######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_004008
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: المحقق الحلي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 676
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: المسلك في أصول الدين
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_004008
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4008_المسلك-في-أصول-الدين-المحقق-الحلي
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: رضا الأستادي
#META# 041.EdNUMBER :: الثانية
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1421 - 1379 ش
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما أباح من النعم، وأتاح (1) من
~~القسم، حمدا يبلغنا أرفع محال ذوي الهمم، ويوصلنا إلى المقام الأكرم، وصلى
~~الله على أشرف الأمم، وأفضل العرب والعجم، محمد بن عبد الله ذي الفضل
~~الأقدم، والمجد الأعظم، وعلى آله مصابيح الظلم، وينابيع الحكم، وسلم وكرم
~~أما بعد فإنه لما كان الخوض في تحقيق العقائد من أنفس الفوائد، وأعز
~~الفرائد، وجب على كل ذي فطنة أن يصرف رويته (2) إلى استخراج حقائقها، وكشف
~~غوامضها ودقائقها، ولما كانت الطرق إلى ذلك مختلفة، والوسائل إليه منكرة
~~ومعرفة، وجب أن نسلك أتمها تحقيقا، وأوضحها مسلكا وطريقا، وهو النهج الذي
~~سلكه متأخروا المعتزلة (3)، رأيت أن أملي مختصرا يقصر عن
# PageV00P033
# هجنة (4) التطويل، ويرتفع عن لكنة (5) التقليل، يكون مدخلا إلى مطول
~~كتبهم، وموصلا إلى تحصيل مذاهبهم، فاقتصرت منها على المهم، امتثالا لسؤال
~~من سأل، متوكلا على الله، مستمدا منه المعونة والتوفيق.
# والغرض بهذا العلم إنما هو التوصل إلى السعادة الأخروية بسلوك طريق الحق.
# وتحصيل هذا الغرض يقف على بيان إثبات الصانع، وما يصح أن يوصف به من
~~الصفات الإثباتية والسلبية، والنظر في أفعاله سبحانه وتعالى، والنظر في
~~النبوات والإمامة (6) فإن من عرف هذه الأمور بالأدلة أمن من الزلل في كل
~~مقام منها، وأمكنه أن يرشد إليها من ضل عنها، وكان آمنا في معاده، واثقا
~~بصحة ما أخبرت به الرسل، إذ العلم بصدق الرسل يتوقف على ثبوت الحكمة
~~الإلهية، المتوقفة على ثبوت الغنى الذاتي، المتوقف على وجوب الوجود وإحاطة
~~العلم، المتوقف وجوب ثبوت الذات الإلهية. وأنت متحقق أن العلم بالفرع متوقف
~~على العلم بالأصل. ثم العلم بإثبات الصانع إنما يتوصل إليه بأفعاله، فما
~~كان متفردا بالاقتدار عليه كان هو
# PageV00P034
# الطريق الموصل إليه كالجواهر والأعراض المخصوصة، فلتكن العناية حينئذ
~~بإثبات العلم بأبواب التوحيد (7) مقدمة على سائر الأبواب العقلية، ويحصرها
~~ثلاثة مطالب.
# PageV00P035
# النظر الأول في أبواب التوحيد PageV00P037
# المطلب الأول في إثبات العلم بالصانع والدليل على ذلك أن الأجسام محدثة،
~~وكل محدث فله محدث.
# وقبل تقرير هذه الحجة، ms001 لا بد من بيان المراد بالألفاظ التي اشتملت عليها،
~~وما يتعلق بها تقريبا.
# فالجسم هو الطويل العريض العميق.
# والجوهر هو الحجم الذي لا ينقسم. (8) والمحدث هو الذي لوجوده أول.
# والقديم عكسه.
# والعرض ما وجد في الجوهر من غير تجاوز. (9)
# PageV00P039
# والحركة هي زوال الجوهر من محاذاة إلى أخرى. (10) والسكون حصول الجوهر في
~~محاذاة أزيد من وقت واحد.
# والاجتماع تماس جوهرين.
# والافتراق عكسه.
# والكون هو حصول الجوهر في المحاذاة. (11) إذا عرفت هذا فنقول: الدلالة
~~على المقدمة الأولى هي (12) أن الأجسام لم تسبق الحوادث المتناهية، وكل ما
~~كان كذلك فهو محدث.
# أما أنها لم تسبق الحوادث، فلأنا نعني بها الكون المطلق، وقد بينا أنه
~~عبارة عن الحصول في المحاذاة، وينقسم إلى الحركة والسكون بالمزايلة واللبث،
~~وبالضرورة أن الجسم بعد وجوده يستحيل أن يخرج عن المحاذاة، ثم هو إما لابث،
~~وهو الساكن، أو منتقل وهو المتحرك.
# وبيان أن هذه الأمور زائدة على الجسم أنها تزول مع بقاء الجسم، ويقدر
~~عليها من لا يقدر عليه.
# وأما بيان حدوثها فلأنها يجوز عليها العدم، والقديم لا يجوز عليه
# PageV00P040
# العدم. أما جواز عدمها فلأن الأجسام متساوية في الجسمية، فلو وجب لبعضها
~~أن تكون متحركة أو ساكنة، لوجب في الكل كذلك، لكنه باطل، إذ كل جسم يصح
~~اختلاف (13) الحركة والسكون عليه. وأما أن القديم لا يجوز عليه العدم، فلأن
~~القديم إن كان واجب الوجود استحال عدمه، وإن كان جائز الوجود كان المؤثر
~~فيه واجب الوجود، إما بمرتبة أو مراتب، لاستحالة التسلسل والدور، ويلزم من
~~بقائه بقاء معلوله، لاستحالة أن يكون أثرا لمختار. (14) وأما بيان أن هذه
~~الحوادث متناهية، فلأن صدق الحدوث على آحادها يستلزم صدقه على نوعها، إذ
~~النوع لا يتحقق موجودا في الخارج منفكا عن شخص. ولأن كل واحد منها مع فرض
~~حدوثه مسبوق بعدم لا أول له، فمع فرض أن لا بداية تكون الأعدام مفروضة، فإن
~~لم يحصل من آحادها شئ عند ذلك الفرض فهي متناهية، وإن حصل لزم السابق
~~والمسبوق (15) وهو محال.
# وأما أن ما لم ms002 يسبق الحوادث المتناهية فهو حادث فضرورية.
# وإذا ثبت حدوثها ثبت أن لها محدثا أحدثها لأنها حدثت مع جواز أن لا تحدث،
~~فلو حدث من غير محدث لحدث الجائز من غير مؤثر وهو محال.
# وإنما قلنا: إنها حدثت مع الجواز، فإنه لو وجب حدوثها لم تكن بأن تحدث في
~~ذلك الوقت بأولى من غيره، فكان يلزم قدمها، أو الترجيح من غير مرجح.
# PageV00P041
# المطلب الثاني في ما يوصف به سبحانه من الصفات الثبوتية ويحصرها ثلاثة
~~أقسام:
# الأول: ما يجب للذات، الثاني: ما يجوز تجدد وصفه به، الثالث: النظر في
~~كيفية استحقاقه لهذه الصفات.
# الأول: أربعة أوصاف:
# الوصف الأول: كونه قادرا، ومعنى القادر: الذي يصح أن يفعل وأن لا يفعل
~~إذا كان الفعل ممكنا ولم يمنع منه مانع.
# وقيل: " القادر: من كان على حال لكونه عليها يصح أن يفعل " (16) وهو باطل
~~لأنا نعلم القادر وإن لم نعلم هذه الحالة.
# PageV00P042
# وإذا عرفت معنى القادر، فالدليل على أنه على هذا الوصف: ما سبق من كونه
~~فعل العالم على سبيل الصحة (17). وتحقيق ذلك أن نقول: لو لم يكن قادرا لكان
~~موجبا، واللازم محال، فالملزوم مثله.
# أما الملازمة فظاهرة، لأنه إما أن يفعل مع الجواز أو لا معه، والأول
~~قادر، والثاني موجب. وأما بطلان اللازم فلأنه لو فعل مع الوجوب للزم قدم
~~العالم، لأنه إن كان موجبا بلا شرط لزم وجوب أثره معه، وإن كان بشرط، فإن
~~كان عدميا كان عدما لموجود قديم، وعدم القديم محال، وإن كان وجوديا وكان
~~حادثا لزم إما التسلسل أو الدور، أو أن يكون في الوجود واجبين لذاتيهما وكل
~~ذلك محال، وإن كان قديما لزم قدم العالم، إذ مع وجود العلة التامة وشرط
~~التأثير يحصل الأثر. (18) وأما القائلون بإثبات الحال للقادر، قالوا: صحة
~~الفعل من إحدى الذاتين دون مماثلها يقتضي اختصاصها لمزية راجعة إلى الجملة،
~~ضرورة اختصاص الحكم بالجملة، ولا نعني بالحال في هذا المقام إلا مزية راجعة
~~إلى الجملة.
# فيقال لهم: لم لا يجوز أن يكون صحة الفعل لذاته المنفردة بحقيقتها ms003
# PageV00P043
# عن سائر الذوات؟ فإن قالوا: نفرض هذا في ذاتين متساويتين. قلنا: لم لا
~~يرجع إلى التركيب والتأليف المخصوص؟ فإن قالوا: ذلك يختص الآحاد، فلا يجوز
~~أن كون مقتضيا لما يختص بالجملة، كما أن ما يختص بزيد لا يعلل بما يرجع إلى
~~عمرو. قلنا: نمنع المساواة ثم نطالب بدليل الجمع. ثم ننقض ذلك بالحال التي
~~يثبتونها فإنهم يعللونها بالقدرة، وهي قائمة ببعض الجملة.
# ثم نقول: لو وقف امتياز الذوات على الأحوال لما حصل الامتياز. بيان
~~الملازمة أن الذوات لو لم تكن متميزة بأنفسها لكانت الأحوال إما غير
~~متميزة، فيلزم عدم الامتياز، أو متميزة بحال أخرى، فيكون لكل حال حال، وهو
~~محال، وإن تميزت بنفوسها لزم أن يكون المفروض ذاتا لا حالا، وإن تميزت
~~بحكمها كما يقولون، نقلنا الكلام إلى الحكم، ثم نقول: إذا جاز أن يتميز
~~الحال بالحكم فلم لا يجوز مثله في الذات.
# الوصف الثاني: كونه عالما، والعالم هو المتبين للأشياء تبينا يصح معه
~~إحكام الفعل. والدليل على كونه عالما أنه فعل الفعل المحكم، وكل من كان
~~كذلك فهو عالم. أما المقدمة الأولى فالاستقراء يحققها، وأما الثانية
~~فبديهية.
# وربما قال قوم: العالم من كان على صفة لكونه عليها يصح منه إحكام ما وصف
~~بالقدرة عليه تحقيقا أو تقديرا. (19) فنقول: إن عنيتم بالحال تبينه للأشياء
~~فهو وفاق، وإن عنيتم أنه حال تقتضي التبين فهو ممنوع.
# PageV00P044
# الوصف الثالث: كونه حيا، ونعني بالحي: الذي يصح أن يعلم ويقدر، وقد ثبت
~~أنه قادر عالم، فيجب أن يكون حيا.
# وقال قوم: " الحي من كان على صفة لكونه عليها يصح أن يعلم ويقدر "
~~واستدلوا على ذلك بمثل ما استدلوا به على حال القادر. ونحن نقول: لم لا
~~يجوز أن يكون ذلك الحكم راجعا إلى ذاته المنفردة بحقيقتها؟
# فإن قالوا: الذوات متماثلة فلا بد من مائز. قلنا: سنبين ضعف هذا القول.
# الوصف الرابع: كونه موجودا، ونعني بالموجود ما له حقيقة في الخارج، لا
~~نعني به زيادة عن ذلك.
# وقال قوم: الموجود له بذلك وصف زائد على حقيقته، ms004 حتى أنه إذا كان ممكنا
~~جاز انسلاخه عن ذلك الوصف مع تحقق هويته ثابتة في الخارج، لا إشارة إلى
~~كونه صورة ذهنية، ولا اقتصارا على كونه ممتازا في علم العالم، حتى انتهى
~~بعضهم إلى التصريح بأن ذاته وصفة ذاته التي زعموا بها يحصل الاختلاف
~~والتماثل ثابتة أزلا خارج الذهن، وأن ليس للفاعل في حقيقته تأثير، بل
~~تأثيره في إيجاده، لا في كونه ذاتا ولا جوهرا مثلا إن كانت الذات جوهرا،
~~ولا في حجميته بعد وجوده، بل أثره في تحيزه بكونه يفعل الشرط وهو الوجود
~~حسب. PageV00P045
# ثم زعموا أن للبارئ بكونه موجودا حالا زائدة على حقيقته المقدسة.
# ونحن نمنع من ذلك كله، ونقول: إن معنى كونه تعالى موجودا أنه حقيقة وذات
~~في الخارج، وكذا كل ذات نصفها بالوجود لا نعطيها زيادة على هذا المعنى.
# والدليل على ذلك، أنه لو كان الموجود زائدا على الذات لكان لا يخلو إما
~~أن يتصف بالوجود، فيكون للوجود وجود، أو لا يتصف به فيكون نفس العدم، أو
~~يكون لا موجودا ولا معدوما فيجتمع فيه النقيضان، والكل محال.
# فإن امتنعوا من إجراء الوجود على الحال كان ذلك تعصيا غير مقبول، لأن على
~~تقدير كون الحقيقة ثابتة فتأثير المؤثر في جعلها حقيقة محال، لأنه تحصيل
~~الحاصل، فلا بد أن يكون تأثيره في الوجود، فإن لم يكن الوجود شيئا مفروضا
~~استحال تأثير المؤثر فيه، وإن كان شيئا زائدا وردت عليه الأقسام ضرورة،
~~فالامتناع بعد ذلك من إجراء لفظ الوجود عليه مع كونه في الحقيقة أثرا
~~للفاعل باطل.
# فإن قالوا: التأثير في جعل الذات موجودة. قلنا: فلننقل الكلام إلى ذلك
~~الجعل، فإن كان زائدا على الذات - وهو أثر المؤثر - لزمت المحذورات التي
~~أشرنا إليها، وإن لم يكن زائدا استحال تأثير المؤثر فيه، فلا يكون له أثرا
~~في جعل الحقيقة حقيقة وهو المطلوب.
# ثم الدليل على أنه تعالى موصوف بذلك تأثيره في الموجودات، والتأثير لا
~~يحصل مع العدم. (20)
# PageV00P046
# القسم الثاني من الصفات وهو خمس:
# الأول: وصفه بكونه مدركا، فالأكثرون جعلوا له ms005 بذلك وصفا زائدا على كونه
~~حيا عالما. واحتجوا لذلك بأن الإنسان قد يدرك ما لا يعلم. (21) وبأنه يجد
~~نفسه عند الإدراك على حال لم يكن قبل ذلك.
# والحق أنه ليس زائدا على كونه عالما بالمدرك، والزيادة التي أشاروا إليها
~~ليست إلا تأثير المدرك في محل الإدراك لا غير، أو قوة العلم بوجود السبب
~~المولد (المؤكد) لوضوح العلم، والعلم قد يتفاوت بالقوي والأقوى.
# الثاني والثالث: وصفه بكونه سميعا بصيرا. فنقول: اتفق المسلمون على إجراء
~~ذلك عليه سبحانه واختلفوا في معناه، فحكي عن أبي هاشم (22) ما
# PageV00P047
# توهم (23) أن له بذلك حال زائدة على كونه حيا وعالما. وقال الأكثرون: إن
~~المرجع بذلك إلى كونه حيا لا آفة به. وقال البغداديون (24) [من المعتزلة]:
# المرجع بذلك إلى كونه عالما بالمسموعات والمبصرات.
# واحتج النافون لهذه الحال بأنه لو كان له بكونه سميعا حال زائدة على كونه
~~حيا لا آفة به، جاز أن يعلم إحدى الحالتين منفكة عن الأخرى، لكن ذلك محال،
~~إذ كل من عرف حيا لا آفة به، عرف أنه سميع بصير. (25) ولأنه لو كان له بذلك
~~حال، لكان لتلك الحال حكم مغاير لحكم كونه حيا، وقد عرفت أن الحي هو الذي
~~يصح أن يسمع ويبصر كما يصح أن يعلم ويقدر.
# PageV00P048
# والمرتضى رحمه الله (26) يجعل ذلك حكما ولا يثبت به وصفا زائدا ويقول:
~~معنى ذلك، أنه يصح أن يسمع المسموع ويبصر المبصر إذا وجد، وهذه الصحة حكم
~~لا حال. (27) ثم يجري عليه ذلك الاسم أزلا وأبدا، لأنه موصوف بالمقتضي له
~~وهو كونه حيا، وأما كونه سامعا مبصرا فهو عبارة عن إدراك المسموع والمبصر،
~~وذلك لا يكون إلا بعد وجودهما، فيوصف لذلك بهما أبدا ولا يوصف أزلا. (28)
~~الرابع والخامس: وصفه بكونه مريدا وكارها. اتفق المسلمون على
# PageV00P049
# ذلك، اختلفوا في معناه، فذهب أبو هاشم وأتباعه (29) إلى أن له بكل واحد
~~منهما وصفا زائدا على كونه عالما. وقال البغداديون: المرجع به إلى الداعي
~~الخالص إلى الفعل. وقال غيرهم: إن المعنى بذلك غير ساه عن ما يفعله، ومريد
~~لفعل ms006 غيره، بمعنى أنه آمر به.
# واحتج أبو هاشم بأن الواحد منا يجد نفسه على حال عند قصده إلى أفعاله
~~وجدانا ضروريا، وليس المرجع بذلك إلى كونه عالما، لأن ذلك يكون قبل حصول
~~ذلك القصد، فلا بد من إثبات حال زائدة، ثم يسوون بينه تعالى وبين الواحد
~~منا في تلك الحال.
# وربما استدلوا على ذلك بأنه أمر ونهى، وكل واحد منهما لا يكون كذلك إلا
~~بالإرادة في الأمر والكراهة في النهي، ثم يعللون تلك الحال في حق الواحد
~~منا بإرادة يفعلها في قلبه، وفي حق البارئ بإرادة يفعلها لا في محل،
~~لاستحالة قيام الإرادة بذاته، إذ ليس محلا للحوادث، ولا في غيره من جماد
~~لافتقارها إلى محل الحياة، ولا في حي لأن ذلك يمنع من رجوع حكمها إليه
~~تعالى، فوجب أن تكون لا في محل.
# والنافون لهذه الحال قالوا: لو كان مريدا بإرادة لكان ذلك باطلا،
~~لاستحالة قيام الإرادة بذاته وبغيره، وكما يستحيل ذلك يستحيل وجودها لا في
~~محل، كما يستحيل وجود السواد لا في محل.
# والأظهر رجوع ذلك إلى الداعي الخالص إلى الفعل.
# PageV00P050
# القسم الثالث: في كيفية استحقاقه لهذه الصفات (30) ولا بد من تقديم مقدمة
~~يوقف منها على تحقيق ما نعنيه بالوصف له تعالى بذلك.
# فنقول: الذي نختاره أن معنى كونه قادرا أن ذاته سبحانه متميزة بحقيقتها
~~تميزا لأجله يصح أن يفعل وأن لا يفعل، لا أن له بذلك حالا قائمة بذاته،
~~وكذلك في كونه عالما فإنه نعني به أن ذاته يجب لها أن تتبين الأشياء، وكذا
~~في كونه حيا أنه يصح أن يعلم الأشياء ويقدر عليها، لا نعني زيادة عن ذلك.
# ثم هذه الأحكام المشار إليها تجب لذاته وجوبا ذاتيا. والدليل على ذلك،
~~أنه لو لم تكن ذاتية لافتقر حصولها إلى مؤثر، لكن ذلك محال، لأنه يلزم إما
~~التسلسل، أو الدور، أو اجتماع واجبي الوجود في الوجود وهو محال.
# وتحقيق ذلك أن المؤثر في جعله على تلك الصفات إما أن يكون واجب الوجود أو
~~جائز الوجود، ويلزم من الأول ms007 اجتماع واجبي الوجود في الوجود، وإن كان جائز
~~الوجود، افتقر إلى مؤثر، ثم الكلام فيه كما في الأول، فيلزم الدور أو
~~التسلسل، وكل واحد من الأقسام باطل. وإن كان المؤثر فيه ذات الله سبحانه،
~~لزم اتصافها بهذه الأوصاف قبل تأثيرها في ذلك المؤثر. فلو لم
# PageV00P051
# يتصف بها إلا به لزم الدور بتقدير أن يكون فاعلا له بالاختيار. وبتقدير
~~أن يكون على سبيل الإيجاب، فإن قام بذاته لزم التركيب، وإن كان خارجا عن
~~ذاته وكان لا في محل لم يكن بأن يوجب له الحكم بأولى من غيره، فلو أوجب له
~~الحكم لزم الترجيح من غير مرجح، وإن كان في محل حي، وجب رجوع حكمه إلى
~~المحل، ولا يجوز أن يكون في جماد إذ الضرورة قاضية باستحالة حصول القدرة في
~~الجماد، ولا معنى للقدرة إلا ما يوجب كون القادر قادرا، وإذا كان اتصافه
~~سبحانه بها لغيره يؤدي إلى هذه الأقسام الفاسدة وجب أن يكون فاسدا.
# وأما كونه موجودا فقد بينا أنه عبارة عن نفس حقيقته المقدسة. بقي علينا
~~أن نبين أنها واجبة بحيث يستحيل أن نفرض عدمها.
# والدليل على ذلك، أنه لو لم يكن واجب الوجود لكان ممكنا، لكن هذا محال،
~~لأنه يفتقر إلى مؤثر، ثم الكلام فيه كما في الأول، فيلزم إما التسلسل، أو
~~الدور، أو الانتهاء إلى واجب بذاته وهو المطلوب.
# والدليل على بطلان التسلسل، أنه فلو تسلسلت العلل والمعلولات، لكان إما
~~أن يكون بعضها علة لبعض، وإما أن لا يكون معلولة، وإما أن يكون معلولة
~~لغيرها، ويلزم من الأول الدور (31)، ومن الثاني خروجها عن كونها ممكنة مع
~~فرضها كذلك، ومن الثالث انتهاؤها إلى الواجب، لأن الخارج عن الممكنات واجب،
~~وإلا لكان داخلا فيها، وقد فرض خارجا، هذا خلف.
# وأما بطلان الدور، فلأنه لو جاز أن يكون الأثر علة في مؤثره لزم أن
# PageV00P052
# يكون علة في نفسه، فيلزم أن يكون موجودا حال ما يفرض معدوما، أو مستغنيا
~~حال ما يفرض محتاجا، وكل ذلك باطل. (32) وإذا وجب أن يكون هذه الصفات ms008
~~نفسية، وجب أن يكون قادرا على كل ما يصح أن يكون مقدورا له، وعالما بكل
~~معلوم، لأن نسبة ذاته إلى ذلك متساوية، فلو لم يكن قادرا على كل مقدور،
~~وعالما بكل معلوم، لزم إما أن يكون قادرا على البعض، وهو ترجيح من غير
~~مرجح، أو لا على شئ، وهو نقض لكونه قادرا، وقد بينا أنه كذلك، هذا خلف.
~~(33)
# PageV00P053
# المطلب الثالث في ما ينفى عنه من الصفات وهو قسمان: منها ما لفظه لفظ
~~الإثبات ومعناه النفي وهو قسمان:
# الأول: وصفه بكونه تعالى غنيا، ونعني به أنه حي ليس بمحتاج.
# والدليل على ذلك أن الاحتياج قد يكون في الذات، كاحتياج الأثر إلى مؤثره،
~~وفي الصفات، كاحتياج القادر في كونه قادرا إلى القدرة، وقد يكون في جلب
~~المنافع ودفع المضار، وهو سبحانه غني بهذه الاعتبارات الثلاثة.
# أما استغناؤه في ذاته وصفاته، لما بينا من كونه واجب الوجود بذاته، ومن
~~كون صفاته واجبة لذاته وجوبا ذاتيا، وأما استغناؤه عن جلب المنافع ودفع
~~المضار، فلأن ذلك إنما يجوز على الأجسام، وإذا بينا أنه ليس بجسم تبين أنه
~~لا ينتفع ولا يستضر. (34)
# PageV00P054
# الثاني: وصفه بكونه واحدا، ونعني به أنه لا ثاني له في وجوب الوجود.
# والدليل على ذلك: إنه لو كان في الوجود واجبان، لكانا مشتركين في ذلك،
~~فإن لم يحصل بينهما امتياز من وجه، فهما واحد لا اثنان، وإن حصل بينهما
~~امتياز، فذلك الامتياز إما مقوم، وإما عارض، ويلزم من الأول التركيب، ومن
~~الثاني استواؤهما في العارض، ضرورة استوائهما في المقتضي له، لاستحالة
~~إفادة ذلك العارض من غير، لكن التركيب في واجب الوجود محال، لأنه إن لم
~~يحصل بينهما تلازم جاز انفكاك أحدهما عن الآخر، ومع فرض ذلك لا تبقى
~~الحقيقة، وإن كان بينهما تلازم من الطرفين، فكل واحد منهما ممكن، فالمجموع
~~ممكن، وإن كان اللزوم من أحد الطرفين، فاللازم ممكن، فالحقيقة المركبة
~~منهما ممكنة، ضرورة كون جزئها المقوم ممكنا، هذا خلف.
# الدليل الثاني: لو كان في الوجود واجبان، لكان كل واحد منهما قادرا
~~لذاته، ms009 ضرورة استوائهما في الحقيقة.
# ولكان إذا أراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه في حالة واحدة، فإما أن
~~يقع مرادهما، وهو جمع بين النقيضين، أو لا يقع مرادهما، وهو عجز من
~~القادرين من غير وجه يقتضي المنع، أو يقع مراد أحدهما، ويلزم منه عجز من لم
~~يقع مراده، مع قدرته على الفعل، وهو ترجيح من غير مرجح أيضا، وهو باطل.
# الدليل الثالث: لو كان في الوجود قديمان، لكانا مشتركين في القدم الذي هو
~~صفة الذات، وكل مشتركين في صفة الذات فهما متساويان في نفس الذات، وكل
~~متساويين في نفس الذات فهما متساويان في جميع PageV00P055
# الصفات الراجعة إلى الذات، فلو كانا اثنين، لم تنفصل الذات الواحدة عن
~~الذاتين، وهو باطل، وهذا الدليل مبني على قواعد يصعب تقريرها. (35) الصنف
~~الثاني: ما لفظه ومعناه النفي، وهو ستة:
# الأول: البارئ سبحانه ليس بجسم، ولا يطلق عليه لفظة الجسم، أما أنه ليس
~~بجسم، فلأنه لو كان كذلك، للزم أن يكون حادثا، لما بينا من حدوث الأجسام،
~~لكن هذا اللازم محال.
# وقد استدل بعض أهل الكلام على ذلك بأن قال: لو كان جسما لما صح منه فعل
~~الجسم. بيان الملازمة أنه لو كان جسما للزم أن يكون فاعلا بالمباشرة، أو
~~التولد، لكن الجسم لا يصح فعله على أحد الوجهين. بيان الحصر أن الفعل إما
~~أن يتبدأ به في محل القدرة أو متعديا عن محلها، والثاني إما أن يفعل ابتداء
~~أو بواسطة فعل آخر، والأول مباشر، والثاني مخترع، والثالث متولد. (36) فثبت
~~أن الأفعال لا تعدو أحد الأقسام، لكن المخترع لا
# PageV00P056
# يصح من الجسم، لأن الأجسام لا تكون قادرة إلا بالقدرة إذ لو كان جسما من
~~الأجسام قادرا بذاته، لوجب تساوي الأجسام كلها في ذلك، ضرورة تساويها في
~~الحقيقة. والقدرة لا تقع بها المخترع، فثبت أن الجسم لا يقدر إلا على
~~المباشر والمتولد، لكن فعل الجسم لا يصح بواحد منهما، أما المباشر، فلأنه
~~يلزم اجتماع جوهرين في محل واحد، وأما المتولد، فلأنه لو أمكن لكان ذلك
~~بواسطة الاعتماد، (37) ولو ms010 صح فعل الجسم بواسطة الاعتماد، لصح من الواحد
~~منا ذلك، لأنا قادرون على أنواع الاعتماد، لكن ذلك محال. (38) ومن الناس من
~~أطلق لفظة الجسم على الله سبحانه وتعالى مقيدا
# PageV00P057
# بسلب المساواة للأجسام، لكن يلزم من ذلك التناقض في اللفظ، لأن لفظ الجسم
~~موضوع لما له الطول والعرض والعمق، فإذا سلب بعد ذلك مساواته للأجسام في
~~الجسمية لزم التناقض، وإن سلب المساواة في غير الجسمية لزم كونه جسما
~~بالحقيقة.
# ومن الناس من جعله جسما بالحقيقة كما يحكى عن أهل الظاهر، وقد بينا ما
~~يلزم على ذلك. (39) فإن احتجوا بقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى).
~~(40) وبقوله: (ويبقى وجه ربك). (41) وبقوله: (بل يداه مبسوطتان). (42)
~~وبقوله: (يوم يكشف عن ساق). (43)
# PageV00P058
# وبقول النبي - عليه وآله السلام - حكاية عن جهنم: حتى يضع الجبار فيها
~~قدمه. (44)
# PageV00P059
# وبقوله - عليه السلام -: إن الله خلق آدم على صورته. (45)
# PageV00P060
# ومما شاكل ذلك من الأحاديث. (46) فالجواب من حيث الإجمال ومن حيث
~~التفصيل.
# أما الإجمال فنقول: إذا تعارض ما ذكرتموه مع ما ذكرنا من الدليل العقلي
~~فالترجيح لجانب العقل لوجهين:
# أحدهما: أن النقل يتوقف ثبوته على العقل، فلو طرح العمل بدليل العقل
~~لأجله لزم إطراح الدليلين معا.
# والثاني أن دلالة العقل لا يحتمل التأويل، والنقل محتمل للتأويل، فوجب
~~العمل بما لا يحتمل، وتنزيل المحتمل على التأويل، توفيقا بين الدليلين.
# وأما التفصيل فنقول: لما منع العقل من إجراء الألفاظ على ظاهرها وجب
~~تنزيلها على المجاز.
# فالمراد بالوجه: الذات (47) كقولهم:
# PageV00P061
# هذا وجه الصواب. (48) وباليدين: القوة كما يقال: لا يد لي بكذا. (49)
~~وبالساق: شدة الأمر كما يقال: شمرت الحرب عن ساق. (50)
# PageV00P062
# وبالاستواء على العرش: الاستيلاء كما يقال: استوى بشر على العراق. (51)
~~والجبار المذكور في الخبر يحتمل أن يكون إشارة إلى جبار من كفار البشر.
~~(52)
# PageV00P063
# وقوله - عليه السلام -: إن الله خلق آدم على صورته: من الأخبار الشاذة،
~~ولو سلم لكان يمكن عود الضمير إلى آدم، على أنه قد ذكر فيه قصة تزيل الريب،
~~وهو أنه - عليه السلام - رأى رجلا يضرب عبدا له [فقال له]: لا تضربه إن ms011
~~الله خلق آدم على صورته، (53) فيكون الضمير على هذا التقدير عائدا إلى
~~العبد. والله أعلم.
# الثاني: البارئ سبحانه ليس بعرض، وقد عرفت أن العرض ما حل في الجوهر من
~~غير تجاور. وتحقيق ذلك أن كل شئ قام بشئ فإما أن يكون جهة أحدهما مغايرة
~~لجهة الآخر وإما أن لا يكون، والأول هما الجوهران المتجاوران كالماء
~~والظرف، والجوهران المتماسان إن لم يكن أحدهما محيطا بصاحبه، وأما الثاني
~~وهو أن لا تكون جهة أحدهما مغايرة لجهة الآخر، فالمحل جوهر والحال عرض.
# إذا عرفت هذا فنقول: لو كان عرضا بهذا التفسير، لزم أن يكون حادثا، لكن
~~ذلك محال. أما الملازمة فلأنا بينا حدوث الجسم، والعرض لا يوجد
# PageV00P064
# مجردا عن الجسم، فيكون وجوده موقوفا على وجود الجسم، وما توقف وجوده على
~~وجود الحادث فهو حادث.
# الثالث: البارئ سبحانه ليس بمحل، ولا يجوز عليه الحلول، خلافا للغلاة
~~(54). والدليل عليه أن لو حل لكان إما أن يحل مع وجوب أن يحل، أو مع
~~الجواز، ويلزم من الأول حدوثه تبعا لحدوث المحل، ومن الثاني أن يحل في كل
~~شئ أو في شئ دون شئ، فهو ترجيح من غير مرجح.
# الرابع: البارئ تعالى لا يجوز عليه الاتحاد خلافا للنصارى. والدليل على
~~ذلك أنه لو اتحدت ذاتان لكان إما أن تبقيا، أو تعدما، أو يعدم أحدهما، فإن
~~كان الأول، فهما اثنان لا واحد، وإن كان الثاني، فمع العدم لا اتحاد، وإن
~~كان الثالث، فالباقي غير متحد، لاستحالة اتحاد الموجود بالمعدوم.
# الخامس: البارئ سبحانه ليس بمرئي خلافا للحشوية (55) ومن تابعهم من
~~الأشعرية (56). وقبل الخوض في ذلك لا بد من تحرير محل النزاع.
# PageV00P065
# فنقول: لا ريب أن رؤية الأجسام والأعراض مشروطة بمقابلة الحاسة في جهاتها
~~أو محالها. ثم إن عند العلم بالشئ مجردا عن إدراكه يعقل منه كيفية، ثم إذا
~~أدركناه مقابلا للحاسة عرفنا كيفية أخرى، ثم إنا لا نعقل زيادة عن ذلك.
# وعند هذا نقول: البارئ مرئي بالقسم الأول في الدنيا والآخرة، بمعنى أنه
~~معلوم، وإن كان في الآخرة يحصل ms012 العلم به تعالى زيادة، ربما بلغت حد الضرورة
~~على رأي، وعلى الآخر تقصر عن ذلك. فأما الرؤية بالمعنى الثاني، فهي التي
~~ندعى استحالتها، وهي الرؤية التي تحصل معها مقابلة المرئي، وأما بتقدير أن
~~يطلق عليه الرؤية بغير هذين التقديرين، فهو غير معقول المعنى.
# والدليل على أنه سبحانه غير مرئي على ذلك التقدير، المعقول والمنقول.
# أما المعقول: فهو أنه لو كان مرئيا لوجب أن نراه الآن، واللازم محال،
~~فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أنا على الصفة التي يجب معها أن نرى المرئي،
~~لأنا قد بينا أن المقتضي لكون المدرك مدركا كونه حيا مع ارتفاع الآفات
~~ووجود المدرك، والواحد منا حي، والموانع مرتفعة، فلو كان تعالى ممن يصح أن
~~يرى لوجب أن نرى الآن، لكن الموانع لا يعقل في حقه سبحانه، إذ هي القرب
~~المفرط، والبعد المفرط، والحجاب، والرقة، واللطافة، وكل ذلك لا يعقل فيه
~~تعالى.
# لا يقال: لم لا يجوز أن يكون الإدراك معنى يوجب كون المدرك مدركا ثم لم
~~يفعل الله ذلك المعنى في العبد، فلذلك لم يدركه في الدنيا، ثم إذا فعله
~~PageV00P066
# في الآخرة أدركه. لأنا نقول: لو كان الإدراك معنى يدرك به، لوقف الإدراك
~~على حصوله، لكن ذلك محال، لأنه كان يلزم حصول الشرائط المعتبرة في الإدراك
~~وحصول المقتضي لكون المدرك مدركا ثم لا يحصل الإدراك، لكن لو جاز ذلك لجاز
~~أن يكون بين أيدينا من الجبال العالية والأنهار الجارية ما لا ندركه وإن
~~كنا أحياء، وحواسنا صحيحة، والموانع مرتفعة. لا يقال:
# لم لا يجوز أن يكون الله أجرى العادة بفعل ذلك عند حصول هذه الشرائط!
# لأنا نقول: نعلم انتفاء ذلك علما بديهيا لا بحسب العادة، ولو طرقنا هذا
~~الاحتمال إلى الضروريات لم يبق وثوق بشئ منها إذ لا سبيل إلى الفرق بين
~~العاديات والبديهيات إلا الجزم بالبديهيات جزما مطلقا عن الالتفات إلى
~~العادة، وأما العاديات، فالعقل يجوز انخراقها بالإمكان، وجوب استمرارها
~~باعتبار العادة، وما أشرنا إليه لو كان عاديا لكان العقل يقضي بالاحتمال
~~فيه، لكن الاحتمال منفي قطعا. ms013 والله أعلم.
# وأما المنقول فوجوه:
# الأول: قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار). (57) وجه
~~الاستدلال أنه تمدح بنفي الرؤية، وكل صفة تمدح بنفيها فإثباتها نقص. أما
~~التمدح فلأن ذلك ورود بين مدحين في أول الآية وآخرها (58)، ومن البين قبح
~~إدخال ما ليس بمدح بين مدحين، وإنما قلنا إنه يفيد نفي الرؤية، لأن الإدراك
~~إذا قرن بالبصر أفاد الرؤية، ضرورة أنه لا يجوز سلب الرؤية معه،
# PageV00P067
# فلا يقال: أدركت ببصري شيئا ولم أره. وأما أن كل صفة تمدح بنفيها
~~فإثباتها نقص فإنه ظاهر، كما تمدح بنفي الصاحبة ونفي الشريك.
# الوجه الثاني: قوله تعالى في قصة موسى - عليه السلام - جوابا لسؤال
~~الرؤية:
# (لن تراني) (59) ولن لنفي الأبد. لا يقال: لو كانت الرؤية ممتنعة، لما
~~سألها موسى، إذ منصب النبوة تنافي الجهل بذلك. لأنا نقول: الظاهر أن السؤال
~~لقومه، وإنما أضافه إلى نفسه ليكون أبلغ في الإعذار إليهم، ويبين ذلك قوله
~~تعالى حكاية عنهم: (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة
~~فأخذتهم الصاعقة بظلمهم) (60).
# الوجه الثالث: ما روي من الأحاديث الصريحة من نفي الرؤية، وهي كثيرة في
~~كتب الأحاديث. (61) احتج المخالف بالعقل والنقل.
# أما العقل فقالوا: اشترك الجوهر والسواد في صحة الرؤية، ولا بد من
# PageV00P068
# علة مشتركة بينهما، ولا مشترك إلا الوجود أو الحدوث، لكن الحدوث يزيد على
~~الوجود بقيد عدمي، والعدم لا يصلح للعلية، فتعين الوجود. وإذا كان الوجود
~~علة لصحة الرؤية، والبارئ موجود، فيجب أن يصح رؤيته عملا بالعلية.
# وأما المنقول: فقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) (62).
# وقوله - عليه السلام -: ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة تمامه
~~لا تضامون في رؤيته. (63) والجواب عن ما ذكروه أولا: أن نقول: لا نسلم أنه
~~يجب تعليل صحة الرؤية لعلة مشتركة، بل لم لا يجوز أن يكون صحة الرؤية في كل
~~واحد منهما لعلة مختصة به، لأن صحة الرؤية حكم، والحقائق المختلفة يجوز
~~اشتراكها في بعض الأحكام المتفقة. سلمنا أنه لا بد من علة مشتركة، لكن لا ms014
~~نسلم الحصر، سلمنا الحصر سلمنا الحصر وأن العلة هي الوجود، ولكن لم لا يجوز
~~أن يكون تأثيرها مشروطا بشرط، وهو كون المرئي مقابلا لحاسة (64) الرائي أو
~~في حكم
# PageV00P069
# المقابل، والحكم كما يتوقف على علته، يتوقف على شرط التأثير. سلمنا ذلك،
~~لكن لا نسلم أن البارئ قابل لصحة الرؤية، والحكم كما يتوقف على علته يتوقف
~~على قبول المحل له.
# ثم ولو صح ذلك، للزم أن يكون البارئ حالا في المحل، لأن السواد والبياض
~~يشتركان في الحلول، فلو علل بأمر مشترك هو الوجود، للزم أن يكون البارئ
~~حالا بعين ما ذكرتموه.
# والجواب عن الآية أن نقول: لا نسلم أن النظر يفيد الرؤية، إذ حقيقته في
~~الوضع اللغوي تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته (65)، ولذلك
~~يقال: نظرت إلى الهلال فلم أره، ولو كان مفيدا للرؤية لما صح سلب الرؤية
~~معه، وإذا لم تكن الحقيقة مرادة وجب صرفه إلى المجاز، وهو التوقع والرجا
~~لمنافع الغير، كما يقال: أنا ناظر إليك، أي راج لك (66) خصوصا وقد نسب
~~النظر إلى الوجه لا إلى العين.
# وأما الخبر فمن أضعف أخبار الآحاد، فلا يصار إليه في مسائل الاعتقاد، وقد
~~طعن فيه أصحاب الحديث بوجوه كثيرة من الطعن، مذكورة في مظانها (67).
# PageV00P070
# مع أنها يحتمل أن تكون الرؤية بمعنى العلم وتشبيهه برؤية القمر مبالغة في
~~الإخبار عن الوضوح. (68) السادس: البارئ ليس في جهة، خلافا للكرامية. (69)
~~لنا أنه لو كان في جهة للزم أحد أمور ثلاثة: إما حلوله في كل جهة وهو باطل
~~بالإجماع، أو في جهة دون جهة وهو ترجيح من غير مرجح، أو كون الجهات مختلفة
~~بالحقيقة وهو باطل بالضرورة.
# PageV00P071
# ومن لواحق الكلام في الصفات: الكلام في كونه تعالى متكلما وقد أجمع
~~المسلمون على وصفه تعالى بذلك ووصف به نفسه بقوله (وكلم الله موسى تكليما)
~~(68 *) ثم اختلفوا في معنى ذلك فقال أهل الحق: إنه متكلم بمعنى أنه فعل
~~الكلام الذي هو الحروف والأصوات، وأن ذلك الكلام محدث ومجعول ومخلوق، بمعنى
~~أنه فاعل له. وقال قوم: إنه متكلم ms015 بكلام قديم قائم بذاته وهم الأشعرية ومن
~~تابعهم. وذهب أهل الحشو إلى أن كلامه هو الحروف والأصوات وهي مع ذلك قديمة.
~~(69 *) واعلم أن الكلام على هاتين الطائفتين يستدعي تقديم مقدمة يكشف بها
~~عن موضوع لفظة الكلام، فنقول: الكلام هو ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه
~~الحروف المعقولة المتواضع عليها إذا صدرت من معبر واحد. وبهذه القيود يتبين
~~أن ما صيغ من غير هذه الحروف لا يسمى كلاما، ولا الحرف الواحد ما لم تكن
~~الزيادة منوية كقولنا: ق وع، وكذلك ما كان من هذه الحروف غير متواضع على
~~تركيبها فإنه يكون مهملا، وربما سماه بعضهم كلاما، ولو نطق ناطقان كل (70)
~~واحد منهما بحرف لم يسم مجموع نطقيهما كلاما بمقتضى هذا التحديد.
# PageV00P072
# إذا عرفت هذا فنقول: الدليل على أن المتكلم فاعل الكلام دوران الاشتقاق
~~معه وجودا وعدما. لا يقال: لو كان البارئ متكلما بهذا التفسير لكان ذا
~~جوارح وأدوات يفعل بها الكلام، لأنه لو فعله خارجا عن ذاته لا في محل كان
~~باطلا بالضرورة، أو في حيوان لم يرجع حكمها إليه تعالى، ولا يصح فعله في
~~جماد كما قلتموه في الإرادة، فتعين أن يكون قائما بذاته، فلو كان كلامه هو
~~الحروف والأصوات المخصوصة لزم أن يكون ذاته محلا للحوادث وهو محال.
# لأنا نقول: ما المانع أن يفعل الكلام في غيره من جماد؟ قوله: لا يجوز
~~وجود الكلام في الجماد. قلنا: لا بد لهذا من دليل ولم تذكروه. وتشبيهه
~~بالإرادة قياس من غير جامع، (71) ونحن نذهب إلى نفس ما أنكرتموه، ونقول: إن
~~الله سبحانه يفعل كلامه في الجماد كما أخبر سبحانه في قصة موسى بقوله:
# (نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة) (72).
# أما الأشعرية فيقال لهم: لو كان البارئ تعالى متكلما بكلام قديم لكان إما
~~جزء ذاته فيلزم التركيب، وإما خارجا عن ذاته فيكون في الوجود قديمان
~~مستقلان وهو باطل.
# وأما الحشوية فيقال لهم على تقدير تسليمهم أن الكلام هو الحروف والأصوات
~~المسموعة: لو كان الكلام بهذا الاعتبار ms016 قديما لكان إما موجودا دفعة واحدة
~~أو مترتبا، ويلزم من الأول عدم الإفادة ومن الثاني الحدوث.
# PageV00P073
# النظر الثاني في أفعاله سبحانه وتعالى PageV00P075
# النظر الثاني في أفعاله سبحانه وتعالى وهو يشتمل على مقدمة ومباحث أربعة:
# أما المقدمة:
# فهي أن العدل كلام (73) في أفعاله تعالى وأنها حكمة وصواب. ولا بد من
~~بيان الفعل ما هو؟ فنقول: الفعل ما وجد من مؤثر فيه على سبيل الاختيار.
~~وربما حده الشيوخ (74) بأنه ما وجد بعد أن كان مقدورا، وهم دائما يحدون
~~القادر بأنه من صح منه الفعل وأن لا يفعل إذا لم يكن هناك منع، ويلزم من
~~ذلك الدور، فإذا الحق ما أومأنا إليه.
# PageV00P077
# البحث الأول في أنا فاعلون خلافا للأشاعرة والكلابية (75) والدليل على
~~ذلك وجوه:
# الأول: أنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا الفرق بين حركاتنا وسكناتنا
~~وصورنا وألواننا، فنعلم أن ما صدر عنا من الحركات والسكنات واقع بحسب
~~قصودنا ودواعينا خلاف ألواننا وصورنا، إذ ليست تابعة لذلك، فلو كانت
~~حركاتنا وسكناتنا من غيرنا فينا، لوجب أن تتساوى الحالان.
# الوجه الثاني: أنا نعلم استحقاق المدح لفاعل الواجب والمندوب، واستحقاق
~~الذم لفاعل القبيح، فلولا كون الفعل صادرا منه ما أحسن (76) مدحه ولا ذمه.
# لا يقال: المدح والذم على الأفعال فرع العلم بكون الفعل فعلا
# PageV00P078
# للممدوح والمذموم، فلو استدل بالمدح والذم على كونه فعلا له لزم الدور.
# لأنا نقول: سبق الذهن على المدح والذم دليل على العلم الضروري بكونه فعلا
~~له، فلو كان هناك تردد لما حصل الجزم بالمدح والذم من غير توقف.
# الوجه الثالث: لو كانت أفعال المكلف من فعل الله تعالى فيه، لم يكن
~~لإرسال الرسل ولا للترغيب القرآني ولا للعظات فائدة. وبيان ذلك: أن بتقدير
~~أن يكون الله تعالى فاعلا للإيمان والكفر لم يكن لهذه الأشياء أثر في وقوع
~~التكليف.
# لا يقال: لم لا يجوز أن يجري الله تعالى العادة بفعل هذه الأفعال في
~~العبد عند إرسال الرسل وسماع العظات.
# لأنا نقول: قد كان يمكن فعل الإيمان في العبد من دون ذلك، فتوقفه عليه ms017
~~عبث، والعبث قبيح بالضرورة.
# احتج المخالف بوجوه أقواها: لو كان العبد فاعلا لتصرفاته لزم الترجيح من
~~غير مرجح، لكن ذلك محال. بيان الملازمة أن بتقدير كونه قادرا يكون نسبته
~~إلى الفعل والترك واحدة، فإن فعل والحال هذه حصل الترجيح من غير مرجح، وإن
~~لم يفعل إلا بزيادة تقتضي الترجيح من داع أو إرادة، فعند ذلك، إما أن يجب
~~الفعل، أو يصير أولى، أو يبقى على ما كان عليه، ويلزم من الأول الجبر، ومن
~~الثاني إما الجبر بتقدير أن يجب ما هو أولى، أو تجويز وقوع المرجوح حال
~~كونه مرجوحا بتقدير أن لا يجب وقوع الراجح، ومن الثالث حصول أحد الجائزين
~~من غير مرجح، وهو محال. PageV00P079
# الوجه الثاني: لو كان العبد فاعلا لتصرفاته، لكان عالما بتفصيل تلك
~~الأفعال، واللازم باطل، فالملزوم مثله، أما الملازمة فلأن الفعل الاختياري
~~يستتبع القصد المرتب على العلم، ضرورة أن من ليس بعالم بالشئ يستحيل قصده
~~إليه. وأما بطلان اللازم فلأن الواحد يحرك إصبعه مثلا بتحرك جميع أجزائها،
~~ففي كل جزء منها حركة، مع أنه لا يعلم عدد تلك الحركات.
# الوجه الثالث: ثبت في أبواب التوحيد أنه تعالى قادر على كل مقدور،
~~ومقدورات العباد مما يصح أن يكون مقدورا لله تعالى، لأنها مساوية لمقدوراته
~~في الجنس، والقدرة على أحد الجنسين يجب أن تكون متعلقة بالجنس الآخر، فلو
~~كانت هذه الأفعال واقعة بقدرة العبد وقدرة الله تعالى، لزم وقوع مقدور
~~بقادرين، وإن وقعت بقدرة العبد دون قدرة الله تعالى، مع تعلقها بها، لزم
~~خروجها عن التعلق.
# الوجه الرابع: إذا ثبت أن الله تعالى قادر على كل مقدور، فلو كان العبد
~~قادرا على شئ، لزم اشتراك البارئ والعبد في الاقتدار على ذلك الشئ، فلو
~~أراد البارئ إيقاع شئ من تلك الأشياء، وأراد العبد إيقاع ضده، فإن وقع
~~المرادان اجتمع الضدان، وإن وقع مراد الله امتنع وقوع فعل العبد مع قدرته
~~عليه من غير وجه منع، وإن وقع مراد العبد لزم المحذور بعينه.
# لا يقال: الله سبحانه أقوى في الاقتدار ms018 من حيث هو قادر بالقدرة القديمة.
~~لأنا نقول: إذا تساويا في الاقتدار على ذلك الشئ لزم هذا المحذور، وإن كان
~~البارئ قادرا لذاته وبالقدرة القديمة، والعبد قادر بالقدرة المحدثة.
~~PageV00P080
# والجواب عن الوجه الأول: قوله: " لو كان العبد فاعلا لتصرفه، لزم الترجيح
~~من غير مرجح، لأن نسبته إلى الفعل والترك واحدة " قلنا: لا نسلم هذا لأن
~~الترجيح بالفاعل وإن كانت نسبته إلى الفعل والترك واحدة، لأن الفائدة
~~للاقتدار كون الذات بحيث يصح منها أن تفعل وأن لا تفعل ليتحقق الفرق بين
~~الموجب والقادر.
# قوله: " إذا انضمت الداعية إما أن يجب الفعل وإما أن لا يجب، فإن وجب لزم
~~الجبر " قلنا: لا نسلم، لأن معنى الوجوب أنه يقع بحبسه ما دام الداعي
~~بحاله، لكن القادر يمكنه معارضة ذلك الداعي بصارف، فيعود الفعل واجبا
~~باعتبار بقاء الداعي، وغير واجب باعتبار الصارف.
# لا يقال: ننقل الكلام إلى ذلك الداعي والصارف، لأنا نقول: الداعي المذكور
~~والصارف لا يفتقران إلى داع، فالقصد يقع بمجرد كون القادر قادرا، ونمنع
~~الاستحالة في هذا المقام.
# قوله: " وإن لم يجب الفعل فإن كان أولى لزم الجبر أو الترجيح من غير مرجح
~~" قلنا: لا نسلم.
# قوله: " إن لم يجب الفعل معه لزم المحذور وإن وجب لزم الجبر " قلنا:
# لا يجب معه، والمحذور لا يلزم بتقدير كون الفعل أولى.
# قوله: " لو لم يكن واجبا لزم وقوع المرجوح " قلنا: هو كذلك فما الدليل
~~على استحالته في حق المختار. ثم ما ذكروه يلزم منه استحالة فرض وجود مختار،
~~ويلزم أن يكون البارئ سبحانه غير مختار، بل موجب لعين هذه النكتة. فإن
~~فرقوا بكون إرادة البارئ قديمة وإرادة العبد محدثة، فهو فرق PageV00P081
# بارد، فإنا نقول لهم: مع هذه الإرادة القديمة إن كانت أفعاله واجبة لزم
~~الجبر، وإن كانت أولى أو جائزة لزمت المحذورات، فتحقق أن هؤلاء أرادوا أن
~~يثبتوا الجبر فهدموا الإسلام، وبمثل هذا يعرف صدق قوله - عليه السلام -:
# حبك للشئ يعمي ويصم. (77).
# والجواب عن الوجه الثاني: نقول: لا نسلم أن القادر على الفعل يجب ms019 أن يكون
~~عالما بكمية أعداده وتفاصيل أحكامه، بل لم لا يجوز أن يكفي العلم بذاته
~~ليصح القصد إليها وإن لم يعلم كمية ما يقع من ذلك الجنس، إذ الكمية عرض
~~تابع للحقيقة، والحقيقة هي فعل الفاعل في نفس الأمر.
# والجواب عن الوجه الثالث: لم لا يجوز أن يقع الفعل بقدرة الله تعالى إن
~~أراد، وإن لم يرد فبقدرة العبد؟
# قوله: " يلزم الخروج عن التعلق " قلنا: هذا مسلم، لكن ما الدليل على
~~استحالته، فإن الفعل بعد وجوده ينقطع القدرة عن التعلق. على أن أبا هاشم
~~وأتباعه يمنعون من تعلق قدرة الله بعين مقدور العبد. (78)
# PageV00P082
# والجواب عن الوجه الرابع: نقول: لم لا يجوز أن يقع مراد الله تعالى؟
# قوله " يلزم امتناع مقدور العبد من غير منع " قلنا: لا نسلم، لأن على
~~تقدير اشتراك قادرين في مقدور يكون وقوع ذلك المقدور بأحد القادرين مبطلا
~~لتعلق الآخر به.
# قوله: " هما متساويان في الاقتدار " قلنا: لا نسلم إذ نحن نعلم أن القوي
~~في الاقتدار قد يمنع الضعيف من فعله إذا قصد إلى الضدين.
# وقد ذهب النجار (79) عند ظهور حجج القول بالاختيار إلى القول بالكسب (80)
~~ليحصل ما يكون مستندا لاستحقاق المدح والذم، فزعم أن الله يخلق في العبد
~~قدرة وفعلا، ثم العبد يجعل ذلك الفعل طاعة أو معصية.
# فيقال له: قدرة العبد إما أن تكون مؤثرة في إيجاد شئ وإما أن لا تكون،
~~ويلزم من الأول إسناد ذلك الشئ إلى العبد، ومن الثاني خلو القدرة عن
~~التأثير. وبالجملة أن كون الفعل طاعة أو معصية يؤثر فيهما الوجوه التي
# PageV00P083
# تقع عليها الأفعال لا القدرة، إذ لو أثرت القدرة من دون الوجه المؤثر في
~~الحسن والقبح، لجاز أن يفعل القادر الفعل منضما إلى الوجه المؤثر في القبح
~~حسنا، لكن ذلك باطل بالضرورة.
# ثم إنا نطالبهم بالكسب الذي يشيرون إليه تصورا، ثم نطالبهم بإثباته
~~استدلالا. PageV00P084
# البحث الثاني في الحسن والقبح العقلي الحسن هو ما لا يذم فاعله عليه،
~~والقبيح ما يستحق به الذم على بعض الوجوه (81) والواجب ما يحسن ms020 الذم مع
~~تركه على وجه (82).
# إذا تلخص (83) هذا، فالناس في هذا المقام طوائف. منهم القائلون بأن الحسن
~~والقبح مستفاد من العقل، وأن المؤثر في ذلك وجوه الأفعال. ومنهم القائل بأن
~~الحسن راجع إلى ملائمة الطبع، والقبح إلى منافرته، وأما استحقاق المدح
~~والثواب والذم والعقاب فلا يستفاد إلا من الشرع. ومنهم القائل بأن الحسن ما
~~حصل به نظام المصلحة، والقبح عكسه.
# والدليل على القول الأول وإن كان غنيا عن الاستدلال - لشهادة العقل به -
# PageV00P085
# إنا نعلم اضطرارا أن من كلف الأعمى نقط (84) المصاحف، أو الزمن العدو،
~~مستحق للوم، مستوجب للذم ضرورة، ولا معنى للقبح العقلي إلا ذلك.
# الوجه الثاني: لو كان القبح والحسن مستفادين من الشرع لوقف العلم بهما
~~على الشرع، لكن ذلك باطل. أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان اللازم فبوجوه:
~~الأول: أنا نفرض أنفسنا خالية عن الشرائع فنرى العقول شاهدة بذلك. الثاني:
~~أنا نعلم الفرق بين قبح الظلم وقبح الزنا، فلو كان مستفادا من الشرع لتساوي
~~الأمران. الثالث: منكر الشرع يحكم بالحسن والقبح العقلي كالبراهمة (85)،
~~ولو كان موقوفا على الشرع لما حصل ذلك الحكم.
# الاستدلال الثالث:
# لو كان ذلك مستفادا من الشرع لوجب أن لا يحصل العلم به أصلا.
# بيان الملازمة أن العلم بصحة الشرع موقوف على العلم بالحسن والقبح
~~الشرعي، فلا يحصل العلم بالشرع من دونه، فلو استدل عليه بالشرع لوقف كل
~~واحد منهما على صاحبه. وبيان أن العلم بالحسن والقبح أصل الشرع،
# PageV00P086
# إن الشرع موقوف على صدق النبي - عليه السلام - والعلم بالنبوة موقوف على
~~المعجز، فلو لم يقبح إظهار المعجز على الكاذب لما علم صدقه - عليه السلام -
~~فإيقاف العلم بذلك على الشرع قدح فيه.
# الاستدلال الرابع:
# لو كان الحسن والقبح راجعين إلى ملائمة الطبع ومنافرته، لوجب في من مال
~~طبعه إلى ظلم إنسان لا يحصل له [العلم] بقبح فعله، وكذلك كان يجب في من سمع
~~هجاء أهل الفضائل بالصوت الرخيم (86) والوزن المستقيم والنظم المستحسن أن
~~لا يستقبحه والمعلوم خلاف ذلك.
# PageV00P087
# البحث الثالث في أنه تعالى لا يفعل القبيح ولا ms021 يخل بالواجب ولا بد قبل
~~ذلك بيان أنه قادر على القبيح، خلافا للنظام (87)، والدليل على ذلك وجوه:
# الأول: أنه ثبت كونه قادرا على كل مقدور، والقبيح مقدور، فيجب أن يكون
~~قادرا عليه.
# الوجه الثاني: أن الحسن من جنس القبيح، والقادر على أحد الجنسين يجب أن
~~يكون قادرا على الآخر، والدليل على أن الحسن من جنس القبيح أنهما يشتركان
~~في كون كل واحد منهما حركة مثلا أو سكونا، وإنما يختلفان بالوجوه التي
~~يقعان عليهما، وتلك الوجوه أمور عارضة، والعرضي ليس داخلا في نفس الحقيقة،
~~فيكون القادر على الحقيقة قادرا على مماثلتها.
# PageV00P088
# الوجه الثالث: أنه تعالى قادر على تعذيب الكافر إجماعا، فلو أسلم لم يخل
~~إما أن يخرج عن اقتداره على تعذيبه أو لا يخرج، ويلزم من الأول خروجه عن
~~الاقتدار من غير موجب، ومن الثاني قدرته على القبيح.
# احتج النظام بأنه لو كان قادرا على القبيح، لصح منه فعله، لكن صحة الفعل
~~منه دليل على كونه محتاجا أو جاهلا بقبحه، والدليل لا يدل إلا والمدلول
~~ثابت في نفس الأمر، فيلزم أن يكون البارئ سبحانه جاهلا أو محتاجا، تعالى عن
~~ذلك.
# وربما قرر هذه الطريقة بعبارة أخرى، وهو أنه لو كان قادرا على القبيح
~~لكان مع فعله إما أن يدل على الجهل والحاجة، وإما أن لا يدل، والقسمان
~~باطلان. (88) والجواب قوله: " لو كان قادرا على القبيح لصح منه فعله ".
~~قلنا: هذا مسلم. قوله: " لو صح منه فعله لزم الجهل أو الحاجة ". قلنا: " لا
~~نسلم، وإنما يتحقق الجهل أو الحاجة مع فعله لا مع إمكان فعله، لكن فعله
~~محال، لا بالنظر إلى كونه قادرا، بل بالنظر إلى كونه حكيما غير جاهل ولا
~~محتاج، والقادر لا يخرج عن كونه قادرا لحصول مانع يمنع من إيقاع الفعل،
~~ولهذا يوصف تعالى أزلا بكونه قادرا، مع امتناع وقوع الفعل أزلا، لأن
~~الامتناع
# PageV00P089
# لا لعدم كونه قادرا بل لامتناع الفعل.
# وإذا ثبت ذلك، فاعلم أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخل بالواجب، لأنه
~~عالم بقبح القبيح وعالم باستغنائه ms022 عنه، وكل من كان كذلك فإنه لا يحتاج
~~[إلى] فعله. ولأن القبيح لا يفعله إلا مضطر إليه غير مستغن بالحسن عنه، فإن
~~من أراد الوصول إلى غرض، وأمكن الوصول إليه بالحسن أو القبيح على حد سواء،
~~فإنه لا يتوصل إليه بالقبيح والحال هذه، والعلم بذلك ضروري. وأما الحسن
~~فإنه يفعل لحسنه كما يفعل للحاجة إليه، ألا ترى أن الإنسان قد يرشد الضال
~~من غير أن يعرفه، ولا يكون راجيا للنفع الدنياوي من شكر ولا غيره، ولا
~~للأخروي بأن يكون لا يعتقده، ولا وجه يبعث على فعله إلا حسنه لا غير.
# وإذا تلخصت هذه الجملة، تبين أن الله سبحانه لا يكلف ما لا يطاق، لقبحه،
~~ولا يريد المعاصي من أفعال عباده، لأن إرادة القبيح مساوية للقبيح في
~~القبح، فكما لا يقع منه فعل القبيح وكذلك يجب [أن] لا يريده.
# وأفعال الله سبحانه من خير وشر مقضية، ويجب الرضا بها، وأفعال العباد
~~مقضية، لا بمعنى (89) أنها مخلوقة لله سبحانه، بل بمعنى أنها مأمور
~~بالطاعات منها، (90) أو بمعنى أنه أعلمنا ما فيها من ثواب وعقاب، فإن
~~القضاء قد يكون بمعنى الإعلام كقوله: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب)
~~(91) أي أعلمناهم.
# PageV00P090
# ومقدرة بمعنى أنه الواجب والمندوب والمباح، وأن الله سبحانه قدرها، بمعنى
~~أعلمنا حاله، أو ما فيها من ثواب وعقاب، لا بمعنى أنه خلقها. (92) وما ورد
~~في القرآن من الهداية يحمل على الدلالة على طريق الحق كقوله تعالى: (وأما
~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) (93) وإما بمعنى الهداية إلى طريق
~~الجنة، أو بمعنى تقوية الدواعي بفعل الألطاف. والضلال يحمل على العقاب، أو
~~على إبطال العمل كقوله تعالى: (وأضل أعمالهم) (94)، ولا يجوز تفسيره بفعل
~~الضلال في العبد، لأن ذلك ينافي الحكمة، وينقض ما هو معلوم من كونه تعالى
~~لا يفعل إلا ما يريده، وقد أخبر تعالى أنه لا يريد الكفر ولا يرضاه (95)،
~~ولا يريد الظلم في قوله تعالى:
# (وما الله يريد ظلما للعباد) (96).
# PageV00P091
# البحث الرابع في فروع العدل وفيه أربعة مطالب المطلب الأول في التكليف. ms023
~~النعمة هي المنفعة الحسنة التي يقصد فاعلها الإحسان إلى المنعم عليه.
~~واشتراط المنفعة احترازا عن المضرة المحضة واشتراط الحسنة إنما كان لأن
~~المنفعة موجبة للشكر، والشكر لا يستحق بفعل القبيح، واشتراط القصد للإحسان
~~احترازا ممن يفعل ذلك رياء للاضطرار.
# وإذا تبين ذلك ظهر أن خلق العالم نعمة، لوجود معنى النعمة فيه، فيكون
~~حسنا. أما كونه منفعة فلأن المنفعة هي اللذة أو ما أدى إليها، وخلق الإنسان
~~حيا قادرا مشتهيا من أتم المنافع. فأما كونها حسنة، فلأنا لا نعقل فيها
~~وجها من وجوه القبح، ولأنها فعل الله تعالى، وقد بينا أنه لا يفعل القبيح.
~~وأما أنه قصد بها الإحسان، فلأنه لا يخلو من أن يكون له في خلق العالم غرض
~~وإما أن لا يكون، والثاني محال، والغرض لا يجوز أن يرجع إليه تعالى، فتعين
~~أن يكون عائدا إلى غيره، ولا يجوز أن يكون ذلك ضررا، لأن الإضرار الذي لا
~~يستحق قبيح، فتعين أنه فعل العالم قصدا للإحسان، فيكون حسنا. PageV00P092
# لا يقال: الحيوان بعد خلقه تناله ضروب الألم، ولولا وجوده حيا مدركا لسلم
~~من ذلك، لأنا نقول: يحصل في ضمن ذلك من الأعواض ما ينغمر تلك الآلام، فيعود
~~حاصلها إلى النفع.
# وأما التكليف: فهو البعث على ما يشق من فعل وترك، وينحصر البحث في ثلاث
~~مقامات:
# المقام الأول في حسنه والدليل على ذلك أنه فعل الله، وفعل الله سبحانه
~~حسن، فالتكليف حسن. وأما وجه حسنه فقد قال المعتزلة (97) إنه تعريض لما لا
~~يحسن الابتداء به، ولا يوصل إليه إلا بالتكليف، وذلك هو الثواب، والثواب هو
~~النفع المستحق الدائم المقارن للتعظيم والتبجيل. وإنما قلنا: إن ذلك لا
~~يحسن الابتداء به، لأنا نعلم قبح تعظيم من لا يعلم منه فعل ما يوجب
~~التعظيم، ونستقبح تعظيم من أسلم ولم يفعل من أركان الإسلام شيئا كما نعظم
# PageV00P093
# الصلحاء والعلماء الذين قطعوا أوقاتهم المتطاولة في العبادات، ولو جاز
~~الابتداء بمثل ذلك لجاز التسوية بينهما.
# لا يقال: هذا مستمر في من علم الله أنه يؤمن، ولا يستمر في ms024 من علم الله
~~أنه يكفر. لأنا نقول: الحالان واحدة، لأنهما متساويان في التعريض للنفع،
~~والتفاوت لا يحصل إلا من سوء نظر (98) الكافر لنفسه، لأنا نعلم حسن التعريض
~~للمنافع، والإلزام بالمصالح لمن نعلم إجابته وامتناعه.
# لا يقال: لو فعل الإيمان مع علم الله أنه لا يؤمن لانقلب علمه تعالى
~~جهلا. لأنا نقول: العلم تابع للمعلوم، فمن علم الله منه الإيمان تعلق علمه
~~باختياره، وكذلك إذا علم الله أنه يختار الكفر. فقولهم: " كان ينقلب "، فرض
~~مستحيل على هذا التقرير، لأن أي فعل وقع من المكلف كان هو الذي تعلق العلم
~~به، فلا يعرض في العلم الانقلاب، فكأنهم غلطوا فظنوا أن الله يعلم قيام
~~زيد، ثم فرضوا أنه لا يقوم، وهو من أفحش الغلط، فإنه بتقدير أن لا يقوم
~~يكون هو المعلوم لا القيام.
# ثم نقول لهم: قد أخبر الله تعالى الملائكة أنه خالق بشرا من طين، (99)
~~فهذا الإخبار أخرج البارئ من كونه قادرا بحيث يستحيل أن لا يفعله، أو يكون
~~الاقتدار باقيا، ويلزم من الأول كون البارئ موجبا، لأن جميع أفعاله معلومة
~~قبل وقوعها، ومن الثاني نقض ما أوردوه، فتعين أن علم الله تعالى بأن
# PageV00P094
# الكافر لا يؤمن تابع لاختياره، لا مؤثر في وقوع الفعل منه، فصح مع ذلك أن
~~يجامع التكليف.
# احتجوا بأن تكليف من علم الله أنه يكفر مستلزم للضرر، فيكون قبيحا.
# والجواب: إما أن يكون الضرر ناشئا من التكليف أو من مخالفة ما كلف به،
~~والأول باطل، لأن بعث الكافر والمؤمن على الإيمان واحد، فلو قبح أحدهما
~~لقبح الآخر، وإن كان ناشئا من المخالفة لم يؤثر ذلك في القبح، ضرورة أنها
~~حصلت من سوء اختياره لنفسه.
# على أن الذي أراه أن التكليف إنما هو دلالة على مصالح المكلف لاشتماله
~~على ما يقتضي وجوبه أو قبحه، ويجب في الحكمة إعلام المكلف بذلك ثم الحكمة
~~تقتضي إلزام الإنسان بمصالحه أطاع أو عصى، فإذا وجه القبح منتف على هذا
~~التقدير، والمضرة المشار إليها غير مرتبة عليه. (100) المقام الثاني في ما
~~يتناوله التكليف ms025 قد عرفت أن التكليف هو البعث على ما يشق، فهو إذا من فعل
~~المكلف، فإن كان بعث على فعل لازم فهو إيجاب، أو بما هو الأولى فهو ندب،
~~وإن كان منعا عن فعل فهو إما حظر أو كراهة في عرف الفقهاء.
# وأما ما يتناوله التكليف، فهو إما من فعل الجوارح، أو من فعل
# PageV00P095
# القلوب، وكيف كان فإما أن يكون عقليا أو سمعيا، ولا بد في كل واحد من
~~العلم بثلاثة أشياء: العلم بالمكلف ليمكن إيقاعه إعظاما له وتذللا، والعلم
~~بصفة الفعل من وجوب أو ندب ليمكن أن ينوي على صفته، والعلم بكيفيته وترتيبه
~~ليمكن إيقاعه على الوجه المبرئ للذمة.
# إذا عرفت هذا فاعلم أن التكاليف الشرعية متأخرة في العلم عن التكاليف
~~العقلية لترتب (101) الشرع على العقل، ثم العقلية ضرورية كالعلم بوجوب رد
~~الوديعة وقضاء الدين، وكسبية كالعلم بقبح الكذب النافع، وحسن الصدق الضار،
~~وكالنظر في المعارف الإلهية، وكل واحد من هذه التكاليف قد يخلو المكلف
~~منها، ولا يخلو مع ذلك من وجوب النظر في المعارف الإلهية، فإذا يجب تقديم
~~الكلام في المعارف. (102) وقبل ذلك لا بد من بيان حقيقة العلم والنظر،
~~فنقول: العلم هو تبين الشئ على ما هو به تبينا ينتفي معه الاحتمال، وهذا
~~ليس بتحديد، إذ العلم لظهوره غني عن الإبانة لكنه تنبيه.
# وأما النظر فهو ترتيب علوم أو ظنون ترتيبا صحيحا ليتوصل به إلى علم أو
~~ظن. والدليل هو ما النظر الصحيح فيه يفضي إلى العلم.
# إذا عرفت هذا فنقول: الدليل على أن النظر واجب وجهان:
# PageV00P096
# الأول: أن النظر يؤمل به زوال الخوف، وكل ما يؤمل به زوال الخوف فهو
~~واجب. أما أنه يؤمل به زوال الخوف، فلأنا نعلم أن العقلاء يعولون على
~~أنظارهم عند تجدد الحوادث المشكلة، فلو لم يكن طريقا من طرق الكشف لما
~~عولوا عليه. والخوف الذي نشير إليه هو ما يحصل عند العاقل حين يسمع اختلاف
~~العقلاء في إثبات الصانع والثواب والعقاب، أو أن يتنبه من قبل نفسه على جهة
~~الخوف، أو أن ms026 يخطر الله بباله ذلك. وأما أن كل ما يؤمل به زوال الخوف واجب،
~~فمعلوم ضرورة. (103)
# PageV00P097
# الوجه الثاني: أن معرفة الله واجبة، ولا يمكن تحصيلها إلا بالنظر، وكل ما
~~لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أما أن معرفة الله واجبة، فلأنها دافعة
~~للضرر من خوف الوعيد، أو لأنها لطف في أداء الواجبات. وأما أنه لا يمكن
~~تحصيلها إلا بالنظر، فلأن المعارف إما ضرورية، وهو ما لا يمكن العاقل دفعه
~~عن نفسه، ويكون من فعل الله في المكلف، (104) وإما كسبية، وهو ما لا يحصل
~~إلا بالنظر، (105) والمعارف الإلهية ليست من قبيل الأول، لأنا نراجع أنفسنا
~~فلا نرى العلم يحصل بها على ذلك الوجه، فتعين أن يكون كسبية. وأما أن كل ما
~~لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فضروري، ولأنه لو لم يجب، لكان إما أن يسقط
~~الواجب المتوقف عليه، وإما أن لا يسقط، ويلزم من الأول أن لا يكون ما
~~فرضناه واجبا واجبا، ومن الثاني تكليف ما لا يطاق.
# وإذا مر في كلامنا ذكر الخاطر، فلا بد من الإيماء إلى شئ من تحقيقه،
~~فنقول: الخاطر هو التنبيه على جهة الخوف.
# PageV00P098
# وقال أبو علي (106): إنه اعتقاد أو ظن.
# وقال أبو هاشم: إنه كلام خفي يسمعه المكلف، إما من فعل الله، أو من فعل
~~الملك.
# وقال القاضي (107) يتضمن ذلك الكلام أربعة أشياء: التنبيه على المعرفة
~~والنظر، والتنبيه على جهة الخوف، وعلى أمارة الخوف، وعلى ترتيب الأدلة.
# ولم أتحقق شيئا من هذه المجازفات، بل أقول: إن كل عاقل عند نشئه يتنبه أن
~~له صانعا، فإذا تصور ذلك، استلزم ذلك التصور للأمور التي أشاروا إليها، ولم
~~ينفك مكلف من ذلك.
# وأما الشروط، فإنها تنقسم، فما يرجع منها إلى التكليف اثنان، وهما: أن لا
~~يكون مفسدة، وأن يكون مقدما على فعل ما يتناوله التكليف، بقدر ما يمكن
~~المكلف العلم بأنه متعبد به (108). وما يرجع إلى متعلق التكليف اثنان:
# PageV00P099
# أحدهما أن لا يكون مستحيلا إما بالنظر إلى نفسه كالجمع بين الضدين، وإما
~~بالنسبة إلى وقته بأن ms027 يكون ضيقا عن إيقاعه، وأن يكون له صفة زائدة على
~~حسنه. (109) وما يرجع إلى المكلف اثنان: أحدهما أن يكون متردد الدواعي، وأن
~~يكون مزاح العلة، (110) وما يرجع إلى المكلف شروط: أن يعلم ذلك من حال
~~التكليف والمكلف ومتعلق التكليف وأن يكون غرضه حصول الطاعة وإثابة المطيع،
~~وأن يعلم أنه يثيبه على طاعته. (111) المقام الثالث في الألطاف المصلحة إما
~~أن تكون دينية أو دنياوية، فإن كانت دنياوية، وانتفت عنها وجوه القبح، فهل
~~يجب في الحكمة أم لا؟
# قال الأكثرون: هي غير واجبة، وأوجبها الأقل في الجود. (112)
# PageV00P100
# احتج الموجبون بأنها منفعة لا يتوجه بها ضرر على فاعلها، ولا على غيره،
~~وليس فيها وجه من وجوه القبح، فيتعلق بها الداعي، وينتفي عنها الصوارف، وكل
~~ما كان كذلك، فلا بد أن يبعث الحكمة على فعله.
# احتج المانعون بأن ذلك لو وجب لوجب فعل ما لا نهاية له من المنافع، لوجود
~~المقتضي لذلك، لكن فعل ما لا نهاية له محال، فما أدى إليه مثله.
# ولقائل أن يجيب عن هذا الوجه بأن ما لا نهاية له متعذر، فلا يتعلق به
~~الداعي.
# وأما المصالح الدينية، فإنها تنقسم إلى ما يقع عنده الطاعة، ويسمى لطفا
~~بقول مطلق، وإلى ما يكون المكلف معه أقرب إلى الطاعة، ويسمى لطفا مقربا،
~~وفي مقابلة ذلك المفسدة، فمنها ما تقع عنده المعصية، ومنها ما يكون المكلف
~~معه أقرب إلى فعل المعصية. (113) وهل يجب على البارئ سبحانه فعل اللطف أم
~~لا؟ الأكثرون يقولون بوجوبه، واحتجوا على ذلك بوجوه:
# أحدها: أن اللطف مفض إلى غرض المكلف، وليس فيه وجه من وجوه القبح، ولا
~~يؤدي إلى ما لا نهاية له، وكل ما كان كذلك فهو واجب في الحكمة، أما أنه مفض
~~إلى غرض المكلف، فلأنا نتكلم على هذا التقدير، وأما
# PageV00P101
# أنه ليس فيه وجه من وجوه القبح، فلأن وجوه القبح مضبوطة، وليس فيه شئ
~~منها، وأما أن كل ما كان كذلك كان واجبا في الحكمة، فلأن داعي الحكمة متعلق
~~به، والصوارف منتفية عنها، وكل ما تعلق ms028 به الداعي، وانتفى الصارف عنه، فإنه
~~يجب أن يفعل.
# الوجه الثاني: لو لم يفعل البارئ سبحانه وتعالى اللطف على هذا التقدير،
~~لكان ناقضا لغرضه، ونقض الغرض قبيح. بيان أنه يكون ناقضا لغرضه، أن من دعا
~~غيره إلى طعام له وعلم أنه يحضر إن أرسل رسولا إليه لا غضاضة عليه في
~~إرساله، ولم يرسل رسوله، فإنه يكون غير مريد لحضوره، والعلم بذلك ظاهر.
# الوجه الثالث: لو لم يجب فعل اللطف، لكان البارئ مخلا بما يجب عليه في
~~الحكمة، إذ لا فرق بين منع اللطف وعدم التمكين. (114) احتج المخالف بأنه لو
~~وجب اللطف لوجب أن يفعل بالكافر.
# والجواب لا نسلم أن للكافر لطفا. (115) وتحقيق ذلك، أن اللطف هو ما يعلم
~~المكلف أن المكلف يطيع عنده، أو يكون أقرب إلى الطاعة، مع تمكنه في
~~الحالين، والكافر قد لا يكون له لطف يحركه إلى فعل الطاعة. ويجري هذا
# PageV00P102
# مجرى رجل له ثلاثة أولاد، أحدهم يطيعه بالإكرام، والآخر بالإهانة،
~~والثالث لا يؤثر فيه أحد الأمرين، فلا يكون لذلك لطف، فالكافر الذي لا يطيع
~~يجري مجرى الثالث (116).
# PageV00P103
# المطلب الثاني الكلام في الآلام والأعواض اختلف الناس في الآلام، فقال
~~قوم: بحسنها أجمع، بمعنى أن العقل لا يحكم بقبح شئ منها، وهم الأشعرية.
~~وقال الثنوية (117) بقبحها أجمع، وفصل آخرون فقالت التناسخية (118) لا يحسن
~~منها إلا ما كان مستحقا، وقالت المعتزلة لا يحسن منها إلا ما كان مستحقا،
~~أو فيه نفع يوفى عليه، أو دفع ضرر أعظم منه، أو يكون على سبيل المدافعة، أو
~~جاريا مجرى فعل الغير بالعادة.
# أما أنه يحسن للاستحقاق، فإنا نستحسن ذم المسئ في وجهه وإن تألم بذلك،
~~ولا وجه لحسنه إلا الاستحقاق. وأما حسنها بالعرض الموفى
# PageV00P104
# عليه، فلأنا نستحسن ركوب الأخطار، وقطع المفاوز، رجاء لحصول نفع يوفى على
~~تلك المشقة، والعلم بذلك ظاهر. وكذلك يحسن استيجار الأجير بعوض يرفع قبح
~~ألمه، وأما أنه يحسن لدفع الضرر، فلأنا نستحسن شرب الدواء الكريه والعلاج
~~بالحديد دفعا لما يظن من الضرر الموفى عليه، ونجد العقل باعثا على ms029 ذلك.
~~وأما أنه يحسن على وجه الدفع، فإن من أراد غيره عن نفسه (119) حسن منه الذب
~~عن نفسه، وإن أدى ذلك إلى قتل المريد. وأما أنه يحسن إذا كان جاريا مجرى
~~فعل الغير، فلأن من طرح غيره في نار فاحترق، فإن احتراقه من فعل الله
~~سبحانه إما بالاختراع أو التولد، (120) ولا يقبح ذلك من الله سبحانه، ولا
~~يجب عليه في مقابلته عوض، لأنه سبحانه لما جرى العادة بذلك لم يجز نقضها إذ
~~نقضها دلالة على صدق مدعي النبوة، فلو خرق العادة لانسد باب الاستدلال على
~~النبوات، فصار ذلك الفعل - وإن كان من الله تعالى - جاريا مجرى فعل غيره،
~~فكان العوض في ذلك على المباشر لإلقائه.
# فائدة اختلف أبو علي وأبو هاشم في وجه حسن الآلام على وجه الدفع، فقال
~~أبو علي: وجه حسنها أن الدافع صار مستحقا لنفس من كابره على نفسه، وكان ذلك
~~من قبيل المستحق، فيكون على هذا التقدير من القسم الأول، لا قسما برأسه.
~~وقال أبو هاشم: وجه حسنه كونه دفعا لا غير، لأن العقلاء يحسنون ذلك نظرا
~~إلى الدفع، لا إلى كونه مستحقا. ولأنه لو كانت
# PageV00P105
# مكابرته موجبة لاستحقاق نفسه لوجب أن يكون ذلك الاستحقاق باقيا وإن كف
~~المكابر.
# وإذا ثبت أن الألم يحسن لأحد هذه الوجوه فقد اختلفوا في ما يفعله الله
~~تعالى من الآلام بالعقلاء والأطفال والبهائم. فالذي عليه جمهور المتكلمين
~~قالوا: إنما يحسن ذلك للعوض والنفع الموفى عليه. وقالت التناسخية: إنما
~~يحسن لكونه مستحقا، أما في العقلاء فبجرائم سبقت، وأما في البهائم
~~والأطفال، فحيث كانت أنفسهم في غير هذه الهياكل عاصية لله.
# فيحتاج تحقيق البحث مع هذا الفريق إلى بيان أن الإنسان هو هذه الجملة،
~~ليبنى الرد عليهم على إزالة مستندهم.
# فنقول: اختلف الناس في الإنسان الذي يشير إليه كل واحد بقوله:
# " أنا " ما هو؟ فقال جمهور الفلاسفة: إنه ليس بجسم ولا جسماني، بل هو
~~مجرد عن المادة الجسمية، متعلق بالبدن تعلق الشعف، مدبر له بالاختراع،
~~وتابعهم على ذلك بعض المعتزلة، ومن فقهائنا ms030 الشيخ المفيد (121) في ما يحكى
~~عنه. (122)
# PageV00P106
# وقال أهل الحق: إنه جسم، ثم اختلفوا فقال قوم منهم: هو هذا الهيكل
~~بجملته، وقال آخرون: هو الأجزاء الأصلية من هذا البدن التي لا يتغير بصغر
~~ولا كبر ولا هزال ولا سمن، وهذا القول أقرب إلى الصواب.
# والدليل عليه حسن توجه المدح والذم إلى هذا الهيكل، فلو كان الفعل من
~~غيره لكان المدح والذم مصروفين إليه، لا إلى هذا الشخص.
# ثم لا جائز أن يكون هو الجملة بأجمعها لوجهين:
# أحدهما: أن البدن من شأنه التحلل والاستخلاف، فإن الأجزاء الغذائية قبل
~~تمام النشأ (123) لزيادة فيه، وبعد تمام النشأ إنما تزاد (124) لتقوم عوضا
~~عن ما يحلل، وهي أبدا متبدلة، والإنسان باق، والمتبدل مغاير لما لا يتبدل
~~بالضرورة.
# الوجه الثاني: قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا
~~بل أحياء عند ربهم يرزقون) (125) ويستحيل اجتماع الحياة والقتل على الشئ
~~الواحد في الوقت الواحد، فلا بد أن يكون الحي المرزوق في الجنة مغايرا
~~للمشاهد المقتول في الدنيا، فتعين أن الإنسان ليس جملة هذا البدن، بل أجزاء
~~أصلية فيه، وهي المحكوم بانتقالها إلى الجنة.
# احتج الفلاسفة بوجوه، أظهرها أن قالوا: العلم لا ينقسم، فالعالم
# PageV00P107
# لا ينقسم. بيان الملازمة أنه لو انقسم لكان جزؤه إما علما فلا يكون ما
~~فرضناه واحدا واحدا (126)، بل علوما، هذا خلف. وإن لم يكن جزؤه علما كان
~~العلم مركبا من ما ليس بعلم، وهو باطل. وأما أنه إذا كان العلم غير منقسم
~~فالمتصف به غير منقسم، لأنه لو انقسم المحل لكان العلم إما أن يكون قائما
~~بأجزائه كلها، فيكون الواحد حالا في محلين بل أكثر، وهو محال، أو في جزء
~~منها فيكون ذلك الجزء هو الموصوف بالعلم دون غيره. وإذا ثبت ذلك وجب أن لا
~~يكون محل العلم جوهرا جسما ولا جسمانيا (127)، لأن كل متحيز منقسم، وكل ما
~~حل في المنقسم منقسم.
# والجواب أن نقول: هذا بناء علي نفي الجوهر الفرد، ونحن فلا نسلم نفيه
~~(128). ثم لو سلمنا لكان العلم عندنا من الأمور ms031 الإضافية، والأمور الإضافية
~~يصح أن تكون مقولة على الجسم المركب، فلذلك القرب والبعد، مقول على
~~المتقاربين والمتباعدين، وليس مقولا على أحدهما، فما المانع أن يكون العلم
~~كذلك، فإنه عندنا على التحقيق من الأمور الإضافية، وليس ذاتا قائما
~~بالعالم، ولا صورة مساوية للمعلوم في العالم، ومع وضوح هذا
# PageV00P108
# الإشكال يندفع احتجاجهم المذكور. (129) وإذا تقرر ذلك فنقول للتناسخية:
~~إن الواحد منا يعلم علما اضطراريا، أنه لو كان موجودا قبل القرن الذي هو
~~الآن موجود فيه، لوجب أن يكون ذاكرا لشئ من حوادثه.
# لا يقال: اختلاف الأبدان مانع من الذكر: لأنا نقول: قد بينا أن المكلف هو
~~الأجزاء الأصلية التي في هذا الشخص المبنية بنيته، فلو كان موجودا قبل لك،
~~لوجب أن يكون ذاكرا لحوادثه السالفة، لأن حقيقته موجودة في الحالين.
# ثم يقال لهم: لو لم يحسن الألم من دون الاستحقاق، للزم أن يكون قبل كل
~~استحقاق استحقاق، فالسبب الأول يجب أن يكون من غير استحقاق.
# فإن قالوا: ذلك السبب تكليف. قلنا: فالتكليف ألم، وكما جاز أن يفعل العوض
~~من غير استحقاق فكذلك ما يبتدئ به من الألم.
# ثم نعود إلى تحقيق القول في ما يبتدئ به الله تعالى من الألم مع غير هذا
~~الفريق. فنقول: أما الآلام التي تفعل بالعقلاء فقد يكون للاستحقاق مثل أن
~~يعجل الله تعالى بعض العقاب المستحق في دار الدنيا.
# وما ليس بمستحق منها، اختلف في وجه حسنه، فكذلك الآلام التي تفعل
~~بالصبيان والمجانين والبهائم، فذهب قوم إلى أنها تفعل لمجرد العوض،
# PageV00P109
# وقال آخرون: يحسن لمجرد اللطف، وقال المرتضى: لا يحسن إلا لمجموع العوض
~~واللطف.
# واحتج لذلك بأن العوض يخرج الألم من كونه ظلما، واللطف من كونه عبثا.
# واحتج أبو علي على كون النفع كافيا، بأنه يوصل إلى نفع لا يوصل إليه إلا
~~بالألم، فكان حسنا. بيان ذلك أنه لو ابتدأ بذلك النفع لكان تفضلا، وقد يأبى
~~الإنسان قبول التفضل، أما إذا كان مستحقا، فإن أحدا لا يترفع عنه.
# وقد أجيب عن ذلك، بأنا لا نسلم أن المنافع ms032 التي يتفضل بها الله تعالى
~~يترفع أحد عنها، وإنما يسوغ ذلك الفرض في المماثل والمقارب.
# احتج من أجاز فعل الألم لمجرد اللطف، بأنه لا فرق بين أن تكون المنفعة في
~~مقابلة الألم، وأن تكون في ما يكون الألم لطفا ووصلة إليه. ألا ترى أنه
~~يسوغ تحمل مشاق الأسفار لحصول الزيادة في أثمان الأمتعة، وإن كان النفع ليس
~~في مقابلة السفر. ثم يتأكد ذلك وضوحا في ما إذا كان اللطف عائدا إلى
~~المولم، وبيان ذلك، أن من علم أن ولده لا يتعلم العلم في بلده، وإذا أحوجه
~~إلى تحمل الغربة (130) والانفراد عن شواغل معارفه من أهل بلده، كان باعثا
~~على تعلمه، فإنه يحسن أن يلزمه ذلك، ولا يجب عليه عوض في مقابلة ذلك الألم،
~~ولا وجه لحسنه إلا كونه لطفا في التعلم، وهذا الوجه قوي، وهو المعتمد.
~~(130)
# PageV00P110
# المطلب الثالث في الآجال والأرزاق والأسعار أجل الدين هو الوقت الذي يحل
~~فيه، وكذلك أجل الحيوان هو الوقت الذي تبطل فيه حياته، فمن مات من قبل الله
~~تعالى كان ذلك حسنا ويجب الرضا به، وإن قتله قاتل فهل كان يعيش لو لم يقتل؟
~~جزم بذلك قوم، PageV00P111
# وحكم آخرون بالموت قطعا، وتوقف المرتضى (132)، وهو الحق.
# لنا أنه لا دلالة على الجزم بكل واحد من القولين، ومع عدم الدلالة يجب
~~التوقف.
# واحتج الجازم بالموت بوجهين: أحدهما: لو جاز أن يعيش لكان القاتل قاطعا
~~لأجله، وبأن الله يعلم بطلان حياته في هذا الوقت، وعلمه سبحانه لا يجوز أن
~~يتبدل.
# وجواب الأول منع الملازمة، فإنه لا يثبت أنه قاطع لأجله إلا مع التبين.
~~وجواب الثاني أنه لا يلزم من تجويز الحياة انقلاب العلم، إذ لو بقي لما كان
~~الله تعالى عالما ببطلان حياته. (133)
# PageV00P112
# واحتج القاطعون بالبقاء بوجهين: أحدهما: أن الظالم قد يقتل في الحال
~~الواحد عدة لم تجر العادة بموتهم في تلك الحال، ويلزم من ذلك أنه لو لم
~~يقتلهم لبقوا أو بعضهم. الثاني: لو كان المقتول لو لم يقتل لمات، لكان من
~~ذبح غنم غيره محسنا إليه ms033 بذبحها، فلا يستحق الذم.
# وجواب الأول تسليم مثل هذه الصورة، ولا يلزم في غيرها، إذ الحكم الجزئي
~~لا يكون له دلالة على الحكم الكلي. وجواب الثاني: أن الذم يتوجه من وجوه:
~~أحدها: إقدامه على التصرف في مال الغير. الثاني: أن إفساد المال كان بسبب
~~المباشر للذبح. الثالث: أنه منع المالك الأعواض الموفية، فإنه لو ماتت بسبب
~~الله تعالى لكانت أعواضه عليه تعالى راجحة على الأعواض المستحقة على
~~المباشر.
# وأما الرزق: فهو ما صح أن ينتفع به (134) ولم يكن لأحد منعه منه (135)،
~~فعلى هذا، الحرام لا يكون رزقا، ولو كان إنسان قطع وقته بتناول الحرام، لما
~~كان ذلك رزقا له، بل قد عدل عن اكتساب الحلال المقسوم له إلى
# PageV00P113
# الحرام. (136) وأما السعر: فهو عبارة عن قدر قيمة ما يباع به الشئ.
~~والغلاء عبارة عن زيادة ذلك بالنسبة إلى الزمان والمكان. والرخص عبارة عن
~~نقصانه، فإذا كان الغلاء من قبل الله سبحانه وتعالى، وجب الرضا به، وكان
~~العوض فيه عليه تعالى، وإذا كان من قبل الخلق، إما باحتكار الأمتعة، أو
~~بمنع السبل، أو غير ذلك، كان العوض فيه على فاعل الأسباب. (137)
# PageV00P114
# المطلب الرابع في الوعد (138) والوعيد (139) وهو يشتمل على مقدمة وثلاثة
~~مقاصد، أما المقدمة: فنقول المستحق على الأفعال ستة: مدح وثواب وشكر وعقاب
~~وذم وعوض.
# أما المدح فهو القول الدال على ارتفاع حال الغير مع القصد إلى ذلك، ولولا
~~اعتبار القصد، لكان قول اليهودي للمسلم: يا مسلم مدحا له، وليس
# PageV00P115
# كذلك.
# وأما الثواب، فهو النفع المستحق المقارن للتعظيم والتبجيل. والتعظيم كل
~~قول أو فعل أو ترك دل على ارتفاع حال الغير. ولا بد من اعتبار القصد كما
~~ذكرناه في المدح.
# والذم عكس المدح.
# والعقاب هو الضرر المستحق المقارن للإهانة.
# والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع التعظيم. (140) ويستحق المدح بفعل الواجب
~~والمندوب وترك القبيح، وربما أنكر الثالث قوم تعليلا بأن الترك عدم، فلا
~~يكون مؤثرا. وجوابه أنا كما علمنا حسن المدح على فعل الواجب والمندوب
~~اضطرارا، فكذلك عرفنا حسن مدحه على ترك القبيح. لا ms034 يقال: الترك الذي نعلم
~~استحقاق المدح به هو فعل ضد الواجب، لأنا نقول: إن المستلقي في دار غيره
~~بإذنه إذا أمره بالخروج فلم يفعل، حسن ذمه قطعا، فحسن الذم إما أن يكون
~~معللا بترك الخروج، أو بفعل ضده، والقسم الثاني باطل، لأنه يسرع إلى ذمه من
~~لا
# PageV00P116
# يعرف ذلك الضد بل من لا يتصوره أصلا.
# وشرط استحقاق المدح أن يكون الفاعل له عالما به أو متمكنا من العلم به.
~~ومثل ذلك يشترط في استحقاق الذم والعقاب. ويشترط في هذين زيادة، وهو كون
~~الفاعل مشتهيا للقبيح. وربما جعل بعضهم مكان هذا الشرط أن يكون الفاعل له
~~ممن يصح أن يعاقب. وآخرون يضعفون هذا القول، ويجعلون بدله أن يزجر عنه
~~زاجر.
# ومن الشروط أن يفعل الواجب لوجوبه، والمندوب لندبه، وترك القبيح لكونه
~~قبيحا.
# المقصد الأول:
# المطيع يستحق بطاعته الثواب، لأن إلزام المشاق يجري مجرى فعلها، وكما يجب
~~بفعلها العوض فكذلك بالإلزام. وإنما الخلاف في دوامه، فعندنا ذلك معلوم
~~بالشرع، خلافا للمعتزلة.
# لنا أن بالعوض الذي لا يجوز الابتداء [به] يخرج التكليف عن القبح فلا يجب
~~اعتبار ما زاد عليه (141).
# احتج المعتزلة بوجهين: أحدهما: لو كان الثواب منقطعا لما حسن التكليف
~~معه، فإن العوض المتفضل به يكون آثر في اختيار المكلف.
# الوجه الثاني: أن المدح يستحق على التكليف دائما، فيجب أن يكون الثواب
~~كذلك.
# والجواب عن الأول: لا نسلم أن بتقدير انقطاعه يكون التفضل آثر،
# PageV00P117
# وهذا لأن في الثواب المنقطع مزية ليست موجودة في التفضل، وهو كونه
~~مستحقا، أو كون التعظيم مقارنا له. لا يقال: إن الاستحقاق لا يصلح فارقا في
~~من لا يترفع المكلف عن تفضله. لأنا نقول: المزية موجودة على كلا التقديرين،
~~فإن صدورهما من فاعل واحد يتفاوت. إذ الفرق بين أن يعطي الملك غيره مالا
~~مستحقا وبين أن يتطوع بالعطية معلوم.
# والجواب عن الثاني: سلمنا أن استحقاق المدح دائم، لكن لا نسلم أنه يلزم
~~في الثواب كذلك، فإنه قياس من غير جامع، ولئن أشاروا إلى جامع طالبناهم
~~بالدلالة على عليته ms035 على وجوب تعدية الحكم عن محل الوفاق.
# وأما العاصي فإنه يستحق بعصيانه الذم (142)، وقيل: يعلم استحقاقه للعقاب
~~على ذلك عقلا. الحق أن العقل لا يدل على ذلك خلافا للمعتزلة.
# لنا أن الذم من لوازم فعل القبيح اختيارا، والعقاب ضرر منفي بالأصل (143)
~~فلا يثبت إلا تبعا لوجود الدلالة.
# احتج المعتزلة بوجوه، منها أن الذم مستحق بفعل القبيح، والإخلال بالواجب،
~~فيجب أن يستحق به الضرر، لأن التكليف به دفعا لضرر الذم غير ثابت، فتعين
~~التكليف به دفعا لضرر غير الذم، إذ لو لم يكن فيه دفع ضرر غير الذم لكان
~~عبثا.
# ومنها أن العقاب لطف، واللطف واجب على الله، أما الأولى فلأن المكلف عند
~~علمه باستحقاق العقاب يكون أقرب إلى ترك المعصية وفعل الواجب ضرورة، ولا
~~معنى للطف إلا ذلك، وأما الثانية فقد مرت في أبواب
# PageV00P118
# العدل.
# والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يكون التكليف به دفعا للمفسدة الناشئة
~~من فعله، أو لحصول الثواب في مقابلة الامتثال، وذلك يكفي في حسن التكليف،
~~فمن أين لهم أنه لا بد من أمر وراء ذلك، لا بد لهذا من دليل.
# والجواب عن الثاني: لم لا يجوز الاقتصار على الذم وتجويز العقاب، فإن
~~تجويز الضرر قد يكون زاجرا، كما يكون الضرر المتيقن.
# وإذا عرفت أن استحقاق العقاب لا يعرف عقلا، فدوامه انقطاعه أيضا كذلك.
~~والمرجع في العلم باستحقاق العقاب ودوام ما يدوم منه والمنقطع، إنما هو
~~مستفاد من الشرع، وقد أجمع المسلمون على دوام عقاب الكافر، واختلفوا في
~~عقاب المؤمن الفاسق، وسيأتي تقرير ذلك بعد تقديم ما يجب تقديمه أمام الخوض
~~فيه إن شاء الله.
# ويصح في العقل اجتماع استحقاق الثوب والعقاب، ولا يبطل أحدهما الآخر
~~خلافا للمعتزلة، ويدل على ذلك المعقول والمنقول. أما المعقول، فلأنهما لو
~~لم يصح أن يجتمعا لكان ذلك لمنافاة بينهما، لكن المنافاة منتفية، فالاجتماع
~~ممكن. أما الملازمة فلأن بتقدير عدم المنافاة لا يكون لامتناع الاجتماع سبب
~~معقول، وأما أن المنافاة غير ثابتة، فلأن المنافاة لازمة عن التضاد وما
~~يجري مجرى ms036 التضاد، ولا تضاد بين الطاعة والمعصية، ولا بين ثبوت مستحقهما،
~~وإذا بطل التنافي لزم إمكان الاجتماع.
# وأما المنقول فقوله تعالى: (ومن يعمل سوء يجز به) (144) وقوله: (وما
# PageV00P119
# يفعلوا من خير فلن يكفروه) (145).
# واحتج المعتزلة بالمعقول والمنقول، أما المعقول، فقالوا إن الثواب يستحق
~~دائما، ويقارنه التعظيم والتبجيل، والعقاب يستحق دائما ويقارنه الاستخفاف
~~والإهانة، فلو اجتمعا لزم استحقاق التعظيم والاستخفاف من وجه واحد وهو
~~محال. ولتعذر إيصال المستحق من الثواب والعقاب وهو أيضا باطل.
# وأما المنقول فقوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) (146) وقوله:
~~(أولئك حبطت أعمالهم) (147) أن تحبط أعمالكم) (148) (لئن أشركت ليحبطن
~~عملك) (149).
# والجواب عن الأول: لا نسلم أن العقاب يستحق دائما، وإنما يكون ذلك في
~~الكافر، والكفر لا يجامع الإيمان.
# وقوله: " لو اجتمع الاستحقاقان لزم اجتماع التعظيم والاستخفاف " قلنا:
~~سلمنا ذلك لا بالنسبة إلى فعل واحد بل بالنسبة إلى فعلين، فما الدليل على
~~استحالة ذلك؟
# ثم ما ذكروه منقوض بالمسلم إذا كان ابن كافر، فإنه يجب عليه شكره، وهو
~~يتضمن التعظيم، وذمه على كفره.
# PageV00P120
# أما الجواب عن الآيات، فإنا نسلم أن الكفر يسقط معه استحقاق الثواب،
~~بمعنى أنه لا يثبت استحقاقه، لا بمعنى أنه يسقط بعد ثبوته، وكل موضع تضمن
~~ذلك، فإنه يحمل على عدم الاستحقاق، لا على سقوطه بعد الاستحقاق، لأن العقل
~~يحظر إسقاط حق الغير بعد تحققه، ولا يمنع من كون الاستحقاق مشروطا بشئ آخر.
~~(150)
# PageV00P121
# المقصد الثاني في ما يسقط المستحق من العقاب: وهو ثلاثة أشياء:
# العفو ابتداء، والتوبة، والشفاعة.
# والعفو عن العقاب جائز عقلا وشرعا، أما عقلا فلأنه حق الله، وليس في
~~إسقاطه وجه قبح، فيجب أن يحسن، كإسقاط الدين. وأما شرعا فبقوله:
# (ويعفوا عن كثير) (151) وبقوله: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (152)
~~وبقوله: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) (153).
# فإن قيل: لا نسلم أنه ليس فيه وجه قبح، وبيانه: أن العقاب لطف المكلف،
~~وتفويت اللطف وجه قبح، ثم هو منقوض بإسقاط الثواب وإسقاط الذم، فإنهما لا
~~يسقطان ولو أسقطهما المستحق لهما.
# والجواب: أن نقول: قد بينا أنه يكفي ms037 في اللطف تجويز إنزال العقاب، فإن كل
~~مكلف يجوز أن لا يعفى عنه، فيكون ذلك زاجرا له عن مواقعة
# PageV00P122
# القبيح، وأما استحقاق الذم والمدح فليس بمختص بعاقل دون عاقل، فلذلك لا
~~يسقط بإسقاط المسقط له، وليس كذلك العقاب، فإنه حق الله على الخصوص فكان له
~~إسقاطه. (154) وأما التوبة، فهي الندم على المعصية، بشرط أن لا يعزم على
~~المعاودة، لا بشرط أن يعزم على ترك المعاودة، والفرق بينهما ظاهر. وربما
~~قيل: إن العزم على ترك المعاودة جزء من التوبة، وربما جعل شرط فيها (155)،
~~وكلا الأمرين خال عن دلالة. (156)
# PageV00P123
# وهل يكفي في التوبة الندم على القبيح لكونه قبيحا أم يفتقر الندم عليه
~~لقبحه إلى وجه قبحه أم للزواجر والدواعي؟ في ذلك خلاف. والذي يظهر الاجتزاء
~~بالندم للقبح.
# وهل يصح أن يتوب عن معصية دون معصية؟ فيه تردد، والأظهر جوازه. لا يقال:
~~إذا ترك القبيح لكونه قبيحا وجب أن يترك كل قبيح لاستوائهما في ما يقتضي
~~تعلق الصارف. لأنا نقول: لا نسلم وجوب التساوي على تقدير تساويهما في
~~القبح، وهذا لأنه قد يحصل في أحدهما من المزية ما لا يحصل في الآخر، فيكون
~~ذلك القدر من المزية مقتضيا لتعلق الداعي به دون الآخر، فيجري هذا مجرى من
~~ترك مأكولا لحموضته مثلا فإنه لا يجب أن يترك الحامض الآخر، إذا كان مشتملا
~~على زيادة من عذوبة طعم أو نفع في اغتذاء، فالفرض الذي فرضه من التساوي في
~~القبح لا يوجب التساوي في الدواعي والصوارف. (157) وهل يسقط العقاب بالتوبة
~~عقلا؟ فيه أقوال. قيل: يجب في العقل بمعنى أن التوبة تسقط العقاب فيعود
~~إنزاله بالمكلف ظلما. وقال آخرون:
# يجب في الجود. والحق أنه لا يجب عقلا، وإنما الشرع دل عليه، وسقوط العقاب
~~عندها بالتفضل.
# احتج الموجبون بوجهين: أحدهما: أن من خالفنا في الإسلام: مرتكبا لبعض
~~المذاهب، إذا تاب وأقلع عن مذهبه، وبالغ في إنكاره، يسقط لومه، ويجب
# PageV00P124
# موالاته، لا باعتبار الشرع، بل مع فرض رفعه، ولا وجه لذلك إلا التوبة،
~~فيجب أن يكون ذلك وجها مسقطا ms038 للعقاب، ضرورة سقوط الذم حيث ذكرنا.
# الوجه الثاني: لو لم يسقط العقاب بالتوبة لكان التكليف بعد وقوع الذنب
~~الواحد محالا، لأنه إما أن يكلف تعريضا للثواب، أو لا للتعريض، ويلزم من
~~الأول بطلان التكليف، لاستحالة وصوله إليه، ومن الثاني خلوه عن الغرض،
~~فيكون عبثا.
# والجواب عن الأول: لا نسلم وجوب سقوط الذم في المثال الذي ذكروه، ولا في
~~غيره من الأمثلة التي يمثلونها (*)، لأنا لا نجد العلم بذلك ضرورة، ولم
~~يقيموا عليه برهانا، والاقتصار على محض الدعوى غير مجد.
# والجواب عن الثاني: إن ذلك بناء على أن العقاب ودوامه يعلمان عقلا، ونحن
~~نمنع من ذلك، ولا نثبت إلا شرعا، فكما أثبتنا العقاب ودوامه شرعا، فقد ثبت
~~قبول التوبة شرعا.
# لا يقال: قد صرتم إلى إيجاب قبول التوبة، وخالفتم في الطريق المفضي إلى
~~الوجوب. لأنا نقول: إن المخالفة في الأصل لم يقع إلا في ذلك، فإنا بنينا
~~على قبول التوبة شرعا لا عقلا، والخصم منع من ذلك، وأوجبه عقلا فلم يكن ما
~~ذكرناه ثانيا منافيا لما ذكرناه أولا. (158)
# PageV00P125
# وأما الشفاعة: فقد اتفق المسلمون على أن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~(159) شفاعة، لكن اختلفوا فزعم قوم أنها زيادة في الثواب لا في إسقاط
~~المضار، وقال آخرون:
# هي حقيقة في إسقاط المضار لا غير، وهو الحق.
# لنا وجهان: أحدهما: أنها حقيقة في إسقاط المضار، فلا يكون حقيقة في غيره
~~دفعا للاشتراك. فإن قيل: وقد تستعمل في زيادة المنافع فتكون حقيقة فيه دفعا
~~للمجاز، أو في القدر المشترك بينهما دفعا للمجاز والاشتراك. (160) قلنا: لو
~~كانت حقيقة في زيادة المنافع أو في القدر المشترك بينهما للزم أن نكون
~~شافعين في النبي - عليه السلام - عند سؤالنا زيادة درجاته. لا يقال: إنا لا
~~نطلق ذلك، لأن الشفاعة تقتضي العلو والاستعلاء. لأنا نقول: إن ذلك باطل من
~~وجهين: أحدهما: إنه لو كان ذلك مشترطا في إطلاق اسم الشفاعة، لكان مستفادا
~~بالنقل عن أهل اللغة، لأنه اصطلاح محض، لكن النقل منتف يحققه السبر (161).
~~الثاني: لو كانت الرتبة معتبرة ms039 بين الشافع
# PageV00P126
# والمشفوع فيه، لكانت معتبرة بين الشافع والمشفوع إليه (162)، لكن ذلك
~~باطل، فإن بريرة، وهي أخفض رتبة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، شفع
~~إليها وأخبرها أنه شافع. (163) الوجه الثاني: في الاستدلال على أن الشفاعة
~~في إسقاط المضار قوله - عليه السلام -: " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من
~~أمتي " (164) وما ماثل ذلك من الأخبار الصريحة في إسقاط المضار. (165)
# PageV00P127
# لا يقال: هذا خبر واحد، فلا يجوز الاحتجاج به في مسألة علمية، سلمنا ذلك،
~~لكن ثبوت الشفاعة مطلقا ليس بدال على إسقاط المضار فيمكن حمله على زيادة
~~الدرجات بعد التوبة.
# لأنا نجيب عن الأول: بأن الخبر المذكور، وإن كان غير متواتر (166) لكنه
~~ملتقى بالقبول، إذ لا نعلم له منكرا إلا معاندا (167)، ومع ثبوت قبوله يخرج
~~عن حكم الآحاد. ولأنه نقل في معناه ما بانضمامه يصير معناه متواترا.
# وعن الثاني: بأن ذلك عدول عن الظاهر، فإن التائب لا يطلق عليه أنه صاحب
~~كبيرة.
# احتج المخالف بآيات منها: قوله تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع
~~يطاع) (168) وقوله تعالى: (لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة)
~~(169) وقوله: (وما للظالمين من أنصار) (170).
# والجواب من حيث الإجمال، ومن حيث التفصيل.
# أما الإجمال فلأنه يلزم من الاحتجاج بالآيات المذكورة أحد أمرين: إما نفي
~~الشفاعة أصلا، أو نفي شفاعة مخصوصة، والقسمان باطلان، أما الأول، فمنتف
~~بالإجماع، (171) وأما الثاني، فلأنه يصير المراد بالآيات ما لم يعينه
# PageV00P128
# اللفظ، فتكون دلالة الآيات بالنسبة إليه مجملة، فيسقط الاحتجاج بها،
~~لمكان الإجمال، ولئن ساغ لهم تنزيلها على نفي الشفاعة في إسقاط المضار، مع
~~أن اللفظ لا يدل عليه، جاز لنا تنزيلها على إسقاط عقاب الكافر (172).
# وأما التفصيل، فالجواب عن الأولى، أنه لا يلزم من نفي شفيع يطاع، نفي
~~شفيع ليس له صفة يطاع، وظاهر أن الشافع إلى الله سبحانه لا يطلق على إجابته
~~اسم الطاعة، إذ هي في الغالب لا يقال إلا في إجابة الأدنى للأعلى. (173)
~~وعن الثانية، أنه معارض بقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (174) وقوله:
~~(إلا من بعد ms040 أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) (175) وقد عرفت (176) أن المقيد
~~أولى في التقديم من المطلق، فيحمل ذلك الإطلاق على هذا التقييد، توفيقا بين
~~الآيات.
# وعن الثالثة، أن نفي الأنصار لا يدل على نفي الناصر، ولئن دل فإنه
# PageV00P129
# لا يدل على نفي الشافع، لأن الناصر غالبا لا يطلق إلا على المغالب
~~المدافع، بخلاف الشافع (177)، والله أعلم. (178) المقصد الثالث في إيصال
~~المستحق: وفيه مقدمة وبحثان:
# أما المقدمة فنقول: لا بد من فاصل بين التكليف وإيصال المستحق، إذ لو كان
~~مقرونا التكليف لما خلا الثواب من المشقة التي تشتمل عليها التكليف، لكن
~~الثواب لا شوب فيه (179)، ولو كان متصلا به لكان المكلف ملجأ إلى فعل ما
~~كلف، والإلجاء مناف للتكليف، لما مر في شروط التكليف (180)، لكن كما يجوز
~~في العقل أن يكون الفاصل الموت، يجوز أن يكون غيره من نوم أو إغماء، وقد دل
~~الشرع على اختصاص ذلك بالفناء (181) بقوله تعالى: (كل من عليها فان) (182).
# PageV00P130
# البحث الأول: اختلفوا في الفناء، فقال أبو علي وأبو هاشم: هو معنى يضاد
~~الجواهر، يوجب عدمها عند وجوده، وقال الآخرون: بل يعدمها الله كما أوجدها،
~~لأنه يقدر على الإعدام كما يقدر على الإيجاد. وقال آخرون:
# بل يفنيها بمعنى إبطال حياتها وتفريق أجزائها من غير أن يعدمها. وليكن
~~البحث هاهنا في مقامين: الأول: في هل الفناء معنى يضاد الجواهر، والثاني:
# في كيفية فناء العالم.
# أما الأول، قال أبو هاشم: الدليل على إثبات الفناء معنى، أنه ثبت أن
~~الجواهر تعدم، فإما أن يعدمها القادر ابتداء، أو عن سبب، والأول باطل،
~~لوجوه ثلاثة: أحدها: أن العدم سلب، فلا يكون للقادر فيه أثر. الثاني: أن
~~العدم ابتداء غير مقدور، فالعدم الثاني كذلك. الثالث: لو كان الإعدام
~~مقدورا لقدر عليه الواحد منا، لأنه إذا صلح مقدورا (183) لقادر صلح أن يكون
~~مقدورا للآخر.
# ويمكن أن يجاب عن الأول بأن يقال: لا نسلم أن الإعدام لا يصلح أن يكون
~~أثرا، وقولهم: " إن العدم ليس بشئ " لا حجة فيه، لأنا نمنع ذلك، ونقول: بل
~~هو شئ ms041 يرجع إلى النفي، ولأنه لو لم يصح أن يكون أثرا للقادر لما صح أن يكون
~~أثرا للسبب، وكما جاز أن ينتفي لضده ويكون الضد موجبا لانتفائه، جاز أن
~~يكون ذلك حاصلا بالفاعل كما كان حاصلا بالضد.
# وعن الثاني: إنا لا نسلم أن العدم ابتداء غير مقدور، فإن القادر هو الذي
~~يصح أن يفعل وأن لا يفعل، وكما أضيفت صحة أن يفعل إلى الفاعل،
# PageV00P131
# فكذلك يجب أن يضاف إليه صحة أن لا يفعل. ولأن الفعل موقوف على داعيه
~~وواقع بحسبه، فيضاف إليه لذلك، وكذلك إبقاؤه على العدم موقوف على صارفه
~~وبحسبه، وكما أضيف الفعل إلى الفاعل، يجب أن يضاف إليه أن لا يفعل.
# وعن الثالث: لا نسلم أنه يلزم من قدرة الله تعالى على الإعدام من غير سبب
~~قدرة الواحد منا عليه، بل لم لا يجوز أن يقدر الله عليه ابتداء وإن كان
~~الواحد منا لا يقدر عليه إلا بسبب، فإن الصوت يفعله الله تعالى ابتداء، وإن
~~الواحد منا لا يقدر على فعله إلا متولدا، (184)، فما المانع أن تكون الحال
~~في الإعدام كذلك؟
# المقام الثاني في كيفية الفناء قال قوم بعدم العالم وخروجه عن صفة الوجود
~~ودخوله في العدم المحض، وقال آخرون بتفريق أجزائه مع بقاء تلك الأجزاء
~~متصفة بالوجود.
# احتج الأولون من القرآن بآيات منها قوله تعالى: (كل من عليها فان) (185)
~~وبقوله: (كما بدأنا أول خلق نعيده) (186) وبقوله: (كل شئ هالك إلا وجهه)
~~(187).
# ويمكن أن يجاب عن الآية الأولى: بأنا لا نسلم أن الفناء هو العدم، بل لم
~~لا يجوز أن يكون إشارة إلى تفريق أجزائه وإبطال شكله وبنيته، مع بقاء
# PageV00P132
# مادته متصفة بالوجود، وهذا أقرب إلى الاستعمال، فإنه يقال: فني زاد القوم
~~بمعنى تناوله، وفني العالم بمعنى الموت، إذ الفناء الذي يشيرون إليه غير
~~متحقق الآن، ولأن الفناء لفظة مستعملة في عرف اللغة، فيكون موضوعها معروفا
~~بينهم، والذي يشير إليه المتكلمون من معنى الفناء غير معقول (188) لأهل
~~اللغة، فيجب إطلاق ألفاظ القرآن على الموضوع اللغوي.
# وعن الآية الثانية: لم ms042 لا يجوز أن يكون الخلق إشارة إلى الأشياء المركبة
~~من الأشياء البسيطة، فكما كان خلقها عبارة عن تأليف أجزائها، فليكن إعادتها
~~كذلك، لا يقال الآية عامة في كل مخلوق، فيجب حملها على البسيط والمركب،
~~لأنا نمنع العموم، إذ لفظة " خلق " نكرة في سياق الإثبات (189)، فهي مطلقة،
~~والمطلق يصدق بالجزء كما يصدق بالكل.
# وعن الثالثة: أن الهلاك كما يستعمل في العدم، يستعمل في الموت، وفي بطلان
~~منفعة الشئ، وخروجه عن تأليفه وتركيبه، يدل على ذلك قوله تعالى:
# (إن امرؤا هلك) (190) وقوله: (وكم أهلكنا من قرية) (191) لم يرد بذلك
~~العدم، إذ لو عدمت الأجزاء لكان بوجود الفناء الذي هو ضدها، لكن كان يلزم
~~من ذلك عدم الجواهر أجمع، ولم يحصل ذلك، فعلم أن الإخبار بالهلاك حيث ذكرنا
~~إشارة إلى الموت لا إلى عدم الأجزاء. ولأن الأجزاء على رأي أبي هاشم ثابتة
~~مع كونها معدومة وموصوفة بكونها شيئا، فلو كان الهلاك عبارة
# PageV00P133
# عن خروجها عن الشيئية، لوجب أن تعود نفيا محضا لا ثابتة في العدم، لكن
~~ذلك يمنع إعادتها، مع أنهم لا يقولون به. (192)
# PageV00P134
# البحث الثاني في كيفية الإعادة:
# القائلون بأن إفناء العالم بمعنى إعدامه طائفتان: طائفة تقول: المعدوم شئ
~~وعين وذات في عدمه، وطائفة تقول: هي (193) نفي محض. فمن قال بالأول، زعم أن
~~الإفناء إخراج الذات عن صفة الوجود، فيكون الإعادة إيجادها بعد العدم. ومن
~~قال بالثاني زعم أن الإفناء إخراج الذات عن كونها ذاتا بحيث تصير نفيا
~~محضا، والإعادة جعلها ذاتا بعد أن كانت نفيا.
# والقولان ضعيفان (194) أما الأول فقد بينا (195) أن وجود كل شئ عبارة عن
~~كونه ذاتا حقيقة، لا أن له بذلك صفة، وهم بنوا هذا المذهب في الإعادة، على
~~القول بكون الوجود صفة زائدة على كونه ذاتا، ثم نقول: لو كان المعدوم عينا
~~لما صح إعادة المعدوم، لأن العدم لا امتياز فيه لذات عن ذات، والقصد إلى
~~إيجاد الشئ متوقف على امتيازه في العلم، وامتيازه في العلم متوقف على
~~امتيازه في نفسه، لكن المميز لجوهر عن جوهر غير ms043 معقول في العدم.
# لا يقال: يتميز جواهر (196) زيد من غيرها بما كانت عليه حالة الوجود،
~~لأنا نقول: ذلك الاختصاص قد زال بالعدم، ومع زواله لا يتعلق به العلم، فلا
~~يكون معلوما للعالم. فثبت أنه يلزم من القول بالعدم عدم تميزه في العلم،
~~ويلزم من ذلك استحالة القصد إليه، لكن لو فرض ذلك لاستحالت
# PageV00P135
# إعادته.
# وأما الثاني فلأن مع فرض كون المعدوم نفيا محضا يستحيل إعادته بعينه، إذ
~~لا عين له، فيكون الإيجاد لشئ مستأنف، إذ لا شئ قبل الإيجاد، وهذا ظاهر.
# وإذا بطل القولان تعين أن الفناء بمعنى تفريق الأجزاء، فيكون الإعادة
~~بمعنى ضمها وإعادتها إلى حالها الأولى.
# ثم يجب أن تعلم أن ما ليس بحيوان من المخلوقات لا يجب إعادته عقلا،
~~والحيوان غير المكلف بتقدير أن لا يكون مستحقا لعوض مؤخر، فإنه لا يجب
~~إعادته أيضا، وما كان له عوض لم يستوفه، أو كان مكلفا، فإنه يجب إعادته
~~لاستيفاء حقه. (197) وإذا ثبت أن المكلف يجب إعادته، فمن قال إن المكلف هو
~~هذه الجملة فقد أوجب إعادتها (198)، ومن قال إن المكلف بعضها، أوجب إعادة
~~ذلك القدر دون ما سواه (199)، ومن قال إن المكلف جوهر مجرد، لم يوجب
# PageV00P136
# إعادة الجسم، لكني لا أعرف ذلك قولا لأحد من طوائف الملل، عدا ما حكي عن
~~شيخنا المفيد في قول شاذ، وعن بعض المعتزلة. (200) وهل تجب إعادة الشكل
~~والأعراض التي كان المكلف متصفا بها أم يكفي إعادة أجزائه؟ الحق أنه يجب
~~ذلك، لأن المكلف لا يتميز عن غيره بكونه جوهر ولا جسما لمشاركة غيره في
~~ذلك، بل وبأعراضه المشخصة له، فلو فرض عدمها لاستحال إعادتها بما ذكرناه
~~أولا، فلزم من ذلك أن لا يخرج
# PageV00P137
# المكلف عن حاله وحقيقته التي كان عليها إلا بالموت حسب.
# وقد كنا عرفناك أن المكلف ليس هو جملة البنية، بل هو شئ أصلي منها، لا
~~يتغير بصغر ولا كبر ولا سمن ولا هزال، وذلك القدر يجب أن يبقى على حاله
~~ليتحقق إيصال الثواب إلى مستحقه، ولا تزول عنه إلا الحياة ms044 حسب.
# لا يقال: لو زالت عنه حياته لما صح إعادتها بعينها، فإذا أحيي كان ذلك
~~غير الأول، لأنا نقول: تبدل الحياة لا يخرج الشئ عن كونه ذلك الشئ، فإن
~~إنسانا لو مات ثم أعيدت إليه غير حياته، لما قيل إن ذلك غيره، وليس كذلك
~~إذا نقلت أجزاؤه إلى شكل غير شكله، فقد بان الفرق، والله أعلم.
# ويلحق بهذا البحث فصلان:
# أحدهما الكلام في عذاب القبر والميزان والصراط.
# والعقل يقول بإمكان ذلك كله، لكن لا يدل على وقوعه، والشرع قد دل على
~~وقوعه.
# أما عذاب القبر فالإجماع دل عليه، ومخالفة ضرار (201) لا تقدح في
# PageV00P138
# الإجماع. ويدل عليه قوله - عليه السلام -: القبر روضة من رياض الجنة أو
~~حفرة من حفر النار (202). ويستدل عليه أيضا بقوله تعالى: (ربنا أمتنا
~~اثنتين وأحييتنا اثنتين) (203). ولا نعترض بما يجري على ألسنة كثير من أن
~~الميت يوجد بحاله بعد السنين المتطاولة، حتى لو أبقي على صدره شئ لوجد
~~بحاله، وذلك لأنا بينا أن المكلف ليس هو هذه الجملة بأجمعها، بل هو أجزاء
~~أصلية، وتلك يمكن تعذيبها مع بقاء الظاهر من الجسد بحاله، على أنه ليس
~~بعذاب القبر توقيت، فيحتمل أن يكون متأخرا عن وقت المشاهدة له.
# وأما كيفيته، فيمكن أن يعاد الحياة إلى المكلف ثم يعذب إن كان من أهل
~~العذاب.
# وكذلك مسائلة منكر ونكير حق بالإجماع والمتواتر من الأخبار. (204)
# PageV00P139
# وأما الميزان والصراط فيجب الإقرار بهما للإجماع والقرآن والأخبار. (205)
~~ويكون معنى الميزان ما يعرف به التفاوت بين الأعمال.
# والصراط طريق الحق، وقد قيل: إنه جسر يمر عليه إلى الجنة، وهذا من
~~الممكن، غير أن التأويل الأول يدل عليه قوله تعالى: (إنك لمن المرسلين *
~~على صراط مستقيم) (206) أي دين حق.
# واختلفوا في الجنة والنار هل هما مخلوقتان (207) الآن أم لا؟ منع من ذلك
~~أبو هاشم، وقال أبو علي بوجودهما، وهو الحق.
# لنا قوله تعالى في ذكر الجنة: (أعدت للمتقين) (208) وفي ذكر النار: (أعدت
~~للكافرين) (209).
# وقال تعالى في قصة آدم: (أسكن أنت وزوجك الجنة) (210) (فلا يخرجنكما من
~~الجنة فتشقى) ms045 (211) (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) (212).
# PageV00P140
# وقوله تعالى: (عندها جنة المأوى) (213).
# احتج أبو هاشم بأنه لو كانت الجنة موجودة لما جاز عدمها، واللازم محال.
~~بيان الملازمة: قوله تعالى: (أكلها دائم) (214) وأما بطلان اللازم فقوله:
# (كل شئ هالك إلا وجهه) (215).
# والجواب: أن تنزيل الآية على حقيقتها غير ممكن، لأن الأكل في الآية إشارة
~~إلى المأكول، وعينه غير دائمة، فلا بد أن يكون ذلك إشارة إلى أن إبداله لا
~~ينقطع، وحينئذ يمكن العمل بالآية في أن الجنة تهلك ثم تعاد أبدال مآكلها.
~~والله أعلم. (216)
# PageV00P141
# الفصل الثاني في عقاب الفاسق وما يطلق عليه من الأسماء:
# وفيه مقامان: الأول: النظر في عقابه هل هو دائم أو منقطع؟ والثاني:
# هل يقع العفو عنه أم لا؟
# أما المقام الأول: فقد اختلف الناس فيه على قولين:
# منهم من زعم أنه دائم واحتج لذلك بوجهين:
# أحدهما: لو خرج من النار لكان إما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها، والقسمان
~~باطلان، أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان القسمين، أما الثاني فبالإجماع.
~~وأما الأول فلأنه لو دخلها لدخلها إما تفضلا وهو باطل بالإجماع، أو
~~بالاستحقاق وهو باطل بما ثبت من وجوب القول بالإحباط.
# الوجه الثاني: قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا
~~خالدا فيها) (217) وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا
~~فيها) (218).
# ومنهم من زعم أن عقابه منقطع. واحتج لذلك بوجوه:
# الأول: أن الطاعات يستحق بها الثواب وهو دائم إجماعا، والمعصية يستحق بها
~~العقاب، أما استحقاق الثواب بالطاعات فلقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة
~~خيرا يره) (219) و (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (220).
# PageV00P142
# وأما في المعاصي فلقوله تعالى: (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا) (221) و
~~(من يعمل سوءا يجز به) (222) و: (من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) (223)
~~فلو كان العقاب دائما لاجتمع للمكلف الواحد استحقاقان دائمان، وهو باطل،
~~أما أولا فبالإجماع، وأما ثانيا فلأنه كان يلزم استحالة إيصالهما إليه.
# الوجه الثاني: قوله تعالى: (وأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير
~~وشهيق * خالدين فيها ما ms046 دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) (224).
# الثالث: قوله - عليه السلام -: " يخرجون من النار بعد ما يصيرون حمما
~~وفحما " (225).
# وعند تعارض هذه الحجج فزع كل واحد من الفريقين إلى تأويل حجج الآخر،
~~ذهولا منهم عن أن ما يورده على خصمه وارد عليه بعينه أو مثله، فإذن الحق أن
~~الآيات المذكورة في غاية التعارض، لكن مع تعارضها يكون الترجيح لجانب من
~~يقول بانقطاع عقابه، لأنه مصير إلى الأصل،
# PageV00P143
# وأنسب بالعدل. (226) المقام الثاني في جواز العفو عن الفاسق:
# ويدل عليه قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن
~~يشاء) (227) وقوله: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من
~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) (228) ولا يمكن حمل ذلك على التائب،
~~ولا على صاحب الصغيرة، لأنه ليس مع ذلك قنوط، ولا فيه تمنن عندهم، والآيات
~~خرجت مخرج التمنن والدلالة على حلم الله وكرمه. ولا يمكن حمل الغفران على
~~تأخير العقاب، لأنه خلاف الظاهر، ولا دلالة عليه.
# ويدل عليه أيضا قوله: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) (229) فأخبر
~~أن العفو يقع مع كونهم ظالمين.
# واحتج المانع بقوله تعالى: (من يعمل سوءا يجز به) (230) وقوله: (ومن يعمل
~~مثقال ذرة شرا يره) (231) وقوله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما
# PageV00P144
# إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) (232).
# والجواب عن ذلك: أنه لما تعارضت الآيات كان الترجيح لجانب القول الأول
~~بوجوه:
# الأول: أن الآية الأولى مفصلة ودالة على العفو عمن يشاء، أو العفو عن
~~عقاب الكبيرة على الخصوص، والآيات الأخيرة مطلقة فتحمل على الكافر، أو على
~~من لم يشأ الله العفو عنه، لما عرفت من وجوب تقديم العام على الخاص (233).
# الثاني: أنه قد ثبت في العقول أن العفو عن العقاب حسن، وعلى تقدير تعارض
~~الآيات يكون السمع خاليا من دلالة قطعية بارتفاع ما شهد العقل بحسنه، فيكون
~~التجويز فيه ثابتا.
# الوجه الثالث: أنه تعالى تمدح بالعفو والغفران في آيات متعددة، ولا ينصرف
~~ذلك إلى التائب، ولا إلى صاحب ms047 الصغيرة، لأن العقاب يسقط بالتوبة، وبرجحان
~~الثواب على العقاب سقوطا لازما عندهم، فلم يكن سقوطه مستندا إلى الله.
~~والغفران لا يتحقق إلا بإسقاط الذنب، لو لم يكن الله مسقطا للعقاب ابتداء
~~لما صح التمدح به.
# الوجه الرابع: أجمع المسلمون على جواز أن يقول الإنسان لغيره: غفر الله
~~لك، وعنى (234) سؤال الغفران، ولا يتحقق ذلك إلا مع إمكان وقوعه، ولا عقاب
~~إلا على صاحب الكبيرة، إذ التائب وصاحب الصغيرة لا عقاب
# PageV00P145
# عليه. لا يقال: لعل سؤال الغفران سؤال التوفيق للتوبة أو لتوفيق العمل
~~الصالح الراجح على المعصية. لأنا نقول: سؤال الغفران يقع مجردا عن ذلك كله،
~~فسقط الاعتراض به. (235) وأما الأسماء: فاتفقوا على إطلاق اسم الفسق على
~~صاحب الكبيرة، واختلفوا في إطلاق لفظة الإيمان عليه أو لفظة الكفر. فقالت
~~الخوارج (236):
# يطلق عليه اسم الكفر، وقال البصري (237): يطلق عليه اسم النفاق، والكل
~~باطل بما سندل عليه من كونه مؤمنا، والإيمان لا يجامع الكفر والنفاق.
# وبيان أنه يطلق عليه اسم الإيمان: أن الإيمان في أصل اللغة عبارة عن
~~التصديق (238)، فيجب أن يكون في الشرع كذلك، لأن الأصل عدم النقل.
# PageV00P146
# ولأن الله سبحانه استعمل الإيمان في التصديق فيجب أن يكون حقيقة فيه دفعا
~~للمجاز. بيان استعماله في التصديق قوله تعالى: (وما نحن له بمؤمنين) (239)
~~(فآمن له لوط) (240) (ربنا آمنا) (241) (قالوا آمنا برب العالمين) (242)
~~وإذا ثبت أن الإيمان عبارة عن التصديق، والمؤمن فاعل للإيمان، والفاسق
~~مصدق، فيجب أن يكون مؤمنا.
# وزعمت المعتزلة وطائفة منا أن الإيمان عبارة عن التكاليف الواجبة، فعلا
~~كان أو تركا، وشذاذ منهم أدخلوا النوافل في جملة الإيمان.
# واحتجوا لذلك بوجوه: منها قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم
~~مشركون) (243) وقوله - عليه السلام - " لا يزني الزاني وهو مؤمن " (244)
~~وبقوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا
~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) (245) قالوا: (وذلك) إشارة إلى ما
~~تقدم من العبادات. (246)
# PageV00P147
# والكل ضعيف. (247) ويدل على ما ذهبنا إليه قوله تعالى: (ومن يعمل من
~~الصالحات وهو مؤمن) (248) وقوله: (إلا ms048 من تاب وآمن وعمل صالحا) (249) فعطف
~~الأعمال على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة.
# واحتج البصري على أن صاحب الكبيرة منافق، بأنه لو كان معتقدا للمعاد لما
~~أقدم على فعل المعصية لأن الإنسان لا يتناول تمرة من جحر حية، وهو يتقين
~~أنها تناله بسوء فكيف إذا تيقن أنها تقتله، وكذلك لو تيقن العاصي العذاب،
~~لما أقدم على المعصية، وهو ضعيف، لأن الإقدام على ذلك قد يكون لرجاء العفو،
~~أو تأميل التوبة، أو لرجاء رجحان الطاعة على المعصية على رأي المعتزلة في
~~الإحباط، وكل ذلك قد يجامع الجزم بالعقاب الأخروي.
# (250)
# PageV00P148
# النظر الثالث في النبوات PageV00P151
# النظر الثالث في النبوات وفيه مقدمة ومطلوب:
# أما المقدمة فتشتمل على ثلاثة بحوث:
# البحث الأول: النبي هو البشري المخبر عن الله تعالى بغير واسطة من البشر،
~~والرسول وإن كان وضع اللغة عبارة عن المؤدي عن غيره، فقد صار بعرف
~~الاستعمال عبارة عن المؤدي عن الله بغير واسطة من البشر، فيقع هذا الاسم
~~على الملك المؤدي عن الله وعلى البشري المخصوص باسم النبوة، ولا يقع اسم
~~النبوة إلا على البشر خاصة دون الملك.
# والبعثة حسنة، لأن العقل يجوز اشتمالها على المصلحة وخلوها عن وجوه
~~المفاسد، وما كان كذلك كان حسنا. ويحكى عن طائفة من الهند (1) القول بقبح
~~البعثة. واحتجوا لذلك بأن الرسول إن جاء بما يدل عليه العقل
# PageV00P153
# كان العقل كاف، وإن جاء بما ينافي العقل لم يجز الانقياد إليه، كما لو
~~جاء بإباحة الظلم والكذب.
# ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يأتي بتفصيل ما يدل عليه العقل جملة لا
~~تفصيلا، فإن العقل يشهد بأن ما كان لطفا في واجب فهو واجب. ثم لا نهتدي إلى
~~كون الصلاة مثلا أو الصوم مشتملا على ذلك اللطف، فيكون الشرع دالا على هذا
~~القدر وأشباهه مما لا يدل العقل عليه بعينه، فظهر أن القسمين اللذين أشاروا
~~إليهما غير حاصرين.
# وإذا عرفت ذلك فوجه حسن البعثة كون الرسول مرشدا للعباد إلى مصالحهم
~~الدينية، وربما كان مرشدا إلى أمور دنيوية أيضا. (2) [البحث] الثاني في ms049
~~صفات النبي: والضابط عصمته عن ما يقدح في التبليغ، أو ينفر عن القبول،
~~فاتفقوا على اشتراط كمال العقل، وجودة الرأي، وإن وجد ذلك في الطفل كما في
~~حق عيسى - عليه السلام -، وعلى اشتراط سلامته من العيوب الواضحة كالأبنة،
~~وانطلاق الريح، واختلفوا في الجذام والبرص. وأجازوا اتصافه بالعمى والصمم.
# وأما العصمة عن المعاصي فقد اختلفوا، فمنهم من عصمه عن الخلل
# PageV00P154
# في التبليغ لا غير، ومنهم من عصمه مع ذلك عن الكبائر، والحق أنه معصوم عن
~~الكل في حال النبوة وقبلها. وهل هو معصوم عن السهو أم لا؟ فيه خلاف بين
~~أصحابنا، والأصح القول بعصمته عن ذلك كله.
# لنا: لو جاز شئ من ذلك لجاز تطرقه إلى التبليغ لكن ذلك محال، ولأن (3) مع
~~تجويز ذلك يرتفع الوثوق بخبره، فينتقض الغرض المراد بالبعثة.
# وأما قبل النبوة فهو معصوم عن تعمد المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، ويدل
~~عليه من القرآن قوله: (لا ينال عهدي الظالمين). (3)
# PageV00P155
# وأما ما تضمنه الكتاب العزيز وكثير من الأخبار من ما ظاهره وقوع المعصية،
~~فمحمول على ضرب من التأويل، لأن لا يتناقض الأدلة. ولنذكر طرفا من ما نسب
~~إلى أفاضل الأنبياء ليكون الجواب عنه معينا عن ما نسب إلى غيرهم.
# كقوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) (5).
# وقوله في قصة نوح: (إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق). وقوله تعالى مجيبا:
~~(إنه ليس من أهلك) (6).
# وقوله في قصة إبراهيم: (واغفر لأبي إنه كان من الضالين) (7).
# وقوله: (هذا ربي) (8) تارة عن النجم، وتارة عن القمر، وتارة عن الشمس.
# وفي قصة موسى: (إن هي إلا فتنتك) (9).
# وفي قصة عيسى: (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) (10) مع علمه
~~بكفرهم، وأن الكافر لا يغفر له.
# وفي قصة محمد: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (11).
# PageV00P156
# (ووجدك ضالا فهدى) (12).
# (ووضعنا عنك وزرك) (13).
# لأن العصيان هو المخالفة وكما يحتمل أن تكون المخالفة في واجب، يحتمل أن
~~يكون في مندوب، ومع (14) احتمال كل واحد من الأمرين، يجب تنزيله على ترك
~~المندوب، ليسلم الدليل العقلي عن ms050 الطعن.
# ولأن الغي كما يكون ضد الرشد، فقد يكون كناية عن الخيبة التي هي ضد الظفر
~~كقول الشاعر:
# ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (5) (أي
~~يخب).
# فيكون معنى الآية: وخالف آدم ربه فخاب، ولم يظفر بمراده. (16) وأما قصة
~~نوح - عليه السلام - فغير دالة على وقوع المعصية، غاية ما في الباب أنه وصف
~~ابنه أنه من أهله، وهو استمرار على العرف، وإخراج الله له عن الأهلية إنما
~~هو إخراج له عن الأهل الذين وعده بنجاتهم، فكأنه قال: إنه ليس من أهلك
~~الذين وعدناك بنجاتهم، ومثل هذا القدر قد يشتبه على
# PageV00P157
# الأنبياء حتى ينبهه (17) الوحي. (18) وأما استغفار إبراهيم - عليه السلام
~~- لأبيه، فلم يكن لجهل بعدم المغفرة له، بل لمواعدته إياه، فأراد بذلك براء
~~ساحته في الظاهر، لأن لا يظن به الخلف، وليكن حجته على أبيه أتم. (19)
~~وقوله: (هذا ربي) لا يكون كفرا إلا مع الاعتقاد لصحته، ونحن فلا نسلم أن
~~إبراهيم كان منطويا على ذلك الاعتقاد، وقد يقال مثل ذلك على سبيل الفرض
~~والتقدير لمن يريد الاستدلال، كأن يقول لو كان هذا ربي لما أفل، ففرض وقوعه
~~ثم استدل على إحالة ذلك الفرض، وهذا من الشائع في مذهب أهل النطر. (20)
~~وأما قصة موسى - عليه السلام - فالفتنة المذكورة فيها يراد بها الاختبار
# PageV00P158
# والامتحان، ويشهد لذلك قوله تعالى: (وفتناك فتونا) (21) وقوله: (لنفتنهم
~~فيه) (22) والمراد ذلك كله الاختبار. (23) وأما قصة عيسى - عليه السلام -
~~فنقول: إنما علم وجوب عقاب الكافر، وأنه لا يسقط بالعفو من الشرع، لا من
~~العقل، فجائز أن يكون عيسى - عليه السلام - جوز غفران الكفر، كما يجوز
~~غفران الفسق، ومع هذا الجواز لا يكون ذلك القول قادحا في عصمته. (24) وأما
~~قصة محمد - عليه السلام - فإن الذنب مصدر، فكما تصح إضافته إلى الفاعل تصح
~~إضافته إلى المفعول، كما يضاف الضرب إلى الضارب وإلى المضروب. فالذنب
~~المذكور يحتمل أن يكون من ما فعله أهل مكة بالنبي - عليه السلام - قبل
~~الفتح، فإن بتقدير إسلامهم يغفر لهم الذنب، وأضيف إلى ms051 النبي - عليه السلام
~~- لأنه وقع ذلك منهم في حقه. (25) وأما الضلال المنسوب إليه فجائز أن يكون
~~إخبارا عن ضلاله بين مكة والمدينة، فإنه يحكى وقوع ذلك، وإن لم يكن متيقنا
~~فهو ممكن. وهذا الوجه
# PageV00P159
# حسن لولا أن هذه الآية نزلت بمكة قبل الهجرة. (26) ومن الممكن حملها على
~~الضلال عن اكتساب المعاش، أو تدبير الأمور الدنيوية، أو غير ذلك من ما لا
~~يتعلق بالدين. (27) وأما الوزر المنسوب إليه، فيحمل على ثقل اهتمامه لفتح
~~مكة، أو غير ذلك من الأمور المهمة عندها، والوزر هو الثقل. (28) يشهد لذلك
~~قول الشاعر:
# فأعددت للحرب أوزارها * رماحا طوالا وخيلا ذكورا (29) لا يقال: هذه
~~التأويلات مصيرة إلى المجاز، وعدول عن الظاهر.
# لأنا نقول: قد يصار إلى المجاز لدلالة، وقد بينا ما يدل على وجوب
~~التأويل.
# ونزيده بيانا أنه لو وقعت المعصية من النبي، لكان إما أن يجب اتباعه،
~~ويلزم من ذلك ارتكاب المعصية، أو لا يجب، وهو مخالفة للنبي. (30)
# PageV00P160
# البحث الثالث في ما يستدل به على صدق مدعي النبوة وذلك أمران: إما المعجز
~~أو نص النبي، وهذا القسم الأخير في التحقيق يعود إلى الأول، لأن المعجز
~~الدال على صدقه، دال على نبوة من ينص عليه، فكان نبوة الثاني معلومة
~~بالمعجز الدال على الأول، وإن كان بينهما يسير فرق.
# وإذا عرفت ذلك فالمعجز في اللغة عبارة عن ما جعل الغير عاجزا، وفي
~~الاصطلاح عبارة عن الفعل (31) الخارق للعادة المطابق لدعوى المدعي، والدليل
~~على أن مثل ذلك يراد به التصديق، أنه لولا ذلك لزم أحد أمرين:
# إما العبث أو الإيهام، والقسمان باطلان، أما الملازمة فلأنه لو لم يرد
~~التصديق لكان إما أن يكون له في ذلك غرض، وإما أن لا يكون ويلزم من الثاني
~~العبث، وإن كان له غرض فإما التصديق أو غيره، وبتقدير أن يكون غيره ولا
~~دلالة يلزم منه الإيهام (32)، لأن المعجز يجري مجرى قول القائل: صدقت، إذ
~~الإنسان إذا ادعى على غيره وكالة مثلا وقال إنه يفعل عقيب دعواي ما لم تجر
~~عادته به، فإذا فعل ms052 ذلك علم أنه قصد التصديق ضرورة وإذا كان جاريا مجرى
~~التصديق فلو لم يرده لزم الإيهام. وأما بطلان كل واحد من القسمين فقد مر في
~~أبواب العدل. (33)
# PageV00P161
# فإن قيل: لا نسلم لزوم أحد القسمين لأنه يمكننا فرض ثالث، إذ يمكن أن
~~يكون فعل المعجز مشتملا على مصلحة خفية عند دعوى المدعي غير التصديق، فيفعل
~~المعجز تحصيلا لتلك المصلحة، ثم لا يلزم العبث ولا الإيهام، لأن العقل يشهد
~~بالاحتمال. سلمنا ذلك لكن متى يدل على التصديق إذا كان من فعل الله أو من
~~فعل غيره؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، لكن الاحتمال قائم، إذ يجوز أن يكون
~~فعال بعض مردة الجن، فلا يكون دالا على التصديق، كما أنه لو ادعى إنسان
~~الوكالة عن غيره، وقال: إنه يرفع عمامته في ملأ، فإن بتقدير أن يرفعها غيره
~~لا يكون ذلك دلالة. ثم ومن المحتمل أن يكون فاعل ذلك المعجز هو المدعي، إما
~~لاختصاصه بنفس قابلة لما لا يقبله غيرها من الإفاضات العقلية، فيكون لها من
~~قوة التأثير في هذا العالم ما ليس لغيرها، وإما لاطلاعها في خواص العقاقير
~~على ما يتيسر معه فعل ذلك الأمر، أو لاحتمال أن يطلع من العزائم وحيل السحر
~~على ما يوصل إلى ذلك، ومع احتمال ذلك، لا يبقى وثوق بأنه تعالى أراد
~~التصديق. (34) الجواب قوله: " لا نسلم الحصر " قلنا: قد بينا ذلك.
# قوله: " يحتمل أن يكون المعجز فعلا لمصلحة خفية اتفقت عند دعوى النبوة "
~~قلنا: المحذور لازم، لأنا نتكلم على تقدير عدم العلم بتلك المصلحة وفقد
~~الدلالة عليها، فلو فعل لها والحال هذه للزم الإيهام.
# قوله: " العقل يشهد باحتمال ذلك فينتفي الإيهام " قلنا: الاحتمال
# PageV00P162
# المرجوح غير مناف للإيهام، فالإيهام متحقق على هذا التقدير. (35) قوله:
~~(متى يدل على التصديق إذا علم أنه من فعل الله أم إذا جهل؟) قلنا: على كل
~~واحد من التقديرين، لأنه بتقدير أن يكون من فعل الله يكون دالا بالاتفاق،
~~وبتقدير أن يكون من فعل غيره يجب في الحكمة على الله سبحانه إزالة ذلك رفعا
~~للإيهام. ms053 والمثال الذي أشاروا إليه غير مطابق لموضع النزاع، لأنه يعلم أن
~~الفاعل غير المدعي وكالته، فالإيهام مرتفع على ذلك التقدير.
# قوله: (من المحتمل أن يكون ذلك المدعي للنبوة وقد اختص بما لأجله صح منه
~~أن يفعل ذلك المعجز) قلنا: المقصود يحصل على هذا التقدير، لأنه لا يتيسر
~~ذلك الفعل منه إلا مع اختصاصه من فعل الله بأمور خارقة للعادة، باعتبار
~~أمكنه الفعل، وبتقدير أن لا يكشف الله ذلك يلزم الإيهام.
# PageV00P163
# وهذا الوجه يصلح جوابا عن بقية الاحتمالات المفروضة. (36) وإذا عرفت أن
~~المعجز هو الطريق إلى العلم بصدق مدعي النبوة، فالمعجز إن كانت مشاهدة (37)
~~فلا بحث، وإلا كان الطريق إلى العلم بها النقل المتواتر لا غير. فلنذكر
~~حقيقة التواتر والشرائط المعتبرة في إثماره العلم، فنقول:
# الخبر هو ما يحتمل التصديق والتكذيب، ثم هو إما أن ينقله قوم لا يجوز
~~عليهم التواطؤ والمرسلة في افتعاله، وهو المسمى بالتواتر في الاصطلاح، وأما
~~بخلاف ذلك وهو خبر الواحد. والقسم الثاني لا يمكن إثبات الأمور العلمية به،
~~لأنه يفيد الظن، فلا يكون مادة للبرهان اليقيني.
# وأما الأول فإنه يصح [أن] تثبت به العقائد العلمية لكن بشروط ثلاثة:
# أحدها: أن يكون ما تضمنه النقل محسوسا كما إذا أخبر الجماعة الذين لا
~~يجوز عليهم التواطؤ ولا الكذب بما سمعوه أو شاهدوه أو أدركوه ببعض حواسهم،
~~فإنه يحصل العلم اليقيني بخبرهم، ولا كذلك إذا أخبروا بشئ من عقائدهم، فإن
~~اليهود، مثلا وإن أخبروا بما يعتقدونه مع بلوغهم حد
# PageV00P164
# التواتر، فإنه لا يفيد خبرهم العلم، لأنه ليس إخبارا عن محسوس، ولو أخبر
~~هؤلاء بأنهم شاهدوا قدوم مسافر أو بناء دار أو غير ذلك من الأمور المحسوسة
~~لأفاد العلم.
# وثانيها: بلوغهم الحد الذي يعلم استحالة التواطؤ معه على الافتعال.
# وهل لذلك حد؟ قال قوم بتحديده وهم طوائف: طائفة حدته بأربعين، وأخرى بعدة
~~أهل بدر، وأخرى بسبعين، وغير ذلك من الأقوال المذكورة في الخلاف (38) وقال
~~آخرون: لا حد لذلك في نفس الأمر، وقال آخرون: بل له حد في نفس الأمر، لكنه ms054
~~لا ينضبط. والحق أنه ليس لذلك حد في نفس الأمر، بل يجوز أن يحصل اليقين
~~بخبر الاثنين إذا انضم إلى خبرهما ما يدل على استحالة اتفاقهما على وضع
~~الخبر، وقد لا يحصل مع إخبار المائة والأكثر، إذا جوز اتفاقهم على وضعه.
# وبيان ذلك: أنه لو كان اثنان متباعدين ثم أورد مورد بينهما قطعة من شعر
~~لم يفهمها الثالث، ثم سأل ذلك الثالث ذينك الاثنين عن ما أورده المورد حتى
~~أخبر كل واحد منهما أنه أورد قطعة من شعر معين لشاعر معين، فإنه يعلم قطعا
~~صدق ذلك، مع فرض العلم باستحالة اتفاقهما على الكذب والترسل (39) فيه.
# فعلم أن الضابط في العلم بصدق الخبر هو استحالة الاتفاق عليه، ولا عبرة
~~بأعداد المخبرين في ذلك، فإذا المنتج للعلم ليس نفس الخبر
# PageV00P165
# ولا الكثرة، بل ما أومأنا إليه.
# وثالثها: استواء الشرط المذكور في طبقات التواتر، فلو جوز ارتفاعه في
~~طبقة من تلك الطبقات لما حصل اليقين. (40) وإذا عرفت هذا فهل العلم الحاصل
~~عنه ضروري أو مكتسب؟ فيه أقوال ثلاثة: أحدها: أنه ضروري مطلقا، والثاني:
~~أنه مكتسب مطلقا، والثالث: التفصيل، وهو اختيار المرتضى، فإنه زعم أن الخبر
~~المتواتر عن
# PageV00P166
# البلدان والوقائع يفيد العلم الضروري علي توقف فيه، وما تعلق بالأديان
~~والعقائد كسبي. (41) والحق أنه كسبي بأجمعه، لأن العلم الحاصل عنده تابع
~~للعلم بانتفاء التواطؤ والاتفاق عليه، فيكون المنتج للعلم بصحة الخبر
~~التفطن لهذا العلم الأول، ولا معنى للنظري إلا العلم المستفاد بواسطة علم
~~آخر.
# احتج القائل بأنه ضروري بأنه لو كان كسبيا، لما حصل لمن لم يمارس العلوم
~~ولا عرف (42) كيفية اكتسابها، لكن هذا العلم يحصل للعوام عند سماع هذا
~~الخبر المتواتر، لا بل للأطفال المراهقين. ولأنه لو كان نظريا لجاز أن يسمع
~~الإنسان الخبر المتواتر مع صحة عقله وتمام فطنته، ثم لا يحصل له
# PageV00P167
# العلم، لعدم النظر المثمر للعلم، لكن هذا الفرض محال.
# والجواب عن الأول: لا نسلم أنه يحصل لمن [لم] يتفطن لموضع النظر منه، لكن
~~المناظر تختلف في الصعوبة والسهولة، فلم لا ms055 يجوز أن يكون هذا العلم لقربه
~~من العلوم الضرورية وظهور لزومه لها يظهر للعوام، لأنه لا يفتقر إلى كثير
~~كلفة، ولأن كثير من الأنظار يعلمها العوام، ويتفطنون لنتائجها، لظهورها فما
~~المانع أن يكون الحال في ما نحن بصدده كذلك؟
# والجواب عن الثاني: لا نسلم أنه يحصل اليقين عند سماع الخبر ما لم يتفطن
~~للشرط المذكور، ولهذا مهما جوز الإنسان افتعال الكذب على المخبرين لا
~~يستفيد به اليقين، ولهذا يتفاوت العقلاء في استثمار اليقين من الخبر بحسب
~~توهم هذا الشرط ارتفاعا وثبوتا.
# وأما اختيار المرتضى، فالجواب عن حججه (43) يبين عن معاني ما ذكرناه.
# واعلم أن القائلين بالنبوة اختلفوا في النسخ على قولين: فمنهم من أجازه،
~~ومنهم من منعه.
# أما المانعون، فتارة يتعلقون بالعقل وأخرى [بالنقل]، أما العقل فقالوا:
~~لو نسخ الحكم بعد ثبوته لزم البداء، لكن ذلك محال. بيان الملازمة:
# أنه بتقدير أن يأمر بشئ فإنه لا بد أن يكون ذلك لغرض، لاستحالة العبث،
~~وحيث نهى عنه فإن كان ذلك الغرض باقيا، لزم تفويت المصلحة المنوطة بذلك
~~الغرض، وإن لم تكن المصلحة باقية، فإطلاق الأمر الأول إما أن يكون
# PageV00P168
# من العلم بزوالها وإما أن لا يكون، ويلزم من أول الإيهام، وهو محال على
~~الحكم، فتعين أنه لو نسخها لعلم ما لم يكن عالما به، ولا معنى للبداء إلا
~~ذلك، وأما كون البداء (44) محالا فلأنه يلزم عدم علمه بالمعلومات قبل
~~كونها، لكن هذا باطل بما ذكرناه في أبواب التوحيد.
# وأما النقل، فمن سنة موسى - عليه السلام - قوله: (تمسكوا بالسبت أبدا)
~~(45) و (ما دامت السماوات والأرض) ومثل معنى ذلك تنقل النصارى عن عيسى -
~~عليه السلام -. والجواب عن الأول: قوله: (لو جاز النسخ لزم البداء) قلنا:
~~لا نسلم، وظاهر أنه لا يلزم. وهذا لأن البداء هو النهي عن ما أمر به -
~~والوقت والمكلف والوجه واحد - والنسخ هو إزالة مثل الحكم الشرعي بدليل شرعي
~~متراخ عنه، فتغاير الوقت يرفع البداء.
# PageV00P169
# قوله: (إما أن تكون المصلحة المنوطة بالفعل باقية وإما أن لا تكون) قلنا:
~~لا تكون. ms056
# قوله: (إما أن يكون البارئ عالما بزوالها وإما أن لا يكون) قلنا: يكون.
# قوله: (يلزم من الأمر مطلقا من غير بيان النسخ الإيهام، وكون العبد مظطرا
~~إلى اعتقاد بقاء التكليف، وهو إلزام باعتقاد الجهل) قلنا: عن ذلك جوابان:
~~أحدهما المنع من إطلاق اللفظ إلا مع قرينة تدل على النسخ إما جملة وإما
~~تفصيلا، وهذا اختيار أبي الحسين ومن تابعه ممن ذهب إلى أن الخطاب بالمنسوخ
~~لا يجوز إلا مع قرينة تدل على النسخ. والجواب الثاني بتقدير جواز تأخير
~~بيان النسخ يكون الدليل الدال على النسخ دالا على انتهاء مدة الحكم، ولا
~~نسلم أن الخطاب الأول يقتضي اعتقاد الجهل، لأن العاقل إذا عرف أن الشرائع
~~مبنية على المصالح، عرف أن الحكم مشروط ببقاء المصلحة المقتضية له، فيكون
~~الجواز ثابتا عند الخطاب بالمنسوخ.
# وأما المنقول، فالجواب عنه من وجوه:
# أحدها: أن نمنع النقل المذكور ونطالبهم بتصحيحه، (46) فإن احتجوا بنقل
~~اليهود له، وادعوا بلوغهم حد التواتر، منعنا ذلك، فإنه نقل أن بختنصر (47)
~~استأصلهم، وإن لم يكن ذلك معلوما، فإنه يحتمل، ومع قيام
# PageV00P170
# الاحتمال يرتفع اليقين.
# وثانيها: أن نمنع كون التأبيد حقيقة في الدوام، بل قد يطلق على
~~الاستمرار، وإن انتهى إلى غاية، وقد يطلق على ما لا غاية له. وبيان ذلك: ما
~~ذكر في التوراة من كون العبد يثقب أذنه ويستخدم أبدا، (48) ثم قيد ذلك في
~~موضوع آخر بخمسين سنة، وغير ذلك من الأحكام التي تناولها التأبيد، (49) ثم
~~قيدت بمدة معينة، وإذا كان محتملا لكل واحد من الأمرين، لم يكن دالا على
~~أحدهما على التعيين.
# وثالثها: أنا مع إقامة البرهان القاطع على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه
~~وآله وسلم يتعارض ذلك الدليل وما ذكروه من الألفاظ الدالة على التأبيد، وقد
~~عرفت أن عند تعارض الدليل العقلي والنقلي، يكون الترجيح لجانب العقلي، لأنه
~~ليس بمحتمل واللفظي محتمل.
# وما دل على نبوة موسى وعيسى من المعجز دال على نبوة محمد - عليهم السلام
~~- فلو طعن في دلالة هذا المعجز لزم الطعن في ذلك أيضا. (50)
# PageV00P171
# وأما ms057 المطلوب من هذا الباب فهو الدلالة على نبوة نبينا محمد - عليه
~~السلام - فنقول: القائلون بجواز النسخ عقلا وشرعا اختلفوا في نبوة نبينا -
~~عليه السلام -، فمنهم من توقف فيه زعما أنه لم تقم دلالة على نبوته، وهم
~~طائفة من اليهود، والنصارى أجمع، والباقون قطعوا بنبوته لوجود الدلالة
~~الدالة عليه وهو اليقين.
# والدلالة على نبوته - عليه السلام - أنه ادعى النبوة وظهر المعجز على يده
~~مطابقا لدعواه، وكل من كان كذلك فهو نبي.
# أما أنه ادعى النبوة فمعلوم بالنقل المتواتر الذي لا يدفعه إلا مكابر، قد
~~عرفت أن الخبر المتواتر يفيد اليقين، ولو ساغ إنكار مثل ذلك لساغ إنكار
~~وجود البلاد المشهورة والوقائع المأثورة المروية، لكن ذلك عين السفسطة.
# وأما ظهور المعجز على يده فنقول: إن معجزاته تنقسم إلى (51) قسمين:
# فمنها ما هو الآن موجود، وهو القرآن، ومنها ما هو منقول بالتواتر، أو
~~النقل المشتهر. ونحن نذكر طرفا منها، ونبدأ ببيان كون القرآن معجزا، وقد
~~عرفت أن المعجز هو الخارق للعادة المطابق لدعوى المدعي، والأمران موجودان
~~في القرآن العزيز، أما خرق العادة فلأن المألوف من كلام العرب إنما هو
~~الخطب والرسائل والشعر، (52) ومن المعلوم أن القرآن خارج عن هذه الأمور،
~~ومجانب
# PageV00P172
# لها، ولهذا تعذر - على فصاحتهم - (53) المعارضة له، مع التحدي الظاهر،
~~فلو قدروا على الإتيان بمثله، لما عدلوا إلى المحاربة وتحمل المشاق المفضية
~~إلى احتياج الأنفس والأموال. وتحقيق هذا الفعل (54) أنه لو كان في طاقتهم
~~الإتيان بمثله، لوجب أن يأتوا به لأن الدواعي متوفرة إلى المعارضة، والداعي
~~إذا صفا عن معارضة الصارف وجب الفعل، فعدم الفعل مع تحقق الداعي خالصا عن
~~الصوارف دليل على التعذر.
# فإن قيل: لا نسلم أنهم عجزوا عن المعارضة، ولا نسلم أن دواعيهم إلى
~~المعارضة خلصت عن الصوارف، لأنه من المحتمل أن يكونوا لم يحتفظوا (لم
~~يلتفتوا) لمعارضته، ظنا أن الاندفاع يحصل بدون ذلك، أو لأنهم لم يتسع لهم
~~وقت يتفرغون فيه لمعارضته، أو لأنهم علموا أن المعارضة لا تغني عن
~~المحاربة، فاقتصروا على الغاية. سلمنا أن الداعي حصل، ms058 ولكن لم لا يجوز أن
~~المعارضة وقعت ولم تنقل إما لغلبة شوكة الإسلام، وإما لحصول القوة في سهم
~~السعادة المقتضي لحصول الفلج وقت المنازعة، (55) وإما لكثرة مساعد اعتنى
~~بإخفاء المعارضة. سلمنا ذلك، لكن لم لا يجوز أن يكون نقلت المعارضة في
~~الطبقة الأولى ثم لم يتصل النقل لاستيلاء سلطان الإسلام بالغلبة الحاسمة
~~لأطماع الناقل. سلمنا ذلك لكن المعارضة قد نقلت عن كثير من الناس. غاية ما
~~في الباب أن يقال تلك المعارضات قاصرة عن رتبة فصاحة القرآن، لكن التفاوت
~~اليسير بين الأفعال ليس بخرق للعادة، فإن
# PageV00P173
# تفاوت أرباب الصناعات في صناعتهم حاصل مع أن ذلك ليس بخارق، ولا يعد
~~معجزا.
# والجواب قوله: (لا نسلم أنهم عجزوا عن المعارضة) قلنا: لا شئ أظهر في
~~الدلالة على العجز من توفر الدواعي إلى الفعل ثم لا يتيسر، وقد بينا أن
~~الحال كذلك.
# قوله: (لم لا يجوز أن يكونوا تهاونوا بالمعارضة ظنا منهم أن الاندفاع
~~يحصل بدونه) قلنا: قد بان فساد ذلك الخيال لهم ثم لم يعارضوا.
# قوله: (لم يتسع لهم الوقت) قلنا: قد عرف أن التحدي كان في مدة النبوة،
~~وهو ما ينيف عن عشرين سنة، وذلك أوفر من المدة التي يفتقر إليها للمعارضة.
~~قوله: (علموا أن المعارضة لا تغني فاقتصروا على الغاية) قلنا: من المعلوم
~~عادة أن من أراد تهجين إنسان ودفعه عن مراده توصل في ذلك بكل ممكن. ومن
~~المعلوم أنهم لو عارضوا لظهرت حجتهم، [و] حصلت لهم بذلك الغلبة الرافعة
~~لمتمسكه، فكان ذلك أيسر في دحض دعواه وإفساد أمره. ومثل ذلك لا يعدل عند
~~العاقل، ولا يتجاوزه من يريد الاستظهار على الخصم. ووجه المصلحة العائدة في
~~ذلك ظاهرة (56) فلا يجوز أن يتفق الكل - والحال هذه - على العدول عن
~~المعارضة إلى المحاربة.
# قوله: (لم لا يجوز أن تكون المعارضة حصلت ولم تنقل) قلنا: ذلك باطل من
~~وجوه: أحدها: أنه لو حصلت المعارضة لنقلت، لأن الطباع متوفرة
# PageV00P174
# إلى نقلها، وكل ما توفرت دواعي الطباع إليه لا بد أن يحصل إذا ارتفعت
~~الموانع. ms059 والثاني: لو حصلت المعارضة لكانت المعارضة هي الحجة، والقرآن هو
~~الشبهة، والمعتني بنقل الشبهة أولى بنقل الحجة. والثالث: لو فرضنا أن
~~المسلمين اعتنوا بإخفائها لنقلها غيرهم، لأنه كان من المشركين ومخالف
~~الإسلام من (57) هو خارج عن طاعته خلق كثير يزيد عددهم عن حد التواتر، فلو
~~حصلت المعارضة لنقلها أولئك لا محالة.
# قوله: (لم لا يجوز أن يكون المعارضة نقلت ثم لم يتصل بنا) قلنا: قد بينا
~~أن الدواعي متعلقة بنقلها في كل طبقة على سواء، فلو نقلت في طبقة لنقلت في
~~أخرى: لاستواء الطبقات في الباعث على النقل.
# قوله: (المعارضة نقلت عن كثير) قلنا: لم يتصل بنا إلا ما ننزه ألسنتنا عن
~~ذكره، وهو بالخرافات أشبه منه بالمعارضات، وأي عاقل يناسب ما نقل عن مسيلمة
~~(58) وأشباهه من أرباب السجع بالقرآن العزيز، مع ظهور التفاوت العظيم، وهذا
~~بين لمن تدبره.
# وأما أن ذلك مطابق لدعواه - عليه السلام - فظاهر أيضا لأنه تحدى العرب به
~~ونطق القرآن العزيز بذلك بقوله: (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) (59) ثم
~~اقتصر على سورة واحدة في التحدي بقوله: (فأتوا بسورة من مثله) (60)
# PageV00P175
# ثم احتج بعجزهم عن ذلك بقوله: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا
~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (61) وهم كانوا
~~يستمعون القرآن مجتمعين ومفترقين، ولا معنى للتحدي إلا ادعاء العجز عن ما
~~أتى به المتحدي.
# وأما المعجزات المنقولة التي هي سوى القرآن فكثيرة:
# منها انشقاق القمر وهي آية باهرة نطق بها القرآن المجيد (62) لا يقال:
# لو كان ذلك حقا لعلمه أهل الآفاق ولاشتهر في عوالم ذلك الزمان. لأنا
~~نقول: وقع ذلك ليلا، والناس بين غافل ونائم ومستيقظ مشغول بدنياه، فلعل
~~اختصاص المسلمين بمعرفته كان لصرفهم العناية إلى مشاهدته، ثم إلى نقله (63)
~~ومن ذلك تكثير الماء القليل، وقد وقع مرارا: تارة بوضع يده فيه وخروجه من
~~بين أصابعه كما جرى في ميضاة أبي قتادة (64) وتارة بوضع يده فيه وتمضمضه
~~منه، ومج مضمضته فيه، كما جرى في
# PageV00P176
# الوشل لغزاة تبوك (65) وتارة ms060 بغرز سهم من سهامه فيه كما جرى في بئر
~~الحديبية حين أمر أبا قتادة الأنصاري بغرز السهم فيها فصعد ماؤها حتى شرب
~~منه بالأكف. (66) ومن ذلك إطعام الخلق الكثير من الطعام القليل، وقد اتفق
~~ذلك في مواطن: منها حين نزل: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (67) أمر عليا - عليه
~~السلام - أن يشوي شاة ويتخذ عسا من لبن، وأن يدعو بني أبيه وكانوا أربعين
~~رجلا، فأكلوا ولم يبن في الطعام إلا أثر أصابعهم وشربوا جميعا والعس بحاله،
~~حتى قال بعضهم (68)... سحركم به محمد ولم يجيبوا، ففعل مثل ذلك في اليوم
~~الثاني، والثالث. (69) ومنها أن جابرا قال: رأيت محمدا - عليه السلام -
~~خميصا (70) ونحن في
# PageV00P177
# الخندق، فشويت له عناقا، وأمرت المرأة أن تخبر صاعا من شعير، ثم دعوته
~~فقال: أنا وأصحابي؟ فقلت: نعم. ثم قلت للمرأة: هي الفضيحة: فقالت:
# أنت قلت له ذلك؟ فقلت: بل هو قال: أنا وأصحابي؟ فقلت: نعم، فقالت: هو
~~أعلم بما قال. ثم أخبرته - عليه السلام - بالصاع والعناق، فقال، أقعد عشرة
~~عشرة، ففعلت فأكلوا جميعا حتى صدروا. (71) ومنها في غزوة الحديبية، فإنهم
~~شكوا قلة الأزواد، فأمر - عليه السلام - أن يجمع ما بقي منها، وأن يلقى على
~~الأنطاع، ثم دعا - عليه السلام - ففاضت الأزواد فأكلوا وملؤوا كل جراب
~~ومزود. (72) ومن ذلك أن النعمان الأنصاري ضرب فسقطت عينه، فأتاه بها،
~~فردها، فكانت أقوى عينيه. (73) ومن ذلك أن طفيل بن عمرو الدوسي (74) قال
~~له: اجعل لي علامة حتى أدعو قومي، فجعل له نورا في جبينه، فقال: هذه مثلة،
~~فجعله في علاقة سوطه. (75)
# PageV00P178
# ومن ذلك حنين الجذع (76)، وتسبيح الحصا (77)، ومجئ الشجرة إليه تخد
~~الأرض، ثم أمرها بالعود فعادت، (78) وكلام الناقة، (79) ونطق الذئب، (80)
~~وأمر النخلتين بالاجتماع، فاجتمعتا حتى تخلى تحتهما. (81) ومن ذلك إجابة
~~دعواته كقوله لعلي [عليه السلام] في غزاة خيبر: (اللهم افتح على يديه) (82)
~~ولعبد الله بن عباس: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) (83) ولعتبة بن
~~أبي لهب: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك) فمضغه
# PageV00P179
# الأسد. (84) ومن ذلك إخباره بالغائبات كقوله لعلي - عليه السلام -:
~~(سيغدر بك) ms061 (85) وقوله له - عليهما السلام -: إن أشقى الناس رجلان: أحيمر
~~ثمود عاقر الناقة، ورجل يضرب هذه - وأشار إلى رأسه - عليه السلام - - فيبل
~~منها هذه - وأشار إلى لحيته صلوات الله عليه - (86) وقوله: (إنك تقاتل
~~الناكثين والقاسطين والمارقين) (87) وإخباره - عليه السلام -: إن الحسين
~~[عليه السلام] يقتل، وإبانته عن موضع مقتله وموضوع مدفنه. (88) وإخباره
~~باذام عامل كسرى على اليمن - حين ورد عليه يحمله قهرا إلى كسرى - إن ربي
~~سلط ابن ربك عليه، فقتله في هذه الساعة، فتربص باذام حتى ورد الخبر بقتله
~~في تلك الساعة من تلك الليلة، فأسلم هو ومن معه. (89) وهذه قطرة من بحار ما
~~نقل من معجزاته - عليه السلام - (90)
# PageV00P180
# لا يقال: هذه أخبار آحاد فلا يحتج بها في الأمور اليقينية (91) لأنا
~~نقول:
# لا نسلم أنها من قبيل أخبار الآحاد، بل منها المتواتر، (92) ومنها
~~المشهور الذي يعضد بعضه بعضا حتى يستفاد منه اليقين. ولو سلمنا جدلا أن كل
~~واحد منها بعينه واحد، لكن يتفق بأجمعها في الدلالة على حصول المعجز، فنعلم
~~صدور المعجز عنه من مجموعها، كما يعلم كرم حاتم علما يقينيا، وإن كانت
~~مفردات مكارمه آحاد. (93) وإذا ثبت أنه ادعى النبوة وظهرت المعجزات على
~~يده، وجب أن يكون صادقا. وتقريره ما مر في بحوث مقدمة هذا الباب.
# واعلم أن الناس اختلفوا في وجه الإعجاز، فقال قوم: هو الفصاحة.
# وقال آخرون: هو الأسلوب. (94) وآخرون: هو مجموع الأمرين. وآخرون: هو
# PageV00P181
# سلامته من الاختلاف. (95) واختار المرتضى الصرفة. وذكر أن العرب قادرة
~~على مثل فصاحته وأسلوبه، غير أن الله تعالى صرفهم عن ذلك. ولعل هذا الوجه
~~أشبه بالصواب. (96) واحتج بعض المعتزلة (97) على بطلان القول بالصرفة بأنه
~~لا وجه يعقل تفسير الصرفة به، لأنه إن أريد بها سلب القدرة، لزم تعذر النطق
~~بالحروف عليهم، لأن القدرة يتعلق بجنس الفعل، ولو لم يقدروا على حروف
~~القرآن لما قدروا على مثلها. وإن أريد بها سلب العلوم، لزم خروجهم عن
~~العقل، إذ هو عبارة عن العلوم المخصوصة. وإن أريد به سلب الدواعي، لزم أن
~~يكون الداعي أمرا (98) زائدا على ms062 العلم المخصوص وإذا كان العلم بكون الشئ
~~مصلحة، لكن قد عرفت أن الداعي ليس أمرا زائدا على
# PageV00P182
# العلم المخصوص، وإذا كان العلم حاصلا لهم كانوا عالمين بأن المعارضة
~~مصلحة لهم، فكان الداعي ثابتا.
# وإن أريد به المنع من المعارضة مع القدرة والعلم وتوفر الداعي كان ذلك
~~إشارة إلى ما لا يعقل وجهه وهو باطل.
# ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون الصرفة بمعنى إزالة العلوم المعتبرة
~~في الإتيان بمثل القرآن؟ (99) قوله: (يلزم من ذلك خروجهم عن العقل، إذ
~~العقل عبارة عن علوم مخصوصة) قلنا: ليس كل علم داخلا في حقيقة العقل، فإن
~~العلم بالصناعات خارج عن ذلك، وكذلك ما نحن فيه، فلم لا يجوز أن يكون عندهم
~~من العلوم ما يكفي في الإتيان بمثل القرآن، فعند التحدي سلب الله ذلك عن
~~جميعهم، فكان ذلك جهة الإعجاز. والله أعلم. (100)
# PageV00P183
# النظر الرابع في الإمامة PageV00P185
# النظر الرابع في الإمامة وفيه مقدمة ومقاصد:
# أما المقدمة فتشتمل على ثلاثة بحوث:
# البحث الأول: في حقيقة الإمامة ووجوبها.
# الإمامة رئاسة عامة لشخص من الأشخاص بحق الأصل لا نيابة عن غير هو في دار
~~التكليف.
# فقولنا: (عامة) احترازا من الأمراء والقضاة. وقولنا: (بحق الأصل) احترازا
~~عمن يستخلفه الإمام نائبا عنه. وقولنا: (لا نيابة عن غير هو في دار
~~التكليف) احترازا من نص النبي أو الإمام على إمام بعده، فإنه لا يثبت
~~رئاسته مع وجود الناص عليه.
# واعلم أن بهذا التفسير تكون لفظة (الإمام) واقعة على النبي كما تقع على
~~خليفته حتى يكون كل نبي إماما ولا ينعكس فيتفاوتان تفاوت العام والخاص.
# واعلم أن الناس اختلفوا في وجوب الإمامة على ثلاثة أقوال: فمنهم
~~PageV00P187
# من لم يوجبها أصلا، وهم الخوارج (1) مطلقا، والأصم (2) بتقدير أن لا تظهر
~~الفتن. ومنهم من أوجبها عقلا. ومنهم [من] أوجبها سمعا. والموجبون لها عقلا
~~اختلفوا على قولين: فمنهم من أوجبها دفعا للضرر، فأوجب نصب الإمام بهذا
~~الاعتبار على المكلفين، ومنهم من أوجبها لكونها لطفا في أداء الواجبات
~~واجتناب المقبحات، فأوجب نصب الإمام بهذا الاعتبار على ms063 الله سبحانه وتعالى،
~~والأول هو مذهب النظام والجاحظ (3) والخياط (4) وأبي الحسين البصري،
~~والثاني مذهب الإمامية، وهو الحق.
# لنا أن الأمة مع وجود الإمام تكون أقرب إلى فعل الطاعة، وأبعد من
# PageV00P188
# فعل المعصية، وكل ما كان كذلك فهو واجب على الله في الحكمة. أما الأولى
~~فاستقراء العوائد يحققها، وأما الثانية فقد مرت في أبواب العدل.
# فإن قيل: لا نسلم أن الإمامة لطف في أمور الدين، غاية ما يعلم حصول
~~المضار الدنيوية بفواتها، ودفع المضار الدنيوية غير واجب على الله سبحانه
~~وتعالى مع تمكينه المكلف من الاحتراز منها وإرشاده إليها. أما كونها لطفا
~~في الأمور الدينية فهو غير معلوم.
# سلمنا أنها لطف في الأمور الدينية، لكن متى يجب على الله فعل اللطف؟ إذا
~~خلا عن وجوه المفاسد أم إذا لم يخل؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، ونحن لا
~~نسلم أنها خالية من وجوه المفاسد، فعليكم أن تثبتوا ذلك.
# فإن قلتم: لا نعلم هناك مفسدة. قلنا: لا يكفي عدم علمكم في إيجابها على
~~الله، فإن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول (5)، ومهما جوزتم أن تكون
~~هناك مفسدة فقد جوزتم الإخلال بنصب الرئيس عند حصول ذلك الجائز.
# لا يقال: يلزم من ذلك أن تكون المعرفة بالله غير واجبة على مذهب من يرى
~~وجه وجوب المعرفة كونها لطفا. لأنا نقول المعرفة واجبة على المكلف، وهو
~~يبنى على وجوب التحرز من الضرر على الظن كما نبنيه على العلم، وليس
# PageV00P189
# كذلك ما يجب على الله في الحكمة: فإنه يطلع على الغيوب، فلا يجب من
~~الألطاف إلا (6) ما يعلم خلوصه عن المفاسد. فالفرق بين البابين واضح.
# سلمنا خلوها عن المفاسد، لكن لا نسلم وجوب ما هذا شأنه على الله، فإنا لم
~~نسمع دليلكم الدال على إيجابه. فإن عولتم على الدليل الذي أشرتم إليه في
~~أبواب العدل، من أن الإخلال بذلك نقض لغرض المكلف سبحانه، لأنه إذا عرف أن
~~المكلف يكون أقرب إلى فعل ما أمر به إذا فعل معه فعلا لا يستضر الآمر به،
~~فإنه بتقدير أن لا ms064 يفعله يعد ناقضا لغرضه.
# قلنا: نحن نطالبكم بدليل هذه الدعوى فإنكم لم تأتونا بزيادة عنها.
# سلمنا أن الإمامة لطف، وأن اللطف واجب على الله، لكن لا نسلم مع ذلك وجوب
~~الإمامة، وإنما يلزم ذلك بتقدير أن يكون ذلك اللطف متعينا، بحيث لا يقوم
~~غيره مقامه. أما إذا احتمل أن يكون هناك لطف آخر يقوم مقام هذا اللطف، فإنا
~~لا نسلم وجوبه، فعليكم أن تبينوا إزالة هذا الاحتمال ليتم لكم ما حاولتموه
~~من هذا الاستدلال.
# ثم إنا نعارض (7) ما ذكرتموه بوجوه ثلاثة:
# الأول: لو وجب نصب الرئيس لكان إما مشروطا بانبساط يده أو لا مع ذلك
~~الشرط. والقسمان باطلان. أما الملازمة فظاهرة. وأما بطلان الأول، فلأن
~~الأزمان تنقضي مع أنا لا نرى إماما منبسط اليد، متمكنا من إمضاء الأحكام،
~~بل لا نعلم وجود مثله. وأما الثاني فبطلانه ظاهر، إذ لا فائدة في
# PageV00P190
# إمام هذا شأنه.
# الوجه الثاني: أن الغرض بنصب الرئيس تنفيذ الأحكام الشرعية، فيكون نصبه
~~تبعا لها، وإذا لم يكن الأصل معلوما عقلا فالفرع أولى بذلك.
# [الوجه] الثالث: لو كانت الإمامة واجبة على الله تعالى لعلمت الصحابة ذلك
~~أو معظمهم، لكن لو علموا ذلك لما عولوا على نصب رئيس، ولفحصوا عن ذلك
~~الرئيس الذي نصبه الله، فلما لم يقع ذلك لم يكن ما ادعته الإمامية حقا. لا
~~يقال: لعل الصحابة لا تعلم ذلك، أو إن علمه آحاد منهم لم يتمكنوا من
~~الاعتراض على الباقين، كما أن النص على علي - عليه السلام - كان معلوما
~~وعجز العارفون به عن الاعتراض على المعولين على الاختيار. لأنا نقول: أما
~~ذهاب ذلك على جملة الصحابة فبعيد، إذ يستحيل أن يدعى أن آحاد الإمامية أعرف
~~بطرق النظر من الصحابة أجمع، وأما تمثيل ذلك بالنص فظاهر البطلان، لأن ما
~~شهد به العقل يمكن إثباته عند كل عاقل، ولا كذلك ما يدعيه ناقل النص، لأنه
~~يخبر بما سمعه فجائز أن يجحد دعواه.
# والجواب: قوله: (لا نسلم أن الإمام لطف في أمور الدين) قلنا: هذا جحد
~~للمعلوم، فإن كان ms065 عاقل يجزم جزما ضروريا مع تصفح العادات وارتفاع العصمة عن
~~العوالم بوقوع التنافس والتحاسد والميل إلى الراحة الباعثة على ترك
~~العبادات الشاقة (8)، ويعلم أن مع وجود الإمام يكون الناس
# PageV00P191
# إلى زوال ذلك أقرب، ولا معنى للألطاف الدينية، إلا ما يكون المكلف معها
~~أقرب إلى فعل الطاعة، والمجاحدة عن ذلك من أفحش البهت.
# قوله: (متى يجب فعل اللطف إذا خلا، وجوه المفاسد أو إذا لم يخل؟) قلنا:
~~إذا خلا، ووجه المفسدة مرتفع هاهنا جزما (9).
# وتحقيق ذلك أن المفسدة المفروضة إما أن تكون لازمة لذلك اللطف، أو صادرة
~~عن الإمام، أو منه تعالى، أو من المكلف.
# لا جائز أن تكون لازمة للإمامة من حيث هي، إذ لو كان ذلك للزم محذوران:
~~أحدهما استحالة تصور وجود الإمامة منفكة عن تلك المفسدة، تحقيقا للزوم.
~~والثاني استحالة أن يأمر بها الشرع عند تحقق ذلك الفرض، لكن الشرع آمر بذلك
~~مطلقا.
# ولا جائز أن يكون صدورها من الإمام ولا من الله، لتحقق العصمة في الإمام،
~~وارتفاع المفسدة في حق الله، لما تقرر من أنه لا يفعل القبيح.
# وإن كانت من المكلف اختيارا، لم يمنع وجوب الإمامة على الله، كما لم يمنع
~~ذلك وجوب كثير من الواجبات بتقدير وقوع مفسدة من العبد. فقد تلخص بهذه
~~الوجوه أن الإمامة عرية عن وجوه المفاسد.
# ويمكن أن يقرر هذا بوجه آخر، وهو: أنا نعلم علما يقينا أنه كيف ما فرض
~~لطف الإمامة، فإنه إما أن يكون صافيا عن المفسدة، أو راجحا عليها، إذ لو
~~جوز خلاف هذين الأمرين لما حكم العقل بوجود الصلاح مع الإمام، وانتفائه مع
~~عدمه، حكما مطلقا، لكن العقل حاكم بذلك مطلقا، فلا يكون
# PageV00P192
# ذلك الاحتمال مؤثرا في إيجاب ذلك اللطف.
# قوله: (لا نسلم أن اللطف واجب) قلنا: قد بينا ذلك.
# قوله: (لم تأتوا بزائد على الدعوى)، قلنا: لا شئ في الدلالة أظهر من
~~برهان يكون مادته ضرورية (10)، ونحن قد بينا أن كل عاقل يحاول من غيره
~~أمرا، يفعل كل ما يحرك داعي ذلك الغير إلى ذلك ms066 الأمر، إذا لم يكن في فعله
~~عليه مشقة، وندعي أن ترك ذلك نقض للغرض ضرورة، وأن نقض الغرض قبيح في
~~العقول، فمع ذلك لا حاجة إلى مزيد إيضاح عند المنصف.
# قوله: (متى يجب لطف الإمامة إذا كان له بدل أو إذا يكن؟) قلنا:
# إذا لم يكن وظاهر أنه لا بدل له، يدل على ذلك وجهان: أحدهما: أنه لو كان
~~له بدل لما حكم العقل حكما مطردا على استمرار الأزمان بكون المكلفين معه
~~أقرب إلى الطاعة وأبعد من المعصية. ولكان العقل يقف في الحكم بذلك على
~~انتقاء البدل، لكن العقل يحكم بذلك مطلقا، وذلك دليل على عدم البدل. الوجه
~~الثاني: أن مع فرض جواز الخطأ على المكلفين يكون انضياف الإمامة إلى أي لطف
~~فرض أدعى إلى وقوع الطاعة وارتفاع المعصية، ومع انفراد ذلك المفروض عن
~~الإمامة تكون الحال بالضد من ذلك، فلا
# PageV00P193
# تنقل الإمامة عن كونها لطفا كيف ما كان، ومع ذلك تجب لأنه لا يقوم مقامها
~~شئ.
# اللهم إلا أن يدعى لطف ينتهي بالمكلفين إلى العصمة، فعند ذلك نسلم سقوط
~~فرض الإمامة، إلا أن الموجب للإمامة عقلا إنما هو جواز الخطأ على المكلفين.
# قوله في المعارضة الأولى: (وجوب الإمامة إما أن يكون مشروطا بانبساط يد
~~الإمام أولا يكون) قلنا: لا يكون.
# قوله: (لا فائدة في إمام هذا شأنه) قلنا: لا نسلم، بل فيه فوائد أيسرها
~~قيام الحجة على المكلفين.
# وتحقيق هذا أن لطف الإمامة ذو شعب، فمنه ما يختص بالله سبحانه، كنصب
~~الرئيس، ومنه ما يختص بالإمام، وهو قبول اللطف، والقيام بأعباء ما حمل،
~~ومنه ما يختص بالمكلف، وهو الانقياد لأوامر الإمام والمعاضدة له.
# فلو أخل الله سبحانه بنصبه لكان مخلا بما يجب عليه في الحكمة، ولما
~~انزاحت علة المكلف (11)، فيجب أن ينصبه بحيث إذا أخل المكلف بالقبول يكون
~~فوات مصلحته بسوء اختياره. (12) قوله في المعارضة الثانية: (الغرض بنصب
~~الرئيس تنفيذ الأحكام الشرعية) قلنا: لا نسلم، بل الغرض به تقوية دواعي
~~المكلفين إلى الطاعة وترك المعصية، وذلك يعم الواجبات والمقبحات ms067 شرعية كانت
~~أو عقلية، فإذا وجبت الشرعيات كانت الإمامة لطفا فيها وفي العقليات، ولو
~~فرض ارتفاع
# PageV00P194
# الشرعيات لكانت الإمامة لطفا في العقليات.
# قوله في المعارضة الثالثة: (لو كان نصب الإمامة واجبا على الله تعالى
~~لعلم ذلك الصحابة أو معظمهم) قلنا: لا نسلم، وهذا لأن العلم بذلك نظري لا
~~ضروري، والأمور النظرية قد تذهب على كثير. نعم لا يذهب ذلك على كل الصحابة
~~بل نقول: إن فيهم جماعة عرفوا ذلك قوله: (لو عرف ذلك الصحابة لما عولوا على
~~التعيين على إمام) قلنا:
# ليس كلهم فعل ذلك، وجماعة أنكروا ذلك، وشهدوا أن عليا - عليه السلام - هو
~~الإمام دون غيره، وأنشدوا في ذلك الأشعار. (13) قوله: (لو عرفوا ذلك لفحصوا
~~عن ذلك الإمام) قلنا: لا نسلم، وهذا لأن الصحابة بين عارف بوجوب الإمامة
~~عقلا مقر بعين الإمام، وبين عارف منكر (14)، وبين شاك، فالعارف بوجوب
~~الإمامة وعين الإمام لا يفحص، والفريقان الآخران لا يفحصان، هذا لعلمه،
~~وذلك لجهله.
# قوله: (لو عرف ذلك بعض لاعترض على الآخرين) قلنا: قد وقع ذلك.
# كما روي أن سعد بن عويمر بن ساعدة قال: إن الخلافة لا تكون إلا في أهل
~~بيت النبوة فاجعلوا حيث جعلها الله. (15)
# PageV00P195
# وكما روي أن ستة من المهاجرين وستة من الأنصار أنكروا على الجالس بعد
~~النبي - عليه السلام -. (16) وجماعة امتنعوا من بيعته كالعباس وعقيل وسلمان
~~وبريدة وأبي حذيفة وغيرهم. (17)
# PageV00P196
# ويروى أن عبادة بن صامت (18) قال:
# يا للرجال أخروا عليا * أليس كان دونهم وصيا وغير ذلك من الأحاديث
~~المتضمنة للشهادة بعين الإمام المنصوص عليه عن الله سبحانه وعن رسوله -
~~عليه السلام -. (19) لا يقال: هذه الأخبار آحاد، لأنا نقول يكفي تجويز
~~صحتها في تطريق الاحتمال إلى ما استدلوا به.
# ثم نقول: إن السبب الذي لأجله لم يتواتر النكير قوة المنتصبين، وضعف
~~المعترضين، وخوف الناقلين.
# وذلك يوجب الاستتار بالنكير، فيقع نادرا، فيقل النقل، ثم يعتوره خوف
~~الناقل، فيكاد يضمحل لولا أن يريد الله إظهار الحق لعباده. (20)
# PageV00P197
# البحث الثاني في صفات الإمام ويختص الإمام زيادة على غيره من الولاة ms068
~~بصفات أربع:
# كونه معصوما، وأفضل الرعية، ويعلمان عقلا، وكونه أعلمهم بالشرع بعد
~~التعبد بالشرع، وأنه مقتدى به فيه، وأشجعهم بعد التعبد بالجهاد، وكونه
~~مقدما فيه.
# أما كونه معصوما فقد انفرد أصحابنا باعتبار ذلك فيه دون غيرهم من الطوائف
~~عدا الإسماعيلية (21). ويدل على اعتبار وجوب العصمة وجوه:
# الأول: لو لم يكن معصوما لكان جائز الخطأ، لكن لو كان كذلك لا فتقر إلى
~~إمام، لوجود العلة المحوجة إليه فيه، ثم الكلام في ذلك الإمام كالكلام في
~~الأول، ولا يتسلسل ولا يدور، لبطلان كل واحد من القسمين،
# PageV00P198
# فتعين المصير إلى إمام لا يجوز عليه الخطأ.
# فإن قيل: لا نسلم أن العلة المحوجة إلى الإمام جواز الخطأ على المكلفين،
~~بل لم لا يجوز أن تكون العلة هي دفع المضار الدنيوية، أو الارشاد إلى
~~الأغذية والتمييز بين نافعها وضارها، أو الهداية إلى العقائد، أو غير ذلك
~~من الفوائد.
# سلمنا أن العلة هي جواز الخطأ، لكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك الانتهاء إلى
~~إمام معصوم، بل ما المانع أن يكون في الزمان إمامان كل منهما يستدرك على
~~صاحبه خلله، ثم لا يلزم الدور المحال إذ لا يتفق خطؤهما في شئ واحد. وهذا
~~وإن لم يصر إليه ذاهب فإنه ممكن، وإذا أمكن لم يكن إيجاب الانتهاء إلى
~~معصوم لازما على الاستمرار.
# سلمنا أنه لا بد من معصوم، فلم لا يكون ذلك هو الأمة؟ فإن النبي عليه
~~السلام - أخبر أنها لا تجتمع على خطأ (22)، فحينئذ يكون الإمام
# PageV00P199
# سائسا (23) للجميع فإن هفا (24) أو أخطأ أخذت الأمة على يده وتداركت
~~خطأه.
# سلمنا ذلك لكن ما ذكرتموه معارض بوجوه: أحدها: لو كانت العصمة معتبرة في
~~الإمام لزم اعتبارها في القضاة وولاة البلدان، لكن ذلك باطل بالإجماع.
~~الثاني: لو كانت العصمة معتبرة في الإمام لكانت من أعظم الحجج لخصوم
~~المنتصبين للإمامة من الصحابة والتابعين، لأن المنتصبين للإمامة لم يدع
~~أحدهم العصمة، ولما لم يعترض أحد من الخصوم بذلك، دل على أنه ليس بمعتبر،
~~إلا أن يقول قائل: إن الإمامية عرفت من ms069 شروط الإمامة ما لم يهتد إليه أحد
~~من الصحابة والتابعين، لكن في ذلك من المأخذ ما فيه.
# الثالث: لو وجبت عصمة الإمام لوجبت عصمة الجند والأعوان، لكن ذلك باطل
~~بالإجماع. أما الملازمة، فلأن لطف الإمامة لا يتم إلا بمساعدة الأعوان،
~~فإذا كان الأعوان جائزي الخطأ أمكن المخالفة، فيحتاج إلى
# PageV00P200
# الاستسعاد (25) عليهم بغيرهم، ثم الكلام فيهم كما في الأول، فلا بد من
~~الانتهاء إلى جند معصومين دفعا للتسلسل. وهذه الحجة مماثلة لحجتكم في إثبات
~~عصمة الإمام، فإن دلت هناك دلت هنا. الرابع: لو كانت العلة المحوجة إلى
~~الإمام جواز الخطأ، لكان لو فرض في الأمة معصوم لم يكن إماما ولا مأموما،
~~لكن ذلك باطل بالإجماع.
# والجواب: قوله: لا نسلم أن العلة المحوجة إلى الإمام جواز الخطأ.
# قلنا: قد بينا ذلك بكون الاحتياج يدور مع جواز الخطأ على المكلفين وجودا
~~وعدما، لأنا متى عرفنا أن المكلف معصوم استغنى بالعصمة عن الإمام، ومتى
~~ارتفع ذلك احتاج إلى اللطف المحرك إلى فعل الطاعة واجتناب المعصية، وليس
~~كذلك ما عدده من الأمور، وإن كان يحتاج إليه فيها، لكن ليست علة الاحتياج،
~~والعقائد لا يجوز الرجوع فيها إلى الإمام إلا بعد ثبوت عصمته، لأن الخبر
~~المحتمل للصدق والكذب لا يجوز الجزم به إلا لدلالة تدل عليه، فإن عمل بقول
~~الإمام مجردا عن دلالة ولا وثوق بعصمته لم يقطع بصحة خبره، فلا يجوز بناء
~~العقائد على قوله، وإن عمل بقوله منضما إلى الدلالة لم تكن لقوله مزية على
~~غيره، فثبت أن علة الاحتياج إلى الإمام هو ما ذكرناه من جواز الخطأ على
~~المكلفين، وأنه إن كان للمعرفة بالعقائد يلزم أن يكون معصوما أيضا لما
~~ذكرناه.
# قوله: ما المانع أن يكون في وقت إمامان جائزا الخطأ ويأخذ كل واحد منهما
~~على صاحبه، فلا يفتقران إلى إمام معصوم؟ قلنا: هذا باطل. وبتقدير صحته
~~فالإلزام باق. أما بطلانه فلأن الإمام يجب على المأموم تعظيمه
# PageV00P201
# وإجلاله، فلو كان إماما مأموما لزم انخفاضه عنه وارتفاعه عليه. وأيضا
~~فكان يلزم أن يكون كل ms070 واحد منهما إماما لنفسه، لأن إمام الإمام إمام
~~للمأموم. وأما أن بتقدير صحته فالالزام باق، فلأن وقوع الخطأ منهما جائز،
~~فلعله لو أخذ على يده لما سلك الحق ولجاز أن يتجاوز العدل في مؤاخذته،
~~وكذلك الآخر، فيكون العلة المحوجة إلى الإمام موجودة منهما. (26) قوله: لم
~~لا يجوز أن تكون الأمة تأخذ على يد الإمام (27). قلنا: هذا باطل، لعجز
~~آحادها عن القبض على يده، وتعذر اجتماعها على المؤاخذة.
# قوله: ما المانع أن يكون في رعيته معصوم يأخذ على يده؟ قلنا: لتعذر
~~انتصاف الضعيف من القوي.
# قوله في المعارضة الأولى: لو كانت العصمة معتبرة في الإمام لزم اعتبارها
~~في القضاة والولاة: قلنا: لا نسلم هذا لأن جواز الخطأ فيهم وإن أحوج إلى
~~الإمام فإن عصمة الإمام يمنع من الاحتياج إلى غيره، فيحصل اللطف المراد من
~~الإمامة بهذا الاعتبار، فلم يحتج إلى عصمة غير الإمام.
# قوله في المعارضة الثانية: لو كانت العصمة معتبرة في الإمام لكانت من
~~أعظم حجج الخصم على المنتصبين للإمامة من الصحابة والتابعين.
# قلنا: الحال كذلك، لكن ليس كل قول يسمع، ولا كل حجة تتبع. ثم نقول:
# ما المانع أن يكون وقع ذلك؟ فإنه لا تتم حجتك إلا بعد بيان أن ذلك لم
~~يقع. على أنا نقول: لو سلمنا أنهم لم يحتجوا بالعصمة على دفع المدعي
~~للإمامة لما دل ذلك على عدم اشتراطها، لأنها أمر خفي يمكن أن يدعيها
# PageV00P202
# الخصم مكابرة، ولأن الطريق إلى تمييز المعصوم ليس إلا النص فكان دعوى
~~النص على بطلان دعوى مدعي الإمامة يغني عن ذلك، وسنبين أن جماعة من الصحابة
~~شهدوا بالنص على علي - عليه السلام - وأعرض الباقون عن العمل بشهادتهم.
# قوله في المعارضة الثالثة: لو وجبت عصمة الإمام لوجبت عصمة الأعوان.
~~قلنا: لا نسلم فما الدليل على ذلك؟
# قوله: لطف الإمام لا يتم إلا بمساعدة الأعوان. قلنا: مسلم.
# قوله: لو كانوا جائزي الخطأ لأمكن مخالفتهم للإمام، فلا يحصل الغرض
~~المراد من الإمامة، فيفتقر إلى جند أخرى. قلنا: الجند إن أطاعوه فقد تم
~~اللطف، وإن ms071 خذلوه كان فوات اللطف من جهتهم لا من جهة الله سبحانه، ولا من
~~جهة الإمام، بخلاف ما إذا لم يكن الإمام معصوما.
# قوله في الوجه الرابع: لو كانت العلة المحوجة جواز الخطأ لكان لو فرض في
~~الأمة معصوم لكان غير إمام ولا مأموم. قلنا: لا نسلم، وهذا لأن ذلك المعصوم
~~وإن لم يكن محتاجا إلى الإمام في كونه لطفا له، فإنه محتاج إليه في الجهاد
~~والمصالح الدنيوية التي لا يستقل ذلك المعصوم بها، ويحتاج إلى رئيس يقوى
~~بسياسته على حصولها، والدليل يطرد ولا ينعكس. (28) دليل ثان على أن الإمام
~~يجب أن يكون معصوما:
# لو جاز وقوع الذنب منه لكان مع تقدير وقوعه إما أن يتبع وإما أن لا
# PageV00P203
# يتبع، ويلزم من الأول الأمر بالذنب، ومن الثاني خروج الإمام عن كونه
~~إماما.
# لا يقال: هذا منقوض بنواب الإمام، وبأن المحذور إنما يلزم من وقوع الذنب
~~لا من تجويز وقوعه. لأنا نقول: الفرق بين الإمام ونوابه ظاهر، وذلك لأن
~~النواب مع الخطأ يأخذ عليهم الإمام، فهم محتاجون مع جواز خطئهم إلى الإمام،
~~ولهم إمام، والإمام لا إمام له.
# قوله: إن المحذور إنما يلزم من وقوع الذنب لا من جوازه. قلنا: جواز وقوع
~~الذنب مستلزم سلامة فرض الوقوع من المحال، لأنه لولا سلامته عن المحال لما
~~كان جائزا.
# دليل ثالث:
# لو جاز وقوع الذنب منه لكان مع فرض وقوعه ظالما، لكن الظالم لا يصلح
~~للإمامة. أما الأولى فلأن الظلم وضع الشئ في غير موضعه، والفسق وضع الشئ في
~~غير موضعه فيكون ظلما. وأما الثانية فبقوله تعالى لإبراهيم - عليه السلام
~~-: (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين). (29)
~~لا يقال: هذا يتناول من وقع منه الظلم لا من يجوز منه وقع الظلم ولا يقع.
~~لأنا نقول: إذا لم يكن واجب العصمة كان جائزا الخطأ، ومن جاز خطؤه أمكن
~~وقوع الظلم منه، ومع وقوعه... (30) لا يناله العهد فيكون جواز الخطأ
~~مستلزما لإمكان فرض وقوعه، وفرض وقوعه مستلزم للمنع من وصول
# PageV00P204
# العهد ms072 إليه.
# وأما كونه أفضل فاعلم أن الأفضلية تقال على وجهين [الأول] بمعنى أنه أكثر
~~ثوابا في الآخرة، والثاني أنه أرجح في الأمور التي هو مقدم فيها كالعلم
~~والشجاعة حيث كان حاكما مقدما في الحروب داعيا إليها.
# أما القسم الأول: فالدليل على اعتباره وجوه:
# الأول: الإمام معصوم فيجب أن يكون أفضل. أما الأولى فقد تقدم بيانها،
~~وأما الثانية فإجماعية، أما عندنا فلأنا نثبت الأمرين، وأما عند الباقين
~~فلانتفائهما. (31) الثاني: الإمام أعلم الأمة فيكون أفضل، أما الأولى
~~فسيأتي بيانها، وأما الثانية فبقوله تعالى: (هل يستوي الذين يعلمون والذين
~~لا يعلمون) (32) ولأن العلم فضيلة موجبة للثواب فيكون تزايدها موجبا
~~لازدياده.
# الثالث: الإمام مساو لغيره في التكاليف، ومختص بكونه لطفا لغيره في
~~التحريك إلى الطاعات، وذلك اللطف إنما يتم باجتهاده وقبوله للقيام بأعباء
~~(33) الإمامة، فيكون راجحا على المكلفين في تكليفه، فيجب أن يكون
# PageV00P205
# أكثر ثوابا.
# لا يقال: فيلزم أن يكون المصلي تماما أرجح ثوابا من المصلي تقصيرا، لأنا
~~نقول: الأمر كذلك إذا عرفنا تساويهما في صلاح الباطن، والإمام نعلم صلاح
~~باطنه قطعا بما ثبت من عصمته، فيكون مستحقا لزيادة الثواب قطعا بزيادة
~~تكليفه.
# الرابع: الإمام يجب على الرعية كافة تعظيمه وإجلاله، فيجب أن يكون أفضل.
~~أما الأولى فظاهرة، وأما الثانية فلأن التعظيم يجب أن يكون مستحقا ولا يجوز
~~التبرع به، وذلك يدل على استحقاقه لذلك في نفس الأمر، لأنا نعظمه تعظيما
~~غير مشروط بصلاح الباطن، لتيقننا صلاحه بما ثبت من عصمته، وإذا كان مستحقا
~~لزيادة التعظيم في نفس الأمر كان مستحقا لزيادة التعظيم عند الله تعالى،
~~ولا معنى للأفضلية إلا ذلك.
# واحتج بعض الأصحاب بأنه - عليه السلام - مساو للنبي - عليه السلام - في
~~كونه حجة في الشرع، فيكون مساويا له في كونه أفضل الرعية، كما أن النبي -
~~عليه السلام - بهذا الاعتبار أفضل.
# وأما القسم الثاني وهو كونه أرجح في العلم والشجاعة فيدل عليه وجهان:
~~الأول أنه مقدم في ذلك فيجب أن يكون أفضل. أما الأولى فبالاجماع، ولأنا
~~نتكلم على هذا التقدير، وأما الثانية فلأنا نعلم ms073 قبح تقديم المبتدئ في
~~الكتابة على المجيد الفاضل، ولا وجه لقبح ذلك إلا أنه تقديم المفضول على
~~الفاضل، فيكون ذلك وجها مقتضيا للقبح حيث كان.
# فإن قيل: لا نسلم أن ما ذكرتموه هو الوجه المقتضي للقبح، بل ما المانع أن
~~يكون هناك وجها غير ما أشرتم إليه لا تعلمونه؟ ولو سلمنا ذلك PageV00P206
# لكنا نجوز أن يشتمل تقديم الفاضل على المفضول على وجه من وجوه القبح في
~~وقت ما، فيجب إذ ذاك تقديم المفضول دفعا لذلك القبح.
# ثم ما ذكرتموه منقوض بالولاة والقضاة، وبفعل النبي - عليه السلام - فإنه
~~قدم خالد بن الوليد على أبي بكر وعمر، وزيد بن حارثة على جعفر بن أبي طالب،
~~وأسامة على بقية المسلمين. (34) ثم نقول: ما المانع أن يكون الإمام مقدما
~~في علمه (35) دون ما لم يعلمه.
# ثم لو لزم أن يكون أعلم بالأمور الشرعية من الرعية، لوجب أن يكون أعلم
~~بالصناعات والأروش وقيم المتلفات، لحصول التنازع بين الناس في أحكام متعلقة
~~بذلك.
# والجواب: قوله: لا نسلم أن ما ذكرتموه هو الوجه المقتضي للقبح. قلنا:
# القبح معلوم، ولا يقبح الفعل لجنسه، والحكم موقوف على العلم بمقتضيه، ولا
~~نعلم وجها سوى ذلك، فلو لم يكن هو الوجه المقتضي للقبح لزم أن لا
# PageV00P207
# نعلم القبح.
# قوله: ونحن نجوز أن يشتمل تقديم الفاضل على وجه قبح. قلنا: قد بينا أن
~~تقديم المفضول وجه قبح، فلا يحسن الفعل المشتمل على ذلك الوجه أصلا.
# قوله: هذا منقوض بالولاة والقضاة وفعل النبي - عليه السلام -. قلنا: أما
~~القضاة والولاة فليسوا مقدمين في الأمور كلها، بل في ما علموه، لا في ما
~~جهلوه، ومن قدمه النبي - عليه السلام - لا نسلم أنه كان مفضولا بالنسبة إلى
~~ما قدم فيه، بل يكون في ذلك الباب أفضل من غيره.
# قوله: قدم أسامة على بقية الناس. قلنا: لا نسلم، وإنما قدمه على من يعلم
~~أن أسامة أفضل منه (36). وإن كان لفظ النبي عاما في قوله: (جهزوا جيش
~~أسامة) ولعنه من تأخر عنه (37)، لكن يختص العام بمن دلت الدلالة ms074 على أنه
~~أفضل، لما عرفت (38) من جواز تخصيص الدليل الشرعي بالدليل
# PageV00P208
# العقلي.
# قوله: يكون مقدما في علمه دون ما لم يعلمه. قلنا: الإمام عام التقديم
~~بالإجماع.
# قوله: لو كان عالما بالشرعيات لكان عالما بالصناعات. قلنا: ما تعلق منها
~~بالأحكام الشرعية يجب أن يكون أعلم به (39) دون ما سوى ذلك. (40)
# PageV00P209
# البحث الثالث في طريق إلى تعيين الإمام وقد اختلف في ذلك فقالت الإمامية:
~~لا طريق إلى تعيينه إلا النص والمعجز. وقال بعض الطوائف: زيادة على ذلك
~~بالاختيار، وأضافت الزيدية (41) من بينهم قسما آخر وهو الدعوة إذا كان
~~الداعي فاطميا.
# لنا وجوه: الأول: إن العصمة معتبرة في الإمام ولا يعلمها إلا علام
~~الغيوب، فلا طريق إلى من حصلت له إلا النص. لا يقال: لم لا يجوز أن يكل
~~الله سبحانه تعيينه إلى المكلفين لمعرفته أنهم لا يختارون إلا المعصوم.
~~لأنا نقول: إن بين الله سبحانه لنا ذلك كان كالنص الدال على عينه أو صفته
# PageV00P210
# فيدخل في قسم النص ويخرج الاختيار عن كونه طريقا إلى تعيين الإمام، ونحن
~~فلا ننازع في ذلك، بل المنازعة في أن بالاختيار يتعين الإمام في نفس الأمر،
~~أما أنه يكون إماما عند الله ويكون الاختيار موصلا إلى ذلك الإمام المعين،
~~مع دلالة قاطعة تدل على كونه طريقا، فذلك مما لا نأباه، وأحد الأمرين غير
~~الآخر.
# الثاني: الإجماع لا يصلح دليلا على تعيين الإمام، لعدم الدلالة على
~~حقيقته بتقدير أن لا يكون في جملتهم معصوم، وكذلك دعوة الفاطمي، فتعين
~~القسم الثالث، وهو النص والمعجز، لأن ما عداه ذلك منفي بالإجماع.
# الثالث: الاختيار لا يصلح أن يكون طريقا إلى تعيين الإمام فوجب أن يكون
~~طريقه النص.
# أما المقدمة الأولى فبوجوه:
# الأول: أن العاقد إما كل المسلمين أو بعضهم، والأول مستحيل بالضرورة،
~~والبعض لا ينفذ أمره في نصب قاض من القضاة ولا وال من الولاة، فنصب الرئيس
~~العام أولى أن لا يصح.
# لا يقال: هذا منقوض بالشاهد، فإنه لا يقدر على نقل المال المشهود به
~~وباعتبار شهادته ينفذ القاضي الحكم. لأنا ms075 نقول: الحاكم له ولاية الإنقاذ،
~~وليس ذلك في الشاهد، والإنقاذ ليس شهادة، فلأحدهما ما ليس للآخر، ولا كذلك
~~الولاية، فإن من تمكن من نصب وال أعظم كان على نصب الأصغر أولى، وعجزه عن
~~نصب الأصغر مع قدرته على نصب الأكبر محال.
# الثاني: أن إثبات الإمامة بالاختيار نقض للغرض من الإمامة، إذ
~~PageV00P211
# الاختيار يفتح باب الاختلاف والتنافس وإثارة الفتن، والإمامة مرادة
~~لإطفائها وإزالة الهرج وقطع الاختلاف.
# الثالث: لو انعقدت الإمامة بالاختيار لزم وجود إمامين، لا بل وجود أئمة
~~عدة في وقت واحد، وذلك بأن يعقد أهل كل إقليم لشخص يختارونه ولا يحصل
~~ترجيح، فتثبت الإمامة في الجميع.
# لا يقال: إذا اتفق ذلك بطل العقد لهم أو يختار أحدهم. لأنا نقول: لو كان
~~الاختيار طريقا لتعيين الإمام لكان كل واحد منهم قد صار إماما بذلك السبب،
~~فإزالته بعد ثبوت إمامته غير جائز. على أنا نقول: إن ثبت جواز إزالته، دل
~~على أن الاختيار ليس سببا يقتضي تعين الإمام، إذ لو كان طريقا به يصير
~~الإمام إماما لما بطلت إمامته.
# وأما المقدمة الثانية:
# فلأن الأمة بين قائلين: قائل يقول بالنص والمعجز، وقائل يقول بالاختيار
~~حسب، أو بالاختيار والدعوة، فإذا بطل القول بالاختيار بطل القول بالدعوة
~~أيضا، إذ لا أحد ينفرد بالقول بها.
# واحتج بعض الجمهور بأن إمامة أبي بكر ثابتة، ولم تثبت إلا بالاختيار، فلو
~~لم يكن طريقا إلى تعيين الإمام لما ثبتت إمامته.
# والجواب: قوله: إمامة أبي بكر ثابتة. قلت: لا نسلم. قوله: لم يثبت إلا
~~بالاختيار. قلنا: ولا بالاختيار أيضا، فإنا نمنع حصول الاختيار الذي
~~يشترطونه في الإمامة في العقد عليه. ولو سلمنا حصول الاختيار لما ثبتت
~~إمامته أيضا، لأنا نمنع كون الاختيار حجة. على أن المذكور وأهل مقالته
~~PageV00P212
# يثبتون إمامته بالاختيار، فلو أثبتوا كون الاختيار حجة في الإمامة
~~بإمامته لزم الدور.
# واحتج آخرون منهم بأنه لو لم يكن الاختيار طريقا إلى تعيين الإمام لأنكر
~~الصحابة على من عول على الاختيار، ولما لم يقع ذلك دل على كونه حجة وطريقا
~~إلى ms076 تعيين الإمام.
# والجواب: لا نسلم أنه يلزم اتفاق الصحابة على الإنكار، لأن فيهم من لا
~~يسكن إلى دينه، (42) وفيهم الذي تحمله العصبية على ترك الإنكار، وفيهم
~~المحق الخائف من إظهار الإنكار، والباقون وقع الإنكار، وسيأتي بيان ذلك في
~~الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
# PageV00P213
# المقصد الأول في تعيين الإمام بعد النبي - عليه السلام - وقد اختلفت
~~الأمة في ذلك على أقوال ثلاثة: فقالت الإمامية والجارودية (43) من الزيدية
~~هو علي - عليه السلام -، وقالت طائفة شاذة هو العباس بن عبد المطلب - رضي
~~الله عنه -، وقالت الباقون هو أبو بكر بن أبي قحافة.
# لنا أدلة:
# PageV00P214
# الأول:
# أن القول بوجوب عصمة الإمام مع أن الإمام غير علي - عليه السلام - مما لا
~~يجتمعان، أما عندنا فلثبوت الأمرين، وأما عند الخصم فلانتفائهما. والثابت
~~وجوب عصمة الإمام فلو كان الإمام غير علي لخرج الحق عن الإجماع وهو باطل.
# فإن قيل: لا نسلم وجوب عصمة الإمام ولا نمنع (44) أن يكون معصوما فمن أين
~~أن عصمته واجبة. والوجوه التي استدللتم بها على العصمة غايتها الخطابة، وهي
~~مثمرة للظن، لكن هذه المسألة علمية، فلا يعول فيها على الظن. وبيان أنها من
~~باب الظنون أن الأولى والأحسن أن يكون الإمام غير جائز الخطأ إذ كانت العلة
~~المحوجة إليه جواز الخطأ، أما أن ذلك واجب في الحكمة فلا نسلم، فإن أعضاء
~~الإنسان لما جعل منها مشاعر لإدراك... (45) وكان الغلط يعرض لها افتقرت إلى
~~حاكم وراءها يسددها عن الغلط، وهو العقل، وجعل عضوه القلب على قول أبي هاشم
~~وأتباعه من المتكلفين، (46) ومع ذلك يعرض الغلط للقلب، لكن هو أتم ضبطا من
~~الحواس فافتقرت إليه لما فيه من زيادة الضبط، ولو كان معصوما لكان أتم في
~~حصول الغرض، فإن المراد منه ضبط الأشياء وحراسة الأعضاء من الخلل
# PageV00P215
# المتطرق إليها، وكونه غير معصوم من الغلط مخل ببعض الغرض المطلوب منه، ثم
~~لم يلزم أن يكون معصوما فما المانع أن يكون حال الإمام كذلك؟
# سلمنا أن الإمام يجب أن يكون معصوما، لكن لا نسلم أن ms077 الأمة أجمعت على
~~قولين، غاية ما في الباب أنه لم ينقل إلينا سواهما، لكن عدم وصول ذلك إلينا
~~لا يدل على عدمه في نفس الأمر، فما المانع أن يكون يذهب ولو واحد من
~~المسلمين إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما ثم يقول بإمامة أبي بكر قولا
~~حقا أو باطلا، فلا ينحصر الأقوال في اثنين.
# سلمنا أن الأمة قالت بالقولين، لكن لا نسلم أنه يجب أن يتابع فيه، وإنما
~~يلزم ذلك إذا ثبت أن باب الإمامة من باب العقائد الدينية التي يجب اتباع
~~المسلمين فيها، فإن المسلمين لو خرجوا في يوم عيد في زي أو زيين لم يجب
~~اتباعهم فيه، لأن ذلك من الأمور الاتفاقية التي لا تدخل في الأديان، ولا
~~يجب الاتباع فيها، وكذلك لو روي أن الصحابة في عقد البيعة جلسوا في مجلسين
~~لعقد الإمامة لم يجب اعتماد (47) مثل ذلك في كل عقد، وما ذلك إلا لكونه غير
~~داخل في التكليف، وإذا كان الاتباع إنما يحب في الأمور التكليفية فعليكم أن
~~تبينوا أن ذلك مما يجب الاتباع فيه حتى يمنع من إحداث قول آخر، فإن للخصم
~~أن يقول: إن الإمامة من أبواب الرئاسات الإصلاحية (48) وأنها ليست داخلة في
~~أبواب الشرعيات، ولا أبواب العقائد أصلا ما لم يقم دليل على ذلك.
# سلمنا أن ذلك من الأمور الدينية التي يجب المتابعة فيها، لكن لا نسلم
# PageV00P216
# أن الإجماع المشار إليه حجة فإن الأدلة التي استدل بها خصومكم على
~~الإجماع ضعيفة، ودليلكم مبني على وجوب الإمامة في كل زمان، وعلى عصمة ذلك
~~الإمام، لكن ذلك لا يدل على كونه في جملة من نقل قوله، ولا ممن عرفت فتواه،
~~فمن أين أنه داخل في الجملة بحيث يلزم من مخالفتهم الخروج عن قول الإمام،
~~لا بد لهذا من دليل.
# والجواب: قوله: لا نسلم وجوب عصمة الإمام. قلنا: قد بينا ذلك.
# قوله: ذلك خطابة فلا يفيد إلا الظن. قد بينا أن الإمامة لطف، وأن فعل
~~اللطف واجب في الحكمة بما أغنى عن إعادته. وأن اللطف ms078 المراد لا يتم إلا مع
~~العصمة.
# قوله: الحواس لما عرض لها الغلط جعل القلب مسددا لها بما فيه من العلوم،
~~ولم يلزم أن يكون معصوما، بل كفى في ذلك كونه أتم تحفظا منها، فلم لا يجوز
~~مثله في الإمام. قلنا: الإمامة لم ترد للحفظ من الغلط، وإنما جعلت لطفا،
~~وقد بينا أن منع اللطف يجري مجرى منع التمكين، ولا يتم ذلك اللطف مع جواز
~~الخطأ، فتعين أن يكون معصوما، تحصيلا للغرض المطلوب من اللطف.
# قوله: سلمنا أن الإمام يجب أن يكون معصوما، لكن لا نسلم أن الأمة اجتمعت
~~(49) على القولين. قلنا: قد بينا أن ذلك معلوم بعد ممازجة المسلمين، ونقل
~~أخبارهم، والوقوف على ما يؤثر من فعل الصحابة بعد النبي - عليه السلام -،
~~فإن الاطلاع على ذلك مثمر للقطع بانحصار الأقوال كلها في ذلك.
# قوله: ما المانع أن يكون ذهب واحد من المسلمين إلى القول بوجوب
# PageV00P217
# عصمة الإمام ثم قال بإمامة أبي بكر. قلنا: نعلم انتفاء ذلك بعد الوقوف
~~على أقوال الصحابة والبحث في أخبارهم كعلمنا أنه لم يذهب واحد إلى أن الظهر
~~خمس ركعات، وأن الصلوات المفروضة في اليوم والليلة ست.
# قوله: سلمنا أن الأمة قالت بالقولين، لكن لا نسلم أنه يجب متابعتها فيه،
~~وإنما يلزم ذلك إذا ثبت أنه من الأمور الدينية. قلنا: عنه جوابان:
# أحدهما: إذا ثبت أن الأمة على قولين، كان الإمام قائلا بأحدهما، وإذا بطل
~~أحد القولين تعين أن الحق هو الآخر، سواء كان من باب العقائد أو لم يكن،
~~فإنا لا نريد في هذا المقام إلا القول بأن الذي ذهبنا إليه حق. والجواب
~~الثاني:
# أن الأمة كما ذهبت إلى القولين أجمعت كل طائفة على وجوب اعتقاد ما ذهبت
~~إليه فلزم من ذلك كونه من الشرعيات التي يجب اعتقادها.
# قوله: لا نسلم أن مثل ذلك حجة. قلنا: قد بينا كونه حجة بأن الإمام في
~~جملتهم، وكل ما قال به الإمام حق، فيكون أحد القولين حقا وإذا ثبت بطلان
~~أحدهما تعين أن الحق هو الآخر.
# قوله: لم ms079 لا يجوز أن يكون الإمام خارجا عن القائلين. قلنا: قد بينا أن مع
~~الاطلاع على مقالات المسلمين وما نقل من سيرهم يحصل اليقين بأنه لا أحد من
~~المسلمين إلا قائل بأحد القولين.
# قوله: (50) ما المانع أن يكون الإمام قائلا بوجوب العصمة وإمامة نفسه، ثم
~~لا يكون هو عليا - عليه السلام -. قلنا: انحصار الأقوال في القولين يرفع
~~الثالث، ونحن نتكلم على تقدير القطع بأن المسلمين جميعا متفقون على
~~القولين، فيكون الإمام قائلا بأحدهما، فيكون الذي فرضوه باطلا.
# PageV00P218
# الدليل الثاني:
# علي أفضل الصحابة (50)، فيجب أن يكون هو الإمام. أما الأولى فسيأتي
~~تقريرها، وأما الثانية فبما ثبت من قبح تقديم المفضول على الفاضل، وبمثل
~~هذه الطريقة يستدل بكونه أعلم وأشجع على تعينه للإمامة.
# PageV00P219
# الدليل الثالث:
# لو كان الإمام غير علي - عليه السلام - لما ثبت إمامته إلا بالاختيار،
~~لكن الاختيار باطل. أما الملازمة فظاهرة، لأن القائل بإمامة غيره فريق
~~يثبتها بالنص (51)، وفريق بالاختيار، وفريق بالميراث للعباس (52)،
~~والقائلون بالنص والميراث قد انقرضوا فكان قولهم باطلا وإلا لخلا الحق أقول
~~أهل العصر وهو باطل. وأما أن القول بالاختيار باطل فقد سبق.
# PageV00P220
# الدليل الرابع:
# أن الإمامية نقلت نقلا متواترا عن النبي - عليه السلام - أنه نص على علي
~~- عليه السلام - بالإمامة نصا جليا. فيكون إماما، أما أنه - عليه السلام -
~~نص على علي - عليه السلام - فلأن الإمامية نقلت من صريح الإلفاظ ما اتفق
~~معناها على النص عليه نقلا يزيد عن عدد التواتر، فيكون القدر المشترك بين
~~تلك الأخبار متواتر وذلك:
# كقوله - عليه السلام - يوم الدار: أنت أخي ووزيري ووصيي وخليفتي من بعدي.
~~(53) وروي عن ابن عباس عن النبي - عليه السلام - إنه قال: قال لي ربي جل
~~جلاله لما عرج بي إلى السماء: يا محمد هلا اتخذت من الآدميين وزيرا وأخا
~~ووصيا من بعدك؟ فقلت: ومن أتخذ؟ فأوحى الله جل جلاله: يا محمد قد اخترت لك
~~من الآدميين علي بن أبي طالب. (54) وعن جعفر بن محمد - عليه السلام - عن
~~آبائه، عن علي - عليه السلام - عن رسول الله صلى الله عليه ms080 وآله وسلم أنه
~~قال: أوحى إلى ربي جل جلاله فقال: يا محمد إني
# PageV00P221
# اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبيا، ثم اطلعت الثانية
~~فاخترت منها عليا وجعلته وصيك وخليفتك وزوج ابنتك. (55) وعن جابر بن عبد
~~الله قال: لما نزل: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي
~~الأمر منكم) (56) قلت: يا رسول الله عرفت الله ورسوله فمن أولوا الأمر
~~الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك، فقال - عليه السلام -:
# هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين بعدي، أولهم علي بن أبي طالب. (57) وعن
~~عبد الرحمان بن سمرة الأسدي قال: قلت: يا رسول الله أرشدني إلى النجاة،
~~قال: يا بن سمرة إذا اختلفت الأهواء وتفرقت الآراء، فعليك بعلي بن أبي
~~طالب، فإنه إمام أمتي وخليفتي من بعدي، وهو الفروق الذي يميز بين الحق
~~والباطل. (58) وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم: أن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيا،
~~واطلع ثانية فاختار منها عليا، ثم أمرني أن أتخذه أخا ووصيا وخليفة ووزيرا،
~~فعلي مني وأنا من علي. (59) وعن الأصبغ بن نباتة، قال: خرج علينا أمير
~~المؤمنين علي بن أبي
# PageV00P222
# طالب - عليه السلام - ويده في ابنه الحسن - عليه السلام - وهو يقول: خرج
~~علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويدي في يده هكذا، وهو يقول: خير
~~الخلق بعدي وسيدهم أخي هذا، وهو إمام كل مسلم، وأمير كل مؤمن بعد وفاتي،
~~ألا وإني أقول:
# إن خير الخلق بعدي وسيدهم ابني هذا، وهو إمام كل مسلم، ومولى كل مؤمن بعد
~~وفاتي. (60) وعن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم لفاطمة - عليها السلام - إن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها
~~أباك، ثم اطلع اطلاعة ثانية فاختار منها زوجك، فأوحى إلي أن أزوجك إياه،
~~وأن أتخذه وليا ووزيرا، وأن أجعله خليفتي في أمتي، فأبوك خير الأنبياء،
~~وبعلك خير الأوصياء، وأنت أول من يلحق بي من أهلي. (61) وعن عبد الله بن ms081
~~جعفر، قال: كنا عند معاوية - ثم ذكر حديثنا جرى بينه وبين معاوية - فإنه
~~قال لمعاوية: سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إني أولى
~~بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أخي علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم،
~~قال: فشهد بذلك الحسن، والحسين، وعبد الله بن عباس، وعمر ابن أبي سلمة
~~(62)، وأسامة بن زيد. (63) وعن أنس بن مالك في خبر طويل عن رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وسلم قال: أوحى الله
# PageV00P223
# إلي يا محمد: إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبيا، ثم
~~اطلعت ثانيا فاخترت منها عليا فجعلته وصيك ووارث علمك والإمام بعدك. (64)
~~وعن أبي هريرة، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد نزلت
~~هذه الآية:
# (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) (65) فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم ثم قال: أنا المنذر، أتعرفون الهادي؟ قلنا: لا يا رسول الله، قال
~~صلوات الله عليه: هو خاصف النعل، فطولت الأعناق، إذ خرج علينا علي صلوات
~~الله عليه وآله من بعض الحجر وبيده نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
~~ثم التفت إلينا فقال: ألا إنه المبلغ عني، والإمام بعدي، وزوج ابنتي، وأبو
~~سبطي، فنحن أهل البيت أذهب الله عنا الرجس، وطهرنا من الدنس. (66) وعن زيد
~~بن أرقم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي - عليه
~~السلام -:
# أنت الإمام والخليفة بعدي. (67) وعن واثلة بن الأسقع (68) قال: سمعت رسول
~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لما عرج بي
# PageV00P224
# إلى السماء، وبلغت سدرة المنتهى، ناداني ربي عز وجل: يا محمد، قلت:
# لبيك سيدي، قال: إني ما أرسلت رسولا فانقضت أيامه إلا قام بالأمر من بعده
~~وصيه، فاجعل علي بن أبي طالب الإمام والوصي بعدك، فإني خلقتكما من نور
~~واحد. (69).
# وعن الزبير، وقد سئل عما سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في
~~علي - عليه الإسلام -، قال: سمعته يقول: علي مع الحق والحق معه، وهو الإمام ms082
~~والخليفة بعدي، يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل. (69 *) وعن عمار
~~بن ياسر قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض غزواته،
~~وقتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية وفرق جمعهم، أتيت رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله إن عليا قد جاهد في الله حق جهاده،
~~فقال: لأنه مني وأنا منه، وإنه وارث علمي، وقاضي ديني، ومنجز وعدي،
~~والخليفة بعدي، حربه حربي وحربي حرب الله، وسلمه سلمي سلم الله. (70) وعن
~~الأصبغ بن نباتة قال: سمعت عمران بن حصين (71) يقول:
# سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لعلي بن أبي طالب - عليه
~~السلام - أنت وارث علمي وأنت الإمام والخليفة بعدي. (72)
# PageV00P225
# وعن حذيفة بن اليمان (73) في جملة خبر، قلت: يا رسول الله على من تخلفنا؟
~~قال: على من خلف موسى بن عمران قومه؟ فقلت: على وصيه يوشع بن نون، قال: فإن
~~وصيي وخليفتي من بعدي علي بن أبي طالب قائد البررة، وقاتل الكفرة منصور من
~~نصره، مخذول من خذله. (74).
# وغير ذلك من الأحاديث التي لو استقصيناها لكانت أضعاف ما نقلنا. (75).
# وإنما قلنا إن الناقلين لهذه (لمعنى هذه خ) الأخبار بالغون إلى حد
~~التواتر فلأن من اتبع الإنصاف واطرح العناد، يعرف أن طائفة الإمامية مالؤون
~~الآفاق والأصقاع فقهاء وشعراء وأدباء ومتكلمين وأشياع من أتباع كل صنف ما
~~لا يضبطهم عدد لبشر ولا ينتهي بهم حصر الحاصر (76)، ثم هم بأجمعهم تارة
~~ينقلون لفظا متفقا - وهو النص عليه - عليه السلام -، من غير تعيين لفظ،
~~وتارة ينفرد كل جماعة منهم بنقل ألفاظ تشترك في التنصيص الصريح، وكل واحد
~~منهما يكفي في كونه متواترا، فإذا ثبت أنه - عليه السلام - نص على علي -
~~عليه السلام - بالإمامة، وجب القول بكونه إماما.
# لا يقال: هب أن الإمامية اليوم على الصفة التي أشرتم إليها في الكثرة،
# PageV00P226
# فمن أين أنهم كذلك في الطبقات السابقة على طبقتكم، فإنكم تعلمون أن الخبر
~~لا يفيد العلم إلا إذا تساوت الطبقات في الشرط المعتبر ms083 في إفادة اليقين،
~~وهو استحالة الاتفاق على الاختلاف فبينوا ذلك لنتكلم عليه.
# لأنا نجيب من وجهين:
# الأول: أن المنصف إذا نظر في تواريخ الأزمنة، علم أن الإمامية التي تدعي
~~النص، في كل زمان بالغون إلى حد التواتر (77)، بل أعظم، وأنهم يستدلون بذلك
~~مع تباين أماكنهم وتباعد بلادهم، وهذا معلوم لا يدفعه إلا مكابر.
# والوجه الثاني أن نقول: إن الجماعة الموجودين من الإمامية أخبروا أنهم
~~شاهدوا مثلهم في الكثرة يخبرون بمثل ما أخبر هؤلاء، وكذا كل طبقة منهم كما
~~نقلوا الخبر، أخبروا بكثرة الناقلين، فيكون ذلك كافيا في إفادة اليقين.
# لا يقال: اليهود والنصارى يخبرون عن نبيهم أنه نص أن شريعته لا تنسخ نصا
~~صريحا، ويدعون ما تدعونه من التواتر، فلو كان ما ذكرتموه حجة لكان حجة
~~للآخرين.
# لأنا نقول: نحن لا نسلم أنهم يدعون بأجمعهم ذلك، فإنا رأينا جماعة من
~~اليهود والنصارى لا ينكرون النسخ، ويجوزونه عقلا، ويقولون: الشرع لم يمنع
~~منه، لكن ينكرون ثبوت نبوة من جاء بعد نبيهم، ويزعمون أنه لم يقم له علم من
~~المعجز دال على نبوته، والذي يدعي النص على المنع من النسخ
# PageV00P227
# شاذ لا عبرة بدعواه، ولأن بإزاء خبرهم أخبار كثيرة عن المؤرخين دالة على
~~أن طبقاتهم لم تتصل إلى موسى متواترة، بل انقطعت بقتل الملوك لهم حتى بلغوا
~~مقاربة الفناء، وذلك يقدح في دعواهم. (78).
# فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون اتفق لهم وضع مثل هذه الأخبار اتفاقا،
~~وبتقدير تجويز ذلك لا يكون نقلهم لها دليلا على صحتها.
# سلمنا أنه لم يتفق ذلك، فلم لا يجوز تواطؤهم على افتعالها؟
# سلمنا أنهم لم تتواطؤوا عليها، لكن لا نسلم أنها متواترة، وظاهر أنها
~~ليست كذلك، فإن كل خبر منها واحد فهو غير مفيد للعلم، ومجموعها لم ينته إلى
~~حد التواتر، فلا يفيد اليقين، إذ الناقلون الذين أشرتم إليهم محصورون يجوز
~~عليهم (على مثلهم خ) الكذب. ثم ما المانع أن يكون جمعهم على افتعال ذلك غرض
~~من الأغراض، أو شبهة من الشبه، ثم استمرت تلك الشبهة ms084 فيهم، والاتفاق على
~~الخبر الكاذب ممكن أن يحصل بمثل هذه الأسباب.
# ثم معنا ما يدل على بطلان القول بالنص، وبيانه بوجوه خمسة:
# الأول: لو كان هذا النص ثابتا عن النبي - عليه السلام - لكان معلوما
# PageV00P228
# لمخالفكم كما هو معلوم، لأن الخبر المتواتر لا يختص به فريق دون فريق، لا
~~يقال: لو كان موضوعا لاشتهر واضعه، لأنا نمنع هذه الدعوى، وكم موضوع لم
~~يشتهر، وكم من مشهور لم يقع. ثم هذه الدعوى منقوضة بكثير من المذاهب التي
~~تحكى في الكتب، ولا يعلم ناقلها. وبكثير من الصنائع التي تمس الحاجة إليها،
~~فإنه لا يعلم مبتكرها. ولأن واضعها لو اشتهر بوضعها لنقض غرضه في الاستدلال
~~بها، فيكون إخفاء واضعها متمما لمقصوده. لا يقال: المخالف يعرف النص
~~المتواتر كما يعرفه الإمامي، لكنه مكابر، لأن لقائل أن يتخلص من ذلك بأن
~~يحلف بالأيمان التي لا مخرج منها أنه لم يعلم ذلك.
# والوجه الثاني: لو نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على علي - عليه
~~السلام - لكان مع ذلك إما أظهره لعدد التواتر أو لم يظهره لمثل ذلك العدد،
~~ويلزم من الأول أن يخفى بين الصحابة حكم ضروري من الدين، وهو مستبعد وأن
~~(79) يكونوا قد تمالؤوا على جحد ما علموه عن النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم، لكن يلزم من ذلك أن يكونوا بأجمعهم كفرة لا مسلمين، وارتكاب ذلك من
~~أعظم المناكير، وإن لم يكن أظهره إلى حد التواتر لم يكن مفيدا للعلم، فلا
~~يجوز التمسك به في مسألة علمية.
# [الوجه] الثالث: لو كان النص حقا لاشتهر بين الصحابة لتعذر كتمانه بينهم،
~~ولأحتج علي - عليه السلام - به، فإنه - عليه السلام - احتج بما هو من أبواب
~~الظنون في إفادة منصب الإمامة، وبما يستفاد به رفع المنزلة والقرب من
~~الرسول - عليه السلام -، فكيف كان يهمل الاحتجاج بالنص، وهو الحجة القاطعة
~~الدالة على كل فضيلة.
# PageV00P229
# الوجه الرابع: لو كان النص ثابتا لما عدل علي - عليه السلام - إلى البيعة
~~بعد مقتل عثمان، ولكان يحتج على إمامته بالحجة الخفية (80) إذ التقية في ms085
~~ذلك الوقت مرتفعة، لكن ذلك لم يقع فلا يكون النص ثابتا.
# الوجه الخامس: لو كان النص معلوما لما خفي عن العباس حتى قال:
# امدد يدك أبايعك حتى يقول الناس: عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف
~~عليك اثنان. (81) فالجواب: قوله: لم لا يجوز أن يكون اتفق لهم دعوى ذلك.
~~قلنا: العقل يشهد أن اتفاق الخلق الكثير على الخبر الواحد مع تباعدهم وعدم
~~المراسلة يحيل ذلك (82) كما يستحيل اتفاق الجماعة الكثيرة على الزي الواحد
~~من غير جامع.
# قوله: لم لا يجوز أن يكونوا تواطؤوا على ذلك، وتراسلوا به. قلنا كثرتهم
~~وانتشارهم في البلاد وتباين أغراضهم وأهويتهم يحيل ذلك عادة، ولئن تطرق هذا
~~إلى نقل المتواترين من الإمامية تطرق إلى نقل كل فريق من المتواترين حتى
~~يلزم الشك في البلدان والوقائع المتواترة.
# قوله: كل خبر منها واحد، ومجموعها لا ينتهي إلى التواتر فلا يفيد
# PageV00P230
# اليقين: قلنا: إنا لم نجعل التواتر كثرة الأخبار، لكن نقول إن هذه
~~الأخبار متفقة في معنى واحد، وذلك المعنى منقول بالتواتر، وقد يحصل اليقين
~~من أخبار الآحاد إذا كان معناها متواترا، كما يعلم كرم حاتم وشجاعة عمرو
~~(83).
# وإن كانت مفردات أخبارهما آحادا.
# قوله: ما المانع أن يكون جمعهم على ذلك شبهة. قلنا: الشبهة ترتفع عند
~~إخبار الجماعة الذين لا يجوز عليهم التواطؤ والمراسلة، إذا أخبروا عن
~~محسوس، إذ لو تطرق القدح بهذا الفرض لما حصل اليقين بخبر من الأخبار
~~المتواترة، إذ لا شئ يشار إليه منها إلى ويمكن أن يقال فيه كذلك، ومع ذلك
~~لا يقف الذهن عند ذلك التشكيك، بل ينجرم بصحة الخبر عند العلم باستحالة
~~التواطؤ عليه واستحالة المراسلة به، ثم يلزم من التمسك بهذا الاعتراض القدح
~~في معجزات النبي - عليه السلام - والشك في القرآن المجيد، فإن العلم بذلك
~~مستفاد من التواتر، فلو تطرق الاحتمال إلى ما يدعيه الإمامية من نقلها،
~~لتطرق ذلك الاحتمال إلى ما يدعيه المسلمون من ذلك.
# قوله في الوجه الأول: لو كان هذا النص متواترا لكان معلوما لمخالفكم.
~~قلنا: المخالف لنا ms086 قسمان: قسم ينظرون في أخبارنا ويطلع على أقوالنا، وقسم
~~يطرح ذلك. والثاني لا يعلمه لإهماله، كما أن اليهود والنصارى لا يعلمون
~~كثيرا مما يذهب إليه المسلمون، لعدم اطلاعهم على نقلهم، ولعل مسلما لو ادعى
~~- عن تواتر - ذلك لأنكروه، وهكذا أهل كل بلد يعلمون من البلدان المجاورة
~~لهم ما لا يعلمه من بعد عنهم، وما ذلك إلا للاطلاع على نقل أخبارها إليهم
~~دون غيرهم. والقسم الأول منهم من يمنعه الاعتقاد
# PageV00P231
# الفاسد السابق على بطلان ما يخبر به المخبرون، فيصده ذلك عن اعتقاد صحته،
~~ومنهم المكابر ظاهرا لا باطنا طلبا لحطام الدنيا، وتوصلا إلى المقاصد
~~العاجلة، ومنهم المقر المعترف الساتر لأمره.
# قوله في الوجه الثاني: لو نص على علي - عليه السلام - بالإمامة لكان إما
~~أظهره لعدد التواتر أو لم يظهره. قلنا: أظهره.
# قوله: يلزم من ذلك أن يخفى بين الصحابة حكم ضروري. قلنا: لا نسلم أنه خفي
~~بين الصحابة، بل تحدث به الأكثرون، ونطق به العارفون، ونظموا فيه الأشعار
~~(84)، ونقلوا فيه الآثار.
# قوله: وأن يكونوا قد تمالؤوا على جحد ما علموه. قلنا: معاذ الله أن يجحده
~~المحق من الصحابة، بل جحده من استغرقته الأهواء، فأما الأعيان
# PageV00P232
# كأبي ذر، والمقداد، وجابر وسلمان، وخزيمة بن ثابت، وسهل بن حنيف، وأبي
~~أيوب، وسعد بن عبادة، وابنه قيس، وعبادة بن الصامت، وكثير من الصحابة غير
~~هؤلاء (85) فإنا نعلم شهادتهم بالنص. ويتضح ذلك عند
# PageV00P233
# الوقوف علي السير.
# ومن الأشعار في ذلك قول النابغة (86) في علي - عليه السلام -:
# نكثت بنو تيم بن مرة عهده * وتبوأت نيرانها وجحيمها وقول عبادة بن
~~الصامت:
# يا للرجال أخروا عليا * أليس كان (87) دونهم وصيا (88)
# PageV00P234
# وقول أم سلمة: (89) وصي رسول الله أول مسلم * وأول من صلى وزكى بدرهم
~~(90) وقال علي بن جنادة السكوني لبني هاشم:
# أيؤتى إليكم ما أتى من ظلامة * وفيكم وصي المصطفى صاحب الأمر وقال عبد
~~الله بن حنبل حليف بني جمح: (91) لعمري لئن بايعتم ذا حفيظة * على الدين
~~معروف العفاف موفقا عليا وصي المصطفى ووزيره * وأول من صلى لذي العرش واتقى ms087
# PageV00P235
# وقال عتبة بن أبي لهب: (92) تولت بنو تيم على هاشم ظلما * وذادوا عليا عن
~~إمارته قدما
# PageV00P236
# وهذا باب يتسع فيه على الأخذ فيه، ولست أدري كيف ذهب على المعترضين بهذه
~~الطريقة ما خاضت فيه الصحابة من أمر النص، وما نطق به خطباؤهم، حتى سوغوا
~~لأنفسهم الاعتراض بذلك، نعوذ بالله من ضعف البصيرة وسوء التوفيق.
# قوله في الوجه الثالث: لو نص على علي - عليه السلام - لكان النص مشهورا
~~ولتعذر كتمانه بينهم. قلنا: هو مشهور بينهم، فالكتمان ليس من الكل، بل من
~~البعض. وذلك غير متعذر، على أن النص عليه - عليه السلام - لا يكون أظهر من
~~الأذان المتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات على رؤوس الأشهاد، وقد وقع فيه من
~~الخلاف ما أخفى شهرته، ورفع الثقة بكيفيته. (93) قوله: ولأحتج به علي -
~~عليه السلام -: قلنا: عن ذلك أجوبة: أحدها: لم لا يجوز أن يكون قد احتج
~~بذلك، قوله: لو وقع لنقل: قلنا نقلا متواترا أم آحاد؟ الأول ممنوع، والثاني
~~مسلم، وقد وقع ذلك ونقل، وهو موجود في كتب الإمامية، ويكفي في ذلك... (94)
~~نقله. فإن قيل: لم اختصت به الإمامية دون غيرها. قلنا: لعنايتها به واطراح
~~غيرها له.
# الثاني: لم لا يجوز أن يحتج به ثم لا ينقله الجمهور أصلا. وبيان ذلك أنه
~~إما أن يكون فيه حجة للإمامية وإما أن لا يكون ويلزم من الأول أن يكون
# PageV00P237
# كل ناقل له إماميا، وإما أن لا يكون، فلا حجة، فلا يجب أن يحتج به.
# الثالث: لم لا يجوز أن يكون النقل في أول طبقة متواترا ثم كثر الجاحدون
~~له المؤاخذون على نقله، فأهمله العامة واتقى بكتمانه الخاصة.
# الرابع: سلمنا أنه لم يقع الاحتجاج به، لكن لا نسلم أن ذلك دليل على عدم
~~النص عليه - عليه السلام - لأن من الجائز أن يكون قد عرف من خصومه الجرأة
~~عليه إيثارا للدنيا وميلا إلى سلطانها، بحيث لو احتج به لم يبق لهمه طريق
~~إلى دفعه إلا بمكابرته والرد عليه والتكذيب، فيحصل من الضرر بالاحتجاج به
~~أعظم من ms088 الضرر بتركه، فيطرح ذلك حكمة وتدبيرا.
# قوله في الوجه الرابع: لو كان منصوصا عليه لما عدل إلى البيعة بعد مقتل
~~عثمان. قلنا: ما المانع أن يكون حيث كثر القائلون بالاختيار واستقر ذلك في
~~أذهان الأكثر بالاستمرار رغب إلى تحصيل منصبه الذي خصه الله به بما لا تقع
~~فيه مناكرة.
# على أن الذين كان ينتصر بهم قائلون بإمامة أبي بكر وعمر، فلو احتج بذلك
~~لكان احتجاجه قدحا فيهما، فيؤدي إلى فتق لا يرتق، فليس السامعون له
~~المطيعون لأمره بأكثر من الذاهبين إلى إمامة المذكورين. بل ليسوا مساوين
~~لهم في الكثرة، فلعله عدل عن ذلك استصلاحا للرعية.
# على أنه - عليه السلام - أومأ إلى كونه منصوصا عليه بقوله - عليه السلام
~~-:
# " لقد تقمصها فلان وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من PageV00P238
# الرحا " (95) وتصريحه في مواطن بأنهما غصباني ومنعاني حقي، وذلك موجود في
~~أخبار أهل البيت - عليهم السلام -، وفي بعض أحاديث الجمهور ممن لا يرى
~~عنادا.
# وأما تصريحه بالنص فقد ذكرنا عنه طرفا في إخباره عن النبي - عليه السلام
~~- بالنص عليه بما يغني عن إعادته. (96).
# وقوله في الوجه الخامس: لو كان منصوصا عليه لما خفي عن العباس.
# PageV00P239
# قلنا: والأمر كذلك.
# قوله: لو كان عالما بالنص لما قال: " امدد يدك أبايعك ". (97) قلنا: لما
~~جحد كثير من ذوي الحظوظ في الدنيا النص عليه بالإمامة، وتابعهم كثير من
~~العامة، وقالوا بالاختيار، توصل العباس إلى علي - عليه السلام - بما يوهم
~~أنه يكون حجة على العامة القائلين بذلك، وهذا غير مستنكر، فإنك ترى العالم
~~في حال الجدال يستدل على مناظره بالمسلمات عند خصمه، وإن لم تكن بالمسلمات
~~عنده، إيجابا للحجة بما يكفيه مؤونة الاستدلال عليه، فما المانع أن يكون
~~الأمر كذلك؟
# PageV00P240
# الدليل الخامس:
# أنه ظهر على يده - عليه السلام - من المعجزات ما يدل على صدقه فيما يدعيه
~~وكان يدعي الإمامة فوجب أن يكون إماما. أما الأولى فيدل عليها وجوه:
# منها إخباره بالمغيبات وهو في مواطن:
# منها قوله: " أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين " (98) فكان من
~~حرب أصحاب الجمل ومعاوية والخوارج ms089 ما هو مشهور.
# وقوله لطلحة والزبير " والله ما تريدان العمرة وإنما تريدان البصرة ".
~~(99) وقوله يوم البيعة: " يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون رجلا ولا
~~ينقصون رجلا " فكان خاتمهم أويس القرني. (100)
# PageV00P241
# ومنها إخباره بذي الثدية، وبأنه يقتل ولم يكن معروفا قبل ذلك. (101)
~~ومنها قوله - وقد أخبر بعبور الخوارج النهر - مرارا - وهو يقول: كلا لما
~~عبروا وإنه لمصرعهم ومهراق دمائهم. (102)
# PageV00P242
# ومنها إخباره في جويرية بن مسهر بمقتله وقوله: لتعتلن إلى العتل الزنيم،
~~وليقطعن يدك ورجلك ثم يصلبنك. (103) ومنها قوله لميثم: تؤخذ بعدي فتصلب
~~وتطعن بحربة [فإذا كان اليوم الثالث] فيبتدر منخراك وفمك دما وتصلب على باب
~~عمرو بن حريث، عاشر عشرة، أنت أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة، وأراه
~~النخلة التي يصلب عليها. (104) ومنها قوله - عليه السلام - وقد أخبر بموت
~~خالد بن عرفطة: إنه لم يمت ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب بن
# PageV00P243
# جماز (105).
# ومنها إخباره البراء: إن الحسين - عليه السلام - يقتل ثم لا تنصره. (106)
~~ومنها إخباره بقتل الحسين - عليه السلام -، وموضع مقتله، وكيفية محاربة
~~أعداء الله له. (107)
# PageV00P244
# ومن معجزاته ما خص الله به من القوة الخارقة لقوة (108) البشر كدحوه باب
~~خيبر (109)، ودحوه الصخرة عن فم القليب أذرعا (110) ومن معجزاته إجابة
~~الدعوة، كدعوته على بسر بن أرطاة أن يسلبه الله عقله، فخولط حتى كان يدعو
~~بالسيف فاتخذ له سيف من خشب فكان يضرب به حتى يغشى عليه ثم يعود بحاله
~~الأول. (111) وكدعوته على العيزار وقد حلف أنه لا يرفع أخبار علي - عليه
~~السلام - إلى معاوية: إن كنت كاذبا فأعمى الله بصرك، فما دارت الجمعة حتى
~~أخرج أعمى يقاد. (112)
# PageV00P245
# ومن معجزاته الدالة على إخلاصه واختصاصه بمزية القرب من الله سبحانه وعلى
~~تصديقه في ما يدعيه رجوع الشمس له مرتين: مرة له في حياة النبي - عليه
~~السلام - بالمدينة، ومرة بعد النبي - عليه السلام - بأرض بابل (113).
# وكلام الحيتان له في فرات الكوفة بالسلام عليه بإمرة المؤمنين إلا الجري
~~والزمار والمارماهي، فقال - عليه السلام -: أنطق الله لي ما طهر وأصمت عني
~~ما ms090 حرمه ونجسه وبعده. (114) وكلام الثعبان وهو مشهور. (115) وقوله - عليه
~~السلام - يوما على المنبر: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا سيد الوصيين وآخر
~~أوصياء النبيين، لا يدعي ذلك غيري إلا أصابه الله بسوء، فقال رجل من عابس:
~~من لا يحسن أن يقول مثل هذا؟ أنا عبد الله وأخو رسوله، فتخبطه الشيطان فجر
~~(116) برجله إلى باب المسجد وسئل قومه عنه هل تعرفون به عرضا قبل هذا؟
~~فقالوا: اللهم لا. (116 *)
# PageV00P246
# وهذه المعجزات قطرة من بحار ما نقل عنه - عليه السلام -، فإن استقصاء ذلك
~~متعذر.
# وأما أنه - عليه السلام - ادعى الإمامة لنفسه فهو متواتر بين الإمامية لا
~~يتناكرون فيه، وقد بينا ما تقرر به هذه الدعوى في دعوى النص عليه - عليه
~~السلام -، وأجبنا عن ما يعترض به عليها هناك (*)، وهو جواب ما يعترض به
~~هنا. (117)
# PageV00P247
# [أدلة أخرى على إمامة علي - عليه السلام -] وقد استدل أصحابنا رحمهم الله
~~بوجوه كثيرة قرآنية وأخبارية.
# منها قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون
~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (1).
# و (إنما) للحصر، ويجري مجرى قوله: " لا ولي لكم إلا الله " و " ولي "
~~بمعنى " أولى " لاستحالة أن يراد به ولي النصرة، لأن ذلك لا يخص عليا -
~~عليه السلام -. فتكون الولاية ثابتة لمن زكى في حال ركوعه. ولم يثبت ذلك
~~إلا لعلي - عليه السلام - (2).
# ومنها قوله [تعالى]: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع
# PageV00P248
# الصادقين) (3).
# فلو كان الصادقون ممن يجوز عليهم الخطأ لوجب اتباعهم في ما أخطؤوا فيه،
~~لكن ذلك محال، فتعين اتباع من لا يخطئ، وذلك هو المعصوم. (4)
# PageV00P249
# ومنها قولهم: لو كان الإمام غير علي لكان ركونا إلى الظالم، وهو منفي
~~لقوله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا...) (5) لأنه ليس أحد ادعيت له الإمامة
~~في ذلك الزمان إلا وقد كان كافرا قبل إسلامه، والكافر ظالم. (6) ومنها
~~قولهم: كل من عدا (7) عليا كان ظالما بكفره، فلا يناله العهد، لقوله تعالى:
~~(لا ينال عهدي الظالمين) (8).
# ومنها قوله - عليه السلام -: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من
~~والاه ms091 وعاد من عاداه " (9) والمولى هو الأولى لاستحالة أن يريد ولي النصرة.
# PageV00P250
# يدل عليه وجهان: الأول أن عمر قال في ضمن ذلك: " بخ بخ أصبحت مولاي ومولى
~~كل مؤمن ومؤمنة " (10) وهذا يدل على اختصاص علي - عليه السلام - بما لم
~~يحصل لغيره، والنصرة ثابتة من المسلمين كافة فلا يختص عليا - عليه السلام
~~-.
# والثاني: أن ولاية النصرة ثابتة، فلم تكن حاجة إلى تقريرها بمثل هذه
~~الحال التي احتاج فيها إلى إصلاح المنزل، وجمع الرجال، وتقديم المقدمات،
~~الدالة على اهتمام القوى (11)، فكيف كان ينص عليه في ذلك المكان بأمر عام
~~في المسلمين كلهم. هذا مما ينبغي أن ينزه عن مثله منصب النبوة فتعين أنه
~~أراد الدلالة على أنه أولى من غيره، وأن يثبت له مثل منزلته - عليه السلام
~~- في الحكم والسيادة. وهذا بين لا شبهة فيه على منصف.
# PageV00P251
# [رد الأدلة التي أقاموها لإمامة أبي بكر] وأما القائلون بإمامة أبي بكر
~~فطائفتان:
# إحداهما تقول بالنص وهم المعروفون بالبكرية (12)، والأخرى بالاختيار.
# واحتجت الطائفة الأولى بوجوه:
# الأول: قوله - عليه السلام -: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "
~~(13).
# الثاني: قوله - عليه السلام -: " الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تصير ملكا "
~~(14).
# الثالث: أنه - عليه السلام - استخلفه في الصلاة (15) ولم يعزل، فوجب أن
# PageV00P252
# يبقى على الخلافة في الصلاة، ويلزمه أن يكون خليفته في سائر الأمور، لعدم
~~القائل بالفصل.
# واحتجت الطائفة الأخرى بوجوه:
# الأول: قالوا اجتمعت الأمة على إمامته فيكون إماما.
# الثاني: قالوا: ليس علي بإمام بعد النبي بلا فصل ولا العباس، فوجب أن
~~يكون أبو بكر إماما. أما الأولى فلأن كل واحد منهما ترك المنازعة مع
~~القدرة، فلو كان إماما لبطلت إمامته بالعصيان، وإذا بطلت إمامتهما ثبتت
~~إمامة أبي بكر بالإجماع، إذ لا قائل مع بطلان إمامتهما بغيره.
# الثالث: قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات
~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي
~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) (16).
# و " الذين " لفظ جمع، وأقله ثلاثة، فوجب أن يكون الذين توجه [إليهم]
~~الوعد ثلاثة أو ms092 أكثر، ووعده تعالى واقع، ولم يقع لأحد بعد النبي - عليه
~~السلام - إلا للخلفاء الأربعة فوجب أن يكونوا هم المرادين من ذلك لوعد.
# الرابع: أبو بكر ممن رضي الله عنه فوجب أن يكون إماما.
# أما الأولى فبقوله تعالى: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت
~~الشجرة) (17).
# ولقوله: " والسابقون الأولون - إلى قوله - ورضوا عنه) (18).
# PageV00P253
# ولقوله: (وسيجنبها الأتقى) (19).
# والمراد بالأتقى هنا أبو بكر، إذ لو لم يرد لكان المراد بها عليا - عليه
~~السلام - وعلي غير مراد منها، لأن الأتقى موصوف بكونه ممن ليس لأحد عنده من
~~نعمة تجزى (20) وعلي - عليه السلام - عليه نعمة لرسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم بتربيته وتغذيته والإنفاق عليه.
# وإذا كان أتقى وجب أن يكون أكرم لقوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله
~~أتقاكم) (21) والأتقى مرضي عند الله تعالى، وإذا كان أبو بكر ممن رضي الله
~~عنه، وجب أن يكون إماما بالإجماع، إذ كل من وصفه بذلك قال بإمامته.
# الخامس: خاطبت الصحابة أبا بكر بالإمامة وبخلافة رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم وكذلك خاطبه علي - عليه السلام - فوجب أن يكون إماما صونا لألفاظ
~~الصحابة عن الكذب والنفاق.
# لا يقال: لعل خطاب علي - عليه السلام - تقية.
# لأنا نقول: لم يكن مضطرا إلى خطابه بذلك، لأن له مندوحة (22) بغيره من
~~الألفاظ.
# السادس: لو كان علي - عليه السلام - منصوصا عليه بالإمامة نصا مشهورا
~~لكان إما يساعده الناس على حقه أو يخذلونه، ويلزم من الأول توجيه الخطأ
# PageV00P254
# إليه، ومن الثاني توجيه الخطأ إلى الصحابة، والقسمان باطلان.
# والجواب عن احتجاجهم بقوله: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ".
# أن نمنع الخبر أولا، فإنا لا نعرفه من طريق محقق.
# ولو سلمناه لكان من أخبار الآحاد، مع أنه قد طعن فيه جماعة من أصحاب
~~الحديث منهم.
# ولو سلمناه لم يلزم من الأمر بالاقتداء بهما مطلقا الاقتداء بهما في كل
~~شئ، لأن اللفظ المطلق يصدق بالجزء وبالكل، ثم نقول: الظاهر أنه لم يرد
~~العموم، لأنهما اختلفا في كثير من الأحكام، فالاقتداء بهما في ذلك يلزم ms093 منه
~~الجمع بين النقيضين.
# وأما قوله: الخلافة بعدي ثلاثون، فأضعف من الأول وأكثر شذوذا، ومثل ذلك
~~لا يثبت به مسألة علمية.
# ثم إنه لا يجوز العدول عن أخبار صريحة دالة على إمامة علي - عليه السلام.
# بمثل هذا الخبر الضعيف.
# ثم نقول: الظاهر أن هذا الخبر موضوع لأنه لو كانت إمامة معاوية ملكا
~~لكانت إمامة أبي بكر وعمر كذلك، لأن الذين بايعوا معاوية من أهل الشام أكثر
~~ممن بايع أبا بكر، ثم بعد موت علي - عليه السلام - أظهر كثير من الناس
~~الانقياد له، وكف الآخرون عن الاعتراض، وكذلك وقع في خلافة أبي بكر، فلو
~~كانت إحدى الخلافتين ملكا لكانت الأخرى كذلك. PageV00P255
# قوله: استنابه في الصلاة قلنا: لم يثبت ذلك بل المروي بيننا وبين كثير
~~ممن خالفنا في الإمامة أن عائشة هي التي قدمته، حتى أنه لما سمع التكبير
~~أنكر ذلك، وقام معتمدا على رجلين، حتى أزاله عن موقفه (23) فلم يثبت
~~التولية حتى يفتقر إلى إثبات العزل.
# والجواب عن الوجه الأول من احتجاج الطائفة الأخرى أن نقول:
# لا نسلم إجماع الصحابة على إمامته، وكيف يثبت الإجماع، وقد نقل المخالف
~~والمؤالف توقف جماعة كثيرة عن البيعة له، مثل أبي سفيان، والعباس، وسعد بن
~~عبادة، وقيس ابنه، وعلي والزبير، والنعمان بن يزيد (24) وكثير من الصحابة.
~~(25).
# فإن قال: عادوا بعد ذلك إلى القوم بإمامته. قلنا: لا نسلم، فإن طاعة
# PageV00P256
# الرجل القادر في الظاهر لا يدل على الموافقة بالباطن.
# وقد روي أن بعد جلوسه وانتصابه خطيبا قام إليه اثنا عشر رجلا، ستة من
~~المهاجرين ومثلهم ستة من الأنصار، فأنكروا عليه مجلسه وخوفوه بما هو موجود
~~في الكتب. (26).
# لا يقال: هذه أخبار آحاد. لأنا نقول: هي وإن كانت آحادا لكنها يفيد الظن
~~القوي، وذلك يقدح في الدليل الذي يتطرق بها الاحتمال إليه.
# وعن الوجه الثاني: قوله: أن عليا والعباس ليسا بإمامين، قلنا: لا نسلم أن
~~عليا - عليه السلام - ليس بإمام.
# قوله ترك المنازعة مع القدرة، وذلك يدل على أن الإمامة ليست له، إذ لو
~~كانت له لكان ms094 ذلك قادحا في عدالته. (27) قلنا: لا نسلم أنه ترك المنازعة،
~~بل نازع بالقدر الممكن منازعة تناسب تلك الحال. (28) لا يقال: لو نازع لأبي
~~بكر لم يكن له من القوة دفعه عن حقه. لأنا نقول: لا نسلم ذلك، فإن أبا بكر
~~كان معه جماعة ممن أظهر الإسلام ينصرونه ويرجون في ولايته ما لا يرجون من
~~علي - عليه السلام - وكثير ممن كان في صدره إحنة (29) على الإسلام أحب
~~التستر والتوصل إلى اضطراب الإسلام
# PageV00P257
# بالانحياز (30) عن صاحب الحق إلى من ينازعه إثارة للفتنة وطمسا لمعالم
~~الدين، فكان يؤثر مساعدة كل من ينازع عليا، حتى لو اتفق منازع خارج عن
~~الإسلام لآثروا الدخول معه.
# ولو سلمنا أنه لم ينازع لأمكن أن يكون ترك ذلك تقية وخوفا على نفسه.
# لا يقال: هذا قدح في الصحابة.
# لأنا نقول: بل هو قدح في المعاند للحق دون الخائف المستتر بالتقية.
# وعن الوجه الثالث: لا نسلم أن المراد من الاستخلاف المذكور في الآية
~~الإمامة، بل لم لا يجوز أن يكون المراد كونهم يخلفون غيرهم في الإقامة في
~~الأرض والاستيلاء عليها إقامة وتصرفا كما قال: (هو الذي جعلكم خلائف في
~~الأرض) (31) فيكون هذا المعنى عاما في المؤمنين كلهم، وذلك أن أهل الكفر
~~كانوا مستولين على الدنيا، وكان المؤمنون مستضعفين خائفين مستترين بأديانهم
~~فأخبر الله سبحانه بذلك تسلية لهم وتسكينا لقلوبهم.
# وهذا التأويل ممكن، ومع إمكانه لا يبقى وثوق بما استدلوا به. (32).
# PageV00P258
# وعن الوجه الرابع: قوله: أبو بكر ممن رضي الله عنه، قلنا: ما الدليل على
~~ذلك؟ قوله: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك) (33) قلنا: الرضا ينصرف
~~إلى من اتصف بالإيمان ونحن نمنع حصوله.
# قوله: هو من السابقين: قلنا: لا نسلم حصول الشرائط المعتبرة في الرضا
~~فيه.
# قوله قوله: المراد بقوله: (وسيجنبها الأتقى) (34) هو أبو بكر (35). قلنا
~~لا نسلم. قوله: إما أن يكون المراد هو أو عليا - عليه السلام - قلنا: لا
~~نسلم الحصر، بل لم لا يجوز أن يكون للعموم، أو لا لهما؟ سلمنا الحصر، لكن
~~لا نسلم أنها ليست ms095 في علي.
# قوله: لأن للنبي - عليه السلام - عليه - عليه السلام - نعمة تجزي قلت: لا
~~نسلم
# PageV00P259
# بل كما جاز أن يكون الإرشاد إلى الإسلام خارجا عن ذلك، لكونه يبتغي به
~~وجه الله، جاز أن تكون تربية النبي - عليه السلام - له كذلك، فإن إحسان
~~النبي - عليه السلام - لم يكن لعوض، بل لله محضا، فهو داخل في ذلك.
# على أنا لا نسلم أنه أراد ما ذهب إليه المستدل، إذ من الجائز أن يكون
~~أراد الإخبار بأنه يؤتي ماله يتزكى مع أنه ليس لأحد عليه نعمة يجازيه عليها
~~بتزكيته عليه، (36) ومع هذا الاحتمال يسقط ما ذكروه.
# وعن الخامس: سلمنا أن الصحابة خاطبته، لكن ما المانع أن يكون ذلك تبعا
~~لتسمية الناس له؟ كما يقال، عظيم الروم أي الذي يسمونه عظيما.
# وكما قال تعالى: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا) (37) على أنا لم
~~نستبن أن عليا - عليه السلام - خاطبه بذلك من طريق مسكون إليه، وإنما هي
~~أخبار آحاد شاذة. ولو سلمنا ذلك لكان الحال فيه كما ذكرنا في عذر الصحابة،
~~ولو لم يكن كذلك لأمكن أن يكون تلفظ بذلك تقية.
# قوله: التقية مرتفعة لإمكان أن يخاطبه بغير ذلك. قلنا لا نسلم لأن ذلك
~~كان هو المراد، فلم يتمكن من اطراحه عند الخطاب، وكيف وقد أخرج من منزله
~~يقاد قهرا بعد أن قالوا: إن لم تخرج أحرقنا عليك بيتك (38).
# PageV00P260
# لا يقال: فأنتم تصفون عليا بالشجاعة الخارقة للعوائد (39) فما هذا الضعف،
~~لأنا نقول: قد يسقط التكليف عند توجه الضرر وإن كان تحمله ممكنا، وإذا سقط
~~الوجوب جاز أن يترخص فيه.
# على أنا نصفه بالشجاعة، لكن لا إلى حد نقول: إنه يقهر الألف من أقوياء
~~البشر بمفرده، وإلى أنه لو قوي عليهم لأمكنه أن يحفظ مع ذلك الدين في
~~صدورهم ويضبط قواعد الإسلام أن ينتقض بينهم، هذا مما لا يدعيه أحد من
~~الشيعة، فلعله - عليه السلام - مع قوته عرف ما يلزم عن قهره (40) من الفساد
~~الذي لا يتدارك، فاقتصر على التذكير والمخاطبة دون النفور (41) والمحاربة.
# PageV00P261
# وعن السادس: ms096 قوله: لو كان علي - عليه السلام - منصوصا عليه نصا مشهورا
~~لكان إما ساعده الصحابة أو خذلوه. قلنا: ساعده جماعة، لكنهم لا يغنون عنه،
~~وخذله الأكثر.
# قوله: يلزم القدح في الصحابة. قلنا: الخاذل، فيهم المعذور لغلبة الظن
~~بالعجز، والمغرور بحب الدنيا، وغير منكر توجيه الذم إلى القبيل الآخر.
# ولو احتج لهم بالبراءة من اللوم بوقوع اسم الصحبة، لكان غلطا، إذ في
~~الصحابة من اتفق الناس على نفاقه، بل على مجاهرته، وقد روي عنه - عليه
~~السلام - إنه قال: " يذاد عني قوم ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: يا رب
~~أصحابي، فيقال: إنهم ليسوا بأصحابك، بل إنهم غيروا وبدلوا " (42) وذلك يدل
~~على أنه لا يمدح من الصحابة إلا من عرف صلاحه وبعد عن موارد الزلل.
# PageV00P262
# [تفضيل علي - عليه السلام -] وحيث انتهينا إلى هذا المقام فلنذكر بحثا
~~مختصا بتفصيل علي - عليه السلام السلام - فنقول:
# اختلف الناس بعد النبي - عليه السلام - على قولين:
# فطائفة قالت بتفصيل علي - عليه السلام - على غيره من الصحابة بمعنى أنه
~~أكثر ثوابا وأرجح في الفضائل العلمية والعملية الشرعية، وهو مذهب الشيعة
~~وبعض المعتزلة وجماعة من أصحاب الحديث.
# وقال الباقون من الطوائف بتفضيل أبا بكر (43) على غيره من الصحابة.
# واحتج أصحابنا على مذهبنا بوجوه:
# الأول: أنه منصوص عليه بالإمامة، وذلك يقتضي اختصاصه بالتفضيل، لما ثبت
~~من قبح تقديم المفضول على الفاضل.
# الثاني: أنه كان أكثر جهادا فيجب أن يكون أفضل. أما الأولى فمطالعة السير
~~تحققها إذ لا مقام إلا وقدمه - عليه السلام - فيه أثبت الأقدام. (44)
# PageV00P263
# وأما الثانية فبالقرآن (45) والإجماع.
# لا يقال: الجهاد جهادان: جهاد باللسان وجهاد بالسنان، وأبو بكر وإن لم
~~يجاهد ببدنه فقد جاهد بجدله ولسانه. لأنا نقول: أما الجهاد باللسان فلا
~~يسمى جهادا عرفا ولا اصطلاحا، وإن سمي بذلك كان مجازا، واللفظ عند الإطلاق
~~ينصرف إلى حقيقته، وبيان الحقيقة ما أشرنا إليه بالنقل والاستعمال.
# أما النقل فظاهره، فإن أهل الشرع لا يعنون بالجهاد إلا هذا إلا على سبيل
~~التشبيه والاستعارة. فأما الاستعمال فظاهر أيضا، فإن كتاب الجهاد في الشرع
~~لا ms097 يتضمن إلا مسائل الجهاد البدني دون غيره.
# ثم نقول: أوامر الشرع المطلقة الدالة على الجهاد هل أريد بها الجدال أو
~~مجاهدة العدو بالسيف وقمعهم بيد القهر؟
# ثم كيف يستجيز ذو البصيرة أن يعتذر لأبي بكر في قعوده عن الجهاد حتى إذا
~~حضر موطنا لا يريق دما ولا يعرق فرسا (46) في سبيل الله، مع أن الله
# PageV00P264
# سبحانه قد ملأ الأسماع وشحن آي (47) القرآن بالأمر بالجهاد للأعداء
~~والخروج إليهم وإعداد السلاح والقوة ورباط الخيل. (48) أيري ذلك كله
~~للمناظرة؟
# ثم أي ذنب أعظم من أن الله يأمر المسلمين كافة بالنفور (49) إلى حرب
~~أعداء الإسلام والخروج إليهم فيجرد كل مسلم سيفه ويبسط يده ضربا وطعنا
~~وإثخانا في العدو متقربا إلى الله سبحانه، ويعذر مع ذلك من تارة لا يحضر
~~وأخرى يحضر منفكا عن المنابذة (50) مقتصرا على المشاهدة، ثم لا يكتفي بعذره
~~حتى يجعله من الفضلاء في الإسلام المقدمين في الأيتام. أترى كان النبي -
~~عليه السلام - في مواطن الحرب يسلط رجاله على مجالدة الأعداء ويحضر لهذا
~~العارف مناظرين يقوى بعلمه على جدالهم ودفع حجتهم؟ هذا من أقبح ما يلتزم
~~به.
# ثم إنا نقول: لو سلمنا لهم أن المناظرة بقول مطلق لكنا مطالبون بصور
~~المناظرات التي جرت من هذا الفاضل، ومواضع احتجاجاته في أبواب التوحيد
~~والعدل وتحقق النبوة والمعاد.
# أين هذا الأقوال التي قطع بها أوقاته ورد بها أهل الزيغ إلى محجة (51)
# PageV00P265
# الدين؟ لو كان ذلك لاشتهر كما اشتهر عن علي - عليه السلام - من الحجاج
~~على التوحيد، والاستدلال على العقائد ما يرجح على اجتهاد كل عارف من الأمة
~~(52).
# الثالث: قوله - عليه السلام -: " آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي، فجاء علي
~~- عليه السلام - (53).
# لا يقال: هذا خبر واحد وأنتم لا تعملون بالآحاد، سلمنا لكنه لفظ مطلق،
~~والمطلق يصدق بالجزء وبالكل، فلعله أحب إليه في شئ دون شئ.
# سلمنا شموله، لكن غايته أن النبي - عليه السلام - دعا فمن أين أنه يجب
~~على الله إجابته، سلمنا أنه يجب إجابته، لكن ما المانع أن يكون أتى من يأكل
~~مع النبي ms098 مضافا إلى علي أو بعد علي، سلمنا أنه لم يأت أحد من البشر سواه،
~~فلم لا يجوز أن يكون سأل الإتيان بأحب الخلق إليه مطلق إما في ذلك المقام
~~أو في غيره أو في غير ذلك الطعام.
# لأنا نقول: أما أنه خبر واحد فلا ريب فيه، لكنه من الأخبار المقبولة التي
~~اشتهرت بين الناقلين، وإذا بلغ الخبر هذا المبلغ خرج عن حكم الآحاد إلى
~~وجوب العمل به والانقياد لمضمونه.
# PageV00P266
# قوله: هو لفظ مطلق. قلنا: هذا حق لكن المطلق يفيد الماهية، فإذا أضيفت
~~اقتضى تعليق الحكم بتلك الماهية لا باعتبار قيد، كما إذا قال: لله علي
~~الصدقة بمالي من غير نية التخصيص.
# قوله: النبي - عليه السلام - دعا، فمن أين يجاب؟ قلنا: أجمع المسلمون أن
~~النبي - عليه السلام - مجاب الدعوة (54) وهذه كلمة وفاق، ولا يفتقر إلى
~~الاحتجاج.
# قوله: لم لا يجوز أن يكون أتى من هو أحب الخلق قبل علي أو بعده.
# قلت: قول الناقلين: " فأتى علي " دليل على أنه هو المراد. ثم لم ينقل أن
~~أحدا جاء غيره، وذلك يكفي في حصول الغرض، فإن الأمور تبنى على الظاهر لا
~~على الاحتمالات البعيدة.
# لا يقال: هذا يثمر الظن لا اليقين. لأنا نقول: يثمر اليقين، لأن الأمة
~~بين قائلين: قائل يستعمل اليقينيات في هذا المقام وهم الإمامة، وقائل يجتزي
~~بالظن ويقول إنها مسائل فقهية، فكان العمل بذلك واجبا، أما عندنا فلجزمنا
~~بثمرة المسألة، وأما عند المخالفة فلوجوب العمل فيها بالظواهر.
# قوله: من أين أنه سأل الإتيان بأحب الخلق في ذلك المقام، قلت: لأنه سأل
~~أن يأكل معه من ذلك الطائر، فالظاهر أنه قصد في ذلك المقام بحيث يأكل معه.
# الوجه الرابع: قوله - عليه السلام -: " من كنت مولاه فعلي مولاه " وقول
~~عمر:
# PageV00P267
# " بخ بخ أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " (55) وقد بينا أنه لا يريد
~~بالخبر ولي النصرة، وإنما يريد السيادة والحكم، وكونه أولى.
# الوجه الخامس: هو - عليه السلام - أعلم فيجب أن يكون أفضل. أما الأولى
~~فيدل عليها وجوه ثلاثة:
# الأول: - أنه - عليه السلام ms099 - موصوف بالجلالة والسداد، وقد قال: " سلوني
~~قبل أن تفقدوني " (56) فلو لم يكن واثقا بجواب كل ما يسأل عنه لما استحار
~~(57) ذلك إذ لا يقدم على ذلك من غير وثوق إلا موصوف بالخرق والطيش وهو
~~صلوات الله عليه يجل عن ذلك.
# لا يقال لعله علم ما يسأله عنه أهل المجلس. لأنا نقول: فذلك إذا أعظم
~~فضيلة إذ يدل على الاطلاع على الضمائر.
# الثاني: أنا ننقل أن أكثر الصحابة افتقرت إليه في الجواب عن
# PageV00P268
# الشرعيات، ولم ينقل أنه سأل أحدا في ذلك مستفهما. (58) الثالث: أنه -
~~عليه السلام - قال: " والله ما من آية نزلت في بر أو بحر، ولا سهل ولا جبل،
~~ولا سماء ولا أرض، ولا ليل ولا نهار، إلا وأنا أعلم في من نزلت، وفي أي شئ
~~نزلت " (59) وغيره قال - وقد سئل عن آية -: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني
~~(60) إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم. (61).
# وأما أن الأعلم أفضل فبقوله تعالى: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا
~~يعلمون) (62) وإذا انتفت المساواة وجب أن يكون الرجحان في طرف الأعلم.
# PageV00P269
# [رد تفضيل أبي بكر] واحتج القائلون بتفضيل أبي بكر بوجوه، وأقواها ما
~~ذكروه أن النبي - عليه السلام - قال: " والله ما طلعت الشمس ولا غربت بعد
~~النبيين والمرسلين [على] أفضل من أبي بكر " (63) وقوله: " اقتدوا باللذين
~~من بعدي أبي بكر وعمر " (64) وباستنابته في الصلاة (65) وبقوله: (وسيجنبها
~~الأتقى) (66).
# والجواب عما ذكروه أولا أن نقول: الخبر المذكور لا نعرفه ولم يصح نقله،
~~وما يتفردون بنقله لا عمل فيه، ولا ينعكس مثل ذلك علينا في احتجاجنا
~~بالأخبار، لأنا لا نحتج بالأخبار التي انفردنا بها إلا إذا كانت متواترة
~~تفيد اليقين، ويكون الدافع لها مكابرا بعد الوقوف على نقلها، وأما الآحاد
~~منها فلا نجعلها حجة على خصومنا إلا إذا نقلها الخصم كما نقلناها، وقبلها
~~كما قبلناها.
# ثم نقول: الذي يدل على بطلان هذا الخبر قول أبي بكر: " وليتكم
# PageV00P270
# ولست بخيركم " (67) فقد أخبر عن نفسه أنه ليس خيرهم، وكيف يشهد له النبي
~~بالفضيلة على غيره وهو ms100 ينكر.
# ثم نقول: لو صح هذا الخبر لما كان أفضل من علي، لأن عليا - عليه السلام -
~~أفضل من الأنبياء (68) وقد اختلف في أولي العزم (69) والأفضل من الأفضل
~~أفضل.
# وأما الجواب عن الاحتجاجات الباقية، فقد سلم في أول (70) هذا المقصد
~~فليطالع هناك.
# PageV00P271
# المقصد الثاني في الدلالة على إثبات [إمامة الأئمة بعد علي - عليه السلام
~~- ولنا في ذلك أدلة:
# أحدها: أن نبين أن كل زمان لا بد له من إمام معصوم، ونبطل دعوى العصمة
~~لمن ادعوا له الإمامة، فيتعين الإمامة لمن ادعيناها نحن له خاصة. (1)
~~وثانيها: أن ننقل من النص عليه ما روته الإمامية ونقلته نقلا متواترا من كل
~~إمام على الذي قبله. (2).
# وثالثها: أن ننقل عن النبي - عليه السلام - من الأحاديث المتفق عليها عند
# PageV00P272
# الإمامية وخصومهم أن الأئمة بعد النبي - عليه السلام - اثنا عشر خليفة،
~~(3) ثم نقول: كل من قال بذلك قال بإمامة هؤلاء على التعيين. والقول
~~بالمنقول مع أن الإمامة في غيرهم خروج عن الإجماع.
# ورابعها: أن ننقل من المعجزات التي روتها الإمامية (4) عن كل واحد من
~~الأئمة ما يدل على اختصاصه بالصدق، ثم ننقل عنه دعوى الإمامة، فيتعين
~~إمامته.
# ولنذكر طرفا من الأخبار الدالة على إمامة اثني عشر جملة.
# من ذلك ما رواه عبد الرحمان بن سمرة: " قلت: يا رسول الله أرشدني إلى
~~النجاة فقال: إذا تفرقت الآراء فعليك بعلي بن أبي طالب، فإنه إمام أمتي،
~~وخليفتي من بعدي، وأن منه إمامي أمتي، وسيدي شباب أهل الجنة، وتسعة من ولد
~~الحسين تاسعهم قائم أمتي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما " (5).
# وعن عبد الله بن عباس، قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله
~~اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها، ثم اطلع ثانية فاختار منها عليا، وهو
~~أبو سبطي الحسن والحسين، إن الله جعلني، وإياهم حججا على عباده، وجعل من
~~صلب الحسين - عليه السلام - أئمة يقومون بأمري، التاسع منهم قائم أهل
# PageV00P273
# بيتي، ومهدي أمتي. " (6).
# وعن سلمان الفارسي: قال: " كنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه ms101 وآله
~~وسلم وهو مريض، فدخلت فاطمة فبكت، وقالت: يا رسول الله أخشى الضيعة بعدك،
~~فقال: يا فاطمة أما علمت أن الله حتم الفناء على جميع خلقه وأن الله اطلع
~~إلى الأرض فاختار منها أباك، ثم اطلع ثانية فاختار منها زوجك، وأمرني أن
~~أتخذه وليا ووزيرا وأن أجعله خليفتي في أمتي، فأبوك خير أنبياء الله وزوجك
~~خير الأوصياء، وأنت أول من يلحق بي من أهلي، ثم اطلع ثالثة فاختارك وولديك،
~~فأنت سيدة النساء وحسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبناء بعلك أوصيائي إلى
~~يوم القيامة، والأوصياء بعدي أخي علي، والحسن والحسين، ثم تسعة من ولد
~~الحسين " (7).
# وعن مسروق: " قال: بينا نحن عند عبد الله بن مسعود إذ يقول له شاب: هل
~~عهد إليكم نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم كم يكون من بعده خليفة؟ قال: إنك
~~لحديث السن وإن هذا شئ ما سألني عنه أحد قبلك، نعم عهد إلينا نبينا - عليه
~~السلام - أنه يكون بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل " (8).
# وعن جابر بن سمرة: " قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو
~~يقول: يكون بعدي اثنا عشر أميرا ثم أخفى صوته، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال
~~كلهم من قريش " (9).
# PageV00P274
# وعن زين العابدين - عليه السلام - عن أبيه الحسين - عليه السلام - أن
~~أمير المؤمنين - عليه السلام - سئل عن العترة فقال: أنا والحسن والحسين
~~وتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم، حتى
~~يردوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حوضه (10).
# عن جابر بن عبد الله: قال: لما نزل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا
~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (11) قلت: يا رسول الله فمن
~~أولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعته؟ فقال - عليه السلام -: هم
~~خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين بعدي، أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن
~~والحسين، ثم عد تسعة من ولد الحسين - عليه السلام - (12).
# PageV00P275
# المقصد الثالث في مباحث متعلقة بالغيبة وقد عرفت قيام الدلالة على أن
~~الزمان ms102 لا يخلو من إمام، وأنه يجب أن يكون معصوما، وكل من قال بذلك قال بأن
~~الإمام الآن هو الذي نشير إليه.
# وثبت أيضا من الأخبار المتواترة عن النبي والأئمة - عليهم السلام - ما
~~تتضمن النص على اسمه ونسبه ووجوده فأغنى بذلك عن التعرض للزيادة في
~~الدلالة.
# ويكفي في الجواب عن سبب الغيبة أن يقال: مع ثبوت عصمته يجب أن نحمل
~~أفعاله على الصواب، وإن خفي الوجه، فلولا مصلحة مبيحة للاستتار لما استتر،
~~غير أن للمخالف هاهنا أسئلة خمسة مهمة لا بد من إيرادها والجواب عنها،
~~ليتضح المقصود في هذا الفصل.
# الأول: المطالبة بالأخبار الدالة على تعيينه.
# الثاني: المطالبة بتصحيح ولادته، ومن شاهده فإنهم ينكرون ذلك أيضا.
# الثالث: المطالبة بالوجه الذي لأجله حصلت الغيبة مفصلا، ووجه استتاره عن
~~أوليائه. PageV00P276
# الرابع: أنه يلزم من الغيبة فوات كثير من الأحكام، فهل تسقط أو تكون
~~باقية؟
# الخامس: الاستبعاد الذي يلهج به الخصم من تطاول عمره - عليه السلام - هذه
~~المدة.
# أما تصحيح ولادته فقد بينا أنه يكفي فيه قيام الدلالة العقلية أن الزمان
~~لا يخلو من إمام معصوم، ونحن نعلم أن كل من قال بذلك قال بإمامة المشار
~~إليه، وهذا دليل على وجوده وذلك يتضمن تصحيح ولادته، ويغني عن الإشارة إلى
~~من شاهده، لكنا نضيف، إلى ذلك شيئا من المنقول ليكون أقوى في الحجة، فنقول:
# أما النص على تعيينه فمما لا تحصى كثرة، وذلك ما رواه جابر عن النبي -
~~عليه السلام - " قال: قال: المهدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، تكون له غيبة
~~يضل فيها الأمم. يقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلا كما ملئت جورا وظلما "
~~(1).
# وعن الأصبغ عن أمير المؤمنين - عليه السلام - " قال: الحادي عشر من ولدي
~~يملأها عدلا كما ملئت جورا وظلما " (2).
# وعن جابر " قال: دخلت على مولاتي فاطمة بنت رسول الله لأهنيها بمولد
~~الحسن، فإذا بيدها صحيفة من درة بيضاء، فقلت: يا سيدة النساء ما هذه
~~الصحيفة؟ فقالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي، ثم قالت: أنت مأذون أن تنظر
~~إلى باطنها من ظاهرها، فقرأت فيها عدد ms103 الأئمة الاثني عشر - عليهم
# PageV00P277
# السلام - بأسمائهم، حتى انتهى إلى أبي القاسم محمد بن الحسن الحجة القائم
~~" (3).
# وفي حديث آخر عنه أنه قال: " دخلت على فاطمة - عليها السلام - وبين يديها
~~لوح مكتوب فيه أسماء الأوصياء، فعددت اثني عشر، آخرهم القائم " (4).
# وفي حديث آخر عنه " ثلاثة منهم محمد وأربعة منهم علي " (5).
# وفي حديث عن الحسن بن علي - عليهما السلام - في ذكر القائم: " يخفي
~~ولادته ويغيب شخصه، ذاك من ولد أخي الحسين - عليه السلام - " (6).
# وعن الحسين - عليه السلام - " قال: في التاسع من ولدي شبه من يوسف، وشبه
~~من موسى بن عمران وهو قائمنا أهل البيت " (7).
# وعنه - عليه السلام - قال: " قائم هذه الأمة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب
~~الغيبة " (8).
# وعنه - عليه السلام - " قال: منا اثنا عشر مهديا، أولهم علي بن أبي طالب
~~- عليه السلام -، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحق " (9).
# PageV00P278
# وعن علي بن الحسين - عليهما السلام - " قال: إن الله خلق محمدا وعليا
~~والأئمة الأحد عشر من نور عظمته أرواحا يعبدونه قبل خلق الخلق، وهم الأئمة
~~الهداية من آل محمد - عليهم السلام - " (10).
# ولنقتصر على هذا القدر، فإنه باب واسع.
# وأما تصحيح ولادته ومن شاهده بطريق النقل فغير خفي أنه لا يطلع على
~~الولادة إلا نساء الإنسان وخدمه ثم يشيع ذلك مع اعتراف الوالد، فيثبت النسب
~~الشرعي بذلك، وقد كان الحال فيه - عليه السلام - أظهر من ذلك، فإن حكيمة
~~بنت محمد بن علي عمة العسكري صلوات الله عليه وآله، مع صلاحها أخبرت بحضور
~~ولادته صلى الله عليه، " قالت: رأيته ساجدا لوجهه، جاثيا على ركبتيه، رافعا
~~سبابته نحو السماء، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن جدي رسول الله،
~~وأن أبي أمير المؤمنين، ثم عد إماما إماما حتى بلغ إلى نفسه، ثم قال: اللهم
~~أنجز عدتي وأتمم أمري " (11) وكذا أخبرت نسيم (12) ومارية (13) قالتا: وقع
~~جاثيا على ركبتيه، وهو يقول: زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة، ولو أذن لنا
~~(14) في الكلام لزال الريب (15).
# PageV00P279
# وجارية الخيزراني (16).
# وأخبرنا (أبو) غانم الخادم فقال: " ولد لأبي محمد ولد ms104 فسماه محمدا وعرضه
~~على أصحابه وقال: هذا صاحبكم من بعدي " (17).
# وعن أبي هارون: " قال: رأيت صاحب الزمان، وكان مولده يوم الجمعة سنة ست
~~وخمسين ومائتين " (18).
# وعن محمد بن إبراهيم الكوفي أن أبا محمد - عليه السلام - بعث إلي بشاة،
~~وقال: هذه عقيقة ابني محمد. (19).
# وكذا أخبر حمزة بن الفتح (20).
# وأما الذين شاهدوه فكثير:
# منهم أبو هارون وحده (21).
# ومعاوية بن حكم ومحمد بن أيوب بن نوح ومحمد بن عثمان العمري قالوا: عرض
~~علينا أبو محمد - عليه السلام - ابنه وكنا في منزله أربعين رجلا، فقال:
# PageV00P280
# هذا إمامكم بعدي وخليفتي عليكم (22).
# ويعقوب بن منفوس (23).
# وأبو نصر طريف (24).
# ورآه البلالي.
# والعطار والعاصمي ومحمد بن إبراهيم بن مهزيار وأحمد بن إسحاق القمي ومحمد
~~بن صالح الهمداني والسامي " والبسامي " والأسدي والقاسم بن العلاء (25).
# PageV00P281
# وغير هؤلاء ممن لو استقصينا عددهم لأطلنا (26).
# وأما الوجه الذي لأجله وقعت الغيبة، فقد ذكر جماعة من فضلاء الأصحاب أن
~~ذلك هو الخوف على نفسه. قالوا: الحال في ذلك كحال النبي - عليه السلام -
~~حين استتر تارة في الشعب (27) وأخرى في الغار (28).
# لا يقال: النبي - عليه السلام - استتر يسيرا، وليس كذلك حال غيبة إمامكم.
# لأنا نقول: التفاوت غير مؤثر في واحد من الحالين، إذ تفوت مصالح دينية
~~فإذا جاز تفويت تلك المصالح مع الخوف وقصر المدة جاز مع تطاولها.
# وحاله - عليه السلام - في ذلك يخالف حال آبائه إما لأنهم أمنوا على
~~أنفسهم وخاف هو، أو لأنه - عليه السلام - يلزمه من العروض (29) مع ظهوره ما
~~لا يلزمهم، فيكون الحذر في جانبه أتم من غيره، وهذا من الممكن.
# وقد قيل: إنما لم يظهر إلى أوليائه خوفا من إشاعة خبره.
# وقيل: بل خوفا من أعدائه لا غير.
# وقيل: خوفا على الولي من الشك في المعجز الدال على صدقه.
# PageV00P282
# وكل ذلك لا يخلو من قدح بل الأولى اعتقاد أنه لا بد في ذلك من وجه مقتض
~~لحسنه، وإن كنا لا نستفصله (30).
# على أنا نقول: (لا نسلم) أنه لم يظهر إلى أوليائه، بل من الجائز أن يظهر
~~إلى من يرتفع ms105 من ظهوره إليه وجه المفسدة، فإنا لا نعلم أحوال (كل إنسان) بل
~~كل إنسان يعلم حال نفسه حسب.
# فأما ما شرط القيام (31) من الشرعيات وجوده كالحدود وغيرها من الأحكام،
~~فإنها لا تسقط لغيبته بل تكون باقية في جنب من استحقت عليه، فإن ظهر والحق
~~عليه باق، استوفاه، وإلا كان اللوم على من كان سبب خوفه.
# وأما استبعاد الخصم بقاءه عليه هذه المدة، فإنما نشأ من ضعف البصيرة،
~~وإلا فكيف يقال ذلك مع العلم بقدرة الله وقيام الدلالة على إمكان فعل
~~الكرامات للأولياء، غاية ما في الباب أن يقال: هو خرق العادة، ونحن نمنع
~~ذلك أولا ثم نسلم ونجعل ذلك معجزا له - عليه السلام -.
# واعلم أن تطاول الأعمار أضعاف عمر القائم - عليه السلام - وقع وقوعا
~~مستمرا حتى حصل ذلك لجماعة من الملوك والجبابرة، فلا يكون ذلك خرقا للعادة،
~~بل مما جرت به العوائد (32) فإن القرآن المجيد أخبر في طرف الصلحاء
# PageV00P283
# أن نوحا عاش زيادة عن ألف سنة إلا خمسين عاما (33). وفي نقل أهل التاريخ
~~في طرف غير الصلحاء مثل شداد بن عاد بن إرم أنه عاش سبع (34) مائة سنة، ومن
~~المعلوم بين أهل المذاهب وجود الخضر، وعمره أضعاف عمر القائم - عليه السلام
~~-، ولو حملت العصبية على إنكاره، لكان النقل من طرقهم مساعدا لنا، ولو فرق
~~بين المقامين بأن الإمام يناط به أمور، لا يتعطل مثلها لغيبة الخضر، كان
~~فرقا في غير موضعه، لأنا نتكلم على استبعادهم طول العمر، لا على فوات
~~المصالح. وقد أجبنا على العذر فيما يفوت من المصالح بغيبة الإمام بأن الحال
~~(35) في ذلك من جهة المخيف لا من جهته - عليه السلام -.
# وبينا أن الحال فيه كالحال في النبي - عليه السلام - حين استتر، فيما وجه
~~استبعاد ذلك في حق القائم - عليه السلام -.
# PageV00P284
# المقصد الرابع يشتمل على مباحث:
# الأول: الملائكة معصومون، لقوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون
~~ما يؤمرون) (1).
# وقوله تعالى: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) (2).
# وقوله تعالى حكاية عن الملائكة: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ms106
~~الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) (3).
# وهذا يدل على أنهم بخلاف ما وصفوا به غيرهم من الفساد و (4) تعمد المعاصي
~~أجمع.
# وما روي في بعض الأخبار من ضد ذلك (5)، وكذلك ما تضمنته قصة
# PageV00P285
# هاروت وماروت (6) فقد صرف ذلك عن الظاهر إلى ضرب من التأويل (7).
# الثاني: فاطمة - عليها السلام - معصومة لقوله تعالى: (إنما يريد الله
~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (8).
# ولقوله - عليه السلام -: " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها " (9).
# PageV00P286
# ولو واقعت المعصية لجاز أذاها، لكن أذاها محرم بالإطلاق على هذا الحديث
~~(10).
# الثالث: الباغي على علي - عليه السلام - كافر، ومعنى كفره أنه لا يستحق
~~اسم الإيمان ويستحق العقاب الدائم، لقوله - عليه السلام -: " حربك يا علي
~~حربي وسلمك سلمي " (11) ولا يخرجون بذلك عن اسم الإسلام وحقن المال والدم
~~إذا لم يحاربوا لقوله - عليه السلام -: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا
~~لا
# PageV00P287
# إله إلا الله، فإذا قالوا حقنوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها " (12) فإن
~~حاربوا حل قتلهم حتى يكفوا، ويؤخذ من أموالهم ما حواه العسكر خاصة اقتداء
~~بفعله - عليه السلام - (13).
# الرابع: الأنبياء أفضل من الملائكة وكذلك الأئمة - عليهم السلام - بوجوه:
# الأول: طاعة البشر أشق من طاعة الملك، فيكون أكثر ثوابا. أما الأولى فلأن
~~الإنسان ينازع شهواته إلى الملاذ المحرمة، ويدافع نفراته عن الأوامر
~~اللازمة، فيحصل مصادمة طبيعية تستلزم المشقة لا محالة، وأما الثانية فلقوله
~~- عليه السلام -: " أفضل العبادات أحمزها " (14) أي أشقها، لكن غير المعصوم
~~لا
# PageV00P288
# ينفك عن مواقعة مأثم، فيقصر عن مساواة الملك، ويبقى المعصوم من البشر
~~راجحا عليه.
# الوجه الثاني: قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل
~~عمران على العالمين) (15).
# وتقرير هذا الاستدلال من وجهين: أحدهما: أن آدم ونوحا أفضل العوالم عدا
~~من جمعتهم الآية فيكونان أفضل من الملائكة، وكل من قال بذلك قال إن الباقي
~~من الأنبياء أفضل. والثاني: أن آل إبراهيم وآل عمران عبارة عن ذريتهما
~~أجمع، فإذا علمنا خروج من عدا المعصومين منهم تعين إرادة الباقي.
# الوجه الثالث: النقل المأثور عن أهل البيت - عليه السلام - بالنص ms107 الصريح
~~على ذلك (16).
# (الخامس:) يجب الإقرار بإمامة الاثني عشر على أهل كل زمان، ولا يجوز جحد
~~أحدهم، والإخلال بذلك مخرج للمكلف عن كونه مؤمنا، ولا يخرج بذلك عن كونه
~~مسلما، ويدل على ذلك النقل المتواتر عن أهل البيت - عليهم السلام -: " إن
~~من أنكر واحدا من الأحياء فقد أنكر الأموات " (17).
# PageV00P289
# وما رووه عن النبي - عليه السلام - أنه قال: " يا علي أنت والأئمة (من
~~ولدك) بعدي (حجج الله على خلقه) من أنكر واحدا منكم فقد أنكرني " (18).
# وغير ذلك من الأحاديث، فليطالع ذلك من كتب الأحاديث (19).
# ولنقتصر على هذا القدر ليكون سهل الحفظ على الراغب فيه.
# تم كتاب المسلك في علم الأصول (20) بحمد الله ومنه...
# يوم السبت وقت العصر غرة شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعمائة على يد العبد
~~الضعيف الفقير إلى رحمة ربه اللطيف...
# غفر الله له ولوالديه ولمن دعا لهم بالرحمة والرضوان.
# PageV00P290
# الرسالة الماتعية PageV00P291
# بسم الله الرحمن الرحيم يجب على كل عاقل نشأ بين العقلاء وسمع اختلافهم
~~في إثبات الصانع ونفيه، وإثبات الثواب والعقاب، أن يصرف فكرته إلى معرفة
~~ذلك، بحيث يأمن نزول الضرر المجوز، ولمن يأمن ذلك إلا بعد معرفة الله
~~ومعرفة ما يجوز أن يوصف به وما لا يجوز، وأنه حكيم لا يفعل القبيح ولا يخل
~~بواجب، وإثبات النبوة، ومن يقوم مقام الأنبياء عند عدمهم، ليهتدي بما سنن
~~له من الطرق الموصلة إلى النجاة، فهذه أربعة فصول: PageV00P293
# الفصل الأول في معرفة الله تعالى وما يجوز أن يوصف به وما لا يجوز
~~والطريق الموصل إلى ذلك النظر في أفعاله المختصة به وهي الجواهر والأعراض
~~المخصوصة، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة، لثبوت الشك في المعارف قبل النظر، ولا
~~بالتقليد لأن تقليد المحق ليس أولى من تقليد المبطل.
# وكيفية النظر في أفعاله أنه يجد (1) بعضها منتقلا في مراتب الحدوث من صغر
~~إلى كبر، وهو يعلم اضطرارا أن ذلك لم يحصل لها من ذاتها وإلا استوت في
~~المقادير والنشوء.
# ويجد بعضها مختلفا في الألوان والطعوم والهيئات، فيعلم أنه لا بد من خالق
~~لها... ms108 (2) لاستحالة أن يكون ذلك من ذاتها.
# PageV00P294
# ويجد الجواهر لا تخلو من الحوادث المتناهية وكل ما لا يخلو من الحوادث
~~المتناهية فهو حادث، وكل حادث فله محدث ضرورة.
# ثم يعلم بواسطة اختلاف الأشياء وتباين أوصافها أن مبدعها مختار، إذ لو
~~كان موجبا لكانت أفعاله واقعة على وجه واحد، ولدامت بدوامه، إذ بقاء العلة
~~موجب لبقاء المعلول، وفي اختلافها وعدمها بعد الوجود دلالة على اختيار
~~الموجد.
# ثم يجد العالم محكما مرتبا على وجه المنفعة المقصودة، وهو يعلم أن المحكم
~~لا يقع اتفاقا إلا من عالم به قبل إيقاعه، كالكتابة المحكمة، فإنها لا تقع
~~إلا من عالم بها، فيعلم عند ذلك أن صانع العالم عالم.
# وإذا عرف اتصافه بهذين الوصفين علم أنه حي موجود، لأن الحي هو الذي لا
~~يستحيل أن يقدر ويعلم، ولأن المعدوم يستحيل أن يؤثر في الموجودات.
# فائدة المعني بكونه قادرا أنه يصح أن يفعل وأن لا يفعل، والمعني بكونه
~~عالما أنه متبين الأشياء تبينا يصح مع إيقاع الفعل محكما، والمعني بكونه
~~حيا أنه لا يستحيل كونه قادرا عالما، والمعني بكونه موجودا أن له ذاتا
~~متحققة في الأعيان، وليس له بهذه الأوصاف أحوال زائدة على هذا الاعتبار،
~~لأن هذا القدر يكفي في إطلاق الوصف، ولا دلالة على ما زاد عليه.
# وهذه الأوصاف الأربعة واجبة لذاته المقدسة إذ لو كانت جائزة لم
~~PageV00P295
# يتصف بها إلا لأمر.
# ثم إن كان ذلك الأمر قديما لزم أن يكون في الوجود قديمان وهو محال، وإن
~~كان محدثا افتقر إلى محدث، فإن كان المحدث هو الله تعالى لزم كونه قادرا
~~قبل كونه قادرا وهو محال، وإن كان غيره تسلسلت العلل أو ينتهي إلى قديم غير
~~الله فيلزم أن يكون في الوجود قديمان وهو محال.
# وإذا بينا أنها واجبة لزم أن يستحقها لذاته تعالى لا لمعان توجبها له،
~~وإلا لكانت جزء من ذاته فيلزم التركيب في ذاته وهو محال.
# وإذا تحقق أن هذه الصفات ذاتية وجب أن يكون قادرا على كل مقدور وعالما
~~بكل معلوم، لأن نسبة ms109 ذاته إلى الكل بالسوية، فيجب أن يكون قادرا على الكل
~~لعدم المخصص.
# عقيدة ويجب أن يوصف بما دل عليه القرآن المجيد والسنة المتواترة، من كونه
~~سميعا بصيرا مدركا بمعنى كونه عالما بالمسموعات والمبصرات والمدركات ، لا
~~بمعنى إثبات صفته، ومريدا لأفعاله والطاعات من أفعال عباده بمعنى أن له
~~داعيا حكميا إلى فعلها لا بمعنى إثبات أمر زائد على العلم المخصوص، ومتكلما
~~بمعنى أنه خاطب بعض رسله من الأنبياء والملائكة بالحروف والأصوات المعقولة
~~يفعلها، لا بجوارح وآلات، ولا بمعنى إثبات معنى قائم بالنفس لأنه غير
~~معقول، وإثباته جهالة. PageV00P296
# عقيدة يجب أن يعلم أنه تعالى قديم. إذ لو كان محدثا لافتقر إلى محدث،
~~وتسلسل العلل والمعلولات محال، فلا بد من انتهاء الحوادث إلى قديم. فإذا
~~عرف ذلك عرف استحالة أن يكون تعالى جسما أو عرضا أو حالا في محل، لأن كل
~~متصف بذلك حادث، وقد وضح أنه قديم.
# وإذا تحقق اتصافه بالقدم، * وجب أن لا يشاركه فيه غيره، إذ لو كان في
~~الوجود قديمان لكان إن لم يتميز (3) أحدهما عن الآخر بأمر استحال التعدد
~~فيهما، وإن تميز (4) أحدهما عن الآخر لزم أن يكون أحدهما مركبا مما به
~~الاشتراك ومما به الامتياز، والمركب لا يكون قديما، لأن القديم لا يكون
~~موجودا إلا بذاته، والواجب الوجود لذاته يستحيل أن يكون مركبا.
# عقيدة إذا عرف أنه ليس بجسم ولا عرض، عرف أنه لا يجوز أن يرى، لأنه لو
~~رئي في وجهه فهو جسم أو عرض، وإن رئي من غير مقابلة ولا في جهة كان ذلك غير
~~معقول، وإثباته جهالة.
# ويدل على ذلك من القرآن قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك
# PageV00P297
# الأبصار) (٥) وقوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ (6) ولن لنفي الأبد. ومن
~~المستحيل أن يراه آحاد الناس، وموسى - عليه السلام - لا يراه.
# عقيدة يجب أن يعلم أنه تعالى غني في ذاته وصفاته، غير محتاج إلى اجتلاب
~~نفع ولا دفع ضرر، لأن اجتلاب النفع إنما يصح على من يصح عليه الشهوة
~~والشهوة لا ms110 تصح إلى علي الأجسام، تعالى الله عن ذلك.
# PageV00P298
# الفصل الثاني في أنه تعالى حكيم لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب إنك لتعلم
~~حكم العقل في كثير من الأفعال بالقبح (7) كالظلم والكذب وفي كثير من
~~الأفعال بالوجوب كرد الوديعة وقضاء الدين، وفي كثير من الأفعال بالحسن
~~كالصدقة وإرشاد الضال.
# وتعلم أن الكذب إنما قبح لكونه كذبا لا لأمر سوى ذلك، وكذلك إنما وجب رد
~~الوديعة لكونه ردا للوديعة، تعلم عند ذلك أنه لا يختلف باختلاف الفاعلين،
~~بل ممن قوع الكذب كان قبيحا لحصول الوجه المقتضي قبحه.
# وإذا تقرر ذلك وجب أن يعلم أنه تعالى لا يفعل قبيحا ولا يخل
# PageV00P299
# بواجب، لأن القبيح لا يفعله إلا جاهل بقبحه أو معتقد لاحتياجه إليه،
~~والأمران منفيان عنه تعالى.
# عقيدة يجب أن يعلم أن العبد فاعل لتصرفاته، لأنه يجد من نفسه - وجدانا
~~ضروريا - قدرته على الحركة يمنة ويسرة، وأنه ليس كالملجأ الذي لا يقدر على
~~الامتناع، ولأنه يذم على القبيح من أفعاله ويمدح على الحسن منها، فلو لم
~~يمكن فعلا له لما حسن ذمه، كما لا يحسن ذمه على خلقته وصورته، ولأنه لو
~~كانت أفعال المكلفين أفعالا لله لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد، ولم
~~يكن لبعثة الأنبياء وشرع العبادات وإنزال القرآن فائدة، وذلك هدم للدين
~~ومصير إلى قول الملحدين.
# عقيدة ويجب أن يعلم أن إرادة القبيح قبيحة لأن الذم يتعلق بمريد القبيح
~~كما يتعلق بفاعله.
# وإذا ثبت ذلك وثبت أن الله تعالى لا يفعل القبيح، ثبت أنه لا يريد
~~القبيح، وقول المسلمين: " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " يعنون بذلك
~~من أفعاله خاصة دون أفعال المكلفين.
# ويشهد لذلك قوله تعالى: " والله لا يحب الفساد " (8) وقوله: (وما الله
# PageV00P300
# يريد ظلما للعباد) (9).
# وإذا تحقق ذلك عرف أن جميع ما يفعله الله تعالى حسن سواء علم وجه حسنه أو
~~جهل، مثل فعل الآلام وخلق المؤذيات، فإن جميع ذلك فعل اللطف والاعتبار
~~(10)، وفي مقابلة الآلام من الأعواض ما يخرجها عن كونها ظلما.
# فائدة ومن الواجب في ms111 الحكمة، اللطف للمكلفين وهو أن يفعل معهم كل ما يعلم
~~أنه محرك لدواعيهم إلى الطاعة، لأنه لو لم يفعل ذلك لكان ناقضا لغرضه، إذ
~~لا مشقة عليه في فعله وهو مفض إلى غرضه.
# ويجب عليه أيضا في الحكمة تعويض المولمين وثواب المطيعين لأنه لو لم يفعل
~~ذلك لدخل في كونه ظلما، ولأن التكليف شاق، وقد ألزمنا إياه مع إمكان أن
~~يجعله غير شاق، فلو لم يثب عليه لكان التكليف ظلما وعبثا.
# وإذا عرفت ذلك فثواب الإيمان دائم وعقاب الكفر كذلك بغير خلاف بين
~~المسلمين.
# وأما الفاسق (11)، فإن عقابه منقطع، لأنه يستحق الثواب بإيمانه، فلو كان
~~عقابه دائما لاجتمع له استحقاقان دائمان وهو محال.
# PageV00P301
# ويجوز أن يعفو الله عن عقابه، ويجوز أن يسقط بشفاعة من له شفاعة (12) يوم
~~القيامة أو بالتوبة، فإن لم يحصل شئ من ذلك اقتص الله منه بقدر ذنبه، ثم
~~مآله إلى الثواب الدائم.
# PageV00P302
# الفصل الثالث في النبوة النبي هو الإنسان المخبر عن الله تعالى بغير
~~واسطة بشري، وإنما يعلم صدقه بواسطة المعجز، وهي (13) فعل خارق للعادة،
~~متعذر في جنسه أو صفته، مطابق لدعوى المدعي.
# والشرع إنما يتضمن دلالة الخلق على مصالحهم ومفاسدهم، وأنت تجوز اختلاف
~~المصالح باختلاف الأزمان، فجاز اختلاف الشرائع تبعا لاختلاف المصالح.
# عقيدة وإذا عرفت أن الأنبياء نصبوا لإرشاد الخلق، وجب أن يكونوا معصومين
~~من الذنوب كبيرها وصغيرها لأنهم قدوة الخلق، فلو جاز وقوع الخطأ منهم لحمل
~~ذلك على اتباعهم فيه.
# PageV00P303
# ويدل على ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ (14) ولأن فعل
~~المعصية منفر عن الاتباع، ويجب صون الأنبياء عن الأمور المنفرة.
# محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول لأنه ادعى النبوة وظهر على يده المعجز
~~ومن كان كذلك فهو صادق.
# أما دعواه النبوة فمتواتر، لا يدفعه إلا مكابر، وأما ظهور المعجز فلأنه
~~تحدى العرب بالقرآن ولم يعارضوه. فلو كانوا قادرين على معارضته لعارضوه،
~~لأن دواعيهم كانت متوفرة إلى إظهار غلبته، ومن كان داعيه متوفرا إلى شئ ms112
~~وعلم أنه يحصل بما هو قادر عليه فإنه يفعله لا محالة، فلما لم يعارضوه
~~وعدلوا إلى حربه، مع صعوبة الحرب وشدتها، دل على المعجز، لأن العاقل لا
~~يعدل من الأسهل إلى الأشق إلا مع العجز.
# ومن معجزاته - عليه السلام - ما اشتهر نقله - واستفاض مثل حنين الجذع،
~~وانشقاق القمر، وكلام الذراع، وإنباع الماء من أنامله، وإطعام الخلق الكثير
~~من الزاد القليل، وغير ذلك (15) من المعجزات التي يقوم من مجموعها الجزم
~~بظهور المعجز.
# وأما الدليل على أن كل من أظهر على يده المعجز فهو صادق، فلأن المعجز
~~يجري مجرى قوله القائل: صدقت، ألا ترى أن الملك العظيم إذا ادعى إنسان
~~بحضرته النيابة عنه، وقال: الدليل على ذلك أنه يرفع عمامته
# PageV00P304
# عن رأسه أو يفعل شيئا لم تجر عادته به ثم فعله، دل ذلك على صدق مدعي
~~النيابة.
# فإن قيل: ما المانع أن يكون المعجز فعل جني أو غيره؟!
# قلنا: كان يجب في حكمة الله تعالى كشف ذلك، وإلا كان معميا على الخلق،
~~ولأنه كان يلزم اشتباه دلالة النبي الصادق بالمتنبئ الكاذب، وذلك غير جائز
~~في حكمة الله تعالى.
# وإذا ثبت نبوة نبينا - عليه السلام - ثبت بطلان قول اليهود وغيرهم من
~~الفرق المدعين بقاء شرعهم. PageV00P305
# الفصل الرابع في الإمامة واعلم أن الإمامة رئاسة عامة لشخص من الأشخاص في
~~الدين والدنيا بحق الأصالة.
# وهي واجبة على الله تعالى في كل زمان، لأن المكلف مع وجود الإمام أقرب
~~إلى الطاعة وأبعد من المعصية، وكل ما قرب من الطاعة كان لطفا، ففعله على
~~الله واجب.
# عقيدة الإمام يجب أن يكون معصوما من المعاصي كبيرها وصغيرها لأن ذلك لو
~~جاز عليه لافتقر إلى إمام، لوجود العلة المحوجة إليه فيه.
# ويجب أن يكون منصوصا عليه، لأن العصمة أمر باطن لا يطلع عليه PageV00P306
# إلا علام الغيوب.
# والنص قد يكون بالقول، وقد يكون بإظهار المعجز على يده عند دعوى الإمامة.
# ويجب أن يكون عالما بجميع الأمور الشريعة، لأنه متبع فيها.
# ويجب أن يكون شجاعا، لأن أمر الحرب موكول إليه.
# عقيدة ms113 الإمام الحق بعد النبي - عليه السلام - بلا فصل علي بن أبي طالب
~~صلوات الله عليه، لوجوه:
# الأول: ما ثبت من اتفاق المسلمين على أن غيره - عليه السلام - لم يكن
~~واجب العصمة. وقد ثبت أن الإمام يجب أن يكون معصوما، وإذا بطلت إمامة غيره
~~ممن أدعيت له الإمامة في عصره وجب أن يكون الإمامة ثابتة له وإلا خرج الحق
~~عن الأمة.
# الوجه الثاني: أنه - عليه السلام - منصوص على إمامته فيجب أن يكون إماما.
# أما النص عليه فقسمان: جلي وخفي، أما الجلي فما نقلته الشيعة خلفا عن سلف
~~إلى النبي - عليه السلام - من نصه عليه بالإمامة نصا لا يحتمل التأويل ولا
~~يمكن ادعاء قلتهم، لأن الاعتبار يشهد أنهم أكثر من الحد المعتبر في
~~التواتر، وهم منتشرون في الآفاق، وقد طبقوا الأرض فقهاء ومتكلمين وقراء
~~PageV00P307
# وأدباء، لا ينكر ذلك من حالهم إلا مكابر.
# ولنشر إلى شئ مما رووه:
# فمن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه حين سأل النبي -
~~عليه السلام -: من أولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعته؟ فقال: هم
~~خلفائي وأئمة المسلمين بعدي، أولهم علي بن أبي طالب ثم عد الأئمة - عليهم
~~السلام - (16). ومن ذلك ما رواه عبد الرحمان بن سمرة قال: قلت: يا رسول
~~الله أرشدني إلى النجاة، فقال: إذا اختلفت الآراء فعليك بعلي بن أبي طالب،
~~فإنه إمام أمتي وخليفتي عليهم من بعدي، وهو الفاروق الذي يميز بين الحق
~~والباطل من سأله أجابه ومن استرشده أرشده، ومن طلب الحق عنده وجده، وأن منه
~~إمامي أمتي وسيدي شباب أهل الجنة وتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائم أمتي
~~يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا (17).
# ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وسلم: إن الله اطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني
~~نبيا، ثم اطلع ثانيا فاختار عليا، ثم أمرني أن أتخذه أخا ووليا ووصيا
~~وخليفة ووزيرا، فعلي مني وأنا من علي (18).
# PageV00P308
# ومن ذلك ms114 خبر الدار وهو مشهور بين أهل النقل (19) إلى غير ذلك من
~~الأحاديث.
# فإن قيل: هذه آحاد؟ قلنا: حق لكن معناها متواتر، كما أن كرم حاتم وشجاعة
~~عنترة (20) متواتر وإن كانت مفردات أخبارهم آحادا.
# وأما الخفي فقوله - عليه السلام -: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من
~~والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه كيف ما دار
~~(21).
# وقوله - عليه السلام -: أنت مني بمنزلة هارون من موسى (22).
# PageV00P309
# وقوله لجماعة من أصحابه: سلموا عليه بإمرة المؤمنين (23).
# وقوله عليه السلام في خبر الطائر: اللهم ائتني بأحب الناس إليك يأكل معي
~~(24).
# الوجه الثالث: في الدلالة على إمامته، قوله تعالى: (إنما وليكم الله
~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (25)
~~ولم تثبت هذه الصفة إلا لعلي - عليه السلام -، فإنه تصدق وهو راكع، فيجب أن
~~تكون الآية مصروفة إليه.
# وإذا ثبتت إمامته - عليه السلام - ثبتت إمامة أحد عشر من ذريته لتواتر
~~الأخبار بنص كل واحد على من بعده، وبتواتر الأخبار عن النبي - عليه السلام
~~- بالنص على الأئمة الاثني عشر - عليهم السلام -.
# PageV00P310
# عقيدة قد عرفت أن نصب الرئاسة واجب في كل زمان لكونها لطفا، وفعل اللطف
~~واجب على الله تعالى.
# وإذا ثبت ذلك وجب القول بوجود الإمام في هذا الوقت، وإلا خلا الزمان من
~~الإمام وهو محال.
# فائدة إنما استتر عن أعدائه خوفا على نفسه، ومن أوليائه خوفا عليهم من
~~أعدائه، وكما جاز لعلي - عليه السلام - والأئمة بعده كف ألسنتهم عن الفتيا
~~في وقت، وأيديهم عن إصلاح الرعية في أكثر الأوقات خوفا على أنفسهم، فكذلك
~~يجوز لإمام الوقت إخفاء نفسه خوفا عليها.
# ويدل على وجوده من حيث النقل اتفاق طائفة كثيرة من الشيعة على مشاهدته،
~~وطائفة على مكاتبته ومراسلته، اتفاقا يحصل من مجموعه اليقين بجوده.
# فمن المشاهدين له من النساء حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى - عليهم
~~السلام - ونسيم ومارية وجارية الخيزراني (26).
# PageV00P311
# ومن الرجال أبو هارون فإنه قال: رأيت صاحب الزمان صلوات الله عليه (27).
# وكان مولده يوم الجمعة ms115 سنة ست وخمسين ومائتين، وأبو غانم الخادم قال: ولد
~~لأبي محمد - عليه السلام - ولد فسماه محمدا وعرضه على أصحابه الثالث (28).
# وعن محمد بن معاوية أبو حكيم ومحمد بن أيوب ومحمد بن عثمان العمري قالوا:
~~عرض علينا أبو محمد - عليه السلام - ابنه صلوات الله عليه ونحن أربعون رجلا
~~فقال هذا إمامكم بعدي (29).
# ومن وكلائه ومكاتبيه العمري وابنه ومحمد بن مهزيار (30) وأحمد ابن إسحاق
~~(31) والقاسم بن العلاء والبسامي ومحمد بن شاذان (32)
# PageV00P312
# وغيرهم (33) مما لا يحصى كثرة ممن يحصل بهم التواتر عند الوقوف على
~~أخبارهم والاطلاع على ما نقل عنهم ويزول به الريب.
# وربما استبعد كثير من المخالفين بقاءه - عليه السلام - هذا العمر
~~المتطاول عفولا منهم عن قدرة الله تعالى، وقلة تأمل في ما نقل من أخبار
~~المعمرين مثل نوح - عليه السلام - فإنه عاش بنص القرآن ما يزيد على ألف سنة
~~إلا خمسين عاما (34)، وفي الأخبار: ألف سنة وخمسمائة سنة (35)، ومثل سليمان
~~فإنه عاش سبعمائة سنة واثنتي عشرة سنة (36) وفي زمن نبينا عليه السلام
~~سلمان الفارسي رضي الله عنه فإنه عاش أربعمائة سنة وخمسين عاما (37).
# فلو لم نقف على ذلك لعلمنا أن ذلك داخل في قدرة الله تعالى وغير متعذر
~~عليه سبحانه إذا اقتضت المصلحة.
# فائدة وقد ثبت عن الأئمة - عليهم السلام - بالنقل أنه يجب أن يعرفوا
~~بأجمعهم، وأن من جحد أحدهم كنم جحد سائرهم (38) فلنعمل على ذلك إن شاء الله
~~تعالى.
# PageV00P313
# تمت الماتعية في الكلام تصنيف الشيخ السعيد العلامة نجم الدين أبي القاسم
~~(39) جعفر بن سعيد - قدس الله روحه - بحمد الله تعالى ومنه وصلى الله على
~~خير خلقه محمد وآله الطاهرين (40).
# PageV00P314 ms116