######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0031379 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عز الدين عبد السلام بن أحمد بن غانم المقدسي (المتوفى: 678هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 678 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كشف الأسرار في حكم الطيور والأزهار #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0031379 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-31379 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/31379 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: علاء عبد الوهاب محمد #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفضيلة - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة المصنف # الحمد لله البعيد في قربه، القريب في بعده، المتعالي في رفيع مجده، عن ~~الشيء وضده، الذي أوجد بقدرته الوجود بعد أن كان عدما، وأودع كل موجود ~~حكما، وجعل العقل بينهما حكما، ليميز بين الشيء وضده، وألهمه بما علمه فعلم ~~مر مذاق مصابه من حلاوة شهده. فمن فكر بصحيح قصده، ونظر بتوفيق رشده، علم ~~أن كل مخلوق موثوق في قبضتي شقائه وسعده، مرزوق من خزائن نعمه ورفده، قال ~~تعالى: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من ~~بعده) فلو صفت عين بصيرتك، وانجلت مرآة سريرتك، وأصغيت بسمع يقظتك، لأسمعك ~~كل شيء موجود ما يجده من # PageV01P041 # منتقدات وجده، وما يكابده من وجدان بعده، ألم تسمع للنسيم كيف تنسم أسفا ~~لبكآء السحاب على جزره ومده، وتأوه لهفا على تبسم البرق لما سمع قهقهة ~~رعده؟ ألم تسمع للربيع ما هو يبشرك بورود ورده، وأخبرك بنشور ورده وشرود ~~برده، وسعي إليك بانقلاب الشتآء لجرده ومرده، ووشى اليك القبول بوشي الروض ~~وبرده، وشكى إليك البان ما بان من تمايل قده، وأنهى إليك الأقحوان ما حاز ~~من ألوان الزهر وجنده، وحقوق أعلامه المعلمة بسعده، ووثب النرجس قائما ~~للقيام بورده، وأقبل الشقيق على تشقيق ثوبه وقده، فكأنه ثلكى لا طما على ~~حمرة خده، ووصف إليك الجلنار جل نار هجوه وصده، وناح العندليب # PageV01P042 # على عوده الرطيب ورنده، وباح العاشق الكئيب بما يكابده من هوى زينبه ~~وهنده، وهام في فلوات خلواته طربا بما سمعه عن طيب نجده، وفر هاربا إلى من ~~يعلم خفايا ما أبداه وما لم يبده، فالعارف من شكر سوابغ النغم، واحتقر ~~معادن الحكم، ولم يقنه من اللبن إلا بزبده، وعلم أن الله تعالى ما أحدث ~~حدثا، وأهمله عبثا، بل كل واقف عند حده، باق على حفظ عهده، مقر بتصديق ~~وعيده ووعده (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) أحمده على كل حال وأسأله توفيق ~~حمده، وأصلي على سدينا محمد رسوله وعبده، الذي أنزل عليه في محكم كتابه ~~العزيز مخبرا ms01 برفيع مجده (سبحان الذي أسرى بعبده..) صلى الله عليه وآله ~~وصحبه وعشيرته وجنده. # أما بعد: فإني نظرت بعين التحقيق، ورأيت بنور التصديق والتوفيق، أن كل ~~مخلوق مقر بوجود الخالق، وكل صامت في الحقيقة ناطق، فاستعربت الإشارات، ~~واستقرأت العبارات، فرأيت كلا ناطقا بلسان حاله ولسان قاله، لكني رأيت لسان ~~الحال أفصح من لسان القال، وأصدق من كل مقال، لأن لسان الخبر يحتمل التكذيب ~~والتصديق، # PageV01P043 # ولسان الحال لا ينطق إلا بالتحقيق. بالناطق بلسان الحال مخاطب لذوي ~~الأحوال، والناطق بلسان القال مقابل لأهل الصحة والاعتلال. # وقد وضعت كتاب هذا مترجما عما استفدته من الحيوان برمزه، والجماد بغمزه، ~~وما خاطبتني به الأزهار عن حالها، والأطيار عن مقرها وارتحالها، وسميته: ~~كشف الأسرار في حكم الطيور والأزهار، وجعلته موعظة لأهل الاعتبار، وتذكرة ~~لذوي الاستبصار، فاعتبروا يا أولي الأبصار، قال تعالى: (إن في خلق السموات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) . # فمن طالع مثالي، وفهم ضرب أمثالي، فذاك من أمثالي، ومن أعجم علي إشكالي ~~فليس من أشكالي، فأقول والله لعبده كالي: أخرجني الفكر يوما لأنظر ما ~~أوجدته أيدي القدم في الحدث، وأحدثته القدرة البالغة للجد لا للعبث، ~~فانتهيت إلى روضة قد رق أديمها، ونمى خصيب رطيبها، وراق نسيمها، ونم طيبها، ~~وغنى عندليبها، وتحركت عيدانها، وتمايلت أغصانها، وتنمقت أزهارها، وصوت ~~هزازها، وتسلسلت جداولها، وتبلبلت بلابلها. # فقلت: يا لها من روضة ما أهناها، وخضرة ما أبهاها، وحضرة # PageV01P044 # ما أصفاها، فليتنى استصحبت صديقا حميما يكون لطيب حضرتي نديما. # فناداني لسان الحال في الحال: أتريد نديما أحسن مني، أو مجيبا أفصح مني؟ ~~وليس شيء في حضرتك إلا وهو ناطق بلسان حاله، مناد على نفسه بدنوا ارتحاله، ~~فاستمع له إن كنت من رجاله. وفي ذلك أقول: # ألم تر أن نسيم الصبا ... له نفس نشره صاعد # فطورا يفوح وطورا ينوح ... كما يفعل الفاقد الواجد # وسكب الغمام ونوح الحمام ... إذا ما شكى الغصن المايد # وضوء الأقاح ونور الصباح ... وقد هزه البارق الراعد # ووافى الربيع بمعنى بديع ... يترجم عن ورده الوارد # وكل لأجلك مستنبط ms02 ... لما فيه نفعك يا جاحد # وكل لآلآئه ذاكر ... مقر له شاكر حامد # وفى كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # PageV01P045 ### | إشارة النسيم # فأول ما سمعت همهمة النسيم، يترنم بصوته الرخيم، يقول بلسان حاله، عن ~~صريح لفظه ومقاله: أنا رسول كل محب إلى حبيبه وحامل شكوى كل عليل إلى ~~طبيبه، إن استودعت سرا أديته كما استودعته، وإن حملت نشرا رويته كما سمعته، ~~وإن صحبت مصحوبا اتحدت فيه بلطافة إيناسى، ومازجته بصفاء أنفاسى، فإن طاب ~~طبت، وإن خبث خبثت، كما قال الشاعر: # الراح كالريح إن مرت على عطر ... طابت، وتخبث إن مرت على الجيف # ثم إني إن اعتللت صح بي العليل، وحيث حللت طاب بي المقيل، وإن تنفست تنفس ~~المشتاق، وإن نمت توسوست العشاق، # PageV01P047 # فأنا لين الإعطاف، هين الانعطاف، سريع الائتلاف، ولولا وجودي في الوجود ~~لما كان مخلوق موجود، يعرف لطفى ذوو الألطاف فلا تظن اختلاف هوائي سبب ~~إغوائي، بل أختلف في الفصول الأربع، لما هو أصلح لك وأنفع، فأهب في الربيع ~~شمالا لألقح الأشجار، وأعدل فصلى الليل والنهار، وأهب في الصيف صبا لأنمى ~~الثمار، وأصفى الأنهار، وأهب في الخريف جنوبا فتأخذ كل شجرة حد طيبها، ~~وتستوفى حق تركيبها، وأهب في الشتاء دبورا فآخذ عن كل شجرة حملها وأوراقها ~~ويبقى أصلها. فأنا الذي تنمو بي الثمار، وتسمو بي الأزهار، وتتسلسل ~~الأنهار، وتلقح بي الأشجار، وتتروح بي الأسرار، وأبشرك في الأسحار بقرب ~~المزار، وفي ذلك أقول: # ياطيب ما نقل النسيم لمسمعى ... عن طيب ذياك المحل الأرفع # وافى لينشر ما انطوى من نشره ... فسكرت من طيب الشذا المتضوع # ولربما أعتل النسيم إذا بدت ... أنفاس شوقي المستكن بأضلعي # PageV01P048 # هب الصبا سحرا لتبرد علتي ... فأثار نار تحرقي وتوجعى # ما ذاك إلا أنها لما سرت ... مرت على تلك الربا الأربع # فتحملت نشر الصبا في طيها ... فسكرت وسمعت ما لم يسمع # وآفت تبشرنى بليلى أنها ... في حسنها سفرت فلم تتبرقع # وجلت على عشاقها في حانها ... وجها تمنع في حمى متمنع # PageV01P049 ### | إشارة الورد # ثم سمعت مجاوبة الأزاهير بألوانها، ms03 والشحارير بأقنانها، فرأيت الورد يخبر ~~عن طيب وروده، ويعترف بعرفه عند شهوده، ويقول: أنا الضيف، الوارد بين ~~الشتاء، والصيف، أزور كما يزور الطيف، فاغتنموا وقتى فإن الوقت سيف. أعطيت ~~نفس العاشق وكسيت لون المعشوق، فأروح الناشق وأهيج المشوق، فأنا الزائر ~~وأنا المزور، فمن طمع في بقائي فإن ذلك زور. ثم من علامة الدهر المكدور، ~~والعيش الممرور؛ أنني حيث ما نبت رأيت الأشواك تزاحمنى، والأدغال تجاورني، ~~فأنا بين الأدغال مطروح، وبنبال شوكى مجروح، وهذا دمى يرى عندما يلوح، # PageV01P050 # فهذا حالى وأنا ألطف الأوراد، وأشرف الوراد، فمن ذا الذي سلم الأنكاد، ~~ومن صبر على نكد الدنيا فقد بلغ المراد. # وبينما أنا أرفل في حلل النضارة، إذ قطفتني يد النظارة، فأسلمتني من بين ~~الأزاهير إلى ضيق القوارير، فيذاب جسدي، ويحرق كبدي، ويمزق جلدي، ويقطر ~~دمعي الندى، ولا يقام بأودي، ولا يؤخذ بقودي، فجسدي في حرق، وجفوني في غرق، ~~وكبدي في قلق، وقد جعلت ما رشح من عرقي شاهدا لما لقيت من حرقي، فيتأسى ~~باحتراقي أهل الاحتراق، ويتروح بنفسي ذوو الأشواق، فأنا فان عنهم بأياي، ~~باق فيهم بمعناي، أهل المعرفة يتوقعون لقآئي، وأهل المحبة بتمنون بقآئي، ~~وفي ذلك أقول: # فإن غبت جسما كنت بالروح حاضرا ... فسيان قربى إن تأملت والبعد # فلله من أضحى من الناس قائلا: ... إنك ماء الورد إذ ذهب الورد # PageV01P051 # ### | إشارة المرسين # فلما سمع المرسين كلام الورد، قال: لقد لعب النسيم بالبرد، وباح النسيم ~~بسره، ونشر السحاب عقود ظله، وتضوع البهار بعرفه، وتبرج الربيع بقلائد ~~نحره، وخلع السرور عذاره، وبسط على الروض الأنيق أزهاره، وغرد الهزار، ورد ~~لعاشقة المزار، فقم بنا نتفرج، ونتيه بحسنه ونتبهرج، فأيام السرور تختلس، ~~وأعمارها بأسرارها تقتبس. # فلما سمع الورد كلام المرسين قال له: يا أمير الرياحين، من سلوك الأمراء ~~تأمل الصواب في الآراء، تأمر باللو عبدك، وتحض على العيب جندك، وأسير ~~الرعية، صاحب الفكرة والروية، فلا يعجبك حسنك إذا تماود غصنك، ولا لحسن ~~أوراقك، وكرم أعراقك، فأيام الشباب كزيارة الأحباب، سريعة الزوال، دارسة ~~الأطلال، كالطيف الطارق، والخيال ms04 المفارق، يطرق ويلم، وينقطع وصله فلا يتم، ~~وكذلك النبات، أخضر الجلباب، مورق العود، كالقباء المزرود، إذ حصد من أصله، ~~وحكمت الأيام بشتات شمله. والنبات مختلف الأجناس، كاختلاف الحيوان من # PageV01P052 # الناس: فمنها ما يصلح للنار، كالحطب اليابس من الأشجار، ومنها ما يشم ~~ويذبل، ويجول خطابه وينصل، وتطرقه حوادث الأيام، ويعود مرميا على الأكوام، ~~ومنها ما تؤكل ثماره، وتحسن في النار آثاره، فإياك والاغترار بزخارف هذه ~~الدار، إنما أنت فريسة الأسد الهمام، وعليك إن نصحتك والسلام، وفي ذلك ~~أقول: # يا راقدا في الليل كم ذا تنام ... أما تخاف العتب بين الأنام # فقم لمولاك وكن قائلا ... في حندس الليل وجنح الظلام # يا رب بالهادي شفيع الورى ... المصطفى ذخري عليه السلام # اهدي إلهي منك لي توبة ... تمحو ذنوبي والخطأ والآثام # فقد أتيت الآن مستغفرا ... معترفا بالذنب لي والسلام # PageV01P053 # ### | إشار البان # فلما نظرت الأشجار إلى طرب البان بينها، وتمايله دونها، لاموه على كثرة ~~تمايله، وعنفوه على عجبه بشمائله، فتمايل هنالك البان، وقال: لقد ظهر عذرى ~~عند الناس وبان، فمن ذا يلومني على تمايل أغصاني، واهتزاز خرصاني، وأنا ~~الذي بسطت لي الرياض مطارفها، وأظهرت لي الأزهار زخارفها، وأهدت الي نسمات ~~الأسحار لطآئفها. فإذا رأيت ساعة نشور أموات النبات قد اقتربت، ورأيت الأرض ~~وقد اهتزت وربت، ونفخ في صور رعدي ونسخ حكم وعيدي بإنجاز وعدي، وحان ورود ~~وردى، فأنظر إلى الورد وقد ورد، وإلى البرد وقد شرد، وإلى الزهر وقد اتقد، ~~وإلى الحب وقد انعقد، وإلى الغصن اليابس وقد اكتسى بعد ما انجرد، وإلى ~~اختلاف المطاعم والمشارب وقد اتحد، فاعلم أن خالقها أحد، ومنوعها صمد، ~~وموجودها بالقدرة قد انفرد، فلا يفتقر إلى أحد، ولا يستغنى عنه أحد، ولا ~~يشاركه في ملكه أحد، فهو الأحد الصمد # PageV01P054 # الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. # فهناك تمايلت قدودي طربا بطيب شهودي، وترنمت بلابل سعودي على تحريك عودي، ~~ثم تدركني عناية معبودي، فأفكر في عدمي ووجودي، وفوات مقصودي، فأنعطف إلى ~~الورد فأخبره بورودي، وأخلع عليه من برودي، وأستخبره ms05 عن مصدري وورودي؛ فقال ~~لي: وجودك كوجودي، وموجودك كموجودي، وركوعك كسجودي، فأنت بخضرة قدودك، وأنا ~~بحمرة خدودي، فلهم نجعل في النار وقودك ووقودي، قبل نار خلودك وخلودي. # فقلت: إذا صح الائتلاف، ورضيت لنفسك بالتلاف، فليس للخلان من خلال، فنقطف ~~على حكم الوفاق، ونختطف من بين الرفاق، وتصعد أنفاسنا بالاحتراق، وتقطر ~~دموعنا بالإشفاق، فإذا فنينا عن صور أشباحنا، وبقينا بمعاني أرواحنا، فسيان ~~غدونا ورواحنا. وفي ذلك أقول: # ورد الورد بشيرا بالذي ... فيه من لطف المعاني قد حوى # فانثنى البان له منعطفا ... لاثما نشر الذي فيه انطوى # مال يشكو أهيف القد له ... فرط ما يلقاه من حر الجوى # فرثاه الورد إذ قال له ... نحن خلان تساهمنا الهوى # فأنا أنت كما أنت أنا ... نحن في المغنى جميعا بالسوى # PageV01P055 # كم رمينا في لظى نار فلا ... صاحبي ضل ولا قلبي غوى # ولكم قد فرقت أيدي النوى ... بيننا والغصن منا ما ذوى # ألم تر أحشاؤنا قد حشيت ... بلهيب النار والقلب اكتوى # وبها أنفاسنا قد صعدت ... مثل ما قد قطرت منا القوى # كلنا نشكو بشجو واحد ... ولكل في هواه ما نوى # قسما حقا يمينا صادقا ... بالذي قدما على العرش استوى # إن في شرح غرامي عبرة ... لذوي القلب إذا القلب ارعوى # كنت بالأمس كبدر طالع ... وأنا اليوم كنجم قد هوى # PageV01P056 ### | إشارة النرجس # فأجابه النرجس من حاضره، وهو ناظر لمناظره، وقال: أنا رقيب القوم ~~وشاهدهم، وسميرهم، ومنادمهم، وسيد القوم خادمهم، أعلم من له همة كيف شروط ~~الخدمة، أشد للخدمة وسطى، وأوثق بالعزيمة شرطي، ولا أزال واقفا على قدم، ~~وتلك وظيفة من خدم. لا أجلس بين جلاسي، ولا ارفع للنديم رأسي، ولا أمنع ~~المتناول طيب أنفاسي، ولا أنا لعهد من وصلني ناسي، ولا قلبي على من قطعني ~~قاسي. ثم لا يفارق فمي شرب كاس، وهو لي بصفوه كاسي. بني على قضيب الزبرجد ~~أساسي، وجعل من العسجد واللجين لباسي، ألمح تقصيري فأطرق إطراق الخجل، ~~وأفكر فيما إليه مصيري فأحدق لهجوم الأجل، والعجيب أنني واقف على التفرقة ~~في مقام الجمع، يدرك معنى ms06 شذاى حاسة الشم لا حاسة السمع، وهذا معنى لا خطر ~~بقلب ولا مر بسمع، فإطراقي اعترافا بتقصيري، # PageV01P057 # وإطلاقي لأحداقي نظرا فيما غليه مصيري، وفي ذلك أقول: # إن يكن مني دني أجلي ... آه واذلى ويا خجلي # قمت من ذلي على قدمي ... مطرقا للرأس من ذللي # لو بذلت الروح مجتهدا ... ونفيت النوم عن مقلي # كنت بالتقصير معترفا ... خائفا من خيبة الأملي # إن يكن للعبد سابقة ... سبقت في الأعصر الأول # لم يكن في القادمين غدا ... نافعي علمي ولا عملي # مقلتي ما شأنها أبدا ... قط لا ينفعك من وجل # عجلا في حتفه وكذا ... خلق الإنسان من عجل # وقلت أيضا: # تأمل في رياض الروض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك # عيون من لجين شاخصات ... بأحداق كما الذهب السبيك # على قضيب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك # وأن محمدا خير البرايا ... إلى الثقلين أرسله المليك # PageV01P058 ### | إشارة اللينوفر # فناداه الينوفر، وحظه من السقم أوفى وأوفر، وقال: أما تعتبر أيها الحزين ~~باصفراري، وأين من القضاء والقدر فراري، أنا الذي قد رضيت بعارى، ولست من ~~العشق بعارى، الرياض قراري، والغياض داري، فإن كنت عاشقا داري، فأهل الدار ~~داري. هآ أنا أعشق صفآء المآء، فلا أفارقه في الصباح والمسآء، ومن العجب ~~أنى به ولهان، وعليه لهفان، وإليه ظمآن، وأنا معه حيثما كان، فهل سمعتم ~~بمثل هذا الشان، واقف في الماء عطشان، أفتح عيني بالنهار، فيغار علي من نظر ~~الأغيار، فإذا جن ليلي أنزلني عن رتبتي وحطني، وأخذني إليه وغطني، فأغوص في ~~فكري، وأعود إلى خلوة ذكري، فتسغرق عيني في مشاهدة قرة عيني، فلا يعرف ~~الجهول أينى، ولا يفرق العذول بين من أحبه وبيني، فحيث # PageV01P059 # ما مال بي هوائي، لا أنظره إلا حذائي. إن ظمئت رواني، وإن مت واراني، ~~فحياة وجودي بحياته، وبقاء شهودي بثباته، وقيام ذاتي بذاته، وصفآء صفاتي ~~بصفاته، فما بيتا بين، ولولاه ما كنت أثرا بعد عين، وفي ذلك أقول: # كسا الحب جسمي ثوب الضنا ... فروحي من شوقها في عنا # كأن الهوئ إذ رمى سهمه ... لقلبى دون ms07 الورى قد عنا # تدانى فأدنى إلى مهجتى ... هوى كلما قد دنا قدنا # يقول لى الحب: الا تألفن ... سوانا إذا كنت من إلفنا # حمينا الوصال ببيض النصال ... فإن تلق سمر القنا تلقنا # ولا تجزعن بحد النبنال ... ومر النكال ففيه الهنا # ومت مثل ما مات أهل الهوى ... وذابوا اشتياقا فنالوا المنى # وما ضرهم حين ناديتهم ... على طور قلبي أتى أنا # PageV01P060 ### | إشارة البنفسج # فتنفس البنفسج تنفس الصعدا، وقال: طوبى لمن عاش عيش السعدا، ومات موت ~~الشهدا، إلى متى أموت بالذبول كمدا، وأكتسى بالنحول أثوابا جددا، أفتنى ~~الأيام فما أطالت لى أمدا، وغيرتنى الأحكام فما أبقت لي جلدا، فما أقصر ما ~~قضيت عيشا رغدا، وما أطول ما بقيت يابسا منجردا، وجميلة فضولى أننى أؤخذ ~~أيام حصولي، فأقطع عن أصولى، وأمنع عن وصولى، ثم يتقوى على ضعفي، ويعسف بي ~~مع ترفى ولطفى، فيتنعم بي من حضرني، ويجتلبني من # PageV01P061 # نظرني، ثم لم ألبث إلا يوما، أو بعض يوم، حتى أسام بأنجس السوم، ويعاد ~~على بعد الثناء باللوم، فحينئذ أعود يابسا، ومن النضارة آيسا، فيأخذنى أهل ~~المعانى، ومن كان للحكمة يعانى، فتفشى بي الأورام الفاشية، وتلين بي الآلام ~~القاسية، وتلصف بى الطبائع العاتية، ويدفع بي الأدواء العادية، والناس ~~يتنعمون بيابسى ورطبى، جاهلون بعظم خطبى، غافلون عما أودع فى من حكم ربى، ~~ولسان الحال يقول عنى بلا ضجر، فإنى لمن تدبرنى عبرة لمن اعتبر، ونذكرة لمن ~~ادكر، وفى مزدجر لمن ازدجر، حكمة بالغة فما تغنى النذر، وفى ذلك أقول: # ولقد عجبت من البنفسج إذ غدا ... يحكى بأوراق على أغصانه # جيشا طوارقه الزبرجد رضعت ... أحجار ياقوت على خرصانه # فكأنما أعداؤه بجلاده ... شيلت رءوسهم على عيدانه # PageV01P062 ### | إشارة المنثور # فتأوه منظوم المنثور، بنفثه المصدور، ورشفه الموتور، وقال: ما هذا الغرور ~~بالعمر المبتور، وما هذا السرور بالعيش المكدور، أما يعتبر العاقل بغصنى ~~المآئل، ولونى الحائل، وعمرى الزائل، وأيامى القلائل. غيرتنى حوادث الأيام، ~~فقسمت لونى ثلاثة أقسام، فمنى الأصفر، كسى من السقم ثوبا معصفرا، ومنى ~~الأبيض اليقق، والأزرق الذى كاد بكمده يحترق. # فأما ms08 الأبيض، فلا يفوح عطره، ولا ينشق نشره، ولا يكشف ستره، وذلك لأنه ~~كتم سره فما باح، وأخفى عطره فما فاح، وملك أمره فلا تلعب به الأهواء ~~والرياح. # وأما الأصفر، فخلع العذار واستراح، وتوشح من السقم بوشاح، وفاج بعطره في ~~الغدو والرواح. ونشر أنفاسه في المساء والصباح، يقول بلسان حاله، وصدق ~~مقاله: # إن غلب وجدى وبحت بما عندى ... فليس على العاشق إن باح جناح # PageV01P063 # لا تلمنى إن بدا منى افتضاح ... فما على من باح فى الحب جناح # فبحق الله يانسيم الصبا ... بلغ سلامى أهل تلك البطاح # وقل لهم عنى مصناكم ... يقلقه البرق ومر الرياح # ما نفحت من نحوكم نسمة ... إلا وسح الدمع شجوا وساح # لولاكم يا أهل ذاك الحمى ... ما راح قلبى موثقا بالجراح # أسرتم القلب فيكفيكم ... لا تقتلونى قد رميت السلاح # وأما الأزرق منه، فانطوى فى جواه، وصبر على أذاه، وكتم بالنهار شذاه، ~~وقال: أنا لا أبوح بسرى لعاشق، ولا أفوح بنشرى لناشق، فإذا جن ليلى أبديت ~~ما بى لأحبابى، وشكوت مصابى لأهل أوصابى، فإذا دارت الكؤوس، شربت كاسي، ~~وإذا طابت النفوس صعدت أنفاسى لجلاسى، فإنا لجلاسي كالخل المواسي، ومتى ~~دعيت إلى أناسى سعيت على راسى، وإلى الله أشكو م أقاسى من القلب القاسى، ~~وما كتمت بالنهار عطرى، واخترت في الليل هتك سترى وإلا لأن في الليل خلوة ~~العشاق، وراحة كل مشتاق، وغيبوبة الرقيب، وحضرة الحبيب، وذ قال: هل من سائل ~~جعلت أنفاسي إليه رسائل، وذلى لديه وسائل، وفى ذلك أقول: # أصعد أنفاس شوقى إليه ... وأوقف طيب ثنائى عليه # ومابى إلى وصله شافع ... سوى حسن ظنى وذلى لديه # وقلبى فى سخطه والرضى ... سوآء فلا حال عن حالتيه # PageV01P064 ### | إشارة الياسمين # فصاح بفصاحته الياسمين، وقال: أنا الياسمين، ويحكم إنى أفوح بوقاحة روحى ~~بين الرياحين، وأتردد على الآثار حينا بعد حين، أجلب من خزائن الغيوب، ولا ~~أسكن إلا في كماين الجيوب، أبوح بسرى أينما حضرت، وأفوح بعطرى أينما خطرت، ~~لا أخفى على ذى ذوق، ولا ينكرنى من له شوق، فريحى على الرياحين يعلو، ms09 وزهرى ~~ونشرى على الأزاهير ينمو، لأن من طاب معناه، كان أطيب معناه، كان أطيب ~~وأذكى، ومن صح دعواه، كان أطهر وأذكى، فمن أراد مراتب العلى فليعل بلطافة ~~معانيه، وليرق فى درج معاليه، ولا يكن ممن قصر في تدانيه، فما يفوز ~~بأمانيه. ثم إن فى إشارة، وحقيقتها للعالمين بشارة، فأول اسمى ياس وآخره ~~مين، فاليأس شين والمين زين، فلما اجتمعا ياس ومين دل على بينونه البين، ~~وبشرا بقرة العين، وفى ذلك أقول: # رأيت الفأل يخبرنى بخبر ... وقد أهدى إلى الياسمين # قال: لا تحزن فإن الحزن شين فإن اليأس مين # PageV01P065 ### | إشارة الريحان # فقال الريحان: قد آن حضورى، وحان سرورى، فخذونى خديما، واتخذونى نديما، ~~فرطيب خضرتى يخبر عن طيب حضرتى، وكيف تستريح روح بغير ريحان، أم كيف يطيب ~~وقت بغير ألحان، أنا الموعود بى في الجنان، السارى بأنفاسي إلى صميم ~~الجنان، فلونى أعدل الألوان، وكوني ألطف ما في الأكوان، فمن جنانى يستنشق ~~نشرى النطوى في جناني، فأنا أليف الأنهار، وحليف الأزهار، وجليس السمار، ~~وكاتم الأسرار، فإن سمعت في جنسى بالمنام، فلا تكن له من اللوام، فإنه ما ~~نم # PageV01P066 # إلا على عطره، ولا باح إلا بسره، ولا فاح إلا بنشره، باح بسره إعلاما، ~~ونشر بنشره أعلاما، فلذلك سمى نماما، فليس من نم على نفسه كمن نم على غيره، ~~ولا من جاد بخيره كمن عاد بضيره، فقد جرت الأحكام، وجفت الأقلام، أن النمام ~~مذموم بين الأنام والسلام، وفي ذلك أقول: # سائلى عن خفى سر غرامى ... ويك اقصر وخلنى وهيامى # أنا مستودع لسر حبيبى ... كيف أبدى ولست بالنمام ### | إشارة الأقحوان # فنادى على نفسه الأقحوان، وهو بما كسى من النضارة فرحان، وقال: قد آن ~~ظهورى، وحان سرورى، واعتدل فصل وجودى، وطاب في الحضرة شهودى، وكيف لا يطيب ~~وقتى، وهذه الأنهار تجرى من تحتى، وكيف لا أؤدى بالشكر زكاه حولي، وقد تم ~~لي نصابي من حولى، وما ذاك من قوتى ولا حولى، فبياضى هو العلم المعلم، ~~واصفرارى هو السقم المبرم، واختلاف ألوانى هو المتشابه المحكم، فإن كنت ~~للرموز ms10 تفهم، # PageV01P067 # فقم إلى تغنم وإلا فنم، وإن كنت لا تدري ما تم فحقيق أن يقام عليك مأتم، ~~وفي ذلك أقول: # إذا لم تدرك المعنى وتدرى ... خفايا ما أقول فلا تلمنى # نصحتك مشفقا بلسان حالى ... وما ينبئك شرح الحال عنى # أما يكفيك حولى كل حول ... وما نالته أيدى الدهر منى # فكم وافيتنى فى جمع شمل ... زمانا ثم جئت ولم تجدنى # حمام الأيك يسعدنى إذا ما ... شكوت إليه ما ألقى يجبنى # ينوح على من علم بأنى ... ملقى للفناء بكل فن # وأنت تظنه لعبا ولهوا ... فتمرح بين عيدانى وغصنى # حقيقا أن يناح عليك إذا لم ... تفرق بين أفراحى وحزنى # PageV01P068 # إشارة الخزامى فلما رأى الخزامي ما يكابده الزهر قيدا والتزاما، فمنها ما ~~يضام، فينثر بعد النظام، وبالثمن البخس يسام، فقال: مالي وللزحام، ومالي ~~ومعاشرة اللئام، أنا من بين الأزهار لا أجاور الأنهار، ولا أسكن إلا على ~~شفا جرف هار، بل أوافق الوحش في النفار، وسكنى البوادي والقفار، أحب من ~~الخلوات فسيح الفلورات، ولا آسف على ما فات، فلا أزاحم في المحافل، ولا ~~أتحمل منة الزارع والكافل، ولا تقطفنى أيدى الأسافل، ولا أحمل إلى لاعب ولا ~~هازل، ولكننى بعيد عن المنازل، تجدنى بأرض نجد نازل، رضيت بالبر الفسيح، ~~وقنعت بالعرعر والشيح، تعبث بنشرى الريح، فتحملنى إلى ذوى التقديس ~~والتسبيح، فلا ينشق # PageV01P069 # نشرى، إلا من له شوق صحيح، وذوق صريح، ومن هو على زهد المسيح، وصبر ~~الذبيح، فأنا رفيق السواح، في الغدو والرواح، فإفوز بالأجور، وأسلم من حضور ~~أهل الفجور، ومن يقترف المعاصي بالجحور، فلا أحضر على منكر، ولا أجلس عند ~~من يشرب ويسكر، فأنا الحر الذى لا يباع في الأسواق، ولا ينادى على بالنفاق، ~~في سوق النفاق ولا يحضرني الفساق، ولا ينظرني إلا من شمر عن ساق، وركب على ~~جواد العزيمة وساق، فلو رأيتنى في البوادى، يهيم بي النسيم في كل وادى، ~~أعطر النادى وأروح البادى، إن عرض بذكرى الحادى، حن إلى كل رائح وغادى، وفي ~~ذلك أقول: # يحدثنى النسيم عن الخزامى ... ويقرينى عن الشيح ms11 السلاما # فهمت بما فهمت وطبت وجدا ... فما أحلاه لى لو كان داما # وتسرى تحت جنح الليل شرا ... فتوقظنى وقد هجع النياما # فأسكر من شذاها حين هبت ... كأنى قد ترشفت المداما # تعارضنى بأنفاس مراض ... كأنفاسى وقدحشيت غراما # وقد عرفت بطيب العرف لما ... كساها اللطف أخلاقا كراما # أهيم بنشرها طربا وسكرا ... فيبدى البرق من طرتى ابتساما # تمر على الرياض رياض نجد ... فتنعطف الغصون لها احتشاما # ويقلقنى حمام الأيك نوحا ... وتذكرنى المنازل والخياما # خيام تجمع الأحباب فيها ... وفيها يبلغ القلب المراما # وتجلى وجه من فيها ... ببهجة نوره يجلى الظلاما # PageV01P070 ### | إشارة الشقيق # فتنفس الشقيق من بين ندمائه، وهو مضرج بدمائه، واستوى على ساقه ووثب، ~~وقال: يالله العجب ما بال لونى باهى، وحسنى زاهى، وقدرى بين الرياحين واهى، ~~فلا أحد بى يباهى، ولا ناظر إلى ساهى، فياليت شعرى، ما الذى أسقط جاهى، ~~أرفل فى ثوتى القانى، وأنا مدحوض عند من يلقانى، فلا أنا في الحضرة حاضر، ~~ولا يشار إلى بالناظر، ولا أصافح بالمناخر، وما برحت في عدد الرياحين آخر، ~~فأنا طريد عن صحبى، بعيد عن قربى، وما أظن ذلك إلا من سواد قلبي، ولا حول ~~لي عن مراد ربى، فلما رأيت باطنى محشوا بالعيوب، وقلبى مسودا بالذنوب، علمت ~~أن الله لا ينظر إلى الصور، ولكن ينظر إلى القلوب، فكان إعجابي بأثواتي ~~سببا لحجابي عن ثواتي، فكنت كالرجل المنافق الذي حسنت سيرته، وخبثت سريرته، ~~وراق في المنظر سيمته، وقل في المخبر # PageV01P071 # قيمته، فلو صلح قلبى، ولو شاء ربي، لأطاب بين الخلائق ذكرى، وأفاح بين ~~الأزاهير عطرى، لكن شذا الطيب لا يفوح، إلا ممن يطيب، وإشارات القبول لا ~~تلوح، إلا من رضى عنه الحبيب، وحق لمن أصبح بهواه كئيب، وعن معناه سليب، أن ~~يندب عليه بالنحيب، ويبكى عليه بالدمع الطبيب، عسى يرضى عليه الحبيب، ويمن ~~عليه بالتوبة من قريب، وفىذلك أقول: # لا تلمنى إذا شققت ردائى ... فملامى يزيد من حر دائى # أنا قلبى قد سودته ذنوبى ... وقضى لى معذبى بشقائى # من رآنى يظن خيرا ولكن ... باختبارى يظن ms12 أنى مرائى # مي رأى حسن منظرى ولباسى ... والرزايا محشوة بحشائى # واحيائى إذا سئلت ومالى ... من جواب واخجلنى واحيائى # لو كشفت السثتور عن سوء حالي ... لرأيت السرور للأعداء # لكن الأمر بين قلبى وربى ... عامر أرتجيه يوم معادى # PageV01P072 ### | إشارة السحاب # فلما حسن العتاب، وطاب فصل الخطاب، سح دمع السحاب، فانبسط وساح في ~~الرحاب، وقال: سبحان الله! أينكر فضلى عليكم، وأنا الباعث طلى ووبلى إليكم، ~~وهل أنتم إلا أطفال جورى، ونسل وجودي، كم ملأت الأرض برا ببرى، والبحر درا ~~بدرى، أنا # PageV01P073 # مغذى نطف البذر في بطن أمه، ومستخرجه بالنمو من غمة غمه، فإذا تمخضت ~~الحوامل بحملها، بنات النبات من حفرة رملها، جعلت حواليها إلى، وحضانتها ~~لدى، فلم يزل ثدى درى عليه درارا، ومزيد برى إليه مدرارا، فإذا انقضت أيام ~~الرضاع، ولم يبق إلا أيام الفطام، قطعت عنه درى، فيصبح لأهل الدنيا حطاما، ~~وكان بالأمس يحرس أن لا يضام سروره في انسكاب عبراتى، ونشوره في بعث ~~قطراتى، فالكل في الحقيقة أطفالي، لو اعترفوا بحقى لكانوا من الجوى أطفالي، ~~وقد سمع كل حي في الحي، وجعلنا من الماء كل شيء حي، وفى ذلك أقول: # وإذا نظرت لريعها المهطالى ... أبكى عليه بدمعى الهطال # يبكى المشوق إذا البروق تبسمت ... ووشت إليه نسائم الأوصال # فتنفس الصعداء من زفراته ... متلفتا لدوارس الأطلال # لا تعذلنه على جواه ولا تلم ... ه فلست عنه إلى الممات بسالى # واحذر مقاومة الغرام فإنه ... فيه اللبيب مبلبل البلبال # PageV01P074 ### | إشارات الأطيار وأولها إشارة الهزار # فبينما أنا مصغ إلى منادمة أزهارها، على حافات أنهارها، إذ صاحت فصاحة ~~أطيارها من أوكارها، فأول من صوت الهزار، ونادى على نفسه بخلع العذار، وباح ~~بما عنده من الأسرار، وقال: أنا العاشق الولهان، أنا الهائم اللهفان، أنا ~~الواله الظمآن، إذا رأيت فصل الربيع قد حان، ومنظره البديع قد آن، تجدنى في ~~الرياض فرحان، وعلى الأغصان أردد الألحان، أغنى فأطرب، وأدير كأسى فأشرب، ~~فأنا من نشوتى سكران، ومن نغمتى طربان، إذا زمزم النسيم، وخفقت أوراق أغصان ~~البان، أرقص على العيدان، كأن الزهر والنهر ms13 لي عبدان، وأنت تحسبنى في ذلك ~~عابثا، لا والله ولست في يمينى حانثا، إنما أنوح حزنا لا طربا، وأبوح ترحا ~~لا فرحا، لأننى لا أجد روضة إلا نحت عليها وعلى أضمحلالها، ولا خضرة إلا ~~تبلبلت على زوالها، لأني ما رأيت صفوة إلا وتكدرت، ولا عيشة حلوة إلا ~~وتمررت، وقد قرأت في محكم القرآن (كل من عليها فان) فكيف لا أنوح على عيش ~~يزول، وحال يحول، ووصل عن قريب مفصول، فهذه الجمل من شرح حالي تغنى عن ~~الفصول، وفي ذلك أقول: # حديث ذاك الحمى روحى وريحانى ... فلا تلمنى إذا كررت ألحانى # PageV01P075 # روض به الروح والريحان قد جمعاوخضرة ما لها فى حسنها ثانى # من أبيض يقق أو أصفر عبق ... أو أزرق برق أو أحمر قان # والزهر والنهر والأطيار ترفص فىميدان عشق على أوتار عيدانى # والأنس دان وشمل الوصل مجتمعهذا هو العيش لولا أنه لولا أنه فانى ### | إشارة الباز # فناداه الباز من ميدان البراز: ويحك لقد صغر جرمك، وكبر جرمك، وضعف قدرك، ~~ولقد أقلت بتغريدك الطير، وإطلاق لسانك # PageV01P076 # يجلب عليك الضير، وما يفضى بك إلى خير، وما يهلك الإنسان، إلا عثرات ~~اللسان، فلولا لقلقة لسانك، ما غربت عن أوطانك، وأخذت من بين أقرانك، وحبست ~~في ضيق الأقفاص، وسد عليك باب الخلاص، فهل ذلك إلا مما جناه عليك لسانك، ~~وأفصح به بيانك، فلو اهتديت تشيمتي، واقتديت بسيرتي، لبرئت من الملامة، ~~وعلمت أن الصمت رفيق السلامة، ألا تراني كيف ألفت السكوت، ولزمت الصموت، ~~فكان الصمت جمالي، ولزوم الأدب كمالي، اقتنصت من البادية قهرا، وجلبت إلى ~~بلاد الغربة جبرا، فلا بالسريرة بحت، ولا على العشيرة نحت، بل أدبت حين ~~غربت، وقربت حين جربت، ومنحت حين امتحنت، وقد قيل فيما تقدم من الزمان عند ~~الامتحان يكرم المرء أو يهان، نظر مؤدبي إلى تخليطى الوقت، فخاف على من ~~المقت، فكمم تصرى بكمامة، ولا تمدن عينيك، وعقد لساني بعقدة، ولا تحرك به ~~لسانك، وقيد قدمى بقيد، ولا تمش في الأرض مرحا، فأنا في وثاقي أتألم، ومما ~~ألاقى لا أتكلم، ms14 فلما كممت وعلمت، وأدبت وهذبت، استخلصنى مؤدبى إلى إرسال ~~الصيد، وأزال عني ذلك القيد، فأطلقت وأرسلت هناك بإشارة إنا أرسلناك، فلما ~~رفعت الأكمة عن عينى، وأصلحت ما بينه وبيني، رأيت الملوك خدمى، وأكفهم تحت ~~قدمي، وفي ذلك أقول: # PageV01P077 # أمسكت عن فضل الكلام لساني ... وكففت عن نظر اللا إنشانى # ما ذاك إلا أن قرب منيتى ... لزحارف اللذات قد أنسانى # أدبت آداب الملوك وعلمت ... روحى هناك صنائع الإحسان # أرسلت عن كف الملوك مجردا ... وجعلت ما أبغيه نصب عيانى # حتى ظفرت ونلت ما أملته ... ثم استجبت إليه حين دعانى # هذا لعمرك وسم كل مكلف ... بوظائف التسليم والإيمان ### | إشارة الحمامة # فبينما أنات مستغرق في لذة كلامه، معتبر بحكمة وأحكامه، إذ رأيت أمامه ~~حمامة، قد جعل طوق العبودية في عنقها علامة، فقلت لها: حدثينى عن شوقك ~~وذوقك، وأوضحى لي ما حكمة تطويق طوقك؟ فقالت: أنا المطوقة بطوق الأمانة، ~~المتقلدة تقليد الصيانة، فأنا لحمل الأمانة قد ندبت، # PageV01P078 # وبالمحافظة عليها أمرت، فإذا رأيت أهل الجناية تدبت أحمل الرسائل، وأبلغ ~~الوسائل، وأجيب المسائل، وأؤدي الأمانة، ولا أسائل، ولكني أخبرك بخبري، ~~لتعلم حقيقة مخبري، أخبرك بالقصة الصحيحة، فإن الدين النصيحة، ما كل طائر ~~أمين، ولا كل حالف يصدق في اليمين، ولا كل سالك هو من أصحاب اليمين، وإنما ~~الخصوص بحمل الأمانة جنسي، وما أبرىء نفسي، يحمل الأمانة منا من كان أبلق ~~وأخضر، لأنه أمحسن في الشكل والمنظر، وأعدل في الخبر والمخبر، ولا تكون ~~الشيم العلية إلا في الروح الزكية، ولا شرف العزيمة إلا في النفس النفيسة ~~المستقيمة، فإن اعتدال لون الطائر يدل على اعتدال تركيبه، فيصلح حينئذ ~~وتأديبه، فلما باشرني مؤدبى بالتخريج، وعرفني الطريق بالتدريج، أقول: ~~حملوني ما شئتم، فأحمل كتب الأسرار، ولطائف الأخبار، فحينئذ أطير، وأقطع ~~الهول المستطير، خائفا من جارح جانح، حاذرا من سايح سارح، جازعا من صائد ~~ذابح، أكابد الظمأ في الهواجر، وأطوى على الطوى في المحاجر، فلو رأيت حبة ~~بر مع شدة جوعى، عدلت عنها، وذكرت ما جرى على آدم منها، فأرتفع حشية من ~~كمين ms15 فخ مدفون، أو شرك يعوقنى عن تبليغ الرسالة فأنقلب بصفقتى مغبونا، فإذا ~~أنا وصلت، وفي مأمنى حصلت أديت ما حملت، وعملت بما علمت، فهنالك طوقت، ~~وبالبشارة خلقت، ثم انقلب إلى شكر الله على ما وفقت، وفي ذلك أقول: # PageV01P079 # أأحبابى وصلتم أو صددتم ... فعبدكم على حفظ الأمانة # مقيم لا يزحزحه عذول ... ولا يثنى معنفه عنانه # حملت لأجلكم ما ليس تقوى ... جبال أن تحملها وزانه # فحفظ العهد ما وافاه حر ... ولو أودى هواه به وشانه ### | إشارة الخطاف # فبينا نحن نتذاكر أوصاف الأشراف، وأشراف الأوصاف، إذ نظرت إلى خطاف، وهو ~~بالبيت قد طاف، فقلت له: مالي أراك للبيوت ملازم، وعلى مؤانسة الإنس عازم، ~~فلو كنت في أمرك حازم، لما فارقت أبناء جنسك، ورضيت في البيوت بحبسك، ثم ~~إنك لا تنزل إلا في البيوت العامرة، والمنازل التي هي بأهلها عامرة، فقل ~~لي: يا كثيف الطبع، يا ثقيل السمع، اسمع الآن قصة حالي، وكيف عن الطيور ~~ارتحالي، أنا ما فارقت أمثالي، وعاشرت غير أشكالي، واستوطنت السقوف، دون ~~الشعاب، والكهوف، إلا لفضيلة الغربة، ولزوما لأدب الصحبة، صحبت من ليس # PageV01P080 # مني لاكون غريبا، وجاورت من هو خير مني لأضرب لي بينهم نصيبا، فأعيش عيش ~~الغرباء، وأفوز بصحبة الأدباء، فالغريب مرحوم في غربته، ملطوف به في صحبته، ~~فقصدت المنازل، غير مضر بالنازل، أبتنى بيتي من حافات الأنهار، وأكتسب قوتى ~~من مباحات القفار، فلست للجار كمن جار، ولا لأهل الدار كالغدار، بل أحسن ~~جواري مع جاري، أكثر سوادهم، ولا أستطعم زادهم، فزهدى فيما في أيديهم، هو ~~الذي حببنى إليهم، ولو شاركتهم في قوتهم، ما بقيت معهم في بيوتهم، فأنا ~~شريكهم في أبنيتهم، لا في أغذيتهم، مزاحمهم في أوقاتهم، لافي أقواتهم، ~~مكتسب من أخلاقهم، لا من أرزاقهم، منتهب من جمالهم، لا من مالهم، مقتبس من ~~برهم، راغب في حبهم لافي حبهم، فزهدي بما في أيديهم هو الذي حببنى فيهم، ~~مقتديا في ذلك بإشارة صاحب البشارة صلى الله عليه وسلم (ازهد في الدنيا ~~يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك ms16 الناس) ، وفي ذلك أقول: # كن زاهدا فيما حوته يد الورى ... تضحى إلى كل الأنام حبيبا # أو ما ترى الخطاف حرم زادهم ... فغدا ربيبا في الحجور قريبا # قلت: لله درك لقد عشت عيشا سعيدا، وسرت سيرا حميدا، ووفقت أمرا رشيدا، ~~وقلت قولا سديدا، ولا أطلب على موعظتك مزيدا، فالعاقل يفهم، والجاهل يندم. # PageV01P081 ### | إشارة البوم # فناداه البوم وهو منفرد بالخراب مهموم، أيها الصديق الصادق، لا تكن ~~بمقالة الخطاف واثق، ولا لعقله موافق، فإنه إن سلم من شبه زادهم، فما سلم ~~من شبهة فرحهم وأعيادهم، وتكثير سوادهم، وقد علمت أن من كثر سواد قوم فهو ~~منهم، ولو صحبهم ساعة صار مسئولا عنهم، وقد علمت أن مبدأ التفريط من آفة ~~التخليط، والخلطة غلطة، وأول السيل نقطة، وأعلم أن السلامة في العزلة، فمن ~~وليها لا يخاف عزله، فهلا استسن بسنتى، وتأسى بوحدتي، واعتزل المنازل ~~والنازل، وزهد في المآكل والآكل، فلا أساكنهم في مساكنهم، ولا أزاحمهم في ~~أماكنهم، ولا أجالسهم في مجالسهم، بل اخترت لنفسي الداثر من الجدران، ورضيت ~~بالخراب على العمران، فسلمت من الأنكاد، وأمنت من شر الحساد، ولم أزل عن ~~الأحباب فريدا، وعن الأتراب بعيدا، من كان مسكنه التراب، كيف يساكن ~~الأتراب، # PageV01P082 # ومن كان الليل والنهار يجريان من عمره، فكيف لا يقنع بالخراب، ومن علم أن ~~الموت وراءه كيف يتعلق بالأسباب، ومن علم أن العمر قصير، وأن كل شىء إلى ~~الفناء يصير، قنع من الدنيا باليسير، وبات على خشن الحصير، وأفطر على قرص ~~الشعير، وعلم أن الخلق في المصير، فريق في الجنة، وفريق في السعير. # أما أنا فنظرت إلى الدنيا وذهابها، وإلى الآخرة واقترابها، وإلى القيامة ~~وحسابها، وإلى النفس واكتسابها، فشغلنى التفكير في حالي عن منزلي الخالي، ~~وأذهلني ما على ومالي، عن أهلي ومالي، وأهمني صحتي واعتلالي عن القصور ~~العوالي، فجلا اليقين عن بصر بصيرتي كل شبهة، فعلمت أن لا فرح يدوم ولا ~~نزهة، وأن كل شيء هالك إلا وجهه، فعرفت من هو، وما عرفت ما هو، فحيث كنت لا ~~أرى إلا هو، وإذا ms17 نطقت فلا أقول إلا هو، لأنه لا إله إلا هو، وفي ذلك أقول: # أفردنى عنهم هواه ... وليس لى مقصد سواه # أهيم وحدى بصدق وجدى ... وحسن قصدى عسى أراه # أنكر ضحبى غرام قلبى ... وما دروا بالذى دهاه # أحببت مولى إذا تجلى ... يقتبس البدر من سناه # تحير الناس فيه شوقا ... وجملة الناس فيه تاه # ولا أسميه غير أنى ... إن غلب الوجد قلت: ياهو # فأخذت موعظته بمجامع قلبي، وقلت: هذا رحمة من ربي، وخلعت عني ملابس عجبى، ~~إلا أن الهوى يقول: عج بي. # PageV01P083 ### | إشارة الطاووس # ثم التفت، فرأيت طاووسا، قد شرب من خمرة العجب كؤوسا، قد رخرف بملابس ~~التلبيس، وهو الذي عاد عليه شؤم إبليس، قد زين ريشه ألوان، وفنن عيشه ~~أفنان، لا يأوى إلا إلى الجنان، والله يعلم بما في الجنان، فقلت له: ويحك، ~~كم بينك وبين البوم من الحظ المقسوم، فأنت أيها العانى نظرت إلى الصور، وهو ~~نظر إلى المعاني، فأنت تفرح بالفاني، وتغتر بالامانى، فقال لي: يا عانى، يا ~~من بالشماتة نعانى، لا تظهر لي الشماته، ولا تذكر الحزين ما فاته، فقد قيل ~~في الخبر: (ارحموا عزيز قوم # PageV01P084 # ذل، وغنى قوم افتقر) ، أين كنت يا مسكين، وأنا في الجنان أطوف بين الظلال ~~والقطوف، أدور دورها، وأزور حورها، وأسكن قصورها، شرابي التسبيح، وطعامي ~~التقديس، حتى ساق لي القدر إبليس، فألبسني ملابس التلبيس، حتى عوضنى ~~بالخسيس عن النفيس، ولقد كنت لمراده كاره، لكن القضاء والقدر يوقع في ~~المكاره، وينفر الطير عن أوكاره، ولقد كان إبليس يرفل في حلل حبه، وخلع ~~قربه، فما تركه شؤم رأيه، حتى تاه على آدم بعجبه، فأوقعنى في الخطية، وما ~~أطلعنى على ماله في الطوية، غير أني كنت له دلاله، وكانت الحية في دخوله ~~الجنة محتاله، فأخرجت معهم من دار العز إلى دار الهوان والإذلال، وقيل: هذا ~~أجره الدلال، وهذا جرآء من عاشر الأنذال، ثم أبقيت على زينة ريشي، أتذكر به ~~ما كان من صفو عيشى، فيزيدنى ذلك تحرقا وتشوقا، ثم جعلت على علامة السخط في ~~ساقي، أنظرها ms18 بإحداقى، وينادى على # PageV01P085 # بنقض ميثاقى، ثم إنى ألفت من البقاع بقعة، تشاكل ما خرجت منه، وطردت بما ~~فعلت عنه، فأتذكر بالبساتين مرابع ربوعى، وأجرى عليه سواكب دموعي، وألوم ~~نفسي التي كانت سببا لوقوعي، وأقول كلما ذكرت تفريق جموعي: # يا دار هل يقضى لنا برجوع ... ويعود لى يا عين طيب هجوعى # يا سادة كاد المشوق بذكره ... يقضى أسا في ساعة التوديع # قلبى ليوم فراقكم متوجع ... وارحمتاه لقلبي الموجوع # فرقتم ما بيت عينى والكرى ... ووصلتم بين الأسى وضلوعى # جسمى معى والقلب بين خيامكم ... ما ضركم لو كان ثم جميعى # وإذا ذكرت لياليا سلفت لنا ... في وصل أحبابى بين ظل ربوعى # فأكاد من حرقى أدوب صبابة ... لولا يجود على فيض دموعى # ووعدتمونى في الحياة بزورة ... فتضاعفت حرقي وزاد ولوعى # إن كان ذنبى صدنى عن وصلكم ... فإليكم فقرى أعز شفيعى # ماضى القطيعة لا يعاد وما جرى ... كاف وحبى ذلتى وخضوعى # فقال: تالله، لقد رثيت لمصابه، وبكيت لأوصابه، لأنه لا شىء أبكى من ~~الاغتراب، بعد الاقتراب، ولا أنكى من الحجاب، بعد مشاهدة الأحباب. # PageV01P086 ### | إشارة الدره # فبينما هو كلما نظر إلى ريشه نظرة، تذكر تلك الحضرة، فتجدد له الحسرة، ~~وكلما نظر إلى ساقه نظرة صاح وصعد الزفرة، إذ رأيت إلى جانبه دره، قد كسيت ~~ثيابا خضره، فصاحت بفصاحتها: أيها الطاووس، إلى كم هذا العبوس، والعيش ~~المنكوس، أنت في الصورة عروس، وفي المعنى كظلمة الناووس، أوقعك الرأى ~~المعكوس، حتى خرجت من منزلك المأنوس، وإنما أخرجت من مسكنك لجنايتك على ~~الساكن، وتحريكك للأمر القاطن، فلو فكرت في السبب الذي أخرجت به، والشخص ~~الذى طردت بسببه، لا شتغلت بإصلاح شأنك، عن التنزه في بستانك، ويجب عليك ~~كما جنيت على آدم في تلك الدار، أن تشتغل ههنا بالاعتذار، وتشاركه في ~~الاستغفار، وتعترف بعد الإنكار، وتزاحمه في خلوات الأذكار، لعلك أن تزور ~~معه إذا زار، فإنه لا بد له أن يعود، وتعود إليه أيام السعود، فإن آدم أخرج ~~إلى مزرعة الدنيا، وقيل له: ازرع اليوم ما هو في الغد محصود، فإذا ms19 انتهى ~~زرعك، ونما فرعك، فعد إلى مقامك المحمود، # PageV01P087 # على رغم الحسود. فمن عمل عملك فهو مسعود، وحذا حذوك فهو موعود بدار ~~الخلود، ألا ترى كيف علت همتى، وسمت عزيمتى، فلم أرض لنفسى بما رضيته أبناء ~~جنسي، لأني نظرت إلى الوجود، وما فيه موجود، فرأيت آدم وبنيه من الكل ~~مقصود، خلق الله الكائنات لأجلهم، في كلامهم، وشاركتهم في طعامهم، فأتشبه ~~بهم، وإن لم أكن منهم، وأخالطهم ولا أرغب عنهم، فغلت قيمتى إذ علت عزيمتى، ~~فأحلوني محل النديم، وألف بيني وبينهم من له الحكم القديم، فاذكر كما ~~يذكرون، وأشكر كما يشكرون، لعلهم عند اللقاء يذكرون، وإذا ذكرت يشكرون، ~~فأكون في الدنيا من خدامهم، وفي الجنة تحت أقدامهم، وفي ذلك أقول: # اختبر حالى تجدنى ... من أصح الناس مجبر # أنا قد أحببت قوما ... شرفوا معنى ومنظر # كبروا قدرا وذكرا ... فهم أزكى وأطهر # هكذا قد قال حقا ... سيد الكون وبشر # كل من يهوى حبيبا ... فمع المحبوب يحشر # فلما سام نفسه بهذا السوم، ورأيته قد جلس بمزاحمته في صدور مجالس القوم، ~~قلت: ما رأيت كاليوم، البهائم في اليقظة، وأنا في النوم، مالي لا أزاحم على ~~أبواب ذوى المراحم، لعل يوهب مرحوم لراحم، ويقال: مرحبا بالقاجم، ها قد ~~وهبنا الجناية للنادم. # PageV01P088 ### | إشارة الخفاش # فناداه الحفاش، وهو في ارتعاش: إياك والزحام، فقد حام حول الحمى حام، وهو ~~من ذوى الأرحام، فما أذن القسام إلا لسام: # فلا المنى يدرك بسمر القنا ... ولا العلى يعلو بحد الحسام # ولكن عليك بأوقات الخلوات، والقيام في الليالي المظلمات، ألم تراني إذا ~~طلعت الشمس، دخلت إلى وكرى، وإذا انبسطت النفس، صفت لي خلوة فكرى، فأنا في ~~النهار، لا أرور ولا أزار، محجوب عن الأبصار، محبوب إلى ذوى الاستبصار، ~~فإذا دجى ليلى جردت ذيلى، وجعلت الليل معاشى، وفيه انتعاشى، لأن فيه يفتح ~~الباب، ويرفع الحجاب، # PageV01P089 # ويخلو الحبيب بالأحباب، وتغفل أعين الرقباء، وتتيقظ أشجان المحبين، ~~وأحزان الغرباء، ثم لا تصادف إلا العشاق وذوى الأشواق، ومن هو لكاس المحبة ~~قد ذاق، فيفتح الحبيب بابه ويرفع حجابه، وينادى ms20 أحبابه، فترفع الرسائل ~~بالدمع السائل، وتجاب المسائل بالطف الوسائل، ويقال: يا جبريل أقم فلانا ~~وأنم فلانا، وقل لمن كتم حبى يصرح بالإعلان، وقل لمن هو ظمآن، هذا الكأس ~~ملآن، وقل لمن هو في حبنا ولهان إن الوصل قد آن، وفي ذلك أقول: # يا قلب لا يؤذى بك الخفقان ... راضى الحبيب وواصل الغضبان # وصفت أويقات السرور بوصله ... فعليك فى حكم الهوى سلوان # لا تكحلن بغير يور جمالنا ... إنسان عليك أيها الإنسان # اليوم ينسخ بيننا من بيننا ... لا صد يخشى لا ولا هجران # لا يبعدنك عتبنا عن بابنا ... فالعهد باق والوداد مصان # فبحبنا وبلطفنا وبوصفنا ... شاع الحديث وسارت الركبان # فلربما يكبو الجواد وربما ... ينبو الزناد وتعهر الفرسان # فاخضع وذل لمن تحب فإنه ... حكم الهوى أن تخضع الشجعان # وإذا ذللت لعزنا ذلت لعز ... تك الملوك وههابك السلطان # يا أيها العشاق دونكم السبا ... ق فهذه الشقراء والميدان # فقلت له: أيها الطائر الضعيف مالي أراك تخالف من سواك، إذا طلعت الشمس ~~وقعت في الغشا، فلا تزال كذلك إلى العشا، فتعمى بما يستضىء به الناس، وهذا ~~خلاف القياس. # فقال: يا آدمى التكوين، ذلك لأنى في مقام التلوين، وما بلغت # PageV01P090 # إلى مقام التمكين، لأن المتلون الخائف، يدهش عند تشعشع أنوار المعارف، ~~والمتمكن العارف، من يثبت عند شهود أسرار اللطائف، وإنما عدم تمكنى في ~~تلوينى، لأنى مخلوق ناقص الحقوق، بالنهار أستر نقصى باستتارى، وبالليل ~~أناجى الحبيب بانكسارى، فيجود بغناه على فقرى، وبفضله على احتقارى، فأول ما ~~جبر به كسرى، ورحم به فقرى، أن جعل الليل خلوتى، ومع أحبابه حضرتى، وإليه ~~لا إلى سواه نظرتي، فإذا انقضت خلوة الليل أغمضت عينى بالنهار، كي لا أنظر ~~إلى الأغيار، وحق لمن سهر الليل أن ينام بالنهار، وقبيح على عين تمتعت ~~برؤياه، أن تنظر إلى ما سواه، وفي ذلك أقول: # أيجمل أن تهوى هواه وتدعى ... سواه وما فى الكون يعشق إلا هو # قبيح على قلب يذوب صبابة ... بحب له في الكون مثل وأشباه # إذا كان من تهواه في الحسن واحدافكن واحدا فى ms21 العشق إن كنت تهواه # فقلت: تالله لقد فاز أهل الخلوات، وامتاز أهل الصلوات، ومنع من الجواز ~~أهل الغفلات، فافهم الإشارات. # PageV01P091 # د ### | إشارة الديك # فقال الديك: ها أنا في ناديك أناديك، وأنت في تعاميك وتغاشيك، جعلت ~~الأدان لي وظيفة، أوقظ به من هو نائم كالجيفة، وأبشر الذين يدعون ربهم ~~تضرعا وخيفة، وفي إشارة لطيفة، ومعان ظريفة، أصفق بجناحي بشرى للقائم، ~~وأعلن بصياحى تنبيها للنائم، فتصفيق الجناح، بشرى بالنجاح، وترداد الصياح، ~~دعاء للفلاح، ولئن كان الخفاش جعل له في الليل وظيفة، فإنه في النهار نائم ~~كالجيفة، مستتر عن أعين الناس خيفة، فأنا الذى لا أخل بوظيفتي ليلا ولا ~~نهارا، ولا أغفل عن وردى سرا ولا جهارا، قسمت وظائف الطاعات، على جميع ~~الساعات، فما تمر بي ساعة، إلا ولي فيها وظيفة طاعة، فبى تعرف المواقيت، ~~فأنا غالي القيمة، ولو شربت # PageV01P092 # باليواقيت، فهذا حالي مع قيامي في عيالي، وإشفاقى على أطفالي، فأنا بين ~~الدجاج، أقنع بالماء الأجاج، فلا أختص عنهم بحبه، ولا أتجرع من الماء دونهم ~~بشربه، وهذه حقيقة المحبة، إن رأيت حبة دعوتهم إليها، ودللتهم عليها، فمن ~~شأنى الأيثار، إذا حصل اليسار، ثم إنى طوعا لأهل الدار، أصبر لهم على سوء ~~الجوار، يذبحون أفراخى، وأنا لهم كالخل المواخى، وينتهبون أتباعى، وأنا في ~~نفعهم ساعى، فهذه سجية أوصافى، والله لعبده كافى. # فقلت له: أيها الديك إلى كم تعظ، ولا تتعظ، وتنصح من هو عن الصواب معترض، ~~وتجمع من ملازمتك الأذكار، ومنادمتك في ظلم الأسحار؟ فقال: يا قوم إذا حسن ~~الوعظ انتفع به الكل أو البعض، فالعقول عارفة بما أقول، فقد أفلح من وعى، ~~واجتهد في الإخلاص وسعى، ومن أعماه الجهل، فقد توعد مسلكه السهل، وفي ذلك ~~أقول: # بذكر الله يدفع كل خوف ... ويدنوا الخير ممن يرتجيه # ولكن أين من يصغى ويدرى ... حقيقة ما أقول ومن يعيه # فقلت له: أيها الديك مالي أراك تغتر إذا شبعت، كما تغتر إذا منعت؟ فقال: ~~الحرص أغلب، وهو لأجل القلوب أجلب، وقد آن وجود الحب، بمشيئة الرب، فعليك ~~بحسن ms22 الطلب لبلوغ الأرب، فربما قل رزقك، إذا كثر حذقك. # قلت: فليهنك الخلاص من المرضى، فلم بليت منهم بهذه البغضى، وأنت صغير ~~السن، جدير الرحمة من الإنس والجن؟ # PageV01P093 # قال: ولع الطبيب بهذه الأسماء، فسجرت الشفار لإراقة الدماء، فمن حان ~~أجله، عظم وجله، والحمام أجل معلوم، وما أحد من منيته بمعصوم، وفي ذلك ~~أقول: # إذا ما الديك صفق بالجناح ... PageV01P094 ms23