الأشج وكان جعفر مشجوجا في جبهته. قال: فأجابهم عبد الملك ~~بن عمر وقبل ما دعوه إليه، قيل وسئل جعفر وأصحابه حين رجعوا من عند عمر عن ~~عمر فقال: هو مثل الحسن يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وذكر أبو سفيان عن الحسن أنه ~~كان يقول انهم وان قرنت بهم برأ دينهم فان ذل المعاصي في رقابهم أبى الله ~~إلا أن يذل من عصاه(2) # ---------------------- # (1) مصدر فقه يفقه فقها وفقاهة كان الفقه سجية فيه. # (2) يعني الحسن بهذا بني أمية. # صحار العبدي # ومنهم صحار العبدى -رحمه الله- . ذو المآثر ms100 الأثيرة، ومن كان يدعو إلى ~~الله على بصيرة، حمل فقها جزيلا، وكان باعه في العقائد طويلا، وكان أحد ~~الزهاد، وأحد الزاهدين عن معتقد فاسدي الاعتقاد، قال أبو سفيان كان أبو ~~عبيده يضعف أمر القدر، ويقول: والله ما فيه نكاح ذات بعل، ولا انتحار هجرة ~~ولا حكم بغير ما انزل الله، إنما هو رأي أحدثه الناس فيما بينهم فمن أقر ~~بأن الله علم الأشياء قبل أن تكون فقد أقر بالقدر قال أبو سفيان: وذلك أن ~~صحار يقول: كلمهم في العلم فان أقروا به نقضوا أقوالهم وان أنكروه كفروا. # قريب بن مالك وزحاف PageV02P027 ومنهم قريب ( و) زحاف ابنا مالك رحمهما ~~الله كانا بالفضل بمكان، وبمن يعد الإمكان متبتلين للعبادة وكانت عنهما ~~هفوة كفرتها الشهادة، حدث أبو سفيان قال لما ألح ابن زياد في أخذ الشراة ~~أخذ جماعه منهم فمنهم العرب والموالى، قال فأمر الموالى بضرب أعناق العرب ~~فأبوا وقالوا: لا نقتل أهل ولايتنا وأهل نعمتنا قال: وأمر العرب بضرب أعناق ~~الموالي فضربوا أعناقهم، فلما فعلوا ذلك خلي سبيلهم، قال: فلما خرجوا من ~~عنده قالوا: ما صنعنا! قتلنا إخواننا وأولياءنا قال: فأتوا إلى أوليائهم ~~وقالوا: استقيدوا منا قالوا: تالله لانفعل عمدتم إلى أوليائكم فقتلتموهم ~~وقد دعوا إلى مثل ما دعيتم إليه فأبوا ستلقونهم غدا عند الله. قال وكان ~~فيهم قريب وزحاف وآخر يسمى كعبا وغيرهم، فندموا أشد الندامة قال وكان أحدهم ~~إذا تيمم مجلسا من مجالس المسلمين يستأذن فلا يؤذن له ويخاطب بأقبح الخطاب، ~~فيقف يبكى ما شاء الله ثم ينصرف، قال: فأما كعب فانه لم يذكر ذلك الموقف قط ~~إلا صعق، قال: فخرج ذات مرة من البصرة إلى مكة مع أبي عبيده قال: وكان ذات ~~ليلة في مضجعه إذ انتبه فتذكر فصعق ووقع عن الجمل فأتاه أبو عبيده فنزل ~~إليه وجعل يرفع رأسه ويقول: إني لأرجو أن لا يعذب الله كعبا، فكان هذا ما ~~سمع فيه من أبي عبيده، وأما قريب وزحاف فانهما لما أعياهم الأمر خرجا في ~~سبيل الله فقاتلا حتى ms101 قتلا وكان فيما يزعمون يقول أحدهما كلما ضرب عضو منه ~~اللهم عضو بعضو حتى قتلا، وحدث عن حاجب بن مسلم، عن جابر والأسود ابن قيس ~~بن أبي وقاص " أو أبي فقعس" انهما كانا يلقيان ابن عباس في الموسم فجاء ~~جابر وحده، فقال له ابن عباس: أين صاحبك؟ قال أخذه عبيد الله بن زياد قال ~~ابن عباس: وانه لمنهم؟ فقال له جابر: نعم. أو ما أنت منهم؟ قال اللهم لا، ~~وذكروا أن " أشجع بن قرة" كان واليا عليهم بعد عبدالله بن حوش حتى قتلوا ~~جميعا وقد كانوا هزموا عدوهم مرتين. # الناس يومئذ ثلاثة أصناف PageV02P028 حدثت أم نافع بن خليفة: أن الناس ~~يومئذ على ثلاثة أصناف صنف جبابرة وأتباعهم وصنف فساق يشربون النبيذ ~~ويضيعون الصلاة ويعملون بالفواحش وليس هنالك يومئذ صفرية ولا أزارقة ولا ~~شكاك، وإنما الذي يسمون: القراء يدينون بقتال الجبابرة وبالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وقمع الفساق عما يصنعون، فلما رأى ذلك زياد جعل يتخذ ~~الأدلاء عليهم، ويأخذهم فيقتلهم فلما رأوا ذلك منه خشوا أن يقتلهم على ~~فرشهم، فحدثني من لا أتهم أن أول من خرج عليهم قريب وزحاف ابنا مالك وكان ~~خال حصين بن عدي بن حاتم، فحدث حصين بن همام الكندي عن يسرة أبي يسار، ~~وكانت فاضلة قالت: لقد قالا شاعرا بني ذهل يومئذ تعني قريبا وزحاف: # الأحنف بن قيس # ومنهم الأحنف بن قيس تضرب به الأمثال في الحلم، وأكثر صفات الكمال فسل عن ~~أنبائه من لقيت من الركاب، أو فاطلع على ما أمكنك في هذا الفن من ديوان ~~تجده المشار إليه في كرم الشمائل، والمعتمد عليه في كثير من الفضائل. # إياس بن معاوية # ومنهم إياس بن معاوية وتضرب به الأمثال في الذكاء وتحري الصواب في القضاء ~~أو ما سمعت قول أبى تمام: PageV02P029 # ومن طريف ما يؤثر عنه ما حكى أبو الحسن على بن عبد الحسن التنوخي أنه لما ~~استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إلى والي البصرة أن يحضر إياس بن معاوية ~~المدوني، والقاسم بن ربيعة الحوني، ms102 ولينظر أيهما أنفذ في الحكم يقلده إياه ~~فلما وقف على الكتاب أحضرهما فقرأه عليهما قال إياس اسأل عني وعنه فقيهي ~~المصر الحسن وابن سرين، واسمع مني ومنه، وقال: قل. فقال بالله الذي لا اله ~~إلا هو- وحلف يمينا مستوفية جامعة لمعاني الحلف - إن إياس بن معاوية أصلح ~~للحكم مني وأنفذ فيه فان كنت عندك صادق فقلده، وان كنت كاذبا فما يحل لك أن ~~تقلد الحكم بين المسلمين من يبارز الله بمثل هذا اليمين كاذبا، فقال إياس: ~~لا تسمع منه أيها الأمير فانك حيث جئت به إلى شفير جهنم فافتدى نفسه بيمين ~~حلف بها كاذبا إن يقع فيها يكفر عنها ويستغفر الله وينجو، فقال الأمير: أو ~~ليس قد فطن بها؟ أنت لها يا ابن إياس، وقلده الحكم بين الناس ولكل من ~~سميناه في طبقتهم مآثر، قد عمر بها صدور الرجال وسطور الدفاتر، ولكلهم في ~~أعلى الدرجات منابر وان غيبت أشخاصهم المقابر. # الطبقة الثالثة 100-150ه : 1- أبو عبيدة مسلم # منهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة -رحمه الله- كبير تلامذة جابر وممن ~~حسنت أخباره والمخابر، تعلم العلوم وعلمها، ورتب الأحاديث وأحكمها، وحافظ ~~في خفية على الدين حتى ظهر على يد الخمسة الميامين، حسب ما تقدم من ذكر ~~دراستهم وحملهم العلوم وما شفى الله به وبهم من الكلوم، وكان عالما مع ~~الزهد في الدنيا والتواضع مع نيل الدرجات العليا، والاعتراف بضيق الباع على ~~ما عليه من الاتساع. # فمن ذلك ما حدث أبو سفيان قال: كان أبو عبيدة يضعف أمر الشفعة يقول لا ~~تحبس على اليتيم حتى يكبر ولا على غائب، قال: فابتلى بها رجل من أصحابه ~~فجاءه يسأله فقال اذهب إلى أشياخ البصرة فاسأل هل فيها لجابر أثر فجاء إلى ~~منزل المحصر(1)، فأخبر أن جابر كان يراها ويوجبها فأمرهم أن يأخذوا بمقول جابر. PageV02P030 # أبو عبيده لا يشك فيه # قال أبو سفيان شهد رجلان على شهادة أبي عبيدة عند قاضي البصرة قال: فقال ~~المشهود عليه: أصلحك الله إن الذين شهدا إنما شهدا عندك على شهادة فلان، ~~قال: ms103 ويحك إني به عارف ولو جاز في أن أحكم برجل واحد لحكمت بشهادته. # أبو عبيده يتسم بالتشدد # قال وكان رجل من المسلمين يقال له حيان بن سالم من أهل عمان من طي، وكان ~~فاضلا وكان يقول لأبي عبيدة إذا جاوزت نهر البصرة فأنا أفقه منك، ولو كنت ~~أنت نبيا ما أجابك أحد لما ترى من تشديد على الناس فضحك أبو عبيدة من قوله ~~وقال يالها موتة كموتة حيان(2) وحكى المليح قال: دخلت أنا وعبد الملك ~~الطويل على أبي عبيدة وقلنا: يا أبا عبيدة ما تقول في رجل دخل على امرأة ~~فادخل يده من تحت ثيابها فنهضت المرأة فأنكرت ذلك إنكار الحرة أله أن ~~يتزوجها؟ قال: لا قال: فبينما نحن عنده إذ دخل أبو نوح صالح الدهان فقلنا ~~من يسأله قال الفضل بن جندب أنا أسأله قال فسأله الفضل، فقال: نعم له أن ~~يتزوجها ويعطيها ماله إن شاء،فقال له أبو عبيدة إنها الفروج يا أبا نوح ~~قال: صدقت، ثم قال أبو نوح: يا معشر الفتيان، ألم أنهكم أو قال إني أنهاكم ~~أن تسألوني إذا كان أبو عبيدة حاضرا. # حد الغبن في البيع كما يراه أبو عبيده PageV02P031 وقال خرج أبو عبيدة ~~ذات مرة إلى مكة ومعه سابق العطار، وكان سابق من خيار من أدركت قال فبينما ~~هم نازلون في بعض المنازل إذ وقفت عليهم إعرابية معها لبن وسمن وجدي. ~~فاشترى منها سابق اللبن والسمن والجدي بقارورة خلوف وقلادة قال ثم جاء ~~باللبن إلى أبي عبيدة قال، فقال: أخر عنا لبنك يا سابق قال لم يا أبا ~~عبيدة؟ قال ويحك يا سابق كم ثمن القلادة؟ قال دانق أو نحوه قال فكم ثمن ~~القارورة؟ قال دانق أو نحوه قال ويحك يا سابق إنما الغبن أن تكون العشرة ~~باثنين أو العشرة بالخمسة أو الدرهم بالدرهم، وأما مثل هذا فلا. فأرسل سابق ~~إلى الأعرابية فجاءت، فقال لها أبو عبيدة: كم ثمن اللبن عندكم؟ فقالت: لا ~~ثمن له عندنا، قال: وبكم ثمن السمن؟ قالت: درهمان، قال بكم ms104 ثمن الجدي؟ ~~قالت: درهمان قال: فأخرج سابق أربعة دراهم فدفعها إليها، فقال أبو عبيدة: ~~هلم لبنك إلينا يا سابق. # وقال كان أصحابنا من أكثر الناس حجا وكان لغير وأحد نجائب يحمل عليها إلى ~~مكة، قال وكان جد سلامة يدعى بأبي سالم، وكان من خيار المسلمين وفضلائهم ~~وكان فيمن حبسه الحجاج مع أبي عبيدة وضمام في السجن وقال: كان أبو سالم ~~يذكر ذلك، قال: قرمنا إلى اللحم، قال وكان رجل يدخل علينا فسألناه أن يشتري ~~لنا دجاجة ويشويها لنا، ويأتينا بأربعة أرغفة قال: وكان أبو سالم موسرا ~~كثير المال قال: فقال للرجل: صانع فيها حتى توصله إلينا، قال فصانع صاحب ~~الحبس، فأرسلها إليه قال: فلما جاءنا بها قسمناها على أربعة أجزاء، قال ~~فإذا نحن بجلبة نحو البيت الذي نحن فيه قال: فخفنا أن يكون فطن بنا، فرمينا ~~بالدجاجة والأرغفة في الكنيف، قال: ولم يكن فطن بنا، قال وكان طرحنا إياها ~~في الكنيف بعدما عايناها أشد من قرمنا اللحم ولما آمنوا استدركوا خطاياهم. PageV02P032 # قال وجاء رجل من المسلمين إلى أبي عبيدة فقال: يا أبا عبيدة إنهم يتعرضون ~~لنا في المجالس قال أبو عبيدة: هل سموا أحدا؟ قال: لا، قال فمن يعلم ما ~~تقول؟ فأشار إلى شيخ يقال له أبو محفوظ وكان من خيار من أدركته، قال: فما ~~تقول يا أبا محفوظ؟ قال: صدق، فهل سموا أحدا؟ قال: لا، قال أبو عبيدة وإن ~~القرآن يتعرض للناس فمن عرف من نفسه شيئا فأبعد الله من أبعده. # حجة أبي عبيدة في القدر ورأيه فيه # اجتمع ابن الشيخ البصري وأبو عبيدة بمنى، فقال ابن الشيخ له: يا أبا ~~عبيدة هل جبر الله أحدا على طاعته أو معصيته؟ قال: ما اعلم أن الله خير ~~العباد على طاعته أو معصيته؟ ولو كنت قائلا أن الله جبر أحدا لقلت جبر أهل ~~التقوى عل التقوى لعظم تخويفه لهم وشدة ترغيبهم به إياه، قال: يا أبا ~~عبيدة، فالعلم(3) هو الذي قاد العباد إلى ما عملوا؟ قال: لا، ولكن سولت لهم ~~أنفسهم ms105 وزين لهم الشيطان أعمالهم وكان منهم ما علم الله، وقال كان حمزة ~~الكوفي يقول بشيء من القدر فهجره أبو عبيدة وأمر بهجرانه فقال يوما: عجبا ~~بأبي عبيدة يأمر بهجراني وهؤلاء الفتيان يقول: أراد وشاء، وأحب ورضي وهو ~~يدنيهم ولا يقول بمثل قولهم! قال فبلغ قوله أبا عبيدة فقال قبح الله رأيه ~~إن هؤلاء أرادوا إثبات القدر فقالوا فيه وحمزة يريد إزالته وليس مثبته ~~كمزيله. # وقال: قيل لأبي عبيدة لا يستطيع الكافر الإيمان فقال: لا أقول أن من ~~يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من حل إلى حرم لا يستطيع أن يصلى ركعتين ولا أقول ~~انه يستطيع ذلك إلا أن يوفقه الله تعالى. # اختلاف أبي عبيدة مع بعض أصحابه في الرأي أحيانا PageV02P033 وقال: دخل ~~سهل بن صالح وعبد الله بن زريق الهداوي وجماعة من الفتيان على أبي عبيدة ~~فقالوا يا أبا عبيدة ما تقول في غربة من الأرض ( وفيها رجل) على دين عيسى ~~عليه السلام ولم تأته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: مسلم ما لم تأته ~~الحجة فيدفعها قال: فقالوا له: فما ترى إن هو دعا رجلا من المجوس إلى دينه ~~فأجاب؟ قال: هو مسلم، فقالوا له: انظر في هذا، قال: فما تقولون أنتم؟ قالوا ~~نقول: الرجل مسلم والمستجيب كافر، قال: فقال لهم: الشيخ ألستم تزعمون أن ~~الرجل مسلم على دين الله وطاعته؟ قالوا: بلى، قال فكيف يكون ويحكم الداعي ~~إلى دين الله وطاعته مسلم ويكون المستجيب لدين الله وطاعته كافر!! قال ~~فرادوه الكلام، قال: فغضب عليهم وبرئ منهم فقال: أخرجوا عني فخرجوا عنه ~~منكسرين، فأتوا حاجبا فقالوا له: أغثنا فانه عجل علينا بالبراءة إنما أردنا ~~أن نستفهمه، قال: فركب إليه حاجب فأعلمه انهم تائبون، قال: فقال له: أخرجهم ~~فليأتوا الربيع وعبد السلام بن عبد القدوس فليعلموهما بتوبتهم قال: ففعلوا، ~~قال الربيع: فأتوني وأنا لا أعرف قصتهم فتابوا فأتينا أبا عبيدة فأعلمناه، ~~قال: فقبل منهم وأمر بهم فدخلوا المجالس. # فتيا أبي عبيدة في ضمان المكترى PageV02P034 وقال وائل كنا بمنى في ms106 خباء ~~أبي عبيدة، وحاجب حاضر، ومحمد بن سلامة المدني ومحمد بن خليفة المدني، وكان ~~محمد بن حبيب من العباد الأخيار، قال: ولم ير أبا عبيدة قام يسلم عل أحد ~~إلا على محمد بن سلامة، ومحمد بن حبيب فانه إذا رآهما قام إليهما ~~واعتنقهما، قال وائل: وفي الخباء مشائخ من أهل حضرموت فقهاء علماء، قال: ~~فسألتهم عن رجل اكترى دابة إلى موضع معلوم، فجاوز الموضع، فعطبت الدابة، ~~قال: فأجمعوا كلهم أنه ضامن للدابة، قال: فقلت له: فما ترون في الكراء؟ ~~قالوا لا نرى عليه كراء، إنما ضمناه الدابة، قال وكان أبو عبيدة غائبا أو ~~نائما فاستيقظ فقال حاجب يا حضرمي اسأل الشيخ عن مسألتك، قال فسألته، قال: ~~يضمن ثمن الدابة والكراء، قال فقال له محمد بن سلامة من أين يا أبا عبيدة ؟ ~~قال: من حيث لا تعلم. # وقال أبو سفيان جاء رجل من الازد يقال له النظر أبو محمد إلى أبي عبيدة ~~يسأله عن مسألة، فوجده في شكاة فأجابه بجواب ثم يقال اذهب إلى الربيع فائت ~~به قال: فجاء الربيع ودخل الربيع ودخل على أبي عبيدة وهو مستلق وعلى صدرة ~~صحفة فيها فتات خبز يأكل منه، قال: فقال: أسأل الربيع عن مسألتك، قال ~~فسألته فأجاب بغير جواب أبي عبيدة، قال: فقال: له أبو عبيدة أليس المقوم ~~فيها كذا وكذا يعني الجواب الذي أجاب به الرجل أو لا، فقال له الربيع: أم ~~الذي حفظت عنك فغير هذا، قال: أوقد حفظت عني ؟ قال نعم، قال فقال للرجل فخذ ~~به فانه قد حفظ عنى قال أبو سفيان كأن الشيخ أحس من نفسه لأجل تشاكيه أنه ~~وهم فيها. # أمره بهجران حمزة الكوفي لرأيه في القدر PageV02P035 وقال أبو سفيان جاء ~~حمزة الكوفي إلى أبي عبيدة في منزله، فقال من جاء بك إلي؟ فقال: وإلى من ~~أذهب يا أبا عبيدة! أني أريد أن أذكرك بعض هذا الأمر، قال فعليك بمنزل حاجب ~~قال: وما أصنع به ولست حاضرا؟ قال فإني آتيك هناك، قال فخرجا حتى أتيا منزل ~~حاجب ms107 قال فدخلا البيت فتكلما كلاما كثيرا، فكان آخر ما سمع من أبي عبيدة أن ~~قال: يا حمزة على هذا القول فارقت غيلان، قال: فخرج أبو عبيدة ثم كلمه حاجب ~~قال: فكان هيبته من حاجب أعظم من هيبته من أبي عبيدة، قال: فقال حمزة: إنما ~~أخذت هذا الكلام من عند المسلمين قال: فقال له حاجب: لم تدرك أحدا إلا وقد ~~أدركته ولقيته إلا جابرا، فمن من أخذت هذا القول؟ قال: منك أخذته قال: ~~فقال: فإني أرجع عنه، فارجع عنه كما رجعت قال: فقال: أرفق بي يا أبا مودود ~~واقبل مني ما أقول لك. قال: هات قال أقول: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك) (النساء: من الآية79) فالحسنات من الله والسيئات ~~من العباد وأقول (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) (البقرة:286) # قال: فقال له حاجب: أما من غيرك فمقبول منه هذه الجملة وأما منك فأنا اعر ~~ف مذهبك فيه أولا، قال: فخرج حمزة من عنده قال فسئل عنه حاجب، فقال: ارفقوا ~~بحمزة، ولا تقولوا فيه إلا خيرا، قال: فمكث بذلك ما شاء الله ثم بلغهم انه ~~مشى إلى النساء فكلمهن في ذلك وإلى الضعفاء، قال: فلما بلغ ذلك أبو عبيدة ~~وحاجبا أمر أبو عبيدة حاجبا أن يجمع له الناس فمشى إليهم وأعلمهم ووعدهم ~~فاجتمعوا ولا يعلمون ما يريد أبو عبيدة وحاجب، قال: فتكلم المتكلمون وحاجب ~~ساكت لا يتكلم، قال: فلما فرغوا تكلم حاجب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن ~~حمزة وعطية والحارث أحدثوا علينا أحداثا فمن آواهم أو جالسهم فهو عندنا ~~الخائن المتهم، قال: فتفرق الناس وطردوهم من المجالس ولم يقربهم أحد. # بعض ما يؤثر عن أبي عبيدة PageV02P036 قال أبو سفيان قال المعتمر بن ~~عمارة قلت لأبي عبيدة انك أحب إلي من أبي، قال: فذلك ينبغي لك يا معتمر أن ~~تكون لأنك بذلك بذلت لي ما تبذل له، يعني الولاية، وقال خبرني بعض بني يسر، ~~قال: قدم إلينا أبو عبيده مرة حاجا ومعه امرأة من ms108 المهلبيات، قال: وهي جدة ~~( سعيدة) أو عمتها قال فلما فرغوا من حجهم قالت: يا أبا عبيدة إني أريد ~~المقام بمكة، قال: لا تقيمي، الخروج أفضل لك قال ابن مسروق، فقلت: وأنا ~~أخرج معكم يا أبا عبيدة قال فقال: أما أنت فأقم، قال: فقلت: تأمر هذه ~~بالخروج معك وتأمرني بالقيام؟ قال: لأنك أنت قريب من مكة ونحن بعيد منها ~~قال ومسكنهم إذ ذاك بزرة (4) قال أبو سفيان يعني بقوله أنتم قريب منها يعني ~~الطواف وبعيد من شر أهلها كأنه يكثر المقام بها للتجارة. # أبو عبيدة يوصي الربيع لينوب عنه في الموسم PageV02P037 وقال لما بعث أبو ~~عبيدة الربيع للناس أيام مرضه، قال له الربيع: يا أبا عبيدة قد كنت تحضر ~~أنت وحاجب وحافظ الوائلى فما تكاد ولا تقومون لما يرد عليكم فكيف بي؟ فقال ~~له أبو عبيدة: يا ربيع إنه ليس بيني وبين الناس سوط ولا سيف، من جاءك موافق ~~لك يقول بقولك فبها ونعمت ومن أتاك مخالفا عليك فأبعد الله من أبعده وقل ~~بما تعرف ودع الناس لما هم فيه وقال جاء المختار ابن عوف إلى منزلنا فخرج ~~إليه أخ لي صغير كان أكثر من "مجبر" فأخذه وقبله، فقال له الصبي: يا عم ~~زوجني ابنتك، قال: قد فعلت يا بني وابنته يومئذ صغيرة، فلما خرج أبو حمزة ~~وقع في قلبه مما قال الفتى شيء فمضى حتى دخل على أبي عبيدة فقص عليه القصة ~~فقال: يا أبا حمزة هما على نكاحهما حتى يبلغا فيعلمان الخبر، فان رضيا كان ~~نكاحهما جائزا، وإن كرها فلا شيء، قال أبو حمزة: يا أبا عبيدة فكيف القول ~~في الصداق، قال: ما قال الغلام، قال وكان أبو حمزة قد قال للغلام يا بني ~~فما تعطيها؟ قال: من سرير جدي إلى الباب دراهم، قال أبو عبيدة: فهو كما ~~قال، إن قال درهم إلى درهم إلى الباب وإن قال مرة واحدة أو هكذا لك، فالقول ~~ما قال قلت: وهذا كله فيه نظر غير أن أبا عبيدة لا يترك القوم سدى. ms109 # أبو عبيدة يفحم واصل بن عطاء PageV02P038 وحكى بعض أصحابنا أن واصل بن ~~عطاء المعتزلي صاحب عمرو بن عبيد كان يتمنى لقاء أبي عبيدة، ويقول: لو ~~قطعته قطعت الإباضية، قال: فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه، إذ ~~أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه، فقيل لواصل هذا أبو عبيدة في الطواف قال: فقام ~~إليه واصل فلقيه، وقال: أنت أبو عبيدة؟ قال: نعم، قال: أنت الذي بلغني أنك ~~تقول إن الله يعذب على القدر؟ فقال أبو عبيدة: ما هكذا قلت، لكن قلت أن ~~الله يعذب على المقدور، فقال أبو عبيدة: وأنت واصل بن عطاء؟ قال: نعم، قال: ~~أنت الذي بلغني عنك أنك تقول أن الله يعصى بالاستكراه، قال: فنكس واصل رأسه ~~فلم يجب بشيء. ومضى أبو عبيدة وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه يقولون ~~كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة، فسألته فخرج وسألك فلم تجب! فقال واصل: ويحكم ~~بنيت بناء منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم، فلم أقعد ولم أبرح مكاني. # -------------------------- # (1) كذا في النسخ. # (2) لعله يعني أنه أحيانا كانت تنقصه حرارة القلب والإندفاع إلى التمسك ~~الشديد بالشرع فشبه ذلك بالموت فقال قولته. # (3) يعني علم الله بالقدر وما سبق في الأزل # (4) اسم قرية وفي نسخ برزه # ضمام بن السائب PageV02P039 ومنهم ضمام بن السائب- -رحمه الله- - كهف ~~اليتامى والأرامل، المفزوع إليه في النوازل، فطال ما أوصى عليه أبو عبيدة ~~قي الفتاوى والمعضلات، فانكشفت بأجوبته ظلم المشكلات، وكان ذا رفق وتلطف ~~واجتهاد وتقشف حكى أبو سفيان قال: اشتكى ضمام بن السائب شكاة، فدخل عليه ~~الربيع يعوده، فوجد رجلا من المسلمين يسمى " عمران" وهو يقول يا أبا ~~عبدالله إن في نفسي لشيئا وإني لأضيق عنه، أن يكون الله أمر العباد بأمر ثم ~~يحول بينهم وبينه! قال: فقال له الربيع: يا عمران أخبرني هل توفيق الله ~~وتسديده وإحسانه ومنه وفضله على أبي بكر وعمر كتوفيق الله وتسديده وإحسانه ~~ومنه وفضله على أبي جهل؟ قال: لا والله، قال: فقال ضمام: اشدد يدك يا ربيع ~~يعني قم بالحجة عليه، قال: ثم قال ضمام: ms110 ما هو إلا ما ترى. # تفنن الحجاج في تعذيب المساجين # وقال بلغنا عن ضمام حين سجنه الحجاج هو وأبو عبيدة قال أدخلنا في سجن قال ~~فلم يكن يوصل إلينا، ولا يدخل علينا حديدة ولا جلم، قال: وإنما كنا نقص ~~شواربنا بأسناننا، وإن كان الرجل منا لينفض لحيته فيتساقط منها القمل، قال: ~~وإنما كان يطعمنا خبز الشعير والملح الجرش، قال: ويعمد إلى مراكن عظام ~~فيسكب فيها الماء ثم يؤتى بملح فيلقى في تلك المراكن ثم يضرب حتى تخرج ~~رغوته ثم يقال: يا أهل السجن خذوا ماءكم، قال: فمن أخذ من أوله كان أمثل ~~قليل،ا وأما من أخذ من أسفله فهو العذاب، قال: فكان ضمام ربما ضاق فيقول له ~~أبو عبيدة ويلك ما هناك على من تضيق وعلى من تدل؟ قال فلم يخرجوا من سجنه ~~حتى مات الفاسق. PageV02P040 # قال: وعمد إلى ثلاثة رجال من رؤساء الخوارج فبنى عليهم بيتا من قصب وطلى ~~داخلة وخارجه بالعذرة ثم أدخلهم فيه، فقاموا ثلاثة أيام فماتوا، ثم وقع ~~الموت في أهل السجن فبلغ ذلك الحجاج فأرسل إلى طبيب له مجوسي فقال له: ويحك ~~إن أهل السجن وقع فيهم الموت وإني لأحب تعذيبهم. قال اجعل طعامهم الزيت ~~والكراث، قال أبو سفيان قال ضمام: لما جاءنا بالزيت والكراث قوينا عليه ~~وسمنا، قال: فيقال للمجوسي ويحك ماذا أردت بهذا لو تركتهم فماتوا لكان أروح ~~لهم، قال: وأي راحة لهم في الموت؟ ولعل هذا أن يموت فيخرجوا، ومن مات فلا ~~مطمع فيه. # وكان رجل من أهل خراسان من المسلمين وكان بمنزلة عظيمة بأبي عبيدة وضمام ~~والمشائخ، وله قدر في أهل بلده، أتاه يوما ضمام فذكر رجلا من المسلمين ~~فتنقصه، فقال ضمام: مه، لا تفعل فعاد فنهره، قال: فقال: تبرأ الله منه قال ~~بل يتبرأ منك، قال: فقال: أتبرأ مني يا ضمام؟ قال أنت أحللت لي ما ترى، ~~وألجأتني إليه، أترى أنك تتبرأ من رجل نتولاه فأتولاك؟ بئس ما ظننت، قال: ~~فإني أستغفر الله وأتوب إليه، قال: غفر الله لك. # حاجب ms111 الطائي # ومنهم أبو مودود حاجب الطائي -رحمه الله- كان بالاجتهاد موصوفا وبالزهد ~~والورع معروفا، وفي ماله حق للسائل والمحروم، على أنه ليس بالأعلى في تحصيل ~~العلوم بيد أنه في الأفاضل معدود، ورسمه في أكثر آثارهم موجود. PageV02P041 # حكى أبو سفيان قال: قال المليح: بلغنا ذات ليلة أن في منزل حاجب مجلسا ~~للذكر قال أبو سفيان: وكان المشائخ لا يحضرون معهم بالليل الفتيان، قال ~~المليح: فقلت لرجل من أهل عمان: انطلق بنا إلى منزل حاجب فلعلهم يأذنون لنا ~~قال فسرنا حتى جئنا المنزل، فأذن لنا، فوجدنا عنده المختار بن عوف ورجلين ~~أو ثلاثة من المشائخ، قال: فقال لي حاجب: يا مليح اذهب أنت وهذا العماني ~~إلى بلج بن عقبة فأخبراه بمكاننا وقولا له يأتينا، قال: فسرنا إليه ~~فأعلمناه، فجاء، قال المليح: فصلينا العتمة ثم أخذنا في المذاكرة، قال ربما ~~قام أحدهم قائما فيتكلم ما شاء الله ثم يجلس، فيقوم الآخر كذلك حتى أضاء ~~الصبح، قال المليح: فما رأيت أحدا بعد تلك الليلة، ولا رأيت قبلها متكلما ~~قائما في مجلس، قال: وكان شعيب بن عمر من أفاضل الفتيان يومئذ، وكانت أخته ~~تحت حاجب قال فجاءه تلك الليلة فأخبر به حاجب، فقال: ردوه، قالوا له: يا ~~أبا مودود سبحان الله جاء من السماح في هذه الساعة وترده! فقال: ردوه، ~~فردوه، قال: وكان بين منزله ومنزل حاجب نحو ثلاثة أميال، قال: وبلغ حاجبا ~~أن في منزل عبد الملك الطويل مجلسا بالليل تكثر فيه الجماعة ويكون لهم كلام ~~يسمعه الجيران، قال فبعث إليهم وقال: يا عبد الملك ارفع عن نفسك ما هذا ~~الذي بلغنا أنكم تفعلونه؟ قال: إنا لنفعل، فإن أمرتنا بتركه تركناه، قال: ~~فانكب طويلا، ثم قال: والله لأن تكونوا تخافون فتعمرون خيرا من أن لا ~~تخافوا وتخربون، اعمروا مجالسكم فان الله يحفظكم، قال: فما بلغنا أنه ظفر ~~بهم في مجلس قط، إلا أنهم كانوا ذات مرة في عهد زياد أو ابنه أتاهم الخبر ~~بان الخيل تريدهم، قال: فخرجوا مسرعين، وتركوا نعالهم على باب البيت الذي ms112 ~~كانوا فيه قال فجاء الشرط فنظروا إلى النعال، فقالوا للعجوز صاحبة البيت: ~~ما هذه النعال؟ قالت مكاتب لنا يسأل الناس فيعطى النعال وغيرها، قالوا: ~~تالله ما ذلك كما ذكرته وإن بهذا الموضع ريبة، قال: فقال: PageV02P042 # بعضهم ويحكم قد ذكرت العجوز ما ذكرت فلا تعرضوها للبلاء، فلعلها أن تكون ~~صادقة، قال: فعافاها الله منهم، قال: ولقد بلغني أنهم كانوا يأتون المجالس ~~أيام زياد وابنه في هيئة النساء في النقاب، وغير ذلك يتشبهون بالنساء، قال: ~~وان كان أحدهم ليحمل على ظهره جرة بماء، أو يحمل جملة متاع كأنه بياع حتى ~~يدخل المجالس لا يدعونها لشيء. # إخوانه يتحملون عنه دينه بعد موته # قال أبو سفيان مات حاجب وعليه دين مائتان وخمسون ألفا أو أكثر، قال: فدخل ~~قرة بن عمر وجماعة من المسلمين ليغسلوه، قال: فقال لهم قرة: يا قوم ما ~~تقولون في دين هذا الرجل ؟ قال: فابتدر ثلاثة رجال وقرة رابعهم وضمنوا ~~دينه، قال: ودخل الفضل بن جندب وكان من خيار المسلمين وكان موسرا فاخبره، ~~قال: فقال لهم الفضل: دينه علي دونكم حتى أعجز عنه ولا يبقى لي مال، فقالوا ~~له: شأنك، فمات الفضل قبل أن يؤدي عن حاجب، وأوصى إلى أبي عبيده عبدالله ~~ابن القاسم، وإلى امرأته أم الصلت وإلى حبيب بن سابور والى أبي سنان ~~البناني، وكان الفضل لا يولد له ولد، ولم يدع وارثا وكان مولى للأزد فلم ~~يقبل حبيب بن سابور ولا أبو سنان الوصية، قال: ومات أبو عبيدة ورد الوصية ~~إلى أم الصلت، وقال: فباعت داره بالبصرة وداره بعمان حتى أوفت ما كان ضمن ~~الفضل من دين حاجب -رحمه الله- . # إنما الفقيه من يذكر للناس ما يسعهم لا الذي يضيق عليهم PageV02P043 وكان ~~للفضل بن جندب على رجل مال فوقع ماله عند قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن ~~بن أخي أبى الحر، قال: فأردنا أن يثبت عنده أن أم الصلت وصي زوجها الفضل ~~ابن جندب فلم يشهد شهودا إلا شهودا يشهدون انه أوصى إليها، وإلى أبي عبيدة، ~~وإلى حبيب بن ms113 سابور، وإلى أبي سنان البناني، قال وكان حبيب وأبي سنان لم ~~يقبلا الوصية، قال: فلما لم يقبلا الوصية خفنا أن يدخل القاضي من عنده ~~رجلين في الوصية مكان هذين اللذين لم يقبلاها فيفسد علينا الأمر، قال: ~~فجئنا إلى الربيع بن حبيب فسألناه هل يجوز للشهود أن يشهدوا أن الفضل أوصى ~~إلى امرأته أم الصلت ولا يذكرون أبا عبيدة ولا صاحبيه؟ قال: نعم إنها لوصي ~~زوجها، ولا عليهم إن لم يذكروا غيرها، إلا إن سئلوا فلا بد لهم حينئذ أن ~~يأتوا بالشهادة كما استشهدوا، وان لم يسألوا فلا بأس عليهم، وإن لم يسموا ~~غيرها، قال: أما عبد الله بن القاسم فضاق من ذلك وقال لا يجوز أن يشهدوا ~~إلا كما استشهدوا قال: وقال وائل: إنما الفقيه الذي يعلم للناس ما يتسع ~~الناس فيه مما سئل عنه، وأما من يضيق عليهم فكل من شاء أخذ بالاحتياط. # الخروج على الظلمة لا يجب إلا على من تطوع له PageV02P044 وحكى أبو سفيان ~~عن وائل قال: قد قدم حاجب مكة في العام الذي وقع فيه بين أهل حضرموت ما وقع ~~في أمر عبدالله بن سعيد، قال: وكانوا قد أنكروا عليه أشياء حتى شدوه في ~~الحديد، وبايعوا رجلا يقال له حسن، قال: وخالفتهم طائفة يكرهون ما فعل بعبد ~~الله بن سعيد، إلا أن ذلك موافقة من جماعتهم قال فبعث هؤلاء رجالا وبعث ~~هؤلاء رجالا، قال وائل: وكنت فيمن خرج يومئذ قال: فوافقنا حاجبا تلك السنة ~~قد قدم، قال: فدخلنا عليه وهو أرمد، قال: فقال: لقد خرجت من البصرة فما ~~أبصر سهلا ولا جبلا ولا أخرجني بعد ما أرجو من قضاء نسكي إلا أمركم يا أهل ~~حضرموت فإنكم قد غلبتمونا، قال وائل: فقلت رحمك الله يا أبا مودود لا تفعل ~~فإنا لا نخرج عن رأيك، قال: فقال لي: اسكت فوالله ما أريدك ولا أصحابك، ~~قال: ثم تكلم الفريقان، قال: فقال الذين أنكروا علي عبدالله بن سعيد ~~وبايعوا " حسنا" على الشراء: يا أبا مودود من أحق بالقيام المدافع أم ms114 ~~الشاري؟ قال بل الشاري أحق، قال: فقال أصحاب ابن سعيد: يا أبا مودود أما ~~إذا شروا فليخرجوا عنا فإنا لا طاقة لنا بالحرب، ولا بما يجرون علينا منها، ~~قال: فقال: صدقوا أخرجوا عنهم، قال: فقالوا: يؤجلوننا شهرا، قال: فقال لهم ~~حاجب: لا والله ولا ثلاثة أيام إلا برضاهم، قال أبو سفيان: وكان حاجب هو ~~القائم بأمور المسلمين في مثل هذه الأشياء من أمر الدين والفتاوى. # يتأخر عن رفقته ليشهد الجمعة PageV02P045 وقال: حبس حاجب ذات سنة فلم ~~يخرج حتى بقى للموسم ثمانية أيام، فأراد الخروج هو وجماعة معه، قال: وكانوا ~~على نجائب لهم ووافق خروجهم يوم الجمعة فأتاه أصحابه فقالوا له: أخرج بنا ~~يا أبا مودود، قال: في نفسي من الجمعة لشيء قالوا: سبحان الله! إنما بقي ~~للموسم ما تعلم، قال: أخرجوا أنتم وأنا ألحقكم، قال: فخرج القوم وتخلف حاجب ~~حتى صلى الجمعة ثم ركب فلحقهم على مسيرة ليلتين من البصرة، قال: وكان حاجب ~~يقول لعبد الملك الطويل فيما يؤدبه فيه: " يا عبد الملك إذا كان أحد يعيب ~~عليه المسلمون أشياء تكون بينه وبين الله فتشاوروا في أمره وعظوه، وأحضروه ~~مجالسكم، وارفقوا به جهدكم عسى الله أن يتوب عليه، وإذا كان أحد يعيب عليه ~~المسلمون في خلافهم في الدين، وارادته أن يشغب عليهم ويفتق بينهم فتقا، ~~فأبدوا عورته واهجروه ولا تحضروه مجالسكم واعلموا الناس به ليكونوا منه على ~~حذر أو يتوب" # أبو عبيدة عبدالله بن القاسم # ومنهم أبو عبيدة عبدالله بن القاسم -رحمه الله- أحد فضلاء من أقام ~~بالأمصار، وفقهاء تلك الأعصار، والمستعين على إقامة الدين من أولئك ~~الأنصار، لا مقصر إن بدا من أحد الاقصار، وكان ممن طبع على القصد ~~والاقتصار، قال أبو سفيان: أقام عبدلله بن القاسم بمكة زمانا وليست له ~~امرأة، قال: فقال له أصحابه: يا أبا عبيدة لو تزوجت؟ قال: ما أريد ذلك، ~~قال: فلم يزالوا به حتى فعل، قال: وكانت امرأة من المسلمين موسرة كثيرة ~~المال، فقالوا له: تزوجها فإنها تكفيك لا تكلفك مؤونة، قال: أما إذا ms115 أبيتم ~~إلا ذلك فابلغوا مهرها مهر جيلها(1) ولا تنقصوها شيئا، قال: ففعلوا قال: ~~فتزوجها فلما دخلت عليه طابت له نفسها على الصداق كله وتركته له، قال: وكان ~~يأتي منزل بن جندب ومعه قرصان من خبز وملح، قال: وكان الفضل يطيب الطعام ~~ويكثره، قال: فيقول: سبحان الله يا أبا عبيدة تفعل بي مثل هذا، قال: دعني ~~منك وإلا لم أدخل عليك منزلا، قال: فتركه ولم يلح عليه بعد. PageV02P046 # يترك نصيبه في الربح من المال المراب # قال أبو سفيان وكان أبو عبيدة عبدالله بن القاسم تاجرا خرج إلى الصين ثم ~~رجع فكان في بعض ما يتجر به اشترى قوم عودا، قال: فسألهم أن يشتركوه، ~~ففعلوا قال: فأقبلوا يعيبون العود عند صاحبه حتى استنقصوه عما كانوا قد ~~اشتروا به، فظن أبو عبيدة أنهم صادقون فيما قالوا، قال: فلما خرجوا من عنده ~~وكانوا نقدوا الثمن ونقد أبو عبيدة معهم عشرين دينارا، فأقبلوا يمدحون ~~العود، ويقولون ما رأينا مثله، قال: فقال لهم أبو عبيدة: سبحان الله ! ~~تعيبون عود الرجل بلا عيب فيه، ردوا علي رأس مالي ولا حاجة لي في مشاركتكم، ~~قال: فاغتنموا منه فردوا عليه ماله. # يدعو عليه بكثرة المال لأنه يراه شرا # وقال غضب عبدالله بن القاسم بن سابور في أمر وصية الفضل بن جندب وكان ~~سلفا للفضل، قال: فقال أبو عبيدة: لأدعون الله عليك، ثم قال: اللهم أدخل ~~بيته قناطر الذهب والفضة، قال: فقال: يا أبا عبيدة إنك إنما دعوت له! قال: ~~لا والله، ولكني دعوت عليه وأي شر أشد عليه من أن يدخل بيته قناطر الذهب ~~والفضة. # وقال سمعت وائل يقول: لما مات أبو جعفر أخذ الناس في البيعة وأخذ عليهم ~~أبواب المسجد الحرام، قال: وكان عبد الله بن القاسم والفضل بن جندب وعلي ~~الحضرمي ووائل في المسجد فلطف الله بهم فنجوا وخرجوا من المسجد، قال وائل: ~~فقلت يا أبا عبيدة لو أخذت ما تراك صانعا؟ قال تذهب والله نفسي دون أن ~~أعطيهم هذه البيعة. # ----------------------- # (1) يعني من هن في مكانتها # أبو ms116 نوح صالح الدهان # ومنهم أبو نوح صالح الدهان -رحمه الله- شيخ التحقيق وأستاذ أهل الطريق، ~~وناهج طرق الصالحين وناقض دعاوى الزائغين الجانحين، أخذ عنه الحديث والفروع ~~وكان ذا خشية لله وخضوع. # عاتكة بنت أبي صفرة تستفتي جابرا PageV02P047 أبو سفيان قال: دخل أبو نوح ~~على عاتكة بنت أبي صفرة وكانت من المسلمات فوجدها في البيت، فقال: كأني أري ~~مجلس رجال؟ قالت: نعم، الآن خرج من عندي " الأحول" تعني جابرا قال وكان ~~جابر يغمز بإحدى عينيه من غير علة، قال: فهل ظفرت منه بشيء؟ قالت: نعم ~~سألته عن ثلاثة أشياء كن في نفسي، سألته عن لباس الخفين قال: إن كنت ~~تلبسينها من حر الأرض وبردها وخشونتها فلا بأس وأن تلبسيها لا تبالين أن ~~تنكشفي فلا، وسألته عن حلي عندي ليتيمة يقوم بمال فيستعار مني، قال: إن ~~أعرته فإنك ضامنة، وعن عبد كان من أنفس مال عندي و أوثقت في نفسي أن أعتقته ~~لوجه الله ثم استخلفته عن ضيعتي، قال: أخرجيه ولا تدخليه في شيء من منافعك، ~~قلت: هذه وإن كانت لمناقب جابر صولا فإنما أثبتها هاهنا لتعلم حرص أبي نوح ~~على تحصيل الفوائد من كل من يثق به، لا يأنف عن التقاطها حيث وجدها والبحث ~~عنها في مغانيها. # أبو روح ومازن ابني كنانة # ومنهم أبو روح ومازن ابني كنانة - رحمهما الله - كانا مطبوعين على ~~الصلاح، وحب سلوك مسالك النجاح، وخدمة الأشياخ، وملازمتهم في الغدو ~~والرواح، وإنهما وإن سبقتهما السوابق فكلاهما من غير فتور، مدرك لاحق. # اجتهادهما في التقوى والعبادة PageV02P048 روى أبو سفيان عن يسار صاحب ~~البكر، قال أبو سفيان وكان من خيار من أدركته أنه أخبره عن والدته، قال وهي ~~يومئذ ابنة ثمانين سنة، أنها قالت: " أدركت أخوين من بني راسب يقال لأحدهما ~~يبرح والآخر مازن ابنا كنانة، وكانا من خيار من مضى من أهل الدعوة وكانا من ~~نظيري أبي بلال وعروة، في زمانهما، قال: وأما يبرح(1) فكان رجلا عابدا ~~مصليا لا يفتر عن العبادة حتى دبرت ركبتاه ويداه ورجلاه وجبهته كركبة ~~البعير، ms117 قال: وكان قد اتخذ سربا في الأرض يعبد الله فيه، قال أبو سفيان: ~~قال يسار: أدركت سربه ذلك، وكنا نلعب فيه قال فحضرت الوفاة يبرح فقعد مازن ~~عند رأسه، قال فرآه يجود بنفسه ثم أفاق، قال: أي أخي أين تراها تعمد؟- يعني ~~النفس- قال: الذي كانت تعبد، قال: وأما مازن فانه لما حضرته الوفاة أقبل ~~يجود بنفسه فصاحت بناته، قال: فأفاق إفاقة، وقال: يا بناتي لا تبكين فان ~~أباكن من ساعة هو الباكي، أو الضاحك، قال يسار أخبرتني أمي قالت: كنت في ~~بعض المجالس وهم يذكرون الله إذ ذاك دخل رجل مقنع بثوبه فهوى، وجلس ناحية ~~من المجلس وهم لا يعرفونه، قال: فلما تفرغ المتكلم قام فنزع ثوبه عن رأسه ~~فإذا هو مازن بن كنانة، قالت: فقام قائما فقال: أني لا أخبركم إلا بما رأت ~~عيني، أو سمعت أذني، أو عن خير من رأى وسمع، قالت: ثم اقتص الفتن المتقدمة ~~واحدة بعد أخرى، ونبه على من أنجاه الله منها، قالت: فما رأيت متكلما مثله، ~~قلت: ويبرح هو المكنى أبو روح فيما زعم لي بعض أصحابنا. # ------------------ # (1) لعلهم يحرفون اسمه إلى يبرح فنطقت به كما جرت به ألسنتهم كما سينبه ~~الشيخ على ذلك. # أبو محمد النهدي # ومنهم أبو محمد النهدي -رحمه الله- المظاهر المعالن المجاهد غير المداهن ~~الحافظ للتقى، المفارق للأدناس المباين، بصر الله بصيرته الباصرة فلم تكن ~~عن هذه قاصرة، ففاز بالصفقة الرابحة، ووقي الصفقة الخاسرة. # إن لك على طريقتك إخوانا أنت لا تدري PageV02P049 حكى أبو سفيان قال: كان ~~رجل من المسلمين يقال له أبو محمد، قال: كان قد أبصر الإسلام من قبل نفسه، ~~قال: وكان بدأ ذلك أنه كان يخرج إلى المغازي فنظر إلى ما يعمل الناس من ~~الغلول والجور، فقال: ما هذا بفعل أولياء الله وأهل الإيمان ثم نظر إلى ~~صلواتهم وقيامهم بالتوحيد والإقرار بالنبوة، قال: وما هذا بفعل المشركين ~~فانصرف إلى البصرة وكان له مسجد يجلس فيه ويحدث ويقص ويذكر، قال: وكان يصف ~~الإسلام ويقول: إن أهل الأحداث من القبلة كفار ms118 ليسوا بمشركين ولا مؤمنين، ~~قال: فبلغ أمره جماعة من المسلمين، فقال بعضهم لبعض: " هذا الرجل قد ترونه ~~وما يصف، فهلموا بنا إليه لنواصفه هذا الأمر فلعله يقبل"، فأتته منهم جماعة ~~فواصفوه الأمر، ووصفوا له ما هو عليه، قال: فقال: هذا هو الحق ومازلت على ~~هذا منذ دهر ولم أجد أحدا يوافقني عليه وما ظننت إذا أن أحدا يقول بهذا ~~القول، قالوا: بلى والله إن لك أعوانا على هذا وأخوانا، قال: فكان أبو محمد ~~من أفاضل المسلمين، قال: وكان يظهر هذا الشأن ويبرح به، وكان يدعو في مسجده ~~على خالد بن عبد الله، وعلى هاشم بن عبد الملك، قال: وكان على البصرة بلال ~~بن أبي بردة بن أبي موسى، قال: وكان طريق بلال على مسجد أبي محمد، قال: ~~فأرسل إليه يأمره بالكف عن ذكرهما فلم يفعل، قال: فقال له: يا أبا محمد إذا ~~رأيتني مقبلا فكف حتى أمضي عنك فلم يكن يلتفت إلى قوله ولا يدع ما هو عليه. # قال أبو سفيان قال أبو محمد النهدي: لا تذكروا الحسن في شيء من القدر ~~فإني عاتبته فيه، فقال: معاذ الله أن أقول ذلك، إنما أفسد علي قلبي واصل بن ~~عطاء أيام كنت عنده مستخفيا فأما أن أقول بالقدر فمعاذ الله، قال: وكان أبو ~~محمد يقول هو أبعد الناس من القدر. # أبو يزيد الخوارزمي PageV02P050 ومنهم أبو يزيد الخوارزمي -رحمه الله- ~~أحد النبهاء الحاذقين والموصوفين بالفضل جملة على الإطلاق، والمشار إليه في ~~مشيخة العراق والواقع على إماتة الاصفاق، وعلى الرضى برايه ودينه الاتفاق، ~~ذكر عن أبي يزيد: انه قيل له ما تقول لو أن رجلا لقي عالما يقول له أن ~~الأمر الذي أنت عليه وأنت فيه حرام، فقال له الرجل: فأنا أترك هذا الحرام، ~~ولكن لا آخذ ذلك عنك حتى اسأل من هو أعلم منك، فلم يسأل الرجل حتى مات؟ قال ~~أبو يزيد: مات هذا مسلما، إذا كان في طلب السؤال تائبا فمات على ذلك. # عبد الله طالب الحق وأبو حمزة الشاري # عبدالله طالب الحق ms119 وأبو حمزة الشاري PageV02P051 ومنهم طالب الحق عبد ~~الله بن يحيى وأصحابه الشراة كأبي حمزة ومن معه من أولئك الشراة -رحمه ~~الله- أما ابن يحيى فنعم الإمام، الداعي إلى نصرة دعوة الإسلام غير ما كان ~~حدث من الجور حتى عاد به العدل على الكور بعد الحور، فانمحت به ظلم الظلم، ~~فلم يبق حوله إلا داع إلى الإسلام أو السلم كان أسدا في نجدة، وشجاعة في ~~دين الله وخشية لله وطاعة، والبحر جودا وعلما، والطود سموا وصيانه وحلما، ~~وأما أبو حمزة فأشد في الحرب، المستعد للطعن والضرب، ليث في الهيجاء إن ~~ركب، وغيث في الآراء إذا وهب، وبحر عجاج إذا وعظ واختطب، الحصر يعدوه قصر ~~أو أسهب، ذو رفق ولين لأولياء الله المتقين، وذو غلظة على المشاقين، وجميع ~~إخوانهما على هذه الطرائق متخلقون بمحمود الخلائق، ليس من الكل إلا جاهد أو ~~مجاهد، مخالف الأرق ساهد قاطع ليله في الهجود، بالركوع والسجود وتلاوة ~~القرآن والضراعة إلى الرحمن والحراسة في سبيل الله، وكف أعداء الله منفد ~~أيام العمر في إحياء العلوم، ونجدة المظلوم، ومحو ما ارتسم للباطل من ~~الرسوم، هجروا في سبيل الله الأوطان والمال، وربوا بأنفسهم على اتخاذ النشب ~~والمال وآثروا أولياء الله، وقاتلوا أولياء الشيطان وشرفوا أنفسهم ابتغاء ~~الرضوان فلم يلتفتوا إلى زهرة الحياة الدنيا حتى فارقوا ثوب المحيى فودع كل ~~منهم حميدا وأقل بعيدا(1) وسأثبت ما بلغني من أخبارهم على أنها نبذ من بعض ~~آثارهم. # نحن أحوج إلى العمل لا إلى الوصف والقول PageV02P052 روى أبو سفيان أن ~~أبا عبيدة كان في مجلس يذكر فيه فذكر النار وما أعد لأهلها، وخوف بها، ثم ~~ذكر الجنة وما أعد فيها لأهلها ورغب فيها، قال: وكان ذلك أيام عبد الله بن ~~علي، والمختار بن عوف، قال: وكان رجل من المسلمين يقال له أبو الوزير قاعدا ~~في المجلس فلما سكت أبو عبيدة وفرغ من كلامه وثب إليه أبو الوزير فقال: يا ~~أبا عبيدة لو أردنا الجلوس إلى ما كنت فيه لجلسنا إلى من هو أوصف لما كنت ms120 ~~فيه منك من قومنا، ألا ترى أمر أصحابك وتحض على نصرتهم والعون لهم؟ فنحن ~~إلى ذلك أحوج منا إلى ما كنت فيه يعني عبدالله بن يحيى، وأبا حمزة المختار، ~~قال: فقال أبو عبيدة: يا أبا الوزير إنما يتكلم الرجل بقدر ويسكت إلى أجل. # تابع / أخبار ثورة طالب الحق وأصحابه على بني أمية >>>> # ---------------- # (1) كذا في النسخ التي بأيدينا. # أخبار ثورة طالب الحق وأصحابه على بني أمية # وروى عن وائل قال لما قدم عطية بن عبد الملك حضرموت وكان مروان بن محمد ~~قد بعثه إلى أبي حمزة المختار بن عوف حين ظهر على مكة والمدينة، قال: فلقي ~~بلجا بوادي القرى فقتله، وكان الفاسق في عسكر فيه ستة آلاف فيما ذكر، فتنحى ~~أبو حمزة إلى مكة، فلحقه بها فقاتله حتى استشهد أبو حمزة ومن استشهد معه من ~~المسلمين رحمهم الله. # قال ثم خرج القاسم يريد اليمن فلقيه الإمام عبدالله بن يحيى بموضع يقال ~~له " حرش" وقاتله حتى استشهد -رحمه الله- ومن استشهد معه. # يتعظ به ميتا فيتوب PageV02P053 قال أبو سفيان وكان بها رجل من بني كلاب ~~يقال له نافع، فجاء إلى عطية بن عبد الملك فسأله أن يعطيه جثة عبدالله بن ~~يحيى ليصلبه على بابه، قال: ففعل وكان عطية جسيما، قال: فخرج نافع من بيته ~~فنظر إلى الجثة فإذا عليها نور ساطع فلما عاين ذلك أنزله وكفنه ودفنه، ثم ~~ذهب من " حرش" حتى وقع على الحجاز بقرية يقال لها " القوع" فسكنها ووافق ~~بها قوما من الصفرية فأجابهم إلى الصفرية، قال: وكان الشقي يرى أنهم على ~~مثل ما مات عليه ابن يحيى، قال: وكان لنافع ابن يقال له محمد وهو الذي ~~يحدثنا بهذا الحديث عن أبيه وكان محمد قد أبصر ذلك . # قال أبو سفيان قال وائل فقدم الفاسق عطية بن عبد الملك إلى حضرموت قال ~~وائل فقاتلناه فتحصن في قرية حصينة فأقمنا عليه أربعا وعشرين ليلة نحاصره، ~~فلما طال به الحصار وخاف على نفسه سأل الصلح، فصالحناه عل أن يرد كل ما كان ~~في عسكره ms121 مما أصابه أصحابه من أموال المسلمين، قال فدخل المسلمون عسكره ~~فأخذوا كل ما كان لهم، ويأتيه كتاب مروان بن محمد أن دع ما أنت عليه والحق ~~الموسم فصل بالناس، وأمره بالعجل، قال: وتم الصلح بيننا وبينه، قال فخرج ~~منفردا في ستة نفر فبادر الموسم وعسكره على أثره فنزل قرية من قرى اليمن، ~~فوافق فيها رجلين أخوين من المسلمين يقال لهما " ابنا جمانة" فشعرا بمكانه ~~وقالا والله ما جاء هذا الفاسق إلا منهزما، فمشيا إليه في نفرمعهما، فلم ~~يشعر بهم حتى دخلوا عليه وقتلوه وقتلوا من معه وحزوا رؤوسهم وانطلقوا ~~يريدون عسكر المسلمين، ولا يشكون أن عسكره قد مزق، وقتل أهله، فبينما هم ~~سائرون إذ لقوا عسكر عطية والرؤوس معهم، قال: فسألهم أهل العسكر عن عطية ~~فقالوا قد تقدم، فسلمهم الله منهم، ولقد كان أحدهم قاعدا في الجواليق الذي ~~كان فيه رأس عطية ورؤوس أصحابه. # أبو مودود حاجب يتجند لجمع الأموال مددا للثورة PageV02P054 وقال أبو ~~سفيان لما خرج الإمام عبد الله بن يحيى ووجه أبا حمزة المختار بن عوف أقام ~~حاجب فجمع له أموالا كثرة ليعينه بها، قال: فكتب على كل موسر من المسلمين ~~قدر ما يرى، قال: فما امتنع عليه أحد، قال: ودعا أبا طاهر وكان شيخا فاضلا ~~قال عليك بالنساء، وأوسط فإنا نكره أن نكتب عليهم ما لا يحملون، قال: ~~فانطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين، قال: فلم يأتوا يومئذ امرأة ~~ولا رجلا إلا وجدوه مسرعا فيما سألوه، قال: وكان رجل من المسلمين لم يكن ~~أحد يرى أنه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم، قال: فقال له أبو طاهر: ~~أي أخي العيال، فقال: الله لهم والله ما رأيت منذ كنت وجها مثل هذا انفق ~~فيه فإذا وجدته أفأدعه؟ ولا يرجع إلي منها شيء ولكن يا عبد الله لا تخبروا ~~باسمي ما بقيت، قالوا ففعلوا فلم تمس الليلة إلا وجمع أبو طاهر عشرة آلاف ~~درهم، قال: فأتوا حاجبا فأخبروه فسر بذلك، وقال: إن في الناس لبقية بعد، ms122 ~~قال: فاشترى بتلك الأموال سلاحا ووجهه ووجه ما بقي إلى أبي حمزة - -رحمه ~~الله- -. # لا تكون للرجل منهم مكانة إن لم يرغب في الشراء # وقال سمعت عبد الملك الطويل يحدث عن أبي حمزة المختار بن عوف الكندي، ~~قال: أدركت المسلمين أن كان الرجل منهم ما يستزاء في صلاة ولا في صيام ولا ~~في حج ولا في عمرة ولا في وجه من الوجوه، إن عرف منه أنه ليس بشديد الحرص ~~في الشراء سقط من أعينهم ونقصت منزلته عندهم. # وقوع أبي الحر في الأسر PageV02P055 وقال أبو سفيان أدركت عيسى بن عمر ~~وهو شيخ كبير يحدثنا أن مروان بن محمد بعث إلى أبي الحر إذ كان بمكة فأخذ ~~فشد في الحديد، وأخذ رجلا من الرافضية يقال له أصفر فشد في الحديد ثم ساروا ~~بهما نحو مروان، قال عيسى: فخرجنا في أربعة عشر رجلا من المسلمين نتبعه قال ~~فلما مشينا أياما أرسلنا إليه أنا نأتيكم الليلة، قال: فقال: لا تفعلوا، ~~مكة منكم قريبة والطلب سريع، فسرنا على طريق الساحل وغلامه يأتينا بخبره ~~ويأتيه بخبرنا، فمازلنا نطلب إليه ونسأله يدعنا حتى نخلصه من أيديهم، قال: ~~فكان يأبى ذلك علينا حتى جاوزنا المدينة بمراحل، فأرسلنا إليه أنا قد قربنا ~~من الشام وقراها فدعنا نأتيهم الليلة، قال: فأبى، قال: فأرسلنا إليه أنا ~~نأتيكم على كل حال، فتباطأ في وضوئك حتى لا تعجل الرحيل لنقعد مقاعدنا، ~~قال: ففعل فتقدمنا فنزلنا عن رواحلنا وعقلناها بعيدا من الطريق، ثم جئنا ~~أمامه إلى الطريق فجثمنا عليه فلما دنوا منا ثرنا في وجوههم بالتحكيم ~~والسيوف في أيدينا مصلتة، فألقوا بأيديهم وقالوا الأمان، الأمان، قال فبادر ~~رجل منا فأعطاهم الأمان، فشق ذلك على أبي الحر، قال: أما إذا فعلتم فلا ~~تختلجوا ولا تهيبوا منهم أحدا، قال: فأسرناهم فأخرجنا بهم الطريق حتى ~~أبعدناهم، فخلينا سبيلهم واحتملنا صاحبنا وفككنا عنه جامعته، وفككنا عن ~~الرافضي، ثم أقبلنا حتى دخلنا مكة ونحن مستخفون، قال: وكان ذلك في أيام ~~الحج، قال: فخرجنا مع أبي الحر إلى منى، ولم نحرم ms123 ثم صرنا إلى عرفة ونحن ~~غير محرمين، قال: وكنا إذ ذاك ننتظر أبا حمزة يقدم علينا، قال: ولما كان في ~~وقت الرواح إلى الموقف إذا نحن بنواصي خيل أبي حمزة وقد اطلعت، قال: فلما ~~راءه أبو الحر أمرنا أن نغتسل ونحرم، قال: ففعلنا، ثم خرجنا حتى دخلنا ~~عليهم في عسكرهم، قال: وكان على الموسم إذ ذاك رجل من بني مخزوم يقال له ~~عبد الواحد، قال: فأرسل الخطباء إلى أبي حمزة من قريش وغيرهم ومنهم عبدالله ~~بن الحسن. PageV02P056 # اجتماع أبي حمزة بوفود الحجيج ففي الموسم # قال: فأتونا في جماعة قال: فخرج إليهم أبو حمزة وعمامته خضراء وازار ~~متأزر به منتكب قوسه ومتقلد سيفه، قال: فتكلم أولئك الخطباء فعظموا من أبي ~~حمزة الحج ويوم عرفة ما قدروا عليه وأطنبوا في الكلام، قال: فلما فرغوا من ~~كلامهم، تكلم أبو حمزة، فحمد الله و أثنى عليه وصلى على نبينا محمد صلى ~~الله علية وسلم، ثم قال: أما ما ذكرتم من تعظيم هذا اليوم فإنكم لم تبلغوا ~~كنه ذلك ثم ذكر جور بني مروان وما هم عليه من الظلم والفسق والاعتداء، قال ~~فأفحم القوم، وسمعوا كلاما لا يعرفونه، قال: فرجعوا إلى عبد الواحد فأعلموه ~~بقوله، وقالوا: خصمنا الرجل، وما قدرنا على إجابته وليس عندنا ما نجيبه به، ~~قال: فارجعوا إليه واسألوا الموادعة في هذه الأيام على أن لا نعرض له ولا ~~يعرض لنا، قال: فرجعوا إلينا فأعطيناهم ذلك، قال: ووقفنا مع الناس حتى ~~أمضينا إلى جمع ثم إلى منى فنزلنا مؤخر منى في عسكرنا، قال: وكانت حليمة ~~المهلبية إذ ذاك قد حضرت الموسم، وكانت من خيار المسلمات وفضلاهن وهي أم ~~سعيدة، فعالجت لهم طعاما فبعثت به مع أبي وافد وابنه وكانا فاضلين، قال: ~~وأخذهم الحرس، فقالوا: معكم السلاح؟ ففتشوهما فلم يجدوا معهما سلاحا، قال ~~أبو حمزة أرسل إلى الوالي فقل له قد كان نقض من قبلك فان شيءت ناقضناك وإن ~~شيءت نوف بعهدك، قال: فأرسلهما وتم العهد حتى فرغ الناس من مناسكهم، وساروا ~~إلى مكة ms124 قال: فخرج عبد الواحد ودخل مكة، قال أبو سفيان: وكان بلج بن عقبة ~~يأتي لرمي الجمار في الخيل والسلاح، قال: وكان أبو حمزة يقول رحمك الله وما ~~يدعوك إلى هذا لو جئت متنكرا حتى ترمي، قال: فكان يقول لا، لا أفعل ولا آمن ~~غدرهم بنا ونقضهم علينا، فإن فعلوا كنا قد استعددنا لهم. # يتجه أبو حمزة ومن معه إلى الشام فيعترضهم أهل المدينة PageV02P057 قال: ~~فأقام أبو حمزة بذى طوى، قال: وكان يدخل فيجمع ثم يرجع إلى ذي طوى، قال: ~~فاجتمع إليه من نواحي مكة رجال من خزاعة مسلحون في نحو أربعمائة رجل، قال: ~~وخرجوا معهم إلى المدينة وكان الذين قدموا من اليمن نحو ستمائة رجل، قال: ~~ثم خرج نحو المدينة يريد الشام ولم يكن يريد أن يعرض لأهل المدينة، قال: ~~فخرجوا إليه فقاتلوه بقديد، قال: فمما يراجعهم فيه من الكلام أن يقول: إنا ~~ندعوكم إلى الله وإلى كتاب فإلى من تدعوننا انتم؟ قال: فيقولون ندعوكم إلى ~~طاعة مروان، فيقول: يا سبحان الله؟ ندعوكم إلى طاعة الله وتدعونا إلى طاعة ~~الفاسق مروان، قال: فاقتتلوا فقتل منهم أربعة آلاف، قال: وأصيب مع أبي حمزة ~~يوم مكة أبو عمر وابنه وكانا من أفاضل المسلمين، قلت: وقد وقفت في سيرة ~~عبدالله بن يحيى على الخطبتين اللتين خطبهما بمكة والمدينة متطاولتين بأبلغ ~~ما يأتي به خطيب ثم وقفت عليهما أوجز من ذلك قليلا فيما صححته عن بعض خطب ~~من أهل الخلاف، فآثرت أن أثبتها هنا على نحو ما صححته عنهم لأن شهادة خصمك ~~لك أصح من شهادة أخيك لك. # خطبة أبى حمزة بمكة # روى رواتهم قال خطب أبو حمزة الشاري بمكة حرسها الله فصعد المنبر متنكبا ~~قوسا عربية، فخطب خطبة طويلة فقال: # (( PageV02P058 يا أهل مكة تعيرونني بأصحابي وتزعمون انهم شباب، وهل كان ~~أصحاب رسول الله إلا شباب؟ نعم، شباب مكتهلون عمية عن الشر أعينهم ناكبة عن ~~الباطل أرجلهم انضاء (1) عبادة، وأطلاح سهر قد نظر الله إليهم في جوف الليل ~~منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مر ms125 أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى تشوقا ~~إليها، وإذا مر بآية فيه ذكر النار شهق شهقة، كأن زفير جهنم في أذنيه، ~~وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، أنضاء عبادة، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم ~~وركبهم، مصفرة ألوا نهم، ناحلة أجسامهم من طول القيام، وكثرة صيامهم، ~~يستقلون ذلك في جنب الله، موفون بعهده، منجزون لوعده، إذا رأوا سهام العدو ~~قد فوقت(2) ، ورماحهم قد أشرعت وسيوفهم قد انصلتت وأبرقت الكتيبة، وأرعدت ~~بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، فمضى الشاب منهم قدما حتى ~~تخلف رجلاه عن عنق فرسه، وقد رملت محاسن وجهه الدماء وعفر جبينه التراب، ~~وأسرعت إليه سباع الأرض و انحطت إليه سباع الطير، فكم من عين في منقار طائر ~~طالما بكى صاحبها من خشية الله! وكم من كف بانت من معصمها، طالما اعتمد ~~عليها صاحبها في ركوعه وسجوده! وكم من خد عتيق رقيق قد فلق بعمد الحديد! ~~-رحمه الله- على تلك الأبدان وأدخلهم بفضله في الجنان - ثم قال - الناس منا ~~ونحن منهم، إلا عابد وثن وكفرة الكتاب، وإمام جائر. قلت: وقد حذف راويها ~~منها كثيرا مما خاطب به أهل مكة من أنواع التقريع بما أقام عليهم الحجة ~~وقطع العذر فأثبتت ما أثبته بحسبه. # ---------------------- # (1) جمع نضو وهو الضعيف الرقيق الجسم، وأطلاح جمع طلح من خلا جوفه من ~~الطعام. # (2) من أفاق السهم وفوقه وضع فوقه في الوتر ليرمي به. PageV02P059 # روي عن مالك بن أنس قال خطبنا أبو حمزة بالمدينة خطبة شككت المبصر وردت ~~المرتاب، قلت: وهذه ألفاظ فيها جفاء، وكان ينبغي أن أسقطها، لكنني حكيتها ~~على ما هي عليه، للسبب الذي قدمته، قال: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: أوصيكم بتقوى الله وطاعته والعمل ~~بكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وصلة الرحم وتعظيم ما صغرت ~~الجبابرة من حق الله عز وجل، وتصغير ما عظمت من الباطل وإماتة ما أحيوا من ~~الجور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وأن يطاع الله، ويعصى العباد في طاعته، ~~والطاعة ms126 لله عز وجل ولأهل طاعته، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ندعوكم ~~إلى كتاب الله وسنة نبيه والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، ووضع الأخماس ~~مواضعها التي أمر الله بها. # إنما خرجنا بغية إقامة الحق # إنا والله ما خرجنا أشرا ولا بطرا، ولا لهوا ولا لعبا، ولا لدولة ملك ~~نريد أن نخوض فيها، ولا لثأر قد نيل ولكن لما رأينا الأرض قد أظلمت، ومعالم ~~الجور قد ظهرت، وكثر الادعاء في الدين، وعمل بالهوى، وعطلت الأحكام وقتل ~~القائم بالقسط، وعنف القائم بالحق، سمعنا مناديا ينادي إلى الحق وإلى طريق ~~مستقيم، فأجبنا الداعي إلى الله(ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ~~وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين )(الاحقاف:32) فأقبلنا من قبائل ~~شتى قليلين مستضعفين، فآوانا الله وأيدنا بالنصرة فأصبحنا بنعمة الله ~~إخوانا وعلى الدين أعوانا. # يا أهل المدينة أولكم خير أول وآخركم شر آخر، إنكم أطعتم فقهاءكم وقراءكم ~~فأحالوكم على كتاب الله عز وجل غير ذي عوج بتأويل الجاهلين، وانتحال ~~المبطلين فأصبحتم عن الحق ناكثين، أموات غير أحياء، وما يشعرون. PageV02P060 # يا أهل المدينة، يا أبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ما ~~أصلح أصلكم وأفسد فرعكم! كان آباؤكم أهل اليقين، وأهل المعرفة بالدين، ~~والبصائر بالدين، والبصائر النافذة، والقلوب الواعية، وأنتم أهل الضلالة ~~والجهالة، استعبدتكم الدنيا فأذلتكم، وغرتكم الأماني فأضلتكم، فتح الله لكم ~~بابا في الدين فسددتموه، وأغلق عليكم باب الدنيا ففتحتموه، سراعا إلى ~~الفتنة، بطاء عن السنة، عمي عن البرهان، صم عن القرآن، عبيد الطمع، حلفاء ~~الجزع، نعم ما أورثتكم آباؤكم لو حفظتموه وبئس ما تورثون أبناءكم إن تمسكوا ~~به وأخذوه، نصر الله آباءكم على الحق، وخذلكم على الباطل، كان عدد آباءكم ~~قليلا طيبا، وعددكم كثيرا خبيثا، اتبعتم الهوى فأرداكم، واللهو فألهاكم، ~~ومواعظ القرآن تزجركم فلا تزدجرون، وتعبركم فلا تعتبرون. # انحراف الولاة وسوء أعمالهم دعانا إلى الخروج # سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فقلتم فيهم الذين تعلمونه ونعلمه، أخذوا المال ~~من حله فوضعوه في غير حقه، فجاروا في الحكم فحكموا بغير ms127 ما أنزل الله عز ~~وجل واستأثروا بالفيء فجعلوه دولة بين الأغنياء منهم، وجعلوا مقاسمنا ~~وحقوقنا في مهور النساء، وفروج الإماء، وقلنا لكم تعالوا إلى هؤلاء الذين ~~ظلمونا وظلموكم، وجاروا في الحكم وحكموا بغير ما أنزل الله فقلتم لا نقوى ~~على ذلك، وددنا أنا أصبنا من يكفينا، فقلنا: والله نحن نكفيكم ثم والله لئن ~~ظفرنا لنعطين كل ذي حق حقه، فجئنا واتقينا الرماح بصدورنا، والسيوف ~~بوجوهنا، فعرضتم لنا دونهم فقاتلتمونا فأبعدكم الله عز وجل، فوالله لو قلتم ~~لا نعرف الذي تقولون، ولا نعلمه لكان أعذر لكم، على أنه لا عذر في الجهل، ~~ولكن أبى الله أن ينطق بالحق على ألسنتكم، ويأخذكم به في الآخرة، ثم قال: ~~الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة حاكم بغير ما انزل الله، ومتبع له وراض ~~بعمله. ثم نزل. PageV02P061 # فالله بتولي السرائر من عباده، ويجازى عليها فهذا كلام لا مطعن فيه ~~لطاعن، والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. إلى هاهنا انتهى ما رواه". # أبو الحر وطريقته الحكيمة في استصلاح الأحداث # وحكى عن عيسى بن علقمة المصري قال كان أبو الحر بمكة وكان له قلة تأتيه ~~من البصرة وكان موسرا، قال: فكان يأمرهم أن يجعلوا تلك الغلة نقرة واحدة ~~ذهبا، قال: فأوتي بها فقسمها نصفين، ففرق نصفها في فقراء المسلمين، وربعها ~~في نفسه، وربعا يحبسه لنوائبه، ولمن يمر به من إخوانه المسلمين، وفي ~~معونتهم، قال: فكان شاب قد لازم أبا الحر حتى كان هو صاحب أمره، والذي يلي ~~حوائجه، قال: فأوتي بغلة تلك السنة، كما يؤتى بها فقسمها نصفين فأعطى ~~الفقراء نصف وبقي النصف عنده أياما، ثم إنه احتاج إلى ثمنه فدعا الشاب، ~~فقال: يا فلان اذهب بهذه القطعة فبعها، قال: فخرج الفتى بها فلما خلا به ~~الشيطان، قال: لو قلت لأبى الحر أنها ضاعت ما سألني عنها، قال: فأبطأ عنه ~~ثم آتاه فقال: ما حبسك؟ قال: ألا أن القطعة نشلت وذهبت قال أبو الحر: ففي ~~الله الخلف، قال: ولم يسأله عن شيء ولم يعاتبه، قال: فخرج ms128 أبو الحر يوما ~~إلى السوق فمر بالصائغ فإذا القطعة بين يديه موضوعة فاستأذن الصائغ في ~~النظر إليها، قال: فنظر فعرفها، ثم وضعها ثم قال: من أين هذه القطعة؟ قال: ~~ناس من بني مخزوم دفعوها إلي لأصوغ منها مرة أخرى فقال له الصائغ: يا أبا ~~الحر إني سألت القوم عن القطعة فأخبروني أن فلانا- يعني الشاب الذي يخدم ~~أبا الحر- هو الذي باعها لهم، قال: فبعث أبو الحر للمخزوميين فسألهم، ~~فأخبروه أن الفتى باعها لهم، قال: فانصرف أبو الحر وكان له مجلس يجلس فيه ~~للذكر يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: فدعا الشيخ الشاب فقال له: يا فلان ~~اذهب إلى فلان وفلان عدة من مشائخ المسلمين فأمرهم أن يحضروا في مجلسنا ~~قال: ففعل، فلما توافى القوم، قال لهم أبو الحر: لا يكون أكثر كلامكم، إلا ~~في تعظيم الأمانة لما PageV02P062 عظمها الله، فان صاحبا لكم قد ابتلي، ~~قال: ففعلوا وعظموا من أمر الأمانة حتى انتهى الكلام إلى أبي الحر، فعظم من ~~ذلك ما شاء الله، قال: والفتى جالس قد غمره العرق، ودخله من ذلك ما شاء ~~الله، قال: ثم خرج القوم ولم يبق في البيت إلا أبو الحر والفتى فوثب إليه ~~الفتى، فقال: يا أبا الحر إني بالله ثم بك، قد والله هلكت أنا أخذت القطعة، ~~قال: فقال أبو الحر: الله أكبر، هذا الذي أردت هي لله ولك ولا حاجة لي ~~فيها، قال: فاستغفر الله الفتى، وأقام مع أبى الحر على أحسن ما كان وحسنت ~~حاله حتى مات. # قال وأخبرني علي بن علقمة أن شابا كان يأتي أبا الحر ويلزم مجلسه، ثم ~~فقده فأتى إلى والدته، فسألها عنه فقالت: يا أبا الحر قد والله أخذ في ~~السفه والبطالة، وما يأتينا إلا من الليل إلى الليل، ونصف النهار وقد والله ~~ذهب ما في يده ولم يستتر بشيء، قال: فقال لها أبو الحر: إذا أنا جئت وهو ~~هنا فأذني لي ولا تحبسيني على الباب، قال: فلما كان نصف النهار أتى أبو ~~الحر ومعه ستة أثواب وثلاثمائة درهم ms129 حتى وقف على الباب، فاستأذن فأذنت له ~~العجوز فدخل فإذا بالفتى في ناحية من البيت في خلق له، قال: وأقبل عليه أبو ~~الحر، ثم قال له: ما أرى منعك عن أن تأتينا إلا العري ونحن أسأنا في أمرك، ~~فاعلم أنا لا نعود إلى مثلها، فخذ هذه الأثواب فاكتس منها بثوبين ولوالدتك ~~ثوبين، ولأختك ثوبين، وهذه الدراهم فأنفقها على نفسك، ثم خرج أبو الحر، ~~قال: فرجع الفتى إلى أحسن ما كان وحسنت حاله، فلم يزل مع أبي الحر حتى قتل ~~معه يوم مكة. PageV02P063 # وعن أبي سفيان أن أبا الحر أهدي له من البصرة بساطا، قال: فوجد فيه ~~تصاوير قال: فباعه، قال: فقال له وائل: هذا مما يوطأ أو يتمهد فلا بأس به، ~~فلم يعتبر كلامه حتى باعه، ومن أحسن الأجوبة ما أجاب به أبو الحر فيما ذكر ~~أبو سفيان قال: كان لأبي الحر بمكة مجلس، قال: فقال له: بعض أصحابه: يا أبا ~~الحر إنا لنخاف أن يظهر علينا، قال: ويحك أما سمعت الله يقول: (إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9) # والله يحفظكم. # الأخوة في الدين أقوى من الأخوة في النسب # وذكر أبو سفيان أن أبا الحر كان في المسجد جالسا في حلقة فقدم أخوه الحسن ~~من العراق، قال: فأقبل يريده حتى جاء إلى الحلقة، فظن أنه يقوم إليه، فلم ~~يقم إليه وأخذ أخاه بيده، وهو جالس، قال: ولم يكن يراه منذ زمان، قال: ~~فبينما هم كذلك إذ طلع إليه رجل من أهل عمان فلما نظر إليه أبو الحر قام ~~قائما وخرج من الحلقة فتلقاه، فاعتنقه وقبل صفحتي عنقه، ورحب به قال: فسقط ~~في يد أخيه، فقال له: مودة هذا على غير مودتك لأن مودة هذا على الدين وأنت ~~على النسب. # الطبقة الرابعة 150 -200 : 1- الربيع بن حبيب # منهم الربيع بن حبيب -رحمه الله- طود المذهب الأشم، وعلم العلوم الذي ~~إليه الملجأ في معظمات الخطب الأصم، ومن تشد إليه حبال الرواحل وتزم، صحب ~~أبا عبيدة فاغترف من بحره الزاخر، ولزم مجلسه ms130 فكان الأول والآخر، روى عنه" ~~المسند " المشهور المتعارف البركة على مر الدهور، وله في الفروع كل قول ~~ومذهب، أجوبته من المعتمدة في المذهب، باين من خالف من محاضريه أهل العدل ~~والصواب ووقف في الإمامة والولاية والبراءة عند موافقة السنة والكتاب، ~~والصواب عندنا في كل ذلك جوابه، فان سمعت بأصحابه فنحن - والحمد الله - ~~أصحابه. # يتحرج من معونة تقدم إليه بشرط PageV02P064 قال أبو سفيان اجتمع وائل بن ~~أيوب، والمعتمر بن عمارة، وجماعة إلى الربيع فسألوه أن يخرج إلى الموسم، ~~قال: فقال: لا أقدر وما عندي ما تحمل به، فمشوا إلى رجل من المسلمين يقال ~~له النظر بن ميمون، وكان رجلا موسرا من تجار الصين، أعلموه بقوله، قال: ~~فأتاه بأربعين دينارا، فقال: حج بها فلم يقبلها منه، وكان به خاصا، قال: ~~فجاءه وائل والمعتمر فقالا له: سبحان الله يا أبا عمرو تعلم حاجة الناس ~~إليك، وكنت اعتللت بأنك لا تجد ما تحمل عليه فلما جاءك الله بما تتمتع به ~~أبيت أن تقبل، قال: إنه قال لي خذها على أنك تحج بها، ولست أقبلها على شرط، ~~قال: فأتوا إلى النظر فاعلموه بما كره من قوله فاعتذر، فقال: والله ما علمت ~~أنه يكره ذلك، والآن فخذوها أنتم فادفعوها إليه، قال: فأبى أن يقبلها بعد ذلك. # قال أبو سفيان كان أبو عبيدة عبدالله بن القاسم ربما سئل عن مسألة فيقول: ~~عليكم بوائل فانه أقرب عهدا بالربيع. # اليمين إنما تنعقد على العلم والأحوط أسلم PageV02P065 قال أبو سفيان أخذ ~~أبو جعفر رجلا من المسلمين من أهل الموصل فاستحلفه بالطلاق أن ماله علم ~~برجل اتهم أنه عنده، ولا له عنده مال، قال: فحلف الرجل ماله عنده قليل ولا ~~كثير فخلى سبيله، قال: فرجع الرجل إلى منزله، فوجد نعلا للرجل فكتب مسألة ~~إلى الربيع، فقال: لا أجيبه فيها حتى يأتي الرجل بنفسه، قال فقدم عليه فأمر ~~الربيع أن يجمع أصحابه، قال: فجمعهم فحضر شعيب بن المعروف، وابن عبد العزيز ~~وجماعة ممن من حضره يومئذ، قال فقص الرجل يمينه، قال: فقالوا ms131 له: الملوك لا ~~يستحلفون على النعال ولا على ما يشبهها، إنما حاجاتهم الأموال العين، قال ~~فأجمعوا على أنه لا شيء عليه، قال: والربيع ساكت لا يتكلم، قال: فقال: يا ~~أبا عمرو إنما الملوك لا يستحلفون على النعال، قال: صدقت ولكن صاحبنا حلف ~~ماله عنده قليل ولا كثير، وهل تخلوا النعال من أن تكون من القليل أو تكون ~~من الكثير؟ وفي هذه القضيه وجوه منها أنه استحضر محاضريه المذكورين وشاورهم ~~في الفتى وذلك لوجهين أحدهما لعله أن يكون ذلك قبل أن يبرا منهما، فأراد ~~الاشمات بهما، أو أنه استحضرهما بعد أن وقعا فيما وقعا فيه فأراد ~~استعجازهما، وعندي أن الربيع -رحمه الله- شدد في جوابه، لأن في الجواب الذي ~~أصاب صاحبه مخرجا من ذلك الضيق فإن يمينه انعقدت على علمه، ولا علم له ~~بالنعل، وأيضا فان لفظه عندي ما يلزمه منها إلا ما لزمه من ذلك فان فيها ~~تخصيصا لا يقتضيه قصر الحلف لكن لعل أخذه بالاحوط أسلم. # رأي حيان في صلاة الجمعة ورد الربيع عليه PageV02P066 وقال أبو سفيان ~~اجتمعت يوما أنا وحيان بن حاجب عند الربيع بن حبيب فقلت: يا حيان أخبرني ما ~~الذي فرض الله على محمد والمسلمين يوم الخميس أن يصلي للظهر؟ قال أربعا، ~~قال: فقلت له: وما فرض الله عليه يوم الجمعة أن يصلي؟ قال فرض الله عليه أن ~~يقيم العدل ويصلي في وقته ركعتين، قال: قلت له: ولم؟ أو لم يفرض عليه في ~~يوم الخميس أن يقيم العدل ويصلي أربعا؟ قال: فلم يجبني بشيء، قال: فقال لي ~~الربيع: أشدد يدك يا محبوب. # مات ولم يوص فاخرج عنه وصية لأنه يدين بها # قال أبو سفيان مات جدي من الرضاعة وكان يسمى المليح، وكان من المسلمين ~~فأتانا الربيع وكان المليح لم يوص فأرسلني إلى بنات له، فقال: أقرئهن ~~السلام وعزهن عني في أبيهن وقل لهن: أن المليح كان عندنا ممن يدين بالوصية، ~~ويراها حقا عليه واجبا، وإنه قد مات وعليه الأمر ولم يوص، وإني أرى لكن أن ~~تخرجن عنه ms132 ألف دينار في قراباته ووكرا من بر في كفارات أيمانه، قال أبو ~~سفيان: وكنا نرى تركته تبلغ ثلاثين ألف. # قال أبو سفيان: قال أبو الربيع: جاءتني امرأة في مسألة لم أسمعها من أحد ~~فقالت: ما تقول في مسجد عليه سلم هل للحائض أن ترقى على السلم الذي على ~~المسجد؟ قال: فقال الربيع: لا يسمح ذلك، قال: وكان الربيع يقول: ليس لها أن ~~تصل المسجد بيدها، ولا شيء من جسدها وإن أرادت أن تأخذ منه ثوبا فلتأخذه ~~بعود، وبما شاءت غير جسدها. # أبو عبيدة يقول: في الربيع كفاية عمن سواه PageV02P067 وقال لما أصاب أبا ~~عبيدة الفالج وحضر خروج الناس إلى الموسم ومضى حاجب إلى أبي عبيدة وعبد ~~الله بن عبد العزيز ليبعثه مع الربيع إلى الموسم، قال: فأبى أبو عبيده ~~وقال: لا أفعل فقيل له: فالمثنى بن المعرف، قال: نعم فبعث إلى المثنى في ~~ذلك، قال: ما كنت لأفعل، أخرج مع الربيع، والربيع حاله في فضله وسنه ~~ومعرفته على ما تعلمون! فما أشير عليكم أن تبعثوا غلاما حدثا مثلي مع ~~الربيع، فيقال: لم نجد من نبعث إلى الموسم إلا هذا الغلام وفي الربيع كفاية ~~عمن سواه، قال: فبلغ قوله أبا عبيدة فازداد في نفسه له محبة، وازداد عندهم ~~بذلك رضى، قال أبو عبيدة: صدق المثنى، قال: فتوجه الربيع للناس يومئذ، قلت ~~لأبي سفيان: وكيف لم يخرج حاجب؟ قال: لم يكن صاحب فقه، قال أبو سفيان: ~~وسمعت أبا طاهر ذكر الربيع عند أبي عبيدة فقال: فقيهنا وإمامنا وتقينا، ~~قال: وكان الربيع إذا سئل عن مسألة فقيل: يا أبا عمرو ممن سمعت هذه ~~المسألة؟ فيقول: إنما حفظت الفقه عن ثلاثة، عن أبي عبيدة، وأبي نوح وضمام، ~~هذا قول أحدهم، لم يكن يكاد يخفى عليه قول واحد منهم إلا أنه ربما اشتبه ~~عليه قول من المسألة، قال: وقل ذلك. # إنما أريد أن أسألك عما يحتاج إليه الناس PageV02P068 وقال قدم أبرهة بن ~~عطية من الجزيرة إلى البصرة، فنزل في جوار الربيع (( بالحرسة)) فدخل عليه ~~وسلم، ms133 فقال: يا أبا عمرو رجل من إخوانك، فقال: من أي بلاد أنت؟ قال من أهل ~~الشام، فلم يفتش الربيع، قال: وكان يختلف إليه ويسأله عن الفقه ولا يحرك ~~شيئا من أمر القدر، فلبث بذلك أياما حتى دخل على الربيع بعض المسافرين، ~~وقال له الربيع: سلم على أخينا هذا فسلم عليه، ثم قال: ممن أنت يا فتى؟ ~~قال: من أهل الشام قال: ما بالشام أحد من أهل هذه الدعوة، فمن أي الشام ~~أنت؟ قال: من أهل الجزيرة، قال: لعلك ابن عطية، قال: نعم، قال: يا أبا عمرو ~~هذا ابن عطية الذي أهلك أهل نجران هو وأبوه من قبله ، فلا يدخلن عليك ولا ~~تنعمه علينا قال: فقال له الربيع: أسرعت على الرجل قال: فقال ابن عطية: يا ~~أبا عمرو ما سألتك قط عن أمر تنكره إنما أريد أن أسألك عما يحتاج إليه ~~الناس من الفقه من الحلال والحرام، قال: فخرج الرجل وأتى " وائل" والمعتمر، ~~وعبد الملك، وجماعة من أصحابنا فأعلمهم بحال الرجل، قال: فمشوا إلى الربيع ~~مغضبين، فدخلوا عليه فقالوا: أنزلت ابن عطية وقربته، قال: فقال لهم: لا ~~يجمل بمثلي أن أرد من يأتيني مع أن الرجل لم يسألني عن شيء أكرهه، ولم أكن ~~علمت به، قالوا: فلا يدخل عليك ولا تفته في مسألة واحدة، قال: فلما غلبوا ~~عليه حمل نفسه على رده، قال أبو سفيان: فأتاه أبرهة كما كان يأتيه فلم يأذن ~~له، قال: فبكى وقال: ما كنت أظن أن الربيع في فضله وورعه وحاله يرد مثلي، ~~وإنما أسأله عما ينتفع به الناس من أمر دينهم، قال فارتحل من " الحرسة" إلى ~~داخل البصرة. # وائل بن أيوب الحضرمي PageV02P069 ومنهم وائل بن أيوب الحضرمي -رحمه ~~الله- صنو الربيع وتلوه، ومن له في حلبة الفضائل مثواه، فإنهما رضيعا لبن ~~التفقه في العلوم، وفيما - هو - خير ميراث، فما منهما إلا له فيه مقام ~~معلوم، وإن كان لأبى عمرو فضل وزيادة، وشهرة في الإفاده والاستفادة، فإن ~~لوائل أنواعا من حميد الصفات، أحيا الله بها على يده أعظم ms134 الدين الرفات، من ~~طيب شيم، وخلق كريم، واهتبال بالتعلم والتعليم، فكم من ضال هداه الله به ~~إلى صراط مستقيم وسافل أعاده إلى أحسن تقويم، فبركته شاملة في حياته، وبعد ~~الموت، وآثاره المثقفات بالعراق، والمغرب، وعمان، وحضرموت، فله الحظ الأوفر ~~في طريقة المتفقهين، وله في مسالك الصلحاء رتبة وقوانين قد تقدم ما رويناه ~~عن وائل من قوله: إنما الفقيه الذي يعلم الناس ما يسع الناس فيه مما سألوه ~~عنه، وأما من يضيق عليهم فكل من شاء أخذ الاحتياط قال أبو سفيان: كان عبد ~~الله بن القاسم ربما سئل عن مسألة فيقول عليكم بوائل فانه أقرب عهدا ~~بالربيع -رحمه الله- . # محبوب بن الرحيل # ومنهم محبوب بن الرحيل العبدي - رحمه الله - أحد الأخيار الأنجار، وممن ~~سبق إلى تخليد سير السلف الأخيار(1) واللف مما يحصل عنده عنهم من الآثار، ~~وجمع ذلك في سلك واحد بين غرائب الفقه، وعجائب الأخيار، وذكر مناقب ~~المجتهدين من مجاهدين في سبيل الله وأنصاره، ونبه على مثالب من بدا منه ~~اقصار، والمشعرين التدابر والمولين الأدبار واعتذر عمن قام عذره واستحق ~~قبول الاعتذار، هذا وهو ممن صحت عليه الفتاوى وانتفع به مصاحبه من مرحل ~~وثاوي، وجملة الأمر أن مناقب أبي سفيان مغنية شهرتها عن المشاهرة، فقد قامت ~~مقام العيان، وانه لو لم يؤثر عنه إلا عهده الذي جمع فيه المواعظ والحكم ~~والآداب وجعل فيه تنبيها وذكرى لأولى العقول والألباب، لكان بذلك ما تؤدي ~~النفس من المراقي والمناط ولكان كافيا في معناه، عما عداه(2) فكتب به إلى ~~عبد الله بن يحيى وعالج به القلوب الميتة فأحيى ونصه: PageV02P070 # عهد محبوب بن الرحيل إلى طالب الحق # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما # أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى جعل من طاعته طاعة من عمل بها كانت له ~~درجة ونافلة، وزيادة خير، ومن لم يعمل بها لم يزله عن إسلامه ولا يضره شيء ~~ولم يكفر بها، وعليه حقوق يسئل بلاغها وجعل مما نهى عنه زواجر من انتهك ~~حرمتها لم يقبل ms135 الله له صنيعا حتى ينتقل عنها، ومن زواجراه زواجر من أصاب ~~منها شيئا لم يحبط عمله ولم يكن كافرا ولم يحق عليه ما حق على راكب الكبائر ~~الموبقات، المهلكات ما لم يتخذها دينا، فيذكرها فيصر عليها ولا يتوب منها ~~وجعل وظيفة طاعته إيمانا بالله واليوم الآخر والملائكة إلى آخر الآية(3) ~~وصيام رمضان وحج البيت من استطاع اليه سبيلا، والوفاء بالعهود فهذه عرى ~~الإسلام، ووظائف الدين، وأصل الأيمان، فمن رغبت عنه نفسه ويتبع غيره يكن من ~~الخاسرين، فهذه العزائم من الطاعة، وجعل من طاعته الحج بعد الفريضة، ~~والعمرة والصدقة والصيام بعد رمضان وقيام الليل والإنصات عند قراءة القرآن ~~فمن بلغه الله هذه كانت له الفضيلة ومن لم يستطعها كان مسلما، ما استمسك ~~بوظائف ما كان يعرف قبل ذلك من الحق، وهذا التطوع من طاعته وجعل مما نهى ~~عنه أن لا تشركوا به شيئا، ولا تعبدوا إلا إياه، ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ~~من النساء، والزنا، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، فهذا كله موجب موبق ~~بمن انتهك منه شيئا حتى يتوب إلى الله متابا، وكل معصية أصابها، مما نهى ~~الله عنه وأوجب الله فيها عذابا في الآخرة ونكالا في الدنيا فإنه يصير بها ~~كافرا، لا يقبل الله منه عملا حتى يتوب إلى الله متابا، ومما نهى عنه أن ~~الله تبارك تعالى قال (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي ) (الحجرات: من الآية2) الآية، وقال: (لا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) ~~(الاسراء: من الآية110) (ولا PageV02P071 تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض ) (النساء: من الآية32. ) (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله) ~~(البقرة: من الآية282)، فهذا عيب ودنس من أصاب منه شيئا لم يبلغ الكفر ولم ~~يزله عن إسلامه، ولم تخلع ولايته، ما اجتنب الكبار من المعاصي. وقال(إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)(النساء: من الآية31) ، ~~وقال: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم)(الاحقاف: ~~من الآية16). وقال (قل يا عبادي الذين أسرفوا على ms136 أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله)(الزمر: من الآية53) ، فهذا اللمم من الذنوب من أصابه وهو مسلم يغفره ~~الله، وقال (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء)(النساء: من الآية48). ما لم يتخذها دينا يدعو الناس إليها، ويستتاب ~~حين يصيبها فإن أبى وأخذته العزة بالإثم وحمية الجاهلية وأصر على هذا فعند ~~ذلك تخلع ولايته. # بينوا للمذنب ذنبه قبل التبرئ منه إبعاده PageV02P072 فاتقوا الله ولا ~~تجعلوا كل من نزل به بلاء من الله كافر فليتب من أنزله تلك المنزلة فإنه ~~يصير على ما ترك من طاعة الله فاسقا كافرا، فإن العامل للمعصية كالتارك ~~للطاعة، فأذكركم الله العظيم لأنفسكم لما اعتقدتم ذلك، فإن لكل منزلة سيرة ~~ولكل شهادة حكما، ولكل حد عقوبة وقد بلغنا أن الرجل يكون فيكم زمانا لا ~~ترون منه إلا ما يعجبكم من الرأي، والاجتهاد، والنسك، ثم أنه يصيب ذنبا ~~فتخلعونه وتحقرونه من غير أن يعلم أنكم قد برئتم منه، ويرى أنكم عنه راضون ~~ثم ينكر منكم أشياء لم يكن يراها قبل منكم، فيأتيكم فينشدكم الله ويسألكم ~~النصيحة وأن تبينوا له ما يريبكم ولا يعجبكم، وأن ترضوا عنه، فتكتمون عنه، ~~ولا تنصحون له، ولا ترضون عنه، وأذكركم الله لم لم تفعلوا ذلك؟ فإنه نقص ~~لكم شديد وعيب في دين الله، ولم يكن ذلك في دين المسلمين قط، وإن كان ما ~~بكم من أجل الذي أصاب فإن الله يغفر عند التوبة فاذكروا ما تصيبون من ~~الذنوب فإن لكم في ذلك عبرة أن تعتبروا، وتقولون إنا إن استتبناه متى يتب ~~فإنه يعود وما يدريكم ما يحدث الله بين الليل والنهار وما يحدث في القلوب؟ ~~فيأتيكم تائبا فتردونه كما أتاكم، ولا تتولونه عند توبته فأذكركم الله ~~العظيم ألا تشرعوا شيئا لم يأذن الله به، وأن لا تبتدعوا شيئا لم يكن في ~~دين الله، ولا سنة رسوله عليه السلام ولا من بعده، وقد أكمل الله الدين ~~ورفع التنزيل وكمل الكتاب ولم تجدوا لذلك يرهانا، لا آية محكمة، ولا سنة ms137 ~~ماضية، أن تردوا على تائب توبته، فاتقوا الله فإن ذلك ليس بأيديكم منه شيء ~~ولا تملكونه، وقال الله عز وجل: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الأنفاق)(الاسراء: من الآية100) فإن كان ما بكم تقولون يعني ~~إذا استتبناه من أمر عاد فيه فما يضركم من ضل إذا أنتم مهتدون بولايتهم حين ~~يتوبون وأظهروا لكم المعروف تضلونهم حين عادوا إلى ما نهوا عنه PageV02P073 ~~وتابوا منه؟ قال الله تبارك وتعالى: (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل)(يونس: من الآية108) وقال (فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين)(التوبة: من الآية11) وقال: ~~( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور ~~رحيم)(التوبة: من الآية5). # وإن كان ما بكم أنكم تردون توبتهم فإن تقولوا إنهم يخدعوننا فاتقوا لله ~~فان من يخدع بالله يخدع، ومن يخادع الله فهو المخدوع وتخرج ضغنته لوليه، ~~ولا تأخذوا بالظن في ذلك، وتتركوا اليقين الذي ظهر لكم، ولا يكذبن ظنكم ~~يقينكم. # البشر لا يخلون من عيب ونقص PageV02P074 وإن كان بكم أن لا تتولوا إلا كل ~~مجتهد حريص لا يفتر عن صيام وقيام ولا ترون فيه عيبا فإن المرسلين والنبيين ~~لم يزل بعضهم أفضل من بعض، ولم يكن الناس قط فيما مضى ولا فيما غبر ~~اجتهادهم سواء ولا أعمالهم سواء، وقد قال الله تعالى: (الذين اصطفينا من ~~عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ~~)(فاطر: من الآية32) وقال (ويؤت كل ذي فضل فضله )(هود: من الآية3) وقال ~~(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات)(البقرة ~~من الآية253) وقال (ولكل درجات مما عملوا)(الأنعام: من الآية132) فاعتبروا ~~من الناس على عهد نبيكم عليه السلام والخلفاء من بعده كل الناس كانوا ~~مسلمين وولايتهم واحده منهم الضعيف والقصير النظر، وهم الذين تكرهون ~~ولايتهم، هم أعلم بالسنة وأدرس للقرآن وأشد اجتهادا من هؤلاء إلا ما شاء ~~الله، ولا تجعلوا هؤلاء الذين كانوا منكم زمانا ms138 من أجل ذنب يصيبونه فمن لم ~~يكن منكم غير أن كبر ذنبا وأعظم جرما من الذين كانوا منكم(4) ثم تركتموهم، ~~فلا يعرف دينكم أحد ولا تجالسونه أبدا وإن جاءكم مستجيبا فمتى تفعلوا، هذا ~~الذي أخر بدينكم الذي انتحلتموه لا يستجيب له أحد، فكل دين لا يستجاب له ~~فهو دين الضلالة، إن لم تصح مؤاخاتكم في الله ولا فراقكم، فأذكركم الله ~~العظيم لا تضيقوا ما وسع الله تبارك وتعالى فانه (وهو الذي يقبل التوبة عن ~~عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ويستجيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد) (الشورى:25-26) ~~PageV02P075 فدين الله واسع يجب أن يدخل فيه ويدعو الله(5) فأحبوا ما أحب ~~الله، وارضوا بما رضي الله واهتدوا بهدى من هدي قبلكم ولا تشدوا من الأمور ~~عليكم فتكون لكم فيه هلكة وقد عاب الله تبارك وتعالى أقواما جعل صدورهم ~~ضيقة حرجة كأنما يصعد في السماء إلى آخر الاية(6) ؟ # محبوب يشكو أهل زمانه # أما بعد فإن خير الإخوان الناصحون حين يتناصحون، وأفضل الأخلاء من عطف عن ~~التقوى، وأفضل الأخوان الراشدون في المضلات، المذكرون في الغفلات، وهذا يوم ~~تناصح الأحباء، أن الأموات في سكراتهم يعمهون حين عاد الدين غريبا مفقودا ~~وعاد أهله غرباء منفيين وقد استحوذ إبليس على العباد فهم له جند محضرون، ~~وقد نبذوا الكتاب جملة من شدة البلاء وقد توارثوا نبذه عن الآباء، حين مالت ~~بهم الأهواء وجعلوا مكانه تحريفا لكاتبه كذبا وتكذيبا، باعوه بالبخس، ~~وكانوا فيه من الزاهدين، فقد أصح البلاء في زماننا على الأتقياء في الخاصة ~~والعامة، فسموا بصدقهم كاذبين وبأيمانهم كافرين وبهداهم ضالين، فقد بقوا ~~وبقي الكتاب اليوم وأهله غريبين طريدين منفيين نافيين مستغنيين مع ذلك عمن ~~استغنى عنهما، فيا حبذا ذلك الغريبان الطريدان النافيان المنفيان، والناس ~~اليوم قد اجتمعوا على الفرقة، وتفرقوا عن الجماعة فصار أمر سلطانهم بينهم ~~بعد أن كان شورى بينهم وفيئهم بعد قسم الرب دولة وغنيمة، ليس يلون أمر ~~دينهم الرضى ولا عن رضى أهل الرضى إليهم في فعلهم ms139 أمام الكتاب، وليس الكتاب ~~له بإمام، يدخل الداخل بينهم لما سمع من حكم القرآن فما يطمئن جالسا حتى ~~يخرج من الدين لأنه يوضع في يده خلاف القرآن إذا عمل به خرج من الدين، ~~فينتقل من ولاية ملك إلى ولاية ملك، ومن سلطان ملك إلى سلطان ملك، فليس له ~~امام يسوسه ولا على أمر الله يطيعه، فيبقى متحيرا واشتبهت عليه الأمور كما ~~قال: لا بصر أهتدي به ولا بصير يقودني، فإن احتاج إلى العلماء والقراء ~~وجدهم يدينون بطاعة الجبابرة وآخر استحكم حكم القرآن مثل PageV02P076 ما ~~عليه الصديقون فاظهر أمر الله، فصار عند علماء أهل زمانه ضالا إذ لم ~~يوافقهم على خلافهم لله، وهو كاليتيم المفرد يستذله من لا يتق الله. # فالناس اليوم على ثلاثة: فرقة تميت الحق وهم علماء السوء طلبا للدنيا ~~وعلوا فيها، فأفتوا بغير الحق ودعوا إلى أنفسهم فنسبوا أهل سنة وجماعة، وهم ~~أهل بدعة وضلالة، وقد قال الله عز وجل: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون)(البقرة:159) # وأما الفرقة الثانية فهو كما قال فيهم الحكيم الصادق: إن لله عبادا رسخ ~~عظم جلال الله في قلوبهم وركدت شفقة هيبته في صدورهم، وتمكن الحياء منه في ~~ضمائرهم، ووطنت الفكرة أفئدتهم، وتمثلت العبرة بين أعينهم وجرت ينابيع ~~الحكمة من دقائق سرائر إخلاص صدقهم على أطراف ترجمة ألسنتهم، فأنار بهم ~~الدين وانحسرت بهم ظلم البدعة، وبادت بهم سواد الضلال، وارتعد بهم موارق ~~الجهال، وأبت عليهم دعاة العمى، وازدادت بهم هدى نصرة الهدى، أولئك الذين ~~كفوا عن الدين تأويل الزائغين، وتحريف الملحدين، وشكوك المرتابين، واغلاء ~~المعتدين، وحيرة المتحيرين بالدين، الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، أحيانا ~~بمصرع الدنيا، والشراب بكأس أبنائها، ودخولا وابغلا في شعاب هلكاتها، ~~واتيان في سياسة غدراتها، وتسليم الدين خشية آفاتها. # هؤلاء أولى بالاقتداء بهم PageV02P077 فاتبع الذين صدقت أقاويلهم أفعالهم ~~- أو قال أعمالهم - وانقطعت من الدنيا آمالهم وكأنما سمعوا بآذانهم إلى ~~صراخ أهل النار فيها أو تشنيش غليان ms140 جماجم أهلها، فهم محزونون وإن ابتسموا ~~إلى أخوانهم، وهم المنعمون(7) بسرور الدنيا وإن خالطوا أهلها فيها فأولئك ~~الذين لا تعتريهم سآمة، ولا تجتريهم رغبة، ولا ينظرون إلى الدنيا بعين ~~نقية، ولا يعقدون لها على مودة، ولا يفرحون فيها على زينة، بل ضربوا في ~~السهم الأوفر، ولزموا الطريق الاقصد، وسلكوا السبيل الأرشد، وهم أئمة التقى ~~ونجوم الهدى وإمام الدين، ومنار الإسلام، كلامهم حكمة، وسكوتهم حجة، ~~ومباينتهم حسرة، ومخالطتهم غنيمة، والاستنان بهم حياة، والاقتداء بهم نجاة، ~~فعليك أيها الزائغ عن طريقهم، والراغب عن سبيلهم بالاتباع، فانه ليس ~~الاتباع كالابتداع، وعليك بطريق من كان بالله أعلم وبحلاله وحرامه منك ~~أبصر، ومن طائفتك الشاذة وعصابتك المناكثة التي ليست بهادية ولا مهتدية بل ~~ضالة مضلة، زائغة عن سبيل الرحمن سالكة لسبيل الشيطان. # الشيء يعرف بضده # اعلم يا قارئ القرآن انك لن تتلو القرآن حق تلاوته حتى تعرف الذي حرفه، ~~ولم تعرف الكتاب حتى تعرف الذي نقضه، ولم تعرف الهدى حتى تعرف الضلال، ولم ~~تعرف التقى حتى تعرف البدعة، فإذا عرفت البدعة في الدين والتكييف، عرفت ~~الفرقة والتحريف، وأن من هوى كيف هوى، وأن علم القرآن ليس يعلمه إلا من ~~يخافه، فابصر به من عمى وسمع به من صمم، واحيي به بعد إذ مات ونجا به من ~~السيئات. # الحكام الجورة لا يقفون عند حدود الله PageV02P078 واعلم يا قارئ القرآن ~~أن العهد بالرسول قد طال ولم يبق من القرآن إلا رسمه ولا من الإسلام إلا ~~اسمه، وأن الله لم يجعل ما قسم بيننا نهبا، ولا ليغلب قوينا ضعيفنا، ولا ~~كثيرنا قليلنا، بل قسم علينا برحمته الأقسام والعطايا بالعدل والإحسان، فمن ~~اجترأ على الله ممن زعم أن له أقساما بين العباد سوى ما حكم به الكتاب، ~~فبيننا وبينه الحكم، والعدل والشاهد الذي لا تكذب شهادته ولا تبطل عدالته، ~~فلو كانت الأحكام كما حكم به أهل الجور والآثام لما كان بيننا خصام ولا ~~تداعينا إلى حاكم كما لا يستأذن بعضنا بعضا في اللحا والألوان، وتمام الخلق ~~والنقصان، وقديما اتخذت ms141 الجبابرة عباد الله خولا، ودينه دغلا، وماله دولا، ~~واستحلوا الخمر بالنبيذ والمكس بالزكاة، والسحب بالهدية، يأخذونها من غضب ~~الله وينفقونها في معصية الله. # واتخذوا على ذلك خونة العلم أعوانا، ومن الوراع أعوانا، ومن الصناع ~~إخوانا، ووجدوا على ذلك من المستأكلين أعوانا، فهؤلاء الأعوان خطبة أهل ~~الجور على المنابر، وبهؤلاء الأعوان قامت راية الفسق في العساكر، وبهؤلاء ~~الأعوان أخيف العالم فلا ينطق ولا يفطن بذلك الجاهل فيسأل، وبهؤلاء الاعوان ~~مشى المؤمن في أطراف الأرض بالتقية والكتمان فهو كاليتيم المفرد يستذله من ~~لا يتق الله، واعلم بأنك في زمان وجد فيه من لا يوجب الميعاد، قد رفعت لهم ~~الجبابرة أعلام التكاثر فتناقشوا فيها وتشاحنوا عليها حتى محلتهم الفتن ~~بعبارات القرآن، فتلك معالم الطغيان وأذنت - هم - تلك المحلة بالعداوة ~~والهجران(8) . PageV02P079 # وأعلم إن في معاينتهم مشبة اشتعال النار، وأحكامهم الحرص والتحضيض على ~~الشهوات وفي معاشرتهم ذم للقناعة وتصغير للنعم، وهم كما جاء فيهم الحديث ~~مساجدهم في ذلك الزمان عامرة، وأنه قد بدل على ما كان فيها من الهدى، ~~سكانها وعمارها أجابت إلى الخطيئة في مساجدهم فهي أظهر منها في الريبة لأن ~~أهل الريبة إذا رأوا من لا يريد ما عندهم اختفوا بالخطيئة، فهؤلاء قد ~~بارزوا بالمحاربة، وكذبوا على الله في العلانية، فواحدنا يقول سمعت وما ~~أكذب، ونطقت ما أكذب، وذلك أني لم أدرك من الإسلام إلا رسما عافيا، وعلما ~~منقطعا باليا، فصرت ميتا بين الأموات وحيرانا بين المتحيرين فلو أمرت ~~بمعروف أو نهيت عن منكر لم أكن للظالمين ظهيرا، ولا لمن يدين بطاعتهم ~~مواليا، ولا كنت كالمستعطي بكفه حتى يظهر حكم ربي. # جملة ما يدين به أهل الدعوة ويدعون إليه PageV02P080 الحمد لله الذي جعل ~~في كل زمان وأوان أقواما يذبون عن دينه، عارفين بحكمه تابعين لسنة نبيه ~~أحمد صلى الله عليه وسلم، أخذ من الدنيا قوته كفافا، ولم ينازع أهله فيها ~~عفافا، وقال يدعو إلى الله وإلى كتابه وإلى سنة نبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم ونجيب من دعانا إليها: الله ربنا ومحمد عليه ms142 السلام نبينا، والقرآن ~~إمامنا، والكعبة قبلتنا، رضينا بحلاله حلالا، وبحرامه حراما، لا نبتغي به ~~بدلا، ولا عنه حولا، وندعو إلى فرائض مثبتات، وآيات محكمات، وإنا في آثارها ~~مقتدون بها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، إن الذي ندين لله به الدعاء ~~إلى سبيل المقتدين قبلنا، والأخذ منه بسبيلهم، والاعتراف فيه لهم بفضلهم ~~الذي فضلهم الله به من سابقتهم، وفراق الناس جميعا على المعصية وإنزالهم ~~حيث أنزلوا أنفسهم، والسيرة فيهم على قدر منازلهم، والأمر بالمعروف ~~والمعروف طاعة، والنهي عن المنكر، والمنكر معصية الله، وفراق أهله كله مع ~~شهادة أن لا له إلا الله، فردا واحدا ليس كمثله شيء، ومعرفة الموت والبعث ~~والحساب والجنة والنار والإيمان بما أنزل الله من كتاب وبما أرسل من رسول، ~~ونتولى الله ورسوله والذين آمنوا ونخلع ما سواهم ونقر له بجميع ما أمر به ~~وجميع ما نهى عنه بحق السمع والطاعة". PageV02P081 # وعنه أنه قال: كان رجل من " ضنو" هو ابن عم المسيب ابن زهير، وكان صفريا ~~وكان من أصحاب شبيب، وكان الحجاج بن يوسف طلبه فهرب إلى البصرة، فنزل عندنا ~~في دربنا في الازد واكتتم عندنا، قال: فدعاه المسلمون إلى الإسلام فأجابهم، ~~وكان يسمى مصقلة ويسمى بعد ذلك بسطاما، أبا النظر، فغلب عليه بسطاما، قال: ~~فكان يقول لهم إلى من تدعونني؟ فقالوا له: إنا ندعوك إلى ولاية من علمته ~~أنه يقول الحق ويعمل به، وندعوك إلى البراءة ممن علمت أنه يقول بخلاف الحق ~~ويعمل به، وندعوك إلى الوقوف عمن لا تعلم حتى تعلم. قال أبو النظر؟ فلما ~~سمعت هذا من كلامهم علمت أنه دين الله الذي ارتضاه، قال: فقبل الإسلام وكان ~~خيرا فاضلا وله فضل في المسلمين وشرف، قال: ويحضر المجالس فأول من يتكلم ~~هو، وقد قال الإمام أفلح -رضي الله عنه-: عليكم بدراسة كتب أهل الدعوة لا ~~سيما كتب أبي سفيان. # ---------------------------------- # 1- يعني بهذا سيرته التي كتبها في التابعين وم بعدهم من أئمة الاباضية ~~رحمهم الله وقد اعتمدها صاحب الطبقات ونقل عنه كثيرا وهو المعني بأبي ms143 سفيان. # 2- هكذا العبارة في جميع النسخ فتأملها. # 3- يعني آية البر من سورة البقرة # 4- لعل الصواب كمن لم يكن منكم # 5- لعل الصواب وأن يدعى إليه بالبناء للمجهول. # 6- ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) # 7- كذا في النسخ ولعل الصواب وهم الممتنعون عن سرور الدنيا # 8- لعلك تلاحظ أيها القاريء شيئا من الغموض في الفقرات الأخيرة وهذا هو ~~ما وجدناه في النسخ التي اعتمدناها جميعا وما يوجد بين مطتين زيادة منا ~~لتستقيم العبارة. # أبو غسان مخلد PageV02P082 ومنهم أبو غسان مخلد بن المعرد -رحمه الله- ~~أحد علماء علم الفروع والكلام، والمناضلين عن كلمة أهل دعوة الإسلام، وممن ~~نجب من أصحاب أبي عبيدة وضح يده في العلوم وأيده، إن أفتى فالشمس مشرقة ~~الشعاع، وإن ناظر فالقمر مقتد في البقاع، وهو أحد من أفاد واستفيد منه، ~~ورويت الأحاديث والفتاوى عنه. # قال أبو سفيان جاء رجل إلى مخلد بن المعرد فقال له: يا أبا غسان، إن عبد ~~الله بن عبد العزيز وجماعة معه يقولون من أفتى الناس بما لا يعلمونه حقا، ~~فان لهم أن يقفوا عنه، فقال له أبو سفيان: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: فارجع ~~إليه وقل له: يا ابن عبد العزيز ما تقول فيما أفتيتنا به من أمر حجتنا فإنا ~~لا نعلم ما تقول حقا ألسنا يجب لنا أن نقف؟ قال: ففعل الرجل فقال له ابن ~~عبد العزيز: أنت رجل شغب، ولم يجب بشيء فانصرف الرجل إلى أبي غسان فاعلمه ~~بذلك، فقال أبو غسان: إن الذي قال لا يجوز في الدين ولا يسع نقض ولاية أهل ~~الدين إلا بما يسع مفارقتهم. # ومن هذه الطبقة حملة العلم الخمسة وقد تقدم من ذكر مناقبهم وسيرهم ~~وأحوالهم، في أثناء ما بسط من الأنباء للدولة الرستمية، ما فيه كفاية، ~~-رحمه الله- عليهم أجمعين. # الطبقة الخامسة 200-250ه : 1- أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني # منهم الإمام أفلح بن عبد الوهاب - -رحمه الله- - هو ومن ms144 ولي من ذريته قد ~~تقدم أيضا من أخبارهم في مواضعها ما أغنى عن إعادته. # ومنهم أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني -رحمه الله- قد ذكرنا من نفوذه في ~~الأمور وامضائه وقيامه بالمدافعة عن نفوسة وضيائه، وأدائه الأمانة ووفائه، ~~أحوالا مستحسنة المواقع، مستحلات في المسامع، إلى ما طبع عليه من الورع ~~واطراح الحرص في الدنيا وترك الطمع وهو أحد علماء نفوسة، الموصوفين ~~بالأخلاق النفسية. # أبو زكرياء التكوتى PageV02P083 ومنهم أبو زكرياء التكوتي، وأبو مرداس ~~مهاصر- رحمهما الله - بلغا في العلوم النهاية، وجريا في أمر الصلاح إلى ~~أقصى غاية، إلا أن أبا مرداس ممن هرب، وقنع بالخمول واعتمد على أن ما عدا ~~أمر المعاد فصول، وأما أبو زكرياء فكان علما لكل الفضائل، ومعلما لكل ناهل، ~~وذكر أن أبا مرداس كان يصلي في المسجد إذ سمع قائل يقول: من يعطيني شيئا ~~الليلة، ينجيني وكان ذلك في مجاعة عظيمة فلما قضى أبو مرداس صلاته، قال: ما ~~يقول هذا ؟ فأخبروه، فقال لهم: بادروه فقد أقام عليكم الحجة فابتدورا إليه ~~فوجدوه خلف جدار المسجد ميتا ففرضوا ديته، فأدى أبو مرداس ما ينوبه منها، ~~وذكر أبو الربيع عن شيوخه أن أبا مرداس كان إذا أراد زيارة إخوانه بتاهرت ~~يجمع ما بالجبل من أموال الوصايا مما كان فيها من فضل عما عينت له فيحمله ~~معه إلى تاهرت ليقوى به بيت مال المسلمين، ويتوخى في ذلك انتفاع أصحاب ~~الوصايا. # أبو مرداس مهاصر يتحرج من إراقة دماء الموحدين # وذكر أن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه قال: ذاكرت أبا مرداس في الوجوه ~~التي يحل بها أو بأحدها إراقة دماء الموحدين، فذكرت أحدها فتنكر وكره، ~~فأمسكت عن باقيها ثم ذكر الإمام أربعين وجها وقيل سبعين وجها يحل بها دم من ~~فعل شيئا فكيف لو سمعها أبو مرداس كلها على تحرجه. PageV02P084 # وعن أبي مرداس أنه رأى خطأ من غير قصد امرأة مكشوفة الرأس فصام سنة كفارة ~~على ذلك لكثرة اجتهاده، وكان ذلك في أيام الربيع وقد خرج الناس ولم يبق في ~~البلد إلا أبو مرداس فنظرت ms145 المرأة في البلد فقالت: ما بقي في البلد غير أبي ~~مرداس ومثله لا أتحفظ عنه فرقت الدرج، فرآها، وذكر أن أبا مرداس فرغ ماء ~~وضوئه فخرج يطلب الماء فطلبه من سبعة أبيات من جيرانه فلما لم يجد رأى أن ~~قام عذره فعدل إلى التيمم، وعنه أنه قال: قد كفرت جارتنا اليوم مرارا، وذلك ~~أنه سمع صوتها من خيمة إلى خيمه، وبينهما سبع قامات، ولعل الذي نسب إليها ~~من الكفر إنما هو ألفاظ لم يقصد بها الكفر، وربما كانت ممن لا ينبغي ~~مخاطبتها بالتعليم والإرشاد، فقال هذا القول منه ليسمعه من كان ينهاها ~~ويعلمها، وذكر عنه أنه كان إذا قدم تاهرت فحصد الناس زروعهم، ولقط اللقاطون ~~السنابل التي تبقى بعد اللقاطين ورعي المواشي تعقبهم أبو مرداس فيلقط ما ~~يقوم بقوت عام، فيعتقد أن الذي بقي بعد اللقاطين ورعي المواشي إنما هو متروك. # ستشملنا اللعنة إذا سكتنا عن المنكر # وذكر عنه أنه كان بتاهرت ذات مرة فسمع رجلا يدعو رجلا آخر إلى الحق، فلم ~~يجب دعوته وأعرض عنه فجاء أبو مرداس إلى دار الإمام فجعل يضرب فيها ~~بالحجارة ويقول: بهلة"1" الله اليوم على من سكن هذه البلدة، فقال رجل ~~للإمام: كيف نحن وهذه التي يذكر أبو مرداس، فقال نحن في وسطها إذا لم نأمر ~~بالمعروف وننهي عن المنكر، والإمام حينئذ مشتغل بغسل يوم الجمعة، وكان أبو ~~مرداس إذا نزلت عنده نازلة من مسائل الدماء كتب بها إلى عبد الخالق الفزاني ~~يستفتيه، فيكون العمل بما يجاوبه به، وذلك لكونه يرى عبد الخالق أعلم أهل ~~زمانه بالدماء وأحكامها. PageV02P085 # وبلغنا أن رجلا من أصحابنا من أهل المشرق أقبل من بلاده يريد زيارة أهل ~~الدعوة بالمغرب، فاجتاز بجبل نفوسه فتصفح أحوال أهل الجبل واختبر كل من ~~يأويه إليه منهم، ثم توجه إلى الإمام بتاهرت، ولما وصلها تصفح أحوالها ~~وأحوال من بها فسأله أهل تاهرت عن جبل نفوسة فقال لهم: الجبل هو أبو زكرياء ~~وأبو زكرياء هو الجبل، وأما أبو مرداس فكالغزال نفسي، نفسي، وأما أبو ~~العباس ms146 ففتى مقرعي - يصفه بالشدة والنجدة - فلما رجع المشرقي إلى الجبل ~~سألته نفوسة عن أهل تاهرت، فقال: ليس بها أحد غير الإمام ووزيره مزور بن عمران. # وبلغنا أن أبا مرداس كلف بأمر آخرته فأضاع أمر دنياه وكان مقترا عليه، ~~يذكر أنه شاور بعض أخوانه في التزوج وسأله أن يخطب له امرأة تصلح به فطاف ~~بالجبل فلم يجد أيما إلا واحدة مجنونة، فأخبرها أن أبا مرداس أرسله ليخطب ~~عليه امرأة، فقالت له: فأنا أجبت خطبته، قال: فأتى الرجل إلى أبي مرداس ~~فأعلمه بما كان من جواب المرأة وعرفه بحالها، فقال أبو مرداس: أما إذا ~~اختارتني فأنا أتزوجها، فتزوجها أبو مرداس ومكث معها دهرا وكانت من أفضل ~~نساء نفوسة وأحسنهن وأرفعهن ذكرا وذلك ببركة الشيخ وموافقته، قلت لعل الذي ~~ذكر في وصفها بالجنون إنما هو الوسوسة وشراسة الأخلاق، أو ممن يجن ويفيق، ~~وإلا فكيف ينعقد النكاح على مجنونة لا تفيق؟ وأما ما أذهب الله عنها فلا ~~ينكر، وهي أيضا من الكرامات نحو ما تقدم من أمثال ذلك في هذا الكتاب. # ----------------------- # 1- اللعنة والطرد # أبو ميمون الجطالي # ومنهم أبو ميمون من أهل ايجطال من نفوسة الجبل -رحمه الله- ممن له في ~~الآخرة رغبة وترغيب ولم يكن له في دنياه أكثر نصيب، وكان ذا جد في العلم، ~~والاجتهاد وسعي في العبادة ومنافع العباد، وكان ممن يعد في الشيوخ وممن ~~قدمه في العلم ذا رسوخ، وكان ذا تفقد لمواضع المعروف وذا إيثار على ما كان ~~عليه من الإقلال والإقتار. # أبو ميمون تصدق فيه فراسة أمه PageV02P086 ذكر جماعة من الشيوخ أنه كان ~~بجبل نفوسة بايجطال امرأتان ولكل واحده منهما ابن صغير فسألت كل واحده ~~منهما الأخرى ما ظنك بابنك وما ترين فيه؟ فقالت إحداهما: أراه أن يكون ~~عالما، وقالت الأخرى: أراه أن يكون عابدا، فسألت كل واحدة منهما صاحبتها ~~بماذا استدللت على ما قلت؟ فقالت أم العابد: أرى ذلك لأني إذا كنت في ~~الصلاة سكن وترك البكاء والتنغيص، فإذا خرجت من الصلاة واشتغلت بغيرها أكثر ~~البكاء والتنغيص، فقالت الأخرى: ms147 أرى ذلك لأني إذا شهدت مجالس الذكر والعلم ~~سكن واطمأن قلبه لذلك ولم يتحرك، وإذا كنت في غيره أكثر البكاء والقلق، ~~فصدقت فراسة كل واحدة منهما فكان العالم منهما أبو ميمون المذكور قيل وكانت ~~حلقة تجتمع على أبي ميمون يدرسون العلم ويأخذون السير إذ خطر ببال أبي ~~ميمون أن ينظر في التزويج من بلد غير بلده، فمضى ومضى معه تلامذته وهم ~~متمادون على دراستهم واجتهادهم ولم يغتروا في مقام، ولا في رحيل فتزوج أبو ~~ميمون وابتنى بامرأته فكان التلامذة مواظبين على درسهم عاكفين على عزمهم. # وذكر أن زوج الشيخ قالت: لما رأيتهم أقبلوا أبصرته أقصرهم قامة، فلما ~~حلقوا عليه وأقبل كل واحد منهم يسأل والشيخ يجيب، رأيت حينئذ الشيخ أطولهم ~~أعظمهم. # معاذ الله أن أكون واجدا وتكونوا معدمين PageV02P087 وذكر أبو الربيع عن ~~أبي محمد عبدالله بن محمد وسمعته من غير واحد، أنه قال: استودع رجل عند أبي ~~ميمون وديعة دنانير، وسافر عن جبل نفوسة وطالت غيبته، فوقعت في جبل نفوسة ~~مجاعة عظيمة واشتدت عليهم الشدة، حتى اضطروا إلى أكل الميتة، ثم إن صاحب ~~الوديعة قدم فقصد دار الشيخ أبي ميمون، فسلم عليه ورحب به، فوجد قدرا يفور ~~باللحم، فسأله الرجل عن الوديعة فقال له: هي حيث دفنتها فاحفر عنها وارفع ~~وديعتك فحفر في الموضع الذي دفنها فيه قال المخبر: وفي أثناء ذلك وقع في ~~قلب صاحب الوديعة شيء مما يقع في القلوب من التغيير وساء ظن نفسه بالشيخ، ~~لما لم يعرض عليه المقام لتناول الطعام، وهو قادم بعد طول المغيب وبعد عهد ~~بالمزار، مع ما تعهده في الشيخ من الإيثار، فلم يتمالك إن تكلم بما في قلبه ~~ولم يكف عن غربه في عتبه، حتى إذا استوفى ما عنده قال له الشيخ: احمل ~~وديعتك وعد عما سواها، فإن الذي في البرمة مباح لنا وليس لك بمباح، قال: ~~وما هو؟ قال: الميتة اضطرنا إليها الجوع والقرم، ولست أنت بمعدم، قال: معاذ ~~الله أن أكون واجدا وتكونوا معدمين حتى تستوجبوا أكل الميتة فدفع ms148 له عشرين ~~دينارا، فقبلها منه وأمر بانكفاء القدر وعالج من العشرين دينار ما أكلوا ~~وأطعموا ضيفهم. # أبو المنيب محمد بن يانس PageV02P088 ومنهم أبو المنيب محمد بن يانس-رحمه ~~الله- المجالد لنفسه المتصف بالمآثر في أهل جنسه ذو الدعوات المجابات، ~~والخشوع والإنابة، وكرامات تضاهي المعجزات يخل بالدنيا، ويفرغ لأعمال ~~الطاعات قد تقدم من وصف أحواله وما كان عليه من المجاهدة والقيام والصيام ~~وخدمة أصحابه الذين وفدتهم نفوسة مددا للامام، ما يدلك أنه أهل لإجابة ~~الدعاء، لا تسد دونه أبواب السماء، وهو ممن سمع العلم وسمع منه، وأخذه عن ~~أهله وأخذ عنه، لدعائه المستجاب وكراماته التي هي العجب العجاب، وسنذكر من ~~ذلك ما أمكن وأن أسره فقد أبى الله إلا أن يعلن، ذكر عن أبى زكرياء التكوتى ~~أن محمدا بن يانس كانت له غنيمة لا راعي لها، فكان إذا أصبح وأراد أن ~~يرسلها إلى المراعي يقول لها: أنهاك أن تضري أحدا وأنهى أن يضرك أحد، امضى ~~في حفظ الله، قال فتسرح فتمر في أوساط الزرع فلا تضر شيئا، ولا تأكل غير ~~الحشيش والمباح الذي لا حق فيه للناس، حتى تروح على ربها سالمة، لا يطمع ~~فيها سارق ولا يضرها ذئب، ولا ضبع ولا سبع. # محمد بن يانس يتفرغ للحسبة PageV02P089 قيل وكان دأبه الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وكان يتفقد المزارع والجنات والطرقات محتسبا ثواب لله، ~~فمتى وجد أحدا هم بإفساد شيء من ذلك، أو بإدخال ضر على أحد من المسلمين ~~صرفه عن ذلك، وحال بينه وبينه، وكان لا تمسه غفلة عن هذا الشأن، ومع كثرة ~~عبادته فقد جعل هذا من أوكدها، قيل فلما كان ذات يوم وجد ثلاثة أخوة وقد ~~عزموا على ضرر قد قصدوا به غيرهم، وقد أخذوا في عمله، فنهاهم عن ذلك فقاموا ~~إليه ونالوا منه وعاملوه أقبح معاملة، فسمعت قبيلته وأهل منزله بالذي ناله ~~من القوم، وأرادوهم بضر، فنهاهم محمد عن ذلك وقال ما نالوا منى شيئا إلا ~~وقد نلت منهم أكثر وأعظم، فسار أحد الاخوة الثلاثة فطلع إلى كبار رآها ms149 ~~متعلقة بالجبل فوقع فلم يصل إلى الأرض إلا وقد تمزقته جروف الجبل، فلم يجمع ~~لحمه الا بالإبرة فيما ذكر، ومضى الثاني إلى بئر يسقي منها، فسقط في البئر ~~فوجدوا رأسه موشوقا كرأس بصلة بين الصخور، ودخل الثالث داره فبلاه الله ~~بالانتفاخ فانتفخ حتى انشق بطنه، وكان ذلك في يومهم الذي كان فيه ما كان ~~منهم إلى الشيخ، نعوذ بالله من العقوق. # كرامة يظهرها الشيخ لرفيقه # وذكر عنه أيضا أنه كان له سبعة مساجد بعضها في الجبل وبعضها في السهل ~~فكان لا تفوته الصلاة في كل مسجد منها كل ليلة وهو شيخ كبير. # وذكر عنه رافق رجلين لا أدري إلى الحج أم إلى تاهرت، فلما كانوا ببعض ~~الطريق قال أحدهما: أتتمنى الآن ماء عين كذا- يعني عينا ببلده - وقال ~~الآخر: أتمنى هاهنا لبنا، فقال لهما محمد: إن كتمتما ما تريانه يحضر ما ~~تمنيتماه، فحل فم سقاء فصب منه لبنا على الصفة التي تمناها صاحبه، ثم صب ~~للآخر ماء لا يشكون أنه ماء العين المذكورة التي تمنى ماء من ماءها، ~~وكلاهما من سقاء واحد لم يتقدم فيه غير ماء من مياه المكان الذي كانوا فيه ~~وذلك بقدرة الله عز وجل وإكرامه وعرفه وخدمته. PageV02P090 # قيل ودخلوا في توجههم هذا مدينة من المدن فمرت بهم امرأة في أيدي الشرط ~~يغلونها، وهي تصيح: أغيثوني معاشر المسلمين فأغاثها محمد بن يانس، وسل ~~سكينه ودافعهم حتى خلصها منهم، فحملوه إلى السلطان وقد هرب أصحابه، فقال: ~~ما حملك على انتزاع المرأة من أيدي خدامي؟ قال: سمعتها تصيح بالله ~~وبالمسلمين فلم أتمالك ولم أر في ديني أن أسلمها فأمعن النظر فيه طويلا، ثم ~~قال: تركناها لله وإجلالا لحقك يا حاج، فرجع إلى أصحابه فوجدهم مستخفين، ~~فقال لهم: ما حملكم على هذا؟ قالوا: خفنا من سوء عاقبة ما اجترأت عليه، ~~فقال: إنما كان قيامي في الله وهو أعلم فليس بمضيعى ولا خاذلنى ولم اغضب ~~لله قط إلا ونصرني ونجاني ثم تلا: ) وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا ~~يمسهم السوء ولا هم ms150 يحزنون( (الزمر:61) # وفي هذه الحكاية ما يدل على انهم إنما كانوا في طريق الحج والله أعلم. # يقتصر على القليل من الزاد أثناء تفرغه للعبادة # وذكر عنه أنه كان إذا مضى إلى غار يتعبد فيه يعد زادا قليلا فليبث في ~~الغار المذكور المدة الطويلة التي يفنى في بعضها أضعاف ذلك الزاد، فكانت ~~هذه حالته حتى ساء ظن امرأته وحسبت أنه قد تزوج غيرها، وأن التي تزوج هي ~~التي تقوم بطعامه المدة التي يفنى فيها زاده فتوجهت امرأته إلى الغار، ~~فدخلته في خفية على حين غفلة، وكمنت بحيث لا يشعر بها بعلها وراقبت إلى وقت ~~افطاره، فلما صلى ما شاء الله كما كان يصلي قبل تلك الليلة تحول إلى شجرة ~~رتم أم تمام فأخذ منها فافطر عليه، وأكل منه ما اقتات به، حتى اكتفى فلما ~~وجدت الأمر على خلاف ما حسبت، وعاينت ما عاينت، قالت له: أو دأبك على هذا؟ ~~فقال لها: كلي يا أمة الله فأكلت طعاما نهاية في الحلاوة، ثم حملت ما قدرت ~~عليه من ذلك الطعام وأتت به إلى البلد، وأخبرت أهل البلد بما شاهدت ~~وناولتهم وقالت لهم: كلوا فلما ذاقوه وجدوه مرا مضرا. # أبو خليل اليدركلي PageV02P091 ومنهم أبو خليل من أهل ايدركل -رحمه الله- ~~شيخ الجماعة النفوسية الأخيار وأول من أخذ عن الخمسة حملة العلم الأخيار، ~~ومن أثبتت أخباره في مشهور الأخيار ورويت عنه السير والآثار، ذكر أبو ~~الربيع أن أبا خليل -رحمه الله- يقول: والله ما أنتم إلا على الجادة، ولا ~~تركتكم إلا على الواضحة المنيرة، وما بيني وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، غير ثلاثة لم أرهم وذلك لأنه أخذ عن ابن عباس وعن غيره من الصحابة ~~رضى الله عنهم وروايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، . # شهادة المشائخ له عند احتضاره # وذكر شيوخ من أصحابنا أن أبا خليل لما حضرته الوفاة اجتمعت عليه الشيوخ ~~فقال لهم: كيف حالي عندكم؟ فقالوا له: خير حال عبدت ربك العمر الطويل ~~وتعلمت العلم وعلمته وعلمت السير والأخلاق، فقال لهم: ms151 أبهذا تشهدون لي عند ~~الله؟ قالوا نعم، قال: اكتبوها هاهنا فكتبوها في رقعة، فقال لهم: إذا مت ~~فاجعلوا الرقعة فيما يلي جسدي تحت الكفن فتوفي - رحمه الله - على مائة ~~وعشرين سنة وعقله محفوظ، فلما جهزوه جعلوا الرقعة بين جسده وكفنه فلما ~~أصلحوا القبر وألحدوه ورمسوه، وقفوا وخطوا عليه الحريم، فإذا كتابهم الذي ~~فيه شهادتهم ملقى فوق تراب القبر، فرفعوه فإذا فيه غير خطهم الذي كتبوه ~~فقرأوه فوجدوا فيه: هو عندنا كما هو عندكم. # يقتل الجاني خوفا على أولاده أن يكونوا جناة PageV02P092 وذكر أبو الربيع ~~أن ولدا لأبي خليل قتل وترك يتامى فأخذ الشيوخ قاتله، فقادوه لأبي خليل، ثم ~~سألوه أن يعفو عنه فقال لهم: دعوني الليلة أدبر رأيي فمضوا وتركوه عنده، ~~فأمر بالجاني فأضجع وذبح فلما أصبح غدوا إليه فوجدوا القتيل مذبوحا، ~~فاستعظموا ذلك وأنبوه عليه، فكان مما خاطبوه به أن قالوا: اجتمعت في قصتك ~~هذه ثلاثة أشياء: ائتمناك عليه، وسألناك العفو، واستعنت عليه بغيرك! فقال ~~لهم: أما قولكم أمانة فمحال وإلا فما تقولون في رجل أتى إلى رجل بمال، ~~فقال: هذا ملك أمانة عندك هل يأكله أم لا ؟ وأما سؤالكم العفو وهو خير ~~فصحيح، ولكني خفت على أولادي أن يكونوا جناة بأن يقتلوا غير القاتل أو ~~يقتلوه، وليس ذلك لهم، وأما قولكم استعنت عليه بغيري، فما تقولون في شأن ~~الضحية هل على من استعان عليها بغيره من جناح. # قلت لعل اليتامى الذي خلف ابنه إناثا لا ذكر معهن، ولو كان معهن ذكر لكان ~~أولى بالدم من أب المقتول، ولا يصح غير هذا، إذ لا ينسب إلى أبي خليل هذه ~~السقطة على جلالته وصلاح حالته، ومكانه في العلم والدين أن يتعمد قتل من لا ~~سبيل له عليه. # يحث أولاده على ملازمه مجلس العلم والبحث عنه # وروي أن أبا خليل كان يقول للتلاميذ سيروا إلى الحلقة واقصدوها حيثما ~~كانت يا كسالى، فان رجلا قد سار من الجبل إلى فزان والي غدامس، وإلى ~~الساحل، رغبة في الحلقة وفيما يستفيده، فلقيه في الطريق ms152 قطاع، فدافع عن ~~نفسه حتى جرح سبعة عشر جرحا فظنوا أنه قد مات فتركوه فوجد في نفسه النهوض ~~فنهض، ودخل موضعا يقال له وعمان، ومكث فيه أربعين ليلة بلا طعام ولا شراب ~~غير أنه يرى في نومه من يطعمه ويسقيه، وخرج من الموضع وهو أصح شيء، وكأنه ~~لم يصبه ألم وذلك بفضل الله وحسن نية الرجل وجميل قصده. # أبان بن وسيم PageV02P093 ومنهم أبو ذر أبان بن وسيم النفوسي -رحمه الله- ~~طود العلم الشامخ، وحصن الورع الباذخ، ودع أهل الدنيا بعد حين، ورجع إلى ~~الله فهو في حلبة المفلحين، وأحيى السنة من البلى وذلك ببركة الصالحين، ~~وكان ذا سعة في المال والعلم وممن وسع أهل زمانه ما لديه من المعروف ~~والحلم، فكان أمضى من الحسام متى أفتى، جامعا من المحامد لمعان شتى، وقد ~~أوتي من كرامات الأولياء ما أوتي أمثاله، لم تزل ملازمة الصلاح أحواله، ~~مصدقة أقواله أفعاله. # كان الشيخ يجل ويحترم من يتعلم العلم لله PageV02P094 كان أبان ممن قرأ ~~على أبي خليل وكان معه طالب آخر يعرف بابن مؤنسة، يقرآن جميعا على أبي ~~خليل، فكان أبان متى دخل على الشيخ فوجده مضطجعا أو متكئا أو مسغشيا ثيابه ~~انحفز واستوفز"1" وجلس ومستويا، فأخرج رأسه من ثيابه احتفالا به، واهتبالا ~~لشأنه، وإذا دخل عليه ابن مؤنسة فوجده على أي حال كان، بقي عليه لم يتحرك، ~~ولم يتحول استخفافا به، فكانوا على هذه الحالة الموصوفة مع كل واحد منهما، ~~حتى قال حفيد الشيخ أو ابن أخت له: هل علمت ياشيخ أن قد تكلم فيما تقابل به ~~كل واحد من تلاميذك؟ قال له الشيخ بالبربرية " يا مبتلى" أفطنت لهذا يا بني ~~أن أبانا يتعلم العلم لله، وابن مؤنسة إنما يتعلم العلم ليؤذي به، ويؤذى، ~~فكانا كما تفرس فيهما الشيخ - -رحمه الله- - وذكر أن أبانا تزوج امرأة فلما ~~انعقد عليها نكاحها زارها في بيتها، ورام ارخاء الستر عليها هنالك، فلما ~~وصل بيتها استأذن عليها، ففتحت الباب فقالت: من هذا؟ فقال: أنا ابان قد ~~زوجنيك وليك، فأغلقت الباب ms153 في وجهه، وقالت: إنك وإن كنت أمينا لمحتاج إلى ~~أمناء، قلت: ولعمرك إن هذه لمن زلات العلماء، وإن المرأة لأولى بالصواب منه ~~لوجوه كثيرة ولم نذكر هذه الحكاية لتطلع منها( على) عورة الشيخ، بل لتعلم ~~إنها نظرت بمرآته واستضاءت بنوره، وشملتها بركته، وكان الأولى أن يعلمها ~~بذلك وليها، وشهود عقد النكاح، وحينئذ يحاول في أهه ما شاء، ولئن فعل فإنه ~~لم يأت أثما ولا حاب حوبا. # أبان سهل للناس في ثلاث مسائل شددوا فيها PageV02P095 ومما شكره عليه ~~الشيوخ بجبل نفوسة أنه رخص للناس في ثلاث مسائل: أفتى فيها وشهد له كلهم ~~بالصواب، الأولى: أن النساء قد كن في رمضان متى كن في انتظار أيام الحيض ~~إذا أقبل الليل يوقدن النار الليل كله خشية أن يفاجئهن الأمر ولا علم ~~عندهن، فكان ذلك أشد شيء عليهن تعبا ونصبا، فقال لهن أبان: أيما امرأة منكن ~~أحست شيئا من ذلك فلتجعل علما فكل ما رأت على علمها بعد الصبح فاستدلت به، ~~حكمت بذلك ويجزيها، الثانية: أن نساءهن المرضعات كن يرين أن وضوءهن منتقض ~~بأفواه أولادهن فمتى أرضعن أعدن الوضوء في كل وقت صلاة لأجل أفواه الرضع، ~~فقال لهن: أيما امرأة حفظت فم ولدها ومسحته فأرضعت وهي متوضئة فلا ينتقض ~~وضوؤها، الثالثة: أنهن إذا عملن غزلا قد صبغها اليهودي، فمسته رأين أن ~~وضوءهن قد انتقض لمسه، لأن اليهودي نجس، فقال لهن: أيما امرأة مست صباغ ~~اليهودي فليس عليها إلا غسل يديها، وليس عليها إعادة وضوء. # مكانة أخيه تحفزه على التعلم والاجتهاد رغم الكبر PageV02P096 ذكر غير ~~واحد أن بدأ أمر أبان بن وسيم ورجوعه إلى الله وتركه ما كان فيه من الخوض ~~في غمرات الدنيا، أنه كان هو وأخ له اسمه سعيد يكنى أبا محمد مريضين، وكان ~~أخوه أسن منه، وكان متقدم التوبة فاضطجعا في غار واحد، وكان مضطجع أبي محمد ~~داخل الغار، وأبان مما يلي باب الغار، وكان الشيوخ والعواد يدخلون ليعادة ~~أبي محمد فيدخلون، ويتجاوزون أبان، وينتهون إلى سعيد فيجلسون إليه، ~~ويؤنسونه، ويحفون به ms154 ويختلفون إليه ويسألونه عن حاله، وعما يشتهي، فإذا كان ~~عند انصرافهم دعوا الله أن يشفيه، ثم يتجاوزون على أبان لا يختلفون وغايتهم ~~أن يقولوا كيف حالك يا أبان؟ يا ضعيف؟ وربما دعوا له بالشفاء، فكان ذلك لما ~~أراد الله به من الخير والصلاح زجرا له عما كان عليه، وردعا، فإذا سألوه ~~هذا السؤال قال: فإن فرج الله على أبان سيريكم ما يصنع وتقفون على خبره، إن ~~شاء الله، وفرج الله عليه فوفى بما اعتقد، وتاب ورجع إلى الله تعالى، فكان ~~في حلقة أبي خليل مواظبا للدراسة، عاكفا على القراءة، والمطالعة، حتى بلغ ~~الغاية بالعلم والورع والاجتهاد في العبادة. # لكن زمان نذير وأنت نذير زمانك # فبلغنا أن شيخه أبا خليل قال له يوما وقد أعجبه ما هو عليه واستسر بما ~~انتهى إليه: اعلم أن لكل زمان نذيرا، وأنت نذير زمانك، يا أبان افت الناس ~~بما لا بأس به من الرخص يكون ذلك لهم عذرا، عند مولاهم، فسأله رجل: عمن أكل ~~يوما يحسب أنه أكل ليلا وهو صائم فإذا هو أكل بعد الصبح فتجهم له وأغلظ ~~عليه، وشدد حتى بدا في لسانه تلجلج والتواء، وقال: يحمل أحدكم الشره والنهم ~~حتى يأكل صباحا، ثم يطلب المخلص ثم أفتى له بأن صومه لا ينهدم، وأمره أن ~~يقضي يوما مكانه. # تحفظ من المطر لطاعتها لزوجها PageV02P097 وذكر أن ابنة لأبان جاءته ~~زائرة فصب مطر غزير يمنع من التصرف، فقال لها: بيتي الليلة عندنا، فقالت: ~~لم يأذن لي في المبيت، إنما أذن لي في الزيارة فقط، تعنى بعلها، قال: ~~فتمادى المطر يهطل وأقبل الليل، فعلم الشيخ أن الذي قالته هو الواجب، وأن ~~امتناعها من أجابته هو الصواب، فقال لها: إذا فسيري في حفظ الله وستره، ~~فمضت إلى زوجها ومنزله بعيد فأدركته والمطر يضرب ولم تقطر قطرة مطر، ولا ~~وقعت على ثيابها، فمرت بناس في سباط المنزل قد حبسهم المطر، وجمعهم هناك، ~~فلما رأوها وكيف حفظها الله عز وجل بدعوة والدها، جعلوا يتعجبون ويذكرون ~~الله عز وجل ولطفه ms155 بعبادة الصالحين. # كيف كان الناس وكيف أصبحوا # ومما حفظ من كلامه في ذم الزمان وأهله، أنه قال: " قد أدركنا الناس الذين ~~هم الناس محادثتهم ذكر الله تعالى، وزيارتهم في الله تعالى، ومعانقتهم في ~~الله تعالى، ومحبتهم في الله تعالى، وبقينا حتى أدركنا ناسا محادثتهم ذكر ~~الدنيا، وزيارتهم لتقاضي الحوائج ومعانقتهم نطاح"2" ومن كراماته أن ذئبا ~~أذاه في بستانه فدعا عليه، فوجده من الغد منتفخا، وذكر أن أبانا قال يوما ~~لأبي عبيدة عبد الحميد: علينا ولاية الأشخاص فأبى له أبو عبيدة، فلما رآه ~~أبان كذلك دخل بيته وأخذ سلاحه وخرج، وقال له: لتعتقدن هذا وتدين به، قال: ~~فلما رأى أبو عبيدة صر يمته وعزيمته، قال: من أين أخذتها يا أخي؟ قال: ~~أخذتها من الذي أوجب علينا طاعتك يعني الإمام عبد الوهاب، فقبل أبو عبيدة ~~الحق وتبين له. # ---------------------------- # 1- جلس مستويا متهيئا للقيام # 2- يعني أنهم يتعانقون بأبدانهم ومشاربهم وأفكارهم مختلفة فعناقهم كأنه ~~نطاح لا لمحبة وأخوة. # أبو مهاصر موسى بن جعفر PageV02P098 ومنهم أبو مهاصر موسى بن جعفر- -رحمه ~~الله- - شيخ النسك والتبتل، والمكرم بالدعاء المستجاب، المتقبل، رفض شهوات ~~النفس وباعدها، فبان بأسنى المنازل، واستوجب الرقي في درجات الرقي في درجات ~~الأفاضل، ازدرى أهل الدنيا وهم يرون أن قد أزدروه، وباع حظه منها حين بذلوا ~~فيها نفائسهم واشتروه، وتحقق أن من اشترى الدنيا غبن، وجاء عليه الدرك فمن ~~عرف ما تلاك هان عليه ما ترك، وما هو في تحصيل العلوم بذي تقصير، ولا باعه ~~فيها بتقصر، إلا أن النسك أغلب عليه، والمجاهدة أقوى يقينه. # يذم البادية لأنه لا يتمكن فيها من الطهارة PageV02P099 حدث جماعة من ~~المشائخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع، هو ~~وعمروس بن فتح - رحمهما الله - فلبثا أياما على غير ماء في برية من الأرض، ~~لا يجدون ما يتوضأون به، إنما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمموا وصلوا، وتكدر ~~خاطر أبي مهاصر لذلك حتى قال ذاما لهذه الحال: قلوب تربو عليها الشحوم مما ~~سمنت، ووجوه تعلوها الغبرة، قلت: سلامة ms156 الدين مع أهل الوبر، إنما الدين في ~~المدر، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لإتباع شهواتنا، وإني لأخاف أن ~~أكون ممن عاب الله عز وجل، فقال فيهم: ( أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا )(مريم: من الآية59) فرد عليه عمروس بأن قال له: ليس في ذلك ~~ما تخافه فقد أباح الله التيمم عند الضرورة، فأبان ذلك في كتابه وعلى لسان ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، وذلك في ابتغاء الفضل، وقطع الفيافي المجاهل من ~~الأرض، وقال: (وابتغوا من فضل الله ) (الجمعة: من الآية10) وقال: (عابري ~~سبيل ) (النساء: من الآية43) وقال: (فلم تجدوا ماء ) (النساء: من الآية43) ~~فلن يقنع ذلك جميعا أبا مهاصر بل ارتحل راجعا إلى منزله، قيل وأنه استصحب ~~معه من الزبد وغيره ما يتحف به أهل منزله، فلما وصل جعل يهدي إلى كل دار من ~~ديار قريته ما أمكن، حتى لم يبق بقريته أحد إلا وقد قات من ذلك قدر له، حتى ~~يهودي ضعيف كان معهم ساكنا، فأناله من ذلك، وقال اليهودي: وأنا أيضا لم ~~ينسني اللهم لا تنسه من رحمتك برحمتك، فقال عند ذلك: وهذا ما أردته منك يا ~~يهودي يعنى الدعاء، قلت: ولعله أراد ما يعطفه ويلين، فيدخل الإسلام، وإلا ~~فمثل أبي مهاصر لا يجهل قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله )(المجادلة: من الآية22) قيل وجمع أبو ~~مهاصر من الصبيان فأعطاهم حتى هرة كانت معهم، وقد قيل جروة فدعا له الصبيان ~~PageV02P100 ربهم، ولقد شوهدت الهرة عند اختلافهم وهم في الدعاء شائلة يدها ~~معهم كهيئة الداعي إلى الله تعالى فيما ذكروه، فقال من شاهد ما شاهد: أن ~~الله خلق الرأفة والرحمة وأسكنها قلوب المؤمنين، وخلق القسوة والجفوة ~~وأسكنها قلوب الكافرين، وجواب أبي مهاصر قد حكي مثله عن أبي مسعود رضى الله عنه. # لم تضحكون ممن أتاني وقد أقامت عليكم الحجة؟ # وحدث الشيخ أبو نوح عن غير واحد أن أبا مهاصر كانت له أتان حج عليها سبع ~~مرات، وعادته إذا ms157 خرج متوجها إلى الحج، سار حتى إذا وصل مصلى له كان يتعود ~~الركوع فيه، فيقف هناك يدعو الله، فتنهق الأتان هناك نهقة، فنهيقها يعرفه ~~أهل قريته بانفصاله، ثم لا تنهق حتى يعود، فإذا عاد ووقف بذلك المصلى يصلي، ~~فيدعو فتنهق أيضا، فيعرف أهل قريته أنه قد رجع فيضحك عوامهم وجهالهم، ~~ويقولون: أتسمعون أتانه نهقت؟ فيقول لهم أبو مهاصر: لم تضحكون عليها وقد ~~أقامت عليكم الحجة، وانقطع عذركم في استطاعة السبيل؟ وذكر أن أبا مهاصر خرج ~~ذات مرة في بعض شؤونه فمر بغزاله ترضع طلاها فلما رأته ذعرت، وفرت، وعزلت ~~طلاها، فقال لها أنا أبو مهاصر، ارجعي إلى ولدك، فرجعت، وذكر أنه سمع نقنقة ~~ضفدعة فنزل إليها فوجد علقة متعلقة بعينها فنزعها وقال: آذتك يا ضعيفة ؟ ~~فأومت برأسها: أي نعم. # أبو عثمان المزاتي # ومنهم أبو عثمان المزاتي الدكمي -رحمه الله- ذو الإيثار والسخاء وكرامات ~~الأولياء، المفزع إليه لاستجابة الدعاء، المقصود في الشدة والرخاء، سلك في ~~النسك والزهد أنهج المسالك وتحرى جهده فيما يبعده عن المهالك، وأما العلم ~~فليس هو هنالك، وأبو عثمان هذا ممن سكن بجبل نفوسة، وليس الجبل قديما له ~~بدار لكنه نزله فاستقر خير استقرار، ووسعه ما وسعه في الإسار والإعسار، ~~ولمصيره كأحدهم غلب على أسمه ما غلب على ذلك اللسان، فكان أسمه مشهورا ~~باللغة النفوسية فإذا ذكروه قالوا( باثمان). # باثمان يتعظ بالحيوان الذي يسعى ولا يدخر PageV02P101 فمن كرامته ما ذكر ~~أن مجاعة وقعت بجبل نفوسة فكان عند باثمان غرفة موسوقة شعيرا، فخرج يوما ~~يستقي فلم يجد على البر أحدا يستعين به، فنظر فإذا ذئب فقال له: باثمان ~~بلسان البربرية كلاما ترجمته بالعربية، لم نجد اليوم على الماء سواك فهلم ~~فامسك لي فم السقاء يا آفة الغنم، فأنطق الله الذئب فأجابه باللسان أيضا ~~بما ترجمته أنا ساع في تحصيل معيشتي، إذ لست مثلك يا باثمان، تدخر الشعير ~~الحولي، فذكر أن الذئب أقبل حتى أدخل رأسه بين علاقة السقاء، وأمسك بفمه فم ~~السقاء، فملأ بأثمان سقاءه، وسار الذئب وانقلب باثمان إلى ms158 البلد، فألهم أن ~~ذلك تنبيه من الله عز وجل، وعناية به، فعمد إلى الغرفة فتصدق بجميع ما فيها. # باثمان يدعو الله فيستجيب له # وذكر أن الجبل أقحط سنة من السنين، ولباثمان بستان فجفت أغصانه وتساقطت ~~أوراقه، فقالت امرأة باثمان لابن له: سر إلى أبيك فقل له يدعو الله أن يسقي ~~بستاننا فقد هلك، وسار الصبي حتى قدم على أبيه فلما رآه قال: أبعثتك أمك ~~لاستقي لكم البستان؟ من غير أن يعلمه الصبي بشيء، فقال له: نعم، فدعا ~~باثمان ربه فأرسل الله سحابه فحامت على بستان الشيخ فسقته، حتى فاضت جسوره ~~وسكوره"1" ، فأصبح مهتزا، مخضرا، ولم تجاوز السحابة بستان الشيخ، فاجتاز به ~~شخص كثير الإصابة بالعين، فنظر إلى اخضراره، فقال عجبا لهذا البستان كأنه ~~في النيل ولم يلبث أن جف وذبلت أشجاره، فبلغ الشيخ ذلك فدعا على العائن بان ~~يميته الله فريدا بلا وصية، قيل فخرج من منزله فغدا إلى الحصادين فوجد في ~~طريقه ميتا، فريدا، وقد كتب وصيته فنسفتها الريح، وقيل بل دخل في سرب يحفر ~~طفلا، فانهدم عليه، ومات . وعلى كلا الخبرين قد علم ذلك من نفسه متقدما فلم ~~يغض طرفه، ولم يكف لسانه، وإلا فأي ذنب على من نظر مستحسنا خلق الله، أو ~~تكلم متعجبا من صنع الله. # نساء يتمنين التفاني في خدمه الغير رجاء ما عند الله PageV02P102 وذكر ~~الشيوخ أن ثلاث نسوه صالحات مجتهدات اجتمعن يوما بجبل نفوسة، وتحدثن فأمضى ~~بهن التحدث إلى الأماني حتى قالت أحدا هن: أتمنى لو أن الله ساقني إلى قوم ~~جهال فأعلمهم ما يحتاجون إليه، من أمور دينهم فيرحمني الله بما أعلمهم من ~~فضل العلم والتعليم، وقالت الثانية أتمنى أن لوآوى إلي نفر من المسلمين في ~~ليلة ذات مطر وبرد وقد بللهم المطر، وتمكن منهم البرد والجوع، فانهض فأعالج ~~لهم ما يذهب عنهم البرد والجوع، فيرحمني الله بهم، لفضل الصدقة وحرمة ~~الصالحين. وقالت الثالثة أتمنى لو تزوجني رجل ذو غلظة وفضاضة فيحملني ما ~~يعجز عنه مثلي، ويكلفني من خدمة فوق طاقتي، ويؤذني ms159 بأنواع من سوء العشرة، ~~فاصبر على ذلك واطيعه، فأنال بذلك خيرا فيرحمني الله لفضل حسن التبعل، ~~والصبر على الأذى قيل، فقضى الله عز وجل أمنية كل واحدة منهن. # منزو بنت باثمان وأمنيتها المتعبة PageV02P103 وكانت المتمنية البعل ~~السوء العشرة، منزو بنت باثمان فأنكح باثمان بنته رجل من قومه مزاتيا، فلما ~~تزوجها ركب على جمل له ومضى، حتى مر بنساء على ماء فقال: إن كانت منزو فيكن ~~فأنى لا آذن لها في المقام بعدي، وكانت فيهن فقامت فأخذت ردائها فارتدت ~~وسارت في اثر بعلها حافيه، راجلة، فمشت حتى وجيت"2" ، فصارت إذا رفعت قدما ~~إذ الدم في موضع القدم، إلى أن ينزلا فإذا نزلا قامت وابتدرته بردائها ~~فوسدته، فكان ذلك حاله وحالها حتى وصلا وطنه، فبنى لها بيتا بنبذة عن ~~الناس، فكن يسيء إليها وتحسن، ثم تزوج عليها امرأة فكان ما تلقاه ابنة ~~الشيخ من سوء العشرة في زيادة، وكان الذي يبدو منها من الإحسان والصبر في ~~زيادة، فلما كان ذات يوم إذا قافلة لأهل جادوا قد مرت بها، فتكلمت بكلام له ~~وزن في غناء البربر، وترجمته( ألا أحد يزورني في الله فيذهب غم النفوس، ~~ويزيل الوحشة؟) فوقع كلامها في مسامع بعض أهل القافلة فحدوا بها جمالهم، ~~حتى وصلوا جادوا، وتذاكروا كلامها، ففطن بذلك أبو زكرياء يحيى ابن يونس ~~السدراتى، فعلم أنه كلام بنت الشيخ فمشوا في جماعة من المشائخ يندبهم إلى ~~زيارتها، حتى تيسر له مراده من ذلك، فخرج إليها المشائخ، ومعهم باثمان، حتى ~~وصلوا إليها فوجدوها منفصلة في قميص تصلح خيمتها، خارجا من الخيمة فقال لها ~~أبو زكرياء: إني لأختار أن أجد جنازتك خارجا ولا أراك على هذا الحال ~~واستتابها، فتابت مما كان منها، ومكثوا عندها ثلاثا فأرادوا الانصراف، ~~فرغبت إليهم في إقامة ثلاثة أيام أخرى، ففعلوا فلما مضت ست ليال، وأرادوا ~~الانفصال واجتمعوا لوداعها قالت لأبي زكرياء:: انصب لي هاهنا قدمك لأذكركم ~~بها، وتذهب عني الوحشة، ففعل، فأكفأت عليها قدحا، فقالت له: أزلت عني ~~الوحشة وعلمتني العلم يا سدراتى، لا ms160 عطشت يوم المرورات، فقال لها: لا تقولي ~~يوم المرورات بل قولي يوم الشدائد، لان المرورات المفاوز في الدنيا، - ~~والشدائد - ما يكون في الآخرة، ثم PageV02P104 قال باثمان: يا بنتي سبق ~~القضاء بان أنكحتك من لا أحبه ولا تحبينه، فعاملك بما أرى فلا تجزعي، ولكن ~~اصبري فإني أرجو الله أن لا تنصرم عشرة أيام إلا ويموت من يموت، ويفرج الله ~~عليك، وينقطع عنك النصب، وهذا القول بكلام بربري موزون أيضا، قال فودعوها ~~ومضوا، قيل: فلما كان العاشر من يوم وداعها أورد بعلها ابله على بئر لهم، ~~فجعلوا يمتحون ويسقون حتى انقطع الرشاء وسقط الدلو في البئر، فهم أحد عبيده ~~بالنزول إلى الدلو، فأبى إلا أن يكون هو الذي ينزل، وذلك لما سبق في علم ~~الله، فنزل وشدها، ثم قال لهم: ارفعوني فرفعوه إلى أن حادى بحفير في البئر، ~~فإذا حنش عظيم قد رصد له، فقال أيضا: أنزلوني فأنزلوه فلم يزل حاله: ~~أنزلوني، ارفعوني حتى أيقن بالهلاك وقال لهم: ارفعوني فلما قابل مكان الحنش ~~أخذه وجذبه إلى غاره، فما سمعوا إلا تضعضع عظامه، وكفى الله المؤمنين ~~القتال. # وقد ذكر الشيخ أبو نوح: أنه حين جلبها يسيران نهارهما، فإذا نزلا قامت من ~~حينها فعالجت العشاء بنفسها وأصلحت جميع شؤونها، ثم قامت إلى التهجد فلا ~~تزال راكعة ساجدة إلى طلوع الفجر فتصلي الصبح فكان هذا دأبها إلى أن وصلت ~~منزل بعلها. # سوء تصرف العجائز PageV02P105 وذكر المشائخ أن بأثمان صحب أبا مهاصر موسى ~~بن جعفر، يريدان التوجه إلى الحج وأبو مهاصر يتوهم أنه خرج معه مودعا له، ~~حتى وصلا مصلى أبي مهاصر فوقفت به أتانه، فدعا الله، فقال له: ابق في حفظ ~~الله يا بأثمان فقال له باثمان: أو تقول ذلك يا موسى بن جعفر؟ أو ترى أني ~~أقيم بعدك؟ لعلنا نرعى الإبل والغنم فقال أبو مهاصر: فإذا عزمت فتوكل على ~~الله، فاصطحبا ومؤونة باثمان على أبي مهاصر، حتى قال له رجل ممن سار معهما ~~إلى الحج، اترك باثمان إلي لأقوم به، ففعلوا، ومضوا وباثمان يمونه ms161 الرجل ~~المتكلف بمؤو نته. حتى وصلوا أرض الحجاز، فقالت عجوز للمكتلف بباثمان: دع ~~هذا، فإلى متى تحمله؟ فأخذ بقولها، وخلى باثمان، فعاد إلى أبي مهاصر، كما ~~كان أولا فبقيت في نفس باثمان مضاضة من كلام العجوز، فتكلم بما معناه: ~~وصلنا أرض الحجاز وموضع كرب النفوس، فذهبت المرأة وثبت الدين لمن كان عليها ~~فياسيل إياك، إياك الرجال، ودونك العجائز - لا تدع منهن من يعبر أو كما ~~قال، قيل فأرسل الله سيلا فهلك فيه ثلاثمائة عجوز، ولم يضر أحدا من الرجال، ~~قيل، وقد حفظ من كلام عمر- رضى الله عنه- في العجائز ما ينبغي معه الحذر ~~منهن، روي عنه أنه قال: لأن أجد في بيتي سبعين سارقا، أحب إلي من أن أجد ~~فيها عجوزا واحدة، وإن كان هذا من غير هذا المعنى. # روي أن باثمان زارته ابنته " تكفا" فلما أرادت الرجوع صحبها أبوها ~~ليبلغها إلى منزل بعلها، وقد قيل أن ذلك إنما كان في وقت اهدائها لبعلها، ~~فأصابها مطر وكانت على أتان، فقالت: يا والدي إني أخاف على ثيابي البلل، ~~وأنت تعلم حال العروس، واحتياجها إلى الثياب الجديدة، وما ينبغي لمثلها من ~~النظافة والنقاء، فما الحيلة؟ قيل فدعا الله أن يحوطها ويسترها، ولم يبتل ~~شيء من ثيابها، وابتل باثمان وأتانه وما ركبت عليه، قلت: وما ذلك على الله بعزيز. # ------------------- PageV02P106 # 2- وجيت / رقت قدمها وآذاها المشي حافيه. # مهدى النفوسي # ومنهم مهدى النفوسي -رحمه الله- قوم الجدال. ومدرة النضال. المقدم في علم ~~البرهان والاستدلال، المحتج على إمكان الممكن، واستحالة المحال، وعلى الفرق ~~بين الحلال والحرام، ولنعم الدرع إذا دعيت نزال، الرادع لقيام أهل البدع ~~والضلال قد مضى من ذكر أنبائه في وفوده على الإمام، وما كان من ادحاضه حجج ~~الملحدين، في ذلك المقام، ما هو مشهور في الآفاق، ومغن عن زيادة اعلام. # وذكر مشائخ أن مهديا هو أحد من صد مكائد نفاث، وقمع أن يشيع في نواحيه ~~تلك الأحداث حتى ضرب بعضهم الأمثال، فيما شوهد من تلك الأحوال، واستحسنت ~~أحوالهم وسارت مسير الشمس وإن كان في وضعها وألفاظها ms162 بعض السير فإنا ~~اعتذرنا عنها، إنما وضعها واضعها باللسان البربري ليتناقلها البربر، فكالهم ~~بصاعهم لم يطغف ولم يبخس ولم يعد من الألفاظ ما يفهمونه، ولا أعرب ولا أغرب ~~بحيث يتوهمونه، ذكروا عن أبي مهاصر بن جعفر - رحمه الله- وكان شديد الغضب ~~في والله إن كان في العلم ليس بمنتهاه، أنه ضرب مثلا في نفسه في نفاث، وقال ~~تنبح جروة أبي مهاصر لئلا يأكل الذئب الغنم، وقد كاد يأكلها حتى أتت سلائق ~~" ويغو" فهرب الذئب وأمنت الغنم يعني الجروة نفسه لضعفه في العلم، ويعني ~~بالذئب نفاث بن نصر، ويعني بالغنم نفوسة، ويعني السلائق مهديا وعمروسا، ~~وهما من منزل يقال له: ويغو، يعني بأكل الذئب الغنم استحواذ نفاث على أهل ~~الجبل، واستفزازه إياهم بأن يدعوهم إلى ما أحدث من التبديل، واعتقد من ~~الأضاليل فصادف الفحلين فجعل الله بهما كيده في تضليل وأرسل الله من ~~بيانهما طيرا ترميه بحجارة من سجيل. # أبو مسور يصنيتن PageV02P107 ومنهم أبو مسور يصنيتن النفوسي - رحمه ~~الله-، أحد الشيوخ المجتهدين في أفعال البر، المخلصين في العلانية والسر، ~~أكل الدهر عليه وشرب، وعمرت معاني قلبه وإن كان بنيان جسمه قد خرب، أفنى ~~العمائم الثلاث، وليس بغير محاسبة نفسه اكتراث، ولئن كان دون غيره في درجة ~~العلم، فقد فاق في الورع والحلم. # الشيخ عمر حتى صار غريبا في غير جيله # كان مما حفظ من أقواله: إذا وقعت الفتن أمسكنا أيدينا، وأموالنا، ~~وألسنتنا، وعيوننا، وأرجلنا، ووكلنا أمر قلوبنا إلى الله عز وجل وفوضنا ~~أمرنا إليه، قيل وكان هذا الشيخ قد عمر حتى بلغ الغاية في السن والهرم، ~~وكان يقول: عشت حتى لم أجد في الأيام ما أريده، ولا في نفسي، ولا في ~~الإخوان، ولا في الأولاد، ولا في القبيلة، فأدعو الله أن يريحني مما أنا ~~فيه، وقال: الشيخ أبو نوح لم يقل هكذا، وإنما كان في زمان الإمام عبد ~~الوهاب - رحمه الله- وعاش بعده زمانا فلعله لما ضعف جسمه وقل ما بيده وقصر ~~عما كان يبدي من الصلات وفقد ما أدرك في ريعان الشباب، ms163 من مرضي الحالات، ~~لامه أولئك الأقارب ووخزوه بشبات ألسنه كأذناب العقارب، وأنكروا ما عرفوا ~~من معرفته وعرفانه لما عدموا مع العدم ما كانوا وجدوه حين الجدة من إحسانه ~~وتغير الزمان بتقلب الحدثان، وكتم ما أصابه احتسابا، واعتقد أن يدخر ~~بكتمانه ثوابا، فغايته أن قال: لم أجد من نفسي ما أحب، ولما سمع المشائخ ~~هذا الاعتذار استحسنوه، وحفظوه عنه، وأتقنوه، وتحققوا صوابه، وأيقنوه، لأن ~~الشيخ في غير جيله غريب، مخطيء ولو أنه مصيب، وكذلك أنا لما استحسنتها ~~واستصوبتها أعطيتها حقها من الترتيب وهذبتها. # إبنة الشيخ وآراؤها المصيبة PageV02P108 وذكر أن ابنة له سألته عن مسألة ~~من مسائل الحيض ووصفت له إمارات من ذلك، ثم قالت له: أتراني أن أصلى بهذا ~~أو لا؟ فقال لها: ألا تستحي منى يا ابنتي؟ فقالت: أخشى أن استحيت في أمور ~~ديني أن يمقتني الله تعالى يوم القيامة، فاستيقظ الشيخ فقال: لا يمقتك الله ~~يوم القيامة يا ابنتي، قيل وكانت ابنته هذه عظيمة القدر في أهل زمانها، ~~وممن يروى عنها الفوائد الكثيرة، فمما روي عنها مع ابيها أيضا أنها جلست ~~معه ذات يوم، حتى قال المسلمون أفضل من أقوالهم، فقالت هي: أقوالهم أفضل، ~~لأن المسلمين يموتون وتبقى أقوالهم ينتفع بها بعدهم، إلا إن كنت تريد فضل ~~الأجسام على الأعراض، وإلا أفعالهم والدين أفضل المخلوقات، قيل وجلسا يوما ~~يتحدثان وقد غسلا ثيابهما ونشراها للشمس، فنظر الشيخ إلى صفاء الثياب، ~~فقال: تمنيت أن الله عز وجل طهر قلبي كطهارة هذه الثياب، فقالت: تمنيت أن ~~يكون بيدي تطهير قلبي فاطهره كهذه الثياب، وأرسله إلى مولاه، فقال لها: انك ~~لأبلغ مني حتى في الأماني. # أبو محمد عبدالله بن الخير # ومنهم أبو محمد عبدالله بن الخير - رحمه الله- شيخ التقى والإخلاص، ~~والمتحري مسالك الخلاص، المعمر في الطاعة، الذي لم يخل من العبادة يوما ولا ~~ساعة، وكان عالما كبيرا، فاضلا أثيرا، كانت الأمثال تضرب به فمنها أنهم ~~كانوا يقولون: من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبدالله بن الخير. # الطهارة تغلب النجاسة مهما ms164 وجدت لها وجها PageV02P109 ذكر أنه ذات مرة ~~أصابه سعال فأمر أن يتداوى باصطباحه حليب ناقة، وكانت عند أفلح بن العباس ~~ناقة فكان يجيئه كل صباح بحلبها، فجاء يوما فرأى زيتا يسيل على ساق زيتونه، ~~فقال: ما هذا؟ فقال: حضر غدائي فقدم ملثوثا بزيت في إناء مشغوب مرئب ~~بالحديد، فأصابت يدي حديدة فرفعت يدي فإذا دم فاكفأت الإناء بما فيه على ~~الزيتونة، فقال له: أخطأت ولعل دمك لم يسل إلا بعد أن رفعت يدك، لان ~~العلماء يقولون إذا النجس يتوجه من تسعة وتسعين وجها، والطهارة من وجه ~~واحد، غلبت الطهارة، فما جعل الله علينا في الدين من حرج، وكان إماما لمسجد ~~موضعه وكان ثقيل السمع فجعل يجهر في صلاة السر، حتى يسمع من خلفه قراءته ~~وقال له يحيى بن يونس: ما يسعنا في الصلاة خلفك وأنت لم تكلف إلا ما تسمع؟ ~~فقال: لم أكلف سماعك يا ابن يونس، وتمادى على ذلك فلما أسن وضعف صار يجلس ~~جلوس قومنا، فقال له: ما حال صلاتنا خلفك وأنت لم تكلف إلا طاقتك؟ فلما سمع ~~ذلك منه تأخر فلم يؤم بعدها -رحمه الله- . # أبو زكرياء يحيى بن يونس # ومنهم أبو زكرياء يحيى بن يونس-رحمه الله- كان من أهل الورع والزهد، وممن ~~أخذ نفسه بالمعهود والجهد ساعيا في الصلاح، داعيا إلى طرق الفلاح، هاديا ~~إلى الرشاد، مغيرا للفساد، متحيز القطريات أين تصوب ليس لمناهل بره غور ولا نضوب. # صلاة الشيخ وتبتله ليلا # ذكر أن أبا زكرياء كان من عادته إذا صلى صلاة المغرب وصل بينهما وبين ~~صلاة العشاء بالركوع والسجود حتى يصلي العشاء ثم ينفل ما اعتاد التنفل به، ~~ثم يوتر ثم يحتاط لجميع الصلوات، فكان هذا دأبه -رحمه الله- وقد ذكر مثل ~~هذا عن أبي زكرياء بن أبي مسور اليراسني - رحمه الله-. # الشحيح محروم من خير الدنيا والآخرة PageV02P110 وذكر أن يحيى بن يونس ~~زار عجوز ا تدعى أم زكار، وكانت صالحة مجتهدة، فوجدها هالكة جوعا ليس فيها ~~إلا رمقا، وذلك في سنة مجاعة وبؤس، فسمع من قولها: أشتهي ms165 لبنا، قيل فمضى ~~أبو زكرياء إلى شيخ يقال له باكبت، فاستدعى منه لبنا واعلمه بمحتاج أم زكار ~~إليه وشهوتها فيه، وكان باكبت المذكور رجلا مكثرا، ممسكا، بخيلا، فقال: ~~والله لا نبيض لها به مصرانا، وعنده إذ ذاك وضبان عظيمان مملوءان لبنا. لا ~~يمخضها إلا أمتان تمسك كل واحده منهما بعروة من عرى الوضب لعظمهما، فلما ~~أيس أبو زكرياء من خير باكبت رجع وعالج للعجوز حيسا وجاءها به وقد وجدها قد ~~اختلفت أسنانها من الجوع، وجعل يحتال في تحصيل الحساء في فيها بعود شيئا ~~فشيئا حتى عادت نفسها وقوي رمقها، فقالت: من هذا الذي أنقذ عظامى من الجوع؟ ~~أنقذ الله عظامه من النار فاستوت جالسة ثم ابتدرت الانتقال لصلاتها وطاعة ~~الله ربها، فأنت ترى ما نسب إلى أبي زكرياء في هذه الحكاية من الفضائل ~~فإنها اشتملت على فصول من الصفات المحمودة، ذلك لتعلم أن الرجل ونظراءه ~~إنما كان همهم أمر آخرتهم، لا يعوقهم عنه عائق ولا يطرقهم من الاغترار ~~بزهرة الحياة الدنيا طارق. # الطبقة السادسة 250-300ه : 1- الإمامان محمد بن أفلح وابنه PageV02P111 ~~وهم الذين تجرعوا أفاوق الغصص رغما، وتبدلوا بعد راحة الأنفس غما، وصاروا ~~بعد صفو العيش إلى كدره، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، فانهم أدركوا عصر ~~الظهور وهو أحسن الأعصار، وبدلوا به وسلبوه ذلا في آخر الأعصار، وفيهم من ~~قبض وشمس الإمامة عند الطفل، وبعضهم لم يأفل إلا وبدرها قد أفل، كانوا في ~~ظل عدل الإمامة، فصاروا يغتبطون لساعة يجدون فيها السلامة، ومع ذلك فلم ~~يضرهم ما هم فيه، على الاجتهاد في سخط ما أسخط الرب، وبذل الاجتهاد فيما ~~يرضيه، فمنهم الإمامان محمد ويوسف رضي الله عنهما -ما- وقد نبهت على أن ~~مناقبهما جمة خطيرة، وقد تقدم ذلك، مع ذكر أسلافهما عند التاريخ والسيرة، ~~وهاهنا ندبت تعيين إيراد ما في فضائل أفلح ومحمد وعبد الوهاب، فإنها على ~~إنفرادهما في أصل الكتاب. # الإمامان محمد بن أفلح وابنه: # الأئمة الثلاثة يجمعون بين العلم والصلاح # ذكر أن محمدا - رضي الله عنه - لم يأل الإمامة إلا ms166 بعد أن ألف تأليفا ~~مشتملا عل أربعين جزاء في الاستطاعة، وأن أباه - رضى الله - عنه لم يلها ~~حسب ما تقدم إلا وقد جلس لثلاث حلق في ثلاثة أنواع من العلم، وقام في ~~الإمامة تسعة وأربعين سنة، وما أعاد خطبة قط، وأنه قد كان أراد السفر إلى " ~~جوجو" فسأله أبوه - رضى الله عنه - عن مسائل الربا، فتوقف في مسألة واحدة ~~لم يجب عنها ولم يعرفها، فأمره أبوه بالرجوع من السفر، فقال له: أقم لئلا ~~تدخل علينا الربا، فرجع، بعد أن تجهز وأبرز رحله، وهذا على ما هو عليه من ~~التناهي في العلم خشي أبوه أن يرتطم في الشبهات وفي ذلك كله ما يشعرك ~~بفضيلة كل واحد منهم - رضي الله عنه -م. # عمروس بن فتح PageV02P112 ومنهم عمروس بن فتح - رضي الله عنه - بحر ~~العلوم الزاخر، المبرز أول السباق وهو الآخر، الضابط الحافظ المحتاط ~~المحافظ، ولم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم، ولم يلهه التبحر في ~~العلم عما تعين عليه من مصادفة تلك الهموم، فكابد وكابر، وصادر وصابر، لازم ~~الدرس والاجتهاد، ثم رابط على الجهاد، يتلقى السيوف بالصدر والمنحر، يقيم ~~هامته مقام المغفر حتى انتظم في سلك من تحسبهم أمواتا وهم أحياء عند ربهم ~~يرزقون ( لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم ~~توعدون ( (الانبياء:103) فلحق بالنعيم المقيم، بعد أن خلف شيعه وأتباعه ~~منتهجين الصراط المستقيم، وهو الذي لولاه لدثر معلم المذهب وانطمس، وعفر ~~أثره واندرس، لتمسكه ببقية الحوائج العظائم وتصحيحه ما قيد عن الخراساني ~~أبي غانم"1 "، وله مصنفات في الفروع والعقائد، تولت فوائدها الصدور ~~والقلائد، ولم تزل الأمثال مضروبة به بعلومه وآدابه، وحبال ذوي الآمال ~~متعلقة بأهدابه، إذ كان علم الدين يقتدى به، وذكر أو الربيع سليمان بن عبد ~~السلام عن أشياخه أن عمروسا كان أعلم أهل زمانه. # عزم على تأليف كتاب في الفقه يرد كل مسألة إلى أحد الأصول الثلاثة # بلغنا أنه هم أن يعلق تأليفا في الفقه لم يسبق في طريقته، عزم أن يفرق ~~العلم على ثلاثة ms167 أوجه: التنزيل، والسنة، والرأي، وما يتعلق بكل واحد منها ~~من المسائل فيرتب كل باب من أبوابه ويبنيه على القواعد الثلاثة، وصرف إلى ~~ذلك وجه العناية والاكتراث، حتى يكون تأليفه طراز لما صنف في علوم شرائع ~~الإسلام، فلم يقدر الله ذلك بل قضى له باعجال الحمام، ونرجو به أن يكون له ~~ثواب ما نواه، فجزاه على الكمال والإتمام. PageV02P113 # وذكر عنه أنه كان ذات يوم جالسا في مجلس الحكم أيام أن ولاه القضاء أبو ~~منصور إلياس، إذ حضر مجلسه خصمان لطلب أحدهما الآخر في حق تعلق به عليه، ~~فلما أدلى بحجته سكت المطلوب، فقال: للمطلوب أجبه فلم يجب، فكرر عليه ~~ثلاثا، فلما رآه لا يجيب وتبين له لدده قام إليه فركضه برجله، فقال له: ~~جلساؤه عجلت يا عمروس فجمع عمروس أصابع يده ثم أطلقها، وقال: لهم كم هذه؟ ~~فقالوا: خمس، قال: هذه منكم عجلة إذ أجبتم قبل أن تعدوها ثم قال: لإلياس إن ~~لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك، قتل مانع الحق، والطاعن في دين الله، ~~والدال على عورات المسلمين. # وذكروا أن جماعة قطاع أغاروا على رفقة فاستباحوها جميعا وخلوا سبيل ~~أصحابها، ثم صحبوهم إلى جبل نفوسة فلما انتهوا جميعا على الجبل، وأبو منصور ~~إذ ذلك والي، قال وعمروس قاضي، فتشاجر أصحاب الرفقة والقطاع وترافعوا إلى ~~أبي منصور فكلهم يدعي الرفقة وينسبها إلى نفسه، فحار في أمرهم ورفعهم إلى ~~عمروس فقال: احكم بينهم، فعزل عمروس أهل الرفقة ناحية وجعل يسألهم واحدا ~~واحدا، عن رحله، وجملته وعدده، وصفته وعلامة متاعه وقيد مقالة كل واحد منهم ~~بشهادة، ثم استحضر القطاع، فسألهم كما سأل الأولين وقيد مقالة كل واحد منهم ~~أيضا بشهادة، ثم أمر بحل الحمولة واستخراج ما فيها، فوجدوا وفق ما قال ~~أصحاب الرفقة، ووجدوا قول القطاع مختلف مخالفا، متناقضا فقال عمروس: لإلياس ~~هؤلاء أصحاب الرفقة، وأولئك أضيافك، فأنزلهم. يعني بذلك عن حبسهم وتنكيلهم ~~فحكم بحمولة الرفقة لأربابها، فردها عليهم. PageV02P114 # وجلس معه ذات مرة داود بن ياجرين، وماطوس بن هارون -رحمه الله- فتحدثوا ~~حتى ms168 جرى بينهم ذكر أهل الصدق، وأهل الكذب، وذكروا أهل شروس، فقال الشيخان: ~~أن أهل شروس لا يكذبون فأظهر عمروس إجازة شهادة كل شروسي فعاتباه على ذلك، ~~فقال لهما: إنما حكمت بشهادتكما، إذ زكيتما جميع أهل شروس، فقالا: ما أردنا ~~ذلك، فوقف عن الحكم بشهادة غير المعدلين، قلت: وعمروس أجل من أن يتجاوز إلى ~~هذا القدر أو ينسب إليه هذا التهاور، ولعل الشيخين لما قالا في أهل شروس ما ~~قالاه ظهر له أن في ذلك القبول مجازفة، إذ برءا من الكذب جميع أهل شورس ~~جملة من غير تعديل، وتأدب أن يواجههما بالمناقضة فسلك بهما طريقا يرجعان به ~~إلى الصواب من غير تخطئة ولا توبيخ، وهذه إحدى فضائله، لا ينسب إليه غير هذا. # استنساخ عمروس لمدونة أبي غانم PageV02P115 وذكروا أن أبا غانم بشر بن ~~غانم الخراسانى خرج من المشرق متوجها إلى المغرب ليفد على الإمام عبد ~~الوهاب - رضي الله عنه - ومعه مدونته المشهورة التي رواها عن تلاميذه أبي ~~عبيدة -رحمه الله- وقيد سماعها عنهم، فاجتاز على جبل نفوسة فاستودع عمروس ~~الكتاب المذكور، وتمادى إلى تاهرت بعد أن استأذنه عمروس في انتساخ الكتاب ~~المذكور فلم يأذن له، وعمروس حينئذ حدث فحسن عمروس الظن وحمله الحرص في ~~العلم على انتساخه، فواضبه وعكف على النسخ وأخته تملي عليه، وكان إذا جلس ~~للنسخ في موضع لازمه حتى تدركه الشمس فينتقل إلى الظل والأصل في يدي أخته ~~وعينه في الكتاب لا يتحول حرصا في إحياء العلم، فما رجع أبو غانم من تاهرت ~~إلا وقد أكمل عمروس انتساخ الكتاب، ورده في المكان الذي وضعه فيه فلما ~~تناول الكتاب رأى في أحد أجزاءه نقطة حبر، فقال: أاسترقت هذه؟ قال نعم، ~~سماني سارق علم، اخبارا لا أمرا وكان الكتاب في اثني عشر جزاء وفي اثر هذا ~~كان ما كان من تلف ديوان تاهرت غصبا وحرقا، ولولا تمسك عمروس بهذا الكتاب ~~لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمد عليه وذلك بحسن نية عمروس ~~وبركته ويمنه. # اجتماع عمروس بالشيخ ابن محبوب في ms169 مكة # وذكروا أن عمروسا كتب وصيته في كتاب، ودفعها لأولاده وورثته، فقال لهم: ~~هذا كتاب وصيتي فاعملوا بمضمونه، وأنا خصمكم بين يدي الله. وذلك - والله ~~أعلم - عندما كان مرهقا إلى الخروج للقاء العدو يوم وقعة قصر " مانو" وفيها ~~ستشهد حسب ما تقدم ذكره، فلم يعقب من ورائه الأخيرا، وانتقم الله من أعدائه ~~الأغالبة ومزقوا كل ممزق قتلا، وغرقا، وكان مصرع البغي مرتع وخيم"2 ". PageV02P116 # وذكروا أن عمروسا وأصحابه توجهوا إلى بلاد المشرق حجاجا فلما نزلوا مكة ~~وجدوا بها محمد بن محبوب -رحمه الله- ، فدخلوا عليه في مجلس فوجدوه مع ~~أصحابه فسلموا عليه، فهش بهم وقربهم إجلالا للجنس، دون معرفة الأشخاص. فلما ~~تبوأوا مقاعد المذاكرة، سأل عمروس أبا عبدالله عن مسالة فقال: ابن محبوب إن ~~كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السؤال إلا عنه ولا يرد إلا ~~منه، فقالوا له: أنه هو السائل، فرفع ابن محبوب مجلس عمروس لما عرفه، وزاد ~~دنوه من مجلسه، ثم جعل عمروس يسأل في مسائل الدماء عن مسألة بعد مسألة، حتى ~~قال له ابن محبوب: هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم جهال، فعند ذلك ~~قال عمروس لأصحابه احفظوا السؤال واحفظ لكم الجواب، حتى نقدم على إخواننا ~~فنخبرهم بما حفظنا ففعلوا فلما قدموا بلادهم قال لهم عمروس: هلم ما تكلفتم ~~به، فقالوا له: لم نحفظ شيئا سوى قولك احفظوا المسائل لنرد بها على ~~إخواننا. ثم أن عمروسا أعادها مسألة، فمسألة، عن آخرها. # أم عمروس توكله على وصيتها وهو صغير PageV02P117 وذكر أن أم عمروس حضرتها ~~الوفاة وعمروس رضيع فأوصت بوصايا وأشهدت بها شهود الوصية، فقالوا لها إلى ~~من تفوضين تنفيذ هذه الوصية؟ قالت إلى ذلك الذي في مهدى، فأشارت إلى عمروس، ~~فكان خليفتها على الوصية قيل فلما كبر عمروس وبلغ مبلغ الرجال شرع في وضع ~~الوصايا مواضعها، وتنفيذها في وجهها حتى لم يبق منها شيء، قيل وأنه لما وجد ~~في الوصية الحج توقف عنه، واشكل عليه الآمر وجعل يسأل في جهات نفوسة ms170 عن ~~أحوال والدته فلم يجد من يعف حالها وتولاها غير امرأة واحده، فتولاها لذلك ~~وحج عنها، أخذ في ذل بقول من قال أن الحجة تقوم في ولاية الدين بشهادة ~~النساء والعبيد إذا كانوا ممن يقبل قوله، وتقوم به الحجة ولم يستجز أن يحج ~~عنها أخذا بقول من يقول: بأن من يحج عن غير متولي فأنه غير مرضي الفعل، ولا ~~مشكور الحال، فهذا الذي أوجب توقفه لا أنه استصعب الحج، ولا استعظمه، وإلا ~~فالأمر يسير. # ذكر الأشياخ أن أهل جبل نفوسة كانوا في ذلك الزمان أكثر الناس حجا فكانوا ~~يحجون بنسائهم وذراريهم حتى أنهم ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر، ~~فما ظنك بعدد من لم يولد له ذكر ومن لم يولد له أصلا ومن ليس معهم. # --------------------------------------------------- # 1- يشير إلى ما قام به من نسخ مدونة أبي غانم الخرساني بمعونة أخته ~~وسيأتي خبر ذلك. # 2- لعل في النسخ تحريف والمؤلف يشير إلى قول المتنبي/ والغي مرتع مبتغيه وخيم. # الشيخ أبو معروف ويدران بن جواد # ومنهم أبو معروف ويدران"1" بن جواد - رحمه الله - ناهيك بأبي معروف ذي ~~الآثار والمعروف، الموصوف بدراسة العلوم والمطروف، الراقي ذراها البواذخ، ~~المتقن لما أخذ عن أبي خليل وغيره من المشائخ، المنتفع بما تعلم وعلم، ~~المصيب متى رقم أو تكلم، وله في النوازل والأسئلة المعضلات أجوبة بديهة، ~~كاشفة أشكال المشكلات، وكان متى قصده آمل فاز بالأمل لأنه جمع ما بين العلم ~~والعمل. # لغز في مسألة إرث PageV02P118 ذكر أبو الربيع أن أبا معروف دخل عليه رجل ~~يسأله عن مسألة معضلة، فوجده مريضا مرضه المتصل بوفاته -رحمه الله- فسأله ~~الرجل عن المسألة وهي: ثلاثة رجال ونساؤهم ثلاث دخلوا بستتهم على مريض ~~فقالوا له: أوص في مالك، فقال بماذا أوصي؟ ومالي يصير بينكم بالميراث ~~أسداسا لكل واحد منهم سدسه، فقال أبو معروف: ذلك رجل ترك أما وأختين لأم ~~وثلاثة بني عم له، وقد تزوج أحدهم الأم وتزوج الآخران الأختين. # يصون مال اليتيم بحيلة # وعنه -رحمه الله- أن صبيا يتيما جاءه كالمستغيث فقال له: يا ms171 عمي رأيت سيف ~~أبي في يدي دلال في السوق ليبيعه، وإنما ناوله إياه بعل أختي وحقي في السيف ~~باق فاستحضر ابو معروف الدلال فقال له: أشهر نصيب الابنة دون نصيب أخيها ~~ففعل، فلم يجد من يسومه بقليل ولا كثير، فكان ذلك سببا لصونه على اليتيم. # وروي أن المعز أمير القيروان أهدى سيفا لمشائخ الجبل يريد تشتيت أمرهم، ~~واختلافهم، لا التحافهم وإلطافهم فلما وردت عليهم هدية عدو الله، اختلفوا، ~~فقال بعضهم: ردوه، فهو أولى به لأن صاحب الريبة أحق بالوقوع فيها وقال ~~بعضهم: لا تفعلوا، فان ذلك عون له على ما هو عليه من الباطل والجور، وقال: ~~آخرون اكسروه وادفنوه. فهؤلاء كلهم رأيهم مقصور على التحرج والورع والخمود ~~على الوقوف دون الشبهات لأن ذلك شأنهم وما رابوا عليه لا يزيغون عنه. قيل: ~~وقال آخرون أمسكوه، فإن عطايا الملوك جائزة لمن يأخذها ما لم يلامس أمورهم ~~الفاسدة، فهو المشهور عند جمهور الأمة، قيل، وأصيب من أدلى بهذا الرأي في ~~بصره لما جاءهم من الفتيا بما لم يعهدوا العمل به، فقال ابن ماطوس: الحمد ~~الله الذي جازاه في أن جعل له عقوبة ذلك في بدنه، وما يختص بدنياه، ولم ~~يجعل له عقوبة في آخرته، قيل والمصاب ببصره هو أبو معروف. # أبو معروف يفقد بصره PageV02P119 قيل ولما أصيب أبو معروف ببصره وجه ~~كتابا إلى الشيخ عبد الحميد الفزانى، وكان عالما كبيرا من أهل الدعوة، وكان ~~قاطنا ببلد السودان يستمد منه دواء العين، فلما ورد عليه كتابه قال: عجبا ~~لهذا الشيخ أعطاه الله دواء لداء الذنوب وهو يسأل ما يزيله عنه. فبلغ قوله ~~أبا معروف فقال: أترى الفزاني يهزأ بي ويعدني صبيا يرضع إبهامه؟ # فعبد الحميد إنما يعني أجر المصيبة والسلامة مما يكتسب بالعين من الآثام، ~~وأبو معروف يرى أنه حرم بفقد البصر أنواعا من الخير كالاعتبار، والتعجب ~~بصنع الله عز وجل، ومطالعة كتب العلم، والمشي إلى بيوت مجالس الذكر، ~~وكلاهما ذهب مذهبا حسنا ورأى رأيا مصيبا. قلت أما كونهم اعتقدوا أن الذي ~~أصابه عقوبة ms172 على فتياه مع علمهم أنه لم يخرج عن أقوال العلماء غير أنه مال ~~إلى الأسهل وترك الأحوط فإنهم عدلوا إلى ما قاله قبل المشائخ في أمثالهم، ~~وحفظ من أقوالهم، حسنات الأبرار سيئات المقربين، فكونه تكلم بالعلم حسنة ~~بالنسبة إلى من لا يلتفت للعلم، وكونه ترك الأحوط سيئة بالنسبة إلى أحوال ~~من اعتاد محاسبة نفسه، وإلا فحاشهم أن يعدوا كلام العلماء سيئة على ~~الإطلاق. # وذكر غير واحد من أصحابنا أن أبا معروف كان تاجرا حينا من الدهر جالسا في ~~دكان دأبه أيما وزن لأحد من الناس زاده من نفسه خروبة، وإذا أراد أن يأخذ ~~لنفسه من أحد نقص خروبة، فلما حضرته الوفاة أوصى بعشرين دينارا احتياطا من ~~تباعة الميزان، وذكر أن أم أبي معروف مرضت فدخل عليها لتوصي فاستفتت شهود ~~الوصية في وصيتها، أي الوجوه أولى أن يصرف فيه أكثرها؟ فقالوا: كفارات ~~الأيمان، قيل: فأوصت بثلاثمائة كفارة، فأنفذ أبو معروف جميعها. # يحسم النزاع والتهور بحسن تصرفه PageV02P120 وذكر أن رجلا رمى طائرا بحجر ~~على غصن زيتونة، فتطاير بعض الحجر فأصاب رجلا فقتله، وذكر في زمان أبي ~~معروف فترافع إليه أولياء القاتل والمقتول فأخذ أبو معروف القاتل إليه، ~~فقال أولياؤه يا شيخ إن صاحبنا لم يتعمد، إنما رمى الطائر، فقال لهم أبو ~~معروف: امسكوا، واصبروا لئلا أدفعه بمرأى منكم ولا قدرة لكم على رده، قيل ~~وكان أولياء المقتول يقولون ادفع إلينا يا شيخ قاتل ولينا فإنه قتل مظلوما، ~~فيقول لهم: امسكوا واصبروا، وإلا دفعته إلى إخوانه ولا تقدرون على رده، ثم ~~حكم بالدية، فكان الذي خاطب به كل فريق من الخصماء قطعا للتشاجر والاختلاف، ~~وكان توقفه لما علم في المسألة من الخلاف حتى حكم بينهم بما رآه أسد ~~الأقوال، وتفرقوا على أيسر الأحوال. # يلوم شيخه لأنه رآه على صورة غير لائقة # ومما يذكر من تواضعه وبرائه من الكبر، ومحافظته على السير، وإنصافه من ~~نفسه ما حكي أن أبا مسور اليراسني في مدة قراءته على شيخه أبي معروف، تيممه ~~يوما فوجده في بستان له ms173 يعمل فيه بيده، وهو محتزم سراويل ليس على بدنه ~~غيره، فإنه لما أخذ في العمل خلع عنه ثيابه فحين عاين التلميذ شيخه على هذه ~~الحالة لم يرضها له، فأخرجه الخطة"2" فجعل الشيخ يتوب ويستغفر معترفا ~~بالخطأ اعترافا استوجب به الرجوع، ثم أن أبا مسور أراد لومه، فقال له: قد ~~كان اللوم متوجها قبلي قبل التوبة وأما بعدها فقد ارتفع اللوم. # -------------------------------- # 1- أثبته صاحب السير باسم أبو معروف ويار بن جواد # 2- يبدو أن في العبارة سقطا فهي هكذا: فأخرجه إلى الخطة أو فألزمه الخطة. # أبو منصور الياس PageV02P121 ومنهم أبو منصور إلياس - رحمه الله - ~~الملاين المتخاشن الجامع أطراف المحاسن، جمع الأنفة والسيادة والتواضع ~~والزهاده فهو لأولياء الله أطوع من النعل وأخضع وأحلى من العسل وأنفع، وعلى ~~أعدائه أشد من الجبل وأمنع، وأمر من الموت وأفضع، وفي منازل الشرف أسنى من ~~النجم وأرفع، وفي بحر العلم والجود أفيض من اليم وأوسع، إن قام في الله ~~فالرئبال حول الأشبال، وإن دافع فالحمام للحمام"1"، ولي فعدل، وقال ففصل، ~~يرعى حقوق الله حفظا، ولا يرى في ذات الله لذي حظ حظا. # ثلاث مكارم لم يخل منها آل أبي منصور # وكانت له كرامة في أهل مذهبه فقد جعلها باقية في عقبه، ذكر المشائخ أنه ~~لم ينقطع من بيت أبي منصور وذريته ثلاثة أشياء، ولم تتبدل منذ فارقوا ~~النصرانية، ورجعوا في دين الإسلام إلى الوقت الذي وقع فيه ذكرهم بذلك، وهي: ~~الصلاحية، وزريعة القمح، وتناسل الغنم، الأولى بدعوة سابقة، والثانية ~~والثالثة بالورع والتحرج وذلك كله بمساعدة وتوفيق من الله عز وجل. # وذكر أن رجلا تاجرا مات بغتة في أيام ولاية إلياس فلم تمكنه الوصية، وكان ~~معروفا بودائع الناس، قيل، فطلب الناس ودائعهم ورفعوا أمرهم إلى أبي منصور ~~إلياس، فسأل طريقا يتوصل به إلى معرفة ما يدعيه كل مودع منهم، فاشتد ت ~~عليهم طريق الشهادة، واستقبح أن يحكم بغير بينه، واستقبح أن يمنع المدعين، ~~فطلب بتلطف رأيه وسياسته طريقا إلى الحكم بدون الشهادة فقال هاتوا رحله ~~وأرزمته فأحضروها، فكل من ms174 وجد له اسما على شيء حكم له به وإلا منعه قلت: ~~وأراه إنما حكم في القضيه بهذا الحكم لأنه لما تعذر عليه إقامه البينه، رجع ~~إلى الحكم بالوجهين وفي أحدهما ضعف في المذهب،لكنه رجع إليه عند الضروره ~~وهما العادة والشهادة على الخط. # الام أولى بالحضانة وأحق PageV02P122 ومما يذكر من إطراحه حقوق الآدميين، ~~وإسقاطه حظوظ ذوى الحظوظ رعيا لحقوق الله تعالى، ما يذكر أن امرأة عم لأبي ~~معروف رفعت أبا معروف إلى مجلس أبي منصور طالبة نفقة ابنة لها هي ابنة عم ~~أبي معروف يتيمة فتخاصما، فقال أبو معروف لأبي منصور: وإنما أضم إلي ابنة ~~عمي، إنها بعد كبيرة. فقال له أبو منصور: لئن فعلت لأ نكلن بك حتى تكون ~~هزؤة لفتيان أهل ويغوى، قلت: وهذا على ظاهره ليس بالمرضي في جانب أبي معروف ~~فإنه أجل وأورع من أن ينسب إلى أن يعامله وإلى الإمام بمثل هذه المعاملة، ~~وهذا عندي إذا صح فإنه محتمل إما أن يكون وصيا على ابنة عمه، أو اتهم ~~الكافلة بأنها لا تحسن تربية اليتيمة، ولا تحفظ عليها نفقتها، ولا هي أهل ~~لحظانتها، فهو أولى بكفالتها بالقرابة والايلاء وأنه قد ثبت ذلك بالبينة ~~فكان أبو منصور أراد تنزيه أبي معروف عن هذه القبيحة ورأى الستر على ~~الحرائر أجمل، وإما أن يكون أبو معروف أراد بذلك أن ينكحها نفسه ورآها أبو ~~منصور صغيرة مع يتمها، وفي نكاحها خلاف، فأراد أبو معروف ارتكاب أضعف ما ~~قيل وتحرى أبو منصور الأخذ بالأحوط. فكلاهما قصد مقصدا جميلا وقد تقدم من ~~وصف أحواله السنية عند ذكر الدولة الرستمية، ما يدلك على علو شأنه ومكانته ~~في الفضائل ومكانه. # ------------------------------ # 1-الحمام بالضم السيد الشريف. # 5- الشيخ يعقوب بن سهلون # ومنهم أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن سهلون السدارتي المعروف بالطرفي - رحمه ~~الله - العالم الفقيه، الفطن النبيه، اليقظان الذكي، الورع الزكي، ذو ~~الجهادين الأكبر والأصغر، والاجتهادين المصلى والدفتر، كان يلقب شيخ الرأي ~~الناصح، وكانت قراءته على الائمة بتاهرت قبل انطفاء تلك المصابح، هو الذي ~~استشاره الشيخ عيسى ms175 بن يرزكشن في نزوله بتالا، وهي إذ ذاك عامرة، فقال تصلح ~~للناس والعبادة، ولا يخلو من ذي حافر إلى أريغ، وإلى وارجلان، فنزلها وبلغ ~~فيها مبلغا عظيما وذريته بعده. # وصية الشيخ لابنه PageV02P123 ولما حضرت الوفاة أبا يوسف قال له ابنه: ~~أوصني، قال له: لا أراك تقبل الوصية يا ابن الرديئة فتردد في ذلك ثلاثة ~~أيام فلما رأى جده قال له: لا يكن ندبك الناس إلى الخير أوكد من ندبك نفسك ~~إليه، ولا يكن غيرك أسبق إلى الحرث منك، وكن للناس كالميزاب وكالسيل ~~للأدران وكالسماء للماء. # وقصده رجل من دمر في مجاعة يسأله ما يتبلغ به فقال له: عرفني بأرخص ما في ~~السوق، فأعلمه برخص الجمال، وكانت بيده أربعة وعشرون دينارا وديعة، فقال ~~له: اشتر بها جمالا، فاشترى بها ثلاثة جمال وأمره أن يعزبها في أرض مزرعة ~~مربية بين وارجلان واندرار موضع يقال له: " ايفدانن طوم" وزوده، ففي أيام ~~قليلة صلحت أحوال الجمال، فوافق ذلك قدوم رب الوديعة فقال له سق أحد الجمال ~~فسومه فبلغت قيمته أربعة وعشرين دينارا، فباعه ودفعها لصاحب الوديعة، وقال ~~للدمري: بع أحد الجمال واشتر بثمنه ما تحمل على الآخر إلى أهلك، وبادر ~~أهلك، وسر في حفظ الله، قلت: ومن شأن العزابة وأهل المذهب قديما إذا وضع ~~عند أحد منهم وديعة أن يستأذن ربها في التصرف فيها في المصالح بغير تعد ~~فيها، فإذا أذن تصرف، وفعل أبي يوسف من هذا النوع. # وذكر أنه كان في مدة قضائه كان يقضي بين الناس وهو يعمل أشغال داره لا ~~يلهيه شيء عن شيء، وذلك لذكائه وقلة كبره، وكان منتهى الفتيا بوارجلان، وله ~~مصلى معروف بوارجلان لاستجابة الدعاء، هو بين تينمصيون، وتينماطوس بمقربة ~~من بئر الأجر. # 6- أبو محمد ملي # ومنهم أبو محمد ملي الايدرفي - رحمه الله - ممن يعزى إلى الورع والصلاح، ~~لا ممن ضرب في المدارسة بقداح، أو أديرت عليه من راح المذاكرة أقداح، إلا ~~أن التقوى أظهر حاله ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) (البقرة: من الآية282) # يأبى أن يأكل طعامه لأنه ms176 يحمل له شهادة PageV02P124 ذكر أن أبا محمد ملي ~~كان يحفظ شهادة بحق رجل نفوسي، فلما أراد منه أن يؤديها عمل طعاما واستدعاه ~~إليه، فلما وضع بين يديه ذكر له الشهادة وأعلمه أنه يريد أداءها، فلما ذكره ~~فيها وعلم أن الطعام إنما كان بسبب الشهادة المذكورة، قال له: " ارفع طعامك ~~فإن عندي لك شهادة، فقال له: كل يا شيخ، فأبى عليه، فقال له: كل واشهد أني ~~تركت لغريمي مالي عليه من حق شهادتك فانصرف، فأحضر أبو محمد قمحا صالحا ~~واستدعى الرجل المذكور، فقال له خذ هذا الطعام فاصرفه فيمن تراه محتاجا ~~والقمح إنما احتاط به لما أتلف من الطعام بسببه، فحمل القمح مساعدة للشيخ ~~وصنع منه طعاما وحمل أبو محمد معه زيتا وكسى به الطعام، وقال للرجل: كل ~~أنت، وعيالك، ومن عندك. # تغير النعم من سوء تصرف الناس # وكان أبو محمد أحد المستجابين دعاءهم، الكثير اجتهادهم ورفعتهم في درج ~~الكرامات، وسنائها، فمن ذلك ما ذكر أنه كانت له بقرة يحلبها وعادتها إذا ~~أصبح قامت امرأته فتناولت القدح فتحلبها ساكنة لا تتحرك، ولا تنفر، فلما ~~كان ذات يوم قامت إليها لتحلبها على حسب العادة، فركضتها برجلها، فانكب ~~القدح، وتبدد اللبن، فقامت المرأة فذكرت ذلك لبعلها، فقال: ما هذا إلا ~~لنازلة سوء شنيعة نزلت بالجبل، فأخذ عكازه وخرج مبادرا، فأتى جمع أهل ~~الجبل، فوجدهم محتفلين على رجل ينكل ويجلد فسألهم عن شأنه. فقالوا له: جاء ~~في كتاب من الوالي، فقال أبسواد في بياض تهرق الدماء يا نفوسة؟ أو قال يا ~~معشر المسلمين، فقالوا لعمروس: جاوبه، فقال إذا قيل الحق بطل الجواب، قال: ~~ثم سألوا فوجدوا الرجل المكتوب فيه غير هذا المظلوم، فلما علموا أنهم قد ~~تعدوا وأنه برئ قوموا جنايتهم عليه، وغرموها. # يتحرج من أخذ غلة أرض حرثها بدون رضى صاحبها PageV02P125 وذكروا أنه حرث ~~ذات سنة أرضا فلما حصد الزرع ودرسه وصير الحب في التلاليس إذا برجل قد وقف ~~على الشيخ، ومعه ولده، فقال له الرجل: اللهم إنك تعلم أني لم آذن في ms177 حرث ~~أرضي، ولا بعت ولا وهبت، وإنها لأرضى لم تخرج عن ملكي، فقال الشيخ لابنه ~~أفرغ الطعام لربه ففعل ومضى الشيخ وابنه راضيين بسلامة دينهما. # 7- الشيخ سعد بن أبي يوسف # ومنهم سعد بن أبي يوسف -رحمه الله- ذو الأخلاق الحميدة. والآراء السديدة، ~~والاجتهاد في طلب العلوم لا يعتاقه"1"، عنها إلا ما ليس فيه بملوم، قرأ على ~~الإمام أفلح وتخدم فاستفاد وأفلح، وحافظ على طريق إمامه، وتساوى حاله في ~~زمن رحيله عنه ومقامه، وفى بواجب البيعة لما نكث الناكث، ولم تمل به عن ~~الطاعة علائق الشهوات، وقد مضى في السيرة الرستمية من ذكر صفته وأخلاقه، ما ~~يدلك على طيب شيمه وكرم أعراقه، ومن تمسكه بعصم الدين وأسبابه، ما تعرف به ~~سبقه في ضروب من الفضائل على كثير من أضرابه، وتقدم له من المناقب، ما هو ~~أضوى من النجم الثاقب. # ----------------------- # 1- هكذا في النسخ ولعل الصواب لا يعوقه عنها. # 8- الشيخ ياكرين وداود بن ياكرين # ومنهم الشيخ ياكرين وداود بن ياكرين - رحمهما الله - شيخا نسك وزهد، ~~واجتهاد في العبادة وجد،وقد ذكر أنهما خرجا ذات سنة من السنين إلى البادية ~~في فصل الربيع، فكانا متوافقين، فلما عزما على الافتراق أو قبل أن يفترقا ~~قال ياكرين لداود: أوصني يا أخي، قال: لا تستنج بيمينك، ولا تنزل أهلك إلا ~~في موضع الدراء والسترة، ولا تسكن أزواجك في بيت واحد، وغيرهم كثير أخفاهم ~~الخمول، وحب الاختصار. # الطبقة السابعة 300-350ه : 1- الشيخ أبو مسور يسجا PageV02P126 منهم أبو ~~مسور يسجا بن يوجين اليراسني -رحمه الله- الشريف المنصب، الكريم المنسب، ~~الطالب أرفع مطلب، الكاسب أنفع مكسب، الناهج أوضح طريق ومذهب، العاجز كنه ~~أوصافه كل بليغ أوجز أو أطنب، خدم الدين فخدمته الدنيا، ورفضها فنال منها ~~الدرجة العليا، طلب العلوم فحوى عيونها، وورد مناهل الخير والصلاح فحاز ~~معانيها، فكان موئلا للقاصد، ومنهلا للوارد والقاطع سبيل الفساد والهادى ~~إلى طريق الرشاد، بيته في المذهب أكبر البيوتات، لم تزل مذ لم يزل مخصوصا ~~بالبركات، ولم يزل قط منهم نقات مقتفية آثار الأباء نجباء الأعقاب وقد مضى ~~من ms178 مناقبه، وذكر كريم مذاهبه في أثناء الكتاب ما هو كاف، ولو اقتصر منه على ~~أدنى باب، وسنذكر في هذا الفصل نبذا من أخباره التي هي علم في الفضل دالة ~~على ما كان عليه من السيادة والنبل. # الشيخ أبو مسور يعرض عن شاتميه حسما للفتنة PageV02P127 فمن ذلك ما يذكر ~~أنه حضر مجلسا حضره جمع وافر من أهل جزيرة جربة، وهبيتها ونكارتها، وكان ~~فيمن حضر من النكار رجل يقال له: خلف بن أحمد وهو خال لأبي مسور فكان ~~النكار يقعون في أبي مسور يقولون: رجل غريب ما عسى أن يكون له من القدر؟ في ~~أنواع من قبح القوم، وضروب من الهمز واللمز، بحيث يسمع وبحيث لا يسمع، فكان ~~يتغافل عنهم وينزه سمعه من أن يصغي إليهم، وينزه لسانه عن مجاوبتهم فبلغ ~~ذلك أهل المذهب في الأقطار فاستعظموا ذلك، قيل وكان حينئذ أهل الجزيرة إذا ~~اختلفوا كان محفلهم واحدا، وهبيتهم ونكارهم فبينما هم ذات يوم مجتمعين وقد ~~احتفل مجلسهم، إذا بكتاب قد ورد إلي أبى مسور من قبل زواغة البادية، ومن ~~معهم من الوهبية فقرأ الكتاب فإذا فيه قد سمعنا يا شيخ أن النكار يقعون فيك ~~ويهمزون ويلمزون، ويتحركون في أمرك ويتحاولون أذاك فان صح ذلك فاخبرنا نلق ~~عنا ثيابنا ونصرخك، وليس علينا غير الازر والسلاح رغبة في نصرتك، وقرعا لمن ~~يرومك ويحاول ضيمك، فقال: لم أسمع بهذا أولا لي به علم، قيل ولم يفرغ من ~~قراءة الكتاب المذكور إلا وكتاب آخر قد ورد من جهة دمر، فقرأه أيضا فوجد ~~فيه: يا شيخ بلغنا أن النكار يتحركون ويسيئون إليك ويلوكون أمرك، فان صح ~~ذلك فأخبرنا نصرخك بعسكر يكون أوله عندك وآخره عندنا، فقال أبو مسور: ما لي ~~بهذا علم، ولم يفرغ من قراءة الكتاب الثاني إلا وكتاب ثالث قد ورد من جهة ~~جبل نفوسة، فيه مثل ما في الكتابين المتقدمين، إلا أنهم قالوا فإن صح ذلك ~~فأخبرنا نكسر أغماد السيوف ونصلك والسيوف مصلتة في أيدينا، فقال: لا علم لي ~~بذلك ولم أسمع به، ms179 وكل ذلك في مجلس واحد كما ذكر، كأنهم تواعدوا، وكل ذلك ~~لرغبتهم في نصرة الدين والذب عنه وكثرة الحزم والتحفظ عنه، وعن القبيلة، ~~قيل فكان خلف بن أحمد بعد ذلك يقول: ابن اختي إمامنا أجمعين، لحمي ودمي، ~~رئيس الكل، وجعل يكرر ذلك في مجالسه، وحيثما حضر، وكان عميد القوم وفقيههم. PageV02P128 # رأي العالم له جانب من الصواب # قيل اختلف أبو مسور والنكار في مسألة وخلف غائب حينئذ عن جزيرة جربة، ~~فلما قدم سأله عنها أصحابه واعلموه بما قالوه فيها، وبما قاله أبو مسور ~~فقال: أخطأتم وأصاب يسجا، فبلغ أبو مسور قوله لهم، فقال: لهذا أو أمثاله ~~يقول العلماء: لا يعوج قول عالم ولو أنه مخالف. # ما ينبغي أن يقرأ على المحتضر # وسئل أبو مسور عما يقرأ عند احتضار المريض فقال: ما سألني عنه أحد منذ ~~فارقت أبا معروف إلي اليوم ثم قال: قول الله تعالى: ( يا أيتها النفس ~~المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) ~~(الفجر:27 إلى 30) ومن حسن أخلاقه ودهائه ما ذكر أنه وضع طعاما بين يدي ~~التلامذة بعد أن غسلوا أيديهم، وخرج لم يقل لهم كلوا، فأمسكوا عن الأكل حتى ~~دخل عليهم بعد وقت فوجد أيديهم مرسلة، فقال: ما لكم لم تأكلوا؟ خشيتم أن ~~أغرمكم، كلوا وإن شئنا غرمناكم، ومات له ابن فجاءه الشيوخ يعزونه، فجلسوا ~~يتذاكرون ويوردون ما فيه تسلية، فقال لهم الشيخ: أخبروني ما الصبر الجميل؟ ~~وكيف صفته؟ فقالوا له: الجواب من عندك، فقال هو: أن لاتظهر المصيبة في وجه ~~صاحب المصيبة ولا يبين من بين جلسائه ثم قال: هذا صعب، فهل أيسر منه؟ ~~فقالوا: الجواب من عندك، فقال لهم ما لم يتغير وجهه ويسدم ويوجم، ثم قال: ~~وهذا صعب فهل أيسر منه؟ فقالوا وما هو؟ قال ما لم يصح ويدع بالويل والثبور، ~~لأن البكاء قد يكون بالرأفة والرحمة في النفس. # 2- الشيخ سحنون بن أيوب PageV02P129 ومنهم سحنون بن أيوب - رحمه الله - ~~فقيه أوانه وعمدة مكانه، علقت عنه مسائل، وفتاوى في كثير من النوازل، ms180 ورويت ~~عنه في العلوم روايات وكان يعد في أهل الذاريات، وله آثار محفوظة غير منسية ~~بل منتشرة في الجهات الطرابلسية، إلا أني لم أحفظ له سيرة، ولا وقفت في ~~تعاليق له على مسألة من مسائله صغير ة ولا كبيرة، وليس ذلك بباخس حظه في ~~الفضل، ولا قاعد به عن أولية السبق، وأوليه الحصل، فإنه في الأئمة الثقات ~~المثبتة أسماؤهم في صدور الطبقات، وقد أذنت بل رغبت لمن يقف على ذا الكتاب ~~من الفضلاء، أن يثبت له فيما يحفظه عنه من طيب الأنباء فليعلق في حاشية ~~الكتاب وهو إن شاء الله مأجور مثاب"1". # ------------------------------------------ # 1- راجع سير الشيخ أحمد الشماخي ص292 ط الباروني. # 3- أبو الخطاب وسيل # وكذلك أبو الخطاب وسيل بن ستتن الزواغي"1" - رحمه الله- معدود في هذه ~~الطبقة، مذكور فيمن أفنى بدنه في العبادة، وماله في الصدقة موسوم بسمة ~~الصلاح وتسميته، مرسوم في ديوان علماء وقته، لا بطيئا في السباق، ولا قاصرا ~~عند اللحاق، هذا فيما أدركتهم يتداولون ويتعاطون من أوصافه ويتناولون، وما ~~يخرجني إلى الخطة إذ لم أحفظ عنه رواية، فأطرز برد طبقته بما أمكن عنه من ~~ذلك ولو حكاية، فيكفي نهلها عن العمل، ويكون لي جهد المقل"2". # --------------------------------- # 1- النهل بالتحريك مصدر نهل شرب أول مرة والعمل والعلل الشرب مرة ثانية ~~أو تباعا. # 2-أخطأ وعدل عنه. # 4- الشيخان أبو القاسم مخلد وأبو خزر يغلا PageV02P130 ومنهم الشيخان أبو ~~القاسم، وأبو خزر، الوسيانيان - رحمهما الله - لا يمكن فيهما مزيد على ما ~~قدمناه في هذا التصنيف ولا يحتاج مع شهرتهما إلى زيادة تعريف، فانهما إماما ~~أهل التوحيد، وفخر من نشأ بقسطيلية وغيرها من بلاد الجريد، ولكل واحد منهما ~~أخبار سارده وفضيعة فاطلب ذلك فيما مضى من الشيعة، وسنذكر هاهنا مسائل وقع ~~بينهما فيها اختلاف وكل أصاب سهمه الغرض وما ضاف"1"، فمن هذه المسائل ما ~~نبهنا عليه وسنذكره، والخير لا يسأم من يكرره. # لا تتسرع إلى الحكم السيء ما وجدت احتمالا # فمن ذلك رجل قال: لا إله فسكت، ولا حول ولا قوة، ما الحكم فيه؟ فقال: أبو ~~خزر، ms181 أشرك، لأنا إنما يلزمنا الحكم بالظاهر وقال: أبو القاسم بل في المسألة ~~احتمال، لعله يعني لا إله في الأوثان وأضمر في نفسه تتميم الكلام، ولا نظن ~~بالمسلم إلا خيرا، ولا نخرجه إلى الشرك بالاحتمال، وهذا كما قيل عن الإمام ~~أفلح -رحمه الله- أن من دين الله أن أحدا إذا جاء بوجه يحتمل وجوها حمل على ~~أحسنها. # الأم أولى الأبوين بالبر وأحق # واختلفا في الأبوين أيهما أعظم حقا قال أبو خزر الأب أعظم حقا، لأنه ~~المأخوذ بحقوق الولد، وقال أبو القاسم: بل الأم أعظم حقا لأنها أعظم مؤونه، ~~فقد قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما سأله عن ذلك سائل: فقال التي ~~حملتك بين الجنبين، وأرضعتك بالثديين، ووسدتك الفخذين، قلت: وهذا إنما هو ~~مجرد حكاية، ولا ينبغي لكل واحد منهما على مكانه في العلم وجلالة القدرأن ~~ينكر ما قاله صاحبه أو يعتقده خلافا، بل لكل وجهة يصدقها ما يجري من أحكام ~~الميراث، وما قاله رضي الله عنه لما سأله سائل يا رسول الله (من أحق الناس ~~مني بالصحبة؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال أبوك)، ~~فالأول لأبي خزر، والثاني لأبي القاسم أفترى أن أحدهما يجهل ما تمسك به ~~صاحبه؟. # حكم من لم يجاهد نفسه ولم يحملها على الجد PageV02P131 وذكر أيضا أن أبا ~~خزر قال: من جاهد نفسه من أهل الدعوة فإما نال خيرا، وإما لم ينله، وأما من ~~لم يجاهدها فلا ينال خيرا، فقال أبو القاسم في الأول أنه ينال خيرا على كل ~~حال، وفي الثاني محتمل، قلت: وهذا أيضا غير بعيد من الأول ولكل واحد منهما ~~تأويل يحمل عليه لفظه لا يمكن أن ينكره الآخر، ولا أن يعتقد خلافه. # -------------------------------- # 1- أخطأ وعدل عنه. # أبو صالح جنون بن يمريان # ومنهم أبو صالح جنون بن يمريان - رحمه الله - ذو الورع والسخاء وبركات ~~صالح الدعاء، وهو أحد الأبدال، وأصحاب الكرامات والأحوال، وأحد أقطاب الدين ~~وثمال اليتامى والمساكين، إن لم يكن مقدما في العلوم فمقدم في المعارف، وإن ~~لم يكاشف ms182 أجسام الدواوين فهوا لأرواحها مكاشف بل إن قيس بسواه في عمله ~~ودرايته، وجد سواه يقصر دون أدنى طلقه، فكيف بغايته، وقد مضت في هذا الكتاب ~~جمل من أخباره ونكت من حميد آثاره. # حال الشيخ يوافق ما يقال عنه PageV02P132 وذكر أن ثلاثة من فقهاء جربة ~~أحدهم أبو صالح بكر بن قاسم، والثاني أبو موسى عيسى بن السمح، والثالث أبو ~~زكرياء فصيل بن أبي مسور، توجهوا إلى جهة ريغ ووارجلان زائرين إخوانهم وأهل ~~دعوتهم، قيل فوصلوا وارجلان ودخلوا على أبي صالح وصافحوه وتبركوا بمشاهدته، ~~ثم تساءلوا فيما بينهم عن حال أبي صالح؟ فقال أحدهم: لما رأيته توليته، ~~وقال الثاني: لما عانقته توليته، وقال الثالث: لما تكلم توليته، قلت: وهذا ~~مستحسن من وجه ومستقبح من وجه فوجه الاستحسان حسن التوسم من مثلهم في مثله، ~~ووجه الاستقباح إذا حمل على ظاهر ما رواه الراوي، كونهم إنما تولوه بعد هذه ~~المشاهدة من رؤية وعناق واستماع كلام، أتراهم كانوا قبل ذلك يبرأون منه؟ ~~ويقفون فيه بل لم يزل قبل ذلك وبعده أهلا لتوليتهم، فان حمل اللفظ على ~~ظاهره لم يصدق عليه المعنى، لكنهم أرادوا - والله أعلم - أنهم لما شاهدوه ~~مع ما كان متقدما عندهم من توليته شاهدوا منه مصداق ما تقدم عندهم، فإنه ~~تقدم على طريق السماع، والاستفاضة، فلما شاهدوه تحققوا ذلك عيانا، لا يحمل ~~كلامهم على غير هذا. # وصية الشيخ أبي صالح لبنيه PageV02P133 قيل وأوصى بنيه بثلاث، وكل واحدة ~~منهن تشتمل على ثلاث، فتلك تسع، قال: يابني إذا كان إبان غلتكم فولوها ~~بأنفسكم، ولا تولوها غيركم، حتى توصلوها موضع حرزكم، فان لم تكونوا أصحاب ~~غله ولم يكن لكم بد من شرائها فاشتروها ما دامت في أصولها، ولا تتركوها حتى ~~تصل الحرز فيصعب إخراجها، فان لم تكونوا أصحاب غلة ولا قادرين على الشراء ~~وتنزلتم إلى طلبها فاطلبوها قبل دخولها إلى الحرز، يسهل إعطاؤها، والثانية ~~إن كنتم في بلد فأول ما تلتمسون أنفسكم وأموالكم المسكن. فإن من سكن في غير ~~مسكنه فإما أن يكون غنيا، وإما أن ms183 يكون فقيرا، فإن كان غنيا ووسع على نفسه ~~سماه الناس مبذرا، وإن ضيق سموه مقترا ممسكا، وإن كان فقيرا قالوا ليس وراء ~~هذا إلا الدخول والخروج وإن كان في مسكنه يستر على غنائه وفقره ولا يعرف ~~الناس له عيبا، والثالثة إذا أقبل الشتاء فحصلوا كسوة شتوتكم، فإن من بات ~~مبيت سوء ليلة واحدة لا يخلفها أبدا والذي تخلفونه من مجرد ثيابكم وخلقها ~~فيه بقية ومنفعة، فإن أعين الناس وألسنتهم متسلطة على من معهم، يتحسسون ~~للكبيرة والصغيرة، وهذه الوصية ليس فيها من أمور الدين شيء إلا النهي عن ~~إضاعه الحال والمال، وفي ذلك مصالح كثيرة، ومنافع جمة. # منابت النخل أغنى من مزراع القمح # وذكر أن إبن عم له كتب إليه كتابا من المغرب: يا ابن عمي ائتنى فانك قمت ~~في أرض الفقر، فإن عندنا أرضا كريمة، قدر الكساء يحمل البعير وسقه حبا ~~فأجابه أبو صالح: يا ابن عمي أيبتنى، فإن عندنا أرضا قعدة الرجل يحمل ~~البعير وسقه عسلا، وفي هذه الحكاية حسن الجواب المسكت، وفيها ما يدل على ~~القناعة وعلى الرصانة وعدم الطيش. # للرجل الفقير أن يأخذ زكاة زوجته لا العكس PageV02P134 وذكر أن رجلا من ~~أهل قصر بكر، أحد قصور وارجلان كان رجلا مقلا، وله امرأة كثيرة المال فسأل ~~أبا صالح: هل يجوز أن يأخذ زكاة امرأته؟ فتوقف عن الجواب تحرجا إلى أن قدر ~~الله بوصول أبي نوح سعيد بن زنغيل إلى وارجلان، حين فراره من أبي تميم ~~الشيعي، فسئل عن المسألة فأباح ذلك، وأعلمهم أن للرجل أن يأخذ زكاة مال ~~امرأته، وليس للمرأة أن تأخذ زكاة بعلها، وهذه المسألة مشهورة ليس في هذه ~~الحكاية ما يدل على قله علم أبي صالح، بل يدل على ورعه وتنزهه. # وذكر أن ابنا له، اشترى كتابا، فكان يقرأه على أبيه، فكان أبو صالح يخاطب ~~الكتاب ويقول: باعك من يعرفك واشتراك من لا يعرفك، وهذه الحكاية تدل على أن ~~هذا الكتاب كتاب عجيب، وأن الولد ولد غير نجيب، ولكن خاطب ابنه بما يفهم من ~~هذا ms184 الوجه ولم يقابله بقبح الزجر. # تضربه المرأة فيصبر لذلك احتسابا # ومما يذكر من سعة صدره، وقلة ضجره، وكثرة صبره، أنه جلس ذات مرة مع ~~امرأته وهي تعجن عجينا، فخاطبها بكلام لم يقع منها موقع الموافقة، فلطمته ~~حتى ارتسمت آثار أصابعها في خد أبي صالح، فتكدر خاطره، فلم يمكنه الشكوى ~~إلى أحد، ولم يكن له بد الشكوى إلى شيخ أبي يوسف يعقوب الطرفي، فجاءه شاكيا ~~فلما بثه حاله، قال الشيخ: أترى هذه؟ وأشار إلى زوجته، فقال ما لها؟ قال: ~~ضربتني البارحة بمقلى فصيرته طوقا في عنقي فقال أبو صالح أنت، أنت، يريد ~~أنت أصبر مني ثم والله لا أشكوها بعد اليوم. # الشيخ أبو محمد جمال المدوني # ومنهم أبو محمد المدوني -رحمه الله- فقيه الأسلاف المتلافي في سيرهم حين ~~التلافي، الشامل ما أشرف على الشتات المؤلف للجمع بعد ما صدر الأشتات، ~~تدارك المريض فأقامه، وقد أراد أن ينقض فرده إلى أحسن حاله، وعالجه بحسن ~~رأيه وإيالته فالممسك فيه به اقتدى، وهو من السابق في العلم والورع والندى ~~وله في معاملاته أمور سنية، وأحوال مرضية. # يختلفان لأجل كتاب فيفصل بينهما الشيخ برأي مصيب PageV02P135 ذكر أبو ~~الربيع أن رجلا من مزاتة قارض رجلا بمال فكان يتجر به، فبينما هو ذات يوم ~~في بعض شؤونه، إذا بكتاب تفسير القرآن لهود بن محكم الهواري يعرض للبيع، ~~فاشتراه وجاء به إلى رب المال، فقال له: إني اشتريت هذا الكتاب وهو لي ~~دونك، وإنما لك رأس المال، فقال له رب المال: بل هو لي دونك وإنما لك نصيبك ~~من الربح، إن كان في متجرك ربح، فتخاصما وتشاتما حتى قامت مع كل واحد ~~عشيرته متعصبة، وتآمروا على القتال، وتواقف الفريقان وقد اشرفوا على أن ~~يتفانوا، فبلغ ذلك أبا محمد جمالا، فجاء مبادرا فقال: ايتوني بالكتاب الذي ~~أراكم تريدون أن تقتتلوا عليه، فأتوه به ففتح وقصد موضعا منه، فإذا بين ~~النصفين ورقتان بيضاوان، ففصل ما بين النصفين، وضم إلى كل نصف ورقة بيضاء ~~وقطعة بسكين وأعطى لكل واحد من الخصمين نصفا، ms185 وقال: من شاء منكم الآن إكمال ~~الكتاب فلينسخ النصف الذي فاته فاصطلح الفريقان وافترقا على خير، وزعم بعض ~~الناس أن منتسخ الكتاب تفرس أو كشف أن أمره يؤول إلى تفرق بالحديد، فاحتاط ~~عليه وترك ورقتين غير مكتوبتين، وهذا الذي زعموا لا حاجة لنا إليه، وإنما ~~المقصود ما ذكرناه من بركة هذا الشيخ، وحسن سياسته. # يشح على نفسه وعياله فيطعمه الشيخ قسرا PageV02P136 وذكر أن أبا محمد ~~جمالا كان جواره رجل من أهل البادية في سنة مجاعة، وللرجل صرمة، وقد أضربه ~~الجوع، وشحه المطاع مانعه أن ينحر منها ناقة، فيطفئ سغب نفسه وعياله فبلغ ~~ذلك أبا محمد فجاءه فوجده في خيمة لا حركة له من ألم الجوع، فقام أبو محمد ~~احتسابا في الرجل وفي يده حربة، فدخل في إبله فعمد إلى ناقة كوماء لم ير في ~~إبل الرجل أحسن منها، ولا أسمن منها، يريد أن ينحرها، فرآه صاحب الإبل، ~~فقال: لعل غيرها يا أبا محمد؟ فأبى إلا تلك التي قصد إليها، فنحرها بحربته، ~~فلما نحرها قال لهم: قوموا، وكلوا، فلما أصبح أغارت عليهم غارة، فاكتسحت ~~إبل الرجل، فلولا أن الله عز وجل لطف بهم ببركة الشيخ لماتوا جوعا، قيل ~~تبلغوا بشحم الناقة ولحمها، وسدوا فاقتهم تلك السنة الشديدة. # على العالم أن ينظر للجاهل ما يصلح به # وذكر أن عاملا خرج على عشيرة أبي محمد من قبل السلطان فكان هذا العامل ~~يماكسهم، ويشدد عليهم فلما كان يوما من الأيام قال لهم العامل: إن ~~أعطيتموني اليوم كذا وكذا مضيت عنكم، وإن بت الليلة ضاعفت عليكم وكلما بت ~~ضاعفت قيل فلم يدفعوا له شيئا ولم يعبأوا بقوله، فكان يضاعف عليهم فلما رأى ~~أبو محمد العامل يضاعف عليهم الغرامة كل ليلة، ورأى قومه غير مكترثين به ~~حماقة، وخرقا لا قدرة وعزا، قال للعامل وخدامه: قفوا على ترع الأحياء ولا ~~تتركوا مالهم يسرح، فلما رأى أصحاب الأموال ماشيتهم يأكل بعضها بعضا جوعا، ~~أدوا إلى العامل ما لزمهم، وانصرف فجعل جهالهم يطعنون في الشيخ، ويعيبون ~~فعله، حتى قال ms186 قائلهم: ما هذا إلا معونة الظلمة الفجار على الضعفاء ~~والمساكين، فقال لهم أبو محمد: لله على العالم أن ينظر للجاهل ويدله على ما ~~فيه سلامة دينه ودنياه. # يقنت في الصلاة وهو لا يرى ذلك موافقة للجماعة PageV02P137 وعنه أنه كان ~~يصلي بجماعة أكثرهم أهل الخلاف ممن يرى القنوت في الصبح، فكان أبو محمد ~~يقنت بآي القرآن التي فيها الدعاء الذي في آخر سورة البقرة، وكالآية من آل ~~عمران، ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) (آل عمران: من الآية8) الآية، ~~وما أشبه ذلك. لعلمه أن ذلك لا يفسد الصلاة على مذهب الامتناع من القنوت ~~فكانوا يشكرونه ويثنون عليه وقيل: بل الذي فعل ذلك فتوح بن أبي حاجب ~~المزاتي، وهو أيضا من طبقة أبي محمد في العصر والتحصيل للعلوم، وعن فتوح - ~~رحمه الله - أنه سمع رجلا يطعن في دين الوهبية من المخالفين فغضب، وأخرجه ~~ذلك وأحنقه حتى قال: ما ههنا أحد من أولاد المشومات؟ فسمعه جماعة من شبان ~~مزاتة وفتاكهم، ممن يغضب لغضبه، فعلموا أنه عرض بفعلة تفعل بالرجل وأنه رأى ~~أن دمه مباحا، فلما كان الليل نام الرجل في أعلى داره فتسوروا إليه وخنقوه ~~حتى مات وذلك في بعض قرى بعض الزاب، فلما مات رموا به في الزقاق فلما أصبح ~~وجده الناس لا روح فيه، ففتشوا ليجدوا فيه أثر جرح أو ضربه فلم يجدوه، ~~فقالوا: والله ما قتله إلا الملائكة، قيل ثم أن الفاعلين لذلك مروا بالشيخ ~~بعد عام فوجدوه يدرس زرعا، فقالوا يا شيخ هل هنا أحد من أولاد المشومات أم ~~لا؟ يذكرونه فعلتهم فأثنى عليهم وشكر فعلتهم. # حكم طهارة ما صنع من نبات الأرض بالزمن PageV02P138 وذكروا أن جماعة من ~~المشائخ توجهوا نحو طرابلس فركبوا البحر، ونزلوا بجزيرة جربة، وحضروا بها ~~مجلسا، قد حضرته فقهاء أهل جربة، ومشيخته كأبي مسور وأمثاله، فتذاكروا في ~~الطهارة حتى وردت بينهم مسألة فوقع فيها الاختلاف بينهم، وهي: ما كان من ~~نبات الأرض من الثياب هل يطهره من النجس ما يطهر الأرض والنبات لأنها من ms187 ~~نجسها أم لا؟ فاجتمعوا على أن الثياب كلها حكمها في ذلك إذا نجست حكم واحد، ~~لا يطهرها إلا الغسل بالماء لا يطهره سواه بخلاف العناصر فخالفهم أبو محمد ~~جمال وحده فقال لهم: حكم الأرض ونباتها وما يعمل منها من ثياب جميعا واحد ~~يطهرها تداوم الشمس والرياح عليها، إذا أبرزت المدة الطويلة، ما لم تبق عين ~~النجاسة، قائمة، قيل فنبهه بعض أصحابه وأعمله بما كان من اتفاق الجميع وان ~~إتفاقهم هو الصواب، فأقام أبو محمد الحجج على صحة مذهبه وقوله، ولم يرجع ~~عنه فقال لهم أبو مسور: كفو عنه فان العالم كالأجدل"1" إذا حلق ضرب. # ما نقل عن الشيخ وقيل عنه وهو في طريقه إلى الحج PageV02P139 وذكر أنه ~~توجه إلى المشرق للحج فصحبه الشيخ مطكداسن، وعبد الله بن الأمير ومع أبي ~~محمد جمال حينئذ أثني عشر جملا فأراد عند الركوب أن يحملها فاستدعى مطكداسن ~~ليعينه، فقال: ليس ذلك من شأني قال وما شأنك إذا ؟ قال: الدواة والقلم، ~~حسبك بأني كتبت أحد عشر كتابا في عشرة أيام فاستحسن ما أجابه به ولم يكلفه ~~شططا، وساروا حتى نزلوا مدين فرأى رجلا يطفف الكيل فلطمه،فقال ( أوفوا ~~الكيل ولا تكونوا من المخسرين ) (الشعراء:181) فرفع إليه رأسه وقال: فينا ~~والله نزلت يا مغربي، وإنما خاطبهم أبو محمد بالآية لأنهم المخاطبون بها ~~ولما قضوا مناسكهم ورجعوا إلى بلادهم كان فيمن جاء لتهنئتهم عبدالله بن ~~مانوج، فقال لابن الأمير لما رآه سالما في ماله ونفسه: لعلك يا أبا محمد ما ~~أصبت في سفرك هذا بشيء؟ فقال: قد سلمني الله وعافاني من ذلك، فقال له ابن ~~مانوج: قد كنت أود لو احتسبت بشيء تصاب به فأصبح أحد عشر جملا من جماله ~~جيفا. وإنما قصد ابن مانوج في ذلك وجوها منها قوله صلى الله عليه وسلم :" ~~من يرد الله به خيرا يصب منه" ومنها خشية العين، ولم يكن ابن مانوج ممن ~~يتمنى العطب لأخيه في الله تعالى، بل أراد ما يوفر به الأجر. # ----------------------- # 1- الأجدل العقاب يريدان العقاب إذا حلق في ms188 الجو ضرب فيه وأوغل شبه به ~~العالم يتوسع في الحجج وذكر العلل. # 7- سليمان بن زرقون وابن ماطوس # ومنهم سليمان بن زرقون وابن ماطوس - رحمهما الله - كانا بدري الفراقد ~~وكلاهما مطلب للناشد ومعلم للراشد، إن تباعدت بقاعهما فقد جمعهما أصل واحد، ~~وعصر واحد ولكل منهما تأليف في علوم الدين كم هدى الله بهما من المهتدين؟ ~~ونفى بهما من فساد المفسدين؟ وقد تقدمت لأبي زرقون في هذا الكتاب أخبار ~~وسير، فيها مقنع لمن عليها اقتصر، وسنذكرها هنا من أخبار كل منهما ما أمكن، ~~فكلاهما مستملح مستحسن. # التعبد بدون علم يوقع في الخطا PageV02P140 ذكر أن سليمان بن زرقون -رحمه ~~الله- كان مسافرا ومعه رجلان من أصحابه، ممن ينتمي إلى العلم والصلاح وحضر ~~وقت صلاة من الصلوات، فاجتازوا على غدير ماء، ذلك في فصل يجمد فيه الماء من ~~شدة البرد، فلما وقف عليه أبو الربيع توقف وغلب على ظنه أنه وجب عليه ~~العدول إلى التيمم، ولا يتعمد بإلقاء نفسه إلى التهلكة ونزل أحد صاحبيه إلى ~~الغدير فغسل يديه، واقتصر على الزيادة على غسل اليدين، لما وجد من ألم برد ~~الماء، ونزل الثالث وغسل في محزر فشج عصبه، ووقع ملقى فنزلا إليه فلفاه في ~~ثيابه وحملاه وقالا له: ألا تهون على نفسك التيمم لصلاة واحدة؟ فتيمم الآن ~~لصلوات فأي الاثنين الأفقه عندك؟ وإني لأراه أبا الربيع وأما صاحبهما فتعبد ~~بلا علم. # الفاهم لعلة الحكم هو الفقيه لا المتمسك بألفاظه PageV02P141 وذكر أن أبا ~~صالح اليراسني وأبا موسى ومن معهما من التلامذة، ساروا إلى أبي الربيع ~~سليمان بن ماطوس، ليقرأوا عليه فاقاموا يقرأون عليه ما شاء الله، ثم ~~انتقلوا إلى موضع بافريقية يقال له" سلام ليك" فاقاموا به يدرسون الكتب ~~زمانا، ثم إنهم رجعوا إلى ابن ماطوس ليعرضوا عليه ما قرأوا في تلك المدة ~~فلقوا بكر بن أبي بكر بنفزاوة، وصحبهم فساورا إلى وقت صلاة الظهر، ومعهم ~~رجل فقال لهم: ما الذي أصلي أقصرا أم تماما؟ فقالوا كلهم: صل صلاة المقيم، ~~حتى تجاوز ستة أميال، إلا بكر بن ms189 أبي بكر فقال له: صل صلاة المسافر إذا ~~نويت خروج ستة أميال، ثم مروا بامرأة تغسل صوفا نزع من شاة ميتة فقالوا ~~لها: لا يطهر صوف الميتة حتى يترب في سبعة أمكنة بسبع أتربة، وسبع قضبان، ~~ثم يغسل بعد هذا، فقال لها بكر: اغسلي صوفك كما تغسلين غيره من الصوف، ولا ~~يلزمك مما قالوا شيء وقالوا في رجل تيمم ويده منجوسة أن اليد تطهر وأن ~~التراب ينجس، فقال بكر: أن اليد تطهر وأن التراب لا ينجس، فقالوا له: فأين ~~ذهبت نجاسة اليد؟ قال: ذهبت بين الضربات، فساروا حتى وصلوا ابن ماطوس ~~فأعلموه بالمسائل الثلاث، وبجواب بكر، فقال لهم: الفرسطائي عالم، ثم أخذوا ~~في تصحيح ما قرأوه ونظروه على ابن ماطوس فصححوه في ستة أشهر، ورجعوا إلى ~~أهاليهم، وهذا بمناقب بكر بن أبى بكر أشبه، وأولى وذكر أن ابن ماطوس قال ~~لبعض من يرد عليه من بعض نواحي بلادهم: بلغنا عن رجال منكم أنهم يأخذون ~~الصدقات ويردون منها على من أخذوها منه، فأزجرهم فانه مما لا يرضى الله تعالى. # الشيخ أبو سهل الفارسي PageV02P142 ومنهم أبو سهل الفارسي - رحمه الله - ~~غلبت عليه هذه العزوة الفارسية وليس بفارسي، وإنما هو نفوسي ولا شك أ ن أمه ~~رستمية من بيت الإمامة، فغلب نسبها عليه واشتهر به، وقيل هو رستمي، أبا ~~وأما، وأن أباه ولد لميون بن عبد الوهاب - رحمه الله - تمسك من العلوم ~~بسبب، فليس برأس فيها ولا بذنب، إلا أن الغالب من أحواله، همل الدموع، ~~والتلهف على فائت ليس له رجوع، فجعل هجيراه مراثي الدين وأهله، والبكاء ~~عليه بوابل الدمع وطله، حتى دونت الدواوين من كلامه، وانتشر في الآفاق حسن ~~نظامه، وقد أعجز المراثي بما أوعظ، فلها بذلك في النفوس أحسن موقع وأوفر ~~حظ، وجميع ما حفظ من ذلك فإنما هو بلسان البربر، أكثره بالصواب حدا، فقف ~~على دواوينه تكن عليه مترجما، ولا ترمها إذا لم تجد لها مترجما. # الديوان الذي نظمه بالبربرية وهو في جزائر بني مزغنه PageV02P143 وعن أبي ~~زكرياء يحيى بن ms190 أبي بكر أن رجلا من العرب من موالي لواتة قنطنار، يسمى ~~سعيدا، اطلع إلى البادية فانتهى إلى موضع أبي سهل، بمرسى الخزر، وقيل بمرسى ~~الدجاج، وهو الصحيح، وهو بجزائر بنى مزغنان، قال: فأكرمه وسأله عن أهل ~~الدعوة، فقال له: أي فن يسرهم أن أدونه لهم؟ قال: انتظم لهم بلغة البربر ~~كلاما يكون فيه وعظ وتذكير وتخويف، وكان أبو سهل فصيحا بلغة البربر، ولقد ~~كان ترجمان جده الإمام أفلح، وقيل بل ترجمان خاله يوسف الإمام، قال فقيد له ~~أثنى عشر كتابا في المواعظ، وفيها جمل من تواريخ أهل الدعوة فاختلس النكاري ~~شطرها، وبقي له ستة أجزاء فكان إذا أراد قراءتها أدخل رأسه في ثيابه وقرأها ~~على الناس حذرا عليها، فلما كان ذات يوم قرأ منها ألفاظا دلت على أنه أتحف ~~بها أهل الدعوة، فأمر الشيوخ خلوف بن وحنين أن يخاصم ويطالب سعيدا محتسبا ~~في حق أهل الدعوة، حتى يسترج لهم منه هديتهم، ففعل فكتب منها العزابة، ما ~~كتبوا فلما أخذت قلعة بني درجين وأحرقت أحرق ما وجد من هذا الكتاب، وحينئذ ~~تلافى أبو عبدالله ما تحصل في صدور العزابة فقيد منها أربعة وعشرين بابا، ~~فلذلك قد تجد فيها قلة الاتزان والزيادة والنقصان، وذكر أن قبر أبي سهل ~~بالموضع المذكور ويزار حتى أن صنهاجة كانت حينئذ تزوره، وربما قال قائلهم: ~~انطلقوا بنا إلى قبر النادب ذنبه ودينه، وهذا مما يصحح أنه بجزائر بني ~~مزغنان، لانها بلاد صنهاجة. # الطبقة الثامنة 350-400ه : 1- أبو نوح سعيد بن زنغيل # ومنهم أبو نوح سعيد بن زنغيل- رحمه الله - لا مزيد له على ما تقدم في ~~الكتاب من المناقب، فلكل فصل منها في دجى العلم شهاب ثاقب، هو في الأوصاف ~~الحميدة نهاية فاطلبها في موضعها ففيه كفاية. # 2- أبو صالح بكر بن قاسم PageV02P144 ومنهم أبو صالح بكر بن قاسم ~~اليراسني- رحمه الله - أنجب من طالع ودرس، وأحد من أحيى ما كان عفى ودرس، ~~جبلته طلب الصلاحية والعلم، وسمته الاعتصام بالوقار والحلم نوره يلتاح ~~صامتا أو متكلما، وبركته ظاهرة متعلما أو معلما ms191 فبهمته انتشرت الخيرات، ~~وتلاميذه المفيضون للبركات، وكان أحد من يوصف بالاجتهاد والتصميم، لا فرق ~~في الحق عنده بين العدو والحميم. # ذكر أن أبا صالح نكل برجل من تلامذة أبي مسور، فأقبل الرجل مستغيثا بأبي ~~مسور، شاكيا إليه ما لقي من أبي صالح، فقال له: ألا ترى ما بي؟ فقال له أبو ~~مسور: وطن نفسك على ما تلقى من أبى صالح وأمثاله، فإن المسلم في الحق ~~كالحديدة المحماة ما أوقع عليها أحرقته، وما وقعت عليه أحرقته والحق أحق أن ~~يتبع، وإن كان مرا، قيل: ثم تعين على الرجل المذكور حق من الحقوق مرة ثانية ~~فعيد به إلى أبي صالح، فنكل به مرة ثانية فجاء إلى أبي زكرياء شاكيا إليه، ~~كما شكى إلى أبيه، وكان من قوله: ألا ترى ما فعل في وضربني مبينا"1" ؟ ~~فانتهره أبو زكرياء وتجهم في وجهه، وقال له: لا، وأخذ الله الشيخ فيما ترك ~~قبلك من الحق، فإن أباك جاءني شاكيا بك، وذكر أنك تنتف لحيته، وما ذلك بقليل. # شدة الشيخ على الجناة PageV02P145 قيل وكان أبو صالح في أول أمره ~~بالبادية، في موضع يقال له" أزارق" وهو إذ ذاك شديد على العصاة حديد على ~~العتاة، ومع ذلك كان لا يضرب السراق من صنهاجة متى عثر عليهم تقية، لا ~~مداهنة، وكان متى وقع عليه جان بين يديه، وثبت عليه حق، أخذ خشبة عظيمة قد ~~اسردت فيها حلق، وسلاسل فجعل رجل الجاني في حلقة من تلك الحلق، ثم يقلب ~~الخشبة على رجليه لئلا يهرب، قيل فكانوا بالليل يصيحون صياح التيوس، من شدة ~~الحر والبرد، مع ما هو فيه، قيل فلما اشتد الحال في البادية وكثرت الزلازل، ~~واضطرمت نيران الفتن، انتقل إلى جربة فعمد إلى تلك الخشبة وما معها فرماها ~~في بئر، فتكلم في ذلك بعض العزابة، وقال: ما دعاه إلى رميها في البئر؟ فقال ~~لهم ولده أبو محمد: إنما اتخذ ذلك ليصرفه في الوجه الذي أراده له، وإذ تخلى ~~عن ذلك فلا ينبغي أن ينتفع بما في غيره. # العرف له ms192 اعتباره في المعاملات # وذكر أن رجلين اختصما إليه بجزيرة جربة، أحدهما باع للآخر سلعة بستين ولم ~~يسم أي الجنس هي من الأثمان فقال المشتري: إنما اشتريت بقراريط الحندوس، ~~وقال البائع: إنما لي عليه ذهب، وقال المشتري: لا أعرف الذهب، قال أبو صاح ~~للبائع: خذ منه ما ذكر، وإلا فخذ سلعتك لأن أهل جربة إنما يعرفون التبايع ~~بالحندوس، ولا يعرفون الذهب، قلت: وهذا الكم شبيه بالصلح، ولعله عرف أن ~~البائع كان من بلاد جرى العرف فيها بالتبايع بالذهب وعرف أن المشتري لا ~~يعرف إلا الحندوس، فاكتفى عن البينة واليمين بما عرف، والنظر إلى أشبه ~~قوليهما. # الحق لا يختلف باختلاف الناس في مذاهبهم PageV02P146 قيل وكان لرجل نكاري ~~على رجل وهبي دينار، فمات الذي عليه الدين فخلف ابنا عزابيا، ولم يترك مالا ~~يورث عنه سوى شاة واحدة فطلب النكاري دينه من ولد الميت فقال: إن غريمك لم ~~يخلف إلا شاة، فبعها وخذ منها دينك، فقال النكاري: بع أنت، وادفع لي: فقال: ~~بيني وبينك أبو صالح، فترافعا إليه، فلما قربا من مجلسه قال النكاري ~~للعزابي: سر إليه أنت، وحدك، واستفته، فما أفتى به أمضيته على نفسي، ورضيته ~~فجاء العزابي، وعرفه ما بينه وبين صاحبه، فقال أبو صالح: صدق صاحبك، بع ~~وادفع إليه الثمن، فقال بعض من حضره من العوام هذه إعانة للنكاري على ~~الوهبي، فقال لهم: إن الحكم لا يختلف. # الحكم فيما إذا تخلى الورثة عن التركة للغرماء # فقال أبو محمد لو كان أبو صالح تتبدل فتياه لتبدلت في هذه القضية، وأخذ ~~بقول من قال أن الورثة إذا أخلوا بين التركة وبين الغرماء فليس عليهم غير ~~ذلك، قلت: الوجه في المسألة إن كان المديون لا مال له غير الشاة، أن يجتهد ~~الحاكم في النداء حتى تبلغ أقصى غاية قيمة الوقت ولا يكون ذلك إلى أحد من ~~الخصمين، فإنه أرأيت إن باعها ولد المدين بأقل من قيمتها، ثم قام عليه غريم ~~آخر، فحاصص الغريم الأول فيما أخذ أليس قد ضيع بذلك حق الغائب والحاضر إذا ms193 ~~كانت في البيع حطيطة إليهم؟ اللهم إلا إن تطوع الوارث بقضاء جميع الدين ~~سواء كان في التركة وفاء أو لم يكن. # وذكر أن أبا صالح سار ذات مرة في بعض شؤونه ومعه ابنه أبو محمد، فلما ~~كانا بعض الطريق وجدا شاة لا يدري أحد منهما لمن هي والشاة على آخر رمق ~~فقال أبو صالح لابنه: اذبحها، فامتنع فكرر عليه، فامتنع. وكان الشيخ راكبا ~~فنزل عن مركوبه، فذبح الشاة فتركها وانصرف فقال لابنه أبي محمد: أنتم أهل ~~هذا الزمان لا تجزون على أحد صغيرة ولا كبيرة، ثم قال لابنه: اقطع لي قضيبا ~~أسوق به الحمار، فقطع له قضيبا فاستحسنه وألقى الذي في يده، ثم قال: هكذا ~~المتروك الذي يسميه العلماء متروكا. PageV02P147 # وذكر أن أهل الحي شكوا إليه شاة تشرب من الآنية، فقالك ائتوني بها، فأتوه ~~بها فضربها ضربة واحدة بين إذنيها، فصاحت صيحة منكرة، فلم تعد بعد ذلك إلى ~~شرب اللبن. # شفقة الشيخ على الحيوان # وغاب عن أهله ذات مرة في بعض شؤونه وخلف ناقة له وعليها الصرار، فلم ~~ينزعوه عنها فلما قدم وجد خيط الصرار قد أثر في غارب الناقة، حتى أحدث فيها ~~قرحا، فاستعظم ذلك وأظهر غضبا، وابتدر ليحل الخيط عن الناقة، والصديد يقطر ~~على كمي جبته، فقال أبو محمد: وكنت أضم كميه لئلا يصيبهما الصديد، فانتهرني ~~وقال: تنح عني لا بأس بذلك. # يتحمل الشيخ المشاق للإبقاء على أثر الصالحين # وذكر أن أبا صالح سمع بالنكارة أنهم استولوا على جبل دمر بحلقة كانت لهم ~~تطوف في الجبل فتكدر خاطره، فتوجه إليهم بالحلقة، ومعه ابنه أبو محمد وذلك ~~في سنة ممحلة، وكان الشيخ يكابد الجوع والوعر، وصعود الجبل كل ذلك في الله ~~وإحياء لسيرة المسلمين، وابقاء لذكرى الصالحين وفي ذلك كان ولده أبو محمد ~~يرفده من وراميه لما صعد الجبل، لئلا يقع، حتى وصل إلى رئيسهم ومقدمهم " ~~زيري بن كلمين" فعاتبه أبو صالح وقال له: ما هذا الذي بلغنا عنكم يا زيري ~~من مرور النكار عليكم وحلقتهم بين أظهركم وأنت ms194 بالحياة؟ فقال له زيري: إن ~~عذرنا يا شيخ بين أما سمعت المثل السائر في كلام البربر؟ وخاطبه ببيت بربري ~~ترجمته: المرأة متى لم يزرها بعلها ابتغت السفاح، وهذا الكلام له بالبربرية ~~وزن، وطلاوه ومساغ، غير ما يظهر من تركيبة العربية، وقال له الشيخ: منع من ~~ذلك شجة الزمان، وما يدركنا من الشقفة عليكم فقال له زيرى فترفعون أزواجكم! ~~فخصمه وأصاب، لأن الله أثنى على المؤمنين فقال: ( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ~~ولا نصب، ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيض الكفار، ولا ينالون ~~من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) ومن ~~أعظم الجهاد الجهاد في الدين. PageV02P148 # الشيخ يفضل تآليف أهل المشرق ( عمان) # وكان أبو محمد يقرأ على ابنه مختصر ابن محبوب فكان أبو صالح يقول، هذا ~~كلام محقق، فقيه، أصولي ولم يقع منه هنا إلا الجزء السادس وهو سبعون جزاء. ~~هذا منه تحريض على العلم، وعلى تحصيل الدواوين، وذكر عنه أنه كان يقرأ عليه ~~الكتاب المعروف بالنسخ الثلاث في الحيض، وكان كلما قرأ في النسخة الأولى ~~يقول: هذا الفقيه العالم وفي الثانية يسكت لم يمدح ولم يذم، وفي الثالثة ~~يقول: خلط، خلط، ذلك ليعلم أن تأليف أهل المشرق مفيدة، دون ما سواها"2" . # ومن فضيلته أن رجلا من نفوسة يدعى أبا يخلف، وكان عندهم بجربة وكان هذا ~~النفوسي متقنا لمسائل الحيض، فمتى وردت مسألة من مسائل الحيض على أبي صالح ~~رفعها إلى أبي يخلف فتكلم فيها بما عنده بعد ما يقول لا أرى نفسي أهلا ~~لذلك، ويسأل من أبي صالح الجواب. # وذكر أنه لم تسمع منه لفظة شر قط إلا مرتين، إحداهما أنه سئل عن بئر إذا ~~كانت في الجنان هل هي عيب؟ فقال: هي شر العيوب"3" ، والأخرى ذكر له رجل وكل ~~رجلا أن يزوج له فزوج له أربع نسوة، فقال: هو شر الوكلاء. # وذكر أن رجلا نكاريا سأل الشيخ أبا صالح: هل تجوز الصلاة بثوب واحد؟ قال: ~~نعم، إذا كان ms195 ساترا، فقال النكاري: إنما عنيت الشاشية، فقال أبو صالح: إنما ~~قلت لك إذا كان ساترا، وسأله مبكتا، أيجوز صوم العيد؟ فقال: لا، قال فلم ~~تصومون يوم الجمعة وقد علمتم أنه عيد؟ قال: أرأيت إن كان في رمضان؟ فلم يجد جوابا. PageV02P149 # وذكر أبو صالح قال: ما أفتى سليمان بن ماطوس قط في رخصة إلا في ثلاث ~~مسائل: أحدهما أن من باع سلعة بقراريط وهو يعني دراهم الحندوس أن ذلك جائز، ~~لأن القراريط في أوزان الذهب، والدراهم في الفضة، الثانية رجل تحقق في ~~أعضاء وضوئه نجاسة، أو في عضو واحد منها فتوضأ حتى انتهى إلى موضع النجاسة ~~فجعل مرور الماء على العضو النجس إزالة للنجاسة، وأداء لفريضة الوضوء، أن ~~ذلك يجزيه ولو لم يقصد، فقال له أبو محمد: لا أعلم هذا إلا أن ترجعوا إلى ~~جواب غيركم، والثالثة رجل سأل من رجل خمسين دينارا قراضا وخمسين سلفا، ~~فأتاه بمائة دينار جميعا ودفعها له، ولم يبين ما للقراض ولا ما للسلف أن ~~ذلك جائز. # يجوز الرجوع إلى الرضى بعد الإنكار لا العكس # وقال أبو صالح في امرأة عقد نكاحها وليها فأنكرت، ثم رضيت أن ذلك جائز ~~لأن لها أن ترجع إلى الرضى بعد الإنكار ولا يرجع إلى الإنكار بعد الرضى، في ~~قول أبي عبيدة - رحمه الله - فقال له أبو محمد: النكار أولى بالصواب في هذا ~~الجواب، فقال له: النكار أولى من أبي عبيدة بالصواب يا هذا؟ فقال: لا ~~ولكنهم أخذوا بقول أبي نوح صالح الدهان، وهو أظهر وأصح فصادفه النكار ~~فرجحوه. # يهتم به تقديرا لأبيه # وذكر أن رجلا من ولد أبى مسور متخلفا، خرج من جربة إلى بلاد أهل الدعوة، ~~يستجدي ويستعين، فعظمت مصيبته على أبي صالح لكونه خرج في شيء لم يخرج إليه ~~سلفه، فعز على أبي صالح أن يجتمع عليه فيه مصيبتان الاستجداء وأن لا يعرف ~~قدره، فجعل يسأل كل من يرد عليه من النواحي التي توجه إليها، ويبحث عن ~~منزلته عندهم، وهل عرف له حظ أم لا؟ وهل أكرم إجلالا ms196 لآبائه؟ فقال له ابنه ~~أبو محمد: إن فلانا لم يبلغ قدره هذا الاهتمام الذي اهتممت له، فقال له أبو ~~صالح: يا هذا لا تقل هذا فإن ذلك ابن أبي مسور، ( وكان أبوهما صالحا) ~~(الكهف: من الآية82). PageV02P150 # وذكر أن تلميذا من تلامذة أبي صالح كان يقرأ عليه كتابا بحضور رجل نكاري ~~يرد عليه، وأكثر الرد عليه في غير موضع الرد، ففهم أبو صالح عن النكاري أنه ~~ينتفخ بما ليس عنده، فقال للتلميذ: ناول الكتاب من هو أجود منك قراءة، ~~فناوله النكاري فلما أخذه بقي حائرا لم يحسن القراءة ولو حرفا واحدا فبهت وخزي. # عادة أهل جبل دمر في أخذ جزء من الدية واستنكار ذلك # وذكر أن رجلا يكنس مربدا بجبل دمر، فرفع حجرا من المربد فرمى به وراء ~~ستر، فصادف رجلا فقتله فترافع أولياء القاتل مع صاحب المربد إلى أبي صالح ~~فحكم فيه بالدية، فسر بذلك رئيسهم زيري، لأن عادة أهل الجبل متى وجبت دية ~~على أحد وأخذها مستحقها فإنه يجيزها المقدم بثلثها، وزعم أهل جبل دمر أنهم ~~أخذوا هذه السيرة عن الأئمة، ومعاذ الله، فبلغ ذلك أبا صالح فأنكره عليهم ~~وغيره، وكره أن يتخذوه سنة، فيشتهر ذلك عنهم فيزداد في الشريعة ما ليس منها. # ينفق ماله احتسابا فيشتكي منه أبناؤه # وذكر أن رجلا من بني يراسن تاب في آخر عمره، وكان موسرا وكان يتصدق بماله ~~فجاء بنوه إلى أبي صالح شاكين بأبيهم، ذكروا له أنه أتلف المال وتركهم ~~فقراء فيما زعموا فقال له أبو صالح: مالك وبنيك؟ زعموا أنك أتلفت المال ~~فقال له: يا أبا بكر، أفعل كفعل الذي نزلت فيه آية الكنز ( والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)(التوبة: من ~~الآية34) ؟فكان أبو صالح يستحسن ذلك ويتعجب من كونه صدر من رجل عامي. # وزاره جماعة من العزابة في مرض أصابه فدخلوا عليه في عريش له بمقربة من ~~موضع وضوئة فجعلوا يحفظون ثيابهم أن يصيبها شيء من ثرى موضع الوضوء فقال ~~لهم: لا تحذروا، فإني ms197 لم آته قط بنجاسة وكان من عادة أبي صالح إذا أكمل ~~ركوع النوافل التي اعتاد ركوعها دعا من يقرأ آيات سجدات القرآن. فكلما قرأ ~~منها آية سجد، حتى أتى على آخرها. PageV02P151 # قلة ذوي الفضل في آخر الزمان # وذكروا عن أبي صالح أنه قال: يأتي على الناس زمان يود الرجل من يأكل ~~طعامه فلا يجده، ويود من يستشير فلا يجده، ويود من يرفع إليه أمر النازلة ~~تنزل عليه في أمر دينه، فلا يجده، لا لقلة الناس بل لقلة الفضلاء، فمن أدرك ~~ذلك الزمان منكم فليتمسك بما حفظ من دين الله، وليعض عليه النواجذ. # ----------------------------- # 1- في نسخه مئتين. # 2-هكذا في النسخ فتأمل. # 3- كان وجود البئر في الجنان عيبا لأن الناس يقصدونها للسقي ولا يمنع ~~الماء عن المحتاج إليه فيكون ذلك البستان عرضة لإفساد الدواب ولا يمتنع عن الأيدي # أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور # ومنهم أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور - رحمه الله - الطيب موردا ومرعى، ~~الكريم أصلا وفرعا، المبارك عينا وآثارا، المحمود خيرا وأخبارا ورث المجد ~~عن أمجد الآباء، وأورثه نجباء الأبناء، وأبقاه فيهم مخلدا لا يفنى إلى يوم ~~الفناء فهم شجرة الدين، لأن أصلها ثابت وفرعها في السماء، إن ذكرت السباق ~~في حلبة العلم كان المبرز، وإن ذكرت المخلصين وجدته لخصال الخير بأسرها قد ~~أحرز، قد تقدم من ذكر أحواله في التعلم والتعليم، وماله في طريق الصلاح من ~~رتب حديث وقديم، وفي كل مسموع طيب وثناء كريم، وسنذكر ماله من المناقب، ~~وكريم المذاهب، وما وهب الله على يده من المواهب، ما يحسن مرئيا عند الشاهد ~~والغائب. من فضائل مشهورة، سائرة بها الركبان، لو سكت عنها لأثثت الحقائب. # تسلط ابن وانموى على الجزيرة في زمن الشيخ PageV02P152 ذكر أن قائدا من ~~قواد السلطان يعرف بابرايهم بن وانموي، مزاتي وهو من أهل المذهب من مزاتة ~~القيروان، إلا أنه كان جائرا، فاسقا توجه إلى جزيرة جربة، وكتب قبل وصوله ~~إليها إلى أبي زكرياء فصيل، أن تنح بأهلك وعشيرتك إلى المسجد الكبير، لئلا ~~يدركهم من إضراره ms198 شيء أو تصيبهم من الجيش معرة، ففعل أبو زكرياء فاستباح ~~القائد جربة نهبا وغصبا، ووقى شره بني يراسن فإنهم في جنب الشيخ لم يصبهم ~~شيء مما أصاب أهل الجزيرة ببركته، قيل فلما قضى ابن وانموي من أهل الجزيرة ~~إربه، وصل إلى أبي زكرياء، فأعلمه أن أهل جربة أفسدوا على السلطان رعيته، ~~ولم يؤدوا حق طاعته، فلذلك نزل بهم ما نزل، ولكن يا أبا زكرياء ما الذي ~~تعلم من أحوال بني يراسن؟ قال ضعفاء، قال أما يقدرون على أدني شيء؟ قال ~~يقدرون على دينارين، قال قد قنعت بدينارين منهم، وتقدم أبو زكرياء وغرم له ~~الدينارين من ماله وقد تقدم له في الكتاب نحو من هذا "1" - رحمه الله - قيل ~~وكان ممن انضم إلى الشيخ أبي زكرياء من بني يراسن رجل يسمى أبا ملدين، ~~فأصيبت له جدي وعنز فأعلم بذلك ابن وانموى، قال: أما العنز فلك، وأما الجدي ~~فلا، فقال: بل كلاهما لي، فقال له القائد: يطلقان جميعا فإن صحب الجدي أمه ~~فلك، وإلا فلا، فاطلقا فأخذ كل واحد منهما طريقا غير طريق الآخر، فقال له ~~القائد: كيف ترى دعواك يا ملدين؟ قال: قد والله نالهما من رعبك ما نالنا ~~فدهشا كما دهشنا، فضحك حينئذ، وسلمهما إليه وإنما ذلك كله ببركة الشيخ. # يطعم الجبابرة تقية ويتبرع بمثل ذلك للفقراء[COLOR] PageV02P153 وكان أبو ~~زكرياء ربما عامل ابن وانموي وأشباهه بالإكرام، وقابلهم بإطعام الطعام، ~~فإذا فعل شيئا من ذلك تبرع بإطعام مثله للعزابة، فالأولى وقاية للعرض ~~وابقاء للحرمة، والثانية تكفيرا عن الأولى على أنه يقول: من حرث زرعا ~~وحصده، ودرسه، وطحنه، وعجنه، وأطعمه الجبابرة، بمنزلة من أطعمه الأولياء، ~~فلكليهما حظ من الثواب، وكلاهما يكتب عند الله صدقة، كما روي في الخبر. # [COLOR=darkblue]اهتمام الشيخ بالطلبة و إعانتهم سرا # وكان يقول: " منزل التلامذة كشجرة الخروب" يعني أنه لا ينبت حول الخروب ~~نبات، فإن نبت كان ضعيفا لأن الخروب يشتف، وكذلك ما كان حول منزل التلامذة، ~~فإنه يكون اهتمام أهله لما يصلح شأن التلامذة فجهدهم مكابرتهم، والطافهم، ~~والقيام بمئونتهم، ms199 وكأني به - رحمه الله - يخاطب بذلك أهله وحشمه، ليكون ~~لهم من الاهتمام والاهتبال بأمورهم، والقيام بحقوقهم، ما لا يكون عند غيرهم ~~من ذلك فيقتفون آثاره، ولا يستعظمون ما ينفقون في جانب التلامذة، وما يخرج ~~من مصالحهم وكان - -رحمه الله- عليه - يصرف الدنانير بالدراهم، ويجعل ~~الدراهم في القراطيس، والصرر، ثم يعلقها في ألواح التلامذة، وربما يجعلها ~~في أوعية دفاترهم، وربما جعلها بين التلميذ وبين ثيابه، وهم لا يشعرون، وكل ~~ذلك منه رغبة في كتمان الصدقة فلما مات أبو زكرياء - رحمه الله- عليه - ~~انقطع عن التلامذة ما كانوا يعتادونه من ذلك فعلموا أنه إنما كان يفعل ذلك ~~أبو زكرياء وتحققوا ذلك. PageV02P154 # وبلغه عن أبي بكر الزواغي أنه كان يقول: لسنا في دفاع ولا في ظهور ولا في ~~كتمان، ولا في شراء، ولكن زماننا سائب لتضييع الناس القيام بالحق، ولا يعني ~~أن السائب وجه من الدين خامس، فقال الشيخ أبو زكرياء لما بلغه ذلك عنه: ~~أخبروه أن مسالك الدين أربعة: الكتمان وهو الأمر السابق لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بمكة، ثم الظهور كحاله بالمدينة ثم بعده أن أمر بالجهاد، ثم ~~الدفاع كدفاع أهل النهروان الراضين بحكم ابن العاص وعبدالله بن قيس، ثم ~~الشراء، كأبي بلال - رضي الله عنه- - فلو رأيا زماننا وأهله لاستحالوا ~~التمسك بشيء من الدين. # ----------------------------------- # 1- للشيخ علي معمر صاحب كتاب الإباضية في موكب التاريخ كلام ونقد لموقف ~~الشيخ أبو زكرياء فراجعه إن شيءت ولعل الذي جعل الشيخ يقف هذا الموقف من ~~القائد الظالم أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا فرضي أن ينجو بنفسه وبعائلته. # 4- أبو عمرو النميلي # ومنهم أبو عمرو النميلى -رحمه الله- الراسخ القدم، المؤثر موسرا وذا عدم، ~~التارك الآثار والتبعات، المعمر في اكتساب البر وأفعال الطاعات، الذي كان ~~الورع خدينه، والعلم في كل وجهة قرينه، وهو أحد أقطاب الجزيرة، وما يجري ~~فيها الفرض والسنة والسيرة. # ذكر أبو الربيع أن أبا محمد واسلان بن أبي صالح زار أبا عمرو النميلي، ~~بعد ما كبر وعلت سنه، وقيل أبو عمرو لما كبر زار أبا محمد، ms200 فقال: يا وأسلان ~~يا بني، ذاكرنى بشيء أنتفع به فسكت عنه أبو محمد فلم يجبه، فقال: مهلا عليك ~~يا واسلان، مهلا عليك، إن كنت استثقلت سؤالي فإني أخفف عنك وإلا فعلام تركت ~~سؤالي، ولم تجبني؟ ولما رأى أبو محمد تغير أبي عمرو أقبل عليه، يذاكره، بما ~~اعتقد أنه ينتفع به فهكذا كانت أحوال السلف وأخلاقهم، وتسارعهم إلى الخير، ~~وسباقهم، لا يضيعون الوقت، ولا يفوتون الغائب. # جند المعز ينكلون بعدة مشائخ في جربه PageV02P155 وكان أبو عمرو قد عاش ~~مائة وعشرين سنة، وقتل شهيدا قتله بنو وتران زولية وذكر أنهم ذبحوه وخرج من ~~مذبحه شيء كاللبن يسيل، وهؤلاء الذين قتلوه هم عسكر أخرجه المعز بن باديس ~~فيما ذكر، فقتلوا عدة من مشائخ جربه، كأبي عمرو، وأبي صالح، وأبي موسى"1" ~~وذكر أن رجلا خرج ليلا إلى المقتلة، يتفقد القتلى، هل فيهم من بقيت فيه ~~بقية نفس، فسمع قائلا يقول باللسان البربري يا قاتل أبي عمرو النميلي، شتت ~~الله شملك، وأزال عزك، فلم يلبث إلا أياما فخرج عليه يونس بن يحيى الطنبري ~~ومزق ملكه، وقتل رجاله، وخرب سلطانه ونفاهم من القيروان إلى المهدية. # --------------------------------------- # 1- كان ذلك في الحملات الارهابية وأعمال القمع التي قام بها أمراءهم ~~ليحمل الناس على اعتناق المذهب المالكي بعد أن تمذهب به هو فعانت من جراء ~~ذلك بقية الطوائف الاسلامية وهذه الأعمال الوحشية قام بها في الجنوب ~~التونسي سنة 431ه. # أبو موسى عيسى الزواغي # ومنهم أبو موسى عيسى بن السمح الزواغي -رحمه الله- شيخ أهل الاخلاص ~~والتقوى، المعتمد على قوله في الفتوى، ذو الرصانة والحلم، والمتقدم في فنون ~~العلم، جوابه عند السؤالة رونق وبلاغة، وألفاظه حسنة الوصف والصناعة، وحسبك ~~بأول من فخرت به زواغة، فإنه صدق في التجرد والإنابة فأتاه الله مع العلم ~~والاجتهاد الدعوات المستجابة. # المسائل الثلاث التي انتقدها منه المشائخ وجوابه عنها PageV02P156 ذكر ~~المشائخ أن أبا موسى كان يتحرى الصواب ويتحفظ بالجواب، لكنهم انتقدوا عليه ~~ثلاث مسائل إحداها قوله له أن الأمر والنهي مرفوعان عن أهل الكتمان لا ~~يلزمهم من ذلك ms201 شيء، والثانية قوله: الرياء لا يكون بين العبد والناس وإنما ~~يكون بين العبد وربه، والثالثة أنه لما أصيب قومه ايرءبان، لازم الفرائض ~~مضطجعا اغتماما لما أصابهم من إخوانهم " بني تاتيتن" عذروه على الأولى، ~~أنهم قالوا إنما يعني سقوط الأمر والنهي في أهل الخلاف، فهذا لا بأس به، ~~وهو قريب من جواب أبي محمد جمال وهو قوله كل ما أجازه أهل الخلاف في ~~مذهبهم، ولم يجز في مذهبك، فليس عليك إنكاره ولا يسمى هذا تضييع الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، والجمهور من أصحابنا يأبون ذلك، ويوجبون النهي ~~عن جميع المناكر، ما لم يمنع من ذلك ضعف أو خوف، فيسقطه عند ذلك، وعن ~~الثانية أن قول من يقول لا يكون في الفرائض وإنما يكون في النوافل، وعن ~~الثالثة اعتذر عن نفسه وذلك أنه لما سمع به الشيوخ جاءوه معاتبيين، فقالوا: ~~حججت، وتصدقت وأعتقت وأنفقت، وأنفذت وصيتك بيدك، ومع ذلك فإن الوهبية غير ~~راضين أحوالك، لكلفك بقومك حتى بلغ بك إلى هذا الحال، وأظن المتكلم منهم ~~أبو صالح بكر بن قاسم، فأجابهم بأن قال: يا أبا بكر ألستم تقولون أن من إذا ~~نال خيرا نلته معه، وأن من ناله شر نالك معه، فإنه مهما أصابه مكروه فتوجهت ~~وتوجعت شفقة عليه أن ذلك ليس بحمية؟ فقال لهم أبو صالح: اسألوا من صاحبكم ~~المحاللة، فإنه قد أجابكم بمخ العلم. # تركناهم وطلبنا العلم فرجعنا ولم يفتنا شيء # وذكر عنه أنه قال: خرجنا من هؤلاء - يعني قومه وأهله - وتركناهم أصحاب ~~شياه وبقرات، وقرأنا العلم ورجعنا وجمعنا مثل ما جمعوا من شياه وبقرات، لا ~~أقول أن أبا موسى -رحمه الله- قال هذا القول فخرا وافتخارا، بل تحريضا على ~~طلب العلم والاجتهاد في الخير والصلاح، وإعلاما بأن طلب الدنيا مدرك لا ~~يفوت، وأن المتعين طلب العلم والدين. PageV02P157 # أبو نوح سعيد بن يخلف # ومنهم أبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي -رحمه الله- ممن سلك مسالك الأخيار، ~~وحافظ على إحياء السير والآثار، وأخذ نفسه بما تلقى عن ذلك الأبرار، وكان ~~ذا سعة في ms202 العلم والمال، رحيب الصدر فيهما عند السؤال، ولا يضجر من ~~المسائل، ولا ينبو عن جوابه السائل، والورع في كل ذلك دليله، والرفق خليله. # ذكروا أن أبا نوح كان له أربعون فرسا، وكان يصطفي منها فرسا عتيقا، كان ~~يبذل فيه الأثمان الجليلة، والأموال الجزيلة، فيضن به، ولا يسمح بخروجه عن ~~ملكه لما خبر من صبره وشدة أسره، وكان يعده للشدائد والمرامي البعائد، حتى ~~وصل به إلى بلاد المشرق، فقضى عليه فريضة الحج، وعليه سافر إلى " تادمكت"، ~~ولعل كثرة ما اقتنى من الخيل لكثرة ما بأمله من الخير في نصرة الدين، ~~ومدافعة المعتدين. # وذكر أن أبا نوح لم يصل صلاة بالتيمم على كثرة سكناه بالبادية، ولم يلبس ~~الثياب المعدة للصلاة إلى غيرها قط، بل إذا قضى الصلاة طواها وأوعاها في ~~الخرج، ولم تفته ركعات الضحى قط، ولم يفته نوم القائلة، فهذه خلال اعتادها ~~لا يقطعهما عنه ما يقوم به من الأسفار ولا يتركها بعذر من الأعذار فكان إذا ~~سافر وحان وقت المقيل نزل عن فرسه ثم نام، ثم يقف غلامه عند رأسه ممسكا له ~~الفرس، حتى ينتبه فيصلي ثم يركب فيدرك الناس، لم يفوتوه، وكذلك يفعل في ~~جميع الصلوات، فرضها ونفلها، وكان كثير المال كثير الأضياف لا يرد بابه دون ~~أحد، وكان له أربع زوجات وكل واحدة منهن في خيمة فإذا نظرت إلى خيامه رأيت ~~جلود الشياه منشورة، وعليها لفائف قطن، لكثرة ما يغشاه من الأضياف، فيكثر ~~الذبائح. # رأيه في التصرف في مال الغير جلبا للمصلحة PageV02P158 وكان يقول كلما ~~تصرفت في أموال الناس في وجوه المصالح لتدخل عليهم بذلك نفعا، أو تكف ضررا، ~~فليس عليك في ذلك تباعة، ذكرأنه رأى بقر الناس في زرع فأخرج البقر وطرده عن ~~الزرع، وهو على فرس أنثى يتبعها مهر، فلم ير على نفسه حرجا في دخول فرسه ~~ومهره في الزرع، لما أنه إنما قصد بذلك إزالة الضرر. # وكان -رحمه الله- مطرحا حظوظ النفس، لا يقف عند مراعاة الظواهر، إنما كان ~~عنده القصد والإخلاص، فذكر عنه أنه كان ms203 عند أهله في ناحية من نواحي طرابلس ~~في عام الأبراج وهو العام الذي وقع فيه الحرب بين زناتة وصنهاجة فهزمت ~~صنهاجة، وكان بنواحي إفريقية زلازل عظيمة، وأحوال شديدة، فتشمر حينئذ من ~~كان بنواحي أفريقية من مزاتة فصاروا بجهات إخوانهم بنواحي بلاد طرابس، فنزل ~~إليه أبو نوح سعيد بن زنغيل، وكان عنده ضيفا، فلم يجد عنده غير الشعير ~~واللبن، قيل فكان إذا قدم إليه شيئا من ذلك قال له: كل يا شيخ فأني لا ~~أعتذر لمن أدعو له بالجنة، وأرجو أن يكون من أهلها، ألا ترى حسن هذه ~~العبارة ولطافة هذه الإشارة؟ - رحمه الله- عليهما-. # قيل وفي هذه السنة انضم عبد السلام بن أبي وزجون فيمن انضم من مزاتة إلى ~~جهة طرابلس، وفيها سئل عن السخط والرضى وعن تلك المسائل، فقال: إنها صفات ~~الله فعيب هذا الجواب وطرد، وسافر إلى المشرق للحج، قلت: ولعل الجماعة رضوا ~~عنه، وحينئذ توجه إلى الحج، وإلا فلا يمكنه أن يقصد إلى الحج وهو في وحشة ~~الهجران، بل بعد أن يتوب وتقبل توبته. # أبو محمد واسلان بن يعقوب المزاتي # ومنهم أبو محمد واسلان بن يعقوب المزاتي -رحمه الله- لم يقصر عن مدى ~~أصحابه، وإن كان غير منتفع بشبابه، وذلك أنه قضى أيام الشباب في لا شيء، ثم ~~توجه إلى الله فبدل الرشاد بعد الغي، فسعى وحفد وجد واجتهد، حتى فتح الله ~~عليه في مدة يسيرة، بما ناله غيره في الأعوام الكبيرة فكان بالمجاهدة ~~مذكورا، وبالعلم والورع مشهورا. # ينتقل من رعي الغنم إلى طلب العلم PageV02P159 ذكروا أن أبا محمد واسلان ~~كان راعي غنم، فأتى عليه حين من العمر وهو لم يدر ما الصلاح، ولا أهله وكان ~~عادته إذا خرج في رعاية أن تجتمع الرعاة، فيغني لهم، وكان حسن الغناء، فإذا ~~كان آخر النهار ختم غناءه بكلمات، فيذكر الله فيها ويدعوه، فكانوا إذا ~~سألوه أن يغني لهم فراغه من الدعاء يقول لهم: أما بعد إذ ختمت فلا، ويمتنع ~~فلا يعود إلى الغناء على كل حال، وكانت له هذه خيرة، فهداه ms204 الله إلى الطريق ~~المرضي فتاب ورجع إلى الله، ولحق بتلامذة القرءان في أيام أبي القاسم يزيد ~~بن مخلد فابتدأ في قراءة القران على تكلف شأن التعلم على الكبر كما في كريم ~~علمك وكان جهير الصوت فمر به رجل فوجده يعالج من ذلك ما يعالجه المبتدئ ~~فقال له: يا واسلان هلا رجعت إلى أهلك فلازمت الصلاح واصطناع المعروف؟ فان ~~ذلك أنفع لك وأجزى عنك وكأنه أياسة من التعلم، فساءه ذلك فخرج من المسجد ~~ولوحه في يده، وعبرته تخنقه، بل دموعه تسيل، فوجده رجل آخر على هذا الحال ~~فقال له: ما شانك يا واسلان؟ فأخبره بما قال له الرجل وأياسه إياه من روح ~~الله، فقال له الرجل هات لوحك وكان قد رماه فقال له: اقرأ فقرأ فقال له: أي ~~عالم يخرج منك يا واسلان! فارتاح لقوله، ورجع إلى تعلم القرآن، حتى حفظه، ~~ثم تعلم علم الكلام وحصل الأصول على شيخه أبي القاسم - رحمه الله-. PageV02P160 # فذكر أنه كان في أيام قراءته على أبي القاسم حضر يوما إلى منزله، فوجده ~~راقدا فطفق يتناظر هو وزوج الشيخ في مسألة من علم الكلام، قال: فلما أفاق ~~قال له: هل سمعت ما نحن فيه! قال: نعم سمعتكما تتراميان بالخزف،يريد ضعف ~~حجتهما في المناظرة، فلما قضى واسلان من هذا الفن وطره شاقت نفسه إلى تعلم ~~الفروع فاستأذن أمه في السفر، والغز عليها في الاستيذان، فقال لها: أتأذنين ~~لي في الطلوع إلى الجبل، فقالت: نعم، فذهبت هي إلى الجبل بمقربة من منزلهم، ~~وذهب هو إلى جبل نفوسة، فجعل يقرأ العلم حتى حفظ في الفقه كتبا كثيرة، وكان ~~في أثناء هذه المدة إذا وصله كتاب من تلقاء أهله رمى به في الكوة لا يقرأه، ~~حتى قضى وطره من علم الفروع وعقد النية على الرجوع إلى أهله، فقرأ الكتب ~~فوجد في الأول التعزية بأمه ووجد في كل كتاب مالو اطلع عليه لكان شاغلا عما ~~قصد إليه من الخير، قيل ولما خرج مسافرا عن جبل نفوسة شيعه المشائخ مودعين، ~~فلما أراد الانفصال ms205 قال لهم: أخبروني يا معشر نفوسة عن رجل حلف بالله ثم ~~حنث ما يجب عليه؟ قالوا: العتق أو الإطعام أو الكسوة هو مخير في الثلاثة إن ~~كان مستطيعا، فقال لهم: هو مخير؟ قالوا: نعم فقال: هذا ما كنت أحاول أن ~~أسمعه منكم، وقد ظفرت به منكم، فإني متى سألني سائل عن مذهب أهل جبل نفوسة، ~~قلت: التخيير فقالوا له: إلى هذا كان قصدك.!! # قيل: وكانت إقامته فيهم سبع سنين فحصل ديوانا عظيما فكان يقرأ فيه ويدرس ~~عند أهله، وكانوا إذا رأوه يقرأه في الشتاء، قالوا له: يبتل كتابك ببلل ~~أندية الشتاء، ويقول لهم: سيأتي الصيف ويجف فان كان الصيف قالوا: يحترق ~~كتابك ويتقبض بحر الشمس، ويقول لهم: سيأتي الشتاء، وينبسط. وكان -رحمه ~~الله- لا يفتر عن القراءة في كل زمان. # يتعجبون من حلمه فيمتحنونه PageV02P161 ومما يذكر عنه من رحب الصدر وكثرة ~~الصبر، ما حكاه جماعة من أصحابنا أن قوما من أهل القيروان ذكروا أبا محمد ~~واسلان وما وهب الله له من العقل والفضل، والعلم والحلم، وسعة الصدر، ~~فتعجبوا، وقالوا: أيكون هذا من أخلاق بربري؟ قال أحدهم أنا أمتحنه لكم ~~اليوم فقعد له في طريقة حتى مر فرفع إحدى رجليه ليخطو فجذب رجله الأخرى ~~فصرعه، ثم قام ومسح التراب عن وجهه، ثم قال: الحمد الله، ولم يكترث بذلك. # أبو صالح الياجراني # ومنهم أبو صالح الياجراني -رحمه الله- هذا الشيخ أعبد العباد، وأزهد ~~الزهاد، وكان لكثرة زهده يحسب أن ذلك بله، ولفرط حزنه على الآخرة يظن أن ~~الذي به وله، لا يكترث إلا بخدمة ربه، ولا يعمل لشيء غير حبه، حتى خصه ~~بالكرامات التي خص بها الاولياء، وأفاض عليه نور معرفته وكساه الآلاء. # تهجد الشيخ وملازمته المسجد # ذكر أبو الربيع عن خاله عبود بن منار، أنه كان يذكر عنده أن أبا صالح ~~ينتقل في كل ليلة في جميع مساجد وارجلان، يطوف عليها مسجدا، بعد مسجد، قال: ~~فأتبعته ليله وقد قام لتهجده، فجعل كلما أتى مسجدا ركع ما شاء الله أن ~~يركع، فإذا انصرف قفوت ms206 أثره، وهو لا يشعر ثم يأتي مسجدا آخر، فيركع كذلك ~~أيضا، وأنا خلفه أركع، حتى مر ببعض المساجد وأخذ بالركوع فغلب علي النوم ~~فاستندت إلى بعض المساجد أساطين المسجد، فلم أستيقظ إلا وقد خرج، وغلب على ~~ظني أنه أتى مسجدا آخر حتى يطوف على جميعها، فحققت ما كان يقال عنه. # بعض ما ذكر من كرامات الشيخ PageV02P162 وكان هذا الشيخ يحضر مجالس أبي ~~عبد الله محمد بن بكر، فحضر مجلسه ذات يوم، فكان أكثر ما أورد فيه الوعظ ~~والتخويف، وأسهب ما أمكنه، فقال له أبو صالح: يا محمد، أليس يقولون الجنه ~~في آخر الزمان أرخص من حمار أدبر؟ فقال: نعم، أرأيت إذا وجدت في السوق جملا ~~بقيراط واحد أتكون لك قدرة لتحصيل الجمل ما لم تملك القيراط ؟ وذكر عيسى بن ~~يرزكشن قال: مررنا بأبي صالح في الغيران المعروفة " ببني أجاج" بخارج ~~وارجلان وكنا في جماعة من العزابة، قال فأضافنا أبو صالح وبتنا عنده تلك ~~الليلة فلما كان وقت من الليلة وأخذ العزابة في القراءة جعلت الجن ترد ~~عليهم، يسمعون الأصوات، ولا يرون الأشخاص وذلك دأبهم مع أبي صالح، ولعلهم ~~من مؤمني الجن، تأنسوا بأبي صالح، وتأنس بهم، لأن من هرب من الناس وتوحش ~~منهم تأنس بما يتوحشون. # وذكر من كرامات أبي صالح أنه إذا أتى ليلا إلى الغار الذي هو مصلاه من ~~غيران: بني أجاج" وأراد الدخول ليتنفل على حسب العادة أسرج له سراجان ~~أحدهما عن يمينه، في الجانب الغربي، والآخر عن شماله في الجانب الشرقي، ولا ~~يعلم ولا يرى من يسرجهما له. # خروج الشيخ من وارجلان اعتزالا للفتنة # ووقعت فتنة بوارجلان فلم يكن أبا صالح المقام بها فخرج مهاجرا إلى ناحية ~~أدرج، وكانت له بها إبل، فمكث عند إبله مدة سبع سنين حتى صرف الله الشر عن ~~بلاد وارجلان، وانتشرت فيها العافية فأراد أبو صالح الرجوع إلى الوطن، وكان ~~حينئذ ببلاد أدرج شيخ من المشائخ الكبار، وكانت عنده حلقة عظيمة فيها نحو ~~ثلاثمائة تلميذ يقرأون العلوم، وسير أهل الخير والصلاح ms207 فكان أبو صالح ~~يستأنس به، ويستفيد منه، فلما خرج مسافرا خرج الشيخ معه، وتلاميذه مودعين، ~~وجعلوا يودعونه جماعة بعد أخرى، حتى لم يبق غير الشيخ. # الدعاء الصالح من خير المكاسب PageV02P163 فدار بينهما من الكلام المفيد ~~أنواع، فكان آخر ما دار بينهما أن قال أحدهما للآخر: أخبرني ما أعظم شيء ~~ينال به خير الدنيا، وسعة الأرزاق فيها أبالتجارة أم بالزراعة أم بالصناعة؟ ~~فلم يجبه طلبا لأخذ الفائدة وليكون الجواب من عند السائل فقال: إن أفضل ما ~~ينال به ذلك دعاء الصالحين، لا سيما إذا أغثت ملهوفا أو سددت فاقة مضطر، ~~وذكر أنه استسلف حينئذ من تلك النواحي عشرة دنانير صرفها فيما لابد له منه، ~~فلما قدم على أهله وأحضر الدنانير المذكورة وأراد تبليغها منه ولم ير ما ~~يخلصه منها إلا أن يؤديها بنفسه، فلما ارتحل عن أهله اجتاز بقوم يعملون ~~المعروف ويتطوعون به لسد خلة أو نفقة على أنفسهم، فكل رجل منهم يتنفل بما ~~عنده، ويتطوع بما قدر عليه، فارتاح أبو صالح واهتز ورآها فرصة تنتهز، لكن ~~تردد ما بين الفرصتين أداء الاتباعة لمستحقها أو اصطناع المعروف في محله ثم ~~أنه رأى تقديم ما يخاف فواته على ما ليس بفائت واستخار الله عز وجل، وتطوع ~~له بدينار من العشرة دنانير، ودفعه لهم عازما على استئناف اغترامه لصاحب ~~السلف، فلم ير بذلك باسا لأن ذمته كانت عامرة بالكل، وتبقى عامرة بالبعض، ~~فبعد دفعه الدينار تمادى في طريقه حتى وصل إلى صاحب السلف، فدفع له الصرة ~~فعدها فوجد فيها عشرة دنانير، والشيخ لا يعرف أكثر من تسعة، فقال له: أعد ~~عدها، فأعاد، فوجد عشرة فعلم أن ذلك من عند الله. # تحرج الشيخ وشدة ورعه PageV02P164 ومما يحكى من الأخبار التي لم ينسج أحد ~~على منواله ما ذكر أنه جلب من إبله أبعرة إلى وارجلان للبيع، فاشترى ~~وارجلاني منها بعيرا، فلما أراد أن ينقده الثمن قال له: إن ثمن جملك في ~~تادمكت، وكان له جمل أراد المسير عليه، فقال له رجل من أهل وارجلان: أتحمل ms208 ~~لي على جملك هذا حمل متاع إلى تادمكت فتبيعه لي هناك؟ فقال: بكم أبيع حمله، ~~فقال: بكذا وكذا، وكان بعدد سماه له، فلما وصل تادمكت وسوق تلك الوديعة، ~~نقص من العدد الذي سمى شيء يسير، قيل قدر ثلاثة أرباع قيراط، فقال لا يمكن ~~البيع بدون ما سمى لي فرجع بالحمل إلى وراجلان قالوا: فلم ير حمل رجع من ~~تادمكت إلى وارجلان غيره، ولا سمعنا به، وهذا في التحرج شيء بعيد. # قوة إيمانه ويقينه # وكان لأبي صالح ولدان أحدهما يسمى صالحا وبه يكنى، والآخر يسمى سليمان ~~وكان إذا أراد أن يسأل عن ولديه يقول: ما فعل ابني صالح؟ وأما سليمان فقد ~~رضى عنه المسلمون، وكان يقول: إذا نظرت إلى ولدي سليمان، وإلى عمران بن ~~زيرى وسدري بن سليمان احترقت نفسي، وعلمت أني محتاج إلى التوبة والإنابة، ~~واستئناف العمل، وكان هؤلاء النفر الثلاثة يقول بعضهم لبعض: سيروا بنا إلى ~~زيارة الأخيار، ودعونا من هذا الشيخ - يعنون أبا صالح- فإنه لو سكن بين ~~أظهر المشركين ما تبدل، ولا تغير، ومما يحكى أيضا من إطراحه الاستعمال أنه ~~كان ربما قصد مع أبي عبدالله محمد بن بكر -رحمه الله- حتى تذاكر معه في ~~الصغيرة والكبيرة، حتى كان مما ذكره أبو صالح أن قال له: يا محمد يا ولدي ~~ما عسى أدركت منى وشعر رأسي كالثغامة، ولحيتي كالصفار وجسدي هزيل، ولو علمت ~~ما علي من القوة والشجاعة والعبادة، لو رأيتني حينئذ لرأيت شيئا عجيبا تعجب ~~أن تراه، أفتراه -رحمه الله- يريد بذلك تفاخرا وسمعة؟ حاشاه، ثم حاشاه، ~~إنما ذلك دليل على صفاء باطنه وكونه لا يحذر شيئا يحذره أهل الدنيا - رحمه الله-. # الطبقة التاسعة400-450 ه : 1- أبو عبدالله محمد بن بكر PageV02P165 منهم ~~أبو عبدالله محمد بن بكر -رحمه الله- الطود الذي تظاءلت دونه الأطواد، ~~والبحر الذي لا تقاس به الثماد، بيت أهل المذهب والمشهور بالبركات، ~~والمعتمد عليه فيما أصل للحركات والسكنات أسس قواعد السيرة وله في كل فن ~~تآليف كثيرة، وأكثرها الحجج والبرهان لأنه كان فيها ركن الأركان، وحفظ عنه ~~في ms209 الأخلاق حكم قد خلدت في بطون الأوراق، وله الدعوات التي ترتجى وتتقي ~~عواقبها، وهي باقية لذريته يتوارثها بدورها وكواكبها. # كرامات تحكى عن الشيخ أبي عبدالله # وصنوف فضائل أبي عبدالله أكثر من أن تحصى، لكن أذكر منها ما تيسر، فمن ~~كراماته أنه أضاف جماعة من أهل الخير والصلاح؛ ممن ينبغي معه الاحتفال، ~~وممن لا يقابل بالمحال وكانت غنم الشيخ في مرعاها بالبادية، ولم يحضر ما ~~يسنى به طعام أضيافه ولا وجدوه له بوجه الشراء فقال لهم: انظروا العريش هل ~~فيه شيء أم لا، وكان في داره عريش فنظروا العريش، فإذا فيه كبش عظيم، فجهز ~~به ضيافة أضيافه فبعد ذلك قدم رعاء الغنم فسألهم عن حال الغنم فقالوا: ما ~~علمنا بأسا إلا أن الكبش الكبير الفلاني دارت عليه زوبعة ريح في يوم كذا ~~وكذا، فتشنا عنه فلم نجده، وهذه الحكاية روتها جماعة ممن لا يرد ما ذكر، ~~ومثلها لمثله، لا ينكر، ومن كرامته ما ذكر الفقيه أبو الربيع -رحمه الله- ~~قال: كنت عنده ذات يوم وحوله عمال يعملون فقدم لهم بسرا ليأكلوه، فقال لي: ~~كل يا سليمان، فامتنعت، فقال: كل يا سليمان، إن من يطاوع لمشكور الحال، ~~محمود الخلائق، فأردت أن أقول ولو فيما لا ينبغي، فأمسكت فاطلع على ما ~~كتمت، وكوشف بما عنه سترت فقال لي: يا سليمان ذلك ليس بمطاوع فنطق به قبل ~~أن أظهره له. PageV02P166 # وكانت في أيام أبي عبدالله امرأة كثيرة التخدم لتلامذته، محسنة القيام ~~بمعائشهم، وكثير من مهماتهم، فتزوجها رجل وغاب عنها في نواحي طرابلس في بعض ~~أحياء مزاته، فأضر بها مغيبه عنها، وبلغ ذلك في الشيخ مبلغا عظيما، لكثرة ~~اهتباله بها، فوجه رجلين إلى ناحية طرابلس في شأنها، أحدهما علي بن يعقوب، ~~والآخر عمرو بن يحيى، وأشهدتهما على نفسها أنه متى فارقها فقد أسقطت عنه ~~المهر، فلما استوثقا منها سارا إلى جهة طرابلس، فوصلا إلى الرجل فأشهدهما ~~أنه خلى سبيلها، فكرا راجعين إلى أريغ، ثم انقلب علي بن يعقوب إلى جبل ~~نفوسة ثم أراد الرجوع، فمر بقرية ms210 خاملة الذكر، فيها عجوز يجتمع إليها الناس ~~يسألونها عن مسائل دينهم، ولها مصلى تصلي فيه، قال علي فصليت فيه صلاة ~~الصبح مع أهل المنزل، فتفرقوا. # خير الجني الذي قيل أنه كلم الناس PageV02P167 ثم جلست أتلو القرآن حتى ~~غلبتني سنة، فما أيقظني إلا صوت قاريء يقرأ بازائي، أسمع صوته ولا أرى ~~شخصه،ثم سمعت صرير ثياب لها تحرك وهي جديدة، فارتعت ارتياعا شديدا، فقال في ~~الصائت: لا تخف فإني جني ممن لا يخشى أذاه فسألته عن كثر من الأنباء ~~فأعلمني بما سألته عنه من الأشياء البعيدة عنا، ثم سألني عن السبب الباعث ~~لي على السفر إلى ناحية طرابلس، فذكرت له خبر المرأة وبعلها وما كلفني به ~~الشيخ أبو عبدالله من إصلاح حالها، ثم وضع سؤالا فسألني به، فقال: كيف ~~ولايتنا لكم، وولايتكم لنا؟ فقلت: الجواب من عندك، قال: نعم أما ولايتكم ~~لنا فبالجملة، وأما ولايتنا لكم فبالأشخاص، فسمعت العجوز تجاوبنا، فجعلت ~~تسبح وتكثر التعجب ثم شكوت إليه ما استقبلته من الحركة وأتوقعه من خوف ~~الطريق، فقال: اقرأ هذه الآية: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما ~~آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع ~~العليم ) (البقرة:من 136 إلى 137) فكررها علي حتى حفظتها، ولم تقنعه قراءتي ~~معه حتى قال لي: اقرأ وحدك، فقرأت، فقال: الآن قد تحققت أنك قد حفظت، ثم ~~قال: إن لنا موعدا بالجزيرة اليوم، لا يمكنني المغيب عنه، فلا تغب عن هذا ~~المكان حتى أعود إليك إن شاء الله، فإنا لنتحدث إذ طلعت الشمس فقال لي: هذا ~~وقت الختمة، فخذ بنا في الدعاء فقلت له: الدعاء من عندك، فقال: بل الدعاء ~~منك لأنكم أفضل، فدعوت، ثم دعا، ثم قال: زيدي من الدعاء يا عجوز، فدعت ~~وأكثرت التسبيح، ثم مضى الجني وانتشر الخبر في القرية أن الجني ms211 PageV02P168 ~~تكلم وحار الناس وتنحيت عن الناس بحذاء القرية في خربة، ثم نمت فيها، فلما ~~استيقظت أقبلت أنظر ميعاد صاحبي، وجئت إلى العجوز فأعلمتني أن الجني أقبل، ~~وسأل عنك، فلم يجدك فناولني حصيات، وقال ادفعها إليه إذا جاء، وقد انصرف ~~وترك الحصيات برسمك، فهاكها، فأخذت الحصيات فوجدت عليها خطا رقيقا، لا أكاد ~~أبينه، فعزمت على التوجه إلى ناحية بلادنا، فسلكت على نفزاوة، ثم على ~~تقيوس، ثم قال وقد اشتريت كساء طاقيا"1" من نفزاوة، فلما صرنا في السبخة ~~التي بين نفزاوة وبين تقويس من طريق بشرى وتوسطنا السبخة واجهتنا خيل لا ~~نستطيع الهروب منها فقصدناها وقصدتنا وأنا في ذلك أردد الآية التي علمنيها ~~الجنى، فلما وصلناهم حفوا بنا والكساء الطاقى على عاتقي، فردد في أميرهم ~~نظره وصعد فينا بصره وصوبه وقد غشينى زبد فرسه، فقال لنا من أنتم ؟ فقلنا: ~~عزابة تلامذة، فقال: امضوا على طريقكم راشدين، قال: وقد كنت أتوقع أن يقول ~~ضع الكساء فسلمني الله، وذلك بفضل الله ثم ببركة الشيخ أبي عبدالله فإني ما ~~تحركت إلا مساعدة له وموافقة لمراده، قال: فكانت معي تلك الحصيات فوصلت بها ~~إلى تادمكت لم أزل أتعرف ببركتها فلم أرزأ قليلا ولا كثيرا مذ ظفرت بها. # جملة من الأحكام الشرعية استجوب فيها القاضي أبا الحكم PageV02P169 وذكر ~~يعقوب بن أبي القاسم أن أبا الحسن أفلح كان من أصحاب أبي عبدالله وكان أبو ~~الحسن تلامذة حمو بن اللؤلؤ فاحتاج بنو ورتيزلن إلى أن يقوم عليهم أبو ~~الحسن قاضيا فقدمه عليهم الشيخ أبو عبدالله قاضيا، فمكث سنين فيهم قاضيا ~~يحكم بالعدل، حتى ملوه وضجروا منه، فوقعوا فيه عند الشيخ أبي عبدالله ~~وأكثروا الشكوى وكرروا القول فلما طال ذلك على أبي عبدالله وكان من جبلته ~~الغيرة على أهل الفضل فاستحضر جماعة بني ورتيزلن ومن يليهم من تلك النواحي ~~وحضروا في جمع جم، وحضر أبو الحسن وحلق القوم حلقة واحدة عظيمة فسكتوا ~~طويلا، فقال لهم أبو عبدالله: ما الذي نقمتم من أبي الحسن؟ فقال قائلهم: أن ~~أبا الحسن يحكم بين ms212 بعض منا دون بعض، فقال الشيخ: أكان ذلك يا أبا الحسن؟ ~~فقال: نعم، فقال لهم الشيخ: ثم ماذا؟ قالوا: حكم على رجل بصداق امرأة بغير ~~إقرار ولا شهادة، فقال له: أكان ذلك يا أبا الحسن؟ قال نعم فقال لهم: ثم ~~ماذا؟ قالوا له اختصم عنده رجلان في شفعة فأبطلها من يد القائم فيها، فقال ~~له: أكان ذلك يا أبا الحسن؟ قال: نعم، قال لهم: ثم ماذا، قالوا: مات رجل ~~بقرانا فأوصى في ماله بوصية فاستأثر بها أبو الحسن، فقال له: أكان ذلك يا ~~أبا الحسن؟ فقال له: سأخبرك بما فعلت فيها، قال لهم الشيخ: ثم ماذا، فلم ~~يجدوا زيادة . PageV02P170 # فقال له أبو الحسن: يا محمد أيثبت الحاكم الخصومة في الأرض المشاعة التي ~~لم يتعين لها رب؟ قال: لا، قال فإن هؤلاء القوم حين دخلت هذه البلاد قالوا ~~لي: ما بين فلانة إلى فلانة مشاعة لبني ورتيزلن، فجعلوا يعمرون هذه الأرض ~~دون أن يسلم بعضهم لبعض، فهو ما لم أحكم فيه بينهم، ثم قال: ما تقول في رجل ~~أقر بالنشوز هل يحكم عليه بالصداق أم لا؟ قال: نعم، قال: اختصم إلي الخير ~~وامرأته تازوراغة، فأقر بالنشوز، فحكمت عليه بصداقها، ثم قال أبو الحسن: ما ~~تقول في نخل نبت في أعلى مجرى العامة هل يحكم فيها بالشفعة لبعض دون بعض؟ ~~قال: لا، ثم قال: إن رجلين اختصما عندي في نخله هي في مجرى العامة، فطلبها ~~رجل بالشفعة من مشتريها وهو واحد من تلك العامة، فلم أحكم له بها، وأما أمر ~~الوصية فإن الرجل الذي مات من بني ورتيزلن استخلف امرأته على تنفيذ الوصية، ~~فقالت ليك أرسل معي من يعلمني كيف أنفذ هذه الوصية، فأرسلت معها ولدي ~~فبلغني أنها تصدقت عليه بربع شاة لحما، ولم أره، ولم آكله، ثم قال إن عندي ~~كلاما لا أريد أن ألقيه إليك فقال: دع كلامك فحلف أبو الحسن أن لا يتكلف ~~قضاء بينهم سبع سنين، فصاح فيهم الشيخ، فتفرق كل واحد على جهة، وقام أبو ~~الحسن منصرفا ms213 فقال الشيخ ليعقوب بن أبي القاسم: اردد أبا الحسن، فرده ومضى ~~معه إلى الغار، فقال الشيخ ليعقوب: أنظرني، وذلك في أول الليل، فلما أصبح ~~لم يخرجا ثم إلى غروب الشمس فلم يخرجا، ثم إلى الصبح فخرجا فتوادعا، فقال ~~يعقوب: فقمت إلى أبي عبد الله فقال من هذا فقلت: أنا يعقوب فقال: أو أنت ~~قاعد هنا إلى الآن؟ فقلت: أجل، فقال: إن أبا الحسن لم يزل يسئلني عن مسائل ~~الأحكام، ولم يفتر عن السؤال إلا إذا قمنا إلى الصلاة، ثم قال: إن جيرانك ~~يصارعون من لا يصرعونه. PageV02P171 # ومن الكرامات ما ذكر علي بن يعقوب قال: رأيت في منامي بعد موت أبي ~~عبدالله كأني أتيت إلى تين يسلى، فسألت عائشة زوج الشيخ عنه، فقالت لي قد ~~خرج، فأنا في ذلك إذ أقبل على فرس ادهم، فنظرت إلية فإذا هو كحيل العينين، ~~ناعم الجسم والوجه، فنظر إلي فقال: امض بنا فقلت يا شيخ أني غير ماض بعد؟ ~~فنظر إلي فقال تركته للناقضين الذين يموت الدين على أيديهم"2"، فتوجه نحو ~~المشرق. # مشائخ يتسابقون إلى قضاء دين أخيهم # ومن فضائله ما ذكر أبو الربيع أن رجلا نفوسيا كان صاحبا ليكنول بن عيسى ~~المزاتي، وكان بتاجديت وكان لازمه ويسعى في أموره وحاجاته، حتى ترتب ~~للنفوسي على يكنول عشرون دينارا، فمات يكنول في بلاد إفريقية في غير بلاده، ~~فسار النفوسي في طلب ماله قبل يكنول، فلقي المشائخ بتاجديت، فقالوا له: إن ~~يكنول قد مات في غير بلده ولم يترك وارثا سوى بنتا له طفلة ولم يوص بما ~~ذكرت، فلما أيس النفوسي من الخلاص على أيديهم وسمع بمشائخ أهل الدعوة قدموا ~~إلى قسطالية ونزلوا قنطرار وفيهم الشيخ أبو عبدالله محمد بن بكر ومحمد بن ~~الخير وداود بن يوسف وسعيد بن إبراهيم -رحمه الله- جميعا في جماعة كبيرة ~~قصدهم النفوسي، فأعلم الشيخ أبا عبدالله بقضيته وشكى إليه بعدم خلاصه، فجمع ~~أبوعبدالله أصحابه وقص عليهم قصة النفوسي ويكنول، وما شكى به النفوسي، فقام ~~داود بن يوسف فقال:علي قضاء دين يكنول من ms214 مالي، فقال له الشيخ أبو عبدالله: ~~اجلس فلا يصح لك إلا نصيبك ثم قام سعيد فقال كقول داود، فقال له أبو ~~عبدالله مثل ما قال لداود، فقام محمد بن الخير فقال: علي دينه لسعة مالي، ~~فأجابه أبو عبدالله بمثل جواب أصحابه، فلما رأى النفوسي تبرعهم ورغبتهم ~~ومسارعتهم إلى الخير واهتمامهم بقضاء دين يكنول. فقام فقال لهم: تركت ~~لليكنول ديني عليه، فقال له المشائخ: اجلس فجلس فجمعوا له دينه. PageV02P172 # ومن تحرجه ما ذكر أبو الربيع قال: دعاني أبو عبدالله محمد ذات مرة، فقال: ~~إني قمت البارحة فلم أجد ما أتوكأ عليه إلا هذه الجريدة ولا أدري لمن هي ~~فأخذتها على وجه الدلالة على العزابة عموما، فسل عن صاحبها وادفعها له. # الجماعة أولى وأهم من الفرد # وتوجه إلى وغلانة فوجد بين أهلها تنازعا وتدابرا وفيها رجل من لواتة يسمى ~~أبد الله من ذرية أبد الله السكاك، يعنتهم في الأمور وينزع إلى الخلاف ~~والتشاغب، فقال له أبو عبدالله لما علم أنه أحد أسباب الخلاف بين جماعتهم: ~~اعلم يا أبد الله أنه ليس واحد أفضل من جماعة غير النبي عليه السلام، واعلم ~~يا أبد الله أن من يتكلم وقد أحتيج إلى كلامه فقد ابتلي ببليه، ومن يتكلم ~~ولم يحتج إلى كلامه فقد ابتلى ببليتين. # ضيوف الله أولى بالإكرام # ومن إيثاره وحسن آثاره ما ذكر أنه قدم وغلانة وبها جماعة من التلامذة ~~العزابة، فجلس أبو عبدالله في ظل النخيل التي عند رأس تغرمات، فأطرفه أبو ~~عمران موسى بن كنون برطب بني باكور وقثاء، فعلم -رحمه الله- أن ذلك لا يؤثر ~~به غيره وأن العزابة الغرباء قد يكون بهم تشوق لمثل هذا مما يستغرب فلم ~~ينفرد بذلك دونهم فقال له: يا موسى أعلي تتجرأ بمثل هذا، وتجهم في وجهه، ~~فقال: وما ذلك؟ قال: تتحفني بمثل هذه التحفة ومعك أضياف الله لا يتحفهم أحد ~~بمثل هذه التحفة، وهم أولى من أوثر بها فاذهب وادفع ذلك إليهم وطب نفسا بما ~~يقر عيونهم، فقال: إن هذا شيء يسير لا يجزي ms215 فيهم، ولا يقوم لهم مقاما، ~~فقال: بل يقوم لهم أي مقام فجز القثاء على عددهم، أو أكثر من عددهم ثم ضعه ~~على الرطب، ثم ادفع إليهم، ففعل ولا يبعد أنه تناول لنفسه مثل نصيب أحدهم ~~لا زيادة وكل ذلك ليبقيه سيرة يقتدي بها من رآه أو سمع به. PageV02P173 # ومن الكرامات ما ذكر أبو الربيع أن الجراد نزل" بتين يسلى" وكاد يتلف ~~ضيعة الشيخ أبي عبدالله فدعاني، فقال لي: صل إلى الضيعة فاقرأ هذه الآية ~~(سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له ~~معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من ~~دونه من وال)(الرعد:من 10 إلى11) ثم ناد يا من هنا من إخواننا يستعين بالله ~~ثم بكم الشيخ الضعيف الأعمى، على دفع الجراد عن ضيعته، قال: ففعلت ما أمرني ~~به، فانكشف الجراد وانقشع بإذن الله، ونحو ذلك ما ذكر أنه كان نازلا ~~بالبادية في فصل الربيع بالناحية الغربية إلى بلاد أريغ، فنفرت بغلة الشيخ ~~وصارت متوجه إلى بلاد أريغ، فلم يستطيعوا ردها، فقال: قوموا يا إخواننا ~~ردوا على الشيخ الضعيف الأعمى بغلته ففعلوا فرجعت البغلة دون أن يردها أحد. # ومن حكمه وأمثاله في ذم الزمان وأهله قوله: أن أهل زماننا هذا كالسبخة، ~~إن ابتلت أزلقت، وإن جفت خدشت وكالتيوس إن اجتمعوا تناطحوا، وإن افترقوا ~~تصايحوا وقال: قطيعة الرحم كقطع عضو من الجسد، لا يخاط ولا يربط، ولا يناط. # خروج الشيخ من أريغ PageV02P174 وذكروا أن بني ورزمار طغوا وأكثروا من ~~الفساد وقطع الطرق وأنواع الأذى، فاجتمعت جماعة أهل أريغ عند الشيخ أبي ~~عبدالله فوعظهم وذكرهم على حسب ما جرت به العادة في مجالسه ثم ذاكرهم فيما ~~تدمر به السالكون في الطرق، والمستضعفون في الأرض من أضرار بني ورزمار بهم، ~~وأنهم ينبغي لهم النظر في حسم هذه العادة، وأكثروا القول في ذلك، فأجاب ms216 ~~قائلهم بأن قال: لا طاقة لنا، وما عسى أن نقدر عليه؟ فقال لهم الشيخ: نحن ~~نقدر إذا على أنفسنا فارتحل بأهله وعياله ونزل أيفران من قرى وارجلان، ~~فأقام فيهم عاما فضاعت أحوال أريغ لفقدهم أبا عبدالله، وما كان يصلح من ~~أحوالهم وفسادهم فاجتمعوا في جمع كثير، وقصدوه ورغبوا إليه في الرجوع إلى ~~موضعه وكان من قولهم أن قالوا له: لم تركت ضيعتك وقد أقبلت منفعتها وأقبل ~~خيرها؟ فقال: هي عندي وهذه" الزيتا" واحد -و أشار إلى شجر" الزيتا"3" حوله ~~كأنه يراها - وما الذي في ضيعتي من فائدة إذا كنت منكم كالفريسة يعتادها ~~السباع من كل مكان؟ أولا ترونني أقصد من الآفاق؟ يقصدني العزابة للاستفادة ~~فيقتلون بنواحي أريغ! وعدد عليهم أشياء قبيحة. # فلما أيسوا من رجوعه معهم تلك المرة رجعوا، فاجتهدوا في قطع الفساد ~~جهدهم، واستعملوا الصلاح وتحلوا بحيلة الخير، وتعاونوا على البر حتى ارتدع ~~عتاتهم، وانقمع غواتهم، فلما بلغه ما هم عليه من الخير وسألوه الرجوع رجع. # منشأ الخلاف الاستبداد والعناد # وقد كان محمد بن سليمان زاره إذ هو بايفران ورغب إليه في المسير إليه، ~~فقال: تصل إلى وارجلان فترى الناس ويرونك ويتبركوا بك، فقال: مالي ولقوم ~~عمدوا إلى مكتل عظيم فجعلوا فيه القدور والملاقي"4" والشقف والملاحف، ~~وخلطوا ما لا ينبغي أن يخلط قال الشاعر: PageV02P175 # وعن أبي عبدالله -رحمه الله- أنه أوصى بعض تلامذته عند وداعه إياه منفصلا ~~إلى أهله فقال: اذهب إلى منزلك وأهلك فإن وجدت من تقدمه في الأمور فتكتفي ~~به فاتبعه فإن لم تجده ووجدت من تتعاون معه فتعاونوا على البر والتقوى، وإن ~~لم تجده ووجدت من يقتدي بك في الخير فكن إماما، وإن لم تجد من هؤلاء أحدا ~~فألزم الطريق وحدك، وجانب الناس. PageV02P176 # وعنه أيضا قال: خرجنا في حلقة زائرين أهل الدعوة فلما صرنا في بلاد ~~الساحل خرج أهل المنزل فتلقونا فأدخلونا وأحسنوا نزولنا، وإذا فيهم رجل ممن ~~كنت أعرفه من تلامذة شيوخي، وممن قرأ معي، وإذا هو قد لبس كساء حشميا"5" ~~وفي رجلية قرق قلعي، وعلى ms217 رأسه شاشية حمراء وفي يده مزراق يرفعه ويضعه ~~فأدخلواني المنزل وقد عزمت على هجران صاحبنا المذكور، ثم أن الرجل أدخلنا ~~بيتا وأدخل معنا رجالا من أعوان الجبابرة فأزددت عليه حنقا، وتضاعف غيظي ~~عليه، وقلت لابد من الخطة فأكلنا طعاما إلى آخره وفرغت القصعة وجعل الفور ~~يتصاعد من قعرها، ولم أرى قبلها قصعة تفور بعد فراغ الطعام، وذلك لشره ~~الأعوان وشدة أكلهم وقلة أدبهم وكان ذلك مما زاد في حنقى وقوى عزمي على ~~هجرانه، إلا أنه كان من لطف الله أن حبست نفسي ولم أعجل عليه، قال فبعد ~~انصرافهم أدخلنا بيتا آخر ليس إلا العزابة فيه، وأحضر طعاما حفيل،ا فقال: ~~كلوا فلعلنا نؤدي بعض حقوق الإسلام وأهله،............."6" ما تعلق بنا من ~~طعام كنا نأكله من أموال أهل الدعوة في حرمة هذا الاسم، ثم قال: ما دعانا ~~إلى ما ترون من مؤاكلة غير الجنس إلا المداراة عليكم وعلى المذهب قال: ~~فانحل بعض ما اعتقدت ثم دعونا وانفصلنا إلى المسجد فلما كان وقت الصلاة ~~الأولى فإذا بالرجل قد جاء - وأذن فانحل بعض ذلك أيضا ثم جاء وركع ما شاء ~~الله، ثم أقام الصلاة فلم يجد من يقدمه ليؤم فتقدم وأم بالجماعة فانحل بعض ~~ذلك أيضا، ثم دعا فقام وركع ما شاء الله، ثم جلس وأخذ الكتاب وجعل يقرأ ~~ويفسر ما أشكل منه، فانحل جميع ما اعتقد عليه، وحمدته واستحسنت حاله، وحمدت ~~الله إذ لم تكن مني إليه عجلة بنشاط، ولا معاملة بمكروه. PageV02P177 # وعن أبي عبدالله -رحمه الله- قال مثل الجماعة كالخشب ومثل من يستغني ~~برأيه كالوتد الذي يضرب في الخشبة فتفريق الجماعة إنما يكون بسببه، وذلك ~~إذا استبد برأيه في أمر تنبغي فيه المفاوضة كان حريا بأن يخطئ فإذا أخطأ ~~فلا بد من اجتماع الجماعة للنظر في أمره، فإذا أخذوا في الكلام في قضيته لم ~~يعدموا من يقوم غضبا للخاطئ يدافع عنه فيكون خاطئا ثانيا، فهو كوتد ثان ~~يضرب في الخشبة في سمة الوتد الأول، ثم إذا حاول الجماعة النظر في أمر ~~الوتد الثاني ms218 قام الثالث يدافع عنه فهو بمنزلته وتد ثالث في سمة الوتدين، ~~فعند قيام هذا الثالث تتفرق الجماعة، ألا ترى أن الخشبة بعد الوتد الثالث ~~تصير اثنين؟ فلا ينبغي الاستبداد فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ~~قال: " من استغنى برأيه ضل، ومن هجم على الأمور عطب". # رأيه في بعض كتب الفقه PageV02P178 وبلغنا أن محمد بن سليمان النفوسي ~~ومحمد بن غمرة زاراه حينئذ فسألهما عن مقدمهما، فاعلماه أنهما قدما من ~~غيران بني" أجاج" وأنهما بها يدرسان الكتب كتب الفقه فاستحسن عكوفهما في ~~دراسة الكتب، وقرر لديهما أن من يدرس كتب اللقط كمن يهيل أنواع الثمر إلى ~~غرارته وأن كتاب أبي غانم قد أوضح قول كل عالم من مشائخه، وأسنده إليه وأن ~~أجوبة الأئمة هي مخ الفقه، قلت: إنما يعني أن ملتقطات العزابة مختلطة كمن ~~يجمع في غرارة واحدة من كل نوع من الثمر وكذلك هي قد تشتمل ورقة واحدة على ~~مسائل شتى من أبواب شتى، فلا مسألة تنتظم مع أختها، ولا باب من أبواب الفقه ~~يستوعب ويستقصي له فهي قليلة الفائدة جدا والغناء، كثيرة التعب والعناء، ~~وأن الغانمي قد نظمت مسائله في أبوابه منسوبة إلى أصحابها، فمتى حفظت بابا ~~عرفت مسائله، ومن قال بها ومستند كل قول منهم، فهي بالمصلحة عائدة، قنيه ~~باجتلاب الفائدة، وأجوبة الأئمة مليحة في معناها، فإنك تعرف منها وضع ~~السؤال فتفرغ ذهنك لما في جوابه، كما فرغ المجاوب خاطره، واستجم فكرته ~~للجواب عن فصوله مستقصات، فهي مخ كما قال. # الآخرة تقوم أحيانا بالدنيا # قيل وزار أبو محمد بعض أصحابه وقد كان عهده قبل ذلك على حالة سنية ~~ورفاهية، فرآه في حالة ركيكة وثياب رثه، فساءه ما راءه فيه من سوء الحال، ~~فقال له: ما هذا يا أخي؟ فقال له: نحن في زمان من فقد فيه دنياه فقد أخرته ~~وكان السلف في زمان من فقد دنياه لم يفقد أخرته، فالسعيد من احتاط على ~~سلامة آخرته. PageV02P179 # وقدم رجل من لمطة يسمى " منزو" إلى أريغ وقصد أبا عبدالله ms219 وتاب على يديه، ~~وتعلم السير، وسلك سبيل الصلاح، فكان من حاشية أبي عبدالله ومن المقربين ~~عنده فذكر أن أبا عبدالله أرسله في غنم له بجبال بني مصعب سائمة، فخرج ~~فكانت الغنم تحت يده وله فيها غنم قد جمعها فيها جميعا، فأغارت خيل بني ~~غمرة عليه، فاستاقوا الغنم كلها فاتبعهم يطلب أن يردوها له، فأبوا، فألح ~~عليهم، فأخرج أحدهم رجله من الركاب فركله بها، فتيبست رجله، بإذن الله، فلم ~~يطق ردها في الركاب فلما رأى أصحابه ما نزل به رغبوا إليه أن يحالله فيغفر ~~له، فامتنع فكرروا الرغبة ففعل بلا نية، فقالوا: لكن نرغب إليك أن يكون ذلك ~~منك بنية، ففعل فانطلقت رجله سوية، كما كانت أول حال، فلما تحققوا ما هو ~~عليه صاروا يتجنبون أذاه، ولا يتعرضون له بمكروه، فلما كان أيضا ذات مرة ~~أغاروا عليه، وعنده غنم الشيخ أبي عبدالله أيضا، فقال لهم: خذوا غنمي ~~واتركوا غنم الشيخ، فإنه أفضل مني، وإنما نالني بعض بركته فأبوا عليه، فكان ~~عاقبتهم خسرا. # الخوض من جديد في مسألة الحارث وعبد الجبار PageV02P180 وذكروا أن أبا ~~عمران موسى بن زكرياء -رحمه الله- ضاق في الوقوف في الحارث وعبد الجبار ~~والذين وقع فيهم الاختلاف، فقال فيهما عبدالله المدوني بالوقوف لانهما لم ~~يبلغنا صلاحهما إلا مقرونا بفسادهم فتنازعا فيهما فورد عليهم يوسف بن نفاث ~~فسألاه عنهما، فسمع مقالة المدوني، فقال: هذه نكارية بعينها واستحسن ما قال ~~أبو عمران ثم كان بعد ذلك بأيام مجلس آخر حضره جل العزابة المشائخ، فيهم ~~أبو عمران فسألهم أبو عمران ما تقولون فيمن وقف لكم في أئمة المسلمين؟ ~~فأداروا السؤال بينهم حتى انتهى إلى المدوني، فقال: من وقف فيهم دون أن ~~تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه، فلم يقنع السائل بهذا الجواب ثم قدم عليهم ~~يوسف بن سهلون فسألوه عنها وعلم ما كان من جواب كلا الشيخين، فقال لهم: ~~كفوا عن منازعة الشيخ فلعله لم يبلغه ما تقوم به عليه الحجة فيهما قبل حد ~~ثهما،فكتب أبو عمران إلى الشيخ أبي عبدالله سؤالا ms220 عن هذه المسألة وكتب ~~لهأاخبرني بما حفظت فيها عن شيخنا أبي نوح -رحمه الله- فأجابه ما نصه - ~~الله أعلم- في الحارث وعبد الجبار، وأما رجل لم يبلغك صلاحه إلا مقرونا ~~بحدثه فليس عليك منه شيء والسلام، فلم يقنعهم الجواب ووقف عليه يعقوب بن ~~أبي محمد واسلان فقال: أما أنا فقد ظفرت بهذا الجواب ولا أبالي في الحارث ~~وعبد الجبار. # وعن أبي يعقوب بن أبي عبدالله قال: أوصى أبي بألف دينار ثم استكثرها، ~~وأوصى بخمسمائة دينار، ثم قال: يا يوسف يا بني هذه وصيتي فانفذها ولا جعلك ~~الله في حل إن دفعت زائدا على أربعة دراهم لشخص، أي شخص كان، فإنما هي حوطة ~~من أموال أهل الدعوة، وما أطعمتكم منها عشاء ولا غذاء إلا أنهم ربما أرادوا ~~وجها فصرفته في غير الوجه الذي أرادوه. PageV02P181 # ومن تواضعه ما ذكر ياجر بن جعفر قال كنا في حلقة أبي عبدالله نقرأ عليه، ~~فكان العزابة أرادوا كنس الغار فكنس معهم الشيخ أبو عبدالله وجعل يرفع معنا ~~الكناس على عاتقه، فقال له يوما بعضنا وهو ينقل معنا: أقعد يا شيخ فإن ~~العزابة يكفونك، قال أو يحملون عني ذنبي؟ # فكان يرفع قليلا قليلا جهد طاقته، فقلت له: ارفع إذا أكثر من هذا، فقال: ~~لو كان رأيك يؤخذ لأخذنا به آنفا، وكان أبو الربيع إذا شبه الشيوخ وضرب بهم ~~المثل قال: إنما مثل أبي عبدالله كما قال الله تعالى: (ولوا إلى قومهم ~~منذرين )(الاحقاف: من الآية29)"7" . # وكان أبو عبدالله إذا سئل عن أحد فإن علم به خيرا قاله، وإن علم غيره ~~سكت، و توفى -رحمه الله- سنة 440 أربعين وأربعمائة ودفن في مقبرة بمقربة ~~غارة في أجلو وهو موضع معروف بالبركة"8" . # ----------------------------------- # 1- كذا في النسخ وفي الأصل كتاب ( الموجز ) كساءة أنطاكية. # 2 - يبدو في العبارة نقص ولعل الصواب هكذا: قلت: لمن تركت المذهب فنظر ~~إلي فقال ...إلخ. # 3- نوع من أشجار البرية قصير لا يصلح لشيء حتى للإيقاد وهو كثير الدخان. # 4- لعل الصواب المقالي جمع مقلاة والشقف بالتحريك قطع الخزف ويعني بهذا ~~التشبيه ms221 اختلاط الأشياء المختلفة وتكدسها بدون نظام أو تصنيف. # 5- نسبة إلى حشم الرجل أتباعه ومن اصطنعه ويعني به أتباع الظلمة وذوي ~~الجور من الحاكمين فلهم لباس يميزهم وفي نسخه جسيما. # 6- بياض في الأصل. # 7- يعني آية سورة الأحقاف ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ~~فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ). # 8- لازال قبره رحمه الله معروفا إلى الآن في مسجد بقرية بلدة عمرو بدائرة ~~تيقورت وهو مشهور عند الأهالي باسم سيد محمد السائح وإلى هذا الوصف تنسب ~~ذريته في الناحية حسب ما أفادني به بعض الشيوخ الأفاضل. # أبو يحيى زكرياء وأبو القاسم يونس PageV02P182 ومنهم الشيخان أبو يحيى ~~زكرياء وأبو القاسم يونس بن أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور اليراسني - رحمهما ~~الله - ورضي عنهم أجمعين - لما علم الشيخ أبو عمار نجابة هذين الشيخين ~~وتصرفهما في فنون المسائل، وسبقهما في حلبة الفضائل، أثبتهما في طبقة ~~شيخهما الذي قرأ عليه، واستمدا في رواية العلوم إليه، لعلمه بأنهما لم ~~يقصرا عن مداه ولازاغا عن هداه، بل الكل فرسان حلبة وكلهم سابق، والساعي في ~~أثرهم لاحق أو متلاحق، ولكل واحد من هذين الشيخين مزايا، وسجايا يالها من ~~سجايا، جود كالسحاب، ودعاء كالشهاب، وحسن سلوك الطريقة وحفظ العلوم ~~الحقيقية والتمسك من عرى التقوى بالأسباب الوثيقة، وما عسى يقال في هذين ~~الشيخين وهما فرعا تلك الجرثومة، والناميان في أكرم أرومة فطاب منهما الخبر ~~والمخبر، وكيف لا والأب فصيل والجد أبو مسور وقد تقدم في أول الكتاب من ~~فضائلهما فصول، كلها فضل وما عداها فضول. # حكم طهارة ما صنع من نبات الأرض # ذكر أبو الربيع أن أبا زكرياء يحيى بن كرنان قدم إلى ناحية طرابلس زائرا، ~~وكان بها زكرياء بن فصيل فاجتمع الناس يوما على ابن كرنان يسألونه عن أمر ~~دينهم وذلك في مجلس محفل عظيم، وكان ممن حضر هذا المجلس زكرياء بن فصيل، ~~فسأل ابن كرنان سائل عما يعمل من نبات الأرض كالحصير وما أشبهها هل تطهره ~~الشمس إذا أصابتها نجاسة ؟ فقال: نعم تطهره ms222 الشمس، فقال أبو زكرياء: ليس ~~هذا الجواب من المعمول به يا شيخ، كأنه لم يرض بهذا الجواب فقال ابن كرنان: ~~بل المعمول به وكرر صحته وكرر ابن أبي زكرياء المنع، فقال ابن كرنان: فإن ~~الذي يقال في أولاد الشيوخ أنهم غير منقادين صحيح؟ فقال ابن أبي زكرياء: هل ~~علمت أن عقبة المستجاب"1" قال لأولاده: إياكم والمرخصين لئلا تفارقوا دينكم ~~وأنتم لا تشعرون. # أخوة تصل إلى حد الدلالة والتدلل. PageV02P183 # وذكروا أن أبا القاسم يونس بن أبي زكرياء وأبا نوح صالح قدما على أبي ~~محمد عبدالله بن مانوج زائرين له، فلما أديا حق الزيارة وانفصلا عن موضعه ~~متوجهين إلى موضعهما مرا بشجر تفاح قد أينع ثمره واحمر، والشجر لأبي محمد، ~~فقال له أبو نوح: ألم ترها يا يونس حمراء؟ وكانا راكبين، فنزل أبو القاسم ~~وخلع ما كان في رجليه وجعل يمشي في رمل هنالك وأكثر المشي في موضع يتيسر ~~فيه بيان الأثر لئلا يقع الشك في غيره، فعمد إلى الأغصان واجتنى من ثمارها ~~ما رأى فيه كفاية، ودفع إلى أبي نوح فرد أبو نوح بعضه إلى أبي القاسم، ~~وسارا إلى أهليهما فجاء أبو محمد فقال: هذا أثر أبي القاسم، وهذه منه دلالة ~~لم يستبدل عندي ولم يزل مثله يدل في مال أخيه له ولغيره، وذلك يثبت المودة ~~بينهما فقد حكي عن أبي عبدالله -رحمه الله- أنه قال: من كان له أخ كأخي ~~حاجب فليأكل وليرفع. # وكان أبو القاسم ممن يزور أبا محمد عبد الله بن مانوج فزاره مرة فتواردا ~~ما يرد بين أمثالهما، فقال أبو القاسم لأبي محمد إن وكليلك على الحج قد أخذ ~~وأخذنا معه فإن أذنت لنا أن ننظر إليك شيئا تستعين به فعلت فنظر له خمسا ~~وعشرين دينارا ليدخرها لقضاء فريضة الحج، وأراد أن يحدب عليه فلم يقبله، ~~واستحسن أبو محمد إيثاره على نفسه وذلك لحسن ظنه ولا عجب في مثلها من ~~مثلهما -رحمه الله- عليهما. # -------------------------------- # 1- في نسخه - ب - عقبة المستجابة. # الشيوخ الثلاثة الكنوميون PageV02P184 ومنهم الشيوخ الثلاثة أبو عبد الله ~~محمد ms223 بن سودرين وأبو محمد عبد الله بن زورستن وميمون حمودى ابن زورستن ~~الوسيانيون، ثلاثتهم من أهل كنومة -رحمه الله- كان هؤلاء النفر الثلاثة ~~علماء زمانهم، وفخرا لإخوانهم وطرازا لمكانهم درسوا علوم النظر وأتقنوها، ~~وأحرزوا معاني الألفاظ بصيانة الكلام، ودونوها فلم يقدم حينئذ من المخالفين ~~مجادل، ولا نجم من خيالهم مناضل وهم لبنيان رتبة الحلقة دعائم وعندهم ~~ابتدأت وقامت، فكانوا لها من القوائم بعد أن جالوا في تحصيل العلوم ~~وطلابها، وأخذوها كما يجب عن أربابها، فكانوا بدورا بأفق تقيوس تميل بهيجة ~~بهم النفوس. # الشيخ يتحرج من تقديم معونة لآبق # ذكر أبو الربيع أن أبا محمد توجه إلى أبي صالح فسار هو وأصحابه حتى وصلوا ~~وسط السبخة التي بين نفزاوة وقسطيلية فرأى أبو محمد في السبخة شخصا أسواد ~~فحين رآه على بعد ظن أنه غراب، فقال: لأصحابه ما ذلك الشخص فيما تظنون؟ ~~فلما نظروا إلى الشخص تسارعوا إليه، فإذا الشخص أمة، فضموها ورفعوها، ~~وأظنها أبقت فذكر أنه تكدر من أجلها خاطره وتنكر، فلم يهنأ له عيش وحار في ~~وجه تخلصه من هذه الورطة، فلما وصل جربة قصد أبا صالح إلى المسجد، قال: ~~وحان وقت صلاة الظهر وحلقت الجماعة وناولوني كتابا، فكنت أقرأ وأفسر حتى ~~جاء أبو صالح وأمسكت عن التفسير، فقالوا له: فسر فجعلت أقرأ الكتاب، فقال ~~لي بعض من في المجلس: فسر لنا، وكان في المجلس أبو عمرو النميلي ولم أعرفه ~~قبل ذلك، قال فطفقت أقرأ فقالوا له: فسر لنا يا شيخ فأحال أبو صالح على أبي ~~عمرو النميلي، فكنت أقرأ ويفسر فأصابني خجل لما فرط مني إذ تكلفت التفسير ~~بمحضر منه، ولم أعرف مكانه قال أبو محمد ثم سألت أبا صالح عن مسألتي -أعني- ~~تلافي الأمة وكنت السبب في تلافيها"1" ، وأوضحت له المسألة، طلبا أن يدلني ~~على الخلاص فقال لي: لا بأس عليك، لأنك لم ترد إلا خيرا، وما تعمدت إتلاف ~~مال أحد ولا أتلفته أنت. PageV02P185 # دين الله أعز من هذا # وذكر عن أبي محمد أنه فتى أبي نوح المقرب من تلامذته، ms224 صاحبه في أسفاره ~~وكان له مواتيا موافقا، كان المشهور من أسمائه أن يقال له فتى أبي نوح، ~~كيوشع بن نون وموسى u، فذكر أنه صحبه ذات مرة إلى بني كطوف الذين حول تملى ~~فألفاهم حين ظعنهم، وتمادوا في رحيلهم، فتبعهم الشيخ حين نزلوا، فنزل الشيخ ~~عن فرسه فأرسلها إلى المرعى، فلهى أهل الحي في أشغالهم وغفلوا عن الشيخ حتى ~~ضاق صدرا من قلة التفاتهم، فقال لفتاه: اردد إلي فرسي فإن دين الله أعز من ~~هذا، قال الفتى: فقمت إلى الفرس لأزاوله وأصلح هيئة ركوب الشيخ، وعيني ترمي ~~إلى أهل الحي، فرأيتهم اجتمعوا بجمع يسيرون إلى الشيخ مسلمين متعذرين، فلما ~~أقبلوا قدت الفرس وأقبلت أمشي لمشيهم حتى التقينا عند الشيخ، وصافحوه ~~واعتذروا فقبل عذرهم، ثم إني أخبرته بما كان مني من مماطلة وما اقتضته ~~سياستي في ذلك، فقال: أحسنت يا بني، وناهيك. # للغرماء طبائع مختلفة PageV02P186 وذكر أن أبا نوح كان إذا سئل عن مسألة ~~في الفقه يجاوب بأن يقول روى فيها هذا الفتى عن أبي صالح كيت وكيت، ويشير ~~إلى أبي محمد عبدالله بن زورستن، وعن ميمون بن حمودي قال: كنت أقرأ على بعض ~~شيوخي حتى ظننت أني قد استفدت ووعيت ما عنده من العلم، حتى سمعته يوما ~~يقول: رؤية المديان غريمه في تقاضي بعض دينه، فلما قال ذلك ولم أسمعه قبل ~~ذلك قلت: لا تدرك للعلوم غاية، قلت: وهذا الكلام إنما أخرجه فيما يلوح ~~بخاطري في المديانين أنواع، وطبائعهم تختلف، فبعضهم إذا أراد الغريم تقاضى ~~دينه تقاضاه بعنف وإغلاظ، هذا إذا علم فيه لددا، وبعضهم يتقاضاه منه بكلام ~~لين ودون التقاضي الذي وصفته، وبعضهم ينظر إلى الغريم نظرة يفهم منها ~~التقاضي فتقوم عنده مقام مطالبة بأبلغ قول وأشد اقتضاء، هذا إذا كان ممن ~~يستحي ويتقي على عرضه ودينه، فالدين الذي يكون على من هذه صفته هو الذي عنى ~~الشيخ، وهذا مقصده، والله أعلم، لا أنه استوفى بعض حقه، والله أعلم. # تعاونهم على تخريج الطلاب في ثلاث مراحل # وذكر عن أبي ms225 يعقوب شيخ كان بنفوسة أمسنان، أنه كان مقصدا للمبتدئين فإذا ~~انتظموا في حلقته علمهم السير وآداب الصالحين، ثم ينقلهم إلى محمد بن ~~سودرين فيجرون قراءة القرآن ويتعلمون اللغة والإعراب ثم ينتقلون إلى أبي ~~عبدالله بن بكر فيعلمهم أصول الدين، والفقه، فكان العزابة في ذلك الزمان ~~يشبهون الشيوخ الثلاثة بثلاث نجارين أحدهم يحسن قطع الخشب من الشعراء، ~~والثاني يشقها وينشرها، والثالث يركب الألواح ويسمرها، فيما يصلح بين ~~الأدوات. PageV02P187 # وعن أبي عبدالله محمد بن سودرين أنه قال: بينما أنا أمشي في بلاد الساحل ~~إذ رأيت بابا مفتوحا ورأيت ناسا يدخلون ويخرجون فقصدت إليهم ودخلت، فوجدت ~~بيتا مفتوحا، وإذا برجل جالس في دكان فكل من دخل ناوله الرجل دينارا، فدخلت ~~فناولني الرجل دينارا، فأخذته فسرت غير بعيد ثم راجعت نفسي لائما، مقبحا ~~لفعلي، ثم رجعت إليه فقلت له: أنا على غير مذهبك، فنظر إلي مبتسما وزادني ~~دينارا آخر، ألا ترى أنه لم يقبل صلة من ظن أنه مخالف حتى تحقق بتلك ~~الزيادة أنه أهل لصلته. # اختل الأمن في زمنهم حتى سقط فرض الحج # وذكر أن أبا يعقوب بن أبي عبدالله تذاكر يوما مع أبي محمد فبسط أبو محمد ~~القول في ذم الزمان وعدم الإخوان، فقال له: اكسب يا أخي من المال ما شيءت، ~~فلا أرى الحج إلا وقد سقط عنك لانقطاع السبيل، وجور أهل هذا الزمان، قلت: ~~وقد صدق -رحمه الله- فإن فريضة الحج الاستطاعة، فإذا انقطع السبيل فكان من ~~الجور ما يجحف بالمسافر في زاده فقد عدمت الاستطاعة، وسقط فرض الحج، وميمون ~~ابن حمودى هو الذي يروي عن هود بن محكم أنه جاءه رجل من العزابة يستعين في ~~افكاك كتب له مرهونة عند رجل نكاري في خمسة دنانير، فدعا هو رجلا فقال له: ~~سر مع هذا الرجل إلى أحياء مزاتة فأعلمهم بما جاء به فأعلمهم وتسارع الرجال ~~والنساء كل يجمع ما أمكنه من دنانير ودراهم، حتى اجتمع مال كثير فجاء به ~~إلى هود، فقال له: يا شيخ هذا ما فتح الله على يديك ms226 فأنت أولى به وأحوج ~~إليه لكثرة مؤن من يقصدك، فأخذ من ذلك كله خمسة دنانير وترك الباقي، وزعموا ~~أنهم عند ما تداعوا لاعانة الرجل بسطوا بساطا وجعلوا يلقون فيه حتى كاد ~~يضيق عن زيادة حتى ناولوه وضموا أطرافه، وناولوه معه فلا أدري أميمونا أم ~~هودا قال حينئذ: صدق الإمام -رحمه الله- في قوله المشهور بقيام هذا الدين ~~بأموال مزاتة . # حكم أخذ الاجرة على تعلم القرآن PageV02P188 واجتمعت بوارجلان بالمسجد ~~الكبير جماعة فيها أهل الدعوة منهم أبو عبدالله محمد بن بكر وابن سودرين ~~وابن زورستن وعبدالله المدوني فسألهم رجل عن مسألة وهي الأجرة هل تؤخذ على ~~تعليم القرآن أم لا؟ فتدافعوا السؤال بينهم، فقال عبدالله المدونى: أجب ~~الرجل عن مسألته، فقال له: نعم تؤخذ الأجرة على تعليم القرآن، فإن لم تؤخذ ~~عليه فعلى ماذا تؤخذ أعلى رعي البقر؟ ! فسكت الفقهاء توقيرا له، مع أنه لم ~~يحسن العبارة تأدبا منهم وفضيلة، قلت: وهذا الجواب غير معروف بالمذهب، ~~والذي أنكر من الإجارة على رعي البقر فهذا الإجارة لا خلاف في جوازها، وكان ~~ينبغي أن يقول بما في المذهب من جواز الأجرة على تعليم الأدب والخط، وصناعة ~~الكتابة وأدواتها دون أن يكون للقرآن ثمن، والعذر عنه -رحمه الله- كره أن ~~يقول لا تجوز فيكون ذلك ذريعة إلى ترك التعليم فيفضي ذلك بالناس أن يكونوا ~~أميين لا يعلمون الكتاب، يقول: فإذا جاز لراعي البقر الأجرة وهو يأخذها على ~~إصلاح أحوال الدنيا فالذي يأخذها بسبب إصلاح الآخرة أولى. # ---------------------------------- # 1- تحرج من ذلك لأنها آبقة والعبد الآبق لا يؤى ولا تقدم له المعونة. # أبو محمد عبدالله بن مانوج # ومنهم أبو محمد عبدالله بن مانوج اللمائي -رحمه الله- أحد من نظر"1" ~~فأبصر واستبصر، وذكر حينا فتذكر، تلافى الفوات بعد حين، واعتاض الإجهاد بما ~~ضيع عدد سنين، واطمأن بعد الحزن إلى السهولة، وعالج ما يعالج الشاب وهو في ~~الكهولة، يسر الله له الورود من منهل الوعظ ألفاظا فارتوى، وبادر ولم ~~يتباطأ وجد ولم يثن عن طلب الخير عنانه، ولا أزاح من الاجتهاد فكرته ~~ولاجثمانه، ms227 حتى أصبح من العلم مفعم الوعاء ومن القرب من ربه أهلا لإجابة ~~الدعاء. # شيخ حكيم يؤثر في ابن مانوج ويوجهه PageV02P189 ذكر أبو الربيع أن أبا ~~محمد عبدالله بن مانوج تاب بعد الكبر وسبب توبته أنه لقي شيخا من لماية وهو ~~يرعى غنما له، فقال له الشيخ: اعلم أن غنما ترعاها اللحية هي خير الغنم، ~~وأن لحية تتبع الغنم هي شر اللحى، فوقعت التوبة في نفسه فتاب، وطلع حينئذ ~~إلى المشائخ: أبي مسور،وأبي صالح، وأبي موسى عيسى بن السمح، فمكث عندهم في ~~الجزيرة ما شاء الله ثم رجع إلى أهله فلقي الشيخ المذكور فقال له: اعلم أن ~~الجمال تبرك للحمل عليها ولكن تتفاضل في تبليغ الأحمال فرجع إلى المشائخ ~~فمكث عندهم ما شاء الله ثم رجع فلقي الشيخ المذكور فقال الشيخ: اعلم أن ~~الغدران كلها تأخذ الماء وإنما التفاضل فيما يبقى فيها الماء، فرجع ثالثة ~~إلى المشائخ فمكث عندهم ما شاء الله يقرأ العلم، حتى تفقه وهو أحد الفقهاء ~~السبعة المشهورة نسبتهم إلى غار امجماج ."2" # أخبار عن قناعة الشيخ وجوده # ومما يذكر من قناعة وقلة تعلقه بعلائق الدنيا ما ذكر أبو الربيع أن ~~عبدالله بن مانوج لم يستسلف من أحد شيئا قط غير دينار واحد، استسلفه مرة ~~ورده بعينه إلى الذي استسلفه منه، وليس منه هذا استغناء بل رضي بما قسم ~~الله له، قال: ومع قلة ماله فإن ضيافته لا تزال حفيلة لا فضل عليها لضيافة ~~ذوي اليسار، ومن ذلك ما ذكر أبو الربيع أن راعي غنم أبي محمد بن مانوج قدم ~~عليه فسأله عن حال الغنم فقال: هي صالحة الحال، وإن وهب الله لها العافية ~~إلى قابل فستكمل مائة فقال أبو محمد: لا أحب أن تكون مائة، كما لا أحب أن ~~أكون يهوديا. PageV02P190 # ومن اجتهاده ما ذكر أنه لما كبر وضعفت قواه وكان أعمش وكان يضر بعينيه ~~مرور الماء عليهما، فكان إذا وجب عليه الاغتسال غسل جسده كله إلا وجهه، ~~وإذا توضأ أمر الماء على أعضاء وضوئه إلا وجهه، ويتيمم ms228 في كلا الأمرين في ~~مقابلة غسل الوجه، فكان دأبه على ذلك يتخذ مستحما في كل ناحية من نواحي ~~خيمته الأربع بسبب الرياح، فقيل له: فهلا اكتفيت بالتيمم؟ فقال تلك مسئلة" ~~العجزانين" لا آخذ بها. # تحرج الشيخ من الأموال المجهولة # وذكر أنه زاره مرة أبو عمران موسى بن زكرياء فتذاكرا في أنواع من ~~الفوائد، وصنوف من العلم حتى أفضت بهم المذاكرة إلى ذم الزمان، وما صار ~~الناس إليه من ضيق الحال، والتحرج مما يدخل على الناس، وهم لا يعلمون أو ~~يعلمون، فقال أحدهما للآخر: أكثر ما عاش الناس عليه اليوم حمل الأشياء على ~~أحسن وجهها، وقال الآخر: إنما ينبغي أن يرتكب ذلك في أحوال الطهارة ~~والنجاسة، وأما في أموال الناس فلا، واستحسن الآخر ما أتى به. # العبادة هي التقوى والإخلاص # وسئل عن العبادة ما هي؟ فقال: النية والإخلاص لا ما يتخيلونه من الاجتهاد ~~في القراءة وغيرها، إذا لم يصحب ذلك تقوى الله، ألا ترون أن داود يقيم ~~الفتن ويقعدها وهو يحفظ ما بين الدفتين وأكثر، قصده في ذلك ما يقدم به ابنه ~~عما هو ليس بسبيله، وكان ينهى بنيه عن معاضدة داود ومساعدته، خوفا أن ~~يصيبهم ما أصابه، ولم يزل متكدر النفس من أجله لسلوكه غير طريقة أبيه، حتى ~~عادت عليه بركته، فألهمه الله الرشاد وتاب عما كان عليه، وحسنت توبته بهمة الشيخ. # وذكر الشيخ ماكسن بن الخير قال: لما توجهت إلى جربة برسم الطلب كان طريقي ~~على الشيخ أبي محمد عبدالله فاستشرته في أي فن أبتدئى فيه القراءة، الكلام ~~أم الفروع؟ فقال: يا بني اقرأ كليهما فقلت: أرأيت إن كان ذهني يقصر عن ذلك؟ ~~قال: فدينك إذا يا بني يشير إلى علم الفروع، والله أعلم. # لا يرضى منه أن يزروه وعليه دين PageV02P191 وذكر أن عبود بن منار زار ~~ذات مرة أبا محمد، فقال له: يا عبود إنك لعظيم القدر عندي، فكيف حالك يا ~~عبود؟ فقال: بخير يا شيخ، إلا أنه علي ديون قال له: أيكون عليك الدين ~~وتزورني؟ ابعد عين ms229 يا عبود، فانفصل عنه وأتى إلى موضعه فقال لعلي بن يخلف: ~~أخي سليمان الفقيه بادرني يا علي يما يخلصني من هذا، فأتاه بمن اشترى منه ~~قطعه غنم وعبدا، أو مطمورة شعير، فقضى دينه، فبعد ذلك بأيام أغارت عليه ~~غارة للنكار خرج بها رجل منهم يعرف بمنصور بن فلديك يلقبونه في " زريق " ~~فدافع عبود عن نفسه وماله وأهله، حتى قتل شهيدا فكانت زيارته لأبي محمد ~~فضلا من الله ونعمة، قيل فرآه بعض أهل الصلاح في منامه فقال: مضيت وتركتنا ~~يا عمي، فقال: لا تقل ذلك فإني تركت فيكم سليمان بن يخلف نذيرا بعدي. # وصية لعمروس الزواغي # وزاره مرة عمروس بن عبدالله الزواغي فسأله عن حاله فأعلمه أنه صالح ~~الحال، فكان مما قال له: يا عمروس اجعل تقوى الله جنة فإنها خير جنة، وأحسن ~~معاشرتك للناس فقال له: أي الناس؟ فقال: أحسنت، وفهمت، الناس هم الصالحون. # يختار أن يترك الناس قبل أن يتركوه # قال أبو الربيع كان أبو محمد يقول بعد ما كبر أن من العلماء من يقول أن ~~العالم إذا أحس بعقله ضعفا لعلة أو لكبر فلا يجوز له أن يفتي، وأنا آخذ ~~بهذا القول وأترك الناس قبل أن يتركوني، وكان قد أخر الله في أجله فلم يعرض ~~نفسه لم يجر عليه نقصا. # ---------------------------------- # 1- في نسخة ( أ ) أحد من بصر فأبصر بالبناء للمجهول وهو أنسب لما سيذكره بعد. # 2- سيأتي الحديث عنهم فيما بعد. # أبو جعفر أحمد بن خيران PageV02P192 ومنهم أبو جعفر أحمد بن خيران ~~الوسياني -رحمه الله- ذو الاجتهاد العظيم، والتشمير والتصميم، الثابت على ~~الورع وملازمة المنهاج القويم، العامل بما يرجو فيه خلاصه، المؤثر على نفسه ~~ولو كانت به خصاصة ليس بكثير في العلم، ولكنه حاز من التقوى الخلاصه، كان ~~أبو عبدالله محمد بن بكر يقول لأهل الدعوة من أهل قسطيلية: قطع عذركم أحمد ~~بن خيران إن زعمتم أنكم مقلون فكذلك هو، وإن زعمتم أنكم مسلك ومسكنكم في ~~بلاد قائمة الأسواق فكذلك هو. # اهتمام الشيخ بالضيف وابن السبيل # وكان من عادته تأخير العشاء ms230 إلى صلاة العتمة فإذا صلى نادى في المسجد: ~~"أهاهنا ضيف؟ ألا لا يبيتن أحد دون عشاء، ثم لا يفته ذلك حتى ينتظر انصراف ~~الناس فإذا انصرفوا طاف على زوايا المسجد بعكازه يفتش هل من طارق؟ هل من ~~ابن السبيل؟. # سماحة الشيخ وسعة صدره # وذكر عنه أنه دفع لجنان جنته في أبان الزراعة زريعة على أنه يزرعها، فكان ~~إذا أتى من الجنة يسأله كيف حال الزراعة؟ فيقول: بخير يا عمي أبا جعفر، ~~فلما كان يوم من الأيام وقد فات وقت الزراعة خرج ليرى زرعه فلم يجد شيئا، ~~فقال للجنان: ما هذا يا فلان!! فتلقاه بكلام مغضب قبيح، فقال له: يا عم يا ~~أبا جعفر أتظن أني أزرع لك الزريعة ويموت أولادي جوعا؟ فخرج وهو يقول سلاما ~~سلاما امتثالا لقوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) فلم يسمع ~~منه الجنان ما يسوءه. # قال أبو الربيع سليمان بن يخلف: مررت أنا وخالي عبود بن منار بأبي جعفر، ~~فأخر ج من جيبه صريرة فيها دراهم، فقال: خذا هذه الصريرة فاذهبا بها إلى ~~السوق واشتريا بها خبزا نقيا لغذائكما، فقلنا لا إنا قد تغذينا واكتفينا ~~ودعونا له، فقال: الحمد لله رب العالمين، ثم أعاد الصريرة إلى جيبه. # أبو الخطاب عبدالسلام PageV02P193 ومنهم أبو الخطاب عبدالسلام بن منصور ~~بن أبي وزجون المزاتي --رحمه الله- - ممن انتفع بكثرة الاجتهاد، وانتفع به ~~كثير من العباد، أحد نجباء تلامذة ابن زنغيل، والحادي حدوده في كثير من ~~الفعل والقيل، وكان أحد من رتب الحلقة وابتدأ الأساس، وأحكم لها الأمراس ~~وهجر الأهل رغبة في العلم والدين، وخدم الهدى فكان من المهتدين. # إنما نال الصالحون ما نالوا بترك اللذات # ذكر أن عبدالسلام كان من التلامذة بكنومة في أيام ابتداء ترتيب الحلقة ~~على أبي عبدالله، فكان يتحرى مجالسة الصلاح، وينتهز الفرصة أينما سنحت، حتى ~~عرفت له هذه الشنشنة، وتناقلتها عنه ألسنة، وكان بها الشيخ أبو محمد يوجين ~~اليفرني، فقال له: يا عبدالسلام يا بني أريد أن يكون رقادك في موضع أعرفه ~~ليتأتى فيه إيقاظك عند ms231 خروجيإلى الوضوء فكان عبدالسلام يطيل القعود في ~~المجلس للقراءة، فإذا قام من المجلس ذهب إلى الموضع الذي يعتاده فيه الشيخ، ~~فإذا نام قليلا جاءه الشيخ فأيقظه، فيقول له: يا عبدالسلام يا بني إنما نال ~~الصالحون ما نالوا بترك اللذات، والنوم من اللذات. # مؤازرة الشيخ للإمام أبو عبدالله # قال: فلما ارتحل الشيخ أبو عبدالله بأهله وتلامذته إلى أريغ قال ~~لعبدالسلام: يا عبدالسلام كن معي فإن من يقصده الناس بحاجاتهم كمن دخل في ~~الحرب، لا غنى له عمن يؤيده ويرعاه ويرفده، ويداوي جراحه، ويسد خلله، وإلا ~~كان هلاكه وشيكا، فأجابه إلى ذلك وأنكحه ابنة أبي القاسم، فمكث بذلك ما شاء الله. # محمد بن بكر يهجر أهله ويقيم بينهم ليحيى الدين PageV02P194 ثم سار إلى ~~عشيرته زائرا فلما وصل إليهم، قالوا له: إن كنت تتركنا فإنا لا نتركك فكن ~~معنا كما كان أبوك لتحيي ما كان أحياه من الدين، وإلا كنت مسؤولا عنا، ~~واعلم أنه لاغنى لنا عنك، فأجاب رغبتهم واعتقد المقام فيهم، فأنكحوه زينب ~~بنت أبي الحسن، وأقام حينا ثم انحدر إلى أريغ واستصحب ما تيسر من صداق بنت ~~أبي القاسم، فقدم على الشيخ أبي عبدالله وأعلمه بما كان من رغبة قومه فيه، ~~وأنه قد قضى الله بفراق ابنة الشيخ وقد جئت بما أمكن من صداقها، والباقي إن ~~شاء الله أوفيه، فأخبر أبو عبدالله أبا القاسم، فقال: معاذ الله أن نأخذ من ~~عبدالسلام عرضا من أعراض الدنيا وإنما جمع بيننا وبينه الدين والتقوى لا ~~الطمع فيما نناله منه، واشهدوا أني قد تحملت جميع ما وجب لها عليه، وتركته ~~له، فلم يقنعه ذلك حتى أبرأته المرأة من نفسها، من جميع ما كان لها عليه من ~~صداق، فلما تخلص بعضهما من بعض قال له الشيخ: يا عبد السلام ما حصلت؟ كأنه ~~يشير عليه بالإقامة معه، فلم يمكنه ذلك، فرجع إلى أهله وأقام فيهم حتى ~~ارتحلت زناتة إلى طرابلس وارتحلت معه مزاتة، فكان عبد السلام معهم مدة ~~إقامتهم، فلما انقلبوا إلى إفريقية قصد عبد السلام إلى ms232 جبل نفوسة فأقام ~~هنالك حينا ثم سافلا إلى المشرق للحج فقضى الفريضة، فلما رجع انتقل إلى ~~قسطالية فسكن قلعة بني درجين فكان فيها مرفها. PageV02P195 # وكان حينئذ كثيرا ما يقول لزينب: يوشك أن يغلب بنو العلم على بناتك يا ~~زينب، تعرض لها بالنظر إلى زوجة ليهب الله له منها ولدا ذكرا، وكان حينئذ ~~كثير البنات فجرى من قدر الله أن وقعت مجاعة في بلاد طرابلس وسنة شديدة، ~~تسمى سنة فرورار سنة ثلاثين وأربعمائة فانجلى أهل طرابلس في الأفاق،ووقع ~~رجل من ورغمة في قلعة بني درجين فنزل الورغمي في جيرة دار عبد السلام، ومعه ~~عياله وله ابنة، فاستحسنت زينب صورة بنت الورغمي فخطبتها على بعلها، ~~فتزوجها وسكنوا معه في دار واحدة، فطلع هو وزوجته إلى أفريقية ووصلا إلى ~~مزاته ففى مغيبهما نزل عسكر لصنهاجة على قلعة بني درجين فحاصرها حصارا ~~شديدا، وذلك سنة أربعين وأربعمائة فلما اشتد عليهم الحصار ولا صريخ لهم ~~خرجوا عليهم خروج رجل واحد يقاتلون، حتى قتلوا عن آخرهم، واستبيح ما في ~~القلعة وهدمت، فخرجت امرأة ابن أبي وازجون معها بناتها، وجعلت تنادي: يا آل ~~مزاته فسمع دعوتها رجلان من العسكر فحاطاها وبناتها حتى تخلصن ولم ينكشفن ~~فقدم عبد السلام فوجد أحوالا لم يستقر له معها قرار، فأجمع على الارتحال ~~إلى سوف فتسامعت به بنو ورتيزلن فسارعوا إليه بالحمولات وارتحلوا به إلى ~~أجلو، فمنحوه أرضا عظيمة فعمرها. # وولد له من الورغمية ولد فسماه سعيدا، فلما بشر به قال: ولد الشيخ يتيم، ~~إنما قال ذلك شفقة ورقة أولعله كشف له بابن سيكون يتيما، ويمكن أن يكون قال ~~ذلك لئلا يظهر عليه الأشر لأنه سر به سرورا عظيما، ومن هذا المولود تناسلت ~~ذرية هذا الشيخ. # وكان حين قدومه أريغ وجد أبا عبد الله محمد بن بكر في آخر أيامه، فزاره ~~عند احتضاره فوجده في السياق فجعل يتأسف ويظهر الجزع لفراقه، فقال له - ~~-رحمه الله- : يا أخي أقصر عن هذا، ولكن الدعاء الدعاء فصار يكررها حتى قبض ~~-رحمه الله- . # حزن الشيخ على موت الإمام ms233 محمد بن بكر PageV02P196 وكان عبد السلام يقول ~~بعد موت أبي عبدالله إنما مثلي كمثل رجل يسير في يوم شديد الحر، فبينما هو ~~يمشي إذ وقعت له شجرة عظيمة فقصدها جاريا ليتفيأ ظلها، ويتقي بها حر الشمس، ~~فلما وصل إليها اقتطعت فأزيلت فبقي ضاحيا. # وذكر أن عبد السلام اشترى بأفريقية خرافا من السوق فلما استوجبها وجاء ~~بائعها ليقبض الثمن قال له: " أرا" ومعنى هذه الكلمة بلغة صنهاجة: هات، ~~فغلب على ظنه أنه صنهاجي، فدفع له ثمن الخرفان ثم تصدق بها، ولم يستجز ~~اقتناء غنم غلب على ظنه انه اشتراها من صنهاجي"1" . # وذكر أبو نوح، أن أهل امسنان سألوا عبد السلام عن رجل زنى بامرأة وأقر ~~على نفسه بالزنا، ما الحكم الذي يجرونه عليه؟ فقال: أدخلوه المزبلة ~~وارجموه، ففعلوا، فلما فرغوا عنه، وحضرت صلاة الجمعة صلى ركعتين بخطبة، ثم ~~قال: إن الكتمان يأخذ من الظهور، والظهور لا يأخذ من نفوذه فتدخل أحكام ~~الظهور حينئذ في أيام الكتمان، يعنون أهل الظهور لا ينبغي لهم أن يدخلوا ~~تقية في شيء من الأحكام التي تلزم أهل الظهور، ففعلوا ما لا يحل فعله إلا ~~في الكتمان، والكتمان حينئذ لا تدخل أحكامه في الظهور"2" . # ----------------------- # 1- مما يذكره المؤرخون أن قبائل صنهاجة هي التي أيدت أمراء العبيدين ~~وخلفائهم بشمال أفريقيا، كآل زيري وآل حماد، وكانوا لا يتورعون من مصادرة ~~الأموال ونهبها وسلب ما يرونه يستحق ذلك عن حق أو باطل، ولو كان مسلما، ~~فلذالك تورع الشيخ من التعامل مع الصنهاجي. # 2- صلى الشيخ ظهر يوم الجمعة ركعتي ( أي صلاة الجمعه ) لأن الاباضية لا ~~يوجبون صلاة الجمعه لإ مع الخليفة العادل الذي يقيم الأحكام الاسلامية ~~ويعتبرون صلاة الجمعه من جملة مظاهر الدولة المسلمة المرتبطة بأحكام ~~الإسلام، هذا رأي القدامى منهم. # الشيخ أبو عمران المزاتي PageV02P197 ومنهم أبو عمران موسى بن زكرياء ~~المزاتي -رحمه الله- رأس من رؤوس المذهب وأعلم علمائه، وشمس من شموسه ~~الكاشفة لظلمائه، العلم والأدب حليته والكرم والصبر سجيته، شيمته تفوق ~~الشيم، أدرك المشائخ وروى عنهم العلوم والآثار، وسادت تلامذته فكل ms234 منهم ~~منير في الدين ومنار، وله كرامات مذكورة، وبركات مشهورة، ولنذكر معه هاهنا ~~أهل غار امجاج السبعة إذ كان رأسهم على أن منهم حينئذ الشيوخ والشبان، ~~لكنهم لما ضمهم مضمار واحد، جرى ذكرهم هنا في نسق وأجروا في ميدان، ~~ولجميعهم فضيلة في هذا الفن وشأن من الشأن. # المشائخ السبعة و تأليفهم للديوان # وهم أبو عمران موسى بن زكرياء هذا، وجابر بن سدرمام، وكباب بن مصلح وأبو ~~جبير المزاتي، وأبو عمرو النميلي، وعبد الله بن مانوج اللمائي، وقد تقدم ~~ذكرهما، وأبو يحيى زكرياء، بن جرنان النفوسي -رحمه الله- وسبب نسبتهم إلى ~~غار أمجاج أنهم اجتمعوا به وصنفوا تصنيفا في الفقه مشهورا، في أثنى عشر ~~جزءا. فتولى نسخه أبو عمران لما خصه الله من جودة الخط، فنسب إليه التصنيف، ~~وليس له ما عليهم فضل سوى فضل البنان وإلا فهو كأحدهم في فضل البنيان، ~~شريكا فيما أودعوه شركة عنان، ذكروا أن أبا عمران رأى في منامه أن يده صارت ~~مصباحا فقص رؤياه على معبر الرؤيا، الماهر في تأويل الرؤيا، فقال له: هذا ~~رجل يحيى دين الله بيده فلم يبعد. # يتأسف على ثلاثة فاتته PageV02P198 وقال أبو محمد لا أندم على شيء فاتني ~~من الدنيا كندمي على ثلاثة أشياء لتركي إياها قراءة كتاب الجهالات، وزيارة ~~أهل الدعوة، ومجالسة أبي عمران، سافر مرة زائرا لأهل الدعوة فاجتاز ~~بقسطيلية، فنزل عند أبي جعفر أحمد بن خيران، فقال له أبو جعفر هلم بنا إلى ~~زيارة الغاية زوجة الشيخ أبي القاسم، ففعلا، فلما دخلا إليها وسألا عن ~~أحوالها سألتهما عن نازلة نزلت بها وخصصت أبا عمران بالسؤال، فقالت له: ما ~~تقول في امرأة صحبت النساء إلى الوادي فنزلت في الماء ثيابها وجعلت على ~~رأسها سترة؟ فقال لها: أيما امرأة نزلت في الوادي مكشوفة فإنها ستقوم في ~~سبعة أودية من نار جهنم، قال: فتغير لونها لما سمعت ذلك، فقالت له: هل من ~~رخصة؟ فقال لها: إذا كان ما ذكرت من السترة فإنه أشبه شيء وأقرب إلى ~~السلامة، ثم قلب عليها السؤال ms235 فقال لها: ما تقولين أنت؟ فقالت: نعم هكذا ~~سمعته من سعيد بن يونس. # وذكر أن أبا نوح سعيد ابن يخلف قدم إلى وارجلان فجلس في مسجد " تماواط" ~~فرأى رجالا يغتسلون ويتوضاؤن من ساقيتها ويطلعون إلى المسجد حفاة، يطأون في ~~الطين فانتهرهم ونهاهم عن ذلك، وقال: أرى أن الذي يقوله الناس حق: أن أهل ~~وارجلان سيصيرون مخالفين للمذهب، وإنما حمله على هذا الكلام ما طبع عليه من ~~التحرج والتنزه فيما طهر ونجس، حتى أ، ثياب صلاته غير ثياب لباسه ويجعلها ~~في خرج حسبما تقدم. PageV02P199 # واجتمع بها في مجلس هو، وأبو نوح سعيد بن زنغيل فوقع بينهما كلام في ~~مسألة أمة أخذت في الصلاة مكشوفة الرأس فلما قضت بعض ركعات صلاتها، اعتقها ~~ربها فأتمت صلاتها كذلك، فقال أحدهما: عليها إعادة الصلاة لأن حكمها أخيرا ~~غير حكمها أولا، وقال الآخر: ليس عليها إعادة لأنها دخلت في فعل عبادة على ~~وجه جائز لها، فبينما هما في هذا الاختلاف إذ طلع عليهم الشيخ أبو عمران ~~موسى بن زكرياء، فلما رأياه قال أحدهما للآخر: اسكت فقد جاء من هو أعلم مني ~~ومنك، ثم سألاه عنه فأجاب بما وافق أحدهما، قلت: هكذا حكى صاحب الكتاب ~~مبهما، والذي يغلب على الخاطر أنه أجاب بأسهل قوليهما وقياسا على غير هذا ~~قلت: والذي يظهر في قول ثالث بين قوليهما وهو أنها لا تخلوا أن تكون عالمة ~~بوقوع العتق عليها من سيدها أم لا تعلم حتى خرجت من الصلاة، فإن علمت وقد ~~بقي عليها شيء من أركان صلاتها وتمت صلاتها مكشوفة الرأس فأولى، والأصح ~~إعادة الصلاة، وإن لم تعلم فأولى والأصح لا إعادة عليها، فكيف ترى هذا ~~الجواب؟ # فضل تعلم العلم ونشره # وعن أبي محمد أن أبا عمران قال مرارا في مجالس كثيرة تعلم حرف واحد من ~~العربية كتعلم ثمانية مسائل في علم الفروع، وتعلم مسألة واحدة كعبادة ستين ~~سنة، ومن حمل كتابا إلى بلد لم يكن فيه ذلك الكتاب فكأنما حمل ألف حمل ~~دقيقا، وتصدق بها على أهل ذلك البلد، ms236 وهكذا في فضل العلم وطلبه. # وذكر أن جابر بن سدرمام أضاف أضيافا، فلما استدعاهم وكان ذلك بمحضر صاحب ~~له يعرف بخليفة بن تزوراغت، فرغب إليه جابر في أن يصحبهم فامتنع فألح عليه، ~~فقال له: يعلم الله إني لا أصحبهم، فقال له جابر: أما الآن فإن شيءت فاصحب ~~وإن شيءت فامكث فالكفارة قد وجبت، قال الراوي: وإنما أوجبها لأنه حتم في ~~شيء لا يدري أن يكون أم لا، قلت: وهذا تشديد لأنه لم يذكر شيئا من ألفاظ القسم. # أبو إسماعيل البصير PageV02P200 ومنهم أبو إسماعيل البصير إبراهيم بن ~~ملال المزاتي -رحمه الله- شيخ عبادة وورع، واجتهاد في معرفة ما فرض الله ~~وشرع، كثير الملازمة لزوايا المسجد، لالتقاط الفوائد، يغدو إليها ويروح كما ~~يغدو الطير ثم لا يروح إلا بطينا باستفادة كل خير، وعنه يحكي أبو محمد ~~ماكسن أنه كان يعلمه في درب بني ميدول من بني راسين بتوزر، وأنه اكتسب فيها ~~خمسمائة كتاب، وأكل فيها خمسمائة رأس ضانية سوداء، وعنه يحكي أبو محمد ~~ماكسن أنه قال وقد آب من سفر: لقد استفدت في سفري هذا ثلاث مسائل، فذكر ~~المسائل التي يذكرها العزابة ويرددونها كثيرا، وهي مسألة القراد المتعلق ~~بالميت، والطريق في المقبرة، ونخلة المقبرة وغار المقبرة وكذلك بئر ~~المقبرة، فالقراد إن أثر يتيمم للميت، وإن لم يؤثر غسل، قلت: والغسل عندي ~~على كل حال أولى، والمسائل الأخرى يعطى الحكم للمتقدم منها أيهما كان. # لا يحل المبيت عند قوم أظهروا المظالم وأعلنوا المناكر # وحكي عنه أنه زار أهل الدعوة فاجتاز على بلاد أريغ وعلى كدية بني غمرة، ~~وهم قوم ظلمة فتاكون أهل فساد وغارات، وفي المنزل قوم صالحون، فرغبوا إليه ~~بأن يبيت عندهم ضيفا تلك الليلة، فقال: لا يحل المبيت عند قوم أظهروا ~~المظالم، وأعلنوا المناكر، فإذا قيل لهم انقادوا إلى الحق لا ينقادون، ولا ~~يذعنون، فتجاوزهم ونزل " بتميرينت" فلم تكن الأيام قلائل حتى نزل عليهم ~~حماد بعسكر فأجلاهم ودمرهم تدميرا. # أبو محمد عبدالله بن الأمير # ومنهم أبو محمد عبدالله بن الأمير اللمائي -رحمه ms237 الله- شعار الدين ~~والتقوى مع صبر ورصانة تزوى على رضوى، ومحافظة على السير والآثار، والتحلي ~~بالتواضع، والتخلي عن الاستكبار، إذا رفع عينه إلى السماء فتحت له أبوابها ~~لاستجابة الدعاء، فكان من يعاشره يتقي عقوقه، وكل من يعرفه يعرف في الصغيرة ~~والكبيرة حقوقه. # يفطر من صوم النافلة إرضاء لأخيه في الله PageV02P201 ذكر أبو الربيع أن ~~أبا محمد عبدالله بن الأمير زار أبا محمد عبدالله بن مانوج، ومع ابن الأمير ~~لحم مطبوخ وذلك في يوم جمعة، وابن مانوج حينئذ صائم فتناول وأكل منه، وذكر ~~إبراهيم بن يوسف أن ذلك بعد الظهر، لما علم ابن مانوج أنه إنما قصده به على ~~جهة الود خشي أن يسخطه ويعقه أن امتنع من أكله، فآثر رضاه على تتميم صوم هو ~~فضيلة من الفضائل، واعتقد أن رضى الشيخ لاحق بالفرائض. # إحذروا سخط الله فإنه يعم # وحكى إبراهيم بن إبراهيم أن أبا محمد كان يعظ لماية ويحذرهم، ولقد قال ~~لهم يوما فيما أورده عليهم " يا لماية" احذروا أن تؤاخذوا بذنوبكم، ثم قال ~~من فم أبي صالح إلى أذني، الويل لي إن ظلمته، سمعته يقول: السخطة تعم ~~والرحمة تخص، يهلك الصالح بذنب الطالح، قال الله عز وجل (ثم صرفكم عنهم ~~ليبتليكم )(آل عمران: من الآية152) وقال (إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم )(آل عمران: من الآية155). # العمل بالحلال فضيلة ما لم يضر بالآخرة # وقال أبو الربيع جئت لزيارة عبدالله بن الأمير فلم أجده في منزله، فأعلمت ~~أنه في الأندر فقصدته، فوجدته في جبة صوف وقد وضع كساءه وهو يضم أطراف ~~الأندر، فلما رآنى تنحى الى كسائه فلبسه فلاقانى، فصافحته ثم أقبل يعتذر ~~كأنه أساء فى وضع الكساء، وقلت له: وهل فى ذلك من بأس؟ أليس هو العمل فى ~~الحلال؟ فقال: نعم ولكن أين من يحسن العمل فى الحلال؟ إنما يحسن ذلك أبو ~~صالح، فقلت: وكيف عمله، قال: كان في أيام الحصاد يحمل الزرع إلى الأندر على ~~ناقة له، فإذا كان وقت صلاة ms238 الضحى أناخ ناقته وحط عنها حملها، ثم عقلها، ~~وحل إزاره وأخذ في الصلاة، حتى يصلي ما كان يصلي ذلك، ثم يرجع لناقته، ~~فهكذا العمل في الحلال، إنما هو ما لم يضر بعمل الآخرة. # علف دابة الضيف من جملة إكرامه PageV02P202 قال أبو الربيع وجه إلي ~~سليمان بن موسى شيئا، وأمرني أن أشتري به طرفا من المآكل وألطافا فآتى بها ~~إلى عبد الله ابن الأمير ليأكلها، ففعلت من ذلك ما أمكنني ثم توجهت إليه، ~~فمررت في طريقي على كلاء خصيب وكنت على حمار لي، فجمعت من ذلك لحماري ما ~~قدرت أنه يكفيه، فلما وصلت إليه قال لأولاده: اعلفوا حمار سليمان، فقلت له: ~~يا شيخ إنه ليس بحمار يعتاد العلف، وقد جمعت له في طريقي ما يكفيه، فقال: ~~هكذا جرت قصتي مع عبد الله بن مانوج، جئته ذات مرة وأنا على دابة وقد جمعت ~~لها كلأ كثيرا، فقال: اعلفوا دابة عبدالله، فقلت له ما هو حمار علف، فقال: ~~لا بل يعلف، ولا بد من ذلك، فإن علف دابة الضيف يا عبدالله أهم من إطعام الضيف. # وكان عبدالله بن الأمير من أمة سوداء وكان ذلك غالبا على لونه، فذكرعنه ~~أنه صحب في بعض تقلباته شيخا يعرف بعزون، فلما كان في بعض الطريق أراد عزون ~~تكليف أبا محمد أحد الكلفات الكبار المستثقلة، فلم يساعده فقال عزون معرضا ~~لسواده: لو كان العبد من ديباج لكانت أطرافه من تليس، فقال أبو محمد: يا ~~عزون أنفترق بعد هذا الطريق ولابد؟ قال: نعم، قال: تعال فاركب على عاتقي. # أبو زكرياء يحيى بن ويجمن # ومنهم أبو زكرياء يحيى بن ويجمن"1" الهواري -رحمه الله - الورع الزكى، ~~الفطن الذكي الدين النقي، المقر بفهمه كل شاف قصي، الكاشف بذكائه كل غامض ~~خفي، المذلل بسياسته كل عاص قسي، المعترف بفضله البدوي والحضري، إن نطق جلا ~~المبهم في صورة جلي، وإن صمت فله معتبر في كل شيء. # الناس في شأن علي بين إفراط وتفريط PageV02P203 قال أبو عبدالله بن محمد ~~قلت لأبي زكرياء: ما معنى قوله ms239 عليه السلام هلكت فيك فئتان يا علي: محبك ~~وبغيضك المفرط؟ فقال: صدق عليه السلام، أما محبه المفرط ففرقة الشيعة الذين ~~قالوا فيه مثل قول النصارى في عيسى عليه السلام أنه نبي، وأنه حي لا يموت، ~~وأنه في جبال رضوى، وأنه إله، وأنه إمام مطاع ومن عصاه فهو كافر، وأنه إمام ~~يجوز له تبديل الكتاب والسنة ونسخهما، وأنه أولى من أبي بكر وعمر، وأنه ~~وصي، وأن الأمة ارتدت إذ لم يولوه، وأما بغيضه المفرط فأصناف، الصفرية ~~الذين اتفقوا على أن كل معصية شرك، وقال قوم كل كبيرة شرك، فجعلوه مشركا ~~لأنه حكم الضالين وقتل المسلمين، فافهم ذلك. # الشيخ يأبى عليه أن يذكر الحديث بدون سنده # وقال أبو محمد كنا في أجلو فجلسنا يوما للمذاكرة، وكان رجل عزابي يقرأ ~~آثار الربيع عن ضمام عن جابر رواية عبدالله بن صفرة، قلت: وكنت أفسر بلسان ~~البربرية ما يقرأه القارئ فكنت كلما قرأ سند أثر من آثاره تجاوزت السند فلم ~~أتكلم عليه وتركته إلى أن يصل الحديث، أو الأثر فأتكلم عليه فسمعنا أبو ~~زكرياء وكان في ناحية قال: مالك لا تذكر أئمتك؟ فعدت أذكر كلما قرأ فأقول: ~~روى أبو صفرة عن الربيع عن ضمام عن جابر. # وقال أبو محمد كنت إذا سألت ماكسن عن مسألة عويصة توقف فيها، وقال: دعها ~~الآن حتى نسأل عنها صاحب الغوامض أبا زكرياء يحيى. # يحاسب الله العبد على مبلغ عقله PageV02P204 وقال أبو محمد اجتمع الشيوخ ~~ذات مرة في مسجد الشيخ يكنول بن الطويل في تمولست وكان الاختلاف بين جماعة ~~" تين وال" وأرادوا أن يصلحوا ذات بينهم وكانوا يقرأون كتابا فمروا في ~~الكتاب، على خبر وهو: " أن رجلا كان في زمن موسى عليه السلام وكان للرجل ~~حمار فقال: يا رب لو كان لك حمار لعلفته مع حماري، وربطته مع حماري، فهم به ~~موسى عليه السلام فأوحى الله إليه: يا موسى ذلك مبلغ عقل عبدى فتركه موسى ~~عليه السلام" واجتمعت بأثر ذلك جماعة " تين وال" فجعل الشيوخ يعاتبون رجلا ~~يلي الأمر يقال ms240 له أيوب بن حمو، فقال لهم أبو زكرياء: اتركوا عنكم البله ~~الذين تمتلئ بهم الجنة، يعنى - الأثر المروى- ألا ترون قصة صاحب الحمار؟ ~~دعونا من هؤلاء وهلموا لمن يثقب الخرزة بكيسه، مثل ياتياسن بن حمو فجاءوه ~~ولحوه حتى تابوا واصطلحوا. # وذكر أن أبا زكرياء يحيى بن ويجمن رأى ليلة القدر في مصلى المسجد عند ~~موضع المحراب الذي يلي الحائط القبلي من مسجد أجلو فبنوا محرابا ملصقا إلى ~~جدار قبلة المصلى، في دار يحيى بن ويجمن وهو اليوم هنالك معروف مما يلي ~~الجانب الغربي، وهو من المواضع المزورة المعروفة بالبركة. # الشيخ يحبس الأب ليؤدي دينه على ابنه # وذكروا أن رجلا ممن ينسب إلى الديانة كان لابنه عليه دين، فماطله فدعاه ~~إلى المشائخ بأجلو وفيهم يحيى بن ويجمن وغيره من جماعة عزابة أجلوا، فجبروا ~~الأب على الدفع وحبسوه وجعلوه في الخطة، وأعلموه أنه لا يبرح حتى يقضي دين ~~ابنه أو يسرح الابن سبيله، فسمع بذلك ماكسن،وقدم من تين وال إلى مشائخ ~~أجلو، فقال لهم: علام يحبس الأب في مال ابنه؟ فقال له أبو زكرياء يحيى بن ~~ويجمن: قد حكم به أبو عبدالله بن بكر بوغلانة، وحكم بها هنا في أجلو ونحن ~~نحكم بها فلا يخرج من تلك الخطة حتى يؤدي ما عليه. # ----------------------- # 1- أثبته صاحب السير باسم يحيى بن وجمين. # أبو عبدالله محمد بن سليمان PageV02P205 ومنهم أبو عبدالله محمد بن ~~سليمان النفوسي -رحمه الله- جال في حلبة المتقين، وجمع الله له بين الدنيا ~~والدين، فكان مرضي الحال موسعا عليه في المال، فكان ينفق مما آتاه الله من ~~سعة عطائه، حتى أنسى كل ذي سخاء بسخائه فإنه يهب من كلتي الذخيرتين لا تغيب ~~هباته، ومهما بدرت أملا في بدره فطيب يخرج نباته، يفيد العلم ويكسو ويمون، ~~فنيله مأمول، وحرمانه مأمون، يحنو على التلامذة حنو أبيهم، ويقويهم دون ~~قرابة ويجتبيهم. # الشيخ يعلم طلبته وينفق عليهم # ذكروا أن أبا عبدالله بن سليمان كانت عليه حلقة عظيمة يعلمهم ويطعمهم ~~ويكسيهم من ماله، وكان إذا أقبل الشتاء اشترى لهم أكسية ms241 جديدة فيها دفء ~~فإذا أقبل الصيف اشترى لهم أكسية خفيفة برسم الصيف، ويدخر الأخرى للشتاء ~~وربما باعها بالثمن الذي اشتراها به ويخرج لهم كل يوم ما يقيم طعامهم ~~وإدامهم، وقال أبو عمرو: قال لي إبراهيم بن يرمون -وكان شيخا صالحا-: دعاني ~~أبو عبدالله يوما فوجدته يلوت عمامته ويصلح نفسه، فقلت له: ما هذا يا شيخ؟ ~~فقال: عزمت على الوصول إلى " شروس" فإن لي فيها شجرة زيتونة مشرفة على ~~السوق، تضيع غلتها فلا انتفع منها بشيء، فأردت بيعها فقلت: بكم تريد بيعها؟ ~~فقال: إذا وجدت عشرة دنانير فأنا أبيعها، قال إبراهيم: فساعدته فأقبلنا ~~ماشيين، حتى وصلنا " شروس" فسيمت منه شجرته بأربعين دينارا، ثم صر الثمن في ~~عمامته صرارا متفرقة، فلما وصلنا إلى موضعه أخذ يفرق الدنانير على العزابة ~~لكل واحد منهم دينارا أو أقل، أو أكثر ودفع لي ستة دنانير، ففرقها حتى لم ~~يبق لنفسه غير عشرة دنانير، فقلت له: ما هذا؟ قال: كنت نويت البيع بعشرة ~~دنانير، فكل ما زاد فهو لله أرى له فيه شيئا قال أبو عمر: سألت عن ذلك أبا ~~العباس فقال: إن من العلماء من يقول الفقراء أحق بتلك الزيادة، والذي فعله ~~حسن جميل. # رأيه في الزواج وإقتناء الحيوان PageV02P206 وكان أبو عبدالله يقول: ~~ثلاثة لا أراها إلا في بيت عدو الفرس في رأسه مطحنة، وفي تحته مزبلة، ~~والكلب ينبح فيسمع نباحه فيروع ولو مسلما واحدا، وساق هنا خبرا قال: سرنا ~~ذات مرة مع الشيخ أبي سليمان أيوب في بعض الطريق حتى نبحنا كلب من إحدى ~~الدور، فذعر الشيخ وقال: إن دخلكم الروع مثل ما دخلني فإن صاحب الكلب لا ~~يدخل الجنة، والثالثة المرأة تفشي الأسرار وتهتك الأستار. # وروي أنه لم يملك قط حيوانا ذا روح ولا تزوج قط، فلما علت سنه قال ~~لأصحابه إن أهلي وآبائي قد عرف من عادتهم أنهم إذا كبروا اعترضتهم حبسة ~~باللسان، تؤذنهم بفراق الدنيا، فإذا رأيتم ذلك أصابني فزوجوني امرأة تقوم ~~بي في مرضي، فلما رأوا ذلك نزل به أنكحوه امرأة ms242 قامت عليه في مرضه حتى توفي ~~--رحمه الله- - قلت: وفي هذه الحكاية مواضع تحتاج إلى النظر منها: ما قال ~~في اقتناء الكلب ولعله علم أنه كلب غير مباح الاقتناء وكونه لم يتزوج قط ~~فقد حكي ذلك عن غيره من المؤمنين والتزوج أفضل، إلا إن علم من نفسه أنه غير ~~قائم بحقوق الزوجة، وكونه لا يقتني حيوانا - وقد قال عليه السلام ما من نبي ~~إلا ورعى الغنم - لا يلزم منه أن نقول من يكتسب الحيوان مذموم، بل ربما ~~أراد راحة خاطره وتفرغ باله إلى ما هو أوكد وأولى وقوله: إذا رأيتم ذلك ~~فزوجوني نظرا لأمرين أحدهم: أن المريض يصير إلى حالة يحتاج فيها إلى من ~~يطلع على عورته، ويقلبه في مضجعه، والثاني نظرا إلى قوله عليه السلام من ~~مات عازبا مات شيطانا فأخذ بالظاهر وأراد أن لا يموت عازبا، وهذا إذا صح ~~هذا الحديث. # حكم التزوج في مرض الموت # وكونه تزوج في مرضه الذي مات فيه هو جائز عندنا خلافا لمن منعه اللهم إلا ~~إذا علم أن المريض إنما قصد التزوج ليمنع ما لورثته من الميراث، فهاهنا ~~وافقناهم على منع التزوج وأما إن قصد به شيئا مما يقصد بالتزوج غير ~~المحابات فلا يمنع. # الشيخ أبو مكدول الزنزفي PageV02P207 ومنهم أبو مكدول مطكو داسن الزنزفي ~~-رحمه الله- هذا الشيخ منسوب إلى صلاح، وزهد في الدنيا واطراح، ويعد في ~~الوعاظ والنصاح، والداعين المرشدين إلى سبيل الفلاح، ويحكى عنه الحكم ~~والأمثال، والإصابة في الأقوال والأفعال، أن أكثر ما يروى عنه إنما هو ~~باللسان البربري، صادر عن صدر رحب، وقلب جرئ، وهو من كل غش برئ ذكر يحيى بن ~~جعفر أن أبا القاسم يونس بن أبي زكرياء كتب إلى أبي مكدول: # " بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. إلى أبي ~~مكدول أطال الله بقاءه وأدام عليه نعماءه. # أما بعد فإني سمعت أن جماعة من النكار طلعوا قبلكم فإياكم ثم إياكم، أن ~~يردوا أرضكم ولو للضيافة، فإن القوم أخدع الأمة، وأنت ممن لا يحتاج إلى ms243 أن ~~يوصى والسلام" فوقف عند ما حد له وكان أهلا لصد ما يخشاه منه من هذا ~~الداء"1" وذكروا أن أبا محمد ماكسن ويخلف التميجاري أضافهما أبو مكدول فقدم ~~لهما طعاما حفيلا ضيافة كاملة، وعلى كمالها فإنها دونها دون قدرهما وقال ~~حين قدمها لهم: كلوا فقد مات من يسلم في نفسه ويسلم معه غيره، فشكرا صنيعه ~~وشكرهما حين رآهما شكرا ولم يذما، وحمد هو الله على اقتران الشكرين، وخطر ~~بباله أن اللعنة مع الضيف مقرونة، فإذا حمد وشكر وقابله المضيف بحمد الله ~~وشكره وقعت على إبليس، لعنة الله عليه وإن لام أحدهما وضجر وقعت عليه، وقد ~~وقفت لأبي مكدول على كلام كثير بالبربرية لم أحصل منه فائدة فاعلقها. # ----------------------------- # 1- في نسخه من هذا الدعاء. # أبو موسى يزيد المزاتي # ومنهم أبو موسى يزيد المزاتي وابنه ضمام -رحمهما الله- ممن تمسك بالورع ~~بحبل وثيق، وسلك في الصلاح أنهج طريق أتقن مسائل الحلال والحرام، وأشهر ~~نفسه بعلامة المجتهدين من الخدام، وذللها وراضها حتى انقادت لموافقة أهل ~~الإسلام، وبث المعروف في الأجانب وأولي الأرحام وكان من أفاضل تلامذة أبي ~~خزر، وأخذ عنه الآثار والسير. PageV02P208 # مساعدة الشيخ لقبائل مزاتة وإنقاذهم # ذكر الشيخ أبو نوح صالح بن إبراهيم أن بلاد أفريقية أصابتها سنة، فاشتدت ~~أحوال أهلها وعدموا القوت، حتى ضمت أهل البوادي وغيرهم إلى بلاد الجريد ~~فانتجعت مزاتة إلى قابس ليمتاروا منها التمر بالدين والقرض فأتوا ضمام بن ~~أبي موسى يدلون عليه بالقرابة والأخوة، وهو حينئذ عند أهل قابس معروف، ~~وبالخير والصلاح موصوف فسألوه أن يستقرض لهم، ويستدين ويتحمل عنهم، وأعلموه ~~بما هم فيه من شدة الحال، وأن جاهه كفيل باستنقاذهم من الجوع فشاور والده ~~في ذلك وأعلمه بما جاء به قومه، وبما طلبوه، فقال له هل يعرفهم أحد؟ قال: ~~لا، قال: وأنت هل يعرفك أهل قابس ويأمنونك؟ قال: نعم، ولا يعرفون غيري فقال ~~له أبوه: دخولك في شيء يستنقذهم من الجوع إذا فرض من الفروض اللازمة، إذ ~~كانوا ينتفعون بجاهك أكثر مما ينتفعون بأموالهم فقضى مآربهم أجمعين. # يسأل ms244 المرء عن جاهه كما يسأل عن ماله # وقال أبو نوح صدق أبو موسى وقد قيل: يسأل المرء عن فضل جاهه كما يسأل عن ~~فضل ماله، وقد قيل من تبرم بجاهه فقد تعرض لزواله، قال: فهو كقوله عليه ~~السلام: " إن للله وجوها من خلقه يستخصهم بنعمته ما بذلوها لخلقه، فإذا ~~بخلوا بها بدلها إلى غيرهم" فتحمل عنهم ضمام وأنجز مآربهم فلما أيسروا قضوا ~~ما عليهم إلا أقلهم فقضاه عنهم ضمام، وقد نسب إليه كلام في ذم الحمالة. # أبو يعقوب بن سهلون # ومنهم أبو يعقوب بن سهلون -رحمه الله- العظيم القدر، الكثير البر والغزير ~~الحفظ في فنونه، المتحصن من كل روع بورعه ودينه، لا تهوله الأهوال ولا يغتر ~~بما يرى من حسن الحال. # مصاب الشيخ في لسانه وسبب ذلك فيما قيل PageV02P209 ذكر يعقوب بن أبي ~~القاسم أنه وصل ذات مرة إلى وارجلان قال: فرجعت ووجدت أبا عبدالله محمد بن ~~بكر، ومزين بن عبدالله عنده، فقال لي أبو عبدالله: هل رأيت أبا يعقوب يوسف ~~بن سهلون؟ قال: فقلت: لا، فقال انظر يا مزين! أولا تعجب لهذا الذي سافر إلى ~~وارجلان ولم يزر أبا يعقوب؟ فعظم علي ذلك، و رجعت إلى أبي عبدالله فأخبرته ~~بحال أبي يعقوب، وذلك بعد ما أصيب في لسانه ومنع الكلام، وسبب ذلك أن مسألة ~~شنيعة نزلت في وراجلان فاجتمع لها كل من بها من وجوه العزابة، ومن ينسب إلى ~~العلم والرأي وكان دأبهم في ذلك الزمان إذا نزلت مسألة أن يجتمعوا من شأنهم ~~الاجتماع للتشاور في النوازل، فاجتمعوا بالموضع المعروف بمنبر وارجلان ~~فوضعوا المسألة وذلك أن امرأة ادعى تزويجها رجلان وأتى كل واحد منهما ببينة ~~على صحة التزوج، فتراد الشيوخ المسألة حتى انتهت إلى أبي يعقوب، فقال: حرمت ~~على الأول، والأخير، ورجال الدنيا، والآخرة إلا أن تتوب فتحل لرجال الآخرة، ~~فقال رجل من بني ياجرين: هاج الفحل فتفرقت الفصلان، فأصابته عين، فاحتبس ~~لسانه حتى لا يستطيع كلاما. # كيف أعان الشيخ ابنه على بره # وكان أبو يعقوب كثير السياسة كثير الرفق ms245 وله ابن يسمى أيوب وكان إذا أراد ~~أن يأمره بشيء أشار إشارة أو ساقه في حكاية لئلا يغلق عليه الأمر فيخالفه ~~فيعق، وكان إذا أشاره بشيء امتثله وأتى به على حسب ما يرضيه ويجئ على وفقه ~~حتى ضرب بهما المثل في بر الابن للأب والأب للابن فقالوا:" الأب كأبي يعقوب ~~والابن كأيوب" # وحكى الشيخ فلفول خلافا وقع بين أبي عبدالله بن بكر، وبين الشيخ أبي ~~يعقوب بن سهلون في مسألة وهو: الرجل يقول فيمن يتولاه: هو مسلم عندي أو ~~مسلم عند الله وعندي، فقال أبو عبدالله: لا يجوز إلا أن يقول مسلم عندي، ~~وقال أبو يعقوب: كلاهما جائز سواء لا فرق بينهما لأنك إذا قلت عند الله ~~فإنك تعني يعلم الله أنه عندي مستحق لهذه المنزلة. PageV02P210 # قلت: إماما قاله أبو يعقوب في المرأة التي ادعاها بعلان أنها لا تحل ~~للأول ولا للأخير فتصح على أصل تحريم الزانية: وحرم ذلك على المؤمنين، وهذه ~~المرأة قد تعمدت الزنا بإدخالها بعلا في عصمة آخر، وهذا إذا كانا مقرين ~~بالدخول، وهي أيضا مقره، فإن لم يكن إقرار بالدخول، ولم تقم به شبهة فلا ~~تخلو البينتان أن تثبتا على تاريخ أحد النكاحين أم لا، فإن تثبتا فهي ~~للأول، وإن لم تثبتا أو أحدهما فسخ النكاح، ويتزوجها من شاءت منهما أو من ~~غيرهما. # كتابة عقود النكاح والطلاق تدفع الشك # ولأجل هذه الشنائع وأمثالها تجدني أتلهف وأتأسف على شيء لو أمكنني فعله ~~والإشارة به، هو والله أمر سهل، رافع للالتباس، كاشف لهذا البأس، وهو والله ~~مما ينبغي أن يسعى فيه أهل الخير، وذلك: أن يؤذن في جهة من الجهات على أيدي ~~القضاة أو عن رأي الجماعات بأن لا يشهد في النكاح خاصة أو في النكاح ~~والطلاق إلا رجال معلومون، لا يعدوهم هذا الشأن، يختارون أهل علم ودين، ~~وسنن ويستلزمون كتب التاريخ ولو لم يكتبوا غيره، فكيف والكتاب في جميع فصول ~~النكاح والطلاق أحوط، فإنه إذا كان على هذا الوجه كان قطعا لاشتراك ما لا ~~يشترك، ورفعا للالتباس، ms246 والاختلاط في الأنساب، والشك في التوارث والعدد، ~~وفي الخبر: إن أولى ما احتيط عليه الفروج. وأما ما اختلف فيه الشيخان ~~فمسألة تضرب في علم النحو بنصيب، وأرى أبا يعقوب فيها هو المصيب. # الطبقة العاشرة: 450 500 ه : 1- أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ~~PageV02P211 منهم أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي -رحمه الله- الأصولي ~~الفقيه، الزكي النبيه، أفنى في الدراسة أيام الشباب، وفي حفظ كتب الفقه ~~كتابا بعد كتاب، حتى برز وبعدت عنه محائبه، وظهرت بين النجباء نجائبه، ولما ~~بانت فضيلته سبقت بين السوابق، وحمدت منه الخلائق تصدر للتدريس، وإفادة كل ~~جليس، فأحيى الله به طرق الصلاح، وفتح له أبواب الخيرات أي افتتاح، وخرج من ~~تلامذته كل نجيب، وقيد عنه كل جواب مصيب، وتصنيف عجيب. # ذكر أبو عمار أن جماعة عزابة اجتازوا على قرية من قرى نغزاوة فإذا هم ~~مقدمها رجل يسمى "أبا علي"، فقالوا له: (احذر عقوق الوهبية)، فقال لهم ~~ارغبوا إليهم وقولوا لهم يدعوا علي. فوصلوا جربة يوم جمعة، فوجدوا الشيوخ ~~قد أقبلوا إليها بجماعة التلامذة، وفيهم الشيخ أبو الربيع فسلموا وصافحوهم، ~~وأخبرهم بما بلغ أهل الدعوة من ضرر المذكور، وقوله لهم، فقال أبو الربيع: ~~رب كلمة سلبت نعمة، اللسان يلعب بالبلاء، فاجتمعوا وبدأ أبو الربيع بالدعاء ~~فأداروا الدعاء، وختم أبو الربيع، فأصاب الملعون في تلك الساعة وجع فجعل ~~يصيح من شدة الوجع، ويقول: (قتلني الأعور، يعني أبا الربيع، حتى مات، ولم ~~تماطله دعوة أبي الربيع. # الحكم الشرعي في الوصية للوارث # وروي عن أبي عبدالله محمد بن بكر - رضي الله عنه - أنه لما حضرته الوفاة ~~قال لمن حضره: (اشهدوا أن الجنان الذي على العيون لابني يوسف)، فلما سمعت ~~امرأته ذلك حسبت أن به غفلة أو ذهاب عقل، فقالت له: ما هذا يا شيح؟ تنبهه، ~~فكرر الإشهاد على نفسه بما قال أولا، ولم يرجع عنه، فقال لامرأته إني ~~اعتقدت له أكثر من ذلك، وعلمي ورأيي لا أرجع فيه إلى علمك ورأيك، وكان ابنه ~~أحمد إذ ذاك عند أبي الربيع سليمان بن ms247 يخلف فبلغه وفاة أبيه وقد بقيت بيده ~~بقية من نفقته فكف عن الأكل منها، ورأى أن ذلك قد صار ميراثا، فقال له أبو ~~الربيع: أمسك ما بيدك ولا حرج عليك ولا تلزمه العدالة بينكما. PageV02P212 # قلت: أما فعل أبي عبدالله فلا ينفد لوجوه: منها أنه عطية في المرض الذي ~~توفي فيه فلا يجوز إلا بإجازة الورثة، الثاني أنه لم يذكر التسليم والحوز ~~وذلك شرط عند جميع أهل العلم إلا الشاذ، والثالث أنه لم يعدل فيما دل عليه ~~اللفظ والعدل بين البنين واجب على الأب في قول جماعة من أهل العلم، وإليه ~~مال كثير أصحابنا فيما علمت والشيخ أبو الربيع رجح قول من قال لا تجب ~~العدالة على الارب، وأقول والله أعلم: إن ذلك إنما جاز لإجازتهم له إياه ~~أبرارا بالشيخ -رحمه الله- . # وعن غير واحد من تلامذته قال لما كان عام واحد وسبعين وأربعمائة رجعنا من ~~عنده فشيعنا إلى المصلى الذي فوق عيون تونين، فوقفنا لموادعته، فقال أحدنا: ~~أوصنا يا شيخ، قال: لقد عزمت على ذلك ولو لم تقله لي، ثم قال: (امضوا ~~بالسلام. فإذا وصلتم إن شاء الله منازلكم فإياكم والدنيا أن تستقبلوها ~~بوجوهكم، فان من استقبلها أغرقته ومن استدبرتا فلا بد أن تأخذ منه، وعليكم ~~بالألفة والنصيحة، والتزاور، وحفظ مجالس الذكر، وإياكم وأمور الناس ~~والتقصير فيمن يرد عليكم من أهل دعوتكم والسلام). # وكنا قد أردنا إذ نحن بتمولست الطلوع إلى جبل (دمر) برسم دراسة الكتب، ~~فلم يوافق ذلك أبا الربيع ولا أبا ذكرياء يحيى بن أبي بكر فشيعنا أبو ~~ذكرياء يحيى، فقال: اعلموا أنكم أن رجعتم إلى أهليكم على هذه الحال فأنتم ~~كمن ترك الإسلام عمدا، وهذا منه تحريض وترغيب في طلب العلم. PageV02P213 # وذكر إن تلميذين من تلامذة أبي الربيع قال أحدهما للآخر: (زوجتك أختي)، ~~وقال الآخر: (قبلت) فلما لفظ بالقبول داخله ما وسوس عقله وشغل خاطره، وجعل ~~يسأل الطلبة واحدا بعد واحد هل عليه من هذا شيء؟ ولب على خاطره ان النكاح ~~قد انعقد، فجعل يسأل العزابة الحل عازما ms248 على الانفصال، فقال أبو الربيع لما ~~رأى ما رأى من حاله: ما نال فلانا؟ فأخبروه خبره، فقال لهم: قولوا له فليقم ~~وليشتغل بالقراءة، فانه لم ينعقد عليه نكاح، ولا عليه شيء، ولو أجازته، قلت ~~وهذه المسألة لها وجوه تقيد بها وليست بمطلقة وذلك أن أخا المرأة لا يخلو ~~أن يكون وكيلا مع كونه وليا أو لا يكون وكيلا، فان وكان وكيلا فالنكاح قد ~~انعقد بلا خلاف، وان كان أنكح فضولا بغير توكيل ثم أجازته بقرب العقد ~~فالأولى جوازه، وقيل يكون موقوفا على قبولها وامتناعها، ولعل أبا الربيع ~~-رحمه الله- عر في هذه القضية بعينها ما أوجب امتناعها كترك وقع متقدما مع ~~ما خاطب أو عقد تقدم مع ولي تقدم مع خاطب آخر، والله أعلم. وذكر أبو عمرو ~~عثمان بن خليفة أن أبا يعقوب محمد بن يدير سئل عن مسألة في مجلسه، فأخطأ في ~~الجواب، وذلك انه قال: علينا العمل بالفرائض وليس علينا العلم بها، وكان ~~يزيد بن يخلف الزواغي وأبو الربيع سليمان بن يخلف في المجلس حينئذ، فلما ~~سمع يزيد ذلك قال يا سليمان ما الذي أخذت عن أبي عبدالله بن بكر في هذه ~~المسألة قال: إذ لزم فعل شيء لزم العلم به، وان له في فعله الثواب، وانه ~~فرض وعدل، وكان قد باتا في حلقته فلم يقل لهما رجعت عن قولي، ولا قالا له: ~~ارجع عنه ولا أدناهما من المجلس، وجوابه في هذه المسألة جواب النكار وهو ~~خطأ وجوابهما جواب أصحابنا وهو الصواب إن شاء الله، وهو قول جمهور الأمة ~~لأنه كيف يمتثل الأمر من جهله؟ وكان هذا حال الشيخ أبي الربيع لا يعجل ~~بتخطئة أحد، ولا يسمعه جفاء. PageV02P214 # وتوفي -رحمه الله- عام أحد وسبعين وأربعمائة، فبلغ خبر وفاته المشائخ ~~ببلاد أريغ أمثال ماكسن، ومزين، ويوسف بن ابي عبدالله بن بكر، وغيرهم فجل ~~عندهم الخطب وسامرهم الرثاء والندب، واجتمع اليهم اعيان تلك النواحي ~~يعزونهم، وهيهات، فقد لازموا العويل والاكتئاب الطويل، حتى قال لهم ابو ~~يعقوب كفوا عافاكم الله فان هذا لا ms249 يغني عنكم شيئا، وعليكم بالتمسك بما ~~أخذتموه عنه، وعن غيره من الأشياخ، وكونوا لها كإبراهيم بن أبي إبراهيم ~~للأمانة، وذلك أن رجلا أودع الشيخ إبراهيم دينارا، وقال له: (ادفعه إلى ~~فلان، واحذر أن يسقط، فقال له: (تسقط هاتان ولا يسقط يا عماه)، وأشار إلى عينيه. # الشيخان أبو محمد ماكسن بن الخير وأبو عبدالله مزين بن عبدالله ~~الوسيانيان # ومنهم الشيخان أبو محمد ماكسن بن الخير وأبو عبدالله مزين بن عبدالله ~~الوسيانيان -رحمهما الله- كانا ممن تنسب إليهما أنواع من الفضائل، وترفع ~~إليهما عند وقوعها المسائل وترجى بدعائهما عند الله الوسائل، ويستشفى ~~برأيهما متى نزلت الخطوب النوازل، وتتيممهم للبركة القنابل(1) والقبائل، ~~وممن يفصل الخطة لما أعيت كل فاصل، فليس منها إلا عائل. # قال أبو عبدالله: كان مزين يقول: (الرأي إشارة، وأما الموارئة(2) فقتال، ~~لا تدخلن بين العصا ولحائها)، وذكر أبو محمد قال: دخل علي ينجاسن بن حمو ~~ذات يوم كأنه ذاهل، فاستلقى مضطجعا، فقلت له مالك؟ ومن أين أقبلت؟ قال: (من ~~عند مزين، جئته أستفتيه في تباعة تعلقت بذمتي في قرية من قرى وارجلان، ~~وسألته كيف الخلاص منها قال لي: أتعرف الموضع؟ قلت: نعم، قال: أتعرف صاحب ~~التباعة؟ قلت لا، قال تجد من يشهد لك بأن تلك التباعة لفلان بن فلان؟ ~~قال:لا، قال: فتصدق بها إذا في موضعك، وأقم ولا تتكلف حركة). فحاربها -لله ~~أعلم- إنما بسبب كونه لا يدري من يصرف إليه تلك الصدقة فيكون لها أهلا ~~ولأنه ذكر عنه أنه قال حينئذ: خائن حازم، خير من أمين مضيع فداخله من ذلك ~~شغل شاغل. PageV02P215 # وذكروا أن " أبا ويدران" الفطناسي استخلف على وصيته مزين فعمد إلى خيار ~~ماله وما تكثر فيه رغبة المشتري فباعه، وجعل ينفذ منه الوصية فشكته زوجة ~~أبى " ويدران" وبناته إلى الشيخ أبي عبدالله وقلن له: أنه قد باع أفضل ~~المال إن في التركة أطرافا لو باعها لم يصبنا لفقدها جزع، فقال له مالك ~~ولهؤلاء؟ قال: أعلم أني لم أشتغل بمصلحة هؤلاء لكن بفكاك رقبتي ورقبة أخي ~~في الله. # كيف كان ms250 الشيخ أيام التلمذة ورفق شيخه به # وذكرا أبو الربيع أن أبا محمد ماكسن كان من أعاجيب الزمان، وذلك أنه أصيب ~~في بصره وهو ابن سبعة أعوام وقيل سبعة أيام، فجاءت أمه إلى أم يوسف زوج ~~المعز بن باديس فأعلمتها بما أصاب ابنها فقالت لها: رديه في الكتب، فانه ~~يستفيد لما رأته من حدة فكره، وحضور ذهنه وذكائه ففعلت فحفظ القرآن تلقينا ~~في أسرع وقت ثم قصد جربة وحضر حلقة أبي محمد واسلان ابن أبي صالح، فكان ~~أنجب تلميذ حضرها وكان كل من رآه يستغرب ذكاءه وبراعته، وكثرة حفظه، إلا ~~أنه كان مع ذلك سريع الغضب حاد الكلام، فكان الطلبة يقولون لأبي محمد: اطرد ~~عنا هذا السريع الغضب الحاد الكلام، فيقول لهم: والله لا أسمع قولكم فيه ~~ولا أقبله ولا أخرج عليه لما تفرس فيه من الخير والبر وإحياء الدين والسير ~~ويقول لهم: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل له: ( لم تكون ~~الخفة في المؤمن؟ فقال: لغزارة في قلبه)، وقيل لابن عباس - رضي الله عنه - ~~إنك لخير لو لا خصلة فيك قال وما هي؟ قال الخفة، فقال ابن عباس: عبتنى بخير ~~الخصال. PageV02P216 # وكان ماكسن إذا ذكر هذا القول يقول -رحمه الله-: أن أبا محمد لو سمع في ~~قولهم وطردني لرفعت رأسي وكنت في غير هذا المذهب فأضل وأهلك، فلم يكن إلا ~~مدة يسيره حتى تفقه وعظمت منزلته فأعجب بيتيم عديم مكفوف البصر ينتهي إلى ~~هذه الغاية في أسرع وقت ولا جرم أن الشيخ أبا الربيع سليمان ابن يخلف كان ~~مفتاح باب الخير عليه لأنه كان محاضره فكان ينشطه ويدربه ويحرضه ويقرأ عليه ~~الكتاب فإذا قرأ بابا رددا معا مسائله هكذا كانت عادتهما وكان كل واحد ~~منهما بارا بالآخر حفيا به، كان أبو الربيع كما ذكرنا لا يأل جهدا فيما ~~ينتفع به صاحبه فلا يعرف له طريق مصلحة إلا تحراه وكان ماكسن على نحو ذلك ~~فيما له عليه قدره حتى أن ماكسن يدعوه بالخؤولة مع كونه دونه في ms251 السن، وهذه ~~الدعوة لأن أم ماكسن مزاتية من قوم أبي الربيع. # ولقد تنازعا يوما في مسألة حتى تغاضبا وكان ماكسن يصلي بثوب أبي الربيع ~~فحضر وقت الصلاة ولم ير ماكسن انه تصح له صلاة بثوب أبي الربيع، وحسب أنه ~~يجد منه في نفسه شيئا وأراد نزع ثوبه، فقال له: صل عافاك الله فإنه لم يحدث ~~عندي شيء. PageV02P217 # وذكر أن أول مسكن الشيخ ماكسن بوارجلان وذلك بعد انفصاله عن القيروان ~~ومجيئه من جربة، فأقام بوارجلان حتى سافر منها إلى الحج وقضى الفريضة وتنفل ~~وتزوج بوارجلان وقطن به، وجاءه رجل من أهل أجلو يقال له أبو العزيز داود، ~~فقال له: أقم هنا يأكل أولادك تحف أهل الدعوة فإذا مت اقتسموا ريح الصبا ~~فسمعت كلاما أذن واعية ووقع في نفس ماكسن الانتقال إلى أريغ، فلقي الشيخ ~~عيسى بن أبى الحجاج فقال له: اجعلني يا أخي في حل فإني عازم على الارتحال ~~فقال: بل اسأل الحل في قولك لي اجعلني في حل فقد أدخلت علي روعة، فقال له: ~~اعلم أنه لا يصح لك انتقال عن وارجلان حتى أموت وتغسلني وتكفنني ثم انتقل، ~~بعد ذلك أو أقم وأما وأنا حي فلا أذن لك في المسير، فوافقه وأقام حتى قضى ~~الله بموت الشيخ عيسى، فتولى عنه ما سأله أن يتولاه، وأجمع على المسير إلى ~~أريغ، فقال له عبدالله بن عيسى الوسياني من أهل " كرناداس": ألم تقدر في ~~سفرتنا يا ماكسن؟ فقلت: قد عولت عليكم وهيأت لكم، فساروا جميعا إلى أريغ ~~فأقام ماكسن بأريغ مدة وليس لأولاده مؤدب، فجاءه أبو العزيز داود فقال له : ~~أقم هكذا يا ماكسن حتى تموت وتبيع أولادك كتبك، فأيقظه وعلم إنما نبهه على ~~أولاده فاستأجر مؤدبا يعلمهم. # الشيخ يتعجب من ثلاث مسائل والحكم الشرعي فيها PageV02P218 وكان أبو محمد ~~ماكسن يتعجب من ثلاث مسائل أحدها قولهم" يموت الرجل ولا يقذف" ثم اجازوا له ~~إذا خاف أن يقول: ليس هذا بابن فلان، أو ليس من القبيلة الفلانية فينفيه، ~~والثانية قولهم: " يموت ولا يتعرى" ثم ms252 أجازوا له أن يتعرى عند الاختتان ~~وعند الطبيب والقابلة، وقياس الجراح، والثالثة قولهم في امرأة المفقود:" ~~عدتها عدة المتوفى عنها زوجها" ومع ذلك قالوا: لا تخرج حتى يطلق عنه ~~أولياؤه، قلت: أما الأولى فمن باب الكذب المباح لا من باب القذف والثانية ~~ضرورة تعارض فيها حكمان فلا بد من أرجحهما والثالثة أخذوا في العدة بالحوطة ~~ونظروا في تسريح المرأة خشية الضرار وجعلوا التطليق إلى الأولياء، على أنه ~~لا حكم على غائب. # يحمل أولاده على الحق # ومن تحرجه ما ذكر أن أولاده بنوا بابا وزادوا في حائطه شيئا من الطريق ~~فقال لهم: اهدموا هذا البنيان وردوا الشيء بحاله فقالوا: إن الطريق واسعة ~~بحيث لا يضرها ما نقصناه منها، فقال لهم: لا بد من هدمه ولا انصرف حتى يهدم ~~فهدموه وحينئذ طابت نفسه على الانصراف. PageV02P219 # وذكر أبو الربيع قال: أغارت غارة" لبنى يوجين" على رأس وادى أريغ فساقت ~~غنمهم، فاتبعتهم عدة من المشائخ منهم ماكسن، وأبو العباس الوليلي، وعيسى بن ~~يرصوكسن وعبدالله الدمري فلم يلتحقوا بهم إلا بعد أحيائهم فلبثوا مدة ~~يستردون حتى استردوا الغنم بجملتها، وما استردوها إلا وقد نفدت أزوادهم أو ~~كادت، قيل وفيهم عجوز مرابطة، وقد اطلعت على حال المشائخ وعلمت أن أزوادهم ~~نفدت، وأن طعام قومها لا يرون أكله تورعا، فرغبت إليهم أن يأذنوا لها في أن ~~تعالج لهم طعاما من مالها فأجابوا، فاستعملت طعاما ولما حان وقت صلاة ~~المغرب وصلوا جاءتهم العجوز تسألهم عن مسائلها، والشيخ أبو العباس الوليلي ~~حينئذ يركع ولم يتفرغ من ركوعه، فعاد كلما سلم من ركعتين قال لهم: أبعدوا ~~العجوز عنكم واطردوها عن أنفسكم، ولم يفطنوا لما أراد، حتى سألتهم ما ~~تقولون في قومي هؤلاء إذا غاروا غارة وغنموا وأخذوا وأعطوني زكاة ما أخذوا ~~فهل في ذلك من حرج؟ قالوا: إذا فأنت على هذا الحال المذمومة يا عجوز؟ أبعدي ~~عنا، فقال لهم أبو العباس: ألم أقل لكم من قبل؛ أبعدوها عن أنفسكم فانصرفت ~~ولم يذوقوا طعامها فقالت " بنويوجين" لماكسن: إن رخصت لنا في ms253 ثلاث مسائل ~~رجعنا إلى مذهبك وهي: أموالنا، وأولادنا، وأزواجنا كلها حرام، فأذن لنا ~~بالمقام فيها فقال لهم: لا يحل ذلك في مذهبي، قالوا فإنا نجد من يرخص لنا ~~في ذلك كله. PageV02P220 # وغارت غارة لبعض العرب على وارجلان فساقوا عدة من الإماء، فلحقهم الشيخ ~~ماكسن" بالدرمون" فوق بئر الكاهنة، فسألهم بالله أن يردوا عليه ما أخذوا من ~~أموال المسلمين فكان في القوم رجل يعرف بابن يلبان، فقال لهم: أجيبوا سؤال ~~العزابي، فردوا عليه جملة الإماء إلا واحدة مولودة(3) ، فزينها الشيطان في ~~أعينهم فرغبوا في الابتناء عليها، فقال لهم الشيخ: إنها حرة، فقالوا: ~~عريقة؟ قال لهم: نعم قالوا له: أتحلف؟ قال نعم، قالوا بالطلاق؟ قال لا يحلف ~~بالطلاق مسلم فلا أحلف به، قال: فردوها له، ثم سئل بعد ذلك ما أردت بقولك ~~حرة؟ قال: أمي، قيل ما أردت بقولك عريقة؟ قال فخدي. # أهل جربة يبتهجون بمقدمهم في سمت حسن وأبهه # وذكر عن الشيخ ماكسن أنه قال: أقبلت أنا وأصحابي من الحج، وكنا في أثنى ~~عشر رجلا كسليمان بن موسى الزلفيني، وعبد السلام بن عمران النكسي، ومحمد بن ~~عيسى بن إبراهيم، وأمثالهم، ووصلنا طرابلس فاشترينا منها كسوتنا ؛ كسوة ~~سنية، ودخلنا جربة، فشكروا ذلك منا واستحسنوه، ودخل عليهم من السرور ما لا ~~يتصف، حتى قال لهم زكرياء بن الشيخ أبي زكرياء فصيل - رضي الله عنه-: لقد ~~عاملتمونا في زورتكم هذه بما لا نستطيع أن نودي حقه وقلدتمونا عظيمة لا ~~تقوم ألسنتنا بشكرها وإن إختصاصكم إيانا بقدومكم علينا عند مقدمكم في تلك ~~المشاهدة الشريفة ومشاهرتكم لنا ليقوم عندنا مقام قدوم جميع من سلف من ~~أئمتنا، وأشياخنا، من لدن أبى عبيدة إلى اليوم فالله يتولى متوليكم وأكثر ~~ما أدخل عليهم السرور قدومهم في أحسن زي واشارة فإنهم باهوا بهم جيرانهم ~~النكارة وظهر من جلالة أقدارهم ما زاد في جيرانهم الحقارة. # فتن أهله في وغلانة وتينتلات وسوء مصيرها PageV02P221 وذكروا أن قافلة ~~خرجت من وارجلان من أهل ريغ متوجهين إلى أهل ريغ فلما وصلوا إلى " ونو" ~~يعني: البئر ms254 ازدحموا عليه يستسقون حتى اقتتلوا فقتل رجل من بنى سيتتن رجلا ~~من " وغلانة" ورأى الوغلانيون أن لا طاقة لهم ببني سيتتن، لكونهم جميعا ~~يكون طريقهم على بني سيتتن فخافوهم على أنفسهم فافترقوا من هنالك وجعل ~~الوغلانيون طريقهم على بني ينجاسن فعاهدوهم على أن يكون معهم ألبا على طلب ~~حقهم فلما وصلوا منازلهم عيبوا ونهضوا إلى بني سيتتن ثائرين بصاحبهم فلما ~~وصلوا قرية " خيران" خرج إليهم أهلها يريدون إنزالهم ويحسبونهم أضيافا، ~~فقالوا لهم: مكنونا من القود بصاحبنا، فقالوا: نعم، لكم القود، فألقى ~~الشيطان في أسماعهم، أن لا يصلح لكم القود، فلم يلبثوا أن وثبوا عليهم ~~بالسلاح، فدافع يعقوب بن يسفا وأمثاله حتى قتلوا، في ثمانين قتيلا من بني ~~سيتتن، وكان رجل من وغلانة أدرك يعقوب على بغلة فعقرها، قال: فأدركته ~~الرجالة، فقتلوه فأوصى عاقر البغلة بدية يعقوب، واستخلف على وصيته يعلو بن ~~صالح فدفعها إلى ورثة يعقوب، فلما رأى أهل تينتلات أنفسهم في قلة بعد موت ~~العدد المذكور عزموا على الرجوع إلى أهل الخلاف، وكادوا يفعلون، فبلغ ذلك ~~ماكسن فقال: من ذا الذي يعرض لأهل المذهب من تنتلات؟ فانتقل إليهم بحلقته ~~فوجد أعلام الخلاف قد نصبت، فلم يزل يكف شرهم، ويدحض عزمهم، حتى انقطع ~~الاختلاف ولم يبق إلا الإئتلاف، فحينئذ ارتحل عنهم، ومدة إقامته عندهم ثلاث سنين. PageV02P222 # وسبب ارتحاله عنهم فيما ذكر أنه كان ذات يوم هتف به هاتف: يا ماكسن اهرب، ~~اهرب إلى حيث طاب الزمان، فالجبن خير من الجرأة إذا الفتنة تمكنت عروقها، ~~قيل ولما ارتحل عزم من بها من أهل الخلاف وهم في غاية الحقارة والضعف على ~~أن يبنوا لأنفسهم مسجدا، ورأوا أن الفرصة قد أمكنتهم بعد انفصال الحلقة، ~~فاستفزوا ضعفاء العقول من أهل الموضع، وشاوروهم في ذلك، فأذنوا لهم في ~~بنيانه، وكان ذلك في مغيب أبي يوسف بن زيري وهو من أعيان القوم، فاستحضروه ~~للمشورة، فلما حضر تكلم متكلمهم فقال: عزمنا على أن نبتني هنا مسجدا ~~لإخواننا قال: لا يبنى إلا أن يبنى على رأسي، فانحل عقدهم، ms255 ومن سمع بجواب ~~أبي يوسف شكره ودعا له، ويتصل بهذا ما ذكر أن يعلو بن صالح خرج فارا بنفسه، ~~غضبا لما فعل أهلها ببني سيتتتن وذلك أنهم لما رجعوا من قتالهم دخلوا من ~~باب وخرج هو من باب آخر، فمر بيعقوب بن أبي موسى الزواغي وكان بينهما ~~قرابة، فصحبه وسارا حتى لقيا أبا عبدالله بن الخير فقال له: يا يعلوا بني ~~سيتتن صرعوا قتلى لم يدفنوا بعد، وأنت تغدوا وتروح عليهم، فقال له يعقوب: ~~هذه منك سقطة يا أبا عبدالله، أتخاطب بهذا رجلا خرج مهاجرا مراغما لأهل ~~الظلم طلبا للسلامة فلتلقاه بهذا القول وأنت لا تقدر له على شيء؟ فمن ذلك ~~اليوم سار إلى أجلو. # ---------------------- # 1- جمع قنبلة بفتح القاف جمع من الناس. # 2- كذا في النسخه ولعل الصواب المؤاربة. # 3- لعل الصحيح مولدة. # 2- أبو سليمان داود بن أبي يوسف # ومنهم أبو سليمان داود بن أبي يوسف -رحمه الله- أحد المشائخ المذكورين، ~~والفقهاء المشهورين، استفاد وأفاد، وخدم حتى ساد، فكان شيخ حلقة، يعرف كل ~~أحد حقه، وسعهم علما وخلقا، وسيرا حميدة وتقى، ولا يجتنبه الطالب، ولا يخيب ~~أمل الراغب. PageV02P223 # ذكر أن جماعة من شيوخ العزابة توجهوا إلى »تنومة« فيهم أبو عبدالله محمد ~~بن بكر، وأبو سليمان داوود بن أبي يوسف، وكان على داوود دين لرجل من تنومة، ~~فلما كانوا ببعض الطريق لقوا زنغيل بن نوح بن الشيخ أبي نوح، فسألوه عن ~~الرجل صاحب الدين، فقال: تركته على آخر وقته، فرجع أبو سليمان فشق عليه ما ~~سمعه، وتكدر خاطره، فقال له أبو عبدالله: إن لي على صاحبك دينا أكثر مما له ~~عليك، وقد وهبت لك من ذلك مقدار ما له عليك، فقاصصه بذلك فيما عليك، ففعل، ~~وهذه الفضيلة لأبي عبدالله -رحمه الله- . # وذكر أن الشيخ أبا عبدالله -رحمه الله- كان على جلالة قدره إذا أقبل ~~الشتاء وفرغ من حرث ضيعته طلع بحلقته إلى أبي سليمان يقرأون عليه، فيقيمون ~~حتى يسمعوا صيى البعوض فينزل إلى ضيعته، وجاء رجل من أهل وارجلان فسألوه عن ~~حال أبي سليمان فقال له: ms256 لما به أما أدركتموه وأما لم تدركوه فمضى الشيخ ~~ماكسن يجد السير فوجده على آخر وقته، فقال: كيف تجدك فقال متمثلا: # فأقام عنده حتى توفي -رحمه الله- عليه. PageV02P224 # وذكر أنه لما كان عام اثنين وستين وأربعمائة توفي داود بن أبي يوسف وبلغ ~~خبر وفاته المشائخ وهو إذ ذلك في زنزفة عند انحدار الشيخ أبي الربيع من ~~زنزفة إلى منزله بتمولسة فشيعه المشائخ إلى قلعة بني علي، منهم علي ابن ~~منصور وإبراهيم بن يوسف وغيرهم فوقفوا للرجوع فكرهوا مفارقة أبى الربيع إلا ~~وقد عزوه في أبي سليمان فتناجوا أيهم يجسر على مخاطبته بذلك وخشوا أن ~~يدخلوا عليه روعة، إذ لم يتقدم عنده علم، فدنا أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف ~~والشيخ حينئذ راكب على فرس لرجل من بني زنزفة فقال له: أحسن الله عزاك في ~~الشيخ، وآجرك في المصيبة فيه فقال له: ومن الشيخ؟ قال: أبو سليمان داود بن ~~يوسف فلما سمع ذلك نزل على الفرس فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون"، فلما ~~توادعوا وقضوا حق التعزية فرجعوا عنه قال: وسرنا معه نحن إلى " تمولسة" ~~فأخذ يحدثنا أخبار السلف ويذكر سيرهم ومناقبهم وما صبروا عليه وما صابروا ~~وكابروا وكابدوا ويتوجع لما صار الناس إليه من فساد الزمان، وما نزل بهم من ~~ذهاب الخير وأهله، وانقراض العلم وحملته حتى قال انقطعت آثارنا من المغرب. # مصيبة الأخيار تكون أحيانا في أبنائهم # وذكر حديثا للرجلين الذين أقبلا من المشرق يريدان زيارة بكر بن حماد ~~الشيعي، فلما وصلا مصر سمعا بوفاته فقال أحدهما للآخر: انقطعت آثارنا من ~~المغرب، فرجع من موضعه وقال الآخر: أما أنا فلا أرجع حتى آتي أولاده، ~~فتمادى به السير حتى انتهى إلى تاهرت، فسأل عمن خلف بكر بن حماد فقيل له ~~خلف ولدا لا يستحق أن يسأل عنه، فأبى إلا رؤيته، فطلبه فوجده ينوح مع ~~النساء فلما رءاه قال: " إنا لله مصيبة الأخيار في أبنائهم" وإنما أورد هذا ~~تفجعا وتوجعا لفقد أبي سليمان، وكونه لم يخلف من يقوم مقامه. # الشيخ يشكو من جهل ms257 الناس بأحكام الشريعة PageV02P225 وسرنا طريقنا كله ~~وهو يكرر انقراض الخير واندراس الدين، وفقد العلماء وانطماس الآثار، حتى ~~قال: فقد الناس من مسائل الحلال والحرام والفقه أكثر مما فقدوا من مسائل ~~علم الكلام والجدال، ولا أعلم اليوم من يقرأ عليه علم الفروع إلا أن يكون ~~أحد من تلامذة أبي سليمان هذا " يعني ابن أبي يوسف" فإن منهم جماعة ~~بوارجلان، وقال إبراهيم ابن أبي إبراهيم رأيت أبا سليمان في منامي بعد موته ~~فقلت لعلك ظفرت يا شيخ؟ قال: نعم، ثم قال: قل للعزابة عليكم بالدعاء، وقيام ~~الليل والمعروف. # أبو القاسم يونس ابن أبي الحسن # ومنهم أبو القاسم يونس بن أبي الحسن -رحمه الله- من جملة الفضلاء، ~~المكرمين باستجابة الدعاء، المنتظمين في سلك العلماء وإن كان السيماء ~~مقصورة على شيم الصلحاء. # ذكر أبو سليمان أن الوباء وقع في أجلو سنة من السنين فأضر بأهلها في ~~جناتهم وآذاهم أذى كثيرا، واقتضى نظرهم أن يجتمعوا ويصوموا يوم الأربعاء ~~والخميس والجمعة، ولما صلوا صلاة العصر يوم الجمعة خرجوا إلى محراب المقبرة ~~وهو موضع معروف بالبركة، واستجابة الدعاء، واجتمعوا عنده وقرأوا وتطوعوا ~~بالمعروف، وعادتهم أن يحضروه ويدعوا، ثم حضرت صلاة المغرب وصلى بهم إمامهم ~~يونس بن أبي الحسن، فلما صلى دعا الله أن يرفع عنهم الوباء، ولم يصبح حتى ~~لم يجدوا له آثرا. # وذكروا عنه أنه كتب إلى من بقسطيلية من طلبة مزاتة " أما بعد فاجعلوا ~~حوائجكم بكريات، وإذا وجدتم ما ترعون فارعوه رعى النهماء من الغنم، ولا ~~تمجوه مج الريان الماء" في كلام كثير ينشطهم به إلى القراءة والاجتهاد في الطلب. # أبو الربيع سليمان الزلفيني # ومنهم الشيخ أبو الربيع سليمان بن موسى الزلفيني -رحمه الله- ذو النفس ~~الألفية، والخلق المرضية، والدعوات المتسجابات الدينية، المحافظ على الأمور ~~الدينية والدنيوية. # كان الشيخ مجاب الدعوة عند الله PageV02P226 وعنه يحكى أنه نظر فرج ابنته ~~ففارق أمها وعنه يحكى أنه قال: أن أهل وارجلان إذا مات أحد من فضلائهم في ~~أي قرية من قراهم بعثوا إلى أهل القرى ليحضروا جنازته، فكانت هذه عادتهم، ms258 ~~فلا يعجلون بدفن من يموت عندهم حتى يشهدوا جنازته جماعتهم، قال فمات رجل في ~~"يمطنون" يسمى " صالح الصادق" فبعثوا إلى أهل " تينبماطوس" قالوا: فحضرنا ~~جنازة الرجل وكنا قد وجدناه قبل أن تخرج جنازته وجدنا داره مشحونة بالناس، ~~قال: فقعدنا على باب الدار، فجئ بالنعش فإذا الباب ضيق قصير عنه، فجهزوا ~~الميت وأخرجوا النعش ولما صلوا إلى الباب خرجوا أسهل خروج، فاختلف من حضر ~~داخل الدار وخارجها فقال بعضهم: إنما خرج من العتبة، وقال بعضهم: بل اتسع ~~الباب وخرج النعش ببركة الله تعالى. # وذكروا أن أبا محمد بن سليمان العرجا ورد من القلعة(1) على أبي الربيع ~~فقال له: إني تركت عبدالله بن حسن وولده في الجيش القلعي، فادع الله أن ~~يهلكهما، فقال له: كن في غيرهما، وأما هما فقد هلكا، فكان كما قال، وسمع ~~ماكسن يدعو على بني ظافر فقال له: ادع على غيرهم، وأما هم فقد هلكوا فكان ~~كما قال، وكان العزابة يقولون: إذا أردت أن تعرف عدد عيال أبي الربيع ~~فراقبه وقت التطوع بعمل المعروف يعني أنه يتطوع على كل رأس بمعروف، وكانت ~~له حركة في جسده فيها دلالة يعرف بها أمورا خفية، فكان الشيوخ إذا دعوا وحس ~~بما يدله على استجابة دعائهم يقول لهم: قد أجيب دعاؤكم وإلا سكت ومثل هذا ~~من الكرامات لا تنكر. # يأبى من ارتكاب المكروه ولو أنه يجر منفعة # وعزم أبو الربيع سليمان بن موسى على أن ينكس عينا أو يحفرها، وهي التي في ~~شرق مسجد تامولسة فأعانه إخوانه بخدمة عبيد، فلما حضره العبيد وشرعوا في ~~الخدمة جعلوا يتغنون، ويقولون ما يقول أمثالهم، فقال لهم " اطلعوا من عيني ~~فإن كانت لا تحفر إلا بمعصية الله فلا حفرت، قال أبو مرداس هلاك في طاعة ~~خير من نجاة في معصية" فلما رأوا ذلك منه تركوا ما كره. PageV02P227 # الشيخ أبو الربيع يكرم ابن أبي وايدران تقديرا لأبيه # وذكر أن الشيخ معاذ بن أبي علي كان مسكنه بقصر بني وليل من بلاد قبلة ~~أريغ، فكان دأبه أن يأتي ms259 في كل ليلة الجمعة إلى أجلو فيبيت مع الحلقة، يحيي ~~ليله ثم يقيم حتى يشهد مجلس يوم الجمعة، ثم يصلي العصر ثم ينصرف إلى أهله، ~~فصادف مجيئه ليلة من الليالي مجيء فتى من ولد أبي ويدران الفطناسي المزاتي ~~يسأل المعروف وكان هذا الفتى أقرع وكان أبو ويدران المذكور أول غريب دخل ~~هذه البلاد الريغية وهو الذي بنى مسجد تينسلمان، على مصلى حبيب بن زلفين ~~قيل فلما رأى معاذ المذكور الفتى المذكور ازدراه وانتهره، فقال له: ما ها ~~هنا إلا التلامذة وإلا فأهل المنزل قد خرجوا في طلب الربيع، وكان الشيخ أبو ~~الربيع بحيث يسمع كلام معاذ فانتهره، وقبح عليه ما قابل به الفتى، وقال له: ~~قال الله تعالى ( وكان أبوهما صالحا) (الكهف: من الآية82)ثم التفت إلى أهل ~~الموضع فقال لهم: أعطوه ما أعطاه وقته، فأعطوه ما أربى على مأموله، وانقلب ~~شاكرا، ثم إن الشيخ أبا الربيع قابل معاذا بأشد من الوجه الذي قابل به ~~الفتى، وأنبه كل التأنيب بكلام طويل. # ----------------- # 1- يعني قلعة بني حماد بنواحي أمسيلة. # أبو العباس أحمد وأبو يعقوب يوسف ابنا الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر # ومنهم أبو العباس أحمد وأبو يعقوب يوسف ابنا الشيخ أبي عبدالله محمد بن ~~بكر - رضي الله عنه-ما- كانا في طلب الخير فرسي رهان مشتركين في كل فضيلة، ~~شركة عنان، فلعل أحدهما أعلم والآخر أزهد، فلكلا الوصفين دلائل تشهد فإن ~~المنسوب إلى أحدهما تأليف كتاب، وتهذيب جواب والمنسوب إلى الآخر دعاء ~~مستجاب واستعداد لمآب، وبينا أنهما حائزان على هذا السباق، ومن دون ~~اغبارهما تقطعت الأعناق، ولا غرو لأمثالهما في جميع أحوالهما فإن مفيض ~~ضيائهما بدر باهر النور بهيجه وهل ينبت الخطى إلا وشيجة؟ # فضل أبي العباس وخدمته للمذهب PageV02P228 قال أبو محمد اجتاز بنا أبو ~~القاسم عبد الرحمن بن عمر فخرجنا معه مودعين وكان فيما أورده من القول عند ~~وداعنا أن قال: إن أقل ما نزل من السماء إلى الأرض التوفيق وقل ما يدعو به ~~المرء إلا استجيب له، ثم قال: رحم الله أحمد ms260 بن محمد فقد كان رحمة لأهل ~~مذهبنا حيا وميتا، وذلك أنه كان في حياته بيت العلم يفيد به كل طالب وكل ذي ~~حاجة، ولما دنت وفاته أودع علومه الكتب فصنف تصنيفات خمسة وعشرين كتابا ~~وكتابا آخر تركه في الألواح (1). # يتعجب من أحوال الناس يفعلون خلاف ما يعتقدون # وذكر داود بن يخلف عن أبي العباس أنه قال: الناس إذا أتاهم خبر خوف ~~انتقلوا عن الحال التي كانوا عليها قبل ورود الخبر ولو كانوا في حر وبرد، ~~وأخذوا لأنفسهم بالحذر والتحرز، ولعل ذلك الخبر يكون أو لا يكون وليسوا منه ~~على يقين ولقد أنذرهم الله النار وخوفهم من الشيطان، وكان ذلك على لسان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدقوا المرسل والمرسل، وأيقنوا بذلك ~~وتركوا التحرز، وأغفلوا الاستعداد لذلك، والحذر من سوء ما يتوقع من ذلك ~~ونسوا فقد إخوانهم وتفقد أحوالهم، ويا عجبا الناس يكرمون أضيافهم خوفا من ~~اللؤم والذم وأضياف الله الكرام الكاتبون معهم وهم يعملون ويتيقنون أنه (ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (ق:18)، (له له معقبات من بين يديه ومن ~~خلفه يحفظونه من أمر الله)(الرعد: من الآية11) ومع ذلك فلا يعبأون ولا ~~يكترثون. # سبب إقبال الشيخ على التأليف # وعن أبي محمد أن سبب تأليف أبي العباس كتابه الذي تسميه العزابة" أبا ~~مسألة" أن أبا عبدالله محمد النفوسي كتب إليه من " أبيدلان" يرغب إليه في ~~مختصر، مشتمل على مسائل في الفروع فتدبر كيف يضع هذا التأليف فنام فرأى في ~~منامه قائلا يقول له: اذكر أبا مسألة، فجعله في جزءين فسماه العزابة أبا ~~مسالة وأما أبو محمد فكان يسميه جامع الشيخ أبي العباس. PageV02P229 # وروى أبو محمد وأبو نوح عن أبي العباس قال: أتاني آت في منامي رجل أبيض ~~فتقدمني واتبعته حتى دخل في قرية " تنزاج" من قرى نفزاوة ثم أتى المسجد ~~وقصد المحراب، فقال لي: احفر فحفرت حتى استخرجت قصعة المحراب، فقال لي: ~~أحفر فحفرت حتى استخرجت قصعة كبيرة، فوجدت فيها دينارا، فقال لي: خذا إرث ~~والدك فسألت " بقابس" ms261 عن تأويل رؤياى رجلا حاذقا بتفسير الرؤيا، فقال لي: ~~القصعة العلم والخير والدينار الصافي دين والدك فرجعت إلى " تمولسة" قال ~~فبلغ فيها في العلم مبلغا عظيما وصنف بها عشرين كتابا وكتابين معروضين ~~عليه، وقد عرض جميع ما صنف غير كتاب واحد تركه في أجلو مبيضا في الألواح ~~ورغب إليه الأشياخ في وصولها إليهم " بايفران" من قرى وارجلان فعرضها عليهم ~~ولده، وهم: إسماعيل وحمود بن المعز، وأيوب بن إسماعيل، وداود بن واسلان ~~وأبو سليمان الزواغي. # انكباب الشيخ على المطالعة زمن التلمذة # وروى أبو عمرو عن أبي العباس أنه قال: كنت أقرأ على الشيخ سعدون وأحضر ~~مجالسه فأول ما وقعت فيه المذاكرة عنده مسألة ذبيحة الأقلف، هل تؤكل أم لا؟ ~~وقال: في المسألة قولان ولم يزد على هذا شيئا قال أبو العباس وكان الديوان ~~في نفوسة مشتملا على تصانيف في المذهب فلازمت الدراسة أربعة أشهر لم أذق ~~فيها نوما ليلا ولا نهارا إلا فيما بين أذان الصبح إلى طلوع الفجر فنظرت في ~~أثناء ذلك فيما هناك من كتاب المذهب التي وصلت من المشرق فإذا هي نحو ثلاثة ~~وثلاثين ألف جزء فتخيرت أكثرها فائدة فقرأتها حينئذ. # الفتنة التي وقعت بين أهل الدعوة بأريغ وخروج المشائخ منها PageV02P230 ~~وذكر أنه وقعت فتنة ببلاد أريغ سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وهي فتنة " ~~خيران" " وتاغمارت" هي أول فتنة وقعت بين وهبية أريغ فلم يمكن أبا يعقوب بن ~~الشيخ مقام فهرب إلى وارجلان فكان " بتماواط" وهرب أبو صالح من " وغلانة" ~~فقضى الله بوفاة أبي يعقوب بتماواط فأوصى واستخلف على تنفيذ وصية الشيخ ~~أخاه أبا العباس، فجاء أبو العباس إلى محمد بن أخيه فلم يجد عنه ما ينفذ ~~منه وصية والده غير دينار واحد، لأنهم كانوا في عسر شديد عظيم، بعد رجوعهم ~~إلى عين يونس، فقبض منه الدينار فصرفه في أوكد وجوه الوصية، ولم يزل ~~يستخرجها برفق حتى أنفذها كلها. # وبلغ أبا محمد أن أبا العباس احتضر وكان قد استخلف أبا موسى على وصيته ~~فجاء أبو محمد مبادرا إلى " أجلو ms262 الغربي" فوجدوه في دار يحيى بن جعفر في ~~السياق، فأعلم بقدومه هو ومن معه فقال: إئتونى به وبأصحابه فلم يدخلوا عليه ~~إلا وقد توفي --رحمه الله- - وكان قد أوصى بأن يصلي عليه أبو محمد، فجهزوه ~~وصلى عليه ودفنوه وكانوا قد ألقوا على القبر سترة، فقال بعضهم: إنما هذا ~~للنساء، وقال بعض: نصنعها للرجال وللنساء، فهو أحسن من أن لا تكون سترة ~~فلما دفنوه دخلوا وعزى بعضهم بعضا، وعزوا أهله فتمثل أبو محمد عند دفن ~~الشيخ أبي العباس بقول الشاعر: # وكانت وفاة أبي العباس بذي الحجة سنة أربع وخمسمائة -رحمه الله- عليه-. # --------------------------------------- # 1- يشير إلى المؤلفات التي تركها الشيخ أبو العباس بعضها مفقود وبعضها لا ~~زال ضمن المخطوطات ككتاب أصول الأرضين في ستة أجزاء والسيرة في الدماء ~~والجراحات والجامع المعروف بأبي مسألة وتبين أفعال العباد في ثلاثة أجزاء ~~وبعض هذه الكتب أصل لكتاب النيل وملخص لها. # أبو العباس أحمد الوليلي PageV02P231 أبو العباس أحمد الوليلي --رحمه ~~الله- - ممن رزق على العبادة والطاعة طاقة، وأيد بالرضا والصبر على العدم ~~والفاقة، وكان ذا كرامات يتناقلها الراوون وبركات لم ير مثلها الراؤون وكان ~~له حسن اعتقاد كثرة قناعة واقتصاد. # ساعة تجل ظهرت لأبي العباس # ذكروا أن أبا العباس أحمد الوليلي طلع سنة من السنين إلى جبل بني مصعب، ~~في أيام الربيع، فصادفه هنالك شهر رمضان فلازم ربوة (1) يتعبد فيها عاكفا ~~على القيام والصيام فلما كان في الليلة السابعة والعشرين من رمضان وكانت ~~ليلة جمعة أقبل على ركوعه وسجوده، فبينما هو كذلك إذ رأى كل شيء معه ساجدا، ~~فلما سلم رأى نورا ساطعا وأبواب السماء مفتحة، وإذا بحورتين(2) قد نزلتا من ~~السماء فقصدتا نحوه وقد التفتا في لحاف واحد، إحداهما كبيرة والأخرى دونها ~~صغيرة لم يرى مثل صورتهما ولا مثل نورهما الذي أضاء البر، فقعدتا أمامه ~~والصغيرة خلف الكبيرة، فخاطبتاه وجرى بينهما كلام، حتى أعلمتاه أنهما ~~زوجتاه في الجنة، فحاول الدنو منهما فقالت له الكبرى: إليك، إليك عنا، فإن ~~فيك نتن الدنيا، ولكن الميعاد بيننا وبينك في العام القابل ليلة ms263 الجمعة ~~كدية الطبل من تينسلمان، وهو منزل أبي العباس قال: فصعدتا ثم اتبعتهما ~~ببصري حتى غابتا في السماء، وغلقت الأبواب دونها فسار أبو العباس بأثر ذلك ~~إلى وارجلان فأخبر بعض الشيوخ بما عاين فلما دنا الوقت جاء إلى أريغ فمر ~~بالشيخ أبي العباس ابن محمد بتينيسلا فرغب إليه هو والعزابة في المبيت، ~~فأبى وجاء إلى أبي العباس وأخبره أن الميعاد بينه وبين الحور العين ليلة ~~الجمعة المقبلة، فقال لهم أبو العباس: دعوه فإن الدولة عنده الليلة ~~المقبلة، فتوجه إلى الرملة فإذا الحورتان كاسفتا اللون كأن بهما كآبة، وكان ~~أبو العباس إذا وصفهما يقول كأن العين منهما كالقدح، والاشفار كجناح النسر، ~~وارنبتيهما كناحية قصر بني يخلف، فسألهما عن تغيرهما فقالت: لبوحك بسرنا، ~~ولأن أولياء الله يقتلون على PageV02P232 أمرهم بالحق، وذلك حين قتل عبد ~~الحميد الوليلي، واستخف بأهل دين الله وماكسن بن الخير يرجم بالحجارة لأمره ~~بالقسط، قيل: وقد ذكرت له ألا بدال حينئذ، إن إبدال وقتهم سبعة: عبدالله بن ~~يحيى وإبراهيم بن إسماعيل وإبراهيم بن معاذ ويحيى بن عيسى والنعيم بن ~~الولي، وقيل سليمان بن عبدالله، وصالح بن محمد، وقيل يوسف بن ونماواي، وقيل ~~عبدالله بن يعقوب، وهؤلاء كلهم رجال صالحون، ثم قالت له ليلة الاثنين تبيت ~~عندنا وصعدتا إلى السماء، فلما صلى صلاة الظهر يوم الأحد بعد أن ودع أهله ~~وقضى جميع ما أراد قضاءه موقنا بما لا بدله منه، فقال لهم: أحسست صداعا فما ~~هو إلا أن صلى العصر فمات --رحمه الله- -. # ----------------------------- # 1- وتعرف الربوة الآن في ميزاب بجبل أبي العباس ومصلاه فيها معروف يقصد ~~للدعاء والتبرك. # 2- هكذا ثناها الشيخ رحمه الله وإلا فالقياس حوراوين. # أبو زكرياء يحيى وأخوه زكرياء # ومنهم أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر، وأخوه أبو يحيى زكرياء -رحمهما الله- ~~كانا من الأفاضل المقتفين آثار الأوائل، لم تزل نفس الديانة بحياتهما حية، ~~وطرق البر ناهجة والصلاحية وطلب علوم المذهب، وسير من تنسك أو ترهب، ولهما ~~في علوم النظر أطول باع، بأدلة ذات إقناع وحجج تملأ القلوب والأسماع، وتغني ~~عند ms264 المحاضرة ما لا تغني المشرفية عند القراع فكانا مراد الفارين على تباعد ~~الدارين. # ما عليه أهل وارجلان في عهد الشيخ أبي يحيى # ذكروا أن أبا يحيى زكرياء بن أبي بكر توجه ذات سنة إلى وارجلان زائرا، ثم ~~رجع فمر بجماعة من أصحابه بقنطرار، فسألوه عن أحوال أهل وارجلان وكان ذا ~~فطنة وبصيرة، فقال: أما أنا ذهب بصري فلا أرى شيئا، ولا رأيت أحدا، وأما ~~وارجلان خلت فما بها أحد. # وحكي أن أهل وارجلان قالوا له حين وصل إليهم: أقم عندنا قليلا نتآنس بك، ~~فقال لهم: قالوا أقم عندنا قليلا يمت قلبك، وذلك لما اطلع عليه من سوء ~~طريقتهم، ورداءة أحوالهم(1). PageV02P233 # وذكر غير واحد من تلامذة أبي الربيع سليمان بن يخلف قال: أردنا الطلوع ~~إلى جبل دمر لدراسة الكتب، ونحن جماعة نقرأ بتمولسة، فلم يوافق ذلك أبا ~~الربيع ولا أبا يحيى زكرياء فمضينا على ذلك فشيعنا أبو يحيى فقال: اعلموا ~~أن سوء الرأي إنما يخرج منه من دخل فيه بالرجوع عنه، لا بالتمادي عليه، ~~وقال لهم أيضا: أنكم إن مضيتم إلى أهليكم على هذه الحالة كنتم كمن تعمد ~~إماتة الدين، وهذا تحريض وترغيب في طلب العلم. # وكان كثيرا ما يوصيهم فيقول لهم: إياكم والتسارع إلى قبول صنائع الناس ~~وهداياهم فإنه قيل كن عبدا لله ولا تكن عبدا للناس، وأنشد في ذلك: # وكما قيل: اترك الطمع يتركك الفقر، واحمل نفسك على مالك يحملك وارض بقليل ~~من الرزق يرض الله عليك بقليل من العمل. # وكتب أبو زكرياء إلى أبي نوح محمد في مسئلتين: إحداهما خلغ الفضول هل ~~ينعقد؟ وذلك مثل رجل يقول للآخر قد رددت ل ما لامرأته عليك على وجه الطلاق، ~~فيقول: قد قبلت فيبلغ ذلك المرأة فترضاه، فأجابه بان ليس في ذلك شيء، ولو ~~أجازته ألانه تقدم بغير أمر، والثانية الوالد والولد والزوج والزوجة هل ~~يجوز لكل واحد منهما حوز مال الآخر أم لا؟ فأجاب بأنه يجوز ذلك للأب ~~والزوجة ولا يجوز ذلك للابن والبعل ألانهما خديمان وقيل فيهما غير ذلك، ms265 قلت ~~أما المسئلة الأولى فعلى اصل قول أبى الشعثاء -رحمه الله- لا ينعقد الطلاق ~~لذلك على كل حال، ألانه عنده فسخ نكاح، وأما على قول أبى عبيدة فتخرج ~~المسئله على انه أن قال له تركت لك صداق امرأتك على أن يطلقها، فيقول قبلت، ~~فتجيز المرأة الترك ويقبل الخروج من العصمة فهذا ينعقد، وألا فتحتمل ~~الخلاف. وأما الثانية فان الابن إذا كان في حجر أبيه جاز له، وان كان غير ~~محجور فله من مال أبيه النفقة والكسوة والمؤن، وفي مذهبنا العتق في الظهار، ~~وليس له التصرف في غير ذلك، وللمرأة في مال بعلها ما لمثلها على مثله فقط. # ينبغي للإنسان أن يتزوج كفاه PageV02P234 وشاور رجل أبا يحيى زكرياء في ~~التزوج، وأي امرأة يتزوجها؟ فقال: إذا جئت إلى شجرة فأي ثمارها أيسر عندك؟ ~~ما مددت إليه يدك نحو فمك، أم ما أشرف إليه عنقك، أم ما طأطأت إليه رأسك؟ ~~فقال: بل ما مددت إليه يدي، وما كان أمامي فلم أحتج فيه إلى مد يدي إلى ~~الأشراف ولا أن أطأطئى إليه رأسي، قال: عليك بقرينتك. # وروى أبو عمرة عن أبي زكرياء بن أبي بكر أنه كان كثيرا ما يردد قول يحيى ~~بن معاد الرازي: للتوبة ثلاثة مقامات، الندم، والاستغفار، والحقيقة، فالندم ~~عند التحول - والشعور- بمرارة المعاصي، والاستغفار طلب الغفران بصحة ~~الإرادة، والحقيقة الأوبة إلى الله عز وجل فآفة الندم الأمل، وآفة ~~الاستغفار الغفلة، وآفة الحقيقة الشهوة فيستحسن فيعمر به مجالسه. # من ينبغي أن يجالس # وروى أبو عمرو عن أبي يحيى قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: من نجالس ~~بعدك يا روح الله؟ قال: من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ~~ويرغبكم في الآخرة عمله قال أبو زكرياء، مثل أبي يحيى، وقال أبو عمرو مثل ~~أبي زكرياء. # -------------------------------- # 1- كان أولى بالشيخ رحمه الله أن يقيم بينهم فترة لينير لهم الطريق خير ~~من الهروب كما فعل من سبقه من المشائخ ولعله رحمه الله أدرى بالأحوال فرأى ~~ذلك أسلم # مصالة بن يحيى وفلفول بن يحيى # ومنهم مصالة بن ms266 يحيى، وفلفول بن يحيى -رحمهما الله- لكل واحد من هذين ~~الشيخين مآثر، وفضائل مخلدة في بطون الدفاتر ينقلها عن الأوائل الأواخر، ~~معدودين في أهل العلم والديانة والبصائر. # وكان الشيخ عظيم الثقة في الله تعالى # ذكروا أن مصالة بن يحيى كان كثير الثقة بالله عز وجل، وكان يقول: إنما ~~استدللنا على أن الله عز وجل قد استجاب دعاءنا الذي ندعوه به في أمر الآخرة ~~بما شاهدناه من إجابة فيما نسأله في الدنيا. PageV02P235 # وذكروا أن مصالة بن يحيى أوصى داود بن أبي يوسف فقال: إذا عمل أهل ~~وارجلان عملا مما لا تعلم فاحمل نفسك على أنك لا تعلم، وإن كان مما تعلم ~~أنه سوء عمل فاحمل نفسك على الكتمان، ودع عنك الاختلاف وقد حكاه آخر عن أبي ~~عبدالله، وقال أبو نوح كان مصالة إذا سئل بماذا تصلي هذه الفضيلة أو هذه ~~النافلة من القرآن ؟ يقول: القرآن كله قدح عسل فما والاك منه وجدت عسلا. # احتفاؤه بالتلامذة # وعن جماعة من تلامذة أبي الربيع سليمان بن يخلف قال: لما انفصلنا عن " ~~تمولست" وتوجهنا إلى بلادنا جزنا على ناحية أريغ، فسلكنا من "وغلانة" ~~ومررنا بفلفول بن يحيى فأكرم مثوانا، وأحسن نزلنا، وكان يقول مع ذلك معتذرا ~~قريتنا صغيرة، ودراهمنا قليلة، ويتمثل بالبيتين: # وأقبل تلك الليلة على مؤانستنا وإفادتنا بغرائب الأخبار والسير، حتى كاد ~~الفجر يطلع، فمما حفظناه تلك الليلة أرجوزة في الوعظ أوردها علينا وهي قول ~~الراجز: # وقال: لما مات أبو عبدالله محمد بن بكر قلت للمشائخ " اقتفوا بنا آثاره ~~مادامت جديدة غير مندرسة، قالوا مهلا عليك، فساعدتهم حتى عفا الأثر، ودرست ~~السير . ولما انفصلنا شيعنا فقال له أحدنا: ارجع، فقال آه، لا يقال كذلك ~~إنما يقال انظر في الرجوع ولم يزد بعد هذا خطوة، لأنه قال: إنه ما جوز ما ~~لم يقل له ارجع، وكان هذا الشيخ شديدا في الأمر والنهي والذب عن دين الله، ~~فروي أنه حين احتضر كان يتمثل بقول عمران بن حطان --رحمه الله- -: # فتح عليه بالقسم الأخير، وعجز عن الأول، فطفق يسأل ms267 من حضر كيف القسم ~~الأول من هذا البيت؟ فكان هذا من آخر كلامه -رحمه الله-. # أبو موسى عيسى بن يرصوكسن PageV02P236 ومنهم أبو موسى عيسى بن يرصوكسن ~~--رحمه الله- - الشريف منسبا، الطيب مكسبا، الرفيع مطلبا، الهاشمي العربي، ~~وابن عم النبي، نماه عبد المطلب والعباس، فانتمى إلى أشرف بناء قائم على ~~أثبت أساس، الدين حليته والحياء والكرم جبلته، والسخاء سجيته، وهو ممن ~~يتعلم منه الورع والعلم، وممن يطعم ولا يطعم. # الشيخ أحيى مواتا وعمره فظهرت فيه البركة # فروي أن عيسى بن يرصوكسن شاور أبا يعقوب يوسف المعروف بالطرفي في نزوله ~~المنزل المعروف " بتلاعيسى" المنسوب إليه، فأخبره بحال البلد، فدله على ذلك ~~وشكره له، إلا إنه قال: إذا توطنت هذا الموضع فلا تمش راجلا ولا تشرب ماءه ~~إلا ممزوجا ولا تشربه صرفا، واستخدم ولا تخدم بنفسك، وكن للناس كالسمار مع ~~الماء إن علاه الماء خضع، وإنا علا الماء سطع، فبلغ في هذا المنزل مبلغا ~~عظيما هو وبنوه من بعده، يحيى وداود، وعبدالله بن يحيى، وانضم إليه الناس ~~وسكنوها معهم وغرس بها الشيخ عيسى الأشجار من النخيل، وصار في النخيل ودايا ~~كثيرة، وكان إذا قلع الودايا الراكبات في الأمهات يسلخها ويرفع جمارها إلى ~~"باماوط" مع لحم ما يصيده من الوحش والظباء والأرانب والظلمان، والبيض، ~~والحبارى وغير ذلك، فيهدي ذلك إلى المشائخ العزابة فيأكلون اللحم والجمار ~~فكان يتبرك بذلك فبارك له ربه في كل ما يحاوله، وسعى في إصلاح فساد ~~المفسدين من بني وليل حتى أصلح الله فسادهم، فاستقامت عمارة هذا الموضع ~~واشتهرت بركته وعمره جماعة معه من المشائخ، وانضافوا إليه ومنهم من ضرب في ~~العقار بسهم وإن لم يستوطن المنزل، والجماعة المذكورة هم: أبو عبدالله بن ~~بكر، ومحمد بن الخير، وماكسن بن الخير، ومعاد بن علي، وعبد السلام بن أبي ~~وزجوف، وأن آثارهم بها إلى اليوم معروفة. # خبر خيل الميروقي عندما وصلت الموضع PageV02P237 ولقد حدثني رجل ينتمي ~~إلى "لمتونة" يعرف بابن القابلة، ورد توزر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، ~~قال"وكنت في خيل يحيى بن اسحق الميروقي(1) ms268 متوجها بعسكره من أريغ إلى ~~وارجلان، أو قال من وارجلان إلى أريغ، فنزل "تلاعيسى"، وأراد الأجناد ~~والأعراب أن يطلقوا خيلهم في الزرع فأنذرهم بعض من معهم ممن عرف قديما حال ~~الموضع وأهله، وحذرهم، فقال: هذا موضع منسوب إلى رجال عزابة، صلحاء مساكين، ~~يتقى عقوقهم فإياكم وإياهم، فمن الجند من تنحى ومنهم من توقف، فقال لهم ~~عمران كاتب الميروقي: " أبكلام هذا السخيف أمنع فرسي هذا الخصب، قال لهم: ~~فليدعوا على فرسي، وأطلقهما في الزرع ترعى واقتدى به غيره في هذا الضلال، ~~والاستخفاف بقدر أولياء الله، قال: وكانت فرس عمران تسوى أربعمائة دينار، ~~قال: فوالله ما رفع من هناك إلا رستها وسرجها وإنها السابقة سبعة وعشرين ~~فرسا للمستخفين من الأعراب، والأجناد، كلها صرعى هلكى عبرة لاولى الأبصار. # ويروى أن جماعة من دعار بني وليل بلغهم أن الشيخ عيسى عزم على المسير إلى ~~أريغ، فهموا بقتله، ورصدوه، فركب بغلته وصرف وجهها إلى ناحية أريغ فشمست ~~وامتنعت عن المشي، فضربها فتولت وذبحت برأسها فلما رأى ذلك استخار الله ~~تعالى في الرجوع، فلما رجع إلى أهله شعر بمكر أعداء الله فقال: قد وقفت عند ~~كل ما أوصاني به الشيخ أبو يعقوب إلا الخدمة فإني لم أجد بدا من الخدمة ~~بنفسي، يريد لو لا سبب ركوبي ما نجوت من مكر أعداء الله. # --------------------------------- # 1- هكذا أثبتت نسبته النسخ المعتمدة. # إسماعيل بن يدير # ومنهم إسماعيل بن يدير -رحمه الله- لم يتأخر عن تلك الطبقة ولا فاته أحد ~~من تلك الحلبة ولا سبقه، بل هو معدود في المبرزين، نقي من درن إعجاز ~~المعجزين، وإذا عد الحفاظ كان أولهم تحصيلا، أو سمى المجتهدون فهو الذي لا ~~يفتر بكرة وأصيلا. # ديوان العزابة والذين تعاونوا على تأليفه PageV02P238 ذكر غير واحد من ~~المشائخ أن جميع الطلبة العزابة لما اجتمعوا على تأليف كتاب في المذهب، ~~يسهل على المبتدئين حفظه وجعلوه خمسة وعشرين جزاءا، انفرد الشيخ إسماعيل ~~بكتاب الصلاة، فجاء فيما نحوه أحسنهم تأليفا، وجاء تأليفه أحسن من تلك ~~التواليف رتبة، وأكثرها فائدة وقيل بل جمع إسماعيل ms269 كتاب الصلاة كما ذكر، ~~وجمع أبو العباس بن بكر كتاب الحيض، وجمع يخلفتن بن أيوب كتاب النكاح، وجمع ~~محمد بن صالح كتاب "الوصايا" ولما مات أبو سليمان داود بن أبي يوسف اجتمع ~~تلامذته على تأليف الكتابين المنسوبين إليه، وليس هو مؤلفهما وقال أبو ~~العباس: وأما الذين ألفوا كتاب العزابة فهم ثمانية شيوخ عزابة طلبة مخلصون، ~~منهم من نفوسة: امسنات يخلفتن بن أيوب، ومحمد بن صالح و ومن قنطرار: يوسف ~~بن موسى. ومن أريغ عبد السلام بن أبي سلام، وجابر بن حمو، وإبراهيم بن أبي ~~إبراهيم، وعرضت هذه الأجزاء على أبي العباس وأبي الربيع ماكسن، وقال أبو ~~الربيع لا يطعن في هذا التأليف إلا شيطان، ولست أدري هل الأجزاء المتقدمة ~~الذكر داخلة في تكميل الخمسة والعشرين أم زائدة عليها. # الطبقة الحادية عشرة 500ه 550 : 1- عبد الرحمن بن معلى # منهم عبد الرحمن بن معلى --رحمه الله- - ورضي عنه- ذو المقامات الكريمة، ~~والكرامات العظمية أول من أسس بمسجد تقورت الحلقة وأنهج طرقها، وأحكم ~~عقودها وأوثقها، وقيدها ووقتها، وحجر على تلامذته أزقتها، وقسط موازينها، ~~وحقق قوانينها، فتخلق كلهم بحميد هذه الأخلاق وتيممها طلاب الخير من جميع ~~الآفاق، يشاهدون البراهين والعبر، يشهدون المنافع الكبيرة، ويأخذون السنن ~~عن الثقاة والسير، ويصدقون المخبر والخبر، فلا يكلفهم بمحمل العلوم، حتى ~~يتجاوزوا هذا المقام المعلوم. # رؤى الشيخ وبشارته بالجنة PageV02P239 حدث أبو الربيع عن شيوخ عدة أن ~~الشيخ عبد الرحمن -رحمه الله- لما حانت وفاته وبشر بلقاء الله وتحقق قربه ~~استدعى إخوانه، وتلامذته، فاجتمعوا عنده في جمع كبير فاعلموا أنه يروم ~~سفرا، فأراد توديعهم وأن يوصيهم، قال: فحضروا بقلوب كليه غير كليلة، وكآبة ~~كثيرة غير قليلة، فقال لهم: أوصيكم بتقوى الله، وملازمة ما انتم عليه، وإن ~~لا تبدلوا ولا تغيروا فإنكم والله على طريقة الهدى، فإن أهل هذا الطريق ~~لمفلحون واسمعوا أحداثكم ما رأيته البارحة، رأيت كأن القيامة قد قامت ~~والناس من قبورهم ينتشرون، وإلى ربهم يحشرون، فانتشرت من قبري، فرأيت جمعا ~~كبيرا نظر الوجوه بيض الثياب باهر حسنهم، وجمالهم، صالحة شؤونهم وأحوالهم ms270 ~~قد انتشرت من مقبرة بتجديت، فقلت من هؤلاء؟ فقيل لي: هؤلاء العزابة ~~الوهبية، فوهب الله لي جناحين فطرت بهما، حتى اتصلت بهم فكنت أحدهم، فبشرت ~~بالخير، ثم نظرت إلى ناحية أخرى فرأيت أناسا كالجذوع المحروقة، فقلت من ~~هؤلاء؟ فقيل لي: هؤلاء الأعراب، وبنو((تاكسنيت))، ولقد رأيت في الجمع الاول ~~رجالا اعرفهم بأعينهم، من جباة بني سيتتن، فقلت لهم بم فارقتم أهل الشقاوة؟ ~~فقالوا بمخالطة أهل الدعوة، فإذا كان بملازمة أولئك فما ظنك بالمجتهدين، ~~وبأهل الفضل والدين؟ ثم قال: ومصداق كل ما قلت لكم: أني إذا مت وغسلتموني ~~وأردتم تكفيني فان طراز الكفن يجئ على عاتقي فتريدون تحويله، فتحولوه ثلاث ~~مرات فيجئ على عاتقي، فتبقونه حينئذ على حاله، ثم إذا حملتم جنازتي وخرجتم ~~تبعتكم عشر حمامات بيض تتبع النعش، حتى تضعوني في المصلى لتصلوا علي فإنكم ~~تصطفون فتكون الحمامات صفا من ورائكم، فإذا هممتم بتقديم من يؤم بكم في ~~الصلاة علي فإن جماعة من صلحاء أهل قرى قبلة اريغ سيقدمون برسم زيارتي ~~فيعلمون بموتي وخروج جنازتي، فيخرجون ليصلوا على فيرونكم في أهبة من تقدمون ~~فيقولون لكم من بعيد: رويدا؛ لا تعجلوا، فتنتظرونهم، فإذا وصلوكم كان الذي ~~يؤم بكم أحد PageV02P240 القادمين وهو لي من أولياء الله، فساءهم وانالهم ~~من الجزع عليه كلما حدثهم، حتى إذا كان عند التكفين كان ما أعلمهم به ~~فتذكروه، ثم كان من شأن الحمام والزائرين ما أعلمهم به، فلما وصلوا قدم ~~الجماعة أبا عبدالله محمد بن الخير، فهو الولي وإنه لذلك لحري، قلت لعل ~~المذكورين من الجباة من لا يتقلد التباعات، وكذلك فيما بلغنا كانت تلك ~~الجماعات، وأن الجباة إذ ذاك محسنون عدول في الجهات. # 2- أبو إسماعيل أيوب بن إسماعيل # ومنهم أبو إسماعيل أيوب بن إسماعيل -رحمه الله- . بحر تتقاذف في غواربه ~~السفن، وبدر يقتدي به من بحر تتقدى به من اقتفى من المقتفين، إن سئل في ~~العلم أجاب فاقنع، وإن استسيل غيث سمائه في سماحة صاحب فأوسع، وإن استقسي ~~فيهما معا أروى فانفع، وملأ الآذان والأيدي، بالافادتين وانزع، وهو ms271 ممن وقف ~~على علاماته وشوهد عجائب كراماته شيخ شيوخ أكثرهم ساد، وقل ما روى من ~~تلامذته إلا من استفاد. # الخبر عن دار الطلبة والضيوف PageV02P241 حدث جدي يخلف بن يخلف التميجارى ~~-رحمه الله- قال: كان شيخنا أبو سليمان أيوب بن إسماعيل كثير الأبرار ~~لتلامذته، وكانت له داران بوارجلان متقابلتان، يفصل بينهما طريق، وفوق ~~الطريق ساباط وصل بين الدارين من علو، فإحدى الدارين دار سكناه والأخرى ~~مطلقة للتلامذة، والاضياف فما كان في دار سكناه من تحف وضيافة يتحف بها ~~تلامذته، أو يكرم بها أضيافه فأتينا يوما بجماعة من تلامذته إلى الدار التي ~~أبيح لنا فيها التصرف فوجدنا بابها مغلوقا، فقرعناه فلم يجبنا أحد؛ فوقفنا ~~فإذا الباب مفتوح فدخلنا فلم نجد أحدا فعجبنا لكلا الأمرين فإنا لكذلك إذ ~~نزل الشيخ من جهة الساباط فصادفنا عند دخولنا الدار، فقال: من أين دخلتم؟ ~~وأنا أغلقت الباب فقلنا: أو لست فتحته أو أمرت من فتحه؟ قال: لا ولكني أعلم ~~أن في الدار من فتحه لكم ممن لا ترونه، وإلا فليس في الدار غير الهرة التي ~~ترونها، وكنا شاهدنا آيات ذلك مرارا، فمنها أن أحد عمار دارهم إليهم نشير ~~وعنهم يكني، وإنا لا نراهم أنثى ذات ولد، كان يخاطبها وتجاوبه إعلانا وكان ~~يوما من الأيام ملازما للدعاء وكان الزوار يدخلون مثنى وفرادى لا يعرضهم ~~مكروه، حتى دخل شخص غريب لا رفق معه، فلما دخل صرخ ورأيناه في اسوأ حال، ~~فقال الشيخ: مالك ولهذا الشيخ المسكين الضعيف؟ فسمعنا صوتا مجاوبا له يقول: ~~إنه ظلمني، كنت عند عضادة الباب وابني في حجري، فكل من دخل استأذن وبسمل ~~فأنحي ابني عن الطريق، فلا يؤذيني أحد ولا ولدى، حتى دخل هذا الجافي فلم ~~يستأذن ولم يبسمل حتى ركض ابني برجله، فآلمه، فجازيته على ذلك بمثله، فقال ~~لها: ومع ذلك كله غريب مسكين قليل الحيلة قليل القدرة فأزيلي عنه ما أصابه ~~منك، قال سمعا لك وطاعة يا شيخ، فذهب في الحال ما كان من سوء الحال، ومثل ~~هذا كثير. PageV02P242 # وكان والدي -رحمه الله- متألما ms272 ذات يوم لعلة كانت تعتاده فحاولت ما أسلى ~~به نفسه، واريح به ألمه فناولت تعليقة فيها شعر الشيخ أبي يعقوب يوسف بن ~~إبراهيم السدراتي -رحمه الله- فصادفت القصيدة البائية فجعلت أسرد أبياتها ~~بحيث يسمع فأصغي إلي سمعه وسلا ما كان به، فقال: أعلم أن هذه القصيدة قالها ~~أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم يرثى بها شيخه أبا سليمان أيوب إبن إسماعيل، ثم ~~قال: وأن فيه الدلالة على صحة خبر كنت سمعته في صغري من أبى -رحمه الله- ~~فقلت وما هو قال: كان أبي في زمان شبيبته مهاجرا بوارجلان يقرأ على شيخه ~~أبي سليمان أيوب بن إسماعيل حتى قضى حاجته من الطلب فانفصل فجاء إلى ~~قسطيلية فأقام بموضعه بكنومة ما شاء الله، فبلغه موت عم له كان مهاجرا ~~بوارجلان قاطنا بها بتماواط وليس له وارث سواه، قال أبى فسافرت إلى وارجلان ~~سفرة ثانية طالب ورث لا طالب علم، فلما وصلتها سألت عن شيخنا أبي سليمان ~~لأزوره، فأخبرت بان الله قد ابتلاه في جسده ببعض ما ابتلى به أولياءه فعم ~~جسده الجذام، ولازمه اشد لزام ولازم المضجع لا حركة له، فجئت عجلان ولهان، ~~فلما دخلت عليه نظر إلي وعرفني فتقدمت إليه لاسلم عليه، فخاطبني خطاب محذر ~~أن أعافه واتقذره، فقال إليك إليك يا سليمان يا ولدى، فليس في حالي ما تدنو ~~منه، فقلت: حاشا لله أن أتقذرك يا شيخنا، وسقطت منكبا عليه أعانقه واقبله ~~وأبكي حتى شفيت بعض هيامي، قال سعيد: ما علمت أن أبي حكاها قط إلا بكى ~~وأبكى، ولا علمت إني حكيتها قط إلا بكيت وأبكيت، قال سليمان: وأقمت مدة ~~إقامتي بها لا افتر عن الدخول عليه حتى اقتضيت ما كان لي من حق، فلما أردت ~~السفر قافلا وودعت الشيخ وزودني بالدعاء وعموم البركة فانفصلت وقد بشرني ~~بأن سيخلصني الله من شدة عظيمة فلما صرنا من وارجلان واريغ وكنا في رفقة ~~كبيرة فيها أموال جليلة ومعي مال صالح، مما خف وثقل فاغرات علينا خيل ~~كثيرة، وقد نسيا أحمد من أي العرب هي، قال: ms273 فبادرت PageV02P243 ودفنت كل ما ~~معي فعلمته بحربة كنت دفنت عودها وتركت السن بارزا ليكن لي علامة، وكانت ~~الحربة صقلية واستباح الأعراب جميع ما في الرفقة من قليل وكثير وجليل ~~وحقير، واسروا الرجال، فلطف الله تعالى به وعجل فرجه قال فآمنوني ولم ~~يعرضني أحد منهم بمكروه، وصحبتهم كأني أخ لهم، فلما كان من الغد جددوا لي ~~الأمان في نفسي ومالي فاستأجرت أحدهم وصحبني إلى الموضع الذي دفنت فيه ما ~~كان معي فرأيت سنان الحربة من بعيد، فمشيت إليه واستخرجت كل ما دفنت فحملته ~~وحلمت الأجير والمتاع، وجئنا حتى وصلنا، والعجب للحربة إذ لم يرها أحد من ~~العرب بالأمس، وهي ظاهرة تلمع، وقدمت إلى أهلي سالما من جميع الآفاق، وما ~~ذلك إلا بفضل الله وبركة الشيخ -رحمه الله- . # والقصيدة هي هذه: # ------------------------------------------------ # 1- الألهوب اسم من الهب الفرس اجتهد في الجري والعدو # 2- تلاحكت الحوادث تداخلت والتصق بعضها ببعض ومثله تلابك الأمر أو الشي ~~اختلط وتلبس # 3- أبو زكرياء يحيى # ومنهم أبو زكرياء يحيى بن أبي زكرياء -رحمه الله- كثير الغضب في الله ~~وعلى دينه شديد الغيرة مستشعر خشية الله عز وجل، لا يخشى غيره، وقف عندما ~~حده المشائخ، واعتقد أن طريقهم لجميع الطرق ناسخ فهو على بصيرة في دين ~~راسخ، قرأ العلوم أتقنها ووضع المشكلات وبينها، ورتب السير وأحكمها، وتعلم ~~العلوم وعلمها. PageV02P244 # روى أبو عمرو عن الشيخ أبي زكرياء أنه وجد الشيخين عبدالله بن عيسى، ~~ويوسف بن موسى متصارمين، فسعى بينهما حتى أزال ما وجد بينهما من وحشة، وما ~~كان له علم بسبب ذلك ما هو فقال له يوسف: أما ترى يا أخي ما نالني منه من ~~العقوق وأنا أقرأ في جزء من كتاب "الأشراف على مسائل الخلاف؟" فتوجه إلى ~~"تونين" فاجتمع بالمشائخ فأعلمهم بما رأى فبعثوا إلي بالهجران، فأسرعت في ~~اللحاق بهم فلاموني ثم قبلوا توبتي فسعى في طيب نفس كل واحد منهما على ~~الآخر حتى طابت نفوسهم وله في الأدب نبذ تذكر في مواضعها إن شاء الله. # أبو محمد عبدالله اللواتي # ومنهم أبو محمد عبدالله ms274 بن محمد اللواتي -رحمه الله- هو عبدالله بن محمد ~~بن ناصر بن ميال بن يوسف وزير الإمام أفلح -رضي الله عنه- وتربته القديمة ~~"بمرقة(1) " فيما ذكروه، نجيب النجباء وإمام الأدباء، المعتني بحفظ الأخبار ~~وتقييد سير الأخيار، درس العلوم زمانا وصحب الأشياخ ضروبا وألوانا، حتى غدا ~~وافر البضاعة في كل الفنون، مقلدا في كل مفروض ومسنون مميزا في مكيل ومذروع ~~وموزون، قرأ عليه جماعة من التلامذة فنجبوا، وطلبوا ففازوا بما طلبوا. # إننا جعلنا الله أحرارا لنملك أمر نفوسنا # ذكر أبو الربيع أن أبا محمد عبدالله قدم إلى أريغ سنة خمسين وأربعمائة ~~وهو ابن ثماني عشرة سنة، وكان في حلقة الشيخ يزيد ين يخلف الزواغي وله لوح ~~طويل فلما وصلوا إلى "أجلو" خرج إليهم الشيخ "ماكسن" فصافح العزابة ورجع ~~إلى أهله فلحقته خارجا، فقلت له: يا شيخ إن العزابة قد اتفقوا أن لا ~~يفترقوا فهل يجوز لي أن أفارقهم إن رأيت في مفارقتهم مصلحة؟ فقال لي: إنما ~~جعلنا الله أحرارا لنملك أمرنا فصحبته فكان هذا أمره مع أبي محمد ماكسن. # سفر الشيخ إلى القلعة بحثا عن تفسير الإمام عبد الرحمن PageV02P245 ~~وذكروا أن سبب سفر أبي محمد إلى القعلة، فكان مما عرفه به مدوار أن قال له: ~~تركت كتابا في تفسير القرآن من تآليف الإمام عبد الرحمن ينادى عليه بالبيع ~~في سوق القلعة، فسافر وليس له هم ولا أرب غير الكتاب المذكور، واستبضع شيئا ~~من الشب يظهر أنه تاجر، وغرضه أن نستتر به فيما اعتمده، وكان وصوله إليها ~~في فصل الخريف فلما وصلها جعل يسأل عن الكتاب في خفاء برفق وسياسة، فبينما ~~هو يسأل ذات يوم لقي رجلا نكاريا يدعى علم مسائل الفروع، فسأله عن الكتاب ~~المذكور فقال له: متأسفا على فواته، قد بيع قبل قدومك، قال أبو محمد: وكان ~~في القلعة حينئذ رجل من أهلها يعرف "بمحمد بن عصمة"، متفقه مدرس عليه حلقة ~~فكنت أحضر مجلسه وأعد من جملة أهل حلقته، فحضرنا عنده ذات يوم فقال لابن ~~له: سمعت بأن أغناما لبني ينجاسن دخلت ms275 السوق، وما ضرنا أن نجتنب الشراء من ~~السوق ثلاثة أيام فإن من العلماء من يقول: إذا دخل السوق ريبة فدع الشراء ~~ثلاثة أيام ثم لا حرج بعدها في شراء، قال أبو محمد: فأعجبني ما قاله، ~~فجلسنا يوما عنده حتى تذاكروا الفقهاء وذكروا أبا حنيفة فقلت: أليس قد قال ~~مالك: أبو حنيفة شيطان قذفه اليم، أبو حنيفة أضل لهذه الأمة من شيطان رجيم؟ ~~وذلك لوجهين أحدهما كونه يقول بالإرجاء، والآخر لنقضه السنن بالرأي فلما ~~قلت لهم ذلك وقعت عليهم وجمة وعلتهم كآبة، ودهشوا فقام إلى رجل منهم وفي ~~لسانة ثقل فقال: ما حملك على ما قلت؟ فقلت له: إني لم أقل من عندي شيئا ~~إنما هو قول قاله مالك، فقال لي: حسبك بالعلماء بينهم كالضرائر، قال أبو ~~محمد: فاشتريت كتبا ووجهتها في رفقة فأصيبت ثم استأنفت النظر في شراء كتب ~~أخرى فبلغ أصحابي أن كتبي التي وجهت قد أصيبت فقالوا لي: ألا تكلم السلطان ~~في حقك لتكون من قبله معونة في الذي تحاوله من تحصيل الكتب فإنه شغل ليس ~~بحقير؟ قلت لهم: لا، بل إن كانت لي حاجة في شيء رجعت إليكم، ثم استعنت بكم، ~~قال ثم اشتريت كتبا أخرى فلقيني PageV02P246 الرجل النكاري فسلم علي فرددت ~~عليه السلام، فلما انصرف قالوا لي: مالك تسلم على مثل هذا؟ فقلت مالكم ~~تسلمون على اليهود وهم مشركون ولا أسلم أنا على رجل من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فأفحمتهم، ولم يجدوا جوابا، ورآني رجل منهم في موقف الشب وهو ~~مكان معروف بأهل وارجلان، فقال لي وارجلاني والله! فقلت له: أيحل لك أن ~~تخاطب بهذا رجلا مسلما؟ فقال له أهل سوق ذلك الموضع: بئس ما قلت! وكان ذلك ~~في مدة قتل فيها أهل وارجلان جماعة من الأشعرية وسمعت رجلا منهم يقول: قال ~~لهم فليخرجوا أو يظهروا أو نقتلهم، فلما رأيت ذلك أسرعت في قضاء حوائجي ثم ~~إن السلطان أخرج عسكرا فخرجت معه، فلما حضرت الصلاة قال لي قائد العسكر: ~~ماذا تصلي يا عبدالله، وقد ms276 علمت الذي خرجنا إليه؟ فقلت له اشتغل بنفسك يا ~~إنسان، وسرنا حتى وصلت "وغلانة" سالما، وسمع شيوخ "وغلانة" بما أصابني في ~~الكتب فاجتمعوا وأجمع رأيهم على أن ينظروا في إعانتي بقدر ما أصيب مني ~~ليخلفوه علي - فالله يحسن عونهم، ويخلف عليهم - فلما أحسست بالذي عزموا ~~عليه أردت الخروج في خفية، فخرجت بالهاجرة فلم يشعروا بي إلا وأنا خارج ~~البلد، فوصلت "تنوال" سالما والحمد لله رب العالمين. # فهذا الذي كان منه في مواطن كثيرة من هذه الحكاية من تقية وستر حسن جميل ~~لا كما زعمه الحاسدون ونسبوه إليه، فانه وإياهم كما قال ابن أبي ربيعة شعرا: # وذلك أنهم زعموا أنه بدل وغير، وطول وقصر، وحاشا فضيلته من ذلك. # قائد لبني حماد يحاصر وغلانه PageV02P247 وذكر أبو الربيع عن أبي محمد أن ~~أبا زعبل الخزري حاصر "وغلانة" فاجتمع هو وأمثاله من المشائخ فدعوا عليه، ~~فسلط الله على جنوده مطرا وابلا هطالا، فأوهنهم وأركسهم حتى أنه لاشيء لأحد ~~منهم قبل منهم بشيء، فتحققوا هذه العبرة، فقال أبو زعبل، أيكون لهذه ~~الخوارج دولة بعد هذا وإن فيها لدلائل استقامة أحوالهم وأيامهم؟ فقال له ~~وزراؤه: إنما أرسل الله إليهم هذا المطر ليهدم الحيطان ويكسر شوكتهم، حتى ~~ندخل عليهم بغير قتال، فدام المطر أياما فجعله الله على أبي زعبل عذابا ~~واصبا، وجعله لأهل وغلانة خصبا ورفقا وتثبيتا وأذل الله أعداءه وحيل بينهم ~~وبين ما يشتهون، فلما يئسوا منها ارتحلوا صاغرين داحضين. # على الأب أن يعين ولده على بره # قال أبو الربيع تحدثت مع أبي محمد حتى ذكر أولاده ونظر في أمرهم فهونت ~~عليه وقلت: إنهم ذكران، رجال، فلا يهمك أمرهم فقال: لا تقل هذا القول فإن ~~على الأب أن يعين ولده على إبراره، وقد قال بعض المفسرين في الذين سماهم ~~الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء، ثم قلت له: كيف حالك وابنك أحمد ~~ويوسف إذا جاءا من المكتب؟ قال كيف حال ولدي العجوز، يعني الدنيا وأنشد: # وقال أبو الربيع قعدت أنا وأبو محمد على طريق فمرت بنا ms277 امرأة فالتفت ~~إليها، فقال لي: لا يجوز قعود على الصعدات إلا لمن أدى حقها، قلت: وما ~~حقها؟ قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم (وما حقه؟ قال: إغاثة ~~الملهوف، وهداية الأعمى، وغض البصر عن المحرمات وإماطة الأذى). # وصية أبي محمد اللواتي لأهل الدعوة PageV02P248 وله كلام وعظ في أثر ما ~~مضى يقول فيه: "ثم إني موصيكم أخواني ونفسي بتقوى الله العظيم في السر ~~والإعلان، وباتباع آثار دعوة المسلمين فإن الاتباع أولى بالهدى من ~~الابتداع، وعليكم بالائتمار لما أمر الله به من طاعته، والانتهاء عما نهى ~~عنه من معصيته، فاقتفوا آثارهم، فان الله أوعد بالنار من خالفهم كما أوعد ~~بها من خالفه وخالف رسوله، إذ قال تبارك وتعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ~~ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت ~~مصيرا)(النساء:115) فاتقوا الله أخواني واحذروا مخالفة أئمتكم في القليل ~~والجليل، فإنه قيل في المثل: حيثما مال الحمل وقع، واحذروا كثرة مجالسة ~~المخالفين، ففى ذلك أثر مشهور عند المسلمين، كالذي يروى عن أبي نوح وأبي ~~خزر -رضي الله عنهما- وتجنبوا مخالطتهم والميل إليهم، وكثرة مطالعة كتبهم، ~~وحذروا من ذلك سواكم، ألا ترون مسألة السخط والرضا قد وقعت عند من وقعت من ~~أهل الدعوة من كتاب أحمد بن الحسن الضليل، فرسخت في قلوبهم ودانوا بها ~~فضلوا وأضلوا، وكذلك خبر سليمان بن يعقوب بن الإمام وما تفرس فيه أبوه أنه ~~سيضل بقراءته ديوان ابن الحسين، فضل وقال بمسائل لم يوافقه عليها أحد من ~~الأئمة إلا الشاذ الذي لا يخرج على قوله، حتى برأ منه أبو صالح وكان معه من ~~المباهلة ما هو مشهور، وأحذركم الترك بعد الحج، وعليكم بالحذر من الانهماك ~~في الشر والخلاف بعد الزجر عنه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~ذلك وغضب منه وقال: (أمنهمكون أنتم فيها بعد ما جئتكم بها بيضاء نقية سمحة ~~سهلة؟) وقد قال الإمام -رضي الله عنه-: بلغنا أنه قد ألقى في ديوان ~~المسلمين ألف مسألة من مسائل ms278 الزنادقة فكيف ديوان غيرهم؟ وليس عليكم رحمكم ~~الله إلا الأتباع فإنهم سنوا لكم ما ترشدون به. PageV02P249 # ولقد بلغنا عن أبي عبيدة الحميد الجناوني -رحمه الله- أنه قال لأهل الجبل ~~"والله ما تركتكم إلا على الواضحة النيرة، ما بيني وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا ثلاث رجال لم أرهم، وفي بعض الروايات أن أبا خليل هو المتكلم ~~بهذا الكلام، وقال النفوسي : " نحن أصحاب آثار لو سلكوا بنا على جدار ~~لسكناه" فكيف يقول هذا بل قل قد سلكوا بنا على ظبات المرهفات، وسلكناها، ~~فكيف الجدار؟ وبلغنا عن أبي عبدالله بن يزيد الفزاري قال: " إنما غلبنا ~~أصحاب الربيع باتباع الآثار" وقال أبو صالح يعلو: "السبيل محفور إلى ~~الركبة، فلا يؤخذ منه مخرج إلا بالوثنية" وقد حكى أبو سفيان -رحمه الله- عن ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال:" قد بينت الأمور، وقامت الحجة، وانقطع ~~العذر، فلا جهل ولا تجاهل في الإسلام" وقد روي عن الإمام أفلح رضى الله عنه ~~أنه قال:"عليكم بدراسة كتب المسلمين لاسيما هذا الكتاب، يعنى كتاب أبي ~~سفيان محبوب -رحمه الله- " فإنا لله وإنا إليه راجعون على موت الصلحاء ~~والأولياء، وذهاب سيرهم وآثارهم، وقد بلغنا عن أبى مسرور -رضى الله عنه- ~~أنه قال: ما أرى رميات الاولين مخطئتكم، ولقد صدق نبينا عليه السلام حيث ~~قال:" بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء في ذلك ~~الزمان قيل ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون أنفسهم عند فساد الناس ويحيون ~~من سنتي ما أماته الناس". وقد قال أبو محمد واسلان بن أبي صالح -رحمه ~~الله-: ما مر قط على هذا الدين شر من هذا الزمان قيل له: ما يئس الناس، بل ~~نحن في جموع وجماعات وحلق وظهور، غير مستخفين ولا خائفين من أحد، لم نكن ~~كالأولين مختفين مكتتمين معتزلين في الجبال والمغارات،. PageV02P250 # والبراري والقرى، فقال لهم: هيهات لم ير زمان منذ قام هذا الدين إلا ولهم ~~إمام إما ظهور وإما دفاع، وإما شراء، يقتلون ويقتلون ولا يهابون القتل في ~~ذات الله تعالى، ms279 القتل عندهم آثر من الحياة في رغد عيش، ولا يريدون غير ~~إظهار الدين ودعوة الإسلام (تبين للناس ما نزل إليهم )(النحل: من الآية44) ~~( ولتستبين سبيل المجرمين )(الأنعام: من الآية55) ( ليهلك من هلك ) ~~(لأنفال: من الآية42) فهل حال أضعف من حال أهل هذا الزمان؟ هذا قوله -رحمه ~~الله- ، فكيف بنا وقد قل العلماء، وكثر الجهال فلا تابع ولا متبوع، إلا من ~~شاء الله. # لا يموت الإسلام حتى يفر عنه أهله ويتدافعون # وقد بلغنا في بعض الأخبار: " أنه لا يذهب الإسلام حتى يتدافعه الناس وكل ~~منه خال، فنعوذ بالله من إماتة مذهب المسلمين ورفض سيرهم. # وقد بلغنا من سليمان بن موسى أنه قال: أثبتوا ثلاثا حرمة الإسلام، والحق، ~~وصلة الرحم، خذوا لأنفسكم اخواني منها واتبعوا لها مجالس الذكر، واختاروا ~~لها الأرشد، ولا تأخذوا بمتروك العلم الذي جفاه المسلمون، فقد قال جماعة من ~~العلماء: "من عمل بمتروك العلم وأخذ به لا يموت حتى يفارق الإسلام، ولا ~~يموت إلا محتاجا" نعوذ بالله من خالفة المسلمين ونبذ سيرهم، وقالوا: لا ~~يذهب الإسلام وتبقى سيره وأعلامه ولكن تذهب سيره وأعلامه ثم يذهب واحذروا ~~غمض الحق وتغميضه، فإن من سفه مقالته المسلمين فقد طعن وأباح دمه، وتسفيه ~~سيرهم وآثارهم كل ذلك طعن في الدين. PageV02P251 # روي عن أبي الربيع سليمان بن يخلف -رضى الله عنه-: أنه قلما يقوم من ~~المجلس إلا قال: نعوذ بالله من تهوين رأي المسلمين وتخطئتهم، ومن الترك بعد ~~الاجتهاد ومن الحور بعد الكور، ومن ذم ما يأتي، ومن تحسين القول وتقبيح ~~الفعل، وقد قال ابن بركة العماني -رضى الله عنه- قلما تعسف أحد مذاهب ~~المسلمين بغير فهم إلا حرم التوفيق، وقال أيضا: أعوذ بالله من مسامحة ~~الآراء، وتقليد الآباء والكبراء، واتباع الأمراء. PageV02P252 # وبلغنا عن رجال من أهل هذا الزمان، أنهم قد صاروا إلى ما حذر منه السلف ~~الأولون من التعسف وقلة التعفف، ولقد بلغنا عن بعض أهل العلم من أصحابنا ~~أنهم قالوا: بقيت فرقة ستخرج من هذا المذهب، نعوذ بالله من سوابق الشقاء، ~~ومما يعوق عن ms280 التقى نعوذ بالله من اتباع الهوى المضل ومن قسوة القلب، وجفاء ~~الذكر، وعليكم أخواني بالنظر لأنفسكم مما يخلصها من نار عذابها طويل، ليس ~~لها من آخر، ولا تغرنكم هذه الدار الفانية الغرارة، ولا ترغبوا فيما يفنى، ~~وتذروا ما يبقى فإن الموت من قريب سيفاجئكم، ولا تغفلوا عن الاستعداد لحياة ~~الآخرة فإنكم لم تخلقوا لهذه الفانية، إنما خلقتم للباقية، رحم الله عبدا ~~أخذ من نفسه لرمسه، ومن داره لغاره، ومن مره لحلوه، ومن مرتحله لمنزله، ~~قطنتم فظعنتم، ورجفتم ففجعتم، والدنيا قد أذنت بصرم، وأنذرت بكلم، يا ~~إخواني بيعوا ما يفنى تربحوا ما يبقى فإن الله لا يعذر جاهلا مرتكبا ~~لمعاصيه، وعليكم بأن تعملوا ما يهديكم وينجيكم، إخواني ألم تروا التغيير في ~~الناس فاشيا؟ وقد ذهب الأخيار فزالوا، وبقي الأشرار فاستطالوا، فلا مذكر ~~يذكر، ولا موقظ يوقظ، فاتقوا الله وجدوا، واجتهدوا، وعضوا بالنواجذ على ما ~~أدركتم عليه الأخيار، فإن الدعاة إلى الضلال كثير، واستعينوا بالله، ~~واصبروا، (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)(البقرة: من الآية197) (2)(وأحسنوا ~~إن الله يحب المحسنين )(البقرة: من الآية195) وقيل أن الكلام لإسماعيل بن ~~صالح -رحمه الله- فالله أعلم. PageV02P253 # وذكر أبوعمرو عن أبي محمد عبدالله بن محمد أنه تلقى جماعة عزابة "بايرغت" ~~وقد قدموا من فحص "قسطيلية" فقال: لهم إنما ينبغي أن نلقاكم في "سوف" وإلا ~~ففي "وغلانة" ولكن الزمان غير مساعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~(لا تزال أمتي بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استرحمت رحمت)، ~~جعل الله مجيئكم مجئ أبي مودود إلى حضرموت، فقام عندهم هذا الكلام أشرف مقام. # ---------------------------------------------------------- # 1- في نسخه برقه. # 2- يعني الشيخ أبي عبيدة الجناوني رحمه الله. # 5-أبو محمد عبدالله بن محمد اللنثي # ومنهم أبو محمد عبدالله بن محمد اللنثي -رحمه الله- شيخ المشائخ ~~وأستاذهم، ومن إذا التجأوا فهو ملاذهم منه تقتبس الفوائد، وفي منهله العذب ~~تطيب الموارد، نور هداه يكشف الغماء، وغيث حياته يروي فيشفى الظماء، كثير ~~الانبساط والانقباض، والإقبال والإعراض، إن أحب في الله انبسط وأقبل، وإن ~~أبغض في الله ms281 انقبض لا يتأول ولا يتأمل. # حكم من رمى أحدا من أهل الإسلام بالشرك PageV02P254 قال أبو الربيع لما ~~أسن عبد السلام بن أبي وزجون جلس ذات يوم مجلسا يكلم في العقائد، وقد حضر ~~فيه جماعة ممن ينسب إلى النهوض في الفن الذي بسط فيه القول، فقال: إن من ~~رمى أحدا من أهل الإسلام بالشرك فليس على من سمعه أن يشركه، إلا أن يكون ~~المرمي من أهل الولاية، فلما سمع الطلبة كلامه حملوه على الضعف والخرف ~~والكبر، ولم يردوا عليه في مجلسه ذلك بكلمة واحدة، وكان في المجلس عبدالله ~~بن محمد اللنثي وغيره، فأجمعوا بعد قيامهم من المجلس على أن يتكلموا غدا عن ~~المسألة، ويصرحوا بتشريك الرامي، فلما كان الغد جعلوا منهم من سأل عن ~~المسأله فاتفقوا على أن الرامي مشرك، لم يخالف أحد من الطلبة في هذا ~~الجواب، وبلغه ما اتفقوا عليه وفطن أنه تعريض بما جرى أمس في المجلس، فلما ~~انتهى السؤال إليه أجاب كجواب أمس، فلم يخجلوه أيضا إجلالا لسنه وتعظيما ~~لقدره، قال الشيخ أبو عمرو: إن ادعى التأويل كان الرامي منافقا كالصفرية ~~وإن لم يدع التأويل كان مشركا. # تصرف أهوج يثير فتنه PageV02P255 وكانت لأبي محمد حلقة في تينزارتين ولم ~~يزل به الحلقة قائمة، قد رتبت على الشيخ أبي محمد لا يخشون أحدا ولا يمسهم ~~سوء، حتى جعل الله لخروجها سببا، وسبب ذلك فيما ذكر أبو الربيع فيما ساقه ~~من هذه الحكاية، قال: كان تلامذة، أبي الربيع سليمان بن يخلف من أهل سوف، ~~وأريغ، ووارجلان، وميزاب، وقسطيلية، حلقوا على أبي محمد في تين زراتين، ~~وكانت الفتنة حينئذ بين بني " تاكسينت: وهبيتهم، ومالكيتهم، والوهبيه منهم ~~قبيلة يقال لها " بنو يرويتن" والمالكية من عداهم من قبائل بني تاكسينت، ~~فكانت بينهم الفتنة، والعزابة منها في أمان لا يخافون مكروها ولا يسمعونه، ~~فقدر بأن حضر بنو يريتن فرقى على السور رجل جاهل ممن شملته الحلقة، يقال ~~له: توزين من أهل قنطرار، فقال لأهل العسكر: أنصتوا واسكتوا. فقال لهم: ~~فلان وفلان وفلان حتى عد ms282 جماعة من أئمتهم عليهم اللعنة ولهم سوء الدار، ~~فلما سمعوا ذلك منه تركوا القتال، واستدعوا شيخا لهم، يقال له: مظهر بن ~~نفاط، فأخبروه الخبر، فقال أسمعتم ذلك حقا؟ قالوا: نعم، فقال لهم: احرقوا، ~~واسبوا، واقتلوا، فلما سمع العزابة ذلك خرجوا ليلا وتفرقوا إلى اليوم، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. # أبو عمرو عثمان بن خليفة # ومنهم أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي -رحمه الله- هو في أهل المذهب أحد ~~الاعلام، الكاشف بحسن بيانه ونور منطق لسانه دياجى الظلام، المفتي في ~~العلوم لا سيما علم الكلام، المجاحش المدافع عن كلمة الإسلام، حتى إن له في ~~موطن اللين قراعا بلسان مخدام، وربما كان في محل هدنة فاشتعل الاضرام، ولم ~~يعبأ بمن قال، كل مقال له مقام. # مجادلة بالباطل تؤدي إلى انقراض أهل الدعوة من حامة قابس PageV02P256 فمن ~~ذلك ما حكى أبي -رحمه الله- وقد سأله بعض الجلساء ما سبب انقراض المذهب من ~~الحامة؟ قال: إن الحامة لم تزل في أدبار منذ عهد أبي القاسم وأبى خزر ~~رحمهما الله وما طرأ على كل واحد منهما وعلى من بعدهما، حتى إذا كان في ~~زمان الشيخ عثمان بن خليفة فورد الحامة، وليس فيها من أهل المذهب إلا أطلال ~~بالية، ومساجد عامرة كالخالية، وكان أبو عمرو عابر سبيل فأراد أن يذاكر من ~~هناك من أهل المذهب بما يثبتهم في الدين، ويمسكهم في عقائدهم على يقين، ~~وكان المخالفون من أهل الموضع قد سكنت نفوسهم، واطمأنت قلوبهم بانقراض ~~مذهبنا من بلدهم وضعف من بقي من أهله، فلما سمعوا بقدوم أبي عمرو بما شرع ~~فيه عضوا عليه الأنامل من الغيظ، واجتمعوا فيما بينهم، وأرادوا ما يفضح أبا ~~عمرو إذا ناظروه، فتشاوروا في ذلك فجعل كل منهم يدلي برأيه فقال فريق منهم ~~اعلموا أن الرجل عالم ذو قدرة على المناظرة ولا طاقة لكم به إن حاولتم أخذه ~~في الطريق المهيع، لكن إن سلكتم معه بنات الطريق وجادلتموه بالباطل ~~أوقعتموه في آذان العوام، وإن طلتم فإنكم تظفرون به، فقالوا: وكيف يمكن ms283 ~~الظفر به من طريق الباطل؟ قالوا: يسأله أحدكم هل يجوز في مذهبكم تزوج ~~نسائنا؟ فإنه حينئذ يقول الحق ويجيب بأن يستعظم هذا، ويقول: يا سبحان الله ~~قد جاز عندنا تزوج اليهوديات والنصرانيات فكيف نساؤكم؟ فإذا قال هذا ~~ألزمناه الذنب بأن نقول نراك أنزلتنا منزلة اليهود والنصارى، فنكفره ~~ونفحمه، وإن هو أجاب بنعم فقد استأنفنا سؤالا ثانيا، فلما كان غدا أجلبوا ~~عليهم بخيلهم ورجلهم، وحضروه هو وتلامذته فسأله سائلهم بما أعد من مسألة ~~النكاح، فأجاب بما كان خصمه ينتظره منه، فلما قال ذلك قال مدرة القوم: ألا ~~إن هذا أنزلكم منزلة اليهود والنصارى فقاموا عليه قيام رجل واحد شتما وصفعا ~~وضربا، وطردا عن نفوسهم من البلد وأكرهوا كثيرا ممن بقي من أهل المذهب على ~~الرجوع إلى مذهبهم، وعمدوا إلى المسجد الكبير من مساجد PageV02P257 ~~الوهبية، وغسلوه بمياه كثيرة، حتى جرت أنهارا وسالت في الطرقات، وخرجت من ~~البلد هامية يعتقدون أن ذلك تطهيرا للمسجد، قال: ودعوا عليهم فأجاب الله ~~دعاءهم ولكن بعد حين، فلما دخلها إسحاق الميرقي قتل فيها سبعمئة رجل حتى ~~سالت واختلطت عجاجا شبهه، من رآه بالوادي الذي أجروه ليطهروا به المسجد ~~فيما زعموا، قال: فلم يبق إلا مستضعف لم يكن على بصيرة، أوهارب بدينه إلى ~~حيث أمكنه من البلاد. # وقال عثمان خرجت من وارجلان أريد ناحية بلادنا فخرج معي أيوب ابن إسماعيل ~~وموسى بن علي يودعاني فقال لي أيوب "يا عثمان العلم والوطوطة لا يجتمعان" ~~وقال له موسى الحجر المتقلب لا يثبت على بناء، فرأيت ما أشار به هو الصواب. # الحكم في العطايا # وقال أبو الربيع قال لي الشيخ أبو عمرو عثمان: العطايا أربع: اثنتان ~~جائزتان؛ عطية لما عند الله وعطية لثواب الدنيا، واثنتان غير جائزتين عطية ~~إكراه وخوف، وعطية على وجه الركون. # الطبقة الثانية عشر 550ه 600ه : 1-أبو عمار عبد الكافي # منهم أبو عمار عبد الكافي -رضي الله عنه- هو ابن أبي يعقوب التناوتي، ~~تدارك المذهب قد أقبر فأنشره نشورا، ونوه به وقد أتى عليه حين من الدهر لم ~~يكن ms284 شيئا مذكورا، فأحيى الله به رفاته، وجمع ببركته شتاته خدم العلم دهرا ~~حتى وعاه، وأوعى منه الأوعية، ثم أخذ يفتيه ويعلمه، فسالت منه الأودية، في ~~تصنيف كتاب، أو تهذيب جواب، أو تدرب متكلم، أو إفادة متعلم وهو الذي أزرى ~~بموجزه(1) على الماضين، وأتعب الحاضرين والآتين، فإنه رتب مقدماته أرتب ~~تقديم، وقوم فصوله أحسن تقويم، وقسم الفرق أبين تقسيم، بألفاظ عذبة وقصد ~~مستقيم، وله تصانيف يشفى بريها هيام النفوس الهيم، وأما الورع والسخاء فهما ~~أقل صفات خلاله، فذكرهما الشيخ بالنسبة إلى حلاله. # ما كان من الشيخ أبي عمار وهو بتونس PageV02P258 ذكر شيوخنا أن أبا عمار ~~لما عزم على طلب العلوم رأى أن أهم ما يقدمه إصلاح اللسان ثم إصلاح الجنان ~~بعلوم القوانين والبراهين، فهاجر إلى تونس فأقام فيها أعواما يدرس الليل ~~والنهار ولا يحضر بباله ذكر الأهل والدار، والذي توخاه في قصده تونس شيئين ~~أحدهما ملاقاة من يشغل خاطره عن ذكر أهله، والثاني أراد أن ينقطع عن اللسان ~~البربري بالبعد عمن يخاطبه به، والتدرب على لسان العربية، بكثرة مخالطة به، ~~وكان أبو عمار موسعا عليه فكانت تأتيه من بلده في كل عام ألف دينار، وبطاقة ~~فيضع البطاقة في موضع، ويقسم الدنانير نصفين فيدفع النصف إلى شيخه ويصرف ~~النصف في نفقته وكسوته، وشراء ما يحتاجه من الكتب، فلما كان عند عزمه على ~~السفر وقد رأى أنه قضى حاجته من طلب العلوم التي اعتمدها هنالك أعلم شيخه ~~بذلك، وأجمع على الارتحال فأخذ في قراءة الكتب الواردة من بلده كتابا بعد ~~كتاب فوجد في الكتاب الأول إعلاما بوفاة أحد أبويه وفي الثاني وفاة الثاني، ~~ووجد شواغل لا علم له بها، فأطلع على ذلك شيخه وأصحابه فعزوه وانفصل إلى ~~بلده، ولقد حدثني بعض الطلبة النفطين الذين قرأوا بتونس عن بعض أشياخه أنهم ~~قالوا: أدركنا أشياخنا يذكرون طالبا من أهل وارجلان قرأ معهم على شيخهم إذ ~~ذاك، قالوا: أدركناهم يتعجبون من فهمه وحفظه ومواظبته وورعه، وسخائه ودلاله ~~نفسه وسعة خلقه، قالوا: ولم ير مثله من العرب ms285 ولا من البربر، قال لي: ~~وكانوا يذكرون أنهم اطلعوا على كتاب معه في علوم مذهبه، وكان نظما في قصائد ~~فما هذا الكتاب؟ فقلت له: هو دعائم ابن النظر كانت منه في بلادنا من قبل ~~هذا نسخة غير محلوله، ولما حله ابن وصاف(2) لم يرد بلادنا حتى ورد به الشيخ ~~أبو موسى عيسى بن زكرياء وأعلمته أن الطالب المذكور هو أبو عمار، وأطلعته ~~على كتاب الدعائم لما ذكره وسأل عنه، فلما رآه جعل يتعجب منه فنظر منه بعض ~~قصائد العقائد وهي الرائية التي في الرد على القدرية، فقال معرضا ما أرى ~~PageV02P259 هاهنا إلا موافقة أهل السنة، فقلت له: وما خالف هذا الكتاب فهو ~~خلاف السنة. # وكان أبو عمار ذا كرامات فمن كراماته ماحدثنا به في وارجلان شيخ من أهل ~~الصدق والبر حكاه عن ثقات، قال: خرج أبو عمار في سنة من السنين في فصل ~~الربيع إلى بادية بني مصعب بغنمه فتوغلوا في البرية، تتبعا لطلب المرعى، ~~حتى قربوا من جبال "بني راشد" فلما كان يوما من الأيام قال أبو عمار لأهله ~~اشتغلوا بعشاء عمار الليلة المقبلة، وكان هذا القول منه غدوة، وكانوا قد ~~عهدوا عمار بوارجلان، إلا أنهم لم يمكنهم إلا امتثال أمر الشيخ، فوافق وقت ~~إعلامه إياهم توجه عمار من وارجلان إلى قصور بني مصعب، فلما أصبح صباح ~~يومئذ، قال لمضيفه: انظر لي دليلا استأجره أن يصحبني إلى موضع الشيخ، بشرط ~~أن يكون على نجيب مثل نجيبي، ليكون مبيتي عند الشيخ فإني شديد الاشتياق ~~إليه، فقال له: ليس لها إلا "فلان" فأرسلوا إليه فوجدوه ينضح زرعا له ~~بالطبق، فقال: أخشى على زرعي ولا بد من موافقة ابن الشيخ، قال: فاستأجره ~~بدينار فركب كل واحد منهما نجيبه، وصارا يرجفان ويجدان السير بجهدهما، قال: ~~وكان نجيب المصعبي أسبق من نجيب عمار، وكان إذا تقدم قال له: مالك يا هذا ~~الوارجلاني؟ هلكت زرعي عطشا يعني أجهد ليكون رجوعي إلى زرعي سريعا، فقال ~~وكان بين الموضع الذي فيه الشيخ وبين القصر الذي خرجا منه ms286 مسيرة ثلاثة ~~أيام، فما صلى الشيخ إلا عمار وصاحبه قد أناخوا عندهم، وأكلوا العشاء معهم. # وذكر عيسى بن أحمد أن أبا عبدالرحمن الكرثي كتب إلى جماعة الشيوخ ~~بوارجلان كتابا يسئلهم سؤال مسترشد قال: فلما ورد عليهم كتابه لم يروا ~~نفوسهم أهلا لمجاوبته إلا أبا عمار، فجاوبه عن جميعها حسبما يفسر. # أسئلة الشيخ أبي عبدالرحمن الكرثي والإجابة عنها # ( سؤال) ما اليقين والقدر وما الفرق بينهما؟ # ( PageV02P260 الجواب): اليقين صحة الاعتقاد، وهو من أفعال القلب ومن ~~أفضل أفعال العباد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعبد الله على ~~الرضى واليقين، وإلا ففى الصبر على ما تكره خير كثير" وقال: "لو ازداد ~~يقينا لمشى على الهواء، والقدر ما قدره الله قبل أن يكون" قال عليه السلام ~~في الإيمان: " أن تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله" # (سؤال): هل يقال لله تعالى بالبربرية ايراد؟ # ( الجوال): ما سمعنا أحدا أجازه إلا أبو سهل، ولعل هروبهم من جوازه ~~اشتراك اللفظة في لغة البربر، فإنهم يسمون الداجن من الطير الوحش "ايرادن" ~~ولمن أخلف الوعد " يردى" وهذا على حسب اللغات، والهروب من المشكل إلى ~~الواضح أولى. # (سؤال): ما الحكم فيمن قال أن الله ليس بييكش؟ # ( الجواب): إن كان بربريا أو ممن يعرف اللسان البربري فهو كمن قال: "إن ~~الله ليس بإله" ومن قال ذلك فهو مشرك، فقال بعض من حضر أراك أدرجت المسألة ~~فقال أو تشكون في ربكم؟ فقال حينئذ عبدالله بن سجممان سمعت شيخنا أيوب بن ~~إسماعيل يقول: من قال أن ايكش السلحافة فهو مشرك بالله العظيم. # ( سؤال) ما أعلام الساعة؟ # ( PageV02P261 الجواب) أنها خمس اثنتان منصوصتان واثنان مستخرجتان من ~~النص وواحدة من الحديث، فالمنصوصتان قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ~~ومأجوج ......الآية) (الانبياء:96) وقوله في عيسى عليه السلام ( وإنه لعلم ~~للساعة فلا تمترن بها.....الآية) (الزخرف: من الآية61) والمستخرجتان من ~~النص طلوع الشمس من مغربها قال الله تعالى (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع ~~نفسا إيمانها)(الأنعام: من الآية158) والدابة، قال الله تعالى (وإذا وقع ~~القول عليهم أخرجنا ms287 لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا ~~يوقنون) (النمل:82) والحديث قوله عليه السلام:" نار تخرج من عدن تطرد الناس ~~إلى محشرهم وحبشي يعلو على الكعبة بفأسه يهدمها، وخسف بجزيرة العرب". # قلت وهذه الأجوبة أنها هي على قدر وسع السائل لا بكونه مقدار المجاوب، بل ~~إنما عرض في تلك السوق ما أشبهها من المتاع وما ينفذ فيها، وادخر الخز ~~والديباج لأشكاله، اللهم إلا في جواب السؤال الأخير. # وقال أبو عمار حضرت أنا، وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم، مجلس شيخنا أبي ~~زكرياء يوما فقصصت رؤيا رأيتها، وذلك أني رأيت إبراهيم عليه السلام نزل من ~~السماء إلى "تموصين" قرية من قرى وارجلان فتعلقت نفس الشيخ أبي زكرياء إلى ~~الرؤيا فجعل يقول كيف رؤياك يا عبد الكافي؟ يحب أن أكررها عليه فالتفت إلى ~~أبي يعقوب فقلت له: لا أعلم أحدا كملت فيه هذه الصفات غير النبوة في هذا ~~الزمان إلا هذا الشيخ وأني لأحسب أنه سيموت في هذا العام، فمات فيه بعد ~~أشهر، وهذه الحكاية من مناقب أبي زكرياء إلا أن لأبي عمار فيها صدق الرؤيا ~~وإصابة التأويل. # حكم مال من استشهد بالإغارة والنهب PageV02P262 وسأل الشيخ أبو يعقوب ~~يوسف بن إبراهيم أبا عمار -رحمهما الله- بمحضر من أصحابهما وذلك بجبال مكة، ~~فقال: عجبا منا نتنزه من أموال العرب(3) التي بأيديهم، وننهى عن الدنو ~~منها، وعن الدنو ممن يدنو منها، ونتجهم في وجوه من يصاحبهم إذا كنا ~~ببلادنا، ها نحن الآن نأكل منها ونحمل عليها، ونتزود منها، ونحن في أكرم ~~بقعة وأبرك بلدة ونحن عايناهم يأخذون أموال الحجاج، ويسلبونهم، ويقتلون من ~~دافع منهم عن نفسه أضراب"بنى مجزية" وغيرهم ممن شهر بالنهب والغصب، فقال ~~أبو عمار: هذه جزيرتهم إلا قعد فيما بأيديهم والأغلب عليه الحلال، وتلك ~~جزيرة البربر أنهم فيها غارة وكل ما بأيدي الغارة ريبة، إلا من أبصر شيئا ~~عيانا فلا يحل له الدنو منه في بدو ولا حضر، فأنهم في بلادنا غارة ونحن ~~البربر في جزيرتنا كالعرب في جزيرتهم. # قلت هكذا وجدتها ms288 وأقول والله أعلم، أن الذي استثناه من قوله "من أبصر ~~شيئا عيانا فيجبتنبه" إنما ذلك في بلاد العرب وجزيرتهم، والصواب أن يذكر ~~أولا قبل ذكر بلاد المغرب . # رأي الشيخ في أهل الفتنة # وروي أن أبا عمار كان يقول: إذا وقعت الفتنة بين فئتين من المؤمنين ~~فالأحب إلي أن يصطلحوا، فإن لم يفعلوا فالأحب إلي أن لا تغلب فئة، فإن من ~~أحب أن تغلب إحداهما الأخرى فقد دخل في الفتنة، ولزمه ما لزم أهل تلك، وكأن ~~سيفه يقطر دما، وروى عنه عيسى بن أحمد أنه قال السلامة عندي أن يكون في ~~البراءة سواء، لا يرجح إحدى الطائفتين. # ----------------------------------- # 1- يشير إلى كتاب الموجز في الكلام والعقائد، وقد تقدمت الإشارة إليه في ~~اول الكتاب. # 2-هو محمد بن وصاف العماني من مشائخ الإباضية بالمشرق شرح دعائم أحمد بن ~~النظر وهو مجموعة قصائد في العقيدة والأحكام الشرعية والشرح في ثلاثة أجزاء ~~وهو من المخطوطات القيمة. PageV02P263 # 3- يعني بهم قبائل الأعراب التي تعيش الإغارة والنهب واتخذتها حرفة وعرفت ~~بذلك وخاصة زمن اضطراب شمال افريقيا في عهود المؤلف (راجع ابن خلدون ج6) # 2- ومنهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي وابنه أبو إسحاق إبراهيم ~~رحمهما الله # نبدأ بذكر أبي يعقوب في صدر الأسلوب فنقول: هو بحر العلم الزاخر، المسخر ~~للنفع فترى الفلك فيه مواخر، الرفيع القدر والهمة، الجامع لفضائل كل أمة، ~~المحتوي على علوم جمة، كأن التوحيدي ينظر إليه في وصفه للقاضي أبي حامد،وما ~~اشتمل عليه من صنوف الفوائد، إذ كان له في كل جو متنفس، ومن كل نار مقتبس، ~~وهذا الشيخ له يد في علم القرآن، وفي علم اللسان، وفي الحديث والأخبار، وفي ~~رواية السير والآثار، وعلم النظر والكلام والعلوم الشرعية وعباداتها ~~والأحكام، وعلم فرائض المواريث، ومعرفة رجال الأحاديث، ولم يخل من اطلاع ~~على علوم الأقدمين، بل حصل مع ملازمة السنة قطعة من علم الحكماء المنجمين. # وأما أبو إسحاق إبراهيم فإمام في علم الأدب، وإن ذاكر في الفروع فيا ~~للعجب، لقد تمسك من الحديث والأصول بسبب أقوى سبب، وعند ms289 كليهما من الورع ~~والزهد والتواضع والاقتصاد، ما ليس يدركه أحد من المتنسكين وذوى الاجتهاد، ~~وإن تقاربا في نظم القريض فإن للشيخ قدرة على تأليف التواليف، وله من ذلك ~~الصدر الفسيح الغليظ، وقد كان لا تهمه عظائم المهمات، إلا خدمة العلم منذ ~~نشأ حتى مات. # انقطاع الشيخ إلى خدمة العلم PageV02P264 وذكروا عنه أنه أقام سبعة أعوام ~~ملازما داره لا ينصرف فكان متى زاره أحد من الزوار وجده إما ينسخ وإما ~~يدرس، وإما يقابل، وإما يبرئى الأقلام، وإما يطبخ الحبر، وإما يسفر كتابا، ~~لا يعدل عن هذا الفن إلى ما سواه إلا إن قام لاداء فريضة، وكان إذا اعتمد ~~تأليفا أو نسخ ديوان لا يهوله ولا يستعظم فيه صعوبة ولا كثرة فإن له على ~~ذلك قدرة، ولقد حدثنا بعض الثقاة قال: وقفت ببلادنا قسطيلية وسوف وأريغ ~~ووارجلان على سبع نسخ أو ثمان من كتاب العدل والإنصاف(1) تأليف أبي يعقوب ~~كلها بخط يده، وأما أنا فرأيت منها ثلاثا. # حرص أهل وارجلان على الاستفادة منه # وكان إذا جاء إلى موضع الوضوء في مسجد في وارجلان انصرف كل من حول ~~المتوضى، فيضع من يده سفرا ومفتاحا ويضع عمامته وكساءه، ويقعد في ثوب واحد ~~فيدخل المطهرة، فيرجعون ويأخذ أحدهم شيئا منها ويأخذ الآخر شيئا آخر، حتى ~~يرجع الشيخ فلا يجد شيئا فيقول ردوا علي علائقي، فيقول أحدهم: أرد بعوض ~~فيسأل عن مسألة في النحو ثم يجيب فيرد ما أخذ، ثم يسأل الآخر عن فريضة ~~ويسأل الآخر عن مسألة فقهية ويسأل الآخر عن تأويل آية، ويسأل الآخر عن ~~تأويل رؤيا وعن غير ذلك، فيجيب كلهم فحينئذ يردون عليه ما أخذوا، فكان هذا ~~دأبه -رحمه الله- حتى لقي الله. # وحدثني أبي -رحمه الله- قال حدثنا بعض أصحاب أبي سليمان أيوب بن نوح قال: ~~سألت أبا سليمان عما حصل من علم النجامة قال: رحم الله شيخنا أبا يعقوب عمد ~~إلى العلوم النافعة كعلم القرآن والفقه وعلم اللسان فحملها ابنه أبا إسحاق، ~~ووجد عندنا أفهاما قابلة لعلم لا ينفع يعنى علم النجامة ms290 فعلمناها، وقلت له: ~~ما غاية المنجم المحقق أيعلم يومه متى يكون؟ قال: أعلم أن غاية المنجم ~~العالم يعرف أسعيد هو أم شقي، وكان أيوب هذا يقول يكون أجلي يوم كذا، فكان ~~كما قال(2) . # وصول الدعوة الموحدية إلى وارجلان PageV02P265 وحدثنا بعض أهل وارجلان أن ~~أول داع وصل إلى وارجلان من دعاة الدعوة المهدية العيتروسي وصلها في خيل، ~~فلما قدم إليهم دعاهم إلى إجابة الدعوة، فتشاوروا فيما يأتون وما يذرون، ~~فأجمع رأي أكثرهم على قتله وأصحابه، حتى لا يظهر لهم ذكر، فقال علماؤهم: ما ~~ضرنا أن نصل إلى الفقيه أبي يعقوب نعلمه بما وقع في نفوسنا ونأخذ ما عنده، ~~فجاؤوه بجمعهم، فقالوا له: إن هذه خيل تدعو إلى سلطان قد ظهر، وقد جمعنا ~~على أن نقتلهم قبل أن يعرفوا بلدنا، فإنا نخاف أن يخربوا بلادنا إن عرفرها، ~~فقال لهم: هؤلاء لا يخربون بلدكم بل تنالون في أيامهم عزا وإقبالا، وتلقون ~~منهم في بلادهم خير لقاء وإكراما وإحسانا، أكثر مما تلقونه في بلادكم ~~فأجيبوا دعوتهم تفلحوا فليسوا بالذين يخربون بلدكم، وأما الذي يخرب بلدكم ~~فيخرج من سلجماسة يموت في البحر وإن خرج من البحر فإنه يموت في سلجماسة، ~~وهو المتلثم، فإذا ظهر فلا بد أن يرد بلادكم قاعا صفصفا، وسمعت هذا الخبر ~~سنة عشرين وستمائة فلما كان سنة ست وعشرين أوسبع وعشرين دخلها يحيى بن ~~إسحاق الميروقي المتلثم، فهدم كل ما دار عليه سورها إلى المسجد، وعاد ~~وارجلان كان لم تغن بالأمس(3) . # الحديث عن حجازية أبي يعقوب PageV02P266 وبلغنا أن أبا يعقوب كان في عصر ~~شبيبته يقرأ بقرطبة ففيها أتقن هذا الفن وفيها حصل بضاعة وافرة من اللغة ~~غير مزجاة، وفيها قرأ جملة من كتب الحديث، ومما يدلك على سعة ما عنده من ~~هذه الفنون قصيدته الحجازية المتطاولة فإنه أودعها فصولا على ما ذكرته من ~~ذلك، أبياتها عدد أيام العام بدأ فيها بغزل رقيق، ثم الرحلة عن وارجلان، ~~والتنبيه عمن صحبهم في ذلك الركب، وذكر الطريق منزلة منزلة في سيرهم حتى ~~وصلوا، وذكر المناسك، ms291 ثم فعل كذلك حتى خرج، ثم خرج إلى شيء من علم الحدثان ~~ثم وعظ أحسن وعظ وتذكير، ففيها ما يشهد له باتساع الفن، فكنت اعتقدت أن ~~أودعها هذا الكتاب وأشرحها إجابة لرغبة من رغب إلى ذلك، لكن منعتني العجلة ~~في تعليق هذا الكتاب، وكوني أيضا لم أجد من يرويها عن أبي يعقوب فأرويها ~~عنه على صحة وأعرف مقاصده فأحدو حدوها، ولعمر الله أن فيها لفوائد كثيرة. # ولأبي يعقوب تآليف كثيرة، أحسنها فيما ذكر لي أبو العباس ابن محمد كتاب ~~الدليل والبرهان هو في علم الأصول، وأما أنا فلم أقف عليه لأني إذ كنت ~~بوارجلان لم أعلق همتي بنظر هذا الفن، فلا قوة إلا بالله، وأيضا فإن ~~الأمهات منه قليلة. # وسمعت في وارجلان من جماعة من شيوخ إن أبا إسحاق رأي في منامه كان نخلتين ~~صنوان أحدهما باسقة والأخرى قصيرة وكان والده في الطويلة منهما يجتني منها ~~ثمارا وكأنه عالج الطلوع فقدر على الصغيرة، فلما صار إليها عالج طلوع ~~الكبيرة إلى حيث كان أبوه فلم يطق، فقصها على أبيه فقال يا بني أنك تحاول ~~منزلة أبيك في العلم وأنت دونها. # ------------------------------------------- # 1- كتاب له قيم في أصول العقائد والفقه لا زال مخطوطا. # 2- لا يخفى ما في هذا الكلام من مبالغة ففي القرآن الكريم ( وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا وما تدري نفس باي أرض تموت إن الله عليم خبير) هذا مع قطع ~~النظر عما قيل في مثل هذه المعلومات إن صح أن تسمى معلومات من التنجيم وغيره. PageV02P267 # 3- يشير إلى خراب سدراته على يد الميروقي وما أصاب وارجلان. # أبو يعقوب يوسف بن خلفون # ومنهم أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي -رحمه الله- المحقق الوصول إلى ~~الغاية في علم الفروع والأصول، إن درس فلقن أحسن تلقين، وإن أفتى فمغترف من ~~عذب معين، لا يخشى منه تعسف، ولا يدرك ألفاظه تكلف، كثير الاطلاع على مسائل ~~الاتفاق والاختلاف، وكثير الدفاع عما قيده فقهاء الأسلاف، وله تعليقات ~~عجيبة، وأجوبة محافظ على بيضة الدين، محصن للمذهب أمنع نحصين، مقنعة مصيبة، ms292 ~~إلا أنه كان مع محافظته وكثرة حفظة يعجب من ضعف بخته مع الأخوان، وقلة حظه، ~~فإنهم لم يقيلوه في العشرة أنصافا، ولم يهبوه من أنفسهم إسعافا، بل قد ~~أذاقوه العقوق أصنافا، وجرعوه منه مرا زعافا. # خبر اختلاف الشيخ مع العزابة في مطالعة كتب المخالفين للمذهب PageV02P268 ~~حدثني غير واحد من أصحابنا أن أبا يعقوب يوسف بن خلفون كان كثير المطالعة ~~في كتاب الأشراف(1) وغيره من تصانيف علم الخلاف، فكان العزابة يكرهون ذلك ~~وينتقمون عليه، وينهون عنه، حتى أنه ربما شافهه بعضهم يقول"تركت المذهب، أو ~~رغبت عن المذهب" وأظهروا له الكيل بهذا الصاع، فلم يكن رغبة عما أكرهوه ولا ~~إقلاع، قال فلم يروه معرضا عن سلوك ذلك المنهاج ورأوا منه التمادي واللجج ~~فأوجبوا عليه كلمة الهجران وقالوا له: لا تقربنا من الآن فإنك أسهبت في ~~المناقضة أي إسهاب، ورغبت عن طريقة إمامك عبد الوهاب، فعند ذلك التفت إليهم ~~وقد ولى فقال لهم: "والله ما فيكم وهبي غيري" ومما نقموه منه إعلان القول ~~بأن يقول لهم: والله ما علمت لكم كتابا غير كتاب "اختلاف الفتيا" و ~~"والغانمي" فكانوا ينسبوه بذلك إلى تعجيز العزابة وذم تواليفهم، والبحث عن ~~معايبهم والتصريح عما يضع منهم، وحاشاه بل لو قال الآن أحد هذا القول لم ~~أنسبه إلى نقص ولا تنقيص، والذي يظهر في هذا الشأن أن كلهم مصيب، فإن ~~العزابة إذا فضلوا كتب العزابة وعصبو الترجيح غيرها عليها فوجه العذر لهم ~~وللمولعين بين ظاهر، وهو أن الذي صنفه الأشياخ إنما جاءوا به على حسب ~~موافقة المبتدئين أهل اللسان البربري، وذلك جهد طاقتهم، فإذا أوجبوا الذنب ~~على أمثال أبي يعقوب فإنما اقتدوا بقول من قال من المشائخ لما وقف على ~~الخمسة والعشرين جزاء، لا يطعن في هذا التأليف إلا منافق، يتخيلون أن قد ~~حقت عليهم كلمة الخلاف، وأنه لم يبلغه هذا القول، ولعله إذ بلغه جعل للمطعن ~~وجها وللنفاق وجها غير الوجهين الذين ذهبوا إليهما، وينبغي أن يحمل ذلك على ~~أحسن محتملاته، تزكية للفضلاء، وقياما بحق أولياء الله ms293 العلماء. PageV02P269 # ووجه العذر له في ترجيح الكتابين ظاهر، وهو أنهما كلام عربي غير متكلف مع ~~كثير ما تجد في مسائلهم المسند إليه، والمعتمد فيهما غير المبتدئين، ~~فكأنهما أرفق لنفوس النجباء مثل أبي يعقوب، ولقد حدثني أبو الربيع عن أبي ~~الحاج أبي عبدالله محمد بن سعيد -رحمه الله- ، أنه يحكي عن جدي يخلف حكاية ~~تدل على براءته مما قذف به، قال أبو عبدالله: خرجنا حجاجا مع شيخنا يخلف بن ~~يخلف حتى إذا كنا "بعقاب" قدم علينا في وقت المساء رجل لا نعرفه، فرأيناه ~~يسأل عنا، فقال له يخلف: من هذا السائل؟ وممن هو؟ قال أنا ابن صباح ~~المزاتي، فاستحال ذلك شيخنا فبادره بأن قال: كذبت، قال أبو عبدالله وما ~~رأيته قط عجل بسوء معاملة قاصدا إلا تلك الليلة، ثم تدارك فسأله ما شأنك؟ ~~وما وراءك؟ قال: قدمت مع عمي يوسف بن خلفون وأعلمه بأمور دلت على صدقه فجعل ~~يستغفر الله ويتوب مما فرط منه فقال له: وأين عمك يوسف؟ قال يبيت عندكم ~~الليلة المقبلة، قال أبو عبدالله: فلما كان في الليلة المقبلة لحق بنا هو ~~ومن معه، فلما حل بنا أبو يعقوب لم يمكنا إقبال عليه لأنا قد خرجنا من ~~بلادنا والعلم عندنا بأنه في الهجران، ولا علم عندنا بتوبته ولا غيرها، ~~فجهدنا أنا نتأسى بشيخنا فلما تقدم فيه تقدمنا، قال فلما نزل الشيخان وضع ~~شيخنا يده في يد أبي يعقوب وتنحيا عنا غير بعيد، فجعل يثرب عليه ويعدد ما ~~نسبوه إليه بتثريب، لم نفهم منه إلا ما عاينا الشيخ كلما ذكر خطيئة خط ~~بإصبعه في الأرض فكلما عد عليه شيئا ذكر وجهه وسببه واعتذر، واستغفر، حتى ~~أتى على جميعها وظهرت براءته وكان الشيخ يخلف يقول له في تثريبه: يا ابن ~~خلفون كيت وكيت ثم يخط، ويقول: يا ابن خلفون كيت وكيت، وأطال العتاب، وأبو ~~يعقوب مطرق إلا أنه مهما عد عليه شيئا ذكر عذره ووجهه، وسببه حتى توجه عند ~~الشيخ عذره فسمعنا شيخنا يقول الحمد لله رب العالمين، وقاما معا واعتنقا ms294 ~~وقمنا نحن أيضا وسلمنا على الفقيه أبي يعقوب وسلم علينا PageV02P270 ~~وتأنسنا به، وسرنا إلى بلد الله الحرام، فأدركنا هنالك ركب إخواننا أهل ~~عمان، ومعهم فقيههم الذي حج بهم يسمى ناجية بن ناجية، قال أبو عبدالله: ~~فحججنا حجة لم يحججها مغربي قبلنا ولا بعدنا وذلك أنه لا يضيق الحال بأحد ~~من أصحابنا أو تنزل عليه نازلة من مسائل المناسك أو غيرها من مسائل الدنيا ~~إلا والاها أحد الفقهاء الثلاثة، فيجد عنده الشفاء فيما يأتي أو يذر، ~~ورجعنا إلى بلادنا وأبو يعقوب راض مرضي عنه. # وبلغنا عن بعض من عاصره أنه قال قدمت من جهة طرابلس بعد قراءتي فيه على ~~الشيخين أبي محمد عبدالله و أبي عمران موسى النفوسيين مسائل المذهب فقصدت ~~جهة وارجلان لألاقي الشيخ "أبا رحمة اليكشي" وأعرض عليه ما أخذت، قال ~~فاجتزت على"تينبماطوس" وبها الشيخ أبو يعقوب ثم جئت إلى أبي رحمة "بايفران" ~~فلما رآني قال لي: على "تينماطوس" كان طريقك؟ قلت: نعم، قال: هل سلمت على ~~فلان؟ قلت: لا، قال: لو سلمت عليه لم أسلم عليك، فهذا الخبر وشبهه لعله كان ~~قبل أبي يعقوب إلى الحج، أو كانت وحشة بين الشيخين لا ذنب فيها على أحدهما، ~~أو لا ذنب فيها على أبي يعقوب، وإلا فليكن صحيح اعتقادك على ما حكاه أبو ~~عبدالله بن سعيد. # ومما قيد من تعليقات أبي يعقوب للأجوبة عن المسائل التي سأله عنه سائل ~~فكتب بها إليه وبين ما في جميعها من أقاويل العلماء، فوجه ما قال أصحابنا، ~~واستدل على صحته بأدلة قاطعة، رسالته إلى أهل جبل نفوسة مشتملة على فقه ووعظ. # ----------------------------------- # 1- لعل الكتاب هو كتاب الأشراف على مذاهب الأشراف لأبي بكر النيسابوري ~~الشافعي المتوفى سنة318 ه جمع فيه المذاهب الإسلامية وقد علق عليه الشيخ ~~أبي سعيد الكدمي العماني وسمى كتابه زيادات الأشراف وكتابه هذا من ضمن ~~المخطوطات أما إنكار العزابة منه مطالعة مثل هذا الكتاب فرأي شخصي وقد وجهه ~~المؤلف وليس رأيا عاما لعلماء المذهب الإباضي كما يدل على ذلك صنيع الشيخ ~~أبي سعيد ms295 الكدمي. PageV02P271 # أبو عبدالله محمد بن علي # ومنهم أبو عبدالله محمد بن علي السوفي -رحمه الله- ذو السخاء والفتوة ~~والدين والمروءة، والقيام والصيام، والسهر إذا الناس نيام المتحرى الاورع، ~~والوقور الأروع، الحازم ولم يفرط، الزاهد ولم يقرط، سلمت له ديناه مع سلامة ~~الدين، وكان يذكر في الهادين الهتدين، وممن تجري الصالحات على يديه، ويفزع ~~في الصغائر إليه، فإنه لحليم أواب، وذو دعاء مستجاب، وله يد في مسائل ~~المذهب، وفي المواعظ إذا رغب أو رهب. # الصلح الذي تم على يده بين أهل درجين PageV02P272 وحدثونا أنه وقعت فتنة ~~ببلاد درجين السفلى الجديدة، فأفضت إلى حرب الأوطان وذهاب الأنفس والأموال، ~~وأشفى كلا فريقيها على التلاشي فبلغ ذلك أهل الدعوة في الجهات الشرقية ~~والغربية، فعظم عليهم ما نال أهل درجين من الضعف واستبدال أحوالهم، ~~واستبعدوا استصلاح حالهم بعدم الأسباب المعينة على ذلك، فحرك الله سبحانه ~~إلى ذلك أبا عبدالله محمد ووفقه لما يحبه ويرضاه من امتثال أمره في الإصلاح ~~بين الفئتين من المؤمنين إذا اقتتلوا، ونصرة السبيل الذي منه يتوصل إلى ~~إصلاح ذات بينهم فقدم من سوف إلى أن وصل "درجين" فتمادى إلى خارج ربض ~~"نفطة" ولم يدخل درجين، فنزل إليه من يربط نفطة من العزابة، فيهما الحاجان ~~يخلف بن يخلف، ومحمد ابن سعيد، فرغب إليه يخلف في النزول إلى الضيافة ~~فامتنع، وقال أنا جئت لمهم ولا أبدأ بغيره حتى يقضيه الله وييسره وأنا أحب ~~معاونتكم بأن تستحضروا له كل مهاجر إليكم، وفارق لوطنه بسبب هذه الفتنة، ~~وترغبوا إليهم في الدخول في هذا الصلح، فإنهم عندي أشد ممن في درجين، ~~وأرجوا أن أجد ممن في درجين من المطاوعة ما لا أجده فيمن عندكم، فأغيثوني ~~بإحضارهم و هلموا بهم إلى خارج درجين، فصحبه عزابة الربض ومعهم من طاوعهم ~~من أضيافهم من بني درجين والأكثر قد طاوعوا أو أنابوا، ولما صاروا بأجمعهم ~~مع الشيخ أبي عبدالله حول مسجد قنطرأر الفوقية خرجت إليه جماعة بني درجين ~~من كلا الفريقين، فيهم الواتر والموتور، ورغب إلى أولياء الدماء فعفوا ~~عنها، وندب ms296 جميعهم إلى الصلح فأجابوا، وعقد بينهم الصلح، فلما اصطلح ~~الفريقان استدعى سبع حصيات من أيدي سبعة رجال حجاج حضروا حينئذ، ثم قال: ~~هذه حصيات تناولتها أيد قد استلمت الحجر الأسود، وحفر في الأرض على قدر ~~ذراعين حتى غاب عاتقه ودفن الحصيات، ثم قال: هذه فتنة أهل درجين قد دفنت ~~فمن أثارها جعل الله بأسه في رأسه، فآمنوا كلهم على دعائه، وقطع الله تلك ~~الفتنة إلى اليوم، وكان الذين تخلفوا بالربض PageV02P273 وأبوا أن يحضروا ~~الصلح وأن يرجعوا إلى البلد ثلاثة أشخاص، فدعا عليهم فلم يعقبهم خيرا، ودعا ~~للذين عفوا عن الدماء وأنابوا إلى الصلح فنموا وكثروا. # وذكروا عنه أنه قال: دعوى القبائل هي التي تحرك الفتن فادعوا الله على من ~~دعا بها، ففعلوا، فلما انعقد الصلح دخل وتضيف وحمد الله تعالى وشكره على ما ~~جرى على يديه من الخير والصلح. # وذكروا عنه أنه لما عزم على السير إلى الحج أودع عند الشيخ أفلح المرغني ~~مائتي دينار، فلما قدم بعد عامين، قال له: ما فعلت الوديعة يا أفلح؟ قال: ~~أكلها الزمان يا محمد فلم يسأله عنها حتى لقي الله تعالى. # وكان أبو عبدالله عظيم القدر في أهل المذهب بحيث لا يجهل موضعه، ولا يجحد ~~حقه، ولا ينكر فضله فمما يشهد بذلك قصيدة الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم ~~السدراتي الحجازية وقد حضرت الفقيه أبي العباس أحمد مرارا وفي يده ديوان ~~شعر أبي يعقوب فإذا قرأ لنا القصيدة المذكورة وبلغ قوله فيها # إلى قوله: ومغراوة عليا زنانة كلها يقول لنا لم يسافر في ذلك الركب من ~~مغراوة غير أبي، يعني الشيخ أبا عبدالله فيسلم له بذلك جميع من حضر من ~~مغراوة، وناهيك بواحد يقوم مقام جماعة في مثل تلك القصيدة التي بقيت ~~تاريخا. # 5- أبو يحيى زكرياء اليراسني PageV02P274 ومنهم الشيخ أبو يحيى زكرياء بن ~~صالح اليراسني -رحمه الله- ، علم المذهب ومناره، المحمود فيه عينه وآثاره، ~~وناصره متى قلت وكلت أنصاره، وعامر ربعه متى ولت واعتلت عماره، أتاه الله ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، أشهره ms297 الله في خدمته فأطال عن خدمة الدنيا ~~وسنه، وأوسع عليه في الأخلاق والأرزاق والأعمال والمال والعطاء والثناء سعة ~~تناقلتها الألسنة. ومنحه من البركة ويمن الحركة ما أقام في ساعة من العمر ~~مقام سنة، وهو الذي فضله الله بأشياء فضل بها الإله الأموات والأحياء: ~~الورع و والسخاء، ولزوم السيرة، ونفوذ عين البصيرة، وتساوى صلاح العلانية ~~والسريرة، واليد العليا في الكبيرة من الصلاة والصغيرة. # ما كان منه وهم في الطريق إلى نفزاوه ومعهم أموال PageV02P275 سمعت من ~~غير واحد من المشائخ حكايات في مناقب الشيخ أبي يحيى زكرياء بن صالح، منها ~~ما هو في باب الجود والكرم، ومنها ما هو في الكرامات وعجائب البطائن، ويمن ~~الناصية وبركة الرأي فمن ذلك ما سمعته مرارا عن أبي -رحمه الله- قال: وصل ~~الشيخ أبو زكرياء ذات مرة من سلجماسة إلى وارجلان، ثم خرج من وارجلان ~~متوجها إلى جربة في جماعة من أصحابه يكونون خمسة وعشرين راكبا، أو عشرين ~~راكبا ومعهم قريب من مائتين وخمسين مثقالا ذهبا تبرا، لما صاروا ببعض ~~الطريق بين وارجلان ونفزاوة وأصبحوا راحلين غادين بين كثبان رمل أشرفوا من ~~أعلى كثب فرأوا نعما كثيرا في المرعى، ومن ورائها أحياء فأيسوا من السلامة، ~~إلا إنهم تضاموا وأخفوا شخوصهم قبل أن يراهم أحد، ثم تشاوروا فيما بينهم، ~~فقائل يقول " ندفع ما معنا" وقائل "نولى خلفنا" وقائل " نرسل إليهم من ~~يجاعل على سلامتنا بجزء مما معنا" ثم قالوالي: ما عندك ياشيخ البركة؟ فقال: ~~إنما مثلنا مثل أعمى سلم عينيه إلى القادح ليقدحها رجاء انجلاء العمى، فإن ~~أبصر نورا فبفضل من الله ولطفه به، وإن لم يبصر فإنما كان أعمى وبقي أعمى، ~~وكذلك نحن، وعندي رأى هو بمنزلة القدح فإن فعلنا ونجونا فبلطف من الله، وإن ~~عطبنا فنحن عاطبون من قبل ذلك، قالوا: وما رأيك المبارك إن شاء الله ؟ قال: ~~أرى أن نستدير مع بعض الأحقاف إلى أقرب قطيع يلينا من النعم الذي رأيناه، ~~فنخرج إلى القطيع على حين غفله من أرباب الإبل ورعاتها، ثم ندخل في وسط ms298 ~~القطيع، ثم نقول لهم: نحن دخلاء هذه الإبل، ففعلوا فعند مروقهم من بين ~~الكثبان ودخولهم الإبل رأتهم فرسان، فما كان بأسرع من اتيان الخيل إليهم ~~مثنى وفرادى متوجهين مرجفين، فإذا هم من "المغترف" وللمغترفين إذ ذاك أحساب ~~طيبة، وإذا برب القطيع من أشرف أول فارس، فقال لراعى ابله: ما هذا ؟ قال: ~~لا أدرى،إلا أن الإبل كانت ترعى فلم أشعر إلا والركبان كانت في وسطها، ~~وقالوا: نحن دخلاء لصاحب هذا الإبل، PageV02P276 وقال الفارس لهم: أمان ~~الله، وإذا بالخيل تركض فقال لهم: لا تتعبوا خيلكم فقد حرموا، قال: فأنزلهم ~~وأكرم مثواهم، ثم صحبهم أو أصحبهم من خيله من بلغهم إلى مأمنهم من قراى ~~"نفزاوة" . # مكانة الشيخ لدى العبيديين بمراكش # وسمعت من جماعة منهم أبي -رحمه الله- أن الشيخ أبا زكرياء يحيى كان ~~بمراكش في أيام ولاته لها، فلبغت عندهم منزلته مبلغا عظيما وكان له بها جاه ~~عظيم لما أشتهر من أمانته وصلاحه، ومحافظته على دينه، ولما ظهر من كراماته ~~وبركاته، وكان مختصا بيعقوب(1) وهو إذ ذاك وزير أبيه وقبل أن يلي الوزارة ~~فكان يلبي له كل مطلب، ولا يكاد يحرجه في كثير من المسائل إلى أبيه إلى أن ~~قال يوما عرفني بكل سبب تأمله عند أمير المؤمنين لأتكفل لك به عنده وأسعى ~~لك في كتاب كريم يكون لك ظهيرا، وأتمشى لك به كلما تحب، فقال له: بل إن ~~عندي شيء أريد أن ألقيه إليك، قال: وما هو؟ قال: صح عندي بدليل لا أرده أنك ~~الذي تلي الخلافة بعد أبيك دون من سواك من بنيه، وأراك أن تكتب لي ظهيرا ~~بما ذكرته فيكون منك، ولا أحب أن يكون من سواك، فقال له: إن كتابي لا ينفعك ~~شيئا، ثم من أين لك ما ذكرته؟ قال له: ما ذكرت لك إلا قولا صحيحا، فكن منه ~~على يقين، ولا أعتقد النفع إلا في كتابك، فاستبشر وكتب له بما أحب، فلما ~~ولى انحدر إلى إفريقية بعسا كره فوقف إليه وذكره الموطن وأحضر كتابه، فضاعف ~~إكرامه وقضى مسائله، وأعلى ms299 منزلته وشفعه في كل من شفع فيه، وانتفع بعنايته ~~جميع أهل الجزيرة بل أكثر أهل المذهب إلا ما شاء الله. # ------------------------ # 1- هو يعقوب المنصور من أحفاد عبدالمؤمن مؤسس الدولة الموحدية وله أعمال ~~هامة في بجاية والمهدية مات سنة 580ه. # 6- أبو يحيى فصيل بن مسعود PageV02P277 ومنهم أبو يحيى فصيل بن مسعود ~~-رحمه الله- شيخ الانبساط والانقباض، والعزوب عن الدنيا والإعراض والاحتقار ~~لما يستعظم الناس فيها من الأعراض، وسلامة الصدر من الشهوات والأعراض، ~~المجدد لما كان من السير قد أشفى على الإنقراض، المزري بجزيل معرفته ~~ومعروفه على البحر الفياض، المفني أيام عمره في الصلاح فتساوى عنده مستقبل ~~وماض، الموفي لله عز وجل بما تعين عليه من الافتراض. # 7- الشيخان أبو عبدالله محمد، وأبو الربيع سليمان # ومنهم الشيخان أبو عبدالله محمد بن داود وأبو الربيع سليمان بن داود ~~-رحمهما الله- كلاهما بحر العلم والسماح، وعمادا أهل التقوى والصلاح فسيحا ~~الجنان وإن كان في اللسان تعذر إفصاح، نصيحان في الله متى عدم النصاح، إن ~~وعظا أو ذكرا فنور الإيمان يمتاح، وكذا الزيغ والفساد ينكشف عن مستمعه أي ~~انكشاف وينزاح، لا يرى عند مرضاة الخالق بسط المخلوق من جناح، طالت أيام ~~أبي الربيع فعمت السعادة غدوها والرواح، وشملت بركته أهل القرب والانتزاح. PageV02P278 # حدث أبو الربيع عن أبيه قال حججنا وقفلنا إلى بلادنا فتشبث رجال من ~~أصحابنا من نفوسة الجبل بشيخنا يخلف -رحمه الله- ، فلما وصلنا حيز طرابلس ~~رغبوا إليه كل الرغبة في أن يصحبهم إلى بلدهم، ليبين حدودا جهلوا في نسبهم ~~ونشبهم، ورجوا أن يجدوا عند حفظ ما يخلصهم في دينهم ومذهبهم، قال فأجاب ~~رغبتهم وأذن لنا في التقدم عنه، فودعناه وتقدمنا، فلما فارقته وجدت من ~~الوحشة لفراقه أضعاف ما كنت وجدت من التأنس به، فكنت المطلق المسجون، ~~والمؤالف الشجون، فما راقني من لقيت بعده حتى قدمت على الشيخ سليمان بن ~~داود -رحمه الله- وذلك بمنزله "بتونين" قال فلما لقيته لقيت شيخا جليلا ~~عظيم القدر، متناهيا في الصلاح ووجدت منه تأنيسا وأفادة، حتى سلوت عن كل ~~هم، وكان مما حفظت عنه ms300 عند التسليم أني قلت: أدع، فقال: بل أدع أنت، ففي ~~الأثر "استقبلوا الحاج واستدبروا الغازي" وحضرت الصلاة وهي رباعية وأظنها ~~صلاة الظهر، قال: فأقام الصلاة وقدمني، فقلت: إني مسافر، فقال لي: اعتقد ~~الإقامة هنالك، وصل بنا، فامتنعت منه كل الامتناع، فقال: ساعد، فما من ذلك ~~بد، قال: فلما قضيت الصلاة وحضرنا طعامه أوتي بزجاجه فيها شراب، فعرض علي ~~الشراب فامتنعت فلم يكرر علي، وشرب هو، وقال هذا شراب حلاب أقتات به، إذ لا ~~أقدر على الطعام لضعفي، ولما أكلنا تناول بإصبعه من الفضلة، فقال آكل هذا ~~تبركا وإن كنت لا أقدر عليه. # الشيخ أبو عبدالله يعظ أهل جربة وينهاهم عن المداينة PageV02P279 الشوحدث ~~بعض أصحابنا أن أبا عبدالله محمد بن داود -رحمه الله- دخل جربة سنة من ~~السنين زائرا فجلسوا عنده ذات يوم فجعل يعظهم ويذكرهم ويخصهم واحدا بعد ~~واحد، حتى أفضت النوبة إلى الشيخ أبي مسعود؟ فقال وما هو؟ قال بلغني عنك ~~انك تداين ضعفاء أهل جربة في حال العسر ثم تأتيهم لتقاضي دينك، فإذا رأوك ~~من بعيد أدخلت الروعة على المرأة والطفل، وأثمت فيهم، ويروع المديان منك، ~~واستدعيت منه بذلك ضعف دينك وقلة مروءتك، وما هو إلا أن يروك ويقولوا هذا ~~ابن أبي زكرياء قد أقل، فعل الله به وصنع، أترضى لنفسك ومنزلتك وأبويتك ~~ومنصبك أن تكون هذه منزلتك؟ كلا والله، ولكن جانب المداينات ما استطعت، فإن ~~لذلك رجالا فقال إني تائب يا شيخ ولا أعود. # أبو محمد عبدالله بن يحيى بن عيسى العباسي # ومنهم أبو محمد عبدالله بن يحيى بن عيسى العباسي -رحمه الله- ممن يقدمونه ~~إذا عد الأتقياء، وينسبون إليه السخاء متى عد الأسخياء، وكان لتحرجه لا ~~يتحرى من الطرق إلا ما يجري فيه خلاصه، ومن جوده الذي حيل عليه كان من ~~المؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. # الشيخ يدخر كرائم ماله لإكرام الضيف PageV02P280 حدثني بعض العزابة عن ~~الشيخ عبدالله عن علي قال خرجت من أريغ أريد وارجلان في جماعة من العزابة، ~~فسلكنا على تلا منزل الشيخ عبدالله ms301 بن يحيى، قال فخرج إلى العزابة فسلم ~~عليهم، وأنزلهم للضيافة، فلما دخلنا موضعه قدم لنا تمرا كبيسا معسلا، ولبنا ~~عجيبا، فلما أكلنا من ذلك ما اشتهينا أحضر صحفة ثريد، يقدر كل واحد منا أن ~~يأتي على آخرها وحده، أو هو وآخر حتى لا يبقى منها شيئا ولا يدره، قال: ~~وعليها من الزبد ما أخرجه من اللبن الذي شربناه أولا مع التمر، قال: فينظر ~~كل واحد منا إلى صاحبه تعجبا منه كيف قابلنا بالطعام القليل ونحن تسعة أو ~~عشرة، قال: ووضعنا فيه أيدينا وكلنا قد استقله، قال: فوالله لقد صدرنا ~~شباعا غاية الشبع، وفضلت منه فضلة صالحة، قال: فلما أراد العزابة الخروج ~~عدت إليه لأخبره، بذلك فوجدته يفرق تلك الفضلة على الجيران، ثم دخلت عليه ~~فصادفته على مرضخه وبين يديه حشف أحرش يابس وكوز ماء، وكلما رفع حشفة رضخها ~~وأزال نواتها وأكلها، وأتبعها بجرعة ماء من الكوز، وفض النواة لعلف الغنم، ~~فقلت له: ما هذا يا شيخ؟ هلا أكلت من التمر الذي أطعمتنا منه؟ فقال: يا بني ~~إن من أكل خيار ماله فقد أكل دم وجهه، وذلك مدخر لأمثالكم، وإن الذي بين ~~يدي مع العافية كثير. # يعرض عليه الإقامة والنفقة ليحفظه القرآن PageV02P281 ثم قال هل لك يا ~~عبدالرحمن في رأي هو خير لك من السفر؟ قلت: وما هو؟ قال: أن تقيم هنا ~~وتنتفع بتحصيل القرآن، وفوائد ولا تعدم ما تتزود به من المال؟ قال: فقبلت ~~بنصحه وأقمت عنده، وكان قوي الحفظ لكتاب الله العزيز، فكنت عنده في أرغد ~~عيش وفي اجتهاد وعكوف على درس القرآن قال: وأقبل فصل الربيع وخرجت أغنامهم ~~إلى المنزل الموالي للبرية طلبا للمرعى، ولينتفعوا بألبانها، وخرج بعض ~~العيالات، وكان الشيخ مقيما فيمن أقام إلا أنه لإبراره بي قال: يا بني إني ~~لأكره أن يفوتك اللبن وهو في هذا الفصل غنم، والاغتذاء به نعم، وأرى لك أن ~~تخرج مع العيال إلى المنزل والبراني، وتخرج معك مصحفا ولوحك، فإذا حفظت ~~محوت كلتي صفحتيه ثم كتبتها من المصحف، ثم جئتني ms302 فتعرضه علي، ثم تخرج وتكون ~~هنالك حتى تحفظ ما تحصل في اللوح، فلا يزال ذلك دأبك مدة الربيع، قال: ~~ففعلت وأمر من تكفل بمعيشتي أن يخرج تمرا طيبا برسمي وأمر المتكلف بعيشي أن ~~يجعل وصيبا مملوءا برسمي لا يتناوله غيري، فكنت على ذلك حينا حتى نلت ما ~~مناني به من حفظ القرآن والسير والفوائد، وإفادة المال. # عبدالسلام بن عبدالكريم # ومنهم عبدالسلام بن عبدالكريم المزاتي -رحمه الله- الورع الجواد الكثير ~~الاجتهاد، كم تردد على الخلق حتى استفاد، وتكرر في زيارة الشيخ حتى فاز ~~بالمراد. PageV02P282 # حكي عنه أنه قدم أول قدومه من الحلقة فسأله يوسف بن أبي حسان عن ثلاث ~~مسائل مما يستعجز به المبتدؤون العاجزون، فلم يجبه عن واحدة، فقال: عجلت ~~بالرجوع يا عبدالسلام وأنت محتاج إلى الحلقة فليت شعري ما الذي جاء بك؟ ~~قال: وقد أخجله بكلام شافهه به، فكان ذلك سببا لرجوعه إلى الحلقة، قال: ~~فرجعت إلى عيسى بن أحمد فقرأت عليه ما شاء الله، ثم رجعت فأجبت السائل الذي ~~سألني عن مسائله وعن غيرها، قيل وكان مفتيا لأهل مكانه يحتاج إليه أهل ~~زمانه، وعنه يحكون أنه قال: سافرت مرات فأحسن سفرة سافرتها أني سافرت مرة ~~ومعي أصحابي عزابة قدر ثلاثين رجلا، فإذا دعا أهل الرفقة بالكلام الذي هو ~~إشعار بالأكل حط العريف الزاد عن البعير، فما يحطه إلا وأصحابي محدقون به ~~لم يغب منهم أحد، وأحسن كتاب قرأته كتاب كتب إلي به الشيخ أبو عبدالله محمد ~~بن داوود وكتب لي فيه أخبار أهل الدعوة كلهم، وأحسن مركوب ركبته حمار صحبت ~~به خيل الأعراب، فكانوا يهمزون يولهم بالأشابر وحماري لم يتخلف عنهم. # أبو نوح يوسف وابنه أبو زكرياء يحيى PageV02P283 ومنهم أبو نوح يوسف ~~وابنه أبو زكرياء يحيى -رحمهما الله- لكليهما فيضان في العلوم يزري بفيضان ~~البحر، ونظم يزري بالدر، يباهي قلائد النحر، بل تزان به فوائد الدهر، ومآثر ~~حميدة الذكر، لها أنفاس نفيس العطر، وهما اللذان أحيا ما ورثاه عن جدهما ~~محمد بن بكر، وبقيت فيهما بركته تتوارث إلى هذا العصر، ms303 بل هي باقية إن شاء ~~الله إلى يوم الحشر، وكان كل واحد منهما شديد الغضب في الله متى قام في ~~إنكار المنكر، معتمدا على الحق في السر والجهر، فأما أبو نوح فقد كان ساعية ~~دأبه في تنمية الصلاح، ومحو آثار الفساد بحيث ما كان لا يفتر عن هذا الفن، ~~وكان مطاعا مسخرا إلى القوي والضعيف، والقريب والبعيد من أهل مذهبه وغيرهم، ~~وكان أوسع بضائع حفظه سير أهل الدعوة وأخبار السلف، فمتى رأيت في هذا ~~الكتاب أو في غيره من كتب المشائخ رواية عن أبي نوح فهو هذا الشيخ فاعرفه، ~~وأما أبو زكرياء فحدثوني عنه أنه كان أكثر حفظا من أبيه وله تأليف في ~~المذهب، وله فضائل مشهورة منها القصيدة الحجازية، وقصيدة في الاعتقاد، ~~ومخاطبته إلى الفقيه أبي إسحاق وغيره، أمسكت عن تقييد لك كله اختصارا. # قيام الشيخ بإحقاق الحق في وغلانة # احتفاء أهل وغلانة بالشيخ وقيامه بالعدل والإصلاح PageV02P284 وحدثنا بعض ~~تلامذته قال: انتقل الشيخ أبو زكرياء وبعض آله من »تينيسلي« إلى وغلانة ~~فأنزلهم أهل وغلانة، وأكرموهم إكراما بليغا، ووهبوا لهم أنواع المواهب حتى ~~ملكوهم أنواع الأملاك العظيمة من مركوب ومسكن وجنات وعيون، وأكثر ذلك لأبي ~~زكرياء وكان فيها بحلقته على أبر الأحوال، وكان متى سمع عن أحد من أهل قرى ~~أريغ فعلة شنيعة عن فساد أو فعل شيء من الكبائر أو ما يفضي إلى الفتنة ~~وتخريب العمار كائنا ذلك ما كان فإنه ينهض إليه بالحلقة، وإن احتاج إلى ~~عسكر استنهضه حتى يتمكن من الفاعل، فإذا ثبت ذلك عليه واستحق ووجب حد أن ~~قتل قتل، وإن سجن سجن، وإن تعزير بالحد أو بالنكال أنفذ ذلك كله، قال: فلقد ~~كنت في جملة تلامذة حلقته مرة من المرات، وكان في فصل الشتاء وكان البرد في ~~ذلك العام شديدا، فنال التلامذة ألمه فآثره بعض أهل الموضع بقطيفة، فكانوا ~~يتدثرون بها في الليل في بيت بالمدرسة، مكان مبيتهم، وكان إذ ذك ببلاد ~~»تنتمرنت« رجل عات من أفتك الفتاك، وأشهر الدعار، فبات التلامذة ليلة من ~~الليالي ms304 فنزع عنهم القطيفة، فقاموا ليدافعوه عنها فأصاب بعضهم بجراحات، ~~فلما أصبح وقد عرف الفاعل استعظم أهل الموضع ذلك، فخرج الشيخ وقد بلغت فيه ~~هذه الفعلة مبلغا عظيما لتعديه على غرباء مساكين منقطعين إلى الله، وكان ~~الفاعل ليس من أهل المذهب وفي بلد ليس فيه أحد من أهل المذهب، فأجمع رأي ~~جميعهم على أن يخرجوا بعسكر عظيم وينزلوا على البلد، ويطلبوا من أهله أن ~~يدفعوا لهم الجاني فإن دفعوه لهم ارتحلوا عنهم، وإن أبوا قاتلوهم، فرحلوا ~~بعسكرهم حتى نزلوا تنتمرنت فدفعوا لهم الجاني وارتحلوا عنها، فلما صاروا ~~ببعض الطرق ابتدره بعض العبيد فقتلوه. # ميمون بن أحمد المزاتي ويوسف بن أحمد PageV02P285 ومنهم ميمون بن أحمد ~~المزاتي ويوسف بن أحمد الوسياني -رحمهما الله- كلاهما لخلال الخير جامع، ~~وقد ألجأهما إلى سكنى درجين زمان غير مطاوع، فكان كل ما حفظاه من المسائل ~~كالضائع، وإن كان أحدهما أكثر حفظا بل الآخر أفقه في الشرائع، وأعلم ~~بالأجوبة المقاطع. # ذكروا أن الشيخ ميمون بن أحمد كان ذا فطنة وذكاء، وعقل وذهن، وكان مصدرا ~~بدرجين من قبل مقدمهما مولاهم أبي علي والجماعة، فكان حكمه عدلا، وقوله ~~فصلا، إلا أنه طال عمره، حتى كف بصره، فتخلى عن التشديد، وكان يتمنى أن ~~يلقى من يسأله من المسألة سؤال مستفيد، فقلما ظفر بسائل، أو بلقاء عارف، أو ~~معترف بما أوتي من الفضائل. # حدثني أبي -رحمه الله- قال: دخلت حلقة بني درجين وأنا صبي قبل أن أكمل ~~حفظ القرآن فكان الشيخ ميمون سببا لتمرني على قراءة الكتاب، لأنه كان ~~يعظمني إجلالا لوالدي، ويخصني بالفوائد، وذلك أنه متى خرج إلى المسجد دعاني ~~وقال اقرأ فآخذ الكتاب فأقرأ، فمتى توقفت في بعض ما يشكل علي قال لي: حرك ~~ولا ترهب، فإذا قرأت حرفا فأصبت أو صحفت استحسن ذلك، وكان يقول لي: لما كف ~~بصره اقرأ علي سورة كذا وكذا، وكان لا يخليني من فائدة وحدثني من لا أتهم ~~عن جدي يخلف أنه كان متى حضرته تحفة ذكر عندها الشيخ ميمون وكان يحض على ~~إكرامه، ويقول: أكرموا ms305 ميمون بن أحمد، قد اجتمعت فيه الصفات الثلاث عزيز ~~ذل، وغني افتقر، وعالم بين الجهال. # وأما يوسف بن أحمد فلا يبعد أن يكون حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فإنه ~~كان حفاظا، ولكن لا يحسن التصريف فيما يحفظه. PageV02P286 # بلغني أن رجلا من أهل توزر قدم نفطه ثم حضر إلى درجين فطلب مناظرا من أهل ~~مذهبنا، فيمن ينسب إلى التفقه، فأبرزوا له يوسف، فذاكره في مسألة يحفظها ~~سردا فتلعثم فيها ولم يتكلم بفائدة تقنع، فبلغ ذلك الشيخ ميمون فغاظه ~~واستقبحه، وقال: أقدمتم ذلك الجبان لمناظرة المخالف؟ وبئسما فعل، وكان ~~الشيخ يوسف كثير الورع والاجتهاد، ذا خمول واقتصار ممن يتعلم منه ويستفاد. # أبو الربيع سليمان بن عبدالسلام # ومنهم أبو الربيع سليمان بن عبدالسلام الوسياني -رحمه الله- أحد شيوخ ~~الحلق الكبار، الحافظ للسير والآثار، المروي عنه التواريخ والأخبار، لم ~~تفته سيرة لأهل الدعوة في كل الإعصار، وجملة أوصافه باختصار أنك متى وجدت ~~في هذا الكتاب أو غيره رواية قديمة عن أبي الربيع فهو راويها عن شيوخه ~~الأخيار. # يخلف بن يخلف وعلي بن يخلف # ومنهم يخلف بن يخلف وابنه علي -رحمهما الله- أما الشيخ فعلامة نسابة، ذو ~~خشوع وإنابة، وأجوبة في فنونه معلنات الإصابة، وأدعية سريعة الإجابة، وفتوة ~~على ذي الجنابة والغرابة، يستطيب بذل المعروف كل الاستطاب إن كهم قلمه ~~فاللسان قد حدث الآداب غرابة، وأما الابن ففصيح اللسان، ذكي الجنان، كثير ~~الإصابة والبيان، ممن يقلد في فنون الآداب وعلوم الأديان. # مكانة الشيخ يخلف لدى أهل الدعوة وغيرهم PageV02P287 وحدثني من لا أتهم ~~أنه كانت جماعة البربر وجماعة العرب من قبائل مختلفة، ومذاهب مفترقة يقصدون ~~الشيخ يخلف، فيجتمعون عنده أفواجا يقضي بينهم في الجراحات وغيرها، كلهم ~~راضون بحكمه، لا يرغب عنه أحد لمخالفة مذهبه، ولا يرد عليه قوله، وأما سكان ~~الحاضرة فكانوا مفتقرين إلى علمه، وحدثني أبو عبدالله بن بهلول النفطي قال: ~~ورد بعض الزوار على شيخنا أبي علي حسنون بن محمد النفطي، قال: فأخذ جلساؤه ~~من أهل بيته نفطة في ذكر مناقب يخلف العزابي وبنيه ms306 وأهل بيته، فأوسعوا في ~~القول والزائر الغريب يستحسن ويستغرب، حتى قال أحد الجلساء للشيخ: أترى يا ~~سيدي أنهم يرجى لهم الخير عند الله لهذه الأوصاف؟ وهم على ذلك المذهب فلم ~~يجبه بغير الصمت؟ فقال الزائر للشيخ: يا سيدي وما مذهبهم؟ قال الصلاح، ~~وانقطع الكلام. # وحدثني أبو الربيع عن أبيه قال: لما قفلنا يوما أنا والشيخ يخلف من جنته ~~بغابة نفطة فلقينا محمد بن عمران والد أبي علي المرابطي فسلم، وسأل عن ~~الحال، ثم قال: يا يخلف ما منزلتي عندكم جملة العزابة؟ قال: منزلة مشمش ~~ومفشفش يعني جلوازين حسينين كان بين يدي قاضي نفطة، فاستعظم ذلك لما سمعه ~~وكرهه، ثم قال: بماذا؟ قال: لأنك تقول تدخل النار ثم تخرج منها، وهما ~~يقولان أنهما يدخلان النار ثم يخرجان منها، فانبسط بعد الانقباض، فقال: ~~أهاهنا عدت؟ قال: نعم، قال: والله إنكم لمعذورون وإن حجتكم لقاطعة. # وقوع الشيخ والركب الذي معه في ضائقة عند رجوعهم من الحج PageV02P288 ~~وحدثني أبو الربيع عن أبيه قال: لما قفلنا من أرض الحجاز بعد قضاء الحج ~~ووصلنا الإسكندرية وقد قل ما بأيدينا فأجمع الرأي على الخروج من زي هؤلاء ~~المشاة، لأنا لا نقدر على ركوب البحر، ولا نجد ما نشتري به أبعرة، فنحمل ~~عليها، فاقتضى نظر الشيخ أن اشترينا بثمن ما بعناه من ثيابنا ومن فضلة ما ~~بأيدينا سقط المتاع كالإبر والمسلات وما خف من عطر، ثم خرجنا متوجهين إلى ~~المغرب ونحن نسير في قبائل الأعراب كل يوم، فإذا كان في آخر النهار بعنا ~~فيما والانا من الأحياء بما نقتات به من ذلك السقط، فما خرجنا من برقة إلا ~~وقد نفذ الزاد، وانقطع الأحياء من طريقنا، وليس لنا رفيق ولا دليل إلا الله ~~تعالى، وقال لنا الشيخ يخلف: توكلوا على الله واستخيروه وسيروا، قال: فسرنا ~~في مهامه لا شيء فيها، فربما وجدنا من المباح ما نقتات به مما تنبت الأرض، ~~وسلكنا جرزا لا نبات بها وليست بمسلك معتاد لسالك، فسرنا يومين أو ثلاثة، ~~وليس منا من ذاق طعاما، فلما ms307 كان في ضحى الثالث أو الرابع قام أمامنا شيء ~~لونه مخالف للون الحمرة، فتيممناه حتى وقفنا عليه، فإذا هو لبنة من جبن ~~عجيب، قال العزابة: ما ترى في هذا؟ فقال الشيخ يخلف: ما هذه بأرض عمارة، ~~ولا بطريق فنقول لعل له ربا، وما هذه إلا كرامة أكرمكم الله بها، فاقبلوا ~~كرامته، ثم تناول ذلك الجبن فقسمه بخنجر كان عنده على عددنا، ثم تقدم يقطع ~~الأرض، ونحن نتبعه، وقد اقتات كل واحد منا بنصيبه، ثم تمادينا نجد السير ~~إلى الغد، وقد كدنا نهلك جوعا فشكونا إليه ما أصابنا فأخرج من جيبه ما كان ~~أخذ بالأمس فإذا هو لم يذقه، فقسمه على عددنا وأكل معنا سهمه من هذه القسمة ~~الثانية، ثم سرنا غير طويل فلطف الله بنا ووصلنا ما والانا من البلاد على ~~أحسن حال، والحمد لله. # اشتغال الشيخ بالفقه وميل بعض أصحابه إلى الأشعار PageV02P289 وسمعت ~~جماعة ممن أدركه وممن أدرك من أدركه يروون عنه ألفاظا من منثور الحكم هو ~~منشئها لو قيدت صارت دواوين كلها نافعة للدنيا والدين، وكان ابنه قد أسرع ~~التنقل عن سلوك طريقة المتفحصين إلى النظر في علوم الدين، وبقي أصحابه ~~جاعلين شعارهم الأشعار، فربما عاتبهم على ذلك وبين أن في الاستغراق في الغر ~~والعار، وهم يصدون عنه، ولا يسمعون منه فمنهم الخلف بن الخلف المنبوز ~~بالزناد الوارجلاني، وعظه يوما فقال: أقلع عن هذه الأشعار فقد أكثرت، ~~واشتغل بالفقه، فقال مرتجلا: # ولا أقول إن هذا في الزناد مجون أو نقلته مما عبر عنه لسان شجون، بل إنما ~~حنينه إلى الأدب فجعل له صفات الحجون. # مقابلة مع ابن العمودي المتصوف # وكان القاضي عمر بن غزوة النفطي يقول له: ما رأيت مثل علي بن يخلف من ~~الناس، فمن عجيب ما رأيته منه أن أبا القاسم بن العمودي كان من مشائخ ~~المتصوفين قدم من توزر ومعه طلبته، فأكرمه طلبة نفطة وصوفيتهم وبالغوا في ~~إكرامه، فقلت: لا ينبغي أن يغيب أبو الحسن علي بن العزابي عن مثل هذا ~~الحضور، فأحضرته وقد حضروا، ms308 فلما رآه ابن العمودي قال لي: من هذا الجالس ~~معنا؟ قلت: هذا الفقيه أبو الحسن ابن العزابي، فقال: أهو من الذين يبغضون ~~عليا؟ فلما قال ذلك رأيت ظلمة حالت بيني وبينه وندمت على الاشتغال بإكرامهم ~~أو إذا اشتغلت بإكرامه، لم جنيت على نفسي وعلى صاحبي فما أغناني وإياه عن ~~هذا الحضور، فلما سمع علي منه هذا قال له: من أنباك هذا يا شيخ؟ قال: كذا ~~يذكرون عنكم، قال: فهل رأيت أحدا يسمي ولده باسم عدوه؟ قال: لا، قال: كان ~~أبي من فقهاء الوهبية وقد سماني عليا، قال: ثم أخذ معه في مذاكرة تشفي ~~الصدور، حتى استمال قلبه وملك لبه، فجعلت تلك الظلمة تنجلي حتى صرت في ~~ابتهاج عظيم، ولم يفترقا حتى قال أبو الحس: أريد أن لا تفارقني مدة إقامتي ~~بهذا البلد، وانفصل ابن العمودي يحمده ويحمد مذهبه. PageV02P290 # سفرة الشيخ إلى غانة ودخول الإسلام إليها على يده # وحدث جماعة من أصحابنا أن علي بن يخلف سافر إلى غانة سنة خمس وسبعين ~~وخمسمائة، فانتهى إلى مدينة »مالي« فأكرمه ملكها غاية الإكرام، وكان هذا ~~الملك مشركا وتحته مملكة عظيمة كل أهلها مشركون، وتحته اثنا عشر معدنا ~~يستخرج منها الذهب التبر، فكان الملك قلما يجلس مجلسا إلا أجلسه معه إكراما ~~له، وكان يتعجب من خلقه وخلقه، وكثرة عبادته ومحافظته على دينه، حتى عقد ~~النية على الانفصال، وقد قضى حاجته، وكان ذلك في سنة قحط شديد فشكت الرعية ~~ما أصابهم إلى ملكهم، فأمرهم بالاستسقاء فجعلوا يستسقون ويتقربون بقربانهم ~~التي يعتادونها في ملتهم، وذبحوا أنواع الحيوان من البقر والغنم والحمير، ~~حتى الأناسي والسنانير، فلم يسقوا، فقال الملك: لعلي ألا تدعو إلهك الذي ~~تعبده أن يسقينا؟« فقال له: لا يسعني ذلك وأنتم تكفرون به وتعصونه، وتعبدون ~~غيره، فإن آمنتم به وأطعتموه فعلت ذلك ورجوت أن يسقيكم، فقال له الملك: ~~علمني الإسلام وفرائضه حتى أتابعك عليه، وتستقي لنا، فعلمه كيف يقر ~~بالشهادتين فعلمهما، ثم قال اصحبني إلى نهر النيل ففعل، فعلمه كيف يتطهر ~~فتطهر، ولبس ثيابا طاهرة ms309 ورقى به ربوة فوق النيل(1) فعلمه الصلاة فصلى، ثم ~~قال إن أنا صليت فافعل ما تراني أفعل، وإذا دعوت فقل آمين، فباتا ليلتهما ~~في عبادتهما وضراعة إلى الله عز وجل، فلما كان بعد صلاة الصبح أنشأ الله ~~سبحانه سحابة فما حاولا الانحدار من الربوة حتى حالت السيول بينهما وبين ~~المدينة، فجاءهما زورق في النيل، فركبا حتى دخلا المدينة ودامت السحابة ~~سبعا غير مقلعة تسيح ليلا ونهارا، فزادت المؤمن إيمانا واستدعت إيمان ~~الكافر، فلما رأى الملك صنع الله تعالى دعا جميع أهل بيته إلى الإسلام، ~~فأجابوا ثم دعا أهل المدينة فقالوا: نحن عبيدك فأجابوا، ثم دعا من دنا من ~~المدينة من رعيته فأجاب أكثرهم ثم دعا الأقصين فقالوا: نحن عبيدك ولك منا ~~الطاعة PageV02P291 وتتركنا على ما ألفينا عليه آباءنا فسمح لهم، ثم حكم ~~بأن المدينة لا يدخلها إلا من آمن بالله ورسوله ومتى رؤي فيها كافر قتل، ثم ~~قال له: علمني القرآن وشرائع الإسلام فجعل يعلمه حتى تعلم جملة ينتفع بها، ~~فبينما هو عنده في ذلك إذ ورد عليه كتاب أبيه يستدعي منه المجيء ويحجر عليه ~~في الإقامة، فقال للملك: أعلم أني على السفر فقال: لا يحل لك أن تتركنا ~~نعود إلى العمى بعد أن أبصرتنا دين الهدى، فقال أعلم أن من فرائض هذا الدين ~~إبرار الوالدين وقد حجر علي والدي المقام، وهذا كتابه فلما رأى جده أحسن ~~منقلبه وانفصل، وبقوا على الإسلام والحمد لله رب العالمين. # ومن عجائب ما يحكى أن يخلف بن يخلف وجماعة من أصحابه صلوا صلاة الصبح ~~بمسجد ربض نفطة فقرءوا ما شاء الله وختموا، وذلك في يوم من أيام الشتاء ~~فقال لهم على وجه الدعابة، والبسط والدلال: من يغدينا اليوم ونوليه الإمارة ~~على أنفسنا؟ أومأ إلى موسى بن الياس المزاتي، فقال أنا أغديكم، وأكون ~~أميركم، وكان قريب عهد بالقدوم من البادية وقد صحبه من غلة غنمه ما يجهز به ~~غداءهم فقام فاحتفل لهم بالغداء، فلما أكلوا ودعوا بالبركة، قال له الشيخ ~~يخلف: أما إمارتك فلا تمكن ms310 فإنك واحد منا، ولكن إن شاء الله سيولد لك ولد ~~من الحمل الذي عندكم، وتسميه أفلح على اسم إمام المسلمين، ونرجوا أن يكون ~~عنده غنى وتكون فيه بركة إن شاء الله قال رواة هذا الحديث فقدر أن ولد له ~~ولد من ذلك الحمل، هذا الشيخ المبارك أبو سعيد أفلح، فسرت فيه همة الشيخ ~~يخلف وأصحابه، فكان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر مطاعا متبعا في كل ما ~~تقدم فيه من أفعال الخير، فهذا أمر شاهدناه عيانا، ألا ترى أن ذلك بفضل ~~الله ثم بركة الشيخ وأصحابه؟. # --------------------------- # 1- لعله يقصد نهرا من أنهار غانا كنهر النيجر مثلا لا النيل المعروف. # الشيخ سليمان بن علي PageV02P292 ومنهم سليمان بن علي -رحمه الله- ذو ~~سخاء ونزاهة نفس وورع، وكان فرضيا متقنا لمسائل الفروع في المذاهب ناظما ~~للقريظ إلا أن بضاعته من النحو مزجاة، وإن اتسع في اللغة، فلذلك قد يوجد في ~~شعره ما لا يجيزه أهل الصناعة، إلا أن أشعاره في الوعظ قد رويت وانتفع بها ~~وله قصيدة وعظية بلسان البربر، وهي مقفاه وإنها لمن العجائب، ومن أهم أموره ~~المحافظة على المذهب وله كرامات. # إن كانوا أولياء لله فإن الله لا يضيعهم # وأما سخاؤه فقد قال أبي -رحمه الله- : كان والدي -رحمه الله- ذا مال ~~بكنومة من عقار وناض، فلم يزل مبسوط اليد فيه حتى أنفذه ولم يبق لنفسه غير ~~دويرة وبستانين، وكان كلما رأوا فيه من كثرة الأضياف وقلة المبالاة بتلف ~~المال لم يعدم ناصحا يقول: ابق لأولادك بقية، واتق الله فيهم، فيقول: إن ~~يكونوا أولياء لله فإن الله لا يضيعهم وإن يكونوا غير ذلك فأنا أولى بمالي ~~منهم، قال: وكان دأبه إذا قام من نومه إلى صلاة الصبح يقول: "اللهم، أرضني ~~بما قضيت علي حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا أحب تأخير ما عجلت" قال وكان كذلك. # يرفض إعانته ويدعوه أن يقوم بالواجب بنفسه # وأما نزاهة نفسه فحدثوني أنه لما قل ماله ولم تنقص أفعاله أوصاه بياضة بن ~~عزوز وصاية نصيح مشفق، قال له: يا شيخ ms311 إن مالك قد قل، ومؤونتك قد كثرت، فهل ~~لي في خمسين ويبة تمرا أو مائة شاءة من أحمد تكون من عندي في كل عام تستعين ~~بها على أضيافك، وأضياف المسجد، وضعفاء أهل الدعوة، فقال له: لا والله إن ~~فيما أبقى الله لكفاية أؤدي منها حقوق من ذكرت ولو على عسر، ولكن إذا كنت ~~فاعلا فقم بحقوقهم كما قام به غيرك، وتولى ذلك بنفسك ومالك. # اعتزاله للفتنة والهروب منها PageV02P293 وأما ورعه فإن وهيبة كنومة لما ~~خرجوا منها لمكيدة كانت من نكارتها خرج جدي من البلد يلتحق بإخوانه غير ~~معلن فتنة ولا مسعرها، فقاموا إليه بجمع من أهل الفتنة من النكار، فقال ~~قائلهم: كيف نترك فقيه القوم ينجو وضربوه بل طعنوه طعنة من أراد قتله، ~~فنجاه الله منهم، وخرج جريحا وكان معه بعض أصهاره فافلتوه، واستحوذوا على ~~دور الوهبية فلم يدعوا فيها شيئا إلا انتهبوه، وكانوا قد أصابوا له ذخرا ~~كثيرا، أفلا ترى أنهم قد أذوه في النفس والحصن والمال والآل؟ ومع ذلك فلم ~~يكن منه إلى أحد منهم أذى في شيء من الأشياء قبل الفتنة ولا بعدها. # وأما نظمه فقد سمعته من أبي وامتنع أن يروي لي شيئا من شعر أبيه أو شعر ~~نفسه، فإنه كان يقول لي أنت أشعر مني وأنا أشعر من أبي، وحدثوني أن رجلا ~~جاء إلى جماعة في "كنومة" بعد موته فشكا علة مزمنة أشرفت به على الموت لا ~~يدري ما هي، ولم يدع علاجا إلا عالجها فلم يجد الشفاء فقال له رجل منهم: ~~هلم بثلاث بيضات من بيض الدجاج فأتاه بها، فقال له: إذا كان الغد فجئني ~~فقال له اطبخ هذه البيضات في ثلاثة أيام كل يوم واحدة وكلها متواليات كل ~~صباح واحدة، وفعل الرجل العليل ما أمره به فبرئ بإذن الله في أسرع وقت، ~~فجعلوا يتعجبون ثم سألوا الرجل العالج ما زدت في البيضة من خصائص؟ فقال: ما ~~زدت فيها شيئا، غير أني رأيت علة أعيت الأطباء فعلمت أنها لا تبرأ إلا بمنة ~~من الله ms312 الذي ابتلاه، فناجتني نفسي أن أتوسل إلى الله ببعض أوليائه فخرجت ~~إلى قبر سليمان العزابي فلما كان الصباح استخرجتها فكان فيها ما رأيت من ~~البركة. PageV02P294 # ومما حدثني به أبي عنه -رحمهما الله- أن أهل قرى "تقيوس" كانوا يعمرون ~~جنات غاباتهم بالمناصفة، فيكون لهم النصف من تمرتها وللسلطان النصف، ثم ~~يؤدون العشر من النصف فكانوا بذلك في ضيق شديد، وكان كل واحد منهم يحتال ~~فيما يتخلص به من ذلك قبل امتداد يد عامل السلطان، ولما كان سنة من السنين ~~خرج الخراصون إلى "تقيوس" يخرصون التمر، فلما قربوا من جنة الشيخ وعلى أنهم ~~يدخلونها بعد غد وكان ذلك يوم الجمعة، فتقدم الشيخ إلى الخدام فقال: أريد ~~تخفيف ما قدرنا عليه لنسلم من أن يخرص علينا، فجعلوا يقتلعون العراجين من ~~كل نخلة نصف غلتها والثلث والربع على حسب ما يأمنون غائلة العامل، فلما ~~جمعوا ما أرادوا جمعه من التمر وجعلوا يحتالون في تنقيله حتى يدخلوه البلد ~~ليلا إذا بالخراصين قد دخلوا في طرف الجنة، لأنهم قالوا نريد أن تخرص هذه ~~الجنة ونطلع لئلا تفوتنا صلاة الجمعة، فلما رأوهم وبين أيديهم كدس عظيم ~~يراه الأعمش عن بعد فخاف ما يخاف أمثاله، وقال: "اللهم لا تفضح شيبتي" قال: ~~فوالله لقد اجتازوا إلى الجنة وخرصوا ثمرها فأعماهم الله عن الكدس فلم يروه ~~ولا خرصوا النخل التي هو فيها، فقال: أما الآن فنرفع ثمرنا علانية والحمد ~~لله رب العالمين. # يوسف بن سد ميمان PageV02P295 ومنهم يوسف بن سد ميمان -رحمه الله- من ~~المعدودين في القوامة بالليل، والصوامين بالقيل، والداعين المستجابين ~~المصيبين والصابرين وإن كانوا مصابين، حدث أبي -رحمه الله- قال كان هذا ~~الشيخ آخر أشياخ أهل الدعوة من أهل "دقاش" يعني منزله من قرى "تقيوس" وكان ~~في آخر عمره وقد أصيب بصره، وقل ماله فلم يزدد بذلك إلا رضى بقضاء الله، ~~واجتهادا في طاعته، وكان الزوار يقصدونه من كل ناحية تبركا به، قال فقصده ~~يوما عزابة كنومة يزورونه وفيهم أخي محمد، وكان حدثا، وذلك بعد وفاة أبيه، ~~قال محمد: فدخلنا عليه ms313 فصافحناه وسلمنا عليه، وقال للعزابة من هذا معكم ~~أسمع صوته ولا أعرفه؟ قالوا له: إن هذا من أولاد الشيخ سليمان قال ثم بكى ~~عند ذلك، وقال إلي يا ابن الحبيب ثم أنشد متمثلا: # قال ثم أورد علينا من المواعظ والحكم والأمثال، ما لم أسمعه من أحد قبله ~~ولا في حلقة من الحلق. # الشيخ يأبى من أكل المال المراب # وحدثنا أبو الربيع أن يوسف بن سد ميمان سار من درجين يريد توزر فصحب ناسا ~~من العرب فكانوا في إبلهم ووجدوا في الطريق خصبا عظيما لم تسمح نفوسهم بأن ~~يتجاوزوه ولم ترعه إبلهم، فساروا ثلاثة أيام بين نفطة وتوزر، قال والشيخ ~~معهم لم يذق طعامهم ولا شرابهم، قال فلم يدخل توزر إلا وقد آذاه الجوع ~~والعطش، فكان أول من لقي بها جماعة من أهل درجين فرغبوا إليه أن يتغدى ~~معهم، وقد عرفوا ما دلهم على شدة ما ناله من الجوع، قال: ومعهم صرة ينفقون ~~منها ويقضون بها حوائجهم فأخذوا منها ما اشتروا به غذاءهم وغذاء الشيخ ~~فأكلوا ودعا لهم بالبركة وانصرف إلى تقيوس، قال الدرجينيون فأقمنا أياما ~~ننفق من تلك الصرة ونقضي بها حوائجنا وخرجنا من توزر والصرة بحالها لم ~~ينتقص منها شيء، والحمد لله رب العالمين. # تم كتاب الطبقات بحمد الله العظيم. # وحسن عونه الكريم والله الموفقومنهم يوسف بن سد ميمان -رحمه الله- من ~~المعدودين في القوامة بالليل، والصوامين بالقيل، والداعين المستجابين ~~المصيبين والصابرين وإن كانوا مصابين، حدث أبي -رحمه الله- قال كان هذا ~~الشيخ آخر أشياخ أهل الدعوة من أهل "دقاش" يعني منزله من قرى "تقيوس" وكان ~~في آخر عمره وقد أصيب بصره، وقل ماله فلم يزدد بذلك إلا رضى بقضاء الله، ~~واجتهادا في طاعته، وكان الزوار يقصدونه من كل ناحية تبركا به، قال فقصده ~~يوما عزابة كنومة يزورونه وفيهم أخي محمد، وكان حدثا، وذلك بعد وفاة أبيه، ~~قال محمد: فدخلنا عليه فصافحناه وسلمنا عليه، وقال للعزابة من هذا معكم ~~أسمع صوته ولا أعرفه؟ قالوا له: إن هذا من أولاد الشيخ سليمان ms314 قال ثم بكى ~~عند ذلك، وقال إلي يا ابن الحبيب ثم أنشد متمثلا: # قال ثم أورد علينا من المواعظ والحكم والأمثال، ما لم أسمعه من أحد قبله ~~ولا في حلقة من الحلق. # الشيخ يأبى من أكل المال المراب # وحدثنا أبو الربيع أن يوسف بن سد ميمان سار من درجين يريد توزر فصحب ناسا ~~من العرب فكانوا في إبلهم ووجدوا في الطريق خصبا عظيما لم تسمح نفوسهم بأن ~~يتجاوزوه ولم ترعه إبلهم، فساروا ثلاثة أيام بين نفطة وتوزر، قال والشيخ ~~معهم لم يذق طعامهم ولا شرابهم، قال فلم يدخل توزر إلا وقد آذاه الجوع ~~والعطش، فكان أول من لقي بها جماعة من أهل درجين فرغبوا إليه أن يتغدى ~~معهم، وقد عرفوا ما دلهم على شدة ما ناله من الجوع، قال: ومعهم صرة ينفقون ~~منها ويقضون بها حوائجهم فأخذوا منها ما اشتروا به غذاءهم وغذاء الشيخ ~~فأكلوا ودعا لهم بالبركة وانصرف إلى تقيوس، قال الدرجينيون فأقمنا أياما ~~ننفق من تلك الصرة ونقضي بها حوائجنا وخرجنا من توزر والصرة بحالها لم ~~ينتقص منها شيء، والحمد لله رب العالمين. # تم كتاب الطبقات بحمد الله العظيم. # وحسن عونه الكريم والله الموفق ms315