######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004008 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: المحقق الحلي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 676 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المسلك في أصول الدين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004008 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4008_المسلك-في-أصول-الدين-المحقق-الحلي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: رضا الأستادي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1421 - 1379 ش #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما أباح من النعم، وأتاح (1) من ~~القسم، حمدا يبلغنا أرفع محال ذوي الهمم، ويوصلنا إلى المقام الأكرم، وصلى ~~الله على أشرف الأمم، وأفضل العرب والعجم، محمد بن عبد الله ذي الفضل ~~الأقدم، والمجد الأعظم، وعلى آله مصابيح الظلم، وينابيع الحكم، وسلم وكرم ~~أما بعد فإنه لما كان الخوض في تحقيق العقائد من أنفس الفوائد، وأعز ~~الفرائد، وجب على كل ذي فطنة أن يصرف رويته (2) إلى استخراج حقائقها، وكشف ~~غوامضها ودقائقها، ولما كانت الطرق إلى ذلك مختلفة، والوسائل إليه منكرة ~~ومعرفة، وجب أن نسلك أتمها تحقيقا، وأوضحها مسلكا وطريقا، وهو النهج الذي ~~سلكه متأخروا المعتزلة (3)، رأيت أن أملي مختصرا يقصر عن # PageV00P033 # هجنة (4) التطويل، ويرتفع عن لكنة (5) التقليل، يكون مدخلا إلى مطول ~~كتبهم، وموصلا إلى تحصيل مذاهبهم، فاقتصرت منها على المهم، امتثالا لسؤال ~~من سأل، متوكلا على الله، مستمدا منه المعونة والتوفيق. # والغرض بهذا العلم إنما هو التوصل إلى السعادة الأخروية بسلوك طريق الحق. # وتحصيل هذا الغرض يقف على بيان إثبات الصانع، وما يصح أن يوصف به من ~~الصفات الإثباتية والسلبية، والنظر في أفعاله سبحانه وتعالى، والنظر في ~~النبوات والإمامة (6) فإن من عرف هذه الأمور بالأدلة أمن من الزلل في كل ~~مقام منها، وأمكنه أن يرشد إليها من ضل عنها، وكان آمنا في معاده، واثقا ~~بصحة ما أخبرت به الرسل، إذ العلم بصدق الرسل يتوقف على ثبوت الحكمة ~~الإلهية، المتوقفة على ثبوت الغنى الذاتي، المتوقف على وجوب الوجود وإحاطة ~~العلم، المتوقف وجوب ثبوت الذات الإلهية. وأنت متحقق أن العلم بالفرع متوقف ~~على العلم بالأصل. ثم العلم بإثبات الصانع إنما يتوصل إليه بأفعاله، فما ~~كان متفردا بالاقتدار عليه كان هو # PageV00P034 # الطريق الموصل إليه كالجواهر والأعراض المخصوصة، فلتكن العناية حينئذ ~~بإثبات العلم بأبواب التوحيد (7) مقدمة على سائر الأبواب العقلية، ويحصرها ~~ثلاثة مطالب. # PageV00P035 # النظر الأول في أبواب التوحيد PageV00P037 # المطلب الأول في إثبات العلم بالصانع والدليل على ذلك أن الأجسام محدثة، ~~وكل محدث فله محدث. # وقبل تقرير هذه الحجة، ms001 لا بد من بيان المراد بالألفاظ التي اشتملت عليها، ~~وما يتعلق بها تقريبا. # فالجسم هو الطويل العريض العميق. # والجوهر هو الحجم الذي لا ينقسم. (8) والمحدث هو الذي لوجوده أول. # والقديم عكسه. # والعرض ما وجد في الجوهر من غير تجاوز. (9) # PageV00P039 # والحركة هي زوال الجوهر من محاذاة إلى أخرى. (10) والسكون حصول الجوهر في ~~محاذاة أزيد من وقت واحد. # والاجتماع تماس جوهرين. # والافتراق عكسه. # والكون هو حصول الجوهر في المحاذاة. (11) إذا عرفت هذا فنقول: الدلالة ~~على المقدمة الأولى هي (12) أن الأجسام لم تسبق الحوادث المتناهية، وكل ما ~~كان كذلك فهو محدث. # أما أنها لم تسبق الحوادث، فلأنا نعني بها الكون المطلق، وقد بينا أنه ~~عبارة عن الحصول في المحاذاة، وينقسم إلى الحركة والسكون بالمزايلة واللبث، ~~وبالضرورة أن الجسم بعد وجوده يستحيل أن يخرج عن المحاذاة، ثم هو إما لابث، ~~وهو الساكن، أو منتقل وهو المتحرك. # وبيان أن هذه الأمور زائدة على الجسم أنها تزول مع بقاء الجسم، ويقدر ~~عليها من لا يقدر عليه. # وأما بيان حدوثها فلأنها يجوز عليها العدم، والقديم لا يجوز عليه # PageV00P040 # العدم. أما جواز عدمها فلأن الأجسام متساوية في الجسمية، فلو وجب لبعضها ~~أن تكون متحركة أو ساكنة، لوجب في الكل كذلك، لكنه باطل، إذ كل جسم يصح ~~اختلاف (13) الحركة والسكون عليه. وأما أن القديم لا يجوز عليه العدم، فلأن ~~القديم إن كان واجب الوجود استحال عدمه، وإن كان جائز الوجود كان المؤثر ~~فيه واجب الوجود، إما بمرتبة أو مراتب، لاستحالة التسلسل والدور، ويلزم من ~~بقائه بقاء معلوله، لاستحالة أن يكون أثرا لمختار. (14) وأما بيان أن هذه ~~الحوادث متناهية، فلأن صدق الحدوث على آحادها يستلزم صدقه على نوعها، إذ ~~النوع لا يتحقق موجودا في الخارج منفكا عن شخص. ولأن كل واحد منها مع فرض ~~حدوثه مسبوق بعدم لا أول له، فمع فرض أن لا بداية تكون الأعدام مفروضة، فإن ~~لم يحصل من آحادها شئ عند ذلك الفرض فهي متناهية، وإن حصل لزم السابق ~~والمسبوق (15) وهو محال. # وأما أن ما لم ms002 يسبق الحوادث المتناهية فهو حادث فضرورية. # وإذا ثبت حدوثها ثبت أن لها محدثا أحدثها لأنها حدثت مع جواز أن لا تحدث، ~~فلو حدث من غير محدث لحدث الجائز من غير مؤثر وهو محال. # وإنما قلنا: إنها حدثت مع الجواز، فإنه لو وجب حدوثها لم تكن بأن تحدث في ~~ذلك الوقت بأولى من غيره، فكان يلزم قدمها، أو الترجيح من غير مرجح. # PageV00P041 # المطلب الثاني في ما يوصف به سبحانه من الصفات الثبوتية ويحصرها ثلاثة ~~أقسام: # الأول: ما يجب للذات، الثاني: ما يجوز تجدد وصفه به، الثالث: النظر في ~~كيفية استحقاقه لهذه الصفات. # الأول: أربعة أوصاف: # الوصف الأول: كونه قادرا، ومعنى القادر: الذي يصح أن يفعل وأن لا يفعل ~~إذا كان الفعل ممكنا ولم يمنع منه مانع. # وقيل: " القادر: من كان على حال لكونه عليها يصح أن يفعل " (16) وهو باطل ~~لأنا نعلم القادر وإن لم نعلم هذه الحالة. # PageV00P042 # وإذا عرفت معنى القادر، فالدليل على أنه على هذا الوصف: ما سبق من كونه ~~فعل العالم على سبيل الصحة (17). وتحقيق ذلك أن نقول: لو لم يكن قادرا لكان ~~موجبا، واللازم محال، فالملزوم مثله. # أما الملازمة فظاهرة، لأنه إما أن يفعل مع الجواز أو لا معه، والأول ~~قادر، والثاني موجب. وأما بطلان اللازم فلأنه لو فعل مع الوجوب للزم قدم ~~العالم، لأنه إن كان موجبا بلا شرط لزم وجوب أثره معه، وإن كان بشرط، فإن ~~كان عدميا كان عدما لموجود قديم، وعدم القديم محال، وإن كان وجوديا وكان ~~حادثا لزم إما التسلسل أو الدور، أو أن يكون في الوجود واجبين لذاتيهما وكل ~~ذلك محال، وإن كان قديما لزم قدم العالم، إذ مع وجود العلة التامة وشرط ~~التأثير يحصل الأثر. (18) وأما القائلون بإثبات الحال للقادر، قالوا: صحة ~~الفعل من إحدى الذاتين دون مماثلها يقتضي اختصاصها لمزية راجعة إلى الجملة، ~~ضرورة اختصاص الحكم بالجملة، ولا نعني بالحال في هذا المقام إلا مزية راجعة ~~إلى الجملة. # فيقال لهم: لم لا يجوز أن يكون صحة الفعل لذاته المنفردة بحقيقتها ms003 # PageV00P043 # عن سائر الذوات؟ فإن قالوا: نفرض هذا في ذاتين متساويتين. قلنا: لم لا ~~يرجع إلى التركيب والتأليف المخصوص؟ فإن قالوا: ذلك يختص الآحاد، فلا يجوز ~~أن كون مقتضيا لما يختص بالجملة، كما أن ما يختص بزيد لا يعلل بما يرجع إلى ~~عمرو. قلنا: نمنع المساواة ثم نطالب بدليل الجمع. ثم ننقض ذلك بالحال التي ~~يثبتونها فإنهم يعللونها بالقدرة، وهي قائمة ببعض الجملة. # ثم نقول: لو وقف امتياز الذوات على الأحوال لما حصل الامتياز. بيان ~~الملازمة أن الذوات لو لم تكن متميزة بأنفسها لكانت الأحوال إما غير ~~متميزة، فيلزم عدم الامتياز، أو متميزة بحال أخرى، فيكون لكل حال حال، وهو ~~محال، وإن تميزت بنفوسها لزم أن يكون المفروض ذاتا لا حالا، وإن تميزت ~~بحكمها كما يقولون، نقلنا الكلام إلى الحكم، ثم نقول: إذا جاز أن يتميز ~~الحال بالحكم فلم لا يجوز مثله في الذات. # الوصف الثاني: كونه عالما، والعالم هو المتبين للأشياء تبينا يصح معه ~~إحكام الفعل. والدليل على كونه عالما أنه فعل الفعل المحكم، وكل من كان ~~كذلك فهو عالم. أما المقدمة الأولى فالاستقراء يحققها، وأما الثانية ~~فبديهية. # وربما قال قوم: العالم من كان على صفة لكونه عليها يصح منه إحكام ما وصف ~~بالقدرة عليه تحقيقا أو تقديرا. (19) فنقول: إن عنيتم بالحال تبينه للأشياء ~~فهو وفاق، وإن عنيتم أنه حال تقتضي التبين فهو ممنوع. # PageV00P044 # الوصف الثالث: كونه حيا، ونعني بالحي: الذي يصح أن يعلم ويقدر، وقد ثبت ~~أنه قادر عالم، فيجب أن يكون حيا. # وقال قوم: " الحي من كان على صفة لكونه عليها يصح أن يعلم ويقدر " ~~واستدلوا على ذلك بمثل ما استدلوا به على حال القادر. ونحن نقول: لم لا ~~يجوز أن يكون ذلك الحكم راجعا إلى ذاته المنفردة بحقيقتها؟ # فإن قالوا: الذوات متماثلة فلا بد من مائز. قلنا: سنبين ضعف هذا القول. # الوصف الرابع: كونه موجودا، ونعني بالموجود ما له حقيقة في الخارج، لا ~~نعني به زيادة عن ذلك. # وقال قوم: الموجود له بذلك وصف زائد على حقيقته، ms004 حتى أنه إذا كان ممكنا ~~جاز انسلاخه عن ذلك الوصف مع تحقق هويته ثابتة في الخارج، لا إشارة إلى ~~كونه صورة ذهنية، ولا اقتصارا على كونه ممتازا في علم العالم، حتى انتهى ~~بعضهم إلى التصريح بأن ذاته وصفة ذاته التي زعموا بها يحصل الاختلاف ~~والتماثل ثابتة أزلا خارج الذهن، وأن ليس للفاعل في حقيقته تأثير، بل ~~تأثيره في إيجاده، لا في كونه ذاتا ولا جوهرا مثلا إن كانت الذات جوهرا، ~~ولا في حجميته بعد وجوده، بل أثره في تحيزه بكونه يفعل الشرط وهو الوجود ~~حسب. PageV00P045 # ثم زعموا أن للبارئ بكونه موجودا حالا زائدة على حقيقته المقدسة. # ونحن نمنع من ذلك كله، ونقول: إن معنى كونه تعالى موجودا أنه حقيقة وذات ~~في الخارج، وكذا كل ذات نصفها بالوجود لا نعطيها زيادة على هذا المعنى. # والدليل على ذلك، أنه لو كان الموجود زائدا على الذات لكان لا يخلو إما ~~أن يتصف بالوجود، فيكون للوجود وجود، أو لا يتصف به فيكون نفس العدم، أو ~~يكون لا موجودا ولا معدوما فيجتمع فيه النقيضان، والكل محال. # فإن امتنعوا من إجراء الوجود على الحال كان ذلك تعصيا غير مقبول، لأن على ~~تقدير كون الحقيقة ثابتة فتأثير المؤثر في جعلها حقيقة محال، لأنه تحصيل ~~الحاصل، فلا بد أن يكون تأثيره في الوجود، فإن لم يكن الوجود شيئا مفروضا ~~استحال تأثير المؤثر فيه، وإن كان شيئا زائدا وردت عليه الأقسام ضرورة، ~~فالامتناع بعد ذلك من إجراء لفظ الوجود عليه مع كونه في الحقيقة أثرا ~~للفاعل باطل. # فإن قالوا: التأثير في جعل الذات موجودة. قلنا: فلننقل الكلام إلى ذلك ~~الجعل، فإن كان زائدا على الذات - وهو أثر المؤثر - لزمت المحذورات التي ~~أشرنا إليها، وإن لم يكن زائدا استحال تأثير المؤثر فيه، فلا يكون له أثرا ~~في جعل الحقيقة حقيقة وهو المطلوب. # ثم الدليل على أنه تعالى موصوف بذلك تأثيره في الموجودات، والتأثير لا ~~يحصل مع العدم. (20) # PageV00P046 # القسم الثاني من الصفات وهو خمس: # الأول: وصفه بكونه مدركا، فالأكثرون جعلوا له ms005 بذلك وصفا زائدا على كونه ~~حيا عالما. واحتجوا لذلك بأن الإنسان قد يدرك ما لا يعلم. (21) وبأنه يجد ~~نفسه عند الإدراك على حال لم يكن قبل ذلك. # والحق أنه ليس زائدا على كونه عالما بالمدرك، والزيادة التي أشاروا إليها ~~ليست إلا تأثير المدرك في محل الإدراك لا غير، أو قوة العلم بوجود السبب ~~المولد (المؤكد) لوضوح العلم، والعلم قد يتفاوت بالقوي والأقوى. # الثاني والثالث: وصفه بكونه سميعا بصيرا. فنقول: اتفق المسلمون على إجراء ~~ذلك عليه سبحانه واختلفوا في معناه، فحكي عن أبي هاشم (22) ما # PageV00P047 # توهم (23) أن له بذلك حال زائدة على كونه حيا وعالما. وقال الأكثرون: إن ~~المرجع بذلك إلى كونه حيا لا آفة به. وقال البغداديون (24) [من المعتزلة]: # المرجع بذلك إلى كونه عالما بالمسموعات والمبصرات. # واحتج النافون لهذه الحال بأنه لو كان له بكونه سميعا حال زائدة على كونه ~~حيا لا آفة به، جاز أن يعلم إحدى الحالتين منفكة عن الأخرى، لكن ذلك محال، ~~إذ كل من عرف حيا لا آفة به، عرف أنه سميع بصير. (25) ولأنه لو كان له بذلك ~~حال، لكان لتلك الحال حكم مغاير لحكم كونه حيا، وقد عرفت أن الحي هو الذي ~~يصح أن يسمع ويبصر كما يصح أن يعلم ويقدر. # PageV00P048 # والمرتضى رحمه الله (26) يجعل ذلك حكما ولا يثبت به وصفا زائدا ويقول: ~~معنى ذلك، أنه يصح أن يسمع المسموع ويبصر المبصر إذا وجد، وهذه الصحة حكم ~~لا حال. (27) ثم يجري عليه ذلك الاسم أزلا وأبدا، لأنه موصوف بالمقتضي له ~~وهو كونه حيا، وأما كونه سامعا مبصرا فهو عبارة عن إدراك المسموع والمبصر، ~~وذلك لا يكون إلا بعد وجودهما، فيوصف لذلك بهما أبدا ولا يوصف أزلا. (28) ~~الرابع والخامس: وصفه بكونه مريدا وكارها. اتفق المسلمون على # PageV00P049 # ذلك، اختلفوا في معناه، فذهب أبو هاشم وأتباعه (29) إلى أن له بكل واحد ~~منهما وصفا زائدا على كونه عالما. وقال البغداديون: المرجع به إلى الداعي ~~الخالص إلى الفعل. وقال غيرهم: إن المعنى بذلك غير ساه عن ما يفعله، ومريد ~~لفعل ms006 غيره، بمعنى أنه آمر به. # واحتج أبو هاشم بأن الواحد منا يجد نفسه على حال عند قصده إلى أفعاله ~~وجدانا ضروريا، وليس المرجع بذلك إلى كونه عالما، لأن ذلك يكون قبل حصول ~~ذلك القصد، فلا بد من إثبات حال زائدة، ثم يسوون بينه تعالى وبين الواحد ~~منا في تلك الحال. # وربما استدلوا على ذلك بأنه أمر ونهى، وكل واحد منهما لا يكون كذلك إلا ~~بالإرادة في الأمر والكراهة في النهي، ثم يعللون تلك الحال في حق الواحد ~~منا بإرادة يفعلها في قلبه، وفي حق البارئ بإرادة يفعلها لا في محل، ~~لاستحالة قيام الإرادة بذاته، إذ ليس محلا للحوادث، ولا في غيره من جماد ~~لافتقارها إلى محل الحياة، ولا في حي لأن ذلك يمنع من رجوع حكمها إليه ~~تعالى، فوجب أن تكون لا في محل. # والنافون لهذه الحال قالوا: لو كان مريدا بإرادة لكان ذلك باطلا، ~~لاستحالة قيام الإرادة بذاته وبغيره، وكما يستحيل ذلك يستحيل وجودها لا في ~~محل، كما يستحيل وجود السواد لا في محل. # والأظهر رجوع ذلك إلى الداعي الخالص إلى الفعل. # PageV00P050 # القسم الثالث: في كيفية استحقاقه لهذه الصفات (30) ولا بد من تقديم مقدمة ~~يوقف منها على تحقيق ما نعنيه بالوصف له تعالى بذلك. # فنقول: الذي نختاره أن معنى كونه قادرا أن ذاته سبحانه متميزة بحقيقتها ~~تميزا لأجله يصح أن يفعل وأن لا يفعل، لا أن له بذلك حالا قائمة بذاته، ~~وكذلك في كونه عالما فإنه نعني به أن ذاته يجب لها أن تتبين الأشياء، وكذا ~~في كونه حيا أنه يصح أن يعلم الأشياء ويقدر عليها، لا نعني زيادة عن ذلك. # ثم هذه الأحكام المشار إليها تجب لذاته وجوبا ذاتيا. والدليل على ذلك، ~~أنه لو لم تكن ذاتية لافتقر حصولها إلى مؤثر، لكن ذلك محال، لأنه يلزم إما ~~التسلسل، أو الدور، أو اجتماع واجبي الوجود في الوجود وهو محال. # وتحقيق ذلك أن المؤثر في جعله على تلك الصفات إما أن يكون واجب الوجود أو ~~جائز الوجود، ويلزم من الأول ms007 اجتماع واجبي الوجود في الوجود، وإن كان جائز ~~الوجود، افتقر إلى مؤثر، ثم الكلام فيه كما في الأول، فيلزم الدور أو ~~التسلسل، وكل واحد من الأقسام باطل. وإن كان المؤثر فيه ذات الله سبحانه، ~~لزم اتصافها بهذه الأوصاف قبل تأثيرها في ذلك المؤثر. فلو لم # PageV00P051 # يتصف بها إلا به لزم الدور بتقدير أن يكون فاعلا له بالاختيار. وبتقدير ~~أن يكون على سبيل الإيجاب، فإن قام بذاته لزم التركيب، وإن كان خارجا عن ~~ذاته وكان لا في محل لم يكن بأن يوجب له الحكم بأولى من غيره، فلو أوجب له ~~الحكم لزم الترجيح من غير مرجح، وإن كان في محل حي، وجب رجوع حكمه إلى ~~المحل، ولا يجوز أن يكون في جماد إذ الضرورة قاضية باستحالة حصول القدرة في ~~الجماد، ولا معنى للقدرة إلا ما يوجب كون القادر قادرا، وإذا كان اتصافه ~~سبحانه بها لغيره يؤدي إلى هذه الأقسام الفاسدة وجب أن يكون فاسدا. # وأما كونه موجودا فقد بينا أنه عبارة عن نفس حقيقته المقدسة. بقي علينا ~~أن نبين أنها واجبة بحيث يستحيل أن نفرض عدمها. # والدليل على ذلك، أنه لو لم يكن واجب الوجود لكان ممكنا، لكن هذا محال، ~~لأنه يفتقر إلى مؤثر، ثم الكلام فيه كما في الأول، فيلزم إما التسلسل، أو ~~الدور، أو الانتهاء إلى واجب بذاته وهو المطلوب. # والدليل على بطلان التسلسل، أنه فلو تسلسلت العلل والمعلولات، لكان إما ~~أن يكون بعضها علة لبعض، وإما أن لا يكون معلولة، وإما أن يكون معلولة ~~لغيرها، ويلزم من الأول الدور (31)، ومن الثاني خروجها عن كونها ممكنة مع ~~فرضها كذلك، ومن الثالث انتهاؤها إلى الواجب، لأن الخارج عن الممكنات واجب، ~~وإلا لكان داخلا فيها، وقد فرض خارجا، هذا خلف. # وأما بطلان الدور، فلأنه لو جاز أن يكون الأثر علة في مؤثره لزم أن # PageV00P052 # يكون علة في نفسه، فيلزم أن يكون موجودا حال ما يفرض معدوما، أو مستغنيا ~~حال ما يفرض محتاجا، وكل ذلك باطل. (32) وإذا وجب أن يكون هذه الصفات ms008 ~~نفسية، وجب أن يكون قادرا على كل ما يصح أن يكون مقدورا له، وعالما بكل ~~معلوم، لأن نسبة ذاته إلى ذلك متساوية، فلو لم يكن قادرا على كل مقدور، ~~وعالما بكل معلوم، لزم إما أن يكون قادرا على البعض، وهو ترجيح من غير ~~مرجح، أو لا على شئ، وهو نقض لكونه قادرا، وقد بينا أنه كذلك، هذا خلف. ~~(33) # PageV00P053 # المطلب الثالث في ما ينفى عنه من الصفات وهو قسمان: منها ما لفظه لفظ ~~الإثبات ومعناه النفي وهو قسمان: # الأول: وصفه بكونه تعالى غنيا، ونعني به أنه حي ليس بمحتاج. # والدليل على ذلك أن الاحتياج قد يكون في الذات، كاحتياج الأثر إلى مؤثره، ~~وفي الصفات، كاحتياج القادر في كونه قادرا إلى القدرة، وقد يكون في جلب ~~المنافع ودفع المضار، وهو سبحانه غني بهذه الاعتبارات الثلاثة. # أما استغناؤه في ذاته وصفاته، لما بينا من كونه واجب الوجود بذاته، ومن ~~كون صفاته واجبة لذاته وجوبا ذاتيا، وأما استغناؤه عن جلب المنافع ودفع ~~المضار، فلأن ذلك إنما يجوز على الأجسام، وإذا بينا أنه ليس بجسم تبين أنه ~~لا ينتفع ولا يستضر. (34) # PageV00P054 # الثاني: وصفه بكونه واحدا، ونعني به أنه لا ثاني له في وجوب الوجود. # والدليل على ذلك: إنه لو كان في الوجود واجبان، لكانا مشتركين في ذلك، ~~فإن لم يحصل بينهما امتياز من وجه، فهما واحد لا اثنان، وإن حصل بينهما ~~امتياز، فذلك الامتياز إما مقوم، وإما عارض، ويلزم من الأول التركيب، ومن ~~الثاني استواؤهما في العارض، ضرورة استوائهما في المقتضي له، لاستحالة ~~إفادة ذلك العارض من غير، لكن التركيب في واجب الوجود محال، لأنه إن لم ~~يحصل بينهما تلازم جاز انفكاك أحدهما عن الآخر، ومع فرض ذلك لا تبقى ~~الحقيقة، وإن كان بينهما تلازم من الطرفين، فكل واحد منهما ممكن، فالمجموع ~~ممكن، وإن كان اللزوم من أحد الطرفين، فاللازم ممكن، فالحقيقة المركبة ~~منهما ممكنة، ضرورة كون جزئها المقوم ممكنا، هذا خلف. # الدليل الثاني: لو كان في الوجود واجبان، لكان كل واحد منهما قادرا ~~لذاته، ms009 ضرورة استوائهما في الحقيقة. # ولكان إذا أراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه في حالة واحدة، فإما أن ~~يقع مرادهما، وهو جمع بين النقيضين، أو لا يقع مرادهما، وهو عجز من ~~القادرين من غير وجه يقتضي المنع، أو يقع مراد أحدهما، ويلزم منه عجز من لم ~~يقع مراده، مع قدرته على الفعل، وهو ترجيح من غير مرجح أيضا، وهو باطل. # الدليل الثالث: لو كان في الوجود قديمان، لكانا مشتركين في القدم الذي هو ~~صفة الذات، وكل مشتركين في صفة الذات فهما متساويان في نفس الذات، وكل ~~متساويين في نفس الذات فهما متساويان في جميع PageV00P055 # الصفات الراجعة إلى الذات، فلو كانا اثنين، لم تنفصل الذات الواحدة عن ~~الذاتين، وهو باطل، وهذا الدليل مبني على قواعد يصعب تقريرها. (35) الصنف ~~الثاني: ما لفظه ومعناه النفي، وهو ستة: # الأول: البارئ سبحانه ليس بجسم، ولا يطلق عليه لفظة الجسم، أما أنه ليس ~~بجسم، فلأنه لو كان كذلك، للزم أن يكون حادثا، لما بينا من حدوث الأجسام، ~~لكن هذا اللازم محال. # وقد استدل بعض أهل الكلام على ذلك بأن قال: لو كان جسما لما صح منه فعل ~~الجسم. بيان الملازمة أنه لو كان جسما للزم أن يكون فاعلا بالمباشرة، أو ~~التولد، لكن الجسم لا يصح فعله على أحد الوجهين. بيان الحصر أن الفعل إما ~~أن يتبدأ به في محل القدرة أو متعديا عن محلها، والثاني إما أن يفعل ابتداء ~~أو بواسطة فعل آخر، والأول مباشر، والثاني مخترع، والثالث متولد. (36) فثبت ~~أن الأفعال لا تعدو أحد الأقسام، لكن المخترع لا # PageV00P056 # يصح من الجسم، لأن الأجسام لا تكون قادرة إلا بالقدرة إذ لو كان جسما من ~~الأجسام قادرا بذاته، لوجب تساوي الأجسام كلها في ذلك، ضرورة تساويها في ~~الحقيقة. والقدرة لا تقع بها المخترع، فثبت أن الجسم لا يقدر إلا على ~~المباشر والمتولد، لكن فعل الجسم لا يصح بواحد منهما، أما المباشر، فلأنه ~~يلزم اجتماع جوهرين في محل واحد، وأما المتولد، فلأنه لو أمكن لكان ذلك ~~بواسطة الاعتماد، (37) ولو ms010 صح فعل الجسم بواسطة الاعتماد، لصح من الواحد ~~منا ذلك، لأنا قادرون على أنواع الاعتماد، لكن ذلك محال. (38) ومن الناس من ~~أطلق لفظة الجسم على الله سبحانه وتعالى مقيدا # PageV00P057 # بسلب المساواة للأجسام، لكن يلزم من ذلك التناقض في اللفظ، لأن لفظ الجسم ~~موضوع لما له الطول والعرض والعمق، فإذا سلب بعد ذلك مساواته للأجسام في ~~الجسمية لزم التناقض، وإن سلب المساواة في غير الجسمية لزم كونه جسما ~~بالحقيقة. # ومن الناس من جعله جسما بالحقيقة كما يحكى عن أهل الظاهر، وقد بينا ما ~~يلزم على ذلك. (39) فإن احتجوا بقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى). ~~(40) وبقوله: (ويبقى وجه ربك). (41) وبقوله: (بل يداه مبسوطتان). (42) ~~وبقوله: (يوم يكشف عن ساق). (43) # PageV00P058 # وبقول النبي - عليه وآله السلام - حكاية عن جهنم: حتى يضع الجبار فيها ~~قدمه. (44) # PageV00P059 # وبقوله - عليه السلام -: إن الله خلق آدم على صورته. (45) # PageV00P060 # ومما شاكل ذلك من الأحاديث. (46) فالجواب من حيث الإجمال ومن حيث ~~التفصيل. # أما الإجمال فنقول: إذا تعارض ما ذكرتموه مع ما ذكرنا من الدليل العقلي ~~فالترجيح لجانب العقل لوجهين: # أحدهما: أن النقل يتوقف ثبوته على العقل، فلو طرح العمل بدليل العقل ~~لأجله لزم إطراح الدليلين معا. # والثاني أن دلالة العقل لا يحتمل التأويل، والنقل محتمل للتأويل، فوجب ~~العمل بما لا يحتمل، وتنزيل المحتمل على التأويل، توفيقا بين الدليلين. # وأما التفصيل فنقول: لما منع العقل من إجراء الألفاظ على ظاهرها وجب ~~تنزيلها على المجاز. # فالمراد بالوجه: الذات (47) كقولهم: # PageV00P061 # هذا وجه الصواب. (48) وباليدين: القوة كما يقال: لا يد لي بكذا. (49) ~~وبالساق: شدة الأمر كما يقال: شمرت الحرب عن ساق. (50) # PageV00P062 # وبالاستواء على العرش: الاستيلاء كما يقال: استوى بشر على العراق. (51) ~~والجبار المذكور في الخبر يحتمل أن يكون إشارة إلى جبار من كفار البشر. ~~(52) # PageV00P063 # وقوله - عليه السلام -: إن الله خلق آدم على صورته: من الأخبار الشاذة، ~~ولو سلم لكان يمكن عود الضمير إلى آدم، على أنه قد ذكر فيه قصة تزيل الريب، ~~وهو أنه - عليه السلام - رأى رجلا يضرب عبدا له [فقال له]: لا تضربه إن ms011 ~~الله خلق آدم على صورته، (53) فيكون الضمير على هذا التقدير عائدا إلى ~~العبد. والله أعلم. # الثاني: البارئ سبحانه ليس بعرض، وقد عرفت أن العرض ما حل في الجوهر من ~~غير تجاور. وتحقيق ذلك أن كل شئ قام بشئ فإما أن يكون جهة أحدهما مغايرة ~~لجهة الآخر وإما أن لا يكون، والأول هما الجوهران المتجاوران كالماء ~~والظرف، والجوهران المتماسان إن لم يكن أحدهما محيطا بصاحبه، وأما الثاني ~~وهو أن لا تكون جهة أحدهما مغايرة لجهة الآخر، فالمحل جوهر والحال عرض. # إذا عرفت هذا فنقول: لو كان عرضا بهذا التفسير، لزم أن يكون حادثا، لكن ~~ذلك محال. أما الملازمة فلأنا بينا حدوث الجسم، والعرض لا يوجد # PageV00P064 # مجردا عن الجسم، فيكون وجوده موقوفا على وجود الجسم، وما توقف وجوده على ~~وجود الحادث فهو حادث. # الثالث: البارئ سبحانه ليس بمحل، ولا يجوز عليه الحلول، خلافا للغلاة ~~(54). والدليل عليه أن لو حل لكان إما أن يحل مع وجوب أن يحل، أو مع ~~الجواز، ويلزم من الأول حدوثه تبعا لحدوث المحل، ومن الثاني أن يحل في كل ~~شئ أو في شئ دون شئ، فهو ترجيح من غير مرجح. # الرابع: البارئ تعالى لا يجوز عليه الاتحاد خلافا للنصارى. والدليل على ~~ذلك أنه لو اتحدت ذاتان لكان إما أن تبقيا، أو تعدما، أو يعدم أحدهما، فإن ~~كان الأول، فهما اثنان لا واحد، وإن كان الثاني، فمع العدم لا اتحاد، وإن ~~كان الثالث، فالباقي غير متحد، لاستحالة اتحاد الموجود بالمعدوم. # الخامس: البارئ سبحانه ليس بمرئي خلافا للحشوية (55) ومن تابعهم من ~~الأشعرية (56). وقبل الخوض في ذلك لا بد من تحرير محل النزاع. # PageV00P065 # فنقول: لا ريب أن رؤية الأجسام والأعراض مشروطة بمقابلة الحاسة في جهاتها ~~أو محالها. ثم إن عند العلم بالشئ مجردا عن إدراكه يعقل منه كيفية، ثم إذا ~~أدركناه مقابلا للحاسة عرفنا كيفية أخرى، ثم إنا لا نعقل زيادة عن ذلك. # وعند هذا نقول: البارئ مرئي بالقسم الأول في الدنيا والآخرة، بمعنى أنه ~~معلوم، وإن كان في الآخرة يحصل ms012 العلم به تعالى زيادة، ربما بلغت حد الضرورة ~~على رأي، وعلى الآخر تقصر عن ذلك. فأما الرؤية بالمعنى الثاني، فهي التي ~~ندعى استحالتها، وهي الرؤية التي تحصل معها مقابلة المرئي، وأما بتقدير أن ~~يطلق عليه الرؤية بغير هذين التقديرين، فهو غير معقول المعنى. # والدليل على أنه سبحانه غير مرئي على ذلك التقدير، المعقول والمنقول. # أما المعقول: فهو أنه لو كان مرئيا لوجب أن نراه الآن، واللازم محال، ~~فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أنا على الصفة التي يجب معها أن نرى المرئي، ~~لأنا قد بينا أن المقتضي لكون المدرك مدركا كونه حيا مع ارتفاع الآفات ~~ووجود المدرك، والواحد منا حي، والموانع مرتفعة، فلو كان تعالى ممن يصح أن ~~يرى لوجب أن نرى الآن، لكن الموانع لا يعقل في حقه سبحانه، إذ هي القرب ~~المفرط، والبعد المفرط، والحجاب، والرقة، واللطافة، وكل ذلك لا يعقل فيه ~~تعالى. # لا يقال: لم لا يجوز أن يكون الإدراك معنى يوجب كون المدرك مدركا ثم لم ~~يفعل الله ذلك المعنى في العبد، فلذلك لم يدركه في الدنيا، ثم إذا فعله ~~PageV00P066 # في الآخرة أدركه. لأنا نقول: لو كان الإدراك معنى يدرك به، لوقف الإدراك ~~على حصوله، لكن ذلك محال، لأنه كان يلزم حصول الشرائط المعتبرة في الإدراك ~~وحصول المقتضي لكون المدرك مدركا ثم لا يحصل الإدراك، لكن لو جاز ذلك لجاز ~~أن يكون بين أيدينا من الجبال العالية والأنهار الجارية ما لا ندركه وإن ~~كنا أحياء، وحواسنا صحيحة، والموانع مرتفعة. لا يقال: # لم لا يجوز أن يكون الله أجرى العادة بفعل ذلك عند حصول هذه الشرائط! # لأنا نقول: نعلم انتفاء ذلك علما بديهيا لا بحسب العادة، ولو طرقنا هذا ~~الاحتمال إلى الضروريات لم يبق وثوق بشئ منها إذ لا سبيل إلى الفرق بين ~~العاديات والبديهيات إلا الجزم بالبديهيات جزما مطلقا عن الالتفات إلى ~~العادة، وأما العاديات، فالعقل يجوز انخراقها بالإمكان، وجوب استمرارها ~~باعتبار العادة، وما أشرنا إليه لو كان عاديا لكان العقل يقضي بالاحتمال ~~فيه، لكن الاحتمال منفي قطعا. ms013 والله أعلم. # وأما المنقول فوجوه: # الأول: قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار). (57) وجه ~~الاستدلال أنه تمدح بنفي الرؤية، وكل صفة تمدح بنفيها فإثباتها نقص. أما ~~التمدح فلأن ذلك ورود بين مدحين في أول الآية وآخرها (58)، ومن البين قبح ~~إدخال ما ليس بمدح بين مدحين، وإنما قلنا إنه يفيد نفي الرؤية، لأن الإدراك ~~إذا قرن بالبصر أفاد الرؤية، ضرورة أنه لا يجوز سلب الرؤية معه، # PageV00P067 # فلا يقال: أدركت ببصري شيئا ولم أره. وأما أن كل صفة تمدح بنفيها ~~فإثباتها نقص فإنه ظاهر، كما تمدح بنفي الصاحبة ونفي الشريك. # الوجه الثاني: قوله تعالى في قصة موسى - عليه السلام - جوابا لسؤال ~~الرؤية: # (لن تراني) (59) ولن لنفي الأبد. لا يقال: لو كانت الرؤية ممتنعة، لما ~~سألها موسى، إذ منصب النبوة تنافي الجهل بذلك. لأنا نقول: الظاهر أن السؤال ~~لقومه، وإنما أضافه إلى نفسه ليكون أبلغ في الإعذار إليهم، ويبين ذلك قوله ~~تعالى حكاية عنهم: (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ~~فأخذتهم الصاعقة بظلمهم) (60). # الوجه الثالث: ما روي من الأحاديث الصريحة من نفي الرؤية، وهي كثيرة في ~~كتب الأحاديث. (61) احتج المخالف بالعقل والنقل. # أما العقل فقالوا: اشترك الجوهر والسواد في صحة الرؤية، ولا بد من # PageV00P068 # علة مشتركة بينهما، ولا مشترك إلا الوجود أو الحدوث، لكن الحدوث يزيد على ~~الوجود بقيد عدمي، والعدم لا يصلح للعلية، فتعين الوجود. وإذا كان الوجود ~~علة لصحة الرؤية، والبارئ موجود، فيجب أن يصح رؤيته عملا بالعلية. # وأما المنقول: فقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) (62). # وقوله - عليه السلام -: ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة تمامه ~~لا تضامون في رؤيته. (63) والجواب عن ما ذكروه أولا: أن نقول: لا نسلم أنه ~~يجب تعليل صحة الرؤية لعلة مشتركة، بل لم لا يجوز أن يكون صحة الرؤية في كل ~~واحد منهما لعلة مختصة به، لأن صحة الرؤية حكم، والحقائق المختلفة يجوز ~~اشتراكها في بعض الأحكام المتفقة. سلمنا أنه لا بد من علة مشتركة، لكن لا ms014 ~~نسلم الحصر، سلمنا الحصر سلمنا الحصر وأن العلة هي الوجود، ولكن لم لا يجوز ~~أن يكون تأثيرها مشروطا بشرط، وهو كون المرئي مقابلا لحاسة (64) الرائي أو ~~في حكم # PageV00P069 # المقابل، والحكم كما يتوقف على علته، يتوقف على شرط التأثير. سلمنا ذلك، ~~لكن لا نسلم أن البارئ قابل لصحة الرؤية، والحكم كما يتوقف على علته يتوقف ~~على قبول المحل له. # ثم ولو صح ذلك، للزم أن يكون البارئ حالا في المحل، لأن السواد والبياض ~~يشتركان في الحلول، فلو علل بأمر مشترك هو الوجود، للزم أن يكون البارئ ~~حالا بعين ما ذكرتموه. # والجواب عن الآية أن نقول: لا نسلم أن النظر يفيد الرؤية، إذ حقيقته في ~~الوضع اللغوي تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته (65)، ولذلك ~~يقال: نظرت إلى الهلال فلم أره، ولو كان مفيدا للرؤية لما صح سلب الرؤية ~~معه، وإذا لم تكن الحقيقة مرادة وجب صرفه إلى المجاز، وهو التوقع والرجا ~~لمنافع الغير، كما يقال: أنا ناظر إليك، أي راج لك (66) خصوصا وقد نسب ~~النظر إلى الوجه لا إلى العين. # وأما الخبر فمن أضعف أخبار الآحاد، فلا يصار إليه في مسائل الاعتقاد، وقد ~~طعن فيه أصحاب الحديث بوجوه كثيرة من الطعن، مذكورة في مظانها (67). # PageV00P070 # مع أنها يحتمل أن تكون الرؤية بمعنى العلم وتشبيهه برؤية القمر مبالغة في ~~الإخبار عن الوضوح. (68) السادس: البارئ ليس في جهة، خلافا للكرامية. (69) ~~لنا أنه لو كان في جهة للزم أحد أمور ثلاثة: إما حلوله في كل جهة وهو باطل ~~بالإجماع، أو في جهة دون جهة وهو ترجيح من غير مرجح، أو كون الجهات مختلفة ~~بالحقيقة وهو باطل بالضرورة. # PageV00P071 # ومن لواحق الكلام في الصفات: الكلام في كونه تعالى متكلما وقد أجمع ~~المسلمون على وصفه تعالى بذلك ووصف به نفسه بقوله (وكلم الله موسى تكليما) ~~(68 *) ثم اختلفوا في معنى ذلك فقال أهل الحق: إنه متكلم بمعنى أنه فعل ~~الكلام الذي هو الحروف والأصوات، وأن ذلك الكلام محدث ومجعول ومخلوق، بمعنى ~~أنه فاعل له. وقال قوم: إنه متكلم ms015 بكلام قديم قائم بذاته وهم الأشعرية ومن ~~تابعهم. وذهب أهل الحشو إلى أن كلامه هو الحروف والأصوات وهي مع ذلك قديمة. ~~(69 *) واعلم أن الكلام على هاتين الطائفتين يستدعي تقديم مقدمة يكشف بها ~~عن موضوع لفظة الكلام، فنقول: الكلام هو ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه ~~الحروف المعقولة المتواضع عليها إذا صدرت من معبر واحد. وبهذه القيود يتبين ~~أن ما صيغ من غير هذه الحروف لا يسمى كلاما، ولا الحرف الواحد ما لم تكن ~~الزيادة منوية كقولنا: ق وع، وكذلك ما كان من هذه الحروف غير متواضع على ~~تركيبها فإنه يكون مهملا، وربما سماه بعضهم كلاما، ولو نطق ناطقان كل (70) ~~واحد منهما بحرف لم يسم مجموع نطقيهما كلاما بمقتضى هذا التحديد. # PageV00P072 # إذا عرفت هذا فنقول: الدليل على أن المتكلم فاعل الكلام دوران الاشتقاق ~~معه وجودا وعدما. لا يقال: لو كان البارئ متكلما بهذا التفسير لكان ذا ~~جوارح وأدوات يفعل بها الكلام، لأنه لو فعله خارجا عن ذاته لا في محل كان ~~باطلا بالضرورة، أو في حيوان لم يرجع حكمها إليه تعالى، ولا يصح فعله في ~~جماد كما قلتموه في الإرادة، فتعين أن يكون قائما بذاته، فلو كان كلامه هو ~~الحروف والأصوات المخصوصة لزم أن يكون ذاته محلا للحوادث وهو محال. # لأنا نقول: ما المانع أن يفعل الكلام في غيره من جماد؟ قوله: لا يجوز ~~وجود الكلام في الجماد. قلنا: لا بد لهذا من دليل ولم تذكروه. وتشبيهه ~~بالإرادة قياس من غير جامع، (71) ونحن نذهب إلى نفس ما أنكرتموه، ونقول: إن ~~الله سبحانه يفعل كلامه في الجماد كما أخبر سبحانه في قصة موسى بقوله: # (نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة) (72). # أما الأشعرية فيقال لهم: لو كان البارئ تعالى متكلما بكلام قديم لكان إما ~~جزء ذاته فيلزم التركيب، وإما خارجا عن ذاته فيكون في الوجود قديمان ~~مستقلان وهو باطل. # وأما الحشوية فيقال لهم على تقدير تسليمهم أن الكلام هو الحروف والأصوات ~~المسموعة: لو كان الكلام بهذا الاعتبار ms016 قديما لكان إما موجودا دفعة واحدة ~~أو مترتبا، ويلزم من الأول عدم الإفادة ومن الثاني الحدوث. # PageV00P073 # النظر الثاني في أفعاله سبحانه وتعالى PageV00P075 # النظر الثاني في أفعاله سبحانه وتعالى وهو يشتمل على مقدمة ومباحث أربعة: # أما المقدمة: # فهي أن العدل كلام (73) في أفعاله تعالى وأنها حكمة وصواب. ولا بد من ~~بيان الفعل ما هو؟ فنقول: الفعل ما وجد من مؤثر فيه على سبيل الاختيار. ~~وربما حده الشيوخ (74) بأنه ما وجد بعد أن كان مقدورا، وهم دائما يحدون ~~القادر بأنه من صح منه الفعل وأن لا يفعل إذا لم يكن هناك منع، ويلزم من ~~ذلك الدور، فإذا الحق ما أومأنا إليه. # PageV00P077 # البحث الأول في أنا فاعلون خلافا للأشاعرة والكلابية (75) والدليل على ~~ذلك وجوه: # الأول: أنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا الفرق بين حركاتنا وسكناتنا ~~وصورنا وألواننا، فنعلم أن ما صدر عنا من الحركات والسكنات واقع بحسب ~~قصودنا ودواعينا خلاف ألواننا وصورنا، إذ ليست تابعة لذلك، فلو كانت ~~حركاتنا وسكناتنا من غيرنا فينا، لوجب أن تتساوى الحالان. # الوجه الثاني: أنا نعلم استحقاق المدح لفاعل الواجب والمندوب، واستحقاق ~~الذم لفاعل القبيح، فلولا كون الفعل صادرا منه ما أحسن (76) مدحه ولا ذمه. # لا يقال: المدح والذم على الأفعال فرع العلم بكون الفعل فعلا # PageV00P078 # للممدوح والمذموم، فلو استدل بالمدح والذم على كونه فعلا له لزم الدور. # لأنا نقول: سبق الذهن على المدح والذم دليل على العلم الضروري بكونه فعلا ~~له، فلو كان هناك تردد لما حصل الجزم بالمدح والذم من غير توقف. # الوجه الثالث: لو كانت أفعال المكلف من فعل الله تعالى فيه، لم يكن ~~لإرسال الرسل ولا للترغيب القرآني ولا للعظات فائدة. وبيان ذلك: أن بتقدير ~~أن يكون الله تعالى فاعلا للإيمان والكفر لم يكن لهذه الأشياء أثر في وقوع ~~التكليف. # لا يقال: لم لا يجوز أن يجري الله تعالى العادة بفعل هذه الأفعال في ~~العبد عند إرسال الرسل وسماع العظات. # لأنا نقول: قد كان يمكن فعل الإيمان في العبد من دون ذلك، فتوقفه عليه ms017 ~~عبث، والعبث قبيح بالضرورة. # احتج المخالف بوجوه أقواها: لو كان العبد فاعلا لتصرفاته لزم الترجيح من ~~غير مرجح، لكن ذلك محال. بيان الملازمة أن بتقدير كونه قادرا يكون نسبته ~~إلى الفعل والترك واحدة، فإن فعل والحال هذه حصل الترجيح من غير مرجح، وإن ~~لم يفعل إلا بزيادة تقتضي الترجيح من داع أو إرادة، فعند ذلك، إما أن يجب ~~الفعل، أو يصير أولى، أو يبقى على ما كان عليه، ويلزم من الأول الجبر، ومن ~~الثاني إما الجبر بتقدير أن يجب ما هو أولى، أو تجويز وقوع المرجوح حال ~~كونه مرجوحا بتقدير أن لا يجب وقوع الراجح، ومن الثالث حصول أحد الجائزين ~~من غير مرجح، وهو محال. PageV00P079 # الوجه الثاني: لو كان العبد فاعلا لتصرفاته، لكان عالما بتفصيل تلك ~~الأفعال، واللازم باطل، فالملزوم مثله، أما الملازمة فلأن الفعل الاختياري ~~يستتبع القصد المرتب على العلم، ضرورة أن من ليس بعالم بالشئ يستحيل قصده ~~إليه. وأما بطلان اللازم فلأن الواحد يحرك إصبعه مثلا بتحرك جميع أجزائها، ~~ففي كل جزء منها حركة، مع أنه لا يعلم عدد تلك الحركات. # الوجه الثالث: ثبت في أبواب التوحيد أنه تعالى قادر على كل مقدور، ~~ومقدورات العباد مما يصح أن يكون مقدورا لله تعالى، لأنها مساوية لمقدوراته ~~في الجنس، والقدرة على أحد الجنسين يجب أن تكون متعلقة بالجنس الآخر، فلو ~~كانت هذه الأفعال واقعة بقدرة العبد وقدرة الله تعالى، لزم وقوع مقدور ~~بقادرين، وإن وقعت بقدرة العبد دون قدرة الله تعالى، مع تعلقها بها، لزم ~~خروجها عن التعلق. # الوجه الرابع: إذا ثبت أن الله تعالى قادر على كل مقدور، فلو كان العبد ~~قادرا على شئ، لزم اشتراك البارئ والعبد في الاقتدار على ذلك الشئ، فلو ~~أراد البارئ إيقاع شئ من تلك الأشياء، وأراد العبد إيقاع ضده، فإن وقع ~~المرادان اجتمع الضدان، وإن وقع مراد الله امتنع وقوع فعل العبد مع قدرته ~~عليه من غير وجه منع، وإن وقع مراد العبد لزم المحذور بعينه. # لا يقال: الله سبحانه أقوى في الاقتدار ms018 من حيث هو قادر بالقدرة القديمة. ~~لأنا نقول: إذا تساويا في الاقتدار على ذلك الشئ لزم هذا المحذور، وإن كان ~~البارئ قادرا لذاته وبالقدرة القديمة، والعبد قادر بالقدرة المحدثة. ~~PageV00P080 # والجواب عن الوجه الأول: قوله: " لو كان العبد فاعلا لتصرفه، لزم الترجيح ~~من غير مرجح، لأن نسبته إلى الفعل والترك واحدة " قلنا: لا نسلم هذا لأن ~~الترجيح بالفاعل وإن كانت نسبته إلى الفعل والترك واحدة، لأن الفائدة ~~للاقتدار كون الذات بحيث يصح منها أن تفعل وأن لا تفعل ليتحقق الفرق بين ~~الموجب والقادر. # قوله: " إذا انضمت الداعية إما أن يجب الفعل وإما أن لا يجب، فإن وجب لزم ~~الجبر " قلنا: لا نسلم، لأن معنى الوجوب أنه يقع بحبسه ما دام الداعي ~~بحاله، لكن القادر يمكنه معارضة ذلك الداعي بصارف، فيعود الفعل واجبا ~~باعتبار بقاء الداعي، وغير واجب باعتبار الصارف. # لا يقال: ننقل الكلام إلى ذلك الداعي والصارف، لأنا نقول: الداعي المذكور ~~والصارف لا يفتقران إلى داع، فالقصد يقع بمجرد كون القادر قادرا، ونمنع ~~الاستحالة في هذا المقام. # قوله: " وإن لم يجب الفعل فإن كان أولى لزم الجبر أو الترجيح من غير مرجح ~~" قلنا: لا نسلم. # قوله: " إن لم يجب الفعل معه لزم المحذور وإن وجب لزم الجبر " قلنا: # لا يجب معه، والمحذور لا يلزم بتقدير كون الفعل أولى. # قوله: " لو لم يكن واجبا لزم وقوع المرجوح " قلنا: هو كذلك فما الدليل ~~على استحالته في حق المختار. ثم ما ذكروه يلزم منه استحالة فرض وجود مختار، ~~ويلزم أن يكون البارئ سبحانه غير مختار، بل موجب لعين هذه النكتة. فإن ~~فرقوا بكون إرادة البارئ قديمة وإرادة العبد محدثة، فهو فرق PageV00P081 # بارد، فإنا نقول لهم: مع هذه الإرادة القديمة إن كانت أفعاله واجبة لزم ~~الجبر، وإن كانت أولى أو جائزة لزمت المحذورات، فتحقق أن هؤلاء أرادوا أن ~~يثبتوا الجبر فهدموا الإسلام، وبمثل هذا يعرف صدق قوله - عليه السلام -: # حبك للشئ يعمي ويصم. (77). # والجواب عن الوجه الثاني: نقول: لا نسلم أن القادر على الفعل يجب ms019 أن يكون ~~عالما بكمية أعداده وتفاصيل أحكامه، بل لم لا يجوز أن يكفي العلم بذاته ~~ليصح القصد إليها وإن لم يعلم كمية ما يقع من ذلك الجنس، إذ الكمية عرض ~~تابع للحقيقة، والحقيقة هي فعل الفاعل في نفس الأمر. # والجواب عن الوجه الثالث: لم لا يجوز أن يقع الفعل بقدرة الله تعالى إن ~~أراد، وإن لم يرد فبقدرة العبد؟ # قوله: " يلزم الخروج عن التعلق " قلنا: هذا مسلم، لكن ما الدليل على ~~استحالته، فإن الفعل بعد وجوده ينقطع القدرة عن التعلق. على أن أبا هاشم ~~وأتباعه يمنعون من تعلق قدرة الله بعين مقدور العبد. (78) # PageV00P082 # والجواب عن الوجه الرابع: نقول: لم لا يجوز أن يقع مراد الله تعالى؟ # قوله " يلزم امتناع مقدور العبد من غير منع " قلنا: لا نسلم، لأن على ~~تقدير اشتراك قادرين في مقدور يكون وقوع ذلك المقدور بأحد القادرين مبطلا ~~لتعلق الآخر به. # قوله: " هما متساويان في الاقتدار " قلنا: لا نسلم إذ نحن نعلم أن القوي ~~في الاقتدار قد يمنع الضعيف من فعله إذا قصد إلى الضدين. # وقد ذهب النجار (79) عند ظهور حجج القول بالاختيار إلى القول بالكسب (80) ~~ليحصل ما يكون مستندا لاستحقاق المدح والذم، فزعم أن الله يخلق في العبد ~~قدرة وفعلا، ثم العبد يجعل ذلك الفعل طاعة أو معصية. # فيقال له: قدرة العبد إما أن تكون مؤثرة في إيجاد شئ وإما أن لا تكون، ~~ويلزم من الأول إسناد ذلك الشئ إلى العبد، ومن الثاني خلو القدرة عن ~~التأثير. وبالجملة أن كون الفعل طاعة أو معصية يؤثر فيهما الوجوه التي # PageV00P083 # تقع عليها الأفعال لا القدرة، إذ لو أثرت القدرة من دون الوجه المؤثر في ~~الحسن والقبح، لجاز أن يفعل القادر الفعل منضما إلى الوجه المؤثر في القبح ~~حسنا، لكن ذلك باطل بالضرورة. # ثم إنا نطالبهم بالكسب الذي يشيرون إليه تصورا، ثم نطالبهم بإثباته ~~استدلالا. PageV00P084 # البحث الثاني في الحسن والقبح العقلي الحسن هو ما لا يذم فاعله عليه، ~~والقبيح ما يستحق به الذم على بعض الوجوه (81) والواجب ما يحسن ms020 الذم مع ~~تركه على وجه (82). # إذا تلخص (83) هذا، فالناس في هذا المقام طوائف. منهم القائلون بأن الحسن ~~والقبح مستفاد من العقل، وأن المؤثر في ذلك وجوه الأفعال. ومنهم القائل بأن ~~الحسن راجع إلى ملائمة الطبع، والقبح إلى منافرته، وأما استحقاق المدح ~~والثواب والذم والعقاب فلا يستفاد إلا من الشرع. ومنهم القائل بأن الحسن ما ~~حصل به نظام المصلحة، والقبح عكسه. # والدليل على القول الأول وإن كان غنيا عن الاستدلال - لشهادة العقل به - # PageV00P085 # إنا نعلم اضطرارا أن من كلف الأعمى نقط (84) المصاحف، أو الزمن العدو، ~~مستحق للوم، مستوجب للذم ضرورة، ولا معنى للقبح العقلي إلا ذلك. # الوجه الثاني: لو كان القبح والحسن مستفادين من الشرع لوقف العلم بهما ~~على الشرع، لكن ذلك باطل. أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان اللازم فبوجوه: ~~الأول: أنا نفرض أنفسنا خالية عن الشرائع فنرى العقول شاهدة بذلك. الثاني: ~~أنا نعلم الفرق بين قبح الظلم وقبح الزنا، فلو كان مستفادا من الشرع لتساوي ~~الأمران. الثالث: منكر الشرع يحكم بالحسن والقبح العقلي كالبراهمة (85)، ~~ولو كان موقوفا على الشرع لما حصل ذلك الحكم. # الاستدلال الثالث: # لو كان ذلك مستفادا من الشرع لوجب أن لا يحصل العلم به أصلا. # بيان الملازمة أن العلم بصحة الشرع موقوف على العلم بالحسن والقبح ~~الشرعي، فلا يحصل العلم بالشرع من دونه، فلو استدل عليه بالشرع لوقف كل ~~واحد منهما على صاحبه. وبيان أن العلم بالحسن والقبح أصل الشرع، # PageV00P086 # إن الشرع موقوف على صدق النبي - عليه السلام - والعلم بالنبوة موقوف على ~~المعجز، فلو لم يقبح إظهار المعجز على الكاذب لما علم صدقه - عليه السلام - ~~فإيقاف العلم بذلك على الشرع قدح فيه. # الاستدلال الرابع: # لو كان الحسن والقبح راجعين إلى ملائمة الطبع ومنافرته، لوجب في من مال ~~طبعه إلى ظلم إنسان لا يحصل له [العلم] بقبح فعله، وكذلك كان يجب في من سمع ~~هجاء أهل الفضائل بالصوت الرخيم (86) والوزن المستقيم والنظم المستحسن أن ~~لا يستقبحه والمعلوم خلاف ذلك. # PageV00P087 # البحث الثالث في أنه تعالى لا يفعل القبيح ولا ms021 يخل بالواجب ولا بد قبل ~~ذلك بيان أنه قادر على القبيح، خلافا للنظام (87)، والدليل على ذلك وجوه: # الأول: أنه ثبت كونه قادرا على كل مقدور، والقبيح مقدور، فيجب أن يكون ~~قادرا عليه. # الوجه الثاني: أن الحسن من جنس القبيح، والقادر على أحد الجنسين يجب أن ~~يكون قادرا على الآخر، والدليل على أن الحسن من جنس القبيح أنهما يشتركان ~~في كون كل واحد منهما حركة مثلا أو سكونا، وإنما يختلفان بالوجوه التي ~~يقعان عليهما، وتلك الوجوه أمور عارضة، والعرضي ليس داخلا في نفس الحقيقة، ~~فيكون القادر على الحقيقة قادرا على مماثلتها. # PageV00P088 # الوجه الثالث: أنه تعالى قادر على تعذيب الكافر إجماعا، فلو أسلم لم يخل ~~إما أن يخرج عن اقتداره على تعذيبه أو لا يخرج، ويلزم من الأول خروجه عن ~~الاقتدار من غير موجب، ومن الثاني قدرته على القبيح. # احتج النظام بأنه لو كان قادرا على القبيح، لصح منه فعله، لكن صحة الفعل ~~منه دليل على كونه محتاجا أو جاهلا بقبحه، والدليل لا يدل إلا والمدلول ~~ثابت في نفس الأمر، فيلزم أن يكون البارئ سبحانه جاهلا أو محتاجا، تعالى عن ~~ذلك. # وربما قرر هذه الطريقة بعبارة أخرى، وهو أنه لو كان قادرا على القبيح ~~لكان مع فعله إما أن يدل على الجهل والحاجة، وإما أن لا يدل، والقسمان ~~باطلان. (88) والجواب قوله: " لو كان قادرا على القبيح لصح منه فعله ". ~~قلنا: هذا مسلم. قوله: " لو صح منه فعله لزم الجهل أو الحاجة ". قلنا: " لا ~~نسلم، وإنما يتحقق الجهل أو الحاجة مع فعله لا مع إمكان فعله، لكن فعله ~~محال، لا بالنظر إلى كونه قادرا، بل بالنظر إلى كونه حكيما غير جاهل ولا ~~محتاج، والقادر لا يخرج عن كونه قادرا لحصول مانع يمنع من إيقاع الفعل، ~~ولهذا يوصف تعالى أزلا بكونه قادرا، مع امتناع وقوع الفعل أزلا، لأن ~~الامتناع # PageV00P089 # لا لعدم كونه قادرا بل لامتناع الفعل. # وإذا ثبت ذلك، فاعلم أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخل بالواجب، لأنه ~~عالم بقبح القبيح وعالم باستغنائه ms022 عنه، وكل من كان كذلك فإنه لا يحتاج ~~[إلى] فعله. ولأن القبيح لا يفعله إلا مضطر إليه غير مستغن بالحسن عنه، فإن ~~من أراد الوصول إلى غرض، وأمكن الوصول إليه بالحسن أو القبيح على حد سواء، ~~فإنه لا يتوصل إليه بالقبيح والحال هذه، والعلم بذلك ضروري. وأما الحسن ~~فإنه يفعل لحسنه كما يفعل للحاجة إليه، ألا ترى أن الإنسان قد يرشد الضال ~~من غير أن يعرفه، ولا يكون راجيا للنفع الدنياوي من شكر ولا غيره، ولا ~~للأخروي بأن يكون لا يعتقده، ولا وجه يبعث على فعله إلا حسنه لا غير. # وإذا تلخصت هذه الجملة، تبين أن الله سبحانه لا يكلف ما لا يطاق، لقبحه، ~~ولا يريد المعاصي من أفعال عباده، لأن إرادة القبيح مساوية للقبيح في ~~القبح، فكما لا يقع منه فعل القبيح وكذلك يجب [أن] لا يريده. # وأفعال الله سبحانه من خير وشر مقضية، ويجب الرضا بها، وأفعال العباد ~~مقضية، لا بمعنى (89) أنها مخلوقة لله سبحانه، بل بمعنى أنها مأمور ~~بالطاعات منها، (90) أو بمعنى أنه أعلمنا ما فيها من ثواب وعقاب، فإن ~~القضاء قد يكون بمعنى الإعلام كقوله: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) ~~(91) أي أعلمناهم. # PageV00P090 # ومقدرة بمعنى أنه الواجب والمندوب والمباح، وأن الله سبحانه قدرها، بمعنى ~~أعلمنا حاله، أو ما فيها من ثواب وعقاب، لا بمعنى أنه خلقها. (92) وما ورد ~~في القرآن من الهداية يحمل على الدلالة على طريق الحق كقوله تعالى: (وأما ~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) (93) وإما بمعنى الهداية إلى طريق ~~الجنة، أو بمعنى تقوية الدواعي بفعل الألطاف. والضلال يحمل على العقاب، أو ~~على إبطال العمل كقوله تعالى: (وأضل أعمالهم) (94)، ولا يجوز تفسيره بفعل ~~الضلال في العبد، لأن ذلك ينافي الحكمة، وينقض ما هو معلوم من كونه تعالى ~~لا يفعل إلا ما يريده، وقد أخبر تعالى أنه لا يريد الكفر ولا يرضاه (95)، ~~ولا يريد الظلم في قوله تعالى: # (وما الله يريد ظلما للعباد) (96). # PageV00P091 # البحث الرابع في فروع العدل وفيه أربعة مطالب المطلب الأول في التكليف. ms023 ~~النعمة هي المنفعة الحسنة التي يقصد فاعلها الإحسان إلى المنعم عليه. ~~واشتراط المنفعة احترازا عن المضرة المحضة واشتراط الحسنة إنما كان لأن ~~المنفعة موجبة للشكر، والشكر لا يستحق بفعل القبيح، واشتراط القصد للإحسان ~~احترازا ممن يفعل ذلك رياء للاضطرار. # وإذا تبين ذلك ظهر أن خلق العالم نعمة، لوجود معنى النعمة فيه، فيكون ~~حسنا. أما كونه منفعة فلأن المنفعة هي اللذة أو ما أدى إليها، وخلق الإنسان ~~حيا قادرا مشتهيا من أتم المنافع. فأما كونها حسنة، فلأنا لا نعقل فيها ~~وجها من وجوه القبح، ولأنها فعل الله تعالى، وقد بينا أنه لا يفعل القبيح. ~~وأما أنه قصد بها الإحسان، فلأنه لا يخلو من أن يكون له في خلق العالم غرض ~~وإما أن لا يكون، والثاني محال، والغرض لا يجوز أن يرجع إليه تعالى، فتعين ~~أن يكون عائدا إلى غيره، ولا يجوز أن يكون ذلك ضررا، لأن الإضرار الذي لا ~~يستحق قبيح، فتعين أنه فعل العالم قصدا للإحسان، فيكون حسنا. PageV00P092 # لا يقال: الحيوان بعد خلقه تناله ضروب الألم، ولولا وجوده حيا مدركا لسلم ~~من ذلك، لأنا نقول: يحصل في ضمن ذلك من الأعواض ما ينغمر تلك الآلام، فيعود ~~حاصلها إلى النفع. # وأما التكليف: فهو البعث على ما يشق من فعل وترك، وينحصر البحث في ثلاث ~~مقامات: # المقام الأول في حسنه والدليل على ذلك أنه فعل الله، وفعل الله سبحانه ~~حسن، فالتكليف حسن. وأما وجه حسنه فقد قال المعتزلة (97) إنه تعريض لما لا ~~يحسن الابتداء به، ولا يوصل إليه إلا بالتكليف، وذلك هو الثواب، والثواب هو ~~النفع المستحق الدائم المقارن للتعظيم والتبجيل. وإنما قلنا: إن ذلك لا ~~يحسن الابتداء به، لأنا نعلم قبح تعظيم من لا يعلم منه فعل ما يوجب ~~التعظيم، ونستقبح تعظيم من أسلم ولم يفعل من أركان الإسلام شيئا كما نعظم # PageV00P093 # الصلحاء والعلماء الذين قطعوا أوقاتهم المتطاولة في العبادات، ولو جاز ~~الابتداء بمثل ذلك لجاز التسوية بينهما. # لا يقال: هذا مستمر في من علم الله أنه يؤمن، ولا يستمر في ms024 من علم الله ~~أنه يكفر. لأنا نقول: الحالان واحدة، لأنهما متساويان في التعريض للنفع، ~~والتفاوت لا يحصل إلا من سوء نظر (98) الكافر لنفسه، لأنا نعلم حسن التعريض ~~للمنافع، والإلزام بالمصالح لمن نعلم إجابته وامتناعه. # لا يقال: لو فعل الإيمان مع علم الله أنه لا يؤمن لانقلب علمه تعالى ~~جهلا. لأنا نقول: العلم تابع للمعلوم، فمن علم الله منه الإيمان تعلق علمه ~~باختياره، وكذلك إذا علم الله أنه يختار الكفر. فقولهم: " كان ينقلب "، فرض ~~مستحيل على هذا التقرير، لأن أي فعل وقع من المكلف كان هو الذي تعلق العلم ~~به، فلا يعرض في العلم الانقلاب، فكأنهم غلطوا فظنوا أن الله يعلم قيام ~~زيد، ثم فرضوا أنه لا يقوم، وهو من أفحش الغلط، فإنه بتقدير أن لا يقوم ~~يكون هو المعلوم لا القيام. # ثم نقول لهم: قد أخبر الله تعالى الملائكة أنه خالق بشرا من طين، (99) ~~فهذا الإخبار أخرج البارئ من كونه قادرا بحيث يستحيل أن لا يفعله، أو يكون ~~الاقتدار باقيا، ويلزم من الأول كون البارئ موجبا، لأن جميع أفعاله معلومة ~~قبل وقوعها، ومن الثاني نقض ما أوردوه، فتعين أن علم الله تعالى بأن # PageV00P094 # الكافر لا يؤمن تابع لاختياره، لا مؤثر في وقوع الفعل منه، فصح مع ذلك أن ~~يجامع التكليف. # احتجوا بأن تكليف من علم الله أنه يكفر مستلزم للضرر، فيكون قبيحا. # والجواب: إما أن يكون الضرر ناشئا من التكليف أو من مخالفة ما كلف به، ~~والأول باطل، لأن بعث الكافر والمؤمن على الإيمان واحد، فلو قبح أحدهما ~~لقبح الآخر، وإن كان ناشئا من المخالفة لم يؤثر ذلك في القبح، ضرورة أنها ~~حصلت من سوء اختياره لنفسه. # على أن الذي أراه أن التكليف إنما هو دلالة على مصالح المكلف لاشتماله ~~على ما يقتضي وجوبه أو قبحه، ويجب في الحكمة إعلام المكلف بذلك ثم الحكمة ~~تقتضي إلزام الإنسان بمصالحه أطاع أو عصى، فإذا وجه القبح منتف على هذا ~~التقدير، والمضرة المشار إليها غير مرتبة عليه. (100) المقام الثاني في ما ~~يتناوله التكليف ms025 قد عرفت أن التكليف هو البعث على ما يشق، فهو إذا من فعل ~~المكلف، فإن كان بعث على فعل لازم فهو إيجاب، أو بما هو الأولى فهو ندب، ~~وإن كان منعا عن فعل فهو إما حظر أو كراهة في عرف الفقهاء. # وأما ما يتناوله التكليف، فهو إما من فعل الجوارح، أو من فعل # PageV00P095 # القلوب، وكيف كان فإما أن يكون عقليا أو سمعيا، ولا بد في كل واحد من ~~العلم بثلاثة أشياء: العلم بالمكلف ليمكن إيقاعه إعظاما له وتذللا، والعلم ~~بصفة الفعل من وجوب أو ندب ليمكن أن ينوي على صفته، والعلم بكيفيته وترتيبه ~~ليمكن إيقاعه على الوجه المبرئ للذمة. # إذا عرفت هذا فاعلم أن التكاليف الشرعية متأخرة في العلم عن التكاليف ~~العقلية لترتب (101) الشرع على العقل، ثم العقلية ضرورية كالعلم بوجوب رد ~~الوديعة وقضاء الدين، وكسبية كالعلم بقبح الكذب النافع، وحسن الصدق الضار، ~~وكالنظر في المعارف الإلهية، وكل واحد من هذه التكاليف قد يخلو المكلف ~~منها، ولا يخلو مع ذلك من وجوب النظر في المعارف الإلهية، فإذا يجب تقديم ~~الكلام في المعارف. (102) وقبل ذلك لا بد من بيان حقيقة العلم والنظر، ~~فنقول: العلم هو تبين الشئ على ما هو به تبينا ينتفي معه الاحتمال، وهذا ~~ليس بتحديد، إذ العلم لظهوره غني عن الإبانة لكنه تنبيه. # وأما النظر فهو ترتيب علوم أو ظنون ترتيبا صحيحا ليتوصل به إلى علم أو ~~ظن. والدليل هو ما النظر الصحيح فيه يفضي إلى العلم. # إذا عرفت هذا فنقول: الدليل على أن النظر واجب وجهان: # PageV00P096 # الأول: أن النظر يؤمل به زوال الخوف، وكل ما يؤمل به زوال الخوف فهو ~~واجب. أما أنه يؤمل به زوال الخوف، فلأنا نعلم أن العقلاء يعولون على ~~أنظارهم عند تجدد الحوادث المشكلة، فلو لم يكن طريقا من طرق الكشف لما ~~عولوا عليه. والخوف الذي نشير إليه هو ما يحصل عند العاقل حين يسمع اختلاف ~~العقلاء في إثبات الصانع والثواب والعقاب، أو أن يتنبه من قبل نفسه على جهة ~~الخوف، أو أن ms026 يخطر الله بباله ذلك. وأما أن كل ما يؤمل به زوال الخوف واجب، ~~فمعلوم ضرورة. (103) # PageV00P097 # الوجه الثاني: أن معرفة الله واجبة، ولا يمكن تحصيلها إلا بالنظر، وكل ما ~~لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أما أن معرفة الله واجبة، فلأنها دافعة ~~للضرر من خوف الوعيد، أو لأنها لطف في أداء الواجبات. وأما أنه لا يمكن ~~تحصيلها إلا بالنظر، فلأن المعارف إما ضرورية، وهو ما لا يمكن العاقل دفعه ~~عن نفسه، ويكون من فعل الله في المكلف، (104) وإما كسبية، وهو ما لا يحصل ~~إلا بالنظر، (105) والمعارف الإلهية ليست من قبيل الأول، لأنا نراجع أنفسنا ~~فلا نرى العلم يحصل بها على ذلك الوجه، فتعين أن يكون كسبية. وأما أن كل ما ~~لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فضروري، ولأنه لو لم يجب، لكان إما أن يسقط ~~الواجب المتوقف عليه، وإما أن لا يسقط، ويلزم من الأول أن لا يكون ما ~~فرضناه واجبا واجبا، ومن الثاني تكليف ما لا يطاق. # وإذا مر في كلامنا ذكر الخاطر، فلا بد من الإيماء إلى شئ من تحقيقه، ~~فنقول: الخاطر هو التنبيه على جهة الخوف. # PageV00P098 # وقال أبو علي (106): إنه اعتقاد أو ظن. # وقال أبو هاشم: إنه كلام خفي يسمعه المكلف، إما من فعل الله، أو من فعل ~~الملك. # وقال القاضي (107) يتضمن ذلك الكلام أربعة أشياء: التنبيه على المعرفة ~~والنظر، والتنبيه على جهة الخوف، وعلى أمارة الخوف، وعلى ترتيب الأدلة. # ولم أتحقق شيئا من هذه المجازفات، بل أقول: إن كل عاقل عند نشئه يتنبه أن ~~له صانعا، فإذا تصور ذلك، استلزم ذلك التصور للأمور التي أشاروا إليها، ولم ~~ينفك مكلف من ذلك. # وأما الشروط، فإنها تنقسم، فما يرجع منها إلى التكليف اثنان، وهما: أن لا ~~يكون مفسدة، وأن يكون مقدما على فعل ما يتناوله التكليف، بقدر ما يمكن ~~المكلف العلم بأنه متعبد به (108). وما يرجع إلى متعلق التكليف اثنان: # PageV00P099 # أحدهما أن لا يكون مستحيلا إما بالنظر إلى نفسه كالجمع بين الضدين، وإما ~~بالنسبة إلى وقته بأن ms027 يكون ضيقا عن إيقاعه، وأن يكون له صفة زائدة على ~~حسنه. (109) وما يرجع إلى المكلف اثنان: أحدهما أن يكون متردد الدواعي، وأن ~~يكون مزاح العلة، (110) وما يرجع إلى المكلف شروط: أن يعلم ذلك من حال ~~التكليف والمكلف ومتعلق التكليف وأن يكون غرضه حصول الطاعة وإثابة المطيع، ~~وأن يعلم أنه يثيبه على طاعته. (111) المقام الثالث في الألطاف المصلحة إما ~~أن تكون دينية أو دنياوية، فإن كانت دنياوية، وانتفت عنها وجوه القبح، فهل ~~يجب في الحكمة أم لا؟ # قال الأكثرون: هي غير واجبة، وأوجبها الأقل في الجود. (112) # PageV00P100 # احتج الموجبون بأنها منفعة لا يتوجه بها ضرر على فاعلها، ولا على غيره، ~~وليس فيها وجه من وجوه القبح، فيتعلق بها الداعي، وينتفي عنها الصوارف، وكل ~~ما كان كذلك، فلا بد أن يبعث الحكمة على فعله. # احتج المانعون بأن ذلك لو وجب لوجب فعل ما لا نهاية له من المنافع، لوجود ~~المقتضي لذلك، لكن فعل ما لا نهاية له محال، فما أدى إليه مثله. # ولقائل أن يجيب عن هذا الوجه بأن ما لا نهاية له متعذر، فلا يتعلق به ~~الداعي. # وأما المصالح الدينية، فإنها تنقسم إلى ما يقع عنده الطاعة، ويسمى لطفا ~~بقول مطلق، وإلى ما يكون المكلف معه أقرب إلى الطاعة، ويسمى لطفا مقربا، ~~وفي مقابلة ذلك المفسدة، فمنها ما تقع عنده المعصية، ومنها ما يكون المكلف ~~معه أقرب إلى فعل المعصية. (113) وهل يجب على البارئ سبحانه فعل اللطف أم ~~لا؟ الأكثرون يقولون بوجوبه، واحتجوا على ذلك بوجوه: # أحدها: أن اللطف مفض إلى غرض المكلف، وليس فيه وجه من وجوه القبح، ولا ~~يؤدي إلى ما لا نهاية له، وكل ما كان كذلك فهو واجب في الحكمة، أما أنه مفض ~~إلى غرض المكلف، فلأنا نتكلم على هذا التقدير، وأما # PageV00P101 # أنه ليس فيه وجه من وجوه القبح، فلأن وجوه القبح مضبوطة، وليس فيه شئ ~~منها، وأما أن كل ما كان كذلك كان واجبا في الحكمة، فلأن داعي الحكمة متعلق ~~به، والصوارف منتفية عنها، وكل ما تعلق ms028 به الداعي، وانتفى الصارف عنه، فإنه ~~يجب أن يفعل. # الوجه الثاني: لو لم يفعل البارئ سبحانه وتعالى اللطف على هذا التقدير، ~~لكان ناقضا لغرضه، ونقض الغرض قبيح. بيان أنه يكون ناقضا لغرضه، أن من دعا ~~غيره إلى طعام له وعلم أنه يحضر إن أرسل رسولا إليه لا غضاضة عليه في ~~إرساله، ولم يرسل رسوله، فإنه يكون غير مريد لحضوره، والعلم بذلك ظاهر. # الوجه الثالث: لو لم يجب فعل اللطف، لكان البارئ مخلا بما يجب عليه في ~~الحكمة، إذ لا فرق بين منع اللطف وعدم التمكين. (114) احتج المخالف بأنه لو ~~وجب اللطف لوجب أن يفعل بالكافر. # والجواب لا نسلم أن للكافر لطفا. (115) وتحقيق ذلك، أن اللطف هو ما يعلم ~~المكلف أن المكلف يطيع عنده، أو يكون أقرب إلى الطاعة، مع تمكنه في ~~الحالين، والكافر قد لا يكون له لطف يحركه إلى فعل الطاعة. ويجري هذا # PageV00P102 # مجرى رجل له ثلاثة أولاد، أحدهم يطيعه بالإكرام، والآخر بالإهانة، ~~والثالث لا يؤثر فيه أحد الأمرين، فلا يكون لذلك لطف، فالكافر الذي لا يطيع ~~يجري مجرى الثالث (116). # PageV00P103 # المطلب الثاني الكلام في الآلام والأعواض اختلف الناس في الآلام، فقال ~~قوم: بحسنها أجمع، بمعنى أن العقل لا يحكم بقبح شئ منها، وهم الأشعرية. ~~وقال الثنوية (117) بقبحها أجمع، وفصل آخرون فقالت التناسخية (118) لا يحسن ~~منها إلا ما كان مستحقا، وقالت المعتزلة لا يحسن منها إلا ما كان مستحقا، ~~أو فيه نفع يوفى عليه، أو دفع ضرر أعظم منه، أو يكون على سبيل المدافعة، أو ~~جاريا مجرى فعل الغير بالعادة. # أما أنه يحسن للاستحقاق، فإنا نستحسن ذم المسئ في وجهه وإن تألم بذلك، ~~ولا وجه لحسنه إلا الاستحقاق. وأما حسنها بالعرض الموفى # PageV00P104 # عليه، فلأنا نستحسن ركوب الأخطار، وقطع المفاوز، رجاء لحصول نفع يوفى على ~~تلك المشقة، والعلم بذلك ظاهر. وكذلك يحسن استيجار الأجير بعوض يرفع قبح ~~ألمه، وأما أنه يحسن لدفع الضرر، فلأنا نستحسن شرب الدواء الكريه والعلاج ~~بالحديد دفعا لما يظن من الضرر الموفى عليه، ونجد العقل باعثا على ms029 ذلك. ~~وأما أنه يحسن على وجه الدفع، فإن من أراد غيره عن نفسه (119) حسن منه الذب ~~عن نفسه، وإن أدى ذلك إلى قتل المريد. وأما أنه يحسن إذا كان جاريا مجرى ~~فعل الغير، فلأن من طرح غيره في نار فاحترق، فإن احتراقه من فعل الله ~~سبحانه إما بالاختراع أو التولد، (120) ولا يقبح ذلك من الله سبحانه، ولا ~~يجب عليه في مقابلته عوض، لأنه سبحانه لما جرى العادة بذلك لم يجز نقضها إذ ~~نقضها دلالة على صدق مدعي النبوة، فلو خرق العادة لانسد باب الاستدلال على ~~النبوات، فصار ذلك الفعل - وإن كان من الله تعالى - جاريا مجرى فعل غيره، ~~فكان العوض في ذلك على المباشر لإلقائه. # فائدة اختلف أبو علي وأبو هاشم في وجه حسن الآلام على وجه الدفع، فقال ~~أبو علي: وجه حسنها أن الدافع صار مستحقا لنفس من كابره على نفسه، وكان ذلك ~~من قبيل المستحق، فيكون على هذا التقدير من القسم الأول، لا قسما برأسه. ~~وقال أبو هاشم: وجه حسنه كونه دفعا لا غير، لأن العقلاء يحسنون ذلك نظرا ~~إلى الدفع، لا إلى كونه مستحقا. ولأنه لو كانت # PageV00P105 # مكابرته موجبة لاستحقاق نفسه لوجب أن يكون ذلك الاستحقاق باقيا وإن كف ~~المكابر. # وإذا ثبت أن الألم يحسن لأحد هذه الوجوه فقد اختلفوا في ما يفعله الله ~~تعالى من الآلام بالعقلاء والأطفال والبهائم. فالذي عليه جمهور المتكلمين ~~قالوا: إنما يحسن ذلك للعوض والنفع الموفى عليه. وقالت التناسخية: إنما ~~يحسن لكونه مستحقا، أما في العقلاء فبجرائم سبقت، وأما في البهائم ~~والأطفال، فحيث كانت أنفسهم في غير هذه الهياكل عاصية لله. # فيحتاج تحقيق البحث مع هذا الفريق إلى بيان أن الإنسان هو هذه الجملة، ~~ليبنى الرد عليهم على إزالة مستندهم. # فنقول: اختلف الناس في الإنسان الذي يشير إليه كل واحد بقوله: # " أنا " ما هو؟ فقال جمهور الفلاسفة: إنه ليس بجسم ولا جسماني، بل هو ~~مجرد عن المادة الجسمية، متعلق بالبدن تعلق الشعف، مدبر له بالاختراع، ~~وتابعهم على ذلك بعض المعتزلة، ومن فقهائنا ms030 الشيخ المفيد (121) في ما يحكى ~~عنه. (122) # PageV00P106 # وقال أهل الحق: إنه جسم، ثم اختلفوا فقال قوم منهم: هو هذا الهيكل ~~بجملته، وقال آخرون: هو الأجزاء الأصلية من هذا البدن التي لا يتغير بصغر ~~ولا كبر ولا هزال ولا سمن، وهذا القول أقرب إلى الصواب. # والدليل عليه حسن توجه المدح والذم إلى هذا الهيكل، فلو كان الفعل من ~~غيره لكان المدح والذم مصروفين إليه، لا إلى هذا الشخص. # ثم لا جائز أن يكون هو الجملة بأجمعها لوجهين: # أحدهما: أن البدن من شأنه التحلل والاستخلاف، فإن الأجزاء الغذائية قبل ~~تمام النشأ (123) لزيادة فيه، وبعد تمام النشأ إنما تزاد (124) لتقوم عوضا ~~عن ما يحلل، وهي أبدا متبدلة، والإنسان باق، والمتبدل مغاير لما لا يتبدل ~~بالضرورة. # الوجه الثاني: قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون) (125) ويستحيل اجتماع الحياة والقتل على الشئ ~~الواحد في الوقت الواحد، فلا بد أن يكون الحي المرزوق في الجنة مغايرا ~~للمشاهد المقتول في الدنيا، فتعين أن الإنسان ليس جملة هذا البدن، بل أجزاء ~~أصلية فيه، وهي المحكوم بانتقالها إلى الجنة. # احتج الفلاسفة بوجوه، أظهرها أن قالوا: العلم لا ينقسم، فالعالم # PageV00P107 # لا ينقسم. بيان الملازمة أنه لو انقسم لكان جزؤه إما علما فلا يكون ما ~~فرضناه واحدا واحدا (126)، بل علوما، هذا خلف. وإن لم يكن جزؤه علما كان ~~العلم مركبا من ما ليس بعلم، وهو باطل. وأما أنه إذا كان العلم غير منقسم ~~فالمتصف به غير منقسم، لأنه لو انقسم المحل لكان العلم إما أن يكون قائما ~~بأجزائه كلها، فيكون الواحد حالا في محلين بل أكثر، وهو محال، أو في جزء ~~منها فيكون ذلك الجزء هو الموصوف بالعلم دون غيره. وإذا ثبت ذلك وجب أن لا ~~يكون محل العلم جوهرا جسما ولا جسمانيا (127)، لأن كل متحيز منقسم، وكل ما ~~حل في المنقسم منقسم. # والجواب أن نقول: هذا بناء علي نفي الجوهر الفرد، ونحن فلا نسلم نفيه ~~(128). ثم لو سلمنا لكان العلم عندنا من الأمور ms031 الإضافية، والأمور الإضافية ~~يصح أن تكون مقولة على الجسم المركب، فلذلك القرب والبعد، مقول على ~~المتقاربين والمتباعدين، وليس مقولا على أحدهما، فما المانع أن يكون العلم ~~كذلك، فإنه عندنا على التحقيق من الأمور الإضافية، وليس ذاتا قائما ~~بالعالم، ولا صورة مساوية للمعلوم في العالم، ومع وضوح هذا # PageV00P108 # الإشكال يندفع احتجاجهم المذكور. (129) وإذا تقرر ذلك فنقول للتناسخية: ~~إن الواحد منا يعلم علما اضطراريا، أنه لو كان موجودا قبل القرن الذي هو ~~الآن موجود فيه، لوجب أن يكون ذاكرا لشئ من حوادثه. # لا يقال: اختلاف الأبدان مانع من الذكر: لأنا نقول: قد بينا أن المكلف هو ~~الأجزاء الأصلية التي في هذا الشخص المبنية بنيته، فلو كان موجودا قبل لك، ~~لوجب أن يكون ذاكرا لحوادثه السالفة، لأن حقيقته موجودة في الحالين. # ثم يقال لهم: لو لم يحسن الألم من دون الاستحقاق، للزم أن يكون قبل كل ~~استحقاق استحقاق، فالسبب الأول يجب أن يكون من غير استحقاق. # فإن قالوا: ذلك السبب تكليف. قلنا: فالتكليف ألم، وكما جاز أن يفعل العوض ~~من غير استحقاق فكذلك ما يبتدئ به من الألم. # ثم نعود إلى تحقيق القول في ما يبتدئ به الله تعالى من الألم مع غير هذا ~~الفريق. فنقول: أما الآلام التي تفعل بالعقلاء فقد يكون للاستحقاق مثل أن ~~يعجل الله تعالى بعض العقاب المستحق في دار الدنيا. # وما ليس بمستحق منها، اختلف في وجه حسنه، فكذلك الآلام التي تفعل ~~بالصبيان والمجانين والبهائم، فذهب قوم إلى أنها تفعل لمجرد العوض، # PageV00P109 # وقال آخرون: يحسن لمجرد اللطف، وقال المرتضى: لا يحسن إلا لمجموع العوض ~~واللطف. # واحتج لذلك بأن العوض يخرج الألم من كونه ظلما، واللطف من كونه عبثا. # واحتج أبو علي على كون النفع كافيا، بأنه يوصل إلى نفع لا يوصل إليه إلا ~~بالألم، فكان حسنا. بيان ذلك أنه لو ابتدأ بذلك النفع لكان تفضلا، وقد يأبى ~~الإنسان قبول التفضل، أما إذا كان مستحقا، فإن أحدا لا يترفع عنه. # وقد أجيب عن ذلك، بأنا لا نسلم أن المنافع ms032 التي يتفضل بها الله تعالى ~~يترفع أحد عنها، وإنما يسوغ ذلك الفرض في المماثل والمقارب. # احتج من أجاز فعل الألم لمجرد اللطف، بأنه لا فرق بين أن تكون المنفعة في ~~مقابلة الألم، وأن تكون في ما يكون الألم لطفا ووصلة إليه. ألا ترى أنه ~~يسوغ تحمل مشاق الأسفار لحصول الزيادة في أثمان الأمتعة، وإن كان النفع ليس ~~في مقابلة السفر. ثم يتأكد ذلك وضوحا في ما إذا كان اللطف عائدا إلى ~~المولم، وبيان ذلك، أن من علم أن ولده لا يتعلم العلم في بلده، وإذا أحوجه ~~إلى تحمل الغربة (130) والانفراد عن شواغل معارفه من أهل بلده، كان باعثا ~~على تعلمه، فإنه يحسن أن يلزمه ذلك، ولا يجب عليه عوض في مقابلة ذلك الألم، ~~ولا وجه لحسنه إلا كونه لطفا في التعلم، وهذا الوجه قوي، وهو المعتمد. ~~(130) # PageV00P110 # المطلب الثالث في الآجال والأرزاق والأسعار أجل الدين هو الوقت الذي يحل ~~فيه، وكذلك أجل الحيوان هو الوقت الذي تبطل فيه حياته، فمن مات من قبل الله ~~تعالى كان ذلك حسنا ويجب الرضا به، وإن قتله قاتل فهل كان يعيش لو لم يقتل؟ ~~جزم بذلك قوم، PageV00P111 # وحكم آخرون بالموت قطعا، وتوقف المرتضى (132)، وهو الحق. # لنا أنه لا دلالة على الجزم بكل واحد من القولين، ومع عدم الدلالة يجب ~~التوقف. # واحتج الجازم بالموت بوجهين: أحدهما: لو جاز أن يعيش لكان القاتل قاطعا ~~لأجله، وبأن الله يعلم بطلان حياته في هذا الوقت، وعلمه سبحانه لا يجوز أن ~~يتبدل. # وجواب الأول منع الملازمة، فإنه لا يثبت أنه قاطع لأجله إلا مع التبين. ~~وجواب الثاني أنه لا يلزم من تجويز الحياة انقلاب العلم، إذ لو بقي لما كان ~~الله تعالى عالما ببطلان حياته. (133) # PageV00P112 # واحتج القاطعون بالبقاء بوجهين: أحدهما: أن الظالم قد يقتل في الحال ~~الواحد عدة لم تجر العادة بموتهم في تلك الحال، ويلزم من ذلك أنه لو لم ~~يقتلهم لبقوا أو بعضهم. الثاني: لو كان المقتول لو لم يقتل لمات، لكان من ~~ذبح غنم غيره محسنا إليه ms033 بذبحها، فلا يستحق الذم. # وجواب الأول تسليم مثل هذه الصورة، ولا يلزم في غيرها، إذ الحكم الجزئي ~~لا يكون له دلالة على الحكم الكلي. وجواب الثاني: أن الذم يتوجه من وجوه: ~~أحدها: إقدامه على التصرف في مال الغير. الثاني: أن إفساد المال كان بسبب ~~المباشر للذبح. الثالث: أنه منع المالك الأعواض الموفية، فإنه لو ماتت بسبب ~~الله تعالى لكانت أعواضه عليه تعالى راجحة على الأعواض المستحقة على ~~المباشر. # وأما الرزق: فهو ما صح أن ينتفع به (134) ولم يكن لأحد منعه منه (135)، ~~فعلى هذا، الحرام لا يكون رزقا، ولو كان إنسان قطع وقته بتناول الحرام، لما ~~كان ذلك رزقا له، بل قد عدل عن اكتساب الحلال المقسوم له إلى # PageV00P113 # الحرام. (136) وأما السعر: فهو عبارة عن قدر قيمة ما يباع به الشئ. ~~والغلاء عبارة عن زيادة ذلك بالنسبة إلى الزمان والمكان. والرخص عبارة عن ~~نقصانه، فإذا كان الغلاء من قبل الله سبحانه وتعالى، وجب الرضا به، وكان ~~العوض فيه عليه تعالى، وإذا كان من قبل الخلق، إما باحتكار الأمتعة، أو ~~بمنع السبل، أو غير ذلك، كان العوض فيه على فاعل الأسباب. (137) # PageV00P114 # المطلب الرابع في الوعد (138) والوعيد (139) وهو يشتمل على مقدمة وثلاثة ~~مقاصد، أما المقدمة: فنقول المستحق على الأفعال ستة: مدح وثواب وشكر وعقاب ~~وذم وعوض. # أما المدح فهو القول الدال على ارتفاع حال الغير مع القصد إلى ذلك، ولولا ~~اعتبار القصد، لكان قول اليهودي للمسلم: يا مسلم مدحا له، وليس # PageV00P115 # كذلك. # وأما الثواب، فهو النفع المستحق المقارن للتعظيم والتبجيل. والتعظيم كل ~~قول أو فعل أو ترك دل على ارتفاع حال الغير. ولا بد من اعتبار القصد كما ~~ذكرناه في المدح. # والذم عكس المدح. # والعقاب هو الضرر المستحق المقارن للإهانة. # والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع التعظيم. (140) ويستحق المدح بفعل الواجب ~~والمندوب وترك القبيح، وربما أنكر الثالث قوم تعليلا بأن الترك عدم، فلا ~~يكون مؤثرا. وجوابه أنا كما علمنا حسن المدح على فعل الواجب والمندوب ~~اضطرارا، فكذلك عرفنا حسن مدحه على ترك القبيح. لا ms034 يقال: الترك الذي نعلم ~~استحقاق المدح به هو فعل ضد الواجب، لأنا نقول: إن المستلقي في دار غيره ~~بإذنه إذا أمره بالخروج فلم يفعل، حسن ذمه قطعا، فحسن الذم إما أن يكون ~~معللا بترك الخروج، أو بفعل ضده، والقسم الثاني باطل، لأنه يسرع إلى ذمه من ~~لا # PageV00P116 # يعرف ذلك الضد بل من لا يتصوره أصلا. # وشرط استحقاق المدح أن يكون الفاعل له عالما به أو متمكنا من العلم به. ~~ومثل ذلك يشترط في استحقاق الذم والعقاب. ويشترط في هذين زيادة، وهو كون ~~الفاعل مشتهيا للقبيح. وربما جعل بعضهم مكان هذا الشرط أن يكون الفاعل له ~~ممن يصح أن يعاقب. وآخرون يضعفون هذا القول، ويجعلون بدله أن يزجر عنه ~~زاجر. # ومن الشروط أن يفعل الواجب لوجوبه، والمندوب لندبه، وترك القبيح لكونه ~~قبيحا. # المقصد الأول: # المطيع يستحق بطاعته الثواب، لأن إلزام المشاق يجري مجرى فعلها، وكما يجب ~~بفعلها العوض فكذلك بالإلزام. وإنما الخلاف في دوامه، فعندنا ذلك معلوم ~~بالشرع، خلافا للمعتزلة. # لنا أن بالعوض الذي لا يجوز الابتداء [به] يخرج التكليف عن القبح فلا يجب ~~اعتبار ما زاد عليه (141). # احتج المعتزلة بوجهين: أحدهما: لو كان الثواب منقطعا لما حسن التكليف ~~معه، فإن العوض المتفضل به يكون آثر في اختيار المكلف. # الوجه الثاني: أن المدح يستحق على التكليف دائما، فيجب أن يكون الثواب ~~كذلك. # والجواب عن الأول: لا نسلم أن بتقدير انقطاعه يكون التفضل آثر، # PageV00P117 # وهذا لأن في الثواب المنقطع مزية ليست موجودة في التفضل، وهو كونه ~~مستحقا، أو كون التعظيم مقارنا له. لا يقال: إن الاستحقاق لا يصلح فارقا في ~~من لا يترفع المكلف عن تفضله. لأنا نقول: المزية موجودة على كلا التقديرين، ~~فإن صدورهما من فاعل واحد يتفاوت. إذ الفرق بين أن يعطي الملك غيره مالا ~~مستحقا وبين أن يتطوع بالعطية معلوم. # والجواب عن الثاني: سلمنا أن استحقاق المدح دائم، لكن لا نسلم أنه يلزم ~~في الثواب كذلك، فإنه قياس من غير جامع، ولئن أشاروا إلى جامع طالبناهم ~~بالدلالة على عليته ms035 على وجوب تعدية الحكم عن محل الوفاق. # وأما العاصي فإنه يستحق بعصيانه الذم (142)، وقيل: يعلم استحقاقه للعقاب ~~على ذلك عقلا. الحق أن العقل لا يدل على ذلك خلافا للمعتزلة. # لنا أن الذم من لوازم فعل القبيح اختيارا، والعقاب ضرر منفي بالأصل (143) ~~فلا يثبت إلا تبعا لوجود الدلالة. # احتج المعتزلة بوجوه، منها أن الذم مستحق بفعل القبيح، والإخلال بالواجب، ~~فيجب أن يستحق به الضرر، لأن التكليف به دفعا لضرر الذم غير ثابت، فتعين ~~التكليف به دفعا لضرر غير الذم، إذ لو لم يكن فيه دفع ضرر غير الذم لكان ~~عبثا. # ومنها أن العقاب لطف، واللطف واجب على الله، أما الأولى فلأن المكلف عند ~~علمه باستحقاق العقاب يكون أقرب إلى ترك المعصية وفعل الواجب ضرورة، ولا ~~معنى للطف إلا ذلك، وأما الثانية فقد مرت في أبواب # PageV00P118 # العدل. # والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يكون التكليف به دفعا للمفسدة الناشئة ~~من فعله، أو لحصول الثواب في مقابلة الامتثال، وذلك يكفي في حسن التكليف، ~~فمن أين لهم أنه لا بد من أمر وراء ذلك، لا بد لهذا من دليل. # والجواب عن الثاني: لم لا يجوز الاقتصار على الذم وتجويز العقاب، فإن ~~تجويز الضرر قد يكون زاجرا، كما يكون الضرر المتيقن. # وإذا عرفت أن استحقاق العقاب لا يعرف عقلا، فدوامه انقطاعه أيضا كذلك. ~~والمرجع في العلم باستحقاق العقاب ودوام ما يدوم منه والمنقطع، إنما هو ~~مستفاد من الشرع، وقد أجمع المسلمون على دوام عقاب الكافر، واختلفوا في ~~عقاب المؤمن الفاسق، وسيأتي تقرير ذلك بعد تقديم ما يجب تقديمه أمام الخوض ~~فيه إن شاء الله. # ويصح في العقل اجتماع استحقاق الثوب والعقاب، ولا يبطل أحدهما الآخر ~~خلافا للمعتزلة، ويدل على ذلك المعقول والمنقول. أما المعقول، فلأنهما لو ~~لم يصح أن يجتمعا لكان ذلك لمنافاة بينهما، لكن المنافاة منتفية، فالاجتماع ~~ممكن. أما الملازمة فلأن بتقدير عدم المنافاة لا يكون لامتناع الاجتماع سبب ~~معقول، وأما أن المنافاة غير ثابتة، فلأن المنافاة لازمة عن التضاد وما ~~يجري مجرى ms036 التضاد، ولا تضاد بين الطاعة والمعصية، ولا بين ثبوت مستحقهما، ~~وإذا بطل التنافي لزم إمكان الاجتماع. # وأما المنقول فقوله تعالى: (ومن يعمل سوء يجز به) (144) وقوله: (وما # PageV00P119 # يفعلوا من خير فلن يكفروه) (145). # واحتج المعتزلة بالمعقول والمنقول، أما المعقول، فقالوا إن الثواب يستحق ~~دائما، ويقارنه التعظيم والتبجيل، والعقاب يستحق دائما ويقارنه الاستخفاف ~~والإهانة، فلو اجتمعا لزم استحقاق التعظيم والاستخفاف من وجه واحد وهو ~~محال. ولتعذر إيصال المستحق من الثواب والعقاب وهو أيضا باطل. # وأما المنقول فقوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) (146) وقوله: ~~(أولئك حبطت أعمالهم) (147) أن تحبط أعمالكم) (148) (لئن أشركت ليحبطن ~~عملك) (149). # والجواب عن الأول: لا نسلم أن العقاب يستحق دائما، وإنما يكون ذلك في ~~الكافر، والكفر لا يجامع الإيمان. # وقوله: " لو اجتمع الاستحقاقان لزم اجتماع التعظيم والاستخفاف " قلنا: ~~سلمنا ذلك لا بالنسبة إلى فعل واحد بل بالنسبة إلى فعلين، فما الدليل على ~~استحالة ذلك؟ # ثم ما ذكروه منقوض بالمسلم إذا كان ابن كافر، فإنه يجب عليه شكره، وهو ~~يتضمن التعظيم، وذمه على كفره. # PageV00P120 # أما الجواب عن الآيات، فإنا نسلم أن الكفر يسقط معه استحقاق الثواب، ~~بمعنى أنه لا يثبت استحقاقه، لا بمعنى أنه يسقط بعد ثبوته، وكل موضع تضمن ~~ذلك، فإنه يحمل على عدم الاستحقاق، لا على سقوطه بعد الاستحقاق، لأن العقل ~~يحظر إسقاط حق الغير بعد تحققه، ولا يمنع من كون الاستحقاق مشروطا بشئ آخر. ~~(150) # PageV00P121 # المقصد الثاني في ما يسقط المستحق من العقاب: وهو ثلاثة أشياء: # العفو ابتداء، والتوبة، والشفاعة. # والعفو عن العقاب جائز عقلا وشرعا، أما عقلا فلأنه حق الله، وليس في ~~إسقاطه وجه قبح، فيجب أن يحسن، كإسقاط الدين. وأما شرعا فبقوله: # (ويعفوا عن كثير) (151) وبقوله: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (152) ~~وبقوله: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) (153). # فإن قيل: لا نسلم أنه ليس فيه وجه قبح، وبيانه: أن العقاب لطف المكلف، ~~وتفويت اللطف وجه قبح، ثم هو منقوض بإسقاط الثواب وإسقاط الذم، فإنهما لا ~~يسقطان ولو أسقطهما المستحق لهما. # والجواب: أن نقول: قد بينا أنه يكفي ms037 في اللطف تجويز إنزال العقاب، فإن كل ~~مكلف يجوز أن لا يعفى عنه، فيكون ذلك زاجرا له عن مواقعة # PageV00P122 # القبيح، وأما استحقاق الذم والمدح فليس بمختص بعاقل دون عاقل، فلذلك لا ~~يسقط بإسقاط المسقط له، وليس كذلك العقاب، فإنه حق الله على الخصوص فكان له ~~إسقاطه. (154) وأما التوبة، فهي الندم على المعصية، بشرط أن لا يعزم على ~~المعاودة، لا بشرط أن يعزم على ترك المعاودة، والفرق بينهما ظاهر. وربما ~~قيل: إن العزم على ترك المعاودة جزء من التوبة، وربما جعل شرط فيها (155)، ~~وكلا الأمرين خال عن دلالة. (156) # PageV00P123 # وهل يكفي في التوبة الندم على القبيح لكونه قبيحا أم يفتقر الندم عليه ~~لقبحه إلى وجه قبحه أم للزواجر والدواعي؟ في ذلك خلاف. والذي يظهر الاجتزاء ~~بالندم للقبح. # وهل يصح أن يتوب عن معصية دون معصية؟ فيه تردد، والأظهر جوازه. لا يقال: ~~إذا ترك القبيح لكونه قبيحا وجب أن يترك كل قبيح لاستوائهما في ما يقتضي ~~تعلق الصارف. لأنا نقول: لا نسلم وجوب التساوي على تقدير تساويهما في ~~القبح، وهذا لأنه قد يحصل في أحدهما من المزية ما لا يحصل في الآخر، فيكون ~~ذلك القدر من المزية مقتضيا لتعلق الداعي به دون الآخر، فيجري هذا مجرى من ~~ترك مأكولا لحموضته مثلا فإنه لا يجب أن يترك الحامض الآخر، إذا كان مشتملا ~~على زيادة من عذوبة طعم أو نفع في اغتذاء، فالفرض الذي فرضه من التساوي في ~~القبح لا يوجب التساوي في الدواعي والصوارف. (157) وهل يسقط العقاب بالتوبة ~~عقلا؟ فيه أقوال. قيل: يجب في العقل بمعنى أن التوبة تسقط العقاب فيعود ~~إنزاله بالمكلف ظلما. وقال آخرون: # يجب في الجود. والحق أنه لا يجب عقلا، وإنما الشرع دل عليه، وسقوط العقاب ~~عندها بالتفضل. # احتج الموجبون بوجهين: أحدهما: أن من خالفنا في الإسلام: مرتكبا لبعض ~~المذاهب، إذا تاب وأقلع عن مذهبه، وبالغ في إنكاره، يسقط لومه، ويجب # PageV00P124 # موالاته، لا باعتبار الشرع، بل مع فرض رفعه، ولا وجه لذلك إلا التوبة، ~~فيجب أن يكون ذلك وجها مسقطا ms038 للعقاب، ضرورة سقوط الذم حيث ذكرنا. # الوجه الثاني: لو لم يسقط العقاب بالتوبة لكان التكليف بعد وقوع الذنب ~~الواحد محالا، لأنه إما أن يكلف تعريضا للثواب، أو لا للتعريض، ويلزم من ~~الأول بطلان التكليف، لاستحالة وصوله إليه، ومن الثاني خلوه عن الغرض، ~~فيكون عبثا. # والجواب عن الأول: لا نسلم وجوب سقوط الذم في المثال الذي ذكروه، ولا في ~~غيره من الأمثلة التي يمثلونها (*)، لأنا لا نجد العلم بذلك ضرورة، ولم ~~يقيموا عليه برهانا، والاقتصار على محض الدعوى غير مجد. # والجواب عن الثاني: إن ذلك بناء على أن العقاب ودوامه يعلمان عقلا، ونحن ~~نمنع من ذلك، ولا نثبت إلا شرعا، فكما أثبتنا العقاب ودوامه شرعا، فقد ثبت ~~قبول التوبة شرعا. # لا يقال: قد صرتم إلى إيجاب قبول التوبة، وخالفتم في الطريق المفضي إلى ~~الوجوب. لأنا نقول: إن المخالفة في الأصل لم يقع إلا في ذلك، فإنا بنينا ~~على قبول التوبة شرعا لا عقلا، والخصم منع من ذلك، وأوجبه عقلا فلم يكن ما ~~ذكرناه ثانيا منافيا لما ذكرناه أولا. (158) # PageV00P125 # وأما الشفاعة: فقد اتفق المسلمون على أن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~(159) شفاعة، لكن اختلفوا فزعم قوم أنها زيادة في الثواب لا في إسقاط ~~المضار، وقال آخرون: # هي حقيقة في إسقاط المضار لا غير، وهو الحق. # لنا وجهان: أحدهما: أنها حقيقة في إسقاط المضار، فلا يكون حقيقة في غيره ~~دفعا للاشتراك. فإن قيل: وقد تستعمل في زيادة المنافع فتكون حقيقة فيه دفعا ~~للمجاز، أو في القدر المشترك بينهما دفعا للمجاز والاشتراك. (160) قلنا: لو ~~كانت حقيقة في زيادة المنافع أو في القدر المشترك بينهما للزم أن نكون ~~شافعين في النبي - عليه السلام - عند سؤالنا زيادة درجاته. لا يقال: إنا لا ~~نطلق ذلك، لأن الشفاعة تقتضي العلو والاستعلاء. لأنا نقول: إن ذلك باطل من ~~وجهين: أحدهما: إنه لو كان ذلك مشترطا في إطلاق اسم الشفاعة، لكان مستفادا ~~بالنقل عن أهل اللغة، لأنه اصطلاح محض، لكن النقل منتف يحققه السبر (161). ~~الثاني: لو كانت الرتبة معتبرة ms039 بين الشافع # PageV00P126 # والمشفوع فيه، لكانت معتبرة بين الشافع والمشفوع إليه (162)، لكن ذلك ~~باطل، فإن بريرة، وهي أخفض رتبة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، شفع ~~إليها وأخبرها أنه شافع. (163) الوجه الثاني: في الاستدلال على أن الشفاعة ~~في إسقاط المضار قوله - عليه السلام -: " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من ~~أمتي " (164) وما ماثل ذلك من الأخبار الصريحة في إسقاط المضار. (165) # PageV00P127 # لا يقال: هذا خبر واحد، فلا يجوز الاحتجاج به في مسألة علمية، سلمنا ذلك، ~~لكن ثبوت الشفاعة مطلقا ليس بدال على إسقاط المضار فيمكن حمله على زيادة ~~الدرجات بعد التوبة. # لأنا نجيب عن الأول: بأن الخبر المذكور، وإن كان غير متواتر (166) لكنه ~~ملتقى بالقبول، إذ لا نعلم له منكرا إلا معاندا (167)، ومع ثبوت قبوله يخرج ~~عن حكم الآحاد. ولأنه نقل في معناه ما بانضمامه يصير معناه متواترا. # وعن الثاني: بأن ذلك عدول عن الظاهر، فإن التائب لا يطلق عليه أنه صاحب ~~كبيرة. # احتج المخالف بآيات منها: قوله تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع ~~يطاع) (168) وقوله تعالى: (لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة) ~~(169) وقوله: (وما للظالمين من أنصار) (170). # والجواب من حيث الإجمال، ومن حيث التفصيل. # أما الإجمال فلأنه يلزم من الاحتجاج بالآيات المذكورة أحد أمرين: إما نفي ~~الشفاعة أصلا، أو نفي شفاعة مخصوصة، والقسمان باطلان، أما الأول، فمنتف ~~بالإجماع، (171) وأما الثاني، فلأنه يصير المراد بالآيات ما لم يعينه # PageV00P128 # اللفظ، فتكون دلالة الآيات بالنسبة إليه مجملة، فيسقط الاحتجاج بها، ~~لمكان الإجمال، ولئن ساغ لهم تنزيلها على نفي الشفاعة في إسقاط المضار، مع ~~أن اللفظ لا يدل عليه، جاز لنا تنزيلها على إسقاط عقاب الكافر (172). # وأما التفصيل، فالجواب عن الأولى، أنه لا يلزم من نفي شفيع يطاع، نفي ~~شفيع ليس له صفة يطاع، وظاهر أن الشافع إلى الله سبحانه لا يطلق على إجابته ~~اسم الطاعة، إذ هي في الغالب لا يقال إلا في إجابة الأدنى للأعلى. (173) ~~وعن الثانية، أنه معارض بقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (174) وقوله: ~~(إلا من بعد ms040 أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) (175) وقد عرفت (176) أن المقيد ~~أولى في التقديم من المطلق، فيحمل ذلك الإطلاق على هذا التقييد، توفيقا بين ~~الآيات. # وعن الثالثة، أن نفي الأنصار لا يدل على نفي الناصر، ولئن دل فإنه # PageV00P129 # لا يدل على نفي الشافع، لأن الناصر غالبا لا يطلق إلا على المغالب ~~المدافع، بخلاف الشافع (177)، والله أعلم. (178) المقصد الثالث في إيصال ~~المستحق: وفيه مقدمة وبحثان: # أما المقدمة فنقول: لا بد من فاصل بين التكليف وإيصال المستحق، إذ لو كان ~~مقرونا التكليف لما خلا الثواب من المشقة التي تشتمل عليها التكليف، لكن ~~الثواب لا شوب فيه (179)، ولو كان متصلا به لكان المكلف ملجأ إلى فعل ما ~~كلف، والإلجاء مناف للتكليف، لما مر في شروط التكليف (180)، لكن كما يجوز ~~في العقل أن يكون الفاصل الموت، يجوز أن يكون غيره من نوم أو إغماء، وقد دل ~~الشرع على اختصاص ذلك بالفناء (181) بقوله تعالى: (كل من عليها فان) (182). # PageV00P130 # البحث الأول: اختلفوا في الفناء، فقال أبو علي وأبو هاشم: هو معنى يضاد ~~الجواهر، يوجب عدمها عند وجوده، وقال الآخرون: بل يعدمها الله كما أوجدها، ~~لأنه يقدر على الإعدام كما يقدر على الإيجاد. وقال آخرون: # بل يفنيها بمعنى إبطال حياتها وتفريق أجزائها من غير أن يعدمها. وليكن ~~البحث هاهنا في مقامين: الأول: في هل الفناء معنى يضاد الجواهر، والثاني: # في كيفية فناء العالم. # أما الأول، قال أبو هاشم: الدليل على إثبات الفناء معنى، أنه ثبت أن ~~الجواهر تعدم، فإما أن يعدمها القادر ابتداء، أو عن سبب، والأول باطل، ~~لوجوه ثلاثة: أحدها: أن العدم سلب، فلا يكون للقادر فيه أثر. الثاني: أن ~~العدم ابتداء غير مقدور، فالعدم الثاني كذلك. الثالث: لو كان الإعدام ~~مقدورا لقدر عليه الواحد منا، لأنه إذا صلح مقدورا (183) لقادر صلح أن يكون ~~مقدورا للآخر. # ويمكن أن يجاب عن الأول بأن يقال: لا نسلم أن الإعدام لا يصلح أن يكون ~~أثرا، وقولهم: " إن العدم ليس بشئ " لا حجة فيه، لأنا نمنع ذلك، ونقول: بل ~~هو شئ ms041 يرجع إلى النفي، ولأنه لو لم يصح أن يكون أثرا للقادر لما صح أن يكون ~~أثرا للسبب، وكما جاز أن ينتفي لضده ويكون الضد موجبا لانتفائه، جاز أن ~~يكون ذلك حاصلا بالفاعل كما كان حاصلا بالضد. # وعن الثاني: إنا لا نسلم أن العدم ابتداء غير مقدور، فإن القادر هو الذي ~~يصح أن يفعل وأن لا يفعل، وكما أضيفت صحة أن يفعل إلى الفاعل، # PageV00P131 # فكذلك يجب أن يضاف إليه صحة أن لا يفعل. ولأن الفعل موقوف على داعيه ~~وواقع بحسبه، فيضاف إليه لذلك، وكذلك إبقاؤه على العدم موقوف على صارفه ~~وبحسبه، وكما أضيف الفعل إلى الفاعل، يجب أن يضاف إليه أن لا يفعل. # وعن الثالث: لا نسلم أنه يلزم من قدرة الله تعالى على الإعدام من غير سبب ~~قدرة الواحد منا عليه، بل لم لا يجوز أن يقدر الله عليه ابتداء وإن كان ~~الواحد منا لا يقدر عليه إلا بسبب، فإن الصوت يفعله الله تعالى ابتداء، وإن ~~الواحد منا لا يقدر على فعله إلا متولدا، (184)، فما المانع أن تكون الحال ~~في الإعدام كذلك؟ # المقام الثاني في كيفية الفناء قال قوم بعدم العالم وخروجه عن صفة الوجود ~~ودخوله في العدم المحض، وقال آخرون بتفريق أجزائه مع بقاء تلك الأجزاء ~~متصفة بالوجود. # احتج الأولون من القرآن بآيات منها قوله تعالى: (كل من عليها فان) (185) ~~وبقوله: (كما بدأنا أول خلق نعيده) (186) وبقوله: (كل شئ هالك إلا وجهه) ~~(187). # ويمكن أن يجاب عن الآية الأولى: بأنا لا نسلم أن الفناء هو العدم، بل لم ~~لا يجوز أن يكون إشارة إلى تفريق أجزائه وإبطال شكله وبنيته، مع بقاء # PageV00P132 # مادته متصفة بالوجود، وهذا أقرب إلى الاستعمال، فإنه يقال: فني زاد القوم ~~بمعنى تناوله، وفني العالم بمعنى الموت، إذ الفناء الذي يشيرون إليه غير ~~متحقق الآن، ولأن الفناء لفظة مستعملة في عرف اللغة، فيكون موضوعها معروفا ~~بينهم، والذي يشير إليه المتكلمون من معنى الفناء غير معقول (188) لأهل ~~اللغة، فيجب إطلاق ألفاظ القرآن على الموضوع اللغوي. # وعن الآية الثانية: لم ms042 لا يجوز أن يكون الخلق إشارة إلى الأشياء المركبة ~~من الأشياء البسيطة، فكما كان خلقها عبارة عن تأليف أجزائها، فليكن إعادتها ~~كذلك، لا يقال الآية عامة في كل مخلوق، فيجب حملها على البسيط والمركب، ~~لأنا نمنع العموم، إذ لفظة " خلق " نكرة في سياق الإثبات (189)، فهي مطلقة، ~~والمطلق يصدق بالجزء كما يصدق بالكل. # وعن الثالثة: أن الهلاك كما يستعمل في العدم، يستعمل في الموت، وفي بطلان ~~منفعة الشئ، وخروجه عن تأليفه وتركيبه، يدل على ذلك قوله تعالى: # (إن امرؤا هلك) (190) وقوله: (وكم أهلكنا من قرية) (191) لم يرد بذلك ~~العدم، إذ لو عدمت الأجزاء لكان بوجود الفناء الذي هو ضدها، لكن كان يلزم ~~من ذلك عدم الجواهر أجمع، ولم يحصل ذلك، فعلم أن الإخبار بالهلاك حيث ذكرنا ~~إشارة إلى الموت لا إلى عدم الأجزاء. ولأن الأجزاء على رأي أبي هاشم ثابتة ~~مع كونها معدومة وموصوفة بكونها شيئا، فلو كان الهلاك عبارة # PageV00P133 # عن خروجها عن الشيئية، لوجب أن تعود نفيا محضا لا ثابتة في العدم، لكن ~~ذلك يمنع إعادتها، مع أنهم لا يقولون به. (192) # PageV00P134 # البحث الثاني في كيفية الإعادة: # القائلون بأن إفناء العالم بمعنى إعدامه طائفتان: طائفة تقول: المعدوم شئ ~~وعين وذات في عدمه، وطائفة تقول: هي (193) نفي محض. فمن قال بالأول، زعم أن ~~الإفناء إخراج الذات عن صفة الوجود، فيكون الإعادة إيجادها بعد العدم. ومن ~~قال بالثاني زعم أن الإفناء إخراج الذات عن كونها ذاتا بحيث تصير نفيا ~~محضا، والإعادة جعلها ذاتا بعد أن كانت نفيا. # والقولان ضعيفان (194) أما الأول فقد بينا (195) أن وجود كل شئ عبارة عن ~~كونه ذاتا حقيقة، لا أن له بذلك صفة، وهم بنوا هذا المذهب في الإعادة، على ~~القول بكون الوجود صفة زائدة على كونه ذاتا، ثم نقول: لو كان المعدوم عينا ~~لما صح إعادة المعدوم، لأن العدم لا امتياز فيه لذات عن ذات، والقصد إلى ~~إيجاد الشئ متوقف على امتيازه في العلم، وامتيازه في العلم متوقف على ~~امتيازه في نفسه، لكن المميز لجوهر عن جوهر غير ms043 معقول في العدم. # لا يقال: يتميز جواهر (196) زيد من غيرها بما كانت عليه حالة الوجود، ~~لأنا نقول: ذلك الاختصاص قد زال بالعدم، ومع زواله لا يتعلق به العلم، فلا ~~يكون معلوما للعالم. فثبت أنه يلزم من القول بالعدم عدم تميزه في العلم، ~~ويلزم من ذلك استحالة القصد إليه، لكن لو فرض ذلك لاستحالت # PageV00P135 # إعادته. # وأما الثاني فلأن مع فرض كون المعدوم نفيا محضا يستحيل إعادته بعينه، إذ ~~لا عين له، فيكون الإيجاد لشئ مستأنف، إذ لا شئ قبل الإيجاد، وهذا ظاهر. # وإذا بطل القولان تعين أن الفناء بمعنى تفريق الأجزاء، فيكون الإعادة ~~بمعنى ضمها وإعادتها إلى حالها الأولى. # ثم يجب أن تعلم أن ما ليس بحيوان من المخلوقات لا يجب إعادته عقلا، ~~والحيوان غير المكلف بتقدير أن لا يكون مستحقا لعوض مؤخر، فإنه لا يجب ~~إعادته أيضا، وما كان له عوض لم يستوفه، أو كان مكلفا، فإنه يجب إعادته ~~لاستيفاء حقه. (197) وإذا ثبت أن المكلف يجب إعادته، فمن قال إن المكلف هو ~~هذه الجملة فقد أوجب إعادتها (198)، ومن قال إن المكلف بعضها، أوجب إعادة ~~ذلك القدر دون ما سواه (199)، ومن قال إن المكلف جوهر مجرد، لم يوجب # PageV00P136 # إعادة الجسم، لكني لا أعرف ذلك قولا لأحد من طوائف الملل، عدا ما حكي عن ~~شيخنا المفيد في قول شاذ، وعن بعض المعتزلة. (200) وهل تجب إعادة الشكل ~~والأعراض التي كان المكلف متصفا بها أم يكفي إعادة أجزائه؟ الحق أنه يجب ~~ذلك، لأن المكلف لا يتميز عن غيره بكونه جوهر ولا جسما لمشاركة غيره في ~~ذلك، بل وبأعراضه المشخصة له، فلو فرض عدمها لاستحال إعادتها بما ذكرناه ~~أولا، فلزم من ذلك أن لا يخرج # PageV00P137 # المكلف عن حاله وحقيقته التي كان عليها إلا بالموت حسب. # وقد كنا عرفناك أن المكلف ليس هو جملة البنية، بل هو شئ أصلي منها، لا ~~يتغير بصغر ولا كبر ولا سمن ولا هزال، وذلك القدر يجب أن يبقى على حاله ~~ليتحقق إيصال الثواب إلى مستحقه، ولا تزول عنه إلا الحياة ms044 حسب. # لا يقال: لو زالت عنه حياته لما صح إعادتها بعينها، فإذا أحيي كان ذلك ~~غير الأول، لأنا نقول: تبدل الحياة لا يخرج الشئ عن كونه ذلك الشئ، فإن ~~إنسانا لو مات ثم أعيدت إليه غير حياته، لما قيل إن ذلك غيره، وليس كذلك ~~إذا نقلت أجزاؤه إلى شكل غير شكله، فقد بان الفرق، والله أعلم. # ويلحق بهذا البحث فصلان: # أحدهما الكلام في عذاب القبر والميزان والصراط. # والعقل يقول بإمكان ذلك كله، لكن لا يدل على وقوعه، والشرع قد دل على ~~وقوعه. # أما عذاب القبر فالإجماع دل عليه، ومخالفة ضرار (201) لا تقدح في # PageV00P138 # الإجماع. ويدل عليه قوله - عليه السلام -: القبر روضة من رياض الجنة أو ~~حفرة من حفر النار (202). ويستدل عليه أيضا بقوله تعالى: (ربنا أمتنا ~~اثنتين وأحييتنا اثنتين) (203). ولا نعترض بما يجري على ألسنة كثير من أن ~~الميت يوجد بحاله بعد السنين المتطاولة، حتى لو أبقي على صدره شئ لوجد ~~بحاله، وذلك لأنا بينا أن المكلف ليس هو هذه الجملة بأجمعها، بل هو أجزاء ~~أصلية، وتلك يمكن تعذيبها مع بقاء الظاهر من الجسد بحاله، على أنه ليس ~~بعذاب القبر توقيت، فيحتمل أن يكون متأخرا عن وقت المشاهدة له. # وأما كيفيته، فيمكن أن يعاد الحياة إلى المكلف ثم يعذب إن كان من أهل ~~العذاب. # وكذلك مسائلة منكر ونكير حق بالإجماع والمتواتر من الأخبار. (204) # PageV00P139 # وأما الميزان والصراط فيجب الإقرار بهما للإجماع والقرآن والأخبار. (205) ~~ويكون معنى الميزان ما يعرف به التفاوت بين الأعمال. # والصراط طريق الحق، وقد قيل: إنه جسر يمر عليه إلى الجنة، وهذا من ~~الممكن، غير أن التأويل الأول يدل عليه قوله تعالى: (إنك لمن المرسلين * ~~على صراط مستقيم) (206) أي دين حق. # واختلفوا في الجنة والنار هل هما مخلوقتان (207) الآن أم لا؟ منع من ذلك ~~أبو هاشم، وقال أبو علي بوجودهما، وهو الحق. # لنا قوله تعالى في ذكر الجنة: (أعدت للمتقين) (208) وفي ذكر النار: (أعدت ~~للكافرين) (209). # وقال تعالى في قصة آدم: (أسكن أنت وزوجك الجنة) (210) (فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى) ms045 (211) (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) (212). # PageV00P140 # وقوله تعالى: (عندها جنة المأوى) (213). # احتج أبو هاشم بأنه لو كانت الجنة موجودة لما جاز عدمها، واللازم محال. ~~بيان الملازمة: قوله تعالى: (أكلها دائم) (214) وأما بطلان اللازم فقوله: # (كل شئ هالك إلا وجهه) (215). # والجواب: أن تنزيل الآية على حقيقتها غير ممكن، لأن الأكل في الآية إشارة ~~إلى المأكول، وعينه غير دائمة، فلا بد أن يكون ذلك إشارة إلى أن إبداله لا ~~ينقطع، وحينئذ يمكن العمل بالآية في أن الجنة تهلك ثم تعاد أبدال مآكلها. ~~والله أعلم. (216) # PageV00P141 # الفصل الثاني في عقاب الفاسق وما يطلق عليه من الأسماء: # وفيه مقامان: الأول: النظر في عقابه هل هو دائم أو منقطع؟ والثاني: # هل يقع العفو عنه أم لا؟ # أما المقام الأول: فقد اختلف الناس فيه على قولين: # منهم من زعم أنه دائم واحتج لذلك بوجهين: # أحدهما: لو خرج من النار لكان إما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها، والقسمان ~~باطلان، أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان القسمين، أما الثاني فبالإجماع. ~~وأما الأول فلأنه لو دخلها لدخلها إما تفضلا وهو باطل بالإجماع، أو ~~بالاستحقاق وهو باطل بما ثبت من وجوب القول بالإحباط. # الوجه الثاني: قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا ~~خالدا فيها) (217) وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها) (218). # ومنهم من زعم أن عقابه منقطع. واحتج لذلك بوجوه: # الأول: أن الطاعات يستحق بها الثواب وهو دائم إجماعا، والمعصية يستحق بها ~~العقاب، أما استحقاق الثواب بالطاعات فلقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره) (219) و (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (220). # PageV00P142 # وأما في المعاصي فلقوله تعالى: (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا) (221) و ~~(من يعمل سوءا يجز به) (222) و: (من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) (223) ~~فلو كان العقاب دائما لاجتمع للمكلف الواحد استحقاقان دائمان، وهو باطل، ~~أما أولا فبالإجماع، وأما ثانيا فلأنه كان يلزم استحالة إيصالهما إليه. # الوجه الثاني: قوله تعالى: (وأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير ~~وشهيق * خالدين فيها ما ms046 دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) (224). # الثالث: قوله - عليه السلام -: " يخرجون من النار بعد ما يصيرون حمما ~~وفحما " (225). # وعند تعارض هذه الحجج فزع كل واحد من الفريقين إلى تأويل حجج الآخر، ~~ذهولا منهم عن أن ما يورده على خصمه وارد عليه بعينه أو مثله، فإذن الحق أن ~~الآيات المذكورة في غاية التعارض، لكن مع تعارضها يكون الترجيح لجانب من ~~يقول بانقطاع عقابه، لأنه مصير إلى الأصل، # PageV00P143 # وأنسب بالعدل. (226) المقام الثاني في جواز العفو عن الفاسق: # ويدل عليه قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء) (227) وقوله: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) (228) ولا يمكن حمل ذلك على التائب، ~~ولا على صاحب الصغيرة، لأنه ليس مع ذلك قنوط، ولا فيه تمنن عندهم، والآيات ~~خرجت مخرج التمنن والدلالة على حلم الله وكرمه. ولا يمكن حمل الغفران على ~~تأخير العقاب، لأنه خلاف الظاهر، ولا دلالة عليه. # ويدل عليه أيضا قوله: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) (229) فأخبر ~~أن العفو يقع مع كونهم ظالمين. # واحتج المانع بقوله تعالى: (من يعمل سوءا يجز به) (230) وقوله: (ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره) (231) وقوله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # PageV00P144 # إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) (232). # والجواب عن ذلك: أنه لما تعارضت الآيات كان الترجيح لجانب القول الأول ~~بوجوه: # الأول: أن الآية الأولى مفصلة ودالة على العفو عمن يشاء، أو العفو عن ~~عقاب الكبيرة على الخصوص، والآيات الأخيرة مطلقة فتحمل على الكافر، أو على ~~من لم يشأ الله العفو عنه، لما عرفت من وجوب تقديم العام على الخاص (233). # الثاني: أنه قد ثبت في العقول أن العفو عن العقاب حسن، وعلى تقدير تعارض ~~الآيات يكون السمع خاليا من دلالة قطعية بارتفاع ما شهد العقل بحسنه، فيكون ~~التجويز فيه ثابتا. # الوجه الثالث: أنه تعالى تمدح بالعفو والغفران في آيات متعددة، ولا ينصرف ~~ذلك إلى التائب، ولا إلى صاحب ms047 الصغيرة، لأن العقاب يسقط بالتوبة، وبرجحان ~~الثواب على العقاب سقوطا لازما عندهم، فلم يكن سقوطه مستندا إلى الله. ~~والغفران لا يتحقق إلا بإسقاط الذنب، لو لم يكن الله مسقطا للعقاب ابتداء ~~لما صح التمدح به. # الوجه الرابع: أجمع المسلمون على جواز أن يقول الإنسان لغيره: غفر الله ~~لك، وعنى (234) سؤال الغفران، ولا يتحقق ذلك إلا مع إمكان وقوعه، ولا عقاب ~~إلا على صاحب الكبيرة، إذ التائب وصاحب الصغيرة لا عقاب # PageV00P145 # عليه. لا يقال: لعل سؤال الغفران سؤال التوفيق للتوبة أو لتوفيق العمل ~~الصالح الراجح على المعصية. لأنا نقول: سؤال الغفران يقع مجردا عن ذلك كله، ~~فسقط الاعتراض به. (235) وأما الأسماء: فاتفقوا على إطلاق اسم الفسق على ~~صاحب الكبيرة، واختلفوا في إطلاق لفظة الإيمان عليه أو لفظة الكفر. فقالت ~~الخوارج (236): # يطلق عليه اسم الكفر، وقال البصري (237): يطلق عليه اسم النفاق، والكل ~~باطل بما سندل عليه من كونه مؤمنا، والإيمان لا يجامع الكفر والنفاق. # وبيان أنه يطلق عليه اسم الإيمان: أن الإيمان في أصل اللغة عبارة عن ~~التصديق (238)، فيجب أن يكون في الشرع كذلك، لأن الأصل عدم النقل. # PageV00P146 # ولأن الله سبحانه استعمل الإيمان في التصديق فيجب أن يكون حقيقة فيه دفعا ~~للمجاز. بيان استعماله في التصديق قوله تعالى: (وما نحن له بمؤمنين) (239) ~~(فآمن له لوط) (240) (ربنا آمنا) (241) (قالوا آمنا برب العالمين) (242) ~~وإذا ثبت أن الإيمان عبارة عن التصديق، والمؤمن فاعل للإيمان، والفاسق ~~مصدق، فيجب أن يكون مؤمنا. # وزعمت المعتزلة وطائفة منا أن الإيمان عبارة عن التكاليف الواجبة، فعلا ~~كان أو تركا، وشذاذ منهم أدخلوا النوافل في جملة الإيمان. # واحتجوا لذلك بوجوه: منها قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون) (243) وقوله - عليه السلام - " لا يزني الزاني وهو مؤمن " (244) ~~وبقوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) (245) قالوا: (وذلك) إشارة إلى ما ~~تقدم من العبادات. (246) # PageV00P147 # والكل ضعيف. (247) ويدل على ما ذهبنا إليه قوله تعالى: (ومن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن) (248) وقوله: (إلا ms048 من تاب وآمن وعمل صالحا) (249) فعطف ~~الأعمال على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة. # واحتج البصري على أن صاحب الكبيرة منافق، بأنه لو كان معتقدا للمعاد لما ~~أقدم على فعل المعصية لأن الإنسان لا يتناول تمرة من جحر حية، وهو يتقين ~~أنها تناله بسوء فكيف إذا تيقن أنها تقتله، وكذلك لو تيقن العاصي العذاب، ~~لما أقدم على المعصية، وهو ضعيف، لأن الإقدام على ذلك قد يكون لرجاء العفو، ~~أو تأميل التوبة، أو لرجاء رجحان الطاعة على المعصية على رأي المعتزلة في ~~الإحباط، وكل ذلك قد يجامع الجزم بالعقاب الأخروي. # (250) # PageV00P148 # النظر الثالث في النبوات PageV00P151 # النظر الثالث في النبوات وفيه مقدمة ومطلوب: # أما المقدمة فتشتمل على ثلاثة بحوث: # البحث الأول: النبي هو البشري المخبر عن الله تعالى بغير واسطة من البشر، ~~والرسول وإن كان وضع اللغة عبارة عن المؤدي عن غيره، فقد صار بعرف ~~الاستعمال عبارة عن المؤدي عن الله بغير واسطة من البشر، فيقع هذا الاسم ~~على الملك المؤدي عن الله وعلى البشري المخصوص باسم النبوة، ولا يقع اسم ~~النبوة إلا على البشر خاصة دون الملك. # والبعثة حسنة، لأن العقل يجوز اشتمالها على المصلحة وخلوها عن وجوه ~~المفاسد، وما كان كذلك كان حسنا. ويحكى عن طائفة من الهند (1) القول بقبح ~~البعثة. واحتجوا لذلك بأن الرسول إن جاء بما يدل عليه العقل # PageV00P153 # كان العقل كاف، وإن جاء بما ينافي العقل لم يجز الانقياد إليه، كما لو ~~جاء بإباحة الظلم والكذب. # ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يأتي بتفصيل ما يدل عليه العقل جملة لا ~~تفصيلا، فإن العقل يشهد بأن ما كان لطفا في واجب فهو واجب. ثم لا نهتدي إلى ~~كون الصلاة مثلا أو الصوم مشتملا على ذلك اللطف، فيكون الشرع دالا على هذا ~~القدر وأشباهه مما لا يدل العقل عليه بعينه، فظهر أن القسمين اللذين أشاروا ~~إليهما غير حاصرين. # وإذا عرفت ذلك فوجه حسن البعثة كون الرسول مرشدا للعباد إلى مصالحهم ~~الدينية، وربما كان مرشدا إلى أمور دنيوية أيضا. (2) [البحث] الثاني في ms049 ~~صفات النبي: والضابط عصمته عن ما يقدح في التبليغ، أو ينفر عن القبول، ~~فاتفقوا على اشتراط كمال العقل، وجودة الرأي، وإن وجد ذلك في الطفل كما في ~~حق عيسى - عليه السلام -، وعلى اشتراط سلامته من العيوب الواضحة كالأبنة، ~~وانطلاق الريح، واختلفوا في الجذام والبرص. وأجازوا اتصافه بالعمى والصمم. # وأما العصمة عن المعاصي فقد اختلفوا، فمنهم من عصمه عن الخلل # PageV00P154 # في التبليغ لا غير، ومنهم من عصمه مع ذلك عن الكبائر، والحق أنه معصوم عن ~~الكل في حال النبوة وقبلها. وهل هو معصوم عن السهو أم لا؟ فيه خلاف بين ~~أصحابنا، والأصح القول بعصمته عن ذلك كله. # لنا: لو جاز شئ من ذلك لجاز تطرقه إلى التبليغ لكن ذلك محال، ولأن (3) مع ~~تجويز ذلك يرتفع الوثوق بخبره، فينتقض الغرض المراد بالبعثة. # وأما قبل النبوة فهو معصوم عن تعمد المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، ويدل ~~عليه من القرآن قوله: (لا ينال عهدي الظالمين). (3) # PageV00P155 # وأما ما تضمنه الكتاب العزيز وكثير من الأخبار من ما ظاهره وقوع المعصية، ~~فمحمول على ضرب من التأويل، لأن لا يتناقض الأدلة. ولنذكر طرفا من ما نسب ~~إلى أفاضل الأنبياء ليكون الجواب عنه معينا عن ما نسب إلى غيرهم. # كقوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى) (5). # وقوله في قصة نوح: (إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق). وقوله تعالى مجيبا: ~~(إنه ليس من أهلك) (6). # وقوله في قصة إبراهيم: (واغفر لأبي إنه كان من الضالين) (7). # وقوله: (هذا ربي) (8) تارة عن النجم، وتارة عن القمر، وتارة عن الشمس. # وفي قصة موسى: (إن هي إلا فتنتك) (9). # وفي قصة عيسى: (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) (10) مع علمه ~~بكفرهم، وأن الكافر لا يغفر له. # وفي قصة محمد: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) (11). # PageV00P156 # (ووجدك ضالا فهدى) (12). # (ووضعنا عنك وزرك) (13). # لأن العصيان هو المخالفة وكما يحتمل أن تكون المخالفة في واجب، يحتمل أن ~~يكون في مندوب، ومع (14) احتمال كل واحد من الأمرين، يجب تنزيله على ترك ~~المندوب، ليسلم الدليل العقلي عن ms050 الطعن. # ولأن الغي كما يكون ضد الرشد، فقد يكون كناية عن الخيبة التي هي ضد الظفر ~~كقول الشاعر: # ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (5) (أي ~~يخب). # فيكون معنى الآية: وخالف آدم ربه فخاب، ولم يظفر بمراده. (16) وأما قصة ~~نوح - عليه السلام - فغير دالة على وقوع المعصية، غاية ما في الباب أنه وصف ~~ابنه أنه من أهله، وهو استمرار على العرف، وإخراج الله له عن الأهلية إنما ~~هو إخراج له عن الأهل الذين وعده بنجاتهم، فكأنه قال: إنه ليس من أهلك ~~الذين وعدناك بنجاتهم، ومثل هذا القدر قد يشتبه على # PageV00P157 # الأنبياء حتى ينبهه (17) الوحي. (18) وأما استغفار إبراهيم - عليه السلام ~~- لأبيه، فلم يكن لجهل بعدم المغفرة له، بل لمواعدته إياه، فأراد بذلك براء ~~ساحته في الظاهر، لأن لا يظن به الخلف، وليكن حجته على أبيه أتم. (19) ~~وقوله: (هذا ربي) لا يكون كفرا إلا مع الاعتقاد لصحته، ونحن فلا نسلم أن ~~إبراهيم كان منطويا على ذلك الاعتقاد، وقد يقال مثل ذلك على سبيل الفرض ~~والتقدير لمن يريد الاستدلال، كأن يقول لو كان هذا ربي لما أفل، ففرض وقوعه ~~ثم استدل على إحالة ذلك الفرض، وهذا من الشائع في مذهب أهل النطر. (20) ~~وأما قصة موسى - عليه السلام - فالفتنة المذكورة فيها يراد بها الاختبار # PageV00P158 # والامتحان، ويشهد لذلك قوله تعالى: (وفتناك فتونا) (21) وقوله: (لنفتنهم ~~فيه) (22) والمراد ذلك كله الاختبار. (23) وأما قصة عيسى - عليه السلام - ~~فنقول: إنما علم وجوب عقاب الكافر، وأنه لا يسقط بالعفو من الشرع، لا من ~~العقل، فجائز أن يكون عيسى - عليه السلام - جوز غفران الكفر، كما يجوز ~~غفران الفسق، ومع هذا الجواز لا يكون ذلك القول قادحا في عصمته. (24) وأما ~~قصة محمد - عليه السلام - فإن الذنب مصدر، فكما تصح إضافته إلى الفاعل تصح ~~إضافته إلى المفعول، كما يضاف الضرب إلى الضارب وإلى المضروب. فالذنب ~~المذكور يحتمل أن يكون من ما فعله أهل مكة بالنبي - عليه السلام - قبل ~~الفتح، فإن بتقدير إسلامهم يغفر لهم الذنب، وأضيف إلى ms051 النبي - عليه السلام ~~- لأنه وقع ذلك منهم في حقه. (25) وأما الضلال المنسوب إليه فجائز أن يكون ~~إخبارا عن ضلاله بين مكة والمدينة، فإنه يحكى وقوع ذلك، وإن لم يكن متيقنا ~~فهو ممكن. وهذا الوجه # PageV00P159 # حسن لولا أن هذه الآية نزلت بمكة قبل الهجرة. (26) ومن الممكن حملها على ~~الضلال عن اكتساب المعاش، أو تدبير الأمور الدنيوية، أو غير ذلك من ما لا ~~يتعلق بالدين. (27) وأما الوزر المنسوب إليه، فيحمل على ثقل اهتمامه لفتح ~~مكة، أو غير ذلك من الأمور المهمة عندها، والوزر هو الثقل. (28) يشهد لذلك ~~قول الشاعر: # فأعددت للحرب أوزارها * رماحا طوالا وخيلا ذكورا (29) لا يقال: هذه ~~التأويلات مصيرة إلى المجاز، وعدول عن الظاهر. # لأنا نقول: قد يصار إلى المجاز لدلالة، وقد بينا ما يدل على وجوب ~~التأويل. # ونزيده بيانا أنه لو وقعت المعصية من النبي، لكان إما أن يجب اتباعه، ~~ويلزم من ذلك ارتكاب المعصية، أو لا يجب، وهو مخالفة للنبي. (30) # PageV00P160 # البحث الثالث في ما يستدل به على صدق مدعي النبوة وذلك أمران: إما المعجز ~~أو نص النبي، وهذا القسم الأخير في التحقيق يعود إلى الأول، لأن المعجز ~~الدال على صدقه، دال على نبوة من ينص عليه، فكان نبوة الثاني معلومة ~~بالمعجز الدال على الأول، وإن كان بينهما يسير فرق. # وإذا عرفت ذلك فالمعجز في اللغة عبارة عن ما جعل الغير عاجزا، وفي ~~الاصطلاح عبارة عن الفعل (31) الخارق للعادة المطابق لدعوى المدعي، والدليل ~~على أن مثل ذلك يراد به التصديق، أنه لولا ذلك لزم أحد أمرين: # إما العبث أو الإيهام، والقسمان باطلان، أما الملازمة فلأنه لو لم يرد ~~التصديق لكان إما أن يكون له في ذلك غرض، وإما أن لا يكون ويلزم من الثاني ~~العبث، وإن كان له غرض فإما التصديق أو غيره، وبتقدير أن يكون غيره ولا ~~دلالة يلزم منه الإيهام (32)، لأن المعجز يجري مجرى قول القائل: صدقت، إذ ~~الإنسان إذا ادعى على غيره وكالة مثلا وقال إنه يفعل عقيب دعواي ما لم تجر ~~عادته به، فإذا فعل ms052 ذلك علم أنه قصد التصديق ضرورة وإذا كان جاريا مجرى ~~التصديق فلو لم يرده لزم الإيهام. وأما بطلان كل واحد من القسمين فقد مر في ~~أبواب العدل. (33) # PageV00P161 # فإن قيل: لا نسلم لزوم أحد القسمين لأنه يمكننا فرض ثالث، إذ يمكن أن ~~يكون فعل المعجز مشتملا على مصلحة خفية عند دعوى المدعي غير التصديق، فيفعل ~~المعجز تحصيلا لتلك المصلحة، ثم لا يلزم العبث ولا الإيهام، لأن العقل يشهد ~~بالاحتمال. سلمنا ذلك لكن متى يدل على التصديق إذا كان من فعل الله أو من ~~فعل غيره؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، لكن الاحتمال قائم، إذ يجوز أن يكون ~~فعال بعض مردة الجن، فلا يكون دالا على التصديق، كما أنه لو ادعى إنسان ~~الوكالة عن غيره، وقال: إنه يرفع عمامته في ملأ، فإن بتقدير أن يرفعها غيره ~~لا يكون ذلك دلالة. ثم ومن المحتمل أن يكون فاعل ذلك المعجز هو المدعي، إما ~~لاختصاصه بنفس قابلة لما لا يقبله غيرها من الإفاضات العقلية، فيكون لها من ~~قوة التأثير في هذا العالم ما ليس لغيرها، وإما لاطلاعها في خواص العقاقير ~~على ما يتيسر معه فعل ذلك الأمر، أو لاحتمال أن يطلع من العزائم وحيل السحر ~~على ما يوصل إلى ذلك، ومع احتمال ذلك، لا يبقى وثوق بأنه تعالى أراد ~~التصديق. (34) الجواب قوله: " لا نسلم الحصر " قلنا: قد بينا ذلك. # قوله: " يحتمل أن يكون المعجز فعلا لمصلحة خفية اتفقت عند دعوى النبوة " ~~قلنا: المحذور لازم، لأنا نتكلم على تقدير عدم العلم بتلك المصلحة وفقد ~~الدلالة عليها، فلو فعل لها والحال هذه للزم الإيهام. # قوله: " العقل يشهد باحتمال ذلك فينتفي الإيهام " قلنا: الاحتمال # PageV00P162 # المرجوح غير مناف للإيهام، فالإيهام متحقق على هذا التقدير. (35) قوله: ~~(متى يدل على التصديق إذا علم أنه من فعل الله أم إذا جهل؟) قلنا: على كل ~~واحد من التقديرين، لأنه بتقدير أن يكون من فعل الله يكون دالا بالاتفاق، ~~وبتقدير أن يكون من فعل غيره يجب في الحكمة على الله سبحانه إزالة ذلك رفعا ~~للإيهام. ms053 والمثال الذي أشاروا إليه غير مطابق لموضع النزاع، لأنه يعلم أن ~~الفاعل غير المدعي وكالته، فالإيهام مرتفع على ذلك التقدير. # قوله: (من المحتمل أن يكون ذلك المدعي للنبوة وقد اختص بما لأجله صح منه ~~أن يفعل ذلك المعجز) قلنا: المقصود يحصل على هذا التقدير، لأنه لا يتيسر ~~ذلك الفعل منه إلا مع اختصاصه من فعل الله بأمور خارقة للعادة، باعتبار ~~أمكنه الفعل، وبتقدير أن لا يكشف الله ذلك يلزم الإيهام. # PageV00P163 # وهذا الوجه يصلح جوابا عن بقية الاحتمالات المفروضة. (36) وإذا عرفت أن ~~المعجز هو الطريق إلى العلم بصدق مدعي النبوة، فالمعجز إن كانت مشاهدة (37) ~~فلا بحث، وإلا كان الطريق إلى العلم بها النقل المتواتر لا غير. فلنذكر ~~حقيقة التواتر والشرائط المعتبرة في إثماره العلم، فنقول: # الخبر هو ما يحتمل التصديق والتكذيب، ثم هو إما أن ينقله قوم لا يجوز ~~عليهم التواطؤ والمرسلة في افتعاله، وهو المسمى بالتواتر في الاصطلاح، وأما ~~بخلاف ذلك وهو خبر الواحد. والقسم الثاني لا يمكن إثبات الأمور العلمية به، ~~لأنه يفيد الظن، فلا يكون مادة للبرهان اليقيني. # وأما الأول فإنه يصح [أن] تثبت به العقائد العلمية لكن بشروط ثلاثة: # أحدها: أن يكون ما تضمنه النقل محسوسا كما إذا أخبر الجماعة الذين لا ~~يجوز عليهم التواطؤ ولا الكذب بما سمعوه أو شاهدوه أو أدركوه ببعض حواسهم، ~~فإنه يحصل العلم اليقيني بخبرهم، ولا كذلك إذا أخبروا بشئ من عقائدهم، فإن ~~اليهود، مثلا وإن أخبروا بما يعتقدونه مع بلوغهم حد # PageV00P164 # التواتر، فإنه لا يفيد خبرهم العلم، لأنه ليس إخبارا عن محسوس، ولو أخبر ~~هؤلاء بأنهم شاهدوا قدوم مسافر أو بناء دار أو غير ذلك من الأمور المحسوسة ~~لأفاد العلم. # وثانيها: بلوغهم الحد الذي يعلم استحالة التواطؤ معه على الافتعال. # وهل لذلك حد؟ قال قوم بتحديده وهم طوائف: طائفة حدته بأربعين، وأخرى بعدة ~~أهل بدر، وأخرى بسبعين، وغير ذلك من الأقوال المذكورة في الخلاف (38) وقال ~~آخرون: لا حد لذلك في نفس الأمر، وقال آخرون: بل له حد في نفس الأمر، لكنه ms054 ~~لا ينضبط. والحق أنه ليس لذلك حد في نفس الأمر، بل يجوز أن يحصل اليقين ~~بخبر الاثنين إذا انضم إلى خبرهما ما يدل على استحالة اتفاقهما على وضع ~~الخبر، وقد لا يحصل مع إخبار المائة والأكثر، إذا جوز اتفاقهم على وضعه. # وبيان ذلك: أنه لو كان اثنان متباعدين ثم أورد مورد بينهما قطعة من شعر ~~لم يفهمها الثالث، ثم سأل ذلك الثالث ذينك الاثنين عن ما أورده المورد حتى ~~أخبر كل واحد منهما أنه أورد قطعة من شعر معين لشاعر معين، فإنه يعلم قطعا ~~صدق ذلك، مع فرض العلم باستحالة اتفاقهما على الكذب والترسل (39) فيه. # فعلم أن الضابط في العلم بصدق الخبر هو استحالة الاتفاق عليه، ولا عبرة ~~بأعداد المخبرين في ذلك، فإذا المنتج للعلم ليس نفس الخبر # PageV00P165 # ولا الكثرة، بل ما أومأنا إليه. # وثالثها: استواء الشرط المذكور في طبقات التواتر، فلو جوز ارتفاعه في ~~طبقة من تلك الطبقات لما حصل اليقين. (40) وإذا عرفت هذا فهل العلم الحاصل ~~عنه ضروري أو مكتسب؟ فيه أقوال ثلاثة: أحدها: أنه ضروري مطلقا، والثاني: ~~أنه مكتسب مطلقا، والثالث: التفصيل، وهو اختيار المرتضى، فإنه زعم أن الخبر ~~المتواتر عن # PageV00P166 # البلدان والوقائع يفيد العلم الضروري علي توقف فيه، وما تعلق بالأديان ~~والعقائد كسبي. (41) والحق أنه كسبي بأجمعه، لأن العلم الحاصل عنده تابع ~~للعلم بانتفاء التواطؤ والاتفاق عليه، فيكون المنتج للعلم بصحة الخبر ~~التفطن لهذا العلم الأول، ولا معنى للنظري إلا العلم المستفاد بواسطة علم ~~آخر. # احتج القائل بأنه ضروري بأنه لو كان كسبيا، لما حصل لمن لم يمارس العلوم ~~ولا عرف (42) كيفية اكتسابها، لكن هذا العلم يحصل للعوام عند سماع هذا ~~الخبر المتواتر، لا بل للأطفال المراهقين. ولأنه لو كان نظريا لجاز أن يسمع ~~الإنسان الخبر المتواتر مع صحة عقله وتمام فطنته، ثم لا يحصل له # PageV00P167 # العلم، لعدم النظر المثمر للعلم، لكن هذا الفرض محال. # والجواب عن الأول: لا نسلم أنه يحصل لمن [لم] يتفطن لموضع النظر منه، لكن ~~المناظر تختلف في الصعوبة والسهولة، فلم لا ms055 يجوز أن يكون هذا العلم لقربه ~~من العلوم الضرورية وظهور لزومه لها يظهر للعوام، لأنه لا يفتقر إلى كثير ~~كلفة، ولأن كثير من الأنظار يعلمها العوام، ويتفطنون لنتائجها، لظهورها فما ~~المانع أن يكون الحال في ما نحن بصدده كذلك؟ # والجواب عن الثاني: لا نسلم أنه يحصل اليقين عند سماع الخبر ما لم يتفطن ~~للشرط المذكور، ولهذا مهما جوز الإنسان افتعال الكذب على المخبرين لا ~~يستفيد به اليقين، ولهذا يتفاوت العقلاء في استثمار اليقين من الخبر بحسب ~~توهم هذا الشرط ارتفاعا وثبوتا. # وأما اختيار المرتضى، فالجواب عن حججه (43) يبين عن معاني ما ذكرناه. # واعلم أن القائلين بالنبوة اختلفوا في النسخ على قولين: فمنهم من أجازه، ~~ومنهم من منعه. # أما المانعون، فتارة يتعلقون بالعقل وأخرى [بالنقل]، أما العقل فقالوا: ~~لو نسخ الحكم بعد ثبوته لزم البداء، لكن ذلك محال. بيان الملازمة: # أنه بتقدير أن يأمر بشئ فإنه لا بد أن يكون ذلك لغرض، لاستحالة العبث، ~~وحيث نهى عنه فإن كان ذلك الغرض باقيا، لزم تفويت المصلحة المنوطة بذلك ~~الغرض، وإن لم تكن المصلحة باقية، فإطلاق الأمر الأول إما أن يكون # PageV00P168 # من العلم بزوالها وإما أن لا يكون، ويلزم من أول الإيهام، وهو محال على ~~الحكم، فتعين أنه لو نسخها لعلم ما لم يكن عالما به، ولا معنى للبداء إلا ~~ذلك، وأما كون البداء (44) محالا فلأنه يلزم عدم علمه بالمعلومات قبل ~~كونها، لكن هذا باطل بما ذكرناه في أبواب التوحيد. # وأما النقل، فمن سنة موسى - عليه السلام - قوله: (تمسكوا بالسبت أبدا) ~~(45) و (ما دامت السماوات والأرض) ومثل معنى ذلك تنقل النصارى عن عيسى - ~~عليه السلام -. والجواب عن الأول: قوله: (لو جاز النسخ لزم البداء) قلنا: ~~لا نسلم، وظاهر أنه لا يلزم. وهذا لأن البداء هو النهي عن ما أمر به - ~~والوقت والمكلف والوجه واحد - والنسخ هو إزالة مثل الحكم الشرعي بدليل شرعي ~~متراخ عنه، فتغاير الوقت يرفع البداء. # PageV00P169 # قوله: (إما أن تكون المصلحة المنوطة بالفعل باقية وإما أن لا تكون) قلنا: ~~لا تكون. ms056 # قوله: (إما أن يكون البارئ عالما بزوالها وإما أن لا يكون) قلنا: يكون. # قوله: (يلزم من الأمر مطلقا من غير بيان النسخ الإيهام، وكون العبد مظطرا ~~إلى اعتقاد بقاء التكليف، وهو إلزام باعتقاد الجهل) قلنا: عن ذلك جوابان: ~~أحدهما المنع من إطلاق اللفظ إلا مع قرينة تدل على النسخ إما جملة وإما ~~تفصيلا، وهذا اختيار أبي الحسين ومن تابعه ممن ذهب إلى أن الخطاب بالمنسوخ ~~لا يجوز إلا مع قرينة تدل على النسخ. والجواب الثاني بتقدير جواز تأخير ~~بيان النسخ يكون الدليل الدال على النسخ دالا على انتهاء مدة الحكم، ولا ~~نسلم أن الخطاب الأول يقتضي اعتقاد الجهل، لأن العاقل إذا عرف أن الشرائع ~~مبنية على المصالح، عرف أن الحكم مشروط ببقاء المصلحة المقتضية له، فيكون ~~الجواز ثابتا عند الخطاب بالمنسوخ. # وأما المنقول، فالجواب عنه من وجوه: # أحدها: أن نمنع النقل المذكور ونطالبهم بتصحيحه، (46) فإن احتجوا بنقل ~~اليهود له، وادعوا بلوغهم حد التواتر، منعنا ذلك، فإنه نقل أن بختنصر (47) ~~استأصلهم، وإن لم يكن ذلك معلوما، فإنه يحتمل، ومع قيام # PageV00P170 # الاحتمال يرتفع اليقين. # وثانيها: أن نمنع كون التأبيد حقيقة في الدوام، بل قد يطلق على ~~الاستمرار، وإن انتهى إلى غاية، وقد يطلق على ما لا غاية له. وبيان ذلك: ما ~~ذكر في التوراة من كون العبد يثقب أذنه ويستخدم أبدا، (48) ثم قيد ذلك في ~~موضوع آخر بخمسين سنة، وغير ذلك من الأحكام التي تناولها التأبيد، (49) ثم ~~قيدت بمدة معينة، وإذا كان محتملا لكل واحد من الأمرين، لم يكن دالا على ~~أحدهما على التعيين. # وثالثها: أنا مع إقامة البرهان القاطع على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم يتعارض ذلك الدليل وما ذكروه من الألفاظ الدالة على التأبيد، وقد ~~عرفت أن عند تعارض الدليل العقلي والنقلي، يكون الترجيح لجانب العقلي، لأنه ~~ليس بمحتمل واللفظي محتمل. # وما دل على نبوة موسى وعيسى من المعجز دال على نبوة محمد - عليهم السلام ~~- فلو طعن في دلالة هذا المعجز لزم الطعن في ذلك أيضا. (50) # PageV00P171 # وأما ms057 المطلوب من هذا الباب فهو الدلالة على نبوة نبينا محمد - عليه ~~السلام - فنقول: القائلون بجواز النسخ عقلا وشرعا اختلفوا في نبوة نبينا - ~~عليه السلام -، فمنهم من توقف فيه زعما أنه لم تقم دلالة على نبوته، وهم ~~طائفة من اليهود، والنصارى أجمع، والباقون قطعوا بنبوته لوجود الدلالة ~~الدالة عليه وهو اليقين. # والدلالة على نبوته - عليه السلام - أنه ادعى النبوة وظهر المعجز على يده ~~مطابقا لدعواه، وكل من كان كذلك فهو نبي. # أما أنه ادعى النبوة فمعلوم بالنقل المتواتر الذي لا يدفعه إلا مكابر، قد ~~عرفت أن الخبر المتواتر يفيد اليقين، ولو ساغ إنكار مثل ذلك لساغ إنكار ~~وجود البلاد المشهورة والوقائع المأثورة المروية، لكن ذلك عين السفسطة. # وأما ظهور المعجز على يده فنقول: إن معجزاته تنقسم إلى (51) قسمين: # فمنها ما هو الآن موجود، وهو القرآن، ومنها ما هو منقول بالتواتر، أو ~~النقل المشتهر. ونحن نذكر طرفا منها، ونبدأ ببيان كون القرآن معجزا، وقد ~~عرفت أن المعجز هو الخارق للعادة المطابق لدعوى المدعي، والأمران موجودان ~~في القرآن العزيز، أما خرق العادة فلأن المألوف من كلام العرب إنما هو ~~الخطب والرسائل والشعر، (52) ومن المعلوم أن القرآن خارج عن هذه الأمور، ~~ومجانب # PageV00P172 # لها، ولهذا تعذر - على فصاحتهم - (53) المعارضة له، مع التحدي الظاهر، ~~فلو قدروا على الإتيان بمثله، لما عدلوا إلى المحاربة وتحمل المشاق المفضية ~~إلى احتياج الأنفس والأموال. وتحقيق هذا الفعل (54) أنه لو كان في طاقتهم ~~الإتيان بمثله، لوجب أن يأتوا به لأن الدواعي متوفرة إلى المعارضة، والداعي ~~إذا صفا عن معارضة الصارف وجب الفعل، فعدم الفعل مع تحقق الداعي خالصا عن ~~الصوارف دليل على التعذر. # فإن قيل: لا نسلم أنهم عجزوا عن المعارضة، ولا نسلم أن دواعيهم إلى ~~المعارضة خلصت عن الصوارف، لأنه من المحتمل أن يكونوا لم يحتفظوا (لم ~~يلتفتوا) لمعارضته، ظنا أن الاندفاع يحصل بدون ذلك، أو لأنهم لم يتسع لهم ~~وقت يتفرغون فيه لمعارضته، أو لأنهم علموا أن المعارضة لا تغني عن ~~المحاربة، فاقتصروا على الغاية. سلمنا أن الداعي حصل، ms058 ولكن لم لا يجوز أن ~~المعارضة وقعت ولم تنقل إما لغلبة شوكة الإسلام، وإما لحصول القوة في سهم ~~السعادة المقتضي لحصول الفلج وقت المنازعة، (55) وإما لكثرة مساعد اعتنى ~~بإخفاء المعارضة. سلمنا ذلك، لكن لم لا يجوز أن يكون نقلت المعارضة في ~~الطبقة الأولى ثم لم يتصل النقل لاستيلاء سلطان الإسلام بالغلبة الحاسمة ~~لأطماع الناقل. سلمنا ذلك لكن المعارضة قد نقلت عن كثير من الناس. غاية ما ~~في الباب أن يقال تلك المعارضات قاصرة عن رتبة فصاحة القرآن، لكن التفاوت ~~اليسير بين الأفعال ليس بخرق للعادة، فإن # PageV00P173 # تفاوت أرباب الصناعات في صناعتهم حاصل مع أن ذلك ليس بخارق، ولا يعد ~~معجزا. # والجواب قوله: (لا نسلم أنهم عجزوا عن المعارضة) قلنا: لا شئ أظهر في ~~الدلالة على العجز من توفر الدواعي إلى الفعل ثم لا يتيسر، وقد بينا أن ~~الحال كذلك. # قوله: (لم لا يجوز أن يكونوا تهاونوا بالمعارضة ظنا منهم أن الاندفاع ~~يحصل بدونه) قلنا: قد بان فساد ذلك الخيال لهم ثم لم يعارضوا. # قوله: (لم يتسع لهم الوقت) قلنا: قد عرف أن التحدي كان في مدة النبوة، ~~وهو ما ينيف عن عشرين سنة، وذلك أوفر من المدة التي يفتقر إليها للمعارضة. ~~قوله: (علموا أن المعارضة لا تغني فاقتصروا على الغاية) قلنا: من المعلوم ~~عادة أن من أراد تهجين إنسان ودفعه عن مراده توصل في ذلك بكل ممكن. ومن ~~المعلوم أنهم لو عارضوا لظهرت حجتهم، [و] حصلت لهم بذلك الغلبة الرافعة ~~لمتمسكه، فكان ذلك أيسر في دحض دعواه وإفساد أمره. ومثل ذلك لا يعدل عند ~~العاقل، ولا يتجاوزه من يريد الاستظهار على الخصم. ووجه المصلحة العائدة في ~~ذلك ظاهرة (56) فلا يجوز أن يتفق الكل - والحال هذه - على العدول عن ~~المعارضة إلى المحاربة. # قوله: (لم لا يجوز أن تكون المعارضة حصلت ولم تنقل) قلنا: ذلك باطل من ~~وجوه: أحدها: أنه لو حصلت المعارضة لنقلت، لأن الطباع متوفرة # PageV00P174 # إلى نقلها، وكل ما توفرت دواعي الطباع إليه لا بد أن يحصل إذا ارتفعت ~~الموانع. ms059 والثاني: لو حصلت المعارضة لكانت المعارضة هي الحجة، والقرآن هو ~~الشبهة، والمعتني بنقل الشبهة أولى بنقل الحجة. والثالث: لو فرضنا أن ~~المسلمين اعتنوا بإخفائها لنقلها غيرهم، لأنه كان من المشركين ومخالف ~~الإسلام من (57) هو خارج عن طاعته خلق كثير يزيد عددهم عن حد التواتر، فلو ~~حصلت المعارضة لنقلها أولئك لا محالة. # قوله: (لم لا يجوز أن يكون المعارضة نقلت ثم لم يتصل بنا) قلنا: قد بينا ~~أن الدواعي متعلقة بنقلها في كل طبقة على سواء، فلو نقلت في طبقة لنقلت في ~~أخرى: لاستواء الطبقات في الباعث على النقل. # قوله: (المعارضة نقلت عن كثير) قلنا: لم يتصل بنا إلا ما ننزه ألسنتنا عن ~~ذكره، وهو بالخرافات أشبه منه بالمعارضات، وأي عاقل يناسب ما نقل عن مسيلمة ~~(58) وأشباهه من أرباب السجع بالقرآن العزيز، مع ظهور التفاوت العظيم، وهذا ~~بين لمن تدبره. # وأما أن ذلك مطابق لدعواه - عليه السلام - فظاهر أيضا لأنه تحدى العرب به ~~ونطق القرآن العزيز بذلك بقوله: (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) (59) ثم ~~اقتصر على سورة واحدة في التحدي بقوله: (فأتوا بسورة من مثله) (60) # PageV00P175 # ثم احتج بعجزهم عن ذلك بقوله: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (61) وهم كانوا ~~يستمعون القرآن مجتمعين ومفترقين، ولا معنى للتحدي إلا ادعاء العجز عن ما ~~أتى به المتحدي. # وأما المعجزات المنقولة التي هي سوى القرآن فكثيرة: # منها انشقاق القمر وهي آية باهرة نطق بها القرآن المجيد (62) لا يقال: # لو كان ذلك حقا لعلمه أهل الآفاق ولاشتهر في عوالم ذلك الزمان. لأنا ~~نقول: وقع ذلك ليلا، والناس بين غافل ونائم ومستيقظ مشغول بدنياه، فلعل ~~اختصاص المسلمين بمعرفته كان لصرفهم العناية إلى مشاهدته، ثم إلى نقله (63) ~~ومن ذلك تكثير الماء القليل، وقد وقع مرارا: تارة بوضع يده فيه وخروجه من ~~بين أصابعه كما جرى في ميضاة أبي قتادة (64) وتارة بوضع يده فيه وتمضمضه ~~منه، ومج مضمضته فيه، كما جرى في # PageV00P176 # الوشل لغزاة تبوك (65) وتارة ms060 بغرز سهم من سهامه فيه كما جرى في بئر ~~الحديبية حين أمر أبا قتادة الأنصاري بغرز السهم فيها فصعد ماؤها حتى شرب ~~منه بالأكف. (66) ومن ذلك إطعام الخلق الكثير من الطعام القليل، وقد اتفق ~~ذلك في مواطن: منها حين نزل: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (67) أمر عليا - عليه ~~السلام - أن يشوي شاة ويتخذ عسا من لبن، وأن يدعو بني أبيه وكانوا أربعين ~~رجلا، فأكلوا ولم يبن في الطعام إلا أثر أصابعهم وشربوا جميعا والعس بحاله، ~~حتى قال بعضهم (68)... سحركم به محمد ولم يجيبوا، ففعل مثل ذلك في اليوم ~~الثاني، والثالث. (69) ومنها أن جابرا قال: رأيت محمدا - عليه السلام - ~~خميصا (70) ونحن في # PageV00P177 # الخندق، فشويت له عناقا، وأمرت المرأة أن تخبر صاعا من شعير، ثم دعوته ~~فقال: أنا وأصحابي؟ فقلت: نعم. ثم قلت للمرأة: هي الفضيحة: فقالت: # أنت قلت له ذلك؟ فقلت: بل هو قال: أنا وأصحابي؟ فقلت: نعم، فقالت: هو ~~أعلم بما قال. ثم أخبرته - عليه السلام - بالصاع والعناق، فقال، أقعد عشرة ~~عشرة، ففعلت فأكلوا جميعا حتى صدروا. (71) ومنها في غزوة الحديبية، فإنهم ~~شكوا قلة الأزواد، فأمر - عليه السلام - أن يجمع ما بقي منها، وأن يلقى على ~~الأنطاع، ثم دعا - عليه السلام - ففاضت الأزواد فأكلوا وملؤوا كل جراب ~~ومزود. (72) ومن ذلك أن النعمان الأنصاري ضرب فسقطت عينه، فأتاه بها، ~~فردها، فكانت أقوى عينيه. (73) ومن ذلك أن طفيل بن عمرو الدوسي (74) قال ~~له: اجعل لي علامة حتى أدعو قومي، فجعل له نورا في جبينه، فقال: هذه مثلة، ~~فجعله في علاقة سوطه. (75) # PageV00P178 # ومن ذلك حنين الجذع (76)، وتسبيح الحصا (77)، ومجئ الشجرة إليه تخد ~~الأرض، ثم أمرها بالعود فعادت، (78) وكلام الناقة، (79) ونطق الذئب، (80) ~~وأمر النخلتين بالاجتماع، فاجتمعتا حتى تخلى تحتهما. (81) ومن ذلك إجابة ~~دعواته كقوله لعلي [عليه السلام] في غزاة خيبر: (اللهم افتح على يديه) (82) ~~ولعبد الله بن عباس: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) (83) ولعتبة بن ~~أبي لهب: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك) فمضغه # PageV00P179 # الأسد. (84) ومن ذلك إخباره بالغائبات كقوله لعلي - عليه السلام -: ~~(سيغدر بك) ms061 (85) وقوله له - عليهما السلام -: إن أشقى الناس رجلان: أحيمر ~~ثمود عاقر الناقة، ورجل يضرب هذه - وأشار إلى رأسه - عليه السلام - - فيبل ~~منها هذه - وأشار إلى لحيته صلوات الله عليه - (86) وقوله: (إنك تقاتل ~~الناكثين والقاسطين والمارقين) (87) وإخباره - عليه السلام -: إن الحسين ~~[عليه السلام] يقتل، وإبانته عن موضع مقتله وموضوع مدفنه. (88) وإخباره ~~باذام عامل كسرى على اليمن - حين ورد عليه يحمله قهرا إلى كسرى - إن ربي ~~سلط ابن ربك عليه، فقتله في هذه الساعة، فتربص باذام حتى ورد الخبر بقتله ~~في تلك الساعة من تلك الليلة، فأسلم هو ومن معه. (89) وهذه قطرة من بحار ما ~~نقل من معجزاته - عليه السلام - (90) # PageV00P180 # لا يقال: هذه أخبار آحاد فلا يحتج بها في الأمور اليقينية (91) لأنا ~~نقول: # لا نسلم أنها من قبيل أخبار الآحاد، بل منها المتواتر، (92) ومنها ~~المشهور الذي يعضد بعضه بعضا حتى يستفاد منه اليقين. ولو سلمنا جدلا أن كل ~~واحد منها بعينه واحد، لكن يتفق بأجمعها في الدلالة على حصول المعجز، فنعلم ~~صدور المعجز عنه من مجموعها، كما يعلم كرم حاتم علما يقينيا، وإن كانت ~~مفردات مكارمه آحاد. (93) وإذا ثبت أنه ادعى النبوة وظهرت المعجزات على ~~يده، وجب أن يكون صادقا. وتقريره ما مر في بحوث مقدمة هذا الباب. # واعلم أن الناس اختلفوا في وجه الإعجاز، فقال قوم: هو الفصاحة. # وقال آخرون: هو الأسلوب. (94) وآخرون: هو مجموع الأمرين. وآخرون: هو # PageV00P181 # سلامته من الاختلاف. (95) واختار المرتضى الصرفة. وذكر أن العرب قادرة ~~على مثل فصاحته وأسلوبه، غير أن الله تعالى صرفهم عن ذلك. ولعل هذا الوجه ~~أشبه بالصواب. (96) واحتج بعض المعتزلة (97) على بطلان القول بالصرفة بأنه ~~لا وجه يعقل تفسير الصرفة به، لأنه إن أريد بها سلب القدرة، لزم تعذر النطق ~~بالحروف عليهم، لأن القدرة يتعلق بجنس الفعل، ولو لم يقدروا على حروف ~~القرآن لما قدروا على مثلها. وإن أريد بها سلب العلوم، لزم خروجهم عن ~~العقل، إذ هو عبارة عن العلوم المخصوصة. وإن أريد به سلب الدواعي، لزم أن ~~يكون الداعي أمرا (98) زائدا على ms062 العلم المخصوص وإذا كان العلم بكون الشئ ~~مصلحة، لكن قد عرفت أن الداعي ليس أمرا زائدا على # PageV00P182 # العلم المخصوص، وإذا كان العلم حاصلا لهم كانوا عالمين بأن المعارضة ~~مصلحة لهم، فكان الداعي ثابتا. # وإن أريد به المنع من المعارضة مع القدرة والعلم وتوفر الداعي كان ذلك ~~إشارة إلى ما لا يعقل وجهه وهو باطل. # ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون الصرفة بمعنى إزالة العلوم المعتبرة ~~في الإتيان بمثل القرآن؟ (99) قوله: (يلزم من ذلك خروجهم عن العقل، إذ ~~العقل عبارة عن علوم مخصوصة) قلنا: ليس كل علم داخلا في حقيقة العقل، فإن ~~العلم بالصناعات خارج عن ذلك، وكذلك ما نحن فيه، فلم لا يجوز أن يكون عندهم ~~من العلوم ما يكفي في الإتيان بمثل القرآن، فعند التحدي سلب الله ذلك عن ~~جميعهم، فكان ذلك جهة الإعجاز. والله أعلم. (100) # PageV00P183 # النظر الرابع في الإمامة PageV00P185 # النظر الرابع في الإمامة وفيه مقدمة ومقاصد: # أما المقدمة فتشتمل على ثلاثة بحوث: # البحث الأول: في حقيقة الإمامة ووجوبها. # الإمامة رئاسة عامة لشخص من الأشخاص بحق الأصل لا نيابة عن غير هو في دار ~~التكليف. # فقولنا: (عامة) احترازا من الأمراء والقضاة. وقولنا: (بحق الأصل) احترازا ~~عمن يستخلفه الإمام نائبا عنه. وقولنا: (لا نيابة عن غير هو في دار ~~التكليف) احترازا من نص النبي أو الإمام على إمام بعده، فإنه لا يثبت ~~رئاسته مع وجود الناص عليه. # واعلم أن بهذا التفسير تكون لفظة (الإمام) واقعة على النبي كما تقع على ~~خليفته حتى يكون كل نبي إماما ولا ينعكس فيتفاوتان تفاوت العام والخاص. # واعلم أن الناس اختلفوا في وجوب الإمامة على ثلاثة أقوال: فمنهم ~~PageV00P187 # من لم يوجبها أصلا، وهم الخوارج (1) مطلقا، والأصم (2) بتقدير أن لا تظهر ~~الفتن. ومنهم من أوجبها عقلا. ومنهم [من] أوجبها سمعا. والموجبون لها عقلا ~~اختلفوا على قولين: فمنهم من أوجبها دفعا للضرر، فأوجب نصب الإمام بهذا ~~الاعتبار على المكلفين، ومنهم من أوجبها لكونها لطفا في أداء الواجبات ~~واجتناب المقبحات، فأوجب نصب الإمام بهذا الاعتبار على ms063 الله سبحانه وتعالى، ~~والأول هو مذهب النظام والجاحظ (3) والخياط (4) وأبي الحسين البصري، ~~والثاني مذهب الإمامية، وهو الحق. # لنا أن الأمة مع وجود الإمام تكون أقرب إلى فعل الطاعة، وأبعد من # PageV00P188 # فعل المعصية، وكل ما كان كذلك فهو واجب على الله في الحكمة. أما الأولى ~~فاستقراء العوائد يحققها، وأما الثانية فقد مرت في أبواب العدل. # فإن قيل: لا نسلم أن الإمامة لطف في أمور الدين، غاية ما يعلم حصول ~~المضار الدنيوية بفواتها، ودفع المضار الدنيوية غير واجب على الله سبحانه ~~وتعالى مع تمكينه المكلف من الاحتراز منها وإرشاده إليها. أما كونها لطفا ~~في الأمور الدينية فهو غير معلوم. # سلمنا أنها لطف في الأمور الدينية، لكن متى يجب على الله فعل اللطف؟ إذا ~~خلا عن وجوه المفاسد أم إذا لم يخل؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، ونحن لا ~~نسلم أنها خالية من وجوه المفاسد، فعليكم أن تثبتوا ذلك. # فإن قلتم: لا نعلم هناك مفسدة. قلنا: لا يكفي عدم علمكم في إيجابها على ~~الله، فإن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول (5)، ومهما جوزتم أن تكون ~~هناك مفسدة فقد جوزتم الإخلال بنصب الرئيس عند حصول ذلك الجائز. # لا يقال: يلزم من ذلك أن تكون المعرفة بالله غير واجبة على مذهب من يرى ~~وجه وجوب المعرفة كونها لطفا. لأنا نقول المعرفة واجبة على المكلف، وهو ~~يبنى على وجوب التحرز من الضرر على الظن كما نبنيه على العلم، وليس # PageV00P189 # كذلك ما يجب على الله في الحكمة: فإنه يطلع على الغيوب، فلا يجب من ~~الألطاف إلا (6) ما يعلم خلوصه عن المفاسد. فالفرق بين البابين واضح. # سلمنا خلوها عن المفاسد، لكن لا نسلم وجوب ما هذا شأنه على الله، فإنا لم ~~نسمع دليلكم الدال على إيجابه. فإن عولتم على الدليل الذي أشرتم إليه في ~~أبواب العدل، من أن الإخلال بذلك نقض لغرض المكلف سبحانه، لأنه إذا عرف أن ~~المكلف يكون أقرب إلى فعل ما أمر به إذا فعل معه فعلا لا يستضر الآمر به، ~~فإنه بتقدير أن لا ms064 يفعله يعد ناقضا لغرضه. # قلنا: نحن نطالبكم بدليل هذه الدعوى فإنكم لم تأتونا بزيادة عنها. # سلمنا أن الإمامة لطف، وأن اللطف واجب على الله، لكن لا نسلم مع ذلك وجوب ~~الإمامة، وإنما يلزم ذلك بتقدير أن يكون ذلك اللطف متعينا، بحيث لا يقوم ~~غيره مقامه. أما إذا احتمل أن يكون هناك لطف آخر يقوم مقام هذا اللطف، فإنا ~~لا نسلم وجوبه، فعليكم أن تبينوا إزالة هذا الاحتمال ليتم لكم ما حاولتموه ~~من هذا الاستدلال. # ثم إنا نعارض (7) ما ذكرتموه بوجوه ثلاثة: # الأول: لو وجب نصب الرئيس لكان إما مشروطا بانبساط يده أو لا مع ذلك ~~الشرط. والقسمان باطلان. أما الملازمة فظاهرة. وأما بطلان الأول، فلأن ~~الأزمان تنقضي مع أنا لا نرى إماما منبسط اليد، متمكنا من إمضاء الأحكام، ~~بل لا نعلم وجود مثله. وأما الثاني فبطلانه ظاهر، إذ لا فائدة في # PageV00P190 # إمام هذا شأنه. # الوجه الثاني: أن الغرض بنصب الرئيس تنفيذ الأحكام الشرعية، فيكون نصبه ~~تبعا لها، وإذا لم يكن الأصل معلوما عقلا فالفرع أولى بذلك. # [الوجه] الثالث: لو كانت الإمامة واجبة على الله تعالى لعلمت الصحابة ذلك ~~أو معظمهم، لكن لو علموا ذلك لما عولوا على نصب رئيس، ولفحصوا عن ذلك ~~الرئيس الذي نصبه الله، فلما لم يقع ذلك لم يكن ما ادعته الإمامية حقا. لا ~~يقال: لعل الصحابة لا تعلم ذلك، أو إن علمه آحاد منهم لم يتمكنوا من ~~الاعتراض على الباقين، كما أن النص على علي - عليه السلام - كان معلوما ~~وعجز العارفون به عن الاعتراض على المعولين على الاختيار. لأنا نقول: أما ~~ذهاب ذلك على جملة الصحابة فبعيد، إذ يستحيل أن يدعى أن آحاد الإمامية أعرف ~~بطرق النظر من الصحابة أجمع، وأما تمثيل ذلك بالنص فظاهر البطلان، لأن ما ~~شهد به العقل يمكن إثباته عند كل عاقل، ولا كذلك ما يدعيه ناقل النص، لأنه ~~يخبر بما سمعه فجائز أن يجحد دعواه. # والجواب: قوله: (لا نسلم أن الإمام لطف في أمور الدين) قلنا: هذا جحد ~~للمعلوم، فإن كان ms065 عاقل يجزم جزما ضروريا مع تصفح العادات وارتفاع العصمة عن ~~العوالم بوقوع التنافس والتحاسد والميل إلى الراحة الباعثة على ترك ~~العبادات الشاقة (8)، ويعلم أن مع وجود الإمام يكون الناس # PageV00P191 # إلى زوال ذلك أقرب، ولا معنى للألطاف الدينية، إلا ما يكون المكلف معها ~~أقرب إلى فعل الطاعة، والمجاحدة عن ذلك من أفحش البهت. # قوله: (متى يجب فعل اللطف إذا خلا، وجوه المفاسد أو إذا لم يخل؟) قلنا: ~~إذا خلا، ووجه المفسدة مرتفع هاهنا جزما (9). # وتحقيق ذلك أن المفسدة المفروضة إما أن تكون لازمة لذلك اللطف، أو صادرة ~~عن الإمام، أو منه تعالى، أو من المكلف. # لا جائز أن تكون لازمة للإمامة من حيث هي، إذ لو كان ذلك للزم محذوران: ~~أحدهما استحالة تصور وجود الإمامة منفكة عن تلك المفسدة، تحقيقا للزوم. ~~والثاني استحالة أن يأمر بها الشرع عند تحقق ذلك الفرض، لكن الشرع آمر بذلك ~~مطلقا. # ولا جائز أن يكون صدورها من الإمام ولا من الله، لتحقق العصمة في الإمام، ~~وارتفاع المفسدة في حق الله، لما تقرر من أنه لا يفعل القبيح. # وإن كانت من المكلف اختيارا، لم يمنع وجوب الإمامة على الله، كما لم يمنع ~~ذلك وجوب كثير من الواجبات بتقدير وقوع مفسدة من العبد. فقد تلخص بهذه ~~الوجوه أن الإمامة عرية عن وجوه المفاسد. # ويمكن أن يقرر هذا بوجه آخر، وهو: أنا نعلم علما يقينا أنه كيف ما فرض ~~لطف الإمامة، فإنه إما أن يكون صافيا عن المفسدة، أو راجحا عليها، إذ لو ~~جوز خلاف هذين الأمرين لما حكم العقل بوجود الصلاح مع الإمام، وانتفائه مع ~~عدمه، حكما مطلقا، لكن العقل حاكم بذلك مطلقا، فلا يكون # PageV00P192 # ذلك الاحتمال مؤثرا في إيجاب ذلك اللطف. # قوله: (لا نسلم أن اللطف واجب) قلنا: قد بينا ذلك. # قوله: (لم تأتوا بزائد على الدعوى)، قلنا: لا شئ في الدلالة أظهر من ~~برهان يكون مادته ضرورية (10)، ونحن قد بينا أن كل عاقل يحاول من غيره ~~أمرا، يفعل كل ما يحرك داعي ذلك الغير إلى ذلك ms066 الأمر، إذا لم يكن في فعله ~~عليه مشقة، وندعي أن ترك ذلك نقض للغرض ضرورة، وأن نقض الغرض قبيح في ~~العقول، فمع ذلك لا حاجة إلى مزيد إيضاح عند المنصف. # قوله: (متى يجب لطف الإمامة إذا كان له بدل أو إذا يكن؟) قلنا: # إذا لم يكن وظاهر أنه لا بدل له، يدل على ذلك وجهان: أحدهما: أنه لو كان ~~له بدل لما حكم العقل حكما مطردا على استمرار الأزمان بكون المكلفين معه ~~أقرب إلى الطاعة وأبعد من المعصية. ولكان العقل يقف في الحكم بذلك على ~~انتقاء البدل، لكن العقل يحكم بذلك مطلقا، وذلك دليل على عدم البدل. الوجه ~~الثاني: أن مع فرض جواز الخطأ على المكلفين يكون انضياف الإمامة إلى أي لطف ~~فرض أدعى إلى وقوع الطاعة وارتفاع المعصية، ومع انفراد ذلك المفروض عن ~~الإمامة تكون الحال بالضد من ذلك، فلا # PageV00P193 # تنقل الإمامة عن كونها لطفا كيف ما كان، ومع ذلك تجب لأنه لا يقوم مقامها ~~شئ. # اللهم إلا أن يدعى لطف ينتهي بالمكلفين إلى العصمة، فعند ذلك نسلم سقوط ~~فرض الإمامة، إلا أن الموجب للإمامة عقلا إنما هو جواز الخطأ على المكلفين. # قوله في المعارضة الأولى: (وجوب الإمامة إما أن يكون مشروطا بانبساط يد ~~الإمام أولا يكون) قلنا: لا يكون. # قوله: (لا فائدة في إمام هذا شأنه) قلنا: لا نسلم، بل فيه فوائد أيسرها ~~قيام الحجة على المكلفين. # وتحقيق هذا أن لطف الإمامة ذو شعب، فمنه ما يختص بالله سبحانه، كنصب ~~الرئيس، ومنه ما يختص بالإمام، وهو قبول اللطف، والقيام بأعباء ما حمل، ~~ومنه ما يختص بالمكلف، وهو الانقياد لأوامر الإمام والمعاضدة له. # فلو أخل الله سبحانه بنصبه لكان مخلا بما يجب عليه في الحكمة، ولما ~~انزاحت علة المكلف (11)، فيجب أن ينصبه بحيث إذا أخل المكلف بالقبول يكون ~~فوات مصلحته بسوء اختياره. (12) قوله في المعارضة الثانية: (الغرض بنصب ~~الرئيس تنفيذ الأحكام الشرعية) قلنا: لا نسلم، بل الغرض به تقوية دواعي ~~المكلفين إلى الطاعة وترك المعصية، وذلك يعم الواجبات والمقبحات ms067 شرعية كانت ~~أو عقلية، فإذا وجبت الشرعيات كانت الإمامة لطفا فيها وفي العقليات، ولو ~~فرض ارتفاع # PageV00P194 # الشرعيات لكانت الإمامة لطفا في العقليات. # قوله في المعارضة الثالثة: (لو كان نصب الإمامة واجبا على الله تعالى ~~لعلم ذلك الصحابة أو معظمهم) قلنا: لا نسلم، وهذا لأن العلم بذلك نظري لا ~~ضروري، والأمور النظرية قد تذهب على كثير. نعم لا يذهب ذلك على كل الصحابة ~~بل نقول: إن فيهم جماعة عرفوا ذلك قوله: (لو عرف ذلك الصحابة لما عولوا على ~~التعيين على إمام) قلنا: # ليس كلهم فعل ذلك، وجماعة أنكروا ذلك، وشهدوا أن عليا - عليه السلام - هو ~~الإمام دون غيره، وأنشدوا في ذلك الأشعار. (13) قوله: (لو عرفوا ذلك لفحصوا ~~عن ذلك الإمام) قلنا: لا نسلم، وهذا لأن الصحابة بين عارف بوجوب الإمامة ~~عقلا مقر بعين الإمام، وبين عارف منكر (14)، وبين شاك، فالعارف بوجوب ~~الإمامة وعين الإمام لا يفحص، والفريقان الآخران لا يفحصان، هذا لعلمه، ~~وذلك لجهله. # قوله: (لو عرف ذلك بعض لاعترض على الآخرين) قلنا: قد وقع ذلك. # كما روي أن سعد بن عويمر بن ساعدة قال: إن الخلافة لا تكون إلا في أهل ~~بيت النبوة فاجعلوا حيث جعلها الله. (15) # PageV00P195 # وكما روي أن ستة من المهاجرين وستة من الأنصار أنكروا على الجالس بعد ~~النبي - عليه السلام -. (16) وجماعة امتنعوا من بيعته كالعباس وعقيل وسلمان ~~وبريدة وأبي حذيفة وغيرهم. (17) # PageV00P196 # ويروى أن عبادة بن صامت (18) قال: # يا للرجال أخروا عليا * أليس كان دونهم وصيا وغير ذلك من الأحاديث ~~المتضمنة للشهادة بعين الإمام المنصوص عليه عن الله سبحانه وعن رسوله - ~~عليه السلام -. (19) لا يقال: هذه الأخبار آحاد، لأنا نقول يكفي تجويز ~~صحتها في تطريق الاحتمال إلى ما استدلوا به. # ثم نقول: إن السبب الذي لأجله لم يتواتر النكير قوة المنتصبين، وضعف ~~المعترضين، وخوف الناقلين. # وذلك يوجب الاستتار بالنكير، فيقع نادرا، فيقل النقل، ثم يعتوره خوف ~~الناقل، فيكاد يضمحل لولا أن يريد الله إظهار الحق لعباده. (20) # PageV00P197 # البحث الثاني في صفات الإمام ويختص الإمام زيادة على غيره من الولاة ms068 ~~بصفات أربع: # كونه معصوما، وأفضل الرعية، ويعلمان عقلا، وكونه أعلمهم بالشرع بعد ~~التعبد بالشرع، وأنه مقتدى به فيه، وأشجعهم بعد التعبد بالجهاد، وكونه ~~مقدما فيه. # أما كونه معصوما فقد انفرد أصحابنا باعتبار ذلك فيه دون غيرهم من الطوائف ~~عدا الإسماعيلية (21). ويدل على اعتبار وجوب العصمة وجوه: # الأول: لو لم يكن معصوما لكان جائز الخطأ، لكن لو كان كذلك لا فتقر إلى ~~إمام، لوجود العلة المحوجة إليه فيه، ثم الكلام في ذلك الإمام كالكلام في ~~الأول، ولا يتسلسل ولا يدور، لبطلان كل واحد من القسمين، # PageV00P198 # فتعين المصير إلى إمام لا يجوز عليه الخطأ. # فإن قيل: لا نسلم أن العلة المحوجة إلى الإمام جواز الخطأ على المكلفين، ~~بل لم لا يجوز أن تكون العلة هي دفع المضار الدنيوية، أو الارشاد إلى ~~الأغذية والتمييز بين نافعها وضارها، أو الهداية إلى العقائد، أو غير ذلك ~~من الفوائد. # سلمنا أن العلة هي جواز الخطأ، لكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك الانتهاء إلى ~~إمام معصوم، بل ما المانع أن يكون في الزمان إمامان كل منهما يستدرك على ~~صاحبه خلله، ثم لا يلزم الدور المحال إذ لا يتفق خطؤهما في شئ واحد. وهذا ~~وإن لم يصر إليه ذاهب فإنه ممكن، وإذا أمكن لم يكن إيجاب الانتهاء إلى ~~معصوم لازما على الاستمرار. # سلمنا أنه لا بد من معصوم، فلم لا يكون ذلك هو الأمة؟ فإن النبي عليه ~~السلام - أخبر أنها لا تجتمع على خطأ (22)، فحينئذ يكون الإمام # PageV00P199 # سائسا (23) للجميع فإن هفا (24) أو أخطأ أخذت الأمة على يده وتداركت ~~خطأه. # سلمنا ذلك لكن ما ذكرتموه معارض بوجوه: أحدها: لو كانت العصمة معتبرة في ~~الإمام لزم اعتبارها في القضاة وولاة البلدان، لكن ذلك باطل بالإجماع. ~~الثاني: لو كانت العصمة معتبرة في الإمام لكانت من أعظم الحجج لخصوم ~~المنتصبين للإمامة من الصحابة والتابعين، لأن المنتصبين للإمامة لم يدع ~~أحدهم العصمة، ولما لم يعترض أحد من الخصوم بذلك، دل على أنه ليس بمعتبر، ~~إلا أن يقول قائل: إن الإمامية عرفت من ms069 شروط الإمامة ما لم يهتد إليه أحد ~~من الصحابة والتابعين، لكن في ذلك من المأخذ ما فيه. # الثالث: لو وجبت عصمة الإمام لوجبت عصمة الجند والأعوان، لكن ذلك باطل ~~بالإجماع. أما الملازمة، فلأن لطف الإمامة لا يتم إلا بمساعدة الأعوان، ~~فإذا كان الأعوان جائزي الخطأ أمكن المخالفة، فيحتاج إلى # PageV00P200 # الاستسعاد (25) عليهم بغيرهم، ثم الكلام فيهم كما في الأول، فلا بد من ~~الانتهاء إلى جند معصومين دفعا للتسلسل. وهذه الحجة مماثلة لحجتكم في إثبات ~~عصمة الإمام، فإن دلت هناك دلت هنا. الرابع: لو كانت العلة المحوجة إلى ~~الإمام جواز الخطأ، لكان لو فرض في الأمة معصوم لم يكن إماما ولا مأموما، ~~لكن ذلك باطل بالإجماع. # والجواب: قوله: لا نسلم أن العلة المحوجة إلى الإمام جواز الخطأ. # قلنا: قد بينا ذلك بكون الاحتياج يدور مع جواز الخطأ على المكلفين وجودا ~~وعدما، لأنا متى عرفنا أن المكلف معصوم استغنى بالعصمة عن الإمام، ومتى ~~ارتفع ذلك احتاج إلى اللطف المحرك إلى فعل الطاعة واجتناب المعصية، وليس ~~كذلك ما عدده من الأمور، وإن كان يحتاج إليه فيها، لكن ليست علة الاحتياج، ~~والعقائد لا يجوز الرجوع فيها إلى الإمام إلا بعد ثبوت عصمته، لأن الخبر ~~المحتمل للصدق والكذب لا يجوز الجزم به إلا لدلالة تدل عليه، فإن عمل بقول ~~الإمام مجردا عن دلالة ولا وثوق بعصمته لم يقطع بصحة خبره، فلا يجوز بناء ~~العقائد على قوله، وإن عمل بقوله منضما إلى الدلالة لم تكن لقوله مزية على ~~غيره، فثبت أن علة الاحتياج إلى الإمام هو ما ذكرناه من جواز الخطأ على ~~المكلفين، وأنه إن كان للمعرفة بالعقائد يلزم أن يكون معصوما أيضا لما ~~ذكرناه. # قوله: ما المانع أن يكون في وقت إمامان جائزا الخطأ ويأخذ كل واحد منهما ~~على صاحبه، فلا يفتقران إلى إمام معصوم؟ قلنا: هذا باطل. وبتقدير صحته ~~فالإلزام باق. أما بطلانه فلأن الإمام يجب على المأموم تعظيمه # PageV00P201 # وإجلاله، فلو كان إماما مأموما لزم انخفاضه عنه وارتفاعه عليه. وأيضا ~~فكان يلزم أن يكون كل ms070 واحد منهما إماما لنفسه، لأن إمام الإمام إمام ~~للمأموم. وأما أن بتقدير صحته فالالزام باق، فلأن وقوع الخطأ منهما جائز، ~~فلعله لو أخذ على يده لما سلك الحق ولجاز أن يتجاوز العدل في مؤاخذته، ~~وكذلك الآخر، فيكون العلة المحوجة إلى الإمام موجودة منهما. (26) قوله: لم ~~لا يجوز أن تكون الأمة تأخذ على يد الإمام (27). قلنا: هذا باطل، لعجز ~~آحادها عن القبض على يده، وتعذر اجتماعها على المؤاخذة. # قوله: ما المانع أن يكون في رعيته معصوم يأخذ على يده؟ قلنا: لتعذر ~~انتصاف الضعيف من القوي. # قوله في المعارضة الأولى: لو كانت العصمة معتبرة في الإمام لزم اعتبارها ~~في القضاة والولاة: قلنا: لا نسلم هذا لأن جواز الخطأ فيهم وإن أحوج إلى ~~الإمام فإن عصمة الإمام يمنع من الاحتياج إلى غيره، فيحصل اللطف المراد من ~~الإمامة بهذا الاعتبار، فلم يحتج إلى عصمة غير الإمام. # قوله في المعارضة الثانية: لو كانت العصمة معتبرة في الإمام لكانت من ~~أعظم حجج الخصم على المنتصبين للإمامة من الصحابة والتابعين. # قلنا: الحال كذلك، لكن ليس كل قول يسمع، ولا كل حجة تتبع. ثم نقول: # ما المانع أن يكون وقع ذلك؟ فإنه لا تتم حجتك إلا بعد بيان أن ذلك لم ~~يقع. على أنا نقول: لو سلمنا أنهم لم يحتجوا بالعصمة على دفع المدعي ~~للإمامة لما دل ذلك على عدم اشتراطها، لأنها أمر خفي يمكن أن يدعيها # PageV00P202 # الخصم مكابرة، ولأن الطريق إلى تمييز المعصوم ليس إلا النص فكان دعوى ~~النص على بطلان دعوى مدعي الإمامة يغني عن ذلك، وسنبين أن جماعة من الصحابة ~~شهدوا بالنص على علي - عليه السلام - وأعرض الباقون عن العمل بشهادتهم. # قوله في المعارضة الثالثة: لو وجبت عصمة الإمام لوجبت عصمة الأعوان. ~~قلنا: لا نسلم فما الدليل على ذلك؟ # قوله: لطف الإمام لا يتم إلا بمساعدة الأعوان. قلنا: مسلم. # قوله: لو كانوا جائزي الخطأ لأمكن مخالفتهم للإمام، فلا يحصل الغرض ~~المراد من الإمامة، فيفتقر إلى جند أخرى. قلنا: الجند إن أطاعوه فقد تم ~~اللطف، وإن ms071 خذلوه كان فوات اللطف من جهتهم لا من جهة الله سبحانه، ولا من ~~جهة الإمام، بخلاف ما إذا لم يكن الإمام معصوما. # قوله في الوجه الرابع: لو كانت العلة المحوجة جواز الخطأ لكان لو فرض في ~~الأمة معصوم لكان غير إمام ولا مأموم. قلنا: لا نسلم، وهذا لأن ذلك المعصوم ~~وإن لم يكن محتاجا إلى الإمام في كونه لطفا له، فإنه محتاج إليه في الجهاد ~~والمصالح الدنيوية التي لا يستقل ذلك المعصوم بها، ويحتاج إلى رئيس يقوى ~~بسياسته على حصولها، والدليل يطرد ولا ينعكس. (28) دليل ثان على أن الإمام ~~يجب أن يكون معصوما: # لو جاز وقوع الذنب منه لكان مع تقدير وقوعه إما أن يتبع وإما أن لا # PageV00P203 # يتبع، ويلزم من الأول الأمر بالذنب، ومن الثاني خروج الإمام عن كونه ~~إماما. # لا يقال: هذا منقوض بنواب الإمام، وبأن المحذور إنما يلزم من وقوع الذنب ~~لا من تجويز وقوعه. لأنا نقول: الفرق بين الإمام ونوابه ظاهر، وذلك لأن ~~النواب مع الخطأ يأخذ عليهم الإمام، فهم محتاجون مع جواز خطئهم إلى الإمام، ~~ولهم إمام، والإمام لا إمام له. # قوله: إن المحذور إنما يلزم من وقوع الذنب لا من جوازه. قلنا: جواز وقوع ~~الذنب مستلزم سلامة فرض الوقوع من المحال، لأنه لولا سلامته عن المحال لما ~~كان جائزا. # دليل ثالث: # لو جاز وقوع الذنب منه لكان مع فرض وقوعه ظالما، لكن الظالم لا يصلح ~~للإمامة. أما الأولى فلأن الظلم وضع الشئ في غير موضعه، والفسق وضع الشئ في ~~غير موضعه فيكون ظلما. وأما الثانية فبقوله تعالى لإبراهيم - عليه السلام ~~-: (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين). (29) ~~لا يقال: هذا يتناول من وقع منه الظلم لا من يجوز منه وقع الظلم ولا يقع. ~~لأنا نقول: إذا لم يكن واجب العصمة كان جائزا الخطأ، ومن جاز خطؤه أمكن ~~وقوع الظلم منه، ومع وقوعه... (30) لا يناله العهد فيكون جواز الخطأ ~~مستلزما لإمكان فرض وقوعه، وفرض وقوعه مستلزم للمنع من وصول # PageV00P204 # العهد ms072 إليه. # وأما كونه أفضل فاعلم أن الأفضلية تقال على وجهين [الأول] بمعنى أنه أكثر ~~ثوابا في الآخرة، والثاني أنه أرجح في الأمور التي هو مقدم فيها كالعلم ~~والشجاعة حيث كان حاكما مقدما في الحروب داعيا إليها. # أما القسم الأول: فالدليل على اعتباره وجوه: # الأول: الإمام معصوم فيجب أن يكون أفضل. أما الأولى فقد تقدم بيانها، ~~وأما الثانية فإجماعية، أما عندنا فلأنا نثبت الأمرين، وأما عند الباقين ~~فلانتفائهما. (31) الثاني: الإمام أعلم الأمة فيكون أفضل، أما الأولى ~~فسيأتي بيانها، وأما الثانية فبقوله تعالى: (هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون) (32) ولأن العلم فضيلة موجبة للثواب فيكون تزايدها موجبا ~~لازدياده. # الثالث: الإمام مساو لغيره في التكاليف، ومختص بكونه لطفا لغيره في ~~التحريك إلى الطاعات، وذلك اللطف إنما يتم باجتهاده وقبوله للقيام بأعباء ~~(33) الإمامة، فيكون راجحا على المكلفين في تكليفه، فيجب أن يكون # PageV00P205 # أكثر ثوابا. # لا يقال: فيلزم أن يكون المصلي تماما أرجح ثوابا من المصلي تقصيرا، لأنا ~~نقول: الأمر كذلك إذا عرفنا تساويهما في صلاح الباطن، والإمام نعلم صلاح ~~باطنه قطعا بما ثبت من عصمته، فيكون مستحقا لزيادة الثواب قطعا بزيادة ~~تكليفه. # الرابع: الإمام يجب على الرعية كافة تعظيمه وإجلاله، فيجب أن يكون أفضل. ~~أما الأولى فظاهرة، وأما الثانية فلأن التعظيم يجب أن يكون مستحقا ولا يجوز ~~التبرع به، وذلك يدل على استحقاقه لذلك في نفس الأمر، لأنا نعظمه تعظيما ~~غير مشروط بصلاح الباطن، لتيقننا صلاحه بما ثبت من عصمته، وإذا كان مستحقا ~~لزيادة التعظيم في نفس الأمر كان مستحقا لزيادة التعظيم عند الله تعالى، ~~ولا معنى للأفضلية إلا ذلك. # واحتج بعض الأصحاب بأنه - عليه السلام - مساو للنبي - عليه السلام - في ~~كونه حجة في الشرع، فيكون مساويا له في كونه أفضل الرعية، كما أن النبي - ~~عليه السلام - بهذا الاعتبار أفضل. # وأما القسم الثاني وهو كونه أرجح في العلم والشجاعة فيدل عليه وجهان: ~~الأول أنه مقدم في ذلك فيجب أن يكون أفضل. أما الأولى فبالاجماع، ولأنا ~~نتكلم على هذا التقدير، وأما الثانية فلأنا نعلم ms073 قبح تقديم المبتدئ في ~~الكتابة على المجيد الفاضل، ولا وجه لقبح ذلك إلا أنه تقديم المفضول على ~~الفاضل، فيكون ذلك وجها مقتضيا للقبح حيث كان. # فإن قيل: لا نسلم أن ما ذكرتموه هو الوجه المقتضي للقبح، بل ما المانع أن ~~يكون هناك وجها غير ما أشرتم إليه لا تعلمونه؟ ولو سلمنا ذلك PageV00P206 # لكنا نجوز أن يشتمل تقديم الفاضل على المفضول على وجه من وجوه القبح في ~~وقت ما، فيجب إذ ذاك تقديم المفضول دفعا لذلك القبح. # ثم ما ذكرتموه منقوض بالولاة والقضاة، وبفعل النبي - عليه السلام - فإنه ~~قدم خالد بن الوليد على أبي بكر وعمر، وزيد بن حارثة على جعفر بن أبي طالب، ~~وأسامة على بقية المسلمين. (34) ثم نقول: ما المانع أن يكون الإمام مقدما ~~في علمه (35) دون ما لم يعلمه. # ثم لو لزم أن يكون أعلم بالأمور الشرعية من الرعية، لوجب أن يكون أعلم ~~بالصناعات والأروش وقيم المتلفات، لحصول التنازع بين الناس في أحكام متعلقة ~~بذلك. # والجواب: قوله: لا نسلم أن ما ذكرتموه هو الوجه المقتضي للقبح. قلنا: # القبح معلوم، ولا يقبح الفعل لجنسه، والحكم موقوف على العلم بمقتضيه، ولا ~~نعلم وجها سوى ذلك، فلو لم يكن هو الوجه المقتضي للقبح لزم أن لا # PageV00P207 # نعلم القبح. # قوله: ونحن نجوز أن يشتمل تقديم الفاضل على وجه قبح. قلنا: قد بينا أن ~~تقديم المفضول وجه قبح، فلا يحسن الفعل المشتمل على ذلك الوجه أصلا. # قوله: هذا منقوض بالولاة والقضاة وفعل النبي - عليه السلام -. قلنا: أما ~~القضاة والولاة فليسوا مقدمين في الأمور كلها، بل في ما علموه، لا في ما ~~جهلوه، ومن قدمه النبي - عليه السلام - لا نسلم أنه كان مفضولا بالنسبة إلى ~~ما قدم فيه، بل يكون في ذلك الباب أفضل من غيره. # قوله: قدم أسامة على بقية الناس. قلنا: لا نسلم، وإنما قدمه على من يعلم ~~أن أسامة أفضل منه (36). وإن كان لفظ النبي عاما في قوله: (جهزوا جيش ~~أسامة) ولعنه من تأخر عنه (37)، لكن يختص العام بمن دلت الدلالة ms074 على أنه ~~أفضل، لما عرفت (38) من جواز تخصيص الدليل الشرعي بالدليل # PageV00P208 # العقلي. # قوله: يكون مقدما في علمه دون ما لم يعلمه. قلنا: الإمام عام التقديم ~~بالإجماع. # قوله: لو كان عالما بالشرعيات لكان عالما بالصناعات. قلنا: ما تعلق منها ~~بالأحكام الشرعية يجب أن يكون أعلم به (39) دون ما سوى ذلك. (40) # PageV00P209 # البحث الثالث في طريق إلى تعيين الإمام وقد اختلف في ذلك فقالت الإمامية: ~~لا طريق إلى تعيينه إلا النص والمعجز. وقال بعض الطوائف: زيادة على ذلك ~~بالاختيار، وأضافت الزيدية (41) من بينهم قسما آخر وهو الدعوة إذا كان ~~الداعي فاطميا. # لنا وجوه: الأول: إن العصمة معتبرة في الإمام ولا يعلمها إلا علام ~~الغيوب، فلا طريق إلى من حصلت له إلا النص. لا يقال: لم لا يجوز أن يكل ~~الله سبحانه تعيينه إلى المكلفين لمعرفته أنهم لا يختارون إلا المعصوم. ~~لأنا نقول: إن بين الله سبحانه لنا ذلك كان كالنص الدال على عينه أو صفته # PageV00P210 # فيدخل في قسم النص ويخرج الاختيار عن كونه طريقا إلى تعيين الإمام، ونحن ~~فلا ننازع في ذلك، بل المنازعة في أن بالاختيار يتعين الإمام في نفس الأمر، ~~أما أنه يكون إماما عند الله ويكون الاختيار موصلا إلى ذلك الإمام المعين، ~~مع دلالة قاطعة تدل على كونه طريقا، فذلك مما لا نأباه، وأحد الأمرين غير ~~الآخر. # الثاني: الإجماع لا يصلح دليلا على تعيين الإمام، لعدم الدلالة على ~~حقيقته بتقدير أن لا يكون في جملتهم معصوم، وكذلك دعوة الفاطمي، فتعين ~~القسم الثالث، وهو النص والمعجز، لأن ما عداه ذلك منفي بالإجماع. # الثالث: الاختيار لا يصلح أن يكون طريقا إلى تعيين الإمام فوجب أن يكون ~~طريقه النص. # أما المقدمة الأولى فبوجوه: # الأول: أن العاقد إما كل المسلمين أو بعضهم، والأول مستحيل بالضرورة، ~~والبعض لا ينفذ أمره في نصب قاض من القضاة ولا وال من الولاة، فنصب الرئيس ~~العام أولى أن لا يصح. # لا يقال: هذا منقوض بالشاهد، فإنه لا يقدر على نقل المال المشهود به ~~وباعتبار شهادته ينفذ القاضي الحكم. لأنا ms075 نقول: الحاكم له ولاية الإنقاذ، ~~وليس ذلك في الشاهد، والإنقاذ ليس شهادة، فلأحدهما ما ليس للآخر، ولا كذلك ~~الولاية، فإن من تمكن من نصب وال أعظم كان على نصب الأصغر أولى، وعجزه عن ~~نصب الأصغر مع قدرته على نصب الأكبر محال. # الثاني: أن إثبات الإمامة بالاختيار نقض للغرض من الإمامة، إذ ~~PageV00P211 # الاختيار يفتح باب الاختلاف والتنافس وإثارة الفتن، والإمامة مرادة ~~لإطفائها وإزالة الهرج وقطع الاختلاف. # الثالث: لو انعقدت الإمامة بالاختيار لزم وجود إمامين، لا بل وجود أئمة ~~عدة في وقت واحد، وذلك بأن يعقد أهل كل إقليم لشخص يختارونه ولا يحصل ~~ترجيح، فتثبت الإمامة في الجميع. # لا يقال: إذا اتفق ذلك بطل العقد لهم أو يختار أحدهم. لأنا نقول: لو كان ~~الاختيار طريقا لتعيين الإمام لكان كل واحد منهم قد صار إماما بذلك السبب، ~~فإزالته بعد ثبوت إمامته غير جائز. على أنا نقول: إن ثبت جواز إزالته، دل ~~على أن الاختيار ليس سببا يقتضي تعين الإمام، إذ لو كان طريقا به يصير ~~الإمام إماما لما بطلت إمامته. # وأما المقدمة الثانية: # فلأن الأمة بين قائلين: قائل يقول بالنص والمعجز، وقائل يقول بالاختيار ~~حسب، أو بالاختيار والدعوة، فإذا بطل القول بالاختيار بطل القول بالدعوة ~~أيضا، إذ لا أحد ينفرد بالقول بها. # واحتج بعض الجمهور بأن إمامة أبي بكر ثابتة، ولم تثبت إلا بالاختيار، فلو ~~لم يكن طريقا إلى تعيين الإمام لما ثبتت إمامته. # والجواب: قوله: إمامة أبي بكر ثابتة. قلت: لا نسلم. قوله: لم يثبت إلا ~~بالاختيار. قلنا: ولا بالاختيار أيضا، فإنا نمنع حصول الاختيار الذي ~~يشترطونه في الإمامة في العقد عليه. ولو سلمنا حصول الاختيار لما ثبتت ~~إمامته أيضا، لأنا نمنع كون الاختيار حجة. على أن المذكور وأهل مقالته ~~PageV00P212 # يثبتون إمامته بالاختيار، فلو أثبتوا كون الاختيار حجة في الإمامة ~~بإمامته لزم الدور. # واحتج آخرون منهم بأنه لو لم يكن الاختيار طريقا إلى تعيين الإمام لأنكر ~~الصحابة على من عول على الاختيار، ولما لم يقع ذلك دل على كونه حجة وطريقا ~~إلى ms076 تعيين الإمام. # والجواب: لا نسلم أنه يلزم اتفاق الصحابة على الإنكار، لأن فيهم من لا ~~يسكن إلى دينه، (42) وفيهم الذي تحمله العصبية على ترك الإنكار، وفيهم ~~المحق الخائف من إظهار الإنكار، والباقون وقع الإنكار، وسيأتي بيان ذلك في ~~الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى. # PageV00P213 # المقصد الأول في تعيين الإمام بعد النبي - عليه السلام - وقد اختلفت ~~الأمة في ذلك على أقوال ثلاثة: فقالت الإمامية والجارودية (43) من الزيدية ~~هو علي - عليه السلام -، وقالت طائفة شاذة هو العباس بن عبد المطلب - رضي ~~الله عنه -، وقالت الباقون هو أبو بكر بن أبي قحافة. # لنا أدلة: # PageV00P214 # الأول: # أن القول بوجوب عصمة الإمام مع أن الإمام غير علي - عليه السلام - مما لا ~~يجتمعان، أما عندنا فلثبوت الأمرين، وأما عند الخصم فلانتفائهما. والثابت ~~وجوب عصمة الإمام فلو كان الإمام غير علي لخرج الحق عن الإجماع وهو باطل. # فإن قيل: لا نسلم وجوب عصمة الإمام ولا نمنع (44) أن يكون معصوما فمن أين ~~أن عصمته واجبة. والوجوه التي استدللتم بها على العصمة غايتها الخطابة، وهي ~~مثمرة للظن، لكن هذه المسألة علمية، فلا يعول فيها على الظن. وبيان أنها من ~~باب الظنون أن الأولى والأحسن أن يكون الإمام غير جائز الخطأ إذ كانت العلة ~~المحوجة إليه جواز الخطأ، أما أن ذلك واجب في الحكمة فلا نسلم، فإن أعضاء ~~الإنسان لما جعل منها مشاعر لإدراك... (45) وكان الغلط يعرض لها افتقرت إلى ~~حاكم وراءها يسددها عن الغلط، وهو العقل، وجعل عضوه القلب على قول أبي هاشم ~~وأتباعه من المتكلفين، (46) ومع ذلك يعرض الغلط للقلب، لكن هو أتم ضبطا من ~~الحواس فافتقرت إليه لما فيه من زيادة الضبط، ولو كان معصوما لكان أتم في ~~حصول الغرض، فإن المراد منه ضبط الأشياء وحراسة الأعضاء من الخلل # PageV00P215 # المتطرق إليها، وكونه غير معصوم من الغلط مخل ببعض الغرض المطلوب منه، ثم ~~لم يلزم أن يكون معصوما فما المانع أن يكون حال الإمام كذلك؟ # سلمنا أن الإمام يجب أن يكون معصوما، لكن لا نسلم أن ms077 الأمة أجمعت على ~~قولين، غاية ما في الباب أنه لم ينقل إلينا سواهما، لكن عدم وصول ذلك إلينا ~~لا يدل على عدمه في نفس الأمر، فما المانع أن يكون يذهب ولو واحد من ~~المسلمين إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما ثم يقول بإمامة أبي بكر قولا ~~حقا أو باطلا، فلا ينحصر الأقوال في اثنين. # سلمنا أن الأمة قالت بالقولين، لكن لا نسلم أنه يجب أن يتابع فيه، وإنما ~~يلزم ذلك إذا ثبت أن باب الإمامة من باب العقائد الدينية التي يجب اتباع ~~المسلمين فيها، فإن المسلمين لو خرجوا في يوم عيد في زي أو زيين لم يجب ~~اتباعهم فيه، لأن ذلك من الأمور الاتفاقية التي لا تدخل في الأديان، ولا ~~يجب الاتباع فيها، وكذلك لو روي أن الصحابة في عقد البيعة جلسوا في مجلسين ~~لعقد الإمامة لم يجب اعتماد (47) مثل ذلك في كل عقد، وما ذلك إلا لكونه غير ~~داخل في التكليف، وإذا كان الاتباع إنما يحب في الأمور التكليفية فعليكم أن ~~تبينوا أن ذلك مما يجب الاتباع فيه حتى يمنع من إحداث قول آخر، فإن للخصم ~~أن يقول: إن الإمامة من أبواب الرئاسات الإصلاحية (48) وأنها ليست داخلة في ~~أبواب الشرعيات، ولا أبواب العقائد أصلا ما لم يقم دليل على ذلك. # سلمنا أن ذلك من الأمور الدينية التي يجب المتابعة فيها، لكن لا نسلم # PageV00P216 # أن الإجماع المشار إليه حجة فإن الأدلة التي استدل بها خصومكم على ~~الإجماع ضعيفة، ودليلكم مبني على وجوب الإمامة في كل زمان، وعلى عصمة ذلك ~~الإمام، لكن ذلك لا يدل على كونه في جملة من نقل قوله، ولا ممن عرفت فتواه، ~~فمن أين أنه داخل في الجملة بحيث يلزم من مخالفتهم الخروج عن قول الإمام، ~~لا بد لهذا من دليل. # والجواب: قوله: لا نسلم وجوب عصمة الإمام. قلنا: قد بينا ذلك. # قوله: ذلك خطابة فلا يفيد إلا الظن. قد بينا أن الإمامة لطف، وأن فعل ~~اللطف واجب في الحكمة بما أغنى عن إعادته. وأن اللطف ms078 المراد لا يتم إلا مع ~~العصمة. # قوله: الحواس لما عرض لها الغلط جعل القلب مسددا لها بما فيه من العلوم، ~~ولم يلزم أن يكون معصوما، بل كفى في ذلك كونه أتم تحفظا منها، فلم لا يجوز ~~مثله في الإمام. قلنا: الإمامة لم ترد للحفظ من الغلط، وإنما جعلت لطفا، ~~وقد بينا أن منع اللطف يجري مجرى منع التمكين، ولا يتم ذلك اللطف مع جواز ~~الخطأ، فتعين أن يكون معصوما، تحصيلا للغرض المطلوب من اللطف. # قوله: سلمنا أن الإمام يجب أن يكون معصوما، لكن لا نسلم أن الأمة اجتمعت ~~(49) على القولين. قلنا: قد بينا أن ذلك معلوم بعد ممازجة المسلمين، ونقل ~~أخبارهم، والوقوف على ما يؤثر من فعل الصحابة بعد النبي - عليه السلام -، ~~فإن الاطلاع على ذلك مثمر للقطع بانحصار الأقوال كلها في ذلك. # قوله: ما المانع أن يكون ذهب واحد من المسلمين إلى القول بوجوب # PageV00P217 # عصمة الإمام ثم قال بإمامة أبي بكر. قلنا: نعلم انتفاء ذلك بعد الوقوف ~~على أقوال الصحابة والبحث في أخبارهم كعلمنا أنه لم يذهب واحد إلى أن الظهر ~~خمس ركعات، وأن الصلوات المفروضة في اليوم والليلة ست. # قوله: سلمنا أن الأمة قالت بالقولين، لكن لا نسلم أنه يجب متابعتها فيه، ~~وإنما يلزم ذلك إذا ثبت أنه من الأمور الدينية. قلنا: عنه جوابان: # أحدهما: إذا ثبت أن الأمة على قولين، كان الإمام قائلا بأحدهما، وإذا بطل ~~أحد القولين تعين أن الحق هو الآخر، سواء كان من باب العقائد أو لم يكن، ~~فإنا لا نريد في هذا المقام إلا القول بأن الذي ذهبنا إليه حق. والجواب ~~الثاني: # أن الأمة كما ذهبت إلى القولين أجمعت كل طائفة على وجوب اعتقاد ما ذهبت ~~إليه فلزم من ذلك كونه من الشرعيات التي يجب اعتقادها. # قوله: لا نسلم أن مثل ذلك حجة. قلنا: قد بينا كونه حجة بأن الإمام في ~~جملتهم، وكل ما قال به الإمام حق، فيكون أحد القولين حقا وإذا ثبت بطلان ~~أحدهما تعين أن الحق هو الآخر. # قوله: لم ms079 لا يجوز أن يكون الإمام خارجا عن القائلين. قلنا: قد بينا أن مع ~~الاطلاع على مقالات المسلمين وما نقل من سيرهم يحصل اليقين بأنه لا أحد من ~~المسلمين إلا قائل بأحد القولين. # قوله: (50) ما المانع أن يكون الإمام قائلا بوجوب العصمة وإمامة نفسه، ثم ~~لا يكون هو عليا - عليه السلام -. قلنا: انحصار الأقوال في القولين يرفع ~~الثالث، ونحن نتكلم على تقدير القطع بأن المسلمين جميعا متفقون على ~~القولين، فيكون الإمام قائلا بأحدهما، فيكون الذي فرضوه باطلا. # PageV00P218 # الدليل الثاني: # علي أفضل الصحابة (50)، فيجب أن يكون هو الإمام. أما الأولى فسيأتي ~~تقريرها، وأما الثانية فبما ثبت من قبح تقديم المفضول على الفاضل، وبمثل ~~هذه الطريقة يستدل بكونه أعلم وأشجع على تعينه للإمامة. # PageV00P219 # الدليل الثالث: # لو كان الإمام غير علي - عليه السلام - لما ثبت إمامته إلا بالاختيار، ~~لكن الاختيار باطل. أما الملازمة فظاهرة، لأن القائل بإمامة غيره فريق ~~يثبتها بالنص (51)، وفريق بالاختيار، وفريق بالميراث للعباس (52)، ~~والقائلون بالنص والميراث قد انقرضوا فكان قولهم باطلا وإلا لخلا الحق أقول ~~أهل العصر وهو باطل. وأما أن القول بالاختيار باطل فقد سبق. # PageV00P220 # الدليل الرابع: # أن الإمامية نقلت نقلا متواترا عن النبي - عليه السلام - أنه نص على علي ~~- عليه السلام - بالإمامة نصا جليا. فيكون إماما، أما أنه - عليه السلام - ~~نص على علي - عليه السلام - فلأن الإمامية نقلت من صريح الإلفاظ ما اتفق ~~معناها على النص عليه نقلا يزيد عن عدد التواتر، فيكون القدر المشترك بين ~~تلك الأخبار متواتر وذلك: # كقوله - عليه السلام - يوم الدار: أنت أخي ووزيري ووصيي وخليفتي من بعدي. ~~(53) وروي عن ابن عباس عن النبي - عليه السلام - إنه قال: قال لي ربي جل ~~جلاله لما عرج بي إلى السماء: يا محمد هلا اتخذت من الآدميين وزيرا وأخا ~~ووصيا من بعدك؟ فقلت: ومن أتخذ؟ فأوحى الله جل جلاله: يا محمد قد اخترت لك ~~من الآدميين علي بن أبي طالب. (54) وعن جعفر بن محمد - عليه السلام - عن ~~آبائه، عن علي - عليه السلام - عن رسول الله صلى الله عليه ms080 وآله وسلم أنه ~~قال: أوحى إلى ربي جل جلاله فقال: يا محمد إني # PageV00P221 # اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبيا، ثم اطلعت الثانية ~~فاخترت منها عليا وجعلته وصيك وخليفتك وزوج ابنتك. (55) وعن جابر بن عبد ~~الله قال: لما نزل: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم) (56) قلت: يا رسول الله عرفت الله ورسوله فمن أولوا الأمر ~~الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك، فقال - عليه السلام -: # هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين بعدي، أولهم علي بن أبي طالب. (57) وعن ~~عبد الرحمان بن سمرة الأسدي قال: قلت: يا رسول الله أرشدني إلى النجاة، ~~قال: يا بن سمرة إذا اختلفت الأهواء وتفرقت الآراء، فعليك بعلي بن أبي ~~طالب، فإنه إمام أمتي وخليفتي من بعدي، وهو الفروق الذي يميز بين الحق ~~والباطل. (58) وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيا، ~~واطلع ثانية فاختار منها عليا، ثم أمرني أن أتخذه أخا ووصيا وخليفة ووزيرا، ~~فعلي مني وأنا من علي. (59) وعن الأصبغ بن نباتة، قال: خرج علينا أمير ~~المؤمنين علي بن أبي # PageV00P222 # طالب - عليه السلام - ويده في ابنه الحسن - عليه السلام - وهو يقول: خرج ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويدي في يده هكذا، وهو يقول: خير ~~الخلق بعدي وسيدهم أخي هذا، وهو إمام كل مسلم، وأمير كل مؤمن بعد وفاتي، ~~ألا وإني أقول: # إن خير الخلق بعدي وسيدهم ابني هذا، وهو إمام كل مسلم، ومولى كل مؤمن بعد ~~وفاتي. (60) وعن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لفاطمة - عليها السلام - إن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها ~~أباك، ثم اطلع اطلاعة ثانية فاختار منها زوجك، فأوحى إلي أن أزوجك إياه، ~~وأن أتخذه وليا ووزيرا، وأن أجعله خليفتي في أمتي، فأبوك خير الأنبياء، ~~وبعلك خير الأوصياء، وأنت أول من يلحق بي من أهلي. (61) وعن عبد الله بن ms081 ~~جعفر، قال: كنا عند معاوية - ثم ذكر حديثنا جرى بينه وبين معاوية - فإنه ~~قال لمعاوية: سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إني أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أخي علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ~~قال: فشهد بذلك الحسن، والحسين، وعبد الله بن عباس، وعمر ابن أبي سلمة ~~(62)، وأسامة بن زيد. (63) وعن أنس بن مالك في خبر طويل عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: أوحى الله # PageV00P223 # إلي يا محمد: إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبيا، ثم ~~اطلعت ثانيا فاخترت منها عليا فجعلته وصيك ووارث علمك والإمام بعدك. (64) ~~وعن أبي هريرة، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد نزلت ~~هذه الآية: # (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) (65) فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ثم قال: أنا المنذر، أتعرفون الهادي؟ قلنا: لا يا رسول الله، قال ~~صلوات الله عليه: هو خاصف النعل، فطولت الأعناق، إذ خرج علينا علي صلوات ~~الله عليه وآله من بعض الحجر وبيده نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثم التفت إلينا فقال: ألا إنه المبلغ عني، والإمام بعدي، وزوج ابنتي، وأبو ~~سبطي، فنحن أهل البيت أذهب الله عنا الرجس، وطهرنا من الدنس. (66) وعن زيد ~~بن أرقم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي - عليه ~~السلام -: # أنت الإمام والخليفة بعدي. (67) وعن واثلة بن الأسقع (68) قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لما عرج بي # PageV00P224 # إلى السماء، وبلغت سدرة المنتهى، ناداني ربي عز وجل: يا محمد، قلت: # لبيك سيدي، قال: إني ما أرسلت رسولا فانقضت أيامه إلا قام بالأمر من بعده ~~وصيه، فاجعل علي بن أبي طالب الإمام والوصي بعدك، فإني خلقتكما من نور ~~واحد. (69). # وعن الزبير، وقد سئل عما سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~علي - عليه الإسلام -، قال: سمعته يقول: علي مع الحق والحق معه، وهو الإمام ms082 ~~والخليفة بعدي، يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل. (69 *) وعن عمار ~~بن ياسر قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض غزواته، ~~وقتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية وفرق جمعهم، أتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله إن عليا قد جاهد في الله حق جهاده، ~~فقال: لأنه مني وأنا منه، وإنه وارث علمي، وقاضي ديني، ومنجز وعدي، ~~والخليفة بعدي، حربه حربي وحربي حرب الله، وسلمه سلمي سلم الله. (70) وعن ~~الأصبغ بن نباتة قال: سمعت عمران بن حصين (71) يقول: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لعلي بن أبي طالب - عليه ~~السلام - أنت وارث علمي وأنت الإمام والخليفة بعدي. (72) # PageV00P225 # وعن حذيفة بن اليمان (73) في جملة خبر، قلت: يا رسول الله على من تخلفنا؟ ~~قال: على من خلف موسى بن عمران قومه؟ فقلت: على وصيه يوشع بن نون، قال: فإن ~~وصيي وخليفتي من بعدي علي بن أبي طالب قائد البررة، وقاتل الكفرة منصور من ~~نصره، مخذول من خذله. (74). # وغير ذلك من الأحاديث التي لو استقصيناها لكانت أضعاف ما نقلنا. (75). # وإنما قلنا إن الناقلين لهذه (لمعنى هذه خ) الأخبار بالغون إلى حد ~~التواتر فلأن من اتبع الإنصاف واطرح العناد، يعرف أن طائفة الإمامية مالؤون ~~الآفاق والأصقاع فقهاء وشعراء وأدباء ومتكلمين وأشياع من أتباع كل صنف ما ~~لا يضبطهم عدد لبشر ولا ينتهي بهم حصر الحاصر (76)، ثم هم بأجمعهم تارة ~~ينقلون لفظا متفقا - وهو النص عليه - عليه السلام -، من غير تعيين لفظ، ~~وتارة ينفرد كل جماعة منهم بنقل ألفاظ تشترك في التنصيص الصريح، وكل واحد ~~منهما يكفي في كونه متواترا، فإذا ثبت أنه - عليه السلام - نص على علي - ~~عليه السلام - بالإمامة، وجب القول بكونه إماما. # لا يقال: هب أن الإمامية اليوم على الصفة التي أشرتم إليها في الكثرة، # PageV00P226 # فمن أين أنهم كذلك في الطبقات السابقة على طبقتكم، فإنكم تعلمون أن الخبر ~~لا يفيد العلم إلا إذا تساوت الطبقات في الشرط المعتبر ms083 في إفادة اليقين، ~~وهو استحالة الاتفاق على الاختلاف فبينوا ذلك لنتكلم عليه. # لأنا نجيب من وجهين: # الأول: أن المنصف إذا نظر في تواريخ الأزمنة، علم أن الإمامية التي تدعي ~~النص، في كل زمان بالغون إلى حد التواتر (77)، بل أعظم، وأنهم يستدلون بذلك ~~مع تباين أماكنهم وتباعد بلادهم، وهذا معلوم لا يدفعه إلا مكابر. # والوجه الثاني أن نقول: إن الجماعة الموجودين من الإمامية أخبروا أنهم ~~شاهدوا مثلهم في الكثرة يخبرون بمثل ما أخبر هؤلاء، وكذا كل طبقة منهم كما ~~نقلوا الخبر، أخبروا بكثرة الناقلين، فيكون ذلك كافيا في إفادة اليقين. # لا يقال: اليهود والنصارى يخبرون عن نبيهم أنه نص أن شريعته لا تنسخ نصا ~~صريحا، ويدعون ما تدعونه من التواتر، فلو كان ما ذكرتموه حجة لكان حجة ~~للآخرين. # لأنا نقول: نحن لا نسلم أنهم يدعون بأجمعهم ذلك، فإنا رأينا جماعة من ~~اليهود والنصارى لا ينكرون النسخ، ويجوزونه عقلا، ويقولون: الشرع لم يمنع ~~منه، لكن ينكرون ثبوت نبوة من جاء بعد نبيهم، ويزعمون أنه لم يقم له علم من ~~المعجز دال على نبوته، والذي يدعي النص على المنع من النسخ # PageV00P227 # شاذ لا عبرة بدعواه، ولأن بإزاء خبرهم أخبار كثيرة عن المؤرخين دالة على ~~أن طبقاتهم لم تتصل إلى موسى متواترة، بل انقطعت بقتل الملوك لهم حتى بلغوا ~~مقاربة الفناء، وذلك يقدح في دعواهم. (78). # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون اتفق لهم وضع مثل هذه الأخبار اتفاقا، ~~وبتقدير تجويز ذلك لا يكون نقلهم لها دليلا على صحتها. # سلمنا أنه لم يتفق ذلك، فلم لا يجوز تواطؤهم على افتعالها؟ # سلمنا أنهم لم تتواطؤوا عليها، لكن لا نسلم أنها متواترة، وظاهر أنها ~~ليست كذلك، فإن كل خبر منها واحد فهو غير مفيد للعلم، ومجموعها لم ينته إلى ~~حد التواتر، فلا يفيد اليقين، إذ الناقلون الذين أشرتم إليهم محصورون يجوز ~~عليهم (على مثلهم خ) الكذب. ثم ما المانع أن يكون جمعهم على افتعال ذلك غرض ~~من الأغراض، أو شبهة من الشبه، ثم استمرت تلك الشبهة ms084 فيهم، والاتفاق على ~~الخبر الكاذب ممكن أن يحصل بمثل هذه الأسباب. # ثم معنا ما يدل على بطلان القول بالنص، وبيانه بوجوه خمسة: # الأول: لو كان هذا النص ثابتا عن النبي - عليه السلام - لكان معلوما # PageV00P228 # لمخالفكم كما هو معلوم، لأن الخبر المتواتر لا يختص به فريق دون فريق، لا ~~يقال: لو كان موضوعا لاشتهر واضعه، لأنا نمنع هذه الدعوى، وكم موضوع لم ~~يشتهر، وكم من مشهور لم يقع. ثم هذه الدعوى منقوضة بكثير من المذاهب التي ~~تحكى في الكتب، ولا يعلم ناقلها. وبكثير من الصنائع التي تمس الحاجة إليها، ~~فإنه لا يعلم مبتكرها. ولأن واضعها لو اشتهر بوضعها لنقض غرضه في الاستدلال ~~بها، فيكون إخفاء واضعها متمما لمقصوده. لا يقال: المخالف يعرف النص ~~المتواتر كما يعرفه الإمامي، لكنه مكابر، لأن لقائل أن يتخلص من ذلك بأن ~~يحلف بالأيمان التي لا مخرج منها أنه لم يعلم ذلك. # والوجه الثاني: لو نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على علي - عليه ~~السلام - لكان مع ذلك إما أظهره لعدد التواتر أو لم يظهره لمثل ذلك العدد، ~~ويلزم من الأول أن يخفى بين الصحابة حكم ضروري من الدين، وهو مستبعد وأن ~~(79) يكونوا قد تمالؤوا على جحد ما علموه عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، لكن يلزم من ذلك أن يكونوا بأجمعهم كفرة لا مسلمين، وارتكاب ذلك من ~~أعظم المناكير، وإن لم يكن أظهره إلى حد التواتر لم يكن مفيدا للعلم، فلا ~~يجوز التمسك به في مسألة علمية. # [الوجه] الثالث: لو كان النص حقا لاشتهر بين الصحابة لتعذر كتمانه بينهم، ~~ولأحتج علي - عليه السلام - به، فإنه - عليه السلام - احتج بما هو من أبواب ~~الظنون في إفادة منصب الإمامة، وبما يستفاد به رفع المنزلة والقرب من ~~الرسول - عليه السلام -، فكيف كان يهمل الاحتجاج بالنص، وهو الحجة القاطعة ~~الدالة على كل فضيلة. # PageV00P229 # الوجه الرابع: لو كان النص ثابتا لما عدل علي - عليه السلام - إلى البيعة ~~بعد مقتل عثمان، ولكان يحتج على إمامته بالحجة الخفية (80) إذ التقية في ms085 ~~ذلك الوقت مرتفعة، لكن ذلك لم يقع فلا يكون النص ثابتا. # الوجه الخامس: لو كان النص معلوما لما خفي عن العباس حتى قال: # امدد يدك أبايعك حتى يقول الناس: عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف ~~عليك اثنان. (81) فالجواب: قوله: لم لا يجوز أن يكون اتفق لهم دعوى ذلك. ~~قلنا: العقل يشهد أن اتفاق الخلق الكثير على الخبر الواحد مع تباعدهم وعدم ~~المراسلة يحيل ذلك (82) كما يستحيل اتفاق الجماعة الكثيرة على الزي الواحد ~~من غير جامع. # قوله: لم لا يجوز أن يكونوا تواطؤوا على ذلك، وتراسلوا به. قلنا كثرتهم ~~وانتشارهم في البلاد وتباين أغراضهم وأهويتهم يحيل ذلك عادة، ولئن تطرق هذا ~~إلى نقل المتواترين من الإمامية تطرق إلى نقل كل فريق من المتواترين حتى ~~يلزم الشك في البلدان والوقائع المتواترة. # قوله: كل خبر منها واحد، ومجموعها لا ينتهي إلى التواتر فلا يفيد # PageV00P230 # اليقين: قلنا: إنا لم نجعل التواتر كثرة الأخبار، لكن نقول إن هذه ~~الأخبار متفقة في معنى واحد، وذلك المعنى منقول بالتواتر، وقد يحصل اليقين ~~من أخبار الآحاد إذا كان معناها متواترا، كما يعلم كرم حاتم وشجاعة عمرو ~~(83). # وإن كانت مفردات أخبارهما آحادا. # قوله: ما المانع أن يكون جمعهم على ذلك شبهة. قلنا: الشبهة ترتفع عند ~~إخبار الجماعة الذين لا يجوز عليهم التواطؤ والمراسلة، إذا أخبروا عن ~~محسوس، إذ لو تطرق القدح بهذا الفرض لما حصل اليقين بخبر من الأخبار ~~المتواترة، إذ لا شئ يشار إليه منها إلى ويمكن أن يقال فيه كذلك، ومع ذلك ~~لا يقف الذهن عند ذلك التشكيك، بل ينجرم بصحة الخبر عند العلم باستحالة ~~التواطؤ عليه واستحالة المراسلة به، ثم يلزم من التمسك بهذا الاعتراض القدح ~~في معجزات النبي - عليه السلام - والشك في القرآن المجيد، فإن العلم بذلك ~~مستفاد من التواتر، فلو تطرق الاحتمال إلى ما يدعيه الإمامية من نقلها، ~~لتطرق ذلك الاحتمال إلى ما يدعيه المسلمون من ذلك. # قوله في الوجه الأول: لو كان هذا النص متواترا لكان معلوما لمخالفكم. ~~قلنا: المخالف لنا ms086 قسمان: قسم ينظرون في أخبارنا ويطلع على أقوالنا، وقسم ~~يطرح ذلك. والثاني لا يعلمه لإهماله، كما أن اليهود والنصارى لا يعلمون ~~كثيرا مما يذهب إليه المسلمون، لعدم اطلاعهم على نقلهم، ولعل مسلما لو ادعى ~~- عن تواتر - ذلك لأنكروه، وهكذا أهل كل بلد يعلمون من البلدان المجاورة ~~لهم ما لا يعلمه من بعد عنهم، وما ذلك إلا للاطلاع على نقل أخبارها إليهم ~~دون غيرهم. والقسم الأول منهم من يمنعه الاعتقاد # PageV00P231 # الفاسد السابق على بطلان ما يخبر به المخبرون، فيصده ذلك عن اعتقاد صحته، ~~ومنهم المكابر ظاهرا لا باطنا طلبا لحطام الدنيا، وتوصلا إلى المقاصد ~~العاجلة، ومنهم المقر المعترف الساتر لأمره. # قوله في الوجه الثاني: لو نص على علي - عليه السلام - بالإمامة لكان إما ~~أظهره لعدد التواتر أو لم يظهره. قلنا: أظهره. # قوله: يلزم من ذلك أن يخفى بين الصحابة حكم ضروري. قلنا: لا نسلم أنه خفي ~~بين الصحابة، بل تحدث به الأكثرون، ونطق به العارفون، ونظموا فيه الأشعار ~~(84)، ونقلوا فيه الآثار. # قوله: وأن يكونوا قد تمالؤوا على جحد ما علموه. قلنا: معاذ الله أن يجحده ~~المحق من الصحابة، بل جحده من استغرقته الأهواء، فأما الأعيان # PageV00P232 # كأبي ذر، والمقداد، وجابر وسلمان، وخزيمة بن ثابت، وسهل بن حنيف، وأبي ~~أيوب، وسعد بن عبادة، وابنه قيس، وعبادة بن الصامت، وكثير من الصحابة غير ~~هؤلاء (85) فإنا نعلم شهادتهم بالنص. ويتضح ذلك عند # PageV00P233 # الوقوف علي السير. # ومن الأشعار في ذلك قول النابغة (86) في علي - عليه السلام -: # نكثت بنو تيم بن مرة عهده * وتبوأت نيرانها وجحيمها وقول عبادة بن ~~الصامت: # يا للرجال أخروا عليا * أليس كان (87) دونهم وصيا (88) # PageV00P234 # وقول أم سلمة: (89) وصي رسول الله أول مسلم * وأول من صلى وزكى بدرهم ~~(90) وقال علي بن جنادة السكوني لبني هاشم: # أيؤتى إليكم ما أتى من ظلامة * وفيكم وصي المصطفى صاحب الأمر وقال عبد ~~الله بن حنبل حليف بني جمح: (91) لعمري لئن بايعتم ذا حفيظة * على الدين ~~معروف العفاف موفقا عليا وصي المصطفى ووزيره * وأول من صلى لذي العرش واتقى ms087 # PageV00P235 # وقال عتبة بن أبي لهب: (92) تولت بنو تيم على هاشم ظلما * وذادوا عليا عن ~~إمارته قدما # PageV00P236 # وهذا باب يتسع فيه على الأخذ فيه، ولست أدري كيف ذهب على المعترضين بهذه ~~الطريقة ما خاضت فيه الصحابة من أمر النص، وما نطق به خطباؤهم، حتى سوغوا ~~لأنفسهم الاعتراض بذلك، نعوذ بالله من ضعف البصيرة وسوء التوفيق. # قوله في الوجه الثالث: لو نص على علي - عليه السلام - لكان النص مشهورا ~~ولتعذر كتمانه بينهم. قلنا: هو مشهور بينهم، فالكتمان ليس من الكل، بل من ~~البعض. وذلك غير متعذر، على أن النص عليه - عليه السلام - لا يكون أظهر من ~~الأذان المتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات على رؤوس الأشهاد، وقد وقع فيه من ~~الخلاف ما أخفى شهرته، ورفع الثقة بكيفيته. (93) قوله: ولأحتج به علي - ~~عليه السلام -: قلنا: عن ذلك أجوبة: أحدها: لم لا يجوز أن يكون قد احتج ~~بذلك، قوله: لو وقع لنقل: قلنا نقلا متواترا أم آحاد؟ الأول ممنوع، والثاني ~~مسلم، وقد وقع ذلك ونقل، وهو موجود في كتب الإمامية، ويكفي في ذلك... (94) ~~نقله. فإن قيل: لم اختصت به الإمامية دون غيرها. قلنا: لعنايتها به واطراح ~~غيرها له. # الثاني: لم لا يجوز أن يحتج به ثم لا ينقله الجمهور أصلا. وبيان ذلك أنه ~~إما أن يكون فيه حجة للإمامية وإما أن لا يكون ويلزم من الأول أن يكون # PageV00P237 # كل ناقل له إماميا، وإما أن لا يكون، فلا حجة، فلا يجب أن يحتج به. # الثالث: لم لا يجوز أن يكون النقل في أول طبقة متواترا ثم كثر الجاحدون ~~له المؤاخذون على نقله، فأهمله العامة واتقى بكتمانه الخاصة. # الرابع: سلمنا أنه لم يقع الاحتجاج به، لكن لا نسلم أن ذلك دليل على عدم ~~النص عليه - عليه السلام - لأن من الجائز أن يكون قد عرف من خصومه الجرأة ~~عليه إيثارا للدنيا وميلا إلى سلطانها، بحيث لو احتج به لم يبق لهمه طريق ~~إلى دفعه إلا بمكابرته والرد عليه والتكذيب، فيحصل من الضرر بالاحتجاج به ~~أعظم من ms088 الضرر بتركه، فيطرح ذلك حكمة وتدبيرا. # قوله في الوجه الرابع: لو كان منصوصا عليه لما عدل إلى البيعة بعد مقتل ~~عثمان. قلنا: ما المانع أن يكون حيث كثر القائلون بالاختيار واستقر ذلك في ~~أذهان الأكثر بالاستمرار رغب إلى تحصيل منصبه الذي خصه الله به بما لا تقع ~~فيه مناكرة. # على أن الذين كان ينتصر بهم قائلون بإمامة أبي بكر وعمر، فلو احتج بذلك ~~لكان احتجاجه قدحا فيهما، فيؤدي إلى فتق لا يرتق، فليس السامعون له ~~المطيعون لأمره بأكثر من الذاهبين إلى إمامة المذكورين. بل ليسوا مساوين ~~لهم في الكثرة، فلعله عدل عن ذلك استصلاحا للرعية. # على أنه - عليه السلام - أومأ إلى كونه منصوصا عليه بقوله - عليه السلام ~~-: # " لقد تقمصها فلان وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من PageV00P238 # الرحا " (95) وتصريحه في مواطن بأنهما غصباني ومنعاني حقي، وذلك موجود في ~~أخبار أهل البيت - عليهم السلام -، وفي بعض أحاديث الجمهور ممن لا يرى ~~عنادا. # وأما تصريحه بالنص فقد ذكرنا عنه طرفا في إخباره عن النبي - عليه السلام ~~- بالنص عليه بما يغني عن إعادته. (96). # وقوله في الوجه الخامس: لو كان منصوصا عليه لما خفي عن العباس. # PageV00P239 # قلنا: والأمر كذلك. # قوله: لو كان عالما بالنص لما قال: " امدد يدك أبايعك ". (97) قلنا: لما ~~جحد كثير من ذوي الحظوظ في الدنيا النص عليه بالإمامة، وتابعهم كثير من ~~العامة، وقالوا بالاختيار، توصل العباس إلى علي - عليه السلام - بما يوهم ~~أنه يكون حجة على العامة القائلين بذلك، وهذا غير مستنكر، فإنك ترى العالم ~~في حال الجدال يستدل على مناظره بالمسلمات عند خصمه، وإن لم تكن بالمسلمات ~~عنده، إيجابا للحجة بما يكفيه مؤونة الاستدلال عليه، فما المانع أن يكون ~~الأمر كذلك؟ # PageV00P240 # الدليل الخامس: # أنه ظهر على يده - عليه السلام - من المعجزات ما يدل على صدقه فيما يدعيه ~~وكان يدعي الإمامة فوجب أن يكون إماما. أما الأولى فيدل عليها وجوه: # منها إخباره بالمغيبات وهو في مواطن: # منها قوله: " أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين " (98) فكان من ~~حرب أصحاب الجمل ومعاوية والخوارج ms089 ما هو مشهور. # وقوله لطلحة والزبير " والله ما تريدان العمرة وإنما تريدان البصرة ". ~~(99) وقوله يوم البيعة: " يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون رجلا ولا ~~ينقصون رجلا " فكان خاتمهم أويس القرني. (100) # PageV00P241 # ومنها إخباره بذي الثدية، وبأنه يقتل ولم يكن معروفا قبل ذلك. (101) ~~ومنها قوله - وقد أخبر بعبور الخوارج النهر - مرارا - وهو يقول: كلا لما ~~عبروا وإنه لمصرعهم ومهراق دمائهم. (102) # PageV00P242 # ومنها إخباره في جويرية بن مسهر بمقتله وقوله: لتعتلن إلى العتل الزنيم، ~~وليقطعن يدك ورجلك ثم يصلبنك. (103) ومنها قوله لميثم: تؤخذ بعدي فتصلب ~~وتطعن بحربة [فإذا كان اليوم الثالث] فيبتدر منخراك وفمك دما وتصلب على باب ~~عمرو بن حريث، عاشر عشرة، أنت أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة، وأراه ~~النخلة التي يصلب عليها. (104) ومنها قوله - عليه السلام - وقد أخبر بموت ~~خالد بن عرفطة: إنه لم يمت ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب بن # PageV00P243 # جماز (105). # ومنها إخباره البراء: إن الحسين - عليه السلام - يقتل ثم لا تنصره. (106) ~~ومنها إخباره بقتل الحسين - عليه السلام -، وموضع مقتله، وكيفية محاربة ~~أعداء الله له. (107) # PageV00P244 # ومن معجزاته ما خص الله به من القوة الخارقة لقوة (108) البشر كدحوه باب ~~خيبر (109)، ودحوه الصخرة عن فم القليب أذرعا (110) ومن معجزاته إجابة ~~الدعوة، كدعوته على بسر بن أرطاة أن يسلبه الله عقله، فخولط حتى كان يدعو ~~بالسيف فاتخذ له سيف من خشب فكان يضرب به حتى يغشى عليه ثم يعود بحاله ~~الأول. (111) وكدعوته على العيزار وقد حلف أنه لا يرفع أخبار علي - عليه ~~السلام - إلى معاوية: إن كنت كاذبا فأعمى الله بصرك، فما دارت الجمعة حتى ~~أخرج أعمى يقاد. (112) # PageV00P245 # ومن معجزاته الدالة على إخلاصه واختصاصه بمزية القرب من الله سبحانه وعلى ~~تصديقه في ما يدعيه رجوع الشمس له مرتين: مرة له في حياة النبي - عليه ~~السلام - بالمدينة، ومرة بعد النبي - عليه السلام - بأرض بابل (113). # وكلام الحيتان له في فرات الكوفة بالسلام عليه بإمرة المؤمنين إلا الجري ~~والزمار والمارماهي، فقال - عليه السلام -: أنطق الله لي ما طهر وأصمت عني ~~ما ms090 حرمه ونجسه وبعده. (114) وكلام الثعبان وهو مشهور. (115) وقوله - عليه ~~السلام - يوما على المنبر: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا سيد الوصيين وآخر ~~أوصياء النبيين، لا يدعي ذلك غيري إلا أصابه الله بسوء، فقال رجل من عابس: ~~من لا يحسن أن يقول مثل هذا؟ أنا عبد الله وأخو رسوله، فتخبطه الشيطان فجر ~~(116) برجله إلى باب المسجد وسئل قومه عنه هل تعرفون به عرضا قبل هذا؟ ~~فقالوا: اللهم لا. (116 *) # PageV00P246 # وهذه المعجزات قطرة من بحار ما نقل عنه - عليه السلام -، فإن استقصاء ذلك ~~متعذر. # وأما أنه - عليه السلام - ادعى الإمامة لنفسه فهو متواتر بين الإمامية لا ~~يتناكرون فيه، وقد بينا ما تقرر به هذه الدعوى في دعوى النص عليه - عليه ~~السلام -، وأجبنا عن ما يعترض به عليها هناك (*)، وهو جواب ما يعترض به ~~هنا. (117) # PageV00P247 # [أدلة أخرى على إمامة علي - عليه السلام -] وقد استدل أصحابنا رحمهم الله ~~بوجوه كثيرة قرآنية وأخبارية. # منها قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (1). # و (إنما) للحصر، ويجري مجرى قوله: " لا ولي لكم إلا الله " و " ولي " ~~بمعنى " أولى " لاستحالة أن يراد به ولي النصرة، لأن ذلك لا يخص عليا - ~~عليه السلام -. فتكون الولاية ثابتة لمن زكى في حال ركوعه. ولم يثبت ذلك ~~إلا لعلي - عليه السلام - (2). # ومنها قوله [تعالى]: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع # PageV00P248 # الصادقين) (3). # فلو كان الصادقون ممن يجوز عليهم الخطأ لوجب اتباعهم في ما أخطؤوا فيه، ~~لكن ذلك محال، فتعين اتباع من لا يخطئ، وذلك هو المعصوم. (4) # PageV00P249 # ومنها قولهم: لو كان الإمام غير علي لكان ركونا إلى الظالم، وهو منفي ~~لقوله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا...) (5) لأنه ليس أحد ادعيت له الإمامة ~~في ذلك الزمان إلا وقد كان كافرا قبل إسلامه، والكافر ظالم. (6) ومنها ~~قولهم: كل من عدا (7) عليا كان ظالما بكفره، فلا يناله العهد، لقوله تعالى: ~~(لا ينال عهدي الظالمين) (8). # ومنها قوله - عليه السلام -: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من ~~والاه ms091 وعاد من عاداه " (9) والمولى هو الأولى لاستحالة أن يريد ولي النصرة. # PageV00P250 # يدل عليه وجهان: الأول أن عمر قال في ضمن ذلك: " بخ بخ أصبحت مولاي ومولى ~~كل مؤمن ومؤمنة " (10) وهذا يدل على اختصاص علي - عليه السلام - بما لم ~~يحصل لغيره، والنصرة ثابتة من المسلمين كافة فلا يختص عليا - عليه السلام ~~-. # والثاني: أن ولاية النصرة ثابتة، فلم تكن حاجة إلى تقريرها بمثل هذه ~~الحال التي احتاج فيها إلى إصلاح المنزل، وجمع الرجال، وتقديم المقدمات، ~~الدالة على اهتمام القوى (11)، فكيف كان ينص عليه في ذلك المكان بأمر عام ~~في المسلمين كلهم. هذا مما ينبغي أن ينزه عن مثله منصب النبوة فتعين أنه ~~أراد الدلالة على أنه أولى من غيره، وأن يثبت له مثل منزلته - عليه السلام ~~- في الحكم والسيادة. وهذا بين لا شبهة فيه على منصف. # PageV00P251 # [رد الأدلة التي أقاموها لإمامة أبي بكر] وأما القائلون بإمامة أبي بكر ~~فطائفتان: # إحداهما تقول بالنص وهم المعروفون بالبكرية (12)، والأخرى بالاختيار. # واحتجت الطائفة الأولى بوجوه: # الأول: قوله - عليه السلام -: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " ~~(13). # الثاني: قوله - عليه السلام -: " الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تصير ملكا " ~~(14). # الثالث: أنه - عليه السلام - استخلفه في الصلاة (15) ولم يعزل، فوجب أن # PageV00P252 # يبقى على الخلافة في الصلاة، ويلزمه أن يكون خليفته في سائر الأمور، لعدم ~~القائل بالفصل. # واحتجت الطائفة الأخرى بوجوه: # الأول: قالوا اجتمعت الأمة على إمامته فيكون إماما. # الثاني: قالوا: ليس علي بإمام بعد النبي بلا فصل ولا العباس، فوجب أن ~~يكون أبو بكر إماما. أما الأولى فلأن كل واحد منهما ترك المنازعة مع ~~القدرة، فلو كان إماما لبطلت إمامته بالعصيان، وإذا بطلت إمامتهما ثبتت ~~إمامة أبي بكر بالإجماع، إذ لا قائل مع بطلان إمامتهما بغيره. # الثالث: قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) (16). # و " الذين " لفظ جمع، وأقله ثلاثة، فوجب أن يكون الذين توجه [إليهم] ~~الوعد ثلاثة أو ms092 أكثر، ووعده تعالى واقع، ولم يقع لأحد بعد النبي - عليه ~~السلام - إلا للخلفاء الأربعة فوجب أن يكونوا هم المرادين من ذلك لوعد. # الرابع: أبو بكر ممن رضي الله عنه فوجب أن يكون إماما. # أما الأولى فبقوله تعالى: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة) (17). # ولقوله: " والسابقون الأولون - إلى قوله - ورضوا عنه) (18). # PageV00P253 # ولقوله: (وسيجنبها الأتقى) (19). # والمراد بالأتقى هنا أبو بكر، إذ لو لم يرد لكان المراد بها عليا - عليه ~~السلام - وعلي غير مراد منها، لأن الأتقى موصوف بكونه ممن ليس لأحد عنده من ~~نعمة تجزى (20) وعلي - عليه السلام - عليه نعمة لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بتربيته وتغذيته والإنفاق عليه. # وإذا كان أتقى وجب أن يكون أكرم لقوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم) (21) والأتقى مرضي عند الله تعالى، وإذا كان أبو بكر ممن رضي الله ~~عنه، وجب أن يكون إماما بالإجماع، إذ كل من وصفه بذلك قال بإمامته. # الخامس: خاطبت الصحابة أبا بكر بالإمامة وبخلافة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وكذلك خاطبه علي - عليه السلام - فوجب أن يكون إماما صونا لألفاظ ~~الصحابة عن الكذب والنفاق. # لا يقال: لعل خطاب علي - عليه السلام - تقية. # لأنا نقول: لم يكن مضطرا إلى خطابه بذلك، لأن له مندوحة (22) بغيره من ~~الألفاظ. # السادس: لو كان علي - عليه السلام - منصوصا عليه بالإمامة نصا مشهورا ~~لكان إما يساعده الناس على حقه أو يخذلونه، ويلزم من الأول توجيه الخطأ # PageV00P254 # إليه، ومن الثاني توجيه الخطأ إلى الصحابة، والقسمان باطلان. # والجواب عن احتجاجهم بقوله: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ". # أن نمنع الخبر أولا، فإنا لا نعرفه من طريق محقق. # ولو سلمناه لكان من أخبار الآحاد، مع أنه قد طعن فيه جماعة من أصحاب ~~الحديث منهم. # ولو سلمناه لم يلزم من الأمر بالاقتداء بهما مطلقا الاقتداء بهما في كل ~~شئ، لأن اللفظ المطلق يصدق بالجزء وبالكل، ثم نقول: الظاهر أنه لم يرد ~~العموم، لأنهما اختلفا في كثير من الأحكام، فالاقتداء بهما في ذلك يلزم ms093 منه ~~الجمع بين النقيضين. # وأما قوله: الخلافة بعدي ثلاثون، فأضعف من الأول وأكثر شذوذا، ومثل ذلك ~~لا يثبت به مسألة علمية. # ثم إنه لا يجوز العدول عن أخبار صريحة دالة على إمامة علي - عليه السلام. # بمثل هذا الخبر الضعيف. # ثم نقول: الظاهر أن هذا الخبر موضوع لأنه لو كانت إمامة معاوية ملكا ~~لكانت إمامة أبي بكر وعمر كذلك، لأن الذين بايعوا معاوية من أهل الشام أكثر ~~ممن بايع أبا بكر، ثم بعد موت علي - عليه السلام - أظهر كثير من الناس ~~الانقياد له، وكف الآخرون عن الاعتراض، وكذلك وقع في خلافة أبي بكر، فلو ~~كانت إحدى الخلافتين ملكا لكانت الأخرى كذلك. PageV00P255 # قوله: استنابه في الصلاة قلنا: لم يثبت ذلك بل المروي بيننا وبين كثير ~~ممن خالفنا في الإمامة أن عائشة هي التي قدمته، حتى أنه لما سمع التكبير ~~أنكر ذلك، وقام معتمدا على رجلين، حتى أزاله عن موقفه (23) فلم يثبت ~~التولية حتى يفتقر إلى إثبات العزل. # والجواب عن الوجه الأول من احتجاج الطائفة الأخرى أن نقول: # لا نسلم إجماع الصحابة على إمامته، وكيف يثبت الإجماع، وقد نقل المخالف ~~والمؤالف توقف جماعة كثيرة عن البيعة له، مثل أبي سفيان، والعباس، وسعد بن ~~عبادة، وقيس ابنه، وعلي والزبير، والنعمان بن يزيد (24) وكثير من الصحابة. ~~(25). # فإن قال: عادوا بعد ذلك إلى القوم بإمامته. قلنا: لا نسلم، فإن طاعة # PageV00P256 # الرجل القادر في الظاهر لا يدل على الموافقة بالباطن. # وقد روي أن بعد جلوسه وانتصابه خطيبا قام إليه اثنا عشر رجلا، ستة من ~~المهاجرين ومثلهم ستة من الأنصار، فأنكروا عليه مجلسه وخوفوه بما هو موجود ~~في الكتب. (26). # لا يقال: هذه أخبار آحاد. لأنا نقول: هي وإن كانت آحادا لكنها يفيد الظن ~~القوي، وذلك يقدح في الدليل الذي يتطرق بها الاحتمال إليه. # وعن الوجه الثاني: قوله: أن عليا والعباس ليسا بإمامين، قلنا: لا نسلم أن ~~عليا - عليه السلام - ليس بإمام. # قوله ترك المنازعة مع القدرة، وذلك يدل على أن الإمامة ليست له، إذ لو ~~كانت له لكان ms094 ذلك قادحا في عدالته. (27) قلنا: لا نسلم أنه ترك المنازعة، ~~بل نازع بالقدر الممكن منازعة تناسب تلك الحال. (28) لا يقال: لو نازع لأبي ~~بكر لم يكن له من القوة دفعه عن حقه. لأنا نقول: لا نسلم ذلك، فإن أبا بكر ~~كان معه جماعة ممن أظهر الإسلام ينصرونه ويرجون في ولايته ما لا يرجون من ~~علي - عليه السلام - وكثير ممن كان في صدره إحنة (29) على الإسلام أحب ~~التستر والتوصل إلى اضطراب الإسلام # PageV00P257 # بالانحياز (30) عن صاحب الحق إلى من ينازعه إثارة للفتنة وطمسا لمعالم ~~الدين، فكان يؤثر مساعدة كل من ينازع عليا، حتى لو اتفق منازع خارج عن ~~الإسلام لآثروا الدخول معه. # ولو سلمنا أنه لم ينازع لأمكن أن يكون ترك ذلك تقية وخوفا على نفسه. # لا يقال: هذا قدح في الصحابة. # لأنا نقول: بل هو قدح في المعاند للحق دون الخائف المستتر بالتقية. # وعن الوجه الثالث: لا نسلم أن المراد من الاستخلاف المذكور في الآية ~~الإمامة، بل لم لا يجوز أن يكون المراد كونهم يخلفون غيرهم في الإقامة في ~~الأرض والاستيلاء عليها إقامة وتصرفا كما قال: (هو الذي جعلكم خلائف في ~~الأرض) (31) فيكون هذا المعنى عاما في المؤمنين كلهم، وذلك أن أهل الكفر ~~كانوا مستولين على الدنيا، وكان المؤمنون مستضعفين خائفين مستترين بأديانهم ~~فأخبر الله سبحانه بذلك تسلية لهم وتسكينا لقلوبهم. # وهذا التأويل ممكن، ومع إمكانه لا يبقى وثوق بما استدلوا به. (32). # PageV00P258 # وعن الوجه الرابع: قوله: أبو بكر ممن رضي الله عنه، قلنا: ما الدليل على ~~ذلك؟ قوله: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك) (33) قلنا: الرضا ينصرف ~~إلى من اتصف بالإيمان ونحن نمنع حصوله. # قوله: هو من السابقين: قلنا: لا نسلم حصول الشرائط المعتبرة في الرضا ~~فيه. # قوله قوله: المراد بقوله: (وسيجنبها الأتقى) (34) هو أبو بكر (35). قلنا ~~لا نسلم. قوله: إما أن يكون المراد هو أو عليا - عليه السلام - قلنا: لا ~~نسلم الحصر، بل لم لا يجوز أن يكون للعموم، أو لا لهما؟ سلمنا الحصر، لكن ~~لا نسلم أنها ليست ms095 في علي. # قوله: لأن للنبي - عليه السلام - عليه - عليه السلام - نعمة تجزي قلت: لا ~~نسلم # PageV00P259 # بل كما جاز أن يكون الإرشاد إلى الإسلام خارجا عن ذلك، لكونه يبتغي به ~~وجه الله، جاز أن تكون تربية النبي - عليه السلام - له كذلك، فإن إحسان ~~النبي - عليه السلام - لم يكن لعوض، بل لله محضا، فهو داخل في ذلك. # على أنا لا نسلم أنه أراد ما ذهب إليه المستدل، إذ من الجائز أن يكون ~~أراد الإخبار بأنه يؤتي ماله يتزكى مع أنه ليس لأحد عليه نعمة يجازيه عليها ~~بتزكيته عليه، (36) ومع هذا الاحتمال يسقط ما ذكروه. # وعن الخامس: سلمنا أن الصحابة خاطبته، لكن ما المانع أن يكون ذلك تبعا ~~لتسمية الناس له؟ كما يقال، عظيم الروم أي الذي يسمونه عظيما. # وكما قال تعالى: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا) (37) على أنا لم ~~نستبن أن عليا - عليه السلام - خاطبه بذلك من طريق مسكون إليه، وإنما هي ~~أخبار آحاد شاذة. ولو سلمنا ذلك لكان الحال فيه كما ذكرنا في عذر الصحابة، ~~ولو لم يكن كذلك لأمكن أن يكون تلفظ بذلك تقية. # قوله: التقية مرتفعة لإمكان أن يخاطبه بغير ذلك. قلنا لا نسلم لأن ذلك ~~كان هو المراد، فلم يتمكن من اطراحه عند الخطاب، وكيف وقد أخرج من منزله ~~يقاد قهرا بعد أن قالوا: إن لم تخرج أحرقنا عليك بيتك (38). # PageV00P260 # لا يقال: فأنتم تصفون عليا بالشجاعة الخارقة للعوائد (39) فما هذا الضعف، ~~لأنا نقول: قد يسقط التكليف عند توجه الضرر وإن كان تحمله ممكنا، وإذا سقط ~~الوجوب جاز أن يترخص فيه. # على أنا نصفه بالشجاعة، لكن لا إلى حد نقول: إنه يقهر الألف من أقوياء ~~البشر بمفرده، وإلى أنه لو قوي عليهم لأمكنه أن يحفظ مع ذلك الدين في ~~صدورهم ويضبط قواعد الإسلام أن ينتقض بينهم، هذا مما لا يدعيه أحد من ~~الشيعة، فلعله - عليه السلام - مع قوته عرف ما يلزم عن قهره (40) من الفساد ~~الذي لا يتدارك، فاقتصر على التذكير والمخاطبة دون النفور (41) والمحاربة. # PageV00P261 # وعن السادس: ms096 قوله: لو كان علي - عليه السلام - منصوصا عليه نصا مشهورا ~~لكان إما ساعده الصحابة أو خذلوه. قلنا: ساعده جماعة، لكنهم لا يغنون عنه، ~~وخذله الأكثر. # قوله: يلزم القدح في الصحابة. قلنا: الخاذل، فيهم المعذور لغلبة الظن ~~بالعجز، والمغرور بحب الدنيا، وغير منكر توجيه الذم إلى القبيل الآخر. # ولو احتج لهم بالبراءة من اللوم بوقوع اسم الصحبة، لكان غلطا، إذ في ~~الصحابة من اتفق الناس على نفاقه، بل على مجاهرته، وقد روي عنه - عليه ~~السلام - إنه قال: " يذاد عني قوم ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: يا رب ~~أصحابي، فيقال: إنهم ليسوا بأصحابك، بل إنهم غيروا وبدلوا " (42) وذلك يدل ~~على أنه لا يمدح من الصحابة إلا من عرف صلاحه وبعد عن موارد الزلل. # PageV00P262 # [تفضيل علي - عليه السلام -] وحيث انتهينا إلى هذا المقام فلنذكر بحثا ~~مختصا بتفصيل علي - عليه السلام السلام - فنقول: # اختلف الناس بعد النبي - عليه السلام - على قولين: # فطائفة قالت بتفصيل علي - عليه السلام - على غيره من الصحابة بمعنى أنه ~~أكثر ثوابا وأرجح في الفضائل العلمية والعملية الشرعية، وهو مذهب الشيعة ~~وبعض المعتزلة وجماعة من أصحاب الحديث. # وقال الباقون من الطوائف بتفضيل أبا بكر (43) على غيره من الصحابة. # واحتج أصحابنا على مذهبنا بوجوه: # الأول: أنه منصوص عليه بالإمامة، وذلك يقتضي اختصاصه بالتفضيل، لما ثبت ~~من قبح تقديم المفضول على الفاضل. # الثاني: أنه كان أكثر جهادا فيجب أن يكون أفضل. أما الأولى فمطالعة السير ~~تحققها إذ لا مقام إلا وقدمه - عليه السلام - فيه أثبت الأقدام. (44) # PageV00P263 # وأما الثانية فبالقرآن (45) والإجماع. # لا يقال: الجهاد جهادان: جهاد باللسان وجهاد بالسنان، وأبو بكر وإن لم ~~يجاهد ببدنه فقد جاهد بجدله ولسانه. لأنا نقول: أما الجهاد باللسان فلا ~~يسمى جهادا عرفا ولا اصطلاحا، وإن سمي بذلك كان مجازا، واللفظ عند الإطلاق ~~ينصرف إلى حقيقته، وبيان الحقيقة ما أشرنا إليه بالنقل والاستعمال. # أما النقل فظاهره، فإن أهل الشرع لا يعنون بالجهاد إلا هذا إلا على سبيل ~~التشبيه والاستعارة. فأما الاستعمال فظاهر أيضا، فإن كتاب الجهاد في الشرع ~~لا ms097 يتضمن إلا مسائل الجهاد البدني دون غيره. # ثم نقول: أوامر الشرع المطلقة الدالة على الجهاد هل أريد بها الجدال أو ~~مجاهدة العدو بالسيف وقمعهم بيد القهر؟ # ثم كيف يستجيز ذو البصيرة أن يعتذر لأبي بكر في قعوده عن الجهاد حتى إذا ~~حضر موطنا لا يريق دما ولا يعرق فرسا (46) في سبيل الله، مع أن الله # PageV00P264 # سبحانه قد ملأ الأسماع وشحن آي (47) القرآن بالأمر بالجهاد للأعداء ~~والخروج إليهم وإعداد السلاح والقوة ورباط الخيل. (48) أيري ذلك كله ~~للمناظرة؟ # ثم أي ذنب أعظم من أن الله يأمر المسلمين كافة بالنفور (49) إلى حرب ~~أعداء الإسلام والخروج إليهم فيجرد كل مسلم سيفه ويبسط يده ضربا وطعنا ~~وإثخانا في العدو متقربا إلى الله سبحانه، ويعذر مع ذلك من تارة لا يحضر ~~وأخرى يحضر منفكا عن المنابذة (50) مقتصرا على المشاهدة، ثم لا يكتفي بعذره ~~حتى يجعله من الفضلاء في الإسلام المقدمين في الأيتام. أترى كان النبي - ~~عليه السلام - في مواطن الحرب يسلط رجاله على مجالدة الأعداء ويحضر لهذا ~~العارف مناظرين يقوى بعلمه على جدالهم ودفع حجتهم؟ هذا من أقبح ما يلتزم ~~به. # ثم إنا نقول: لو سلمنا لهم أن المناظرة بقول مطلق لكنا مطالبون بصور ~~المناظرات التي جرت من هذا الفاضل، ومواضع احتجاجاته في أبواب التوحيد ~~والعدل وتحقق النبوة والمعاد. # أين هذا الأقوال التي قطع بها أوقاته ورد بها أهل الزيغ إلى محجة (51) # PageV00P265 # الدين؟ لو كان ذلك لاشتهر كما اشتهر عن علي - عليه السلام - من الحجاج ~~على التوحيد، والاستدلال على العقائد ما يرجح على اجتهاد كل عارف من الأمة ~~(52). # الثالث: قوله - عليه السلام -: " آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي، فجاء علي ~~- عليه السلام - (53). # لا يقال: هذا خبر واحد وأنتم لا تعملون بالآحاد، سلمنا لكنه لفظ مطلق، ~~والمطلق يصدق بالجزء وبالكل، فلعله أحب إليه في شئ دون شئ. # سلمنا شموله، لكن غايته أن النبي - عليه السلام - دعا فمن أين أنه يجب ~~على الله إجابته، سلمنا أنه يجب إجابته، لكن ما المانع أن يكون أتى من يأكل ~~مع النبي ms098 مضافا إلى علي أو بعد علي، سلمنا أنه لم يأت أحد من البشر سواه، ~~فلم لا يجوز أن يكون سأل الإتيان بأحب الخلق إليه مطلق إما في ذلك المقام ~~أو في غيره أو في غير ذلك الطعام. # لأنا نقول: أما أنه خبر واحد فلا ريب فيه، لكنه من الأخبار المقبولة التي ~~اشتهرت بين الناقلين، وإذا بلغ الخبر هذا المبلغ خرج عن حكم الآحاد إلى ~~وجوب العمل به والانقياد لمضمونه. # PageV00P266 # قوله: هو لفظ مطلق. قلنا: هذا حق لكن المطلق يفيد الماهية، فإذا أضيفت ~~اقتضى تعليق الحكم بتلك الماهية لا باعتبار قيد، كما إذا قال: لله علي ~~الصدقة بمالي من غير نية التخصيص. # قوله: النبي - عليه السلام - دعا، فمن أين يجاب؟ قلنا: أجمع المسلمون أن ~~النبي - عليه السلام - مجاب الدعوة (54) وهذه كلمة وفاق، ولا يفتقر إلى ~~الاحتجاج. # قوله: لم لا يجوز أن يكون أتى من هو أحب الخلق قبل علي أو بعده. # قلت: قول الناقلين: " فأتى علي " دليل على أنه هو المراد. ثم لم ينقل أن ~~أحدا جاء غيره، وذلك يكفي في حصول الغرض، فإن الأمور تبنى على الظاهر لا ~~على الاحتمالات البعيدة. # لا يقال: هذا يثمر الظن لا اليقين. لأنا نقول: يثمر اليقين، لأن الأمة ~~بين قائلين: قائل يستعمل اليقينيات في هذا المقام وهم الإمامة، وقائل يجتزي ~~بالظن ويقول إنها مسائل فقهية، فكان العمل بذلك واجبا، أما عندنا فلجزمنا ~~بثمرة المسألة، وأما عند المخالفة فلوجوب العمل فيها بالظواهر. # قوله: من أين أنه سأل الإتيان بأحب الخلق في ذلك المقام، قلت: لأنه سأل ~~أن يأكل معه من ذلك الطائر، فالظاهر أنه قصد في ذلك المقام بحيث يأكل معه. # الوجه الرابع: قوله - عليه السلام -: " من كنت مولاه فعلي مولاه " وقول ~~عمر: # PageV00P267 # " بخ بخ أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " (55) وقد بينا أنه لا يريد ~~بالخبر ولي النصرة، وإنما يريد السيادة والحكم، وكونه أولى. # الوجه الخامس: هو - عليه السلام - أعلم فيجب أن يكون أفضل. أما الأولى ~~فيدل عليها وجوه ثلاثة: # الأول: - أنه - عليه السلام ms099 - موصوف بالجلالة والسداد، وقد قال: " سلوني ~~قبل أن تفقدوني " (56) فلو لم يكن واثقا بجواب كل ما يسأل عنه لما استحار ~~(57) ذلك إذ لا يقدم على ذلك من غير وثوق إلا موصوف بالخرق والطيش وهو ~~صلوات الله عليه يجل عن ذلك. # لا يقال لعله علم ما يسأله عنه أهل المجلس. لأنا نقول: فذلك إذا أعظم ~~فضيلة إذ يدل على الاطلاع على الضمائر. # الثاني: أنا ننقل أن أكثر الصحابة افتقرت إليه في الجواب عن # PageV00P268 # الشرعيات، ولم ينقل أنه سأل أحدا في ذلك مستفهما. (58) الثالث: أنه - ~~عليه السلام - قال: " والله ما من آية نزلت في بر أو بحر، ولا سهل ولا جبل، ~~ولا سماء ولا أرض، ولا ليل ولا نهار، إلا وأنا أعلم في من نزلت، وفي أي شئ ~~نزلت " (59) وغيره قال - وقد سئل عن آية -: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني ~~(60) إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم. (61). # وأما أن الأعلم أفضل فبقوله تعالى: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون) (62) وإذا انتفت المساواة وجب أن يكون الرجحان في طرف الأعلم. # PageV00P269 # [رد تفضيل أبي بكر] واحتج القائلون بتفضيل أبي بكر بوجوه، وأقواها ما ~~ذكروه أن النبي - عليه السلام - قال: " والله ما طلعت الشمس ولا غربت بعد ~~النبيين والمرسلين [على] أفضل من أبي بكر " (63) وقوله: " اقتدوا باللذين ~~من بعدي أبي بكر وعمر " (64) وباستنابته في الصلاة (65) وبقوله: (وسيجنبها ~~الأتقى) (66). # والجواب عما ذكروه أولا أن نقول: الخبر المذكور لا نعرفه ولم يصح نقله، ~~وما يتفردون بنقله لا عمل فيه، ولا ينعكس مثل ذلك علينا في احتجاجنا ~~بالأخبار، لأنا لا نحتج بالأخبار التي انفردنا بها إلا إذا كانت متواترة ~~تفيد اليقين، ويكون الدافع لها مكابرا بعد الوقوف على نقلها، وأما الآحاد ~~منها فلا نجعلها حجة على خصومنا إلا إذا نقلها الخصم كما نقلناها، وقبلها ~~كما قبلناها. # ثم نقول: الذي يدل على بطلان هذا الخبر قول أبي بكر: " وليتكم # PageV00P270 # ولست بخيركم " (67) فقد أخبر عن نفسه أنه ليس خيرهم، وكيف يشهد له النبي ~~بالفضيلة على غيره وهو ms100 ينكر. # ثم نقول: لو صح هذا الخبر لما كان أفضل من علي، لأن عليا - عليه السلام - ~~أفضل من الأنبياء (68) وقد اختلف في أولي العزم (69) والأفضل من الأفضل ~~أفضل. # وأما الجواب عن الاحتجاجات الباقية، فقد سلم في أول (70) هذا المقصد ~~فليطالع هناك. # PageV00P271 # المقصد الثاني في الدلالة على إثبات [إمامة الأئمة بعد علي - عليه السلام ~~- ولنا في ذلك أدلة: # أحدها: أن نبين أن كل زمان لا بد له من إمام معصوم، ونبطل دعوى العصمة ~~لمن ادعوا له الإمامة، فيتعين الإمامة لمن ادعيناها نحن له خاصة. (1) ~~وثانيها: أن ننقل من النص عليه ما روته الإمامية ونقلته نقلا متواترا من كل ~~إمام على الذي قبله. (2). # وثالثها: أن ننقل عن النبي - عليه السلام - من الأحاديث المتفق عليها عند # PageV00P272 # الإمامية وخصومهم أن الأئمة بعد النبي - عليه السلام - اثنا عشر خليفة، ~~(3) ثم نقول: كل من قال بذلك قال بإمامة هؤلاء على التعيين. والقول ~~بالمنقول مع أن الإمامة في غيرهم خروج عن الإجماع. # ورابعها: أن ننقل من المعجزات التي روتها الإمامية (4) عن كل واحد من ~~الأئمة ما يدل على اختصاصه بالصدق، ثم ننقل عنه دعوى الإمامة، فيتعين ~~إمامته. # ولنذكر طرفا من الأخبار الدالة على إمامة اثني عشر جملة. # من ذلك ما رواه عبد الرحمان بن سمرة: " قلت: يا رسول الله أرشدني إلى ~~النجاة فقال: إذا تفرقت الآراء فعليك بعلي بن أبي طالب، فإنه إمام أمتي، ~~وخليفتي من بعدي، وأن منه إمامي أمتي، وسيدي شباب أهل الجنة، وتسعة من ولد ~~الحسين تاسعهم قائم أمتي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما " (5). # وعن عبد الله بن عباس، قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله ~~اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها، ثم اطلع ثانية فاختار منها عليا، وهو ~~أبو سبطي الحسن والحسين، إن الله جعلني، وإياهم حججا على عباده، وجعل من ~~صلب الحسين - عليه السلام - أئمة يقومون بأمري، التاسع منهم قائم أهل # PageV00P273 # بيتي، ومهدي أمتي. " (6). # وعن سلمان الفارسي: قال: " كنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه ms101 وآله ~~وسلم وهو مريض، فدخلت فاطمة فبكت، وقالت: يا رسول الله أخشى الضيعة بعدك، ~~فقال: يا فاطمة أما علمت أن الله حتم الفناء على جميع خلقه وأن الله اطلع ~~إلى الأرض فاختار منها أباك، ثم اطلع ثانية فاختار منها زوجك، وأمرني أن ~~أتخذه وليا ووزيرا وأن أجعله خليفتي في أمتي، فأبوك خير أنبياء الله وزوجك ~~خير الأوصياء، وأنت أول من يلحق بي من أهلي، ثم اطلع ثالثة فاختارك وولديك، ~~فأنت سيدة النساء وحسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبناء بعلك أوصيائي إلى ~~يوم القيامة، والأوصياء بعدي أخي علي، والحسن والحسين، ثم تسعة من ولد ~~الحسين " (7). # وعن مسروق: " قال: بينا نحن عند عبد الله بن مسعود إذ يقول له شاب: هل ~~عهد إليكم نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم كم يكون من بعده خليفة؟ قال: إنك ~~لحديث السن وإن هذا شئ ما سألني عنه أحد قبلك، نعم عهد إلينا نبينا - عليه ~~السلام - أنه يكون بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل " (8). # وعن جابر بن سمرة: " قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~يقول: يكون بعدي اثنا عشر أميرا ثم أخفى صوته، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: قال ~~كلهم من قريش " (9). # PageV00P274 # وعن زين العابدين - عليه السلام - عن أبيه الحسين - عليه السلام - أن ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - سئل عن العترة فقال: أنا والحسن والحسين ~~وتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم، حتى ~~يردوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حوضه (10). # عن جابر بن عبد الله: قال: لما نزل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (11) قلت: يا رسول الله فمن ~~أولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعته؟ فقال - عليه السلام -: هم ~~خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين بعدي، أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن ~~والحسين، ثم عد تسعة من ولد الحسين - عليه السلام - (12). # PageV00P275 # المقصد الثالث في مباحث متعلقة بالغيبة وقد عرفت قيام الدلالة على أن ~~الزمان ms102 لا يخلو من إمام، وأنه يجب أن يكون معصوما، وكل من قال بذلك قال بأن ~~الإمام الآن هو الذي نشير إليه. # وثبت أيضا من الأخبار المتواترة عن النبي والأئمة - عليهم السلام - ما ~~تتضمن النص على اسمه ونسبه ووجوده فأغنى بذلك عن التعرض للزيادة في ~~الدلالة. # ويكفي في الجواب عن سبب الغيبة أن يقال: مع ثبوت عصمته يجب أن نحمل ~~أفعاله على الصواب، وإن خفي الوجه، فلولا مصلحة مبيحة للاستتار لما استتر، ~~غير أن للمخالف هاهنا أسئلة خمسة مهمة لا بد من إيرادها والجواب عنها، ~~ليتضح المقصود في هذا الفصل. # الأول: المطالبة بالأخبار الدالة على تعيينه. # الثاني: المطالبة بتصحيح ولادته، ومن شاهده فإنهم ينكرون ذلك أيضا. # الثالث: المطالبة بالوجه الذي لأجله حصلت الغيبة مفصلا، ووجه استتاره عن ~~أوليائه. PageV00P276 # الرابع: أنه يلزم من الغيبة فوات كثير من الأحكام، فهل تسقط أو تكون ~~باقية؟ # الخامس: الاستبعاد الذي يلهج به الخصم من تطاول عمره - عليه السلام - هذه ~~المدة. # أما تصحيح ولادته فقد بينا أنه يكفي فيه قيام الدلالة العقلية أن الزمان ~~لا يخلو من إمام معصوم، ونحن نعلم أن كل من قال بذلك قال بإمامة المشار ~~إليه، وهذا دليل على وجوده وذلك يتضمن تصحيح ولادته، ويغني عن الإشارة إلى ~~من شاهده، لكنا نضيف، إلى ذلك شيئا من المنقول ليكون أقوى في الحجة، فنقول: # أما النص على تعيينه فمما لا تحصى كثرة، وذلك ما رواه جابر عن النبي - ~~عليه السلام - " قال: قال: المهدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، تكون له غيبة ~~يضل فيها الأمم. يقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلا كما ملئت جورا وظلما " ~~(1). # وعن الأصبغ عن أمير المؤمنين - عليه السلام - " قال: الحادي عشر من ولدي ~~يملأها عدلا كما ملئت جورا وظلما " (2). # وعن جابر " قال: دخلت على مولاتي فاطمة بنت رسول الله لأهنيها بمولد ~~الحسن، فإذا بيدها صحيفة من درة بيضاء، فقلت: يا سيدة النساء ما هذه ~~الصحيفة؟ فقالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي، ثم قالت: أنت مأذون أن تنظر ~~إلى باطنها من ظاهرها، فقرأت فيها عدد ms103 الأئمة الاثني عشر - عليهم # PageV00P277 # السلام - بأسمائهم، حتى انتهى إلى أبي القاسم محمد بن الحسن الحجة القائم ~~" (3). # وفي حديث آخر عنه أنه قال: " دخلت على فاطمة - عليها السلام - وبين يديها ~~لوح مكتوب فيه أسماء الأوصياء، فعددت اثني عشر، آخرهم القائم " (4). # وفي حديث آخر عنه " ثلاثة منهم محمد وأربعة منهم علي " (5). # وفي حديث عن الحسن بن علي - عليهما السلام - في ذكر القائم: " يخفي ~~ولادته ويغيب شخصه، ذاك من ولد أخي الحسين - عليه السلام - " (6). # وعن الحسين - عليه السلام - " قال: في التاسع من ولدي شبه من يوسف، وشبه ~~من موسى بن عمران وهو قائمنا أهل البيت " (7). # وعنه - عليه السلام - قال: " قائم هذه الأمة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب ~~الغيبة " (8). # وعنه - عليه السلام - " قال: منا اثنا عشر مهديا، أولهم علي بن أبي طالب ~~- عليه السلام -، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحق " (9). # PageV00P278 # وعن علي بن الحسين - عليهما السلام - " قال: إن الله خلق محمدا وعليا ~~والأئمة الأحد عشر من نور عظمته أرواحا يعبدونه قبل خلق الخلق، وهم الأئمة ~~الهداية من آل محمد - عليهم السلام - " (10). # ولنقتصر على هذا القدر، فإنه باب واسع. # وأما تصحيح ولادته ومن شاهده بطريق النقل فغير خفي أنه لا يطلع على ~~الولادة إلا نساء الإنسان وخدمه ثم يشيع ذلك مع اعتراف الوالد، فيثبت النسب ~~الشرعي بذلك، وقد كان الحال فيه - عليه السلام - أظهر من ذلك، فإن حكيمة ~~بنت محمد بن علي عمة العسكري صلوات الله عليه وآله، مع صلاحها أخبرت بحضور ~~ولادته صلى الله عليه، " قالت: رأيته ساجدا لوجهه، جاثيا على ركبتيه، رافعا ~~سبابته نحو السماء، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن جدي رسول الله، ~~وأن أبي أمير المؤمنين، ثم عد إماما إماما حتى بلغ إلى نفسه، ثم قال: اللهم ~~أنجز عدتي وأتمم أمري " (11) وكذا أخبرت نسيم (12) ومارية (13) قالتا: وقع ~~جاثيا على ركبتيه، وهو يقول: زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة، ولو أذن لنا ~~(14) في الكلام لزال الريب (15). # PageV00P279 # وجارية الخيزراني (16). # وأخبرنا (أبو) غانم الخادم فقال: " ولد لأبي محمد ولد ms104 فسماه محمدا وعرضه ~~على أصحابه وقال: هذا صاحبكم من بعدي " (17). # وعن أبي هارون: " قال: رأيت صاحب الزمان، وكان مولده يوم الجمعة سنة ست ~~وخمسين ومائتين " (18). # وعن محمد بن إبراهيم الكوفي أن أبا محمد - عليه السلام - بعث إلي بشاة، ~~وقال: هذه عقيقة ابني محمد. (19). # وكذا أخبر حمزة بن الفتح (20). # وأما الذين شاهدوه فكثير: # منهم أبو هارون وحده (21). # ومعاوية بن حكم ومحمد بن أيوب بن نوح ومحمد بن عثمان العمري قالوا: عرض ~~علينا أبو محمد - عليه السلام - ابنه وكنا في منزله أربعين رجلا، فقال: # PageV00P280 # هذا إمامكم بعدي وخليفتي عليكم (22). # ويعقوب بن منفوس (23). # وأبو نصر طريف (24). # ورآه البلالي. # والعطار والعاصمي ومحمد بن إبراهيم بن مهزيار وأحمد بن إسحاق القمي ومحمد ~~بن صالح الهمداني والسامي " والبسامي " والأسدي والقاسم بن العلاء (25). # PageV00P281 # وغير هؤلاء ممن لو استقصينا عددهم لأطلنا (26). # وأما الوجه الذي لأجله وقعت الغيبة، فقد ذكر جماعة من فضلاء الأصحاب أن ~~ذلك هو الخوف على نفسه. قالوا: الحال في ذلك كحال النبي - عليه السلام - ~~حين استتر تارة في الشعب (27) وأخرى في الغار (28). # لا يقال: النبي - عليه السلام - استتر يسيرا، وليس كذلك حال غيبة إمامكم. # لأنا نقول: التفاوت غير مؤثر في واحد من الحالين، إذ تفوت مصالح دينية ~~فإذا جاز تفويت تلك المصالح مع الخوف وقصر المدة جاز مع تطاولها. # وحاله - عليه السلام - في ذلك يخالف حال آبائه إما لأنهم أمنوا على ~~أنفسهم وخاف هو، أو لأنه - عليه السلام - يلزمه من العروض (29) مع ظهوره ما ~~لا يلزمهم، فيكون الحذر في جانبه أتم من غيره، وهذا من الممكن. # وقد قيل: إنما لم يظهر إلى أوليائه خوفا من إشاعة خبره. # وقيل: بل خوفا من أعدائه لا غير. # وقيل: خوفا على الولي من الشك في المعجز الدال على صدقه. # PageV00P282 # وكل ذلك لا يخلو من قدح بل الأولى اعتقاد أنه لا بد في ذلك من وجه مقتض ~~لحسنه، وإن كنا لا نستفصله (30). # على أنا نقول: (لا نسلم) أنه لم يظهر إلى أوليائه، بل من الجائز أن يظهر ~~إلى من يرتفع ms105 من ظهوره إليه وجه المفسدة، فإنا لا نعلم أحوال (كل إنسان) بل ~~كل إنسان يعلم حال نفسه حسب. # فأما ما شرط القيام (31) من الشرعيات وجوده كالحدود وغيرها من الأحكام، ~~فإنها لا تسقط لغيبته بل تكون باقية في جنب من استحقت عليه، فإن ظهر والحق ~~عليه باق، استوفاه، وإلا كان اللوم على من كان سبب خوفه. # وأما استبعاد الخصم بقاءه عليه هذه المدة، فإنما نشأ من ضعف البصيرة، ~~وإلا فكيف يقال ذلك مع العلم بقدرة الله وقيام الدلالة على إمكان فعل ~~الكرامات للأولياء، غاية ما في الباب أن يقال: هو خرق العادة، ونحن نمنع ~~ذلك أولا ثم نسلم ونجعل ذلك معجزا له - عليه السلام -. # واعلم أن تطاول الأعمار أضعاف عمر القائم - عليه السلام - وقع وقوعا ~~مستمرا حتى حصل ذلك لجماعة من الملوك والجبابرة، فلا يكون ذلك خرقا للعادة، ~~بل مما جرت به العوائد (32) فإن القرآن المجيد أخبر في طرف الصلحاء # PageV00P283 # أن نوحا عاش زيادة عن ألف سنة إلا خمسين عاما (33). وفي نقل أهل التاريخ ~~في طرف غير الصلحاء مثل شداد بن عاد بن إرم أنه عاش سبع (34) مائة سنة، ومن ~~المعلوم بين أهل المذاهب وجود الخضر، وعمره أضعاف عمر القائم - عليه السلام ~~-، ولو حملت العصبية على إنكاره، لكان النقل من طرقهم مساعدا لنا، ولو فرق ~~بين المقامين بأن الإمام يناط به أمور، لا يتعطل مثلها لغيبة الخضر، كان ~~فرقا في غير موضعه، لأنا نتكلم على استبعادهم طول العمر، لا على فوات ~~المصالح. وقد أجبنا على العذر فيما يفوت من المصالح بغيبة الإمام بأن الحال ~~(35) في ذلك من جهة المخيف لا من جهته - عليه السلام -. # وبينا أن الحال فيه كالحال في النبي - عليه السلام - حين استتر، فيما وجه ~~استبعاد ذلك في حق القائم - عليه السلام -. # PageV00P284 # المقصد الرابع يشتمل على مباحث: # الأول: الملائكة معصومون، لقوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ~~ما يؤمرون) (1). # وقوله تعالى: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) (2). # وقوله تعالى حكاية عن الملائكة: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ms106 ~~الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) (3). # وهذا يدل على أنهم بخلاف ما وصفوا به غيرهم من الفساد و (4) تعمد المعاصي ~~أجمع. # وما روي في بعض الأخبار من ضد ذلك (5)، وكذلك ما تضمنته قصة # PageV00P285 # هاروت وماروت (6) فقد صرف ذلك عن الظاهر إلى ضرب من التأويل (7). # الثاني: فاطمة - عليها السلام - معصومة لقوله تعالى: (إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (8). # ولقوله - عليه السلام -: " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها " (9). # PageV00P286 # ولو واقعت المعصية لجاز أذاها، لكن أذاها محرم بالإطلاق على هذا الحديث ~~(10). # الثالث: الباغي على علي - عليه السلام - كافر، ومعنى كفره أنه لا يستحق ~~اسم الإيمان ويستحق العقاب الدائم، لقوله - عليه السلام -: " حربك يا علي ~~حربي وسلمك سلمي " (11) ولا يخرجون بذلك عن اسم الإسلام وحقن المال والدم ~~إذا لم يحاربوا لقوله - عليه السلام -: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا # PageV00P287 # إله إلا الله، فإذا قالوا حقنوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها " (12) فإن ~~حاربوا حل قتلهم حتى يكفوا، ويؤخذ من أموالهم ما حواه العسكر خاصة اقتداء ~~بفعله - عليه السلام - (13). # الرابع: الأنبياء أفضل من الملائكة وكذلك الأئمة - عليهم السلام - بوجوه: # الأول: طاعة البشر أشق من طاعة الملك، فيكون أكثر ثوابا. أما الأولى فلأن ~~الإنسان ينازع شهواته إلى الملاذ المحرمة، ويدافع نفراته عن الأوامر ~~اللازمة، فيحصل مصادمة طبيعية تستلزم المشقة لا محالة، وأما الثانية فلقوله ~~- عليه السلام -: " أفضل العبادات أحمزها " (14) أي أشقها، لكن غير المعصوم ~~لا # PageV00P288 # ينفك عن مواقعة مأثم، فيقصر عن مساواة الملك، ويبقى المعصوم من البشر ~~راجحا عليه. # الوجه الثاني: قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران على العالمين) (15). # وتقرير هذا الاستدلال من وجهين: أحدهما: أن آدم ونوحا أفضل العوالم عدا ~~من جمعتهم الآية فيكونان أفضل من الملائكة، وكل من قال بذلك قال إن الباقي ~~من الأنبياء أفضل. والثاني: أن آل إبراهيم وآل عمران عبارة عن ذريتهما ~~أجمع، فإذا علمنا خروج من عدا المعصومين منهم تعين إرادة الباقي. # الوجه الثالث: النقل المأثور عن أهل البيت - عليه السلام - بالنص ms107 الصريح ~~على ذلك (16). # (الخامس:) يجب الإقرار بإمامة الاثني عشر على أهل كل زمان، ولا يجوز جحد ~~أحدهم، والإخلال بذلك مخرج للمكلف عن كونه مؤمنا، ولا يخرج بذلك عن كونه ~~مسلما، ويدل على ذلك النقل المتواتر عن أهل البيت - عليهم السلام -: " إن ~~من أنكر واحدا من الأحياء فقد أنكر الأموات " (17). # PageV00P289 # وما رووه عن النبي - عليه السلام - أنه قال: " يا علي أنت والأئمة (من ~~ولدك) بعدي (حجج الله على خلقه) من أنكر واحدا منكم فقد أنكرني " (18). # وغير ذلك من الأحاديث، فليطالع ذلك من كتب الأحاديث (19). # ولنقتصر على هذا القدر ليكون سهل الحفظ على الراغب فيه. # تم كتاب المسلك في علم الأصول (20) بحمد الله ومنه... # يوم السبت وقت العصر غرة شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعمائة على يد العبد ~~الضعيف الفقير إلى رحمة ربه اللطيف... # غفر الله له ولوالديه ولمن دعا لهم بالرحمة والرضوان. # PageV00P290 # الرسالة الماتعية PageV00P291 # بسم الله الرحمن الرحيم يجب على كل عاقل نشأ بين العقلاء وسمع اختلافهم ~~في إثبات الصانع ونفيه، وإثبات الثواب والعقاب، أن يصرف فكرته إلى معرفة ~~ذلك، بحيث يأمن نزول الضرر المجوز، ولمن يأمن ذلك إلا بعد معرفة الله ~~ومعرفة ما يجوز أن يوصف به وما لا يجوز، وأنه حكيم لا يفعل القبيح ولا يخل ~~بواجب، وإثبات النبوة، ومن يقوم مقام الأنبياء عند عدمهم، ليهتدي بما سنن ~~له من الطرق الموصلة إلى النجاة، فهذه أربعة فصول: PageV00P293 # الفصل الأول في معرفة الله تعالى وما يجوز أن يوصف به وما لا يجوز ~~والطريق الموصل إلى ذلك النظر في أفعاله المختصة به وهي الجواهر والأعراض ~~المخصوصة، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة، لثبوت الشك في المعارف قبل النظر، ولا ~~بالتقليد لأن تقليد المحق ليس أولى من تقليد المبطل. # وكيفية النظر في أفعاله أنه يجد (1) بعضها منتقلا في مراتب الحدوث من صغر ~~إلى كبر، وهو يعلم اضطرارا أن ذلك لم يحصل لها من ذاتها وإلا استوت في ~~المقادير والنشوء. # ويجد بعضها مختلفا في الألوان والطعوم والهيئات، فيعلم أنه لا بد من خالق ~~لها... ms108 (2) لاستحالة أن يكون ذلك من ذاتها. # PageV00P294 # ويجد الجواهر لا تخلو من الحوادث المتناهية وكل ما لا يخلو من الحوادث ~~المتناهية فهو حادث، وكل حادث فله محدث ضرورة. # ثم يعلم بواسطة اختلاف الأشياء وتباين أوصافها أن مبدعها مختار، إذ لو ~~كان موجبا لكانت أفعاله واقعة على وجه واحد، ولدامت بدوامه، إذ بقاء العلة ~~موجب لبقاء المعلول، وفي اختلافها وعدمها بعد الوجود دلالة على اختيار ~~الموجد. # ثم يجد العالم محكما مرتبا على وجه المنفعة المقصودة، وهو يعلم أن المحكم ~~لا يقع اتفاقا إلا من عالم به قبل إيقاعه، كالكتابة المحكمة، فإنها لا تقع ~~إلا من عالم بها، فيعلم عند ذلك أن صانع العالم عالم. # وإذا عرف اتصافه بهذين الوصفين علم أنه حي موجود، لأن الحي هو الذي لا ~~يستحيل أن يقدر ويعلم، ولأن المعدوم يستحيل أن يؤثر في الموجودات. # فائدة المعني بكونه قادرا أنه يصح أن يفعل وأن لا يفعل، والمعني بكونه ~~عالما أنه متبين الأشياء تبينا يصح مع إيقاع الفعل محكما، والمعني بكونه ~~حيا أنه لا يستحيل كونه قادرا عالما، والمعني بكونه موجودا أن له ذاتا ~~متحققة في الأعيان، وليس له بهذه الأوصاف أحوال زائدة على هذا الاعتبار، ~~لأن هذا القدر يكفي في إطلاق الوصف، ولا دلالة على ما زاد عليه. # وهذه الأوصاف الأربعة واجبة لذاته المقدسة إذ لو كانت جائزة لم ~~PageV00P295 # يتصف بها إلا لأمر. # ثم إن كان ذلك الأمر قديما لزم أن يكون في الوجود قديمان وهو محال، وإن ~~كان محدثا افتقر إلى محدث، فإن كان المحدث هو الله تعالى لزم كونه قادرا ~~قبل كونه قادرا وهو محال، وإن كان غيره تسلسلت العلل أو ينتهي إلى قديم غير ~~الله فيلزم أن يكون في الوجود قديمان وهو محال. # وإذا بينا أنها واجبة لزم أن يستحقها لذاته تعالى لا لمعان توجبها له، ~~وإلا لكانت جزء من ذاته فيلزم التركيب في ذاته وهو محال. # وإذا تحقق أن هذه الصفات ذاتية وجب أن يكون قادرا على كل مقدور وعالما ~~بكل معلوم، لأن نسبة ms109 ذاته إلى الكل بالسوية، فيجب أن يكون قادرا على الكل ~~لعدم المخصص. # عقيدة ويجب أن يوصف بما دل عليه القرآن المجيد والسنة المتواترة، من كونه ~~سميعا بصيرا مدركا بمعنى كونه عالما بالمسموعات والمبصرات والمدركات ، لا ~~بمعنى إثبات صفته، ومريدا لأفعاله والطاعات من أفعال عباده بمعنى أن له ~~داعيا حكميا إلى فعلها لا بمعنى إثبات أمر زائد على العلم المخصوص، ومتكلما ~~بمعنى أنه خاطب بعض رسله من الأنبياء والملائكة بالحروف والأصوات المعقولة ~~يفعلها، لا بجوارح وآلات، ولا بمعنى إثبات معنى قائم بالنفس لأنه غير ~~معقول، وإثباته جهالة. PageV00P296 # عقيدة يجب أن يعلم أنه تعالى قديم. إذ لو كان محدثا لافتقر إلى محدث، ~~وتسلسل العلل والمعلولات محال، فلا بد من انتهاء الحوادث إلى قديم. فإذا ~~عرف ذلك عرف استحالة أن يكون تعالى جسما أو عرضا أو حالا في محل، لأن كل ~~متصف بذلك حادث، وقد وضح أنه قديم. # وإذا تحقق اتصافه بالقدم، * وجب أن لا يشاركه فيه غيره، إذ لو كان في ~~الوجود قديمان لكان إن لم يتميز (3) أحدهما عن الآخر بأمر استحال التعدد ~~فيهما، وإن تميز (4) أحدهما عن الآخر لزم أن يكون أحدهما مركبا مما به ~~الاشتراك ومما به الامتياز، والمركب لا يكون قديما، لأن القديم لا يكون ~~موجودا إلا بذاته، والواجب الوجود لذاته يستحيل أن يكون مركبا. # عقيدة إذا عرف أنه ليس بجسم ولا عرض، عرف أنه لا يجوز أن يرى، لأنه لو ~~رئي في وجهه فهو جسم أو عرض، وإن رئي من غير مقابلة ولا في جهة كان ذلك غير ~~معقول، وإثباته جهالة. # ويدل على ذلك من القرآن قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك # PageV00P297 # الأبصار) (٥) وقوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ (6) ولن لنفي الأبد. ومن ~~المستحيل أن يراه آحاد الناس، وموسى - عليه السلام - لا يراه. # عقيدة يجب أن يعلم أنه تعالى غني في ذاته وصفاته، غير محتاج إلى اجتلاب ~~نفع ولا دفع ضرر، لأن اجتلاب النفع إنما يصح على من يصح عليه الشهوة ~~والشهوة لا ms110 تصح إلى علي الأجسام، تعالى الله عن ذلك. # PageV00P298 # الفصل الثاني في أنه تعالى حكيم لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب إنك لتعلم ~~حكم العقل في كثير من الأفعال بالقبح (7) كالظلم والكذب وفي كثير من ~~الأفعال بالوجوب كرد الوديعة وقضاء الدين، وفي كثير من الأفعال بالحسن ~~كالصدقة وإرشاد الضال. # وتعلم أن الكذب إنما قبح لكونه كذبا لا لأمر سوى ذلك، وكذلك إنما وجب رد ~~الوديعة لكونه ردا للوديعة، تعلم عند ذلك أنه لا يختلف باختلاف الفاعلين، ~~بل ممن قوع الكذب كان قبيحا لحصول الوجه المقتضي قبحه. # وإذا تقرر ذلك وجب أن يعلم أنه تعالى لا يفعل قبيحا ولا يخل # PageV00P299 # بواجب، لأن القبيح لا يفعله إلا جاهل بقبحه أو معتقد لاحتياجه إليه، ~~والأمران منفيان عنه تعالى. # عقيدة يجب أن يعلم أن العبد فاعل لتصرفاته، لأنه يجد من نفسه - وجدانا ~~ضروريا - قدرته على الحركة يمنة ويسرة، وأنه ليس كالملجأ الذي لا يقدر على ~~الامتناع، ولأنه يذم على القبيح من أفعاله ويمدح على الحسن منها، فلو لم ~~يمكن فعلا له لما حسن ذمه، كما لا يحسن ذمه على خلقته وصورته، ولأنه لو ~~كانت أفعال المكلفين أفعالا لله لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد، ولم ~~يكن لبعثة الأنبياء وشرع العبادات وإنزال القرآن فائدة، وذلك هدم للدين ~~ومصير إلى قول الملحدين. # عقيدة ويجب أن يعلم أن إرادة القبيح قبيحة لأن الذم يتعلق بمريد القبيح ~~كما يتعلق بفاعله. # وإذا ثبت ذلك وثبت أن الله تعالى لا يفعل القبيح، ثبت أنه لا يريد ~~القبيح، وقول المسلمين: " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " يعنون بذلك ~~من أفعاله خاصة دون أفعال المكلفين. # ويشهد لذلك قوله تعالى: " والله لا يحب الفساد " (8) وقوله: (وما الله # PageV00P300 # يريد ظلما للعباد) (9). # وإذا تحقق ذلك عرف أن جميع ما يفعله الله تعالى حسن سواء علم وجه حسنه أو ~~جهل، مثل فعل الآلام وخلق المؤذيات، فإن جميع ذلك فعل اللطف والاعتبار ~~(10)، وفي مقابلة الآلام من الأعواض ما يخرجها عن كونها ظلما. # فائدة ومن الواجب في ms111 الحكمة، اللطف للمكلفين وهو أن يفعل معهم كل ما يعلم ~~أنه محرك لدواعيهم إلى الطاعة، لأنه لو لم يفعل ذلك لكان ناقضا لغرضه، إذ ~~لا مشقة عليه في فعله وهو مفض إلى غرضه. # ويجب عليه أيضا في الحكمة تعويض المولمين وثواب المطيعين لأنه لو لم يفعل ~~ذلك لدخل في كونه ظلما، ولأن التكليف شاق، وقد ألزمنا إياه مع إمكان أن ~~يجعله غير شاق، فلو لم يثب عليه لكان التكليف ظلما وعبثا. # وإذا عرفت ذلك فثواب الإيمان دائم وعقاب الكفر كذلك بغير خلاف بين ~~المسلمين. # وأما الفاسق (11)، فإن عقابه منقطع، لأنه يستحق الثواب بإيمانه، فلو كان ~~عقابه دائما لاجتمع له استحقاقان دائمان وهو محال. # PageV00P301 # ويجوز أن يعفو الله عن عقابه، ويجوز أن يسقط بشفاعة من له شفاعة (12) يوم ~~القيامة أو بالتوبة، فإن لم يحصل شئ من ذلك اقتص الله منه بقدر ذنبه، ثم ~~مآله إلى الثواب الدائم. # PageV00P302 # الفصل الثالث في النبوة النبي هو الإنسان المخبر عن الله تعالى بغير ~~واسطة بشري، وإنما يعلم صدقه بواسطة المعجز، وهي (13) فعل خارق للعادة، ~~متعذر في جنسه أو صفته، مطابق لدعوى المدعي. # والشرع إنما يتضمن دلالة الخلق على مصالحهم ومفاسدهم، وأنت تجوز اختلاف ~~المصالح باختلاف الأزمان، فجاز اختلاف الشرائع تبعا لاختلاف المصالح. # عقيدة وإذا عرفت أن الأنبياء نصبوا لإرشاد الخلق، وجب أن يكونوا معصومين ~~من الذنوب كبيرها وصغيرها لأنهم قدوة الخلق، فلو جاز وقوع الخطأ منهم لحمل ~~ذلك على اتباعهم فيه. # PageV00P303 # ويدل على ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ (14) ولأن فعل ~~المعصية منفر عن الاتباع، ويجب صون الأنبياء عن الأمور المنفرة. # محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول لأنه ادعى النبوة وظهر على يده المعجز ~~ومن كان كذلك فهو صادق. # أما دعواه النبوة فمتواتر، لا يدفعه إلا مكابر، وأما ظهور المعجز فلأنه ~~تحدى العرب بالقرآن ولم يعارضوه. فلو كانوا قادرين على معارضته لعارضوه، ~~لأن دواعيهم كانت متوفرة إلى إظهار غلبته، ومن كان داعيه متوفرا إلى شئ ms112 ~~وعلم أنه يحصل بما هو قادر عليه فإنه يفعله لا محالة، فلما لم يعارضوه ~~وعدلوا إلى حربه، مع صعوبة الحرب وشدتها، دل على المعجز، لأن العاقل لا ~~يعدل من الأسهل إلى الأشق إلا مع العجز. # ومن معجزاته - عليه السلام - ما اشتهر نقله - واستفاض مثل حنين الجذع، ~~وانشقاق القمر، وكلام الذراع، وإنباع الماء من أنامله، وإطعام الخلق الكثير ~~من الزاد القليل، وغير ذلك (15) من المعجزات التي يقوم من مجموعها الجزم ~~بظهور المعجز. # وأما الدليل على أن كل من أظهر على يده المعجز فهو صادق، فلأن المعجز ~~يجري مجرى قوله القائل: صدقت، ألا ترى أن الملك العظيم إذا ادعى إنسان ~~بحضرته النيابة عنه، وقال: الدليل على ذلك أنه يرفع عمامته # PageV00P304 # عن رأسه أو يفعل شيئا لم تجر عادته به ثم فعله، دل ذلك على صدق مدعي ~~النيابة. # فإن قيل: ما المانع أن يكون المعجز فعل جني أو غيره؟! # قلنا: كان يجب في حكمة الله تعالى كشف ذلك، وإلا كان معميا على الخلق، ~~ولأنه كان يلزم اشتباه دلالة النبي الصادق بالمتنبئ الكاذب، وذلك غير جائز ~~في حكمة الله تعالى. # وإذا ثبت نبوة نبينا - عليه السلام - ثبت بطلان قول اليهود وغيرهم من ~~الفرق المدعين بقاء شرعهم. PageV00P305 # الفصل الرابع في الإمامة واعلم أن الإمامة رئاسة عامة لشخص من الأشخاص في ~~الدين والدنيا بحق الأصالة. # وهي واجبة على الله تعالى في كل زمان، لأن المكلف مع وجود الإمام أقرب ~~إلى الطاعة وأبعد من المعصية، وكل ما قرب من الطاعة كان لطفا، ففعله على ~~الله واجب. # عقيدة الإمام يجب أن يكون معصوما من المعاصي كبيرها وصغيرها لأن ذلك لو ~~جاز عليه لافتقر إلى إمام، لوجود العلة المحوجة إليه فيه. # ويجب أن يكون منصوصا عليه، لأن العصمة أمر باطن لا يطلع عليه PageV00P306 # إلا علام الغيوب. # والنص قد يكون بالقول، وقد يكون بإظهار المعجز على يده عند دعوى الإمامة. # ويجب أن يكون عالما بجميع الأمور الشريعة، لأنه متبع فيها. # ويجب أن يكون شجاعا، لأن أمر الحرب موكول إليه. # عقيدة ms113 الإمام الحق بعد النبي - عليه السلام - بلا فصل علي بن أبي طالب ~~صلوات الله عليه، لوجوه: # الأول: ما ثبت من اتفاق المسلمين على أن غيره - عليه السلام - لم يكن ~~واجب العصمة. وقد ثبت أن الإمام يجب أن يكون معصوما، وإذا بطلت إمامة غيره ~~ممن أدعيت له الإمامة في عصره وجب أن يكون الإمامة ثابتة له وإلا خرج الحق ~~عن الأمة. # الوجه الثاني: أنه - عليه السلام - منصوص على إمامته فيجب أن يكون إماما. # أما النص عليه فقسمان: جلي وخفي، أما الجلي فما نقلته الشيعة خلفا عن سلف ~~إلى النبي - عليه السلام - من نصه عليه بالإمامة نصا لا يحتمل التأويل ولا ~~يمكن ادعاء قلتهم، لأن الاعتبار يشهد أنهم أكثر من الحد المعتبر في ~~التواتر، وهم منتشرون في الآفاق، وقد طبقوا الأرض فقهاء ومتكلمين وقراء ~~PageV00P307 # وأدباء، لا ينكر ذلك من حالهم إلا مكابر. # ولنشر إلى شئ مما رووه: # فمن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه حين سأل النبي - ~~عليه السلام -: من أولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعته؟ فقال: هم ~~خلفائي وأئمة المسلمين بعدي، أولهم علي بن أبي طالب ثم عد الأئمة - عليهم ~~السلام - (16). ومن ذلك ما رواه عبد الرحمان بن سمرة قال: قلت: يا رسول ~~الله أرشدني إلى النجاة، فقال: إذا اختلفت الآراء فعليك بعلي بن أبي طالب، ~~فإنه إمام أمتي وخليفتي عليهم من بعدي، وهو الفاروق الذي يميز بين الحق ~~والباطل من سأله أجابه ومن استرشده أرشده، ومن طلب الحق عنده وجده، وأن منه ~~إمامي أمتي وسيدي شباب أهل الجنة وتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائم أمتي ~~يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا (17). # ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن الله اطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني ~~نبيا، ثم اطلع ثانيا فاختار عليا، ثم أمرني أن أتخذه أخا ووليا ووصيا ~~وخليفة ووزيرا، فعلي مني وأنا من علي (18). # PageV00P308 # ومن ذلك ms114 خبر الدار وهو مشهور بين أهل النقل (19) إلى غير ذلك من ~~الأحاديث. # فإن قيل: هذه آحاد؟ قلنا: حق لكن معناها متواتر، كما أن كرم حاتم وشجاعة ~~عنترة (20) متواتر وإن كانت مفردات أخبارهم آحادا. # وأما الخفي فقوله - عليه السلام -: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من ~~والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه كيف ما دار ~~(21). # وقوله - عليه السلام -: أنت مني بمنزلة هارون من موسى (22). # PageV00P309 # وقوله لجماعة من أصحابه: سلموا عليه بإمرة المؤمنين (23). # وقوله عليه السلام في خبر الطائر: اللهم ائتني بأحب الناس إليك يأكل معي ~~(24). # الوجه الثالث: في الدلالة على إمامته، قوله تعالى: (إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (25) ~~ولم تثبت هذه الصفة إلا لعلي - عليه السلام -، فإنه تصدق وهو راكع، فيجب أن ~~تكون الآية مصروفة إليه. # وإذا ثبتت إمامته - عليه السلام - ثبتت إمامة أحد عشر من ذريته لتواتر ~~الأخبار بنص كل واحد على من بعده، وبتواتر الأخبار عن النبي - عليه السلام ~~- بالنص على الأئمة الاثني عشر - عليهم السلام -. # PageV00P310 # عقيدة قد عرفت أن نصب الرئاسة واجب في كل زمان لكونها لطفا، وفعل اللطف ~~واجب على الله تعالى. # وإذا ثبت ذلك وجب القول بوجود الإمام في هذا الوقت، وإلا خلا الزمان من ~~الإمام وهو محال. # فائدة إنما استتر عن أعدائه خوفا على نفسه، ومن أوليائه خوفا عليهم من ~~أعدائه، وكما جاز لعلي - عليه السلام - والأئمة بعده كف ألسنتهم عن الفتيا ~~في وقت، وأيديهم عن إصلاح الرعية في أكثر الأوقات خوفا على أنفسهم، فكذلك ~~يجوز لإمام الوقت إخفاء نفسه خوفا عليها. # ويدل على وجوده من حيث النقل اتفاق طائفة كثيرة من الشيعة على مشاهدته، ~~وطائفة على مكاتبته ومراسلته، اتفاقا يحصل من مجموعه اليقين بجوده. # فمن المشاهدين له من النساء حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى - عليهم ~~السلام - ونسيم ومارية وجارية الخيزراني (26). # PageV00P311 # ومن الرجال أبو هارون فإنه قال: رأيت صاحب الزمان صلوات الله عليه (27). # وكان مولده يوم الجمعة ms115 سنة ست وخمسين ومائتين، وأبو غانم الخادم قال: ولد ~~لأبي محمد - عليه السلام - ولد فسماه محمدا وعرضه على أصحابه الثالث (28). # وعن محمد بن معاوية أبو حكيم ومحمد بن أيوب ومحمد بن عثمان العمري قالوا: ~~عرض علينا أبو محمد - عليه السلام - ابنه صلوات الله عليه ونحن أربعون رجلا ~~فقال هذا إمامكم بعدي (29). # ومن وكلائه ومكاتبيه العمري وابنه ومحمد بن مهزيار (30) وأحمد ابن إسحاق ~~(31) والقاسم بن العلاء والبسامي ومحمد بن شاذان (32) # PageV00P312 # وغيرهم (33) مما لا يحصى كثرة ممن يحصل بهم التواتر عند الوقوف على ~~أخبارهم والاطلاع على ما نقل عنهم ويزول به الريب. # وربما استبعد كثير من المخالفين بقاءه - عليه السلام - هذا العمر ~~المتطاول عفولا منهم عن قدرة الله تعالى، وقلة تأمل في ما نقل من أخبار ~~المعمرين مثل نوح - عليه السلام - فإنه عاش بنص القرآن ما يزيد على ألف سنة ~~إلا خمسين عاما (34)، وفي الأخبار: ألف سنة وخمسمائة سنة (35)، ومثل سليمان ~~فإنه عاش سبعمائة سنة واثنتي عشرة سنة (36) وفي زمن نبينا عليه السلام ~~سلمان الفارسي رضي الله عنه فإنه عاش أربعمائة سنة وخمسين عاما (37). # فلو لم نقف على ذلك لعلمنا أن ذلك داخل في قدرة الله تعالى وغير متعذر ~~عليه سبحانه إذا اقتضت المصلحة. # فائدة وقد ثبت عن الأئمة - عليهم السلام - بالنقل أنه يجب أن يعرفوا ~~بأجمعهم، وأن من جحد أحدهم كنم جحد سائرهم (38) فلنعمل على ذلك إن شاء الله ~~تعالى. # PageV00P313 # تمت الماتعية في الكلام تصنيف الشيخ السعيد العلامة نجم الدين أبي القاسم ~~(39) جعفر بن سعيد - قدس الله روحه - بحمد الله تعالى ومنه وصلى الله على ~~خير خلقه محمد وآله الطاهرين (40). # PageV00P314 ms116